منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-29-2018 08:06 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس التاسع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ الثامنة والسبعون والتي بعدها من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
قد يسأل سائِلٌ ؛ كيف نُوَفِّقُ بين الشَّجَر الأخْضَر الذي لا يشْتَعِل، وبين النار التي تَحتاج إلى شَجَرٍ يابِس ؟ فَكَلِمَة أخْضَر لا تتناسَب مع الاشْتِعال ! قال بعض العلماء: إنَّ هذا الشَّجَر ما كان له أن يكون لولا الورَقَة الخضْراء ! فالوَرَقَة الخضْراء هِيَ مَعْمَل قرأتُ عنها في مَوْسوعَة عِلْمِيَّة أنَّ أعْظَمَ معْمَلٍ صَنَعَهُ الإنسان كالمُفاعِل النَّوَوِي ومعمل كمبيوتر، ومعمل طائِرات، كلّ هذه لا ترْقى إلى مُسْتَوى الورَقَة ! لأنّ هذا النَّبات يأخُذ من الأرض الماء وقد أذيبَت في أملاح المعادِن ففي الأرض يوجَد الحديد، والمغنزيوم، والبوتاسيوم، فحينما تسْقي الأرض ؛ هذه المعادِن التي هِيَ على شَكل أملاح تَذوبُ في الماء وهذا النَّبات يمْتَصُّ هذا الماء بِطَريقَةٍ عجيبة لأنَّ قانون الجاذِبِيَّة أنَّ السَّوائِل تسْقط من الأعلى إلى الأسْفَل، وهذا الماء يصْعَد مِن جِذْر النَّبات إلى أعلى ورقَةٍ فيه، وقد تزيد بعض الأشْجار عن ثلاثين مترًا إلى الأعلى، وكلّ هذا بِطَريقة اسْمُها الخاصَّة الشِّعْرِيَّة، فهذا الماء المُحَمَّل بأملاح المعادِن يصْعَد في النبات مِن خِلال أوْعِيَّة، هذه الأوْعِيَة كَشرايين الرِّجْل تقريبًا، فشرايين الرِّجْل والأوْرِدَة، الدم فيها ينْدَفِع، فحينما ينْدَفع نحو الأعلى، هناك وُرَيْقات تُفْتَح، فإذا أراد الدَّم أن يرْجِع تُغْلَق، فلو أنَّه بِحَسب قانون الجاِبيَّة أراد الدَّم أن يرْجِع ضَغْط الدَّم على هذه الأوراق يُغْلقُها، وإذا الإنسان ما اعْتنى بِصِحَّتِهِ وكان عمله حاله الوُقوف دائِمًا، يُصاب الإنسان بالدَّوالي، ما هي الدَّوالي ؟ عدم فعاليَّة هذه الوُرَيقات التي في جُدْران الأوْعِيَّة، فالدَّم ينْدَفِعُ بِقُوَّة نبْض القلب، فإذا انْدَفَع يفْتح الوُريْقات، فإذا أراد أن يرْجِع فضَغْطُهُ مِن أعلى إلى أسْفل يُغْلِقُها، فهذه الأوْرِدَة تسْمَحُ للدَّم أن يمرّ باتِّجاه واحِد، ولا رُجوع، وكذلك أوْعِيَة النُّسغ الصاعِد فيها الخاصَّة نفْسُها، فهذا النُّسغ ينْطلق من الأرض إلى قِمَم النَّبات والأوْراق، أما في الورقة فالورَقة فيها يَخْضور - كلوروفين - هذه الورقَة فيها آزوت، وطاقة شَمْسِيَّة، وفيها معْمَل حتَّى الآن يجْهل العلماء آلِيَّتَهُ ! هذا المعْمل يأخذ المعادِن الثمانِيَة عشْرة التي أذيبَت في الماء الصاعِد ويسْمَعُ نُسغًا نازِلاً، هذا النُّسُغ النازِل سائِل، إلا أنَّه ينزل بأوْعِيَة ومع نُمُوّ النَّبات يُخْشى أن تذوق لمْعة هذه الأوْعِيَة، لذلك هذه الأوْعِيَة النازِلَة مُدَعَّمة بألْياف حَلَزونِيَّة من ضَغطِها، فلو أنّ لك أنبوب مطَّاطي ويسيل فيه مادَّة غاليَة جدًّا، وتخاف أن ينْثني هذا الأنبوب فيقْطَع مُرور المادَّة، فأنت تسدُّه بِرُوسُور، والمعجِزَة أنَّ هذا النُّسغ النازِل يصْنَعُ كلّ شيءٍ، يصْنع الجِذْر والجِذع، ويصْنع الأغصان والفروع، وأخيرًا يصْنَع الأوراق، ويصْنَعُ الثِّمار، ويصْنَع الأزهار فهل يوجد بِحايتنا سائل تحقنُه فيَصْعَدُ خَشَبًا ؟! ومرَّة ثانية بطيخ !! هذا النُّسغ النازِل يصْنَعُ كلَّ شيءٍ، وهو الذي يُعين على نُمُوّ النَّبات، فما كان لِهذا النبات أن يكون موجودًا لولا الورقَة الخضْراء، فلمَّا قال الله تعالى:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
هذه صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فإذا أُلْغِيَت الصِّفة أُلْغِيَ الموصوف، فالشَّجَرة معمَل بالِغ الدِّقَّة، ولا تزال المعلومات عنه قليلة، هذا المعمل فراغات ففي الصَّيف يُفْتَح وفي الشّتاء يُغلق ثمّ هناك شيء دقيق جدًّا وهو آلِيَّة الماء في الشَّجَرة عجيب ؛ فالشَّجَرة إذا إن لم تسْقِها تبدأ تسْتَهْلِك ماء الأوراق، فترى الورَق ذَبُل، فإذا لم يكْفِ ماءُ الورَق اِسْتَهْلَكَت ماء الأغْصان، وإن لم تكْفِ مِياه الأغصان اسْتَهْلَكَت مِياهَ الفُروع، فآخِر ماءٍ تسْتَهْلِكُهُ الشَّجرة ماء الجِذْع ! لذا لمَّا تموت الشَّجرة معنى ذلك أنَّها اسْتَنْفذَت كلّ الماء الذي فيها ؛ بدْءً من الورَقة وانتِهاءً بالجِذْر، ففي القرآن الكريم هناك صِفة اسْمُها صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فأنت تقول:الطائرة تطير فإذا ألْغَينا الطَّيَران ألْغَينا الطائرة أما إن قلتَ الطائرة فَخْمة، فكذلك البيت قد يكون فَخْمًا، والقِطار فَخْمة، والطائرة غالِيَة، وكذا اليَخت غالي، أما إن قلتَ الطائرة تَطير فهذه صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فالله عز وجل قال:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
لولا هذه الورقَة الخضْراء لما كانت هذه الشَّجرة.
هذه الأوراق ؛ كم لها مِن شَكْلٍ ؟ أكْثَر مِن مليون شَكل، هناك دوائِر ومُثَلَّثات، وشَكل بيْضَوي، وشَكل إبري، وشَكل مُكَسَّر ؛ أنواع لا تُعَدُّ ولا تُحصى، فأنت لا تسْتطيع أن تحصيها أبدًا ! فما علاقة فإذا أنتم منه توقِدون ؟ بعضهم قال: هذه آية البترول، لأنَّ العصور الجيولوجِيَّة التي مرَّت على الأرض جَعَلَت في الأرض نباتات عِمْلاقة وهذه النباتات دُفِنَتْ في باطِن الأرض، وبعد أن دُفِنَت وطرأتْ عليها العوامِل المُتَعَدِّدَة انْقَلَبَتْ إلى بتْرول ؛ قال تعالى:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
وكل أنواع البترول أساسها نباتات مِن العُصور الماضيَة المَدفونة تحت الأرض، وبعد دَفْنِها بِحِقَبٍ طويلة انْقَلَبت إلى بتْرول فلذلك هذه الآية مِن إعجاز القرآن العِلْمي.
وهذا البتْرول جعل الله في طبقَتِهِ الأولى من تحت ماءً مالِحًا، وهي الطَّبَقَة التي تَمْنَع تسرُّبَه إلى أعماق الأرض، وجعَلَ فوقه غازٌ ضاغِط فأنت بِمُجَرَّد أن تحفِر هذا البئْر يخْرج هذا البترول بِضَغط الغاز، فماءٌ مالِحٌ فوقهُ غازٌ ضاغِط، وهذا مِن أعْظَم الحِكَم ! ويكاد يكون هذا العَصْر عَصْر البتْرول، قال تعالى:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
الله عز وجل قال:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

(سورة النحل)
الخَيل والبغال ؛ هذه معروفة في عَهد النَّبي عليه الصلاة والسلام فلو أنَّ الآية انْتَهَت وزينَة، وجاء إنسانًا بالقَرن العِشرين، وركِب القِطار السَّريع، وركِب هذه المرْكَبات الفَخْمة، فهذا ماذا سيَقول ؟ يقول ما هذا القرآن ؟ الخَيل والبِغال والحمير ! لكنَّ الله تعالى
﴿قال بعدها قال:وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[سورة النحل]
فلأنَّ هذا كلام خالقِ الكَون، ولأنَّه كلام ربِّ العالمين، ولأنَّه كلام الذي عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فمَن الذي خلق فِكْرة الطائرة ؟ الله عز وجل، ومن خلق وَقودَها ؟ الله عز وجل، فهذه هي الآية الوحيدة التي تُشير إلى أنَّ الإبداع والاخْتِراع هو مِن الله عز وجل، وهي لمْعَةٌ تبْرِق في نَفس المُخْتَرِع، ولولا أنَّ الله تعالى أعْطاها للإنسان لما اخْتَرَع شيئًا، لذا قال العلماء: العَبْقَرِيَّة تِسْعة وتِسعون منها عَرَق ! أي جُهْد، وواحِد مِن المائة إلْهام، فهذه الآية:

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[ٍسورة النحل]
عُزِيَ خلْق الطائرة والقِطار والسيارة إلى الله عز وجل لأنَّه المُلْهِم، لذا إذا رأى الإنسان الطائرة، أو الكمبيوتر، فلا يسْتَعْظِم صانِعَها ولكن عليه أن يسْتَعْظِم من أعطى هذا الإنسان هذا العَقْل ؛ فهل سَمِعْتُم بِمُجْتَمَع القرود أنَّهُ صَنَع طائرة ؟! لذا العَقل له دَور كبير، وهو مِن رحمة الله ونِعَمِهِ لذا قالوا الفرق بين الإنسان والحيوان في النَّوع لا في الدَّرَجة، فالله تعالى كرَّم الإنسان بالعَقْل.
ثمَّ قال تعالى

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾

[سورة يس]
قال هذه تَقريب لنا لأنَّ أمر الله أسْرَع مِن كُنْ فَيَكون ! فالله بِمُجَرَّد أن يريد يخلقُ ما يريد، لذا لو أنَّ أوَّلكم وآخركم...".





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-31-2018 09:02 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ربنا سبحانه وتعالى جَعَل في كتابِهِ الكريم مَشاهِدَ مِن يوم القيامة، وأخبار الله عن يوم القيامة يجب أن نتلقَّاها وكأنَّنا نراها لأنَّ مِصْداقِيَّة كلام الله عز وجل في قِمَّة الأخبار، لذا قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(2)وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(3)تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ(4)فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ(5)﴾

[سورة الفيل]
لا شكَّ أنَّ أحدًا مِنَّا لم يرَهم، ولكنّ الله تعالى لمَّا قال: ألم تَر ؟ يجب أن يقَعَ خبرُ الله منك مَوْقِعَ الرؤْيَة لأنَّ مِصْداقِيَّة كلام الله في أعلى درجات الصِّدْق، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)﴾

[سورة النساء]
وقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾

[سورة التوبة]
فإذا الإنسان غطَّتْهُ آية، لو كان وضْعُهُ المعاشي أقلّ مِمَّا ينبغي، مثلاً قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾

[سورة النور]
وإذا قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[سورة النحل]
ولما يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾

[سورة الحج]
هذه الآيات التي تُطَمئِنُ المؤمن ينبغي أن تقَعَ منه مَوْقِعَ اليقين، هذا هو الإيمانُ أساسًا، إيمانُك أن تستبشر بوعد الله تعالى، و أن لا تعبأَ بواقعك، و مادام أن الله تعالى وعدك بالعاقبةِ، فقال تعالى:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[سورة القصص]
وهناك مثلٌ فرنسي يقول: العبرةُ لمن يضحك آخرًا " و آخرُ من يضحك هو الفائزُ، و اللهُ تعالى قال:

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾

[سورة المطففين]

أحيانًا الإنسانُ يشعرُ بغُربةٍ، إذا استقامَ على أمرِ الله وطلبَ الحقَّ يشعرُ بغربةٍ، وقد قال عليه الصلاة و السلام:

((بدأ الدينُ غريبا....))

و مِن علامةِ إيمانك إحساسُك بالغربةِ، و من علامةِ ضعفِ الإيمانِ أن تستأنِسَ بمن حولك من العصاةِ، و إذا استأنسْتَ بهم و ارتحتَ لحياتهم و أقررْتَ سلوكهم و رأيتَ الإنسانَ هكذا يعيشُ فأنت لا تعيش الغربةَ أنْ تعيشَ الغربةَ هذه من علامات الإيمان، و بدأ الدينُ غريبا و سيعود كما بدأ...سوء كثير"
اللهُ تعالى وصَفَ في بعضِ الآياتِ و السُّورِ مشاهدَ من مشاهدِ يوم القيامةِ، لأجل ماذا ؟ هذا كلامُ خالقِ الكونِ، فإذا حدَّث عن جهنمَ وعن عذابِ أهلِ النارِ، فمشكلةُ المسلمين أنَّ هذا الكلامَ لو عرفوه على حقيقتِه و يفهمونه في أبعاده لارتعَدتْ مفاصِلُهم، قال عليه الصلاة و السلام: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم..." و إنَّ روحَ الميِّتِ ترَفْرِفُ فوق النعْشِ تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبَنَّ بكم الدنيا كما لعبتْ بي، جمعْتُ المالَ مما حلَّ و حرُمَ فأنفقْتُه في حِلِّه و في غيرِ حلِّه فالهناءُ لكم و التَّبِعةُ عليَّ " و يقول النبيُّ عليه الصلاة و السلامُ: فو الذي نفسُ محمد بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموتِ ما أكلتم طعاما عن شهوةٍ..." و أنت إذا طلبَك إنسانٌ لا تنام ثلاثةَ أيامٍ، فكيف باللهِ عز وجل، قال تعالى:


﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾

[سورة الصافات]
و سوف تُسأَل عن كلِّ كلمةٍ و نظرةٍ و همسةٍ و عن كلِّ ابتسامةٍ و عن كلِّ عطاءٍ و منعٍ، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
فهذا المشهدُ، و آية:

﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا(60)﴾

[سورة الإسراء]
يفهمها العوامُ على غيرِ ما أراد الله تعالى، نخوِّفهم لأجلِ أنْ يتسرَّب الخوفُ إلى قلوبهم و من أجلِ أن يرتدِعوا، و أحيانا طبيبُ القلبِ يقول للمريضِ: إذا قعدْتَ في هذا البيتِ تموتُ، ولو لم يقُلْ له ذلك ما خرج من البيتِ، و قال طبيبٌ لأحدِ المرضى: إمَّا أن تمشِيَ أو تمشِيَ ؛ أي تموت ؛ فهذا ليس تخويفًا، بالمعنى العامي هو تخويفٌ وراءَه شيءٌ، و لكنْ هذا كلامُ ربِّ العالمين، قال تعالى:

﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا(60)﴾

[سورة الإسراء]
و هذه المشاهدُ سوف نعايِنُها، و لا مندوحَةَ منها.
أيها الإخوةُ الكرام، قال تعالى:

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12)﴾

[سورة الصافات]
المؤمن الصادق يسمع درس العلم و يقرأ القرآن، وإذا كان عنده خللٌ في حياته و ليس عنده استقامةٌ و عنده مشكلةٌ، فإذا كان مؤمنًا ترتعد مفاصلُه و ينخلِعُ قلبُه، و المنافقُ يسخرُ، و كلُّ إنسانٍ يسخرُ من وعيدِ الله هو أحمقُ و هل يسخر الإنسان من وعيد رجلٍ يُخوِّف ؟ أنا مرةً لقيتُ أمام مصلِّحِ السياراتِ ـ و لا أبالغُ ـ عشرين سيارة تاكسي لأنه صدر من وزير الداخلية بلاغٌ إذا كان رقمُ المحرِّك ليس متوافقًا مع الميكانيك تُصادَرُ السيارةُ، فلو صدَّقوا ربَّهم كما صدَّقوا وزيرَ داخليتهم لدخلوا الجنَّةَ، إِلهٌ يقول لك: هناك نارٌ و حسابٌ و عذاب برزخٍ، فإذا لم يستوعِب الإنسانُ هذا الكلامَ و لم يعرف أبعادَه فبِعقلِه خللٌ، قال تعالى:

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12)﴾

[سورة الصافات]
سيِّدُنا عمرُ يقول: و اللهِ لو تعثَّرتْ بغلةٌ في العراقِ لحاسبني اللهُ عنها لِمَ لمْ تصلِح لها الطريقَ يا عمرُ ؟ و كان مرةً في جولةٍ في أطرافِ المدينةِ مع سيِّدنا ابن عوفٍ، رأى قافلةً مستقِرَّةً في ظاهرِ المدينةِ، فقال له: تعالَ نحرُسها، فوجدوا طفلاً يبكي في الليلِ، فقام إلى أمِّه فقال: أرضعيه، فأرضعتْه، ثم بكى، فقام وقال: أرضعيه فأرضعتْه ثم بكى، فقام الثالثة و قال لها: يا أَمَةَ السوءِ أرضعيه، فقلت له: و ما شأنُك بنا ؟ إنني أفطِمُه، قال فلِمَ تفطِمينَه ؟ قالت ": لأن عمرَ لا يعطينا العطاءَ إلا بعد الفطامِ، فقال لنفسه: ويْحَكَ يا ابنَ الخطَّابِ كم قتلْتَ من أطفالِ المسلمين ؟ فلما ذهب ليصَلِّيَ الفجرَ إماماً، قال: ما سمع الصحابةُ قراءته من شدَّةِ بكائه، و كان يقول: يا ربي هل قبِلتَ توبتي فأهَنِّئَ نفسي أم ردّدْتَها فأُعزِّيها، فإذا الإنسانُ ما خاف حقيقةً ما استفادَ شيئًا.
قال تعالى:

﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13)﴾

[سورة الصافات]
أنت تحكي ساعةً عن النَّردِ قال عليه الصلاة و السلام: أنَّه من لعبَ النَّرْدَ فكأنما غمس يده فيلحم خنزير.. ثم تجدُ أنه صلى العشاءَ وقعد إلى الساعةِ الثانيةِ ليلًا على طاولةِ النردِ كأنَّ ذاك الكلامَ كتابةٌ في الماءِ قال تعالى:

﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13)﴾

[سورة الصافات]
وقال تعالى:

﴿وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)﴾

[سورة الصافات]
أُمورُ الدينِ يأخذها بالسخريَةِ و التعليقاتِ اللاذِعةِ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ(18)﴾

[سورة الصافات]
مقهورون و قال تعالى:

﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(21)﴾

[سورة الصافات]
لمَّا سيِّدُنا رسولُ اللهِ وقف أمامَ قتلى بدرٍ وقال: يا فلان ؛ و سمّ!أهم واحدًا واحدًا، يا عتبةَ بنَ شيبةَ و يا صفوانَ بنَ أُميَّةَ، فاستغْربَ الصحابةُ لذلك، قال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا....." قالوا:يا رسول الله أتخاطِب قومًا جيَّفُوا ؟ قال ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم و لكنهم لا يجيبونني، قال تعالى:

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)﴾

[سورة الصافات]
أنتَ انظُرْ إلى شعورِ إنسانٍ يُساقُ إلى الإعدامِ، بعدما حُوكِم في جريمةٍ، ماذا يكون شعورُه ؟ فكيف بمن سيقَ إلى محكمةِ الله تعالى ؟ أعرف رجلا له مزرعةٌ و ليس معه المالُ لتشغيلها، فذهب إلى رجل و اقترحَ عليه أن يقرضَه مائتي ألف ليرةٍ و يرهنَه المزرعةَ على أن يرُدَّها إليه بعد ردِّه له المالَ، و بعد ثلاثِ سنواتٍ، جهَّز المبلغَ و جاء إلى الرجل ليرُدَّ له مزرعتَه بعد ردِّه له ديْنَه، و لكن لم يُرِدْ إرجاعه المزرعةَ فأصابه كمدٌ شديدٌ أوصلَه إلى جلطةٍ، و هو على فراشِ الموتِ استدعى أكبرَ أبنائِه و قال له: سِرْ بجنازتي إلى المهاجرين و قِلإء أمامَ دكانِ الذي اغتصبَ هذا البستانِ، فأوقفْ الجنازةَ أمامه وامسِكْ الرسالةَ و ادخلْ بها عليه أمام الناسِ جميعاً، و قلْ له:هذه الرسالةُ من والدي الذي في النَّعشِ، و كتبَ له فيها: أنا ذاهبٌ إلى محكمةِ الحقِّ، فإذا كنتَ بطلاً لا تلحقْنِي، فأرجع المزرعةَ لأبناء الميِّتِ، قال تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾

[سورة الصافات]
قال لي مرةً مُوَظِّفٌ في التموين: اِنصَحْني، قلت: هيِّئْ لله جوابًا عن كلِّ ضبطٍ و عن كلِّ رجلٍ وضعتَه في السجنِ، أما إذا غشَّ أو باع بضاعةً فاسدةً فمات بها الناسُ فيجب أن توقِفَه، إن الله يزع بالسلطان...." و إذا هيَّأَ كلُّ إنسانٍ جوابًا لله تعالى ينفذُ، قال تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾

[سورة الأنعام]
ثم قال تعالى:

﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)﴾

[سورة الصافات]
في الدنيا إذا كان الإنسانُ يأمر و ينهى و يخاف منه الناسُ ثم يقع في السِّجنِ تراه مثلَ القِطِّ، قال تعالى:

﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)﴾

[سورة الصافات]
و قال تعالى:

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27)﴾

[سورة الصافات]








والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-31-2018 09:03 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ السابعة و العشرون و التي بعدها من سورة الصافاتِ والتي تبدأ بقوله تعالى:

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27)﴾

[سورة الصافات]
نحنُ في مشاهدِ يومِ القيامةِ، قال تعالى:

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)﴾

[سورة الصافات]
فهناك يمينٌ و هناك يسارٌ، و هناك أمامٌ و هناك خلْفٌ، و هناك فوق و هناك تحتُ، ستُّ جهاتٍ، في بعضِ الآياتِ الكريمةِ يقول الله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾

[سورة الحجر]
و مادامت الآيةُ ذكرتْ اليمينَ قال تعالى:

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
فما داموا في طريق الغيِّ و الفسادِ و الضلالِ و المعصيةِ و الفجورِ الشيطان يهادنهم، أما حينما يعقِد الإنسانُ التوبةَ و يصطلِحُ مع اللهِ و يبدأُ صفحةً جديدةً يأتيه الشيطانُ، و أليس اللهُ قادرًا على أن يُثْنِيَه، فلماذا أتْعبَنا به ؟ الشيطانُ له فائدةٌ إيجابيةٌ لكنَّه لا يريدُها هو و لا يتمناها و لا يعرفها، أما الشيطانُ بوساوسِه و إغوائِه يحافظُ في المؤمنِ على حرارةِ إيمانه، و لولا الشيطانُ لهبطتْ مرتبةُ المؤمنِ، يلقِي فيه وسْوسةً فيخاف على دينه فيلجأُ إلى اللهِ فيرتقِي عنده، يُغْريه بمعصيةٍ فيستغفرُ اللهَ يرقى إلى اللهِ، فكلَّما أراد الشيطانُ أن يُغوِيَ المؤمنَ رفعه درجةً وهو لا يشعرُ، فالذي يحافظ على حرارةِ الإيمان هو الشيطانُ منت خلالِ وساوسه، و مثلُ ذلك ولدٌ ليس بارًّا بوالده، جاء إنسانٌ و سبَّ له أباهُ سبًّا مُفزِعًا، فاستثارَ فيه كلَّ معاني البُنُوَّةِ فدافع عن أبيه دفاعًا عظيماً و تذكَّر أن لأبيه عليه حقًّا، فلولا أن هذا الشابُ الفاسق الوقِحُ الذي سبَّ أباه لما استثار في نفس الابنِ كلَّ مشاعرِ البُنُوَّةِ الصادقةِ، فأحيانا الشيطانُ شرٌّ مطلَقٌ، إلا أنه يُوَظَّف للخيرِ المطلَقِ، وهو لا يشعرُ، لذلك قال تعالى:

