![]() |
تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفاتحة (1) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الأخوة المؤمنون، نحن بدأنا تفسير كتاب الله من سورة لقمان، ولم نختم بعدُ كتاب الله سبحانه وتعالى، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمدنا جميعاً بقوة منه، كي نتابع فهْمَ كتاب الله وتطبيقه والأخذَ به. القرآنُ الكريم جُمع في الفاتحة: سوف نفسِّر إن شاء الله تعالى سورةَ الفاتحة، لأن هذه السورة عظيمة القدرِ، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) [ مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/01.jpg سماها النبي عليه الصلاة والسلام أساس القرآن، وسماها أم القرآن، وسماها فاتحة الكتاب، ولها عشرة أسماء، وقد جُمع القرآنُ في الفاتحة، لهذه الأسباب كلِّها رأيت من المناسب أن أفسر سورةَ الفاتحةِ بعد السورِ القصيرة الأخيرة التي خُتم بها القرآن الكريم. أولاً يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾ (سورة النحل) أجمع العلماء أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست آية، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ القرآن الكريم إلا ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾ (سورة النحل) العلماء قالوا مندوب أن نقرأها في غير الصلاة وواجب أن نقرأها في الصلاة، فيجب أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة ولكن سراً، تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، سراً، ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم سراً. النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين: أما البسملة فالأكثرُ على أنها تُقرأ جهراً، وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى أن تُقرأ أيضاً سراً، ومذهبُه رضي الله عنه يبدأ القراءة بقوله: الحمد لله رب العالمين، لكن الأكثرَ على قراءة البسملة جهراً، أما التعوذ فيجمعون على أنه يُقرأ سراً وهذا في الصلاة. (( اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )) [البخاري عن سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ] إذا سافر عليه الصلاة والسلام وأدركه الليل ونزل في أرض فإنه كان يقول: (( يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد )) [رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ] النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾ (سورة الفلق) وأيضاً: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾ (سورة الناس) الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة "الله": http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/02.jpg قال بعضهم: العوذ هو الالتجاء لقوي كي تتقي به الشر، وأما اللوذ بمعنى لاذ به، الاحتماءُ بقويٍّ من أجل أن يجلب لك الخير، عاذ به، ولاذ به، عاذ اتقاء للشر، ولاذ طلب الخير، فربنا سبحانه وتعالى يأمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما كلمة الله فهي اسم الله الأعظم الجامع للأسماء الحسنى كلها، وهو عَلَمٌ على الذات، وأكبر أسماء الله اسم الله الأعظم، يجمع كل أسمائه، أعوذ بالله، يعني أعوذ بالله الرحيم، أعوذ بالله الحكيم، أعوذ بالله اللطيف، أعوذ بالله القوي، أعوذ بالله الغني، أعوذ بالله العادل، أعوذ بالله الفرد، الصمد، الواحد، الأحد، القهار، الجبار، أعوذ بالله الودود، إذا قلت: الله، فإن الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة الله، لو قال قائل: أعوذ بالرحيم، والأمر محتاج إلى قوة، فهذه الاستعاذة لا تصح، أما أعوذ بالله إن كنت تخاف شيئاً قوياً فَعُذْ بالله فهو القوي، وإن كنت بحاجة إلى رحمة فعذ بالله فهو الرحيم، وإن كنت بحاجة إلى إمداد فعذ بالله فهو رب العالمين، وإن كنت بحاجة إلى لطف فعذ بالله فهو اللطيف الخبير، وإن كنت بحاجة إلى علم فعذ بالله فهو العليم الخبير، فكلمة أعوذ بالله يعني أنا ألتجئ إلى الذات الكاملة التي جمعت الأسماء الحسنى كلها، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾ (سورة الأعراف) الله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً: لِمَ سُمِّي الشيطان شيطاناً ؟ لأنه شَطَنَ، بمعنى ابتعد وخرج عن طريق الحق، والله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً، قال تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾ (سورة البقرة) وقال: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾ (سورة طه) وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾ (سورة فصلت) ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن: ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن، قال تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾ (سورة المائدة) إذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى يهديك بمنهجه إلى سبلِ السلام، سلام في بيتك، سلام في صحتك، سلام في أولادك، سلام في تجارتك، سلام في عملك، سلام في ماضيك، سلام في حاضرك، سلام في مستقبلك، سلام في خريف عمرك: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾ (سورة المائدة) الشيطان هو ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم الذي رسمه الله لعباده المؤمنين: عندما يطبق الإنسان المنهج الإلهي يَسْلَم، وللإيضاح أضرب مثلاً بآلة ثمينة جداً، معها تعليمات دقيقة جداً من خبراء الشركة، إذا اتبعتَ التعليمات فإن هذه الآلة تخدمك إلى أمد طويلٍ طويل، وإذا خالفتَ التعليمات فسوف تصاب بالعطب، وتخسرها، وتخسر ثمنها، إذاً مَن هو الشيطان ؟ ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم، الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، لذلك قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) ﴾ (سورة الإسراء) من منا لا يحب أن يعيش حياةً سعيدة فيها سلام، وفيها رضا، فيها طمأنينة، وفيها ثقة بالله، من منا لا يحب أن ينجو من الخوف، وأن ينجو من القلق، أن ينجو من القهر، وأن ينجو من الألم: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾ (سورة المائدة) كل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان: إذاً الشيطان ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج الإلهي، وكل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان، هناك شياطين الإنس، وهناك شياطين الجن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾ (سورة القصص) يعني خرج عن طريقتهم الصحيحة، قال تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) ﴾ (سورة طه) الطغيان خروج عن طريق الحق، والبغي خروج عن طريق الحق، والشطن خروج عن طريق الحق، والفسق خروج عن طريق الحق، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ﴾ (سورة الأنعام) وقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) ﴾ (سورة الكهف) يُحمد الله مرتين ؛ مرةً على خلق السماوات والأرض، ومرة على هذا المنهج القويم الذي أنزله على أنبيائه. ما دمت في طاعة الله فأنت في ظلّ الله وذمته: ملخص الكلام أن لله في الأرض منهجاً، وأن لله في الأرض قرآناً، وشرَعَ لنا شرعاً، فما دمت ضمن الشرع فأنت في سلام، في حياتك الدنيا، ويوم تقوم الساعة، ويوم تقوم القيامة، وأنت في جنات عدن خالداً فيها إلى أبد الآبدين، مادمت وفق هذا المنهج، فإذا خرجت عنه تدفع الثمن، ما دمت في طاعة الله فأنت في ظل الله وذمته، فإذا خرجت عن طاعته خرجت من حيّز ظله، تحمَّل المتاعب حينئذٍ، جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله عظني وأوجز، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال إذاً فاستعد للبلاء. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/04.jpg قضية واضحة كالشمس، إما أن تطبق التعليمات، وإما أن تستعد للبلاء، قل أعوذ بالله من الشيطان، هذا المخلوق الذي طغى، والذي غوى، والذي بغى، والذي شطن بمعنى ابتعد، وبعضهم قال: الشيطان من شاط، بمعنى احترق، احترق بنار البُعد، شقي بالبعد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((.. فالناس رجلان رجل بَرَّ تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله..)) [الترمذي والبيهقي عن ابن عمر] أي لو أن في الأرض إنساناً واحداً بعيداً عن الله، وهو يعيش سعيداً رغْمَ بُعْده عن الله لكان هذا الدين باطلاً، ولو أن إنساناً واحداً كان متصلاً بالله، وهو شقي في حياته رغمَ طاعته وتقواه لكان هذا الدين باطلاً، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾ (سورة طه) وقال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) ﴾ (سورة النحل) آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بالتعويض الجزيل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجيم أي البعيد، والأصح من كلمة البعيد المُبعَد لأنه خرج عن طريق الحق، وشطن ابتعد فاحترق فأبعد، قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر، الشيطان يخوفكم، الشيطان يأمركم بالفحشاء من طريق الأمر بالفحشاء، يغريك بالمعاصي، يزين لك المعاصي، يعدك بالفقر، يوسوس لك إذا أنفقت مالك تبقى فقيراً، ثماني آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم بالتعويض الجزيل قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) ﴾ (سورة البقرة) وقال: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾ (سورة سبأ) وقال: ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾ (سورة النساء) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة واجبة: إذاً: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (98) ﴾ [سورة النحل] إذا قرأته خارج الصلاة فهذا مندوب، أما إذا قرأته في الصلاة فهذا واجب، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعوذ بالله من كل شيء، من دار يدخلها، ومن دابة يركبها، كان إذا ركب دابة يقول: (( أعوذ بالله، اللهم إني أسألك خير هذه الدابة، وخير ما خُلقت له، وأعوذ بك من شرها، وشر ما خلقت له.)) [ورد في الأثر] الاستعاذة بالله من دابة، من بيت، من عمل لا يرضي الله عز وجل، من رفقاء السوء، من نزهة قد تكون فيها النهاية الوبيلة. الإنسان المؤمن من علامة إيمانه أنه دائماً يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنْ يضله، أو أن يغريه، أو أن يفسده، أو أن يفتنه، أو أن يحمله على معصية، أو أن يوسوس له، أو أن يبعده عن أهل الحق، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هناك معنيان للبسملة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/05.jpg أما كلمة ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فلها حديث طويل، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل: ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾ (سورة النمل) النبي عليه الصلاة والسلام من سنته المطهرة أنه كان يبدأ كل أفعاله ببسم الله الرحمن الرحيم، ونحن نرى على مقدمة الكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وفي أكثر المجالات بسم الله الرحمن الرحيم، وأصبحت تقليداً، قد يكون الكتاب يتحدث عن نظرية داروين، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، البسملة خلاف المضمون. الموضوع في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أن هذه الباء حرف جر، أي أبدأ بسم الله، وأسماء الله كلها حسنى، الرحمن الرحيم، كأن الكلام ناقص، هناك فعل يتعلق بهذه الباء، يعني أبدأ عملي بسم الله، آكل بسم الله، أؤلف هذا الكتاب بسم الله، أصدر هذا الحكم كقاضي بسم الله، فما معنى بسم الله ؟ إذا أردت أن تأكل، وقلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ هناك معنيان لهذه البسملة: 1ـ المعنى الأول أن طعامك وشرابك وغير ذلك إنما هو من نعمِ الله عز وجل: أن هذا الطعام الذي تأكله إنما هو من نعمِ الله عز وجل، فكل هذا الطعام باسم الرزاق، كل هذا الطعام باسم المغني، بسم المقيت، بسم المجيد، بسم الواهب، بسم اللطيف، بسم الله، الله كما قلت قبل قليل: اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فإذا قلت: باسم الله فالبسملة بحسب الموضوع الذي أنت بصدده، فإذا أكلت، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أنك آمنت بأن هذا الذي تأكله من صنع الله فهل فكرت في ذلك ؟ وأن الله سبحانه هو الرزاق، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)﴾ (سورة يس) إذا شربت كأس ماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم، هل فكرت في أن هذا الماء أصله شمس سُلطت على بحار شاسعة، فتبخر ماؤها، وتقطر، وأصبح بخاراً عالقاً في الجو، واجتمع سحباً ساقته الرياح إلى أرض عطشى، أنزله الله بفضله وبقدرته ماءً ثجاجاً أنبت به الزرع والزيتون، أودعه في الجبال، فجره ينابيع، أساله أنهاراً، فالشمس ساهمت في هذا الكأس، والمجرات، والأنواء، والمناخ، والرياح، والحرارة، والبرودة، والجبال، فإذا قلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أي هل فكرت بسم الرزاق، باسم المعطي، باسم الواهب، باسم الغني، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ يعني أشرب الكأس بسم الله الرحمن الرحيم. 2ـ المعنى الثاني أن لله في خلقه سنةً: أن لله في خلقه سنةً، في شرب الماء إذا قلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فلا ينبغي أن تشرب الماء خلاف السنة، أن تشربه مصاً، ولا تعبه عباً، أن تشربه على ثلاث مراحل، أن تشربه وتحمد الله عز وجل، أن تبعد الإناء عن فيك، ألا تتنفس في الإناء، هذه سنة النبي المطهرة، نهانا عن التنفس في الإناء. الآن ثبت أن هناك أمراضاً تنتقل عدواها عن طريق الزفير الذي يختلط بالماء المشروب، فقال عليه الصلاة والسلام: (( أَبِنْ القدح عن فيك.)) [رواه البيهقي وسمويه عن أبي سعيد الخدري] بين الشربتين أَبِنْ القدح عن فيك، لئلا يختلط النَفَس بالماء، وكان عليه الصلاة والسلام قد قال: (( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب.)) [رواه ابن السني والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها] مرض الكبد يأتي من عب الماء، وكان عليه الصلاة والسلام إذا شرب حمد الله وكل هذا من سنته المطهرة، إذا قلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لها معنيان، الأول: هل فكرت في هذه النعم ؟ والثاني: هل أنت مطبق سنة رسول الله في شرب الماء ؟ هذا في الشرب. على الإنسان أن يحمد الله ويشكره على نعمه في كل حركاته وسكناته: في الطعام، قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾ (سورة الأعراف) كلوا واشكروا له: (( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وسقاني فأرواني.)) [أبو يعلى عن عبد الله بن قيس] (( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها.)) [رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه] ليرضى عن العبد، يعني إذا أكل الإنسان وشبع فليقل: الحمد لله، فإذا قلت: بسم الله فهذه التسمية تعني أنْ فَكِّر في هذه النعم، وأنها من رزق الله تعالى، وطبق أمر الله في الطعام، وإذا دخلت البيت وقلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله عز وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/06.jpg ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾ (سورة النور) إذاً بيوتكم أولى بالسلام على مَن فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما معناه: إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلم على أهله قال الشيطان وجدنا المبيت، فيبيت الشيطان في المنزل، ويعيث فيه فساداً ما شاء له أن يعبث تلك الليلة، إذاً إن هذا أمر الله، وهو أن تسلم إذا دخلت المنزل، وإذا قلت: بسم الله، وفتحت باب المنزل، فلتقل أيضاً: الحمد لله الذي آواني، فكم من الناس من لا مأوى له، هل شعرت أن هذه نعمة، نعمة المأوى كبيرة جداً ؟ كم ممن لا مأوى له، في أكثر دول شرقي آسيا ينام الناس على الأرصفة، يتخذون بيوتاً قوارب في الأنهار، في بعض الدول الفقيرة تشاهد الآلاف ينامون هم وزوجاتهم وأولادهم على الرصيف، وصار ذلك منظراً مألوفاً جداً في بلادهم، فإذا كنت في بيت وفتحت باب البيت وقلت: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فمعنى ذلك: الحمد لله الذي آواني، وتذّكرت كم من الناس مَن لا مأوى له. بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر: هل رأيت نعم الله عز وجل ؟ إذا فتحت الماء لتتوضأ، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هل عرفت أن هذه نعمة لا تُقدر بثمن، نعمة الماء داخل المنزل، الآن إذا دخلت إلى البيت وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾ (سورة النساء) (( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.)) [ورد في الأثر] يعني البسملة، إذا قدت سيارتك وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فليبادر ذهنك إلى أين أنت ذاهب ؟ هل أنت ذاهب إلى مكان لا يرضي الله عز جل، فيتناقض ذلك بين البسملة وبين هذا المكان، فتنثني عن ذهابك عندئذٍ وتعود إلى صوابك. هل تشكر الله على نعمة المركب ؟ هل تسخرها لعباد الله ؟ هل تعين بها الضعيف ؟ هل تنقذ بها المريض ؟ القضية واسعة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر.)) [أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة] يعني: مقطوع الخير، ألَّفت كتاباً، هل تذكر في الكتاب شيئاً باطلاً، فإذا كتبت في صدر صفحاته بسم الله، فإنك تدقق: هل هدفك من هذا التأليف خالص لوجه الله أم تبتغي به السمعة والرفعة، بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر. العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم: هذه البسملة تضعك أمام شيئين، تذكرك بنعم الله عز وجل، وأن هذا من نعمة الله، وتذكرك بأمر الله في هذا الموضوع، في الطعام، في الشراب، في دخول المنزل، في الخروج إلى السوق، وكان النبي الكريم يعوذ بالله من صفقة خاسرة إذا دخل السوق، ويمينٍ فاجرة، يقول لك البائع: الله وكيلك بعتُك برأسمالها، وهو يكذب، لقد باع دِينَه كله بكلمة واحدة، النبي كان يعوذ بالله من يمين فاجرة، ومن صفقة خاسرة، فإذا جمع الإنسان مالاً من حرام فإنّ الله عز وجل يريه أن هذه الصفقة فيها ربح وفير فيشتريها، ويكون إفلاسه عن طريقها، هذا الذي جمعه من حرام أذهبه الله في صفقة خاسرة، فإذا دخل الإنسان إلى السوق فهناك بسملة، إذا دخل بيته فهناك بسملة، إذا ركب في مركبة فهناك بسملة، إذا شرب الماء، إذا تناول الطعام، حتى إذا التقى مع أهله فهناك بسملة، لئلا تأتيك ذرية سيئة، بسم الله، فهذه الباء تعني التجئ وألوذ بسم الله، آكل بسم الله، أتزوج بسم الله، أدخل إلى بيتي بسم الله، دائماً هذه البسملة تذكرك بأسماء الله الحسنى، وتذكرك بأوامره المثلى، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وبعد فالحقيقة إن العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم. قال بعضهم: الرحمن بخلقه جميعاً، والرحيم بالمؤمنين. وقال بعضهم: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها. وقال بعضهم: الرحمن في الأولى، والرحيم في الآخرة. وقال بعضهم: الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله. وهذا الأخير من أوجه التفسيرات، لأنك قد تلتقي بطبيب يرى مريضاً فيسرع إلى إنقاذه أمام ملأ من الناس، فإنقاذُ هذا المريض يكسب الطبيبَ سمعةً طيبة، فنقول: هذا الطبيب رحيم، لكن الطبيب لا ينطوي على رحمة في قلبه، بل فعَلَ هذا ابتغاء السمعة، فهو رحيم، لكنه لم ينطلق في عمله من رحمة في قلبه. الرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/07.jpg هناك فرق بين الرحمن والرحيم، الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، وأفعاله رحيمة، الرحمن الرحيم، والرحمة شيء يبعث الراحةَ في النفس، فالمطر من رحمته، تهطل الأمطار فتمتلئ الينابيع، وينبت النبات، وتثمر الأشجار، ونأكل، وترخص الأسعار، فهذا من رحمته، والأبناء من رحمته، يبدلون سكون البيت حركة وحياة، ويبعثون الأنس في البيت، وإذا كبر الابن يعين والديه، فالابن رحمة من الله، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (84) ﴾ (سورة الأنعام ) وهبنا له، فالرحمة كل شيء يرتاح له الإنسان، فأن تعمل هذه الأجهزة عملاً منتظماً فهو من رحمة الله، وأن تأكل طعاماً لذيذاً فهو من رحمة الله، وأن تشرب ماءً عذباً فراتاً فهو من رحمة الله، وأن تسكن إلى زوجة، تطيعك إذا أمرتها، وتسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، فهو من رحمة الله، وأن ترى طفلاً كالملاك يتحرك في البيت، فهو من رحمة الله، وإن كان لك عملٌ يدرُّ عليك دخلاً فهو من رحمة الله، وإذا ذهبت إلى بستان فمتعت النظر بجماله فهو من رحمة الله، وإذا هبت نسمات لطيفة عَطَّلت عمل المكيفات، وأوقفته فهو من رحمة الله، وإذا كان الدفء فهو من رحمة الله، فالرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾ (سورة هود) ليرحمنا في الدنيا، ويرحمنا في الآخرة، أما أن يقول الإنسان: سبحان الله، خلقنا الله ليعذبنا، هذا كلام الشيطان، ما خُلقت يا أخي للعذاب بل خُلقت للرحمة، كي يسعدك في الدنيا والآخرة. الله تعالى خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير: في الدنيا إذا آمنت بالله يمتعك إلى حين ويؤتي كل ذي فضل فضله، حتى في الدنيا فيها سعادة، وفيها سرور لمن أطاع الله عز وجل: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ( 147)﴾ (سورة النساء) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/08.jpg خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير، ولكن العذاب الذي يعذبنا الله به من صنع أيدينا، من معاصينا، من ضلالنا، من انحرافنا، من طغياننا، مِن بُعْدِنا، ومن تقصيرنا، حتى الهمُّ يهتم له الإنسان إنه انعكاس لأعماله الزائغة. بعضهم قال: هذه البسملة ينبغي أن تدور مع الإنسان في كل نواحي حياته، وفي كل نشاطاته، إذا قام ليتوضأ، إذا دخل البيت، إذا قام ليأكل، إذا قام ليشرب، قمت لتأكل فقلت بسم الله الرحمن الرحيم، النبي أمرنا بالوضوء قبل الطعام، ووضوء الطعام ليس وضوءاً كاملاً، غسل اليدين والفم فقط: (( وبركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده.)) [أبو داود والترمذي عن سلمان] أجمع العلماء على أن وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، وضوء الطعام غسل اليدين والفم، كنت في الطريق، غبار، صافحت إنساناً، أمسكت بحذائك، يعني هذه اليد أمسكت بأشياء كثيرة، بركة الطعام الوضوء قبله، فلو قمت إلى الطعام فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قف اذهب واغسل يديك وفمك، هذا معنى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تسمية الفاتحة بعدة أسماء: قال تعالى: ﴿ الحمد لله رب العالمين(2) ﴾ (سورة الفاتحة) الآن نبدأ بالفاتحة، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة، لقوله: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.)) [متفق عليه عن عبادة بن الصامت] شيء آخر سُميت الفاتحة بسورة الحمد لأنها مصدرة بالحمد لله رب العالمين، وسميت فاتحة الكتاب لأن القرآن الكريم افتتح بها، وسميت أم الكتاب، وأم الشيء أصله، ربنا عز وجل قال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (7) ﴾ (سورة آل عمران آية 7 ) آيات الفاتحة كلها آيات محكمات، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام أم الكتاب، وسُميت أم القرآن، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع المثاني.)) [الترمذي عن أبي هريرة] سميت الشفاء، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (( في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء.)) [البيهقي عن عبد الله بن جابر] سُميت الأساس، أساس الكتاب القرآن، يعني أساس الكتب السماوية القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وسُميت الوافية، وسميت الكافية، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضاً عنها.)) [الحاكم عن عبادة بن الصامت] وقد ورد في تفسير القرطبي: " إن جميع القرآن فيها ". أذكر حديثاً روى عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنّ الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب، جمع سرّها في الأربعة، وجمع سرّ الأربعة في القرآن، وجمع سرّ القرآن في الفاتحة، وجمع سرّ الفاتحة في هاتين الكلمتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.)) [مسلم عن أنس بن مالك] الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها: سأتلو عليكم حديثاً شريفاً يبعث في أنفسكم الطمأنينة هو: (( الحمدُ على النعمة أمانٌ لزوالها.)) [الديلمي عن عمر] أية نعمة تحمد الله عليها لن تزول، ولن تضيع، وأن تقول الحمد لله على النعمة أمان من زوالها، وهناك حديث دقيق جداً يقول الحسن: " ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها." كيف ؟ يعني إذا أعطاك الله نعمة الصحة، وكنت شديداً عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان، لا بد من سنوات تمضي وتمضي حتى يأتي الأجل، ويموت الإنسان فأين هذه النعمة ؟ زالت، لكنك إذا حمدت الله عليها، وارتقت نفسك في مدارج الحمد، وسَمَتْ سعدت بحمدك إلى الأبد، إذاً الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها قال الحسن: "ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها ". لو أنك وهبت زوجةً صالحة، فأعانتك على متاعب الحياة، وحصنتك، وسكنت إليها، فلا بد من ساعة تفارقها، أو تفارقك، إما أن تفارقها أولاً، وإما أن تفارقك أولاً، لكنك إذا حمدت الله على نعمة الزوجة الصالحة فإنّ هذا الحمد تسعد بثوابه إلى أبد الآبدين. الحمد لله على النعمة أمان من زوالها: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/09.jpg لذلك لقي أحدُهم شريحاً القاضي، فقال: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين سنة لم أجد ما ينغص حياتي، أو يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك ؟ قال: خطبت امرأة من أسرةً صالحة، فلما خلوت بها، صليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت وجدتها تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر بشكري، فلما دنوت منها قالت: على رسلك يا أبا أمية، إني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله، فاتقِ الله فيّ، وامتثل قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) ﴾ (سورة البقرة) قال: ثم قعدتْ، يعني هذه الزوجة الصالحة تنتظر ردّ زوجها، ذكرت هذه القصة للإفادة مما فيها من عِبر، فالقاضي شريح، حينما دخل على زوجته الصالحة صلى ركعتين صلاة الشكر، إذاً الحمد على النعمة آمان من زوالها، أية نعمة، نعمة الصحة لن تزول، يمتعك الله بسمعك، وبصرك، وعقلك، وقوتك ما أحياك، هل تغض الطرف عن محارم الله هذه العين لن تُفجع بها، هل تمسك أذنك عن سماع أي صوت لا يرضي الله، هذه الأذن لن تفجع بها، هل ينطق لسانك بالحق، ولا ينطق بالباطل، هذا اللسان لن تُفجع به، هذه الذاكرة، تستخدمها لماذا ؟ بالحق أم بالباطل ؟ إن استخدمتها في حفظ كتاب الله، وحفظ أحكام الله، وحفظ الأحاديث الشريفة، فإن الله سبحانه وتعالى لن يفجعك بها، وهذه اليد، وهذه القوة وغير ذلك من النعم، فالحمد لله على النعمة أمان من زوالها. كلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها: قال عليه الصلاة والسلام: (( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ)) [ابن ماجة عن أنس بن مالك] العبد ماذا أعطي ؟ هذه الكلمة، كلمة الحمد لله، هذه الكلمة التي أعطاها العبد لربه أفضل عند الله مما أخذ، لو أخذ بيتاً ثمنه خمسة ملايين، وقال: يا رب لك الحمد، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من هذا البيت، لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب، لكن هذا الحمد يسعد به الإنسان إلى الأبد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك كله.)) [الديلمي وابن عساكر وابن النجار عن أنس] الدنيا بحذافيرها يعني بيوتها الفخمة، وبساتينها النضرة، ومالها الوفير، ونساءها الجميلات، ومراكبها الفخمة، كلمة الحمد لله يعني أنك تعرف الله، وإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا فتّه فاتك كل شيء، لو أن الدنيا بحذافيرها بيدك وقلت: الحمد لله، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها. لذلك العلماء حاروا أيهما أفضل، الحمد لله، أم لا إله إلا الله ؟ هناك أقوال تقول: إن الحمد لله أفضل، وبعضهم قال: لا إله إلا الله أفضل، لكن كلمة الحمد لله هي الحمد الأولى في كتاب الله تبارك: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾ (سورة الفاتحة) أما الحمد، لمَ لم يقل الله عز وجل حمداً لله رب العالمين، بل قال سبحانه: الحمد لله ؟ قالوا: هذه الألف واللام لاستغراق الحمد كله، يعني الحمد كله بحذافيره كله، وجزؤه ـ مهما كان حجمه ـ صغيره وكبيره لله عز وجل. أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام: لا يوجد جهة أخرى تستحق الحمد إلا الله، أبداً، أصغِ سمعك إلى قول ربنا عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ (سورة آل عمران) سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، لو جمعت رحمة أمهات الأرض منذ آدم إلى يوم القيامة لا تعادل رحمة النبي بأمته، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾ (سورة التوبة) (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر... )) [أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أنس] أما أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أرحم بك من نفسك، ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ (سورة آل عمران) الرحمة كلها من الله والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها: قال ربنا عز وجل: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ﴾ (سورة الكهف) ما الفرق بين "رحمة" المُنكَرة في آية آل عمران، و"الرحمة" المُعرَّفة في آية سورة الكهف ؟ قال هذه الرحمة الثانية، هذه ليست أل التعريف، إنما للاستغراق، يعني الرحمة كلها من الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها. الآن الحمد كله لله، ذكرت قصة قبل شهر أو أكثر أن الحَجَّاج أمر بضرب أعناق عشرة رجال، فأذن المغرب، وبقي رجل لم تضرب عنقه، فقال لأحد وزرائه: خذه إلى بيتك وائت به غداً، هذا الرجل في الطريق قال له: والله لم أخرج على طاعة الأمير، وما آذيتُ أحداً من المسلمين، فهل تأذن لي أن أذهب لأهلي فأوصي قبل أن أموت وأرى أولادي، واكتب وصيتي، فضحك هذا الوزير وقال: أو مجنون أنا ! فقال: عهداً لله إن أطلقتني لأعودَنَّ إلى بيتك قبل الفجر، فما زال هذا الرجل يقنعه حتى سمح له، فلما سمح له شعر بضيق لا يُحتمل، قال: نمتُ أطول ليلة في حياتي، لأنه سيموت مكانه غداً ـ مكان الرجل ـ إن لم يرجع، ما إن أذن الفجر حتى طُرق الباب، وجاء هذا الرجل الذي عاهده على أن يعود، جاء ليموت، فلما كان الغد ذهب به إلى الحجاج فقال له: سأنبئك بما حصل البارحة، فلما أنبأه قال له الحجاج: أتحب أن أهبه لك، قال: نعم، قال: إذاً هو لك، يعني ما دام عنده هذا الوفاء عَفَوْنا عنه، فلما خرج قال له: يا هذا اذهب لوجهك، فهذا الذي عُفي عنه لم يتكلم، ولم ينظر إليه، ولم يشكره، ولم يقل كلمة، إلا أنه توجه إلى السماء، وقال: الحمد لله. هذا الذي سعى بإطلاق سراحه وتخليصه من الموت المحتم تألم ! لو أنه شكرني، قال: ثم جاءه بعد ثلاثة أيام و قال: أحمدك على عملك، ولكنك حين قلت لي: اذهب لوجهك كرهت أن أحمد مع الله أحداً. الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه: الإنسان أحياناً يلوح له شبح مصيبة، كأن يصاب بورم لم يعرف أهو خبيث أم غير خبيث ؟ أجرى تحليلاً، فإذا هو ورم طبيعي، أول شيء عليه أن يقول: الحمد لله رب العالمين، ولا تحمد مع الله أحداً. هناك التهاب في السحايا على وشك الوفاة مع الابن الأصغر، فنجا من الموت بتوفيق الله وقدرته، لا تقل: واللهِ إنّ الطبيب لا يفهم، قال لي: اجرِ تحليلاً في وقت مبكر قل: الحمد لله رب العالمين، فلذلك الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه، هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.)) [عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو] قال بعضهم: الحمد حالة نفسية، والشكر سلوك، فليس هناك سلوك شاكر إلا على أساس حالة حمد، فإذا لم يكن عند الإنسان حالة حمد فسلوكه باطل، وهو في حالة نفاق ومداهنة: (( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.)) [عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو] الحمد أولاً والشكر ثانياً، قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ﴾ (سورة سبأ) الشكر عمل، ﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً ﴾ أما الحمد فهو حالة نفسية، أحياناً يقدم لك إنسان خدمة تحس أنك ممتن من أعماقك منه، تعبر عن الامتنان أحياناً بخدمة، أحياناً بكلمة طيبة، أحياناً بقولك جزاك الله عني كل خير، ولكن هذا الكلام أو هذه الخدمة أساسها حالة نفسية شعرت بها هذا هو الحمد. نعمة الرضا أكمل نعمة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/10.jpg أنت في الصلاة تصلي الفرض، الفروض فقط في اليوم سبعة عشر ركعة، ومثلها سنن، يعني تقول: الحمد لله في الصلاة حوالي أربعين مرة، هل أنت في مستوى هذه الآية ؟ يعني راض عن الله عز وجل، راض عن صحتك، عن دخلك، عن ضيقك، عن عملك، راضٍ وأنت من أصحاب الدخل المحدود، أم ترى نفسك دائماً أنك محروم، إذا كان دخل الرجل محدوداً مثلاً يقضي عمره كله غير راضٍ، بينما يجد بائع فلافل دخله خمسة آلاف وهو أميّ، يقول صاحب الدخل المحدود: أنا حائز على شهادة ليسانس، ودخلي فقط ألف ومائتان بالشهر تقريباً، فهو دائماً غير راضٍ، أما إذا كان مؤمناً وقال: الحمد لله رب العالمين، فليس عنده حرمان أبداً، إن نعمة الرضا أكمل نعمة، لو جاءك مئة مليون في الشهر وأنت على ضلال فالنهاية إلى جهنم، أما المؤمن فكلمة الحمد لله رب العالمين تدل على أنه راضٍ عن الله عز وجل: يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ قال: يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك. هل أنت راض عن الله عز وجل ؟ هل تقول الحمد لله من أعماقك، من أعماق أعماقك ؟ أراضٍ، وليس عندك إلا بنات فقط، وليس عندك ولا ذكر واحد، فهل أنت راضٍ ؟ هل رأيت حكمة الله عز وجل أنه يحبك على هذا، ليس عندك أولاد إطلاقاً، بل عقيم راض عن الله عز وجل، عندك زوجة سيئة الخلق، فهل أنت راض بها ؟ هل ترى أن الله شاءت حكمته أن تكون كذلك ؟ لك عمل محدود دخله، أنت في مرض عضال مزمن بشكل مستمر تعاني من بعض الأمراض هل تقول الحمد لله رب العالمين ؟ هذه البطولة. ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل *** الحمد لله في السراء والضراء ، في الغنى والفقر ، في القوة والضعف ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في الرفعة والضعة ، في العز والذل ، الحمد لله على كل حال ، الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ، المكروه نعمة ، لكنه نعمة باطنة . الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده وألا نحمد أحداً معه : الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده ، وأمرنا ألا نحمد أحداً معه كيف ؟ قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾ (سورة النجم) مثلاً نراك تحاضر محاضراتٍ كثيرة عن زيد وعبيد ، وقد تكون مجانباً الحق في كثير مما تحاضر ، إذاً فإنه لا يستحق الحمد إلا الله ، وإذا سئلت تقول : الله أعلم بحاله ذلك علمي به ، وعن الصديق تقول : ذلك علمي به ، فإن بدل وغير فلا أعلم الغيب ، لم اختار سيدنا أبو بكر سيدنا عمر ؟ ألم يقل : لا أعلم من هو خير منه ؟ وقال : ذلك علمي به فإن بدل وغيّر فلا أعلم الغيب ، الله قال : ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾ (سورة النجم) هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، كان النبي عليه الصلاة والسلام عند صحابي متوفى ، كشف عن وجهه فقبله ، سمع امرأة تقول : (( هنيئاً لك أبا السائب الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما يدريك يا أم معاذ ؟ أما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيراً .)) [الطبراني عن سالم أبى النضر] ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾ (سورة النجم) الحمد أنواع وقد جُمع كل هذا في الفاتحة : لذلك الحمد لله وحده ، أما البشر فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ، كانوا قديماً إذا كلفوا إنساناً ليزكي إنساناً آخر لزواج أو لشهادة يكتب : أعلم منه الصلاح والتقى ، والله أعلم ، معنى والله أعلم قد يكون غير ذلك ، قد يكون منافقاً ، والله أعلم ، فالإنسان ليس مكلفاً ليقيّم الآخرين ، وليس أهلاً لذلك ، ولا يملك الأداة الصحيحة ، قال عليه الصلاة والسلام : (( احثوا في وجه المداحين التراب .)) [رواه ابن عياش عن عبد الله بن عمرو] ((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .)) (البيهقي عن أنس رضي الله عنه) مثلاً رجل يشرب الخمر تقول عنه : أكابر ، أخلاقه عالية ، لبق جداً ، ما معنى قولك لبق جداً ؟ أيُّ لباقة هذه على شرب الخمر ، وعلى ترك الصلاة ؟ فهذا الذي يقوله الناس عن بعض الناس رغم شربهم للخمر ، ورغم تركهم للصلاة ، ورغم أكلهم للربا ، إنّ أخلاقه عالية ، لبق ، هذا كلام باطل : ((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .)) (البيهقي عن أنس رضي الله عنه) العلماء قالوا : هناك حمد لذات الله ، وهناك حمد له لنعمة سبقت منه ، وهناك حمد له لنعمة ترجوها منه ، وهناك حمد له خوفاً منه ، إذاً الحمد أنواع ، وقد جُمع كل هذا في الفاتحة . الحمد لله لذاته ، فالإنسان أحياناً تحمده من دون أن يصيبك من خيره شيء ، وقف موقفاً أخلاقياً أمامك من شخص آخر ، هذا الموقف الأخلاقي تحمده عليه ، مع أنك لست معنياً بهذا الموقف ، وقد ينعم عليه فتحمده ، الحمد لله لذاته ، رب العالمين لنعمه ، الرحمن الرحيم لما نطمع من رحمته ، مالك يوم الدين خوفاً منه . الحمد في بادئ الأمر إنشاء وفي نهاية الأمر واقع ثابت : بعضهم قال : ربنا عز وجل بدأ قرآنه الكريم بالحمد لله رب العالمين ، وآخر كلمة يقولها الناس وهم يدخلون الجنة : ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾ (سورة يونس) أَمَرنا أن ننشئ الحمد كما هو الحال في الفاتحة ، وفي نهاية الحياة كان الحمد واقعاً كما في آية سورة يونس السابقة ، أحياناً يقول لك أحد الناس : اشكرني ، ويعاملك معاملة سوء ، أي شكر هذا ؟ أساء لك المعاملة ، ويطلب منك أن تحمده ، لكن ربنا عز وجل أمرك أن تحمده وبعد أن اتصلت به ، وسعدت بقربه تحمده ، تحمده على نعمه التي وقعت ، إذاً الحمد في بادئ الأمر إنشاء ، وفي نهاية الأمر واقع ثابت . شيء آخر ، الحمد لله على أنه أوجدنا ، والحمد لله على أنه بث فينا الروح ، والحمد لله على أنه أمدنا بالطعام ، والشراب ، وكل ما نحتاج ، والحمد لله على أنه قومنا ، الأمراض ، والهموم ، والمتاعب ، والأحزان ، هذه كلها ألفاظ خفية من أجل التقويم ، هناك نعمة الإيجاد ، ونعمة الخلق ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الرزق ، ونعمة الحياة الروحية ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم . نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم أربع نعم كبرى . الله سبحانه وتعالى شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده : هناك شيء آخر ، الحمد لله على ما أعطى ، أن تعرف أن هذه النعمة من الله عز وجل ، أن تعرف من أعطاك ، وأن ترضى بما أعطاك ، وألا تعصي الله فيما أعطاك ، هذا من معاني الحمد ، آخر شيء في الحمد ، مع أن هذه الآية تنقضي الأيام ، ولا ينقضي شرحها ، ولكنّ أخذَ القليل خيرٌ من تركِ الكثير : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾ (سورة الأنعام) وقال : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)﴾ (سورة الكهف) إنّ نعمة الهدى كما في آية الكهف تعادل نعمة الخلق كما في آية الأنعام ، والحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض ولم يكن لغيره ، إن الإنسان لئيم ، فلو كان الأمر والخلق لغيره لمُنع الناس القطر ، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن نحمده الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض . ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قالوا : جمعت هذه الآية نعمة الهدى ، ونعمة الإمداد ، وأكبر نعمة هي أن الله سبحانه وتعالى علمنا كيف نحمده : ((قال موسى : يا رب كيف شكرك ابن آدم ؟ فقال : علم أن ذلك مني فكان ذلك شكره .)) [الحكيم عن الحسن مرسلاً] نحمد الله بطريقة علمنا إياها الله سبحانه وتعالى ، شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده . الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/11.jpg كلمة الحمد لله يقولها الناس في اليوم آلاف المرات ، كيف حالك ؟ يكون ملحداً ويقول : الحمد لله ، وهي من فلتات اللسان عنده ، لكن إذا وقفت على معانيها تماماً تذوب محبة لله على كل شيء ، فإذا كان فهمك عميقاً جداً تحمده على المصيبة : (( إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه .)) [ورد في الأثر] تعاني من مصيبة مزعجة ، ولعلمك برحمة الله ، وحكمته ، ولطفه ، وحرصه على هدايتك ، وحرصه على إسعادك ، ففي أثناء المصيبة تقول : الحمد لله رب العالمين على هذه المصيبة ، إنها عناية من الله ، وأحياناً يقسو المعلم على تلميذه كي يكون الأول في الصف ، فإذا صار الأول يحمده على قسوته لا على جوائزه ، نعم بحمده على قسوته ، كذلك إذا عرفت الله حق المعرفة تحمده على المصائب ، قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " . أعلى درجة في اليقين برحمة الله أن ترضى بمكروه القضاء ، القضاء الذي لا تحبه ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، والحمد لله تعني معرفة الله ، علامة أنك تعرفه ، وأنك تحمده ، تعرفه فتحمده ، أما إذا كنت لا تعرفه فلا تحمده . والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل: أيها الأخوة المؤمنون لا زلنا في سورة الفاتحة، وفي الدرس الماضي وضحت بتوفيق الله عز وجل معنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم، وشرحنا طرفاً من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين، كلمة الحمد كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الحمد رأس الشكر ما شكر اللهَ عبدٌ لا يحمده.)) [عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو] الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل، فالكلمة الأولى في الإسلام "الحمد لله"، "الحمد لله" على إيجادنا، فأول نعمة هي نعمة الإيجاد، فلان الفلاني ابن فلان وُلِد في دمشق عام كذا، من أخرجك إلى هذا الوجود، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾ (سورة الإنسان) إذا ولدت عام ثمانية وثلاثين فأين كنت عام ستة وثلاثين ؟ إذا وقع تحت يديك كتاب طُبع عام ثلاثين أين كنت حينما طُبع هذا الكتاب ؟ لم تكن شيئاً مذكوراً، "الحمد لله" على نعمة الإيجاد، و"الحمد لله" على نعمة الإمداد، أمدنا بكل ما نحتاج، و"الحمد لله" على نعمة الإرشاد، الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) ﴾ (سورة الحجرات) الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل: كلمة "الحمد لله" إحدى أكبر شعارات المؤمن، "الحمد لله" على السراء وعلى الضراء، على الصحة وعلى المرض، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها، على الغنى وعلى الفقر، على الزواج، وقبل الزواج، وبعد الزواج، "الحمد لله" تعني أنك تعرف أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هو على كل شيء قدير، فإذا حرمك من شيء فهذا حرمان معالجة لا حرمان عجز، "الحمد لله" تعني أن الذي خلقك يحبك، يحبك أكثر مما تحب نفسك لذلك يعالجك ولولا المعالجة لما اهتديت. موضوع "الحمد لله" موضوع واسع جداً، لكن علماء البلاغة قالوا: الحمد مسلَّم به، لكن لمن ؟ ربنا قال: لله، كلمة الحمد تقتضي وجود نِعَم، والنِّعم ظاهرة لا ينكرها جاحد، حتى الذي ينكر وجود الله لا ينكر النعم، يقول لك: الطبيعة، استثمار المياه في الطبيعة، استثمار الخيرات، تحسين النسل، هذه موضوعات يعالجها الكفرة أيضاً، فالنعم لا ينكرها أحد، حتى الذين أنكروا وجود الله عز وجل لا يستطيعون إنكار النعم، الهواء، الماء، الطعام، الشراب، النبات، الأسماك، الأطيار، الأزهار، هذه الشروط الدقيقة جداً التي خلقها الله عز وجل موافقةً لطبيعتنا، هذه نِعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في الآية أن الحمدَ لله فقط، أما أهل الدنيا فإنهم يحمدُ بعضهم بعضاً ويشكرُ بعضهم بعضاً. "الحمد لله" ؛ فصار الحمد أمراً مؤكداً لا يمكن أن تحمد الله إلا إذا عرفته، وقبل أن تعرفه لا تحمده، بل تحمد أنداداً له، تحمد شركاء تظنهم شركاءه، فالحمد تقتضي المعرفة، لذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سُمي محمداً لأنه أحمد الخلق قاطبةً، ما من مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حمده أكثر منه عليه الصلاة والسلام، كأن الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل، سيد الحامدين هو سيد الخلق، فاسم أحمد، ومحمد، وحامد، هذه كلها من الحمد، والله سبحانه وتعالى خلق لنا النِّعم، وعلمنا كيف نحمده عليها، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، كيف أثنى الله على نفسه ؟ بقوله تعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ لذلك فإن النبي الكريم قال: (( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له.)) [مسلم عن صهيب] الفرق بين المؤمن وغير المؤمن حالة الحمد التي يعيشها المؤمن: (( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.)) [البيهقي عن عائشة] إذا أردت فرقاً أساسياً بين المؤمن وغير المؤمن لا أقول: كلمة الحمد التي يقولها الناس جميعاً، بل حالة الحمد، المؤمن يعيش حالةً دائمةً من الحمد لله عز وجل، فهو شاكر، جاء من أسرة فقيرة "الحمد لله"، رزقه الله زوجة ليست صالحة، كيف يفهم هذا الأمر ؟ يفهم هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى رزقه هذه الزوجة ليصلحها، ويكسب بها أجراً عند الله كبيراً، رزقه الله أولاداً ذكوراً "الحمد لله"، وإن رزقه إناثاً "الحمد لله"، ذكوراً وإناثاً "الحمد لله"، جعله الله عقيماً "الحمد لله"، له وظيفة متعبة "الحمد لله"، مريحة "الحمد لله"، دخلها قليل "الحمد لله"، كبير "الحمد لله"، ولكن هناك نقطة دقيقة جداً، إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أنه في أي وضع تحمد الله عليه ولا تحاول تحسين هذا الوضع، لا، هذا يتنافى مع أخلاق المؤمن، هو يحاول تحسين وضعه المادي، يحاول تحسين وضعه العلمي، يحاول رفع مستواه في كل الميادين، فإذا بذل كل طاقته، ووصل إلى هذا المستوى، وليس في إمكانه أن يتجاوزه فيقول: "الحمد لله"، هنا "الحمد لله". قدم طالبٌ امتحاناً ولم ينجح "الحمد لله"، إذا كنت باذلاً جهدك كله فقل "الحمد لله"، لكن إذا ما درست فهذا جزاء التقصير، ليس له علاقة بالحمد، هذا جزاء التقصير، عندما يبذل الإنسان كل جهده، ولا يُحقق مطلبه عندئذ "الحمد لله" على كل حال. كأني أقول: إن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، لا أقول كلمة الحمد، بل حالة الحمد التي يحياها، المؤمن لِمَ يحمد الله ؟ لأن الله بيده كل شيء، لا إله إلا الله، وهو الغني، لم تهطل أمطار "الحمد لله"، وهو القدير على كل شيء، ليس لله عز وجل أندادٌ يمنعونه من أي تصرفٍ، صغيراً كان أم كبيراً، وهو الغني والقدير. النعم لا ينكرها أحد ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله: أنت تعمـل في دائرة مثلاً، المعلومات تصل إلى من هو فوقك غير صحيحة، يثنى على المقصر، ويذم المجتهد، أما العلم الصحيح فهو عند الله، لأنه سبحانه عليم، هو الغني، هو القدير، هو العليم، هو السميع، وهو القريب، تكلمت أم لم تتكلم يعلم السر وأخفى، لماذا "الحمد لله" ؟ لأنه لا إله إلا الله أولاً، لا إله إلا الله الغني، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) ﴾ (سورة الحجر) إله إلا الله القدير، هو الواحد القهار، والله يحكم لا معقب لحكمه، القاضي مثلاً يحكم في قضية ثم ترفع إلى قاض آخر أعلى منه فينقض حكمه، لكن الله سبحانه يحكم لا معقب لحكمه، "الحمد لله" لأنه لا إله إلا الله، و"الحمد لله" لأنه غني، و"الحمد لله" لأنه قوي، و"الحمد لله" لأنه سميع، و"الحمد لله" لأنه بصير، و"الحمد لله" لأنه عليم، و"الحمد لله" لأنه رحيم، فلمَ لا تحمد الله عز وجل ؟ الحقيقة إذا عرفت أسماء الله فلا تحزن أبداً على أي حال كنت، لأنك لا ترى إلا حكمة بالغةً في تصرفات الله عز وجل، فالآية في مبدئها تشير إلى أن النعم التي أسبغها الله علينا ظاهرة، وجلية، وواضحة، وناصعة، وهي كالشمس، لا يستطيع أحد على ظهر الأرض أن ينكرها، ولكن المشكلة أن هذه النعم تُعزى لغير الله، جاء قوله تعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ (2) ﴾ (( إن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي )). [ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ] النعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾ (سورة يوسف) المؤمن كلما تفتحت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله: قد يرى بعضهم أن فلاناً الفلاني بيده نفعه وضره، هذا إشراك، قد يرى أن هذه الزوجة ملجأ له وملاذ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى جعلها سكناً لك، ولولا أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبها محبتك، أو ألقى في قلبها رجاءك لَمَا خدمتك، فالمؤمن كلما تفتحـت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله، وبإذن الله، والحمد لله وحده، فلذلك نعمة الصحة نعمة كبرى، وليس العجب أن يمرض الإنسان، بل العجب ألا يمرض، لأن هناك آلاف الآلاف من الشروط التي تتوافر جميعها كي تقول صباحاً: "الحمد لله رب العالمين"، الأجهزة لديك تعمل، جهاز الهضم، بدءاً من الفم، إلى اللعاب، إلى البلعوم، إلى لسان المزمار، إلى المريء، إلى المعدة، إلى البنكرياس، إلى الإثني عشر، خلايا الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، الأمعاء الغليظة، جهاز التصفية البولية إلى الكليتين، جهاز القلب إلى الرئتين، العضلات، العظام، الجلد، هذا كله يعمل بانتظام، الجهاز الودي النظير، الجهاز العصبي، الجهاز الهرموني، الغدة النخامية، الغدة الدرقية، غدة الكظر، البنكرياس كله يعمل بانتظام، "الحمد لله"، هذه معجزة، أن تستيقظ صباحاً وتحس أنك بصحة تامة "الحمد لله". أكلـت طعاماً، مَن خَلَقـه ؟ من سخره ؟ من جعلـه مناسباً لنا ؟ طعماً، ولوناً، ورائحةً، وقواماً، ومضموناً، وغذاءً، من نَوَّع هذه الأغذية ؟ البروتينات، والفيتامينات، والسكريات، والمواد الدسمة، من وزعها على هذا الطعام الذي بين أيدينا ؟ إذا أكلت لقمة خبز فمن خلق القمح ؟ الأرض، والقمر، والشمس، والبحار اشتركت في صنع هذا الرغيف، إن شربت كأس ماء من سخره لك ؟ إن لترَ الماء المحلى في دول النفط يكلف ثلاثة ريالات، أيْ عشر ليرات سورية تقريباً، هذا الينبوع ينبوع عين الفيجة الذي سخره الله لنا، والذي بلغني مؤخراً أن حوضه الجيولوجي يمتد إلى حدود كبيرة جداً، من سخره لنا ماءً عذباً فراتاً ؟ "الحمد لله" على كأس الماء، "الحمد لله" على رغيف الخبز، "الحمد لله" على هذه التفاحة التي تأكلها، إياك أن تظن أنك دفعت ثمنهـا لا، دفعت ثمن خدمتها، لو اجتمع أهل الأرض لا يستطيعون صنع تفاحة واحدة، من جعل هذه الكميات بكميات معقولة، لو كان التفاح قليلاً جداً لكان ثمن الكيلو مئتي ليرة، من يأكله إذاً ؟ من الذي عمل تناسباً بين الإنسان ومتطلباته ؟ لو أن الدجاجة تبيض في السنة بيضة لكان ثمنها ألف ليرة، أما إذا كانت تبيض كل يوم بيضة فثمنها نصف ليرة هذه معقولة، إذاً "الحمد لله"، الحليب، البيض، الجبن، اللحوم، هذه كلها من نعم الله، فهذه النعم لا يستطيع أحد أن ينكرها، لكن المشكلة في أن أهل الأرض معظمهم يعزونها إلى غير الله فجاء قوله تعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ "الحمد لله" كلمة تعني الله المسير: كلما تعمقت في الإيمان بالحركة تحمده بالسكون، فإذا نظرت إلى ابنك قلت: "الحمد لله"، من جعله بهذه الصورة الحسنة، إذا نظرت إلى زوجتك، أو دخلت إلى بيتك، وأشعلت المدفئة، وأدرت المروحة، من سخر هذه القوى ؟ من أودع في الأرض هذه المادة التي تُسمى الطاقة، وعن طريقها تولدت الكهرباء ؟ "الحمد لله". "الحمد لله" كلمة تعني الله المسير، هناك خالق ورب وإله، فالخالق الذي خلق، والرب هو الممد، والإله هو المسير، وتقريباً لأذهانكم أقول: هذه السيارة لها معمل صنعها، وتحتاج إلى إمداد مستمر بالزيت والوقود، وما إلى ذلك، وتحتاج إلى من يقودها، فالذي يسيرها اسمه المسيِّر، والذي يمدها اسمه الرب، والذي صنعها اسمه الخالق، فإذاً "الحمد لله" لأن أمورك جميعها، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، دقيقها وكبيرها، بيد الله عز وجل، إليه يُرجع الأمر كله، هذا هو التوحيد. إذا كنت تريـد أن تلخص الإسلام في كلمات ففي كلمة " لا إله إلا الله"، وكلمة "الحمد لله" هو كل شيء، ويحمد على كل شيء، وهو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحمد على كل شيء، و"الحمد لله" الذي لا يُحمد على مكروه سواه. ما من حادث يقع، ما من مصيبة تقع، ما من فقر ينزل بإنسان، ما من مرض يلحق بجسم إنسان إلا بأمر الله، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) ﴾ (سورة الحديد) وقال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ﴾ (سورة آل عمران) هذا هو التوحيد، وهذا هو الحمد، وكأنني بهذه الآية أدرك أن عبارة "الحمد لله" جمعت لا إله إلا الله والحمد لله. الدين كله توحيد وحمد: "الحمد لله" جمعت التوحيد والحمد، وهذا هو الدين كله، توحيد وحمد، وبعد النظر إلى المشركين تجد الشركَ وسخطَ الكافر السماتِ العميقةَ بتفكيره وتصرفاته، أول شيء لديه الشرك، فلان، وفلان، وفلان، يرجو فلاناً، يخاف فلاناً، يتمنى رضاء فلان، يحسب لفلان حساباً، يعيش بدوامة الشرك، قلبه فارغ، يكاد ينفطر خوفاً من فلان، يكاد يذوب حباً بفلان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً.)) [البخاري والبيهقي عن ابن عباس] ليس هناك إنسان أحبَّ إنساناً على وجه الأرض كحبِّ سيدنا أبي بكر لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك "الحمد لله"، من سخر هذا الصديق لهذا النبي العظيم ؟ الله عز وجل، لو خُلِق الصِّديق عام ألف وخمسمئة وخمسين لما التقى معه، من جعله بعصره ؟ الله عز وجل، إذاً الحمد لله رب العالمين. نسأل كل واحد منا: من جمعك بهذه الزوجة ؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي قدَّر وجمع، من رزقك هؤلاء الأولاد ؟ الله سبحانه وتعالى، من أعطاك هذا الذكاء فحصلت، وأصبحت لك خبرات ترتزق منها ؟ الله سبحانه وتعالى، طبيب، محامٍ، مهندس، مدرس، خبير ببعض الحاجات، بيده مصلحة بأعلى مستوى تدر عليه أرباحاً طائلة، "الحمد لله"، لو أن نقطة دم كرأس الدبوس تجمدت في أحد شرايين الدماغ لفقدت كل ذاكرتك وخبراتك. الكافر دائماً ساخط على كل شيء ويشك في حكمة الله: فلان خبير بهذه المصلحة، عمله نظيف جداً، حتى تتمكن من إنجاز عمل عنده تحتاج إلى شهرين، الفضل لمن ؟ لله عز وجل، إن كنت طبيباً ناجحاً، أو مدرساً ناجحاً، أو تاجراً ناجحاً، أو صاحب معمل ناجحاً، أو كان عندك مشروع زراعي ناجحٌ، أو كنت أباً ناجحاً أو كنت موفقاً في زواجك فـ "الحمد لله" رب العالمين، هذا هو الدين كله توحيد وحمد، الكافر يحيا في شرك وسخط، الكافر دائماً ساخط على كل شيء، متشائم، دائماً يشك في حكمة الله، أحياناً يقول لك: فلان ليس أهلاً للنعمة، يستكثر نعمة الله على بعض عباده، ويستقلها على آخرين، كأنه شاك في حكمة الله، مع أنك لو تعمقت في الأمور وكُشف الغطاء، وأطلعنا الله على كل شيء لكان هذا هو الصواب و لقلنا: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ "الحمد لله" رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) ﴾ (سورة يونس) تحدث في الأرض زلازل، وفيضانات، وبراكين، وأعمال عنف، وهناك قوي وضعيف، فيها صحة، فيها فقر مدقع، فيها مجاعات، الحمد لله رب العالمين، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع. لكن المشكلة أن هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة لا شيء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قد يضحي بها من أجل الهداية، فإذا أغلق صاحب المحل محله مثلاً والصانع نسي شمعة مشتعلة، وفي الساعة الثانية ليلاً أبلغوه أن المحل احترق، المحل فيه بضاعة بثلاثة ملايين، فإذا أخذ يصلي على أثر هذا الحريق فهذا عند الله حكمة بالغة، أما عند الناس فماذا يقولون ؟ ليت هذا الصانع لم ينس الشمعة مشتعلة، هي عند الله حكمة بالغة، لأن هذا المحل بكل هذه البضاعة التي احترقت إذا أثمر احتراق المحل توبة لصاحبه فهذا خير كبير لا يعلمه إلا عند الموت. لو كُشفت للإنسان الحقائق لما اختار إلا أن يكون كما كان: قال تعالى: ﴿ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون (42) ﴾ (سورة القلم) أي يُكشف عن كل شيء ساقه الله إليك، ﴿ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون﴾ خجلاً، وصغاراً، وشعوراً بالخزي، والعار، وكانوا يدعون إلى السجود من قبل وهم سالمون، فـ"الحمد لله" رب العالمين، وقع هنا بعض العلماء في حيرة، أيهما أفضل كلمة "لا إله إلا الله" أم "الحمد لله" ؟ ملخص الملخص قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، بعضهم فهمَ هذا الكلام فهماً مغلوطاً ؛ والصواب في فهم العبارة: ليس في إمكان المخلوق أبدع مما أعطاه الله عز وجل، الذي أعطاك الله عز وجل هو أنسب شيء إليك، ولو كُشفت لك الحقائق لما اخترت إلا أن تكون كما كنت. بعض الناس يتمنى الغنى، بعض الناس يتمنى الصحة، لو كُشفت لك الحقائق لن تتمنى إلا أن تكون كما كنت لأن الله عز وجل يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن، لو كان كيف كان يكون ؟ لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان. هذه الزوجة أنسب امرأة لك، يقول معترضاً: لأن الحق على أمي، لا ليس الحق على أمك، خطبتها بسرعة، كانت مستعجلة، رأوها في الليل، وقعوا في الغش، ليس في الإمكان أبدع مما كان، علامة واحدة تصير مهندساً، ليس في الإمكان أبدع مما كان، اسمي ورد في القائمة، آخر اسم، كنت سأوفد في بعثة، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لو نظرت إلى الأمور بعين التوحيد لرأيت أن الله وحده بيده كل شيء، قدَّم وأخر، سمح ومنع، يسَّر وعسَّر، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً: (( إن الله إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه.)) [الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس] الذي ساقه الله إليك مبني على علم وحكمة وخبرة ورحمة: قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) ﴾ (سورة الرعد) وقال: ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾ (سورة فاطر) "الحمد لله" رب العالمين كلما تعمقت في الإيمان ازددت تمثلاً بهذه الآية، كم جزئية في حياتك ؟ أعتقد أن في حياة أحدنا خمسين ألف أو مئة ألف جزئية، نوع بيته، ذاكرته ضعيفة قليلاً، "الحمد لله" أنسب شيء معلوماته، ما عنده إمكانية لدخول فروع علمية، هكذا خلقني الله، أنا أحب الحفظ عند مذاكرة الدروس، الحمد لله رب العالمين، يعني إمكاناتك الفكرية والجسدية قدرُك، جعلك طويلاً وقوياً، أو جعلك ضعيفاً، جعلك من أسرة غنية، من أسرة فقيرة، جعلك في بيئة راقية في بيئة متخلفة، كله ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الذي أعطاك الله عز وجل، لو كُشف لك الغطاء لما اخترت غيره، وقد يكون هذا الشيء طريقك إلى الجنة، الفقر هو الهادي، قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) ﴾ (سورة الرعد) يهتدي إنسان عن طريق الفقر، ويهتدي آخر عند موت أحد أقاربه، وثالث يهتدي بمصيبة مؤلمة، أو بإكرام كبير، هذا الذي ساقه الله إليك مبني على علم، وحكمة، وخبرة، ورحمة، "الحمد لله"، الله المسير الذي لا إله إلا الله، لا مسير غيره، لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله عز وجل، الحمد لله رب العالمين. كل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ تربية لجسمه، وتربية لنفسه: الإله نفسه رب العالمين، الممد، هذا عطاؤنا، المياه من عطاء الله عز وجل، نهر الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية ، نبع الفيجة أحياناً بأيام الخير يفيض، يلبي حاجة دمشق بكاملها ويفيض عن حاجتها، نصف كثافته يرفد بها نهر بردى، ربنا ممد فأمدنا بالماء. أحياناً يكون هناك شح في الماء، ترى النباتات صفراء، قال لي صديق: والله دفعت في الأسبوع الماضي خمسمئة ليرة، كل أربعة أيام أدفع خمسمئة ليرة ثمن ماء لسقي المزروعات في المزرعة، الأمر صعب جداً وإلا تموت الأشجار، فالذي أمدنا بالماء هو الله سبحانه وتعالى، نهر الفرات يبلغ عرضه أحياناً في أيام الفيضانات أحد عشر كيلو متراً، بعمق كبير جداً، الآن إذا مشى الإنسان فيه لا يتجاوز مستوى الماء ركبتيه، الحمد لله رب العالمين على عطائه، وعلى منعه، عطاؤه عطاء، ومنعه عطاء، الحمد لله رب العالمين، المُمِدُّ بكل نعمة، لكن ربنا عز وجل يمد هذه الأجسام بكل ما تحتاجه من الهواء، إلى الماء، إلى الطعام، إلى الشراب، إلى كل شيء، سواء أكان هذا الشيء أساسياً أو ثانوياً، الأساسي الطعام والشراب، والثانوي الأزهار هل تؤكل هذه ؟ لا، هذا الجمال الذي بثه الله في الأرض، هذه السماء التي زينها بالنجوم، هذه الأماكن الجميلة التي جعلها منتجعاً لنا كلها من عطاء الله، الحمد لله رب العالمين. لكن معنى الربوبية يشمل التربية النفسية أيضاً، فكل أنواع المصائب مشتقة من قولـه تعالى: الحمد لله رب العالمين، الأب مثل مصغر، يمد ابنه بكل ما يحتاج، حاجاته، أدواته، كتبه، دفاتره، ألبسته الصيفية والشتوية، غرفته بما فيها من تدفئة، طاولة إنارة، سرير، وسائد مثلاً، فرش وثيرة، أغطية مناسبة صيفية وشتوية، هذا إمداد، فإذا ضبطه يكذب فقد يضربه، والضرب أيضاً تربية، فالتربية لها معنيان ؛ معنى الإمداد بما تحتاجه من مواد، والمعنى الثاني التربية النفسية، فكل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ يتلقى تربية لجسمه، ويتلقى تربية لنفسه، فكل ما يحدث لك فهو من الله عز وجل، بناءً على واقعك، وعلى نفسيتك، الحمد لله رب العالمين. الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله: في درس سابق قلت لكم: إن كلمة "رب" تقتضي العلم، وتقتضي الخبرة، وتقتضي الغنى، وتقتضي الإشراف الدائم، وتقتضي الحكمة، وتقتضي الرحمة، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وحكيماً، وعليماً، وخبيراً، ورحيماً، وقيوماً، دائم الإشراف، لا يُسمى المربي ناجحاً إذا غاب عن الذي يربيه، لا يُسمى المعلم ناجحاً إذا تغيب عن الطلاب، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وقديراً، وحكيماً، ورحيماً، ودائم الإشراف، وقيوماً، الحمد لله رب العالمين. كلمة "رب" فيها عطاء، ربنا عز جل ما قال: الحمد للإله، ما قال: الحمد للخالق، بل قال: الحمد لله رب العالمين، أي أن لك رباً، ذات مرةٍ سمعت في الطريق رجلاً يقول وهو في حالة غضب: مَنْ ليس له أب ليس له رب ؟ تأثرت بهذه الكلمة، قد ينشأ أحدنا يتيماً ولا أب له، لكن الله موجود. وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان *** إذا أعطاك فمـن يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعك *** كن مع الله تر الله معــك واترك الكل وحاذر طمعك *** ﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾ الرحمن في ذاته، الرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، هناك تطابق كامل بين أفعاله وبين ذاته، أحياناً تكون هناك مسافة بين الإنسان وبين أفعاله وبين نفسيته، هناك مسافة بين أفعاله وبين نفسيته، قد يفعل عملاً فيه رحمة ولكن قلبه قاس كالحجر، الظروف اضطرته لذلك، ذكاؤه أرشده لذلك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله. الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب: قال سبحانه حكاية سيدنا إبراهيم: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾ (سورة مريم) الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب، انظر إلى دقة الآية السابقة، ربنا عز وجل رحمن في ذاته، تقتضي رحمته أن يسوق لعبده بعض الشدائد، هذه الشدائد تُسمى شدائد، أما الرحمة فهي رخاء، لذلك قال ربنا عز وجل: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾ (سورة الأنعام) انظر الإعجاز أي تقتضي رحمته ألا يرد بأسه عن المجرم، قال تعالى: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾ (سورة مريم) الرحيـم صفة أفعاله، أما الرحمن صفة ذاته، ماذا بقي ؟ هو الإله، وهو الرب، وهو الرحمن الرحيم، والرحمن الرحيم اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فقوته من رحمته، ولطفه من رحمته، وبطشه من رحمته، وأفعاله نابعة من رحمته، لذلك هناك أسماء جامعة، الرحيم من الأسماء الجامعة. إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك وكل شيء أصبح ملكاً لله وحده: لكن: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾ لو عقلنا معناها لارتعدت فرائصنا، أنتم الآن مخيرون ما دام في القلب حياة، ما دام القلب ينبض فأنت مخير، كل شيء ممكن الآن، الإصلاح ممكن، والتوبة ممكنة، قال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾ (سورة طه) لكن: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾ إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك، هذه الأمانة التي أودعها الله فيك، هذا التكليف وهذا الاختيار الذي منحك الله إياه، هذا الكون الذي وهبه الله لك، هذا العقل والفكر الذي ميزك الله به كله انتهى، ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾ وهو في الدنيا مالك، وأنت مختار، لكنه في الآخرة ملك كل شيء، وملك اختيارك، إذاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً يوم الدين، يوم الجزاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، قال عليه الصلاة والسلام: (( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به )) [ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن جابر ] افعل ما شئت، أعط أولا تعط، اعدل أو اظلم، أحسن أو لا تحسن، اعملوا ما شئتم فإن يوم الدين هو يوم الجزاء، عاملت زوجتك بالإحسان، فهو لك، وإن أسأت فعليك، أنفقت مالك في سبيل الله فهو لك، لم تنفق فمغبة البخل عليك. ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) ﴾ (سورة البقرة) وقال: ﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾ (سورة الروم ) الآية التالية تحض على العمل الصالح: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾ إذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء، الاختيار انتهى، والأمانة انتهت، والشهوات نزعت، والكون طوي، والفكر تعطل، كل شيء انتهى، يوم الدين يوم الجزاء والله مالكه، أما الآن فأنت تملك الاختيار، مخير أن تتوب أو لا تتوب، أن تسيء أو تحسن، لكن يوم الدين ينتهي فيه الاختيار، كأن هذه الآية تحضك على العمل الصالح، فإياك أن تصل إلى هذا اليوم وليس لك عمل صالح تلقى الله به، لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾ (سورة آل عمران) يوم الدين يوم جزاء، نحن الآن في يوم عمل، في العام الدراسي مثلاً، الطالب يأتي للمدرسة، يحب أن يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، يراجع أو لا يراجع، يذاكر أو لا يذاكر، يكتب وظائفه أو لا يكتبها أو ينقلها من رفاقه، يستطيع لأنه مخير، لكن إذا قُرع جرس الامتحان في آخر العام وطرحت الأسئلة هذا اليوم يوم الجزاء، وفي الامتحان يكرم المرء أو يهان، أما في أثناء العام الدراسي فلا إهانة للكسول، معه مهلة، أُعطي فرصة، ونحن الآن كذلك، الآن نحن في فرصة، أنت حر، تحب أن تأتي إلى هذا المجلس أو لا تأتي، هناك من يسهر وراء جهاز لهو، يقول لك: والله هذه المحطة أمتع، لكن تلك المحطة ناشفة وبرامجها هزيلة، اليوم دار عمل، لكن الآخرة دار جزاء، قالوا: الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، في الآخرة انتهى الاختيار وانتهى التكليف، انتهت كلمة حرام وحلال، أنت في جنة عرضها السماوات والأرض، لا غض بصر في الآخرة، ولا استيقاظ لصلاة الصبح باكراً، وليس هناك بذل مال، ولا مشي في الشمس، ولا حر، في جنة عرضها السماوات والأرض. جزاء المؤمن يوم الدين كما وردت في بعض آيات الذكر الحكيم: قال ربنا عز وجل: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾ (سورة يس) هنيئاً لهم، هذا الوقت: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾ (سورة الصافات) وقال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾ (سورة المطففين) وقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) ﴾ (سورة الذاريات) وقال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾ (سورة الحاقة) جمع القرآن في الفاتحة: نحن الآن في دار عمل، ويوم الدين دار جزاء وحساب، أما إذا وصل الإنسان إلى يوم الدين فقد انتهى كل شيء، انتهى اختياره، وانتهت الفرص كلها، أمّا الآن فالفرص كلها مفتحة، أبواب الرحمة مفتحة، أبواب التوبة مفتحة، أبواب الاستقامة مفتحة، أبواب العمل الصالح مفتحة، لكن إذا جاء يوم الدين انتهى كل شيء، انتهت حرية الاختيار، انتهت الدنيا، ليس التعامل هناك بالأموال بل بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات المسيء ويعوض بها عما اغتصبه: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾ (سورة الشعراء) بعد هذه المقدمة: ﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾ حينمـا قال النبي عليـه الصلاة والسلام: (( جمـع القرآن في الفاتحة )) [ورد في الأثر] والله معه الحق، لأن كل شيء في الفاتحة، الألوهية، والحمد، والربوبية، واسم الله الأعظم: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والمصير الذي لا مفر منه، ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ الآن موقفك المنطقي ؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك لاختلف الأمر، إذا سبق المفعول به الفعل فهذا أسلوب الحصر ؛ أيْ نعبدك ولا نعبد أحداً معك، لو قال: (نعبد إياك) شيء، و(إياك نعبد) شيء آخر، لذلك فإن أعلى مرتبة يبلغها الإنسان في الأرض أن يدرك أن حق العبادة لله وحده، وأعلى مقام بلغه النبي أنه كان عبداً لله، عبداً حقيقياً، فتطابقَ اختياره مع أمر الله تماماً، نحن أحياناً لا يتطابق اختيارنا مع أمر الله، نطبق مثلاً تسعين بالمئة، وهناك مثلاً عشرة بالمئة لم تطبقها في عملك، فلست إذاً عبداً كاملاً، أما العبودية الكاملة أن يكون اختيارك موافقاً مئة بالمئة لما أمر به الله عز وجل، إذاً أنت عبد لله، وإن لم تكن عبداً لله فلا بد أن تكون عبداً لشهواتك: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ )) [ البخاري عن أبي هريرة ] إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهوتك، وإن لم تكن عبداً لشهوتك فأنت عبد لعبد من عبيد الله، فأنت عبد لعبد لئيم، كن للهِ عبداً فعبد الله حر. العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إن العبادة طاعة تامة، مبنية على معرفة، ومنتهية بسعادة، التعريف الدقيق: طاعة تسبقها معرفة، وتعقبها سعادة، وإلا لما كانت لها هذه الأهمية، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ (سورة الذاريات) العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله، أي أن يعرفه فيطيعه ويسعد بقربه، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لا نعبد إلا إياك، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ (سورة الأنبياء) التوحيد والعبودية لله عز وجل قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ (سورة الأنبياء) وقال: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)﴾ (سورة طه) والله هذه الآية تكفي، الكافر عنده أمل طويل. الركوع هو الإعلان عن الخضوع لله والسجود هو طلب العون منه: قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾ (سورة الكهف) نهيٌ إلهيٌ عظيم جداً ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ قال تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾ لكن العبادة لله عز وجل تحتاج إلى عون من الله عز وجل، فأنت في الركوع تعلن عن خضوعك لله، وفي السجود تطلب العون منه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.)) [البيهقي عن أبي العالية] تقول: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ الأنبياء الصديقين، الصالحين، المؤمنين، أهل العقل، أهل اللب الطيب، وذوي النفوس الزكية. الفرق بين " المغضوب عليهم" و "الضالين": قال تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ هناك أناس عرفوا وعصوا هؤلاء الذين غضب الله عليهم، وهناك أناس ما عرفوا الله عز وجل فهؤلاء هم الضالون: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ يقول لك الله عز وجل وكأنه يخاطبك في الصلاة: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾ (سورة النور) في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"، أي خضوعاً لك يا رب بهذا الأمر، أنا خاضع لك، أنا مطيع لك، في السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى"، يا ربي أعني على تنفيذ هذا الأمر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.)) [البيهقي عن أبي العالية] آيات من الذكر الحكيم عن ضعف الإنسان: كل آية تقرؤها في الصلاة لها ركوع خاص بحسب مضمونها، ولها سجود خاص بحسب مضمونها، تبدأ: ﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ لا نعبد إلا إياك، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكننا ضعاف: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾ (سورة النساء) وقال: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾ (سورة يوسف) إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على عبادتك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك. ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾ عندئذ تتوجه إلى الله عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ هؤلاء الناجحون، هؤلاء المفلحون، هؤلاء المؤمنون السعداء في الدارين، الذين عرفوك، وأطاعوك، وتقربوا إليك، وعقلوا عنك، وسعدوا بقربك، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من يطع الله ورسوله يحشره الله عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ هؤلاء الذين عرفوا الله، وحادوا عن شريعته، سمعنا وعصينا، هذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، وثمة أدعية من صنع أحدهم: أمرتنا فما ائتمرنا، ونهيتنا فارتكبنا، ولا يسعنا إلا فضلك، هؤلاء مغضوب عليهم. ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ البطولة أن تقرأ الفاتحة وأنت متمثل لمعانيها: عرفت الله وتعصيه، قال رجل لابن الأدهم: ائذن لي بالمعصية، قال: أشياء خمس إذا فعلتها لن تضرك المعصية، قال: وما هي ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال: وأين أسكن إذاً ؟ قال: فكيف إذاً تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال: الثانية ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا تأكل من رزقه، قال: وماذا آكل إذاً ؟ قال: كيف إذاً تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه ؟ قال: هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه فاجتهد ألا يراك، قال: وكيف لا يراني وهو رب العالمين ؟ قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ويراك ؟! لذلك: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ نختم هذا الدرس بقوله عليه الصلاة والسلام: (( القرآن كله في الفاتحة )) [ورد في الأثر] تقرؤها في كل ركعة: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) [متفق عليه عن عبادة بن الصامت] البطولة أن تقرأ الفاتحة، وأنت متمثل لمعانيها. ﴿ الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾ الإنسان عندما يطيع الله عز وجل وهو مفتقر إليه يعينه على طاعته: عند إياك نعبد، وإياك نستعين بدأ موقفك العملي، ما دام الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو، يُحمد على كل شيء، فماذا تنتظر ؟!! والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة (2) الجزء الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام نبدأ اليوم تفسير سورة البقرة، ولهذا سبب سأوضِّحه لكم قبل أن أشرع بالتفسير، مضى على هذا الدرس أيها الأخوة بفضل الله جلَّ جلاله أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً، كان التفسير في البدايات آيات مختارة من القرآن الكريم، ثمَّ بَدَأْتُ من سورة لقمان، وتابعت إلى نهاية المصحف، بدأ التسجيل الواضح من جزء عمَّ، وقبل هذا الجزء التسجيلات غير واضحة، ثم رجعت إلى سورة يونس، وتابعت التفسير إلى سورة لقمان، وكان وقتها بحسب الخطة أن أعود إلى سورة البقرة، أي فسرت الثلث الأخير، عشرة أجزاء، ثم الثُلث الثاني، ثم الثلث الأول، لسببٍ أو لآخر تابعت التفسير إلى نهاية الجزء التاسع والعشرين، جزء عم مُفَسَّر بشكل واضح جداً، ومسجَّل بشكل واضح جداً، فحسب الخطة نعود الآن إلى القسم الأول، لأن كل السور من هود إلى نهاية المصحف مفسـَّرة ومسجلة على أشرطة واضحة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تفسير الثلث الأول. كل شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/01.jpg اليوم نبدأ تفسير سورة البقرة، ولكن أُقَدِّم لكم هذه الحقيقة، أي شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة، وكل واحد من الأخوة الحاضرين إذا لم يكن له عمل متعلق بالآخرة فهناك خسارة كبيرة ؛ الدنيا تمضي، البيوت تزول، لاحِظوا: الميت ترك كل شيء إلا عملاً صالحاً ينزل معه في قبره، فالله عزَّ وجل يقول: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108) ﴾ (سورة يوسف) كُلُّ من يتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يدعَو إلى الله بطريقةٍ أو بأخرى، وقلت لكم من قبل: استقيموا يُسْتَقَم بكم، الموقف الصادق دعوة، الموقف الأمين دعوة، الوَرَع دعوة، الصدق دعوة، الإتقان دعوة، قد يكون لكل واحد عمل طيّب، هذا العمل يُسَبب اتساع دائرة المسلمين، فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرِف، وكل إنسان جلس في مجلس علم، واستمع إلى تفسير صار مؤاخذاً، صار مسؤولاً، صار مكلَّفاً أن ينقل هذا إلى الآخرين إما بلسانه، أو بشريط، أو بلقاء، لا بدَّ أن تُلْقي بعد أن استمعت، لا بد أن تعطي بعد أن أخذت، وهذا الذي يبقى، الذي يحَرِّك المؤمن في الدعوة إلى الله حديثٌ لرسول الله، والله أيها الأخوة لو تلوت هذا الحديث على مسامعكم آلاف المرات لا أشبع منه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/02.jpg ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها )) [ البخاري عن سهل بن سعد ] (( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) [ متفق عليه عن سهل بن سعد] (( خير له مما طلعت عليه الشمس )) [ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ] الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد: الجهاد كما تعلـمون ذِروة سنام الإسلام، ومن مات ولم يجاهد، ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مـات على ثلمةٍ من النفاق. الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد، والدليل قال تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾ ( سورة الفرقان) جميل جداً أن يمتلئ المسجد بطُلاَّب العلم، والأجمل من هذا أن ينتشر هذا العلم خارج المسجد، جميل جداً أن يفكِّر كُلٌ منا كيف ينْقُل الحق إلى أخيه، إلى صديقه، إلى جاره، إلى موظفي محلِّه، إلى زملائه، إلى أقربائه، لأننا جميعاً كل الأخوة الحاضرين طرفٌ واحد، ولكن البطولة أن تُدخل إلى هذا المجموع الطيِّب إن شاء الله أطرافاً جديدة، فكل واحد مكلف أن يبحث من أقربائه، من زملائه، من جيرانه، من أتباعه، ممن هم دونه، ممن هم فوقه، بطريقةٍ أو بأخرى لنشر هذا الحق، هذا الذي يبقى، وترون كيف يموت الناس ولا يأخذون معهم شيئاً، إلا عملاً صالحاً ابتغوا به وجه الله عزَّ وجل، فتعليم العلم من أعظم الأعمال الصالحة، نشر الحق صنعة الأنبياء: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾ ( سورة فصلت) كلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً: بدأ هذا الدرس أيها الأخوة في عام 1976 بأربعة أشخاص فقط، وترون هذا الإقبال ـ وهذا من فضل الله عزَّ وجل ـ هؤلاء الذين يأتون لطلب العلم، ولمعرفة كلام الله عزَّ وجل، وسنة رسوله، هؤلاء يبتغون وجه الله عزَّ وجل، فالبطولة أن تتعلم، وأن تُعَلِّم، وأن تستمع، وأن تُلْقي، وأن تتلقَّى، وأن تعطي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) [ البخاري عن عثمان ] على الإطلاق، خيرية مطلقة، وكلما اتسعت دوائر الحق ضاقت دوائر الباطل، وكلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً، قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾ ( سورة النور) وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا (103)﴾ ( سورة آل عمران ) الفضل لله عزَّ وجل، وهذا القرآن الكريم مائدة الله، وهذا القرآن الكريم حبل الله المتين، دستوره القويم، الصراط المستقيم، المنهج الصحيح، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكتاب فيه نبأ من قبلكم وذكر مَن بعدكم، فيه الأمر، فيه النهي، فيه الحلال، فيه الحرام، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه مشاهد من يوم القيامة، فالحقيقة الفضل لله عزَّ وجل أن سورة يونس والتي بعدها مُفَسَّرَةٌ بشكلٍ مفصل إلى نهاية المصحف، ومسجَّلة بأشرطة واضحة جداً، واليوم نبدأ الثلث الأول لهذا الكتاب الكريم، ونبدأ بسورة البقرة. النقطة الأولى سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر: قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة لا بد أن نسأل هذا السؤال: لماذا سميت سورة البقرة، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟ الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة، هذه البقرة لها قصة ؛ كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل، كان ثرياً جداً، ولم يكن له أولاد، فقتله ابن أخيه، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى والقرية الثانية، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة، فقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة، فإذا أخذوا أحد أعضائها، وضربوا به هذا القتيل يحيى، ويقف، ويقول: فلان قتلني، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر. الحقيقة الكبرى أيها الأخوة أنه بعد الإيمان بالله ـ وهـو الرُكن الأول ـ أن تؤمن بالـيوم الآخر، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي فيها الضعيف، يستغلُّ الغني الفقير، وهذا مـا يجري في العالم اليوم، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف. لم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر: الأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ، وازع داخلي، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟ هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول، ولم يستقبلوه بالرضا، ولم يستقبلوه بالانصياع، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾ نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !! ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾ هنا.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ وانتهى الأمر. الذي يموت ذاتُهُ باقية وسوف يحاسب: أية بقرةٍ تُجْزِؤكم، وأية بقرةٍ لو أخذتم أحد أعضائها وضربتم به الميت لقام، وتكلَّم، وقال: قتلني فلان، ولكن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾ كل طرفٍ ألقى التهمة على الطرف الآخر: ﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾ يقول الناس عن الذي يموت: الفقيد الفلاني، هذا الذي يموت خلع ثياباً فقط، أما ذاتُهُ فباقية، وسوف يحاسب، وسوف يعيش حياةً أبدية في جنةٍ يدومُ نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها. تدل الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/03.jpg أخواننا الكرام تُلحُّ الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين ؛ أن تؤمن بالله، وأن تؤمن باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله لا معنى له من دون أن تؤمن أنَّه مطلعٌ عليك، وسيحاسِب، وسيعاقِب، لن تستقيم على أمر الله إن لم تؤمن أنه مطلعٌ عليك، وسيحاسب، وسيعاقب، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾ ( سورة الطلاق ) أي إنك تستقيم حينما تعلم أن الله يعلم، وأنَّك في قبضته وسيحاسب ؛ ولن تجد إنساناً مستقيماً إلا بسبب أنه يُدْخل في حساباته اليوم الآخر ؛ والذي يثير العجَبَ أن الإنسان حينما يأكل المال الحرام، وحينما يعتدي على أعراض الآخرين، وحينما يتفَلَّت من منهج الله عزَّ وجل، كيف ينام الليل ؟ كيف يتوازن مع نفسه ؟ إذا قرأ قول الله تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾ ( سورة الحجر ) خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت: حينما يوقن الإنسان المؤمن أن كل حركةٍ، وكل سكنة، وكل تصرفٍ، وكل عطاءٍ، وكل منعٍ، وكل وصلٍ، وكل قطعٍ، وكل زيارةٍ، وكل نظرةٍ، وكل كلمةٍ سوف تَدْخُل في ميزان أعماله، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة، عندئذٍ يستقيم الإنسان على أمر الله، ولن تجد في الأرض إنساناً مستقيماً إلا إذا كان إيمانه باليوم الآخر عظيماً، هذه الدنيا فيها نِعَم، وفيها مُتَع، وفيها شهوات، وفيها حظوظ، ما الذي يحصل ؟ هذه الحظوظ، وهذه الشهوات، وهذه المُتع، وهذه الِنعم بشكل عام إما أن تفارِقَك وأنت حي، وإما أن تفارقها عند الموت ؛ لا بدَّ من الفراق، لأنّ خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت، وقد تفارقك قبل الموت ؛ من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا )) [ رزين عن نافع مولى ابن عمر] أما الدار التي لا تفارقك فيها النعم ولا تفارقها هي الدار الآخرة. ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾ ( سورة الصافات) وقال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾ ( سورة المطففين) هناك قلق في الدنيا، الإنسان قَلِق على صحته وكلما تقدَّم به العمر يزداد هذا القلق، يا ترى أَأُصاب بالمرض الفلاني ؟ أو بالمرض الفلاني ؟ والأمراض كثيرة جداً، هذا أكبر قلق، قلقٌ على الصحة ؛ يوجد قلق على الدخل، هل يبقى هذا الدخل أم يتقلَّص ؟ هل أبقى في هذه الوظيفة ؟ هل تبقى لي هذه التجارة ؟ هل يبقى لي هذا الدخل ؟ الحياة الدنيا مشحونة بالقلق، لأنك لا بدَّ أن تُغادر الدنيا، إذاً سوف تفارق كل النعم ؛ وأوضح شاهد إذا تَبِعْتَ جنازةً، ورأيت الميت كيف يدفن، كان ساكناً في بيت، قد تكون مساحته مئتي متر، قد يكون أربعمئة متر، قد يكون بيت بأحياء دمشق الراقية، قد يكون بيتاً له إطلالة جميلة، له شرفات ومُعْتَنى به، غرف للنوم، غرف للاستقبال، غرف للجلوس ؛ فيه كل شيء، فيه تدفئة، تكييف، أين مصير صاحب هذا البيت ؟ تحت أطباق الثرى، في حفرةٍ صغيرة ؛ هذا مصيرُ كل حي. أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر: هذه النعم، لا بدَّ أن تفارقها بالموت، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية، حياةٌ لا نغص فيها، ولا شيخوخة فيها، ولا حُزْنَ فيها، ولا قلق فيها، ولا برد، ولا حر، ولا مرض، ولا فقر، ولا غنى، ولا قهر. ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾ (سورة الصافات) وقال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾ ( سورة المطففين) إذاً أراد الله جلَّ جلاله حينما جعل هذه السورة تحمل اسم سورة البقرة أن يذكِّرنا باليوم الآخر، وأن الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف، يستغل الغني الفقير، شعوبٌ تُقْهَر، شعوبٌ تموت من الجوع، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا، هناك محلات، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر، والضعيف مسحوق، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر، انظر إلى مجتمع إيماني صغير، أفراده مؤمنون باليوم الآخر، تجد الإنسان يأخذ ما له ويدع ما ليس له، قلت مرةً في موضوع الزواج: لماذا ينجح الزواج الإسلامي ؟ لأن الله بين الزوجين، لأن كل طرفٍ يخشى أن يظلم الطرف الآخر، يخشى الله، يخاف من الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرفٍ يرجو رحمة الله بخدمة الطرف الآخر، فكلا الزوجين يرتقيان إلى الله، ويزداد التفاهم والوئام بينهما بسبب إيمانهما بالله واليوم الآخر. فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه: أنا أُلِحُّ على الإيمان باليوم الآخر ؛ يجب أن يدخل هذا اليوم ـ اليوم الآخر ـ في الحسابات اليومية، وقال لي أخ: في الحسابات الساعيِّة، والأصح أن يدخل هذا اليوم في الحسابات اللحظيَّة، كل لحظة، كل عملٍ سوف تحاسب عليه. ﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾ (سورة الكهف) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/04.jpg الإنسان المؤمن شخصية فَذَّة ؛ ذكرت مرة أن الشخصية الفَذَّة فيها درجة علمية، من هو المؤمن ؟ المؤمن عرف الحقيقة الكُبرى في الكون، عرف الله، هذا أكبر عالم لأنه عرف الله ـ دققوا في هذا القول ـ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم هذا الكتاب وازن بينه وبين أي كتابٍ آخر، المسافة بينهما كما بين الله وهذا المؤلِّف، لأن هذا كلام الله ؛ وازن بين من عرف الدنيا، وبين من عرف الله، بينهما كما بين الله وخلقه ؛ هذا الذي عرف الله إنسان كبير جداً، عرف الحقيقة العظمى وانسجم معها فسعد في الدنيا والآخرة، والإيمان درجة أخلاقية، لأن المؤمن محكوم بمنظومة قيمٍ أخلاقيةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ جداً، ففي حياته نهج دقيق تفصيلي، وذكرت سابقاً أنه ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بينما يحوي الإسلام ـ وأرجو ألا أُبالغ ـ مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال، بنود في إنفاق المال، بنود في الزواج، بنود في الطلاق، بنود في المجالس، بنود في أداء الحِرَف، بنود في السفر، بنود في الإقامة، بنود في تربية الأولاد، منهج كامل ؛ حينما فهم المسلمون أن الإسلام بضعة عبادات شعائرية كانوا خلف الأمم جميعاً، أما حينما فهم الصحابة الكرام أن الدين هو الحياة كما أرادها الله عزَّ وجل ساروا وفق المنهج التفصيلي، لذلك طلب العلم فرضٌ على كل مسلم، في حياة المسلمين لا شيء يعلو على طلب العلم ؛ إنَّك بالعلم تعرف من أنت، وتعرف موقعك بين الناس، وتعرف ماذا بعد الموت، وماذا قبل الموت، وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فلذلك حينما يؤمن المؤمن باليوم الآخر تنتهي مشاكله. الدين كله محاسبة ذاتية: هذه قصة نموذجية أرويها دائماً ؛ أخ من أخواننا يعمل في لف المحركات قال لي: أنا قبل أن أصطلح مع الله يأتيني محرك محروق، طبعاً أجرة لفِّ المحرك خمسة آلاف تقريباً، قال لي: أفتحه، فإذا به قَطْع بسيط جداً في خط خارجي، يُصَلَّح في دقيقة، قال لي: قبل الصلح مع الله أُصَلِّح هذا المحرِّك وآخذ خمسة آلاف عداً ونقداً، لأن صاحب المحرك لا يعرف ماذا حدث ؟ يعرف أن المحرك واقف عن العمل، إذاً هو محروق، وجاء به للفّه، قال لي: بعد أن عرفت الله عزَّ وجل أقول له: كلَّف خمساً وعشرين ليرة، مع أن الشرط خمسة آلاف، دخل بالمحاسبة الذاتية، هذه هي القصة كلّها. الدين كله محاسبة ذاتية، الدين كله كما قال هذا الأعرابي، هذا البدوي لسيدنا عمر، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، فقال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت، ليست لي، خذ ثمنها، ليست لي، ثم ألحّ عليه، قال له: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الدين كله، الدين كله أن تؤمن باليوم الآخر، ضبطْتَ لسانك، ضبطت كسبك للمال، ضبطت إنفاقك للمال، ضبطت عَيْنَك، ضبطت أذنك، ضبطت يدك، ضبطت حركاتك وسكناتك. أيها الأخوة الكرام سُمِّيت هذه السورة التي هي أطول سورةٍ في القرآن، سميت بالبقرة لأن البقرة دليلٌ لبني إسرائيل على اليوم الآخر، كيف أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذا الميت الذي قال: فلان قتلني. هذه واحدة، فلذلك الإنسان عندما يعصي الله عزَّ وجل يجب أن يعلم أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف ؛ لو كان إيمانه باليوم الآخر قوياً لما عصى الله أبداً ؛ مستحيلٌ أن يعصي الله إذا كان مؤمناً أنه سيحاسب ؛ إذا ذهبت إلى بلد مجاور، ووجدت في أثناء الذهاب تفتيشاً دقيقاً جداً، وأنه لا يمكن لشيء أن يمر إلا بمحاسبة دقيقة، هل تشتري شيئاً هناك ؟ أبداً، شيء طبيعي، ما دام هناك حساب دقيق لا تشتري شيئاً، يقول لك رخيصة: ليست المشكلة أنها رخيصة، ولكن كيف سأنقلها إلى بلدي ؟ لا تمر، والمؤمن كذلك، أي شيء، قد لا يوجد عليه رقابة، أنت موثوق، الطبيب موثوق، المهن الراقية كلها موثوق بأصحابها، لو قال طبيب لمريض: تحتاج إلى تحليل، عشرة تحاليل، هل يستطيع المريض أن يناقش الطبيب ؟ لا يستطيع، تحتاج إلى التحليل الفلاني، انتهى ؛ من الذي يعلم أن هذا التحليل ضروري أو غير ضروري ؟ هو الله وحده، إذا قال لك المحامي: الدعوى رابحة، وهي خاسرة حتماً، هل بإمكانك أن تناقشه ؟ من يعلم ذلك ؟ الله وحده، والله أيها الأخوة لو صح إيمان المسلمين باليوم الآخر لأغلق قصر العدل أبوابه. الدين منهج كامل وليس عبادات شعائرية فحسب: بقي سيدنا عمر وزير عدل مع سيدنا الصديق سنتين، ولم يَرفع له أحد قضية، لو أنصف الناس لاستراح القاضي ؛ نحن مشكلتنا الإيمان باليوم الآخر، وأنك سوف تُسأل. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾ ( سورة الحجر ) مرة ثانية يا أخواننا الكرام، أكبر وهم نتوهمه أن الذي يأتي إلى المسجد ويصلي هو صاحب دين ؛ تأتي إلى هنا لتأخذ تعليمات الصانع فقط، وتعود مرة ثانية لتقبض الثمن، دينك بعملك، دينك بدكّانك، دينك بمكتبك، دينك بعيادتك، دينك بشركتك، دينك بالحقل، دينك بالمعمل، دينك مع أولادك، هنا تأخذ تعليمات الصانع، وتعود إلى الحياة كي تُمارس هذه التعليمات ؛ وأوضح شيء كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله عزَّ وجل يقول: (( اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك )) [مسلم عن أبي حميد] يا رب أشعرني بقربي منك، أما إذا خرج من المسجد يقول: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك )) [مسلم عن أبي حميد] العمل خارج الجامع، هناك الدين، هناك الاستقامة، هناك ضبط اللسان، هناك ضبط الدخل، هناك ضبط الإنفاق ؛ نحن حينما فهمنا الدين خمس عباداتٍ شعائرية صرنا في مؤخَّرة الأمم، ولكننا يجب أن نفهم الدين منهجاً كاملاً، لهذا أكبر شيء يشغل المؤمن: ما حكم الشرع في هذا الموضوع ؟ الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى: سميت سورة البقرة لأن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ليضربوا ببعضها هذا المقتول، فيعيد الله جل جلاله له الحياة فيقف، ويقول: فلان قتلني ! أي أن الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى، وهذا الذي ذكره القرآن الكريم . الشيء الثاني: كان في بني إسرائيل رجل صالح، وكان مستقيماً ورعاً مخلصاً، لم يَدَع لأهله إلا بقرة ؛ هذه كل ثروته في الدنيا لابنه الوحيد، هذه الصفات التي في سورة البقرة: ﴿ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾ انطبقت جميعها على هذه البقرة، فلم يرض صاحبها (ابن هذا الصالح) بثمن أقل من أن يُملأ جلدها ذهباً فكانت ثروةً طائلة ؛ يستنبط من هذا: أن الإنسان إذا كان صالحاً تولَّى الله مِن بعده رعاية أولاده ؛ يقول الله عزّ وجل في الأثر القدسي: ((عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد: يا ربِ أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين ـ يقول الله عزّ وجل في هذا الأثر القدسي ـ عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك )). [ورد في الأثر] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/05.jpg معنى ذلك: تحرَِّ الحلال، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تَخْشَ على أولادك من بعدك، الله وليُّهم هو الحافظ الأمين، هو الذي يرعى لك أولادك بعد موتك، هو الذي يسترهم، هو الذي يرزقهم، هو الذي يحفظُهم، هو الذي يُكرمهم ؛ كم من أبٍ ترك ملايين طائلة لأولاده كسبها بالحرام من أجلهم، فكانت النتيجة أنهم بدّدوا هذه الأموال في وقتٍ قصير وعاشوا فقراء ؛ وكم من أبٍ خاف الله عزّ وجل في كسبه فتولَّى الله من بعده رعاية أولاده، لا تقلق على أولادك، اقلق على شيء واحد هو: أن تقع في معصية ؛ هذا الذي مَكَّنك الله منه ؛ معظم الناس الآن يكسبون المال الحرام من أجل أولادهم، من أجل بناء مستقبل أولادهم، شراء بيوت، تزويج أولادهم، يكسبون المال الحرام، ما الذي يحدث ؟ هذا المال الذي كسبوه حراماً يبدَّد، ويذهب كما أتى، ويبقى أولادهم فقراء، تتمة الأثر القدسي يقول الله لعبدٍ آخر: (( عبدِ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا ربِ لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عزّ وجل: إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم )) [ورد في الأثر] النقطة الثانية احرص على الدخل الحلال وعلى طاعة الله والله سيتولى أولادك من بعدك: هي بقرة مباركة، لأن الأب كان صالحاً: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً (82)﴾ ( سورة الكهف ) بنى سيدنا الخضِر الجدار لأن أباهُما كان صالحاً، فلذلك الحقيقة الثانية في هذه السورة: احرص على الدخل الحلال، احرص على طاعة الله، ولا تفكر في مصير أولادك، لأن الله سيتولى أمرهم، إذا كنت أباً صالحاً سيحفظ الله لك أولادك من بعدك، وسيتولى أمرهم ؛ والله كم من قصةٌ مؤثرةٍ ؛ رجل اتقى الله فكان أولاده من بعده أعلاماً، قمماً، وكم من رجل لم يتق الله في كسب المال، ترك أيضاً ملايين طائلة فرأى صديق المتوفى ابن صديقه في الطريق فقال له: إلى أين أنت ذاهب ؟ قال بالحرف الواحد: إنني ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح أبي، روح الميت تُرفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي. النقطة الثانية: أن هذه البقرة التي جاءت صفاتها مفصَّلةً انطبقت على تلك البقرة التي كانت لرجلٍ صالح فأبى ولده ثمناً لها إلا مِلءَ جلدها ذهباً، أحياناً يَدَعُ أب صالح قطعة أرض، بيتاً، دُكَّاناً صغيرة، تدرّ هذه الدكان على أولاده من بعـده خيراً كثيراً، لأنه كان صالحاً، لا تقلق على أولادك، اقلق على دخلك، حلال هو أم حرام ؟ أنت لست مكلفاً أن تُطعم أولادك المال الحرام، هذه النقطة الثانية. النقطة الثالثة أن هذه السورة سورة مدنية : النقطة الثالثة في هذا الدرس: أن هذه السورة سورة مدنية ؛ طبعاً القرآن الكريم كما تعلمون مكيٌّ ومدني، والعلماء اختلفوا هل الآية التي نزلت في مكة مكية، والتي نزلت في المدينة مدنية إطلاقاً ولا علاقة للزمن بها، مراعين المكان فقط ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة أُنزل عليه القرآن، فالآيات التي أُنزلت عليه في مكة مكيةٌ أم مدنية ؟ هناك علماء راعوا الزمن فقط، فكل آيةٍ نزلت بعد الهجرة في أي مكان فهي مدنية، وكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة في أي مكان فهي مكية، هذا مقياس زمني، ويوجد مقياس مكاني ؛ فكل آيةٍ نزلت في مكة بأي وقت فهي مكية، وكل آية نزلت في المدينة فهي مدنية. الذي يعنينا أن القرآن المكي له خصائص، والمدني له خصائص ؛ يركِّز القرآن المكي على الإيمان بالله عن طريق الآيات، ويركِّز على اليوم الآخر، اِقرأ سورة من الأجزاء الأخيرة من القرآن الكريم، سورة عمَّ، النازعات، المرسلات، يركِّز على الإيمان بالله، وعلى الإيمان باليوم الآخر، لأنهما أصلا العقيدة، يركز على الرد على الكفار والملحدين، والمشركين والمنكرين، وعلى ذكر الجنة والنار، تكاد هذه القواسم تتجاذب السور المكية، الإيمان بالله من خلال الآيات، الإيمان باليوم الآخر، الرد على المشركين والكفار والملحدين، ذكر الجنة والنار، لو انتقلت إلى البقرة، إلى آل عمران، إلى النساء، إلى الأنعام، يختلف الأمر، تجد آيات التشريع اِفعل ولا تفعل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ٌ (282) ﴾ ( سورة البقرة ) شيء جميل، تشريع. كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين: يوجد منافقين.. ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا (120) ﴾ ( سورة آل عمران ) صـار هناك طبقة منافقين، لم يكن في مكة منافقون لأن الإسلام كان مُضطَهَدَاً، فلا داعي لأحد أن ينافق ؛ إذا أعلن الكفر يمشي على عرض الطريق، كان المسلمون مضطهَدين، لذلك لم يكن نفاق في مكة، أما حينما أُسس للمسلمين دولة قوية في المدينة صار هناك نفاق ؛ تجد في السور المدنية حديثاً عن التشريع، وحديثاً عن المنافقين ليحذِّر المؤمنين، وحديثاً عن علاقة المسلمين بغيرهم، هذا في المدينة. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/06.jpg ما الذي يعنينا ؟ الذي يعنينا هو أن كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين: مرحلة التعريف بالله واليوم الآخر، ومرحلة التعريف بالمنهج، وأية دعوةٍ إلى الله غَفَلَت عن تعريف أتباعها بالله واليوم الآخر دعوةٌ عرجاء، دعوةٌ لا تنجح، فأنت حينما تأمر الإنسان أن يصلي، يصلي لمن ؟ تأمره أن يستقيم، يستقيم خوفاً مِن مَن ؟ لا يعرف الله !! وكنت أقول دائماً: إذا عرف الإنسان الأمر، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين اليوم أعظم من أن يُخفى، مغنية تسأل عالماً: إنني تبت فهل يوجد مانع أن أغني ؟ لا يوجد مانع بموضوعات دينية ؟ صار الغناء مسموحاً، والاختلاط مسموحاً، والبنوك مسموحة في مصر، لم يعد هناك شيء، كل شيء له فتوى، وكنت أقول متحسّراً: إنَّ لكل معصيةٍ فتوى. إذا عرف الإنسان الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين ؛ صار الإسلام فلكلوراً، مظاهراً، لباساً إسلامياً ؛ آيات قرآنية نزين بها البيت، وتوجد سهرات لا ترضي الله في هذا البيت، توجد أجهزة لا ترضي الله في هذا البيت، توجد علاقات لا ترضي الله في هذا البيت، أما كله آيات قرآنية، وصورة الكعبة، وآية الكرسي ؛ بقي الإسلام مظاهراً، مؤتمرات إسلامية، كتباً فخمة جداً، العنوان على عرض الكتاب، أناقة بالطباعة، أشرطة مرئية ومسموعة، ومكتبات، وكل شيء في أعلى درجة، لكن لا توجد استقامة، لا يوجد التزام ، وكأن الله عزّ وجل تخلَّى عنا. الآيات المكية تُعرفنا بالآمر بينما الآيات المدنية تُعرفنا بالأمر الإلهي: ذكرت هذا فيما مضى، أن شخصاً سألني فقال لي: لِمَ ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قلت له: سُئل الإمام إبراهيم بن الأدهم هذا السؤال مرةً في البصرة فقيل له: إن الله تعالى يقول: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) ﴾ ( سورة غافر ) ونحن ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قال: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ ادعيتم أنكم آمنتم بالله ولم تنصاعوا لأمره، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حب نبيَّكم فلم تعملوا بسنَّته، قلتم: إن النار حق فلم تتقوها، قلتم: إن الجنة حق فلم تعملوا لها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا.." ذكر اثني عشر بنداً، وقال: فكيف يُستجاب لكم ؟!! الذي أريده ما دام هناك مّكي ومدني، معنى ذلك أن القرآن المكي يدعوك إلى الإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الآيات، وأيَّة دعوةٍ إلى الله تُغفل هذا الشطر الكبير من الدين فهي دعوةٌ عرجاء لا تنجح، والآن ترى أننا اعتنينا بالفقه على حساب العقيدة، يجب أن نعتنيَّ بالفقه والعقيدة معاً، والشيء الدقيق أن الإنسان حينما يؤمن بالله إيماناً صحيحاً، هو يبحث عن أمره ونهيه، يبحث بشكلٍ حثيث، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل ما حكم الشرع في هذا ؟ أنت أحياناً موظف في شركة، نُحِّيَ المدير العام السابق عن عمله وجاء مدير جديد، أنت تسأل: من هو ؟ فلان، ما ثقافته ؟ ما أخلاقه ؟ ما طبيعته ؟ ما طباعه ؟ بعد أن عرفت شيئاً عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي ؛ سلوك طبيعي جداً أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً ؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر ؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل، وقيمة الأمر من قيمة الآمر، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر ؛ القضية دقيقة جداً، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها ؛ ماذا عند الله لو أطعته ؟ وماذا عنده لو عصيته ؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي. بالكون تعرف الله وبالشرع تعبده: هذا درس بليغ لنا، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي أي بالثلث الأخير ثم بالثلث الثاني، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الأخوة المؤمنين. الآن يأتي التشريع تاجاً يتوَّج به المؤمن ؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه تبحث عما يرضيه، لذلك بالكون تعرفه وبالشرع تعبده ؛ هذان الخطَّان في عهد النبي ؛ الخط الأول: التعريف بالآمر، والثاني: التعريف بالأمر ؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معاً، لذلك لا بد من درسٍ تعرف الله فيه، التفكُّر في خلق السماوات والأرض هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل، ويشرب، ويتزوج، وينام، ويستيقظ، ويتأمَّل، وينظر، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض، من أجل أن تزيد معرفتك بالله، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيماً: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾ ( سورة نوح) إذا فكَّرت في خلق الإنسان أطواراً ترجو لله الوقار، من أين يأتي الوقار ؟ يأتي إذا فكَّرت في خلق الله عزّ وجل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر: الآية 28) أيها الأخوة الكرام، علمتنا كلمة مكي ومدني أن الدعوة ينبغي أن تمر بمرحلتين ؛ مرحلةٍ نتعرف فيها إلى الآمر، والمرحلةٍ الثانية نتعرف بها إلى الأمر الإلهي. النقطة الرابعة يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/07.jpg هذه السورة أيها الأخوة ـ سورة البقرة ـ من أطول سور القرآن الكريم، فيها خاصة ثالثة أُسأل عنها دائماً، هذه الخاصة: حديثٌ طويل عن بني إسرائيل وما علاقتنا ببني إسرائيل: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ (134) ﴾ ( سورة البقرة ) صفحات طويلة، سيدنا موسى، وعلاقته بفرعون، وعلاقته بقومه، وكيف نجَّاه الله من فرعون ؟ وكيف انتقل إلى سيدنا شعيب ؟ الحديث عن بني إسرائيل له مغزى هو: أن الأسلوب التربوي الحكيم ينطلق من هذه المقولة: " إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة "، يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر، فكل الأمراض التي وقعت بها بنو إسرائيل المسلمون مرشَّحون لأن يقعوا بها، فأيُّ مرضٍ من أمراض بني إسرائيل نحن مُرشَّحون لأن نقع فيه: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾ (سورة البقرة) هذا يعتقده المسلمون اليوم، يعتقدون بمفهومٍ ساذج للشفاعة، اِفعل ما شئت، والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لك: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) ﴾ ( سورة المائدة) هذا مرضٌ أصاب المسلمين: ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (93)﴾ ( سورة البقرة ) لو تتبعت أمراض بني إسرائيل لوجدت أن كل هذه الأمراض قد تلبَّّسنا بها ؛ فإذا قرأنا قصة بني إسرائيل نقرأها كي نتعظ، كي نعتبر من هؤلاء القوم الذين خرجوا عن منهج ربهم فاستحقوا لعنة الله عزّ وجل، هذه النقطة الثالثة. ملخص لأهم نقاط الدرس: نعيد ملخص هذه النقط: الأولى: سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر، وأن الناس جميعاً سيحاسبون حساباً دقيقاً جداً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً: (( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..)) [ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبي البجير] العبرة باليوم الآخر. الشيء الثاني: أن الذي يحيا حياةً مستقيمة ينبغي ألا يقلق على أولاده من بعده، لأن الله عزّ وجل هو الذي سيحفظ له أولاده من بعده، أي عليك أن تستقيم وانتهى الأمر: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾ ( سورة الزمر) وقال: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) ﴾ ( سورة الأعراف) النقطة الثالثة: هي أن هذه السورة مدنية، والسور المدنية فيها تشريعات، والتشريع مكانه الطبيعي بعد معرفة المُشَرِّع، الأمر مكانه الطبيعي بعد معرفة الآمر، فإذا عرفنا الآمر وعرفنا الأمر تكاملنا، ولا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى جعل التشريع نصف الدين تماماً. والنقطة الرابعة في سورة البقرة: أن كل قصص بني إسرائيل بأمراضهم، وتقصيرهم، وانحرافاتهم تنطبق علينا، ذكرت مرة أنّ هؤلاء الذين نسوا: ﴿ حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾ (سورة المائدة) معنى ذلك متى تكون بيننا العداوة والبغضاء ؟ إذا نسينا حظاً مما ذُكرنا به، كأن للعداوة والبغضاء قانون. في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً ومع ذلك هناك عداوة وبغضاء: قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (91) ﴾ (سورة المائدة) وقال: ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾ (سورة المائدة) معناها في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً، ومع ذلك عداوة وبغضاء مع هذه القواسم المشتركة، وصف الله عزّ وجل بني إسرائيل فقال: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14) ﴾ ( سورة الحشر ) يحوي المجتمع عشرات العوامل المشتركة، ومع ذلك عداوةٌ وبغضاء ما بعدها من عداوةٍ وبغضاء، هذا قانون ثالث، فأردت من هذا الدرس أن يكون مقدمةً للدروس القادمة التفصيلية، اسم البقرة، والأبُ الصالح، وبنو إسرائيل، لماذا كثر ذكرهم في هذه السورة ؟ والشيء الرابع المكي والمدني. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة (2) الجزءالثانى الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اللغة من تكريم الله للإنسان وهي أداة اتصالٍ راقية جداً: أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة البقرة. ﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/01.jpg أيها الأخوة الكرام... الكتاب هو الذي يُحْفَظُ في السطور، ويُقرأ مدى الدهور، والقرآن هو الذي يُحفظ في الصدور، ويُقرأ، يغلب على القرآن أنه يُقرأ، إذاً يحفظ في الصدور، ويغلب على الكتاب أنه يكتب، ويحفظ في السطور ؛ فالقرآن والكتاب اسمان لشيءٍ واحد ؛ لكن هذا يُذَكِّرنا بقوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ ( سورة الرحمن) البيان اللُّغة، واللغة من تكريم الله للإنسان ؛ أداة اتصالٍ بين أفراد النوع، أداة اتصال راقية جداً، أداةٌ يعبِّر بها الإنسان عن فكره وشعوره، أداةٌ اجتماعية ؛ يتَّصل الإنسان مع الآخرين عن طريق اللغة ؛ لو أن اللغة تُقرأُ، لو أن اللغة تقتصر على أن تُلقى، وأن تُسمع، لما انتقلت ثقافةٌ من جيلٍ إلى جيل، ولا من أمةٍ إلى أمة، لذلك قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾ ( سورة العلق) البيان من أخص خصائص الإنسان: اللغة حديثٌ واستماع، واللغة كتابةٌ وقراءة ؛ حينما مَكَّنَ الله الإنسان من أنْ يكتب اللغة، ومن أن يقرأ المكتوب، معنى ذلك أن هذه الـعلوم التي بين يدي الإنسان انتقلت من جيلٍ إلى جيل، ومن عصرٍ إلى عصر، وعن طريق الترجمة من أمةٍ إلى أمة ؛ فالإمام القُرطبي مثلاً صاحب التفسير المشهور، لو لم يكن هناك كتابة أين علمه ؟ ضاع بموته، فأيُّ عالمٍ صَبَّ علمه في كتاب، فهذا الكتاب انتفع به أبناء عصره الذين لم يلتقوا به، وانتفع به الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وانتفعت به الأمم الأخرى عن طريق الترجمة، إذاً معنى قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ (سورة الرحمن) البيان من أخص خصائص الإنسان، وهو من تكريم الله للإنسان ؛ عَلَّمك أن تنطق، وعلَّمك أن تفهم الكلام الذي ينطقه غيرك، وعلمك أن تكتب، وعلمك أن تقرأ المكتوب ؛ فلذلك الكتاب محفوظٌ في السطور، ويقرأ على مدى الدهور، والقرآن محفوظٌ في الصدور، ويُقْرَأُ بلسانٍ عربيٍ مبين. فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه: أيها الأخوة... أما كلمة الكتاب. ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/02.jpg هذه (أل) العهد، أيْ: هذا الكتاب الذي يتميَّز عن كتب أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة، أيُّ كتابٍ ألَّفه إنسان، أُُدخل إلى أضخم مكتبةٍ في العالم، كل هذه الكتب في كفة، وهذا القرآن في كفةٍ أخرى ؛ إنه كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ؛ لذلك هذا الكتاب، هو كتابنا المقرر، هو أساس سعادتنا، هو منهجنا، هو دستورنا، هو حبل الله المتين، هو الصراط المستقيم، هو النور المبين ؛ لا تنس هذه المقولة " فضل كلام الله على كلام خلقه، اِقتنِ أعلى كتاب ألَّفه إنسان في العالم، المؤلف إنسان لكن هذا القرآن من عند خالق الأكوان. دخل مغنٍ بريطاني شهير إلى مكتبة في إيطاليا فرأى فيها القرآن الكريم، فسأل صاحب المكتبة: من مؤلِّف هذا الكتاب ؟ رفع صاحب المكتبة يده إلى السماء، وأشار إلى الله عزَّ وجل، استهزأ هذا المغنِي بهذه الكلمة، واشترى الكتاب ليقرأه، ولينتقده، وليوبِّخ صاحب المكتبة على هذا الادعاء ؛ فلما قرأه آمن به، وترك الغناء، وصار من دعاة الإسلام، واشترى بثروته الطائلة، كل تسجيلاته، وأحرقها ؛ فهذا الكتاب كتاب خالق الأكوان، هذا كتابنا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( خيركم من تعلم القرآن و علمه )). [ البخاري عن عثمان ] خيركم على الإطلاق. الجهاد الكبير هو نشر كتاب الله و تبيانه و شرحه و حَمْل الناس على تطبيقه: الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، أعلى شيء في الإسلام الجهاد، وسمَّى الله نشر هذا الكتاب وتِبيانَه للناس، وتفسيره، وشرحه، و حَمْل الناس على تطبيقه سمَّى ذلك: جهاداً كبيراً، فقال تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾ (سورة الفرقان ) والشقي كلُّ الشقي الذي جاء إلى الدنيا، وخرج منها، ولم يفهم كلام الله. ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾ هذه (أل) العهد، أيْ: كتاب الله، هذا الكتاب متميِّز عن كتب بني البشر قاطبةً ؛ فما من كتابٍ على وجهِ الأرض إلا فيه خطأ، وفيه صواب، أما الكتاب الذي لا ريب فيه فهو هذا الكتاب، فلن تجد في هذا الكتاب حرفاً ثبت أنه خطأ، لأنه كلام خالق البشر. ابتعاد القرآن الكريم عن الخلل لأنه كلام خالق البشر: أنا أقول لكم هذه الكلمة: مهما كان المؤلف عظيماً، قد تكون معطيات العصر الذي أُلِّف فيه الكتاب واضحةً، فإذا قرأت كتابه بعد مئة عام وجدت فيه خللاً ؛ هذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً، هل في تقدُّم العلوم المُذهل في كل أنواع العلوم ؛ في الفلك، وفي الطب، وفي علم القارَّات، وفي الجيولوجيا، وفي التاريخ، هل هناك حقيقةٌ علميةٌ قاطعةٌ صَدَمت آيةً قرآنية ؟ مستحيل، لأنه كلام خالق البشر ؛ وليس هذا الكلام من عند النبي عليه الصلاة والسلام. مثلاً: قال تعالى: ﴿ وَالْخَيْلَ (8) ﴾ والخيل أمام النبي.. ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾ (سورة النحل ) هذا الشيء موجود في الجزيرة العربية، لو كانت هذه الآية من صنع النبي، لانتهت عند هذا الحد.. ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾ لم يكن في عهد النبي طائرة، لم يكن في عهد النبي سيَّارة، ولم يكن في عهد النبي حَوَّامة، ولم يكن في عهد النبي مركبة فضائية، لكنه كلام خالق الكون، قال تعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾ ( سورة النحل) فالذي يركب طائرةً ويقرأ هذه الآية يرى أن الطائرة دخلت في هذه الآية، والذي يركب مركبةً فخمة ويقرأ هذه الآية يرى أن المركبة دخلت في هذه الآية، لأنه كلام خالق البشر. من استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/03.jpg يقول الله عزَّ وجل: ﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾ (سورة الحج) الإنسان يعجَب، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: ﴿ من كل فجٍ بعيد ﴾ القصد أن الفج بعيد، لكن لأن الأرض كرة فإنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار البعد عمقاً.. ﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) ﴾ (سورة النحل) إذاً هذا الكتاب غير كتب أهل الأرض، وما أتعس الذي أمضى حياته مع كتبٍ من صنع بشر ؛ أمضى حياته في الأدب، في الشعر، في القصة، كل هذا من صنع البشر، أما إذا استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة . تميز القرآن الكريم عن كل الكتب السماوية السابقة: شيءٌ آخر.. ﴿ ذَلِكَ (2) ﴾ و(أل) للعهد، أي أن هذا الكتاب متميزٌ عن كل الكتب السماوية السابقة، كيف ؟ اِئتمن الله البشر على الكتب السماوية السابقة لحكمةٍ أرادها، وكانت معجزة النبي شيئاً، والكتاب الذي أُنزل عليه شيءٌ آخر ؛ معجزة سيدنا عيسى أنه أحيا الموتى ؛ ومعجزة سيدنا موسى أنه ضَرَبَ البحر فكان طريقاً يبساً، والأفعى، والعصا، فالمعجزة شيء، والكتاب الذي نُزِّل عليه شيءٌ آخر، الكتب السماوية اِئتمن الله البشر عليها، بينما القرآن الكريم يتمَيَّز من بين الكتب السماوية أن الله تولى حفظه بذاته، قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ﴾ ( سورة الحجر) القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل الكتب الأخرى: لذلك لا يستطيع بشر أن يبدِّل حرفاً واحداً، ولا أن يبدِّل حركةً، ولا أن يضع آيةً مكان آية، وليس معنى حفظ الله عزَّ وجل لهذا القرآن أنه لا تجري محاولةٌ لتغييره، الآن في الإنترنت سور اِدّعى الذي وضعها أنها من سورة البقرة، رقم ثلاثة وعشرين، ولا علاقة لها بالقرآن إطلاقاً ؛ الأمر يكشفه الأطفال، وفي درسٍ آخر إن شاء الله أقرأ عليكم هذه السور التي افتعلها أعداء الدين، وجعلوها كأنها سور من كتاب الله عزَّ وجل ؛ إنك إذا قرأتها أمام طفل يكشف أنها اِدِّعاء وكذب، أمام طفل من المسلمين ؛ إذاً هذا الكتاب كتاب الله عزَّ وجل يتميز عن بقية الكتب السماوية أن الكتب السماوية اِئتمن الله خَلْقَهُ على حفظها، فما الذي حصل ؟ ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (13) ﴾ ( سورة المائدة: آية " 13 " ) أو بدلوا وحرَّفوا لأهوائهم، فالكتب السماوية السابقة غاب منها قسم وحرف وبُدل منها قسمٌ آخر، إذاً ليست هي كلمة الله الآن ؛ وكما أن الكتب السابقة أُنزلت على قومٍ معيَّنين لفترةٍ معينة ؛ بينما القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل هذه الكتب.. ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) ﴾ ( سورة آل عمران ) ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (33) ﴾ ( سورة الصف ) القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء من بدايات الرسالات حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها: إذاً: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾ هذا الكتاب متميِّز على كل الكتب السماوية السابقة، وعلى كل الكتب التي ألَّفها بنو البشر قاطبةً.. ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾ بعضهم قال: القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء، من بدايات الرسالات، حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها، هذا الكتاب ليس للأمة العربية، ولا للمسلمين، بل هو لكلِّ أبناء الأرض قاطبةً، والله تولى بنفسه.. بذاته.. حفْظَ كتابه ؛ والعلماء يُضيفون على ذلك أنه من لوازم حفظ كتاب الله جلَّ جلاله حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سنة النبي مبيِّنة للقرآن، فإذا ضاع التفسير ضاع الأصل ؛ فإذا قلت: إن الله تولى حفظ القرآن الكريم، معنى ذلك أنه تولى أيضاً حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف تولى حفظها ؟ عن طريق علماء آتاهم الله قدراتٍ عاليةً جداً فمحَّصوا، ونَقَّبوا، ودققوا، وحفظوا سنة رسول الله الصحيحة. تولي الله عز وجل بذاته حفظ القرآن الكريم : يطمئننا الله عزَّ وجل أن هذا القرآن لن (لن تفيد تأبيد النفي) أي لن تصل إليه يد التحريف والتبديل، لذلك قال: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾ إذا قرأته لا يمكن أن يتبادر إليك شكٌ طفيف أن هذه الكلمة ليست من القرآن، هذا الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هوَ هو بين أيدينا، بسوره، وآياته، وكلماته، وحركاته، وسكناته.. ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾ لأن الله بذاته تولى حفظ القرآن الكريم ، لذلك لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير، لكن ليس معنى ذلك أنه لا تجري محاولات، تجري، بدأها مسيلمة الكذاب، فإذا قرأت ما صاغه، وادَّعى أنه وحيٌ من السماء لأخذك الضحك إلى مكانٍ بعيد. الإعجاز في القرآن الكريم على أنواع منها : 1 ـ الإعجاز الإخباري: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/04.jpg أيها الأخوة الكرام... قد يسأل سائل: ما السبيل إلى أن أؤمن أن هذا القرآن من عند خالق الأكوان ؟ السبيل كلمة واحدة: إعجازه، لا يستطيع بنو البشر مجتمعين إلى يوم الدين أن يأتوا بآيةٍ واحدة إطلاقاً، فهذا الكتاب فيه إعجاز، والإعجاز أي أن البشر يَعْجزون عن أن يأتوا بمثله، أولاً فيه إعجاز إخباري.. ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44) ﴾ ( سورة آل عمران: آية " 44 " ) ما كنت لديهم، جاء القرآن الكريم بآيات تبيِّن، وتوضِّحُ التاريخ البشري بدقةٍ متناهية ؛ ففي مصر مثلاً كان هناك فراعنة، وفي حقبةٍ قصيرةٍ جداً حكم مصر ملوك، الحاكم الذي عاصر سيدنا يوسف جاء ذكره في القرآن ملك فقال: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ (54) ﴾ ( سورة يوسف ) أما الذي عاصر سيدنا موسى كان فرعوناً: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) ﴾ (سورة الزخرف ) هناك دقة بالغة لأن هذه القصص سمَّاها العلماء: من إعجاز القرآن الإخباري، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾ (سورة الروم) إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل: إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل ؛ قصة فرعون مع سيدنا موسى، وقصة سيدنا يوسف مع ملك مصر، وقصة أقوامِ عادٍ وثمود جاءت بتفصيلٍ شديد ودقةٍ شديدة، هذا اسمه: الإعجاز في الإخبار عن الماضي ؛ وفي القرآن الكريم إخبارٌ عن الحاضر البعيد مكانياً عن رسول الله ؛ وفي القرآن الكريم إعجازٌ إخباريٌ عن المستقبل، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾ (سورة الروم) وفعلاً في بضع سنين تزيد عن الثلاثة وتقِلُّ عن التسعة غلب الرومُ الفرسَ في أدنى الأرض، قال بعض علماء التفسير: أي في أخفض نقطةٍ من الأرض، ولم يكن أحدٌ يعلم قبل عشرات السنين أن غور فلسطين أخفض نقطةٍ في الأرض، عُرِفَ بعد اكتشاف أشعة الليزر أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض إطلاقاً، والمعركة تاريخياً تَمَّت في غور فلسطين، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾ (سورة الروم) في القرآن الكريم إعجاز إخباري ؛ إخبار عن الماضي، وإخبار عن الحاضر، وإخبار عن المستقبل. 2 ـ الإعجاز العلمي: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/05.jpg وفي القرآن الكريم إعجاز علمي، مثلاً، اكتشف علماء الفيزياء الآن أن كل عنصرٍ في الأرض من دون استثناء ذرَّات، وفي الذرة نواة، وحول النواة مسارات، وعلى المسارات كهارب، قال تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾ ( سورة يس) مثل آخر: اِكتشف أن جنس المولود ذكراً كان أو أنثى يحدده الحوين لا البويضة، ولا علاقة للبويضة بتحديد جنس المولود، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾ (سورة النجم) ﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾ (سورة الحج) الأرض كرة. ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾ ( سورة النمل) الأرض تدور، تمُرُّ الجبال مر السحاب ثلاثين كيلو متراً بالثانية، كل ثانية تقطع الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثين كيلو متراً، في الدقيقة تقطع ألفاً وثمانمئة كيلو متر، في العشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر، نحن الآن مشينا عشرين ألف كيلو متر، من بداية الدرس وحتى الآن.. ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (88) ﴾ ( سورة النمل) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وإلى بضع عشراتٍ من السنين كان يُظَن أن الشمس ثابتة، والكواكب تدور من حولها، على أقل تقدير المجموعة الشمسية تدور حول الشمس، ثم اكتشف أن الشمس تجري، قال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) ﴾ ( سورة يس) يوجد بالقرآن إعجاز علمي ؛ لم يكن على عهد النبي طائرات، ولا صواريخ، ولا مناطيد، قال: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) ﴾ ( سورة الأنعام ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/06.jpg تـرى أنت السحاب سقفاً أبيضاً، فإذا ركبت طائرةً ترى السحاب من فوق جبالاً، ودياناً، هِضاباً، سهولاً.. كتضاريس الأرض تماماً.. وهذا ذكر في القرآن الكريم ؛ طبعاً أنا أعطيكم أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآن أصبح اختصاصاً اسمه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾ ( سورة الطارق) فَهِمَ العلماء أن هذا البخار يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، هذا المعنى الذي يتناسب مع معطيات ذلك العصر، ثم فهموا أن هذه الموجات الكهرطيسية تصعد إلى السماء فترُدُّها طبقة الأثير، ولولا هذه الطبقة التي ترجع هذا البث لما كان هناك إذاعة ولا نقل صورة عبر الفضاء.. ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾ ( سورة الطارق) ثم اكتشف العلماء أن كل كوكبٍ في الكون يسير في مسارٍ مُغْلَق، معنى مسار مغلق أنه يرجع إلى مكان انطلاقه بعد حين، فالصفة الجامعة المانعة الشاملة لكل الكون أن السماء ذاتُ رجعٍ.. ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾ ( سورة الطارق) 3 ـ الإعجاز البلاغي: الطريقة كي تؤمن أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز ؛ الإعجاز الإخباري، الإعجاز العلمي، الإعجاز البلاغي.. ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾ ( سورة هود ) احذف ( مِن ) الكلام ليس قرآناً، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، احذف (ما) و (إلا) ليس قرآناً، لأن أسلوب النفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر، لو ألغينا النفي والاستثناء فقد ألغينا القصر، اِحذف (على).. ما من دابةٍ إلا الله يرزقها.. ليست قرآناً، لأن حذف (على) أَلغى الإلزام الذاتي لله عزَّ وجل، قل: الدواب صار محدوداً (أل) العهد، بعض الدواب، الدواب الأهلية، أما جاءت دابة منكَّرة، مُنَكَّرة تنكير شمول ؛ قد تقف أمام آيةٍ ترى فيها إعجازاً بلاغياً، هنا استثناء، هنا حصر، هنا قصر، هنا تقديم، هنا تأخير، قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾ (سورة الفاتحة ) إذا قال: نعبد إياك.. هل يختلف المعنى ؟ يختلف اختلافاً كبيراً، إذا قلت: نعبد إيَّاك يا رب، لا يمنع أن نعبد غيرك، أما إذا قلت: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾ (سورة الفاتحة ) قدَّمت إياك على الفعل، أي لا نعبد إلا أنت.. ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59) ﴾ (سورة الأنعام ) لـو قال: مفاتح الغيب عنده، فهي عنده، وعند غيره، أما حينما جاءت عنده قبل مفاتح الغيب، أصبح المعنى حصراً ؛ هذا موضوع طويل جداً، الإعجاز العلمي طويل جداً، يحتاج إلى أشهر، الإعجاز البلاغي يحتاج إلى أشهر، الإعجاز التاريخي، الإخباري، إعجاز النظم، شيء مذهل. فيا أيها الأخوة الكرام... طريق الإيمان بهذا الكتاب هو الإعجاز. أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه: هناك شيء آخر: الذي أنزل هذا الكتاب، الذي أنزله يشهد لنا أنه كلامه، كيف يشهد لنا أن كلامه الذي أنزله ؟ من خلال التأويل، والتأويل بأدق التعاريف: وقوع الوعد والوعيد ؛ أي حينما يمحق الله مال المُرابي، محق مال المرابي شهادة الله لهذا المرابي قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾ ( سورة البقرة ) هو كلامه، محقُ مال المرابي شهادة الله للمرابي أن هذا القرآن كلامه ؛ والشاب الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً ويحيا حياةً طيبة، الحياة الطيبة التي يحياها الشاب هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلام الله ؛ وحينما تنفِقُ من مالك فيزداد مالك، فزيادة المال شهادة الله لك أن القرآن كلام الله عزَّ وجل.. ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾ ( سورة البقرة ) أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه.. ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (40) ﴾ (سورة الحج ) يوجد توازن قُوى في العالم: ﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ (40) ﴾ (سورة الحج ) فحينما أُلْغي هذا التوازن عانت الشعوب ما عانت، عانت الأمَرَّين كان هذا التوازن بين قُوى الأرض نعمة من نعم الله العظمى، غفلنا عن هذه النعمة فعرفناها بفقدها ؛ كان التوازن نعمةً من نعم الله العظمى، ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ توازن القوى، شرق وغرب، فلما اختل هذا التوازن، وصار هناك قوة واحدة، فقَدْنا هذه النعمة ؛ اللهمَّ عرفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها، لابدَّ من أن نعرف النعم، إما أن نعرفها بوفرتها أو بزوالها. القرآن كلام الله وحبله المتين ومنهجه للعالمين: شيءٌ آخر: هذا القرآن كلام الله، وحبل الله المتين، والصراط المستقيم، ومنهج ربِّ العالمين، والنور المبين، غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، من أوتي القرآن فهماً وتفسيراً فرأى أن أحداً أُوتي خيراً منه فقد حقَّرَ ما عظَّمه الله عزّ وجل ؛ أهل القرآن أهل الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعلم كلام الله فلا شيء في حياتك يعلو على هذا الهدف ؛ لاشيء، أي أهم ألف مرة من أن تؤدي امتحاناً جامعياً يُبنى عليه مستقبلك، إنك تتعرف إلى كلام الله، إلى منهج الله، إلى افعل ولا تفعل، هذا حرام وهذا حلال، فلذلك يقول الله جلَّ جلاله: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) ﴾ (سورة الأنعام ) نحمد الله على أنه أَوْجد الكون، وفي المستوى نفسه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾ ( سورة الكهف ) أي أن الكون كلُّه في كَفَّة وهذا القرآن في كفة، الكون خَلْقه والقرآن كلامه، لا معنى لخلق الكون من دون منهجٍ تسير عليه ؛ يتَّضحُ هذا في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾ ( سورة الرحمن) ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي وليس ترتيباً زمنيًّاً: يا رب كيف تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ليس هذا هو المعنى.. ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾ ( سورة الرحمن) المعنى: أن ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي، وليس ترتيباً زمنيًّاً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسيرُ عليه، اِذهب إلى بعض الشعوب، ماذا يعبد شعب في الهند بأكمله ؟ البقر، وشعبٌ آخر يعبد الجرذان، وعندي تحقيقٌ علمي لمجلةٍ محترمةٍ جداً فيها صورٌ لا تُصدَّق، معبد ضخم جداً.. إله هذا المعبد الجُرذان.. لذلك قال الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾ ( سورة الكهف ) نحن نعبد الله عزّ وجل، نعبد خالق السماوات والأرض، نعبد الذي بيده ملكوت كُلِّ شيء، نعبد الذي إليه يرجع الأمر كله، نعبد الذي إذا قال لشيءٍ: كن فيكون، نعبد القوي، نعبد الغني، نعبد صاحب الأسماء الحُسنى، والصفات الفُضلى. النعم الكبرى التي أنعمها الله عز وجل على الإنسان: لذلك أحد أكبر النعم بعد نعمة الوجود نعمة الهدى ؛ هناك ثلاث نعم ؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهُدى والرشاد، يؤكد هذا المعنى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) ﴾ ( سورة الكهف ) من أجل أن تطمئن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من دون زيادةٍ ولا نقص، قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾ ( سورة الكهف ) لا تُبَدَّل، ولا تُغَيَّر، ولا تُحَرَّف، ولا يُضاف عليها، ولا يُحذف منها إطلاقاً.. تولَّى الله بذاته حفظ كتابه.. ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾ ( سورة الكهف ) الله تعالى دعا الإنسان ليؤمن به طوعاً ليكون إيمانه اختياراً لا إكراهاً : أنت حـينما تؤمن طـوعاً تـرقى به، لو أراد الله عـزَّ وجل أن نؤمن به قسراً لفعل، ولـكن هذا لا يُسعدنا، لـو أراد الله أن نؤمن بهذا القرآن قسراً لكان ذلك، ولـكن هذا الإيمان القَسري لا يسعدنا، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) ﴾ ( سورة الشعراء) لكن الله دعانا لنؤمن به طوعاً، لنرقى بهذا الإيمان، ليكون إيماننا اختياراً لا إكراهاً: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾ ( سورة البقرة ) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: آية تدل على إعجاز الله عز وجل في قرآنه : يقسم ربنا جلَّ جلاله رحمةً بنا فيقول: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾ ( سورة الواقعة) لا يعرف معنى هذه الآية إلا من درس الفلك ؛ أذاعت محطة أخبار عالمية خبراً من سنة ونصف أنه: تمّ اكتشاف مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ؛ أقرب نجم مُلتهب للأرض يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية، أجْرِ مساءً على الآلة الحاسبة ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ أي ( ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية × 60 بالدقيقة × 60 بالساعة × 24 باليوم × 365 بالسنة × 4 هذا الرقم قسمه على مئة)، عندنا سيارة نريد أن نصل بها إلى هذا الكوكب، السرعة مئة، ثم قَسِّم هذا الرقم على الساعات، أي 24 تعرف عدد الأيام، ثم قسم هذا الرقم على 365، يظهر معنا أننا نحتاج لأن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى خمسين مليون سنة، وبإمكانك أن تجري هذا الحساب مساءً، تقود سيارة خمسين مليون سنة لتصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض، هذه المجرة الأخيرة، ثلاثمئة ألف بليون، أي ثلاثمئة ألفْ ألف مليون سنة ضوئية ؛ قال الله عزّ وجل: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾ ( سورة الواقعة) فما جواب هذا القسم ؟ ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾ ( سورة الواقعة) جواب هذا القسم إن هذا كلامي يا عبادي. زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين: ذكرت قبل يومين في حفل ـ بدأت الحفل هكذا ـ قلت: زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (55) ﴾ ( سورة النور ) أين الاستخلاف ؟ ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55) ﴾ ( سورة النور ) أين التمكين ؟ ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ (55) ﴾ ( سورة النور ) أين الاطمئنان ؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا (38) ﴾ ( سورة الحج ) أين الدفاع ؟ ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) ﴾ (سورة النساء ) لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل.. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (7) ﴾ ( سورة محمد ) أين النصر ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده للمؤمنين. إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات تبعد الإنسان عن الله عز وجل: ولكن: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾ ( سورة مريم ) الساعة الخامسة قيام ليل الحمد لله !! قيام ليل بقنوات المجاري، لا بالتحليق مع الله عزّ وجل.. ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾ هذا هو الجواب، فلذلك: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾ ( سورة الواقعة) فضل القرآن الكريم : إذا عرف الإنسان قيمة هذا القرآن لا ينام الليل، لا يغيب عن درس تفسيرٍ واحد، كلام الله دستورنا، منهجنا، نور الله المبين، صراطه المستقيم، حبلُ الله المتين، هو الغِنَى، هو العِز، كلكم يعلم إذا تفوَّق عالم في القرآن الكريم ومات ترتج الدنيا له، مات وأخذ معه كُلَّ شيء، أخذ معه كل الخير، أما أهل الدنيا إذا ماتوا فيتركون كل شيء ؛ الذين عرفوا الله، وأمضوا حياتهم في الدعوة إليه يأخذون معهم كل الخير، إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً، تعلَّموا القرآن وعلموه، اِفهموا أحكامه، ولقنوا أحكامه لأبنائكم، وربوا أبناءكم على هذا القرآن الكريم، وعلى حُبِّ نبيِّكُم، وعلى حب صحابته الكرام. ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ (2) ﴾ ( سورة يونس ) يشكك أكثر أعداء الدين في هذا القرآن أنه جاء به بشر، ولكن أنتم يا من تشكّكون بهذا القرآن ألاَ تتبعون نبيَّاً من بني البشر ؟ ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا (2) ﴾ ( سورة يونس ) هذه سُنَّة الله في خلقه، أنزل الله هذا القرآن على سيد الخلق، وحبيب الحق، أنزله على أمين وحيِّ السماء.. ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) ﴾ ( سورة هود) عبادة الله عز وجل فَحْوى القرآن كُلّه: هذا الكتاب كله ملخَّصه كلمة واحدة: ألا تعبدوا إلا الله: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾ ( سورة هود) ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾ ( سورة الكهف ) فَحْوى هذا القرآن كُلِّه: ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾ ( سورة الكهف ) هذه آية تلخيص، يلخِّص الله عزّ وجل لنا قرآنه كله.. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾ ( سورة الكهف ) من عمل أعمالاً صالحة ألقى الله في قلبه الأمن و الطمأنينة و السعادة: قد تنتظر سنوات وسنوات، ولا تستطيع أن تقابل مَلِكاً، لكن ملك الملوك يقول لك: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾ ( سورة الكهف ) ثمن اللقاء عملٌ صالح، اِجعل عملك صالحاً فأنت مع الله، تلقَ الله في الدنيا قبل الآخرة، يُلقي عليك أنواره، يُلقي عليك تجليِّاته، يملأ قلبك أمناً وطمأنينةً، يملأ قلبك سعادةً، يملأ قلبك رضاً. جاءت سيدَنا الصديقَ استغاثةٌ من أحد قواده في بلاد الفرس ـ في نهاوند ـ المسلمون ثلاثون ألفاً، والأعداء مئةٌ وثلاثون ألفاً، أرسل سيدنا خالد إلى سيدنا الصديق يطلب منه النجدة، بعد حين جاءت النجدة، أقل شيء ثلاثون ألفاً مع الثلاثين، أو خمسون ألفاً، أو سبعون ألفاً، فكانت النجدة رجلاً واحداً اسمه القَعْقَاع، عندما وصل إليه نظر إليه فقال له: أين النجدة ؟ فقال له: أنا، معي هذا الكتاب فاقرأه، فتح الكتاب: " من عبد الله أبي بكر إلى خالد بن الوليد، أحمد الله إليك، يا خالد لا تعجب أن أرسلت إليك واحداً، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم "، وانتصر الجيش وفيه القعقاع، القرآن يصنع بطولات، القرآن يجعل منك ألفاً، القرآن يجعل منك مئة ألف، أنت واحد، هذه كلها حقائق. التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً: لذلك: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾ ( سورة هود) فَحْوى هذا القرآن كله: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (2) ﴾ ( سورة هود) الأدق من ذلك أنّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم هو التوحيد.. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾ (سورة الأنبياء) قصص القرآن الكريم أحسن القصص: ما من مكتبة الآن في الأرض إلا فيها قصص، ساعة تسمى أدباً مكشوفاً، وساعة تسمى أدباً واقعياً، فالإنسان البعيد عن الله في الوحل، الإنسان ساقط، الإنسان شهواني، الإنسان خائن، الإنسان أناني، الإنسان متعجرف، يقول الله عزّ وجل: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾ ( سورة يوسف ) اِقرأ قصة سيدنا يوسف تَسْمُ نفسك ـ إنسان مبدأ ـ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: ﴿ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ﴾ (سورة المائدة) كان عبداً فجعله الله مَلِكاً بطاعته لله، وقف سيدنا موسى مع الحق، ولم يعبأ: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (15) ﴾ ( سورة القصص) وخرج من مصر خائفاً يترقب، وصل إلى سيدنا شُعَيب، وزوَّجه ابنته، وعاد إلى فرعون رسولاً: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾ ( سورة القصص) ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾ ( سورة القصص) هذا القرآن الكريم ؛ امرأة فرعون آسية مَثَل أعلى لكل النساء، إن إيمان المرأة مستقلةٌ به عن زوجها، أكثر النساء الفاسقات يقُلن: هكذا يريد زوجي، سوف تُسألين أنت وحدك عن إيمانك:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". فرعون وما أدراكم ما فرعون، الجبار الطاغية ما استطاع أن يحمل امرأته على أن تؤمن به.. ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ﴾ ( سورة التحريم) قصص القرآن الكريم تغطي جميع الأحوال التي يمر بها البشر : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/07.jpg أيها الأخوة: القرآن فيه قصص، إذا قرأ أحدهم قصة نوح وكان عنده ابن سيئ يمتلئ قلبه جبراً، ومن يقرأ قصة سيدنا إبراهيم وعنده أبٌ سيئ: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي (43) ﴾ ( سورة مريم ) ومن كانت زوجته سيئة جداً فليصبر عليها.. ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10) ﴾ ( سورة التحريم ) والتي عندها زوجٌ شرير، فلها في امرأة فرعون القدوة.. ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ (11) ﴾ ( سورة التحريم ) والذي يحتل مكانة عَلِيَّة في المجتمع بإمكانه أن يكون صالحاً، قصة ذي القرنين، مكَّنه الله في الأرض وجعله مؤمناً كبيراً صالحاً، والذي لا ينجب الأولاد، سيدنا زكريا، وإذا دخل إنسان السجن ظُلماً، سيدنا يوسف، نبيٌّ كريم دخل السجن، ليس السجن وصمة عار بحق الإنسان أحياناً، فإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن كل قصة دواء، إنسان ظُلِم فرضاً له في سيدنا يوسف أسوةٌ حسنة ؛ امرأةٌ عفيفةٌ طاهرةٌ تكلَّم الناس في عرضها ظلماً وزوراً لها في السيدة عائشة أسوة حسنة ؛ كأن قصص القرآن تُغَطِّي كل الأحوال.. ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾ ( سورة يوسف ) الآيات القرآنية تعطي الإنسان إيماناً فطرياً: أما إذا قرأت مثل هذه الآيات: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (2) ﴾ ( سورة الرعد) هل يستطيع أحدٌ من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ إلا أن هذا كلام الله عزّ وجل، أي أنت بالفطرة إذا قرأت هذه الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (2) ﴾ ( سورة الرعد) من يستطيع من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ هذه الآيات تُعطيك إيماناً فطرياً، وهذا القرآن في النهاية: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (1) ﴾ ( سورة إبراهيم) الكافر في ظلام، في ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض، وأما المؤمن إذا قرأ القرآن فهو على بيّنةٍ من ربِّه، إنه في نور الله عزّ وجل، حتى إنّ بعضهم قال: الله نور السماوات والأرض، نوَّرها بهذا القرآن الكريم، بيَّن، ووضَّح. أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن يتخلق الإنسان بأخلاق القرآن الكريم: اقرأ القرآن تعرف أنك المخلوق الأول ، اقرأ القرآن تعرف أن هذه الدنيا لعبٌ، ولهوٌ، وزينة، وأن الآخرة هي دار القرار، اقرأ القرآن تعلم أن العمل الصالح هو رأس مالِكَ في الدنيا، اقرأ القرآن تعلم أن أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن تتخلق بأخلاق القرآن ؛ سُئلت السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله ؟ قالت: كان خلقه القرآن، فأنت إذا قرأت القرآن، تلوْتَه حق تلاوته، فهمتَ آياته، تدبَّرْتها، وعملت بها سعدت في الدنيا والآخرة، كنت في ظلام البعد وظلام الجهل، فانتقلت إلى نور العلم والمعرفة، والدعاء: " اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، من وحول الشهوات إلى جنَّات القربات ". فاليوم: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾ إن شاء الله في الدرس القادم سنتابع قوله تعالى: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾ والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ال عمران (3) الجزءالاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد ؛ فقد أنهينا في الدروس السابقة، بعض الآيات الكريمة المختارة من سورة البقرة، وننتقل إلى سورة آل عمران، وفي أوائل هذه السورة آيتان كريمان يقول الله سبحانه وتعالى فيهما: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾ (سورة آل عمران) أيها الإخوة الكرام ؛ رُكب في كيان الإنسان هذه الشهوات، وقد يَفهم بعضهم أن هذه الشهوات أساس فساد العالم، والحقيقة عكس ذلك، فلولا هذه الشهوات التي ركبت فينا لما دخلنا الجنة، ثمّ إن هذه الشهوات حيادية، إنها سُلَّم ترقى بها إلى الجنة أو دركات تهوي بها إلى النار، إن هذه الشهوات بمثابة محرك يحرك هذه المركبة، فإذا كان مع هذا المحرك مقود يحافظ على بقاء السيارة على الطريق المعبد، كان هذا المحرك قوة دفعٍ لهذه المركبة، أما إذا كان هذا المحرك يعمل بلا مقود، والطريق فيه انعطافات، وعلى جانبيه وديان سحيقة، فالهلاك حتمي. إذاً الشهوات حيادية، ليست هي سبب فساد العالم، بل إن سوء استخدامها هو سبب فساد العالم. إنّ الشهوات التي أودعها الله فينا، قيَّدها في الوقت نفسه بمنهج رسمه الله لنا، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة، لو سارت هذه الشهوة في خلال القناة لآتت أكلها ضعفين، كنت ضربت من قبل مثلاً، الوقود السائل بالسيارة، فيه قوة انفجارية، لكنه إذا وضع في مستودع محكم، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ولّدَ حركةً نافعة، تسعد بها، وتنقلك أنت وأهلك إلى مكان جميل، ماذا يجري بالسيارة ؟ انفجار، لكنه انفجار وفق المنهج، أما لو خرج هذا الوقود عن مساره، وأصابت السيارةَ شرارةٌ لأحرقت المركبة وما فيها. فإياك أن تتهم الشهوات، فلولاها لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولاها لما دخلت الجنة، ولما تقربت إلى الله، تصور هل من طريق آخر تتقرب به إلى الله غير طريق الشهوات، المال محبب فإذا أنفقته حلالاً ارتقيت إلى الله، فإذ كان مع شخص خمسمئة ليرة، يمكنه أن يأكل طعاماً نفيساً هو وأهله، لكنّه أعطاها لفقير، لولا أنك تحب هذا المبلغ لما ارتقيت بإنفاقه، وأودع الله فيك حبَّ النساء، فلولا أنك تحب النساء ومررت في طريق على امرأة سافرة وغضضتَ بصرك عنها لا ترقى إلى الله، بل إن هذه الشهوات ترقى بها إلى الله مرتين، ترقى بها مرة صابراً ومرة شاكراً، فإذا نظرت إلى ما يحل لك ترقى شاكراً، وإذا غضضت عما لا يحل لك ترقى صابراً، إذا كسبت المال من وجوهه المشروعة وأنفقته فيما هو مشروع، كأنْ تأتيَ مثلاً بالطعام والشراب والفواكه لأولادك، وقد أدخلت على قلوبهم السرور، فإنّك ترقى إلى الله شاكراً، فإذا امتنعتَ عن أخذ مالٍ حرام، فيه شبهة، وأنت في أشد الحاجة إليه، وقد أودع اللهُ في كيانك حبَّ المال، ترقى إلى الله صابراً، هذه الشهوات إذًا كالمنشار، ترقى بها مرتين، فإنْ سلكت القناة النظيفة التي سمح الله لك أن تسلكها ارتقيت إلى الله شاكراً، وإن ابتعدت عن الوجه الذي حرمه الله عليك ترقى إلى الله صابراً، ولولا الشهوات لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولا الشهوات لما تقربت إلى الله عز وجل، والإنسان يُصلي في اليوم خمس مرات، أما إذا سار في الطريق المشروع يصلي آلاف المرات، لأنّه كلما غضَّ بصره عن امرأة أجنبية ارتقى إلى الله، فهناك ألف طريق لكسب المال. اليوم سمعتُ في الأخبار أنَّ أكبر ربح في العالم ربح المخدرات ؛ ألف مليار دولار، أعلى ربح في العالم، أرباح المخدرات التي تسبب الآلام لملايين الأسر، إنّها أرباح طائلة، إذاً فالإنسان إذا امتنع عن أخذ المال الحرام يرقى، وإذا سلك الطريق المشروع يرقى، وإذا غض بصره عن امرأة أجنبية يرقى، وإذا نظر إلى امرأته يرقى، كالمنشار ترقى بالشهوات مرتين، كلما أقبلت على طريق مشروع ترقى بها، وكلما ابتعدت عن طريق حرمه الله ترقى بها، فالإنسان لا يتألم من الشهوة، بل يتألم من نفسه، بشكل أو بآخر، السُّكَّر مادة ثمينة، والملح مادة ثمينة، فلو وضعت الملح في الحلويات، هل تأكلها ؟ أو وضعت السكر في طبخة غالية الثمن هل تأكلها ؟ لقد فسدت الطبخة، السكر مادة ثمينة ونافعة، والملح مادة ثمينة ونافعة، لكن أسأتَ الاستعمال، فالفساد هو في إساءة الاستعمال ؛ فالمرأة صممت لتكون زوجة لك، تسعد بها وتسعد بك، وتنجب أطفالاً ترفرف بوجودهم على البيت السعادة والهناءَة، أما إذا سلكت في قضاء هذه الشهوة طريقًا حرَّمه الله عليك تشقى، فالشقاء هو في سوء استخدام هذه الحظوظ وتلك الشهوة. هذا معنى قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ أما الشيء الدقيق في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وكأن المتاع كلَّه في كلمة: ﴿ذَلِكَ﴾ هذه التي بين يديك. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾ فإذا اتقى الإنسانُ اللهَ في هذه الشهوات، وجاءه ملك الموت ليقبض روحه، وقد مات على الإيمان، وعلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله عودةٌ إلى الله لا توصف من شدة السعادة. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾ فحينما تؤوب إلى الله، وقد اتقيت الله في هذه الشهوات، فلك عودة لله عز وجل، وأنتَ في أسعد الحالات. لذلك قالوا: الموت عرس المؤمن، والشيء الثابت أنَّ أسعد لحظات المؤمن حين يلقى ربه، وا كربتاه يا أبي ! قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبه محمداً وصحبه. فلك أن تتزوج، وأنْ تنجب الأولادَ، وتشتغل وتكسب المال كله بالطريق الحلال، وفق المنهج الربَّاني، ادرس واحصل على شهادات عليا، وتاجر وافتتح محلات، ضمن المنهج، وكن صادقًا، لا غش، ولا تدليس، ولا ربا، وكل عملك وفق المنهج، فالله ما حرَّم عليك الدنيا، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية، والدعاء الشريف: (( اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنيايّ التي فيها معاشي، وأصلح آخرتي التي إليها مردي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسن، ة وارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت )) وهذه واقعية النبي صلي الله عليه وسلم. لكن دققوا في الآية التالية، فكل واحد من إخواننا الكرام ذاق نعمة المال، ونعمة النساء، ونعمة الزوجة، والبيت المريح، والمركبة الفاخرة، والبيت في المصيف. فهذه الشهوات مارِسْها وعرفها، ثم إنّ ربنا عز وجل يقول لكم: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هل أنت مصدق لله عز وجل: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ وأثمن من كل ذالك: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر )) سافِر إلى طرطوس واركب القارب لأرواد واخرج من جيبك إبرة واغمسها في مياه البحر، ثم اسحبها، واحسُب النسبة، كم نقص البحر من مائه ؟ وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم وهو: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ ( سورة النجم: الآية: 4، 5 ) لقد قال: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر.)) والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ال عمران (3) الجزءالثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. ففي سورة آل عمران أيها الإخوة، آية تعد مقياساً لكل مؤمن ؛ هذه الآية هي الآية الواحدة والثلاثون وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ قال العلماء: لما كثر مدَّعو المحبة لله عز وجل جعل الله سبحانه دليلاً على صدق المحبة أو عدمه، آية في كتابه الكريم، فالمحبة شعورٌ داخلي يستطيع أن يدَّعيها كل إنسان، ولو كان أبعد الناس عن الله عز وجل، يقول لك: أنا أحب الله، فالحب يُدَّعى، لكن الله سبحانه وتعالى طالب المؤمنين بالدليل، فحبك لله عز وجل له دليل، ودليله طاعة رسول الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فالإنسان أيها الإخوة لئلا يقع في وهمٍ مهلك، لئلا يتوهم أنه على حق وهو على باطل، لئلا يتوهم أنه محب وهو ليس بمحب، جعل الله هذه الآية دليلاً على محبته للمؤمنين. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ويبدو أنَّ هذا المرض يصيب أهل الكتاب أيضاً. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) هذه دعوى. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ فرد الله عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) فلو أنّ الله قَبِل دعواهم وأقرهم على ادِّعائهم، لمّا عذَّبهم، وما دام يعذبهم فهم كاذبون في دعواهم، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الإمام الشافعي حقيقةً ثابتة، وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه، بل يبتليهم ويمتحنهم، ولكن لا تستقر حياتهم إلا على الإكرام. وهنا محل الإشارة إلى أن حياة المؤمن تمر بأطوار ثلاثة ؛ فتمر في طورٍ يعالجه الله، ويؤدِّبه إلى أن يحمله على طاعته، وهذا الطور الأول، يعالجه ويضيق عليه ويشدد عليه ويؤدبه بشتى الوسائل النفسية والمادية إلى أن يحمله على طاعته. إذًا هذا طور التأديب، فإذا حمله على طاعته دخل في طورٍ آخر ؛ طور الابتلاء: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ( سورة الأنبياء: 35 ) فإذا نجح في الابتلاء دخل في طورٍ ثالث ؛ وهو التكريم، لذلك اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) فإذا رأيت أن المسلمين ليسوا على ما يتمنون، وحالهم لا ترضي، وليسوا كما قال الله عز وجل، فلم يُستخلَفوا في الأرض، ولم يمكِّن الله لهم دينهم الذي ارتض لهم، ولم يبدلهم بعد خوفهم أمناً، هذه وعود الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (سورة النور: 55 ) إخوتنا الكرام ؛ أي وعد في القرآن الكريم، إنْ رأيته غير محقق، ينبغي أن تشك في الطرف الثاني، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾ ( سورة النور: 87 ) وقال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ ( سورة التوبة: 111) إنّ الله وعد المؤمنين بالنصر فقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ( سورة محمد: 7 ) وقال: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ ( سورة آل عمران: 160 ) وعد المؤمنين أن يدافع عنهم فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ( سورة الحج: 38 ) ووَعَد المؤمنين أن لن يجعل للكافرين عليهم سلطانا: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾ ( سورة النساء: 141 ) هذه وعود خالق الكون، فإن رأيت وعود الله ليست محققه في عالم المسلمين، فماذا تظهر ؟ أتقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفي بوعده ؟ هذا كلام فيه كفر، حاشا لله عز وجل، يجب أن نشك في إيماننا، وفي طاعتنا لله، وفي استقامتنا، إن الله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ أخرى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ هؤلاء أهل الكتاب لو أن الله أقرهم على دعواهم لمَّا عذبهم. ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ على كلٍ هناك نقطة دقيقة، الإنسان يحيا ضمن مجتمع، والمجتمع فاسد منحرف، يأكل الربا، يرتكب الفواحش، يقلد الغربيين، ولو دخلوا حجر ضبٍ خَرِبٍ لدخلتموه، فإذا كان الإنسان في بمجتمع منحرف، في مجتمع الدنيا كلها همُّه ومبلغ علمه، في مجتمعٍ لا يبالي أأكل حراماً أم حلالاً، مجتمع لا يبالي أكان على منهج الله أم على منهج الشيطان، فإذا كان المؤمن في هذا المجتمع، واصطلح مع الله وحده، واستقام إلى الله استقامةً تامة، فهل تظن أن الله يعذبه مع المجموع. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ ( سورة الأنبياء ) لا تنسوا هذه القصة التي أوردها القرآن الكريم، سيدنا يونس حينما كان في بطن الحوت، ما من مصيبةٍ أشد على الإنسان من أن يجد نفسه فجأةً في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، في ظلماتٍ ثلاث، الأمل في النجاة ضئيل، في بطن حوت وزنه مئة وخمسون طنًا، والإنسان كله لقمة صغيرة، فالتقمه الحوت لقمة واحدة، والحوت كما تعلمون أيها الإخوة ؛ حيوان ثديّ، يعني تُرضِع أُنثاه، كل رضعة ثلاثمئة كيلو، ثلاث رضعات في اليوم تعني طنًا، والحوت مئة وخمسون طنًا كمّا بيَّنا، وفيه تسعون برميلاً من الزيت يُعرَف بزيت الحوت، وفيه خمسون طنًا من اللحم، وخمسون طنًّا من الدُّهن، هذا الحوت إذا دخل إنسان إلى بطنه، فالوجبة المعتدلة وهي تسكيت لجوعه أربعة أطنان، هذا هو الحوت إذًا، وقد وجد سيدنا يونس نفسه ببطن الحوت فجأة، في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، أنت الآن، اركب بالبحر بين طرطوس وأرواد بالليل، تشعر بوحشة كبيرة، فإذا غرق الإنسان بالليل، ودخل في بطن الحوت: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ في ثلاث ظلمات: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ( سورة الأنبياء: 87 ) القصة انتهت، استمع إلى القانون بعدها، إنّه القانون الإلهي الثابت أبدًا، قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ يعني أي مؤمن، وفي أي مكان، وزمان، بعد ألف سنة، بعد آلاف السنين، في آسيا أو إفريقيا، أو أمريكا أو ألاسكا، بالقطب الشمالي والجنوبي، في البحر، والجو، والبر، طائرة تحلق على ارتفاع ثلاثةٍ وأربعين ألف قدم فوق جبال الألب، احترقت وانشطرت وسقطت، ومات جميع ركابها إلا راكباً واحدًا، فقد كان مقعد هذا الراكب مكان انشطار الطائرة، فوقع، ونزل على غابةٍ من الأرز مغطاةٍ بخمسة أمتار من الثلوج، هذه الخمسة الأمتار امتصت الصدمة، كما امتصتها ليونة الأغصان أيضاً، فنزل واقفًا، وحيثما كنتَ ؛ في الجو أو البحر أو البر أو برأس جبل. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ وكل إنسان يُحاسب عن عمله، فإذا تبتَ توبة عامة، فالفرج عام، وإذا تبتَ توبة خاصة فالفرج خاص، والمؤمن له معاملة خاصة. قال: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾ ( سورة الذاريات: 31 - 32-33-34 ) ثم الآية التالية تقول: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾ ( سورة الذاريات: 35-36 ) يعني أنّ الله عز وجل قَبْلَ أن يدمِّر هذه البلدة، أخرج منها المؤمنين، فالمؤمن إذا صار في هدى جماعي، فهذا أنعم وأكرم، فيصير في فرج جماعي، وإذا لقيت الناس حولك غير مستقيمين فلا تقل: أنا مثل هؤلاء الناس، هذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا)) (رواه الترمذي عن حذيفة) والقول الدارِج الآن: أخي أنا مثل الناس، حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس، أهذه آية أم حديث ؟ هي كلام فارغ، فالإنسان إذا استطاع أنْ يهدي من حوله، فهذا واللهِ شيء جميل، وإذا استطاع فليصطلح مع الله وحده، وله معاملة خاصة وحده. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ فهذه الآية مقياس دقيق: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ تعامل مع الله مباشرةً، تعامل مع الله بصدق وإخلاص، وأقم أمر الله، يعزك الله: كن مع الله ترَ الله معك و اترك الذل وحاذي طمعك وإذا أعطاك من يمنعـه ثم من يعطي إذا ما منـعك *** أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا فإنا منحنا بالرضى من أحبنـا و لذ بحمانا و احتمِ بجنابـــنا نحمك مما فيه أشرار خلقــنا وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــلٌ وأخلص لنا تلق المسرة والهنـا و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب ولإبعاد إلى بأمـرنا ينادى له بالكون أنا نحبــــه فيسمع من في الكون أمر محبنا *** والذي لم يذق طعم القرب لم يذق من الدنيا شيئاً، قال: بعض العارفين مساكين أهل الدنيا، دخلوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إنها ساعات القرب من الله، والثمن كامِنٌ بنفس كل واحد منكم، الثمن طاعة الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾ ( سورة الأحزاب: 71) راجعوا حساباتكم، راجعوا حسابات قيودكم، بيوتكم فيها مخالفات، فيها معاصٍ، حسابات أعمالكم، حسابات جوارحكم، هي كلها حسابات، فإذا أقمت الإسلام في كيانك، وفي بيتك، وفي عملك، غيَّر الله نمط حياتك، فالله عز وجل قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ال عمران (3) الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: يها الإخوة الكرام ؛ في سورة آل عمران الآية الخامسة والثلاثون وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)﴾ الحقيقة أنّ دخول الجنة بالعمل مبدئياً، لقوله تعالى: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ ( سورة النحل: 32 ) النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أحد أصحابه، يقول له كما ورد: ((يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبمَ تلقى الله إذاً ؟)) لا بد للإنسان من عمل يلقى الله به، فكل إنسان أكرمه الله عز وجل بعمل، فهذا يتقن الطب، وهذا يتقن المحاماة، وهذا مهندس، وهذا تاجر، وهذا موظف، وهذا له صنعةٌ يرتزق منها، فعملك الذي تتقنه يمكن أن يكون عملاً يدخلك الجنة، فلذلك القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، فامرأة عمران ماذا تملك ؟ لا تملك شيئًا، إلا أنها حامل، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ خالصاً لك يا رب، فكان الذي جاءت به ليس ذكراً لكنه أنثى، ولدت السيدة مريم، والسيدة مريم جاءت بنبيٍّ عظيم، وهو سيدنا عيسى، والأمر الدقيق أن كل مسلمٍ وكل مؤمنٍ لا بد له من عمل يلقى الله به، من هم أسعد الناس، هم الذين جعلوا من مهنهم ومن شرفهم ومن دَوْرهم الاجتماعي، أب، أم، زوجة، أبن، من مهنهم وحرفهم ومن م الاجتماعي، جعلوا أعمالاً تؤهِّلهم للعرض على الله عز وجل، فكان السلف الصالح إذا فتح أحدُهم دكانه، نوي خدمة المسلمين، فالمحامي المؤمن لا يتسلم قضية إلا فيها رضي الله عز وجل، يقسم أن يدافع عن الحق وعن المظلومين، فأصبحت حرفة هذا المحامي عملاً يدخل به الجنة، فمَن نفَّس عن مؤمن كربة مِن كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والطبيب إذا نوى أن يستخدم علمه في تخفيف آلام الناس، فكان علمه واختصاصه وحرفته عملاً يدخل به الجنة، فما مِن عمل في الأرض يستعصي على أن يكون في سبيل الله، إذا كان في الأصل مشروعاً، فمَن هو السعيد ؟ هو الذي يوظف أعماله كلها ؛ اختصاصه، خبرته، ماله، مكانته الاجتماعية في سبيل الله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ ( سورة الأنعام: 162 ) فلما ترعى الأمُّ أولادَها تقرباً إلى الله، فإنّ ا الاجتماعي عملاً يصبح يدخلها الجنة، ولما يكون الأب أبًا مثاليًا، ويربِّي أولاده تربية صالحة، ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، والابن إذا برَّ والديه ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، وكذلك الخياط، والمحامي، والمهندس، والمدرس، والطبيب، والتاجر، والموظف، وأصحاب الصنعات كلها إذا كانت أعمالهم مشروعة، وسلكوا فيها أساليب وطرق مشروعة، فلا كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا إيهام ولا غبن، ولا استغلال، فإذا برئ العمل الذي هو في الأصل مشروع، برئ من أساليب غير مشروعة، كان عمله هذا فلاحًا له، شيء آخر ؛ فلو ابتغى بالعمل خدمة نفسه وأهله، وابتغى به خدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، و لاعن طلب علم فقد انقلب عملك إلى عملٍ صالحٍ تلقى الله به، وهذا معنى الآية الكريمة: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ قبل أيام سمعت قصة ؛ واللهِ تأثرتُ لها أشد التأثر، بضع نسوة من المؤمنات الصالحات التقيات، بدأن يطبخن طبخات نفيسة، ويبعنها لأسر غنية، وخصصن ريع هذا العمل أجرًا للعمليات الجراحية، أو أيّ أعمال صالحة، فماذا تملك امرأة عادية، تملك أن تتقن طبخة جيدا، إذاً يطبخن الطبخات المناسبة لبعض الأسر توصية، ويأخذن ريع هذا العمل، ويعملن به أعمالاً صالحة، كأنْ يسددن نفقات عمليات جراحية لبعض المرضى. إنّ أبواب الأعمال الصالحة مفتحة على مصاريعها، فإذا كنتَ تملك أنْ تخدم الناس خدمة، فافعل ولا تقصِّر، بلِّغْ ولو آية، أمَا تملك إذا كنت محاميًا أن تتسلم قضية لإنسان فقير مظلوم دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت طبيبًا تعالج مريضًا من دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت صيدليًّا أنْ تقدِّم الدواءَ مجانًا لإنسان فقير إذا تأكدت من فقره؟. من هو الشقي ؟ الذي حرم نفسه الأعمال الصالحة، ما من واحد له حرفة إلا وبقدر أنْ تجعل جزءًا منها لله، لوجه الله، هذه المرأة ماذا تملك ؟ تملك شيئًا طبخته، وأخذت أجرة، وقدمتها مساعدات لإنسان يعاني من مرض قلبي، أو إنسان يعاني من فشل كلوي، وهناك عمليات مصيرية في الحياة، الإنسان يربي أولاده، ويمكن للعمّة أنْ تربي أولاد أخيها، فنحن نريد أعمالاً صالحة نلقى الله بها، فالسيدة امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ فإخواننا طلاب الجامعة ؛ ينبغي لهم أن يوظفوا علمهم لخدمة المسلمين، يغادر بعضهم إلى أمريكا فيشتري سيارة رخيصة، وفيلا فخمة تقسيطًا، يوظف كل علمه للكفار، الذين يكيدون للمسلمين، كيف يلقى الله ؟ فالطبيب يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمهندس يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمدرس ينبغي أن يعلَّم أبناء المسلمين، والتاجر ينبغي أن يجلب السلع ليوفرها للناس ويرخصها، قال النبي الكريم: والمحتكر ملعون، والموظف كما تعلم لا يكفيه راتبُه فساعِدْه، وهذا بحث ثانٍ، وأمامك مواطن له حاجة، فإذا خدمته وخفّفت عنه الأعباء، ويسّرت له الأمر وأرشدته، وطيبت خاطره، فهذا العمل الصالح،ينفع المواطنين، وهذا المواطن له عندك حاجة، فما مِن عمل مهني، وما من عمل حرفي، إلا ويوظف في خدمة الحق، فالتاجر مثلاً: التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر، فليعمل خيرًا إذًا، فنحن ما دمنا أحياء وقلبنا ينبض، نحن في فرصة لا تعوض أبداً، ولا بد من اقتناصها. تطالعك بالطرقات نعوات: فلان.. وفلان.. وفلان.. وفلان..أربعة بنعوة واحدة، ثلاثة بنعوة واحدة، اثنان بنعوة واحدة، في سنِّ 30، أو 40، أو 31 أو 48 أو 58، فالمغادرة سريعة. لا بد أن توظف عملك للآخرة، من هم أشقى الناس ؟ الذين عملوا عمل الآخرة من أجل الدنيا، وهذا خسار و بوار. من هم أسعد الناس ؟ الذين وظفوا أعمالهم الدنيوية من أجل الآخرة، فكل أخ كريم له اختصاص، له حرفة، أو دكان، أو تجارة، أو صناعه، أو زراعة، محاماة، أو كان طبيبا، أو مدرسًا، أو مهندسًا، أو موظفًا، حتى ولو كان يعمل في مهنٍ قد لا تُعدُّ عند الناس عظيمة، رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. هذه امرأة عمران قدوة لنا: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ مَنْ خَيرٌ. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)﴾ اسمعوا الجواب : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ إذا قلت: يا رب دراستي الجامعية أقدِّمها نذرًا لخدمة عبادك، يا رب حرفتي من أجلك لخدمة عبادك. إخوانا الكرام ؛ هذه حقيقة أطرحها وهي الله ملخص خبرات طويلة، أيُّ إنسان صاحب حرفة، إذا وضع المادة هدفه سقط وافتقر، وإذا وضع مصلحة المسلمين غايته وهمَّه والمادة وراء ظهره، اغتنى، وجاءته الدنيا والآخرة، فلا تكن ماديًا، كن في خدمة الخلق، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. راجعوا حسابتكم، فأي شغل تشتغله يمكن أن توظفه للآخرة، كأن تضع اللقمة في فم زوجتك، فهي لك صدقة، والله لو أخذت أولادك إلى نزهة عمل صالح، واللهِ لو دعوت ناسًا إلى طعام في سبيل الله فهو عمل صالح. أخ مؤمن جاء مسافرًا، دعوته إلى الغداء عندك، واللهِ هذا من الأعمال الصالحة، وإطعام الطعام حضَّ عليه الإسلام، والمؤمن ما عنده شيء خاص، فسهراته، ولقاءاته، ونزهاته، وأولاده، وأسرته، وإخوانه، وتدريسه، وحرفته، كلها في سبيل الله، وآيات كثيرة تؤكد هذا، اقرؤوا آخر التوبة. " ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم به عمل صالح " وكذلك حركاتك، وسكناتك، وعطاؤك، ومنعك، وغضبك إنْ كان لله، ورضاك إنْ كان عما يرضي الله في سجل عملك الصالح. لكن العبرة أن تؤمن أولاً، فإذا آمنت انقلبت المباحات إلى عبادات، وإن لم تؤمن كانت العبادات نفاقاً، يا رب علَّمتُ القرآن في سبيلك، فيقول: علَّمتَ القرآن ليقال عنك عالم، وقد قيل خذوه إلى النار، يقول: يا رب قاتلت في سبيلك، فيقول: كذبت قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل خذوه إلى النار. من هم إذاً أشقى الناس ؟ الذين عملوا أعمالاً تبدو أنها أعمال الآخرة، لكنهم عملوها للدنيا. إذا أُعطِيَ شخصٌ شيكًا بمئة مليون، واعتبره ورقة بيضاء، وكتب عليه، كمسودة، رقم هاتف، ثمّ شقه وألقاه، فحينما يكتشف أن هذا شيك بمئة مليون، ماذا تتوقع أن يصيبه ؟ هذا الذي يستخدم الدين من أجل الدنيا، يستخدم الدين لمصالحه الشخصية، ثم يفاجأ أن استغلال الدين سبب تعاسته الأبدية، وقد ضيع سعادته الأبدية. فلذلك أندم الناس عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، وأندم الناس غنيٌ دخل ورثته بماله الجنة، ترك أموالاً طائلة، فتزوج الشباب وكانوا مؤمنين، وتاجروا وربحوا ودخلوا الجنة، بينما هو جمعه من حرام ودخل بماله النار لذلك: اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدًا سواك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني، أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك. هذه الدنيا - دققوا في هذا التشبيه - كمجموعة كراسٍ للمشاهدين ومسرح، فإذا كنت مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تستريح وتسمع وترى، وإن لم تستقم تُجَرُّ إلى المسرح، وتلقى النصيب الأوفى من الأذى، وتصبح قصة للناس، فلاتجعلني عبرة لأحد من خلقك. فإذا استقام الإنسانُ صار متفرجًا، وإذا لم يستقم صار هو القصة، ويتندر الناسُ به. أما إذا لم يستقم يُجَرُّ إلى المسرح ليأكل لكمات، ولكمات، ليصبح قصة يتندر الناسُ بها. أما إذا كنتَ مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تشاهد وتتعظ دون أن تكون أنت قصةً للتهكُّم و التندُّر. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ال عمران (3) الجزءالرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الشريف، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) (رواه أبو داود) أما معنى كثير، فالمسلمون اليوم يعدون ألفًا ومئتي مليون، يعني خُمس سكان العالم. (( فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.)) ذكرت هذا الحديث تمهيداً لقوله تعالى في الآية التاسعة والأربعين بعد المئة من سورة آل عمران، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151)﴾ يعني أنَّ الإنسان حينما يطيع رجلاً غير مؤمن يتردَّى في الهاوية، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾ (سورة الكهف: 28 ) فهذا خطأ كبير كبير، والخطأ الفاحش أن تستنصح إنساناً مقطوعاً عن الله عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾ والآية المقابلة: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ ﴾ (سورة لقمان: 15 ) إذاً في شأن معاشه، وشأن تجارته، وشأن تربية أولاده، وشأن تخطيب بناته، لا ينبغي أن يستنصح إنساناً بعيداً عن الله عز وجل، والآية الدقيقة أيها الإخوة ؛ وهي قوله تعالى: ﴿َكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (سورة النساء: 101 ) يروى أن بعض اليهود آلمتهم هذه المحبة التي بين الأوس والخزرج، فأرسل أحدهم غلاماً له، بقصيدةٍ قيلت في الجاهلية ليثير بينهم الأحقاد، والأنصار حديثو عهدٍ بالإسلام، فلما سمعوا هذه القصيدة تذكروا بعض ما كان بينهم وبين إخوانهم من عداوةٍ وبغضاء، فكادت تنشب فتنة، فما كان مِن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنْ خرج وقال: أتفعلون هذا وأنا بين أظهركم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾ حقًّا أن نجتمع، أن نتحابب، أن نتوادد، أن يكون بعضنا دعماً لبعض، أن نكون كالبنيان المرصوص، أن نكون كالصف الواحد، أن نكون كتلة واحدة، كيف السبيل إليها ؟ يقولون: الآلام مشتركة، والآمال مشتركة، واللغة مشتركة، والتاريخ مشترك، حوالي اثني عشر شيئًا مشتركًا، ومع ذلك هناك خصومات، وهناك عداوات، وهناك تشتت، وتشرد، وتبعثر، كيف السبيل إلى وحدة القلوب ؟ قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة النساء: 103 ) هذه الآية نقرؤها كثيراً، وقلّما نقف عند معانيها الدقيقة، ما لم يكن هناك إيمانٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك منهجٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك كتاب يجمعنا، ما لم تكن هناك سنةٌ تجمعنا، ما لم يكن هناك هدف يجمعنا، ما لم تكن وسائل لهذا الهدف تجمعنا، إذًا فلن نجتمع، ولن نكون كتلةً واحدة، ولن نكون صفاً واحداً، ولن نكون يداً واحدةً على أعدائنا، إلاّ إذا أخذنا بقوله سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ تذكروا السُّبحة ؛ هل تجتمع حباتها من دون خيطٍ بداخلها ؟ الخيط الذي بداخل السُّبحة هو الذي يجمعها، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ إخواننا الكرام ؛ الأنصار رضي الله عنهم، حينما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في معركة حنين، لم يعطهم لثقته أنهم مؤمنون، فألَّف بهذه الغنائم قلوبَ أناس ضعاف، فجاءه زعيم الأنصار سيدنا سعد بن عباده وقال له: يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، في شأن هذا الفيء الذي وزعته بين أناس كثيرين، ولم تعطِ منه الأنصار، فقال: يا سعد أين أنت من قومك ؟ فقال سيدنا سعد: ما أنا إلا من قومي، أنا واحد منهم، يعني متألم مثلهم، فقال: اجمع لي قومك، فجمع سعد قومه الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعندئذٍ وقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر الأنصار مقالةٌ بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم لإسلامكم، يا معشر الأنصار – الآن دققوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما انتقده الأنصار كان في أعلى درجات قوته، فَتَحَ مكة، وانتهت معركة حنين وانتصر عليهم، وصار الجيش الذي تحت إمرته أقوى قوةٍ ضاربةٍ في الجزيرة، والنبي زعيم هذه الأمة، ونبيها، ورسولها، وقائدها، وفئةٌ من الأنصار غمزت، وانتقدت، وقالت: يعني نحن أَوْلى، لم نأخذ شيئاً – فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، أما إنكم لو قلتم فلصُدقتم ولصدقتم به، أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، والنبي صلى الله عليه وسلم، كان بإمكانه أن يلغي وجودهم، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم لمصلحتهم، لم يفعل لا هذا ولا هذا ولا ذاك، ولكن جمعهم - دققوا مرة ثانية - وذكرهم بفضلهم عليه، وهو في أعلى درجات القوة، قال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلاَّلاً فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، إذًا ما الذي يؤلف بين القلوب ؟ إنّه الدين، وما الذي يفرق ؟ المصالح الدنيوية، الدنيا تفرق والدين يجمع، والمال يفرق والحق يجمع، والمعصية تفرق والطاعة تجمع، فإذا أردت لهذه الأمة أن يجتمع أمرُها فعليها أن تأتمر بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ ما لم تكن هناك عقيدة واحدة، وكتاب واحد، وسنة واحدة، وهدف واحد، ومنطلق واحد، ووسائل واحدة، فالقلوب لا تجتمع. ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ إذاً، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً، ما ألفت بين قلوبهم، لو أنفقت المال جزافاً، لو أعطيت مساعدات، لو أعطيت بيوتًا للناس مجانًا، ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم. إذاً تأليف القلوب شيءٌ يخلقه الله في القلوب، الذي يجمعنا هو دين الله، والشيء الخطير أن الله سمى الفرقة والتنابذ والبغضاء والعداوة والطعن والتدابر سماها كفراً، قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ كيف تكفرون ؟ وهذه الآية نزلت في هذه القصة، يعني أسباب نزول الآية تكشف جوانبها الدقيقة، إذاً هذا الذي يفرق بين المسلمين ويطعن ببعضهم، وينشئ بينهم العداوة والبغضاء، هذا وقع بالكفر وهو لا يدري، هذا الذي يظن أن الله له، وأن الجنة له، وما سواه باطل، هذا إنسان منعزل، هذا إنسان لا يعرف حقيقة هذا الدين. ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ أيها الإخوة الكرام ؛ هذه الآيات في سورة آل عمران تتلوها آيات بعد قليل يقول الله عز وجل: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ - الآية الأولى - وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بحبل الله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وهناك عداوة، وهناك بغضاء. ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ عن حبل الله. ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ هذه المحبة التي تراها بينك وبين أخيك، هذه من خلق الله، هذه علامة الإيمان. فاسمع إلى الحديث القدسي: (( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ )) (رواه أحمد) وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ: ((َ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ)) (رواه الترمذي) يعني أرقى علاقة بين شخصين علاقة الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله، فنسأل الله أنْ يؤلِّف بين قلوب هذه الأمة على الخير. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة ال عمران (3) الجزء الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الآية التاسعة والخمسون بعد المئة من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ أيها الإخوة الكرام ؛ إنَّ الرحمة في قلب الإنسان مؤشر على اتصاله بالله عز وجل، فأبعدُ قلب عن الله عز وجل هو القلب القاسي. لذلك ورد في الحديث القدسي: ((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي )) الراحمون يرحمهم الله، أبعد القلوب عن الله القلب القاسي، فإذا كان للرحمة مؤشر، وللإيمان مؤشر، وللاتصال بالله مؤشر، فهذه المؤشرات تتحرك معاً. يعني حجم إيمانك بحجم اتصالك بالله، وبحجم رحمة الخلق في قلبك، فلما يقسو قلبُ الإنسان على عبادِ الله، يوقع فيهم الأذى. صدقوني... لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا زكاته، لأنه بعيد عن الله عز وجل، وهذه العبادات أساس القرب، إما أنها طريق إلى القرب، أو إن القرب من خلالها يظهر، ومن كان قاسياً في معاملته مع عباد الله عز وجل، فهذا دليلُ بُعدِهِ عن الله عز وجل هذه نقطة، أما النقطة الثانية كما قال عليه الصلاة والسلام: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) (رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) فلْنُبلِّغ هذه الآية: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ولو كان الإنسان فظاً غليظ القلب، وكان متمكناً من علمه، متبحراً في ثقافته، لكنه فظٌ غليظ القلب، فإنّ الناس يجفونه، ويصدُّون عنه. فما قولك أن النبي عليه الصلاة والسلام، ومَن هو النبي ؟ إنّه سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، المعصوم، الموحى إليه، المؤيد بالمعجزات، كل هذه الميزات لو كان فظًّا غليظ القلب مع كل هذه الميزات لانفض الناس من حوله. فكيف إذًا بإنسان لا معجزة معه، ولا وحي، ولا هو معصوم، ولا سيد الخلق ولا حبيب الحق، بل هو واحد من عامة المؤمنين. فإذا كان في دعوته قاسياً فظاً غليظاً هل تقبل دعوته ؟ فمعنى الآية دقيق، يعني: أنت أيها النبي، أنت على ما أنت عليه من تفوقٍ، من عصمةٍ، من تأييدٍ بالمعجزات، من إكرامٍ بالوحي، أنت بكل هذه الميزات !!! ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك. فكيف بالذي ليس متفوقاً، وليس مؤيداً بالمعجزات، ولا يوحى إليه، ولا سيد الخلق، ولا حبيب الحق، فكيف تكون فظا غليظ القلب. تروي كتب التاريخ، أنَ رجلاً دخل على بعض الخلفاء، فقال: إنني سأعظك وأغلُظ عليك، وكان هذا الخليفة فقيهاً، فقال: ولِمَ الغلظة يا أخي، لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو أشرُّ مني ؛ أرسل موسى وهارون إلى فرعون، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ (سورة طه: 44 ) لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، فلن تستطيع أن تفتح عقول الناس، قبل أن تفتح قلوبهم بالإحسان، لذلك قالوا: الإحسان قبل البيان، لا تستطيع أن تقنع الناس بالحق إلا إذا كنت على الحق، والقدوة قبل الدعوة، هناك قواعد، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، لن تستطيع أن تكون مؤثراً بالآخرين إلا إذا كنت محسنًا إليهم. فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((بعثت بمداراة الناس)) هذه الباء في اللغة من معانيها الاستعانة، يعني أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم. وقد يسأل سائل: ما لفرق بين المداراة والمداهنة ؟ ثمَّةَ فرقٌ كبير، فما أبعد المداراة عن المداهنة. المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، تنفق شيئًا من وقتك، وخبرتك، وراحتك، ومن مالك في سبيل أن تؤلف قلب أخيك، هذه مداراة، ولكن المداهنة أن تنفق من دينك من أجل الدنيا. ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾ ( سورة القلم: 9 ) المداهنة خطيرة، والمداهن منافق، لا يصلي لئلا يظن أنه به دين، هذا بذل من دينه من أجل حسن علاقته بزيد، فهذه مداهنة، فالمداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، أما المداراة فبذلُ الدنيا من أجل الدين فلذلك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه حتى لا يزعج أحدًا، للثوب عند المشي حفيف، فهل يعقل أن حفيف الثوب يوقظ الأهل ؟ من شدة رقته، ومن شدة رحمته، وشدة عنايته بأهله، فكان إذا دخل بيته لف ثوبه، وكان إذا رأى صبياً سلَّم عليه، وكان الحسن والحسين يركبان على ظهره في البيت فيقول: نعم الجمل جملكما، ونعم الحملانِ أنتما، لماذا وصل إلى ما وصل إليه، بأخلاقه العالية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾ (إنك لعلى)، ما قال الله سبحانه: إنك ذو خلق عظيم، لأنّ ثمة فرقًا كبيرًا بين أن يقول: إنك ذو خلق، وإنك لعلى خلق. فإذا وقع الإنسان في صراع، يقول: جاهدتُ نفسي جهادًا كبيرًا، حتى ضبطت أعصابي، إذاً أنت ذو خلق، أما النبي فعلى خلق، و(على)تفيد الاستعلاء، فهو متمكن، فمهما استُفِزَّ فلا شيء في الأرض يخرجه عن خلقه العظيم، إنّه متمكن من خلقه. إخواننا الكرام ؛ الإيمانُ حسنُ الخلق، فإذا ألغيت الخلق، ألغيت الإيمان، وألغيت الدين، ولم يبق إلا شيئان، لن يبقى من الدين إذا ألغيت الخلق إلا طقوس لا معنى لها، وثقافات لا تنفع ولا تجدي، معلومات وطقوس من دون أخلاق نعم. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ فالآية دقيقة، يجب أن تستشير، لأنه من استشار الرجال استعار عقولهم، فأنت تستعير مثلاً خبرة خمسين سنة بسؤال. من هو الذكي العاقل الموفق ؟ هو الذي يستشير، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه صحابي جليل، قال له: هل هذا الموقع في بدر، وحيٌ من الله أم الرأي والمشورة ؟ فإذا كان وحيًا، فلا اعتراض، فقال له: بل الرأي والمشورة فقال الصحابي: يا رسول الله هذا ليس بموقع، قال له: أين الموقع إذًا، قال له هناك، وأشار إليه بكل بساطة، بكل طيب نفس، وقف قدوة لكل مَن يأتي بعده من العلماء والأمراء، فأمر الجيش أن يستقر في المكان الذي أشار إليه الصحابي، إذاً لقد مارس المشورة. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ فمن خصائص المؤمن، أنه يشاور، لكنْ من يستشير، الاستخارة لله، وتعلمون الاستخارة، يعني قبل أن تقدم على أمر مباح، من زواج، من شركة، من سفر، تستخير الله عز وجل، بأن تصلي ركعتين، وتدعو بدعاء معروف، إن كان في هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فيسره لي، وإذا كان خلاف ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه فلا أتعلق به، واقدر لي الخير حيث كان، هذه هي الاستخارة، أما الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، فعوِّد نفسك، بكل عملك، بتجارتك، بصناعتك، بزراعتك، أنْ تبحثَ عن إنسان تثق بعلمه، وبخبرته، وبورعه، لتستشيره، فأنت إذا استشرته فقد استعرت خبرة خمسين عامًا بسؤال واحد. لذلك يا أخي، القرآن الكريم يحضُّ على المشورة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ إذا كان النبي المعصوم، المؤيد بالوحي، وبالمعجزات، مأموٌر أن يشاور أصحابه، فالمؤمنون من بابٍ أولى، فنحن إذاً من باب أولى أن نستشير، وما مِن إنسان يقع في شر عمله إلا وقد انفرد برأيه، استشِرْ يا أخي إن كنت تاجرًا، فابحثْ عن تاجر تثق في علمه، ودينه، وفهمه، وخبرته فاسألْه عما أنت مقبِل عليه، وإذا كنت بالصناعة فاسأل صناعيًّا مؤمنًا، وإذا كنت بالزراعة فاسأل زراعيًّا مؤمنًا، وإن كنت بالوظيفة فاسأل موظفًا مؤمنًا، فاستشر، فمن استشار الرجال استعار عقولهم. ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ والتوكل أيها الإخوة بالقلب لا بالجوارح، فعليك أن تسعى بجوارحك، قال أحد العلماء الكبار: السعي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتوكل حالة النبي، فله حال وله سلوك، فالسعي سنته، والتوكل حاله. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ال عمران (3) الجزء السادس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التسعون بعد المئة من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾ مَنْ هم (أولي الألباب) ؟ قال المفسرون: هم أصحاب العقول، وقد شبه الله العقل في الإنسان كاللب في الثمرة، فما قيمة قشرة الثمرة، بكم تشتري قشور الثمار ؟ بلا شيء، لكن بكم تشتري الثمار ؟ بكل شيء، لأن فيها لبًّا، فالعقل في الإنسان كاللب في الثمرة، والعقل كما ورد: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، ورأس الحكمة مخافة الله، فعقلك يظهر بقدر خوفك من الله وحبك له، فإذا قلَّ الخوف ضعف العقل، وإذا قلَّت المحبة ضعف العقل، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾ فأنت بحاجة إلى شيئين ؛ بحاجةٍ إلى أن تعرف الله، وبحاجةٍ إلى أن تعبده، كي تحقق سر وجودك، فبالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، الأمر والنهي، نعرفه من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أردت أن تعبده عليك أن تعرف أمره ونهيه، أما إذا أردت أن تعرفه، عليك بقول الله عز وجل، وأنْ تتدبَّر قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾ السموات والأرض كما قلت من قبل، تعبير قرآني عن الكون، فخلق السموات والأرض يدل على وجود الله، وعلى كماله وعلى وحدانيته، فالأرض مثلاً تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو مترًا بالثانية، هذا الدرس المتواضع الذي لا يزيد عن عشر دقائق، تقطع فيه الأرض ثمانية عشر ألف كيلو متر، لأن الأرض تسير ثلاثين كيلومترًا بالثانية، بالدقيقة: 6x 3 = ثمانية عشر، عشر، وصفرين، ألف وثمانمئة، بعشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلومترًا خلال درس التفسير الذي لا يزيد عن عشر دقائق. الأرض إذًا أيها الإخوة تدور حول الشمس، قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المسار إهليلجي، هناك قطر طويل وقطر قصير، وعند القطر الصغير الأصغري، تزيد سرعتها، لتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، وعند القطر الأعظمي، تقل سرعتها، لتبقى مرتبطة بالشمس. إذاً حركة الأرض حول الشمس بسرعةٍ متفاوتة، تزيد سرعتها وتقل سرعتها، لتبقى في مسارها الإهليلجي، شيئاً آخر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تتابع الليل والنهار ما سببه ؟ الشمس هنا، يعني في جانب، هي منبع الضوء، والأرض هنا، يعني في جانب آخر، فلو أن الأرض توقفت عن الدوران، لما كان ليلٌ ولا نهارٌ، ولو أن الأرض دارت حول الشمس، ودارت على محور موازٍ لمستوى دوارنها حول الشمس، ودارت هكذا، والشمس من هنا، مع أنها تدور لا ليل ولا نهار، الليل ثابت إلى الأبد، والنهار ثابت إلى الأبد، ولو أن الليل ثبت إلى الأبد، لكانت حرارة الأرض في الليل دون المئتين والسبعين تحت الصفر، وهو الصفر المطلق، إذًا تنتهي الحياة، ولو أن الوجه المقابل للشمس ثابت، لكانت الحرارة ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر واحترق كلُّ شيء، إذاً لو أنّ الأرض توقفت لأُلغي الليل والنهار، ولو دارت هكذا بالعكس، والشمس من هنا، فالوجه المقابل للشمس، في حرارة درجتها ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر، والوجه الآخر يكون بدرجة مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانعدمت الحياة، لكن الأرض تدور هكذا، و الشمس هنا تدور هكذا، إذًا: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ لكن في الآية معنى آخر، الليل والنهار يختلفان فيأتي الأول بعد الثاني، والثاني بعد الأول، وهكذا، أمّا المعنى الثاني، أن اختلاف الليل والنهار، يعني أن طول النهار وطول الليل يختلفان، من سبع عشرة ساعة ونصف إلى عشر ساعات أحياناً، فما سر هذا الاختلاف ؟ فلو أن الشمس هنا والأرض هنا تدور الأرض حول محور عمودي على مستوى الدوران هكذا، لانعدمت الفصول، بالمنطقة الاستوائية صيف دائم إلى الأبد، وبالمناطق القطبية شتاء دائم إلى الأبد، والتغت الفصول، لكن هذا المحور مائل قليلاً، مع ميل المحور تأتي الشمس عموديةً على القطب الشمالي، فإذا أصبحت الأرض هاهنا جاءت الشمس عموديةً على القطب الجنوبي، وصار في السنة اختلاف فصول، من صيف، وشتاء، وربيع، وخريف، إذاً هذه الحكمة البالغة، أن الأرض تدور حول محورٍ مائلٍ على مستوى الدوران. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾ الأرض حول نفسها، تتناسب مع طاقة الإنسان، لو كان الليل ساعة واحدة، والنهار ساعة، تنام وتستيقظ، ولا بد لك ثماني ساعات، ثمانية أيام نوم وثماني ليال، لكن لو كان النهار أو الليل مئة ساعة، أيضاً لصارت الحياة صعبة، أما الليل والنهار فيتوافقان مع طاقة الإنسان، لوجود تصميم وتناسق رائع، إذًا الإنسانُ إن لم يفكر في هذه الآيات التي بثَّها الله في الكون، فكأنه عطل عقله، أو كأنه لم يستخدمه، أما إذا استخدمه فيما لم يخلق له، فقد أساء إساءةً بالغة، إذاً دقق في هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾ الألباب أصحاب العقول، وإنسان من دون عقل كالثمرة من دون لب. يعني أنت بكم تشتري قشر كيلو الموز، أتأخذه بمئة ليرة، أعوذ بالله، لن تأخذه ولو بقرش، أما كيلو الموز فثمنه مئة ليرة، وفيه اللبُّ، واللبُّ مغذٍ، والإنسان من دون عقل ثمرة من دون لب، والعقل يقتضي أن تُعمله في الكون كي تعرفه، إن أعملت عقلك في الأمر والنهي فمن أجل أن تعبده، وإن أعملت عقلك في الكون فمن أجل أن تعرفه، فأنت تعرف الله بالكون، وتعبده بالكتاب والسنة، فمعرفة الكتاب والسنة من دون معرفة الله نقص كبير، ومعرفة الله عز وجل من دون أن تعرف أمره نقص كبير، فلابد من التناسق بين معرفة الله ومعرفة أمره. لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول بصدد هذه الآية: ((الويل لمن لم يفكر بهذه الآية )) كان كلما استيقظ في الليل يتلو هذه الآية، وكأن الإنسان مكلف أن يجول فكره في خلق السموات والأرض حتى يعرفه، فإذا عرفه عَبَدَه من خلال الكتاب والسنة. فالإنسان لا يمر على الآيات مرورًا سريعًا، فكأس الماء الذي تشربه و، كأس الحليب الذي تشربه، ورغيف الخبز الذي تأكله، وهذه الفاكهة التي تأكلها، وهذه الأمطار التي تهطل، وهذه البحار التي تزخر بما فيها من أسماك، ولآلئ ومرجان، هذه كلها بين يديك من أجل أن تعرفه، وكلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل ازدادت خشيتك له. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فاطر: 28) و (إنما) تفيد القصر، أي أن العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل. فتبدُّل الليل والنهار، وتعاقبهما، والصيف وما فيه من خصائص، والربيع، والشتاء، والخريف، هذه الأرض بدورانها حول الشمس، ولا تنسوا هذا الرقم البسيط، نحن خلال هذا الدرس كم قطعنا من مسافةٍ حول الشمس ؟ ثمانية عشر ألف كيلو متر، الآن مرَّت بنا عشر دقائق، فقطعنا ثمانية عشر ألف كيلو متر في مسيرنا حول الشمس. فكم هي عظمة هذا الكون ؟ والمؤمن كما قلت قبل أيام، بالكون والنظر في عظمته يعبُر المؤمن إلى المكوِّن، ومن النظام للمنظم، ومن التسيير للمسيِّر، ومن الخلق للخالق، ومن التربية للمربي، ومن التصوير للمصور، فما لم تعبر من هذه الحقيقة الكبرى إلى حقيقةٍ أكبر فأنت لا تعرفه. الغربيون وقفوا عند الكون، أما المسلمون فتجاوزوه إلى المكوِّن، والمؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعِم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الاول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: أناس كثيرون يشككون في كل شيء، يقولون لك لا ندري، لا نعلم، الله أعلم، لماذا خلقنا ؟ كأننا خلقنا لنعذب، لا أحد مرتاح، كلما عرضت عليهم حقيقة، أو آية، ردوا عليك بأنهم لا يعلمون، ولا يفهمون سر الوجود. الله جل جلاله، يقول في سورة النساء وفي الآية السادسة والعشرين: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ( سورة هود: 119 ) يعني يا عبادي خلقتكم لأرحمكم. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ ( سورة الذاريات: 56 ) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ( سورة النساء: 77 ) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)﴾ ( سورة فاطر: 5 ) لو قرأت القرآن الكريم، لوجدته كله يبيِّن لهذا الإنسان سرّ وجوده، لماذا جيء به إلى الدنيا ؟ ماذا بعد الدنيا ؟ ما حكمة وجودك ؟ في حين ترى أنّ كل إنسان يشكك، يقول أحدهم: جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت، هكذا قال بعض الشعراء، رأيت قدامي طريقًا فمشيت، كيف جئت، كيف أبصرت طريقي، لست أدري، ثم يقول: ولماذا لست أدري لست أدري، هذا الذي يشكك، له مِن وراء التشكيك غاية. الإنسان المنحرف يريد ألا يعلم، لأنه لو علم، لأصبح مسؤولاً، والدليل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ يا محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ( سورة القصص: 50 ) ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾ ( سورة الماعون: 1- 2 ) هو نفسه. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾ ( سورة الماعون: 3 ) إذاً الإنسان حينما يريد ألا يعلم، معنى ذلك أنه منحرف، وأنه مقيم على المعاصي، وأنه يتبع شهواته، فإذا علم أصبح مسؤولاً، هو أميَل إلى ألاّ يعلم، إلى أن يشكك، إلى أن يقول: لا نعرف، ففي الحياة في أسرار، وكأنّ كلّ الأسرار عنده، قل له: فُكَّ سراً واحداً، يقول لك: لا أقدر، هذا القرآن كلما غُصتَ فيه غرقتَ، أعوذ بالله، كلام الله، نزل هذا القرآن من لدن حكيم عليم لنفهمه، لنقرأه، لنتدبر آياته، انظر في الآية الكريمة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لقد بيّن لك، بيّن لك لماذا خلق الكون، ولماذا خلق الإنسان، ولماذا جاء بك إلى الدنيا، وماذا يقول الإنسان عند الموت. ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ( سورة المؤمنون: 99 - 100 ) إذاً سر وجودك في أنْ تعمل العمل الصالح. ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ ( سورة العصر: 1 -3 ) القرآن كله بيان، قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (سورة النساء: 26 ) الآن هؤلاء الأقوام السابقة، حينما انحرفوا ماذا حل بهم، أتريد عبرة نظرية، أتريد حقيقة نظرية، اقْرأ القرآن الكريم، أتريد حقيقة عملية، أقرأ ماذا حل بالأقوام السابقة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3)﴾ ( سورة الفيل: 1 -2 - 3 ) وأنت أيها الإنسان، ألم تَرَ كل يوم ماذا يحل بالمنحرفين. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾ (سورة النحل 112 ) ألا ترى كل يوم فيما حولنا من البلاد الفلانية ؛ هنا حرب أهلية، هنا فيضان، هنا زلزال، هنا صواعق، هنا براكين، إن أردت الحقيقة مجردة، فاقرأ القرآن، وإن أردت الحقيقة مطبقة على أقوام، قال سبحان: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ من أجل ماذا قال: ليتوب عليكم ؟ من أجل أن: ﴿َيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)﴾ أمّا الآية التي بعدها: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه مشيئته. لذلك إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، فشيء مخيف. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ( سورة التوبة: 118 ) وفي آية: تابوا فتاب الله عليهم. ما معنى توبة الله قبل توبة العبد ؟ ما معنى توبة الله بعد توبة العبد ؟ ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (سورة التوبة (118)) تابوا فتاب الله عليهم... العلماء قالوا: إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة. أما إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، أي هي الشدائد، التي يسوقها الله لهذا الإنسان ليحمله على التوبة، أيْ تَوَّبَهُ، تَوَّبَهُ، فلما ربنا يقول: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني كل هذه المصائب، كل هذه المتاعب، الفقر، الفرج، القهر، الذل، الخوف، القلق. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ ( سورة الشورى: 30 ) ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفوا الله أكثر. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إذاً الشر المطلق ليس له وجود في الكون، الشر الهادف، والشر بنظر الإنسان شر، في نظر الواحد الديان مطلق الخير. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾ (سورة النساء) إذاً أنت محاط بناس لا دين لهم، فَسَقَة، يحبون الشهوات، مشكلة الإنسان أنه يعيش معهم، دائما يريدون منك أن تميل ميلاً عظيما، يجرونك إلى الربا، إلى الاختلاط، يجرونك لتزويج ابنتك من شاب غني فقط، يقول بعضهم: الدراهم كالمراهم، ماذا تستفيد من الفقير المعترِّ. إذا كان الذين حولك دين لهم، فإنهم يجرونك لاتّباع الشهوات والميل عن الحق، فهذه الآية دقيقة. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾ عن الحق، لذلك: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾ ( سورة الكهف: 28 ) ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ( سورة لقمان: 15 ) إذا استشرتَ فاستشِر إنسانًا مؤمنًا، صادقًا، استشِر إنسانًا واثقًا من ورعه، من علمه، أما أنْ تسأل واحدًا لا دين له ؟ فإنّه يغرقك، لماذا يريد الله أن يتوب عليكم؟ قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (سورة النساء: 27 ) أنت تحمِّل نفسك مالا تطيق، لماذا يحمل الإنسانُ نفسَه مالا تطيق في حين: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ لكن: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ أنت تقدر على معاينة المعصية عند الموت ؟ وفي أثناء الحياة تجد الناس نيامًا مخدرين، تشغلهم نزهات مختلطة، يقترفون السيئات، فهم مخدرون، والمال موجود، والصحة موجودة لا يدري أحدهم ما يعمل لغفلته، لو أن إنسانًا عاين هذه المعاصي وهو في القبر فإنه لا يتحمل ؟ يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا منها، ولمّا يرى الإنسان مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الدنيا لصعقوا بها. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ أربع آيات بمحور واحد، يريد الله ليبين لكم، كل هذا القرآن تبيان وإذا لم تكفِ الحقائق النظرية، فإنه يريك حالَ الأقوام السابقة التي كفرت. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ ( سورة الفيل) قوم عاد، قوم ثمود، قوم فرعون، قوم نوح، انظر إلى هؤلاء القدامى، أمّا حال المعاصرين، فانظر حولك، كم من حرب أهلية ؟ كم زلزال صار ؟ كم فيضان ؟ يقولون: إعصار ؛ خسارة البلاد بسببه تقدَّر بثلاثين مليارًا، إعصار واحد في نصف ساعة، ما لنا لا نرى ولا نبصر ؟ المصائب التي تأتي، بساعة أعاصير، بساعة زلازل، بساعة فيضانات، بساعة حروب أهلية، واللهُ ماذا قال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ( سورة الأنعام: 65 ) هذه الصواعق قديماً وحديثاً، والصواريخ،حديثا مِن فوقكم: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الزلازل والألغام، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ الحروب الأهلية. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قبل أسبوع تحاربت بإفريقيا دولتان، عشرة آلاف قتيل في يومين، عشرة آلاف، هذا من فعل الله عز وجل، من تأديب الله عز وجل لعباده، فلذلك، يريد الله ليبين لكم أتحب بيانًا عمليًا، فهؤلاء القتلى بيانٌ عملي صارخ " ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، لذلك، واتبعْ سبيل من أناب إليَ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا. وبعد ؛ لماذا كل هذا ؟ قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ (سورة النساء) يريد أن يبين، ببيان نظري، يريد أن يبين، ببيان عملي، يريد أن يخفف عنكم، يريد أن يتوب عليكم. لذلك هذه الآيات في سورة النساء جاءت متتابعة، ثلاث آيات تبدأ بكلمة:والله يريد، إذا قلت: أنا لا أعرف لماذا خُلِقت، والله هذا منتهى الحمق ! كتاب الله معجز، وهو بين يديك، يبين لك خالق الكون لماذا خلقك. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (سورة هود: 119 ) يقولون: أريد تفسيرَ الآية، لا أريد تفسير الزمخشري، ولا الجلالين ولا الطبري ولا القرطبي، بل أريد شيئًا واضحًا مثل الشمس، فإليك الجواب في الآية: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ خلقك ليرحمك. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (سورة الذاريات) ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) ﴾ (سورة آل عمران) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ (سورة النساء: 77) ﴿َالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾ (سورة الأعلى) اقرأ القرآن فإذا قلت: لا أدري فهذا جوابه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (سورة القصص: 50) والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الثانى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التاسعة والخمسون من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الشريعة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة، فحيثما قرأت في كتاب الله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ فالذي آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وملائكته وكتبه، هذا الخطاب موجَّه إليه، أما إذا خاطب الإنسان لعموم وصفه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فالناس يخاطبون بأصول الشريعة، بينما المؤمنون يخاطبون بفروع الشريعة. هذه الآية أيها الإخوة، للإمام الشافعي شرحٌ دقيقٌ لها، كلكم يعلم إن الدين في أصله، وحيٌ من الله إلى رسوله، ونقلٌ عن رسول، فالدين وحيٌ ونقلٌ، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾ يعني أطيعوا الأمر الذي وصلكم عن طريق الوحي، يعني القرآن، كيف أطيع الله ؟ بتطبيق أوامر القرآن، وأطيعوا الرسول، وكيف أطيع الرسول ؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ( سورة الحشر: 7 ) وقال: ليبين للناس ما نزل إليهم. فالسنة النبوية المطهرة، نوعان أو ثلاثة أنواع. أولاً: نوع قولي. ثانياً: نوعٌ عملي. ثالثاً: نوعٌ إقراري. فإذا وقف النبي في موقف، وحَدَثَ أمامه حدثٌ، وسكت النبي، فهذه سنة، لإن سكوته يعني أنه أقره، لو لم تكن على حق لما سكت، لأنه رسول ومشرع، فهنالك سنة ٌ، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة. فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ تتلخص طاعتُه في ثلاثة أشياء ؛ الأحاديث الشريفة الصحيحة التي فيها أمرٌ ونهيٌ. ينبغي أن تطيعه فيها، وسيرته الصحيحة هكذا فعل، ففي بيته فعل كذا وكذا، مع إخوانه، مع أصحابه في حربه، في سلمه، في قيادته كانت أفعاله كذا وكذا. سنته الفعلية هي سيرته، وإقراراته، أيضاً من سنته. فأنت مأمور من قبل الله عز وجل، أن تطيع الأمر الذي جاءك في القرآن الكريم، وأن تطيع الأمر الذي جاء به النبي ليبين لك ما في القرآن الكريم، وأن تقلد النبي قي سلوكه، وأن تطيعه أيضاً في إقراره، وهذا كلُّه واضح. أطيعوا الله ؛ الأوامر القرآنية، وأطيعوا الرسول سنته القولية، والعملية، والإقرارية. الآن: وأولى الأمر منك. الإمام الشافعي قال: وأولي الأمر هم العلماء والأمراء. ما الفرق بينهما ؟ العلماء الذين يعرفون الأمر والنهي، والأمراء الذين ينفذونه. لكن لو وقع شعب مسلم تحت حكم استعماري كافر، هل هؤلاء أولو الأمر ؟ لا !!! هؤلاء الكفرة هم أولو الأمر فيكم لا منكم، فمِن للتبعيض. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ كلمة " من" للتبعيض. من هم " أولي الأمر" ؟ هم العلماء الذين يعرفون أمر الله، والأمراء الذين ينفذون أمر الله، فأنت بحسب هذه الآية. مكلفٌ أن تطيع الأوامر التي وردت في هذا الكتاب. ومكلف أن تتبع سنة النبي القولية والعملية والإقرارية. ومكلفٌ أن تطيع من يفتي لك وهو على علمٍ، وورعٍ وتقي، ويقول لك: الحكم الشرعي في هذا المبلغ مثلاً إنه حرام، " أولي الأمر" صار معناها: عالم مُفْتٍ، وإذا أحيل هذا الأمر إلى الدوائر التنفيذية، فلو كنتَ أمام القاضي الشرعي مثلاً، وحَكَم لك في خلاف بينك وبين زوجتك بحكم الله، فأوجب لها المهر، فهذا القاضي الشرعي من أولي الأمر، فلما أحيلت هذه القضية إلى دوائر التنفيذ، صرنا من مع "أولي الأمر" من نوع ثانٍ، وهو المنفذ. "أولي الأمر " نوعان، الذي يعلم، والذي ينفذ، بِشرطِ أن يكون منكم. الآن: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ ﴾ فَمَع مَنْ نتنازع. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ ماذا حذف من هذه الآية ؟ هم ثلاثة فيما سبق مِن الآية: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ هل تفهمون مَنْ حُذِف " أولي الأمر "، فالنزاع بين مَنْ ومَنْ. النزاع إذاً بين المسلمين وبين علمائهم، وبين أمرائهم، فإذا حصل نزاعٌ وجاءك أمر مخالف للقرآن الكريم فالحكم لله ولرسوله، والقصة التي أرويها لكم دائماً. أن النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل سريةً وأمَّر عليها أنصارياً فيه دعابة، هذا الأنصاري بعد أن تسلّم القيادة أعطى أمراً أن تضرم نارٌ عظيمة، وقال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أميرهم: اقتحموها !!! فترددوا، بعضهم قال كيف نقتحمها ؟ وقد آمنَّا بالله ورسوله فراراً منها، وبعضهم قال: لا بد من اقتحامها، فطاعة الأمير طاعة الرسول. وقعت منازعةٌ بين الصحابة وبين هذا الأمير الذي أمرهم أن يقتحموا ناراً، والنبي حيٌّ يُرزق، فذهبوا إلى النبي يخبرونه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف.)) فالمنازعة هنا بين المسلمين وبين علمائهم أو بين أمرائهم، حول شرعية حكم يجوز أو لا يجوز، فَمَنْ هو الحَكَم في هذه المنازعة، كتاب الله وسنة رسوله، الآية أصبحت على الشكل التالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ بطاعة أوامره في القرآن الكريم، لأن هذا وحيٌ من عند الله نقله إلينا النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فاللهُ مثلاً بيَّن لنا البيوع بآية واحدة، والنبي بيّن البيوع بمئتي حديث، وأمّا الزكاة: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ ( سورة التوبة: 103 ) فالنبي بيّن زكاة الزروع، وزكاة التجارة وعروض التجارة، وزكاة المواشي، وزكاة الركاز والأنصبة، ومصارف الزكاة. فالنبي وصَّى وفَصَّل، فأنت عليك أن تطيع الله عز وجل فيما أمر، وأن تطيع النبي عليه الصلاة والسلام فيما بين بسنته القولية، وفيما فعل سنة فعلية وفيما سكت فسكوته إقرار. ذات مرة ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد أصحابه وقد توفي توًّا في بيته، فسمع من خلف الستار امرأةً تقول: هنيئاً لك أبا السائب، تعني أبا السائب، لقد أكرمك الله، فلو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، لكنه عليه الصلاة و السلام قال: ((ومن أدراكِ أن الله أكرمه، قولي: أرجو الله أن يكرمه.)) لأن هذا تَأَلٍّ على الله، قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبيٌ مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم. إذاً النبي لم يسكت فإذا سكت فما عاد نبياً، أي كلمةٍ باطلةٍ تلقى أمامه لا بد أن يصححها، فسنة النبي ؛ أقواله الصحيحة، وسنة النبي أفعاله يعني سيرته، وسنة النبي إقراره. وكثير مِن الأحاديث أساسها أن صحابيًا فعل كذا وكذا في حضرة النبي، والنبي ما نهى عن ذلك، إذاً هذه الواقعة أصبحت سنة، " أولى الأمر" هم العلماء العاملون، الصادقون، المخلصون، الذين يعرفون أمر الله ورسوله، والذين ينفذون هذا الأمر أيضاً هم من أولي الأمر، أما لو وقع مجتمع مسلم تحت حكم مستعمر كافر، فلا يكون هذا الكافر من أولي الأمر. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ إذا آمنت أن الله هو المشرع، هو الذي يعلم، وهو الذي يميت، وهو الذي سيحيي، وهو الذي سيحاسب، إن آمنت بهذا، فعليك أن ترد النزاع إلى الله والرسول. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ الآن عندنا سؤالان، ماذا ترون في تعلُّم سنة النبي القولية ؟ يعني يستحسن أن تتعلمها، وهنا يطالعنا سؤال ؟ يستحسن، يعني أهو مندوبٌ أن تتعلمها ؟ لا، أهو فرض كفاية أن تتعلمها ؟ لا، بل تعلُّمها فرض عين، قل لي ما الدليل في أن تعلم سنة النبي القولية فرض عين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فكيف تأخذ شيئاً لا تعلمه ؟ إذاً كل واحد من إخواننا الحاضرين عليه أن يعرف سنة النبي القولية، وهذا فرض عين، ولا يعفى منه أحد. وهذا سؤال آخر: أقراءة سيرة رسول الله، يعني: مستحسن، مندوب، فرض كفاية ؟ لا بل تعلُّمها فرض عين، والدليل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ( سورة الأحزاب: 21 ) أمر إلهي هو قدوتك، كيف تقتدي به وأنت لا تعلم أحواله وأفعاله وتصرفاته، إذاً لابد من تعلم سنة النبي القولية والفعلية والإقرارية حتى تنفذ أمر الله عز وجل. ﴿ َأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هذا طيبٌ، ثم لابد من أن تستسقي العلم من أولي الأمر الذين يعرفون أمر الله. ابن عمر دينَك دينَك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إذاً: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ العلماء والأمراء طبعاً منكم. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ مثل ما صار مع الصحابة، تنازعوا مع أميرهم، قال لهم: اقتحموا النار، فلما ردوا هذه المنازعة إلى الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف. ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59)﴾ هذه الآية واضحة، وتلخيص للموضوع أقول: طاعة الله في اتباع القرآن. طاعة النبي في العمل سنته القولية والعملية والإقراري. طاعة أولي الأمر، أن تتعلم من العلماء الذين يعلمون أمر الله ورسوله، وأن تطيعهم فيما يفتون لك بشرط أن يكون من المسلمين، أما إذا وقع المسلمون تحت سيطرةٍ كافرةٍ أجنبيةٍ، عندئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآيات السابعة والسبعون والثامنة والسبعون والتاسعة والسبعون من سورة النساء، تشير إلى موضوع دقيق، قد يفهمه المسلمون على غير ما أراده الله عز وجل. مثلاً، إذا خاطبتَ إنسانًا متلبساً بمعصية الله، ألا تتق الله يا أخي، يقول لك، هذا قدري، بالتعبير الدارج، يقول: طاسات معدودة في أماكن محدودة، ليس بيدنا شيء، هذا ترتيب سيدك، يعني الله، هذا كلام ليس له أساس من الصحة. سيدنا عمر في عهده، جيء له برجل شارب للخمر، فلما أمر أن يقام عليه الحد قال هذا الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليَ ذلك، فقال رضي الله عنه، وهو الذي فهم حقيقة الدين، قال: أقيموا الحد عليه مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، ثم قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباَ. لو أن الله سبحانه وتعالى، أجبر الإنسان على طاعته لبطل الثواب !! ولو أجبره على معصيته لبطل العقاب !! ولو تركه هملاً لكان عجزاً في القدرة !!. فالإنسان حينما يتوهم أن الله قدر عليه أن يعصيه، فقد وقع في ذنبٍ بنص القرآن الكريم، هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق. الله عز وجل، ذكر الذنوب، ذكر الإثم والعدوان، ذكر الفحشاء والمنكر، ذكر الشرك، ذكر النفاق ذكر... ذكر... ثم قال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾ ( سورة البقرة: 169 ) أن تقول على الله ما لا تعلم، هذا أكبر ذنبٍ يقترفه الإنسان، فأن تتوهم أن الله عز وجل خلق الإنسان وقدر عليه أن يعصيه، ولا يستطيع إلا أن ينفذ قدر الله عز وجل، ثم يأتي ليحاسَب ويدخل جهنم إلى أبد الآبدين، فهذا افتراء على الله، قال الله عز وجل: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ( سورة الفتح: 6 ) وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾ (سورة النساء:77 ) وقال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ ( سورة غافر: 17 ) وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ( سورة العنكبوت: 40 ) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾ (سورة الزلزلة: 7، 8 ) ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ ( سورة الأنبياء: 47 ) ماذا نفعل بهذه الآيات: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ( سورة فصلت: 17 ) ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ( سورة البقرة: 148 ) ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾ ( سورة الإنسان: 3 ) ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا ﴾ ويقولون: هذا ترتيبه ! ! ! فهذا كلام مَن، كلام المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾ ( سورة الأنعام: 148 ) حينما تتوهم، أن الله سبحانه وتعالى أجبرك على معصيته، فقد وقعت في أكبر ذنب، وهو سوء الظن بالله عز وجل. فالإمام الغزالي يقول: لأنْ يرتكبَ العوامُ الكبائرَ أهون من أنْ يقولوا على الله ما لا يعلمون، حسن الظن بالله ثمن الجنة. وبعد ؛ فأنت مخير فيما كلفت، لن تحاسب لماذا ولدت عام 1940، لماذا ؟ لأنك لست مخيرًا في تاريخ ميلادك، لست محاسبًا لماذا كان أبوك فلانًا، فلست مخيّراً في اختيار أبيك، أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفت، أمرك أن تصلي، بإمكانك أن تصلي وألاّ تصلي، أمرك أن تكون صادقاً، فبإمكانك أن تكذب، وبإمكانك أن تصدق، أمرك أن تكون مخلصاً، فبإمكانك أن تخون، وبإمكانك أن تخلص، أمرك أن تغض البصر، فبإمكانك أن تطلق البصر وأن تغض البصر، إذًا أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفتَ، في دائرة التكليف أنت مخير، فإذا فعلت شيئاً محرماً، فإياك أن تقول: اللهُ قَدَّرَ عليَّ، هكذا ترتيب سيدك، وهكذا أراد الله، حتى يشاء الله، لا أتوب حتى يريد الله، هذا كله كلام باطل، كلام تُحاسب عليه، كلام لا أصل له من الصحة، وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، الإنسان مخير فيما كلف، أما هو مسير في شؤون كثيرة، أنْ يكون فلان والده فهو مسير، فلانة والدته مسير، ولد عام كذا مسير، طويل مسير، قصير مسير، كل صفاته الحسية والجسمية وقدراته العقلية، ولادته، ومحيطه، وبيئته، في كل هذا هو مسير، لكن هو مخير فيما كلِّف. ويجب أن تعلموا أيها الإخوة ؛ أنّ الذي سيرت به هو محض خيرٍ، ولصالحك، محض خير، اختار لك أنسب أب، وأنسب أم، وأنسب زمن، وأنسب إمكانات، وأنسب شكل، وأنسب قدرة، وأنسب زوجة، وأنسب أولاد، كل شيء أنت مسير به فهو لصالحك. لذلك الإمام الغزالي عبّر عن هذه الحقيقة فقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني. ما أنت مسير به فهو لمصلحة إيمانك، ولمصلحة آخرتك. التخيير من أجل أن تدخل الجنة بعملك. وبعد ؛ فها هنا نقطة دقيقة، فبعد أنْ عرفتَ أنك مخير فأنت مسير، كيف ؟. لو أن إنسانًا اختار أن يغش الناس، وأن يأكل أموالهم بالباطل، فربنا الآن يسيره،ويدفع ثمن اختياره، إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه، يورطه في قضية يُفلس فيها ويحار، يا رب أنا حائر تائه، لأنّ كل مالك حرام. بعد أن تختار فالله عز وجل يسيرك لدفع ثمن اختيارك، فإذا اخترت الإحسان للآخرين، فالله يسيرك لعمل مريح، وإذا اخترت إيذاء الآخرين، فالله يسيرك بعمل يزعجك، فأنت بالأساس مخير، ثم تسير لدفع ثمن اختيارك، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه، ولا ينفع من ذي الجد منك الجد، فمهما كنت ذكيًا وعاقلاً، ولديك خبرات متراكمة ؛ ثمانين سنة مثلاً، يُؤتى الحَذِرُ من مأمنه، عند الله ليس هناك ذكي، وعنده ليس هناك خبرات، كل الخبرات تضيع، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه يا رجل أين عقلك ؟ فيقول: هذا ما حدَث معي، الله سيرك لتدفع ثمن اختيارك، لمَ اخترت أن تفعل المعاصي والآثام، وأن توقع الأذى بالعباد، فالله سلبك لُبَّك، وفعلت شيئاً دفعت فيه ثمن اختيارك، وهذه هي المقدمة، من أجل قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هنا دقة الآية، من حيث التنفيذ، من حيث الفعل. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وبعد قليل: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾ قد يبدو لبعض الناس، أن بين الآيتين تناقضاً، لا الفعل له عنصران ؛ عنصر كسبي.. وعنصر تنفيذي.. العنصر الكسبي: منك والعنصر التنفيذي: من الله . فلو أردت أن تقوم للصلاة، أنت أردت أن تصلي، هذا الجانب الاختياري الكسبي، أما من يعطيك القوة على أن تقف، وأن تقرأ وأن تركع وأن تسجد، فهو الله سبحانه وتعالى. أنت صليت اكتساباً، وصليت بقضاء الله وقدره، من حيث الفعل، الفعلُ فعلُ الله، أمَّا الاختيار والكسب فاختيارك وكسبك. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ( سورة البقرة: 286 ) فإذا أشار الله عز وجل إلى أن الفعل كله لله، إلى أن عمل الإنسان من عند الله، فهذا يعني المعنى التنفيذي. إليك مثلاً آخر أوضح. لو كتب مدير المدرسة على جلاء الطالب، لقد تم ترسيب الطالب في صفه، فمَن أصدر قرار الترسيب ؟ المدير، لكنْ مَن سبب الرسوب ؟ إنّه الطالب، فالرسوب كسبٌ من الطالب، أما كتنفيذ، وكقرار أُصدر ووُقِّع وخُتِم مِن المدير، فالرسوب مَن سببه ؟ الطالب الكسول، مَن نفذه ؟ المدير المسؤول. فالرسوب له جانبان... سبب.. وفعل.. التوقيع وإصدار القرار من المدير، فإذا قلنا: المدير رسب الطالب، كلام صحيح، لأنه كسول، أشرنا الآن إلى فعل الرسوب، إذا قلنا هذا الطالب رسب، مسكين، صحيح أيضا، فتنفيذ القرار صدر عن المدير، هذه صحيحة، وهذه صحيحة. إذا قلنا هذا الطالب رسب فقد أشرنا إلى الجانب الكسبي الاختياري. وإذا قلنا المدير رسبه، أشرنا إلى الجانب التنفيذي، فليس ثمّة غلط، ولا تناقض العبارتين. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ لا، أنتم غالطون. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الأفعال كلها من قَبَل الله، أما الآن الاختيار. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لو أنت فعلت معروفًا، فالله لمّا أعطاك الخير، فهو منه، وليس لك عنده شيء. ذات مرة ضربت مثلاً، لو أن أبًا قال لابنه: إذا نجحت فسأشتري لك دراجة، هذا الابن أخذ الجلاء، وركض رأساً إلى بائع الدراجات، وقال له: هات دراجة، أعطِني دراجة، وانظرْ إلى الجلاء، فقد نجحتُ، فهل يعطيه دراجة ؟لا، بل يقول له: ما الذي يعنيني في نجاحك، قالوا: العطاء محض فضل. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ( فمن نفسك)، يعني أنت الذي تسببت في ذلك، وحينما يُعزَى العمل إلى الله نقصد به الفعل، وحينما يُعزَى العمل إلى الإنسان، نقصد به الكسب، والآية في آخر سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أمّا هنا في سورة النساء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾ ملخص الدرس: إذا توهّم الإنسان أنه هكذا ترتيب ربه، هكذا خلقه، وهكذا جعله لا يصلي، وتركه يشرب الخمر، وتركه يعمل أعمالاً خارج طاقته وإرادته، فهذا تدليس مِن الشيطان، وهذا كلام لا أصل له، والإنسان محاسب لا محالة.﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾ ( سورة الحجر: الآية: 92، 93 ) وما وجدتُ واحدًا في حياتي قال: إذا فعلت أعمالاً صالحةً، هكذا أراد الله، لا !!! يقول لك: بالخيرات وبالصلوات وبالصدقات، أنا فعلت، وأنا تصدقت، أنا صليت، بينما عند فعل الموبقات والأثام يقول: هكذا أراد الله، هذا كلام فيه تناقض، الخيرات تعزوها إلى نفسك، أما إذا وُجِدَ تقصير، وأكل مال حرام، هكذا شاء الله، وهذا قدري، لا، ليس قدرك، هذا وهم، وهذا جهل، وهذه الفكرة إذا شاعت بين الناس شلّت حركتهم، فانتهوا يا عباد الله، وانتبهوا: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)﴾ الخير من الله، والشر من الله فعلاً، ومِن الإنسان كسباً. العمل له جانبان.. كسب.. وفعل. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة والثمانون من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾ إذا كنت أيها المؤمن سبباً في علاقةٍ أدّت إلى مفسدة، فعليك وزر هذه المفسدة، وإن كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى خير، إلى هدى، إلى تقى، إلى صلاح، إلى تحقيق مصالح المسلمين، إلى التخفيف عنهم، فَلَكَ منها نصيب، وإذا كنت سبباً في علاقةٍ سيئةً فعليك منها وزر، لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ ( سورة يس: 12 ) دقق في كلمة " وآثارهم"، فأعظم الأعمال عند الله هي الأعمال التي إذا مات صاحبها، واستمرت من بعد موته، تتجدد منافعها، يتجدد ثوبها، من هنا، ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. صدقةٍ جاريةٍ. وعلم ينتفع به. وولدٍ صالح يدع له.)) لا بد مِن ضرب بعض الأمثلة ؛ لو فتحت محلاً تجاريًا وكل الزبائن نساء، واستخدمتَ شابًا في ريعان الشباب، فلو نشأ فسادٌ عند هذا الشاب فأنت السبب. ﴿َمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ فقَبْل أنْ تتحرك، وقبل أنْ تعمل مشروعًا، قبل أنْ توظف، قبل أنْ تعين، قبل أنْ تفصل، قبل أنْ تعمل أي علاقة، انتبه إلى أنك إذا كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى مفسدةٍ، فعليك وزرُ مثل هذه المفسدة، ولو دللت شابًا فاسدًا ليتزوج فتاةً طيبةً، فأنت الذي دللت عليه، فلك من هذا الزواج، ومما ينتج عن الفساد منه وزر. هذه الآية أيها الإخوة: من أدق الآيات التي تجعل المؤمن يفكر ملياً قبل أن يقدم على عمل. ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا أردت إنفاذ أمرٍ تدبر عاقبته.)) يعني... أنت نصحت صديقك أنْ يبعث ابنه إلى بريطانيا، ليتعلم اللغة الإنكليزية، فهنالك ببريطانيا مثلاً، يفرزون الشاب إلى أسرة، يسكن معهم ليلاً ونهاراً، فقد تكون فتاة في هذا البيت، ويمكن لهذا الشاب أنْ يقع في الزنى، وأنْ يشرب خمرًا، أنت نصحت رفيقك، ليتعلم ابنه لغة، فبعثه إلى بريطانيا، ليتلقى دروسًا وتدريبات عملية. قبل أنْ تتكلم كلمة، وقبل أنْ تنصح، وقبل أنْ تقيم علاقة، قبل أنْ تجمع بين شخصين، قبل أنْ تدل على زواج، قبل أنْ تؤسس مشروعًا، فقد تكون المفسدة في نصيحتك أو اقتراحك، وتوجيهك لهذا المشروع. قال لي أحد إخوانا الكرام: إنّ بعض الأعمال تقوم مِن أساسها على معصية، فإذا أنت ساهمت إما بمالك، أو بجهدك، أو بخبرتك، فلا تعطِ خبرتك ولا رأيك لمفسدةٍ تقع بين المسلمين. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ انتبِهْ ؛ كلمة " نصيب"غير كلمة "كفل"، الكفالة فيها غرامة، أما النصيب ففيه ربح، ما نصيبي من أرباح هذا العام، النصيب فيه ربح، أما الكفالة ففيها مغرم. هذه الآية أيها الإخوة، تعضدها الآية الثانية. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ ( سورة يس: 12 ) آثار الأعمال، أحياناً تشير على إنسان بتطليق زوجته، فيطلِّق، وحينها تريد المرأةُ أن تغيظ زوجها، فتفسد، وتدع الصلاة، وتسفر، وتختلط بالرجال، فأنت الذي أشرت على الصديق أن يطلق زوجته، والآثار المترتبة على هذا الطلاق، أنت أيها المشير تتحملُ كفلاً منها، وبالمقابل إذا دللت إنسانًا على مجلس علم، دللته على خير، على أبواب الخير، على دفع زكاة ماله، على غض بصره. فأيَّة دلالةٍ تدل بها إنسانًا تنتهي بخيرٍ في الدنيا أو في الآخرة فلك منها نصيب، أروع ما في الإسلام، أنك إذا دللت على خيرٍ كُتب لك أجرٌ كأجر فاعله، وإذا دللت على سوء تحملت وزراً كوزر فاعله. أسس رجلٌ ملهى وناديًا ليليًا، تقام فيه المعاصي بكل أنواعها، وبعد ما افتتحه بأسبوع توفي، ولا يزال النادي مفتوحًا إلى الآن، وعلى المؤسِّس كِفل من كل مفاسده وخبائثه. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ ( سورة يس: 12 ) فاحرص أيها الأخ الكريم، أنْ تعمل عملاً صالحًا، فإذا غبت عن الحياة يبقى العمل مستمرًا، ولك أجر مستمر ما دام العملُ قائما. أحيانا وكلاء بعض الشركات، قد يأتيه إنسان بغير علم صاحب الشركة ويشتري البضاعة، فيأتي إشعار لصاحب الشركة، سجلنا لك ثلاثين ألف دولار في حسابك، وأنت لا تدري، يوم القيامة لما يختارُ اللهُ الإنسانَ إلى جواره، تكون له أعمال صالحة من هذا النوع، أعمال خيرة، فكل الثواب يأتيه، وتأتي نسخةٌ من هذا الثواب إلى من دلّ عليه. فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان أعطاه اللهُ عقلاً، وكثير من المفاسد الاجتماعية أساسها نصيحة، وأساسها دلالة،و أساسها خبرة، وأساسها إغراء، وأساسها تحميس، فقبْل أن تغري، قبل أن تشير، قبل أن تقترح، قبل أن تدل، قبل أن تفعل شيئاً، دقق أن هذا العمل إذا ظهرتْ منه مفسدة فعليك من هذا العمل وزر، وإذا دللت على خيرٍ فلك من هذا العمل نصيبٌ من أرباحه. الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾ ( سورة الزلزلة: 7-8 ) نعيد الآية مرة ثانية: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الشفع الزوج، يشفع شفاعةً، يعني كان سبب علاقة، لك صديق عنده بنت ضعيفة في الرياضيات، فتقول له: أنا عندي أستاذ درجة أولى بالمادة، فانتبِهْ، عنده بنت، فأنت جمعت رجلاً مع فتاة في خلوة، وكل شيء قد يحصل، فإنّ الذي دل على هذا العمل عليه وزرٌ من هذا العمل، أضرب أمثلة من أجل توضيح الفكرة. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾ يعني على كل شيءٍ مقتدرا، يعني الله قادر أنْ يمنح الدال على الخير مثل أجر فاعله، وقادر على أن يحاسب الدال على الشر ويعاقبه مثل عقاب أجر فاعله. لذلك كما ورد في حديث قدسي: ((عبادي الخير بيدي والشر بيدي فطوبى لمَن قدَّرتُ على يده الخير، والويل لمن قدّرتُ على يده الشر.)) هناك أشخاص مفاتيح للخير مغاليق للشر، فأحيانا يقع زواج غير صحيح، في مفسدة، تعقبه فاسد، زوجة فاسدة، وأنت الوسيط، فإذا كان في الأمر فساد فإياك أن تقترب، شركة مبنية على التعامل الربوي، شركة مبنية على موضوع لا يرضي الله عز وجل، مطعم تدار فيه الخمور، فأنت إذا كان لك نصيب في هذه الشركة فهذه مشكلة كبيرة، وهذه الآية يجب أن تكون في ذهن كل أخ مؤمن، قبل ما يتكلم كلمة، قبل أنْ يدل، قبل أنْ ينصح، قبل أنْ يكون وسيطًا، قبل أنْ يكفل كفالة مصرفية مثلاً، قبل أنْ يكفل ينتبه، هذه فيها مخالفة للشرع، فالكفيل مسؤول أيضاً. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ ﴾ فانتبِهْ. واحدة نصيب، وواحدة كفل، ولكلٍّ منهما معنى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾ يعني مقتدر على أن يجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (سورة النساء: الآيات: 123،124، 125 ) الإنسان أيها الإخوة يتمنى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يصبح غنياً، وما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يكون صحيحاً معافًى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يدخل جنة ربه. والله سبحانه وتعالى يؤكد لنا في هذه الآية، أن هذه التمنيات لا قيمة لها إطلاقاً، لأن الله لا يتعامل مع التمنيات. لو أن واحداً تمنى أن يكون أغنى أغنياء بلده، وهو قاعد في بيته، مسترخياً على فراشه، هل يصبح غنياً. لو تمنى أحد الطلاب أن يكون أكبر طبيبٍ في هذا القطر، وهو لا يقرأ، ولا يذاكر، ولا يدرس، فهل يكون كذلك ؟. عجيب في أمر الدنيا ؟ يسقط الناس التمنيات كلياً،لكنْ لماذا يتمنون في الآخرة أن يكونوا من أهل الجنة ؟ وهم لا يدفعون ثمنها، ربنا عز وجل ينفي، قال: ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ طيب، يا رب فبِمَ إذاً ؟. نفى ربنا عز وجل أن تكون الجنة بالتمنيات، إذاً بماذا ؟ قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ (سورة النحل: الآية: 32 ) قال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾ (سورة الإسراء: الآية:19 ) دققوا في الهاء: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾ لو قال الله عز وجل وسعى لها ؟ معنى ذلك أن أى سعيٍ مقبول، لكن حينما قال: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ يعني لها سعيٌ خاص، لا يُقبَل سعيٌ دون هذا السعيٍ. كأن نقول مثلاً، من أتى بمجموع كلية الطب، بمجموعها، لها مجموع خاص، تقريبًا (230 درجة ) مِن أجل أنْ يسمح للطالب بالانتسابِ إلى كلية الطب، من جاء بمجموع هذه الكلية فإنّه يدخلها، أما من جاء بأي مجموع أدنى فلا يقبل. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ الخاص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾ هذه هي الآية الثانية. أمَّا الآية الثالثة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾ ( سورة الكهف: الآية:110 ) إذًا ثمن هذا اللقاء العمل الصالح. الآية الأولى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ القضية ليست بالتمني، ولكنها بالسعي. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ (سورة النحل) ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ( سورة الأنعام: الآية: 132 ) ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ( سورة الكهف: الآية:110 ) ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ آيات واضحة كالشمس. الآن آية تشبه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ ( سورة فاطر: الآية: 5 ) الغرور هو الشيطان. يعني أنّ الشيطان قال: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾ ( سورة الأعراف: الآية: 17 ) ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني... الشيء الجديد، ونحن في عصر علم وتقدم، وقد يوحي لأوليائه أنّ هذا الدين تخلف وغيبيات، فالشيطان إذًا أتى الإنسانَ من بين يديه. أمّا: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ هكذا رباك أبوك على الاختلاط مثلاً، هكذا يتاجر أبوك بهذه الطريقة، قد تكون الطريق غير شرعية، فإما أن يأتينا من بين أيدينا، وإما أن يأتينا من خلفنا، وأما أن يأتينا عن شمائلنا، يدعو إلى المعاصي، إذًا لم يبقَ إلاّ هذه الجهة الرابعة. ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فما معنى عن أيمانهم ؟ يقول لك الشيطان: إن الله غفور رحيم، أنت تنتمي لهذه الأمة العظيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة حتى يدخل أمته قبله، يسجد ولا يرفع رأسه حتى يشفع وتُقبل شفاعته لأمته، واللهِ شيء مريح، فمثل هذا المفهوم الخاطئ عن الشفاعة مضلِّل، الشفاعة حق، وهي في نص القرآن الكريم، وفي نص السنة النبوية، ولكن بعض العوام يفهمون الشفاعة فهماً مغلوطاً، فيظن أنه إذا فعل كل المعاصي وشفع له النبي فقد انتهى الأمر. مع أن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه)) يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: ((أمتي أمتي، فيقال له لا تدري ماذا أحدثتْ بعدك، فيقول سحقاً سحقا.)) إذا الآية الكريمة. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ البديل. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ (سورة النحل) البديل الثاني. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ البديل الثالث. ﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (سورة الأنعام: 132 ) وأما الآية التي تنهى الإنسان عن أن يغتر بالحياة الدنيا. أنا أعرف رجلاً توفاه الله، كان شاباً يعمل في محل تجاري في سوق الحميدية، شاب مراهق في ريعان الشباب، يحب أن يداعب الناس، كان يكنس المحل التجاري، ويضع الكناسة في علبةٍ أنيقة، ويلف هذه العلبة بورق ثمين، ويضع حولها شريطًا أحمر، ويضع هذه العلبة على الرصيف، فيمرُّ شخصٌ، ويرى علبةً أنيقةً، ملفوفةً بورق أنيق، لها شريط أنيق، فيظنها شيئاً ثمينًا، فيأخذها ويعدو بها، فيتبعه خفيةً، وبعد مئتي متر يفكُّ الشريط، ثم بعد مئة متر أخرى يفتح الورق، وبعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا فيها كناسة المحل !!! فينفجر ويسب ويلعن. واللهِ هذا المثل وهذه القصة أراها تنطبق على الدنيا مئة بالمئة، الإنسان في مقتبل شبابه يرى المال شيئاً ثميناً، المرأة، الزوجة، النزهات، الطعام، الشراب، الولائم، وعند منتصف العمر يرى أن المال مجرّد شيء، ولكنه ليس كلَّ شيء، وعند خريف العمر يرى أن المال ليس بشيء، فهذه الرؤية هي الحقيقة التي نراها عند الموت، ولو رأيناها في مقتبل الحياة لكنا في أوَّج السعادة، ولكنا في أعلى عليين، فالمفروض بالإنسان أن يرى الحقيقة في الوقت المناسب، فرعون رأى الحقيقة، واللهِ لقد رآها، وأيقن بها، واعترف بها، ولكن عند الغرق. قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ( سورة يونس: الآية: 91 ) فقضية الرؤية قضية وقت، دققوا أيها الإخوة، والله أنا ناصحٌ لكم، قضية رؤية الحقائق قضية وقت فقط، إما أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب، أو بعد الوقت الناسب، ومَا من إنسان ولو كان فرعون إلا وسيرى الحقيقة، لكن بطولتك كلها تعني أن ترى الحقيقة وأنت شاب كي تعمل صالحاً قبل فوات الأوان، وكي تتقرب إلى الله عز وجل. وبعد ؛ الآية دققوا في الآية مرة ثانية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فيها فقرة مخيفة، قال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ هذا كلام مَنْ ؟ كلام خالق الكون، آية بالقرآن الكريم الآية، رقمها ثلاثةٌ وعشرون بعد المئة، في سورة النساء: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾ فالواحد لا يغتر بحِلم الله عز وجل، فالله عز وجل من سننه في الكون أنه يرخي الحبل للإنسان، لينظر ماذا يعمل، فالإنسان إذا كان مربوطًا بحبل، والحبل مرخى، قد يتوهم أنه ليس هناك حبل، والحقيقة هناك حبل، وفي أية لحظة هو في قبضة الله عز وجل. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾ أجلْ ؛ في دارٍ من الدور الأماني تصلح، أين ؟ في دار الدنيا الأماني لا تصلح لها، والله سبحانه وتعالى لا يتعامل معها أبداً، ولا يعبأ بها، لا ينظر إليها، والدليل هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ لكن في الدار الآخرة لمجرد أن يخطر على بالك شئ هو أمامك. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ( سورة ق: الآية:35 ) لمجرد أن يخطر على بالك شئ تجده أمامك والدليل: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ التمنيات أين ؟ في الآخرة، أمّا في الدنيا فهي دار السعي والعمل. الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار تكريم، فلما يتوهم الإنسانُ أنه في الدنيا يتمنى، ويكفيه التمني فقد وقع في خطأً كبير، الدنيا تحتاج إلى سعي. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾ وكذلك: ﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (سورة الأنعام: 132 ) حجمك في الدنيا وعند الله بحجم عملك في الدنيا. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ (سورة النحل) ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ لا تقل: " شفاعة" هذا مفهوم ساذج، مفهوم سوقي، مفهوم الغوغاء، فأنت مخطئ عندئذٍ، والشفاعة حقٌّ لمَنْ عمل صالحًا، أمَّا: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً(124)﴾ آخر آية الله عز وجل ضغط الدين كله في كلمتين قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ التعريف الدقيق للدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، هذا جوهر الدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، وبينهما علاقة، لن تستطيع أن تتصل بالحق إلا إذا كنت محسناً إلى الخلق. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء السادس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة النساء الآية السابعة والأربعون بعد المئة، يقول سبحانه و تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾ كيف يتوقف عذاب الله عز وجل ؟ عن كل إنسان، آمن به وشكره، هذا الجواب أيها الإخوة. هذا الكون بسماواته وأرضه، مسخر للإنسان تسخرين ؛ تسخير تعريف.... وتسخير تكريم.... أضرب لكم مثلاً، لو أن لك صديقاً مهندساً في الإلكترون، قدّم لك جهاز هاتف من أعلى مستوى، قدمه لك هديةً، وهذا الجهاز نادر، ويؤدِّي خدمات كثيرة، ينوب مناب إنسان، أنت أمام هذه الهدية العالية مستواها، أمام شعورين ؛ شعور امتنان لأن هذا الجهاز قدم لك هدية، وشعور إكبار لهذا العلم الدقيق الذي وراء هذا الجهاز. هذا معنى قولي... تسخير تعريف... وتسخير تكريم... فالكون له مهمتان ؟ المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله. والمهمة الثانية أن تنتفع به. رد فعل التعرف، إيمان، ورد فعل الانتفاع، الشكر. فإذا آمنت وشكرت، فقد حققت الهدف من وجودك، وحينما تحقق الهدف من وجودك يتوقف العلاج الإلهي. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ أنت متى تتيقن، أن كل أنواع المعالجات، والمضايقات، والشدائد، والمصائب، تتوقف ضدّك ! حينما تحقق الهدف من وجودك. إنَّ الأب الذي يتمنى لابنه أن يكون طبيباً، يضيِّق عليه، يشدِّد عليه، متى يتوقف التضييق والتشديد ؟ إذا دخل كلية الطب، ونال علاماتٍ عالية، فقدْ حقق الهدف من تخطيط الأب، لذلك متى يتوقف العلاج ؟ متى يتوقف التشديد ؟ التعقيب ؟ المضايقة ؟ الإلجاء ؟ الهم ؟ الحزن ؟ حينما يحقق الإنسان الهدف من وجوده، وهذه آيةٌ دقيقةٌ. الله سبحانه وتعالى لا يعذب عباده إلا لهدف كبير، لأنّ الشر المطلق لا وجود له في الكون. مثلاً أب طبيب جراح، وله ابن يتمتع بصحة جيدة، فهل يضعه على منصة التشريح، ويخدره ويفتح بطنه بلا سبب ؟ مستحيل. أبٌ طبيبٌ جراح، قلت: أب لأن في قلبه رحمة لا حدود لها تجاه ابنه، وقلت: طبيب لأنه يعلم وهو جراح أيضًا، أيضع ابنه على المشرحة، ويفتح بطنه بلا سبب ؟ أما إذا رأيت أباً يفتح بطن ابنه، فالمعنى أنّه يعاني من التهاب زائدة. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾ يعني إذا أردت أن يتوقف العلاج الإلهي، والشدة الإلهية، فعليك بتحقيق الهدف من وجودك، وتحقيق الهدف من وجودك في هذه الآية، يتمثل بإيمانك بالله، كرد فعلٍ على أن الكون مسخرٌ لك تسخير تعريف، وبشكره كرد فعلٍ على أن هذا الكون مسخر لك تسخير تكريم، والله عز وجل يقول: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ( سورة الجاثية: 13 ) بنص القرآن الكريم. أيها الإخوة ؛ رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام – مما يؤكد هذا المعنى – مرةً هلالاً فقال: ((هلال خيرٍ ورشد، هلال خيرٍ ورشد )) يعني هذا الهلال يرشدني إلى الله، وأنتفع به في عد الأيام والأسابيع، ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ ( سورة يونس: 5 ) الآن مرحلة ثانية: أية مهمةٍ أعظم، أن تهتدي بالكون، أم أن تنتفع به ؟ الحقيقة الأجانب الغربيون، انتفعوا بالكون أشد الانتفاع، يعني ما من أمةٍ وصلت إلى أعماق البحار، وصلت إلى الأقمار، استغلت المناجم، الفلزات، المعادن، كل شيء مستخدم ومسخر إلى أعلى درجة، وقد أثبت الله لكم ذلك: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ( سورة الروم: 7 ) لكن مهمة الكون لتعريفك بالله، أعظم مليون مرة من مهمة الكون في الانتفاع به. لو كان دخلك محدودًا، حيث لا يسمح لك أن تأكل العسل، وأمسكت كتاباً عن النحل، وقرأت عن عجائب النحل، كيف أن كل كيلو عسل، محصلة طيران أربعمئة ألف كيلو متر، لو أننا كلفنا نحلةً واحدة، أن تصنع لنا كيلو عسل، لاحتاجت أن تطير حول الأرض عشر مرات، وأن هذه النحلة، فيها أجهزة لا يعلمها إلى الله، لا تقف على زهرةٍ امْتُصَّ رحيقُها، توفيراً لوقتها وجهدها، أكرِّر: لا تقف على زهرةٍ امتص رحيقها، وأن النحلات العاملات ترقص رقصاتٍ، تُعلم بقية النحلات العاملات، كم هي المسافة بينهم وبين الأزهار، هناك بحث قائم بذاته اسمه " رقص النحل"، والشيء الذي لا يصدق أنها تصنع هذا الشمع، بشكل سداسي منتظم، ليس فيه فراغات بينية، هناك ملكة، وهناك ذكور، وهناك عاملات، بعض العاملات وصيفات للملكة، يأتين بغذاءٍ ملكيٍّ خاص، مأخوذٍ من غبار الطلع، وبعض العاملات تنظف الخلية، فإذا وجدنَ فيها حشرةً كبيرةً، يغلفنها بطبقة شمع حتى لا تؤذي وتتفسخ، وبعض العاملات تُهوِّي هذه الخلية، وبعض العاملات تحمل، والموضوع طويل الذيل، وقد أُلِّفتْ كتب كثيرة حول النحل وطريقة عمله وأسلوب حياته. فلو أن إنساناً قرأ كتاباً عن النحل، فخشع قلبه، وانهمرت عيناه، ولم يسمح له دخلُه أن يأكل لعقة عسلٍ واحدة، بينما إنسان آخر كاد ينفزر من أكل العسل، من الذي حقق الهدف من وجود النحل والعسل ؟ هو الذي عرف الله من خلال هذه الآيات. لذلك أن تعرف الله من خلال الكون أعظمُ بكثير من أن تنتفع به، كل أهل الدنيا انتفعوا بالكون، الكفار، الملحدون، ما من إنسان إلا وينتفع بالكون، لكن المؤمن وحده، هو الذي يهتدي بالكون إلى الله، هو الذي يعبر بالكون إلى المكون، من النظام إلى المنظم، من التسيير إلى المسير، من التربية إلى المربِّي، من النعمة إلى المُنعم. فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم أنّ كأس الماء، كأس الحليب، رغيف الخبز، قطعة الجبن، البرتقالة، التفاحة، ابنك الذي أمامك، الفراش الذي تنام عليه، اللحاف الذي تتدثر به، ثيابك التي تلبسها، الشمس والقمر، الليل والنهار، البحار، الأسماك، الأطيار، كل شيءٍ حولك يدل على الله، فحينما لا تُعمل فكرك في الكون، فقد عطلت أكبر شيئاً فيك، وهو أنه دليلك إلى الله عز وجل، أما إذا انتفعت منه فقط، فشأنُك شأنُ أهل الدنيا الذين ينتفعون بالكون، الكفار ينتفعون بالكون، الملحدون ينتفعون بالكون، الانتفاع بالماء والهواء، والزراعة، والصناعة، كل إنسان ينتفع بالكون. النبي الكريم يقول: ((هلال خيرٍ ورشد.)) تنتفع به، لكن ينبغي أن تهتدي به أيضاً، فالإنسان إذا أكل شيئًا، أو شرب شيئًا، أو نام، فالنوم والأكل والشرب نعمة، وإذا نظر فالنظر نعمة، إذا استمع فالاستماع نعمة، إذا تكلم فالتكلم نعمة. يأكل وينام، هناك أجهزة معقدة أيّما تعقيد، عملية هضم معقدة، البنكرياس والكبد، والصفراء، والحركة المعوية، والعصارات الهاضمة. الإنسان إذا لم يفكر في تكوين جسمه، لا ينتفع بعقله، لذلك هذه الآية من أدق الآيات. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾ حينما تؤمن، وحينما تشكر، فإيمانك ردُّ فعل أن الكون مسخر تسخيرَ تعريف، وشكرك ردٌ على أن الكون، مسخر تسخير تكريم، فإذا آمنت وشكرت، توقف العلاج الإلهي. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ هل أدركنا لماذا إن شكرتم وآمنتم، فلِمَ لمْ يقل الله عز وجل إن شكرتم وصبرتم، إن شكرتم وأطعتم ؟ بل قال: ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ لأن الشكر دليلٌ أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تكريم والإيمان دليل... أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تعريف، فإذا آمنت وشكرت، ما يفعل الله بعذابك ؟ هذه الآيات الكريمة أيها الإخوة: مرةً ثانية وثالثة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((بلغوا عني ولو آية)) أجل ولو آية. أنا أعطي آية واحدة خلال الدرس، لا أضيف آية ثانية، فإذا استوعب الإنسان معناها وعقل الغاية منها، وحدثها بها زوجتَه، أولاده، جيرانه، شركائه، فما منا أحد إلا عنده سهرة أو سهرتان في الأسبوع ؟ لقاء، لقاءان، هل منا أحد بلا عمل ؟ أماله أصدقاء، جيران. (( بلغوا عني ولو آية)) هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وإذا ما تذكرت معناها في شريط مسجل، وشرحت هذا المعنى لجلسائك فقد بلغتَ غاية كبرى، فلذلك نأخذ القرآنَ آية، آية، نحن نمشي في القرآن بالتسلسل، إن شاء الله، فكلما حان وقتُ درس جديد، نختار آية من هذه الآيات الأساسية، التي تعد ركناً من أركان الإيمان، ونعالجها حتى نقطف ثمراتها. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء السابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء الآية السادسة والستون بعد المئة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166)﴾ كلكم يعلم أن إنساناً شهد حادثةً، ثم دُعِيَ لأداء الشهادة، يقول لك: نعم لقد حصل كذا وكذا، هذه شهادة الإنسان، تسمعها بأُذنك من فمه، فكيف نفسر هذه الآية ؟ إن الله سبحانه وتعالى يشهد لنا بما أنزل إليك يا محمد، أيْ يشهد لنا أنَّ القرآن كلامه، كيف يشهد الله لنا أن القرآن هو كلامه ؟ هل يعقل أن نستمع إلى الله مباشرةً. قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ ( سورة الأنعام: 103 ) فكيف نفهم هذه الآية ذات الدلالة الواضحة ؟ الله سبحانه وتعالى هو بذاته يشهد لعباده أن القرآن كلامه. أوضح لكم معنى هذه الآية بمثلٍ بسيط ؛ لو أن طلاب صف من الصفوف، دخلوا غرفة الصف في أحد الأيام، فإذا على السبورة العبارة التالية، "غداً الساعة الثانية مذاكرة رياضيات "، التوقيع: مدرس الرياضيات، الطلاب نظروا إلى هذه العبارة، يا ترى أهذا كلام المدرس ! أو أنَّ طالباً يداعبنا ؟. كيف يشهد المدرس أن هذا الكلام كلامه ؟ غداً الساعة الثانية يدخل هذا المدرس ويقول: افتحوا الأوراق البيضاء عندكم مذاكرة، حينما تأتي الأحداث مطابقةً للأقوال، معنى ذلك أنّ هذا القول قول المدرس. اتفق العلماء على أن وقوع الوعد والوعيد، هو شهادة الله لعباده بأنَّ القرآن كلامه. يعني إذا قال الله عز وجل: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ ( سورة البقرة: 276 ) ورأيت إنساناً نمت أمواله بالربا، ثم أُتلِفتْ هذه الأموال فجأةً، ثم أحرق الله ماله، أو أتلف ماله، فإتلاف هذا المال شهادة الله لنا أن القرآن كلامه، لأن الله قال بالقرآن الكريم: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ إذا رأيت إنساناً يتصدق، فإذا بأمواله تنمو شيئاً فشيئاً، فنمُّو أموال المتصدق شهادةُ الله لعباده أن القرآن كلامه، لأنه يقول: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ( سورة البقرة: 276 ) إنْ رأيت شاباً نشأ في طاعة الله، مستقيماً على أمر الله، ضبط جوارحه، وضبط دخله، وتزوج امرأةً مؤمنةً صالحةً، وكان هذا الشاب في سعادةٍ كبرى، هذه السعادة الكبرى التي يعيشها هذا الشاب شهادة الله لعباده أن هذا القرآن كلامه، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ ( سورة النحل: 97 ) إن رأيت إنسانًا معه ألوف الملايين، وهو غير سعيد في حياته، بل يعاني مُرَّ الشقاء، وقال لك: أنا أشقى إنسان على الأرض وأقسم على ذلك، فشقاء هذا الإنسان الغني شهادةٌ من الله عز وجل لعباده أن القرآن كلامه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾ ( سورة طه: 124 ) لذلك إذا قرأت في القرآن أن الله يشهد لعباده أن القرآن كلامه، فشهادة الله غير شهادة العباد، حينما تأتي الأحداث، وهي أفعال الله مطابقة لما في القرآن، فهذه أكبر شهادة من الله سبحانه وتعالى أن القرآن كلامه. فلما قال المدرس: افتحوا الأوراق، وإليكم الأسئلة، معنى الكلام أنّ الذي كتب على السبورة قبل يومين المدرسُ بخطَّه، وإن لم يكن بخطه فبأمره تمَّت الكتابة، حينما جاءت المذاكرة مطابقة للتصريح السابق فهذه شهادته. فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى في آية أخرى تؤكد هذا المعنى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ( سورة يونس: 39 ) قال جمهور العلماء: تأويل القرآن في هذه الآية، وقوع الوعد والوعيد. إذا رأيت الله سبحانه وتعالى، نصر المسلمين الأوائل، ومكنهم في الأرض، واستخلفهم على عباده، وبدل خوفهم أمنا، هذا مصداق قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ ( سورة النور: 55 ) إذا رأيت المسلمين في هذه الأيام ليسوا كما يتمنى أحدُهم، وليس أمرهم بيدهم، فاذكرْ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾ ( سورة مريم: 59 ) ولقد لقي المسلمون ذلك الغي، حينما تأتي الأحداث مطابقة للقرآن الكريم، فاعلمْ أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ( سورة الروم: 2 - 3 ) المعركة التي جرت بين الروم والفرس في غور فلسطين، وما كان أحد يعلم في حينه، ولا في عهد رسول الله، أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض قال الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ إذاً كل الحقائق التي تأتي الآن تؤكد أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾ ( سورة الحج: 27 ) المنطق أنْ يقول ب سبحانه: "بعيد"، لكنه قال: ﴿عَمِيقٍ (27) ﴾ ( سورة الحج: 27 ) وهذا يعني أنَّ الأرض كرة، كلما ابتعدت عن نقطة الكرة، نشأ بُعد نحو الأسفل، بُعد غير بُعد المستقيم. ﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ العمق يتنامى مع البُعد، على سطح الكرة، أجلْ العمق يتنامى مع البعد، فلو أخذت سنتيمترًا على سطح كرة يكوِّن خطًا مستقيمًا، أمّا لو أخذت خمسين سنتيمترا، وهي كرة كبيرة، صار الخط منحنيًا، إذاً العمقُ يتنامى مع البُعد، معناها الذي قال هذا الكلام خالق الكون. هناك آيات كثيرة، فهناك إعجاز علمي، وهناك إعجاز تشريعي، وهناك إعجاز إخباري. لكن الذي يعنينا في هذا اليوم، الإعجاز الذي هو من نوع تحقق الوعد والوعيد، فحيثما رأيت حالةَ إنسانٍ مثلاً ماله حرام، فقد ورد في الجامع الصغير حديث شريف أن النبي خاطب بعض القبائل حسب لهجتهم، قال: (("من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر )) المهاوش يعني بالاحتيال، والنهابر يعني يذهب نهباً، من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر، يعني إذا الإنسان ماله حرام، في الأعم الأغلب، يذهب هذا المال بشكل غير معقول، سلبًا أو نهبًا أو غصبًا إلخ.... إذاً أنت دائماً وأبداً دقِّق فيما يجري، عندما ترى مثلاً بلدًا تُرتَكب فيه المعاصي على قدم وساق، ليس فيه إلا الشهوات، والأموال الحرام، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ولقد أصابتها مصيبة كبيرة طحنتها طحناً في عشر سنوات، اقرأ قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾ كل حدث يقع في الأرض يدلُّك على أن يدَ الله تعمل، حينما ترى كيانًا عمره سبعون سنة تداعى كبيت العنكبوت، وكان قلعة عاتية من قلاع الأرض، فاقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾ ( سورة الإسراء: 81 ) فأنت إذا قرأت القرآن فإنّه يلقي ضوءًا ساطعاً على كل حدث، والأحداث تؤيد ما في القرآن، والقرآن يدلك على تفسير الأحداث، الأحداث دائماً تؤكد مضمون القرآن، ومضمون القرآن يلقي ضوءًا على ما في الأحداث. لذلك أحد أنواع شهادة الله لعباده مِن أنَّ القرآن كلامه هو تحقُّقُ الوعد والوعيد، وتطابق الأحداث الكبرى مع ما في القرآن الكريم، أنا قلت: أحد أنواع الشهادة، لأن الله عز وجل يشهد لك شهادة أخرى، حينما تقرأ القرآن ترتاح نفسك، ويطمئن قلبك، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾ ( سورة الرعد: 28 ) إذاً أيضاً حينما تقرأ القرآن، وتشعر بالراحة والسعادة، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾ نعيد تلاوةَ الآية مرة ثانية: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾ يا محمد هو الذي يشهد لكم. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) ﴾ فكل شاب مؤمن مثلاً قرأ الآية: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ فأيّ شاب يستقيم على أمر الله، يُقبل على الله، يطلب العلم، يعلّم الناس، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، ينفق من ماله، يختار زوجة صالحة، تسأله عن حاله والناس في ضائقة وفي قلق وفي شك، يقول لك: الحمد لله، واللهِ أنا من السعداء، هذا الكلام مصداق قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وقد تلتقي مع إنسان ماله حرام، بيته غير إسلامي، فيه مخالفات، فيه تجاوزات، يقول لك: ما هذه الحياة "، الموت أشرف، فكلامُه صحيح: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ إذًا فاقرأ القرآن وأربط بينه وبين ما يجري، تجد أن كل الأحداث، تؤيده، وهو يكشف لك حقيقة الأحداث، فذات مرة قلت لإخواننا: إنَّ أحداث جيراننا، هناك من يفسرها تفسيرًا عربيًا، وتفسيرًا دوليًا، وتفسيرًا طائفيًا، حتى وصل الأمرُ إلى تفسير نسائي، أصابتْه عين مثلاً، لكن هناك تفسير إلهي، وهو الصواب: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) ﴾ هذا كلام الله عز وجل، وهذا التفسير الذي يصيب كبد الحقيقة. يا أيها الإخوة الأكارم ؛ شهادة الله هي في وقوع الوعد والوعيد، الوعد والوعيد يتحقق، وبتحققه تكون شهادة الله لنا أنَّ هذا القرآن كلامه. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء الثامن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء آية هي الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول: ((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم )) الغلو في الدين. يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام السابقة، فما هو الغلو في الدين ؟. أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل، إن في الدين كليات ثلاث. - كلية العقيدة... - كلية القلب... - كلية السلوك... فالإنسان له عقل، وغذاؤه العلم، وله قلب وغذاؤه الذكر، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع. هذه الكليات الثلاث، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير طبيعي، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين، فهذا هو الغلو في الدين. يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك، أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك، أو أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل. حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً، هذا هو الغلو في الدين، فهذا الذي يظن أن الفكر كل شيء، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه، وقع في الغلو، وهذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً، ويهمل إغناء عقله بالحقائق، وإغناء قلبه بالذكر، وقع في الغلو. هذا نوع من أنواع الغلو، لذلك نحن أمام تطرف، وأمام تفوق، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً، فنحن أمام التفوق. وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، كانوا متفوقين، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل. أحد الرسل، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على أذربيجان، فقَدِم المدينة ليلاً، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين في الليل، فتوجه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ظلامٌ دامس، في هذا المسجد سمع رجلاً يناجي ربه، يقول: يا رب: هل قبلت توبتي لأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها، فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، فقال الرسول: يا سبحان الله، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين، فقال عمر: إني إن نمت ليلي كله، أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل. ثم تابعا إلى أن أذن الفجر، فصلَّيا، ومن باب التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته، وقال: يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت: واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح، فقال: هاته، فأكل سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح، وكان قد خيره ؛ أتأكل عندي في البيت، أم مع فقراء المسلمين، طبعاً مع فقراء المسلمين هناك اللحم، أما في بيت خليفة المسلمين خبزٌ وملح، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير المؤمنين متميّز. وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه، وقال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين، فلما انتهيا من تناول الطعام، دعا سيدنا عمر، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وأسقانا فأروانا. ثم التفت إلى هذا الرسول، قال يا هذا: ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال: معي علبةٌ فيها حُلْوٌ من أذربيجان، هديةٌ من عاملك، قال: أو يأكل عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، الطبقة الغنية، قال يا هذا: أَوَ أعطيت فقراء المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال: لا: هذه لك وحدك، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين، قائلاً له: كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟، وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة، وقال: حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها فقراء المسلمين. الغلو في الدين، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛ أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق، فكان أصحاب رسول الله متفوقين، لأن الجوانب الثلاثة، نمت عندهم نمواً متوازياً. أما حينما ينمو جانب على حساب جانب، فهذا هو التطرف، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين، وليس في خدمة المسلمين. شيءٌ آخر، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين ويجعله أصلاً، هذا أيضاً تطرف، هناك من يتعصب لفئةٍ أو لجماعةٍ، أو لشخص، أو لعصرٍ، هذا إذاً تطرف، وغلو في الدين، التعبير الحديث "تطرف"، أمّا التعبير القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ، أو لجماعةٍ، أو لرجلٍ، أو لعصرٍ، أو لحقبةٍ، مع أن الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن يحتكره، ولا جماعةٌ، ولا فئةٌ، ولا أمةٌ، ولاشعبٌ وبلدٌ، ولا مصرٌ، ولا عصرٌ، ولا حقبةٌ. دين الله لا يحتكر، دين الله لعباد الله، فمن تعصب، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين، فقد تطرف، وغلا في الدين. إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم، هذا ورد عن رسول الله. إخوانا الكرام ؛ لقد قال الشيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾ ( سورة الأعراف: 17 ) في الآية شيءٌ دقيق: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ أي إنّ الشاب لمجرد أن يتوب إلى الله عز وجل، ويسلك الطريق الصحيح يأتيه الشيطان، موسوساً، محمساً، داعياً إياه إلى المعصية، حينما كان غارقاً في المعاصي تركه الشيطان، فمتى أقبل عليه الشيطان ؟ حينما انطلق إلى الرحمن. ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ يعني أنا على الطريق إليك فإذا سلك أحدٌ هذا الطريق، لأقعدن في الطريق ولأوسوسنّ له، هذه أول مهمة للشيطان. أحيانا يقول لك شخص: يا أخي كنت غارقًا في المعاصي، ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً، فلما اتجهت إلى الله اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾ ( سورة العنكبوت: 2 - 3 ) ماذا تعني: ﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني من أمامهم، فأكبر دعوة للشيطان، يقول لك: التحديث عنوان الحياة، ونحن في عصر العلم، وهذه كلها تقاليد بالية، هذه عادات الآباء والأجداد، وقد كانوا جهلة. فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة، حينما يحل التحديث محل الدين الصحيح، فهذه دعوةٌ شيطانية، هي: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ أما: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ حينما ينشأ مجتمع على عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، أو أشياء لا ترضي الله عز وجل، كسب المال حرام، وإنفاق المال، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة أيضاً دعوة شيطانية. كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ هناك ستة جهات ؛ أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت. الآن أول جهة الأمام، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء المستجدة، والبدع محل الدين الأصيل. ثم: ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ الدعوة إلى التمسك بالتقاليد البالية المخالفة للدين، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات، ثم يقول: نحن تربينا على هذا، وهكذا نشئنا، وهكذا العادات، وإلاّ تكلَّم الناس علينا. الدعوة إلى الجديد. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع. ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ أمّا: ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فنجمِّدها قليلاً، لكن: ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾ الدعوة إلى المعاصي ؛ الزنى، والسرقة، وشرب الخمور، والملاهي، إلخ... أما: ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ الشيطان يأتيك من قبل الدين، عن طريق الغلو، فالغلو في الدين، مَن المنتفع منه، الشيطان، المسلمون حينما يتفرقون، ويتخاصمون، ويتفتتون، ويضعفون، مَن الرابح الوحيد في هذه المعركة ؟ الشيطان، ومن المنتفع ؟ الشيطان، لذلك: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الغلو في الدين. يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً، أو يأخذ أصلاً فيضخمه ويجعل منه الدين كله، أو يتعصب لجماعة، أو لفئة، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية، سأقول مبدئياً: لا ينتفع منها إلا الشيطان. يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ، جهة " فوق " ما ذكرها القرآن الكريم، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم، قال: ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فقط. إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة تحت. قال العلماء: جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع الشيطان أن يأتيك من جهة السماء، يعني إذا اتجهت إلى الله أحرقت الشيطان، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منك، ولا أن يلقي في قلبك أو نفسك شيئاً، ولا أن يوسوس لك، لمجرد أن تتصل بالله عز وجل. ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾ (سورة الفلق: 1 - 2 ) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) ﴾ (سورة الناس: 1 - 2 -3 - 4 ) يوسوس، فإن قلت: يا رب خنس، فالشيطان ضعيف، وسواس خناس، يوسوس، فإذا استعذت بالله عز وجل خنس. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾ ( سورة الأعراف: 200 - 201 ) لذلك فالقرآن الكريم أغفل جهة فوق، لأن جهة فوق تعني الاتصال بالله عز وجل، والإنسان حينما يتصل بالله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منه. هذا طيب، وجهة تحت، لماذا أغفلها الله عز وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل، الإنسان حينما يفتقر إلى الله، لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله، ومن جهة القرب من الله، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك منهما، لكن: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ شيء حديث، أجهزة حديثة، اتصالات، لقاءات، حفلات مختلطة، مثلاً، وسفور، وعمل المرأة في الحقل العام، أشياء لم تكن من قبل. ﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ تقاليد بالية، الأخذ بالثأر مثلاً، كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. ﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من طرف الدين وناحيته، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه، وأن يهلكه عن يمينه، أحياناً بالوسوسة، وأحيانًا بالابتداع، وأحيانًا بالحقد على بقية المسلمين، أو بالتفرقة بينهم، وأحيانًا بالتعصب لجهة، أو لجماعة، أو لفئة، أو لشخص، وتكفير من سواهم. ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾ إذاً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، الكلام لأهل الكتاب، والمقصود الآن المسلمون، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم)) الغلو في الدين خطِرٌ خطرًا مدمِّرًا. يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً، أو أن تضخم أصلاً فتجعله ديناً، على حساب الفروع الأخرى، أو على حساب الكليات الأخرى، وبهذا يتمزق الإسلام، ويتطرف الناسُ فيه، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء (4) الجزء التاسع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم عدة آياتٍ، تشير إلى طبيعة الإنسان. قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ ( سورة النساء: 28 ) ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)﴾ ( سورة الأنبياء: 37 ) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾ ( سورة المعارج: 19 إلى 23 ) عدة آيات لا تزيد عن أربع آيات، تتحدث عن طبيعة الإنسان، فهذه خصائصُ في خلقه، ليست ذنباً يعزى إليه، لكن الله هكذا خلقه. أولاً... الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ لماذا خلقه ضعيفاً ؟ لو أن الله عز وجل خلق الإنسان قوياً، لاستغنى بقوته عن الله، وحينما يستغني بقوته عن الله يشقى باستغنائه. لماذا خلقه من عجل ؟ ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال العلماء: لأنه لو خلقه يحب الآجلة، واختار الآخرة وفق طبيعته لما ارتقى عند الله، لكن ما الذي يحصل ؟ لو أن الإنسان خلق يحب الآجلة، والدنيا بين يديه، فالشهوات يقظة، الفتن مستعرة، الملذات أمامه، لوجدته يعرض عنها كلها، ويختار ما عند الله في الآخرة، فخالف طبيعته، والإنسان لما يخالف طبيعته يرقى عند الله، ولما يستجيب إلى طبيعته الأرضية فإنّه لا يرقى. شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولا، وجعل الله الدار الآخرة بعيدة المدى، لو كان عرضاً قريباً، أو سفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، يقول بعضهم: يفرجها الله. فالناس يندفعون إلى إرواء شهواتهم، إلى اقتناص الأموال الحرام، إلى الاستمتاع بما حرم الله، لأن هذه الشهوات بين أيديهم، وفي متناولهم، والإنسان عجول، أما إذا اختار الآجلة فالأمر على عكس العاجلة. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾ ( سورة القيامة: 20 ـ 21 ) ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾ ( سورة الإنسان: 27 ) فالإنسان إذا استجاب إلى طبعه، وإلى عجلته، عندئذٍ يعصي ويرتكب الموبقات، ويعيش كما يقول الوجوديون: ليعِشْ لحظته، فهو الآن قوي ليستمتع بقوته، غني ليستمتع بماله. أما الإنسان إذا أحكم عقله، فإني أضرب لكم مثلاً بسيطاً، لكن له دلالة كبيرة ؛ قبل سنين، حافلة حي المهاجرين، كانت تقف بساحة المرجة أمام مركز التسويق العراقي، في أيام الصيف الحارة، صعد للحافلة راكبٌ، فوجد على اليمين شمسًا، وعلى اليسار ظلاً، بحكم طبيعته قعد في الظل على اليسار، فلما انطلقت الحافلة، ودارت بساحة المرجة، فخلال دقيقة واحدة، انعكست الجهة لآخر الخط، وبقي طيلة الوقت في الشمس، فأنا لما أركب الحافلة كنت ألاحظ الركاب، فالذي يشغِّل فكره يقعد بالشمس، والذي يستجيب لطبيعة جسمه يقعد في الظل، لكن بعد دقيقة واحدة عندما تدور الحافلة تنعكس الجهة، فمَن اختار الظل تمتع به دقيقة، ومَن اختار مقعده تحت الشمس تحملها دقيقة، ثم راح يتمتع بالظل عشرين دقيقة، ومَن اختار الظل راح يتنعم دقيقة، ويتحمل أشعة الشمس الحارة عشرين دقيقة، فالفرق بين الراكبَيْن، واحد أعمل عقله، والآخر عطل عقله، وهذا المثل لو أنه مثل بسيط، لكن له دلالة كبيرة. فأيّ إنسان بحكم عقله، ويفكر فإنه يختار الآجلة إلى الأبد، وأي إنسان يعطل عقله، فبين يديه الكثيرُ مِن في شهوات، أموال حرام، نساء كاسيات عاريات، طعام، احتفالات، اختلاط، مكاسب، يا نصيب تارةً، واختلاط تارةً، ورحلة سياحية تارةً، فإنه يختار العاجلة، والله عز وجل قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ فلما يحكِّم الإنسان عقله فإنه يختار الآخرة، مع أنها بعيدة المدى، ويرفض الدنيا مع أنها في متناول يديه. أما إذا عطل عقله، فإنه عيش لحظته كالوجوديين، فما دام يعيش إذاً هو يأكل ويشرب، ويتمتع بدون ضوابط، بدون قيم، دون مبادئ، دون افعل ولا تفعل، دون منهج، دون دستور، كالدابة السائمة، كالدابة الطليقة، تفعل ما تشاء بدون قيد أو شرط. إذاً لما فطَرَ ربنا عز وجل الإنسانَ على حبِّ العاجلة مِن أجل أن يرقى، إذا جاهدها، لأنه لو اختار الآجلة لعاكس طبيعة نفسه. وبالمناسبة إخواننا الكرام ؛ الإنسان له طبع، وله فطرة، ولديه تكليف، والطبع يتناقض مع التكليف غالباً، التكليف أن تصلي الفجر في وقته، وجسم الإنسان يميل إلى النوم والاسترخاء، ولا سيما في أيام الشتاء الباردة، والفراش وثير، ودافئ، نام الساعة الواحدة متأخرًا، وهو مرتاح، فطبعك يدعوك إلى النوم، والتكليف يدعوك إلى الصلاة، والمؤذن يقول الصلاة خير من النوم، وطبعك يدعوك إلى إطلاق البصر في النساء، كي تستمتع بحسنهن، لكن التكليف يدعوك أن تغض البصر عن محارم الله، طبعك يدعوك أن تقبض المال، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، طبعك يدعوك أن تتحدث عن عورات الناس، عن قصصهم، عن فضائحهم، عن سقطاتهم، عن مشكلاتهم، عن خصوماتهم، لماذا طلق فلان فلانة ؟ ولماذا تزوج فلانة ؟ وما خلفية الموضوع ؟ طبعك يدفعك إلى تقصي أخبار الناس، لكن التكليف يقول لك: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ ( سورة الحجرات: 12 ) ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) الملاحظ إذاً أن الطبع يختلف مع التكليف، لماذا يختلف مع التكليف ؟ من أجل أن ترقى، لو توافق الطبع مع التكليف لارتقى أبداً، والتغت العبادة، والتغت الجنة، ولم يعُد هناك ثواب ولا عقاب، إذا توافق الطبع مع التكليف، لكن التكليف يتناسب مع الفطرة، أنا قلت الطبع، والطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس. فلما يتعرف الإنسان إلى الله، ويستقيم على أمره، تهدأ نفسه، ويطمئن قلبه، ويشعر بسعادة لا توصف، لأنه توافق مع فطرته. إذاً من ينشد السعادة الحقيقية، فعليه بتطبيق أمر الله عز وجل، ولو كان أمر الله في ظاهره فيه تكليف، وكلفة، وجهد، لولا هذا الجهد لما ارتقى إطلاقاً. لو فرضنا أنّ جامعة وزعت على الطلاب أوراق الإجابة، مطبوع عليها الجواب التام، فما عليك إلا أن تكتب اسمك ورقمك، كله طالبٍ يحصل على مئة درجة، ومنحت تلك الجامعة الشهادات العليا، الليسانس، والدكتوراه هذه الشهادات هل لها قيمة عند الناس؟ هل لها قيمة عند الطلاب ؟ لا قيمة لها، صفر في الحقيقة، لأن هذه الشهادات لم يكن لصاحبها جهد مبذول. أما لما تكون المواد صعبة، ولا بد لها مِن دراسة شاقة، ودخول امتحان صعب، وأسئلة معقدة، وسُلَّم دقيق، وتصحيح دقيق، فعندئذٍ لما ينجح الطالب يتيه على أقرانه بهذا النجاح الذي مقابله في جهد مُضنٍ. فالإنسان لا يطمع أن يكون التكليف موافقًا للطبع، يطمع أن يجد الدين مثل ما يريد تمامًا، يريد من الدين أن يُسمَح فيه بكذا، وكذا، وكذا، يأخذ ما فيه راحته، ويتصيد الرخص. لذلك فقد أردت من هذا الدرس، أن أشير إلى ناحية واحدة، أن الإنسان خلق عجولا، يحب الشيء الذي بين يديه، ولا يحب الشيء البعيد، فالمؤمن إذا اختار الآخرة، وما عند الله، فقد خالف طبعه، و لما خالف طبعه ارتقى عند الله. وغالباً الطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وتكاليف الشرع لا تتوافق مع الطبع، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾ ( سورة النازعات: 40 ـ 41 ) لكن الإنسان إذا طبق أمر الله عز وجل وعاكس هواه، في النهاية ترتاح نفسه، لأن هذا الكمال الذي حصله، وتلك الطمأنينة التي اكتسبها، هذه غذاء الفطرة. لذلك قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾ ( سورة الروم: 30 ) إخوانا الكرام ؛ أقول لكم هذه الكلمات وهي دقيقة، في النفس فراغ لا يملؤه المال، قد تملك مئات الملايين، وفي النفس فراغ لا تملؤه القوة، وقد تكون أقوى الأقوياء، في النفس فراغ لا تملؤه الشهادات العليا، والدرجات العلمية العالية، في النفس فراغ لا تملؤه الأسرة الناجحة، في بالنفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، من دون إيمان يعيش الإنسان في قلق، والدليل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ ( سورة طه: 124 ) أما لو أنّ الإنسان استقام على أمر الله فالحياة الطيبة هانئة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ( سورة النحل: 97 ) فنحن موعودون بالحياة الطيبة، من قبل الله عز وجل. والله أيها الإخوة ؛ لزوال الكون أهونُ على الله من ألاّ تتحقق وعوده ووعيده بأي عصر ومصر، وبأي وقت، من أي منبت طبقي أنت ؟ من أي أم وأب ؟ من أي بلدة ؟ من أي مكان ؟ من أي زمان ؟ من أي إمكانيات كنت ؟ حينما تستقيم على أمر الله، فلك من الله حياة طيبة، وأي إنسان مهما كان قوياً، مهما كان غنياً، مهما كان جباراً، إذا أعرض عن الله عز وجل فإن له معيشة ضنكا. والله أيها الإخوة ؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هاتان الآيتان لكفتانا. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ( سورة النحل: 97 ) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ ( سورة طه: 124 ) أمّا الآية الثالثة، فدققوا فيها، والله لو أنني أتلو هذه الآية آلاف المرات، لا أرتوي منها. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ ( سورة الجاثية: 21 ) أَيُعامَل المؤمن من الله كما يعامل الكافر ؟ في بيته، في عمله، في صحته، في زوجته، في أولاده، في طمأنينته، في سعادته، في إقباله، في إشراق نفسه، في تفاؤله في المستقبل، تجد شخصًا غنيًا لو أنفق كل يوم مئة ألف لبقي لديه ما يفيض على حياته، ولو عاش مئة سنة، ومع ذلك فهو متضايق، وقلق، ويقول: السوق مسموم، ولا نربح، وما هذه الحياة، ولا يُعاش في هذا البلد، ومعه أموال واللهِ لا تأكلها النيران، ويقابلك مؤمن لا يملك إلا قوت يومه، ويقول: الحمد لله من أعماقه، راضيًا بعيشه. هذه السعادة لها سّر، السعادة أيها الإخوة لا تأتي من الخارج، لا تأتي من بيت واسع، ولا من زوجة جميلة، ولا من أموال طائلة، ولا من بيت بالمصيف، ولا من مركبة فاخرة. السعادة تنبع من الداخل، لما يتجلى ربنا على المؤمن يشعر بالسرور والسعادة، إذ قال لك: أنا أسعد الناس فصدِّقْه، ذات مرة قال لي شخصٌ كلمة، أقسَمَ بالله ليس في الأرض - "أقسم بالله" - مَن هو أسعد مني، فقلت: هذا الكلام ليس معقولاً، ثم استدرك قائلاً: إلا أن يكون أتقى مني، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني. فلما يتعامل الإنسان مع خالق الكون، ويمشي على منهج الله، يجعل بيته إسلاميًا، وعمله إسلاميًا، يقرأ القرآن، يذكر الله، ويترك هذه الأجهزة التي تسمم حياتنا، وتجعل حياتنا كلها حياة جنس، حيث المصيبة الكبرى، والخسارة المردية، فنعوذ بالله مِن ذلك. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة (5) الجزء الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ موضوع اليوم حول كلمة الوسيلة !!!. يعني إذا أردت أن تصل إلى مكان ما، فلا بد من وسيلة تنقلك إلى هذا المكان، إذا أردت الماء، فلا بد أن تحفر بئرًا، إذا أردت أن تأكل فلا بد أن تشتري الطعام، إذا أردت أن تستنبت فلا بد أن تزرع البذر. فالإنسان له هدف، وله أن يتخذ وسيلةً إلى هذا الهدف، فمن أراد الله فلا بد أن يبتغي إليه الوسيلة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ من أوسع التفاسير لهذه الكلمة، وأَوجه معنى من معاني الوسيلة طلبُ العلم، فهو وسيلة، والعلم طريقٌ إلى الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يجب أن تعرف أنه موجود، يجب أن تعرف أنه واحد في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، يجب أن تعرف أنه كامل، أسماؤه كلها حُسْنَى، وصفاته كلها فُضْلَى. إذاً ينبغي أن تعرفه، ينبغي أن تعرف ما عنده من إكرام من أجل أن تقبل عليه، وينبغي أن تعرف ما عنده من عذابٍ أليم إذا أعرضت عنه. إذاً إذا أردت الله عز وجل فابتغِ إليه الوسيلة عن طريق العلم، لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر: 28 ) لو أن هناك طريقاً إلى الله، غير طريق العلم لذكرَه الله عز وجل، لا بد أنْ تتعرف إلى الله، لأنك كلما عرفت الله عز وجل ازدادت خشيتك له، فالخشية مترافقة مع حجم العلم، حجمُ خشيتك بحجم علمك، رأس الحكمة مخافة الله، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً. وبعد ؛ فإن عرفته أقبلت عليه، فمعرفته وسيلة، وإنْ عرفت أمره ونهيه طبقتَ أمره وابتعدت عن نهيه، إذاً معرفةُ منهجِه وسيلة. لا ينبغي أن تكتفي بمعرفته من خلال الكون، لا بد من أن تعرف منهجه من خلال الكتاب والسنة، يجب أن تعرفه، وأن تعرف منهجه، الكون يدلك عليــه، والكتاب والسنة يعرفانك بأمره ونهيه، بالكون تعرفه وبالشرع تعبده. إذاً لا بد من جانب من جوانب هذه الوسيلة، أن تفكر في خلق السموات والأرض. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ ( سورة آل عمران: 190 - 191 ) ومن أجل أن تعبده، لا بد أن تعرف أمره ونهيه، ماذا تعمل أنت ؟ في التجارة مثلاً: لا بد أن تعرف أحكام الشراء والبيع لئلا تقع في الحرام، فمن دخل الأسواق من دون فقهٍ، وقع في الربا شاء أم أبى، تعمل في الطب لا بد أن تعرف أحكام الجُعالة، لأنك أجرك أيها الطبيب ليس مِن نوع عقود التراضي، ولا المعوضات، ولكن من نوع الجُعالة، أنت مقبلٌ على الزواج، فلا بد أن تعرف أحكام الزواج، كيف تعامل الزوجة ؟ كيف يتم هذا العقد ؟ ما شروط هذا العقد ؟ إذاً إذا أردت أن تعبده فلا بد أن تعرف أمره، لذلك ورد في الأثر: أن طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، ليس هذا خياراً لك، لا بد أن تقتطع من وقتك لتتعرف فيه إلى أمر الله ونهيه، إن أردت أن تعرفه، إن أردت أن تعبده، إن أردت أن تتقرب إليه. إذاً معرفة ذاته، وأسمائه، وصفاته، من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه من خلال الكتاب والسنة وأحكام الفقه وسيلة. من أجل أن ترى نفسَك للإسلامِ مطبِّقاً، لا بد أن تقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله مثلاً أعلى وقدوة يقتدي به. إذاً معرفة السيرة فرض عين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ( سورة الأحزاب: 21 ) طيب، إن جلست مع أهل الدنيا، صَدِئ قلبك، وشعرت بالضيق، لابد إذًا أنْ تجلس مع المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ ( سورة التوبة: 119 ) أن تجلس مع الصادقين وسيلة، أن تجلس مع المؤمنين، أن تلتقي معهم، أن تأخذ عنهم، من علمهم، من أخلاقهم، من قيمهم، فكل هذه وسيلة، انظُر فالمطلق على إطلاقه. الوسيلة أن تعرف الله من خلال الكون، والوسيلة أن تعرف أمره ونهيه من خلال الكتاب والسنة، والوسيلة أن تجتمع مع المسلمين، لتأخذ من علمهم ومن أخلاقهم ومن قيمهم، وأن تقتدي بهم والدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ ( سورة التوبة: 119 ) هذه وسيلة، والوسيلة الرابعة ؛ أن تتقرب إليه بالعمل الصالح. ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ( سورة الكهف: 110 ) فمعرفة الله من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه وسيلة، وصحبة المؤمنين وسيلة، والأعمال الصالحة التي تقربك إلى الله وسيلة، المطلق في القرآن على إطلاقه، فأي شيءٍ يقربك من الله عز وجل هو وسيلة، لكن أكثر شيء يقربك من الله عز وجل أن تتأمل في خلق السموات والأرض، فأنت أمام عظمة الله عز وجل وجهاً لوجه، هذا أكبر شيء نظري، وأكبر شيء عملي يقربك إلى الله عز وجل الإنفاقُ، مطلق الإنفاق. ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾ ( سورة البقرة: 3 ) لأن الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تعدَّ نفسك إلى حياة أبدية، فلا بد من عملٍ صالحٍ ترقى به، " يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبِمَ تلقى الله إذاً ؟ "، لا بد من شيء تلقى الله به، إنها الوسيلة. لذلك إنسان يدّعي أنه مؤمن ولا يتحرك دعواه باطلة، دعواه كاذبة، لأن الإنسان من طبيعته الحركة، ترجمةً لديناميكي، وليس سكونياً "استاتيك"، "ديناميك" يعني حركي، فأنت تؤمن بالله وتظلّ واقفًا في محلك، فلا يليق ذلك بالمؤمن. أنت لا بد لك مِن بيت تسكنه، مقدم على زواج، تسمع أنّ بيتًا ثمنه نصف قيمته الحقيقية، ثمنه خمسمئة ألف بدمشق وعلى الطابو فورًا، وأنت معك المبلغ وتظل نائمًا، لا أظن، بل تذهب في نصف الليل مشيًا ولو آخر مكان، أنت بحاجة ماسّة إلى بيت، والبيت بنصف قيمته، وطابوا فورًا، وليس فيه مشكلة، والدلال فلان، وتظل ساكنًا، ولا حركة، فهذا غير معقول أبدًا !!!. تسمع أنّ على كتفك عقربًا - لا سمح الله - إذ قال لك شخص: على كتفك عقرب، هل تلتفتَّ نحوه بهدوء، وتقول له: أشكرك على هذه الملاحظة، وأتمنى أن أقابلك بخير منها، معنى ذلك أنك لم تفهم قولَه، ولو علمت ماذا قال لقفزت وخرجت من جلدك خوفاً من هذه الحشرة. أتسمع الحق ولا تتحرك، لا تغض بصرك، ولا تنفق من مالك، لا تلازم المسجد، ولا تصلي، معنى هذا أنك ما فهمت شيئًا إطلاقاً، فعلامة الفهم الحركة. ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ أنتَ عرفت الله وبيتك غير إسلامي، يعني أنك ما عرفته، ولو عرفته، وعرفت ما عنده من إكرام، وعرفت ما عنده من عقاب، وعرفت تفاهة الدنيا، وعرفت أبدية الآخرة، وعرفت أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إذًا فلا بدّ أن تتحرك. ذات مرة ضربت مثلاً مضحكًا ؛ لما كان عندنا أزمات تموينية، قلت: لو أن واحدًا تلزمه صفيحة زيت، وقد خرج من وظيفته توًّا وهو مُتعَب، وقد خلع ثيابه وارتدى ثياب البيت، وجلس على أريكةٍ مريحةٍ، فقال له ابنه عدّةَ كلمات ؛ قال له: في المؤسسة زيت، والصفيحة بـ 800 ل س وثمنها لدى السمّان 1600 ل س، وليس في المؤسسة ازدحام، ولا يوجد عندنا زيت، وقد قبضتَ راتبك منذ يومين، أيبقى قاعدًا ؟ لا شكّ أنه يسارع إلى المؤسسة مهرولاً ناسيًا تعبه كله. فإذا كان الدين واضحًا، والأفكار صحيحة، والعقل يقظًا، والعاطفة جياشة، وسمعت الحق، فلا بد أنْ تتحرك، أما يبقى على ما هو عليه من المعاصي والآثام والتقصير، ويدّعي أنه مؤمن، وأنا مسلم، ويقول: اللهم اجعلنا من أهل الجنة، فنحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر، وربما يكون حجة على قائله. ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي شيءٍ من علمٍ، أو عملٍ، أو تضحيةٍ، أو شيءٍ آخر يقربك إلى الله عز وجل فهو وسيلة، التفكر في خلق السموات والأرض وسيلة، معرفة المنهج الأمر ؛ والنهي وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، البذل والعطاء وسيلة، وأي شيءٍ آخر ترى أنه يقرب إلى الله عز وجل فهو وسيلة، ونسيت أن أقول لكم: إنّ ذكرَ الله وسيلةٌ، ذكره باسمه المفرد، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والحمد، والدعاء، وتلاوة القرآن هذه وسيلة، وأعود لأكرِّر: التفكر وسيلة، الذكر وسيلة، الطاعة وسيلة، البذل وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، الإطلاع على سيرة رسول الله وأصحابه الكرام وسيلة، والآية واسعة جداً، وأي شيء يقربك من الله هو وسيلة، درسنا اليوم كان حول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ واستمع لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ ( سورة الإسراء: 19 ) علامة الإرادة السعي، وعلامة التمني القعود، المتمني يقعد، والساعي يتحرك، فأنت امتحن نفسك، إذا بقي الإسلام معلومات تتلقاها وأنت مرتاح لها، ولديك مشاعر إسلامية وليس لديك حركة إطلاقاً،ف القضية صعبة، أما إذا أيقنت بأحقية هذا الدين، وعظمة هذا الخالق العظيم، فلا بد أن تتحرك نحوه، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. والحمد لله رب العالمين تــــــــابــــــــع |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة (5) الجزءالثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة موضوعنا اليوم الآية الثامنة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ الإنسان أيها الإخوة قد يجري اتصالاً هاتفياً، وهو مضطجعٌ على سريره، أما لو أنه تلقى نبأً مؤلماً لقعد، فانتقاله من الاضطجاع إلى القعود دليل أن الأمر مهمٌ، فإذا كان الأمر أكثر أهميةً وقف، والإنسان يعبر عن اهتمامه بالأمر إلى أقصى درجة حينما يقف. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ قوَّام على وزن فعَّال، صيغة مبالغة اسم الفاعل، قائمٌ قوَّامٌ، القوَّام أشد اتصافًا بالقيام من القائم، قائم لكنه متهاون، قائم لكنه متململ، قائم لكنه متراخٍ، أما قّوام فهو في أعلى درجات النشاط، وفي أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الجاهزية، قوَّام. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ يعني طاقتكم، نشاطكم، عضلاتكم، علمكم، طلاقة لسانكم، ذكاؤكم، مكانتكم، جاهكم، هذا كله ينبغي أن يوظف لله عز وجل، وأن تستنفر، وأن تفرَّ إلى الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ يعني أعلى درجات الاهتمام أن تقف، وأن تكون مستعداً لبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، أن تقف وأن تكون في أعلى درجات الجاهزية، أن تقف وأنت في أعلى درجات النشاط. هذا معنى. ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ( سورة آل عمران: 79 ) يعني يجب أن تَهَبَ كلَّ ما تملك لله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ أحد أصحاب رسول الله، وكان حِبَّ رسول الله، أراد أن يشفع عند النبي في امرأةٍ سرقت، فغضب النبي أشد الغضب، وكما ورد في الأثر: ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) هذا هو الإسلام. يروى أن سيدنا عمر جاءه ملِك من ملوك الغساسنة مسلماً، رحب به أشد الترحيب. كان الموسم موسمَ حج، وفي أثناء طواف الملك حول الكعبة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فالمِلك لم يحتمل هذا، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمتْ أنفه. هذا البدوي ليس له إلا عمر، ذهب إليه ليشكو هذا الملك الغساني جبلةَ ابن الأيهم، فاستدعى عمر جبله، وقال: أصحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح، قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، قال عمر: أَرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، فمازال ظفرك عالقاً بدمائه، قال له: وإن لم أفعل ؟ قال له: يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلت كفك. قال له كيف ذاك يا أمير المؤمنين ـ ما هذا الكلام ـ هو سوقة، وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبله: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالَمٌ نبنيه، كلُّ صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ لذلك ورد أنَّ عدْلَ ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، ورد أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب، قصة رمزية، عبدتك خمسين عاماً وتضعني في كنيف ـ المرحاض ـ قال تأدب يا حجر، إذْ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، يعني مكانك في الكنيف أشرف لك من أن تكون في مجلس قاض ظالم. إذاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أما الشيء الدقيق في الآية، قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ معنى لا يجرمنَّكم أي لا يحملنَّكم. ﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾ الشنآن البغض. ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ الله يخاطب من ؟ يخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين التقليدين الكفارُ، الفجارُ، الملاحدةُ، المنافقون. كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي، إذا توهمتم أنني أرضى عنكم، إذا لم تعدلوا مع خصومكم الكفار فأنتم واهمون، لا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم، ولا يقربكم إليَ إلا أن تنصفوهم، ولا تقرِّبوهم إليَّ إلا إذا أنصفتموهم، إن لم تنصفوهم فأنتم متوهمون أني أرضى عنكم، إذا أكلتم أموالهم واعتديتم على أعراضهم بدعوى أنهم كفار، فهذا هو عين الخطأ. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموهم. ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أنتم إذا عدلتم مع هؤلاء الأعداء أنتم أقرب إليّ، وإن عدلتم مع هؤلاء الأعداء قرّبتموهم إليّ، فقد عرفوا عظمة الدين، لذلك الإنسان المتوهم إذا رأى شخصًا غير مسلم يقول في نفسه: الطُشْهُ بالسعر ولا حرج، خذ ماله ولا تهتم، فهذا غير مسلم، هذا هو عين الخطأ، وأعود وأكرِّر الآية: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يعني إذا عدلتم مع أعدائكم قربتموهم من الله، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني، يبدو أنّ شخصًا فاجرًا قالها لسيدنا عمر، قال له: والله لا أحبك، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له: لا والله، حقك واصلٌ إليك، أحببتك أم كرهتك، هذا هو الإسلام. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يعني إذا عدلتم معهم قرَّبتموهم إليّ، وعرفوا أحقِّيّة هذا الدين، و إن عدلتم معهم تقرَّبتم أنتم إليّ، فأنا لا أرضى عنكم إذا ظلمتم هؤلاء، لأنكم إذا ظلمتموهم، فإنكم إذاً مثلهم، وأين الإسلام عندئذٍ ؟ وأين عظمة هذا الدين ؟ وأين أحقّيّة هذا الشرع؟ لذلك يبدو أن الذي يخطئ مع مسلم، فالخطأ صغير حجمه، أما الذي يخطئ مع غير المسلم فالخطأ كبير حجمه، لأنك إذا أخطأت مع مسلم يقول: فلان آذاني، أما إذا أخطأت مع غير مسلم يقول: المسلمون فعلوا معي كذا، وكذا، ينتقل من ذمك إلى ذمِّ دينك. ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.)) كل مسلم يمثل هذا الدين، فعليه أن يكون في أعلى درجات الكمال، أعلى درجات الإنصاف، أعلى درجات القسط. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ استنفِرْ، فِرَّ إلى الله، شمروا فإن الأمر جِد. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ في آية أخرى قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ( سورة النساء: 135 ) ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ لا يحملنكم بغض قومٍ على ألا تعدلوا. ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يعني أنتم أقرب إليّ، وأعداؤكم الذين عدلتم معهم، يصبحون أقرب إليَّ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ سبحانه وتعالى خبير بعملك، يعرف حجم عملك، ويعرف الأهداف البعيدة من عملك، ويعرف البواعث الحقيقية من عملك، ويعرف المضايقات التي تعترض عملك، ويعرف كل ما بذلتَ من أجل هذا العمل من غال ورخيص، ونفس ونفيس. ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أيها الإخوة ؛ هذه الآية لو طبقت فلن تجدوا عداوات ساحقة بين المسلمين وغير المسلمين، يعني إذا ظلَمَ المسلم، فقد سمعت مرة كلمة، أن الأجانب ينظرون إلى الإسلام نظرة سيئة، لأنهم شاهدوا إساءات مِن قِبَل مَن فَتَحَ بلادهم، بعد ما استقر الفتوح في أوربا مسافات طويلة، ظهر أناس أساءوا إساءات بالغة، فالأجانب حملوا هذه الصور القاتلة ونظروا إلى الإسلام نظرة قاسية، فلذلك المسلم أحيانًا يسيء إلى دينه كله. طالب ذهب إلى أوربا ودرس، واقترن بفتاة ألمانية، أحبها وأحبته، درسا الطب طبعاً، بعد سبع سنوات، بعد أن نال الشهادة، اختفى !!. عاشت معه وأعانته، وقدمت له كل ما تستطيع، وأخلصت له، فلما نال الشهادة في الطب اختفى !! تبعته إلى بلده، فإذا هو في بلد آخر، أجرى عقداً مع دولة من دول الخليج، إحدى دول النفط، فوصلت إلى وزير الداخلية هناك، والوزير رفع الأمر إلى الملك، والملك أصدر أمراً بطرد هذا الطبيب، لأنه أساء إلى ألف مليون مسلم. تقول هذه الفتاة: ماذا فعلت له حتى تركني ؟ لقد أحسنتْ إليه، واللهِ. أحيانًا إنسان واحد قد يسيء لأمة، لمَ لمْ تخبرها بأنك ستطلقها إذا انتهت دراستك، وليعلم كل واحد أنّ الزواج على التأبيد، أخلصت لك كل الإخلاص، وأنا ما أردت من هذه القصة أن نناقشها، لكن أردت من هذه القصة أن الإنسان أحياناً يسيء لأمته كلها إذا أساء التصرف. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فالمسلم ليدقق بمعاملته المسلَم مرة، وليدقق مليون مرة في معاملته غير المسلم، لأنه لو عامله معاملة طيبة ربما جلبه إلى الدين، رجل معروف يمثل الحزب اليساري في فرنسا، أسلم، فكان يروي منذ أيام سبب إسلامه، قال: قبل ثلاثين سنة، كنتُ جنديًا ورفض مسلم أنْ يقتلني، في الحرب العالمية الثانية، لقد رفض أنْ يقتله لأسباب دينيه، فبقيت هذه الفكرة في ذهنه ثلاثين عاماً، وحملته بعدها على أن يسلم. فالعمل الطيب ربما جرَّ أمة، والعمل السيِّئ ربما نفَّر أمة. لذلك: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة (5) الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾ أيها الإخوة الكرام ؛ ما منا واحدٌ إلا ويتمنّى أن يكون الله معه، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع في الأرض أن ينال منك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد، أمّا إذا كان الله معك، فلو أن الأمة بأكملها اجتمعت على أن يضروك بشيءٍ لم يستطيعوا، وإذا تخلى الله عنك، ولم يكن الله معك، فأقرب الناس إليك، ابنك الذي من صلبك، زوجتك التي عشت معها أربعين عاما، تتخلى عنك، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك ؟. إذا كان الله معك ألقى حبك في قلوب العباد، وإذا كان الله عليك ألقى بغضك في قلوب العباد. يا أيها الإخوة ؛ الأقوياء يملكون القوالب، لكن الأنبياء يملكون القلوب، والبطولة الحقيقية في أن تملك قلوب الناس، لا أن تملك أجسامهم، القوي يخاف الناس منه، لكن النبي يحبه الناس. لذلك ما منا واحد إلا ويتمنى أن يكون الله معه، ولكن هذه المعية قال عنها العلماء: إنها معيتان ؟ معيةٌ خاصة... ومعيةٌ عامة... فما المعية العامة ؟ المعية العامة أن الله مع كل عباده، مع الكفار، مع الفجار، مع الملحدين، مع المنافقين، مع العصاة، مع المتجاوزين. في قوله تعالى: ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ( سورة الحديد: 4 ) مؤمن، كافر، مطيع، عاصٍ، هو معك، بل قيامك به أبلغ من أنه معك. الآن دققوا، معية الله الخاصة، تعني التوفيق والحفظ، تعني التأييد والنصر، إذا كان الله معك نصرك على أعدائك، وإذا كان الله معك وكنت في عملٍ وفقك فيه، إذا كان الله معك حفظك من كل شر. إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى. فأنتم هو الحق لا غيركـم فيا ليت شعري أنا مـن أنا. *** العلماء قالوا: المعية معيتان ؛ معيةٌ عامة، ومعيةٌ خاصة، المعية العامة تشير إلى الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ لكن المعية الخاصة معية التأييد، معية التوفيق، معية الحفظ، معية النصر، معية السكينة، يُلقي الله في قلبك السكينة، تكون كالجبل الأشم لا تتزعزع، هذه المعية الخاصة، ممكن الحصول عليها ولكن بدفع ثمنها، الآن بدأ الدرس. المعية الخاصة التي نبحث عنها جميعاً متاحةٌ لكل إنسان، بشرط أن تدفع ثمنها، يا رب أين ثمنها ؟ أو يا رب من يملك ثمنها ؟ يقول الله: أنت أيها العبد تملك ثمنها، ابدأ بهذه الآية: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ هذه العناصر التي اشتملت عليها الآية هي ثمن المعية الخاصة، هذه ثمن المعية التي هي من أينع ثمار الدين، وأجمل ما في الدين أنْ تشعر أن الله معك، أعظم ما في الدين أن تشعر أنك مقربٌ إلى الله، أعظم ما في الدين أن يتجلى الله على قلبك بالسكينة، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، حينما يتيه الناس أنت لا تتيه، حينما يخاف الناس أنت لا تخاف، حينما تنهار أعصاب الناس أنت لا تنهار، حينما يشعر الناس بالحرمان أنت تشعر بالفوز والغنيمة، حينما يخضع الناس أنت لا تخضع، هذه معية الله الخاصة، وثمنها تملكه أنت، وهذه مفردات ثمنها. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين. ولكن يا أيها الإخوة ؛ الله قال: أقمتم الصلاة، لمْ يقل الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، فإذا قلنا: لئن صليتم، يعني واحد دخل للمسجد توضأ وصلى، هذه الصلاة، أما: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ فانتبه لكلمة أقام البناء، تحصل على رخصة أولا، وبعد مضي سنتين من الملاحقة تحصل عليها، ثم حفرت الأساسات، وبُني أول طابق، والثاني، والثالث، ثم كسوتَه وفرشتَه، فشغله سنوات حتى تم إنجازه، من هنا نعلم أنّ إقامة الصلاة تبدأ قبل الصلاة، إقامة الصلاة تبدأ بغض البصر، إقامة الصلاة تبدأ بتحرير الدخل، إقامة الصلاة تبدأ بأن يكون بيتك إسلامياً، بأن تربي أولادك التربية الصحيحة، يعني أنت تعمل عملاً تستقيم معه على أمر الله، تصطلح معه، تتوب إليه، تنفق من مالك، من أجل أنّك تصلي حقًّا إذا دخلت إلى المسجد، ففرقٌ كبير بين أن يقول الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، وبين أنْ يقول: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ أحياناً إنسان يقدم امتحانًا في ثلاث ساعات، يمنح دكتوراه، إذْ تجري مناقشة أطروحته أمام لجنة من العلماء، وبعد ثلاث ساعات مِن قراءة ملخص الأطروحة قال الدكتور المشرف رأيه في الموضوع، واجتمعت اللجنة، واتخذت قراراً بمنحه الدكتوراه بتقدير امتياز، العملية تمت في ثلاث ساعات، أما عملية تأليف الكتاب الذي تقدّم به الطالب لنيل الدكتوراه فتمّتْ في عشر سنوات، فالدكتوراه لا تأتي في ساعات ثلاث. وإذا دخل شخصٌ المسجدَ وقام يصلي، فهذه ليست صلاة، قبل الصلاة لا بد من استقامة، قبل الصلاة لا بد من توبة، قبل الصلاة لا بد من صلح مع الله، قبل الصلاة لا بدّ مِن إنابةٍ إلى الله، قبل الصلاة تكون الأعمال الصالحة، مِن إنفاق ونحوه، فالآن إذا دخلتَ لتصلي فهذه إقامة الصلاة. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إما أن نفهم أنّ إيتاء الزكاة دفعُ جزءٍ من المال كما هم معروف، أو أن هذه الآية تعني مطلق العمل الصالح، وهناك للعلماء استنباط، سيدنا المسيح قال: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31) ﴾ ( سورة مريم: 31 ) بعضهم قال: هاتان الكلمتان جمعتا جوهر الدين، الدين اتصال بالله الخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، هذا الدين. في حركة أفقية وحركة شاقولية، الأفقية إحسان للخلق، والشاقولية اتصال بالحق. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أقمتم الصلاة، هذه الساعات في مناقشة الأطروحة، ثم منح على إثرها الطالب دكتوراه بامتياز، هذه سبقها عشر سنوات تحضير، عشر سنوات تأليف، فلما يغضُّ الإنسان بصرَه في الطريق، والطريق فيه كاسيات عاريات مائلات مميلات، ويضبط لسانه، يضبط أذنه، يضبط بيته، يضبط دخله وإنفاقه. فإذا دخل ليصلي، فإنّ هذا قد أقام الصلاة، لكن إذا دخل فتوضأ وصلى، وهو غارق في المعاصي والشبهات، هذا نقول عنه: إنه صلى، لا نقول: أقام الصلاة، انتبه: أقام البناء يعني عمل طويل، شراء الأرض، والحصول على رخصة، وحفر الأساسات، وبناء الهيكل، ثم إكساء الهيكل، ثم تزيين الهيكل، ثم إكساء خارجي، ثم فرش البيت، فمثل ذلك إقامة الصلاة. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ يعني آمنتم بأحقِّية هذا الشرع، هذا هو النظام الأكمل، هذا الذي فيه حل لمشكلاتنا، أمّا أنْ تقول: الدين نغمة قديمة، معنى ذلك أنك لا تعرف عن الدين شيئاً. الدين منهج خالق الكون، دستور الإنسان. ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أنت لما تصلي، كأنْ تكون في نزهة وتقوم لتصلي، فأنت نصرت دين الله عز وجل، لما تمتنع عن دخل مال حرام، وغيرك لا يمتنع، فقد نصرت دين الله عز وجل، الله عز وجل لا يحتاج إلى أن تنصره، ولا نبيُّه يحتاج إلى أن تنصره، إلا أنك أقمت شعائر الدين، ونفذت أمر الله عز وجل، وسَّعت دائرة المؤمنين، أمّا إذا كان الناس في نزهة، وواحد قام فصلى وحده فلعله يستحيي بنفسه، لكنْ إذا قام ثلاثة أو أربعة وصلوا، فمَن الذي يستحيي ؟ الذي لم يقم ليصلي. فإذا كان كل التجار يتعاملون بطريقة ربوية، وأحبَّ تاجرٌ أنْ يستقيم فضحوه، أمجنون أنت ؟ أما إذا كان الكلُّ مستقيمين أعطوا غطاء للمستقيم، أنت لما تطبق شرع الله عز وجل فإنك تدعم الدين، وتنصر. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ( سورة محمد: 7 ) فإذا كانت الأسرة كل بناتها كاسيات عاريات، فإذا أحببتَ أنت أن تحجب ابنتك، أُقيم عليك النفير، وشعرتَ بصعوبة بالغة. أما إذا كان كل من حولك بناتهم محجبات، صار الطريق لابنتك سهلاً، انظري إلى ابنة خالتك، وانظري إلى ابنة خالتك الثانية، وإلى ابنة عمك أيضًا، انظري إليهن جميعهن، فكلهن محجبات. أنت لما تطبق الدين، وترسخ دعائمه، يصير تطبيق سهلاً، إذا كل الناس تخلوا عن الدين، صار المؤمن غريبًا، والغريب يواجه صعوبات، يواجه عقبات، يواجه اعتراضات، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ يعني أيَّدتَ الرسول وطبقت أمر الله. ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ والله ما من كلمة تهز مشاعر المؤمن كهذه الكلمة، خالق الأكوان، الغني الحميد، يقول لعبده: هل تقرضني قرضاً حسناً، على أن أوفيك إياه بغير حساب يوم القيامة، وأي عمل صالح تجاه أي مخلوق هو قرض حسن، حقًّا أيّ عمل صالح تجاه أي مخلوق، حتى ولو كان حيوانًا، كما لو أنك سقيت كلباً، أو أطعمت هرة، أو أنقذت نملة في حوض الغسيل، فيه نملة، وأنت تريد أنْ تتوضأ، فتوقّفتَ إلى أن خرجت، إذًا بعملك هذا أنقذت مخلوقاً، وهذا قرض لله، أقرضتَ الله قرضاً حسناً. وهذه آية أخرى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ( سورة البقرة: 245 ) إذا خدمتَ إنسانًا، أو دللْتَه، أو أعنتَه، أو خفَّفْتَ عنه، أو شفعت بين زوجين، دللت على خير، طلبت العلم، أو علَّمته، توسَطتَ في حل مشكلة، كله قرض حسن، فمعية الله التي لا تقدر بثمن، ثمنها بيدنا جميعاً. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ إن دفعتم هذا الثمن. ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ كل شيء كان يسوؤكم سوف تنسونه، وتُفتح لكم صفحة جديدة. ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾ أنت تتمنى معية الله عز وجل، يعني التوفيق، النصر، التأييد، الحياة الطيبة، السعادة، التجلي، السكينة، الوقار، المكانة الاجتماعية، أن يدافع الله عنك، أن ينصرك على عدوك، أن يؤيدك، أن يقربك، فما عليك إلاّ أنْ تلتزم بنص الآية مع التنفيذ. ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ فعندنا معية عامة، ومعية خاصة. المعية العامة... الله مع كل مخلوق، حتى الكافر، هذه المعية لا تقدم ولا تؤخر، بل تعني أنْ يرى ويسمع ويعلم كل ما يفعلون، فهم تحت رقابته، ليحاسبهم يوم القيامة. ولكن المقصود المعية الخاصة... وهي أن يتجلى الله عليك بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وهذه أبرز الأشياء أنواع المعية. الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وثمنها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالمنهج، وتأييد الرسل بتطبيق تعليماتهم، عندئذ الماضي الحالك كله يشطب، وتفتح صفحة جديدة، والمستقبل: الجنة وما فيها من نعيم مقيم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة (5) الجزءالرابع أبواب الرزق.... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الآية الأولى.... أيها الإخوة الكرام؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [ سورة المائدة الآية: 66] الآية الثانية.... هذه الآية تؤكدها آية أخرى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [ سورة الجن الآيات: 16-17] الآية الثالثة.... ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [ سورة الأعراف الآية: 96] الوسائل التي تزيد في الرزق: العلماء استنبطوا من الكتاب والسنة الوسائلَ التي تزيد في الرزق . أول وسيلة الاستغفار ... قال تعالى : ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [ سورة نوح الآيات: 10-12] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3943/01.jpg الذي يستغفر الله من ذنوبه يجلب له ولأهله الرزق بالاستغفار، هذه واحدة، فمن شكا من ضيق الرزق فعليه بالاستغفار، هذا قرآن، وهو كلام خالق الكون. ثاني وسيلة الصلاة... فقال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [ سورة طه الآية: 132] فالبيت الذي تقام فيه الصلوات، يتلى فيه القرآن، تقام فيه حدود الله عز وجل، فهذا بيت مرزوق، فالرزق بيد الله عز وجل، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. العامل الأول ... هو الاستغفار . العامل الثاني ... إقامة الصلوات وشعائر الله في البيت . ثالث وسيلة الأمانة... مستنبط من الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( الأمانة غنى )) [ هكذا ورد بالأثر] الأمين موثوق، فإذاً أنت أثمن شيءٍ تملكه ثقة الناس، وإذا ملكت ثقة الناس فأنت أغنى الناس، وأكبر خسارة تحيط بك أن تفقد ثقة الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : "الأمانة غنى ". إذًا: وسائل الرزق هي : الاستغفار أوّلاً، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية في البيوت ثانياً، والأمانة ثالثاً. رابع وسيلة صلة الرحم... قيل: صلة الرحم تزيد في الرزق. (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) [ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ ] إذاً أنْ تصل رحمك، وصلة الرحم تعني أشياء ثلاثة: أن تزورهم أولاً ، وأن تتفقد أحوالهم تمهيداً لمساعدتهم ثانياً ، وأن تدلهم على الله ثالثاً. هذا ما تعنيه صلة الرحم، وهو العاملُ الرابع. الاستغفار وإقامة الصلاة والأمانة وصلة الرحم. خامس وسيلة صلة الإتقان... إتقان العمل جزء من الدين ، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وهذه حقيقة ، فالشركات المصنعة المتقنة ، بضاعتها محجوزة لسنوات ، وصاحب الحرفة المتقن محجوز لسنوات ، وإذا كسدت البضائع وبارت الأعمال فالمتقنون لا يتعطلون أبداً. فالإتقان عامل ، وصلة الرحم عامل ، والاستغفار عامل ، وإقامة الصلوات والأمر بها عامل، وإقامة القرآن الكريم عامل. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [ سورة المائدة الآية: 66] سادس وسيلة صلة الصدقة... وهناك عامل سادس وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( استمطروا الرزق بالصدقة)) [الجامع الصغير عن جبير بن مطعم] صدقة السر تطفئ غضب الرب، بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها. سابع وسيلة الاستقامة... فالإنسان المستقيم على أمر الله. ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾ [ سورة الجن الآيات: 16-17] المستقيم على أمر الله، والمقيم للصلوات، وهو يأمر بها أهله ومن يلوذ به، والمستغفر، والواصل لرحمه، والمتقن لعمله، والأمين، هؤلاء جمعياً أرزاقهم وفيرة، وهي قوانين ربنا عز وجل. مثال للتوضيح: فلما يكون الإنسان راكبًا مركبة في سفر، وفجأة تتوقف المركبة! ويطالعك هنا سلوكان؛ فأيهما السلوك الذكي؟ أول سلوك: يصيح المسافر ويبكي ويزعبر!!!؟؟؟ السلوك الثاني: يفتح غطاء المحرك ، ويبحث لماذا وقفت المركبة، هذا هو السلوك العلمي. فإذا شعر الإنسان أن رزقه ضيق، فإنّه يتساءل : يا ترى هل مِن سبب؟ عدم إتقان، أو عدم أمانة، أو تفريط في أوامر الله عز وجل، أم مِن قلَّة الاستغفار، أم من في قطيعة رحم مثلاً، إذًا هناك أسباب. الخلاصة: لذلك فالإنسان حينما يشعر أن رزقه أقل مما ينبغي، فليبحث عن السبب، وربنا عز وجل قال : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة المائدة الآية: 66] وبعد هذا يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [ سورة المائدة الآية: 68] ونحن كمسلمين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا ، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 33] قال علماء التفسير: أنت فيهم، أي سنتك قائمة في بيوتهم، وفي أعمالهم، ما دامت سنة النبي علية الصلاة والسلام فينا، وفي علاقاتنا، وفي كسبنا للمال، وفي إنفاقنا للمال، وفي نشاطاتنا، وفي بيوتنا، فالله لا يعذبنا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 33] وإذا عرفنا أغلاطنا، وتبنا منها أيضاً فنحن في بحبوحة، فنحن في بحبوحة مرتين، إذا أذنبنا واستغفرنا، أو إذا تبنا واصطلحنا، فإذا كنا في أحد هذين الحالين، فنحن في بحبوحة، ونحن في سلام، وفي أمْنٍ من الله عز وجل. الخاتمة: أيها الإخوة الكرام؛ هاتان الآيتان مع أنهما موجهتان لأهل الكتاب إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بأسلوب تربوي، فأحياناً الإنسان يخاطب شخصًا، وهو يعني شخصاً آخر، فالشخص الآخر لا يأتيه الكلام مباشراً، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ [ سورة المائدة الآية: 66] هذا كلام خالق الكون ، ولا شيء يمنع أن تكون هذه الآية قانوناً. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [ سورة المائدة الآية: 68] لذلك أداء الصلوات والصيام والحج، أو أداء العبادات الشعائرية، إذا لم يرافقه التزام بإنفاق المال وكسبه، و لم يرافقه التزام بالجوراح، وتطبيق للشرع الإلهي في بيوتنا وأعمالنا، فهذه الشعائر لا تقدم ولا تؤخر، وسأسمعكم بسرعة. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [ سورة العنكبوت الآية: 45] فإن لم تنهَهُ فصلاته لا قيمة لها. ومَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. هذا مع الصيام. أمّا الحج: فإذا حج الإنسان بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك، يقول الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك. وإذا أنفق من مال حرام ، أو لم يكن مستقيمًا ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [ سورة التوبة الآية: 53] هذه آيات قرآنية، فالصلاة والصوم والحج والزكاة، إذا لم رافقها استقامة تامة فلا تُقبَل، وحتى لا يضيع وقته، وحتى لا يتوهم أنه يصلي كما قلت سابقًا، بل أقم الصلاة، فإقامةُ الصلاة التزامٌ بقواعد الشرع الذي يسبق الصلاة، حتى إذا دخلت في الصلاة شعرتَ بهذه الصلة التي بينك وبين الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة (5) الجزء الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة بعد المئة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ قبل أن نمضي في شرح هذه الآية الكريمة لا بد من مقدمة تلقي ضواءً على هذه الآية. أيها الإخوة ؛ الإنسان مؤلف من نفس وروح وجسد ،نفسه هي ذاته، هي حقيقته، نفسه هي التي تؤمن أو تكفر، هي التي تسعد أو تشقى، هي التي ترضى أو تغضب، هي التي تذوق الموت ولا تموت. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ( سورة آل عمران: 185 ) هي التي تخلد في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذُ عذابها. لكن الجسد ما هو إلاّ قالبٌ لهذه النفس، وعاءٌ يحتويها، ثيابٌ ترتديها فالنفس من خلال الجسد ترى، والنفس من خلال الجسد تسمع، والنفس من خلال الجسد تتحرك، وقد تبطش، وقد تحسن، فما الجسد إلا وعاءٌ أو قالبٌ لهذه النفس. والروح هي القوة المحركة، فلولا الروح لما رأى الإنسان بعينه، ولا سمع بأذنه، ولا تقلصت عضلاته، ولا عملت أجهزته. إذاً من باب التقريب والتوضيح، القوة المحركة للأجهزة الكهربائية هي الكهرباء، فإذا قطعت الكهرباء عن هذا الجهاز توقف. فصار الآن واضحًا أنّ النفس هي الأصل، هي ذات الإنسان، هي التي تسعد، هي التي تشقى، هي التي ترقى، هي التي تسمو، هي التي تخلد، هي الباقية، هي الخالدة، تذوق الموت ولا تموت. والجسد بمثابة ثيابٍ خلعتها. والروح قوةٌ محركةٌ لهذا الجسد، فإذا انتهى أجل الإنسان، توقف الإمداد الروحي، فتعطل الجسد فخلعته النفس، فصعدت النفس إلى باريها. ربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني إذا اعتنيت بالجسد، فالجسد فانٍ، اعتنيت، أكلت أطيب الأكل، وتمتعت بأجمل المناظر، وسكنت في أجمل البيوت، واقترنت بأجمل النساء، هذا الجسد مؤدَّاه إلى التراب، فكل عنايتك وكل طاقتك، وكل رعايتك لهذا الجسد خسارة، لأنه سينتهي إلى القبر، وإلى الفناء. الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ اعتنِ بنفسك لأنها باقية، لأنها خالدة، لأنها في جنةٍ، أو في نار، لذلك يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ ( سورة الشعراء: 88 ـ 89 ) يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: " تعَاهَدْ قلبك ". أمراض الجسد أيها الإخوة مهما تفاقمت تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، أمراض الجسد مهما كانت عضالة أو خطيرة، مرض خبيث فإذا مات الجسد انتهى أثرُ المرض، والموت يُنهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وصحة الصحيح، ومرض المريض، وغنى الغني، وفقر الفقير، الموت ينهي كل شيءٍ، فأي عناية وأي جهدٍ منصَبٍّ على هذا الجسد فهو خسارة. يعني مثلاً إنسان ساكن في بيت أجرة، ومالكُ البيت بأية لحظة - حسب الأنظمة - بإمكانه أن يطرد المستأجر إلى خارج البيت، وهذا المستأجر له دخل كبير، هل من الحكمة أن ينفق هذا الدخل الكبير في تزيين هذا البيت، والعناية به، وطلائه، وتزيين سقفه، وبأي لحظة يخسر البيت، لكن العقل أن تزيِّن بيتك الأبدي، البيت النهائي. فربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني هذه النفس، هناك أربع آيات في القرآن. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ (سورة الشمس: 9 ) ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾ ( سورة المؤمنون: 1 ) الفلاح كل الفلاح، والتفوق كل التفوق، والفوز كل الفوز والنجاح كل النجاح، والذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، بأن تعتني بنفسك، أن تُعرفها بربك، أن تحملها على طاعة الله، لأنه إذا جاء الموت، وأصبح الجسد جثة هامدة، بعد حين تتفسخ، والروح انقطع إمدادها، بقيت هذه النفس التي هي أنت، إما أن تسعد لتزكيتها، وإما أن تشقى لفسادها. فالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني الزموا أنفسكم، طهروا أنفسكم، زكُّوا أنفسكم، عِّرفوا أنفسكم بربها، احملوها على طاعته، عرِّفوها كتاب الله، عرِّفوها سنة رسوله، احملوها على العمل الصالح، لتعرف حقيقتها جوهرها، موقعها، أين كانت ؟ ماذا تفعل هنا ؟ ماذا بعد الموت ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ عليكم اسم فعل أمر بمعنى الزم، يعني انتبه لنفسك، هي الأصل، يعني المرض بالجسم ينتهي عند الموت، لكن مرض النفس يبدأ عند الموت. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ تتمة الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ من إعجاز القرآن الكريم، أن بعض آياته لها عدة معانٍ في وقت واحد. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لا تقل: يا أخي الناس هكذا يفعلون، أنا مع الناس، هذا هو الإمعة، الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، وكل إنسان يحتجُّ بالتيار العام، يحتجُّ بقوله: الناس كلهم هكذا، هكذا يكون كسب المال، والتجارة هكذا كما يتاجر الناس، إذا ما غششنا لا نعيش، عندنا أولاد، هذا الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، هذا إمعة، وطِّنْ نفسك على أن الناس لو أساءوا جميعاً، عليك أن تحسن. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني إذا اهتدى إنسان إلى الله، وعرف الحق ينبغي ألاّ يقلد الناس، الناس في ضلال، في بُعد، في غفلة، في جهل. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ( سورة الأنعام: 116 ) ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾ ( سورة سبأ: 13 ) هكذا الآيات: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إذا عرفت الحق، لو أن الأكثرية كانت مع الباطل، الأكثرية مع أكلِ الربا، الأكثرية مع الاختلاط، الأكثرية مع إطلاق البصر الأكثرية مع كسب المال الحرام، الأكثرية مع التفلت من الدين، الأكثرية مع الانغماس في الشهوات، أنت عليك نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، وهناك معنى آخر للآية، يعني أنت إذا لزمت نفسك وزكيتها، وطهرتها وحملتها على طاعة الله، عندئذٍ لا تستحق المعالجة من الله، عندئذٍ هؤلاء الذين ضلوا لا يستطيعون أن يصلوا إليك. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ إذا عُرِف عن الإنسان أنّه مقصر، ومرتكب معاصٍ، وآكل حقوق، معتدٍ على أعراض، مقصّر في واجبات، هؤلاء الضلال أقوياء غالباً، فسيصلون إليه ويؤدبونه، وينالون منه، أما أنت ؛ إذا عرفت الله، وحملت نفسك على طاعته فلا يستطيع هذا الضال أن يضرك. ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لذلك ورد في أحد الأحاديث الصحيحة، أن إذا رأيت شُحاً مُطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فالزم بيتك، وامسك لسانك، وخذ ما تعرف، و دع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة. ففي القرآن الكريم إعجاز، يتماشى مع كل العصور، ففي عصر النفاق، والفجور، والضلال، في عصر الفتن، في عصر الضلالات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ عليك مِن نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، أو عليك نفسك، يعني الزم نفسك، عرفها بربها، عرفها بمنهج ربها، احملها على طاعته، زكِّها كي تسمو بها، إن كنت كذلك فلا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يؤذيك. فصارت الآية، إذا كنت في زمنٍ صعبٍ، في زمن القابض على دينه كالقابض على جمر، في زمن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفًا، في زمن يُؤمر فيهُ بالمنكر وينهى عن المعروف، في زمن يُكَذَّب الصادق، ويُصَدَّق الكاذب، يُؤتمن الخائن ويُؤمَّن الخائن. في هذا الزمن الصعب. ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني لا تحمل همَّ الناس، أنت في زمن صعب فعليك مِن نفسك، عِّرف نفسك بربها، واحملها على طاعته، لا يضرك من ضل، لو أن الناس جميعاً ضلوا، لهم رب يحاسبهم، هذا معنى. المعنى الثاني عليك نفسك، يعني الزمها، اعتنِ بها، عرفها، احرص على إيمانها، احرص على طاعتها، فإذا سمت نفسك وزكت، عندئذٍ لا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن يتسلط عليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يضيق عليك، أو أن يفعل معك شيئاً يضرك، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾ ( سورة النساء: 141 ) مستحيل. فهذه الآية أيها الإخوة لك أن تفهمها على أي وجه، وكلا الوجهين صحيح، وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: القرآن حمال أوجه. ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي انتبه لنفسك، وعليك من نفسك، ودع عنك أمر العامة، إذا كنت في زمن الفساد والضلال والفتن والانحراف والفجور والمعصية. والمعنى الثاني، عليك نفسك أي الزمها، واعتنِ بها، عرِّفها، زكِّها، ارقَ بها، فإذا كانت في هذا المستوى الرفيع عندئذٍ لا يستطيع أحد أن يصل إليك، فأنت في حفظ الله. إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك *** أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان ليس بحكيم إذا لم يدارِ مَن لا بد مِن مدراته، فهو مخطئٌ إذًا، يعني لك أخ، لك جار مخلص، لك ابن، لك صهر، هذه خاصة نفسك، لكن أنْ تمسك امرأة سافرة في الطريق، ثم تقول: أنتِ فاسقة، أنتِ فاجرة، فلا تقل ذلك، فيكفيك الإنكارُ بقلبك، وهذا معنى الآية. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني إذا كان الإنسان بإمكانه أن ينكر المنكر بقلبه، فلينكره بقلبه، طبعاً إذا كان لا يستطيع أن ينكره بلسانه. الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بلسانك، كما أنه لا يقبل منك أن تنكره بلسانك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بيدك، فإذا رأى الإنسان منكرًا، وليس بإمكانه أن يصلحه فليقل: اللهم هذا منكر لا أرضى به، ولا أقوى على تغييره. إذاً الآية الكريمة: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الزموا أنفسكم. فلماذا إنْ شعَر الواحدُ بذبابةٍ أمام عينه تمشي مع حركة عينه فلا ينام الليل، ثم يراجع طبيب عيون، فحدَّد بله موعدًا بعد ستة أشهر، يقول: أنتظر فهذه عين ليس معها لعب، فلماذا أنت حريص حرصاً لا حدود له على عينك ؟ ولست حريصاً على قلبك. لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: ((أن يا عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟)) تريد مدخل البناية أنيقًا، أخي المدخل غير لائق، ولعله يصادفنا فرح تريد مدخلاً أنيقًا، بيتًا مرتبًا، غرفة ضيوف، غرفة صالون، غرفة طعام، دهان جديد، ورق أحياناً، جبصين. طهرت منظر الخلق، بيتك، ومركبتك، ولبسك، وأناقتك هذا منظر الخلق. (( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟)) ما هو منظر الله ؟ القلب لأن الله ينظر إلى قلوبكم، إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فصار القلب منظر الرب. فيا عبدي، عتاب: (( طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟)) أتستحيي من ضيف يدخل بيتك غرفة الضيوف، عندما تكون الغرفة غير منتظمة، أو فيها حاجات مبعثرة، أتستحيي من ضيف أن يرى الغرفة على هذا الشكل ؟ ولا تستحيي من الله أن يرى في قلبك غلاً للمؤمنين، أو حسداً، أو كبراً، أمراضًا وبيلة. إذاً: (( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟)) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنامحمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الإسراء: 82 ) وفي آية أخرى وصف الله كتابه الكريم بأنه شفاء لما في الصدور. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) ﴾ ( سورة يونس: 57 ) معنى هاتين الآيتين، أن الإنسان في الحياة الدنيا، قد يقف أمام ظاهرة محيرة فمثلاً: لو أن امرء ذهب إلى بلاد الغرب، لرأى بلاداً جميلة وأمطاراً غزيرة وأبنية شاهقة وحدائق غناء ودخلاً مرتفعاً، ورأى كل وسائل الرفاء متوافر لدى أي إنسان، ورأى مع ذلك انحرافا خطيراً، زنى، شذوذ، مخدرات، تبادل زوجات، زنى محارم، وهم أقوى وهم الأقوياء، والأغنياء، والمسيطرون على العالم كله، ينشئ عنده سؤال يا رب ؟ ما بال هؤلاء يزدادون قوة وسيطرة واستبدادا للشعوب وهم في أحط دركات الفسق والفجور، أين الله ؟ إذا نشأ هذا التساؤل، هذه مشكلة، قد يختل لها توازن المؤمن، كيف أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، دققوا في هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام الآية الثانية والأربعين قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ فلما نسوا ما ذكروا به، وذكرناهم و ذكرناهم تارة بالبأساء وتارة بالضراء وتارة بالخوف، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ، ليس باباً واحداً، ولكن أبواباً، وليس شيئاً واحداً، ولكن أبواب كل شئ، هل من آية أكثر شمولاً واتساعا من هاتين الكلمتين. يعني... الغنى مع البلاد الخضراء، مع الأمطار الغزيرة، مع الدخل المرتفع، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هذا كلام رب العالمين: ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ المؤمن أحياناً يختل توازنه حينما يرى كافراً فاجراً فاسقاً منحلاً قوياً مسيطراً ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾ (سورة آل عمران: 196 - 197 ) في آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾ ( سورة الفجر: 15 ) هذه مقولته، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ ( سورة الفجر ) يقول الله عز وجل، ﴿كَلَّا﴾ (سورة الفجر: 17 ) كلا أداة نفي وردع، يعني هذا ليس صحيحاً، هذه مقولتكم هذا وهمكم هذا ظنكم، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عبداً مالاً أو جاهاً أو قوة أو ذكاء أو وسامة، هذه لا قيمة لها، هذا العطاء موقوف على نوع استعماله، فإذا أنفق ماله في طاعة الله، انقلب المال إلى نعمة، وإذا أنفق قوته في نصرة المظلوم، انقلبت القوة إلى نعمة وإذا أنفق ذكائه في الدعوة إلى الله، انقلب ذكائه إلى نعمة، أما إذا أنفق ماله فيما لا يرضي الله صار المال نقمة ليس نعمة، إذا أنفق جاهه فيما يغضب الله صار الجاه نقمة لا نعمة، إذا أعمل فكره اللماح فيما لا يرضي الله، صار هذا الذكاء وبالاً على صاحبه. فالنعمة الحقيقة، هي النعمة التي تنفق فيما ترضي الله. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾ ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ( سورة آل عمران: 196 - 197 ـ 198 ) قارون حينما خرج على قومه في زينته: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾ (سورة القصص: 79 ـ 80 ) فأنت أمام مظاهر البذخ والغنى والقوة والسيطرة، أنت كمؤمن ممتحن قد يختل التوازن إذا رأيت أن هذا يزداد قوة ومناعة وسيطرة وهو في أحط الأحوال في الوحول، فلئلا يختل توازنك تأتي هذه الآيات ليطمئنك. البطولة أن تكون على منهج الله كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)﴾ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾ ( سورة آإبراهيم: 42 ) فالإنسان كلما رأى مظاهر القوة، مظاهر الغنى، يتمتع بها إنسان، بعيد عن الدين، غارق بالمعاصي والشهوات، لا ينبغي أن يختل التوازن، يقول ما بال هؤلاء المؤمنين، فقراء مستضعفين. الغنى والفقر بعد العرض على الله. الإنسان كلما كان إيمانه قوياً يزداد ثقة بوعد الله. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾ ( سورة القصص: 61 ) هذه الآيات أسوقها لكم، كي يزداد المؤمن ثقة بربه، لأن الله سبحانه وتعالى إذا رضي عنك فأنت أقوى الناس، وأنت أغنى الناس، وأنت أسعد الناس، أنت المتفوق، وأنت الفائز، وأنت الرابح، وأنت الناجح وأنت الفالح، وأنت الذكي، وأنت العاقل. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾ ( سورة الأحزاب: 71 ) يعني... لما المؤمن يكون على منهج الله تماماً، ويرى أحداً فاقه في الدنيا إذا شعر بالحرمان، فو الله الذي لا إله إلا هو هذا ضعف كبير في إيمانه، من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، أتاك الله القرآن، أتاك الله الحكمة، جعلك على صراط مستقيم، جعلك في خدمة الخلق، ألا يكفي الإنسان أن يقيَم نفسه وفق هذه القاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك ما دورك في الحياة، هناك أعمال مربحة جداً، قائمة على أخذ ما في أيدي الناس، أو على إيذاء الناس، أو على تخويف الناس، هذه الأعمال لو درت عليك ألوف الملايين، لا تعبأ بها، اجعلها تحت قدمك، ابحث عن رزق حلال، ابحث عن رزق يرضي الله عز وجل ابحث عن خدمة للخلق، لأن هذه الدنيا زائلة، فهذا شيء أساسي في الدين، إذا رأيت إنساناً قوياً، مسيطراً، يزداد قوة ومناعة، وهو في أحط الدركات، في الوحول، في المعاصي، في الأثام، في الكفر، في الفسق، في الفجور، لا ينبغي أن تقول هذا الله أعطاه، الله ما أعطاه شيئاً، هذا ليس عطاء، العطاء ؟! إذا أعطاك الله حظ من حظوظ الدنيا فتستهلكه فيما يرضي الله، هذا هو العطاء. لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله علماً فهو يعلمه للناس، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في طاعة الله، هؤلاء الشخصين لك أن تغبطهما، أما أن تغبط غنياً على غناه، سوف تسأل عن كل درهم كيف اكتسبته وكيف أنفقته. يحشر الأغنياء أربعة فرق يوم القيامة... فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، هذا حسابه سريع جداً، يقال خذوه إلى النار. فريق جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال، أشترى بيت وأزوج يقال خذوه إلى النار، فيه فقرة حرام لأنه. فريق جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام، على النوادي الليلية، فيقال خذوه إلى النار. جمعه من حرام وأنفقه في حرام إلى النار. جمعه من حلال وأنفقه في حرام إلى النار. جمعه من حرام وأنفقه في حلال إلى النار. وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، قال هذا حاسبوه، هذا قفوة فاسألوه، هل تاه بماله على عباد الله، هل نسيَ فرضاً أو واجباً، هل قال جيرانه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا. يقول عليه الصلاة والسلام: ((فما زال يسأل ويسأل، تركهم يسألونه، وأمامه حساب طويل، حتى ما من ميت إلا وروحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعية عليَ.)) فيا أيها الأخوة الكرام: العبرة أن تكون في طاعة الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13 ) العبرة أن تكون على منهج الله، العبرة أن تكون فيما يرضي الله. الإمام الجنيد سئل من هو الولي ؟! أهو الذي يطير في الهواء، قال: لا، قالوا أهو الذي يمشي على سطح الماء قال: لا، قال الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، البطولة أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا الولي. فالإنسان أيام يتألم لخلل مقايسه، إذا مقايسه فيها خلل يتألم، أما إذا كانت مقايسه طاعة الله عز وجل، وأن الآخرة هي الدار الحقيقية، وأن الجنة هي المغنم الكبير، وأن الله سبحانه وتعالى سميع بصير، وعليم بأحوال عبده. لذلك يقول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾ ( سورة الشعراء: 213 ـ 214 ـ 215 ـ 216 ـ 217 ـ 218 ـ 219 ـ 220 ) والحمد لله رب العالمين بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: قد يسأل أحد هذا السؤال، لماذا يعصي المسلم ربه ؟ مع أن الأوامر معروفة، الحلال بين، والحرام بين، ولا جهل في بلد الإسلام، ما من مسلم إلا ويحضر ميئات الخطب، فالحلال بين، والحرام بين، فلماذا يعصي المسلم ربه ؟ أغلب الظن أن الإنسان حينما لا يعرف الله عز وجل، و يعرف أمره لا يطبق أمره. فهناك فرق كبير بين معرفة الله، ومعرفة أمره... معرفة الأمر يحتاج إلى مدارسة، أي إنسان في رأسه عقل يقرأ كتب الفقه، فيعرف أن هذا حلال وهذا حرام، وهذا واجب، وهذا مباح، وهذا مكروه، وهذا مندوب، وهذا مكروه كراهة تحريمية، وذاك مكروه كراهة تنزيهية. لكن لماذا لا يطبق المسلم أمر الله عز وجل ؟ لأنه في حياته نقص في عبادة فريدة قلما يلتفتوا المسلمون إليها، إنها عبادة التفكر. هو يعرف الأمر ولا يعرف الآمر، يعرف الحكم الشرعي، ولا يعرف الذي أنزل هذا الحكم الشرعي. إليكم هذه القصة من سورة الأنعام، تبين عبادة التفكر، وقبل أن نمهد لهذه القصة، لو أن جندياً في قطعة عسكرية تلقى أمراً من عريف سبعة، قد لا يعبأ بهذا الأمر، كلما علت الرتبة اهتم بالأمر. فحينما لا تهتم بأمر الله، فهذا دليل أنك لا تعرفه، عليك أن تتعرف إلى الله، فإذا عرفت عظمة الله عز وجل، وعرفت ما عنده من إكرام إذا أطعته، وعرفت ما عنده من عقاب إذا عصيته، عندئذٍ تبادر إلى أمره، إذاً قيمة الأمر من قيمة الآمر. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ سيدنا إبراهيم نظر إلى هذه الأصنام، أيعقل أن أنحت حجراً بيدي وأنزع الأزميل عن رأسه ثم أقف بين يده متأدباً ! في بعض القبائل كانت تعبد رباً من تمر، فلما جاعت أكلته، فقالوا أكلت ودٌ ربها، بعضهم رأى ثعباناً يبول على رأس صنم، قال: أربٌ يبول الثعلبان برأسه قد ضل من بالت عليه الثعالب *** سيدنا إبراهيم، قطعة حجر منحوته نعبدها: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾ يعني أن الإنسان، إذا طلب الحقيقة صادقاً أراه الله إياها، إذا طلبت الحقيقة بصدق أراك الله إياها. قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ كوكب متألق.﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ معقول صنم من حجر، نحته الإنسان يعبده من دون الله. فلما: ﴿رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾ مادام هذا النجم أفل، من يرع الكون في غيبته؟ إذاً ليس رباً. ما معنى ذلك ؟ هناك نشاط فكري، هناك سؤال، طرح فرضية امتحان فرضية. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أكبر هذا. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ شعر أن هذا كله يأفل ويذهب، هذا كله مخلوقات. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾ هذه المحاكمة الفكرية، ينبغي أن يجريها المسلم، ينبغي أن يبني إيمانه على النظر، وعلى بحث، وعلى درس، وعلى سؤال، وعلى جواب، وعلى تفكر. لأنه كلما عرفت الآمر، انطلقت إلى تنفيذ أمره، وكلما ضعفت قيمة الآمر عندك، حاولت أن تتفلت من أمره. يقول الله عز وجل: على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ هؤلاء الأصنام الأقوياء الأشرار، هؤلاء لا أخافهم: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ هذه القوى الشريرة، هذه لو سمح الله لها تصل إليك، هذا موقف المسلم، قد يجد إنسان شرير، إنسان مخيف، نام في البرية في أفعى، في عقرب، في حيوانات مفترسة، في أمراض وبيلة، في جراثيم، في فيروسات، الحياة كلها أخطار، هذه الأخطار بيد الله لأن الله عز وجل يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾ ( سورة الزمر:62) بيده الخلق والأمر قال: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ إلا إذا أذن الله أن يصل هؤلاء إليَ. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾ إخوانا الكرام: نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، وهذه النعمة لا يعرفها إلا المؤمن حصراً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، جاء الجواب، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. إذا أردت أن تنعم بنعمة الأمن، وهذه النعمة والله يفتقر إليها الأقوياء والأغنياء والأثرياء والمتسلطون والجبابرة لأن الله عز وجل يقول: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ ( سورة آل عمران: 151 ) لمجرد أن تشرك يقذف الله في قلب الإنسان الرعب.﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾ ( سورة الشعراء: 231 ) إذاً نعمة الأمن، الأمن بالمناسبة ليس ألا تقع مصيبة، لا ! هذه السلامة، هذه السلامة، نعمة الأمن ألا تتوقع المصيبة، وفرق كبير بين عدم وقوع مصيبة وبين عدم توقعها، لأنك من خوف الفقر في فقر وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها وهذا الذي يخاف المرض الخبيث والأزمة القلبية، الآن في أمراض قلب سببها، قد تستغربون، أمراض قلب وبيلة، سببها الخوف من أمراض القلب، الخوف من أمراض القلب يسبب مرضاً في القلب، قلق، هناك أمراض خبيثة، سببها الخوف من الأمراض الخبيثة، الخوف والقلق يضعف جهاز المناعة لدى الإنسان، وإذا ضعف جهاز المناعة نمى، نمت الخلايا نمواً عشواقياً فكان المرض الخبيث. لذلك نعمة الأمن أعظم نعمة يتمتع بها المؤمن، أمره كله بيد الله، والله يرى ويسمع وقدير وعليم وغني وعادل ورحيم وقدير ولطيف لا يحتاج إلى قسم ولا إلى بيان ولا إلى وثيقة ولا إلى شهود هو يعلم. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31)﴾ (سورة الفرقان: 31) ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (سورة آل عمران: 173) يقول الله عز وجل:﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾ جاء الجواب:﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ إخوانا الكرام: ربنا عز وجل تعامله مع الناس واضح جداً، أتريد نعمة الأمن، عال، ثمنها واضح، ثمنها أن تؤمن وأن لا تظلم، لا زوجة، ولا ولد ولا جار، ولا زبون أبداً، كن منصفاً في كل شيء، إياك أن تظلم، آمن ولا تظلم، تنال نعمة الأمن. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ هذه الآيات، الإنسان لابد له من تفكراً في خلق السماوات والأرض، لابد له من وقفت من حين إلى آخر، قد تكون هذه الوقفة بعد صلاة الفجر، في ساعة تأمل، في وقت فراغ، بتركب سيارة، جالس بالبيت وحدك، فكر في نعمة الطعام والشراب، نعمة الأمن، نعمة الأولاد، في هذه العين، في هذا اللسان، في هذا الشعر، كلما تفكرت في ملكوت السماوات والأرض ازداد حجم معرفتك بالله، وكلما ازداد حجم معرفتك بالله، ازدادت خشيتك له. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ( سورة فاطر: 28 ) أريتم أيها الأخوة لماذا يعصي المسلم ربه ؟ لأنه يعرف الأمر، ولا يعرف الآمر، لأنه فكر في الحكم الشرعي ولم يفكر في ملكوت السماوات والأرض. إذاً في هذه الآيات من سورة الأنعام والتي تبدأ بالآية الرابعة والسبعين، في هذه الآيات إشارة إلى عبادة التفكر التي هي من دون شك أرقى العبادات. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾ (سورة القدر: 2 ـ 3 ) يعني ألف شهر ثمانين عام، ثمانون عاماً تعبد الله صائماً ومصلياً، قائماً، منفقاً، حاجاً، معتمراً، لحظة تفكر في ملكوت السماوات والأرض يزداد حجم معرفتك بالله عز وجل، هذه اللحظة خير من ألف شهر. قال تعالى:﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ (سورة الزمر: 67 ) لما الإنسان بكون جندي أمام لواء، يقول له ازحاف عالزاي بكون انبطح، عالزاي، قبل أن تأتي الحروف البقية، أما إذا قال له عريف ما برد عليه. هي القاعدة قيمة الأمر من قيمة الآمر. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فالإنسان يشرب كأس ماء يفكر فيه، أكل رغيف خبز يفكر فيه، كأس حليب يفكر فيه، أو ابنه أمامه، يعرف أنه كان نقطة ماء ـ ثلاث مائة مليون حوين يقذفها الرجل باللقاء الزوجي من حوين واحد مع بويضة واحدة، مع عشر آلاف انقسام بالطريق إلى الرحم، ثم تغرز هذه البويضة بالرحم، ويتشكل الدماغ والعمود الفقري واللحم كيف صار هذا الطفل ؟ يأكل، ويشرب، ويبكي ويضحك ويتثاءب ويعطس، ويطلب، ويتكلم. ابنك آية من الآيات الله الدالة على عظمة الله، ما بتعرف شوفي بجسمك، أخونا القصاب عنده اللحم، الله جعل الخروف مثل الإنسان شوف الكبد، شوف الكليتين، شوف المسالقة، شوف الأمعاء العضلات العظام، الأربطة، إذا واحد وقف عند قصاب، بيعرف كل شي عن جسم الإنسان، لحكمة بالغة جعل طعامك اليومي من حيوان مشكل وفق تشكيل الإنسان، في جمجمة، في دماغ، في أعصاب، في أورده، وفي شرايين، وفي قلب. أنا مرة ابني جاب قلب للبيت، قلب خروف، قبل أن نأكله، شرحناه هذا الدسام، الأوردة، البطين، الأذين، شيء عظيم جداً. فكل معرفتك بالله ازدادت، تزداد الخشية. فآيات اليوم دعوة للتفكر في خلق السماوات والأرض، ليزداد حجم معرفتك بالله، وبالتالي لتزداد حشيتك له. والشيء الثاني الأمن أعظم نعمة على الإطلاق، ثمنها الإيمان وعدم الظلم، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، والأمن ليس عدم وقوع المصيبة، بل هو عدم توقع المصيبة. والحمد لله رب العالمين بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء الثالث لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: الآية الحادية عشر بعد المائة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) ﴾ القرآن الكريم: أيها الأخوة، معظم آياته محكمة، معنى محكمة يعني واضحة، لا تحتاج إلى تفسير، يفهمها كل من ينطق بالعربية، مثلاً إن الله يحب الصادقين، فسر، كالشمس في رابعة النهار. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36)﴾ (سورة النساء:36) ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103)﴾ (سورة النساء: 103 ) أكثر آيات القرآن الكريم، محكمة، بل إن معظم الآيات الكريمة المتعلقة بالفرائض، وأصول الشريعة، محكمة. لكن بعض الآيات متشابهة، معنى متشابهة تحتاج إلى تأويل. أما التأويل سأوضحه لكم، بقصة تروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يروى أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عند سيدنا عمر رضي الله عنه، فقال والله يا أمير المؤمنين: إني أصلي بغير وضوء، وأفر من رحمة الله، وأكره اليقين، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، هذه كلها كلمات كفر. سيدنا علي رضي الله عنه، أوتي فهماً دقيقاً. قال يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليه، إنه يصلي على النبي بغير وضوء، ويفر من المطر، وهي رحمة السماء، ويكره اليقين وهو الموت ليزداد عمله الصالح، وله زوجة وولد ما ليس لله في السماء. فأحياناً النص يحتاج إلى تأويل، التأويل غير التفسير، إذا ورد في النص شيء غير معقول، لابد من تأويله، حتى يتوافق مع المعقول. بعض الآيات متشابهة، الإنسان ماله حق يرفض المعنى، أو المعنى يجعله ارتباك، أو افتراض، أو سوء ظن بالله، ربنا عز وجل قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (سورة يونس: 39 ) لو جاء تأويله لما كذبوا به، في آية أخرى. يقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾ (سورة الأنبياء:7 ) في آية ثانية، ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59) ﴾ (سورة الفرقان: 59 ) هذه الآية لعلها من المتشابهات. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ نزل سيدنا جبريل، مو لسيدنا محمد لكل مؤمن، قال له أنا جبريل: وأنا جئتك من عند الله، والجنة حق والنار حق، وإلخ... لو أن أحدنا لقى سيدنا جبريل، وسمع من فمه أن هذا القرآن حق وأن الجنة حق، وأن النار حق. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ بعد ما دفنا فلان، طرق الباب جاء بذاته، أنا كنت بالجنة وراجع أو كنت بجهنم وراجع، انتبهوا في أوضح من هذا دلالة، يعني ميت يرجع يحكي لنا شو صار معه. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ المعجزات، النبي الكريم قال للجبال: تنحي بعيداً راحت الجبال، ممكن ! الله على كل شيء قدير. لكن مع كل هذه المعجزات قال: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني هل يفهم من هذا أن الله سبحانه وتعالى ما شاء لهم الهداية طيب لماذا خلقهم إذاً ؟ ألم يقل الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (سورة هود: 119 ) ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (سورة الذاريات: 56) هذه الآية أيها الأخوة: دقيقة جداً، يعني الإنسان إذا طلب الهدى بخرق العادات فهو واهم، الكون بحد ذاته بوضعه الراهن بدون أن تخرق عاداته أكبر معجزة، ابنك أليس معجزة، باللقاء الزوجي ثلاثمائة مليون حوين وفي قول خمسمائة مليون، والبويضة تحتاج إلى حوين واحد، فيه رأس، وعنق، وذيل، ومادة نبيلة مغطاة بغشاء رقيق فإذا وصل هذا الحوين القوي إلى البويضة وأرتطم بها تمزق الغشاء فساهم هذا السائل النبيل بحفر جدار البويضة ليدخل هذا الحوين وهذا الحوين فيه خمسة آلاف مليون معلومة، الواحد، والبويضة فيها خمسة آلاف معلومة، وبيتحدوا وينقسموا عشرة آلاف قسم، والبويضة في طريقها إلى الرحم، دون أن يزداد الحجم، لئلا تتعرقل الحركة، ثم تغرس هذه البويضة في جدار الرحم، وتأتي الأغذية، وبعد تسعة أشهر طفل، دماغ، أعصاب، أعصاب العين تسعمائة ألف عصب إذاً الإنسان مسك جمجمة، بلاقي فيها ثقب، هذا الثقب هو عرض أو قطر العصب البصري، تسعمائة عصب، لكل عصب ثلاث أغماد أغلفة، قطر هذه الأعصاب كلها واحد ميلي ونصف، أليس هذا معجزة خلق الإنسان معجزة، طعامه معجزة، والنبات مو معجزة ؟ يعني النبات هي الروشين كائن حي، روشين، سويق وجذير ومحفظة غذاء على الرطوبة ينموا، هذه البزرة تشكل شجرة، والشجرة ثمار وكل ثمرة فيها ملايين البزور، أليست هذه معجزة ؟ النبات أليس معجزة ؟ بدك ليفة نبات، بدك خلة نبات، بدك مسواك نبات، أسبغة نبات، بدك خشب أساس نبات، بدك تآكل نبات، بدك كوشك نبات، بدك فلين نبات. الله قال: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام: 99 ) فلما الإنسان يتعامى عن هذه الآيات الصارخة الدالة على عظمة الله، ويطلب خرق للقوانين، بدو الملك يحاكي بريد الميت يحاكي. قال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله. يعني أوضح مثل، لو تقرأ كل المجلات الطبية، طبيبك، إلى آخره ما بتصير طبيب، لو بتعمل كل ثلاثاء سهرة مع خمس أطباء، ما بتصير طبيب، ممكن تعمل ألف قضية لها علاقة بالطب، بس ما بتصير طبيب، إلا أن تدخل كلية الطب، بمجموع عالي بتعمل خمس سنوات أو سبع سنوات، بتعمل اختصاص، الآن بتصير طبيب، بتقرأ مجلات طبية بتم غير طبيب، بتسهر مع أطباء، بدك خرق عادات بدك كرامات، بدك الملائكة يحكو لك، بدك ميت يحاكيك. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله. الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ (سورة الأنعام: 190 ـ 191 ) بتفكر بالكون كما أمرك الله، تدبر القرآن كما أمرك الله، تنظر في أفعال الله في الحوادث كما أمرك الله، تتعلم منهج الله عز وجل تطبقه، هذا هو الطريق الذي رسمه الله لك. أما بدك كرامات، بدك خزعبلات، بدك شطحات، بتريد يعني خرق للعادات، هذه كلها لا تجعلك مؤمناً، ولن تؤمن بها، إن لم تؤمن بالكون بوضعه الراهن المعجز، لا تؤمن بخرق القوانين. بالله عليكم ثمود ألم يروا الجبل قد شق وخرجت منه الناقة، ومع ذلك عقروها. طيب بنو إسرائيل ألم يروا موسى علية السلام، ضرب بعصاه البحر فإذا هو طريق سالك، وساروا فيه، وتبعهم فرعون وعاد البحر بحراً بعد أن خرجوا منه، فلما رأوا أناس يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، خرق هذه العادة أثر فيهم ما أثر فيهم شي. طيب قوم إبراهيم ألم يروا أن النار لم تحرقه، الله أطلعنا عشرات المعجزات الخارقة وقعت ولم يؤمن بها أصحابها، لأن الإنسان إذا ما آمن بالكون بوضعه الراهن لن يؤمن بخرق قوانينه. النقطة دقيقة كون علمي، يعني، لا تكون طوبائي، لا تكون حالم، لا تكون خيالي لا تشوف الدين كرامات، أعظم كرامة كرامة العلم، إذا الله علمك هذه أعظم كرامة. بتلاقي بيتعلقوا الناس، أنه فلان يعني فات للمحل قاموا الزبائن كثروا فات واحد فقسة البيعة، تفقس البيعة ما لها علاقة، النبي هكذا علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي ابنه إبراهيم، يعني الله عز وجل أراد أن يكون ذلك، الشمس كسفت، فأصحاب النبي قالوا إنما كسفت لموته، شوف البساطة شوف الفكر العلمي، شوف الوضوح. قال: إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه مالها علاقة، فالإيمان علم. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ( سورة فاطر: 28 ) لا تطلب الكرمات، ولا خرق العادات، ولا الشطحات، تتعلق بأشياء موهومة. قال لي مرة واحد، قال لي فلان ولي عظيم، قلت له أنعم وأكرم، قال لي بالحج ما طاف حول الكعبة، لكن ماذا أفعل، قال هي طافت حوله ما شاء الله، شي يطير العقل. واحد ثاني تلميذ لعالم صوفي، والله أنا أقطاب الصوفين أنا أحترمهم وأجلهم والله، لكن في بعدين صار في دجل كبير، له تلميذ جاء شخص قريب للتلميذ يتفقده، قال له وين فلان في ماء بالأرض من شدة حبه لهذا وذاك، هي صفي شوية مي بالأرض، كأس ماء، هذا هو فلان، فلان ثمانين كيلو وزنه هذا هو، فلان، هذه وارده في كتب التصوف لا تتعلق بالأوهام، بالخرافات، والشطحات، والطوبائيات، والمنامات وخرق العادات. ﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله، أوضح مثل تبع الطب بتقرأ كل مجلات الطب، بتسكن جنب مستشفى، بتصاحب الأطباء بتعيش بأجواء الأطباء، لا تكون طبيباً، إلا أن تسلك الطريق التي رسمتها الدولة لتكون طبيباً مثلاً يعني. كذلك الله عز وجل قال لك: لا تعرفني ألا بهذه الطريقة، الكون يدل عليّ وهذا كلامي، وهذه أفعالي، لك أن تعرفني من خلال خلقي ومن خلال كلامي، ومن خلال أفعالي، وهذا منهجي طبقه فأنت ولي. كثير عند الناس كلمة ولي مهزوزة، الله عز وجل عرف الولي، غريب، معقول إنسان يترك تعريف الله، ويلحق تعريفات معقدة. الله عز وجل قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ( سورة يونس: 62 ـ 63 ) فكل إنسان تعرف إلى الله، وطبق أمره فهو ولي. ويمكن تشوف واحد لابس قميص وبنطلون، بس صادق ما بيكذب مستقيم في بيعه وشرائه هذا ولي، قد تجد امرأة في بيتها ترعى زوجها ترعى حق أولادها، محجبة مهتمة في شؤون بيتها، لاتفوتها صلاة، هذه وليه هذه، ليس شرط الولي يكون ثيابه مبتذلة، وطرف قصور عقلي ليكون ولي، بالعكس. المؤمن كيس، فطن، حذر، المؤمن شخصية فذة يعني تشده بعقله عقله راجح، وبأخلاقه وبأذواقه، مذوق. أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس. كان عليه الصلاة والسلام، إذا مشى يعرف بريح المسك، بيتعطر بيتنظف، شعره مرجل، ثيابه أنيقة، نظيفة، هذا المؤمن، المؤمن سفير الإسلام، في دولة بتختار سفير عفش ! عفايشي، يعني أنيق ومثقف، بعض الدول ثلاث شهادات بكون معه، علوم، وآداب وحقوق، ثلاث ليسانسات، ليصير سفير، وكمان شروط إقامته وذكائه، وسرعت بديهته، بوسامته، بأناقته، لكن، عما يمثل دولة. والمسلم يمثل الدين. لذلك أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلي. إذاً الإيمان يتم، بتفكر في خلق السماوات والأرض، دون أن تخرق العادات، يتم بمعرفة منهج الله، يتم في فهم القرآن، يتم في النظر في أفعال الله. فأنت إذا عرفت الله وطبقت منهجه، فأنت ولي، وهذه الطريقة التي رسمها الله لك. أما خرق العادات، قال له سيدي خذني على الحج، قال له روح، قال له لا بدي دفشة منك، ففي شيخ الله مآتي فطنة، قال له تعال على التكية، جابوا على التكية، ووقفه على البحرة، وحلفه بالطلاق ما بيحكي شو بيصير معه، ودفشه بالبحرة، قال له روح على الحج، شو هي شطحة، شو روح على الحج. عصر علم إذا الإنسان تحدث بهذه الشطحات بهز مركز الدين بين الناس. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هذه معنى الآية، ليس معنى الله ما ساق الهدى، لا بالعكس، يفهم منها أول وهلة، أن الله لا يريد أن يهدي أحد، لا. ﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ بهذا الطريق، الطريق مسدود. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ والحمد لله رب العالمين والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء الرابع الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين . الحياة الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء : أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الثالثة عشرة بعد المئة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [ سورة الأنعام : 112-113] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3948/01.jpg هذه الآية أيها الأخوة ؛ تحل مشكلات عديدة ، كلكم يعلم أن في الأرض مذاهب وضعية ، مذاهب ما أنزل الله بها من سلطان ، مذاهب قد بنيت على أنه لا إله ، وهذه المذاهب لها كتب ، ولها مؤلفات ، ولها دعاة ، ولها قوى تحميها . فربنا سبحانه وتعالى لماذا سمح لهؤلاء أن يعرضوا هذه الأفكار المضلة الضالة ؟ أليس بيد الله كل شيء ؟ يقول الله عز وجل - وهذا من سنته في خلقه - : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ [ سورة الأنعام : 112] لولا العدو لما ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما ظهر جهاده ، ولما ظهر فضله ، الإنسان من دون خصومات ، من دون معارضات ، لا يرقى ، أي لا يسعى ، لا يُمتن، لا يظهر فضله . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ [ سورة الأنعام : 112] يروى أن في المناجاة التي جرت بين سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وبين الله عز وجل ، سيدنا موسى كليم الله هكذا تروي الكتب ، لا ندري مبلغ هذا من الصحة ، لكن له مغزى قال : يا ربي لا تبقي لي عدواً ، قال : يا موسى هذه ليست لي : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 98] طبيعة الحياة حلبة صراع بين الحق والباطل ، بالصراع يرقى المؤمن ، وتقام الحجة على الكافر . طبيعة الحياة دار ابتلاء لا دار استواء ، لا دار تشريف ، دار تكليف ، هذه حقيقة الحياة . الحكمة من أن يكون لكلّ نبي عدو : الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام في بلدة كلها مؤمنون ، لا يوجد غير سيدنا الصديق ، وسيدنا عمر ، وسيدنا عثمان ، وسيدنا علي ، وسيدنا طلحة ، و الزبير ، أحباب وأصحاب وإخوان ، لا يوجد مشكلة ، لا يوجد بدر ، ولا أحد، ولا الخندق ، ولا يوجد يهود ، ولا يوجد شيء ، لماذا ؟ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [ سورة الأنعام : 112] الإنسان بالعدو يجتهد ، بالعدو يرقى ، بالعدو يظهر صدقه ، بالعدو يظهر ثباته ، بالعدو يقيم الحجة عليه ، بالعدو لعله يهديه إلى الله . لو تأملنا في الحكم التي وراء أن يكون لكل نبي عدو ، لوجدنا العجب العجاب ، هذه نقطة . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [ سورة الأنعام : 112] خصائص التقديم في القرآن الكريم : التقديم في القرآن له خصائص ، ما قدم الله شياطين الإنس على شياطين الجن ، إلا لأن شياطين الإنس أخطر من شياطين الجن ، إنسان لطيف ، يحمل شهادة عالية ، لبق ، أفكاره كلها إلحادية ، أفكاره إباحية ، أفكاره دنيوية ، هذا بجلسة يدعوك إلى غداء ، يلاطفك يؤنسك ، تفضل ، ثم يقول لك : حتى الآن أنت قابض الدين ؟ أين عقلك ؟ هذا أخطر من الشيطان . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [ سورة الأنعام : 112] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3948/02.jpg ما قدم الله شياطين الأنس على شياطين الجن إلا لأنهم أخطر . الآن مثلا ربنا عز وجل قال : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ [سورة النساء :76] وقال : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ [سورة يوسف : 28 ] المرأة كيدها أشدّ من كيد الشيطان ، لأنه ليس لك عند الشيطان حاجة ، لكن لك عند هذه المرأة حاجة ، فإذا استغلت حاجتها لك ، ودعتك إلى معصيةٍ ، أو إلى مخالفةٍ ، فقد كانت عدوةً لك . إذاً : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [ سورة الأنعام : 112] دققوا في الباطل : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [ سورة الأنعام : 112] كلام منمق ، كلام محبب أحياناً ، قد يكون هناك أدلة واهية ، أمثلة ، لقطات ، أسلوب أدبي ، عرض شيق ، هذا معنى . ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [ سورة الأنعام : 112] توظيف الشر للخير المطلق : أما الحكمة فالله عز وجل دائماً وأبداً يوظف الشر للخير المطلق ، الشر شر ، لكن هو شر نسبي ، بمعنى أن صاحبه أراد الشر ، لكن الله سبحانه وتعالى يوظف هذا الشر ، للخير المطلق ، كيف ؟ الظالم سوط الله ، الظلم شر ، ينتقم به ثم ينتقم منه . ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾ [ سورة الأنعام : 129] إنسان أراد أن يسرق ، هذا شر ، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من ماله حرام، فالله أخرج لهذا الإنسان شهوته الشريرة وأدّب هذا الذي كسب مالاً حراماً في وقت واحد . الشر المطلق ليس له وجود ، هناك شر نسبي ، الشر النسبي في نفوس أصحاب الشر ، لكن شرهم يوظف للخير ، فهذا الباطل ، الإلحاد ، النظرية الوجودية ، نظرية دارون مثلاً ، أفكار فرويد ، أفكار هؤلاء الطغاة ، الذين قلبوا المفاهيم ، فرويد جعل الإنسان كتلة جنس وإنسان آخر جعل الإنسان مادة فقط ، لا شيء غير المادة ، وإنسان جعل اللذة هي كل شيء ، وإنسان رأى أنه ليس لهذا الكون إله ، هذه النظريات الهدامة . المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [ سورة الأنعام : 112] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3948/03.jpg أخواننا الكرام ؛ أوضح ما يفسر هذه الآية . إنسان يعطى لقاح مثلاً ، كوليرا ، ما هو لقاح الكوليرا ؟ هي جراثيم الكوليرا ، حينما ندخل هذه الجراثيم إلى الجسم ، عندنا جهاز مناعة ، جهاز المناعة هائل جداً ، مؤلف من ثلاثة أقسام : قسم استطلاعي . . . قسم مخبري . . . قسم مقاتل . . . فعندما يدخل جرثوم الكوليرا إلى الجسم ، الاستطلاع يكشف حقيقة هذا الجرثوم ، ويأتي إلى المراكز ، ليبلغ عن ترتيب هذا الجرثوم ، المراكز اللمفاوية في الجسم تُصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم ، الآن عندنا عنصر مقاتل ، يحمل هذه الأسلحة ويمضي بها إلى هذا الجرثوم ويحاصره ، ما الذي حصل ؟ صار هناك مناعة عند الإنسان ، مناعة أي أدَرب على مواجهة الهجمة الشرسة لهذا الجرثوم . وهذا الذي يكون تماماً حينما تطرح نظرية هدامة ، فكر منحرف ، فكر علماني ، نظرية أساسها المادة ، نظرية أساسها المصلحة ، نظرية أساسها اللذة ، نظرية أساسها اللحظة الراهنة . قال : هذه لقاحات . . . فالمؤمن يسارع إلى أن يرد عليها ، فيرقى عند الله ، وغير المؤمن يقع في حيرة ، فيسأل ، فيأتي الجواب ، والذي في نفسه مرض يقبلها ، ينطلق إلى شهواته ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يسرع له بالمعالجة ، وقد تقام الحجة على من ابتدعها فيتوب إلى الله ، أي الذي نراه شراً هو في الحقيقة خير . حديث الإفك مثلاً ، جاء في بالي هذا المثل ، أليس الحديث عن السيدة عائشة عمل خطير جداً وعمل شرير ؟ قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة النور : 11 ] له مؤديات ، ظهر كمال النبي صلى الله عليه وسلم ، ظهرت قيمة الوحي ، تأخر الوحي في تبرئة السيدة عائشة شهراً ، لو أن الوحي شيء من فعل النبي لأتى بآية بعد ساعة ، وبرّأ السيدة عائشة . بقي النبي ينتظر شهراً ، ليس في إمكانه أن يبرئها ، ولا أن يثبت الشيء ، ظهر الوحي كياناً مستقلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ، والصحابة امتحنوا ، بعضهم ظن في نفسه خيراً ، بعضهم انزلق ، بعضهم روج ، فلذلك الذي تراه في الحياة محض شر ، الحقيقة شر نسبي ، هو فعلاً ظاهره شر ، لكن حقيقته قد يكون فيه خير . أحياناً الإنسان تكون هذه النقطة مرتاحاً منها ، يقرأ كتاباً يجد فيه شبهة ، يخطئ ، يسأل عالماً ، يسأل عالماً ثانياً ، يسير لطلب العلم ، ينضم لمجالس العلم ، يرتقي ، لولا هذه الشبهة التي ألقيت لما انطلق هذا المؤمن لمعرفة الله ، ولما انطلق إلى متابعة الحق . لذلك ربنا عز وجل قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [ سورة الأنعام : 112] أي هناك حكمة بالغة . ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ [ سورة الأنعام : 112-113] إذاً لا يصغي للباطل إلا من كفر بالآخرة ، لا يتأثر بالباطل إلا من أراد الدنيا فقط، لا يقنع بالنظريات الهدامة إلا من أراد الشهوة ، المؤمن لا يتأثر ، المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل . تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة : لذلك : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ [ سورة الأنعام : 113] في نفسه شهوة ، هذه الشهوة . يجيب وبعدها يعالجه الله عز وجل ، كل هذه الخيرات من هذا الشيء ، أحياناً تأتي ذبابة على محصول القطن ، محصول القطن هذا يعيش منه خمسة آلاف إنسان ، يأتي المهندس يبحث عن مضاد حيوي ، يسافر ، يتحرك ، شغل الناس ، فالظاهر ذبابة ، أما الحقيقة فصار هذا باباً للرزق ، رب ضارة نافعة . أيضاً هذه النظريات الهدامة إذا رأيتها تنتشر ، لا يوجد إنسان يضر إنساناً ، لكن لا يستجيب لها إلا ضعاف النفوس ، وهؤلاء يستجيبون لها ثم يعالجون من قبل الله عز وجل ، فالعالم يرد ، والمؤمن يسأل ، والضعيف يتردد ، تكون حافزاً له على مزيد من الإيمان . قالوا مثلاً : إنسان عاق الوالدين ، جاء إنسان سبّ له أبوه ، قامت الحمية في نفسه وردّ عليه ، صار باراً بوالديه ، لولا هذا الاستفزاز لما كان باراً بوالديه ، كان هو عاق الوالدين . أحياناً يسافر الإنسان إلى أوربا و يكون ضعيف الدين ، يتهمون دينه الإسلامي اتهامات خطيرة جداً، تنشأ عنده نخوة إسلامية ، يقرأ يرد يسأل يصبح مؤمناً ، لولا هذه التهمة الطارئة لما سارع إلى الإيمان . إذاً نهاية الدرس : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، والدليل : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [ سورة آل عمران: 26] ما قال والشر . ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة آل عمران: 26] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: في القرآن الكريم: آياتٌ كونية، وفي القرآن الكريم، أوامر ونواهي ووعدٌ ووعيد، ووصفٌ للجنة، ووصفٌ للنار. أحد أبرز آيات القرآن الكريم، آيات الأمر والنهي، وقد سئل الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال لا، قال أهو الذي يمشي على وجه الماء، قال لا، قال الولي كل الولي أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك. لذلك من أدق تعاريف الأولياء، تعريف قرآني. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾ (سورة يونس: 62 ـ 63) فأنت حينما تتقي أن تعصي الله، وحينما ترغب أن تطيعه، وحينما يجدك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، وحينما تكون عند الأمر والنهي، وحينما يكون أمر الله عندك عظيماً. النبي عليه الصلاة والسلام، وصف الذنب بالنسبة للمنافق، كأنه ذبابة دفعها عن وجهه، ووصف الذنب بالنسبة للمؤمن، كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره. فمن أجل أن تعرف أين أنت من الإيمان ؟ هل إذا وقعت في غلطةٍ أو ذنبٍ هل تتألم ألماً شديداً. من ساءته سيئته وسرته حسنته فذالكم المؤمن. تنفيذاً لهذه المقدمة، يقول الله عز وجل: في الآية الواحدة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)﴾ علة المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم، وقرأ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ فأي أمر يأتي في القرآن الكريم، يعلم أنه موجهٌ له، أنت مؤمن. ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ فإذا ما شعرت أن هذا الأمر موجهٌ لك، وأنه عليك أن تطبقه فهذا ضعف في إيمانك، إن لم نقل انعدام في إيمانك. ربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ يعني أكبر ذنب، كما قلنا البارحة، أكبر ذنب، وهذا الذنب لا يغفر لا لأن الله لا يغفره، بل لأنك توجهت إلى غير الله، ليس المعنى أن الله عز وجل لا يرحم، لا، لكن أنت توجهت، إلى شيء، إلى لاشيء توجهت إلى مخلوق، توجهت إلى ضعيف، توجهت إلى فاني، توجهت إلى فقير، إلى جاهل، فكيف ترجوا من الله العطاء ؟ وقد توجهت إلى غيره. لذلك كما قلت البارحة، الذنب الذي لا يغفر أن تشرك بالله عز وجل أول نهي. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ من هو سبب وجودك ؟ أبوك وأمك. ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾ (سورة الإنسان: 1) سنة ألف وتسعمائة وعشرة، ما في حدى منا بهذا السن ولدان، ألف وتسعمائة، ألف وثمانمائة وتسعين، بعض من الحاضرين وأنا معكم كان له اسم بهذا البلد ؟ كان له وجود ؟ ما في. الأب والأم هما سبب وجودك، إذاً الله جل جلاله رفع أمر الإحسان إليهما إلى مستوى عبادته. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (سورة الإسراء: 23) بعد الشرك. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ فهذه الباء أيها الأخوة، بمعاجم اللغة لا تقرأ إلا أحسنت إليه، فعل أحسن يتعدى بإلى، إلا في القرآن في هذه الآية، يتعدى فعل أحسن بالباء، طيب لماذا تعدى بالباء في القرآن، وفي معاجم اللغة يتعدى بإلى، تقول أحسنت إليه أما هنا، وبالوالدين إحسانا، قال هذه الباء تفيد الإلصاق، أمسكت به، تفيد السببية، تفيد المجاوزة، تفيد الظرفية، لها أكثر من عشرين معنى، من معانيها الإلصاق، يعني إحسانك إلى أبيك وأمك، لا يقبل بالوكالة إلا منك بالذات، أيام بقول إنسان للسائق خذ أبي مشوار، غير مقبول هذا، قدم لوالدي هذه الحاجة يجب أن تذهب أنت بنفسك، يجب أن تخدمه بنفسك. هذا معنى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قد يسأل سائل ما علاقة هذه الآية بحياتنا اليوم، كل إنسان من أجل كسب المال يضحي بدين ابنه كأنه قتله. ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ (سورة البقرة: 191) أكثر الأباء من أجل تحصيل المال الوفير يزجون بأولادهم في متاهات لا ينجون منها. يعني دين رقيق يبعثه لوحده إلى بلد أجنبي، وهناك الزنى أقرب إلى الشاب من ظله، فحينما يضحي الأب في دين ابنه وآخرة ابنه، وسعادة ابنه من أجل كسب المال فقط، قتله. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾ من إملاق، يعني من فقر، أي خشية الفقر. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ إذاً الأب والأم يحسنوا إليهما، وربنا عز وجل قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (سورة طه: 132) الأب ماله حق، الأب المسلم، أن يضحي بدين ابنه وآخرة ابنه من أجل كسب مال وفير. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ أي شيئاً تخشى، إذا نقل عنك تستحي منه هذه فاحشة، فكل عمل تفعل في السر تخشى أن يظهر أو أن ينقل أو أن يتحدث به فهو فاحشة، الشيء المشين، الشيء الذي تستحي به، العدوان على أعراض الناس فاحشة، العدوان على أموالهم فاحشة، الائتمار على أخذ ما في أيديهم فاحشة. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني القتل بالحق، أيام حشرة لا تؤذي يمعسها برجله، نملة لا تؤذي في حشرات مسموح لك أن تقتلها، ولكن في حشرات لا تؤذي، فهذا الذي كلما وقعت عينه على مخلوقاً قتله، هي نفس. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ أخوانا الكرام: أية معصية فيها قوة جذب، يأتي التحريم به بهذه الصيغة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ معصية الزنى، المرأة محببة، الخلوة محرمة، والاختلاط محرم، والحديث عن النساء بما يغري بفعل الفاحشة محرم، وصحبة الأراذل محرمة، لأنها كلها تقود إلى الزنى. فالإنسان ينبغي أن يجعل بينه وبين المعصية هامش آمان، تصور نهر عميق مخيف له ضفة مائلة، وعلى هذه الضفة المائلة حشائش زلقة، فأنت إذا سرت على هذه الضفة المائلة على النهر، هن في خطر وقوع في النهر، لا بد من ترك هامش آمان بينك وبين النهر، تماماً كالتيار 8000 فولت، ثمانية أمتار يجب أن تبتعد عنه، إذا دخلت في حرم التيار جذبك إليه، وأصبح الإنسان قطعة من فحم، فالإعلانات دائماً ممنوع الاقتراب من التيار الكهربائي، الاقتراب وليس المس، سوف أعيدها على مسامعكم مرة أخيرة. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء السادس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الثالثة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام: ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ نستنبط أيها الأخوة من أن كلمة: ﴿ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ جاء الصراط مفرداً، ونستنبط من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ السبل جاءت جمع، فماذا نستنبط من أن كلمة صراطي مستقيماً جاءت مفردةً، وأن السبل جاءت جمعاً، نستنبط أن الباطل يتعدد، وأن الحق لا يتعدد، الحق واحد. يعني من نقطتين لا تستطيع أن ترسم إلا خطاً مستقيماً واحداً، لو رسمت خطاً آخر يأتي فوق الأول، خطاً ثالث يأتي فوق الثاني، فبين نقطتين ليس في إمكانك أن ترسم إلا خطاً واحداً. لذلك الحق لا يتعدد، لو أننا على حق لاجتمعنا، لو أن فلان وفلان وفلان أو أن الجماعة الفلانيه والجماعة الفلانيه والجماعة الفلانيه والفئة الفلانيه، والفئة الفلانيه، لو أنهم على حق لاجتمعوا، فإذا تفرقوا منهم من هم على باطل، لأن الحق لا يتعدد. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ لذلك ربنا عز وجل قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ (سورة آل عمران: 103 ) ما الذي يجمعنا، كلكم يعلم ويرى ويسمع، رغم الماضي واحد، والمستقبل الواحد والآلام الواحدة، والآمال الواحدة، واللغة الواحدة، و، و، ويقتتلون. ما الذي يجمع إذاً ؟ أن نكون جميعاً على حق، فإذا كان بعضنا على حق وبعضنا على باطل لا نجتمع. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ إذاً الذي يجمعنا حقيقةً، يجمعنا قلباً وقالباً، هو أن نلتزم الحق جميعاً، فالحق يجمع، كيف أن خيط السبحة يجمع حباتها المتناثرة ؟ هذا الخيط يجمع، لولا هذا الخيط لما اجتمعت هذه الحبات. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ومعنى مستقيم، بمعنى الآخر، الخط المستقيم أقصر خط بين نقطتين، المنحني أطول، المنكسر أطول المتعرج أطول، المستقيم لا يتعدد، والمستقيم أقصر خط إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ هذا يذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى، وحد كلمة النور وجمع كلمة الظلمات، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة البقرة: 257 ) الباطل متعدد، إذاً ظلمات فوقها فوق بعض، الحق واحد، إلى النور، النور مفرد والصراط المستقيم مفرد. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ طيب ما الذي نستفيده ثالثةً ؟ طيب الطريق مستقيم هناك مسلمون كثيرون، يعلمون أن دينهم هو الحق، وأن دينهم لم يتبدل ولم يتغير، وأن دينهم هو أقصر طريقٍ إلى الله، هذا كله يعلمونه، لكن ما الذي يقصرون فيه ؟ لا يتبعوه. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ الحق لا يتعدد، وأقصر طريق إلى الله. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فالإنسان لما، الله عز وجل قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ من هم المغضوب عليهم ؟ هم الذين عرفوا وانحرفوا، عرفوا وقصروا عرفوا ولم يسيروا، الضالون هم الذين ما عوفوا وهلكوا، المغضوب عليهم، هم الذين عرفوا وشقوا. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الباطل لا يؤدي إلى الحق، يؤدي إلى الهلاك. ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (سورة البقرة: 221 ) الباطل يدعوا إلى الدنيا فقط، والدنيا إن وصلت إليها بالظلم والعدوان والبغي، هذا يوصلك إلى النار. لذلك طريق الباطل ينتهي بصاحبه إلى النار. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ سبيل الله هو الوحيد إلى الجنة، فإذا اتبعت سبيلاً آخراً باطلاً، صرفك عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وطريق الباطل إلى جهنم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ثم يقول الله عز وجل: في الآية الواحدة والستين بعد المائة. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أنت مسلم في عندك منهج دقيق، منهج في علاقتك مع ربك، منهج في علاقتك مع زوجتك، منهج في علاقتك مع أولادك، منهج في علاقات العمل، علاقات البيع والشراء، علاقات الهبا، حتى في منهج في علاقاتك مع من هم فوقك، من هم دونك، حتى في المناسبات مناسبات الفرح، مناسبات الحزن، هناك منهج تفصيلي، الإسلام منهج كامل. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ (سورة المائدة: 3 ) هذا المنهج الكامل هو الذي عبر عنه القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ شيء ثمين، قيم، يأخذ بالألباب. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)﴾ (سورة الأنعام: 161 ) لذلك ينبغي. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ المؤمن الصادق أيها الأخوة، علمه، خبرته، عضلاته، طاقاته شهاداته العليا، رأس ماله، كله موظف في خبرة المسلمين،هو طبعاً يعيش ويسعد لكن له هدف نبيل، هذه آية الإخلاص. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (سورة الأنعام: 162 ـ 163 ) ما في حهة بالكون غير الله عز وجل مؤهلةٌ، أن تفني من أجلها عمرك، أن تفني من أجلها شبابك، أنت مخلوق لله عز وجل. الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لله عز وجل. خلقت لك ما في الكون من أجلك، فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك، لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعيّ بخلقهن، أيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، وعزتي وجلالي، إن لم ترضى بما قسمته لك فلا أسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها، إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عني مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمتني فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. هذه إخوانا آية الإخلاص: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ آخر آية. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)﴾ يعني معقول أن تعمل لغير الله، معقول أن تجير لغير الله، معقول أن تحسب على غير الله، أنت الخاسر الأكبر. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني سؤال استفهام إنكاري ؟ يعني معقول أنت مخلوق أول، خلقت من أجل الله عز وجل، أن تكون لغير الله. أيها الأخوة الكرام هذه الآيات ينبغي أن نتأملها، وأن نتدبرها، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ (سورة محمد: 24 ) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانعام (6) الجزء السابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: وبعد، ففي القرآن الكريم آية كريمة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾ في هذه الآية إيجازٌ بليغ، السماع عند الله، هو السماع التي تعقبه استجابة. لو أن إنساناً على وشك الموت عطشاً، وقلت له بلسانٍ فصيح في المكان الفلاني وهو قريبٌ منك، ماءٌ عذبٌ فرات، سمع هذا الكلام وتحركت طبلة أذنه باهتزازات الصوت، وبقي قاعداً في مكانه، وهو على وشك الموت عطشاً، ولم يقم إلى مكان الماء. هذا في القرآن الكريم لم يسمع، لو أنه سمع لبادر إلى أن يشرب الماء. لو قلت لإنسان على كتفك عقربٌ، فبأعصابٍ باردة تبسم وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأنا ممتن منك لحرصك على سلامتي وبقي هادئاً مستقراً، ولم ينفض ثوبه الذي على كتفه. هذا في القرآن لم يسمع، لأن السماع الذي لا تعقبه استجابة فورية، لا يسميه الله سماعاً. الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ فالذي يسمع حقيقةً، هو الذي يستجيب. طيب هذا الذي يسمع ولا يستجيب، ماذا سماه الله عز وجل، سماه ميتاً، شيء خطير جداً، أن الإنسان يستمع لخطبة، لدرس، لنصيحة لموعظة فيها دليل من القرآن، والسنة، فيها توجيه لصالحه لمستقبله يكتفي أن يجامل ويقول والله شي جميل، والله درس لطيف، والله خطبة بليغة يا أخي، لكن هو هو، في بيته هو هو، في عمله هو هو، في دخله للمال هو هو، لا يتغير ولا يتبدل، هذا عند الله ميت، الآية على قصرها، وعلى إيجازها خطيرةٌ جداً. يعني المسلم إذا حضر خطبة جمعة، أو درس علم، أو درس تفسير، واستمع إلى حكم الله عز وجل، بلسانٍ فصيحٍ واضح، آية قرآنية واضحة وضوح الشمس. يقول لك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ( سورة النور: 30 ) قال شو بدنا نساوي، نحن عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، الله يتوب علينا، هذا عند الله ميت، لأنه سمع الحكم الشرعي، ولم يبادر إلى تطبيقه. فأردت من هذه الآية، أن يقف المسلم وقفةً متأنيةً، متفحصةً متبصرة، أي أن الإنسان، أنه هذه فرصة لا تعوض، الله عز وجل حينما يسمعك الحق، هذه فرصة لا تعوض. بالمناسبة كل إنسان وصله الحق له بشارة من الله عز وجل، ما هذه البشارة؟ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (سورة الأنفال: 23 ) لولا أن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير لما أسمعك، لما أوصل لك هذا الكلام. فالإنسان إذا حضر مجلس علم، خطبة جمعة، درس تفسير نصيحة من أخ، الدليل قوي، الآية واضحة، واضحة وضوح الشمس الحديث الشريف واضح، واكتفى بالثناء على هل الكلمة، وعلى فصاحة المتكلم، وعلى دقة الكلام، يا أخي الكلام حلو كتير، ما غير ولا بدل، هذا أخطر أنواع التكذيب، هذا هو التكذيب العملي، سماه الله ميتاً. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ والذين لا يستجيبون إذا سمعوا موتى. ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فالإنسان حينما يحضر مجلس علم، القضية أخطر بكثير، من أن تستمع إلى كلام لطيف، أو كلام منظم، أو كلام فصيح، أو في طرفة أو في نكته بلاغية، أو في إشارة لطيفة إلى آية قرآنية القضية أخطر من ذلك، القضية قضية مصير. سيدنا علي كرم الله وجهه قال: يا بني العلم خير من المال لأن العلم يحرسك، شوف العلم يحرسك، وأنت تحرس المال. مرة جاءني رجل، والله القصة من عشرين سنة، قال لي أنا زوجتي تخونني، قلت أعوذ بالله، قال لي: والله من ثلاث سنوات قلت له مع من، قال: مع جارنا، قلت كيف تعرفت عليه ؟ قال والله الحق عليّ، مرةً جاء يزورنا، قلت لها يا بنت الحلال تعي عدي معنا، مثل أخوكِ، قلت له لو أنت تحضر مجالس علم، وعرفت حكم الله في الاختلاط لم تفعل ما فعلت، وبالتالي لم تقع فيما وقعت. إخوانا الكرام، دققوا في هذا الكلام، ما من مصيبةٍ على وجه الأرض، إلا ورائها معصية لله، خروج عن منهج الله، وما من خروج على وجه الأرض ومعصية إلا بسبب الجهل، والجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيعوا أعدائه مجتمعون أن يفعلوا به. يعني اعتبر أن أعدى أعدائك هو الجهل، وأن الطريق إلى الله يبدأ بالعلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أرتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً. أحياناً الإنسان يستمع إلى مجلس علم، بدقة بالغة، وينصت ويصغي ويتأمل، لكن لو أنه أراد الدنيا، لو أن الدنيا هي أكبر همه مبلغ علمه، شأنه كشأن آلة تصوير، غالية جداً دقيقة جداً، فيها ميزات هائلة بس فلم ما في، فأمهما كان المنظر جميلاً، والألوان زاهيةً والخلفيةُ رائعةً، هذه الآلة على أنها غالية جداً وثمينة جداً، بس فلم ما في، إذاً. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الذي لا يستجيب ميت، وهذه فرصة لا تعوض، أن الإنسان يستمع إلى حكم الله، إلى أمرٍ، إلى نهيٍ، إلى توجيهٍ، إلى حضٍ، إلى دفعٍ، ثم يقف موقف المعجب، والله كلام لطيف، والله درس جميل، والله درس منظم، والله في عمق الحمد لله، كله كلام لا يغنيك عن تطبيق هذا الكلام شيئاً، فحجمك عند الله بحجم التزامك وعملك الصالح، لأنه قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (سورة فاطر 10 ) إذا كان تكلمت كلام لطيف هذا الكلام يصعد إلى الله، لكن ما الذي يرفعك عند الله، قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الذي يرفعك عملك الصالح، لا ثنائك، ولا كلماتك. إذاً قال الإمام علي كرم الله وجهه: يا بني العلم خيرٌ من المال لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال. سائق تكسي في دمشق، هذه القصة من ثمانية أشهر، أشارت إليه امرأةٌ، فصعدت إلى مركبته، قال لها: إلى أين ؟ قالت له إلى حيث ما تشاء، فهم، بعد أن قضى حاجته، أعطته رسالةً، وظرفاً فيه مبلغٌ من المال، فعد نفسه فائزاً، يعني شيء لا يقدر بثمن، قضى حاجته، وقبض مبلغ على هذه الحاجة، ورسالة، فلما نزلت من مركبته، فتح الرسالة وإذ هي مصابة بمرض الإيدز، قالت له: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف المبلغ بالعملة الصعبة طلع مزور وضعوه في السجن. ما الذي كان يمكن أن يحرسه ؟ العلم، لماذا وقع في هذا الشَرك ؟ لأنه جاهل. العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكوا على الإنفاق. يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. يعني إذا أردت أن تُخلد، وهذا مستحيل، لكن تخلد بعلمك. أنا مرة سألت طلابي سؤال، قلت لهم من يقول لي ؟ من يعطيني اسم تاجر عاش في الشام، عام، 1893، أعطيه علامة تامة فحكوا رؤوسهم وتأملوا لم يهتدوا إلى اسم تاجر، قلت لهم وأنا مثلكم لا أعلم، لكن من منا لا يذكر سيدنا صلاح الدين الأيوبي، سيدنا عمر بن الخطاب، سيدنا الشافعي، سيدنا أبو حنيفه. يا بني مات خزان المال وهم أحياء، وهم في أوج حياتهم، وهم في أوج نشاطهم ماتوا، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. العلم يرفعك أيها الأخ الكريم، يرفعك إلى أعلى عليين، إنك إن عرفت الله، طبقت أمره، وإن طبقت أمره استحققت سعادة الدنيا وجنة الآخرة، فالقضية خطيرة جداً. نعود للآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الذي لا يستجيب للسماع الحق هو عند الله ميت، وقال تعالى: في آية آخرة. ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (سورة النحل) بآية ثالثة: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ ( سورة فاطر: 22 ) مقبور بشهواته، بأعماله، بطموحاته، فالإنسان حينما يصغي ويستمع ويغير، ويبدل، ويأخذ موقف، في حياة، في نبض، أما إذا استمع واكتفى بالثناء على المتكلم وقال لك: شي جميل، هذا لا يرفعك عند الله عز وجل، لأنك حجمك عند الله بحجم عملك الصالح. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (سورة الأنعام: 132 ) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف (7) الجزء الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: الآية الواحد والثلاثون من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾ أولاً... المؤمن كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس.)) وقال عليه الصلاة والسلام ((: من كان له شعر فليكرمه.)) وكان عليه الصلاة والسلام، يعرف بطيب المسك، وكان إذا شرب الماء أبان القدح عن فيه. النبي عليه الصلاة والسلام، كان مثلاً أعلى، في النظافة، وفي اللطافة، وفي الرقة، وفي حسن الأدب. يقول الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الإنسان أحياناً يرتدي أجمل ثيابه، في احتفال، في عقد قران، لكن يستصيغ لنفسه يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، أن يأتي بثيابٍ ليست مقبولةً، هذا مخالف للسنة. لكن القرآن كما يقول بعض العلماء، أو كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه: القرآن حمال أوجه. وفي تفسير اسمه التفسير الإشاري، بعضهم فهم من هذه الآية، أن الإنسان إذا أتى بيت الله عز وجل، عليه أن يتزين، الزينة تعني النظافة، والثياب الحسنة , ويعني أيضاً أن يكون معك هدية إلى الله هذه أيضاً زينة، الهدية هي العمل الصالح، فإذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، فليكن معك هدية له، وهي خدمة عباده. كيف أن الجندي الغر، حديث العهد بالخدمة الإلزامية، لو أنه فعل عملاً طيباً مع أعلى رتبه في هذه القطعة، أنقذ ابنه من الغرق هذا العمل الطيب، لو وقف هذا الجندي الغر، على باب هذا القائد الكبير وقال للحاجب قل له فلان، لماذا يقتحم الغرفة اقتحاماً ؟ لأن عمله صالحٌ، فهذا العمل الصالح إنقاذ ابنه من الغرق، جعله يدخل بلا استئذان. فأنت أيضاً إذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، ولك عملٌ صالحٌ قبل الصلاة، لك خدمةٌ لعباده، لك نصحٌ لهم، لك إنصاف لهم لك معونةٌ لهم، فإذا دخلت بيت الله، لتتصل بالله، معك له هدية هديتك خدمة عباده، هذا التفسير الإشاري لهذه الآية. التفسير الظاهري أن تكون نظيفاً، وأن ترتدي ثياباً أنيقةً أو نظيفةً، كي لا تؤذي المسلمين في بيت الله، هذا معنى مقبول. والقرآن حمال أوجه، ولكن المعنى الإشاري أنك إذا أردت أن تقبل على الله، وأن تتصل به، فليكن معك شفيعٌ من عملٍ صالحٍ وهو في أصله خدمة الخلق. إخوانا الكرام: الدين له حقيقتان أساسيتان، أو ! الدين يضغط بكلمتين... إحسان للخلق... واتصال بالحق. ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾ ( سورة البقرة:112) ممكن تعرف الدين بألف صفحة، هناك، تعريفات جامعة مانعة مضغوطة. الدين في حقيقته... إحسان للخلق... اتصال بالحق. فإذا أردت أن تتصل بالحق، وأن تدخل بيت الله، لتعقد صلةً مع الله ليكن معك زينة. هذه الزينة بمعناها الظاهري، كن نظيفاً، أنيقاً. بمعناها الإشاري، ليكن معك عملٌ صالح. يعني كل العباد عباد الله، إذا كنت صادق معهم، ما غشيتهم، ما أذيتهم، ما أحرجتهم، ما أكلت مالهم بالباطل، ما احتلت عليهم، كنت صادقاً مخلصاً، هذه الاستقامة قبل الصلاة، هي زينتك عند الصلاة. ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا أمر إباحة. نحن في عندنا أمر وجوب. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ ( سورة البقرة:43) وفي عنا أمر ندب. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ (سورة النور: 32 ) وفي عنا أمر إباحة. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وفي عنا أمر تهديد. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ( سورة الكهف:29 ) في أمر تهديد... وأمر إباحة... وأمر ندب... وأمر وجوب. الآن: ﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أمر إباحة، لك أن تأكل ولك أن تشرب، لكن إياك أن تسرف، يعني المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء. الله سبحانه وتعالى في آيةٍ دقيقة قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)﴾ ( سورة الشعراء: 78 ) خلقني فهو يهديني، الفاعل هو. ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾ ( سورة الشعراء: 79 ) لكن: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾ ( سورة الشعراء: 80 ) ما قال والذي يمرضني، وإذا أمرضني، لماذا عزي المرض إلى الإنسان ؟ لأن المرض في أصله خروج عن منهج الله في الأصل، وإذا في أمراض الآن تتناسب مع العصر، في خروج جماعي عن منهج الله، أو خطأ في حياتنا، بسبب نقص يعني في معلوماتنا، فأحياناً هذه المشروبات الغازية، كلها أصبغة كيماوية هذه تتراكم في أجسامنا، الزيوت المهدرجة، هذه ضارةٌ في أجسامنا، ففي خطأ في غذائنا أحياناً، الضجيج، الضجيج الصوتي، والضجيج الإعلامي، هذا الهواء كله ملوث بالبث، والضجيج من حيث المواد الكيماوية العالقة في الجو، فإذا في أخطاء عامة، إذا في ارتفاع بأمراض معينة، فهناك أخطاء على مستوى العصر ترتكب، يخيبوا الفروج، يطعمونه غذاء مكثف، كله هرمونات، أربعين يوم بدون أن ينام، هذا وضع غير طبيعي، أولاً متراكم في جسمه مواد هرمونية تعين على النمو، دون أن ينام لحظة. فلذلك أحياناً هناك أمراض تستشري، لا بسبب خطأ يقع من الفرد، بل بسبب خطأ يقع من المجموع. لذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ قال: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ طيب قد يقول أحدكم، لما لم يقل الله عز وجل: ولا تسرفوا في الأكل والشرب، ماذا يفيد هذا القول ؟ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ لما لم يقل ولا تسرفوا في الأكل والشرب، طبعاً لو قال، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا في الأكل والشرب، صار الإسراف مقيداً في الطعام. لكن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في أي شيء، لا بالسهر، ولا باللقاءات المباحة، أي شيء مباح، شرعه الخالق جلى وعلى، إياك أن تسرف به، ينقلب الإسراف في أي شيء إلى مضرة، وإلى مرض. فالمؤمن الحق، معتدل في كل شيء. طبيب من أطباء القلب، له أربع نصائح، أنا أقول هذه النصائح الأربعة جمعت الطب كله، يقول: أولاً: كُل كل شيء. ثانياً: باعتدال. ثالثاً: ابذل جهداً. رابعاً: وحّد لئلا تصاب بشدة نفسية. التوحيد يعطيك صحة نفسية، وبذل الجهد يعطي صحة قوية، لأنه أحد الأطباء يقول، أجدادنا سر صحتهم القوية، لأنهم يبذلون جهداً عضلياً كبيراً، ويتمتعون براحة_ٍ نفسية. نحن بالعكس، نحن نتمتع براحةٍ جسمية، مصاعد، كل شيء مريح أوتوماتيك، ما في جهد، لكن في متاعب نفسية كثيرة. أمراض القلب أساسها، توتر نفسي، وكسل عضلي، أمراض القلب كلها، بدأً من الضغط، وضيق الدسامات، واحتشاء العضلة القلبية توتر نفسي، وكسل عضلي، كانوا أجدادنا، تعب عضلي، وراحة نفسية، وإذا الإنسان بحب يتمتع بصحة إلى أمد طويل، عليه بالتوحيد لأنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وعليه ببذل الجهد، يعني الإنسان العمل المجهد هذا عنوانه الصحة. لذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾ إذاً الآية تفيد، أنك إذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، ينبغي أن تكون متزيناً، والزينة هنا تعني النظافة، والثياب النظيفة، والأناقة لكن المعنى الإشاري، أنك إذا أردت أن تتصل بالله في بيته، فلا بد من هديةٍ بيدك، هذه الهدية، هي خدمة عباده، وكل واحد بعمله بيقدر يؤدي خدمات خالصة لله عز وجل، لعباد الله الضعاف التائهين أصحاب الحوائج، الكلمة الطيبة، والمعونة الصادقة، والحديث اللطيف، والإخلاص، والصدق، والأمانة. أما الذي يتوهم، أخي إذا ما كذبنا لا نعيش، هذا كلام الشيطان، لا بتعيش ونص بالصدق، إذا ما غشينا لا نأكل الخبز مساء، تأكل أطيب أكل بدون غش، هذا كله كلام الشيطان. لذلك: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ هذا أمر إباحة، لكن النهي عن الإسراف في كل شيء، حتى الواحد أكل، لنفرض أكل كل يوم بيضتين مثلاً، احتمال أن يلتهب كبده قائم بالأسبوع مرتين أو ثلاثة، أما كل يوم، الأكلة الطيبة المفيدة، لو أكلتها كل يوم، هذا يضر بالصحة، الدول الغنية أمراض القلب ثماني أمثال الدول الفقيرة، الدول الغنية الصناعية، أمراض القلب عددها ثماني أمثال الدول الفقيرة السبب لكثرة أكل اللحوم، حتى اللحم لو كنت غني لو أكلته بإسراف له مضاعفات خطيرة. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ حتى الأشياء التي تظنها خير، الفواكه لو أسرفت منها في مشكلة. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف (7) الجزء الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الدعاء سلاح المؤمن : أيها الأخوة الكرام؛ الآية الخامسة والخمسون من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:55] أيها الأخوة؛ الدعاء سلاح المؤمن، وأنت في الدعاء أقوى الناس على الإطلاق، لكن هذا السلاح الخطير الذي يجعلك أقوى الأقوياء له شروط. الدعاء سلاح المؤمن، والدعاء مخ العبادة أي قمة العبادة أن تدعو الله عز وجل، إذا أردت أن تخاطب الله فادعه، وإذا أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن. يقول الله عز وجل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الله عز وجل أسماؤه كثيرة، اختار الله من بين أسمائه اسم الرب، لأن أقرب اسم للإنسان هو الرب، أي مربّ، الابن من يدعو؟ يدعو أمه لأن قلبها رحيم، وعنايتها فائقة، وقريبة منه، قرب مع رحمة مع علم مع عطف مع حنان، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الآن ﴿تَضَرُّعاً﴾ التضرع هو التذلل، ﴿وَخُفْيَةً﴾ سراً. شروط الدعاء : من شروط الدعاء المقبول أن يدعو الداعي ربه وهو في تذلل، وهو في عبوديةٍ لله عز وجل، فمن كان مستكبراً، ومن كان مستعلياً، ومن كان معتزاً بغير الله، فلن يستجاب دعاؤه، ولا يسمع أساساً، لأنك أنت في أعلى مقاماتك إذا كنت متواضعاً لله عز وجل، كلما ازددت لله تواضعاً ازددت عزاً http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4024/01.jpg لذلك الشرط الأساسي بالدعاء: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:55] يوجد كلام دقيق جداً حول هذه الآية، موضوع خفية أنت لا تخاطب أصماً ولا أبكماً. سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾ [ سورة مريم:3] دليل إيمانك أنه يسمعك، لا تصيح ولا ترفع الصوت في الدعاء: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ هناك من يدعو الله عز وجل دون أن يحرك شفتيه، لأن الذي خلقه يسمع خواطره الداخلية، فالإنسان أحياناً يدعو الله عز وجل بقلبه، في ظروف صعبة، في أشدّ الظروف، وفي أصعب الظروف، لك أن تطبق شفتيك، وأن تناجي ربك بقلبك، وهو يستمع إليك، هذه معنى خفيةً. الشرط الثاني: التضرع، التذلل، الشعور أنك ضعيف، أنك فقير، أنك لا تعلم، أن الله بيده كل أمرك، مشاعر العبودية والافتقار إلى اله عز وجل شرطٌ للدعاء المستجاب، وعدم رفع الصوت شرط أيضاً لقبول الدعاء. العدوان في الدعاء : ثم يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:55] قال علماء التفسير: من العدوان في الدعاء أن ترفع صوتك به، ومن العدوان في الدعاء أن تنمق الدعاء وكأنه قطعة أدبية، لم يعد هناك خشوع، ولا حضور قلب، يوجد تفنن، و تشدق، وتقعر، وفواصل متوافقة، وسجع، وكلمات متوازنة، أنت نسيت الله عز وجل وانصرفت إلى تنميق الدعاء. فمن العدوان في الدعاء رفع الصوت، ومن العدوان في الدعاء تنميق الدعاء، وضعف شعور العبودية فيه، هذا قول المفسرين. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4024/02.jpg يوجد قول آخر، وأنا أراه عميقاً جداً، أي يا عبدي إياك أن تدعوني وأنت معتدٍ على الآخرين، إني لا أستجيب لك، مع الله لا يوجد مزح، معتد على أموال الناس، وعلى أعراضهم، تغش الناس، تكذب عليهم، تأخذ ما ليس لك، ثم تتفاصح بالدعاء أمامي و تدعي أنك صاحب دين؟! لا. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:55] إذا اعتديت على مخلوقٍ كائنٍ من كان. إن فلانة تذكرُ أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار. (( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر] أي يا عبدي أنا لا أستجيب لك إن كنت معتدياً، لا أستمع إليك إن كنت معتدياً. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:55] ولهذه الكلمة معنيان؟ أول معنى: إذا كان مضمون الدعاء فيه عدوان، أنت قائم دعوى على إنسان، الدعوى كلها باطلة، يا رب انصرني عليه، إذا كان مضمون الدعاء ظلماً، أحياناً يكون الدعاء فيه ظلم، يا رب قوني عليه، أنت الظالم، مثل هذا الدعاء لا يسمع، ولا يستجاب، إذا مضمون الدعاء فيه ظلم. الآن مضمون الدعاء صحيح، لكن أنت ظالم جهة أخرى، أيضاً غير مقبول، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا في مضمون الدعاء، ولا في موضوعٍ آخر، فإذا أردت أن تكون أقوى الناس، وأن تستخدم السلاح الذي يعد من أقوى الأسلحة، وهو سلاح الدعاء، فعليك ألا تكون معتدياً. اسمع الآية الثانية: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 81-82] أول معنى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الرب المربي، الرحيم، العليم، القريب، السميع، المجيب، الذي يربيكم، يربي أجسامكم، يربي نفوسكم، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ هنا يوجد معنى ضمني، أي إياكم أن تدعوا غيره، لن تستفيدوا، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من بيده الأمر، من هو الرحيم، من هو القوي، من هو الغني، الذي يحبكم، الذي يحب أن تكونوا من السعداء، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ حالك أثناء الدعاء ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ - تذلل وافتقار- ﴿وَخُفْيَةً﴾ ما من داع للصياح، والضجيج، وتنميق الدعاء، والفواصل، والسجع، والتقعر، هذا كله لا يجدي، هذا يبعدك عن صحة الدعاء. لكن أخطر ما في الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ إذا كان مضمون الدعاء فيه عدوان لن يستجيب الله لك، إن الله هو الحق. مرة أحد الصحابة، قال: يا رسول الله اشهد أنني نحلت ابني حديقة، قال له: هل لك ولدٌ غيره؟ قال: نعم، قال له: هل نحلت أولادك مثل ما نحلته؟ قال: لا، قال: (( أشهد غيري، فإني لا أشهد على جَور)) [أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ] الله لن يستجيب لك دعاء أساسه ظلم، أساسه عدوان، أساسه افتراء. الله عز وجل حسابه مع العباد حساب جار : الآن لو كان دعاؤك حقاً، يا رب يسر لي مثلاً زواج ابني، شي جميل، يا رب يسر لي هذه التجارة، شي جميل، دعاء حق، يا رب ارزقني رزقاً حلالاً، كلام حق، لكن أنت عندك عدوان، عدوان آخر، فإذا الإنسان حرر علاقاته من الشرك، ومن العدوان، ودعا دعاء صحيحاً، مع التضرع، مع الخفية، الآن الدعاء يستجاب، وإذا استجيب دعاؤك فهذا مقام عظيم جداً، النبي دعا لأحد الصحابة أن يكون مستجاب الدعوة، سيدنا سعد، اجعله مستجاب الدعوة، والمؤمن قال: لله رجالٌ إذا أرادوا أراد، فكلما كانت النفس طاهرة - هذا تعبير عامي - أي فيها تضرع، فيها استقامة، فيها التزام، لا يوجد عدوان، لا يوجد تجاوز، لا يوجد شطط، ترتقي إلى استجابة الدعاء. الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4024/03.jpg هذه حال، إعرابها حال، أي حالة تضرعكم، متضرعون لله مع التذلل، لا يوجد استكبار، ﴿وَخُفْيَةً﴾ بصوت منخفض، ممكن أن تدعو الله وأنت مطبق شفتيك، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ لا يوجد إطالة، ولا رفع صوت، ولا استكبار، والمعنى الأدق ولا أن يكون مضمون الدعاء عدواناً، ولا أن تكون معتدياً على الآخرين، أي الله عز وجل حسابه مع العباد حساب جار ليس حساب سندات كيف؟ بمحلك التجاري مستقيم استقامة تامة، البضاعة كلها مسعرة، لا يوجد مشكلة، الربح قانوني، البضاعة حلال، البيع حلال، تمام. أحياناً يأتي إنسان يسبب لك مشكلة، والله لم أعمل شيئاً يا أخي، لكن الله حسابه جار، بالبيت يوجد معاصي؟ إذا كان بالبيت معاص يجوز أن تعاقب بالمحل التجاري، وإذا كان بالمحل معاص يمكن أن تعاقب بالبيت، الله عنده حساب موحد، حساب جار، ليس حساب سندات، كل صفقة بصفقتها. يروون قصة أن شوحة قالت لسيدنا سليمان: اسأل لنا ربك: هل هو عجول أم مهول؟ سيدنا سليمان قال: يا ربي ماذا أقول لها؟ قال له: قل لها: أنا مهول ولست عجولاً، فهي خطفت قطعة لحم وطارت فيها، كان بطرف القطعة بصيص فحم فاحترق العش الخاص بها وبأولادها، قالت له: أن تقل أن الله مهول؟ قال له: يا رب ماذا أقول لها؟ قال له: قل لها: هذا حساب قديم،حساب كامل، انتبه. ببيتك، مع عملك، مع تجارتك، مع قبض المال، مع إنفاق المال، مع جوارحك، حساب موحد، أخي أنا والله لم أعمل شيئاً، هنا كلامك صحيح، لكنك بمكان آخر قد أفسدت: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف (7) الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: الآية الكريمة الثامنة والثمانون بعد المائة من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ الحقيقة هذه الآية، ولها أخوات في القرآن الكريم، من أخوات هذه الآية قل: ﴿َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ( سورة الأنعام: 50 ) من أخوات هذه الآية: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾ ( سورة الأنعام: 15 ) من أخوات هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾ ( سورة يونس: 49.) إذاً إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، فلا أن لا يملك لغيره نفعاً ولا ضرا، من باب أولى. معنى هذه الآية، أن الإنسان مهما أحب النبي، ومهما قدر النبي، ومهما فنيَ في حب النبي، لا ينبغي أن يعبد النبي بدون الله لأن الصديق رضي الله عنه، ما من إنسانٍ على وجه الأرض، كان أشد حباً، وأعظم تقديراً لرسول الله منه، ومع ذلك حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، قال هذا الصحابي الجليل الصديق قولةً لو لم تكن له إلا هذه القولة لكفته، قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. إذاً يجب أن نفرق، بين الحب، والولاء، والتقدير، والتعظيم وبين العبادة، العبادة لله عز وجل، والحب، والتقدير، والفناء في حب النبي، هذا للنبي، لكن العبادة لله وحده. لذلك، يقول الله عز وجل يا محمد قل لهم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ الله هو الخالق، وهو الرب، وهو الإله، والذي بيده الخير والشر، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي يعز ويذل، هو الذي يعطي ويمنع، هو الذي يقبض ويبسط، هو الذي يحيي ويميت، هو الذي يرزق، العبادة للخالق، المربي، المسير، الرزاق، الوهاب المعطي، المانع، القابض، الباسط، العبادة لله عز وجل، والحب والولاء، والتقدير، والتعظيم، والإتباع، للنبي عليه الصلاة والسلام النبي لا يملك أن ينفع أو يضر، لكنك إذا اتبعت سنته تنتفع بها، هو لا ينفعك بالأمر التكويني، لكن ينفعك بالأمر التكليفي. يعني مدرس لا يملك أن يضع على ورقة الامتحان، مائة من مائة وأنت مالك فهمان شي، لكن يملك أن يعلمك الرياضيات، أما الامتحان مع جهة أخرى، هو يعلمك ويرشدك ويفهمك، لكنك ممتحن مع جهة أخرى. إذاً أردت من هذه الآية، أن نفرق بين العبادة، وبين الحب والإتباع العبادة للخالق، للرب، للمسير، للإله، للمعطي، للمانع للرازق، للوهاب، للرافع، للخافض، للقابض، للباسط، للمعز للمذل، العبادة لله هذه الآية، قل يا محمد لأصحابك، قل للأهل مكة: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ما شاء الله كان وما لم بشيء لم يكن. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ في عنا نقطة ثانية، لا يملك أن يعلم الغيب. طيب ماذا نفسر الأحاديث الشريفة الكثيرة، التي وردت عن قيام الساعة، وعن أحوال آخر الزمان، كيف عرف الغيب ؟ قال العلماء، علماء العقيدة، لا يعرف النبي الغيب بذاته، أما إذا أخبره الله عز وجل، عندئذٍ يعلم الغيب. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ( سورة الجن: 26 ـ 27 ) النبي إذا أخبرنا عن أحوال قيام الساعة، وعن آخر الزمان، وعن الفتن هذا ليس علماً بذاته إنما هو علم عن طريق الله عز وجل. إذاً مقام النبي، هو سيد الخلق، وحبيب الحق، سيد ولد آدم ولا فخر، ما طلعت شمس على إنسان أعظم من رسول الله، ومع ذلك لا يعلم الغيب، لماذا ذكرت هذه الآية، ممكن بهذه الآية تنفي مليون قصة، يفتريها ويختلقها أناس يدعون أنهم على صلة بالله. صار التنجيم، والعرافة، والكهانة. من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا قيام أربعين ليلةً. هذه آية خطيرة جداً، لما ربنا عز وجل بقلك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تعلم الغيب أنت، هل يستطيع إنسان كائناً من كان، أن يدعي ماذا سيكون بالمستقبل، لذلك أي سلوك يسلكه من يدعي بأنه مؤمن لمعرفة الغيب عن طريق إنسان، عراف، كاهن، ساحر منجمة، بالقهوة، حظك هذا الأسبوع، هذا كله من وسائل الكفر. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ هذا حجم العبد لله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان مرة عند أحد أصحابه الذين ماتوا، ذهب لبيته ليعزي أهله، كان مسجيا على سرير، سمع النبي من وراء الستار، امرأةً تقول له هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لكان سكوته إقراراً لهذا الكلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ومن أدراك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه، كلمة لقد أكرمك الله، هذا تأله على الله، قال وأنا نبيٌ مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إذاً لا يعلم الغيب إلا الله. )) نحن أردنا بهذه الآية أن نقطع الدجل، أن نقطع الخرافات، أن نقطع الادعاءات، أن نقطع الزعبرة التي يدعيها بعض من يمتهنون الدين، هذه الآية سلاح معنا، النبي عليه الصلاة والسلام بنص القرآن الكريم سيد الخلق، أقسم الله بعمره الثمين قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ ( سورة الحجر: 72 ) قال: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾ (سورة الزخرف: 81 ) ومع ذلك قال قل لهم: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ في حادثة في السيرة، لها دلالة كبيرة جداً، وفد جاء من قبيلة لا أذكرها الآن، طلبوا من النبي أن يعطيهم علماء وقراء، ليعلمونهم أمر دينهم، سبعين قارئ وعالم، أخذوهم وذبحوهم، هل كان يعلم النبي الغيب ؟ لو علم لما أعطاهم هؤلاء، هذه حادثة تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب، إلا أن يعلمه الله، والله أعلمه مئات المرات، أعلمه عشرات مئات المرات عن طريق الوحي، أما أن يعلم هو بذاته مستحيل. فنحن ما نسمع لإنسان يدعي أنه يعلم الغيب، ولا أن إنسان بإمكانه بأن ينفع، أو أن يضر، فإذا كان نفينا عن الإنسان، النفع والضر وعلم الغيب، أعطيناه حجمه الطبيعي، أما مقامه عند الله قد يكن صديق، قد يكون ولي من أولياء الله، قد يكون مؤمن كبير، وقد يكون نبي، وقد يكون رسول، وقد يكون سيد الخلق، ومع ذلك لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر لنفسه، فلئن لا يملكه لغيره من باب أولى. حتى ما نسمح لقصة فيها دجل، فيها افتراء، فيها إفك، فيها ارتزاق بالدين، فيها ابتزاز للأموال، هذا حجم النبي العظيم، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، نعيد الآية مرة ثانية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ هذه بليغة جداً، يعني إذا كنت لا أملك لنفسي، نفعاً ولا ضراً، فلئن لا أملك لكم نفعا ولا ضراً من باب أولى. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ طبعا إلا ما شاء الله، يعني إذا شاء الله لي الخير كان، وإن شاء لي غير ذلك كان، أنا عبد أتلقى من الله عطاءه أو منعه. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ وهو أصبح النبي نذير وبشير، ينذر بعذاب الله في جهنم، ويبشر بالجنة لمن أطاعه، وهو لمن ؟ لمن آمن بالله أصلاً، لمن آمن بالله أصبح له نذيراً وبشيراً، أما الذي لن يؤمن بالله ليس له النبي نذيراً ولا بشيراً، هذه الآية، آية مفصلية بالتعبير الحديث آية مفصلية، يعني لا تقبل قصة خلافا. أخي قال لي أنه بدو يجيني دفعة كبيرة، كذب هذا. قال لي أنه ابنك بدك تزوجه من وحدة غنية كذب، لا تصدق كلام في غيب حتى الجن لا يعلمون الغيب. سيدنا سليمان بقي ميتاً، فترة طويلة جداً، إلا أن جاءت دابة الأرض ونخرت عصاته. ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ ( سورة سبا: 14 ) أعطاهم أمر شاق، ومتعب ومهين، وقد مات لو علموا أنه مات ما بقوا في هذا العذاب. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ أي عصاه. ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ إذاً يا أخوانا الكرام، الأنبياء جميعاً والنبي عليه الصلاة والسلام في رأس القائمة لا يعلمون الغيب، فإذا أدع أحد غير النبي، أنه يعلم الغيب، يجب أن لا نلتفت إليه،وأن نظنه كاذباً، مدجلاً مزوراً للحقائق هذا هو مقام النبي، لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر إلا أن يشاء الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف (7) الجزء الرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: في سورة الأعراف قصص عدة عن أنبياء الله الكرام الذين أرسلهم إلى أقوامهم، الشيء الذي يلفت النظر، بعد أن حدثنا ربنا جل جلاله، عن قصص الأنبياء جميعاً قال لنا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94)﴾ وما أرسلنا في قرية من نبي. هذه الآيات تأخذ طابع القانون، المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم، ومر بآيةٍ، فيها معنى القانون، عليه أن يستمسك بها، وعليه أن يجعلها منهجاً في حياته. مثلاً: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾ (سورة يونس:33) قانون. مثل آخر: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (سورة النحل: 97 ) قانون. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ (سورة طه: 134 ) قانون. ﴿ أَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ﴾ ( سورة يوسف: 52 ) قانون. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ ( سورة الأنبياء: 88 ) قانون. إذا أكرمك الله عز وجل، وقرأت القرآن، ومررت بآية فيها معنى القانون، هذه الآية أكتبها واجعلها في جيبك، واجعلها قانون في حياتك. ذكرت هذه الآيات كي نستأنس بهذا القانون الجديد، بعد أن حدثنا ربنا جل جلاله، عن أقوامٍ كثيرين، أرسل إليهم الأنبياء، وأنزل معهم الكتب هؤلاء الأقوام كفروا،و استهزئوا، وكذبوا فحاط بهم عذاب الله عز وجل. من كل هذه القصص، يستنبط القانون التالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾ معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى، أول شيءٍ يفعله يبلغ الإنسان يبلغه عن طريق نبي، أو عن طريق رسول، أو عن طريق عالم، أو عن طريق داعية، وقد يبلغ الحق عن طريق فاجر، الإنسان في طريق غلط، في معصية، في انحراف، يقال له هذا حرام، وهي الآية هذا لا يرضي الله. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا﴾ هذا في قصر يعني ما من قرية أرسلنا إليها نبياً، فإذا رفض الإنسان دعوة النبي، إذا كذبها، إذا سخر بها، انتقل هذا الإنسان إلى مرحلة أخرى، مرحلة العلاج. أول مرحلة: التبليغ، بالحسنة، كلام، دعوة. المرحلة الثانية: بالعقاب. ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ هؤلاء الذين أصابهم البأساء والضراء، ماذا ينبغي أن يفعلوا ؟ ينبغي أن يتضرعوا، فإذا تضرعوا، توقف العلاج، طيب هؤلاء الذين جاءهم الأنبياء والمرسلين، أو العلماء العاملون، أو الدعاة الصادقون ماذا ينبغي أن يفعلوا ؟ ينبغي أن يستجيبوا، فإذا استجابوا انتهى كل شئ، أن لم يستجيبوا، انتقلوا إلى مرحلة أخرى، مرحلة الشدة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ لماذا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾ فإنسان يأتي ربه بالدعوة الحسنه، و إنسان يأتي ربه بعد الشدة، كلاهما على العين والرأس، واحد يأتي بالحسنة بالكلام لم يستجب بالكلام، لم يصغي، لم يهتم، لم يعبئ، طيب، في طريقة ثانية، بالحمية بطيب، ما احتمى، في عملية، بتحب الحمية أهلاً وسهلاً، بتحب بالعملية في عملية، فلما لم يستجيبوا، لما لم يؤمنوا، لما لم يصدقوا، لم يصطلحوا، لم يعودوا، لم ينيبوا، طيب. ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وهم في البأساء والضراء. إذا تضرعوا انتهى البأساء والضراء، حصل. مثلاً: طبيب قرر استئصال كلية، وقبل أن يجري العملية، عمل صورة أخيرة فإذا بها تعمل ! بكامل العملية ! مستحيل، فإذا: ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾ فإذا تضرعوا، رفع الله عنهم البأساء والضراء. المرحلة الثالثة: دعوا بالحسنة فلم يستجيبوا، ساق الله لهم الشدائد فلم يتضرعوا، قال، حتى قالوا ـ المرحلة الثالثة كي يقطع الله عليهم الحجة، يعطيهم، يمدهم، كانوا في فقر هي مال، كانوا في قحط هي أمطار، كان كل شئ مغلق كل شئ مفتوح. ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ المرحلة الثالثة، مرحلة التبليغ القولي، ثم مرحلة سوق الشدة، والبأساء، والضراء، بالتبليغ القولي عليهم أن يستجيبوا فإذا استجابوا انتهى كل شئ، ما استجابوا جاءت الشدة والبأساء والضراء، عليهم أن يضرعوا، ما تضرعوا، في مرحلة ثالثة الثالثة الإكرام الاستدراجي، إكرام استدراجي، في فقر هي غنى، في شدة هي رخاء، في مرض هي صحة، شو بتحكي، ليقطع الله عليهم الحجة. ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ الحسنة نستهم السيئة، الرخاء نساهم الفقر، الصحة نساهم المرض، يقول لك أصبحت ذكرى. ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾ هي الحياة هكذا، يوم لك ويوم عليك، نسي الله نهائياً، يقول لك هي الحياة مد وجرز، دولاب، مرة لك ومرة عليك، يوم أبيض ويوم أسود، يوم حلو، يوم حامض يوم لفان، نسي الله، نسي القرآن، نسي المعالجة، جعل هذا من الدهر. ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ( سورة الجاثية: 24 ) يسب ابن آدم الدهر يسبني ابن آدم حينما يسب الدهر، وأنا الدهر أقلبه كيف أشاء، لما. المرحلة الثالثة: جاءهم الرخاء، فنسوا بالرخاء الشدة، وقالوا هذه أحوال الناس. ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ المرحلة الرابعة: صاروا جاهزون للضربة القاسمة: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾ هذا قانون. أربع مراحل: أول مرحلة الدعوة بالكلام، الثانية بالبأساء والضراء الثالثة الرخاء الإستدراجي، الرابعة القصم، هذا القانون يطبق على الأمم والشعوب والأفراد. إنسان الله عز وجل يسوقه لك كي يبلغك الحق، ليتك استجبت، ليتك أنبت، ليتك أصغيت، ليتك أهتميت، لا. في بأساء وضراء، ليتك تضرعت، انتهى البأساء، ما تضرعت. في استدراج إكرامي، إكرام استدراجي، خذ، ليتك تأثرت، ليتك شكرت، لا نسيت، وقلت هكذا الحياة، مدٌ وجزر، أخذٌ وعطاء غنى وفقر، صحةٌ ومرض، يوم لك ويوم عليك، حتى قالوا مس آباءنا الضراء، القضية طبيعية جداً، شئ مألوف، سنة محل وسنة خير سنة شدة، سنة فقر، هي المرحلة الثالثة. الرابعة: وضعوا في خانة الإهلاك. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾ أخوانا الكرام هذه سياسة الله مع عباده، وهذه سنة الله في خلقه وهذا قانونٌ مستنبطٌ من قصص الأنبياء، أنا أرى أن أسعد إنسانٍ، هو الذي يستجيب إذا سمع الحق، هذا أرقى إنسان، أعمل عقله، في مرتبة أدنى، حينما تأتي الشدة يستجيب، ماشي كمان على العين والرأس، لعلهم يتضرعون، لكن الثالث جاءه الرخاء، كان بضيقة صار برخاء، كان بفقر صار بغنى، كان مريض تخطيط بخوف طلع ما في شئ، خطأ في التخطيط ما طلع في شئ، بهذا المكان واحد راكب سيارته، طب على المقود جلطة، أخذ إلى المستشفى كان صديقه قريب منه، أخذه على المستشفى، بالعناية المشددة، صحي طلب مسجلة، وشريط كاسيت، المحل الفلاني الذي، لأخواتي أنا مغتصبه، البيت الفلاني، الأرض الفلانية، صرح بكل الحقوق عال والله ! معنى تاب، بعد يومين لقى حاله، ما في شئ أبدا، رجع مشي وين الشريط هاتوا كسره!! بعد ثمانية أشهر ؟ جاءت القاضية ! كان هذا إنذار مبكر، مات فجأةً موت نهائي. فإخوانا قانون دقيق، أول مرحلة إعلام، كلام، إن كنت ذكي جداً على الكلام أبدء، أستفيد، ما أستفد بكلام، في شدة، إن كنت أقل ذكاء تضرع يتوقف البلاء، ما تضرعت، في رخاء استدراجي بالرخاء أشكر يا رب لك الحمد، بدلت فقرنا غنى، وبالرخاء ما أستفدته، المؤمن يفهم على الله، المؤمن عنده حساسية بالغة المؤمن لأدنى ضيق بقلك أنا لازم كون عامل شيء، هي الآية أخوانا الكرام قانون، سنة الله في خلقه. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا﴾ تركيب قصري. ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾ ما تضرعوا. ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ﴾ نسيوا. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾ هنيئاً لمن يستجيبوا بالدعوة القولية. هنيئاً لمن يستجيبوا بعد البأساء والضراء. هنيئاً لمن يأتي بالرخاء. الويل لمن لم يستفد، لا من الدعوة السلمية ولا من البأساء والضراء ولا من الرخاء، هذا عندئذٍ يتعرض لإهلاك الله عز وجل له. لذلك دققوا في هذه الكلمة، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، هو المصبية، إذا الإنسان ضاقت به الدنيا وما تأثر ولا استجاب، ولا صحح، ولا أناب، ولا تاب، هذا ميت القلب، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾ ( سورة النحل: 21 ) كم مرحلة ؟ أربعة: الأولى دعوة قولية، والثانية دعوة عن طريق الشدة، والثالثة عن طريق الرخاء، والرابعة قصم. والحمد لله رب العالمين. |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف (7) الجزء الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام يقول الله في كتابه الكريم في سورة الأعراف الآية الثامنة عشر بعد المائة: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ النبي الكريم، لا يملك نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لغيره ولا يستطيع أن يكره إنسان على الهدى، هي المقاييس. أمامك قطع من الذهب، وهذه القطع، ذهب خالص، من هذه القطع عيار واحد وعشرين، الذهب، ثماني عشر، ست عشر، إحدى عشر، نحاس مطلي ذهب، نحاس ملمع تنك، يحتاج إلى مقياس يعرف عيار العالي من المتدني، فنحن أحياناً نحتاج إلى مقياس، نقيس فيه هذه المقولات في الإسلام، آلاف المقولات، من هذه المقاييس: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ هذا النبي الكريم، سيد الخلق وحبيب الحق، قال له يا محمد قل لهم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ الآن نبحث في القرآن عن مشابهات لهذه الآية: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ( سورة الأنعام: 50) ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ( سورة الأعراف: 118) مشابه ثالث: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ ( سورة الجن: 21 ) ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ ﴿لَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ إذا كان هذا شئن النبي، المعصوم المخلوق الأول، سيد الخلق حبيب الحق، فهل يدعي إنسان في مؤخرة الصف، في الدرجة الدنيا أنه يعلم الغيب ؟ هي القصة، هذه الآيات الثلاثة، ممكن تنفي فيهم مليون قصة، مليون مقولة باطلة بالإسلام، مليون دعوة من بعض الدعاة، مليون سحبة، مليون فرية مليون دجل، مليون تزوير. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب فكيف تأتي إنساناً وتقول له حدثني عن مستقبلي، من أتى كاهناً فقد كفر، من أتى ساحراً ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولا دعاء أربعين ليلة، لا أعلم الغيب، أخي شو اسمك، أنا عندي حساب الأرقام الميم رقمها كذا، أنت أخرتك غني، كله دجل، هناك من يعتقد ذلك، من يقتني كتب، حتى لو قرأت حظك هذا الأسبوع في المجلات فأنت آثم من برج الثور مثلاً، شو يساوي هذا البرج ؟ في صعوبات أمامك في أكمات، في دفعة جانبية، كله كلام فاضي، ولا أعلم الغيب، أبداً النبي الكريم: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ ثلاث مقاييس، تنفي بهذه المقاييس الثلاثة، آلاف القصص الخرافية، آلاف الضلالات آلاف الافتراءات، آلاف الكذب، آلاف أنواع التدجيل، دائما الميزان هو القرآن هذا كتاب من عند الله. إذا كان الله عز وجل يأمر نبيه قل، أن يصرح، ويبين ويؤكد، من دون إخفاء، أنه: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ فلا أن لا يملك لغيره من باب أولى، في آية أوضح: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ واحد جاء النبي وكان طليق اللسان، قوي البيان، قوي الحجة احتكم اثنان إلى النبي، أحدهما ألحن، ذكي، طليق اللسان، عنده قوة إقناع، فأقنع النبي أنه على حق، والنبي قنع مثلاً، وأفتى له، أو حكم له، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لعلى أحدكم ألحن بحجته من الآخر فإذا قضيت له بشيء، فإنما أقضي له بقطعة من النار )) معناها ما استفدنا شي، لو انتزعت من فم النبي حكماً لصالحك لا تنجو من عذاب الله، هي مقاييس دقيقة جداً، لو أن إيمانك كان بهذا المستوى، لا تتكل لا على فتوى، ولا كلام شيخ، رب عادل، هذا كلامه واضح كالشمس. فلذلك، ممكن وأنا لا أبالغ، ممكن إذا حفظت هذه الآيات الثلاث، أن تنفي من خلالها، آلاف القصص الخرافية، المبنية على الخجل، المبنية على التزوير، مبنية على الإيهام، مبنية على المصالح المادية. أشخاص، بدنا نفك السحر، راح لعند هذا قال له بدي خروف مصالح كلها، مصالح، فعليك بكتاب الله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما إن تمسكتم بهما فلم تضلوا بعدي أبداً كتاب الله، وسنة نبيه.)) كتاب الله كتاب خالق الكون، والسنة بيان للكتاب المعصوم. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ ( سورة النجم: 3 ـ 4 ) هي الضمانات كلام الله وحي في مليون دليل على أنه كلام الله إعجازه، والسنة المبينة، الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ عن النبي وقال إنه معصوم، ما عنا ثوابت بالدين إلا الكتاب والسنة، ما قال أحد العلماء الكبار، وأظنه الإمام مالك: ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن سواه، فهم رجال ونحن رجال، كل إنسان يأخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء. فمن أجل أن تنبنى العقيدة بناء صحيح، من أجل أن لا نقع بالأوهام ما نروح فرق حساب، الآن إذا واحد سمع أن النبي سيشفع لنا وافعل ما تشاء أنت من أمة محمد، أمة محمد مرحومة يا أخي، اللهم صلي عليه، زده صلاة، وافرحوا، كل مال حرام، وافعل ما تشاء النبي يشفع لك، فكيف إذا فوجئت يوم القيامة، بأن الله عز وجل يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾ ( سورة الزمر: 19 ) النبي يرى أمته، يقول: أمتي، أمتي، يقال: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، يقول: سحقاً، سحقاً، يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأجسادكم، من يبطئ به عمله، لم يسرع به نسبه احفظ هذه الآيات الثلاث. واحد يقف قدام محي الدين رضي الله عنه وأرضاه وأنا أعتقد بولايته، أنا بدي ولد يا شيخ محي الدين، شرك هذا، إذا كان النبي لا يملك لك نفعاً ولا ضرا، محي الدين يملك لك نفعاً لا ضرا، مستحيل. لنبني العقيدة بناءً صحيح، النبي سيد الخلق، وحبيب الحق سيد ولد آدم المعصوم، الذي يوحى إليه، الذي أيد بالمعجزات، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ولا يملك لنا نفعاً ولا ضرا، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، انتهى الأمر. إذا كان هذا مقام النبي، فما قولك ما دون النبي. فأنت ممكن بهذه الآيات الثلاثة، تنفي الخرافات، تنفي السحبات، تنفي الدجل تنفي الافتراءات، تنفي ما أضيف على الدين مما ليس منه، لأنه آن الأوان أن نصحوا من غفلتنا، آن الأوان أن ننهض، يعني إله الصحابة إلهنا الذي نصرهم ينصرنا، لكن الله قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾ ( سورة النور: 55 ) فيا أخوانا: كتاب الله، وسنة رسوله، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا، مقياس، لا تصدق واحد جاءه ولد لأن حط يده عليه، سحبات كلها هي. النبي عليه الصلاة والسلام، كان عند أحد أصحابه وقد توفاه الله عز وجل، سمع من وراء الستار، امرأة تقول هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي لو سكت كان كلامها صحيح، النبي فقط، لأنه مشرع، أنا إذا سمعت كلام وسكتت ما لي مآخذ، أما النبي بالذات لو سكت لكان هذا الكلام صحيحاً، لأنه سنته وأقواله، وأفعاله، وإقراره إذا واحد حكى قدام النبي كلام، والنبي بقي ساكت هل الكلام صار صحيح، قالت له هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: (( ومن أدرا كي أن الله قد أكرمه، هذا تألي على الله قال لها قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.)) هذه العبودية، هذا حجمك الطبيعي، إذا كنت بحجمك الطبيعي ترقى عند الله، أما إذا كبرت حال تصغر، لا تكبر عند الله إلا إذا كنت عبداً له، إلا إذا اعترفت أنك لا تملك نفعاً ولا ضرا. فكل إنسان يعطيك توجيهات، أنه أنا بقدر أعمل هذا يطلع بواحد يهديه ما هذا الكلام هذا، قال إن الله لا تهدي من أحببت هذه رابعة نسيناها والله. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة القصص: 56) من عباده، مخير الإنسان. إذاً لا يملك لك ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لنفسه ضراً ملا نفعاً ولا يعلم الغيب، ولا يستطيع أن يهدي أحداً، إلا أن يختار الهدى الإنسان. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من يشاء الهداية، يهديه الله عز وجل، أما أنت تلزم إنسان بالهدى لا تقدر. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ﴾ ( سورة الشورى: 52) دعوتك حق، لو واحد اتبعك وصل للحق، أما لا تستطيع أن تكره إنسان على أن يؤمن الإنسان مخير، هذه الحقيقة أربع آيات، أربع مقاييس، لا يعلم الغيب إلا الله، النبي الكريم لا يملك نفعاً ولا ضراً، لا لنفسه ولا ليغيره ولا يستطيع أن يكره إنسان على الهدى، هذه المقاييس. لذلك القرآن هو المقياس، هو المرجع، هو القانون، هو الصح لأنه كلام الله عز وجل. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ( سورة فصلت: 42 ) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانفال (8) الجزء الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ يتوهم المسلمون أنّ أوامر الدين تقتصر على العبادات الخمس التي أشارت إليها الأركان الخمسة للإسلام ؛ من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ونطقٍ بالشهادة. لكن الحقيقة ؛ واسمعوا لهذه القاعدة، أنّ كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب. لذلك أنت أمام، آلاف بل عشرات الآلاف من الأوامر الإلهية، وإذا كنت مؤمناً حقاً فكل آيةٍ قرآنيةٍ تتوجه إلى المؤمنين تشير إلى أمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ ( سورة التوبة:119) هذا أمر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ (سورة الأنفال الآية: 1) هذا أمر: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ( سورة البقرة: 43) هذا أمر، فأيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت حينما تقرأ كلام الله عز وجل، انتبه إلى أفعال الأمر، إذا أتى أمر فلم تتحرك نحو تطبيقه فلست مؤمناً. والآن ما الأمر ؟: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾ ما هي ذات البين، هي النفس التي بين جوانحك، أنت الآن مأمور من قِبَلِ الله عز وجل بآيةٍ قطعية الدلالة، قطعية الثبوت أنْ تصلح ذات بينك، وكيف تصلح ذات بينك ؟ عن طريق تطهيرها من الأدران، وتحليتها بالكمال، عن طريق تطهيرها من الأدران، فأمراض النفس كثيرة، الِكبرُ من أمراض النفس، الأثرةُ من أمراض النفس عدم الإنصاف من أمراض النفس، المحاباة من أمراض النفس، النفاق من أمراض النفس، العجُب من أمراض النفس، الحقد من أمراض النفس، القسوة من أمراض النفس. ﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بتنقية نفوسكم من النقائص، من الأدران، من الأمراض، هذه الأمراض هي التي تعذِّب صاحبها يوم القيامة، بل إن أمراض الجسد تنتهي عند الموت لكن أمراض النفس تبدأ تأثيراتها السلبية المؤلمة الساحقة المُشقية عند الموت. قال تعالى: ﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ لا يُكتفَى بتطهير النفس من الأدران، لا بد من تحليتها بالكمال، تحليتها بالرحمة، بالإنصاف، بالإيثار، بالتضحية بالإكرام، بالالتزام، بالتواضع، هذا هو المعنى الأول، وللآية ثلاثة معانٍ: المعنى الأول أصلح نفسك، والدليل: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ ( سورة: الشعراء 89) إذاً في جزء من وقتك يجب أن تستبطن ذاتك، أن تتأمل هل هناك أغلاط ؟ هل هناك أمراض ؟ هل هناك أدران ؟ هل هناك نقائص ؟ هل هناك أمراض نفسية ؟ أفيَّ حقد وفيَّ كبر ؟ أفيَّ عُجب ومحاباة ؟ أعنديَ نفاق وتدليس ؟ ألديَّ تدجيل وتزوير ؟، هذه كلها أمراض تهلك صاحبها، بعد أن كرمك الله بأن تتخلى، أو أن تتطهر من هذه الأمراض، هل هناك كرم ؟ هل هناك عفو ؟ هل هناك رحمة ؟ التخلية والتحلية، التطهير والتنوير. إذًا حسب المعنى الأول: ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي النفس التي بين جوانحكم، أمّا المعنى الثاني: ﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلح ما بينك وبين إخوانك، فما يكون لديكم تقاطع، ولا تدابر وبغضاء، ولا شحناء، وخصومات، مثل علاقات مالية سيئة، علاقات اجتماعية سيئة. ﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلح ما بينك وبين المؤمنين، وهم أولى الناس بمودتك، وأصلح ما بينك وبين الناس عامةً. فما بينك وبين الناس قد يزول بالاعتذار، بحل مشكلة، فأحيانًا تنشب في خصومةٌ بينك وبين أخٍ، فهديةٌ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((هذه الهدية تذهب بوحل الصدر)) اعتذار، اعتراف، أداء حقوق، طلب مسامحة، تقديم هدية، فهذه العلاقة السيئة، هذه الخصومة، هذه المشاحنة، هذا الحقد، هذا الارتباك، هذا الاضطراب يجب أن يزول، وممكن إزالته وأنت على وجه الأرض، هو قضية سهلة، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، أيْ أدِّ الحق يسامحك، أدِّ الحق يعفُ عنك. المعنى الثالث، أصلحْ ما بين الناس. أولاً أصلح نفسك التي بين جنبيك داخلياً. ثم أصلح ما بينك وبين الآخرين، فهذه علاقة أنت أحد أطرافها. ثم أصلح ما بين شخصين. الإنسان المؤمن دائماً يصلح ولا يفسد، يصل ولا يقطع، فإذا دخل إلى بيت أخته مثلاً، وأثنى على زوج أخته، يقرِّب بين الزوجين، أما إذا ذمَّ زوج أخته، ما هذا البيت ؟! كيف وسعكما ؟! والله يليق بكِ قصر، ماذا فعلت أنت ؟ لقد أفسدتَ بين أختك وزوجها، أما إذا أثنيت على أخلاق صهرك ؛ إنسان شهم، طيب، والأصل الأخلاق يا أختي، وهذا رجل عظيم، وأسأل الله أنْ يكرمه لكل تكرمة، فهذا كلام، وذاك كلام، لكن شتّان بين الإيجاب والسلب. المؤمن دائماً يصلح بين زوجين، بين أخوين، بين شريكين، بين أب وابنه، بين أخ وأخيه، بين شريك وشريكه، دائماً يصلح، ولا يفسد، والشيطان دائماً يفسد، كيف ما تحرك قطع العلائق، فأول معنى، أصلح نفسك، بتطهيرها من الأدران، وتحليتها بالكمال. المعنى الثاني، أصلح ما بينك وبين إخوانك، وكن منصفًا، أدِّ الذي عليك، اعتذر إذا وقعتَ في خطأ، أدِّ الحق إذا كان عليك حق، وإذا كنتَ مقصِّرًا فعالج التقصير، وإنْ تُحل القضية بهدية فقدِّم هدية، وإنْ تُحل بزيارة فزرْهُ، وبادره بالزيارة، لا تسمح ببقاء علاقة متوترة، ولا علاقة متشنجة، لا تَدَعْ حقدًا، أو خصومة، أو انحرافًا يفرِّق بينك وبين الآخرين، أصلح ذات بينك. الحالة الثالثة، أنت تعيش في مجتمع، لك جيران، لك أقرباء لك أزواج بنات، لك أزواج أخوات، لك أصهار، لك أولاد، حاول أنْ تقرِّب بين الناس. لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح. قال لي رجل: شكوت إلى أخٍ أختَه، أخ زوجته، أختك تفعل معي كذا، أختك تفعل كذا. قال له: طلقها، واللهِ هذا أحسن لك، أهذه نصيحة !؟ لكني أقول: هذه قبيحة وليست نصيحة. قال له: طلقها أحسن لك، هذا إنسان مفسد ! فالشيطان دائماً يحلو له الإفساد، تقطيع العلاقات، إيقاع ذات البين، إقامة هوّة بين الناس، المؤمن من صفاته الأساسية، يقرب، يوحد، يؤلف. لذلك أحيانًا كلمة قد تكون مدمِّرة. ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً )) لا يلقي لها بالاً. (( لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)) قال: (( يا رسول الله وهل نؤاخذ بما نقول، قال ويحك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) قضية كبيرة، فهذه آية، لتَكُن القاعدة عندك ؛ وهي أنّ كل أمرٍ يقتضي الوجوب، فأنت لستَ أمام خمسة أوامر في القرآن، صوم، وصلاة وحج، وزكاة، أنت أمام مئة ألف أمر، هذا أمر منها. قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ يجب أن تكون مع المؤمنين، أن تكون معهم بكلِّيتك. قال لك الله عز وجل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ( سورة الكهف: 28) هذا أمر. فاقرأ القرآن، وكلما وقفت على أمرٍ دقق، أين أنا من هذا الأمر ؟ هل أنا مطبقٌ له ؟ فهذا أمر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلح نفسك وحدها، وأصلح ما بينك وبين الآخرين، وأنت طرفٌ، وأصلح بين اثنين، وهذا من صفات المؤمن، والقرآن كما قال سيدنا علي: حمَّال أوجه، أيْ له أوجه كثيرة. إذاً مرة ثانية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾ فإذا حفظ الإنسان هذه الآية، وكلما جلس مع أخ، بيَّن له معناها، ولها ثلاثة معانٍ بسيطة: أصلح نفسك بالاتصال بالله تشفَ من أمراضك. أصلح نفسك بالاتصال بالله تتحلَّ بالكمال، كمِّل نفسك أولاً، وكل علاقة، مع أقربائك، مع جيرانك، مع زبائنك، مع أصحابك، مع زملائك بالمهنة، أصلحها، بالاعتذار، بأداء الحقوق، بتقديم هدية، وكذلك أصلح بين اثنين إنْ كنت تعرف بوجود خصومة بين زوجين، الزوج يكون ابن أخيك فرضاً، والزوجة تكون بنت أختك مثلاً، لا تقل: يصطفلوا ! "ينباعوا بالعزى" ! "فخار يكسر بعضه"، هذا من أخلاق الشيطان، لكنك أصلح ذات بينك، وذات بين الناس. أحيانًا تنشأ بين زوجين خصومة، فالزوج ركِب رأسه، والزوجة ركبت رأسها، فهما يحتاجان طرفًا ثالثًا يوفِّق بينهما، يكون هو كبش الفداء، اذهب وزُرْ أهل الزوجة، وبيِّن لهم شمائل الزوج، وزُرْ الزوج، وأقنعه أنّ زوجته جيدة، وفِّق بينهما، المؤمن من شأنه أن يصلح، والمنافق من شأنه أن يفسد، ودائماً يقطع العلاقات، أمّا المؤمن فإنّه يصلها، والنبي يقول: ((ليس منا من فرق )) ليس منا، يعني برئ النبيُّ منه ومِمّن يفرّق بين الناس، أحيانا يفرق بين علماء المسلمين، يحضر مجلسَ علم، يسمع كلمة فيخطفها خطفًا ولم يفهمها، ينقلها لعالم آخر، سيدي هكذا قال فلان، فما قولكم، فتحرجه أنت بكلام غلط، تحدث أحيانا خصومات بين دعاةٍ، ما السبب ؟ هم كلهم على حق، لكن لأنّ النقل عنهم غلط، النقل عنهم كان مغلوطًا. فالمؤمن يصلح دائمًا، ولا يفسد، يصل ولا يقطع. آخر حديث: ((أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضى، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعف عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً )) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانفال (8) الجزء الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد. أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة الأنفال آيات، وهذه الآيات أرقامها عشرون وواحدة وعشرون واثنتان وعشرون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾ من أدق الآيات المتعلقة بالسماع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ تعرضوا عنه، لا تديروا ظهوركم لهذه الدعوة، لا تنصرفوا عنها، هي تولوا عنه. ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾ يعني كتاب الله يتلى عليكم صباحاً ومساء، تستمع لهذا الكتاب، بالمناسبات الحزينة، في عقود القران أحياناً، تسمع في الإذاعة أحياناً، تقرؤه كل يوم، أنت بين يديك كتاب الله عز وجل، إذا أردت أن تخاطب الله فادعُهُ، وإن أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن. ﴿لَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾ مثلاً إنسان يقرأ القرآن، يستمع للقرآن، بلَغَهُ القرآن، يَفهمُ القرآن، ثم تجده يتعامل في بيته وفي تجارته بخلاف أحكام القرآن. لذلك ورد في الحديث أنه: ((ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه)) وورد أيضاً: (( رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه )) وإذا قلت: صدق الله العظيم، ولم تكن مطبقاً لأحكام القرآن، فهذا كلام منكَ غير صحيح، أنت ما صدقته، أنت في الحقيقة تكذبه. والاتجاه الجديد حاليًا في العالم كله، أن الإنسان لا يُقَيَّم أبداً من أقواله ولا من معتقداته، بل يُقَيَّم فقط من سلوكه، لأن سلوك الإنسان هو الترجمة الحقيقة لمعتقداته وتصوراته، فإذا قال إنسان: أنا مؤمن بالله، وأسعى للآخرة، وأخاف دخول جهنم، ولم تر في عمله ما يؤكد ذلك فهو كاذب. فبالسلوك إذًا التقييم الحقيقي، لأنّ رفع الشعار سهل، الادِّعاء سهل، دعوة الانتماء سهلة، كل إنسان لسانه يتكلم كما يشاء لكثرة الكذب والدجل والتزوير والانتماءات الباطلة، والادعاءات الفارغة لدى الناس. لذلك اتَّجه الناس الآن إلى تقييم الإنسان لا من أقواله، ولا من تصوراته، ولا من إشاراته، ولا من لفتاته، بل من عمله فقط، هذا المعنى تؤكده هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾ أيْ تسمع القرآن، والآية الأخرى تقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ( سورة النور: 30 ) فكيف تطلق بصرك في الحرام، والآية تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ ( سورة البقرة: 221 ) كيف ترضى لابنتك زوجًا غنيًا ولا يصلي، وليس فيه دين. والله عز وجل قال أيضًا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ( سورة البقرة: 276 ) فكيف تتعامل تعاملاً ربوياً. والله عز وجل يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ( سورة التوبة: 103 ) فكيف تقصر في دفع الزكاة. والله عز وجل يقول: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾ ( سورة يوسف: 52 ) فكيف تحتال على بعض الناس ؟. إنّ القرآن بين أيدينا، وعلى الإنسان أنْ يكون صادقًا مع نفسه، يعني هذه النشاطات الفارغة، كل عبادة لا تكلف شيئًا يبادر لها، أما عند الدفع، عند الحلال، عند الحرام، عند الأخذ، عند العطاء، عند أداء الحقوق، عند الاعتراف بالحقوق يقول: عليك بالمحاكم، أهذا شأن المؤمن ؟ يقول لك: هذه المحاكم أمامك، يجب أن تؤدي الحق من دون دعوى إنْ كنتَ مؤمنًا، ومن دون محكمة، فالمؤمن وقَّافٌ عند القرآن، يؤدِّي كلّ حقٍّ عليه. ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾ الآية التي بعدها: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾ ذكرت هذا قبل فترةٍ في بعض أحاديثي، ماذا أراد الله بكلمة أننا سمعنا ؟! وقد ذكرتُ يومها مثلاً يوضِّح الآية. إذا شاهد شخصٌ على كتف صديقه عقربًا، وقال له: العقرب العقرب ، فالذي على كتفه العقرب قال بهدوء وراحة وبساطة: أنا أشكرك أشدَّ الشكر على هذه الملاحظة القيِّمة، وأنا لا أملك إلا أن أعبِّر عن تقديري الجزيل لهذه اللفتة البارعة، فقد سمع ما قال له، وحذَّره، فإذا بقي هادئًا، فلعلّ اهتزاز الصوت وصل إلى طبلة أذنه ولم يفهم شيئًا، فالعلماء يفرقون بين الصوت والكلام، ممكن أنْ تسمع ضجيجًا، وممكن أنْ تسمع من بعيد إنسانًا يتكلم، لكنّك لم تفهمْ من كلامه شيئًا، فهذا يعني صوتًا، اهتزاز بوسط مرن، هذا هو الصوت، لكن مضمون هذا الصوت هل فهمته ؟ لا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾ يعني أنّ الله عز وجل أراد بالسماع التطبيق، شيء طبيعي إذا قيل لإنسان: على كتفك عقرب فانتبه، أن يقفز، ويهيب واقفا، وأن ترتعد مفاصله، وبعد أن يزيله عن كتفه يقول: شكراً، أما إذا جامله، معنى ذلك أنه ما سمع قولَه، لقد سمِع صوتًا، ولم يفقه له معنًى. فحينما يخاطب المؤمن خطاباً معيناً ولا يتحرك، فهذا المؤمن إنْ لم يتحرك فهذا لم يفهم مِن الخطاب شيئًا، نحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام، والله عز وجل قال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ( سورة الأنفال: 72 ) فإذا لم تأخذ موقفًا عمليًا، وإذا لم تتحرك، ولم تقف موقفًا إيجابيًا، ولا اندفعت، ولا أعطيت، ولا منعت، ولا وصلت، ولا قطعت، ولا غضبت، إن لـم تتحرك، بناءً على معتقداتك، فهذا الاعتقاد السلبي الذي لا يقدم ولا يؤخر لا شأن له عند الله. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾ لو سمعت الحق لأمضيت الوقت كله في التقرب إلى الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث: ((إنّ روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة عليّ. )) جاء في الحديث الشريف أنه: ((ما من بيت، إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله، وانقطع رزقه، ألقى عليه غم الموت، فغشيته سكراته، فمن أهل البيت، الناشرة شعرها والضاربة وجهها، والصارخة بويلها، يقول ملك الموت: ممَّ الفزع ؟ وممَّ الجزع، ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإنّ لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً )) يقول عليه الصلاة والسلام: ((فو الذي نفس محمد بيده، لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم.)) كثير ما تلاحظون أنه عندما يموت الإنسان، إذا كانت يده قابضة يفرحون، هو طبعاً في حزن معلن، يطيلون شعرَ ذقونهم، يلبسون الأسود، لكن عملياً يفرحون، لقد أخذوا الثروة، فهذا الذي فرح ألم يعلم أنه حين يموت سيفرح الآخرُون مثل فرحه هو يوم أخذ الثروة. منذ عدة سنوات توفي إنسان بهذه البلدة، وترك ألف مليون ! أحد الورثة نصيبه مئة وعشرون مليونًا، ترك عمله، وترك محله التجاري، وشمّر وبدأ يتابع حصر الإرث، إنّه مبلغ ضخم، لم يدخل إلى محله التجاري ستة أشهر، وهو يتابع معاملة الميراث، وفي أحد الأيام دخل الحمام ليغسل فسقط ميتاً، قبل أن يأخذ قرشاً واحداً. هذه الحياة، فلذلك على الإنسان أنْ يحتاط. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾ معنى ذلك أنّ الله عز وجل يعني بالسمع أنْ تستجيب، أعطاك أمرًا لتنفيذه، هذا السماع، وإلا فهذا الإنسانُ ميت إنْ لم ينفذ الأمرَ، ثم يقول الله عز وجل - يا لطيف ما أدقَّ هذه الآية: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾ يوصف بأنه ذو ضرس طيب، أذواقه في الدنيا عالية، يعرف من أين تؤكَل الكتف، قناص درجة أولى، يأخذ حقَّه حقَّ غيره، لسانُه له سبع شطلات، أما عند معرفة الحقوق، وعند معرفة الله، فهو جاهل. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾ مرة التقيت شخصًا أجنبيًا، قلت: لعلى أُلقي على سمعه بعض الكلمات التي تذكِّره بالله عز وجل، فذكرت له كلامًا موجزًا عن عظمة الخالق، ففوجئت أنه يقول لي: هذه الموضوعات لا تعنيني، ولا أهتم لها، ولا أُلقي لها بالاً، لا يعنيني إلا ثلاثة أشياء ؛ بيتٌ واسع، وسيارةٌ فاخرة، وامرأةٌ جميلة. طيلة حياتي ما تذوقت هذه الآية، كما تذوقتها حينما سمعت كلامه، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ وقال عز وجل: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ( سورة النحل: 21 ) شخص عربي مسلم جلس في أمريكا بحديقة عامة، وجلس إلى جانبه رجل أمريكي الأصل، وهذا المسلم العربي لونه غامق، فسأله الأمريكي: أنت من هنا ؟ ولو قال له: نعم لما كلمه إطلاقاً، بسبب التفرقة العنصرية في تلك البلاد، قال له: أنا من الشرق، من أين ؟ قال: من البلد الفلاني، قال: أنا مسلم، قال له: حدثني عن الإسلام، هذا رجل عالم، فشمَّر وبدأ يعطيه خلال ساعةٍ خلاصةً مركزةً عن الإسلام، بعد أن انتهى، مدَّ يده إلى جيبه وأخرج دولارًا، ثم قال له: أمّا أنا فهذا هو ربي. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ يعني إذا كان الشخص فيه خير من تلك البلاد فلا بد أنْ يسوقه اللهُ إلى بلد مسلم، أو أنّ الله يدله عليه، فهذه الآية دقيقة، يقول بعض الناس: هؤلاء قد تركهم الله وشأنهم، ليس هذا صحيحًا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ هذه الآية فيها بشرى لنا جميعاً، إذا أسْمَع الله شخصًا الحقَّ فماذا يُفهَم من ذلك ؟ أن الله علم فيه خيراً، المعنى المخالف. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ طبعاً ما أسمعهم، لأنه لم يعلم فيهم خيراً، فإذا أسمع الله عبداً الحقَّ، فماذا يعني ذلك ؟ أنه علم فيه خيراً، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى، شاءت حكمته أنْ تولد أنتَ في بلاد المسلمين، فهذه رحمةٌ من الله عز وجل. أحد إخواننا كان في بلد أجنبي، يعمل سائق تكسي، ركبت معه امرأة وهي تبكي، وهو يقود السيارة، سألته لمَ لمْ تسألني عن سبب بكائي ؟ فقال لها: هذا لا يعنيني، قالت له: أبي يمارس معي الجنس منذ عشرين عامًا، واليوم قدَّمت في حقه شكوى، فقد كان زنى المحارم شائعًا هناك. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾ إذًا: ﴿َلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾ هذه الآيات دقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾ يعني شر الدواب، "شر" اسم تفضيل، شر دابةٍ على وجه الأرض، الذي يأكل ويشرب، ويستمتع، لكنه لا يعقل، لا يسمع ولا يفكر. ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ وليس فيهم الخير. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ هذه الآية قد تذوقتُها، عندما قال لي الأجنبي،: هذه الموضوعات لا تعنيني أبداً، ولا أهتم لها، يعنيني زوجة جميلة، وبيت واسع، وسيارة فاخرة، فقط، فلا ترهِقْ نفسك معي ولا تتعب. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾ السماع عند الله ماذا يعني ؟ التطبيق، وإنْ لم تطبّق فما سمعت شيئًا، السماع يعني التطبيق، الآيات بين أيدينا، القرآن بين أيدينا، الله يسره، تقرؤه وقد طُبِع بخط جميل، تسمعه بشريط، وتسمعه بمولد، وتسمعه في تعزية، هذا شيء دقيق، لكنّ السماع عند الله يعني التطبيق، فإن لم تطبق فأنت لم تسمع ولم تفهم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانفال (8) الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام ؛ الآيات الثانية، والثالثة، والرابعة، من سورة الأنفال، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(4)﴾ هذه التعريفات للمؤمن لها وظيفتان. الوظيفة الأولى: أنْ تعرف نفسك من خلالها. الوظيفة الثانية: أنها تحدد الهدف أمامك. تعرف وتتجه، فلو قلت لك مثلاً: إن الوردة الطبيعية تنمو، وهي ذات رائحة فوّاحة، وأنت عندك وردة لا تنمو، وليس لها رائحة فواحة، فمعنى ذلك أنّها مِن بلاستيك، فهذا التعريف الدقيق للورد الطبيعي يجعلك تقيِّم ما عندك، فـ "إنما" أداة قصر وحصر، يعني المؤمن هكذا، وخلاف ذلك ليس بمؤمن، تقول: إنما العلم بالتعلم، يعني ليس ثمّة طريقة أخرى لكسب العلم إلا بالتعلم، تفيد القصر، مثلاً، تقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر: 28 ) يعني العلماء وحدهم يخشون الله، وليس أحدٌ سواهم. يجب أن نعرف ماذا تعني "إنما" ؟ إنما أداة قصر، وأداة حصر، إذا قلنا: شوقي شاعر، فقد يكون شوقي كاتبًا كذلك وتاجرًا، وحقوقيًا، وقاضيًا. أما إذا قلنا إنما شوقي شاعر، يعني أنّه شاعر فقط، قصرنا شوقي على الشعر، لو قلنا: إنما الشاعر شوقي، يعني ليس هناك شاعر آخر، هو وحده الشاعر، فإذا المؤمن عرف ماذا تعني كلمة "إنما"، وقرأها في القرآن الكريم يصبح فهمه للآية دقيقاً. قال لك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ( سورة الحجرات: 10 ) يعني إن لم تشعر بهذه الأخوة مع المؤمنين فلست مؤمناً، إذا كنت تبغضهم وتحسدهم، وتتمنى أن يفشو الخبر السيئ عنهم، تتمنى تدميرهم، فلست مؤمناً قطعاً، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ ( سورة التوبة: 50 ) فقد صاروا منافقين، فحيثما قرأت "إنما" في القرآن الكريم مثل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ومثل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ونحو: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إن لم يكونوا كذلك فليسوا مؤمنين، أما لو قلنا: المؤمنون وجلت قلوبهم، فليس في الآية قصر، وجلتْ قلوبهم أَوْ لا، وغيرهم قد وجلت قلوبهم، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قصرنا هذا الحال النفسي على المؤمنين، فمن لم يشعر بهذا الحال النفسي فليس مؤمناً، ولقد أردت من هذه اللقطة، أو من هذه النظرة اللغوية، أنكم كلما قرأتم آيةً قرآنيةً فيها كلمة: " إنما" فاعلموا أنّ "إنما" تفيد القصر والحصر، ولو أنّ الله عز وجل قال: العلماء يخشون الله، يعني هذا الكلام أن غير العلماء كذلك يخشون الله، أما إذا قلت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشـون الله، إذا قلت: المؤمنون إخوة، هذا لا يمنع أن يكون الكفار إخوة أيضًا، والمنافقون إخوة، أما إذا قلت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي الأخوّة محصورةٌ ومقصورةٌ بين المؤمنين، ومن لم يشعر بهذه الأخوّة فليس مؤمناً، والكلام واضح. وآيات اليوم التي نحن بصدد الاستفادة منها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني أنّ الله عز وجل يذكِّر بآياته الكونية، يذكِّر بآياته التكوينية، يذكر بآياته القرآنية، وتذكر أيضًا أسماؤه الحسنى، تذكر صفاته العظمى، يذكر فضله، تذكر عظمته، يذكر حلمه، تذكر رحمته، تذكر قدرته، ثم لا تضطرب ، ولا تهتز لك حاسة ، ولا تشعر بقشعريرة بجلدك، لا تشعر بوجلٍ في قلبك، لا تضطرب ، لا تبكي لا تتأثر، فلست إذًا مؤمناً، فالقلب ميت. ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ( سورة النحل: 21 ) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ ( سورة فاطر: 22 ) ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياء إذاً هذه الآية مقياس وهدف، هذا هو الهدف، وذاك هو المقياس، قِس نفسك، المتر مئة سانتي، عندك قطعة قماش قسها، أنت ظننتها ستة أمتار، وهي متر واحد، المقياس أمامك. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ لذلك العلم غذاء العقل، والذكر غذاء القلب، والطعام والشراب غذاء الجسم. أنت أيها الأخ الكريم، بحاجة ماسة إلى أغذية ثلاثة ؛ غذاء لجسمك، هذا شيء معروف، وغذاء لعقلك، وهو العلم، غذاء لقلبك، وهو الذكر. واستمع إلى قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ ( سورة الرعد: 28) استمع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن القلوب لتصدأ، قيل وما جلاؤها ؟ قال: ذكر الله، فإذا أردت أن تطمئن، أن تستقر، أن ترتاح نفسك أن تسعد، فأكثر من ذكر الله، ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند ملككم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فيضربوا أعناقكم وتضربوا أعناقهم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله.)) لذلك نحن بحاجة إلى الذكر، كي يغذى القلب، وكي يذهب عنه القلق والخوف والقهر. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ العقل يؤمن، لكن كلما رأى برهانًا جديداً وآية جديدة ازداد إيماناً، لذلك قال العلماء: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالأدلة والآيات والروائع القرآنية، وينقص بالإهمال، إذا توقف الإنسان عن طلب العلم، فمثلاً طبيب، إذا بقي على معلومات الجامعة، فبعد عشر سنوات ينسى معظمها، يبقى على معلومات بسيطة، فالطبيب إذا لم يتلقَّ العلم بشكل مستمر فلن يواكب العصر، فمن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، إذاً أنت بحاجة إلى غذاء للقلب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وبحاجة إلى غذاء للعقل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ محصلة غذاء القلب مع غذاء العقل، وعلى ربهم يتوكلون، حال التوكل لا يعرفه إلا من ذاقه، يعني ملك الملوك، يدافع عنك، يحبهم ويحبونه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)﴾ ( سورة مريم: 96 ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ( سورة الحج: 38 ) فربنا عز وجل يحفظ المؤمن قال سبحانه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾ هذا الدين كله إحسان واتصال، حركة أفقية نحو الخلق بالإحسان إليهم، وحركة علوية نحو الله بالاتصال به، هذا الدين، هذا الدين في أدق تعاريفه، وفي أوجز تعريفاته، اتصال بالخالق، وإحسانٌ للمخلوق. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾ يصلي وينفق، ويذكر الله ويزداد علماً، العلم غذاءٌ لعقله، والذكر غذاءٌ لقلبه، ويخدم الناس ويتصل بالله. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾ لهم درجات عند ربهم ومغفرةٌ، للماضي، ورزقٌ كريم، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، آيات موجزات عرفتك بالإيمان، الإيمان غذاء للعقل، بالآيات الكونية، والتكوينية، والقرآنية، والإيمان ذكر للقلب، للطمأنينة، والإيمان اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق. النتائج، التوكل، وعلى ربهم يتوكلون لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا الطريق، يعني أنّ شخصًا معه عملة، بعضها مزور، أخذ مقياسًا ليفحصها، فوجد ثلاثة أرباعها مزورًا، انتبهْ هذا مقياس لفحص العملة، وهذه الآية مقياس فحص، وتحديد هدف، تُعرفك من أنت، تحجم حالك، لأنّ كل إنسان لا يرضى عن رزقه لكنه يرضى عن عقله، يظن نفسه أعقل الناس، ويرضى عن إيمانه، ويظن أنه في صفّ الصديق، لكن لا شي في حياته العملية يؤكد ذلك. إذاً هذه الآيات، تعريف، تحجيم، تقييم، قياس، وهدف، اجعلها هدفًا، اجعل هدفك أنك إذا ذكرت الله طَرِبَ قلبك، وإذا تلوتَ آياته ازداد إيمانك، واجعل همك الأول الاتصال بالخالق، والإحسان إلى المخلوق، عندئذٍ يحسن توكلك على الله، ويغفر الله لك ما سلف منك، ويرزقك رزقاً كريماً. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الانفال (8) الجزءالرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الثانية والسبعون من سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ الهجرة أيها الإخوة ؛ ونحن هذه الأيام نعيش ذكرى الهجرة، الهجرة هي المظهر العملي للإيمان. الإيمان: ما وقر في القلب، وأقره اللسان، وصدقه العمل. فالإنسان أيها الأخوة ؛ إذا آمن بالله، آمن بالله ولكنْ من دون حركة نحو الله فذلك مستحيل ، آمن بالله من دون تطوير لنمط حياته فهذا مستحيل، آمن بالله من دون تغيير لطريقة كسب المال فهذا ليس إيماناً. فكأن الله سبحانه وتعالى أراد من الهجرة، معناها الواسع، والهجرة لها معنى ضيق، ولها معنى واسع، فمعناها الضيق الانتقال من مكة إلى المدينة في عهد النبي، لكن باب الهجرة أغلق بعد الفتح، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح.)) لكن باب الهجرة مفتوح إلى يوم القيامة، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، باب الهجرة مفتوح، من دار الكفر إلى دار الإسلام، ويبقى هذا هو المعنى الضيق. لكن المعنى الواسع: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، لما يرتاد الإنسانُ بيوتَ الله، ويدع الأماكن الموبوءة فقد هاجر إلى الله، ولما ينضم الإنسان إلى المؤمنين، ويأنس بهم، ويدع الفسقة والفجار، فقد هاجر إلى الله، ولما يأوي الإنسان إلى بيته ويجعله كهفه في زمن الفتن، والانحرافات، والضلال فقد هاجر إلى الله، وحينما يدع الإنسان الحرام، ويأخذ الحلال فقد هاجر إلى الله. فالهجرة بمعناها الواسع الانتقال من المعصية إلى الإيمان، من التفلُّت إلى الانضباط، من مجتمع الكفار، إلى مجتمع المؤمنين، من تقليد الكفار، إلى تقليد المؤمنين، من التخلي عن أهل الدنيا، والانضمام إلى أهل الدين، هذا المعنى الواسع، وهذا المعنى يسع الناس في كل زمان، وفي كل مكان، وأجمل ما في الموضوع الحديث القدسي، الذي يقول الله جل جلاله فيه: ((عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ )) الهرج الفتن، يعني إذا كان الطريق، مليئًا بالكاسيات العاريات، فغضُّ البصر حينئذٍ هجرة، ولزومُ مجالس العلم هجرة، والالتجاء إلى بيوت الله هجرة، والانضمام إلى المؤمنين الصادقين هجرة. ((عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ )) هذا ما يقوله الله عز وجل في الحديث القدسي. لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال مرةً: ((اشتقت لأحبابي قالوا أو لسنا أحبابك، قال لا: أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على جمر أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم قال: بل منكم، قالوا: ولِمَ ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون )) الإنسان إذا تديّن حقًّا، وإذا استقام حورِب من كل الناس، حتى من أهله، وزوجته، وأولاده، حتى من أقرب الناس إليه. هكذا، قال عليه الصلاة والسلام: ((بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء أناسٌ صالحون في قوم سوءٍ كثير. )) فإذا شعرت بالغربة فهي علامة صادقة على إيمانك، يقول بعضهم: أخي الناس كلهم فسقة، الناس كلهم منحرفون، وأنا منهم، وإلاّ فأين أذهب، ثم يعايشهم، أمّا أنت إن شعرت بالغربة فهذه علامة طيبة، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ ( سورة يوسف: 103 ) إخوانا الكرام ؛ إنّ الأحداث التي مرت بعهد النبي أحداثٌ ساقها الله عز وجل لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، ليقف النبي منها موقفاً كاملاً، ليكون هذا الموقف تشريعاً إلى يوم القيامة، لأن هذه الأحداث تتكرر. الأحداث التي وقعت في عهد النبي، ليست أحداثاً تاريخية وقعت ولن تقع، وقعت وسوف تقع، وسوف تقع دائماً. لذلك جاءت في عهد النبي، ووقف منها النبي موقفاً كاملاً، ليكون هذا الموقف موقفاً تشريعياً لمَن كان في عصره، ولمَن بعده إلى يوم القيامة. أول درس أيها الأخوة من الهجرة ؛ أن الهجرة تعلمنا أنه إذا تعارضت مصالحك مع مبادئك فعليك بالمبادئ، إذا تعارض حبُّك لبلدك ولمكان إقامتك مع طاعتك لله عز وجل، فابحث عن مكانٍ تطيع فيه الله عز وجل. ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ( سورة النساء: 97 ) طبعا هناك كثير من الأقطار أو القرى أو المدن تلجأ إليها، ففي العصور الوسطى حدَث اضطهاد ديني، فالذين رضوا بالاضطهاد الديني، تفلَّتتْ أمورهم، وتركوا عباداتهم، وأطلقوا لبناتهم العنان إرضاءً للمضطهدين، ضيعوا دينهم وآخرتهم، لكن الذين فروا بدينهم هم كثيرٌ، فرُّوا بدينهم من الاضطهاد الديني، فقد أنقذوا آخرتهم. فالإنسان إذا كان الخيار صعبًا لديه، بين أن يقيم شرع الله، وبين أن يترك، عليه أن يطيع الله في أي مكان آخر، هذا أول درس. الدرس الثاني أيها الإخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا بحادثة الهجرة أنّ أخذ الأسباب لا يتناقض مع التوكل، فقد رَسَمَ خطّةً محكمة، وغطّى كل الثغرات، أولاً سار باتجاه البحر، وربض في غار ثور، وكلف إنسانًا لتقصي الأخبار، وإنسانًا لموح الآثار، وإنسانًا ليأتي له بالزاد والأخبار، واستأجر خبيرًا في الطريق، لقد هيَّأَ كلَّ شيء، هذا هو الأخذ بالأسباب، ومع ذلك كان متوكِّلاً صادقًا. أيها الإخوة ؛ المسلم الصادق يأخذ بالأسباب، ويتوكل على رب الأرباب، لأنّ عنده منزلقين. أول منزلق: أن يأخذ بالأسباب وأن يعتمد عليها فيقع في الشرك. ثاني منزلق: إنْ لم يأخذ بها وقع في المعصية. فأنت أيها المسلم بين معصيتين، أن تأخذ بالأسباب وتقع في الشرك، أو أن تدع الأخذ بالأسباب فتقع في المعصية، وما سبب تخلف المسلمين إلا أنهم أخذوا بالأسباب، واعتمدوا عليها، فأشركوا فأحبط الله أعمالهم، وإما أنهم تركوا الأخذ بالأسباب، لفهمٍ ساذجٍ للتوكل، وقعوا في المعصية، فلم يستحقوا نصر الله عز وجل. هذا درسٌ بليغ، يجب أن يضعه كل مسلم نصب عينيه في حياته اليومية كلها، في كل شأنٍ من شؤون حياته، حتى في شأن صحته، سمِّ الله وكُلْ، والتفاحة ليست مغسولة، هذا ليس توكلاً، هذا عدم أخذ بالأسباب، ألا تلقح أولادك ؟ يا أخي، أنا على الله متوكل، هذه غفلة ومعصية، عدم الأخذ بالأسباب معصية، وأن تأخذ بالأسباب وتقول لا يوجد شيء، وأنا عملت مراجعة للسيارة وهي جاهزة للسفر، لن يحدث معي شي يسوؤني، هذا شرك، لأنّك اعتمدت عليها، الله عز وجل قادر أنْ يخلق لك مشكلة، وأنت آخذ بكل الأسباب. أيها الإخوة: من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى، ومن أخذ بها واعتمد عليها فقد أشرك، والنبي علمنا بالهجرة، كيف أنه أخذ بالأسباب، فلما جاؤوا إليه توكل على الله، وصلوا له، رغم كل الأسباب، وصلوا إلى غار حراء، فلأنه لم يعتمد عليها، ولو اعتمد أنه عليها لانهار، لكنه أخذ بها، طاعةً لله، ولم يعتمد عليها، بل اعتمد على الله عز وجل، لذلك لم يخف أبدًا. قال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما، قال أبو بكر: لقد رأونا، قال: يا أبا بكر، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾ ( سورة الأعراف: 198 ) يبدو أن أحد المطاردين وقعت عينه على عين أبي بكر رضي الله عنه، قال له: لقد رأونا، فقال له عليه الصلاة والسلام: ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾ أنت حينما تأخذ بالأسباب، ولا تكفي الأسباب، فالله يرمم لك إياها، أنت حينما تأخذ بالأسباب، ولا تكفي الأسباب، فالله يتولى الباقي، أما إن لم تأخذ بها، فهذه استهانةٌ بنظام الكون، وهذا استخفافٌ بنظام الله عز وجل، أما إذا أخذتها واعتمدت عليها، ونسيت الله، فقد أشركت، وهذا الدرس الثاني. الدرس الثالث أيها الإخوة ؛ هذا الحديث الشريف، والله أتمنى عليكم أن يكون أمامكم في كل ساعة. (( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) أقسم بذات الله، زوال الكون أهون على الله من أن يدع مؤمنٌ شيئًا لله ثم يخسر. (( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) أحد الصحابة، حينما بايع النبي بيعة الهجرة، عقبة بن عامر الجهني وعنده غنيمات، يحرص عليها حرصاً بالغاً، فكان يقول لأصحابه: اذهبوا أنتم إلى رسول الله، ودعوني مع الغنمات، يخاف عليها، لأنّها كلها رأس ماله، لكنه لم يلبث أنْ أجرى محاكمة مع نفسه، أنا إلى متى أسمع عن النبي، ولم أسمع منه مباشرةً، فترك الغنيمات وذهب إلى النبي يسمع منه بنفسه وتصحبه سحابة يومه، هذا الإنسان صار فاتح مصر، وفاتح الشام، وفاتح جزيرة رودس في البحر المتوسط، وصار أكبر عالم من علماء الصحابة، وأكبر قارئ قرآن، لمَّا ترك الغنيمات، وكان مجرد راعٍ، فصار عالمًا جليلاً، وصار واليَ مصر، وفاتح الشام، وفاتح رودس. (( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) أنا لن أقول لك جرِّب الله، ولا أقول لك شارِط الله، ولكن أنقلُ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم، تركُ أمرٍ لله، تركُ مبلغ لله، إذا لم تأخده أضعافًا مضاعفة بطريق حلال، فإنّ الدين يكون باطلاً. (( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) دائماً كن مع الله، دائماً كن مع الحق، ضع مصلحتك تحت قدمك، قل: يا ربِّ أبتغي رضاك، والله عز وجل لا ينساك. الخلاصة في الهجرة ثلاثة دروس: أول درس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كلفني ترك بلدي، فإذا مُنِع المسلم من الصلاة، مُنِع أن يقيم شعائر الله. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فلا عذر لك أبدً، لكن نحن والحمد لله نقيم شعائر الله بشكلٍ رائع، وما من بلدةٍ في العالم كهذه البلدة الطيبة، التي يعرف الجميع أن الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي: ((رأيت عمود الإسلام قد عمد به إلى الشام.)) هذه نعمة كبيرة، وإن شاء الله في بدرس قادم، نتحدث عن الهجرة المعاكسة، كيف أنّ الإنسان لمّا يترك بلدًا فيه مجالس علم، وتقام فيه شعائر الله عز وجل، من أجل الدرهم والدينار، يضيع دينه، وعرضه، وأولاده، هذه هجرة معاكسة، في سبيل الشيطان. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 06:04 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.