![]() |
التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المقدمةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الاول ) تمهيد : أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( من عرف نفسه عرف ربه )) فالإنسان من دون جميع المخلوقات , يتمتع بما وهبه الله عزّ وجل بقوة إدراكية ، فإذا غفل عن سر وجوده , وعن حقيقة وجوده , وعن مهمته في الدنيا , فقد ضلَّ سواء السبيل ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾ [سورة الكهف الآية : 103] يجب أن نقف قليلاً عند كلمة الأخسرين ؛ إنها جمع الأخسر , والأخسر : اسم تفضيل , الأشد خسارة . الإنسان في الدنيا قد يخسر ماله ويعوضه ، قد يخسر مركزه ويعوّضه ، ولكن الإنسان في الآخرة : حينما يكتشف أنه ضلَّ سواء السبيل ، وحينما يكتشف أن أمامه شقاءً أبدياً ، لا يُقال له : خاسر , يقال له : أخسر ، خسر نفسه , وخسر الآخرة الأبدية , وضيَعها من أجل لعاعة من الدنيا , كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا . إذا : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ [سورة الكهف الآية : 103-104] فالناس مختلفون : منهم من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافلٌ فنبّهوه ، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه . إذاً : الإنسان دون جميع المخلوقات , زوده الله بقوة إدراكية . إذا قلت لكم : إن أعظم شيء خلقه الله في الأرض أو في الكون هو العقل البشري , لا أكون مبالغاً ، الإنسان به يرقى ، وبه ينحط , الإنسان هل هو إلا عقل يدرك وقلب يحب ؟ والعلاقة بين العقل والقلب كما ورد في الحديث الشريف : (( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً )) كلما رجَحَ عقلك ازداد حبك . انطلاقاً من أنه : (( من عرف نفسه عرف ربه )) يجب أن نعرف أنفسنا من نحن ؟ ماهويتنا ؟ لئلا تستهلكنا الحياة ، الحياة تستهلك الناس من عملٍ , إلى نومٍ , إلى راحةٍ , إلى متعةٍ , إلى ندوةٍ , إلى سهرةٍ , إلى نزهةٍ , إلى لقاء , إلى خصومةٍ , إلى مجادلةٍ , ويأتي الأجل وقد ضيّع الإنسان كل شيء , فمن أجل أن لا تستهلكنا الدنيا , ومن أجل أن لا نكون ضحية الجهل , الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق الآية: 12] علة وجود الإنسان . كأن علّة وجودنا في هذه الأرض أن نعلم ، ويبدو أن العلم إذا كان كما أراد الله عزّ وجل ينقلب إلى عمل ، وإذا صحّ العمل , سَعِدَ الإنسان في الدنيا والآخرة . قال الله عزّ وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] العبادة في الأصل : غاية الخضوع إلى الله عزّ وجل ، غاية الاستسلام ، غاية المحبة ، غاية التوجه , والإنسان يتوجه إلى الله ويعبده , ويحبه , ويستسلم له إذا عرفه , وإذا توجه إليه يسعد لقربه , ولذلك خلقه . ويقول الله عزّ وجل : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ أنت أيها الإنسان مهمتك الأولى أن تعبد الله عزّ وجل . الإنسان هو المخلوق الأول , لأنه قَبِلَ حمل الأمانة , سَخّرَ الله له ما في السماوات والأرض , حَملُ الأمانة مأخوذ من قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 72 ] هذه الأمانة عُرضت على جميع المخلوقات في عالم الأزل ، أشفقن منها , وحملها الإنسان , لأنه حملها , استحق أن يسخّرَ له ما في السماوات وما في الأرض , وتعلمون أن المسخّرَ له أقربُ دائماً من المُسخّر , المسخّرُ له وهو الإنسان أكرمُ على الله من المسخّر ، لذلك الله عزّ وجل يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 70] أنت المخلوق الأول في هذا الكون ، المخلوق المكرّم ، أنت مكلّفٌ بالأمانة ، مكلّفُ بهذه النفس التي بين جنبيك . أنت كائن ؛ لك جسد , ولك نفس , ولك روح , في أرجح الأقوال ذاتك , ذاتك التي وصفها الله عزّ وجل بأنها ذات الصدور , والله عليم بذات الصدور , قال تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [سورة الفجر الآية: 26-28] ذاتك التي هي موضع الأمر والنهي ، وهي التي تؤمن وتكفر ، وهي التي تسعد وتشقى ، وهي التي ترضى وتغضب ، وهي ذات الإنسان التي خلقها الله عزّ وجل , لتبقى في أبد الآبدين , إنها نفسك . لك جسد , والله سبحانه وتعالى بطريقةٍ أو بأخرى ربط الجسد بالنفس ، هذا الجسد وعاءٌ لها ، حاملٌ لها , ثوبٌ لها ، رداءٌ لها ، وهذا الجسد شيءٌ مؤقت ينتهي عند الموت , فالذي يبالغ في إمتاع جسده , والعناية به , ويهمل نفسه , وهذا حال أهل الأرض ، تعيس تعيس , ماذا قال بعض زعمائهم ؟: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا , سيطروا على الطبيعة على حدِ زعمهم , ولكن لم يسيطروا على هذه النفس , أنفسهم لم تسعد ، تمتعت أعضاؤهم ، تمتعت حواسهم ، ولكن نفوسهم لا تسعد , لأن فِطرة الله عزّ وجل التي فطر الإنسان عليها , لا تسعد إلا بقربه , الدليل : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 30] أن تقيم وجهك للدين حنيفاً , وأن تُقبل على ربك , وأن تلتزم أمره ونهيه , هو الوضع الطبيعي للنفس البشرية . ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ المفارقة : أن أهل الغرب اعتنوا بأجسادهم , ولكن هذه النفس الغالية التي كرّمها الله عزّ وجل وضعوها في الوحول , وضعوها في الشهوات الخسيسة . أنت لك نفس , هذه النفس تذوق الموت ولا تموت ، هي خالدةٌ ؛ إما في جنةٍ يدوم نعيمها , أو في نارٍ لا ينفذ عذابها , هذه النفس تسعد بقربها من الله , وتشقى ببعدها عنه , قال الله عزّ وجل : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [سورة طه الآية: 124] لن تجد إنساناً واحداً على وجه الأرض سعيداً , وهو بعيد عن الله عزّ وجل , فهذه الحالة مستحيلة . بعض المفسرين تساءلوا حول هذه الآية : ما بال الملوك ، ما بال الأغنياء ، ليس عندهم ولا مشكلة ؟ الأمور كلها موفورة لديهم , فأجاب بعضهم : بأنه ضيق القلب , ضيق القلب : هو الذي عناه الله عزّ وجل من قوله تعالى : ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ﴾ وجه اهتمامك إلى هذه النفس التي بين جنبيــك ، وانتبه لها . يقول سيدنا عمر : تعاهد قلبك , فالإنسان إذا أصاب عينــه عارضٌ ، يقلق قلقاً شديداً , ويذهب إلى أمهر الأطباء , ويبذل مئات الليرات ليطمئن , هذا الحـــرص على سلامة العين ، وعلى أن تتمتع بها طوال حياتك , هو كحرص الدعاة إلى الله , بل هم أشد حرصاً على أنفسهم , وعلى طهارتها , وعلى سلامتها , وعلى اصطباغها بالكمال , من حرصهم على أعينهم إذا أصابها عارض . الإنسان : نفس وجسد وروح . الروح في رأي بعضهم : قوة الله أودعها الله في الإنسان . فالعين ترى بالروح . هذا الكبد : الذي له خمسة آلاف وظيفة دون روح لا قيمة له ، أما بالروح له وظائف يعجز عن إدراكها العلماء فضلاً عن معرفة كنهها . هذا الكظر ، هذا البنكرياس ، هذه الأمعاء . هذه العين : بإمكانها أن ترى الفرق بين لونين بينهما واحد من 800 ألف درجة , لو أننا درّجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة , العين البشرية تفرّق بين درجتين . العين ترى بالروح ، والأذن تسمع بما أودع الله في هذه الأذن فيما يبدو قوة السمع , فإذا ذهبت الروح , أصبح الإنسان جثة هامدة , فالروح قوة الله عزّ وجل يستردها عند الموت ، والجسد يبلى ، النفس هي التي تبقى ، هنيئاً لمن اعتنى بنفسه , نظر إلى أمراضها , نظر إلى عللها , نظر إلى ما يسعدها , نظر إلى ما يشقيها . الإنسان نفسٌ , هي ذات الإنسان , هي المعنية بالخطاب , هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي ترضى ، هي التي تسخط ، هي التي تسعد ، هي التي تشقى ، وله وعاءٌ هو الجسد , وفيه قوة محركة هي الروح . الإنسان حينما قَبِلَ الأمانة , استحق أن تسخر له السموات والأرض , والله سبحانه وتعالى منّ عليه بهذا العقل , العقل قوة إدراكية يميز بها الإنسان عما سواه من المخلوقات ، أعطاه فِطرة , ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 6-8 ] هناك تفسير لهذه الآية يتصل بفطرة الإنسان , يعني الإنسان إذا فعل شيئاً مخالفاً لفطرته يتألم ، إذا خرج عن قواعد فطرته يشعر بالضيق ، حتى إن الأجانب حينما يصفون الأمراض النفسية , من جملة هذه الأمراض الشعور بالكآبة , هذا مرض يعقب الانحراف , لو أن هذا الإنسان ما وصله الحق , ولا بلغه الحق , إن فطرته وحدها كفيلة كي تنبهه إذا انحرف , هذه هي الفطرة . قال تعالى : ﴿ ألهمها فجورها ﴾ هذه النفس , لأنها فُطرت فِطرةً عالية جداً , إذا هي انحرفت , تشعر بانحرافها , وتضيق بهذا الانحراف , هذا معنى : ألهمها فجورها وألهما تقواها , وإذا اتقت الله عزّ وجل , وكانت عند الأمر والنهي , وكانت مطيعةً له , ترتاح هذه النفس وتسعد , هذا معنى : ﴿ ألهمها فجورها وتقواها ﴾ مقومات التكليف : أعطانا الكون , وأعطانا العقل ميزاناً , ولكن أتمنى على أخوتنا الأكارم أن يعلموا : أن هذا الميزان يشبه إلى حدٍ كبير العين , مهما دقت العين تحتاج إلى ضوء لترى به ، والعقل مهما نما ومهما رجح يحتاج إلى نورٍ إلهي يهتدي به ، العقل وحده يضل , والعقل دون نورٍ رباني يزل . العقل قوة إدراكية , وهو ميزان , والشرع ميزانٌ على الميزان ، أعطانا كوناً , وأعطانا عقلاً , وأعطانا فِطرةً , والفِطرة ميزان نفسي , والعقل ميزان علمي , وأعطانا بعد كل هذا : حرية الاختيار , كي تُثمّنَ أعمالنا , وأعطانا شهواتٍ نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين , وأعطانا فيما يبدو لنا قوةً نحقق بها إرادتنا هذا فيما يبدو , أما في الحقيقة الفِعلُ فِعلُ الله عزّ وجل , هذه المقومات مقومات التكليف : يجب أن تكون ماثلةً بين أيدينا . أولاً : أنت كائن لك نفسٌ وروحٌ وجسد . ثانياً أنت مكلّف , مكلّفٌ ومكرّمٌ ، ومخلوق أول , مكلّفٌ بنفسك , والدليل قوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10 ] مراحل الهدى : الله سبحانه وتعالى بعد أن خلقنا , هدانا في القرآن الكريم , آية تقول : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [سورة طه الآية: 123] ﴿ فمن اتبعَ هدايَ فلا يضل ولا يشقى ﴾ الهدى على أربعة مراحل : 1-هداية الحواس الخمس : الله سبحانه وتعالى أعطاك الحواس الخمس , هذه هداية تشترك فيها مع كل المخلوقات : ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه الآية: 49-50] هداه بالعينين , بالسمع , بالإدراك , بالحركة , بالشمِ , بحواسه الخمس , هداه بعقله . 2-هدى الوحي : الهدى الثاني هو : هدى الوحي , أنت كمخلوق رحمة الله بك واسعة ، وحرصه عليك شديد : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 115] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [سورة القيامة الآية: 36] بلا أمر وبلا نهي , حينما أنزل الله الكتب على أنبيائه ، هذا هو الهدى هدى الوحي : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [سورة الكهف الآية: 13] 3-4هدى التوفيق ثم الهدى إلى الجنة : هدى التوفيق ؛ إذا آمنت بالله عزّ وجل , ينقلك من حالٍ إلى حال , ومن مقامٍ إلى مقام ، يلهمك فِعلَ الخيرات وترك المنكرات , يمكنّك من الدعوة إلى الله ، يعطيك مالاً تنفقه في سبيل الله ، هذه المقومات مقومات الأعمال الصالحة عند بعض العلماء : هدى التوفيق ، الهدى العام ، هدى الوحي ، والهدى الأخير هو : الهدى إلى الجنة . الإنسان : مخلوق أنت كي تعبد الله عزّ وجل , الإنسان قد يأخذ وقد يعطي ، المخلوق لا يستطيع أن يأخذ إلا بقدر استيعابه , لكن الإنسان حينما جاء إلى الدنيا , جاء ليعمل الصالحات , وبهذه الصالحات , وهذه المؤثرات , وهذه التضحيات , يشعر أن الله يحبه ، بهذا الشعور الدقيق يقبل عليه ، بإقباله عليه يأخذ أكثر مما يعطى غيره , هذا هو سِرُ حمل الأمانة , يعني أنت جئت إلى الدنيا لتؤاثر الله على كل شيء : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات الآية: 40-41] أنت لك طبعٌ وعندك تكليف، وغالباً الطبع يتناقض مع التكليف, أنت مكلفٌ أن تغض بصرك, وطبعك يدعوك إلى النظر، أنت مكلفٌ أن تصلي الفجر في وقته, وطبعك يدعوك إلى النوم، أنت مكلفٌ أن تصمت عند الغيبة والنميمة, وطبعك يدعوك إلى ذكر هذه القصص الغريبة، أنت مكلفٌ أن تنفق المال, وطبعك يدعوك إلى كسب المال، قال تعالى: ﴿ فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى ﴾ إذاً: من هذا التعارض بين الطبع وبين التكليف يرقى الإنسان، لكن في الشهوات يرقى مرتين؛ يرقى صابراً ويرقى شاكراً، إذا غض بصره عن محارم الله، إذا امتنع عن أكل المال الحرام يرقى صابراً, أما إذا أنفق أو إذا مارسَ هذه الشهوة وفق القناة التي سمح الله بها يرقى شاكراً, فأنت ترقى مرتين بالشهوة؛ ترقى صابراً وترقى شاكراً, عليك أن تعبد الله عزّ وجل, وهذا سر وجودك . ﴿ وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ مقامك أن تعبده, ولن تعبده إلا إذا عرفته, ولكن كيف تعرفه؟. الحقيقة هناك مصادر عِدة لمعرفة الله عزّ وجل . أولاً : جاءك خطابٌ منه وهو القرآن الكريم , فإذا قرأت القرآن , وتدبرته , أو جلست في مجلس علمٍ , وتعلمت تفسيره وأحكامه , فهذا باب كبير من أبواب معرفة الله عزّ وجل . ثانياً : وهناك باب آخر جاء في القرآن الكريم , إذا تأملت في خلق السموات والأرض , رأيت عظيم الصنعة , ودقة الصنعةِ , والحكمة والعلم ، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى . معك القرآن مصدر لمعرفة كلامه , والكون مصدر آخر , وأفعاله مصدر ثالث . أنواع المعرفة بالله كما فرقها الغزالي : الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فرّق بين أنواع ثلاثة قال : هناك من يعرفه ، وهناك من يعرف أمره ، وهناك من يعرف خلقه . 1-العلم بخلقه : فخلقه : العلوم العصرية؛ الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الجيولوجيا، الفلك، الفيزياء النووية، الفيزياء الكيميائية، الكيمياء العضوية، الكيمياء المعدنية, هذه كلها فروع معرفة خلقه, العلم في هذه الموضوعات نما نمواً مذهلاً, إذا تأملت في خلق السموات والأرض, ترى دقة الصنعة، ترى الاتقان، ترى الإعجاز، ترى أن هذه الصنعة تكشف عن علمٍ, وعن حكمة, وعن تقديرٍ, وعن رحمةٍ, وعن إكرامٍ، فأشياء كثيرة خُلقت خصيصاً لك . ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [سورة ياسين الآية: 72] 2-العلم بأمره : العلم الثاني : العلم بأمره، الله عزّ وجل له أمرٌ وله نهي, وهذا الأمر مأخوذ من كتاب الله أولاً, ومن سنته ثانياً, ومن الإجماع والقياس ثالثاً ورابعاً, والعلم بأمره يقتضي الدراسة والاستماع والمطالعة والحفظ والتذكر, يعني الطريقة المدرسية لا بد من أن تقرأ, ولا بد من أن يعلمك معلم, ولا بد من أن يثقفك مثقف, ولا بد من أن تسأل, ولا بد من أن تجاب, ولا بد من أن تحفظ, ولا بد من أن تذكر, هذا العلم بأمر الله . 3-العلم به : أما العلم بالله شيء آخر, وربما الباعث لهذا الدرس, أن تزداد معرفتنا بالله عزّ وجل, العلم بالله طبيعته ليست من طبيعة العلم بأمره وخلقه، العلم بأمره وخلقه: هذان الاثنان يحتاجان إلى الطرق المعروفة في اكتساب العلم, الطرق المعروفة؛ الدراسة، القراءة، المتابعة، الحفظ، التذكر, ولكن العلم بالله عزّ وجل هذا له طبيعة خاصة, الإمام الغزالي لخصها بكلمتين قال: جاهد تُشاهد, والنبي عليه الصلاة والسلام لخصها في الحديث قال: (( من عَمِلَ بما عَلم -من طبّق الشرع تماماً- أورثه الله عِلمَ مالم يعلم )) يعني أنت أمام معرفة الله عزّ وجل, لا تحتاج إلى قراءةٍ كمعرفة أمره وخلقه، تحتاج إلى غض بصرٍ, وإلى تحرير دخلٍ، وإلى ضبط نفسٍ، وإلى صيانة الجوارح عن المعاصي، وإلى الإحسان، وإلى البذل، وإلى العطاء، كلما ازددت قرباً من الله عزّ وجل, قذف الله في قلبك النور، ازداد قربك من الله, وازداد قلبك إشراقاً . صلة العبد بربه : المُعَوَلُ عليه ، قوله تعالى : ﴿قد أفلح من زكاها﴾ مؤمن يكذب ، مؤمن يتساهل, يفعل بعض المعاصي, لن تنعقد الصلة بينه وبين الله أبداً، وما لم تنعقد هذه الصلة, لا تقطف ثمار الدين، الدين يصبح حركات، الصلاة يصبح طقوساً، الصلاة والصوم والحج تنقلب إلى طقوس ، والمعلومات تنقلب إلى ثقافات، والثقافة تُملّ, والطقوس تُملّ, لهذا وصف الله المنافقين بأنهم: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى* يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً﴾ في الدين ثمرات يانعات، هذه السعادة سعادة أبدية، وطمأنينة نفسية، وشعور بأن الله يحبك، بأن الله راضٍ عنك، وسمو في النفس، وبعد عن سفاسف الأمور، فجوانح المؤمن نقية طاهرة, لا تحقد، لا تبغض، لا تنتقم، لا تنافق، لا تخنع، هذه النفس الأبية التي جاء وصفها في القرآن الكريم, لن تسطيع أن تمتلكها, إلا إذا اتصلت بالله عزّ وجل . جاهد تُشاهد, يمكن أن تعرف أمر الله إذا كنت ذكياً, ولك ثقافة جيدة, وعندك المراجع الكافية, يمكن أن تقرأ قراءةً متقنةً, وأن تلّخص, وأن تراجع, وأن تذاكر, وأن تؤدي امتحاناً, وأن تنال شهادةً, هذا بإمكانك, لكنه لن يتجلى الله على قلبك إلا إذا كنت مستقيماً، إلا إذا كنت عند الأمر والنهي, فالسرّ سرُ أن تسعدَ بالدين, أن تُقبل على الله ربِ العالمين, والله لا يقبل إلا طيباً, إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين . نحن أمام علمٍ بالله، هذا العلم بالله طبيعته غير طبيعة العلم بأمره والعلم بخلقه . النبي : بعضهم قال النبي عليه الصلاة والسلام : أقواله شريعة , وأفعاله طريقة , وأحواله حقيقة . أقوله شريعة : كل شيءٍ أمر به فهو تشريع ، كل شيء نهى عنه فهو تشريع ، كل شيء أقرّه فهو تشريع ، كل شيء سكت عنه فهو تشريع . أفعاله : كيف صلى ؟ نحن أمام فقيه , أمام عالم بالشريعة وعالم بالطريقة ، عالم الشريعة يقول : يجب أن تستقبل القِبلة ، ويجب أن تكــون طاهراً ؛ طاهر البدن وطاهر الثوب , وأن يكون المكان طاهراً ، ويجب أن تقف منتصب القامة ، ويجب أن تقرأ الفاتحة وسورةً أو ثلاث آيات , وأن تركع مطمئناً , هذه الشروط والأركان والواجبات والسنن والمستحبات , هذه حركات الصلاة الظاهرة ، هذه يعرفها علماء الشريعة معرفة يقينية ، أما علماء الطريقة يقولون لك : يجب أن تستقيم على أمر الله حتى تصلي , يجب أن تغض البصر ، أن تحرر الدخل ، يلزمونك بالاستقامة كي تنعقد لك الكرامة , هذا من عمل علماء الطريقة . وأحواله حقيقة : ما أن تتقلبَ في معرفة اللهِ من حالٍ إلى حال ، ومن مرتبةٍ إلى مرتبة ، ومن منزلةٍ إلى منزلة , فهذا من اختصاص علماء الحقيقة . هذا العلمُ بالله كما قال الإمام الغزالي : جاهد تُشاهد . في كلمة قالها أعجبتني : ثمنه من غير طبيعة , الشيء المعروف : أن العلم يحتاج إلى كتاب , وإلى قراءة , وإلى تلقي , وإلى تعلم , ولكن العلم بالله يحتاج إلى استقامة , وكأن النبي عنى هذا المعنى حينما قال :عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ)) [أخرجه الدارمي في سننه] يقول الإمام الغزالي : إن هذا العلم بالله ثمنه باهظ , ونتائجه باهرة . يقرأ إنسان كتاباً, وهو مقيم على معصية، يعطي نفسه ما تشتهي, يفعل ما يريد, ويقرأ, وهو ذكي الحافظة، ذكي الفكر، قوي الحافظة, يستوعب, وهذا الثمن بسيط، ولكن ثمن العلم بالله ثمن باهظ, إذا كان هناك شهوةً تقيم عليها، إذا كان هناك معصيةً تصر عليها، فالطريق إلى الله مسدود, لن يسمح لك أن تقترب، لن يسمح لك أن تسعدَ به، لن يلقي على قلبك من نوره, ومن تجلياته, ومن جلاله, إلا إذا آثرته على كل شهواتك, وعلى كل خلقه, لذلك حينما قال الله عزّ وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-3] قالوا اللغو: كلُ ما سِوى الله . عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] الإمام الغزالي قال : هناك أربعة مستويات لفهم هذا الحديث . المستوى الأول : أن تُطّهر أعضاءك من النجاسات والقاذورات ، المؤمن نظيف بالمعنى المادي . المستوى الثاني : أن تُطّهــــر جوارحك من المعاصي والآثام . المستوى الثالث : أن تُطّهر نفسك من الأخلاق المذمومة ؛ الغضب ، الكبر ، الحسد . المستوى الرابع : أن تُطّهــر قلبك مما سوى الله . أربعة مستويات لطهارة البدن ثمنها باهظ . ألا إن سلعة اللهِ غالية . إنسان يطــــوف حول الكعبة ويقول : يا ربي هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال : هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال : يا هذا من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس , قال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِقمةِ كسرورك بالنِعمةِ فقد رضيت عن الله . الثمن باهظ , أن تضع كل الشهوات تحت قدمك ، أن تضع كل الرغبات تحت قدمك ، أن تقول : إلهي أنت مقصودي ورِضاكَ مطلوبي . ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الآية: 111 سورة التوبة ] أنفسهم وأموالهم : في أكثر آيات القرآن, قدّمَ الله المالَ على النفس, لسهولةِ إنفاقه أمام النفس، الإنسان ينفق الأسهل فالأصعب، إنفاق المال أسهل من إنفاق النفس, إلا في هذه الآية, قدّمَ النفسَ على المال لأنه هو الأصل, لأن النفسَ هي الأغلى, والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجودِ . نحن الآن على مستوى الحياة الدنيا: إنسان ينال دكتوراه, وهو نائم, مسترخ, مستلق في فراشه, دائماً مع رفاقه, يمضي الساعات الطِوال في القيـــل والقال, وفي المُزاح, ويأخذ الدكتوراه, مستحيل!! لا بد من أن ينقطع، لا بد من أن يؤثر الدراسة على كلَ شيء، من أجل شهادة دنيوية, أتريد مقاماً عند الله؟ أتريد مقعدَ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟ أتريد أن يحبك خالق الكون؟ هذا يحتاج إلى بذل، إلى انضباط, الثمن باهظ جداً, الثمن: أن تضع كل الرغبات تحت قدمك, الوقت كله لله عزّ وجل . الشيء الثاني: قال له: يا سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندكم أم عندنا؟ ما عندكم وما عندنا؟ قال: عندكــم ربع العشر، أما عندنا العبد وماله لسيده, وقتك, ومالك, وطاقاتك, وذكاؤك, وفكرك, وعضلاتك, وبيتك دائماً لله عزّ وجل . الكلمة الثانية للإمام الغــزالي : والنتائج باهرة جداً, إذا علمت أمر الله فقط, هذه الأوامر, والنواهي, والدقائق, والتفصيلات, والأدلة, والقواعد الأصولية, كلها محشوةٌ في الدماغ، تجد عنده قدرة رائعة جداً للإجابة عن أي سؤال, ومع ذلك: إذا مرت امرأة في الطريق على جانبٍ من الجمال, ملأ منها عينيه, غريب!! هذا عالمٌ بأمر الله, وليس عالماً بالله عزّ وجل, إن عصيت الله لا تعرفه, أنت لا تعرفه, لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت, لو أنك تعرفه حق المعرفة, لما اجترأت على معصيته إطلاقاً, أنت تعرف أمره ولا تعرفه، لو عرفته لما عصيته, هذا ماعناه النبي عليه الصلاة والسلام: ((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله)) فالمعلومات التي تنالها من كتاب, وتحفظها جيداً, وتؤدي بها امتحاناً وتنجح, هذه كلها محشوةٌ في الدماغ، لكن النفسَ في وادٍ آخر, قد تشتهي المعصية، قد تشتهي العمل الذي لا يُرضي الله . يقول الإمام الغزالي: النتائج باهرة جداً, يعني العلم بالله يشيع في النفس الإنسانية فيسمو بها، كيف تُحس بهذا؟ إنك إن جلست مع إنسان من أهل الدنيا, ترى دناءته، ترى سخافة عقله، ترى تعلّقه بالسفاسف، ترى أنانيته، تُحس أن بينك وبينك دورٌ شاسع, دورٌ كبير, العلم بالله يحتاج إلى طاعة, وإلى بذل, ماذا قال النبي؟ سُئل عن الإيمان, قال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان عِفةٌ عن المطامع عِفةٌ عن المحارم)) الإيمان: الصبر والسماحة, إذا جاءك شيء بالأمر التكويني مزعج، عليك الرضا, لأن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين, إذا جاءك أمر الله التكويني ترضى به, الصبر, وإذا جاءك الأمر التكليفي تنفق، فأنت بين صبرٍ وبين بذلٍ، الصبر تلقي والبذل عطاء, فالإيمان الصبر والسماحة، يجب أن نضع أيدينا على جوهر الدين . قصة أقولها كثيراً: هذا البدوي الراعي الذي قال: أين الله؟ حينما أغراه سيدنا عمر أن يعطيه الشاة, ويأخذ ثمنها دون علم صاحبها . ما ذاق طعم الإيمان إلا من استقام على أمر الله، وما ذاق طعم الإيمان إلا من أقبل عليه ، وما ذاق طعم الإيمان إلا من ائتمر بأمره . الإمام الجنيد سُئل: من وليُ الله؛ أهو الذي يمشي على وجه الماء, أم الذي يطير في الهواء؟ قال: لا، الولي ُكلُ الولي: الذي تجده عند الأمر والنهي, هذا وليُ الله . فالعلمٌ بخلقه؛ الجامعات كلها في أنحاء العالم تُعلّم الناس القوانين والقواعد التي أودعها الله في هذا الكون, وحتى هذه القوانين: يمكن أن تكون طريقاً إلى الله عزّ وجل, الطبيب إذا أراد أن يعرف الله عزّ وجل من خلال الدقائق التي يقرؤها, يمكن أن يكون عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, الطبيب الذي يتمنى أن يكون طبيباً ذائع الشهرة, ويكسب الآلاف المؤلفة, هذا لا يرى في آيات الله شيئاً, يقرأ ولا يرى شيئاً، لكن الطبيب الذي يريد أن يعرف الله من خلال عِلمه, يصبح عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, ويصبح أيُ علِمٍ من العلوم الأرضية العصرية الكونية باباً إلى الله عزّ وجل، متعلّق بمشيئة الطالب . عِلم الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, نُلخص القراءة, والمذاكرة, والتلخيص, والحفظ, وأداء الامتحانات بكلمة مُدارسة . عِلمُ الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, والعلم بأمر الله يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, الفكرة هي تُفسّر لكم: أن إنساناً يعرف أن هذا حرام ويفعله, هذا عَلِمَ الأمر ولم يعرف الله عزّ وجل، عَرَفَ أمره ولم يعرفه . المراحل التي مر بها النبي : فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بمرحلتين ؛ المرحلة المكيّة والمرحلة المدنّية . المرحلـة المكيّة : تعريفٌ باللهِ عـزّ وجل . والمرحلـة المدنيّة : تعريفٌ بأمره , وأيةُ دعوةٍ إلى الله تتجاهل هذا الترتيب , وتبدأ بتعريف الناس بالأمر قبل تعريفهم باللهِ عزّ وجل , هي دعوةٌ ليست ناجحة , تنشأ الحيل الشرعية , ما دام عَرَفَ أمره ولم يعرفه, يحتال على تطبيق أمره . موضــوع الحيل الشرعية, في أغلبه بعد عن الله، هذا الموضـوع أساسه: إذا وضعت زكاة مالك في رغيف, وقدّمته إلى فقير, وقلتَ له: خذه هِبةً مني، وبعد أن أخذه, سألته: أتهبني إياه وخذ مائة ليرة؟ الرغيف فيه خمسة آلاف, من يفعل هذا عَرَفَ الأمرَ ولم يعرف الآمر، مشكلتنا: يجب أن نعرف الآمر قبل الأمر، يجب أن نعرف الله قبل أن نعرف أمره، وإذا عرفنا الله وأمره معاً لا مانع، أما أن نبدأ بأمره فقط دون أن نعرفه, أغلب الظن أن الذي عَرَفَ أمره لا يطبّقُ أمره، بل يحتال على هذا الأمر كي لا يطبّقه، فالعِلمُ بالأمرِ، والعِلمُ بالخلقِ، والعِلمُ باللهِ, أساسه طاعةُ اللهِ عزّ وجل, ويجب أن يكون الحديث الشريف: من عَمِلَ بما عَلم, ورّثه الله عِلمَ مالم يعلم. يعني أنت إذا اتقيت الله عزّ وجل, طبّقت أمره كله, عندئذٍ يأتيك العلم الذي نتحدث عنه في هذا الدرس, وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحب - تزكية النفس وسلامة القلب 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 2] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/01.jpg العبادة تمام الخضوع للهِ عزّ وجل، أما ملخصاً: إعرابها حال , يعني إذا عبدت الله عزّ وجل , يجب أن تكون حالك المرافقة لهذه العبادة هي الإخلاص، إذا عبدت الله عزّ وجل واستسلمت لأمره وتوجهت إليه, ينبغي أن تكون حالك التي ترافق هذه العبادة حالة الإخلاص . في الإنسان شيءٌ ظاهر هذه الجوارح، وشيءٌ باطن القلب, للجوارح عبادة، وللقلب عبادة . حينما سأل سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حينما سأل ربه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/02.jpg ((يا ربي, أيُ عبادك أحبُ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبُ العباد إليّ؛ نقيُ القلبِ, نقيُ اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء, أحبني وأحبَ من أحبني, وحببني إلى خلقي, قالَ: يا ربي, إنك تعلمُ أني أحبك, وأحبُ من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قالَ: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي, فالآلاء من أجلِ أن يشعر القلب بعظمة الله، والنعماء من أجلِ أن يشعر القلب بمحبة الله، والبلاء من أجلِ أن يشعر القلب بالخوف من الله)) القلب له عبادة، يجب أن يمتلئ القلب تعظيماً للهِ عزّ وجل، إنما يخشى الله من عباده العلماء، يجب أن يمتلئ القلب حباً باللهِ عزّ وجل, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] يجب أن يمتلئ القلب خوفاً من الله تعالى, لا بد من التعظيم، ولا بد من الخوف، ولا بد من المحبة . هذا الدرس له هوية خاصة, هذا القلب الذي بين جوانحنا، هذه النفس التي هي ذاتنا التي أمرنا الله عزّ وجل أن نزكيّها, أين نحن من تزكيتها؟ أين وصلنا؟ ماذا قطعنا؟ كم بقي أمامنا؟ . تزكية النفس وسلامة القلب : محور هذا الدرس إن شاء الله تعالى : تزكية النفس وسلامة القلب , وأن يكون القلب مفعماً بالمشاعر التي أرادها الله عزّ وجل . الفكرة الأولى : الحب . الحقيقة : لو استعرضتم كتاب الله عزّ وجل, لوجدتم أنه أكثر من مئة آية أو تزيد, تتحدث عن الحب, الحب مادته في القاموس حَبَبَ, ميلُ القلب, فقلبُ المؤمن لا بد من أن يميل إلى الله عزّ وجل, لا بد من أن يميل إلى الله . لو أن الإنسان طبّق الأشياء الظاهرة, ولم يجد في قلبه ميلاً إلى الله, لم يجد في قلبه أُنساً بالله, يجب أن يُراجع نفسه, أحياناً تفعل شيء, وترى أن هذا الشيء الذي فعلته لم يحقق الهدف, تُراجع نفسك, فنحن نريد في هذا الدرس أن يُراجع الإنسان قلبه, هل هو سليمٌ كما أراد الله عزّ وجل؟: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] هل أنا أشدُ حباً لله؟: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] كلمة أحبَّ ويحبُّ, مادة الحب في القرآن, تزيد عن مئة آية, فما الحب؟. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/03.jpg أول فكرة في الموضوع , هناك مقولةٌ شهيرة : أن الربَّ ربٌ والعبدَ عبدٌ, الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء, لا يشبه عباده, حاشا وكلا, كلُ ما خَطَرَ في بالك, فالله سبحانه وتعالى خِلاف ذلك . الربُ ربّ والعبدُ عبد, ولا نسبة بينهما، ليس بمتجزئ, ولا بمتبعضٍ, ولا صورةٍ, ولا متلونٍ, ولا يسألُ عنه بأين هو, لأنه خالقُ المكان، ولا بمتى هو لأنه خالقُ الزمان، وكل ما خَطَرَ ببالك فالله خلاف ذلك، عَلِمَ ما كان, وعَلِمَ ما يكون, وعَلِمَ ما لم يكون لو كان كيف كان يكون, كلام سيدنا علي . نسبةٍ بين العبد وبين الربّ, قال العلماء: إنه الحب, هناك علاقةٌ بين العبدِ وبين الربّ, العبد يحب الله عزّ وجل, والله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] والله سبحانه وتعالى يحب المؤمنين والمؤمن أشدُ حباً لله . هناك علاقةٌ بين العبد وبين الرب, إنها علاقة المحبة . قال بعض العلماء: إن الكون كله دليل أن الله سبحانه وتعالى قاهرٌ, إرادته هي القاهرة: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [سورة الرحمن الآية: 33] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/04.jpg فاتجاه الإنسان إلى اللهِ وحبه له, دليلُ أن الله سبحانه وتعالى أسماؤه حسنى, المخلوقات جاءته مقهورة، أما الإنسان جاءه مُحباً، وشتان بين أن يأتي المخلوق مقهوراً وبين أن يأتي محباً, هو الاختيار؛ أنت تأتي ربك طائعاً، مختاراً، مستسلماً، طواعيةً، فتنتسب إليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر الآية: 53] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [سورة الإسراء الآية: 53] هذا تشريف, علماء البلاغة يقولون: هذه نِسبةُ تشريف, عبادي, أُضفنا إلى ذاته العظيمة، أُضفنا إلى ذاته إضافة تشريف وتكريم. ﴿قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ هذه الفكرة الأولى . الفكرة الثانية : العبادة . العبادة التي من أجلها خُلقنا، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية:56] العبادة لو فقدت معنى الحب ليست عبادة, لو فقدت العبادة معنى الحب أصبحت طاعة ، وقد تطيع من لا تحبه، قد تحب من لا تطيعه، أما إذا أحببته وأطعته فقد عبدته . من تعريف العبادة: غاية الخضوع مع غاية الحب, هذه هي الفكرة الثانية في موضوع الحب . الفكرة الثالثة : مظاهر وروح الإسلام . الإسلام له مظهر, في صلاة؛ نتوضأ, ونقف, ونقرأ, ونركع, ونسجد، في صيام، في حج، في زكاة، في تعامل تعامل يومي، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام المواريث، أحكام البيوع، هذا كله أحكام ظاهرة، هذه الأحكام روحها محبة الله عزّ وجل، فإذا خلا الدين من الحب, أصبح الدين جسداً بلا روح http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/05.jpg الحب مُحرك والعقل مقود, أنت بالعقل تقود نفسك إلى الطريق الصحيح أو إلى الهدف الصحيح، أو أنت بالعقل تحافظ على بقائك على الطريق ولا تَزِلُ بك القدم, ولكنك بالحب تتحرك، تسير، تنطلق . المعلومات, ودقائق العلم, والأفكار الدقيقة, واللّفتات العقلية, والثقافات مهما تعمّقت، كان لها شهرةٌ ذائعة، قِوامها الحب, فإذا خلا العلم من الحب, أصبح جسداً بلا روح, المنافقون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الاية: 41-42] الإيمان والحب : نحن نتحدث عن موضوع الحب, لأنه أصلٌ في الإيمان. ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لِما جئت به)) والآية التي قلتها قبل قليل : ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ﴾ لا بد من أن تُحبَ الله ورسوله قبل كلِ شيء, يا عمر كيف أصبحت؟ قال: واللهِ يا رسول الله, أصبحت أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, إلا نفسي التي بين جنبي , قال: يا عمر لمّا يكمل إيمانك بعد -إلى أن قال له مرةً ثانية-: الآن يا رسول الله أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, حتى نفسي التي بين جنبي, قال: الآن يا عمر . الآيات, والأحاديث الصحيحة الثابتة, وأقوال أصحاب رسول الله المتعلقة بالحب كثيرةٌ جداً جداً . بعض الأحاديث الضعيفة: ((ألا لا إيمان لمن لا محبة له)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/06.jpg قال: أهل الحب فازوا بشرف الدنيا والآخرة معاً, الحقيقة: أن الإنسان لا بد من أن يحب, الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب, والبطل الذي يعرف من يحب . قد تُحب امرأةً، قد تُحب مسكناً، تُحب مهنةً، تُحب مُتعةً، تُحب لذّةً، تُحب صديقاً، تُحب أخاً، تُحب بلداً، تُحب مكاناً، تُحب زماناً، ولكن المؤمن نَظَرَ, فرأى كلَ من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام, فأحبَّ الله، إما أن تُحبَ شيئاً فانياً, وإما أن تُحب الباقي على الدوام . الإنسان لمّا يموت -هكذا جاء في الأحاديث الشريفة- يخاطبه الله عزّ وجل في الليلة الأولى في قبره يقول: عبدي رجعوا وتركوك, أول يوم الحزن شديد، ثم يخف الحزن، الثريات كانت مغطاة بقماش, أزيح القماش، الصور قلبوها أعادوها كما كانت، بعد أسبوع صار يضحك ويبتسم في البيت، بعد أسبوعين أولَمَ وليمة، بعد شهر ذهب يتنزه، أين الميت؟ نسوه, يقول له: عبدي رجعوا وتركوك, وفي التراب دفنوك, ولو بقوا معك ما نفعوك, ولم يبقَ لك إلا أنا, وأنا الحيُّ الذي لا يموت. أتحبُ الشيء الفاني أم تُحب الباقي؟ قال: أهلُ الحب ذهبوا بخير الدنيا والآخرة, بل ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة, لِقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((المرء مع من أحب)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] ألا يكفينا هذا الحديث؟ المرء مع من أحب, المؤمن مع الله . الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً, قال له: عبدي لي عليك فريضة, ولك عليَّ رزق, فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/07.jpg فأنت تأكل وتشرب, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تُوّفقَ في تجارتك, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون صحتك طيبة قوية, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون غنيّاً, ليس معنى هذا أن الله يحبك، قارون آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبةِ أولي القوة، أن تكون قوياً, ليس معنى هذا أن الله يحبك, فرعون قال: أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/08.jpg الحب شيء والرحمة شيء آخر، علماء التوحيد قالوا: محبة الله لعباده صِفةٌ زائدة على رحمته, أنت قد ترحم إنساناً سيئاً، قد ترحم إنساناً جاهلاً، قد ترحم إنساناً لئيماً, يعني: الأب يطعم أولاده جميعاً, ولكن الأب أحياناً قلبه يتجه إلى أحدِ أولاده, فاتجاه قلب الأب إلى أحدِ أولاده, هذه صفة زائدة على رحمته بهم, الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً، يرحم عباده جميعاً، يعطي عباده جميعاً : ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 20] لكن الله سبحانه وتعالى لا يحب إلا المؤمنين الصادقين . إذاً: الحب شيء ثمين جداً، الحقيقة: سِلعةُ الله غالية: أحبابنا اختاروا المحبة مذهـــباً وماخالفوا في مذهب الحب شرعنا فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمّا وليــــت عنّا لغيرنا ولو سمعت أذناك حُسنَ خِطابنــا خلعت عنـك ثياب العُجبِ وجئتنا ولو ذُقـــت من طعمِ المحبةِ ذرّةً عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا ولو نسمـت من قربنا لك نسمــةٌ لمتَ غريباً واشتيـــاقاً لقربنا فما حُبنا سهلٌ وكـل من ادعـــى سهولته قلنـــا له: قد جهلتنا فأيسر ما في الحب للصب قتلـــه وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا فالحب ثمنه باهظ, لذلك قال: ألا إن سِلعةَ الله غالية, لكن المشكلة: أُناس كثيرون يدّعون الحب, خاضوا بحار الهوى وما ابتلوا, قضية سهلة : كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُ لهم بذاكَ ادّعاء الحب سهلٌ جداً, لذلك لمّا أعرض بعض المدرّسين عن الخوض في موضوعات الحب، موضوعات القلب سببه: أن كل إنسان مما هبَّ ودبّ, يدّعي أنه محبٌ لله عزّ وجل, الدعوة سهلة, يقول لك: أنا أحب الله, فقال: لمّا كَثُرَ مدّعو المحبة, طولِبوا بإقامة البيّنة . إذا توفي رجل وله أموال, فطرق الباب طارق, وقال: أنا لي عنده مائة ألف, فيعطى المبلغ، وإذا طرق الباب طارق وقال: أنا لي عنده نصف مليون, أيعقل أن يعطي الورثة كلَ من يدّعي أن له عندَ الميتِ مبلغاً؟ لا بد من سؤاله: أمعك إيصال؟ معك سند؟ هل هناك شهود ؟ أمعك بيّنة؟ أمعك دليل؟. دعوى الحب عريضة جداً وواسعة جداً, لمّا كَثُرَ الأدعياء, طولِبوا بإقامة الدليل والبيّنة, والدليل طبعاً قيل: لو يعطى الناس بدعواهم, لادعى الخليُّ حُرقةَ الشجيّ, لمّا كَثُرَ مدعّو المحبة طالبهم الله بالدليل, قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] تعصي الإله وأنت تُظهر حبه ذاكَ لعمري في المقامِ بديعُ لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحّبَ لمن يحبُ يطيع أتمنى على كل أخ مؤمن, أن لا يسمح لنفسه، أن لا يسمح لخاطره, أن يقول: أنا أحبُ الله وهو مُقيم على مخالفة أمره, هذه وقاحة، هذه دعوى كاذبة، هذا سوءُ أدب، هذا ذنبٌ يضيفه إلى ذنوبه . لو أنَّ أباً تناولَ أطيبَ الطعام أمام أولاده, والأولاد ساكتون, وقال لهم: أنا أحبكم يا أولادي, هذه الكلمة ذنبٌ جديد يضافُ إلى ذنوبه, لأن فعله يتناقض مع قوله . فلذلك لا أحد يدعّي, ولا أحد يقول: أنا أحبُ الله, إذا كانَ مقيماً على معصية, لأنك إذا أقمت على معصية, معنى ذلك: أن اللّذةَ التي تأتيك من هذه المعصية أغلى عليك من الله عزّ وجل، أغلى عليك من رضوان الله . ومعنى : ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/09.jpg إذا أطعت زوجتك وعصيتَ ربك, فإنك محبٌ لزوجتك أكثرَ من حبك لربك، قولاً واحداً بالدليل القطعي: إذا آثرت بيتاً على طاعة الله, في الإقامة, فيه شُبُهة، في اقتنائه شُبُهة، إذا آثرت مسكناً، آثرت تجارةً مشبوهة على طاعة الله عزّ وجل، آثرت طريقة في كِسبِ المال على طاعة الله عزّ وجل، آثرت أن تكون مع ابنك على غير ما يرضي الله، آثرت أن تُرضي جارك, آثرت أن ترضي شريكك على حسابِ طاعتك لربك, بالدليل القطعي: إنك تُحبُ هذا الذي آثرته أكثر مما تُحبُ الله . أما المؤمنون: ﴿والذين آمنوا أشدُ حباً لله﴾ وكلُّ من يتبّع النبي عليه الصلاة والسلام محبٌ لله . الله عزّ وجل يقول: يصف المؤمنين بأنهم يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم, أنت قد تطيع الله ومع ذلك تخاف لومة لائم, أما في مستوى أعلى من هذا المستوى: الطاعة محبة, أن لا تخافَ في الله لومةَ لائم هذه محبةٌ أعلى، أن تجاهدَ في سبيل الله نفسكَ وهواك، أن تضع كل شيء في سبيل الله, هذه محبةٌ أعلى، أن تبيع نفسك ووقتك وجهدك وخِبرتك واختصاصك وكُلَ ما تملك هذه محبةٌ أعلى, الطاعة درجة, والجهاد درجة أعلى, والبيع درجة أعلى, لكنك إذا بِعتَ كلَّ شيء, نِلتَ كلَّ شيء, الله سبحانه وتعالى أكرمُ الأكرمين، إذا بِعته كلَّ شيء أعطاكَ كلَّ شيء وزيادة . والله الذي لاإله إلا هو, لو أردده آلاف المرات لا أشبع منه . من شَغَلَه ذكري عن مسألتي, أعطيته فوق ما أعطي السائلين . إذا كنت مشغولاً بذكر الله وطاعته, مشغولاً بالتقرب إلى الله وخدمة خلقه, مشغولاً بإرضاء الله، تأتيك الدنيا وهي راغمة . هم في مساجدهم والله في حوائجهم. كنّ لي كما أريد, أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد, ولا تعلمني بما يصلحك. من أحبّنا أحببناه, ومن طَلَبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا كنّا له وما لّنا . إذا بعت الله عزّ وجل وقتك وجهدك وخِبرتك وطاقتك وعضلاتك, بعته كلَّ شيء, نِلتً كلَّ شيء. يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟ واللهِ ما وجد شيئاً . إذا سلّمت لي في ما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تُسلّم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تُريد, ثمَ لا يكون إلا ما أريد . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/10.jpg الحقيقة: الحديث عن المحبة موضوع شاق, لو قلتُ لك: صفّ لي العسل, ماذا تقول؟ العسل حلوُ الطَعمِ, والسكر حلوُ الطَعم، أنا آتيك بعشرات الأصناف, بمئة صنف, كلها حلوة الطعم, أريد العسل, تقول لي: حلوُ الطَعم, لزج القوام, والقطر لزج القوام, هل تستطيع اللغة أن تصف بدقة بالغة طعم العسل؟ لو أن إنساناً كَتَبَ مجلداً عن طعم العسل, يغني عن هذا المجلّد, أن تلعق لعقة عسلٍ واحدة. واللهِ أريد أن ألقي عليكم أمثالاً, لا حُباً بطرح الأمثال, لأن لها محاذير بصراحة, ولكن بين ادعّاء الحب وبين أن تكون مُحباً مسافة كبيرة جداً, من قال: خمسمئة مليون ليرة سورية, أيُّ إنسان يستطيع أن يقول: خمسمئة مليون ليرة, وقد لا يملك ثمن رغيف خبز, ولكن شتان بين من يقول هذا الرقم وبين من يملكه, كم هي المسافة كبيرة بين من يقول: خمسمئة مليون وبين من يملك هذه الملايين الخمسمئة؟ . والله الذي لا إله إلا هو, يكاد الفرق نفسه، بين من يدّعي المحبة وبين من يحب, يعني مثلاً: كل إنسان بإمكانه أن يدعّي الحب, ولكن يدعّي الحب وهو من أشقى الأشقياء، يدعّي الحب وقلبه مقفر، يدعّي الحب وهو خائف، يدعّي الحب وهو قلق، يدعّي الحب وهو ممزق، يدعّي الحب وهو ضائع, ولكنك إذا أحببت الله فعلاً, وألقى الله نوره في قلبك, وأطلقَ لسانك بالحكمة, هذه المشاعر لا تُقدر بثمن . قلت لكم مرةً: أن أكثر الأمراض أسبابها حالات نفسية صعبة, فالحالة النفسية مهمة جداً, الإنسان يرتفع بحالته النفسية وينخفض بحالته النفسية : ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] لذلك هناك إدارات بكاملها: إدارة التوجية المعنوي لرفع الحالة المعنوية للجنود . إذا كنت تنطوي على قلبٍ متصلٍ باللهِ, مفعمٍ بالحب, لك حالةٌ معنويةٌ طيبةٌ جداً, هذه لها ثمن . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/11.jpg على كُلٍ؛ كلمة الحب: إذا أردنا أن نبحث في اشتقاقاتها اللغوية, إلى أيّ الأبوابِ تعود؟ قال بعض العلماء: الحب مأخوذٌ من الصفاء والبياض, تقولُ: حَببُ الأسنانِ؛ أيّ بياض الأسنان ، فالحبُ فيه صفاءٌ وفيه بياض, والبياض له معانٍ كثيرة في المجتمعات، والحب بمعنى العلّو, والظهور شيء عالٍ، سامٍ، صارخ، ظاهر، تقول: حبب الماءِ فقاعات الهواء التي تعلو الماء, والحب: اللزومُ والثبات: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية:23] يعني أنت عاهدت الله عزّ وجل في المنشطِ والمكرهِ، في السرّاءِ والضرّاءِ، في الغِنى والفقرِ، في الصحةِ والمرضِ، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الراحةِ وفي التعبِ، في كلِ شيء تُعاهدُ خالقَ الكون. فمن معاني الحب اللزوم والثبات, تقولُ مثلاً: حبَّ البعيرُ؛ أي بَرَكَ ولم يقم . المعنى الرابع: الحب بمعنى اللبّ, قال بعضهم: الحبُّ لبابُ الدين, وبالدين مظاهر, يجب أن نؤديها كاملةً, ويجب أن نحترمها, ولكن لبَّ الدين هو أن تُحبَ الله عزّ وجل، الإيمان أن تُحبَ الله عزّ وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام . والمعنى الخامس: الحب هو الحِفظُ والإمساك, ومنه حِبُ الماء أي وعاء الماء، الصفاء والبياض، العلو والظهور، اللزوم والثبات, اللباب، الحِفظُ والإمساك, هذه كُلها المعاني المستفادة من كلمة الحب . تعريف الحب الحقيقة: الحب شعور داخلي لا يظهر، له مظاهر مادية, كل شيء في داخل النفس له ما يؤكده في خارجها . العلماء تنوعت تعريفاتهم للحب, قال بعضهم: المحبة هي الميل الدائم للقلب الهائم. في ميل إلى الله, أما أهل النِفاق ينسون الله، يغرقون في دنياهم، يغرقون في مشكلاتهم، يتيهون في الحياة، لكن أهل الإيمان يذكرون الله كثيراً, لأنهم يحبونه كثيراً, ومن أحبَّ شيئاً أكثرَ من ذكره, قاعدة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/12.jpg لو فرضنا إنساناً, قدّمَ لكَ خِدمة ثمينة, راقب نفسك؛ بأول لِقاء تحكي عنه، تأتي للبيت تحكي عنه، تلتقي مع صديق تتكلم عنه, راقب نفسك خِلالَ أسبوعين أو أكثر, كلما التقيت بإنسان تحدثتَ عنه, من أحبَ شيئاً أكثرَ من ذِكره . إذاً: علامة حُبِ الله عزّ وجل أن تُكثر من ذِكره . وقيلَ في الحب: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. جلسةٌ ممتعةٌ, وذِكرٌ للهِ عزّ وجل، نُزهةٌ رائعةٌ, ومجلسُ علمٍ للهِ عزّ وجل, طعامٌ نفيسٌ, وخِدمةٌ لإنسانٍ طيب . إذا كنت مُحباً لله دائماً وأبداً, تؤثر مرضاة الله عزّ وجل على حظوظ نفسك, حتى المباح, لكن الإنسان إذا أخذَ من الدنيا نصيبه, دون أن تشغله عن طاعةٍ, أو عن أداءِ صلاةٍ, أو عن مجلسِ علمٍ, أو عن قضاء واجبٍ, فهذا ليسَ من الدنيا, لأن الدنيا قِوام الحياة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/13.jpg ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته, ولا من ترك آخرته لدنياه, إلا أن يأخذَ منهما معاً, فإن الأولى مطيةٌ للثانية . وقيلَ الحب: موافقة الحبيب في المشهدِ والمغيب، الإنسان يصلي في المسجد, يتقن صلاته حِفاظاً على مكانته, لكن إذا كانَ وحده خالياً يصليها سريع، إذا كنتَ أمامَ مشهدٍ ممن يعجبون بك لك موقف, فإذا كنتَ وحدك لك موقف، إذا كنت في بلدك لك موقف، إذا كنت في بلدٍ أجنبي لك موقف، إذا كنت في موضعٍ مراقبٍ فيه لك موقف، إذا كنت في موضعٍ لستَ مراقباً فيه لك موقف . لذلك ورد في بعض الأحاديث: ((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله)) دَخَلَ في النِفاق . من علامات الحب : 1- استكثار القليل من ذنوبك, واستقلال الكثير من طاعتك : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/14.jpg المحبون للهِ عزّ وجل مهما قلت ذنوبهم يخشونه, ومهما كَثُرت طاعاتهم يستقلونها، أما المنافقون: لو فعلَ عملاً صالحاً, يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً, وينمُّ به, ويقول: فعلتُ كذا وكذا. من علاماتِ المُحب: أنه يستكثر القليل من ذنوبه, ويستقلُ الكثير من طاعته, دائماً خائف , لذلك قيلَ: ذنبُ المؤمن كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره, وذنبُ المنافق كأنه ذبابة لا قيمة لها . 2- معانقة الطاعة ومباينة المخالفة : وقيلَ: الحب: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة؛ دائماً مع الطاعة، دائماً مبتعدٌ عن المعصية ، مع الطاعة, مقتربٌ من الطاعة مبتعدٌ من المعصية, هذه من علامات الحب . 3- أن تهب كلك لمن أحببت: ومن علامات الحب: أن تَهَبَ كُلَكَ لمن أحببت, فلا يبقى لك منه شيء . سيدنا الصدّيق أعطى ماله كله لسيدنا رسول الله، قالَ: يا أبا بكر ماذا أبقيتَ لنفسك؟ قال: الله ورسوله, هذا ليسَ حكماً شرعياً، هذا موقف, لأن الله سبحانه وتعالى جعل المال قِوامَ الحياة، أما لو إنسان غَلَبَهُ حبه, وأنفقَ جزءاً كبيراً من ماله، الله سبحانه وتعالى يقبل اجتهاده, ويكافئه على هذا الكثير بأكثرَ منه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/15.jpg بعضهم قالوا: أن تَهَبَ إرادتكَ وعزمكَ وأفعالكَ ونفسكَ ومالكَ ووقتكَ لمن تحب, وتجعلها جميعاً حبساً في مرضاته ومحابه, فلا تأخذُ منها إلا ما أعطاكَ هو، سمح لك بالزواج تزوجت، سمح لك أن تأكل أكلت، لا تأخذ من الدنيا من كلِ هذا الذي تملكه, إلا ماسمح لك هو أن تأخذه فقط, دون زيادة, دون إسراف, دون كِبر . قال: جرت مساءلة في مكة المكرّمة بين علماءٍ كُثر, وكان الجُنيدُ أصغرهم، الإمام جُنيد هذا الذي قيل له: من وليُّ الله؟ قالَ: الذي تجده عندَ الحلال والحرام, فلما تحاوروا وسألَ بعضهم بعضاً, وكانَ الجُنيدُ أصغرهم سِناً, فقالوا: هاتِ ما عِندكَ يا عراقي, فأطرقَ رأسه ودمعت عيناه, ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله, قالَ: فبكوا جميعاً, وقالوا: ما على هذا مزيد. عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه, نفسه تحتَ قدميه, يخضعها لطاعة الله, يحملها على مرضاة الله, لا يثأرُ لها أبداً, ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إلى الله بقلبه، إن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله . أهل الحب، أهل الإيمان، أهل الإحسان، أهل التقوى، أهل القرب، بيّنوا أن للحب وسائل, فالله عزّ وجل من رحمته جعل إليه طرائق, أحياناً جهة من الجهات, ليس لك إليها سبيل, الطريق مغلق, مهما حاولت، لكنَ الله سبحانه وتعالى جعلَ الطرائقَ إلى الخالق -كما يقال-: بعدد أنفاس الخلائق . من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله : فقيل : من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله عزّ وجل : أولاً : قراءة القرآن بالتدبّر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/16.jpg قالوا : تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه، قراءة القرآن بالتدبر, والتفهم لمعانيه, وما أُريدَ به, يجب أن تقرأه, وأن تفهمه, وأن تُطبقه كما أراد الله عزّ وجل . وقد قالَ العكبري: تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه . ثانياً : التقرب إلى الله بالنوافل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/17.jpg عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)) في الصلوات، في الصيام، في الإنفاق، في المال حقٌ سِوى الزكاة، بالأعمال الصالحة ، بخدمة الخلق، بدوام ذِكره . ثالثاً : المداومة على ذكر الله . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] الأمر منصب على الذِكر الكثير، لا على الذِكر فقط، على كلِ حالٍ؛ باللسان والقلب، والعمل والحركة، نصيبك من محبة اللهِ على قدرِ نصيبك من الذِكر . رابعاً : أن تؤثر محابه على محابك عند غلبات الهوى . الرابع: أن تؤئر محابه على محابك عند غلبات الهوى, أحياناً ينشأ صِراع، إذا آثرت ما يحب على ما تُحب فأنتَ المحب، أما إذا غَلَبتكَ نفسك, وآثرت ما تُحبُ على ما يحب, فقد ضَعفَ حبك . خامساً : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/18.jpg مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه، التأمل في الآيات، تذّكر النِعم، تأمل العطايا، يعني النبي الكريم كان إذا أفرغَ ماعنده قال: الحمد لله الذي أذاقني لذّته, وأبقى فيَّ قوته, وأذهبَ عني أذاه. كانت تعظمُ عنده النعمةُ مهما دقت, فهذا من علامات الحب, إذا شربت كأس ماءٍ، إذا استيقظتَ صباحاً نشيطاً: الحمد لله، إذا تمتعتَ بسمعك وبصرك وقوتك: الحمد لله, دائماً أنتَ مع النِعم, وأنتَ شاكرٌ لهذه النِعم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/19.jpg قال أيضاً: من علامات الحب: انكسار القلب بكليّته إلى الله، أبواب الله كثيرة, هناك باب واسع وسريعٌ, ليسَ عليه ازدحام, إنه باب الانكسارِ، الانكسارِ إلى اللهِ عزّ وجل, كلما ازدادَ حبك, جئته منكسراً, معلناً عن فنائكَ في ذاته . من علامات حبك لله قال: مجالسة المحبين الصادقين, لا تُحبُ إلا المحبين، إذا مالَ قلبكَ إلى أهلُ الدنيا, وأردتَ أن تكون معهم, وأن تُقيم علاقاتٍ وشيجة معهم وهم بعيدون, سرعان ما تعود . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2531/20.jpg علامة البعد عن الله عزّ وجل: كلما كنتَ محباً, تمنيت أن تكون مع المحبين في مجالسهم، في جلساتهم، في خلواتهم, مجالسة المحبين الصادقين, والتقاط أطيب ثمرات كلامهم, كما تُنتقى أطايبُ الثمر . كنت محباً للهِ عزّ وجل, فكلُ شيء يقطعك عن الله عزّ وجل تَفرَ منه, فِرارك من وحشٍ كاسر، نظرةٌ تبعدك عن الله, فبالغ في غض البصر، شبهة في لقمة ابتعد عنها . النبي عليه الصلاة والسلام تأخّر عليه الوحيُ فقالَ: ((يا عائشة, لعلّي أكلتُ تمرةً من تمرِ الصدقةِ وأنا لا أدري)) هذه بعض الأشياء التي إذا فعلتها, كانت هذه الأشياء وسيلةً إلى أن تنالَ حبَّ اللهِ عزّ وجل, وإذا ذقتَ طعمَ الحب, يعني كما قالَ الشاعر : لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحبة - تزكية النفس وسلامة القلب 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (الثالث ) وسائل القرب إلى الله عز وجل : أيها الأخوة الأكارم ؛ انتهينا في الدرس الماضي إلى عشر وسائل , تقرّب الإنسان من الله عزّ وجل , وقد تدخله منزلة المحبة , من هذه الوسائل : قراءة القرآن الكريم ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 35] العلماء فسّروا الوسيلة تفسيرات شتى . فالعلم وسيلة . والعمل الصالح وسيلة . وعلماء القلوب يبينون : أولاً : قراءة القرآن . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/01.jpg أن من وسائل القرب إلى الله عزّ وجل ، من وسائل أن تبلغَ منزلة المحبة : أن تقرأ القرآن متدبّراً , متفهمّاً , مطبقّاً ؛ هذه وسيلة . ثانياً : الإتيان بالنوافل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/02.jpg ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : أن تقوم بالنوافل . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((قال الله تعالى : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ , وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ , وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) [أخرجه البخاري في الصحيح] والحديث واضح . ثالثاً : الذكر . ومن وسائل بلوغ العبدِ محبة الله عزّ وجل : أن يكثرَ من ذِكره , لقول الله عزّ وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] رابعاً : الإيثار . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/03.jpg ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : المداومة على ذكره , وإيثار محابه على محابك ، الإنسان قد يقع في ظروف صعبة، قد ينشأ عنده صِراع ، إما أن يرضي الله عزّ وجل وإما أن يرضيَ نفسه ، إما أن يبتغي الدارَ الآخرة وإما أن يبتغي الدنيا ، إذا آثرتَ محابَّ اللهِ على محابك , فقد سِرتَ في طريق المحبة . خامساً : ملئ القلب بأسمائه الحسنى . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/04.jpg ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل تنفيذاً لِقولِ الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ أن يجولَ قلبك في أسماء الله الحسنى وصِفاته الفضلى ، يعني أن يملأ اسمُ الله عزّ وجل قلبك ، أن تُشغَلَ به عما سِواه ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] قالَ علماء التفسير: الخشوعُ في الصلاةِ من فرائض الصلاةِ لا من فضائلها . سادساً : التفكر . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/05.jpg الوسيلة الأخرى لبلوغ محبة اللهِ عزّ وجل : مشاهدة برّه وإحسانه , أن تُفكّرَ دائماً بالنِعم التي أنعم الله بها عليك ؛ نِعمةُ الوجود ، نِعمةُ الإيمان , نِعمةُ الصحة ، نِعمةُ الأهلِ والأولاد ، نِعمةُ المأوى ، نِعمةُ معرفة اللهِ عزّ وجل . سابعاً : الانكسار له . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/06.jpg ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : أن تأتيه من باب الانكسار. قال علماء القلوب : إن أبواب اللهِ كثيرة ، إن أسرعها وأوسعها وأقلّها ازدحاماً بابُ الانكسار ، أنا عندَ المنكسرةِ قلوبهم , لا يدخل النار من كان في قلبه مثقالَ ذرّةٍ من كِبر, لأن الكِبر يتناقض مع العبودية لله عزّ وجل . ثامناً : الخلوة . إكثار مجالس الخلـــوةِ مع الله عزّ وجل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/07.jpg إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه ، وإذا أردتَ أن يُحدثّكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن , إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه أكثر من دعائه ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في كلِّ أطواره وأحواله يدعو الله عزّ وجل ، إذا دخلَ بيته ، إذا خرجَ من بيته ، إذا واجهَ مشكلةً ، إذا أصابته سرّاء ، إذا أصابته ضرّاء ، إذا تناولَ طعاماً ، إذا دخلَ بيتَ الخلاء ، إذا ارتدى ثوباً جديداً ، إذا لاحَ شبح مصيبةٍ ، إذا لاحت بشائر الرحمة . لذلك كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى , ينبئكم كيفَ كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الله في كلِّ أحواله ؟ . تاسعاً : مجالسة المحبين . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/08.jpg ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : مجالسة المحبين الصادقين , لقول الله عزّ وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] أتلاحظون: ما من توجيهٍ من هذه التوجيهات إلا مدعومٍ بآيةٍ أو حديثٍ صحيح؟. عاشراً : الابتعاد عن كل شيء يبعدك عن الله . أن تبتعدَ عن كل ما من شأنه أن يبعدك عن الله عزّ وجل أو أن يقطعك عنه, ورأسُ الحِكمةِ مخافة الله، رأس الحِكمةِ أن تخافَ على هذه الصِلة أن تنقطع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/09.jpg لذلك تبتعد عن المخالفات والمعاصي ابتعاداً كبيراً جداً, وقلبكَ فارغٌ, خوفاً من أن تقعَ في مشكلةٍ, أو معصيةٍ, أو مخالفةٍ, أو صغيرةٍ تحجبكَ عن اللهِ عزّ وجل . هذه العشرةُ بنود , والعشر وسائل تنفيذٌ لقول الله عزّ وجل : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ القرآن وسيلة : قراءةً ، فهماً ، تدبراً ، عملاً . النوافل وسيلة : صلاة الضحى http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/10.jpg الصدقات التي فوق حق الله عزّ وجل , في المال حقُ سوى الزكاة ، كثرة ذكره , بَرِئَ من النِفاق من أكثَرَ من ذِكر الله ، بَرِئَ من الشح من أدى زكاة ماله ، بَرِئَ من الكِبر من حملَ حاجته بيده , أن تؤثر في كلِّ الأحوال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 9] أن تؤثرَ جانبَ الله على جانبك ، محابَ اللهِ على محابك ، الآخرة على الدنيا ، العملَ الصالح على النفع ، وأن تجولَ في أسماءِ الله الحسنى وصفاته الفضلى , وأن ترى برّهُ وإحسانه , وأن تأتيه منكسرَ القلب , وأن تُكثّرَ من خلواتك مع الله عزّ وجل ، تُحدثه بالدعاء , ويُحدثكَ بتلاوة القرآن ، وأن تُجالسَ المحبين الصادقين ، وأن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يقطعك عن اللهِ عز وجل . يا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه البنود العشرة لو حاولتم أن ترسخوها في أذهانكم ، وكلما أردتم أن تستذكروا أنكم في دارِ عمل , وأنكم في وقتٍ عصيب ، بمعنى أن كلَّ ثانيةٍ من حياتكم , لها شأنٌ خطير في آخرتكم ، لو أننا آثرنا العَمَلَ على الإعجاب بهذه البنود , مهما أُعجبتم بها ، مهما تأثرّتم بها تأثراً شكليّاً , ما لم تكونوا في مستواها , لن تقطفوا ثمارها ، لذلك العملَ العمل . منزلة المحبة . أيها الأخوة الأكارم ؛ الكلام في منزلة المحبة له طرفان : الله سبحانه وتعالى يحبُّ عباده , والمؤمنون الصادقون يحبون الله عزّ وجل , هذا شيء ثابتٌ عندَ كلِّ العلماء , والدليل : أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] بعضهم فسّرَ المحبةَ بالإحسان ، يعني محبة الله للمؤمن : أن يُحسن إليه , أن يرحمه ، ولكن العلماء المتعمقين يرونَ أن محبةَ اللهِ لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه إليهم , أنتَ قد ترحم إنساناً ولا تحبه ، قد تشفقُ عليه ولا تحبه ، قد تعطف عليه ولا تحبه ، قد تحسنُ إليه وأنتَ لا تحبه ، ولكنَ محبة الله لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه ، فما كلُّ رحمةٍ وإحسانٍ حبٌ من اللهِ لعبده المؤمن . هذا الخطأ الكبير الذي يتوهمه بعض الناس , من أنَ الله سبحانه وتعالى إن أعطى الإنسان صحةً أو مالاً أو جاهاً أو شأناً فإنه يحبه , يقول لك : ربي يحبني ، والمقولة : إذا الله أحبَّ عبده , أراه ملكه , كلام لا معنى له . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/11.jpg يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هل تصدقون أن الخلقَ خلقُ اللهِ لهذا الكون , وأنَّ الأمرَ الكتب السماوية , وأنَّ الثواب , وأنَّ العقاب , هي في الأصلِ تنبعُ من محبة ، الحبُّ أصلُ الكونِ ، الخلقُ والأمرُ والثوابُ والعقابُ أساس كلِّ ذلك : محبة الله سبحانه وتعالى لخلقه . نحن أمام مجموعة آيات ومجموعة أحاديث تتعلق كلها بالمحبة , إذاً : يمكن أن يكون هذا الدرسُ تفسيراً لكتاب الله ولسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم , ولكن من زاوية موضوعٍ واحد . الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88] ﴿إلا من أتى الله بقلبٍ سليم﴾ وأحد العارفين توفاه الله عزّ وجل , ورآه أحد تلامذته في الرؤيا , فقالَ : يا سيدي ما فعلَ الله بك ؟ فأجابَ إجابةً تنخلعُ لها القلوب , قالَ يا بني : طاحت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل . قد تؤلف ، قد تدعو ، قد يلمع اسمك ، قد يعلو نجمك ، ولكن الذي ينفعك في القبرِ , هذه الركيعات , وهذا الاتصالُ باللهِ عزّ وجل , وهذا القلبُ السليم , وتلكَ المحبة الصادقة , وهذا الإخلاص الشديد . القلب السليم . انطلاقنا في هذا الدرس , لا من ظواهر الدين ، لا من عباداته المشروعة ، لا من أعماله التي ألزمَ عباده بها ، ولكن من هذا القلب الذي قالَ الله عنه : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الحقيقة : الدين له لُبّ . كلٌ منكم يأكل الفاكهة , أطيبُ ما فيها لُبّها , وقشورها لها وظيفةٌ مهمةٌ جداً , ولكنك لا تأكلها , القِشر له وظيفة , واللُبّ له وظيفة . تعهّدُ القلب ، سلامة القلب ، تزكية النفس . أن يمتلئَ القلب حباً ، أن يمتلئَ إخلاصاً , أن يمتلئَ توكلاً ، أن يمتلئَ استسلاماً ، أن يمتلئَ رِضىً بقضاء الله وقدره ، أن يمتلئَ طمأنينةً ، أن يمتلئَ ثقةً بعدالة الله , هو القلب السليم . ننطلق من قولِ اللهِ عزّ وجل : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] أنا لا أحبُ أبداً أن أُحدثَ في الإسلامِ مصطلحاتٍ جديدة , لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/12.jpg فالمنهج الإلهي من قرآنٍ وسُنةٍ صحيحة منهجٌ كاملٌ كمالاً مطلقاً , يوصلُ الإنسان إلى أعلى الدرجات, ولسنا بحاجةٍ إلى منهجٍ آخر, ولسنا بحاجةٍ إلى إضافاتٍ جديدة, ولكن أن تُحبَ الله عزّ وجل شيءٌ ثابت في الكتاب والسُنة : عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي تتحدثُ عن الحب كثيرةٌ جداً وأساسيةٌ جداً . كما أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرَ في الحديث الصحيح عن الإسلام : أن تشهدَ أنه لا إله إلا الله , وأن تقيم الصلاة , وأن تؤتي الزكاة , وأن تصوم رمضان , وأن تحجَ البيت إن استطعتَ إلى ذلك سبيلاً , وأن الإيمان أن تؤمن بالله , وملائكته , وكتبه , ورسله , واليوم الآخر , والقدر خيره وشره , وتحدثَ عن الإحسان وهي مرتبةٌ فوق الإسلام وفوق الإيمان . الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك . هذا هو الإحسان . فالحديث عن الإحسان عن مرتبةٍ فوقَ مرتبة الإسلام , الانصياع للهِ عزّ وجل ، وفوق مرتبة الإيمان الإقبال على الله عزّ وجل , إنها مرتبة الإحسان , أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك . حديثنا عن مرتبة الإحسان ، عن تزكية النفس : ﴿قد أفلحَ من زكاها وقد خابَ من دساها﴾ عن القلبِ السليم . ﴿يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون﴾ عن جوهرِ الدين . آيات الحب : الآية الأولى : ومن الناس من يتخذ من دون الله .... يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] هذه الآية الأولى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ من دون الله, من عباده أنداداً, يا تُرى هل هذا العبدُ الذي اتخذته نِداً للهِ عزّ وجل هو إلهٌ؟ لا, وما قال من اتخذه أنه إله، ما قالَ أحدٌ أن هناك إله آخر، أو ربٌ آخر، أو خالقٌ آخر، ولكنك إذا اتخذتَ من دونِ اللهِ جِهةً، شخصاً، إنساناً, تحبه كحبِ الله؛ أي كما ينبغي أن يُحبَ الله عزّ وجل بالذلِّ له، وبالتعظيم، وبالطاعة، وبالدعاء، بالذل بينَ يديه، فقد اتخذته إلهاً وأنتَ لا تدري, اتخذته محبوباً، وسنداً، وملجأً، ومرجعاً، اتخذته وليّاً، ليس معنى هذا أن تدعو إلهاً آخرَ مع الله, لا, وأنتَ لكَ طابعٌ إسلامي، وأنتَ مسلمٌ فيما يعرفُ الناسُ عنك، وأنتَ لكَ زيٌّ ديني، وأنتَ لك صلاتك وصيامك وحجك وزكاتك, وأنتَ معدود بين المسلمين . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾ هذه من للتبعيض . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً ﴾ يتخذُ نِداً لله لا في الخلقِ ، فالكفار قالوا : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ إبليس قال : ربي فبعزتك, ما أنكرَ أن له رباً, لم يقل: ليس لي رب, قال: ربي فبعزتك . ليسَ معنى ذلك أن تُنكر وجود الله, ولا أن تتخذَ إلهاً آخر تعبده من دون اللهِ، أما أن تُحبَ، أن تتذللَ، أن تُعظمَ، أن تدعوَ، أن تطيعَ غيرَ اللهِ, فقد اتخذتَ هذا نِداً من دون الله، وأحببته كما ينبغي أن يُحبَ الخالق، كما ينبغي أن يُحبَ الإله، كما ينبغي أن يُحبَ الربّ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] الذين آمنوا أشدُ حباً للهِ: من حبِ هؤلاءِ الذينَ اتخذوا من دون الله أنداداً، حبُ هؤلاء الذينَ اتخذوا من دونِ اللهِ أنداداً لأندادهم, أقلُّ بكثير من حبِّ المؤمنين للهِ عزّ وجل: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء الآيات: 97-98] هذا موقفٌ عصيب في جهنم : ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/13.jpg من لوازم العبودية التشريع، من لوازم الألوهية أن تعبده وحده، من لوازم الربوبية التشريع، فإذا قَبِلتَ شرعاً غيرَ شرعَ اللهِ عزّ وجل، إذا أُعجبتَ بنظامٍ وضعيٍ غيرِ نظام اللهِ عزّ وجل، إذا رأيتَ أنَ الإنسان قادرٌ على أن يُشرّع، على أن يضعَ نظاماً صحيحاً، جامعاً مانعاً، فقد سويته برب العالمين، هذا الذي وضعَ النظام، وهذا الذي وضعَ التشريع، وهذا الذي وضعَ لكَ منهجاً تسير عليه منهجٌ أرضيٌ, لا علاقةَ له بمنهج السماء، هذا كأنكَ اتخذته رباً مُشرّعاً . ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ اليهود اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, حتى رجال الدين لهم حجمهم, يجب أن لا يكبر حجمهم عن الحجم الذي وضعهم الله فيه، ينقلون لك عن رسول الله سنته المطهرة، ينقلون لك ما في كتاب الله من أحكام, ومن توجيهات, ولا يستطيع واحدٌ كائنٌ من كان, أن يضيفَ شيئاً على منهج القرآن ومنهج النبي العدنان، هذا الحجم الحقيقي، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد ولد آدم يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 15] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 188] هذا حجم النبي, وهو سيد ولد آدم, فهل هناك إنسان آخر يعلم الغيب؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك نفعاً وضراً؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك أن يرفعك أو أن يخفضك؟. الآية الثانية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني .... أيها الأخوة الأكارم ؛ الآية الثانية التي تقصم الظهر: كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقـــــر بذاكَ لما كَثُرَ مدعّو المحبة طولِبوا بالدليل . سؤالٌ مُحرج : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] لا تستطيع أن تدعي أنك تُحب الله عزّ وجل, وأنتَ مخالفٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تستطيع أن تدعي أنك مُحبٌ لله عزّ وجل, وفي بيتك، وفي تصرفاتك، وفي بيعك وشرائك، وفي تعاملك، وفي علاقاتك، وفي جِدّكَ، وفي لَهوكَ، وفي مرحكَ، وفي طعامك, وشرابك, ونزهاتك, وأفراحكَ, وأتراحكَ, شيءٌ مخالفٌ لسنّةِ النبي . فهذه الآية فيها علاقة ترابطية: إن كنتَ محباً لله عزّ وجل اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام، وإن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله، إن شئتَ أن تأخذَ هذه الآية صعوداً أو نزولاً، إن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله, وإن أحببتَ الله فِعلاً كما تدعي, من لوازم محبتك لله عزّ وجل: أن تتبع سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام . ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ اتبعوا سُنّتي , جاء الجواب : ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ معنى يحببكم : جواب الطلب . فيا تُرى ما المعَولُ عليه: أن تحبه أم أن يحبك؟. الإنسان الظالم قد يحب قاضياً عادلاً, ولكن القاضي العادل لا يحب هذا الخصم الظالم، الإنسان الناقص قد يحب الكامل, ولكن هذا الكامل لا يحب الناقص، الإنسان البخيل قد يعظّم الكريم, ولكن هذا الكريم لا يحب البخيل، إذاً: ليس المُعَولُ عليه أن تُحبَ الله عزّ وجل بقدر ما المُعَولُ عليه أن يحبك الله عزّ وجل, يجب أن يحبك, لأنه إذا أحبك أسعدكَ إلى الأبد، أما إذا رحمك في الدنيا, وأحسنَ إليك, وانتهت الدنيا, وجدت المصير المشؤوم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 222] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/14.jpg فمحبة الله عزّ وجل لها مفتاح, مفتاحها: غُضَ بصرك, واستقامتك على أمر الله وصدقك. أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى , استنبطَ استنباطاً ذكياً جداً من قول الله عزّ وجل : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة الآية:18] ادعّاء, إذ كلُ يدّعي وصلاً بليلى، فأجابهم الله عزّ وجل: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ المعنى المخالف لهذه الآية: لو أن الله عزّ وجل أقرّكم على حبكم له وحبه لكم, لمّ عذّبكم؟ فاستنبطَ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله لا يعذبُ أحداً، فكيف بكم إذا عرفتم: أن حُبَ اللهِ عزّ وجل ينجيكم من كلِّ عذاب؟ وحقُّ الله على عباده أن يعبدوه، وحقهم عليه أن لا يعذبهم، و ضمانة من الخالق أن تعيش حياةً مباركةً, خيرّةً, ناعمةً لكَ, فيها عملٌ طيب، لكَ فيها إقبالٌ على الله، لكَ فيها استسلامكَ له . الآية الثالثة : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني .... الآن آية ثالثة من آيات المحبة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] أحياناً: يمن إنسان على الله بأنه أدى ما عليه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] من السهل أن يُقبلَ الإنسان على الدين، شيء جيد وطيب؛ لكنَ البطولة الاستمرار، الإنسان أحياناً يتوب إلى الله عزّ وجل, النقلّة المفاجئة: من الكفر, من الضياع, من المعصية, من الشتات, من اللؤم, من وحول الدنيا, من الأعمال السيئة, من المعاصي والآثام, النقلة المفاجئة: إلى الطاعة, والطُهر, والعفاف, والاستقامة, نقلة مُسعدة جداً، ولكن هذه السعادة المتألقة, هذه السعادة لها وقتٌ, ثم يضعف تأثيرها, لوجودها باستمرار، يضعف تأثيرها باستمرارها، هناك أناس يملّون, يسأمون, ينتكثون, يعودون إلى ما كانوا عليه . ومن علامة الإيمان: أن يكره المؤمن أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار، فالبطولة بالثبات والاستمرار . كما تعرفون جميعاً في معركة الخندق, لمّا اليهود نكثوا عهدهم مع رسول الله, والأحزاب جاءتهم من كلِ جانب, وأصبح الإسلام قضية ساعات ليسَ غير, قال بعضهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] أما المؤمنون الصادقون: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] أنتَ تُعارض خالق الكون، الذي أتمناه على كلِ مؤمن هذا العهد الغليظ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [سورة النساء الآية: 21] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/15.jpg في السرّاء، في الضرّاء، أثناء الامتحانات، بعد الامتحانات, في مواسم البيع والشراء، في الصحة، في المرض، في الغنى، في الفقر، في الطمأنينة، في الخوف، في ربيع العمر، في وسط العمر، في خريف العمر، عاهدتَ خالقَ الكون وبعته بيعاً قطعيّاً. لذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الآية الثالثة في علامات الحب: إذا كان الله يحبك فهذه صفتك . ﴿أذلةٌ على المؤمنين﴾ متواضع لهم، في خدمتهم، تعطف عليهم، تشفق عليهم، إذا عزَّ أخوك فهم أنت؛ أما الحسد والضغينة, وتُحطيم من نافسكَ, ومن فاقكَ, ومن وفقه الله في الدعوة إلى الله، هذا ليسَ من أخلاق المؤمنين: ﴿أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾ لطيفة قرآنية : السؤال اللطيف اللغوي: لماذا قالَ الله عزّ وجل: أذلةٍ على؟ .. باللغة لا يوجد أذلةٍ على!! في اللغة يوجد: أذلةٍ لي، فلان ذليل لفلان، هذا بحث في اللغة رائع, اسمه التضمين, إذا عدينا فعلَ ذلَّ بـ على, ضمناه معنى أشفقَ، فهذا الذليل للمؤمن يعني يحبه، ويتواضع له, ويشفق عليه . عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شرف كَبِيرِنَا)) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما] ﴿أذلةٍ على المؤمنين﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/16.jpg قالَ بعض العلماء في تفسير هذه الآية: للمؤمنين كالولدِ لوالده, وكالعبدِ لسيده, وعلى الماكرين كالسبعِ على فريسته, عزيز, لا تأخذه في الله لومةُ لائم, الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ بالعكس والعياذُ بالله، قوي على المؤمن, يراه ضعيفاً, لا سندَ له, يقوى عليه، وأما الأقوياء يهابهم, ويخضع لهم, ويتذلل لهم, ويستجزي منهم, وينافق لهم، أما المؤمنون هو متأكد أنهم ضُعاف مستضعفون, لذلك يقوى عليهم, إن كنتَ تقوى على المؤمنين, وتستعدي عليهم, وتخنع أمام الأقوياء, فتأكد أنك لستَ محباً لله ورسوله . العلامة الأولى : أن تكون مع المؤمنين كالولدِ للوالد، كالعبدِ للسيد؛ تذللاً, وخضوعاً, وشفقةً, وعطفاً, ومحبةً, ومعاويةً, ومؤاثرةً, وأن تكون على أهلِ الإعراضِ والكفرِ قوياً . العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم، بأموالهم، بأوقاتهم، بعضلاتهم، بخبراتهم، بكلِ ما يملكون, ومعنى يجاهدون: يبذلون أقصى الجهد، ربنا عزّ وجل قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] فهمُ كتاب الله, والغوص في معانيه, وتوضيحها للناس, أحدِ أنواع الجهاد، ضبط النفسِ أحد أنواع الجهاد، المؤاثرةُ أحد أنواع الجهاد، جهاد العدوِ أحد أنواع الجهاد . العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بالنفسِ واليدِ واللسان والمال، وهذا يؤكد حبَّ الله عزّ وجل . الثالثة : ولا يخافون في اللهِ لومةَ لائم، ناس أخافونني، لوم, واحد لامك فصرفكَ عن مجلس العلم، إنسان لامك صرفكَ عن طاعتك، إنسان أخافكَ صرفكَ عن هذا العمل الصالح، إنسان حذّرك أخافك . ثلاث علامات : أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, هذه علامات صادقة ثلاث على حبك للهِ وحبِّ اللهِ لك . معنى لا تأخذه في اللهِ لومة لائم, فسّرها العلماء: لا تأخذه عن الله, عن طريق حبِّ الله، عن طريق طاعة الله، عن طريق العلم، عن طريق البذلِ، عن طريق العطاء، عن طريق القربِ، عن طريق مجالس العلم، لا تُذهبه عن هذه الطاعات لومةُ لائم . أمن تذكرُ الجيران بذي سلمٍ يا لائمِ في الهوى العذري معذرة كفَّ الملامُ فلو أنصفتَ لم تُلَمِ لو أنصفتَ لم تُلَمِ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [سورة هود الآية:28] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/17.jpg هذا الذي يلومك ما ذاق الذي ذقته, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ قربك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ توفيق الله لك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم أنَّ الله نوّر قلبكَ بالإيمان, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم طهارة القلب, ما ذاق طعم طهارةِ النفس، ما ذاقَ شيئاً من هذا، مقاييسه كلها ماديّة بالدرهمِ والدينار, لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ, وعبدَ الدِّرْهَمِ, وَالْقَطِيفَةِ, وَالْخَمِيصَةِ, إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ, وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] ثلاث علامات: أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, إذا كانت فيك فأنتَ من أهل الحب, الله يحبك وأنتَ تحبه، هؤلاء الذين عُبِدوا من دونِ الله: السيد المسيح، سيدنا العُزير . الآية الرابعة : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة .... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 57] هنالكَ في الآية مقامات ثلاث : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/18.jpg المقام الأول : الحبُّ يعني ابتغاء القرب ، من المعلوم قطعاً أنك لا تتنافس إلا في قربِ من تحب قربه ، شخص لا تحبه ، لئيم ، هل أنتَ حريص على زيارته ؟ على أن تكونَ إلى جانبه ؟ على أن تتنزه معه ؟ على أن تسهرَ معه ؟ مستحيل , من الثابتِ قطعاً أنك لا تحب قُربَ إلا من ترجو قُربه , من تحب قُربه ، وحب قُربه هو في الأصل حبٌ لذاته ، بل محبة ذاته أوجبت محبة المؤمنين ، إذ في محبة الله عزّ وجل حياة القلوب , ونعيم الأرواح , وبهجة النفوس , وقرّةُ العيون , وأعلى نعيم الدنيا والآخرة . فهذا الذي قال : مساكين أهلُ الدنيا ، واللهِ الذي لا إله إلا هو, لو ذاقَ الإنسان طعمَ الحب, لسعد سعادة لا تساويها سعادة, إنسان يملك أموال الدنيا كلها, وما عَرَفَ الله يقول مسكينا، جاء إلى الدنيا وخرجَ منها, وما ذاقَ أجملَ ما فيها، إن أجملَ ما فيها أن تكون من اللهِ قريباً، لذلك: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ يوجد وسائل كثيرة، أيُّ هذه الوسائل تقرّبه إلى الله أكثر يبادر إليها . إنفاق المال, يبادر إلى إنفاق المال، حضور مجالس العلم, يبادر إلى حضور مجالس العلم, تعلّم القرآن, قراءة السنّة, خدمة الضعفاء والمساكين يسارع إليها . علامة هؤلاء الصادقين يرجون رحمة الله، يخافون عذابه، يبحثون عن وسيلة, يبتغون القربَ من الله عزّ وجل، هذه آية خامسة تتعلق بالحب . الآية الخامسة : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.... http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/19.jpg ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 52] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] ليسَ في قلبه إلا همٌ واحد, أن يكون الله راضياً عنه: إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟. الآية السادسة : وإن كنتن تردن الله ورسوله.... آية دقيقة جداً موجهةٌ إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] معنى ذلك: أن هناك إرادتان . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ إرادة الدار الآخرة ليست عينَ إرادة الله عزّ وجل. وإرادة الله عزّ وجل ليست عينّ الدار الآخرة, والدليل: العطف, والعطف يحتوي المفارقة والتغاير، أعطن قلماً ودفتراً، القلم غير الدفتر، العطف يقتضي التغاير . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ قال: هذا الذي يبتغي الدارَ الآخرة من أجل ما فيها؛ من حورٍ عين، ومن عسلٍ مصّفى، ومن لبنٍ لم يتغير طعمه، ومن جناتٍ تجري من تحتها الأنهار, المؤمنون يبتغون رشدَ الله عزّ وجل, والدليل: أن الإمام عليّ كرّمَ الله وجهه قال: في العُبّادِ ثلاثة؛ العبيد وهم يعبدونه خوفاً من ناره، والتجار يعبدونه طمعاً في جنته، والأحرار عَرفوا أن لهم ربّاً فأطاعوه, وما مقصودهم جنات عدنٍ, ولا الحور الحِسانُ, ولا الخيامُ, سِوى نظر الحبيب فلا منافه, وهذا مقبض القول الكِرام . تقبل دعوة إنسان عظيم جداً, دعاك إلى تناول طعام الغذاء، دخلت, تفضل, وجدت الطعام النفيس والطنافس, أينَ الداعي؟ والله مشغول, تفضل وكُلْ, كُلْ . إذاً : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ إذاً : يجب أن تبتغي وجه الله . لذلك: أعظم ما في الجنة رؤية وجه الله، أعظم عقابٍ في النار حجبهم عن ربهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة الآية:22-23] يرى المؤمن ربه كما يرى القمرَ في ليلة البدر، ويغيب من نظرة واحدة خمسين ألف عامٍ من خشية النظر . إذاً : ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ في مرتبة الإيمان مرتبة, تفوق الخوف من العقاب, والسعي إلى الثواب، هؤلاء عاملون أجراء، أما المحسنون مرتبة الإحسان, اسمعوا الآن: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133-134] يوجد صنف آخر : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 135-136] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/20.jpg هؤلاء عاملون بأجر وهؤلاء محسنون, شتانَ بين الفريقين، مرتبة الإحسان شيء ومرتبة الإسلام والإيمان شيءٌ آخر . جاء في الصحيح: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا, فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلاةَ, فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ, فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أُبَيٌّ, غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ, فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ, ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ, وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ, أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي, اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ, وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى, وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ, وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ, وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ, وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ, وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ, وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ, فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ, وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ, اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإيمَانِ, وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) الناس يخافون من الموت، المؤمن يقول له: يا رب, إذا كانت الحياة خيراً لي فأحيني, وإذا كان الموت خيراً لي فأمتني . دعاء رائع جداً . ترى وجهاً مُقبلاً على الله, تقول له: كالبدر، تحارُ في جماله، تحارُ في تألقه، فكيف لو نظرتَ إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكيف إذا نظرَ المرء في الجنة إلى وجه الله عزّ وجل؟ أسألك لذة النظر إلى وجهك, وأسألك الشوقَ إلى لقائك, من غيرِ ضرّاءٍ مُضرة, ولا فتنةٍ مُضلة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة له . من الأحاديث الصحيحة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) أمر الله وسنّة النبي أن تكون أحبَّ إليه مما سواه، تجد نفسك بحفلة، في تقاليد معينة، طقوس جديدة استحدثت, وسنّة النبي معطلة, لا, أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه, وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله. لا مصلحة, ولا علاقة, ولا نسب, ولا قرابة, ولا شراكة . ثلاث علامات؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ للكفرِ بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار . عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: من عادى لي وَلِيّا فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ؛ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه)) [أخرجه البخاري في الصحيح] يقال: إن لحوم العلماء مسمومة، لا أحد يتحدث عن العلماء, هؤلاء مصابيح الدنيا وسرد الآخرة, فليس من شأنك أن تقيّمهم, ولا أن تبحثَ في شأنهم, دعهم في ربهم, عليك أن تُطبقَ سنّة النبي عليه الصلاة والسلام؛ بالصدقات, بقيام الليل، بصلاة الضحى، بخدمة الضعفاء والمساكين، بحلِّ مشكلات الناس, ببذلِ كلَ ما آتاه الله عزّ وجل من قوةٍ في سبيل مرضاته http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2534/21.jpg وإذا أحبَ الله العبد, دعا جبريل فقال: إني أحبُّ فلاناً فأحبه, فيحبه جبريل, ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القَبول في الأرض . والدعاء الشريف: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ, وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي, وَأَهْلِي, وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] تحبُّ المال أعطاك المال، تحب زوجة تروق لك أعطاكَ إياها، تحب بيتاً واسعاً بلّغكَ إياه ، تحب منصباً رفيعاً أعطاك إياه, ماذا ستفعل به؟ . قال: اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله قوةً لي فيما تحب. يا ربي اجعلني أسخّر هذا المال لمرضاتك، وأسخر هذا البيتَ للدعوة إليك، وأسخر هذه المركبة لخدمة عبادك، أسخر هذا المنصب لنُصرة الضعفاء والمساكين . اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويتَ عني ما أحب, مثلاً الزوجة وسط, لو أنها أفضل من هذه, لشغلَتكَ عن الله عزّ وجل, فاجعله فراغاً لي فيما تُحب، الدخل محدود نِعمة, معناها متفرغ لله عزّ وجل، لو أنه أعطاك كما تريد, لضاقت أوقاتك عن حضور مجلس علم . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاخلاصالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع ) الإخلاص : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع من سلسة دروس تعبد القلب بما ينبغي له أن يكون عليه من رضوان الله تعالى ، في درسين سابقين تحدثنا عن موضوع المحبة , وكيف أن المحبة هي روح الدين ؟ واليوم ننتقل إلى موضوع جديد ألا وهو الإخلاص . الآية الأولى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ........... أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة الآية: 5] أمِروا أن يعبدوا الله مخلصين، الحالة الداخلية هي الإخلاص, والحالة الخارجية هي العبادة . الآية الثانية : فاعبد الله مخلصا له الدين . وآية أخرى : يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 2] الآية الثالثة : قل الله أعبد مخلصا له ديني........... وفي آية ثالثة : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر الآية: 14] الآية الرابعة : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم .......... وفي آية رابعة : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة المُلك الآية: 2] الفضيلُ- رحمه الله تعالى- فسّرَ: ﴿أيّكم أحسن عملاً﴾ أن يكون العمل صواباً وخالصاً؛ صواباً وفق السُنّة، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله . الآية الخامسة : قل إنما أنا بشر مثلكم ........... وفي آية أخرى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] الإشراك هنا إشراكٌ في النيّة, فمن كان يرجو لقاء ربه, فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً, لا يشرك في قصده ولا نيّته أحداً مع الله عزّ وجل . الآية السادسة : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ........... وفي آية أخرى يقول الله عزّ وجل : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 125] فإسلام الوجهِ لله عزّ وجل إسلامٌ القصد والعمل للهِ عزّ وجل، والإحسان متابعة النبي عليه الصلاة والسلام . آيات كثيرة كلها حولَ محورٍ واحد : أُمرتَ أن تعبد الله وأن تكون هذه العبادة في إخلاصٍ لله عزّ وجل . انطلقت من هذا الموضوع من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا معاذُ, أخلص دينك يَكفِكَ القليلُ من العمل)) وانطلقت في هذا الموضوع من قوله تعالى : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 23] عملٌ عظيمٌ؛ عظيم بلا إخلاص, يجعله الله هباءً منثوراً, وعملٌ قليلٌ مع الإخلاص يتقبلّه الله عزّ وجل, وربما كان هذا العمل مع الإخلاص سبباً لنجاةِ صاحبه من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرى . يقول عليه الصلاة والسلام يخاطبُ سيدنا سعد بن أبي وقاص: ((يا سعدُ, إنكَ لن تُخلّفَ فتعملَ عملاً تبتغي به وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً)) [أخرجه البخاري ومسلم] ما من عملٍ تعمله تبتغي وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً. المخلص وغير المخلص : وقد يسألُ سائل كيفَ أعرفُ ما إذا كنت مخلصاً أو غيرَ مخلص ؟ هناكَ إجابات عديدة أبرزها : أن يستوي عندك مدح الناس وذمهم , هذه علامةٌ طيبة . أن تبتعدَ عن الرياء , معنى الرياء : أن تُرائي الناس . علامةٌ ثالثة : ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [سورة القيامة الآية: 14-15] لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل : جَعَلَ الإنسانَ مطلّعاً على نفسه , يعرف سرّها ونجواها، يعرف انحرافها واستقامتها ، يعرف إخلاصها ورياءها ، يعرف أمانتها وخيانتها ، هذا سِرٌ من أسرارِ هذه النفسِ البشرية : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا, فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ, ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ, وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ, وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ, فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ)) فإذا أخلصتَ العملَ لله, ونصحتَ ولاة الأمور, ولَزِمتَ جماعة المسلمين, لا يمكن أن ينطوي قلبكَ على غلِّ لأحد . النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا بعض المقاييس قالَ : (( بَرِئ من الكِبرِ من حملَ حاجته بيده)) وقالَ عليه الصلاة والسلام : ((وبَرِئ من النِفاقِ من أكثَرَ من ذِكرِ الله)) مقياس آخر : (( وبَرِئ من الشُحِ من أدى زكاةَ ماله )) هذا مقياس رابع : (( وبَرِئ من الغلِّ من أخلصَ في العمل, ونصحَ ولاةَ الأمر, ولَزِمَ جماعة المسلمين )) إذا لَزِمتَ جماعة المسلمين, ماذا يعني لك؟ هل عندك دليلٌ على أن جماعة المسلمين على حق؟ دائماً ما عليه مجموع المسلمين حق عليه أهلُ السُنّةِ والجماعة حق, ما أجمعَ عليه المسلمون حق, الدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تجتمع أمتي على خطأ )) الأمة بمجموعها معصومة، والنبي عليه الصلاة والسلام بمفرده معصوم: (( لا تجتمع أمتي على خطأ )) إذا كنتَ مع جماعة المسلمين, مع مجموع المسلمين, مع ما هم عليه المسلمون مع جمهور العلماء, فقد بَرِئ قلبكَ من الغِلّ . سُئلَ عليه الصلاة والسلام عن الرجلِ, يقاتل رياءً, ويقاتل شجاعةً, ويقاتل حميّةً, أيُّ ذلك في سبيل الله؟. عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا, وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً, فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ, قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا, فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ] موتٌ على حمية, وموتٌ على رياء, وموتٌ على شجاعة, كلها ليست في سبيل الله، من قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله, والشيء المخيف: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرَ عن أولِ من تُسعّرُ بهم النار يوم القيامة، قالَ عليه الصلاة والسلام: قارئ القرآن إن رآى بقراءة القرآن، والمجاهد الذي يجاهد حميةً أو شجاعةً أو رياءً، والمتصدقُ بماله الذي يبتغي من صدقته, أن يقول الناس: فلان فعلَ كذا وكذا . الذين فعلوا ذلك ليقال: هذا قارئٌ, وفلان شجاع, وفلان متصدق, ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله. الإخلاص : لماذا اخترتُ موضوع الإخلاص؟ لأنه موضوعٌ خطيرٌ جداً، قد يكون لكً عملٌ كالجبال, ولكن تبتغي به الدنيا, تبتغي به السُمعة, تبتغي به الوجاهة, تبتغي به أن تصرفَ وجوه الناس إليك, تبتغي به المديح, تبتغي به الرِفعة . موضوع المحبة موضوعٌ خطير, وموضوع الإخلاصِ موضوعٌ أخطر . الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية يقول : (( أنا أغنى الأغنياء عن الشِرك, من عَمِلَ عملاً أشرَكَ فيه غيري, فهو للذي أشركَ فيه, وأنا منه بريء )) يعني هذا العمل أكثره لله وقليل منه لزيد أو عبيد، الله سبحانه وتعالى كلُّ هذا العمل لا يقبله, سهمين من مائة لزيد أو عبيد و 98 سهم لله, هذا العمل عند الله كله مرفوض . إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, والطيبُ هنا ما كانَ العملُ خالصاً لوجه الله تعالى, لذلك القصد أن ننتبه لقلوبنا، أن نتفحصَ أعمالنا، أن ندققَ في نوايانا، أن نتفحصَ نفوسنا، أن نتأملَ الغايات البعيدة التي وراءَ أعمالنا . في حديثٍ قدسيٍ آخر: يقول الله عزّ وجل للمرائي يومَ القيامة: (( اذهب فخذ أجرك ممن عَمِلتَ له لا أجرَ لكَ عندنا )) أنتَ عَمِلتَ لمن؟ لفلان؟ خذ أجركَ منه . وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] ((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ, وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ, وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ)) إنسان وسيم الطلعة, عريض المنكبين، ضخم الجثة، لا ينظر الله إليه, كلكم يعلم حديثَ الأحنف بن قيس الذي وصفه الواصفون, فقالوا: كانَ قصيرَ القامة، أسمرَ اللون، أحنفَ الرِجل, مائلَ الذقنِ, ناتئَ الوجنتين، غائرَ العينين، شيء من قُبيحِ المنظر, وهو مع ذلك سيد قومه, إن غَضِبَ غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيفٍ, لا يسألونه فيما غضب, وكان إذا علمَ أن الماءَ يفسد مروءته ما شربه . إن الله لا ينظر إلى أجسامكم: مهما يكن جسمك، مهما يكن وصفك، مهما يكن طولك ، مهما يكن لونك، مهما تكن عيناكَ واسعتين، مهما يكن شكلك جذاباً، مهما يكن لباسك أنيقاً، مهما تكن العطور منك فواحة . بعض العلماء قال: يدخل في الصرر بيتكم، مركبتكم، أثاث البيت، الحاجات الثمينة التي تقتنيها، الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه, يتحدث عن علامات آخر الزمان: يكون فيه قيمة المرء متاعه, لا قيمة المرء ما يحسن. ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) أعمالكم في الظاهر وقلوبكم في الباطن . يجب أن يكون القلبُ مفعماً بالإخلاص لله عزّ وجل . أثرٌ مرويٌ عن الله عزّ وجل في حديثٍ قدسي: ((الإخلاص سِرٌ من سري, استودعته قلبَ من أحببته من عبادي)) سر من أسرار الحق، لذلك غير المخلص بحاجة ملحّة إلى أن يستجدي الثناء, أما المخلص تشعر أنه لا يحتاج ثناءك, لأن إخلاصه لله أكسبه صِلةً مُسعدةً مع الله عزّ وجل, فهو لن يستجدي ثناء الناس ومديحهم، هذا الذي يهتم اهتماماً كبيراً لثناءِ الناسِ, في إخلاصه شائبة، في إخلاصه خلل. ماذا قالَ العلماء عن الإخلاص؟ أحاديثُ قدسيّة , وأحاديثُ صحيحة , وآياتٌ قرآنية , تجعلُ الإخلاصَ نصف العمل , العمل له ظاهر وله باطن , في الظاهر ينبغي أن يكون وفقَ السُنّة , وفي الباطن ينبغي أن يكون مخلصاً . قال بعض العلماء الإخلاص : إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة . الإنسان يدخل المسجد ليصلي , كان مع أصدقائه , يدخل معهم ليصلي , ويصلي , لكن ما أفردَ الله عزَ وجل في هذه الطاعة , صلّى حياء ، صلّى مجاملةً ، صلّى مسايرةً ، صلّى ليجلبَ مدح الناسِ له ، فأيُّ عملٍ يفعله الإنسان , يستجلبُ به مديح الناس , هذا عملٌ بعيد عن الإخلاص . الإخلاص : إفراد الحق سبحانه بالقصدِ في الطاعة . من تعريفات الإخلاص : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. من رآني ؟ رآني فلان , يعني حينما ينشأ في قلبِ الإنسان رغبة أن يطلّعَ الناسُ على عمله , يرتاح راحةً كبرى , هذه الراحة من ضعفِ الإخلاص . بعضهم قال : الإخلاص: التوقي من ملاحظة الخلقِ على نفسك . لا يعنيك أمر الخلق لاحظوا أو لم يلاحظوا . بعضهم قال : من شَهِدَ في إخلاصه الإخلاص , فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص . مرةً ثانية : من أخطر موضوعات الدعوة إلى الله عزّ وجل ، موضوع الإخلاص , لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح متواترٍ , يُعّدُ أصلاً من أصول الدين : عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ , وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى , فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا , أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يتزوجها , فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] قيمة العملِ تنبع من نيتك . كما قال بعض أخوتنا الأكارم : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن . من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله. العمل يستوي في الظاهر وفي الباطن, والرياء أن يكون الظاهر خيراً من الباطن، والصدق في الإخلاص أن يكون الباطن خيراً من الظاهر, إذا استوى الظاهر مع الباطن، إذا استوت عبادتك في خلوتك كعبادتك في جلوتك, إذا استوى عملك في السر كعملك في العلانية، إذا استوى ظاهرك مع باطنك فأنت مخلص, الحد الأدنى الأساسي أن يستوي الظاهر مع الباطن، السريرة مع العلانية. قال بعضهم : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق . مشغولٌ بالله عمّا سِواه ، ومن تزيّنَ للناسِ بما ليسَ فيه سقطَ من عين الله, ولئن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله . قيل لأحد العلماء واسمه سهل التستري: أيُّ شيء أشدُ على النفسِ؟ قالَ: الإخلاص, لأنه ليسَ للنفسِ فيه نصيب، ليس هناك شهوة الإخلاص يرويّها، ليس هناك حظُ نفسٍ الإخلاص يحققه ، الإخلاص عِبء على النفس, ربما أمرك الإخلاص أن تفعلَ شيئاً مخالفاً لرغبة النفس, النفس ترغب أن ترتفع, الإخلاص يأمرك أن تبتعد عن مواطن الرِفعة . الإخلاص أن لا تطلبَ لعملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل, ما دامَ اللهُ قد رآك هذا شيء كاف, ما الذي يحصل مع الناس؟ الإنسان يتمنى أن يراه الناس في أحسن حالاته، إذا صلّى صلاةً خاشعة, وشعر أن الناس رأوه يبكي, ترتاح نفسه, معنى ذلك هو يبتغي السمعة، إذا عمل عملاً صالحاً, وشعر أن أحداً علمَ هذا العمل, ترتاح نفسه. قال : الإخلاص أن لا تطلبَ على عملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل ولا مجازياً سواه . أن لا تطمع بشاهد ولا مجاز, هذا هو الإخلاص. قال أحد العلماء : ما أخلص عبدٌ قطُ أربعين يوماً , إلا ظهرت ينابيع الحِكمة في قلبه , وأجراها الله على لسانه . أربعون يوماً في إخلاصٍ شديد , ترى أن الله سبحانه وتعالى أنطقكَ بالحكمة ، سددَ خطاك , ألهمك الصواب , عَمّرَ قلبكَ بالإيمان , غَمَسَكَ في سعادةٍ لا يعلمها إلا الله . قال بعض العلماء : إذا أخلصَ العبد , انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء . ندخل في موضوع آخر ألا وهو تعريف الإخلاص ، ذكرنا آيات , وأحاديث صحيحة , وأحاديث قدسية , وأقوال بعض العلماء عن الإخلاص, وكيف أن الإخلاص هو نصف الدين؟ الدين عمل وحال، الحال الداخلي يجب أن يكون إخلاصاً لله عزّ وجل, والظاهر هو العمل . قال الإخلاص : تصفية العمل من كلِّ شائبة . تقول: هذا الحديد نسبة الشوائب فيه مرتفعة, إذاً: سعره متدنٍ, قد ينكسر، كلما قلّت نسبة الشوائب في الحديد ارتفع ثمنه، وكلما زادت هذه النسبة قلّت قيمته . الإخلاص تصفية العمل من كلِّ شائبة . قال بعضهم : أن لا يمازج العمل ما يشوبه من شوائب النفس . إما طلبُ التزيّنِ في قلوب الخلق, أو طلب مدحهم، أو الهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو طلب خدمتهم ومحبتهم، أو طلب قضاء حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب: أن تريد ما سوى الله بعملك . درجات الإخلاص : الدرجة الأولى : أن لا ترى لك عملاً . قد يكون لك عملٌ عظيم ، وما دمت تراه لك عملاً ضخماً , فهذا من عدم الإخلاص , لأنك رأيت لك عملاً مستقلاً عن الله عزّ وجل , والشيء الثابت : أن العملَ الصالح بتوفيق الله , وأنتَ في الصلاة تقرأ كلَّ يوم : إيّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعين , ولا حولَ عن معصية الله إلا بالله , ولا قوة على طاعته إلا به . الإنسان إذا نظرَ إلى عمله , واستعظمَ عمله , وعرفَ حجمَ عمله , وباهى بعمله , وألقى الأضواء على عمله , ومنَّ الناس بعمله , وقال : أنا فعلتُ كذا وكذا , رؤية العملِ ضخماً نوعٌ من ضعفِ الإخلاص . النبي عليه الصلاة والسلام قالَ في بعض أدعيته : اللهم أنا بك وإليك، أنا قائمٌ بك، كلُّ ما عندي من فضلك، وإليك قصدي كله إليك. هذا الدعاء : اللهم أنا بك وإليك, يعني أنتَ قائمٌ بالله, ذكاؤك, خبراتك, أعمالك, توفيقاتك, إنفاقك, دعوتك, هذه كلها بالله, ويجب أن تكون لله, كنّ به وله, فإذا قلت: أنا بما عندي, هذه قالها قارون, قال: إنما أوتيته على علمٍ عندي, دعاءٌ مختصرٌ اختصاراً شديداً, اللهم أنا بك وإليك, الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة الإنسان الآية: 30] لولا أن الله سبحانه وتعالى سمحَ لك أن تكون هكذا ما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى أمدك بهذا العمل لما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى جمعك مع أهل الحق ما كنتَ هكذا، لولا أنه أعطاك قوة وأعطاك مالاً ما كنتَ هكذا . حينما تنظر إلى عملك فهذا ضعفٌ في إخلاصك، أما إذا فنيتَ عن رؤية عملك, ورأيت أن هذا العمل العظيم الذي أجراه الله على يديك, إنما هو محض فضلٍ من الله عزّ وجل, هذا بعض ما في الإخلاص من معنى . يقول عليه الصلاة والسلام في بعضِ الأحاديث الشريفة: ((إذا أراد ربك إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسبه إليك)) واحد قالَ كلمة أعجبتني قال: المؤمن صفيحة ذهب, فإذا ظنَّ أنه ممتلئٌ ذهباً, أُفرغت هذه الصفيحة من الذهب, فبقيت صفيحة, فإذا عزى الفضل إلى صاحبه, وهو الله سبحانه وتعالى, بقي هذا الذهب في هذه الصفيحة, وكان ثميناً جداً, يعني أنتَ بفضلِ الله لا بفضلك، بقوة الله لا بقوتك، بعلم الله لا بعلمك, ماذا قال الله عزّ وجل تأكيداً لهذا المعنى؟ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 21] آية واضحةٌ كالشمس : ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ولكن الله يزكّي من يشاء﴾ أخلاقك العليّة الرضيّة, صلاتك المتقنة، تهجدك، إقبالك، ذِكرك، عملك الصالح، دعوتك إلى الله، قوة تأثيرك في الناس، هذا فضلٌ من الله عزّ وجل، فإذا رأيته منك, فهذه الرؤيا فيها ضعفٌ في الإخلاص، آية ثانية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 21] هذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 7] إنسان له عمل، الله عزّ وجل أجرى على يده الخير، وكان هذا العمل صالحاً، ورأى هذا العمل من جهده, ومن ذكائه, فقد ضَعُفَ إخلاصه, قال: كمن يرى أنه جميل الصورة, هو لم يخلقَ نفسه, لا, هذا من فضل الله عليه . الإنسان مما يُضعفُ إخلاصه, أن يطالبَ الله بجزاءٍ على عمله: يا رب هكذا فعلت يا رب؟ أين الجزاء؟ أين الثواب؟ أين رحمتك؟. مثل لطيف وإن كان مبالغ به، دائماً في الأمثلة, ينبغي أن تكون الأمثلة حادةً أحياناً, والقصة وقعت: إنسان ذهبَ ليلقي قمامته في الحاوية, فإذا في الحاوية كيسٌ أسود, فيه حركة, أطلَّ على هذا الكيس, وأمسكه, فإذا غلامٌ صغير, وُلِدَ لتوه, أخذه من الحاوية, وتوجّه به إلى مستشفى, ووضعه في حاضنة, واعتنى به عنايةً فائقة, ثم جلبه إلى البيت, وأحسنَ رعايته وتربيته, إلى أن صارَ هذا المولود طفلاً, وكَبُرَ الطفلُ, وأدخله في أفضل دار حضانة, ونقّله إلى مدرسة ابتدائية, ثم إلى إعدادية, وثانوية, وأنفقَ عليه, حتى حصّلَ أعلى شهادات, وصارَ طبيباً, ولم يكتفِ أن يكون طبيباً, أرسله إلى بلادٍ غربيّةٍ, وحصّلَ أعلى شهادات الطب, وفتحَ هذا الطبيب عيادةً, وأقبلَ الناس عليه, ونما دخله كثيراً, واشترى بيتاً فخماً, ومركبة فارهة, وصار له اسمٌ لامع, وصيتٌ ذائع, ومرةً شعرَ وليُّ نعمته, الذي رباه, الذي التقطه من الحاوية, شعرَ بألم في أمعائه, فتوجّه إلى هذا الطبيب الذي رباه, وعالجه الطبيب, وشخّصَ له المرض, وصفَ له الدواء, وخطرَ في بالِ هذا الطبيب, أن يأخذَ أجراً من سيده ومولاه وربيب نعمته، أليسَ تفكير هذا الطبيب أن يأخذَ أجرةً من هذا الإنسان بالذات جريمة؟ فهذا الذي يطالب الله بجزاءِ عمله ضعُف إخلاص: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 1] يؤكّد هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة مؤتة, أرسلَ إليها جيشاً, وعلى رأسه زيد بن ثابت, فإذا قُتلَ زيد, فالقائد جعفر, فإذا قُتلَ جعفر, فالقائد عبد الله بن رواحة, ما الذي حصل؟ حينما دارت رحى المعركة سريعاً, ما سقطَ سيدنا زيد شهيداً, أخذَ الراية منه سيدنا جعفر, وسريعاً ما سقطَ شهيداً, جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, وكان شاعراً, ورأى صاحبيه تساقطاً تِباعاً بسرعةٍ بالغة, يبدو أنه تردد وقال : يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن توليـــتِ فقد شقيتِ ثم أخذَ الراية فقاتلَ بها حتى قُتل . نريد من هذه القصة: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه النبأ, جمعَ أصحابه, وقالَ لهم: أخذَ الراية أخوكم زيد, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذَ الراية أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة, وسكتَ النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, قَلِقَ أصحابه على عبد الله بن رواحة, قالوا: يا رسول الله! ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَّ أخذَ الراية أخوكم عبدُ الله, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه . مرتبته هبطت درجة, لأنه تردد ثلاثين ثانية، تردد, لا في إنفاق ماله، لا في أن يذهبَ معكَ ليخدمكَ في موضوعٍ ما، ما تردد ليستقبلكَ في بيته، تردد في بذلِ نفسه في سبيل الله، ومع ذلك هبطت مرتبته درجة. لذلك: هذا الذي يريد من الله تعويضاً على استقامته، وعلى إخلاصه، وعلى عمله، وعلى دعوته، وعلى بذله, إذا أردتَ تعويضاً من الله عزّ وجل على عملك, فهذا يقدحُ في إخلاصك, هيّ نقطة ثانية: أنتَ في خدمة خلقِ الله عزّ وجل لأنك عبدٌ له . الإنسان حينما يرضى عن نفسه، وحينما تُعجبه نفسه، وحينما يرتاح لها، وحينما يثني عليها, وحينما ينزهها، وحينما يعتقد فيها العِصمة، وحينما يعتقد فيها الكمال، هنا قد قُدحَ في إخلاصه, لأنَ الناسَ جميعاً عدا النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا معصومين، ما من واحدٍ إلا وله نقطة ضعفٍ, والدليل: أنَّ أحدَ التابعين رِضوان الله عليهم قالَ: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, هؤلاءِ أصحاب رسول الله, الذين رضيَ الله عنهم, والذين كانوا مع رسولِ الله في السرّاءِ والضرّاء، في المنشطِ والمكره، الذين ذللوا الغالي والرخيص, والنفسَ والنفيس، ومع ذلك قالَ أحد التابعين: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, لِعِظمِ حق الله عليهم, فإذا رضي الإنسان عن نفسه, وأعجبته نفسه, وأثنى على نفسه, ورأى نفسه إنساناً متفوقاً, هذا مما يقدحُ في إخلاصه . أشياء ثلاثة تقدحُ في إخلاص الإنسان، الشيء الثالث أن تعجبه نفسه، أن يُثنى عليه، أن يبرئها, أن لا يتهمها، وأما السلفُ الصالح فكانوا يتهمونَ أنفسهم, ويحسنون الظنَّ بغيرهم, هذه أخلاق المؤمن, إن رأيتُ قد ألمّت بأخي مصيبة أُحسن الظنَّ به, قل: هذه مصيبة رفعٍ، وإن ألمّت بيَّ مصيبة أتهمُ نفسي, أما العكس: العكس غير صحيح، إن ألمّت بيَّ مصيبة أُبرئ نفسي، وإن ألمّت مصيبةٌ بأخي أتهمه, هذا ليسَ من الدين في شيء . والشيء الثاني: أن تُطالبَ الله بأجرةٍ على عملك, وكأنك لا تعرفُ فضله عليك: ﴿هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ والشيء الأول: أن تلاحظَ عملك, أن تكون معتداً به, مفتخراً به، عملك بارزٌ أمامك، تثني عليه, أو تنتظرُ الثناء عليه . هذه الأشياءُ الثلاثة تقدحُ في إخلاصِ العبدِ مع ربه سبحانه وتعالى. عمر بن الخطاب : الحقيقة: قد نقف مشدوهين أمام عمر, ثاني الخلفاء الراشدين، سيدنا عمر عملاق الإسلام، سيدنا عمر حينما كان مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في المدينة, يطوفان في أسواقها في الليل, رأيا قافلةً قد حطت رحالها في بعض أطراف المدينة, قالَ: يا عبد الرحمن, تعالَ نحرس هذه القافلة لوجه الله تعالى, فوقفا يحرسانها, يبدو أن طفلاً صغيراً بكى, فتوجه عمر إلى أمه, وقال: يا أمة اللهَ أرضعي طفلك، بعدئذٍ بكى مرة ثانية, توجه إليها, وقالَ: يا أمة الله أرضعي طفلكِ، بكى مرة ثالثة فغضب, وكان غضوباً حاداً. -النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((الحِدةُ تعتري خيارَ أمتي)) توجه إلى هذه المرأة وقالَ: يا أمةَ السوء أرضعي ولدكِ, فقالت: دعنا يا رجل ما شأنك بنا؟ إنني أفطِمه، قالَ: ولِمَ تفطمينه؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعدَ الفِطام -المعاش التقاعدي, التعويض العائلي, لا يستحق عند عمر إلا بعدَ الفِطام, إني أفطِمه- قال: يروي التاريخ: أن عمرَ بن الخطاب صاحَ صيحة صُعِقَت الناسُ، قال: ويحك يا بن الخطاب, كم قتلتَ من أطفال المسلمين؟ وقال لها: تعالي غداً, وأصدرَ أمراَ أنَّ العطاء للأطفال يُصرفُ عِندَ الولادة لا بعدَ الفِطام . ويروي أصحابه: أنه صلّى بهم الفجر, فما استطاعوا أن يفهموا الآيات التي قرأها, لشدة بكائه, وكان يقول لربه: هل قَبِلتَ توبتي فأُهنئ نفسي, أم رددتها فاُعزيّها؟. ولما جاءه رسولٌ من أذربيجان, هذا الرسول -كما تعلمون- كره أن يطرقَ بابه ليلاً, فتوجه إلى المسجد, فإذا في المسجد رجلٌ يصلي ويبكي, قالَ: من أنتَ يرحمك الله؟ قالَ: أنا عمر, قالَ: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قالَ: أنا إن نِمتُ ليلي كله أضعتُ نفسي أمام ربي, وإن نِمتُ نهاري أضعتُ رعيتي, بقي معه حتى أذّنَ الفجر, وصلّى معه, وأخذه إلى البيت, وقال: ما الذي أقدمك إلينا؟ قال: يا أمير المؤمنين, معي هدية من عاملك على أذربيجان, فتحها عمر, فإذا بها طعامٌ نفيس, أكلَ لُقمة واحدة، قالَ: يا هذا, هل يأكلُ عندكم عامةُ المسلمين هذا الطعام؟ قالَ: لا, هذا طعام الخاصّة, فقال: حرامٌ على بطنِ عمر أن يذوقَ حلوى لا يطعمها فقراء المسلمين, والقصص التي تروى عن هذا الخليفة الراشد كثيرة جداً . مرةً جاءه ملك, جَبَلَة مَلِكٌ في الجزيرة, مَلِكٌ غساني, جاءه مسلماً، طبعاً رحّبَ به, وأسلمَ هذا الملك, وطافَ بالكعبة, فجاءَ بدويٌ داسَ طرفَ إزاره, فلما داسَ طرفَ إزاره, وهو لا يدري ولا يقصد, انخلعَ عن كَتِفه إزاره, فالتفتَ إلى هذا البدوي الملك جَبَلة, وضربه ضربةً هشمّت أنفه, هذا البدوي ليسَ له إلا عمر, توجه إليه, وقالَ: يا أمير المؤمنين, فلان لطمني هذه اللطمة, وهشمَّ أنفي, خذّ لي الحقَ منه، طلبه عمر, في إنسان صاغ هذا الموقف صياغةً أدبيّةً, قال له: أصحيح ما ادعّى هذا الفذاريُّ الجريح؟ قالَ جَبَلَة: لست ممن يكتم شيئاً أنا أدبّتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ قالَ عمر: أرض الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظـفرك عابئٌ بدمائه أو يهشمـــنَّ الآن أنـفكوتنـــالَ ما فعــلته كفك قالَ: كيفَ ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقةٌ وأنـا عرشٌ وتاج كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً؟ فقالَ عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجرية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً فقالَ جَبَلَة: كانَ وهمــاً ما جــــرى في خَلدي أنني عنـــدكَ أقوى أعز أنا مرتدٌ إذا أكرهتني فقالَ عمر: عُنُقُ المرتدُ بالسيفِ تُحزعالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى وأعزُّ الناس بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى هذا موقف . ولمّا امتحنَ أحدَ ولاته, وقالَ: يا فلان, ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ قالَ: أقطعُ يده, قالَ: إذاً: فإن جاءني من رعيتكَ من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك, إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسدَ جوعتهم, ونسترَ عورتهم, ونوفّرَ لهم حِرفتهم, فإن وفيّنا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرها, إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعةِ عملاً, التمست في المعصيةِ أعمالاً, فاشغلها بالطاعة قبلَ أن تَشغلكَ بالمعصية . طبعاً: هذه بعض المواقف, وله مواقف لا يعلمها إلا الله, كان عملاق الإسلام, ليسَ هذا الموضوع, هذا الموضوع تعرفونه, ولكن علاقة هذه القصص بهذا الدرس: كيف يقول عمر: ليتَ أمَّ عمر لم تلد عمر, ليتها كانت عقيمة؟ كيف يقول عمر: أتمنى أن أقدُمَ على ربي لا ليَّ ولا علي؟ لأنه كانَ مخلصاً لله, لأنه رأى عِظم حقِّ الله عليه، عِظم حقِّ الله عليه مهما عبده، مهما أخلص له، مهما بذلَ من وقته، مهما بذلَ من جهده، مهما بذلَ من ماله، لا يؤدي شيئاً من حقِّ الله عليه . هذا الذي يمنُّ على الله عزّ وجل ما عَرَفَ الله, ما ذاقَ طعمَ الإخلاص: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] إذا أطلق الله لسان الإنسان بالحق, إن كان مخلصاً يقول: يا ربي لك الحمد, الذي سمحت لي أن أقولَ عنك كلاماً طيباً، يا ربي لكَ الحمد, سمحتَ لي أن أكون من عبادك الصالحين، يا ربي لكَ الحمد والشكر على أن قيّضت ليّ من يهديني سواء السبيل, هذا المخلص، أما الذي يدلُّ بعمله يقول: أنا فعلت, هذا بعيد عن أن يكون مخلصاً لله عزّ وجل . الذي يعنينا أن نكونَ مخلصين لله عزّ وجل في كلِّ أعمالنا, لأن الله عزّ وجل طيبٌ ولا يقبلُ إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنينن بما أمرَ به المرسلين . ومرةً ثانية: علامة الإخلاص: أن يستوي العمل في السرِّ والعلانية, في الباطن والظاهر, العلامة الثانية: أن يستوي المدح والذم عندك: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غِضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمـين خراب إذا صحَّ منك الوصل فالكلُّ هيّن وكل الذي فوقَ الترابِ ترابُ العلامة الثالثة: ألا تطلبَ شهوداً على عملك إلا الله, وألا تطلب الجزاء على عملك إلا الله, لست محتاجاً لمن يشهد لك عملك. أحدهم ذهب إلى المسجد, عنده مال, وينوي أن يذهب إلى الحج, فقال: أدخل المسجد, وأتفحص وجوه المصلين, أيهم كان أشدَ خشوعاً أدفعُ له هذا المال, وقف في زاوية, وتأملَ وجوه المصلين, فرأى أحدهم يعصر نفسه, ويغمض عينيه, ويتطامن, أعجبه خشوعه, فتوجه إليه بعد الصلاة, وقال: أنا واللهِ أحببت صلاتك, ومعي مالٌ أريد أن أودعه عندكَ, لأنني ذاهبٌ إلى الحج, قالَ له: وأنا أيضاً صائم سيدي, فقال له: صيامك لم يعجبني . أنا ألبي رغبة كل أخواننا, يصرّ بعضهم ألا يدفع مبلغاً للمسجد, حتى توضع رخامة باسمه، المحسن الكبير فلان الفلاني, أنا أعاني هذا, لا يقبل إلا بلوحةٍ عليها اسمه, هذا ضعفٌ في الإخلاص، الله عزّ وجل رآك ماذا فعلت, وعَلِمَ فعلك, وما تفعل من خيرٍ يعلمه الله . العلامة الرابعة: أن تؤثره على كلِّ ما سِواه، العلامة الخامسة: الخلق كلهم عنده سواسية, والله سبحانه وتعالى هو قصده ومبتغاه . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : العلمالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس ) منزلة العلم : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الخامس من دروس جامع العثمان، ندخل الآن في موضوعٍ جديد, أو منزلةٍ جديدة من منازل: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ولا أبالغ إذا قلت: إنها من أرقى المنازل، إنها منزلة العلم . الله سبحانه وتعالى ما اعّتمد في قرآنه الكريم إلا قيمة العلم، هناك قيمة المال, وقيمة القوة, وقيمة الصحة, وقيمة الغِنى, وقيمة الجمال, كلُّ هذه القيّم ما اعّتمدها الله عزّ وجل للترجيح بين خلقه، لكن قيمة العلمِ وحدها كانت معتمدةً في القرآن الكريم, حيث قال الله عزّ وجل: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 9] إنها من أرقى المنازل, هذه المنزلة إن لم تصحب السالكَ من أول قدمٍ, يضعها على طريق الإيمان حتى تنتهي به الطريق, فهو على غير طريق, إن شبهنا طريق الإيمان بطريق معبّدة وطريق غير الإيمان, طريقٌ ترابية, فما لم يعتمد سالكُ طريق الإيمان العلمَ, والعِلمَ وحده, فهو على غير الطريق . يجب أن نؤمن أنَّ هناكَ طريقاً إلى الله, ليس هناك طريقٌ أخرى, إنها طريقُ العِلم, لأن الله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [سورة طه الآية: 114 ] لم يقل: زدني مالاً، ولا زدني شأناً، ولا زدني وجاهةً. الإمام الجُنيد من كبار أئمةِ الدين, مشهودٌ له بالعِلمِ والفضل, له كلمةٌ دقيقة يقول: الطرقُ كلها مسدودة على الخلق, إلا على من اقتفى آثارَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, يعني أيُّ طريقٍ إلى الله عزّ وجل دون أن تقتفيَّ أثرَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه الطريق ليست سالكة إنها مسدودة, ويقولُ أيضاً: مذهبنا هذا مقيدٌ بأصول الكتاب والسُنّة . أنتَ معك كتاب ومعك سُنّة، هما منهجاك إلى الله عزّ وجل, توزن أفعالك وأحوالك بالسنة، هذا الفعل مطابقٌ للسُنّة، أقرّه النبي، فعله النبي أم لم يفعله, يجب أن تتخذ من السُنّةِ ميزاناً لأفعالك . هذا الشعور بأنني غير هؤلاء الناس، أنا فوقهم، هذا الشعور سوي؟ هذا الشعور صحي أم شعور مرضي؟ يجب أن تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة، إذا كنتَ حريصاً على آخرتك, إذا كنتَ حريصاً على سعادتك، على نجاتك, كيف تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة إن لم تعرف الكتاب والسُنّة؟ هما الميزان. فمعرفة الكتاب والسُنّة شرطٌ أساسي, لتستخدم الكتاب والسُنّة ميزاناً في أفعالكَ وأحوالك. ومن لم يتهم خواطره فلا يعدُ في ديوان الرجال، يعني ما كلُ خاطرٍ يأتيك حق، ما كلُ خاطر يَرِدُ عليك موافقٌ للكتاب والسُنّة، يجب أن تزين الخواطر، أن تزينَ الأقوال، أن تزينَ الأفعال، أن تزينَ الأحوال، الأفعالُ والأحوالُ والأقوالُ والخواطر . ومن شروط التوبة: العلم, كيف تعرفُ أن هذا ذنب؟ كيف تتوب من ذنبٍ لا تعرفه ذنباً؟ مستحيل, إنسان يتوب من ذنب لا يعرفه أنه ذنب . أولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: العلم، أن تعلم الحلال والحرام، ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يصح وما لا يصح، ما هو مقبول عند الله وما هو غير مقبول. يقول بعض العلماء: كلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، إما أن تكونَ مع رسول الله وإما أن تكون مع هواك، إذا فعلت، تصرفت، فكرت، جاءتك الخواطر، جاءتك المشاعر، ولم تزنها بالكتاب والسُنّة, فهذه من رعونات النفس ومن حظوظ النفس . جهتان لا ثالثَ لهما: إما أن تكونَ مع الكتاب والسُنّة مع منهج الله عزّ وجل, وإما أن تكونَ مع هواك, فكلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، أنتَ مع حظوظِ نفسك، مع رعوناتِ نفسك، مع مطالبِ نفسك . ويقول بعض العلماء: من عملَ عملاَ بلا اتباعِ سُنّة فباطلٌ عمله . يتضح من هذه الأقوال أنه لا بد من معرفة السُنّة، لا بد من قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنَّ كلَّ موقفٍ من مواقفه, وكلَّ تصرفٍ من تصرفاته, إنما هو تشريع لنا، فأقواله وأفعاله وأحواله وإقراراته, هذه كلها العلم بها فرضُ عين, لأنها المنهج . قالَ بعضهم: الصحبة مع الله عزّ وجل بحسنِ الأدبِ, ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله باتباعِ سُنّته, ولزومِ ظاهر العلمِ، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، ومع الأهل بحسن الخلق، ومع الأخوان بدوام البِشر، ومع الجهالِ بالدعاءِ لهم بالرحمة، ومع الحافظيّن بإكرامهما واحترامهما، ومع النفسِ بالمخالفة، ومع الشيطان بالعداوة . قالَ بعضهم: من أمّرَ السُنّة على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ بالحِكمة, ومن أمّرَ الهوى قولاً وفعلاً نطقَ بالبِدعة، إذا أمرّتَ الهوى, وكلُّ بدعةٍ ضلالة, وكلُّ ضلالةٍ في النار، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور الآية: 54] آيةٌ قطعية الدلالة, ﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾ يعني طاعة النبي عليه الصلاة والسلام هي الهدى . بعضهم قال: العِلمُ قائد والخوفُ سائق، الخوف يدفعكَ إلى بابِ الله, والعِلمُ يقودكَ إلى الله، والنفسُ حرونٌ بينَ ذاكَ وذاك، النفس حرون وجموح وخدّاعة وروّاغة فاحذرها, وراعِها بسياسة العلم, وسُقها بتهديد الخوف, يتّمُ لكَ ما تريد . الإنسان إذا قاده العِلمُ إلى الله, أراحه الله من المصائب, فإن لم يقده العلم إلى الله, سخّرَ الله له بعض المصائب, كي تدفعه إلى باب الله, يعني إما أن تأتيه طوعاً وإما أن تأتيه كرهاً، إما أن تأتيه بدافعٍ من إيمانك به, وإما أن تأتيه بدافعٍ من خوفك منه، إن أتيته بدافعٍ من إيمانك, هذا أرقى لكَ عند الله عزّ وجل من أن تأتيه بدافعٍ من خوفك . وكما يقول بعض العلماء: صيدلية الله عزّ وجل أدويتها كثيرةٌ جداً جداً جداً, من ملايين الأبواب يمكن أن تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، لذلك الإنسان حينما يقوده العِلمُ, الله سبحانه وتعالى يطمئنه, فإذا اطمأن على جهله, واطمأنَ على انحرافه, عندئذٍ يدفعه الخوف إلى باب الله عزّ وجل . بعضهم يقول: ما لنا وللعِلم، نحن نأخذُ علمنا من الحيّ الذي لا يموت, وأنتم تأخذونه من حيٍّ يموت، عِلمنا من الله مباشرةً, وعِلمكم من أشخاصٍ يموتون، عِلمنا عِلمُ نبعٍ وعِلمكم عِلمُ جمعٍ . قيلَ لأحدهم: ألا ترحلوا حتى تسمعَ من عبد الرزاق؟ فقالَ: وما يصنعُ بالسماعِ من عبدِ الرزاق من يسمع من الخلاّق . هناك أشخاصٌ يحتقرون معرفة الكتاب والسُنّة، ما أفعل بهذا؟ أنا ليَّ مشربٌ مباشر من الله عزّ وجل أستقي منه علمي . هناك من يقول: إن هذا الكلامَ جهلٌ وكلامَ شيطاني, فلولا هؤلاء الذين نقلوا لك أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, هل كنتَ تعرف سُنّته؟ هذه العبادات التي بيّنها النبي وفصلّها, أنّى لكَ أن تعرفها, لولا أنها نُقلت إليك ورويت لك؟ فهذا الذي يقول: أنا أستغني عن كلِّ علمٍ ظاهريّ, وأنا قلبي موصولٌ بالله عزّ وجل, هذا كلامٌ غير صحيح . لذلك قالوا: من أحالكَ على غير من أخبرنا وحدثّنا, فقد أحالكَ إما على خيالِ صوفيٍ, أو على قياسِ فلسفيٍ, أوعلى رأيٍ نفسي, أنتَ ماذا تريد؟ تريد دين الله عزّ وجل, تريد شرعه, تريد قرآنه, تريد سُنّة نبيه, فإذا ألغيتَ الكتابَ والسُنّة, أنتَ مع من؟ مع خيال, مع طيف, مع تجاوز, مع قياس فلسفي, مع رأي نفسي, وأنتَ لستَ مع الكتابِ والسُنّة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 32 ] هناك عِلمٌ وهناك حال، العلم أن تعرف الله عزّ وجل، أن تعرف ربوبيته، أن تعرف ألوهيته، أن تعرف وحدانيته، أن تعرف أسماءه الحسنى، أن تعرف صفاته الفضلى، هذا هو العلم، أن تعرف أمره ونهيه، أن تعرف حدوده، أن تعرفَ في كلِّ موقف: ماذا ينبغي لكَ أن تفعل؟ هذا هو العلم, وأما الحال أن تشعر بمشاعر مسعدة . أيهما خير العِلمُ أم الحال؟ أجابوا عن هذا السؤال, بأن نفعَ الحال لا يتعدى صاحبه, هو مسرور وحده، لكن ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 120] بينَ أن تكونَ في قلوبِ الآلاف, بين أن يكون أثركَ في قلوبِ المئات والآلاف المؤلفة, بينَ أن يكونَ عِلمكَ قد انتشرَ بين الناسِ كلهم فاستفادوا منه، وبين أن تستمتع وحدك ولا أحدَ معك بهذا الحال . فقالوا: الحالُ لا يتعدى صاحبه، أما العِلمُ كالغيثِ, يقعُ على الوديان, والآكام,ِ ومنابت الشجر، العِلم عام بينما الحال خاص، خاصٌ بكَ وحدك, لا ينتقل إلى أهلك, ولا إلى أولادك, ولا إلى جيرانك, ولا إلى أيّةِ جهةٍ أخرى، لكنَ العلم نفعه عميم . ويقولون أيضاً: دائرة العلم تسعُ الدنيا والآخرة, أما دائرة الحال تضيق عن غير صاحبها, وربما ضاقت عنه . سُميَّ الحالُ حالاً, لأنه يتحول, ليس مضموناً, ليس ثابتاً, لا تستطيع أن تنقله للآخرين, ولا تستطيع أن تصرفه, ولا يمكن أن تبيعه, ولا أن تقدمه, شيء خاصٌ بك، لكن الذي يتعلم يؤتيه الله حالاً, لأن الحال ثمرة من ثمار طاعة الله عزّ وجل, إذا أطعته طاعة تامة. ((من عَمِلَ بما علم, أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم)) إذا أطعتَ الله عزّ وجل في كلِّ شؤونك، في كلِّ حركاتك وسكناتك، عندئذٍ يتوج الله لكَ هذه الطاعة بحالٍ طيب تسعدُ به, أما إذا بحثتَ عن الحال وحده وسعيتَ إليه, وأهملتَ ما سواه من العلم والمعرفة والعملِ, فهذا الحال لا ينفعك, ولا يغنيك من الله شيئاً . ويقولون أيضاً: العلمُ هادٍ والحال الصحيح مهتدي به، كلّ إنسان إذا حقق هدفه, يشعر بحال مسعدة, حتى إن اللصَ لو سرقَ مالاً كثيراً, ورأى أن هذا العمل عادَ عليه بمبلغٍ كبير, يشعر بنشوة . الحال في تعريفه الدقيق: حينما تصبو إلى شيء وتحققه, تشعر براحة، هذه الراحة ميزانها العلم, إذا صبوتَ إلى حقٍ, وحصلّته, وارتحتَ مع الحق, فالعلم يقول لك: هذا حال طيب, أما إذا فعلتَ شيئاً منكراً, وحققته بالتمام والكمال, وشعرت براحة الإنجاز, هذا الحال غير صحيح, هذا حال غير حالَ أهلِ الإيمان . يعني أنتَ بالعلم تعرف ما إذا كان هذا الحال رحمانياً أو شيطانياً، أما أن يأتي الإنسان حالة سرور هذه ممكنة، إذا جاءت حركتك اليومية موافقةً لمهمتك تشعر براحة، إذا سافرت إلى بلدٍ أجنبي لتعقد صفقة رابحة, ورأيت البضاعة مناسبةً, وسعرها مناسباً جداً, ووقعّتَ العقد ، ساحَ خيالكَ بالأرباح الطائلة التي سوف تجنيها, من هذه البضاعة تشعر براحة كبيرة، تشعر بسرور، هذا السرور يقيّم بالعلم . والعلم تَرِكةُ الأنبياءِ وتراثهم، الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً, ولكن ورّثوا هذا العلم, فمن أخذَ منه أخذَ بحظٍ وافر . العلم تراثُ الأنبياء، والذي يتعلم العِلم هو من أهلهم, ومن عصبتهم, ومن مرّاتهم، سلمان منّا آلَ البيت، نِعمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله يعصه، من هم أهل الله؟ الذين تعلموا القرآن, وعرفوا عظمته, وعرفوا أحكامه، العلمُ حياة القلوب، القلب لا يحيا إلا بالعلم، العلم نور البصائر، الله عزّ وجل سمّى كتابه نوراً مبيناً، العلم شِفاءٌ للصدور، إذا عرفتَ هذا الحكم ، إذا عرفتَ أن هذا العمل يرضي الله, هذا لا يرضيه, تشعر براحة، ما دام عملكَ يقع موافقاً لمنهج الله عزّ وجل, هناكَ راحة كبيرة . العلم رياض العقول، الإنسان عقل ونفس وجسد، العقل غذاؤه العلم، والجسد غذاؤه الطعام والشراب، والقلب غذاؤه الحب, فإذا لم تتعلم حصل هناك عرج, اختلال في التوازن، العلمُ لذّةُ الأرواح, من ذاقَه عرف, ما من شيء أحبُّ إلى المؤمن من مذاكرةِ العلم، العلم أُنسُ المستوحشين، العلم دليل المتحيرين، العلم هو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال، العلم هو الحاكم المفرّق بين الشكِ واليقين, والغيِّ والرشاد, والهدى والضلال، بالعلم يُعرفُ الله، بالعلم يُعبدُ الله، بالعلم يُذكر الله، بالعلم يوحّدُ الله، بالعلم يحمد، بالعلم يمجّد، بالعلم اهتدى إلى الله السالكون، من طريق العلم وصلَ إليه الواصلون، من باب العلم دخلَ عليه القاصدون . أنا أقول لكم: ما من عملٍ أجلُّ وأعظمُ وأخطرُ في حياتكم من طلب العلم، وأيُّ علمٍ هذا ؟ معرفة الله عزّ وجل، وكيف تعرف الله عزّ وجل؟ يجب أن تعرف القرآن الله عزّ وجل, يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 1] الكتاب يعدل خلقَ السموات والأرض، الكون كله في كفة والكتاب في كفة، لذلك إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالبِ العلم رِضىً بما يصنع، بالعلم تُعرف الشرائع والأحكام، بالعلم تميّز الحلال من الحرام, بالعلم تصل الأرحام، بالعلم تعرف مراضي الحبيب، بالعلم تكون إلى الله قريب، العلم هو كلُّ شيء، الطريق السالك الوحيد إلى الله عزّ وجل أن تعلم، أن تعرفه، أن تعرف كتابه، أن تعرفَ سُنّة نبيه، أن تعرف الأحكام الشرعية، أن تعرف سيرة سيد المرسلين ، لذلك حينما تنكشف الحقائق, وحينما يُكشف الغطاء, لا يندم الإنسان في حياته كلها, إلا على ساعةٍ مضت, لم يتعرّف إلى الله فيها، وقلت لكم دائماً: إن أبواب الدنيا مغلّقة, ولا تدخلها إلا بمبلغٍ كبير, لكن أبواب الحق مفتّحة لكلِ داخل, وبلا أجر, وبلا صعوبات, وبلا عقبات . العلم إمام والعمل مأموم، لا يمكن أن يصحَّ عملك إلا إذا صحَّ علمك، لا يمكن أن يصلحَ عملك إلا إذا صلحت عقيدتك، العلم إمام والعمل مأموم، العلم قائد والعمل تابع، العلم هو الصاحب في الغربة, والمُحدّث في الخلوة, والأنيس في الوحشة, والكاشف عن الشبهة . واحد أقرض إنساناً مبلغاً من المال لشراء بيت، صاحب البيت قال له: سأعطيك أجرة, إن ساهمتَ معي في شراءِ هذا البيت, ولكَ هذه الأجرة، أخذها وفرح بها, فحينما انتهت مدة القرض, أعاد المبلغ إلى صاحبه, وقطعَ عنه الأجرة, هو أكل الرِبا وهو لا يدري, هذه شُبُهة أم أجرة؟ لا, هذا رِبا, أما الأجرة أن تتملك هذا البيت, وتأخذ أجرة حصتك منه, فإذا أردتَ أن تسترد ثمن حِصتكَ, يُقيّمُ البيتُ تقييماً جديداً, وإذا هَلَكَ البيت, فعليك لا على ساكنه . فالعلم يكشف لك الشبهات، والغِنى الذي لا فقر على من ظَفِرَ بكنزه بعده، والكنف الذي لا ضيعةَ على من آوى إلى حِرزهِ، هو غِنىً وملجأ، مذاكرته تسبيح، البحثُ عنه جهاد، حينما تأتي من مكانٍ بعيد لتتعلم العلمَ الصحيح, فهذا السير إلى هذا المكان, أو إلى أيّ مكان آخر جهاد، طلبه قُربى، بذله صدقة، بذله ومُدارسته تعدِل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من حاجتك إلى الطعامِ والشراب . الإمام أحمد يقول: الناس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعامِ والشراب, لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشرب في اليوم مرة أو مرتين, أما حاجته إلى العلم بعدد أنفاسه، إن الرجلَ يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, كلمة, نظرة, نظرةٌ فيها عدوان, وكلمةٌ فيها سخرية, ونظرة فيها استهزاء, ومشاعر شيطانية, ما الذي يكشف لك هذا؟ العلم . الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: طلبُ العلم أفضلُ من الصلاة النافلة, وأبو حنيفة يرى هذا الرأي, وقالَ ابن وهبٍ: كنتُ بين يدي الإمام مالك رضي الله عنه, فوضعت ألواحي -يعني دفاتري- وقمت لأصلي, فقال الإمام مالك إمام دار الهجرة: ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمتَ عنه؟. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 7 ] في بعض الآراء, يجوز أن نقف عند قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ بل الرأي المتوازن أنكَ أردتَ بتأويل الآيات المتشابهات, أو الآيات التي تتحدث عن ذات الله عزّ وجل, يجب أن تقف عند ﴿ومايعلم تأويله إلا الله﴾ أما إذا أردتَ القرآن الكريم ما هو واضح الدلالة, لك أن تقول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم . العلم كما نُقِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المعروف, يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين، تحريف الغالين : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة الآية: 77 ] هناك من يغلو في الدين، فالعلماء الصادقون ينفون عن العلم تحريف الغالين وتأويل المبطلين, هو حجةُ الله في أرضه, ونوره بين عباده, وقائد العباد إلى الله عزّ وجل, ودليلهم إلى جنته, ويكفي من شرفه أن فضلَ أهله على العباد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب، فضلُ العالم على العابد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب . ولقد رحلَ كليمُ الله موسى عليه الصلاة والسلام في طلب العلم هو وفتاه, حتى مسهما النصب في سفرهما, في طلبِ العلم, حتى ظَفِرَ بثلاث مسائل, وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم, ويكفي شرفاً لمن يطلب العلم, أن الله سبحانه وتعالى أمرَ نبيه الكريم, فقال: ﴿وقل ربي زدني علماً﴾ . العلم نوعان جلي وخفي . العلم نوعان : نوعٌ جليّ ونوعٌ خفيّ . النوع الجليّ على أنواعٍ ثلاثة أحدها : علمٌ تتعلمه بالحواس الخمس , سماه بعض علماء العقيدة: اليقين الحسي، أنتَ ترى بعينكَ هذه المصابيح متألقة, وهذا المسجد نظيف, أنتَ تُحسُ أن هذا الجو معتدل, تسمع أنَّ هذا الصوت صوت فلان، هناك معارف جليّة تتوارد إليك عن طريق الحواس, هذه سماها العلماء اليقين الحسي، وهناك معارف تتوارد إليك عن طريق التعلّم، طريقة السمعيات أن تلقي السمعَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 37 ] فالأذن مسلكٌ من مسالك العلم، يعني إما أن تتأمل وإما أن تأخذَ الحقائقَ جاهزة، والنوع الثالث هو: العلم الذي يأتيك عن طريق الاستدلال العقلي, وهذا يسمى أيضاً اليقين الاستدلالي، فيقين إخباري ويقين استدلالي ويقين حسي؛ يقين حسي عن طريق الحواس الخمس، يقين استدلالي عن طريق العقل، يقين إخباري عن طريق الأذن، رأيتُ أو سمعتُ أو فكرتُ، حتى إن بعضَ المفسرين يقول: إذا جاءت كلمة الفؤاد بعد السمع والبصر, فإنما تعني الفِكر: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36 ] عندك علمٌ جليّ وعلمٌ خفيّ، العلم الجليّ ما جاءكَ عن طريق الملاحظة, عن طريق الحواس الخمس, أو ما جاءك عن طريق السماع, أو ما جاءك عن طريق الاستدلال العقلي, وقد يأتيك العلم عن طريق المشاعر, وقد يأتيك عن طريق الاستنباط, أو عن طريق الاستنتاج, هناك طرائق كثيرة يأتيك العلم منها, هذا هو العلم الجليّ, الذي قالَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من عَمِلَ بما عَلم)) تعلمت من مجلس عِلمٍ, أن النظرة إلى النساء محرمة، تعلمت في مجلس العلم أن نقلَ الكلام إلى جهةٍ, قيلَ الكلام فيه نميمة, وهذا محرم, هذا إذا عَمِلتَ بما علمت . الآن: علمّكَ الله عِلمَ ما لم تعلم . قال: والعلم الثاني هو العلم الخفيّ, علم القلب, والحديثُ عنه شيّق، العلم الجليّ يحتاج إلى مُدارسة, يحتاج إلى مطالعة, يحتاج إلى حفظ, يحتاج إلى سماع, لكن إذا طبقّتَ كلَّ ما عرفته عن الله عزّ وجل, هناكَ شيء ثمينٌ جداً يتوارد إليك . قال: هذا العلم الخفيّ ينبت في القلوب الطاهرة. من بعض معاني هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة الآية: 79] هذا العلم الخفيّ الذي يكرم الله به بعضَ العباد, هذا ثمنه القلب الطاهر، عبدي طهّرتَ منظرَ الخلق سنين, أفلا طهرّتَ منظري ساعة؟ ما هو منظر الله عزّ وجل؟ هو القلب: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] هذا العلم لا ينبت إلا في القلوب الطاهرة التي في الأبدان الزكية، معنى الزكية التي ما أكلت حراماً قط. ((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] غُذيَّ بالحلال ما أكلَ حراماً . وهذا العلم يحتاج إلى رياضةٍ خالصة، الرياضة تدريبات شاقة من ذكرٍ لله عزّ وجل, من صلاة النوافل, من قيام الليل, من تلاوة القرآن, من خدمة الخلق, هذه سماها بعض علماء القلوب الرياضة, قلبٌ طاهر, وبدنٌ زكي, ورياضة خالصة, وهِمةٌ عليّة, وأسماع صاغية, هذه بعض شروط العلم الخفي, الذي نوّهَ به النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ((من عَمِلَ بما علم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم)) هذا معنى قوله عزّ وجل: ﴿واتقوا الله﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال الآية: 29 ] ما الفرقان؟ النور، هذا النور يقذفه الله في القلب, وثمنه تقوى الله عزّ وجل، وتقوى الله طاعته، إن تطيعوا الله عزّ وجل يقذف الله في قلوبكم نوراً, ترون به الخير خيراً والشرَ شراَ, هذا العلم الخفي يسميه العلماء تارة المعرفة, ويسميه العلماء تارةً الإلهام, ويسميه العلماء تارةً البصيرة, ويسميه تارة الحِكمة، فالحِكمة والبصيرة والإلهام والمعرفة أسماء لمسمى واحد . إما أن يكون العِلمُ كسبيّاً أو إشراقيّاً، العلم الكسبيّ ثمنه المُدارسة وثمنه طاعة الله عزّ وجل، أما العلم الإشراقي هو الذي سنتحدثُ عنه قليلاً في هذا الدرس . كما قلتُ قبل قليل: قلبٌ فيه غِلّ, فيه حِقد, فيه حسد, فيه كِبر, فيه استعلاء, هذا القلب لن يقذف الله به نوراً أبداً، لن يتجلى عليه أبداً، لن يتحفَ صاحبه بمعرفةٍ إشراقية أبداً, طهّر قلبك ليكون بيتَ الرب، طهّر قلبك ليكون أهلاً أن يقذف الله به نوراً . الأبدان الزكية، استقم في عملك المال الذي في حوزتك, هذا من كسبك, كيف كسبتَ هذا المال؟ هل كسبتَ هذا المال من طريق مشروع أو غير مشروع؟ إذا كان كسبُ المال مشروعاً والقلب طاهراً والبدن زكياً، هل تقرّبتَ إلى الله بالنوافل؟. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((قال الله تعالى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ, وإن استعاذ بي أعذته, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] من كانت له هذه الرغبة الجموح, وهذا الإلحاح الصادق, في أن يصلَ إلى شيءٍ من العلم الخفيّ, الذي عبّرَ الله عنه بالحِكمة تارةً, وبالبصيرةِ تارةً, وبالمعرفةِ تارةً, وبالإلهامِ تارةً, إذا أردت هذا العلم فدونك الثمن؛ قلبٌ طاهر, بدنٌ زكي, رياضةٌ خالصةٌ لله عزّ وجل، لا ليعرف الناسَ أنك صليتَ قيام الليل، لا ليعرف الناس أنكَ أحسنتَ إلى فلان، لا, رياضةٌ خالصةٌ للهِ عزّ وجل, وبعد هذا وذاك هِمةٌ عليّة، المنافقون وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، وأسماعٌ صاغية, يعني عندئذٍ يسمعكَ الله عزّ وجل ما لا يسمع الآخرين، يريكَ ما لا يري الآخرين . قال: يا صاحبَ رسول الله نافقت؟ قالَ: كيف ذلكَ يا حنظلة؟ قال: أكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنَّا الأهلَ ننسى, قالَ: انطلق بنا إلى رسول الله، ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا, وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ, وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا, وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالأوْلادَ, قَالَ: لَوْ تَكُونُونَ, أَوْ قَالَ: لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ, وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ, وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ)) قلبٌ سليم من البغضاء, من الحسد, من التعالي, من الكِبر, من الأنانية، بدنٌ زكيٌ من المال الحرام, مطهّر, كسبٌ حلال، رياضةٌ خالصة, هِمةٌ عليّة, آذان صاغية، عندئذٍ تنالُ شيئاً من هذا العلم الخفيّ الذي خصَّ الله به أحبابه . قالَ: هِمةُ الأنبياء تعلّقت في شيئين؛ تعلّقت بالعليّ الأعلى وهو الله سبحانه وتعالى, وتعلّقت بصلاح الخلق, كلما ارتقت مرتبتك, اتسعت دائرة اهتمامك . مثل حسيّ: اصعد إلى هذا الجبل, كلما صعدت مسافة, اتسعت دائرة الرؤيا, فإذا وصلتَ إلى قمة الجبل, رأيتَ دمشقَ كلها, كلما ارتفعتَ نحو الأعلى, اتسعت دائرة الرؤيا, وكلما ارتقيت إلى الله عزّ وجل, اتسعت دائرة اهتمامك, وكلما هبطت المرتبة, ضاقت دائرة اهتمامك, أجد طعامي, وشرابي, وبيتي, وأهلي, وأولادي, فأنا بخير وعلى الدنيا السلام، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ, وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ, أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ, مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ, والله لَوْ تعلمون مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا, وَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُش, وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ, لوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون . فإذا لم تشعر بعاطفةٍ نحو كلِّ مخلوق, فالمرتبة مضطربة . الإلهام هو ما يعنيه العِلمُ الخفيّ, الإلهام هو فهم خاص، هو ثمرة من ثمرات العبودية لله عزّ وجل، الإلهام جزاء الصدق مع الله . الإلهام كما ورد في قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه حينما سُئل: هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ دون الناس يا آل بيته؟ فقال الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه: لا, ما خصّنا بشيء، والذي فلقَ الحبَّ وبرأّ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 21] هذا عطاءٌ عظيم أن تفهم كتاب الله، أن تفهم حقيقة الآيات, مراميها البعيدة, مدلولاتها الصحيحة، هذا شيء عظيم جداً, من العلم الخفيّ الذي يُعّدُ نتيجةً لتطبيق العلم الجليّ . كلُّ هذا الدرس وإلى دروسٍ كثيرةٍ إن شاء الله محور هذه الدروس: من عَمِلَ بما عَلم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم. لا تطمع بهذه المعرفة، لا تطمع بهذا الإلهام، لا تطمع بهذه البصيرة، ولا بالحكمة، إلا إذا دفعتَ الثمن, والثمن أن تتعلم العِلمَ الجليّ, وأن تُطبقه، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، أحكام الحج، أحكام البيوع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، العارية، الوكالة، الكفالة، هذه العلاقات الاجتماعية لا بد من أن تكون وفقَ الشرع، إذا طبقتَ الشرع, منَّ الله عليك بشيء آخر . هذا العلم الخفيّ يسمى بصيرة، والدليل قول الله عزّ وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 108 ] فكلُّ من يدعو إلى الله عزّ وجل بلا بصيرة, فهو في نصِ هذه الآية غير متبعٍ لرسول الله، إذا كنتَ متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيجب أن تدعو على بصيرة . معنى بصيرة: أن تعرف المُراد, أن تعرف فكرة دقيقة عن فلسفة الوجود, عن سرِّ الحياة, عن سرِّ وجود الإنسان في الدنيا, هكذا يقولون: نظرية الكون والحياة والإنسان، أين كنت؟ إلى أين المصير؟ ما جدوى الحياة الدنيا؟ ما أفضل شيء تفعله في الدنيا؟ هذه البصيرة . الحكمة : أما الحِكمة ، فلنا عندها وقفةٌ متأنية , الحكمة يقول الله عزّ وجل : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 269] بنصِ القرآن الكريم : ﴿ومن يؤت الحِكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ قال الحِكمة في كتاب الله نوعان ؛ قد تأتي مفردةً وقد تأتي مع الكتاب : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 129] إن جاءت مفردةً فلها معنى , وإن جاءت مع الكتاب فلها معنى آخر . قال : الحِكمة منفردة هي النبوة . أو : هي علم القرآن . أو : هي كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : علمُ القرآن ناسخه ومنسوخه , محكمه ومتشابهه , مقدمه ومؤخره , حلاله وحرامه وأمثاله . الحِكمة منفردة النبوة ، أن يعلمك الله القرآن بكلّ ماتعني هذه الكلمة . وقال الضحاك : الحِكمة هي القرآن والفهم فيه . وقال مجاهد : هي القرآن والعِلمُ والفِقهُ . وقالَ بعض العلماء : هي الإصابة في القولِ والعمل . أن يأتي قولكَ صحيحاً مصيباً , وعملكَ صحيحاً مصيباً . وقال بعض العلماء : هي معاني الأشياء وفهمها . وقال الحسن : الورعُ في الدين , هذه مؤداها . أما إذا جاءت الحِكمة مع الكتاب فتعني السُنّة . ﴿يعلمهم الكتاب والحِكمة﴾ أي السُنّة , لأن الله عزّ وجل يقول : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر الآية: 7] الله سبحانه وتعالى بيّنَ أن النبي عليه الصلاة والسلام من مهمته الأساسية : أن يبيّنَ للناسِ ما نُزّلَ إليهم ، فحيثُ ما جاءت الحِكمة مع الكتاب فهي السُنّة . كذلك قال الإمام الشافعي : أجمل ما قيل في الحِكمة , هو قول الإمام مجاهد : إنها معرفة الحق والعمل به , والإصابة بالقولِ والعمل . والحِكمة حكمتان : حِكمة علميةٌ وحِكمةٌ عملية . فالحِكمة العلمية : أن تطلّعَ على بواطن الأمور ، أن تعرف الخلفيات ، أن تعرف ما بين السطور ، أن تعرف المدلولات ، أن تعرف القصد البعيد ، أن تعرف المؤدى , هذه حِكمةٌ علمية . وأما الحِكمة العملية : فهي أن تضعَ الأمر في موضعه ، أن تضعه في حجمه , وفي موضعه , وفي أوانه دون زيادة أو نقصان , أو تعجيل أو تأخير . أحياناً تقول لفلان: واللهِ ما أحكمك! بحجمه, وفي وقته, وفي مكانه, دون زيادة أو نقصان, أو تقديم أو تأخير, من طلبَ الشيء قبلَ أوانه عوقِبَ بحرمانه, ما كلُّ ما يعلم يقال, وما كلُّ ما يقال له رجال, ولا إذا وجِدَ الرجال آنَ الأوان, هناك ما يُعلم ولا يقال، وهناك ما يُقال لكن لا لكلِّ الناس، في شيء يُقال لزيد, لا في هذا الظرف, فيحب أن تعرف, ماذا ينبغي أن تقول؟ ولمن تقول؟ وفي أيّ وقتٍ تقول؟ هيّ الحكمة, يقابل الحِكمة الطيش والحمق . لذلك: فسّروا الحِكمة بقولهم: الحِكمة فِعلُ ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي . الخلاصة : الحقيقة: هذا الدرس ليسَ هدفه أخذَ العِلم، هدفه الحفز, يعني أن يندفع الإنسان إلى طلبِ المزيد, لا أن يكتفيَّ بأنه صلّى, وصام, وفعلَ ما أُمر بشكلٍ شكلي, مفرّغ, أجوف, لا ينبغي أن يبقى على هامش الدين, أن يغوصَ في أعماقه, فإذا عَمِلتَ بما عَلمت, علّمكَ الله عِلمَ ما لم تعلم، وعِلمُ ما لم تعلم هو الحِكمة . الله عزّ وجل أعطى فِرعون المُلك وهو لا يحبه، وأعطى قارونَ المال وهو لا يحبه، ولكن هؤلاء الذين يحبهم ماذا أعطاهم؟: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 22] هذا الثمن, كن مُحسناً, يؤتِكَ الله حُكماً وعِلماً . بالمناسبة: أيُّ شيء تفتخر بملكه تتركه عند الموت، لكن العلم والحِكمة يستمران معك إلى ما بعد الموت, وإلى أبدِ الآبدين . قرأت كلمةً في إحدى المدارس, من أقدم الثانويات في دمشق, بخط خطاط مشهور, في مدخل الثانوية, كلما وقعت عيني على هذه اللوحة, أشعر بخشوع خاص: رتبةُ العِلمِ أعلى الرُتب، أعلى رتبةٍ تصلها أن تعرف الله عزّ وجل, فإذا عرفته عرفت كلَّ شيء . ((ابن آدم اطلبني تجدني, فإذا وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتكَ فاتكَ كلَّ شيء, وأنا أحبُّ إليكَ من كلِّ شيء)) النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل, ترفع السيدة عائشة رجليها، قال: لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها . ماذا قال سيدنا عليّ؟ قال: فلينظر ناظرٌ بعقله: أنَّ الله أكرمَ محمداً أم أهانه حينَ زوى عنه الدنيا؟ فإن قالَ: أهانه فقد كذب, وإن قال: أكرمه فقد أهانَ غيره حيثُ أعطاه الدنيا . النبي عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة خديجة, هو في الخامسة والعشرين, وهي في الأربعين, وبقيَّ معها خمسة وعشرين عاماً, ربع قرن, ما فَكَرَ في أخرى، الإنسان الآن تكون سنّه مقاربة لسنّ زوجته, يندب حظه دائماً, يقول لك: تزوجتها كبيرة, يجب أن تعرف ما هو المقصود؟ النبي عليه الصلاة والسلام عاش بدخل محدود، سكن في بيت صغير، كان حجمه المالي قليلاً، ياربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وجدَ من فَقَدك؟. قرأتُ مرةً كلمة, قال: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إلى الدنيا, وخرجوا منها, وما عَرَفوا أجملَ ما فيها، إنَّ أجملَ ما فيها؛ معرفة الله عزّ وجل, والأُنس به, والقُربُ منه . فيا أيها الأخوة الأكارم, ليسَ القصد من هذا الدرس أخذُ العِلم، القصد هو الحفز إلى الله، أبواب مُفتحة، أبواب الجنة مفتّحةٌ على مصارعها، أبواب جهنم ليست مفتّحة, أبواب جهنم باهظة, ثمها باهظ، أما أبواب الجنة مفتوحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((اشتقتُ لأحبابي, قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي, أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين، قالوا: مِنّا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولِمَ؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون)) والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاستقامةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس ) تمهيد : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس من دروس جامع العثمان , وعدتكم في لقاءٍ سابق , أن يكون هذا الدرس في موضوع الاستقامة , وكنت قد قلت لكم : حينما تحدثنا في موضوع الحب أو منزلة المحبة , أن الحب أصلٌ من أصول الدين . وحينما تحدثنا عن الإخلاص ، قلت لكم إن الإخلاص هو كلُّ شيء . وحينما تحدثنا عن العلم ، قلت لكم العلم أساس الدين . وأنا اليوم أقول لكم : الاستقامة عين الكرامة , لأن كلَّ ثِمار الدين , وكلَّ ما في الدين من سعادةٍ , وسكينةٍ , واطمئنانٍ , وتوفيقٍ , وشعورٍ بالأمن , وشعورٍ بالتفوق , وشعورٍ بالفوز ، خطيرة وثمينة , لا يقطفها الإنسان إلا إذا استقام على أمر الله , فبين الذي يستمع كثيراً ولا يطبّق , وبين الذي يستمع ويطبّق بونٌ شاسع . منزلة الإستقامة : ماذا وردَ في القرآن الكريم عن الاستقامة ؟ الآية الأولى : ربنا سبحانه وتعالى في سورة فُصلّت , الآية الثلاثون يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت الاية: 30] ربنا الله هذه ليست كلمة تُقال ، لكنها بحثٌ ذاتي ، بحثٌ طويل ، الإيمان لا يتأتى بكلمةٍ تقولها , ولكن ببحثٍ ذاتيٍ طويل تبحثه , فنهاية المطاف , ونهاية هذا البحث , ونهاية التأمل , ونهاية التفكر , ونهاية التدبر , أن تقولَ : ربيَّ الله . ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ذكرَ الله عزّ وجل في هذه الآية ثمرتين من ثمار الاستقامة : ألا تخافوا ولا تحزنوا . وقد يخاف الناس , وقد ينخلعُ قلبُ الناس لخطرٍ داهمٍ , وقد يقلقون , وقد يُقهرون ، أما ربنا سبحانه وتعالى يصف هؤلاء المستقيمين بأنهم يتمتعون بشيئين : ألا تخافوا ولا تحزنوا . لا تخافوا مما هو آت , ولا تحزنوا على ما فات ، وهل من شعورٍ يدمّر السعادة الإنسانية كالخوف أو الندم ؟. إنَّ من أمضِّ المشاعر, ومن أشدها إيلاماً : أن تندمَ على شيء فات , وأن تقلقَ للمستقبل . القلق والندم صفتان ملازمتان للمنحرفين , دائماً يندم على ما فات , ودائماً يقلق لِما هو آت . فالمستقيم كما وعدَ الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ لما قالوا ربنا الله ثمَّ استقاموا ، تكوّنت قناعاتهم بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الربّ , وهو الربٌّ وحده , يجب أن تؤمن بأن الله هو الخالق , وأنه لا خالقَ سِواه , وأنه هو الربّ , وأنه لا ربَّ سِواه , وأنه هوَ المُسير , وأنه لا مُسير سِواه . عبّرَ علماء التوحيد عن هذه الحقائق بقولهم : وحدة الخلق ، وحدة الربوبية ، وحدة الإلوهية . الآية الثانية : في سورة الأحقاف : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأحقاف الاية: 13-14] الذي أتمناه على أخوتي الكرام ؛ أن ينزِعوا من أذهانهم هذا المفهوم الخاطئ , المفهوم الساذج ، كلما طالبتهم بالاستقامة يقول لك أحدهم : أنا لست نبياً !! ومن قال لك إن الاستقامة خاصة بالأنبياء ؟!!! من قال لك ذلك ؟!!! إليكَ الدليل القطعي ، القطعي في ثبوته والقطعي في دلالته : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود الاية: 112] استقم : فِعلُ أمرٍ يفيد الوجوب . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ النبي عليه الصلاة والسلام فسّرَ هذه الآية فقال : إن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين . كلما دعوتَ إنساناً إلى أن يستقيم رفعَ عقيرته وقال : أخي أنا لست نبياً , لا تكلفني ما لا أطيق , هذا كلامٌ فيه ضلالٌ كبير , وفيه زيغُ خطير . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ هذه الآية وردت في سورة هود ، لذلك حينما قالَ عليه الصلاة والسلام : شيّبتني هود ؛ يعني سورة هود ، والذي شيّبَ النبي فيها هذا الأمر الخطير . أنتَ أيها الأخُ الكريم ؛ تطلب من الله الكرامة ، تطلب من الله أن ينصرك الله على أعدائك ، أن يوفقك ، أن يرفع شأنك , أن يستخلفكَ في الأرض ، أن يمكّن لكَ دينك ، وهو يطلب منك الاستقامة , إذا أردتَ أن تكون أكرمَ الناس فاتقِ الله ؛ أي استقم على أمرِ الله . ما الاستقامة ؟ قال بعضهم : إنها ضدُ الطغيان . ما معنى طغى ؟ خرجَ عن الخط المستقيم . طغى : خرجَ عن المنهج . طغى القطار : إذا خرجَ عن سكته . طغت السيارة : إذا خرجت عن الطريق المعبّد إلى وادٍ سحيق ، والله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان , خلقَ له منهجاً , وقالَ الله عزّ وجل : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن الاية: 1-4] قدّمَ الله تعليم القرآن على خلقِ الإنسان، هذا التقديم ليسَ تقديماً زمنيّاً, لا يُعقلُ أن يعلّمَ القرآن, ثمَّ يُخلق هذا, مستحيل, لكن هذا التقديم تقديم رُتبي, فما قيمة الإنسان بلا منهج؟ ما قيمة هذه الآلة المعقدة بلا تعليمات؟ ما قيمة هذه الجامعة بلا نظامٍ داخلي؟. الاستقامة أن تلزمَ المنهجَ الإلهي, أن تلزم أمرَ الله وسُنّة نبيه, والطغيان أن تحيدَ عن هذا المنهج؛ في عقيدتك, في تصرفاتك, في كسبِ المال, في إنفاق المال, في علاقاتك, في جِدّكَ, في لَهوكَ, في إقامتكَ, في سفركَ, في علاقاتك الداخلية, في علاقاتك الخاصة جداً, في علاقاتك العامة. أيها الأخوة الأكارم ؛ متى تخرج عن منهج الله؟ لا بد من أن تعرف هذا المنهج, حتى تعرف ما إذا كنتَ قد خرجتَ أو لم تخرج، كيف تعرف أنك خرجت عن هذا المنهج إن لم تعرف المنهج؟ إذاً: طلب العِلمِ فريضة, طلبُ الفِقهِ حتمٌ واجبٌ على كلِّ مسلم، طلب العلمِ أساس الاستقامة, وطلب العلم أساس التوبة, كيف تتوب من ذنبٍ قبلَّ أن تعرفَ أنه ذنب؟ وكيف تستقيم على منهج الله قبلَ أن تعرف منهج الله عزّ وجل؟. الخطوة الأولى ، الحركة الأولى ، الموقف الأول ، الهمُّ الأول ، الاهتمام الأول : أن تعرف منهجَ الله عزّ وجل ، أمره ونهيه . الآية الثالثة : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة فصلّت الاية: 6] هنا أضيف معنى جديداً : استقيموا إليه , قد تستقيم إلى زيدٍ أوعُبيد ، قد تستقيم لتنالَ مكانة عندَ فلان, قد تتسلمُ عملاً ذا عائدٍ كبير ودخلٍ كبير, من حرصكَ على هذا الدخل, تستقيم في هذا العمل, ولكن استقامتك من أجلِ أن يرضى صاحب العمل, فأنت استقمتَ لا إلى الله عزّ وجل, استقمتَ إلى زيدٍ أو عُبيد, هنا في معنى جديد : ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ هذا يشبه قول الله عزّ وجل : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر الاية: 7] قد توضعُ في ظرفٍ تؤمر أمراً تعسفيّاً, وأنتَ ضعيف, وليس في إمكانكَ أن تقولَ: لا, إنكَ تصبر, ولكن تصبر وأنتَ مقهور, ليسَ هذا الصبر هو الذي أراده الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يقول : ﴿ولربّكَ فاصبر﴾ بالمناسبة : كلما تذللتَ إلى الله رفعكَ الله، وكلما صبرتَ لله أعزكَ الله، وكلما كنتَ خاضعاً لله أخضعَ الله الآخرين إليك، وكلما هِبتَ الله هابَكَ الناس، وكلما نُزعت من قلبكَ هيبة الله, نُزعت من الناس هيبتك, قواعد ... قوانين ... الإنسان لو أنه يفهم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فهماً عميقاً, إذا فهمَ ما قاله النبي على أنه قواعد ثابتة, قوانين مثلاً: عفّوا تعفُ نساؤكم. كلما غضضتَ بصركَ عن محارم الله, الله سبحانه وتعالى حفظَ لكَ زوجتكَ من أن تَزِلَّ قدمها. ((برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط] ((ما أكرمَ شابٌ شيخاً لسنه, إلا قيض الله له من يكرمه عندَ سنه)) [أخرجه الترمذي في سننه] ((من أرضى الله بسخطِ الناس, رضي عنه الله وأرضى عنه الناس)) هذه قواعد, لو عرفتَ أن هذه القواعد حتميّة واقعةٌ لا محالة, لأنها من عندِ خالق البشر, من عندِ خالق الكون، القضية: أن تقف من هذا الأمر أو هذه القاعدة موقف المصدّق, موقف المهتم، والطريق إلى ذلك: كلما عَظُمَ عِندكَ ربك كلما عَظُمَ أمرك . إذا تفكرّتَ في خلقِ السموات والأرض, وازدادت خشيتك لله عزّ وجل, تُعظّمُ أمرَ الله عزّ وجل، لهذا قال أحد أصحاب رسول الله, أظنه سيدنا بلال: لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت . فاستقيموا إليه : يجب أن تكون استقامتك خالصة إليه, قد يأتي أمرٌ إلهي متوافقٌ مع أمرٍ وضعي, فالسرقةُ حرامٌ في شرعِ الله, وحرام في قوانين الناس, فالذي يمتنع عن السرقة لا تدري: أهوَ خوفٌ من عِقاب البشر أم خوفٌ من عِقاب خالق البشر؟ القضية هنا مختلطة، أما هناك أوامر ينفردُ بها الدين وحده, أمركَ بغض البصر, فحينما يستجيب المؤمن لهذا الأمر, مع أنه ليسَ في الأرض كلها قانون أو أمرٌ, يحظّرُ عليك أن تنظرَ إلى امرأةٍ في الطريق، حينما تنفذُ أمراً ينفرد به الدين, هذا يؤكد لك أنك مخلصٌ لله عزّ وجل، غضُّ البصر مدرسة, لأن كلَّ من يغضُ بصره عن محارم الله, يشعر في قرارةِ نفسه أنه لا يبتغي بهذا الغض إلا وجه الله, لأنَّ الناسَ لا يعنيهم هذا الأمر, ولا يوجّهونَ هذا التوجيه . الآية الرابعة : ومعنى جديد الاستقامة : ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [سورة الجن الآية: 16-17] الطريقة مستقيمة إذا استقاموا عليها, إذا تابعوا هذا السير المستقيم: ﴿لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ أول ثِمار الاستقامة : أن تكونَ في بحبوحة, هذا كلام خالق الكون، كلام الله عزّ وجل، هذه الأمطار الشحيحة, المعدلات المتدنيّة, انحباس ماء السماء، هذه الظاهرة إلهية, الحقيقة: إن الله عزّ وجل حينما يقول في كتابه الكريم : ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ الناس لو استقاموا على أمر ربهم, لانهمرت السماء بمائها، لذلك كلما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء, وكلما رَخُصَ لحم النساء غلا لحم الضأن، علاقات ثابتة، وكلما هانَ الله على الناس هانوا عليه . الإنسان حينما لا يبالي أكان دخله من حلالٍ أم من حرام, بعد عن الاستقامة، كلما هانَ أمر الله على الناس هانوا عليه، ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 65] هذه البراكين والصواعق, وما يشبه الصواعق القذائف: ما أقسى بأسها ﴿قل هو القادر على أن يبعثَ عليكم عذاباً من فوقكم﴾ أو من تحت أرجلكم الزلازل, ما أقصى بأس الإنسان!: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 130] هذا عقابٌ من الله عزّ وجل . ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ من ثمار الاستقامة من خلال هذه الآيات : ألا تخاف مما هو آت, وألا تحزنَ على ما قد فات، أنتَ في منجاةٍ من القلق ومن الندم، والقلق والندم حالتان نفسيتان تدمران الصحة النفسية. يجب أن تستقيم على أمر الله كما أُمرَ النبي أن يستقيم على أمر الله، أنتَ بهذا الأمر واحد، الاستقامة يجب أن تكون في سبيل الله, ابتغاء مرضاة الله, لا ابتغاء زيدٍ أو عُبيد . والاستقامة من ثِمارها : أن الله سبحانه وتعالى يفرّجُ عنك, يزيلُ عنكَ كلَّ كرب, كلَّ هم, كلَّ حزن, كلَّ ضيق, كلَّ قلق . أقوال الخلفاء الراشدين بالإستقامة : إلى الخلفاء الراشدين الهادين المهديين ، الذين حدثنا عليه الصلاة والسلام عنهم . عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: (( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا, فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً, ذَرَفَتْ لَهَا الأعْيُنُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ, قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا, قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا, فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ, يَرَى بَعْدِي اخْتِلافًا كَثِيرًا, فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ, فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )) [أخرجه أبو داود والترمذي ] أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ماذا قالَ سيدنا الصديّق عن الاستقامة؟ قالَ: ألا تُشركَ باللهِ شيئاً، تطيعَ إنساناً وتعصي ربك فقد أشركتَ به، رأيتَ طاعته أغلى من طاعة الله، أن تتبعَ هواك وتعصي أمرَ الله عزّ وجل, أشركتَ نفسكَ مع الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 23 ] هذا فهمٌ عميقٌ جداً للاستقامة، الاستقامة عندَ هذا الصحابيّ الجليل, عندَ سيّدِ الصحابةِ والتابعين, عِندَ من لم تطلع شمسٌ على رجلٍ خيرٍ منهُ, وسيدنا عمر لمّا كان مع أصحابه الكِرام, أحدهم أرادَ أن يتقرّبَ منه, قالَ: واللهِ ما رأينا أحداً أفضلَ منكَ بعدَ رسول الله, فما كان من هذا الخليفة العظيم, إلا أن نظرَ في أصحابه محدّقاً ومستنكرّاً، أحدهم قال: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك, قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: لقد كذبتم جميعاً وصدق، جعلَ سكوتَ هؤلاء جميعاً كذِباً . قال: كنتُ أضلَّ من بعيري, وكانَ أبو بكرٍ أطيبَ من ريح المِسك ... سيدنا الصدّيق يقول: الاستقامة ألا تُشركَ باللهِ شيئاً, اعلم عِلمَ اليقين: أن تعصي الله عزّ وجل, فتجدَ في هذه المعصية أنها مغنمٌ, هنا الشِرك، رأيتَ هذا الإنسان؛ إذا أطعته وعصيتَ الله, وقعتَ في الشركِ وأنتَ لا تدري. عمر بن الخطاب رضي الله عنه : سيدنا عمر عملاق الإسلام, قالَ عن الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي, أن يجدكَ حيثُ أمرك, وأن يفتقدكَ حيثُ نهاك, ولا تراوغ روغانَ الثعلب, الحل يعقد على فتاة صغيرة في سن الرضاع, ثم تأتي زوجة أخيه فترضعها, فإذا هي أمُّ زوجته من الرضاع, ثمَّ يطلّقُ هذه الفتاة الرضيع، زوجة أخيه هي أمُّ زوجته على التأبيد, له الحقُّ أن يراها, هذا اسمه روغان الثعلب كما قال سيدنا عمر, حيلة شرعية, وكأن الله لا يدري ما يحصل، وكأن الله عالمُ السرِّ والنجوى لا يدري . عثمان بن عفان رضي الله عنه : سيدنا عثمان ماذا قال عن الاستقامة؟ قال: استقاموا؛ أي أخلصوا العمل لله، سيدنا عثمان ألقى الأضواء على الإخلاص بالاستقامة سيدنا عمر على العمل، سيدنا الصدّيق على العقيدة، التركيز عندَ الصدّيق كان على الشِرك، المنحرف مشرك، سيدنا عمر التركيز على العمل، سيدنا عثمان على الإخلاص, وكلهم من رسول الله ملتمسون. علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أما سيدنا عليّ رضيَّ الله عنه وابن عباس قالوا: استقاموا؛ أيّ أدَوّا الفرائض، من أين جاء بها؟ الحديث الشريف: ((ما عُبدَ الله بأفضلَ مما افترضه عليكم)) أداء الفرائض مُقدمٌ على كلِّ شيء. ((اتقِ المحارمَ تكن أعبدَ الناس, وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس)) سيدنا الحسن رضي الله عنه : سيدنا الحسن قال: استقاموا على أمر الله؛ عَمِلوا بطاعته واجتنبوا معصيته، اجتنبوا معصيته؛ أيّ تركوا بينهم وبينها هامشَ أمان . بعض العلماء يقول: استقاموا؛ أي استقاموا على محبته وعبوديته. كما قلت لكم دائماً: العبودية غاية الخضوع مع غاية الحب، هذا معنى استقاموا. أحاديث عن الاستقامة : سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في صحيح مسلم: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الإسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ, قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: بَعْدَكَ, قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] قل: آمنت بالله ثم استقم, هذا هو الدين كله . إذا الإنسان آمن بالله ولم يستقم, لم يفعل شيئاً, مع أن الاستقامة لا بد لها من إيمانٍ بالله, إنسان على وشكِ الموتِ عطشاً, عَرَفَ أن في هذه الجهةِ نبعٌ فياض, فيه ماء نميرٌ زُلال ، لم يذهب إليه، هذه المعرفة ما قيمتها؟ ماتَ عطشاً, هذه حقيقة, هذا ملخص الملخص. لهذا ربنا عزّ وجل يقول : ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الأنفال الآية: 72] ما قيمة إيمانك؟ ما قيمة كلِّ قناعاتك؟ كلّ الحقائق التي عرفتها إن لم تتخذ موقفاً عمليّاً، إن لم تنته، إن لم تأتمر، إن لم تفعل، إن لم تصل, إن لم تقطع، إن لم تغضب، إن لم ترضَ، إن لم تعطِ, إن لم تمنع؟ لا قيمة لكلِّ قناعاتك . النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيحٍ, رواه الإمام أحمد في مسنده, عَنْ ثَوْبَانَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دينكم الصَّلاةُ, وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إلا مُؤْمِنٌ)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] النبي عليه الصلاة والسلام كما قالَ عن نفسه -أوتي جوامعَ الكلم- . ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )) لكَ أن تفهمَ هذا الحديث فهمين : الأول : أنكَ إذا استقمتَ على أمر الله, لن تحصي الخيرات التي تتأتى من هذه الاستقامة ، سعادة نفسية ، توفيق في العمل ، سرور ، طمأنينة , شعور بالراحة ، شعور بالتفوق , هذا كله من لوازم الاستقامة . من علامات الاستقامة أن يقول المستقيم : ليس في الأرض من هو أسعدُ مني، المؤمن مُبتلى، المؤمن قد تأتيه بعض المكاره, ولكن ليسَ معنى هذا أنه ليسَ بسعيد, سعادته داخلية, شعوره أنَّ الله يحبه هذا مُسعد، شعوره أن الله راضٍ عنه هذا مُسعد، شعوره أنه على منهج الله هذا مُسعد، شعوره أن الله وعده بالجنة هذا مُسعد, فالإنسان المؤمن سعيدٌ في داخله, ولا يمنع أن يُبتلى في ظاهره .. يبتلى ..: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 155] الإنسان لا بد من أن يُبتلى : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك الآية: 2 ] ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )) الثاني : وللحديث معنى آخر : في حالات إذا الإنسان دخل بالوسواس , فالقضية صعبة جداً ، فيمكن أن يُفهم هذا الحديث , أن الإنسان لا يدخل في حالة الوسواس , يشك ؛ توضأ أم لم يتوضأ ؟ الماء تبلّغ أم لم يتبلّغ ؟ أعاد الوضوء مرة ثانية وثالثة ورابعة , دخل بما يسمى الوساوس ، فهذا المعنى الآخر قد يكون من هذا الباب . الاستقامة هيَّ السداد، السداد يعني أن تصيب الهدف, وفي حالات قد لا تستطيع شيء فوقَ طاقتك، إذاً لا بدَ من المقاربة, المقاربة كما قالَ عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: ((سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا, فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)) أهون الشرّين, أحياناً الإنسان يُفرض عليه وضعان, عليه أن يختارَ أهونهما، أهون الشرّين سماها النبي عليه الصلاة والسلام: مقاربة, له أخت ليست ملتزمة على أمر الله, هل يقاطعها أم يصلها؟ إن قاطعها تزداد انحرافاً، وإن وصلها لا تصلي، نقول له: صِلها, إنكَ إن وصلتها لعلها تهتدي، يقول لكَ: ليست مستقيمة، أهون الشريّن أن تصلها, أحياناً أنتَ مضطر أن تفعل ما هو قريب من الاستقامة, لا في الأحكام الشرعية ولكن في المعاملات . ((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحداً منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله)) إذا أعطيناك مفتاح بيت, ثمنه ثلاثين مليوناً, المفتاح ثمنه عشرون ليرة, ظننت أن البيت مِلكُكَ, أنتَ أخذتَ مفتاح البيت ولم تدفع ثمن البيت، البيت فضلٌ من الله عزّ وجل مثل للتقريب, أنتَ حينما تستقيم على أمر الله, دفعتَ ثمن الجنة أم دفعتَ ثمن مفتاح الجنة؟ اشتريتَ مفتاح الجنة, ولم تشترِ الجنة بكاملها, الجنة محضُ فضلٍ من الله عزّ وجل، فرقٌ بين أن تشتري المفتاح وبين أن تشتري الجنة، فالجنة برحمة الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام . حتى أخواننا الكرام ما يقعوا في تناقض بينَ هذا الحديث الصحيح الذي خرّجه علماء الحديث وبين آياتٍ كثيرةٍ تقول: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 32 ] نوّفق بين هذه الآيات وبين هذا الحديث, التوفيق سهل جداً، كنتُ قد ضربتُ لكم مثلاً من قبل: أن شاباً في الصف العاشر, توفيَّ والده، والده فقير, له عمٌ غني, قالَ العمُ لابن أخيه: ابن أخي إن أردتَ أن تدرس, فأنا أنفقُ عليكَ, وعلى أهلك، هذا الشاب نال أعلى شهادة بالطب, فتح عيادة، تألقَ اسمه, وذاعَ صيته, وكبرَ دخله، وصارَ في بحبوحةٍ, التقى العم مع ابنِ الأخ, فقال العم لابنِ أخيه: يا بنَ أخي, لقد نِلتَ ما نلتَ؛ بجهدك, وسعيك, واجتهادك, وعرقك, وكدِّ يمينك, وعرقِ جبينك, هذا الكلام صحيح؟ قال له ابن الأخ: واللهِ يا عمي, لولا فضلك واللهِ لما كنتُ بهذا المقام . هو العم, لو أنَّ ابنَّ أخيه لم يجتهد, ما تابعَ الإنفاقَ عليه, ولو أنّه كانَ مجتهداً, ولم يتوافر له عمٌ ينفقُ عليه, لما نالَ هذه المرتبة, فنقول: إن ما حصّله من هذه المرتبة الاجتماعية والعلمية, سببها, مفتاحها: اجتهاده والفضلُ فيها لعمه . فإذا قالَ عليه الصلاة والسلام: ((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله)) فالعمل مهما كانَ مستقيماً، مهما كانَ البذلُ كبيراً, لا يكفي لدخول الجنة, هو مفتاحٌ للجنة, ربنا عزّ وجل جعل الاستقامة والأعمالَ الصالحة مفتاحاً لدخول الجنة, أما دخول الجنة بفضلِ اللهِ عزّ وجل . مثل آخر للتوضيح: إذا أب وعد ابنه بدراجة غالية الثمن, إذا هو نالَ الدرجة الأولى على رفاقه, هذا الطالب نالَ الدرجة الأولى, حملَ الجلاء, وتوجه من فوره إلى بائع الدراجات, قال له: أعطني هذه الدراجة, وهذا الجلاء تفضل, أيعطيه إياها؟ هل قال له الأب: خذ الدرجة الأولى, وخذ هذه الدراجة من عند هذا البائع؟ لا بد من دفع الثمن من قِبل الأب .. أيها الأخوة الأكارم ؛ الاستقامة بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) شطرٌ كبير من الاستقامة؛ استقامة اللسان. شروط الاستقامة : لكن بعض العلماء قال: الاستقامة فيها ستة شروط, والمعنى دقيق جداً, قالَ: اجتهادٌ في العمل، واقتصادٌ فيه، ووقوفٌ عندَ حدود العِلم، وإخلاص للمعبود، ومتابعةٌ للسُنّة. اجتهادٌ في العمل: أحياناً الإنسان يعمل عملاً شكلياً, صلى؛ هذه الصلاة التي أرادها الله عزّ وجل, صام؛ هذا الصيام الذي أراده الله عزّ وجل, تصدق, دفعَ زكاة ماله, بالعكس عنده بضاعة فاسدة, قدّمها إلى جمعية, وقال: أخي, هذه زكاة مالي, في بضائع الناس ليسوا بحاجة لها، الناس بحاجة إلى طعام وشراب أحياناً، لاحظت ملاحظة بالجمعيات الخيرية, باركَ الله بها جميعاً, لكن كل شيء كسد عند التجار يقدمونه لهذه الجمعيات, من حِسابِ زكاةِ أموالهم, هذا اجتهاد بالعمل, لا والله ليس اجتهاداً، تطاولَ بعض التجار على الله عزّ وجل, وعدَّ الضريبة من الزكاة, شعر براحة عظيمة، طعام كرهته نفسه فقدمه للفقراء, هذا لا يجوز أبداً، الاجتهاد أن تبذلَ غاية الجهدِ. لهذا قالَ الله عزّ وجل : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16 ] استنفذوا كل استطاعتكم, فهموها فهماً آخر معاكساً, يعني بعض الجهد, الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16] أنتَ تريد أن تصلي, فصلِ في غرفة خاصة, لو صليت في غرفة الجلوس, لا بد من أن تنصرف لِما يقال حولك, فلو صليتَ في غرفةٍ خاصةٍ بعيدةٍ عن الأصوات, معنى ذلك: أنك بذلتَ جهداً في هذه العبادة، لو صليتَ وأنت حاقن, أيةُ صلاةٍ هذه؟ صليت وأنت جائع!! فهمتك أن تنتهي من هذه الصلاة . المقصود: بذلُ الجهدِ في العمل، زكاة مالك دفعتها لأول مستحق دون اجتهاد, يجب أن يُدفع المال لمن هو يستحقه تماماً, ففي دفع الزكاة, بالحج أخذت الرُخص كلها ارتحت. قالَ: حججنا, صليت العصر بجدة يوم عرفة, ركبنا السيارة, الطرقات فارغة إلى مكة, طفنا طواف القدوم وسعينا, لا يوجد ازدحام, خرجنا من مكة إلى عرفات, الطريق فارغ, أول ما وجدنا الازدحام توقفنا، الشمس ما غابت بعد, غادرنا والطرقات فارغة، هذا هو الجهد يا ترى؟ بالصلاة مثلاً, بغض البصر .. قالً العلماء: من تصيّد الرُخص من كلِّ المذاهب رقَّ دينه, يتبعُّ أيَّ مذهب بشرط أن يكون فيه رخصة . بالاستقامة أيها الأخوة ؛ الاقتصاد . الاقتصاد أن تسلك بين طرفي الإفراطِ والتفريط, أن لا تتعنتَ في الدين، أن تغلوَ في الدين, العوام تقول: لا إفراط ولا تفريط . مثلاً: أنتَ ورع جداً, غيور جداً على زوجتك، من غيرتك على زوجتك, رفضتَ أن تأخذها إلى الطبيب, أنت أخذتَ جانبَ الغلوِّ في الدين, أنتَ أورعُ من سيد المرسلين؟ أنتَ أشدُ ورعاً من العلماء العاملين؟ فالانحراف عن الاستقامة له مظهرين: إما الإفراط أو التفريط . الاستقامة أول شرط من شروطها: أن تبذلَ غاية الجهدِ، وثانياً: أن تقفَ الموقف المعتدل بين الطرفين, أنت زاهد, أعرضتَ عن الدنيا إعراضاً كليّاً . زوجة شكت زوجها لسيدنا عمر, أن زوجها كانَ صوّاماً قوّاماّ, يبدو أنه لم ينتبه لقولها, قال لها: باركَ الله في زوجك، أحد الصحابة انتبه أنها تشكوه ولا تثني عليه, قال: إنها تشكو زوجها, قال: فاحكم أنتَ بينهما, فحكم أن يعطيها كل أربعة أيام يوماً, لأنه لو عنده أربع زوجات, للواحدة منهنَّ حق يوم . الاستقامة: أن تعطي لكل ذي حقٍ حقه، أن تؤدي الحقوق تماماً، لا أن تُفرّط ولا أن تُفرط. مرة قال لي أخ: طُلب منه أن يصنع أبيات مصاحف رفض, وهو في أشدِّ الحاجةِ إلى المال, لماذا رفض؟ قال: لأن الذي كلّفه بهذا العمل, ليسَ مسلماً من أهل الكتاب, من قال لك: إنَّ هذه استقامة؟ لكَ أن تتعاملَ معه شِراءً أو بيعاً !!!: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء الاية: 171] من الانحراف عن الاستقامة أن تُفرّط أو أن تُفرط، ما دام الشرع سمح للطبيب الأجنبي, أن يرى المرأة المسلمة, أما إذا في طبيبة أولى, طبيبان مسلم وغير مسلم, المسلم أولى, أما حينما يكون المرض خطيراً, وفي طبيب متخصص بهذا المرض فلا حرج . سيدنا رسول الله في الهجرة, اختار خبيراً للطريق ليسَ مسلماً, أحياناً الخِبرة لا بدَ منها .. الصفة الثانية: الاقتصاد, أي السلوك بين طرفي الإفراط, وهو الجورُ على النفوسِ والتفريط بالإضاعة . النبي ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: ((رَوِحوا القلوبَ ساعةً بعدَ ساعة, فإنَّ القلوبَ إذا كلّت عَميت)) سيدنا معاذ صلى بأصحاب رسول الله, فأطال الصلاة, فقالَ: ((أفتّانٌ أنتَ يا معاذ؟)) إذا صلى النبي وحده أطالَ الصلاة, أما إذا صلى إماماً, كان أخفهم في تمام صلاته . في كسب المال, يقول لك: العمل عبادة, أين الصلاة؟ ترك صلاته أو أهمل صلاته, وأهمل دروس العلم كلها, لم يعد يقرأ القرآن, أخي العمل عبادة, أفرط أو ترك العمل من أجل العبادة. قال: من يطعمك؟ قالَ: أخي، فقال: أخوك أعبدُ منك, لهذا الجسدِ عليكَ حق, ولأهلكَ عليكَ حق, ولأولادكَ عليكَ حق, ولعملكَ عليكَ حق, فأعطِ كلَّ ذي حقٍ حقه. أحياناً الشيطان : ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف الاية: 17] يأتيكَ عن اليمين افعل هذا، دع هذا العمل فيه شبهة، فتبقى بلا شغل، بلا دخل, ضاع، أفتى, حرّم الحلال، بلا مال، ثم جاءه الشيطان, قال له: أنت مستقيم والله لم يعطك شيئاً . أيام في حالات انتكاس خطيرة جداً، السبب: أنه لم يأخذ المنهج المعتدل، لما ترك العمل, عاش أزمات مالية, تفاقمت في ساعات ضعفه . وقوفاً مع ما يرسمه العلم، ما معنى الأمر والنهي؟ الأمر أن لا تفعل كذا, والنهي أن تفعل كذا، أراد أن يصوم صياماً طويلاً, لما صام تعطل عن عمله, فاضطرب نفسياً, النبي الكريم أمر بالصيام اثنين وخميس أو ثلاثة أيام في الشهر، فلما زادَ ذلك انعكس على حالته النفسية . هذه الاستقامة: عملٌ مع بذل الجهدِ، اقتصادٌ بين الإفراط والتفريط، متابعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إخلاصٌ في هذا العمل، وقوفٌ عندَ الأمر والنهي . السلف الصالح كانوا يُركزّون على أصلين خطيرين؛ الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسُنّة, قالَ بعض السلف: ما أمرَ الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريطٍ وإما إلى إفراط, ولا يبالي الشيطان بأيهما ظَفِرَ زيادةً أو نقصاناً . النبي عليه الصلاة السلام يقول لعبد الله بن عمرو بن العاص: (( يا عبد الله بن عمرو, إن لكلِّ عاملٍ شِرّةً . -شِرّةً: هي الفورة, الإنسان حينما يؤمن, ينتقل من الضياع إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، من التفلت إلى الانضباط، ما كان يصلي, وجد في الصلاة سعادة كبيرة، لمّا غض بصره, شعر بسعادة ثانية، لمّا حضر مجلس علم شعر بسعادة، هذه سمّاها النبي: الشِرّة, يعني فورة, هذه الفورة رائعة جداً, لكن لها خطران، ولكلِّ شِرّةٍ فترة, بعد هذه الفورة فترة, كما قال سيدنا الصدّيق: بكينا حتى جفت مآقينا, فكل مؤمن له فترة-. ولكلِّ شِرّةِ فترةً, فمن كانت فترته إلى سُنّةٍ أفلح, ومن كانت فترته إلى بِدعةٍ خابَ وخسر)) فالإنسان وهو في الفورة, يجب أن ينضبط بالشرع, لو فرضنا بالفورة دفع كل ماله, فلما جاءت الفترة ندمَ على ذلك, فامتنع عن دفع الصدقات, انتهى إلى بِدعة . كلُّ الخير كما قالَ بعض العلماء: في اجتهادٍ باقتصاد وإخلاصٍ باتباع, اقتصاد بين الإفراط والتفريط مع الاجتهاد والإخلاص مع الاتباع, يعني اقتصادٌ في سبيلٍ وسُنّةٍ خيرٌ من اجتهاد في خِلاف سبيلٍ وسُنّةٍ, قال: فاحرصوا على أن تكون أعمالكم على منهج الأنبياء عليهم السلام . الآن: ما الذي يُخرجُ من الاستقامة؟ قال: الرياءُ في الأعمال يخرج من الاستقامة, الرياء والفتور والتواني, على المستقيم أن يفرّقَ دائماً بينَ الأمر والنهي, والثواب والعقاب, والموالاة والمعاداة, وبين ما يحبه الله وبين ما يبغضه, وبين ما يرضيه وبين ما يسخطه . مناسبة: نتحدث حديثاً سريعاً عن الحيل الشرعية لأنه الموضوع بالاستقامة, أولاً: بعضهم يحتج بِفعل سيدنا يوسف, لمّا وضع في رحلِ أخيه صواع الملك, وقال: أيتها العير إنكم لسارقون, والقصة معروفة عندكم بهذه الحيلة, احتجزَ أخاه عِنده، فبعض الذين يسلكون الحيل الشرعية, يحتجون بهذا الموقف, مع أن هذا الموقف هو حيلة, ولكن كي يأتي بأبيه وأخوته ليسكنوا عنده في مصر ليكرمهم, إذا إنسان لا يأخذ إطلاقاً منكَ شيئاً, وأنتَ احتلتَ على أن تعطيه على شكل قرض مثلاً, هذه حيلة مقبولة, في حيل رائعة جداً . إنسان متنعنتاً, وعليك مساعدته, قد تسلك معه حيلةً كي تساعده, فالحيلة في أصلها مشروعةٌ, إن كانت لجلبِ خيرٍ أو لدفعِ شرٍ, أما إذا كانت الحيلة للتحلل من بعضِ أوامر الله عزّ وجل, فهذه حيلةٌ شيطانيةٌ مرفوضة. مثلاً: من الحيل الشائعة: أنتَ معكَ نِصاب المال, قبل أن يحولَ الحول تَهبُ جزءاً منه لابنكَ, تتفق معه, بعد شهرين يعيد المال لك, يهبُ جزءاً من ماله لشخص قبلَ أن يأتي الحول، النِصاب ما تم، بعد أن يمضيَ الحول, يسترجع هذه الهِبة, هذه حيلة . الحيلة الثانية: يشتري حاجة من بائع, ثم يردها له بعد مجيء الحول، هذه حيلة في إسقاط الزكاة . في حيلة في التعامل بالربا: بيع العينة, العينة: أن تضع حاجة أمامك تبيعها ديناً بسعر ونقداً بسعر, تبيعها للمشتري ديناً بمائة ليرة, ثم تشتريها منه بثمانين ليرة نقداً, هذا بيع العينة, هذا رِبا, لكن بشكل بيع وشراء . أحياناً تطلّقُ المرأة طلاقاً فيه بينونة كبرى من زوجها, فيقوم زواج شكلي, هذا التيس المستعار, يعقد زواجاً شكلياً, ثم يطلّق, ثم تعود لزوجها الأول, أحياناً يُرهنُ العِقار والرهن لا يستعمل, ثم يَهبُ لكَ صاحِبُ العَقار منفعته, أنت أقرضته مبلغاً, وضع عندك عِقاراً رهناً, فأنت سكنت بالعِقار, هذا القرض جرَّ نفعاً, هو على شكل رهن, والرهن لا يستعمل صاحب العِقار, وهبك الانتفاعَ به, عملت حيلة, كسبتَ فائدةً من هذا القرض وهكذا, كلُّ هذه الحيل حرامٌ, لأنها احتيالٌ على الشرع, للتفلت من أوامر الله عزّ وجل, ولكن الحيل الجائزة لجلبِ الخير أو لدفعِ الشر, لجلب الخير كما فعل سيدنا يوسف, احتال على أخيه عن طريق وضع صواع الملك في رحله, ثم فُتشَ هؤلاء, وظهرَ صواع الملك في رحلِ أخيه فاحتجزه, من أجلِ أن يأتي بأبيه وأخوته, ويكرمهم في مصر . كلُّ حيلة تنتهي بصاحبها إلى التفلتِ من أوامر الشرع, هي حيلةٌ باطلةٌ حرامٌ، أما الحيلة التي تجلب الخير وتدفع الشر, فهي حيلةٌ مقبولةٌ في الشرع . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة الخلقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع من دروس مدارج السالكين , منزلة اليوم منزلة الخُلق , وقبل أن نقفَ عند بعض الآيات الكريمة التي تتعلق بالخُلق , منطلقةً من قول الله عزّ وجل واصفاً نبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم الآية: 4] أود أن أمهّدَ لهذا الموضوع بتمهيدٍ قصير ... كما أقول لكم دائماً : مطلبٌ ثابتٌ عندكم جميعاً , وعندي , وعندَ كلِّ إنسانٍ على وجه الأرض ؛ أن يَسلمَ , وأن يَسعد ، ونحنُ في عصرٍ ما أكثرَ الآراء , وما أكثرَ المذاهب , وما أكثرَ التفسيرات , وما أكثرَ الاتجاهات , ففي زحمةِ تماوج الأفكار , واضطرابها , وتداخلها في هذه الزحمة , ما من نِعمةٍ أعظم من أن تكتشف الحقيقة التي أرادها الله عزّ وجل لتكونَ لكَ مِنهاجاً , نِعمٌ كثيرة , قد تنعمُ بالصحة ، قد تنعمُ بوفرة المال , قد تنعمُ بالمكانة ، قد يكون لكَ أهلٌ وأولاد على ما تريد , ولكن تأكد , كلُّ شيءٍ أنتَ تعتز به في الدنيا , ينتهي عندَ الموت , ولكنَ الشيء الذي لا يُقدّرُ بثمن , ولا يعلو عليه , ولا أثمنُ منه , أن تعرف الحقيقة , لأنكَ إذا عرفتَ الحقيقة , عَمِلتَ وفقها , فإذا عَمِلتَ وفقها , سَعِدتَ في دنياكَ وأُخراك . عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : (( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ , إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأهْلِ الْبَقِيعِ , فَانْطَلِقْ مَعِي )) فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ , فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , قَالَ : (( السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ , لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ , لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ , أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا , الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأُولَى)) (( أقبلت الفِتن كقطع الليل المُظلم )) كل شيء يمكن أن يزور ، ويُبدّل , ويُغيّر ، فالإنسان في زحمةِ هذه الفِتن , وفي تضارب الآراء , واختلاف التفسيرات , وتعاكس التوجهات , كلٌّ يدعّي وصلاً بليلى , كلٌّ يدعّي أنه على حق , في هذه الزحمة لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ فعلاً ، لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ حقيقةً ، لذلك العمل أساس السعادة , وأساس صواب العمل , أن تعرف الحقيقة . فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ أضربُ لكم هذا المثل , وكنتُ قد ضربته لكم سابقاً : لو دخلتَ إلى غرفةٍ , وفيها ألفُ قطعةٍ صفراء اللون , بعضها من الذهب الخالص ، بعضها من الذهب بأعيرةٍ متفاوتة , بعضها من النُحاس المُلبس بالذهب ، بعضها من النُحاس المُلمع ، بعضها من أخسّ المعادن , ألا ينبغي لكَ أن تنتقيَ ما كان ذهباً خالصاً ؟. يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في زحمةِ تضارب الآراء, واختلاف التوجهات, وظهور الفِتن كقطع الليل المُظلم, يتبعُ أولها آخرها, لا بد من معرفة الحقيقة, من هي الجهة في الكون الوحيدة التي معها الحقيقة, معها الحقيقة المُطلقة, معها الحقيقة التي لا زيغَ فيها؛ لا خلل، لا اضطراب، لا شائبة؟ إنها الله, أيّةُ جِهةٍ أرضيّة تخطئ وتصيب, تفلح وتُخفق، تستقيم وتنحرف ، تعطي ما هو صحيح وما هو مغلوط، ما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكنَّ الله وحده الحقُّ المبين، ولكنَّ الله وحده الذي خلقَ الكون, وخلقَ الحياة, وخلقَ الإنسان, وسوفَ نعود إليه, ولن نَسعدَ إلا إذا كُنّا على منهجه . فلذلك ليسَ غريباً، وليس شططاً أن يقفَ الإنسان ليُراجع حساباته، ليُراجع أفكاره، ليُراجع تصوراته، ليُراجع ممارساته اليومية، ليُراجع سلوكه . يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أن نعرفَ الحقيقة، أن نعرفَ المنهج, أن نعرفَ القانون الحقيقي, الذي هو يتحّكمُ بالمخلوقات، هو سِرُّ السعادة . أنت أمام باب عليه أقفال شديدة, تصور لو أردتَ أن تكسِرَ هذه الأقفال, أو أن تخلعَ هذا الباب, أو أن تهدِمَ هذا الحائط, كم تحتاج من جهد, ومن طاقة, ومن ضجيج, ومن خصومات؟ لو جِئت بمفتاح صغير, وزنه عشرون غراماً, وضعته في القفل المُحكم, فضغطتَ هكذا, ففُتحَ الباب, أليسَ هذا العمل أذكى وأرقى وأنجى وأنجح وأربح وأريح؟ كل شيء له مفتاح, السعادة لها مفتاح، التوفيق له مفتاح، أن تُحقق الهدف الذي خُلقتَ من أجله له أسباب, فلما الإنسان يتقصّى الحقائق، يتعرّف إلى خالق الكون، ألف سؤال وسؤال . أحياناً تقرأ آية : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم الآية: 47] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس الآية: 103] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 141] هذه الآية, إذا رأيتَ الواقع يُخالفها, فأنتَ أمام تفسيرين؛ إما أن تُكذّب القرآن, وإمّا أن تقول: هذا الكلام لا معنى له, هذا كلام غير واقعي, غير مُطبّق, وقعتَ في الكُفرِ وأنتَ لا تدري, وإمّا أن تسأل هذه الآية: ﴿ولن يجعلَ الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ ما تفسيرها ؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55] إن رأيتَ الواقع على خِلاف هذه الآية, بِم تُفسّرُ هذا؟ تقول: القرآن شيء غير واقعي, لا يتحقق, كأنه ليسَ كلامَ الله, وقعتَ في الكفر، أم أن تقول: لا بدَ أنَّ هناكَ شرطاً لم يتحقق : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾ كل إنسان قال: أنا مسلم, هو مسلم؟ كل إنسان قال: أنا مؤمن, هو مؤمن؟ كل إنسان قال: أنا أفعلُ كذا, هو يفعلُه؟ لئلا تقعَ في مشكلةٍ خطيرةٍ, وهي أن تَشُكَّ في مصداقية القرآن, يجب أن تتنوّر، يجب أن تتحقق، يجب أن تتبصر، يجب أن تقف عندَ المعنى الدقيق للآية، يجب أن تسأل ....: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 43] يجب أن تتحقق, لأن أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في عقيدتك, أخطر ما في الحياة أن تهتز عِندكَ المُثل، أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في أنَّ هذا الكلام ليسَ كلامَ الله، أو أنه كلام الله, ولكن الواقع ما أكدّه, هذه مشكلة خطيرة جداً . قلتُ لكم سابقاً: أكبرُ مصيبةٍ هي أصغرُ من أن يُصاب الإنسان بعقيدته أو بدينه, فلهذا بعيداً عن تداخل الآراء، عن اضطراب الآراء، عن اضطراب التفسيرات، أريدُ الحقيقة الخالصة، أريدُ المنهج الصحيح الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, نبعٌ عذبٌ كالماء الزُلال, عذبٌ فرات, سارَ هذا النبع, جاءه عدو من الروافد رفدته, رافدٌ نقيٌّ, ورافدٌ غير نقيّ, ورافد فيه ماءٍ آمنٍ, ورافدٌ فيه فضلات, وصلنا إلى نهاية هذا النهرِ, فإذا هو مياهٌ سوداء, ما العقلُ؟ العقلُ أن أذهبَ إلى النبع . يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يصلحُ آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلَحَ به أولها . قلت لكم مرة: سيارة توقفت, هذا السائق لو خرجَ من السيارة, وملأَ الجوَ صخباً وضجيجاً وصياحاً وتوسلاً وبكاءاً وعويلاً ودعاءاً, يا رب أنا انقطعت, السلوك علمي, لا والله ، السلوك العلمي أن تفتح غِطاء المُحرّك, وأن تنظر أينَ الخلل؟ . في مشكلة في العالم الإسلامي, دائماً نشكو, لماذا تشكو؟ الله تخلّى عنّا, هل تخلّى الإله عنّا؟ غير معقول !!: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 4] إذاً: هناك خلل في حياتنا، في فهمنا للدين، في استقامتنا، في سلوكنا . مثلاً: لو أنَّ طالباً على موعدٍ مع امتحانٍ خطير, هناك عشر مواد, لو أنه أتقنَ المواد التسعة, وأهملَ مادة, ولم ينجح، نحن مع احترامنا لجهده, واجتهاده, وتفوقه في هذه المواد التسعة, لكنه لأنه أهملَ المادة الأخيرة العاشرة, هذه الدراسة ذهبت أدراج الرياح، هذا الجهد الذي بذله في أثناء العام الدراسي تلاشى .... مثل آخر: هذه المركبة من أجل أن تسير, لا بد لها من أجهزة, أهملتَ أحدَ الأجهزة, بقيت في مكانها، ماذا أفادكَ اعتناؤك بها؟ ما أفادكَ شيئاً . الإسلام مشكلته إما أن تأخذه كله, وإما أن تقطفَ ثماره, هي المشكلة, فكل فرد مبدئياً عليه أن يُراجع نفسه على المستوى الفردي, وجد الطريق مسدوداً، هنا لم يوفق، هنا لم ينجح، هنا لم يتحقق الهدف، بقيت نفسه كنفوس الآخرين, لم ترق نفسه في هذا المجال, في خلل, دينُ الله ينبغي أن يكونَ واضحاً, وينبغي أن يكونَ مقنناً, في قواعد, يهمل الناس هذه القواعد, ويحسبون أنفسهم مسلمين, وكأنهم يعاتبون الله عزّ وجل, إذا بدا لهم أنه تخلى عنهم, ماذا نفذتَ أنتَ من الإسلام؟ هل طبقتَ الإسلام في بيتك؟ هل حررتَ دخلكَ من كلِّ شُبهة؟ هل ضبطت مشاعرك؟ هل كنتَ كما يريد الله حتى تطالبه أن يكون لكَ كما تريد؟ هل أنت على منهجه؟ هل أنتَ في مرضاته؟ هل أنتَ أخذتَ دينه جملةً وتفصيلاً؟ هل طبقّتَ أوامره بحذافيرها؟ إن لم تكن كذلك, لا ينبغي أن تعتب, ولا ينبغـي أن تقول: لِمَ يكونُ هكذا؟ لِمَ يحدث هكذا؟ أينَ الله عزّ وجل؟ . هذه أسئلة كبيرة جداً, إن لم تملك الجواب الصحيح عليها, فأنتَ في مشكلة, أنتَ تُعامل خالقَ الكون, لو عاملتَ إنساناً, يقول لكَ: لا أستطيع، إمكانياتي محدودة، هذه ليست بيدي، مع هذا الإنسان ألف عذرٍ وعذر أن لا يُنجدكَ, أما إذا عاملتَ الخالق هو مطلق, كن فيكون, زُل فيزول, كلُّ شيء بيده, وخاضعٌ له, بيده ملكوت السموات والأرض, لا يعزب عنه شيء في الأرضِ ولا في السماء . فإذا دعوتَ الله أن يغيثكَ بالمطر, ولم يغثك بالمطر, معناها في خلل, تقنين الله عزّ وجل ليس تقنين عجز بل تقنين تأديب, أريد أن يأخذ الإنسان الإسلام مأخذاً جِديّاً، أن يأخذه كمعادلات رياضية, أن يأخذه كقوانين حتمية، أن يأخذه كسُنّة كونية، أن يأخذه كمنهج تفصيلي ، أن يأخذه كقواعد قطعية، إذا فهمتَ الدينَ هكذا, قطفتَ ثِمارَ الدين, وكنتَ أسعدَ الناس بهذا الدين, وشعرت بمعنى اسم السلام, الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي, شعرت بالطمأنينة, وملكتَ التفسير الصحيح لِما يجري ... الإنسان أحياناً بحاجةٍ ماسّة لأن يملكَ التفسير الصحيح لِما يجري حوله, لأنَّ الدين متكامل، الدين يغطي كلَّ شؤون الحياة, يغطي كلَّ نشاطات الحياة، يغطي كلَّ مناحي الحياة، فالدين ليسَ أن تصومَ وأن تُصلي فقط، وليسَ أن تبحثَ عن أحكام البيوع وأحكام كذا، الدين يقدم لكَ تفسيراً دقيقاً للكونِ والحياةِ والإنسان . فلهذا: يعني سؤال كبير جداً, القرآن الكريم إذا درسناه, يجب أن ندرسه دِراسةً متأنيّة، يجب أن نتدبرّه، ارجعوا إلى كتاب الله في كلِّ شيء, منهجٌ . ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] يعني مثلاً: حينما يتوجه المسلمون إلى أنَّ الدين: أن تؤدي هذه العبادات من صومٍ وصلاةٍ وحجٍ وزكاة, ويغفلُ المسلمُ عن أنَّ الدين هو في استقامة الجوارح, وفي استقامة اللسان, وفي طلبِ الأسباب, والتوكل على الله عزّ وجل, هل يُعقلُ أن يكونَ الدينُ مظهراً للضعفِ؟ لا والله, هل يُعقل أن يكونَ الدينُ مظهراً للخنوعِ، مظهراً للكسلِ، مظهراً للقعودِ؟ لا والله, لذلك نحن إذا طبقّنا أكثرَ أوامر الدين, وأغفلنا بعض الأوامر, ما قطفنا ثمار الدين إطلاقاً ، وأخطرُ ما في الأمرِ أن يعزوَ الإنسان خطأه إلى ربه, الله عزّ وجل كتابه واضح: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ سورة العنكبوت الآية: 69] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [سورة الحج الآية: 38] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 7] فالإنسان في زحمةِ الفِتن, وفي زحمةِ اضطراب الأفكار والمقاييس, وفي زحمةِ اختلاط الأوراق, وفي زحمةِ تداخل التفسيرات, عليه أن يعودَ إلى النبع, إلى كتاب الله, وأن يقرأهُ, وأن يشعرَ بمصداقيته, لأنَّ كلَّ كلمة قالها الله عزّ وجل, حقيقة قطعيّةٌ ثابتةٌ, الوقائع دائماً تؤكدها, وهذا الكلام أنا متأكد أنَّ كلَّ واحد منكم معه عليه أدلةٌ من حياته اليومية، ما من مصيبةٍ أصابته إلا بسببٍ وجيه، ولأمرٍ خطير, ولِعلاجٍ سريع، فإذا بدأ يفهم على الله عزّ وجل, لماذا كانَ هذا الأمر؟ ولماذا لم يكن؟ لماذا وُفقتُ إلى هذا الأمر؟ ولماذا لم أُوفق إلى هذا الأمر؟ عندئذٍ يشعر أنَّ الدين أعطاه الحقيقة المطلقة التي هي أثمن ما في الوجود, أثمن ما في الوجود أن تعرف الحقيقة, انعكاس الحقيقة على حياتك الخاصة، على حياتك العامة، وعلى حياتك البيتية، وعلى مهنتكَ, انعكاسٌ رائع, وعلى مجموع الأمة . منزلة الخلق : يلفتُ نظري سيدنا جعفر, سأله النجاشي : حدثنا عن هذه الدعوة التي جاءَ بها نبيكم . وقفتُ عندَ هذا الكلام ملياً , وأُعيده كثيراً . يقول : أيها الملك , كُنّا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكلُ الميتة , ونأتي الفواحش ، ونُسيء الجِوار , ويأكلُّ القويُّ مِنا الضعيف ، حتى بعثَ الله فينا رجلاً ، نعرف أمانته , وصدقه , وعفافه , ونَسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده , ولنوحده , ولِندعَ ما كانَ يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , والكفِّ عن المحارم والدماء . بربكم : سيدنا جعفر , هذا الصحابي الجليل , ماذا فهم من الإسلام ؟ مكارم الأخلاق , فهمَ الدين خُلق ، فهمَ الدين استقامة ، فهمَ الدين صدق ، فهمَ الدين إخلاص ، فهمَ الدين رحمة ، فهمَ الدين وقوف عندَ حدود الله ، فهمَ الدين توحيد . هذا الذي يأكل مالاً حراماً , ويتجاوز حدود الله عزّ وجل , ويلبّي نداء المؤذن كلما أذّن , هذا الإنسان ألا يزوّر الدين ؟ ألا يشوّهُ حقيقته ؟. أذكر قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه : أنَّ قوام الدين والدنيا أربعة رجال : عالمٌ مستعملٌ علمه , وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم ، قلت : إذا ضيّعَ العالم علمه , استنكفَ الجاهل أن يتعلم . أنت كمسلم بصراحة أقولها , أنت عند أهلك ، عند والدك ووالدتك ، عند زوجتك ، عند أولادك ، عند أخوتك ، عند جيرانك ، عند من هم دونك ، عند من هم فوقك ، عند أصحابك ، عند زملائك ، عند مجتمعك ، عند بلدتك ، عند أمتك ، أنت محسوب على المسلمين , أنت مسلم , الناس لا يعبؤون بصلاتك ولا بصيامك ، يعبؤون بمعاملتك ، بذمتك ، بصدقك ، بعفتك ، بطهارتك ، بخلقك ، بتواضعك ، بعفوك ، فإذا ما أحبَّ الناس الإسلام من خلال سلوكك فأنتَ لستَ مسلماً ، إذا ما عشقَ الناس الدين من خلالك أنت لستَ مؤمناً ، إذا ما قالَ الناس هذا هو الدين , يا الله ما أروع الدين ! أهذه تربية المسلمين ؟ أهذه تربية الدين ؟ إن لم تكن كذلك فلستَ مسلماً . لعلك رأيته يصلي في المسجد , قال له : نعم , قال : أنت لا تعرفه , هل جاورته ؟ هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ هل سافرت معه ؟ . بإمكانك أن تكون أكبرَ داعيةٍ إلى هذا الدين وأنت ساكت, ليرى الناس منكَ العفاف , أنتَ إذا ذهبتَ إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا ترى؟ ترى أناساً يبكون أمام مقامه, يا ربي هؤلاء ما رأوه، ما عاملوه، ما أخذوا منه شيئاً، ما أعطاهم شيئاً، لماذا هم يبكون أمامه؟ لأنَّ هذا النبي العظيم ما قالَ شيئاً خالفه في سلوكه، ما تكلّمَ كلمةً فعلَ عكسها، كانَ صادقاً مع نفسه، كانَ رحيماً بالناس، كانَ مثلاً أعلى، كانَ قدوةً صالحة . الإنسان حضرَ مجالسَ العلم, واستمع إلى إلقاء المحاضرة, وتأثرَ بها, ولم يطبّق ما سمع, هذه حالة مرضية, يقسو قلبه, يتعود على السماع بصير, لكن ليسَ مطبّقاً لِما يسمع، لا يقطف ثِمارَ ما يسمع، ثم يملّ, أعطه سيارة لا تسير, يوم غسلها، يوم لمعّها، يوم نظفّها، ما قطف ثِمارها, ثم يملّ منها، أما إذا رَكِبها, ونقلته إلى مكان جميل هوَ وأهله, قطفَ ثِمارها, شعرَ بقيمتها . أنا الذي أريده: أن تذوقَ طعم القرب، أن تذوق طعمَ الحب، أن تذوق طعمَ الصِلةِ بالله عزّ وجل، أن تشعرَ أن الدين نقلكَ من الجحيم إلى النعيم، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الضياعِ إلى اللُقيا، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الهموم التي بعضها فوق بعض إلى الإشراقات التي يلي بعضها بعضاً، إن لم تكن أسعدَ الناس فما قيمة هذا الدين؟ أنت مع خالق الكون، لا يحزن قارئ القرآن . يجب أن يكون شعارنا أيّةُ آيةٍ قرآناها، أو أيّةُ آيةٍ فهمنا تفسيرها، أو أيُّ حديثٍ فهمنا معناه, ينبغي أن يكون شُغلنا الشاغل أن نطبّقه, كي نقطفَ ثِماره، لو حدثّتَ الناس آلاف المرات, بل عشرات آلاف المرات, أنَّ الصدق ينجي, وأنتَ لم تكن كذلك, تملُّ من هذا الكلام, لكن دائماً كن صادقاً حتى مع الحيوان . هذا المُحدّثُ الشهير, الذي قصدَ البصرة من المدينة, فلما رأى الرجل الذي جاء ليأخذَ عنه الحديث, قد كذبَ على فرسه, سكت وعاد إلى حيثُ كان, هذا الذي يكذب على فرسه, ليسَ أهلاً أن يكونَ مُحدثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنا أقولها لكم بصراحة: يجب أن يكونَ بيتك جنّة, كيف فعل النبي؟ كان إذا دخلَ بيته بسّاماً ضحاكاً، هدفه الأكبر أن يهدي أولاده، أن يهدي أهله، يجب أن يكون عملك خلية نحل, يجب أن يتعلم الناس من تعاملك التجاري؛ الصدق والاستقامة والرحمة والنزاهة والأمانة, هذا الذي نعوّلُ عليه, سمعنا كلاماً كثيراً, خُطباً رنانة, كتابات رائعة، بلاغة ناصعة، أفكاراً مُنظمة ، ولكنَ التطبيق هو الذي نحن نُقصّرُ فيه . لذلك : ترى المساجد ملآى , وهناك من يشكو الكذب والاحتيال , وأن تأخذَ ما ليسَ لكَ , وأن تبغي على شريككَ , على خليقكَ , يجب أن يكون البيت جنّة , والعمل في نزاهة , وفي كلّ مكان صحيح . الآية الأولى : وإنك لعلى خلق عظيم . نقيم الناس, فنصف بعضهم بالغنـى، وبعضهم بالقـوة، والآخـر بالذكاء، ورابعهم بالحِنكة والسياسة, فلان نَصِفه بالجمال، أو بالصحة، أو بتحصيل أعلى الشهادات، ولكنَّ هذا النبي الإنسان الأول, المخلوق الأول, وصفه ربه : ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ فسّرَ هذه الآية : وإنكَ لعلى دينٍ عظيم , يعني جعل الخُلق هو الدين , وجعلَ الدين هوَ الخُلق , وكلاهما يعني شيئاً واحداً , أنتَ أخلاقي , أنتَ مؤمن , هذا تفسير ابن عباس والإمام مجاهد , وإنَكَ لعلى دينٍ عظيم , بأنَّ هذا الدينَ كله مكارمُ أخلاق . سيارة ألغينا مُحركها, الأبواب ممتازة، المقاعد وثيرة، العدادات متألقة، الطِلاء لماع، المُحرك من السيارة, يعني ألغينا السيارة, في طيارة عند الشيخ رسلان, هذه طائرة؟ هذه مطعم وليست طيارة, لأنها لا تطير, الطيارة تطير . أقول لكم: إذا ألغينا الأخلاق، إذا ألغينا الخُلق الحسن، إذا ألغينا السموَ النفسي، إذا ألغينا الطهارة القلبية من الدين, فقد ألغينا الدين كله . أروع تفسير للإمام مجاهد وابن عباس : ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ الدين هو الخُلق والخُلق هو الدين. هذه أول آية . الإمام الحسن قالَ: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ الآية الثانية: ادفع بالتي هي أحسن .... وإنكَ لعلى آدابِ القرآن، القرآن بينَ أيديكم قال لك: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 34] الآية الثالثة : وقولوا للناس حسنا ......... هذه الآية ليست كي تقرأها وتأتي بأحكامها, لا, كي تدفعَ بالتي هيَّ أحسن: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 83] الآية الرابعة : خذ العفو وأمر بالعرف ..... ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 199] الآية الخامسة : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] يجب أن تقرأ القرآن قراءةً , تستنبط منها آيات الأخلاق . مرة حدثناكم, أتمنى على كلِّ أخٍ كريم أن يقرأ القرآن, ليستنبطَ من هذه القِراءةِ الأوامر والنواهي، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ من هذه القِراءة القوانين والسُنـن، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ منه مكارمَ الأخلاق, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخٌ كريم, أن يجعلَ هذا القرآن وما فيه من قيّمٍ أخلاقيّةٍ دستوره . الآية السادسة : وعاشروهن بالمعروف ...... زوجتك: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 19] افتح التفسير: ليست المعاشرة بالمعروف, أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها, بل أن تحتمل الأذى منها, هذا دينك, دينك مع زوجتك, أن تحتمل الأذى منها، دينك مع أولادك, أن تُحسنَ إليهم . الآية السابعة : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ............ دينك مع والديك : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 8] دينك مع جارك، دينك مع السائل، دينك مع الفقير . خلق النبي : درسنا الآن : ﴿إنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ إنكَ لعلى آداب القرآن, ما هذا الأدب؟ قالَ: أدبّني ربي فأحسنَ تأديبي . وتأديب الله للنبـي عليه الصلاة والسلام توجيهاته في القرآن الأخلاقية، والسيدة عائشة تقول: كانَ خُلُقهُ القرآن . الإله عادل، إذا الناس أفلحوا جميعاً, جاء الخير للمجموع، وإذا أبَوا جاء الشر . عَجِبَ ربكم من قومٍ يساقونَ إلى الجنةِ بالسلاسل ، من أطاعني دخلَ الجنة , ومن عصاني فقد أبى . أنا أدعو إلى الله, أنصحُ الناس, ولكن إذا رأيتُ إعراضاً من الناس, وتفلتاً, وانكباباً على حُطام الدنيا, وتشبثاً بالشهوات, ماذا أفعل؟ أنغمسُ معهم؟ لا والله, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخ، إن يئستَ من مجتمعك فعليكَ بنفسك، إن يئستَ ممن حولك, فعليكَ بخاصةِ نفسك ودع عنك أمرَ العامة، إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً, وهوىً متّبعاً, وإعجابَ كلَّ ذي رأيٍ برأيه, فعليك بنفسك, كل إنسان يرى نفسه مِحور العالم, كل إنسان متشبث, كل إنسان مادي وشهواني وأناني, وأنا هذا رأيي, وأنا صحيح, وأنت غلطان, حينما ترى الأمور اختلطت وتداخلت, والفِتن استعرّت, عليكَ بخاصةِ نفسك, بمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 105] إنكَ لن تستطيعَ أن تفعلَ شيئاً قبلَ أن تُصلحَ نفسك, لا تقدر أن تؤثّر بمخلوق كائناً من كان, قبلَ أن تكون أنتَ في المستوى المطلوب, علينّا أن نهتم بأنفسنا، نهتم بزوجاتنا، ببناتنا، بأولادنا، ببيوتنا, إذا كلّ واحد منكم جعلَ بيته إسلاميّاً, هذا الطريق الصحيح, لأنه الضجيج والعويل والصُراخ لا يفعل شيئاً, كالذي وقفت سيارته, فجعلَ يصرخ, ويستغيث, ويعاتب الأقدار, ويتألم, ويبكي, افتح غطاء المحرك, وانظر أين العطل؟ وهذا المجتمع أساسه البيوت، أساسه الأسرة، الأسرة هي اللَبِنةُ الأولى، إذا أردتَ أن تنجوَ من عذاب الله، إذا أردتَ أن تنجوَ من الفِتن, إذا أردتَ أن تنجوَ من المِحن، إذا أردت أن تنجو من البلاء: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 18] سيدنا يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 87-88] هذه الآية الكريمة: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ إنكَ لعلى دينٍ عظيم، والمعنى الثاني: إنكَ على آدابِ القرآن . عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ((أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ, قَالَتْ: لا تَفْعَلْ, أَمَا تَقْرَأُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ؟ فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ)) في نقطة دقيقة: نسمع دروساً عشرين سنة، في كتب، في أشرطة، في مؤلفات، في خُطب، يعني في ذخيرة إسلامية لا يعلمها إلا الله, ومع ذلك هناك تقصير، هناك تفلت, هناك تسريب لبعض الشهوات، تجد مستودعاً فيه ثقب, مهما تملؤه تجده فارغاً, اسمع مليون خطبة فالعبرة بالتطبيق، العبرة بالانضباط، ادخل إلى البيت, وافتح دفترك، أين المخالفات؟ المخالفات المتعلقة بالزوجة في خروجها، في مظهرها، في الاختلاط، في العلاقات، بالبنات، بالأولاد، بعملك، بكسبك, في ذممك، في واجباتك. ((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] أطب مطعمك, أفضل شيء أن نعود إلى التطبيق, كي يتجلّى الله على قلوبنا، كي نشعر بنعيم الدين، كي نشعر بلذّةِ القرب، كي نشعر باطمئنانِ الحب . قال: الآية الكريمة: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال: هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق كلها, خذ العفو: أنظر لكلمة خذ، أنت معقول أن تعطي إنساناً شيئاً مؤذياً, خذ هذه الساعة, هذه إلكترونية، خذ هذا القلم، خذ هذه القطعة من الذهب، خذ هذه القطعة من الماس، كلمة خذ من خالق الكون, الملك ماذا يعطي المتفوق أو البطل؟ يعطيه قلم رصاص, يعطيه بيتاً، يعطيه سيارة، كلمة خذ من الله, معناها شيء عظيم جداً, ماذا تأخذ؟ خذ العفو .. موقف شديد الإيلام: عندما ذهب النبي إلى الطائف, ودعا أهلها, فسَخِروا منه، كذبوا دعوته، ردوّه ردّاً قبيحاً, ضربوه بالحجارة, ماذا قال؟: اللهم اهدِ قومي, لم يتخل عنهم, لم يقل: اهدِ هؤلاء, لا . اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون . ثلاثة أشياء بالدعاء: لم يتخل عنهم، واعتذرَ عنهم، ودعا لهم، أنت عندك الإمكانية أن تفعل هذا, إذا أصابك شر من إنسان, تتمنى أن تقطعه إرباً, أليسَ كذلك؟. ﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾ اُعفُ عمن ظلمك، اُعفُ عمن أساء إليك, يقولون: أنَّ هذه الآية الكريمة, النبي عليه الصلاة والسلام وقفَ عِندها, فسألَ جبريل: ما هذا؟ قالَ جبريل: لا أدري حتى أسأل، فسألَ جبريل ربه, ثمَ رجعَ إليه, فقالَ: يا محمد, إنَّ الله يأمركَ أن تصلَ من قطعك، وأن تعطيَ من حرمك, وأن تعفوَ عمن ظلمك. هذه خذ العفوَ، هذا الذي قطعكَ زره في بيته، هذا الذي حرمكَ أعطه، هذا الذي ظلمكَ اعف عنه، هذه الآية جمعت مكارم الأخلاقِ كُلها, إذا قُلنا: كٌلِها على الأخلاق, لأنَّ كلمة مكارم جمع وأخلاق جمع, جمعت مكارم الأخلاق, إذا قلنا: كُلّها على المكارم، إذا قلنا: كُلِها على الأخلاق . وأُمر بالعرفِ: العُرف ما جاء به القرآن, ما جاء به الشرع، أنت كمؤمن لن تستطيع أن تدعوَ إلا إلى الشرع, لأنَّ الشرع شرعُ خالق الكون، الشرع تعليمات الصانع، الشرع تعليمات هذه الآلة, فإذا أحببت نفسكَ وأُمر بالعرفِ . لكَ أعداءٌ كثيرون، قال له: يا ربي - سيدنا موسى بالمناجاة- يا ربي لا تبقِ لي عدواً، قالَ: يا موسى هذه ليست لي . لكَ أعداء، لكَ خصوم، لكَ حاسدين، لكَ ناس منتقدين . ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ ارتفع عن هذه المرتبة, اصعد إلى مستوى أرقى, لا تكن في هذا المستوى . ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ ﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾ قال أنسُ رضي الله عنه: ((كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناسِ خُلقاً)) حُكي لنا عن رجل, كان مفتي قبل خمسين عاماً في هذه البلدة, وكان من الصالحين الأتقياء, قال: كان قاضياً, دخلت عليه امرأةٌ, يبدو أنها وهي تصعد الدرج, خرجَ منها صوتٌ قبيح، فاحمرَّ وجهها, وخَجِلت خجلاً شديداً, وقالت لأختها: سمعنا القاضي, وتألمت كثيراً، فلما وصلت إليه, سألها عن اسمها, فأجابته، قالَ: ما سمعت, ارفعي صوتك يا أختي, أنا لم أسمع، رفعت صوتها, فقالَ لها: أنا ما سمعت, أنا لا أسمع, قالت لها: شايفة معناها ما سمعنا, خُلق هذا، خُلق عظيم, خجلت, لا تحرجها، كلما ارتقى مستواك, لا تُحمّر وجه أحد، لا تُحرج أحداً. النبي عليه الصلاة والسلام لمّا كان مع أصحابه, وقد تناولوا لحمَ جَذور, وأصحابه كلهم أعلام, فظهرت رائحة كريهة, وكانوا جميعاً قد توضؤوا, وصلّوا الظهر, وتناولوا الطعام, وها قد أذنَّ العصر, من هذا الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا يتمنى أن تنشقَّ الأرض وأن تبتلعه, فقالَ عليه الصلاة والسلام: كلُّ من أكلَّ لحمَ جذورٍ فليتوضأ, فقالوا: كُلنا أكلنا, قالَ: كلكم فليتوضأ . ما هذا؟ من أين تأتي بهذا الخُلق؟ تجد بعض الناس, يهمه أن يُحرج غيره، يضايقه، يكذبه أمام الناس, أوقعه في موقف حرج . من جاءه أخوه متنصّلاً, فليقبل منه مُحقاً كان أم مُبطلاً, كإنسان مؤمن يقول لك: أنا لم أتكلم هذه الكلمة على العين والرأس, فعلاً أنتَ لم تتكلمها وأنا قَبِلت, لا يوجد شيء يرفعكَ إلا أن تكونَ أخلاقيّاً . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْن,ِ كَانَ عَرَقُهُ اللُّؤْلُؤَ, وَكَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ, وَمَا مَسِسْتُ دِيبَاجًا قَطُّ وَلا حَرِيرًا وَلا شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهِ)) يعني أيام تمسك يد شخص, تجدها خشنة كالمبرد، في أشخاص لهم عمل بالأقمشة, فتجد يده ناعمة, يعني عنده حساسية بالغة .. قال سيدنا أنس: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألينَ من كفِّ رسول الله، ولا شممت رائحة قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ. تجد أناساً يطرقون, يغضبون, يكسرون الصحون, ويسبّون, ويشتمون, ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ, وما قالَ لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟ متفقٌ عليه, هذه أخلاق رسول الله . يا ترى أنت مع الناس هكذا؟ مع أخوانك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زملائك، عندك هذا اللين، الرحمة، العطف, يسألون: أنت من شيخك؟ أين تحضر؟ خذنا معك, الآن بالعكس: يقول لك: هذا الذي علّمك شيخك؟ عندما تغلط معه, يقول: هذا الذي تعلمته بالجامع؟ هكذا الدين؟ يجب أن يشتهي الناس أن يكونوا مثلك . عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأنْصَارِيِّ, سَأَلْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ, قَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ, وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ, وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] هل لاحظتم في كل حياتكم إنساناً يمزج الماء وبالحليب أمام المشتري؟ لا أحد يعملها, أين يضعون الماء بالحليب؟ بالمنزل يعملون هذه العملية, فكل شيء تكره أن يطّلعَ عليه الناس فهو إثم, المؤمن يصل لدرجة ما في عنده ازدواجيّة أبداً, داخله مثل خارجه, بمنزله مثل الطريق, سريرته كعلانيته, ما في قلبه على لسانه, ما في لسانه في قلبه، لن تكونَ مؤمناً صادقاً إلا بالتوحّيد, أما الازدواجيّة موقفين، لسانين، موقف مُعلن، موقف حقيقي, هذا الموقف الازدواجي، وهذا الموقف التمثيلي، وهذا الموقف الخُلّبي، وهذه تتكلمها وتحلف بالله وأنتَ لستَ كذلك, ليسَ هذا من الدينِ في شيء . ((البِرُّ حُسنُ الخُلق, والإثمُ ما حاكَ في صدركَ, وكرهتَ أن يطلّعَ عليه الناس)) هذا مقياس . وفي الترمذي: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قـَالَ: ((مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ, وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)) إذا بالغ الإنسان في الاستقامة, وبالغ بالتمسك بمكارم الأخلاق، يصل لدرجة يشعر أنَّ الله يحبه, هذا الشعور لا يُقدّر بثمن, كأنه غالٍ على الله, يشعر عندما قال الله: فإنكَ بأعيننا, كأنه كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] أن يكون له مودة مع أعلى إنسان بالبلد, يدخل عليه متى شاء, تجده يخوّف الناس كُلّهم, فما بالك إذا كان خالق الكون يحبك؟ يرضى عنك؟. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] ألا تغار من الصحابة الكِرام؟ والباب مفتوح أن يرضى الله عنك، مفتوح الآن في هذا العصر، ليس لكَ زوجة، ليسَ لكَ أقرباء، ليسَ لكَ أخوات, ليسَ لكَ أم، ليسَ لكَ أب، ليسَ لكَ جيران، ليسَ لكَ مهنة تكون نصوحاً فيها, صادقاً فيها, كريماً, رحيماً. أيام تدخل امرأة فقيرة على صيدلية, ينقصها ليرتين, يقول: اذهبي وأحضريهما، ليرة أيام اذهبي وأحضريها، تكون امرأة عجوز, أليس عندكَ رحمة؟ قل: سامحتك .. فكلما ارتقى الإنسان ينشأ في قلبه رحمة، ينشأ تسامح، ينشأ عطف، وهذا كله من الخُلق، تقل مُبالغ في الموضوع .. كتاب قرأته قِراءة متينة جداً وحفظته, تناقش فيه كلّ الناس, لا تظن أنَّ الله راضٍ عنك ، العلم ضروري جداً, والعالم على العين والرأس، أما لو كان الذي قرأ الكتاب وحفظه وفهمه أخلاقه سيئة ما أُفلح . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: تَقْوَى اللَّهِ, وَحُسْنُ الْخُلُقِ, وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ)) هذا اللسان؛ الكذب، الغيبة، النميمة، السخرية، الفحش، البذاءة، الدجل، التزوير، التدليس, سُباب، شتائم، هذا اللسان . الفم: أهم شيء الداخل من لقمة حرام, والخارج من كلمة سوء. أكثر ما يُدخل الناس النار الفمُ والفرجُ, شهوة الطعامِ وشهوة الفرجِ, وأكثر ما يُدخل الناسَ الجنة: تقوى الله وحُسنُ الخُلق . عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)) صام يوم عاشوراء, وخلقه ضيق, وآخر لم يصم، الأخلاقي الذي خلقه حسن لو لم يصم سبق الصائم، واحد صلى قيام الليل, وفي اليوم الثاني خلقه ضيق ويسب ويشتم, والذي لم يصل قيام الليل وبقي نائماً, وفي اليوم الثاني خلقه حسن أفضلُ منه، أما الأفضل من هذا وذاك, من صلى قيام الليل وكان خلقه حسناً, هذا أفضل طبعاً . عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا, وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ, فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟)) [أخرجه الترمذي في سننه] هناك جبابرة, المتكبرون مقطوعون عن الله عزّ وجل . هذا الموضوع طويل إن شاء الله, يحتاج إلى درس قادم, على كُلٍ؛ من الأخلاق الأساسيّة: الصبر، والعِفة، والشجاعة، والعدل، ومن أساسيات الانحرافات الأخلاقيّة: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب, وأساس الأخلاق: أن تكونَ بين الإفراط والتفريط، هذه كلها موضوعات إن شاء الله نأخذها في درس قادم . على كلٍ؛ ليس لهذه الدروس من قيمةٍ إطلاقاً, إلا إذا تجسدت في السلوك، إلا إذا طُبقت في البيوت, إلا إذا طُبقت في الطريق، إلا إذا طُبقت في الحوانيت، في الدوائر، في المعامل، في المصانع، في المتاجر، في المزارع, إلا إذا طبقتَ هذه الأخلاقَ في حياتكَ اليومية، عندئذٍ تقطفُ ثمارها . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السماعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن ) منزلة السماع : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن من دروس مدارج السالكين, منزلة اليوم هي: منزلة السماع, الإنسان لـه نشاطات أساسية، فهو يتكلم, فهناكَ أحكامٌ كثيرة جداً ذكرهـا النبي عليـه الصلاة والسلام متعلقـةً بالكلام؛ الغيبة، والنميمة، والفُحش، والبذاءة، والتغرير، والكِبرُ، وما شاكلَ ذلك, وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] الحديث والكلام نشاطٌ أساسي من أنشطة الإنسان, النظر أيضاً نشاط من أنشطة العين, لذلك وردت آياتٌ وأحاديث تتعلق بموضوع النظر، لكن منزلة اليوم هي: منزلة السماع . . كلكم جميعاً أتيتم إلى بيتٍ من بيوت الله ، أتيتم لماذا ؟!! كي تأكلوا ؟!! لا والله . كي تتكلموا ؟!! لا . كلكم يسمع . إذاً : السماع نشاط , نشاطٌ أساسي أن تستمع . هناكَ أماكن لهوٍ يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى الموسيقا . هناك أماكن أخرى يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى حِوار بين الممثلين . هناك أماكن يأتيها الناس من كلِّ جانب يستمعون فيها إلى الغناء . هذه الأذن لها نشاطات عديدة ، أما أن تأتي بيتَ الله عزّ وجل لتستمعَ إلى الحق , فهذا نشاطٌ أثنى الله على فاعليه . قبلَ أن نَخوضَ في الموضوع , أريد أن أضع بين أيديكم هذا المثل , يعني أنت إما أن تأتي إلى بيتٍ فيه طبخٌ نفيس, فتأكلَ من الطعام ما لذَّ وطاب, دون أن تبذلَ جهداً إطلاقاً, تجلس على المائدة، توضع لكَ المقبلات، ألوان الطعام الفاخر، تأكل، تتذوق، تشعر باللذة، تُحس بالشبع، وإما أن تذهبَ إلى السوق, وأن تختار الخضار، وأن تغسلها، وأن تُقطّعها، وأن تطبخها، وأن تنتظر الساعات الطويلة كي تنضج، يعني إما أن تصنع طعاماً أنت, وإما أن تأكله جاهزاً، فإذا أردتَ أن تُفكّرَ أنتَ في الكون، أن تستخدمَ عقلكَ في الكون، أردتَ أن تتأمل, أردتَ أن تبحثَ بحثاً ذاتياً, فهذا نشاط العقل، أو أن تستمعَ إلى الحق جاهزاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 37 ] سنأتي بعدَ قليل على مرتبة السماع، أتكفي وحدها أم أنها مفتاح العِلم؟ بعد قليل يتضحُ كلُّ هذا, على كُلٍ؛ السماع اسمُ مصدرٍ كالنبات، الله سبحانه وتعالى أمرَ به . أنتم الآن تُنفذونَ أمرَ الله عزّ وجل, الله سبحانه وتعالى أمرَ به في كتابه, وأثنى على أهله, وأخبرَ أن البشرى لهم . نحن اليوم في منزلة السماع , عبادةٌ من أرقى العبادات . أن تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله , وتُلقي أذناً صاغية . الآية الأولى : ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة الآية: 285] الآية الثانية : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 18] هذه آية خبر, لكنها جاءت في معرضِ الأمر . الآية الثالثة : ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة مريم الآية: 38] صيغة أسمع بهم , هذه صيغة تعجب ، تقول : ما أعدلَ القاضي أعدلّ به ، ما أجملَ القمرَ أجملّ به ، فصيغة أجملّ به , هذه صيغة من صيغ التعجب , يعني ما أشدَّ صممهم في الدنيا ! وما أشدَّ سمعهم في الآخرة !. ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب : إذا قرأت القرآن, لا تظن أنَّ الأمر؛ أن تصومَ, وأن تصلي, وأن تَحُجَ, وأن تُزكي، أيّةُ صيغة أمرٍ في القرآن تقتضي الوجوب، مرتبتها كمرتبـة الصلاة، إذا قرأتَ القرآن ومرّت بكَ صيغة أمر, فعل أمر, أو فعل مضارع قبله في لام الأمر, أو صيغة خبرية جاءت في معرض الأمر مثلاً : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 233] يعني: أيتها الوالدات أرضعنَّ أولادكن، يجب أن تعرفَ معنى الأمر في البلاغة، في أمر وجوب, وأمر ندب, وأمر تهديد, وأمر استحسان, وأمر إنكار .. إلى آخره، لكن يجب أن تعرف أنَّ هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب . الآية الرابعة : إذا تلوتَ قوله تعالى : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 108] اسْمَعُوا : فعل أمر . ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾ الآية الخامسة : وقال تعالى : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16 ] الآية السادسة : وقال تعالى : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 46 ] الآية السابعة : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 17-18] الآية الثامنة : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 204] السماع هنا غير الإنصات ، السماع شيء والإنصات شيء آخر , قد تنصت وعقلكَ يجول في موضوعاتٍ شتى ، أما الأمر أن تستمع وأن تُنصت ، يعني أن تسكت وأن تُعمِلَ فِكركَ في هذا الذي تسمعه ، أن تتدبر هذا الذي تسمعه . ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ الآية التاسعة : وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 83] يعني أنت إذا ارتديت ثيابك , وأتيتَ بيتَ الله عزّ وجل , لتمارسَ عبادةً اسمها السماع , فأنتَ في عبادة , وأنتَ في ذِمة الله , والملائكة تضعُ أجنحتها لكَ يا طالبَ العلم , وهم في مساجدهم والله في حوائجهم ، ست آيات أنتَ مأمورٌ أن تستمع . الفرق بين الإسماع والسماع : أما البِشارة التي سأزفها لكم : أنَّ الإسماعَ من الله , والسماعَ من العباد , دليلٌ قطعيٌ على أن الله عَلِمَ في الإنسان الخير، ما دام قد أسمعكَ الحق، ما دام قد سمحَ لكَ أن تأتي إلى بيت الله، ما دام قد أنطقَّ المُتكلّم بالحق, وجعلك تستمع الحق, فهذه بِشارةٌ لك , الدليل : الإسماع من الله والسماع من الإنسان دليل خيريّة الإنسان , دليل قطعي , يعني ما دام الله عزّ وجل ساقكَ إلى بيت الله , وأنطقَ المتكلّم بالحق , وجعلكَ تستمعُ إليه ، قبلَ أن تفعلُ شيئاً , ما دامَ هذا قد حدث , فهذا دليلٌ قطعيٌ على أن الله : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 23 ] الآية هذه فيها دليل قطعي ، حينما ساقكَ إلى سماعِ الحق , وحينما أنطقَ المتكلّم بالحق , فهذا دليلٌ قطعيٌ وبِشارةٌ أزفها إليكم جميعاً , والدليل : القرآن الكريم : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ لو أنه أسمعهم وليسَ فيهم الخير ماذا يحدث ؟ أسمعته الحق وليسَ فيه الخير ماذا يحدث ؟ . ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أعرضوا، استهزؤوا، سخروا، سئموا، ملّوا، استكبروا، هذا كلام نعرفه، هذا كلام ليسّ لهذا الزمان، مشغولون، عندنا أعمال كثيرة جداً. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الله سبحانه وتعالى أخبرَ عن أعدائه أنهم هجروا السماع , فقالَ تعالى : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 26] بيّنوا أخطاء ، بيّنوا تناقضات . ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ ﴾ هؤلاء الذين ينهون عن السماع هم أعداء الله عزّ وجل، فكلّ إنسان يصرفكَ عن مجالس العلم، يثنيكَ عن حضورها، يُزهّدكَ فيها، يُقللُ شأنها في نظرك، يُبعدكَ عنها، يدعوكَ إلى سمر, إلى طرب, إلى نزهة, على حساب هذه المجالس, هذا من أعداء الله عزّ وجل بالآيات القرآنية القطعية . أيها الأخوة ؛ العلماء يقولون : إنَّ السماع رسول الإيمان إلى القلب ، السماع رسول وداعيه ومُعلّم ، وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون ؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج الآية: 46] ربما كانت النجاة في سماع الحق, الإنسان قد يبلغُ صدقه درجةً, يبحثُ هو عن الحق بدافعٍ ذاتي؛ يتأمل، يفكر، يبحث، يناقش، يحاور، هذا الحق, هذا الصدق في طلب الحق، إذا بلغَ مرتبةً عاليةً, صارَ صاحبه يبحثُ ذاتياً عن الحق, مبادرةً منه, في درجة أقل؛ أنكَ إذا سمعتَ الحق تُسرُّ به، جاءك الحق جاهزاً, كما قلتُ قبل قليل: إما أن تأكل طعاماً طيباً لذيذاً نفيساً دونِ جهدٍ, ولا دفعِ ثمنٍ, ولا طولِ وقتٍ, ولا معاناةٍ, ولا مشقةٍ, وإمّا أن تصنعَ أنتَ الطعام. هناك وضعٌ يجمعُ بين الشيئين, أنا الذي أراه: أنَّ البحثَ الذاتي لا يُقدّرُ بثمن, ومن أخذ البلاد بعد حرب, يهون عليه تسليم البلاد, كلّ شيء يأتيك بلا جُهد, تنساه سريعاً، تزهد به كثيراً، يتفلتُ منك، أما الذي يأتيكَ بجهدٍ جهيد لا تنساه أبداً, هل هناكَ حلٌ للجمعِ بينَ ميزةِ السماع السهلة البسيطة وبين ميزة التأمل الصعبة؟ قدّرَ الله عليك أن تستمعَ إلى الحق, لا أن تصنعه، لا أن تؤلفه، هل هناكَ من حالةٍ بالإمكان أن أجمع بين ميزات السماع وميزات العقل والتأمل؟ أن أحضر مجالس العلم, وأن أتأمل فيما قيل, وأن أُناقش, وأن أُدقق, وأن أُحقق, وأن أسأل, وأن أستوضح, وأن أُقيّم, وأن أُثمّن, وأن أُحاور, وأن أكتب, وأن أقول؟ عندئذٍ تتبنى هذه الأفكار . لا بد للأخ الكريم من جلسةٍ في الأسبوع، إما وحده أو مع صديقٍ له، يتذكرُ ما قيل، يناقش فيما قيل، يُرسّخُ ما قيل، هل حولَ هذا التوجيه دليلٌ قرآني؟ يعني أنت مأمور بعد ما حضرت مجلس علم وتعبت, مأمور أن تقعد مع أخيك، أو مع زوجتك، أو مع صديقك، أو مع من يلوذ بكَ, وتقول له: تعالَ ندرس ماذا قيلَ في هذا الدرس؟: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 46] من رسول الله، في هذا القرآن، في هذه السُنّة . ﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ نحن بحاجةٍ إضافةً إلى سماع مجالس العلم, إلى جلسة، إلى تأمل، إلى تحقق، إلى تبصر، إلى تدقيق، إلى سؤال، إلى جواب، إلى محاورة، إلى تفحص، إلى تفنيد, هذه كلها من دواعي أن يرسخَ العلم . لو فرضنا أنكَ تحضر مجلس علم منذ عشر سنوات، لو كنتَ في سهرةٍ, في ندوةٍ, في احتفالٍ, في نزهةٍ, وأنت مظنة صلاح, وأنت طالب علم, وأنت من تلاميذ فلان, وأنت من رواد المساجد, يقولون لك: أخي حدثّنا تفضل, يجد نفسه لا يستطيع أن يقولَ شيئاً, أين هذه الدروس؟ أين إعجابك؟ أين تأثرك؟ أين بُكاؤك؟ هذه مشاعر آنيّة رافقت الدرس, أما إذا جلستَ جلسةً متأنيّة, تأملّتَ فيما قيل، راجعتَ ما قيل، تبصّرت فيما قيل، دققت، تحققت، سألت، أجبت ، ذاكرت، هذه الحقائق تملكها . هناك شيء تسمعه ويتفلتُ منك, وهناكَ شيء تملكه, الذي أراه أنكَ إذا تأملّتَ فيما سمعت وحدكَ أو معَ أخيك, فهذا من أسباب أن تملك الذي سمعته . تقرأ كتاباً ممتعاً جداً، تقرؤه خلال أربعة أيام، وأنتَ في غاية المتعة، قرأته وانتهى الأمر، لو قالَ لكَ إنسان: ماذا فهمتَ من هذا الكتاب؟ تقول له: واللهِ كتاب رائع، كتاب ممتع، كتاب لطيف، استمتعتُ به, ماذا تذكر من أفكاره؟ هنا تقع في حرج, والله يا أخي لا أتذكر شيئاً, هذه القراءة بهذا الجهد البسيط لا تجدي, ولا تُقدّم ولا تؤخّر، أما لو كلما قرأتَ فكرةً, وقفتَ عندها, وتأملتها, ولخصّتها, ملكتَ الكتاب, وأنتَ في الطريق، وأنتَ مع صديق، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في نزهة، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في جلسة، بإمكانك أن تقول: قال المؤلف كذا وكذا, وجاء بالدليل الفلاني, وبيّن رأيه كذا . لذلك: أيّ سماع دون جهدٍ, فإنَّ هذا المسموع سريعاً ما تنساه . لذلك قالوا: إنَّ ثلاثاً وتسعينَ بالمئة مما تقرؤه تنساه بعدَ سبعة أيام، لا بد من التحقق، لا بد من المُدارسة أنتَ ومن تُحب, على مستوى صديقين، على مستوى قريبين، على مستوى جارين، على مستوى بلدة، على مستوى قرية، على مستوى حي، على مستوى مهنة، على مستوى حرفة، لا بد من المذاكرة حتى يرسخَ هذا العلم, وإذا رَسَخَ هذا العلم ملكته, فإذا ملكته حدثّتَ به، فإذا حدثّتَ به زكا, العلم يزكو على الإنفاق . قال له: يا بني العلم خير من المال, لأنَّ العِلمَ يحرسكَ, وأنتَ تحرس المال, والمال تُنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يعني يزداد على الإنفاق . قال : السماع أصلُّ العقلِ . والكفر أنواعٌ ثلاثة : كفرٌ جهلي ، وكفرٌ جحودي ، وكفرٌ حُكمي . إذا الإنسان أمسكَ بالمصحف, ورماه على الأرض, فهذا كافر ولم يتكلم ولا كلمة, هذا كافر حُكماً . أما إنسان مصالحه بالكُفر , فهو يردُّ الحقَّ جحوداً واستكباراً , هذا اسمه كفر جحودي أو عِنادي . لكنَّ الكفر الجهلي : الإعراض عن التأملُ في خلقِ السموات والأرض , والإعراض عن سماعِ ما يقوله العلماءُ في الدين . عدم السماعِ طريقٌ إلى الكفرِ الجهلي . عدم السماع ، الإعراض عن السماع , الانصراف عن السماع ، طريقٌ إلى الكُفرِ الجهلي . ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 17] .. وما أنتَ بمصدّقٍ لنا, الإنسان يصدق ماذا؟ شيء يعرفه, كل خِبرة عِشتها، كل تجربة ألمّت بك، إذا قرأتَ عنها تتفاعل معها . لو فرضنا امرأةٌ لا تنجب, عِندها مشاعر مؤلمة، عندها طموحات، عِندها تمزقات، عِندها شعور بالقلق، عِندها اضطراب، لو أنَّ هذه المرأة قرأت قِصةً, تُعالج مثيلاتها, لتفاعلت معها ولبكت, الإنسان متى يبكي؟ إذا قرأ قصته، إذا قرأ مأساته، إذا قرأ مشاعره . لماذا في عقود القِران يقف المنشدون, وينشدون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا ترى إنساناً يبكي ويذوب بكاءاً, وإنسان عينه لا تدمع؟ هذا الذي يبكي, عاشَ هذه المعاني التي قالها المنشدون, فحرّكت فيه المشاعر، أما هذا الذي لم يبك, بعيدٌ عن هذه المعاني، لهذا قالَ بعضُ الحكماء, قال: الشعر والإنشاد مصباحٌ كمصباح علاء الدين, يكشفُ لكَ عن كنوزكَ المخبوءةِ في أعماقِ نفسك, ولكنه ليس بالكيس المملوء الذي يفرغُ في خزائنكَ الخاوية ". الذي عنده حب لله, إذا سَمِعَ شعراً, يصفُ الحبَّ لله عزّ وجل, ذابَ قلبه شوقاً، فمشاعركَ متعلقة بخبراتك، فأيُّ شيء حرّك لكَ هذه الخبرات, نقل لك هذه المشاعر . .. مثلاً: رِثاء ولد, في شعر عباسي أموي رائع جداً في رِثاء الأولاد، من الذي إذا قرأ القصيدة يبكي ويجهش في البكاء؟ هو إنسان فَقَدَ ابنه, وقرأ هذه القصيدة, إذاً: يتجاوب معها, يشعر . السماع أصلُ العقل , وأساس الإيمان الذي انبنى عليه , وهو رائدُ الإيمان وجليسه ووزيره ، أما المشكلة في المسموع , تسمعُ ماذا ؟ لا يوجد سهرة على مستوى الأرض إلا وفيها كلام, تسمع أحياناً حديثاً فيه غيبة، حديثاً ساقطاً عن النساء, طُرفاً لائقة وغير لائقة، أخباراً معينة، حكايات، قصصاً مسليّة، فالإنسان يسمع دائماً, لكنَّ البطولة تسمع ماذا؟. أنواع أصحاب السماع : 1-صنف يسمع بطبعه ونفسه وهواه : قال: أصحاب السماع هؤلاء الذين يسمعون, أصناف ثلاثة, قال: صِنفٌ منهم يسمع بطبعه ونفسه وهواه, هذا يحب الغناء, يعشق هذا المغني أو هذه المغنية, يعشق هذه المسرحية أو هذه التمثيلية, هذه القصة, يسمع بشهوته، يسمع بطبعه، يسمع بهواه، هذا سماعه متعلقٌ بشهوته، لذلك إذا أدمنَ السماع انتهى كإنسان . في إنسان قال: بعض المآسي العامة للشعوب سببها: انغماس الناسِ في الغناء، يعيشون سكارى في الغناء, أصبحوا يلهون بعد أن كانوا جادين . 2-صنف يسمع بعقله لا بشهوته : النوع الثاني: قال: هناك من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته, وعقله لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا أقوال الصحابة، لا يسمع إلا الحق، لا يسمع إلا العلم، هذا يسمع بعقله لا بشهوته، الشهوة تحتاج لغناء, ولطُرف, ولأعمال فنية, وتمثيليات, ومسرحيات, ومسلسلات, هذه شهوة الإنسان, أما بعقله فيسمع الحق، يسمع كتاب الله عزّ وجل, لا يجتمعُ في الإنسانِ قرآنٌ وغِناء, لأنَّ كُلاً منهما يطرد الآخر، القرآن يطرد الغناء, والغناء يُبعد القرآن، فهؤلاء الذين يدمنون سماع الغناء, يسأمونَ من القرآن، يملّونَ منه، يضجرونَ منه, لا يجتمع غناءٌ وقرآن, وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ, وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] 3-منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره : النوع الثالث: منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره, كما في الحديث القدسي: ((فبيَّ يسمع وبيَّ يُبصر)) يعني يُبصر بنور الله, ويسمعُ بالله عزّ وجل, هذا أرقى أنواع السماع، يعني عندئذٍ يسمعُ ما لا يسمعه الآخرون . النبي عليه الصلاة والسلام دخلَ بستانَ أنصاري, فرأى جملاً، هذا الجمل لمّا رأى النبي عليه الصلاة والسلام حنّ, يعني ذرفت عيناه، تقدّمَ منه النبي, ومسحَ ذفرتيه, وآنسَ الجمل, وقال: من صاحبُ هذه البهيمة؟ ائتوني به, بعد قليل جاء فتى من الأنصار, قالوا: هذا صاحب الجمل, قالَ: يا هذا ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملّككَ الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنكَ تجيعه وتُدئبه. شكا إليّ: هذه مرتبة السماع تسمع بالله . أحياناً تسمع الأصوات العذبة, وكأنها تُسبّح الله عزّ وجل، في وقت الفجر تسمع صوتَ العصافير, هناكَ من يسمعُ صوتَ العصافير, وهناكَ من يسمعُ تسبيحاً للهِ, من خلال هذه الأصوات . في شيء يقوله عامّة العلماء: ثلاثة في الطريق, وإنسان يبيع زعتر بري، واحد سمع انظر ترى بِرّي, وواحد سمع الآن ترى بِرّي, وواحد سمع ما أعظم بِرّي, أنت سمعت كما أنتَ على الشيء لا كما هو عليه, لأن مرتبتك سمت, قالَ عليه الصلاة والسلام: ((أعرف حجراً بمكة, كانَ يسلّم علي ّوأسلّمُ عليه, ولمّا انتقل من جذع النخلة إلى المِنبر, حنَّ إليه الجذعُ, فكان يقفُ على المِنبر, ويضع يده على الجِذعِ, إكراماً له)) لأنه حنَّ إليه . ينشأ أيام بينك وبين الطبيعة مشاركة وجدانية كلما شفّت النفس, قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ حَنْظَلَةَ الأسَيِّدِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ كُنَّا, فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ, فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَكُونُونَ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ, وَلأظَلَّتْكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا)) أصحاب السماع ثلاثة : منهم من يسمعُ بشهوته , وهناك من يسمع بعقله ، من مجلس علم إلى مجلس علم, من قرآن , إلى حديث , إلى سيرة , إلى سير الصحابة , إلى موضوع علمي , يسمع بعقله , هذا ينمو نمواً كبيراً جداً . أما النوع الثالث : هؤلاء يسمعون بالله , هي كرامات . .. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 18-19] إذا شفّت نفسه وضعت, يتفاعل مع المخلوقات . أحد الشعراء يركب فرسه أثناء الحرب, وجاءت السهام إلى صدر الفرس: فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحسم ازوّر: تألمَ هذا الفرس, لو كان يدري . ما المحاورة اشتكى ولكان لو علمَ الكلام مُكلّمي يضرب إنسان هـرة, تبتعدُ عنـه, وتنظر إليه, وكأنهـا تخاطبـه, ماذا فعلتُ لكَ؟ لماذا ضربتني؟ فكل ما ارتقت مشاعر الإنسان, يُحس على الآخرين ما يدور في خَلَدهم . يا أخي أُطمئنك, المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، ويعقل ما لا يعقلون، ويفكر بما لا يفكرون، ويشتهي ما لا يشتهون، ويخاف ما لا يخافون, هذا مؤمن عرفَ الله، عرفَ الدنيا، عرفَ حقيقتها، عرفَ مهمته فيها، له أفكاره، له مشاعره، له أحاسيسه ، له قيّمه، له طموحاته . أنواع المسموع : 1-مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به: أما المسموع قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه، وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به . كان الشيخ بدر الدين -رحمه الله- هذا كان شيخ الشام من أشهر المشاهير, كان لا يستطيع أحدٌ أن يقول كلمةً عن إنسان في مجلسه, يعني أول كلمة: اسكت, اسكت أظلم قلبي, فكل ما كان مجلسك مجلس علم ووقار وحلم، مجلس دعوة إلى الله، مجلس بيان عن الله عزّ وجل، مجلس إرشاد، مجلس أمر بالمعروف ونهي عن المُنكر، كلما كنتَ في درجة أرقى . 2-مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه : قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه, وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به، ومسموعٌ يبغضه ويكرهه, ونهى عنه, ومدحَ المعرضين عنه . 3-مسموع مباح : ومسموعٌ مباحٌ, أخي كم اليوم الحرارة؟ والله 8-3 خير إن شاء الله, كم كانت كمية المطر في بلدكم؟ 23 ميليمتر, هذا مسموع لا حرام ولا حلال, ما أسعار الخضار اليوم؟ في مسموع مباح, مسموع يحبه الله ويرضاه، مسموع يبغضه ويكرهه . قال: هذا المسموح مباح مأذونٌ فيه لا يحبه ولا يبغضه . النبي الكريم دخل إلى مسجد, رأى رجلاً تحلّقَ الناس حوله, قال: من هذا؟ قالوا: هذا نسّابة -فالنبي بأسلوب تربوي- قال: وما نسّابة؟ فقالوا: هذا يا رسول الله يعرف أنساب العرب, قالَ: هذا عِلمٌ لا ينفعُ من تعلّمه, ولا يضّرُ من جَهِلَ به . في أشياء لا تُقدّم ولا تؤخّر, والإنسان وقته ثمين, قال: حكمه حُكمُ سائر المباحات من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات . إذا أنت في مجلس, وتكلم أحدهم في موضوع, وقع, أخي أنهي لنا الحديث, أنت أهنته، لم يتكلم شيئاً حراماً، لم يتكلم غيبة ولا نميمة ولا كذباً، لمّا أنت أسكته فقد أهنته، هذا مباح لا إثم فيه، بالعكس كان النبي يسمع، يسمع من التجّار, ويحدثهم بالتجارة أولاً, ثم عن اللهِ ثانياً . فمن أساليب الدعوة: إذا أنت بمجلس, في موضوع عن المياه, عن الأمطار, عن البركان الفلاني, عن الخبر الفلاني, أنت ليسَ لكَ حق أن تُعرض عنه، تشمئز من حديثه, ما دام مُباحاً، ما دام مُباحاً استمع معهم, كُن أديباً في استماعك, وتراه يُصغي للحديث بسمعه وبقلبه, ولعله أدرى به, اسمع معهم, ثمَّ دُلّهم على الله عزّ وجل، هناك أشخاص متزمتون, لا يسمح أن تتكلم كلمة, هو يتكلم أو كما يريد هو, اسمعوا الآية الكريمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] من هو؟ الحديث عن من؟ عن رسول الله, هذا سيد الخلق، هذا الذي يوحى إليه، هذا المعصوم، ومع ذلك: ﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾ فمن أنت إذاً؟ أنت لا يوحى إليك، ولا في معك معجزة، ولست بمعصوم، ولستَ على خُلق عظيم، فإذا كان الذي على خُلقٍ عظيم, ويوحى إليه, والمعصوم, وسيد الخلق, أمره الله عزّ وجل, قال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] ﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾ أنت: من أنت؟ ليسَ معك سُلطة أن تعمل شيئاً, الذي معه سُلطة, مأمور باللطف والإنسانية, والحلم والمغفرة والعفو, فأنتَ لا تملكُ شيئاً . قال: فمن حرّمَ هذا النوعَ الثالث, فقد قالَ على الله ما لا يعلم, الذي يُحرّم كلاماً مُباحاً لا حراماً ولا حلالاً, قالَ: على الله ما لا يعلم وحرّمَ ما أحلّه الله، ومن جعله ديناً وقربةً؟ يقول لك: الشغل عبادة, يتكلم للساعة الواحدة بالشغل, والأسعار, والصفقة الفلانية, وفلان ربح كذا, وفلان لم يربح, وفلان ضرب فلاناً, فقد كذبَ أيضاً, وشرعَ ديناً لم يأذن به الله, وضاهى بهذا المشرك, في كلام يحبه الله، وكلام لا يحبه الله، وكلام مُباح . عِندنا السماع الإيماني، نريد السماع المطلوب، أنت جلست جلسة، كنت بحفلة, بنزهة, بسهرة, بجلسة, باجتماع, راكب مركبة عامــة إلى حلب خمس ساعات بجانبك رجل, يهمك أن تعرف السماع ما حُكمه؟ قال: السماع الذي مدحه الله في كتابه, وأمرَ به, وأثنى على أصحابه, وذمَّ عنه المُعرضين, ولعنهم, وجعلهم أضلَّ من الأنعام, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة المُلك الآية: 10] السماع طريقٌ للنجاة، طريقٌ للنعيم: ﴿لو كنّا نسمع ما كُنا في أصحاب السعير﴾ الإعراض عن سماع الحق طريقٌ إلى جهنم، وسماع الحق طريقٌ إلى الجنة . قال: هو سماعُ آياته المتلوة، سماع القرآن الكريم, هذا المنهج, هذا الكتاب المقرر، هذه تعليمات الصانع، هذا الكتاب الذي فيه قوانين الله عزّ وجل . إذا واحد أحب أن يفتح شركة تجارية في دولة أجنبية, أول شيء يطلب نظام التجارة في هذا البلد، فأنت في كون الله, أول شيء يجب أن تعرفه: قانون الله في أرضه؛ الحلال، الحرام، المكروه، المندوب، المُباح، الواجب، الشيء المُجدي، غير المُجدي، الحق، الباطل، الخير، الشر . أنواع السماع : 1-سماع إدراك : قال: هذا السماع ثلاثة أنواع؛ سماع إدراك، وسماع فهمٍ وعقلٍ, وسماع إجابةٍ وقبول, أنت مثلاً جالس في محاضرة, وتكلّم المًحاضر عن بعض أمراض القلب، أحياناً وأنت جالس, سمعت بأدب, وسمعت ناقل أو حكى عن أعراض الدخان, عن مضار الدخان, هذا المحاضر , محاضرة دقيقة بليغة, فيها حقائق علمية, عرض عليك صور عمليات جراحية بالرئتين, آثارها بالقلب, بالأوردة, بالشرايين, أما محاضرة رائعة, وهذا الإنسان السامع يُدخن, سمعها وفهمها, لكن لم يترك التدخين, ما نقول لهذا السماع؟ نقول: هذا سماع إدراك، أدرك هذه المحاضرة وفهمها, لكن لأنه لم يُقلع عن التدخين, نقول: أنتَ استمعتَ إليها سماعاً بدائياً من الدرجة الأولى . 2-سماع فهم وعقل : يأتي إنسان ثانٍ يسمع المحاضرة, معناها الدخان يرفع لي التوتر الشرياني، والدخان يُرسّب المواد الدهنية بالشرايين، والدخان يُقرّب أجلي, عن الدخان يضيق الدسامات، والدخان يُسبب احتمال سرطان بالشفتين والرئتين .... معقول أن أكون عبداً لهذا الدخان؟ معقول أن يكون مسيطراً علي؟ هنا سمع وتدبّر وعقل، هذا سمع المحاضرة بمستوى أرقى, الأول سمع وفهم فقط, هذا سمع وفهم, وأجرى محاورة، أجرى مناقشة، أجرى تقييم، ثمّن الأفكار، وازنها، نظر إلى وضعه، إلى سنه، إلى دخله، أولاده، قيمة صحته، يا ترى صحتي أغلى أم الدخان أغلى؟ لمّا دخل التأمل والتدبر, هذا سماع من نوع ثانٍ . 3-سماع إجابة وقبول : أما عندما أمسك بعلبة الدخان, ووضعها في سلة القمامة, وقال: يا ربي عهداً لك أن لا أذوقَ هذه بعدَ اليوم, هذا السماع المطلوب . سمّوا العلماء أول سماع: سماعَ فهمٍ, والثاني: سماع تدبر, والثالث: سماع استجابة . في آية قرآنية تؤكد هذا المعنى, أنه سمع هذه المحاضرة, ولكن كأنه لم يسمعها, إذا مشى رجل في طريق ببستان, على كتفه عقرب, قال له أحدهم: يا أخي انتبه, على كتفك في عقرب وخطير, فقال له: شكراً جزيلاً, وأنا شاكر جداً لهذه الملاحظة, خبرني من أين أنت؟ والعقرب على كتفه, أنا والله شاكر لك، يا ترى سمع ما حكى له؟ لا, هو سمع, لكن إما لم يفهم، أو لغته غير عربية، أو لا يعرف ما العقرب؟ لو أنه فهم عليه, وتأملَ معنى كلامه, كان قفز مباشرة ولم يكلّمه ولا كلمة, جاءت آية, أثبتَ الله لهم السماع, ونفى عنهم السماع, مثل سورة الروم : ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 6-7] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 21] ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ هم لا يسمعون, ماذا أراد الله بالسماع؟ ماذا أراد؟ التطبيق, الإجابة . قال: وسماعُ فهمٍ, وسماعُ عقلٍ, وسماع استجابة . الآن: إلى الآيات ؛ سماع الفهم : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [سورة الجن الآية: 1-2 ] ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 30] سماع الإدراك: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] ﴿إنكَ لا تُسمع الموتى﴾ الموتى سمعوا, لكن باعتبار لم يتحركوا، لم يتدبروا، لم يتأملوا، فكأنهم لم يسمعوا : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 23] سماع الاستجابة : هذا أرقى أنواع السماع . انظر إلى الناس, ألف مليون مسلم, يوجد سؤال: هل هؤلاء من أمة سيدنا محمد؟ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 110 ] نحن خير أمة والله جميل، أخي نحن أعظم الأمم, هناك جواب علمي, يعطيك التفريق العلمي بينهما. الجواب الدقيق: العلماء قالوا: هناكَ أمةُ الدعوة وهناكَ أمةُ الاستجابة، كل إنسان مسلم دعاه الله إلى الإسلام، وأنزلَ على النبي القرآن ليكونَ منهجاً له، فكل منتمٍ إلى المسلمين ولو بالهوية, هذا أمةُ الدعوة, أما الذي طبّق, فأمةُ الاستجابة, فأنتَ إذا بُلّغتَ الدعوة, دخلتَ في نِطاق أمةِ محمدٍ أمة التبليغ، أما إذا طبقّتَ أوامر الله عزّ وجل دخلتَ في نِطاق الاستجابة. ﴿فكنتم خيرَ أمةٍ﴾ ليسَ المقصود أيّ انتماء للنبي، هذه أمةُ الاستجابة, والدليل: ما عِلةُ هذه الخيرية؟ ﴿تأمرون بالمعروفِ وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ فلو لم تؤمنوا بالله, ولم تأمروا بالمعروف, ولم تنهوا عن المنكر, أنتم لستم معنيينَ بهذه الآية, الآية ليست لكم, فأنتَ اسأل نفسك: أنا من أمةِ التبليغ أم من أمةِ الاستجابة؟ فرقٌ كبير بينَ أمةِ التبليغ وبينَ أمةِ الاستجابة . يعني أب غني, ومُقتدر ماديّاً, وعالم, عنده خمسة أولاد، عَرَضَ عليهم جميعاً أن يدرسوا, حتى أعلى شهادة في العالم بورد, العرض للكل والأب غني، إلا أنَّ واحداً من الأبناء, قَبِلَ هذا العرض ودرس وتفوق, نقول: أولاده كلهم دُعوُا إلى هذه الشهادة, ولكنَّ بعضهم استجاب, فالبطولة ليسَ أن يُعرض عليكَ الإسلام، ولا أن تكونَ من أمةِ محمدٍ بالشكلِ أو بالإبلاغِ، البطولة أن تكون من أمته المستجيبين لدعوته . فالإنسان ما لم يكن مُطبّقاً لأوامر الله, ليتأكد أنه ليسَ من أُمةِ مُحمد, حيث ما وردت الأمةُ المُحمدية في القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة الآية: 2 ] هؤلاء أمة الاستجابة, إذاً: الآيات هنا تُبين أنَّ هناك سماع إدراك، سماع تدبر، سماع استجابة .. الآية الأخيرة : ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة الآية: 285 ] ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ هذه الآية متعلقة بالاستجابة, وكلّ الجوامع بالعالم الإسلامي بعد الخطبة، بعد الصلاة يقولون: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليكَ المصير, ومعهم مخالفاتهم، تقصيراتهم، الغيبة، النميمة، كسب المال الحرام، ما هذه؛ سمعنا وأطعنا؟ أما اليهود قالوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 46 ] فاليهود سمعوا وعصوا ربهم . في فقرتين أخيرتين قال : المؤمن يسمع الآيات , لا يسمع الأبيات , سمّاعٌ للقرآن لا سماعٌ لمزاميرالشيطان ، سمّاعٌ كلام ربِّ الأرضِ والسماء , لا سمّاعٌ قصائدَ الشعراء ، سمّاعٌ للمراشد لا للقصائد ، سمّاعٌ للأنبياءِ والمرسلين , لا سمّاعٌ للمغنينَ والمطربين . أنتَ تمارس نشاطاً خطيراً بالحياة السماع قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب أحياناً تسمع حديثاً قدسياً, فيقول لك: فعلَ في نفسي فِعلَ السحر، حديث قدسي يحملكَ على التوبة, وعلى الإقلاع عن ذنبٍ, قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب سائقٌ يســوق الأرواح إلى ديـــار الأفـراح محركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعـــلى المقامات منادٍ ينادي للإيمــــــــان ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 193 ] دليلٌ يسير بالركبِ في طريق الجِنان . داعٍ يدعو القلوبَ بالمساءِ والصباح . من قِبَلِ فالق الإصباح؛ حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح . موضوع السماع موضوع دقيق جداً . ندخل في السماع المذموم, قال: هذا السماع يُبغضه الله تعالى ويكرهه, ويَمدحُ المُعرضَ عنه, وهو سماعُ كلُّ ما يضرُّ بالعبدِ في قلبه ودينه، أيُّ شيء تسمعه أضرَّ بدينكَ وقلبكَ, فهذا السماع لا يجوز أن يكون, كسماع الباطل, إلا إذا تضمنَ رده وإبطاله, وقصدَ أن يتعلمَ ضدهُ، وكسماعِ اللغوِ الذي مدحَ التاركين لسماعه, قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 55] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 72 ] اللغو : ما هو اللغو؟ تعريف اللغو : قال محمد بنُ الحنفيّة , هذا من أحفاد سيدنا علي : اللغو هنا الغناء . وقالَ الحسن وغيره: أكرموا أنفسهم عن سماعه: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾ فإذا كنت مؤمناً فعلاً, لا تقبل أن تستمع إلى الباطل, ولا إلى غيبة, ولا إلى نميمة, ولا إلى فُحش, ولا إلى بذاءة, ولا إلى تغرير, ولا إلى قصة ساقطة, ولا تقرأ أيضاً . قالَ ابنُ مسعود: الغِناءُ يُنبتُ النِفاقَ في القلب كما يُنبتُ الماء البقلة، وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافقَ قلبه وهو لا يشعر . الدين بالاستقامة, أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة . قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, الشيئان اللذانِ لا يجتمعان: الضدان, مثالُ ذلك: الظلمةُ والنور، وجود النور ينفي الظُلمة, ووجود الظلمةِ ينفي النور، الأبيض والأسود ضدان, لا, متعاكسان، التعاكس غير الضد، يجوز أن يكون عندك لوحة فيها أبيض وأسود . فهناكَ شيئان متعاكسان, وشيئان ضدان متناقضان، معنى متناقضان: يعني أحدهما ينقض وجود الآخر, فلان عالم جاهل, مستحيل, هذا فهو إما عالم وإما جاهل, إذا هذه الغرفة مضيئة مظلمة, كلام غير صحيح, هذا إما مضيئة وإما مظلمة . احفظوا هذه القاعدة: القرآن والغناء ضِدان متناقضان, أحدهما ينقض وجود الآخر . سيدنا ابن مسعود قال: الغناء يُنبت النِفاقَ في القلب كما يُنبت الماءُ البقل, لا يليق بمؤمن أن يسمع غناء إطلاقاً، لكن حتى لا أكون قاسياً على الأخوان, الاستماع شيء والسماع شيء, إذا كنت راكباً سيارة عامة, وفي مذياع, وفي غِناء, هذا ليس اسمه استماع, هذا سماع. الحديث الشريف: من استمعَ إلى صوتِ قينةٍ . جلس بإرادته، باختياره، بالبيت، حضّروا لنا القهوة، افتح يا بني لنسمع, هذا الاستماع, لكن راكب سيارة عامة, والسائق له ذوق خاص, تقول: اللهم إنَّ هذا منكرٌ لا أرضى به، أما إذا قدرت أن تُسكته لك أجر . قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, إلا طردت إحداهما الأُخرى، قال: وقد شاهدنا نحن وغيرنا, ثِقلُ القرآن على أهلِ الغِناء وسماعه, أبداً؛ أهل الغناء أثقل شيء عليهم القرآن, إذا وضعوا القرآن ربع ساعة, يقول لك: طويلة, ربع يكفي, خمس دقائق, كانت نصف ساعة, صارت ربع ساعة، عشر دقائق، دقيقتين، أهلُ الغِناء يستثقلون القرآن . لذلك: في أشخاص إذا الإمام قرأ آية زائدة لا يتحمل, تجده يُضيّع ساعات طويلة, وهو واقف, في كلام فارغ, أما آية زيادة, لا يتحمل . بعض الشعراء قال: ثَقُلَ الكتاب عليهم لمّا رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهٍ الغناء لا أوامر فيه ولا نواهي، أما هنا في: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور الآية: 30 ] هو ينظر ويأخذ حريته، ثقيلة هذه الآية عليه: ثَقُلَ الكتاب عليهــم لمّا رأوا تقييـده بأوامــرٍ ونواهٍ وعليهم خفَّ الغناءُ لمّا رأوا إطلاقه في اللهوِ دون مناهي يا فِرقةً ما ضرَّ دينَ محمـــدٍ وجنــى عليه ومِلّهُ لله سمعوا له برقاَ ورعداً إذ حوى زجراً وتخويفاً بفعلِ مناهٍ ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفسِ عن شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافِقاً أغراضها فلأجلِ ذاكَ غدا عظيمَ الجاهِ عندنا أهلُ القرآن وأهلُ الغناء وهما يتناقضان، وعندنا السماع المذموم، والسماع المشكور، والسماع المشكور ثلاثة أنواع؛ سماعُ فهمٍ، وسماعُ عقلٍ، وسماعُ استجابة . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الذكرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع ) منزلة الذكر : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , منزلة اليوم : منزلة الذِكر . الحقيقة : أنَّ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يأمرنا فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41-44] قال بعض العلماء : كلُّ جارحةٍ من جوارح الإنسان لها عبادة , فعبادة العين أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , وأن تنظرَ بها إلى ملكوت السموات والأرض مفكراً ومتعظاً ، الأذن لها عبادة ، اليد لها عبادة ، أما عبادة القلب فهي الذِكر ، ففي كل جارحةٍ من جوارح الإنسان عبادة مؤقتة , والذِكر عبودية القلب واللسان , وهي غير مؤقتة ، عبادة القلب الذِكر , لذلك ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الذِكرُ منشور الولاية ، الذي من أُعطيه اتصل ، ومن مُنعه عُزل ، من أُعطيَّ الذِكرَ اتصلَّ بالله عزّ وجل , ومن مُنعه عُزل ، وهو قوت القلوب التي متى فارقها , صارت الأجساد لها قبوراً . القلب دون ذِكرٍ لله عزّ وجل الجسم قبرٌ له ، ميتٌ في ميت ، الذِكرُ عِمارة الديار , داركَ لا تحيا إلا بذكر الله , فإذا انعدمَ منها الذِكرُ , أصبحت داراً ميتةً كالقبر التي إذا تعطلت صارت بوراً ، الذِكر سلاح المؤمن , الذي يقاتل به قُطّاعَ الطريق , فإذا خلا من سلاحه , أصبحَ عُرضةً للقتلِ من قِبل قطاع الطريق ، بالذكر تطفئ حريق الشوق إلى الله عزّ وجل ، بالذِكرِ يكون الذِكرُ دواءً لقلبكَ اللهفان . الذي أريد أن أقوله لكم : إنَّ ذِكرَ اللهِ حياةٌ للقلوب . والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] الحسن البصري هذا من التابعين ، والتابعون هؤلاء الذين التقوا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ)) [أخرجه أبو داود في سننه] ثلاثة أجيال : جيلُ الصحابة وجيلُ التابعين وجيلُ تابعي التابعين . هذه الأجيال كانَ فيها الإسلام نقيّاً . فالحسن البصري - رحمه الله تعالى - كانَ يقول : تَفقدّوا الحلاوة في ثلاثةِ أشياء : في الصلاة ، وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن , فإن وجدتم وجدتم , وإن لم تجدوا حلاوةً في الذِكرِ والصلاة وتلاوة القرآن , فاعلموا أنَّ البابَ مُغلق . أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناكَ حِجاباً بينه وبينَ الله ، يشعر أنَّ أبواب السماء مُغلّقةٌ في وجهه ، يفتح القرآن ويقرأ , لا يشعر بشيء أبداً ، يجلس ليذكر لا يشعر بشيء ، يقوم ليصلي لا يشعر بشيء , معنى ذلك : أنَّ البابَ مُغلق ، لماذا أُغلقَ البابُ في وجهه ؟ لِعلةٍ في عمله , فالمؤمن متبصّر ، هؤلاء الذين يصلّون , ويقرؤون القرآن , ولا يعرفون ما إذا كانَ قلبهم متصلاً أو مقطوعاً , هؤلاءِ على هامشِ الحياة . سيدنا عمر قال : تعاهد قلبك , يعني الذي لا يملك الحس المرهف أن يشعر , يقول لكَ : اليوم أنكرت قلبي ، اليوم شعرتُ أن صلاتي لا طعمَ لها , اليوم قرأتُ القرآن فلم أشعر بحلاوة تلاوته ، هذا الذي أحسَّ على قلبه , وشعرَ بقربه , هذا إنسان حيّ , أمّا الذي غفلَ عن الله عزّ وجل , فاستوت غفلته مع صحوته , يعني هو لم يصحو حتى يشعر أنه غَفل , غفلَ مستمراً , لذلك حينما يسأل : هل أنتَ متصل ؟ يقول لكَ : نعم ، هو ما ذاقَ الاتصال حتى يشعر بالهجران . لذلك : فما حُبنا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته نقول له : قد جهلتنــــا فأيسرُ ما في الحبِّ للصبِّ قتله وأصعبُ مـن قتلِ الفتى يومَ هجرنا الحسن البصري قال : تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء : في الصلاة , وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن . وربنا عز وجل يقول : ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] الإنسان ليس له حق أن يُهمل قلبه , يقول لكَ : أنا أُصلي الحمد لله ، أنا مُسلم عقيدتي صحيحة , شيء جميل , لكن هذا القلب ألا ينبغي أن يكونَ حيّاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُقبلاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُحبّاً ؟ ألا ينبغي أن يمتلئ مشاعر نبيلة من خوفٍ إلى حبٍ إلى تعظيمٍ ؟ فالذي يهمل قلبه ويعيشَ على هامش الحياة , هذا أغفلَ جانباً كبيراً جداً من الدين . إذاً مقياس القرب : حلاوة الذِكرِ ، حلاوة الصلاة ، وحلاوة تلاوة القرآن . هذا مقياس . فإذا كان الباب مغلقاً معناها في حِجاب ، معناها الله عزّ وجل أغلقَ في وجهكَ الباب ، لأنه ليسَ راضٍ عن عملك , ابحث في الخلل ، ابحث في الزلل ، ابحث في الانحراف ، في تقصير . قال : بالذِكرِ يصرعُ العبدُ الشيطان كما يصرعُ الشيطان أهلَ الغفلةِ والنسيان . الشيطان إما أن تصرعه بالذِكرِ , وإما أن يصرعكَ بالغفلة , فأنتَ بين ذاكرٍ أو غافل ، تصرعُ الشيطان بذكركَ لله عزّ وجل , ويصرعكَ الشيطان بغفلتكَ عن الله عزّ وجل . الذِكرُ روح الأعمال الصالحة ، العمل الصالح دون ذكر ميت ، والإنسان إذا ماتَ قلبه , وعَمِلَ عملاً صالحاً , أغلب الظن أنه يتجه بهذا العمل إلى إرضاء الناس , يقع في النِفاق ، فإذا عَمِلَ عملاً صالحاً ولم يشكره الناس عليه تألم وضجر ، وطلبَ واستجدى منهم المديح ، استجداء المديح علامةٌ خطيرةٌ على موت القلب , إذا خلا العملُ من الذِكرِ , كان كالجسد الذي لا روحَ فيه . قول العلماء في الذكر: في القرآن الكريم , الذِكر ورد فيه آيات كثيرة جداً , يقول بعض العلماء : إن ذِكرَ الله عزّ وجل وردَ في القرآن الكريم على عشرةِ وجوه : الوجه الأول : أنَّ الله أمر بالذِكرِ مطلقاً وأمرَ به مُقيّداً . والوجه الثاني : أنه نهى عن ضده وهو الغفلةُ والنسيان ، هناك نهيٌ قطعيٌّ عن الغفلةِ والنسيان أمركَ به ونهى عن ضده . والثالث : علّقَ الفلاحَ باستدامته وكثرته , فلاحك ، نجاحك ، نجاتك ، تفوقك ، سعادتك ، علّقها باستدامة الذِكرِ وكثرة الذِكرِ . الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ , وبيّنَ أنه أعدَ لهم الجنة والمغفرة . والخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها , أمر ونهي , وفلاح وإخفاق , وثناء وخسارة . والسادس : ثمَّ إن الله سبحانه وتعالى جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له . السابع : أخبرَ الله عزّ وجل أن أكبر شيء هو ذِكر الله , بل هو أكبر من كلِّ شيء . الثامن : أخبرَ أنَّ الإنسان لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل . التاسع : أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها . الآن : إلى هذه الوجوه وجهاً وجهاً . الوجه الأول : أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرَ به مطلقاً ومقيّداً . الأمر المطلق : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ [ سورة الأحزاب الآية : 41 ] هذا أمر مطلق والمُطلق على إطلاقه ، يعني إذا قراتَ القرآن ذكرتَ الله ، وإذا أمرتَ بالمعروف ذكرتَ الله ، وإذا قلتَ : الله الله ذكرتَ الله ، وإذا حَمدته ذكرته ، وإذا سبّحته ذكرته ، وإذا وحدته ذكرته , وإذا كبّرته ذكرته ، وإذا دعوته ذكرته ، أمرَ الله عزّ وجل بِذكره في القرآن ذِكراً مُطلقاً : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [ سورة الأحزاب الآيات : 41 – 43 ] الأمر المقيد : الله عز وجل أمرَ بذكره ذِكراً مقيّداً , قال تعالى : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] يعني الذِكر يجب أن يُقيّد بالتضرع ، بالتذلل ، بالخضوع ، وخيفةَ , يعني يجب أن تذكره متضرعاً وخائفاً ، جهراً وسِراً ، يجب أن تذكره في سِركَ وقلبك , ويجب أن تذكره بلسانكَ وقولك . الوجه الثاني : نهى عن الغفلة والنسيان. الله عزّ وجل نهى عن الغفلة والنسيان ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 205 ] غَفَلَ عن ماذا ؟ غَفَلَ عن ذِكر الله : أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كلِّ ما أولى ؟ عليكَ أياديه الكِرام وأنت لا تراها كأن العــينَ حـــولاءُ أو عميا لأنتَ كمزكومٍ حوى المِسكَ جيبه ولكنه المــحروم ما شـمه أصلاً يعني أكبر خطر يعيشه الإنسان أن يكونَ غافلاً . الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا . قال تعالى : ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 83] ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [سورة الطور الآية: 45] يأتي يومٌ يُصعقُ الإنسان كانَ غافلاً فَعرفَ الحقيقة بعدَ فوات الأوان , فربنا عزّ وجل نهانا عن أن نغفلَ عنه , الحياة تجذبكَ إليها , قد تُستهلك من عملٍ إلى عمل , ومن لقاءٍ إلى لقاء , ومن مشروعٍ إلى مشروع , ومن صفقةٍ إلى صفقة , ومن اهتمامٍ إلى اهتمام , ومن متعةٍ إلى متعة , أنتَ مستهلك , لذلك : العمل لو درَّ عليكَ ألوف الألوف , واستهلكَ وقتكَ كله , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة ، إذا استهلكَ عملكَ كلَّ وقتك , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة , لأنه جعلكَ من الغافلين : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 19] أمركَ بالذِكرِ مطلقاً , أمركَ به مقيّداً ، تضرعاً وخيفة ، سِراً وجهراً ، بقلبكَ وبلسانك ، ونهاكَ عن ضده , نهاكَ عن الغفلة ، ونهاكَ عن النسيان . ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 205 ] ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 19 ] نسيانهم لله أنساهم سِرَّ وجودهم ، نسيانهم لله أنساهم مهمتهم ، نسيانهم لله أنساهم حقيقتهم ، نسيانهم لله أنساهم التكليف ، أنساهم الأمانة , أنساهم العمل الصالح . الوجه الثالث : علق الفلاح بذكر الله . شيءٌ آخر : الله سبحانه وتعالى علّقَ الفلاحَ بذكر الله ، الفلاح يعني تقول عن إنسان نجحَ في حياته , يعني أتقن عملاً معيناً , ودرَّ عليه هذا العمل رزقاً وفيراً , تزوج , وسكنَ بيتاً مريحاً , وله مركبة , وله مكانة اجتماعية , واعتنى بصحته , يقول الناس : فلان ناجح في الحياة , النجاح شيء له بريق , وليست البطولة أن تنجح في الدنيا وحدها , أهل الدنيا نجحوا في الحياة ، الأغنياء نجحوا في الحياة ، الأقوياء نجحوا في الحياة ، يعني أصحاب الحظوظ نجحوا في الحياة , ولو أنَّ مالهم مغتصباً من غيرهم ، ولكنَّ البطولة أن تنجحَ في الحياة الآخرة , أن تنجحَ في الدار الآخرة , ذلكَ هو النجاح ، ذلكَ هو الغِنى ، ذلكَ هو التفوق ، ذلكَ هو الفوز . لذلك سيدنا علي قال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله، الله عزّ وجل علّقَ الفلاحَ بالإكثار من ذِكر الله, إذا أردتَ أن تُفلح في الدنيا والآخرة، إذا أردتَ أن تفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، إذا أردتَ أن تتفوق، إذا أردتَ أن تنجح، إذا أردتَ أن تكون من السعداء، فربنا عزّ وجل ربطَ ذِكره بالفلاحِ, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 45] هذا قرآن، كلام خالق الكون : ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ اذكروا الله في أنفسكم ، اذكروه في ألسنتكم، اذكروا الله للناس، ما من جلسةٍ، ما من لقاءٍ، ما من سهرةٍ، ما من نزهةٍ, ألا ويجب أن يذكر فيها الله, إذا ذكرتَ الله عزّ وجل امتلأ القلب طمأنينةً, واستبشر الناس من حولك, وعلت البسمة الوجوه، فإذا ذكرت الدنيا تفرّق الناس، إذا ذكرتَ الدنيا حَزِنَ بعض الناس، إذا ذكرتَ الدنيا نفرَ منك بعض الناس . ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الوجه الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ . فالله سبحانه وتعالى أثنى على أهله فقال : ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 35] ليسَ الأمر أن تذكره, ولكنَ الأمر أن تُكثرَ من ذِكره : ﴿ والذاكرين الله كثيرا ًوالذاكرات أعدَّ الله لهم جميعاً مغفرةً وأجراً عظيماً﴾ الوجه الخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها. نهانا عن أن نغفلَ عنه وبيّنَ الخسران الكبير, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 9] فإذا إنسان قال: أنا والله مشغول, شغلتني الدنيا، شغلني عملي، شغلتني بعض مباهج الحياة عن حضور مجلس علمٍ, هذا ممن انطبقت عليه الآية الكريمة: ﴿ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ الوجه السادس : جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له . الحقيقة : هل نصدق أنَّ العبدَ إذا ذكرَ الله عزّ وجل الله في عُلاه يذكره؟ . دخل على النبي الكريم رجل, يبدو أنه من عامّة صحابته, رجل فقير، قال النبي الكريم: أهلاً بمن أخبرني جبريل بقدومه، قالَ: أومثلي, قالَ: نعم يا أخي؛ خامِلٌ في الأرضِ علمٌ في السماء. ربنا عزّ وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] إنسان ذو قيمة ذكر صديقه, لا ينسى الصديق هذا الذِكر, صورة يطبعها ويكبّرها لأنها حوتهما، كيف يضيّفه؟ كيف يصافحه؟ كيف استقبله؟ كيف ودّعه؟ وكلما زاره إنسان يريه الصورة, فما بالك إذا كان الذكر لك الله؟. الوجه السابع : أكبر شيء هو ذِكر الله . ربنا عزّ وجل قال : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 45] ﴿ولذِكرُ الله أكبر﴾ يعني أكبر من كلِّ طاعة، أكبر من كلِّ عمل، لأنَّ ذِكرَ الله هو محطُ الرِحال ومنتهى الآمال، به تسعد، أكبر ما في الصلاة، أكبر من الركوع والسجود، ومن القيام . ﴿ولذكرُ الله أكبر﴾ الله عزّ وجل ختمَ به الأعمال الصالحة كلها، ختمَ به مثلاً الصيام , قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 185] الناس في رمضان في أيام العيد يُكبّرون الله عزّ وجل، لماذا شُرعَ التكبير بعدَ الصيام؟ هكذا قالَ الله عزّ وجل: ﴿ولتكملوا العِدّة ولِتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون﴾ وختمَ بالذِكر الحج , فقال : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 200] ختمَ به الصيام، وختمَ به الحج، وختمَ به الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء الآية: 103] وختمَ به الجمعة : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الجمعة الآية: 10] الوجه الثامن : لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل . الحقيقة : أنَّ الذاكرين وحدهم هم الذين ينتفعون بآيات الله ، الإنسان الغربي استمتعَ بالدنيا إلى أقصى درجة، عَرَفَ خصائص المواد, استغلّها استغلالاَ رائعاً، ولكن ما نَفَذَ منها إلى المُنعم، فالآيات الكونية؛ المجرات، الشمس، القمر، الليل، النهار، خلق الإنسان، الذريّة، الأولاد، الزوجة، النباتات، هذه المظاهر الطبيعية التي خلقها الله عزّ وجل, الذاكر لله ينتفع بها وغير الذاكر لا ينتفع بها, فالذي تعجبُ له أنَّ طبيباً مثلاً درسَ جسم الإنسان، درسَ الأعضاء، الأجهزة، الأنسجة, خصائص جسم الإنسان، دقة الصنع، دقة العمل، الفيزيولوجيا، رأى من معجزات الله في خلق الإنسان الشيء الكثير, لأنه ما ذَكَرَ الله من قبل هذه الآيات ما تأثّرَ بها, ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 190-191] فكرة مهمة جداً: قد تكون أنتَ من رواد الفضاء, وترى بأمِّ عينكَ الأرض كرةً في الفضاء، قد تكون من علماء الطِب، قد تكون من علماء الذرّة، قد تكون مهندساً، طبيباً، عالِماً في الفيزياء، في الكيمياء، في الرياضيات، عالِماً في النبات، الحيوان, قد ترى العجبَ العُجاب ، خلق الخلية، قد ترى وظائف الخلايا، قد ترى أشياء دقيقة جداً, لا يُسمح لغيركَ أن يراها, ومع ذلك إن لم تكن ذاكراً لله عزّ وجل الذِكرَ الكثير, لا تنتفعُ بهذه الآيات, لا ينتفعُ بآيات الله إلا من ذكرَ الله عزّ وجل . الوجه التاسع : جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها . الذِكر كما قال بعض العلماء : يجب أن يُصاحبَ جميع الأعمال ، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ يجب أن يصحبَ الصلاة, ويجب أن يصحبَ الصيام, ويجب أن يصحبَ الحج, بل هو روحُ الحج . قَالَتْ عَائِشَةُ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 45] معناها الذِكر يجب أن يُرافقَ كلَّ عمل, هذه الآيات التي وردَ فيها الذِكرُ. الأحاديث التي وردت بخصوص الذكر : أما الأحاديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ, فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ, يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ, فَقَالَ: سِيرُوا, هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ, قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] الحقيقة: الإنسان إذا شَرِبَ كأسَ ماء, تسميته قبل الشرب, وحمده بعدَ الشرب, هو ذِكر الله عزّ وجل، إن ألقى على ابنه نظرة, تذكرَ أن هذا الابنَ الذي ملأَ البيتَ بهجةً, كانَ في الأصلِ نُقطةً من ماءٍ مهين، إذا أمسكَ تفاحةً ليأكلها, تذكرَ خالِقَ هذه التفاحة, كيفَ أبدعها وجعلها بهذا الحجم, وبهذا القِوام, وبهذه الرائحة, وبهذا الطعم, وبهذا الشكل, وبهذا الوقت المناسب في نضجها؟ يعني كلما عاينتَ شيئاً من خلق الله عزّ وجل, يجب أن تذكر الله، هذا المؤمن دائماً ذاكر لا يغفل، يعني إذا نظرَ إلى الشمس, إذا نظرَ إلى القمر, إذا نزلت الأمطار, هبت الرياح . وفي المُسند مرفوعاً من حديث أبي الدرداءِ رضي الله عنه: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ, وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)) ما قولكم؟ خيرٌ لكم من كلِّ شيء . عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ , قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] إذا مجموعة أخوان التقوا في سهرة، التقوا في دعوة، وذكروا الله عزّ وجل وذكروا آياته، ذكروا أوامره، ذكروا نواهيه، ذكروا صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا أعمال أصحابه، ذكروا ما عنده من نعيمٍ مقيم، ذكروا عذابه فخافوا، ذكروا نعيمه فاشتاقوا، ذكروا جلاله فخشوه, هذا المجلس مجلس علمٍ، مجلس ذِكرٍ, مجلس مذاكرةٍ بين الأخوة, لذلك الإنسان لا بد له من جلسةٍ مع ربه, وجلسةٍ مع أخيه، إذا جلستَ مع أخيك, وحدثّته عن ربك, انطلقَ اللسانُ بذكرِ الله، هذا الحديث يجب أن يكون في أعلى موضع من مواضع قلوبنا . عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] يكفيكَ شرفاً إذا ذكرتَ الله عزّ وجل أنَّ الله عزّ وجل يباهي بكَ الملائكة. الآن: أغلب الناس يسهرون, يجتمعون، ويولمون وليمة، في هذه الجلسة يتحادثون في أمور الدنيا, بالبيع وبالشراء, بالتجارات, بالأخبار التي يسمعونها, وينفضُّ المجلس, وينتهي الأمر, لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإسْلامِ, وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] إذا جلستَ مع أخيك تذاكر العِلم، إذا جلستَ مع أخيك لتذكر الله عزّ وجل، لتحدثّه وليحدثك، تتلو عليه بعض آيات القرآن الكريم، لتفسرها له، لتنصحه لينصحكَ، لتقفَ على سُنّةٍ نبوية، لتقفَ على موقفٍ شريفٍ لأصحاب رسول الله، إذا فعلتَ هذا, فأنتَ ممن ينطبقُ عليكَ هذا الحديث . قال: ((ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا لنذكر الله, ونحمده على ما هدانا للإسلام, ومنَّ علينا، قالَ: ما أجلسكم إلا ذلك؟)) اصدقوني ما في نية ثانية؟ أيام الأخ يأتي للجامع بباله أن يلتقي بفلان, يعلم أنه يوجد في هذا المجلس, النيّة اختلفت, قد يأتي الإنسان إلى بيت الله عزّ وجل, لا يرجو إلا رضاء الله عزّ وجل . إنسان كانَ في المسجد ينشدُ ضالةً, النبي عليه الصلاة والسلام غَضِبَ منه، كأنه دعا لا وجدتها . الله عزّ وجل قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [سورة الليل الآية: 1-4] هؤلاء الذاكرون جلسوا ليذكروا الله عزّ وجل, لا قصد الطعام, والشراب, ولا الضيافة, ولا الشوق, ولا اللقاء . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) والحقيقة : ربنا عزّ وجل يختم عملَ الإنسان بحسب حياته , إذا كانَ في حياته طائعاً ، إذا كانَ في حياته منيباً ، يختم حياته وهو في صلاة , أشخاص أعرفهم , وهو ساجد قبضه الله عزّ وجل , في طاعة , في عبادة . عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ, وَقَالَ الآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا, فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) هذا أعظمُ عملٍ تفعله، يبدو أنكَ إذا ذكرتَ الله اتصلتَ به, وهذه قِمةُ العبادات كلها، الصلاة من أجل الصِلة، الحجُ من أجل الصِلة، الصيام من أجل الصِلة، الزكاة من أجل الصِلة ، غَضُ البصرِ من أجل الصِلة، تحريّ الحلال من أجلِ الصِلة، كلُّ عباداتك, وكلُّ طاعاتك, ومعاملاتك, وإحسانِكَ من أجلِ الصِلة، فإذا اتصلتَ بالله عزّ وجل, فقد حققتَ الهدفَ من وجودك. قَالَ حَسَنٌ الأَشْيَبُ رَاشِدٌ, أَبُو يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ: ((أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ؟ قَالَ: غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْجَنَّةُ)) إذا عاملت إنساناً, رأيتَ منه وفاءً، حياءً، شهامةً، مروءةً، رحمةً، عطفاً، لُطفاً، يجب أن تحكم أنَّ هذا الإنسان له مجلسُ ذِكرٍ يحضره، له مشرب، له نبع يرتوي منه، له صِلةٌ بالله عزّ وجل، ما من إنسانٍ يرحمك, أو يعطفُ عليك, أو يُنصفك, أو يفي بعهده, إلا وله صِلةٌ بالله عزّ وجل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [سورة العلق الآية: 9-12] انظر إلى عمله، انظر إلى أخلاقه، انظر إلى لؤمه، انظر إلى قذارته، إلى أنانيته، إلى إخلافه الوعد، إلى إيثاره مصالحه، انظر إليه عمله يُنبئكَ بحاله . ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ إنسان آخر . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَنْ يُنْجِيَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَاغْدُوا وَرُوحُوا, وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ, وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] سافرت, اذكر الله في سفرك، رأيتَ جبلاً شامخاً، رأيتَ بحراً مضطرباً، رأيتَ سماءً صافيةً، رأيتَ بلاداً لا تعرفها، في سفرك، في حَضرك، في إقامتك، في تجارتك، في نزهتك، في سكونك، في حركتك، " اغدوا وروحوا واذكروا ". من كانَ يحبُ أن يعلم منزلته عندَ الله, فلينظر كيفَ منزلة الله عنده؟ يعني ساحة نفسك إن صحَّ التعبير: ما الذي يشغلها؟ قد تكون الدنيا هي التي تشغلها، وقد يكون ذِكرُ اللهِ عزّ وجل هو الذي يشغلها، فإذا أردتَ أن تعرفَ ما للهِ عِندك، أردت أن تعرفَ ما لكَ عندَ الله, فانظر ما للهِ عِندك . عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلامَ, وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ, عَذْبَةُ الْمَاءِ, وَأَنَّهَا قِيعَانٌ, وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)) يجب أن تسبحه، أن تنزهه، وأن تمجّده، ويجب أن تحّمده، وأن توحّده، وأن تكبّره، وهذا ذِكرُ الله عزّ وجل, يعني أحياناً تُحدثنا عن آية كونية في الفلك، عن آية في خلق الإنسان ، هذا من تسبيح الله, هذا من تكبيره, لا تفهموا من هذا الكلام أن تقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! هذا ذِكر أيضاً, ولكن إذا عرضتَ علينا آيةً من آيات الله الباهرة, فعرضُ هذه الآية نوعٌ من أنواع الذِكر، إذا عرضتَ هذه الآية سبحنا الله عزّ وجل، كبرنّاه، عظمّناه، وحدنّاه . عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ, وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] ما دامَ قلبه غافِلاً عن ذِكرِ الله فهو ميت . عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه ، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه : مَثَلُ الحيِّ والميِّت )) [أخرجه مسلم في الصحيح] هذا البيت يجب أن يكون مُفعماً بِذكر الله، بتلاوة القرآن, أما بيوت المسلمين اليوم كُلها غِناء, في أيّ وقت الأغاني تصدح في أرجاء البيت، فالبيت الذي يُذكر الله فيه بيتٌ حيّ، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه بيتٌ ميت، قالَ بعضُ الشعراء: فنسيان ذِكر الله موت قلوبـــهم وأجسامهم قبلَ القبورِ قبـورُ وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم وليسَ لهم حتى النشورِ نشورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَنَّهُ قَالَ : ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ, ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ مِنَ النَّاسِ, ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ)) أنواع الذكر : 1-ذكر الله عز وجل وذكر أسمائه وصفاته : هناكَ ثلاثةُ أنواعٍ للذِكر: ذِكرُ الله عزّ وجل, وذكِرُ أسمائه وصفاته, الله ربنا، الله خالقنا، الله إلهنا، وجود الله عزّ وجل، وحدانيته، كمالاته، أسماؤه الحسنى، صفاته الفُضلى، لذلك: إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسماً من أحصاها دخلَ الجنة . إذا فهمتَ هذا الاسم، فهمتَ تعريفه، فهمتَ مظاهره، فهمتَ براهينه، فهمتَ تطبيقاته، هذا ذِكر, باب من أبواب الذِكر, أن تذكرَ الله خالقاً مربيّاً مسيّراً، وأن تذكره في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى . 2-أن تذكر أمره : النوع الثاني: أن تذكرَ أمره, ما حُكم هذا الشيء؟ الأمر والنهي, والحلال والحرام، المكروه، المباح، المندوب، الواجب، في كل شيء, في تجارتك، في بيعك، في شرائك، في طعامك، في شرائك، أيجوز هذا؟ لا يجوز، هذا باب آخر من باب الذِكر, يعني أن تذكرَ الله وأن تذكرَ أمره، أن تذكرهُ كي تعرفه, وأن تذكرَ أمره كي تعبده, تذكره لتعرفه وتذكرَ أمره لتعبده، هذا نوعٌ آخر من أنواع الذِكر . 3-ذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي : النوع الثالث: ذِكرُ الآلاءِ والنعماءِ والإحسانِ والأيادي, الكون, الشمس، القمر، الماء في درجة +4 ينكمش، يزداد حجمه خِلافاً لكلِّ الأجسام, هذه آية من آيات الله, لولا هذه الآية لما كُنّا أحياء, كلُّ عنصر إذا برّدته ينكمش, فإذا سخنّته يتمدد، إلا الماء في درجة +4 إذا بردّته يزداد حجمه, لولا هذه الخاصّة, لما بقيت حياةٌ على وجه الأرض . مثلاً: آية النبات أنها تأخذ غاز الفحم وتطرح الأوكسجين, هذه آية عظيمة جداً, الثقب في القلب ثقب بوتال, لولا هذا الثقب لما نما الجنين, ولولا أنه يُغلقُ عِندَ الولادة لما عاشَ الطفل, آية القلب، آية الرئتين، آية الأعصاب، العضلات، الأجهزة، هذا الطعام، النبات، الجذور، النُسغ الصاعد، النُسغ النازل، في آيات بالنبات لا يعلمُها إلا الله، آيات بالحيوان، آيات بالإنسان، آيات بالأكوان، فهذا نوعٌ من الذِكر . تذكر الله عزّ وجل خالقاً ومربيّاً ومسيّراً أسماءه وصفاته، وتذكر أمره ونهيّه, وحلاله وحرامه، وتذكر آلاءه ونِعمه . الذِكر أنواع: نوعٌ يتواطأ عليه القلبُ واللسانُ وهو أعلاهُما، واحد ذهبَ ليَحُج فطاف, أُخذَ بالكعبةِ, فنَسيَّ أشواط الطواف, فسألَ شيخه, قال: يا بنيّ لقد طُفتَ بربِّ البيت, ولم تَطف بالبيت, فذهبَ ليطوفَ ثانيةً, وضبطَ الأشواط, ونسيَّ ذِكرَ الله عزّ وجل، قالَ: يا بنيّ, لقد طُفتَ بالبيت ولم تطف بربِّ البيت، المرة الثالثة جمعَ قلبه على الله, وضبطَ الأشواطَ بشكلٍ صحيح, قالَ له: الآن طُفتَ بالبيت وربِّ البيت, فأعلى أنواع الذِكر في صلاة: تقرأ القرآن وقلبكَ مع الله . الإمام الغزالي يقول: أعلى درجات ثواب القرآن الكريم, أن تقرأه في بيتٍ من بيوت الله, في صلاةٍ قائماً, الصلاة في المسجد، وأنتَ قائم، وتقرأ القرآن, وذِكرٌ بالقلبِ وحده, وهذا في الدرجة الثانية، وذِكرٌ باللسان المُجرد, وهذا بالدرجة الثالثة . وقالوا: ذِكرُ العبدِ ربّه محفوفٌ بِذكرين: ذكركَ الله ذكرته فذكرك, ذَكركَ قبلَ أن تذكرهُ, وذَكركَ بعد أن ذكرته، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم)) وهناك ذِكرُ الثناء, إذا قلتَ: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, هذا ذِكر الثناء، وإذا قُلت: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين, هذا ذِكرُ الدُعاء، فأنتَ إذا سبحّتَ الله, أو وحدّته, أو كبرّته, أو حمدّته, فقد ذكرته, وإذا دعوته فقد ذكرته . أدعية مأثورة : يجب أن تحفظ بعض الأدعية : اللهم إني أعوذُ بكَ من الذلِّ إلا لك , ومنَ الفقرِ إلا إليك , ومنَ الخوف إلا منك ، أعوذُ بكَ من عُضال الداء , ومن شماتة الأعداء , ومن السلبِ بعد العطاء . اللهم ما رزقتني مما أحب , فاجعله عوناً لي فيما تُحب , وما زويتَ عني ما أُحب , فاجعله فراغاً لي فيما تُحب . اللهم أنا بكَ وإليك ، اللهم استر عوراتنا , وآمِن روعاتنا , وآمنّا في أوطاننا . فالإنسان يكون ماشياً في الطريق, يتلهّى بنظرٍ عابث, لو أنه دعا الله عزّ وجل أقامَ الصِلة معه. إذاً: ينبغي للمؤمن أن يحفظَ أدعيةً أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم . في أدعية جميلة جداً : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبينَ معصيتك, ومن طاعتكَ ما تُبلّغنا بها جنتك , ومن اليقين ما تُهونُ به علينا مصائبَ الدنيا , ومتعّنا اللهم بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحييتنا , واجعله الوارِثَ مِنّا ... إلى آخر الدعاء . أقدمت على عمل : اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي , والتجأتُ إلى حولكَ وقوتكَ وعلمكَ يا ذا القوةِ المتين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا . فالدعاء ذِكر, فالإنسان إذا دخلَ بيته في دعاء، إذا خرجَ من بيته في دعاء. اللهم أعوذ بِكَ من أن أظلِمَ أو أُظلم, أو أجهلَ أو يُجهلَ عليّ, أو أضِلَّ أو أُضل. أقدمَ على عمل: أسألكَ خيره وخيرَ ما خُلِقَ له. ركب دابّته, ركب مركبته, فهذه الأدعية إذا حَفِظها, وأفضل كتاب بهذا الموضوع كتاب الأذكار للإمام النووي, أذكار النبي عليه الصلاة والسلام, حتى إنَّ الذي يقربُ أهله, يدعو لئلا يأتيه ولد يجعل حياته جحيماً، فالدعاء ذِكر, والتسبيح, والتحميد, والتهليل, والتوحيد, والتكبير, أيضاً ذِكر . ففي الذِكر ذِكرُ سناء, وذِكرُ دعاء, وذِكرُ رعاية, إذا قلت: الله معي, الله ناظرٌ إليّ, الله شاهدي, هذا ذِكر رعاية، فيجب أن تُنوعَ في الذِكر, ذِكرُ الدعاء, وذِكرُ الثناء, وذِكرُ الرعاية . الأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة, فهي متضمنة الثناء على الله, والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به . قالَ عليه الصلاة والسلام: أفضلُ الدعاءِ الحمد لله . قيل لسفيان بن عُيينة: كيف جعلها النبي دُعاءً؟ قال له: أما سَمعتَ قولَ الشاعر: أأذكرُ حاجتي أم قد كفاني جِباؤكَ إنَّ شيمتكَ الحِباءُ إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً كفاه من تعرضه الثنـاءُ إذا دخل أحدهم بيتك, وقال لك: أنا أعرفك كريماً وسكت، ألا تفهم منها شيئاً هذه؟ لم يقل: أريد منكَ شيئاً، قال لك: أنا أعرفكَ عفواً, وعَمِلَ معكَ ذنب، ألا يعني الثناء عليك, أنه يُطالِبكَ أن تعفوَ عنه؟. ثناؤكَ على الله عزّ وجل نوعٌ من أنواع الدعاء . النبي الكريم يقول: أفضلُ الدعاءِ الحمدُ لله . الخلاصة : الحقيقة: هذا الدرس قيمته في تطبيقه, فإذا الإنسان دعا قبلَ أن ينام، عندما يستيقظ، إذا خرجَ من بيته، دخلَ إلى عمله، أقدم على عمل مهم، قبلَ أن يعقد صفقة، هذا الدعاء هوَ صِلة بالله، هو استعانة بالله، فأنتَ إذا دعوتَ الله في كلِّ أحوالكَ فأنتَ من الذاكرين، إذا حَمِدته وأثنيتَ عليه فأنتَ من الذاكرين، إذا قلت: الله معي, الله شاهدي, الله ناظرٌ إليّ, فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأت القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا سمعتَ القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا جلستَ تستمع إلى تفسير القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا فسرّته فأنتَ من الذاكرين، إذا أمرتَ بالمعروف فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأتَ كتابَ فِقهٍ فأنتَ من الذاكرين . كلُ عملٍ ابتغيتَ به وجهَ اللهِ, وذكرتَ الله فيه, فأنتَ من الذاكرين, لذلك: كـأنَّ الذِكرَ هو غاية العبادات ومنتهى آمال العابدين . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اتخاذ الاسبابالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( العاشر ) أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس العاشر من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين . منزلة الأخذِ بالأسباب : أيها الأخوة الأكارم ؛ منزلة اليوم لستُ مُبالغاً إذا قلت: إنها من أخطر المنازل , بل إنها من أشدِّ المنازل حاجةً إليها , يعني ما مرَّ على المسلمين في تاريخهم وقتٌ هم في أمسّ الحاجةِ إلى هذه المنزلة منهم في هذا الوقت , وقد تعجبونَ من عنوانها ، إنها منزلة الأخذِ بالأسباب , أو كما سمّاها ابنُ القيم: إنها منزلة رعاية الأسباب , وقبلَ أن أُفصّلَ في هذه المنزلة , أتمنى أن أُوفقَ إلى مقدمةٍ قصيرةٍ تلقي ضوءاً على هذه المنزلة . تمهيد : الشيء الذي يلفتُ النظر : أنَّ النجاحَ في الحياة يُعزى إلى صِحة التصور، وأنَّ الإخفاقَ فيها يُعزى إلى سوء التصور ، فلو أنَّ طالباً حققَ نجاحاً عالياً في امتحانٍ ما ، هذا النجاح يُعزى إلى حُسن تصور الطالب , لضبطه للوقت , ولاستخدامه للوقت , ولإتمامِ ما يجبُ أن يُتمه , فإذا أخفق فيجب أن نتساءل : لعلَّ هناكَ خطأً في تصوره . ما الذي جعلَ المسلمون في فجر الإسلام وفي عقود الازدهار يتفوقون , والله سبحانه وتعالى يُمكّنهم , ويستخلّفهم , وتُرفرف راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ؟ وما الذي جعلهم بعدَ وقتٍ معين في مؤخرةِ الأمم ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العليا وليست كلمتهم عُليا في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا أقوياء في وقت وليسوا كذلك في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا دُعاة ورُعاة للأمم , فلماذا أصبحت الأمم ترعاهم وتتولى الوصاية عليهم ؟ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/01.jpg هذا سؤالٌ كبير , القرآن هو هوَ , والسُنّة هي هيَ , والعلم هناك ازدهار في العلم , هناك ازدهار في نشر العلم ، ما الذي جعلَ المسلمون السابقون في القِمة , وما الذي جعلَ بعضهم في الحضيض ؟ لماذا كانوا مُثلاً عُليا ؟ لماذا فتحوا البلاد ؟ لماذا رحموا العباد ؟ هذه أسئلة كبيرة . لا شك أنَّ أصحابَّ النبي عليهم رِضوان الله شيء فَهِموا الإسلام فهماً صحيحاً ، ولا شك أنَّ الرعيلَ الأخير الذي جاء في آخر الزمان فَهِمَ الإسلامَ فهماً سيئاً . من باب التوضيح : إنسان عنده شركة سيارات كبيرة جداً , كل يوم ينفجر بسياراته 100 إطار ، لماذا ؟ ما السبب ؟ وشركة أخرى لا ينفجر إطار في الشهر مرة مثلاً , ماذا نقول ؟ نقول : لعلَّ مديرَ هذه الشركة أعطى تعليمات إلى جعل ضغط الهواء ضغطاً عالياً لا يتناسب مع الجو , فكلما أسرعت هذه المركبة تمدد الهواء وانفجرَ الإطار , فالخطأ في عقل مدير هذه الشركة ، الذي أعطى هذه التوجيهات بشكلٍ مغلوط ، فكلما انفجرَ إطار , يأتي هذا المدير ويوبخ صاحبَ المركبة ، العاقل والعالِم يقول : هناك خطأ في التصميم ، هناك خطأ في المنهج ، هناك خطأ في الفهم , هناك خطأ في التصور ، هذا المدير العام لهذه الشركة الضخمة : يجب أن يعلم أنَّ الإطار يجب أن يكون له ضغط للهواء في الصيف معين , نحن حينما نرى أخطاء كثيرة , في تمزق ، في تبعثر ، في ضعف ، في ركون للدنيا ، في رغبة في مُتع الحياة ، في عِداء ، في تباغض ، في تحاسد ، في ضعف عام , هناك خطأ في التصور , كأنَّ هذه المنزلة التي نحن بصدد الحديث عنها , كأنها إجابةٌ شافيةٌ لِما يعاني المسلمون من مشكلات . هناك مشاعر عاطفية إسلامية هذه نحترمها ولكن لا تكفي ، هناك شعور إسلامي جيد , كل مسلم يتمنى أن يكون المسلمون بوضع مقبول ، بوضع ممتاز ، بوضع عزيز ، بوضع قوي , بوضع فيه تفوق ، لا شك هذه العواطف نحترمها , ولكن هل تكفي العواطف ؟ هل يكفي أن أتعاطف مع الإسلام والإسلام يُعاني ما يُعاني ؟ أينَ الخطأ ؟ أينَ الخلل ؟ أينَ الضعف ؟ أصحابُ النبي من طينةٍ أخرى ، من بُنيةٍ أخرى , لا والله , يعني الإله تغيّر ؟ لا والله , هو هو, الله سبحانه وتعالى أسماؤه حُسنى, وصفاته فُضلى, وهو معنا أين ما كُنّا؟ معنا من قبل , ومعنا الآن , ومعنا من بعد, الإله هو هو ، القرآن هو هو ، الحق هو هو . تصور العلماء للدين شيء مهم جداً , ومن هنا كانت هذه المنزلة , اسمها منزلة رعاية الأسباب ، وأقول لكم دائماً : ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾ يعني أنتَ إذا بإمكانك أن تُقنع الآخرين أن هذا هو الصواب فيها ونعمت , وإن لم يكن بإمكانك أن تُقنعهم افعل ما أنتَ قانعٌ به , تنل من الله كلَّ الوعود , وتقطفَ كلَّ الثِمار ، وإن أقنعتَ الناس بأن يفعلوا ما هوَ صواب , كان الفرجُ عاماً . لماذا تفوق الصحابة والتابعين ؟ الموضوع يشمل كل مسلم . في كل مهنة . في كل حِرفة . هذا السؤال الكبير : لماذا تفوقَ أصحاب النبي ؟ لماذا تفوقَ التابعون ؟ لماذا كانوا مستخلفينَ في الأرض ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العُليا ؟ لماذا كانوا مُمكنين ؟ ولماذا نحن متخاذِلون ؟ لماذا نحن ضعفاء ؟ لماذا كلمتنا ليست هي العُليا ؟ ما السر ؟. أقول لكم بكل تأكيد هناك خطأ في التصور . يعني مثلاً : لو أوهمنا سائق مركبة , أن ضوء الزيت إذا تألق يكون تسليةً لك , وهو في الحقيقة خطر على المُحرك ، فالذي فَهِمَ سِرَّ هذا الضوء الأحمر في العدادات التي أمامه يقف فجأة ويضيف الزيت ، والذي ظنَّ أنَّ هذا الضوء للتسلية يتابع السير , فإذا بالمركبة يحترق مُحركها , ويدفع المبالغ الطائلة لإصلاحها , أحياناً لا يهمني الخطأ بالواقع , يهمني الخطأ أين ؟ في التصور , لمّ المُحرك احترق ؟ ما السبب ؟ لِظنِّ السائق أن ضوءَ الخطر الذي تألق ليُسلّيهُ لا ليُنذرهُ . الأخذ بالأسباب والتوحيد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/02.jpg في ضوء هذا التمهيد نشرحُ هذا الموضوع , تجد المسلم يتوكل على الله في أعماله , لا يُتقن عمله ويتوكل ، لا يأخذ بالأسباب ويتوكل ، وقلبه مشرك ، بقلبه يعتمد على زيد أو عُبيد , وعمله ظاهره متوكل ، هذا خطأ مزدوج والعكسُ هوَ الصواب , يجب أن يتوكلَّ بقلبه , وأن يسعى بعمله ، والأحداث والظروف والصِدامات في العصور الحديثة تؤكد هذه المقولة . قال : من منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين : منزلة رعاية الأسباب , ذلكَ أنَّ التوحيد : ما تعلمت العبيد أفضلَ من التوحيد . أن تقول : لا إله إلا الله , لا مُسير لا ربَّ إلا الله , لا خالِقَ إلا الله , لا معطيَ إلا الله , لا مانعَ إلا الله , لا مُعزَ إلا الله , لا مُذلَ إلا الله , لا باسطَ إلا الله , لا قابضَ إلا الله ، هذا التوحيد . والتوحيد له مستويان : مستوى قولي لساني , وهذا سهل جداً . ومستوى نفسي . فكم من موحدٍ مُشرك ؟ كم من موحدٍ بلسانه مشركٍ في قلبه في جنانه , يقول : لا إله إلا الله بلسانه , وكلُّ اعتماده على فلان , وكلُّ ثِقته بماله , كلُّ اعتماده على قوته , كلُّ اعتماده على أولاده , كلُّ اعتماده على أهله ؟ هذا موحد مُشرك بآن واحد , يؤكد هذا قول الله عزّ وجل : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] يا ليت هذا الخطأ في التصور أو في العقيدة يبقى في العقيدة ، هذا ينعكس في السلوك , ينعكس في حياتنا العامة ، ذلكَ أنَّ التوحيدَ يقتضي القيامَ بالأسباب الظاهرة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/03.jpg أخي ابنك مريض , يقول : سلّمته لله , هذا الكلام هوَ الجهلُ بعينه ، أنت بالرياضيات مُقصّر , يقول : أنا الله عزّ وجل يُكرمني , كل سنة أدعوه دعاءاً حاراً فيوفقني , هذا هو الجهلُ بعينه ، هذه البضاعة لا تُباع معك , تقول : سبحان الله ! أنت عندما اشتريتها , كنت دقيقاً بشرائها , درست السوق , درست النوعية , درست السعر , أخذت بضاعة سيئة بسعر مرتفع , انظر لهذا الموقف الذي فيه جهل ، ما دام المسلمون في هذا الجهل , يعزون أخطاءهم إلى القدر ، كلما وجدَ مشكلة بحياته , يقول لكَ : أخي الله لم يسمح , الله لم يرد , الله لم ييسر , الله لم يجبر , هذا الموقف الذي كانَ الصحابة على عكسه . قال: التوحيد إذا كنتَ موحداً , إذا رأيتَ يدَ اللهِ لا يدَ غيرها ، إذا رأيتَ أنَّ الأمر كله بيد الله ، إذا رأيت أنَّ الله هو كلُّ شيء ، قال : يجب أن تأخذَ بالأسباب كل الحركات والأعمال ، ويجب أن تعتبرها , يعني أن تحترمها , أن تهتمَّ بها ، ويجب أن لا تُهملها ، ويجب أن لا تُعطلها ، النجاح في الامتحان يحتاج إلى دراسة ، النجاح في التجارة يحتاج إلى دراسة , السوق نوع البضاعة , وأسعار البضاعة , والكمية المناسبة , والتصنيف المناسب , وعرض البضاعة بشكل جيد , كلٌّ شيء يجب أن تأخذَ بأسبابه ، إذا أردتَ أن تنتمي إلى أمةٍ كانت فيما مضى أمةً رائدةً للأمم , إذا أردتَ أن تنتمي لأمةٍ كانت في مقدمة الأمم , هذه الأمة بدأت كما فعلَ النبي عليه الصلاة والسلام . مثل تعرفونه دائماً: هل في الأرضِ كلها إنسانٌ, يستحقُ النصرَ والتأييد والعون كرسول الله؟ أكمل إنسان رسول الله، يوحى إليه، جاء بالإسلام، ومع ذلك: ما فرّطَ في الأخذِ بالأسباب قيدَ أنملة . التوحيد إذا كنتَ موحداً, يجب أن تأخذَ بالأسباب, وأن لا تهملها, وأن لا تُعطلها, وأن تعتمدها, تعتمد أن تأخذها, لأنَّ هذا من لوازم التوحيد، أما إذا عزلتها, وأهملتها, واحتقرتها, وتجاوزتها, فأنتَ لستَ موحداً . فموقف الاستكانة، موقف التقصير، موقف الكسل، موقف التسيب، هنا خسران ووضعك سيء، ليسَ هذا موقفاً صحيحاً إسلامياً, الموقف الإسلامي ابنكَ مريض, يجب أن تأخذه إلى الطبيب, وأن تختار أفضل طبيب, وأن تشتري الدواء الصحيح, وأن تعطيه الدواء بعنايةٍ فائقة, وأنتَ في كلِّ هذه الحركات تقول: يا رب لا شافي إلا أنت, بهذا يُصبحُ حالُكَ طيباً، بهذا تقوى، بهذا ترقى، بهذا تستحقُ تأييد الله، بهذا تستحقُ نصرَ الله، بهذا تستحقُ إكرامَ الله عزّ وجل . في نقطة دقيقة: دائماً التطرف سهل، مثلاً: أب سهل جداً, أن يكون ليّناً, ضعيف الشخصية، لا يحتاج هذا إلى ذكاء, كل قضية ساكت، ابنه تطاول ساكت، ابنته تأخرت غير آبه، ابنته وضعها لا يُناسب لا تحتج، صهره مُقصّر يغض الطرف، زوجته مهملة لا يناقش، وسهل أن تكون عنيفاً, كل غلطة تضرب، كل غلطة تسب، الموقف العنيف سهل, واللين سهل ، أما الموقف البطولي: أن تكونَ في الوقت نفسه مرغوباً ومرهوباً، أن يرجوكَ من معك, وأن يخافَ منك . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/04.jpg ألا تكونَ ليّناً فتُعصر, وألا تكونَ قاسياً فتُكسر, ألا تُؤله الأسباب. سمعتُ عن قصة طبيب, اكتشف أن الجري شيءٌ له آثار في صحة القلب, لا يعدلها شيء، هو يجري كلَّ يوم, ويكتب المقالات, ويتحدث, وينصح, لكنه اعتمد على الجري وحده ، وظنَّ أنَ الجريَّ هو كلُّ شيء، وظنَّ أنَّ الذي يجري لا يموت، وأنَّ الذي يجري لا يمرض ، وأنَّ الصحةَ كلها في الجري، ودبّجَ المقالات، وكتب الأحاديث، ونصح الناس، وكان يجري كلَّ يوم ساعتين فأكثر، وماتَ وهو يجري, وكان في ريعان الشباب, هذا ما فعل هذا الطبيب؟ ألّهَ الأسباب هذه حالة . وفي إنسان يتوكل على الله, ويهمل الأسباب, ويتوكل على الله بسذاجة، فالتوكل مع إلغاء الأسباب سذاجة وجهل، وتأليه الأسباب جهل، هذه غلط وهذه غلط، لا ترقى إلا بأخذكَ بالأسباب, وتوكلكَ على ربِّ الأرباب, هذا الكلام دقيق جداً, يمس كل مسلم، يمس كل صاحب مصلحة، كل صاحب مهنة، كل صاحب معمل، كل تاجر، كل مدرّس، كل مهندس, كل طبيب, كل أب، كل أم، كل زوجة، هذا يمسُّ كلَّ الناس . لن تكتحلَ عيناك برؤية المسلمين أقوياء, لهم الكلمة العُليا، رعاة للأمم بعدَ أن كانوا رعاة للغنم, لن ترى المسلمين قادة، لن تراهم في الصدارة, إلا إذا طبقوا هذا الموقف الدقيق, من السهل أن تأخذَ بالأسباب وتعتمدَ عليها وتؤلِهها، ومن السهل أن تدعها وأن تعتمدَ على الله ساذجاً, ولكن البطولة أن تأخذَ بالأسباب وأن تتوكل على الله . عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يُنْجِيَهُ عَمَلُهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ)) هل هناك أوضح من هذا الحديث: ((اعملوا واعلموا أنَّ أحداً منكم لن ينجيه عمله)) طبّق كلَّ القواعد الصحيّة، أما إذا طبّقتها, واستغنيتَ بها عن الله, وألهتها, لن تنجوَ من المرض, يجب أن تأخذَ بها, وأن تعتمدَ على الله عزّ وجل, وأن ترجوَ الله . اعملوا واعلموا, ادرس وتوكل، وانتق البضاعة الجيدة بالسعر المناسب, ثم توكل في بيعها على الله عزّ وجل, أقم كلَّ الأسباب, وتوكلّ على ربِّ الأرباب, هذه منزلة رعاية الأسباب . عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا, وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ, فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: لا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾إِلَى قَوْلِـهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾)) اعمل واعلم أنكَ مُيسرٌ لِما خُلقتَ له, خُلقتَ ليرحمكَ الله عزّ وجل, حينما تعمل الطاعات, فقد حققتَ المُراد الإلهي، فإذا عَمِلتَ المعاصي, وأنتَ قد خُلقتَ للرحمة والإكرام, فلا بد من العِلاج . النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي لا ينطقُ عن الهوى, كلام النبي يُمثل تعليمات الصانع, قالَ: يارسولَ الله! أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقىً نسترقي بها، وتُقاتاً نتقي بها، هل تردُ من قدر الله شيئاً؟ أحياناً مُحاكمة ساذجة إذا الدواء أخذته, والله كتبَ لي أن أمرض يُفيدني, قلتَ له: لا، إذا الله عزّ وجل كتبَ ليَّ الشفاء, الدواء يُشفيني, لا, إذاً: اترك الدواء, هذه محاكمة الجهل . عَنْ أَبِي خِزَامَةَ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا, وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا, وَتُقًى نَتَّقِيهَا, هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)) هيَّ أيضاً من قدرِ الله، إنكَ إذا استخدمتَ الدواء, فررتَ من قضاء الله وهو المرض, إلى قضاء الله وهو الشِفاء، المرض قضاء الله, والشِفاء قضاء الله, فررتَ من قضاء الله إلى قضاء الله, هذا الموقف الدقيق, لن نرقى، لن نقوى، لن نعلو، لن نُعز، لن نُستخلف، لن نطمئن، إلا إذا كُنّا هكذا . القصة الشهيرة التي حدثتكم عنها كثيراً وهيَ: أنَّ سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما سافرَ إلى الشام, وقفَ على أبواب الشام, وكانَ فيها الطاعون, فرجعَ عمر, خافَ أن يدخلَ بأصحابِ رسول الله إلى الشام, فقال له أبو عُبيدة: يا أمير المؤمنين, أتَفِرُ من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيركَ قالها يا أبا عُبيدة, أفِرُ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، الطاعون قدر الله والشفاء قدر الله, وأنا فررتُ من قدر الله إلى قدر الله, ثمَّ نادى في الجيش: هل فيكم من سَمِعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟ انظر للأدب, قال: هذا تعليم لنا . يعني ممكن أن يكون أمير المؤمنين, وسأل أصحابه: هل سَمِعَ أحدكم عن رسول الله في هذا الموضوع؟ أجيبوني. يعني أنتَ إذا كُنتَ لكَ مكانة علمية, لا تستنكف أن تسألَ الآخرين، تزدادُ عندهم مكانةً, ليسَ هذا طعناً في عِلمك, اسأل . سيدنا عمر, عِملاق الإسلام, أمير المؤمنين, قال لأصحابه: هل منكم من سَمِعَ شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟. عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ, سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ, فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ, وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا)) هذا موقف علمي . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/05.jpg أحد العلماء كان في بلد أجنبي, والتقى مع عالِم من كِبار عُلماء الجراثيم, وسأله هذا السؤال: يعني إذا كان في بلدة فيها مرض سارٍ, ماذا يجب أن نفعل؟ عالِم بعيد عن الإسلام بُعدَ الأرضِ عن السماء, ولا يعلم ما الإسلام؟ ولا ما القرآن؟ ولا ما حديثُ النبي العدنان؟ سُئل هذا السؤال: مرض سارٍ وبائي في بلد, ماذا ينبغي أن نفعل؟ قالَ: أولاً: نضربُ حولَ هذا البلد نِطاقاً، نمنع الدخول إليه، من أجل العدوى، فالخطر لا في المرضى، في حَمَلةِ هذا الجرثوم, كيفَ كشفَ النبي هذه الحقيقة؟ طبعاً: إذا كانَ الطاعون في بلد فلا تدخلوه, لأنَّ فيه عدوى, أما لا تخرجوا منه؛ هذه لا تُعرف إلا بالمخابر، لا تُعرف إلا بعد تحليل دم إنسان صحيح سوي, هذا حامل جرثوم . سنسمع مجموعة آيات ؛ مثلاً : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر الآية: 21] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [سورة الحجر الآية: 19] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 49] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يس الآية: 39] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل الآية: 20] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [سورة الطلاق الآية: 3] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 2] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [سورة عبس الآية: 18-19] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 18] ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة الشورى الآية: 27] كم آية ؟ كُلها بقدر ، قال : المعنى في كلِّ هذا خلقه بنظام وترتيب، خلقه بقدر, هناك سٌنن، هناك أسباب، هناك مُسببات، هناك نتائج، فإذا كانَ تصميم الكون وفق الأسباب والنتائج, وفقَ التقدير الدقيق، وفق الحساب الدقيق، وفق النظام الرائع، أنتَ أيها المؤمن؛ يا من تدعي أنكَ مؤمنٌ بالله، هل يليق بك أن تُهملَ نظام الله عزّ وجل؟ أن تُهملَ هذه السُنن؟ أن تُهملَ هذه المعطيات؟ ألاّ تبالي بهذه القواعد؟ ألاّ تبالي بهذا التقدير؟. من لم يأخذ بالأسباب : أنا أصدقكم القول: كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب, فهو سيء الأدب مع الله عزّ وجل، كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب ويحتقرها, ولا يبالي بها, ولا يأخذُ بها, فهو يُسيء الأدبَ مع الله عزّ وجل، لو أنَّ إنساناً ركبَ مركبته, ولم يُراجعها قبلَ السفر, لعل هناك قطع تالفة، لعل هناك حاجات ناقصة، لعل هناك خلل في المِكبح، إن لم تُراجع هذه المركبة, وفوجئتَ بحادث, أو بطارئ, أو بانقطاع, فأنتَ لم تأخذ بالأسباب, ولم تتأدب مع الله عزّ وجل، لا نرقى ولا نقوى ولا نستحقُ نصر الله عزّ وجل, ولا نستحق تأييده وعونه وحِفظه, إلا إذا تأدبنا مع سُننه. يعني أنت عندك مدرسة, فيها نظام دقيق, قلت: الدخول الساعة الثامنة، جاءك طالب وهو ابن صديقك الساعة التاسعة, ما دام المدير نظّم هذا النظام, قال: يُغلق الباب الساعة الثامنة, وعلى المتأخر أن يبقى خارج المدرسة, هذا نظام, إذا كنتَ تُقدّر صاحبَ هذه المدرسة, تُجِلُّ هذا النظام, وتتقيد به, وتحترمه . الآن اسمعوا الكلمة الدقيقة: ما من مؤمنٍ يُهمل الأسباب, ويستخفُ بها, ولا يعبأ بها, ولا يعتني بها, ويُهملها, ويدّعي أنه متوكل, فهو كاذب, وهو مسيءٌ للأدب, ولا يستحقُ نصر الله, ولا تأييده, ولا حِفظه, لا أقول لكَ: يجب أن تأخذَ بالأسباب الكاملة, قد تكون الكاملة ليست في مقدورك, وأنت في قرية, ولا يوجد غير طبيب واحد في العاصمة, أطباء كثر أعلم بكثير, لكن ليس بإمكانك الوصول إليهم, أن تاخذ هذا الابن إلى هذا الطبيب المتواضع, هذه كلُّ أسبابك, هذا الذي تملكه، أنا أقول: يجب أن تأخذ بالأسباب المتاحة لكَ, أنا لا أطالبك أن تأخذ بالأسباب المُطلقة، بالأسباب المتاحة, إن أخذتَ فقد تأدبتَ مع الله عزّ وجل . السقوط له قانون معروف, كل أخواننا الطلاب درسوه بالفيزياء, قانون السقوط, أنت لا تقدر أن تُلقي بنفسكَ من طائرة متوكلاً دون مظلة, هذه نقطة مهمة جداً, هذا القانون قائم فهمته أو لم تفهمه, بجلته أو لم تبجله، صدقته أو لن تصدقه، كذلك في كل شيء آخر لا ينبغي أن تُقدمَ عليه دون أن تأخذَ بالأسباب، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ تخلف المُسلمين، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ ضعفهم، عدم الأخذِ بالأسباب هو سبب تخلي الله عنهم . مدير مدرسة وضع نظاماً دقيقاً, يأتي ابن صديقه مُخالفاً لهذا النظام, أليست في مخالفة هذا النظام احتقار لهذا المدير؟ أليسَ من سوءِ الأدب ألا تُبالي بهذا النظام؟ فكل إنسان يهمل الأخذ بالأسباب, ويفعل ما يحلو له؛ بلا تروّ، بلا دقة، بلا حسابات، بلا دراسات، فهو إنسان بعيد عن الدين، ودائماً أعداء الدين يتهمون المسلمين بأنهم متواكلون، بأنهم حالمون، بأنهم عاطفيون, بأنهم يثارون لأتفه الأسباب، وتضعف هِممهم لأتفه الأسباب, أنتم على حق, الأولى بنا أن نأخذ بالأسباب, أن نقوى، الكلام لطالب ادرس جيداً تفوق، لمدرس، لمهندس، لعامل، لصانع، لتاجر، يجب أن تكونَ في عملكَ الأول، إذا فعلنا كلنا هذا نرقى . الآن : اسمعوا آيات ثانية : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 57] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/06.jpg الله عزّ وجل هل هو بحاجة إلى المطر كي ينبت الزرع؟ إذا أراد إنباتَ الزرع هل هوَ مضطرٌ كما هو الإنسان إلى إنزال المطر؟ عبّرَ عن هذا علماء العقيدة بنفي العِلةِ الغائية عن الله عزّ وجل, أنتَ كإنسان إذا أردتَ أن تأكلَ خبزاً, لا يمكن أن تأكل هذا الخبز, إلا إذا زرعت القمح, ونبتَ القمح, وحصدت القمح, وطحنتَ القمح وخبزته، فأنتَ كإنسان مقهورٌ بالأسباب لا تقدر, إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى يجب أن ننفيَ عنه العِلة الغائية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس الآية: 82] الآن كل الآيات خِلاف هذه الفِكرة, اسمع: ﴿فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 164] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة الآية: 16] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 105] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 52] ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 182] كلها باء السببية, هذا بما قدمت أيديكم، الأرض أحياها بالأمطار، الأشجار أثمرت بالماء, كيف نوّفق بين أن الله سبحانه ليسَ مقهوراً بالأسباب, وهذه الآيات كلها تؤكد الأسباب؟ هذا نظام الكون, هو إذا أرادَ شيئاً يقول له: كُن, ولكن جعلَ إنباتَ النبات عن طريق المطر, والمطر عن طريق السحاب, والسحاب عن طريق الشمس, والشمس عن طريق البحر، مُسطح مائي كبير، أشعة شمس مُسلطة, تبخر، تكاثف السُحب، تأتي الرياح تُحرك السُحب، هذه السُحب مشحونة بِقوى كهربائية معينة، هذه السُحب لها درجة حرارة معينة، تدخل في منطقة باردة تبرد, وإذا بردت بخار الماء يحمل بدرجة 30 فرضاً خمسة غرامات ماء المتر المكعب ، من الهواء يحمل بدرجة 30 خمسة غرامات بخار ماء, فإذا بردّتَ هذا الهواء, يتخلى عن نصف الماء، فكل طبقة هواء مُحملة ببخار الماء, إذا دخلت في منطقة باردة, تتخلى عن جزء من بخار الماء, ينعقد على شكل حبات مطر, فيكون المطر المطر يحيي الزرع، كل الحياة أسباب، هذا المولود بسبب زواج فلان من فلانة، هذه المزرعة بسبب زرع البذور . ربنا عزّ وجل نظّمَ الكون وفق الأسباب, وأودعَ فيكَ عقلاً, لا يفهم الشيء إلا بسببه، العقل في مبدأ السببية والكون أساسه الأسباب، العقل في مبدأ الغائية والكون أساسه الغايات . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/07.jpg قال: والقرآن مملوءٌ كله من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية, والثواب والعقاب على الأسباب بطرقٍ متنوعة, فيأتي مثلاً بباء السببية، مرة باللام لام التعليل، مرة بأن التعليلية، مرة بكي التفسيرية، مرة بذكر الوصف، مرة بالتعليل الصريح, يعني آيات لا تعد ولا تُحصى, تُرينا أنَّ الله عزّ وجل حينما خلقَ الكون نظّمه، لتجده في سن الـ 18 مهذباً راقياً, عنده حياء وخجل, دون تربية, آباء يقولون لك: سلّمته لله, يتفاجأ بعد فترة أنَّ ابنه سيء الخُلق، منحرف الطِباع، هذا كلام لا يعني شيئاً, الخُلق والاستقامة تريد التربية، تريد الاهتمام، تريد الرعاية، يجب أن تكون راعياً دائماً، تأخذه معك، تراقبه، تنصحه, مرة بالإكرام، مرة بالشِدة، مرة بالتهديد، مرة بالوعيد، مرة بالوعد، مرة بالمكافأة، مرة بالعقاب، مرة بالهجران، تسأل متى جاء؟ ومتى ذهب؟ ومن صديقه؟ ومع من يمشي؟ وأين كنت سهران؟ وأريد أن أرى بيتَ صديقك, تريده وأنت غافل عنه, وأنت تاركه وهامله، تريد أن تفتح عينيك, تجد ولداً على أخلاق، على علم، على فهم، مستحيل هذا الكلام, هذا كلام السُذج، كلام الجهلة . يا أخوان, كلما تركنا الأسباب تقهقرنا، كلما تركنا النظام الذي خلقه الله عزّ وجل تراجعنا، كلما أهملنا هذه السُنن والنواميس تخلّفنا. قال تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 29] ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 85] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] في نظام, التعامل مع الله سهل جداً، في قواعد عامة, مثلاً: مدير عام بمؤسسة, بمعمل, بمدرسة, بمستشفى, وضع نظاماً, قال لك: كلّ إنسان يمضى عليه سنة, لا يتأخر إطلاقاً, له كتاب شكر، إذا مضى سنة ولم يأخذ ولا تقرير طبي, له كتاب شكر ثانٍ، إذا مضى سنة ولم تسحق له عقوبة, له كتاب شكر ثالث، إذا مضى سنة ولم يأخذ بحقه تقصير أو تقرير تفتيشي, له كتاب شكر رابع . حينما يُتاح لنا أن نُرسل إنساناً في بعثة خارجية نقول: من الذي معه خمسة كُتب شكر؟ أعطاك نظاماً دقيقاً هذا المدير؛ لا محاباة, ولا قرابة, ولا واسطة, ولا زُلفى, فالتعامل مع هذا المدير مريح, لا أحد أفضل من أحد, كلهم سواء, وفق نظام دقيق، لكن لو كان في محاباة, وهذا ابن عمه, وهذا أخوه, وهذا ابن حارته, وهذا يقدّم له الهدايا, وضع هذا, وأقالَ هذا, التعامل مع هذا الإنسان صعب جداً, شخص مزاجي, إذا أردتَ أن تتعرف إلى الله عزّ وجل, الخلقُ كلهم عِندَ الله سواء. لا أنسى هذا القول لسيدنا عمر, قال له: يا سعدُ, سعدُ بن أبي وقاص هذا الذي ما فدى النبي صلى الله عليه وسلم إنساناً غيره, قال له: ارمِ سعدُ فِداكَ أبي وأمي, سيدنا عمر قال له: يا سعدُ لا يُغرّنكَ أنكَ خالُ رسول الله, وفداك بأُمه وأبيه, فالخلق كلهم عِندَ الله سواسية, ليسَ بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له, أنا ابن فلان، الحي الفلاني، ابن العائلة الفلانية، دخلي كذا, حجمي كذا، كلام فارغ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/08.jpg هذه المعاني رائعة جداً، التعامل مع الله مريح, لأنه في قوانين: ﴿إنَّ أكرمكم عِندَ الله أتقاكم﴾ أقرب إنسان إلى الله من أطاعه كائناً من كان, اسمعوا وأطيعوا, هكذا قال النبي, ولو تولى عليكم عبدٌ رأسه كالذبيبة, عبد مستقيم على العين والرأس. سيدنا بلال قال له أحد أصحاب النبي بساعة غضب: يا بنَ السوداء, غَضِبَ النبي غضبةً ما غَضِبَ مثلها, قال له: إنكَ امرؤ فيكَ جاهلية, فهذا الصحابي الجليل وضع خده على الأرض, وقال: يا بلال, طأ على خدي بقدمك كي يرضى رسول الله، ضع قدمكَ فوقَ خدي حتى يرضى عني رسول الله، لا أحد أفضل من أحد . سيدنا بلال يأتي إلى المدينة, فيخرج عمر لاستقباله، أبو سفيان زعيمُ قريش, يقف بباب عمر ساعات, دون أن يؤذنَ له, وهو يرى بلال وصُهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان, غير معقول هذا, فلما دخلَ عاتبه, قال له: زعيم قريش, سيد قريش, يقف ببابك ساعات طويلة, وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان!؟ قال له: أنتَ مثلهما؟ بالإسلام لا أحد أحسن من أحد، أنتَ وطاعتك، أنتَ واستقامتك، أنتَ وإخلاصك، أنتَ وعملكَ الصالح، فالتعامل مع الله مريح جداً لوجود قوانين . قوانين القرآن : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت الآية: 30] لذلك: التعامل مع الله, لا تحتاج إلى يمين تحلفه له, ولا شهادة, قال له: والله يا ربي لم أعمل هذا الشيء, شاهدك أنك لم تعمل شيئاً, ولا تحتاج إلى وصل، فالتعامل مع الله عزّ وجل مريح, لأنه في قواعد دقيقة، والقرآن قواعد: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 33] ﴿ذلك جزاء الظالمين﴾ ﴿ذلكَ جزاء المحسنين﴾ ﴿هل نجازي إلا الكفور﴾ اسمعوا بعض الكلمات الدقيقة لبعض العلماء, قال: الموّحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب، لا يعتمد عليها؛ ولكن يعتمد على الله عزّ وجل، لا يطمئن إليها, ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يكون قائماً بها, ناظراً إلى الله عزّ وجل, تقدر أن تعمل هذا, أن تقوم بأعلى أنواع الأسباب، تُهاجر. هجرة النبي اعتمد على الأسباب : اللهم صلِّ عليه هاجر خبير بالطريق، إنسان يأتيه بالزاد، إنسان لمحو الآثار، إنسان للأخبار، سارَ مُغرّباً, اتجه مُساحِلاً، دخلَ في غار ثور، أخذَ بالأسباب كُلِها، وبعدها توكل على الله، قال له: لقد رأونا, قال له: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 198] قال له: لو نظرَ أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال له: يا أبا بكر, ما ظنكَ باثنين الله ثالثهما؟ أخذَ بكل الأسباب وتوكل على الله . أتمنى على كل أخواننا الكرام، كل إنسان بعمله، بمهنته، باختصاصه، بدراسته، بوظيفته, بمصنعه، بمعمله، بدكانه، ألا يتسبّب, ألا يجهل، ألا يهمل، أبسط شيء يأكل تفاحة ولم يغسلها, يقول لك: سمِّ بالله وكُل, هذا هو الجهل بعينه . قالَ عليه الصلاة والسلام: ((من أكلَ الترابَ فقد أعانَ على قتل نفسه)) ((من أكلَ فاكهةً دونِ أن يغسلها فقد أعان على قتل نفسه)) فاسمعوا: الموّحد المتوكّل لا يطمئن إلى الأسباب، ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يأخذُ بها. المفهوم الصحيح للتوكل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2528/09.jpg قال: فلا يصحُّ التوكلُ شرعاً وعقلاً إلا عليه سبحانه وحده, فليسَ في الوجود سببٌ تامٌ مُنجٍ إلا مشيئته وحده, لا يُنجيكَ من أيِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, لا يُنجيكَ من كلِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, أما أنت يؤتى الحَذر من مأمنه, يا ربي لا ينفعُ ذا الجد مِنكَ الجد، أصحاب العقول الأذكياء, لا ينفعهم ذكاؤهم مع الله، أيام التجار يعبّرون عن هذا الكلام, يقول لك: مع الله لا ذكي. تاجر أربعين سنة بالتجارة, خمسين سنة, عنده خبرات طائلة, يشتري صفقة خاسرة, يُفلّس من ورائها. إذا أراد ربكَ إنفاذَ أمرِ, أخذَ من ذوي العقول عقولهم, ثمَّ ردها لهم فَنَدِموا، لا ينفعُ حذرٌ من قدر . ما الذي ينجيك؟ أن يشاء الله لكَ النجاة، ما أسباب النجاة؟ أن تأخذَ بالأسباب، واللهِ مستقيم استقامة تامة, لم ترف عيني على امرأة, ولا تكلّمت بكلمة, الآن سأصلي وأبكي, لا تبكي, أنتَ لا تقرأ قوله تعالى: إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, والله يسد عليك، معجب في عُجب سد عليك، لن تستطيع أن تفعلَ شيئاً إلا بمعونة الله عزّ وجل، ولن يقبلكَ بلا أسباب، لن يعينك إلا أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمدَ عليه. قالَ له: يا رب أنا بالجبر قوي, لكن بالهندسة ضعيف يا رب, فرسبَ بالجبر, قالَ له: يا ربي الجبر والهندسة عليك, دخل طالب إلى الامتحان, مؤتمر برلين أين عُقد؟ بقي ربع ساعة, أين عُقد؟ مكتوب مؤتمر برلين أينَ عُقد؟ الله عزّ وجل أغلق على قلبه بالدراسة, بالطب, بالهندسة, كل إنسان مُعتد بنفسه, متكل على علمه, على خبرته, تجده يرتكب حماقات, كيفَ فعلتَ هذا؟ هذا من العُجبِ بالذات . قال: ليسَ في الوجود سببٌ تامٌ موجِبٌ إلا مشيئته وحده, فهو الذي سببَ الأسباب, وجعلَ فيها القِوى والاقتضاء . فإذا جمعتَ بينَ التوحيد وبينَ إثباتِ الأسباب, استقامَ قلبك على السير إلى الله، ووضحَ لكَ الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع الأنبياء والرسل, وهو الصراطُ المستقيم, صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم. قيمة هذا الدرس ليسَ في معلوماته، في تطبيقه, أتمنى من كل أخ من أخواننا الكِرام في عمله, في دراسته, هذا الموقف الذي ينجي: أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمد على الله سبحانه وتعالى . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاتصال باللهالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الحادى العاشر ) منزلة الاتصال : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة الاتصال . تمهيد : الحقيقة : حول هذه الكلمة لا أدري من أين أبدأ ؟ إذا قلتُ لكم : إنَّ الدين كله من أجل أن تتصل بالله عزّ وجل , لا أكون قد ابتعدتُ عن الحقيقة . إذا قلتٌ لكَ : إنَّ العباداتِ كلها من أجل أن تتصلَ بالله عزّ وجل , لا أبتعد عن الحقيقة . إذا قلتُ لكَ : إنَّ تسخير السموات والأرض لهذا الإنسان , من أجل أن يعرف الله عزّ وجل , ويتصل به , فيسعدَ بهذا الاتصال , لا أكون قد بالغت . بل إنَّ الاتصال هو غاية الغايات , بل هو حال أهل الجنة , إنَّ كلَّ ما شرعه الله عزّ وجل من عباداتٍ , ومن معاملاتٍ , ومن تنظيماتٍ , من أجل أن تتفرغ لمعرفة الله , وللاتصال به . رمضان من أجل أن تتصل به ، الحج من أجل أن تتصل به ، الزكاة من أجل أن تتصل به ، الصلاة من أجل أن تتصل به . إن قلتُ لكم : إنَّ الاتصالَ بالله عزّ وجل غاية الغايات , فهذه حقيقةٌ لا ريبَ فيها , بل الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نكونَ ربانيين . الرباني : هو الإنسان الذي يسعى لُحسنِ علاقةٍ بالله عزّ وجل ، لحُسنِ اتصالٍ به . حقيقة الكون : لأنَّ في الكون حقيقةً واحدة ، هذا الكون بمجراته ، بكزاراته ، بنجومه ، بمذنباته , بكواكبه السيّارة ، بكواكبه ، بأرضه , ببحاره ، بأسماكه ، بأطياره، بنباتاته ، هذا الكون كله مُستمدٌ وجوده من الله عزّ وجل : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 255] في الكونِ حقيقةَ واحدة وهي الله ، لذلك : أيُّ سلوكٍ ، أيٌّ فِكرٍ , أيُّ اطلاعٍ ، أيُّ تعلمٍ يُقرّبَكَ من هذه الحقيقة فهو مشروع . وأيُّ شيء يُبعدكَ عن هذه الحقيقة فهو مُحرّم . ليسَ في الكونِ إلا الله , الحقيقة الأولى والأخيرة , هو الظاهر والباطن , هو الأول والآخر . معاني الإتصال : فقلتُ لكم في أول الدرس : لا أدري من أينَ أبدأ ؟ المرتبة اليوم مرتبة الاتصال . الاتصال هو الدين . الاتصال هوَ سِرُ وجودكَ في الأرض . الله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا , ورحمته بأن نتصلَ به . إنكَ إن اتصلت بمخلوقٍ على شيء من الميزات تسمو . إنكَ إن اتصلت اتصالاً بصرياً بمنظر جميل تسعد . إنكَ إن اتصلت اتصالاً سمعياً بنغم جميل تطرب . إنكَ إن اتصلت بحقيقةٍ علمية تستمتع . فكيفَ إذا اتصلتَ بالحقيقة الأولى والأخيرة ، بِسرِ القوة في الكون ، بِسرِ الحِكمة ، بِسرِ الرحمة ، بِسرِ الغِنى , بِسرِ القدرة ؟ . الدين كله اتصال . الكون خُلقَ من أجل أن تعرفه , وما معرفة الله عزّ وجل إلا وسيلةٌ لغاية ، الغاية أن تسعدَ بهذه المعرفة ، أن تسعدَ بهذا القرب . لذلك : منزلة الاتصال منزلة لها طعمٌ خاص , لأنها سِرُ الدين ، لأنها جوهر الدين ، لأنها هيَ الدين ، لأنها سِرٌ وجودكَ في الأرض . خلقتُ لكَ ما في الكون من أجلك فلا تتعب , وخلقتكَ من أجلي فلا تلعب , فبِحقي عليك لا تتشاغل بِما ضَمِنته لكَ عما افترضه عليك . لو شاهدت عيناك من حُسـننا الذي رأوه لَمـا وليتَ عنّا لغيرنا ولو سمعت أذناكَ حُسنَ خِطابِنا خلعتَ عنكَ ثياب العُـجبِ وجئتنا ولو ذُقـت من طعم المحبة ذرةً عذرتَ الذي أضـحى قتيلاً بِحبنا ولو نسمت مـن قربنـــا لك نسمةٌ لّمُتَ غريباً واشتياقا لِقربنا فما حُبنــا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته قُلنــا له: قد جَهِلتنـا الآن : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [سورة العلق الآية: 19] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [ سورة العنكبوت الآية: 45] أنا في حيرة بالغة ، هذا موضوع المواضيع ، هذا هو الدين كله , أن تكونَ لكَ صِلةٌ بالله حَسنة ، لذلك كلما ارتقى إيمانك , امتلكتَ ما يُسمى بميزان دقيق , لو أنكَ تكلمتَ كلمةً فيها استعلاء , لشعرتَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل ، لأنَّ الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً ، الكامل لا يُقربُ إلا الكامل ، أنت على مستوى من الإيمان , لا تستطيع أن تُجالس إنساناً بذيء اللسان , لا يمكن أن تجلس معه , أنتَ على مستوى من إيمان , لا يمكن أن تُجالس إنساناً خائناً , إنساناً فُاحشاً . فالموضوع : الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة في الكون , وكلُّ الكون يستمدُّ وجوده من الله عزّ وجل ، يستمدُّ خصائصه ، صفاته من الله , ليسَ في الكون إلا الله , هذا هو التوحيد , وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . في الكون حقيقتان : 1- الله عزّ وجل هوَ كلُّ شيء . 2- والاتصال به كلُّ شيء . فأول فكرة : الله هو الحقيقة الأولى والأخيرة الوحيدة , والاتصال به هو جوهر الدين . نحنُ صائمون من أجلِ أن نتصلَ به ، نصلي من أجلِ أن نتصلَ به ، نحجُ البيت الحرام , ندفع عشرات الألوف , ندعُ أولادنا وأهلنا وأعمالنا , ونذهب إلى بلادٍ حارة , حيثُ الازدحام , من أجلِ أن نشعرَ أننا فعلنا شيئاً من أجله , حتى نُقبلَ عليه ، حتى نتصلَ به ، حتى نسعدَ بهذا الاتصال ، هذا مقام الاتصال بالله عزّ وجل . فأنا أعتقد : أنَّ المؤمن بعد حين من إيمانه , بعد فترة يملك ميزاناً دقيقاً , أيُّ عملٍ يُقربه من الله يفعله , وأيُّ عملٍ يبعده عنه يدعه , وميزانه نفسه ، القصة التي إذا حدثتَ الناسَ بها شعرتَ بانقباض , وشعرتَ بحجابٍ بينكَ وبين الله , هذه معصية معناها ، كلما شفّت نفسك أصبحت نفسك ميزاناً , وكلما بَعُدَ الإنسان عن الله عزّ وجل , أصبحَ ميزانه غير دقيق , لذلك المؤمن ذنبه كجبلٍ جائمٍ على صدره ، بينما الكافر ذنبه كالذبابة . أنواع الاتصال : قال الاتصال أنواع : اتصال اعتصام , واتصال شهود , واتصال وجود . 1- الاعتصام : أول أنواع الاتصال أن تعتصمَ بالله , أن تُطبقَ أمره بحذافيره ، أن تكونَ ورعاً ، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 103] أحياناً: إنسان يتفضل على إنسان بعطاء كبير جداً, فهذا المُعطى يَتَقصّد أن يُرضي المُعطي بكلِّ أسلوب، بأيّة طريقة، بأيّ موقف، فإن كان يعلم أنَّ هذه الرائحة يُحبها عطّره بها ، إن كان يعلم هذا الكتاب يُحبه قدّمه له، همه الأول والأخير أن يتقرّبَ من هذا المُحسن، لذلك المؤمن يصبح في النهاية همه الأول: أن يتقربَّ من خالقه؛ بالاستقامة، بالأعمال الصالحة، بخِدمة الخلق، بالصبر, بالتحمل، بمجاهدة النفس والهوى . فقال أول أنواع الاتصال : اتصال الاعتصام , ومن يعتصم بالله , طبّق أمره عزّ وجل ، بشكل مُجسد : حينما تتحرك الأم في الطريق , ومعها طفلها الصغير, يلحقها ويعتصم بها، يُمسك ثوبها أحياناً، شعور الالتصاق، شعور الحب، شعور الانتماء، إمساك الطفل بيد أمه, أو بثوب أمه, أو حينما يحيطها بذراعيه, هذا دليل الحب، دليل الشوق، دليل الانتماء، دليل القرب ، المؤمن بشكل أو بآخر: اعتصامه بالله عزّ وجل عن طريقِ طاعته لله عزّ وجل . إذا مرت امرأةٌ في الطريق, فإذا ألقى عليها نظرةً, شعرَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل, لأنَّ هناكَ نهي, فإذا غضَّ بصره عنها شعرَ بالقرب، إذا رأى مسكيناً فرقَّ له شعرَ بالقرب، إذا رأى سائلاً صادقاً فأعطاه شعرَ بالقرب، إذا رأى إنساناً أساء إليه, وبإمكانه أن يعفوَ عنه, في عفوه عنه يقرّبه منه, يعفو عنه، الإنسان المؤمن في سبيل الله عزّ وجل يضع نفسه تحتَ قدميه لا ضعفاً ولكن تواضعاً، قال: هذا اتصال الاعتصام . 2- الشهود : واتصال الشهود : أن ينتقل من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان . الإيمان معه ذوق ، معه رؤيا ، الإسلام معه تطبيق ، لو أنه طبّقَ أمرَ الله عزّ وجل تطبيقاً دقيقاً فهوَ مسلم ، فهو معتصم بحبل الله ، معتصم بأمر الله ، أما إذا بَعُدَ اعتصامه بأمره أقبلَ عليه , صارَ اتصاله اتصال شهود ، كان اتصال اعتصام صار اعتصام شهود . أما إذا بلغَ مرتبة الإحسان فاتصاله أصبح اتصال وجود ، بينَ إعتصامٍ وشهودٍ ووجود . الآيات , قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحج الآية: 78] الإنسان يفتخر بعلاقته بفُلان, يراه مكسباً كبيراً, وأحياناً إنسان يستحيي من علاقته بفُلان، ربنا عزّ وجل يقول: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنِعمَ المولى ونِعمَ النصير﴾ آية ثانية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة آل عمران الآية: 101] أنتَ في أكملِ حالاتك حينما تعتصم بالله عزّ وجل . آية ثالثة : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 146] تابوا, وأصلحوا, واعتصموا, تمسكوا بالاستقامة, لذلك الاستقامة عينُ الكرامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود الآية: 112] أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة . آية رابعة: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ المعنى الأول : أن تعتصمَ بالله فهذا نوعٌ من أنواع الاتصال به ، أن تعتصمَ به فهذا نوعٌ للاتصال به ، أو أن تستقيم على أمره فهذا يدفعكَ إلى الاتصالِ به، أن تطيعه يرفعُ لكَ الحِجاب, هناك حُجبٌ كثيفة, كلُّ معصيةٍ حِجاب, فإذا أطعته رفعَ لكَ الحِجاب، هذا اتصالُ الاعتصام . الاعتصام نوعان ؛ اعتصام توكل, أنتَ متوكل عليه اتكالاً حقيقياً, مستعين به، مفوضٌ له، ملتجئ إليه، مستعيذٌ به، مُسلمٌ إليه، مستسلمٌ لأمره، هذا نوع . النوع الآخر: الاعتصام بالوحي؛ أي الاعتصام بالقرآن بأمره ونهيه، إما اعتصام علمي، أو اعتصام نفسي، إن اعتصمت بقرآنه وسُنّةِ نبيهِ, فأنتَ متصلٌ بالله اتصالَ اعتصام وحي, أما إذا اتكلتَ عليه، وفوضتَ إليه، وسلّمتَ إليه، وأطعته، وأرحتَ قلبكَ من هم الدنيا، واخترته على من سِواه, هذا اعتصام من نوع آخر . من معاني أن تعتصم بالله بكتابه أو بوحيّه: أن تُحكّمَ القرآن دونَ آراءِ الرِجال، فُلان له رأي، النظرية الفلانية، آراء الناس, ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، ليست بشيء أمام مواجيد القرآن، وأذواق القرآن، وقِيم القرآن، وما في القرآن, علامة اعتصامك بالله . الاعتصام نوعان؛ اعتصام بكتابه اعتصام علمي، اعتصام استسلام وتفويض وتوكل اعتصام نفسي، فيجب أن تستسلم نفسكَ لله عزّ وجل, وأن يستسلم عقلكَ له، بمعنى أن خالقَ الكون, هذا كلامه, هو الحق، هو الصدق، هو المُحكم، هو الدقيق، هو الواقع، هو المصداقية . أما اتصال الشهود : هو اتصال الحال والمعرفة ، قضية فكرية ، في قضية نفسية ، شَهِدتَ كماله فأحببته، اقتربتَ منه, فشعرتَ بطعم القرب, فَلَزِمتَ القُرب، أصبحَ هذا حال, كُنتَ في العقلِ والطاعةِ، كُنتَ في العِلم والعمل, فأصبحت في الحال والمعرفة، العِلم والعمل مرتبة، والحال والمعرفة مرتبة ثانية . الحديث عن اتصال الوجود، من أينَ جاءَ المؤلفُ بهذه العبارة اتصال الوجود؟ أخذه عن الحديث القدسي: ((ابنَ آدم اطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتُكَ فاتكَ كلَّ شيء)) أول مرحلة : رأيتَ أن هذا القرآن كلامُ خالِقُ الكون، يجب أن تُطبّقه, هذا اعتصام وحي، اتصال اعتصام وحي، ثم رأيته أهلاً أن تتكلَ عليه, توكلتَ عليه, هذا اعتصام استسلام، اتصال اعتصام استسلام، لكن الآن بعدَ أن استقمتَ على أمره, وتوكلتَ عليه, رأيتَ من جماله ، رأيتَ من كماله، رأيتَ من لطفه، رأيتَ من رحمته. الآن: دخلنا في مرتبة أخرى من مراتب الاتصال وهي: اتصال الشهود, اتصال الشهود ينعكسُ على قلب المؤمن بحال ومعرفة، المعرفة أرقى من العِلم السابق، والحال أرقى من شعور الانتماء إلى الله عزّ وجل، صار لكَ حالٌ مع الله عزّ وجل, هذه مرتبة ثانية . 3- الوجود : أما المرتبة الثالثة : وصلتَ إلى شيء, وقد ثَبَتَ هذا الشيء بينَ يديك، وجدته، وجدتَ الله عزّ وجل كلَّ شيء، وجدتَ نفسكَ تعرفه وأنتَ مُقبلٌ عليه، إذاً: هذا الكنز الذي حصلتَ عليه, أصبحَ مِلكاً بينَ يديك, كنزُ المعرفة، كنز الطاعة، كنز الحب، هذه المرتبة الثالثة سماها بعضُ العلماء: مرتبة الوجود. من بلغ هذه المرتبة قال: إذا تابَ إليه وجده غفوراً رحيماً، وإن توكلَ عليه وجده حسيباً كافياً، وإن صدق في الرغبة إليه وجده قريباً مُجيباً، وإن صدقَ في محبته وجده حبيباً، وإن صدقَ في الاسغاثة به وجده كاشفاً للكربِ مُخلّصاً منه، وإن صدقَ في الاضطرارِ إليه وجده رحيماً مغيثاً، وإن صدقَ في اللجوء إليه وجده مؤمّناً من الخوف، وإن صدقَ في الرجاء وجده عِندَ حُسنِ ظنه. هذا معنى الحديث القدسي: ((ولئن سألني لأعطينه، إن دعاني لأجيبنّه، إن سألني لأجيبنّه)) وجدَ الله عزّ وجل, فبينَ الاعتصام تمسك بالطاعة، وبين الإقبال على الله الشهود، وبين الوجدان وهو أعلى مرتبة في مراتب المؤمنين . بالوجود كنتَ تريدُ منه، المرتبة الأعلى أصبحتَ تريدُ، من أحبنا أحببناه, ومن طلبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عمّا لنا, كُنا له وما لنا, طبعاً: هذا الكلام أقول لكم كلاماً نظرياً؛ لكن من سَلَكَ طريق الإيمان, وحرصَ على طاعة الرحمن، وبذلَ الغالي والرخيص، والنفسَ والنفيس, وجَهِدَ أن يكونَ عِندَ الله محبوباً, يعرفُ معنى هذا الكلام, كما قال بعضُ العُلماء: لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثرُ الرسول، لا يعرفُ الشوقَ إلا من يُكابده, ولا الصبابة إلا من يعانيه. الإنسان يتزوج، يسعد في زواجه، إنسان رقيق المشاعر، جميل الصورة، مؤنس، مُطلّع، ذكي مثلاً، مصدر سعادة وأُنس للآخرين، فالزواج يُسعد, فلو أنَّ إنساناً تعرّفَ إلى الله عزّ وجل, وهو مصدر الجمال، مصدر الكمال، مصدر القوة، مصدر الغِنى, هذا الذي نحرص عليه حُسنُ الصِلةُ بالله عزّ وجل، هو مقام ولكن كونوا ربانيين, والرباني الذي يسعى لُحسنِ صِلةٍ بالله عزّ وجل . الآن: فُلان وجد نفسه، أو وجد ربه، معنى وجد نفسه: يعني أصبحت نفسه طوعَ بنانه، هناك نفسٌ تُعاند صاحِبها, يحملها على الطاعة فلا يستطيع، يحملها على الصدق فلا يستطيع، يحملها على غض البصر لا يستطيع، غارق بالمعاصي, كلما جاهد نفسه أن تستقيمَ على أمر الله لا يستطيع، في مرتبة عالية بالإيمان نفسه طوعُ بنانه، تَغُضُ البصر بيُسر، تصدق بيُسر، تبتعد عن الدنيا بيُسر, دون صراع، دون مجاهدة, معناها مَلَكَ نفسه، إما أن تَملِكه نفسه وإما أن يملكها، وإما أن تقع المُشادةُ بينكَ وبينها, تملِكها مرةً وتَملِككَ مرة أخرى، لكن بمرتبة الوجود, مَلكتَ نفسكَ واسترحت. ربنا عزّ وجل قال:﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [سورة الذاريات الآية: 54] يعني بلغتَ أيها النبي مرتبةً, لستَ ملوماً عِندنا, ولا عِندَ الخلق, ولا عِندَ نفسك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] الخُلق عِندك ليس صِراعاً، الإنسان يكون في مجلس, يأتي ذِكر فُلان, يبدأ يحكي عنه ويسكت, أحياناً يُستفز من إنسان, يتمنى أن يكيل له الصاع صاعين, يُحجب, وقع بصراع، هذه مرتبة طيبة جداً, لكن هناك أرقى منها, أرقى أن تكونَ متمكناً من الخُلقِ الحسن: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ هذه مرتبة الوجدان, وجدتَ نفسكَ؛ أي أصبحت طوع بنانك، أصبحت منقادةً لك، أصبحت في خِدمتك، وجدتَ ربك، كلما سألته أجابك، كلما دعوته لبّاك، كلما عرضتَ عليه حاجةً أعطاكَ إياها، كلما التفتَ إليه وجدتَ سعادةً, معناها وجدتَ نفسكَ ووجدتَ ربكَ، طبعاً هذه مرتبة ثالثة؛ يأتي قبلها الاعتصام، الاستقامة، اعتصام نفسي، اعتصام علمي، بعدها المشاهدة، الاتصال بالله عزّ وجل، والشعور بالقُرب، يأتي بعدها الوجدان، وجدان النفس ووجدان الله عزّ وجل . تفاصيل : نعود مرةً إلى بعض التفصيلات , نتحدثُ مرة ثانية مع بعض التفصيل عن اتصال الاعتصام . اتصال الاعتصام : الإنسان يكون له قصد دنيوي, فأول مرحلة من مراحل الاعتصام: أن تُصححَ القصد، لماذا أنتَ هنا في هذا المسجد؟ في قصد، لماذا قُلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا أعطيتَ هذا العطاء؟ لماذا منعت؟ لماذا غضبت؟ لماذا رضيت؟ لماذا أحببت؟ لماذا كرهت؟ ما الدافع وراء كلِّ هذه المواقف؟ هل الدافعُ رِضوان الله عزّ وجل؟ إن كُنتَ كذلك فأنتَ في مرتبة الاعتصام، في تصحيح القصد، ثم تقوية الإرادة، الاعتصام يحتاج لإرادة. انظر إلى الناس, أكثرهم قناعات جيدة, لكن التطبيق ضعيف، يوجد شيء مفقود, عنصر الإرادة الذي يعينُ على تطبيق القناعات, فالإنسان حينما يُصححُ قصده تقوى إرادته, وبعدها يتحققُ له حالٌ طيبٌ مع الله عزّ وجل, تحقيق الحال، تقوية الإرادة، تصحيح القصد, هذا كله متعلقٌ بالاعتصام, لن تكونَ معتصماً بالله إلا إذا صحَّ قصدك، وقويت إرادتك، وصَلُحَ حالك . تفسير آخر: تصحيح القصد يحتاج إلى إفراد المقصود, لا يوجد إلا الله عزّ وجل، نعيش بمجتمع, لكَ رئيس بالدائرة، لكَ مرؤوس، لكَ زوجة، لكَ أولاد، لك جيران، يَهُمكَ سِمعتُكَ عندهم، يَهُمكَ مكانتك عندهم، فربما اتجه القصد إلى غير الله, إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تخشى إلا الله، لا ترجو إلا الله, أنتَ الآن أفردته بالمقصود وجمعت الهمَّ عليه . تصفية الإرادة، وتقويتها، تخليصها من الشوائب، ومن تعلقات السِوى والأعواض, لن تكونَ الإرادة قوية إلا إذا أردت الله وحده, فإذا أردتَ سِواه تشعبت الإرادة، هذه الحزمة الضوئية تبعثرت, تشتت، وتحقيق الحال لا يكون إلا بالتطبيق, مستحيل أن تتعلم ولا تطبق, وأن تشعر بحالٍ طيب مع الله عزّ وجل, دائماً حالك حال أهل الدنيا, في قلق، في ملل، في حيرة، في سأم، في ضجر، لكنك إذا طبقتَ ما علمت, عَمِلتَ بما علمت, الله سبحانه وتعالى تفضلَّ عليكَ بحالٍ مُسعد . اتصال الشهود : الدرجة الثانية اتصال الشهود , قال : خلاص الشهود من الاعتلال, شهود ضبابي، شهود معه ضعف، شهود نوبي، شهود غير مستمر، وغِناه عن الاستدلال, وسقوط شتات الأسرار, كلامٌ دقيق . يقول لكَ شخص: في البيت يوجد كهرباء, طبعاً بالنهار, تقول له: ما الدليل؟ يبحث لكَ عن دليل، أما لو دخلتَ البيت ليلاً, ورأيت الثُريا متألقة, هل تحتاج إلى دليل؟ الوجود يُغني عن الدليل، فلذلك الاتصال بالله عزّ وجل اتصال الشهود من شوائبه أن يفتقر إلى دليل، ومن شوائبه التشتت، أما اتصال الشهود لا اعتلال فيه، ولا استدلال، ولا شتات أسرار، في توحد, هذه الأحوال وهذه المقامات, من ذاقَ عرف، والطريق إلى الله عزّ وجل سالكة، وكل إنسان يقدر في كل وقت أن يتقرّب من الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يُسترضى . الوسيلة : قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 35] هذه الوسيلة ما معناها؟ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ العمل الصالح وسيلة، العمل الصالح منوع؛ في أعمال في البيت، أعمال في المهنة، أعمال في الطريق، أعمال مع الجيران، أعمال ماديّة، أعمال معنوية، الابتسامة عمل، المعاونة عمل, إذاً : الآن الوسيلة هي العمل الصالح: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] أيضاً: ألا تُحس إذا اطلّعت على حقيقة عن الله عزّ وجل لم تكن تعرفها من قبل, شعرت بالقرب من الله عزّ وجل, إذاً: العلم وسيلة, العِلم وسيلة والعملُ وسيلة, ألا تُحس أحياناً أنكَ إذا جالستَ أهلَ الحق؛ جلست مع مؤمن، سافرت معه، سهرتَ عنده، زرته، ألا تُحس أن حالكَ مع الله أقرب مما لو جلست مع كافر، مع مُعرض، مع بعيد، مع مُنكر، مع مُنافق؟ أن تكونَ مع أهل الحق, هذه وسيلة، المعرفة وسيلة، العمل وسيلة، والبيئة الصالحة وسيلة. سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ, كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ, لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ, وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ, أَوْ ثَوْبَكَ, أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)) الوحدةُ خيرٌ من الجليس السوء, ولكنَّ الجليسَ الصالحَ خيرٌ من الوحدة, وسيلة أخرى؛ العلم والعمل, وأن تختارَ أخواناً مؤمنينَ طيبين تعيش معهم دائماً . العبادات, نوافل العبادات، قراءة القرآن، صلوات النفل، صيام النفل، هذا وسيلة للقرب من الله عزّ وجل، الدعوة إلى الله وسيلة, قال أحد العلماء: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. وأنتَ تتوضأ وجدت نملة في المغسلة, وكادت تغرق في ماء الوضوء, فتوقفت عن الوضوء وأنقذتها, إذا وجدت إنساناً ضعيفاً, أعنته, أليس هذا عملاً صالحاً؟ . يا أيها الأخوة الأكارم, العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله عزّ وجل: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾ من أجل رفع مستوى المعرفة بالله عزّ وجل, ما السبيل؟ التفكر, كلما تفكرتَ في ملكوت السموات والأرض, ازدادت المعرفة بالله عزّ وجل، وكلما ازددتَ به معرفةً, ازددتَ به قرباً . الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم, أن يعلمَ عِلمَ اليقين: أنَّ الاتصالَ بالله هو كلُّ شيء في الدين, وأنه لا خيرَ في دينٍ لا صلاة فيه, وأن أيّةَ معصيةٍ إذا شعرتَ أنها أبعدتك عن الله عزّ وجل, أوقعت بينكَ وبينه جفوة, يجبُ أن تبتعدَ عنها، لو جلست مع إنسان, وشعرت أن هذا الإنسان أبعدكَ عن الله عزّ وجل, الأولى أن تبتعدَ عنه، الأولى أن توالي من يوالي الله عزّ وجل ورسوله، لهذا جاءت الحمية اجتماعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] يوجد شيء اسمه: عدوى نفسية، جلست مع إنسان مُحب لله, تشعر بأشواق لله عزّ وجل، تشعر أنَّ مستوى إيمانك ارتفع، تشعر بشوق إلى طاعة الله، إلى العمل الصالح, إن جلستَ مع أهلِ الدنيا تشتاقُ إلى الدنيا, إن جلستَ مع أصحاب الشهوات تُحبُّ الشهوات, فلذلك: الصاحب ساحب. قل لي من تُجالس؟ أقل لكَ من أنت هذا الاتصال ماذا يُقابله؟ ألم يقل لها: يا وِصال كُنتِ سبب الاتصال, فلا تكوني سببَ الانفصال، يقابله الانفصال . قال: فليحذر القريب من الإبعاد، والمتصل من الانفصال، فإنَّ الحقَ جلّ جلاله غيور، لا يرضى ممن عرفه ووجدَ حلاوة معرفته, واتصلَ قلبه بمحبته والأُنسِ به, وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى, أن يكون له التفاتٌ إلى غيره البتة, فحينما تلتفت إلى غير الله حصلت الجفوة، وحصل الانقطاع . سيدنا إبراهيم لمّا حصل التفات إلى ابنه, أمره أن يذبحه, فالاتصال خشية الانفصال . الحقيقة الأولى في الكون هي : الله عزّ وجل . وأيُّ شيء يُقربّكَ من الله عزّ وجل يجب أن تفعله ، وأيُّ شيء يُبعدكَ عنه يجب أن تجتنبه ، بدءاً بالأوامر والعبادات والأعمال الصالحة والنوافل ، وترك المحرمات والمكروهات وكلّ شيء يُلهي عن ذِكر الله عزّ وجل , لا تكون في مستوى الإيمان الحق , إلا إذا ذاقَ قلبكَ طعمَ القُرب , والقُربُ مبذولٌ بينَ يديك , في طاعته واجتنابِ معصيته . قال : إذا ضُربَ القلبُ بسوطِ البُعدِ والحِجاب , سُلّطَ عليه من يسومه سوءَ العذاب . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة الآية: 18] استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية: أنَّ الله عزّ وجل لا يُعذبُ أحبابه، إذا أحبكَ الله عزَ وجل لا يُعذبك، إذا أحببته لا تُعذب، قد ينسى المرء أن من قصّرَ بالعمل ابتلاه الله بالهم، الهم مشكلة كبيرة, مصيبة البُعد عن الله عزّ وجل, وصارَ قلبّه محلاً للجيفِ والأقذار، وبُدِلَ بالأُنسِ وحشةً, وبالعزِّ ذلاً، وبالقناعةِ حِرصاً، وبالقُربِ بُعداّ وطرداً، وبالجمعِ شتاتاً وتفرقةً . اسمعوا هذا الحديث القدسي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ, وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ, وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ, وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ, وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ, وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] لذلك الإنسان مهما تعلّم عليه أن يعمل: ومن عَمِلَ بما عَلم ورّثه الله عِلمَ ما لم يعلم. لن تذوقَ طعم القرب، ولا طعم الحال الطيب مع الله عزّ وجل، ولا طعم التوفيق، ولا طعم الطمأنينة، إلا إذا أطعتَ الله عزّ وجل . قال بعضهم: احذروا الله فإنه غيور, لا يُحب أن يرى في قلبِ عبده سِواه، القلب منظر الربّ، لا يُحب الله عزّ وجل أن يراك ملتفتاً إلى سواه, عندئذٍ كيفَ يعالجك؟ يجعل الأذى عن طريق هذا الإنسان الذي التفتَ إليه . يؤكدُ هذا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام: ((لو كنتُ متخذاً من العِبادِ خليلاً, لكانَ أبو بكرٍ خليلي, ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله)) قال: من غيرته جلَّ جلاله: أنَّ صفيّه آدم لمّا ساكنَ بقلبه الجنة, وحرصَ على الخلودِ بها, أخرجه منها، وأنَّ إبراهيم خليله, لمّا أخذَ إسماعيل شُعبةً من قلبه, أمره بذبحه, طبعاً هذا حال الأنبياء, أما أنت إن تعلقت بشيء تعلقاً شديداً ينكسر، الإنسان يتعلق بشيء يزهو به, فيرتكب غلطة كبيرة فتجده يَصغُر. الله غيور, الشِرك عِنده ذنب عظيم، لأنك اتجهت لغير الله عزّ وجل, إذا لم تتجه لغيره, ولكن علاقتك معه فترت, تأتي مشكلة, لأن الله عزّ وجل يُحب أن يسمعَ صوتَ عبده اللهفان، ناجيه مختاراً قبلَ أن تناجيه مضطراً . قال بعضهم: لا إله إلا الله, ما أشدَّ غبنَ من باعَ أطيبَ ما في الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة هناك, والنعيم المقيم بالحياة المُنغصّة المُنكّدة المُتصلة بالعذاب الأليم . إذا الإنسان باع الآخرة بهذه الدنيا، الدنيا مؤقتة؛ دار ابتلاء وانقطاع وامتحان، فما أشدَّ غُبنَ هذا الذي باع آخرته بدنياه، بل إنَّ بعض العارفين يقول: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إليها وخرجوا منها, ولم يذوقوا أطيبَ ما فيها, إنَّ أطيبَ ما فيها الاتصال بالله عزّ وجل . جرّب مع أنَّ الله لا يُجرّب ولا يُشارط, لكن لو أنكَ بالغتَ في استقامتكَ, لوجدت الله سبحانه وتعالى معكَ في كل أحيائك . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الغرباء فى الدينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى العاشر ) الغرباء . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثاني عشر من دروس مدارج السالكين . الآية الأولى : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/01.jpg يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: 116] هذه الآية تدل دلالةً قطعيةً على أنَّ الناجينَ قِلة ، وعلى أنَّ المستقيمين قِلة ، وعلى أنَّ الطائعينَ قِلة ، فإذا وجدتَ نفسكَ في عصرٍ ما مع القِلة الطائعة بعيداً عن الكثرة العاصية ، مع القِلة المنيبة بعيداً عن الكثرة المعرضة ، مع القِلة المتبّعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام بعيداً عن الكثرة التائهة والضالة , فهذه علامة طيبة , لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدلالةٍ قطعية , يؤكد أنَّ أكثرَ من في الأرضِ مجرمين . الآية الثانية : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] هناك شعور ينتاب المؤمن , يا رب كلُّ هؤلاء الناس على خِلاف الحق ، أكثرُ هؤلاء الناس ليسوا على الطريق المستقيم ، أيهما على حق : أنا أم هم ؟. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/02.jpg لِئلا تقعَ في هذا الصِراع ، لِئلا تشعرَ بالوحشة ، لِئلا تشعرَ بأنكَ وحيدٌ في هذا المجتمع التائه ، لِئلا تُحس أن الحقَّ مع هؤلاء الأكثرية , فتقول : لعلي على ضلال أنا وحدي ، لِئلا تقع في هذه المشاعر التي لا ترتاح لها , جاءت الآية الكريمة تؤكدُ : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾ بقيةٌ قليلةٌ ينهونَ عن الفسادِ في الأرض ، معنى ذلك : أنَّ الفسادَ ظهرَ وعمّ ، وأنَّ هذه القِلةَ القليلة تنهى عن الفساد في الأرض . لو عرضتَ أمرها على الناس لرأوها فِئةً تائهةً . لو أُتيحَ لكَ أن تقبضَ مالاً كثيراً من شُبُهةٍ ورفضته تُتهمُ في عقلك . لو أُتيحَ أن تكونَ في نزهةٍ مع أًصحابك , النزهة مختلطة , ورفضتَ هذه النزهة , لاتهمت في عقلك . لو جاءكَ خاطِبٌ لابنتكَ من مستوىً رفيع في ماله وفي جاهه وفي عمله , ورفضتَ هذا الخاطب لرِقةٍ في دينه تُتهمُ بعقلك , فلِئلا تقعَ في هذه المشاعر ، جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد فحوى هذه الآية . أحاديث شريفة تؤكد فحوى الآيات : الحديث الأول : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا , ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى للغُرَبَاءِ )) قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : (( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لينحازن الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ هذين الْمَسْجِدَيْنِ , كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا )) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/03.jpg الناس خرجوا في الطرقات بلا احتشام , وبلا وقار , وبلا تستر , وبلا انضباط , تَبِعوا الأجانب في أزيائهم ، لو أنَّ ثيابَ المرأةِ الأجنبيّة تبذلّت , لتبذلّت المرأة المسلمة معها اتباعاً لها ، لو دخلوا جُحرَ ضبِّ خَرِبٍ لدخلتموه ، فحينما ترى أنَّ الكثرة الكثيرة خرجوا في الطرقات بلا حجاب , بلا احتشام , بلا وقار ، تتبعوا عادات الأجانب عادةً عادة ، قلّدوهم في كلِّ شيء ، قلّدوهم في احتفالاتهم المُختلطة ، قلّدوهم في إنفاقهم المُترف ، قلّدوهم في أكلهم المالَ الحرام ، قلّدوهم في العلاقات الربوية ، قلّدوهم في تفلت الناس من منهج الله عزّ وجل ، إنَّ رأيتَ مجتمعاً هكذا صِفته , وأنتَ غريبٌ عنه , لا ترضى به , تُنكر ما فيه ، فهذه بِشارةٌ طيبةٌ على أنك من الغرباء ، يعني أيها المؤمن لا تشعر بالوحشة ، وحشتك طبيعية جداً , وحشتك من الناس طبيعية ، بل هيَ شعورٌ صحيّ للمؤمن . يقول عليه الصلاة والسلام: (( بدأ الإسلام غريباً , وسيعود غريباً كما بدأ , فطوبى للغرباء , قيلَ : يا رسول الله ! ومن الغرباء ؟ الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس )) البطولة : أن تُتاح لكَ الدنيا من أوسع أبوابها . أن يُتاح لكَ أن تكونَ في أعلى المراتب . لكنَّ هذه المرتبة التي يطمحُ لها الناس , أساسها إيقاع الأذى بالناس ، أو إضلال الناس ، أو إفساد العلاقات ، فمهما كانت هذه المرتبةُ مغريّةً , لوجود شُبهةٍ فيها تبتعدُ عنها . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/04.jpg إذاً : (( يصلحون إذا فَسَدَ الناس )) حينما يَعمُّ الفسادُ في الأرض . أكثر الناس لا يبالون أكانَ كسبهم حلالاً أم حراماً ؟؟؟ أكثرُ الناس لا يبالون أكانت علاقاتهم مع بعضهم مشروعةً أو غيرَ مشروعة ؟؟؟ أكثرُ الناس لا يبالون إذا كانت أعمالهم أساسها طاعة أو معصية ؟؟؟ جاءته وظيفةٌ دخلها كبير ولكن في ممارسة هذا العمل بعضُ المعاصي فرفضها !! لو عرضتَ قصته على الناس لاتهموه بالجنون ، يشعر بغربة ، حتى أهله , حتى أمه , حتى أبوه . أعرف رجلاً آخر , جاءه عرضٌ لِبضاعةٍ لا تُرضي الله عزّ وجل , عشرة آلاف قطعة صنّعها وخذ ثمنها , ولكن إذا صنّعتَ هذه القِطع , فقد أعنت على الإثم والعدوان , ثيابٌ ترتديها النساء في المسابح لا تُرضي الله عزّ وجل , وهو في أشدِ حالات الضيق فرفضها . الإيمان ليسَ كما يظنُ الناس . الإيمان ليسَ صلاةً وصياماً فقط . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/05.jpg ليسَ عبادات شكلية جوفاء كما هيَ عندَ الناس . الإسلام مواقف ، الإسلام منهج متكامل ، الإسلام يدخل في دقائق عملك اليومية ، يدخل في مهنتك ، في حرفتك، في بيتك ، في نزهتك ، في لهوك ، في جِدّك ، في سفرك ، في حَضرِك ، الإسلام يعني تقريباً مئة ألف بند ، عندما المسلمون اختصروه إلى أربع خمس عبادات شكليّة , وفيما سِوى هذه العبادات , هم على أهوائهم , وفقَ نزواتهم ، وفقَ ما يحلو لهم ، وفقَ مصالحهم ، وفقَ طموحاتهم الدنيوية ، فصلوا الدينَ عن الدنيا , وجعلوا الدنيا في واد والدينَ في واد ، لذلك بلغوا ألف مليون في العالم وليست كلمتهم هي العليا , لا أقول سفلى ؛ لكن ليست هي العليا , مع أنَّ الله يقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55] والحديث الصحيح : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: ((يَا أَكْثَمُ , اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ , يَحْسُنْ خُلُقُكَ , وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ , يَا أَكْثَمُ , خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ , وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ , وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ , وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) [أخرجه ابن ماجه في سننه] لو أنَّ عددَ المؤمنين الصادقينَ في الأرض اثنا عشر ألف رجل ما غُلِبوا , فكيفَ إذا كانوا ألفَ مليون ؟ ماذا يعني ذلك ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/06.jpg القضية عندَ الله ليست بالمظاهر ، المظاهر الإسلامية الصارخة , والمصاحف , والأشرطة , والخُطب ، والجوامع ملأىَ بالمُصلين ، هذه مظاهر ، تُبشر بالخير ، ولكن ليست كذلك عِندَ الله ، عِندَ الله عدد المسلمين هو عدد الطائعين ، عدد المُلتزمين . من وليُّ الله : أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال : لا . أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا . الوليُّ كلُّ الوليّ الذي تجده عِندَ الحلالِ والحرام . فيا أخي الكريم ؛ إسلامك في معملك ، إسلامك في دكانك ، إسلامك في وظيفتك ، إسلامك في بيعك وشرائك ، إسلامك في تعاملك ، إسلامك في جوارحك ، في مهنتك ، هذا هو الإسلام . أول حديث : ((طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس)) الحديث الثاني : حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام : (( طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يزيدون إذا نقصَ الناس )) ما معنى يزيدون إذا نَقَصَ الناس ؟ يعني إذا قلَّ أهلُ الخير زادَ خيرهم , وإذا قلَّ أهل المعروف زادَ معروفهم ، وإذا قلَّ أهلُ الورع زادَ ورعهم ، وإذا قلَّ أهلُ الالتزام زادَ التزامهم ، الذين يزيدون في المعروف , وفي الورع , وفي الطاعة , وفي القربات , وفي البذل , وفي التضحية إذا نَقَصَ الناس . الحديث الثالث : عَنِ الأعْمَشِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الأحْوَصِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ )) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/07.jpg قبيلة خرجَ منها واحدٌ أو اثنان , تعرّفا إلى الله عزّ وجل , وطبقّا أمرَ النبي , وجاهدا في سبيله , وبذلا الغالي والرخيص , والنفسَ والنفيس , فهذا نَزَعَ من القبيلة ، الأكثرية مُقيمةٌ على أكلِ الرِبا ، وعلى لَعِب الميسر ، وعلى متابعة الأعمال الفنية الساقطة ، صارَ الناسُ موحدين بنزعاتهم التي لا تُرضي الله عزّ وجل . الإنسان وعاء , أخطر ما في الوعاء , ماذا يُصبُّ فيه ؟ أنت ما الذي يغذيك ثقافيّاً ؟ الغذاء المعروف معروف الطعام والشراب , أما هذه النفس هي وعاء , ماذا يُصبُّ فيها ؟ أخبار الفنانين ، أخبار أهل الدنيا ، أخبار الساقطين والساقطات ، ما الذي تقرؤهُ ؟ ما الذي تستمعُ إليه ؟ ما الذي تُشاهده ؟ هذا الوعاء ماذا يُصبُّ فيه ؟ لن يخرجَ منه إلا مثلَ الذي يصبُّ فيه ، فإذا ملأتَ وعاءك من أخبار الفنانين فلن تتكلّمَ إلا عنهم ، وإن ملأتَ وعاءكَ من أخبار أهل الدنيا , وكيف سافروا ؟ وكيف تزوجوا ؟ وكم بذلوا ؟ والمُتع التي مارسوها ؟ والشهوات التي غَرِقوا فيها ؟ والأفعال الخسيسة التي فعلوها ؟ لن تستطيع أن تتحدثَ إلا عن هؤلاء ، أما إذا ملأتَ وعاءكَ من كتاب الله , ومن سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام , ومن بطولات أصحاب رسول الله , راقب نفسك ؛ إذا أردتَ الحديث لن تتحدثَ إلا عن هؤلاء , هذا الذي قاله الأجداد : كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ . أخطر ما في الأمر أن تُراقب من الذي يُغذيك؟ عندك مصادر مسموعة، وعندك مصادر مقروءة، وعندك مصادر مشاهدة, هذه المصادر, فلن تتكلم إلا من هذا الذي تستمعُ إليه، ما يخرج منك من جنس ما تُغذى به، قل لي: ماذا تقرأ, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تُشاهد, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تسمع, أقل لك: من أنت؟ . قال : ((فطوبى للغرباء, قيلَ: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النُزّاعُ من القبائل)) تجد أسرة كبيرة في علاقاتها ، اختلاط ، مع احتفالات ، تجد مطاعم كلها إكراماً لشهر رمضان المبارك , تقدّم وجبات نفيسة وطيبة , ونساء ورجال بأبهى زينة , وبلا صلاة ، يقول لك : سهرنا للساعة الثانية ونمنا , أين السَحور بقي ؟ وأين الفجر ؟ هكذا الناس . الحديث الرابع : حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا , وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ , إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي )) ((الذين يُحيون سٌنّتي ويعلمونها الناس)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/08.jpg النبي له سُنّة : كلٌّ يدعي أنه يحبُ رسول الله , وقد قالَ الله عزّ وجل : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 31] لا أصدّق أن تدّعي حُبَّ رسول الله أو حُبَّ الله عزّ وجل وأنتَ مُخالفٌ سُنّته، علامة حُبكَ للهِ عزّ وجل : اتباع سُنّة نبيه . يحيون السنة بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم ، يحيونها بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 33] أجمعَ المفسرون على أنَّ هذه الآية تعني: أنه إذا كانَ النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم, بينَ أصحابه, لن يُعذبوا، وأنه إذا كانت سُنّته مُطبقةً في من بعده لن يُعذبوا، فأنتَ متى لا تُعذب؟ في حالتين؛ إما أن تكونَ مع النبي الكريم شخصيّاً، وإما أن تكونَ سُنّته معك مُطبقةً في بيتك, نعم لا تُعذب . الحديث الخامس : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي , فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ , وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا , فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ , إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأبْرَارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِيَاءَ , الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا , وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا , قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى , يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ )) [أخرجه ابن ماجه في سننه] تأتي الفِتن كقطع الليل المُظلم , إلا من رَحِمَ ربك ، إلا من نجاه الله عزّ وجل ، بعيدٌ عن هذه الفِتنة , هناكَ فِتنٌ تدعُ الحليمَ حيران ، المؤمن الصادق يُنجيه الله عزّ وجل , من هذه الفِتن . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/09.jpg أخفياء لا يُحبون الشُهرة ، أتقياء لا يحبون المعصية ، أبرياء ليسوا متهمين ، إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فِتنةٍ عمياء مظلمة كما قال عليه الصلاة والسلام : ((ابتغوا الرِفعةَ عِندَ الله)) هم لا يسعونَ إلى رِفعةٍ بين الناس , إلى رِفعةٍ عِندَ الله عزّ وجل . البطولة : أن تحجز مكانةً عِندَ الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [ سورة القمر الآية: 54-55] لك مكان عِندَ الله ، لكَ مكانة عِندَ الله، تشعر أنَّ الله يُحبك ، تشعر أنكَ على المنهج الصحيح ، تشعر أنكَ في الطريق الصحيح ، تشعر أنتَ متجهٌ إلى الهدفِ الصحيح ، هذا الشعور يُغنيكَ عن مدحِ الناس ، وعن الرِفعةِ بينَ الناس ، وعن تسليط الأضواء ، وعن الشُهرة ، وعن الشأن ، وعن الجاه ، هذه كلها تستغني عنها بشعوركَ أنَّ الله يُحبك . من هم الغرباء . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/10.jpg يقول مؤلفُ هذا الكتاب : هؤلاءِ هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ، لِقلّتهم في الناس ، لِقلتهم سُـموا غُرباء ، مدينة فيها خمسـة ملايين , أيام تجد فيها حوالي 100 سـائح , 200 سـائح , سُـميَّ هؤلاء السـياح غرباء , لأنهم قِلةٌ ، قال : سُموا غرباء لِقلتهم , فإنَّ أكثرَ الناسِ على غيرِ هذه الصفات . قال : أهلُ الإسلام غرباءٌ في الناس , المسلمون إذا وضعتهم مع عامّةِ الشعوب ، 450 مليون في الهند يعبدون البقر - أعوذ بالله - تمشي البقرة في الطريق , تقطع الطريق ، يبقى الطريق مُعطّلاً ساعات طويلة , تدخل البقرة إلى بائع الفاكهة , فتأكل من هذه الفاكهة ما لذَّ وطاب , وصاحب البقالية مغتبطٌ أشدَ الاغتباط ، في الأعياد يضعون روثَ البقر على أثاثِ بيوتهم , أرقى أنواع العطورات ، 350 مليون يقولون : لا إله , ما في إله في الشمال , عقيدتهم الإلحاد ، تذهب للغرب 30 % من الزِنا زِنا المحارم , الأب مع ابنته ، والأخ مع أخته ، والابن مع أمه ، 30% إحصاء دقيق جداً , هذا كلام علمي , 30% من الزِنا زِنا المحارم ، والأمراض الجنسية بأعداد وبائية ، كذا مليون يُمارسون الشذوذ الجنسي مع بطاقات , مع هويات يفتخرون بها ، معناها المسلمون المقصّرون غرباء أمام هؤلاء ، الزواج في أمريكا عياره سنة أو سنة ونصف فقط , لأتفه سبب تنفصم العلاقة الزوجية ، يعني أن يكون للزوجة عِدة أصدقاء , تغيب أياماً عن البيت , أسبوع , أسبوعين , وضع طبيعي جداً . كان أحد الخبراء عِندنا في بلدنا, فعَمِلَ احتفالاً لطيفاً, بقيَّ عندنا أكثر من عام ونصف, قال: جاءني مولود, أنت أين كنت؟ أنتَ في الشام مقيم, وزوجتكَ هناك, جاءه مولود, فعمل احتفال بمجيئه، والله المسلمون غرباء أمام هذه المجتمعات, طبعاً في أمثلة كثيرة جداً . فقال: أهلُ الإسلام في الناسِ غرباء، والمؤمنونَ في أهلِ الإسلامِ غرباء، المؤمن الصادق مع عامة المسلمين غريب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/11.jpg قال: أهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء, المُتبحر في العِلم, الذي عرَفَ سِرَّ وجوده, والهدفَ فيه، وعَرَفَ حقيقةَ الدنيا، وعَرَفَ عِظَمَ المسؤولية، ورأىَ أنَّ الكونَ كله مُسخرٌ للإنسان، يرى أنَّ الوقتَ ثمين جداً, وأنه لا يُمضي وقته إلا في عملٍ صالح, فإذا وازنَ نفسه مع المؤمنين, يرى نفسه غريباً عنهم . قال: وأهلُ السُنّة الذين يميزونها من الأهواء والبِدع، يعني أصحاب العقائد الصحيحة, وأصحاب التحقيق العلمي في السُنّة، الحديث موضوع, وهذا الحديث ضعيف, وهذه بِدعة النبي لم يقلها, يوجد عِنده صحوة, هؤلاء أيضاً غرباء عِندَ عامةِ أهلِ العِلم . هذه القضية، قضية كل ما ارتفع مستوى الإنسان تقلّ الدائرة, مثل الهرم تماماً, إذا أنت مع أول قاعدة واسعة جداً, صعدت درجة القاعدة قلّت، كلما صَعِدتَ في هذا الهرم ضاقت القاعدة, لذلك لو جاء النبي, أيُّ نبي, وجلسَ مع مؤمنين, لا أُبالغ: يرى نفسه غريباً عنهم . ((أبيتُ عِندَ ربي يطعمني ويسقيني)) ((لو علمتم ما أعلم, لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/12.jpg الأنبياء لو وزِنوا بالمؤمنين يصبحوا غرباء, قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] فأنت افتخر وكُن مع الأقليّة، كُن واحداً كألف لا ألفاً كأُف, الله عزّ وجل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [ سورة الكهف الآية: 105] حدثني شخص قال لي: كنت في بلد أجنبي, إقلاع الطائرة الساعة الثانية بعد منتصف الليل, طلبت سيارة أجرة, جاءتني إلى الفندق, قال لي: في الطريق أيام شتاء, أيام الثلج والأمطار, وبرد شديد, وجدتُ صفاً من الناس, أقسمَ لي وهو تلميذٌ لي سابقاً, أقسمَ لي أنَّ هذا الصف يزيد طوله عن ثلاثة كيلو مترات, فسأل السائق: ما هذا؟ والساعة الثانية بعد منتصف الليل, قال له: أُذيع الليلة أنه سيوزعُ اللحم الساعة الثامنة صباحاً, قلت: يا الله! قال: في هذا المجتمع, الزِنا ثمنه قِطعة من الحلوى, قطعة واحدة تأخذ أجمل فتاة, قلت هذه الكلمة وصِرت أُكررها: هانَ الله عليهم فهانوا على الله، هانَ الله عليهم فهانوا على الله . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/13.jpg يعني في مجتمعٍ المعصية, بلا تحرش، بلا قلق, بلا وجل، بلا خوف، بلا شعور بالمسؤولية، ما دامَ الله قد هانَ عليهم إلى هذه الدرجة، إذاً: هم هانوا على الله، ما دامَ لحم النساء قد رَخصَ إلى هذا المستوى, إذاً: غلا لحم الضأن إلى هذا المستوى، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء, فالبطولة: أن يكون الإنسان مع القِلة المؤمنة، أن يكونَ مع الغرباء, كي ينجو من عذاب الله عزّ وجل . تعقيب صغير ... قال: هذه الغُربة تكون في مكان دون مكان، يعني إذا كنتَ في بلدة كدمشق, أدامها الله علينا، المساجد ممتلئة، أُناسٌ صالحون كثيرون، قلوبهم فيها رحمة, والله وفي صحوة دينية طيبة جداً، المساجد ممتلئة في كلِّ الأوقات، في التراويح، في الفجر، يعني أُناسٌ طيبون مقبلون على الدين, ربما لا تحس أنكَ هنا غريب، لكن لو ذهبت إلى بلدٍ أجنبي, ورأيتَ الزِنا على قارعة الطريق، لا تحتمل . شخص ذهبت إلى فرنسا، وقفت على نهر السين، شاهدت شاباً كئيباً, ولغتي الفرنسية ضعيفة، قلت: أتمرن فيه، فاقتربت وسألته, فقال له: أنا أريد أن أنتحر، قلت له: لماذا ؟ قال: الحياة لا معنى لها عندي، قلت له: ما الذي يزعجك؟ قال: أحبُ فتاة فأخذها مني أبي, الأب عندنا مُقدّس, الأب كل هدفه ابنه، هدفه أن يزوجه، هدفه أن يأخذ له بيتاً، عندنا العلاقات طيبة, إذا اطمأنَ على مستقبلهم يرتاح الأب، هذا الأب, أما ذلكَ الأب: نافسَ ابنه على فتاة, فيجوز أنت في دمشق لا تكون غريباً تُحس بارتياح، أينما كنت؛ مساجد وآذان وقرآن, هذه نعمةٌ كبرى. قال: قد تكون في مكان دون مكان، وفي وقت دون وقت، وبين قومٍ دون قوم، يجوز بالشام نفسها حي مُحافظ وحي غير مُحافظ، أيام رمضان غير بعد رمضان, على كلٍ؛ هناك تفاوت في هذه النسبة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/14.jpg قال: أهلُ الله عزّ وجل لا يأوون إلا إلى الله, ولا ينتسبون إلا إلى رسول الله, ولا يدعو له إلا إلى الله, هذه الغُربة اسم على غير مُسمى، صاحب هذه الغُربة لا يُحس بالغُربة، يُحس بالأُنس, لأنه مع الله عزّ وجل، هو عِندَ الناس غريب، عِندَ الناس كأنه شاذ, لكن هوَ عِندَ الله مُقرّب، الله عزّ وجل يؤنسه, يتجلى على قلبه . قال: هذه الغُربةُ لا وحشةَ على صاحبها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحشَ الناس, إذا الناس خافوا وقلقوا, بوادر زلزال ارتعدت فرائص الناس، المؤمن ماذا يقول؟ يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 158] إلى أينَ الذهاب؟ إلى الله عزّ وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 157] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة يس الآية: 26] الإنسان يُحب الحياة, هذا كلام واقعي، لكن لو فرضنا: لاحَ شبحُ الموت لمؤمن ومستقيم, وعمله طيب, وحياته في طاعة الله، أتظن أنه يخاف من الموت؟ يتمنى أن يعيش أطول عُمر, حتى أكون معك واقعياً, خيركم من طالَ عُمره وحَسُنَ عمله، لكن لو لاحَ له شبحُ الموت فمرحباً به . قصص غريبة جداً : أحد تجار البلد, أصابه سرطان بالدم, بقدرة قادر, وقضية المستشفى, اتصلت بالمنزل لتُعلمهم بالنتيجة, في هاتف بجانبه, فرفع السماعة، ابنه رد على الهاتف, قال له: أبوك منته, ثلاثة أيام ويموت, سَمِعها بأذنه, زاره أصحابه, فقال لهم: انتهى الفيلم, في صفقة ألغاها, وصفقة أوصى بها, وجمع أولاده, وودعهم, وتغسّل, وأحد العلماء زاره الساعة الواحدة, وقرؤوا له الأوراد والتهاليل, والساعة الثانية كان توفي، لكن الشيء الذي لفت النظر: أنه لم يكن جزعان، كان إذا دخل شخص يطلب منه مساعدة, يفتح الصندوق, ويقول له: خذ قدر ما تحتاج, ولا تقل لي: قدر الكمية . واحد دخل المستشفى, معه سرطان بالأمعاء، كلما دخلَ عليه زائر يقول: يا رب اشهد أنني راضٍ عن الله, يا ربي لكَ الحمد, إلى أن توفاه الله, الإنسان يتمنى أن يعيش أطول عمر, أما لو لاحَ له شبح الموت, لا يوجد عنده هذا الجزع, إلى أين ذاهب؟ كلُّ هذه الحياة لهذه الساعة مهيأة. هذه غُربةٌ لا وحشةَ فيها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحش الناس, وأشدُّ ما تكونُ وحشته إذا استأنسوا, فوليه الله ورسوله والذين آمنوا, وإن عاداه أكثرَ الناس وجَفوه . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] هذا غريب معناها . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ: فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ, أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ: فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ, جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ, ذِي تَبَعٍ)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/15.jpg أنت إذا شاهدت مؤمناً مستقيماً, ولو كانت مرتبته الدنيوية وسط, فلا تتطاول عليه, لأنَّ الله كبير، لو كان ضارب آلة كاتبة بدائرة, وأنتَ مدير عام, لا تقل: أنا ربكم الأعلى, لو كان مستخدم, انتبه. ((رُبَّ أشعثَ أغبر ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على الله لأبرّه)) قَالَ : ((سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا, فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ)) معنى البطولة : أن تكون أنت متواضع, وتعرف أن المراتب عِندَ الله, ليست كما هيَ عِندَ الناس، الناس يحترمون الغني, ويحترمون القوي, ويحترمون صاحب الشهادات العليا, يحترمون الوسيم الجميل, ويحترمون الصحيح, ويحترمون المُتكلَم, ويحترمون الذكي، أما ربنا عزّ وجل يُحب الطائعين. ((أحبُّ الطائعين وحُبي للشابِ الطائعِ أشد ، أحبُّ المتواضعين وحُبي للغني المتواضع أشد ، أحبُّ الكرماء وحُبي للفقير الكريم أشد)) (( ألا أُخبركم عن ملوك أهلِ الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: كلُّ ضعيفٍ أغبرَ ذي طمرين لا يُؤبه له, لو أقسم على الله لأبرّه )) صفات الغرباء : قال صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم : أول صِفةٍ لهم : هيَ التمسك بالسُنّة إذا رَغِبَ الناسُ عنها ، صلاته مهمة جداً ، غضُّ بصره مهمٌ جداً ، لا يكون في اختلاط مهمٌ جداً ، ما يكون في شُبُهة بالدخل مُهمٌ جداً . في حديث فيه بِشارة لكم جميعاً إن شاء الله تعالى ، قال: جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسكَ بدينه, أجرَ خمسينَ من الصحابة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/16.jpg عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ , فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا , سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : (( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ , وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ , حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا , وَهَوًى مُتَّبَعًا , وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً , وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ , وَدَعِ الْعَوَامَّ , فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا , الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ , لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ )) قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَة ,َ قِيل :َ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ , قَالَ : (( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )) في بعض الروايات : قالوا : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2543/17.jpg ((لِم ؟ قالَ : لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون)) إذا الإنسان استقام, أهله أقرب الناس إليه يرفضونه, زوجته أحياناً ترفضه، شريكه لا يرضى, يقول لك: نبيع خمراً الزبائن تخف، يصبح درجة رابعة، المطعم أخذناه خمس نجوم ينزل إلى مستوى أربع نجوم . في بعض المدن السورية, بائع من أهل الصلاح, بائع لحم, كتب على باب دكانه: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب, والرزق على الله, فأقبل الناس عليه، أما سمعت بمصر, من عادات المحلات التجارية عِند افتتاحها, يأتي قارئ قرآن ويقرأ قرآن, فيوجد محل بجانبه محل غير مُسلم، فأحضرَ القارئ, وقال له: اقرأ, فالقارئ قرأ: والتين والزيتون, وقال له: قل لهم: عِندنا أيضاً حُمُّص .... القصد: أنَّ الغُربة نِعمة وليست نِقمة، إذا كنتَ غريباً, فهذه بِشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : النفاقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث العاشر ) النِفاق . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث عشر من دروس مدارج السالكين , موضوع اليوم عنوانه : النِفاق . ولماذا كانَ هذا الموضوع ؟ هناكَ أسباب وجيهةٌ وخطيرةٌ تدعو إلى معرفة هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين , ولا أدلَّ على خطورة هذا الموضوع , من أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه قال لحذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه : يا حذيفة , ناشدتك بالله , هل سماني لكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم - أي من المنافقين - ؟ قالَ : لا ولا أُزكّي بعدكَ أحداً , ولا أدلَّ على خطورةِ هذا الموضوع , من أنَّ الحسنَ البصري رضي الله عنه قال : ما أمِنَ النِفاقَ إلا مُنافق , وما خافَ النفاقَ إلا مؤمن , فيجب أن نعرفَ هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين . أيها الأخوة الأكارم ؛ النِفاقُ داءٌ عُضالٌ باطن , ومعنى باطن : أنه قد يكون مستشريّاً في نفس المؤمن وهو لا يدري، فمن كانَ مطمئناً من هذا المرض ربما كانَ منافقاً، قد يمتلئُ منه الرجل وهو لا يشعر, فإنه أمرٌ خَفي على الناس, وكثيراً ما يخَفى على من تلبسَّ به, فيزعم أنه مصلح, وهو في الحقيقة مُفسد, أحدنا إذا كان يخاف على سلامة إيمانه، إذا كانَ يخاف على مكانته عِندَ ربه، إذا كانَ يخشى الله واليومَ الآخر، إذا كانَ يخشى أن يُحبطَ الله عمله، إذا كانَ يخشى أن يكونَ له صورة وله حقيقةٌ أخرى لا يرضاها الله عزّ وجل، فليُدقق في هذا الدرس . أنواع النفاق : العلماء قالوا النِفاق نوعان : نوعٌ أكبر ونوعٌ أصغر . النوع الأكبر: يوجِبُ الخلودَ في النار في دركها الأسفل , قال تعالى : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 145] المشكلة : المنافق يصلي مع الناس ، ويصوم مع الناس ، وله زيٌّ إسلامي ، ويحضر جماعاتهم . فالنوع الأكبر : يُوجب الخلودَ في النار في دركها الأسفل . لأنَّ المنافقَ هذا يُظهر للمسلمين ؛ إيمانه بالله , وإيمانه بالملائكة , وبالكتب , وبالرسل , وباليوم الآخر ، وهو في الباطن مُنسلخٌ من ذلك كله ، لا يؤمن بأنَّ الله تكلّمَ بكلامٍ أنزله على بشر ، يهديهم بإذنه ، ويُنذرهم بأسه ، ويُخوّفهم عِقابه ، هذا الإنسان المُنافق هَتكَ الله سِترهُ وكشفَ سِرّه ، وجلّى لعباده أمره ، ليكون الناسُ منه على حذر . وذكر الله سبحانه وتعالى كما تعلمون في القرآن الكريم , وفي مطلع سورة البقرة أربعَ آياتٍ تتعلق بالمؤمنين . أصناف العالمين أصنافٌ ثلاثة ؛ مؤمنٌ وكافرٌ ومنافق . فالمؤمنون خصّهم بأربع آيات : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الاية: 1-5] والكفار خصّهم بآيتين : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 6-7] وأما المنافقون : فتحدثَ عنهم في ثلاث عشرة آية لخطورتهم , ولاستشراء النِفاق في صفوف المؤمنين . لذلك المؤمن القضية سهلة , مؤمن , مستقيم ، عقيدته صحيحة ، مخلص ، مُقبل ، مُنيب ، مُحب ، ورع . والكافر لا يستحي بكفره من كلامه ، من تعبيراته ، من حركاته ، من سكناته . فأنتَ تعرفُ المؤمن وتعرفُ الكافر ، ولكن هذا الشخص الثالث الذي يُظهر لكَ من الإيمان ما فيه الكفاية وهو مُنافق ، قال : هذا النوع الثالث هو النوع الخطر . الله سبحانه وتعالى خصّه بثلاث عشرة آية لكثرتهم، لكثرة المنافقين، ولِعموم الابتلاء بهم، وشِدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنَّ بليّة الإسلام بهم، والذي يقوله الناس دائماً: أخشى ما نخشاه على الإسلام لا من أعدائه بل من أدعيائه المنافقين، لأنَّ هؤلاء المنافقين يفجرونه من داخله، إذا هاجمه أعداء الدين، أخذَ المؤمنون الحيطة, ولكنَّ المنافقين في صفوف المؤمنين ، بينهم، في مساجدهم، معهم، في أعمالهم . قال: فكم من معقلٍ للإسلام قد هدموه؟ وكم من حِصنٍ له قد قلعوا أساسه وخرّبوه؟ وكم من عَلمٍ قد طمسوه؟ وكم من لواءٍ له مرفوعٍ قد وضعوه؟ وكم ضربوا أساسه بالمعاول فهدّموه؟ لذلك ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 11-12] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف الآية: 8] أربع آياتٍ للمؤمنين ، آيتان للكفار ، ثلاث عشرة آية للمنافقين لكثرتهم , ولخطورتهم ، ولإفسادهم ، ولانحرافهم ، ولأنَّ الناسَ قد يَلبَسُ عليهم أمرهم . من صفات المنافقين : 1-مفارقة الوحي : أول صِفة من صفات المنافقين, قال: اتفقَ المنافقونَ على مفارقة الوحي، كلام الله عزّ وجل عِندَ المؤمنين له شأنٌ عظيم, بينما كلام الله عزّ وجل عِندَ المنافق, يتحرك في الحياة لا وفقَ كلام الله بل وفقَ هواه، ما أمرَ الله به, ما نهى عنه, ما وضحهُ, ما بينّهُ, ما سَنّهُ, تراه ينطلق من مصالحهِ، من ثقافته أحياناً، من طموحاته غير المشروعة، ولا يعبأ بكلام اللهِ، ولا بحدوده، ولا بأوامره, ولا بنواهيه، ربنا عزّ وجل وصفهم فقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 53] عِندهم آراء, وعقائد, ومواقف, وتنظيمات لا تمت للدين بصِلة، ﴿كلُّ حِزبٍ بما لديهم فرحون﴾ هؤلاءِ هم المنافقون. 2- يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا : وأيضاً : يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً ، والذي يجمعهم جميعاً : أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، قوله تعالى : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 221] فإذا طرقَ بابه خُطّابٌ كثيرون, يختار الغني ولا يعبأ بالمؤمن, إذاً: قال الله عزّ وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 276] لا يُبالي بهذه الآية, يأكل الرِبا ويوكِله، هذا هو النِفاق, لعلكَ تراه يصلي، لعلكَ تراه يصوم، لا قيمة لهذه الصلاة ولا لهذا الصيام . اتخذوا هذا القرآن مهجوراً؛ ما هجرَ تِلاوته, ولكن هجرَ تطبيق أحكامه، ما جعله في حياته, جعله وراء ظهره, جعله خارج اهتمامه, فالإنسان الذي لا يعبأ بكلام الله، ولا يتخذه دستوراً، ولا ينطلق في حياته من أحكامه، فهذا منافقٌ منافقٌ منافقٌ . 3-صم بكم عمي فهم لا يرجعون : صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين: قالَ الله عزّ وجل: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 18] عيناه لا تريه آيات الله عزّ وجل, تريه مباهج الدنيا، عينه تلتقط المباهج، الزخارف، المٌتع، المال، ما فيها من زينة، أما أن تلتقط عينه آيات الله الدالة على عظمته، ليسَ هذا من صفات المنافق: ﴿صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون﴾ إن ألقيتَ عليه الموعظة كانَ كالأصم، إن تكلّمَ تكلّمَ بالدنيا، لسانه يتلعثمَ في ذِكر الله، لا يذكر الله إلا قليلاً، يذكر الدنيا, إذا ألقيت عليه حديثاً عن الله عزّ وجل تململ وتثاءب, وقال: دعكَ من هذا الحديث، أما إذا ألقيت عليه حديث الدنيا, أصغت أذناه, وبرقت عيناه, وتألّقَ, ربنا عز وجل. قال: صمٌ بكمٌ عميٌ؛ أصمّ عن سماع الحق، أبكم عن أن يذكروا الله عزّ وجل، عمي عن آيات الله الكونية, فهم لا يرجعون إلى الله عزّ وجل, أتلفت قلوبهم الشبهات والشهوات. يا أخي ما قولك في إيداع المال في مصارف أجنبية؟ هناك من أفتى بهذا، هذا شُغله الشاغل، ما قولك بهذا الكتاب؟ قراءات معاصرة, هذا شغله الشاغل، ما قولك بهذه الفتوى للعالم الفلاني بجواز أكل الرِبا بنسبٍ قليلةٍ؟ أتلفَ قلبه الشبهات والشهوات, وغَلَبت نواياهم السيئة على مقاصدهم الحسنة, فكأنه كما قال الله عزّ وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 10] الأمراض التي في قلوبهم انقلبت إلى أعمال، فكيف يزداد المرضُ مرضاً إذا استحكمَ في النفسِ وانقلبَ إلى سلوك؟ . 4-الرياء : لهم علامات يُعرفون بها , باديةٌ لمن تدبرها ، من أوضحها الرياء , وهو أقبحُ مقامٍ يقفه الإنسان , الازدواجية , لهم ظاهر ولهم باطن ، لهم موقف مٌعلن , ولهم موقف حقيقي , لهم عبادةٌ يعبدون الله بها في بيوتهم ، ولهم عبادة يعبدون الله بها أمام الناس ، أساس مواقفهم الرياء ، وقعدَ بهم الكسلُ عمّا أُمروا من أوامر , فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلاً . كيفَ وصفهم الله عزّ وجل ؟ قال تعالى : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] درسنا الآن : بعض الآيات التي تصف المنافقين ، هذا كلام الله عزّ وجل ، فإذا الإنسان بريء من هذه الأوصاف , فأنعم به وأكرم ، وليحمد الله عزّ وجل ، ونرجو الله جميعاً أن نكونَ ممن نجاهم الله من النِفاق ، وإن كانَ متلبّساً ببعض الصفات والقلب ينبض , إذاً : المجال مفتوح , باب التوبة مفتوح ، باب الإخلاص مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح . الصِفة الرابعة : أنهم يراؤون الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلاً ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى . 5-التذبذب والحيرة : من صفات المنافقين : التذبذب والحيرة ، مع هؤلاء أم مع هؤلاء ؟ مع رفاق السوء أم مع المؤمنين ؟ مع دورِ العِبادة أم مع دورِ اللهو ؟ لا يسخو لا بهذا ولا بذاك : ﴿في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً﴾ قالَ أحدهم : كالشاة العائرة بين الغنمين , تعيرُ إلى هذه مرةً وإلى هذه مرةً , ولا تستقر مع إحدى الفئتين . إذا كان أحد الناس جلس مع المؤمنين طابَ له المجلس ، فإذا جلسَ مع الكفار , أو مع أهل الدنيا ، أو مع أهل البُعدِ ، فسُرَّ معهم واستمرأَ حديثهم ، وطابت له جلستهم ، فهذه علامة النِفاق ، لو كانَ مؤمناً حقاً لا يرتاح للكفار ، ولا لحديثهم ، ولا لمزاحهم ، ولا لأنماط سلوكهم ، ولا لأوضاعهم . لذلك النبي الكريم وصف المنافقَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ, تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً, وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً, لا تَدْرِي أَهَذِهِ تَتْبَعُ أَمْ هَذِهِ؟)) قال تعالى : ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 143] هو وزوجته ، زوجته نوعاً ما مُحجبّة , يجلس في مكان عام , حيث الغناء والطرب والاختلاط والمشروبات , هذا المكان ليسَ مكانك , أنت مسلم ، أنت مؤمن ، أنت مع المؤمنين ، لا تسخو نفسه بترك هذه الحفلات . والله سمعت بعض النِسوة المحجبّات , يذهبنَّ إلى حفلاتٍ في الفنادق , حفلة مختلطة , فيها شرب الخمر , كيف تسوغُ لنفسكَ أن تأتي مع امرأتك إلى هذا المكان ؟ هكذا وصف المنافقين ؛ كالشاة العائرة بين الغنمين , تيعرُ إلى هذه مرة وإلى هذه مرة , ولا تستقرُ مع إحدى الفئتين . ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ ومن يضلل الله فلن تجدَ له سبيلاً . 6- يتربصون الدوائر بأهل الكتاب والسنة : صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين : يتربصون الدوائر بأهلِ الكتاب والسُنّة , دائماً على حسد ، دائماً على تربص ، فإن كانَ لهؤلاء المؤمنين فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ نحن معكم يا أخي ، نحن مؤمنون ، نحن أعنّاكم ، نحن دعمناكم ، قال : فإن كانَ لهم فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ وأقسموا على ذلك بالله جهدَ أيمانهم ، وإن كانَ لأعداء الكتاب والسُنّة من النُصرة نصيب , قالوا : ألم تعلموا أنَّ عقدَ الإخاءِ بيننا وبينكم مُحكم , نحن معكم ضد المؤمنين ، وأنَّ النسب بيننا قريب ؟ ربنا عزّ وجل قال : ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 141] هذا الموقف المتذبذب مع الأقوى دائماً, مع الأعز, هذا موقف المنافق . 7- الازدواجية : الحقيقة : المنافق قد يُعجبُ السامعُ بقوله, لحلاوته, ولينه, ويُشهد الله على ما في قلبه، يقول لك: شَهِدَ الله أني أُحبك، يُشهِد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [سورة البقرة الآية: 204] خصم عنيد، خصم شديد، عدو لدود، ومع ذلك له كلام أحلى من العسل، وله قلبٌ أمرُّ من الصبر، هذه من صفات المنافق، تكاد تكون الازدواجية مِحور أساسي في هذه الصفات, المؤمن الحق ما في قلبه على لسانه، وما قاله بلسانه في قلبه، وعلانيته كسريرته، وسريرته كعلانيته، وباطنه كظاهره، وظاهره كباطنه، المؤمن متوّحد في اتجاه، المنافق مزدوج. فهذه نصيحة لكل أخ مؤمن؛ اجعل الصلاة في البيت كما هي في المسجد، غضُ بصركَ في الطريق وأنتَ وحدك كما لو كنت بين المؤمنين، راقب الله عزّ وجل، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تعبأ بكلام الناس، لا تأخذ مواقف أمام الناس، لا تكن لكَ مواقف أخرى في البيت. ((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله)) ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلّط)) 8-الفساد في الأرض : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة الاية: 205] يُفسد العلاقة بين الزوجين، أخته متزوجة وزارها, ماذا قدّمَ لكِ زوجك في العيد؟ ما قدّمَ لكِ شيئاً؟ هذا السؤال أفسدَ العلاقة بينَ الزوجين، إن جلس مع شريك, ماذا يُعطيك شريكك فقط 30 %؟ والله قليل!! كيف ترضى معه بهذا الشكل؟ أفسدَ العلاقة بين الشريكين، بين الزوجين، بين الأخوين، بين الجارين: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسدَ فيها ويهلكَ الحرثَ والنسل والله لا يُحب الفساد﴾ 9-الصد عن حكم الله وعن حكم رسول الله : المنافق كلام الله عليه ثقيل، لا تركن نفسه إلى كلام الله، لا ينصاعُ له، إذا حاكمتهم إلى صريح الوحي, وجدتهم عنه نافرين, وإن دعوتهم إلى حُكم كتاب الله وسُنّة رسوله, رأيتهم عنه مُعرضين, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء الاية: 61] كتاب الله بيننا، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، المنافق لا يرضى لا بكتاب الله ولا بكلام رسول الله، يرضى برأيه الشخصي، أو بحكم القاضي، أو برأي المحامي . 10-كثرة حلف الأيمان : المنافق من علاماته : كثيرُ حلفِ الأيمان بلا سبب ، كثرةُ حلفه للأيمان دليل خلل داخلي، فأحدهم تسبقُ يمينه كلامه، لم يكذبكَ أحد, ما أحد كلّفكَ أن تحلف اليمين، ما أحد دعاك إلى حلف اليمين, يحلف الأيمان الكاذبة دون أن يُستحلف، لاعتقاده الداخلي أنَّ الناسَ لا يصدقونه، هناك خلل داخلي في شخصيته، فربنا عزّ وجل قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 16] اتخذوا أيمانهم وقايةً، دريئةً يدرؤون بها تشكيكَ الناس في أقوالهم، هذه كلها آيات قرآنية, كثرة حلف الأيمان، الصدُّ عن حُكم الله وحُكمِ رسوله، الفساد في الأرض، إفساد العلائقَ بينَ الناس، له كلامٌ أحلى من العسل, وقلبٌ أمرُّ من الصبر، يتربصون بالمؤمنين الدوائر, مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يراؤون الناسَ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى، لا يذكرون الله إلا قليلاً، هذه صفاتهم المُستنبطة من آيات الله البيّنات . 11-النكثة : المنافق كأنه إنسان سارَ في رحلة في الصحراء، بعد حينٍ: من الوقت أو بعدَ مسافةٍ من المكان شعرَ بالتعب والإعياء فنكثَ راجعاً، لم يتابع المسير. فربنا عزّ وجل قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة المنافقون الاية: 3] بعد ما آمن, رأى في الإيمان قيوداً، حدوداً، وتكاليف, ومجالس علم، وغض بصر، وهذه حرام وهذه حلال، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل, وسارَ في أولِ طريق الإيمان, رأى الإيمان عِبئاً عليه، رآه ثقيلاً، رأى التكاليف تكاليف باهظة، لذلك انتكثت روحهُ, وعاد القهقرى, وتركَ المؤمنين يتابعون الطريق، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبعَ على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ بعد أن آمن كفر، وهذا واضح، بعد ما حضر مجالس العلم سنة، انتكث وعادَ إلى شهواته وأهوائه، وعادَ إلى رفاق السوء، وعادَ إلى انطلاقه إلى المعاصي كيفما يشاء، فهذه النكثة هيَ نكثات المنافقين . 12-قد تعجبك أجسامهم لكن قلوبهم مغايرة لها : قد يكون هذا المنافق حَسَنَ القامة، له جسم رائع، له قامة مديدة، له وجه وسيم، له عضلات مفتولة، له ذكاء، له لسان طليق، له بيان ساحر, قال الله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 4] شخصية، شكل وأناقة وعطر، رفاه وجلسات متقنة وكلام متقن . ﴿وإن يقولوا تسمع لِقولهم كأنهم خُشبٌ مُسندة يحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ عن الغذاء وليس لها ثمر ومُسندّة، يعني أيّ دفع يجعلها في الأرض، من أروع التشابيه، المؤمن ليسَ ساذجاً، يؤخذ بشخص طويل القامة، أنيق المظهر، طليق اللسان، ذكي العقل، لكن خبيث النفس، ضعيف الإيمان، شهواني، له خلفيّة سيئة، المؤمن ذو بصيرة، اتقوا فِراسةَ المؤمن فإنه ينظر بنور الله . قال سيدنا علي: نحن نعرف الرجالَ بالحق ولا نعرف الحقَ بالرجال، المؤمن مقياسه دقيق جداً، يعني أن يفعل المؤمن فعلاً منافياً للشرع, هذا الشخص ساقطٌ بنظر المؤمن، أن يعتقدَ اعتقاداً مخالفاً لكتاب الله, هذا الشخص ساقطٌ في نظر المؤمن، أما الذي يُعجب بالناس، بأجسامهم، بأطوالهم، بحركاتهم، بسكناتهم، بفصاحتهم، بطلاقتهم، ولا ينظر إلى انحرافاتهم, وإلى أخطائهم، وإلى بُعدهم عن أمر الله عزّ وجل وعن سُنّة النبي, فهو إنسان ساذج . 13- يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول : قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول، فالصبح عِندهم طلوع الشمس, والعصر عِندهم الغروب، وينقرونها نقرَ الغراب إذ هيَ صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، يلتفتون فيها التفات الثعلب, ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم, صلى في البيت أو في دكانه، يهجر المسجد, هذه صفة المنافقين . 14- إذا أصابَ المؤمنون عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلكَ وغمهمم : من علامة المنافقين : إذا أصابَ المؤمنين عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءه ذلكَ وغمهُ، على المستوى الفردي: لك أخ مؤمن, الله عزّ وجل رفع شأنه, تتألم، أطلق لسانه, تتألم, تتضايق، جعل له شأن في المجتمع تتضايق، تبحث عن عيوبه، تبحث عن سقطاته، تُبرزها للناس, هذه علامة النِفاق . من علامة الإيمان : أنَّ المؤمن إذا رأى أخاه المؤمن, قد أطلق الله لسانه, ورفع شأنه, يفرحُ له, ويكون في خدمته وعونه, الحق واحد, لأنه إذا عزَّ أخوكَ فهُن أنت، المؤمنون شركاء في أعمالهم الصالحة، الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً دعم بعمله أخاه المؤمن، مؤمنون كانوا في زيارة شخص أحدهم, انطلقَ في الحديث عن الله عزّ وجل, إذا سكتَ الباقون, لهم مِثلُ أجره، لأنَّ العِبرة أن يصل هذا الحق إلى هذا الإنسان، أما التنافس والتنطع وعرض العضلات ليسَ هذا من صفات المؤمن، أخوك انطلقَ في الدعوة إلى الله كُن معه أنت، كُن معيناً له، كُن دعماً له، لا تحاول أن تُبرز سقطاته الموهومة عِندك، ربنا عزّ وجل قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 120] يتضايق, يُعلن عن حسده، يُعلن عن غيرته، يُعلن عن ضيقه، لا يتمنى لهذه الدعوة أن تنتشر، لا يتمنى لهذا المؤمن أن يظهر، لا يتمنى له أن يعلو عِندَ الناس . ﴿إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحُوا بها﴾ يعني فإذا أصابَ هذا المؤمن مصيبة, يفرح المنافق, وقد يُعلن عن فرحه، إذا فرح عاقبه الله عزّ وجل، فإذا أعلن عن فرحه ازدادَ العِقاب، الله عزّ وجل كرهَ طاعتهم، لِخُبثِّ قلوبهم, وفسادِ طواياهم, ثبطهم عنها، أقعدهم، أبغضَ قربهم منه، لميلهم لأعدائه, طردهم عنه, وأبعدهم، أعرضوا عن وحيه فأعرضَ عنهم، أشقاهم وما أسعدهم، حكمَ عليهم بُحكمٍ عدلٍ لا مطمعَ لهم في الفلاحِ بعده. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 46] لأتفه سبب يترك مجالس العلم, لماذا ربنا ثبّطَ عزائمهم؟ قال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، يوهنون القِوى، يوهنون العزائم، يضعِفون المعنويات، يُيئسوا، لهم كلمات فيها استهزاء، لهم كلمات فيها تجريح، هم ميالون للدنيا، قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة الاية: 47] 15-أن النص القرآني ثقيل عليهم : المنافق من دلائل نِفاقه : أنَّ النص القرآني ثقيلٌ عليه ، قال : ثَقُلت عليهم النصوص فكرهوها، أعياهم حملها، ألقوها عن أكتافهم ووضعوها, تفلتت منهم السُنن فلم يحفظوها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 9] إذا الله عزّ وجل أمرَ بأمر, وأنت شعرت بكراهية لهذا الأمر, فهذه علامة النِفاق، المؤمنون يفرحون بما أُنزل إليهم, أما المُنافق يرى أمرَ الله ثقيلاً عليه . 16-ولتعرفنهم في لحن القول : هم أسرّوا النِفاق, لكن الله عزّ وجل أظهرَ بعضَ علاماته على صفحات وجوههم, وظهرَ نِفاقهم من فلتاتِ لسانهم، أحياناً: فلتات اللسان تُعبّر عن الجنان، قاعدة . شخص لا تحبه أنت, وجاء ذِكره, وشخص حي يُرزق, تقول: الله يرحمه لم يمت, ما مات, معنى هذا: أنكَ تتمنى موته, هذه فلتات اللسان، أحياناً: تحضر قائم حُزن, تتكلّم بكلمة, وكأنك تتمنى لهذا الحُزن أن يستمر, لا تنتبه, هذه فلتات اللسان, لها عِندَ علماء النفس معانٍ كثيرة جداً، فالمنافقون من صفحات وجوههم, ومن فلتات لسانهم, يعبّرونَ عن ما في قلوبهم، ربنا عزّ وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 29-30] تجد المؤمن وجهه مُشرق، فيه براءة بوجهه، فيه نور، فيه صفاء، فيه إقبال، وجه المنافق تجده في نوع من الغَبَرَة، وجهه أسود، سواد معنوي، وجهه فيه قتامة، وجهه فيه انحباس، قال: ﴿أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ لحن القول هو : فلتات اللسان . ﴿والله يعلم أعمالهم﴾ 17-مآلهم يوم القيامة : من صفات المنافقين أيضاً: لمّا ربنا عزّ وجل قال في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة الحديد الآية: 13-14] المنافقون في الدنيا كانوا مع المؤمنين، معهم في مساجدهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في الحج، في رمضان، في الصيام، هم معهم, مختلطونَ معهم، يوم القيامة يتوقف بهم المسير على الصراط المستقيم, فيقولون للمؤمنين: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾ لم تكن أعمالكم في الدنيا صالحة، لم تكن هِممكم في الدنيا عالية, لم تكن نواياكم مُخلصة ، الدنيا مكان العمل، وفيها يُقتبسُ النور. ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، قالوا: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم بالدنيا, وتربصتم، وارتبتم، وغرّتكم الأماني حتى جاء أمرُ الله وغَركم بالله الغَرور . انظر كم صِفة؟ ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم, يعني أحببتم الدنيا وجعلتموها كلَّ همكم, وجعلتموها مَحطَ رِحالكم, وتربصتم بالمؤمنين, تمنيتم أن يصيبهم السوء ، تربصتم بالمؤمنين تمنيتم الدمارَ لهم، إذا جاءهم الخير ضاقت نفوسكم به، وارتبتم في كلام الله عزّ وجل، ما كنتم على يقينٍ من كلام الله عزّ وجل، ارتبتم في وعده وفي وعيده، ارتبتم في حلاله وفي حرامه، وغرّتكم الأماني، تمنيتم الدنيا وحدها واغتررتم بها, حتى جاءَ أمرُ الله, وغرّكم بالله الغَرور . الغَرور هو الشيطان, وعدكم وأوهمكم أنه من كانَ من أُمةِ مُحمدٍ عليه الصلاة والسلام يشفع له النبي, يكفي أن تكون من أمةِ مُحمدٍ, فالنبي مُحمد صلى الله عليه وسلم يشفعُ لكَ يومَ القيامة دونِ قيدٍ أو شرط هكذا, فانطلقتم إلى المعاصي، وإلى الشُبهات، وإلى المخالفات, وإلى الدنيا، وإلى المغانم والمكاسب . يُروى أنَّ سيدنا حُذيفة بنَ اليمان, سَمِعَ رجلاً يقول: اللهم أهلك المُنافقين, فقال: يا بن أخي, لو هَلَكَ المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قِلة السالكين, يعني بِشارة من سيدنا حذيفة بن اليمان إلى أنَّ الكثرة الكثيرة من الناس يعني من هذا القبيل . سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, أسرَّ إليه النبي عليه الصلاة والسلام أسماء المنافقين, فسيدنا عمر يعلم ذلك, فقال له: يا حذيفة, ناشدتك بالله! هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا, ولا أُزكي بعدكَ أحداً, لا تحرجني, اسمك غير وارد, ولا أُزكي بعدكَ أحداً . ابن مُليكة يقول: أدركتُ ثلاثينَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النِفاقَ على نفسه, ما منهم أحدٌ يقول: إنَّ إيمانه كإيمانِ جبريلَ وميكائيل . إذا شككت بنفسك دائماً, لعل في نِفاق، لعل في تقصير، فهذه علامةٌ طيبة، وإذا في طمأنينة ساذجة، أنا مؤمن الحمد لله، أنا بزمن صعب، أنا عملي كسبعين من أصحاب رسول الله، أنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر, إذا كان بهذه النفسية أنت مطمئن، مرتاح تماماً، وما في مشكلة عِندك إطلاقاً، هذه علامة خَطِرة, هذه علامة النِفاق، علامة الإيمان أن تخشى النِفاق، وعلامة النِفاق ألا تخشى منه . الحسن البصري -كما قلتُ لكم- قال: ما أمِنَ النِفاق إلا مُنافق، وما خافه إلا مؤمن، وكانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونَ اللهَ, فيقولون: اللهّمَ إني أعوذُ بِكَ من خشوعِ النِفاق، قيلَ: وما خشوع النِفاق؟ قال: أن يُرى البدنُ خاشعاً, والقلبُ ليسَ بخاشع, بالصلاة يظهر الخشوع شيء, وقلبه ليس بخاشع . قال بعضهم: النِفاق يُزرعُ, ينبتُ له ساقان؛ ساقُ الكذب وساقُ الرياء، ويُسقى بعينين؛ عينِ ضعفِ البصيرة وعينِ ضعفِ العزيمة، يعني رؤيته غلط, وإرادته ضعيفة, وفي عنده كذب, وفي عنده رياء، يعني أربع دعائم للنِفاق: الكذب والرياء وضعف البصيرة وضعف العزيمة, رؤيته مضطربة، عزيمته ضعيفة، يعتمدُ الكذب، ويعتمدُ الرياء. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] فالكذب ليسَ من صفات المؤمن . قال: إذا تمت هذه الأركان الأربعةُ, استحكمَ نبات النِفاق, ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرفٍ هار, فإذا شاهدوا سيلَ الحقائق, يوم تُبلى السرائر, ويبعثرُ ما في القبور, ويُحصّلُ ما في الصدور, تبيّنَ لهم يومئذٍ من كانت بِضاعته النِفاق, فهي كالسراب, يحسبه الظمآن ماءً, حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً, ووجدَ الله عِنده فوفّاه حِسابه والله سريع الحساب . ملخص الدرس : من علامات النِفاق : أنَّ المُنافق إذا عاهدَ خان , وإذا وعدَ أخلف ، وإذا قالَ كذب لم يُنصف ، وإذا دُعي إلى الطاعةِ تلكأ ، وإذا قيلَ لهم : تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ صدفوا ، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا وانصرفوا ، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزيِ والخُسران . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة التوبة الاية: 75-77] هذا الذي يسميه كُتّاب السيرة: حمامة المسجد ثعلبة, كانَ يصلي خلف النبي، ما فاتته تكبيرة الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، كان فقيراً, قال له: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، يبدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام له بصيرة في هذا الإنسان، قال: يا ثعلبة, قليلٌ تؤدي شُكره خيرٌ من كثير لا تؤدي شكره، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، قال: يا ثعلبة, قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يٌطغيك، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، فقال: ربي ارزق ثعلبة كيفَ شئت؟ ومتى شئت؟ اشترى غنماً, والغنم توالدت, ملأت طرقات المدينة بشكلٍ عجيب، بمدةٍ قصيرة, صارَ من أغنى الأغنياء، ما عادَ يُصلي خلفَ سيد الأنام، ما عادَ يُحصّل تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام، غاب عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، غاب غيبة طويلة جداً ، النبي سأل عنه، تجد الواحد بعد الزواج لم نعد نشاهده، بعد ما صار تاجراً لم نعد نشاهده, الله عزّ وجل ورسوله أولى باهتمامك, فالنبي بعثَ برسول لثعلبة يطالبه بالزكاة، فيقول لرسول رسول الله: قل لصاحِبكَ: ليسَ في الإسلام زكاة، قال له: أهوَ صاحبي وليسَ صاحِبكَ؟ أجمعتَ إلى ترك الزكاة الكُفرَ برسول الله؟ عِندئذٍ نَزَلَ فيه وفي أمثاله هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكوننَ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم مُعرضون فأعقبهم نِفاقاً في قلوبهم إلى يومِ يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الخشوعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع العاشر ) منزلة الخشوع . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع عشر من دروس مدارج السالكين , درسنا اليوم منزلة الخشوع . كلمة الخشوع وردت في القرآن الكريم , قال تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] معنى الفلاح . الذي يُلفت النظر أن كلمة قد أفلحَ في القرآن , وردت في آياتٍ عِدة فقط : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة الأعلى الآية: 14] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ كلمة قد أفلح من خالق الكون ، يعني كلُّ المقاييس الأرضية تتعطل أمام هذا المقياس ، يعني يا عبادي الذي أفلحَ منكم , ونجح , وتفوق , وفاز , وكان عاقلاً , وسأسعدهُ إلى الأبد , من فعلَ كذا وكذا . المؤمن على قدرِ إيمانه بالله عزّ وجل , وعلى قدرِ تعظيمه لكلامه , يأخذُ هذه الآيات بحجمها الحقيقي . ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ بعض المفسرين قالوا : الخشوع في الصلاة لا من فضائلها بل من فرائضها . وفرقٌ كبير بينَ أن تقول : الخشوع في الصلاة من فضائل الصلاة . وبينَ أن تقول الخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة . ما معنى أفلحَ ؟ ما دمنا قد وصلنا إلى كلمة أفلحَ . ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [سورة الأعلى الآية: 14-15] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] الفلاح منَ الفِلاحة , والفِلاحةُ من فَلِحَ وفَلَحَ : شقَّ الأرضَ , وألقى فيها الحب , ومنه الفلاّح , ومنه عِلمُ الفِلاحة . هذا الفلاّح إذا شقَّ الأرض , وألقى في الأرض , الحب ماذا تعطيه الأرض ؟ تعطيه سبعمائة ضعفٍ بنصِ القرآن الكريم : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 261] أنت حينما تعطي واحداً , وتأخذ سبعمائة ضعف , فهذا رِبحٌ وفير , وهذا فلاح , وهذه تجارة , وهذا فوز ، يعني أراد الله عزّ وجل أن يضرب مثلاً لِفلاح المؤمن مع ربه، لِفلاح المؤمن في الآخرة بشيء منتزعٍ من حياتنا اليومية، الفلاح الذي يلقي حبةً, كمعلومات جانبية, مثلاً: بعض بذور الخضراوات, تعطي أربعة ملايين ضعف, البندورة مثلاً البذرة الواحدة تعطي أربع ملايين ضعف وزنها خضاراً, من ثمار هذا النوع، هناك بذور تعطي أضعافاً مضاعفة . يعني ربنا عزّ وجل حينما قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ بعض علماء اللغة يقولون : سبعة وسبعون وسبعمائة لا تعني الكم بل تعني التكثير . كأن يقول أحدنا باللغة الدارجة : قلت لك ستين مرة لا أحبُ هذا الشخص ، هو هل قال ستين ؟ كلمة ستين يستخدمها العوام للتكثير فقط . ففي اللغة العربية سبعة ومضاعفات السبعة لا تعني الكم بل تعني التكثير ، فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾ ليسَ القصد إعطاء رقم أو كم مُحدد بل القصد التكثير ، يعني أنتَ إذا أتيتَ يومَ القيامة وقد أطعمتَ لقمة , تجدها عِندَ الله كجبلِ أُحد . لذلك : الفلاح في الدنيا لا أن تستهلك الوقت أن تستثمره ، لا أن تستهلك المال أن تستثمره ، لا أن تستهلك نعمة الأمن أن تستثمرها في معرفة الله ، لا أن تستهلك نعمة الصحة أن تستثمرها , دائماً بين المؤمن وغير المؤمن استهلاكٌ أو استثمار ، المستهلك يُذهب طيباته في الحياة الدنيا ، كما أمسك سيدنا عمر تفاحة , نظرَ إليها مليّاً , يبدو أنه اشتهاها , فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ، يعني إن أكلتها فقد استهلكتها , وإن أطعمتها فقد استثمرتها ، ففرقٌ بين المؤمن وغير المؤمن كالفرق بين الاستهلاك والاستثمار . الخشوع والفلاح : منزلة الخشوع دخلت في الفلاح ، والخشوع في الصلاة ليسَ من فضائل الصلاة بل من فرائض الصلاة . الآية الأولى : والقرآن الكريم يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآية الثانية : تعالوا بنا إلى بعض آيات القرآن الكريم الأخرى عن الخشوع ، قال تعالى : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد الآية: 16] الله عزّ وجل يُذكر صباحاً ومساءً , في المساجد ، في الخُطب , في شهر الصيام ، في تلاوة القرآن ، ولا سيما في العالم الإسلامي ، الله عزّ وجل يُذكر لكن ردُّ الفِعل مُنعكسُ الذِكرِ عِندك ، هل هوَ خشوعٌ أم تلبدُ حِسٍ ؟ ربنا عزّ وجل قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ يبدو أنًّ الإنسان أحياناً يصدأ قلبه , أو تُصبح عباداته شكليّةً ، الإنسان بحاجة إلى تجديد إيمان . أقول لكم هذه الكلمة : الإنسان عرفَ الله ، آمنَ به ، استقامَ على أمره ، صلى خمسَ مرات في اليوم . أمراض تصيب المؤمنين : تصبحَ العبادةُ جوفاء ، تؤدى العبادة كطقسٍ من الطقوس ، أن يصلي وقلبه غير خاشع ، أن يصوم وقلبه غير خاشع ، أن يَحُجَ البيت وهو كالسائح تماماً , ينظر هنا وهنا . لذلك الخشوع هو سِرُّ العبادات ، الخشوع روحُ العِبادة ، فالعِبادة التي ليسَ فيها خشوعٌ عِبادةٌ جوفاء ، عِبادةٌ أقربُ ما تكون إلى الطقوس ، والأديان الوثنية دائماً فيها حركات وإيماءات وسكنات , هذه الحركات والسكنات في الديانات الوثنية , يسميها علماء الاجتماع بالطقوس ، طقوس البوذية ، طقوس السيخية ، طقوس هذه الديانة ، حاش لله أن تكونَ الصلاة والصيام والحج في الإسلام طقوساً ، إنها عبادات . ما الفرق بين العبادات وبين الطقوس ؟ الطقوس لا معنى لها , ولا غاية لها ، ولا معقولية فيها . لا معنى ولا غاية . ولكنَّ العبادة ربنا عزّ وجل جعلَ لها غاياتٍ عظمى , وحِكمٍ فضلى ، قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 103] تطهير النفس من أدرانها ، وتزكيتها بالفضائل ، ثمرة من ثمار الزكاة ، الصيام , قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 183] التقوى , الحج . ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 97] يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم, حُلت كلُّ مشكلاتك، ما معنى: إذا علمتَ أنَّ الله يعلم؟ يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم لا يمكن أن تعصيه . مرة دخلت إلى محل تجاري, في مدينة عربية، لفت نظري في المحل التجاري شاشة تلفزيون, ورأيتُ فيها رجلاً يكتب على الشاشة في النهار، من هذا الرجل؟ يبيع قطع كهربائية ، فلّما اخترت قطعةً, قال لي: هي في المستودع فوق الطابق الخامس, اذهب إلى هناك, وانتق ما يُعجبك, فذهبت إلى هناك, فإذا المحاسب كان عليه آلة تصوير تلفزيونية, صاحب المحل في مكان البيع يراقب هذا المحاسب، قلت: سبحان الله! هذا المحاسب عليه هذه الآلة التي تنقل صورته إلى صاحب المحل في مكان البيع، يعني هو تحت المراقبة الدائمة، لو حكَّ رأسه لرآه صاحب المحل، لو غادرَ الطاولة لرآه صاحب المحل، قلت: هذه طريقة, يعني لا تجعل هذا الموظف, بإمكانه أن يتحرك, ولا أن يغيب, ولا أن يتشاغل, ولا أن يسترخي, ولا أن يقرأ مجلة أو جريدة، لا يقدر, لأنه في مراقبة دائمة . قلت: لو عَلِمَ الإنسان أنَّ الله يُراقبه هكذا في بيته، في عمله، في سفره، في استلقائه، في فراشه، مع زوجته، مع أولاده، أثناء قضاء حوائجه، أثناء علاقاته بالآخرين، لو عَلِمَ الإنسان أن الله بإمكانه أن يراقبه هكذا, هل بإمكانه أن يعصيه؟ لا والله, أن تعلمَ أنَّ الله يعلم فقد انتهت المشكلة كلها . العبادات كلها معللة: إذاً : الحج مُعلل ، الصلاة , الزكاة معللة ، الصيام مُعلل . الصلاة : قال تعالى : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 45] الصلاة مُعللة , قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [سورة العلق الآية: 19] القُرب , قال تعالى : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] ذِكر , قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 43] صار الذِكر، والوعي، والقرب، الصلاة نور, القلب يستنير بالصلاة، الصلاة طهور، القلب يطهر بالصلاة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ, يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا, مَا تَقُولُ ذَلِكَ: يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا, قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِن الْخَطَايَا)) الصلاة مُعللة في القرآن وفي السُنّة، والصيام مُعلل، والزكاة مُعللة، والحج مُعلل، والعبادات كلها مُعللةٌ بمصالح العِباد، فهل يحّقُ لنا أن نُسميَّ الصلوات أو الصيام أو الحج طقوساً إسلامية؟ أعوذ بالله, كلمة طقوس هذه توصف بها الحركات المُبهمة غير الهادفة التي لا معنى لها, التي نجدها في الديانات الأرضية، أما الإسلام فيه العبادات، لذلك العبادة في الإسلام روحها الخشوع . الحج : إنسان ذهبَ إلى الحج , أقول لكم بصراحة دون مجاملة : واحد سُمِحَ له أن يذهبَ إلى الحج, ودفع مبالغ طائلة, وركب الطائرة, وغادر بلده, وترك محله, وترك أهله, وترك أولاده, ازدحام, وحر, ونفقات, وانتظار بالمطار سبعة أيام, أو سبع ساعات, أو عشر ساعات, يعني لا أُصدق أنَّ الحاج طافَ حولَ الكعبة وما شعرَ بشيء، ذهبَ إلى عرفات, وأقام ساعات طويلة, جلس مثل السائح, والله الخيمة حر أين الطعام؟ أين يوجد مكيف؟ جلس ونام قليلاً وارتاح, حتى غابت الشمس, ثم جاء إلى مِنى . يعني أنا لا أُصدق أنَّ خالقَ الكون أمركَ أن تترك بلدك, وأن تركب الطائرة, أو أن تمشي على قدميك, أو أن تركب الجمل, وأن تقطع المسافات الشاسعة, وأن تُنفق عشرات الألوف, وأن تتحمل مشاق السفر للتواجد في مكان اسمه الكعبة، والله لا أُصدق ذلك إلا أن يكون في هذا الطواف الخشوع والإقبال, والشعور بالقرب, والشعور بتلقي التجلي من الله عزّ وجل, أن تذهبَ إلى عرفات دونَ أن تشعرَ بشيء إلا أنكَ وُجِدتَ في عرفات . لطيفة : يعني أيام عِند الفقهاء بعض الآراء , تدعو إلى التساؤل : إنسان هارب من الناس , ومرَّ بعرفات خطأً لثانية واحدة في أيام الحج صحَّ حجهُ ، إذا كان هارباً , والناس يتبعونه , دخلَ في منطقة عرفات لثانية واحدة , صحَّ حجهُ . الفقهاء ينظرون إلى الأحكام الظاهرة , يعني إذا تواجدتَ في عرفات وقتاً قصيراً مهما كانَ قصيراً صحَّ الحج , خالق الكون لا يُعقل أن يأمركَ , أن تدعَ أهلكَ , وبيتكَ , وتجارتكَ , وأن ترتدي الثياب البيضاء الخشنة غير المخيطة , وأن تتحمل مشاق السفر , ومشاق الحج , ومشاق الازدحام , والانتظار الطويل , ليتواجد جسمكَ في عرفات دون أن تخشع ، دون أن تبكي ، دون أن تذوب كما تذوب الشمعة ، لا والله , ليسَ هذا الحج , الحج قُرب ، الحجُ إقبال ، الحجُ اتصال ، الحجُ ذوبان في محبة الله عزّ وجل . أقول لكم : أريد أن أُفرّق بينَ العبادات كما أرادها الله عزّ وجل، وبين الطقوس التي نلمحها في كلِّ الديانات، يعني في طقوس كثيرة جداً يفعلها الهنود، يفعلها الأفارقة، يفعلها الهنود الحمر في أمريكا؛ حركات، إيماءات، تمتمات لا معنى لها, ولا غاية لها, ولا هدفَ لها ، أما تحجُ البيت بأمرِ خالق الكون, ولا تشعر أنَّ هذا الحج أجملُ رحلةٍ, قُمتَ بها في تاريخ حياتك، هكذا الحج، فربنا قال: ﴿واسجد واقترب﴾ قال: ﴿أقم الصلاة لِذِكري﴾ قال: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ قال له قم فصلِّ فإنك لم تُصلِّ . الآية الثانية في منزلة الخشوع : ﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لِذِكر الله﴾ هذا القلب خاشع يشعر بالحب ، القلب وجل . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] العين تدمع، الوجه يُشرق، الجلد يقشعر، الأعصاب تضطرب, هل يبكي الإنسان من ذِكر الله؟ هذه العين ألم تبكي مرةً لِذِكر الله حباً، خوفاً، طمعاً، خشوعاً؟ هكذا الصلاة. هذه ألم يأنِ: إلى متى أنت يا عبدي هكذا؟ إلى متى أنتَ في هذه الجفوة؟ إلى متى أنتَ في هذه القطيعة؟ إلى متى تُنكر قلبكَ ولا تبحثُ عن حلٍ لهذا؟ إلى متى أنتَ في هذا البُعد؟ يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني, فوقع في قلب هذا المؤمن, أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدري, ألم أحرمكَ لذّةَ مناجاتي؟. هل تُصدّق أنكَ إذا شربتَ الماءَ واقفاً خِلافاً للسُنّة, ثم أقبلتَ على الصلاة, تشعر في حِجاب خفيف، إذا أخّرتَ الصلاة عن وقتها، إذا فعلتَ شيئاً خِلاف السُنّة تشعر بالجفوة، تشعر بالبُعد، بالمقابل إذا كنتَ دائماً من سُنّة رسول الله، إذا كنتَ دائماً مع الأمر والنهي، إذا كنتَ دائماً مع الله عزّ وجل, ألا تشعر بسعادةٍ لا توصف؟ والله الذي لا إله إلا هو جميع شروط الحياة تتعطل، يعني كيفما كان بيتكَ، وكيفما كان دخلكَ، وكيفما كانت صحتكَ، وكيفما كان مستوى معيشتكَ، وكيفما كانت مكانتكَ، كلُّ هذه الشروط الظاهرة عندئذٍ تتساقط أمام عينيك, لأنه لا قيمةَ لها . المعاني اللغوية والشرعية للخشوع . الآن : الخشوع معناه الانخفاض ، خشعَ رأسه أي أخفضَ رأسه ، حنى رأسه ، والدليل ربنا عزّ وجل قال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [سورة الغاشية الآية: 1-2] راقب أنت صور المجرمين بالصحف، لصوص أُلقيَّ القبضُ عليهم, بصرهم أينَ هوَ؟ في الأرض، ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوهٌ يومئذٍ خاشعة﴾ فالخشوع هو انخفاض الرأس, إمّا لِذلٍ, أو لشعورٍ بالنقص, أو لشعورٍ بالذنبِ, أو ما شاكلَ ذلك، فالخشوع هو الانخفاض والذلُّ والسكون، من معاني الخشوع السكون, والدليل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [سورة طه الآية: 108] انخفاض الرأس مع الذُلِّ مع السكون, الحركة الزائدة في الصلاة, هذه بعيدة عن الخشوع . النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية, فقال عليه الصلاة والسلام: ((لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه)) الحركة، التحرك، ميلان دائماً، في أشخاص يحب أن يتحرك حركة نواس أثناء الصلاة, ليسَ هذا هو الخشوع، لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، يعني الخشوع هو انخفاض الرأس مع الشعور بالذلِّ لله عزّ وجل، كلما تذللتَ لله عزّ وجل ازددتَ عِزّاً، وكلما تذللت لمخلوق ازددتَ ذُلاً . اجعل لربكَ كلَّ عِزكّ يستقر ويثبتُ فإذا اعتززتَ بمن يموت فإنَّ عِزكَ ميتُ إذا الإنسان كانَ عزيز النفس مع الناس, وكانَ بينه وبينَ الله ذليلاً أو متذللاً, وضع رأسه على الأرض, وسجد, وبكى, وناجى, وابتهل, ودعا, واستجار, واستنجد, واستغاث, واستعطف, وأعلنَ عن نقصه, وعن ضعفه, وعن فقره, وعن تقصيره, وأثنى على الله لِما هو أهله، هكذا الصلاة خضوع لله، تذلل، سكون, تأكيد الانخفاض, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 39] ما معنى خاشعةً؟ منخفضة، ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ الخشوع الانخفاض، والخشوع الذُل، والخشوع السكون، هذه معاني الخشوع, هذه المعاني اللغوية ما المعاني الشرعية؟. قال: الخشوع قيام القلب بينَ يدي الرب بالخضوع والذلِّ والجمعِ عليه، يعني ملتفت إليه, خاشع خاضع، ذليل، مُنقاد إلى الله عزّ وجل، هذا المعنى الشرعي للخشوع, قال بعضهم: الخشوع: الانقياد للحق . علامات الخشوع : قال : الخشوع من علاماته خمودُ نيران الشهوة , وإشراق نور الله في القلب . الإنسان بين نار الشهوة ونور الله ، بينَ النارِ وبينَ النور ، بينَ نار الشهوة وبين إشراق نور الله في قلبه ، فإذا استعرت الشهوة في جسده فهو بعيدٌ عن الخشوع ، وإذا أشرقَ نور الله في قلبه اقتربَ من الخشوع ، الخشوع اتقاد نور الله ، وعدم الخشوع استعار نارِ الشهوة . النور الإلهي : أنتَ بينَ شهوةٍ ونور ، بينَ نار الشهوة ونور الحق ، لذلك .. شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي فأرشدني إلى تركِ المعاصي وأنبأني بأنَّ العِلمَ نـــورٌ ونور الله لا يُهدى لعاصـي وكلمة نور لا يعرفها إلا من ذاقها ، يعني صفاء النفس ، استقامة الإنسان ، إقباله على الله ، انقياده لله ، أن يقفَ وقته في سبيل الله ، يشعر بشعور لا يوصف لا يعرفه إلا من ذاقه ، يعني أنتَ بينَ اتقادِ نارِ الشهوة في جوانحك وبينَ إشراق نور الله في قلبك . هل عندنا آيات في القرآن الكريم تؤكد أنَّ للهِ نوراً يُقذف في قلب المؤمن ؟.. الآية الأولى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 28] الآية الثانية : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور الآية: 40] الآية الثالثة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال الآية: 29] تُفرّقونَ به بينَ الحقِ والباطل . الآن : هل تصدقون أن سِر السعادة الرؤيا الصحيحة . وسِر الشقاء الرؤيا غير الصحيحة ؟ . الإنسان : متى يُخطئ ؟ متى ينحرف ؟ متى يعصي ؟ متى يبتعد ؟ متى يتورط ؟ إذا رأى أنَّ في المعصية فلاحاً ، لا يرتكب الإنسان المعصية إلا إذا ظنَّ أنَّ في المعصية نجاحاً وفلاحاً وذكاءً وكسباً ومغنماً ، أعمى البصيرة لو أنه رأى رؤيةً صحيحة لرأى في المعصية دماراً وهلاكاً وبُعداً وشقاءً وتراجعاً , لن يعصي الإنسان ربه إلا إذا عميت بصيرته . سِر التفوق وسِر النجاح أن يتقدَ في قلبكَ نور الله عزّ وجل , أو أن يُلقى نور الله في قلبك , ترى به الخيرَ خيراً والشرَّ شراً ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه الشهير: اللهم أرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه , وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه . ألا تقرؤون أحياناً في الجريدة , عن إنسان تورط, وارتكب جريمة, وبعد ساعات أُلقي القبض عليه, وسيقَ للمحاكمة, وحُكمَ عليه بالإعدام, هذا حينما أقدم, أينَ عقله؟ أعمى القلب, توّهمَ في هذه الجريمة مغنماً, طبعاً هذه حالة حادة، حالات أخف, يعني إذا الإنسان توهم أنه إذا نظر إلى النساء في الطريق, وملأ عينه منهن, فهو يُسر بهذا النظر, هل هذه الرؤيا صحيحة؟ لا, أعمى القلب . إذا توهمَ الإنسان أنه إذا كذبَ باعَ بضاعته، إذا حلفَ اليمين باعَ بضاعته، أنه إذا احتال على الناس فهو ذكي، هذه آثار الرؤيا المشوّهة، فلذلك الإنسان لا يصحُ عمله إلا إذا صحت رؤيته، ولا يشقى إلا إذا ساءَ عمله، ولا يسوء عمله إلا إذا عَمِيت بصيرته, رؤيا, صحة عمل, سعادة، عمى, سوء عمل, شقاء، هذا تقسيم قطعي مهما قسّمتَ الناس، أغنياء وفقراء، أذكياء وأغبياء، متحضرين همجيين، يعني من أي تقسيم شئت, عرق أصفر، عرق أحمر، عرق أبيض . التذلل لله تعالى من الخشوع : الإمام الجُنيد يقول : الخشوع تذلل القلوب لعلاّم الغيوب . أنا أُطمئنكم إذا الإنسان له مع الله مواقف تذلل وخشوع , لن يُذلّه الله أمام الناس، مرة كنتُ أُشيع جنازة طبيب من أطباء البلد, له فضل على هذه البلدة توفي, في بيننا زيارات, فذهبت لتشييع جنازته، وصلتُ إلى المسجد الذي تُقام فيه صلاة الجنازة، لفت نظري, لي أصدقاء بمناصب رفيعة في البلد, في الجامعة, منصب رفيع جداً, على مستوى عميد، فأنا وإياه كُنا في مدرسة واحدة, وفي صف واحد، دخلت إلى المسجد, وصليت صلاة الجنازة, فلما خرجت, وجدته واقفاً خارج المسجد, ولم يدخل، يعني قلت: يا رب استكبرَ أن يُصلي, هو أكبر من أن يدخل بيتَ الله عزّ وجل, ويضع رأسه على الأرض؟ سؤال كبير، يحمل شهادة عُليا، ذكي، هنا توقفت قلت: الذي يدخل المسجد, يضع رأسه على الأرض خشوعاً لله عزّ وجل, لن يُذلّه الله خارج المسجد, في مواقف ذُل نعوذ بالله منها، لمّا ربنا عزّ وجل يهين إنساناً .. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الحج الآية: 18] قلتُ لكم مرة : طبيب من أطباء البلد الأوائل, وكانَ في اختصاصه فريداً, لكنه كانَ ماديّاً، كان طبيباً نسائياً، ما يقبل أن يتحرك إلى امرأة بحالة خطيرة إلا بليرة ذهبية وعربة, لم يكن في سيارات, قصة قديمة جداً ليرة ذهب وعربة، بعضُ أهلِ المريضة يضطرون إلى بيع الفراش من تحتها, كي تُقدّمَ أجرة الطبيب سلفاً, هذا الطبيب لم يرحم الناس, ولم يُشفق عليهم, وكانَ ماديّاً وأنانيّاً، أمضى سنوات طويلة, تزيد عن عشر سنين, ملقى في قبوٍ من أقبية البلدة, فقد لفظه أهله, لأنه فلج, تنكرت له زوجته، تنكرَ له أولاده، وضعوه في قبو البناء، وعمّر بناء يُعد البناء الأول في بعض أحياء دمشق, حجر مُزخرف, أنشأ البناء، وزيّنه، وكساه، وفرشه، وفق أذواقه الخاصة, فلما استقرت له الدنيا, ورقصت له, جاءه المرض العُضال، تحملّهُ أهله أيام, بل أسابيع, ثم وضعوه في القبو, فكان يطلب زوجته، أين فلانة؟ لا ترد عليه، يطلبها بإلحاح، بعد خمس أيام تأتي، تُكلّمه كلمة قاسية, بعد فترة نُقلَ إلى قبو آخر, لأنَّ رائحته أصبحت كريهة, نُقل إلى قبو بعيد عن البناء, لأنه أساء للبناء . تدخل مسجد, تضع رأسك لله، خشوعاً لله، ويُذلّكَ الله في آخر حياتك، يتخلى عنك، لا والله، هذه دخول المساجد, حضور مجالس العلم، قراءة القرآن، محبة الله عزّ وجل، هذا كله ينعكس في المجتمع عِز وشأن وكرامة ورِفعة لكَ، الله عزيز: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 8] أنتَ غالٍ على الله لا يُسلّمُكَ لأحد، لا يتخلى عنك، تجد الأمور تجري لمصلحتك، تجري لترفعك، تجري لترفع من شأنك، هكذا المؤمن فعلاً غالٍ على الله عزّ وجل، فأنت إذا كنت مؤمناً فعلاً تلقّى ثمرات الإيمان . فأنا أقول لكم: الخشوع الخضوع، تُحب أن تخضع, أما أبلغ من هذا الخضوع خضوعك لأمر الله عزّ وجل، قال لك: غُض بصرك, يعني الأمر ليس يعجبك, أين أذهب بعيوني؟ ما هذا الكلام؟ أمرك بغض البصر، فإذا كنتَ خاشعاً لله, فأنتَ خاضعٌ له، وأنتَ مُتذلل له، وأنتَ ساكن أمامه . العلماء جميعاً أجمعوا على أنَّ الخشوع محله القلب, إذا واحد مشى بين الناس, مطأطئ الرأس كثيراً, وأكتافه مالت, صار خاشعاً, لا والله, ارفع رأسك, واجعل قامتك مديدة, كُن عزيزاً، متى مَوتَ علينا ديننا، الخشوع في القلب ليسَ في الجوارح، ارفع رأسك, وحَسّن لِباسك, ونظّف رِحالك, وكُن شامةً بينَ الناس, واشعر بِعزة الدين. النبي عليه الصلاة والسلام قال: الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح . النبي رأى رجلاً يعبثُ بلحيته في الصلاة, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحه)) لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، الخشوع مكانه في القلب ومظهره في الجوارح . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ, لا يَخُونُهُ, وَلا يَكْذِبُهُ, وَلا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ, وَمَالُهُ, وَدَمُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ, أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ] وقال بعض العارفين: حُسنُ أدبِ الظاهر عنوان أدب الباطن, والله في جلسة ما فيها أدب، على مقعد، أيام تجد شخص في مقتبل حياته, يقعد ويضع قدماً فوق قدم ويميل, من أنت؟ اجلس جلسة هكذا دون ميلان, دون قدم فوق قدم, اجلس بأدب, في جلسة ما فيها خشوع, ما فيها أدب أساساً . بعضهم رأى رجلاَ خاشعَ المنكبين والبدن, فقال: يا فلان, الخشوع هاهنا, وأشار إلى صدره, لا هاهنا وأشار إلى منكبيه, الخشوع في القلب . حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لمّا رأى رجلاً من أصحابه الكرام, يتبختر في مشيته أمام الأعداء, قال: ((إنَّ الله يكره هذه المشية, إلا في هذا الموطن, بل إنَّ التكبر على المتكبر صدقة)) كان أصحاب النبي أذكياء جداً, وكانوا أعزّة . خُبيب بن عدي, أرادَ كفار مكة أن يقتلوه, والقتل صلبٌ, عليهم أن يُثبتوه في جِذعِ نخلة, ويرمونه بالسِهام حتى يموت، انظروا عِزة المؤمن, اقترب أبو سفيان, قال له: أتُحبُ أن يكونَ مُحمدٌ مكانك وأنتَ مُعافى؟ قال له: والله ما أُحبُّ أن أكون في أهلي وولدي, وعندي عافية الدنيا ونعيمها, ويُصاب رسول الله بشوكة, هذا الجواب, فقال: ما رأيت أحداً يُحبُّ أحداً كَحُبِّ أصحابِ مُحمدٍ مُحمداً . الإنسان ليس له حق أمام كافر, أن يتذلل, ويشكو له همه . ((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ له ذهبَ ثُلثا دينه)) ليس له حق أن يشكو لغير المؤمن، هو إذا اشتكى للمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، سيقول لك: يا أخي أطل بالك، اصبر، الله كريم، الله يمتحنك, الذي عِندَ الله ليسَ عِندَ العبد، هكذا يقول لك المؤمن، أما الكافر فيقول: قلت لك: هذا الطريق ابتعد عنه, لم تقبل مني، قلت لك: أضعتَ حالكَ بهذه الطريقة، قلتُ لك: لا تحضر مجالس العلم، هذه سببها لم يعينوك، منعوك من الوظيفة يقولها شاقياً . فلذلك إياك أن تشكو همّكَ لغير المؤمن, وإذا كنت بطلاً, كما قال سيدنا يعقوب: إنما أشكو بثي وحُزني إلى الله, ويُعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. إذا كنتَ بطلاً فاجعل الشكوى لله عزّ وجل، لا تشكو إلى إنسان, لأنَّ هذا الإنسان كائناً من كان, لن يستطيع أن يفعلَ معكَ شيئاً، لا يملك لكَ نفعاً ولا ضراً، لكَ مع الله ساعات قُرب، في قيام الليل لا تجد بيتاً، أنت محتاج لزوجة صالحة مؤمنة لا تجد، كله لا يضع الحِجاب، شعرت بضيق, يا ترى لكَ مع ربك ساعة خشوع, ساعة إقبال, هكذا الله عزّ وجل قال: إذا كان ثلث الليل الأخير, نزلّ ربكم إلى السماء الدنيا, فيقول: هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مُستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل من طالبِ حاجةٍ فأقضيها له؟ حتى ينفجر الفجر. إذا لم يكن لكَ مع الله ساعات قُرب، ساعات تهجد، ساعات مناجاة، ساعات توسل، ساعات استعطاف، ساعات إعلان عن نقص الإنسان، ساعات ثناء على الله عزّ وجل، ليس لكَ مع الله ساعات أبداً, أليست لكَ مع الله مودة؟. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] بعض العلماء قالوا: ود مع الله، بعضهم قال: ود مع الخلق، على كُلٍ القرآن حمّال أوجه . بعض الصحابة وهو حذيفة, وكان حذيفة خبيراً بالمنافقين, مر بنا الدرس الماضي, قال: إياكم وخشوع النِفاق، فقيل له: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع . يعني وأنت تصلي بين الناس, لا تظهر خشوعاً غير موجود, أنصحك لوجه الله، لا تكن عندك ازدواجية, كن إنسان واحد وليس إنسانيين، فسيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النِفاق، قيل: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع . ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً, طأطأَ رقبته في الصلاة, فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب . أحدهم ملأ الحرمَ المكيَّ صخباً وضجيجاً, وجد لوزة, قال: من صاحب هذه اللوزة؟ فقيل له: كُلها يا صاحب الورع الكاذب, كُلها وخلّصنا . يقول: أنا بين السنّين في سمسمة, يا ترى تُفطّر هذه؟ تعبر امرأة فينظر لها وخائف أن تُفطره السمسمة، ما هذا التناقض؟ خائف أن تفطره السمسمة, يحلف يمين كاذب بالبيع والشراء, يُحضر أشياء نادرة جداً, ويخاف أن تكون مُخالِفة للشرع, هذا خشوع النِفاق, المؤمن واضح، قال له: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب . ورأت السيدة عائشة رضي الله عنها شباباً, يمشونَ ويتماوتون في مشيتهم, فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء نُسّاك، فقالت: كانَ عمر بن الخطاب, إذا مشى أسرع، وإذا قالَ أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعمَ أشبع، وكانَ هو الناسِكُ حقاً, هكذا الناسِكُ, ما رأيتُ أزهدَ منه . الفُضيل يقول: كان يُكره أن يُريَّ الرجل الناسَ من الخشوع أكثرَ مما في قلبه, وقال حذيفةُ رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، بغير بلاد تجده يعد النقود بالصلاة, يُخرج المحفظة ويعدها، يضبط الساعة، يمر شخص تجده ينظر إليه لم يبق إلا أن يُكلّمه، صلاة ليسَ لها معنى إطلاقاً, ويجوز بلا وضوء . قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة, أولاً صلاة بلا خشوع, ثمَّ لا صلاة, ورُبَّ مصلٍ لا خيرَ فيه, ويوشك أن تدخلَ مسجد الجماعة, فلا ترى فيهم خاشعاً, أقسمَ لي واحد بالله كانوا بوليمة, وصلّوا أربع صفوف, حوالي 150 رجلاً, والإمام نسيَّ ركعة, ولا واحد تذكر من الحاضرين, ولا واحد . وقال سهلُ: من خشعَ قلبه لم يَقرب منه الشيطان . الخشوع: افتقار إلى الله عزّ وجل، بعدٌ عن مُراءاة الخلق, وتجريدٌ لرؤية الفضل . الفقرة الأخيرة من الخشوع: أن الخاشع ما زويَّ عنه من الدنيا, أو ما لحقه منها من ضررٍ وأذى فهو مِنةٌ أيضاً, لا تنسى أنَّ للهِ عليكَ نعمتين . بقيَّ في الدرسِ نقطتان : 1-أن تبتعد عن المراءاة : الأولى أنَّ الخشوع أن تبتعد عن المُراءاة ، يعني إذا كنت دائماً مع الناس, وليست لكَ خلوة مع الله عزّ وجل, اللقاء مع الناس المستمر, يُضعف فيكَ الخشوع، يعني أنت أردتَ أن تبكي في الصلاة, وجودك مع أُناس كثيرين, ربما حالَ بينكَ وبينَ البكاء, فلا بدَ من صلاةٍ تؤديها في البيت، أدِّ السُنّةَ في البيت، أدِّ الوترَ في البيت، صل قيام الليل في البيت، أدِّ النوافل في البيت، صل وحدك في الغرفة، أما اللقاء مع الناس المُستمر دون أن تكون لكَ مع الله خَلوةٌ أبداً, هذا ربما أضعفَ فيكَ الخشوع، لأنَّ الإنسان مع الناس يُراقب الناس وهو لا يدري . ثبت في السُنّة إحياء الليالي بشكل جماعي, هذا لم يرد عندَ رسول الله، أن تُحييَ ليلة العيد في بيتك، تقرأ القرآن، تذكر، تتهجد، تدعو، تتوسل، تبكي، تستعطف، هذا كله وارد, فلذلك أولاً البعدُ عن مُراءاة الخلق، مما يزيد الخشوع أن تبتعدَ عن مُراءاة الخلق . 2-لا ينبغي أن تكون حريصاً على أن يظهر خشوعك أمام الناس : في شيء آخر: إذا كنتَ خاشعاً, وتمنيتَ أن يراكَ الناس خاشعاً, فهذا مما يُضعف الخشوعَ فيك، يعني أفضلُ أنواع الخشوع أن تُخفيَ هذا الخشوع، إنسان يتمنى أن يبكي أمام الناس, يا أخي ما شاء الله على القلب الذي له, ما هذه الأحوال؟ ما هذا الحب؟ دخل بالنِفاق وهو لا يدري . شيئان يُضعفان الخشوع : أن تكون مع الناس دائماً, لا بدَ من غارِ حِراء بشكل متقطع, لا بدَ من غارِ حِراء, لا بد من خلوةٍ مع الله, من أجل أن يزدادَ الخشوع، ولا ينبغي أن تكونَ حريصاً على أن يظهر خشوعكَ أمام الناس, فإنَّ هذا الحِرصَ وحده يُضعف الخشوع . قال : رقصت الفضيلةُ تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها . الفضيلة حينما ترقص تيهاً بنفسها، هذا التيهُ هو نقيصة وليسَ فضيلة . وسيدنا علي يقول رضي الله عنه: أفضلُّ الزُهدِ إخفاء الزُهدِ . في شخص حريص أن يكون أمام الناس خاشعاً، أنتَ كُن خاشعاً مع الله ولا تُعلّق كبير أهميةٍ على مرأى الناسِ لك. وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع موضوعات مدارج السالكين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السكينةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس العاشر ) منزلة السكينة : أيها الأخوة المؤمنون ؛ منزلة اليوم منزلة السكينة , قال بعضهم : هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . يعني المؤمن يعمل , والله سبحانه وتعالى يُكافئ , فالذي يأتي من الله , هذه منازل المواهب ، والذي يأتي من كسب العبد هذه منازل المكاسب . فالسكينةُ من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . الاستقامة من المكاسب ، تحرّي الحلال من المكاسب ، مجاهدة النفس والهوى من المكاسب . السكينةُ من المواهب ، فأنتَ تتحرك نحو الله عزّ وجل , والله يتجلى على قلبك ، أنتَ تستقيم والله يُكرّم , التكريم مواهب والاستقامة مكاسب ، أنتَ تغضُ بصركَ عن محارم الله , والله يوهبكَ حلاوةً في قلبكَ إلى يوم تلقاه , هذه الحلاوة من المواهب وهذا الغضُ من المكاسب ، المكاسب شيء والمواهب شيءٌ آخر , بل إنَّ المواهبَ من ثمرات المكاسب . أول فكرةٍ في هذه المنزلة وهي : أنَّ منزلة السكينة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . الحقيقة : هذه الدروس دروس تفسير , ولكن نختار من القرآن الكريم الآيات المتعلقة بموضوع واحد , لأنَّ القرآنَ هو كلُّ شيء , ماذا نعمل ؟ نأخذ آيات السكينة ونفسرها . نأخذ آيات الحب ونفسرها . نأخذ آيات الإخلاص ونفسرها . فكأنَّ هذا الدرس درسٌ من نوعٍ آخر ، تفسيرٌ موضوعي متمحورٌ حول موضوعٍ واحد , والآيات التي تدعم هذا الموضوع تأتي تِباعاً . الآية الأولى : قال تعالى : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 26 ] ﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾ ويجب أن نعلمَ الشيء الذي يَخصُ النبي عليه الصلاة والسلام , للمؤمن منه نصيبٌ بقدرِ إيمانه ، بقدرِ إخلاصه ، بقدر إقباله ، إذا فهمتَ قوله تعالى : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] هذا الخطاب موجهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام , ولكن يجب أن تعلم أنكَ إذا استقمتَ على أمره , وأقبلتَ عليه , وأخلصتَ له , فلكَ من هذه الآية نصيب . كما أنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين , كذلك الله عزّ وجل يعطي المؤمنين بعضَ ما يعطي المرسلين ، الرؤيا الصادقة كما قال عليه الصلاة والسلام : جزءٌ من ستٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة ، للنبي معجزة وللوليِّ كرامة ؛ المعجزة خرقٌ للعادات , والكرامة خرقٌ للعادات . باب البطولة مفتوحٌ على مصراعيه ، باب التفوق مفتوح , الله هو الله في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان , لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول ، بل إنَّ بعضَ الأزمنة : أجرُ المستقيم فيها أعظم بكثير من أجر المستقيم في زمان آخر , كما قال عليه الصلاة والسلام : ((اشتقت لأحبابي , قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين, قالوا: مِنا أم منهم؟ قالَ: بل منكم, قالوا: ولِم؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير معواناً ولا يجدون)) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذه أول آية . الآية الثانية : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 40] الآية الثالثة : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 4] الآية الرابعة : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] الآية الخامسة : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 26] القاسم المشترك بين هذه الآيات : السكينة . هل بإمكانكم أن تستنبطوا قاسماً مشتركاً في كلِّ هذه الآيات ؟ قاسم مشترك : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ في سورة الفتح . ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ في بيعة الرضوان . أسباب نزول هذه الآيات : أذكر لكم مناسبات هذه الآيات كلها : أخبرَ سبحانه وتعالى عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين, في مواضع القلق والاضطراب، في مواضع الشِدة، كلُّ هذه الآيات فيها قاسم مشترك واحد, وهو أنَّ المؤمنين في مواضع الشِدة، في مواضع الاضطراب، في مواضع الخوف، في مواضع المِحن، تأتي السكينة، قد تأتي مصيبة يَفرَقُ لها الإنسان، ينهارُ لها، تخورُ قِواه، ينسحق، أما المؤمن تأتي سكينة الله على قلبه, فتجعل وقعَ هذه المصيبة عليه برداً وسلاماً، حتى لو نزلَ بلاءٌ عام، حتى لو اشتدت المِحن، حتى لو ضاقت الأمور، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل سكينته على المؤمنين كمكافأةٍ لهم على استقامتهم . يوم الهِجرة : ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾ وهو في الغار . ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ ويوم حُنين ، ويوم الحديبية ، كلها مواطن قلق واضطراب وخوف وشِدة ، وأنتَ أيها المؤمن, لا سمحَ الله ولا قَدّر, ولكن إذا جاءَ بأسُ شديد، أو جاءت شِدةٌ، أو جاءَ قلقٌ، أو جاءَ خوفٌ أو اضطراب، فالله سبحانه وتعالى يَخُصّكَ بسكينةٍ, تجعلُ قلبكَ في بردٍ وسلام، وفي أمنٍ وأمان، وفي طمأنينةٍ وراحة، وهذا بعضُ ما يُعامل الله به المؤمنين الذين عرفوه في الرخاء، فإذا جاءت الشِدة عرفهم الله عزّ وجل . أحد العلماء كان يقول : إذا اشتدت عليه الأمور أقرئ آيات السكينة . وقال مؤلف الكتاب : ولقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عندَ اضطراب القلب بما يردُ عليه , فرأيتُ لها تأثيراً عظيماً ، وهذه نصيحة ، وهذه وصفة ، وهذا توجيه ، إذا اشتدت الأمور، إذا اضطرب القلب، إذا نزلت المِحن, فاقرؤوا آيات السكينة, لأنَ السكينة مما يخص به الله تعالى المؤمنين. تعريف السكينة : أصلُ السكينة : الطمأنينة والوقار . فلان في سكينة قلبه مطمئن ، من الداخل طمأنينة من الخارج وقار ، الحركة السريعة ، الاضطراب ، الفزع ، الصياح ، العويل ، البكاء ، هذا كله انهيار عصبي . فالسكينة في أدقِّ تعاريفها : طمأنينةٌ في القلب , وسكونٌ في الجوارح . من الداخل ومن الخارج ، هناك أشخاص يتقنون التمثيل ، يكون قلبهم في جناحِ طائر , ومع ذلك يضبطون أعصابهم الخارجية ، ولكنَّ السكينة في حقيقتها ؛ سكونٌ داخلي وسكون خارجي ، راحةٌ قلبية وهدوءٌ في الأعضاء والأعصاب . قَالَ : ((سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ, وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ, حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ, وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ, فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ, وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا, فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا, وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا, إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا, وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا, قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا)) النبي في غزوة الخندق ، في وقت الشِدة ، في وقت المِحن , في وقت الاضطراب ، في وقت الخوف ، في وقت أصبحَ الإسلامُ في خطر ، أصبحَ وجود الإسلام في خطر ، بقي للإسلام بحسبِ نظرِ الناظر ساعات , في هذا الوقت الشديد , كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يحفر الخندقَ مع أصحابه , وقد وصلَ الترابُ إلى جلدة بطنه , وهو يرتجز بأبيات عبد الله بن رواحة . من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعِثٌ نبيّاً أُميّاً، ليسَ بفظٍ ولا غليظ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا متزينٍ بالفُحش، ولا قوالٍ للخنى، أُسدده لكلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلقٍ كريم، ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه، والبِرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والحِكمة مقولته، والصِدقَ والوفاءَ طبيعته، والعفوَ والمعروف خُلُقه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعته، والهُدى إِمامه، والإسلامَ مِلته، وأحمدَ اسمه, هكذا ورد في بعض الكتب المتقدمة عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم . يعنينا من هذا القول وذاكَ الوصف : ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه . المؤمن في سكينة، المؤمن كالجبل الراسخ، المؤمن لا يفزع، لا ينهار، لا يخرج عن أطواره، لا يُحطّم الأواني إذا غضب، لا يدفع الأبواب، لا ينطلق لسانه بالسُباب، المؤمن في سكينة، في حلم، وكادَ الحليمُ أن يكونَ نبيّاً، والحلم سيد الأخلاق . في شيء مهم جداً: السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها, وسكنت إليها الجوارح, وخشعت, واكتسبت الوقار, وأنطقت اللسان بالصواب والحِكمة، وحالت بينه وبين قول الفُحشِ والخنى، واللهوِّ والهجر, وكلِّ باطل . قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : كُنّا نتحدّثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لِسانِ عمر وقلبه . لا أدري ما السكينة ؟ أعرفُ نتائجها ؛ الطمأنينة ، الشعور بالرِضا ، الشعور بالتفوق ، الشعور بالأمن ، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ مذعورين لكفاهم ، لأسكنَ خوفهم ، هذه السكينة ، نتائجها باهرة ، هي تجلّي الله عزّ وجل ، هي نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن ، طمأنينةٌ يزرعها في قلبه . قال : هذه السكينةُ إذا سكنت في القلب أنطقت اللسان ، أنطقت اللسان بالحِكمة ، أنطقت اللسان بالموعظة ، أنطقت اللسان بالحقيقة . سيدنا ابن عباس قال : كُنا نتحدثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لسان عمر وقلبه . من كرامات صاحب السكينة : ينطقُ بكلامٍ دون تحضير ، دون إعداد ، دون تخطيط ، دون مطالعة ، دون مراجعة ، دون مدارسة . القلب الذي أنزلَ الله عليه السكينة , ينطِقُ بكلامٍ عن غير فكرةٍ منه ، ولا رواية ، ولا هِبةٍ ، يستغربه هو من نفسه ، يقول : أنا في حيرة ، والله تكلمتُ كلاماً ما أعددته , وليسَ في إمكاني أن أُعيده , كانَ فتحاً من الله عزّ وجل ، هذه من آثار السكينة ، ويستغربهُ هوَ من نفسه كما يستغرب السامِعُ له ، وربما لا يعلم بعد انقضائه بِما صدرَ منه . أكثر الأخوة الأكارم أحياناً في ساعات الإشراق، في ساعات الإقبال، في ساعات السكينة، ينطلقُ لسانه مع الناس بكلامٍ عجيب، مِلؤهُ الحق، مِلؤهُ الحقيقة، مُنظم، قوي، مع الدليل, مع الحُجّة، فيه قوة تأثير، لو كلّفتَ هذا المُتكلّم الذي نَطَقَ أن يُعيدَ كلامه لما استطاع . لذلك: هنا موطن القصيد، لماذا فُلان يتكلّم فلا يؤثر، وفُلان يتكلّم فيفعل في النفوسِ فِعل السِحر؟ هذا هو الفرق، هذا الذي تكلّمَ عن ثقافةٍ, ودراسةٍ, ومطالعةٍ, وتردادٍ, وروايةٍ, وحِفظٍ, وتذكرٍ, وقراءةٍ, وذكاءٍ, هذا الكلام ما أيّده الله بروحٍ منه، أما الذي تكلّمَ عن سكينةٍ أودعها الله في قلبه, وهي ثمرةٌ من ثمار إيمانه, واستقامته, وإخلاصه, وورعه, وتضحيته, و مؤاثرته، هذا الكلام الذي ينطقُ به الثاني يودعُ الله فيه الروح، يودعُ الله فيه قوة التأثير، وهذا يُستنبط من بعض قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المجادلة الآية: 22] قد تعجب، قد تجد الفصاحة، والبيان, والإتقان، والعبارة المُحكمة، والشاهد المؤيد، ولا تجد التأثير، وقد تجد التأثير مع شخصٍ أقلَّ فصاحةً، وأقلَّ عِلماً، وأقلَّ إطلاّعاً، وأقلَّ ثقافةً، هذا التفسير الوحيد للذين يؤثرون في الآخرين, لأنَّ الله سبحانه وتعالى أنزلَ على قلبهم السكينة . العلماء قالوا: أكثرُ ما تكون هذه السكينة عِندَ الحاجة, وعِندَ صِدق الرغبة من السائل والمُجالس، إن صار في سؤال لله عزّ وجل بصدقٍ وحرارة, الله سبحانه وتعالى يُنزلُ هذه السكينة, فإذا هيَ كلامٌ سديد، فإذا هيَ روحانية، فإذا هيَ تجلّ، فإذا هيّ قوة تأثير . في تعريفاتٍ دقيقةٍ للسكينة : أنَّ السكينةَ نورٌ وقوةٌ وروح، فالنور يكشف الله لكَ بالسكينة, التي هي في بعض أجزائها نور، يكشف لكَ عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين، يجعلكَ تُميزُ بينَ الحق والباطل، وبينَ الهدى والضلال، وبينَ الغيِّ والرشاد، وبينَ الشكِ واليقين، يعني صاحبُ السكينة صاحبُ رؤيا، صاحبُ السكينة صاحبُ نور، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] السكينة في بعض معانيها : نورٌ يقذفه الله في القلب , ترى به الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً . صاحب السكينة لا ينخدع ، صاحبُ السكينة لا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها ، صاحب السكينة لا يرى رؤيةً مشوشةً ولا ضبابيةً , بل يرى رؤيةً صحيحةً ودقيقةً . قلنا : السكينة نورٌ وقوةٌ وروح . الروح توجب كمالَ اليقظة ، توجب الحضور، توجب البعدَ عن الغفلة ، توجب التأهبَ للقاء الله عزّ وجل ، عنده روحانية ، عنده حياة ، قلبه يقظ ، سريع التأثر ، سريع الاستجابة ، سريع التحسس بالخطأ، في حياة . فمن معاني السكينة : المعنى الأول : النور الذي يٌقذف في قلب المؤمن , فيُريه الخيرَ خيراً والشرَ شراً . من معاني السكينة : الروحانية التي يملكها . يقظة النفس ، لا غفلة ، لا بُعد ، لا انغماس بالشهوات ، في صحوة ، في محاسبة دقيقة ، في شعور بالرِضا ، والقوة توجب له الصِدقَ , وصحة المعرفة , ويقهر بهذه القوة داعي الغيّ . من لوازم السكينة : 1-أنها تعطيك قوة تقهر بها دواعي الشهوات : أحياناً : داعي الشهوة يغلب الإنسان , يقول لك : غُلبت ، وقد نُسمي العاصي الذي يبكي بعد معصيته مغلوباً, هناك من يعصي ويتبجّح، هناك من يعصي ويفتخر، هناك من يعصي ويتباهى بهذه المعصية، هذا هو الفاجر، أما هناكَ من يعصي ويبكي، الذي يعصي ويبكي مغلوب، معنى مغلوب: قوة الشهوةُ فيه غلبت عقلهُ . من لوازم السكينة : أنها تُعطيكَ قوةً، بهذه القوة تقهر دواعي الشهوات، الإنسان دائماً في صراعٍ بين عقله وشهوته، بينَ إلهامات الملائكة ووسوسة الشياطين، بينَ دواعي الجسد الأرضية ودواعي الروح السماوية، فكلما كانت السكينة في قلب المؤمن, اكتسبَ قوةً يقهر بها دواعي الشهوة . السكينة في جانب منها جانب نوراني، وجانب منها جانب روحاني، وجانب منها جانب قوة, تقهر بها الشيطان, تقهر بها نوازع الجسد, تقهر بها وسوسة إبليس، تقهر بها قِوى الأرض، نورُ وحياةٌ وقوة، بالنور ترى، وبالحياة تسعد، وبالقوة تقهر، رؤيةٌ صحيحة، ونفسٌ سعيدة، وسلاحٌ ماضٍ، هذا معنى: أنزلَ سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, هذه هيَ السكينة. حتى الإنسان أحياناً: العاصي لو أنه تابَ إلى الله توبةً نصوح, يمنحه الله بهذه السكينة قوةً, يغلب بها شهوتهُ، كانَ مغلوباً فصارَ غالباً، كانَ مقهوراً فصارَ قاهراً، كان ضعيفاً فصارَ قوياً، كانَ تبعاً لأهوائه, فصارَ يقودها وفق الحق . 2-محاسبة النفس : من معاني السكينةِ أيضاً, وهذا شيءٌ مهمٌ جداً: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق، من ثمراتها: نور يُريكَ الحقَّ حقاً والباطلَ باطلاً، روحانيةٌ تُبعدُ عنكَ كلَّ الأحزان، قوةٌ تقهرُ بها الشيطان، من معانيها: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق. محاسبة النفس: حاسِبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسَبوا, وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم. والله سبحانه وتعالى أثنى على النفسِ اللوامة, هناكَ نفسٌ مطمئنة, ونفسٌ لوامةٌ, ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، فالنفس اللوامة أثنى الله عليها, فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [سورة القيامة الآية: 1-2] هذه نفسٌ أثنى الله عليها، إذا كُنتَ تُحاسب نفسك, لماذا قلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا عبستَ في وجه فُلان؟ لماذا سَخِرتَ منه؟ لماذا دفعتَه بيدك؟ لماذا حرمتَ فُلاناً؟ لماذا أعطيتَ فُلاناً؟ . لا يَكمل إيمان المؤمن إلا إذا حاسبَ نفسه حساباً عسيراً، لن يكونَ المؤمن صادقاً إلا إذا كانَ حِسابه لنفسه عسيراً، فأنتَ حاسب لِئلا تُحاسب، إن لم تُحاسب حوسبت . ((من حاسبَ نفسه حِساباً عسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة يسيراً، ومن حاسبَ نفسه حِساباً يسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة عسيراً)) من اطمأنَّ في الدنيا خافَ في الآخرة، من خافَ في الدنيا اطمأنَ في الآخرة. ((لا يجتمعُ خوفانِ وأمنان؛ إن خِفته في الدنيا طمأنكَ يوم القيامة، وإن لم تخفه في الدنيا أخافكَ يوم القيامة)) قال: إنَّ زكاةَ النفسِ وطهارتها موقوفٌ على مُحاسبتها، لا تطهر ولا تزكو، الطهارة تنظيف والزكاة تعطير، التحليّة والتخليّة، التطهير والاصطباغ، النفسُ لا تطهر ولا تزكو إلا بالمُحاسبة, لا محاسبة في انحراف، في طغيان، في تمادي، في تطاول . الحسن رضي الله عنه قال: إنَّ المؤمن واللهِ لا تراه إلا قائماً على نفسه. يعني يُحاسبها، يسألها، يُسيء الظنَّ بها، ما أردتُ بكلمة كذا, ما أردتُ بهذا، مالي ولهذا؟ واللهِ لا أعود إليه . الإنسان إذا حاسبَ نفسه, رأى عيوبها ونقائصها، من الحُمق الشديد: أن ترى في الآخرين عيوبهم ولا ترى في نفسك العيوب، أن ترى أدقَّ العيوب في الآخرين ولا ترى أكبرَ العيوب في نفسك، وإذا ظننتَ نفسكَ كاملاً فهذا من أكبر العيوب، أكبرُ عيبٍ أنتَ فيه: أن تُحسنَ الظنَّ في نفسك وأن تسيء الظنَّ في الآخرين، والكمال أن تفعلَ العكس, أن تُسيء الظنَّ بنفسك وأن تُحسنَ الظنَّ بالآخرين، الكمال إذا فعلتَ معروفاً مع إنسان أن تنساه، والكمال إذا فعلَ معكَ أحدٌ معروفاً ألا تنساه أبداً, هذا هو الكمال, هذه محاسبة النفس، من لوازم السكينة: محاسبة النفس, صار في حياة في يقظة . 3-ملاطفة الخلق : ومن لوازم السكينة: ملاطفة الخلق، معاملتهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به, هذا المقياس من أروع المقاييس, هذا القول للنبي عليه الصلاة والسلام لو طبّقه الناس, لأغلقت المحاكم أبوابها . ((عامل الناس كما تُحبُ أن يُعاملوك)) عامل هذا الموظف كما تحب أن تعامل، عامل زوجة ابنكَ كما تُحب أن يُعاملَ ابنتكَ زوجها، هذا مقياس دقيق في كلِّ حركات الناس وفي كلِّ سكناتهم . يعني هذا الذي فعله النبي: جاء رجل إلى النبي, وقال: يا محمد ائذن لي بالزِنا, في حضرة أصحاب النبي، فغضبَ أصحاب النبي, وهمّوا أن ينهروه، منعهم النبي من أن يفعلوا قال: تعال يا عبد الله, تعال اقترب مني -آنسهُ- قال: أَتُحبه لأمك؟ فكاد يغلي الدم في رأسه قال: لا، قال: ولا الناسُ يحبونه لأُمهاتهم، أتُحبه لأختك؟ أتُحبه لابنتك؟ أتُحبه لزوجتك؟ قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم, وما شيءٌ أحبَّ إليَّ من الزنا, وخرجتُ من عِنده, وما شيء أبغضَ إليَّ من الزنا, طبّق القاعدة . أنت وراء الطاولة موظف أمامك مُراجع، لو كنتَ مكان هذا المُراجع, أتُحبُ أن يُماطلكَ؟ أتُحبُ أن يؤجلكَ؟ أتُحبُ أن لا ينظرَ إليك؟ أتُحبُ أن يُهملكَ؟ أنت الآن زوج, لو أنكَ مكان هذه الزوجة, أتُحبُ أن تكونَ مظلوماً؟ أتُحبُ أن تكون معذّباً؟ لا, يعني هذا مقياس لا أجمل منه, ولا أدقَّ، ولا أوضح، مقياسٌ دقيق، عامل الناس كما تُحبُ أن يُعامِلوك، عاملهم بالإنصاف. قال: ملاطفة الخلق: أن تعاملهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به من اللطفِ، لا ينبغي أن تعاملهم بالعنفِ والشدّةِ والغِلظة, قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] علّموا ولا تُعنِفوا, فإنَّ المُعلمَ خيرٌ من المُعنّف، فإنَّ ذلك يُنفّرهم, ويغريهم بالبُعدِ عنه, ويُفسدُ حبهُ في قلوبهم . أنتَ يجب أن تربحَ الناس لا أن تخسرهم، بذكاءٍ شديد، وحِكمةٍ بالغة، وبذلٍ كبير، وصبرٍ عظيم، وحِلمٍ وافر, يمكن أن تربحَ الناس، وبتصرفٍ واحدٍ أحمقٍ، تصرف أرعن، كلمة قاسية، كلمة نابية، تخسر الناس، جهودٌ كبيرة تبذلها كي تربحهم، تصرّف واحد أحمق تخسرهم ، فمن لوازم السكينة محاسبة النفس ومُلاطفة الخلق . هذه الآية رائعة جداً: ﴿ولو كنتً فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ يخاطب الله من؟ يخاطب النبي، يخاطب الذي معه القرآن المؤيد من الله عزّ وجل، يخاطب المعصوم، حتى المعصوم, حتى المؤيد بالوحي, لو كانَ فظاً, لَنَفَرَ الناسُ من حوله . أنا أُلاحظ ملاحظة: تجد الأب قاسياً مع أولاده, يظن نفسه مع قسوته, يجب أن يُحبه أولاده, لأنه والدهم، لا, لا يكفي أن تكونَ أباً حتى تُحب, لا بُدَّ من أن تكونَ كاملاً حتى تُحب ، يحترمونك ولكن لا يُحبونك, الحُب ليسَ بيدهم، إذا كنتَ قاسياً، قاسياً في كلماتك مع أولادك ، توبخهم أمام الآخرين، تستعلي عليهم، تُسكتهم، تُخزيهم أمامَ زوجاتهم مثلاً، وإذا كُنتَ أباً لهم, لا يُحبونك . يجوز إذا كان ابنك مؤمناً, يخاف من غضب الله, لذلك يُرضيكَ في ظاهره، أما أنتَ لا تستطيع أن تملكَ قلوبهم إلا بكمالك . خذوا هذه القاعدة: الإنسان له قلبٌ وله قالب, مهما كنتَ قوياً, مهما كنتَ مسيطراً, لا تستطيع أن تمتلكَ إلا القالب، لكن كمالُكَ يجعلُكَ تمتلك القلوب، القلب لا يُمتلك إلا بالكمال, أما الجوارح ...... الآن الطُغاة في العالم, الناسُ يخافونهم، يخضعون لهم، يُنفذون أمرهم بأدقِّ حذافيره, خوفاً من بطشهم، فالطغاة ماذا مَلكوا؟ مَلكوا القوالب، لكنَّ الأنبياء مَلكوا القلوب. الفرق بين العالم داعية مثلاً: مدير مؤسسة, مدير مدرسة, مدير ثانوية, مدير مستشفى, هذا معه سُلطة, بإمكانه أن يوبّخ, وأن يقطع الراتب, وأن يكون كلامه قاسياً, والناس يخافونه، موظف يعني رزقه مُعلّق بالمدير العام حسب الظاهر، فإذا عاقبه وخضع ليست هذه بطولة، البطولة أن تمتلكَ القلوب، البطولة أن تمتلكَ قلوب الناس بكمالك . لو فرضنا إنساناً من أتفه الناس، من أقلّهم عِلماً, أقلّهم شأناً، أقلّهم فهماً، أقلّهم حِكمة، لو معه سِلاح واجه أعظم إنسان, وشَهَرَ عليه السلاح فخضع, هذه قوة لا قيمة لها إطلاقاً، هذه قاعدة: لن تستطيع أن تمتلكَ القلوب إلا بكمالك، لكنَّ بقوتك تمتلك القوالب, بإمكانكَ وأنتَ الأبُ القوي وابنكَ الضعيف أن تُخضعه، أن تعطيه أمراً قاسياً، ولكنكَ لا تكونُ أباً بطلاً إلا إذا جعلتَ ابنكَ يهواك لكمالك . يعني: واحد له ابن عاق وشرس ومنحرف، وكان الأب من حين لآخر, يقول لابنه: يا بني, أنت لا تصبح رجلاً، وهذا الابن في غفلة من الزمن, صار بمركز قوي جداً، فأحضرَ أباه مقيداً, وقال له: تفضل وانظر لي, ألا ترى منصبي؟ فقال له والده: تصبح بهذه المكانة, لكن لا تصبح رجلاً . يعني حينما جاء بأبيه بهذه الطريقة, معناها أنه غير رجل, فالقوة ليسَ لها قيمة, الله جعل الله الأنبياء ضعفاء . سؤال دقيق جداً: أليسَ الله قادراً على أن يجعلَ النبي إنسان قوي جداً؟ حِكمة الله أنَّ النبي قوته بكماله، فقد يكون النبي أضعفَ الناس: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [سورة هود الآية: 38] كانوا يسخرون منه، النبي يمكن أن تُكذّبهُ، ويمكن أن تسخرَ منه، ويمكن أن تُعارضه، ويمكن أن تصفه بالجنون, قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [سورة الدخان الآية: 14] أليسَ كذلك؟ وُصف بأنه كاهن، وبأنه ساحر، وبأنه مجنون، لأنه ضعيف, عظمةُ النبي أنَّ الذي آمنَ به, ما آمن به خوفاً, ولا آمن به طمعاً، لا دنيا عنده، لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضرّاً، لا دنيا يُعطيك إياها, ولا قوة تخاف منه، لماذا آمنتَ به؟ لما ضحيتَ في سبيل أن تؤمن به بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس, لأنَّ كماله أسركَ . يعني: حِكمة الله عزّ وجل في جعل الأنبياء ضعفاء في بادئ الأمر، لو كانوا أقوياء لآمنَ الناس بهم جميعاً إيماناً شكليّاً ظاهريّاً، إيماناً فارغاً لا قيمة له أبداً، كما لو كلّفنا أُناساً ضِعافاً أن يقولوا هذه الكلمات, يقولونها . قال له: ولوعادوا عُد إلى ما قُلت, ولا شيءَ عليك، هذا إكراه . حِكمةُ أنَّ الله عزّ وجل جعلَ النبي ضعيفاً, كي يؤمنَ به المؤمنون لا عن خوفٍ يُضعفَ قيمة إيمانهم, ولا عن طمعٍ يُضعفُ قيمةَ إيمانهم، آمنوا به بمحضِ اختيارهم, دونِ إغراءٍ أو ضغطٍ . قال: ليسَ للقلبِ أنفع في معاملته للناس من اللطف، يعني الإنسان باللطف يملك القلوب, هذا التوجيه الإلهي: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 34] قال: أنتَ باللطفِ تُعامل إما صاحباً أو حبيباً أو عدوّاً، الصاحب تستديم مودته، والغريب تكسب مودته، والعدو تُليّنُ غضبه، شخص لا يعرفك إذا لاطفته كسبته، وشخصٌ يعرفكَ إذا لاطفته دامت مودته لك، وشخصٌ عدوٌّ لكَ إذا لاطفته خفّت عداوته أو تلاشت . أنت مع إنسان غريب أو قريب أو عدو، الغريب حيادي؛ لا يعرفُكَ, لا يُحبُكَ, لا يُبغِضُكَ, إذا لاطفته ملكتَ قلبه، والذي يعرفُكَ إذا لاطفته استمرت مودته، والعدو خفّت عداوته. الحِكمةُ كلُّ الحِكمةِ أن تكونَ ودوداً مع الناس, ورأسُ العقلِ بعدَ الإيمان بالله التوددُ إلى الناس . ((بُعثتُ بمداراة الناس)) أيضاً: يعني لو استعرضنا الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى أن تكونَ مع الناسِ رحيماً. عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا فِي أَخْلاقِ النَّاسِ, وَقَالَ عبد الله بْنُ بَرَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ, أَوْ كَمَا قَالَ. 4-مراقبة الحق سبحانه وتعالى : الآن: من لوازم السكينة: مراقبة الحق سبحانه وتعالى، في ثلاثة بثلاثة: النور والروح والقوة, بالنور ترى, وبالروح تأنس, وبالقوة تقهر عدوكَ الشيطان, والسكينة: محاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق، هي ثلاثة: أنت والناس والله عزّ وجل, مع نفسك بالمحاسبة, ومع الناس بالمدارة, ومع الله بالمراقبة . لذلك: اعبد الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك . والإنسان يجب أن يستحي من الله حقَّ الحياء، قيلَ: وما حقَّ الحياء؟ قال: أن تحفظَ الرأسَ وما وعى, والبطنَ وما حوى, وأن تذكر الموتَ والبِلى. هذا الرأس حوى العينين, حوى الأذنين, حوى اللسان, حوى الدماغ, أن تحفظَ الرأسَ وما وعى من المعاصي والآثام، وأن تحفظَ البطنَ وما حوى من أكلِ المال الحرام، وأن تذكرَ الموتَ والبِلى . الحقيقة: السكينة كما قلنا في مطلع هذا الدرس من ثمرات الإيمان، السكينة من المواهب لا من المكاسب، السكينة وردت في مواطن الاضطراب والشِدّة, يعني في الأزمات, في اضطراب القلب, في المِحن, في النوازل, تأتي السكينة, لتكونَ برداً وسلاماً على المؤمن, بلسماً للمصاب . الحقيقة: أحد أسرار أنكَ إذا التقيتَ بمؤمن تأنسُ به وترتاحُ لهذه الجلسة، اسأل الناس إذا التقوا بمؤمن إيمانه كبير يسعدونَ بهذا اللقاء, ما سِرُّ هذه السعادة؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى تجلّى على قلبه بالسكينة, فإذا اتصلوا به, أو تعاملوا معه, أو جلسوا إليه, أو صاحبوه, سَرت إليهم هذه السكينة التي في قلبه، لذلك قالوا: الصاحب ساحب, لذلك قالوا: لا تُصاحب إلاّ من ينهضُ بك إلى الله حالك أو يَدُلّكَ على الله مقاله، اجعل صاحبكَ إنساناً ذا عقلٍ راجح, وذا قلبٍ مُفعمٍ بالسكينة, لذلك تسعدُ به، وهذا سِر السعادة بينَ المؤمنين، هذا سِر السرور الذي ينجم عن لِقاء المؤمن بأخيه المؤمن . عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: ((دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ, فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا, حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ, جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ, وَقَالَ: أَبْشِرْ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ, وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ, وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ, وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ)) نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُنزلَ على قلوبنا السكينة فهيَّ من ثمرات الإيمان . اسأل واحد مؤمن, مؤمن حديثاً, تجد في قلبه سعادة عجيبة، يكاد يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هو أسعدُ مني، ما السر؟ السِر لمّا تاب توبة نصوح, أنزلَ الله على قلبه السكينة . قد تجد إنساناً فقيراً, مرتبته الاجتماعية في الدرجة السفلى، قد يكون حاجباً, قد يكون إنساناً ضعيفاً فقيراً لا شأنَ له، مغموراً لا أحد يعرفه، بيته صغير، زوجته من الدرجة الخامسة مثلاً، دخله قليل، فإذا تجلّى الله على قلبه بالسكينة, كانَ أسعدَ من ملوك الأرض، هذا الذي قالَ عنه البسطامي أبو يزيد: واللهِ لو يعلمُ الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف, هذه السكينة . هذا الذي قاله بعض علماء النفس: إنَّ الله يُعطي الصِحةَ والذكاءَ والمالَ والجمالَ للكثيرينَ من خلقه, ولكنه يُعطي السكينة بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين " قد يكون الإنسان جميلاً لكنه شقيّ، قد يكون ذكياً لكنه مُنحط، قد يكون قوياً لكنه لئيم، قد يكون صحيح الجسم لكنه مريض النفس، يعطي الصحة والمالَ والذكاءَ والجمال للكثيرينَ من خلقه، ولكنه يُعطي السكينةَ بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين, تكادُ تكون السكينةُ هي أكبر ثمرات الإيمان هي السعادة . وردني سؤال يقول: هل يجوز إغماض العينين في الصلاة عِلماً إما لخشوعٍ أو لتمعّنٍ في كلمات الله؟. الحقيقة: المُصلي كما في السُنّة, ينظر إلى موضع سجوده، وحِكمةُ أن يكونَ عيناه مفتوحتان, يعني في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, في كان البلاد صحراء, وفيها عقارب وأفاع, فالإنسان لِئلا يكونَ مضطرباً أو قلقاً, إذا فتحَ عينه يطمئنُّ أكثر، أما إذا أعانه إغماضُ عينيه على الخشوع فالإغماضُ أولى . لو دخل مسجد كهذا المسجد, وتأمل في هذه الزخارف في أثناء الصلاة, ربما كانت صلاته في هذا المسجد مع إغماض العينين أولى، فإغماض العينين إذا أعانَ على الخشوع مشروع, أما إذا أغمضت عينيك فأصحبتَ مضطرباً, مكان لستَ مطمئناً له، مكان خطر مثلاً في بريّة تصلي, لعل تمر أفعى أو عقرب أو شيء, لا, افتح عينيك لِئلا تقلق، أما إذا أغمضتَ عينيك, وأعانكَ إغماضُ عينيك على الخشوع, فالإغماض مشروع، العِبرةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] والخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة لا من فضائلها، فأيُّ شيء أعانكَ على الخشوع ينبغي أن تفعله، لو أنت أمام شيء غريب, تتأمله في أثناء الصلاة, بَعُدتَ عن الصلاة, إذاً: أغمض عينيك . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصدقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس العاشر ) منزلة الصدق : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس عشر من مدارج السالكين ، منزلة اليوم : منزلة الصِدق . وإذا تحدثنا عن الصِدق كمنزلةٍ من مدارج السالكين , فيجب أن يخطرَ في بالكم عن هذه الكلمة كلُّ شيء , إلا ما يفهمهُ عامّةُ الناس , من أنَّ فُلاناً صادق إذا تكلّمَ وفقَ الواقع . كلمة الصدق في القرآن الكريم أكبر بكثير , من أن يأتي كلامكَ مُطابِقاً للواقع , وبعدَ حين إن شاء الله سوف يتضح هذا المعنى جليّاً من خلال بعض الآيات والأحاديث . الآيات التي تتحدث عن الصدق : على كُلٍ ؛ لنستعرض الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة الصِدق . كلمة الصدق لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ كلَّ الدرجات العُلى التي ينالُها المؤمن إنما بسببِ صِدقه . لا أقول : أن يكونَ صادقاً في حديثه , بل لهذه الكلمة معنىً أكبر بكثير . الآية الأولى : كونوا مع الصادقين . أول آية من آيات هذا الدرس , وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] أطيعوا الله , اتقوا الله ، وربما أراد الله عزّ وجل أن يُبيّن لنا من أجل أن تطيعوه, كونوا مع الصادقين، كأنَّ أثرَ المجتمع الذي حولك، أثرُ البيئةِ التي حولك والأصدقاء، أثرَ الأقرباء والمعارف والجيران لها تأثير، اتقوا الله, ومن أجل أن تستطيعوا أن تتقوه, كونوا مع الصادقين, لا بدَّ من أن تكونَ مع صادقٍ, هذا المعنى الأول . يبدو أنَّ الصادق يُعطيكَ من خِبرته وعِلمه، يعطيكَ من حالِه وقاله، يعطيكَ من أخلاقه، فلا بدَّ أن ترى الدينَ مُجسّداً في شخص . الدين كأفكار، كأخبار، كمعلومات, لا يفعلُ في الإنسان فِعلَ المثل الأعلى، المعلومات والأخبار والآثار لا تحمل على السلوك القويم, كما لو رأيتَ بأُمِ عينيكَ إنساناً تعيشُ معه, تمثّلَ هذا الدين, موقفٌ واحدٌ أخلاقي يقفه مؤمن, له تأثيرٌ كبيرٌ جداً في نفسِ المُتعلّم, لذلك: لو أنَّ بالإمكان أن يجريَ التعليم على مستوى الدول العالمية دون معلّم, عن طريق الكتاب, لوفرّنا ألوف ألوف الملايين, ولكن لا بدَّ من المُعلّم. الإنسان يقول لكَ: أنا مؤمن, وله بيئةٌ سيئة، له أصدقاءُ سوء، له قُرناءُ سوء، له جيرانُ سوء، يقيمُ معهم, وينسجمُ معهم, ويندمج معهم, ويسهرُ معهم, ويُمضي ساعاتٍ طويلة معهم, وهو مُستمتع معهم, وهو مؤمن, هذا مستحيل, لا بدَّ من حِميّة، لا بدَّ من أن تُجري تبديلاً جذريّاً في علاقاتكَ الاجتماعية . ((لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامكَ إلا تقي)) لكَ أن تُقيمَ علاقة عمل مع أيّ إنسان في حدود العمل، تُقدم له ما عندك, يعطيك الثمن بكلامٍ طيب، بسلامٍ، بوداعٍ، بترحيبٍ، بطلاقةِ وجهٍ، أمّا أن تُقيمَ علاقةً حميمةً مع إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, ليسَ هذا من الإيمان في شيء, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] الآية الأولى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ كُن معهم لتأخذ عنهم, لتأخذَ من عِلمهم, من آدابهم, لتأخذَ من أحوالهم, من ورعهم, لتأخذَ من أخلاقهم, من مُثلهم, كُن معهم، راقِبهم، اسألهم، استفتهم، حاوِرهم: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ لذلك: ((يدُ الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار)) ((عليكم بالجماعة, وإيّاكم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد, وهوَ من الاثنين أبعد, وإنما يأكلُ الذئبُ من الغنم القاصية)) مرتبة الصديقين هي المرتبة الأولى من مرتبة النبوة . وقال تعالى : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء الآية: 69] الصديقين : المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة ، قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 75] أبو بكر الصديق, المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة مرتبة الصديّقيّة، نرجو الله عزّ وجل أن يجعلنا من الصادقين . ﴿وحسنَ أولئكَ رفيقاً﴾ أن تكونَ مع الصادقين, خالق الكون يقول لك: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾ هذا هوَ الرفيق الذي يجب أن تَعضَّ عليه بالنواجذ، هذا الرفيق الذي ينبغي أن تُلازمه: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾ إنَّ الأثرَ الذي يحدث من خلال تعامل الأخوة المؤمنين أثرٌ بليغٌ جداً، يعني أخ يتعلّم من أخ الصدق، من أخ آخر الورع، من أخ ثالث الزُهد، من أخ رابع الاستقامة, فإذا مجتمعك مجتمع مؤمن، علاقاتك، نُزهاتك، مجالسك، سهراتك، ندواتك، في أفراحك، دائماً كُن مع المؤمنين . الآية الثانية : فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم . آيةٌ ثانية من آيات الصِدق، الله سبحانه وتعالى خالق الكون يُخبرنا: أننا إذا كُنا صادقين فهوَ خيرٌ لنا، يقول الله عزّ وجل: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 21] الخيرُ كله في الصِدق, والسوءُ كله في الكذب، فلو صَدقوا الله لكانَ خيراً لهم . هل تصدّقون : أنَّ أركانَ الإيمان ، وأركانَ الإسلامِ ، بمجموعها أساسها الصِدقُ ؟ إليكم الدليل قال تعالى : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 177] ﴿آمنَ بالله واليوم الآخر والملائكةِ والكتاب والنبيينَ﴾ هذه أركانُ الإيمان . ﴿وآتى المالَ على حبه ذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلينَ وفي الرِقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساءِ والضرّاءِ وحينَ البأسِ﴾ أركان الإسلام مع الأخلاق هي : أركان الإسلام , وأركان الإيمان , والأخلاقيات ، والتعامليات . ﴿أولئكَ الذينَ صَدقوا﴾ لأنهم صَدقوا آمنوا, لأنهم صدقوا أسلموا, لأنهم صدقوا تَخلّقوا بأخلاق الإسلام. معنى الصدق . كلمة صِدق تأخذُ معنىً آخر غيرَ المعنى الذي يتبادر إلى أذهان الناس . فُلان صادق ؛ يعني يتكلّم الصدق , صادِقٌ في طلبه : إمّا أن يُطابِقَ الواقِعُ الخبر، وإمّا أن يكونَ كلامُكَ مطابقاً للواقع , فأنتَ صادقٌ في لسانك . وإمّا أن يأتيَ عملكَ مُصدّقاً لقولك , هذا صِدقُ السعيِ . الشيء الخطير أنه : إذا لم يكن الإنسان صادقاً , فلا بدَّ من أن يكونَ كاذباً , كيف ؟ قال تعالى : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 24] من هو َالمُنافق ؟ الإنسان الكذّاب : يقول ما لا يؤمن ، يُعبّرُ عما ليسَ في نفسه ، يتزيّنُ بما ليسَ في قلبه ، يُظهر ما لا يُبطن , يُعلن ما لا يُخفي ، دائماً بحياته في ازدواجية ، له مواقف مُعلنة ومواقف مُبطّنة ، له علانية مقبولة وله سريرة ممقوتة ، له كلامٌ لينٌ لطيف , وله قلبٌ قاسٍ حقود حسود ، والكذبُ والنِفاقُ متطابقان تماماً . أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمانُ أساسه الصِدق , والنِفاقُ أساسه الكذب ، مُنافق يعني كذّاب ، مؤمن يعني صادق , صادق مع نفسه , وصادق مع ربه , وصادق مع الناس . أحياناً الإنسان في انسجام داخلي فيما بينه وبينَ نفسه, هذا الانسجام الداخلي معناه : أنه صادقُ مع نفسه ، وأحياناً فيما بينه وبينَ اللهِ العلاقة عامِرة . نقول : صادقٌ مع ربه ، فإذا عامل الناسَ باستقامةٍ فهو صادقٌ مع الناس , العبدُ لا ينفعه يوم القيامة , ولا يُنجيه من عذاب النار إلا أن يكونَ صادقاً , قال تعالى : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة المائدة الآية: 119] الحقيقة الأولى : هناك كما يقول بعضُ العُلماء : صِدقٌ في اللسان , وصِدقٌ في العمل , وصِدقٌ في الحال . صادِقُ اللسان يأتي كلامه مُطابِقاً للواقع ، صادق العمل يأتي فِعلهُ مطابقاً للسانه ، صادِقُ الحال يأتي لسانه مطابقاٌ لِما في قلبه , وما في قلبه لِما في لسانه . يعني: لا بد من أن تكون صادق اللسان والحال والقلب والعمل ، صادقَ اللسانِ , وصادقَ الجوارح , وصادقَ القلب . الحقيقة الثانية : الصِدق ينتهي بكَ إلى مرتبة الصدّيقيّة , والدليل : عَنْ عبد الله رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ, وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا, وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ, وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)) إذا إنسان صادق في فِعل الخيرات, الله عزَّ وجل يتولى هِدايته إلى الخير، إذا الإنسان صادق في هداية الخلق, الله عزَّ وجل يتولى إلهامه بالطريقَ المُناسب, والأسلوب المناسب, والعبارة المناسبة, والفِكرة المناسبة, والموقف المناسب. صادِقٌ في تزويج ابنتك من مؤمن, يهديكَ الله إلى الشاب المؤمن، صادقٌ في إصلاحِ زوجتك, يهديكَ الله إلى الأسلوب المناسب لإصلاحِها, اللهُ الهادي, أنتَ عبدُ الهادي ولستَ هادياً, فإذا صدقتَ مع الله هداكَ الله, صادقٌ في تأسيس عملٍ حلالٍ, يُغنيكَ عن سؤال الناس, الله يهديك، صادقٌ في أن تلتقي برجلٍ من أهل الحق, الله يهديكَ إليه, إذا كنتَ صادقاً في معرفة الحقيقة, لا بدَّ من أن تَصِلَ إليها، إذا كنتَ صادقاً في أن تلتقي بأهل الحق, لا بدَّ من أن تلتقي بهم, لأنَ الله يهديك عندئذٍ، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] أنا حينما أشعر أنَّ الإنسان صادقٌ في طلبِ الحقيقة, واللهِ أشعر أنَّ كلَّ خليةٍ في جسمي تنطق له: أبشر, لا بدَّ من أن تعرف الحقيقة المُطلقة، صادقٌ في أن ترى أهلَ الحق, أبشر, لا بدَّ من أن تلتقي بهم، صادقٌ في أن تهدي الناسَ إلى الله, لا بدَّ من أن يضعكَ الله في هذا المقام، لكنَّ الله عزّ وجل لا يتعاملُ أبداً مع التمنيات, ولا يتعامل أبداً مع الرغبات غير الصادقة, لذلك في عقبات، العقبات لإثبات الصِدق . فإذا إنسان صادق في حفر بئر مثلاً, يحفر متر, مترين, خمسة، خمسة عشر، لم يجد مياه، 20، 30، يقول لك: حفرت 80 متراً, ودفعت 300 ألف, معناها صادق في البحث عن الماء. في شخص ليس مهتم بالأرض, ولا يُعلّقُ عليها كبيرُ أهميّة, نصحوهُ أن يحفرَ بئراً خمسة أمتار, بعيدة المياه: أخلق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجته ومُدمن القرعِ للأبواب أن يَلِجَا النملة تُعلمنا الصِدق, تصعد وتقع مرات عديدة, يعني على الأخ أن يعرف الحقيقة ، أنتَ في تعاملكَ مع الله, لا بدَّ من أن يظهرَ صِدقك، قد تشعر بوحشة, بانقباض, بضيق, قد يَقِلُ دخلك, ويتكاثر الناسُ ضِدك, قد تواجه عقبات ومعارضات وتآمرات, قد تواجه خصوماً وحُسّاداً, قد تواجه ضغوطاً من داخل البيت, ومن حولك, من جيرانك, من زملائك, ماذا تفعل؟ لا زِلتَ مُصِرّاً على طلب الحق . لماذا الابتلاء ؟ ربنا عزّ وجل لا بدَّ من أن يمتحنَ المؤمنين , ولو أنَّ فيهم رسول الله ، في غزوة الخندق : ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 11] أين وعود رسول الله؛ تُفتحُ عليكم بلاد قيصر وكسرى؟ . أنتَ يا سراقة تضع تاج كسرى على رأسك؟ . قال له : ((يا عديّ بن حاتم, لعله إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشكنَّ المال أن يفيضَ فيهم حتى لا يوجد من يأخذهُ، ولعلكَ يا عديَّ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخول هذا الدين ما ترى من كثرةِ عدوّهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن تسمعَ بالمرأة البابلية تَحُجُ هذا البيتَ على بعيرها لا تخاف، ولعله إنما يمنعكَ من دخول في هذا الدين, أنكَ ترى أنَّ المُلكَ والسُلطانَ في غيرهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن ترى القصورَ البابليّةَ مُفتحةً للمسلمين)) قبائل متناحرة متباغضة في الجزيرة, شظف العيش, وخشونة العيش والحروب, وهؤلاء الضِعاف المتخلّفون في مقياس العصر, هؤلاء سيفتحون بلاد قيصر وكِسرى, دولة من الدول المتخلّفة جداً, الآن نقول لها: أنتِ ستنتصرين على دول الشرق والغرب, مستحيل . ﴿هُنالكَ ابتليَّ المؤمنون﴾ جاء الأحزاب, ما اجتمعَ في الجزيرة جيشٌ, يعدُ عشرة آلاف مُقاتل, اجتمعوا جميعاً, لا على محاربة المسلمين, لا, يا ليت ذلك, لا على غزوهم في عُقرِ دارهم، على استئصالهم من جذورهم, على إبادتهم, ليست حرب الخندق حرباً تقليدية، حرب إبادة، حرب استئصال، واليهود الذين عاهدوا رسول الله, نقضوا عهدهم كعادتهم, كُشِفَ ظهره: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ الإسلام بقي ساعات, ساعات انتهى كله, إلى أن قالَ أحدهم: أيعُدنا صاحبكم أن تُفتحَ علينا بلادُ قيصر وكِسرى , وأحدُنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!! ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ هذا يسمونه حديثاً: الفرز، الفرز العلمي, عندك صف مثلاً: كلهم وجوه مُقبلة ونشيطة, لكن أجريت امتحان, انفرزوا, 30 واحد راسب، 12 ناجحين، 2 متفوقين، واحد أولي, فربنا عزّ وجل دائماً يُجري امتحانات, امتحانات مُفاجئة . أنت مُطمئن, أنت مؤمن مرتاح، مؤمن ولكَ مكان بالجنة, حجزته من الآن, والناس كلهم لا يفهمون فقط, أنتَ تفهم, فيضعك ربنا بظرف صعب, فإذا أنت لست مؤمناً، بل مشرك خائف, تقع بالحرام وأنتَ لا تدري: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] يقول المنافقون : وعدنا بملك قيصر وكِسرى , وما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً , أما : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] هذا المؤمن، عاهدت خالق الكون في السرّاء والضرّاء، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، قبلَ الزواج وبعدَ الزواج, في البحبوحة وفي الضيق، في انقباض النفس وفي طلاقة النفس، القلب له أحوال, تمر ساعات كأنكَ طائر من الفرح مسرور, الله عزّ وجل تجلّى عليك، يمر حين آخر يحجُبُ عنكَ هذا الحال الطيب, تُحس بوحشة؛ انقباض، بسأم، بضجر، بملل، وأنتَ أنت . هم الأحبة إن جاروا وإن عَدلوا فليسَ لي عنهم معدِلٌ وإن هم عدلوا واللهِ وإن فتتوا في حُبـهم كبدي باقٍ على حُبــهم راضٍ بما فعلوا هل هذا حالُكَ مع الله ؟ يا ربي أنا راضٍ , لكن دائماً كُن محتاطاً ، قُل له كما قالَ النبي الكريم : لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي . لا تكن مُعتداً بنفسك, يا ربي امتحن، يا ربي أنا راضٍ بما تفعله، أنا راضٍ بحكمك، أنا راضٍ بقضائك، راضٍ بنصيبي من أيِّ شيء، راضٍ بهذه الزوجة, وبهذا العمل, وراضٍ بهذا البيت, وبهؤلاء الأولاد, أنا راضٍ, لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي يا رب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ إنسان على الفقر مستقيم، على الغِنى لا نعرف, هو بِمنصب متواضع جداً مَلك، وضعوه مديراً عاماً بعد عنك، قبل الزواج رائع, بعد الزواج امتنع عن حضور مجالس العلم، قالت له زوجته: أليسَ يكفيك ما استمعت؟ نحن لا نريد أن نُمتحن امتحاناً ونسقط, يعني هذه الآية, يجب أن تبقى في أذهانكم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ قال: ((إنَّ الصِدقَ يهدي إلى البِر, وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة, وإنَّ الرجلَ لَيصدُقُ حتى يُكتبَ عِندَ الله صديّقاً، وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور, وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار, وإنَّ الرجلَ لَيكذِبُ حتى يُكتبَ عِندَ اللهِ كذّاباً)) الآية الثالثة : وقل رب أدخلني مدخل صدق ........ يوجد عندنا آية دقيقة جداً وخطيرة , يقول الله عزّ وجل : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 80] ما معنى أدخلني مُدخلَ صِدق ؟ دخلنا على التجارة، دخلنا على الجامعة، سافرنا، دخلنا على الزواج، دخَلَ الشيء أصبحَ في داخلهِ . قالَ العلماء معنى : ﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾ أن يكونَ هذا الدخولُ إلى هذا الشيء لله, أبتغي به وجه الله, وبالله, أستعينُ بالله, وبأمر الله, أُنفذُ أمره فيه, وأبتغي مرضاة الله, للهِ, وباللهِ, وبأمرِ الله, وابتغاء مرضاة الله. يجب أن يكونَ زواجكَ هكذا؛ أن تختارَ المرأة الصالحة، وأن تُعاملها كما أمرَ الله، وأن تبتغي من هذا الزواج مرضاة الله عزّ وجل, أسست معملاً، أسست دكاناً، أسست تجارة، تعينت بوظيفة، سافرت بعثة, يعني أيُّ عملٍ تعملهُ , يجبُ أن يكونَ لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاءَ مرضاة الله, هذا معنى : ﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾ ما معنى وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ ؟ أما المُشكلة الخطيرة : أن ربُنا قال : ﴿وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ﴾ تجد هذا الإنسان أقدمَ على هذا العمل, يبتغي وجه الله, وباللهِ, وبأمرِ اللهِ, وابتغاء مرضاة الله، حينما أصبحَ في داخله, وعلا شأنهُ, أو كَثُرَ ماله, أو اتسعت تجارتهُ, فخرجَ كاذباً، دخلَ صادقاً فخرجَ كاذباً, هُنا المُشكلة, فالبطولة: لا في الدخول, في الخروج, البطولة كلُ البطولة: في أن تخرج لا في أن تدخل, الدخول سهل، مثل الحرب دخولها سهل جداً, أبسطُ شيء أن تدخلَ الحرب, لكنَّ أصعبَ شيء أن تخرُجَ منها، قد تخرجَ منها مُدمّراً . القصة تعرفونها, وأقولها لكم دائماً: سيدنا معاوية رضي الله عنه, كانَ يتحادثُ مع عمرو بن العاص, وكان من دُهاة العرب, قال: يا عمرو, ما بلغ من دهائك؟ قالَ: واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً إلا أحسنتُ الخروجَ منه, قال: يا عمرو, لستَ بداهية, أمّا أنا واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً أحتاجُ أن أخرُجَ منهُ . أقول لكم: الدخول سهل أما الخروج ليسَ بسهل، تجد إنساناً, كان فاسقاً تاب, والتحق بجماعة دينية, أول شهر شهرين يغلي غلياناً، يتّقدُ اتقاداً، يمشي فوقَ الأرض من شِدة الفرح، بعد فترة تجد انطفأ هذا اللهب, وخبا هذا البريق، واتبعَ هواه وانتكث, نحنُ نريد الثبات، نريد الاستمرار . يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَدِّدُوا, وَقَارِبُوا, وَاعْلَمُوا, أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, وَأَنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) احرص على أن تثبت في كلِّ شيء, في الدفع: اجمع واطرح وقسّم واضرب, قل: أنا أتخلى من دخلي عن مائة ليرة في الشهر، هذه المائة ليرة كل شهر على مدى سنتين, ثلاثة, أربعة, خمسة, أفضل مليون مرة من خمسة آلاف مرة واحدة فقط, وبعدها تندم على عدم دفعك, لَزِمتَ مجلسَ عِلم اثبت، تأتي أنتَ ابتغاء مرضاة الله، أنتَ تأتي لتزورَ بيتَ الله, لا بدَ من أن يُكرمكَ الله بعلمٍ, بحكمةٍ, بتوفيقٍ في عملك, بطلاقةٍ في لسانك, باتزانٍ في تصرفاتك, ببركةٍ في مالك, في أهلك, في أولادك, أنتَ في ذِمة الله, الإنسان لا يؤثر الدنيا على الآخرة . من آثرَ دُنياه على أخرته خَسِرَهُما معاً, ومن آثرَ أخرته على دُنياه رَبِحَهُما معاً . فهذه الآية خطيرة جداً: ﴿ربي أدخلني مُدخلَ صِدقٍ وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ واجعل لي من لَدُنكَ سُلطاناً نصيراً﴾ الآية الرابعة : واجعل لي لسان صدق ........ يوجد عندنا شيء آخر سيدنا إبراهيم قال : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 84] يوجد عندنا مُدخل صدق, وعندنّا مُخرج صدق، دخلنا على تجارة استقامة, شركاء حلفوا على كتاب الله؛ لا رِبا، لا فائدة، لا بِضاعة مُحرّمة، لا كذب، لا غش, شيء جميل, اتسعت هذه التجارة, ونمت, وصار لها فروع, سافروا ودخلوا على فنادق فخمة، دخلوا على متنزهات, على ملاهٍ، دخلوا بصدق لكن ما خرجوا بصدق، تعاملوا مع الفوائد واختلف وضعهم كليّاً . فنحن في مُدخل صدق وفي مُخرج صدق؛ في التجارة, وفي السفر, والزواج, وفي العلم، طالب العلم متواضع معك؛ ليسانس، دكتوراه، لا مانع، لكن بعد ما أصبحت بهذا اللقب, أصبحتَ إنساناً آخر, أصبحتَ تزدري أُمتكَ الإسلامية، أصبحتَ ترى أنَّ الدين لا يصلحُ لهذا العصر, هذا دخل . أخي أنا أريد أن أُسافر, وأن أدرس, حتى أُصبح دعماً للإسلام, باركَ الله فيكَ, مُدخل صدق, لكن عُدتَ إنساناً آخر، عُدتَ إنساناً ترى أن الدين لا جدوى منه, وأنَّ هذه الأمة متخلّفة جداً، هؤلاء هم الأشخاص الراقون، يُمضي سنوات, وهو يُثني عليهم, ونسي الإيدز, ونسي تبادل الزوجات, ونسي زِنا المحارم, ونسي هذا السقوط المُريع الأخلاقي والاجتماعي, لكن انبهر بجسر, ببناء شامخ, بحديقة, بمواصلات منتظمة, باتصالات, بسيارات فخمة, فعاد إنساناً آخر, هذا دخل مُدخل صدق, ذهب لأخذ الدكتوراه, حتى يكون دعماً للمسلمين, فعاد ضِدَ المسلمين، هذا دخلَ مُدخلَ صِدقٍ, ولم يخرج مُخرجَ صِدقٍ . يا أخوان, البطولة لا في الدخول, في الخروج, البطولة في الثبات، هذه الفورات لا تفرح بها . يعني: مرة طالب عِلم التقى بعالم, الطالب مندفع, أحوال وبكاء, قال له: يا بني, الله يُثبتّك، فقد رأى مثيلاً له من قبل, فورات كثيرة ثم همود وهدوء, قال له: الله يُثبّتكَ يا بني, وفعلاً البطولة في الثبات, في أن تبدأ بسرعةٍ مستمرة, أو بتسارع، ثمَّ تباطؤ, هذا شيء ليسَ في مصلحة المؤمن . عندنا مُدخل صدق واضح, لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاء مرضاة الله، تجارته, وزواجه, وشهاداته, ومعمله, ونظرته, وحركاته, وسكناته . ولِسان صدق: يا ترى هذا اللسان؛ يتكلّم عن الحقيقة أم عن الكذب؟ عن الحق أم عن الباطل؟ عن الآخرةِ أم عن الدنيا؟ عن القيم أم عن الشهوات؟ عما يُرضي الله أم عما يُرضي الشيطان؟ . أيام تجد الإنسان مُسخّراً لخدمة الشيطان، إذا تحدث عن الدنيا زيّنها للناس, زهّدهم في الآخرة, حببهم في الدنيا, روّجَ لهم المعاصي, يسّرَ عليهم الذنوب, شجعهم على ارتكاب الموبقات, دفعهم إلى الانغماس في الشهوات, هذا لسان كذب، يا ترى: هل لكَ لسان صدقٍ أم لسان كذب؟ . أُرسل ابني إلى بريطانيا ليدرس اللغة؟ نعم أرسله, ضروري جداً, أنت تعرف ماذا هناك؟ سيقيم مع أسرة, وأغلب الظن سيصبح زنا, وسيصبح انحراف, وسيعود إنساناً آخر, أتقن اللغة الإنكليزية, لكن فقدَ دينه كليّاً, أرسله مباشرةً، مثلاً: ابنتي جاءها فُلان لكن لا يُصلي , غير مهم, لسان كذب؛ ينصحكَ بالانحراف, وبالسقوط, وبالانغماس بالدنيا، ربنا عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم قال: ﴿واجعل لي لسانَ صِدقٍ في الآخرين﴾ . الآية الخامسة : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ........ الآن : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة يونس الآية: 2] يوجد عندنا : مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، وقدم صدق : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] أصبح عندنا خمسة أشياء : مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، قدم صدق ، مقعد صدق , مقعد الصدق هو الجنة . ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] أحياناً من باب التقريب: يكون المهندس متفوقاً جداً, قدّم لأمته خدمة كبيرة جداً, اكتشف مثلاً ثروة معدنية، رئيس الجمهورية أحب أن يُكرمهُ, وضعه بجانبه، كلُّ الوزراء شاهدوه أمامهم؛ معززاً ومكرّماً ومبجّلاً, يلتف نحوه, ويبتسم بوجهه, ويحييه باحترام بالغ, فهذا مقعد صدق عِندَ هذا الإنسان الحاكم -ولله المثلُ الأعلى- أنت مؤمن, لكَ في الجنةِ مقعدُ صدق، لكَ مكانتكَ عندَ الله، لكَ منزلتك، لكَ شأنك، الله عزّ وجل وفي، الله عزّ وجل كريم، شكور، هو الشكور . فأنت في الدنيا خائف, منطلق إلى بيت الله، منطلق إلى تعلّم العلم، تغضُ بصركَ عن محارم الله، تٌعاكس أهواءك وميولك، تُنفق من مالك, من وقتك, وبالآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 26] هذا هو التنافس الشريف، التنافس في طلب الجنة، التنافس في رِضوان الله عزّ وجل ، التنافس في طاعة الله، هذا هو التنافس الذي يُحبه الله عز وجل, أما قدمُ الصِدق: فَفُسرَ بالجنة, وفُسّرَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم, وفُسّرَ بالأعمال الصالحة . علاقة الحق مع الصدق . الحقيقة : كلمة الحق تلتقي مع الصدق ، ما الحق ؟ نقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [سورة الحجر الآية: 85] الحق: الشيء الثابت الهادف, خُلِقَ ليبقى, وعرفنا هذا المعنى من أضداد الحق, قال عزّ وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [سورة ص الآية: 26] خلقناهما بالحق وما خلقناهما باطلاً؛ الباطل: الشيء الزائل, الحق: الشيء الثابت, خلقنا السموات والأرض بالحق: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 16] معناها: الحق خِلاف الباطل، والحق خِلاف اللعب، اللعب هو: أن تعملَ عملاً لا هدفَ منه، صار معنى الحق الثابت غير الزائل, والهادف غير العابث، الحقُ يلتقي مع الصدق, فالحقُ صدقٌ غير كذب, ودائمٌ غيرُ زائلُ, ونافعٌ غيرُ ضار, نافع ودائم وواقع . الحقيقة : الإنسان إذا كان صادقاً , أول ثمار الصدق : طمأنينة في القلب , قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي : عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ, فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ, وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ)) [أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما] الكذّاب أو المنافق أو الكافر, دائماً في قلق، دائماً في ريب، دائماً في شك . بعضُ الكلمات في الصدق، قال بعضُ العلماء: الصدقُ الوفاءُ للهِ بالعمل، أخطر شيء في حياة المؤمن: أن يكون حجم كلامه أكبر من حجم عمله، إذا كان حجم عملك أكبر أحسن، تعمل بصمت، أكبر دولة إسلامية الآن تعد 150مليون, أسلمت بلا كلام, بالعمل, إندونيسيا، إذا كان حجم عملك أكبر من حجم كلامك أفضل، أما الحد الأدنى أن يكونَ حجمُ عملك كحجم كلامك. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ, وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] هذا الحديث ممكن أن تقرأه وتحفظه، وتحفظ ضبطه, ومن رواه، في أي كتاب، تجلس على مجلس تتصدر المجلس, تقول: قال عليه الصلاة والسلام, والناس منصرفون إليك, وتدخل للبيت على شِجار, وعلى كلمات قاسية, كل كلامك ليسَ له قيمة، القيمة فقط فيما تفعله في البيت, لا فيما تقوله عندَ الناس . تعريف الصدق: الوفاء لله بالعمل, الكلامُ كلهُ لا قيمةَ له، الوفاءُ للهِ بالعمل، كانَ في مَهنةِ أهله, هل تفعلُ أنتَ هذا؟ . كان إذا دخلَ إلى بيته بسّاماً ضحّاكاً. قالَ: ((أكرموا النساء, فو الله ما أكرمهنَ إلا كريم, ولا أهانهنَ إلا لئيم, يغلبنَّ كلَّ كريم, ويغلبهنَّ لئيم, وأنا أُحبُ أن أكونَ كريماً مغلوباً, من أن أكونَ لئيماً غالباً)) هل أنتَ كذلك؟ لذلك أتمنى على أخ أن يُدقق فيقول: ما حجم محفوظاتي؟ ما حجم أعمالي؟ إذا في فرق كبير, مشكلة كبيرة جداً، يجب أن يكونَ حجمُ عملك مبدئياً بحجم أقوالك , أنفِقوا: هل تُنفق أنت؟ غضوا أبصاركم: هل تَغُض بصرك؟ كونوا حُلماء: هل أنتَ حليم؟ تسامحوا: تسامح أنت؟ هذه البطولة . أحد تعريفات الصدق: أن يأتي فِعلكَ مُطابقاً لقولك، أول كلمة تحدثتها: أن يأتي فعلكَ مُطابقاً لقولك . وقيلَ: الصِدق: موافقة السِرِّ للنُطقِ, أن يأتي ما في القلب كما في اللسان، واللهِ يا أخي مشتاقون لك, يا أهلاً وسهلاً, أطلت الغياب, عندما يذهب ترتاح, الآن رحبت به, وعبّرت عن محبتك, وشوقكَ له, وعن اهتمامك, هذا كذب هذا, الصدق موافقة السِرِّ للنُطقِ . تعريف ثالث: الصِدقُ استواء السِرِّ والعلانية . في تعاريف أصعب, قال: الصدقُ: القولُ بالحقِّ في مواطن الهالكة, موطن عصيب يمكن أن تُضحي بحريتك أو بحياتك, تقول كلمة الحق ولا تخاف, وعندئذٍ يتولى الله عزّ وجل حِفظكَ وتأييدكَ ونصرك . يروى عن الحجاج, بلغه عن الحسن البصري كلاماً لا يحتمل, فجاء بالنِطع, فالنطع هو قماش يوضع عليه, من تُقطع رقبته حتى الدم, لا يؤثر بالأثاث, وجاء بالسياف, وقال: أحضروه، أحضِروه ليقتله, فلما دخل تمتم الحسن البصري، لمّا دخل على الحجاج, رحّبَ به, وسلَمَ عليه, وأجلسهُ إلى جانبه، هذا السيّاف صُعق, لماذا دعوته يا سيدي؟ لتضرب عُنُقه, ثم طلب منه الدعاء, وودعه إلى الباب . أنا لا أذكر القصة بتفصيلاتها, إلا أنه سأله, ماذا قلت؟ استعان بالله عزّ وجل, فقالوا: الصِدق: القول بالحق في مواطن الهالكة . أيام أنت إذا تكلّمت بالحق, تُنقذ إنساناً من هلاك, في أشخاص يتهيبون, هذا من الصدق، وقيلَ: كلمة الحق عِندَ من تخافهُ وترجوه, إمّا أنه مُعلّق آمالاً كبيرة عليه, فتكلّمَ كلمة غير صحيحة, وبقيت صامت, دعها له, أين الصدق؟ أين النصيحة؟ أينَ الأمر بالمعروف؟ أينَ النهيُ عن المنكر؟ فحينما ترجو إنساناً أو تخافُ منه, صار الكلام دقيقاً جداً معه, لا بدَّ من أن تقول كلاماً يرضى عنه أو ترضيه به, ليسَ هذا هو الصِدق، الصدقُ ألا تخاف في الله لومةَ لائم، ألا تأخذكَ في الله لومة لائم . الجُنيد قال: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . أنا توقعت أن يكون هناك خطأ مطبعي بالعكس, الكاذب يتقلّب في اليوم أربعين مرة, والصادق يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . المُرائي الشيطان أراحهُ، الشيطان أراح المُرائي, لأنه يُحققُ أهدافَ الشيطان, أما الصادق؛ من صلاة, إلى صدقة, إلى أمر بالمعروف, إلى انقباض, ما السبب؟ إلى زيارة مريض، من حال إلى حال، من منزلة إلى منزلة، من خوف إلى رجاء، من ثقة برضاء الله إلى قلق، من طُمأنينة إلى حُزن، من سعادة إلى شحوب, شِدةُ صِدقه, وشِدةُ حرصه على رِضوان الله عزّ وجل, يجعله في أحوال عديدة جداً, متقلّب تقلّب الصادق . إذا طالب لا يدرس إطلاقاً, كُلما سألوه: الحمد لله جيد, لا يوجد عِنده مُشكلة, لأنه لا يدرس، أما الذي يدرس, هذه النقطة لم يفهمها, يريد أستاذاً، يريد زميلاً، يريد مُلخّصاً، يُريد قرطاساً, يثور وينفعل, هذا الذي نوى على النجاح، أما الذي لا يقرأ لا يوجد عنده مشكلة, العلم كله واضح, معناها لا يقرأ شيئاً أبداً, لو أنه يقرأ, لم يكن كلُ شيء واضحاً، ما دام يقرأ ويحاول أن يفهم, كان كله واضحاً . فالكذّاب المرائي يثبُتُ على حاله أربعينَ عاماً, بينما الصادق يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ حالاً, يسأل هذه القطعة, انكسرت معي, فمن يدفع ثمنها؛ أنا أم على الزبون؟ يسألكَ في عمله، بصلاته، بذكره، بورده، بقيام ليله، بغض بصره، بعلاقته مع زوجته, يُتعُبكَ الصادق، خائف على مكانته عِندَ الله، خائف على استقامته، خائف على دينه، يتقلّب, هذه الصلاة أقامها، الذِكر أجاد فيها، قرأ القرآن، حفظ أم لم يحفظ، أما الآخر على حالة واحدة. أحدهم دهس اثنين، مات الأول والثاني لم يمت، الذي مات يصيح, فقال له: مات ولم يتكلّم, لأنه مات, الذي لا مشكل عنده معناها ميت، أمواتٌ غيرُ أحياء، أما الحي له سؤال، له جواب، له قضية، له مشكلة، هكذا قالَ الجُنيد: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . الصِدقُ منزلةٌ هيَ أمُ المنازل، لا أُبالغ إذا قلت: إنَّ المنازلَ كلها أساسها أن تكونَ صادقاً مع الله عزّ وجل، يعني التفت إلى الله, ودع الخلقَ جانباً، عكس الصدق الكذب أو الرياء، والرياء من الشِرك, والحديث الشهير: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ, فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى, فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ, أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي, فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)) آخر ما يُقالُ في هذا الدرس : أنَّ الصِدقَ يهدي .. أنت حينما تكون صادقاً مع الله, يتولى الله نقلكَ, من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، ومن درجة إلى درجة، ومن طريقة إلى طريقة، ومن فهمٍ إلى فهم، هذا التطوير والرُقيّ أساسه الصِدق . اللهم اجعلنا من الصادقين؛ الذينَ إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحياءالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع العاشر ) منزلة الحياء . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الحياء , هذه المنزلة مُستنبطة من كتاب الله عزّ وجل . الآيات التي تتحدث عن الحياء . الآية الأولى : ألم يعلم بأن الله يرى .... قال تعالى : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 14] أحدنا إذا اكتشفَ أنه حينما فعلَ هذا الفِعل كانَ فُلانٌ يراه، إن كانَ هذا الفِعلُ شنيعاً يذوبُ كما تذوبُ الشمعةُ المُشتعلة، فما بالك إذا كانَ خالِقُ الكون ربُّ العالمين الذي منحكَ الحياة يراكَ في تقلّبك؟ . ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213-218] يراكَ في فِراشِكَ، يراكَ في بيتكَ، يراكَ في خلوتك، يراكَ في جلوتك، يراكَ في أثناء بيعك، يراكَ في حديثك . أساسُ الحياء : أنَّ الله يرى , لذلك الآية الأولى في موضوع الحياء : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ قبل هذه الآية : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 9-14] مواقفك، نصائحك، إرشاداتك, ما تُبطن وما تٌعلن: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ هذه أول آية . الآية الثانية : إن الله كان عليكم رقيبا .... آية أخرى في الحياء ، هذه الآياتُ وحدها تكفي الإنسان : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء الآية: 1] أنتَ تحتَ المراقبة, ويا ليتك تشعر حينما تشعر أنكَ تحتَ المراقبة كيف تكون؟ ليتكَ توازن نفسكَ, حينما تشعر أنَّ إنساناً يُراقُبك, وبيده حولٌ وطور, وبإمكانه أن يفعلَ معكَ ما يفعل, إذا شعرتَ أنه يُراقبُك, وأنكَ تحتَ مُراقبته, كيفَ تنضبط؟ كيفَ تستحيي؟ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ يعني إذا قرأت أنَّ هذا الطريق مُراقب بالرادار, هل تُسرع؟ إذا أسرعت, تُلتقطُ صورةٌ لمركبتك, وتُحاسبُ حِساباً عسيراً، إذا دخلتَ إلى مكان للبيع, وقرأتَ أنَّ هذه الصالة مُراقبة تلفزيونياً, كيف تتحرك؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ هذه أمثلة للتوضيح ولله المَثلُ الأعلى . يعني: الإنسان إذا كان أمام شخص من أسرته, عالي الشأن, رفيع المقام، أخلاقي، له شأنه في الحياة، إذا دخلَ عليكَ البيت, كيفَ تستقبله: بثياب متبذلة؟ كيفَ تُحدّثه: ترفعُ صوتكَ أمامه؟ تُلقي عليه كلاماً سخيفاً بذيئاً فاحشاً؟ هذا إنسان من لحمٍ ودم من طينتك . الآية الثالثة : يعلم خائنة الأعين .... ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر الآية: 19] لو أنكَ في غُرفتكَ وحدك, وغرفة جيرانك مفتوحة النوافذ, ووقفت امرأة على هذه النافذة, لا يستطيعُ رجلٌ في الأرض أن يُحاسبك, ولا أن يكتشفَ أنكَ تنظرُ إليها، إذا خانت العين ونظرت، من يعلم؟ الله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ هذه الآيات ، أما الأحاديث : الأحاديث التي تتحدث عن الحياء . الحديث الأول : الحياء من الإيمان .... أما الأحاديث : في الحديث الصحيح من حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما: عَنْ سَالِمِ بْنِ عبد الله, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ, وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] حديثٌ نعرفهُ جميعاً, ولكن لو وقفنا عنده وقفةً متأنية, لكشفنا العجبَ العُجاب، هُناكَ خُلُقٌ يُعدُ من لوازم الإيمان, فمن لم يكن مؤمناً, لا يمكن أن يكونَ متحليّاً بهذا الخُلُق . هناك خُلق إذا توافرَ لا بدَّ من أن يكونَ الإنسان عديم الإيمان . عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] فإذا كّذّبَ أو خان ليس مؤمناً، المؤمن لا يكذب، إن كانَ حييّاً فهو قطعاً مؤمنٌ, لأنَّ الحياء لا يكون إلا عن إيمان الخُلُق, الذي يؤكدُ وجوده عِندَ الإيمان هو الحياء، والخُلُق الذي ننفي معه الإيمان الكذب والخيانة, لذلك قال عليه الصلاة والسلام توفيراً للوقت والجهد: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ " لو كانَ مؤمناً لكانَ حييّاً, ما دام لا يستحيي, إذاً: ليسَ مؤمناً، والحياءُ من الإيمان . الحديث الثاني : الحياء لا يأتي إلا بخير .... عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ )) فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ : إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا , وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً . كيفما تحركت الحياء يُقدّمُ لكَ كلَّ خير، تستحيي أن تعصي الله لأنه يُراقبك، تستحيي أن تؤذي الناس لأنَّ الله يُراقبك، تستحيي أن تأخذَ ما ليسَ لك لأنَّ الله معك، الحياءُ لا يأتي إلا بخير. الحديث الثالث : الحياء شعبة من الإيمان .... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيق,ِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) أعطاك النبي أعلى درجات الإيمان : أن توّحدَ الله عزّ وجل ، أن ترى يدَ الله وحدها تعمل في الكون، أن ترى أنهُ لا إله إلا الله هذه أعلاها، التوحيد نهاية العِلم, إذا وحّدت حُلّت كلُّ مشكلاتك, لأنَّ كلَّ علاقاتك أصبحت مع جِهةٍ واحدة وهي الله, فإذا جمعتَ كلَّ العلاقات مع جِهةٍ واحدة استرحتَ وأرحت، لذلك نهاية المطاف أن تُوّحدَ الله عزّ وجل، نهاية النهاية أن تكونَ موّحداً، وأكثر المؤمنين يقعون في الشِرك الخفيّ, بدليل قول الله عزّ وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] هنا في هذه الآية, تعني كلمة مشركون: أي الشِركَ الخفيّ وليسَ الجلي, هذا أعلى مرتبة، وأدناها: أن تقوم بعمل صالح بسيط: أن تُميطَ الأذى عن الطريق, أن تُزيحَ حجراً من طريق الناس، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان . الإيمان اعتقاد, والإيمان سلوك, والإيمان خُلُق، أن تُميطَ الأذى سلوك، أن تستحيي من الله خُلُق، أن تعتقدَ أنه لا إله إلا الله عِلم. الإيمان أخذ منحى علمياً، منحى سلوكياً، منحى خُلقياً . في الحياء : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : ((كَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا, فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ, عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] كان يستحيي , وجّهَ امرأة مرةً , وقال : ((أيتها المرأة, خُذي فِرصةً ممسكةً تتبعي بها أثرَ الدم, فقالت: يا رسول الله! كيف أتتبعُ بها أثرَ الدم؟ يروي أصحابهُ أنه علت وجهه حُمرة -حُمرة الحياء- وارتبك النبي عليه الصلاة والسلام, وقالَ: يا سبحان الله! تطهرينَ بها -يعني ليسَ في إمكانه أن يعطي مزيداً من التفصيلات- فأخذتها السيدة عائشة جانباً, وعلّمتها كيفَ تطهرُ بها)) كانَ حيياً . هذا الذي لا يستحيي , له نظراتٌ وقحة، له عِباراتٌ بذيئة، له سلوكٌ جافٍ ، هذا الذي يُحرج الناس يوقعهم في الحرج، يُحمّرٌ وجوههم، يتلذذ برؤية وجوههم وهم يرتبكون, هذا ليسَ مؤمناً، المؤمن يستحيي, ويستحيي أن يوقعَ أحداً في الحرج . النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تُحمّروا الوجوه)) لا تتكلم كلمة تجعل أخاكَ يضطرب، تجعل أخاكَ يرتبك، تجعل أخاكَ يحمّرُ وجهه خجلاً، لقد أسأت إليه . كلكم يعلم : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ مدعواً مع أصحابه إلى وليمة, صلّوا جميعاً الظهر, وتناولوا طعام الغداء, وكانَ لحمَ جزور, صدرت رائحةً من أحدهم, وأذّنَ العصر-وهذا الواحد يجب أن يقوم ليتوضأ, وأنا أظن يتمنى أن يغور في باطن الأرض، وأن لا يفُتضحُ أمام الناس، ماذا فعلَ النبي؟-, قال: ((كلُّ من أكلَ لحمَ جذور فليتوضأ, قالوا: يا رسول الله! كُلنا أكلنا هذا اللحم, قالَ: كلكم فليتوضأ)) أرادَ ألا يُحرجَ هذا الإنسان، أرادَ ألا يُخذِله، أرادَ ألا يُربِكهُ، أرادَ ألا يجعله في وضعٍ حرج . كانَ أشدَ حياءً من العذراءِ في خِدرها, فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناهُ في وجهه . وفي الصحيح: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ, إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)) لهذا الحديث تأويلات: التأويل الأول وهو ضعيف, يعني إذا فعلتَ فِعلاً, أو إذا أقدمتَ على فعلٍ مُباحٍ مشروعٍ, لا يُستحى منه عادةً فاصنعه، إذا أردتَ أن تشتري لأهلكَ طعاماً, وأنتَ عالي الشأن, هذا عمل مشروع وشريف, وهو وسام شرف, ومن حملَ حاجته بيده بَرِئ من الكِبر، فإذا كانَ هذا الأمر مشروعاً فافعله, هذا المعنى ضعيف, ولكن المعنى الشائع الذي أقرّهُ جمهور العلماء: أنكَ إذا فقدتَ الحياء فاصنع ما تشاء, عندئذٍ فقدتَ مقومات الأدب، فقدتَ مقومات الخُلُق، هذا فافعل ما تشاء أو فاصنع ما تشاء, هذا أمرُ تهديد . الحديث الرابع : استحيوا من الله حق الحياء .... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ربنا عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 102] هذه غير اتقوا الله، طالَبَكَ النبي بكمال التقوى، وإذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحج الآية: 78] لم يطالَبَكَ بالجِهاد بأصل الجِهاد، طالَبَكَ بكمال الجِهاد. يعني: أنتَ مأمور بالتقوى وبِحقِّ التقوى, أيّ بكمال التقوى, ومأمورٌ بالجهاد وبكمال الجهاد, ومأمور بالحياء وبكمال الحياء. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ليسَ هذا الحياء المُتعارف بين الناس، ليس هذا الحد الأدنى من الحياء، يوجد بالرأس عين, هذه العين: هل تستحي؟ هل تَغُضُ بصرها عن محارم الله، أم تتبعُ بِها عورات المُسلمين ؟ هل تنظر بكتاب أخيك بفضول ماذا يكتب؟ هل وجدتَ في الغرفة كتاباً أو دفتراً وفتحته وتأملتهُ بفضول؟ هذا ليسَ من الحياء, الدفتر ليسَ لكَ، المحفظة ليست لكَ, لماذا فتحتها؟ مكتبٌ ليسَ لكَ, لماذا جلستَ وراءهُ وفتحتَ الدروج؟ . ((أن تحفظَ الرأس وما وعى)) العين، الأذن إذا استمعت إلى مزاحٍ رخيص جنسي, هل تطرب له, أم تشمئزُّ منه, أم تقوم عن هذا المجلس, فلا تقعد بعدَ الذكرى؟ الأذن, العين, اللسان, هل جرى لِسانُكَ بكلماتٍ بذيئة، كلماتٍ فاحشة؟ تعلّم من كتاب الله كيفَ يكون الأدب؟: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 5-7] هل تشعر أنَّ في هذا الكلام ما يجرحُ الحياء؟ ما يُحرج؟ افتح أيّ كتاب فقه، ترى أشياء بأسمائها، العورات بأسمائها، والمواقف والاتصالات واللقاءات بتفصيلاتها, الإنسان قد يستحيي . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 43] طفل صغير بمجلس علم يقرأ القرآن: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ لم يفهم من هذه الآية أكثر من أن يلمسَ الإنسانُ امرأة لمسة. بالقرآن في أشياء لطيفة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تكلّم؟ رأى أحدَ بناته -فيما أذكر- وعليها ثيابٌ رقيقة, فقال: يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ . أية كلمةٍ تنتقيها سوف تُثير الغريزة الجنسية, قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ)) أيُّ عظمٍ هذا؟ كلمة عظم مُنَفّرّة. هذا الذي تَغزّلَ, وقال: إن سلمى خُلقت من قصبٍ؛ قصبِ السُكّرِ لا عظم الجمل, وإذا قرّبتَ منها بَصلاً, غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل, هذا ليس غزلاً, بصل وجمل, فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ)) . اللسان: تعلّم كيف يكون مُهذّباً؟ كيف تُعلّم أولادكَ التهذيب في الكلام وفي التعبير؟: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ما قولكم: إنَّ الله عزّ وجل حيي؟ . إنَّ الله تعالى حييٌ كريم, يستحيي من عبده إذا بسطَ إليه يديه, أن يردهُما خائبتين. يستحي الله عزّ وجل . قال بعضهم: الحياءُ من الحياةِ، علامة حياة القلب: لكَ قلبٌ حي إذاً أنتَ تستحيي، القلبُ ميت إذاً لا تستحيي, الحياءُ من الحياة, قِلةُ الحياة علامةُ موت القلب، كلما كانَ القلبُ أحيا كانَ الحياءُ أتم . قال الجُنيد رحمه الله تعالى: العلماء أنسب كلمة رحمهم الله تعالى, إذا قلت: رضي الله عنهم بمعنى دعاء, أما بمعنى تقرير هذا لأصحاب النبي وحدهم, لأنَّ الله عزّ وجل قالَ في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] إذا قلت عن عالمِ رضي الله عنه, فالمقصود: أرجو الله أن يرضى عنه, دُعائية, أما إذ قلت عن الصحابي: رضيّ الله عنه, تقريرية, والأَولى أن تقول: رحمه الله تعالى. الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أَكمَلّ, لأنَّ كلمة رحمه الله تعالى لا توقع في لَبس واضحة, ليسَ صحابيّاً . تعريف الحياء في رأي الجنيد : الإمام الجُنيد رحمه الله تعالى قال : الحياءُ رؤية الآلاء مع رؤية التقصير . من هاتين الرؤيتين يتوّلدُ في النفس حالةٌ اسمُها : الحياء . إذا واحد قدّمَ لكَ شيئاً ثميناً , وأنتَ لم تُقدّم له شيئاً وقابلته , تستحي منه , عَمَلَ لكَ ولائم كثيرة , وزاركَ في البيت , ولا يوجد عندكَ شيء , تجد نفسك مضطرباً محرجاً , تقول له : والله لا تؤاخذنا ، تفسير بسيط من رؤية الفضلِ مع رؤية التقصير, يتولد في الإنسان المؤمن حالةُ اسمها : الحياء . فضلُ الله عزّ وجل عميم , والدليل : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] والإنسان مهما قدّم لا يستطيع أن يُوفَي. قد يقول أحدكم: هذه الآية: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم الآية: 37] ماذا تعني؟ سيدنا إبراهيم حينما ابتلاه الله بالتكليف, وفّى ما عليه، نَفذَّ الأمر، ولم يستطع أن يُكافئ حضرةَ الله عزّ وجل على إحسانه, مستحيل . إذاً: لا أحد يستطيع أن يَرُدَ الجميلَ إلى الله عزّ وجل, حتى إذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسَبهُ إليك, لكنَّ هذا الحياء؛ الفضل عميم والجهد قليل, إذاً: ينشأ حالة اسمُها الحياء، من لوازم هذه الحالة: تركُ القبائح, وتركُ التفريط مع أصحاب الحقوق، ما دام لا تقدر أن تُكافئ خالِقَكَ على إحسانه لك, لا أقلَّ من أن تدعَ ما نهاكَ عنه . رأي الفضيل بن عياض : قلة الحياء من علامات الشقاء . الفُضيل بنُ عياض ؛ هذا القاضي الجليل قال : خمسٌ من علامات الشقاء : القسوة في القلب ، وجمود العين , وقِلة الحياء ، والرغبةُ في الدنيا ، وطولُ الأمل . هذه خمسُ علاماتٍ من علاماتِ شقاء الإنسان : قِلةُ حيائه , وقسوة قلبه , وجمودُ عينه , ورغبته الجامحة في الدنيا , وطولُ أمَلِهِ فيها . وقال السرّيُّ الثقفي : إنَّ الحياءَ والأُنسَ يطرقان القلب , فإن وجدا فيه الزُهدَ والورع أقاما , وإلا ارتحلا . وقالَ يحيى بنُ مُعاذ : من استحيا من اللهِ مُطيعاً , استحيا الله منهُ وهوَ مذنبٌ . معنى جميل جداً , أنتَ تُطيع الله تستحي منه, وأنتَ في طاعته, فإذا زُلّت قدمُك، فإذا سَبَقَكَ لِسانُك، فإذا وقعتَ في مُخالفة، عندئذٍ الله عزّ وجل يستحيي مِنكَ أن يُعاقبك . ((عبدي اعرفني في الرخاء أعرفكَ في الشِدة، عبدي كَبِرت سِنك, وضَعُفَ بصرك, وشابَ شعرك, وانحنى ظهرك, فاستحيي منّي, فأنا أستحي مِنك)) أيام تنفعل, أنت تضرب ابنك الصغير, عمره خمس سنوات، كل ما كبر الابن بعد ما تضربهُ تتألم كثيراً, إذا كبر كثيراً يبقى في قلبه ألم لأشهر منك, كلما كبرَ الإنسان أو كبر سنّهُ أو مقامه أو قدرهُ فالعقاب مؤلم، يتضاعف العِقاب، فإنسان شابَ في الإسلام, اللهُ عزّ وجل حيي, يستحي ربُنا عزّ وجل أن يُعذّبَ ذا الشيبةِ المُسلم . إنَّ الله لَيُباهي الملائكة بالشاب المؤمن , يقول : انظروا عبدي تركَ شهوتهُ من أجلي . مرةً ثانية : حياء الله عزّ وجل وَضّحهُ العلماءُ , فقالوا : إنه حياءُ كرمٍ , وحياءُ بِرٍ , وحياءُ جودٍ , وحياءُ جلال . فإنه تباركَ وتعالى حييٌ كريم , يستحي من عبده , إذا رفعَ إليه يديه , أن يَرُدهُما صُفراً , ويستحيي أن يُعّذبَ ذا شيبةٍ شابت في الإسلام . أقولها مرة ثانية : من كان يستحيي , يستحيي أن يُخالف أنظمة البشر, لِئلا يقع في الخطأ, خالفتَ نظام السير وأوقفكَ, من هو مسؤول عن هذا النِظام؟ وسألكَ: أعطن أوراقك, وأعطن مستندات هذه السيارة, ولماذا خالفت؟ الذي يتمتع بِخُلق الحياء, يستحيي أن يقعَ في المخالفات, حتى في الأنظمة الوضعية, لِئلا يقفَ موقفاً حَرِجاً، لِئلا يصغُر، لِئلا ينكمش . أوجه الحياء جملة وتفصيلاً : بعض العلماء قال الحياء على عشرةِ أوجه : حياءُ جِنايةٍ ، وحياءُ تقصير ، وحياءُ إجلال ، وحياءُ كرم ، وحياءُ حِشمة , وحياءُ استصغار نفس ، وحياءُ محبة ، وحياءُ عبودية ، وحياءُ شرفٍ وعِزّة ، وحياءُ المُستحيي من نفسهِ . إليكم التفصيلات : 1-حياء الجناية : فأما حياءُ الجناية : فمنه حياءُ آدمَ عليه السلام , لمّا فرَّ هارباً من الجنة , قالَ تعالى : أفِراراً مني يا آدم ؟ قالَ : لا يا ربي بل حياءً منك . أيام الإنسان يستحيي أن يواجه إنساناً عظيماً بمخالفة , فهذا ليسَ حياء الهروب , حياء التعظيم ، حياء الجناية . أحياناً الإنسان يكون له ابن, فيخطىء الابن : أين فلان؟ مختفٍ, إذا كان الابن توارى حياءً , الأب يتسامح حتى لا يُصبح في إحراج ، الابن خاف واستحى بذنبه , هذا حياء الجناية . 2-حياء التقصير : أما حياءُ التقصير: كحياء الملائكة , الذين يُسبحّونَ الليل والنهارَ ولا يفترون, فإذا كانَ يومُ القيامة, قالوا: سبحانكَ ما عبدناكَ حقَّ عِبادتك, هذا حياء التقصير, النبي عليه الصلاة والسلام جعل عمله الصالح كله، وعملهُ ليسَ في الأرضِ كُلِها منذُ آدم وإلى يوم القيامة, عملٌ أعظمُ من عملِ النبي, رحمةٌ مُهداة، نِعمةٌ مُزجاة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 107] كلُ عملهِ رآه قليلاً, فقالَ عنه: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا التواضع, جُهدُ مُقِل عمل النبي، ألفان ومئتا مليون مُسلم في شتى بِقاع الأرض على رُقعةٍ واسعةٍ جداً, هذه دعوة النبي, ومعَ ذلك قال: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا حياء التقصير . 3-حياء الاجلال : حياءُ الإجلال: هو حياءُ المعرفة قدر معرفة العبدِ بربه يكونُ حياؤهُ منه، كلما ارتقت معرفتك ارتقى حياؤك, هذا سماه العلماء الإجلال . سيدنا النبي لمّا قدّم الوسادة لزيد الخير, قالَ: ((واللهِ إني لا أتكئ في حضرتك)) استحيا أن يتكئ في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام . النبي عليه الصلاة والسلام وهو نبي هذه الأمة, ما رؤي ماداً رجليهِ قط في حياته بينَ أصحابه . 4-حياء الكرم : وحياءُ الكرم كحياء النبي من القوم الذينَ دعاهم إلى وليمة زينب, وجلسوا وأطالوا الجلوس, فقامَ واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا . أحياناً يكون يغلي غلياناً, لشدة الارتباطات والأعمال, يأتيه شخص مُحب, يجلس يستمتع بالحديث يأنس, من السهل أن تقول له: انصرف, ولكن على صاحب الحياء صعبةٌ جداً , تراه يتمزق, والتمزق أهونُ عندهُ من أن يصرفهُ, هكذا فعلَ النبي, دعا أصحابه إلى وليمة زينب, جلسوا وأطالوا الجلوس, والنبي في حرجٍ شديد, فاستحيا أن يقول لهم: انصرفوا . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 53] 5- حياء الحشمة : قال حياءُ الحِشمة : كحياء علي بن أبي طالب رضي الله عنه, استحيا أن يسألَ النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, سائل شفاف يخرج قبل المنيّ, هذا يا ترى ينقض الوضوء, يحتاج إلى وضوء أم يحتاج إلى غُسل، سيدنا علي زوج ابنة رسول الله, فاستحيا أن يسألَ أباها وابنتهُ عِندهُ . العلماء استنبطوا: لا يصح ولا يليق أن تتحدثَ بأمرٍ نسائي أمام والد زوجتك, وأمام أخوتها, ولو كان في تورية. الإنسان يحكي عن العلاقات الزوجية والأحكام الشرعية بشكل مُهذّب جداً وبشكل راقٍ جداً، لكن إذا كان والد زوجته موجود وأخوات زوجته, الأكمل ألا يتحدث به أبداً, اقتداءً بسيدنا علي بن أبي طالب, الذي استحيا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, لأنَّ ابنتهُ عِندهُ, لمكان ابنته من رسول الله . كنت مرة بجلسة في العيد, يتحدث الأخ كلاماً لطيفاً متعلّقاً بالزواج وبالعلاقات الزوجية أمام أخي وزوجته، فأخو زوجته ينتقل إلى صورة, قد يأباها الأخ أو الأب مثلاً, أو قد لا يُحب أن يتخيل ما يجري. فلذلك: من الكمال أن لا تتحدث عن أشياء مباحة, وأشياء مُهذّبة فيها كنايات لطيفة أمام أقرباءِ زوجتك, هذا من الحياء . 6-حياء الاستحقار والاستصغار : قال: وحياءُ الاستحقار والاستصغار: كحياء العبدِ من ربه عزّ وجل, حين يسألهُ حوائجه, احتقاراً لشأنِ نفسهِ, واستصغاراً لها . يقولون: أن نور الدين الشهيد رحمه الله, الذي رفعَ اسمَ المسلمين عالياً, والذي قضى على سبعٍة وعشرين جيشاً أوروبيّاً, جاؤوا ليغزوا بلادنا في العصور الوسطى غزو الفِرنجة، يقال: أنه سجد, هكذا قرأت ولا أدري مبلغَ هذا من الصحة, سجد قُبيلَ المعركة الفاصلة, وقال: يا رب, من هو نور الدين حتى تنصرهُ؟ انصر دينك . يعني: من أنا حتى تنصرني؟ يا رب أنا أحقر من ذلك, انصر دينكَ يا رب, فإذا الإنسان رأى عبوديته, ورأى أنه لا شيء, ما فعلَ شيئاً، ما قدمَ شيئاً، فاستحيا من الله, هذا حياء العبودية لله عزّ وجل . فسّرَ بعض العلماء هذا الحياء حياء الاستصغار؛ إمّا لتعظيم المسؤول وهو اللهُ عزَ وجل, أو لوقوع السائل ببعض الذنوب, إما السائل مُذنب على استحياء, أو أنَّ المسؤول عظيم جداً . 7-حياء المحبة : أما حياءُ المحبة : فحياءُ المُحبِّ من محبوبه , حتى إذا خطرَ المحبوب في قلب المُحبِّ في غيبتهِ , هاجَ حُبُهُ , وظهرَ هذا في وجههِ , ولا يُدرى ما سببهُ ؟ 8-حياء العبودية : حياء العبودية : حياءٌ ممتزجٌ من محبةٍ وخوفٍ ومشاهدة . 9-حياء الشرف والعزة : أما حياء الشرف والعِزّة : إذا الإنسان له مقام كبير, المُعلّم, الأب, في الخمسينات, عنده خمس بنات متزوجات, عنده أصهار, له أولاد شباب, وله أحفاد, يمزح مزحاً ساقطاً, يتلصص على النساء, يُضبط أنه يتلصص، مُراهقةُ في سِنٍ متأخر, كما قال الله عزّ وجل: ((وأبغضُ العصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد)) من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة . سن الأربعين سن التقوى والصلاح, سن الإنابة والقرآن والحفظ والتهيئةَ, رحلة: ستة أيام يُلهو؛ سبت أحد اثنين ثلاثاء يوم الأربعاء, تجده يُخطط للعودة, كيف نعود بالسيارة العامة أو الخاصة بالقطار؟ إذا كان عمر المرء ستين، إذا كانت الستين ستة أيام، أول عشر سنوات السبت, وثاني عشر سنوات الأحد, والثالثة 30 الاثنين, والرابعة الثلاثاء، والخامسة الأربعاء، خامس مرحلة, من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة . فإذا إنسان له مقام , له عمل في الجامعة ، أب راقٍ ، صاحب معمل ، مدير مستشفى , لا يليق به أن يقرأ موضوعاً سخيفاً , أو يتواجد عنده مجلة من نوع معين, أو يمزح مزحاً معيناً, أو يرتكب حماقة معينة, هذا لا يليق بالإنسان العادي, فكيفَ بالمؤمن؟ . 10-حياء المرء من نفسه : حياءُ المرءِ من نفسهِ : هو حياء النفس الشريفة , هذا أرقى أنواع الحياء ، وأنتَ وحدكَ في البيت . أحياناً الإنسان إذا رأى نفسه كريمةً عفيفةً شريفةً صادقةً, رِضاؤهُ عن نفسهِ يُسعدهُ، إذا الإنسان ارتكب حماقة فيما بينه وبينَ نفسهِ, ولا أحدَ على وجه الأرض اطلّعَ عليها, يكفيه ألماً أنه احتقرَ ذاتهُ. فلذلك الإنسان الشريف يسعى إلى أن يرضى عن نفسهِ، إذا رضي عن نفسهِ شعرَ باعتزازِ إنسانيته . قال العلماء: إذا استحيا الإنسان من نفسهِ, فاستحياؤهُ من غيرهِ من باب أَولى. أنواع الحياء : 1-حياء الرقابة : أحدُ أنواع الحياء المُهمة حياءُ الرقابة : وهو حياءٌ يتولّدُ من عِلمِ العبدِ بنظر الحقِّ إليه . مرة دخلت إلى محل تجاري -القصة قديمة-, وجدت شاشة تلفزيونية بالمحل, وعلى الشاشة شاب على طاولة, يكتب في دفاتر محاسبة, فعلمت أنَّ صاحب المحل التجاري في الطابق العلوي, عنده محاسب, فلا أدري لماذا فعلَ هذا؟ لكن وضع فوقَ هذا المحاسب آلة تصوير تلفزيونية, وعندهُ في المكتب هذه الشاشة, تُريه ما يفعلُ هذا المُحاسب, في ثماني ساعات. قلت: هذا المحاسب ما دام مُراقباً ثماني ساعات مستمرة، كل حركاته وسكناته محسوبة، كلما نظرَ صاحب المحل رآه ماذا يعمل؟ تصور نفسك مُراقباً أربعاً وعشرين ساعة. بعض مدراء المدارس غلط غلطة كبيرة, ووضع بكل صف جهاز لاقط، أحبَّ أن يسمع كل أستاذ ماذا يتكلّم؟ فأصبح الموقف حرجاً. كل أستاذ له أحواله مع الطُلاب؛ أحدهم نزع الجهاز، الثاني قطع الشريط . على كُلٍ؛ المراقبة المستمرة صعبة جداً, لكن ربنا لطيف, مع أنه معك دائماً ويُراقبك, لكن لا تشعر بثِقل المُراقبة, هذا أحد أنواع الحياء, حياءٌ يتولد من علم العبدِ بنظر الحقِ إليه, لذلك يستقبح كلُ جناية, وتحلو له كلُّ مجاهدة، يستقبح الجِناية وتحلو له المجاهدة في سبيل الله ، لأنَّ الله عزّ وجل يُراقبك ويسكت عن الشكوى . متى يبتعد العبد عن حال المراقبة؟ : الذي يشتكي كثيراً بعيد عن حال المراقبة, لأنه قال له: ألك حاجة؟ قال له: مِنك؟ قال : لا, من الله، قال له: عِلمهُ بحالي يُغني عن سؤالي . إذا الإنسان شعر أنَّ الله يُراقبه يسكت لسانه, ماذا يتكلّم؟ قال له: عبدي كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك . لا تُكلّف نفسكَ أن تتكلم بما تحتاج, أنا أعرفُ كُلَّ حاجاتك، أعرفُ كلَّ رغباتك، أعرفُ كلَّ ما يُزعجك، أعرف كُلَّ ما يؤلِمك، كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك . قال: هذا حياءُ المراقبة, يحمل صاحبهُ على المجاهدة, ويُحملهُ على استقباح الجناية, ويجعلهُ يسكت. عِلمهُ بحالي يُغني عن سُؤالي. أرقى أنواع المراقبة: أن يخشى المُحِبُّ إذا فعلَ مخالفةً أن ينقطعَ عن محبوبه، هذا الخوف الذي قال عنه النبي: رأسُ الحِكمة مخافة الله. لا خوفَ عِقابهِ بل خوفَ البُعدِ عنه . 2-الشعور أن الله معك : من أرقى أنواع الحياء : الشعور أنَّ الله معك، كلكم يعلم أنَّ مَعِيّةَ الله نوعان: مَعِيّةٌ عامة وهي مَعِيّةُ العِلم الإلهي: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] والمَعِيّةُ الخاصة: مَعِيّةُ الحِفظِ والتأييدِ والنصرِ والإكرام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 128] أما : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ هذه مَعِيّةٌ عامة ، اللهُ مع كلِّ إنسان , حتى معَ العُصاة ، حتى معَ المُنحرفين , لكن إذا قال : ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة الآية: 12] قال: هذه مَعِيّةٌ خاصة, مَعِيّةُ الرعاية والحِفظِ والنصرِ والتأييد. 3-القرب : القُرب أكّدهُ القرآن الكريم, فقالَ الله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] إني قريب, القُرب أن تُحس أنَّ الله معك, أو أنَّ الله قريبٌ مِنك, هذا شعور من لوازم الإيمان، ولا تأتي معصية إلا إذا أحسست أنَّ الله لا يراك, أو أنَّ الله بعيدٌ عنك . على كُلٍ؛ بعضُ أهلِ القلوب لهم وقفاتُ طويلة عندَ ما يُسمى بِحال المراقبة، حال المُراقبة أن تشعر دائماً أنَّ الله يُراقبك، وأنه مُطلّعٌ على سريرتك وعلى علانيتك، وعلى حركاتك وعلى سكناتك، وعلى أقوالك وعلى كُلِّ ما يَصدرُ عنك, هذا الشعور وحده يكفي أن تستقيمَ على أمره, ويؤكّدُ هذا: أنكَ إذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم ما تفعل: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ يعني: هذا هو الإيمان؛ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إما أن تراه أو هو يراك . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الارادةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن العاشر ) منزلة الإرادة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/01.jpg أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , ومنزلة اليوم , منزلةٌ يحتاجها كلُّ مؤمن إنها : منزلة الإرادة . قيمة هذه المنزلة تُكمنُ في أنَّ كلَّ إنسانٍ أو أنَّ كلَّ مؤمن , يتمنى أن يكونَ أفضلَ مما هوَ عليه , ما الذي يمنعهُ من أن يكونَ كما يتمنى ؟ ضعفُ إرادته , لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ من أخطر الموضوعات المطروحة في مدارج السالكين هذا الموضوع . يعني : من مِنّا لا يتمنى أن يكونَ من أعلى المؤمنين ، من أكملهم إيماناً ، من المتقين ، من المُحسنين ، ممن تَخلّقَ بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم , ممن رزقهُ الله عملاً صالحاً ، ممن أتقنَ صلاتهُ ، ممن أنفقَ ماله في سبيل الله ، ممن دامَ ذِكرهُ ، ممن طَهُرَ قلبهُ ، ممن أقبلت نفسه , لماذا ؟ لماذا نحن دائماً دونَ ما نتمنى ؟!! لماذا هناكَ مسافةٌ بينَ ما نحنُ عليه وبينَ ما يجبُ أن نكونَ عليه ؟!! هنا تكمن قيمة هذا الدرس , إنها الإرادة . تمهيد : قبلَ أن أدخلَ في تفصيلات هذا الدرس ، مرةً كنتُ أركبُ مركبةً عامةً , في طريقي إلى دمشق , من المحافظات الشمالية , لمّا وصلت إلى شارع العدوي , الذي قُبيلَ دمشق , أذكر أنَّ الليل في منتصفه , أو في ثُلثهِ الأول , وأذكر أنَّ الوقتَ كانَ شديدَ البرد , رأيتُ رجلاً يرتدي ثياباً رياضيّة ويجري , قلت : في الشام أكثر من خمسة ملايين , كلهم إلى جانب المدافئ , والمقاعد الوثيرة , ويتناولون الطعام الطيب ، أو غير الطيب ، مع أهلهم وأولادهم , وهذا يجري بهذا البرد !! . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/02.jpg ليسَ من السهلِ أن تَملِكَ إرادةً تقوى بها على عاداتك , على مألوف حياتك ، على أن تركنَ إلى الدفء , إلى بيتك , مع أولادك , أن تأكل ما تشتهي , هذا يركض في وقتٍ شديد البرودة , وفي وقتٍ يألفُ الناسُ أن يقبعوا في بيوتهم . قلت : متى نشأت عِندهُ هذه الإرادة الحديدية ؟ متى غَلَبَ نوازِعَ نفسهِ الطبيعية ؟ متى قَويَ على نفسه ؟ هُنا السؤال متى ؟ لماذا تسعٌ وتسعون في المائة من الناس يركنون إلى عاداتهم ، إلى طبيعة أجسامهم ، إلى الراحة ، إلى الدفء ، إلى الكسل العضلي . ولماذا هذا يجري في هذا الوقت ؟ ما الذي دفعهُ ؟ ما الذي قوّىَ إرادتهُ ؟ ما الذي جعلهُ يتميز من بين مئات الألوف ؟ بل من بين عشرات الألوف أو بِضعة الملايين . هذا لو أنه اطلع اطّلاعاً واسعاً على ما في عِلم الطِب من أنَّ : القلب إذا صَلُحَ صَلُحَ الجسدُ كُله ، وإذا فسدَ فسدَ الجسدُ كُله ، وأنَّ هذا القلب يُقويّهِ الجري ويُضعفهُ الكسل ، وأنَّ الإنسانَ إذا أهملَ قلبهُ , عانى في خريفِ عُمُرهِ أشياءَ كثيرة ، يبدو أنَّ هذا الشاب الذي يجري في هذا الوقت , وفي هذه الظروف القاسية ، يبدو أنَّ عِلمهُ واطّلاعهُ كوّنا عِندهُ الإرادةَ القوية . فدرسُنا كُلهُ في فكرتين : إذا كانَ هناكَ فرقٌ كبير بينما أنتَ عليه وبينما يجب أن تكونَ عليه , هذه المسافة الكبيرة سببها ضعفُ الإرادة , وضَعفُ الإرادة سببها نقصُ العِلم ، إذاً : العلمُ هو الطريقةُ الوحيدةُ إلى الله ، إذا ازداد عِلمُك قَويت إرادتُك ، إذا قَويت إرادتُك وصلتَ إلى ما تصبو إليه . فهذا ملخص الملخص , قبل أن نبدأ بالتفصيلات , لماذا تضعف عن أن تكونَ كما تريد ؟ لأنَّ عِلمكَ بما تُريد يحتاجُ إلى مزيد . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/03.jpg ضربت مثلاً واحداً , أما أنتم : لكم أن تضرِبوا عشرات الأمثلة . يعني أعرف رجلاً يُقبل على الطعام الدسم إقبالاً عجيباً , وله مركبة يستعملها لمسافة مائة متر ، كسل ونهم وطعام دسم ، في الثانية والثلاثين توفي ، طبعاً هذا الجسد له قوانين ، طبعاً مع الاحتفاظ بعقيدتنا بأنَّ لكلِّ إنسانٍ أجلاًّ لا يتقدم ولا يتأخر , ولكنَّ الله عزّ وجل جعلَ لكلِ شيء سبباً , لكن هذا الإنسان إقبالهُ على الطعام الدسم , وإقبالهُ على استعمال مركبته بشكلٍ دائم , وعزُوفهُ عن أن يبذلَ جهداً من ضعفِ إرادته , وضعفُ إرادتهِ بسببِ نقصِ علمهِ بقواعد هذا الجسم . نَحُلُ بهذا الدرس مُشكلة كبيرة ، كلما تاقت نفسكَ إلى أن تكونَ في مستوىً أرقى مما أنتَ فيه , اعلم عِلمَ اليقين أنَّ هذا يعود إلى ضعفِ إرادةٍ فيك , وهذه الإرادة ضَعُفت لنقصِ العلمِ الذي تحويه , كلما ازددتَ علماً ازددتَ إرادةً ، وكلما ازددتَ إرادةً بلغتَ المستوى الذي تصبو إليه , عالج نفسك . هذا الدرس , درسُ هذا المسجد له طبيعةٌ خاصة , كيفَ أنَّ الجسد له قوانين , وله أساليب , ولهُ عِلل , ولهُ أدواء , وله أسباب , وله مُسببات ؟ كذلك النفس . الإرادة : الآن : نبدأ بالدرس , قال تعالى : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 52] ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ إذاً : هناكَ من يريد وجه الله , والذي يُريد وجه الله اسمهُ مُريد ، وأكثر علماء القلوب يسمّونَ تلاميذهم مُريدين ، معنى مُريد : يعني أرادَ وجه الله ، أرادَ الله ورسولهُ . قالَ تعالى : ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] هذه الآية الثانية المتعلّقة بالإرادة . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ هُنا المُشكلة , ماذا تُريد ؟ هذا أكبر سؤال .... هناكَ من يريد الدنيا من خلال الدين ... هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليزدادَ دخلهُ , ليُكثُرَ زبائنهُ ... هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليتعلّمَ أشياء يتصدّرُ بِها المجالس ... وهناكَ من يُريد اللهَ ورسوله . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ تعريف الإرادة : أُورد لكم طائفةً من تعاريف علماء القلوب بالإرادة أو بالمُريد . الإرادة : مُطلقة . المُريد : من أرادَ الله ورسوله . الإنسان بِلا عِلم ، بِلا توجيه ، بِلا مجلس عِلم ، بِلا مُرشد ، بِلا مشرب ديني ، بِلا تزويد ، إنسان له جسد ، له شهوات ، له مطالب ، غالِباً يستجيبُ لشهواتِ جسمهِ ، غالِباً يَركنُ للراحة ، يعني من الطبيعي جداً أن تُصليَّ الصبح بعدَ الشمس , ما دامَ جِسمُكَ مستريحاً في الفراش ، هذا الجسد يتمنى أن يبقى نائماً ، وهذا الجسد يتمنى أن يقبعَ في البيت لا أن يأتي إلى مجلس علم ، وهذا الجسد يتمنى أن يأكلَ كثيراً ، وهذا الجسد يتمنى أن تكون له زوجة كما يشتهي ، فالإنسانُ دونِ علمٍ , دونِ مجلسِ علمٍ ، دونِ توعيةٍ ، دونِ اطلاّعٍ ، دونِ معرفةٍ ، ينساق مع شهواتهِ . فقال : الناسُ غالِباً يُعرّجونَ على أوطان الغفلة ، ويجيبونَ دواعي الشهوة ، ويخلدونَ إلى أرض الطبيعة ، ومن أرادَ الله ورسولهُ ينسلخُ عن كلِّ ذلك . هذا أول تعريف . الصلاةُ ذِكر , وإذا كانَ الإنسانُ منسجماً في عملهِ , لا يتمنى أن يُصلي ، إذا كان مُنسجماً , يقوم بعمل رائع , له أجرٌ كبير , يتمنى أن يبقى بِلا صلاة ساعاتٍ طويلة ، فالإنسان دون علم ، دون معرفة , ينسجم معَ عملهِ فلا يُصلي ، ويبقى نائماً فلا يُصلي الفجر ، ويأكلُ دونِ حساب ، ويمزح , ويتكلّم , وينهشُ أعراضَ الناس , ويغتاب , كلُّ هذا انسجاماً مع غفلتهِ . تعريفُ آخر للمُريد الصادق . من هو المُريد ؟ الذي يُريد اللهَ ورسولهُ . تعريفه : نهوض القلب في طلب الحق . هذا الحُطيئة هجا أحد زعماء القبائل , اسمهُ : الزبرقان , قال له بيتاً , يُعدُ الآن شِعارَ كلِّ إنسان , ظاهر معناه مديح , قال له : دع المكارمَ لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي أما باطنه فهجاء مقذع , ما لكَ وما للمكارم ؟ أنتَ مُطعمٌ , مكسو , اقبع في البيت , كُل , اشرب , وتنزّه , واسهر , واسمر , والتق مع من تُحب , وامزح , وافرح , ما لكَ وللمكارم ؟ دع المكارم , أما الذي يُريد اللهَ ورسولهُ قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يرضى الله عنه ، قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يشعر أن الله يُحبه ، لذلك : نهوض القلب في طلب الحق , هذا تعريفٌ آخر من تعريفات المُريد . تعريفٌ ثالث : لوعةٌ تُهَوِنُ كلَّ روعة . فليتكَ تحــلو والحيـاةُ مريرةٌ وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ وليتَ الذي بـيني وبينـكَ عامِرٌ وبيني وبينَ العـالمين خرابُ إذا صحَ مِنكَ الوصلُ فالكلُ هينٌ وكلُّ الذي فوق التُرابِ تُرابُ هذا الذي يُريد الله ورسوله ، يهونُ عليه كلُ صعب ، يسهُل عليه كلُ مُحال ، يبتغي مرضاة الله عزّ وجل بأيّ ثمن . قال بعضهم : المُريد من كانَ في قلبهِ لوعةٌ ، ولذعةٌ في فؤادهِ , وغرامٌ في ضميرهِ ، وانزعاجٌ في باطنهِ ، ونيرانٌ تتأججُ بينَ جوانحهِ , هذا هو المُريد . المُريد يقشعّرُ جِلدهُ إذا ذُكِرَ الله ، يَجِلُ قلبهُ , تنهمرُ دموعهُ , يُحبُّ الله . ليس لك حجة : أقول لكم مِراراً وتكراراً ، هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ... النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تعرفَ الله . النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تُحِبَ الله . النفوسُ جميعها مستعدةٌ لأن تكونَ ممن سَعِدَ بُقربِ الله عزّ وجل . لكن مرةً ثانية وثالثة : نقصُ العِلمِ يؤدي إلى ضعفِ الإرادة ، وضعف الإرادة يؤدي إلى وجود مسافةٍ كبيرةٍ بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونَ عليه . أنا أظن أنَّ أكثرَ المؤمنين في قلبهِ لوعة , يتمنى أن تكونَ صلاتهُ أفضلَ مما يُصلّي ، يتمنى أن يكونَ صيامهُ أفضلَّ مما هوَ يصوم ، يتمنى أن يكونَ حجهُ أفضلَ مما شعرَ في الحج ، يتمنى أن تكونَ صدقتهُ أكبر , أكثر وأشدَّ إخلاصاً ، يتمنى أن يكونَ وِردهُ في صحوةٍ لا في غفلة ، يتمنى من أن تكونَ استقامتهُ من أعلى مستوى ، ما دام هناك شعور بالتقصير , فليعلم الإنسان عِلم اليقين : أنَّ هذا التقصير مبعثهُ إلى ضعف الإرادة . لي صديقٌ زارَ أحدَ أقربائهِ في المستشفى , وقد أُجريت له عملية جراحية في رئتيه ، بسبب الدُخان , قال له : حينما أخرجُ من المستشفى , لي حِسابٌ عسيرٌ مع هذه الدخينة , يعني هذه السيكارة ، لكنَّ مرضهُ كانَ عُضالاً , ولم يسمح لهُ هذا المرض أن يَخرُجَ من المستشفى , مات . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/04.jpg حينما كانَ يدّخن سنواتٍ طويلة , وهو على مستوى رفيع من الثقافة , لماذا ضَعُفت إرادته عن أن يُقلعَ عن التدخين ؟ لأنهُ لم يُعاين أضرار التدخين ، أما حينما دخلَ إلى المستشفى , واستؤصلت أجزاءٌ كبيرة من رئتيه , بسبب المرض الخبيث , عندئذ امتلكَ إرادةً حديديةً , يعني يتمنى أن يُمزّقها , عبّرَ عن هذه الإرادة : أنهُ إذا خرجَ من هذه المستشفى , فلهُ معها حِسابٌ عسير , ولكنَّ المرضَ العُضال , لم يسمح لهُ أن يخرجَ من المستشفى , إذاً : لاحظ متى قويت إرادتهُ ؟ حينما رأى المرضَ الخبيث منتشراً في رئتيه , عندئذٍ امتلكَ إرادةً قوية . أبداً : لاحظ نفسك , حينما يُعاني الإنسان من آلامٍ في كُليتيه آلامٍ مُبّرحة , وقد يكون من عُشاق الشاي , يشرب في اليوم عشرين كأساً , تراهُ فجأةً يُقلع عنه ، نحنُ كُنا نرجوك أن تُقللَ منه , لم تكن ترض ، أما حينما ذاقَ آلام الكُليتين ونوبات الحصيات , عندئذٍ أقلعَ عنه . بقيَّ الفرق بينَ أن تملكَ الإرادةَ بعدَ فوات الأوان , وبينَ أن تملِكها في الوقت المناسب , لا بدَّ من أن تملِكها بعد أن تدفعَ الثمن ، أما البطل هو الذي يملكُها بالعِلم لا بالتجربة , لا بدَّ من أن تَمِلكَ إرادةً قوية , إما أن تملكها بعدَ أن تدفع الثمنَ باهظاً , وبعدَ فوات الأوان , وعندئذٍ لا تستفيد من هذه الإرادة القوية ، وإما أن تملكَ الإرادة القوية , بسببِ العِلمِ الذي تُحصّلهُ وأنتَ في مُقتبل العمر , هذا هو الفرق . صفة المريد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/05.jpg قال بعض العلماء : من صفات المُريد أنه يتحبب إلى الله بالنوافل ، بصلاةٍ نافلةٍ ، بصومٍ نفلٍ ، بتلاوةِ قرآنٍ ، بذِكر كثير ، وصدقةٍ كثيرة ، الذي يتحبب إلى الله بالنوافل , هذه صفاتٌ في المُريد . والمُريدُ أيضاً : هو الذي يأنسُ بالخلوة . هناك شخص يقول لك : اجتماعي , لا يستطيع أن يجلسَ وحده أبداً ، يجلسَ وحدهُ , يشعر بالوحشة ، والاستئناس بالناس , كما يقول بعض العلماء : من علامات الإفلاس . أما المُريد الصادق لهُ معَ ربهِ خلوات ، وله مع ربهِ جلوات ، يأنَسُ إذا جلسَ وحدهُ في الغرفةِ , يذكرُ الله ، يأنسُ بتلاوة القرآن . ذكرت البارحة في درس الأحد : أنَّ غارَ حِراء , الشابُّ القوي المتين , مفتول العضلات , لا يستطيع أن يصلَ إليه , إلا بساعاتٍ طويلة مع الجُهدِ الشاق , يمكن أن تَصِلَ إليه بساعتين أو بثلاثة , ولكن أن تستطيع أن تنامَ هُناكَ وحدك في الليل , والأرضُ كُلُها أفاعي وعقارب ، قلت : ما الذي جعلَ النبي عليه الصلاة والسلام يقبعُ في هذا الغار الليالي ذوات العدد ؟ إنَّ أُنسهُ الشديدَ بالله , طغى على وحشة المكان , وإذا كُنتَ مُريداً صادقاً مع الله , ربما شعرتَ بهذا الشيء ، كلما ازدادَ قُربُك ازدادَ أُنسُك ، وإذا ازدادَ أُنسُكَ باللهِ عزّ وجل , غَلَبَ على وحشةِ المكان . من علامة المُريد الصادق ... أنه يأنَسُ بالخلوة ، ويؤثر أمرَ الله تعالى على كلِّ شيء ، ويستحيي من نظرِ اللهِ إليه , يستحيي أن ينظرَ اللهُ إليه في حالةٍ لا تُرضيه ، ويبذل جُهدهُ في ابتغاء مرضاة الله ، ويتعرضُ لكلِّ سببٍ يوصِلُ إليه . يا ترى : بحفظِ القرآن ؟ يا ترى : بخِدمة الصالحين ؟ يا ترى : بالدعوةِ إليه ؟ يا ترى : بالتواضع ؟ يا ترى : بماذا ؟ كُلما بَلَغَهُ أنَّ هذا الطريق يوصِل إلى الله سَلَكَهُ . كُلما سَمِعَ أنَّ هذا العمل يُقرّبُ فعله . كُلما دَرِي أنَّ هذا الشيء إذا ابتعدَ عنهُ يقترب من الله عزّ وجل , يُبادر فيبتعد عنه . والقناعة من صفات المُريد الصادق , يقنعُ بما قَسمهُ اللهُ له ، دائماً المُريد صابر , وقَنوع , وراضٍ , والذي يُريد الدنيا وزينتها , دائماً لجوج , وناقم , وساخط , وقلبُ المُريد لا يَقرّ إلا إذا وصلَ إلى الله عزّ وجل ، يُثلجُ قلبهُ أن يرضى الله عنه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/06.jpg وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة . وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة . يعني النوم عندهُ حينما تنهار أعصابهُ ينام ، حينما يغلِبهُ النوم ينام ، أمّا أن يجعلَ النومَ أحدَ مُتعِ الحياة ، يهيئ نفسهُ للنوم , ينام نوماً عميقاً ، ليسَ هذا من علامات المُريد , والدليل : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 16] قالَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة , وأكله فاقة , وكلامهُ ضرورة , هذا الذي يُريد الله ورسوله . لأحدِ العلماء كلمةٌ خطيرة , قالَ : من لم تَصحَّ إرادتهُ ابتداء , فإنه لا يزيده مرور الأيامِ إلا إدباراً . يعني إذا الإنسان في بداياتهِ لم يُرد الله ورسولهُ , كُلما مرَت الأيام تزيدهُ بُعداً , وسأماً , وضجراً , ومللاً , وكسلاً , وانصرافاً , إلى أن ينقطعَ عن اللهِ عزّ وجل . يعني إذا بدأتَ طريقَ الإيمان , بدأتهُ غيرَ صادقٍ , ما صحت إرادتك في طلب الحق ، إذا بدأت الإيمان لطلبِ الدنيا , تجد أنَّ الأيام كلما مرت أبعدتك , جعلتك تسأم ، يقول لك : والله مللنا كلاماً , سمعناه كثيراً ، تجده يُصلّي متكاسلاً ، يصوم متأففاً ، يحجُّ تاجراً ، يذكرُ لاهيّاً ، يُسبّحُ غافلاً ، يقوم بالواجبات شكلاً , صورةً ، عباداتهُ جوفاء ، تِلاوتهُ عرجاء . وقالَ بعضهم : المُريد إذا سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ، سَمِعَ شيئاً فَعَمِلَ به , صارَ حِكمةً في قلبهِ إلى آخرِ عُمُرِهِ . التطبيق العملي : يعني مثلاً : سَمِعَ أنَّ أمرَ اللهِ عزّ وجل أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , هذا توجيه إلهي ، فغضَّ بصره عن محارم الله , فشعرَ بحلاوةٍ ملأت قلبهُ ، صارَ هذا حكيماً , لأنه مُجرّب , سَمِعَ التوجيهَ نظريّا , وطبّقهُ عمليّاً , فشعرَ بحلاوةٍ في قلبه إلى آخرِ عمره , يقول : أنا فعلتُ كذا وكذا , وشعرتُ بكذا وكذا . سَمِعَ أنه ما تركَ عبدٌ شيئاً لله , إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه ، سَمِعَ بهذه الحِكمة , فعرضت لهُ الدنيا مع شُبُهةٍ , فتركها , وازوّرَ عنها , وابتعدَ عنها , فآتاه الله خيراً مما فقدهُ , صارَ حكيماً ، صار بالتعبير الحديث : صاحب تجربة ، صار صاحب خِبرة ، صار يُعاين كما قالَ العُكبُري : القرآن الكريم تؤخذُ ألفاظهُ من حُفّاظهِ , وتؤخذُ معانيه ممن يُعانيه ، صار في معناه . قال : وإذا تكلّمَ هذا الحكيم , الذي سَمِعَ من كلامِ القوم , فطبّقهُ , فقطفَ ثِمارهُ , فذاقَ طعمهُ , فصارَ حكيماً ، الآن إذا تكلّمَ به , انتفعَ به من سَمِعهُ ، وقديماً قالوا : الكلامُ الذي يخرجُ من القلب , يدخلُ إلى القلب بِلا استئذان ، والذي يخرجُ من الفم لا يُجاوز الأذان . متى يمكن أن ينتفعَ الناسُ بكلامك ؟ إذا استمعتَ أنتَ إلى الحق , وطبّقتهُ , وقطفت ثِمارهُ ، لمستَ فوائده ، فتكلّمتَ عن تجربةٍ . انتهت إلى مكان جميل , وعاين المكان , وسُرَّ به سروراً عظيماً , وعادً إلى بلده , الآن : إذا ذكرَ لكَ مذاق من مُتعةٍ وسرور , ينقل لكَ شعوره , تشتهي أنت أن تذهبَ إلى هذا المكان . إذا وصفَ لكَ الواصف , وكان وصفهُ عن تجربة حقيقية , ينقل لك كلَّ شعوره , فإذا قال لكَ : والله أنصحكَ أن تذهب إلى مكان كذا في قضاء إجازتك ، تسألهُ : هل ذهبت إليه ؟ يقول : لا والله ؛ لكن هكذا وصفوه لي , تبقى أنتَ فاترِ الهِمة , لأنَّ كلامهُ لم ينتقل إليكَ مع الشعور . قال : وإذا تكلّمَ بهِ انتفعَ به من سَمِعهُ , ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم , ولم يعمل به , كانَ حكايةً يحفظُها أياماً , ثمَ ينساها . مر معنا بعلم التربية ... أنَّ أسوأَ أنواع التعليم هو التعليم اللفظي ، تُقدّم للطالب آلاف المعاني في ألفاظ , لأنَّ الطالب لم يعش هذه التجارب ، لم يعش هذه الحقائق , سمعها بأذنهِ , إذا أدى بها امتحاناً ، حَفِظَ الكتابَ كلمةً كلمة , وأدى به امتحاناً . أنا أقول لكم هذا الكلام المُضحك ... الطلاب الذين ينجحون في الشهادات , لو دُعوا إلى تقديم الامتحان نفسهِ بعدَ عام , لرسبوا جميعاً , لماذا ؟ لأنَّ التعليم لفظي ، هذه المعلومات حَفِظوها , فلّما جاء الامتحان , كتبوها , لأنها لم تُكن عن تجربةٍ , ولا عن إحساسٍ , ولا عن خِبرةٍ , لكن لاحظ نفسك : إذا عانيتَ تجربةً لا تنساها حتى الموت , يمضي عليها ثمانون عاماً وأنتَ تذكرها ، لذلك أرقى أنواع التعليم : التعليم عن طريق الخبرات والتجارب . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/07.jpg سمعت ببعض بلاد الغرب , المهندس يذهب إلى الحقول , في مساعدة كبار المهندسين , طالب هندسة لا يدخل إلى قاعة التدريس , قبل أن يمضيَّ ستة أشهر مع المهندسين ، يرى الطبيعة , يرى الإسمنت , يرى البناء كيف ينشأ ؟ يرى هذه الألفاظ . يعني : فرقٌ كبير بين واحد مثلاً لم ير البحر إطلاقاً ، قرأ مقالة عن البحر , ورأى صورة عن البحر ، وقرأ قصيدة عن البحر ، هل أنا يا بحر منكَ لستُ أدري ؟ قرأ قصيدة عن البحر , ونظر إلى صورة عن البحر ، هذا البحر عِندهُ فكرة , قرأها , ينساها , أما لو أنَّ هذا الإنسان ذهب إلى البحر , وسَبَحَ فيه , وكادَ يغرق , وشَعرَ أنه كادَ يموت , لولا أحداً أنقذه في آخر لحظة ، هذا يعرف ما البحر ؟ وما معنى موج البحر ؟ وما معنى ملوحة البحر ؟ يعرفُها , تجربة لا ينساها أبداً . أما الآن : لو أنَّ إنساناً فرضاً , ما أُتيحَ له أن يذهبَ إلى البحر , وقرأ مقالةً عن البحر ، أسأله بعدَ ثلاثة أيام ماذا تذكر منها ؟ يقول لكَ : لا شيء ، وإذا ذكرَ بالمائة خمسون ، وبعدَ أسبوعين لا يذكر شيئاً ، هذا التعليم اللفظي ، أما لو أخذناه إلى البحر , وسَبحَ فيه , وذاقَ طعمَ ملوحتهِ , ورأى الأسماكَ فيه , وركبَ متنَ البحر , وشعرَ بالموج , وانخلعَ قلبهُ خوفاً , وكادَ يغرق ، هذه التجارب لا ينساها حتى الموت . فإذا كانت معلوماتك بالدين كأن تقرأ مقالة عن البحر , وأنتَ ما عرفتَ البحر , وما رأيتَ البحر , ولا سبحتَ في البحر , ولا ذُقتَ طعم البحر , ولا أوشكتَ على الغرق فيه , فكلُّ معلوماتك سطحية وسرعان ما تنساها . لذلك : تؤخذ ألفاظهُ من حُفاظّهِ , وتؤخذ معانيه ممن يُعانيه ، أما إذا كان لكَ مع الله تجربة , إذا ذُقتَ طعمَ القُربِ فعلاً ، إذا ذُقت طعمَ الاستقامة ، إذا ألقى الله في قلبكَ السكينة ، إذا شعرتَ براحة الإيمان ، إذا شعرتَ بأنَّ الله يُحبك ، إذا أنفقتَ من مالِكَ فآتاكَ الله عشرةَ أمثال ، إذا آثرتَ مرضاة الله عزّ وجل فعوّضكَ الله خيراً مما فقدك ، كلُّ حديثٍ شريف ، وكلُ آيةٍ كريمة تُطبُقها وتقطف ثمارها , أنت الآن داعية أصبحت , لأنكَ إذا تكلّمت , تركتَ أثراً عميقاً في نفوس الناس ، إذا دعوتَ إلى الله , وعبّرتَ عن خِبراتكَ الإيمانيّة , فعلتَ في نفوس الناس فِعلَ السِحر , لأنكَ تتحدثُ عن تجربة ، دعوا في أذهانكم مقالة البحر ، مقالة حفظتها , قصيدة حفظتها ، صور تأملتها , وأنتَ لم تره إطلاقاً . لذلك : أحد الشعراء وصفَ مُدعيّ التصوف , قال : خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا يعني : الإنسان كأس ماء ، ماء حقيقي لو وضعها في جيبهِ , لسالَ الماءُ إلى الأرض ، أيُعقلُ أن يخوضَ بحراً دونَ أن يبتل ؟ كأسُ ماء واحد يملؤهُ بللاً , ويخوض بحراً ولا يبتل !؟ هذه الدعاوى : خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا . فالذي أتمناه على كلِّ أخٍ منكم , إذا أرادَ أن يدعو إلى الله , إيّاهُ أن ينطلقَ من معلوماتٍ سمعها , أو من أفكارٍ نُقلت إليه , أو من كتاب قرأهُ ، إن فعلَ هذا لا يستطيع أن يؤثّرَ في إنسان ، أما إذا كانت له مع الله تجربة , إذا كانت له مع الله أيام ، إذا كانت له مع الله أحوال ، إذا كانَ قد آثرَ جانبَ الله ، إذا كانَ قد تركَ شيئاً لله ، إذا ذاقَ طعمَ القُرب ، إذا ذاقَ حلاوة الحُب ، إذا كانَ كذلك , نقول له : عندئذٍ ادع إلى الله ، كلامُكَ عندئذٍ يفعلُ في الناس فِعلَ السحر ، وقد وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر وليسَ بساحر , لِشدةِ قوةِ تأثيرهِ من الناس ، من أينَ جاءت قوة التأثير ؟ من المعاناة , من الحبِّ الذي امتلأَ في قلبه . ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ولم يعمل به , كانَ حكايةً ؛ يحفظُها أياماً ثمَّ ينساها . أنا حينما كُنتُ في التدريس , كنتُ أطلب من طلابي , في أولِ درسٍ ألتقي بهم , أقول لهم : هُناكَ وظيفة ، اكتبوا لي حدثاً بارزاً في حياتكم وقعَ فعلاً , حينما أتلّقى الوظائف , أجدُ العجبَ العُجاب , لأنَّ الطالب إذا تكلّمَ عن مأساةٍ عاناها , أو عن شيء ملأَ قلبهُ فرحاً , يُصبحُ أديباً ، أسلوب قوي ، معاناة ، عاطفة صادقة ، فكلُّ طالبٍ حينما ينطلقُ في كتابته من تجربةٍ حقيقيةٍ , من مأساةٍ , من حدثٍ مُفرحٍ ، يُصبحُ في مستوىً أدبيٍّ أرقى بكثير من مستواه الأصلي ، لأنَّ جوانحهُ وعواطفهُ وخبراتهِ كُلها تضافرت على إنجاح هذا الموضوع ، لذلك يبقى لكلِّ طالبٍ في ذهني صورة . وقالَ يحيى بن مُعاذ : أشدُّ شيء على المُريد معاشرة الأضداد ، إذا كُنتَ فعلاً مُريداً صادقاً , أصعبُ شيء في حياتك , أن تُضطرَ أن تُرافِقَ إنساناً بعيداً عن الله عزّ وجل ، تشمئزُ من مُزاحِهِ ، ومن حركاتهِ ، ومن سكناتهِ ، ومن نظراتهِ ، ومن تعليقاتهِ ، ومن ملاحظاتهِ ، أنتَ نقيٌ كالثوبِ الأبيض , وهو قذر أسودُ الثوبِ , الذي امتلأ من المياه الآسِنةِ والوحولِ القذرةِ , أما إذا أقمتً علاقاتٍ حميمةً مع أُناسٍ بعيدين عن الله عزّ وجل , وأحببتهم ، آثرتَ صحبتهم ، أمضيتَ معهم وقتاً ممتعاً ، فهذه علامةٌ خطيرةٌ جداً على أنكَ بعيدٌ عن الإيمانِ بُعداً كبيراً . يعني : أيُعقل أن تخرُجَ من الحمام , وقد تألّقَ جسدك, وارتديتَ أجمل الثياب , وأنظفها , وأشدها عِطراً , وأن تمرَّ على أُناسٍ , يسبحونَ في ماءٍ آسنٍ أسود , وروائح هذا الماء , تزخمُ الأنوف ؟ أيُعقلُ أن تتمنى أن تكونَ معهم وأنتَ بهذه النظافة ؟ لا يُمكن ، أنتَ في نظافةٍ , وفي طُهرٍ , وفي عطرٍ , وفي نقاءٍ , وفي صفاءٍ , وهم في قذارةٍ , وفي دنسٍ , وفي رجسٍ , وفي نجاسةٍ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2538/08.jpg لذلك : إذا ألِفتَ أهلَ الدنيا , وأحببتهم , وضحكتَ لمُزاحهم , وأنِستَ بقُربهم , وأمضيتَ معهم ساعات طويلة , فاعلم عِلمَ اليقين ، أنكَ واحدٌ منهم , وأنكَ لا تنتمي إلى الدين إطلاقاً , إنما هوَ ادعاءٌ فارغ ، أما إذا شعرتَ أنكَ لا تحتمل أن تُمضي ساعات طويلة مع أهل الدنيا , مع أهل الإعراض , مع أهل الفِسق والفجور . واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو مزحةٌ رخيصة , إذا سمعهُ المؤمن , يكادُ يخرجُ من جِلدهِ , من شدةِ التأذي ، بينما تجدُ أُناساً آخرين , ينثنونَ من الضحك ، يهتزونَ نشوةً لهذا المُزاح ، علامةُ إيمانك : أنَّ هذا المُزاح أللأخلاقي , القذر , تأباهُ نفسك , إن رأيت إنساناً مُتلاعِباً كذوباً ذكيّاً ، إن أُعجبتَ به فأنتَ مِثله , أما إذا احتقرت خِداعهُ ونِفاقهُ وانحطاطهُ فأنتَ مؤمن , لذلك : لا بدَ من أن تكونَ متميزاً عن أهلِ الدنيا . أشدُ شيء على المُريد : مُعاشرةُ الأضداد من كانوا ضِدهُ في السلوك , للموضوع تتمة رائعة جداً , يقول : المُريد الصادق أيّةُ حركةٍ يتحركها في الدنيا , يزينُها بمقياسٍ واحد ، هل تُقرّبهُ من الله أم تُبعِدهُ ؟ حتى تجارتهُ , حتى حِرفتهُ , حتى مهنتهُ , حتى حركتهُ وسكناته , حتى نزهاتهُ , حتى إجازاتهُ , حتى كلُّ حركاتهِ ، إن كانت حركتهُ تُبعدهُ عن الله عزّ وجل لا يفعلُها ، إذاً : في كلِّ نشاطهِ يقصدُ وجهَ الله عزّ وجل , لذلك : إلهي أنتَ مقصودي ورضاكَ مطلوبي . قال : لا بدَّ من ثلاثة أشياء حتى تَبلُغَ ما تريد أيها المُريد ؛ لا بدَّ من نفسٍ مستعدةٍ قابلة , والنفسُ لا تستعدُ ولا تقبل إلا إذا تعلّمت , إذاً : العِلمُ هو الطريق الوحيد ، ولا بدَّ من دعوةٍ مستمعة، أنت نفس مستعدة , ودعوة حقيقية صحيحة , أساسُها الحق , أساسُها العدل , أساسُها الواقع , أساسُها الفِطرة , أساُسها المنطق ، ولا بدَّ من أن يكونَ الطريقُ خاليّاً من العوائق ، فإذا أزلتَ العوائق , ووفقتَ إلى دعوةٍ صحيحة, وكُنتَ مستعداً لقَبولِها , بسبب العلمِ الذي تعلمتهُ , صارَ الطريقُ إلى الله سالكاً والوصول محققاً . آخر فِكرةٍ في الدرس : هو أنّ المُريد تنتابهُ حالتانِ أساسيتان ؛ حالة القبض وحالة البسط ، الحقيقة : القبض يأتي من الخوف والبسطُ يأتي من الرجاء ، القبضُ لسببين ؛ إما لتقصيرٍ , أو لمعصيةٍ , أو لتركِ حقوقٍ لا تؤدى , وهذا السبب يقتضي التوبة والتصحيح ، وإما أن لا يدري المُريد لهذا الانقباض سبباً , عندئذٍ عليه أن يصبر , فلعلَّ في هذا حِكمةً تتضحُ لهُ بعدَ حين ، وأما البسط يشعر بنشوة , بإقبال , بمعنويات مرتفعة جداً , هنا منزلق أن يتيهَ على الناسِ بهذا الحال ، أن يُعجبَ بنفسهِ ، أن يرى نفسهُ فوقَ الناس ، عندئذٍ ينزلقُ من هذا الحال المريح إلى حالٍ أخرى لا تُرضي الله عزّ وجل , فإذا جاءَ الانقباض , فابحث عن السبب , فإن عرفتهُ فتُب منهُ , وإن لم تعرفهُ فاصبر على حِكمة الله عزّ وجل حتى ينجليَّ الموقف ، وإن جاءَ الانبساط , فإيّاكَ أن يستخفّكَ الانبساط , فتقعَ في زهوٍ , أو في كبرٍ , أو استعلاء على الناس , وعندئذٍ تكونُ قد امتحنت ورسبتَ في الامتحان . ملخص المُلخص : يجب ألا يُخرجكَ البسطُ عن الاستقامة , ولا أن يُخرجكَ البسطُ أيضاً على أن لا تكونَ أديباً بينَ يدي الله عزّ وجل . الخاتمة : هذه لمحةٌ سريعةٌ عن منزلة الإرادة , أُلخصّها بكلمتين : إذا كانَ بينما أنتَ فيه , وبينَ ما تتمنى أن تكونهُ مسافةٌ كبيرة , فاعلم أنَّ هذا بسببِ ضعفٍ في إرادتك , وضعفُ الإرادةِ في الأصلِ نقصٌ في العلمِ . عُدنا : إلى أنَّ العِلمَ هو الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل , وما من طريقٌ إلى الله إلا طريقُ العِلمِ . فإذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعلم , وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليكَ بالعِلم ، والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضهُ إلا إذا أعطيتهُ كُلكَ , فإذا أعطيت بعضكَ لم يُعطِكَ شيئاً , ويظلُ الإنسانُ عالِماً ما طَلَبَ العِلم , فإذا ظنَّ أنه قد عَلم فقد جَهل . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المراقبةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع العاشر ) منزلة المراقبة . أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع عشر من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة المراقبة . هذه المنزلة ذاتُ أهميةٍ كبيرةٍ في طريق الإيمان , لأنَّ الإنسانَ إذا أيقنَ أنَّ الله يُراقِبهُ , استقامَ على أمره , فَسَعِدَ في الدنيا والآخرة . الآيات القرآنية المتعلقةُ بهذه المنزلة . الآية الأولى : يقول الله عزّ وجل : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 235] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ يعني يجب أن تعلمَ أنَّ اللهَ يعلم ، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم , أخذتَ الحِذرَ من أن تعصيهُ , وهذا هو سِرُ النجاح مع الله عزّ وجل . الآية الثانية : آية ثانية من آيات المراقبة , وهي قولهُ تعالى : ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 52] لا شكَ أنَّ أحدنا إذا عَلِمَ أنهُ مُراقب, فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ, في كلماتهِ، وفي حركاتهِ، وفي سكناتهِ، هذا إذا راقبهُ إنسان, والإنسان مراقبتهُ محدودة, يستطيع أن يكتب ما قُلت, وأن يُصوّر ما تحركّت, ولكنهُ لا يستطيع أن يكشف ما في نفسك, ولا ما في ذهنك، المراقبة المحدودة من قِبِلِ إنسانِ ضعيفٍ مثلك, تدعوكَ إلى الانضباط التام, فكيف لو علمتَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُك؟ أنَّ الله عزّ وجل الذي يعلم السرَّ وأخفى مُطّلعٌ عليك؟ ناظرٌ إليك؟ يعلمُ سِركَ وجهرك؟ ما أخفيتَ وما أعلنت؟ ما أبطنتَ وما أظهرت؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ لا عليك فقط؛ بل على خصومكَ وعلى سائر المخلوقات . الآية الثالثة : من آيات المراقبة قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] وهذه معيّةٌ عامة ، الله سبحانه وتعالى معَ كلِّ مخلوق ؛ مؤمن كانَ أم كافر . الآية الرابعة : يقول الله عزّ وجل : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 14] مُطلّعٌ عليك . الآية الخامسة : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، وفي معنى آخر: أنه يحفظهُ، نقولُ: هذا الابنُ في عينِ أمهِ, يعني أمهُ تحوطهُ بالرعاية والاهتمام, بمعنى أنها تعلمُ أينَ هوَ؟ وماذا يفعل؟ وبمعنى أنها تحوطهُ بالرعاية والاهتمام . الآية السادسة : الآية الأخيرة في هذا الباب : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر الآية: 19] وما من مخلوقٍ على وجه الأرض, يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين، وأنا دائماً أسوق هذه الآية ذلكَ المثل: طبيبٌ مسموحٌ له أن ينظرَ إلى جسدِ المرأة, لكنَّ الشرعَ سمحَ لهُ أن ينظرَ إلى موضع العِلّةِ فقط, فلو سبقتهُ عينهُ إلى مكانٍ آخر, هذا شيءٌ لا يستطيعُ مخلوقٌ أن يطلّعَ عليه إلا الله . ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ وقد تكونُ في بيتك وحدك, تفتحُ نافذةُ جارك, تقفُ أمامها امرأة، لا يمكن لأحدٍ أن يطلّعَ على هذه المخالفة, لو ملأتَ عينيكَ منها إلا الله، فإذا نظرت يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور . إذاً : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ كلُّ هذه الآيات تتضافر ليكونَ منها منزلة, يجب أن يتحلّى بها المؤمن, وهي منزلة المراقبة, يعني أن يشعر وأن يوقن أنَّ الله يُراقبهُ . أحاديث شريفة تتعلق بهذه المنزلة : إلى السُنّة : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ, فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ, وَمَلائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَبِلِقَائِهِ, وَرُسُلِهِ, وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ, قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ, وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمَ الصَّلاةَ, وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ, وَتَصُومَ رَمَضَانَ, قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) حتى في بعض الأدعية النبوية يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك)) المراقبة : دوام علمِ العبدِ وتَيقُنِهِ باطلاّعِ الحقِّ عليه سبحانهُ وتعالى على ظاهره وعلى باطنه ، فاستدامتهُ لهذا العِلمِ واليقين هي : المراقبة . سؤال الآن : لو أنهُ من حينٍ لآخر , شعرتَ أنَّ الله يُراقبك , هل أنتَ في حال المراقبة ؟ الجواب : لا !!! إذا دامَ هذا الشعور , وشعرتَ أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك ، في حركاتك وسكناتك ، في كلِّ نشاطاتك ، في خلوتك , في جلوتك ، في لهوِكَ , في جِدك ، في عملك , في بيتك ، في الطريق ، إذا سافرت إلى أماكن بعيدة , إذا استدامَ حالُ المُراقبة ، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم , وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك , وأنَّ الله يُراقِبك . فأنتَ في مرتبةٍ من أرقى المراتب , ومن أهم المراتب , ومن أكثرها فائدةً لك , إنها : حالُ المُراقبة . المراقبة ثمرةٌ من ثمار العِلمِ, لأنَّ الله سبحانه وتعالى رقيبٌ عليك . مثال : لو دخل إنسان إلى متجر , وكان خبيراً بما في هذا المتجر ؛ من أجهزة , وآلات , ورأى آلات تصوير , وٌضعت في زوايا متعددة من المتجر , وقرأ لوحةً كبيرة كُتبَ عليها : الصالة مراقبة تلفزيونياً ، إذا قرأ اللوحة , ورأى الأجهزة , أيُعقل أن يدخلَ إلى زاويةٍ ميتةٍ , فيأخذُ حاجةً ويضعُها في جيبه ؟ مستحيل , هُنا أيقن أنهُ مُراقب . موظفٌ في شركة, ذهبَ إلى بلدٍ أجنبي, ودخلَ صالةً من صالات البيع, ورأى حاجةً غالية الثمن, خفيفة الوزن, وشعرَ أنَّ أحداً لا يُراقبهُ, فأخذها ووضعها في جيبه, وعندَ الباب أُلقيَّ القبض عليه, وسيقَ إلى سِفارته, لينال جزاء عملهِ, وكانت فضيحة, وهو موظفٌ على مستوىً عالٍ، إذاً: لأنهُ ظنَّ أن أحداً لا يعلم, تورّطَ في هذه المخالفة، فلو عَلِمَ أنَّ القاعة مراقبة, وأنَّ هناك آلات تصوير تُصوّر وتُسجّل, أو أنَّ هناك لوحة كُتبَ عليها: القاعة مُراقبة، أنا أضرب لكم أمثلة بسيطة، إذا شعرتَ أنَّ الله مُطّلعٌ عليك, وأنتَ في البيت . من لم يكن له ورعٌ يصدهُ عن معصية اللهِ إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله . إذاً : كلُّ عملهِ نِفاقٌ ورياءٌ, أمّا إذا كانت خلوتهُ كجلوتهِ, سِرّهُ كعلانيتهِ، ظاهِرهُ كباطِنهِ، فهذا الذي ينجحُ ويُفلح . ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط)) مُخلّط : هو الذي خلطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً . أقوال العلماء في مقام المراقبة . الآن إلى أقوال العلماء في مقام المراقبة , أو في مرتبة المراقبة , أو في منزلة المراقبة , كما وردت في مدارج السالكين ، قيلَ : من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ . أحياناً الإنسان يسمح لخواطره, أن يَردها أشياء لا تُرضي الله, يتصور معصية، يتخيل أنهُ يعصي الله، يسوحُ خيالهُ في متاهات البُعدِ عن الله, إذا سَمَحَ لخواطرهِ أن تجولَ في المعاصي, أغلبُ الظن : أنَّ هذه الخواطر إذا تُركت على عواهنها, انقلبت إلى معاص . أنا أقول لكم كلاماً واضحاً: الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل, ولكن إذا سمحت لخواطركَ بالشطط, ربما زلّت قدمك, فانقلبت الخواطر إلى عمل، وشيءٌ آخر هو: أنَّ مُعظمَ الذين عَصوا ربهم معاصٍ كبيرة, هم في الأساس ما أرادوا أن يعصوا هذه المعصية, ولكن خاطِرٌ، فنظرةٌ، فكلامٌ، فابتسام، فموعدٌ، فلقاءٌ، ففاحشةٌ, أساسُها خاطر. فلذلك من باب الوقاية, ومن باب الورع: لا تسمحُ لخواطِركَ أن تجولَ في المعاصي, مع أنكَ لا تُحاسب على الخواطر, لكن نخافُ أن تدعها تجول, عندئذٍ تضعفُ عن مقاومتها, فإذا أنتَ أمامَ معصيةٍ . مرة ثانية : من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ . بالمناسبة في قول لطيف : من تركَ ما اشتبهَ عليه من المعاصي , كانَ لِما استبانَ أترك . إذا قضية شُبُهة, تركها ورعاً, هو من بابٍ أولى أنه لن يقترفَ المعاصي البيّنة، ومن وقع فيما اشتبهَ به, كان لِما استبان أوقع, ومن تجرّأَ وارتكبَ معصيةً, يعدُّ شُبهةً عِندَ الناس, في المرحلة التالية سوف يتجرأ, ويقع في المعصية البيّنة الواضحة . قالَ الجُنيد : من تحقق في المُراقبة , خافَ على فواتِ لحظةٍ من ربهِ لا غير . يعني إذا كُنتَ في حال المراقبة , وشعرتَ أنَّ الله معكَ دائماً , وأنهُ مُطّلعٌ عليك , وأنهُ يعلمُ سِرّكَ ونجواك , خِفتَ أن تُضيعَ لحظةً من حياتك . وقال ذو النون : علامة المراقبة : إيثارُ ما أنزلَ الله , وتعظيمُ ما عظّمَ الله , وتصغيرُ ما صغّرَ الله . يعني لاحظ نفسك، قيَمك، مقاييسك، تنطبق على الكتاب والسُنّة، أحياناً تُعظّمُ شيئاً حَقّرهُ الله, معناها قيِمك غير إسلامية، قيِمك غير رحمانية، وأحياناً في أشخاص إذا خرجَ من بيتهِ بثياب النوم, يَعدُ هذا عملاً همجيّاً غيرَ حضاريّ, عملاً بشعاً قبيحاً جداً، أما إذا خرجت امرأته ترتدي أحدثَ الثياب, وتُبرز من مفاتنها ما ينبغي أن يخفى, يُعدُ هذا رٌقيّاً, انظر للإنسان, هذا عظّمَ ما حقّرهُ الله, وحقّرَ من ما عظّمهُ الله, فيجب أن تُلاحظ أن تكون مقاييسك وقيمك وزوايا النظر, متوافقةً تماماً معَ ما في الكتاب والسُنّة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( طوبى لمن وَسِعتهُ السُنّة ولم تستهوهِ البِدعة )) وقالَ إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السرِّ والعلانية للهِ عزّ وجل من الداخل ومن الخارج . وقيلَ : أفضلُ ما يُلزمُ الإنسان نفسهُ في هذه الطريق ؛ المحاسبة والمراقبة وإيقاعَ عملهِ مع الحُكم الشرعي . أن تُراقب نفسك, بعد المُراقبة في مُحاسبة, راقبنا هذا الطالب, إذا بهِ يَغُش في الامتحان, نكتب تقريراً نعطيه الصفر, إذا راقبَ نفسهُ, ثمَّ حاسبها, وبعدَ أن حاسبها, انتقل إلى مرحلة إيقاعِ عملهِ وفقَ الشريعة, راقب وحاسب, ووفقَ بين حركته وبين العلم الشرعي .. قال : إذا جلستَ للناسِ , فكُن واعظاً لقلبكَ ونفسك , ولا يَغُرّنكَ اجتماعهم عليك , فإنهم يُراقبونَ ظاهرك , والله يُراقب باطنك . لا تغترَّ أن يجتمعَ الناسُ عليك, لأنهم يملكون أن يُراقِبوا ظاهِرك, وأنت طبعاً ذكي, سوف تجعل من ظاهركَ ظاهراً صالحاً، لكنَّ الواحدَ الديان يُراقب قلبك, فاجهد أن تُحاسب نفسك قبلَ أن يُحاسبكَ الله عزّ وجل . قال : العلماء مجمِعون على أنَّ مراقبة الله تعالى في الخواطر سببٌ لِحفظها في حركات الظواهر , فمن راقبَ الله في سِرّهِ , حَفِظهُ في حركاتهِ , في سِرّهِ وعلانيتهِ . أنتَ في حال المُراقبة, تعبد الله باسم الحفيظ, والرقيب, والعليم, والسميع, والبصير, هذه الأسماء الحُسنى الخمس, كُلُها تؤدي معنى المُراقبة, إذا تكلّمت فهو سميع، وإذا تحركت فهو بصير، وإذا أضمرت فهو عليم، وإذا خرجتَ من بيتك فهو الرقيب، وإذا عَمِلتَ عملاً فهو الحفيظ، في نسخة كلّ حركاتك مُسجلّة عِندَ الله عزّ وجل . حفيظٌ ورقيبُ وبصيرٌ وسميعُ وعليمٌ, الحركة بصير، الكلام سميع، الإضمار ما في الداخل عليم، الحفيظ الأعمال مُسجّلة موثّقة، المُراقب يعني لكَ بالمرصاد . ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [سورة الفجر الآية: 1-5] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [سورة الفجر الآية: 6-14] الآية دقيقة جداً ليس فقط بالمرصاد، يُعاقب على ما اقترفتهُ يداك، معنى بالمرصاد أنه يراكَ وسوفَ يُعاقبُك، الآن: الحاكم يكتفي أن يضبط مخالفات الناس فقط, القضية سهلة جداً, يكفي أن يكتشف أنك تبيع بسعر أعلى, في ضبط, في سجن, وفي حُكم عُرفي، فلما ربنا يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ من لوازم أنه بالمرصاد . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ من ألطفِ ما وُصِفَت به هذه المنزلة : أنَّ مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام, بينَ تعظيمٍ مُذهل, ومُداناةٍ حاملة, وسرورٍ باعث، لاحظ نفسك إذا جاءكَ ضيف, له حجم معين بالمجتمع، صديق يحمل شهادة ثانوية متفوق, فدخلَ عليكَ أستاذ جامعي, لاحظ نفسك, تستقبل الأستاذ الجامعي, وتنظر إليه, وتُحدّثهُ, وتنصرفُ إليه بكليّتك, وتنسى أنَّ في الغرفةِ طالب آخر, ماذا حصل؟ هذا الإنسان الثاني صرفكَ عن الأول, فإذا أنت في بعض ساعاتك, في عملك, في حرفتك, في مكتبك, في متجرك, في معملك, في بيتك, في شيء صرفَكَ عن أنَّ الله يُراقُبك, هذا الحال حالٌ خطيرة . من علامة صِدق المُراقبة : أن شيئاً مهما بدا عظيماً لك, لا يصرفُكَ عن ملاحظةِ عظمةِ اللهِ لك التي تُراقُبك . لذلك : أهل الله، أهلُ القُرب، المؤمنون الصادقون، لا تغيب عظمة الله عن أذهانهم أبداً, بدليل أنَّ هذا الاستعظام للهِ عزّ وجل لا يصرِفهم إلى غير الله . فهذه الحال امتلاء القلب من عظمة الله عزّ وجل, بحيثُ يذهلُ عن تعظيم غيره, دخلت غرفة, على الطاولة جريدة تقرؤها، في قطعة ثمينة لا تمسكها, لا تُقلّبُها، في شخص آخر لا تلتفتُ إليه . أُلاحظ أحياناً: تُقابل إنساناً في نظرك مهم, تجد الجلسة بأدب, والاتجاه نحوهُ بأدب, لا يعبث بمسبَحة أمامهُ, ولا يقرأ جريدة, لأنه شعرَ أنَّ هذا الذي أمامه شخص مهم, بيده مثلاً قضية أساسية, فلماذا نحنُ مع مخلوق, في مقياس المجتمع عظيم, نقفُ متأدبين, ننصرفُ إليه بكليّتنا, لا نعبثُ بسُبحة, ولا نقرأ جريدة, ولا نلتفتُ عنه إلى غيرهِ؟ . لذلك حال المراقبة من لوازمهِ : ألا تنصرفَ عن تعظيم الله عزّ وجل إلى تعظيم من سِواه, من لوازم هذا الحال: سيرٌ إلى الله، متابعةٌ لهذا السير، حضور القلبِ مع ذلك، تعظيم الله عزّ وجل، الذهول بعظمتهِ عمّا سِواه, هذه كلها من لوازم المراقبة, ومن فقرتها الأولى التي هي التعظيم المُذهل. تجد ذنبُ المنافق كأنهُ ذُبابة, يقول لك بعد ارتكابه الذنب: ماذا حصل؟ كل المستهترين بالقيم الدينية إذا سألتهم: لماذا فعلتم هذا؟ يجيبون: هل خربت الكرة الأرضية؟ إذا ملأَ عينيه من حرام, وجد مبرراً، المعصية سهلة عندهُ، وكلما ارتقى مقامك عِندَ الله, يُصبحُ الذنب كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدرك، كُلما صَغُرَ الذنبُ في عينيك, كُلما قلَّ مقامُكَ عِندَ الله, وكُلما كانَ الذنبُ كبيراً, كَبُرَ الذنبُ في عينيك, كانَ مقامُكَ عِندَ الله كبيراً, وصَغُرَ هذا الذنب, القضية دقيقة جداً. إنسان يرتكب مخالفة، يقترف معصية، وينام مرتاحاً لا يقلق, إذا الإنسان تكلّم كلمة, وشعر بثقلها, ويوجد إنسان سجلّها عليه، لا ينام ليلتها, يتحول, لا حول ولا قوة إلا بالله, أترى أنَّ الله عزَ وجل عظيم عظمةً, بحيثُ لو ابتعدتَ عنهُ, أو وقعتً في معصيتهِ, تشعر كأنكَ سقطتَ من السماءِ إلى الأرض؟ هكذا حال المؤمن . الآن : في موضوع أتمنى أن لا يبدو لكم خيالياً, قالَ: أن تشعرَ أنَّ الله يُراقُبك, وأنهُ معك, وأنكَ مستقيم على أمره، قال: هذا الشعور يبعثُ في نفسكَ فرحةً عظيمة ولذّةً, لا توجد في أيِّ شيءٍ في الدنيا . يعني: اسأل أهل الدنيا, الذين أكلوا أطيب الأطعمة, في أرقى الأماكن, وفي أجمل المناظر، يقول لك: طعام لا يوصف، والذين غَرِقوا في الملذاتِ إلى قِمةِ رأسهم, والذين حصّلوا المجدَ من كلِّ أطرافه, هؤلاءِ لو عَرفوا الله, وذاقوا طعمَ القُرب, يقسمونَ بالله أنَّ كلَّ اللذائذ التي تمتعوا بِها من قبل, لا تَعدِلُ لحظة إقبالٍ على الله عزّ وجل . لذلك: إذا المؤمن قال, وحَلَفَ يميناً مُعظّماً: واللهِ ليسَ في الأرضِ من هوَ أسعدُ منّي, إلا أن يكونَ أتقى مني, لا يحنثُ بيمينه، أنتَ حينما تتصل مع الأشياء الجميلة؛ من طعامٍ, من شرابٍ, من جوٍ باردٍ في الصيف, من جوٍ دافئٍ في الشتاء, من مناظر خلاّبة, يعني أيّ شيء الله أعطاه مسحة من الجمال, الله هوَ الجميل . أحياناً: ربنا عز وجل يتجلّى على البحر بالجمال, يقول لكَ: سهرنا سهرة على البحر لا أنساها, أمواج لطيفة, نسمات عليلة، تركب بالبحر, تشعر بالسرور, مياه صافية, تكاد ترى قعرَ البحر، صفحة الماء كالزيت، هذا تجلّى الله على هذا البحر باسم الجميل، فإذا تجلّى عليه باسم الجبار, يكادُ القلبُ ينخلع . أيام ربنا له أفعال, هذه باسم الجميل، تنظر في وجه طفلٍ بريء, لا ترى في هذه الأرض كُلها أجمل من هذا الوجه، كُلُهُ صفاء، كُلُهُ براءة، كُلُهُ ذاتيّة، وأحياناً تنظر إلى وجه كُلُهُ نِقمة، في أفعال, البراكين, يقول لك: 80 ألف إنسان تحت الأنقاض، مدينةٌ أصبحت للأشباح، أصبحت أثراً بعدَ عين، تُحس اسم الجبّار . أيام تنظر إلى غابة في الربيع, تسمع أصوات العصافير, تشعر باسم الجميل، فربنا أسماؤه كثيرة جداً, يتجلّى في كلِّ أفعالهِ ببعضِ أسمائهِ، أيام اسم اللطيف يقول لكَ: من هنا مرت الرصاصة, شعري احترق, لكلِّ شيء حقيقة, وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ, حتى يعلم أنما أصابهُ لم يكن ليُخطئهُ . وقف في رأس الوادي السحيق، معلوماتهُ بالقيادة ضعيفة, المِقود مضبوط نحوَ الوادي, وقبل أن يُشعل المُحرّك, أرخى المِكبح, فانطلقت نحو الوادي, شخص أعرفهُ, وزرتهُ في البيت, إلى أسفل الوادي, هو وزوجتهُ وأولادهُ, ولم يُصابوا إلا برضوضٍ, وبعض الكسور الخفيفة, ومن ينظر إلى السيارة يقول: أنه لا بدَّ من أن رُكابها ماتوا جميعاً, اسم اللطيف لطف الله عزّ وجل, أيام تجد اسم اللطيف اسماً واضحاً جداً . أوضح شاهد على اسم اللطيف: حينما يذوب سِن الطفل الصغير شيئاً فشيئاً، أنت مهما كنت طبيباً ناجحاً, مهما كنت رحيماً, لا بد من إبرة بنج، لا بد من غرز الإبرة بالنيرة، وإذا كان البنج غير ناجح, وأثناء قلع الضرس, وأثناء قطع العصب, يخرج المريض من جلده من الألم, أليسَ كذلك؟ أما ربنا لطيف, انظر كيفَ تُقلعُ أسنان الطفل الصغير الأولى, وهو يأكل, يجد كأنه يوجد في بحصة بفمه, فيكون ضرسهُ, كيف انقطع العصب؟ كيف ذاب السِن؟ اسم اللطيف . الهواء يدلُ على اسم اللطيف, بيننا لا يحجُبُنا، يعني لا شيء الهواء، الهواء يحمل طائرة 350 طن، 150طن وزن الطائرة، 150طن وزن الوقود, و50 طن وزن الركاب، وعلى الهواء محمولة، الهواء إذا تحرك يقلع مُدناً بكاملها, عِندي صور مدن كبيرة, أصبحت أثراً بعدَ عين قاعاً صفصفاً . مر إعصار سيليكون, سرعته ثمانمئة ميلي بالساعة، واحد كان ساكن ببيت, في مدينة, جاءها إعصار, ما رأى من بيتهِ إلا مُحرّك سيارته بعد 5 كيلو متر, عَرفهُ من الرقم المُحرّك, تَهُب نسمات أحياناً, تشعر بسرور لا يوصف, اسم اللطيف, نفس الرياح، سرعة شديدة تُدمر كلَّ شيء بأمر ربها . من ثمار المراقبة : اسم المُراقبة , إذا أنت شعرت أنَّ الله يُراقِبُك , من ثِمار المُراقبة : استقمتَ على أمره تماماً , وأحسنتَ إلى خَلقه , وأقبلتَ عليه . يجب أن تشعرَ بسرورٍ ولذةٍ, لا تجدُهما في شيء آخر، فالذين أكلوا أطيب الطعام, والذين سكنوا أفخر البيوت, والذين تزوجوا أجملَ الزوجات, والذين علا شأنُهم, حتى صاروا من عَلية القوم, اسألهم جميعاً, لو أنَّ هؤلاء عَرفوا الله بعدَ ذلك, وأقبلوا عليه, اسألهم وأنتم في أوجِ عظمتكم، وأنتم في أوجِ قوتكم، وأنتم في أوجِ استمتاعِكم بالدُنيا, هل ذُقتم هذه السعادة التي الآن تعيشونها؟ يقولون واللهِ بِملء فمهم: لا والله . حتى إنَّ بعضَ البلاد الإسلامية, زارها رجل سائح, فوجئ أنَّ كُلَّ القبور, عليها تواريخ قليلة جداً، هذا عمرهُ سبع سنوات, ماتَ في السنة السابعة، هذا في السنة الخامسة، هذا في السنة السابعة عشر, شيء عجيب! نعرف 80، 65، 40، وستة, هذه القرية لا تؤرّخ حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف الله، هذا عَرَفَ الله في الـ 45, إذاً: الآن بدأت حياتهُ, مات في الـ 55, يعني عمرهُ عشر سنوات، يعني العمر الذي تمضيهِ في الجهل وفي المعصية, حينما تعرفُ الله يتمزق القلب, كيفَ أمضيتَ العمر في المعصية؟ . تجدُ اللذّةَ, وفرحة القلب، وقُرّةَ العين، وليسّ له نظيرٌ يُقاس به، وهو حالُ أهلُ الجنة ، حتى قالَ بعضُ العارفين: إنه لَتَمرُ بي أوقاتٌ أقولُ فيها: إن كانَ أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيب . حتى إنَّ بعضهم فَهِمَ كلام النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكرٍ في الجنة, ما فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ سوفَ يدخلُ الجنة, فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ: الآن في الجنة، في جنة القُرب، هو سيدخلُها؛ لكن الآن في جنة. وأنا أقول لكم: اجهد مع الله في طاعتهِ, وفي التقرّبِ إليه, وفي خدمة عباده, وكل جُهدكَ, وعضلاتكَ, ووقتكَ, وطاقتكَ, وعلمِكَ, وأهلِكَ, أن تَقِفَ كلَّ هذا في سبيل الله، فإذا سمحَ لكَ بالقُرب، إذا تجلّى على قلبك، إذا ألقى في قلبكَ السكينة, عندئذٍ تعرِفُ طرفاً من مقام أهل الجنة . وأنا أقول لكم الآن كلمة دقيقة: أحدكم لو التقى بإنسان من أصدقائهِ القُدامى, وجلس معهُ ساعة من حديثهُ, يشعر أنهُ مقهور، أنهُ ضائع، أنهُ تائه، أنهُ شقي، أنهُ خائف، أنهُ متمزق، أنهُ يخافُ كلَّ شيء، أنهُ يُحسُ بالقهر، اجلس مع مؤمن, تجد معنوياته عالية كثيراً، يشعر أنَّ خالقَ الكون يُحبهُ، يشعر أنه في عين الله, في رعايتهِ، يشعر أنَّ الله لن يتخلى عنه، تبدل الضائع, أخي لازم نعمل فحص دوري, بسبب السرطان, شيء يُخيف هذا, لو ليسَ معه سرطان, ولو عاش ثمانين سنة دون سرطان، هذا ذاق طعم السرطان ثمانين سنة، لأنكَ إذا كُنتَ تخافُ شيئاً فأنتَ فيه، أنتَ من خوف المرض في مرض . أهلُ الدُنيا, حينما ابتعدوا عن الله عزّ وجل قَلِقوا, يخافون أمراضاً خبيثة، يقول لكَ: أخي في إحصاء مُخيف في أمريكا, كلّ ستة أشخاص, يموت واحد بمرض القلب، ثلث الوفيات من أمراض القلب، وكل النساء يخافون من سرطان الثدي، تجد فحصاً دورياً, شيء يُخيف, وفي أيضاً أمراض الدماغ, يقول لكَ: يخاف انفجار بالدماغ, سُبات, انتهى, إذا كل واحد يقرأ عن الأمراض لا ينام الليل، يخاف من أمراض المعدة والأمعاء، أو أمراض القلب والشرايين، أو أمراض الدماغ والأعصاب، أو يخاف إنساناً في مركبته ينام, يدخل به, يدهسهُ, ينقطع عمودهُ الفقري, يصبح مشلولاً، فإذا الإنسان بَعُدَ عن الله عزّ وجل فالحياة موحِشة، شيء مُخيف جداً، انظر للمؤمن, إذا سافر يقول: يارب أنتَ الرفيق في السفر, والخليفةُ في الأهلِ والمالِ والولد، أحياناً يصاب الابن بحرق, يصبح هذا الابن مصدر شقاء للأسرة كلها, مصدر شقاء طوال حياته, فأنت تخاف من التشوه, يأتيك مولود مشوّه, لمّا تخاف من المرض تمرض ، أما إذا كُنتَ مع الله, الله عزّ وجل يُطمئُنك: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . أنا أقول لكم: زوال الكون أهون على الله من أن يتخلّى عن مؤمن, أو أن يُضيّعَ مؤمناً, أو أن يجهدَ المؤمنَ في طاعة الله, ويجعلهُ في مؤخرة الركب، ليسَ هذا من أخلاق الله عزّ وجل . يا أخوان, كلمة وإن كانت قاسية تحملّوها, قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ، إذا صلاتهُ شكليّة، تِلاوتهُ شكليّة، ولا مرة بكى ولا مرة، ولا مرة قلبهُ اضطرب حُباً لله عزّ وجل، ولا اقشعر جلدهُ ولا مرة شعوراً بخشية الله عزّ وجل، ما شعر أنهُ هو غالٍ على الله، كل العبادات شكليّة يؤديها، قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ, فإنَّ للإيمان حلاوةً, من لم يَذُقها فليرجع, وليقتبس نوراً, يجد به حلاوة الإيمان: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [سورة الحديد الآية: 13] أتحبون الدليل؟: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] ذاق, الإيمان له طعم، إذا أكلت قطعة حلوى, من نوع جديد, من الكيلو 350 ل0س, وأكلت فجلة, هل يستويان مذاقاً؟ . ((ذاقَ طعمَ الإيمان؛ من رضيَّ باللهِ رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ رسولاً)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] إذا ما في ذوق راجع نفسك، أعد حساباتك، راقب أين الخلل؟ أين المعصية؟ أين يوجد الشِرك؟ أين يوجد تعلّق في الدنيا؟ أين التقصير؟ راقب, إذا ما شعرتَ بهذا القُرب, وما شعرتَ بهذا الحُب, وما شعرتَ بهذا السمو, وما شعرتَ بهذه السعادة, راجع حساباتك . حديثٌ آخر: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) إذا واحد من الأخوان المؤمنين, له رفيق لا يُصلّي, وعاصي لله, وهو في أعلى درجات الغِنى والرفاه والبحبوحة، إذا قالَ هذا الصديقُ الأول, المُستقيمُ على أمرِ الله: هنيئاً لفُلان، أقول لكم: إيمانهُ صِفر، لو أنهُ ذاق طعمَ الإيمان, لما تمنىَ أن يكونَ مكانهُ . أقول لكم هذا الكلام: إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, وأنتَ في أشدِ حالاتِ الحِرمان من المال, من الصِحة, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, أن تكون مكانَ إنسانٍ صحيح الجسم لكنهُ عاصٍ، قوي الجسم لكنهُ عاصٍ، رفيع المكانة لكنهُ عاصٍ، كثير المال لكنهُ عاصٍ, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة أن تكونَ مكانه، بحالاتهِ، بمعاصيه، اعلم عِلم اليقين أنكَ لا تعرفُ الله, وما ذُقتَ من الإيمانِ شيئاً, وكلُّ عملكَ مردودٌ عليك، هكذا قالَ النبي: ((من كانَ اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سِواهُما)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] قالت له زوجته: أريد كذا وكذا, قال: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنةٍ من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلهن, أهون من أن أُضحي بِهن من أجلكِ . المؤمن حياته غير قابلة للمساومة, لأنَّ اللهَ ورسولهُ أحبُّ إليه مما سِواهُما، مهما أوذي في الله, لا يعصي الله, وتجد إنساناً آخر على كلمة, ترك الصلاة, لا أريد, على كلمة حذّرهُ بها فاسق, تركَ دروسَ العِلم كُلها, يرى ذلك راحة له, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج الآية: 11] ومن كان يُحبُ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله: لكَ أخ تُحِبهُ لله، لستَ زبون عِندهُ, وليسَ هو زبون عِندك, ولا في قرابة, ولا في صداقة, ولا في مصالح، إطلاقاً لا تُحبهُ إلا لله, لا علاقة دنيوية بينكَ وبينهُ, هذه علامة الإيمان . ومن يكرهُ أن يعود في الكُفرِ بعدَ إذ أنقذهُ الله, كما يكرهُ أن يُلقى في النار . الثواب : يقول أحد العلماء : إذا لم تجد بالعمل حلاوةً في قلبكَ وانشراحاً فاتهمهُ . اتهم قلبك , فإنَ الربَّ تعالى شكور؛ يعني لا بدَّ من أن يُثيب العامل على عملهِ في الدنيا , من حلاوةٍ يجدُها في قلبهِ . يمكن وضعنا يدنا على معنى دقيق جداً من معاني الثواب . أخي لك ثواب اعمل , شغلة فيها ثواب ، كلمة ثواب يُرددها الناسُ عشرات المرات , بل مئات المرات في اليوم الواحد . قبلَ أن ننُهيَّ الدرس , لا بدَّ من توضيح معنى الثواب . مرةً ثانية : كلمة الثواب تتناقلها الألسن , كُلَّ يومٍ عشرات, بل مئات المرات، هذه الشغلة فيها ثواب، اعمل هكذا لكَ ثواب، هذا العمل الله يُثيبك عليه، ما معنى الثواب؟ هُنا في معنى دقيق, الله عزّ وجل من أسمائهِ الشكور، معنى شكور: أنكَ إذا عَملتَ عملاً صالِحاً, ألقى في قلبِكَ سروراً وطمأنينةً وسكينةً وسعادةً, كأجرٍ فوريٍّ يُقدمهُ لك مُعجّل، فإذا عَمِلتَ عملاً صالحاً, ولم تشعر بشيء إطلاقاً, فاعلم عِلمَ اليقين: أنَّ هذا العمل فيه خلل، إمّا في النية, أو في القصد, أو في مُطابقتهِ للسُنّة، إن لم تشعر بسعادةٍ لا توصف من خِلال أعمالكَ الصالحة التي تبتغي بها وجهَ الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ أجرَ الله عزّ وجل المُعجّل لم يَصِلك، إذا الأجر لم يصل, معناها العمل لم يُقبل، معناها العمل لم يُرفع إلى الله عزّ وجل. فإذا الإنسان ابتغى بعملهِ إرضاء الناس, أو ينتزعَ إعجاب الناس, أو أن يُثني الناسُ عليه, يفعلُ أعمالاً صالحةَ كالجبال, ومعَ ذلك قلبهُ مُتصحّر, والله أخدم كثيراً ولا أُحس بشيء. المعنى اللغوي: ما معنى ثابَ إلى رُشدِهِ؟ يعني عادَ الثواب, يعني عادَ، يعني أنتَ إذا فعلت عملاً صالحاً, العائد الذي يعودُ عليك, هو شعوركَ بالسعادة, لذلك المؤمنون الصادقون إذا عَمِلوا الصالحات, تمتلئُ قلوبُهم سعادةً، وما السعادة التي تمتلئُ بها قلوبهم, إلا أجرٌ مُعجّلٌ أعادهُ الله عليهم في الدنيا . معنى الثواب: هذه السعادة التي يشعرُ بها المخلِصون المستقيمون المنضبطون, فإذا الإنسان له أعمال صالحة كثيرة وكبيرة, وما شَعَرَ من خِلالِها أنَّ قلبهُ قد اهتز طرباً, وانتشى سعادةً, فليُراجع نفسهُ مرةً ثانية, هذا حال المُراقبة . يعني: إذا شعرتَ أنَّ الله يطلّعُ عليك, واستقمتَ على أمرِهِ, وأخلصتَ لهُ, جاءكَ الإحسان، جاءكَ السرور، جاءتكَ السعادة التي هي مُشجعٌ كبير في الدنيا . إن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادمٍ إلى منزلة جديدة من منازل مدارج السالكين, في فَهمِ معنى: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اليقينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( العشرون ) منزلة اليقين : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درس من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة اليقين . لأنَّ بعضهم أيقن فتحرك واستقام , وأعطى ومنع وبذل , وبعضهم كانَ شاكاً ومُتردداً فأحجم ، فإذا أردتَ أن تُفسّر الإحجام والإقدام ، الاستقامة وعدمها التضحية والحِرص ، لا يُفسّر هذا إلا باليقين , وإذا ذهبتَ في حياتكَ اليومية , وراقبتَ نفسك ، الأشياء التي توقِنُ بها تنطلقُ إليك ، والأشياء التي أنتَ شاكٌ فيها تُحجمُ عنها . العامل الأساسي الذي يدفعُكَ إلى الحركة هو اليقين . ورد في الأثر: ((تباركَ الذي قسمَ العقلَ بين عبادِهِ أشتاتاً، إنَّ الرجلين ليستوي عملهُما وبِرهُما, وصومُهُما وصلاتُهما, ويختلفانِ في العقلِ, كالذرّةِ جنبَ أُحد, وما قسَمَ الله لِعبادهِ نصيباً أوفرَ من العقلِ واليقين)) الموقن يدفعُ زكاةَ مالهِ ، الموقن يفني شبابهُ في طاعة الله , الموقن يُقضّي عُمُرهُ في معرفة الله . أما غير الموقن : تراهُ مُحجماُ متردداً متريثاً مترقّباً , يعني في حيرةٍ في ضياع . الجلاس وعمه . والقصة التي مرت بِنا من قبل شهيرة : أحد أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله , لما بلغَ مرتبة اليقين , أصابتهُ نكسة , فعِندهُ طفلٌ صغير ربيبهُ , ابن زوجتهِ , وقد أغدقَ عليه من النِعم , ومن الرعاية والرحمة , ما لا سبيلَ إلى وصفه , دعا النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لتهيئةِ أنفسهم لمعركة مؤتة , رآهُ مُحجِماً قاعداً متريثاً منتظراً لا يتحرك ، بينما أصحاب النبي عليهم رضوان الله تحركوا وبذلوا وجهّزوا واستعدوا , هو جالس ، فكانَ هذا الطفل الصغير لشدة توّقد الإيمان في قلبهِ , يُبلّغُ عمهُ زوجَ أمهِ , أن يا عماه فُلان فعلَ كذا ، فُلان فعلَ كذا ، فلما ضاقَ به ذرعاً , قال له : يا جُلاس , لو كانَ محمدٌ صادقاً لكُنا شراً من الحُمر . هذه كلمة الكُفر ، متردد ، ليسَ واثقاً ، ليسَ متيقناً ، والحقيقة : إذا الإنسان تردد وقع في مشكلة كبيرة . فهذا الطفلُ الصغير قالَ : واللهِ يا عماه , ما على وجهِ الأرضِ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ أحبَّ إليَّ منك , ولكنكَ نطقتَ بكلمة الكُفر , ولأُبلّغنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . ما أراد أن يُبلّغ النبي من وراء ظهرهِ , واضح , هذه كلمة الكُفر , ويجب أن يعلم النبي عليه الصلاة والسلام ماذا تقول ؟ أنت معدود من أصحابه , كيفَ تقول : لو أنَّ محمداً صادقٌ فيما يقول , لكُنا شراً من الحُمر ؟ . يعني : لو أنه صادق في دعواه , أنه نبي , ولن نستجب له , لكُنا شراً من الحُمر , فذهبَ هذا الطفلُ الصغير إلى النبي عليه الصلاة والسلام , وقالَ : يا رسول الله , تكلّمَ عمي : كيتَ وكيت , استدعاهُ النبي عليه الصلاة والسلام , وسألهُ عن قولتهُ هذه , فأنكرها , قالَ : هذا كذّاب يا رسول الله ، هذا أنا أحسنتُ إليه , وأنعمتُ عليه , وأغدقتُ عليه ، وهو يفعلُ هذا بحقّي ، وأصحابُ النبي عليهم رضوانُ الله , يعني مالوا إلى تصديق عمّهِ وتكذيب الغُلام ، نظرَ إليه النبي عليه الصلاة والسلام , فإذا بوجهه قد اصطبغَ وجهه بالحُمرة خجلاً من هذا الموقف العصيب , ولم يلبثُ أن تنزّلَّ الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد أكّدَ الوحيُّ قولة الصغير ، قالَ تعالى : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة التوبة الآية: 74] عندئذٍ كبّرَ النبي عليه الصلاة والسلام , وأمسكَ الغلامَ من أُذنهِ , وقالَ : يا غلام , صَدّقكَ ربُك , عندئذٍ اعترف عمهُ بما قال ، وقال : يا رسول الله ! اغفر لي هذه الزلّة , وتابَ توبةً نصوحاً , وكانَ من أشدِ الناسِ إكراماً لهذا الغُلام , لأنَّ توبتهُ كانت على يده , ولو أنَّ هذا الغلام سكت لبقيَّ منافقاً , كانت توبة العم على يدِ هذا الغُلام . الذي جعلهُ يُحجم ويتردد وينجل , عدم اليقين ، وإذا أردتَ أن تُفسّرَ التقصير والإحجام , والميل إلى الدنيا , وعدم وجود الهِمة العالية , فينبغي أن تُفسّرَ كلَّ ذلك بضعفِ اليقين . ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ لو بلغَ اعتقاد الإنسان مرتبة اليقين, لباعَ نفسهُ للهِ عزّ وجل, أيُّ إحجامٍ, أيُّ تقصيرٍ, أيُّ تقليلٍ من شأنِ الإيمان, يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف اليقين . ربُنا عزّ وجل ما أرادَ منك أن تؤمنَ متردداً :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 15] الله عزّ وجل ما رضيَّ لكَ أن تؤمنَ شاكاً: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾ الله عزّ وجل ما أمركَ أن تؤمن, وأعطاكَ الأدلة الضعيفة, قالَ:﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الذاريات الآية: 20] هذا الموضوع دقيق جداً, حتى في حركاتكَ اليومية، لن تتحرك إلا إذا أيقنت، لن تُحجم عن شيءٍ يَضُرك إلا إذا أيقنتَ بضرره، لا تمتنع عن تصرفٍ إلا إذا أيقنت بخطورته، لا تُقدمُ على شراءِ شيء إلا إذا أيقنتَ بالربح, أبداً, اليقين هو المُحرّك، وما لم توقن, تبقى في شكٍ, وترددٍ, ووهمٍ, وإقدامٍ, وإحجامٍ, وتريثٍ, وتفرجٍ, أما حتى تنتقل إلى مرتبة العمل, لا بدَّ من اليقين, وأبوابُ اليقين مُفتحةٌ على مصارعها في الدنيا، وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين، يعني في الإيمان أدلّة ليست مُقنعةً فحسب, بل هي قاطِعةٌ . خصوصية أهل اليقين . الله عزّ وجل خصَّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 4-5] لأنهم أيقنوا : ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ خصوصية أهل النار . أمّا أهل النار: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 32] لسنا متأكدين, أبداً, الأمر واضح جداً، الإحجام، النِفاق، الضعف، البُخل، عدم دفع المال، عدم بذل الوقت في سبيل الله، عدم التعرّف إلى الله، عدم تلاوة القرآن، تغليبُ الدنيا على الآخرة، الوقوع في الشُبُهات، التقصير في الواجبات، كلُّ هذه الأمراض هي أعراضُ لمرض واحد هو: ضعفُ اليقين . من علامات آخر الزمان : أن يفشوَ ضعفُ اليقين في الناس . تجد المساجد ممتلئة . لو دخلتَ إلى بيوت هؤلاء : أجهزة اللهو . لو دخلتَ إلى متاجرهم : التعامل ربوي . لو دخلتَ معهم في لقاءاتهم : اختلاط ، اختلاط في العلاقات الاجتماعية ، وتقصير في الواجبات الدينية ، وتسيّب في الانضباط الشخصي . ما سِرُّ ذلك ؟ هو ضعفُ اليقين . أُعيدُ مرةً ثانية وثالثة ورابعة : إذا أيقنت أنكَ إذا فعلتَ هذا الأمر, لا تنجو من عذابٍ أليم في الدنيا، لا تنجو من عشرين عاماً في السجن تُقضيها، لا أقول أغلب الظن, قطعاً: تُحجم عن اقتراف هذه المُخالفة . الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم: أن ينقلَ معرفتهُ باللهِ عزّ وجل من مستوى الاعتقاد غير الجازم إلى مستوى الاعتقاد الجازم, الإنسان أحياناً يُقصّر, إذا قصّر, يأتي العِلاج الإلهي مرة, اثنتين وثلاث, ألا ينبغي أن تستنبط: أنَّ لكلِّ سيئةٍ عِقاباً, وأنكَ لا تنجو من عذاب الله, إلا إذا استقمتَ على أمره, وأنَّ هذا الضعف في اليقين, هو سبب هذا التردي, من مشكلة إلى مشكلة .......؟ لذلك العلماء قالوا: اليقين روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, وهيَّ حقيقة الصديّقيّة, كلما قال النبي شيئاً, يقول له الصدّيق: صدقت يا رسول الله, صدقت صدقت, بلغتَ حدَّ اليقين . إنسان عادي قد لا يُبالغ في غسل الخُضار, أما إذا في جائحة، وباء، ادخل إلى بيت الطبيب، لأنهُ يُعالج باليوم آلاف الحالات، آلاف الإسهالات، آلاف الإنتانات، آلاف الأمراض، كُلُها بسبب التلوث من الخضار . انظر إلى الطبيب, حيثُ يأمر أهله أن تغسلَ الخضار بالمواد المٌعقّمة يوميّاً, لماذا؟ بلغَ عِلمهُ حدَّ اليقين, أما عامة الناس ربما لا يبلغُ علمهم حدَّ اليقين, تراهم يترددون . لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك. في رواية أخرى: إنه من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، أن تَذمهم على ما لم يُؤتكَ الله، إنهُ من ضعف اليقين . يعني: إذا لم توقن أنَّ هذه النعمة من الله عزّ وجل، إذا جاءتكَ من إنسان, انكببتَ عليه مادِحاً وشاكراً ومُثنيّاً, ولم تتيقن أنها من عِند الله عزّ وجل, لذلكَ وقعتَ في الشِرك وأنتَ لا تدري, إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله . معنى ذلك: أيّ إنسان إذا استجاب لإنسان على حساب طاعتهِ لِربه، إذا جامَلَ زوجتهُ وسايرها في أمرٍ لا يُرضي الله، يجب أن يمتحن نفسهُ، يجب أن يوقن أنه غيرُ موقن، يجب أن يعلم أنهُ لا يعلم، يجب أن يتأكد أنهُ في شكٍ من أمرِ دينه، لأنه حينما تُرضي مخلوقاً وتعصي خالِقاً, أنتَ لستَ متأكداً من غضبِ الخالق، لستَ متأكداً من أنَّ هذا يُسخُطه، لستَ متأكداً من أنَّ هذا لا يُرضيه، لذلك فعلته . وهنا: لا تُرضيّنَّ أحداً بسخطِ الله، ولا تحمدنَّ أحداً على فضل الله، ولا تذمنَّ أحداً على ما لم يؤتِكَ الله، فإنَّ رِزقَ الله عزّ وجل لا يسوقه إليكَ حِرصُ حريص، ولا يردّهُ عنكَ كراهية كاره، وإنَّ الله بعدلهِ وقسطه جعلَ الروحَ والفرح في الرِضا واليقين، وجعلَ الهمَّ والحُزن في الشكِ والسُخط . كنتُ مرة أضرب لكم بعض الأمثلة, أُعيدهُا مرات عديدة, لأنه مناسب جداً في هذا الوقت: شخص فقير جداً, عِندهُ أولادٌ ثمانية, دخلهُ قليل جداً, حياتهُ خشنة جداً، دخلهُ أقل من مصروفه، يعني يُعاني من أزمات لا تُحصى, لهُ عم يملك ثلاثمائة مليون, وليسَ له أولاد, وتوفي في حادث, كلُّ هذه الثروة آلت إليه قطعاً, هو الوريث الوحيد، لكن إلى أن يصلَ هذا المبلغ إلى يديه, هُناك إجراءات وتعقيدات وبراءات ذمة ومتابعة معاملات إلى آخر ذلك ......، لماذا هذا الإنسان خلال هذه الفترة التي لم يقبض دِرهماً واحداً, هو من أسعد الناس, لماذا؟ لأنهُ موقنٌ بأنه سيصير غنيّاً، فيمضي هذه الفترة يقول: هذه الفيلة سأشتريها جيدة، وهذه المركبة سأقتنيها، وهذا الطعام سآكلهُ، وهذا اللِباس سأرتديه, دخل باليقين، أيقنَ بأنه سيكونُ غنيّاً, كلُّ هذه الثروة آلت إليه، من فقرِ مُدقع إلى غِنىً جيد . هذا مثل طبعاً مُركّب تركيباً, لم يقع هذا الشيء, لكن هذا التركيب, من أجل أن نكشف: من أنَّ الإنسان يسعد لو أيقن، يعني أنت إذا أيقنت أنَّ الله عزّ وجل يُحبك وراضٍ عنك, وأنكَ إذا انتقلتَ إلى الدار الآخرة, أغلبُ الظن أنَّ الله سيرحمك, وأنَّ لكَ في الجنةِ مكاناً, هذا اليقين يجعلُكَ تمتصُ كلَّ المصائب, وكلَّ المتاعب, وكلَّ الهموم, وتعيشُ في هذا الوعد الرباني العظيم: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 60] الآن: إذا إنسان فرح في الدنيا, ما الدليل يقينهُ في الآخرة ضعيف؟ لِضعفِ يقينهِ بالآخرة فَرِحَ بالدنيا، أما لوعَرَفَ الدنيا على حقيقتها ما فَرِحَ بها . إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دارُ استواء, ومنزلُ ترحٍ لا منزلُ فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها اللهُ دارَ بلوى وجعلَ الآخرة دارَ عُقبى, فجعلَ بلاءَ الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعلَ عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً, فيأخذ ليُعطي ويبتلي ليُجزي. لو فرضنا تلّة, عليها قصر فخم جداً، وإنسان يسير على قدميه, والطريق وعرة, ليتملّك هذا القصر، وإنسان يركب أفخر مركبة, وهو سينتهي به المطاف إلى أن يُعدم، في الظاهر هذا يركب مركبة فخمة جداً, لكن مصيرهُ معروف، وهذا الذي يمشي على قدميه, ويبذل جهداً كبيراً, سيكون نزيلاً لهذا البيت الفخم وسيتملّكهُ، لو التقيا في الطريق, أيقول الذي يركبُ المركبة الفخمة لهذا الفقير: ما أسوأ حظك؟ أيقول هذا الفقير لهذا الذي يركب المركبة: هنيئاً لكَ المركبة؟ لا, لِجهلِ كُلٍ منهما بمصيرهِ, يتمنى هذا أن يكونَ مكانَ هذا, وهذا يزدري هذا, بسببِ جهلِ كُلٍ منهما مصيرهِ، أما المؤمن قولاً واحداً: لا يتمنى أن يكون مكانَ أهلِ المعصية, ولو كانوا في أعلى درجات النعيم والرفاه والغِنى والقوة . الحق المبين : آية ثانية , يقول الله عزّ وجل : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الحق هو اليقين : ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [سورة المدثر الآية: 47] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ الموت يقين والحق يقين . الإنسان لماذا لا يتوكل؟ الآن: الإنسان يمرض مرضاً عضالاً, لماذا ييأس؟ لأنه ليسَ موقناً أنَّ الله قادرٌ على شِفائه, ضعف يقين, لو أيقنَ أنَّ الله يشفيه, مهما يكن مرضهُ عُضالاً, لَمَا أصابه اليأس أبداً، الفقير لماذا ييأس؟ لأنَ يقينهُ بأنَّ الله بقدرته أن يُغنيه, ضعيف هذا اليقين، لو أيقنَ لَمَا يئس، أخطر أمراض النفس: اليأس, والقنوط, والكآبة, والسوداوية . قرأتُ كلمةً أعجبتني: يارب لا كربَ وأنتَ الرب, لا كرب مع وجود الرب, أنتَ عبدهُ, وباب التوبة مفتوح, باب العطاء مفتوح . إذاً: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ قال العلماء: إذا وصلَ اليقين إلى القلب, امتلأَ نوراً وإشراقاً, وانتفى عنهُ كلُّ ريبٍ وسخط وهمٍ وغم, فامتلأَ محبةً للهِ, وخوفاً منهُ, ورِضىً به, وشُكراً له, وتوكّلاً عليه, وإنابةً إليه, فهو مادةُ جميع المقامات والحامل لها ". يقول الجُنيد: اليقينُ هو استقرار العِلم . مثل أدعهُ بينَ أيديكم: الإسمنت يُفحص في المعامل بمتانتهِ, هوَ يتحمل قِوى الضغط بشكل كبير جداً بالسنتيمتر مكعب من الإسمنت, يتحمّل بالمواصفات القياسية الصحيحة خمسمائة كيلو, نصف طن, لو وضعنا نصف طن على سنتيمتر مكعب من الإسمنت, لتحملّها قبل أن ينسحق نصف طن، في المواصفات الوسط 200 كيلو، أما يُفحص الإسمنت بالشد، تُصب مكعبات من الإسمنت، تُلقط بملاقط من الأعلى، وملاقط من الأسفل، الملقط السُفلي ككفة الميزان, يوضع الكيلو, يكسر في نوع, لا ينكسر إلا على 2 كيلو, في نوع على ثلاثة, على أربعة, على خمسة، تُمتحن قوة تماسك الإسمنت على أيِّ وزنٍ يُكسر هذا المُكعب، هذا المثل لو طبقناهُ على المؤمنين, تجد مؤمناً إيمانهُ وسط, أما على إغراء معيّن, أو على ضغط معين, تضعُف هِمتهُ, وانساق مع شهوتهِ, وتخلّى عن طاعتهِ لربهِ . إذاً: هذا المؤمن يقينه ضعيف, كُلما زادَ اليقين زادَ التماسك، فالمؤمن الصادق مهما ألّمت بهِ المِحن, ومهما ضاقت عليه الدُنيا, ومهما تلّقى ضغطاً كبيراً, ومهما تعرّضَ لإغراءٍ شديد. إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي . كُلما ارتفعَ اليقين, ارتفعَ التماُسك, وارتفعَ الصمود, يعني باللغة التي نستعملها: يصمدُ أمام كلِّ إغراء, وتحتَ أيِّ ضغط، والإنسان أحياناً ينهار لضغطٍ قليل أو لإغراءٍ قليل، فإذا انهارَ إيمانه لضغطٍ أو لإغراء, معنى ذلك: يجب أن يُعيدَ حساباتهِ كُلها, فإيمانهُ ضعيف . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي, لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ, وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ, وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)) قال: اليقين هو استقرار العِلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغيّر في القلب, وقالَ أبو بكر الورّاق: اليقين مِلاكُ القلب, وبهِ كمالُ الإيمان, وباليقينِ عُرِفَ الله, وبالعقلِ عُقِلَ عن الله، واليقين على ثلاثة أوجه, ثلاثة أنواع؛ يقين خبر، ويقين دليل، ويقين مشاهدة . لو فرضنا في جدار, قال لكَ إنسان: وراء هذا الجدار نار, هذا الإنسان صادق عندك, هذا يقين خبر, بعد قليل رأيتَ الدُخان يتصاعد, لا دُخان بِلا نار, صار في عنّدنا دليل ، كان في معك يقين إخباري, صار معك يقين استدلالي, توجهّتَ نحو الجدار, والتففت وراءَ الجدار, فإذا النار تشتعل، صار معك يقين شهودي، من اليقين الإخباري, إلى اليقين الاستدلالي, إلى اليقين الشهودي. أنواع اليقين : 1-يقين خبر : فاليقين إذاً أنواعٌ ثلاثة: يقين خبر سكون القلب إلى خبر المُخبر وتوثّقهُ به. يعني إذا كان المُتكلّم صادقاً, فأنتَ تثِقُ بكلامهِ وتُصدّقهُ, فهذا يقينُ الخبر, فإذا كان الله هو المُتكلّم, خالق الكون, وإذا كانَ هذا الكلامُ قرآن, وإذا كانَ هذا الكلامُ حديثاً لرسول الله متواتِراً صحيحاً, هذا يقين إخباري, ويكفي المؤمن دليلاً أو دافعاً لتطبيق أمرِ الله أنهُ أمرُ الله ، الإنسان إذا بحث عن حِكمة لا بأس, ليُعلّمَ الناسَ الحِكمة, ولكن إذا أيقنَ أنَّ هذا أمرُ الله, ولو لم يفقه الحِكمة, يكفيهِ دافعاً إلى تطبيق أمر الله عزّ وجل . 2-يقين الدلالة : المستوى الثاني: يقين الدلالة، فإذا جاءت حقيقة مع البُرهانِ عليها, ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] قال لكَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ لكن في آيات أُخرى قال:﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 101] ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [سورة الغاشية الآية: 17-20] إذاً: ربنا عزّ وجل معَ أنهُ خالقٌ, ورب, ومُسيّر, وموجود, وواحد, وكامل, أعطاكَ الأدلة على وجوده، والأدلة على كماله، والأدلة على وحدانيته، فأنتَ في الآيات الكريمة, عِندكَ يقين إخباري ويقين استدلالي . 3-يقين المكاشفة : أما الدرجة الثالثة: يقينُ المُكاشفة، مرة ثانية: إنسانٌ تثقُ بكلامهِ إلى أقصى الحدود, أخبركَ أنَّ وراء الجدارِ ناراً، رأيتَ الدخان يتصاعد, قلتَ: لا دُخانَ بلا نار يقين استدلالي، توجهّتَ نحو الجدار, ورأيتَ النارَ تشتعل, هذا يقين شهودي, والمؤمن يرتقي من يقينٍ إخباري إلى يقين استلالي, إلى يقين شهودي . لكن بالمناسبة: ما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ شهوداً، وما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ استدلالاً، بل إنَّ من مفردات الإيمان ما هو إخباري محض, فالحديثُ عن الجنةِ والنار، والجِنِّ والملائكة، والصراط والميزان، والبرزخ والقبر وعذاب القبر، والحديثُ عن الأزل, عن جمعِ النفوس في الأزل، هذا كلهُ يقين إخباري, ولن يكونَ شهوديّاً ولا استدلالياً. تبقى في الإيمان مفردات, يبقى اليقينُ بها يقيناً إخباريّاً, لذلك: الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه, يجبُ أن تُصدّقَ بهِ، الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه استدلالاً, إذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل يقيناً استدلالياً, عندئذٍ تؤمن بما أخبركَ اللهُ به تصديقاً . في الإيمان: إيمان تصديقي وإيمان تحقيقي، بعضُ مفردات الإيمان لا يُمكن أن تؤمنَ بها إلا تصديقاً؛ كالإيمان بالجِنِ مثلاً, أو الإيمان بالملائكة, قال الله عزّ وجل في آيات كثيرة عن الملائكة, إذاً: أنتَ مؤمن بالملائكة إيمان تصديقي . الآن: إذا ارتفع المؤمن إلى مستوى الإيمان الشهودي, أو يقين المُكاشفة, أو اليقين الشهودي, بحيثُ يصير المُخبرُ به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم, إنني أراك . قال: يا زيد عرفتَ فالزم, إني لكَ ناصحٌ أمين, كيفَ أصبحت؟ أصبحتُ بعرش ربي بارزاً, وكأني بأهلِ الجنة يتنعمون, وبأهل النارِ يتصايحون. يعني بلغَ إيمانهُ مرتبة الشهود . قال بعضهم: رأيتُ الجنة والنارَ حقيقةً, قيلَ: وكيف؟ قال: رأيتُهما بعيني رسول الله . بالمناسبة: كلُّ المؤمنين من دون استثناء إيمانهم بالجنة والنار إيمان إخباري، يقين إخباري، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإيمانهُ بالجنة والنار إيمانٌ شهودي, لأنه في الإسراء والمعراج, أكرمهُ الله عزّ وجل بأن أطلعهُ على ما سيكون، رأى بأُمَ عينه أهلَ الجنةِ وأهلَ النار, وأحوالَ أهل الجنة وأحوال أهل النار، النبي وحدهُ إذا تكلّمَ عن الجنة وعن النار يتكلّمُ عن مُشاهدة . لذلك: إذا ذهبَ إنسان إلى مكان, ورآهُ رأيَّ العين, وأخبركَ عنهُ, تشعر أنهُ يؤثّرُ فيه, أما إذا قرأ عن هذا المكان, وأخبركَ عنهُ, يعني ينقل شيئاً من كتاب, ويلقيه في أُذُنك, أما لو أنهُ عاشه وتأثّرَ به, لكان تأثيرهُ فيكَ أبلغ . لذلك: أراد الله عزّ وجل أن يكون النبي وحدهُ, تكريماً لهُ, إذا حدّثَ أُمتهُ عن الجنة والنار, يُحدّثُهم كحديث المشاهد . أركان علم اليقين : أركان عِلم اليقين, قال: قَبولُ ما ظهرَ من الحق, وقَبولُ ما غاب, والوقوف على ما قامَ بالحق، كيف؟ قَبولُ ما ظهرَ من الحق تعالى؛ أوامرهُ ونواهيه وشرعهُ ودينهُ, هذا كُلهُ ظهرَ على لسان نبيهِ صلى الله عليه وسلم, فأنتَ كمؤمن تتلقاهُ باليقين, كما قُلنا قبلَ قليل . في عندك أوامر ونواهٍ، في عندك سُنن، في عندك مكروهات، في عندك مستحسنات ، هذه كُلها جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكن في أشياء غابت عنك, أخبركَ بها النبي, هذه أيضاً يجب أن تتلقاها كما لو أنها يقينٌ . فالإيمانُ بالغيب الذي أخبرَ اللهُ به, والإيمان بالجنة والنار, والصِراط والميزان, والحسابِ وما قبلها, من تشقق السماءِ وانفطارها, وانتثار الكواكب, ونسف الجبال, وطي العالم وما قبل ذلك؛ من البرزخ ونعيمهِ وعذابهِ, هذه كُلُها تقبلها, لأنَّ الله أخبرنا بها يقين إخبار. قبول هذا كُلِهِ, يُعدُّ إيماناً وتصديقاً ويقيناً, هذا هو اليقين, بحيثُ لا يُخالجُ القلبَ شُبُهةٌ ولا شكٌ ولا نسيانٌ ولا غفلةٌ, فإن لم يهلك يقينُ الإنسان, بقي إيمانهُ قوياً, وبقي عملهُ صالحاً . الآن بعضُ ثِمار اليقين, قالَ: الأُنسُ القرآن الكريم, يقينُكَ أنَّ هذا الكلامَ كلامه, وأنَّ الجنة والنارَ مصيرُ البشر, وأنَّ هذا الكونَ خلقهُ لتعرِفهُ, هذا اليقين, يحملكَ إذا قرأت القرآن على أن تأنسَ بهِ . مثلاً: إذا قُرئ القرآن, تجد إنساناً يبكي, وإنساناً لا يُبالي, وإنساناً يُعرض, أخي غيّر المحطة, لماذا؟ هو اليقين . الخلاصة : ملخص الدرس كلامٌ دقيقٌ جداً: إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخطِ الله، مقياس دقيق جداً: حينما تؤثر رِضى إنسانٍ ماء, ولو كانَ أقربَ الناسِ إليك على طاعتكَ لله, فاعلم عِلمَ اليقين أنكَ ضعيفُ اليقين، فاعلم أنكَ لا تعلم، فاعلم أنَّ إيمانكَ ضعيف، وإنهُ من ضعفِ اليقين أن تَحمِدَ الناسَ على فضل الله, إذا الله عزَّ وجل تفضلَّ عليك بشيء وعزوتهُ إلى الناس، تفضّلَ عليك بشفاء ولدك عزوتهُ إلى الطبيب وحدهُ، أما الإيمان؛ أنَّ الله أكرمني بالشفاء على يدِ هذا الطبيب, فللهِ المِنةُ والفضل, ولهذا الطبيب مني الشكرُ والعِرفان, هذا الإيمان . إنهُ من ضعف اليقين: أن تّذُمَّ الناسَ على ما لم يؤتِكَ الله مع عدم الموافقة, تُزمجر وتضطرب, وتكون لهُ الكلمات القاسية, الله عزّ وجل منعهُ أن يوافقَ لك، إذا كُنتَ موقِناً بأنهُ لا إلهَ إلا الله, فاللهُ عزّ وجل هو الذي ألقى في قلبهِ ألا توافق، إنهُ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله, وأن تحمِلهم على فضل الله, وأن تَذُمّهم على ما لم يؤتِكَ الله، إذا عزوتَ الحرمانَ إلى البشر, فهذا من ضعف اليقين, وإنَّ الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام: لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك. كل أنواع الهموم والأحزان, مردها الشكُ بوعد الله, والسخط على قضاء الله, الحزن والهم، الآلام النفسية كلها أسبابُها: الشك في ما وعدكَ الله به, والسخطُ على قضاء الله, والسعادة النفسية كلها أساسها اليقين والرِضا, أيقنتَ بوعد الله ورضيتَ بقضائه . نحنُ أمام امتحان صعب، أيام الإنسان يقول لكَ: يا أخي اخترعوا شيئاً رائعاً جداً, من طبيب تأخذ ورقة, فتكشف لكَ إن كان معكَ السُكر, أو ليسَ معك, ورقة من الصيدلية, كثير في الآن وسائل للفحص الذاتي في البيت، هذا الحديث جميل جداً, يكشف لكَ إيمانك, إذا أردتَ مُشعّر لمستوى إيمانك, تريد تعييراً دقيقاً لمستوى إيمانك. هذا الحديث: أن تُرضيَّ الناس بسخط الله, فأنتَ لا تعرف الله, والدليل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] بقي أحد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أنواع الأموال؛ بيت, أرض, مزرعة, دكان منقولة أو غير منقولة: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . يعني: إذا آثرتَ هذا البيت على طاعة الله, إذا آثرتَ هذه التجارة المُحرّمة التي فيها الشُبُهات على طاعة الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ هذه التجارة أحبَّ إليك من الله ورسولهِ, الطريق إلى الله غير سالك: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم
|
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الافتقارالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و العشرون ) منزلة الفقر : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الواحد والعشرين من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الفقر . تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ من عَرَفَ نفسهُ عَرَفَ ربه ، الإنسانُ أولُ صِفة من صفاتِهِ أنهُ مُفتقرٌ إلى ربهِ ، فإذا استغنى عن ربهِ , فقد وقعَ في شرِّ أعمالِهِ ، لذلك حقيقة العبودية هي الافتقار إلى الله عزّ وجل ، حقيقة الإنسان هي أنهُ فقير ، حقيقة هذا المخلوق الذي سخر الله لهُ الكونَ من أجلهِ , أنهُ مُحتاجٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء , فلذلك حينما يغيبُ الإنسانُ عن هذه الحقيقة ، حينما يغفلُ عنها، حينما يظنُ نفسهُ على خِلافِ ما هوَ عليه , فقد وقعَ في جهلٍ كبير . الجهل والعلم والفرق بينهما : يا أخوة الإيمان ؛ تعريف الجهلِ في أبسطِ تعاريفهِ : أنهُ ما خالفَ الواقع . يعني : إذا قُلت ؛ هذا إبريق ماء , هذا الكلام فيهِ جهل . إذا قلت ؛ هذا كأس حليب وهو ماء ، هذا الكلام فيهِ جهل . ما تعريفُ الجهل ؟ ما كانَ خِلافَ الواقع , فأنتَ لكَ واقع ، لكَ واقع راهن ، حقيقة صارخة ، شِئتَ أم أبيت ، أحببتَ أو كرهت , أن تتوهم أنكَ على خِلاف ما أنتَ عليه , فأنتَ قد وقعتَ في جهلٍ كبير . بالمناسبة : ما تعريفُ العِلم ؟ العلم هو إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل . يعني : إذا رأى الطبيب أنَّ ارتفاع الحرارة وارتفاع الضغط مؤشرانِ لمرضِ كذا , وكانَ ارتفاع الضغطِ وارتفاع الحرارة مؤشران على مرضٍ آخر , فإذا شخصَ مرضاً غيرَ المرض الذي يُعانيه المريض , فهذا التشخيص فيه جهل , يجبُ أن نعلمَ ما الجهل ؟. في مراتٍ سابقة عرّفتُ العِلمَ : بأنهُ علاقةٌ ثابتة بينَ شيئين مقطوعُ بصحتها , يؤكدّها الواقع عليها دليل . علاقةٌ بينَ شيئين يعني قانون . كلُّ المعادنِ تتمددُ بالحرارة مقطوعٌ بصحتها , لو لم يكن مقطوعاً بصحتها , لكانَ الوهمُ والشكُ والظن ، يؤكدها الواقع , لو لم يؤكدها الواقع لكانت جهلاً ، عليها دليل , لو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً . ما التقليد ؟ حقيقةٌ تفتقرُ إلى دليل . ما الجهل ؟ ما خالفَ الواقع . ما القطع ؟ ما كان بعيداً عن الشكِ والوهمِ والظن , هذا هو العِلم . فيجب أن نعلم ، يجب أن نعتقد أنَّ العِلم : إدراكُ الشيء على ما هوَ عليه . فَهم هذه الآية كما أرادها الله ، حُكمُ هذه القضية كما جاءَ بهِ رسول الله ، حقيقة الكون ، حقيقة الإنسان ، حقيقةُ الحياة الدنيا ، حقيقةُ ما بعد الموت ، ما قبلَ الموت كذا ، حقيقةُ المال لهُ دورٌ معين , يعني إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه فأنتَ عالِم , لكن لو أردتَ أن تُحدّثَ الناسَ بهذا الشيء لطالبوكَ بالدليل . إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه ومعكَ الدليل فأنتَ عالِم . ويا حبذّا لو أنَّ دِماغنا أو فِكرنا أو عقلنا , كما يقول الناس : محشوٌ بالحقائق , المشكلة : أن تجد رجلاً دماغهُ محشوٌ بالأباطيل ، بالأوهام ، بالخرافات ، بالجهل , الجهل شيء , قد تفهمُ الجهلَ فهماً بسيطاً ، قد تفهمُ الجهلَ عدمُ المعرفة , لا , الجهل معرفة لكنها مغلوطة ، الجاهل إنسان يعلم , لكن يعلم أفكاراً ومقولات لاعلاقة لها بالواقع , يعني : إذا أردتَ أن تُلقي ماءً معَ مِلح في طريقِ زوجٍ لعلهُ يُحبُ زوجتهُ , هذا جهل , لأنهُ لا علاقة أبداً بينَ هذا وذاك . في أحد عُلماء دمشق الأكارم , توفي رَحِمهُ الله , له كرامات كثيرة , فجاءهُ أحد طُلاب العِلم , وقال له : يا سيدي , أرجوكَ رجاءً حاراً , أن تأخذني إلى الحج , أن تدفُعني , هو يظنُ هذا الأخ , أن هذا الشيخ لهُ كرامات , فإذا دفعهُِ صارَ في مكة , وفي مكة يوفر نفقات السفر ورسوم الدخول وما إلى ذلك , ثم يجذِبهُ إلى الشام ، فلما طلبَ منهُ هذا الطلب , نظرَ إليه , رآهُ جاهلاً ، قالَ له : غداً تعالَ إليّ ، أخذهُ إلى التكية السليمانية , وأمرهُ أن يحلِفَ يميناً بالطلاق , ألا يقولَ لأحدٍ ما سيجري معهُ , وحلفَ هذا اليمين , وأوقفهُ على حافة البحرة الكبيرة في هذا المسجد , ودفعهُ إلى الماء . إذا هناكَ إمكان أن تنفي عن ذهنكَ كُلَّ الجهل ، ما معنى الجهل ؟ معلومات غلط ، نحنُ أُمةُ محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة , شيء جميل , إذاً : لنفعل ما نشاء , هذا هو الجهل . عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : ((سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ , فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ , وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا , لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي , ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ , قَالَ أَبُو حَازِمٍ : فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ , وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا , فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً , فَقُلْتُ : نَعَمْ , قَالَ : وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ , قَالَ : إِنَّهُمْ مِنِّي , فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ , فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي)) إذا تعلّقتَ بِفكرةِ , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفعُ لكَ , وأنتَ واقعٌ في ذنوبٍ كثيرة , فهذا جهل . إذاً : هذا الذي أرجوه في هذا الدرس , أن تعلم أنَّ حقيقة العِلم : إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل ، وأنَّ طبيعة الجهل إدراكُ الشيء على خِلافِ ما هوَ عليه . أبسط مثل ؛ أنتَ عِندكَ مركبة ، قيل لكَ ؛ هذا الضوء الأحمر في علبة السُرعة إذا تألّق , معنى ذلك أنهُ يُسليك , وحقيقةُ هذا الضوءِ الأحمر أنهُ إذا تألّق , فهناكَ خطرٌ كبير , يجب أن تقف فوراً , وأن تضع الزيت في المُحرك , فإذا قُلتُ لأحدِكم ؛ هذا الضوء يتألّق للتسلية , ليكونَ زينةً للسيارة , زينة أثناء الطريق , قد يتألق , هذا الكلام فيهِ جهل ، فإذا أمكنكَ أن تنفي عن معلوماتك , وعن معتقداتك , وعن تصوراتك , وعن أفكارك , وعن مقولاتك , كلَّ ما له علاقةٌ بالجهل , فأنتَ بطل . لذلك : إذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم . هذه المُقدّمة : أردتُ أن أصل إلى أنَّ لكَ طبيعة ، أن ترجو هذه الطبيعة أو أن لا ترجوها ، أن تُحبّها أو أن لا تُحبها ، أن ترضى عنها أو أن لا ترضى عنها , بحثٌ آخر , أمّا أنتَ لكَ واقع , واحد عندهُ بيت ، هذا البيت المتوافر في هذا الوقت , أعجبكَ لم يُعجِبُك ، كبير صغير ، مُشرق مُظلم ، أُجرة مُلك , هذا البيت يجب أن توفّق أغراضكَ وفقَ هذا البيت . حقيقة الإنسان : الآن : أنتَ لكَ حقيقة أعجبتكَ أم لم تُعجِبك ، رضيتَ عنها لم ترض عنها ، أنتَ عبدٌ لله ، مُفتقرٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء ، لا تملِكُ شيئاً . ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [سورة آل عمران الآية: 26] دِماغك مُلك الله عزّ وجل ، وأنتَ معك دكتوراه بالفيزياء , من أعلى جامعة في أمريكا , ربنا عزّ وجل يعمل تعديلاً طفيفاً , تُصبح مجنوناً , لستَ مالِكاً لدماغك ، ولستَ مالِكاً لقلبك ، ينبض بإحكام والدسامات مضبوطة ، لستَ مالِكاً لرئتيك ، لستَ مالِكاً لعضلاتك لأعصابك . ﴿قل اللهم مالِكَ المُلك﴾ كلُّ شيءٍ يُملّك , الله سبحانهُ وتعالى مالِكهُ , هذه حقيقة إذا أيقنتَ بها , تجد نفسكَ مُنساقاً إلى الله عزّ وجل , لأنهُ لا وجودَ لغيرهِ . يعني : يدُ من تعمل في داخل الأعصاب ، لو أنَّ نقطة دم تجمدت في بعض الشرايين في الدِماغ , في هذا المكان شلل ، في هذا المكان ذهاب عقل , في هذا المكان ذهاب ذاكرة ، بيد الله عزّ وجل . فهناكَ حقيقةٌ صارخةٌ هي موضوع هذا الدرس : ما هذه الحقيقة ؟ هوَ أنكَ مُفتقِرٌ إلى الله في كلِّ شيء , والله عزَّ وجل قادِرٌ على كلِّ شيء . راكب طائرة , تُحلّقُ بهِ على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق أوروبا , احترقت الطائرة في الجو , وتصدعت , وسقطت , ومات جميع ركابِها , عدا راكباً واحداً , أُيعقل أن تحترق طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق غابات الألب في أوروبا , وأن ينجوَ أحدُ رُكابِها ؟ هذا الراكب كانَ مقعدهُ مكان تصدع الطائرة , عندما تصدعت وقع ، نزلَ على خمسة أمتار من الثلج مكدسّة فوقَ أغصان من السرو , هذه الأغصان مع خمسة أمتار ثلج , كانت كالوسائد التي امتصت هذه الصدمة , فنزلَ واقفاً . ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾ وأعرفُ رجلاً آخر , بعيداً عن الدينِ بُعداً كبيراً , مُسرفاً في المعاصي , لسببٍ تافهٍ جداً , وهو في أوجِ حياته , وأوجِ نشاطهِ , وأوجِ جبروتهِ , قبضهُ الله عزّ وجل , أراد أن يُعدّل مكان جهاز كهربائي على الحائط , فرفعهُ قليلاً , فلما اضطر أن يستعمِلهُ , طلب كرسياً , هذا الكرسي وقف عليه , فدخل في مقعدهِ , أُخذَ إلى مستشفى , فبقي فيها خمسةَ عشرة يوماً , وتوفي في المستشفى . الله أنقذ إنساناً , وقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم , وهذا لهذا السبب التافه قبضهُ الله عزّ وجل . يجب أن تعلم أنكَ فقير , الله عزّ وجل لأتفه الأسباب يُعطيكَ كلَّ شيء ، ولأتفه الأسباب يأخذُ مِنكَ كلَّ شيء . برغي في جهاز في السيارة ما كان مشدوداً , فالزيت نَزل من هذا المكان , الجهاز اضطرب ، اختل ، توقفت السيارة ، خرج صاحِبُها ليتفقد الخلل ، ضربة شمس قضت عليه , يعني هذا الصانع لو أنهُ ضبط هذا البُرغي لما مات , فـ : ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾ مُفتقر إلى الله في كل شيء . هذا هو التمهيد لهذا الدرس ، يعني في حقيقة واقعة , هكذا أرادها الله , ولكن قبلَ كلِّ شيء , لماذا أرادَ الله أن نكونَ فقراء ؟ هُنا السؤال . الحقيقة الأولى : أنتَ فقير , معنى فقير ؛ أي مُفتقر , هُناك الفقر الذي أراده الله في بعض الآيات : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 60] هذا موضوع آخر ، موضوعٌ آخر بعيد عن درسنا كُلَّ البُعد ، لكن حينما قال الله عزّ وجل : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر الآية: 15] الأصحاء والأقوياء والأغنياء والأذكياء , كلُّ الناس ، قويّهم وضعيفهم ، غنيهم وفقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ذكيهم وغبيّهم ، وسيمُهم وذميمُهم . ﴿يا أيها الناسُ أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني﴾ بهذا المعنى أنتَ فقير . الآن السؤال : لماذا أنتَ فقير ؟ سِرُّ سعادتنا أن نكونَ فقراء , لأننا إذا افتقرنا إلى الله أقبلنا عليه , فإذا أقبلنا عليه سَعِدنا بِقُربِهِ ، أما إذا استغنينا عنهُ شقينا باستغنائِنا عنه . فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [سورة النساء الآية: 28] يا عبادي , أنا خلقتكم ضعفاء كيّ تحتموا بي ، كي تُقبِلوا علي ، كي تلتجئوا إلي ، كي تستنجدوا بي ، كي تستعينوا بي ، ولو أنيّ خلقتكم أقوياء , لاستغنيتم بقوتكم , فشقيتم باستغنائكم . أول فكرة : هناكَ حقيقةٌ راهنة : يجبُ أن تقبلها , اقبلها أو لا تقبلها , هي حقيقة لا بدَّ من أن تستوعِبها. الفكرة الثانية : أنتَ فقير . الفكرة الثالثة : أنتَ فقير لمصلحتك ، لمصلحة سعادتك ، لمصلحة دينك ، لمصلحة دُنياك ، لمصلحة آخِرتك ، لمصلحة إقبالِك . معنى الفقر : فقر بمعناها الشائع , ليست مُرادة في هذا الدرس ، إنسان دخلُهُ أقلُّ من مصروفِهِ ، إنسان يُعاني ضيقَ ذاتِ اليد ، إنسان يحتاج إلى مساعدة , هذا هوَ الفقير عِندَ الناس , أما عِندَ علماءِ القلوب وأنتَ في أعلى درجات الغِنى فقير . ربنا عزّ وجل أحياناً يُرسل للإنسان مُصيبة لا يستطيع دفعها , ولو أنهُ يملك أموالَ الدنيا . كُنتُ مرة عندَ طبيب قلب , جاءه هاتف أمامي من رجل , يبدو أنهُ من أغنى الأغنياء , بعدَ أن انتهت المكالمة , الطبيب أخبرني عن ذلك ، قالَ المُتكلّم للطبيب : يا أيها الطبيب , إلى أيّ مكان نأخذهُ ؟ لأنه لا يوجد أمل , قال : ندفعُ أيَّ مبلغٍ مهما بلغ , قال : لا يوجد أمل , قال : نأخذهُ إلى أرقى بلدٍ في العالم , قال : لا يوجد أمل , المرض من الدرجة الخامسة , وأيّ إنسان إذا أراد أن يستأصلهُ , لا بدَّ من أن ينمو مباشرةً ، أنا شعرت , والله اقشعرَّ بدني , شعرت أنَّ هُناكَ مصائب لا يحُلها المال ولِتملك ما تملك . إذاً: أنتَ فقير , فالذي معهُ مال , وظنَّ نفسهُ بالمال يحل كل مشكلة , معناها جاهل , موضوع الورع والتقوى , معناها جاهل ، معلوماته غلط ، هناكَ مصائب لا يَحُلها المال مهما كانَ وفيراً . أنتَ قوي , ربنا عزّ وجل قادر في حالات يُمرّغُكَ في الوحل ، يُذيقكَ ألوان الهوان وأنتَ قوي . أحبّ أحدهم أن يعقد قبل يومين مؤتمراً صحفياً , وثاني يوم انتحر , وزير الداخلية , وأنتَ في أعلى درجات القوة ، ثاني يوم في أدنى درجات الضعف , فإذا قلت : أنا قوي فأنتَ جاهل ، القوي هوَ الله عزّ وجل , إذا قلت : أنا لي شكلٌ وسيم ، حادث واحد يشوهك ، هُناك أطباء للتجميل , هُناك زرع جلد , هناك ..... الجمال يذهب فجأةً , والقوة تذهب فجأةً , والمال يذهب فجأةً . في رجل , له قصة تكاد لا تُصدّق , رجل كرهَ الإقامة في هذا البلد ، ففكر وخطط وصمم ، باع معملهُ ومحله التجاري , وباع بيتهُ , وباع سيارتهُ , وجمّعَ هذه الأموال , وحوّلها إلى بلدٍ , يعني حيثُ البحبوحة والرخاء , ليشتري البيت الفخم , ويعيش بالفوائد ، حيث نوى أن يضع مبلغاً ضخماً في المصرف , فوائدهُ تكفيهِ لأعلى درجات الإنفاق ، لغلطة بسيطة في إيداع المبلغ , أودعهُ باسم مستعار لليوم التالي , هذا الإنسان أدركَ أنَّ هذا المبلغ لهُ صار في اليوم التالي , قال : ليسَ لكَ عِندي شيء , فَقَدَ ثروتهُ كُلَها في تصرفٍ أحمق . فأنا أُركّز على أنكَ فقير , يعني أنتَ بقوتكَ مُفتقر إلى الله ، وأنتَ قوي مُفتقر ، دعكَ من الضعيف , وأنتَ قوي مُفتقر ، وأنت غني مُفتقر ، وأنتَ صحيح مُفتقر ، ودائماً في حِكمة أرادها الله عزّ وجل أنهُ : إذا الإنسان مُختص بأحد فروع الطب , ويعتدّ باختصاصه , ويعتني بصحتهِ عنايةً بالغة ، اعتدادهُ بعِلمهِ ونسيانهُ أنهُ فقير . شيء غريب أنَّ بعضَ الأطباء المُتخصصين بأمراض الهضم يُصابون بقرحة في المعدة ، بعض أطباء المتخصصين بأمراض معينة يُصابون بالأمراض نفسها , لماذا ؟ لأنَّ الإنسانَ فقير , فإذا ظنَّ أنهُ غيرُ فقير أدّبهُ الله عزّ وجل , لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام : ((مِنْ مأمَنِهِ يؤتَى الحَذِرُ)) هذا المثل : يُرْوَى عن أكْثَمَ بن صيفي التميمي ، أي أن الحَذَرَ لا يدفع عنه ما لا بد له منه ، وإن جَهِدَ جَهْده ، ومنه الحديث : ((لا ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ)) إذا أردتَ أن تكونَ أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك . الإفتقار : معنى الفقر العام الشائع بين الناس : إنسان دخلهُ أقل من مصروفه , يحتاج لمساعدة , هذا المعنى لا يعنينا في هذا الدرس إطلاقاً , يعنينا قولهُ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر الآية: 15] الحقيقة ؛ الإنسان متى يشعر بافتقاره ؟ هُناكَ طريقان : إمّا أن تعرِفَ الله عزّ وجل وإمّا أن تعرِفَ حقيقةَ نفسك . والمعرفة لها ثلاث طُرق : إمّا أن تتأمل , وإمّا أن تقرأ , وإمّا أن تنظر . التأمل في الكون : أخالِقُ هذا الكون ضعيف ؟ لا والله قوي . الكون يُنبِئُكَ ببعضِ الحقائق وأفعالُ الله عزّ وجل تُنبِئُك . أفعال الله عزّ وجل دائماً وأبداً يُريكَ الله لأفعالِهِ آياتٍ باهرات ، يُريكَ غنيّاً افتقرَ فجأةً ، ويُريكَ فقيراً اغتنى ، يُريكَ قويّاً أذلّهُ الله ، يُريكَ ضعيفاً أعزّهُ الله ، ألم تقل جاريةٌ في قصر العزيز , حينما رأت يوسفَ عليه السلام , كيفَ كانَ عبداً في قصرِ العزيز , ثمَّ كيفَ صارَ عزيزَ مِصر , حينما رأتهُ في موكِبهِ , قالت : سُبحانَ من جعلَ العبيدَ ملوكاً بطاعتهِ , ومن جعلَ الملوكَ عبيداً بمعصيته . الحقيقة : في درسٍ سابق بيّنتُ أنَّ الإنسان بإمكانهِ أن يكشِفَ الحقائق من خِلال التجارب , ولكن متى ؟ بعدَ فوات الأوان , إذاً : لا قيمة لها ، في الثمانين أُدرك أنهُ القضية الفولانية هكذا , نحنُ إذا تعلّمنا العِلم ، نحنُ إذا فَهِمنا كلامَ ربّنا ، نحنُ إذا فَهِمنها سُنّة رسول الله ، نعرِفُ الحقائق في وقت مُبكّر ، نستفيدُ منها . لذلك : دعاني اليوم في صلاة الفجر , أن أبيّن هذه الفِكرة : أنه حينما قالَ فِرعون : آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، حينما أعلنَ فِرعون إسلامهُ في نص القرآن الكريم , وقالَ : وأنا من المُسلمين , فِرعون الذي قالَ : أنا ربكم الأعلى ، فِرعون الذي ذبّحَ أبناء بني إسرائيل ، فِرعون الذي استحيا نِساءهم ، فِرعون الذي قال : ما أرى لكم من إلهٍ غيري ، هذا فرعون , هذا الطاغية , ما الذي دعاهُ إلى أن يؤمن بأنهُ لا إلهَ إلا الله حينما أدركهُ الغرق , وأن يقولَ بالحرف الواحد : وأنا من المسلمين ؟ . استنبطت من هذه الآية : أنَّ الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن ، ليسَ هذا هو الموضوع ، الموضع أن تؤمن في وقت مناسب أو غير مناسب أو بعدَ فوات الأوان فقط ، هذه كلمة دقيقة جداً أقولُها لكم : الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن , لا والله ما هكذا الموضوع , الموضوع لا بدَّ من أن تؤمن , والدليل : أكفرُ كُفّارِ الأرض آمن , ولكن متى ؟ آمن بعدَ فوات الأوان ، بعد أن لا ينفعهُ إيمانهُ ، آمنَ وقد أمضى حياتهُ في معصية الله . فأُعيد عليكم هذه المقولة : ليسَ الموضوع أن تؤمن أو أن لا تؤمن , هذه مُعادلة مغلوطة ، الموضوع إمّا أن تؤمن في الوقت المناسب , وإما أن تؤمن في الوقت غير المُناسب ، إمّا أن تؤمن قبلَ فوات الأوان , وإما أن تؤمن بعدَ فوات الأوان , لأنَّ فِرعون آمن وأسلم , لكنَّ الله عاتبهُ قال : ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس الآية: 91] أيُّ طالِبٍ إذا دخلَ الامتحان , وأخفقَ في الإجابة , يخرج من الامتحان , يفتح الكتاب , عَرَفَ الجواب ، متى عَرَفَ الجواب ؟ بعدَ فوات الأوان , يأخذ الصِفر وقد عَرَفَ الجواب , قضية زمن , فنحنُ قضية إيماننا بالله قضية زمن فقط , إمّا أن نؤمن ونحنُ أصحاء أشداء أقوياء في مُقتبلِ حياتنا حتى نستفيدَ من إيماننا ، وإمّا أن نؤمن بعدَ فوات الأوان بعدَ أن لا ينفعُ الندم . فمرة ثانية : عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , وحاول أن تنزع من ذاكِرتكَ ومن ذهنكَ كل خرافة وكل جهل، الجهل معلومة غلط ، الجهل مقولة غلط ، الجهل تصور غلط ، الجهل إدراك غلط ، الجهل فلسفة غلط ، يعني قد تحمل أعلى شهادة في الأرض , وهناك في الذهن آلاف المعلومات المغلوطة . أول فكرة : عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , لا مع الخرافات ، لا مع الأوهام ، لا مع الشكوك ، لا مع الظنون ، لا مع التقليد , لا مع فكرةٍ بِلا دليل . الفكرة الثانية : أنتَ لكَ حقيقة ، لكَ واقع ، يعني أنتَ معك مركبة , قوتها 5 حصان ، عندك بضاعة 5 طن , متألم ندمان , بحثُ آخر ، هذه المركبة لا تحمل إلا خمسمائة كيلو ، هذا واقع ، فإمّا أن تُحملّها ما لا تُطيق فتُصيبُها بالخلل , وإمّا أن تتعامل معها تعاملاً واقعياً . أنا ما أرى أنَّ المُسلم إنسان خيالي ، ولا إنسان حالم ، ولا إنسان مُخرّف , ولا إنسان عايش في أوهام ، دائماً أهلُ الدنيا يشمئزون من كل تجاوز للواقع , لستَ واقعيّاً , أنا أقول لكم : المؤمن الحق في أعلى درجات الواقعية , أنت أيها الإنسان فقيرٌ إلى الله . في إنسان بأحد المصحات العقلية , يعني في مهجع رقم 6 ، هذا المهجع - والعياذُ بالله - بدرجة متطورة جداً , لا يُبقي على جِسمه ثياباً كما خلقهُ الله ، ويأكل من بِرازهِ , شيء لا يتصور , إنسان له أجهزة , ودماغ , وشرايين , وأوردة , وعضلات , وأعصاب , وعضلات قوية , يتحرك , ويأكل , ويتكلّم , لكن في خلل في عقله , فصارَ يأكلُ بِرازهُ , وحدثني أحدُ من أثِقُ بهِ , أنَّ له قريبةً يضعونها على سرير , ويربطونها بأربطة , ليمنعونها من أكلِ بِرازها . أنتَ فقير إلى الله , فقير في عقلك ، فقير في عضلاتك . لمّا قالَ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف . عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : ((قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ , اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا , وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا , وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا , وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا , وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا , ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا , وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا)) يعني : كل عَظَمة الإنسان إن كانَ له عَظَمة متعلقة بعمل أجهزتهِ . فلو توقفت كليتاه عن العمل , هُنا المُشكلة , انقلبت حياتهُ إلى جحيم . لو انسدّت قناةُ العين , فسالَ الدمعُ من على خدهِ وخرش خدهُ حياتهُ جحيم . إذا أُصيب جهاز التوازن في الأذن الوسطى بالعطب يقع لا يقف , جهاز التوازن , أنت لولا هذا الجهاز , تحتاج إلى قاعدة استناد 60 - 70 سم , والدليل : انظر إلى النماذج البشرية في المحلات التجارية , دقق في الأرض , ترى لها قاعدة استناد 70 سم , التمثال الذي يُلبسونه الثياب , بائعو الثياب الجاهزة عِندهم تماثيل , هذه التماثيل من أجل أن تقف , تحتاج إلى قاعدة استناد قطرها 70 سم ، فأنتَ لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل جعلَ لكَ قدمين صغيرتين لطيفتين تتناسبا مع قِوامك بفضل جِهاز التوازن , جهاز التوازن ثلاث قنوات : فيها سائل , فيها أهداب , لمّا الإنسان يميل , فيتحرك السائل , ويبقى مستوى السائل , ولمّا القوس مال , فيمس الأهداب , فيتحسس الإنسان , ويأخذ الاحتياط , هذا سِر ركوب الدراجة , أساساً لولا جهاز التوازن لا يستطيع إنسان ركوب دراجة ، فأنتَ مُفتقر إلى الله ، مُفتقر إلى الله بمادة أودعها الله في عينيك تمنع التجمد , لو ذهبت إلى فلندا إلى الدائرة القطبية , بإمكانكَ أن تضعَ على عينيك كمامات لتحميهما من البرد , مستحيل , لا بد من أن ترى طريقك , وهذا السائل مُلامس للجو الخارجي , أودعَ الله فيكَ هذه المادة . أخواننا الأطباء - جزاهم الله عنّا كلَّ خير - حينما درسوا الطِب , وجدوا أنَّ حياة الإنسان تقوم على آلاف الشروط , الغدة النُخامية ملكة الغُدد الصماء , لو أصابها خلل ، الغدة الدرقية لو أصابها خلل ، الكظر , الإنسان شاهد أفعى , صورة الأفعى انطبعت على الشبكية , في الشبكية صار في إحساس 130 مليون مخروط , والعصب البصري 900 ألف عصب , نقل الصورة إلى الدماغ , والدماغ أدرك بحسب المفهومات , المفهومات بحث قائم بذاته , الطفل حينما يحبو يرى أفعى لا يخافُ منها , يُخيفهُ أبوه منها , يُنبأ أنها مؤذية , دخل المدرسة من خلال تعامله مع الواقع , ينشأ عندهُ مفهوم الأفعى , فإذا رأى الأفعى استحضرَ هذا المفهوم فخافَ منها ، لمّا خاف الدماغ أبلغ النظام الهرموني , وعلى رأسهِ الملكة , وهي الغدة النُخامية , أبلغها أنَّ هُناك خطراً ، الغدة النُخامية تُبلغ الكظر غُدتان فوق الكُليتين ، الكظر يُرسل أربعة أوامر هرمونية مباشرةً ، أول أمر يُرسِلهُ إلى القلب يُسرع , كان النبض 80 صار 180 – 150 , من أجل أن يسير الدمُ سريعاً إلى العضلات ، هرمون ثان يضيق لمعة الأوعية , لأنَّ الإنسان ليسَ بحاجة إلى شكل وردي , بحاجة إلى دم للعضلات , كي يهرب , أو كي يُقاوم ، هرمون ثالث يُسرّع الرئتين ، هرمون رابع يطرح كميات سُكر في الدم جديدة , وأنتَ لا تدري , فأنتَ مُفتقر في أجهزتك إلى آلاف الأجهزة عشرات الأجهزة والغُدد الصمّاء . يعني مرض السُكر ما هو ؟ يعني البنكرياس يفرز مادة الأنسولين ، الأنسولين تساعد على احتراق السُكر في درجة 37, إذا قلّت هذه المادة يحتاج إلى حُقن أنسولين . لا مفر من هذه الحقيقة : المُشكلة : أنَّ هُناك حقيقة لا بدَّ من أن تتعاملَ معها , أعجبتكَ أو لم تُعجِبك ، قَنِعتَ بها أو لم تقنع بِها ، رضيتَ بها أو لم ترض ، إنكَ فقير إلى الله , لهذا قال بعضُ العارفين بالل ه: وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع وما لي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع ؟ أنتَ بالافتقار إلى الله غني . من هو الغني ؟ أول فكرة : أن تتعامل مع الحقائق . ثاني فكرة : اعلم عِلمَ اليقين : أنكَ فقير ؛ أيّ مُفتقر , أيّ مُحتاج . الفكرة الثالثة : لماذا جعلكَ الله فقيراً ؟ كي تُقبِلَ عليه , كي تستعينَ بهِ , كي تلجأَ إليه , كي تسعدَ بقُربِهِ . الفكرة الرابعة : أنكَ إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله فأنتَ الغني , إذا كُنتَ مُفتقراً في قوتك إلى الله فأنتَ القوي , هذه أهم فكرة الذي يشعر بالغِنى , من كان له اعتماد على جِهة غنيّة جداً ، يعني طالب في بجيبه ليرة , وطالب ليسَ بجيبهِ ولا قرش , لكنَّ له أب لو طلب منه مليون لأعطاه , أيهما أغنى ؟ حسب الظاهر الأول معه ليرة والثاني لا يملك ولا ليرة , أمّا الأول ليسَ لهُ أب , يتيم , معهُ هذه الليرة فقط , أمّا الثاني ليسَ في جيبهِ ليرة , لكنَّ له أب يملك مئات الملايين , وهو يُحبهُ حُباً جمّاً , يطلُبَ منه يعطيه ما يشاء . إذا الله عزّ وجل أفقر إنساناً أو حرمهُ شيئاً ، لا يُلقينَّ في روعِهِ أنَّ هذا إهانة لهُ . العطاء والحرمان : قاعدة : موضوع دقيق جداً مستنبط من قولهِ تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] الله قال : كلا , لماذا قال : كلا ؟ كلا أداةُ ردعٍ ونفي , يعني ليسَ إعطائي لكم إكراماً وليسَ حِرماني لكم إهانةً , عطائي ليسَ إكراماً ومنعي ليسَ حِرماناً , عطائي ابتلاء وحرماني دواء . القاعدة الأساسية الذهبية : أنَّ كلَّ شيء آتاكَ الله إياه , لا يُمكنُ أن يُسمى نِعمةً إلا إذا استخدمتها في طاعة الله . فالمال تعريفهُ في علم العقيدة : ابتلاء , أنفقتهُ في طاعة الله صارَ نعمة , أنفقتهُ في معصية الله صارَ نقمة . الزوجة نعمة ؟ لا , تزوجتها حملتها على طاعة الله أصبحت نعمة , تركتها وشأنها تفسد وتُفسد هي نقمة , لذلك : إيّاك أن تقول لإنسان آتاه الله مالاً ؛ هنيئاً لكَ , لا تقل له : هنيئاً لكَ , إلا إذا رأيتهُ يُنفقُ هذا المالَ في طاعة الله ، لا تقل لإنسان يتمتع بقوة جيدة ؛ هنيئاً لك , لا تقل له : هنيئاً لك إلا إذا استخدمَ هذه القوة في طاعة الله . هذه قاعدة أساسية : كلُّ حظوظ الدنيا بدءاً بالمال ومروراً بالصحة والذكاء والجمال والقوة , هذه الحظوظ هي في نص القرآن الكريم ابتلاء . ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاهُ ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول - هو هذه مقولته - ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول – هو - ربي أهان كلا ﴾ لا هذا صحيح ولا هذا صحيح . ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء . يعني : أيها الإنسان , إذا ابتلاك اللهُ بشيء لا تشعر بالهوان , الله منع عني , وأعطى غيري , الله لا يُحبني , لا , أشعر أنَّ الله يُحبُك ولأنهُ يُحبُكَ ابتلاك . وفي الحديث الشريف : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه , قيل : وما اقتناه ؟ قال : لم يترك له أهلاً ولا مالاً . ما قيل عن الفقر والغنى : وقال بعض العلماء : الفقر والغِنى ابتلاء من الله لعبدِهِ . كم قال الله تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول ربي أهانن كلا ﴾ أي ليسَ كلُّ من وسّعتُ عليه وأعطيتهُ أكون قد أكرمته , ولا كلُّ من ضيقتُ عليه وقتّرتُ عليه أكونُ قد أهنتهُ , طيب : ما هو الإكرام ؟. الآن : الله عزّ وجل نفى أن يكونَ إعطاؤهُ المال أو الصحة أو القوة أو الذكاءَ أو أي شيء آخر إكراماً ، ونفى أن يكونَ الحرمان من هذه إهانةً ، ليسَ إكراماً في توافرها وليسَ إهانةً في تقتيرها . من هو المكرم ؟ إذاً : ما تعريف الإكرام ؟ من هو المُكرّم ؟ من يذكر آية واضحةً وضوح الشمس جليّةً جلاءَ النهار , تؤكد أنَّ الإكرام هو كذا ؟ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [ سورة يوسف الآية : 22 ] الجواب : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ سورة الحجرات الآية : 13] المُكرّم هو الطائعُ للهِ عزّ وجل ، إذا أردت أن تعرف من هوَ المُكرّم حقيقةً ، إذا رأيتهُ مستقيماً على أمر الله . ليسَ الوليُّ من يطيرُ في الهواء , ولا من يمشي على وجه الماء , ولكنَّ الوليَّ كلَّ الوليّ من تجدهُ عِندَ الأمرِ والنهي . حقيقة الافتقار : ما حقيقة الافتقار إلى الله ؟ قبلَ أن نختمَ الدرس هُناك حقائق لا بدَّ من ذِكرِها . أولاً : الافتقار إلى الله في ظاهِرهِ تذلل , تجد رجلاً متعجرفاً , أنا فعلتُ كذا , أنا قادر أن أُنفق كذا , أنا قادر أن أُمرّغَ به الوحل , ممكن , هذا الموقف فيه استغناء واستعلاء , ومعظم المقطوعين عن الله عزّ وجل , لا بدَّ من أن تلمح في سلوكهم هذا الاعتزاز والغرور والاستعلاء والغطرسة والعُنجهية . ماذا تستنبط من هذه القصة ؟ القصة التي تعرفونها جميعاً : لمّا أحد الملوك اسمه جَبَلةَ بن الأيهم , جاء سيدنا عمر مُسلماً , في أثناء الطواف داس إزاره أحد الأعراب من فزارة بدوي , فالتفت نحوه وهشمه بضربة أصابت أنفه , فاشتكى إلى عمر رضي الله عنه , فجاء طلب هذا الملك , كان ملك الغساسنة , قال له : أصحيحٌ يا بن أيهم ما ادعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟ قال : لستُ ممن يكتمُ شيئاً أنا أدّبتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ قال : أرض الفتى لا بدَّ من إرضائه ما زال ظِفرُكَ عالقاً بدمائهِ أو يُهشـــــمنَّ الآن أنفُك وتنـــال ما فعـلتهُ كفُك قال : كيــــفَ ذاكَ يا أمـير هو سوقـةٌ وأنا عـرشٌ وتاج كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً ؟ قال له عمر : نزوات الجاهلية ورياح العُنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناسُ أحراراً لدينا وعبيداً قالَ : كانَ وهمــاً ما جرى في خَلَدي أنني عِنـــدكمَ أقـوى وأعز أنا مرتدٌ إذا أكرهتني قال : عُنقُ المُرتـد بالسيفِ تُحزّ عالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى وأعزُّ الناسِ بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى هذا موقف , فالإنسان لمّا يأخذ موقفاً فيه استعلاء وتكبّر وغطرسة وعنجهية وعرض عضلات وتجبّر , يبدو للناس أنهُ قوي وعزيز , يأتي المؤمن يأخذ موقفاً آخر , موقف التواضع والاستكانة إلى الله عزّ وجل , موقف الاعتراف بالضعف , موقف الاعتراف بالتقصير , يعني تواضع . اعلم هذا : أيُهُما أحبُّ للنفس ؟ هنا سُئِل أحد العلماء , قال : الفقر له بداية وله نهاية وظاهر وباطن ، بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ بالله . ما في إنسان تواضع لله كرسول الله , دخلَ مكةَ فاتحاً وقد أخرجتهُ وأصحابهُ , وائتمرت على قتلهِ , ونكّلت به وبأصحابهِ ، دخلها فاتحاً , كادت ذؤابة عِمامتهِ تُلامِسُ عُنُقَ بعيرهِ تواضُعاً لله عزّ وجل ، ولا أعلمُ مخلوقاً على وجه الأرض نالَ عِزّاً وشرفاً كرسول الله . فإذا أنت مُفتقر لله عزّ وجل فيما يبدو للناس , درويش هذا درويش ، متواضع زيادة , إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله عزّ وجل هذه بدايتُك , أمّا نهايتُك أنتَ العزيز ، أنتَ رفيعُ الشأن ، أنتَ مرهوب الجانب ، أنتَ الذي يهابُكَ الناس , فقال : بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ ، ظاهِرهُ العُدم , قد تملك ألوف الملايين وأنتَ فقير ، أنتَ من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وقد لا تملكُ شيئاً وأنتَ غني . لذلك النبي الكريم قال : ((أنتَ من خوف الفقر في فقر)) يعني : توقّعُ المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها . إذاً : ظاهِرُ الفقرِ العُدمُ وباطِنهُ الغِنى . إذا الإنسان افتقر إلى الله , ما الذي يحصل ؟ سؤال : إذا الإنسان افتقر إلى الله ما الذي يحصل ؟ إنهُ يستغني بهِ ، وإذا استغنى بهِ صارَ أغنى الأغنياء ، من هوَ الغنيُّ الحقيقي ؟ هو المُفتقر , لهذا أروعُ كلمة قالها الإمامُ عليُّ كرّمَ اللهُ وجهه قال : الغِنى والفقر , وسكت , قال : بعدَ العرضِ على الله . لا يسمى الغنيُّ غنيّاً الآن ، ولا الفقيرُ فقيراً ، غني غِنى طارئاً لسنواتٍ معدودة ، وفقراً طارئاً ، لكنَّ الغِنى الحقيقي أن تُطيعَ الله , وتأتيهِ يومَ القيامةِ ناجيّاً من عذابه , فقال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله . قالَ بعضهم : إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله تعالى صحَّ الاستغناء بهِ , لن تستغنيَّ بهِ إلا إذا افتقرتَ إليه ، إن لم تفتقر إليه لا تستغني بهِ ، لا يَصِحُ استغناؤك إلا إذا افتقرتَ إليه , وإذا صحَّ الاستغناءُ بالله عزّ وجل كَمُلَ غِناك . أعلى درجات الغِنى أن تكونَ في أدنى درجات الفقر , هذه من المُفارقات . اسمع هذا الجواب لهذا السؤال : سُئِلَ بعضُهم : أنفتقرُ إلى اللهِ أم نستغني بهِ ؟ فقالَ : كِلاهُما كِلاهُما , يجبُ أن تفتقرَ إليهِ أولاً , حتى تستغني بهِ ثانياً . إذا كُنتَ في كُلِ حالٍ معي فعن حملِ زادي أنا في غِنى . كُن مع الله ترى الله معك , واترك الكُلَّ وحاذر طمعك , وإذا أعطاكَ من يمنعهُ , ثمَّ من يُعطي إذا ما منعك . أحد العلماء قال : غداً لا يوزنُ الفقرُ والغِنى ولكن يوزنُ الصبرُ والشُكر . الخاتمة : خاتمة القول : فلذلك حقيقةٌ يجب أن نعترفَ بها في الأساس : تعامل مع الحقائق , وإيّاكَ كمؤمن أن تتعامل مع الأوهام أو الخرافات أو الجهل ، وما الجهل ؟ هو اعتقادٌ مُخالفٌ للواقع ، ما العلم ؟ إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل ، ما الجهل ؟ إدراكُ الشيء على خِلاف ما هو عليه بلا دليل , فالتعامل مع الحقائق . ثانياً : هناك حقيقةً صارخة , وهيَ أنكَ مُحتاجٌ إلى الله في كلِّ شيء . الحقيقة الثالثة : أنَّ الافتقارَ لمصلحتك , لو أنَّ الله جعلكَ غنيّاً , لاستغنيتَ بغِناكَ عن الله , فشقيتَ باستغنائك ، جعلكَ مفتقراً إليه , كي تكونَ مفتقراً مُقبِلاً مُلتجئاً مُعتزّاً , حتى تسعدَ بهذا . الفكرة الأخيرة : الغِنى الحقيقي طريقهُ الافتقار إلى الله , وهذا هو حجمُكَ الحقيقي ، ورَحِمَ اللهُ عبداً عَرَفَ حدّهُ فوقفَ عِندهُ . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الايثارالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و العشرون ) منزلة الإيثار . أيها الأخوة ؛ مع الدرس الثاني والعشرين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الإيثار . هذه المنزلة مأخوذةٌ من قولهِ تعالى : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 9] السمة والصفة والفرق بينهما . يعني إذا قُلت : إنَّ في المؤمنِ سِمةً , ومعنى السِمة غيرُ الصِفة ، قد تعود عشرات الصفات إلى سِمةٍ واحدة ، فالسِمةُ أعمقُ وأوسعُ شمولاً . فإذا قُلت : إنَّ من سِمات المؤمن ، من خصائصهِ ، من كُليّاتهِ ، من الصفات الكبرى التي يتصفُ بها . يعني بالتعبير الحديث جداً من مواقفهِ الأساسية : الإيثار . ومن صِفات الكافر والفاسق والفاجر : الأَثَرَةَ , الكافر يؤثِرُ ذاتهُ على كلِّ نفس ، يبني حياتهُ على موت الناس ، وغِناهُ على فقر الناس ، ومجدهُ على أنقاض الناس ، وأَمنهُ على خوف الناس . بينما المؤمن من خصائصهِ الكُبرى وصِفاتهِ العُظمى وسِماتهِ الأساسية : أنهُ يُؤثِرُ الآخرين على نفسه , والدليل : هؤلاء الأنصار أثنى الله عليهم , فقال : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 9 ] طبعاً : إذا آثرتَ الآخرين وأنتَ في بحبوحةٍ كبيرة فهذه مؤاثرة ، فهذا كرم ، أما أن تكونَ في خصاصة , هذا يُذكّرُنا بالحديث القُدسيّ : ((أحبُ الأسخياء وحُبي للفقير السخيّ أشد، أُحبُ الكُرماء وحُبي للفقير الكريم أشد)) لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((رُبَّ دِرهمٍ سَبَقَ ألفَ دِرهم)) فالإيثارُ : لاحظ الآية : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 9 ] أمّا الخصاصة تُضاعِفُ قيمة إيثارهم . القسم الثاني من الآية : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 9 ] يُقابل الإيثار الشُح . الإنسانُ بينَ شُحٍ وإيثار ، إن كانَ مؤمناً فهو يؤثر ، وإن كانَ غير مؤمنٍ فهو شحيح . الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، يُنفق لَلامَهُ لماذا تُنفق يا رجل ؟ هذا المال دعهُ لكَ , ادخره لوقت الشِدة , لماذا تُنفق !!؟ أمجنون أنت ؟ الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، فإذا حصلَ هذا في يدهِ , كانَ بهِ أشح , وبَخِلَ بإخراجه , والبخلُ صِفةٌ ماديّةٌ أساسُها الشُح ، من الداخل شُح ، من الخارج بُخل ، ومن يوقَ مرض الشُح ، هذا مرض عُضال : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 9 ] فالبخلَ سلوكُ النفسِ الشحيحة ، والعطاءُ سلوكُ النفسِ المؤاثِرة الكريمة . يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ , فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ , أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا )) [أخرجه أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] مرة ثانية : السِمةُ الأساسيةُ ، الصِفةُ الثابتة ، الحركة اليومية لغير المؤمن هي الشُح ، والصفة البارزة للمؤمن هي المؤاثرة والإيثار. مراتب العطاء : قالَ عبد الله بن المبارك : سخاء النفسِ عمّا في أيدي الناسِ أفضلُ من سخاء النفسِ بالبذل . الإنسان إذا تعففَ عن أموال الناس - هذا أولُ مراتب الإيثار - فإذا أعطاهم كانَ أرقى , العطاء لا يُبنى إلا على التعفف , تتعففُ أولاً وتُعطي ثانياً . الحقيقة في ثلاث مراتب متعلّقة بالعطاء : المرتبة الأولى : الإيثار . أعلى هذه المراتب هي الإيثار ، الإيثار سُمي إيثاراً ؛ لأنهُ يُعطي الكثير ويُبقي القليل . المرتبة الثانية : السخاء . أما إذا أعطيتَ القليل وأبقيتَ الكثير , فهذه منزلة هي أقلُّ من منزلة الإيثار بكثير اسمها السخاء , سخت نفسُكَ بهذا العطاء , أعطيت القليل وأبقيتَ الكثير . المرتبة الثالثة : الجود . فإذا أعطيتَ بقدرِ ما أبقيت فهذا هو الجود . فإذا أعطيتَ الكثير وأبقيتَ القليل فهذا هو الإيثار . الإيثارُ ، الجودُ, السخاءُ ، ثلاثُ صفاتٍ أساسيةٍ للمؤمن . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَلا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا ؟ قَالَ : (( سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً , فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ] الأنانية , فالإنسان بينَ الأثرةِ والمؤاثرة ، بينَ أن يُفضّلَ ذاتهُ وبينَ أن يُفضّلَ غيره ، المؤمن دائماً يبتغي رِضوان ربهِ , يُفضّلُ رِضوانَ ربهِ ، هو المؤمن لا يؤثر الآخرين إلا ابتغاءَ مرضاة رب العالمين ، إذاً ماذا يفعل ؟ يتخذُ من إكرام الناسِ ومن إيثارهم على نفسهِ سبيلاً إلى الله عزّ وجل ، فالطريقُ إلى اللهِ أساسه الإيثار ، والقطيعةُ مع الله أساسُها الأثرة , الشُح , فأنتَ بينَ الأثرةِ والإيثار ، بينَ الجودِ وبينَ الشُح ، بينَ أن تُعطي وبينَ أن تأخذ , وقد صدقَ من قال : إذا أردتَ أن تعرِفَ مقامك أمن أهل الدنيا أنت أم من أهل الآخرة دقق : ما الذي يُفرِحُك ؟ ما الذي يُسعِدُك ؟ أن تُعطي أم أن تأخذ ؟ إذا كانَ الذي يُفرِحُكَ أن تُعطي , فأنتَ وربِّ الكعبةِ من أهل الآخرة , وإذا كانَ يُفرِحُكَ أن تأخذ فأنتَ قطعاً من أهل الدنيا . صِفتان أساسيتان ، سلوكان عامّان ، حركتان ثابتتان : إمّا أن تكونَ من أهلِ الأثرة , وإمّا أن تكونَ من أهل المؤاثرة . سيدنا قيس بن سعد بن عُبادة رضي الله عنهُما كانَ من الأجواد المعروفين , حتى إنه مَرِضَ مرةً , فاستبطأَ أخوانهُ في العيادة , فسألَ عنهم ، فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لكَ عليهم من الدين , الدين الذي عليهم حالَ بينهم وبينَ أن يعودوك ، فقالَ سيدنا سعدُ بن عبادة : أخزى الله مالاً يمنعُ الأخوان من الزيارة ، ثم أمر مناديّاً يُنادي من كانَ لقيسٍ عليهِ مالٌ فهوَ مِنهُ حِلٌ , فما أمسى حتى كُسِرت عتبةُ بابِهِ , لكثرةِ من عاده . مراتب الجود : 1-الجود بالنفس : عشرة أنواع أو مراتب للجود , سأُفصّلُ فيها إن شاءَ الله تعالى , فلعّلَّ أحدنا يتخلّقُ ببعضها أو بأكثرِها أو بأقلِها ، فقالوا : أحد هذه المراتب ربما كان أعلاها على الإطلاق : الجودُ بالنفس . هذا الذي يُقتلُ في ساحة المعركة شهيداً، هذا الذي قدّمَ للهِ ذاتهُ, قدّمَ نفسهُ، والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجود. النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكرَ للشهيدِ صفاتٍ تكادُ لا تُصدّق, أُولى هذه الصفات: أنَّ الله سبحانه وتعالى يجعلُ طريقةَ قتلِهِ ليست مؤلِمةً أبداً, ويجعلُ دَمَهُ له رائحةُ المِسك، ويرى منزلتهُ بالجنةِ قبلَ أن يُقتل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 169] ولكن بقوانين لا علاقةَ لها بقوانين الدنيا، لذلك الجودُ بالنفس وهو أعلى مراتِبهِ، وكم من حفرياتٍ تمت في بلاد الرافدين فعُثِرَ على جُثث الصحابة بعدَ ألفٍ وثلاثمائة عامٍ كما هي؟ وكم من حفريات تمت في اليرموك فعُثِرَ على أجساد الصحابةِ كما هي؟ والشهداءُ الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله, هؤلاء لهم أعلى الدرجات، أعلى درجة في الجود أن تجودَ بنفسك. 2-الجود بالرياسة : في درجة ثانية عاليةٌ جداً, وهي الجودُ بالرياسة: لك مكانة رفيعة ضحيّتَ بها في سبيل الله, إنسان يكون لهُ منصب رفيع أو مكانة معينة, فإذا أرادَ أن يستقيمَ على أمر الله, وإذا أراد أن يرضي الله عزّ وجل, لا بدَّ من التخلّي عن هذا المنصب, أو عن هذه المكانة, أو عن هذه المنزلة، المكانة التي يحتلّها الإنسان شقيقةُ الروح, فلذلك كثيرٌ من الذين كفروا واستكبروا وكابروا, وأبَوا أن يؤمنوا أو يُسلِموا, حِفاظاً على مكانتهم, وحفاظاً على مركزهم, وحفاظاً على رياستهم, فإذا ضحى الإنسان بمكانتهِ أو برياستهِ أو بمنصِبهِ أو بمنزِلتهِ في سبيل ربه, فقد آثر الله على مكانتهِ. أمّا هُنا المُشكلة, المُشكلة وكما أقول دائماً: رُبما تأخذون عليّ أنني أستخدمُ هذه العبارة كثيراً: زوالُ الكونِ أهونُ -هذه العبارة ما رأيت عبارةً تُعبّرُ عمّا في نفسي خيراً منها - على الله من أن يُضيّعَ مؤمناً آثَرَ رِضاه. آثرتَ رِضاه ويُضيّعُك؟ آثرت رِضاه ويُخزيك؟ آثرتَ رِضاه ويجعلُكَ في مؤخرة الركب؟ آثرتَ رِضاه ويُفقِرُك؟ آثرتَ رِضاه ويُشقيك؟ هذا شيء مستحيل في ذات الله عزّ وجل, لأنهُ الكريم، إنه الشكور، فأكثرُ الناس يقولون: إذا فعلتَ كذا وهو طاعة يُصيبُكَ كذا وكذا، أهكذا؟ لأنكَ أطعتَ الله عزّ وجل دفعتَ هذا الثمن الباهظ؟ لكن ما الذي يحصل؟ قد يتراءى لكَ: أنكَ إذا أطعتَ الله, جاءكَ ضررٌ كبير، وشقاءٌ طويل, لكنكَ لشدةِ حُبِكَ لله عزّ وجل تؤثِرُ ما عِندَ الله من سعادة وتُضحّي، الذي يحصل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُبدّلُ القوانين من أجلك وهي الكرامة، فهذا الذي كانَ من الممكنُ أن يثورَ ويغضب لهذا الموقف الذي وقفته, يعطِفُ ويُقدّرُ ويُبجل هذا الموقف, ويعودُ الموقف الخطير موقِفاً مُسعِداً. أحد أخواننا الكِرام له عمل مع شركة أجنبية, ودخلهُ كبير جداً منها, وهؤلاء الموظفون يحملون في حقائبهم الخمرة إذا اشتروها من بعض المحلات, فحينما رأى مركبتهُ يوضعُ فيها الخمر, أبى عليه إيمانهُ, وأبت عليه مروءتهُ واستقامتهُ وغيرتهُ وحُبه لله عزّ وجل, فنوى أن يُضحي بكلِّ هذا الراتب الضخم, وبكلِّ هذه الوظيفة ذات الدخل المُرتفع, ويقول: لا أسمحُ أبداً لأحد أن يركب في مركبتي ومعهُ مشروبٌ حرام، فالمفروض أنَّ هؤلاء يستغنون عنهُ, وهناكَ عشراتٌ بل مِئاتٌ يتهافتونَ على أقدامهم, ليعملوا معهم براتبٍ ضخم، وحصل عكس ما متوقّع, تمسّكوا بِهِ, وبالغوا في تكريمهِ, وأغدقوا عليه من العطايا, وأَمِنوهُ على بيوتهم, وعلى أموالهم، على عكسِ ما أنتَ متوقّع. وأقول لكَ هذا الكلام, وأعني ما أقول: إذا جاءكَ عرضٌ أو جاءكَ موقفٌ بينَ موقفين؛ إمّا أن تُطيعَ الله عزّ وجل, تُضيّع هذا الكسب الكبير, هذه الدنيا العريضة, هذا المركز المرموق, وإمّا أن تقبلهُ على معصية الله، قول جميل ورائع: إذا آثرتَ الآخرة على الدنيا كَسِبتَ الآخرة والدُنيا، وإذا آثرتَ الدُنيا على الآخرة خَسِرتَ الدنيا والآخرة, فالجودُ بالرياسة هو ثاني مراتب الجود. 3-الجود براحته ورفاهيته : وأمّا المرتبة الثالثة: فالجود براحتهِ ورفاهيتهِ: الإنسان يدخل إلى بيتهُ يتناول طعام الغداء، يستلقي على السرير، يستيقظ حولَهُ أهلهُ وأولاده، بإمكانهِ أن يبقى مُستمتعاً في بيتهِ، يطلب من حين لآخر ما لذَّ وطاب، لكنهُ تركَ البيت, وتركَ المقعد الوثير, وتركَ الزوجة الوفيّة, وتركَ الأولاد الذينَ هم كالعصافير، تَرَكَ كُلَّ أؤلئك, وركبَ السيارة الأولى, ورَكِبَ الثانية, وقد يكون فيها ازدحام, ليصلَ إلى بيت الله, ليحضُرَ مجلس عِلم، أنتَ بماذا جُدت؟ جُدتَ براحتك ورفاهيتك، طُرِقَ بابُك في وقتِ راحتك: من الطارق؟ فُلان، هذا وقتُ نومي, أبلِغوه أنني لستُ مستعداً لاستقباله الآن, آثرتَ الراحة, أمّا إذا نهضت، وأجبتَ طلبه، ورددتَ لهفته وأغثتهُ، بماذا جُدتَ أنت؟ جُدتَ أنتَ براحتك ورفاهيتك, الجودُ براحة الإنسان ورفاهيتهِ, هذا أيضاً من الجود. 4-الجود بالعلم : المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم. -أول واحدة بالنفس، الثانية بالمكانة والمنزلة، الثالثة بالراحة, في أُناس لا يمكن أن يُضحّوا بأوقاتِ راحتهم, لا يُمكن أن يُضيعوا قيلولتهم كُلَّ يوم, لا يُمكن أن يُضيعوا سهرتهم كُلَّ يوم, لو أنَّ الناسَ تَعِبوا كثيراً هو عليهِ أن يرتاح, هذا أيضاً من ضعفِ الإيمان-. المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم وبذله: وهو من أعلى مراتب الجود, لأنهُ من أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً, أنَّ إنساناً كان ضائعاً، تائهاً، شارداً، شقيّاً، بيتهُ جحيم، مُشكلاتهُ كثيرة، دللتهُ على الله, فاستقام على أمرِهِ، فشعرَ بالسعادة والطمأنينة، تيسّرت أعمالهُ، يَسّرَ الله له دخلاً وفيراً، يَسّرَ الله له زواجاً سعيداً، فحينما التقيتَ بهِ, بالَغَ في شُكرِك, وأثنى على دعوتك, وقالَ لكَ: جزاكَ الله عنيّ كُلَّ خير، كُلُّ أعمالي في صحيفتك، أنتَ سببُ هِدايتي, ألا تشعر وأنتَ تستمعُ من هذا الإنسان لهذا الثناء: أنَّ الله يُحِبُك, وأنَّ الله قد رَضي عنك, وأنَّ هؤلاءِ الخلق عيالُ الله, وأنَّ أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله؟ ألا تشعر بالغِبطة أن يستخدِمكَ الله في الخير؟ ألا تشعر بالاعتزاز أن تكونَ موظفاً عِندَ الله عزّ وجل؟ ألا تشعر بالقُرب حيثُ أنَّ الله سبحانهُ وتعالى أجرى على يدكَ الخير؟ هذا شعور -يا أيها الأخوة- لا يعرِفهُ إلا من ذاقهُ. في مجلة كُنتُ أقرؤها, هي مُترجمة كُلُّها, يعني مرة قرأتُ فيها كلمتين في مؤخرة صفحةٍ فارغة، يعني بعض المجلات يكون باقي نصف صفحة فارغة يضعون فيها حِكمة, قرأتُ هذه الكلمة ولا أنساها حتى الموت: إذا أردتَ أن تسعد فأسعِدِ الآخرين. إذا أردتَ أن تسعد فأدخل على قلبِ الناس السرور. مرة جاءني مُنجّد للبيت معهُ صانع، يبدو أنه فقير جداً, وجههُ كالح ومُعذّب، أنا شعرت من ملامح وجهه، من لون وجهه، من جمود نظرته، أنهُ طفل هيّن على الناس كثيراً، فنريد أن نأكل, تعال يا أخي تعال كُل معنا فتمنّعُ وخاف, تعالَ كُل، قال لي: أكلت، ألححتُ عليه أن يأكل ورحّبتُ به وابتسمتُ له, أشرقَ وجههُ، شَعَرَ كأنهُ بينَ أهلِهِ، هكذا المؤمن. طفل صغير, أجير, مُنجد, خائف، هيّن على الناس, من أسرة فقيرة، وجههُ كالح، أكرمتهُ, ودعوتهُ إلى الطعام, وأثنيتُ عليه, حتى استأنس, أنتَ مؤمن, هذا عبد لله. مرة قرأت حدثاً لا أنساه: الإنسان بنيانُ الله وملعونٌ من هَدَمَ بُنيانُ الله. هذا الطفل تجعله يخاف، تُشقيه، تبتزُّ ماله, فكلّما ارتفعت معرفتُكَ بالله عزّ وجل, تشعر بعطف على الخلقِ كُلِهم، تشعر بمودة لكُلِّ المخلوقات: هؤلاء عيالُ الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. فالرابعة: الجودُ بالعِلم. يعني أنتَ ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً، لو فرضنا وجدت ابن صديقك ضائع, والأب على نار, قلق عليه, وشوقاً إليه، هذا الابن ابن الصديق, لو أطعمتهُ شطيرة أو ألبستهُ ثوباً وتركتهُ ضائعاً والأب يغلي، لو أنكَ أطعمتهُ وسُقتَهُ إلى أبيه حتى قرّت عينهُ بِهِ, ألا تشعرُ أنَّ سوقَكَ هذا الطفل الضائع إلى أبيه أعظم عملٍ تُقدّمهُ لأبيه؟ يعني أنت قد تُطعم الفقير، لكن هذا الفقير إذا أطعمتهُ, ثم دللتهُ على الله, حتى عَرَفَ الله، حتى أنابَ إليه، حتى رَجَعَ إليه، حتى لاذَ بِحِماه, ألا تشعر أنَّ هذا العمل هو أعظمُ عمل عِندَ الله عزّ وجل؟ أن تَرُدَّ إليهِ عِبادهُ الشاردين التائهين الضالين الذين شَقوا بالبُعدِ عنهُ, لذلك: الله شكور، ما معنى شكور؟ أيّ يشكر لك عَمَلَك, ويجعلُ كُلَّ أعمالِ الذين هديتهم إليه في صحيفتك, كُلُّ أعمالِهم في صحيفة من كانَ سبباً في هدايتهم؛ لذلك نقول نحنُ جميعاً: اللهم أجزِ عنّا سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- ما هو أهلُه. كُلُّ أعمالُنا في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام. من مراتب الجود بالعلم : أن تبذله لمن يسألك عنه : أيها الأخوة, الجودُ بالعِلم لهُ مراتب, من الجودِ بالعِلمِ: أن تبذُلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ. هؤلاء جبابرة العلماء, إذا ما سألت وتذللت وخضعت وانتظرت لا يُجيبُك، أمّا من مراتب الجود بالعِلم: أن تبذِلهُ لمن لا يسألُكَ عنه. يعني أنتَ راكب في مركبة عامّة من هُنا إلى حلب, وبجانبك صديق, فسألتهُ عن عمله، عن اسمه, أنِستَ لهُ, حَدثّهُ عن الله عزّ وجل ولو لم يسألك، لكَ صديق، لكَ ابن, لكَ جار، لكَ موظف في محلك، هذا لو أنهُ ليسَ طالِباً للعِلم، ليسَ راغباً فيه، بعيداً عن أجوائهِ، حاول أن تُلقي عليه بعضَ العِلم، جُسَّ نبضَهُ بهذا العِلم، قدّم لهُ شيئاً لطيفاً، شيئاً مُحبباً، شيئاً ممتعاً، شيئاً مثيراً، لعلّهُ يتفاعلُ بِهِ، أعِنهُ على دُنياه، دارِهِ، ابذل شيئاً من الدنيا من أجل الآخرة ، فهذه المرتبة أن تبذلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ، بل تطرحهُ عليه طرحاً, هذه مرتبة عالية في تعليم الناس. أن يقدم للسائل جواباً شافياً تاماً مستقصياً : في مرتبة أخرى: أنَّ السائلَ إذا سألكَ عن مسألةٍ استقصيتَ لهُ جوانِبها: شخص تسألهُ فيقول لكَ: لا يجوز, لماذا لا يجوز؟ ما الدليل؟ لا يشرح, لأنه ضيق الصدر, هنُاكَ أطباء يصفون الدواء, يقول للمريض: استعمل الدواء, والمريض يتمنى معرفة مرضه, فيضن الطبيب على المريض بكلمة أو بتفصيل أو ببيان. مرة زرت طبيباً, على ظهر الوصفة كتب اسم المرض وتشخيصهُ وشرح للمريض, هذا المرض هكذا, وشِفاؤهُ عاجل إن شاء الله, ألقى في قلبهِ الطُمأنينة, ففي عالِم لا يُجيبُكَ إلا إذا سألتهُ, وفي عالِم حتى إذا ساءلته يُعطيكَ جواباً مُقتضباً, أمّا أن يشرح، أن يُبيّن، أن يأتي بالدليل، الغناء حرام؟ حرام طبعاً, لماذا حرام؟ الدليل: أول آية وثاني آية وأول حديث وثاني حديث -بارك الله- الآيات هكذا معناها, هكذا تفسيرها. فالمرتبة الثانية أن يُقدّمَ له جواباً شافيّاً تامّاً متقصيّاً. قال بعض العلماء: كان إذا سُئلَ عن مسألةٍ, ذكرَ في جوابِها مذاهِبَ الأئمةِ الأربعة إذا قدر، ومأخذَ الخِلاف، وترجيحَ القول الراجح، وذكرَ متعلقات المسألة التي رُبما تكونُ أنفعَ للسائل, فيكونُ فرحه بتِلكَ المُتعلقات واللوازم أعظمُ من فرحهِ بمسألته. ألا يقتصر في المسألة على أحد جوانبها : من جودِ الإنسان بالعِلم: ألاّ يقتصرَ في المسألة على أحدِ جوانِبِها: مثلاً: النبي الكريم سُئل عن الوضوء بماء البحر, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((هو الطهورُ ماؤهُ -أليس هذا هو الجواب ؟ ألم ينته الجواب ؟- الحِلُّ ميتتهُ)) هذه زيادة, لو أنهُ قال: الطهورُ ماؤهُ, انتهى الجواب, قالَ: الحِلُّ ميتتهُ، أجابكَ وزاد. مثلاً: سألوه -صلى الله عليه وسلم- عن الحُكمِ في بيع الرُطب بالتمر, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((أينقصُ الرُطبُ إذا جف؟ -التمر جاف والرُطبُ طري, البلح- قالوا: نعم, فالَ: فلا إذاً)) لو قال لهم: لا يجوز, لماذا؟ لو بِعتَ تمراً بِرُطب الوزن واحد, بعد يومين الرُطب جف, صار الكيلو نصف أو ثلاثة أرباع الكيلو, فلا يوجد تكافؤ, فلمّا نهى عن هذا البيع, أرادَ أن يُبيّن العِلة صلى الله عليه وسلم, فقالَ: أيجفُ الرُطبُ؟ قالوا: نعم, قال: إذاً فلا. أعطاك العِلّة هُنا, هذه العِلّة عقليّة, أنت إذا كان سألكَ إنسان قد تُعطيه العِلة النقليّة، الدليل النقليّ، لكن أكمل جواب: أن تُعطيهُ الدليل العقلي والنقلي، أيجوزُ للمرأة أن تكشِفَ عن وجهها؟ تقول: لا, لماذا؟ الآية الأولى والآية الثانية والآية الثالثة وخمسة أحاديث, الآية الأولى فسّرها ابنُ عباس كذا, وفسّرها القُرطُبي كذا, وفسّرها الإمام مالك كذا, هذا دليل نقلي والعقلي موطن الجمالِ كُلهِ في الوجه, هذا الدليل العقلي، فإذا سُئِلتَ عن شيء قدّم الدليل العقلي والدليلَ النقليّ, فإذا جمعتَ بين العقلي والنقلي, فقد استوفيت المسألة, وأجبتَ إجابةً صحيحة. هذا من أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- في بذلِ العِلم، واحد ضَمِنَ بستاناً, فجاءت جائحةً أتلفت كُلَّ المحصول في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال عليه الصلاة والسلام: (( لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا, فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ, فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا, بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟)) [أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ] بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟ يعني بِعتهُ هذه الثِمار على الأشجار, وجاءت جائحةٌ, فأتلفت كُلَّ شيء, الآن تُطالِبهُ بثمانين ألف ثمن, ماذا؟ يعني المفروض أن يبيع المحصول, ويربح, ويعطيك ثمن المحصول، أمّا هذه الجائحة قضت على كُلِّ المحصول, أنتَ الآن تُطالِبهُ بثمن هذا المحصول, لوجود اتفاق، فالنبي الكريم قال: ((إن بِعتَ من أخيكَ ثمرةً, فأصابتها جائحةٌ, فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً)) يُقاس عليها أنه: ومن ينكل يدفع خمسين ألف. لو نكل فُلان أخذتَ منهُ هذا المبلغ مُقابل ماذا؟ أنتَ عِندكَ خيارين؛ إمّا أن تُقيلهُ ولكَ أجر وإمّا أن تُلزِمهُ بالبيع، إمّا أن أرفعَ الأمرَ إلى القاضي, فيلزِمهُ بالبيع, لأنَّ فيهِ إيجاباً وقبولاً, وخالياً من كلّ تدليس وغش, وإمّا أن أعفو عنهُ, وأٌقيلَ عِثارهُ, لي عِندَ الله الأجر، الأولى عدل والثانية إحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 90] أما في كثير من الباعة يشتري الإنسان حاجة لا تزال في غِلافِها, أرادَ أن يعيدها, تخسر هذه مائة ليرة, هذه المائة ليرة بِمَ أخذتها؟ لكَ أن تقول له: لا أُقيل عِثارك، البيع تم، ولكَ أن تُقيلَ عِثارهُ، أمّا أن تُقيلَ عِثارهُ بثمن هذا الثمن بِلا عِوض, فقال عليه الصلاة والسلام: ((فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً, بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟)) بيّن العِلة، بيّن أن هذا عقد بيع عقد معاوضة, لا بدَّ من عِوضٍ مكانَ الثمن، كلُّ عقود البيوع عقود معاوضة، لذلك اليانصيب حرام بِلا عِوض. 5-الجود بالنفع بالجاه : أحياناً: في مرتبة أُخرى من مراتب الجود, هي: الجودُ بالنفعِ بالجاه: يعني أنتَ لكَ مكانة عِندَ فُلان, وليّ قضيّة عِند فُلان, أتذهبُ معي إليه؟ يقول لكَ: أنا واللهِ لا أبذِلُ ماءَ وجهي لأحد، إذاً بخيل, ما دام أنا على حق، وأنا أُطالب بحق، وهذا الإنسان متعنت لكنهُ يخشاك ويرهبُ غضبك، ولكَ عليه دالّة فاذهب معي إليه، كُن شفيعي له، يقول لكَ: لا أنا لا أبذِلُ ماءَ وجهي أبداً لأحد، إذاً شحيح. شخص لحاجاتي, لا يمكن أن أذهبَ إليه إطلاقاً, لكن طرقَ بابي أخٌ كريم, ولهُ عِندهُ حاجة, قُلتُ: أذهبُ معكَ إليه، قلتُ: لو أنَّ قضيتي عِندهُ, مهما كَبُرَ حجمُها لا أذهبُ إليه, لكن من أجلكَ أذهب, هكذا ينبغي أن نفعل, وهذا اسمه: الجودُ بالنفعِ بالجاهِ؛ كالشفاعة, والمشي مع الرجلِ إلى ذي سُلطانٍ, ونحوهِ, وهوَ زكاةُ الجاهِ, جميل هذا التفكير, زكاةُ الوقتِ: حضور مجالس العِلم والصلاة أولاً، زكاةُ الجاهِ: أن تشفعَ لمظلومٍ عِندَ من يأتمرُ بأمرك, يعني مثلاً: تحل قضية إنسان، تمسح جِراح إنسان، إذا لبستَ ثيابك, وذهبتَ إلى فُلان, وأمضيتَ من وقتِكَ ساعتين, أشعر أنَّ المؤمن الصادق لا يمكن أن يبخل بوقته إذا ذهبتَ إلى بيتِ هؤلاء يردّونَ لهُ زوجتهُ, تجمعُ بينَ زوجين، تمسحُ الأسى عن أطفالِهما، وهذا لا يُكلّفُكَ إلا أن تذهبَ إلى بيت أهلِ الزوجة, وتُقنعهم بِردِّ ابنتهم إلى زوجها, ولكَ عليهم دالّة ويرهبونك, لذلك: أفضلُ شفاعةٍ أن يشفعَ الرجلُ بينَ زوجين في نِكاح. 6-الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه : والمرتبةُ السادسة في الجودِ: الجودُ بنفعِ البدنِ على اختلاف أنواعِهِ: كما قالَ عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ, كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ, وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ, وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ, وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ, وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)) [أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] صدقة, مُتفقٌ عليه, إنسان يحمل أغراضاً ينوءُ بِها, وأنتَ شاب, وشخص يستأهل أن تكونَ في خِدمتهِ, فحملتَ عنهُ حاجاتِهِ, بذلت الآن عضلات، بذلت جهداً عضلياً, هذه صدقة, إذا سِرتَ مع إنسان في شدّةِ قدميك هذه صدقة، إذا واحد في الطريق تبعثرت حاجاتهُ, والطريق مزدحم, وعكفتَ على هذه الحاجات, وجمعتها لهُ, هذا عمل طيب. 7-لجود بالعرض : ومن أغربِ أنواع الجود: الجودُ بالعِرض، والعِرضُ في التعريف الدقيق: موطن المدحِ والذمِّ في الإنسان. فأبو ضُمضُم من الصحابة الكِرام, كانَ إذا أصبحَ قال: اللهم إني لا مالَ لي -أنا فقير يا رب- أتصدقُ بهِ على الناس, وقد تصدقتُ عليهم بِعِرضي, فمن شتمني أو قذفني فهو في حِلٍ, فقال عليه الصلاة والسلام: من يستطيعُ منكم أن يكونَ كأبي ضمضم فليفعل. لا يملك شيئاً من حُطام الدنيا, فقال: إذا واحد شتمني, أو تحدّثَ عنيّ بالسوء, فأنا أُسامحهُ, تصدّقتُ على الناس بموطن المدحِ والذمِّ فيَّ, بعرضي, هذا نوع من أنواع الجود. 8-الجود بالصبر : في نوع آخر: الجود بالصبر: إنسان لهُ ابن, فسيارة دهست ابنهُ, وصار في كسر، يقدر أن يأخذ تقريراً شرعياً, ويدفع السائق مبالغ طائلة, والسائق مستقيم, والحادث قضاء وقدر, وعن غير قصد, ورآه قدّم وبذل وأسعف وجهد, وليسَ له دخل كبير إطلاقاً, سلّم الولد, فأنتَ عفوتَ عنه, بعد أن اطمأنَّ الأبُ على ابنهِ, وصار في نوع من العناية الفائقة، فإذا عفوت عنهُ، فهذا جود منك, أما إذا كان عفوكَ عنه يدفَعُه إلى أن يتجاوز حدود الآخرين هذا لا يجوز، أما إذا كان في عفوِكَ عنهُ تكريماً لهُ, وتقديراً لشعورِهِ الأخلاقي, فربما في بعض المواطن, يُعدُ العفو عنهُ مكرُمة، الدليل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 45] واحد جرح الآخر، له حق المجروح أن يقتصَّ من الجارح, قال: فمن تصدّقَ بهِ فهوَ كفارةٌ له: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى الآية: 40] واحد خطب وعقد القِران, بعد أيام نَدِمَ ندماً شديداً، عليه نِصفُ المهر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 178] إذا أهل الفتاة عَفَوا عن هذا الخاطب النادم, وسامحوه بنصف المهر, فهذه صدقةٌ لهم تُعد. 9-الجود بالخلق والبشر والبسطة : المرتبة التاسعة: الجودُ بالخُلِقِ والبِشرِ والبسطة: يكون عِندكِ موظفون، عِندكَ صُنّاع، لكَ مكان قيادي, مُعلّم مثلاً، مدير، مدير مستشفى، مدير مؤسسة، يعني أحياناً من حولك يؤنسهم أن تبتسمَ في وجوههم، يَضِنُّ عليهم بابتسامة، يَضِنُّ عليهم بكلمة شُكر، يعطيكم العافية لا يقولها, يدخل والجميع يقفون إجلالاً له وهو معرض عنهم، جلس, أعطوني القهوة، قُل: السلام عليكم, عافاكم الله, دخل الحاجب: كيف صحتك يا بُنيّ؟ كيف أحوالك؟ هل أنت بحاجة لشيء؟ هذا لا يُقلل من قدرك, أنتَ مُدير عام, وهذا حاجب, لا يُقلل من قدرك, ففي جود بطلاقة الوجه، بالسلام، بالسؤال، بالكلمة الطيبة، هذا من الجود, الدليل: عَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ, لا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ, قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ, قَالَ: لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ, فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ, قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ, قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ, الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ, وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ, وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ أَوْ فَلاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ, قَالَ: لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا, قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلا عَبْدًا وَلا بَعِيرًا وَلا شَاةً, قَالَ: وَلا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ, إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ, وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ, فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ, وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ, فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ, فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ)) [أخرجه أبو داود ] هذا معروف أن تبتسم لأخيك، طبعاً لأخيك هو مستغنٍ عنك, أمّا أن تبتسم لموظفٍ عِندك، أن تبتسم لصانعٍ صغير، يتمنى أن تبتسم بوجهه، يتمنى أن يسمعَ مِنكَ كلمة مؤنسة. 10-أقل مراتب الجود: أن تترفع عما في أيدي الناس : أقلُّ مراتب الجود أن تترفعَ عما في أيدي الناس, هذا الجود السلبي, في إنسان يطمع بأموال الناس، يراقبون, إذا تعففتَ عن أموال الناس, فهذا أحد أنواع الجود. لكن -إن شاء الله- في موضوع دقيق جداً, وأعلّقُ عليه أهميةً كُبرى في موضوع الجود, أرجو الله سبحانهُ وتعالى أن يُتاحَ لي في درسٍ قادم. هو موضوع المؤاثرة: أن تؤثِرَ مخلوقاً على حظِكَ من الله عزّ وجل, هذا تَزِلُّ بهِ أقدامُ كثيرين وهم لا يشعرون, هذا الموضوع -إن شاء الله- سأوفيهِ حقهُ في الدرس القادم, يعني لا مؤاثرةَ في الخير والخيرُ كُلهُ في المؤاثرة، يعني أن أُوثر إنسان ولا أُصلي وأنا أُحدثهُ عن الله عزّ وجل, لا, آثرتهُ على صلاتك، آثرتهُ على طاعةِ ربك، آثرتهُ على حظِكَ من الله عزّ وجل، هذا موضوعٌ دقيقٌ دقيق, وأكثرُ المؤمنين قد تَزِلُ أقدامهم فيه, فينبغي -إن شاء الله تعالى- في درسٍ قادم أن نوفّيهُ حقهُ. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الشكرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و العشرون ) منزلة الشكر : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم هي منزلة الشُكر . تمهيد : أولاً يقول الله عزّ وجل : ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 147] هذه الآية أصلٌ كبير من أُصول الدين , يعني إذا شكرتم وآمنتم , أو إذا شكرتم بعدَ أن آمنتم , أو إذا آمنتم وشكرتم , ما يفعل الله بعذابكم ؟ معنى ذلك : أنكم حققتم الهدفَ الكبير الذي من أجلهِ خُلقتُم . يعني : يتوقف العذاب والمعالجة , وأنواع البأساءِ والضرّاء , وأنواع الهموم والأحزان , بمجرّدِ أن تشكروا بعدَ أن تؤمنوا . لا نُبالغ إذا قُلنا : إنَّ عِلّةَ وجودكَ على الأرض أيها الإنسان , أن تتعرفَ إلى الله , وأن تشكرهُ . قد يسأل سائل : لِمَ لا يكون الهدفُ أن تتعرفَ إلى الله وتصبِرَ على حُكمهِ ؟ لِمَ اختارَ الله الإيمان مع الشُكر ؟ إليكم التفسير ، لا بدَ من مثل : إذا قُدّمت لكَ هديةٌ ثمينة , جهاز , أنتَ في أمسِّ الحاجةِ إليه , وهذا الجهاز يُقدّمُ لكَ خدمات كبيرة , قُدّمَ لكَ بلا ثمن , كهديةٍ خالصةٍ لك , ما ردُ الفِعل عِندك ؟ . ردُ الفِعل أنكَ تتأملُ هذا الجهاز ، تتعرف إلى مُصممهِ ، إلى من اخترعهُ ، إلى دِقةِ أجزائه ، إلى أداءِ وظائفهِ ، إلى تعقيد تركيبهِ ، كُلما تأملّتَ في دقائق الجهاز , ازددتَ إعجاباً بصانعهِ , أو ازددتَ إيماناً بِعلمهِ الرفيع , وفضلاً عن ذلك , قُدِّمَ لكَ هديةً , تشعر أنكَ ممتن . الآن : أنتقل من هذا المثل إلى السموات والأرض , الله سبحانهُ وتعالى سخّرَ للإنسانِ ما في السموات وما في الأرض جميعاً , كلُّ هذا الكون مُسخّرٌ لهذا الإنسان تسخيرين : تسخيرَ تعريف وتسخير تكريم . أرادَ الله عزّ وجل من خِلالِ خلق السموات والأرض أن يُعرّفكَ بذاتك , وأرادَ من خِلالِ خلق السمواتِ والأرض أن يمتلئَ قلبُكَ امتناناً , أن تؤمن أن تشكر , فقد حققتَ الهدفَ الكبير من وجودكَ على وجه الأرض ، لأنَّ الكون مُسخّر تسخيرَ تعريف , والتعريف يقتضي الإيمان ، وتسخيرَ تكريم , والتكريم يقتضي الشُكر . إذا عرفتهُ وهو المُنعم , وشكرتهُ وهو المُتفضّل , فقد بلغتَ أقصى درجات الإيمان , لذلك عِندَ هذه المرتبة تتوقف كلُ أنواعِ المُعالجات , لأنَّ الله سبحانهُ وتعالى يقول : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 21] يرجعون إلى الهدف الذي من أجلهم خُلِقوا , يرجعونَ إلى مُهمتهم , إلى تكليفهم , إلى سرِّ وجودهم ، إذا رجعتَ إلى اللهِ , وقد عرفتهُ وشكرتهُ , وقد رأيتَ نِعمهُ , فقد حققتَ الهدفَ من وجودك ، لذلك يجبُ أن تَعُدَ الشُكرَ غايةَ وجودكَ على وجه الأرض ، إن شكرت بعد أن آمنت . بالمناسبة لن تشكرَ قبلَ أن تؤمن : ﴿وكانَ الله شاكراً عليماً﴾ مثلاً : إنسان زاركَ , وأنتَ مريض , ومعهُ هدية , وضعها في مدخل البيت , ودخلَ على غُرفَتِكَ , وأنتَ لا تعلم , ماذا قدّمَ لكَ من هدية , وجلسَ عِندكَ بعضَ الوقت , ثم انصرف , هل يُعقلُ وأنتَ لا تعلمُ , أنهُ جاءَ بهدية أنت تشكرهُ على الهدية ؟ متى تشكر ؟ إذا عَلِمت ، إذا جاءَ ابنُكَ , وهمسَ في أُذُنك : أنَّ فُلان قد قدّمَ لكَ هديةً , فحينما يودعُكَ , تشكرهُ على هديتهِ . من لوازم الشُكرِ العِلمُ والإيمان ، تؤمن فتشكر , هذا الذي في ضوئه نفهم قولهُ تعالى : ﴿وكانَ الله شاكراً عليما﴾ ً لأنهُ يعلم فهو شاكر، فمن لوازم الشُكرِ العِلمُ بالنِعمةٍ , لن تشكُرَ قبلّ أن تؤمن ، إذا آمنتَ , من لوازم الإيمان أنكَ تشكر ، إذا آمنتَ وشكرت فقد حققتَ الهدفَ الكبيرَ الكبير الذي من أجلهِ قد خُلِقت . لم يبق الشُكرُ موضوعاً جانبيّاً , يجب أن نعرفهُ , لا , أخطرُ موضوعٍ في حياتك ، إن لم تشكر تُعذّب ، بنص الآية الكريمة : ﴿ما يفعلُ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ المعنى المُخالف : إن لم تؤمنوا عُذبتم ، إن آمنتم ولم تشكروا عُذبتم , أما إن شكرتم ولم تؤمنوا هذا مستحيل , أمّا إن آمنتم ولم تشكروا تُعذّبوا ، إن لم تُؤمنوا تُعذّبوا ، من لوازم الإيمان الشُكر . بادئ ذي بدء : الشُكرُ نِصفُ الإيمان , لقولِ النبي عليه الصلاة والسلام : الإيمان نصف شُكر ونِصفُ صبر . أنتَ بينَ شيئين : بينَ نِعمةٍ ظاهرةٍ لا بدَ من أن تشكرَ الله عليها , وبينَ نعمةٍ باطنةٍ هي المصيبة لا بدَ من أن تصبر ، فأنتَ بين سرّاء وضرّاء ، رخاء وشِدّة ، إقبال وإدبار ، بحبوحة وضيق ، صِحة ومرض ، قوة وضعف ، غِنى وفقر . أساسُ الكون الاثنينية : فالغِنى والفقر , والصِحةُ والمرض , والشِدّةُ والرخاء , وإقبالُ الدنيا وإدبارها . فأنتَ بينَ حالين : بينَ حالِ الصبرِ في حالة المصيبة , وبينَ حالِ الشُكرِ في حالة الرخاء ، والذي يؤكدهُ ، عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا المعنى قولهُ صلى الله عليه وسلم : عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ . فَقَالَ : (( أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ ؟ )) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمِمَّ تَضْحَكُ ؟ قَالَ : (( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ , إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ )) هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( الإيمان نِصفانِ : نصفٌ شُكرٌ ونِصفُ صبرٌ )) أولاً : الله سبحانه وتعالى أمَرَ بالشُكرِ , ونهى عن ضِدهِ , وأثنى على أهلهِ , ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ , وجعله غاية خلقهِ , ووعدَ أهله بأحسنِ جزائهِ , وجعلهُ سبيلاً لمزيد عطائهِ , وحارساً وحافظاً لنعمتهِ , وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ , واشتقَّ لهم اسماً من أسمائهِ , فإنهُ سبحانه وتعالى هو الشكور ، وهوَ يوصِل الشاكرَ إلى مشكورهِ , وهو الله سبحانهُ وتعالى , بل يُعيد الشاكِرَ مشكوراً , وهو غايةُ الربِ من عبيده , شيء خطير جداً , غايةُ الربِ من عبيده وأهلهُ هم القليل من عِباده . الآيات المتعلقة بالشكر : والآن مع الآيات : الآية الأولى : واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 172] يعني علامةُ صِحةِ عبادتكم شُكرُ الله عزّ وجل . الآية الثانية : واشكروا لي ولا تكفرون . ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] ﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾ أُمِرنا بالشُكر ونهينا عن ضِدهِ : ﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ ﴿ وَاشْكُرُوا ﴾ أمر إلهي , وكلُ أمرٍ في القرآن يقتضي الوجوب : ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ وأثنى على أهله . ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النحل الآية: 120-121] كانَ عليه الصلاة والسلام تعظُمُ عِندهُ النعمةُ مهما دقّت . لو شَرِبَ كأسَ ماء: يا ربي لكَ الحمد، لو ارتدى ثوباً جديداً ، لو دخلَ إلى بيته , رأى أهلهُ وأولادهُ في صحةٍ جيدة ، لو كانَ معهُ ثمنُ طعامهِ ، لو خرجَ بأتمِّ عافيةٍ . كانَ عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ إلى الخلاء وخرجَ منهُ , قال : ((الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني)) وكانَ يقول أيضاً : ((الحمد لله الذي أذاقني لذّتهُ, وأبقى فيَّ قوتهُ, وأذهبَ عنّي أذاه)) إذاً : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ ﴾ وقالَ عن سيدنا نوح : ﴿ إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾ هل أنتَ عبدٌ شكور ؟ . كانَ يُصلّي قيامَ الليل حتى تتورمَ قدماه , تقول لهُ السيدةُ عائشة : (( أتعبتَ نفسكَ , وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر , فيقول عليه الصلاة والسلام للسيدة عائشة : يا عائشة , أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ )) الآية الثالثة : لعلكم تشكرون . ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 78] جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ , سخّرَ لكم كُلَّ شيء لعلكم تشكرون , فغايةُ الخلقِ هو الشُكر . الآية الرابعة : واشكروا له إليه ترجعون . وقالَ تعالى : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 17] الآية الخامسة : وسنجزي الشاكرين . هذه بعضُ آيات الشُكر , قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 145] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 7] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 5] تعريف الشكر . أُعيد على مسامعكم التعريفات الجامعة المانعة للشكر ، لقد أمرَ الله بهِ : ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ ونهى عن ضِدهِ : ﴿ولا تكفرون﴾ وأثنى على أهلهِ : ﴿إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾ ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ أبا الأنبياء , سيدنا إبراهيم , وجعلهُ غاية خلقهِ وأمرهِ : ﴿لعلكم تشكرون﴾ ووعدَ أهلهُ بأحسنِ جزائهِ : ﴿وسيجزي الشاكرين﴾ وجعلهُ سبباً لمزيد فضلهِ : ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ وحارساً وحافظاً لنعمتهِ, وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ: ﴿إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ صبّارٍ شكور﴾ واشتقَّ لهُ اسماً من أسمائهِ الشكور، فإنهُ سبحانهُ هو الشكور, وهو يوصِلُ الشاكِرَ إلى مشكورهِ . يعني من الطُرق السالكة إلى الله عزّ وجل أن تشكرهُ, الشُكرُ طريقٌ إلى الله, بل إنهُ يُعيدُ الشاكِرَ مشكوراً , تشكر فتُشكر , قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 22] أعادَ الشاكِرَ مشكوراً ، ورضاء الربِّ عزّ وجل عن عبدهِ في الشُكر : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الزُمر الآية: 7] وقِلةُ أهلهِ في العالمين , تدلُ على أنهم هم خواصُّ أهلهِ , قال تعالى : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ الآية: 13] ما أقلَّ الشاكرين . وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قامَ حتى تورمّت قدماه, فقيلَ له: ((تفعلُ هذا, وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكونُ عبداً شكوراً)) وقالَ عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((واللهِ يا معاذ إني لأُحِبُك -هذه شهادة ، هذه مرتبة عليّةَ نالها هذا الصحابي الجليل- فلا تنسى أن تقولَ في دُبُرِ كُلِ صلاة : اللهم أعنّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادتك)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه : ((رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ, وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ, وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ, وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي, وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ, رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا, لَكَ ذاكراً, لَكَ رَهَّابًا, لَكَ مِطْوَاعًا, لَكَ مُخْبِتًا, إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا, رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي, وَاغْسِلْ حَوْبَتِي, وَأَجِبْ دَعْوَتِي, وَثَبِّتْ حُجَّتِي, وَسَدِّدْ لِسَانِي, وَاهْدِ قَلْبِي, وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي)) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما] دعاء جميل جداً . معنى كلمة الشُكر باللغة, قال: أصلُ الشُكرِ في وضع اللسان: ظهور أثر الغذِاء على الأبدان, أكل فظهرَ أثرُ الطعام على بدنهِ امتلاء وتورُداً وصِحةً وقوةً, فأصلُ الشُكرِ أن يظهرَ أثرُ الغِذاءِ في الأبدان, هذا في المُعجم في القاموس, يُقال: شكرت الدابةُ, تشكرُ شَكراً, على وزنِ سَمِنت, تسمنُ سَمناً, إذا ظهرَ عليها أثرُ العلف, ودابةٌ شكور, إذا ظهرَ عليها من السِمنِ فوقَ ما تأكل, وتُعطى من العلف . وفي صحيح مُسلم: حتى إنَّ الدوابَّ لتشكرُ من لحومهم, أي لتسمنُ من كثرةِ ما تأكلُ مِنها . وفي المعنى المجازي: ظهور أثر النعمة على العبدِ، قد تظهرُ ذِكراً, يا ربي لكَ الحمد في لِسانهِ، وقد تظهرُ امتناناً في قلبهِ، وقد تظهرُ عملاً في سلوكهِ . الحقيقة : الشُكر لهُ درجات ، أثرُ النِعمة على العبد : قد تظهرُ النعمة عِندَ العبدِ تعبيراً بلِسانهِ , وشعوراً بقلبهِ , وسلوكاً في فعلهِ , فهُناكَ شُكرٌ قوليّ وشُكرٌ قلبيّ وشُكرٌ فعليّ . وفي المناسبة أُولى درجات الشُكر: أن تعرفَ أنَّ هذه النعمةَ من الله . أُولى درجات الشُكر ذو طبيعةٍ علمية ، وثاني درجات الشُكر ذو طبيعةٍ نفسيّة ، وثالثُ درجاتُ الشُكرِ ذو طبيعةٍ سلوكيّة . تعلم فتمتن فتتحرك , والتحرك كما قالَ الله عزّ وجل : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ الآية: 13] قواعد الشكر : 1-خضوع الشاكر للمشكور : قال: الشُكر أساسهُ خمسُ قواعد, خضوع الشاكر للمشكور: إن لم تخضع لله فلستَ شاكراً، علامة الشُكر الطاعة: تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حبهُ ذاكَ لعمري في المقال بديعُ لو كانَ حُبُكَ صـادقاً لأطعتهُ إنَّ المُحبَّ لمن يُـحب يُطيعُ أُولى علامات الشُكر: أن تخضع للمشكور, أن تخضع لله، فمن فعلَ ما يشتهي, وأطلقَ لشهواتهِ العِنان, وتحرّكَ وفقَ هوى نفسهِ, وقالَ: يا ربي لكَ الحمد, فليس شاكر, وسلوكه وانحرافه وكسب ماله والتدليس في البيع والشراء واليمين الكاذبة ما هذه؟ يا ربي لكَ الحمد . علامة الشُكرِ: طاعة الله عزَّ وجل إن لم تُطع فلستَ شاكراً . 2-حبه له: فقال: الشُكرُ مبنيٌّ على خمسِ قواعد: خضوع الشاكرِ للمشكور وحبهُ له, يعني يجبُ أن يمتلئَ قلبُكَ حُباً لله, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] 3-4-5 الاعتراف بالنعمة وثناؤه عليه بها وألا يستعملها فيما يكره : والاعترافُ بالنِعمة: إذا حققتَ نجاحاً, لا ينبغي أن تقول: هذا جُهدي, إنما أُوتيتهُ على علمٍ عندي, هذه خبرات, هذه سنوات طويلة, من الخِبرة تراكمت بعضُها فوقَ بعض, حتى حصلّت هذه المرتبة, هذا كُفر, إذا عَزوتَ النِعمة إلى ذاتك, فهذا نقيضُ الشُكر: ﴿واشكروا لله ولا تكفرون﴾ وثناؤهُ عليهِ بها, وألا يستعملها فيما يكره . كيف تكون شاكراً . يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من استعملَ قوتهُ في معصية الله فليسَ شاكراً ، من استعملَ عينهُ في معصية الله , من نظرَ بها إلى حُرُمات المُسلمين ، حينما تستخدمُ الجارحة في معصية الله , فأنتَ لا تشكر الله . عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ, فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ, وَهُوَ يَقُولُ: ((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا, قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ, أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) يجب أن تعتقد: أنَّ هذه العين إذا غضت عن محارم الله, أغلبُ الظنِّ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذه الأُذن إن لم تسمع بها إلا ما يُرضي الله, أغلبُ الظنِ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذا اللسان إذا كانَ رطباً بذكر الله, أغلبُ الظنِ أنكَ تتمتعُ بهِ إلى آخر الحياة, وأنَّ هذا الفِكر إذا أعملته في آيات الله, أغلب الظنِ أنكَ لا تَخرَف, من تعلّمَ القرآن, متعهُ الله بعقلِهِ حتى يموت. قيلَ: في الشُكرِ حدهُ الاعتراف بنعمةِ المُنعِمِ على وجهِ الخضوع, في اعتراف على وجه الإقرار, في اعتراف على وجه الخضوع، فإذا اعترفت بنعمة الله وخضعتَ لهُ فأنتَ شاكر, هذا الذي قُلناه قبلَ قليل: من علامة الشُكرِ الطاعة، وقيلَ: الثناءُ على المُحسن بِذكرِ إحسانهِ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى الآية: 11] وقيلَ: هو عكوفُ القلب على محبة المُنعِمِ, والجوارح على طاعتهِ, وجريان اللسان بذكرهِ, والثناءِ عليه, معرفةٌ وتعبيرُ وامتنان وسلوك كما قُلنا قبل قليل . وقيلَ: الشُكرُ مُشاهدةُ المِنّةَ وحِفظُ الحُرمة, وما ألطفَ ما قالَ حمدون القصّار: شُكرُ النِعمةِ أن ترى نفسكَ فيها طُفيليّاً, أن ترى نفسكَ لا شيء, فأنتم هو الحقُ لا غيركم, فيا ليت شِعري أنا من أنا . يعني: كُلما صَغُرتَ في عينِ نفسك كُلما كَبُرتَ عِندَ الله، وكُلما كَبُرت نفسُك صَغُرتَ عِندَ الله. وقال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكر . ماذا قالَ الله عزّ وجل؟ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النحل الآية: 18] من معاني هذه الآية: هل يُقال لإنسان خُذ هذه الليرة وعُدّها؟ هذه ليرة واحدة, ماذا أعدُ فيها؟ يقول الله عزّ وجل: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ قالَ بعضُ العُلماء : إنكَ إن أمضيتَ الحياة كُلها, لتُحصيَّ بركاتِ نعمةٍ واحدةٍ, أنعمها الله عليك, نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة النُطق، نعمة الشم، نعمةُ جريان الدمع في القناة الدمعية, لولاها لاضطررت أن تمسحَ الدموعَ من على خدكَ دائماً, إلى أن يحفرَ الدمعُ في خدِك أخدوداً, لأنَ الدمعَ قلوَي, فهذه القناةُ الدمعية بين محجر العين وبين الأنف سالكة, وهي من أدقِّ الأنابيب في الجسم, هذه نعمة, نعمة السمعِ, نعمة البصرِ، نعمة الشعر . لو أنَّ الله سبحانهُ وتعالى جعلَ في الشعر أعصاباً حسيّة, إلى أينَ أنتَ ذاهب يا أخي؟ إلى المستشفى لأُجري عملية حِلاقة, تحتاج تخديراً كاملاً, لكنَّ الشعرَ فيه أعصاب حركية, ولكن ليسَ فيهِ أعصاب حسيّة, لكلِّ شعرةٍ؛ وريدٌ, وشريانٌ, وعضلةٌ, وعصبٌ مُحركٌ, وغدةٌ دهنيةٌ, وغدة صدغية, وليسَ في الشعرِ عصبُ حِسي, أين يا أخي؟ والله إلى المستشفى لأُجري عملية تقليم أظافر, لم ربنا عزّ وجل لم يجعل في الأظافر أعصاب حِس؟ هذه نِعمةٌ كُبرى. هذه المثانة التي أكرمَ الله الإنسان بِها, تجعلُكَ تجلس ساعات طويلة، تُسافر، تُلقي محاضرة، تستمع، تدخل إلى مسجد، تجلس مع أهلِكَ ساعات طويلة, وأنتَ لستَ بحاجة إلى إفراغ المثانة, لولا المثانة لكُنتَ مُضطراً أن تُفرِغَ البولَ كُلَ دقيقة, لأنَّ كُلَّ عشرين ثانية بالضبط, تنزِلُ من كلَّ كُليةٍ نُقطةُ بول, كل عشرين ثانية, فهذه المثانة تجمعُ هذا البول بخمس ساعات, وأنتَ نظيفُ مُعطّر, مرتاح مُطمئن, وإذا أردتَ أن تُفرِغَ هذه المثانة, فقد جعلَ الله لها عضلات, لولا هذه العضلات, لا بدَ من تنفيس هواء لها, لا نقدر . ائت بقارورة, واجعل فوهتها نحو الأسفل, وسُدَّ قعرها بإحكام الماء يبقى فيها, لا بدَ من تنفيس, طيب لولا عضلات المثانة لما أمكنَ إفراغ المثانة, هذه نعمة. التنفس حركتهُ لا إرادية . يعني: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أنتم عاجزون عن إحصاء النِعم، أنتم عاجزون عن إحصاء فضائلِ نعمةٍ واحدة، فلأن تكونوا عاجزين عن شُكرِ النِعم من بابِ أولى. يعني إذا واحد جاءه مولود, وجاءته هدايا كثيرة, أيُهُما أهون: أن يُمسك قلم وورقة ويُسجّل هذه الهدايا أم أن يَرُدَّ هذه الهدايا؟ كتابتها على ورقة عملية سهلة جداً, فالإنسان عاجز عن أن يشكُرَ فضائِلَ نِعمة واحدة، فلأن يكونَ عاجِزاً عن شُكرِها من بابِ أولى, أو لا أن يكونَ عن شُكرها, فهو عن شُكرها أعجز . قالَ أبو عثمان: الشكرُ معرفةُ العجزِ عن الشُكرِ، هذا كلام سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك . يعني إذا قُلت: يا ربي لا أُحصي ثناءاً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك, فحينما عجزتَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك . لو سألنا إنساناً على شط البحر المتوسط, هذا البحر كم ليتر؟ قالَ لكَ: هذا 23مليون و850 ليتر, معناها جاهل, أما إذا قال: واللهِ لا يمكن أن نعرف كم ليتر؟ عدم معرِفتهِ بعدد ليترات ماء البحر, هي معرفة لحجم البحر الكبير، عدم المعرفة معرفة, لو قال لكَ: هذا البحر كذا ليتر، لهذا قالَ بعضُ علماء التوحيد: اللهُ سبحانهُ وتعالى عينُ العٍلمِ بهِ عينُ الجهلِ بهِ، وعينُ الجهلِ بهِ عينُ العِلمِ بهِ . يعني إذا قلت: يا رب أنا عاجز عن معرفة فضلك, هذا أحدُ أنواع المعرفة, أمّا نحنُ نُصلي له, ماذا علينا أكثرُ من ذلك؟ هذا هو الكُفر, يعني أن ترى أنَّ نعمة الله محدودة, وقد أديتها بالصلاة, وانتهى الأمر . لذلك قال سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك، إذا اعترفتَ بعجزِكَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك. قال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكرِ . وقالَ الجُنيد: الشُكرُ أن لا ترى نفسكَ أهلاً للنِعمة, أن ترى الله سبحانه وتعالى تفضّلَ عليك. وإذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضلهِ عليك, خلقَ الفضلَ ونسبهُ إليك . وقالَ أحدُ العلماء: الشُكر استفراغ الطاقة, ويشُكرُ العامةِ على المطعمِ والمشربِ والملبسِ وقوتِ الأبدان . عوام الناس إذا رأى في بيتهِ مؤونة، معهُ في جيبهِ مال، صحتهُ طيبة، الحمد لله الله مفضلها، لكنَّ خواصَّ المؤمنين يشكرُ على معرفة الله، يشكرُ على العِلم الذي تفضّلَ اللهُ بهِ عليه، يشكر على نعمةِ الإيمان، على نعمةِ الصبر . سيدنا عمر قال حينما أصابتهُ مصيبةٌ, قالَ: الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمد للهِ إذ لم تكن في ديني، والحمد للهِ إذ لم تكن أكبرَ منها، والحمدُ للهِ إذ أُلهمتُ الصبرَ عليها . قال: شُكر الخاصّة شكرٌ على التوحيدِ والإيمانِ وقوت القلوب . الجُنيد كانَ صبيّاً, سألهُ أحدُ العلماء, قال: يا غلام, ما الشكر؟ فقالَ: الشُكرُ أن لا يُستعانَ بشيء من نِعم الله على معاصيه, فقالَ: من أينَ لكَ هذا؟ قالَ: من مُجالستك. وقيلَ: من قصّرت يداهُ عن المكافآت, فليُطل لِسانهُ بالشُكر . من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه, فإن لم تجدوا فادعوا لهُ . كلمة جزاكَ اللهُ عنّي كُلَّ خير, إذا أردتم التحقيقَ الدقيق, هذه الكلمة لا تصح إلا إذا عجزتَ عن أن تُكافئَ النِعمة بنعمةٍ مثلها, إذا عجزتَ عن المُكافئة, قل: جزاكَ الله عني كُلَّ خير, أما أن تكتفي بها دائماً, كُلما قُدمت لكَ خِدمة، أخي الله يجزيك الخير وانتهى الأمر, هذا ليسَ شُكراً . الشُكرُ معهُ المزيدُ أبداً, كلام دقيق: إذا كُنتَ في نِعمةٍ, وحَرِصتَ على أن تستمر, وعلى أن تبقى, وعلى أن لا تزول, فحصنّها بالشُكر, وإذا أردتَ أن تزيد, فَزِدها بالشُكر, فالشُكر حِصنُ, أو يحولُ بين النِعمةِ وبين زوالِها, ويدفعُ إلى المزيدِ منها, لقولهِ تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ والحديث القُدسي: ((إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم، أخلقُ ويُعبدُ غيري، وأرزقُ ويُشكرُ سِواي, خيري إلى العِبادِ نازل, وشرّهم إليَّ صاعد، أتحببُ إليهم بِنعَمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي, وهم أفقرُ شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم, تلقيتهم من بعيد، ومن أعرضَ عني منهم, ناديته من قريب, أهلُ ذِكري أهلُ مودتي )) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] ((أهلُ شُكري أهلُ زيادتي، أهلُ معصيتي لا أُقنطّهم من رحمتي, إن تابوا فأنا حبيبهم, وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم, أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من الذنوبِ والمعايب, الحسنةُ عِندي بعشر أمثالها وأزيد, والسيئة بِمثلها وأعفو, وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِ بولدها)) وقيلَ: من كتمَ النِعمةَ فقد كفرها, ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها، وهذا مأخوذٌ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ, قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ)) أمّا هذا الكلام دقيق جداً, هُناك من يُظهر النِعمة على بيتهِ, وعلى جِسمهِ, وأولادهِ, كِبراً واستعلاء, وهُناكَ من يُظهُرها حمداً وشُكراً, شتّانَ بين الحالتين . على كُلٍ؛ لهذا الموضوع تتمة, أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ آخر أن نتابع هذا الموضوع, الذي كما قلتُ قبلَ قليل: موضوع كبيرٌ جداً, بل هو سِرُّ خلقِ الإنسانِ في الدنيا، ونرجو الله سبحانهُ وتعالى أن ينفعنا بِما علّمنا, وأن يُعلّمنا ما جَهِلنا . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الوجدالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و العشرون ) منزلة الوجد . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع والعشرين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ومنزلة اليوم هي منزلة الوجد . تمهيد . أيها الأخوة الأكارم ؛ في الدين فضلاً عن عقيدتهِ, وعن عباداتهِ, وعن معاملاتهِ, وعن تنفيذ أوامرهِ, وعن اجتناب نواهيه, في الدين الحقيقي مشاعر، مشاعر يتذوقها المؤمن، هذه المشاعر لها شأنٌ كبير في مسيرتهِ إلى الله عزّ وجل . يعني إذا بقي الدين معلومات، أفكار، قناعات، فلسفات، علم كلام، قيل وقال، الإنسان ينصرفُ عنهُ، وإذا بقي الدين أعمالاً مُجهِدة الإنسان يتعب، في الدين شيء أُسميه الآن : وجد بحسب موضوع الدرس ، هذه مشاعر, هذه المشاعر تغمرُ القلب، ربما كانت هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمُر القلب دافعاً حثيثاً لمتابعة الطريق . هذه المشاعر ثابتةٌ, في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين, من حديثِ أنسِ بن مالك رضيَّ الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] الإيمان لهُ حلاوة، الإيمان في أذواق، في مشاعر مُسعدةَ، في أحاسيس طيبة، لكن أُفضّل كلمة مشاعر, لأنَّ الأحاسيس يغلبُ عليها الطابعُ الحسيّ المادي، والمشاعر يغلبُ عليها الطابعُ النفسي . مثلاً قبلَ أن نمضي في الحديث في هذا الموضوع, الإنسان يتاجر ويشتري بضاعة بسعر، ويبيعها بسعر جيد, ويحقق رِبح يقبِضهُ نقداً خلال ساعة أو ساعات, يشعر بسرور، تجدهُ يتكلّم بمرح، عيونهُ تلمع، وجنتهُ تتورد، يميل إلى المزاح، يحاول أن يستلطف الآخرين, هذه كُلها علامة الفرح, لأنهُ فَرِحَ بِربحِ هذه الصفقة، لو أنهُ درسَ دراسةً عُليا, وأمضى سنةً بُجهدٍ شاق, ثُمَّ قدّمَ امتحانا, وبعدَ شهرٍ قرأَ اسمهُ في لوحة الإعلانات, وقد نالَ هذه الشهادة العُليا بتقدير امتياز, تجدهُ خلال أسبوع في أعلى درجات سعادتهِ, يشعر بسعادة حقيقية . لو أنَّ إنساناً سافر إلى مكان جميل, وليسَ في قلبهِ هموم, ويملكُ المالَ الكافي, مستمتعاً بالمناظر الجميلة, وبأهلهِ, وأولادهِ, والأمور كُلُها منتظمة, يشعر بسعادة, هذه السعادة كُلُها مؤقتة, لكن إذا اتصلَ بالله عزّ وجل من خِلال استقامتهِ على أمر الله، من خلال أعمالهِ الطيبة، يذوقُ طعمَ الإيمان، يذوق حلاوة الإيمان، يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هوَ أسعدُ منّي، هذا فضلاً عن عقيدتهِ الصحيحة، فضلاً عن طاعتهِ لله، فضلاً عما ينتظره من نعيمٍ مُقيم ، فضلاً عن تنفيذهِ أوامِرَ الله، فضلاً عن تَخلُّقهِ بأخلاقِ رسول الله، فضلاً عن كُلِّ ذلك . في الدين مشاعر مُسعِدة, هذه المشاعر المُسعِدة بمثابة المُحرك في طريق الإيمان, فإذا ضَعُفت هذه المشاعر أو تلاشت, أصبحَ الدينُ ثقافةً، معلومات، أفكار، مناقشات، قيل وقال ، عِلم ، كلام، كُتب، مقالات، تأليف، مراجع، مصادر، فهارس, انقلبَ الدين إلى معلومات، والمعلومات يعني الإنسان أحياناً يملُّها، أو يسأمُ منها، أو ينصرفُ عنها, وإذا بقي, يعملُ الأعمال الصالحة، ويخدمُ الآخرين، ويعطفُ على المساكين والفقراء، ويغيثُ الملهوفين دون أن يكونَ لهُ اتصالٌ بربِّ العالمين, حتى الأعمال الصالحة تُملّ, يقول لكَ: يا أخي مللتُ حياتي, الناس سيئون, ما الذي يجعَلَكَ تُغِذُ السير في طريق الإيمان؟ أن تذوقَ طعمَ الإيمان؟ هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمر قلبَ المؤمن, إنها موضوع هذا الدرس, مرتبةُ الوجد . قالَ بعضُ الشُعراء: هل الوجدُ إلا أنَّ قلبي لو دنا من الجمرِ قيدَ الرُمحِ لاحترقَ الجمرُ يعني قلبهُ متأجج , أحياناً تجلس مع إنسان منطفئ، يعني يملُّ كُلَّ شيء, ويُملُّ الجلوسَ, معهُ قلب فارغ من أي شعور إنساني، أحياناً تجلس مع إنسان يُعطيكَ من تأججهِ الشيء الكثير. الدافع إلى طريق الإيمان . درسنا اليوم هذا الباعث النفسي ، هذا التأجج القلبي ، هذه السعادة القلبية ، هذا الحال إن صحَّ التعبير : الذي يُسعِدُ الإنسان ويدفعُه قُدُماً في طريق الإيمان . هذا الكلام أله أصلٌ في السُنّةِ الثابتة : وردَ في الصحيحين , من حديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) يعني الليرة والمليون تحت قدمهُ, إذا كان الله يُرضيه أن يُقدّمَ هذا المبلغ, يُقدّمُ مالهُ، يُقدمُ روحهُ، يُقدمُ وقته، لا يرضى من زوجتهُ أن تعصي الله ولو أدبرت عنهُ، ولو توتّرَ الجو بينهما، هذا الذي اللهُ ورسولهُ أحبُ إليه مما سِواهما, يذوقُ طعمَ الإيمان, أما كُلما وقعتَ في صِراع آثرتَ جانبَ الدنيا, أخي فيها فتوى هذه, والعلماء أجازوها, الناس, هذا بلاء عام يا أخي, كلما وقع صراع بين ما يُرضي الله وبينَ ما يُحققُ مصالِحُه,و مالَ إلى جانبِ مصالحهِ . آثرَ الدنيا على الله ورسوله، آثرَ رِضاء زوجتهِ على الله ورسوله، آثرَ رِضاء شريكهِ على الله ورسوله، آثرَ تحقيقَ أرباحٍ فيها شُبُهات على اللهِ ورسوله، حيثُما تُؤثِرُ شيئاً من الدنيا على الله ورسوله, لا تذوقُ طعمَ الإيمان, يُصبِحُ القلبُ متصحّراً، جافاً، جلموداً، صخريّاً . ولي منه أولياءَ الله عزّ وجل ذُكِرَت الله بِه, لو رأيتَ مؤمناً ذاقَ طعمَ الإيمان, بمجردِ أن تقعَ عينكَ عليه, تذكرُ الله عزّ وجل، تتمنى أن تتوب، تتمنى أن تُصلي، تتمنى أن تعمل الصالحات . ((أولياءُ أُمتي إذا رُؤُا, ذُكِرَ الله بهم)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) يعني تنشأ في مجتمع المؤمنين علاقات عجيبة جداً؛ لا قرابة, ولا نسب, ولا مصلحة, ولا جِوار, ولا زمالة في العمل, ولا آمال, ولا مُصاهرة, تجدُ أنكَ تُحبُ أخاكَ في الله حُباً لا يوصف, لو جلستَ معهُ ساعاتٍ طويلة, تشعر هل من مزيد؟ إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن دون أن تكون هُناك مصلحة علاقة، نسب، مُصاهرة، زمالة، جِوار، مشروع مستقبلي, أبداً, لا تبتغي منهُ جزاءاً ولا شكوراً، لا تُحبهُ إلا لله، إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن لوجه الله تعالى دونِ مصالح, ذُقتَ طعمَ الإيمان . هذه علامة ثانية: قال : (( وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) هذا الذي آمن واستقام على أمر الله, إذا نَدِمَ على توبتهِ, يقول لكَ: والله رفاقي مبسوطون, وأنا ذهبت, والتحقت بالجامع, وأصبحت مُقيّداً, وإذا قصّرت يحاسبونني, وإذا ذهبت إلى المكان الفولاني يؤاخذونني, هذا الذي نَدِمَ على أنهُ آمن، أو يتمنى أن يعودَ كما كان ، هذا ماذا قطعَ من الإيمان؟ . من علامة الإيماني: مثلاً إنسان ساكن في بيت قميء، مُظلم، فيه رطوبة، بحي مزدحم, يعني مُشكلات لا تُعد ولا تُحصى، نُقِلَ إلى بيتٍ واسعٍ, فخمٍ, مشمسٍ, في حيٍ راقٍ, هل يتمنى أن يعود لهذا البيت؟ مستحيل, كان يعمل في وظيفة متواضعة, ودوامها طويل, وحولِهِ ضغط شديد، وشيء من الإذلال، ودخلهُ لا يكفيهِ ثلاثة أيام، اشتغل بالتجارة, وربح أرباحاً طيبة، أصبحَ سيد نفسهُ، دوامهُ بيدهُ، يتمنى أن يعود كما كان موظفاً؟ يكون مجنوناً . فإذا الإنسان آمن إيماناً حقيقياً، واتصل بالله اتصالاً حقيقياً، وذاق طعمَ الإيمان، وشعرَ كيفَ كان، في أيِّ الوحول كان، كان مع القاذورات، كان مع أشخاص على درجة من الانحطاط، في مِزاحهم، في علاقاتهم، في سفرهم، في شراكتهم، في مُرافقتهم، مُزاح على أنانية, على حقارة, على حبِ الذات, على استعلاء, على مُزاح غليظ, فصاحبَ أُناساً طيبين طاهرين, أخلاقهم طيبة, يتمنى أن يعودَ لهؤلاء المجرمين؟ هذه أمثلة من واقع الحياة . فلذلك: وأن يكرهَ أن يعود في الكُفرِ بعد إذ أنقذهُ الله منهُ كما يكرهُ أن يُلقى في النار. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) هذا الإنسان ذاقَ طعمَ الإيمان, والأصح: ذاقَ حلاوة الإيمان, الإيمان لهُ حلاوة . آيةٌ ثانية تؤكِدُ هذه المنزلة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 14] حقيقة حلاوة الإيمان . هُنا في سؤال دقيق: سيدنا جعفر مثلاً, ما الذي دعاهُ حينما جاءَ سيفٌ فقطعَ يمينهُ وأصبحت يدهُ على الأرض؟ لماذا لم يترك فرسهُ فجأةً ويقول يدي؟ وا أسفاه على يدي؟ لماذا أمسكَ الراية بيدهِ الثانية, جاءت ضربة سيفِ ثانية قطعت يدهُ اليُسرى, فمسكَ الرايةَ بعُضُدِيه؟ هنا في سؤال دقيق: هو بشر من بني البشر, ما الذي جعلهُ يتحمل هذه الآلام, آلام قطعِ اليد الأولى والثانية ويصبر؟ إنها حلاوة الإيمان . سيدنا خُبيب: حينما أرادوا أن يصلبوه, فطلبَ أن يُصلي ركعتين قبلَ أن يُصلب, وقد هُيئَ الجدار, وهُيئت السِهام, ليُصلبَ على جِذعِ نخلة, ويُلقى بالسِهام حتى يموت, قيل لهُ: أتحبُ أن يكونَ محمدٌ مكانك وأنتَ في أهلك؟ والله شيء غريب، والله الإنسان يبيع أهلهُ في هذه الحالة, يبيع دينهُ, ويبيع إيمانه, هكذا الناس, ما الذي جعلَ هذا الصحابي الجليل ينتفضُ ويقول: واللهِ ما أُحبُ أن أكون في أهلي وولدي, -جالس في بيتهُ, زوجتهُ أمامه, وأولادهُ أمامهُ, وطعام طيب، بالشتاء البيت دافئ تدفئة مركزية, وبالصيف تكييف, الورود على الطاولة، ألوان الطعام والشراب، كل أجهزة اللهو موجودة, قالَ-: واللهِ ما أحبُّ أن أكونَ في أهلي وولدي, وعِندي عافيةُ الدنيا ونعيمُها, ويُصابُ رسولَ الله بشوكة؟ انظر: ما الذي جعلهَ يموت عن أن يكفر بمحمد، يموت صلباً، السهام تلوشهُ؟ . طيب هذه المرأة التي فقدت زوجها وأباها وابنها وأخاها, يعني لا يمضي ألف سنة حتى تُصاب امرأة بوقت واحد؛ بزوجها, وابنها, وبأخيها, وبأبيها, وقد عَلِمت بموتهم جميعاً في معركة أُحد, تقول: ما فعلَ رسول الله! تُريد أن تسألَ عن رسول اللهِ فقط, ماذا في قلبِها؟ لو لم يكن في قلبِها حلاوة الإيمان لما فعلت هذا . يعني ظهر من الصحابة أفعال العقل لا يُصدقُها, لولا ما ذاقوه من حلاوة الإيمان . أنا مرة سألت طبيب قلب, قُلت له: صِف لي بعضَ حالات الوفاة التي يعانيها بعض المرضى, يعني مريض بالقلب, جاءتهُ الوفاة, والله ذكرَ لي قصصاً غريبة, قال لي: بعض الناس يضرب نفسه، وبعضهم يصفرُّ وجهه, ذكرتُ لهُ قصة سيدنا ربيعة, النبي الكريم تفقّدهُ, وقال: ابحثوا لي عنهُ، ذهب صحابي إلى أرض المعركة, رآهُ بينَ القتلى, لكنهُ يتنفس, قال لهُ: يا ربيعة, أمرني النبي أن أسألَ عنك, هل أنتَ بينَ الأحياء أم بينَ الأموات؟ قالَ لهُ: أنا بينَ الأموات . قال لهُ: بلّغ رسولَ الله مني السلام, وقُل له: جزاكَ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبياً عن أُمته, وقُل لأصحابِهِ: لا عُذرَ لكم إذا خُلِصَ إلى نبيّكم وفيكم عينٌ تطرُف. في أيّةِ سعادةٍ هذا الإنسان؟ في أيّةِ سعادة وهو يُفارق الدنيا؟ . أقول لكم الآن كلمة: ذاقَ حلاوة الإيمان, إذا ذُقتَ حلاوة الإيمان, واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, يستوي عِندكَ التِبرُ بالتُراب, الذهب مثلُ التُراب . سحرة فرعون لمّا ذاقوا حلاوة الإيمان: ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 71] بماذا شعرَ هؤلاء؟ . الملكة بلقيس حينما تخلّت عن مُلكِها دفعةً واحدة, قالت: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 44] الإنسان سهل يتخلى عن مُلكهِ, هكذا بلحظة, ماذا شعرت؟ هذه حلاوة الإيمان . عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, قال: ((أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] سيدنا الصدّيق أعطى كل مالهُ لرسول الله، قالَ: يا أبا بكر! ماذا أبقيتَ لك؟ قالَ: اللهَ ورسولهُ . سيدنا أبا يحيى وهو في الهجرة, تَبِعهُ كُفارُ قريش, وألقوا القبضَ عليه, ليعيدوه إلى مكة، قالَ: إذا أعطيتكم كُلَّ مالي أتتركوني؟ قالوا: وأينَ مالُك؟ قالَ: في مكة, المكان الفلاني, فخلّوا عن سبيلهِ, وانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام, وحدّثَ النبيَّ بما حصل، قالَ: رَبِحَ البيعُ أبا يحيى, رَبِحَ البيعُ أبا يحيى . يعني أنا أقول لكم: الذي يجعل المؤمن يُضحّي المال تحت قدمهُ، الدنيا كُلها إذا تعارضت معَ دينهِ لفظها ورفضها, هو حلاوة الإيمان, إذا ذاقَ حلاوة الإيمان، والله إذا ذاقَ حلاوة الإيمان لا يُضحّي بشيء، يجد لكل معصية فتوى, إذا لم يذق حلاوة الإيمان مع مصالحهُ, مع الدنيا, مع شهواتهُ, مع رغباتهُ, يحتاج إلى دين خاص، يُصلي صلاة لا تُكلّف، يُصلي ويصوم ويحج ويُزكي، لكن يريد مصالحهُ وشهواتهُ وتجاراتهُ وحركاتهُ وسكناتهُ، فإذا الإنسان ما ذاقَ حلاوة الإيمان, لن يستقيم على أمر الله . ﴿وربطنا على قلوبهم﴾ يعني وألقينا في قلوبهم من حلاوة الإيمان, ومن مواجد أهلِ الحُب, ألقينا في قلوبهم معاني القُرب، ألقينا في قلوبِهم أنوار الحق، ألقينا في قلوبهم تجليات، ألقينا في قلوبهم السكينة، حتى ظهرت منهم هذه الأعمال البطولية, شيئاً لا يُوصف, لو قرأتم تاريخَ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم, لوجدتم أنهم بشر ولكن ليسوا كالبشر, لا لشيء, إلا أنَّ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم محبته، ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان، ألقى في قلوبهم أنوارهُ، ألقى في قلوبهم تجلياتهُ، ألقى في قلوبهم سكينتهُ . قال : ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربُنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوَ من دونهِ إلهاً لقد قُلنا إذاً شططاً﴾ أهلُ الكهف كانوا يعيشون في ظِلِ سُلطانٍ كافر, وكانوا في بحبوحةٍ, وفي حياةٍ واسعةٍ ناعمةٍ إلى أقصى الحدود، تركوا حياة البذخ والترف والنعيم والشهوات، ولجؤوا إلى كهفٍ خَشِنٍ مظلِمٍ مُخيفٍ, لكنَ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان . لذلك: هذا ما قالهُ بعض العارفين بالله: لو يعلمُ الملوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليه بالسيوف. بقلب المؤمن سكينة، تجلّى أنوار، مشاعر مُسعِدة، شعور بالأمن، شعور بالرِضا، شعور بأنَّ اللهَ راضٍ عنك، الشيء الذي لا يوصف, لذلك من أجلِ هذا يتحمّلُ كلَ شيء, يصبرُ على الطاعات، يصبرُ عن الشهوات . الإنسان شب في أول حياتهُ، امرأة سافرةٌ متبذلةٌ في ثيابِها, تكشِفُ عن مفاتِنها، ما الذي يجعلهُ يَغضُ طرفهُ عنها؟ والله هيَ جميلة, وقد ركّبَ الله حُبَ النساء, ما الذي يجعلهُ يُديرُ وجههُ عنها؟ أنهُ ذاقَ حلاوة الإيمان, فلو أنهُ نظرَ إليها فقدَ حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان أغلى عِندهُ من النظرِ إليها . صحابي جليل, لهُ زوجة يُحبها جداً، قالت لهُ: أُريد كذا وكذا، قال لها: إنَّ في الجنة من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نور وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهون من أن أُضحي بِهنَّ من أجلك . أُم سيدنا سعد قالت لهُ: إمّا أن تكفر وإمّا أن أدعَ الطعام، قالَ: يا أمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً, ما كُنتُ لأكفُرَ بمحمد, فكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي. هذا درسُنا الوجد . فإذا أردتَ أن يمتلئَ قلبُكَ بالوجد، بالحُب، بالمشاعر المُسعِدة, أردتَ أن تذوقَ حلاوة الإيمان، أنا أدُلُكَ على الطريق: أولاً: أطع الله عزّ وجل, طاعتُكَ للهِ وحدها, تغمرُ قلبكَ بالمشاعر المُسعِدة, لو الله عزّ وجل لم يُلق على قلبِ هؤلاءِ هذه السعادة؛ لآثروا الدنيا، ولانشغلوا بملذاتها، ولغفلوا عن ذِكرِ الله عزّ وجل، ولاتبعّوا الشهوات . مراتب الوجد : الآن أربع مراتب للوجد : 1-التواجد : أول مرتبة : التواجد, هذه الصيغة فيها معنى التصنع، التباكي, التمرض, التواجد, التغابي, وزن تفاعلَ: بمعنى تصنّعَ الشيء: ليسَ الغبيُّ سيداً في قومهِ لكنَ سيدَ قومهِ المتغابي أحياناً المتغابي: يكون أعلى درجة من أنواع الذكاء، ويكون هو ذكي جداً، لكن الموقف يقتضي ذلك, يتغابى . التواجد, يتباكى, يعني عملية تصنع الوجد، التواجد: عملية تصنُع الوجد . قال: هذه أول مرتبة وهي أضعفُ المراتب، اختلفَ العُلماء في هذه المرتبة: مقبولة أم مرفوضة؟ قال: إذا أرادَ بالتواجد أن يكتسبَ ثناءَ الآخرين مرفوضة، أمّا إذا أرادَ بالتواجد أن يصِلَ من خِلالها إلى حقيقة الوجد مقبولة، لقول النبي الكريم: وَقَالَ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . وَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] أنتَ تعمل نفسكَ متأثراً, وتتباكى, وتُغمض عينكَ, وتحاول أن تبكي, هذا التواجد, عملية تصنُع الوجد, فإن فعلتها لانتزاع إعجاب الناس, هذا نِفاق, والله وهذه المرتبة مرفوضة ، أمّا إن فعلتها لعلكَ تُحصّلُ الوجدَ الحقيقي مقبولة . في عنّا أثر: عن سيدنا عُمر يؤكدُ ذلك: سيدنا عمر رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر يبكيان في شأنِ أسارى بدر, وما قَبِلوا منهم من الفِداء, فقالَ عُمر رضي اللهُ عنه: أخبراني ما يُبكيكُما, فإن وجدتُ بُكاءاً بكيت, وإلا تباكيت, هذه مرتبة مقبولة من جهة، مرفوضة من جهة، مقبولة إذا أرادَ صاحِبُها أن يصلَ من خلالها, أن يصلَ إلى الوجد الحقيقي, تأسيّاً بالنبي عليه الصلاة والسلام, حينما قال: ((إنما العِلمُ بالتعلُم، إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم)) يعني أنت غضوب بالأصل, لكن النبي أمرنا بالحِلم, وضغط الأعصاب, وأنت من الداخل تغلي غلياناً, لكنك ضابط لأعصابك, وتصك أسنانك, وتعُض على يديك, لم تفعل شيئاً , هذا التحلّم، مرة على مرة، الله عزّ وجل يصبِغُ عليكَ خُلُقَ الحِلم، تُصبح حليم أصلي, الأولى حليم تطليع، تُصبِحُ حليماً أصالةً, وطبعاً هكذا النبي علَمنا: إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم . زاركَ ضيف من محل بعيد, تُعاكس نفسكَ, وتعمل له عشاء، لكن مرة مع مرة تُصبِحُ كريماً جواداً, إنما الكرمُ بالتكرّم . فقال: هذا التواجد تصنعُ الوجد, إذا كان صاحِبهُ فعلهُ رياءً وسُمعةً, لينتزعَ إعجابَ الناس، ليبتزَّ أموالهم . فهذا الخُلق مرفوض، أما إذا فعلهُ ليجلبَ بهِ الوجدَ الحقيقي, هذا الخُلُق مقبول, هذه مرتبة . 2-المواجيد : المرتبة الثانية: المواجيد, يعني تقرأ القرآن تُحِس بسعادة، تذكُر الله عزّ وجل تُحِس بسعادة، تدعو الله دُعاءً صادِقاً حقيقيّاً في السجود, يا ربي احفظني، يا ربي ألهمن الخير، يا ربي سدد خُطاي، يا ربي أعن على نفسي، يا ربي إني تبرأتُ من حولي وقوتي, دُعاء صادق تُحِس بسعادة, دُعاء صادق تُحِس بسعادة، ذِكر حقيقي تُحس بسعادة، تِلاوة قرآن تُحِس بسعادة. قال: هذه المواجيد نتائج الأوراد والتلاوات والعبادات والطاعات, الطاعات والعبادات والأذكار والأوراد والتفكرات والأدعية, هذه كُلها تُسبب مواجيد, هذه المرتبة الثانية . 3-الوجد : المرتبة الثالثة: الوجد, قال: هوَ ثمرة أعمال القلوب, من أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنعَ لله، فقد ذاقَ حلاوة الإيمان, القلب لهُ عمل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-3] القلب إذا انصرفَ عن الدنيا, والتفتَ إلى الله عزّ وجل, هذا العمل اسمهُ: عمل القلب ، من ثِمار عملِ القلبِ الحُب, الوجد, هذا الذي قالَ عنهُ النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) 4-الوجود : أما المرتبة الرابعة: الوجود, يعني أن تجدَ الله، أن تصلَ إليه، أن تعبدهُ كأنكَ تراه، أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تراهُ من خِلالِ كُلِّ شيء، أن تراهُ فوقَ كُلِّ شيء، أن ترى يدهُ فوق يدِ كُلِّ مخلوق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 10] أن تراهُ معكَ حيثُما ذهبت، حيثُما توجهت وصلت إلى الله، هذه نهاية طريق الإيمان ، هذه نهاية المطاف . التواجد : تصنُع الوجد . المواجيد : مشاعر مُسعِدة , تعقِبُ الأوراد والأذكار والطاعات وتِلاوة القرآن. الوجد : ما يشعر بهِ قلبُكَ من حُبٍ للهِ عزّ وجل , هذا الوجد من ثمرةِ أعمال القلوب . أما الوجود : أن تجدَ الله . كيفَ أرخميدس حينما وضعَ يدهُ في حوض الماء, فشعرَ بقوةٍ تدفعُها نحوَ الأعلى، فخرجَ من الحمام يقول: وجدُتها وجدُتها . فلذلك الإنسان يمضي عليه ثلاثون عاماً، عشرون عاماً، عشرة أعوام دروس عِلم، مجالس عِلم، بذل، تضحية، دفع أموال، صدقات، خِدمة الناس، خِدمة أهل الحق, مع تِلاوة قرآن، طلب عِلم, يقول لكَ: تعبان, لم أرتح اليوم, إذا في نهاية المطاف وصلَ إلى الله, وصلَ إلى كُلِّ شيء، إذا في نهاية المطاف وجدَ الله, وجدَ كُلَّ شيء، يا ربي ماذا وجدَ من فقدك؟ وماذا فقدَ من وجدكَ؟ . هذه أعلى مرتبة في مرتبة الوجد: الوجود, أن تجدَ الله، يعني أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تشعُر منهُ بأنكَ قريبٌ منهُ, وأنهُ قريبٌ منك، أن تشعر بوجودهِ في كُلِّ قِصةٍ تسمعُها, هوَ الفعّال، هو الحكيم، أعطى هذا، منعَ هذا، رفعَ هذا، خفضَ هذا، أعزَّ هذا، أذلَّ هذا، أكرمَ هذا، منعَ هذا، ترى يدَ الله تعملُ في الخفاء، إليهِ يرجُعُ الأمرُ كُلهُ، تفهم الأمور كلها فهماً آخر، تفهم كُل شيء تسمعهُ فهماً من خِلالِ رؤيتِكَ للهِ عزّ وجل، هذه عقيم، هذه جاءت بأولاد ذكور، هذه بأولاد إناث، هذا زوج سعيد بزوجتهِ، في سبب، الله عادل، هُناك أعمال تُبرر لهُ هذه السعادة . كيف نصل الى مرتبة الوجد؟ : سؤال كبير جداً : كيفَ نصِلُ إلى مرتبة الوجد ؟ العُلماء قالوا : هُناك ثلاثة منافذ للوجد : السمع ، والبصر ، والفِكر . 1-عن طريق السمع : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] تسمع الحق في مجلس عِلم, أنتَ بشر ولكَ فِطرةَ عالية, تسمع حديثاً عن كرم الله عزّ وجل، عن عظمة الله فتهتز، منذُ يومين كُنتُ في عقد قِران, فتكلّمتُ نقطة من نقاط عِلم الفلك, شعرت صار في هزّة، لا إله إلا الله معقول!! شعرت كأنها أحدثت صدمة. فإذا واحد استمع, يعني أصغى للحق مرات عديدة, حصلت له هزة . يعني هو الإنسان التاجر, يُتاجر ثلاثين عاماً، يشتري صفقة واحدة, فيربح مِنها إلى ولد ولده، وأيضاً المؤمن ساعة من ساعات نفحات الله عزّ وجل, لا يعرف بالدرس بأوله أم بآخرهِ أم بنصفه, درسين وثلاث ولم يشعر بشيء، قد يأتي درس, يصل الحديث إلى شِغاف قلبهِ، المُتكلّم أحياناً يضع على جُرحِك, يُعطيكَ الحل, تشعر فتقول: إي والله، لا إله إلا الله وتكون التوبة النصوح, ويكون الصُلحُ معَ الله عزّ وجل, لا تعرف، فالسماع طريق؛ احضر مجالِسَ العِلم، استمع للدروس، يجوز في درس من الدروس تتألق . يعني كأنهُ في قِوى كامنة بهذا الدرس تفجرّت، في مشاعر جاشت، في مطامح تحققت. كما قُلتُ لكم مرة: أحد العارفين, أظنهُ ذو النون المصري, حدثتُكم عن هذا في خُطبة الجمعة الأسبوع الماضي, هذا رجل يقول لكَ: أنا في حيرة, قُلتُ: أينَ قلبي؟ يعني في شعور بالضيق, رأى امرأة تفتحُ الباب, وتُلقي ابنها خارِجَ البيت, وهو يبكي، ضربتهُ, وألقتهُ خارِجَ البيت, وأغلقت الباب، هذا الطفل تلّفت يميناً وشِمالاً, فصارَ يبكي، عادَ إلى بيتِ أمهِ, وطرقَ الباب, قالَ: يا أُمي, من يقبلني إن طردتني؟ إلى أينَ أذهب؟ فنظرت إليهِ من خُرمِ الباب, فرأتهُ يبكي، فتحت الباب، وأخذتهُ وقبلّتهُ، ووضعتهُ في حِجرِها، وقالت: يا قُرّةَ عيني, يا عزيز نفسي, أنتَ حملتني على أن أفعلَ بِكَ ما فعلت, لو أطعتني لم تر منّي ما تكره، هذا ذو النون المصري, صاحَ بأعلى صوتهِ, قالَ: وجدتُ قلبي . يعني أخذَ من هذه القِصة عِبرةً عميقةً جداً: أنَّ الله عزّ وجل لا ملجأَ منهُ إلا إليه، إذا أنتَ خِفتَ من إنسان, تهرب منهُ إلى واحد آخر، أما إذا خِفت من الله عزّ وجل, ما في إلا الله, لا ملجأَ منكَ إلا إليك، فهذا الطفل أدركَ إلى أين يذهب؟ لا يوجد سِوى أُمهُ، هيَ طردتهُ، ليسَ لنا سِوى الله عزّ وجل, والله أنا أجمل كلمة أقولها: يا رب ليسَ لي إلا أنت, ما في غيرك . كل ما وثِقتَ بإنسان تجدهُ، إذا وضعت ثِقَتُكَ بإنسان, والله هذه الشغلة فوق طاقتي يا أخي، ليست بيدي لا تؤاخذني، طبعاً بنعومة أنسحب, أما إذا كان واحد وضع ثِقتهُ بالله عزّ وجل, يا رب ليسَ لي إلا أنت, فلذلك: السمع طريق, احضر مجالِسَ العِلم لا تزهد فيها، هذه موائد الرحمن، وحينما تحضُرُ مجالِسَ العِلم تدفعُ زكاةَ وقتِك، وحينما تدفعُ زكاةَ وقتِك أنتَ في بيت الله, واللهُ في حاجتك, وحاجةِ أهلِكَ وأولادك, هم في مساجِدهم والله في حوائجهم, وإذا الإنسان ضنّ بوقتهُ الثمين عن أن يحضر مجلس عِلم، الله عزّ وجل يمكن أن يهدِرَ لهُ أربعة أخماس وقته في موضوعات سخيفة وأشياء تافهة . ركّب المُحرّك خِلال ثماني ساعات, فنسي قشرة, ففكهُ مرةً ثانية, نسيها أثناء تركيب الآلات, يكون في قطعة مكانها, أول حركة فينساها, يُنسيه إياها الله عزّ وجل, يعمل ثماني ساعات, أنا اليوم لن أذهبَ للدرس ثماني ساعات أهدرها لهُ والدرس ساعة, ذهبَ مِنكَ ثماني ساعات . قال لي أخ: لشدة ضغط الأهل عليّ, تركنّا درس الجمعة, أخ يحضر معنا, وإنسان كريم جداً, وصل إلى بقين لكي يُملئ الماء, شاهدَ شاباً ناعماً, قالَ لهُ: أعطني عم لكي أملؤهُ لكَ, فذهبت محفظتهُ, قالَ لي: فيها الهوية, وفيها ميكانيك السيارة, وفيها إجازة السوق, عملت ثمانية أشهر حتى حصّلتها, فإذا واحد لهُ ترتيب، لهُ مجالس عِلم لا يُغيّر, هذا وقت الله عزّ وجل، هذه مائدةُ الرحمن. السماع . 2-3 عن طريق البصر والفكر : الآن : البصر, شاهدت كأس الماء، شاهدت ابنك الصغير، شاهدت الكواكب بالليل، القمر، الشمس، الليل، النهار، الرياح، الأمطار، الكواكب، الثِمار، الأزهار، الأطيار, إذا الإنسان مرَّ على الآيات مرور الِلئام, ولا نقول : مرور الكِرام , يكون غافلاً , فالسمع طريق , والبصر طريق , والتفكر طرق ، الآيات : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج الآية: 46] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سورة محمد الآية: 24] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 8] ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 44] طريق الوجد : السماع ، والرؤيا ، والتفكّر . أفعالُ اللهِ تراها بعينك، وكتابهُ تتدبرهُ بِفِكرِك، والحقُ تسمعهُ بأُذُنِك, اسمع الحق بأُذُنِك، وانظر للآيات بعينك، وتدبّر كتاب الله بِفِكرِك , لا تعرف من طريق التدبر, أو من طريق التفكر, أو من طريق النظر, أو من طريق السماع, تنقدحُ في نفسِكَ محبةُ الله عزّ وجل, وإذا انقدحت في نفسِكَ محبةُ الله, وصلتَ إلى كُلِّ شيء. لكن العُلماء تساءلوا عن هذا الوجد, الذي يتأتى من سماع تفسير آية، من سماع حديث قُدسي، يعني مرة سمعت حديث: حدثني أبي عن جدي عمر بن الخطاب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: من شغله ذكري عن مسألتي, أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. الإنسان ينقدح عِندهُ هِمة عالية من وراء حديث واحد, يعني يا ربي, ماذا فقدَ من وجدكَ؟ وماذا وجدَ من فقدكَ؟ تُهِز مشاعِركَ هذه الكلمات . العلماء قالوا: هذه المشاعر المُسعِدة التي تلي سماع حقيقة، أو نظر إلى آية، أو تدبّر القرآن, إمّا أن تستمر وإمّا أن تنتهي, فالسعيد دائماً له مستوى, سمعت تفسير آية, لكن تفسيراً رائعاً جداً فتأثرّت, صار معك كما يقولون صدمة, صدمة عاطفية, هكذا الله عزّ وجل بهذا الكرم, خلقني حتى يُكرمني, خلقني حتى يُسعدني . توبة فتاة : قُلتُ لكم مرة: مُدرّسة أُلزِمت أن تُدرّس الفقه والتفسير, هيَ تُعطي الرياضيات، وهيَ مُعارة إلى دولة، أُلزِمت أن تُدرّس هذه المادة، هيَ عادية كغيرها من الفتيات، فتحت كتاب التفسير, أول درس آيات الحِجاب قرأتها, هذه الآيات أحدثت فيها صدمة, صارت تبكي أمام الطالِبات, قالت: معذِرةً اقرؤوا ما شِئتم, دعوني مع نفسي هذه الساعة, وكانت توبتُها عن طريقِ تِلاوةِ آياتِ الحِجاب . مرة تقرأ صفحة قرآن، تقرأ مقالة عن الله عزّ وجل, عن عظمة الله، تسمع درس عِلم، تُفكّر في قضية، تُخاطب نفسك, منافذ الوجد: السماع والنظر والتفكّر, وقد تأتي النتائج مستمرة أو آنية، يعني أنتَ بهذا المستوى, حضرت مجلس عِلم ارتقيت, فالبطولة: ارتقيت ثمَّ ستُتابع هكذا, لمّا ارتقيت وعُدت إلى مكان ما كُنت وأكملت, هُنا المُشكلة . بالحج صار سرور كثير، بعد الحج عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه، خسرتَ هذا التأثير، جاءَ رمضان حصل تأثير بالغ، بعدَ رمضان فقدتَ التأثير, عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه, فالبطولة: إذا الإنسان ارتقى درجة؛ إمّا عن طريق السماع, أو عن طريق النظر, أو عن طريق التفكّر, يُحافظ عليها, فالمؤمن حياتهُ هكذا, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, في صعود مستمر ، أمّا المُقصّرِون يرتقي في رمضان, وبعد رمضان, يعود كما كان، يحج ويعود, دائماً بين نزول وصعود, أمّا المؤمن الصادق صاعد باستمرار, كُلّ ما حصّل مكسب يُتابِعهُ، أمّا غير المؤمن أو إيمانهُ ضعيف, كُل ما حصّل مكسب مع شيء من التسيُّب, من أخذ حظ النفس, تجدهُ فقدهُ فعادَ إلى ما كانَ عليه . هذه المرتبة مرتبة الوجود, تنتصرُ بِها على بشريتك، أنتَ بشر تُحبُ أن تأكل وتشرب، تُحِبُ النساء، تُحِبُ العلّوَ في الأرض, هذه كُلُها شهوات أودعها الله في الإنسان, ما دام الإنسان لم يبلغ مرتبة الوجد, بشريتهُ منتصرةٌ عليه، عبدٌ لشهوتهِ . أخرج البخاري والبيهقي: عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة )) أنتَ عبدٌ لشهواتِك ، شهواتُكَ منتصرةٌ عليك, شهواتُكَ مُتحكِمةٌ فيك، شهواتِكَ تقودُكَ إلى حيثُ تُريدُ هيَ, أنتَ تابع لها, أمّا إذا وصلتَ مرتبة الوجد انتصرتَ على بشريتك، أصبحت هذه الشهوات في خِدمتك مُسخّرةً لك، يعني نهاية المطاف: أن ينتصرَ الإنسانُ على بشريته, وأن يتحررَ من عبوديتهِ لِذاته, وأن يُصبِحَ عبداً لِربه, وإذا أصبحَ عبداً لله, فقد بلغَ أعلى مرتبةٍ في الأرض: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] لم يعد هُناك أهواء، ولا مصالح، ولا شهوات، ولا في حظوظ نفس، يفعل ما يُرضي الله لا ما يُرضي نفسهُ . قال : ((يا محمد, أمرني ربي أن أكونَ طوعَ إرادتك, لو شِئتَ لأطبقتُ عليهم الجبلين, قالَ: لا, اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون, لعلَّ الله يُخرِجُ من أصلابهم من يُوحد الله)) هذه الأنوار تجعل الإنسان إذا التقى معك, يذوب محبة لله ولرسولهِ، تجعل الإنسان ينسى حظوظ نفسهِ إذا التقى مع مؤمن . فنحنُ نريدُ من هذه المرتبة: أن ينتصرَ الإنسانُ على شهواتهِ, والعلماء قالوا: الناسُ في هذا المقام ثلاث: عبدُ محضٌ، وحرٌ محضٌ، وبينَ بين. البعيد عن الله عبد محض, عبد لشهواته, تفكيرهِ في خِدمة شهواتهِ, إذا قالَ لكَ واحد: انصحني, تُفكّر, خُذ هذه, تنصحهُ ببضاعة كاسدة عِندك, ممكن أن تتحرك دون نقود, أبداً, فحص دفع، عاد في اليوم الثاني ليسأل, ادفع مرة ثانية، غير ممكن أن يُقدّم خِدمة أو نصيحة أو مشورة أو معاونة إلا بِربح, لا يقبل, فهذا عبد محض، وفي إنسان تحرر كُليّاً من شهواتهُ, صارَ حُرّاً محضاً، وفي إنسان طريق الإيمانَ بينَ بين؛ مرة يغلب نفسهُ ومرة تغلِبهُ . الحرُ من تخلّصَ من رفقِ الماء والطين, وفازَ بعبودية ربِّ العالمين, فاجتمعت لهُ العبودية والحريّة، فعبوديتهُ من كمالِ حريتهِ، وحريتهُ من كمالِ عبوديتهِ، ويظلُّ أبداً في ارتقاء, كُلما نظرَ إلى مواقع لُطفِ اللهِ بهِ, حيثُ أهلّهُ لِما لم يؤهّل لهُ أهلَ البلاء . من هم أهلُ البلاء؟ إذا واحد سألكَ: من هم أهلُ البلاء؟ يا أخي الحياة كُلها بلاء، كلها مصائب، كلها هموم، في فقر، في مرض، في ذُل، في سجون, هل تعرِفون من هم أهلُ البلاء؟ واللهِ أصحاء غافلون عن الله عزّ وجل, قالوا: أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض. مثل الحصان جسمهُ، تحليل ممتاز، تخطيط ممتاز، حركات أعضائهُ كُلها ممتازة، دخلهُ كبير، مكانتهُ قوية، مركزهُ كبير، لكن في غفلةٍ عن الله, هذا هوَ من أهلِ البلاء, أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض . أرجو الله سبحانهُ وتعالى, أن يجعلنا من هؤلاء الذينَ أحبوا اللهَ, وذاقوا حلاوةَ الإيمان, لكن دونَ هذه المرتبة جهدٌ كبير، دونَ هذه المرتبة صبرٌ طويل، دونَ هذه المرتبة جِهادٌ مرير: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الثقةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و العشرون ) منزلة الثقة . أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الخامس والعشرين من مدارج السالكين ، منزلة اليوم منزلة الثِقة . النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ طويل يقول : حديث علي : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته , فقال : ((المعرفة رأس مالي, والعقل أصل ديني, والحب أساسي, والشوق مركبي, وذكر الله أنيسي, والثقة كنزي, والحزن رفيقي, والعلم سلاحي, والصبر ردائي, والرضا غنيمتي, والعجز فخري, والزهد حرفتي, واليقين قوّتي, والصدق شفيعي, والطاعة حبي, والجهاد خلقي, وقرة عيني في الصلاة)) الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن هوَ ثِقَتُكَ باللهِ عزّ وجل، الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن بتقرير النبي عليه الصلاة والسلام, أن تكونَ واثقاً بالله، وقد وردَ في بعض الأحاديث: عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ)) أنا أُتابعُ كلمة الثِقة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((الثِقةُ كنزي)) أي الثِقةُ بالله عزّ وجل. وإذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكُن بِما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك. والحقيقة: الثِقةُ باللهِ عزّ وجل ثمرةٌ من ثِمارِ الإيمان, أو ثمرةٌ من ثِمارِ المعرفة, إذا عرفتهُ وثقتَ به . فأُمُ موسى عليه السلام ماذا قال الله لها؟ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 7] كلام غريب!! إذا خِفتِ عليه فألقيه في اليم: ائتني بامرأة من مليون امرأة, تضعُ ابنها في صندوق, وتُلقيه في النهر، لماذا ألقت أُمُ موسى وليدها الحبيب في النهر؟ لِثِقتها بأنَّ الله عزّ وجل سيحفظهُ. لذلك: ﴿فإذا خِفتِ عليه فألقيه في اليمِ ولا تخافي ولا تحزني﴾ وأنا في طريقي إلى المسجد, خطرَ على بالي هذا المثل: لو أنكَ في طائرة, وهي تُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم, وجاء إنسان وفتحَ لكَ بابها, وقالَ: انزل وتأكد أنَ في الأرضِ مُسطحاً مرناً, يمتصُ هذه الصدمة, وسوفَ تنزِلُ سالِماً, أتُلقي بنفسك؟ في حالة واحدة: إذا كُنتَ واثِقاً من هذا القول إلى درجة خيالية تُلقي بنفسك، لكن لن تُلقي بنفسِكَ من باب الطائرة إلا إذا كُنتَ واثقاَ من النجاة . هؤلاء المظليون, كيف يُفتحُ لهم باب الطائرة ويُلقونَ بأنفسهم؟ لا بدَ من أنَ هذه المظلة مدروسة دراسة علمية؛ مساحتها, وطريقة فتحها, ومقاومة الهواء, ووزنُ المظلي, هذا كلهُ مدروس بدقة, فلذلك بِلا وجل ولا خوف يُفتحُ بابُ الطائرة, ويُلقي هذا المظلي بنفسهِ في الهواء، تُفتحُ المِظلة, وينزل رويداً رويداً، موضوع الثِقة . يعني أنت مثلاً: متى ترفض دخلاً كبيراً فيهِ شُبُهة؟ لِثِقَتِكَ بأنكَ إذا تركتهُ لله عوّضكَ الله خيراً منه، متى ترفضُ عملاً لا يُرضي الله؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا فعلتَ ذلكَ غَضِب الله عليك, وإذا غَضِبً الله عليك خَسِرتَ كُلَّ شيء، متى ترفضُ أن تُعينَ ظالماً؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا أعنتهُ كُنتَ أولَ ضحاياه. قال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعان ظالماً سلطه الله عليه)) القرآن الكريم حينما تقرؤه, والسُنّةُ المطهّرةُ حينما تقرؤها, إذا كُنتَ واثِقاً أنَّ هذا كلام خالِقُ الكون, وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعدهُ أو وعيدهُ، وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعد النبي ووعيدهُ، عندئذٍ تَثِقُ بأنَّ هذا القرآن كلامهُ, وأنهُ واقعٌ لا محالة, لذلك تخشاهُ. لا أُبالغ: يُمكن أن يُجمعَ الإيمانُ كُلهُ في كلمة واحدة, أنكَ واثقٌ مما جاء في القرآن الكريم، تضعُ الدنيا تحتَ قدميك، تضعُ كّلَّ مباهج الدنيا تحتَ قدميك, إذا حَمَلتكَ على معصية الله أو إذا حَجَبتكَ عن الله، ولو سألتَ مؤمناً: لماذا أنتَ تُطيع الله عزّ وجل؟ لو سألت مؤمناً صادقاً: ما الذي يحمِلكَ على طاعتهِ؟ يقول لكَ: لأنني مُتصلٌ بهِ, وأخشى على هذه الصِلة أن تنقطع, وهذا أقوى جواب، لماذا تغضُ بصركَ عن محارم الله؟ لأنكَ موصول بالله بهذه الطاعة, فإذا أطلقتَ بصركَ في محارم الله حُجِبتَ عن الله, وما دام الله أغلى ما تملك, أغلى شيء في حياتك, لذلك حريصٌ أنتَ على أن تكونَ متصلاً بهِ, هذا سِرُ الطاعة . فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كانَ مُبالِغاً حينما قال: ((الثقة كنزي)) وما كان مُبالِغاً حينما قال: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ)) فلذلك: يمكنُ أن يُضغطَ الإيمانُ كلهُ، والمعرفةُ كُلها، واليقينُ كُلهُ في كلمةٍ واحدة: هو أنكَ واثِقٌ بالله، واثِقٌ من أنَّ اللهَ لا يُضيّعُ عبدهُ المؤمن. زوال الكون أهون على اللهِ من أن يُضيّعَ مؤمناً أطاعه. سبحانكَ إنهُ لا يَذِلُ من واليت ولا يَعُزُ من عاديت. سيدنا رسول الله كانَ مع أصحابهِ, وكانوا فقراء، ضعفاء، مقهورين، محتاجين, وكانت ثقتهم بربهم لا حدود لها. لمّا التقى بهِ عُديِ بن حاتم, قالَ له: لعلكَ يا عُديُ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشِكنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم, حتى لا يوجد من يأخذهُ. واثق. أنا إن رأيتُ شاباً مستقيماً, ضابطاً لجوارحه، ضابطاً لمشاعره، يصلي آناء الليل وأطرافَ النهار، يغضُ بصرهُ عن محارم الله، يتحرّى الحلال، مستعدٌ أن يُضحي بكلِّ شيء من أجلِ مرضاة الله عزّ وجل, أقول لهُ وأنا واثِقٌ مما أقول لهُ, كثقتي بأنَّ هذه شمسٌ في رابعةِ النهار: الله سبحانهُ وتعالى سيوفِقُك، وسيرفعُك، وسيُعِزُّك، وسيُعطيك, وسيُقرُّ عينَك, أبداً, الإيمان كلهُ أن تكونَ واثقاً بالله. هناك أسئلة تَرِدُ كثيراً: يا أخي إذا ما فعلت هذا أسرق؟ إن لم أضع المال في المكان الفلاني -مكان الشُبُهة والحرمة وكذا- ينسرق المال؟ هذه ثِقَتُكَ بالله؟ لأنكَ أطعتهُ ضيّعَ اللهُ مالك، إن لم أُعلّم ابنتي في الجامعة وفي المراحل العُليا تُطلق, فإذا طُلِقت لا بُدَ لها من عمل, فكرَ بطلاقِها قبلَ أن يُزوِجُها، تفكيرهُ في الطلاق قبلَ الزواج، هذه ثِقَتُكَ بالله؟ إذا ربيّتَ ابنتكَ تربيةً صالحةً طيبةً على طاعة الله, ظَنُكَ أنَّ الله سيأتيها بزوج, وأولُ ما يفعلهُ معها أنهُ يُطلقُها هكذا, هذه ثِقَتُكَ بالله عزّ وجل؟. الموضوع واسع جداً، كُلُ المعاصي التي يقترفُها الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ اليأسِ الذي يُصابُ بهِ الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ القنوط حينما يطيعُ مخلوقاً ويعصي خالِقاً ضعيفُ الثِقةِ بوعدِ الله, رأى أنَّ إرضاء هذا المخلوق أثمنُ من رِضاءِ الله عزّ وجل، وأنَّ سخطَ هذا المخلوق أعظمُ عِندهُ من سخطِ الله، ليسَ واثِقاً بكلام الله، ولا واثِقاً بِما عِندَ الله من نعيمٍ مُقيم، ولا ما عِندَ الله من عذابٍ أليم. فلذلك: إذا ضغطنا الإيمانَ كُلَهُ, والمعرفةَ كُلَها, واليقينَ كُلَهُ بكلمة واحدة: إنها الثِقة، ولم يُبالغ النبي الكريم حينما قال: والثِقةُ كنزي. مراتب الثقة : العلماء قالوا : التفويضُ لله ، والتسليمُ لقضاء الله ، والتوكل . مرتبة التفويض ومرتبة التسليم ومرتبة التوكل أساسُ هذه المراتِبِ كُلِها : الثِقة مرتبة التفويض : أنتَ لا تُفوِض إلا من تَثِقُ بهِ ، الواحد مِنّا من يُسطّر لآخر وكالة عامّة ، عامة , يعني بإمكانِ هذا الوكيل أن يبيعَ أملاكِكَ كُلِها ، بإمكانهِ أن يُطلِّقَ مِنكَ امرأتك . أنتَ لمن تُعطي وكالة عامة ؟ لمن تَثِقُ بهِ . أساس التعامُل هو الثِقة . فهل في الكونِ كُلِهِ جِهةٌ أجدرُ بثِقَتِكَ من اللهِ عزّ وجل ؟ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [سورة النساء الآية: 87] ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] حتى إنَ بعضَ العلماء حينما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [سورة الفيل الآية: 1] والله أنا ما رأيت ، أحضر لي واحداً رأى هذا الحادث . لِمَ لم يقل الرب : ألم تسمع ؟ معقولة , سمعنا , قرأناها في التاريخ . أما ألم تر ؟ من رأى مِنّا ما فعلهُ أبرهةُ بالكعبة ، العلماء قالوا : لأنَ إخبارَ اللهِ يقينٌ كيقين المُشاهدة ، إخبار الله عزّ وجل يقينٌ كيقين المُشاهدة ، لذلك وردَ قولهُ تعالى : ﴿ألم تر كيفَ فعلَ ربُكَ بأصحاب الفيل﴾ ثِقة . (( ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله , إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه )) إذا كُنتَ واثِقاً من قول النبي, تُضحي بِكُلِ شيء, ولا تُضحي بطاعة الله عز وجل, وعِندَئذٍ يأتيكَ كُلُ شيء, ضحّ بِكُلِ شيء إرضاءً للهِ عزّ وجل, يأتيكَ كُلُ شيء. هل في الأرضِ كُلِها إنسان , يرى في المنام أنهُ يذبحُ ابنهُ , يقول له في اليوم التالي : يا بني إني أرى أني أذبَحُكَ , فانظر ماذا ترى ؟ قالَ : يا أبت افعل ما تؤمر. لا يوجد بالأرض كُلها إنسان واحد , عِندهُ استعداد لِمنامٍ رآهُ في الليل, أن يذبحَ ابنهُ حبيب قلبِهِ، مُهجة فؤادِهِ، أن يضعَ السكينَ على رقبتهِ, مستحيل, لكن لماذا فعلَ هذا النبي العظيم؟ لأنهُ واثقٌ من رحمة الله، واثِقٌ من أنَّ أمرَ اللهِ فيه حِكمةٌ بالِغة، وأنَ أمرَ الله لا بدَ من أن يُنفّذ، لكن لمّا انطلقَ لتنفيذهِ, كانَ الفِداءُ الذي تعرفونهُ جميعاً. موضوع الثِقة ممكن , وأنت راكب مركبة , تتطلع على ساعة السُرعة على مؤشر السُرعة ، فهذا المؤشر حركتهُ تتناسب مع السُرعة تماماً ، يعني إذا كان 20- 20، 40 - 40 ، 100 – 100 . ويجب أن أقول لكَ مرةً ثانية : إنَّ مؤشِرَ الثِقة يتناسب مع إيمانك ، إيمانك 5 % فالثِقة 5 % ، إيمان 50 - 50 الثِقة ، الإيمان 80 - 80 . كُلما ارتفعَ مستوى الإيمان , ارتفعَ معهُ مؤشر الثِقة , إلى أن تؤمر بشيء , غير معقول , لكنكَ واثِقٌ من أنَّ الله عزّ وجل لن يُضيعك . أكثر التُجار يتعاملون وفق أعراف وأساليب، يأتي تاجر مؤمن يُخالف هذه الأعراف, هذه شُبُهة لا أفعلُها, يُقال له: أنتَ مجنون، ضيّعتَ عليكَ رِبحاً وفيراً، جمدّتَ هذا المال سنوات طويلة, دون أن تأخذ رِبحاً أو فائدةً, هكذا العاقل؟ هو واثِقٌ أنهُ إذا أطاع الله عزّ وجل لن يُضيعهُ الله أبداً, لن يُضيعهُ أبداً, لذلك أحياناً تتعارض القوانين الأرضية التي تعارفَ الناسُ عليها مع الأوامر الإلهية, هُنا يظهر المؤمن, الناسٌ جميعاً يدعونكَ إلى أن تفعلَ كذا وكذا, هكذا التِجارة, هكذا البيع والشراء, هكذا إخفاء العيب, هكذا ينبغي أن تفعل، والنبي عليه الصلاة والسلام يُعطيكَ أمراً آخر، فإذا كُنتَ واثِقاً من أنَ هذا النبي العظيم لا ينطق عن الهوى, وكلامهُ وحيٌ يوحى, وأنَّ هذا الوحيَ من عِندِ الله, وأنَّ الله هو الصانع, وهذه تعليمات الصانع، تفعل ما يأمرك به نبيك. إذا عندك آلة معقّدة وغالية, بِربك تُلقيها أمام أي إنسان ليُصلحها لكَ؟ والله قبلَ أن تُعطيها إياه, تسألُ عنهُ, وعن خِبرتهِ, وعن أعمالهِ السابقة, وعن صِدقهِ, وعن أمانتهِ, وعن ذكائه قبلَ أن تُعطيهُ جهازاً, أخي قد يسرق منهُ, لن تُعطيهُ هذه الساعة إلا إذا وثقتَ من عِلمهِ وأمانتهِ، لن تُعطيهُ مبلغاً من المال ليستثمرهُ لك, إلا إذا كُنتَ واثِقاً من أمانتهِ ومن خِبرتهِ في وقتٍ واحد . الثِقةُ أساس . فلذلك أنتَ لن تُفَوِضَ للهِ عزّ وجل إلا إذا وثقتَ من حِكمته ورحمته . اللهم خِر لي واختر لي , هذا تفويض . اللهم اجعل محبتكَ أحبَّ الأشياء إلي , ورضّني بقضائِك , حتى لا أُحِبَ تعجيلَ ما أخّرت ولا تأخير ما عجلّت . واثق أنت لكلِ شيء أوان , فإذا تعجلّتَ الشيء قبلَ أوانهِ عوقِبتَ بحرمانهِ , فثِقتُكَ بالله عزّ وجل هي إيمانُك ، مؤشر الثِقة يتناسب طرداً مع مؤشر الإيمان ، كُلما زادَ الإيمان زادت الثِقة ، فأنتَ إذا واجهتَ مُشكِلةً تُفوّض : يا ربي أنا راضٍ ، أنا فوضتُكَ فيما تُريد , افعل بي ما تُريد ، أنا واثِقٌ من رحمتك يا ربي ، واثِقٌ من حِكمتك ، واثِقٌ من تدبيرك ، من عدالتك ، من عِلمِك ، بما ينطوي عليه قلبي من نوايا , تقدمت في الامتحان لم تنجح , بعد ما فوضت لم تنجح , أنتَ الآن أمام حالة أُخرى ما هي ؟ التسليم ، التفويض قبلَ النتائج , والتسليم بعدَ النتائج ، فلا بُدَ من أن تفوض ، ولا بُدَ من أن تُسلّم ، لا بُدَ من أن تُفوض قبلَ النتائج , ولا بُدَ من أن تُسلّم بعد النتائج ، والتفويض والتسليم أساسهُ الثِقة ، والتفويضُ والتسليمُ مع الثِقةِ , هذه كُلُها هيَ التوكل ، والتوكل : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 81] لذلك: ياربي إذا كُنتَ معي فمن عليّ, وإذا كُنتَ عليَّ فمن معي؟. يا أبا بكر! ما ظُنُكَ باثنين الله ثالِثُهما؟: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 40] يقول عليه الصلاة والسلام : ((إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله تعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله, إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وإن الله بحكمته وجلاله: جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)) يعني كل الأحزان إذا شككتَ برحمة الله، بعدالتهِ، بحِكمتهِ، برحمتهِ, بعطائهِ، بقدرتهِ، بعلمهِ, ما دام هُناك شك, في أحزان لا تنتهي، وفي سُخط, دائماً ساخط، من صفات الكافر أنهُ يتسخّط كُلَ شيء, كُل شيء لا يُعجِبهُ, كُل شيء ينتقدهُ, لا يرى يدَ الله عزّ وجل تفعلُ ما تُريد، لا يرى حِكمة الله عزّ وجل، لكن الرِضا حال قلبي ليسَ عملاً إرادياً. فالعلماء قالوا: من لم يقدر على الرِضا ظَفِرَ باليقين، لم يرض لكنه موقن أنَّ هذا العمل نتائجهُ لصالِحه، وإن لم يظفر باليقين فعليه بالصبر, إمّا أن ترضى، وإما أن توقن، وإما أن تصبر، إن ظَفِرتَ بالرِضا فهذه مرتبةٌ جيدة, وإن لم تظفر بها فعليكَ باليقين بأنَّ النتائج لِصالِحك لقول الله عزّ وجل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] وإن لم تظفر باليقين فعليكَ بالصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 127] مرتبة التسليم : الآن التسليم لله عزّ وجل , قال : هُناكَ تسليمان : تسليمٌ لأمرِهِ التكليفي ، وتسليمٌ لأمرهِ التكويني . 1-تسليم لأمره التكليفي : يعني طلّقتها المرة الأولى والثانية والثالثة , بانت مِنكَ بينونةً كُبرى ، فلا تَحِلُ لكَ حتى تَنكِحَ زوجاً غيرك , يا أخي أريد أن أُعيدها , معناها أنت لم تُسلّم أنَّ هذا التشريع من عِندِ خالِق الكون، أول مرة مُمكن لكَ أن تُعيدها, والمرة الثانية مُمكن, أما الثالثة غير معقول، معناها أنتَ لا تُريدُها, فلابُدَ من أن تُجرّب غيرك, فإذا أزعجت غيركَ, فالعِلةُ مِنها عندئذٍ تُطلق, فإذا انزعجت من غيركَ ما لعلة منها وإن رضيت بهِ فالعِلةُ مِنك, هكذا التشريع. يا أخي, الصيام ثلاثين يوم بالصيف, هذه الطاقة العاملة تضعف، الإنسان يهبط مستوى نشاطهُ بالعمل, لماذا الصيام؟ أنتَ لا تعرفُ الله أبداً، ما دام هُناك اعتراض على أمره التشريعي، الحج: لماذا الطواف؟ لماذا السعي؟ لماذا الوقوف بعرفة؟ لماذا البلاد حارة لهذه الدرجة؟ يا أخي يجعلها كالبلاد المعتدلة؟ ما عرفتَ حِكمة الله عزّ وجل، كُلما اعترضتَ على أمرٍ تكليفي من عِبادةٍ أو معاملة أو خُلُقٍ فأنتَ لا تعرِفُ الله عزّ وجل، فعلامة المؤمن أن يُسلّم لأمر الله التكليفي. لذلك: ربنا عزّ وجل قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 65] تحكيمُ النبي عليه الصلاة والسلام هو تحكيمُ الشرع, وبعدَ موت النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تحكيمهُ؟ أن تعودَ إلى سُنّتهِ، إذا عُدتَ إلى رأيهِ في حياتهِ فرأيُهُ سُنّة، وإذا عُدتَ إلى سُنتهُ بعدَ مماتهِ فقد حكّمتهُ : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الإنسان حينما يرضى بالتحكيم فقد وثقَ بالمُحكّم، إذا قالَ لكَ فلان: لا, أنا لا أقبله إن لم يكن واثِقاً بالمُحكّم, لا يقبل أن تقبلَ بالتحكيم, أن يُحكّمَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه مرتبة. المرتبة الثانية : ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ يعني معقول أنهُ لا يحكم لي؟ غير معقول, لا أرضى إذا لم يحكم لي مثلاً, أنتَ قَبِلت لكن مع القبول قلق، كيفما حكم فأنتَ راضٍ: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ وبعدَ أن يحكُم: ﴿ويُسلّموا تسليماً﴾ يوجد صحابي جليل احترق, لأنهُ لمّا النبي الكريم نهى عن قتل عمهُ العباس, قالَ في نفسهِ: يأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, -فسّرَ التوجيه تفسيراً آخر, تفسيراً عصبياً, عمهُ لا نقتلهُ, أمّا نحن آباؤنا يقتلون لا بأس, هوَ عمهُ, كان قد أسلمَ من قبل غزوة بدر, والنبي الكريم إذا قال: إن عمي قد أسلم, فَقَدَ مهمتهُ الخطيرة في مكة, كان يُقدّمُ للنبي أخباراً دقيقةً عن ما تُجمِعُ عليه قريش، فلو أعلنَ أنَّ عمهُ قد أسلم انتهى دورهُ، ولو لم يأمر أصحابهُ ألا يقتلوه يقتلونه في الحال، ولو لم يشترك عمهُ في الحرب, لَشُكَ في ولائهِ لقُريش، إذا لم يشترك بالحرب عمه مُشكلة, وإذا قال النبي: أنَّ عمي أسلم مُشكلة، وإذا قال: اقتلوه مشكلة، أليسَ لكَ ثِقة بالنبي؛ أنهُ حكيم وليسَ مُتعصبّاً لا لأهلِهِ ولا لأعمامهِ؟. هذا الصحابي قال-: أيأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, فسّرها تفسيراً آخر قال: بقيت عشر سنوات وأنا أتصدق وأُصلي لعلَ اللهَ يغفِرُ لي. هذا الظن السيء : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ يجب أن تستسلم لأمر الله التشريعي، أمركَ بأوامر كثيرة وعليك الطاعة, نحن نقرأ القرآن: قُم واسجد، لم يعجبهُ، نحنُ نقرأ الآن جالسين, هكذا النبي فعل، كُلما مرّت آية فيها سجدة سجدَ للهِ عزّ وجل, ما دام في اعتراض وعدم قبول لأمر الله عزّ وجل التكليفي التشريعي, فهُناك خلل في الإيمان. 2-تسليم لأمره التكويني : قال النوع الثاني : التسليمُ لأمر الله التكويني, يعني هذا الإنسان لم يأته أولاد, جاءتهُ زوجة سيئة جداً، هكذا شاء القدر, دخلهُ قليلٌ جداً، لهُ ابن فيهِ عاهةٌ منذُ الولادة، هكذا الله يُريد , ألستَ واثِقاً من حِكمته، من رحمته، من عِلمه، من عدالته؟ قال: هذا هو الرِضاءِ بالقضاءِ والقدر. في نقطة مهمة جداً في القضاء والقدر: قضاء ليسَ لكَ أن ترفضهُ، وقضاء يجبُ أن ترفضهُ, كيف؟ . ما كُلُ قضاءٍ وقدر يُستسلمُ لهُ، الابن ساخن, حرارته أربعون, قضاء وقدر, ألا تُعالجهُ؟ ليس قضاءً وقدراً، في قضاء يجبُ أن تستسلمَ لهُ, وفي قضاء ثانٍ يجبُ ألا تستسلمَ لهُ, يجبُ أن تبذِلَ جهدكَ في معالجته, ابنك ضعيف في الدراسة, اعتن بهِ، درّسهُ، اجعل لهُ برنامجاً مُكثّفاً. لي أقرباء عندهم ابن, أربع سنوات أعاد الثانوية العامة, والدتهُ مصممة أن يكونَ طبيباً، أربع سنوات شهادة ثانوية, وسبع سنوات بالجامعة, وصار طبيباً, هذا نتيجة التصميم, هكذا تستسلم مباشرةً, ابني لا يصلح للعلم، ليس بوسعهِ الدراسة, تريث قليلاً, في قضاء يجب أن تستسلم لهُ، وفي قضاء يجب أن تُعالِجهُ. لذلك قالوا: في قضاء وفي مقضيّ، القضاء من الله مباشرةً, أمّا المقضي عن طريق إنسان, أيام شخص يتجاوز حدوده, أتستسلم لهُ؟ أتُطمِّعهُ؟ لكن إذا وقفت في وجهه, ونيتُكَ أن توقِفهُ عِندَ حدهِ, وأن تردعهُ عن مثلِ هذا العمل, هذا عمل طيب, فما كُل قضاء يُستسلمُ لهُ. بل إنَّ علماء العقيدة فرقّوا بينَ القضاء والمقضيّ، إنسان تجاوز الحد، هو حينما فعلَ هذا بأمر الله, لكن أنتَ عليكَ أن ترفضَ هذا العمل، أن تؤدبهُ، أن توقِفهُ عِندَ حدهِ، هُنا الفرق بين الفقيه وغير الفقيه, اتركهُ, هكذا يُريد, هكذا الله يُريد، لا, هذا موقف ضعيف. إنسان مثلاً تجاوز حدهُ بالسرعة, فدهسَ طفلاً, أخي هكذا الله يُريد, لا, هذا يُعاقب الإنسان، يُعاقب ويدفع الدية جزاء تقصيره وجزاء تهوره وطيشه, أخي هذا قضاء وقدر ليسَ لهُ علاقة, هو حينما فعلَ هذا بقضاء الله وقدرهِ، لكن هذا لا يعني أن يُعفى من المسؤولية, وإلا أصبحنا في فوضى. فلذلك: هُناكَ أحكامٌ يؤمرُ الإنسانُ أن يستسلمَ لها، وأحكام لا بدَ من أن تُعالِجها كما أنَّ الله عزّ وجل أمرَ بذلك. في نقطة مهمة جداً : أن الله عزّ وجل وجودهُ بيّن ظاهر, لا يحتاج إلى دليل، بالفِطرة تؤمن بوجودهُ، وكُلُ الكون يدلُّ عليه، أنتَ محتاجٌ لا إلى دليلٍ على وجود الله, ولكنكَ محتاجٌ إلى دليلٍ يوصِلُكَ إلى الله، يعني الله موجود, وأنت آمنت بوجودهُ، أمّا الدليل: كيفَ تَصِلُ إليه؟ كيفَ تبتغي مرضاتهِ؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تنعمُ بقُربِهِ؟ أنتَ بحاجة إلى دليل موصِل إلى الله لا إلى دليل يُثبت لكَ وجودهُ, إبليس قالَ له: ربي فبعزتِكَ, الشيطان الرجيم مؤمن بوجود الله, ومؤمن بعِزتِهِ. فكل إنسان ظن نفسهُ أنهُ مؤمن بالله عزّ وجل, يعني مؤمن بوجودهُ, يعني أنا مؤمن, لا ليسَ هذا القصد، القصدُ: لا أن تؤمنَ بوجودهِ فحسب, بل أن تتجهَ إليه، بل أن تتصلَ بهِ، بل أن تَصلَ إليه. كلمة فُلان وصلَ إلى الله, واللهِ لا أستطيع أن أُعبّرَ عنها, يعني إذا وصلَ إلى الله رآهُ في كُلِ شيء، فرآهُ فوقَ كُلِ شيء، رآهُ معَ كُلِ شيء، ما رأى في الأرض جهةً متصرفة إلا الله عزّ وجل, هذه الرؤيا, وإذا رأيتَ هذه الرؤيا, استقمتَ على أمرهِ, وعكفتَ على مرضاتهِ، وأقبلتَ عليه, وسَعِدتَ بِقُربهِ، فرقٌ كبير بينَ أن تؤمن بوجودهُ وبينَ أن تسعى إليه. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] المشكلة: ليست أن تؤمن أو أن لا تؤمن بوجوده, هذه قضية مفروغ منها, لأنَّ ربنا ماذا قال؟ قال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 10] دعاكَ إلى عبادته، دعاكَ إلى طاعته، دعاكَ إلى شُكره، أمّا أنه دعاكَ إلى أن تؤمن بوجودهُ, هذه قضية مفروغ منها. خطر ببالي مثل: شخص أمامك, وزنهُ 120 كيلو, طويل, ويلبس ثياباً جميلة، ومتعطّر, أخي أنتَ موجود, وقّع لي هُنا، هوَ أكبر من توقيعهُ، يعني وجودهُ أهم من توقيعهُ، توقيعهُ إذا غاب عنكَ. قالَ: يا إمام متى كانَ الله؟ فقالَ لهُ: ومتى لم يكن؟ . المشكلة ليست أن تؤمن بوجودهُ, المشكلة كيفَ تصل إليه؟ كيفَ تأنسُ بهِ؟ كيفَ تُقبِلُ عليه؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تسعدُ بِقُربِهِ؟ هُنا المشكلة: ﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إليّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً﴾ نحن في الحقيقة: كُل جهدنا، وكُل عملنا، وكُل مسعانا، وكل التدريس، والتوجيه، والبيان، والتحليل, والأدلة: كيفَ نَصِلُ إليه, وليسَ كيفَ نوقن بوجودهُ؟ هذه قضية مفروغ منها , الطالب مثلاً: يقينهُ بالفحص ثابت, أمّا المُشكلة كيفَ ينجح في هذا الفحص؟ محتار يا أخي, الفحص لا بدّ منهُ, فحص الشهادة الثانوية لا بدَ منهُ، لا أعتقد في المئة ألف طالب يُقدمون شهادة ثانوية كُل سنة, في طالب واحد يشُك أن الامتحان وقع, الشك في نجاحهُ أو عدم نجاحهُ ، أمّا الامتحان قائم, فهذه نقطة مهمة جداً. أهلُ الكلام المتشدقون يأتونَ بِكُلِ شيء على وجود الله، أمّا أهلُ القُرب يبحثونَ عن دليل يُوصِلُ إلى الله, فرقٌ بينَ من يُقيم لكَ الدليل على وجودهُ, ومن يُقيم لكَ الدليل على الوصول إليه. الحقيقة: هذا الدرس من مستوى غير دروس ترسيخ الإيمان، هذه الدروس أساسُها كيفَ نصل؟ كيفَ يكون القلب سليماً؟ كيفَ نُقبل؟ كيفَ نستسلم؟ كيفَ نفوّض؟ كيفَ نتوكل؟ كيفَ نثق؟ فنحنُ لا في مقولة نؤمن أو لا نؤمن، نحنُ في مقولةِ نصل, وكيفَ نصل؟ ومتى نصل؟ وإذا وصلنا ماذا نفعل بعدَ الوصول؟. رجل دعاكَ إلى دارهِ, قُلتَ للرسول: لا آتي معكَ إلا إذا جئتَ بدليل على وجود من أرسلكَ, ودليل على أنهُ مُطاعٌ في أهلهِ, ودليل على أنهُ أهل لاستقبال الضيوف, يقول لكَ: لا تأت, في شخص وجودهُ فوق الشُبُهات، وكرمهُ فوق الشُبُهات، ودعاك فما عليكَ إلا أن تُلبّي الدعوة. قال: المُتكلّم, المُتفلسف, يبحثُ في المكانِ والزمانِ, والجواهر والأعراض والأكوان، مهمتهُ مقصورةٌ عليها, لا يعدوها ليصلَ منها إلى المُكوّن وعبوديتهِ, أمّا السالِكُ إلى الله, في شخص آمن بوجود الله، في شخص سالك إلى الله. لذلك العُلماء ثلاثة كما قال بعضُ العارفين : عالِم بالشريعة . أخي هذه حُكمها كذا، وهذه حُكمها كذا، وهذه مُباح، وهذه واجب، وهذه فرض، وهذه سُنّة ... إلى آخرهِ. هذا عالِم بالشريعة، وفي عالِم أرقى ؛ عالِم بالطريقة ، عالِم الشريعة : إذا دخلَ الوقت توضأ , والوضوء لهُ فرائض , ولهُ سُنن , ولهُ مستحبات , ولهُ آداب , دخل الوقت ، استقبل القبلة ، طهّر بدنك ، طهّر ثوبك ، طهّر المكان ، كبّر تكبيرة الإحرام ، اقرأ دعاء الثناء ، الفاتحة , هذا عالِم الشريعة . عالم بالطريقة . عالِم الطريقة أرقى , يُعطيكَ أحكام الصلاة , ويقول لكَ : غُضَّ بصركَ عن محارم الله ، تقصّى أن يكونَ دخلُكَ حلالاً، لا تنقطع عن اللهِ بينَ الصلاتين، امضِ الوقتَ بالدعاء, فإذا أذّنَ الظُهر, رأيتَ نفسكَ أهلاً للصلاة, إذا كبّرتَ للإحرام, شعرتَ أن نفسكَ قد سرت إلى الله عزّ وجل, هذا عالِم الطريقة . يعني يُبيّن لكَ الطريقة التي تقعُ فيها العِبادةُ على نحوٍ يُرضي الله، عالِم الشريعة يقول لكَ: الصيام: تركُ الطعام والشراب وسائر المُفطرات, من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس بنيّة, هذا تعريف الصيام, لكن عالِم الطريقة يقول لكَ: لا بدَ من قيام الليل، لا بدَ من الأذكار، لا بدَ من تلاوة القرآن، لا بدَ من الصدقات في رمضان، لا بدَ من الاعتكاف حتى يؤتي الصيام ثِمارهُ. عالم بالحقيقة . أمّا عالِم الحقيقة فوقَ عالِم الطريقة، عالِم الحقيقة: هو الذي يُسلِكُكَ إلى الله، وجودهُ مفروغ منهُ، وطاعتهُ بديهية، آمنتَ بوجودهِ, وبأسمائهِ, وبوحدانيتهِ, وبكمالهِ، وعرفتَ منهجهُ، وطبقّتَ منهجهُ، بقي عليك أن تسلُكَ إليه. مثلاً: أنتَ شاهدت طبيباً, قال لكَ: هذا أستاذ في الجامعة, صباح الخير, لو سلّمتَ عليه مليون مرة, لا تعرف سِوى أنهُ طبيب في الجامعة أستاذ، أمّا لو جلستَ في إحدى محاضراتهِ, أول محاضرة وثاني محاضرة, فرق كبير بينَ من يُسلّمُ عليه من موظفين إداريين في الكليّة, وبينَ من يحضُر محاضراتهِ اليومية، هذا يُسلّمُ عليه ومعرفتهُ بهِ ثابتة لا تزيد، أمّا هذا الذي يحضر محاضراتهُ, كُلما ألقى محاضرةً جديدة كَبُرَ في نظرهِ, يا أخي هذا من فلتات الزمان, هذا عالِم كبير, هذا حُجّة, هذا لهُ سُمعة على مستوى العالم, هذا أحد ثلاثة في العالم, أمّا إذا لم تحضر ولا مُحاضرة لهُ, وكُلما شاهدتهُ سلّمتَ عليه بلفظ طبيب وأستاذ وصباح الخير وكيف الحال؟ لكن معرفتك بهِ ثابتة. فالقضية لا أن تؤمن بوجود الله فقط, أن تَصِلَ إليه، أن تُنمّي معرِفتكَ بهِ، أن تزدادَ قُرباً منهُ، أن تذوقَ حلاوة قُربهِ، أن تسعى إلى بلوغِ مرضاتهِ, فالعالِمُ الذي يُسلِكُكَ إلى الله عزّ وجل هو عالِمُ الحقيقة، والذي يُعطيكَ القواعد كي تؤدي العبادات كما أراد الله هو عالِمُ الطريقة، والذي يعرِفُ أحكامَ الشريعة بدِقةٍ بالغة هو عالِمُ الشريعة, ولا يكونُ عالِم الطريقةِ عالِماً بالطريقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالشريعة، ولا يكونُ عالِم الحقيقةِ عالِماً بالحقيقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالطريقةِ وعالِماً بالشريعة. الآن الشريعة : الهيكل الإسمنتي للدين . الطريقة : الكسوة . الحقيقة : الأساس . فأنتَ لو فرضنا : أطلعكَ على خرائط لبناء بناية , يقول لكَ : انظر حساب الإسمنت وتكعيب الإسمنت ، انظر حساب الحديد ، انظر للطابق الأرض ، ما هذه الخرائط ؟ شيء جميل , لكن أنتَ لا تملكُ بيتاً , يا ترى أيُهما أرقى ؛ أن تُقدّم لكَ خرائط بناء فخم أمّ يُقدم لكَ منزل فخم تسكُنهُ وقد بُنيَ على أُسس علمية ؟. فلذلك : هُناك عالِم يُلقي درسهُ ، وهُناكَ مُربٍ ، العالِم ألقى الدرس وانتهى الأمر, الذي عرف والذي لم يعرف سواء، أمّا المُربي يتتبع تلاميذهُ, يحاول أن يُفهّم, مدى يقينهُ، مدى استقامتهُ، مدى فهمهُ، مدى استيعابهُ، المتابعة هيَ تربية وإلقاء الدرس تعليم. الخلاصة . الموضوع الأخير قال : التسليم الذي أساسهُ الثِقة بالله عزّ وجل هو : أن تتخلص من كُلِ شُبُهةٍ تُعارض الخبرَ الإلهي . يعني الله أخبر أنَّ آدم أبو البشر, يا أخي والله شيء يُحير, علمونا أنَّ داروين يقول: إنَّ الإنسان أصلهُ قِرد, وقال: في مستحاثات, وفي حلقة مفقودة, فالله أخبرَ بوجود آدم, لا يوجد قرد, أنتَ تقول في قرد مثلاً, والله شيء يُحير, فمعناها: ما في تسليم لله عزّ وجل لم تُسلّم، أنتَ قرأت أنَّ الأرض كوكب في مراحل متأخرة جداً ابترد وصار أرضاً, أما ربنا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 11] الأرض مخلوقة قبل السماء, هكذا ربنا عزّ وجل قال، إذا في عِندكَ شُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فالله عزّ وجل قال كلمة واحدة, قال: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [سورة الكهف الآية: 51] إذا أحدنا لهُ ابن عمرهُ عشر سنوات, وكان قد اشترى محلاً تجارياً قبل ثلاثين سنة, جالس في مجلس, يقول: أنا والله المحل الفلاني أخذتهُ من فُلان, يقول الابن: بابا من فلان أخذتهُ, أنتَ كُنت وقتها، أنتَ عندما أخذتهُ أنا أين كُنت؟ فالذي يعترض الكون, كان أصلهُ كذا, يقول الله : ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾ ما كانوا معي: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ لم تكونوا أنتم وقتها، تتفلسفون على ماذا تتفلسفون؟ ليس أصل الإنسان قرداً، فلما يكون في عندك شُبُهات, هذه الشُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فهذا من عدم التسليم، وعدمُ التسليم من عدمِ الثِقة . أو في عندك شهوة مُصرّ عليها, هذه الشهوة تُعارض بها أمراً إلهياً، قال لكَ الله: غُض بصركَ, يا أخي هذا الزمان صعب، أين نذهب بأعيننا؟ يُمثلّ لكَ تمثيلاً, أنكَ تمشي هكذا, تجد واحدة أمامك، على اليمين واحدة، على اليسار واحدة، إلى فوق, تجد في النافذة جالسة واحدة, أين أذهب بعيني؟ يعني مستحيل، يعني الله كلفكَ بشيء فوق طاقتكَ؟ الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 286] فعدم الاستسلام سببهُ: إمّا شُبُهة تُعارِضُ إخبار الله عزّ وجل، وإمّا شهوة تُعارِضٌ أمره، وأنتَ بينَ شهوةٍ وشُبُهة، الشُبُهة تمنعُكَ من أن تستسلم, وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة, والشهوة تمنعُكَ من أن تستسلم. وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة ، أو إرادة تُعارض الإخلاص , يعني : إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي. هوَ يُريد أن يعرف الناس, أنه قد حج حجي, واحد دخلَ للجامع, نوى على الحج, ومعهُ مبلغ من المال, يبحث عن شخص أمين, يُعطيه إياه كأمانة, فدخل للمسجد, وتفرّس بالناس, وجد واحداً في خشوع بصلاتهِ زائد, يُغمض عينيه, فقال: هذا بُغيتي, فلما جاء لِعِندهِ قال لهُ: أنا أريد أن أذهب للحج, ومعي مبلغ من المال, وأُريد أن أضعهُ عِندكَ أمانة, فقالَ لهُ: أنا أيضاً صائم سيدي, فقالَ له: لكن صيامكَ لم يُعجبن, فتجد شخصاً أحياناً ليسَ عِندهُ إخلاص لله عزّ وجل, يجعل الدين تجارة، يجعل الدين شيئاً رخيصاً، يبتغي بالدين عَرَضَ الدنيا, فالله عزّ وجل أمرهُ بالإخلاص, وهوَ يُريد الدنيا من خلال الدين, هذا إذاً لا يستسلم. القلب السليم . وفي إنسان, الله عزّ وجل يقول مثلاً: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود الآية: 119] يقول لكَ: لا, الله خلقنا لُيعذبنا، يا أخي, لا راحة في الدنيا، يعني الله كلامهُ غير صحيح, أنتَ لكَ رأي غير ما يقولهُ الله عزّ وجل، فإذا نجوتَ من شُبُهةٍ تُعارِضُ إخبارَ الله, أو من شهوةٍ تُعارِضُ أمرَ الله, أو من إرادةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ لله, أو من تفسيرٍ أو فلسفةٍ تُعارضُ ما جاءَ في كتاب الله, إذا نجوتَ من كُلِّ ذلك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, واسمع قولهُ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] القلبُ السليم: خلا من شُبُهةٍ, وخلا من شهوةٍ, وخلا من إرادةٍ خِلاف الإخلاص لله, وخلا من عقيدةٍ, أو تفسيرٍ, أو رأيٍ خِلاف ما وردَ في كتاب الله, إذ نجوت من كُلِ أُؤلئك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, وأنتَ الناجي بفضل الله عزّ وجل. العلماء قالوا: إنَّ التسليم يكادُ يرقى بالإنسان إلى مرتبة الصديقيّة، ومرتبةُ الصديقيّة أعلى مرتبةٍ بعدَ النبوة، النبوة, الصديقيّة: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 75] سيدنا أبو بكر الصدّيق، أعلى مرتبة في الإيمان مرتبةُ الصديّقية, فإذا استسلمت إلى الله عزّ وجل، فوضت واستسلمت ووثقت، لا في شُبُهة, ولا في شهوة, ولا في إرادة غير مُخلِصة, ولا في تفسير خِلاف ما جاء في القرآن، نجا قلبُكَ من هذه الأمور الخمسة, فأنتَ في مرتبة التسليم, والتسليمُ أساسهُ الثِقة, والثِقةُ أساسُها معرفة الله, ومعرفةُ الله هيَ كُلُ شيء, ورضي الله عن سيدنا عليٍّ حينما قال: أصلُ الدينِ معرِفتهُ. يعني: بينَ الذي يعرف والذي لا يعرف بونٌ شاسع. مرة كنت حاضراً في مكان, توفي صاحب البيت, فذهبنا إلى مواساة أهله, دخلَ أخوه وسبَّ الدين, لماذا مات أخي؟ هذا لو كان يحضر مجالس عِلم, لو كان يعرف الله عزّ وجل، فيعرف الأجل، يعرف ما عِندَ الله بعدَ الموت, جاهل جهلاً فاضحاً وقذراً, جهلاً بشعاً, قال: لماذا مات أخي؟ واحد توفيت زوجتهُ, عمرها 60 سنة, ولها أُخت عمرها 90سنة, فقال: لو ماتت تلك, هذا جهل. فلذلك: الإنسان كُلما نما عقلهُ ونما إيمانهُ, قلَّ كلامهُ، لَزِمَ الصمت, وسبّحَ الله وحَمِدَ اللهَ على كُلِ شيء. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوبةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و العشرون ) منزلة التوبة : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السادس والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، والحقيقة : مرتبة اليوم هي مرتبة التوبة . ومرتبة التوبة بابها كبيرٌ جداً ، لا يكفيها لا درسٌ ولا درسان ولا أكثرُ من ذلك ، ولكن أردتُ كتقديمٍ لهذه المرتبة : أن يتعرّفَ الإنسان إلى أنواع المعاصي ، أنواع الجنايات ، كيفَ يتقّي الإنسان الشيء إن كانَ جاهِلاً به . تمهيد : كُلكم سمعتم إمّا مباشرةً أو بالوساطة , أنَّ هذه المواد البلاستيكية حينما تترافق مع الحرارة أو مع الدهنيات , تنحلُ في الطعام , وأنَّ هذه المادة المُنحلّةَ في الطعام مهما قلّت , تُسببُ تراكماتٍ في الجسم , تُفضي في أغلب الأحيان إلى أورامٍ سرطانية , وهو حديث البلد اليوم , لا ينبغي أن يقترنَ الحرُ مع هذه المادة ، ولا الدهنيات مع هذه المادة ، لا ينبغي أن يُسخّنَ الخُبزُ على النارِ مباشرةً , إلى آخر ذلكَ الموضوع الخطير . الناس يتقونَ هذه الأخطار ، متى بدؤوا يتقنونها حينما عرفوها ، لا يمكن أن تتوب قبلَ أن تعرف . عندما الإمام الغزالي -رضي الله عنهُ- جعلَ من أركان التوبة : العِلم والندم والسلوك . ما من توبةٍ إلا وأولها عِلم وأوسطها ندم وآخرها سلوك . ذو ثلاثِ شُعب : شُعبةٌ متعلقةٌ بالماضي : الإصلاح . شُعبةٌ متعلقةٌ بالحاضر : الإقلاع . شُعبةٌ متعلقةٌ بالمستقبل : العزيمة . يُصلِحُ ما مضى , ويُقلِعُ من فورِهِ عن الذنب , ويعزِمُ في قلبهِ ألا يعودَ إليه أبداً . هذه الشُعبُ الثلاثة : شُعبُ السلوك وقبلَ السلوك حالة الندم الشديد وقبلَ الندم الشديد العِلم . فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ )) [ أخرجه البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ] فسّرَ العُلماء هذا الحديثَ الموجز الجامعَ المانع : بأنهُ لا ندمَ من دونِ عِلم ، لا بدَ للندمِ من عِلمٍ سببهُ ومن سلوكٍ أوجبهُ , النبي كلامهُ موجز عليه الصلاة والسلام ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ, وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ, وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ, أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ, فَوُضِعَتْ فِي يَدِي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] قال : ((الندمُ توبة)) الإنسان متى يندم ؟ يندم حينما يعلم ، وإذا نَدِم ماذا يفعل ؟ يُقلع ، ويُصحح ، ويعزم . أيها الأخوة ؛ هذه الموضوعات موضوعات خطيرة , وكلمة خطيرة في اللغة لها معنيان ، تقول : القمح مادة خطيرة في حياة الأمة . يعني : إذا فقد القمح كانت المجاعة ، وإذا وجدت المجاعة وجدت مشكلة كبيرة جداً ، لكن إذا فقدت أزهار تقدّم في الأفراح ، لو مُنِعَ استيرادُ الأزهار ، لو مُنِع استيرادُ العطورات ، الأمة تبقى كما هيَ ، فنقول : القمحُ مادةٌ خطيرة , ليسَ معنى هذا أنها تتفجر , لا , يعني : وجودها مُهمٌ جداً في حياتِنا , فالمؤمن مُذنب تواب ، يعني أكبر شيء في حياة المؤمن التوبة , لأنهُ مُذنِبٌ تواب ، لأنهُ لا يخلو من ضعفٍ , ومن صحوةٍ , ومن علمٍ , ومن ندمٍ . موضوع التوبة موضوع خطير جداً , ولأنهُ موضوع خطير , يجبُ أن يشغل مِنّا حيّزاً كبيراً ، فباب التوبة كبيرٌ جداً , قد نحتاجُ فيه إلى أربعة دروس , ولكن أردتُ أن أبدأ بالعِلم , لن تتوبَ من الذنب إلا إذا عَلِمتَ أنهُ ذنب ، لن تُقلِعَ عن معصيةٍ إلا إذا عَلِمتَ أنها معصية ، لن تبتعِدَ عن إثمٍ إلا إذا عَلمتَ أنهُ إثم . لا يمكن أن تتحرك بِلا عِلم ، الحركة بِلا علم حركة طائشة ، حركة غير مُجدية ، حركة قد تكون مؤذية ، حركة قد تكون مُدمرةَ , تماماً كسيارةٍ لها مُحركٌ فعّال , ولكنها بِلا مقود ، المِقودُ هو العِلم ، والحركةُ هيَ المُحرك ، فالحركة بِلا عِلم ؛ حادث , تدهور , سقوط في وادٍ, تصادم , أما العِلم يقود الحركة إلى الوجهة الصحيحة . فلذلك يمر معنا في القرآن الكريم مثلاً : كلمة فِسق ، كلمة شِرك ، كلمة كُفر ، كلمة إلحاد ، كلمة إثم ، كلمة عدوان ، كلمة معصية ، كلمة كذب على الله . لا أرى موضوعاً أخطر في حياتِنا من أن نعرفَ بالضبط ماذا تعني كلمة كُفر ؟ وماذا تعني كلمة شِرك ؟ وماذا تعني كلمة فِسق ؟ وماذا تعني كلمة إلحاد ؟ وماذا تعني كلمة إثم ؟ وماذا تعني كلمة فجور ؟ وماذا تعني كلمة عُدوان ؟ هذه كلماتٌ خطيرة مُهلِكةَ . إنسان يتعامل مع مواد متفجرّة لا يعرِفُ خواصّها قد تودي بحياتهِ ، يجب أن تعرف ما معنى قنبلة ؟ ما معنى قنبلة ؟ نُزِعَ أمانُها ، ما معنى قُنبُلة ؟ أُشعِلَ فتيلها ، ما معنى قُنبُلة قد انفجرت ؟ لو رأيت بقايا قنبلة قد انفجرت لا خطر فيها ، فما دام تعامل الإنسان في الحياة مع شهوات ، مع علاقات ، فمِثلُ هذه المصطلحات خطيرةٌ جداً جداً . هذه سلسلة المحرمات في الشرع : خطرَ في بالي والله هو الموفق , أن نبدأَ بأكبرِ معصيةٍ في الدين , أكبر معصية ، أكبر إثم ، أصلُ الآثام ، أصلُ أنواع الشِرك . أقول : أصل الشِرك ، أصل العدوان ، أصل الفِسق ، أصل الفجور ، أصلُ الكفر . ما هوَ هذا الذنب ؟ لا هو زِنا , ولا هو خمر , ولا هو قتل ، ذنبٌ كبيرٌ كبير , ويبدو في نظر الناسِ صغيراً صغيراً ، الحكم هو كتاب الله ، لِنَعُد إلى كتاب الله , قال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] قال : هذه محرّمات . قال : ثم انتقلَ إلى ما هو أعظمُ منها بالتسلسل بالقرآن الكريم . ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ هذه أعلى ، قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ , أعظم من الفواحش والزِنا فاحشة ، من اللِواط واللِواط فاحشة ، من شربِ الخمر وشُربِ الخمر فاحشة . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أعظمُ من الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن . ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ وأعظمُ من الشِركِ باللهِ الأكبرُ منهُ والأصغر . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ تطاول على الخلق ، ثم انتقلَ إلى ما هو أعظم . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ لأنكَ إذا قُلتَ على الله ما لا تعلم , حرّمتَ الحلال أو حللتَ الحرام ، وصفتَ اللهَ بِما لا يليقُ بهِ ، نفيتَ عنهُ ما أثبتهُ لنفسهِ ، أثبتَ له ما نفاهُ عن نفسهِ . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أعظم المحرمات وأشدها إثماً الكذب على الله . في نظرِ علماء التفسير : أعظمُ المحرمات وأشدُها إثماً فإنهُ يتضمنُ الكذبَ على الله ، وأن تنسِبَ إلى الله ما لا يليقُ به ، وأن تُغيّرَ دينهُ ، وأن تُبدّلَ دينهُ ، وأن تنفي ما أثبتهُ ، وأن تُثبِتَ ما نفاه ، وأن تُحققَ ما أبطلهُ ، وأن تُبطِلَ ما حققهُ ، وأن تُعادي من والاه ، وأن تُوالي من عاداه ، وأن تُحِبَ ما أبغضه ، وأن تُبعِضَ ما أحبه ، وأن تصفهُ بما لا يليقُ به في ذاتِهِ وأفعالِهِ وأقوالِهِ . أخطرُ شيء في الكتاب الكريم : أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فقبلَ أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فكر وتدبر ، قبلَ أن تقول : هذا حلال ، قبلَ أن تقول : الرِبا لم يُحرّم منهُ إلا النِسب المرتفعة , إذا كُنتَ واقعاً في هذه المعصية , أينبغي أن تجعلها طاعة ؟ إذا كُنتَ مُبتلى بهذه المعصية , أينبغي أن تجعلها تشريعاً ؟ إذا كانت المرأةُ قد ابتُليت بتقصيرٍ في حِجابِها , أينبغي أن تجعلَ هذا التقصيرَ شرعاً , وأن تقول على اللهِ ما لا تعلم ؟ فرقٌ كبير أن تعصي الله وأن تجعلَ هذه المعصية مُباحةً بين الناس ، فرقٌ كبير أن تعصي الله وأنتَ نادم , أن تعصي الله وأنتَ وَجِل , أن تعصي الله وأنتَ مستحيي , وأن تجعلَ من هذه المعصية تشريعاً , تجعلها مباحةً لا شائبةَ فيها ، لأنَّ كُلَ من اتبعّكَ , وصدقّكَ , وسارَ في هذا الطريق , فكُلُ معاصيهِ في ذِمَتِك , وفي رقبتك , وسوف تُحاسُبُ عنها . لذلك : سُبحانكَ يا ربي , كيفَ تدرجتَ بهذه المعاصي والمحرمات إلى أن وصلتَ إلى أعلاها حُرمةً ؟ قالَ : ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ المشكلة : أنَّ الإنسان إذا عصى ربهُ , وعَرَفَ أنهُ يعصيه , طريق التوبةِ سالك , وبابُ التوبةِ مفتوح , ورحمةُ اللهِ واسعة ، ولكن إذا أقنعتَ الإنسان أنَّ هذه ليست معصية , لو فعلها مائة عام لا يتوبُ منها , يلقى اللهَ عاصياً ، يلقى اللهَ تائهاً ، يلقى اللهَ شارِداً ، يلقى اللهَ آِثماً ، يلقى اللهَ مُعتديّاً . فلذلك هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , يحرّمون ما أحلهُ الله ، أو يحللون ما حرّمهُ الله ، أو يسمحون ببعض التجاوزات وطبيعة النفس طبيعةٌ دقيقة ، لمجردِ أن تخرج عن فِطرتها وقعت في حِجابها مع الله عزّ وجل ، هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , لهم حِسابٌ عسيرٌ في الدنيا والآخرة . فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ جاء الإمامَ أحمدَ ابنَ حنبل وفدٌ من مغرب العالم الإسلامي من الأندلس , والسفر قبلَ مائتي عام أو قبلَ ألف عام ليسَ كاليوم , أربعةُ أشهر في الطريق , وفدٌ جاءَ إلى المشرق , ليسألَ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل , العالِمَ الأول , والفقيه الأول , عن ثلاثين سؤالاً ، ما كانَ من هذا الإمام الجليل إلا أن أجابَ عن سبعة عشرة سؤالاً , فلمّا قيل : وأينَ الإجابات المتبقية ؟ قالَ : لا أدري ، قالوا : الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل لا يدري ؟ جئناكَ من أقاصي الدُنيا وأنتَ العالم الأول , قالَ : قولوا لأهل المغرب : الإمام بنُ حنبل لا يعلم , لأنهُ لو قالَ : وهوَ لا يعلم , وقعَ في إثمٍ كبير . وهذه نصيحتي لِكُلِ أخ , كل واحد منكم , بينَ أهلهِ ، بينَ جيرانهِ ، بينَ زملائهِ ، في المعمل ، في السكن ، في النزهة ، مظنة صلاح ، أنتَ تحضر مجالس عِلم ، أنتَ من طلاب العِلم ، أنتَ عالِم ، أنتَ شيخنا يا سيدي ، ما حُكمُ هذه القضية ؟ إيّاكَ أن تُفتي , إيّاكَ أن تتسرع , تبصّر ، عُد إلى كتاب الله ، عُد إلى سُنّةِ رسول الله ، عُد إلى فهمِ كتاب الله كما ينبغي ، عُد إلى فهمِ السُنّةِ كما ينبغي ، استأنس ، اسأل , دقق ، تأمّل ، تحقق ، طالع قبلَ أن تقول لهُ : هذه حرام وهذه حلال . أنا لم أكن أتصور , أنهُ أعظم شيء حرّمهُ الله فوق الزِنا , وفوقَ شرب الخمر , وفوقَ القتل , وفوق الشِرك , وفوقَ الكُفر , لأنهُ أصلُ الشِرك . يعني : ماذا قالَ عُبّاد الأصنام لمن دعوهم إلى أن يعبدوا الله ؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللهِ زُلفى . هكذا عُلِموا, عبدوا الأصنام وهُم في ذهنهم أنهم ما فعلوا شيئاً. أيهُما أخطر: أن تعبُدَ الصنم أو أن تعتقدَ أن عبادة الصنم شيء مُباح ومقبول ؟ الخطأ في العقيدة أخطر بكثير , لأنكَ إذا أخطأتَ في العقيدة لن تتوبَ أبداً مهما امتدَ بِكَ العُمر ، أمّا إذا أخطأتَ في السلوك أغلبُ الظن أنكَ سوفَ تتوب , ما دُمتَ تعلمُ أنهُ ذنب , وأنهُ إثم , وأنهُ عُدوان , وأنهُ معصية , فأنتَ لا بدَ من أن تتوب عاجِلاً أو آجِلاً ، لكنكَ إذا علِمتَ أنها ليست بمعصية . لذلك : أخطرُ شيء في الدين أن تصلَ إلى ينابيعهِ ، أن تضعَ يدكَ على جوهرهِ ، أن تصلَ إلى أُصولهِ ، أن تصلَ إلى خطهِ الصحيح ، من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : ((ابنَ عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُكَ ودَمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا)) من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)) تصوّر : الذين يُروّجونَ المعاصي , أحدكم فتح نادياً ليلياً , تُرتكب فيه كُل الموبِقات ، إنسان آخر كتاباً , أثارَ فيه شُبُهاتٍ على الإسلام , وجعلَ من السلوك المُعاصر تشريعاً , أن تقفَ المرأةُ بثياب السباحة أمامَ أبيها وزوجها وأخيها وابنها , لا شيء عليها . هذا الذي يفتتح نادياً ليلياً , تُرتكبُ فيه كُلُ المعاصي الكبيرة , لو وُزِنَ هذا العمل مع من تكلّمَ على اللهِ ما لا يعلم , فحللَ حراماً أو حرم حلالاً ، أو أثارَ شُبُهةً ، أو نفى عن اللهِ ما أثبتهُ عن نفسهِ ، أو أثبتَ لهُ ما نفاهُ عن نفسهِ ، أو غيّرَ سُنّة النبي ، أو جاءَ بأحاديثَ موضوعة ليُضللَ الناسَ بها إثمُ , الذي ألّفَ كتاباً , وهو قابِعٌ في بيتهِ , أنيقُ المنظر ، لطيف المعشر ، بيتهُ نظيف ، لهُ زوجة , ولهُ أولاد , ما فعلَ هذا ؟ . لو كُشِفَ الغطاء , لرأيتم هذا الذي ضللَ الناس ، وأفسدَ عقائدهم ، وحرّمَ عليهم الحلال ، وأحلَّ لهم الحرام ، وسوّغَ لهم انحرافات العصر ، وجعلها مغطاةً بآياتٍ قرآنية ، وافترى على الله الكذب ، وافترى على النبي الكذب ، ووجهَ النصوص توجيهاً شهوانيّاً , هذا إثمهُ عِندَ اللهِ أضعافٌ مضاعفةٌ تصِلُ إلى المليون , عن هذا الذي افتتحَ ناديّاً ليليّاً , تُرتكبُ فيه كلُ الموبقات ، ما الدليل ؟ قالَ تعالى : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 191] لو أن إنساناً قتلَ فتاةً , هذا قاتل ، يُحاكم بجريمة القتل ، ويُساقُ إلى المِشنقة ، فإذا تابَ قبلَ أن يُقامَ عليه الحد ، كانَ هذا الحدُ كفّارةً له ، أمّا إذا أفسدَ فتاةً , ودلّها على طريق المُنكر ، وجعلها فتاةً بغيّاً ، وأمضت حياتها في البغي والدعارة والانحراف ، وأنجبت فتيات ساروا على نهجِها ، وماتت , وخلفتها ذٌريّةٌ إلى يوم القيامة , تعدُ بمئات الألوف , بل بمئات الملايين ، كُلُهنَّ فاسدات ، واللهِ هذا الذي أفسدَ تِلكَ الفتاة , وسببَ هذا الجيلَ من الفاسِدات , يعني لو أنهُ قتلها لدخل الجنة , هذا معنى قول الله عزّ وجل : ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ﴾ يا أخي العرب في الجاهلية كانوا يئِدونَ البنات , هذه جريمة كبيرة , معك حق , لأنهُ ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [سورة التكوير الآية: 8-9] لكنكَ إذا أفسدت ابنتكَ , وقلت للناس : أنا أُحب أن أُربي بناتي تربيةً استقلالية , أنا لا أُعارِضُها أبداً ، لها أن تخرُج كما تشاء ، ولها أن تُصاحب من تشاء ، ولها أن تأتي إلى البيت متى تشاء , هكذا التربية الحُرة , نحنُ في عصر النور ، لو وأدتها لكانَ خيراً لها من هذا العمل ، لو وأدتها ماتت إلى الجنة ، أما حينما أفسدتها فسدت وأفسدت . لذلك : يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن مشاهد يوم القيامة : أن الفتاة التي فسدت , وكان أبوها سبباً في فسادها , تقول : يا ربي , لا أدخُل النار حتى أُدخِلَ أبي قبلي . الأُبوة مسؤولية يا أخوان ، مسؤولية خطيرة جداً , هذا الابن أنتَ قدوته , أنتَ القدوة . فلذلك : لا أُبالغ هذا قرآن كريم ، أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أن تقول للناس : لماذا حرّمَ اللهُ إطلاقَ البصر في النساء , لو أنَّ الوجهَ عورة ؟ هذا الاستنباط غير صحيح ، هذا استنباط فاسد ، أنتَ إذا قُلتَ هذا , ماذا فَهِمَ الناسُ مِنك ؟ وموطن الجمالِ كُلِهِ في الوجه ، والوجهُ أكبرُ فِتنةٍ في المرأة ، فحينما تقول : هذه مسموح , وهذه مُباح , وهذا خيال ليسَ حقيقة , إذا نظرتَ إلى شيء يُثير على هذه الشاشة الصغيرة , هذا ليسَ حقيقة يا أخي , هذا خيال ، وإذا سمعتَ الصوتَ من المذياع فهوَ صدى وليسَ حقيقة ، الغناء صدى ومنظر الإشارة خيال , لم يعد شيء في الدين , ماذا بقي من الدين ؟. مرة واحد قال في بلد إسلامي , لكن مُقصّر جداً في تطبيق أحكام الشريعة , قال : لم يبقَ في هذا البلد إلا الصلاة , ويعني الصلاة الشكليّة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع . أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أكبرُ معصيةٍ في الدين , لأنكَ أصبحتَ مُضللاً ، لأنكَ أفسدتَ العقائد ، لأنكَ أفسدتَ السلوك , قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [سورة النجم الآية: 32] قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام ؛ سأل رجل وهو مظنةُ عِلم , قال له : ما معنى اللمم ؟ قال لهُ : كلُ ذنبٍ ليسَ عليه حد , النميمة ليسَ عليها حد ، والنبي يقول : (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ , قَالَ سُفْيَانُ : وَالْقَتَّاتُ النمامُ )) معناها: إطلاق البصر، والكذب، والغش, لا بأس بها, الحد يعني القتل والجلد فقط, والآية تقول : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ فإذا فَهِمنا اللمم : كُلُ معصيةٍ ليسَ عليها حد ، لم يعُد شيء في الدين ، انتهى الدين . طبعاً: لو التقيت مع مليون مسلم, لا تجد فيهم قاتلاً واحداً, القاتل والزاني قلائل جداً, ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟: أنظر في هذا الحديث : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )) [ أخرجه الترمذي ] يعني بعدَ أن جاءَ النبي، بعدَ أن جاءَ القرآن، هل ترى صنماً يُعبد من دون الله؟ هذا شيء غير موجود إطلاقاً, ولن يحدث إلى يوم القيامة, لكن: قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , ولكن رضي مما دونَ ذلك ، مما تحقِرونَ من أعمالِكم ، وهذه مُشكلةُ المسلمين . يقول لكَ : أخي أنا لا أزني، لا أشرب خمراً، لا أسرق، هذه ليسَ عليها خِلاف, لأنها كبائر، هذه كبائر مُهلِكة، النظر, والمصافحة, وأكل المال الحرام, والغش, والتدليس, والكذب, والاحتكار, والمواقف المزدوجة, والمقاييس المزدوجة, والنِفاق, وموقف مُعلن وموقف مُبطّن , في مليون معصية، مليون معصية كُلُها تحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فهذا الذي لا يسرق أو لا يزني أو لا يكذب, يعني ماذا فعل؟ هذه أشياء بعيدة عن حياة المُسلم بُعداً كبيراً. ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 116] يقول: أنا أتحمل وزرها, ضعها في ذمتي, من أنت؟ من حضرتُك حتى تقول: ضعها في ذمتي؟ يقولونَ: هذا عِندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتم حتى يكون لكم عِندُ؟ من أنتم؟ ما حجمُكَ عِندَ الله؟ النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يأتي بشيء من عِندهِ, لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم، وقال: ﴿ ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ النبي الكريم مُبلّغ, فمن أنت؟ فلذلك: المُسلم وقافٌ عِندَ كتاب الله. قالَ بعَضُ السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ اللهُ كذا وحرّمَ كذا, فيقول اللهُ: كذبت, لم أُحِلَ كذا ولم أُحرّم هذا. يعني التحليل والتحريم بالرأي المُجرّد, بِلا بُرهان من اللهِ ورسوله, ذنبٌ كبيرٌ جداً, قد يفوقُ الشِرك، قد يفوقُ الكُفُر، لأنهُ أصلُ الشِرك وأصلُ الكُفر. عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ, وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) لماذا؟ قال: لأنَّ كُلَ شيء أُضيفَ إلى الرسول فهوَ حُكماً مُضافٌ إلى المُرسل، إذا أضفتَ إلى الرسولِ شيئاً هذا مُضاف إلى المُرسل. يعني إذا كان وزير خارجية وقف في مؤتمر, وتكلّم بكلام, هذا الكلام ليسَ من عِندهِ, هذا مُكلّفُ بهِ, والذي أرسلهُ مُقِرٌ بهِ، فإذا أضفتَ إلى الرسول شيئاً ما قالهُ, فكأنما أضفتهُ إلى الله عزّ وجل, لذلك ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 21] من أظلم؟ أظلم اسم تفضيل، أي ليسَ في البشرِ كُلِهم إنسانٌ أشدُ ظُلماً ممن افترى على اللهِ كذباً. قال: أنّىَ بالتوبةِ لمن لم يعلم أنها بِدعة, كيفَ يتوب الإنسان إذا لم يعلم أنَّ هذا الذي يفعلهُ بِدعة؟. الافتراء على اللهِ عزّ وجل, يُغلِقُ باب التوبة، فأنتَ قبل أن تسأل, اسأل من تَثِقُ بِعلمهِ، وقبلَ أن تتكلم تكلم عن عِلم، لا تسأل إلا أهلَ العِلم، ولا تنطِق إلا عن عِلم، وإلا الإثمُ كبير, لأنهُ دينُ الله، لأنَّ الدينَ هو الشيء المصيريُّ في حياة الإنسان. من ألوان المحرمات أيضاً الإثم والعدوان . من ألوان المُحرمات : الإثمُ والعُدوان . كُلُكم يعلم أنَّ الإثم والعدوان وردَ في القُرآنِ كثيراً, قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة الآية: 2] قالوا: البِرُّ صلاحُ الدنيا, إذا تساعدَ الناس بإنشاء مساكن للشباب هذا بِر، إذا اتفقوا على تخفيف المهور هذا بِر، إذا اتفقوا على تأمين أعمال للعاطلين هذا بِر، وتعاونوا على البِر , صلاحُ الدُنيا, والدُعاء الشهير: اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عِصمةُ أمرِنا, وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا. فتعاونوا على البِر والتقوى, -البِر: صلاح الدُنيا والتقوى صلاحُ الآخرة، قال-: ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان. كُلُكم يعلم من قبل: أنَّ في القرآنِ كلمات, تأتي مثنى مثنى, وعُلماء التفسير يقولون: إذا جاءت مثنى مثنى, فلِكُلِّ كلمةٍ معنىً دقيق، أمّا إذا جاءت فُرادى, رٌبما تعني الواحدة معنى الكلمتين معاً, والدليل على ذلك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 60] قالَ بعضُ العلماء: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. يعني إذا قُلت للفقراءِ فقط, يعني الفقراء والمساكين، وإذا قُلت : ﴿وآتى المالَ على حُبهِ مسكيناً﴾ يعني الفقراء والمساكين, فإذا افترقا اجتمعا, وإذا اجتمعا صار للمسكين تعريف دقيق, وللفقير تعريف دقيق، المسكين من يعجزُ عن العمل، أمّا الفقير من دخلهُ أقلُّ من حاجتهِ ، فالفقير شيء والمسكين شيء آخر, هذا تمهيد. الإثم والعدوان, إذا قُلتَ: الإثم فقط, يعني الإثمَ والعدوان، وإذا قُلتَ: العدوانَ فقط, يعني الإثمَ والعدوان, لأنَّ العدوان هوَ في أصلِهِ عدوانٌ على أمر الله, قال لكَ: افعل، لم تفعل ، قال لكَ: لم تفعل فعلت، تركُ الأمرِ أو فِعلُ النهيِ هو العُدوان، أنتَ اعتديت على الشرع، تحديتَ الشرع، خرقتَ حدودَ الشرع، لم تُبال بالأمر ولا بالنهي، فالعدوانُ هو عُدوانُ على أمر الله, وكلُ عدوانٍ على أمرِ الله صاحِبهُ آثم, الإثم عدوان, والعدوان إثم, وإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا. لكن الإثم قال: تحريمُ جِنس أمّا العدوان تحريم قدر, يعني أنتَ اشتريت أرضاً, فلمّا أردتَ أن تُسوّرها, زِدتَ مِتراً من أرضِ جارِك, هذا عدوان, تملكُ الأرضِ في الأصلِ جائز, أنتَ تملّكتَ الأرضَ التي دفعتَ ثمنها, وأخذتَ من جارِكَ مِتراً ليسَ لكَ، فتحريم الجِنس الزِنا إثم, كُلُ أنواع الزِنا مُحرّمة، الخمر إثم، اللِواط إثم، لكن لو أخذتَ ما ليس لك، لو بِعتَ الحاجة بثمن مرتفع, وراعيتَ فيه الأجل, صار في معصية قدر لا معصية جِنس, فالإثمُ تحريمُ جِنسٍ كالكذب والزِنا والخمر وما إلى ذلك، والعدوان تحريمُ قدرٍ, الزيادة عدوان, مثلاً بالبيع والشراء, بيعُ الغرر، التدليس مثلاً، الغبن الفاحش, هذا عدوان, أصل البيع حلال، فلمّا أخذتَ فوقَ ما ينبغي صارَ عدواناً. العدوان نوعان : 1- نوعٌ في حقِّ الله . 2- ونوعٌ في حقِّ العِباد . فمن أباحَ الزِنا فقد اعتدى على شرع الله، من أباحَ ممن أُبيحَ لهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 5-6] من أتى حائضاً , الزوجة مُباحة , لكنَّ إتيانها في أيام الحيض , هذا عُدوان على شرع الله ، فالعدوان ؛ إمّا على شرع الله , أو على حقوق العِباد . يعني أُبيحَ للطبيب أن ينظُرَ إلى مريضته , فإذا نظرَ إلى قدرٍ آخر , ليسَ محتاجاً إليه , تجاوزَ الحد , فتحريمُ الجِنسِ إثم ، وتحريمُ القدرِ عُدوان . الفحشاء والمُنكر ، الإثم والعدوان ، الإثم تحريم جنس , والعدوان تحريم قدر ، إذا اجتمعا افترقا , وإذا افترقا اجتمعا أمّا الفحشاءُ والمُنكر . قال : الفحشاءُ صِفةٌ لموصوفٍ قد حُذِفَ تجريداً بقصدِ الصِفة, يعني: الفعلةُ الفحشاء, والخصلةُ الفحشاء, وكُلُ ما ظهرَ قُبحُها لِكُلِ أحد, واستفحشهُ كُلُ ذي عقلٍ سليم, وفِطرةٍ سليمة, كُل شيء الطبع ينفِرُ منه، والعقل السليم ينفِرُ منه، كُل شيء ظَهَرَ قُبحهُ فهو فحشاء، خصلة، سلوك، فعل. أمّا المُنكر: صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أيضاً؛ أي الفِعلُ المُنكر الذي تستنكِرهُ العقول والفِطر, يعني: الفحشاء عمل قبيح شائن, لا يشُكُ اثنان في أنهُ شائن, أمّا المُنكر: العقل السليم والفِطرة السليمة تستنكر هذا الأمر, فالفحشاء والمُنكر أيضاً كالإثمِ والعدوان, إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. يعني: هذه التسميات, أو هذه التعاريف الدقيقة, فيما يتعلّق بالمحرمات مهمة جداً, مثلاً: الفرق بين المعصية والفجور: الفجور إعلان للمعصية، لو خالفَ أحدهم أمرَ الله في رمضان وأفطر، هذا عاصٍ ومعصية كبيرة جداً، لكن إذا أفطرَ أمامَ الناس فقد فَجر. على كُلٍ؛ إن شاء الله نحنُ في دروسٍ قادمة, سوف نُحاول أن نُتابع هذه المصطلحات الدقيقة, وأن نقفَ عِندَ التعاريف وعِندَ المدلولات التي أرادها الله سبحانهُ وتعالى من هذه المصطلحات, كلمة تُعدُ خاتمة الدرس. مرةً ثانية أقول لكم: ((إنَّ هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذونَ دينكم)) الإنسان يميل إلى الرُخص، إلى الفتاوى التي تُيسر الأمر، لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت ، وحينما نصلُ إلى وقت الحساب، قد نُفاجأ أنَّ هؤلاءِ الذينَ أفتوا لنا, وسمحوا لنا ببعض المعاصي على أنها مُباحات, لم يكونوا مُحقين في هذا, والمصيبة كبيرة جداً, ليسَ هُناكَ إصلاح. ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾ وليسَ الحينُ حينَ فِرار، الإنسان في الدنيا قد يتلافى بعض الشر، قد يتلافى العِقاب بطريقةٍ أو بأخرى، ولكنَّ الإنسانَ إذا لَقي اللهَ عزّ وجل, وقد أقامَ على معصيةٍ, وتعلّقَ بحبالٍ من عنكبوت، بفتاوى من أُناسٍ مُغرضين, فقبلَ أن تقول: هذا حلال أو هذا حرام، هذا يجوز، هذا لا يجوز، لا تنطِق بغيرِ عِلم, ولا تسأل إلا أهلَ العِلم، لا تسأل إلا من تَثِقُ بِعلمِهِ، لا تستفت إلا من تَثِقُ بورعهِ، لا تطلب شيئاً إلا بالدليل, لا ترفض شيئاً إلا بالدليل، لأنَّ: ((هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)) نصيحة : أيها الأخوة الأكارم ؛ يعني أنا أقول لكم الآن كلمة مُخلصاً لكم بها: ما لم تستقم على أمر الله، ما لم تترك المُنكر كُليّاً، ما لم تترك المعاصي جميعاً، فالطريق إلى الله ليست سالكة, ممكن أن تحضر موالد, وأن تطربَ طرباً شديداً، ممكن أن تقرأ كتاباً, وأن يملأَ الكتابُ عقلَك ، ممكن أن تكون طليق اللسان, وأن تؤثر في الحاضرين, هذا كُلُهُ ممكن؛ ممكن أن تتكلم, وأن تستمع, وأن تقرأ, وأن تؤلف، وممكن أن تطرب بالمديح النبوي, وأن تقوم بِكُل ما يُسمى بالتقاليد الإسلامية، ويُمكن أن تدعو الناسَ إلى البيت, وأن تقيم مولداً, وأن تأتي بأرقى فرقة مُنشِدة, وأن تأتي بأطيب طعام, وأن تدعو وجهاء المجتمع, وأن تدعو كِبارَ العُلماء لإلقاء الخُطب, كُلُهُ ممكن؛ ولكنَّ الشيء الذي لا يُقبلُ تركهُ أن تُقيمَ على معصية، ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, أو على مخالفةٍ, أو على انحرافٍ, أو ما دُمتَ استبحتَ مُنكراً بفتوى معيّنة, أو ما دُمتَ قَبِلتَ تقصيراً وأصررتَ عليه, فالطريق إلى اللهِ ليست سالكة, لا والله, يقول لك: أنا أحضر يوم الجمعة, والسبت, والأحد, والاثنين, والخميس, والخطبة الفولانية، وأقرأ كُتباً، وعِندي مكتبة، ولي لقاءات مع أخوان كِرام، ولي نشاط ديني، ولي مؤلفات, ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, فالطريقُ إلى اللهِ ليست سالكة. وكُنتُ أذكرُ مثلاً, لعلّهُ شطحة أو لعلّهُ مُبالغة: لكَ مائة مؤلَف إسلامي في السوق، مائة مؤلف، وكُل مؤلف يتحدثُ بهِ الرُكبان، وأنتَ مُقيم على معصية, مُصِر على معصية، وإنسان آخر لا يقرأ ولا يكتب, وقد عافاهُ اللهُ من هذه المعصية, هوَ أعلمُ مِنك, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ)) أنا أقول لكَ: قد تعرِفُ أمرَ الله، تعرِفُ الحلال، والحرام، والواجب، والمُباح، والمُستحب، والمندوب، والمكروه، والمكروه كراهية تحريمية، وكراهية تنزيهية، والحرام المُطلق، وقد تتحدثُ عنها بطلاقة، ولكن معرِفة الأمرِ شيء، ومعرِفةَ اللهِ شيء آخر، معرِفة الأمرِ علامتها أن تَعرِفَ الأمر. العالِم بأمر الله اسأله، إذا سألتَ هذا العالِمَ بأمرِ الله مائة سؤال, فأجاب مائة إجابة صحيحة, فهوَ عالِم بأمر الله، لكن إذا رأيتهُ يُخالف أمرَ اللهِ في واحدة, معرفتهُ باللهِ ضعيفة, ونرجو لهُ أن تزداد، فحتى نكسب الوقت, وحتى يكون مجيئنا للمسجد مُثمراً, وذهابنا للبيت مُثمراً، حتى يكون هذا الوقت الثمين، كل واحد منكم تركَ أهلهُ, وزوجتهُ, وأولادهُ, وبيتهُ, مكان جلوسه في غرفة الجلوس، لهُ أولاد، لهُ أصدقاء, تركَ الكل وجلسَ على الأرض, فإذا استمع, وأُعجِب بالدرس, ولم ينطلق إلى التطبيق، إلى الالتزام التام، إلى محاسبة النفس حساباً دقيقاً، إذا لم ينتقل إلى هذا الطور, أقول لهُ: نمت ثقافتكَ الدينية نمواً كبيراً, ولكنَّ معرِفتكَ بالله لم تنمو, لأنَّ معرفة الله عزّ وجل أساسُها طاعتهُ، ولا تعرفُ الله إلا إذا جاهدتَ نفسكَ وهواك. فنحنُ وأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن تكونوا كذلك, أن نتعاونَ جميعاً على البِرِ والتقوى، وأن نتعاونَ على بلوغِ الهدفِ الكبير من معرفة الله, ومعرفةِ منهجهِ, وتطبيق منهجهِ ، ويُحاسب أحدكم نفسهُ حساباً دقيقاً دقيقاً في كُلِّ شيء. هُناك دعوات تُعطي الأخ بحبوحة, واحد رأى سيئاتهِ مد البصر, ثمَّ غفرَ الله لهُ بكلمةٍ قالها, القضية سهلة, هذا الحديث لهُ تفسير, لهُ تفسير دقيق, هذا الحديث كما يفعل الفُقهاء, يوضع على الطاولة, وإلى جانبهِ عشراتُ الأحاديث المُشابِهة، من الخطر الكبير أن تفهمَ حديثاً وحدهُ على انفراد. الحديث الثاني: من قالَ لا إله إلا الله بحقها دخلَ الجنة, قالوا: وما حقُها؟ قالَ: أن تحجزه عن محارم الله. فأيام الإنسان يتعلّق بخيط من عنكبوت, يقول لك الشيخ, قال: إذا إنسان قال: لا إله إلا الله دخل الجنة, قضية سهلة. تصوروا أنَّ الجامعة كل واحد يقول جامعة دمشق ثلاث مرات, نُعطيه دكتوراه بالطِب مثلاً, لا تحتاج إلى جهد, لا تحتاج إلى علامات عالية ثلاث مرات, يقولها بصوت مرتفع، ممكن إنسان يصل إلى الجنة بكلمة قالها, الله عزّ وجل قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 19] وقال: لا إله إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، وقال: لا إلهَ إلا الله لا يسبِقها عمل. يعني: قبلَ أن تقولها, لا يوجد عمل صالح, في شِرك لأنهُ، وإذا قُلتها ولا تتركُ ذنباً, هذه الأحاديث, اجعل هذا الحديث مع هذه الأحاديث بشكل منظومة. فأنا أخوفُ ما أخاف على الأخوة الأكارم, أن يتعلّق بحديث سَمِعهُ, ويُعطيه الحرية الكاملة للحركة, ويتساهل بالطاعات شيئاً فشيئاً, إذ الطريقُ إلى اللهِ مسدود، صلاتهُ شكلية، صيامهُ شكلي، حجهُ شكلي، صارت ثقافتهُ إسلامية، وعواطفهُ إسلامية، مِثلُ التُركي عِندهُ كيلو لحمة, وعِندهُ هِر, أكل الكيلو سَرِقةً, وجلسَ القِط يعمل وِرداً لوحده, القِط له وِرد, نظرَ التركي إليه وكان مغتاظاً كثيراً, قالَ له: أوراد كثيرة وأمانة غير موجودة. تجد ثقافة، عواطف، موالد، مجالس سرور، ثياب فضفاضة، مسواك، مصاحف مُعلّقة، كلهُ مذهّب، لكن ما في استقامة، وما دام لا يوجد استقامة, الطريق إلى الله غير سالك، الصلاة شكلية. أيام تجد برتقالة يتم تقشيرُها بعناية, ثم يعودون ويطبّقونها ككرة ويضعونها على الطاولة، هيَ برتقالة منظرها, لكن ما فيها شيء هيَ فارغة، لِئلا يُفرّغَ الدينُ من مضمونهِ, حتى ما يُصبح الدين شكلاً بلا مضمون، الاختلاط حاصل، كسب مال حرام مشروع، إطلاق بصر مسموح به، سماع غِناء لا شبعة منه، مشاهدة ما لا يُرضي الله مقبول, كُل شيء موجود ومع ذلك: ثقافة إسلامية, ومكتبة إسلامية, وأناشيد, وتفاسير, ولقاءات, وموالد, أنا أخوفُ ما أخاف أن يُفرّغَ الدينُ من مضمونه، أمّا والله ساعة صِدق مع الله عزّ وجل, ترفعُكَ إلى أعلى عليين, فالاستقامةَ الاستقامة. ((ابن عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُك ودمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا)) أنا أقول: الموالد, وأنا مُغرم بالموالد, وحضرتُ في هذا الشهر, يعني بِضع عشرات إلى خمسين أو سبعين مولد، وتأثرت تأثُراً كبيراً، أنا أقصد أن لا يكون الإنسان شكلياً, احتفلنا وجلسنا وطربنا, بقي شيء, لم تعمل شيئاً بعد، يجب أن نقوم بطاعة اللهِ عزّ وجل، يعني جميل جداً أنَّ المستقيم يعمل مولداً, ويدعو أخوانه, وأقرباءه, وأصحابه, وفرقة إنشاد, ويتوزع المُلبّس, والحلويات, ويُتلى ذِكر اللهِ عزّ وجل, ونستمع إلى شمائل النبي, هذا كُلهُ جيد، لكن نبقى على الموالد فقط, واحتفالات, وأشرطة, وكُتب, وما في استقامة, لا تُدقق, ما هذه؟ لا تدقق؟ هذه حرام. أكثر المسلمين في الشام، يحدث عُرس, يصعد العريس, ويجلس أمام مائة امرأة كاسية عارية, يقول لكَ: العريس أخلاقي, كيف أخلاقي؟ كلهُ يتفجّر، كُل البارود مع النار ينفجر، ما في عنّدنا بارود بالكيمياء لا ينفجر، فنحنُ نُريد الالتزام, نُريد واحداً كألف ولا نُريد ألفاً كأُف، لا نُريد كثرة كثيرة, نريد قِلة قليلة لكن مستقيمة ملتزمة. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : انواع الفسوقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و العشرون ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين . الحقيقةُ : أنَّ الدرسَ الماضي كانَ حولَ أنواع المعاصي ، وبيّنتُ لكم في وقتهِ : أنَّ أشدَ المعاصي خطراً , أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تستمعَ ممن لا يعرفُ الله . أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تُلقي أُذناً صاغيةً لمن لا يعرفُ الله . لأنَّ الانحرافَ في فهم الحقائق يُسببُ الشِركَ , وهوَ أكبرُ الكبائر ، ويُسببُ الفسوقَ والعصيان ، ويُسببُ كُلَّ معصيةٍ كفرعٍ من فروع الجهل بالله ، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 154] أخطر شيء في العقيدة أن تعرفَ الله ، وأخطر شيء على العقيدة أن تظُنَ باللهِ ظنَ الجاهلية ، أن تظنَ اللهَ في صفاتٍ هو مُنزّهٌ عنها ، أن تظنهُ يُعامل عبادهُ معاملةً ، هو عليٌّ كبير : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 43] أيها الأخُ الكريم ؛ يجبُ أن تعلمَ عِلمَ اليقين أنَّ أيَ خللٍ في فهمِكَ لحقائق التوحيد , يُقابِلهُ خللٌ خطيرٌ في سلوكك ، وبما أنَّ الجنة كما قالَ اللهَ عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 32] فالخلل في العقيدة يُقابلهُ خلل في السلوك . فالذي أتمنى على كُلِ أخٍ كريم ألاّ يقبلَ شيئاً عن اللهِ إلا بالدليل القطعي من كتابِ اللهِ ومن سُنّةِ رسولهِ ، وألاّ يقبلَ أيَّ تأويل إلا وفقَ الأصول التي اعتُمِدت في فهم كتاب الله , لأنَّ انحراف الدين أساسهُ أن يُضافَ إليه شيء , أو أن يُحذفَ منهُ شيء , أو أن يُؤول على غير ما أرادَ الله ، الإضافةُ تزوير , والحذفُ تزوير , وسوء التأويل تزوير , ونحن كمسلمين يهمُنا أن نستقي الإسلامَ من ينابيعه الصافية ، أن نعودَ إلى أُصولهِ الثابتة , لأنهُ قد أُضيفَ إليه ما ليسَ منهُ , وحُذِفَ منهُ ما هوَ أصيلٌ فيه , وفي أحسن الحالات : أُوِلت آياتهُ على نحوٍ لا يُرضي الله عزّ وجل , هذا مُلخصُ الدرس الماضي . أنواع الفسوق : الدرس اليوم : كما أنَّ هُناكَ خطراً كبيراً في أن تظنَ باللهِ غيرَ الحقِ ظنَّ الجاهلية ، هُناكَ خطرٌ كبير في أن تنحرفَ في السلوك ، لذلك هذا الدرس : أنواعُ الفسوق . وكلمة فِسق وردت في القرآن الكريم بعددٍ كبير , ربما كانت كلمةً خطيرةً جداً في الدين , يعني من باب التقريب : لو أحدنا كلفتهُ بشراء حاجات معينة , ولم يُنجز لكَ كُلَ هذه الحاجات , وصببتَ عليهِ كُلَ غضبك , فقال : يا سيدي , هُناك عشرةُ أسبابٍ حالت بيني وبينَ شرائي هذه الحاجات , فسألتهُ أنت : ما هذه الأسباب ؟ قال لكَ : أولاً لا أملك ثمن هذه الحاجات , فتُحس بحاجة إلى أن يُتابع التسعة , هذا أخطر سبب . أقول لكم الآن قياساً على هذا المثل : الإنسان حينما يفسُق , انتهى كُلُ شيء , يعني تُصبِحُ صلاتهُ شكليّةً ، يقوم إلى صلاتهِ متكاسلاً ، تُصبِحُ عبادتهُ صوريّةً ، يصومُ رمضانَ صيامَ البهائم جوع وعطش فقط ، يُصبحُ حجهُ حجاً من نوع الرحلة والسياحة , يعود إلى بلده ويُحدثُكَ عن الطرقاتِ والجسور , أمّا هذه الفريضة التي فرضها اللهُ علينا , لماذا ؟. فحينما يقعُ الإنسان في الفِسق , فقد فُرِّغَ الدينُ من مضمونه بالضبط , فُرِّغَ الدينُ من مضمونه , يعني برتقالة قشّرتها بإحكام , ثمَ رتبتَ القشرة كما لو أنها لم تُقشّر , لكنها لا لُب فيها , هذا معنى تفريغُ الدينِ من مضمونه . فدرسنا اليوم عن الفِسق , وهذه كلمة خطيرة , وأقول لكم دائماً أيها الأخوة : نحنُ في حياةٍ قصيرة ، العمرُ ثمين ، والوقتُ قليل ، والمهمةُ كبيرة ، والامتحان صعب ، فما لم نأخذ هذه المصطلحات مأخذاً جِديّاً , ونُترجمُها إلى واقع نعيشهُ , فإنَّ المشكلة تُعدُ مشكلةً لا يُستهانُ بِها . الفِسقُ في كتاب اللهِ عزّ وجل نوعان : مفردٌ مُطلق ، ومقرونٌ بالعصيان . الدرس الماضي كما تذكرون , تحدثنا عن الفحشاءِ والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وحينما تقرؤونَ في كتاب الله كلمة إثم وعدوان ، في كتاب الله لا يُمكن أن يكون هُناكَ تكرار , لأنَّ كُلَ كلمةٍ تعني شيئاً دقيقاً . الإثم : ما كانَ محرّماً لذاتِهِ ، والعدوان : ما كانَ مُحرّماً لقَدرهِ , كيف ؟ . الزِنا مُحرّمٌ لِذاتهِ ، شُربُ الخمرِ مُحرّمٌ لِذاتهِ ، أما العدوان أن تأخُذَ ثمنَ هذه السِلعة أكثرَ مما ينبغي ، أخذُ الثمنِ مُباح , أمّا أن تزيدَ في الثمن هذا عُدوان , يعني تجاوز الحد , في حد مسموح بهِ ، فمعصيةُ العُدوان معصيةُ قدرٍ لا معصيةُ جِنسٍ ، الإثم معصيةُ جِنس ، أمّا العدوان معصيةُ قدر . الفحشاء والمُنكر : الفحشاء شيء تأباهُ الفِطرة ، والمُنكر شيء يأباهُ العقل ، العقلُ إذا أنكرَ شيئاً فهو مُنكر ، والنفسُ إذا رفضت شيئاً فهو فحشاء ، فهذه المصطلحات القرآنية يجبُ أن نفهمها فهماً دقيقاً جداً , لأنها أصلٌ في تعامُلِنا مع اللهِ عزّ وجل . يعني مثلاً : ما الخطر في ذلك ؟ أن تكونَ مُتلبساً في الفسقِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالكُفرِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالشِركِ وأنتَ لا تدري ، أو أن تتهمَ نفسكَ بالفِسقِ وأنتَ ليسَ بفاسق ، عدمُ فهم المصطلحات يُسبب اضطراباً في العلاقة مع النفس , لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : نفسُكَ مطيتُكَ فارفق بِها . لابدَ إذاً من معرفة المصطلحات بشكلٍ دقيق . فالفسوقُ في كتاب اللهِ نوعان : مفردٌ مُطلقٌ , وفِسقٌ مقرونٌ بالعِصيان . الفسوق المفرد نوعان : المُفرد نوعان : فسوق كُفر يُخرِجُ عن الإسلام . يعني في فِسق من تَلّبسَ بهِ فهوَ كافر , سوف نأتي على الأمثلة بعدَ قليل . وهُناكَ فسوقٌ لا يُخرِجُ عن الإسلام . الفسوقُ والفِسقُ المقرون بالمعصية كقولهِ تعالى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 7] 1- فسوق الكفر . الآن فِسقُ الكُفرِ قالَ تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 26-27] نقضُ عهدِ اللهِ فِسقُ كُفرٍ . يعني في أعمال إذا عملها الإنسان , شعرَ وكأنهُ سقطَ من السماءِ إلى الأرض ، شعرَ وكأنهُ سقطَ من عين الله , هذا فِسقُ الكُفرِ , نقضُ عهدِ اللهِ ، الارتداد إلى المعاصي ، من علامة الإيمان : أن يكرهَ أن يعودَ في الكُفرِ كما يكرهُ أن يُلقى في النار ، فمن ارتدَّ إلى المعاصي , من ارتدَّ إلى الجحود , من اعتقدَ أنَّ هذا الدينَ خُرافة , ومن سلكَ سلوكاً مُنحرفاً يؤكد ذلك . الحقيقة : أنَّ هُناكَ لِسانٌ يُكذّب وأنَّ هُناكَ سلوكٌ يُكذّب، وأقول لكم وأنا أعني ما أقول: أنَّ تكذيبَ السلوك أخطرُ من تكذيب اللسان, أنتَ بإمكانكَ أن تزورَ طبيباً, وأن تتعالجَ عِندهُ, وأن يصف لكَ الدواء, وأن تُصافِحهُ, وأن تشكرهُ ممتناً, وأن تعطيهُ أجرهُ, فإذا ذهبتَ إلى البيت, عدمُ شِرائِكَ الدواء اعتقاداً مِنك أنَّ هذا الطبيب لا يفهم, عدمُ شِراء الدواء هوَ التكذيب, كذبّتَ عِلمهُ من حيثُ لا تدري، مُصافحتُكَ لهُ، ثناؤكَ عليه, كلامٌ فارغ، فأن ترى إنساناً في العالم الإسلامي يقول لكَ: ليسَ هُناكَ آخره, هذا قل ما يوجد، لكن أن تجد أُناساً كثيرين همُهم الوحيد هوَ الدُنيا, ولا تجد لهم في الآخرةِ أيَّ مطمح، وليسَ في سلوكهم ما يؤكد ذلك, فهذا نوعٌ من التكذيب بالآخرة. فلذلك: نقضُ عهد اللهِ، ليسَ شرطاً أن يقول إنسان: أنا نقضتُ عهدَ اللهِ, حينما يرتدُ إلى الفِسقِ والكُفر، حينما يرتدُ إلى المعاصي، حينما يحتال. مثلاً: مرة حدثني شخص, فقال لي: واحد يبيع خُضار نوعين؛ نوع الكيلو بعشر ليرات ونوع بليرتين، النوع بليرتين سيء جداً, وضعَ في كيس من النوع الممتاز, وعلى وجه الكيس وضع من النوع السيء, وقالَ له: زِن لي, فإذ بهم 6 كيلو × ليرتين = 12 ليرة. إنسان في وعيهُ يقنِص البائع وهوَ لا يدري، فهذا ليس فِسق عادي، معناها لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما ينحرفُ الإنسان انحرافاً خطيراً, لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما يُلبّسُ إنساناً تهمةً, هو بريءٌ منها, ويقنِصهُ بها, ويبتزُّ مالهُ بِها, هذا فِسق خطير جداً، يتصرّف وكأنَّ اللهَ غير موجود، فِسقُ الكُفرِ إنسان يتصرف, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب. أنتَ تُحِسُ أحياناً أنَّ الإنسان ينغلب، فيتوب ويبكي ويتأثر، حينما خرجَ عن أمرِ الله فقد فسق، لكن هذا الفِسق, فِسق أساسهُ أنهُ غُلِبَ غلبتهُ نفسهُ، طغت عليهِ شهوتهُ، نَدِمَ ندماً شديداً, هذا فِسق. ولكن هُناك إنسان يتحرك, ويبني مجدهُ على أنقاض الناس, ويبني غِناهُ على فقرهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ إطلاقاً, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب, هذا فِسق أساسهُ الكُفر، حينما رأى أنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ, وأنَ اللهَ في السماء, مع أنَّ اللهَ يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف الآية: 84] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] يعني مثلاً: لو أنَّ إنساناً مُراقب بجهاز تلفزيوني, وقد رأيتُ هذا في محل تجاري، رأيت جهازاً بجانب صاحب المحل, في الشاشة مُحاسب يُجري الحسابات في الطابق العلوي، هذا صاحب المحل, يُراقب هذا الموظف مراقبةً تامةً، لو أنَّ هذا الموظف أخذَ سِنةً من النوم, وأمسكَ مجلةً, وقرأها في أثناء الدوام الرسمي, ماذا نقول؟ هو مُراقب, لكن هذا الموظف يتصرّف وكأنهُ غير مُراقب. إذاً: الشيء الخطير أن تتحرك مع الناس، أن تستغِلَ قوتكَ، أو أن تستغِلَ حاجةَ الناسِ إليك، أو أن تستغِلَ حاجتهم إلى سِلعةٍ عِندكَ فتبتزُهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود. امرأة لها بيت, قالَ لها زوجها: إن لم تكتُبي لي هذا البيت فسوفَ أُطلِقُكِ، هيَ ضعيفة, توفيَ أبوها, وأخوتها مسافرون, وخشيت على مكانتها عِندهُ, فكتبت لهُ البيت, في اليوم التالي طلّقها، بعدَ أن أصبحَ البيتُ بيدهِ, ماذا نقول؟ كيفَ فعلَ هذا وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود؟ وكأنَّ اللهَ لا يقتصُّ مِنهُ؟. لذلك: من الغباء الشديد الشديد, ومن الحُمقِ الذي لا حدودَ لهُ: أن تتحرك وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, لكنَّ اللهَ كبير. أنا أذكر إنساناً, شاهد سيارة عليها مفتاحُها, ورآها جيدة جداً من أعلى مستوى, بلدنا والحمدُ لله فيها أمن, فركبها وانطلق بِها، فسَمِعَ أنَّ في المقعد الخلفي طفلاً صغيراً رضيعاً, هذا شيء مزعج, فأمسكهُ من رقبتهِ وخنقهُ ورماهُ في الطريق, وتابعَ سيرهُ, وظنَّ أنهُ ذكيٌ جداً بهذا العمل, ذكيٌ جداً. سيارة من أعلى مستوى, من أحدث موديل، بعد حين كانَ يركبُها معَ زوجتهِ وأولادهُ في المقعد الخلفي دخلت به سيارةٌ كبيرة, فقتلت ولديه فوراً, وأصابت زوجتهُ بعشرين أو ثلاثين كسراً, وهو في حالة خطيرة، فلما أُخذِت زوجتهُ إلى المستشفى, قالت: الله كبير. أنا أقول لكم: من أسابيع جاءتني مخابرة هاتفية, قالت لي امرأة: إنَّ ابني ألقى بِهرّةٍ من الطابق السابع, انزعجَ منها فأمسكها وألقاها إلى الأرض، فجاءت ميتة، قُلتُ لها: واللهِ إمّا أن تُسارِعوا إلى صدقةٍ تُطفئ غضبَ اللهِ عزّ وجل, وإمّا أخشى أن يموتَ ابنُكِ بالطريقة نفسها التي قُتِلت بها هذه الهِرة، لأنَّ الله كبير. هذه نقطة، أنتَ تقول: فُلان فاسق، أيام الإنسان يفوتهُ وقت صلاة, هذه كبيرة, لكن لا يوجد وراءها شعور أنَّ اللهَ غير موجود, أيام الإنسان يتكلّم كلمة يُغلب أحياناً، يتكلّم ويتألم ويدفع صدقة هذه فِسق، لكن في فِسق أساسهُ المغلوبية، أساسهُ أنهُ غُلِب، وفي فِسق أساسهُ أنهُ لا يرى اللهَ عزّ وجل. ﴿يضل بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ إفساد علاقات، إذا كانَ هذا التلميذ عِندَ هذا العالِم, لا, هذا دجّال، يعني رغبتهُ الجامحة أن يُفسدَ العلاقات بينَ المُعلّم والمُتعلّم، وبين الشريك وشريكه, وبين الزوج وزوجه، وبين الأخِ وأخيه، وبينَ الجارِ وجاره، وبين الأبِ وابنه، وبين الابن وأبيه: ﴿الذين ينقضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقه ويقطعون ما أمرَ اللهَ بهِ أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾ وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 99] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 20] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ هذا فِسق الكُفر . ﴿فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ فِسقُ الكُفرِ, والدليل: ﴿فمأواهم النار كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ 2- الفسق الذي لا يخرجك عن ملة الإسلام . أما الفِسق الذي لا يُخرِجُ عن الإسلام, وهي قولهُ تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 282] يعني: تطلب شاهد من المحكمة, لهُ مصلحة, لهُ عمل, بعد أن ضيّعتَ لهُ يوم بِكاملهِ : شُكراً سيدي، الله يعطيك العافية، جاء لمصلحتك وترك عملهُ, بقيَ بلا دخل، فإذا أضررتَ كاتباً أو شهيداً, فهذا فِسق؛ لكنَّ هذا الفِسق لا يُخرِجُكَ عن مِلة الإسلام, يوجد يمين ليسَ لهُ كفّارة, الغموس ليسَ لهُ كفّارة, لماذا؟ لأنها تُخرِجُ صاحِبها من الإسلام, وتغمِسهُ في النارِ غمساً، سماها النبي اليمين الغموس, لأنها تغمِسهُ في النار. واحد وضع عِندكَ مئة ألف ليرة, ولم يأخذ وصل, هوَ واثق مِنك, توفي, يعلمُ أولادهُ ذلك, جاؤوك بعد وفاة أبيهم, أُمورنا واضحة, معكم إيصال؟ أبوكم كان غلطان, فأقاموا دعوى عليه، القاضي ليسَ معهُ دليل, فيلجأ القاضي إلى ما يُسمّى باليمين الحاسمة، دعاهُ لحلف اليمين , جاء الفرج, فحلَفَ يميناً كاذبةً, أنَّ فُلان ليسَ لهُ عِندهُ شيء، هذه اليمين أُقسم بالله تُلغي عقيدتكَ وصلاتكَ وصيامك وحجك وزكاتك, وانتهى كُل شيء, وتُخرِجُكَ من ملة الإسلام, وتغمِسُكَ في النار. لذلك: هذه اليمين لا كفّارةَ لها، يوجد لنا أخوان كِرام, يتورعون عن حلفِ اليمين, ولو كانوا صادقين، يقول لكَ: شغلة خَطِرة, خُذ مبلغكَ, والله يُسامحكَ، يعني يتفادى بحلفِ اليمين كُلَّ شيء, لكن: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ فسوق المعصية : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 6] هذا الفاسق سمع إشاعة نقلها، لا يُسمى هذا فِسق كُفر، هذا فِسق معصية: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ بالمناسبة: كُلَ حدثٍ وقعَ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, هذا الحدث له دلالةٌ كبيرةٌ جداً، أسوق لكم مثلاً تعرِفونهُ جميعاً: لمّا النبي عليه الصلاة والسلام صلّى الظُهرَ ركعتين, فقال لهُ بعضُ أصحابهِ, وكانوا مؤدبين ومهذبين, أدبّهم القرآن, قالَ لهُ أحدهم: يا رسول الله! أقَصُرت الصلاة أم نسيت؟ صلّينا ركعتين فقط, فالنبي عليه الصلاة والسلام ما سبقَ أن نسي إطلاقاً، قالَ: كُلُ هذا لم يكن, فقال هذا الصحابي بأدب: يا رسول الله! بعضهُ قد كان, فأتمَّ ركعتين, وسجدَ سجود السهو, وقالَ: إنما نُسيّتُ كي أسُن، أسُن لكم سجود السهو. لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يسه ولا مرة في حياته, لكانَ هذا الحُكمُ مُعطلاً فقال: إنما نُسيّتُ وليسَ نسيتُ, لقولهِ تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [سورة الأعلى الآية: 6-7] الآن: اسمعوا هذه القصة التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, لتروا أنَّ هذه الآية التي جاءت في قولِهِ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط, أحدُ أصحابِ رسول الله, لمّا بعثهُ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم إلى بني المُستلق بعدَ الوقعةِ مُصدّقاً, وكانَ بينهُ وبينهم عداوةٌ في الجاهلية، فلمّا سَمِعَ القومُ بِمقدمهِ, تلّقوهُ تعظيماً لأمرِ رسولِ الله, رحّبوا به، فحدثّهُ الشيطان أنهم يُريدونَ قتلهُ فهابَهم, ورجعَ من الطريقِ إلى رسول الله, وقالَ: يا رسول الله! إنَّ بني المُستلق منعوا صدقاتِهم, وأرادوا قتلي, فغَضِبَ النبي عليه الصلاة والسلام، فبلغَ القوم رجوعهُ -النبي بعثَ لهم إنساناً لمهمةٍ نبيلةٍ, يُكذبوا النبي, ويمنعوا صدقاتهم, ويهمّوا بقتلهِ, وقتلُ الرسولِ إهانة للمُرسل- فأتوا رسولَ الله, هم رأوهُ مُقدِماً, مُقبِلاً عليهم, ثمَ عاد, خافوا أنهُ جاءهُ خبر من النبي أن عُد، لعلَّ النبي غاضِبٌ عليهم، فأرسلوا وفداً إلى النبي, قالوا: يا رسول الله! سمعنا برسولك, فخرجنا نتلقاهُ ونُكرِمُهُ ونؤدي إليه ما قَبِلنا من حقِ الله, فبدا لهُ بالرجوع, فخشينا أنهُ إنما ردّهُ في الطريق كتابٌ مِنك, لغضبٍ غضبتهُ علينا, وإن نعوذُ باللهِ من غضبهِ وغضبِ رسولهِ. صار في تناقض, فالنبي عليه الصلاة والسلام رسولهُ قال شيئاً وهؤلاء قالوا شيئاً، رسولهُ قال: منعوني الزكاة وهمّوا بقتلي، وهؤلاء قالوا: نحنُ ننتظرهُ لنُكرِمهُ ونُرحبَ به ونُعطيهُ الزكاة فرجعَ, ما الذي أرجعهُ؟ لعلكَ أنتَ أرسلتَ كتاباً له أن يرجع, أم لعلكَ غاضِبٌ علينا, ونعوذ باللهِ من غضب اللهِ ومن غضبِكَ. النبي الكريم كما قال الله عزّ وجل, لمّا جاءهُ الهُدهُد, قالَ: وجدتُ امرأة تملكهم وكذا وكذا, قالَ: سننظر أصدقتَ أم كُنتَ من الكاذبين, المؤمن يُحقق . فالنبي أرسلَ سيدنا خالدَ بن الوليد خفيةً, وأمرهُ أن يُخفي عليهم قدومهُ, وقال له: انظر فإن رأيتَ منهم ما يدلُ على إيمانهم, فخُذ منهم زكاةَ أموالهم, وإن لم تر ذلكَ, فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكُفار، ففعلَ ذلكَ خالدٌ, ووافاهُم, فسَمِعَ منهم أذانَ صلاتي المغرِبَ والعِشاء, الجماعة يُصلون ، وأخذَ منهم صدقاتِهم، ولم ير منهم إلا الطاعةَ والخير, فرجعَ إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم, وأخبرهُ الخبر, فنزلَ قولهُ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ هذا الصحابي لعداوةٍ سابِقةٍ بينهُ وبينهم, ولخوفٍ أصابَ قلبهُ, لكن لم يكفر الصحابي, ليسَ هذا فِسقُ كُفرٍ، هذا فِسق معصية, واللهُ توابٌ رحيم. بالمناسبة: أيام يكون الفاسِق فِسقهُ ليسَ من نوع الكذب, فاسق مثلاً يُطلق بصرهُ في الحرام, وحدّثكَ بحديث, هو فِسقهُ لا من جهة الكذب بل من جهة إطلاق البصر, فالقرآن الكريم ما ألغى رواية الفاسق, قال: تحققوا منها. إذا إنسان تحدّثَ لكَ عن إنسان، لا ترضى إلا أن تستمع إلى الطرف الآخر، يتكلّم كيف يشاء، وإذا أردتَ أن توّفر وقتكَ, اجمع الاثنين معاً, ويلتغي أربع أخماس الكلام، ممكن أن يُحدِثُكَ ثلاث ساعات عن الواحد، إذا الواحد أمامهُ يُحدّثُكَ خمس دقائق فقط, لكي تُوِفر وقتك, لا تقبل أن تسمع من زوج, إذا كان طبعاً الزوجة قريبتكَ على زوجتهُ, ولا من الزوجة على زوجها, اجمع الاثنين معاً وليتكلما، ينظر كل واحد للآخر، تنظر هي لن تتكلم, الرجل جالس أمامها, هو حي يُرزق, فقبلَ أن تحكُمَ على إنسان, لا بدَ من أن تستمعَ من الطرفين, والأولى أن تجمعهُما معاً, عندئذٍ تختصر الوقت والجهد. لكن من كانَ فِسقهُ من طرف الكذب, وقد عُرِفَ بالكذبِ كثيراً وتكراراً, بحيثُ يغلِبُ كذِبهُ على صِدقهِ, فهذا لا يُقبلُ خبرهُ ولا شهادتهُ، كُل مؤمن له بالمجتمع الإسلامي اعتبار, لهُ مكانة، إذا فَسق تُردُّ شهادتهُ، يعني أكبر إهانة توجه للإنسان: أن تُردُّ شهادتهُ. سمعت في بعض البلاد, إذا بائع غشَّ في البيع لا يُعاقب, لا ضبط ولا سجن, ولكن لوحة توضع على محله التجاري: هذا الإنسان يغشُ في البيع والشراء, ينتهي. سمعت في حمام معدني ببعض البلاد الأجنبية, طبعاً هذا المثل لهُ معنى, في مائهِ مادة تتفاعل مع البول, ولو واحد كان غير حضاري, أو غير مؤمن فبالَ في هذا الماء, فتخرج بقعة بنفسجية فوقهُ, فيلتقطونهُ كما تُلتقط الفأرة, ويوضع في غرفة زجاجية, على مدخل هذا الحمام مكتوب أنهُ: هذا الإنسان يبولُ في الحمام, هذه أكبر من سجن, الفضيحة وهدر الكرامة شيء خطير جداً، فيكفي أنَّ الفاسق إذا فَسق تُردُ شهادتهُ, وردُ شهادة الفاسق طعنٌ في مكانتهِ. الإنسان يعيش بكرامته، يعيش بمكانته، قد يكون فقيراً رافعَ الرأس، قد يكون عملهُ شاقاً رافعَ الرأس، أما إذا وقعَ في شيء يصغُرُ من عين الله فهذه المصيبة، الحقيقة: المصيبة أن تكونَ عاصياً لله، المصيبة أن تكذب، المصيبة أن تخون، المصيبة أن تفعلَ شيئاً لا يُرضي الله, ربنا عزّ وجل علّمنا عن طريق النبي, يعني في أشدِ حالاتهِ. مرة مع السيدة عائشة تسألهُ: يا رسول الله! أيُّ يومٍ صعبٍ مرَ بِكَ؟ أصعب أيام حياتك ، هيَ ظنت يوم أُحد, قالَ: لا, يومَ الطائف. إنسان متوجه بعد أن يكاد ييأس من قومِهِ قُريش, توفيت زوجتهُ, السند الداخلي, توفيَ عمهُ أبو طالب, السند الخارجي, من الداخل صار في وحشة, ومن الخارج صار في خلل, وكُلُ قُريش ضِدهُ, توجه إلى الطائف مشياً على قدميه, وفي الطائف السخرية والاستهزاء والتكذيب حتى والإيذاء ، قالَ: إنَّ أشدَ يومٍ أتى عليّ يوم الطائف, قالَ: إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي. هذا درس لنا مهما ضاقت الأمور: يا ربي هذا قدرك, وهذا قضاؤك, وأنا راضٍ به. إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي. يعني هناك كلمات لسيدنا عُمر, أنا أقولُها كثيراً, لأنني أشعر أنها بليغة, ما أصابتهُ مصيبةٌ, إلا قالَ الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمدُ للهِ إذ لم تكن في ديني، ما دام الدين سليماً, صائماً ومصلياً, ويغُض بصرهُ, ودخلهُ حلال, وإنفاقهُ حلال, مؤدية لواجباتهُ الدينية والأُسرية, بار بوالديه, ومُحسن لزوجتهِ, وعطوف على أولادهُ, لا يكون في شغل الله يُدبّر, ما دام لا يوجد معصية, القضية سهلة جداً, يعني الدنيا تأتيكَ وهيَ راغمة. وأوحى ربُكَ إلى الدُنيا, أنهُ من خدمني فاخدميه, ومن خدمكِ فاستخدميه, ومن أصبحَ وأكبرُ همهِ الآخرة, جعلَ اللهُ غِناهُ في قلبِهِ, وجمعَ عليهِ شملهُ, وأتتهُ الدنيا وهيَ راغمة. توضّحَ لدينا: الفِسقُ الذي يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام, والفِسقُ الذي لا يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام، يعني إذا غُلِبتَ, الصحابي خاف عداوة قديمة وخاف, النبي قَبِلَ عُذره, لكن لم يُخرِجهُ من الإسلام, أمّا هذا الذي يقطعُ ما أمرَ اللهُ بهِ أن يُوصل، هذا الذي يحلف يميناً غموساً ليقتطعَ بها مال امرئ مُسلم بغير حق, هذا يتصرّف وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود إطلاقاً. قال: والفسوق الذي تجبُ التوبةُ منهُ أعمُّ من الفسوق الذي تُردُ به الروايةُ والشهادة, أيضاً يوجد درجات, لو فرضنا إنساناً, نظرَ إلى امرأة نظرةً لا تَحِلُ لهُ, هذا فُسق, بل هذا يَرُدُ الشهادة, لا, لكن لو أدام النظر، لو كانَ من شأنهِ أن ينظر. أنا اقول لكم قصة واقعية: رجل يسكن في المزة, عِندهُ خمسُ بنات متزوجات، لهُ هِواية ليست شريفة, يركب السيارة العامة من المزة إلى المرجة, ويمشي في أيام الصيف في طريق الصالحية ذهاباً وإياباً، ذهاباً وإياباً ليُمتعَ عينيه بالنساء الكاسيات العاريات, لا يتكلّم ولا يبتسم, إلا أنهُ ينظر، هذا الرجل يسكن في بيت، جارهُ صديقٌ لي, جارهُ المُلاصق, ابتلاه اللهُ بمرضٍ في عينيه, هذا المرض اسمهُ: ارتخاء الجفون, كُلما أراد أن ينظرَ إليك, أمسكَ جفنيه بِكلتا يديه, ورفعهُما حتى يراك, فإذا تركهُما انحدرا, فربنا عزّ وجل جعلَ جزاءَ هذه المعصية من جِنسِ العمل، مرض ارتخاء الجفون, في أمراض لا نعلمُها نحنُ. فكُل فِسق لهُ ترتيب عِند الله عزّ وجل، عِنده خمس بنات متزوجات, وهو متزوج, ومُحصن, وله أصهار, ولهُ أولاد, وله أحفاد, المعصية بِسن متأخر قذرة جداً. أحُبُ الطائعين وحُبي للشاب الطائع أشد, وأُبغض العُصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد. هناك فِسق يوجِبُ التوبة ولا تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة ولا يُوجِبُ الكُفر. يعني دائماً أقول لكم كلمة دقيقة: من علامات ضيق الأُفق: رؤيتكَ لونين أبيض وأسود, فإن وجدتَ إنساناً زلّت قدمهُ في معصية صغيرة, هذا كافر, هذا مرض خطير مستشر بين الجماعات الدينية. مرة النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ زينبَ أن تتزوج أو غير زينب, النتيجة: ما أحبتهُ, قالت لهُ: يا رسول الله! إني أكرهُ الكُفرَ بعدَ الإيمان ، يعني لم أُحبهُ, لذلك القاضي لا يمكن أن يمضي العقدُ سليماً صحيحاً, إلا إذا سَمِعَ بإذنهِ من فم المخطوبة, أنها قَبِلت به، موافقة الأب, لأنهُ يعرف الرِجال, وموافقة البِنت لأنهُ زوجُها, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لو تُراجعيه، لو تقبلي بهِ، قالت: يا رسول الله! أفتأمُرني؟ قالَ: لا, إنما أنا شفيع. النبي الكريم ما وضعَ مكانتهُ الدينية في أمرٍ شخصي, هذا أمر شخصي, فأنا أردتُ من هذه القصة: أنكَ إذا وجدتَ إنساناً, لهُ معصية مُخالفة, إيّاكَ أن تتهمهُ بالكُفر، لو اتهمتهُ بالكُفر, أصبحت الهُوةُ بينكَ وبينهُ سحيقة، اقبلهُ، ذكّرهُ، يوجد أبيض وأسود, أما عندَ خبراء الألوان في مليون لون بينهُما. مثلاً: الكمال في الحِجاب: أن يُسترَ الوجه, لكن أتوازي فتاةٌ, تلبِسُ معطفاً فضفاضاً, وقد غطت رأسها, وبقي مساحةٌ صغيرة من وجهها, وترتدي ثياباً سابغةً؟ هذه لا توازى بامرأة فاسِقة تكشِفُ عن مفاتِنُها، أتمنى أن يُسترَ وجهُها لا شك, لكن أنتَ ليسَ لكَ الحق: أن تجعل هذه كهذه, لا, في فرق بينهُما, فأنتَ تُريد معياراً دقيقاً، إنسان نظر، إنسان لمس، إنسان باشر , الثلاثة معاً, لا, النظر زِنا, والمس زِنا, والمباشرة زِنا, لكن هذا الزِنا من نوع, وهذا من نوع, وهذا من نوع, أمّا أبيض أو أسود, فهذا أُفُق ضيق, فربنا عزّ وجل يُقدّر كُل شيء. يعني: كُل شيء لهُ حجم عِندَ الله عزّ وجل, فأردتُ من هذا: في فِسق يوجِب التوبة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق يُخرِجُ من المِلّة، فأنتَ إذا التقيت مع إنسان, وأردتَ أن تنصحهُ لا تُبالغ، إذا بالغت, نفرتَ منهُ, ونفرَ مِنك. وقد قالَ بعضُ العُلماء: الفِسقُ أخصُ بارتكابِ النهيِ, ولهذا يُطلقُ عليه كثيراً: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ يعني: إذا شيء نهى الله عنهُ وارتكبتهُ, يُسمى في القرآنِ فِسقاً, والمعصيةُ تركُ الأمرِ , المعصية ترك الأمر, أمّا الفِسق ارتكاب النهي, الشرع بشكل مُجمل أمر ونهي، افعل ولا تفعل، إذا قال لكَ: لا تفعل, تأكد أنَّ النفسَ البشرية تتمنى أن تفعل, وإذا قال لكَ اللهُ: افعل, النفسُ البشرية تتمنى ألاّ تفعل، لأنكَ لا ترقى عِندَ اللهِ عزّ وجل إلا إذا خالفتَ نفسكَ، لأنَّ للنفسِ طبع والأمرُ الإلهي يُخالفُ هذا الطبع، لذلك سُميَّ الأمرُ تكليفاً لأنهُ ذو كُلفةٍ, غضُ البصر, الإنسان مع سجيتهِ يتمنى أن ينظر، والإنسان مع طبعهِ يتمنى أن لا يستيقظ على صلاة الفجر النوم ألذ، ومع طبيعتهِ يتمنى ألاّ يُنفِقَ المال قبضهُ لهُ شعور آخر، فيوجد أمر ويوجد نهي, فإذا فعلتَ ما نهى اللهُ عنهُ, فهذا بالقرآن يكثُرُ ذِكرهُ بالفِسقِ، وإذا تركتَ ما أُمرتَ بهِ, فهذا يغلِبُ عليه اسمُ المعصية. والتقوى: تجمعُ الأمرين معاً، التقوى أن تتقي أن تقعَ فيما نُهيتَ عنهُ, وأن تترُكَ ما أُمرتَ بهِ، أن تتقي غضبَ الله, فإذا أمركَ بشيء, فالتقوى أن تفعلهُ, وإذا نهاكَ عن شيء, فالتقوى أن لا تفعلهُ. الآن دخلنا بموضوع آخر: في فِسق سلوكي, وفِسق اعتقادي, لمّا ربنا عز وجل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء الآية: 1] إذا إنسان أنكرَ الإسراء, ماذا يُعدُ في علمِ العقيدة؟ يُعدُ كافراً, لماذا؟ لأنَ دلالةَ الآية قطعي، الدلالة قطعية، إذا أنت أنكرت نصاً قطعي الثبوت والدلالة فقد كفرت، طيب لمّا ربنا قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم الآية: 8-9] الآيات توحي أنَّ النبي عُرِجَ بهِ إلى السماء, لكن لا دليلاً قطعياً على أنهُ عُرِجَ بهِ إلى السماء: من أنكرَ المِعراج فقد كفر. إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ قطعي فقد كفرت، إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ ظنيّ فقد فسقت، فالفِسق الاعتقادي خطير, أن تُنكِرَ شيئاً يعني ينبغي أن تعتقدَ بهِ، أما إذا أنكرتَ شيئاً يجبُ أن تعتقدَ بهِ فقد كفرت. أمّا فِسقُ الاعتقادِ كفسقِ أهلِ البِدعِ, الذين يؤمنون باللهِ ورسولهِ واليوم الآخر, ويُحرّمون ما حرّمَ اللهُ, ويوجِبونَ ما أوجبَ اللهُ, ولكنهم ينفونَ كثيراً مما أثبتَ اللهُ ورسولهُ جهلاً وتأويلاً وتقليداً لغيرهم. يعني: إذا أنت نفيتَ عن اللهِ عدالتهُ, أخي سبحان الله, الله يعطي الحلاوة لمن ليسَ له أضراس, هل تعلم أنكَ فسقت فِسقاً اعتقادياً بهذا الكلام؟ نفيتَ عن الله العدالة، نفيتَ عنهُ الحِكمة. فإذا نفيتَ عن اللهِ ما أوجبهُ لنفسهِ فقد فسقتَ فِسقاً إعتقاديّاً، أمّا التوبة: أن تُعلِنَ على الملأ الذينَ أنكرتَ هذا أمامهم, أن تُعلِنَ عكسَ ذلك, ولم تُقبلَ توبتكَ ما لم تُبين عكسَ الذي قُلتهُ من قبل, ماذا قالَ الله عزّ وجل؟: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 159-160] لكن الفاسِق فِسقاً, يُخرِجُ من المِلّة, هذا مأواهُ النار, والدليل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 67] هذا فِسق يُوجِبُ الكفُر. الخلاصة : اتضح معنا في هذا الدرس: أنَّ كلمة فِسق متدرجة, فِسق يوجِبُ التوبة، فِسق تُردُ بهِ الشهادة، فِسق كما تعلمون موضوع تعرفونهُ جميعاً: إذا الإنسان كذب, فقد وقعَ في النِفاق, لأنَّ آية المنافق ثلاث: إذا حدّثَ كذب. من عاملَ الناسَ فلم يظلمهم, وحدثّهم فلم يكذبهُم, ووعدهم فلم يُخلِفهُم, فهو ممن كَمُلت مروءته, وظهرت عدالتهُ, ووجبت أُخوته, وحَرُمت غيبتهُ, من كذبهم سقطت عدالتهُ, من ظلمهم سقطت عدالتهُ، من أخلفهم سقطت عدالتهُ؛ لكن في بالشرع دقّةَ بالغة: في سقوط عدالة وفي جرح عدالة. إبريق زجاجي, إذا جئت بمطرقة وكسّرتهُ قطعاً صغيرة, وقد يُشعرُ هذا الإبريق، فجرحُ العدالةِ شيء, وسقوط العدالة شيء آخر. عالِم الحديث الشهير, الذي جاء من المدينة المنورة إلى البصرة, ليتلّقى حديثاً عن أحدِ الرواة, لمّا رآهُ يوهِمُ فرسهُ: أنَّ في ثوبهِ شعيراً, لتُقبِلَ عليه, فاقتربَ منهُ, ولم يجد في الثوب شيئاً, فعادَ أدراجهُ إلى المدينة, وعدَّ هذه الحادثة تكفي لِردِ الحديث عنه, جُرِحت عدالتهُ. لذلك الأكل في الطريق يجرحُ العدالة, يمشي حافياً، أن تُطفف بتمرة، أن تأكل لقمة من حرام، أن تصحبَ الأراذل، أن يعلو صوتُكَ في البيت، أن تتحدثَ عن النساء، أن تُطلِقَ لفرسكَ العِنان، أن تقودَ بِرذوناً، أن تبولَ في الطريق, هذا كُلهُ يجرح العدالة، أنتَ مؤمن، أنتَ سفير هذا الدين، تُمثل هذا الدين، يعني الإنسان حتى ثيابهُ جزء من دينهُ, يعني لا أقول لكَ: يجب أن تكونَ غالية, أبداً, يمكن أن تكونَ الثيابُ متواضعةً جداً, ولكنها نظيفة, نظيفة فقط, الإسلام نظيف ، فدائماً وأبدا ً: (( عَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ, قَالَ: كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ, وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّدًا, قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَ الرَّجُلُ, خُرَيْمٌ الأَسَدِيُّ, لَوْلا طُولُ جُمَّتِهِ, وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ, فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا, فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً, فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ, وَرَفَعَ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ, ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ: فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى أخْوَانِكُمْ, فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ, وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ, حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ, فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ, قَالَ أَبو دَاود: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ)) [أخرجه أبو داود في سننه] وكانَ إذا مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام: يُعرفُ بريح المِسك. إذاً: حتى الآن أنواع المعاصي التي نحنُ في صددها: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, أكبر معصية هيَ أساس كُل المعاصي, إذا واحد اعتقد من شخص جاهل, أنهُ مهما فعلت, أنتَ من أُمةِ مُحمد, وأمةِ مُحمدٍ مرحومة, والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخُلَ الجنة قبلَ أن يُدخلَ أُمتهُ كُلها إلى الجنة, وانتهى الأمر, هذا الكلام يخرج منهُ ملايين المعاصي, إذا توهمّتَ هكذا, اسمع الآيات: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [سورة الزمر الآية: 19] هل هُناك أوضح من هذه الآية؟ ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَ فَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ الشفاعةُ حق, ولكن لها تفسير راقٍ جداً, أرقى من هذا الفهم الساذج للشفاعة, فأخطر شيء في الدين: أن تقولَ على الله ما لا تعلم, طبعاً آتي بمثل واحد, هُناك آلاف الأمثلة, يعني أن تعتقد أنك أُجبِرتَ على كُلِ معاصيك, ولا حيلة لكَ فيها إطلاقاً, ثم ساقكَ اللهُ إلى جهنم, لتبقى فيها أبدَ الآبدين, والقرآن الكريم, عشرات الآيات بل مئات الآيات تؤكدُ ندمَ الفاسقين. لو أنَّ الأمرَ كذلك, هل هُناك ندم؟ ما ندم، مُجرّدِ الأمرِ والنهيِ فأنتَ مُخيّر، أو ما قالهُ سيدنا عمر, لمّا قالَ له أحدهم: إنَّ الله قدّرَ عليَّ ذلك, قالَ: أقيموا عليه الحَد مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله. فالإنسان دائماً إذا كانَ مُقصّراً أو كانَ مُتلبساً بمعصيةٍ, يميلُ إلى أن يعزوَ هذا إلى الله, للأقدار, أما إذا صلى قيام الليل لا يقدر, يقول لك: أنا صليت قيام الليل، إذا فعل عملاً صالحاً تصدّق, يعزيها لحالهُ, يقول لكَ: أنا اليوم عملت كذا, أمّا إذا كان وقع في معصية, هكذا قدّرَ اللهُ عليّ, هذا الكلام مُضحك, لماذا الطاعةُ تعزوها إلى نفسك وتعزو المعصية إلى الله عزّ وجل؟: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 28] فالفِسق الاعتقادي خطير جداً، الكُفر أن تُنكر, أمّا الفِسق أن توجب ما نفاهُ اللهُ عن نفسهِ, أو أن تنفي عنهُ ما أثبتهُ على نفسهِ. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : النفاقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و العشرون ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين . ونحنُ قبلَ درسين أو أكثر : بدأنا في موضوع التوبة , وقبلَ أن ندخُلَ في صُلبِ موضوع التوبة , بدأنا في ذِكرِ المعاصي والذنوب التي ينبغي أن نتوبَ منها ، وتحدثنا من قبلُ عن أنَ أكبرَ المعاصي أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وتحدثنا عن الفحشاء والمُنكر، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يُخرِجُ من المِلّة ؟ وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يوجِبُ التوبة . منزلة النفاق : وننتقلُ اليوم , ولستُ أُبالغ إلى أخطرِ موضوعٍ من موضوعات الإيمان , ألا وهو النِفاق , لأنَّ أخطرَ الأمراض في عالم الطِب هي : الأمراضُ التي لا أعراضَ لها . هُناكَ أمراضٌ لها آلامٌ لا تُحتمل ، ليست خطيرة , لأنها في وقتٍ مُبكر تكشِفُها ، ولكنَّ أخطرَ الأمراض هي : الأمراض التي لا يُصاحِبُها ارتفاع حرارةٍ ولا آلامُ مُبرّحةٌ , إنما هيَ أمراضٌ تتسلل تسلُلاً بطيئاً إلى أن تستفحلَ فجأةً , وعندئذٍ يستحيلُ الدواء . ذكرتُ هذا لأنَّ الذي يخافُ أن يكونَ مُنافقاً قولاً واحداً ليسَ مُنافقاً , لكن المنافق لا يدري أنه منافق , يحسبُ أنهُ مؤمن , هذا الذي يُفسّرُ بهِ أن تأتي ثلاث أو أربعُ آيات في مقدمة القرآن الكريم , وفي أولِ سورةٍ منه تتحدثُ عن المؤمنين ، وفي آيتين فقط يتحدثُ القرآن عن الكافرين ، وفي ثلاث عشرة آية يتحدثُ عن المنافقين . عندما الإنسان يتكلّم كلام الكُفر, هذا الإنسان ليسَ خطراً أبداً، لأنَّ الناسَ يحذرونهُ, لأنَّ كفرهُ بواح, مهما يكن كفرهُ شديداً الناسُ يحذرونهُ، أمّا الذي يُخشى منهُ: هذا الذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, فالذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, هو المنافق لهُ مظهر وله مخبر، لهُ موقفٌ مُعلن ولهُ موقفٌ حقيقي، لهُ سلوك خارجي ولهُ اعتقاد داخلي، المنافق أخطرُ إنسانٍ في المجتمع الإسلامي. لذلك: هذا الذي تزيا بزيّ المسلمين، وصلى صلاتهم، وصام صيامهم، وحجَّ حجهم، وأدى زكاة مالِهِ كما يؤدون، ولبّسَ على المُسلمين, وهو يكيد لهم, ويحاول أن يُطفئ نور اللهِ عزّ وجل بطريقةٍ أو بأخرى, هذا ليسَ مكانهُ في النارِ كما هو مكان الكُفار, بل مكانهُ في الدركِ الأسفلِ من النار, هذا معنى قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 145] وكُلُكم يعلم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما نزلَ قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 84] أودعَ سِراً لسيدنا حُذيفة بن اليمان, وأعطاهُ أسماءَ سبعةَ عشرة مُنافقاً, أمرهُ إذا توفاهُ اللهُ عزّ وجل ألا يُصلّى عليهم، أمّا أن يأتي عمر بن الخطاب عِملاق الإسلام، الخليفة الراشد، الذي كان فذّاً عبقريّاً, يسألُ حذيفةَ بن اليمان, ويقول له: أُنشِدكَ الله: هل ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسمي مع المنافقين؟ هذا لِعِظَمِ حقِّ اللهِ عليه. أيها الأخوة, مهما اتهمتم أنفسكم, فأنتم تعملون ما هي صفات المؤمن؟ المؤمن كثير الاتهام لنفسه، دقيقٌ في حِسابهِ، عسيرٌ في محاسبةِ نفسه، يُراجع نفسهُ كثيراً، يتهمُ نفسهُ كثيراً، يلومُها كثيراً, حتى إن الله سبحانه وتعالى أثنى على تلكَ النفس اللوامة، أمّا هذا الذي يمدحُ نفسهُ, ويظنُ بِها خيراً, ويُحسن الظنَ بها, وهي ليست كذلك, فهذا على شُعبةٍ من شُعبِ النِفاق. الآن : النِفاق خطورتهُ أنَّ الإنسانَ يمتلئُ منهُ وهو لا يشعر ، والنِفاقُ خطورتهُ أنهُ يخفى على الناس ، إذا أحدهم قال : ليسَ هُناكَ إله, مع أن هذا الكلام هو الكُفر, لكن أنا أرى: هذا الكلام ليسَ لهُ خطورةٌ على المجتمعِ أبداً, لأنَّ الناسَ لا يصدقونهُ ويحذرونهُ ويبتعدون عنهُ ويتهمونهُ بالكُفر, أمّا هذا الذي يقول كما يقول الناس, ويصلي صلاتهم, ويصوم صيامهم, ويكيدُ للمسلمين, هذا مُنافق. يعني: إذا الإنسان جاء بالآيات, ووجهها توجيهاً ليوافقَ روحَ العصر، جاء بآيات وفسّرها تفسيراً يُكرّس في انحرافات العصر فرضاً، فرّغَ الإسلام من مضمونهِ, وهو يقول: قال الله جلَّ جلاله, والنبي عليه الصلاة والسلام, هُنا الخطر, لأنَ هذا سُمٌّ في دسم, دسم مع السُم. أنواع النفاق : 1-النفاق الأكبر : الحقيقة: النِفاق نوعان: نِفاقٌ أكبر، ونِفاقٌ أصغر, النِفاق الأكبر يوجِبُ الخلودّ في النار, ليسَ دخول النار فقط, يوجب الخلود في النار, لكن نعوذ بالله من هذا النوع, النِفاق الأكبر: أن تُنكرَ كُلَّ شيء في الدين, وأن ترفضَ هذا الدين جملةً وتفصيلاً, وألا تعتقدَ لا بما جاءَ بهِ النبي ولا بما نزلَ بهِ القرآن، لكنكَ بدافعٍ من مصالحكَ وذكائِكَ, ترى أن مصالِحكَ كُلها لا تصونُها إلا إذا أظهرتَ للناس أنكَ منهم, هذا هو النِفاق الأكبر الذي يوجب الخلودَ في النار, بل في دركِها الأسفل, وهو أن يُظهِرَ الإنسان للناسِ إسلامه, إيمانهُ بالله, وملائكتهِ, وكُتبهِ, ورُسلهِ, واليوم الآخر. إذا كُنت في بلد مُطبّقٌ فيه الدين تطبيقاً كاملاً, وسارعتَ إلى الصلاة كُلما أذّنَ المؤذّن, لأنهُ لو لم تذهب, هُناك سجن, وهُناك عقوبات كبيرة, فإذا غادرتَ بلدكَ إلى بلدٍ غربيّ, انغمست في الملذاتِ والزِنا والخمرِ إلى قِمةِ رأسك, هذا الذي يصلي في بلدهِ كُل وقت بوقته, ويحجُ البيت ويطوف ويسعى, ويدفع زكاة مالهُ, لأنَّ عليه مراقبة شديدة, فإذا لم يفعل عوقب وجُلد و.... إلخ, فإذا خرجَ من بلدهِ إلى بلدٍ أورُبي, انغمسَ في الزِنا والخمر إلى قِمةِ رأسهِ, أليسَ هذا هو النِفاق الأكبر؟ لا يعبأُ بشيء من أوامر الله عزّ وجل, بل هو لا يقبلُها, بل لا يعتقدُ بها. أردتُ أن أقرأ عليكم في سورة البقرة في مطلعها الصنفين من أصناف المنافقين, فالصِنفُ الأول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 17-18] هذا النِفاق الأكبر: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ 2-النفاق الأصغر : أما النِفاق الأصغر: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 19-20] لكنهُ لم يذهب بسمعهم وأبصارهم, لأنهُ ينتظر أن يهتدوا وأن يؤمنوا. فالمنافق إمّا إنسان مؤمن بالله, لكن إيمانهُ ضعيف, وغَلبتهُ نفسهُ, فانساقَ مع شهواتهِ, فهذا النِفاق الأصغر, الذي نرجو لصاحبهِ أن يؤمن, وأن يهتدي, وأن يتوب، وأمّا النِفاق الأكبر: فهو أن تُنكرَ أصلاً كُلَ ما جاء بهِ النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تُنكرَ هذا الكتاب, لكنكَ تفعلُ أفعال المُسلمين تمشيّاً مع مصالِحك. لعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, فَوَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, قَالَ آدَمُ: إِلا ذِرَاعٌ)) هذا الذي قصدهُ النبي, إنهُ في الأصلِ يعملُ بعملِ أهلِ الجنة, لكنهُ هو من أهلِ النار, هو كافرٌ كفراً بوُاحاً, ولكن يتظاهر. الآيات القرآنية التي تتحدث عن صفات المنافقين : الحقيقة: في سورة التوبة وصفٌ دقيقٌ دقيق للمنافقين، وفي سورة المنافقين وصفٌ دقيقٌ لهم، وفي ثنياتِ السور الأخرى وصفٌ لهم, أمّا الذي أتمناهُ على كٌلِ أخٍ مؤمن: أن تكونَ صفات المنافقين واضحةً في ذهنهِ وضوحاً جليّاً, ليعرف أينَ هو من هؤلاء؟ وفي هذا الدرس إن شاء الله تعالى سنقف عِندَ آيات المنافقين آيةً آية, نقفُ عِندها وقفةً متأنية, لنرى الأبعاد التي تعنيها تلكَ الآيات, فلعلها تكونُ مقياساً، يمرض الإنسان أحياناً, فيعطيه الطبيب قائمة مسجّل عليها بعض الأطعمة التي يجب أن يمتنع عنها لا ليأكُلها. وقفنا عِندَ آيات المنافقين في هذا الدرس من أجلِ هذا, من أجلِ أن نحذرَ أن نكونَ من هؤلاء, وأن نحذرَ أن تنطبِقَ علينا صِفاتِ بعضِ هؤلاء، المنافقون جميعاً متفقون على شيء واحد, وهو تركُ الاهتداء بالوحي, أنت إنسان تحتاج إلى منهج، تحتاج إلى دستور، تحتاج إلى قانون، ما المنهج الذي تسيرُ عليه؟ ما القانون الذي يُقننُ تصرفاتك؟ ما الدستور الذي تهتدي به ؟ المنافقون جميعاً أنكروا الوحي ورفضوه, والدليل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 53] الوحيُ في واد, ومبادئهم وأفكارُهم وقيمُهم وأساليبُهم وحركاتُهم في وادٍ آخر: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ والشياطين كما تعلمون يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً, يعني مُلخصُ هاتين الآيتين أنهُ : ﴿ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخيرةُ من أمرهِ﴾ أنتَ كمُسلم, هذا حِكمُ اللهِ في الرِبا, وهذا حُكمُ اللهِ في العلاقةِ مع النساء, وهذا حُكمُ اللهِ في الغيبة, وهذا حُكمُ اللهِ في الزواج, فإذا رفضتَ حُكمَ اللهِ, ولو كانَ الرفضُ داخليّاً, فأنتَ شئتَ أم أبيت وقعتَ في خندقِ المنافقين, يعني المنافقون اتخذوا هذا القرآن مهجوراً, يعني كتابٌ لا يصلُحُ لهذا الزمن، كتابٌ نتبرّكُ بهِ ولكن ليسَ هوَ الدستور، ليسَ هوَ القانون، كتابٌ نتلوهُ على الأموات، كتابٌ نقرؤهُ نتقوى, كتابٌ فصيحٌ جداً إذا قرأناهُ استقامت ألسِنتُنا, معناها اتخذتهُ مهجوراً, هذا الكتاب لم تر أنهُ الدستور الكامل. 1-في قلوبهم مرض . الحقيقة أول صِفة من صِفات المنافقين : في قلوبهم مرضٌ , هذا المرض حُبُ الدنيا، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام : (( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ )) [أخرجه أبو داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ] حُبُ الدُنيا هوَ الذي يحمِلُ على معصية الله, هو الذي يحملُ على أن تأخذَ ما ليسَ لك, هوَ الذي يحمِلُ على أن تطغى وعلى أن تبغي, لذلك: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 10] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فلمّا أصرّوا على هذه الشهوات وتشبثوا بِها: ﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أطلقهم إليها لعلّهم يتخلصونَ منها, ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون على اللهِ عزّ وجل. إذاً: أساس النِفاق حُبُ الدُنيا، وحُبُ الدنيا عبّرَ الله عنه بكلمة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أحياناً المنافق لسببٍ أو لآخر, يستمع إلى خُطبة, أو يجلس في مجلس عِلم, إذا انفض المجلس, لو سألتهُ عن كلمةٍ واحدةٍ, أٌلقيت في هذا المجلس, لا يتذكر, عن آية واحدة، عن تفسيرِ حديثٍ واحد، عن مِحور الدرس، عن عنوان الدرس, لا يتذكر، إذا خرجوا من عِندِ رسولِ الله, قالوا: ما قالَ آنِفاً؟ والله لا أتذكر، لم نفهم شيئاً, فربنا عزّ وجل وصفهم, فقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ يقول الحجاج مرة : رأى شخصاً يُصلي قاعداً في دُكانهِ , وهو يبيعُ بعض الأواني , ودُكانهُ سقفُها مرتفع , وعِندهُ سُلّم , وهُناك رفوف بعضُها فوقَ بعض , فقالَ لهُ : باللهِ عليك هذا الإناء , اختار أعلى واحد , أرِني إياه بنشاط , وضعَ السُلّم , وصعد وجاء بهِ ، قال : لا , ليسَ هذا الذي بجانبهِ , فصعد , وجاءَ بهِ , أرادَ الحجاج أن يمتحنَ صِدقهُ مرتين , وثلاثة , وأربع مرات , وهو يصعد ويهبِط , بعدئذٍ قال : تُصلي قاعداً في دُكانِك وأنتَ في البيع والشِراء نشيطٌ جداً . أيام الإنسان يقول لكَ: الإمام طوّلها, يعني يكون قد قرأ آية زيادة, توقفهُ على باب الجامع, تُحدِثهُ ساعة على الواقف, وأنتَ مبسوط, استكثر آية يتلوها الإمام في صلاة الفجر زائدة, ووقفَ ساعةً يُحدِثُكَ في حديثٍ سخيف, وهو لا ينزعج. فلذلك: المؤمن في المسجد كما يقولون كالسمكِ في الماء, والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص, يعني متضايق: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ 2-المخادعة. من علاماتِهم كما تعرفون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ , لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ , فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( يَا بِلالُ, أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا )) (( عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ )) إذاً: الذي يقومُ إلى الصلاةِ كسلاناً: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] هذه صِفةٌ ليست طيبةً في حقِ المُسلم، ذِكرهُ للهِ قليل، يعني إذا خُضتَ معهُ في موضوعٍ دُنيوي, خاضَ فيهِ إلى قِمةِ رأسهِ, فإذا دخلتَ في موضوعٍ ديني ينظر لساعتهِ, ويقول لكَ: تعذرُني عِندي موعد، ساعة ونصف يستمعُ إليك بنهم, ما دام الموضوع في التجارة والمشاريع والاستيراد والتصدير وأسعار العُملات, أمّا إذا دخلتَ في موضوعٍ ديني اعتذر فوراً. فلذلك : ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾ المنافق مشكلتهُ أنهُ يجعلُكَ في حيرة لا هو مع المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هو مع المنافقين مع الكُفار فتظنهُ كافراً وتستريحُ منهُ. يعني أحياناً تجد طالباً لا يدرس, فلو دخل في صنعة كانَ قد تعلمّها, وكان قد أتقن الصنعة, لكان خيراً له, فالطالب ليس بطالب, وقتهُ مُعطّل, ليسَ بطالب ليتعلّم, ويأخذ شهادات عُليا, ويتفوق, ويصبح طبيباً، محامياً، مهندساً، مدرساً، ولا هو إنسان أتقن عملاً, يكسب منهُ رِزقهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 143] لو كان مؤمناً صادقاً, قطف ثِمار الإيمان, شعر بالراحة, فتيسرت أُمورهُ, وتجلى اللهُ على قلبِهِ, وألقى اللهُ في قلبهِ نوراً, شعر بطمأنينة، حياتهُ سعيدة، بيتهُ سعيد, ولو كان كافراً لانطبق عليه قولهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 44] يعني: خُذها وخلصني, لا هو من المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هوَ من الكافرين حتى يخرُجَ من العناية المُشددة. البارحة حضرت مولداً, رجل أُصيب بحادث سير, وقُطعت يدهُ بهذا الحادث, بعدَ أن شُفيَ من الأعراض الجانبية من هذا الحادث, أُقيمَ لهُ مولد جيد, فألقى فيه بعضُ العُلماء كلمات, فأنا خطرَ في بالي هذا المعنى: لو أن شابين, واحد طالب مدرسة, والثاني بِلا دراسة وبِلا عمل, طالب المدرسة إذا تأخر يُحاسب، إذا لم يحفظ الدرس يُحاسب، لم يكتب وظيفة يُحاسب، نسيَ الكتاب يُحاسب، مرة أحضر والدكَ، مرة وقّع تعهد، مرة قف خارج الدرس، فهو يشكو همهُ لهذا العاطل عن العمل, فقالَ له: أنا أعوذ بالله, من يجرؤ على محادثتي, لا أحد, يقول لي: أحضر والدك, أو اعمل تعهد, ولا شيء أبداً, لكن يوجد جواب لطيف كثيراً, أنتَ خارج المدرسة، هذا مستقبلهُ معروف, هذا طبيب آخرتهُ. فلمّا الله عزّ وجل يُهمِلُ الإنسان, تجده يزداد قوة ومنعة وغِنى, وهو غارق في المعاصي, يفتخر ليسَ فيه مرض, وليسَ عِندهُ مشكلة, وشغلهُ جيد, فهذا الشاب الذي لا في العير ولا في النفير، لا في التعليم ولا في المِهن ولا في الحِرف, سائب. يعني قد تكون بعض العبارات قاسية لكنها مُعبّرة, دابة سائبة لا قيد يُقيدهُا، ولا قانون يحكمهُا، ولا قيم تُقيّمهُا، ولا شرع يهتدي به، ولا كتاب يُطيعهُ، يفعلُ ما يشاء بِلا حِساب. فلذلك: الإنسان إذا شعرَ أنَّ اللهَ يُتابِعهُ, وأنَّ اللهَ يُحاسِبهُ على حركاتهِ وسكناتهِ وخطواتهِ, فهذه من نِعم الله الكُبرى, أنتَ في العناية المُشددة. قالَ له: عِظني ولا تُطل, قالَ له: قُل: آمنت باللهِ ثم استقم، قالَ: أُريد أخفَ من ذلك -هذه ثقيلة- فقالَ لهُ: إذاً فاستعدَ للبلاء. فالمؤمن مُبتلى. في قصة غريبة جداً: في صحابية, لها زوج لم يمرض مرة بحياتهِ، لا مرض ولا مُشكلة، والمال بين يديه موفور، وصحتهُ طيبة، فخافت أن يكون منافقاً، فذهبت إلى النبي لتشكُوهُ، لا تُريد هذا الزوج, غير معقول أن يكون مؤمناً!!! المؤمن مُبتلى، يُحاسب، يُعاتب، مرة يمرض، مرض يتألم، مرة يُضيّق اللهُ عليه. قال يا محمد: أتُحبُ أن تكونَ نبيّاً ملكِاً أم نبيّاً عبداً؟ قال: بل نبيّاً عبداً أجوعُ يوماً فأذكُرهُ, وأشبعُ يوماً فأشكرهُ. هذا لا يوجد به شيء, لا وجع رأس, ولا ألم, ولا هم, ولا حُزن, فذهبت زوجتهُ إلى النبي لتشكوهُ, ولعلّها تبعدُ عنهُ, وكانَ في رِفقتِها, وقعَ في الطريق, فتعثرت قدمهُ, فقالت: ارجع انتهى الأمر, يعني أصبحتَ مُبتلى, فالمؤمن ضمن العناية المشددة. الله عزّ وجل لمّا يُحاسِبُك في الدنيا, هكذا ورد في بعض الأحاديث: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكانَ مريضاً، قالَ: يا رسول الله! ادع اللهَ أن يرحمني, فيبدو أنَّ النبي سألَ اللهَ أن يرحمهُ, فقالَ اللهُ عزّ وجل: كيفَ أرحمهُ مما أنا بهِ أرحمُ؟ وعِزتي وجلالي لا أقبِضُ عبدي المؤمن, وأنا أُحبُ أن أرحمهُ, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كانَ قد عَمِلها سُقماً في جسده, أو إقتاراً في رِزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر, فإذا بقي عليه شيء, شددتُ عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيومَ ولدتهُ أُمهُ. أنا أقول لكم, وأنا صادق في هذا الكلام: إذا أحدكم يتابعه الله عزّ وجل, يُتابِعهُ تماماً, كُلما زلّت قدمهُ, جاء العِقاب, ليفرح, لأنهُ في العناية المُشددة، وإذا رأى نفسهُ يُسيء ولا يُحاسب, معناها ليحزن, لأنهُ خارِجُ العناية المُشددة, تماماً كهذا الذي يقول: أنا لا يتكلم معي أحد ولا كلمة, أنتَ خارج المدرسة، أنتَ فلتان طبعاً, لا يوجد هُناك من يُحاسِبُك، فالمنافقون مُذبذبين بينَ ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 88] 3- يدور مع مصالحه : المنافق إذا كان لهُ قضية, يعني قضية تجارية, خصومة تجارية، دين، عِندهُ حاسة سادسة, إذا كانت تُحل عِندَ العُلماء, يقول: أنا يا أخي أُريد الشرع, لأنَّ القانون يجوز أن يكون ضِدهُ, أمّا الشرع معهُ، تجده يُريد العُلماء, أخي أنا أُريد حُكم الله، وأحياناً يشعر بالحاسة السادسة, أنَّ الشرع ليسَ معهُ, أمّا القانون معهُ, يقول: أنا أُريد المحكمة, نحنُ في بلد فيه محاكم, فدائماً يُلاحق مصلحتهُ, إذا تُحل قضيتهُ مع الشرع صار مع الشرع، تُحل مع القانون صار مع القانون، هذه أيضاً صِفة من صِفات المنافقين: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 141] نحنُ معكم, نحنُ منكم وفيكم. 4-المنافق طليق اللسان : المنافق طليق اللسان، يعني أحياناً عِندهُ قوة إقناع، فصيح أحياناً, قالَ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [سورة البقرة الآية: 204] ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالمناسبة: وهذه القصة التي أقولها لكم, وأنا أُعدُها من أخطر القِصص: لو كنت طليق اللسان, وعندك بيان، عندك قوة إقناع, واستطعت أن تنتزع حُكماً لا من فُلان أو عِلان, لا من شيخ أو غير شيخ, أن تنتزعَ حُكماً لصالِحِكَ من فمِ رسولِ الله, وهل أعظم من رسول الله؟ من فمِ الصادق المصدوق؟ من فمِ المعصوم؟ من فمِ سيدِ الخلق؟ من فمِ حبيب الحق؟ ولم تُكن على الحق, لا تنجو من عذاب الله, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) ما قولُكم: علاقتكَ مع من؟ مع الله عزّ وجل, لا تنجو, فالذي يريد فتوى من فُلان ففتى لكَ, ولو النبي فتى لكَ, لو لم تكن على الحق, واستصدرتَ من النبي فتوى, لا تنجو من عذاب الله, هذا من ضعف الإيمان، من الشِرك الخفي: الإنسان إذا أخذ فتوى, يقول: أخي إن شاء الله يتحمل وزرها, في هذه الحال لا تنجو أنتَ من عذاب الله، لو استصدرتَ فتوى من زيد, لو استصدرتها من رسول الله لا تنجو, وهذا الدليل القطعي. 5-الفساد في الأرض : قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة الآية: 205] المنافق مُفسد, معنى مُفسد: يعني الشيء يُخرجِهُ عن طبيعته, الماء طاهر, لا لونَ له، لا رائحةَ لهُ، لا طعمَ لهُ، هذه صفاتهُ، ما معنى إفساد الماء؟ تلويثهُ, أخرجتهُ عن طبيعتهُ، هذه الفتاة طاهرة، نقية، شريفة، خجولة، صاحبة حياء، إذا أخرجتها من حيائها، أخرجتها من عِفتها، أخرجتها من صونِها, ففسدت, بأي غطاء تحت اسم: مشاركة أو المرأة نصف المجتمع , المنافق مُفسد وهو لا يشعر: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أحياناً يُفسد فتاة وقد تكون ابنتهُ، يقول لكَ: أُحب أن أُربي ابنتي تربية استقلالية, لها أن تفعل ما تشاء, وأن تُصاحب من تشاء, وأن تأتي متى تشاء, هكذا التربية الحديثة, لمّا أطلقتَ لها العِقال, وانطلقت كما تشاء, وهي ضعيفة الإيمان, فربما أغواها فتى، ربما جرتها فتاة إلى مكانٍ لا يُرضي الله عزّ وجل, أنتَ أفسدتها. لذلك الجواب يوم القيامة, تقولُ لهُ: يا ربي لا أدخلُ النار حتى أُدخلُ أبي قبلي, هو الذي أفسدني. يعني إن رأى ابنهُ لا يُصلي ولا يستقيم, لكنهُ متفوق في دراستهُ, يكون مرتاحاً تماماً ، يُريدُ مستقبلهُ الدنيوي فقط, حتى إذا أرسلهُ إلى بلد أجنبي ليتعلّم اللغة, ولا يحفلُ بما يفعلهُ في هذا البلد من موبِقات, المُهم أنهُ عادَ متمكناً من اللغة, هو يُفسد, قد يفسد بين شريكين، بين أخوين، بين جارين, على كُلٍ؛ إفسادُ الشيء أن يخرُجَ عن صلاحهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ 6-المنافق لا يرضى بحكم الله : المنافق لا يرضى بِحُكمِ الله عزّ وجل, والدليل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء الآية: 61] لا يقبل حُكمَ اللهِ عزّ وجل, لأنَّ شهواتِهِ تغلِبُهُ. 7-اتخاذه الأيمان المغلظة : والمنافق يشعر أنهُ غير مُصدّق, فأحياناً يُلقي كلامهُ, ويدعمهُ بالأيمان المُغلّظة, لِمَ اليمين؟ لِمَ تحلف؟ من يُكذبُك؟ يشعر أنهُ غير مُصدّق، ليسَ نظيفاً من الداخل، ليسَ صافياً، قال : ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 2] النبي عليه الصلاة والسلام: كانَ إذا غزا, وعادَ من غزوتهِ, يجلس لسماعِ أعذارِ المؤمنين, في أُناس تخلّفوا, فمرة عادَ من غزوةٍ, واصطفَّ المخلفونَ, وسَمِعَ أعذارهُم, واحِداً واحِداً, كُلُ واحدٍ أقسمَ أيماناً مُغلّظةً, أنهُ كان مشغولاً، أنهُ كان مريضاً، زوجتهُ مريضة, استمعَ إلى سبعين رجل, ثم جاء مؤمن صادق, قالَ: واللهِ يا رسول الله! حينما دعوتنا إلى الجِهاد, ما كُنتُ في وقتٍ أنشطَ من هذا الوقت, ولكنني تخلّفت, فالنبي الكريم تبسّم, وقال: أمّا هذا فقد صدق, معناها السبعين كانوا كاذبين وأمّا هذا فقد صدق، وهذا الذي مع رِفاقهِ الاثنين الذينَ أمرَ اللهُ عزّ وجل بمقاطعتهم خمسينَ يوماً, ثمَ تابَ اللهُ عليهم. كُن صادقاً مع الله، كُن صادقاً مع نفسك، أمّا الكذب سهل, لكن إذا كذبت سقطت من عين الله, وانتهى الأمر: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 8-ظاهره يختلف عن باطنه : قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 4] يعني: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 171] أمّا في أُمور دُنياهم متفوقون. يعني أيام الإنسان يكون الله قد أعطاه هيئة، طول، فخامة، لون، عيون واسعة، جبهة عريضة مثلاً، طليق اللسان، أنيق جداً, ما قيمةُ هذا؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ مثقف ثقافة عالية, يتفلسف عليك دائماً, أما عِندَ الله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ الأحنف بن قيس: كان قصير القامة، أسمرَ اللونِ، غائرَ العينين، ناتئَ الوجنتين، مائِلَ الذقن، أحنفَ الرِجلِ، ضيقَ الجبهةِ، ليسَ شيء من قُبحِ المنظر إلا وهوَ آخذٌ منهُ بنصيب, وكانَ مع ذلكَ سيدَ قومِهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب، وكانَ إذا عَلِمَ أنَّ الماءَ يُفسدُ مروءته ما شربهُ. مرة كان عِند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, يأخذُ لابنهِ يزيد البيعة, فتكلّمَ الناسُ في مدحِ يزيد, وبقيَ الأحنفُ صامتاً, فصمتهُ أحرجَ المجلس, قالَ: تكلّم يا أحنف, قالَ: أخافُ الله إن كذبت, وأخافُكم إن صدقت, فكانَ تلميحاً أبلغَ من تصريح, وكانَ معَ ذلكَ سيدَ قومهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب. إذاً: الأمور الشكلية الظاهرية لا قيمةَ لها عِندَ اللهِ أبداً. عن أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر, فعلاً عملهُ قذر, لكن غني من أهل اليسار، بعد يوم اضطررت أن أُصلح مركبتي عِند إنسان مؤمن, فهو مرتد لِباساً, لونه أزرق, من الشحم والوحل صارَ أسود, أتقن عمله, وأخذَ سعراً مُعتدلاً, قُلت: والله هذا عملهُ نظيف, وذاك عمله قذر, أحياناً يكون وضعك خَشن جداً مُتعب, لكن يوجد استقامة، يوجد صِدق، في إخلاص، في انضباط، في طاعة لله عزّ وجل، فأنتَ عِندَ اللهِ عظيم. ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على اللهِ لأبرّه)) ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ 10-يتألم إذا أصاب المؤمن خيراً ويفرح إذا أصابه الشر : المنافق: إذا كان المؤمن أصابهُ خير يحزن ويتألم جداً, قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 50] المنافق يُحب أن يُحكى على المؤمن، يُحب أن تشيعَ الفاحشة بينَ المؤمنين, يقول: ألم أقل لكَ: كلهُ خلط، كلهُ هراء؟ يتمنى بدعوة إلى الله أن تتحطم، يتمنى إنسان مؤمن في موطن إعجاب الناس يُحكى عليه: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ دائماً يتربص بالمؤمنين, فإذا أصابهم الخير تألمَ جداً, وإذا أصابهم الشر ارتاح, إذاً: هو ليسَ منهم, هو في خندقٍ آخر، ما دام فَرِحَ لما أصابهم, وتألم لِما يُسرُهم, إذاً: هوَ في خندقٍ آخر. 11-المنافق مادي : قال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 46] المنافق مادي, إذا أنفقت مالاً أمامه, يقول لكَ: بِلا جنون حافظ على المال وأبقيه لكَ ، إذا خدمت إنساناً يقول لكَ: ما بِكَ؟ ما يأتيكَ منه؟ يُثبط عزيمتكَ دائماً, كالجمر يُصب عليه ماء، تكون مُتقداً حماساً, وتُحب أن تعينَ الناس, يقول: اجلس في بيتك واسترح, ما بِكَ؟ والناس ليسَ منهم سِوى وجع الرأس؟ إن أنفقت أمامهُ, اتهمكَ بالجنون, احفظ على قرشك, أبقيه معك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس الآية: 47] هذا قول الكافرين أيضاً. 12-المنافق يضعف العزيمة ويثبط الهمم : قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 47] المنافق يُضعّف العزيمة، يُثبّط الهِمم، يجعل المادي أزكى، والمؤمن المندفع لِخدمة الخلق يجعلهُ أحمق، فدائماً تجلس معهُ, ترى نفسكَ صغيراً أمامهُ، هو مادي صاحٍ, يقول: أخي أُريد أن أُديّن, لا تُديّن أحد, العملة تنزل أسعارها فتخسر أكثر, فيمنعُكَ أن تُديّن، يقول لكَ: الآن يوجد تضخم نقدي 17% كل سنة, كيف تُديّن نقودك؟ لسنة ذهبَ خُمس مالكَ, فدائماً ضعيف الهِمة, ويُضعِفُ هِمةَ الآخرين، إذا قال لكَ: أنا أُصلي الصبح حاضر بالمسجد, يقول لكَ: والله يا أخي بالليل لا تخرج من بيتك, أنسبُ لكَ, أنا أنصحك, يُريدُك ألا تُصلي بالمسجد ، إن حضرتَ الدرس, أخذوا اسمك, يعني همهُ أن يُخوّفك، همهُ أن يُضعف لكَ هِمتك، همهُ أن يُبعِدُكَ عن الحق، همهُ أن يمنعكَ من إنفاق المال، لو ساعدت إنساناً فيُحب أن تبتعد عن هذه المساعدة. لذلك: الله عزّ وجل قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ 13-المنافق يكره حكم الله : المنافق يكرهُ حُكمَ الله, قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 9] يعني يُحب الاختلاط، أين تعيشون أنتم؟ هل سنأكل زوجتكَ؟ يكرهُ حُكم الله عزّ وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الحقيقة أنَّ سورة التوبة كما قلتُ قبلَ قليل, وسورة المنافقين على الحكاية, هاتان السورتان فيهما وصفٌ دقيقٌ دقيق لأحوال المنافقين, فلذلك نحنُ إذا قرأنا هاتين السورتين, واستنبطنا بعضَ الآيات التي تصفُ المنافقين, كما يسألُ المريض الطبيب: أعطني قائمةً بالممنوعات, حتى لا أتورطَ فيها أبداً, والمؤمن كذلك. يعني: أدق موقف للمنافقين, أدق موقف يوم القيامة في سورة الحديد الآية 13، المنافق كان مع المؤمن في الدنيا, في جامع واحد، في حجٍ واحد، يعني مظهره كالمؤمن تماماً, فيوم القيامة كما قالَ الله عزّ وجل: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة الحديد الآية: 13-14] فتنتم أنفسكم في الدنيا، وتربصتم بالمؤمنين، تتمنون أن يأتيهم الشر، وارتبتم بكتاب الله، وغرّتكم الأمانيّ, كانت الدنيا تملأ قلوبكم, حتى جاءَ أمرُ اللهِ, وهو الموت, وغرّكم باللهِ الغرور, فاليومَ لا يؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا: مأواكم النارُ هي مولاكم وبئسَ المصير . موقف مؤلم جداً. يعني لمّا النبي عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)) عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ, فَبَكَتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ, فَبَكَيْتُ, فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ, فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ, وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ﴾, حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ)) يعني في هذه المواقف الثلاث, لو وقعت عينُ الأم على ابنها لا تعرفهُ, لِهولِ الموقف، الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحج الآية: 1-2] ما قال: كُلُ مُرضعٍ، لو قال: كُلُ مُرضعٍ, يعني امرأة تُرضع ابنها في طورِ الإرضاع, أمّا كُلُّ مُرْضِعَةٍ ابنها على ثدييها تلقيهِ وتهرب. يوم القيامة,: لو وقعت عينُ الأمِ على ابنها لا تعرفهُ، قال: فإذا وقعت عينُ الأمِ على ابنها في غير هذا الموطن, غير الصِراط والميزان وإذا الصُحفُ نُشِرت, تقول لهُ: يا بني, جعلتُ لكَ صدري سقاءً, وحِجري وِطاءً, وبطني وِعاءً, فهل من حسنةٍ يعودُ عليَّ خيرُها اليوم ؟ يقول لها ابنُها: ليتي أستطيع ذلك يا أُماه, إنما أشكو مما أنتِ منهُ تشكين. هُنا الموقف مؤلم: ﴿ألم نكن معكم﴾ ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ يعني حسنة لله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ في الدنيا كُنتم غافلين: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هُنا وصف المنافقين دقيق: ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ يتمنونَ أن يأتيهم الشر، وارتبتم بما جاءَ في كتاب الله, كلامُ اللهِ ليسَ مِلء سمعِكَ وبصرِك: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ﴾ في بالك أحلام, بيوت ومراكب ونساء وحدائق غناء وسفر حولَ العالم ورصيد كبير, تنام فيأتي ببالك خواطر من هذا النوع: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الموت: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان، يقول لكَ: أنتَ لستَ من أُمةِ محمد, هذه أُمتهُ مرحومة, النبي لن يدخُلَ الجنة حتى يُدخِلَ كُلَ أُمتهِ قبلهُ، تطمئن, الشيطان أسماه الله الغَرور, لأنهُ يَغُرُ المنافق ويُمنّيه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 22] والمنافق الشهير ثعلبة, الذي كانَ حمامةَ المسجد, وكانت لا تفوتهُ تكبيرةُ الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، رآهُ النبي مرةً بثوبٍ بالٍ, قالَ: كيفَ حالُكَ يا ثعلبة؟ قالَ: حالي كما تراني. -ما هذه الحياة؟. تجد المؤمن: الحمد لله, ويكون عاطلاً عن العمل, ويكون عِندهُ أمراض بجسمهُ, فيقول: الحمدُ لله, تجد شخصاً يقول لكَ: الحياة لا تُعاش, ما هذه الحياة؟ دائماً ناقم, قالَ لهُ: حالي كما تراني-. قالَ لهُ: يا ثعلبة قليلُ تشكرهُ خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، قليلُ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك فقالَ له: ادع اللهَ أن يجعلني غنيّاً -ألحَّ عليهِ كثيراً-, فتوجهَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهِ عزّ وجل, ودعا له بالغِنى, هذا كثُرت أموالهُ, وملأَ قطيعُ أغنامهِ شِعابَ المدينة, وصارَ غنيّاً, وغابَ عن مجلسِ النبي عليه الصلاة والسلام. -بصراحة أقولها لكم: أحياناً يكون الإنسان بِلا عمل, لا يغيب عن درس, فإذا وجدَ عملاً صغيراً, لم نعد نُشاهدهُ, أينَ أنت؟ واللهِ مشغول يا أستاذ, لا يجوز هذا، هذا مجلس عِلم, حبذا ولو أنتَ في قِمةِ انهماكِكَ في العمل, أن تُحافظَ على مجالس العِلم، غاب عن المسجد- فالنبي أرسلَ لهُ من يُطالِبهُ بزكاةِ مالِهِ, فقالَ لهُ: قُل لِصاحِبكَ, قالَ: أو ما تراهُ صاحِباً لك؟ ليسَ في الإسلامِ زكاة, قالَ: جمعتَ معَ النِفاق الكفر, نزلَ في حقهِ قولهُ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 75-77] يا رب إذا أكرمتني فلسوفَ أعمل كذا، هذا المنافق يُريد أنَّ اللهَ يُكرمهُ، يعطيه بيتاً، يجعلهُ تاجراً، ربنا عزّ وجل يعطيه ما يُريد, فإذا هو ينكثُ عهدهُ مع الله عزّ وجل. هذه الصفات مخيفة, فأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن نستوعِبها, وأن نخافَ من أن تنطبقَ علينا, كما نخافُ مرضاً عُضالاً, لأنَّ المرضَ العُضال ينتهي معَ الموت، ولكنَّ هذا المرض النفسي يبدأُ بعدَ الموت. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الكفرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و العشرون ) الكفر . مع الدرس التاسع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، ومنذ أسابيعَ عِدة , بدأنا بعضَ الموضوعات المتعلقة بأنواع المعاصي ، تحدثنا عن أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وعن الفحشاءِ والمُنكر ، وعن أنواعِ الفِسق ، وعن أنواعِ النِفاق ، وعن بقية المعاصي ، واليوم : الحديثُ عن الكُفر . تمهيد . الحقيقة : من الأمراضِ الخطيرة الوبيلة التي ابتلي بها المسلمون : أنَّ بعضهم يُكفّرُ بعضاً ، والتكفير شيء خطير وشيء كبير ، ومن كفّرَ أخاهُ فقد كفر . أن تقول : فُلان مؤمن وفُلان كافر ، أن توزعَ الألقاب , هذا ليسَ من شأنِ الإنسان , هذا من شأنِ الواحد الديّان . ومعَ ذلك : فالذي أتمناهُ من كُلِ قلبي , أن تتضحَ لكم الصورة الدقيقةُ حولَ معنى الكُفر . مرةً ثانية وثالثة أقول : من السذاجةِ , وضيقِ الأُفقِ , والجهلِ الفاضحِ ، أن تظنَ أنَّ للكلمة في القرآنِ معنىً واحداً , وأوضحُ مثلٍ على ذلك : كلمة الوحي .... فالله سبحانهُ وتعالى أوحى إلى الأرض ؛ أي أمرها . وأوحى إلى النحل ؛ أي أعطاها الغريزة . وأوحى إلى أُمِّ موسى ؛ أي ألهمها . وأوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أي أرسلهُ رسولاً , وأنزلَ عليه القرآنَ عن طريقِ سيدنا جبريل . وكذلكَ الشِرك ... هذا المُصطلح يضيق , حتى يكونَ الشِركَ الأكبر الذي يعبدُ بوذا ، ويتسع حتى يشملَ المؤمن إذا اعتمدَ على زيدٍ أو عُبيد ونسيَ الله عزّ وجل , فهُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر . الشِركُ الأكبر لا يُغفر , والشِركُ الأصغر يُغفر . كلمة شِرك تتسع وتضيق . وكلمة فِسق ... كما تحدثنا في درسٍ سابق ، هُناكَ فِسقٌ يُخرِجُ من المِلّة ، يُخرِجُ من دينِ الإسلام , وهُناكَ فِسقٌ يوجِبُ التوبة . والنِفاقُ نِفاقٌ أكبر ونِفاقٌ أصغر . وكذلكَ الكُفر. هذه المصطلحات الدقيقة في القرآن تتسع معانيها وتضيق , وسياقُ الآيات وسياقُ الأحاديث الشريفة هو الذي يُحدد اتساعَ المعنى أو ضيقهُ . استخدمُ أحياناً بعض الأمثلة : كلمة سيّارة ... مفهوم السيّارة يتسع إلى أن يشمل الدابة ، أليست تسير ؟ كلُ شيء يسير , والدليل : ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 19] ويضيقُ مفهوم السيّارة , حتى ينحصرَ في مركبةٍ , تتحركُ بمُحركٍ انفجاريٍ , يعملُ على الوقود السائل . من السذاجة , من ضيقِ الأُفق , من الجهل الفاضح : أن تفهمَ الكُفرَ على حدٍ واحد . من تركَ الصلاةَ فقد كفر . فلان لا يُصلي كافر . من تركَ الصلاةَ إنكاراً –لحِقها- إنكاراً لفرضيّتها فقد كَفر ، ومن تركها تهاوُناً فقد فَسق ، وفرقٌ كبير بينهما ، لأنَّ الذي يموتُ كافراَ مُخلّدٌ في النار , أكبرُ تُهمةٍ توجهُها إلى الإنسان على الإطلاق , أن تقول : فُلان كافر, كأنكَ تقولُ لهُ : أنتَ خالدٌ مُخلّدٌ في النار، فالإنسان قبلَ أن يتفوّه بكلمة كُفر ، وقبلَ أن يُكفّر ، وقبلَ أن يُنصّبَ نفسهُ وصيّاً على الناس ، وقبلَ أن يُقيّمَ الناس ، عليه أن يعرف أن هذا شيء فوقَ مكانتهِ , لقولِ اللهِ عزّ وجل : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 17] هذه مُقدّمة . ودائماً وأبداً : ضِعاف التفكير محدودوا الأُفق عِندهم لونانِ فقط : أبيضٌ وأسود ، إمّا أنهُ كما قُلتُ في الدرس السابق : إمّا أنهُ قُطبُ زمانهِ ، وحيدُ دهرهِ ، فلتةُ عصرهِ ، نجمٌ متألق ، علّمٌ كبير رضي اللهُ عنهُ وأرضاه , وإمّا الشيخُ الأكفر كما يقولون , يعني لا تبتعدوا كثيراً : عالِمٌ جليل , نعتهُ بعضُهم بأنهُ سُلطانُ العارفين الشيخ مُحيِ الدين , ونعتهُ بعضُهم بأنهُ الشيخُ الأكفر , هذه الميوعة في المقاييس ، وهذه الحركة الواسعة جداً في التقييم ، هذا من علامات التخلّف , دائماً الرجل لهُ ميزات ، كلُ إنسانٍ يؤخذُ منهُ ويُردُ عليه ، وأنتَ قيمتكَ كمؤمن أنكَ مُنصف , ومعنى أنكَ مُنصف , أنكَ كما قالَ عليه الصلاة والسلام : (( لا يُخرِجُكَ الرِضا عن العدل , ولا تُوقِعُكَ الكراهيةُ في الظُلم )) يعني كما قالَ عليه الصلاة والسلام : ((أُمِرتُ أن يكونَ صمتي فِكراً، ونُطقي ذِكراً، ونظري عِبرةً، أن أصِلَ من قطعني، أن أعفوَ عمّن ظلمني، أن أُعطيَ من حرمني، أُمرتُ بالقصدِ في الفقرِ والغِنى، وكلمة العدلِ في الغضبِ والرِضا)) ألم يرد في الأحاديث الشريفة : (( الشِرك أخفى من دبيب النملةِ السوداء , على الصخرةِ الصمّاء , في الليلة الظلماء ، وأدناهُ أن تُحِبَ على جَور )) يعني : لكَ صديق جائر ، منحرف , لكنكَ تُحبهُ ، لكَ معهُ مصالح ، تأتيكَ منهُ مكاسب ، تحبهُ , وتعلم أنهُ يجورُ على بعض الناس , فهذا شِرك . (( وأن تُبغِضَ على نصيحة )) إنسان نصحكَ , وهوَ صادق ومخلص, لكنهُ جرحك فكرهتهُ وحقدتَ عليه, هذا شِرك. قبلَ أن ندخل في تعريف الكُفر , الذي أتمناهُ على كُلِ أخٍ كريم : أن يُنحي نفسهُ جانباً عن تقييم الناس , وعن تنصيب نفسهِ وصيّاً عليهم , وعن توزيعِ الألقابِ والتُهم على الناس , وكأنهُ لا يُخطئ , وكأنهُ معصوم , وكأنهُ هوَ الأصل , وهوَ المقياس , وكأنما عليهِ هوَ الدين , وما سِوى ذلك لا شأنَ لهُ بِهم , ليسَ معنى كلامي هذا : أن ترى إنساناً يشربُ الخمر , لعلّهُ وليٌّ كبير , لا , هذا جنون ، أن ترى إنساناً غارقاً في المعصية , تقول : لا نعرف يا أخي , الله جعل سِرّهُ في أضعف خلقه , لا , هذا اضطراب في المفاهيم ، المعصية معصية ، والخمر خمر ، والزِنا زِنا ، فلان لا يُصلي , لا نعرف , لعله رُفِعَ عنهُ التكليف , ما هذه السحبة ؟ لا يُصلّي , هذا تارك الصلاة ، شارب خمر ، زانٍ ، أمّا أن تُعطي لإنسان عاصٍ هالة ومكانة , وتقول : قد يكون وليّاً !! هذا انحراف ، أن تُكفّرَ إنساناً بصغيرة هذا انحراف ، وأن تُصبِغَ على إنسان الوِلاية وهوَ مُقيم على معصية هذا انحراف ، هذا انحراف وذاكَ انحراف ، نحنُ مقياسُنا الشرع , لكن لو رأيتَ عاصيّاً تقول : الآن فُلان يعصي , لكن غداً لا أعلم , لعلّهُ يتوب , ولعلّهُ يسبِقُني ، هذا الموقف الأديب ، الموقف المُنصف ، الموقف المعتدل ، والذي يدمى لهُ القلب : أنَّ المسلمين على ضعفهم , وعلى تفرقّهم , متعادون ، يتقاذفون التُهم ، يتقاذفون التكفير لأتفه الأسباب . حسبُكَ ببعض البلاد الإسلامية التي تتهمُ الإنسان بالشِرك , إذا هوَ زارَ النبي عليه الصلاة والسلام , كلمة شِرك أهونُ عِندهم من شربةِ ماء , مباشرةَ مُشرك ، إذا قال : يا رسول الله مُشرك ، إذا قالَ : يا ربي بجاهِ حبيبكَ محمد , مُشرك لقد أشركت , إذا صلّى وقال : اللهمَ ربَ هذه الدعوة التامة , قرأ الدعاء , دعهُ ، إذا كان في مسجد قبر , ونحنُ لا نصلي إلى هذا القبر , في زاوية ميتة من المسجد , وبُنيَ قبلَ أربعمئة عام , هذا الجامع لا يجوز الصلاة فيه ، نحنُ أخطر شيء في الدين التطرّف يميناً أو يسارا ، هذا الغلو في الدين , في غلو سلبي وفي غلو إيجابي ، فبينما أنتَ معَ أُناس كُل شيء لهُ فتوى , مثلُهم كمثلِ أفسقِ البُلدان , يكفي أن تتصلَ , امرأة تشعرُ بحاجةٍ إلى رجل , بأي رجل , هذا الاتصال الهاتفي عقد زواج ، غلوّ ؛ فإمّا أن ترى أُناساً تحللوا من أحكام الدين , وأصبحَ دينُهم يُسايرُ أيَّ انحلالٍ , وإمّا أن ترى أُناساً يُكفرّونَ على صغيرة . يعني إن أعطيتهُ عِطراً فيه كحول , قفزَ وكادَ يخرجُ من جِلدِهِ , لأنَّ هذا نجس , هذه نجاسة حُكمية كما قالَ عنها العُلماء , بل هيَ نجاسةٌ معفوٌ عنها , هذا الكحول لو شربهُ الإنسان لَسَكِر , فهذه النجاسة ليست حقيقية يُطهّرُ بهِ ، فنحنُ آفةُ المُسلمين في الغلو سلباً أو إيجاباً ، إمّا أن نُذيبَ أوامرَ الدين , حتى يُصبحَ الدينُ سائلاً يمكن أن يوضع في أي وِعاء . في بعض البُلدان : يأتي الشيخ إلى العُرس , لِيُبارِكَ الزوجين , والزوجةُ في أبهى زينة , كاسيةٌ عارية , كما يفعل بعضُ رجال الدين الآخرين , لا أُريد أن نُذيب أُمور الدين , الدين دين , الدين مقاييس صُلبة ، مقاييس جامدة , صِراط مستقيم ، أو أن نُكفّرَ الإنسانَ , إذا قالَ : يا رسول الله ، أو أن نُكفّرهُ إذا انحرفَ انحرافاً طفيفاً , فالتكفير يُسبب الأحقاد . هذه المُقدّمة لا بُدَ منها لبحثٍ موضوع الكُفر . أنواع الكفر : الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان : كُفرٌ أكبر ، وكُفرٌ أصغر . فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار . كُلُكم يعلم : أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير . فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد , وعيدَ اللهِ عزّ وجل , ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار , يخرجُ منها . يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد, عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ, وَالنيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)) [أخرجه الإمام مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] الآن النياحة على الميت : ضرب الوجه ، تمزيق الشعر ، شق الصدر ، الولولة , هذه كُفر , كما قالَ عليه الصلاة والسلام . يقولون عن الميت : الجسر تحطّم , أين الله عزّ وجل ؟ تسمع كلمات في مناسبات الحزن كُلُها كُفر , جهل , كأنَّ هذا الذي توفي هوَ الرزّاق , وهوَ القيّوم ، وهوَ الحي الذي لا يموت ، كُل إنسان يموت , فلذلك الاعتدال في الحزن من علامة الإيمان , والمبالغة في الحزنِ من علامة الجهل . سيدنا إبراهيم توفي , كل أب يعرف ذلك , لا يوجد أجمل من طفل صغير وديع كالوردة , إذا ارتفعت حرارته , الأب لا ينام الليل , فنزلت دمعةٌ من عينِ رسول الله على خدهِ , قال له أحد أصحابهِ : (( أتبكي يا رسول الله ؟ قالَ : نعم , إنَّ العينَ لتدمع , وإن القلبَ ليحزن , ولا نقولُ ما يُسخط الربّ , وإن عليكَ يا إبراهيم لمحزونون )) هذا عمل طبيعي ، من قال لكَ : أنَّ المؤمن لا يتألم لمصيبة ؟ هذا كلام فارغ ، كلام خيالي ، كلام حالِم ، المصيبة مصيبة , لكن المؤمن يتلقّاها بصدرٍ جميل , يراها من عِندِ الله عزّ وجل , وما عِندَ اللهِ كُلهُ خير ، أمَا النياحة , والضرب , والتمزيق ، فاعتراض على القضاء والقدر . قبل شهر تقريباً , إنسان توفي فجأةً , فذهبنا إلى أهلهِ لنواسيه , جاء أخوه وسب الدين , وقال : لماذا يموت أخي ؟ قيمة هذا الرجل صفر مُكعّب , كُل إنسان يموت , ومن قال لكَ : أنَّ الأجل على هوى الإنسان . ففي عنّدنا كُفر أصغر يوجب استحقاقَ الوعيد , لكن لا يخلدُ صاحبهُ في النار . الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر : اثنتانِ من أُمتي بهما كُفرٌ . سأُوضح لكم الفكرة : أنتَ إذا كفرت بالخالق , والرب , والمُسيّر , والحكيم , والعليم , والرحمن الرحيم , وكفرتَ برسول الله , وبهذا القرآن , هذا كُفر أكبر . أمّا هذا الأمر لم تُطبقهُ ؟ لماذا ؟ لأنكَ لا تعرفُ قيمتهُ , فأنتَ كافر بهذا الأمر . يعني الكُفر : عدم تطبيق أمرٍ فرعيٍ من أُمور الدين , كُفرٌ أصغر . مثلاً إذا قالَ لكَ اللهُ عزّ وجل : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 221] الآن : أحضر لي واحداً مُسلماً , عِندهُ بنت بسن الزواج , جاءهُ خاطب شاب , مؤمن مستقيم , له مجلس عِلم , يخشى الله , يخاف الله , في قلبهِ رحمة , عِندهُ إنصاف , لكن منزلهُ صغير , في أحد أطراف دمشق , وعملهُ متواضع , ودخلهُ محدود ، ثمَ يأتي خاطب , لهُ معمل , ولهُ سيارة فخمة , ولهُ بيت واسع , وشاب وسيم , لكن لا يُصلي , يُصلي الجمعة فقط , وإذا أحرج بالمناسبات فيشرب , إذا كانت أسرة مسلمة , قالت : هذه الموافقة على زواج هذا الشاب الموسِر , الغني الوسيم , رقيق الدين , هذا كُفرٌ بهذه الآية , معناها : أنتَ هذه الآية غير مؤمن بها , لكن كُفر أصغر وليسَ أكبر . الأكبر : كفرَ بالله , كفرَ بوجودهِ , وبرحمتهِ , وبعلمهِ , وبغناه , وبقدرتهِ , وبكتابهِ , وبرسولهِ , كل الدين يُشاهدهُ على أنهُ خُرافة , أفيون الشعوب , حالات الضعف الإنساني تتمثل بالدين ، الإنسان ضعيف , يحتاج إلى قوة يلتجئ إليها , فهوَ توهّمَ هذا الدين , هذا كُفر أكبر , أمّا المال أغراه , وغَلبتهُ نفسهُ , ورأى السيارة الفخمة , والبيت الواسع , والمعمل , والشكل , لكن ليسَ فيه دين , يقول لكَ : سيهدى , نحنُ إن شاء الله ! نأخذهُ إلى الجامع ، يفضلونه , ويطمعون بهدايته , والخوف أن يغويهم , فلمّا الإنسان يختار زوجاً لابنتهِ على غير مقياس الله عزّ وجل , أليسَ هذا كُفر بهذه الآية ؟ بهذا التوجيه ؟ بهذا الحُكم ؟ بهذا المقياس ؟ . فنُفرّق بين الكُفر الأكبر , الكُفر الشمولي الكُلي , والكُفر الأصغر الذي فيه مخالفة لأمر إلهي , والمخالفة هذه أساسها : الإنسان غير قانع بحكمة هذا الأمر , يقول لكَ : سبحان الله ! أجد صعوبة في تطبيقه , هذا أحد أنواع الكُفر . الكفر بشكل مطلق : ويقول عليه الصلاة والسلام : (( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ , وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ )) [أخرجه مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (( من أتى كاهِناً أو عرّافاً , فصدّقهُ بما يقول , فقد كفرَ بما أنزلَ اللهُ على محمد )) عندما ربنا قال : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النمل الآية: 65] باللهِ انظر لي بالفنجان , ويتنبأ لكَ قبضة ، لكَ عدو ، شخص يريد أن ينفعكَ ، أنتَ حينما تسألهُ عن المستقبل , فأنتَ كفرت بهذه الآية , كلمة لا يعلم الغيب , فأنتَ لستَ مؤمناً بها , هذا كُفر , لكن نستطيع أن نقول : خرجَ من المِلّة ، بجهنم خالداً مُخلّداً , غير معقول هذا الكلام . عَنْ جَرِيرٍ قال , قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : (( اسْتَنْصِتِ لي النَّاسَ , فَقَالَ : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] يعني هذه الحروب , وهذه المنازعات , وهذه التفرقة , وهذا التشتت , والتشرذم , والتبعثر كما يقولون ، وكُلٌ يدّعي وصلاً بليلى , وكُلٌ يتهم الآخر ، هذا الوضع المتمزق , هذا سمّاهُ النبي كُفر , لكن كُفر بقولهِ تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 103] كُفر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 46] كُفر بما دعا إليه النبي للمسلمين : كالبنيان المرصوص ، لا تحسسوا ، لا تجسسوا ، لا تنابزوا ، لا تدابروا ، لا تحاسدوا ، لا تنافسوا , وكونوا عِبادَ الله أخواناً . أنتَ هذه الأحاديث لم تعبأ بها , فأنت كافرٌ بها ، قال تعالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 44] إذا لم تحكم بما أنزلَ الله , فهذا كُفرٌ بما أنزلَ الله ، إن لم تحكم في موضوع واحد , بحُكمٍ أنزلَ اللهُ فيه حُكماً , فقد كفرتَ بهذا الحُكم , وإن رفضتَ القرآنَ كُلَهُ , فقد كفرت بالقرآن , كما قلتُ في أول الدرس : بين الأبيض والأسود آلاف الألوان الرمادية , آلاف الألوان الرمادية , الإيمان إيمان ، والكُفر كُفر ، وبينمُها درجاتٌ شتى . ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون , ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة , بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ ، بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر. قالَ عطاء : هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ , وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ , وفِسقٌ دونَ فِسقٍ . هذا الكلام ليسَ معناهُ أن يطمئنَ الإنسان ، أنا أخافُ من التطرف إن نحوَ اليمين وإن نحوَ الشِمال ، هؤلاءِ الخوارج الذين كفروا لأصغر الذنوب انحرفوا ، وهؤلاء الذين تسامحوا فقالوا : لا يضرُ مع الإيمان معصية أيضاً انحرفوا . في فِرقة تقول : لا يضرُ مع الإيمان معصية . ما دُمتَ قد آمنتَ بالله , فهذا الذي يفعلهُ أن نصل , إذا آمنتَ بالمسيح , فإنه يُخلّصُك , انتهى الأمر , افعل إذاً ما تشاء . أنواع الكفر الأكبر : أمّا الكُفر الأكبر , فهوَ ستة أنواع : كُفرُ تكذيب ، وكُفرُ استكبار , وكُفرُ إباءٍ مع التصديق ، وكُفرُ إعراض ، كُفرُ شك ، وكُفرُ نِفاق , وكُل نوع له آيات خاصة بهِ . 1-كفر تكذيب : أمّا كُفرُ التكذيب : هوَ اعتقادُ كَذِبِ الرُسل . يعني إذا اعتقدَ الإنسانُ أنَّ الأنبياء أُناسٌ أذكياء, جمعوا الناسَ حولهم, وابتدعوا هذه الكُتب من بناتِ أفكارهم, وهدفُهم الزعامة ونيلُ المكاسب في الدُنيا, من اعتقدَ هذا الاعتقاد, فقد كفرَ كُفرَ تكذيب, لذلك أخطر شيء في العقيدة: أن تعتقد أنَّ النبي يقرأ ويكتب, إذا اعتقدتَ أنَّ النبي يقرأ ويكتب, ماذا فعلت؟ مهّدتَ الطريق لزعمٍ خطير, وهوَ أنَّ هذا القرآنَ من عِندهِ، قضية عبقرية وذكاء، قضية تألُق ذُهن، قضية بطولة, كُفرُ التكذيب: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل, وهذا القِسمُ قليلٌ في الكُفار, لماذا؟ لأنَّ اللهَ أيدَ رُسلَهُ, وأعطاهم من البراهين والآيات على صِدقهم, ما أقامَ بهِ الحُجة, وأزالَ بهِ المعذرة. قالَ تعالى عن فِرعونَ وقومهِ : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 14] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 33] معناها: لمّا النبي يُمسك العصاة, فإذا هيَ ثُعبانٌ مُبين, السحرة خرّوا ساجدين, هذا ليسَ سِحر، حينما يضربُ البحرَ بعصاه, فإذا هوَ طريقٌ عظيم, هذا ليسَ بسحر، فالله سبحانهُ وتعالى أيّدَ أنبياءهُ بمعجزات خارقة, وأيّدَ النبي عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن, تلكَ المعجزة الخالدة على مدى الدهور. كُنتُ أقرأُ هذه الآية الكريمة : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [سورة الرعد الآية: 2] كانت تستوقفني كلمة ترونها : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ ترونها: قيد معنى هذه السموات التي رُفِعت بغيرِ عَمدٍ مرئية, لكنها مرفوعةٌ بأعمدةٍ غير مرئية, هذا هو المعنى الدقيق. وكُنتُ في هذا الأسبوع, أُطالعُ كتاباً في الفيزياء عن الجاذبية, لفتَ نظري في هذا الكتاب, أنَّ المؤلّف قال: هذه الشمس تجذِبُ الأرض بِقوى هائلة, ولو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, أو أنَّ الشمس انعدمت فيها الجاذبية فجأةً, ماذا يحصل؟ هذه الأرض تنطلق في الفضاء الخارجي, في متاهات الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, والحرارةُ التي كما قالَ عنها العُلماء: هيَ الصِفرُ المُطلق, الصِفر المُطلق مئتان وسبعون درجة تحت الصفر, هذا فرضيّة علمية. لو أردنا أن نربِطَ الأرض بالشمس بحِبال من الفولاذ المضفور, حتى تبقى الشمسُ مع الأرض تدور، تصورنا فجأةً أنَّ الشمس فجأةً انعدمت فيها قِوى الجذب, فالأرض إذاً لا ترتبط بالشمس بفِعل قانون العطالة, هذا القانون لطيف جداً, الأجسام المتحركة ترفض الوقوف, والدليل: إذا كُنت راكباً سيارة, ومر طِفل صغير, واضطر السائق أن يستعمل المِكبح فجأةً, أنتَ تقفز من مقعدكَ, لماذا؟ لأنكَ جسم مُتحرّك, فلّما وقفت السيارة بِفعل المكبح, أنتَ رفضتَ أن تقف, ودليل رفضك تابعتَ المسير, لذلك لا بدَ من أحزمة الأمان, لماذا نستخدم حِزام الأمان؟ لكي يبقى وجودكَ مُرتبطاً بالسيارة, حتى إذا توقفت فجأةً, أنتَ بحسب قانون العطالة تتابع المسير، والأجسام الساكنة ترفض الحركة, فإذا ركبتَ مركبةً وانطلقت, تشعر أنَّ المقعدَ الخلفي يدفعُ ظهركَ نحوَ الأمام, لماذا؟ لأنكَ ترفضُ الحركة. لو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, وانطلقت في الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, وحيثُ انعدام الحركة, والبرودة الشديدة, والموت المُحقق, لو أردنا أن نُبقي الأرضَ مع الشمس, قال: لاحتجنا إلى مليون مليون كبل فولاذي, قُطرُ كُلِ كبلٍ خمسة أمتار, وهذا العدد مليون مليون, لو بُرزت على سطح الأرض, ووصلت إلى الشمس, بطول قدره مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, لغطّت هذه الحبال فضاءَ الأرض, ولرأيتَ بينَ الحبلِ والحبلِ مقدارُ حبلِ بالضبط، لو زرعنا هذه الحِبال على سطح الكرة الأرضية برها وبحرِها, لكانَ بينَ الحبلين حبلٌ فقط, ولحجبت هذه الغابة من الحِبال أشعة الشمس. بالمناسبة: الميليمتر مربع من الفولاذ, يُقاوم مئتي كيلو شد, والكبل الواحد من الفولاذ, الذي قطرهُ خمسة أمتار, يُقاوم مليوني طن، فإذا احتجنا مليون مليون طن, وكُل طن يُقاوم قِوى شد مليونين، مليونين ضرب مليون مليون، هل تصدقون: أنَّ كُلَ هذه الحِبال من أجلِ أن تحرفَ الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة ميليمتر كل ثانية, حتى ينشأ للأرض مساراً إهليلجي مُغلق حولَ الشمس؟ . هذا معنى قولهِ تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ لو أنها بأعمدة, مُشكلة كبيرة جداً, كُل خمسة أمتار يوجد كبل, أينَ الأبنية؟ وأينَ الشوارع؟ وأينَ الحقول؟ وأين المزارع؟ . إذاً: الكُفرُ الأكبر: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ 2-كفر الإباء والاستكبار : الآن: كُفرُ الإباءِ والاستكبار. يعني أحياناً مثلٌ مُصغّر: يكون أب فاسق, مُنحرف, شهواني, دخلهُ حرام، يأتيه من صُلبهِ ابنٌ طاهر مستقيم, يعني هذا الأب يستكبر عن أن يُصغي لنصائح ابنهِ, لو أنَّ ابنهُ تكلّم, لَسَمِعَ منهُ الحق, ولكنَ مكانة الأب أحياناً, واستعلاءه, وقوَتهُ المالية, وشأنهُ الاجتماعي, هوَ الذي يمنعهُ من أن يُصدّق, أو من أن يستسلم, أو من أن يؤمن، كُفر الإباءِ والاستكبار كَكُفرِ إبليس, إنهُ لم يجحد أمرَ الله, ولا قابله بالأبكار, ولعله تلقّاهُ بالإباءِ والاستكبار, يعني هذا يُشابههُ من عَرَفَ صِدقَ النبي, وأبى أن يؤمنَ بهِ: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 47] كلام فِرعون. طبعاً لمّا فِرعون رأى أنَّ العصاة أصبحت ثُعباناً مُبيناً, ونزعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاء للناظرين, قالَ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ هذا إذا كُفر استكبار وإباء: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 10] اليهود يعرفونهُ أنهُ رسول الله كما يعرفون أبناءهم, ومعَ ذلك كفروا بهِ، والحقيقة: الإنسان السعيد الموّفق لا يمنعهُ أن يأخُذَ الحِكمة من صغير. ألم أقل لكم في درسٍ سابق: سيدنا أبو حنيفة النعمان رضيَ الله عنه, مرَّ بغلامٍ صغير, أمامهُ حُفرة, قال لهُ: يا غلام, إيّاكَ أن تسقط, قالَ: بل أنتَ يا إمام إيّاكَ أن تسقط, إنّي إن سقطتُ سقطتُ وحدي, وإنكَ إن سقطتَ سقطَ العالمُ معك؟. ألم يقُل عبد الله بن الزُبير لسيدنا عُمر رضي الله عنه: أيها الأمير, لستَ ظالماً فأخشى ظُلمك, ولستُ مُذنباً فأخشى عِقابك, والطريقُ يَسَعُني ويَسَعُك؟. الكُفر الثاني والعياذُ بالله: كُفر الإباءِ والاستكبار. أحياناً موظفون في دائرة, أو مُدرّسون في مدرسة, أو تُجّار في سوق, أحدُ هؤلاء يطلبُ العِلم بإلحاحٍ شديد, ويصدق معَ الله, ويبذل ويُقدّم ويفعل ويترك حتى يوفقهُ الله, وحتى يُلقي اللهُ في قلبهِ نوراً, وحتى يُطلقَ لِسانهُ, من هؤلاء الذين يستكبرونَ عن دعوتهِ؟ زملاؤه, هذا كان البارحة معنا. كُنت في أحد ضواحي دمشق, يوجد قصّاب, أُحدثهُ, فقالَ لي: أبو الحسن كردي كُنّا سويةً لحامين, فقُلت: أين الثرى من الثريا؟ هوَ قارئ كبير. يعني أرادَ هذا القصّاب أن يرتفعَ إلى مستوى هذا القارئ الكبير, أقول هذا الكلام: لمّا الإنسان يطلب العِلم, فيصبح لهُ شأن آخر, قد ينسى الناسُ أنهُ نجار أو أنهُ قصّاب, صار لهُ مكانة عليّة. أنا أقول لكم هذا الكلام, وإن شاءَ الله واثق من كلامي, هذه كلمة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 4] هذه للنبي عليه الصلاة والسلام, ولكُلِ مؤمنٍ منها نصيب, يعني أنتَ تخطُبُ وُدَّ الله، تجهدُ لطاعتهِ، تُمضي وقتاً طويلاً في طلب العِلم الشريف, في خدمة الخلق, في نُصح الخلق, وتبقى مغموراً وراء الصفوف, وراءَ الركب, لا, اللهُ عزّ وجل يُعلي قدركَ بينَ الناس. ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إذا أحببتَ الله, ألقى حُبكَ في قلوبهم, في قلوب الناس؟ إذا خِفتَ من الله, ألقى الخوفَ مِنكَ في الناس، إذا هِبتَ الله, ألقى عليكَ هيبةً عظيمة، إذا اشتغلتَ بالله, أصبحتَ شُغلَ الناس الشاغل. هذه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ 3-كفر الإعراض : يوجد عندنا كُفر ثالث: هوَ كفُر الإعراض. مرة التقيت مع رجل أجنبي, من بلد أجنبي, مندوب شركة, وحدثتهُ عن اللهِ قليلاً, فقالَ كلمةً لا أنساها، قالَ هذه الكلمة, وعلى أثرِ كلمتهِ تذوقتُ قولهُ تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 23] بعدَ أن حدّثتهُ قليلاً عن الكون, وعن خالِق الكون, وعن ماذا بعدَ الموت؟ قالَ: كُلُ هذه الموضوعات لا تعنيني, ولا أهتمُ بها, ولا أُفكرُ فيها, ولا أبحثُ عنها, إنما يعنيني امرأة جميلة, وسيارةٌ فخمة, ومنزلٌ كبير, قلتُ: صدقَ اللهُ العظيم: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾ وليسَ فيهم الخير . ﴿ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هذا كُفر الإعراض. يمثلهُ رجلٌ عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام, لا صدّقهُ ولا كذّبهُ، لا والاهُ ولا عاداهُ ، ولا أصغى إليه أبداً, قالَ هذا الرجل للنبي. أقول لكَ كلمةً: إن كُنتَ صادقاً فأنتَ أجلُّ في عيني من أن أرُدَ عليك, وإن كُنتَ كاذباً فأنتَ أحقرُ من أن أُكلّمكَ, لا أُصغي إليك, ولا أستمع إلى دعوتك, ولا أُصدقُك ولا أُكذّبُك, ولا أُواليك, ليس لي علاقة, هذا الوضع موجود عِندَ بعض الناس, لا يهزّهُ شيء أبداً. أحدهم هجا شخصاً, قال: لا يُبالي أبداً, وإذا بالَ, فمن بالَ يبولُ, لا بالَ يُبالي لا يُبالي, غير مهتم, لا بهذه الدعوة, ولا بفهم كتاب الله, ولا بالوعد والوعيد، يعيش لِذاتهِ, يعيش للحظتهِ ، يعيش لحظوظ نفسهِ، فهذا كُفر إعراضي, ونعوذ بالله منه؛ هوَ في واد والدين في واد، هوَ في تجارته, في تنمية ثروته, في حاجات نفسه الأساسية, في تزيين بيتهُ, في تبديل سيارتهُ, في حظوظ جسمه, في سياحة حول العالم, فنادق خمس نجوم, وحفلات, ومجتمع مخملي ناعم كما يقولون, هُنا همُهم، كُلُّ الدين لا شيء, وإذا احتال الذكي يُجامل: ما شاء الله! الله يُبارك فيك يا سيدي, وما فيه من الدين شيء، في كلمات يتكلمها الناس, لا معنى لها أبداً، الله عزّ وجل يُحاسب على العمل والاتزان. 4-كفر الشك : بقيَ علينا كُفرُ الشك، كُفرُ الشك قال: فإنهُ لا يجزِمُ بصدقهِ ولا بكذبهِ, لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لستُ أدري. يقول لكَ: شيء لا أُصدقُ أحداً, داخل في حالة الشك, والحقيقة: لو اشترى بيتاً, يا ترى هذا البيت عليه رهن؟ بأمورهُ المادية ليسَ عِندهُ شك, كُلهُ باليقين, كلهُ بالسندات, وكشف القيد العِقاري, ويأخذ براءة ذمة, وهذه عليك وهذه علي. لماذا الإنسان بأمور دنياه دقيق جداً, وعلى اليقين يسير؟ يعمل لهُ عقد عِند محام, يُقيّدهُ كُل ضريبة, قبلَ هذا التاريخ على البائع, طلب القيد العقاري, وطلب الكشف المالي, ولم يُبق شيئاً, لماذا أنتَ في الدنيا باليقينيات دائماً وفي الآخرة في الشك؟ لا نعرف, يجوز ألا يكون في آخرة، والله شيء يُحير, كُل هؤلاء الناس يتكلمون على أهوائهم, ليسَ عِندُه تبني موقف, هذا كُفر الشك. الحقيقة: كُفر الشك, الإنسان مُحاسب عن شيء واحد, لو أردتَ الأدلة القطعية لوجدتها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] لو أردتَ الأدلة القطعيّةَ لوصلتَ إليها، دُللتَ عليها، لمستها بيدك، ولكنكَ تُريد أن تعيشَ في شك، في قصيدة لأحد الشعراء المهجريين, يعني مئات الأبيات كُلها: لستُ أدري, بعدَ هذا يقول: ولماذا لستُ أدري؟ قال: لستُ أردي. أحياناً تجلس في مجلس هذا الشخص, لا يوجد عِندهُ إلا التشكيك, لا أعتقد, لا لا، أحدهم ذهبَ للأزهر, فلم يدرس, انغمسَ في اللهو في القاهرة, لمّا عاد إلى بلده, فأمام أهله وأهل قريته, أصبحَ عالِماً جليلاً, ووالدهُ ينتظرهُ, فلَبِسَ زيّ العلماء, وجلسَ بمجلس, ولا يفهم شيئاً إطلاقاً, فعلّموه, كل سؤال مُحرج, قل في المسألة قولان, فجاءه واحد خبيث, فقال لهُ: أفي اللهِ شكٌ؟ فقالَ لهُ: في المسألة قولان, فضربوه ضرباً مبرحاً. فالشخص هذا دائماً يُشكك, إن تكلّمتَ لهُ بآية, يقول: هذه آية بالقرآن؟ طبعاً وافتح القرآن وشاهدها، ليسَ عِندهُ رغبة بالبحث عن آية في القرآن الكريم, هذا كُفرُ الشك. 5-كفر النفاق : بقيَ علينا كُفرُ النِفاق, هذا المنافق واحد كافر, من ألد أنواع الكُفّار, لكن مصالِحهُ مع المُسلمين, أو يعيش في بلد إسلامي، أو يعيش في بلد أولو الأمرِ متمسكونَ بالإسلام، فلذلك يفعل كُل ما يرضى عنهُ المُسلمون, أمّا إذا خرجَ من هذا البلد, غَرِقَ في الفِسقِ والفجور, هذا الكُفر هوَ كُفرُ النِفاق, أن يُظهِرَ بلسانهِ الإيمان, وينطوي بقلبهِ على التكذيب, هذا النِفاق الأكبر, الذي قالَ اللهُ في حقهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 145] 6-كفر الجحود : آخر نوع من أنواع الكُفر: هوَ كُفر الجحود، الجحود الإلحاد، فلان مُلحد قال: لا إله، ما في إله, لكن الله عزّ وجل، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, أطلعنا على مصيرهم, وعلى شأنهم في العالم، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, هذا كُفرهم كُفرُ جحود، قال: إمّا أن يكونَ جحوداً عامّاً أو جحوداً خاصاً، من نفى عن اللهِ رحمتهُ, هذه الزلازل, والبراكين, والمجاعات, والحروب, والأمراض, ما هذه الرحمة؟ هذا كُفر جحود خاص؛ جحدَ رحمةَ الله، أو جحدَ عِلمهُ، أو جحدَ حكمتهُ، ويكفي أن تقول: الله يعطي الحلاوة للذي ليسَ لهُ أضراس, هذا كُفر جحود, تتهمُ الله بأنهُ ليسَ حكيماً. مرة واحد توفيت زوجته, ولها أخت أكبر منها بعشر سنوات, قالَ: كنتَ خُذ تلكَ يا رب, أبقها لي, هذا جحود؛ جحدَ حِكمة الله، جحدَ رحمتهُ، جحدَ عِلمهُ، جحدَ قدرتهُ، الآن: إذا واحد أصابهُ مرض عُضال, وتيقّن أنَّ اللهَ لا يقدر أن يشفيهُ, طيب لماذا؟ هكذا قال الطبيب, هذا مرض مستعصٍ. أخ كريم حدثني, والدتهُ مريضة, الأطباء قالوا: مرضُها عُضال, ولن تصل إلى المستشفى، فدعت ربها عزّ وجل, وتصدّقت, ولجأت إليه, وقد عافاها الله. يعني من السذاجة أن تظن أنَّ المرض العُضال ليسَ لهُ دواء, لهُ دواء, وهوَ الشفاء الذاتي، أنتَ إذا صدّقتَ الله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء الآية: 80] يشفيك. في مُدرّسة في فرنسا, أصابها مرض عُضال, ورم خبيث في صدرها, وقالَ الطبيب: إنَّ حياتها لا تزيد عن عشرين يوماً تقريباً, ذهبت إلى مكة المُكرّمة, لتُنهي حياتها هُناك, وطافت ثمانية عشرة طوافاً حولَ الكعبة, وهيَ غارقةٌ في البُكاء, وفي الالتجاء, وفي إعلان التوبة, وفجأةً وبعدَ هذا الطواف الشديد, بدأت الآلام تنحسر إلى أن شُفيت شِفاءً تاماً, ولها قِصةٌ مُبكيةٌ, ألّفت كتاباً, واسمهُ: لا تنس الله. آلاف القِصص. لي صديق, خمسة أطباء أجمعوا على أنَّ بهِ سرطاناً بالرئة من الدرجة الخامسة، بالتصوير الشعاعي، وبالخزعات، وبالفحص المخبري في دمشق, وفي لندن، والعمر لا يزيد عن عُشر, وانحسر هذا المرض, والرجل لا يزال حيّ يُرزق, وصديقي انحسرَ انحساراً كاملاً, ولهُ في شِفائهِ التام ما يزيدُ عن عشر سنوات. فإذا اعتقدتَ أن الله لا يستطيعُ أن يشفيكَ, أو واقع في ورطة مالية مثلاً مُفلس, فالله عزّ وجل يخلُقُ من الضعف قوة، هُنا عظمةُ الإيمان, لا يأسَ معَ الإيمان، يا ربي لا كربَ وأنتَ الرب, لا كربَ وأنتَ الرب, ما دامَ هُناكَ رب, كُل شيء بيده, وقادر على كُلِ شيء, وهوَ أرحمُ بِنا من أنفِسنا, لا كربَ يا رب وأنتَ الرب. كُفرُ الجحود الخاص: أن ترى أنَّ الصلاة لا معنى لها في هذا الزمن, أخي عصرنا عصر دوام, وعمل كثيف, وارتباطات, ومواصلات, وما في وقت لنصلي, ولا في وقت لنتوضأ, هذه أنا عِشاء أُصلي, وأطلب من الله المغفرة مساءً, هذا الذي يُنكر فرضية الصلاة أو الصوم, ببعض البلاد الإسلامية اعتبروه أنهُ يُضعِف الإنتاج فألغوا الصوم, طيب: إذا جحدتَ الصوم, أو جحدتَ الصلاة, أو جحدتَ الزكاة, أو رأيتَ أن تحريمَ الرِبا شيء مُربك, لماذا المسلمون متأخرون؟ لأنَّ دينهم صعب يقيدهم, أمّا الأجانب طليقون, هذا كُفرُ جحود, لكنه خاصاً وليسَ عاماً. الخلاصة : على كُلٍ الكُفرُ كما قُلنا قبلَ قليل : كُفرٌ أكبر وهو الذي يوجب الخلودَ في النار . وكُفرٌ أصغر وهو الذي يوجب التوبة , ويوجب تحققَ الوعيد إذا لم يتب صاحبه . وتكفير الناس هذا ليسَ من شأن الناس , هذا من شأنِ ربِّ الناس , وأنتَ في أعلى درجات , ورعكَ إن رأيتَ عاصيّاً ادع لهُ أن يتوب , واذكر اللهَ عزّ وجل على أن نجّاكَ من هذه المعصية ، أمّا أن تُنصّبَ نفسكَ وصيّاً على الناس , توزع ألقاب الكُفر والإيمان على الناس , أو تضيقُ نظرتُكَ فتعتقدُ بصلاحِ جماعتكَ فقط , وتُكفّرُ بقية الجماعات , فهذا من ضيق الأفق , ومن أمراض المسلمين الوبيلة , وهذا الذي فرّقهم وشرذمهم وفتتهم , وجعلهم ضِعافاً في العالم . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الشركالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثلاثون ) الشرك : مع الدرس الثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, وقد أمضينا دروساً عِدة في أنواعِ الذنوب والآثام ، تحدثنا عن الفحشاء والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وعن أنواع النِفاق , وعن أنواعِ الكُفر , وعن أكبرِ ذنبٍ من هذه الذنوب , وهوَ أن يقولَ الإنسان على اللهِ ما لا يعلم , وبقيَ علينا موضوعٌ من هذه الموضوعات وهوَ الشِرك , وربما تظنونَ أنني أُبالغ , ولكنني في الحقيقة أقولُ : إنَّ الشِرك هو من أخطر الذنوب التي يقعُ بها الإنسان , لماذا ؟!. لأنكَ إذا أشركتَ باللهِ عزّ وجل , توجهتَ إلى غير الله , لا تجدُ شيئاً ، لا تجدُ نافعاً ، لا تجدُ ضاراً ، لا تجدُ مُعيناً ، لا تجد سعادةً , يعني هؤلاء الذين قالوا : ما تعلمّت العبيد أفضلَ من التوحيد . ما تجاوزوا الحقيقة , وما وقعوا في المبالغة ، هؤلاء الذين أرجعوا أكثرَ الذنوبِ إلى الشِرك . الحقيقة : الشِرك من أوسع الأبحاث , ويكفينا أنَّ كلمة التوحيد , هيَ شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله . على كُلٍ ؛ شأنُ هذا الموضوع كشأنِ الموضوعات الأخرى ، الشِرك تتسعُ دائرتهُ حتى يشملَ أن تعتمدَ على غير الله ، وتضيقُ دائرتهُ حتى تدعي إلهاً غيرَ الله . أنواع الشرك : 1-الشرك الأكبر : كما هيَ العادة في منهج البحث , في هذه الموضوعات , هُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر ، الشِركُ الأكبر لا يُغفر إلا بالتوبة , إذ أنَّ أيةَ آيةٍ قرآنيةٍ وأظنُهما آيتين فقط : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 48] أجمعَ العلماءُ على أنَ هذا الشِرك الذي لا يُغفر إذا ماتَ صاحبهُ وهو مُشرك , أمّا إذا تاب تابَ اللهُ عليه ، لذلك يُعقّبون على الآيةِ بقولهم : إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشركَ بهِ إن لم يتُب ، الشِرك الأكبر أن تتخذَ للهِ نِداً . الآن يقول لكَ قائل : طبعاً يوجد من الشِرك الأكبر نوعان , هؤلاء الذين يعبدون آلهةً في هذا العصر , بوذا , هذه الديانات في شرقي آسيا التي تُتخذُ من بعضِ الشخصيات الموهومةِ آلهةً تعبُدها من دون الله , هذا شِرك أكبر . لكن هذا من فضل الله عزّ وجل , المسلمون في عالمهم الإسلامي بعيدون عن أن يقعوا في هذا الشِرك الفاضح , لكنَّ هُناكَ شِركاً أكبر , لا يأخذُ هذا الشكل الفاضح : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً , ولم أقل : أن تتخذَ غيرَ الله , أن تتخذَ من دون الله , لأنَّ اللهَ واحدٌ أحد فردٌ صمد , إن اتخذتَ غيرهُ فلا بُدَ من أن يكونَ دونهُ , ما قال : أن تتخذَ غيرَ اللهِ إلهاً , لا , قالَ : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً ، وهذه المسافة بينَ هذا الذي اتخذتهُ نِدّاً من دون الله وبينَ خالق الكون , لا يُمكن أن يُوازنَ بينهما , يعني صفر مع القيمة المطلقة ، لا شيء معَ كُلِ شيء ، ضعفٌ معَ منتهى القوة ، جهلٌ معَ منتهى العِلم ، قسوةٌ مع منتهى الرحمة . أيام نقول : هذا دونَ هذا , يكون بينهما درجة , نقول : هذا دونَ هذا بكثير , لكنهما يجتمعان في نسبة ، أمّا إذا اتخذَ الإنسانُ من دونِ اللهِ نِدّاً , لا يمكنُ أن يكونَ هذا المُتخذُ نِداً من دون الله , أن يُوازنَ بشكلٍ أو بآخر معَ خالق الكون , يعني القيم المُطلقة معَ التلاشي المُطلق ، عبدٌ ضعيف تستعين بهِ ، تستهديه ، تجهدُ في إرضائه ، تخافُ من سخطهِ ، تُعلّق الآمال عليه ، تربط حياتكَ كُلها من أجلهِ ، ما من جهةٍ , لا أقول : ما من مخلوقٍ , ما من جهةٍ في الكون تستحقُ أن تُفني حياتكَ من أجلِها ، تستحقُ أن تُمضي شبابكَ من أجلِها ، إلاّ أن يكونَ خالِقَ الكون , هوَ أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة . 2-الشرك الأصغر : في شِرك أكبر وشِرك أصغر ، الشِركُ الأصغر المؤمنون مُبتلونَ بهِ , لقولهِ تعالى : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] لكَ مُعاملة في وزارة ، ولكَ ابن عم في هذه الوزارة , لا بأس بهِ ، فأنتَ مرتاح , هذا ابن عمي لا يُقصّر , هذا شِرك ، نسيتَ الله واعتمدتَ على قريبك ، هذا الشِرك الذي يُبتلى بهِ المؤمنون , بسببِ ضعفِ إيمانهم , هذا هوَ الشِركُ الأصغر ، أدناهُ أن ترضى عن إنسان , وهوَ مُقيمٌ على معصية , كما قالَ عليه الصلاة والسلام : الشِركُ أخفى من دبيبِ النملةِ السوداء على الصخرةِ الصمّاء في الليلة الظلماء , وأدناهُ أن ترضى على معصية , وأن تغضبَ على عدل ، أن تسخطَ على عدلٍ وأن ترضى على جورٍ ، أن ترضى على جور أو أن تسخطَ على عدل فهذا شِرك : أن ترضى على جور : يعني هذا الذي جارَ على غيرهِ , لكنهُ نفعكَ , رضيتَ عنهُ , ونسيتَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل . وأن تسخطَ على عدل : وُجهِت لكَ نصيحةٌ مُحقّة , أنتَ تألمت فغضبت , أنتَ قد أشركتَ نفسكَ معَ اللهِ عزّ وجل , هذا الشِرك الأصغر . نرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن يعافينا منهُ , ويحتاج إلى مجاهدة, ومتابعة , ومراقبة دقيقة للقلب , وأن تفهمَ على اللهِ عزّ وجل , كُلما اعتمدتَ على غيرهِ , كيفَ يأتيكَ بالعلاج ؟ وكيفَ يُخيّبُ آمالكَ بغيرهِ ؟ هذا موضوع , والشِركُ الأكبر موضوع . أنواع الشرك الأكبر : الشِرك الأكبر نوعان : شِركٌ فاضح وشرك غيرَ الفاضح . شِركٌ فاضح : يعني أن تقول بوذا إله كما يقول السيخ أو الهندوس أو هؤلاء الذين لهم ديانات وثنية في أنحاء متفرقة من العالم . لكنَّ الشِركَ الأكبر غيرَ الفاضح هوَ : أن تتخذَ من دونَ اللهِ نِدّاً , هُنا المشكلة . قد يقول لكَ إنسان : أيُعقلُ أن أتخذهُ نِدّاً ؟ أهوَ إله ؟ أهوَ الذي خلقَ الكون ؟ أهوَ الذي سيّرَ الشمسَ والقمر ؟ نقول له : لا , من لوازم الإله : أن تحبهُ ، وأن تعبدهُ ، وأن تُعظمّهُ ، فيكفي أن تُعظّمَ جهةً أرضية , وأن تُحبها حُباً حقيقيّاً , ويكفي أن تطيعها في معصية الله ، فهذه الجهة الأرضية , ولو كانت إنساناً , أنتَ أشركتها معَ الله , لا في مقام الألوهية بل في لوازم الألوهية ، لا في المقام الإله خلقَ السموات والأرض ، الإله مُسيّر ، الإله مُربّ ، لا في مقام الألوهية والربوبيةِ بل في لوازم الألوهية والربوبية . مثلاً : من لوازم الأب الحُب ، من لوازم الأُبوة الطاعة ، من لوازم الأُبوة أن تُرضي هذا الأب ، فإذا لم تُكن مُطيعاً لأبيك فرضاً , ولم تكن مُحبّاً لهُ ، ولم تُكن خاضعاً لفضلهِ ، وتوجهتَ بكُلِ إمكاناتِكَ لخدمة شخصٍ غريب , وعوتبتَ في هذا الموضوع , تقول : أيعقلُ أن يكون هذا أبي ؟ يقول : لا , ليسَ أباك هذا , نعلمُ ذلك ولكنكَ عاملتهُ كما ينبغي أن تُعاملَ أباك . هذا الذي واقع في شِركٍ أكبر , نحنُ لا نقول لهُ : أنتَ تدّعي أنهُ خلقَ الكون , لا , نعلمُ ذلك وتعلمُ أنتَ ذلك ، ولكنكَ أشركتهُ مع اللهِ عزّ وجل في لوازم الألوهية , وهوَ التعظيم والعِبادة والحب , هذا الشِرك الأكبر غير الفاضح . هُناكَ من يُحاول التلفيق , يعني يُحب أن يجمع بينَ إشراكهِ الكبير , بأن اتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاَ , يُعظّمهُ ويُحبهُ ويُطيعهُ , ولا يعبأُ بطاعةِ اللهِ , ولا بحُبهِ للهِ , ولا بتعظيمهِ للهِ , وكيفَ يوفّقُ هذا الإنسان بين هذا الشِرك الأكبر وبينَ ما هوَ واضحٌ كالشمس من أنَّ اللهَ خلقَ السموات والأرض ؟ لذلك الله سبحانهُ وتعالى يقول : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر الآية: 3] ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ هذا اسمهُ تلفيق , يعني يحبُ أن يجمع بينَ عقيدتهِ الشركيّة وبينَ التوحيد , نحنُ نتخذهم شفعاء لنا عِندَ الله . طبعاً قبلَ قليل : حدثتكم عن أنَّ الشِركَ الأكبر , ليسَ معناهُ أن تدعيَّ أنَّ هذا الذي اتخذتهُ من دون الله , هوَ خالِق الكون ، هوَ ربُّ السموات والأرض ، هوّ المُسير , لا , لكن لوازم الألوهية : التعظيم والمحبة والطاعة , أنتَ فعلتَ معَ هذا النِدّ للهِ عزّ وجل , الذي هوَ من دون الله , فعلتَ معهُ ما ينبغي أن تفعلهُ مع الله , قالَ تعالى : ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 97-98] عندنّا سؤال : لماذا تروجُ هذه الأفكار الوثنيةُ في العالم ؟ يقول لكَ : أربعمئة ، خمسمئة مليون أتباع بوذا ، ستمئة مليون أتباع كذا ، السيخ عددهم كذا مليون ، أربعمئة مليون هندوسي , كلهم يعبدون بقرة أو صنماً أو وثناً ، طيب : أينَ عقولُهم ؟ الجواب هوَ : أنَّ هذه الآلهة المزعومة ليسَ لها منهج يُقيّدُكَ في حركتكَ اليومية فاتّباعُها سهل . هُناكَ طقسٌ تفعلهُ كُلَ أسبوع , أو كُلَ يوم , وانتهى الأمر , لكَ أن تفعل ما تشاء ، لكَ أن تأكلَ من أموال الناس ما تشاء ، لكَ أن تُمارِسَ الشهوات كيفما تشاء . فلذلك : دائماً المناهج الشركية الوضعية , لها ميزة عند أهل الدنيا , ليسَ لها منهج , فالانتماء لها سهل جداً , لا يُكلّفُ شيئاً ، لكنَ اللهَ سبحانهُ وتعالى إذا أردتَ أن تنتميَ إلى دينهِ , فهُناكَ افعل ولا تفعل ، هُناك قنوات نظيفة والباقي كُلُهُ مُحرّم ، فلذلك إذا أردتَ أن تتعرف إلى سِرِ انتشار هذه الديانات الوضعية , وهذا الشِرك الذي لا يقبلهُ عقل , ذلك لأن الانتماء إليه سهل . واحد ذهب للهند , وجد في مقام بوذا فواكه من أنواع لا يرقى إليها , وهم تُقدّمُ هذه الفواكهُ إلى هذا الإله يوميّاً , ثمَّ تقصّى الحقائق , كُلُ هذه الفواكه في النهاية , يأكُلها من يعملون في هذا المعبد , فهم يُبالغون ، لا يقبلُكَ هذا الإله إلا إذا جوّدتَ له الفاكهة من أجلهِ . يعني من أجلِ أن يأكُلها هو مساءً , لأنَّ هذا الصنم لا يأكل . والشيء الغريب : ترى هُناك أشخاص مثقفون , يحملون شهادات عُليا , كيفَ أنَ هذا الإنسان يُعطّلُ عقله ؟ فلذلك : الله عزّ وجل يوم القيامة سيسأل هذا الإنسان هذا السؤال الكبير : عبدي أعطيتُكَ عقلاً فماذا صنعتَ فيه ؟ أينَ عقلُك ؟ أنتَ تقبل أن تقبض عملة مزيّفة لثمن بيت تسكنهُ ولا تملكُ غيرهُ , ومعك جهاز صغير يكشفُ لكَ زيفَ هذه العُملة من دونِ أن تستخدمهُ , فإذا صُعقتَ لهذا الخبر المؤسف وصِحتَ , يُقال لكَ كلمة بسيطة جداً , فيها استهزاء : ما دُمتَ تملكُ هذا الجهاز لِمَ لم تستخدمهُ ؟ وما دامَ اللهُ عزّ وجل قد أعطانا عقلاً , فإذا أشركَ الإنسانُ مع الله عزّ وجل ، هذا الإنسان مؤاخذ , أينَ عقلُك ؟. أنا أُسمي العقل أداة المعرفة ، وقد وردَ في القرآن وصفٌ لهُ ، اسم وصفي ، قالَ : ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن الآية: 7] الله أعطاكَ ميزاناً ، ميزاناً دقيقاً ، ولا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ أثمنَ ما في الكونِ هوَ العقل , بل إنَّ أعقدَ ما في الكونِ على الإطلاق هو العقل , يعني ما في عضو في الكون , لا في النوع البشري فحسب في الكون , بالغ التعقيد , واسع الإمكانات , كالعقل البشري , فإذا عطلّتهُ فقد ضللتَ ضلالاً مُبيناً . سِرُ تهافت الناس على الديانات الوثنية , هوَ أنَّ هذه الديانات ليسَ فيها منهج ، ليسَ فيها قيد ، ليسَ فيها حدٌ من حرية الإنسان ، ليسَ فيها منعٌ لشهواتِهِ ، هذا سِرُ رواجِها لا لذاتِها , بل لِما ينتجُ عنها من تفلت أيِّ قيمةٍ أو أيِّ نظام . كيفَ نردُ على هؤلاءِ الذينَ أشركوا باللهِ ما لم يُنزّل به عليهم سُلطاناً : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الردُ عليهم : بأنَّ الشفاعةَ التي وردت في القرآن الكريم لها شروط ، قالَ تعالى : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 255] لا تقعُ الشفاعةُ لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا من رضيَ اللهُ عنهُ ، الدليل قالَ تعالى : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 28] اللهُ سبحانهُ وتعالى , من هوَ الذي يرضى عنهُ , حتى يسمحَ للنبي عليه الصلاة والسلام أن يشفعَ لهُ ؟ قالَ : من ماتَ غيرَ مُشرك . يعني الذي أشرك لا يستحقُ الشفاعة ، وإذا بلغتَ التوحيد فقد بلغتَ كُلَ شيء . نهاية العلم التوحيد . أقول لكم كلمات قُلتها كثيراً , لكن أتمنى أن تكونَ في موطن اهتمامكم نهاية العِلم : التوحيد . لن تُخلِصَ إلا إذا كُنتَ موحِداً ، إن لم تكن موحداً , تتمنى أن تُرضي الناس , وتخشاهم , وترجوهم , وتستعطفهم , وتشعر بقدرتهم عليك , هم يرفعونك , وهم يضعونك ، شفاؤك على أيديهم , وخلاصك ومصيرك بيدهم ، ما دُمتَ لم توّحد فهذا شِرك ، والشِرك معهُ خوف ، معهُ تبعثر ، معهُ تشرذم ، معهُ تبديد بالطاقات ، لذلك : نهاية العِلم التوحيد . لا إلهَ إلا الله حِصني من دخلها أمِنَ من عذابي ، لا إلهَ إلا الله لا يسبِقُها عمل ولا تتركُ ذنباً . لا إلهَ إلا الله فيها نفي وإثبات ... لا إلهَ : أي لا مُسيّرَ ، لا حركةَ لا سكنةَ ، لا عطاءَ لا منعَ ، لا رفعَ لا خفضَ ، لا إعزازَ لا إذلالَ ، لا قبضَ لا بسطَ ، لا توفيقَ لا إخفاقَ إلا بالله . فلذلك : لن تُخلص إلا إذا وحّدت . وهذا المثل أضرِبهُ دائماً , وأُعيدهُ , وفيه فائدة ... لكَ قضية مهمة جداً في دائرة , إذا أنتَ عَلِمتَ عِلمَ اليقين أنَّ في كُلِ هذه الدائرة المؤلفة من أربعة آلاف موظف , لا يوجد إلا إنسان واحد , من صلاحيتهِ أن يوافق لكَ على طلبك , هوَ المدير العام ، إذا أيقنت لن تسألَ سِواه ، ولن تتجهَ إلى أحدٍ آخر ، ولن تُقدّمَ هديةً إلى أحدٍ غيرهِ ، ولن تبذِلَ ماءَ وجهِكَ إلى أحدٍ إلا هذا المدير العام , فإذا قيل لكَ خطأً أو وهماً أنهُ فُلان , هوَ بإمكانهِ أن يوافق , تتجهُ إليه ، تصبُ عليه كُلَ اهتمامك ، تتوسل إليه ، تُعلّقُ عليه الآمال , هذا هوَ الشِرك . وقد ضربتُ مثلاً آخر في أثناء تدريسي السابق أيضاً , الآن مناسب أن نُعيدهُ ... إنسان لهُ في حلب مبلغ كبير كبير , تُحلُ بهِ كُلُ المشكلات , ويجب أن يقبضهُ في ساعةٍ معينة , وتوجهَ إلى محطة القطارات , وركبَ القطار المتجه إلى حلب ، قد يرتكب وهو في القطار آلاف الأغلاط , قد يدفع ثمن بطاقة للدرجة الأولى , ويجلس خطأً في الدرجة الثالثة , ممكن ، قد يجلس بعكس اتجاه سير القطار يُصاب بالدوار ، قد يجلس مع شبابٍ متشاكسين , يملؤون القاطرة صخباً وضجيجاً , قد يتضور جوعاً , ولا يعلم أنَّ في القطار مطعماً ، قد ينسى بعضَ حاجاتهِ في القاطرة ، لكن ما دامَ في القطار المتجه إلى حلب , وما دامَ هذا القطار سيصل في الوقت المناسب , فالقضية سهلة , كُلُ هذه الأغلاط نتجاوزها . ولكن الخطأ الذي لا يُغتفر : أن تتجه إلى محطة القطار , وأن تصعد إلى القطار المتجه إلى درعا , وأنتَ تُطمئن نفسكَ , بعدَ قليل نصل إلى حلب , ثمَ تُفاجأ وأنتَ في درعا أنَّ هُنا درعا . طيب : أينَ حلب ؟ هذا الخطأ الذي لا يُغتفر . يعني أن تتجهَ إلى غير الله ، أن تُعلّقَ على غير الله الآمال ، أن ترجو غيرَ الله ، أن تخافَ من غير الله ، أن تظنَ أنَ الرِزقَ بيد فُلان ، أن تظن أنَّ فُلاناً بإمكانهِ أن يرفعك , بإمكانهِ أن يضعكَ ، بإمكانهِ أن يُعطيك ، بإمكانهِ أن يمنعك , هذا الشِرك , هذا الشِركُ الذي لا يُمكن أن يُغتفر , لأنهُ إذا اتجهتَ إلى الله وكُنتَ مُخطئاً غفرَ لك ، إن كُنتَ جاهلاً علّمك ، إن كُنتَ مستوحشاً آنسك ، إن كُنتَ ضعيفاً قوّاك ، إن كُنت فقيراً أغناك ، إن كُنتَ مُنقبضاً بشّرك ، لكنكَ إذا اتجهتَ إلى غير الله فقد أشركت . واحد معهُ آلام الزائدة لا تحتمل , ما دام في طريقهِ إلى المستشفى , ودخل المستشفى , وفي عناية جيدة , وفي أطباء مهرة , وفي أدوية جيدة , وفي موظفين مخلصين , فالقضـية انحلت ، لكن لو اتجهَ إلى مكان آخر , فإذا هوَ مدرسـة أو فندق مثلاً , ماذا يفعل هُنا ؟ . فلذلك موضوع الشِرك يا أخوان من أخطر الموضوعات في الدين , وأقول لكم بملء فمي : لا نجدُ إنساناً يعصي اللهَ عزّ وجل إلا لأنَ فيه بعضَ الشِرك . لأنهُ لماذا يعصي الله ؟ يعصيه ليستمتعَ بشيء نهى اللهُ عنهُ . إنَّ سعادة القُرب أبلغُ بكثير من لذّة المعصية لكنهُ لا يدري . أتعصيه من أجل أن يزدادَ مالُك ؟ اللهُ بيده المال ، فجأةً يُدمّرُ المال . أنتَ اسأل نفسك لماذا أعصي الله ؟ يعني من أجل أن أُمتّع نفسي بما حرّمهُ الله عليّ . الانقباض الذي يحصل من مخالفة أمر الله عزّ وجل لا يُحتمل ، بينما السعادة التي تحصل من طاعة الله عزّ وجل لا توصف . لماذا أعصيه ؟ لأنني أرى في هذه المعصية خيرٌ لي , هذا هوَ الجهل . ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 57] أينَ الله ؟ أيُعقل أنكَ إذا اهتديتَ إلى الله خُطّفتَ من أرضك ؟ والذي يقول : أخي أنا إن استقمت مِتُ من جوعي , هذا منتهى الجهل ، منتهى الحُمق . يقول المحامي : إذا أنا صدقت ليسَ عِندي زبائن , يجب أن أُطمّعُهم , أنَّ الحُكم مضمون , غلط هذا الكلام , هذا شِرك بالله عزّ وجل ، يعني يجب أن تعلم : أنَّ أيَّ إنسانٍ يعصي الله لا يعصيه إلا لأنهُ أشركَ بالله ، إمّا أنهُ أشركَ نفسهُ أو أشركَ غيرهُ ، أمّا لو تجرّدتَ عن كُلِ شِرك , لرأيتَ نفسكَ في طريق الحقِ شِبراً شِبراً . الشفاعةُ التي وردت في القرآن الكريم , لا تكونُ إلا لمن رضيَ الله عنه ، ولن تُعطى إلا لمن رضيَ اللهُ لهُ قولاً : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى﴾ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ واللهُ لا يرضى من عِبادهِ الشِرك , لذلك من ماتَ غيرَ مُشرك , نالتهُ شفاعةُ النبي ، أمّا من ماتَ مُشرِكاً , حُرم من هذه الشفاعة . في مشكلة : أنهُ هُناك إنسان يدّعي التوحيد , إذا نظرتَ إلى عملهِ , وإلى حركاتهِ وسكناتهِ , وجدتَ عملهُ , وحالهُ يُكذّبُ توحيدهُ . ما أطعتَ فلاناً وعصيتَ الله إلا لأنكَ رأيتَ فُلاناً أكبرَ من الله , ما خِفتَ من فلان أكثرَ من خوفِكَ من الله إلا لأنكَ عظمّتهُ فوقَ ما تُعظّم الله عزّ وجل , فلذلك المعصية قد تبدو صغيرة , لكن المؤشر كبير على جهل فاضح باللهِ عزّ وجل . ربنا عزّ وجل قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 41] لا أعتقد أن في القرآن آية بأنَ ذلكَ الذي اعتمدَ على غير الله ، اتجهَ إلى غير الله ، اتكلَ على غير الله ، علّقَ آمالهُ على غير الله , كمن تمسّكَ ببيت العنكبوت , حركة أصابعهِ تُحطمُ هذا البيت : ﴿كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ يوجد عندنا موضوع دقيق جداً : هوَ أنتَ حينما تعتمد على فُلان ، يعني فُلان لا بُدَ من أن يكونَ أحدَ أربعةِ أشخاص : إمّا أنهُ مالِكُ هذا الكون ، أو مالِكُ جزءٍ منه شريك مع الله فيه ، أو ظهيرٌ , أو مُعين ، أو شفيع . مالك ، شريك ، ظهير ، شفيع . أنتَ إذا دخلت إلى مكان , وتوجهت إلى إنسان , هذا الإنسان أغلب الظن , بحسب هذا التوجه , مالِك المكان , وإذا لم يكن مالكاً , فلهُ النِصف , شريك . إذا واحد زار بستاناً , دعاهُ مالك نِصف البستان , فلو قالَ له الثاني : أخي أين أنتَ داخل ؟ فيقول : فُلان دعاني , كلام معقول , داخل لِعند النصف الثاني , فهذا الذي اتخذتهُ إلهاً من دون الله , إمّا هوَ خالق الكون , أو شريك في الخلق , أو ظهير مُعين لله عزّ وجل , له دالة أو شفيع , استمعوا إلى قول الله عزّ وجل , قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 22] ليسَ مالِكاً , وليسَ شريكاً , وليسَ معيناً , وليسَ شفيعاً ، من هوَ إذاً ؟ هوَ لا شيء , هذا معنى قول الله عزّ وجل : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص الآية: 1] فلذلك موضوع الشِرك من أخطر موضوعات الدين . لن تعصِ اللهَ إلا إذا أشركت ، لن ترجو غيرَ الله إلا إذا أشركت ، أنا لا أقول الشِرك الجلي , ولا أقول الشِرك الفاضح , أن تتخذَ في البيتِ صنماً تعبدهُ من دون الله , هذا انتهى . وقد قالَ عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ, إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ, يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا: هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ )) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ] الطريق الموصل إلى الله هو العلم . عندما الإنسان ينطلق إلى مخالفة , ينطلق لماذا ؟ لمنفعةٍ ماديةٍ أو شهوةٍ تقضيها , فلو عَلِمتَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالىَ هوَ المُسعد , وأنهُ لن يُسعِدكَ بمعصيتهِ , ولن تسعدَ إلا بطاعتهِ , ما عصيتهُ . أيُ خطأٍ ترتكبهُ هوَ في الأصل خطأ في العِلم ، أيُ خطأٍ ترتكبهُ في السلوك أساسهُ جهل . فلذلك أكادُ أقولُ : إنَّ العِلمَ وحدهُ هوَ الطريق الموصل إلى الله عزّ وجل , وإذا أردتَ أن تتأكد التق مع صديق من أصدقائكَ القُدامى , واجلس معهُ ساعة , ولاحظ كيفَ أنكَ أنتَ في مجالس العِلم التي تتابع حضورها , كيفَ أنَّ المعلومات والقناعات والحقائق تراكمت شيئاً فشيئاً فشيئاً حتى ولّدت قناعةً ثمينةً , هذه القناعات جعلتكَ تستقيم على أمر الله . فلذلك : أثمنُ ما في الحياة الدنيا أن تعرفَ الله , لأنكَ إن عرفتهُ عبدتهُ , وإن عبدتهُ سَعِدتَ بقربهِ في الدنيا والآخرة . أقول لكَ مُلخص المُلخص : هذا الدين أكثر من مئات بل ألوف الملايين من مؤلفات الإسلام , كُلُ هذه المؤلفات يمكن أن تُضغط بثلاث كلمات : يجب أن تعرفَ اللهَ حتى تعبدهُ , فإذا عبدتهُ سَعِدتَ بقُربهِ . لذلك المؤمن لا يرى غيرَ الله ، ليسَ عِندهُ حِقد ، هذا الحِقد المُدمر من أين يأتي ؟ من الشِرك . واحد عِندهُ في العمل التجاري صانع اختلف معهُ , فهذا الصانع أبلغ جهات معينة ، أنهُ هُناك بضاعة في المستودعات غير نظامية، فجاءت هذه الجهات وكلفتهُ بـ ستمئة ألف قصة من اثنتي عشرة سنة ، امتلأَ هذا التاجرُ حِقداً على هذا الصانع وقتلهُ , فحُكمَ عليه ثلاثينَ عاماً في السِجن ، لماذا نشأَ هذا الحِقدُ الشديد في قلبِ هذا التاجر ؟ لأنهُ رأى أنَّ هذا التدمير الذي أصابهُ من هذا الإنسان , هذا هوَ الشِرك . فالشِرك فيه حِقد يا أخوان ، والشِرك فيه خوف ، يعني : إذا واحد شاهد حيواناً مُخيفاً , أو مجموعة حيوانات مخيفة , كُلها مفترسة وشرسة وجائعة , وهوَ بِلا سلاح , يموت من الخوف ، أمّا إذا أيقنَ : أنَّ كُلَ هذه الحيوانات مربوطة بإحكام , بيد جهة رحيمة وعادلة ومُنصفة , لا يخافُ منها , يخافُ ممن يقبضُ زمامها , هكذا قال سيدنا داود : ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 55-56] حقيقة الأمراض النفسية التي يعاني منها الإنسان . أيها الأخوة الأكارم ؛ واللهِ لا أُبالغ : الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك . أكادُ أقول : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ليست بأمراض , ولكنها أعراض لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك , كلام دقيق , إنَّ كُلَ الأمراض النفسية : الخوف ، النِفاق ، الإنسان لماذا يُنافق ؟ لأنهُ يُرضي لهذا الذي يُنافق لهُ يُرضيه , لماذا يُرضيه ؟ لأنهُ يرى أنَّ لهُ شأناً , وأنَّ هذا الذي يُنافقُ لهُ بإمكانهِ أن يُعطيه شيئاً ثميناً , أو بإمكانهِ أن يحرمهُ من شيء ثمين . النفاق أساسهُ الشِرك ، الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك . يعني أنتَ تظن بالمعصية هُناكَ لذّة , لكنَّ اللهَ يَخلُق معَ اللذّة شقاء , ومع الشقاء فضيحة , ومعَ الفضيحة دماراً ، أمّا لو آمن أنَّ الله عزّ وجل لا يُسعدهُ إلا بطاعتهِ , وهو في الطريق الصحيح سعد . فلذلك أقول لكم مرةً ثانية : إنَّ أكثرَ الأمراض النفسية , وإذا أردتُ أن أجزم : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ما هيَ في حقيقتها إلا أعراضٌ لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك . لذلك : تستغرب أنَّ الأنبياء على اختلافهم ، واختلاف أقوامهم , واختلافِ عصورهم وأزمانِهم ، جاؤوا بدعوةٍ واحدة ، أعتقد في سورة : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف الآية: 73] العبارة نفسها قالها سيدنا صالح , وسيدنا هود , وسيدنا لوط , وسيدنا إبراهيم , نبيٌ نبي , حتى إنَّ اللهَ عزّ وجل لخّصَ كُلَ هذه العبارات في عبارةٍ واحدة , قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 25] هذا الدين كُلهُ ، الدين عقيدة وعمل ، العقيدة هيَ التوحيد ، والعمل هوَ الطاعة والتقوى ، لذلك قالوا : نهاية العِلم التوحيد , ونهاية العمل التقوى . الطاعة , من حيث السلوك نهاية النهاية أن تُطيعَ اللهَ عزّ وجل ، من حيث العِلم نهاية النهاية أن توحّدَ اللهَ عزّ وجل ، فإذا وحدّتهُ وعبدتهُ فقد حققتَ كُلَ ما في الدين وما بقيَ إلا القشور ، إذا وحدّتهُ وعبدتهُ حققتَ كُلَ ما في الدين ، بل وضعتَ يدكَ على جوهر الدين ، بل كُنتَ أنتَ الديّنَ الحقيقي ، بل كُنتَ أنتَ الذي اتبعتَ النبي عليه الصلاة والسلام ، توحيد وطاعة , والتوحيد طريقهُ التفكّر في خلق السموات والأرض . يقول لكَ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 59] يقول لكَ : هذا الزواج كان غير سعيد , كأنَّ اللهَ ليسَ لهُ علاقة , الزواج أخطر حدث في حياتك , ما دام : ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ هذه الزوجة الله عزّ وجل ساقها لك لتكونَ مكافأةً على ما فعلتهُ قبلَ الزواج ، إن كُنتَ عفيفاً فالزواج مُسعد ، وإن كنت منحرفاً قبلَ الزواج فالزواج مُشق ، فما دام : ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ صندوق خشبي , فيه طفل رضيع مولود حديثاً في نهر : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 7] عِندَ الله لا خطأ أبداً , كُل شيء بِحساب ، حركة أوراق الأشجار ، حركة الأغصان ، يقول لكَ : رصاصة طائشة , لا يوجد طائشة عِندَ الله , هذه عِندَ الناس ، عِندَ الله مصيبة ، عِندَ الله لا يوجد خطأ أبداً , شظية ، رصاصة طائشة ، قصف عشوائي , هذا كُلهُ عِند البشر , أمّا عِندَ الله لا يوجد عشوائي . ﴿كُل شيء بقَدر﴾ لكُلِ شيء حقيقة , وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ , حتى يعلم أنَّ ما أصابهُ لم يكن ليخطئهُ , وما أخطأه لم يكن ليصيبهُ . أيها الأخوة ؛ أنا ناصحٌ لكم كُلما ارتقى توحيدكم سَعِدتم ، وارتحتم ، وأرحتم ، واطمأننتم ، ووثقتم بفضل اللهِ عزّ وجل . النهاية : أن لا ترى مع اللهِ أحداً , لا يوجد سِوى الله , واللهُ كبير . إذا أردتَ المُلخص : اللهُ موجود , ولا يوجد غيرهُ , وكامل . ثلاث كلمات تلخّص تسعةً وتسعينَ اسما : واجبُ الوجود لا إلهَ غيرهُ . ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 180] فإذا عرفتهُ , عرفتَ كُلَ شيء , واللهِ إذا فاتكَ فاتكَ كُلُ شيء ، وإذا وجدتهُ وجدتَ كُلَ شيء ، وإذا لم تجدهُ لم تجد شيئاً ، وإذا كانَ اللهُ معكَ من عليك ؟ لا أحد ، وإذا كانَ عليكَ من معك ؟ لا أحد . التوحيد هو العلاج لهذه الأمراض . يعني : موضوع الشِرك موضوع أساسي في الدين ، هوَ الدينُ كُلهُ ، هوَ الحياة ، هوَ الراحة النفسية ، هوَ الثقة بالله ، هوَ الطمأنينة ، هوَ الشجاعة ، من أينَ تأتي الشجاعة ؟ الخوف من الشِرك ، الحِقد من الشِرك ، النِفاق من الشِرك ، الفجور من الشِرك ، التملّق من الشِرك ، استجداء المديح من الشِرك , ما في موقف ضعيف لكَ إلا أساسهُ الشِرك ، ما في موقف تصغُر فيهِ أمام الناس إمّا خائف منهم أو ترجو ما عِندهم . الطمع كما قالوا : الطمع أذلَّ رِقابَ الرِجال ، لا تقف موقفاً سليماً إلا بسبب الطمع ، والطمع ما أساسهُ ؟ تطمع بمال فُلان , أنتَ لم تطمع بفضل الله عزّ وجل : ملك الملوك إذا وهب قُم فاسألن عن السبب اللهُ يُعـطي من يشاء فقِف على حـدِ الأدب لن تكونَ عزيزاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ شجاعاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ عفوّاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ جريئاً إلا بالتوحيد ، لن ترضى إلا بما قَسَمهُ اللهُ لكَ إلا بالتوحيد ، التوحيد يشفي الإنسان من آلاف الأمراض . تجد إنساناً صحيحاً معافى , أجرى تحليلاً , وجد جميع التحاليل كاملة , ويكون عِندهُ مئة مرض نفسي مُدمّر , وهذه الأمراض تبدأُ آثارُها بعدَ الموت ، أمراض الجسد تنتهي عِندَ الموت ، أمراض النفس تبدأُ بعدَ الموت خطيرة جداً ، مثلاً : حقد ، حسد ، خوف ، نِفاق ، فجور . لو معكَ مِنظار دقيق : لا تُشهد إنساناً موقفهُ طفلي , أو عندهُ موقف يتحجّم فيه , أو صَغُرَ من عينك , إلا بسبب أنهُ أشركَ في هذه اللحظة ، يعني شاهدَ إنساناً منه نفع فتملّقَ لهُ , تملّق ، مدح ، كَذَب ، بالَغ ، تكلّم على غير قناعةٍ , صَغُرَ في نَظَرِكَ, لأنهُ أشرك , أبداً , فلن تَصِلَ إلى أعلى مقام إلا بالتوحيد ، وحُسبُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل جعلَ فحوى رسالات الأنبياءِ كُلهم : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 25] أقول لكَ : إنَّ الدين كُلهُ معرفة ، عبادة ، سعادة , طيب العِبادة لن تكون إلا بالمعرفة , والعبادة من لوازمها الحتمية السعادة , فربُنا اكتفى بها . في نقطة مهمة جداً : التوبة عِلم ، ندم ، إقلاع ، عمل . قالَ النبي : الندمُ توبة . طيب : لماذا لم يقل الثلاثة ، لِمَ اكتفى بواحدة ؟ قالَ : لأنَ هذا الندم لن يكونَ إلا بالعِلم , وأن لا بُدَ من أن يُولّدِ العمل ، فما دام هوَ مُعلّق على شيء , ومن لوازمهُ شيء نكتفي بهِ ، لذلك قالَ اللهُ عزّ وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] لم يحك المعرفة , العبادة لا بُدَ لها من معرفة ، العبادة لا بُدَ من أن تنتهي بالسعادة . هذا الذي أتمنى أن يكونَ بينَ أيديكم في هذا الدرس هوَ : أنَ الشِرك أكبرٌ وأصغر . الأكبر فاضح وغير فاضح . الأصغر مما ابتليَ بهِ المؤمنون , لكن كُل مؤمن لهُ مستوى من الشِرك ، في مؤمن قلَّ ما يوحّد ، وفي مؤمن قلَّ ما يُشرك , لكن في شرك أصغر . يعني : الأم التي تعتني بابنها , أو تمنح ابنها كُلَ حُبها , مع أنهُ مُقيم على معصية , هذا فيه شيء من الشِرك ، لمّا أنتَ صديقُكَ لا يُصلي , أو ترك الصلاة , وأنتَ لم تهتم , لأن هناك مصلحة مشتركة , هذا شِرك , أمّا إذا كُنتَ مُوحّداً لا تأخُذكَ في اللهِ لومةُ لائم . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الكبائرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الثلاثون ) ما ذكر سابقاً : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الواحد والثلاثين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين، الحقيقة: في دروسٍ سابقة عِدّةَ, تحدثنا عن أنواع الذنوب، تحدثنا عن الإِثمِ والعدوان، وعن الفحشاء والمنكر، وعن أنواع الفِسق، وعن أنواع الشِرك، وعن أنواعِ الفجور، وعن أنواع الكُفر، وتحدثنا عن أعظم هذه الذنوب وهيَ: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, واليوم ننتقلُ إلى موضوعٍ جديد, من سلسلةِ هذه الموضوعات التي نقدّمها لكم, تمهيداً لأخطرِ موضوعٍ في حياة المؤمن, ألا وهوَ التوبة. من مراحل التوبة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/01.jpg ذكرتُ لكم سابقاً: أنَّ الإنسانَ لا يتوبُ من ذنبٍ لا يعلمهُ ذنباً، فأولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: أن تعرف ما الذنب؟ ما الشِرك الخفي؟ ما الكُفر؟ ما الفجور؟ ما الإثم؟ ما العدوان؟ ما الفحشاء؟ ما المُنكر؟ ما هذا الذنب العظيم: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم؟ فلن يتوبَ الإنسانُ من شيء, هوَ عِندَ اللهِ ذنبٌ عظيم, إلاّ إذا عَلِمَ خطورةَ هذا الذنب, وما يؤولُ إليه صاحبهُ, من عذابٍ في الدنيا, وشقاءٍ في الآخرة. ففي سلسةِ هذه الموضوعات التي تنتهي إن شاء الله تعالى بموضوع التوبة, نحنُ اليوم مع موضوع الكبائر، وقبلَ أن أخوضَ في تفاصيل هذا الموضوع, لا بُدَ من بعض الأمثلة: ترتكب مخالفة سير، العملية تتراوح بين مبلغٍ يسير, أو حجز السيارة أسبوع أو أسبوعين, أو سحب شهادة, أو ما إلى ذلك ....., لكن حياتك سليمة, ترتكب مخالفة تُكلّف شهرين سجن، ترتكب مخالفة ثلاث سنوات، تزوير وثيقة رسمية ست سنوات, كتم معلومات ست سنوات، جريمة قتل خمس وعشرون سنة، خيانة عظمى إعدام, أليسَ كذلك؟ . في كُل مجتمع بشري أنظمة وقوانين, بعضُها خفيف بعضُها جنحة، بعضها جناية وبعضها جريمة، وفي مخالفات مدنيّة وفي مخالفات جزائية، هكذا, كذلك: من السذاجة أن تظنَ أنَّ كُلَ معصيةٍ معصية، هُناكَ معصيةٌ تستطيع أن تقول: يا رب ندِمتُ على فِعلِ هذا, تشعر أنَّ اللهَ غفرَ لك، هُناكَ معصيةٌ لا تستطيع أن تتوب منها بهذه السهولة, لا بُدَ من دفعِ مبلغٍ كبير, لا بُدَ من ترميم, لا بُدَ من فعلٍ كبير يُغطي هذه المعصية، لكن أخطر فكرة أتمنى عليكم أن تكونَ بينَ أيديكم: هوَ أنهُ من السذاجةِ أن تظن أنكَ إذا عَصيت تتوب, بابُ التوبةِ مفتوح, واللهُ غفورٌ رحيم: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/02.jpg ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الحجر الآية: 49] والقضية سهلة, هُنا الخطورة, كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, بالضبط: كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, لا تظن أنَّ الذنب كما لو أنكَ تمشي على الرصيف نزلتَ من على الرصيف ثمَ عُدتَ إليه, لا, هذه فِكرة ساذجة، هُناك معاصٍ تُبعِدُكَ عن الله إبعاداً كبيراً، هُناك معاصٍ يُحسُ صاحِبُها أنهُ ملعون وبعيد عن رحمة الله، هذه الفِكرة الخطيرة هيَ مِحورُ هذا الدرس, هُناك كبائر، وهُناك صغائر، الصغائر التوبةُ منها سهلة. على مستوى مركبة: هُناك حادث يُصلّح في ساعة يُكلّفُكَ مئة ليرة, في حادث يُكلّف مئتي ألف، في حادث تُصبح المركبةُ قطعتين، أو تُصبحُ مسطحةً تحتاج إلى مئات بل إلى قريب من مليون ليرة إصلاح, مِثلُ هذه السيارة كُلهُ حوادث, لا, في حادث طفيف، حادث أكبر، أكبر، فالكبائر محور هذا الدرس. من الكبائر : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 31] يظلُ المُسلمُ بخير ما لم يسفك دماً، الزِنا كبيرة، شُربُ الخمرِ كبيرة، السرقةُ كبيرة، القتلُ كبيرة، قذفُ امرأةٍ محصنةٍ كبيرة، فلذلك موضوعُ هذا الدرس: الكبائر, لا شك أنَّ هذا الموضوع خِلافي, معنى خِلافي: أي أنَّ السلفَ الصالح اختلفوا في تحديد الكبائر من سبعة إلى سبعين إلى سبعمئة. على كُلٍ؛ في كتاب مشهور اسمهُ: الكبائر للإمام الذهبي, عد فيهِ سبعين كبيرة طبعاً استنبطها من كتاب الله ومن سُنةِ رسولِ الله ومن الآثار الصحيحة، نحنُ الآن مع النصوص المُحكمةِ مع كتاب الله, ومع سُنّةِ رسولِ الله في الصحيحين, وهوَ أعلى أنواع الحديث. 1-اليمين الغموس: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/03.jpg من حديثِ الشعبيّ: عن عبدِ الله بن عَمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] اليمين الغموس: أن تحلِفَ باللهِ عن قضيةٍ سابقةٍ أنكَ ما أخذتَ هذا المبلغ وقد أخذتهُ ، يعني حينما تحلِفُ باللهِ لتأكُلَ حقَ مُسلِمٍ, فهذا اليمين اسمهُ: اليمين الغموس, وسُمي غموساً: لأنهُ يغمِسُ صاحبهُ في النار, وهذا اليمين الغموس لا كفارةَ لهُ, لأنكَ إن حلفتهُ خرجتَ من الإسلام, تحتاج إلى تجديد إسلامِك, وإلى تجديد إيمانِك. 2- عقوق الوالدين: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/04.jpg روي عن أنس رضي اللّه عنه قال: ((ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكبائر، فقال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] لذلك أنصحكم جميعاً: ألاّ تُشارك عاقّاً لوالديه, لأنهُ لا خيرَ فيهِ لوالديه, أيمكنُ أن يكونَ فيه خيرٌ لكَ؟ من باب أولى: أقربُ الناسِ إليه والداه, أولُ من أسدى لهُ معروفاً والداه, فإذا كانَ الإنسانُ عاقّاً لوالديه فلا خيرَ فيه، لذلك: ليعمل العاقُ ما شاءَ أن يعمل, فلن يدخُلَ الجنة، الإشراكُ بالله, وعقوق الوالدين, وقتلُ النفسِ طبعاً, قتلُ النفسِ بغير حق, لمّا القاضي يُمضي حُكماً بإعدام القاتل, هذا قتل نفس, لكن هذا بالحق, والقتلُ -كما قيل- أنفى للقتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 179] 3- الإشراك بالله وقتل النفس بغير الحق: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/05.jpg أمّا إذا قُلنا: القتل نقصد بهِ بغير الحق, طبعاً قتلُ النفسِ بالحق من خصائص الحاكم فقط، قتلُ النفسِ بالحق من اختصاص أُولي أمرِ فقط, ولا يستطيع آحادُ المسلمين أن يُقيموا هذا الحد، لا حد القتل, ولا حد الرجم، ولا أيّ حد من الحدود، الحدود منوطةٌ بالحاكِمِ المُسلم دفعاً للفوضى. إذاً: الإشراكُ بالله، عقوق الوالدين، قتلُ النفسِ، اليمين الغموس. في الصحيحين معطوفة على في الصحيحين، وفيهما عن عبدِ الرحمن بن أبي بكرَ, عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)) لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يُحب أن تضيعَ الحقوق ولا يُحبُ الذُل. وقد وردَ في الأثر: ((أنَّ عدل ساعةٍ خيرٌ من عِبادةِ سبعينَ عاماً)) سبعون سنة تعبد الله خيرٌ من كُلِ هذه العِبادة, أن تَعدِل, لأنَّ اللهَ هوَ العدل, ويُحب العدل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/06.jpg وقد شكا حجرٌ إلى اللهِ عزّ وجل, قال: ((يا ربي عبدُتكَ خمسينَ عاماً, وتضعني في أُسِ كنيف –بيت الخلاء وضعتني يا ربي-, فقيلَ له: تأدب يا حجر, إذ لم أجعلكَ في مجلسِ قاضٍ ظالم)) يعني في هذا المكان في الكنيف, أشرفُ لكَ ألفُ مرة من أن تكونَ في مجلسِ قاضٍ ظالم، وكُل واحد منا قاضٍ، أحياناً قاضٍ بين أولادك، بينَ شركائك، بينَ جيرانك، ليسَ شرطاً أن يكونَ في الحياةِ منصِبُكَ القضاء, لا, حينما يُحتكمُ إليك فأنتَ قاضٍ. عدلُ ساعةِ خيرُ من عبادةِ سبعينَ عاماً. وهذا الذي دخلَ إلى بيت, وقتلَ الرجل, وقال لزوجتهِ: أعطني كُلَ ما عِندكِ, أعطتهُ سبعة دنانير ذهبية, فقتلَ ابنها الأول, فلما رأتهُ جاداً في قتل الثاني, أعطتهًُ مذهبةً, أعجبتهُ جداً, فإذا عليهُما بيتان من الشعر قرأهُما فأُغميَ عليه: إذا جارَ الأميرُ وحاجبـاهُ وقاضِ الأرضِ أسرفَ في القضاءِ فويـلٌ ثمَ ويـلٌ ثمَ ويـلٌ لقاضِ الأرضِ من قاض السمـاءِ وأنا أقول لكم هذا الكلام: p ويلٌ ثمَ ويــلٌ ثمَ ويـلٌ لقاض الأرضِ من قاض الســماءِ ويلٌ لإنسانٍ ظلمَ مخلوقاَ ضعيفاً. ((اتقوا دعوة المظلوم ولو كانَ كافراً)) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)) عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ, قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ, ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ, قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] أن تقول: فُلان يُعطيني، وفُلان يؤذيني، وفُلان يُبعدني، وفُلان كُل آمالي مُعلّقةٌ عليه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 151] 4- الزنا: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/07.jpg لأنَّ الزِنا كبيرة, أما أن تزني بامرأةِ جارِك, فهذا من أكبر الكبائر، لذلك: النبي عليه الصلاة والسلام بلغهُ أنَّ رجلاً سافر, وأوصى جاره بأهلهِ, فزنا بزوجةِ جارهِ, ومن أغربِ الصُدف: أنَّ كلبَ جارهِ قتلهُ, فقالَ عليه الصلاة والسلام: خانَ صاحبهُ, والكلبُ قتلهُ, والكلبُ خيرٌ منه. عنترة العبسي في الجاهلية كان يقول: وأغضُ طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها فأنزلَ اللهُ تعالى تصديقَ قول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 68] وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهَ عنهُ, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ, قلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَالسِّحْرُ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَأَكْلُ الرِّبَا, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] ((من سحرَ فقد كَفر)) ((من أتى ساحراً فلم يُصدّقهُ, لم تُقبل لهُ صلاةُ أربعين صباحاً, ولا دعاءُ أربعينَ ليلة, من أتى كاهناً فصدقهُ فقد كفر بما أُنزلَ على محمد)) ربنا عزّ وجل يقول في آية رائعة جداً, في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [سورة التكوير الآية: 8-9] يعني كُل مخلوق يُقتل بِلا سبب حتى العصفور, لو قتلتَ عصفوراً لغير مأكلةٍ, جاءَ يومَ القيامةِ ولهُ دويٌ كدويّ النحل, يقول: يا ربي سلهُ لِم قتلن؟ لذلك: الصيدُ دونِ حاجةٍ إلى طعامٍ مضطرٍ لهُ حرام, لأنهُ قتلُ نفسٍ بغير حق, وإتلافُ مالٍ, ومخالفةُ أمرٍ. 5- أكل أموال اليتامى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/08.jpg اللهُ عزّ وجل لم يقُل: ولا تأكلوا أموال اليتامى, قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 34] تقربوا أبلغ, يعني إيّاكَ أن يختلط مالكَ بمالهِ، فإذا اختلطَ مالهُ بمالك, ربما أخذتَ منهُ وأنتَ لا تشعر, وأنتَ لا تدري, فافرز ماله جانباً, ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: الهروب من لقاء العدو هذه كبيرة، "وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ: قذفُ مُحصنةٍ يهدمُ عملَ مئة سنة، الإشراك، عقوق الوالدين، قتلُ النفس، اليمين الغموس، أُضيفَ لها في الحديث الثاني: قولُ الزور، أُضيفَ لها في الحديث الثالث: أن تُزاني حليلة جارك، وأن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يأكلَ معك، أُضيفَ لها في الحديث الرابع: الشِركُ, وأكلُ الرِبا, وأكلُ مال اليتيم, والتوليّ يومَ الزحفِ, وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات. 6- أن يسب المرء والديه: وروى شُعبة, عن سعدِ بنِ إبراهيم, سمعتُ حميدَ بنِ عبد الرحمن يُحدّثُ عن عبدِ الله بن عمرٍ رضيَ الله عنهُما, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)) طبعاً: أن يَسُبَ الرجلُ والديه كبيرة جداً, لكن وكأنَ للنبي عليه الصلاة والسلام يوجهها توجيهاً آخر, قال: وكيفَ يَسُبُ الرجل والديه؟ الأب مُقدّس جداً, حتى إن أكبرَ سُبّةٍ في الأدب العربي في الجاهلية, أن تقول لخصمِكَ: لا أبا لك. سئمتُ تكاليفَ الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ يعني إذا أردتَ أن تَسُبَ إنساناً, قُل لهُ: لا أبَ لك, أنتَ بِلا أب, لمّا ربنا عزّ وجل قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] بدأَ بالأب, لأنَّ الأب موطن الاعتزاز الاجتماعي. ((أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)) يعني: إذا أسأتَ للناس حتى حملتهم على أن يَسُبوا الأب, فكأنكَ أنتَ سببتَ أباك, كلام واضح كالشمس.7- النهش في أعراض الناس: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/09.jpg وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ)) نهش في أعراض الناس، تتحدث عنهم بغير حق، دون دليل، دون تثبّت، دون تأكد، قصة تُروّجها للتسلية، تتهمهُ في دينهِ وهوَ بريء، تتهمهُ في ذِمتهُ وهوَ بريء، تتهمهُ في عِرضهِ وهوَ بريء هكذا ....., خطب من عِندنا, وتزوج من أخرى, لا بُدَ من أن نُجرّحهُ, يا أخي هذا لا يجوز, نتهمه بدينه، وندعي أنهُ يشرب, أمتأكدٌ أنهُ يشرب؟ لأنَّ الخطبة لم تنجح, زعمنا أنه يشرب، يُجرّح بِلا سبب، بِلا دليل، بِلا تأكيد، بِلا بينّة، يُتهمُ في عقلهِ، يُتهمُ في دينهِ، يُتهمُ في أخلاقهِ, هذه من أكبر الكبائر. والمشكلة أيها الأخوة: هذا الذي اتهمتهُ وهوَ بريء, اسمعوا مني: في عِندك حل واحد في الدنيا, حل واحد: أن تذهبَ إليه, وأن تعتذرَ منهُ, وأن تطلبَ منهُ السماح, وأن تعقِدَ جلسةً أخرى كالتي عقدتها من قبل, وأن تذكُرَ ذلكَ للناس حتى تنجوَ من عذاب الله, وإلا يأتي يومَ القيامة, فيأخذ من حسناتك, ويعطيكَ من سيئاتهِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ, قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ, فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) أقول لكم هذا الكلام, وأنا أعني ما أقول: إذا كان سبقَ وأن اغتبتَ, سارع إليه, واعتذرَ منهُ, واعقد جلسةَ مشابهةً للذي تكلمتَ فيها, واذكر للناس أنك تكلّمت بحق فُلان كلاماً غيرَ صحيح, وأنك تعتذر منهُ, وهوَ منهُ بريء, وإلا سوفَ يأخذُ من حسناتِك, وسوفَ يطرحُ عليكَ سيئاته, انتبه. إنَّ من أكبر الكبائر: استطالة الرجل في عِرضِ أخيه المسلم بغير حق. لستَ متأكداً, فكيفَ إذا كفّرتهُ بِلا سبب؟ كُلما خالفَ رأيهُ رأيكَ تُكفرّهُ، كُلما خالفَ اجتهادهُ اجتهادكَ تُكفّرهُ، يعني إذا قُلتَ: يا رسولَ الله, فأنت مُشرك. إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.8- الأمن من مكر الله: الآن: عن الصحابة, وعن عبد الله بن مسعود قالَ: أكبر الكبائر: الشِركُ بالله، والأمن من مكرِ الله. مُقيم على معصية، مُقيم على دخل حرام، مُقيم على اختلاط لا يُرضي الله، لكَ علاقاتٌ من وراءِ زوجتك لا تدري بها، وتُصلي, أنتَ ماذا تفعل؟ أنتَ آمنٌ من مكرِ الله؟ يعني الله عزّ وجل هكذا يدعُكَ تَغُشُ الناس!: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 2] هكذا ببساطة: تزور هذا البيت, وليست زيارتك بريئة, وتدّعي أنكَ مُسلم, وأنكَ تُصلي, والمسبحة بيدك، تُتمتم دائماً: لا إله إلا الله, سبحان الله!؟ لا بُدَ من أن تُكشف, ولا بُد من أن تُفتضح. 9- القنوط من رحمة الله: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/10.jpg لذلك: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ, أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيَّ, حَدَّثَهُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ, وَعَصَى إِمَامَهُ, وَمَاتَ عَاصِيًا, وَأَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ فَمَاتَ, وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا, قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ, فَلا تَسْأَلْ عَنْهُمْ, وَثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ, فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ, وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ, وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ, وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)) يوجد أمل, ألا يقدر الله عزّ وجل أن يُخلّصكَ مما أنتَ فيه؟ أي هذا المرض: ألا يستطيع الله عزّ وجل أن يشفيكَ منهُ؟ هذا هوَ المرض الخطير، ليسَ مرضهُ العُضال, لكنَ المرضَ يأسهُ من رحمة الله, أين؟: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء الآية: 80] واليأسُ من روحِ الله، اليأسُ والقنوطُ من الكبائر، لا أمل في الزواج, لا يوجد عِندي بيت ودخلي لا يكفيني، هل هذه المشكلة تستعصي على الله عزّ وجل؟ أو يفهم الأمور أنهُ جِهاد بالعالم, يفعلون ما يريدون, وكُلُ هذه الشعوب لِخدمتهم, أينَ الله عزّ وجل؟ هذا كلام فيه يأس, هذا فيه قنوط، القنوط من رحمة الله، واليأسُ من روح الله، والأمنُ من مكر الله، والشِرك من الكبائر. 10- الإصرار على الصغائر يحولها لكبائر: قالَ سعيد بن جبير: سألَ رجلٌ ابن عباس عن الكبائر: أسبعٌ هُم؟ قالَ: هُنَ إلى السبعمئة أقرب, إلا أنهُ لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/11.jpg يعني: إذا كُنتَ مُصرّاً على مصافحة امرأةٍ أجنبيةٍ, دائماً ليسَ فيها شيء, معَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إني لا أُصافح النساء)) [أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ] مُصافحة المرأة الأجنبية إذا أصررتَ عليها, وأكّدتَ إباحتها, وهيَ محرّمةٌ بنص الحديث الشريف, هذه كبيرة، والكبيرة نفسها لو تُبتَ منها أصبحت صغيرة. لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار. يعني مثل سريع أضرِبهُ كثيراً: الطريق عريض, وعلى يمينهِ وادٍ سحيق, عرضهُ ستون متر, وأنت في الوسط, وتقود مركبة، حرفُ المِقودِ تسعونَ درجةً فجأةً, هذه كبيرة, لماذا؟ لأنها تودي إلى الوادي بسرعة, أمّا لو انحرف سنتيمتراً واحداً, وثبتَ هذا السنتيمتر بعد مئة متر, سيقع بالوادي, إذا أصررتَ على الصغيرة, انقلبت إلى كبيرة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/12.jpg سُميت صغيرة؛ لأنهُ يسهُل الاستغفار منها مباشرة, عادت إلى مكانها، لكن إذا أصررت, وما دام مُصِر, ففي الآخرة على الوادي. لا صغيرة مع الإصرار, ولا كبيرةَ مع الاستغفار. وقالَ هذا الصحابي الجليل: كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ فهوَ كبيرة. الدليل: لا تنظر إلى صِغر الذنب, ولكن انظر على من اجترأت. كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ كبيرة. من عَمِلَ شيئاً منها فليستغفر اللهَ, فإنَّ اللهَ لا يُخلّدُ في النارِ, إلا من كانَ راجعاً عن الإسلام, أو جاحداً فريضةً, أو مُكذباً بالقدر. أمّا كُل ذنب يمكن أن تتوبَ منهُ. وقد قالَ عبد الله بن مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: ما نهى اللهُ عنه في سورة النساء من أولِها إلى قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 31] كيفَ استنبط العلماء الكبائر؟ : الآن السؤال الكبير: كيفَ استنبطَ العلماء الكبائر؟ فهذا الجواب, جواب أحد العلماء قالَ: كُل ذنبٍ ختمهُ اللهُ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ. اقرأ أنتَ القرآن: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 7] كبيرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 57] كبيرة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة الفتح الآية: 6] كبيرة: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 8] كبيرة, أيُّ ذنبٍ خُتمَ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ هوَ كبيرة. تعريف الكبيرة : في تعريف آخر للكبيرة: هي ما أوعدَ اللهُ عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة:http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/13.jpg ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 38] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور الآية: 2] أيُّ ذنبٍ في القرآن الكريم, أوعدَ اللهُ به حدّاً في الدنيا, أو عذاباً في الآخرة, فهوَ كبيرة. تعريف ثالث: ما سمّاهُ اللهُ في القرآن كبيراً فهوَ كبيرة: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 2] ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 2] ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان الآية: 13] ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف الآية: 28] ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 16] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 53] أيّةُ كلمةٍ في القرآن عظيم كبير، كبير عظيم، فهذا يعني أنَّ هذا الذنبَ من الكبائر. 11- الابتداع في الدين: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/14.jpg ومن أكبر الكبائر: أن تبتدعَ في الدينِ ما ليسَ فيه، لأنَّ المُذنب يتوب من الذنب, أمّا المُبتدع يرى أنهُ على صواب، المُبتدع الذي جاءَ بعقيدةٍ لا أصلَ لها، أو بسلوكٍ لا أصلَ لهُ، أو نهى عن شيء أباحهُ الله، أو أمرَ بشيء حرّمهُ الله، أو حَرَفَ العقيدة وفقَ أهوائهِ ومصالحهِ, كُلُ من جاءَ بشيء ليسَ من الدينِ فهوَ مُبتدع, والمُبتدع هوَ من أكبر الكبائر, هوَ نفسهُ كبيرة, التعليل, قال: لأنَّ البِدعة لا يُتابُ منها, والمعصيةَ يُتاب منها. إذا إنسان يعتقد أنَّ هذا العمل غلط ونفسهُ غلبتهُ, أغلب الظن أنهُ يتوب منه إن عاجلاً أو آجلاً, لكن إذا اعتقد أنه لا يوجد شيء, كيفَ يتوب منه؟ إذا اعتقدَ اعتقاداَ قطعيّاً أنَ هذا الشيء مُباح, أو أنَّ هذه الفكرة صحيحة, هذا لا يتوب منها: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف الآية: 103-104] لذلك: المُبتدع لا توبة لهُ, لأنهُ لن يتوب. قال: كلُ ذنبٍ عليه عقوبةٌ في الدنيا مشروعةٌ محدودةٌ؛ كالزِنا, وشُربِ الخمرِ, والسرقةِ, والقذفِ, أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 10] هذه كبيرة, والشربُ في آنية الفضةِ والذهبِ، وقتلُ الإنسانِ نفسهُ كبيرة، وخيانته أمانتهُ ونحو ذلك, هذه كُلُها كبائر. عَرفنا ما الكبيرة؟ فيها كلمة عظيم، فيها لعن، فيها غضب، فيها وعيد بالنار، والذي جاء في الحديث الشريف، الإمام الذهبي جمعها سبعينَ كبيرة, وأتمنى على الله عزّ وجل أن يحتاطَ الإنسانَ, وأن يعرفَ بالضبط ما الكبائر حتى لا يقعَ فيها. قال: المُحسن من إكرام الله لهُ: إذا زلّت قدمهُ, حسناتهُ تشفعُ لهُ. فإذا الإنسان وقع في مأزق, النبي علّمنا الدعاء: يا رب, إن كُنتُ فعلتُ هذا العمل خالصاً لوجهك ففرّج عني الآن, معناها الإنسان: لهُ أن يتوسل إلى اللهِ عزّ وجل بأعمالهِ الصالحة السابقة. قالَ لي تاجر من تجّار الغنم الكِبار: كُنتُ في البادية مع قطيع غنم اشتريتهُ -قصة قديمة-, قالَ لي: وضللنا الطريق, وأصابنا عطشٌ شديد, كِدتُ أهلكُ أنا ومالي, فصليت ركعتين, وقُلتُ لهُ: يا رب, مرة راودتني امراةٌ عن نفسها فعففت وخفتك, يا رب إن كُنت تركتها خشيئةً منك فأنقذنا الآن, وما هوَ إلا وقتٌ قصير, حتى رأى بدوياً, دلّهُ على مكانٍ فيه ماء. فمنَ السُنّة الإنسان أن يتوسل إلى الله عزّ وجل بصالح عملهِ. 12- عدم الخوف من الله والاستهانة مع الصغيرة تلحقها بالكبيرة: في نقطة مهمة جداً سأقرؤها لكم بدقة, قال: الكبيرة التي يقترن بها حياءٌ وخوفٌ واستعظامٌ، -إذا اقترنَ بها حياءٌ من الله وخوف واستعظام لِما فعل, قال-: هذه الكبيرة تُلحق بالصغائر, والصغيرةُ إذا اقترنَ بها قِلةُ حياءٍ, وعدم مبالاة, وترك الخوف والاستهانة, تُلحق بالكبائر. وهذه الكلمة يقولها معظم الناس: ماذا فعلنا يا أخي؟ إذا نظرنا ماذا يحصل؟ أكلناها. الله عزّ وجل قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور الآية: 30] أنتَ حينما نظرت, ونفسكَ غَلبَتَكَ, واستحييت من الله, وبادرتَ إلى التوبة, وتصدقت, فالله يجعلُها صغيرة، أما إذا قُلت: ماذا صنعت؟ أين نذهب بأعيننا؟ هذا استخفاف بأمر الله عزّ وجل, معَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يُكلّفُ نفساً إلا وسعها، استخفاف بأمر الله. الكبيرة مع الحياء تلحق بالصغائر: فإذا الكبيرة اقترنت بالحياء, والخوف, والاستعظام تُلحقُ بالصغائر، فإذا الصغيرةُ اقترنت بقلةِ الحياءِ, وعدم المبالاة, وترك الخوف, والاستهانة بها تُلحقُ بالكبائر. سيدنا يونس -كما تعلمون-, حينما ضَجِرَ من قومِهِ وتركهم, فكأنهُ بشكل أو بآخر تخلّى عن رسالتهِ, فربُنا عزّ وجل جعلهُ في بطن الحوت, لكن بعدَ أن أنقذهُ, قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 143-144] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/15.jpg إذاً: تسبيحهُ السابق شَفعَ لهُ هذه الذلّة, أرجو الله أن أكونَ مصيباً في قولي, يعني المؤمن غالٍ على الله, إذا لكَ سابقة فضل، لكَ ماضٍ مجيد معَ الله، لكَ جهادك في سبيل الله, جِهاد نفسك وهواك، تُبذل، تُنفق من مالك، فإذا عثرت, فالله سبحانهُ وتعالى يجبرُ عثرات الكِرام؛ ماضيك المُشرّف، طاعتكَ المديدة، حُبك لله عزّ وجل، إنفاقك في سبيل الله، هذا يشفعُ لكَ عِندَ الله, بمعنى أنهُ يُقيلُ عِثارك إذا زلّت قدمُك -لا سمح الله-, لا يتخلى الله عنك, هذا الماضي الطيب, يدعو إلى أن يتولى اللهُ معالجتك معالجة دقيقة. أحياناً: الإنسان يغلط, فيسوق الله من الشدائد ما يحملهُ على التوبة, ليسَ ذلكَ إلا لكرامة العبد على ربه. إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عدّلَ لهُ بالعقوبة. يعني أنتَ إمّا أن تكون مُهملاً من قِبل الله عزّ وجل, وإمّا أن تكونَ في العناية المشددة، فإذا لك ماضٍ طيب، فيه صدق مع الله، فيه عبادة إلى الله، فيه خدمة الناس، فيه معرفة كتاب الله, هذا الماضي, هذا الذي يدعو إلى أن تكونَ في العناية المشددة, ليسَ معناها لا تُعاقب, لكن الله عزّ وجل لا يتخلّى عنك، ما دُمت قد سبقت منكَ الحُسنى, فلا بُد من أن يتولى اللهُ معالجتك, هذا استُنبط من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قول لا إله إلا الله دون عمل لا تدخل الجنة: في نقطة مهمة جداً, أتمنى على الله عزّ وجل أن تنكشفَ لنا جميعاً. يوجد أحاديث كثيرة مُفادُها: أنهُ من قال لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة. ففي أشخاص مُغرِضون, يفهمون هذا الحديث على غير ما أرادهُ النبي، يفهمونَ هذا الحديث أنهُ قُل: لا إلهَ إلا الله وانتهى الأمر, فكُل الذنوب مغفورة، كُلُّ الانحرافات مستورة، لا , المعنى أعمق بكثير. المعنى: كلمة لا إلهَ إلا الله نور, نور ساطع, بشكل مادي: إنسان معهُ مصباحٌ منير, والطريق مُظلم, في بالطريق حُفر, وفي أكمات، في أفاعٍ، في ثمرات، في أحجار، في أشواك ، إنسان سوي, وعاقل, وبالغ, وراشد, ومُدرك, وبصرهُ حاد, ومعهُ مصباحٌ منير, أيُعقل أن أن يقعَ في الحفرة وهوَ يراها؟ لا يُعقل، أيُعقل أن يُمسكَ بالأفعى وهي أفعى؟ مستحيل، بمصباحِكَ المنير تتقي الحفرة، وتأكُلُ الثمرة، وتبتعدُ عن الشوك، وتقتلُ الأفعى. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/16.jpg إذاً: من قال لا إلهَ إلا الله نوّرت قلبهُ، فكيفَ يُغفرُ لأهلِ لا إلهَ إلا الله؟ لأنهم إذا قالوها فِعلاً لا يرتكبونَ ذنباً بهذا المعنى, ليسَ معناها أن ترتكبَ الذنوب, وأن تقول: لا إلهَ إلا الله, لا, هذا فهم ساذج، يعني: لا إلهَ إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، لا إلهَ إلا الله نور في القلب. الله ماذا قال؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التحريم الآية: 8] ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة الحديد الآية: 12] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 28] قال: هذا النور يُحرِقُ الشهوات والشُبُهات، كُلما اشتدَ النور أضاءَ ما حولهُ, ورأيتَ الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً, رأيتَ كُلَ شيء. يعني الإنسان مفطور على حُبِ ذاتهِ، سائق السيارة: أيُعقل أن يجد حفرة, والطريق مُعبّد, والحفرة عميقة أن ينزل فيها؟ مستحيل, إذا رآها فعلاً فهيَ لا إلهَ إلا الله, هذا التوحيد، نور في القلب، نورٌ يقذفهُ الله بالقلب, فإذا غُفر لأهل لا إله إلا الله, لأنهم وَقوا أنفسهم بهذا النور من أن يقعوا في ذنب, هذا هوَ المعنى. كل حديث فيه "من قال" يعني من قال وعمل: الشيء الثاني: الذي أتمناهُ عليكم: هوَ أنَّ كُلَ حديثٍ تقرؤونهُ فيه كلمة قال، من قالَ, من دعا، إيّاكم أن تظنوا أنكَ إذا قُلتَ بلسانك, قطفتَ ثِمارَ هذا الحديث، القول باللسان لا يُقدّمُ ولا يؤخّر, ولا يُغير شيئاً, ما لم يكن القلبُ حاضراً, والقلبُ خاشعاً، ما لم تكن في مستوى الحديث, في مستوى الدعاء, لن يؤثرَ الدعاء, ولن يؤثرَ القول, هذه حقيقة, مثلاً يقول لكَ: أنا عِندي وساوس, تأتيني كوابيس في الليل, أقول لهُ: ليسَ عِندي إلا حل واحد: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف الآية: 200] تقول: قلتها كثيراً ولم أستفد, أنتَ قُلتها بلسانك, إن لم تقلها وأنتَ حاضر القلب، وأنتَ مُدرِكُ لمعناها، إن لم تقلها وكأنها تجري في دمك, لن تقطفَ ثِمارَ هذا القول، فحيثما قرأتَ في السُنةِ, أنهُ من قال: لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة، من قال: سبحانكَ اللهم مئة مرة غُفرَ له. يعني إذا سبحّتَ الله فعلاً, الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, اذكرهن مليون مرة لا يحدثُ شيء، أمّا لو سبحّتَ اللهَ فعلاً, أي نزهّتهُ ومجدّتهُ, ولو وحّدتهُ سبحان الله، ولو حَمِدتهُ والحمدُ لله، ولو كبرّتهُ، أنتَ سبحّتهُ وحَمِدتهُ ووحّدتهُ وكبرّتهُ, فأنت تعرفه, وما دُمتَ تعرفهُ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [سورة الكهف الآية: 46] فالكلامُ يبقى كلاماً ما لم يكن القلبُ مواطئاً لهُ، وما لم يكن الخشوع ملامساُ لهُ، وما لم يكن الإدراك معنيّاً بهِ، فكل قول تقرؤهُ في الكتاب والسُنّة لا قيمةَ لهُ إلا إذا حضرَ القلبُ معك. مثلاً: من قالَ في يومٍ: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ مئة مرة, حُطت عنهُ خطاياه, أو غُفرت ذنوبه. الكلام صحيح بمعنى, وغلط بمعنى آخر، صحيح ما دُمت قد سبّحتَ الله فِعلاً, انتهى كُل شيء, فأنتَ عرفتهُ، أما إذا قُلت: سبحانَ الله, سُبحانَ الله, ومرّت امرأة ونظرت إليها, قلها مليون مرة لن تُقدّم ولن تؤخر، لا تكن شكليّاً أيها الأخ, ديننا أعظم من ذلك. مستحيل أن تقبل جامعة, أن تعطيك إجازة بأن تقول إجازة مئات المرات، إجازة الليسانس أربع سنوات دراسة, وكل سنة فيها اثنتا عشرة مادة, وكل مادة فيها ثلاثون كتاب, ومراجع, وحلقات بحث, تحس وكأنك ذُبت ذوباناً بعد أربع سنوات، جامعة عادية لا بد فيها من دراسة, ومن مناهج, ومن كُتب, ومن امتحانات, معقول أن تقول: سبحان الله, ولم يعد هُناكَ ولا ذنب؟ هذا والله عمل سهل. كُل مال حرام, وافعل ما تشاء, واذهب إلى أي مكان يُغضب الله عزّ وجل, وفي المساء يكفي أن تقول مئة مرة: سبحان الله, تحتاج إلى ربع ساعة, فالدين أعظم من ذلك، إذا وردَ معكَ بالسُنة كلمة من قال: سبحان الله, يعني قلبه تفطّر من تعظيم الله عزّ وجل، سبحان الله ودموعهُ على خدهِ، سبحان الله وجلدهُ مقشعّر، سبحان الله وقد عَزَمَ على التوبة فعلاً، من قالَ: سبحان الله, وفي معها توبة, ومعها خشوع, ومعها خشية لله, غُفرت لهُ كُلُ ذنوبهِ, فإيّاكم أن تفهموا هذه الأحاديث على ظاهرها، الأقوال وحدها لا قيمة لها، فبإمكان أيِّ إنسان مهما كانَ بعيداً عن الله أن يقولها. كلما ارتفعت مرتبة الإنسان تصبح الصغائر في حقه كبائر: بقيَ بحثٌ أخير: بالنسبة لكل إنسان لهُ ذنوب, يعني سيدنا ابراهيم أُمرَ أن يذبحَ ابنهُ, ماذا فعل؟ كُلما ارتفعت مرتبة الإنسان, تُصبحُ الصغائر في حقهِ كبائر, هُنا في نقطة جديدة: يجوز أن أجد رجلاً في الأساس عاصياً, شارب خمر، زانياً، عندما تركَ الزِنا وترك الخمر, أُراه أصبح ولياً، هذا وليّ, لأنهُ ترك الزِنا والخمر فقط! لكن كُلما سِرتَ إلى الله, يمكن المؤمن الراقي يُعاتب على كلمة قالها، يُعاتب على نظرة نظرها؛ لذلك قالوا: حسناتُ الأبرار سيئات المُقرّبين. سيدنا ابن رواحة ماذا فعل؟ عيّنهُ النبي عليه الصلاة والسلام قائداً رقم ثلاثة في معركة مؤتة, وأول قائد سيدنا زيد قُتل, وثاني قائد قُتل سيدنا جعفر, وجاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, الموت سريع جداً تريّث, كانَ شاعراً قال: يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ إن تفعلي فعلهُما رضيتِ وإن توليـتِ فـقد شـقيتِ أخذَ الراية وقاتلَ بها حتى قُتل, ماذا عمل؟ ماتَ في سبيل الله، النبي عليه الصلاة والسلام قال: أخذَ الرايةَ أخوكم زيد, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثم أخذَ الرايةَ أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثمَ سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, فلما سكتَ النبي, قَلِقَ أصحابهُ على عبد الله, قالوا: ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَ أخذَ الراية أخوكم عبد الله, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه، درجتهُ هَبَطت. مرة تكلّمتُ قصة نصفُها وقع, ونِصفُها أكملتهُ من عِندي, الذي وجدَ بالحاوية كيساً أسود يتحرك, فإذ به طفل مولود حديثاً, فأخذهُ وربّاه ... إلى آخره, أنا أكملتُها, خرجّهُ طبيباً, وقد زوجّهُ ابنتهُ, وأخذ له عيادة, صار من ألمع أطباء دمشق, فهذا الطبيب مرةً, رأى عمهُ يمشي في الطريق على قدمين, قالَ: يا فُلان أوصلني إلى البيت, ففكرَ أربع ثوانٍ, وقالَ لهُ: تفضل, هذه الأربع ثوانٍ بحق هذا الطبيب جريمة, أليسَ كذلك؟ كُنتَ في الحاوية, وانتشلكَ من الحاوية, وخرّجكَ طبيباً, تقول له: تفضل لكي أُوصلكَ, بعد تردد, التردد جريمة؛ فالإنسان كُلما علا مقامهُ, تصبح الصغائر في حقهِ كبائر. ما الدرس الذي يجب أن نأخذه من غزوة حنين؟ : ما فعلَ أصحاب رسول الله في حنين؟ هم كانوا ثلاثمئة, انتصروا بأُحد, بالخندق, الآن أصبحوا عشرة آلاف, أكبر قوة ضاربة في الجزيرة, فقالَ أحدهم: لن نُغلبَ اليومَ من قِلّة, فقط هذه الكلمة, قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 25] مباشرةً جاء العِقاب، حتى إنَّ النبيَ عليه الصلاة والسلام أمسكَ حفنة من تراب, وألقاها على وجوه الكفار, وقالَ: شاهت الوجوه: أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبد المُطلب عندها تماسك الصحابة, وألقى الله في قلوب أعدائهم الخوف وولوا مُدبرين. الواحد في أول الإيمان يقول مليون كلمة, ولا يجري لهُ شيئاً. الآن: اجلس مع واحد يقول لكَ: أنا ألف مرة أنا عملت، أنا كذا، أنا كذا، ما دام ترك الكبائر, يُهيئ لهُ الله معالجة لاحقة، فكُلما عَلا مقامك, تصبح الصغائر في حقِكَ كبائر. يعني يجوز مؤمن ينظر نظرة بغير حق, فينحجب شهراً أو شهرين، يجوز أن يتكلّم كلمة لا تُرضي الله, فينحجب أربعة أسابيع، فإذا انحجبت لسبب صغير, معناها: مقامك كبير.مقامك كبير عند الله عندما يحجبك بسبب صغيرة: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2606/17.jpg دققوا في هذه الكلمة: إذا حُجبت لسببٍ صغير, معناها مقامك كبير. منذ يومين زارنا أخ مع ابنه الصغير، سبحان الله! لم أنتبه للصغير, فقال لي: ابني أحبَ أن يُسلّم عليك, أكثر من يومين أو ثلاثة, وأنا متألم جداً وخجلان, كيفَ هذه تفوتني؟ أنا لم أنتبه لهُ، فالإنسان كلما شعر أنهُ انحجب بذنب, إن شاء الله عزّ وجل يكون قد غفر له، الإنسان إذا عرف ذنبه فيُحاسب حِساباً دقيقاً. أحياناً: تتكلم كلمة, تمس واحداً, فتبقى شهراً محجوباً عن الله عزّ وجل, أيام ابتسامة تسبب لكَ الحجاب, فانتبه, كُلما عَلا مقامك, فالذنب الصغير يصبح في حقكَ كبيراً. بعض العلماء قال: أنَّ سيدنا إبراهيم لهُ ابن نبي, فنحنُ إذا كان ابننا قد صلّى أمامنا صلاةً شكليّة, يطير عقلنا فرحاً به, نبي ابنٌ من أنبياء الله, يظهر تعلّق قلبه بابنه, قالَ لهُ: اذبحهُ, ماذا فعل؟ يجوز أي أب ابنه استقام, وصلّى, وأخلص, وأحبهُ, وانشغل به, فالله يكافئهُ على هذا العمل, أما الإنسان إذا علا مقامهُ جداً, يجب أن لا يتحوّلَ عن الله أبداً. الخاتمة على كُلٍ؛ نحنُ نعرف أن الإنسان إذا علا مقامهُ عِندَ الله, الشيء الصغير يحجبهُ عن الله فليدقق، يؤكدها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 32] والمفسّرون قالوا: الفاحشة في حق نساء النبي: أن يُطالبن النبي بمصروف زائد. يعني طبخة بالجمعتين مرة واحدة, هذا هو, يعني أحرجوه، هوَ يُحبُ أن يكونَ زاهداً متقشفاً, وهنَّ ضغطن عليه, فسماها الله فاحشة في حقهن, ومع ذلك: يُضاعف لها العذاب ضعفين. اسمعوا الآيات فقط: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 74-75] في قول إذا ذكرتهُ اقشعرَ جلدي, قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هؤلاء الكُفار، هؤلاء الذين أخرجوك، هؤلاء الذينَ ائتمروا على قتلك، هؤلاء الذين نكلّوا بأصحابك، هؤلاء الذين ناصبوك العِداء عشرينَ عاماً، ها هم قد قُتِلوا مثّل بهم, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لا أُمثلُ بهم فيُمثلَ اللهُ بي ولو كُنتُ نبياً. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصغائرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الثلاثون ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين . في الدروس السابقة القريبة : كانَ الحديثُ عن الشِرك وعن أنواعه ، وعن النِفاق وأنواعه ، وعن الفِسقِ وأنواعه ، وعن الكُفرِ وأنواعه ، وعن الذنبِ ، وعن الاثمِ والعدوان ، وعن الفحشاء والمُنكر ، وكانَ الدرس الأخير حولَ الكبائر . وبقيَ علينا في هذا الدرس الحديثُ عن الصغائر . أو عمّا يُسمى بمصطلح القرآن الكريم : اللمم . أو ما يُسمى بمصطلح الحديث الشريف : المحقّرات من الذنوب . وقبل أن نمضي في الحديثِ في هذا الموضوع , أضعُ بينَ أيديكم هذه المقدمة : الكبيرة كبيرة تعرفونها من اسمها ، ولكن الصغيرة إذا أصررنا عليها , أعطت مفعولاً مساوياً للكبيرة ، يعني : حينما ينقطع عنكَ التيار الرئيسي , مقدار ميليمتر , أو سنتيمتر , أو عشرة سنتيمتر ، أو متر , حصلَ انقطاع . وما سُميت الصغيرةُ صغيرةً , إلا لأنهُ من المُمكن أن تتلافاها في وقتٍ قصير , وفي جهدٍ يسير , كالمثل الذي ضربتهُ لكم في الأسبوع الماضي : من أنَّ الإنسانَ لو قادَ مركبةً على طريقٍ مستقيمٍ , وعريضٍ جداً , وعلى يمينهِ وادٍ سحيق , وحَرَفَ الِمقودَ انحرافاً يسيراً ، إنَّ هذا الانحراف بإمكانهِ أن يعيدهُ إلى ما كانَ عليه في وقتٍ قصير وفي جهدٍ يسير ، أمّا إذا حَرفَهُ تسعينَ درجةً , فلا بُد من أن تسقطَ المركبةُ في الوادي . إلا أن المُشكلة والفِكرة : أنكَ إذا حرفتَ المِقودَ انحرافاً يسيراً , وثبّتَ هذا الانحراف , واستمرَ هذا الانحراف , لا بُد من أن تسقطَ في الوادي , كما لو أنكَ حرفتهُ تسعينَ درجة , هذا المثل معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا كبيرة مع الاستغفار , ولا صغيرة مع الإصرار )) الذنبُ اليسير إذا استبحتهُ ، وإذا استصغرتهُ ، وإن لم تُبالِ بهِ , ولم تستغفر منه ، ولم تندم على فعلهِ , ولم تُحدّث نفسكَ بالتوبة منهُ , هذا الذنب الصغير هوَ في الحقيقةِ كبيرة من الكبائر , لأنهُ يقطع كالكبيرة , وما دامَ الإنسانُ قُطعَ عن الله عزّ وجل , فحدّث عن مشكلاتهِ ولا حرج . أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء دقيق جداً , أتمنى أن يكونَ واضحاً بينكم : الحقد خُلقٌ ذميم ، البُخل خُلقٌ ذميم ، الغضب خُلقٌ ذميم ، الاستعلاء خُلقٌ ذميم ، حُبُ الذات خُلقٌ ذميم . لكن لا تستغرب ولا تتعجّب إذا قُلتُ لكَ ، هذه ليست أمراضاً , إنما هيَ أعراضُ مرضٍ واحد : وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل . أقول لكَ : الناسُ رجُلان بعيدٌ وقريب ، موصولٌ ومقطوع ، مقبِلٌ ومُدبر ، المُقبل المتصل القريب , يتحلّى بمكارم الأخلاق , لأنَّ مكارم الأخلاق مخزونة عِندَ الله تعالى , فإذا أحبَّ اللهُ عبــداً منحهُ خُلُقاً حسناً ، واللؤم والبُخل والكِبر والاستعلاء وحُبُ الذات , إنما هيَ أعراضٌ لمرضٍ واحد , وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل . الذي يتمناهُ كُلُ إنسان, كما أنكَ حريصٌ حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامة جِسمك, ينبغي أن تكونَ حريصاً حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامةِ نفسك, وعلى سلامة قلبِك, لأنَّ الحقيقة الثابتة هوَ أنَّ أمراضَ الجِسمِ مهما تفاقمت، مهما كانت مؤلمةً، مهما كانت خطيرةً، تنتهي كُلُ آثارها عِندَ الموت، لكنَ الشيء الذي يُصعقُ لهُ الإنسان: أنَّ القلبِ وأمراضَ النفسِ وأنَّ أعراضَ الإعراض, تبدأُ آثارُها الخبيثة والمؤلمة بعدَ الموت، فالمرض الذي يبدأُ بعدَ الموت ويستمرُ إلى الأبد أشدُ, أم المرضُ الذي يستمرُ فترةً محدودةً وينتهي عِندَ الموت؟ لذلك قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] من هذا المُنطلق: كانَ سيدنا عُمر رضيَّ اللهُ عنه, يقول لبعض أصحابهِ: فتعاهد قلبك, من هذا المُنطلق نتحدثُ عن الذنوب, الخطأ الكبير أن تكونَ واقعاً في ذنب وأنتَ لا تدري، أن يكونَ كسبُكَ حرام وأنتَ لا تدري، أن تكونَ منغمساً في انحرافٍ وأنتَ لا تدري. الحقيقة: حينما تدري, هذه الدراية هيَ الخطوة الأولى في التوبة. ضربتُ البارحة مثلاً: لو أنَّ طبيباً مختصّاً في الجراثيم, أُجبرَ في وضعٍ ما على أكل طعامٍ ملوّث, وأنَّ إنساناً جاهلاً لا يفقهُ شيئاً عن الجراثيم, أجبرَ مثلَ الطبيب على تناول مثل هذا الطعام، لماذا الطبيب يتألم ألماً شديداً, يتصور الكُزاز, يتصور الكوليرا, يتصور السِل, هذه الأمراض الخطيرة، الوبيلة، المضنية، المُتعبة؟ لأنهُ يرى في المخبر الجراثيم وأشكالهـا وأفعالها، وأعراض المريض؛ اصفرار وجهه وآلامهُ، المغص المِعوي، الإسهال الدائم، شحوب وجههُ، ضعف قِواه, إنهُ يرى بعينهِ إن في المِجهر في مختبرهِ, وإن في وجه المريض آلام، آثار المرض، ويعرفُ أنَّ هذا المرض بسببِ هذه الجراثيم، فإذا أُجبرَ الطبيب على تناول طعام ملّوث, يتألمُ ألماً شديداً, ويقلقُ قلقاً شديداً, ويعاني معاناة شديدة، أمّا الجاهل إذا أُجبرَ على أكل هذا الطعام الملّوث, لأنهُ جاهل لا يتألم, يقول لكَ: سمِ بالله وكُل, هذا لا يتألم، لذلك قالَ الشاعر: ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ وأخو الجهالة في الشقاوةِ ينعمُ سألني البارحة أخ كريم: أنَّ المؤمن دائماً متألم، دائماً قلق، خائف على نفسه، خائف على مكانتهِ عِندَ الله، لعلَّ اللهَ ليسَ راضياً عنه, يا ترى عملهُ مقبول أم غير مقبول؟ نيّتهُ عالية؟ نيّتهُ دنيوية؟ يا ترى عملهُ صحيح وفق السُنّة أم خِلاف السُنّة؟ دخلهُ حرام أم حلال أم فيهِ شُبُهة؟ هذه المُقلِقات التي تنتاب المؤمن, لماذا؟ ولماذا أهلُ الدنيا ساهونَ لاهونَ غارقون في ملذاتهم كأنكَ تشعر أنهم ليسوا متألمين؟ قُلتُ لهُ: ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إنَّ المنافق يستمرُ على حالٍ واحدة أربعينَ عاماً, وأنَّ المؤمن يتقلُّب في اليوم الواحد بأربعينَ حالاً, هذا القلق المُقدس، هذا العِلم، هذه المعرفة التي أكرمهُ الله بها. لماذا قالَ عُمر: ليتَ أُمَ عُمر لم تلد عُمر, ليتها كانت عقيماً؟ لماذا قالَ هذا الصحابي الجليل: لو أنَّ الله أنزلَ أنهُ معذّبٌ واحداً, لظننتُ أنني أنا, ولو أنهُ راحمٌ واحداً, لرجوتُ أن أكونَ أنا؟ ما هذا الخوف من الله الشديد؟. ما الذي دفعَ سيدنا عمر رضيَّ اللهُ عنهُ, على أن يسألَ حذيفةَ بن اليمان, وأن يُناشدهُ اللهَ عزّ وجل, وأن يقولَ لهُ: ناشدتُكَ بالله: أاسمي بينَ المنافقين؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين! أنتَ أكرمُنا ولا أُزكّي بعدُكَ أحداً, هذا القلق، هذا الخوف. لذلك اسمعوا هذه الحقيقة: إنَّ خوفكَ من الله, والحقيقة الخوف أنواع, قد تخافُ من عقاب الله، وقد تخافُ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله، الخوف من عِقاب الله مرتبة، لكنَ الأعلى منها أن تخافَ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله, فأنتَ تستقيم حِفاظاً على هذه الصِلة، تتحرى الدخلَ الحلال حِفاظاً على هذه الصِلة، تخدمُ الناس، تعطِفُ على المساكين، تُطعمُ الفقراء، تحضرُ مجالسَ العِلم، تَبرُّ والديك, حِفاظاً على هذه الصلة. اسمعوا جيداً: إنَّ هُناكَ علاقةً مضطردةً, عِندنا نحنُ علاقة طردية وعلاقة عكسية، العلاقة الطردية شيئان يتناميان معاً, والعلاقة العكسية كُلما ازدادَ العِلمُ قلَّ الجهلُ, الخوفُ من الله يتحركُ بشكلٍ مضطرد مع العِلم، كُلما كَثُرَ عِلمُك كُلما كَثُرَ خوفُك. مرةً دخلت إلى معمل, رأيتَ صاحبَ المعمل, مكفهرَ الوجه, أصفرَ اللون, يعني مظهرهُ يدلُ على أنهُ فقدَ أحد أولادهِ, قُلتُ: خير إن شاءَ الله أبا فُلان, ما المُشكلة؟ قالَ لي: تعالَ انظر, وسِرتُ معهُ في أرجاء المعمل, ما رأيتُ شيئاً, رأيتُ معملاً واسعاً كبيراً, شاهقَ البنيان, الآلات حديثة تعمل, قالَ لي: انظر, قُلتُ: إلى أين؟ قالَ: إلى هذا الجِسر, قُلتُ لهُ: ما بهِ؟ قالَ: ألا ترى هذا الخطَ الصغير, خط عرضهُ واحد ملم تقريباً على جسر، قُلت: ما بالُ هذا الخط؟ قال: جاء المهندس دكتور في الهندسة, فأخبرني بأنَّ هُناكَ انزلاق في أساسات المعمل, وأنَّ تدعيمَ هذا المعمل, يحتاج إلى 500 ألف, والقضية عام السبعين قديمة, دكتور في الهندسة, درسَ دراسة دقيقة, وجدَ أنهُ الأساس منزلق بفعل المياه المالحة، انزلاق الأساس جعل هذا الصدع في الجسر الأساس في المعمل، قُلتُ: لو جاء إنسان ليسَ بالمهندس, ونظرَ إلى هذا الشق, وقال: هذا يحتاج إلى معجونة, شتّانَ بينَ هذا وهذا, مسافةٌ كبيرةٌ جداً, بين من يقول لكَ: أن هذا الشِق يحتاج أن نملأهُ بالمعجون, وبينَ من يقول لكَ: أنَّ هذا البناء خَطِر, يحتاج إلى تدعيم, ويُكلّف هذا المبلغ الكبير, هذا العلم, كُلما ازدادَ عِلمُك ازدادَ خوفك, إن كُنتَ لا تخاف فأنتَ لا تعلم. وقد ذكرتُ لكم سابقاً, أن طالباً مرةً قالَ لي: أنا لا أخاف من الله، طبعاً أردتُ أن أجيبهُ جواباُ مُفهماً, قُلتُ له: معكَ الحق أنتَ بالذات، قال: ولِمَ؟ قلتُ لهُ: يا بُني, الطفل الرضيع يأخذهُ أهلهُ أحياناً إلى الحقلِ لحصد القمح, يمرُ بجانبهِ ثعبانٌ عظيم, لو رآهُ بطلٌ لخرجَ من جلدهِ خوفاً منهُ، هذا الطفل الصغير الرضيع, يضعُ يدهُ على هذا الثعبان, ويلمسهُ بيدهِ, ولا يخاف, لماذا لا يخاف؟ لأنهُ لا يُدرك، لو أنهُ أدرك, لصاحَ صيحةً ملأت الأجواء, لكنهُ لا يُدرك, الإدراك غير موجود, الخوف غير موجود، كلام دقيق. يعني أنت لاسمحَ الله ولا قدّر, لو ارتكبتَ معصيةً, ولم تشعر بشيء, كالطبيب يضع يده على النبض, ويقول: لا نبض, يقول: ائتوني بمرآة يضعها على أنف المريض لا بخار، ائتوني بمصباح يضعهُ بعين المريض فالقزحية لم تنقبض, أمرهُ منتهٍ, وأنا أقول لكم قياساً على هذه القصّة: أنَّ الذي يفعل الذنب ولا يشعر بشيء أبداً, يقول لكَ: ماذا عملنا؟ هذا منتهٍ, هذا ماتت نفسه, والدليل قول الله عزّ وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 21] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 24] معناها: إذا الإنسان ما أحسَّ بذنبهِ ولا تألّم, ولا تمزقت نفسهُ, ولا خاف ولا ندم, ولا حدّث نفسهُ بالتوبة ولم يُبالِ, وضحِكَ مِلءَ فمهِ, ونامَ نوماً عميقاً, وغطَ في نومٍ عميق, وبدا مرِحاً, وهوَ يقترفُ الذنب, هذا ميت. من عصى اللهَ وهوَ يضحك, دخلَ النارَ وهوَ يبكي. فلذلك: إذا وجدت أخاً زلّت قدمهُ, فتألمَّ ألماً شديداً, وصلى قيام الليل, واستغفرَ اللهَ عزّ وجل, دفعَ صدقةً مرهقةً, لعلَّ اللهَ يعفو عنه, معنى هذا أنه يوجد نبض, في حياة، لذلك هذا معنى قول النبي الكريم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا, لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ, وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ, فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) يعني إن لم تشعروا بذنوبكم، إن لم تُحسّوا بها، إن لم تتأثروا بها، أنتم انتهيتم, لا خيرَ فيكم, لو لم تُذنبوا, بمعنى لو لم تُحسوا بذنوبكم, لذهبَ اللهُ بكم, وأتى بقومٍ إذا أذنبوا تألّموا, يُذنبون يشعرون بذنوبهم, فيستغفرون فيغفر الله لهم. هذا الكلام مقصدهُ أنهُ: حينما صارَ التعريف بالنِفاق, بالشِرك, بالكُفر، بالفِسق، بالإثم، بالعدوان، بالفحشاء، بالمُنكر، بالكبائر, من أجل أن تأخذَ حذرك, وإنما العِلمُ بالتعلّم. الذنوب صغائر وكبائر . الذنوب كما أجمع عليه العلماء , تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر بنصِ القرآن والسُنّة وإجماع السلف , قال تعالى : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 31] سياق الآية يَشِفُّ عن أنَّ الكبائر شيء والسيئات شيء آخر ، وقال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [سورة النجم الآية: 32] أيضاً سياق الآية يَشِفُ عن أنَّ اللمم ليست كالكبائر . وفي الحديث الصحيح : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الصلوات الْخَمْسُ, وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ, كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ, مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه] في المصطلح النبوي الشريف , قال : إيّاكم ومحقّرات الذنوب . ومحقّرات الذنوب هيَ الصغائر التي أرادها النبي ، لكن يقول : إيّاكم . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ, فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً, كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ, فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ, فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ, فَيَجِيءُ بِالْعُودِ, وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ, حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا, فَأَجَّجُوا نَارًا, وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)) أحياناً : إنسان يشرب شراباً فيه أصبغة كيمائية , يا ترى : كم في هذا الكأس من الصِباغ الكيميائي ؟ شيء لا يُذكر إطلاقاً , لكنَّ الأطباء يقولون : إنَّ هذه النِسب التي لا تُذكر إذا تراكمت من إدمانهِ على هذا الشراب مُضرة . الذي أكثر طعامه معلبات , ومياه غازية , وأشياء كلها غازية ، هذه النِسب الضيئلة جداً من الأصبغة والمنكهات والملونات وبنزوات الصوديوم , هذه كُلُها تتراكم وتتراكم , فإذا بلغت حدّاً معيّناً أصبحت مسرّطنة . هذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام : ((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده] لذلك تجد المسلم يقول لكَ : أنا الحمد لله لم أسرق في حياتي , ولم أزن , ولم أشرب الخمر , جميل وباركَ اللهُ بِكَ , ولكن ممكن أن يُصافح امرأة ، ويُطلق بصرهُ ، ويكذب ، وقد يغتاب ، وفي ظنهِ أنَّ هذه صغائر معَ أنها كُلُها كبائر . فهنا : ((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده] من صغائر الذنوب : اللمم . الآن : من أدقّ المعاني لقولهِ تعالى : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ الجمهور قال : اللمم هو أن يقترفَ الذنبَ مرةَ واحدةَ في حياتهِ ثمَ يتوبُ منه . يعني ما كانَ يعلم أنَّ هذا حرام , يعني اشترى خاتماً ذهبيّاً , فوضعهُ , ثمَ أُبلغَ أنَّ هذا حرام , ألمَّ بذنبٍ من دونِ عِلمٍ لجهلٍ , وتابَ من فورهِ , أقلعَ من فورهِ , هذا رأيُ بعض العلماء في اللمم , يعني ألمَّ بذنبٍ من دون أن يعلم , فلما عَلِم تابَ منهُ فوراً , هذا المعنى معنى لطيف : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال جماعةٌ من السلف : اللمم هو الإلمام بالذنبِ مرة ثمَّ لا يعودُ إليه أبداً . يعني أقرض إنساناً مبلغاً من المال , الإنسان المُقترض اشترى بيتاً , قال لهُ : سأجعل هذا القرض ثمن ربع هذا البيت , وسأعطيكَ أُجرة , وبعدَ عامين أُعطيكَ المبلغَ نفسهُ , هوَ ظن أنَّ هذه قضية إيجار , لكن فاتهُ أنَّ هذا رِبا ، الإيجار تملّكتَ رُبعَ البيت , ولو أنَّ هذا البيت احترق ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت صودر ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت انخفضت قيمتهُ انخفضَ مالُك ، إذا رضيتَ بهذه الشروط الثلاثة , لكَ الحق أن تأخُذَ الأُجرة , لأنهُ لا إيجارَ معَ الضمان ، فإذا أردتَ أن تستعيدَ مالكَ , يُقيّم البيت مرةً ثانية تقييماً جديداً , هذا الإيجار الصحيح ، أمّا إذا أردتَ أن تُقرضَ إنساناً , وأن يُسمي هذا القرضَ شِراءً لِرُبعِ المنزل , ويُعطيكَ على هذا القرض أُجرةً ثابتةً , مبلغٌ مضمون وثابت , تأخذهُ بعدَ عام هذا رِبا , ما كانَ يعلم , فلّما عَلِم أقلعَ فوراً , باركَ الله , هذا اللمم . يعني وقعَ في الذنب مرةً , لأنهُ لا يعلم , فلمّا عَلِم أقلع : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ ومن أجمل المعاني هذا المعنى , أحد العُلماء سُئل : اللمم , قالَ : هوَ الرجُلُ يُلمُّ بالذنبِ ثمَ لا يُعاودهُ أبداً . المعنى الثاني : اللمم ما دونَ الشِرك . مرةً ضربتُ لكم هذا المثل : أنتَ راكب في قطار باتجاه مدينة تقصدُها ، قد ترتكب بعض الأغلاط في هذه الرحلة , لكـنَّ القطار يسير باتجاه الهدف , فكُلُ أغلاطِكَ في هذا القطار مغفورة , لأنَّ القطار يسير نحوَ الهدف ، أزعجكَ رفقاء هذه المركبة , يمضي الوقت ، أزعجكَ مقعدكَ بعكسِ اتجاه القطار , يمضي الوقت ، أزعجكَ أنكَ جائع وفي عربةٍ أخرى طعام وأنتَ لا تدري , القطار يمشي باتجاه الهدف , لكنَّ الشيء الذي لا يُغفر أن تركبَ قطاراً لا علاقةَ لهُ بهدفك ، أنتَ تتجهُ نحوَ الشمال والقطار يتجهُ نحوَ الجنوب ، ضاعت عليكَ أهدافُكَ الكُبرى من هذه المدينة , فلذلك قالَ بعضُهم : اللممُ ما دونَ الشِرك . لقولهِ تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 48] على كُلٍ جمهور العلماء يقول : اللممُ ما دونَ الكبائر. وقالَ بعضُهم : الذنبُ الذي لم يُذكر عليه عِقابٌ ولا حدٌ ولا وعيدٌ في الآخرة . هكذا قالَ بعضُهم : هوَ اللمم . وأمّا سعيد بن المُسيّب فللهِ درّهُ , قالَ : اللممُ ما ألمَّ بالقلب , لا تُحاسب عليه . خطرَ في بالهِ أن يفعلَ شيئاً لكنهُ لم يفعلهُ ، إنَّ الله عزَّ وجل لا يُحاسبُ على الخَطَرات ، خطرَ في بالهِ أن يأخّذَ هذا لهُ , لكنهُ لم يفعل , خافَ اللهَ عزّ وجل . فاللمم ما ألمَّ بالقلب . الخاطر الذي لا يُرضي الله إذا ألمَّ بالقلب فهوَ لمم , هذا في بعض التفاسير , وهذا التفسير للتابعيّ الجليل سعيد بن المُسيّب . والحُسين بنُ الفضلِ يقول : اللممُ النظرُ إلى المرأةِ دونِ تعمّد . لا يقصد أبداً أن ينظر , يعني هو في طريق , فيه منعطف حاد , فجأةً رأى نفسهُ أمامَ امرأةً , فغضَ بصرهُ مباشرةً , هذه النظرة الأولى التي لا تملكُ لها تلافياً , لم تكن عن إرادةٍ , ولا عن قصدٍ , ولا عن رغبةٍ , ولا عن طلبٍ إطلاقاً , ولمجردِ أن رأيتَ امرأةً غضضت البصرَ عنها , قال : هذا هوَ اللمم . قال الحُسين بن الفضل : اللممُ هوَ النظرُ من غير تعمّدٍ , فإن أعادَ النظرَ فليسَ باللمم . الثانية ليست لمماً الأولى فقط لمم , كما قالَ النبي الكريم : الأولى لكَ والثانيةُ عليك , وهوَ ذنبُ . هذا الذي قالهُ النبي مرةً : إن تغفر اللهم تغفر جمّاً وأيُّ عبدٍ لا ألم يدخل الرجل إلى دائرة حكومية نصفها موظفات ، بالطريق هوَ يغضُ بصرهُ , ولما يرى إحداهن لمحة دون رغبةٍ منه بذلك , ويغضَّ بصرهُ فوراً , هذا هوَ اللمم الذي عنتهُ الآية الكريمة , هذا رأي العالِمُ الجليل الحُسين بن الفضل . سعيد بن المُسيّب : اللمم ما ألمَّ بالقلب , الخواطر , واللهَ سبحانهُ وتعالى لا يُحاسب إلا على الأعمال , أمّا الخواطر لا يُحاسب عليها ، أمّا المؤمن الوَرِع يخافُ من الخواطر , لأنها قد تنقلبُ إلى أعما , إذا أعطى لخواطرهِ العِنان , ولم يُبالِ بالخواطر التي تتأتى إلى ذهنهِ ، ربما أصبحت خواطرهُ أفعالاً ، فالوَرِع لا يسمح لخواطرهِ أن تتجه في اتجاهٍ لا يُرضي اللهَ عزّ وجل . النفس اللوامة . بالمناسبة : كُلما حَجبكَ ذنبٌ صغيرٌ صغير عن رِبكَ العظيم فهذا لِعلوِ مقامك , ما الذي يحجُبُك ؟ يسمونها الحساسية ، يوجد ميزان مثلاً : ميزان يزن السيارات الشاحنة , لو وضع على الصفر , ومرَّ إنسان وزنهُ 150 كيلو لا يتحرك , هذا مهيأ أن يزن 5 طن ، 8 طن ، 10 طن ، 12 طن ، فهذا الميزان حساسيتهُ فوق الـ 200 كيلو ، ففي إنسان ميزانهُ ميزان سيارات . يعني لكي يرتكب كبيرة , يقول لكَ : والله تضايقت , أمّا الصغائر لا يوجد عِندهُ حساسية أبداً , فهذا ميزانهُ سيء ، كُلما ارتقى الإيمان يُصبح الميزان حساساً . يوجد الآن موازين , إذا وزنت بها ورقةً , وكتبتَ على هذه الورقة كلمة محمد , إنَّ وزنَ الحِبر الذي استغرقتهُ كلمة محمد , يجعلُ الكفةَ ترجح ، فكُلما علا مقامُكَ عِندَ الله يَدِقُ ميزانُك ، لذلك أثنى اللهُ على النفس اللوامة : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [سورة القيامة الآية: 1-2] يُحاسب نفسهُ على النظرة . قاضٍ من القضاة , عُرفَ في مدينتهِ بحُبهِ الشديد للرُطبِ في بواكيرهِ ، الفاكهة في أولها محببة , والآن ضعنا من الزراعة المحمية ، فطُرقَ بابهُ مرةً , وجاءَ الخادم بطبقٍ من الرُطب في بواكيرهٍ , قال : ممن هذا يا بُني ؟ قال : من فُلان ، قال : صِفهُ لي ، قال : صِفتهُ كيتَ وكيت ، فعرفَ أنَّ هذا الشخص الذي قدّمَ هذا الطبق أحدُ خصومٍ عِندهُ في القضاء , فقال : رُدّهُ إليه , فردّهُ إليه ، في اليوم الثالث توّجهَ إلى الخليفة , وطلبَ منهُ أن يعفيهُ من منصب القضاء , قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : واللهِ قبلَ يومين , جاءني طبقُ رُطب , ورددتهُ في اليوم التالي , حينما وقفَ الخصمان أمامي , تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي قدّمَ ليَ طبقَ الرُطب ، تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي له طلب ، قالَ : هذا وقد رددتهُ فكيفَ لو قَبِلتهُ ؟ فعندهُ ميزان دقيق جداً . سيدنا عليّ كرّمَ الله وجهه , كانَ في حضرة سيدنا عُمر , دخلَ يهودي يُخاصم سيدنا عليّاً , فقالَ : يا عليّ , فقالَ : يا أبا الحسن , جالس بجانبهُ خليفة المُسلمين , وأمير المؤمنين , وساعدهُ الأيمن المقرّب , دخلَ شخص يُخاصم أبا الحسن , فما كانَ من عُمر إلا أن قال : قُم يا أبا الحسن وقِف بجانب الرجل ، فتأثّرَ سيدنا علي وتغيّرَ وجههُ ، فلما حكمَ بينهما وانصرفَ اليهودي , فقالَ : لِمَ يا أبا الحسن وَجِدت لِمَ أوجدتَ عليّ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : لِمَ قُلتَ لي : يا أبا الحسن , ولم تقل لي : يا عليّ ؟ لقد كرّمتني , ميزّتني عنهُ , أيضاً ميزانهُ دقيق جداً . هذا الذي ترددَ قبلَ أن يُضحي بنفسهِ , قال : يا نفسُ إلا تقتلي تموتي هذا حِمـام الموتِ قد صليت إن تفعلي فعلهما رضيت وإن تــوليت فقد شـقيت وقاتلَ حتى قُتل ، قالَ عليه الصلاة والسـلام : رأيتُ في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه . فأنتَ كُلما ارتقى إيمانك , يُصبح عِندك ميزان حساس , تُحاسب نفسك على النظرة، على الكلمة، على السكوت أحياناً، هذا قد جاء لعِندكَ زيارة للبيت, لماذا هذا الصمت؟ النبي كان يمزح مع أصحابه، في أيام إنسان يُعطي لنفسهِ هيبة مصطنعة, هذا ذنب, أحياناً إنسان يشكو لكَ, ويقول: زوجتي غير جيدة, يقول لكَ آخر: أنا الحمد لله ممتازة, والله هذا ذنب, استوحش لحاله, أنتَ زوجتك ممتازة فقط هوَ زوجتهُ سيئة، من الأُنس أن تقولَ غيرَ هذا, فلذلك: كُلما ارتقى الإيمان, يَدقُّ الميزان, يصبح حساساً. وفي تفسير جميل جداً , قالوا : اللمم ما فعلتهُ في جاهليتك قبلَ أن تؤمن ، قبلَ أن تُسلم ، قبلَ أن تتوبَ إلى الله عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ لم تكن تعلم في عهد الجاهلية , حينما كُنتَ شارداً ، حينما كُنتَ تائهاً , هذا لمم . كلمة لمم يا أخوان , أنا أُركّزُ على هذا الموضوع , لأنني أشعر أنَّ معظم المُقصّرين , أكثر المُسلمين , يفعلون كُلَ المعاصي تحت اسم اللمم, أخي هكذا قالَ الله: إلا اللمم, هذا فهم شيطاني لهذه الآية، يعني إبليس وسوسَ بهذا المعنى, قال أحدهم: كلُ ما ليسَ عليه حدٌ فهوَ لمم , حسناً: الحدود كلها خمسة؛ حد القتل، وحد الزِنا, وحد الخمر، وحد السرقة، وحد قذف المحصنة. معناها الباقي كلهُ لا بأس به حسب الآية, لا, هذا فهم ما أراده الله عزّ وجل، مرةً ثانية: اللمم ما فعلتهُ قبلَ الإسلام، اللمم إذا نظرتَ لامرأةٍ, وأنتَ لا تُريد أن تنظرَ إليها, النظرة الأولى التي لا تستغرق عُشرَ الثانية, هذه لمم، اللمم ما ألمَّ بالقلب أي الخواطر، اللمم ما ليسَ بالشِرك لأنهُ يُغفر, هذه المعاني, أمّا أن تظُنَ أن تفعلَ شيئاً تحتَ اسم اللمم فهذا اللمم مُهلِك. اللمم حينما تتخذُ الذنب عادةً، حينما تُصرُّ على الذنب, أصبحَ الذنبُ الصغيرُ كبيرةً، اللمم مرة واحدة لم تكن تعلم, سارعتَ إلى التوبة والاستغفار, هذا اللمم، أمّا تفعلُ الذنب على أنهُ ذنب, وتقول: هذا صغير, حينما تقول: أنهُ صغير فهوَ كبير. لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت. يروى أن سيدنا علي بن أبي طالب دُفع إليه سارق, فأمرَ بقطعِ يدهِ, فقالَ: يا أميرَ المؤمنين, ما سرقتُ غيرَ هذه المرة, فقالَ: كذبت، فلما قُطعت يدهُ, قال: اُصدقني: كم لكَ بهذه المرة؟ قالَ: والله كذا وكذا مرة, يعني عشرات المرات, فقال: صدقت, إنَّ اللهَ لا يؤاخذُ بأول ذنب أو كما قال. زلّت قدمُك، غَلبَتكَ نفسُك، تُبتَ سريعاً, بابُ التوبِ مفتوح, أمّا حينما تعيد وتُكرر هذه أصبحت كبائر, العائدُ إلى الذنب كالمستهزئ بربهِ, الذي يعود من توبتهِ ويُذنب مرةً ثانية كالمُستهزئ بربهِ. من أجمل معاني اللمم : معنى جديد, يعني إذا هممتَ أن تفعلَ هذا الذنب ولم تفعلهُ خشيةَ الله عزّ وجل, في قصة مشهورة: شاب في مقتبل حياتهِ, في ظروف سمحت لهُ أن يَحُج، عاد من الحج, وفتح مكتبة صغيرة في أحد أحياء دمشق، هذه القصة من أربعين خمسين سنة, كان في حافلات تُراب، يبدو أن فتاة وقفت على باب مكتبتهِ, وكانت فاسقةً, وكأنها أغرتهُ, وأشارت إليه فتَبِعها، هوَ في الطريق تذكّرَ الحجَّ الذي حَجهُ, فرأى حافلة ركبَ فيها, وعادَ إلى المكتبة، ما فعلَ شيئاً لكنهُ همَّ أن يفعل, هذه قِصة واقعة, وأنا إلى سنوات معدودة, قيلَ لي: هذا الشاب لا يزال حيّاً يُرزق، في اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي, وسألهُ هذا السؤال الغريب: يا بُني أأنتَ متزوج؟ قال لهُ: لا والله يا سيدي، قالَ لهُ: عِندي فتاة تُناسِبُك، فأرسلَ أُمهُ فإذا هيَ فتاة ممتازة، جاءهُ مرةً ثانية, قالَ لهُ: يا بُني كيفَ الأمر؟ قالَ: ممتاز, ولكن ليسَ عِندي بيت، قالَ: هيَ والبيت يا بُني, وأغلق الدُكان, وجعلهُ شريكاً لهُ في تجارة الزيت, قبل سنوات أُبلغت أنهُ لا يزال حياً يُرزق. يعني اللمم الشيطان وسوس لكن مباشرةً عُدت, إذا إنسان همَّ بسيئةٍ ولم يفعلها كُتبت لهُ حسنة, هذا معنى آخر من معاني اللمم, هذه المعاني كُلها رائعة، وكُلها شريفة، وكُلها تنسجم مع طهارة المؤمن, أمّا ينظر لامرأة حتى يأكُلها بعينيه, أخي لمم هذه, شيء مؤلم, قال: والقُبلة لمم أيضاً في بعض الكُتب, ما هذا اللمم؟. الخلاصة : على كُلٍ ؛ بهذا ننتهي من أنواع الذنوب والكبائر والمعاصي, والحقيقة ذكرتُها كُلها تمهيداً لموضوع التوبة، لأنَّ التوبة أول مرحلة فيها هي العِلم، الآن عَلِمنا ما الصغيرة؟ وما الكبيرة؟ وما الكُفر؟ وما الشِرك؟ وما النِفاق؟ وما الفِسق؟ وما الإثم والعدوان والفحشاء والمُنكر؟ وأكبرُ كُلِ هذه الذنوب: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، لأنَّ الذنب مهما كانَ كبيراً تتوب منه، لكن المُبتدع ذا العقيدة الفاسدة لا يتوبُ من ذنبهِ، لذلك: أخطر شيء في الإسلام أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، يعني إذا أنتَ مُعتقد أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يومَ القيامة, لن يَدَعَ أحداً في النار, لا بُدَ من أن يشفعَ لأمتهِ كلها, هذا الاعتقاد الفاسد يجعلُكَ تفعل جميع الذنوب, والأخطر من ذلك يمنعُكَ من أن تتوبَ منها أيضاً، فكُلُ عقيدةٍ زائغةٍ خطورتُها أنها تمنعُكَ من التوبة, لأن: من الناسِ من يدري ويدري أنهُ يدري فهذا عالِمٌ فاتبعوه، ومنهم من يدري ولا يدري أنهُ يدري فهذا غافل فنبهوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنهُ لا يدري فهذا جاهل فعلّموه, ومنهم من لا يدري ولا يدري أنهُ لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه. لذلك : أكبر هذه الذنوب أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، أن تعتقدَ اعتقاداً فاسداً، أن تعتقدَ اعتقاداً ما أرادهُ الله عزّ وجل، أن تتهمَ اللهَ فيما تظن، أن لا تنسِبَ إليه الأسماءَ الحُسنى والصِفات الفُضلى، لذلك قال لهَ: يا ربي أيُّ عِبادُكَ أحبُّ إليك؟ قالَ: ... عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب اليك أحبه بحبك؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي: نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءا، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب, إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داود, إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته، إلا أثبت قدميه يوم تزل الاقدام)) . إذا حببتَ العِبادَ إلى اللهَ عزّ وجل فأنتَ على حق. فأيها الأخوة الأكارم , إن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بموضوع التوبة , لأنَّ التوبة هيَ الباب المفتوح إلى الله عزّ وجل . والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : ليلة النصف من شعبان– مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب .التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الثلاثون ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، وقبلَ أن نمضيَ في الحديثِ عن المفاضلةِ بينَ المطيعِ الذي لم يعص اللهَ عزّ وجل وبينَ العاصي الذي عصاهُ وتابَ من ذنبهِ ، قبلَ أن نمضي في المفاضلة بينَ هذين الرجلين أو هذين النموذجين , لا بُدَ من وقفةٍ في مناسبة النصفِ من شعبان ، ونحنُ في ليلةِ النصفِ من شعبان . أيها الأخوة الأكارم ؛ من الثابت أنَّ هُناكَ مؤمنين ، وأنَّ هُناكَ سابقين , وأنَّ هُناكَ عُصاةً تائهين . عاصٍ ، منحرف ، ضائع ، ضال ، تائه ، شارد , مؤمن ، مستقيم ، سبّاق إلى مرضاة الله عزّ وجل , هؤلاء النماذج الثلاثة حيالَ المناسبات الدينية لهم مواقف متباينة ، فالمقطوع عن الله عزّ وجل ، الخارجُ عن منهجهِ ، الشاردُ عن دينهِ ، الغارقُ في المعاصي ، هذه المناسبات الدينية كَليلةِ الإسراء والمعراج ، وليلة النصفِ من شعبان ، وليلة القدر , وما إلى ذلك من هذه المناسبات الدينية , هذا الإنسان الشاردُ لا يتأثّرُ بها إطلاقاً , لأنهُ في واد وهذه المعاني القدسيّة في وادٍ آخر ، ولكن بينَ المؤمن المُقتصد وبينَ المؤمن السابق مواقف متباينة حيالَ هذه المناسبات الدينية . يعني البارُّ بوالديه الذي يقدّمُ لهُما آيات التعظيم والتوقير والإكرام والإحسان كـُلَ يوم ، إذا جاءَ عيدُ الأمِ مثلاً , هوَ كُلَ يومٍ عِندهُ عيدُ الأُم , في صبيحةِ كُلِ يوم يزور والديـه , ويسألهُما كُلَ حاجتهما , ويقدّمُ لهُما كُلَ ما يرغبانِ بهِ ، أمّا المُقصّر إذا جاءت مناسبة فهـذه المناسبة تُلفتهُ إلى واجبهِ ، لذلك المؤمن السابق كُلَ ليلةٍ عِندهُ هيَ ليلةُ النصفِ من شعبان , كُلُ أيامِ سَنتهِ رمضان ، كُلُ أيامِ رمضان ليلةَ القَدر ، لأنهُ أقبلَ على اللهِ عزَّ وجل , ووضعَ كـُلَ طاقاتهِ , وكُلَ إمكاناتهِ في سبيلِ الحق ، لكنَّ المُقتصد تأتي هذه المناسبات لتذكّرهُ ، لتشـوّقهُ ، لتزيدهُ عِلماً وعملاً ، فلا شك أنَّ الاحتفال بليلةِ الإسراء والمعراج , والاحتفال بليلةِ النصفِ من شعبان لها شأنُها في الدين ، لكن كُلما ارتقى الإنسان في مدارج المعرفةِ , مدارج القُربِ , كُلما اقتربَ من معاني هذه الأيام الفضيلة , ومن معاني هذه الأيام التي وردَ في حقِها بعض الأحاديث الشريفة . قبلَ كُلِ شيء , ذكرتُ هذا في الخُطبة : العبادات لها شأنُها عِندَ اللهِ عزّ وجل , لها شأنُها الكبير , وما دامَ لها هذا الشأنُ عِندَ الله , فلا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، ما دامَ للعبادةِ شأنٌ كبيرٌ عِندَ الله عزّ وجل , إذاً : لا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، فكما أننا نُصلي سُنّةً قبليّةً تمهيــداً للفريضة الأساسية , ونُصلي سُنّةً بعديةً ترميماً لِما فاتنا في الفريضة , فكأنَ السُنّةَ القبليّة تمهيدٌ وإعداد , والسُنّةَ البعديّةَ ترميمٌ وتلافٍ للنقص ، وكما أنَّ الحاجَّ يحجُّ من الميقات وبينهُ وبينَ الكعبةِ مراحلُ فِساح , من أجلِ أن يُهيئَ نفسهُ لهذا اللقاء الأعظم لقائهِ بربهِ جلَّ وعلا ، كذلكَ الشرعُ علّمنا أن نؤدبَ أبناءنا على الصلاةِ , والصيامِ , وتلاوةِ القرآنِ , وحُبِّ النبي عليه الصلاة والسلام قبلَ سِن التبليغ ، كذلك رمضان دورةٌ تدريبيّةٌ كُلَ عام عبادةٌ سنوية . الإنسان في رمضان يقفزُ قفزةً نوعية ، لهُ مستوى في فهمهِ ، وفي عقيدتهِ ، وفي إدراكهِ ، وفي طاعتهِ ، وفي ورعهِ ، وفي صلاتهِ ، وفي تهجده ، وفي تلاوتهِ ، وفي إنفاقهِ ، كُل إنسان لهُ مستوى ، لهُ مكانة ، في رمضان لا بُد من أن يقفزَ قفزةً نوعيّة , فالعاصي يتوب , والتائب يزيد , والمُستزيد يتفوّق ، لا بُدَ من نقلةٍ في رمضان ، لكنَّ المُشكلة التي أتمنى على اللهِ جلَّ وعلا أن يقيّنا منها : هوَ أنَّ عامةَ الناس كُلما جاءَ رمضان قفزوا قفزةً نوعية , فإذا انتهى عادوا إلى ما كانوا عليه , وطَوالَ حياتهم يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , وهكذا ... لكنَّ المؤمن الصادق إذا قفزَ قفزةً في رمضان , يستمرُّ عليها طوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانُ آخر , قفزَ قفزةً ثانية , واستمرَّ عليها طَوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانٌ ثالث قفزَ , وهكذا إلى أن يلقى اللهَ عزّ وجل , وهوَ في أعلى الدرجات . لذلك الحقيقةُ الأولى : هوَ أننا إذا دخلنا في رمضان , ينبغي أن نقفزَ قفزةً نوعية , وهذه القفزة النوعية يجبُ أن نَثبُتَ عليها طَوالَ أيام السنة . الآن ما علاقة النصف من شعبان برمضان؟ الحقيقة أيها الأخوة ؛ أنَّ الإنسان في رمضان يجبُ أن يصومهُ صياماً كاملاً من أولِ يومٍ حتى آخر يوم ، الانتقال المُفاجئ من مستوىً معين في العبادة إلى مستوىً متفوق , هــذا الانتقال لا بُدَّ لهُ من تمهيد , يعني نقطة هُنا ونُقطة هُناك ، لا بُدَّ من خطِ مائل يصعدُ من هذه إلى تِلك , هذا الخطُ المائل الذي يزدادُ حماس الإنسان فيه , ويُهيئ كُلَ شيء من أجلِ أن يقبلَ اللهُ صيامهُ ، نحنُ في شهرٍ تمهيدي شهر إعداد لرمضان , لهذا النبي - عليهِ الصلاةُ والسلام - كانَ يُكثر فيهِ من الدُعاء , ومن الصلاة , ومن القيام , ومن الأعمال الطيبة والأعمال الخيّرة . على كُلٍ في هذا الشهر وفي ليلةِ النصف من شعبان تحوّلت القِبلة من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام . سؤال : لماذا أمرَ اللهُ من خلال السُنّةِ النبوية أن يتجهوا إلى بيت المقدس ؟ الجواب : لأنَّ الكعبةَ المُشرّفة - وهذا اجتهادٌ في التفسير - كانت فيها الأصنام , وكانَ كُفّارُ قُريش يعتدّونَ بِها ويفتخرونَ ، فإذا توجّهَ إليها المسلمون , لعلَّ في هذا التوّجه ترسيخاً لهذه العبادةِ التي أنكرها القرآن الكريم , لذلك أُمرَ المسلمون إلى التوجّهِ إلى بيت المقدس , ريثما يستقرَ التوحيد فــي الجزيرة العربية , وريثما تتوطدُ دعائم الإيمان باللهِ عزّ وجل , فلمّا رَسَخَ التوحيد , واستقرّت النفوس , أُمِروا بالتوجهِ إلى بيت الله الحرام . لذلك : جاءت الآيات متتابعةً في دعوة المؤمنين إلى التوجّهِ إلى بيت الله الحرام ، في هذه الليلة نَزَلت الآيات التي تأمر المُسلمين بالتوجّهِ إلى بيت الله الحرام , ولِشدّةِ تعظيمِ أمرِ اللهِ عزّ وجل في مسجد في المدينة , كانَ أصحابُ النبي يُصلّونَ فيه في أثناءِ صلاتِهم , جاءَ من يُخبِرهم بِتحوّل القِبلة , فتحولوا من قِبلةٍ إلى قِبلة , وزُرتُ هذا المسجد قبلَ سنواتٍ عِدّةَ , فيه محرابانِ متعاكسان ؛ محرابٌ إلى بيت المقدس , ومحرابٌ إلى الكعبةِ المُشرّفة ، في الزيارة الثانية أُلغيَ محراب بيت المقدس , وبقيَ محراب الكعبة المُشرّفة . على كُلٍ : إذا ذكرتم ليلةَ النصفِ من شعبان , ففي هذه الليلة المُباركة تمَّ فيها تحويلُ القِبلةِ من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام , هذه واحدة . النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ترويه الأحاديث الشريفة وفيما رواهُ النسائيُ , مـن حديثِ أسامةَ بنِ زيد قال : قُلتُ يا رسولَ الله : لم أركَ تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصومُ من شعبان ، فقالَ عليه الصلاة والسلام : (( ذلكَ شهرٌ يغفُلُ عنهُ الناس بينَ رجبَ ورمضان, وهوَ شهرٌ تُرفعُ فيهُ الأعمالُ لربِّ العالمين, وأحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم )) وكانَ أصحابُ النبي صلى اللهُ عليه وسلم ورضي اللهُ عنهم ، إذا نظروا إلى هِلالِ شعبان , أكبّوا على المصاحفِ يقرؤونها , وأخرجَ الأغنياءُ زكاةَ أموالِهم , ليتقوّى بِها الضعيف والمِسكين على شهر الصيام . أيها الأخوة ؛ إذاً : فيما يبدو لكم من هذ الآثار القليلة : أنَّ شعبان تهيئةٌ لرمضان ، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو ربهُ في شعبان ، لذلك خُصّت ليلةُ النصفِ من شعبان بالدُعاء . الدعاء في الحقيقة : أداةُ اتصالٍ مباشرةٍ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ . لكنَّ هذا الدعاء الذي نسمعهُ أحياناً : اللهم إن كُنتَ كتبتني في أُمِ الكتابِ شقيّاً محروماً مُقتّراً عليَّ في الرِزق , فأمح اللهم بِفضلِكَ شقاوتي وحِرماني وتقتيرَ رِزقي . هذا الدُعاء لا أصلَ لهُ . لم يَرِد لا عن رسول الله , ولا عن أصحاب النبي عليهم رِضوان الله ، نحنُ إذا دَعونا اللهَ عزّ وجل , ينبغي أن ندعوهُ بما دعا به النبي صلى اللهُ عليه وسلم . يعني فِكرة الجبر : أنَّ الإنسان خُلقَ كافراً , وكُتبَ عليه الكُفر من دونِ ذنبِ اقترفتهُ يداه , وسوفَ يدخُل النار شاءَ أم أبى , لأنَّ الكِتابَ سبقَ عليهِ بالكُفر ، هذه المعاني أيها الأخوة ليست من روحِ القرآن ، قال تعالى : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 148] الإنسان مخير . لو قرأتَ القرآنَ الكريمَ كُلَهُ لوجدتَ أنَّ الإنسانَ فيهِ مُخيّراً : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [سورة الكهف الآية: 29] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 3] ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 148] بل إنَّ بعضهم قال : مجرّدُ الأمرِ يقتضي التخيير . أيُعقلُ أن تشُقَّ طريقاً عرضهُ 60 سم بعرضِ إنسانٍ تماماً , بحيثُ أنَ كتفيه يُلامسان جداري هذا الطريق , وأن تأمرهُ أن يتجهَ نحو اليمين أن يلزم اليمين ؟ أيُ يمين هذا !!؟ إذا كانَ الطريقُ ضيقاً بعرضِ السالِكِ فيه , فكيفَ تأمرهُ أن يلزمَ اليمين ؟ لمجرّدِ أن تأمرهُ فالإنسان خيّر ، لمجرّدِ أن تنهاهُ فالإنسـان مُخيّر . هذه نقطةٌ دقيقةٌ جداً : لو أنَّ اللهَ عزّ وجل كما قالَ الإمامُ الحسن رضيَ اللهُ عنه : أجبرَ عبادهُ على الطاعة لَبَطَلَ الثواب ، ولو أنَّ اللهَ عزّ وجل أجبرَ عِبادهُ على المعصية لَبَطَلَ العِقاب , ولو أنه تركهم هملاً لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد وكانَ ذلكَ عجزاً في القُدرة . واحدٌ سألَ سيدنا عليّاً كرّمَ اللهُ وجهه قالَ : أكانَ مسيرُنا إلى الشام بقضاءٍ من اللهِ وقَدَر ؟ قالَ : ويحكَ ! لو كانَ قضاءً لازماً , أو قَدراً حاكماً , إذاً : لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد, ولانتفــى الثواب والعِقاب , إنَّ اللهَ أمرَ عِبادهُ تخييراً ونهاهم تحذيراً , وكلّفَ يسيراً ولم يُكلّف عسيـراً , وأعطى على القليل كثيراً , ولم يُعص مغلوباً , ولم يُطع مُكرهاً , ولم يُرسل الأنبياءَ عَبَثاً , ولم يُنزّل الكُتُبَ لَعِباً . الإنسان مُخيّر . والأثر الذي تعرفونهُ جميعاً : رجل ضُبِطَ متلبّساً بِشُربِ الخمر, فاقتيدَ إلى عُمرَ بن الخطاب, ولمّا أرادَ إقامةَ الحدِ عليه قالَ: واللهِ يا أميرَ المؤمنين! إنَّ اللهَ قدّرَ عليَّ ذلك, فقالَ رضي الله عنهُ -وكانَ عالِماً بالكتاب والسُنّة- قالَ: أقيموا عليهِ الحدَّ مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله, وقالَ: ويحكَ! إنَّ قضاءَ اللهِ لم يُخرِجكَ من الاختيارِ إلـــى الاضطرار. ندم الكافر يدل على أن الإنسان مخير . وحينما تُطالعونَ القرآن الكريم , تجدونَ أنَّ مُعظم الآيات تُبيّنُ نَدَمَ الكافر على كُفرهِ : ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 100] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 56] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 27] ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [سورة الفجر الآية: 24] هذه الآيات كُلُها تؤكدُ : ندَمَ الكافر على فعلِهِ السيء وعلى معاصيه ، لو أنهُ كانَ مُجبراً عليها ولا خيارَ لهُ في ذلك , أيُعقل أن يندمَ على ذلك ؟!!. الإنسان مسير ومخير بآن واحد : إذا قرأتَ القرآن الكريم تشعر أنكَ مُخيّر، مُخيّر فيما كُلّفتَ به طبعاً، في دائرةٍ أنتَ مُسيّر وفي دائرةٍ أنتَ فيها مُخيّر، وُلِدتَ من أبٍ فلانيٍ وأمٍ فلانيةٍ؛ في المكان الفُلاني, في الزمن الفُلاني, من أَسرةٍ فلانيةٍ, بوضعٍ مُعيّن, ببنيةٍ معينة, بوراثةٍ معيّنة, هذا كُلهُ أنتَ فيهِ مُسيّر, ولستَ مُحاسباً عنهُ إطلاقاً, وسيماً، ذميماً، ضعيفاً، قوياً، قصيراً، طويلاً، ذكيّاً، أقلَّ ذكاء، غنيّاً، فقيراً، هذه الحظوظ التي جاءتكَ من دونِ حولٍ مِنك, من دونِ طلب, إنكَ فيها مُسيّر ولستَ مُحاسباً عليها إطلاقاً, إنك مُخيرٌ فيما كُلّفتَ بهِ, والدليل قول الله عزّ وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 286] ما هوَ الكسبُ ؟ أنت حينما تنبعثُ إلى طاعة الله عزّ وجل , حينما تتوجه إلــى طاعة الله عزّ وجل , هذا التوجّه إلى طاعة الله هوَ الكسب ، وحينما تتوجه إلى معصية الله عزّ وجل , هذا التوجه إلى معصية الله هوَ الاكتساب . ﴿فلها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت﴾ يعني : بشكلٍ أو بآخر لا بُدَّ من عُنصُرٍ مِنك ، هوَ الذي حددَ مصيركَ مِنكَ ، خيرُكَ فيكَ وشرُّكَ مِنكَ ، يعني الجنةُ محضُ فضلٍ والنارُ محضُ عدل , فإذا أردتَ أن تدخُلَ الجنة فبِفضل الله وكرمهِ , لكن إذا دخلَ إنسانٌ النار, فبِعملهِ السيء , وباختيارهِ السيء , وبتَبِعةِ عملهِ . فالدعاء الذي لا يُوافق الكتاب والسُنّة , لا ينبغي أن نحفلَ بهِ , ادع بما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام وضّحَ وبيّنَ وفصّلَ , وحينما دعا يُستنبطُ من دعائهِ الشريف : أنَّ النفسَ البشريةَ : ﴿لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت﴾ أمّا ما أنتَ مُسيّرٌ فيه , هذا موضوع دقيق جداً , إذا كان سابق لوجودك فهوَ لصالِحك ، وإذا كانَ تابعٌ لوجودِك فهوَ دفعٌ لثمنِ اختيارِك . الفكرة دقيقة جداً : إن كانَ هذا الاختيار ، إن كانَ هذا التسييرُ سابقاً لوجودِك , لماذا خُلقت من فُلان وفُلانة , وبهذه الصِفات , وبهذه البُنى , وبهذه الإمكانات , وبهذه القُدرات ؟ هذا الخلق سابقُ لوجودِك , هوَ لمصلحتِك , وليسَ في إمكانِك أبدعُ مما أعطاك , كما قالَ الإمام الغزالي ، أمّا التسييرُ الذي يتمُ بعدَ وجودِك ودفعٌ لثمنِ اختيارِك , يعني الإنسان إذا اختارَ اختياراً صالِحاً , إذا اختارَ طاعة الله عزّ وجل , سيّرهُ اللهُ لِما فيه خير له الدنيا والآخرة ، وإذا اختارَ معصية اللهَ عزّ وجل , سيّرهُ الله لدفعِ ثمن اختيارِهِ ، سيّرهُ ليؤدبه ، سيرهُ ليقتصَّ منه ، سيّرهُ ليوقفهُ عِندَ حدهِ ، سيرهُ ليردعهُ ، فالتسييرُ الذي يأتي بعدَ اختيارك , هو لدفعِ ثمن اختيارِك , إمّا مكافأةً وإمّا عِقاباً ، والتسيير الذي يأتي قبلَ اختيارِك , إنما هوَ في مصلحة اختيارِك . ما كانَ سابقاً لوجودِك اعلم عِلمَ اليقين أنهُ في مصلَحَتِك . وما كانَ لاحقاُ لوجودِك إنهُ دفعٌ لثمنِ اختيارِك . فلذلك : من أدق الآيات الكريمة , ومن أدق الصيّغ اللغوية التي تستعمل للنفي , هي صيغةُ ما كانَ لـِ : ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 70] ربُنا عزّ وجل في هذه الآية لم ينف عن ذاتهِ ظُلمَ العباد, بل نفى عن ذاتهِ كُلَّ ما حولَ الظُلم، اللهُ عزّ وجل لا يُريد الظُلمَ ولا يقبلهُ ولا يأمرُ بهِ ولا يوقِعهُ بينَ عِبادهِ. كُنتُ قلتُ لكم سابِقاً هذا المثل: يعني فرقٌ كبير بينَ أن تقول فُلانٌ لم يسرِق هذه الدراهم, وفُلانٌ ما كانَ لهُ أن يسرِق, لم يسرِق نَفيُ الحدث, لكن ما كانَ لهُ أن يسرِق نَفيُ الشأن، ليسَ من شأنِهِ, ولا من طبيعتهِ, ولا من أخلاقهِ, ولا من قيمهِ, ولا يُريد, ولا يرضى, ولا يقبل, ولا يُقرّ, ولا يدعو, أبداً كُل هذه المعاني منفيةٌ عنه, فلذلك إذا قالَ اللهُ: ﴿ما كانَ اللهُ ليظلمهم﴾ إذا قالَ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 49] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 124] ((لا ظُلمَ اليوم إني حرّمتُ الظُلمَ على نفسي, وجعلتهُ محرّماً بينكم فلا تظّالموا)) إذاً: الآيات والأحاديث القدسية الشريفة واضحةٌ، قطعيةُ الدلالةِ, في أنَّ اللهَ عزّ وجل منزّهٌ عن الظُلم؛ أي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7-8] هذا الأعرابيُّ الذي قالَ لهُ النبي عليه الصلاة والسلام, الذي سألَ النبي, قالَ: ((عِظني وأوجِز، فقرأَ عليه الصلاة والسلام: ﴿فمن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره﴾ قالَ: كُفيت، فقالَ عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجُل)) شعبان إعداد لرمضان : إذاً: نعود إلى ليلةِ النِصفِ من شعبان, إنها بادئَ ذي بدءٍ: إعدادٌ للنفسِ كي تستقبلَ شهرَ الصيام, وهيَ في أوجِ إقبالِها على اللهِ عزّ وجل، وهيَ في أتمِّ استعدادٍ للدخولِ في هذا الشهر الكريم الشيء العظيم، الشيء المُقدّس, يحتاج إلى تمهيد, لكن الشيء التافه لا يحتاج إلى تمهيد، فهذا رمضان لعلَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُعتِقُنا فيه من النار، لعلَّ هذا الشهرَ الفضيل يرتقي فيه الإنسانُ: من حالٍ إلى حال، ومن درجةٍ إلى درجة، ومن منزِلةٍ إلى منزِلة، ومن قيّمٍ إلى قيّم، ومن نوايا إلى نوايا، ومن رؤيا إلى رؤيا، فما دامَ هذا الشهرُ الكريم يمكن أن يكونَ سبباً في ارتقائِكَ, لا بُدَ لهُ من تمهيد، التمهيد هوَ شهرُ شعبان؛ صيامٌ وإنفاقٌ وتلاوة قرآنٍ وعملٌ طيب. يعني بالمَثل المادي: إذا أردت أن تقطعَ مسافةً بينَ نقطتين بسرعةٍ عاليةٍ, لا بُدَ من أن تتحركَ قبلَ نُقطة البدء, إذا بدأت الحركة عِندَ نقطة البدء, إلى أن تزدادَ سُرعَتُكَ, وتأخذَ سُرعتكَ القصوى, تكون قد قطعتَ مسافةً هدراً، فمن أجلِ أن تبدأَ السيرَ سريعاً من نقطة - أ - إلى نقطة - ب – لا بُدَ من التحرُك قبلَ - أ - هذا بشكلٍ أو بآخر ما يعنيه الإعدادُ لرمضانَ من شعبان. الشيء الثاني : النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو اللهَ في هذا الشهر الفضيل . والدُعاء فصلتُ عنهُ كثيراً في خُطبة الجُمُعة ، وذكرتُ أنَّ في القرآنَ الكريم ثلاثَ عشرةَ آية فيها كلمة قُل : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 189] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 219] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 222] ثلاثَ عشرةَ آية في القرآن الكريم فيها هذه الصيغة, إلا آيةً واحدة هي قولهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] إذا فتحتم المُعجمَ المُفهرس على مادةِ سألَ تأتي آيات يسألونكَ, احصِ هذه الآيــات, ثلاثَ عشرةَ آيةً كريمةً, في كُلِ هذه الآيات كلمةٌ واحدة هيَ: قُل, هذه الكلمة كلمة قُـل, غابت في آية واحدة هي: ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾ استفادَ العلماء من غياب كلمة: قُل في هذه الآية, أنهُ ليسَ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ حِجاب, لا وسطاء, الدعاء وسيلةُ اتصالٍ مباشِر, أن يكونَ بينَ يديكَ هذا السلاح الخطير بإمكانِكَ أن تدعوَ اللهَ عزّ وجــل، واللهِ لا تستطيع أن تدخل على إنسان ذي أهميةٍ بسيطة إلا بموعدٍ قبلَ أسبوعين, وإلا بوقفةٍ لساعـاتٍ كثيرة على بابهِ، لكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول: ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾ قد تقفُ ساعاتٍ على بابِ إنسان. الترابط بين قوله وإذا سألك عبادي وقوله فمن كان يرجوا لقاء ربه: ربُنا عزّ وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] هاتان الآيتان لا تُقدّران بثمن : يعني إذا أردتَ أن تلتقي معَ الله عزّ وجل , اعمل عملاً صالحاً , وادخل إلى بيتٍ من بيوت الله , وصلي ركعتين , وانظركيفَ أنَّ اللهَ سبحانـهُ وتعالى يتجلّى على قلبِك ؟ وانظر كيفَ تنهمر دموعُك ؟ وانظر كيفَ تشعر أنكَ أسعدُ الناس ؟ هذا معنى قولِهِ تعالى : ﴿قُل إنما أنا بشرٌ مثلكُم يوحى إليَّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لِقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادةِ ربهِ أحداً﴾ ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾ لكن ذكرت يوم الجمعة أنهُ : ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾ أنتَ عن ماذا تسأل؟ قُل لي ما الذي تسألُ عنه, أقُل لكَ من أنت؟ ما الذي يعنيك؟ ما الذي يُقلِقُك؟ ما الذي تبحثُ عنه؟ ما الذي ترجوه؟ . ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾ تسألُ عن حُطام الدُنيا، عن متاعِها، عن تجارتها، عن مكاسِبها، عن بيوتها، عـــن زوجاتِها، عن نِسائِها، أم تسألُ عن الله كيفَ أُرضيه؟ كيفَ يرضى عني؟ كيفَ أتقرّبُ إليه؟ كيفَ أُطيعهُ؟ كيفَ يقبلُني؟ كيفَ يُحبُني؟. ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾ أيام بعض الأخوة يدعونَ دعاءً بصوتٍ مرتفعٍ وصياحٍ وضجيجٍ ورفعِ اليدين إلى السماء, ودُعاءٍ بليغٍ منمّقٍ، مُسجّعٍ، مدروسٍ، مُعدٍ إعداداً رائعاً، مع أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول عن سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [سورة مريم الآية: 3] بإمكانِكَ وأنتَ صامت، بإمكانِكَ وشفتاكَ مُطبقتان: أن تسألَ اللهَ في قلبِكَ شيئــاً، سِلاحٌ عظيمٌ بينَ يديك، يعني أنت من أجل أن تصل إلى شخص ذي أهميةٍ قليلة, تبذلُ جُهداً كبيراً، لكنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه, تقول: يا رب, يقول لكَ: لبيكَ يا عبدي اسأل تُعط. هذا الحديث الشريف الذي أتلوه على مسامِعكم, دائماً لو وقفنا عِندهُ وقفةً متأنية: عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ قَال, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائـِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] وأنتَ إذا قُلتَ: سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَه؛ اللهُ يسمَعُكَ, سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدهَ, تفضّل, قُل له: يا ربي لكَ الحمد والشكر والنعمة حمداً كثيراً طيباً مُباركاً. ليلة النصف من شعبان . في الحديث عن ليلة النصف من شعبان : حديثٌ عن الدُعاء , وعن قيمة الدُعـاء ، وكيفَ أنَّ الدُعاءَ سِلاح المؤمن . ولكن قد تسأل هذا السؤال : يا رب المسلمون يدعونكَ ليلَ نهار في كُلِ مناسبة, وعَقِبَ كُلِ صلاة, وفي مناسباتِهم الدينية, وفي الخُطب, وفي الكلمات, وفي الاحتفالات, وفي عقودِ القِران, وفي المناسبات الحزينة، يسألونكَ أن تُهلِكَ أعداءهم, يا رب وأن .. وأن .. وأن .., والذي يراهُ الناظر: أنّ اللهَ عزّ وجل لا يستجيب. الجواب في هذه الآية : ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾ قد يُصبحُ الدُعاءُ سلوكاً، قد يُصبِحُ الدُعاءُ عادةً لا معنى لها, ادع لنا يا سيدي فيدعو لك, الداعي والذي يؤمنُ على دُعائهِ في وادٍ آخر. قال : ﴿أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾ . إذا دعاني حقيقةً، قد يدعوني الداعـي وهوَ متكئٌ على زيدٌ أو عُبيد معتمدٌ عليه، قد يدعوني الداعي وهوَ معتمدٌ على مالِه أو على جاههِ أو على قريبهِ أو على شيء في يدهِ, لكنهُ إذا دعاني حقّاً أُجيبهُ. الله عزّ وجل يُعلّمُنا كيفَ يستجيبُ لنا؟ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] يعني إذا آمنت بهِ تستجيبُ لهُ، فإذا استجبتَ لهُ ودعوتهُ يستجيبُ لكَ، هذه الآية قانون الدُعاء: آمن بهِ ثمَّ استجب لهُ ثم ادعهُ يستجب لك, فإذا حدثّتُكم عن دعاء النصف من شعبان, فهوَ الحديث عن الدُعاء, لأنه مُخُ العِبادة, يعني الإنسان يُصلي حتى يتصل، يصوم حتى يتصل، يَحُج حتى يتصل، يتصدّق حتى يتصل، يستقيم حتى يتصل، يعمل الأعمال الصالحة حتى يتصل، إذاً: الاتصال بالله هوَ كُل شيء, لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الدُعاءُ مُخُ العِبادة)) [أخرجه الترمذي في سننه] يعني أعلى درجات الاتصال: أن تدعوهُ وأنتَ في ضائقة، أن تدعوهُ بدُعاءٍ حار, أن تدعوهُ وأنتَ تستغيثُ بهِ، لذلك قالَ النبي الكريم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] ليسَ شيء أكرمُ على اللهِ من الدُعاء. وأجمل ما في هذا الموضوع قولهُ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 77] يعني لولا أنكم تدعونَ اللهَ عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل لا يعبأُ بِكم, أي الدُعــاءُ علامة الإيمان، إذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنَّ اللهَ موجود، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنــك مؤمنٌ بأنهُ يستمعُ إليك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ يستجيبُ لك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ قدير، إيمانُكَ بأنهُ موجود وبأنهُ سميعٌ وبأنهُ قديرُ وبأنهُ رحيمٌ دعاكَ إلى أن تدعوهُ، إذاً: دُعاؤكَ لهُ علامةُ إيمانِكَ بهِ, إذاً: ﴿ما يعبأُ بِكم ربي لولا دُعاؤكم فقد كذبتم فسوفَ يكونُ لِزاماً﴾ الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين: مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب . عودةٌ إلى موضوعِنا المُقرر , وهوَ ما قالهُ بعضُ العُلماء : في ترجيحِ الطائع الذي لـم يعصِ الله على الإنسانَ الذي عصى اللهَ ثمَّ تابَ منهُ , موضوع لطيف : على أنَّ كُل فريقٍ يحتجُّ بأنَّ الأول أفضلُ من الثاني. أولاً : قالَ بعضُهم : إنَّ أكملَ الخلقِ وأفضلُهم أطوَعُهم لله وهـذا الذي لم يعصِ فيكونُ أفضل . إنسان لم يعصِ , وإنسان عصى وتاب . الذي لم يعصِ أفضلُ من الذي عصى وتاب بشكل بديهي ، الذي عصى مضى وقتٌ من حياتِهِ , وهوَ في معصية , وهوَ في قطيعة , وهو في خسارة , فالذي يُرافِقهُ ولم يعص , هذا الوقت أمضاهُ في طاعة الله , استفادَ من الوقت , ومن عملهِ الصالح , ومن إقبالِهِ على الله , إذاً : الشخصُ الأول يُعدُّ أفضل . العاصي في أثناء المعصية يمقُتهُ الله عزّ وجل . الطائعُ في أثناء الطاعة يُحِبـهُ الله عزّ وجل . إذاً : بينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في مقتِ الله , وبينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في طاعة الله , بونٌ كبيرٌ بينهما , المُذنب حينما يُذنب قد يتوب وقد لا يتوب فهوَ مُغامر , وإذا عالجهُ الله بمصيبةٍ قد يستجيب وقد لا يستجيب ، وقد يستفيد وقد لا يستفيد ، ففي المعصيةِ مغامرةٌ كبيرةَ بل مقامرةٌ كبيرة . يعني من يضمنُ لكَ أن تتوبَ من هذه المعصيــة ؟ هُناكَ أُناسٌ يُصرّونَ على ذنبِهم حتى الموت , أبداً . إذاً : الطائع في سلام , أما العاصي في مقامرة وفي مغامرة ، المُطيع أحاطَ نفســهُ بسياجٍ منيع من الطاعة , لكنَّ العاصي جعلَ في هذا السياج ثغرات كثيرة , من هذه الثغرات : أتاهُ الشيطان فخرّبَ بنيتهُ الداخلية ، وخرّبَ صفاءهُ ، وخرّبَ إقبالهُ على الله عزّ وجل . في نقطة دقيقة جداً : أجمعَ أصحاب رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وهذه الفِكرةَ أقولَها لكم دائماً , والآن أقرأُها أولَ مرة على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ من جهل . يعني لا يُمكن أن تعصي اللهَ عزّ وجل إلاّ وتُدمغ بأنكَ جاهل . عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجــَبَ بِعِلْمِه)) [أخرجه الدارمي في سننه] مهما تعلّمت , ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ , فأنتَ لا تعرِفُ الله . مقياسُ علِمِكَ : طاعتُكَ لا حذلقةُ لِسانِك , ولا طلاقة لِسانِك , ولا إجابتُكَ عن كُلِ مسألةٍ تُسألُ بِها . مقياسُ عِلمِكَ الحقيقي : الذي يُنجيّكَ يومَ القيامة طاعتُكَ للهِ عزّ وجل . فلذلك أجمعَ أصحابُ رسول الله على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ جهالة ، والجهالــةُ نوعان : الجهالة نوعان : جهالةُ عِلمٍ وجهالةُ سلوكٍ . إمّا من الجهلِ وإمّا من السُفهِ، الإنسان إذا انحرف فهوَ سفيه، وإذا ارتكبَ معصيةً فهوَ جاهل، لذلك أعدى أعداء الإنسان هوَ الجهل, وربُنا عزّ وجل حينما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 33] الجاهليةُ الأولى هيَ الجهلُ المُفضي إلى الجهالة, هذا الانحراف, الإنسان حينما يعصي يطمعُ العدوُ بهِ والعدوُ هوَ الشيطان، يعني إذا أنتَ لم تعص أبداً, الشيطان ييأسُ مِنك, لكِنكَ إذا بدأتَ خطوةً نحوَ المعصية, طَمِعَ فيكَ الشيطان, وطَمِعَ بمزيدٍ من المعاصي. الشيء المُهم: أنَّ المعصية لا بُدَّ من أن تُكفّر, إمّا بمصيبة كي تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بحسنةٍ كبيرة تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بعذابِ قبرٍ، وإمّا بسكراتِ موتٍ، وإمــّا بعذابٍ في النار. يعني هذه المعاصي كما قالَ النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويهِ عن ربهِ: ((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها, سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه)) في درسٍ آخر إن شاءَ الله عزّ وجل نتحدّث عن فضلِ من وقعَ في مخالفةٍ ثمَّ تابَ إلى اللهِ عزّ وجل وقُبلِت توبتهُ، وكيفَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يرحمهُ ويقبلهُ؟ حتى يتوازن الوضع, إذا واحد لم يعص فهذا شيء جميل جداً، لكن إذا عصى وتاب وقَبِلهُ الله عزّ وجل لهُ عِندَ اللهِ شأنٌ كبير, لأنَّ اللهَ يفرحُ بتوبةِ عبدهِ. أحياناً -ولله المثلُ الأعلى-: يكون في الأُسرة طِفلان أو شابان، شابٌ متفوقٌ في دراستهِ, وشابٌ آخر منحرف انحرافاً شديداً، المتفــوق والمستقيم ألِفَ والِداهُ أنهُ كذلك، لكن المُنحرف إذا عادَ إلى طريق الصواب, يُدخلُ على قلبِ والديهِ فرحاً لا حدودَ لهُ, لذلك: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد, والعقيم الوالد, والظمآن الـوارد)) والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى امرأةً من السبايا رأت ابنها, فأقبلت عليه, ووضعتهُ على صدرِها, قال: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبة عبدهِ من هذه بولدها)) أحاديث كثيرة تؤكد ذلك. على كُلٍ؛ هذا في الدرس القادم إن شاءَ اللهُ تعالى, قيامُ ليلةِ النصفِ من شعبــان, يعني أن تُكثر فيها من الذِكرِ والدُعاءِ والصلاة. وقالَ بعضُهم: إذا صليتَ قبلَ الفجرِ صلاة قيام الليل, أجزأتكَ عن قيام الليل عِندَ بعضِ العُلماء. يعني شيء من قيام الليل وشيء من تِلاوة القرآن, هذا يجعلُكَ من الذين استجابوا للهِ ورسولهِ وأحيَوا ليلةَ النصِفِ من شعبان. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوبة - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الثلاثون ) منزلة التوبة : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، ولا زِلنا في منزلة التوبة . بدأنا هذه المنزلة بأنواع الذنوب والمعاصي , بِدءاً من أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , إلى الشِركِ والنِفاقِ والكُفرِ والفسوق , إلى الإثمِ والعدوان , إلى الفحشاءِ والمُنكر , إلى الكبائر , إلى الصغائر . أحكام التوبة : وفي هذا الدرس نتحدّثُ عن أحكامٍ مُهمةٍ جداً من أحكام التوبة . الحُكمُ الأول : هوَ أنَّ المبادرةَ إلى التوبة من الذنبِ فرضٌ على الفور , فمن وقعَ في ذنبٍ , وتابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ من ذنبين : الذنبُ الذي اقتضى التوبة ، وتأخير التوبة , لأنَّ المبادرةَ إلى التوبةِ من الذنبِ فرضٌ على الفور . إذاً : لو أنَّ الإنسانَ اقترفَ ذنباً , ولم يَتُب منهُ فوراً , بل تابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ مرتين : أن يتوبَ من هذا الذنب , وأن يتوبَ من تأخير التوبة , لماذا ؟ لأنكَ إذا وقعتَ في الذنب , وبقيتَ عليهِ فترةً ما , لعلّ الذنبُ يصبح من عوائدِكَ ، لعلّكَ قَبِلتهُ ، لعلّك اعتدتَ عليه ، لعلّكَ اجترأتَ على الله ، لعلّهُ مع التكرار أصبحَ شيئاً بسيطاً عِندكَ , فالخطورةُ ليسَ في وقوعِكَ في الذنب , بل الخطورةُ في أن تستمرَ في الذنب ، فلذلك من استمرَ في ذنبهِ , فعليهِ أن يتوبَ من الذنبِ , ومن تأخير التوبة . لذلك : من وقعَ في ذنبٍ , ولم يتُب منهُ فوراً , عليهِ أن يتوبَ توبةً عامّةً . هُناكَ توبةٌ خاصّة من هذا الذنب بالذّات , وهُناكَ توبةَ عامّة , فلعلَّ التوبةَ العامة تمحو ذنبَ تأخير التوبة . كانَ عليه الصلاة والسلام يدعو في صلاتهِ , ويقول : ((اللهم إني أعوذُ بِكَ أن أُشرِكَ بِكَ وأنا أعلم, وأستغفِرُكَ لِما لا أعلم)) وكانَ يدعو في صلاتهِ ويقولُ : ((اللهم اغفر)) دققوا في هذا الدعاء : عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي, وخطئي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] لكن لو قُلتَ أنتَ لمن يدعوكَ إلى التوبةِ من هذا الذنب : أنا ما كُنتُ أعلمُ أنَّ هذا ذنب , لا أعلم يا أخي , ماذا تُجيبهُ ؟ إنَّ عدمَ عِلمِكَ معصية ، هُناكَ معصيةٌ , وهُناكَ معصيةُ أن لا تعلم ، لماذا لا تعلم ؟. لذلك : وردَ في الحديث الشريف , في كتاب الجامع الصغير فيما أذكر , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ويلٌ لمن لا يعلم , هوَ أكبرُ ذنب , وويلٌ لمن يعلم . كيف ؟ . ويلٌ لمن لا يعلم : إنَّ عدمَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ طلبَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ معرفة الله عزّ وجل ومعرفة منهجِهِ ذنبٌ كبير ، لكنكَ إذا عَلِمت ولم تعمل أيضاً ويلٌ لك ، ويلٌ لمن لا يعلم , وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل . فدِقّةُ هذا الدعاء : (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي )) فالجهلُ ذنب. وكُلكم يعلم : أنَّ أيَّ مواطن إذا ضُبِطَ بمخالفةٍ , وقالَ للقاضي : يا سيدي ما كُنتُ أعلم , يُجيبهُ إجابةً ثابتةً , يقول لهُ : يا أخي لا جهلَ في القانون , الجاهل لا يُعذر , اطلب العِلم . وفي المناسبة: ما من إنسانِ على وجه الأرض, على علمٍ, أو على خِبرةٍ, أو على اختصاصٍ, تستطيعُ أن تطرقَ عيادتهُ, أو مكتبهُ, أو مقرَّ عملهِ, دونِ أن تُهيىء الأموال الكافية, الأتعاب، الأجور، إلا أنَ اللهَ جلّت حِكمته, جعلَ دينهُ, وحقائقَ دينهِ, وكتابهُ, وتفسيرَ كتابهِ, وحديثَ نبيهِ الشريف, وتفسير حديثِ نبيهِ الشريف, جعلهُ مبذولاً بِلا مُقابل، بيوت الله مفتوحة, والخدمات تؤدى بِلا مُقابل، ولكَ أن تسأل, ولكَ أن تستفتي, ولكَ أن تحضر أيَّ مجلسٍ, مهما كانَ الذي يُلقي الدرس, على جانبٍ من الأهميةِ والشُهرةِ, تحضرُ درسهُ مجاناً، أمّا الطاولة ليلة, رأس الميلاد في بعض الفنادق, تُكلّف عشرةَ آلاف ليرة, المعاصي غالية جداً أمّا الطاعات مبذولة. إذاً : عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي, وَخَطَئِي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) دُعاء رائع . أيها الأخوة الأكارم ؛ في التوبةِ حقائق خطيرة ، وحينما أقول حقائق خطيرة , أعني بها حقائق مهمةٌ جداً ، من هذه الحقائق : أنَّ العبدَ إذا تابَ من الذنب , فهل يرجِعُ بعدَ التوبةِ إلى ما كانَ قبلَ الذنب عِندَ الله ؟ كانَ في هذه المكانة ، سقطَ في ذنب ، ثمَ تابَ منهُ ، فهل يرجِعُ إلى مكانةٍ كانَ يحتلُها قبلَ الذنب ؟ هذا سؤال ؟ الجواب : 1- من التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ كانت قبلَ الذنب . 2- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ دونَ ما كانَ قبلَ الذنب . 3- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ الذنب . قال : لو أنَّ إنساناً يقطعُ طريقاً طويلاً , تارةً يركبُ ناقتهُ ، وتارةً يمشي الهوينى ، تارةً يُسرع ، تارةً يجلس ليأكل , ما زال كذلك , من طورٍ إلى طور , التفتَ يمنةً , فإذا شجرةٌ وارفةُ الظِلال , وعلى طرفِها ماءٌ يجري , عذبٌ سلسبيل , فتاقت نفسهُ أن يستريحَ , ويجلس هُنا , بينما هوَ يجلس , جاءَ عدوٌ لهُ , فقيّدهُ في مكانهِ وحَبَسهُ , هذا هوَ الذنب , حينما وقعَ الإنسانُ في ذنبٍ , أصبحَ مقيّداً : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المُدثّر الآية: 38] بالقوانين , الإنسان البريء حر طليق ، يجلس في بيتهِ ، يذهب إلى مكان جميل ، يلتقي مع شخص ، يزور إنساناً , أمّا إذا ارتكبَ جريمةً , يُلقى القبض عليه , ويودع في السجن , متى فقدَ حريّتهُ ؟ حينما وقعَ بالذنب , فهذا الإنسان يسير في طريقٍ طويل , وإلى هدفٍ بعيد , تارةً يركب ، تارةً يمشي ، تارةً يُسرع ، تارةً يُبطئ ، تارةً يجلس ، تارةً يأكل ، حارت منهُ التفاتةٌ , رأى شجرةٌ وارفة الظِلال ومياهٌ عذبة , فتاقت نفسهُ أن يستريح , استراح , جاءهُ عدوٌ لهُ وقيّدهُ ومنعهُ من الحركة ، ثمَّ جاءَ صديقٌ لهُ ففكّهُ من هذا القيد ، بعدَ هذه التجربة لعلّهُ يَجِدُ في السير ويُغذُ في السير , إذاً : هذا التائب ربما عادَ بعدَ التوبةِ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ التوبة , ممكن , وربما عادَ هذا المُسافر بعدَ أن فُكَ من قيدهِ إلى ما كانَ عليه قبلَ أن يستريح عند هذه الشجرة ، وربما أغوتهُ هذه الشجرة وبظِلِها الظليل ومائها العذب النمير تاقت نفسهُ أن يعود , ويقول : حينما يأتي من يُقيّدُني يأتي من يَفُكُني . إذاً : بعدَ التوبة إمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ كالتي كُنتَ عليها قبلَ التوبة ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كُنتَ عليها ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ دونَ ما كُنتَ عليها , هذا بحسَبِ هِمَتِكَ ونشاطِكَ وحُبِكَ وإخلاصِكَ وإدراكِكَ ووعيِكَ , هذه واحدة . الذنوب التي تغفر والذنوب التي لا تغفر . شيءٌ آخر في التوبة هوَ : أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ متعلّقٍ بآدميّ . الذنوب كما تعلمونَ أنواع منوّعة : 1- هُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ الله . 2- وهُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ العِباد . فالتي بينكَ وبينَ اللهَ , يمكن أن تستغفرَ اللهَ منها فيما بينكَ وبينهُ , ويغلِبُ على الظن أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى عفوٌ كريم ، ولكنَّ الذنوبَ التي فيما بينكَ وبينَ العِباد هذه لن تُغفر , ودققوا فيما أقول : لن تُغفر إلا إذا غَفَرَ لكَ العِباد , لأنَّ حقوقَ اللهِ عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة , بينما حقوق الخلق مبنيّةٌ على المُشاححة ، لذلك قبلَ أن تقعَ في ذنبٍ معَ بني البشر , معَ إنسانٍ ، معَ مخلوقٍ ، معَ حيوانٍ ، معَ نباتٍ , قبلَ أن تعتدي على حقِ مخلوقٍ ، قبلَ أن تأخُذَ ما بيد مخلوقٍ ظُلماً وعُدواناً ، قبلَ أن تُجرّحهُ ، قبلَ أن تغتابهُ ، قبلَ أن تحقِرهُ ، قبلَ أن تأخُذَ مالهُ ، قبلَ أن تأخذَ بيتهُ ، قبلَ أن تبني مجدكَ على أنقاضهُ ، قبلَ أن تبني غِناكَ على فقرهِ ، قبلَ أن تبني حياتكَ على موتهِ ، قبلَ أن تبني أمنكَ على خوفِهِ ، قبلَ أن تقعَ في ذنبِ متعلّقٍ بالعِباد , فكّر ألفَ مرّة ، وفكّر مائة ألف مرّة ، وفكّر ألفَ ألف مرّة ، لأنَّ الذنوبَ التي يقعُ فيها الإنسانُ في حقِّ العِباد مبنيّةٌ على المشاححة , ولا بُدَ من مُسامحة ، وقد تقفُ أمامَ إنسانٍ موقِفاً ذليلاً . فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الآن : إذا تعلّق الذنبُ بمخلوقٍ ما ولعلّهُ إنسان ، لعلّهُ من بني البشر ، ماذا نعمل ؟ قال : هذا الحق إمّا أن يكونَ ماديّاً , وإمّا أن يكونَ معنويّاً . فإذا كانَ حقّاً ماديّاً لا بُدَ من أدائهِ , أبداً , لا بُدَ من أدائهِ , مال ، حاجة ، آلة استعرتها منهُ , ثمَّ ادعيتَ أنها ضاعت مِنك , فسكت ، غافلتهُ , وأخذتَ هذا الشيء في ساعةِ غفلةٍ وجهلٍ وطيشٍ , وبعدَ حينٍ تُبتَ إلى اللهِ عزّ وجل , فإذا هذه الآلة الحاسبة بينَ يديك , هذه ليست لك , يعني الحقوق منها المادي مال ، عارية ، كتاب ، آلة ، ساعة ، حاجة ، دين ، ذِمّة ، أجور خِدمة ، اشتريتَ من بائعٍ حاجةً , وكانَ عِندهُ ازدحامٌ شديد , فوليتَ الأدبار , ولم تدفع الثمن . إذا كانَ قد بدرَ مِنكَ ذنبٌ متعلّقٌ بآدميٍ أو بمخلوقٍ وكانَ الذنبُ ماديّاً , اسمعوا وسأقول بملء فمي : لا بُد من أداءِ هذا الحق , أو يُسامِحُكَ صاحِبُ هذا الحق ، كلامٌ واضحٌ كالشمس , لهذا حينما قالَ اللهُ عزّ وجل : ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 31] جاءت من للتبعيض، لأنَّ اللهَ عزّ وجل لا يغفرُ لكم كُلَّ ذنوبِكم، يغفر لكم بعضَ ذنوبِكم المتعلّقة فيما بينكم وبينهم. إذاً: إذا كان الذنبُ متعلّقاً ببني البشر, أو بمخلوقٍ, وكانَ هذا العدوانُ على مالهِ, أو على حاجاتهِ, أو على بضاعتهِ, أو على متجرهِ, أو على بيتهِ, أو اغتصبتَ شِبرَ أرضٍ, أو دُكاناً, أو بيتاً, أو ...... تُروى قِصّة وقعت في هذه البلدة: إنسان مُضطر لثلاثمائة ألف ليرة, فجاءَ لأحد الأغنياء الكِبار, وعرضَ عليهِ مزرعةً فخمةً جداً، على أن يكتب هذه المزرعة باسمهِ, وأن يُقرِضهُ ثلاثمائة ألف ليرة, فإذا تمكّنَ من أدائِها, ردَّ لهُ المزرعة, اتفقا هكذا, فهذا الغني حينما كُتبت لهُ المزرعة, وذهبَ إليها, وأمضى فيها صيفاً جميلاً, فيها مسبح مثلاً، فيها أشجار مثمرة، فيها بيت, أعجبتهُ هذه المزرعة، بعدَ حين جاءهُ صاحبُ الدين, وقالَ: يا أخي هذا المبلغ توفّرَ لديّ, فيُرجى أن تُعيدَ لي المزرعة، قال: لا, كُل إنسان عِندهُ حقهُ، توسّلَ إليه, ورجاهُ, ووسّطَ لهُ أقرباءهُ, ووجهاء الحي, الجواب: دائماً: كُلٌ مِنّا عِندهُ ما بيدهِ, ويجب أن تعلموا: أنَّ المزرعة لها ثمن كبير جداً, وَضَعها رهناً, ولم يُعطِه هذهِ المزرعة مقابِلَ هذا المبلغ، هذا الرجل صاحب المزرعة, أصابهُ غمٌ شديد, وما زالَ هذا الغمُّ يتصاعدُ حتى قضى عليه وماتَ, وقبلَ أن يموت أوصى ابنهُ. فأمرَ صاحب المزرعةَ ابنهُ: أن يا بُنيّ إذا مِت, فامشِ بجنازتي إلى المُهاجرين, ومُرَّ أمامَ بيتِ هذا المُغتصب, أعطهِ هذه الرسالة, كتب رسالة: أنني أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وسوفَ أُخاصِمُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل, فإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك, هذه الرسالة وهذه قِصّةٌ وقعت. طبعاً: مكتب دفن الموتى استغرب, لماذا نذهب إلى هذا المكان البعيد؟ هُنا التُربة, الباب الصغير, وأنتم في الميدان, قالَ: لا هذه وصيّةُ الوالد, فذهبت هـذه الجنازة إلى دار المُغتصب, ووقفت الجنازة هُناك, وطُرِقَ الباب, وأُعطيَ الرِسالة, ففتحها, وقرأَ ما فيها, والجنازة واقفة, قالَ لهُ: أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك. يُروى أنَّ هذا المُغتصب بعدَ أيامٍ بادرَ فوراً إلى إرجاع المزرعةِ إلى الوَرَثة, شيء مُخيف: أن تغتصبَ شِبرَ أرضٍ، أن تغتصبَ بيتاً، دُكاناً، حاجةً، آلةً، مركبةً، هكذا, هذا الذي اغتصبتَ مِنهُ, لهُ رب, والربُّ كبير, وسوفَ يأخذُ مِنكَ الثمنُ باهِظاً يومَ القيامة. لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام : (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ )) الدين المُعاملة . تركُ دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانينَ حجّةً بعدَ الإسلام. ركعتانِ من وَرِع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط. قال: أمّا إذا كانَ هذا الذنبُ متعلقاً بآدمي وهوَ ماديّ, قالَ عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ )) ممكن أن تُرسل حوالة بمبلغ، الآن مُمكن أن تضعَ هذا المبلغ بظرف, وأن تُلقيّهُ في دُكان هذا صاحبِ الحق، ممكن أن تعتذر، ممكن أن تستسمح، ممكن أن تُقدّم، ممكن أن تُحاسب، ممكن أن تترك البيت، ممكن أن تتخلى عن المحل التجاري. إنسان وهوَ يقودُ سيارتهُ في الحِجاز, أصابتهُ أزمةٌ قلبيّة, فانكفأَ على مِقود السيارة, وإلى جانِبهِ زوجتهُ، من غرائب الصُدف: أنَّ صديقاً لهُ كانَ إلى جانب المركبة, فأخذهُ ووضعهُ في المقعد الخلفي, وساقَ المركبةَ إلى المُستشفى, وأُدخِلَ فوراً العنايةَ المُشددة، وهُناكَ أُناسٌ يُصابون بأزمةٍ قلبيةٍ بعدَ العنايةِ المُشددة, من فاتورةِ العناية المُشددة، فبعدَ ساعاتٍ انتعش وصحا, وقال: هاتوا لي مُسجلةً, فإذا هوَ يُصرّحُ: أنَّ هذا المحلَ التجاري الكائن في المكان الفُلاني ليسَ لي, هوَ لأخوتي, وقد اغتصبتهُ منهم, ولهم الحقُ فيه، اعترف. أسرع طريقة للاعتراف هذه الطريقة، بعدَ أيامٍ عديدة, خرجَ من هذه العناية المُشددة, وشعرَ بقوةٍ ونشاط, فقالَ: أينَ الشريط؟ أعطوني إيّاه, فلمّا استرجعهُ كسّرهُ, وعادَ إلى ما كانَ عليه، وبعدَ ثمانيةِ أشهرٍ ماتَ ميتةً شنيعة, فهذا الذي حصلَ لهُ اسمهُ بالتعريف الحديث: إنذار مُبكّر. أربعة شباب وَرِثوا عن والِدهم، الأخ الصغير ذهبَ حقهُ، هذا أخذ البيت من رائحــة والده، وهذا أخذ السجاد كُلهُ، وهذا أخذ المزرعة, وأبقوا الصغير بِلا شيء, أخونا هذا ونحنُ نُحبهُ, كلام فارغ, الإنسان يُغتصب أخوتهِ, لهُ أخت متزوجة, والبيت الذي يسكنهُ لهُ ولأختهِ, وهي متزوجة, يضيع نصيبها من البيت. أعرف أخاً كريماً, يحضر معنا في هذا المسجد, يسكن في منزل غالي الثمن, وأُختهُ متزوجة, قيّمهُ, بسعر اليوم سعر خيالي, واشتغل, وجد, حتى قدّمَ لأختهِ حِصتها من هذا البيت, هذا الحق, بنت مستضعفة ضعيفة. أعرف رجلاً مات, ترك ثروة طائلة، ترك ست بنات وأخٌ واحد, هذا الوريث المُذكّر أنكرَ حقوقَ أخوتهِ البنات كُلِهن بطريقةٍ أو بأُخرى، وقعهُ الأب سندات دين أو أشياء أُخرى حتى خرجت أخواتهُ من الإرث بِلا شيء. لذلك: إذا الموضوع مادي, اسمعوا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ)) في أخ كريم من أخواننا الكِرام, عِندهُ معمل, فقالَ لي: أفقد مالي, وأفقد بِضاعة، بقيتُ أشهر عِدّة, وأنا أُراقب مُراقبة خيالية, والمال يُفقد من مكان الغلّة, والبِضاعة تنقص، هذا الذي يسرق خبير إلى درجة متناهية، ثمَ توقفت هذه السرقة, لم يعرف من هوَ الفاعل، قالَ لي: بعدَ عشر سنوات, طرقَ بابي شاب, مُلتح دعوتهُ, ودخل, فقالَ لهُ: هل عرفتني؟ فأجابهُ: كأني أعرِفُكَ، قالَ لهُ: أنا كُنتُ عِندِكَ عامِلاً قبلَ عشر سنوات, تذكرت, قالَ لهُ: أنا الذي كُنتُ آخذُ من جيبك, ومن بِضاعتك, وقد تعرّفتُ إلى الله, واصطلحتُ معهُ, فها أنذا أُريد أن أُعطيكَ كُلَ شيء, هذا الأخ الكريم قال لهُ: واللهِ نظير هذه التوبة سامحتُكَ بِكُلِ شيء. رجل جاءتهُ قطعة أرض, ليست لهُ بحُكم توزيع الأراضي على الفلاحين, لهُ شيخ سألهُ: يا سيدي هذه الأرض جاءتني, وأصلُها لِفُلان, فقالَ لهُ: هذا لا يجوز يا بُني, اذهب إلى فُلان واشترها منهُ، ليسَ معهُ, فباعَ أساوِرَ زوجتهِ, وقالَ: لعلّهُ يرضى بهذه الدفعة المُقدّمة, وأُقسّط لهُ الثمن لسنوات طويلة، جاء إلى هذا الرجل, صاحِب هذه الأرض, وقال لهُ: يا سيدي أعطوني هذه الدونمات من أرضِك, وهيَ ليست لي, وسألتُ شيخي, فقال: هيَ ليست لي, وليسَ لكَ إلا أن تشتريها منهُ, وها أنا قد جِئتُكَ لأشتريها مِنك, فنظرَ إليه صاحبُ الأرض, وقال: واللهِ ذهبَ مني آلاف مؤلفة من الدونمات, وما وصلَ إليَّ واحدٌ من هؤلاء الأشخاص, يُريد شراء الأرض, إنها هديةٌ لكَ يا بُني, خُذها هذه, تأخذها حلالاً زلالاً كما يقولون. لمّا الإنسان يطلب الورع, فالله عزّ وجل يُعينهُ، إذا أنت أردتَ أن تخرج من هذا البيت الذي ليسَ لكَ, فاللهُ عزّ وجل يُهيىء لكَ بيتاً ممتازاً, إذا آثرتَ اللهَ عزّ وجل, فاللهُ لا يُضيّعُك. مرةً ثانية: ما تركَ عبدٌ شيئاً لله, إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه. مستحيل أن تُطيعهُ وتخسر, ومرةً ثانية: مستحيل أن تعصيهِ وتربح، مستحيل أن تُطيعهُ وتشقى، مستحيل أن تعصيه وتسعد، مستحيل أن تُطيعهُ وتكون بآخر الركب إلا بالمُقدّمة ، مستحيل تعصيه وتكون في المُقدّمة إلا بالأخير، والدليل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] إذا كانت هذه المظلمةُ ليست ماديةً : غيبة، نميمة، استهزاء، تجريح, احتقار، هذا ذنب يسمونهُ حقوق أدبيّة, أنتَ شتمتهُ، اغتبتهُ، جرحّتهُ، اتهمتهُ وهوَ بريء، طبعاً: لو أنهُ أقام دعوى لهُ حقٌ عِندك، طيب هذا الذنب كيفَ يُغفر؟ الآن دققوا وهذا نقعُ بهِ كثيراً. بعضُهم قال: يجبُ أن تذهبَ لمن اغتبتهُ, وأن تذكُرَ لهُ ما قُلتَ لهُ في غيبتهِ عنهُ, وأن تطلُبَ أن يُسامِحكَ, لا يوجد سوى ذلك, هذا رأي. وبعضُهم قال: يجوزُ أن تذهبَ إليه, وتقول لهُ: يا أخي لقد نِلتُ مِنك إجمالاً لا تفصيلاً, أرجو أن تُسامحني. وبعضُهم قال: لا يكفي أن يعيدَ اللقاء الذي التقى بهِ معَ زيدٍ وعُبيد, وتحدّثَ بهِ في هذا اللقاء عن فُلان, أن تُعيدَ اللقاءَ مرةً ثانية, وأن تقول لهم: أنا كُنتُ مُخطئاً, وفُلان رجل جيد, وما إلى ذلك. كم مذهب؟ ثلاثة؛ إمّا أن تذهبَ إليه, وأن تذكُرَ لهُ عينَ الذنب: الغيبة، الاحتقار، التقليد، النميمة, وأن تطلُبَ السماحَ منهُ، وإمّا أن تذهبَ إليه, وأن تقول لهُ بشكل عام: لقد نِلتُ مِنك, أرجو أن تُسامحني، أو أن لا تذهبَ إليهِ أبداً, وتذهبُ إلى من كُنتَ معهم, وتحدثتَ إليهم عنهُ, تعقِدُ لهم لِقاءً ثانياً, وتقول: أنا كُنتُ في خطأٍ كبير, وفُلان بريء, وأن قد تجاوزت حدّي, وقد اتهمتهُ ظُلماً, فأرجو أن يحصل لكم العِلم بذلك. قال: مذهبُ الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك, هوَ الإعلان التفصيلي والتحلل, قال: لأنَّ البراءةَ من حقِ المجهول ليست براءةً, أخي اكتب لي براءة ذمة، من ماذا ؟ من مبلغ لكَ معي، كم هوَ يجب أن يعرف المبلغ؟ براءة ذمة عامة لا يوجد، فُلان بريء الذمة من الدين الفُلاني البالغ كذا وكذا، فرأي الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك: أنهُ لا بُدَّ من أن تذهبَ؛ إلى من اغتبتهُ, أو احتقرتهُ, أو جرّحتهُ, أو اتهمتهُ, أو غمزتَ من قناتهِ, أو طعنتَ في نَسَبِهِ, أو طعنتَ في أمانتهِ, حتى لو أنكَ أمسكتَ ثوبكَ, وحينما ذُكرت فُلانة, قُلت: أحسن منّي, هذه غيبة، هذا طعن. قالوا: وردَ في الأثر: قذفُ محصنةٍ يهدِمُ عملَ مائة سنة. فالبراءةُ من حقٍ مجهول لا تصح. لهذا احتجّوا بقول النبي: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَملُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ)) لأنهُ حينما فعلَ هذا ارتكبَ جُرمين: ارتكبَ جُرماً في حقِ أخيه, طعناً في نسبهِ, أو بأمانتهِ, أو بإخلاصهِ. الآن: إذا الإنسان ذُكر أمامهُ عالِم, لم يقل دجّال, عِندَ الله لا تمر هذه، هذا عالم لهُ دعوة, لهُ أخوان، أمتأكدٌ أنت؟ معك دليل، أمّ للتسلية؟ فكُل إنسان قبلَ أن يقول: دجّال، كاذب، غير فهمان، فهمان, قبلَ أن تتهمهُ بِتُهم هوَ بريء مِنها، حضرتَ مجلِسهُ، استمعتَ إلى دروسهِ ، التقيتَ معهُ، هكذا تتهم الناس غيابيّاً, وتنجو من عذاب الله؟ لا والله. فقال: لا بُدَّ من أن تتحللهُ اليوم قبلَ ألا يكونَ درهمٌ ولا دينار, الآن في مجال أن تستسمح منهُ، تعقد مجلساً آخر تُغيّر كلامك، ممكن أن تتقرّب منهُ بهديّة، ممكن أن تخدمهُ خدمة، ممكن أن يلين قلبهُ, يقول لكَ: سامحتك, لكن قبلَ ذلك مُشكلة. أمّا في اختيار ثان, ولعلّهُ مقبول، الاختيار الثاني: اجمع هؤلاء الذين اغتبته في حضرتهم، اجمعهم واذكر لهم أنكَ مُخطئٌ في هذه الغيبة, وأنهُ بريء, وأنهُ لا شائبةَ حولَهُ, وأنا كُنتُ مُخطئاً، ولا عليك ألا تذهبَ إلى صاحب الغيبة، لماذا؟ قال: لأنكَ إذا ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذا وكذا, ربما غلا دمهُ، ورُبما حقدَ عليك، وربُما تفتتَ المُجتمع، ورُبما ورُبما, العلماء الآخرون رجّحوا أنهُ يكفي أن تجمعَ هؤلاء الذينَ اغتبته في حضرتهم, وأن تذكُرَ عكسَ ما قُلتهُ البارحة, وأن تتوبَ إلى الله عزّ وجل. طبعاً: هُناكَ رأيان, والحقيقة الترجيح بينهُما: أنَّ الشخصَ الذي اغتبتهُ, إذا كانَ واسِعَ الصدر, حليماً, يترفّع عن الانتقام والحِقد, ولهُ عِندَ الله مكانة, لا تهزهُ أنتَ بِها, يعني ما ضرَّ السحابَ نبحُ الكِلاب، ما ضرَّ البحرَ أن ألقى فيهِ غلامَ بحجر. في شخص سمعتهُ, ومكانتهُ عِندَ الله أكبر من كُل كلامك, يعني مكانتهُ وقُربهُ من الله وشعورهُ بالسعادة, أنتَ لا تهزهُ بكلامِك. سيدنا موسى بالمُناجاة, قال: يا ربي لا تُبق لي عدوّاً, قالَ: يا موسى هذه ليست لي. لي لم تصح, هذه ليست لي، كُل إنسان لهُ عدو, فإذا إنسان واسع الأُفق, عظيم الشأن لا يهتز، إذا كان ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ كذا وكذا, أرجو أن تُسامحني, أغلب الظن يُسامحُك, ولا يحقد عليك، أمّا إذا إنسان إيمانهُ وسط, ونمطهُ عصبي, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ عنكَ كذّاب, فإذا بهِ يعذبك مباشرةً, فمِثلُ هذه الحالة الأولى أن تُطبّقَ المذهب الثاني. طبعاً يوجد حجّة: لماذا في الحقوق الماديّةِ: يجبُ أن يؤدى الحقُ إلى صاحبهِ, وفي الحقوق الأدبيّة: ليسَ ضروريّاً أن يؤدى الحقُ إلى صاحِبهِ, أن تذهب إلى من اغتبتهُ أمامهم؟ قال: لأنَّ الحقَ المادي يُنتفعُ بهِ, هذه الساعة لِفُلان, فإذا أديتها لصاحِبها, انتفعَ بِها, أعطاها لابنهِ, أمّا إذا ذهبتَ إلى من قد اغتبتهُ, وقلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذّاب، ماذا استفاد؟ استفادَ من الحقد والغضب والشتم وما إلى ذلك. إذاً: يُمكن بِحسب الحِكمةِ إمّا أن تتجهَ إلى من اغتبتهُ معتذراً مستسمحاً، طبعــاً: أن تذهبَ إلى من اغتبتهُ في حضرتهم, هذا شيء لا بُدَ منهُ, أمّا إليهِ بالذّات, هُنا يوجد خِلاف بينَ العُلماء حولهُ. موضوع بالتوبة دقيق: قال: لو أنَّ إنساناً كانَ ذنبهُ الكذب, وذنبهُ الغيبة, ثمَّ قُطِعَ لِسانُهُ, وأصبحَ أبكم, هذا الإنسان تُقبل توبتهُ, إنسان زان أقيم عليه الحد، إنسان سارق قُطعت يدهُ، يعني أداةُ الذنب معدومة, كيفَ يتوب هذا الإنسان؟. لهذا الإنسان توبة مع أنَّ لسانهُ مقطوع كُليّاً, ولا يستطيع أن يقولَ كلمةً واحدة, ولهُ أن يتوب من كُلِ ذنوبهِ السابقة القولية, والآن لسانهُ مقطوع, فكيفَ لهُ أن يتوب؟. قال عليه الصلاة والسلام : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ, فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ, قَالَ: نَعَمْ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ, عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ] حينما تندم فهذه توبة، إذا إنسان فرضاً فقدَ حريتهُ, وكانَ يُطلق بصرهُ بالحرام, دخــل لغرفة ليسَ فيها نساء لسنوات طويلة, ومات في هذه الغرفة, كيفَ يتوب من ذنب إطلاق البصر, لم يعد نساء هُنا؟ نقول: ندمهُ توبة, وهذا من رحمةِ الله بِنا, الندمُ توبة. طبعاً: كيفَ قاسوا ذلك ؟ قال : قاسوا ذلك على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا )) لكَ أنتَ مجلس الاثنين والأحد والجمعة -لا سمحَ اللهُ ولا قدّر- صار في مرض, لَزِمـتَ الفِراش أسبوعين، هل تُصدّق أن أجرَ حضور الدروس الثلاثة مكتوبٌ لكَ وأنتَ في البيت إذا في عُذر طبعاً، أو سافرت سفراً شرعياً, وغِبتَ عن بعض الدروس، وغِبتَ عن بعض الأعمال الطيبة التي ألِفتَ أن تعمَلها, هل تُصدّق أن أجرَكَ هوَ هوَ؟. إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ, كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا. وفي الصحيحِ أيضاً : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ في الجهاد , قالَ : ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا, مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا, وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا, إِلا كَانُوا مَعَكُمْ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ, قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ)) كُلكُم يعلم, لمّا النبي تفقّدَ بعض أصحابهِ في غزوة, ففي شخص طعنَ بِهم، غمزَ من قناتِهم، اتهمهم بالنِفاق، قالَ: ((يا رسولَ الله! فُلان شَغلهُ النظر إلى عِطفيه عن الجِهاد معك، فقام أحد أصحاب رسول الله, وقال: كذبتَ والله، يا رسولَ الله! لقد تخلّفَ عنكَ أُناسٌ, واللهِ ما نحنُ بأشدَّ حُباً لكَ مِنهم, ولو عَلِموا أنكَ تلقى عدواً ما تخلّفوا عنك)) إذا غاب أحدهم مباشرةً نطعن بهِ, تقول: همتهُ ضعيفة, قد يكون أمر قاهر, زوجتهُ تضع، عِندهُ مُشكلة، مباشرةً تتهِمهُ بالتقصير, لعلَّ لهُ عُذراً وأنتَ تلومهُ. موضوع بالتوبة دقيق جداً ، قال: لو أن إنساناً عَمِلَ سيئات حديثة فاستغرقت حسنات قديمة وأبطلتها ثمَّ تابَ توبةً نصوحاً خالِصةً, -قال-: عادت إليهِ حسناتهُ ولم يكُن حُكمهُ حُكمَ المُستأنِفِ لهُ, بل يُقال: تُبتَ على ما أسلفتَ من خير. صحابي جليل, اسمهُ حكيم بن حِزام, قـالَ: ((يا رسولَ الله! أرأيتَ عتاقةً أعتقتُها في الجاهلية، وصدقةً تصدّقتُ بِها، وصِلةً وصلتُ بِها رَحِمي، فهل لي فيها من أجر قبلَ أن أُسلم؟ قالَ عليه الصلاة والسلام: أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير)) بعد ما أسلمت ضُمّت لكَ هذه الأعمال الصالحةُ السابقة، يعني كُل عمل صالح فعلتهُ, قبلَ أن تُسلم, وقبلَ أن تؤمن, بعدَ أن أسلمت ضُم لكَ, وهذا من رحمةِ الله بِنا. قال: الإساءةُ بينَ الطاعتين, إذا تابَ العبدُ مِنها حُذِفت, وضُمّت الطاعتانِ إلى بعضِهِما بعضاً, اللهُ عزّ وجل لا يقهر لكَ عملكَ السابق كُلُهُ, لكَ عِندَ الله مكانة، زلّت قدمُكَ، تعثرت، الله عزّ وجل جابِرُ عثرات الكِرام، فإذا زلّت قدمُك بينَ حسنتين, وتُبتَ من هذه الزلّة مُحيت, وضُمت الحسنتان إلى بعضِهما بعضاً. شروط قبول التوبة : بقيَ موضوعٌ أبدأُ بهِ , لكن يحتاج إلى درسٍ مستقل , أنهُ من شروط التوبة : أن لا يعودَ الرجلُ إلى الذنبِ مرةً ثانية . من شروط قبول التوبة : استمرارُ التوبة . فمتى عادَ إلى الذنبِ , تبيّنَ أنَّ التوبةَ كانت باطلة غيرَ صحيحة ، عادَ الإثمُ الذي مُحيَ عنك , هذا اتجاه , بعضُهم قال : ليسَ هذا شرطاً , إنَّ الاستمرارَ على التوبةِ شرطُ كمالِها ونفعِها , وليسَ شرطَ صحتِها ، فنحنُ أمام اتجاهين وكُل اتجاه لهُ أدلّة . قالوا : إنَّ العبد إذا تابَ من الذنبِ ثمَّ عاودهُ , فهل يعودُ إليهِ إثمُ الذنب الذي كانَ قبلَ التوبةِ , بحيث يستحقُّ العقوبة على الأولِ والآخر إن ماتَ مُصرّاً ؟ نحتكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، اسمعوا ماذا قالَ النبي ؟ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ : (( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَاه فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِر )) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] الإنسان حينما ينقض توبتهُ, يُحاسَبُ عن ذنوبِهِ التي تابَ مِنها مرةً ثانية، وبالقوانين: هُناكَ شيء من ذلك, الإنسان يرتكب مخالفة, فيكتب تعهّداً, فإذا وقعَ بالذنب مرةً ثانية, حوسب بالذنب الأول والثاني. مثلاً قال: إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار. أيها الأخوة ؛ عشرات بل بِضع عشرات الحالات التي وصلتني: أنَّ هُناكَ أشخاص مسلمين مؤمنين صائمين مُصلّين قبل الموت خصَّ بعضهم الذكور وتركَ الإناث، أو خصَّ ولداً دونَ ولد، أو وريثاً دونَ وريث، أو حرَمَ أُختهُ، أو حرمَ فُلاناً، وكأنهُ مُشرّع، لذلك: إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار. وحينما يجورُ الإنسانُ في وصيتهِ, ينشأُ أحقادٌ بينَ الأولاد لا تنتهي، هُناك تفصيل آخر, الأصل كذلك, لكنَّ العاق إذا حرمتهُ من نصيبهِ, يزدادُ عقوقاً, فإذا أعطيتهُ لعلّكَ تُقرّبهُ إليك، الدليل: قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 33] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 264] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 2] اسمعوا إلى حديث السيدة عائشة: أخبري زيداً أنهُ أبطلَ جِهادهُ مع رسولِ الله إلا أن يتوب. باعَ شيئاً بسعرين, إذاً: السيئات تستغرق الحسنات, الفكرة خطيرةَ جداً: السيئات تستغرق الحسنات، بشكل واقعي السيئة حِجاب. يقولون بالأخبار: أنَّ الطريق مقطوعة بسبب تراكم الثلوج, والطريق مقطوعة إلى الله بسبب تراكم الذنوب, الطريق مقطوع بسبب تراكم الذنوب، إذا تراكمت الذنوب انقطعت الطريق إلى الله عزّ وجل، ما قيمة هذه الحسنات السابقة؟ أنتَ الآن ليسَ في الإمكان أن تستفيدَ منها, أمّا إذا تُبتَ من هذا الذنب الجديد ضُمت إليها, إذاً: السيئة تستغرق الحسنة السابقة, فإذا تابَ العبدُ منها, ضُمت إلى الحسنةِ اللاحقة, كلام دقيق جداً. من قواعد الشريعة: أنَّ من السيئات ما يُحبط الحسنات بالإجماع, هذا الرأي الأول، أول رأي أنَّ السيئات تستغرقُ الحسنات وتُبطِلُها إلاّ أن يتوبَ منها، إذا تابَ منها ضُمّت الحسنات السابقة إلى الحسنات اللاحقة, وهذا الذنب كأنهُ لم يكُن. الاتجاه الآخر هوَ: أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ, ثمَّ تُبتَ مِنهُ, هذا الذنب كأنهُ لم يكن, فإذا فعلتَ ذنباً جديداً, هوَ ذنبٌ جديد, ولهُ توبةٌ جديدة, هذا رأي آخر, من أينَ استُنبط؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 40] الآية توحي أنَّ الحسنة لا تضيع عِندَ الله عزّ وجل. في حديث للنبي عليه الصـلاة والسلام, رواه الإمام أحمد في مُسندهِ, قالَ: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ)) لكن إذا أردتم أن تفهموا هذا الحديث: ليسَ تواباً من ذنبٍ واحد يقعُ فيهِ الفينةَ بعدَ الفينةَ, يعني: كُل مرة تاب من ذنب لم يكن يعرفهُ ذنباً من قبل, هذا الكلام يُوجّه الحديث توجيهاً جيداً. الخلاصة : على كُلٍ؛ الإنسان في موضوع التوبة, عليهِ أن يكونَ دقيقاً جداً. قُلتُ في الخُطبة السابقة يوم الجمعة في جامع النابلسي: التوبةُ صمام الأمان إذا ضغطت على الإنسان سيئاته، الوعاء البُخاري فيه صمام أمان, إذا ازدادَ الضغط ربما انفجر, لكنَّ صمامَ الأمان يقي الانفجار, إذا ضغطت عليكَ سيئاتُك فصمام الأمان هوَ التوبة، إذا غَرِقتَ في ذنوبِك فالتوبةُ حبلُ النجاة, حبلٌ متين، إذا ضللتَ الطريق التوبةُ تصحيحُ المسار، إذا أُغلِقت عليكَ أبوابُ النجاة, التوبةُ باب النجاة، يعني التوبة باب نجاة، وصمام أمان، وتصحيح مسار، وحبل إنقاذ. أيام الغرقى يقفون بطائرة هيلكوبتر, ويُدلون لهم بالحِبال, يتمسكون بها, ثمَّ يرفعونهم, فالتوبة حبل, حبل إنقاذ، وصمام أمان، وباب نجاة، وتصحيح مسار، وبابُ التوبةِ مفتوحٌ ما لم يُغرغِرِ العبدُ, مفتوح على مصراعيه, والتائب من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، وإنَّ اللهَ يُحبُ التوابين. وللهُ أفرح بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد والعقيم الوارد والظمآن الوارد. وإذا رجَعَ العبدُ العاصي إلى الله, نادى منادٍ في السمواتِ والأرض, أن هنئوا فُلاناً, فقد اصطلحَ مع الله. فو اللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, لا يُمكن أن تتذوقوا شعورَ التائب بالسعادة إلا إذا كُنتم كذلك , إذا تُبتم توبةً نصوحاً, تشعرون براحةً لا توصف، كأنكَ اصطلحتَ معَ الله خالق الكون، كأنكَ في حرزِ حريز، في أمنٍ عظيم، في رحمةٍ غامرة، في توفيقٍ بالغ، في سعادةٍ طافحة، في بِشرٍ لا يُقدّرُ بثمن, لذلك أنا أعجب ماذا تنتظر؟: إلى متى وأنتَ في اللذات مشغولُ وأنتَ عن كُلِ ما قدّمتَ مسؤولُ؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد الآية: 16] كُن عن همومِكَ مُعرِضاً وكِلِ الأمورَ إلى القضا وأبشر بخـــيرٍ عاجلٍ تنسى بـهِ ما قد مضى فلــرب أمــرٍ مُسخطٍ لك في عــواقبهِ رِضا ولربّما ضــاقَ المضيق ولربّما اتســـعَ الفضا اللهُ يفعـــــلُ ما يشاء فلا تكُــــن معترضاً اللهُ عـــــوّدكَ الجميلفقِس علــى ما قد مضى وكُل واحد منكم إذا جلسَ مع نفسهِ متأملاً, أي ذنبٍ فَعَلَهُ, وعاهدَ اللهَ على تركِهِ, والإقلاعِ عنهُ, يشعر أنَّ الباب مفتوح وقَبِلهُ الله عزّ وجل. إذا قالَ العبدُ: يا ربي لقد تُبتُ إليك, قالَ: عبدي وأنا قد قَبِلت, وأنا قد قَبِلت. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوبة - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (الخامس و الثلاثون ) ما ذكر سابقاً : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس مدارج السالكين, ولا زِلنا في موضوع التوبة، في دروسٍ سابقة تحدثتُ عن الإثمِ والعدوان, وعن الفحشاءِ والمُنكر, وعن أنواعِ الفسوقِ والكُفرِ والشِركِ والنِفاق, وعن أكبرِ ذنبٍ وهو: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, وعن الكبائر وعن الصغائر, ثمَّ دخلنا في تفصيلات التوبة, وانطلقت في هذه الموضوعات من حقيقةٍ ثابتة وهيَ: أنَّ التوبةَ أساسُها العِلم، لن تتوبَ من ذنبٍ إلا إذا عرفتَ أنهُ ذنب، فالتوبـةُ أساسُها العِلم، ومن شروطِها الندم، ومن نتائجها الإقلاع من الفور, والعزم على أن لا يعودَ الإنسانُ إلى ذنبهِ في المستقبل, والإصلاح في الماضي إذا كانَ الذنبُ متعلّقاً بحقٍ من حقوق العِباد. ما هو الأمر الموجه إلى المؤمنين في هذه الآية؟ : أيها الأخوة الأكارم, ألا تكفينا هذه الآية التي قالَ اللهُ عزّ وجل فيها: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور الآية: 31] كأنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى جعلَ التوبةَ أساساً للفلاح، والفلاح مُطلق النجاح، قد نقول: فُلان ناجحٌ في عمله، أو قد نقول: فُلان ناجحٌ في حياته, يعني في حرفتهِ, وفي اختيار زوجتهِ, وفي تربيةِ أولادهِ, وفي علاقاتهِ العامة, حتى في صِحتهِ، ما مِنّا واحدٌ إلا ويتوقُ إلى النجاح، إلى مطلق النجاح، إلى مُطلقِ الفلاح، إلى مُطلقِ الفوز، إلى مُطلق التفوّق. هذه الآية فيها أمرٌ صريحٌ واضحٌ للمؤمنين: بأن يتوبوا جميعاً دونَ استثناء: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ما الشيء الذي يلفت النظر في هذه الآية؟ : ولكنَّ الشيء الذي يلفت النظر: أنَّ هذه الآية وردت في سورة النور، وسورة النور مدنيّة، إذاً: اللهُ سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ أصحابَ رسول الله, الذينَ خاضوا معركةَ بدرٍ وأُحدٍ والخندق, ولهم باعٌ طويلٌ في الجِهاد، ولهم تضحيتهم وهجرتهم ومؤاثرتهم. التوبةُ ليست قاصرةً على مرحلةٍ من مراحل الإيمان، إنها تسير معَ الإنسان طــَوالَ حياته, لأنهُ في كُلِ مرحلةٍ قد يقع في ذنبٍ لم يقع بهِ من قبلُ، كُل مرحلة لها ذنوب ، من الذنوب أن تنشغلَ بغير الله عنه, هذا ذنب, كُلما ارتقت مرتبتُك كانت حسنات المؤمنين سيئات المُقرّبين، كُلما ارتقت مرتبتُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل كُلما دقّت حساسيتُكَ في اكتشاف الذنب. الناس رجلان هما : الشيء المُخيف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 11] الناسُ رجُلان على اختلافِ أنواعِهم ومشارِبِهم وانتماءاتِهم, الناسُ رجُلان؛ تائبٌ وظالم, وليسَ هُناكَ رجلٌ ثالث، تائبُ وظالم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ ما معنى هذا الحديث؟ : وفي الصحيحِ: عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلمَ أنهُ قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه] ربما إذا أقبلتَ على اللهِ عزّ وجل, وبدا لكَ من جمالِهِ، من كمالِهِ، من رحمتِهِ, ما لم تُكن تعرفهُ من قبلُ, فهذه المعرفة الدُنيا تُعدُّ في حقِ الأنبياءِ ذنباً، كُلما أقبلتَ على اللهِ, ورأيتَ من رحمتهِ, ومن عِلمهِ, ومن قُدرتهِ, ومن فضلِهِ, ومن لُطفِهِ, الشيء الذي لم تكُن تعرفهُ من قبلُ, تشعر أنَّ معرِفَتُكَ المتواضعة من قبلُ هيَ ذنبٌ في حقك. إذا دخلتَ على رجُلٍ لا تعرِفهُ, وعرضتَ عليه خدماتِكَ في عِلمِك, فقال لكَ: أنا أحمل دكتوراه, ألا تستحي منهُ في هذا الاختصاص؟ عرضتَ عليهِ خِدمةً أُخرى في مجال آخر, فقال لكَ: أنا في هذا متفوّق، عرضتَ عليهِ خِدمةً ثالثة في مجال ثالث, فقال لكَ: أنا في هذا أحمل ماجستير، ألا تشعر أنكَ أذنبتَ في حقهِ, حينما ظننتَ أقلّ من ذلك؟ يعني مثل للتقريب. ما معنى هذه الآية؟ : إذاً: ربُنا سبحانهُ وتعالى حينما قالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ معناها: الإيمان كُل مرتبة، كُل درجة، كُل طور، كُل حال، كُل منزِلة، كُل مستوى، لهُ استقامتهُ, ولهُ ذنوبهُ. قد تقول لإنسان مبتدئ: يا أخي دع شُربَ الخمر، دع أكلَ مالِ اليتيم، فأنتَ إذا رأيتَ إنساناً غارقاً في المعاصي, تركَ شُربَ الخمرِ, وتركَ أكلَ المال الحرام, تشعر أنهُ إنسان صار جيد جداً، فإذا صلّى، فإذا صام ارتقى، إذا ترك العُصاة المعاصي درجة جيدة، إذا أدّوا صلواتِهم درجة جيدة، بعدَ أن صلّوا، الآن إذا تكلّموا كلمةً لا تليقُ, هذا ذنب. يعني إذا نظرَ إلى إنسان نظرةً ليست جيدةً، نَظَرَ إليهِ شذراً, هذا ذنب بحق المؤمن، فكُلما ارتقت مرتبَتُك دقّت حساسيتُكَ في كشفِ الذنبِ، معنى ذلك: أنَّ التوبة مستمرّة، كُلّما ارتقت مرتبتُك, هُناكَ تقصيرٌ إن في خواطِرك، وإن في ظنك، وإن في تصوّرِك، وإن في حركاتِك، وإن في سكناتك. إذاً: هذه الآيةُ التي نَزَلت تُخاطب المؤمنين، نَزَلت في المدينة, وهيَ تُخاطِبُ كِبارَ الصحابة, الذينَ ضحّوا بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ لا ثالثَ لهُما, إمّا أن تكونَ تائباً وإمّا أن تكونَ ظالِماً. متى تكون التوبة غير صحيحة؟ : هذه الفاتِحة التي تقرؤها كُلَّ يوم، كُلَ يومٍ, وفي كُلِ صلاة, وفي كُلِ ركعة, وفي الفرض والسُنّةِ والواجب، تقرؤها عشرات المرات, بل بِضع عشرات المرات, ألم تقرأ فيها قولهُ تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 6-7] ألم تطلب من الله عزّ وجل أن يهديّكَ الصِراطَ المستقيم؟ الشيء الدقيق هوَ: أنـكَ إن جَهِلتَ الصِراطَ المستقيم فتوبَتُكَ ليست صحيحة, لن تكونَ تائباً إلا إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ، إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ولم تُزمع أن تستقيم, فأنتَ من نوع آخر, فإمّا أن تُرمى بالجهلِ وإمّا أن تُرمى بالتقصير، الذي يقولُ في صلاتِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 6-7] لا يمكن أن يكونَ جاهِلاً بالصِراط المستقيم. من لوازم التوبة : فمن لوازم التوبة: أن تتعرفَ إلى دقائق الصراط المستقيم، من لوازم التوبة: أن تُقبِلَ على تطبيق الصِراط المستقيم، وإلاّ تُعدُّ قِراءةُ الفاتحة في حَقِكَ باطِلةً، إن لم تتقص أمرَ اللهِ عزّ وجل, وإن لم تُطبّق هذا الأمر, فقراءةُ الفاتحةِ التي هيَ السبعُ المثاني التي لُخّصَ فيها القرآنُ كُلهُ تُعدُّ باطِلةً. الإنسان متى يذنب؟ متى تتمكن منه شهوته؟ متى تؤثر الشهوة على طاعة الله؟ : الإنسان متى يُذنب؟ متى تتمكنُ منهُ شهوتهُ؟ متى تَزِل قدمه؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟. العلماء يقولون: إذا تخلّى الله عنه أصبحت مقاومتهُ هشّةً، امرأةٌ تُغريه، مبلغٌ من المال يُرديه، لقاءٌ يدفعهُ إلى ارتكابِ معصيةٍ، متى يعصي الإنسانُ ربّهُ؟ متى تَزِلُ قدمهُ؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟ قال: إذا تخلّى اللهُ عنه. متى يتخلى الله عنك؟ : ومتى يتخلّى اللهُ عنك؟ قال: إن لم تعتصم باللهِ تخـلّى اللهُ عنك. فالعبدُ بينَ حالين؛ بينَ أن يكونَ اللهُ عزّ وجل وليّاً لهُ, وبينَ أن يدعهُ لنفسهِ. استمعوا إلى القرآن: يقول اللهُ عزّ وجل: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة آل عِمران الآية: 101] أنتَ تملِكُ هذا السِلاح، لو سافرت إلى بلد أجنبي مضطرّاً واعتصمت باللهِ عزّ وجل : يا رب قِن الزلل، قِن أن أقعَ في الهاوية، قِن أن أقعَ فيما لا يُرضيك، أنتَ ما دُمتَ قد اعتصمتَ بهِ لن يتخلّى عنك، يُلقي في قلبِكَ نوراً، يُلقي في قلبِكَ طُمأنينةً، يُقوّي مناعتكَ، يُقوّي مقاومتكَ، تشعرُ أن بينكَ وبينَ الذنب مراحِلَ فِساحاً، تشعر وكانّكَ في الأعماق ما دُمت قد اعتصمتَ باللهِ عزّ وجل، فإذا قُلت: أنا إرادتي قويّة، إذا لم تعتصم بالله, واعتمدتَ على نفسك, تخلّى اللهُ عنك, ووكَلَكَ إلى نفسك. فلذلك: موضوع الذنب، اقترافُ الذنب، زلّةُ القدم، الانغماسُ في شهوةٍ مُحرّمةٍ، الانغماسُ في أكلٍ مالٍ حرام, هذا كُلُهُ يأتي في لحظة التخلّي من قِبِل الله عزّ وجل. من اتكلَ على نفسهِ أوكلَهُ اللهُ إيّاها. أمّا أن تبقى مع الله عزّ وجل معتصماً: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كيف ينجو العبد من هذه المتاهات والمنزلقات في هذه الحياة؟ : الآية الثانية: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحج الآية: 78] الحياة فيها مغريات، فيها منزلقات، فيها متاهات، فيها تُرّهات، فيها أحابيل للشيطان. الدُنيا تغرُّ وتّضُر وتَمُر. فيها ما يُفتن، فيها ما يُغوي، فيها ما يُنسي، كيفَ تنجو من هذه المُنزلقات؟ كيفَ تنجو من تِلكَ المتاهات؟ أن تعتصمَ باللهِ عزّ وجل، من قدوتُنا في هذا؟ سيدنا يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] فالإنسان لا يعتمدُ على نفسهِ، لا ينبغي أن يعتمدَ على نفسهِ, وعلى إدراكِهِ, وعلى عِلمهِ, وعلى قُدرتهِ, وعلى قوةِ إرادتهِ, وعلى حزمِهِ, هذا كُلهُ كلام فارغ, إذا ضعّفَ اللهُ مُقاومتك, نسمعُ الكثير عن شخصياتٍ مهمةٍ, وقعوا في حبائلِ امرأةٍ ساقطةٍ, فأصبحت سُمعتُهم فـي الحضيض، أصبحت سُمعتُهم في الوحول، هذا يقع: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ اعلم هذا : أأنتَ بينَ توليةَ اللهِ لك, أن يتوّلى اللهُ أمرك, وبينَ أن يخذِلِك؟ إن اعتصمتَ بــهِ يتولّى أمرك، وإن اعتمدت على ذاتِك وعلى نفسك خَذَلَك، ولِماذا يَخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ يخذِلُكَ ليؤدِبُكَ، يخذِلُكَ ليُعرّفُكَ، يخذِلُكَ ليُعطيكَ درساً قاسياً، ليُعطيكَ خِبرةً مُرّةً لا تنساها أبداً. قصة شاب : أنا أعرفُ شاباً زارني في البيت, ما إن دخلَ البيت حتى أجهشَ بالبُكاء, قُلتُ لهُ: لماذا تبكي؟ -هوَ من طُلابِنا-, قالَ: إنني أنظرُ إلى النساءِ في الطريق, وأنا بعدَ هذه التوبةِ النصوح, وبعدَ هذا الجهدِ البليغ, لي في طريق الإيمانِ سنواتٌ كثيرة, ثمَّ تنتهي بي النهايةُ, إلى أن أُطلق بصري في الحرام, وأتبعُ النِساءَ في الطريق، قُلتُ لهُ: يا رجل, تُب إلى الله عزّ وجل, فازدادَ بُكاءً, وقالَ: كيفَ أتوب؟ لقد تُبتُ إليه عشرين مرة. مرة سألوا مُدمناً على الدُخان, قال: إنَّ الإقلاع عن التدخين أمر سهل جداً, فأنا أقلعتُ عنهُ عشرينَ مرة, معناهُ ليسَ سهلاً, في هذه الجلسة لم أكتشف السِر الذي ضَعُفت فيه مقاومةُ هذا الشاب, في سِر, كانَ شديداً في طاعته، كانَ غاضّاً لِبصره، فجأةً انهارت مقاومتـهُ, وصارَ يتبّعُ هؤلاءِ النساء الكاسيات العاريات بنظرِهِ, ويملأُ عينيهِ من الحرام، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: ((من ملأَ عينيهِ من الحرام, ملأهُما اللهُ من جمرِ جهنم)) النظرةُ سهمٌ مسموم من سِهام إبليس. في جلسةٍ قادمة, لعلَّ اللهَ عزّ وجل ألهمني, ذكر لي بعضَ التفصيلات، هذا بعدَ أن تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحاً، وبعدَ أن شعرَ بحلاوة القُرب, وحلاوة الإقبال على الله, وشعرَ بمكانتهِ عِندَ الله، وشعرَ أنَّ اللهَ يُحبهُ، وأنهُ متفوق, وأنهُ فالح, وأنهُ وأنهُ ....., نظرَ إلى أبيهِ وأُمهِ, فرآهُما ليسَا على ما يُريد, فصارَ يُقرعهُما بِلا أدب, وصارَ يتيهُ عليهما باستقامتهِ, وظنَّ أنهُ مستقيمٌ بقوتهِ, وبحزمِهِ, وبإرادتهِ الحديدية، فجأةً انهارت مقاومتهُ, ووقعَ فيما كانَ يُحذّرُ منه, وكأنَّ اللهَ أرادَ أن يُؤدبهُ. لذلك: لا تنس حينما تقرأُ الفاتحة قول الله عزّ وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: ألا أُنبئكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟ لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ. هذا معنى قول النبي الكريم سيدنا يوسف: ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ متى يتولى الله أمر العبد ومتى يخذله ولماذا يخذله؟ : مرةً التقيت مع رجل يعمل في مستشفى, وفيها ممرضات كثيرات، قالَ لي باعتداد: أنا لا أنظر إليهن أبداً, قُلتُ لهُ: يا رجل أنتَ أظلم من سيدنا يوسف؟ استعن بالله, لا تعتد بنفسك, استعن بالله: ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ طبعاً: لعلّي ذكرت موضوع النظر للنساء في أي موضوع، في أي موضوع آخر، في أي مخالفة، إيّاكَ أن تعتدَّ بنفسك. إذاً: أنتَ بينَ أن يتولى أمركَ اللهُ إذا عتصمتَ بهِ, أو أن يخذلكَ إذا اعتمدتَ على نفسِك ولم تعتصم بهِ، ولماذا يخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ ليؤدِبَكَ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي؟. كيف يؤدب الله العبد؟ : اللهُ كيفَ يؤدّبُ الإنسان؟ . مرةً قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام: عِندهُ معمل متواضع، جاءهُ أخ من المسجد, ليشتري بعضَ الحاجات، هوَ يبيع بالجملة, يبيع مئات الدزينات، فجاءهُ رجل صغير فقير, يريد أربع قطع ألبسة, قطعتين ثلاثة, فرأى في هذا الشِراء إهانةً لهُ، قال: يا أخي, أنا لا أبيع بهذا, أنا أبيع بالجُملة, اعذرني، قال لهُ: خير إن شاء الله وغادر، يُقسم هذا الأخ الكريم, أنهُ مضى عليه ثلاثةٌ وعشرونَ يوماً, لم يدخل معملهُ إنسان, ليسألهُ عن شيء يشتريه, هذا تأديب الله عزّ وجل: ((أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي)) كُلما خالفتَ أمرهُ يؤدِبُكَ، يقول العوام: المربى غالٍ, المؤمن كُلما زلّت قدمهُ جاءَ التأديب. قف هنا : وبالمناسبة: أيها الأخوة الأكارم, إذا شعرتَ أنهُ كُلما أخطأت جاءكَ التأديب, افرح, إنكَ عِندَ اللهِ محظي، لأنكَ ضِمنَ العناية المُشددة، افرح إذا كُنتَ في العناية المُشددة، واحزن على نفسك, وابك عليها كثيراً, إذا فعلتَ المعصيةَ, ولم يحدث شيء, إذا تجاوزتَ الحدود ولم يحدث شيء، إذا تطاولتَ على العِباد ولم يحدث شيء, معناها أنتَ خارِجُ العناية المُشددة, أنتَ في دائرةِ الإهمال، فشتّانَ بينَ أن تكونَ مُعتنى بِكَ وبينَ أن تكونَ مُهملاً، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ ابتلاه، إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عجّلَ لهُ بالعقوبة، فكُلما اقتربتَ من الله فَهِمتَ على الله، لماذا كذا؟ لأجلِ كذا، حقاً يا رب؟ سمعاً وطاعةً يا رب، لماذا يا ربي كذا؟ من أجلِ كذا، طيب: من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ هُنا السؤال, جاءت مصيبة، قضية انزعجتَ مِنها، من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ إلهامٌ يقعُ في القلب, هل هُناك دليل في القرآن عليه؟: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 8] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [سورة النساء الآية: 79] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة التغابن الآية: 11] يهدي قلبهُ إلى أسبابِ هذه المصيبة. كلمة شهيرة : الحقيقة: الكلمة الشهيرة: من لم تُحدث المصيبةُ في نفسهِ موعِظةً, فمصيبتهُ في نفسهِ أكبر. إذا جاءت مصيبة, لا تمُر عليها مر الجاهلين، لا تمُر عليها مر المُتلبدين، مُر عليها مر الأذكياء، اللهُ عزّ وجل غنيٌ عن تعذيبي، غنيٌ عن ازعاجي، غنيٌ عن قهري، لماذا قهرني ؟ لماذا أزعجني؟ لماذا أقلقني؟ لماذا أخافني؟ لماذا أتلفَ مالي؟ لا بُد من ذنب, ابحث عن هذا الذنب. ما أخطر الذنوب؟ : أخطرُ الذنوب: هوَ الذنبُ الذي يقودُ إلى ذنبٍ آخر، أخطرُ ذنبٍ ما ولدَ ذنباً آخر، إنسان وقعَ في ذنب, فأعجبهُ هذا الذنب, فاستقر عليه, واستمر بهِ، استقرارهُ عليه واستمرارهُ بهِ ذنبٌ آخر، تحدثَ عنهُ ذنبٌ ثالث. لذلك: أخطر أنواع الذنوب ما كانَ سبباً لذنوبٍ أكبرَ منها، من اقتراف الذنب، إلى الاستمرار في الذنب، إلى الفرحِ بالذنب، إلى المجاهرةِ بالذنب, هذا الذي استقرَ على ذنب واستمرأهُ وفَرِحَ بهِ, ألم يعلم أنَّ اللهَ ينظرُ إليه وهوَ يُذنب؟ إن قُلتَ: لا يعلم فهوَ كافر، وإن قُلتَ: يعلم فهوَ وقح، بينَ أن يكونَ الإنسانُ وقحاً وبينَ أن يكونَ كافراً، إن عَلِمَ أنَّ اللهُ ينظر إليه وهوَ يُذنب، وهوَ يعصيه، فهوَ لا شك وقح, سيءُ الأدبِ مع الله عزّ وجل، وإن كانَ لا يعلم أنَّ الله ينظر إليه فهوَ كافر، الذي يُنكرُ آياتِ القرآن هوَ كافر, لأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [سورة الفجر الآية: 14] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء الآية: 1] فشيء مُخيف بينَ أن يكونَ وَقِحاً، مُجترئاً على الله عزّ وجل, وبينَ أن يكونَ كافراً بكلامهِ. من حقائق التوبة : 1-تعظيم الجناية : من حقائق التوبة: تعظيم الجناية, واتهام التوبة, والغَيرةُ لله, كلام دقيقٌ جداً, الآن ندخل في التفاصيل، تفاصيل علاقَتِكَ بالله، تفاصيل اتصالِكَ بهِ، تعظيم الجِناية: هُناكَ علاقةٌ عكسية بينَ صِغرِ الذنب وبينَ الفرحِ بهِ، كُلما فَرِحتَ بالذنب، كُلما هانَ عليكَ الذنب عَظُمَ الذنب، وكُلما عَظُمَ عليكَ الذنب هانَ الذنب, هذه علاقة عكسية, العلاقة العكسية هكذا, كُلما استصغرتَ الذنب صارَ عظيماً، وكُلما استعظمتهُ صارَ صغيراً . الحقيقة: أنهُ كُلما عَرَفتَ اللهَ أكثر استعظمتَ أن تعصيهُ. لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت. كُلما عَرفتَ اللهَ أكثر، كُلما ازدادت معرفتُك, استعظمتَ أن تعصيهُ، فإذا عظّمتَ ذنبك فقد صَغُرَ هذا الذنب، لذلك: علامة ذنب المُنافق أنهُ كالذبابة, كلام العوام عند ارتكابهم الإثم؛ ماذا حصل؟ ما فعلنا؟ نظرنا إلى المرأة!! أكلناها؟!! إذا جلسنا معها سوفَ تأكُلنا!! هذا كلام العوام, الذنبُ صغيرٌ عِندهم، ذنبُهم كذبابة، وأمّا المؤمنون فذنبُهم كأنهُ جبلٌ جاثِمٌ على صدرهم, علامة الإيمان. الآن: الطفل المُربّى المُهذّب إذا أعرضَ عنهُ أبوه يموتُ بُكاءً, إذا أعرضَ عنه إعراضاً فقط، كُلما دقّت حساسيةُ الطِفلِ تجاهَ أبيه, كانَ إعراض الأبِ عنهُ كافياً لإيقاعهِ في أشدِ أنواعِ الآلام، وكُلما قلّت حساسيتهُ ربما إذا ضربهُ لا يتأثّر. تعظيمُ الجنايةِ علامةُ التوبةِ الصادقةِ، لذلك المؤمن يبكي على خطيئته، يتوبُ منها كثيـراً, ويدفعُ الصدقات ويستغفر. ما العبرة من هذه القصة؟ : أحد الصحابة جاءهُ خاطر: أن رسول الله ينهانا عن قتلِ عمهِ, ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب، النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أصحابهُ في معركة بدر: ألاّ يقتلوا عمهُ العباس، الصحابة استغربوا, نحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب, لأنهم كُفّار, جاؤوا ليقتلونا, وكيفَ ينهى النبي عن قتلِ عمهِ؟ هذا عمهُ مُسلم, وقد كتمَ إسلامهُ, وبقي عيناً لهُ في مكة, فلا يقعُ شيء في مكة, إلا ويُخبر النبي عليه الصلاة والسلام, فإذا لم يخرج مع المُشركين, كُشِفت حالهُ أمامُهم, وإذا نهى النبي عن قتلِ عمهِ, وقال: أنهُ مُسلم كَشَفَ حالَهُ, في طريق دقيق جداً, فالنبي نهى عن قتلِ عمّهِ، هذا الصحابيُّ الجليل بعدَ أن كُشِفت له الحقيقة, وشعرَ أنهُ أساءَ الظنَّ برسول الله, قال: بقيتُ عشر سنوات, وأنا أتصدّق, وأُعتق العبيد, وأُصلّي الليل, لعلَّ الله يغفِرُ لي هذا الذنب, ما فعلَ شيئاً إلا أنهُ أساءَ الظن برسول الله، فلذلك الإنسان إذا أساءَ الظن باللهِ عزّ وجل, يجب أن يشعر أنهُ وقعَ في ذنبٍ كبير, حُسنُ الظنِّ باللهِ ثمنُه الجنة. 2- اتهام التوبة : أمّا اتهامُ التوبة: الإنسان أحياناً يتوب ..... مرةً كُنتُ في الجامعة, رأيتُ لوحةً تُحذّر الطُلاب من العلاقات المشبوهة, حِرصاً على صحتِهم, واتّقاءً لمرض الإيدز، وقفت عِندَ هذه اللوحة متأملاً, قُلت: سُبحان الله! الإنسان إذا رأى خطراً مُخيفاً, قد يبتعد عن بعض المعاصي, لا خوفاً من الله عزّ وجل, ولا اتقّاءَ سخطهِ, ولا رغبةً فيما عِندهُ, ولكن ليتقي هذا المرض، طيب هذه توبةٌ لمن؟ هذه ليست توبةٌ إلى الله عزّ وجل، هذا حِرصٌ على صِحتِك، وشرُّ الناس من يتقونَ المعاصي, لا حُبّاً باللهِ, ولا خوفاً منهُ, ولا طمعاً فيما عِندهُ, ولكن حِرصاً على صِحتهم، هذه توبةٌ ليست كما يُريد الله عزّ وجل، يعني هُنا حَبِطَ عَمَلُهُ, فيتقي هذه العلاقة خوفاً من هذا المرض. الآن بأوروبا: قِصص لا تُعد ولا تُحصى, يعني حمامات السِباحة, قلَّ روادُها إلى الربع, خوفاً من هذا المرض الوبيل, يعني هُناك صار كُل الفتيات اللواتي يفعلنَ الفاحشة, لا بُدَّ من أن يُقدّمن شهادة صحيّة, لمن يقترف معهن الفاحشة, تؤكّد هذه الشهادة: أنهُنَّ بريئات من مرض الإيدز، صار في خوف, وهذا الخوف ليسَ من الله عزّ وجل, بل من هذا المرض الوبيل. ما هي البطولة في هذا الموطن؟ : وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا, وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ, وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ, وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا, وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ, وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ, إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] هُناك نقابات, وهُناك جمعيات, تُطالب بحقوق, وتخرج بمسيرات, وتُقابل المسؤوليــن في دول الغرب, من أجلِ أن يُرد اعتبارُهم إليهم، الذين يرتكبون بعض الفواحش الشاذّة أيضاً. ((لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ)) وهذا من آيات اللهِ الدالةِ على عظَمتهِ, اتهام التوبة، الله عزّ وجل قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ لو أنَّ إنساناً اقترف مخالفة للنظام العام, والدين يُعاقب عليها, وتركها خوفاً من عِقابٍ ماديّ, هذا ليسَ تائباً إلى الله عزّ وجل، البطولة أن تتوبَ إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ وأن تصبر لله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 127] من علامة صحة التوبة : من علاماتِ صِحةِ التوبة: أن تكونَ بعدَ الذنب خيراً مما كُنتَ قبلَ الذنب، حالك أعلى، وصِلتُكَ بالله أقوى، وشعورك أقرب إلى الله عزّ وجل. الذي يقعُ في الذنب, يُصاب بحالة, اللهُ يُحبُها، ينكسر, هذا الانكسار يقتربُ بِكَ من حالة العبوديّة، قال: هذه الكسرة اسمُها كسرةٌ خاصّة, تحصل لقلب المؤمن إذا وقعَ في ذنب, صارَ يهيض الجناح، صارَ أمامَ اللهِ متذللاً، قال: هذا التذلل يُحبهُ الله عزّ وجل. رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزّةً واستكباراً. لعلَّ بُكاء التائبِ أحبُ إلى اللهِ من خُيلاءِ المُطيع, لعلَّ الذي يُصلي الليل, ويُدِلُ على الناسِ بصلاة الليل أقلُ عِندَ اللهِ, من إنسانٍ زلّت قدمهُ, فمرّغَ الأرضَ بجبهتهِ وبللها بدموعِهِ، لأنهُ كُلما كُنتَ إلى اللهِ مُتذللاَ, كُنتَ أقربَ إلى العبوديةِ الحقةِ لهُ. هذا حال المؤمن مع الله : بعضُهم دعا ربهُ فقال: أسألُكَ يا رب بِعِزّكَ وذُلّي إلا َرحمتني، أسألُكَ بِقوتِكَ وضعفي ، بِغِناكَ عنّي وفقري إليك، هذه ناصيتي بينَ يديك، عبيدُكَ سِوايَ كثيرون, وليسَ لي سيدٌ سِواك، لا ملجأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، أسألُكَ مسألةَ المسكين، وأبتهِلُ إليك ابتهالَ الخاضع الذليل، وأدعوكَ دُعاءَ الخائف الضرير, سؤالَ من خضعت لكَ رقبتهَ, ورَغِمَ لكَ أنفــه, وفاضت لكَ عينهُ, وذلَّ لكَ قلبه. الإنسان إذا صلّى الليل, وناجى ربهُ, وتذللَ لهُ, يشعر بطعمِ القُرب, وهذا حال كِبار المؤمنين، لكن هذا الذُل لله عزّ وجل يُقابِلهُ عِزٌ في الحياة الدنيا, يُعزُكَ الله عزّ وجل، يرفعُ من مقامِك. موقع فيه تحذير : يوجد أشخاص يتكبّرون عن الخضوع لله, لكنَّ الله يُرغمُ أنفهمُ بينَ الناس، يجعلهُم أذلاء، يُقهرون، يُهانون، يُشتمون، يُقرّعون. إيّاكَ أن تستنكفَ أن تعبُدَ اللهَ عزّ وجل، إيّاك أن تتكبرَ على اللهِ عزّ وجل، إذا خضعتَ إليه خضعَ لكَ الناسُ جميعاً، إذا تذللتَ إليه رفعكَ اللهُ فوقهم جميعاً، إذا وقفتَ بينَ يديه وقفَ لكَ الناسُ احتراماً، علاقة عكسية: كُلما استنكفتَ أن تعبُدَ الله, وتكبّرتَ على اللهِ عزّ وجل, كُلما رَغِمَ أنفُك بينَ الناس، يعني هذا المُتذلل هوَ بينَ الناسِ علم، وبينَ الناسِ عزيز النفس، وبينَ الناسِ قوي، وبينَ الناسِ ذو شأنٍ رفيع. اجعل لربِكَ كُلَ عِزّكَ يستقرُّ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزكَ ميتُ آلاف القِصص؛ كُلما اعتززتَ باللهِ عزّ وجل, جعلَ اللهُ كُلَّ مصائِبكَ من قِبَلِ هذا الذي اعتززتَ بهِ. خاتمة القول : نحن نتمنى أن نتابع الموضوع, وموضوع التوبة شيّقٌ جداً, وفي درسٍ قادمٍ إن شاءَ الله نتابِعهُ، يعني موضوع التوبة موضوع الحياة, ليسَ موضوعاً ينقضي في أولِ طريق الإيمان, لا, هوَ معكَ في كُلِ مراحل الإيمان، في كُلِ أطوارِ حياتِك, لأنكَ معَ اللهِ عزّ وجل بينَ مُصيبٍ ومُخطئ، فإذا أخطات, فالتوبةُ صمامُ الأمان، إذا كان الذنوب ضغطت التوبة صمام الأمان، وإذا غَرِقَ الإنسان في ذنوبِهِ فالتوبة حبل النجاة، وإذا أُغلِقت عليكَ الأبواب فالتوبة باب النجاة, بابُ نجاةٍ، وحبلُ أمانٍ وصمام أمان، والقرآن الكريم يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : حوار حول السلوك الى الله التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الثلاثون ) ما هو المطلوب منك؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس السادس والثلاثين من مدارج السالكين, وأُريد في هذا الدرس: أن نقفَ وقفةً متأنيّةً, ولا سيّما ونحنُ في رمضان, حولَ السلوكِ إلى اللهِ عزّ وجل، وصلنا إلى موضوع التوبة, وقبلَ أن ننتقلَ من التوبةِ إلى موضوعٍ آخر, أردتُ أن أقفَ وقفةً متأنيّةً حولَ السلوك إلى الله عزّ وجل. الحقيقة: دينُ الله عزّ وجل واسعٌ جداً, يعني كما تعلمون: بابُ العقائد بابٌ كبير, وبابُ العباداتِ بابٌ أكبر, وبابُ المعاملاتِ بابٌ خطير, وبابُ الأخلاقِ والفضائل لا يُستهانُ بهِ، ولكن ينبغي للمؤمن دائماً: أن يضعَ يدهُ على جوهر الدين، ينبغي للمؤمن أن يضعَ يدهُ على الشيء الخطير في الدين، فحينما يلتبسُ عِندَ المؤمن ما هوَ من الدين أساسيٌ وما هوَ ثانوي، الأمور حينما تختلط ولا يُميّزُ المُسلم بينَ جوهر الدين وبينَ فروعهِ أو ثانوياتهِ, عندئذٍ يقعُ فيما يُسمّى بالخيطَ العشواء، فقد يستهلكُ عُمرهُ كُلهُ في شيء, لا يستأهلُ هذا الوقتَ الثمين, ولا هذا الجهدَ البليغ. هل سألت نفسك هذا السؤال؟ : في شيء اسمهُ: السلوك إلى الله عزّ وجل, يمكن أن تُصلّي, ويُمكن أن تصومَ رمضان, ويُمكن أن تَحُجَّ البيت, ويُمكن أن تقرأَ كِتابَ فِقه، ولكن أتمنى على كُلِ أخٍ كريم, أن يسألَ نفسهُ هذا السؤال: هل وضعتُ يدي على جوهر الدين؟ يعني هل وصلتُ إلى الله؟ اللهُ سبحانهُ وتعالى مصدرُ الكمال، مصدرُ الجمال، مصدرُ القوة، قويٌ قوي، جميلٌ جميل، كامِلٌ كامل, واحدٌ في كمالِهِ، واحدٌ في صِفاتِهِ، واحدٌ في ذاتِهِ، فإذا وصلتَ إليه, لا ينبغي أن تكونَ شقيّاً أبداً، أمّا لو أنَّ الإنسان أخذَ من الدينِ جوانب وأغفلَ جوانب, طريق الوصولِ إلى الله عزّ وجل أصبحَ غيرَ سالك، وما لم يسلُك الإنسان إلى اللهِ عزّ وجل, فلن يشعر بهذه السعادة التي وُعِدَ المؤمنونَ بِها. ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ : 1-الحياة الطيبة : على سبيل السؤال والجواب, لأنني أرى أن المحاورة, وطرحَ السؤال, وتلقّي الجواب, شيء يبعثُ في نفسِ المُستمع الحيويةَ والنشاط، ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ بعض الوعود, الوعد الأول: الحياة الطيبة, وتعريف الحياة الطيبة: الحياة التي لا يعتريها شقاء. المؤمن هل تصيبهُ متاعب في الدنيا وهموم؟ يعني سؤال دقيق: حياة طيبة, يا ترى المؤمن يمرض؟ يفتقر؟ المؤمن يُعاني من متاعب اجتماعية؟ ما دُمتَ تقول: أنَّ اللهَ عزّ وجل وعدَ المؤمنَ بحياةٍ طيبة، أنا أُريد الآن أن أعرف ما الحياة الطيبة؟ لأنهُ في ضوء التعريف تتضح أُمور كثيرة جداً، أنا أقول لكم: الحياة الطيبة أن تشعُرَ أنكَ وفقَ المنهج الصحيح, وفي طاعةِ الله عزّ وجل, ولِتأتكَ المتاعب ما شاءت، سِرُّ السعادة أن تشعر أنَّ خالِقَ الكون يُحِبُك, وأنَّ خالِقَ الكون أنتَ في الطريق إليه وعلى منهجهِ وعلى طاعتهِ، هذا الشعور يمتصّ أي شعور مُتعب في الحياة الدُنيا، لأنهُ قد تقول: لو أنَّ الحياة الطيبة مالٌ وفير, قد ترى غنيّاُ غِنىً فاحِشاً, هل هوَ في حياة طيبة؟ هل هوَ في شقاء؟ لذلك: كما قالَ بعض الأخوان: الإنسان إذا أقبلَ على الله عزّ وجل, واتصلَّ بهِ, وشَعَرَ بالسكينةِ, هذه هيَ الحياة الطيبة، لذلك: لو يعلم المُلوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف. المؤمن يحيا حياةً نفسيةً من أسعدِ الحيوات, حياة نفسية. ما وراء هذا المثال : يعني مثلاً: من مشاعر الحياة النفسيّة: الخوف شعور مُدمّر، القلق شعور مُدمّر، الإحباط شعور مُدمّر، القهر شعور مُدمّر، الشعور بأنَّ هُناك ظُلم عام, وأنَّ خصمَكَ بإمكانهِ أن يُدمِّرَكَ وأمرُكَ بيدهِ, هذا شعور كبير جداً, لذلك الإنسان إذا عاشَ حياةً طيبة، أي لا يعتريهِ شعورٌ مُدمّر، شعورهُ كُلُهُ صحيّ، شعور الطمأنينة والثِقة بالله عزّ وجل، والشعور أنَّ الله راضٍ عنه، هذه الحياة الطيبة قد يعتوِرُها فقرٌ أحياناً وضيقٌ أحياناً ومرضٌ وما إلى ذلك ......، لكنَّ الإيمان يمتصُّ كُلَ هذه المتاعب, هذا وعد. 2-الاستخلاف في الأرض والتمكين والأمن : وعدٌ آخر: الاستخلافُ في الأرض والتمكين والأمن, الاستخلاف والتمكين والأمنُ, لو أننا سلكنا إلى اللهِ عزّ وجل السلوكَ الصحيح ووصلنا إليه, لاستحققنا وعدَ اللهِ عزّ وجل، حينما تجد في الكتاب الكريم وعداً إلهياً للمؤمن, وحينما لا تجد هذا الوعدَ مُحققاً, بِم تُفسّر ذلك ؟ الوعد الأول: الحياة الطيبة، الثاني: الاستخلاف والتمكين والطمأنينة, حينما لا تجدُ وعدَ اللهِ مُحققاً, كيفَ نُفسّر ذلك؟ أنَّ هُناك تقصير, مستحيل أن تتهِمَ الله عزّ وجل في أنهُ أخلَفَ وعدهُ, هذا مستحيل، كمالُهُ مُطلق، بقيَّ التفسير الوحيد هوَ: أنني أخلفتُ وعدي مع اللهِ حتى عاقبني بعدمِ تحققِ وعدهِ معي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55] ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ : على العِباد أن يعبدوا اللهَ عز وجل, سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام: ما حقُّ اللهِ على العِباد؟ بماذا أجاب؟: أن يعبدوه ولا يُشرِكوا بهِ شيئاً، فلمّا سُئِل: فما حقُّ العِباد على الله عزّ وجل؟ الجواب: أن لا يُعذّبَهم. إذاً: كأنهُ هُناكَ وعد من طرف العِباد, وفي جزاء من طرف اللهِ عزّ وجل, فلو أنَّ العِبادَ أخلّوا بوعدِهم, لكانَ اللهَ عزّ وجل يُقابِلُ إخلالهم بوعدِهم بعدمِ تحقيقِ وعدهِ لهم بالمُقابل, حيثُ ما تجد أنَّ وعدَ اللهِ عزّ وجل ليسَ مُحققاً فاتهم نفسك, هذا وعدٌ ثانٍ. 3-المؤمن معافى من الخوف ومعافى من الحزن : وعدٌ ثالث: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فُصلت الآية: 30] المؤمن مُعافى من الخوف, ومُعافى من الحُزن، الحُزن لِما مضى لا يحزن على ما فاتَهُ والخوف لِما سيأتي، لا يخافُ من مجهول ولا يحزنُ على ما فاتهُ, هذا وعدٌ ثالث: ﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ طيب: ماذا على العِباد؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَـةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ لا خوفَ ينتظركُم, ولا حُزنَ يأكُلُ قلوبَكم على ما فاتكم, هذا وعد ثالث, لكن كأنَّ الإشارة أنَّ الذي يقول: ربُنا الله فقط هذا لا يكفي, لا بُدَّ من أن يكونَ معَ الإيمان باللهِ عزّ وجل استقامةٌ على أمرهِ، والحديث الذي تعرفونهُ: ليسَ الإيمانُ بالتحلّي ولا بالتمنّي, ولكن ما وقرَ في القلب, وأقرَّ بهِ الِلسان, وصدّقهُ العمل.﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الاستقامةُ دليلً صِحةِ الإيمان, وإذا كانَ هُناكَ خَللٌ في الاستقامة, فهُناكَ خَللٌ في الإيمان. 4-المؤمن لا يقع في حيرة مدمرة : وعدٌ رابع: المؤمن هل يقع في حيرة مُدمّرة؟ لا, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 9] يعني: على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ, على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وقد فسّرَ العُلماءُ هذه الهِداية بأنها هِدايةُ التوفيق، هُناكَ هِدايةٌ عامّة وهِدايةُ الوحيِ وهِدايةُ التوفيق، فالإنسان إذا عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, واستعانَ بهِ, وَفقَهُ, وكُلُ دروسِنا تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] 5-هذا الوعد بعد الموت : وعدٌ خامس: هذا وعد بعدَ الموت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [سورة الكهف الآية: 107-108] هذا وعد ما بعدَ الموت، لكن وعد في الدنيا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾ [سورة طه الآية: 112] الفرق الدقيق بينَ الظُلمِ وبينَ الهضمِ, يعني الظُلمُ: أن تُؤخذَ بذنبٍ لم تفعلهُ, أو أن يؤخذَ البريء بجريرةِ المُذنب, هذا هوَ ظُلمٌ، أمّا الهضمُ: أن يُنتقصَ من أجرك: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ تجد المؤمن يقول لكَ: الحمدُ لله, يشعر أنَّ اللهَ عزّ وجل أعطاهُ سؤلَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمهُ, وأنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه رَحِمَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ من معاني هذه الآية : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7-8] هذه الآية لها معانٍ كثيرة, من معانيها: نفيُ الظُلمِ عن الله عزّ وجل، إذا أردتَ أن تنفي الظُلم عن الله عزّ وجل, تأتي بهذه الآية, تقول لهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ، نُريد وعود لله عزّ وجل.ما معنى هذه الآية في سياقها العام؟ : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [سورة الطلاق الآية: 2-3] تقوى الله عزّ وجل دائماً تهديكَ إلى سواءِ السبيل، هذه الآية لو فرضنا قرأناها في سياقِها العام، ما معناها؟ جاءت آيةً بينَ آيات الطلاق، كيفَ من يتقي اللهَ يجعل لهُ مخرجاً؟ من اتقى اللهَ في إيقاع الطلاق السُنيّ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً في إرجاعِ زوجتهِ إليه. سؤال : اليوم سُئلتُ هذا السؤال: ساعة غضب, قالَ لها: بالطلاق بالثلاثة, هذا طلاق بدعي, اللهُ عزّ وجل قال: الطلاقُ مرتان، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [سورة الطلاق الآية: 1] تبقى عِندكَ في البيت وتعتد وهيَ في بيتك، فالعدّة ألغيتها أنت, والطلاق مرتان ألغيتها, فخالفتَ شرعَ اللهِ في الطلاق, عندئذٍ تجد أنَّ الأمور أصبحت ضيّقة عليك، أمّا لو طبقّت الطلاق السُنيّ, لرأيتَ أنَّ هُناكَ مخرجاً شرعيّاً, لإرجاعِ زوجَتِكَ إليك, هذا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ هذه في السياق، لو نزعناها من السياق, وقرأناها وحدها, ماذا يحصل؟ هذا من إعجاز القرآن الكريم, أنَّ كُلَّ آيةٍ لها معنىً, وهيَ في السياق, ولها معان كثيرة جداً, بعيدة عن السياق. ومن يتقِ اللهَ في كسبِ المال, يجعل لهُ اللهَ مخرجاً من إتلافِهِ، من ضياعِهِ، من مصادرتهِ، من ذهابِهِ، من يتقِ اللهَ في معاملة الزوجة, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من الشقاء الزوجي ، الشقاء الزوجي شقاء كبير، من اتقى اللهَ في معاملة الزوجة، من اتقى اللهَ في اختيار زوجتهِ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من تطليقِها، هذه الآية يُمكن أن تُطبّقَ على آلاف الحالات، من اتقى اللهَ في التوحيد, جعلَ لهُ اللهُ مخرجاً من الشِرك، من اتقى اللهَ بالإيمان, جعلَ اللهُ لهُ مخرجاً من الكُفر، من اتقى اللهَ في كلامِهِ, جعلَ اللهَ لهُ مخرجاً من تجريحِ الناسِ لهُ. إذاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ هذه علاقة الصلاة بالرزق : مرَّ معنا من أسبوع, علاقة الصلاة بالرِزق: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة طه الآية: 132] يعني لا نسألُكَ رِزقاَ، معنى ذلك: من صلّى وأمرَ أهلهُ بالصلاةِ, فاللهُ سبحانهُ وتعالى يرزُقهُ رِزقاً حسناً. متى يقطف العبد وعود الله؟ : يعني أن تَصِلَ إلى الله عزّ وجل، أن تقطِفَ هذه الوعود، اللهُ وعَدَكَ بحياة طيبــة, وعَدَكَ برِزق وفير، وعَدَكَ أن يُدافِعّ عنك، وعَدَكَ بالاستخلافِ في الأرض، وعَدَكَ بالتمكينِ بالأرض، وعَدَكَ بالطُمأنينة, كُلُ هذه الوعود متى تنالُها؟ إذا سلكتَ إلى اللهِ عزّ وجل, لذلك مدارجُ السالكين إلى الله, في إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين. ماذا تعني: -الحمد ا-؟ : هذه الفاتحة الذي جعلها اللهُ عزّ وجل أُمَّ القرآن, وجعلها مِفتاح السُوَرِ كُلِها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 1-7] نبدأ بالحمدُ للهِ, لأنَّ هذه الفاتحة نقرؤها كُلَّ يوم, وفي كُلِّ صلاة, وفي كَلِّ رَكعة, وقد يقول النبي عليه الصلاة السلام: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) فالحمدُ للهِ ماذا تعني؟ النعمة قائمة، النِعمةُ مُعترفٌ بِها، النِعمةُ يُحِسُها الناسُ جميعاً، ولكن أيها الإنسان, ما تنعُم بهِ من نِعم, إنما هيَ للهِ عزّ وجل, تعزوها للهِ. ماذا تعني كلمتا: ﴿رب العالمين﴾؟ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين جمع عالم, والعالم تقول: عالم الإنسان، عالم الحيوان ، عالم النبات، عالم المجرّات، عالم الفضاء، عالم الأسماك، عالم الأطيار، عالم الحشرات, فربُّ العالمين، كلمة رب ماذا تعني؟ الربُّ هوَ المُمِدُ بِكُلِّ الحاجات, والربُّ فوقَ ذلك, هوَ الذي يُعالِجُ النفوس، ففي إمداد مادي, وفي معالجة نفسية, فأقرب اسم من أسماء الله عزّ وجل للإنسان هوَ: اسمُ الرب، يا ربي. يعني: يا من تمُدني بكُلِ حاجاتي, ويا من ترعى شؤوني، ويا من تُعالِجُني، ويا من تُكرِبُني، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذاً: هوَ ربُّنا, وربُّ آبائنا الأولين, وربُّ من بَعدَنا, وربُّ من قَبلَنا, وربُّ الحيوان, وربُّ النبات, ربُّ العالمين, الحمدُ للهِ ربِّ العالمين, يعني أقرب اسم من أسماء الله الحُسنى للمخلوقات هوَ كلمة رب. كيف نجمع بين هاتين الآيتين: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن الرحيم, لمّا ربنا قال: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 156] هذه الآية كيفَ نفهَمُها فهماً دقيقاً؟ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالأرض, أليسَ هُناك مصائب؟ أليسَ هُناك أمراض وبيلة؟ أليسَ هُناك فيضانات؟ أليسَ هُناكَ شحُّ السماء؟ أليسَ هُناك زلازل؟ براكين؟ صواعق؟ صقيع؟ تلف محاصيل؟ شِقاق زوجي؟ عذاب منوّع. فكيفَ نجمعُ هذا مع قولِهِ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أنــتَ مخلوقٌ للآخِرة, فإذا حِدتَ عن طريق الآخِرة, لا بُدَّ من أن يدفَعَكَ اللهُ إليها شِئتَ أم أبيت, من هُنا تنشأُ المتاعب, المتاعِبُ أساسُها حَيدانُ الإنسانِ عن طريقِ الآخِرة، حيدانهُ عن طريق الجنة ، يأتي اللهُ عزّ وجل ويسوقُ لهُ من الشدائد، الرحمن: رحمنُ الدُنيا والآخرة, فمن أجلِ الآخرة يُضيقُ علينا في الدُنيا. ماذا تعني كلمتي:﴿الرحمن الرحيم﴾؟ : أمّا الرحيم: تعني العطاء, تعني حينما يرحمُنا اللهُ عز وجل, حينما يُعطينا ما نحتاجهُ؛ من طعامٍ وشرابٍ, وأُنسٍ ودِفءٍ, وأهلٍ وأولادٍ ومأوىً, فالرحيم تعني العطاء، لكنَّ الرحمن تعني أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى أعدَّ هذا الإنسان لحياةٍ أبديّةٍ, وحينما يَحيدُ عن هذا الهدف الكبير, يسوقُ لهُ من الشدائد من قِبَلِ اسمِ الرحمن, ويؤكدُ هذا قولُ الله عزّ وجل: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [سورة مريم الآية: 45] الرحمن يُعذّب من أجلِ الآخرة. ما معنى: ﴿مالك يوم الدين﴾؟ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ, مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ما معنى مالِكِ يومِ الدين؟ يوم الجزاء والحِساب, اللهُ عزّ وجل مالِكُ هذا اليوم. في معنى مفهوم مُخالِف من هذا المعنى, الآن أنتَ في شيء تملِكُ, وعندما نموت يملِكهُ الله عزّ وجل, الاختيار, أنتَ الآن مُخيّر, أمّا إذا قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتهى اختيارُكَ نهائياً, ولم يبق إلا أن تُحاسَبَ على ما قدمت يداك, مالِك, أنتَ الآن تملك أن تُصلّي أو أن لا تُصلّي, تملِك أن تصدُق أو أن لا تصدُق، تملِك أن تذهبَ إلى الحج أو أن لا تذهب، تملِك أن تكونَ وفيّاً أو خائناً، تملِك أن تكونَ مُحسِناً أو مُسيئاً، أنتَ الآن مُخيّر, لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت, انتهى الاختيار, وخُتِمَ العمل, وبقيَ الجزاء. ما معنى: ﴿إياك نعبد﴾؟ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيـنُ﴾ فيها قِصَر, ما دامت قد قُدّمت إيّاكَ على نعبدُ, معناها لا نعبُدُ إلا إيّاك، لو أنَّ الله عزّ وجل قال: نعبدُ إيّاكَ يا رب, هذه ليسَ فيها قِصَر, نعبدُ إيّاك ونعبدُ غيرَك، أمّا حينما قالَ اللهَ عزّ وجل: إيّاكَ نعبُدُ, أي إلا نعبُدُ إلا إيّاك، لا نعبُدُ سِواك. ما هي العبادة؟ : العبادة: كيفَ العبادة؟ الناس لا يُطيعون الله عزّ وجل، هذه الأوامر معروفة أوامر الله عزّ وجل بينَ أيدي الناس, يسمعونَ كلامَ اللهِ صباحَ مساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التحريم الآية: 8] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 278-279] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور الآية: 30] أوامر اللهِ عزّ وجل تُتلى على الناسِ صباحَ مساء وهم لا يعبدونهُ, لا يعبدونهُ لأنهم لا يعرفونهُ. إذاً العبادة: أولاً: معرفة, وثانياً: طاعة، لن تطيعهُ قبلَ أن تعرِفهُ. قف هنا : ربنا عزّ وجل لمّا أمركَ أن تعبُدهُ, ماذا قال؟: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 21] وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود الآية: 123] ما أمَرَكَ أن تعبدهُ إلا بعدَ أن طمأنَكَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ عائدٌ إليه: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ إيّاك نعبدُ, الإنسان كأنهُ مالِك شيء, قال: وحتى يكون في حجمِهِ الحقيقي. ما معنى: ﴿إياك نستعين﴾؟ : قال: وإيّاكَ نستعين, يعني أنتَ لا تملِك إلا أن تنبَعث إلى عبادته، لا تملك إلا أن تنطلق إلى عِبادته، لا تملك إلا أن تختار أن تعبُدهُ، ولكنَّ القوةَ التي يجب أن تنالها من أجلِ أن تعبُدهُ, بيدِ الله عزّ وجل, هذا ما قالهُ النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أُنبؤكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟: لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ, ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ. ما معنى كلمة: ﴿اهدنا﴾؟ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إذا الإنسان يعرف الصِراطَ المستقيم, ما معنى كلمة اهدِنا ؟ هذا الطريق واضح، في عِدّة حالات, إنسان يعرفُ الصِراطَ المستقيم, فكيفَ نفهم معنى دُعائِهِ اهدِنا؟ إذا كُنتَ لا تعرف معنى الصِراطَ المستقيم, فالدُعاء يعني أن تطلب من الله عزّ وجل: أن يُبيّن لكَ الصِراطَ المُستقيم، فإذا كُنتَ تعرفُ الصِراطَ المُستقيم, فالدُعاء يعني أن تتبِعَ الصِراط المستقيم. فإذا كُنتَ مُتبّعاً للصراط المستقيم, ماذا يعني الدُعاء؟ لا تعرف, يا ربي عرّفني، تعرف, يا ربي أعنّي، تعرف وتُطبّق, يا ربي ثبتني, فاهدِنا الصِراطَ المستقيم, لها ثلاث معان : إمّا يا ربي عرّفني، أو أعني على التطبيق، أو ثبتني على هذا التطبيق، فالمؤمن وهوَ يُصلي لهُ شأن معَ الله عزّ وجل, فإذا كان اهتدى, يا ربي أعني على أن أُطبق ما أعرف، وإذا كان فيما يبدو مستقيماً, يا ربي ثبتني على صِراطِكَ المستقيم. من هم الضالون؟ : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ من هم الضالون؟ الضال هوَ الذي ما عَرَفَ الحق, لكنَّ المغضوب عليهم: هم الذينَ عَرَفوا الحق وحادوا عنه, يعني إنسان عَرِفَ ولم يُطبّق, فالذي ما عَرف هوَ الضال, والذي ما طبّق هوَ المغضوب عليهم, وفي كِلا الحالين: الإنسان إذا لم يعرف فهوَ ضال, وإذا عَرَف ولم يُطبّق, فهوَ مغضوب عليه. هذا الصراط المستقيم : إذا قُلتَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّــاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ أنتَ مُكلّفٌ في ماذا؟ بالصلاة، أنتَ مُكلّف أن تقرأ سورة، ثلاث آيات أو سورة قصيرة، يعني بحسب شعورك الإيماني, هذه الآيات لماذا تُتلى عليك؟ لماذا تشعر أنَّ أحداً يتلوها عليك، أو ما علاقَتُها بالفاتحة؟. أنتَ حينما طلبتَ من اللهَِ أن يهديَكَ الصِراطَ المستقيم, جاء الجواب: يا عبدي هذا هـــوَ الصِراطَ المستقيم, فالقرآن الكريم كُلُهُ هوَ الصِراط المستقيم، فإذا تلوتَ آياتِ الأمرِ عليكَ أن تأتمر، وإذا تلوتَ آياتِ النهيِ عليكَ أن تنتهي، وإذا تلوتَ آياتِ الوعدِ عليكَ أن ترجو ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آياتِ الوعيد عليكَ أن تخافَ ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آيات الأحكام الشرعيّة عليكَ أن تُطبِقها، وإذا تلوتَ الآيات الكونية عليكَ أن تعتبرَ بِها، وإذا تلوتَ آيات التاريخ والأخبار عليكَ أن تتعِظَ بِها, هذا معناه, فالإنسان إذا صحت صلاتهُ, صحَّ دينهُ, وصحَّ عملهُ, الفاتحة تكونُ هكذا, والتلاوة بعدها تكون على هذه الشاكِلة. تعريف الخضوع والسجود : ما دُمنا في مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, هذا درسٌ فاصِلٌ بينَ درسين، الخضوع: يعني حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تَغُضَّ بَصركَ عن محارِم الله ، أو حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ للناسِ حُسناً، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ قولاً سديداً يُصلح لكَ اللهُ عملَك، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تزن بالقِسطاس المستقيم, وأن لا تقف ما ليسَ لكَ بهِ عِلم، الله أعطاك مجموعة كبيرة من الأوامر, والنواهي, والحقائق, والقواعد, والقوانين, والآيات الكونية, فأنتَ إذا رَكعت, ينبغي أن تُعلِنَ عن خضوعِكَ لهذا الأمر, فالركوع خضوعٌ للهِ عزّ وجل، والسجود؟. يعني أنتَ خضعت, ولكنكَ فقيرٌ إلى الله عزّ وجل, أنتَ ضعيف، عبّرَ عن هذا سيدنا يوسف, حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] فأنتَ في الركوعِ تخضع, وفي السجود تطلبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من معاني الصلاة : 1-الصلاة قرب : هذه الصلاة بماذا عرّفها النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو بماذا عرّفها القرآن؟ هذه الصلاة أن تقرأَ الفاتِحة وأن تركع وأن تسجد، أن تقرأَ الفاتحة وسورة, وأن تركع وأن تسجد, هذه الصلاة بماذا وصفها القرآن؟ بأنها قُرب، عملية مناجاة أو عملية قُرب, لقولِهِ تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [سورة العلق الآية: 19] 1-الصلاة ذكر : لها وصف آخر: الصلاة ذِكر، أنتَ إذا صليت إنكَ تذكُرُ اللهَ عزّ وجل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] إذاً أول واحدة: الصلاة قُرب وذِكر. 3-الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر : أيضاً: يعني ممكن أن ترى إنساناً يُصلي وهو غشاش، كلامهُ فاحش، يخون العهد، يكذب، مستحيل: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 45] آليّةُ النهي كيفَ تتم؟ لماذا الإنسان قبل الصلاة الصحيحة: يكذب, ويَغُش الناس, ويتعدّى, فإذا صلّى صلاةً صحيحة, كما قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ آليّةُ النهي: هوَ أولاً: النهي مستويات، النهي البسيط أنهُ أنتَ تلوتَ القُرآن, فأمركَ اللهُ عزّ وجل أن تَغُضَ بصَرَكَ, وترغب أن تُطيع اللهَ عزّ وجل, فغضضتَ بَصَرَك, هذا نهي أولي. حينما تقرأُ أمرَ اللهِ أو نهّيَهُ, وأنتَ راغبٌ أن تُطيعهُ, وها هوَ ذا الأمر بينَ يديـــك, فإذا طبقّت هذا الأمر, فأنتَ مُريدٌ, أن تطلُبَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل عن طريقِ طاعتهِ، في مستوى أرقى من هذا, أول نهي هوَ أنتَ عَرفتَ أمرَ اللهِ, ورَغِبتَ في طاعتهِ, فتركتَ إطلاقَ البصر في مستوى أرقى, إنكَ حينما تتصل باللهِ عزّ وجل, يقذِفُ في قلبِكَ النور ، وهذا النور الذي يقذِفهُ في قلبِك, يُريكَ الحقَّ حقّاً, والباطِلَ باطلاً، يجوز حينما لا يكونُ هذا النورُ في قلبِك, وتُحِبُ أن تُصلي, تُجاهِدُ نفسكَ وهواك، لكن حينما يقذفُ اللهُ في قلبِكَ النور، حينما ترى الحقَّ حقّاً فتتبِعهُ, وحينما ترى الباطِلَ باطلاً فتجتنبهُ، الآن تنتهي أنت لا لأنكَ حريصٌ على طاعة اللهِ عزّ وجل فقط، بل لأنكَ حريصٌ على طاعتهِ, وحريصٌ على سلامتِكَ ، رأيتَ الخيرَ في طاعةِ الله, ورأيتَ الشرَّ في البُعدِ عنه. إذاً: النهي نهيين: إمّا نهي تعرّفي وإمّا نهي عن طريق إلقاءِ النورِ في قلبِ المؤمن، إذاً: الصلاة قُرب وذِكر ونهيٌ عن الفحشاءِ والمُنكر. 4-الصلاة خشوع : أيضاً: والصلاةُ خشوع, خشوع: أن تشعر أنكَ بينَ يدي الله عزّ وجل, تقفُ في حضرتهِ، الخشوع في الصلاةِ: من فضائِلِها أم من فرائِضِها؟ من فرائِضِها, فالصلاةُ من فرائِضِها الخشوع. 5-الصلاة دعاء : حينما قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] ثمَّ يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر الآية: 60] الدُعاءُ عِبادة, والصلاة أول العِبادات، الصلاة مناجاة ونور، الصلاة قُرب, وذِكر, ونهي, ودُعاء, ومُناجاة. وكما وردَ عن النبي عليه الصلاة والسلام: الصلاةُ مِعراجُ المؤمن, يعرجُ بِها إلى اللهِ عزّ وجل. 6-الصلاة وعي : صلاتُكَ أن تعقِلَ عن اللهِ عزّ وجل: ليسَ للمرءِ من صلاتهِ إلا ما عَقَلَ مِنها. هذا حديث، والآية التي تؤكدهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 43] معناها: الصلاة وعي. 7-الصلاة طهور : أيضاً: الصلاة طَهور، والحقيقة: طَهور نفسي، يعني: الإنسان المشاعر المرضية في نفسه؛ حِقدُهُ، دناءتهُ, قذارتهُ، طمعهُ، أنانيتهُ، استعلاؤهُ، كُلُ هذه المشاعر السُفلى في الإنسان تطهر في الصلاة. قالَ: الصلاةُ طَهور. عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] وقال: الصلاة عهد. 8-الصلاة ميزان : في معنى آخر للصلاة: يعني أحياناً الإنسان يفعل شُبُهة، يا ترى صح أو خطأ أيجوز؟ قال: ليسَ فيها شيء, فلان سألناهُ, فقال: ليسَ فيها شيء، حينما يقع في هـذا التساؤل, الميزان عِندهُ هو اتصالُهُ باللهِ عزّ وجل، فإذا شعرتَ بالحِجاب بينكَ وبينَ الله، إذا شعرتَ بالخجل, فهذا العمل سيء, والصلاة كانت ميزاناً لكَ. الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى. من وفّى للصلاةِ شروطها, استوفى من الصلاةِ حظوظها. أيضاً: يعني أنتَ العمل الذي تستطيع أن تُقبِلَ على اللهِ بهِ حتماً صحيح، أمّا العمل الذي تخجل بهِ منَ اللهِ عزّ وجل هذا حتماً سيء, فالصلاة هيَ الميزان: الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى. الصلاة عِمادُ الدين, وعِصام اليقين, وسيدةُ القُرُبات, وغُرّة الطاعات, ومِعراجُ المؤمنِ إلى ربِّ الأرضِ والسموات. 9-الصلاة فيها معنى الصيام ومعنى الحج ومعنى الزكاة ..... : قالَ بعضُهم: في الصلاة معنى الصوم, ومعنى الحج, ومعنى الزكاة, ومعنى الصلاة، الصلاة فيها صلاة وصوم وحج وزكاة. الإنسان وهوَ في الصلاة, الصائم يتكلّم, ويضحك, ويمشي, وينام, ويغتسل, ويتكلّم حديث عشر ساعات, وهوَ صائم, أمّا الإنسان حينما يُصلّي ممنوع أن يلتفت، ممنوع أن يُفكّر بِما يُقال حولهُ, فأعلى درجات الصيام هيَ الصلاة فيهِ, وهوَ يُصلي أن يضجع, أو إذا بكيَ ابنهُ يقول لهُ: اسكت أثناء الصلاة؟ لا يقدر أن يُكلّمهُ، فالصلاة من أعلى درجات الصيام، صيام عن الطعام والشراب, إذا واحد يوجد في فمهِ حبة حُمص, لا يقدر أن يأكُلها خلال الصلاة. إذاً: الصلاة فيها معنى الصيام, عن كُل شيء, وحتى عن الكلام المُباح, وحتى عن رد السلام، إذا المُصلّي رد السلام فصلاتُهُ فَسُدت. أيضاً: ليسَ هُناكَ كسبٌ للمال إلا ببذل الوقت, فإذا اقتطعتَ من وقتِكَ للصلاةِ, فالوقتُ الذي هوَ أصلُ المالِ, أنتَ بذلتهُ للصلاة ففيها معنى الزكاة, أنتَ أنفقت من أصل المال وهوَ الوقت، معنى الحج القِبلة، ومعنى الصلاة الاتصال. لذلك: الحج يسقط، والصوم يسقط، والزكاة تسقط، طبعاً: إمّا فقير أو مُسافر، والشهادة تُعلن مرةً واحدة في العُمر، لكنَّ الصلاة هيَ الفرضُ المُتكرر الذي لا يسقُط بحال. أردت أن ننتقل إلى دروس أخرى, وأن نقف وقفةً متأنيّةَ عِندَ السلوك إلى الله, وفي قِمةِ السلوك إلى الله عزّ وجل: أن تُصليَّ صلاةً صحيحةً مقبولةً عِندَ اللهِ عزّ وجل. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوبة - 3التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و الثلاثون ) ما معنى استئناف التوبة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ اليوم متعلقةٌ بآخرِ منزلةٍ, تحدثنا عنها في دروسٍ سابقة: إنها منزِلةُ التوبة, وهيَ آخر منازل التوبة: إنها منزِلةُ استئناف التوبة. قد يسألُ سائل: ما معنى استئناف التوبة؟ ليسَ من الصواب أن تتوهم: أن التوبةَ تتِمُ في العُمرِ مرةً واحدة، إنكَ تُبتَ حينما تعرّفتَ إلى اللهِ عزّ وجل، ولكنَّ التوبة ينبغي أن تكونَ منزِلةً مستمرةً مع المؤمن, بل إنَّ نهايتهُ تُختمُ بالتوبة. متى يدخل العبد في منزلة التوبة المستمرة؟ : الإنسان حينما يكونُ غارِقاً في المعاصي، قبلَ أن يصطلِحَ معَ الله، قبلَ أن يعقِدَ العزمَ على طاعته، قبلَ أن يحمِلَ نفسهُ على الاستقامةِ على أمرِ الله، قبلَ هذا كانَ تائهاً, وشارِداً, وضالاً, وعاصياً، أدركَ خطورةَ ما هوَ فيه، أدركَ عَظَمةَ اللهِ عزّ وجل، انعقدَ في نفسهِ عزيمةٌ على التوبة, وعلى أن يُقلعَ عن كُلِ ذنبٍ من فورِهِ, وأن يعزِمَ على أن لا يعودَ إليه, وأن يندمَ على ما فعلهُ في الماضي، هذه التوبة نقلتهُ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الشرودِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان, لكن بعدَ أن تابَ وفتحَ معَ اللهِ صفحةً جديدة، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل على أن يلتزمَ أمرهُ, وأن ينتهي عما عنهُ نهى، الآن يدخلُ في منزِلةِ التوبةِ المُستمرّة تحقيقاً لقولِ النبي عليهِ الصلاةِ والسلام: عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) لأنهُ المؤمن حينما يتوب توبةً نصوحاً, قد يُفاجأ بسلوكٍ كانَ يَظُنهُ صواباً, فإذا هوَ خطأٌ, بعدَ معرفةِ, أو اطلاّعٍ, أو سماعِ محاضرةٍ, أو قراءةِ كتابٍ, يجدُ أنَّ هذا الموقف ليسَ صحيحاً. إذاً: كلما اكتشفتَ خطأً في سلوكك, أو تقصيراً في أداءِ واجِبِك, أو انحرافاً عن جادّة الصواب، في الوقت التالي لا بُدَّ من أن تعقِدَ توبةً تغطي بِها هذا التقصير أو ذاكَ الانحراف. إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة، التوبة الأولى نقلتكَ نقلّةً نوعيةً من المعصية إلى الطاعة ، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الهُدى، من الشرود إلى الوجدان، لكنَّ التوبةَ المُستمرّة التي ينبغي أن تُرافق المؤمن، كُلما اكتشفَ أنَّ هذا الموقف لا يُرضي الله، أو أنَّ هذه الفِكرة ليست صحيحةً عن اللهِ عزّ وجل، أو أنَّ هذا الظن لا يليقُ باللهِ جلَّ وعَلا، أو أنَّ هذا الاعتقاد اعتقادٌ فاسد بنصِ الآية الكريمة، أو أنَّ هذا العمل مما يُخالف السُنّة. نقطة دقيقة : هُناكَ نقطة دقيقة جداً: هوَ أنكَ إذا عَرَفتَ اللهَ عزّ وجل, بقي عليكَ أن تَعرِفَ مَنهَجَهُ، هل يُمكن أن تَعرِفَ مَنَهجَهُ في ساعةٍ واحدة؟ في يومٍ واحد؟ في شهرٍ واحد؟ في سنةٍ واحدة؟ معرفةُ منهجُ اللهِ عزّ وجل تتنامى، فكُلما كشفتَ موقِفاً للنبي عليهِ الصلاة والسلام لم يكن يخطُر على بالِك, لا بُدَّ من أن تتوبَ عن جهلِكَ بهذا الموقف, وعن السلوك الذي يُخالفُ هذا الموقف. إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة, هذا معنى قول النبي: المؤمن مذنبٌ توّاب. معنى مُذنب: يعني كانَ يَظُنُ أنهُ إذا تحدّثَ عن العُصاة مُقرّعاً، موبّخاً، محتقراً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فإذا بهِ يرى أن في السيرةِ النبويةِ موقِفاً آخر. انظر إلى هذا الموقف للنبي عليه الصلاة والسلام : النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءهُ عِكرمةٌ مُسلِماً, قالَ لأصحابِهِ: جاءكم عِكرِمةُ مُسلِماً, فإيّاكم أن تَذُمّوا أباه, -أباهُ أبو جهل أعدى أعداءِ الإسلام، أعدى أعداءِ النبي، نكّلَ بأصحابِهِ وقتلهم-, فإنَّ ذم الميت يؤذي الحي ولا يبلُغُ الميت. هوَ كانَ حينما يتحدّثُ عن الكُفار, يَظُنُ أنَّ اللهَ يُرضيهِ ذلك, فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقفُ هذا الموقفَ الكامل. إذاً: هوَ حينما كانَ يفعلُ هذا, كانَ يُرضي اللهَ بهذا, لكنهُ اكتشفَ أنَّ هذا الموقف هُناكَ موقِفٌ أكملُ مِنهُ، كانَ يفعلُ كذا, ثمَّ رأى أنَّ الشرعَ ينهى عن كذا. متى تتنامى معرفة العبد بمنهج ربه؟ : ليسَ في إمكانِكَ في أسبوعٍ أو شهرٍ أو سنةٍ أن تستوعِبَ مَنهجَ اللهِ كُلهُ، قد تستوعـب الخطوط العريضة فيه، قد تستوعب الكُليّات، لكنَّ الجزئيات لا تستوعبها, أنتَ كُنتَ تختلي مثلاً معَ زوجةِ أبيك في غيبةِ أبيك, بعدَ عشر سنوات قرأتَ في كُتب الفِقهِ أنهُ لا يجوزُ الخلوةُ لا بزوجةِ الابنِ في غيبةِ الابنِ, ولا بزوجة الأب في غيبة الأب, هكذا نص العُلماءُ والفُقهاء, إذاً: أنتَ تتوبُ من هذا الجهل الذي كُنتَ واقعاً فيه، كُنتَ تتحدثُ أحياناً عن علاقةٍ زوجيةٍ أمامَ والِدِ زوجتِك, ثمَّ كشفتَ أنَّ من آدابِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنهُ لا يتحدثُ عن أيّةِ علاقةٍ نسائيةٍ أمامَ أبِ الزوجةِ أو أخِ الزوجة, لِئلا يذهبَ بهِ الخيالُ إلى شيء ينزعجُ منهُ، كُلما فعلتَ شيئاً وأنتَ تظنهُ هوَ الصواب, رُبما كشفتَ في السيرةِ النبوية أو في الحديث النبوي الشريف ما يُخالِف هذا. إذاً: أنتَ تتنامى معرِفَتُكَ لمنهجِ اللهِ عزّ وجل، فكُلما بَلَغَكَ شيء عن رسول الله، كُلما وصلَ إلى عِلمِكَ شيء لم تكن تعلمهُ من قبل أو كُنتَ تفعلُ خِلافهُ, لا بُدَ من أن تُحدِثَ توبةَ وإحداثَ هذه التوبة سهلٌ جداً: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام الآية: 54] هذا السوء بجهالة، فالإنسان كُلما فعلَ شيئاً لم يكن يعلم أنهُ مُخالفة أو أنهُ معصية, يجبُ أن يعقِدَ توبةً مع اللهِ عزّ وجل. ما المعنى الذي نسنتبطه من استمرار التوبة؟ : ليسَ هُناكَ توبةٌ وحيدةٌ يتيمةٌ فريدةٌ تتوبُها وانتهى الأمر, هذه التوبةُ الكُبرى التي نقلتكَ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضياعِ إلى الهُدى، من الشقاءِ إلى السعادة، من القلقِ إلى الطُمأنينة، من التيهِ إلى الوجدان، هذه التوبةُ الأولى هيَ أجملُ توبةٍ تتوبُها في حياتِك؛ هيَ التوبةُ المُسعِدة, هيَ التوبةُ التي أخرجتكَ من الظُلماتِ إلى النور، من شقاءِ الدُنيا إلى نعيمِها، لكنكَ بعدَ أن سلكتَ في طريق الإيمان, أنتَ بحاجةٍ إلى توبةٍ يوميّة، كُلما اكتشفتَ شيئاً لم تكن تعرِفهُ من قبلُ, لا بُدَ من أن تعقِدَ توبةً خاصةً بهِ، كُلما كشفتَ تقصيراً أو مُخالفةً لم تكن تعهَدُها مُخالفةً, يجبُ أن تعقِدَ العزمَ على تركِها. هذا المعنى الذي يُستنبط من استمرارِ التوبة. من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام : 1-استغفار وقائي : إذا قرأتَ حديثَ النبي عليه الصلاة والسلام: من أنهُ يستغفرُ اللهَ ويتوبُ إليه في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرة. فهذا لهُ تفسيرٌ آخر، يُمكن أن يُفسّرَ هذا: بأن استغفارَ النبي استغفارٌ وِقائي، هُناكَ استغفارٌ بعدَ أن تقعَ في الذنب, وهُناكَ استغفارٌ وِقائيٌ لِئلا تقعَ في الذنب. تمشي في الطريق, وتشعُرَ أنَّ عقبةً كؤود كانت في الطريق, أمسكتَ مِصباحاً وأضأتهُ، حينما تمشي في طريق, وتتعثرُ في هذا الطريق, ومعكَ مِصباح تُضيء المِصباح, لِترى هذه العَقَبَة التي ألقتكَ جانباً، لكنكَ إذا أضأتَ المِصباحَ قبلَ أن تسلُكَ هذا الطريق لا تتعثر, فأنتَ إمّا أن تكشِفَ العَقَبَةَ بعدَ أن تقعَ بِها, وإمّا أن تكشِفها قبلَ أن تقعَ بِها. فبعضُ العُلماء قال: استغفارُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم استغفارٌ وِقائي, كانَ يستغفِرُ اللهَ, وكانَ يُقبِلُ عليه, وكانَ يُكثِرُ من الدُعاء, لِئلا يقعَ في الذنب, فهذا معنى. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي وابن ماجه في سننهما, والإمام أحمد في مسنده, وابن حبان في صحيحه] 2-الشعور بالتقصير تجاه معرفة الله عز وجل : وفي معنى آخر: هوَ أنكَ إذا تعرّفتَ إلى إنسان, وقال لكَ: أنا تاجر, فظننتَ أنَّ حجمَهُ المالي كذا, ثمَّ اكتشفتَ أنَّ حجمهُ المالي أضعاف أضعافَ ما توهمت, ألا تشعر بأنكَ لم تُعطِهِ حقهُ؟ لم تُقدّرهُ حقَّ قدرِهِ؟ فحينما تتعرفُ إلى اللهِ عزّ وجل -وللهِ المثلُ الأعلى-, وتكتشف أنَّ معرِفَتُكَ باللهِ عزّ وجل لم تكن في المستوى الذي ينبغي, ألا تشعر بالتقصير؟. يعني: حينما تظنُ أن فُلان لن يُكرِمُكَ, ثمَ هوَ يُكرِمُكَ, ألا تستحي فيما بينَكَ وبينَ نفسِكَ من هذا الذنب السيء؟ فهذا معنى آخر من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام. قد يقول قائل : والآن: الذي يقول: أنا تُبتُ إلى الله, حينما استقمتُ على أمرهِ, وانتهى الأمر, ولستُ الآن بحاجة إلى التوبة, فالجواب على هذا السؤال: هل أديتَ حق اللهِ عز وّجل؟ هل عَمَلُكَ الصالح يُغطي فضلَ اللهِ عليك؟ هل طاعَتُكَ للهِ عزّ وجل في مستوى الفضلِ العظيم الذي تفضّلهُ اللهُ عليك؟ أغلبُ الظن لن تقولَ: نعم, لأنهُ ما من أحدٍ استطاعَ أن يوفي اللهَ حقَهُ حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لا يعرِفُ اللهَ إلا الله, النبي عليه الصلاة والسلام أشدُنا معرِفةً بالله, لكنهُ لم يعرِفهُ حقَّ المعرِفة. إذاً: يُمكن أن تستغفِرَ اللهَ وأن تتوبَ إليه من معرِفتكَ المحدودة التي لم تكن في المستوى المطلوب. ما هي أسرع الأبواب إلى الله؟ : أنا كُل هذا الكلام: من أجلِ ألاّ تأخُذّكّ العِزةُّ بإيمانِك وباستقامتِك، أنا استقمت وانتهى الأمر، هذه عِزّةٌ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل, يجبُ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, لأنكَ إذا شعرتَ بالتقصير المستمر, كُنتَ قريباً من اللهِ عزّ وجل, لأنَّ الانكسارَ أقربُ الأبواب إليه، بابُ الانكسار بابٌ واسعٌ, لكنَ الناسَ قلّما يسلكونَهُ, هُناك أبواب إلى الله كثيرة, لكن أسرع هذه الأبواب: بابُ الانكسار. فلذلك: الإنسان حينما يأتي رَبهُ مُتذللاً. لماذا النبيُ عليه الصلاة والسلام لمّا سألهُ جبريل: أتُحِبُ يا مُحمدُ أن تكونَ نبيّاً مَلِكاً أم نبيّاً عبداً؟ قالَ: بل نبيّاً عبداً؛ أجوعُ يوماً فأذكُرهُ وأشبعُ يوماً فأشكُرهُ. لأنَّ الانكسار والضعف أقربُ إلى العبوديةُ إلى اللهِ عزّ وجل. الإنسان متى يطغى؟ : لاحِظوا الآية: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق الآية: 6-7] لم يقُل اللهَ عزّ وجل: كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى أن استغنى, قال: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ هوَ توّهمَ أنهُ مستغنٍ عن اللهِ عزّ وجل، الإنسان متى يطغى؟ متى ينقطع؟ متى يبتعد؟ إذا ظن أنهُ مستغنيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فإذا الإنسان لم يجد لهُ معصيةً ولا مخالفةً, وأحكمَ استقامتهُ, وتوهّمَ أنَّ هذه الاستقامة كافية كي تُنجيهِ من عذاب الدُنيا والآخرة, وقعَ في حالة الاستغناء, وهذه الحالةُ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل. ماذا يعني هذا القول لابن السكندري؟ : لذلك: قالَ ابنُ عطاء الله السَكندريّ: رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عِزّاً واستكباراً. ما دُمتَ لم تُوف اللهَ حَقّهُ, ولم تكُن أعمالُكَ في مستوى فضلِهِ عليك, ولا في مستوى إكرامِهِ لك, منحكَ نِعمة الوجود, ومنحكَ نِعمة الإمداد, ومنحكَ نعمة الهدايةِ والرشاد: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] إذاً: لا بُدَ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, ولا بُدَ أن تشعر بالحاجةِ المُلّحةِ إلى توبةٍ من كُلِّ هذا التقصير. قف هنا : مما يؤكّدُ أنَّ منزِلةَ التوبةِ هيَ البدايةُ, وهيَ المنزِلةُ التي تُرافِقُ المؤمن طَوالَ حياتِهِ وهيَ النهاية, هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم. النبيُ عليه الصلاة والسلام غزا غزواتٍ كثيرة, آخِرُ هذه الغَزوات هي أشدُها: غـزوةُ تبوك, حينما قَفَلَ النبي من غزوةِ تبوك, قالَ اللهَ عزّ وجل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 117] نهايةُ المطاف، نهايةُ الغزوات، نهايةُ الجِهاد، توبةُ من اللهِ عزّ وجل, معنى التوبة هُنا: أي كأنَّ اللهَ قَبِلَ هذا العمل، قَبِلَهُ وتغاضى عن الأخطاء, وتغاضى عن الشوارد, وتغاضى عن الشُبُهات التي رافقت هذا العمل, يعني قَبِلهُ مِنك, فالتوبةُ هُنا نهايةُ العمل. ماذا استنبط بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من هذه السورة؟ : شيءٌ آخر: وردَ في القرآن الكريم هيَ سورةُ النصر, إذ قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] أيها الأخوة الأكارم, في الصحيحِ؛ أي في الحديثِ الصحيحِ, أنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلم ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها: عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) [أخرجه البخاري في الصحيح] ألم يقُل اللهُ عزّ وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] قال: ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها: سُبحانَكَ اللهمَ ربنا وبِحمدِك, اللهمَّ اغفر لي. بعضُ أصحابِ النبي بإدراكٍ دقيق, واستنباطٍ حكيم, وفِطنةٍ كبيرة, شعرَ أنَّ هذه السورة فيها نعوةُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم, لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَّ اغفر لي, وألحِقني بالرفيق الأعلى. رسالة تذكرة : أخواننا الحاضرين, لا بُدَّ من هذا اللِقاء مع الله عزّ وجل, البطولة: أن تستعِدَّ لهُ، أن تُصفي كُلَّ المُشكلات، أن تُصفي كُلَّ العلاقات، أن تُهيىء عملاً تلقى اللهَ بهِ, أن تُهيىء عملاً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فلذلك: ربُنا عزّ وجل يُحِبُكَ أن تستعِدَّ للقائه. وكُنتُ أقول لكم دائماً: إنَّ الأعراضَ المَرَضِيّة التي تُصيبُ الإنسانَ بعدَ سِنِّ الأربعين, هيَ في حقيقتها, وفي جوهرِها, وفي دلالِتها: إشارةٌ لطيفةٌ لطيفةٌ لطيفة لهذا المؤمن: أن يا عبدي قد اقتربَ اللقاء, فهل أنتَ مُستعد؟. يعني الإنسان يضع نظارات بعد سِن مُعيّنة, يقول لكَ: صار في تصلّب بالقرنيّة أو بالجسم البللوري, فمُعظم الناس بعد سِنّ معينة: يضع نظارات، يشيبُ شعرهُ، ينحني ظهرهُ، تضعفُ ذاكرتهُ، جميعُ الناس هكذا. إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَ اغفر لـي, وألحِقني بالرفيق الأعلى. ما تعلمناه من النبي عليه الصلاة والسلام : هناك شيء تعلّمناه من النبي عليه الصلاة والسلام: الاستغفار بعدَ الصلاة, وبعدَ الصوم, وبعدَ الحج, وبعدَ كُلِّ عِبادة. يعني يا ربي أنا صِمت رمضان, لكن لعلّي لغوتُ في رمضان, لعلّي قصّرت, لعلّي شردت, لعلّي صليتُ صلاةَ جوفاء, اغفر لي هذا التقصير يا رب، بل إنَّ الإنسان حينما يُصلّي الصلوات الخمس, أولُ دُعاءٍ أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدَ الصلاة الاستغفار, أستغفِرُ اللهَ العظيم الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القيوم وأتوبُ إليه ثلاث مرات، تستغفر من ماذا؟ أنتَ وقفتَ لتُصلي, لعلَّ في الصلاةِ خللاً، لعلَّ في الصلاةِ تقصيراً، لعلَّ في الصلاةِ شروداً، لعلَّ في الصلاةِ زيغاً، لعلَّ في الصلاة سُرعةً، لعلَّ في الصلاةِ شيئاً لا يُرضي الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ يستغفرُ اللهَ عَقِبَ الصلوات, وعَقِبَ كُلِّ عِبادةٍ كبيرة، عَقِبَ الصوم وعَقِبَ الحج كان يستغفر. ماذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام بعد عودته من الحج؟ : ما قولكم: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما يعودُ من الحج, ماذا كانَ يقول؟: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ: ((لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ] تائبونَ عن تقصيرٍ وقعنا بهِ في مناسِك الحج. هذا ما يختم به النبي عليه الصلاة والسلام عمله باليوم : وكانَ عليه الصلاة والسلام يختِمُ عملَ اليوم بالاستغفار، فقبلَ أن ينام يقول: ((أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيُ القيوم وأتوب إليه)) يستغفر اللهَ قبلَ أن ينام, وعلّمنا أيضاً أن نستغفِرهُ بعدَ أن نقومَ من مجلس؛ سَهِرنا سهرةً، عقدنا ندوةً، دُعينا إلى وليمة، لعلّ في هذه الوليمة كلمة لا تُرضي الله، لعلَّ في هذه الوليمة نظرة أو في هذا الحديث خلل أو هنى, فأنتَ حينما ينتهي مجلِسُكَ استغفر الله، حينما تنتهي صلاتُكَ استغفر الله، حينما ينتهي صيامُك استغفر الله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: 52] ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [سورة نوح الآية: 12] بل إنَّ العبدَ أحوجُ ما يكونُ إلى التوبةِ في نهايةِ عُمره، لذلك منزَلةُ اليوم: منزَلةُ استئناف التوبة، أنتَ تبدأُ التوبة وتستمرُ بِها, وتُنهي بِها هذا العُمر الذي أمضيتهُ في معرفة الله وطاعته. ماذا تبين لنا هذه الآيات؟ : الحقيقة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليهِ الله, وعلى عُمُره الثمين, حينما أقسمَ اللهُ بِعُمُرِهِ, حيثُ يقول: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 72] واللهُ سبحانهُ وتعالى في عِدّةِ آيات: ذكرَ النبي عليه الصلاة والسلام, وهوَ في أعلى مرتبة, وأعلى مرتبة أن يكونَ عبداً للهِ عزّ وجل, قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء الآية: 1] وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ, عبدُ اللهِ يدعوهُ, قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 1] كُلُ هذه الآيات تُبيّنُ: أن شرفَ الإنسان في عبوديتهِ للهِ عزّ وجل. هذه مهمتك كعبد لله : الآية الدقيقة: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 66] أنتَ أيها العبد لكَ مُهِمةٌ واحدة: أن تتعرفَ إلى أمرِ اللهِ ونهيَه, وأن تلتزِمَ أمــرهُ, وأن تنتهي عما هوَ عنهُ نهى, وهُنا تنتهي مُهمَتُكَ كعبد, فلهذا تُعدُّ بعضُ العِبادات إعلاناً عن عبوديتُكَ للهِ عزّ وجل. لماذا تحج البيت؟ : الحج نحنُ في موسم الحج, لماذا تَحُجُ البيت؟ إنكَ من بعض معاني الحج: تُعلنُ عن عبوديتِكَ للهِ, في الحج تأتمر بأمرهِ، تدعُ بيتَكَ, وأهلكَ, وأولادكَ, وعملكَ, ومركزكَ, وتخلعُ ثيابَكَ, وتخلعُ مع ثيابِكَ الدُنيا كُلها, ومرتَبَتكَ الاجتماعية, وتُلّبي ربكَ, تقول: لبيكَ اللهم لبيك، هُنا تقصُ شعركَ, وهُنا تمتنع عن أن تَحُكَ جِسمك, أو أن تغتسل, أو أن تتطيب، تُنفّذُ محظورات الإحرام تماماً, هذا كُلهُ عبودية لله عزَ وجل. بماذا ذكر الله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ : وسيدنا إبراهيمُ أبـو الأنبياءِ عليه الصلاة والسلام, أيضاً ذكرَ اللهُ عن مقامِهِ العظيم حينما قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم الآية: 37] يعني: وفّى حق العبوديّة، فنحنُ مُقصّرون إذا كان سيدنا إبراهيم وفّى, وهو أبو الأنبياء, والنبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في أعلى مقاماتهِ مرتبة العبودية والذُل للهِ عزّ وجل، فنحنُ قد نعتدُّ بعملٍ صالح قد نتيهُ بهِ، قد نستعلي بهِ على الآخرين، هذا كُلهُ يحتاج إلى توبة, فلذلك: أن تبذُلَ الجهدَ الكبير في سبيل التقرّبِ إلى اللهِ العليّ القدير, هوَ أعظمُ عملٍ وأنجحُ مسعى تسعاه إلى اللهِ عزّ وجل. ما هما الحالان اللذان ينبغي ألا يفارقا المؤمن؟ : 1-حال جمع الهمة على الله عز وجل : هُناكَ حالان ينبغي ألا يُفارِقا المؤمن؛ الحال الأول: حالُ جمعِ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل. يعني بالتعبير المقبول عِندكم: الالتفات إلى الله؛ أن تلتفِتَ إليه، أن تعقِدَ معهُ الصِلة، أن تدعوَهُ، أن تستغفِرهُ، أن تُسبِحهُ، أن تذكُرهُ، أن تلجأ إليه، أن تستعيذَ به، أن تُقبِلَ عليه، أن تعقِدَ بهِ الصِلة. هذا الحال سمّاهُ العُلماء: جمعُ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل محبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبة. يجبُ أن تُراقِبَ الله، يجبُ أن تشعُرَ أنَّ اللهُ يُراقِبُك، يجبُ أن ترجوهُ وأنتَ في الشِدّة, لا أن تيأسَ من عطائهِ، يجبُ أن ترجوَهُ وأنتَ في الرَخاء. العادة: أنَّ الناس يطمئنون وهم في الرَخاء, ويخافون وهم في الشِدّة، لكن المؤمن ينبغي أن يخافَ وهوَ في الرخاء, وينبغي أن يطمئن وهوَ في الشِدّة، لأنها إذا وقعت الشِدّة فلا مُنجّي إلا الله, لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام: ((لا يخافن العبدُ إلا ذنبَه ولا يرجونَ إلا رَبه)) إذا وقعتَ في شِدّة لا ينبغي أن تيأس، اليأسُ نوعٌ من الكُفر، اليأس والقنوت والسوداوية, وأنا انتهيت, وأنا هكذا الله قدّرَ عليّ, هذا كُلهُ من علامةِ ضعفِ الثِقةِ بالله عزّ وجل, فمن شأنِ المؤمن أن يرجو الله وهوَ في الشِدّة، ومن شأنِ المؤمن أن يخافَهُ وهوَ في الرَخاء. الناس عادة: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ إذا كان في صحةٍ طيبة, وأجرى تخطيطاً, والنتيجة جيدة, الضربات نظامية، التخطيط، الكوليسترول، المواد الدسمة, يقول لكَ: التحليل ممتاز, وينسى الله عزّ وجل، يذكُرهُ إذا كان النِسب عالية, إذا في ارتفاع شديد جداً, إذا في اضطراب بالنظم: يا رب, البطولة: أن تذكُرهُ وأنتَ في صحةٍ جيدة، وأنتَ في بحبوحة، وأنتَ قوي، وأنتَ غني. إذاً: جمعُ الهِمّةِ على الله, تكونُ في الحُب, وفي الإنابة, وفي التوكل, وفي الخوف, وفي الرجاء, وفي المراقبة, هل هُناكَ هِمَةٌ أخرى؟ هذه الهِمّةُ الأولى: جمعُ الهِمّةِ على الله شوقاً ومحبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبةً, هذه إياكَ نعبدُ. 2-حال جمع الهمة على تنفيذ أمر الله : بقيَ إياكَ نستعين. قال: وجمعُ الهِمّةِ على تنفيذِ أمرِ الله. الآن دخلت بالعلم، دخلت في معرفة أمر الله، ما حُكمُ اللهِ في الدَين؟ لا بُد من كتابةِ إيصال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة الآية: 282] ما حُكمُ اللهِ في الوديعة؟ ما حُكمُ اللهِ في العارية؟ ما حُكمُ اللهِ في الإيجار؟ ما حُكمُ اللهِ في المُزارَعة؟ ما حُكمُ اللهِ في المضاربة؟ ما حُكمُ اللهِ في شِراءِ الفواكه على أغصانِها؛ كمُزارع؟ كطبيب مثلاً: ما حُكمُ أجرِ الطبيب إذا ماتَ المريض؟ ما حُكمُ أجرِ المُدرّس؟ ما حُكمُ أجرِ المحامي؟. ففي عِندكَ قضية ثانية: بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, وبعدَ أن تجمعَ هِمّتِكَ عليه محبةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً وإنابةً ومراقبةً، الآن دخلتَ في طَورٍ آخر, يجبُ أن تجمعَ هِمَتَكَ على تنفيذِ أمرهِ, ولن تُنفِذَ أمرهُ إلا إذا عَرَفتَ أمرهُ أولاً، من هُنا جاءت الحاجةُ إلى حضور مجالس العِلم, وإلى معرِفةِ أمرِ الله عزّ وجل التفصيلي. فلذلك: هذا الذي لا يجدُ نفسهُ راغِبةً في معرِفة أمرِ الله عزّ وجل, كيفَ يستقيمُ على أمرهِ؟ فأول خطوة في الاستقامة على أمر الله: أن تعرِفَ اللهَ عزّ وجل. على كُلٍ؛ قولُهُ تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه الآية جمعت الهِمتين؛ هِمةُ الإقبالِ عليه وهِمةُ تنفيذِ أمرِهِ، لذلك قالَ بعض العُلماء: إنكَ حينما تركع تُعلِنُ عن خضوعِكَ للهِ عزّ وجل, وأنكَ حينما تسجُد تطلُبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل, فكأنَّ إيّاكَ نعبدُ ركوعاً, وإيّاكَ نستعين سجوداً. محور الدرس : 1-ما يتعلق بالتوبة : مِحوَرُ هذا الدرس: أنَّ التوبةَ التي تتوهمونَها تقعُ في العُمرِ مرةً واحدة, هذه التوبةُ الكُبرى التي نَقَلتكَ من الشقاءِ إلى السعادة، من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضلالِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان، التوبةَ التي تعقِبُ كُلّ خطأٍ طفيفٍ وكُل جهلٍ وكُل تقصيرٍ, هذه التوبةُ ينبغي أن تكونَ مستمرّةً طَوالَ الحياة, وهذا معنى قول النبي: عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) أمّا النهاية: في نهايةِ كُلِّ صلاة, ونهايةِ كُلِّ صيام, ونهايةِ كُلِّ عُمرةٍ أو حج, ونهايةِ كُلِّ مجلسٍ, وكُلِّ لقاءٍ, وكُلِّ علاقةٍ, وفي نهايةِ العُمر: ترجو الله عزَ وجل أن يقبَلَكَ، أن يقبَلَكَ بهذا العمل الذي هوَ جُهدُ مُقِلٍ كما قالَ عليه الصلاة والسلام، أن يقبَلَكَ وأن يتجاوَزَ عن أخطائِكَ وعن سيئاتِكَ وعن زللاتِكَ, فلعل اللهَ عزَ وجل يختِمُ هذا العملَ بتوبةِ القَبول، في توبة العفو وفي توبة القَبول، تتوبُ من ذنبٍ فيقبل الله توبَتَكَ؛ أي عفا عنك، لكن الآن: قد يعفو عنك ولكنه لا يقبَلُكَ، أنتَ ماذا تُريد؟ أن يقبَلَكَ الله عزّ وجل, لذلك: توبةُ نهاية العُمر توبةُ القَبول. 2-إفراد الله في العبادة والاستعانة : أيضاً: حينما تقولُ: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, بكلمة إيّاكَ في تخصيص, يعني إيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نعبُدُ سِواك، وإيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نستعينُ بغيرِك، إفرادُ اللهِ في العبادة وإفرادُهُ في الاستعانة، حينما تتجهُ إلى أن تستعينَ بغير الله عزّ وجل أو أن تستعينَ بزيدٍ أو عُبيد, لا تنس هذا الحديث: ((ما من مخلوقٍ يستعينُ بي من دونِ خلقي, أعرِفُ ذلِكَ من نيّتهِ, فتكيدُ لهُ أهلُ السمواتِ والأرض, إلا جعلتُ لهُ من بينِ ذلِكَ مخرجاً, وما من مخلوقٍ يعتصمُ بمخلوقٍ دوني, أعرفُ ذلِكَ من نيّتهِ, إلا قطّعتُ أسبابَ السماءِ بينَ يديه, وأهويتُ الأرضَ من تحتِ قدميه)) إذاً: يجبُ أن تُفرِدهُ بالعِبادةِ, ويجبُ أن تُفرِدهُ بالاستعانة, والحديثُ الشريف: ((لا يخافنَّ العبدُ إلا ذنبَه, ولا يرجوّنَ إلا ربَه, ولا يُغيرُ اللهُ ما بِقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفِسهم)) 3-تعريف العبادة : وآخر شيء في الدرس: أنَّ العِبادة غايةُ الخضوع معَ غاية الحُب، خضوعٌ بِلا حُب لا يُعدُّ عِبادة, وحُبٌ بِلا خضوع لا يُعدُّ عِبادة، نهايةُ الخضوعِ ونهايةُ الحُبِّ هوَ العِبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] والعِبادة الحقّة هيَ أعلى مقاماتِ الإنسان, وقد رأيتم قبلَ قليل: كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل وصفَ النبيَ عليه الصلاة والسلام وهوَ في أعلى درجاتِهِ, وصفهُ بأنهُ عبدٌ للهِ, وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء الآية: 1] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ هذه كُلُها تؤكِدُ: أنَّ العبوديةَ هيَ كُلُ شيء, بل إنَّ كُلَّ هذه الدروس ما هيَ إلا في تفصيلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين. اعلم علم اليقين : بقيَ موضوعٌ دقيقٌ متعلّقٌ بالعِبادة: العِبادة أيها الأخوة وقد ذكرتُ هذا من قبل هيَ طاعة، غايةُ الطاعة الخضوع مع غاية الحُب، لكن يجب أن تعلم عِلمَ اليقين: أنكَ لن تُطيع ولن تُحب إلا إذا عَرفت, فطريقُ العِبادةِ هيَ المعرِفة، العِلم هوَ الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل, وأنكَ إذا أطعتَ وأحببت سَعِدتَ باللهِ عزّ وجل، ثلاث كلمات أتمنى على اللهِ عزّ وجل أن تكونَ واضِحةً عِندكم، ثلاث كلمات في حياتِنا؛ الأولى: المعرفة، والثانية: السلوك، والثالثة: الثمَرَةَ وهيَ السعادة، فينبغي أن تسعد, ولن تسعدَ إلا إذا أطعت, ولن تُطيعَ إلا إذا عَرفت. بماذا فسر العلماء هذا الحديث؟ : النبي عليه الصلاة والسلام كانَ بليغاً جداً حينما قال: ((الندمُ توبة)) [أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه] العلماء احتاروا بهذا الحديث, يا ربي التوبة ليست ندماً فقط, التوبة عِلم، أنتَ في أيةِ لحظةٍ تتوبُ من الذنب؟ إذا عرفتَهُ ذنباً، لا بُد في التوبةِ من علمٍ, فإذا حصلَ العِلمُ صار الندمُ, وإذا صارَ الندمُ نَقَلَكَ إلى السلوك، ففي أدقِّ تعريف التوبة: هيَ عِلمٌ وحالٌ وعمل. جاءَ االنبي عليه الصلاة والسلام, وذكرَ في التوبةِ المرتبة الوسطى, قال: ((الندمُ توبة)) [أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه] فالعُلماء عندما فسّروا هذا الحديث, قال: هذا الندم, لا بُد لهُ من علمٍ أحدثهُ, ولا بُد لهُ من عملٍ نَتَجَ عنهُ, هذه البلاغة بالإيجاز: ذَكرَ لكَ المرحلة الأساسية هيَ الندم، فالندم سببهُ العِلم, والندم نتيجتهُ الاستقامة, فقال النبي: ((الندمُ توبة)) [أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه] ينبغي أن تعلم : ربُنا قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] العِبادة طاعة وحُب، طيب: يا ربي أنتَ أغفلت العِلم وأغفلت السعادة, لأن هذه الطاعة وهذا الحُب لا يُمكن أن يكون إلا بالعِلم، وهذه الطاعة وهذا الحُب إذا حصل ينتجُ عنهُ سعادة أبديّة في الدُنيا والآخرة, فنهاية المطاف: يجبُ أن تعلم: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خَلَقَكَ كي تعبُدَهُ, أي كي تُطيعَهُ وكي تُحِبهُ، ولن تطيعَهُ ولن تُحِبهُ إلا إذا عَرفتَهُ, وإذا أطعتهُ وأحببتهُ سَعِدتَ بقُربِهِ في الدُنيا والآخرة. حياتنا تبنى على هذه الكلمات الثلاث, هما : إذاً: حياتنا كُلها ثلاث كلمات: نتعلّم ونعمل فنسعَد، تُلغي العمل لا تستفيد شيئاً، تُلغي العِلم لا تستفيدُ شيئاً, طبعاً: الثالثة تحصيل حاصل, تجد في القرآن أكثر من ثلاثمئة آية: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 82] ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر الآية: 1-3] نهاية المطاف : فأنا أتمنى على الأخوان الكِرام: أن يكونَ في حياتِهم شيئان كبيران: طِلَبُ العِلمِ والالتزامُ بما تعلّمت، لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام: ((لا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ عِلماً, ولا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ قُرباً)) القرآن يؤكّد ذلك: حجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عملِك, والدليل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] وحجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عِلمِك, والدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] فأنتَ لكَ نشاطين: نشاط هوَ التعلّم ونشاط هوَ التطبيق؛ في المسجد تتعلم وفي بيتِكَ ودُكانِكَ ومكتَبِكَ وعيادَتِكَ ومعمَلِكَ تُطبّق، هُنا تتعلم والحياةُ كُلُها مجالٌ للتطبيق. إذاً: حينما تختصر الدين بكلمات موجزة, وكلمات مُحكمة, وكلمات بليغة: الدينُ عِلــمٌ وعمل, والثالثة: تحصيل حاصل وهيَ السعادة تحصيل حاصل، أنتَ طبّق الأولى والثانية, والثالثة تأتيكَ وهيَ راغِمةَ. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الانابةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الثلاثون ) عن ماذا تتحدث هذه الآيات؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثامن والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ من أدقِّ المنازل وردت فيها آياتٌ كثيرة، وفي المناسبة: أنَّ هذه المنازل هيَ في الحقيقة تفسيرٌ لكتابِ اللهِ عزّ وجل, ولكن ليسَ أساسُهُ الآيات المُتتابعة, ولكن أساسُهُ الآياتُ ذات الموضوع الواحد، ففي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تتحدثُ عن الإنابة, من هذه الآياتِ مثلاً: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة الزمر الآية: 54] أمرٌ إلهيٌ يقتضي الوجوب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [سورة هود الآية: 75] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سورة ق الآية: 6-8] وصِفَ النبي الكريم سيدنا إبراهيم بأنهُ حليمٌ أواهٌ مُنيب، جاءَ أمرٌ إلهي: وأنيبوا إلى ربِكم، وُصِفَ العبدُ الذي يتأثرُ بآيات اللهِ الدالةِ على عَظَمتهِ بأنهُ عبدٌ مُنيب. آيةٌ رابعة: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [سورة غافر الآية: 13] ووصفَ اللهُ عزّ وجل عِبادهُ الصالحين بأنهم مُنيبونَ إليه: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الروم الآية: 31] ما معنى منزلة الإنابة؟ : 1-إنابة لربوبيته : هُناك منزِلة في القرآن الكريم يمكن أن نُسميّها: منزِلةَ الإنابة، ما معنى هذه المنزِلة؟. بعضُهم قال: إنَّ هذه المنزِلة تعني شيئين, لأنَّ هُناكَ إنابتين؛ إنابةٌ لربوبيته وإنابةٌ لألوهيته، فالإنابةُ للربوبيّة إنابةٌ عامّة, فكُلُ الخلق على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم ومِللهِم ونِحلِهم واتجاهاتِهم، مؤمنهم وكافرهم, وفاسقهم وطائعهم منيبونَ إلى الله, حينما تأتي الشِدّة. راكب طائرة, دخلت في سحابة مُكهربة, صار إمكان وقوعك كبير، راكب سفينة، واجهت مُشكلة، التحليل أظهر خللاً كبيراً في تركيب الدم، الصور الشُعاعية أظهرت خللاً في الخلايا، حينما تأتي المُصيبة جسمية أو مادية أو معنوية في المالِ, في الولدِ, في الأهلِ، حينما يلوحُ شبحُ المصائب, كُلُ الخلق من دونِ استثناء, كما قُلتُ قبلَ قليل: مؤمنهم وكافِرهم, عالِمُهم وجاهِلُهم, من كُلِّ الأجناس, من كُلِّ المِلل, من كُلِّ النِحل مُنيبينَ إلى الله, ولكن هذه الإنابة بحسب ضعفِ الإنسان, بحسب افتقارِهِ إلى الله، بحسبِ أنهُ مقهور، بحسبِ أنهُ مُضطر. هل يرتقي العبد بإنابة الربوبية إلى الله؟ : هذه الإنابة لا ترتقي بِكَ إلى الله، الدليل: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 33] ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ الناس جميعاً، يعني حينما تأتي المُصيبة, وتنطلق إلى اللهِ عزّ وجل, هذا ليسَ لكَ فيهِ فضلٌ إطلاقاً, هذه طبيعةُ الإنسان، هذه جِبلّته، هذه فِطرَتُهُ، هذا ضعفُهُ، هذا افتقارُهُ، هذا اضطرارُهُ، هذا قهرُهُ, أيُّ إنسان، لذلك ربُنا عزّ وجل قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [سورة النجم الآية: 43] الله عزّ وجل طبعاً من قدرتِهِ -وهذا شيء بسيط جداً- أنهُ يجعلُ أشد الرِجالِ جَلَداً تنهارُ أعصابُهُ ويجهَشُ بالبُكاء. طبعاً: أن ترى طِفلاً يبكي شيء مألوف، أن ترى امرأةً تبكي شيء مألوف، أما أن ترى رجُلاً شديداً عتيداً جَلداً تنهارُ أعصابُهُ ويُجهِشُ بالبُكاء!! معنى ذلك: أنَّ اللهَ عزّ وجل حينما يؤدّبُ الإنسان, يعرِفُ كيفَ يؤدّبُهُ؟. فإذا الإنسان ضحك, وكان مَرِحاً, وانطلق لسانهُ, وهوَ بينَ أهلِهِ، بينَ أصدقائِه، في عملِه، مع شركائِهِ، هذا فضلُ اللهِ: أنَّ اللهَ سلّمَه, وعافاه, ويسر له أُموره, وإلا فأيُ خبرٍ مُزعج يقلِبُ حياةَ الإنسانِ جحيماً. إذاً: هذه الإنابة ليسَ لنا فيها فضلٌ إطلاقاً، هذه من جِبلّتِنا، من ضعفِنا، من قهرِنا، من افتقارِنا، من هلعِنا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [سورة المعارج الآية: 19-21] تحت أي إنابة تندرج هذه الحادثة؟ : قُلتُ لكم من قبل: أنَّ طائرةً يركَبُها خُبراء من بِلادٍ, لا تؤمنُ باللهِ إطلاقاً, يعني لا تؤمنُ بوجودِ اللهِ إطلاقاً، دخلت هذه الطائرة في سحابةِ مُكهرّبةٍ, وبدا لرُكابِها أنها على وشك السقوط. حدثني من كانَ في الطائرة: أنَّ هؤلاءِ الذينَ يُلحِدونَ في ذاتِ اللهِ وفي آياتهِ, صـاروا يرفعونَ أيديهم إلى السماء: يا رب .. يا رب .. بلُغاتهم؛ أينَ إلحادُهم؟ أينَ عِلمانيتُهم؟ أينَ إنكارُهم؟ أينَ كُفرُهم؟. أعتقد أنَّ كلكم قرأَ في القرآن آيات كثيرة, كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يستدرج الكافر أحياناً إلى سفينة, فإذا ماجَ البحرُ واضطرب ....: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة يونس الآية: 22] فحينما تأتي مُشكلة وتلجأ إلى الله عزّ وجل، لا أُقللُ من قيمةِ هذا اللجوء, ولكن أُبلغـكَ أنَّ هذا اللجوء لا فضلَ لكَ بِهِ, لأنَّ هذه طبيعَتُكَ, وهذا افتِقارُكَ. هذه هي البطولة : البطولةَ: أن تُنيبَ إليه إنابةَ الألوهيّة, وقد تحدّثتُ في درسٍ سابق, كيفَ أن الإلهَ الذي يستحّقُ العِبادة، الذي خَلَقَكَ يستحّقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي رَزَقَك يستحقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي أعطاكَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي مَنَحَكَ الأهلَ والأولاد يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي تفضّلَ عليكَ بنِعمةِ الهِدايةِ هوَ الإله. إذاً: لا معبودَ بحقٍ إلا الله، أنتَ حينما تنطلِقُ إلى اللهِ عزّ وجل من قناعة, من مُبادرَة ، تنطَلِقُ ابتداءً إلى اللهِ عزّ وجل, وأنتَ في رَخاء, وأنتَ في بحبوحَة, فهذه هيَ البطولة، هذه هيَ الإنابةُ التي يُريدُها اللهُ عزّ وجل: أن تُنيبَ إليه إنابةَ حُب لا إنابةَ قهر، إنابةَ اشتياق لا إنابةَ اضطرار، إنابةَ اقتناع لا إنابةَ إجبار. لذلك قالوا: الإنابةُ إنابتان؛ إنابةٌ لربوبيته: وهذه إنابةُ المخلوقاتِ كُلِها, يشتَرِكُ فيها المؤمن والكافر, البرُّ والفاجر, ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ 2-إنابة الألوهية : الإنابةَ البطوليّة هيَ: إنابةٌ لألوهيته، وإنابةُ الألوهية؛ أي أن تعبُدهُ بعدَ أن تؤمنَ بهِ، أن تعبُدهُ وأنتَ مُحبٌ لهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ ترجوهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ راغبٌ فيما عِندهُ, من دونِ اضطرارٍ, من دونِ ضغطٍ, من دونِ إكراهٍ, من دونِ خوفٍ، لأن هذا الذي يُنيبُ إلى الله عِندَ الشِدّة. من لوازم هذه الإنابة: أنها إذا رُفِعت الشِدّةَ عادَ إلى ما كانَ عليه. أعِرفُ أُناساً كثيرين, حينما جاءتهم أزمةً في بعضِ أعضائِهم الخطيرة, أنابوا إلى الله, فلمّا تحسّنَ وضعُهم, وانزاحت عنهم هذه الآلام, وأظهرت النتائج المخبرية أنهم في صحةٍ جيدة, عادوا إلى ما كانوا عليه, من فِسقٍ وفجورٍ وانحرافٍ وطغيانٍ واستكبار. إذاً: الإنابة التي تأتي عِندَ الاضطرار سُرعانَ ما تنزاحُ عِندَ الرخاء، إذاً: لا قيمةَ لها, والدليل: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ لكن روعة الآية: أنَّ فريقاً منهم، معناها: هُناكَ أُناسٌ حينما تأتيهم الشِدّة, وينيبونَ إلى الله, يستفيدونَ من هذه الشِدّة, وتكونُ إنابتُهم إلى اللهِ عزّ وجل مستمرة, والدليل: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ من خصائص الإنابة : 1-أن تكون الإنابة أساسها المحبة : الإنابة قالوا: أربعةُ خصائص؛ الخصيصةُ الأولى: أن تكونَ الإنابةُ أساسُها المحبة, يعني دائماً نتحدثُ عن العبوديةِ للهِ عزّ وجل، العبودية من الداخل حُب, ومن الخارج انصياعٌ إلى اللهِ عزّ وجل. وفي أدقِّ تعاريف العبوديّة: غايةُ الخضوع للأمرِ والنهيِ, وغايةُ الحُب، خضوعٌ في الأعضاءِ والجوارح, وحُبٌ في القلب، فإذا اجتمعَ الحبُ في القلب, الحُبُ مع الإخلاص, والخضوعُ والاستسلام لأمر اللهِ عزّ وجل, فهذه هيَ العبودية, وهذا الذي قالهُ اللهُ عزّ وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] يعني أنتَ في أعلى درجاتِك, وفي أفضلِ حالاتِك, وفي أعلى مراتِبِك عبدٌ للهِ عزّ وجل, قلبُكَ مُفعمٌ بالحُب, وجوارِحُكَ وأعضاؤكَ مُنساقةٌ إلى طاعته، إذا كُنتَ كذلك فأنتَ من عِباد الله الصالحين, فأنتَ من عِبادِ الرحمن الذينَ يمشونَ على الأرضِ هونَاً, وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاماً: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] فالأمرُ الأولُ في الإنابةِ هوَ: الحُب. 2-3 الإنابة خضوع وإقبال على الله عز وجل : والأمرُ الثاني في الإنابةِ هوَ: الخضوع, كما قُلتُ قبلَ قليل، والأمرُ الثالِثُ في الإنابةِ: الإقبالُ على الله، الفرق بين الحُب والإقبال: الإقبال بالعبادات، بالأدعية، بالأذكار, بالتذكير أحياناً، بتلاوة القرآن. في حُب وخضوع وإقبال على الله عزّ وجل. 4-الإعراض عما سواه : والعُنصر الرابع: والإعراضُ عمّا سِواه. أُناسٌ منحرِفون, شهواتٌ دنيئة، أماكن موبوءة, أيُّ شيء يُبعدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تُعرِضُ عنهُ, يعني في النهاية هُناكَ في الكونِ حقيقةٌ واحدة وهيَ الله, فأيُّ شيء يُقرّبُكَ إليه تُبادر إليه، وأيُّ شيء يُبعِدُكَ عنهُ تبتعد عنه، هذا اللقاء، هذه النزهة، هذه العلاقة، هذه الشَرِكة, إن أبعدتكَ عن اللهِ عزّ وجل أعرضتَ عنها, وإن قرّبتكَ إلى اللهِ أقبلتَ عليها، هذا هوَ مُلخّصُ المُلخّص. حينما ترى شيئاً يُقرّبُكَ إلى اللهِ عزّ وجل تنطلِقُ إليه, وحينما ترى شيئاً يُبعِدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تجتنبهُ، فالحُبُ في القلب, والخضوعُ في الجوارحِ والأعضاء, والإقبالُ على الله, والإعراضُ عمّا سِواه, هذا هوَ المُنيب. تعريف الإنابة في اللغة : باللغة: الإنابة: الإسراع والتقدم, يعني أنابَ إلى الله غيرَ رَجَع، ممكن أن تنطلق من البيت, ثم تذكُرُ شيئاً في البيت, فتعودُ إلى البيت الهوينى، ولكنَّ الإنابة من معانيها الدقيقة: العودةُ إلى اللهِ بِسُرعةٍ إلى اللهِ عزّ وجل, المسارعةُ إلى الله. لذلك: كان سيدنا عُمر -كما يقولون-: وقّافاً عِندَ كِتابِ الله. المؤمنُ مذنِبٌ مُفتتنٌ توّاب, كثيرُ التوبةِ, كثيرُ الإنابةِ, يعودُ مباشرةً. يعني مثلاً: وقعَ في ذنبٍ مساءً ما آوى إلى فِراشِهِ إلا وهوَ تائبٌ مِنه, هذه الإنابة, أمّا الذي يقعُ في الذنب, ويتوبُ إلى اللهِ بعدَ أسبوع, أو بعدَ أسبوعين, أو بعدَ شهرٍ, أو شهرين, ليست هذه هيَ الإنابة، الإنابة هيَ المُسارَعةُ إلى اللهِ عزّ وجل، المُسرِعُ إلى مرضاتِه، الراجعُ إليه في كُلِّ وقت، المتقدّمُ إلى محابّهِ، المُبتَعِدُ عن مُسخِطاتِهِ. الحقيقة: قد يسألُ سائل: ما علاقةُ التوبةِ بالإنابة؟ أنتَ تُبتَ إلى الله, ولكن الإنابة التوبة المُستمرّة، الرجوع المستقر إلى الله عزّ وجل. ما تفصيل هذه التعاريف؟ : وقال العُلماء: الإنابةُ: الرجوعُ إلى الحقِ إصلاحاً كما رَجَعتَ إليهِ اعتذاراً, وأن ترجِعَ إلى الحقِّ وفاءً كما رَجَعتَ إليهِ عهداً, وأن ترجَعَ إلى الحقِ حالاً كما رَجَعتَ إليهِ مقالاً ، ما تفصيلُ هذه التعاريف؟. أولاً: الإنسان حينما يتوبُ إلى اللهِ عزّ وجل, يُقلِعُ عن كُلِ ذنبٍ اقترفه, لكن يا تُرى: هل يكفي أن أستقمَ على أمرِ الله, أم الإنابةُ الحقيقيةُ: أن أُبادِرَ إلى الأعمال الصالحة؟ الاستقامة من طبيعتها أنها سلبيّة, تركت إطلاقَ البصرِ إلى النِساء، تركت أكلَ المالِ الحرام، تركت الغيبةَ، تركت النميمة، الاستقامة أساسُها سلبيّ, لكن ألا ينبغي أن تعودَ إلى اللهِ عزّ وجل لتدعو إلى الله؟ أن تعودَ إليهِ مُصلِحاً بعدَ أن عُدّتَ إليهِ تائِباً, عُدتَ إليهِ تائباً والآن تعودُ إليهِ مُصلِحاً، الإصلاح فيهِ إيجابيّات؛ ماذا قدّمتَ ليوم القيامة؟ ما العملُ الذي ترجو اللهَ أن يقبَلَهُ مِنك؟ ما العملُ الذي تُعلّقُ عليهِ أهميةً في عودَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ كما قالَ النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا بِشر, لا صدقةَ ولا جِهاد, فبِمَ تلق اللهَ إذاً؟)) أنتَ في رحلة, سميتُها في خُطبة الجُمُعة: الحج رحلة قبل الأخيرة, لكن هُناكَ رِحلةٌ أخيرة: ما الذي بينَ يديك؟ ما الذي تحفلُ بهِ عِندَ اللهَ عزّ وجل؟. لو سُئلتَ: بماذا جِئتني يا عبدي؟ يقول: يا ربي, أنا استقمتُ على أمرِك, جميل, لكن استقمتَ فقط!! أنتَ حينما استقمت تعجلّتَ الراحةَ لقلبِك، أنتَ حينما استقمت ابتعدتَ عن آلاف المُشكِلات، ماذا قدمت؟ بماذا ضحيّت؟ ما الـذي بذلت؟ ما العمل الجليل الذي سعيتَ إليه وترجو بهِ رحمتي؟. من معاني الإنابة : الإنابة لها معنى سلبيّ ومعنى إيجابيّ، المعنى السلبيّ ترك المعاصي, يعني أنابَ إلى الله: رَجَعَ إليهِ تائباً، وأنابَ إليهِ: رَجَعَ إليهِ مُحسِناً، في الأولى تارِكاً للذنب وفي الثانية عامِلاً للصالِحات، فهذا المعنى الأول معنى إيجابيّ, يعني أنتَ حينما ترى إنساناً يحتاج إلى مُساعدة, تُبادر إلى خِدمَتِهِ, فإذا وقفتَ لتُصلّي, شعرتَ أنَّ اللهَ قد قَبِلَ هذا العمل، ألم تعلموا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: صدقةُ السِرّ تقعُ في يدِ اللهِ قبلَ أن تقعَ في يدِ الفقير؟. فنحنُ نُريد إنابة مع العمل الصالح لا إنابة مع التوبة، الإنابة مع التوبة وقعت وانتهى الأمر, تُبتَ إلى اللهِ من كُلِّ معصيةٍ، من كُلِّ مخالفة, من كُلِّ ذنب، أمّا الآن: تُريد أن تنيبَ إليه, وبيدِكَ عملٌ صالح, هذا هوَ المعنى الأول، المعنى الثاني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 70] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 160] أعطينا مفهومَ الإنابة مفهوم إيجابي، أنتَ قدّمت عملاً ثميناً, تبتغي بهِ رِضوان الله عزّ وجل. معنى آخر للإنابة : ومعنى آخر للإنابة: أن ترجِعَ إليه بالوفاءِ بعهدِهِ. أنتَ عاهدتهُ, أحياناً الإنسان يقفُ عِندَ الحجر الأسود, ويُقبلّهُ, ويذرِفُ الدمعَ غزيراً, ويقول: يا ربي عهداً على طاعتِك, عهداً على استقامتِك, شيء جميل, الإنسان لهُ أحوال مع اللهَ يُعاهِدهُ بِها. طيب: هذا العهد أينَ مضمونهُ؟ أينَ الوفاءُ بهِ؟ أينَ تحقيقُهُ؟ أينَ تنفيذُهُ؟ أينَ ترجمتـُهُ إلى لُغةِ الواقع؟ فأنتَ تعودُ إلى اللهِ مُعاهِداً, وتعودُ إليه مرةً ثانية مُوفيّاً بعهدِك، وُضِعت في ظرفٍ حَرِج, أنت ماذا عاهدت الله عز وجل حينما تُبتَ إليه؟ عاهدتَهُ على الإنصاف, والآن أنتَ أمام موقف ينبغي أن تُنصِف، ماذا سوفَ تفعل؟ إما ألا تُنصِف وإمّا أن تُنصِف. إذاً أول إنابة: أن تُعاهِدهُ على الاستقامة فهذه إنابة، ثمَّ أن تعملَ الصالِحات وهذه إنابة، أن تُعاهِدهُ على الإقلاعِ عن المعاصي هذه إنابة، وأن توفّي بعهدِكَ هذه إنابةٌ أُخرى. بماذا تؤيد هذه الآيات؟ : الآيات المؤيّدة لهذا المعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 10] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 34] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 91] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 177] لذلك الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف الآية: 2-3] قف عند هذه الكلمة : أنا أقول لكم أيها الأخوة: المؤمن في عِندهُ شفافية، لو فرضنا أنهُ عاهدَ اللهَ في لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ، في ساعةٍ من ساعاتِ ضيقهِ، في وقتٍ من أوقاتِ مِحنتهِ وشِدتّهِ، وبعد أسبوعٍ أو أسبوعين, وبعدَ شهر أو شهرين, ظهر موقف يقتضي بأن يوفّي بعهدِهِ, ألا تشعر أيها الأخُ المؤمن, أنَّ اللهَ يُعاتِبُك إن لم توّفِ؟. يعني: هل هُناكَ حساسية بحيث أنكَ تُحِسُ, وكأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول لكَ: يا عبدي أينَ العهد الذي بيني وبينك؟ ألم تُعاهدن أن تفعلَ كذا وكذا؟ ألم تُعاهدن أن تكظِمُ غيظَك؟ ألم تُعاهدن أن تكونَ حليماً؟ ألم تُعاهدن أن تتجاوزَ عن السيئات؟ فلمّا الإنسان ينشأ بينهُ وبينَ الله هذا الحِوار -إن صح التعبير- يعني أبسط حِوار كما قُلتُ لكم من قبل: إذا أردتَ أن تُناجيَ اللهَ عزّ وجل فادعوه, الدعاء مناجاة, وإذا أردتَ أن يُحدّثُكَ اللهُ عزّ وجل, اقرأ كِتابَ اللهِ عزّ وجل، فقراءةُ القرآنِ كأنَّ اللهَ يُحدّثُك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزُمر الآية: 53] إذا أردتَ أن تُحدّثَهُ, تقول لهُ: يا رب أقِل عِثاري، اغفر زلّتي, ارحم ضعفي، اقبل توبتي، أقِل عثرتي يا رب، يا رب ألهمني الصواب, اهدِني واهدِ بي، أرِني الحقَّ حقّاً وارزقني اتباعه. بماذا تتميز حياة المؤمن؟ : أجمل ما في حياة المؤمن: أدعيةٍ نبويةٍ, فيها جوامِعُ الحِكم, أن تحفَظَها, فكُلما خَلوتَ معَ ربِك, وأنتَ في الطريق, وأنتَ في موعدٍ مُهم, وأنتَ مُستيقظ صباحاً, يعني كُلما جلستَ إلى مائدةٍ, أذكار النبي في الحمدِ, والشُكرِ للهَ عزّ وجل, فإذا أردتَ أن تُحدّثَ اللهَ عزّ وجل فادعوه، وإذا أردتَ أن يُحدّثَكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن. يا موسى! أتُحِبّ أن أكونَ جليسَك؟ قالَ: وكيفَ ذلِكَ يا رب؟ قالَ: أما عَلِمتَ أنني جليسُ من ذَكَرَني, وحيثُ ما التمسني عبدي وَجَدَني. من أنواع الشكر لله عز وجل : بعضُهم قال: حينما تذكُر الله عزّ وجل فهذا نوعٌ من الشُكر, إذا ذكرتَ نِعمةَ اللهِ عليك. إذا الإنسان شَرِبَ كأساً من الماء, يعني الطُرق سالِكة, ليسَ هُناك حصيات, وليسَ هُناك انحباس في البول, وليسَ هُناك ضعف في عملِ الكُليتين, والأمور كُلها منتظمة, أليست هذه نِعمة كبيرة؟ لستَ مُضطراً لا أن تُصفّي دمَكَ في الأسبوع مرتين, ولا أن تُجري عملية تحطيم البحصة بالأشعّة. إذاً: هذه نِعمة، أنتَ كُلما دعوتَهُ في أحوالِكَ كُلِها, دخلتَ إلى بيتِك, لكَ مأوى, ولكَ بيت, ولكَ زوجة, ولكَ أولاد, وجلستَ إلى الطعام, والطعام موجود, ومعكَ ثمن الطعام، يعني الله عزّ وجل أكرمكَ بهذا البيت, وبهذه الزوجة, وهؤلاءِ الأولاد, فأنتَ حينما تدعو اللهَ عزّ وجل فأنتَ تذكُرُهُ؛ فالنعِمةُ معرِفَتُها شُكرٌ, والحمدُ عليها شُكرٌ, ومقابلة النِعمةِ بالأعمال الصالحةِ شُكرٌ, ثلاثة مستويات, يكفي أن تعرِفَ أنَّ هذه النعمة من اللهِ عزّ وجل, فهذا أحدُ أنواعِ شُكرِها, ويكفي أن يمتلئ قلبُك امتناناً من هذه النِعمة, فهذا مستوى أرقى، أمّا إذا انطلقتَ في خِدمةِ الخلق تعبيراً عن شُكرِكَ للهِ عزّ وجل, فهذا مستوى أرقى وأرقى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ الآية: 13] فقال: من علاماتِ النِفاق الغدرُ بعهدِ الله, هكذا رواهُ عليه الصلاة والسلام, فيما رواهُ البخاري. فيما رواهُ البخاري: أنَّ من علاماتِ النِفاقِ الغدرُ بعهدِ اللهِ عزّ وجل. متى تكون إنابة الحال؟ : بقي شيء آخر: هوَ الرجوعُ إليهِ حالاً بعدَ أن رَجَعتَ إليهِ مقالاً. يعني حالكَ مع الله دائماً، يجوز لِسانُكَ مع الله, يا رب تُبتُ إليك, لكن النفس موزّعة في الدُنيا, في شُعَبِها, في أوديتِها, في متاهاتِها, في شهواتِها، الآن نريد إنابة فوقَ الإنابة القولية: إنابة حاليّةِ. أن تكون نفسُكَ مُطمئنةً إلى الله عزّ وجل, سابحةً في ملكوت الله، يعني سارحةً في فضلِ الله, قريبةً من الله عزّ وجل, فأن تُنيبَ إليه هذه إنابة اعتذار، وأن تُنيبَ إليه إنابة وفاء بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة عهد، وأن تُنيبَ إليه إنابة حال بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة مقال. من علامات الإنابة : 1-الخروج من التبعات : بعض خصائص الإنابة: من علاماتِ المُنيب: أنهُ يخرُجُ من التَبِعات. يعني أيُّ عملٍ يضعهُ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ اللهِ عزّ وجل, يخافُ منه دائماً, هوَ خفيفٌ من التَبِعات، متى ينجو من التَبِعات؟ إذا أدّى الواجِبات. إذا وَصَلَ رَحِمَهُ، أدّى ما عليهِ من حقوق, بر والِديه, أنصفَ مع من معهُ، حينما تقعُ عليكَ التَبِعات, فلستَ منيباً إلى اللهِ أبداً، أحدُ خصائص المُنيب: أن يبتعدَ عن كُلِّ تَبِعةٍ تُحمّلهُ أمامَ اللهِ مسؤولية. سائل يسأل : أخ حدثني وسألني, ممكن أن أُصور سناً لمريض, المريض يأتي مجاناً في مستوصف, لكن علّمونا في الجامعة أكثر من صورة هذه قد تؤذي, هذا المريض الفقير لا يعرف, نصوّرهُ صورة واثنتين وثلاث وخمس, نتعلّم فيه, أنتَ حينما تفعلُ هذا, وقعتَ في التَبِعَةِ، وقعتَ في المسؤولية، أليسَ اللهُ يعلم أنهم قد علّموك: أن لا تُجري هذه الأشعة إلا مرةً واحدة مع المريض, لأخطارٍ تابِعةٍ في المستقبل؟ فأنتَ حينما تفعلُ شيئاً يَضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ الله عزّ وجل فلستَ منيباً، لذلك: الإسلام مسؤولية والإيمان مسؤولية، يا تُرى: أنتَ حينما يكونُ هذا المريضُ أمانةً في عُنُقِك، وهذا الموّكِلُ أمانةً في عُنُقِك, قد ترفع مذكِرة غير مُعتنى بِها, فيخسرُ موكّلُكَ القضية, وهوَ مُحِقٌ بِها, هذا أمانة عِندك، فمن علامةِ إنابَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل: أنكَ تبتِعِدُ عن كُلِّ تَبِعةٍ تضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ تِجاهَ اللهِ عزّ وجل. 2-التوجع للعثرات : ومن علامةِ الإنابةِ: أنكَ إذا عثرت، إذا زلّت القدم، إذا وقعتَ في مخالفةٍ، تتألمُ ألماً حقيقيّاً، أنا الآن أُعطيكم مؤشِرات، يعني ولو أن حيواناً مسستهُ بأذى, لا بُد من رفعِ هذه التَبِعة بالإحسانِ إليه, بمعالجتِهِ عِندَ طبيبٍ بيطري، إذا سببتَ لحيوانٍ أذىً, فأنتَ قد وقعتَ في تَبِعةٍ مع اللهِ عزّ وجل. دخلت امرأةٌ النارَ في هِرّةٍ حَبَستها. فالتخفف من التَبِعات أو الخروجُ من التَبِعات من علامةِ أهلِ الإنابة. الشيء الثاني: التوجّعُ للعثرات, يعني المؤمن يُحاسب نفسهُ حِساباً عسيراً حينما يُسيء, حينما يُخطئ دون قصد، حينما تزلُّ قدمُهُ، حينما ينطَلِقُ لِسانُهُ بكلمةٍ قاسيةٍ، حينما يفعلُ شيئاً يشعرُ أنهُ قد أخطأ هذه عَثَرَة، من علامات المؤمن: أنَّ العَثَرات توجِعهُ. قصة : البارحة في درس الفجر, أحد أخواننا حدثّني بقصّة بسيطة جدّاً, لكن أنا واللهِ استفدتُ مِنها, عرفتُ كم هيَ النفسُ دقيقة؟ قال لي: أنا اشتريت كوسا, ويوجد قطعة كوسا, لها استطالة طويلة, فانتزعها, ووضعتها في الميزان، بعد ما انتزعها, شعر أنهُ هوَ قد اشتراها بهذا الوزن فأعادها, ما وزنُها؟ خمسة غرامات, هذه الخمسة غرامات تسسببت لهُ مع الله أزمة. أردت من القِصّة: كم هيَ النفسُ دقيقة؟ حينما نزعت شيئاً, وزنهُ خمسة غرامات, وقعتَ معَ اللهِ في أزمة. لو واحد قال لكَ: خُذ تفاحة من التُفاحتين, فأخذت الكبيرة لنفسك, يا ترى: لو وزنتها بميزان حساس, ما في غرامين أو ثلاث، لو الوزن واحد, لكن واحدة لونها أحمر, شعرت مع اللهِ بِتَبِعة, لماذا استأثرتَ بالأطيب, بالأكبر, بالأجمل, بالأزهى؟ أنا أقول لكَ: حينما تخرُجُ من التَبِعة تشعرُ براحة. فهذه العلامة الثانية: الخروجُ من التَبِعات والتوجعُ للعثرات. 3-إدراك الفائتات : والثالِثة: إدراكُ الفائتات, في وقت مُعيّن فاتتكَ بعضُ الطاعات, فنُضاعف الجُهد، فاستدراكُ الفائتات, والتوجّعُ للعَثَرات, والخروجُ من التَبِعات, هذه علامةُ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل. 4-عدم الشعور بلذة الذنب : علامة رابعة: ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالانابةُ ليست صحيحة, يعني ممكن أن تشعر بسرور في بعض المعاصي، ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالإنابةُ ليست مُحكَمَةً ولا صحيحة. إليك هذا السؤال : لذلك قالوا: هُناكَ إنسانٌ تأمُرهُ نفسُهُ بالذنب, هيَ النفسُ الأمّارةُ بالسوء، وهُناكَ نفسٌ إذا اقترفت ذنباً لامت صاحِبها كثيراً, هذه النفسُ اللوامة، وهُناكَ نفسٌ مُطمئنةٌ إلى استقامتِها, وإلى رحمةِ ربِها، فهذه مرتبة. هذا مستوى, وذاكَ مستوى, والثالث مستوى. هُناك سؤال: يا تُرى أيُهُما أرقى عنَد اللهِ: أن تُصارِعَ نفسَكَ وأن تنتصِرَ عليها وأن تتمنى المعصية ولا تفعَلُها, أم أن تكونَ مُعافىً مِنها؟ هوَ حسب ما يبدو: أنَّ الإنسان حينما يُجاهدُ نفسهُ وهواه, يرقى عِندَ اللهِ عزّ وجل, لكن هذه المُجاهدة: يجب أن تنتهي بالإنسان إلى أن تُوافِقَ نفسهُ, أن يتوافقَ هواهُ مع ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام. نقطة مهمة : نقول لكم: وإن كانَ الإنسانُ حينما ترقى نفسهُ إلى درجة: أنَّ جِهادَ النفسِ والهوى يضعُفُ عِندهُ لا لشيء, إلا لأن نفسَهُ توافقت أحياناً معَ ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام، أنتَ راقب مؤمناً, في أول إيمانهُ يشعر بنشوة كبيرة, حينما يَغُضُ بَصَرَهُ, لماذا؟ لأن هذه النفس تدعوهُ إلى النظر لكنهُ انتصرَ عليها، لكن بعد أربع أو خمس سنوات من سلوكِهِ طريقَ الإيمان, لا يشعُر بهذه اللذّة مع أنهُ يَغُضُ بَصَرَهُ، هل نقول لهُ: إنكَ قد تراجعت؟ لا, لم تتراجع, لكن هذه مرحلة أرقى، الأولى مرحلة الصِراع، مرحلة المُجاهدة، نفسُكَ تتمنى الذنب، تتمنى المعصية، تتمنى سماعَ الغِناء، تتمنى إطلاقَ البصر، لكِنكَ تخافُ اللهَ عزّ وجل, حملتَها على الطاعة، جاهدتَ نفسَكَ وهواك، شعرتَ بلذّةِ الانتصار، شعرتَ بأنَّ اللهَ أغلى عِندَكّ من كُل شهواتِك فارتقيت. هذا هوَ السِرّ الذي يُحير معظَمَ المؤمنين، يقول لكَ: يا أُستاذ, أول ما تعرفت إلى الله عزّ وجل, عِشتُ سنتين ثلاثة بسعادة لا توصف، عِشت بسرور كأنني طائر، كأنني مع الملائكة، والآن عادي, لا, لستَ عادياً الآن والآن رقيت، لكن كانت نوازِعُ المعاصي قويّة عِندَك, فلمّا تغلبّتَ عليها, شعرتَ بلذّةِ الانتصار, فارتقيتَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، أمّا الآن نوازع المعصية ضَعُفت, وقَويت نوازِع الطاعة، لم يعد هُناكَ ذاكَ الصِراع الذي تعهَدُهُ من قبل, لذلك لذّة النصر خفّت. إذا كان عدو شَرِس وانتصرت عليه, تُحسُّ أنكَ بطل، أمّا إذا واحد مُصارع, جاءهُ شاب صغير, حديث العهد بالمُصارعة, فبضربة واحدة أنهاه, يحتاج لتصفيق حاد, لا, لأن هذه ليست بطولة، فحينما ترتقي نفسُك, وتسمو نوازِعُك, وتميل إلى الحق دائماً, وتبتعد عن كُل مظان المعاصي, عندئذٍ قد يخِفُّ شعور لذّة النصر عِندَك, هذا هوَ بعضُ أسرارِ ما يَظُنُهُ الناسُ تراجُعاً, ليسَ هذا تراجُعاً أبداً, إنما هيَ مرحلة أُخرى من مراحل السير إلى الله عزّ وجل. الأولى: واستعينوا بالصبرِ, والمرحلة الثانية: الصلاةِ, المرحلة الثالثة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر الآية: 27-30] كُلكُم يعلم أن هُناكَ نفساً أمّارةً بالسوء، وأنَّ هُناكَ نفساً لوّامةً، وأن هُناكَ نفساً مُطمئنةً, اطمأنت إلى صِدقِ سلوكِها, وصِدقِ طَلَبِها للهِ عزّ وجل, واطمأنت إلى رحمةِ اللهِ عزّ وجل. 5-ترك الاستهانة بأهل الغفلة : شيء آخر: من علاماتِ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل: تركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة. أحياناً الإنسان من رعوناتِهِ، الإنسان في أولِ طريقِ إيمانِهِ: تاب إلى الله, كُلما ألقى نظرةً على إنسان متلبّس بمعصية, احتقرهُ وازدراه واستعلى عليه, هذه من رعوناتِ المؤمن في أولِ إيمانِهِ, من كمالِ إنابَتِكَ إلى الله عزّ وجل: أن تدعَ الاستهانةَ بأهلِ الغفلة، السبب: يُحتمل أن هذا الغافِل, أن هذا المُسيء يتوب بعدَ حين, ويشتدُّ صِدقُهُ معَ اللهِ عزّ وجل, ويتجاوزُكَ بمراحِلَ كثيرة، ما دام حيّ لم يُختم عَمَلُهُ. ممكن أنتَ لكَ سُرعة, فهوَ واقف الآن, وأنتَ ماشي, لكن أنتَ ماشي على الثلاثين, وهوَ الآن واقف, فلو صحا ورَكِبَ مركبة على المئة وعشرين, فتبقى أنتَ في الخلف، فحتى أهل الغَفَلات, يمكن أن يتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً, والحياة مليئة بالشواهد. هُناك أُناس كانوا غارقين في المعاصي, فَرَجعَوا إلى الله رجعةً لو وِزعّت على أهلِ بلدٍ لكَفتهُم، فمن علامة المؤمن أن يدعو لهم بالهِداية، يتمنى لهم التوبة، يسألُ اللهَ السلامة، يسألُ اللهَ المزيد، أمّا حينما يحتَقِرُ أهلَ الغَفَلات, ويستعلي عليهم ويزدريهم, فإنابَتُهُ إلى اللهِ عزّ وجل ليست صحيحة وليست مُحكمة، لم يتأدّب بآداب الإيمان بعد. قال: كُلما تقدّمتَ في طريقِ الإيمان, تخافُ على نفسِكَ, وأنتَ في قِمّةِ الطاعات, وترجو لهم الرحمة من الله عزّ وجل, وهم في المعاصي, لأنَّ الصُلحة في لمحة، يكفي أن يقول العبدُ: يا رب, فيقول الله عزّ وجل: لبيكَ يا عبدي، فأول علامة رابعة من علامة المُنيب: تَركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة والخوفُ عليهم مع فتحِكَ بابَ الرجاءِ لنفسِك, والأرقى من ذلك: أن تخافَ على نفسِك وأنتَ في الطاعة، وأن ترجو لهم التوبةَ والإنابة وهم في المعصية. 6-استقصاء رؤية العلل : من علاماتِ الإنابةِ إلى اللهِ عزّ وجل: استقصاءُ رؤيةِ العِلل. يعني يقول لكَ: أنا والله ما في منّي, الناس كُلُها هالِكة, وكُلُها ضالّة, وكُلُها واقعة بالحرام, وأنا دخلي حلال, واستقامتي, وزوجتي محجّبة, وبيتي إسلامي, حينما تظُنُ أنهُ ليسَ في حياتِكَ عِللٌ, فهذه أكبرُ عِلّةٍ، لأنهُ: سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: ((سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) فمثلاً: يقول مؤلفُ الكتاب: كم في النفوسِ من عِللٍ وأغراضٍ وحظوظٍ تمنعُ الأعمالَ أن تكونَ خالِصةً للهِ تعالى؟ المُشكلة: أنهُ في ظاهر وفي باطن، الظاهر: الصلاة والصوم والحج والزكاة، والظاهر: أنهُ أنتَ تصدّقت وزكيت ودفعت, شيء جميل, أنا أُريد القلب, ماذا أرادَ من دفعِ هذا المال؟ أن ينتزَعَ إعجابَ الناس أم أن يتقرّبَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ لذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزُمر الآية: 2] قالوا: فأعبد اللهَ في أعضائِك وجوارِحِك, بسمعِكَ وبَصَرِكَ ولِسانِكَ, لكن كيفَ يعبدُ القلبُ اللهَ عزّ وجل؟ بالإخلاصِ إليه, والإنابة إليه, والتوكلِ عليه، فلذلك موضوع الإخلاص موضوع مُهم جداً, بينَ القلبِ وبينَ العملِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق، وبينَ القلبِ وبينَ اللهِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق. عمل لا يُثمر ثِمارهُ في القلب, يوجد موانع, الآن وصلت ثِمارُ هذا العمل إلى القلب, بقيَ أن يُرفعَ إلى اللهِ عزّ وجل, وأيضاً يوجد موانع، فالعُجب يمنع، الإدلال بالعمل يمنع، أن ترى هذا العملَ عظيماً, وقد قدّرَهُ اللهُ على يديك, والناسُ بعيدونَ عنهُ هذا يمنع، العُجب والإدلال والرؤيا هذه مانعة من قَبولِ العمل, وفي أشياء تمنع من وصول ثِمار العمل إلى القلب. إذاً: هذه أيضاً من علامة الإنابة الصحيحة: أن تكونَ معافى من هذه القواطع التي تقطعُ آثارَ العمل الصالِحِ إلى القلب, وتقطعُ انتقالَ العمل الصالِحِ إلى الرب، من هذه الموانع التي تمنعُ أن يكونَ العملُ مقبولاً كما قُلتُ قبلَ قليل: الكِبرُ, والإعجابُ, والإدلالُ, ورؤيةُ العملِ, ونسيانُ المِنّةِ, وعِللٌ خفيّةٌ كثيرة، فالإنسان عليه أن يستقصي نيّتهُ, وعليهِ أن يُطهّرَ نفسَهُ, حتى يكونَ العملَ الذي عَمِلَهُ كُلُهُ مقبولاً. وعلى كُلٍ؛ هذه منزِلةٌ من أهم المنازل, والآيات التي تحدّثت عنها كثيرةٌ جداً، الإنابةُ إلى الله, العودةُ إليهِ بشكل مستمر, عودة اعتذار وعودة إصلاح، عودة عهد وعودة وفاء، عودة قال: وعودة حال. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 02:44 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.