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)﴾

[سورة الأعراف]
فإذا تاب الإنسانُ إلى الله يقول له الشيطانُ يوسوِس له الشيطانُ بكلِّ الوسائلِ، قال تعالى:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(91)﴾

[سورة المائدة]
فدائمًا الشيطانُ يُفرِّق و يُخوَّف فإذا اصطلح الإنسانُ مع الله تعالى و تاب إليه وسلك طريقَ الصلاح يجب أن يُوَطِّنَ نفسَه علة متاعبِ الشيطانِ، لأن الشيطان قال:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)﴾

[سورة الأعراف]

﴿و لكنَّ اللهَ قال: لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)﴾

[سورة النحل]
مستحيلٌ على الشيطانِ أن ينال من المؤمنِ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا(65)﴾

[سورة الإسراء]
و قال تعالى:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الأعراف]
و نفسِّرها بالحضارةِ و التَّقدُّمِ و العقلِ المفتوحِ، و العلمانيةُ هي الاِتِّجاهُ الجديدُ و النظامُ العالمي الجديدُ و الاختلاطُ و المساواةُ بين الرجُلِ و المرأةِ و العصرنَةِ، و قال تعالى:
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾

[سورة الأعراف]
كلُّ التقاليدِ الباليةِ و العاداتِ الوثنيةِ و الجاهليةِ لو أرادوا أنم يضعوا شعارًا لمشروعٍ يتذكَّرون بعضَ الآلهةِ التي عبَدَها الإغريقُ، و قال تعالى:

﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾

[سورة الأعراف]
مِنْ طُرُقِ الدينِ ؛ صلاتُك غيرُ صحيحةٍ و الشَّدةُ في الفاتحةِ لم تأتِ بها و وضوءك غيرُ مسبوغٍ فصلاتُك باطلةٌ، فالشيطانُ يعطي أشياءَ لا تقدِّم و لا تؤخِّر و لكنَّها تحجبُه عن الله، فإذا لم يستطع الشيطانُ أن يغوِيَ ابن آدمَ من بين أيديهم ؛ بدعوى الحداثةِ و التقدُّمِ و لا من خلفهم بدعوى التقاليدِ و التراثِ و العاداتِ جاءهم عن أيمانهم، من خلالِ الدينِ، يريد القرآنَ بلا سنَّةٍ، و السُّنَّةُ فهمٌ مرحليٌّ للقرآن و قد انتهت المرحلةُ، خرافاتٌ و خزعْبلاتٌ و نظرياتٌ باطلةٌ ضمنَ الدينِ، فلما ييأسُ الشيطانُ من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم، يأتيهم عن شمائلهم، حيثُ المعاصي ؛ الزنا و الخمرُ، ففي أربعِ جهاتٍ الشيطانُ يتمكَّنُ منها ؛ جهةُ التقدُّمِ و العصرنةِ و الحداثةِ و الانفتاحِ و العلمانيةِ، و من خلفهم التراثُ و العاداتُ و التقاليدُ التي ما أنزل اللهُ بها من سلطانٍ، و عن أيمانهم بإلقاءِ الشُّبَهِ في الدين و الوساوس و العقائد الباطلة ؛ الجبر و القهر، و عن شمائلهم، بالمعاصي و الموبِقاتِ، لكنَّ اللهَ سبحانه و تعالى أغفلَ جهتين ؛ فوق و تحت، لأنَّ الفوقَ طريقٌ إلى الله نحو السماءِ لا يستطيع الشيطانُ أن يدخلَ عليها، إذا قلتَ يا رب فليس هناك قوَّةٌ في الأرضِ تمنعك من أن تتَّصِل باللهِ، و لو اجتمعتْ شياطينُ الإنسِ و الجِنِّ نحو السماء فالطريقُ سالكٌ ومحروسٌ و مُحَصَّنٌ، و من تحتُ، العبوديةُ لله و الاِفتقارُ إلى الله فهناك جهتان محروستانِ ؛ اتِّجاهُك نحو الله تعالى، و افتقارُك إليه فصار هناك سبعُ معانٍ ؛ الأول: أن الشيطانَ يقعد في أوَّلِ السراطِ المستقيمِ و كلُّ واحدٍ يسلكُه يأتيه، قال تعالى:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
أما من فوقهم اللهُ جلَّ جلالُه و من تحتهم افتقارُهم إليك يا ربُّ و عبوديتُهم فهاتان الجهتان مَحمِيتان و مُحصَّنتان سالكتان لا يستطيع الشيطانُ أن يصلَ إليهما، فلذلك الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)﴾

[سورة الصافات]
أيها الإخوةُ الكرامُ، مستحيلٌ أن يُضِلَّ كافرٌ مؤمنًا، أما الكافرُ فيُضِلُّ الكافرَ، قال تعالى:

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)﴾

[سورة الصافات]
ومعنى ذلك أنَّ كلَّ إنسانٍ يستجيبُ للشيطانِ عنده استعدادٌ لهذه المعصيةِ، و رغبةٌ فيها، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ (30)﴾

[سورة الصافات]
فإذا جعل اللهُ عز وجل لجهةٍ ما في الكونِ عليك سلطانًا لكانت الحُجًّةُ معك يوم القيامةِ، و بَطُلَتْ حجُّةُ اللهِ تعالى، لأن اللهَ عز وجل قال:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
و قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(62)﴾

[سورة غافر]
و قال تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾

(سورة الأعراف)
و قال تعالى:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الكهف]
و قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[سورة فاطر]
هذا هو التوحيدُ، أما إذا اعتقدتَ أنَّ لجهةٍ في الأرض سلطانا فقد صارت الحجَّةُ معك، أما اللهُ تعالى قال:

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149)﴾

[سورة الأنعام]
و لو اعتقدت أن لجهة ما أو لكبيرٍ ما سلطانًا عليك، تقول يا رب: ملَّكْتَه أمرِي و أن مضطرٌ أن أطيعَه، و لكنْ أمرُك بيدِك لذلك تُقامُ الحجَّةُ عليك قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ(32)﴾

[سورة الصافات]
فإذا ارتكب الإنسانُ معصيةً لا يقُلُ الله يلعن إبليسَ،و يلعنْ نفسَه، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[سورة إبراهيم]
مُلخَّصُ الدرسِ كلِّه أنَّ أحدا لا يستطيع أن يُضِلَّ أحدا، و أنت المسؤولُ، قال تعالى

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾

[سورة الإسراء]
لا تحتَجْ بالتقاليدِ و لا بالعاداتِ و لا بالبيئةِ و لا بأسرتك و لا بأبيك، لك خالِقٌ خلقَك و انتهى الأمرُ، قال تعالى:

﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34)﴾

[سورة الصافات]
أما الآية لدرس الغدِ فهي قوله تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)﴾

[سورة الصافات]
لا يقبل التفسير الإلهي بل التفسير الأرضي، لا يقبل أن الزلزالَ مشيئةُ الله، اهتزاز القشرة الأرضيةِ





والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-31-2018 09:05 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن
يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، لا زلنا في لا زلنا في مشاهدِ يوم القيامةِ، ونحنُ مع الآيةِ الثانيةِ و الأربعين من سورة الصافاتِ، وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)﴾

[سورة الصافات]
أيها الإخوةُ، هناك أحداثٌ تقع في الأرضِ، و كلُّ بني البشر يعلمونها من خلالِ وسائل الإعلامِ، وقع انفجارٌ في الخُبَرِ مثلا، و قعت حرب في البوسنةِ، هذه الأحداثُ التي تقع و يعلم الناسُ وقوعَها جميعًا، و ليس الخلافُ في أنها وقعتْ أم لم تقعْ، المشكلةُ في تفسير الخبر، ولو فرضْنا أن مشكلةً خطيرةً كحربٍ أهليةٍ وقعتْ في قُطْرٍ مجاورٍ، يُمكِن أن تُفسَّر هذه الحربُ التي دامتْ ستَّةَ عشر عاما و التي أطاحتْ بالكثيرِ من القتلى، يمكن أن تفسِّرها تفسيرًا محدوداً، تفسيرًا عربيًّا أو تفسيرًا دولِيًّا أو تفسيرًا طائِفيًّا، فإذا قرأْتَ القرآنَ الكريمَ وجدتَ قوله تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
وهناك تفسيرٌ إقليميٌّ و تفسيرٌ عربيٌّ و تفسيرٌ دولِيٌّ و تفسيرٌ طائفيٌّ، و تفسير لا نسائِي ؛ إصابةٌ من عيْنٍ ؛ فما الذي يعنينا نحنُ، يعنينا التفسيرَ القرآني، قاتل تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
و قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)﴾

[سورة الإسراء]
فالحَدَثُ ليس في المشكلةِ وقعت أم لم تقع، المشكلةُ هي هذا السؤالُ: لماذا وقعت ؟ و كيف وقعت ؟ و ما الحكمةُ من وقوعها ؟ هنا يختلفُ الناسُ، المشركُ دائما يريد أن يفسِّر الأمورَ بالتفسيرَ الأرضي و يعزو الأحداثَ إلى مُسَبِّباتٍ أرضيةٍ، لكنَّ المؤمنَ يريدُ أن يفسِّر الأحداثَ تفسيرًا توحيديا، و أن الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الفتح]
و قال تعالى:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[سورة الأنفال]
و قال تعالى:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الكهف]
و قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)﴾

(سورة غافر)
و قال تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾

[سورة الأعراف]
و قال تعالى:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
و قال تعالى:

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[سورة فاطر]
و قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾

[سورة محمد]
و قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾

[سورة الزخرف]
فالكافرُ يصِرُّ على تفسير الأحداثِ تفسيرًا أرضيًا، يقع زلزالٌ في بلدٍ وهذا البلدُ يُرتكَب فيه كلُّ أنواع الموبقاتِ، بل إن معظمَ سكانه من العراة من أجل جلبِ السُّياحِ و هذا في أغادير بالمغرب، أصابها زلزالٌ جعلها أثرًا بعد عدَّة ثواني، و أضخمُ فندق سياحي هناك غاص منه ثلاثون طابقا في الأرضِ، و بقي الطابقُ الأخيرُ فوق الأرض وفيه اسمُه، و كأنها شاهدةٌ لهذا القبرِ، فأنت إما أن تفسِّرَ هذا الزلزالَ تفسيرًا أرضِيًّا ؛ حركةٌ في القشرةِ الأرضية بسبب تمدُّدٍ و غليانٍ...أو أن تفسِّر هذه الأحداثَ، أن الله تعالى أحدثَها ليَعِظَ بها بقية الفاسِدين، فأهل الدنيا لا يرْضَون أن يُفسِّروا الأحداث إلا تفسيرًا أرْضِيًا، وِرْكِيًّا أو مادِيًّا أو مَعْزُوًّا إلى زيْدٍ أو عُبَيْد، أو فلان أو عِلاَّن، والذي أهْلَك العالم اليوم أنَّهم لا يرَوْن الله، ويرَوْن نِظام العالم الجديد، ويَرَوْن قَهْر النِّظام العالمي الجديد، ويرَون جَبروت النِّظام العالمي الجديد، ولا يرَون أنَّ الله تعالى يُعَذِّب عِباده بِهذا النِّظام العالمي الجديد، فأنت يُمْكِن أن تُفَسِّر الأحداث تَفسيرًا تَوْحيدِيًّا، وإن لم تفْعَل وَقَعْتَ في عذابٍ أليم، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
هؤلاء الذين في النار، قال تعالى:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ(34)﴾

[سورة الصافات]
ما سبب هذا العذاب الأليم ؟ وهذه النار المُشْتَعِلَة فيهم ؟ وهذا الشَّقاء الأبدي ؟ جاء التَّعليل من الله تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)﴾

[سورة الصافات]
يريدون آلِهَةً غير الله، ويُعْزون الأفعال إلى المخلوقات، وليس إلى ربِّ المَخلوقات ! فالآن يُقال لك: هناك نقْص بالمَواد الغذائِيَّة ! ونقْص بالمِياه سيَتأتي حرْب بالمِياه، كُنَّا في حرْب النَّفْط، ثمّ انْتَقَلْنا إلى حرْب الصلح ونحن في حرب المِياه !! وأنَّ خطوط المطَر تنتقل مِن مكانٍ إلى مكانٍ وأنَّ الجفاف يَعُمّ بعض المساحات، ولأنَّ هناك انْفِجارًا سُكَّانِيًّا ونصْطَلِحُ أن يُلْغى الزَّواج ؛ كلّ هذا لأنَّهم لا يروْن الله، ويريدون أن يعموا الناس عن الله تعالى، كلّ هذا لأنَّ الأحْداث تُفَسَّر تفْسيرًا أرْضِيًّا ولكنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُقَنِّن عن عَجْز، ولكن تَقنين تأديب، فالبشَر تَقنينهم تَقْنين عَجْز وضَعف، فالله تعالى بِيَدِهِ خزائن السماوات والأرض قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾

[سورة الحجر]
لذلك النُّقطة الدقيقة أنَّ الخِلاف الآن ليس حول وُقوع الحَدَث أو عدم وُقوعه، ولكنَّ الخِلاف لماذا وَقَعَ هذا الحَدَث ؟! وما الذي نسْتفيدُهُ مِن ذلك ؟ هذا وَقَع مِن أجل أن نسْتفيد في المُسْتَقبل، فأنت لك مَعْمَل والآن وقَفَ، ودَفَعْت أُجور العُمَّال مِن دون فائِدَة، فأنت تريد أن تسأل الذي صلَّحها ما العَطَب الذي أصابها ؟ تسْأل لِتَلافي الخطأ في المستقبل ! فأنا حينما أعْرف حِكمة الإله تعالى في الأحداث مِن أجل أن لا أقَعَ في الذَّنْب مرَّتَين، ومَن لم تُحْدِث المُصيبة في نفْسِهِ موْعظَةً فَمُصيبَتُهُ في نفْسِهِ أكبر ! فأنت إن أصابَكَ الله تعالى بِمُصيبَةٍ فإن كُنت مُشْرِكًا تُفَسِّرُها تَفْسيرًا أرْضِيًّا، وتقول: هكذا الحياة ؛ يوم لك ويومٌ عليك !! ولقد سَخِر القَدَر مِنِّي !! وليس لي حَظّ !! والدُّنيا ضدِّي !! فهذا تَفسير أرضي أما لو فسَّرْتَها تفْسيرًا سَمَاوِيًّا وتتذكَّر قوله تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾

[سورة الشورى]
وقال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)﴾

[سورة الحج]
الإنسان بالتَّوحيد يَحيْى قلبُهُ وبالشِّرْك يقْتَرِبُ مِن أن ينْتَحِر، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
فأنت إن أرَدْت العذاب الدُّنيَوِي فادْعوا مع الله إلهًا آخر، ولكنَّ الله تعالى طَمْأنَكَ وقال:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
أنْصَحُ إخواننا الكِرام، أنّ أيَّ حدَثٍ يقع لك لا بدَّ أن تنْظر إلى اليَدِ الخَفِيَّة التي أحْدَثَتْهُ وليس إلى ظاهِرِهِ، والله تعالى قال:

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

[سورة يونس]
مُهِمَّتُنا أن نُوَحِّد وأن نرى يَدَ الله تعالى، وأنَّها فوق البشر جميعًا، وأنَّ ما شاءَهُ الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ الله تعالى لا يسُوق مُصيبَةً إلا بِسَببٍ مِن جَميع البشَر، لذلك نحن نريد أن نبْحَث عن السِّر مِن أجل أن لا نقَعَ في الذَّنْب مرَّتَين، ففي الفيزياء تدرس قانون التَّمَدُّد من أجل أن تحْطاط إذا أنشأتَ جِسْرًا إلى عامِل التَّمَدُّد، والعلماء يقولون: القانون يُعطيكَ قُدرة على التَّنَبُّه، وأنت إذا عرفْت قانون الله عز وجل تتعامَل معه باسْتِقامَةٍ، فالنُّقْطة الدَّقيقة أنَّ حدثٍ ينبغي أن تبْحَثَ عن تفْسيرِهِ التَّوحيدي، والقرآني، والإلهي، ولا تقْبَل بِتَفْسيرًاتٍ أرْضِيَّة مَبْنِيَّة على الجَهْل، وتفسيراتٍ مَبْتورة، ولا تكفي للدَّلالة على الحَدَث فمثلاً قوْسُ قُزَح أعطاه الناس تفسيرات مُضْحِكَة، ولكَّن الأصل فيه أنَّ الضَّوء الأبيَض يحْوي سبْعة ألوان فإذا واجَهَ سطْحًا شفَّافا كالزُّجاج أو فإنّ هذه الألوان تتفكَّك وتظْهر لك الألوان، فالإدراك سَهل، ولكنَّ العالِم يُفَسِّر، والبطولة ليس بالحَدَث ولكن بالتَّفسير، والمؤمن يُوَحِّد، وكلَّما رأى حدثًا يُفَسِّره قرآنِيًّا.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-31-2018 09:06 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن
يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآياتُ التي شُرِحتْ يوم الاثنين الماضي وصلتْ إلى قوله تعالى:
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50)﴾

[سورة الصافات]
أهلُ الجنةِ في الجنةِ يتنعَّمون و أهلُ النارِ في النارِ يتعذَّبون، و هناك حديثٌ ممتِعٌ في ما بين أصحابِ الجنةِ، و لهم ذكرياتٌ في الدنيا، قال تعالى:

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)﴾

[سورة الصافات]
صديقٌ، قد يكون زميلًا لك أو جارًا و قد يكون قريبًا، و الشيءُ الثابتُ أنه على احتكاكٍ معك و على صِلةٍ متينةٍ معك، قال تعالى:

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)﴾

[سورة الصافات]
نحن في الدنيا لك أن تقولَ ما تشاءُ ولك أن تأكلَ ما تشاءُ و لك أن تذهبَ إلى حيثُ تشاءُ، كلُّ شيءٍ مُخَبَّأٌ إلى يوم القيامةِ، الدنيا دارُ عملٍ و الآخرةُ دارُ جزاءٍ، و الدنيا دارُ تكليفٍ و الآخرةُ دارُ تشريفٍ، و الدنيا لا عامٌ دراسِيٌّ و يوم القيامةِ الامتحانُ، فالبطولةُ أن تنجحَ هناك، و من هنا قال الإمامُ عليٌّ كرَّم اللهُ وجههُ: الغِنَى و الفقرُ بعد العرضِ على اللهِ ذاك هو الغِنى وذاك هو الفقرُ، والمؤمنُ حينما يأتيه ملَكُ الموتِ يرى إلى مقامِه في الجنَّةِ فيقول: لم أرَ شرًّا قط، كلُّ الشدائِدِ التي ساقها اللهُ له في الدنيا يراها محْضَ نِعَمٍ و الكافرُ حينما يرى مكانَه في النارِ يقول: لم أرَ خيرًا قط، كلُّ المكانةِ و الغِنَى و الولائمِ و الرحلاتِ و العلُوِّ في الأرضِ يقول: لم أرَ خيرًا قط، و يا بنيَّ ما خيرٌُ بعده النارُ بخيرٍ، و ما شرٌّ بعده الجنةُ بشرٍّ و كلُّ نعيمٍ دون الجنةِ محقورٌ و كلُّ بلاءٍ بعد النارِ عافيةٌ
طبيعةُ النفسِ في الجنةِ أنها محيطةٌ بجسدها، و طبيعةُ النفسِ في الدنيا أن الجسدَ محيطٌ بها، نفسُك في صدرِك و ترى من خلالِ عينيك تستمع إلى ما حولها من خلالِ أُذُنيك، و تتحرَّك من خلال رجليك، و تبطش بيدِك و تنتقل بقدمِك، أنت في الدنيا لك ابن في حلب، ما مشكلتُه ؟ طلبٌ في جامعةِ حلب، هلا بإمكانك أن تنظرَ إليه ؟ إلا أن تركب السيارةَ خمسَ ساعاتٍ إليه، في الجنةِ شيءٌ آخر، أيُّ خاطرٍ يأتي في ذهنك يُحقَّق فورا، قال تعالى:

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)﴾

[سورة الصافات]
النفسُ إشعاعٌ كلُّها أعيُنٌ، و آذانٌ , و كلُّها أذواقٌ، يكفي أن تنظرَ إلى شجرةٍ فيها ألفُ تفاحةٍ، تأكلها جميعًا و تذوق طعمها جميعا، و دون أن تتأذَّى، و في الحديث قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عن ربه: أعددت لعبادي ما لا عين..." دائرةُ المسموعاتِ أوسعُ بكثير من المرئياتِ، أما الخواطرُ ما لا نهايةَ لها، كلُّك أعينٌ و كلُّك آذانٌ , و كلُّك أذواقٌ، لهم ما تشتهي الأنفسُ، هل إذا اشتهيتَ شيئا في الدنيا كان يبن يديك، مستحيل، العين بصيرةٌ و اليدُ قصيرةٌ، قال تعالى:

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾

[سورة ق]
و هو النظرُ إلى وجهِ الله الكريمِ، ينظرُ المؤمنُ إلى وجه الله عز وجل فيغيبُ من النشوةِ خمسين ألف عامٍ، فقضيةُ الجنة قضيةٌ لكنها واللهِ حقّ، لأن اللهَ وعدنا بها، فإذا الإنسانُ لم يعمل للجنة فهو أحمقُ، إذا كنتَ تبني فيلا فيها مسبحٌ فاخر و كل أنواع الفاكهةِ و النعيمِ ثم تتركها و تموت و تنسى الجنةَ ! أنا أعرف رجلاً اشترى فيلا في برنية، فنزع البلاطَ و السيراميك و النوافذَ و الأبوابَ و كسى كسوةً خياليةً، و يومَ انتهى البيتَ كانتْ منِيَّتُه، فلذلك قال تعالى

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)﴾

[سورة الصافات]
و هم جالسون في الجنةِ مبسوطين، يتذاكرون أصحابهم و جيرانهم، قال تعالى:

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)﴾

[سورة الصافات]
و آخرون في الجنات مع الحور العين و الولدانِ المخلَّدين، فيها أنهارٌ من عسلٍ مُصَفًّى ومن لبن لم يتغير طعمُه و من خمرٍ لذَّةٍ للشاربين، لا فيها غولٌ و لا هم عنها ينزفون، قال تعالى:

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(15)﴾

[سورة محمد]
هذه هي الجنةُ، فيها رضوانٌ من الله و فيها تجلِّي من الله و فيها نظرٌ إلى وجه اللهِ الكريمِ، أن القرينُ؟ قال تعالى:

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)﴾

[سورة الصافات]
الإنسانُ لما يرى أهلَ النارِ في النارِ يزدادُ حبُّه لله تعالى، مثال ذلك أصحابُ شركةٍ أرادوا أن يشتغلوا ببضاعةٍ ممنوعة و مهرَّبةٍ، فقال أحدُ÷م: أنا لا أدخل معكم و انسحب من الشركةِ، و اشتغل الباقون فيما اتفقوا عليه فأُلقِيَ القبضُ عليهم و أُودعوا السِّجنَ، فصار يزورهم الذي انسحب منهم و لسانُ حاله يقول: الحمدُ لله الذي لم يجعلني منهم، فلما الإنسان يرى أهلَ النارِ في النارِ كيف يتعذَّبون، قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾

[سورة الكهف]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾

[سورة النساء]
قال تعالى:

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52)﴾

[سورة الصافات]
هل أنت مُصدِّقٌ لهذا الدين، و العصرُ عصرُ العلم، و هذه خرافاتٌ، و عِشْ وقتَك، هذه منطقُهم في الدنيا، قال تعالى:

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾

[سورة القيامة]
هل يعقلُ أن تنالَ الشهادةَ بلا امتحانٍ ؟ قال تعالى:

﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)﴾

[سورة الصافات]
لو أصغيْتُ لك و سمعتُ كلامك و اقتنعْتُ به و صِرتُ معك كنتُ معك في هذا المصيرِ.
أيها الإخوةُ الكرامُ، أخطر إنسانٍ عليك صاحبُك، و عندك إنسانانِ ؛ إنسانٌ مقرِّبٌ و إنسانٌ مبعِّدٌ، و إنسان موصِلٌ بالله و إنسانٌ مقطوعٌ عن الله، و الله تعالى قال:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[سورة الكهف]
و لا تطع...فرطا" و قال تعالى

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[سورة لقمان]
قال تعالى:

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)﴾

[سورة الصافات]
هنا سؤالٌ استفهامي، كان ينكر عذابَ النارِ و ينكر الآخرةَ و الجنةَ و البرزخَ قال تعالى:

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)﴾

[سورة الصافات]
هكذا كان يدَّعِي، ليس إلا الدنيا و تنتهي بالموت و انتهى كلُّ شيءٍ صار هناك قويٌّ و ضعيفٌ و معتدِي و معتدَى عليه و ظالمٌ و مظلومٌ و غنيٌّ و فقيرٌ ووسيمٌ و دميمٌ وصحيحٌ و مريضٌ، ثم تنتهي الدنيا، القويُّ أخذ ما ليس له و استخدمَ القوَّةَ، و الضعيفُ قُهِرَ وتنتهي الدنيا هكذا ؟!! قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ(116)﴾

[سورة المؤمنون]
تعالى اللهُ أن يخلقَ الخلقَ عبثًا، قال تعالى

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40)﴾
(سورة القيامة)
استفهامٌ تهكُّمِي، قال تعالى:

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)﴾

[سورة الصافات]
الفوزُ في الجنة هو الفوز العظيم، هذه الدنيا عرضُ حاضِرٌ يأكل منه البَرُّ و الفاجرُ، والآخرة وعدٌ صادقٌ يحكم فيه ملِكٌ عادلٌ، و إن الله أعطى الدنيا لمن لا يحب و لمن يحب، أعطاها لقارون و أعطاه لفرعون، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)﴾

[سورة الصافات]
هذا كلام الإله العظيم و الخالقِ العظيمِ العليم الخبيرِ القويِّ المتينِ البارئ الذي إليه المصيرُ، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)﴾

[سورة الصافات]
ثم قال تعالى:

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

[سورة الصافات]
هنا التنافسُ، و ليس التنافسُ على فتاةٍ و لا على معملٍ و لا على فيلا، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

[سورة الصافات]
و قال تعالى:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

[سورة المطففين]
و قال تعالى

﴿: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾

[سورة يونس]
و إن هذه الدنيا دارُ التواءٍ لا دارُ استواءٍ و منزلُ ترحٍ لا منزلُ فرحٍ فمن عرفها لم يفرحْ لرخاءٍ و لم يحزن لشقاءٍ، قد جعلها اللهُ دارَ بلوى و جعل الآخرةَ دارَ عُقبى، فجعل بلاءَ الدنيا لعطاءِ الآخرةِ سببًا، و جعل عطاءَ الآخرةِ لبلوى الدنيا عِوضًا، فيأخذ ليعطِي، و يبتلِي ليجزِي.
أيها الإخوة الكرام، هذه الآياتًُ مُؤثِّرةُ جدًّا، حالةُ المؤمنِ في الجنة يذكرُ جارَه و صديقَه و رفيقَه و قريبَه، قال تعالى:

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)﴾


[سورة الصافات]













والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-31-2018 09:07 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآياتُ الثالثة و الثمانون و التي بعدها من سورةِ الصافات و هي قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)﴾

[سورة الصافات]
و الآيةُ الثانيةُ قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

[سورة الشعراء]
معنى ذلك أن رأسَ مالٍ الإنسانِ القلب السليمُ، إذْ أن أمراض الجسدِ تنتهي عند الموت، أيُّ مرض ٍ مهما كان ينتهي عند الموتِ، إلا أن أمراضَ القلبِ تبدأ بعد الموتِ، و إلى أبدِ الآبدين، فالذي في قلبه غِلٌّ و الذي في قلبه حسدٌ و الذي في قلبه كِبْرٌ إنه إعراضُ مرضٍ واحدٍ و هو الإعراضُ عن الله عز وجل، فهذه الآيةُ و هي قوله تعالى:

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)﴾

[سورة الصافات]
وأثمنُ شيءٍ تملكه هو القلبُ السليمُ، فإذ كان قلبُك سليمًا من الحقدِ و الحسدِ و من الكِبرِ و من البغيِ و العدوانِ فأنت مع اللهِ، و اللهُ يوَفِّقك قال تعالى:

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكاً آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)﴾

[سورة الصافات]
أيُعقَلُ أن تعبدَ غيرَ اللهِ ؟ أيُعقَل أن يعبد ثمانمائة مليون البقر في الهند؟ أيُعقَل أن يُعبَد بوذا ؟ أو أن تُعبَد النارُ في جنوبِ الصينِ ؟ أيُعقَل أن يُعبَد ذَكَرُ الرجلِ في اليابان ؟ و أن تُعبَد الجرذانُ في الهند ؟ عندي مجلَّةٌ فرنسيةٌ فيها تحقيقٌ حول عبادةِ الجرذان و كيف يطعمونها أفخر الطعامِ و بنوا لها أعظمَ المعابدِ، أيُعقل أن تُعبَد الشهوةُ من دون الله، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

[سورة الفرقان]
قد تعبد أباك و يأمرك بمعصيةٍ، و حرصاً على مصالحك معه و على نصيب ميراثك منه، تعبده من دون الله، و قد تعجب شهوتَك، قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكاً آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)﴾

[سورة الصافات]
هذا الذي تعبده من دون الله هل ينجِّيك ؟ و لما جاء كتابٌ من يزيدِ بن معاويةَ إلى والي البصرةِ و كان عنده الحسنُ البصري و في الكتاب أمرٌ لا يرضِي اللهَ عز وجل، فوقع والي البصرةِ في حيرةٍ شديدةٍ، أيُنفِّذ أمرَ يزيدَ فيُغضِب اللهََ تعالى، أمن لا ينفِّذ أمرَ يزيدَ إرضاءً لله فيغضب يزيدُ، قال الحسنُ البصري: إن اللهَ يمنعُك من يزيدَ و لكنَّ يزيدَ لا يمنعُك من الله، هذا القولُ دستورٌ لكلِّ الناس، فإذا كنتَ مع الله كان اللهُ معك ومنعك من أعدائك، قال تعالى:

﴿أَئِفْكاً آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)﴾

[سورة الصافات]
أي ضعيف، و معنى ضعيف أي مفتقِرٌ إلى اللهِ، لو افترضنا إنسانًا عنده آلةُ الخياطةِ يدوية، و قال لك: هذه أعظمُ آلة خياطة في العالم، و لو اطَّلع على آلةٍ حديثةٍ إلكترونيةٍ تعمل أربعين كنزة " جاكار" بأربعة ألوان في آنٍ واحدٍ، يرى نفسَه صغيرًا حقيرًا أمامها، فيظهر الإنسانُ لما يرى الأعظمَ، فإذا ما فكَّر الإنسانُ في العظيمِ يرى نفسَه عظيما قال تعالى

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)﴾

[سورة الصافات]
متى قال" إني سقيم " حينما نظر نظرة في النجوم، لذلك الإنسانُ إذا عزل نفسَه عن المحيط الخارجي يكبُر وهو صغيرٌ، أما إذا فكر في خلق السماوات و الأرض يصغُر فيصبح كبيرا، أما إن لم تفكِّر فأنت كبير و لكنك في الحقيقة صغيرٌ، قال تعالى:

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)﴾

[سورة الصافات]
هذه الأصنامُ التي تُعبَد من دون الله لا تأكل و لا تشرب و لا تتحرَّك و لا تسمع، قال تعالى:

﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾

[سورة الصافات]
هناك ناسٌ كثيرون عندهم رغبةٌ في تشويه النصوص، يقول مثلا:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)﴾

[سورة الماعون]
و الله تعالى قال: فويل...ساهون" ما قال فويل للمصلين، و سكت، قال تعالى: و الله..تعملون " يقول:أعمالُنا خلقها اللهُ وليست بأيدينا، ترتيبُ سيِّدك كما يقولون، هذا النظرُ فيه افتراءٌ على الله، قال تعالى:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)﴾

[سورة الماعون]
قال تعالى:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

(سورة الأعراف)
قال تعالى:

﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)﴾

[سورة الصافات]
أرادوا أن يحرقوه و أضرمت نارٌ عظيمةٌ، و تصف لنا الكتبُ القديمةُ أن هذه النارَ عظيمةٌ و الله سمح لهم أن يوقدوها و كان من الممكِن أن يطفِأها الله تعالى، و سمح لهم ان يُلقوا القبضَ عليه و كان من الممكن أن يتفلَّت منن قبضتهم، و سمح لهذه النارِ أن تشتعلَ و كان من الممكن أن تأتيَ أمطارٌ غزيرةٌ تطفئها، و الله عز وجل أخَّرَ آياتِه لآخِرِ مرحلةٍ، و بعد أن أُلقِيَ في النارِ، قال تعالى:

﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)﴾

[سورة الأنبياء]
لو قال بردًا لمات من البردِ، و لو قال بردا و سلاما و لم يقل على إبراهيم لأُلغِيَ فعلُ النارِ إلى حدِّ الآن، فهذا الذي يقول للنارِ:

﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)﴾

[سورة الأنبياء]
هذا الذي ينبغي أن تعبده، وهذا الذي يغيِّر خصائصَ الأشياءِ، النارُ تحرقُ، و هي خاصيَّةٌ أساسيةٌ في النارِ، الذي يغيِّر خصائصَ النار هو الذي ينبغي أن تعبدَه، يا إبراهيمُ ألك من الله حاجةٌ ؟ قال: علمُه بحالي يغني عن سؤالي، ينبغي أن تعبدَ من يعلم دونَ أن تقولَ.
أيها الإخوةُ ؛ قصصُ القرآن الكريم ليستْ مقصودةً لذاتها، و المقصودُ أن تعتبِر، و أن اللهَ في كلِّ دقيقةٍ و ثانيةٍ و في كلِّ عصرٍ ومَصرٍ قادرٌ على أن يُلغِيَ خصائصَ الأشياءِ، ورمٌ خبيثٌ توقَّف وتراجع بلا دواءٍ و لا معالجةٍ، هذا الذي يقدر أن يوقِف مرضا خبيثا ينبغي أن تعبده، الإنسانُ ضعيفٌ وقوَّاه اللهُ، و الإنسانُ فقيرٌ و أغناه اللهُ، و الإنسانُ شقيٌ و أسعده اللهُ، و الإنسانُ بعيدٌ و قرَّبه اللهُ، فالذي يُسعد و يقرِّب و يغني و يقوِّي و يشفي و يحفظ، هو الذي ينبغي أن تعبده، قال تعالى

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾

[سورة الشعراء]
قال تعالى:

﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)﴾

[سورة الصافات]
إذا كان اللهُ معك فمن عليك ؟ و إذا كان عليك فمن معك ؟ إذا وجدتَ اللهَ فماذا فقدْتَ و إذا فقدْتَ اللهَ فماذا وجدْتَ، قال تعالى:

﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)﴾

[سورة الصافات]
أضعفُ دولةٍ في العالَم من حيث السكانُ ؛ ثمانمائة ألف ؛ لو أن أمريكا معها لأصبحتْ أقوى دولةٍ في العالَم، أليس كذلك، مثلٌ مُنتَزَع من الأخبارِ، أنت الآنَ أضعفُ مخلوق إذا كان اللهُ معك فأنت أقوى مخلوقٍ و أفقرُ إنسانٍ إذا كان اللهُ معه فهو أغنى إنسانٍ، و أجهلُ إنسانٍ إذا كان اللهُ معه فهو أعلمُ إنسانٍ، والنبي الكريم علَّم البشَرِيَّة إلى يوم الدِّين قال تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)﴾

[سورة العلق]
والنبي عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ولا يكْتب، فلأنّ الله تعالى علَّمَهُ أصبَحَتْ أحاديثُهُ منتشرة في بِقاع الملِك، فإذا الواحِد دخَلَ إلى بيتٍ مِن بيوت الله لِيَطْلُب العِلم، فلْيَقُل إنِّي ذاهِب إلى ربِّي، وإذا غضَّ بصرهُ بالطريق فهذا ذاهِب إلى ربِّه، وإذا ذَكَر الله تعالى فهذا سيَذْهَب إلى ربِّه إذا ذَهَب لِيَزور صَديقًا، فهذا ذاهِبٌ إلى ربِّه، وإذا ذَهَب إلى الحج فهذا ذاهِب إلى ربِّه وإذا عُدْتَ مريضًا كنت في طاعة الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: وجَبَت محبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، والمُتَجالِسين فيَّ،..." والله تعالى قال:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)﴾

[سورة الذاريات]
ارْكُض إليه بالتَّوبة إليه، وبِعَمَلٍ صالِحٍ، وبالإقبال عليه، وبِبَذْل المال والنَّفس إليه.
وإنَّ بيوتي في الأرض المساجِد، وإنَّ زُوَّارها هم عُمَّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تطيَّب في بيْتِهِ ثمَّ زارني، وحُقَّ على المزور أن يُكْرِمَ الزائِرَ.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-31-2018 09:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، تَتِمَّة قِصَّة سيِّدنا إبراهيم، حينما قال الله عز وجل
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾

[سورة الطارق]
الله سبحانه وتعالى ليس كائِدًا، وليس مِن أسمائِه الكائِد لأنَّ الذي يكيد هو الضَّعيف إلا أنَّ الله عز وجل حينما يكيد يُسَمَّى كَيْدُه تَدْبيرًا حكيمًا يرُدُّ به كَيْد المُعْتَدين، فإذا كادك عَدُوُّك فالله سبحانه وتعالى له كَيدٌ يَحْميكَ منه.
قال تعالى:

﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)﴾

[سورة الصافات]
وهناك في كتاب الله تعالى كَلِمَتَين قال تعالى: والعاقِبة للمُتَّقين.." فالأمور تَدور، يسْعَدُ أُناسٌ، ويسْكُت أناس ويشْقى أُناس، ولا تسْتَقِرُّ الأمور إلا على نُصْرة المؤمن، وإعْزازِهِ فالله تعالى قال:

﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾

[سورة الصافات]
فأنت إن ذَهَبْتَ إلى بيتِ الله الحرام، فأنت قد ذَهَبْتَ إلى الله تعالى، وإذا ذَهَبْتَ لأداء العُمْرة فقد ذَهَبْتَ إلى الله، وإذا دَخَلْتَ بيتًا مِن بيوت الله تُصَلِّي، أو تسْتَمِعُ إلى مجْلس العِلم فأنت ذاهِبٌ إلى الله، وإذا رأيْتَ فِتَنًا في الطريق فغَضَضْتَ عيْنَكَ فأنت ذاهب لله تعالى، وطوبَى مَن وَسِعَهُ بيْتُهُ، ووسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتَهْوِهِ البِدْعة، ففي زَمَن الفِتَن يكون البيت مأوى، والله عزوجل قال:

﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾

[سورة الكهف]
فالمكان الذي تعْبُد الله تعالى فيه، والذي لا معْصِيَة فيه، ولا لغْوَ فيه يُعْتَبَر كَهْفًا، وهذا ينْطَبِقُ عليه قوله تعالى:

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾

[سورة الصافات]
فالإنسان إن ضاقَت نفْسُهُ فَذَهَب إلى مكانٍ واسِع، وإلى فلات أو جبل ومكانٍ مُريح، وقرأ القرآن وناجى الواحِد الدَّيان فكأنَّه ذاهِب إلى الله تعالى، فالإنسان إن لم تَكن له خَلْوة مع الله ؛ يُناجيه ويَدْعوه ويذْكُرُهُ ويُمَرِّر جبْهَتَهُ في أعْتابِهِ والله تعالى حيثُما اتَّجَهْت إليه تَجِدُهُ، فالله تعالى لا يَحُدُّه مكانٍ، قال يا موسى أَتُحِبُّ أن أكون جَليسك ؟ قال: كيف ذلك يا ربّ ؟ قال: أما عَرِفْتَ أنِّي جليس مَن ذَكَرَني وحيثما الْتَمَسني عَبْدي وَجَدَني، أحْيانًا تسْكُن بيْتًا في سفَح جبلٍ و ضاقت نفسُك، اِصعد إلى الجبل و اقرأ القرآنَ، ذهبت إلى بيت من بيوت الله كنت في الطريق و سقطت الأمطار ذهبتَ إلى البيتِ، و كلُّ بيتٍِ تلتمس فيه ذكرَ الله و الابتعادَ عن الشيطان فهو المأوى، و ينطبق عليه قوله تعالى:

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)﴾

[سورة الصافات]

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)﴾

[سورة الصافات]
و قوله تعالى:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72)﴾

[سورة الأنبياء]
قال تعالى:

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)﴾

[سورة الشورى]
معنى ذلك أن الولدَ هبةٌ من الله عز وجل، وليس لك إلا أن تسأله ولدًا صالحا ينفع الناسَ من بعدك، و الولدُ الصالح استمرارٌ، و أثمنُ شيءٍ على الإطلاقِ الحياة ـ و قد تكون أغنى الناسِ ـ إلا أن أثمنَ شيءٍ على الإطلاق هو الولد ينفع الناسَ من بعدك، و هو استمرارٌ لوجودك، و كلُّ أعمالِه في صحيفتك، و أنت في الجنة و أنت في البرزخ تأتيك الخيراتُ من دعاء ولدك الصالحِ، فإذا بذلتُم كلَّ طاقتكم في تربيةِ أولادكم و رأيتموهم تائبين إلى الله منيبين إليه فهذه قُرَّةُ العينِ التي ذكرها اللهُ في القرآنِ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)﴾

[سورة الفرقان]
لا يعرف قرَّةَ العينِ إلا من كان عنده ولدٌ و هو قرَّةُ عينه، صلاحٌ و أدبٌ و استقامةٌ و مُعاونةٌ، قال تعالى:

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾

[سورة الصافات]
فإذا كان للواحد مصلحة رائجةٌ أفضلُ إنسانٍ يتابع العملَ بعدك هو ابنُك، وهو بضعةٌ منه، قال تعالى:

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾

[سورة الصافات]
أيها الإخوةُ الكرامُ، أن يُأمر نبيٌّ بذبحِ ابنه وأن يقول سمعا و طاعةً يا ربي، هذا الاستسلامُ الحقيقي و المُطلَق، هذه هي العبوديةُ لله تعالى و كلُّ أوامرِ الله تعالى معقولةٌ، أمر بالصدق و الصلاة و الزكاة و الاستقامة، كلُّ أوامر الله تعالى معقولة، إذا طبق الإنسان أمرًا معقولاً تطبيق هذا الأمر المعقول تضعف فيه العبودية لله عز وجل، أحيانا عدوُّك يعطيك توجيها في مصلحتك فتنفِّذه، فهل بِتَنْفيذِكَ هذا تُطيعُ عَدُوَّكَ ؟ لا أبدًا، أنت تُحَقِّق مَصْلَحَتَكَ الذاتيَّة، أما حينما تَضْعُف حِكْمَة الأمْر فلو قال الأب لابنِهِ: نظِّفْ أسْنانَكَ ! ونَم باكِرًا، فهذا كُلُّه واضِح ولِمَصْلحة الابن، ولِمُسْتقبل الابن، أما إذا مَنَعْتَ ابْنَكَ عن الأكل للطّعام الطَّيِّب ! فهذا غير مَعقول، فالأمر غير الواضِح، وغير العقلي ترْتَفِعُ فيه نِسْبة العبودِيَّة، أما أن يقول الله عز وجل لإنسانٍ: اِذْبَح ابْنَكَ !! فهذه أعلى درجات العُبودِيَّة لله عز وجل إن نفَّذَ الأمْر، وأن يضَعَ زوْجَتَه وابْنَهُ في وادٍ غير ذي زَرْعٍ، وأن يذْهَب هو، فهذا هو التَّوَكُّل المطْلق، والله عز وجل أعْطانا بِهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم مثَلَيْن: توَكُّل مُطْلق، قال تعالى

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)﴾

[سورة إبراهيم]
وقوله تعالى:

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾

[سورة الصافات]
هذه عُبودِيِّة مطْلَقَة، أما كلَّما كُلِّفْت بأمْرٍ، قلتَ: إن لم أفْهم حِكْمَتَهُ فلا أقْبَل الأمر ! فأنت الآن تعْبُد نفْسَكَ وليس الله تعالى، هذه الأوامِر التي تفْعَلُها لأنَّك قانِعٌ بها ليسَت عِبادةً لله عز وجل، فهذا المَثَل دقيق جدًّا قال تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾

[سورة الصافات]
ما هذا الابن ؟! رؤْيا الأنبياء حق فهو لم يقل له: افْعَل ما ترى في المنام، ولكن قال له: اِفْعَل ما تُؤْمَر ! وهناك نقْطة ثانيَة، وهو الفِعل أر في قوله تعالى إنِّي أرى، وهذا يُفيد الاسْتِمْرار، فهو رأى أوَّل مرَّة وثاني مرَّة، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾

[سورة الصافات]
هذا هو المؤمن ؛ مُسْتَسلِمٌ لله عز وجل

هم الأحبَّة إن جاروا وإن عدَلوا فليس لي عنهم مَعْدِلٌ وإن عدَلوا
والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كَبِدي باقٍ على حُبِّهم راضٍ بما فعَلوا

والله تعالى يقول:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[سورة الأحزاب]
هذا هو الإيمان، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)﴾

[سورة الصافات]
لن تسْتطيعوا أن تعرفوا هذا الظَّرْف الصعْب الذي عاشَهُ هذا النبي الكريم ؛ لأنَّكم تعرفون من قراءة القرآن حلَّ العُقْدة، قال تعالى:

﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)﴾

[سورة الصافات]
ما كان يدور في خلَدِ إبراهيم أنَّ الله سبحانه وتعالى سيَهْديهِ بِذِبْحٍ عظيم لذا قال سيِّدنا إبراهيم:

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)﴾

[سورة الصافات]
لذا وَطِّنوا أنْفسكم إن كنتم مؤمنين على أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يمْنَحُكم عطاؤُه العظيم إلا بعد امْتِحانٍ دقيق، ولكن ليس بِمَرْتبة هذا الامْتِحان فهذا الامْتِحان للأنبياء، فنحن لنا امْتِحانات مُخَفَّفة ؛ كالمرض، أو ضيق ذات اليَد، أو مشْكلة في البيت، فهذه المشكِلات لا بدّ منها.
قال تعالى:

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(110)﴾

[سورة الصافات]
كلمة مُحْسِن مُطْلقة ؛ فهو في البيت مُحْسِن، وكذا في العَمَل، وفي بيْتِهِ ومع أصْدِقائِهِ، وفي صَنْعَتِهِ مُحْسِن، وفي زراعَتِهِ، وكذا في تِجارَتِهِ وفي حزنِهِ وفَرَحِهِ، فهي تعني أنَّ عَمَلَهُ طيِّب في أيِّ مجال.
قال تعالى:

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ(113)﴾

[سورة الصافات]
مِن ذُرِيَّة هذا النبي الكريم الذي هو أبو الأنبياء ؛ مُحْسِنٌ وظالمٌ لِنَفْسِه ونحن مِن ذُرِيَّة إبراهيم عليه السلام ؛ محْسن وظالم لِنَفْسِهِ، أرْجو الله سبحانه وتعالى أن نكون مِن المُحْسنين







والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-31-2018 09:09 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالصافات ( 37 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الصافات، وتبدأ بِقَوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)﴾

[سورة الصافات]
ما معنى كلمَتُنا ؟‍ قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

[سورة الأنعام]
الكلمة هنا وفي الآيات المُشابِهَة هي القانون، وهي سنَّة الله تعالى في خلْقِهِ، وهي النِّظام الذي لا يتبدَّل ولا يتغيَّر، وهي الثابِتَة على مرِّ العُصور والأيَّام، فالمؤمن إذا عرفَ قوانين الله عز وجل تأدَّب معها وانْتَفَع بها، فأنت ترْكَب الطائرة، ولابدّ وأن ينْزِلَ منها وهو في الجوّ فإذا عرفَ قانون السُّقوط اسْتَعْمل المِظَلَّة وسقَطَ سالمًا، أما إذا عرف قانون السُّقوط، أو لم يعْبأ به سقطَ ميِّتًا فالقوانين لا بدّ مِن أن نخْضَعَ لها ولا بدّ مِن أن نتأدَّب معها، ولا بدَّ مِن أن نأخذها بِعَين الاعْتِبار، فالله عز وجل له كلمات، قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

[سورة الأنعام]
فيا عِبادي مِنكم الصِّدق، ومِنِّي العَدْل فَكَلِمَتَان تُنَظِّم علاقة الخالق بالمَخلوق ويتفاوَتُ العِباد في صِدْقِهِم في طاعة ربِّهم، وتتفاوَتُ مَقاماتُهم في تَطبيقاتِهم، وعلى الله أن يعْدِلَ بينهم فَعَلى تُفيد الإلزام، قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

[سورة الأنعام]
وقال تعالى:

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33﴾

[سورة يونس]
وقال تعالى:

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(27)﴾

[سورة الكهف]
فلو تتبَّعْت لفْظة كلمة، لوَجَدْتها تعني سنَّتَهُ وقانونَه وناموس الكون الأعظَم، فهذه سُنَن ثابِتَة على مرِّ العُصور والدهور والأمْصار، وقديمًا وحديثًا، وفي ماضي البشَرِيَّة وفي حاضِرِها.
الآن ؛ مِن هذه الكلمات قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
فالوَيْل لِمَن كان في خَنْدقٍ مُعادٍ للدِّين

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
لأنَّه هالِكٌ لا مَحَالَة، ولأنَّه مَقْهور لا محالَة، ولأنَّه ذليل لا مَحالة ولأنَّه مَهْزومٌ لا محالة، يا أُميَّة بن خلَف، ولا فلان ابن فلان ؛ ذَكَر النبي أسماءَ قَتْلى بدْر واحِدًا واحِدًا هل وجَدْتم ما وعَدَكم ربُّكم حقًّا، فإنِّي وَجَدْتُ ما عَدَني ربِّي حقًّا، لقد قاتَلْتُموني ونصَرني الناس، وخذَلْتُموني وأيَّدَني الناس، فقالوا: أَتُخاطِبُ قَومًا جيَّفوا ؟‍! فقال: ما أنتم بِأَسْمَعَ لما أقول منهم، ولكنْ لا يُجيبونني فهذه كلمة، قال تعالى

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

(سورة الأنعام)
وقال تعالى

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
فهؤلاء المرسلين فهل لك علاقة بهذه الآية ؟ علاقتك بهذه الآية قوله تعالى:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[سورة القصص]
فالعاقبَة الحسَنَة هي النَّصْر والرِّفْعة، والسَّعادة والتَّفَوُّق والفوْز، والنَّجاح والفلاح، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
أيُّها الإخوة، معركة لا تكون، ومعركة لا تَطول، ومعركة لا تنتهي فالمعركة التي لا تكون هي التي بين حقَّيْن لأنَّ الحق واحِد، ولا يمكن لِحَقَّين أن يصْطَرِعا، فالحق واحد، وهذه المعركة لن تكون، ومعركَةٌ لا تطول وهي التي بين الحق والباطل ؛ لأنَّ الله مع الحق، أما المعركة التي لا تنتهي ؛ هي التي بين باطِلَين، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174)﴾

[سورة الصافات]
اللهُ تعالى يعطي للإنسان مددًا ليظهر على حقيقته، و يُرخي له الحبلَ ليأخذَ أبعادَه، و يحلُم عنهم لتنكشف حقيقتُه، و يدعُه بلا عقابٍ ليظهرَ معدنُه، ثم يأخذه و يقصِمه و يحاسبُه، قال تعالى:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174)﴾

[سورة الصافات]
بعد حينٍ هناك قصمٌ أو نصرٌ، المؤمنُ بعد حين ينتصِر و الكافرُ بعد حينٍ يُقصَم، قال هناك شيء اسمُه هُدْنةٌ، قال عليه الصلاة و السلام: إنكم في زمن هدنةٍ..." فنحن في الدنيا في زمن هدنةٍ، و الأوراق تختلفُ مؤمنٌ و كافرٌ، كلاهما يأكل و يشربُ و ينام و يتزوج و يسكن و يعمل أما هذا في وادي و هذا في وادي، و الدنيا دارُ تكليف و ليست دار تشريفٍ، و الدنيا دارُ ابتلاءٍ و الآخرةُ دار جزاءٍ، قال تعالى:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)﴾

[سورة الصافات]
حتى النبيُّ عليه الصلاة و السلام وهو سيِّد الخلق و حبيبُ الحقِّ قد لا يُمتِّع عينيه بمصير الكافرين، قال تعالى:

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

[سورة يونس]
فنحن في دار جزاءٍ، الإنسانُ قد يقع في كلِّ المعاصي و الموبقات و قد يعيش حياةً مديدةً و يموت موتا عجيبا، لكنَّ اللهِ عز وجل يعاقب بعضَ المسيئين ردعا لغيرهم، ولا يمنع من أن ترى إنسانا منحرفًا نجا من عقاب الدنيا لحكمةٍ أرادها اللهُ، و لا يُستبعَد أن ترى مؤمنًا ابتلاه الله تعالى و انتهى به البلاءُ إلى الموتِ و لكنَّ الجنةَ موعدُه، فنحن في دار ابتلاءٍ، قال تعالى:

﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204)﴾

[سورة الصافات]
و الذي يستعجل عذابَ الله هو الذي يسخر منه، و يستهزئُ به، قال تعالى:

﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177)﴾

[سورة الصافات]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[سورة البروج]
أحيانا اللهُ عز وجل يرسلُ مرضيْنِ، أدويةُ المرض الأولِ تؤذي المرض الثاني، و أدوية المرض الثاني تؤذي الأولَ، فإذا أراد اللهُ أن ينتقم أو أن يبطش فشيءٌ لا يُحتمَل قال تعالى:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[سورة البروج]
فأشقى إنسانٍ هو الذي يستعجل عذابَ الله، و لما يأتي العذابُ يصيحُ الإنسانُ كالبهائم من شدَّة الألم. علامةُ إيمانك خوفُك من الله، قال تعالى:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)﴾

[سورة الصافات]
سوف تفيد الاستقبال، فالعبرةُ بالمستقبل و العبرة بخِتام العمل و العبرةُ لمن يضحك آخرًا، و إذا أحبَّ اللهُ عبدا عسَّله، قيلا و ما عسَّله قال رزقه عملا صالحا ثم توفاه عليه، لذلك نهايةُ حياة المؤمن تلخيصٌ لحياته كلَّها، و نهايةُ حياة الكافر تلخيص لحياته كلَّها، فنسأل اللهَ حسنَ الخاتمةِ، و من شبَّ على شيء شابَ عليه، ومن شاب على شيء مات عليه ومن مات على شيء حُشِر عليه، و من لم تكن له بدايةٌ مُحرِقةٌ لم تكن له نهايةٌ مُشرِقةٌ، قال تعالى:

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)﴾

[سورة الصافات]
الصلاة و السلام على المرسلين و على أتباع المرسلين، إذا كان النبيُّ في سلام و أنت تتَّبِعه فأنت في سلامٍ، و معنى سلام؛ سلامٌ مع نفسك و سلامٌ مع من حولك و سلامٌ مع الله، و ليس أحلى من السلام، ليس هناك مشاكلُ و مصائبُ و قهرٌ و سحقٌ و خوف و قلقٌ، الله تعالى قال:

﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾

[سورة يونس]
و قال تعالى:

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(127)﴾

[سورة الانعام]
أنت آكلٌ و شاربٌ ومتزوِّجٌ ولكنْ ينقصُك أهمُّ شيءٍ العزُّةُ و الكرامةُ و تأكيدُ الذاتِ هذه لن تصل إليها إلا عن طريق خالق الكون، و لن تكون عزيزًا إلا إذا عرفتَ العزيزَ، و لن تكون رافعَ الرأس إلا إذا كنتَ مطيعًا لله تعالى، أما كلُّ معصيةٍ فوراءها الذُّلُّ، ألا يا رُبَّ مُكرِمٍ لنفسه على حسابِ طاعته لله وهو لها مُهينٌ، ألا يا رُبَّ مُهينٍ لنفسه وهو لها مُكرِمٌ، ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمة في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامةِ ألا يا رُبَّ نفسٍ جائعة عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمة يوم القيامةِ ألا يا رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أورثتْ حزنا طويلا " قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
فإذا لم ينتصر الجندُ فمعنى ذلك أنهم ليسوا جند اللهِ، استنباطٌ دقيقٌ، إذا كان هناك نصرٌ فهم جندُنا، و إذا لم ينتصروا فليسوا جندَنا، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[سورة الصافات]
قال تعالى:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177)﴾

[سورة الصافات]
الويلُ لهم، قال تعالى:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)﴾

[سورة الصافات]









والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-31-2018 02:33 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص ( 38 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في سورة ص قِصَّتان، وهاتان القِصَّتان تُصَوِّران حالَتَين قد تُصيبَا المؤمن، فالحالة الأولى هو طُغيان عَمَلِهِ الصالِح على إقْبالهِ، والحالة الثانِيَة طُغيانُ إقْبالِهِ على العَمَل الصالِح، والحالة الكاملة أن يُوازِن بين اتِّصالِهِ بالله، وبين أعمالهِ الصالحَة، فلو أنَّ الإنسان أمْضى وَقْتَهُ في ذِكْر الله، وعِبادَتِهِ، ولم يعْمَل عملاً صالحًا، فهذا لا يرْقى عند الله تعالى، ولو أنَّ إنسانًا أمضى وقْتَهُ كلَّهُ في الأعمال الصالحة، ولم يعتني بِعِبادَتِهِ وذِكْرهِ، واتِّصالهِ بالله عز وجل، فهذا كذلك لا يرْقى عند الله تعالى، ففي الحالة الأولى نَقصُ العَمَل الصالِح يُضْعِفُ إقْبالَهُ على الله، وفي الحالة الثانِيَة نقْصُ عِبادَتِهِ يَحْجُبُه عن الله تعالى.
القِصَّة الأولى في هذه السورة، قوله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)﴾

[سورة ص]
أرْسَلَ الله مَلَكَين إلى سيِّدنا داود، قال تعالى:"

﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)﴾

[سورة ص]
وبالمناسبة يقول الله عز وجل:

﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (23)﴾

[سورة ص]
اسْتَنْبَطَ العلماء أنَّ الذي يَبْغي على شَريكِهِ، أو على زوْجَتِه، أو على جارِهِ، أو على زميلِهِ، أنَّه ليس مؤمنًا، فَمِن لوازِمِ الإيمان الأنصاف والآية دقيقة جدًّا، قال تعالى

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾

[سورة ص]
ورثَة أم زوْجة أو خِلَّة، أو مسافران في الطريق أحدهم يأخذ المحلّ المريح، والآخر يُبْقي له المحلّ غير المُريح، قال تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾
قال تعالى:

﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)﴾

[سورة ص]
نعْجة وليس امرأة كما في الإسرائيليات، كلّ ما قيل في كُتب التَّفسير أخْذًا عن بني إسرائيل باطل لا أساس له، فهؤلاء يقولون عن هذا النبي الكريم كانت له تسْعٌ وتِسعون امرأة، وأحبَّ زوْجة قائِدِهِ فأرْسَلهُ إلى ساحات القِتال وقال: قدِّموه لِيأخذَ زوْجته مِن بعْدِهِ ‍‍‍!! هذا ليس مِن أخلاق النبي، وهذه قِصَّة لا أصْل لها، وباطلة.
قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)﴾

[سورة ص]
أي كانت له تسْعٌ وتسْعون نعْجة، وقد أخذ نعْجَتي، فالمفروض لِسَيِّدنا داود أن يسْتَمِع للطَّرَف الآخر، فالطَّرف الآخر يقول: لي تسْعٌ وتسعون نعْجة أرْعاها، وأخي له نعْجة واحِدَة، فقلْتُ لأخي: أعْطِني هذه النَّعْجة لأرْعاها وأُريحك من رعْيِها ! فهو ما اسْتَمَع للطَّرف الثاني، قال تعالى:

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾

[سورة ص]
ثمَّ بيَّن الله له أنَّ هذين ملَكَين جاءَا لِيَمْتَحِناكَ في الحُكْم، قال تعالى:

﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (23) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (24) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة ص]
أيُّ هَوى ؟ كان يُحِبُّك أن يأكل، أو يلْتقي مع امرأة، فما هو الذي نهاهُ عنه الله ؟ هواهُ لِرَبِّهِ، فهو ظلَّ مُعْتَكفًا في مِحْرابِهِ يُصَلِّي وكان مُتَّصِلاً بالله، ويُناجي ربَّه، ومع ذلك حينما لم يحْكُم بين اثْنَين بالعَدْل عاتَبَهُ ربُّه عز جل لأنَّ عَدْل ساعة خير مِن عِبادة ! فهواه كان في حبِّهِ لله، وإقْبالِهِ على الله، والاتِّصال به، أرأيْتُم إلى هذا الخُلق الرفيع الذي أمرهم به ؟ قال تعالى:

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة ص]
فالله تعالى لا يُرْضيهِ أن تُهْمِلَ عِبادَهُ، فهل يُعْقل مِن عالمٍ خرجَ نُزْهة مع إخوانِهِ، أن يظلَّ مُعْتَكِفًا يذْكر الله تعالى ويَدع إخوانَهُ ؟! عليه أن يُرْشِدَهم وأن يعتني بهم، لذا هناك شيء هو اتِّصال بالله، وآخر عمل صالح، فإذا غلَبَ اتِّصالُكَ بالله كسيِّدِنا داود على عَمَلِكَ الصالِحَ تكون قد ترَكْتَ الأولى، عكْس سيِّدنا سليمان الذي أحبَّ فِعْل الخير عن ذِكْر الله عز وجل، فَغَلَبَ عليه العمل الصالح عن إتْقان عِبادَتِهِ، فهذان سُلوكان الأوْلَى أن يُوازِن بينهما الإنسان، الأوَّل يُمَثِّل غلبَة الاتِّصال بالله على الأعمال الصالِحَة، فهناك مَن يعتني بِقَلْبِهِ وأذكارِهِ والأوراد، ويُهمل خِدْمة الخلْق، وآخر مُهِمَّتُهُ خِدْمة الناس، صلواته غير مُتْقنة، وتلاوته للقرآن قليلة، فهذا ترك الأولى، لذا موضوع الدَّرْس اليوم هو: عليكَ أن تُوازِن بين الاتِّصال بالله عز وجل، والإحْسان إلى الخَلْق، ولا ينبغي أن يطْغى شيءٌ على حِساب شيءٍ آخر، وإنَّ لله عملاً بالليل لا يقْبلُهُ بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً بالنَّهار لا يقْبلُهُ بالليل، جاءَ رسول مِن أذْربيجان ليلْتقي عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فَوَصَل المدينة في منْتَصَف الليل فَكَرِهَ أن يُزْعِجَهُ في هذا الوقْت، فتَوَجَّه إلى المسْجِد، ولم تكن الإضاءة ! فإذا بِهِ يسْمَعُ من في المسْجِد يقول: ربِّي هل قَبِلْتَ توْبتي فأهنئ نفْسي، أم رَدَدْتها فَأُعَزِّيَها، فقال: من أنتَ يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: عمر ! فقال: ألا تنام الليل ؟! فقال: إن نِمْتُ الليل كلَّه أضَعْتُ نفسي أمام ربِّي، وإن نمْتُ نهاري أضَعتُ رَعِيَّتي !! فأنت في المْجِسْد حينما تدْخل تقول: اللَّهمّ افْتَح لي أبواب رحْمتِك ؛ ففي المسْجِد تحتاج إلى رحْمة، ولما تخْرج من المسْجد تقول: اللَّهم افْتح لي أبواب فضلِك فالآن تحتاج إلى عملٍ صالِحٍ ؛ تكْسب رزْقك بِشَرفٍ وإتْقان ومنْهَجِيَّة، فأنت بين رحْمة الله تعالى وفضْلِهِ، فرَحْمة الله في الاتِّصال به، وفضْلُهُ في الخَيرات التي يُجْريها على يديْه، وأنت بالمسْجِد افتَح لي أبواب رحْمتِك وأنت خارِجَ المسْجِد افْتَح لي أبواب فضْلِك، فسيِّدُنا داود آثرَ رحمة الله على فضْله، وسيِّدُنا سليمان آثر فضل الله على رحْمته، وكلاهما ترَكَ الأولى ونحن نقْتَدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، ونسْتفيد من هذه القِصَّة بأن نُوازِن بين الاتِّصال بالله، وبين خِدمة الخلق، فلا ينبغي أن تشْغَلَنا خِدْمة الخَلْق عن عِبادة الله عز وجل، وينبغي أن لا تشْغلَنا عبادة الله عن خِدْمة الخَلْق، ففي وقْت العمل رأى النبي عليه الصلاة والسلام شابًّا يقرأ القرآن فقال: مَن يُطْعِمُكَ ؟ فقال: أخي، فقال: أخوك أعْبَدُ مِنْك ! وإنَّ لله عملاً بالليل لا يقْبلُهُ بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً بالنَّهار لا يقْبلُهُ بالليل وكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فُرْسانًا بالنَّهار، رُهبانًا بالليل قال تعالى:

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)﴾

[سورة المزمل]
وقال تعالى:

﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

[سورة الإسراء]
وفي النَّهار، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا(80)﴾

[سورة الإسراء]
ومن صلَّى الفجْر في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتَّى يمْسي..." ومن صلَّى الفجر والعشاء فكأنَّما قام الليل.." احْرصوا على صلاة الفجْر في المسجِد، وعلى صلاة العِشاء في المسْجِد، فإن فعَلْتَ هذا فكأنَّما قُمْتَ الليل.
طبيبة نِسائِيَّة تتولَّى الإشراف على توليد النِّساء، أخْبروها أنَّ لكِ وِلادة فصلَّت سنَّة العصر، والفرض، وجاءت بالأذكار، ولمَّا ذَهَبَت إلى المستشفى وجدَت المرأة قد ولَدَت، فتقاضَت أُجْرَتها !! فهذه آثرَت عبادتها على واجِبها، وأحيانًا تقوم امرأة وتقوم الليل، وتُصلِّي الفجْ ولمَّا تأتي الساعة الثامنة تكون نائِمَة فيَذْهب أولادها من دون طعام، ويلْبسوا ثيابهم لِوَحدهم !! فهذا الموضوع دقيق، فهناك نِساء يُهْمِلنَ حُقوق أزْواجِهِنّ، وحقوقهنّ، ويحْفظْن كِتاب الله كلِّه، كلّ هذا على حِساب الزَّوج والأولاد، وهناك نِساء لِشِدَّة خِدْمَتِها لأولادها وزوْجِها تنْسى أن تُصَلِّي ! فلا ينبغي أن تطْغى العبادة على العمل، ولا العمل على العِبادة ولا بدّ مِن الموازَنة بينهما.
موضوع الدَّرس في الغد إن شاء الله، قوله تعالى:

﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (31)﴾

[سورة ص]






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-31-2018 02:35 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص ( 38 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، تَحَدَّثت في الدرس الماضي البارحة عن حالتَين الأولى أن تغْلِبَ العِبادة عن العمل الصالح، والحالة الثانِيَة ؛ أن يغْلِبَ العَمَل الصالح عن العِبادة، والأكْمَل أن يُوازِن المؤمن بينهما، فلا تنْمو عِبادته على حِساب أعماله، ولا تنْمو أعمالهُ على حِساب عِبادَتِهِ، والنَّموذج الأوَّل سيِّدنا داود عليه وعلى نبيِّنا أفْضل الصلاة والسلام حينما تسوَّرا عليه ملكَان، وذَكَرا له قَضِيَّة فاسْتَمَع للأوَّل، فقال كما قال تعالى
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾


[سوة ص]
ثمَّ شرَعَ أنَّه تسرَّع في الحُكْمِ وكان عليه أن يسْتَمِعَ للطَّرَف الآخر.
واليوم سيِّدُنا سلَيْمان، وعملهُ الصالِح، وحُبُّه للخَيْر غلَبَ على عِبادَتِهِ قال تعالى:

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (29)﴾

[سورة ص]
أوَّاب على وَزْن فعَّال أي كثير الأوْب، فكُلَّما شَعَر بِحِجاب يخْرِق الحِجاب، ويعود إلى الله تعالى وكلَّما شَعَرَ أنَّه ارْتَكَب ذَنْبًا تاب مِن هذا الذَّنْب من توِّه، وعاد إلى الله والمؤمن الصادِق كثير الأوْبَةِ إلى الله وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنِّي لأسْتغفر الله وأتوب إليه مائة مرة..." والمنافق يبْقى على حالٍ واحِدٍ أربعين عامًّا، والمؤمن يتقلَّب في اليوم بأربعينَ حالاً، حالة الرِّضى والخوف، والإشْفاق، والتَّمنِّي الاسْتِعْطاف، والاسْتِغفار، فَمِن شِدَّة حِرْصِهِ على طاعة الله، وعلى محبَّةِ الله تعالى يتنقَّل في اليوم الواحِد مِن حال إلى حال.
قال تعالى:

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (29)﴾

[سورة ص]
كان يُدَرِّب الخَيل على الجِهاد عُرضَت عليه الخَيْل الصافِنات، وهي مِن نوْع الخَيل، فالإنسان أحيانًا تكون له نظْرة ثابِتَة، فالخَيل الأصيلة لها وَضْع يُسَمَّى أنَّها صافِنات قال تعالى:

﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (31)﴾

[سورة ص]
الحِجاب الشَّمس ؛ أيْ فاتَتْهُ صلاة العَصْر، قال تعالى:

﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (32)﴾

[سورة ص]
الخَيْل حينما تَجْهَد يأتي صاحِبُها الرَّحيم فيَمْسَحُ لها رقَبَتَها، وسوقَها وجاء في بعْض التَّفاسير، ولا سيَما الإسرائيلِيَّات أنَّه أراد أن يُكََفِّر ذَنْبهُ فقَطَع رأسَها وسوقَها ‍‍!! فهل يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى بِقَتْل حَيَوانٍ بريء ؟! كلامٌ غير مَعْقول !! قال تعالى:

﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (32) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (33)﴾

[سورة ص]
كيف شَعَرَ أنَّهُ فُتِنَ ؟ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (33)﴾

[سورة ص]
الكرسيُّ في القرآن الكريم هو العِلم، قال تعالى:

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[سورة ص]
وسِعَ كرْسِيُّه السماوات والأرض أيْ عِلْمُهُ، فالشيء لا يسْتَقِرّ إلا على أُسُسٍ عِلْمِيَّة، فلو كانت لك أرْضٌ مُخَلْخلة، وغير صلْبَة، وبنَيْتَ عليها بناءً خِلاف قواعِد العِلْم فهذا البناء ينْهار، وأيُّ شيءٍ يُبْنى على غير أُسُسٍ عِلْمِية ينْهار، فَشُبِّهَ العِلْم بالكُرْسِيّ لأنَّه يثْبت على أربعة أرْجُل لذا قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (33)﴾

[سورة ص]
قد ينسى المرءُ بعض العِلم بالمَعْصِيَة

شَكَوْتُ إلى وكيعٍ سوء حفظي فأرْشَدَني إلى ترْك المعاصي
وأنبأني بأنَّ العلم نــــور ونور الله لا يُهْدى لِعاصي

لا تعْصِهِ في النهار يُوقِظْكَ في الليل، قال تعالى:

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)﴾

[سورة المزمل]
أما أن يأتِيَ بالخَيْل فيَقْطَعَ رؤوسها، ويقْطَعَ أرْجُلَها تقرُّبًا إلى الله عز وجل فما ذَنْبُها، وهذا كلام مرْفوض لا يقِفُ على قَدَمَين، وردَنا من بني إسرائيل وقد أخطأ بعض المُفَسِّرين حينما وضَعوا في تفاسيرهم تفاسير عن بني إسرائيل ما أنزل الله بها مِن سلطان ؛ هذه رِواية ثانيَة والرِّوايَة الأولى أنَّ كان له تسع وتسعون امرأة وأحبَّ زوْجة قائِدِهِ، فدَفعَهُ إلى القِتال ليأخذ امرأته !! فهذه غير صحيحة، والصحيح أنَّ هذا النَّبي الكريم تقرَّب إلى الله بالتَّلَطُّف مع الخيل التي أجْهَدها ولكنْ غلبَهُ العَمَل الصالِحُ عن ذِكْر ربِّه.
تطبيق هذه القِصّة اليوم، قد تجد إنسان مِن مسْجِد لآخر، وتأمين المأوى لِطَلبَةِ العِلم، هذا شيءٌ جميل جدًّا ، ولكنَّ عِباداتِهِ وسَط، وأخلاقه وسَط قال تعالى:

((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ))

[سورة التوبة]
ممكن أن تقول: هذا المسْجِد أنا أتولَّى بِناءهُ، وقد يكون معكَ ألْف مليون غضّ البصر أصْعَب مِن هذه، فهذه المبالِغ التي تدْفعها أنت أهْوَنُ عليك مِن غضِّ البصَر، قال تعالى

((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ))

[سورة التوبة]
فقد تَجِد أحيانًا من هو غارق في خِدْمة الخلْق، ولكن كلُّها توقيعات، واجْتِماعات، إلا أنّك إذا دَخَلْتَ بيْتَهُ لن تَجِد من الاسْتِقامة شيئًا، نقول له هذه الآية ؛ قال تعالى:

((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ))

[سورة التوبة]
المسْجِد الحرام وُسِّع بثلاثمائة وثمانين مليار !! مكتوب بِلَوْحة، فالعبرة أن يُطَبِّق الإنسان منْهَج الله عز وجل، أنا لا أُقَلِّلُ مِن قيمة هذه الأعمال ولكنَّ هذه الأعمال لا تكون كامِلةً إلا إذا كان أصْحابُها ملْتَزِمين منْهَجَ الله عز وجل ؛ فهذه أعمال عظيمة جدًّا، فالذين يبْنون المساجِدَ ويَعْتنون بها ويُؤَسِّسون المساجِد، مِن ماء وإضاءة وتكْييف، فهؤلاء لهم فضْل كبير أما أن يتوهَّموا أنَّهم إن فعلوا هذه الأشياء المادِيَّة، فهم في حِلٍّ في تَطبيق منْهَجِ ربِّهم ‍! هذا هو الذي أريد أن لا يفْهمه الناس، قال تعالى

((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ))

[سورة التوبة]
لذلك الله عز وجل لن يُعْطِيَكَ الجنَّة إلا إذا بذَلْتَ مِن أجْلِها ما تُحِبّ، فإذا ضَبطْت شَهواتِكَ، وعلاقاتِكَ، وأدَّيْتَ صلواتِكَ وطَلَبْتَ العِلْم، فالآن إن عمَّرْتَ مسْجِدًا أو عمَّرْتَهُ، فهذا تاجٌ يوضَعُ على رأسِك، أما التاج يحتاج للرأس ! أعرفُ ناسًا يدْفعون خمسمائة ألف ليرة وأولاد إخْوتِهِم يموتون جوعًا !! لأنَّ هناك لا توجَد لوْحة، أما هنا في المسْجِد توجَد لَوْحة، فلذلك اللَّهُمَّ اجْعَل أعمالنا كلَّها خالصةً لِوَجْهِكَ الكريم، وكلّ واحِدٍ مِنَّا إذا غلبَتْ عِبادته عن عمله الصالح يكون ترَكَ الصالِحَ، واخْتلَّ توازنَهُ، وإذا غلبَ عملهُ الصالِح على عِبادِتِه يكون ترَكَ الصالِحَ واخْتلَّ توازنَهُ، ولا بدّ أن نجْمع بين الشَّيْئين.
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (33)﴾

[سورة ص]
ما معنى فتنَّا ؟ الفتنة ليس معناها فسَدَ ولكن معناها كشْف الحقيقة، فأنت تقول: هذا ذَهَب، آخر يقول: لا هذا معْدن مَطْليٌّ ذهبًا، والدليل أنَّه تصدَّد، فالله تعالى مُتَكَفِّل أن يُحَجِّمَ كلّ إنسانٍ، وأن يُعْطِيَهُ حجْمَهُ الحقيقيّ، ويضَعُ له مشْكلة من خِلال تصرُّف يُكْشَف أمْره، لذا الموضوع دقيق جدًّا، لا تقل: يا أُمِّي أنا إن تزوَّجْت لن أعْصي لَكِ أمْرًا، ثمّ تجدُهُ بعد الزَّوَاج يقول لأمِّه: كلّ البلاء مِنك !! قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
وهذا يقول لك: أنا لا آكل ولا قِرْش حرام، لو عرضوا عليك ألف ليرة لا تأخذها، أما لو عرضوا عليك مليون ليرة تدْرسُ الموضوع، وتقول: لي أولاد ! وكذا الطبيب الشَّرْعي أحيانًا يُفْتتن بِملايين مِن أجْل أن يشْهد أنَّ هذا الموت طبيعي وليس بالسَّم !! أين قسَمُكَ عند التَّخَرُّج: أقْسِم بالله أن أكون مُخْلصًا لِمِهْنَتي، قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
سُئِل الإمام الشافعي: أنَدْعو الله بالابْتِلاء أم بالتَّمكين ؟ فقا ل: لن تُمَكَّن قبل أن تُبتَلَى قال تعالى:

﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[سورة البقرة]
ما جعَلَه إمامًا إلا بعدما ابْتَلاهُ ونَجَح في الامْتِحان، فالإنسان يفْضح المُتَسَتِّر الذي يدَّعي أنَّه صالِح.
مُلَخَّص الدَّرس كالتالي ؛ أنت مَعَك كلغ مِن معْدن، وبِذَكاءٍ بارع أوْهَمْتَ الناس أنَّه ذَهَب ! مَن الخاسِر ؟ أنت الخاسِر، أو كان معَكَ كلغ ذَهَب حقيقيّ، والناس يقولون: فلان معه كلغ تنَك ! من الرابِح ؟ أنت فنَظْرة الناس إليك لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، فَمَن عرف نفْسَهُ ما ضرَّتْهُ مقالة الناس به
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (33) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (34)﴾

[سورة ص]
فالله عز وجل آتاهُ الله المُلْك ولكنَّ هذا النبي ما طلبَ المُلْك للمُلْكِ وإنَّما لِيَكون وسيلةً لِتَعريف الناس بالله عز وجل.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-31-2018 02:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص ( 38 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، آيات سورة ص مُتَنَوِّعة جدًّا، فَمِن هذه الآيات قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (44) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (45) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (46) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (47)﴾

[سورة ص]
الأنبياء لهم مُهِمَّة كبيرة في الحياة الدنيا، والمهمَّة الصغيرة أن يُبلِّغوا أما المُهِمَّة الكبيرة أن يكونوا قُدْوةً لأتْباعِهِم، فأنت لن تُصَدِّق الحق إلا إذا رأيْتَهُ مُطَبَّقًا في إنسان فالإنسان المسْلم المُتَحَرِّك أمامك، والذي يتكلَّم ويعْمَل، ويُعْطي ويمْنَع ويصِل ويقْطَع، ويرْضى ويغْضَب ؛ كلّ هذا وِفْق منْهَج الله تعالى، فهذا المسْلِم المُتَحَرِّك أقْوى مِن الأفكار النَّظَرِيَّة لذا قالوا: القَول قرآنٌ صامِت، والقرآن كوْنٌ ناطِق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنًا مُتَحَرِّك، فهذه السيِّدة عائشة تصف النبي عليه الصلاة والسلام: كأنَّه قرآن يمشي فوق الأرض...." مائة ألف مُصْلح اجْتِماعي، ومائة كاتِب وألف خطيب، لا يُساوي هؤلاء جميعًا حركة النبي، لأنَّ النبي الكريم لا يُمْكن أن تَجِد مسافةً بين أقوالهِ وأفعاله، هو القُدْوَة، وقد ذَكَرْتُ البارحة أنَِّ معرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فرْضُ عَينٍ لأنَّ الله جعلهُ أُسْوَةً لنا، وهنا قال تعالى:

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (44)﴾

[سورة ص]
لو أنَّ الله عز وجل أنْزَل الكُتُب من دون أنبياء ؛ أفكار نَظَرِيَّة لا قيمة لها، أما الناس يَرَون رأْيَ العَيْن يُنْكِر ذاته من أجل الآخرين، ويشْقى مِن أجل أن يسعَدوا، ويفْتَقِرُ مِن أجل أن يغْنَوا، هذا الإنسان الذي طبَّق الدِّين مائة بالمائة هو الذي يشُدُّنا إلى الدِّين، ونحن الآن لو أردْنا أن نُطَبِّق هذه القاعدة، لا يوقظنا كتاب عميق، ولا شريط، يوقِظُنا إنسانًا مُطَبِّقًا للأحكام الشَّرْعِيَّة مائة بالمائة، قال تعالى:

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (44)﴾

[سورة ص]
فأنت قد تُحِبُّ المُحْسِن ولا تحْتقِر فِكْرَهُ، وأحيانًا تُقَدِّر فِكْرًا عميقًا ولا ترى صاحِبَهُ مُطَبِّقًا لِما يقول: فأنت في شَكّ، وأحيانًا ترى إنسانًا تقول: ليْتَ عِلْمَهُ كأخلاقِه ! له خرافات وشَطَحات، ترى أحدهم مُتَفَوِّقًا في العِلم أما إذا عامَلْتَهُ بالدِّرْهم والدِّينار يُخَيِّبُ عِلْمكَ، أما الأنبياء فالله عز وجل كمَّلَهم مِن كلّ جوانِب شَخْصِيتهم، والحقيقة أنَّه لا ينْصر هذا الدِّين إلا من أحاطَهُ من كلِّ جوانِبِه، فإذا تفوَّقت في العِلم وقصَّرْتَ في العمل تسْقط، وكذا العكس، فأيُّ شيءٍ تُقصِّر فيه يجعلك تسْقط منه.
أيها الإخوة الكرام ؛ ثلاثة خُطوط ؛ خطّ العِلْم، وخطُّ العمل، وخطُّ العِبادة، فإن لم تتحرَّك على هذه الخُطوط مُجْتَمِعةً فلن تتفوَّق، وإن تحرَّكْت على خطِّ واحِدٍ تكون مُتَطَرِّفًا، فالغُلُوّ في الدِّين أن تأخذ فرْعًا في الدِّين وتُضَخِّمَهُ، أو أن تأخذَ كُلِيَّةً مِن كليَّات الدِّين وتَجْعَلها الدِّين كلَّه أما حينما تتحرَّك وِفْق منْهجٍ عِلمي، ووفْق منهجٍ في الذِّكْر والعبادة والعمل فأنت الآن تتفوَّق، ولا ينْصر هذا الدِّين إلا من أحاطَهُ مِن كلّ جوانِبِه، ونريد أن نكون مسلمين كما كان أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا رُهبانًا في الليل فرْسانًا في النَّهار، وبِقَدْر تألُّقِهِم العِلمي بِقَدْر صفائِهِم النَّفسي، فالمنْهج إذًا وسَطي، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾

[سورة البقرة]
أما التَّطَرُّف أن ينْمو جانِبٌ على حِسابٍِ جانبٍ، نحن الآن بِحاجة أن نتحرَّك وِفق كليَّة عِلْمِيَّة، وكليَّة سُلوكيَّة، وكليَّة جمالِيَّة على قدم المساواة مِن أجل أن نتفوَّق، وإلا نقَعُ في التَّطَرُّف، قال تعالى:

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (44)﴾

[سورة ص]
ما اتَّخَذ الله وليًّا جاهِلاً، ولو اتَّخذَهُ لعلَّمَهُ، فيَجِبُ أن تعلم، ويجب أن تعْمَل، ويجب أن تتَّصِل بالله تعالى فأنت تتَّصِل بالله مِن أجل أن تسْعَد وأن تعمل مِن أجل أن ترْقى ؛ ففي المجتمعات المادِيَّة هناك مقاييس كبيرة لِتَقييم الناس فَمِقياس الناس مِقياس مُهِمّ جدًّا، ومِقياس السُّلطان والقوَّة، ومِقياس الذَّكاء والفصاحة والوَسامة والنَّسب ؛ هذه كلُّها لم يعبأ الله بها، ولم يذْكرها، إنَّما اعْتَمَدَ مِقياسَين فقط ؛ العِلْم، قال تعالى:

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة المجادلة]
وقال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9﴾

[سورة الزمر]
هناك قيمة ترقى بها عند الله، أما بالمال ترقى بِهِ عند الناس، وكذا الذَّكاء والسُّلطان، والوَسامة، والنَّسَب، فالقيمة التي اعْتَمَدها الله تعالى في كتابِهِ للتَّفاضل بين خلْقِهِ هِيَ العِلْم، قال تعالى

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)﴾

[سورة طه]
والقيمة الثانية العمل، قال تعالى:

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)﴾

[سورة الأنعام]
حجْمُكَ عند الله بِحَجْم عملك الصالِح، وكلَّمات ازْدَدْت عملاً صالحًا ازْدَدْت رُقِيًّا عند الله عز وجل، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ابْتغوا الرِّفْعَة عند الله..." فأنت بالمال والذَّكاء والوَسامة ترْقى عند الناس، أما الرِّفْعة عند الله بالعٍلم أوَّلاً، وبالعَمَل ثانِيًا، وما مِن قيمتين اعْتَمَدهُما القرآن الكريم كَقيمتين مُرجِّحَتين للتَّفاضل بين خلْقِهِ إلا قيمتا العِلم والعمل، لذا إذا أردْتَ أن ترْقى فعَلَيكم بالعَمَل، وإذا أردْتَ الدُّنيا فعليك بالعِلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، والعِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعْطَيتَهُ كُلَّك، فإذا أعْطَيتَهُ بعضَك لم يُعْطِكَ شيئًا، ويظلّ المرء عالمًا ما طلب العِلْم، فإذا ظنّ أنَّه قد عَلِمَ فقد جَهِل، ولا يوجد كلمة تجْرح كَكَلِمَة: أنا عالم ‍! كلمة فيها تطاوُل، وكِبْر، قلْ أنا طالب عِلم، وربُّنا عز وجل قال

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)﴾

[سورة إبراهيم]
والله تعالى قال:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾

(سورة التغابن)
إذًا سيِّدُنا إبراهيم وإسحاق ويَعْقوب أولي الأيْد والأبصار، لهم أعمال صالحة كالجِبال، ولهم عِلمٌ متين، وعميق ؛ وهذا هو المِقياس، فإذا أردْنا أن نسْعَد أو أن نرْقى علينا أن نرقى عند الله بِطَلب العِلم الشَّرعي والعمل به.
نحن عندنا عِلم بِخَلق الله، وعلم بأمر الله، وعلْمٌ بالله، فالعِلم بِخَلقهِ كالفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافيا، والفلسفة ولغات، والعلم بأمر الله كالفقه الشرعي، وأحكام الزواج والميراث، والعلم بِخَلقِهِ والعِلم بأمرِهِ يحْتاجان إلى مُدارَسَة، أما العِلمُ به فهذا شيءٌ آخر، فهذا لا يحتاج إلى مُدارَسَة بل إلى مُجاهَدَة ! قال الإمام الغزالي: جاهِد تُشاهِد، وحيثُ ما ورَدَ العِلم في القرآن الكريم فالمَقْصود به العِلْم بالله، وثمَنُهُ المُجاهَدة لذلك أيُّ عِلم مِن هنْدسةٍ وجِراحة قلبٍ أو فلكٍ، وأيُّ عِلم أرضي ليس شرْطًا أن يكون صاحِبُهُ مُنْضَبِطًا سُلوكِيًّا، إلا عِلْم الدِّين فلا يمْكِن أن تكون عالمًا بالدِّين، وبِذات الله إلا إذا كنت مُلْتَزِمًا أمرهُ ونَهْيَهُ.
كلمة أولي الأيدي والأبصار ؛ عَمَل صالِحٌ وعِلم عنه تعالى، قال تعالى

﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (45)﴾

[سورة ص]
سبب إخلاصهم وتفوُّقهم وأعمالهم الصالحة أنَّهم دائِمًا تذكَّروا الدار الآخرة، فهؤلاء لهم خاصَّة هي ذِكْرى الدار، فهي لا تُغادِر مُخَيّلتهم ! ونحن علينا أن نُحاسب أنفسنا وأن نعدّ لهذا اليوم، وأن لا يُغدِر اهْتِمامنا ولو لحظة ؛ فالآخرة لا بدّ أن تدخل في حِساباتِك اليوْمِيَّة، أما نحن حركاتنا وسكناتنا الآخرة بعيدة عن نصب أعيُنِنَا، ولن ننْجو إلا إذا كانت الآخرة نُصب أعْيُنِنَا، فقبل أن أُطَلِّق ؛ هل هيَّأتُ إلى الله تعالى جواب ؟! وقبل أن أمْدَح ؛ هل هيَّأتُ إلى الله تعالى جواب ؟ لذلك قال تعالى

﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (45)﴾

[سورة ص]
تذَكُّر الدار الآخرة سبب تَفوُّقِهم.
قال تعالى:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (24)﴾

[سورة ص]
قبل عشرين سنة فيما أذْكر كان الأوائِل بالشَّهادات يُكَرِّموهم تكريمًا فقلتُ هؤلاء الطُّلاب لمَّا درسوا ولم يناموا الليل، وأهْمَلوا كلّ أُمورِهم الخاصَّة حتَّى تفوَّقوا الآن أدَّوا الذي عليهم، ولم يبْق إلا الذي لهم، فإذا الإنسان أمْضى حياته في الطاعة وفي خِدْمة الخلق، وفي طلب العِلم فهذا أدَّى الذي عليه، فإذا جاءه ملك الموت بقي له التَّكريم إن شاء الله تعالى، فالدُّنيا دار تَكليف والآخرة دار تشْريف، والدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، والدنيا دار همّ وحزن، والآخرة دار نعيم، وهنيئًا لِمَن يعْمل للآخرة، والويل لِمن يعمل للدنيا، فأهل الدنيا إذا توقَّفت دقَّات قلوبهم انتهى كل شيء معهم فهذا بائِع خمْر حجَّ، ولما رجع أغلق محلَّه فخفَّت الزبائن، فإذا به يرجع إلى ما كان عليه، وبعد اثني عشرة يومًا وافتْهُ المنِيَّة !! فدرسنا اليوم قوله تعالى:

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (44) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (45) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (46) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (47)﴾

[سورة ص]
تذكُّرهم للدار الآخرة سِرُّ تفوُّقِهم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-31-2018 02:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص ( 38 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في أواخر سورة ص آيات دقيقة جدًّا، من هذه الآيات الآية السابعة والسِّتون:
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (66) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (67)﴾

[سورة ص]
سأطْرَحُ عليكم بعض الأمثلة عن النَّبأ العظيم ؛ إنسانٌ أمْضى حياتهُ كُلَّها في بيتٍ مُستأْجَرٍ تحت الأرض، واقْتَطَعَ مِن دخْلِهِ مبالِغَ جمَّعَها من عشرين سنة لِيَشْتري بيتًا مُريحًا، وبعد أن اشْترى البيت واسْتَقَرَّ فيه، جاءَهُ إنذار بإخلائِهِ لأنَّ في أساساتِهِ ضَعْف !! أليْسَ هذا نبأٌ عظيم ؟! وإنسانٌ باعَ كلَّ ما يملك بعملةٍ صعبةٍ ثمَّ اكتشفَ إنها مُزوَّرةٌ، أليس هذا نبأٌ عظيمٌ؟ و إنسانٌ أجرى تحليلا فتبيَّن له ورمٌ خبيثٌ أليس هذا نبأٌ عظيمٌ ؟ أنباءُ الدنيا مزعجةٌ لا ينام الليلَ صاحبُها، و كلُّ مشكلةٍ تنتهي عند الموتِ، و الموتُ ينهي غنى الغنِيِّ و فقرَ الفقيرِ و قوةَ القويِّ و ضعفَ الضعيفِ و صحةَ الصحيح و مرضَ المريضِ ووسامةَ الوسيم و دمامةَ الدميمِ، الموتُ ينهي كلَّ شيءٍ، أما الحياةُ الأبديةُ فإلى ما شاءَ اللهُ، لذلك لما الإنسانُ يكونُ غافلا عن الآخرةِ يكون مجرما في حقِّ نفسه، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (66)﴾

[سورة ص]
أحيانا الإنسانُ يكون قد عقد القرانَ و يحضر عالما ليلقيَ له كلمةً، و كأن العالم وردةٌ في صدره، يودُّ لو يلقِي كلمةً، أو يضع كتابا في بيته، فقضية الدين قضيةٌ ثانويةٌ جدًّا، أساسياتُ حياته كسبُ المالِ و إنفاقه و طعامه و شرابه، أما قضيةُ الدين يتزيَّن بها، شيءٌ من متاع الحياةِ أن يكون للإنسانِ مجلسُ علم يتعلَّم فيه، القضية اخطرُ من ذلك، أخطرُ بكثير، أخطر من وردةٍ تضعها على صدرِك، أخطر من إنسانٍ تفتخرُ انه حضر إلى عقد قرانك و ألقى كلمةً، القضيةُ مصيرٌ، قضيةُ سعادةٍ أبديةٍ أو شقاءٍ أبدي، قضيةُ، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ
﴿رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا(74)﴾

[سورة طه]
قال تعالى:

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾

[سورة الزخرف]
و قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)﴾

[سورة الحاقة]
هذه هي القضيةُ، قضية شقاءٍ إلى أبد الآبدين قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾

[سورة النساء]
و قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾

[سورة الكهف]
و قال تعالى:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2)عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3)تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً()تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ(5)لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ(6)لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ(7)﴾

[سورة الغاشية]
فقضية الدين ليست قضيةَ تزيُّنٍ و استكمال المُتَعِ، كلُّ متاع الدنيا في حوزته تنقصه متعةُ الدين، و الدينُ في وادٍ وهو في وادٍ، إلا أنه يتزيَّن بالدينِ، يكمِّل متعته بالدين، و الأمرُ أخطرُ من ذلك، قال تعالى:

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ(59)وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ(60)وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ(61)﴾

[سورة النجم]
لاهون، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (66)﴾

[سورة ص]
أحيانا الإنسانُ يتلقَّى نبأَ احتراقِ محلِّه التجارِي ! يمكن أن تصيبَه جلطةٌ يموت منها، هناك أنباءٌ أخطرُ من هذه بألوف المرَّاتِ، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(15)﴾

[سورة الزمر]
الواحدُ قد يخسر مالَه، و يعوِّضه، يخسر ابناً ينجب ولدًا ثانيا، يخسر زوجةً فيتزوج غيرَها و ينساها، فكلُّ شيءٍ يعوَّض في الدنيا، أما حين يخسرُ الإنسانُ نفسَه يومَ القيامةِ، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(15)﴾

[سورة الزمر]
فلذلك الغِنى و الفقر بعد العرض على الله و النجاحُ الحقيقي كما قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[سورة آل عمران]
الذي خلق الكونَ يقول لك يا عبدي فوزُك الحقيقي حينما تنجو من عذاب النارِ، قال تعالى كُلُّ
﴿نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[سورة آل عمران]
ما معنى زحزح ؟ كلما كان الشيءُ ثقيلا احتاج إلى زحزحةٍ، و فعلُ زحزح يُسَمَّى ثُنائيًا مُضعَّفًا، يفيد التكرارَ، و معنى ذلك أن الشيءَ ثقيلٌ جدَّا تزحزحه، و يبدو أن الإنسانَ متعلِّقٌ بالدنيا تعلُّقا شديدا، و من أجل أن يُزَحْزَحَ عنها يحتاج إلى جهدٍ كبير قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[سورة آل عمران]
و قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾

[سورة الحاقة]
ربُّنا عز وجل في القرآن الكريم يصوَِّر لنا مشاهدَ يوم القيامة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)﴾

[سورة الذاريات]
أحياناً تحضر حفلاً يضعونك في أبهى مكانٍ تُقدَّم لك الضيافات و يُرحَّب بك و يُعظَّم قدرُك..قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

[سورة الذاريات]
لماذا ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19) ﴾

[سورة الذاريات]
أيها الإخوة الكرامُ، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (66) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (67)﴾

[سورة ص]
قضيةُ الدين ليست قضيةَ استكمال المُتعة، و لا قضية وردةٍ حمراءَ يضعها على الصدورِ و لا قضية استكمال ثقافةٍ، أحيان الإنسانُ في المجالسِ العامةِ يحبُّ أن يتكلَّم في الدين في وجاهةٍ، يأتي بآيةٍ قرآنيةٍ و حديث شريف، ليس هذا هو الدينُ، الدينُ انضباطٌ و أن نرى الدينَ في بيتك و في عملك و في حديثك، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (66) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (67)﴾

[سورة ص]
ثم قال تعالى:

﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (68) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (69)﴾

[سورة ص]
قِصَّة الإنسان قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (70)﴾

[سورة ص]
فالله تعالى خلق ملائكةً لهم عقول فقط، وهم مع الله دائِمًا، ويُسَبِّحون الليل لا يسْأمون، وخلق حيوانات وأوْدَع فيها الشَّهوات، فحياتها شَهوتها ولكنَّها ليْسَت مُكَلَّفة ولا مُحاسبَة، إلا أنَّ الله عز وجل خلق إنسانًا فيه عنْصرٌ أرضي، وعُنصر ملائِكِي، قال تعالى:

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (71)﴾

[سورة ص]
لا بدّ أن نعرف مَن نحن ؟ قال تعالى: إذ قال ربك للملائكة إنِّي خالق بشرًا...ساجدين " لأنَّ الملَك رُكِّب مِن عقْل دون شَهْوَة، ورُكِّب الحيوان مِن شَهوة دون عقل، ورُكِّب الإنسان من كِلَيْهِما، فإن سما عقْلُهُ عن شَهْوَتِهِ أصْبَحَ فوق الملائكة، وإن سَمَت شَهوته على عقلِهِ أصْبَحَ دون الحيَوان.
قال تعالى:

﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)﴾

[سورة ص]
إبليس ليس ملكًا ؛ لأنّ الله تعالى يقول: كان مِن الجِنّ ففسَق عن أمْر ربِّه.." إلا أنّ هذه الاسْتِثناء اسْمُهُ باللُّغة اسْتِثناء منْقطِع، فلو قلتَ دَخَل الطلاب إلا خالدًا، فخالد طالب، أما دخل الطلاب إلا المُدَرِّس فالمُدَرِّس ليس طالب، وكذا إبليس ليس من الملائكة، اسْتَكبر وكان من الكافرين، ما هو الكفْر ؟ أن تسْتكبر أن تَخْضع لأمْر الله تعالى، أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: الواحد يحبّ أن تكون ثِيابُهُ حسَنَة ونَعْلهُ حسنًا، فهل هذا من الكِبْر ؟ قال: لا، إن الله جميل يحب الجمال..." أن تردَّ الحق هو الكِبْر، وأن تردّ أمْر الله هو الكِبْر، وأن تقول: القرآن ليس لِهذا الزَّمَن والقرآن لا يصْلحُ لِهذا الزَّمَن، وهذا عصْر عِلمٍ، وعصْر تقدُّم، فأنت حينما تردُّ على الله أمْرَهُ فهذا هو الكُفْر، قال تعالى:

﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (73)﴾

[سورة ص]
و قال تعالى:

﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (75)﴾

[سورة ص]
كلمة أنا مهْلكَة، وكذا نحن ولي وعندي، فهذه أربعُ كَلماتٍ مُهْلِكات، قال تعالى:

﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (76) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (77) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (78)﴾

[سورة ص]
فإبليس منذ أن خلقهُ الله وسيَبْقى إلى يوْم القِيامة، ثمَّ قال تعالى

﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (78) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (79) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (80) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (81) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (82﴾

[سورة ص]
هل إبليس مؤمن أم كافر ؟ مؤمن بِوُجود الله ومؤمن بِعِزَّة الله، طيِّب الآن لو قال لك أحدهم: أنا أومِن بالله، أو، أنَّه عزيز ولكن لا أُطيعُهُ ! فهذا الإنسان اسْمُهُ إيمان إبْليسي ! قال تعالى:

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (81) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (82﴾

[سورة ص]
فالمخلص لا يقربه الشَّيْطان، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ(3)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)﴾

[سورة الناس]
لماذا سُمِّيَ خنَّاسًا ؟ لأنَّهُ لِمُجَرَّد أن تسْتعيذ بالله يخْنُس.
قال تعالى:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)﴾

[سورة الحجر]
كنْ مُتَّبِعًا لله، قال تعالى

﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (83) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (84) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (85)﴾

[سورة ص]
هل يوجد شيء من دون أجْر ؟ إلا الدَّعْوة إلى الله، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (85)﴾

[سورة ص]
لا يوجد تصنُّع أو موْقف ديبلوماسي، أو أن تُعَبِّر عن أسْوأ النوايا بأحلى الألفاظ ! قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (85)﴾

[سورة ص]
من هذه تفيد اسْتِغراق ألفاظ النَّوع.
قال تعالى:

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (87)﴾

[سورة ص]
إذا لم تعتبروه عظيمًا، سوف تنتقلون من نبأ عظيم إلى واقِعٍ خطي فلو ركب الإنسان مرْكبة من دون مكابِح، ووجد نفْسه في نزْلةٍ، فهذا نبأ عظيم، فالذَّكي لا يصل إلى الواقِع المؤلم، فهذا الحيوان يخاف بِعَينِ أما الإنسان فيخاف بِعَقلِه، فإذا عاش الإنسان وقْته، وما فكَّر بِعَقلهِ حتَّى يواجه الخَطَر ؛ يكون كالحيوان، قال تعالى:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)﴾

[سورة الفرقان]











والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-31-2018 02:39 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص ( 38 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الحقيقةُ أن الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريفِ عليه الصلاة و السلام لا ينبغي أن يكون في شهر ربيعٍ الأولِ و الثاني فحسبُ بل في كلِّ شهورِ العامِ، لا في عامٍ واحدٍ، بل في كلَّ أعوامِ الحياةِ لأن النبيَّ عبيه الصلاة و السلام أخطرُ إنسانٍ في حياتنا، وهو وحدَه الذي عصمَه اللهُ عن أن يخطِئَ في أقوالِه و في أفعالِه و في إقرارِه و في أحوالِه، هو وحدَه الذي ينبغي أن نأخذ عنه، وهو وحده الذي ينبغي أن نقتدي به، قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[سورة الأحزاب]
ذاقَ الفقرَ، و لو أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام كان غنِيًّا و نصحَ الفقراءَ لما صدَّقوه، و لكنه ذاق الفقرَ، كان إذا دخل بيتَه يسأل هل عندكم شيءٌ ؟ فتقول زوجاتُه: لا فيقول: إني صائمٌ ! وذاق الغِنَى، فسأله رجل لِمَن هذا الوادي مِن الغَنَم ؟ فقال: هو لك ! فقال: أتَهْزأُ بي ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: لا، بل هو لك ! فقال: أشْهَد أنَّك رسول الله تُعْطي عَطَاء مَن لا يخْشى الفقْر.
فهو عليه الصلاة والسلام ذاق الفقْر فانْتصر على نفْسِهِ، وذاق الغِنَى فانْتصَر على نفْسِهِ، ذهب إلى الطائِف فكذَّبوه وسَخِروا منه، وأغْرَوا سُفهاءهم أن يضْربوه، فجاءَهُ جبريل وقال: يا محمَّد لو شئْت لأطْبقتُ عليهم الجَبَلين ! فقال: لا، يا أخي، اللَّهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ولعلّ الله يخْرج من أصلابِهم مَن يُوَحِّدُه ! ذاق القهْر، ثمَّ جاءَتْهُ القوَّة لِيَبْطِش بِمَن قهَرَهُ، لو ذاق القهْر فقط، ولم يأتِهِ جبريل لما كان امْتِحانًا كذَّبوه وسَخِروا منه، وأغرَوا سُفهاءَهم أن يضْرِبوه، وبعد هذا جاءهُ جبريل، فقال: اللَّهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ولعلّ الله يخْرج من أصلابِهم مَن يُوَحِّدُه !! فهو عليه الصلاة والسلام ما أراد أن ينْتَصِر.
وذاق النَّصْر عليه الصلاة والسلام، فقد دخَلَ مكَّة فاتِحًا، وما مِن قائِدٍ يفْتَحُ بلْدَةً إلا ويأخذُهُ الزُّهوّ، والكِبْر، والغطْرسَة، حنا رأسَهُ تواضُعًا لله عز وجل، حتَّى كادَت عِمامَتُهُ تُلامِسُ عُنق بعيرِهِ، وكان معه عشرة آلاف سيْفٍ ينتَظِرون كلمةً منه، وكان بإمكانِه أن يُلْغِيَ وُجودَ هؤلاء الذين نكَّلوا به، و أتمروا على قتْلِهِ، قرابة عشرين عامًا، وأخرجوه مِن بلْدَتِهِ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ما تَظُنُّون أنِّي فاعِل بكم ؟ فقال: أخ كريم وابن أخٍ كريم، فقال: اذْهَبوا فأنتم الطُّلَقاء !
وذاق موت الولَد، فبَكى، وقال: إنَّ العَين لتَدْمَع وإنَّ القلب ليَحْزن ولا نقول إلا ما يُرْضي الربّ، وإنَّ على فِراقِكَ يا إبراهيم لَمَحزونون.
أصحابُهُ الكِرام لِحِكْمة أرادها الله، كُسِفَت الشَّمس لِوَقتٍ مُقارب لِمَوت ابنِهِ إبراهيم، فقال الصحابة الكرام: إنَّما كُسَفَت الشَّمس من أجل إبراهيم - هذه مَقولة لِصالحِ النبي، ولأنَّه أمين على وحْي السَّماء - فجَمَع عليه الصلاة والسلام أصْحابه وقال: إنَّ الشَّمس والقمر آيتان فلا ينبغي أن تنْكَسِفا لِواحِدٍ مِن خلْقِهِ ! هذه هي الأمانة العِلْمِيَّة على التَّعبير العصْري- والنبي رفضَ أيَّ تعْظيم لا أصل له، وأيَّ تعْظيمٍ خُرافيّ، وليس عِلْمِيّ ومَن مِنَّا يحْتَمِل أن يُقال عن زوْجَتِهِ زانِيَة ؟! وبقيَ الوَحي قرابة أربعين يومًا ! المدينة كلّها تتحدَّث عن هذا الخَبَر الذي لا يُحْتَمَل، فليس بِإمْكانِهِ أن ينْكر ولا أن يُثْبِت، وشيء آخر أنَّ الله تعالى علَّمَنا الله تعالى مِن خِلال تأخير الوَحي أنَّ الوَحي كيانٌ مسْتقلّ عنه صلى الله عليه وسلَّم ليس بإمْكانِهِ تقْديمه ولا أن يدْفعَهُ، فالوَحْيُ مسْتقِل اسْتِقلالاً تامًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإلى أن جاَءت البراءة فقال الصِّديق لابْنَتِهِ بعد أن برَّأها الله عز وجل " قومي إلى رسول الله واشْكُريه ! فقال: لا أقوم إلا لله تعالى ! فتبسَّم النبي عليه الصلاة والسلام: عرفت الحقّ لأهلهِ ! إنكار للنَّفْس منْقَطِة النَّظير.
والنبي عليه الصلاة والسلام ذاقَ مكانَةً علِيَّة بين أصْحابِهِ، فهل اسْتَثمرها أو اسْتَغَلَّها ؟! لا، كان مع أصْحابِهِ في سفرٍ فأرادوا أن يذْبحوا شاةً فقال الأوَّل عليَّ ذبحها وق...جمع الحطب " الدليل دخل عليه أعرابيًّا فقال: أيُّكم محمَّد ؟ ماذا نفْهَم مِن هذا ؟ كان عليه الصلاة والسلام متواضِعًا، ولمَّا كان عليه الصلاة والسلام صغيرًا دعوْهُ للَّعِب، فقال عليه الصلاة والسلام: ما خُلقْتُ لِهذا ! جاءَتهُ رِسالة الهُدَى وحُمِّل رِسالة التَّكليف، قال زمِّلوني زمِّلوني، فأرادت خديجة أن تُريحهُ فقال عليه الصلاة والسلام: انْقضى عهْد النَّوم ! ودخل الناس في دين الله أفواجًا وجاء نصْر الله والفتْح، صَعِدَ المنْبر فقال: مَن كنتُ جَلَدْتُ له ظهْرًا فهذا ظَهري، ومن كنتُ أخَذْتُ له مالاً فهذا مالي فلْيأخذ منه، ومن كنتُ شَتَمْتُ له عِرْضًا فهذا عِرضي فلْيَقْتَد منه، وليَخْشَ الشَّحْناء فإنَّها ليْسَت مِن شأني ولا طبيعتي.
أيها الإخوة، صدِّقوني حجْم التَّبليغ أقلّ بِكثير مِن حجْم القُدْوَة، فالمُهِمَّة الأولى للنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يُبلِّغ عليه أن يكون قُدْوَةً، لأنّ الناس لا يُصَدِّقون بآذانهم ولكن بِعُيونِهم، وقد قرأتُ كلمةً لأحَدِ الكُتَّاب يقول: إنَّ نبيًّا واحِدًا أهْدى للبشَرِيَّة مِن آلاف الكُتَّاب والمُصْلِحين الذين ملئوا بالفضائِل والحِكم بُطون المُجَلَّدات، لماذا ؟ لأنَّ الكتَّاب والمُصْلِحين تحدَّثوا عن الفضيلة ولم يعيشوها، ولكنّ الأنبياء عاشوها لذلك فِعْل النبي الواحد في العالم أبْلَغُ مِن ألف ألف داعِيَةٍ، وألف ألف كاتِبٍ، وألف ألف مُفَكِّر، والحديث عن الفضيلة شيء، ومُمَارسَتُها شيءٌ آخر، فأنت مثلاً لك أن تقول: ألف مليون دولار، هذه سَهْلة ولكن دَقِّق الفارق بين أن تلْفِظَها، وبين أن تمْلِكَها ! فالمسافة نفسهَا بين أن تتحدَّث عن الفضيلة، والحديث عنها مُمْتِعٌ وسَهْل ولا يُكَلِّف شيئًا وبين أن تُمارِسَها، وأن تعيشها، لذلك حجْم تبليغ النبي إلى حجْم دَعْوَتِهِ قليل جدًّا ؛ لأنَّ أيُّ إنسانٍ يُبَلِّغ، وأيُّ إنسانٍ يدْعو، ما عليه إلا أن يقول قال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، أما أن أضْبِطَ نفْسي فهذه هي البُطولة، لذلك المسلمون الآن ليْسُوا بِحاجَة إلى معلومات، ولا إلى خُطَب، ولا إلى كتب ولكنَّهم في أمَسِّ الحاجة إلى قُدْوةٍ بالنبي عليه الصلاة والسلام.
اللَّهمّ ارْحمنا وعافِنا واعْفُ عنَّا، ولقِّنا البُشْرى والأمْن، وأصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمْرِنا، وأصْلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصْلِح لنا آخِرتَنا التي هي مردُّنا، واجْعل الحياةَ زادًا لنا مِن كلّ خير، واجْعَل لنا الموت راحةً لنا مِن كلّ شرّ، اللَّهمّ اكْفِنا بِحلالك عن حرامِك وبِفَضْلِكَ عمَّن سِواك، اللَّهمّ لا تُؤْمِنَّا مكْرَك، ولا تهْتِكْ عنَّا سِتْرَك، ولا تُنْسِنا ذِكْرَكَ يا ربّ، واللهمّ بِفضْلِكَ ورحمتِكَ أعْلي كلمة الحق والدِّين، وانْصُر الإسلام والمسلمين، واجْعَل جَمْعنا هذا جمْعًا مُبارَكًا مَرْحومًا واجْعَل تفرُّقَنا مِن بعدِهِ مَعْصومًا، واللَّهمّ ارْزُقْنا حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحِبُّك وحبَّ عملٍ صالِحٍ يُقَرِّبُنا إلى حبِّك.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-01-2018 08:05 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآياتُ الثانيةُ و الستُّون و الثالثةُ و الستُّون و الرابعةُ و الستُّون و الخامسةُ و الستُّون و السادسةُ و الستُّون من سورة الزمر توضِّح أن للإنسانِ في الحياةِ مهمَّةً، يقول الله عز وجل
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

[سورة الزمر]
ما من مخلوقٍ إلا في قبضةِ الله عز وجل، وما من مخلوق في الكون إلا وفي يدِ الله عز وجل، قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
لذلك اطْمئِن، القوى الشريرةُ لا تتحر‍َّك إلا بمشيئة الله، و لن تُسلَّط على مخلوق إلا بأمر الله، و لن يُسمحَ لها أن تصل إليك إلا إذا شاء الله لها، هذه الآيةُ تدخِل في قلب الإنسان الطمأنينةَ، قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
الأفعى حركتُها بيد الله و العقرب و الفيروساتُ ومُسبِّباتُ الأمراض و الكائناتُ التي لا تُرَى بالعين كلُّ أنواع الجراثيم و الفيروساتِ و الأمراض القوى المخيفة والزلازلُ و الفياضاناتُ و الأعاصيرُ، قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
الأشخاصُ الشريرون المجرمون العتاةُ الأقوياءُ الطُّغاةُ، قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
لو أن الله عز وجل خلقَ الخلقَ و أطلقهم و ليس وكيلا عليهم لأكلَ القوِيُّ الضعيفَ، عندئذٍ لا حُجَّةَ لله علينا، يقول العبدُ: يا ربُّ ملَّكتَه أمري و أنا في قبضته، و أنا مضطرٌ أن أعبده من دونك، يقول الله عز وجل

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
في قبضته و لا يتحرك إلا بمشيئته، ولا يصل إليك إلا إذا شاء اللهُ له أن يصل، قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[سورة الأنعام]
قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[سورة الزمر]
إذا كان كلُّ شيءٍ في قبضة الله فأنت كإنسانٍ عاقلٍ ينبغي أن تخاف من الشيءِ أم مَن بيده هذا الشيءُ ؟ قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[سورة هود]
و قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾

[سورة النساء]
قال تعالى:

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الزمر]
المقاليدُ أمرٌ، أي أمرُ السماوات و الأرض له و لو أن اللهَِ تعالى قال: مقاليد السماوات و الأرض له،لا يمنع أن تكون لغيرِه، أما حينما عُكِستْ الصيغةُ، قال تعالى:

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الزمر]
صار في ذلك قصرٌ، أي له وحدَه، نعبد إياك، و نعبد غيرَك، أما قال تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾

[سورة الفاتحة]
فهنا قصرٌ و حصرٌ، و مفاتح الغيب عنده و عند غيرِه، أما قال تعالى:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)﴾

[سورة الأنعام]
قصرٌ و حصرٌ، واللغةُ تعين على فهم كتاب الله، تقديمُ الخبرِ شبه الجملة على المبتدأِ يدلُّ على القصرِ، له جارٌّ و مجرورٌ، قال تعالى:

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[سورة الزمر]
كفروا بآيات الله الكونيةِ الدالَّةِ على وحدانيته و كفروا بالآيات التكوينية الدالَّةِ على وحدانيته و كفروا بالآيات القرآنيةِ الدالَّةِ على وحدانيته، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[سورة الزمر]
لأنهم حين توهَّموا أن جهةً بيدها كلُّ شيءٍ و توجَّهوا نحوها لم يجدوها شيئًا، قال تعالى
﴿:كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

[سورة النور]
فلما جاءه لم يجده شيئا، فلما يتجِّه الإنسانُ لغير الله يتوهَّم أنه قويٌّ غنيٌّ يعطي و يمنع و يرفع و يخفض، توجَّه إليه، فلما وصل إليه، قال تعالى:

﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[سورة الزمر]
الدالَّةِ على وحدانيته، و على أنه وحدَه المتصرِّف و أنه وحدَه الإلهُ و أنه وحده المعطِي وحدَه المانعُ وحده القابضُ وحده الباسطُ وحده المعِزُّ وحده المذِلُّ وحده الرازق وحده المُفقِرُ وحده المُكرِّمُ وحده المُهينُ، قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[سورة الزمر]
بعد هذه المناقشةِ الأمرُ بيد الله عز وجل، و مادام اللهُ عز وجل له مقاليدُ السماوات و الأرض و مادام اللهُ خالقَ كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيء وكيل، و ما دام اللهُ لا إله غيرُه و لا معطِي و لا مانعَ إلا هو، قال تعالى:

﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)﴾

[سورة الزمر]
مضطَرٌّ للسفر و تعلٌِّ على السفرِ أهمِّيةً كبيرةً، و قد تعقِد صفقةً بمليار ليرةٍ، لكن لا بدَّ من أن تأخذ تأشيرةَ الخروجِ، أو موافقةً على السفرِ دخلتَ إلى الهجرةِ و الجوازاتِ، أربعُ طوابقَ، في كلِّ طابق خمسين موظَّفًا، لا يمكن أن يوقِّعَ لك إلا واحدًا، أتبذُلُ ماءَ وجهك أمامَ شرطيٍّ أمام حاجبٍ، فإذا ترجَّيْت شخصًا لا يملك أمرَ الموافقة شيئًا، ألا يكون الإنسان أحمقَ، قال تعالى:

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[سورة الزمر]
ما دام أن الأمر يرجع إليه كلُّه و ما دام أنه خالق كلّ ِشيءٍ، قال تعالى:

﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)﴾

[سورة الزمر]
قل أفغير..الجاهلون " و معنى ذلك أن كلَّ من يعبد غيرَ الله فهو جاهلُ، غبيٌّ أحمقُ عدوُّ نفسه، لأنه سوف يتجِّه إليه و لن يجده شيئا، قال تعالى:

﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ﴾

[سورة الزمر]
هذه حقيقةٌ أبديةٌ سرمديةٌ، قال تعالى

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾

[سورة الزمر]
عملُك لم يصبح صالحا، لماذا لأنك توجَّهت به إلى إنسانٍ، و الإنسانُ ضعيفٌ و فقيرٌ و لئيمٌ، الواحد علَق أهميَةً على شخصٍ فخيَّب ظنَّه، لذلك قال الله تعالى

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾

[سورة الزمر]
إحباط العمل له معنيان، إما أن يسقط العملُ من حيث قيمتُه، و إما أن تسقط نوعيَّتُه، فإذا عبدَ الإنسانُ المالَ و بنى ملهى، هذا أحبط اللهُ عملَه لأنه أشرك بالله و جعل المالَ إلهًا، هذا نوعٌ من الإحباطِ، حبط العملُ بمعنى سقط، من حيثُ النوعيةُ، و صار يعيش على إفساد أخلاقِ الآخرين، يعيش على إبداء العورات على إفساد النفوسِ و على إقامةِ المعاصي ورعايتها، وواحد بنى مستشفى و لكنَّه أراد المالَ فقط، فإنما العملُ يسقط من حيث القيمةُ لأنك أردتَ به غيرَ اللهِ أو أن يسقط من حيثُ النوعيةُ، و أنك أردتَ يع غيرَ الله، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾

[سورة الزمر]
لهذا قال اللهُ عز وجل:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

[سورة الفرقان]
يا ربي أنا عملتُ مشروعا ضخما ـ لنقل الفساد ـ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾

[سورة الزمر]
الحلُّ، قال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

[سورة الزمر]
هذه مهمَّةُ العبدِ، عليك أن تعبده و عليك أن تشكره، و كلُّ شيءٍ سِوى ذلك على اللهِ، دعْهُ يتصرَّفُ، و عليك أن تعبده، قال سيِّدٌ لعبدٍ: بلغني أن سيِّدك سيبيعك، قال: يعرف شغلَه، قال له: بلغني أيضا أنه في نيتي أن أشتريك، قال له: تعرفُ شغلَك، قال له: أنصحُك أن تهرب، قال: أعرف شغلي، فكلًّ إنسانٍ يعرف شغلَه، أنت مهمَّتُك كعبدٍ تطيعه و عليك أن تعبده و تشكره وانتهتْ مهمَّتُك، قال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

[سورة الزمر]
" بل " حرفُ إضرابٍ تنفي ما قبلها و تثبت ما بعدها قال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

[سورة الزمر]
من جعل الهمومَ همًّا واحدا كفاه اللهُ الهمومَ كلَّها، اِعملْ لوجهٍ واحدٍ يكفِك الهمومَ كلَّها. في الدرس القادم إن شاء اللهُ نمرُّ إلى قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]









والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-01-2018 08:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسة من سورة الزُّمر، وهي قوله تعالى:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾

[ سورة الزمر ]
كم آية في كتاب الله ورَدَ فيها قوله تعالى خلق السماوات والأرض بالحق ؟ ماذا تعني كلمة الحق؟ قال تعالى:

﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(105)﴾

[ سورة الإسراء ]
والله سبحانه وتعالى هو الحق هذه كلمة كثيرًا ما ترِدُ في كتاب الله تعالى، وفهْم المعاني الدقيقة لِمُصطلحات القرآن جزءٌ مِن فهْم القرآن فالله جلَّ جلاله يقول:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(87)﴾

[ سورة الحِجر ]
فالله عز وجل وصَفَ كِتابهُ بأنَّه مثانيَ ؛ ما معنى مثاني ؟ قال بعض العلماء: أي أنَّ كل آية تنْثني على أُختِها فَتُفسِّرُها، قال تعالى:

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)﴾

[ سورة الحِجْر ]
ما هو اليقين ؟ الموت، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابِهِ:

﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾

(سورة المدثر)
فاليقين هو الموت، فكُلّ آيةٍ تنثني على أُخْتِها فَتُفَسِّرُها، هل هناك آياتٌ تُفسِّر معنى الحق ؟ الله جلَّ جلاله قال:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

[ سورة الزمر ]
وقال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38)﴾

[ سورة الدخان ]
فالحق إذًا ضِدّ اللَّعِب وقال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ(27)﴾

[ سورة ص ]
والحق ضِدُّ البُطْلان، ومعنى الباطل أنَّهُ زائِل، وكلّ شيءٍ باطِلٍ زائِلٍ فالحق ليس زائلاً وليس لعِبًا، ونحن فَهِمنا الحق مِن آيتين، فالله تعالى نفى أن يكون خلق السماوات والأرض لعبًا، ونفى أن يكون خَلْق السماوات والأرض باطِلاً، فليس باطلاً وليس لعِبًا، ولكنَّ خلق السماوات والأرض بالحق، فالحق الشيء المسْتقرّ، والباطل الشيء الزائِل، والحق الشيء الهادِف، واللَّعِب الشيء العابث، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض لتبقى، وخلق الإنسان لِيَبقى، قال تعالى:

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾

[ سورة الزخرف ]
فالإنسان يذوق الموت ولا يموت، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة آل عمران ]
أما أن يكون خلق السماوات والأرض لِهَدفٍ كبير فهذا حينما نفى الله عز وجل عن ذاتِهِ البُطْلان، والآية الكريمة:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

[ سورة الإسراء ]
لو أشَدْنا بِناءً مائِل ! هذا مصيرُهُ إلى الانْهِيار، أما إذا أشَدْنا بِناءً وِفقَ القواعِد الصحيحة، فهذا أُشيدَ لِيَبقى فالحق باقٍ، والباطِل زائِل، ولو عاش سبعين سنة، سيَنْهار ويسْقط ويتداعَى، ويُفْتضَح، فكلمة زهوقًا اسم فاعِل مُبالغ به ؛ مهما كان الباطل كبير يسقط ويزْهَق، فالكون خُلِقَ لِيَبقى وخُلِق لِهَدَفٍ كبير، فالإنسان إذا أيْقَنَ أنَّه يذوق الموت ولا يموت وبعد الموت إما حياةٌ أبَدِيَّة في جنَّة عرضُها السماوات والأرض، وإمَّا شَقاءٌ أبدي، فهو خُلِقَ لِيَبقى.
المعنى الثاني ؛ خُلِقَ لِهَدَفٍ نبيل، فالله تعالى نفى عن خلْقِهِ البُطلان واللَّعِب، فالبُطلان الزَّوال، واللَّعِب هو العبَث، فالله تعالى خلق السماوات والأرض بالحق، وأنت مِن خلْق السماوات والأرض، فأنت خُلِقْتَ لِتَبقى، وخلقْتَ لِهَدَفٍ نبيل، اِبْحَث عن هذا الهَدَف مِن أجل أن تسْعَدَ به إلى أبَدِ الآبدين، قال تعالى:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

[ سورة التغابن ]
هذه الآية تتكرَّر عَشَرات المرات، فالحق الشيء المُستقرّ، والباطل هو ما زال، فإبْطال العقْد إلْغاؤُهُ، وإبْطال الزَّواج فسْخُه، وإبْطال الدَّعْوة إسْقاطُها، فالإبْطال هو الزَّوال، حقَّ الشيء أيْ اسْتَقَرّ، فإذا تعامَلْتَ مع خلْق السماوات والأرض ؛ على أنَّ خلْق السماوات والأرض ثابت ولِهَدَفٍ كبير، فالآية الكريمة:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ﴾

[ سورة الزمر]
لا يوجَد إلا شكل واحِد هَنْدسي، فإذا كانت هناك كرة تدور أمام منْبَع ضَوئي يتداخل فيه الضوء مع الظلام، فأنت بالمغرب والعشاء تجد تداخل الضوء مع الظلام، وكذا عند الشروق، ففي حال المكعَّب فالضَّوء يأتي فجأةً، وكذا في الموشور والمقطوع إلا الكرة، فَيُكَوِّرُ الليل على النَّهار أيْ يلفُّ الليل على النَّهار، فالليل والنَّهار يتداخلان، وهذه الآية مِن الآيات التي تُثْبِتُ كُرَوِيَّة الأرض، وقد يسأل سائل: لمَ لمْ يقل الله عز وجل في إحْدى آيات القرآن الكريم الأرضُ كرةٌ ؟ هذا فيه حِكمة بالغة لأنَّ الذين عاصَروا النبي عليه الصلاة والسلام ما توصَّلوا إلى أن يعْرفوا أنّ الأرض كرَة، فهم رأوْها مُنْبسِطَة فالله سبحانه وتعالى لو أغْفل أنَّها كرة لأخذْنا على كتابنا هذا المأخذ، ولو أنَّ الله تعالى بيَّنَ لهم أنَّها كرَة لما صدَّقوه ! فجاءَت بعض الآيات منها قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾

[ سورة الرعد ]
لا يوجد إلا شكل واحِدٌ تمْتَدُّ عليه الخُطوط إلى ما لا نِهايَة، فالدُّحْيَة دليل الكُرَوِيَّة، قال تعالى:

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا(30)﴾

(سورة النازعات )
فالآية الكريمة:

﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾

[ سورة الزمر]
ففي الفجْر يتداخل النَّهار مع الليل، وبعد المغرب يتداخَل الليل مع النَّهار قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[ سورة الزمر]
فالشَّمس تكْبر الأرض بِمِليون وثلاثمائة ألف مرَّة، وألْسِنَة اللَّهَب طولها مِن نصف مليون إلى مليون كيلومتر، وبُعْد الشَّمس عن الأرض مائة وستٍّ وخمسين كيلومتر يقْطَعُها الضَّوء في ثماني دَقائِق، ودرجة حرارة الشَّمس سِتَّة آلاف درجة على سَطْحِها، وعِشرين مليون درجة في بطْنِها ولو أنَّ الأرض أُلْقِيَت فيها لَتَبخَّرَتْ في ثانِيَة واحِدَة، ويتَّسِع جوْف الشمس لِمِليون وثلاثمائة ألف أرض ! ومضى على تَوَقُّد الشمس كما يقول علماء الفلَك خمسة آلاف مليون سنة، وهناك تَقدير مُشابِه، وهو أنَّها سوف تبْقى مُتألِّقة لِخَمسة آلاف مليون قادِمَة، فاطْمَئِنُّوا ! فَمَن أعطى الشمس هذه الطاقة ؟ الله جلَّ جلاله، وفي بعض بُروج السَّماء برْج العقْرب يتَّسِع للشَّمس والأرض مع المسافة بينهما، قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾

[ سورة الزمر]
القمر تَقويم، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)﴾

[ سورة يونس ]
تقويمٌ يراه جميع الناس.
قال تعالى

﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[ سورة الزمر]
فالله تعالى:

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)﴾

[ سورة التكوير ]
وقال تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾

[ سورة يس ]
ثمّ يقول تعالى:

﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾

[ سورة الزمر]
العزيز هو نادِر الوُجود، والشيء العزيز يصْعُب الوُصول إليه والشيء العزيز تشْتَدُّ الحاجة إليه أما إذا قلنا الله تعالى عزيز فلا نقول ينْدر وُجودهُ، ولكن معناه لا إله غيْرهُ، ويحْتاجُهُ كلّ شيء في كلّ شيء، ويسْتحيل أن تُحيطَ به، لذلك الآية:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾

[ سورة الزمر]
النقطة العمَلِيَّة في هذا الدرس أنَّ الله تعالى خلقَنا لِنَبقى إما في جنَّة عرْضُها السماوات والأرض، وإما في نارٍ لا يموت فيها الإنسان ولا يحْيى، والحق معناه أيضًا أنَّنا خُلقْنا لِهَدَفٍ نبيل، ما هو هذا الهدف ؟ قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾

[ سورة الذاريات ]
أن نعْبُدَهُ، لكي يُسْعِدَنا.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-01-2018 08:11 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الزمر، وهي قوله تعالى:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)﴾

[ سورة الزمر ]
هذه الآية تُبيِّن أنَّ الله سبحانه وتعالى غَنِيٌّ عنَّا، ولكنَّه إذا دعانا تعالى إلى عِبادَتِهِ فَمِن أجْلِهِ، ومِن أجل أن يُسْعِدَنا، وأن يرْحَمَنا، وقد ذَكَرتُ لكم في الدَّرس الماضي أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: وهذه عن عُثمان في بيْعَة الرِّضْوان، قال: فإنَّه في حاجة الله، وحاجة رسوله صلى الله عليه وسلَّم، فمَعَ أنَّ الله غَنِيٌّ عن عِباده، فحاجته أن يُسعِدَهم، وأن يرْحَمَهم لذلك قال: يا رب أيُّ العباد أحَبُّ إليك حتَّى أُحِبَّهُ بِحُبِّك ؟ قال: أحبُّ العِباد إليّ تَقِيُّ القلب، ونقيّ اليَدَين، لا يمْشي إلى أحدٍ بِسُوء، أحبَّني وأحبَّ مَن احبَّني، وحبَّبَني إلى خلْقي، فهُناك أشْخاص يُبَغَِّون الدِّين للناس، يبْحثون عن القضايا الخِلافِيَّة التي قد لا يقْبَلُها العَقْل أحْيانًا، ويُبالِغون في شرْحِها إلى أن تنْفر العامَّة من الدِّين، يقول لك: لو أنَّك عبَدْتَهُ طوال حياتِك وأفْنَيتَ عُمُركَ في طاعَتِك ؛ يُمْكِنُ أن يضَعَك في النار ! لماذا ؟! يقول لك: يقول لك لأنَّ الله تعالى:

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23)﴾

[ سورة الأنبياء ]
ولأنَّك جزْء مِن مُلْكِهِ، والذي يتصَّرف في مُلْكِهِ ليس ظالمًا !! فهل هذا كلام يقْبلُهُ المؤمن ؟! أين قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[ سورة الزلزلة ]
وأين قوله تعالى:

﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)﴾

[ سورة لقمان ]
أريد أن أقول: لا تُبَغِّض الدِّين للنَّاس، ولا تبْحث عن القضايا غير المُتَّفَقِ عليها، ثمّ تُضَخِّمُها وتُلقيها على الناس، حتَّى تنشأ لهم صَدْمة .
مرَّةً رأى النبي علي الصلاة والسلام أُمًّا تخْبِزُ على التَّنور، وابنُها إلى جانِبِها، وكلَّما وضَعَت رغيفًا في التَّنور قبَّلَت ابْنَها، فقال عليه الصلاة والسلام: أَتُلقي هذه بِوَلَدِها إلى النار ؟ قالوا: معاذ الله ! فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفْس محمَّد بِيَدِهِ للهّ أرحم بِعَبْدِهِ من هذه بِوَلَدِها ! ولمَّا وردَ بالحديث القُدْسي: إن تابوا فأنا حبيبُهُم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبْتَليهم بالمصائب لأطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، فالمعاني التي تُحَبِّب الله إلى عِبادِهِ ينبغي أن تُبَيِّنَها، وأن تشْرَحها، أما أن تبْحث في ثنايا الكتب عن نِقاط غير مُتَّفقٍ عليها، ونِقاط سَلْبِيَّة، وتُبْرِزُها للناس من أجل أن تُخيفهم، فهذا ليس مِن سُلوكِ الداعِيَّة، فالله تعالى قال:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾

[ سورة الزمر ]
الآن اِسْمَع، قال تعالى:

﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

[ سورة الزمر ]
قال العلماء في بعض كتُب العقيدة: أراد ولم يأْمُر، وأراد ولم يرْض و معنى اراد ن أنه سمح بوقوع الشيءِ، أنت صيدلي بحاجة إلى موَظَّف يعينك بعد الظهر، لا بد من أن يكون عنده ثقافةٌ صيدلية، لا بد من أن تمتحنه، جِئتَ به إلى مجموعة من الأدوية، و قلتَ له: ضع كلّ دواءٍ في مكانه، هنا سموم و فيتامينات، إذا أمسك دواءً سمومٍ و ذهب به إلى الفيتامينات ليضعه، لو منعتَه، ما امتحنتَه، و لا بدَّ من أن تسمح له أن يتحرك خطأً، سماحك له بالتحرك هو الإرادةُ، أراد، و لكنك لا ترضى له هذا الخطأَ، إنك في مجال امتحانه، أمسك دواءَ الفيتامينات ليضعه في مكان السموم، ولو منعتَه لم تكشف خبرتَه، فلا بد من أن تمتحنه ؛ فإذا الله تعالى سمح بمعصية ليس معنى هذا انه فعلها قهرا، لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء الله،ما معنى مشيئة الله ؟ أنه سمح ان تقع، هل رضي الله بها ؟ هل أمر بها، فالعلماءُ قالوا: أراد و لم يرضَ و أراد و لم يأمر، و ما أمر بالزنا و لا رضيه من عباده، و لكن إنسانا إذا أصرَّ عليه و كانت هذه الشهوة حجابا بينه و بين الله وأصبح أصمّ!َ و أبكمَ، حبُّك الشيءَ يُعمِي و يصمُّ، يسمح الله له به لحكمة أرادها من أجل أن يتوب بعدها و أن يستغفر، قال تعالى:

﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

[ سورة الزمر ]
الوازرةُ الحاملةُ، الوزرُ الحِملُ، لا تحمل نفسٌ حملَ نفسٍ أخرى، هذا مبدأ من أصول الدين، فإذا الإنسانُ أنجبَ ولدًا مؤمنا الأب كافرٌ و الأب ما أراده أن يكون مؤمنا، وضع كلَّ العراقيل لكي يؤمن، فالابن ولو أنَّ أباه ليس مؤمنًا يدخل الجنَّة، أو بالعَكس، أبٌ أنْجبَ ولدًا فاخْتار الابن الشَّقاء، ونصَحَهُ وبيَّن له، وتلطَّف به، وزجَرَهُ، ووعَظَهُ، قال تعالى:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة الزمر ]
فهذا المبدأ مُريحٌ جدًّا، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

[ سورة المائدة ]
فأنت عليك بِنَفْسِكَ وكلٌّ مُحاسب على نفْسِهِ فامرأة فِرْعون كانت تحت رجل ادَّعَت الألوهِيَّة، جبَّار، ومع ذلك بيَّن لنا الله عز وجل أنّ المرأة مُسْتَقِلَّة في إيمانها عن زوجها، فأيَّةٌ امرأة ٍ تقول: هكذا يريد زوْجي ! ويريدنا أن أتبرَّج ! ويريدنا أن أخْتلِطَ مع رِفاقهِ ! فهذا الكلام غير مقبول في معْصِيَة الخالق، المرأة مُستقِلَّة في إرادتِها الإيمانِيَّة عن زوْجِها والله جَعَلَ لنا مثلاً صارِخًا ؛ فرْعون وزوْجَتُهُ صِدِّيقة، وكَمُل مِن الرِّجال كثير، وما كَمُل من النِّساء إلا أربع منهم آسيا امرأة فِرْعون قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

[ سورة التحريم ]
لو أنَّ امرأةً لها زوْج فاسِق كافر شارِب خمْر، وهي مستقيمة وصائِمة فأعرف صاحِب ملْهى ما أكلَتْ ابْنَتُهُ مِن مالِهِ أبدًا، وكانت تعْمل في جوبر، ولو طلبَت مِن أبيها مليونين لأعطاها !! وأعرف زوْجة صاحب مقْمَرة مشْهورة، لم تحْضر عُرْس ابنَتِها لأنَّها في مكان عامٍ فيه معاصي وآثام، فهذه الآية:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة الزمر ]
تُلقي في قلب الإنسان طمأنينة، فأنت لن تؤاخَذ بِجريرة غيرك .
قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(15)﴾

[ سورة الجاثية ]
أحيانًا الإنسان له عمل مَشروع، ولكن صاحِب العَمَل له أعمال لا تُرضي الله بعد الدَّوام فهذا لا علاقة له بِصاحِب العَمل، فهذا بائِع أقْمِشَة جاءَتْهُ امرأة تشتري قِماشًا فأعْطَتْهُ مالاً أخذَتْهُ مِن البغاء، فالبائِع لا يعْلَم، فهذا لا علاقة له، لذا حُرْمة المال لا مِن عَينِهِ ولكن من طريقة كسْبِهِ، فالإنسان يُطَبِّق منهج الله ولا علاقة له بالآخرين، ولو كانوا من أهل منزِلِه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: من اسْتَمَع إلى صوت أغّيِنة صُبَّ في أُذنه الآنك " فالنبي عليه الصلاة والسلام ما قال: من سَمِعَ، ولكن قال: من اسْتَمَع فالاسْتِماع يعني الجُلوس والمجيء بالمِذياع، والمُسَجِّلة وتسْتَمِع، أما أن ترْكَب سيارة لا تسْتطيع أن تتحكَّم في اسْتِعمال المذياع فيها، فالله تعالى قال:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة الزمر ]
فهذه الآية المُريحة، فالمؤمن لا بدّ أن يَعُدَّ للمليون قبل مُشاركة الواحد فأيّ علاقة حميمة، ومن العلاقة الحميمة السَّفر، واللِّقاء الأسبوعي فأيُّ علاقة حميمة لا بدّ أن تُبنى على الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ * ))

[ سورة الترمذي ]
قال تعالى:

﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(13)﴾

[ سورة الملك ]
مُلَخَّص الآية ؛ مشيئة الله تعني أنَّه سَمَح بِوُقوع الشيء لأنَّ الله تعالى حينما خلق الإنسان خلقَهُ على أساس أنَّهُ مُخَيَّر، وأنّ الله تعالى يُمِدُّهُ بِقُوَّةٍ يُنَفِّذُ بها اخْتِيارَهُ، فإذا أمَدَّ اله تعالى بِقُوَّةٍ لِتَحقيق اخْتِيارِهِ، فهذا معنى مشيئتِهِ سبحانه وتعالى، فإذا كان هذا الفِعْل خِلاف الشَّرع، ولم يأمر به الله تعالى، ولم يرْض به، وهذا هو مُلَخَّص الآية .
والآية الثانية،

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة الزمر ]
أيْ أنَّ كلّ نفْس تحْمِلُ حِمْلها وحْدها ولا تحمِلُ حِمْل غيرِها، فأنت لسْتَ مُحاسَب عن أعمال والدِك، ولا أبوك يحْمِل أوزارَكَ، وهذه الحقيقة تُلْقي في قلب المؤمن راحة ما بعْدَها راحة .





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-01-2018 08:15 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم نماذجُ بشريةٌ متكرِّرةٌ، ما وردتْ في كتاب الله الذي هو قرآنٌ يُتعبَّد بتلاوته إلى يوم القيامةِ، إلا أن هذه النماذجُ نجدها في كلِّ عصرٍ، يجب أن نعلم علم اليقين أن كلَّ شيءٍ ورد في القرآن الكريم له صفةُ الديمومةُ، القرآنُ الكريم ليس كتابَ تاريخٍ و إنما هو كتابُ هدايةٍ و رشادٍ، فالنموذجُ البشري الذي في كتاب الله نموذجٌ متكرِّرٌ، يمكن أن نستفيد من وصفه سلبًا أو إيجابًا، فالله تعالى يقول:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
الإنسانُ حيثما وردتْ هذه الكلمةُ معرَّفةً بـ "أل" تعني الإنسانَ قبلَ أن يهتديَ، و قبل أن يتصل بالله و قبل أن يعرف اللهَ، و قبل أن يصطبغ بصبغة اللهِ، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ(26)﴾

[سورة المعارج]
فالمصلي مستثنًى، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
الإنسان الذي لم يعرف اللهَ يعرفه بفطرته، لذلك طائرةٌ تحلِّق في الأجواءِ عليها خبراءٌ يؤمنون بأنه لا إله، فدخلتْ في سحابةٍ مكهربةٍ فكانت قاب قوسين أو أدنى أن تقع على الأرض، فما كان من هؤلاء الخبراء الذين يؤمنون أنه لا إله إلا أنهم تضرعوا إلى الله و سألوه النجاةَ هذا إيمانُ الفطرةِ، فإذا أصابتْ الإنسانَ مصيبةٌ، فقال: يا ربي، فلا يحسبْ نفسَه مؤمنا، المؤمنُ في الرخاءِ، و أنت صحيحٌ مُعافى، و المالُ بين يديك و لك بيتٌ و لك زوجةٌ و أولادٌ و لم عملٌ و لك مكانة و أنت في أعلى درجات النجاح
إيمانُك يقتضي أن تكون عبدا لله، أما عند الشِّدَِّة فالناسُ جميعا من دون استثناءٍ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
لعوامُ يروون قصةً طريفةً،أن بائعَ التماري يقول: يا كريم إذا الفرشُ مملوءٌ بالبضاعةِ، فإذا باع البضاعةَ سكتَ، متى يا كريم ؟‍! إذا كان فوق رأسه بضاعةٌ، هذا شأنُ الإنسان الجاهل، شأن الإنسان الذي لا يعرف اللهَ، و عند الضرورةِ بفطرته يلجأ إلى الله، قال تعالى

﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

[سورة الزمر]
الحرارةُ 41درجة، التشخيص التهاب سحايا، الخطرُ 90/100، يا ربُّ، يصلي و يدعو و يبتهل، و لما شُفِيَ الطفلُ، يُقالُ: الطبيبُ الفلاني لا يُوجدُ مثلُه، هو الذي أعطانا الدواءَ و تمَّ الشفاءُ على يديه، و نسيَ أن الله عز وجل هو الذي شفاه، قال تعالى

﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

[سورة الزمر]
يقول: خبرات و جهدٌ مُضْنِي حتى حصَّلتُ على هذه المكانةِ، و تعبُ دؤوبٌ و خبراتٌ متراكمةٌ، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾

(سورة القصص)
بسب خبراتي و جهدي الدؤوبُ، و ينسى فضلَ الله عليه، مع أن الغنسانَ لو تجمَّدتْ قطرةُ دمٍ في أحد أوعية الدماغِ لفقد ذاكرتَه، و ما عرف أولادَه، و لفقدَ حركتَه، قال تعالى

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾

[سورة الزمر]
يرى أن فلانا يعطِي و يمنع و يغضب و يخفض و يرفع و يقرِّب و يبعِّد و يغني و يُفقِر و يعذِّب، و تعلُّقه بالأشخاص لا بالواحد الديَّان، و المؤمن تعلُّقه بالله، أما غيرُ المؤمن تعلُّقه بالأشخاص، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾

[سورة الزمر]
هناك يرون أن العالَم كلَّه بيدِ شخصٍ واحدٍ فإذا رضي عن بلدٍ سلمتْ و إن غضب قاطعَنا اقتصادية و منع الطيرانَ، و هو يتوهَّم أن هذا بيد فلانٍ، هذا هو الشركُ، قال تعالى

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾

[سورة الزمر]
بدلَ أن يوجِّه الناسَ إلى الله و إلى معرفة الله و إلى توحيد الله و إلى الاعتماد على الله و إلى الطلب من الله يوجِّههُم إلى زيدٍ، كأن يقول: البلدُ الفلاني إن كان مع بلدٍ آخرَ، فهذا البلدُ سعِد، و إن كانتْ ضدَّه شقيَ، هذا يُقال في شكلٍ رسميٍّ، فأين الله ؟ نسيَ اللهَ، قال تعالى:

﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
دقِّقوا الآنَ ؛ هذا الإنسانُ أصابه ضرٌّ فدعا ربَّه منيبا إليه، قال تعالى:

﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
" فهو عند الله كافرٌ، أتحبُّون دليلا أقوى ؟ الآية الكريمةُ، قال تعالى

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ(54)﴾

[سورة التوبة]
يصلي و يدفع زكاةَ ماله وهو عند الله كافرٌ، قال تعالى:

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ(54)﴾

(سورة التوبة)
معنى ذلك أن الكفرَ إعراضٌ، و ليسَ إنكارًا، أعرض عن الله و عن منهجه و لم يعبأ بأمره و لا نهيه، معترِفٌ بوجوده و عند الضرورة يدعوه، أرأيتَ إلى هذا النموذج ؟! قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
لذلك الإنسانُ لا ينبغي أن يغترَّ بتقييم نفسِه له، يجب لان يُقيِّمه القرآنُ، قال تعالى:

﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44)﴾

[سورة الزخرف]
مرَّةً أحدُ العلماء قرأ الآيةَ الكريمةَ، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10)﴾

[سورة الأنبياء]
قال: و اللهِ لا بدَّ أن أبحث عن مكاني في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)﴾

[سورة الذاريات]
قال: لستُ هناك، و ذكر الآياتِ، فلم يجد فسَه لا مع هؤلاء و لا مع هؤلاء، أنا مع الذين خلطوا عملا صالح آخر سيِّئا فأرجو اللهَ أن يعفوَ عني، فأنت يجب أن تعرف أين أنت في كتاب اللهِ، و على أيِّ نموذجٍ، الناسُ نماذجُ، هذا الإنسانُ مسَّه الضرُّ قال تعالى

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
معنى ذلك ؛ لو أن أستاذا يقف أمام الطلاب وهو ملءُ السمع و البصر ضخمُ الجثَّة واضح النبراتِ يدرِّس و يحرك يديه و الدرسُ واضحٌ جدا و طالبٌ ينشغِل عن كلِّ هذا المدرِّسِ و عن درسِه و عن علمه و تعليقاته و حِكمه، يعبث بالقلم الورقةِ، نقول: هذا الطالبُ كافرٌ بالمدرِّسِ، هل معنى ذلك أنه ينكر وجودَه ؟ لا، يعرِض عنه، و الكفرُ تكذيبٌ و إعراضٌ، و الإيمانُ تصديقٌ و إقبالٌ، صدَّق بوجود الله و بوحدانيته و كماله فأقبل عليه، و الكافرُ كذَّب بأحقِّية هذا الدينِ و بفرضية الأوامرِ و بصلاحية الدين لكلِّ مكانٍ و زمانٍ، أعرض عنها، فقد جد إنسانًا مسلما يرتاد المساجدَ و لكن لا يُدخِل الدينَ في حساباته، نمطُه غربيٌّ و تعاملُه غربيٌّ و مبادئُه غربيةٌ، و الحياة هي كلُّ شيءٍ، و لا يُدخِل الموتَ في حسابه إطلاقا، يموت بموت الحياة كما هي عند الكفارِ، فهذا عند الله كافرٌ، الكافرُ هو الذي يُكذِّب و يعرضُ، و المؤمنُ هو الذي يصدِّق و يقدِم، و الآيةُ دقيقةٌ جدًّا، وهذا نموذجٌ بشريٌّ، فهذا يعبد اللهَ على حرفٍ، كما قال تعالى:

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)﴾

(سورة الحج)
قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾

[سورة الزمر]
و ليس ذلك خطأً، إذا مسَّ الإنسانَ الضُّرُّ أن تدعوَ اللهَ، و لكنَّ الخطأَ أن اللهَ حينما يستجيب لك و يزيح عنك هذا الضُّرُّ إيَّاك أن تعزوَ هذا إلى غيرِ اللهِ، و حينما تعاهد اللهَ على التوبةِ و أنت في الضرِّ ليس خطأً هذا، بل الخطأُ أن تنتكِس بعد أن يُزاح عنك الضرُّ، قال تعالى:"

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
لذلك أن أقول، اللهم صُنْ وجوهنَا باليسارِ، و لا تبذلْها بالإقتارِ، فنسأل شرَّ خلقِك، و نُبيلَى بحمدِ من أعطى وذمِّ من منع، المعطي و المانِع هو اللهُ، و أنت من فوقهم ولِيُّ العطاءِ، و بيدك وحدك خزائنُ الأرض و السماء
من علامات التوحيد أن لا تحقد على الناسِ لشيءٍ منعه اللهُ عنك، و لا تمدحهم على شيءٍ أعطاك اللهُ إيَّاه، و إن فضلُ الله لا يجُرُّه حِرصُ حريصٍ و لا يدفعه كراهةُ كارهٍ، هذا هو التوحيد، قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
هذا النموذج متكرِّرٌ و موجود، أما الشيءُ الغريبُ أنه يصلي و يدعو ربَّه عند الشدَّةِ و لكنَّه بعد الرخاءِ يشرك و يتخِذ لله أندادا و يضل عن سبيل الله و يُبعِد الناسَ عن طريق الحقِّ، قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-01-2018 08:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، آيةُ البارحةِ هي قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)﴾

[سورة الزمر]
ثم قال تعالى:

﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[سورة الزمر]
و معنى قانت ؛ أي منقطِعٌ هذا الذي يعبد اللهَ و يصلي له في الليل و يرجوه و يتهجَّد له، و يبتهل إليه و يتوكَّل عليه، و يتلو كتابَه و يُذكِّر عبادَه به، هذا الذي شُغلُه الشاغِلُ معرفةُ اللهِ و تعريفُ الناس به هذا الذي انقطع إلى اللهِ ليس معنى هذا أنه ترك الدنيا، و لكنَّ قلبَه متعلِّقٌ بالله، و الدنيا بين يديه، فرقٌ كبيرٌ أن تكون الدنيا في القلب و ليس في اليدِ شيءٌ، هذا كفقراءِ اليهودِ، خسر الدنيا و الآخرةِ، قلبُه متعلِّقٌ بالدنيا و يدُه صِفرٌ من كلِّ شيءٍ، وبي من تكون الدنيا في يديه و قلبُه متعلِّقٌ بالآخرةِ، العلامة و الضابطُ ؛ ما الذي يميِّز إنسانا تعلَّق بالدنيا و إنسانا تعلَّق بالآخرة و هذا شيءٌ في القلب لا يُرَى ؟ الدليلُ ؛ من كان مقيما على شعائر الله مؤدِّيا للصلوات الخمس و يضبط مشاعرَه و غرائزَه و أهواءه وفق منهج الله نقول لهذا الإنسانِ إن الدنيا بين يديك و ليست في قلبك، ولو أنها في قلبك لتركْتَ بعض العبادات لأجلها، و لآثرْتَها على طاعة الله و لآثرت هواك على التقرُّب إلى الله، فالضابط الفاصلُ بين من الدنيا في قلبه و بين من الدنيا في يديه إقامتُه لشعائر الله وورعُه و تقرُّبُه إلى الله، فمن كان مقيما على أمر الله و الدنيا بين يديه هذه قوةٌ له، و قال عليه الصلاة و السلام،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ * ))

[رواه مسلم]
ما إذا كان القلبُ متعلِّقًا بالدنيا أصبحتْ الدنيا عِبئًا عليه و حجابا بينه و بين الله، و لا أحدَ يعرف الحقيقةَ إلا صاحبُها، فإذا آثرتَ الآخرةَ على الدنيا لا تفعلُ معصيةً من أجل الدنيا.
قال تعالى:

﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾

[سورة الزمر]
هناك إنسانٌ يرجو المالَ و يرجو فلانةً أن يتزوَّجها و يرجو البيتَ و السُّمعةَ و المكانةَ، أما المؤمنُ يرجو رحمةَ الله، قال تعالى:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾

[سورة الزخرف]
الإنسانُ أحيانا بكسبه المالَ يتجاوز مرحلةَ الرزقِ، و يتناطح مع الآخرين لتجميع أكبرِ ثروةٍ، هذا اسمُه جامعٌ، و الله عز وجل قال:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾

[سورة الزخرف]
و لو كان حجمُه سبعمائة مليون، و رحمة ربك إلى أبدين، و كلُ يوم فيه زيادةٌ وكلاُّ يوم في أعلى علِّيين، و ربُّنا عز وجل يريدنا أن نقيمَ موازنةً، قال تعالى

﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾

[سورة الزمر]
الآنَ العلاقةُ الدقيقة و الموضوعيةُ و المتلاحمةُ بين شطرِ الآية الأول و الثاني، قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الزمر]
طبعًا يستوون، لكنْ ما علاقتُها بأول الآية ؟ الذين يعلمون يحذرون الآخرةَ و يرجون رحمةَ الله، و الذين لا يعلمون يؤثرون الدنيا على الآخرة، إذًا علامة العلم أم نرجوَ رحمةَ الله و علامة الجهل أن تغترَّ بالدنيا، طيِّب ؛ الواحد معه دكتوراه و يرجو الدنيا ؛ هو عند الله جاهلٌ و الإنسانُ معه ابتدائية ويرجو رحمة الله هو عند الله عالم، وهناك دليل آخرُ، كفى بالمرء جهلا أن يعصِيَ اللهَ، أكبر شخصٍ على الأرض إذا كان يعصي اللهَ فهو عند الله و رسوله جاهلٌ، كفى بالمرء جهلا أن يعصِيَ اللهَ، و كفى بالمرءِ علما أن يطيع اللهَ.
الآيةُ دقيقة جدًّا، قال تعالى:

﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[سورة الزمر]
أدركتُم العلاقةَ بين أول الآية و آخرها، إن كنتَ تعلم تحذر الآخرة و ترجو رحمة الله، وإن كنت لا تعلم تغتر بالدنيا و تؤثرها على رحمة الله، فالعلم إذا قادك إلى أن تؤثر الآخرةَ على الدنيا و أن ترجو رحمة الله فأنت عالم و ربِّ الكعبةِ، أما إذا قادتْك ثقافتُك الرفيعةُ و اطِّلاعُك الواسعُ و مكانتُك الضخمةُ إلى معصيةٍ فأنت وربِّ الكعبةِ جاهلٌ، و ليس في الإنسان صفةٌ أبشع من الجهل، و لا يُوجد عدوٌّ أشدُّ على الإنسان عداوةً من الجهل، و الجاهل عدوُّ نفسه، و يفعل بنفسه ما لا يفعل العدوُّ بعدوِّه، مزارعٌ عنده بيتين بلاستيك غلَّتهما تُقدَّر بأربعمائة ألف ليرة فاشترى سمادًا من أجل أن يضاعف المحصولَ ضاعف كمِّيةَ السمادِ استيقظ صباحا فوجد كل َّشيءٍ أسودَ، ما الذي ضرَّه ؟ هل أحدٌ اقتحم مزرعتَه و أحرقها له ؟ لا ؛ جهلُه وحدَه الذي دمَّره، و يفعل الجاهلُ بنفسه ما لا يفعل العدوُّ بعدوِّه، يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الزمر]
بالمناسبة هناكُ مقاييسُ ماديَّة منتزَعةٌ من الحياة اليومية، فالناسُ يعظِّمون الغنيَّ و صاحبَ المنصب الرفيع و الوسيم الجميل و الذكيَّ العاقل، هذه مقاييس وضعها البشرُ استنبطوها من واقع الحياة، و لكنَّ اللهَ سبحانه و تعالى لم يعتمدْها و لم يعبأ بها و لم يقِرَّها، أقرَّ اللهُ تعالى قيمتين اثنتين ؛ القيمةُ الأولى قيمة العلم و القيمة الثانية قيمة العمل الدليل قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الزمر]
هذه قيمة العلم، قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

[سورة الأنعام]
هذه قيمة العمل، فأنت ترقى عند الله بعلمك و بعملك، و أيُّ علم هذا ؟ هناك علومٌ لا علاقة لها بالدين إطلاقا، فَنُّ الرقص يُدرَّس في المدارس و لا علاقة له بالدين، بل يتناقض مع الدين، العلمُ بالله ؛ العلم بأمره و العلمُ برسول الله ؛ العلم بشرعه، هذ هو العلمُ الذي أراده القرآنُ الكريم.
قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[سورة الزمر]
وهذا مقياسٌ ثانٍ، أحيانا البرتقالةُ لو نزعتَ قشرَتها ثم صفَفْتَ القشرةَ بلا لُبٍّ ؛ ما قيمتُها ؟ لا شيء، أولوا الألباب، أي أولوا العقول، أصحاب العقول وحدهم هم الذين يتذكرون، و الذين لا عقل لهم هم الغافلون، و إنما الدينُ هو العقل و من لا عقل له لا دينَ له
الآنَ توجيهٌ إلهيٌّ و لكنْ في رِقَّة بالغةٍ، قال تعالى

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
نسبَ اللهُ هؤلاء المؤمنين إلى ذاته، وهذه النسبةُ هي نسبةُ تشريفٍ، شرَّفنا اللهُ حينما قال:

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾

[سورة الزمر]
أي أطيعوا ربكم، و اتقوا عذابَه، و اتقوا سخطَه و عقابَه في الدنيا، و اتقوا نارَه في الآخرة، قال تعالى:

﴿ِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾

[سورة الزمر]
في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾

[سورة الزمر]
أخطرُ شيء في حياتك أن تعبد اللهَ، فإذا كنتَ في أرضٍ و بيئةٍ حالتْ بينك و بين طاعة الله فاركلْ هذه البيئةَ بقدمك و انتقل إلى مكان آخرَ، لأن الأصلَ أن تعبد اللهَ، فإذا حالتْ جهةٌ ما في الأرض بينك و بين عبادة الله لا عذرَ لك عند الله، قال تعالى:

﴿يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي(56)﴾

[سورة العنكبوت]
لذلك الإنسانُ حينما لا يستطيع أن يقيم شعائرَ الله عليه أن ينتقل إلى بلد آخرَ يقيم شعائرَ الله، فكيف إذا كان في بلد تُقام فيه شعائرُ الله على نحوٍ لا يُوصَف، كبلدنا، وبين أهله، و دروس العلم و المساجد،كلُّ شيء يدعو إلى الله، فانتقل إلى بلدٍ تُرتكب فيه فاحشةُ الزنا على قارعة الطريق، هذه الهجرةُ التي أرادها من أجل الشيطان، أنت مكلَّفٌ أن تترك بيتَك و متجرَك و مزرعتك، و بيئتَك و كلَّ معطياتِ حياتك و تنتقل إلى بلدٍ لا تعرف فيه أحدًا من أجل أن تعبد اللهَ، فكيف بمن يقيم مع المشركين قد برِئَتْ منه ذِمَّةُ الله و كيف بمن يقيم ببلدِ فإذا كبرتْ بناتُه انحرفنَ أخلاقيًّا وهو يرى بأمِّ عينيه وهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾

[سورة الزمر]
قال تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11)﴾

[سورة الزمر]
من الظاهر عبادةٌ و من الباطن إخلاصٌ، و الجوارحُ طائعةٌ و القلبُ إخلاصٌ، قال تعالى

﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)﴾

[سورة الزمر]
فإذا كان مقام النبوَّة، بل إذا كان مقامُ سيِّد الأنبياء بل إذا كان مقام الرسلِ بل إذا كان مقام سيِّد الرسل هو هذا ؛ قال تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾

[سورة الزمر]
فمن أنت حتى لا تخاف ؟ و إذا لم يخف الإنسانُ فلا عقلَ له، قال لي مرَّةً أحدُهم: أنا لا أخاف اللهَ، فقلتُ له: أنت بالذات معك الحقُّ أن لا تخاف الله، قال: لماذا ؟ قلت: أحيانا الفلاح يأخذ ابنَه الصغيرَ على الحصيدة و يمرُّ عليه ثعبانٌ كبيرٌ فلا يخاف منه، بل يداعبه، لأنه لا إدراك له فلا خوفَ له، فإذا لم يخف الإنسانُ من الله، فليس له إدراكٌ إطلاقا، و لو عنده إدراكٌ لارتعدتْ مفاصلُه خوفا من الله عز وجل، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: و اللهِ لو تعثَّرتْ بغلاةٌ في العراق لحاسبني الله عنها، لِمَ لَمْ تصلح لها الطريقَ يا عمرُ ؟ قال: و اللهِ لا أمثِّل بهم فيمثِّل اللهُ بي و لو كنتُ نبِيًّا، فكلما ازداد حجمُ معرفتك بالله ازداد خوفك منه، لذلك المؤمن الصادقُ قبل أن يفكِّر في ظلم إنسان أو يدوس نملةً يعُدُّ للمليون فما قولك فيما فوق النملةِ ؟ قال عليه الصلاة و السلام

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ * ))

[رواه البخاري]
فإذا كان حبسُ الهرَّة و عدمُ إطعامها يستوجب دخولَ النار فما قولك فيما فوق الهرة ؟
قال تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾

[سورة الزمر]
هذا مقام النبيِّ وهو القدوةُ






والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-01-2018 01:11 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعةُ عشرة و الثامنة عشرة و التاسعة عشرة من سورة الزمر وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)﴾

[سورة الزمر]
أوَّلاً ؛ ماذا تعني كلمةً " اجتنبوا " تيارٌ كهربائيٌّ بثمانية آلاف فولتْ، أيُّ إنسانٍ اقترب منه من مسافة ثمانية أمتار يسحبُه، و يحرقه، و إذا أردنا أن نضع إعلاناً تحذيرًا من هذا التيَّار، نكتب " ممنوع لمسِ التيَّار" أو " ممنوع الاقتراب من التيَّار" الاقتراب، فالسلامة تقتضي أن نضع بينها و بيننا مسافةَ أمانٍ، هذا معنى" اجتنبوا " يجب أن تُبقِيَ بينك و بين المعاصي هامِشَ أمانٍ، و من هنا يقول الله عز وجل:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(32)﴾

[سورة الإسراء]
و ما قال: و لا تزنوا، و من هنا قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152)﴾

[سورة الأنعام]
مالك مع مالِه فالحكَمُ هو الحسابُ، و إذا أخطأتَ في الحساب أكلتَ مالَه أما إذا عزلتَ مالَه عن مالك و لو أخطاتَ في الحساب فمالُه معزولٌ فأيَّةُ آيةٍ تبيِّن " لا تقربوا " و " اجتنبوا " قال تعالى:

﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا(1)﴾

[سورة الطلاق]
هناك نهرٌ له شاطئٌ مائلٌ عليه نباتاتٌ زلِقةٌ و بعده شاطئٌ مستوٍ جاف و المشيُ على الشاطئ المستوىِ الجاف فيه أمانٌ، أما الشاطئُ المائل لزلق خطِرٌ، فالمؤمن يبتعد عن المحرَّماتِ يدع لها هامشَ أمانٍ، لذلك لا يقع أبدا، و لذلك قال عليه الصلاة و السلام:
((الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ ))

[رواه البخاري]
الزنا معروف، و هامش الأمان الخلوةُ، و هامش الأمان النظرة، و هامش الأمان الاختلاط و أن تمشي في طريق مليء بالكاسيات العاريات قبل أسبوعين فتاةٌ ذهبتْ إلى بائع لتشتري حاجةً فطلبت من أجير هذا لبائع أن يفعل معها شيئًا رأتْه البارحةَ في المسلسل و فعل بها و زنى بها و عادت إلى أهلها، و أثناء المحاكمة قالت: رأيت هذا في المسلسل فأردتُ أن أجرِّبه، فلذلك: قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(32)﴾

[سورة الإسراء]
أيُّ محرَّمٍ حرَّم اللهُ علينا الاقترابَ منه، أن ندعَه و ندَعَ ما حوله من الهوامشِ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة]
اجعلْ بينك و بين المعصية هامش أمان، لا تقع أبدا، لأنك في بحر الأمان، ذلك وردَ عن المسيح عليه السلام كلمةً: الشريفُ الذي يهرب من المعصية و لكنَّ الشريفَ الذي يهرب من أسباب المعصية "
صخرةٌ مستقِرَّة في قمَّة الجبل أردتَ أن تزحزحها و أن تدعها تنحدرُ في الوادي، أنت حينما تزحزحها لك خياران ؛ إما أن تبقيَها في مكانها و إما أن تزحزحها، فإذا زحزحتها لن تستقرَّ إلا في قعر الوادي، ليس عندك خيارٌ، بالونٌ إما أن تبقيه بهذا الحجم و أما إذا ثقبتَه لن يبقى فيه هواءٌ إطلاقا، فلذلك قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾

[سورة الزمر]
بعضُهم يدَّعِي أن الخمرَ ليست محرمةً لأن الله تعالى قال:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(77)﴾

[سورة الحج]
اللهُ لم يقل إنه محرم، بل قال اجتنبوه، ما هو أكبرُ شيءٍ لا يُغفَر ؟ أن تعبد غيرَ الله، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)﴾

[سورة الحج]
أكبرُ معصيةٍ لا تُغفَر جاء تحريمُها بالاجتناب، و الاجتناب أبلغُ من التحريم، و لو أَّن الله حرَّم الخمر فقط، فلك أن تبيعها و لك أن تشتريها و لك أن تتاجر بها و لك أن تعصرها و أن تنقلها و تعلن عنها، أنت ما شربتها، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)﴾

[سورة المائدة]
و قال عليه الصلاة و السلام،

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ ))

[رواه الترمذي]
هذا هو الاجتناب أن تدع هامش أمان بينك و بين المعصية
أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله فيها اجتنابٌ، فإنها معصية لها قوة جذبٍ، و يجب أن تدع بينك و بينها هامش أمانٍ، أما هناك آياتٌ، قال تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(229)﴾

[سورة البقرة]
أمور النساء لا تقربوها و أمور المال لا تقربوها، اجتنبوا الرجس من الأوثان.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾

[سورة الزمر]
كلمةُ " أحسن " تقابلها " أخشن " و هل معقول أن تكون في القرآن آيةٌ أحسن من آيةٍ ؟ كلُّه كلام الله عز وجل، فكيف نفسِّر هذه الآيةَ ؟ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾

[سورة الزمر]
هل هناك أسوأه ؟ العلماءُ قالوا: حينما يصف لك أهلَ الجنة و أهل النار تتَّبع من؟ تتَّبع طريقَ أهل الجنة، و حينما يصف لك المؤمنين و غير المؤمنين تتَّبع من ؟ طريقَ المؤمنين، هذا معنى قوله تعالى:

﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾

[سورة الزمر]
قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)﴾

[سورة الزمر]
أولوا الألباب هم الذين هداهم اللهُ أولوا الألباب في الدرس الماضي الذي هو:

﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[سورة الزمر]
الآنَ هذا الوهمُ الذي يعيشه المسلمون انه يوم القيامة يتعلقون بشفاعة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، هذا وهمٌ كبيرٌ جدًّا، شفاعة النبي حقٌّ أما المفهوم الذي يفهمه الناسُ من الشفاعة فباطلٌ، أن الإنسانَ يرتكب الكبائرَ و يتحرك في الحياة كما يشاء و يعتمد على شفاعة النبيِّ، هذه الآيةُ أصلٌ في نفيِ هذا المعنى، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

[سورة الزمر]
أفأنت يا محمد تنقذ من في النار، و يعضُد هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه و سلم:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ))

[رواه البخاري]
لا ينال شفاعةَ النبيِّ إلا من مات غيرَ مشركٍ مخلِصا، و إذا أردنا أن نوفِّق بين هذه الآيات و تلك الأحاديث و بين بعض الأحاديث نمثِّل بطالبٍ قدَّم عشرَ موادٍ نجح في تسعةٍ و المادة العاشرة له فيها ثمانية و أربعون، ناقص علامتين، يشفع له النبيُّ، أما كلُّهم أصفارٌ تستحيل الشفاعةُ، هذا المعنى المقبولُ، وحينما سمح الله للنبيّ أن يشفع له من أجل تمكين علاقة المؤمن بالنبيِّ و لكرامته على الله، أحيانا الأب يريد أن يُمتِّن علاقةَ ابنه مع أمِّه، يعطي الأمَّ ألفَ ليرةٍ و يقول لها: أعطيه إياها، فالأب هو الذي سمح و أذِن و أمر، في الظاهر الأم أعطت الابنَ آلأفَ ليرة، متَّنا العلاقة و بيَّنا كرامةَ الأم، فهذا هو المعنى المقبول لشفاعة رسول اللهِ، لذلك ورد في الحديث يقول النبيُّ يوم القيامة:

((اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ ))
أيها الإخوة الكرام ؛ ما قولكم في طالبٍ عنده امتحان مصيري و لو نجح في هذا الامتحان له مستقبلٌ مزهِرٌ، فقال له واحدٌ: هذا الأستاذُ شغلُه سهلٌ، بألف ليرة يعطيك الأسئلةَ فلا تتعب نفسك، فارتاح و لم يدرس، قبل الفحص بيومين طرق بابَ الأستاذ وقام بالذي وصاه به صديقُه ولم ينجح، فدخل الامتحانَ و رسبَ، فالذي قال له: يعطيك الأستاذُ الأسئلةَ بألف ليرة ما خرَّب بيتَه ؟ الأستاذُ فوق ذلك، فكلُّ إنسان يتوهَّم الشفاعةَ قد أخطأ، و قد قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام:

((شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ))

[رواه داود]
هذا يوم القيامة يتفاجأ مفاجأةً مذهلةً، يخسر نفسَه و آخرَته كلَّها، أين قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[سورة الزلزلة]
لو صدَّقنا أن الشفاعة للعصاةِ لتعطَّلت هذه الآيةُ، و أين قوله تعالى:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾

[سورة النساء]
و قوله تعالى:

﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16﴾
سورة لقمان

أين كلُّ هذه الآيات؟
أيها الإخوة الكرام ليس هناك خطأٌ في العقيدة إلا و يقابله خطأٌ في السلوك، فلو أن الإنسانَ عنده قضيَّةٌ عند قاضٍ، و قال لك إنسان إن هذا القاضي بهدية تربح القضيةَ فلا داعي للمحامي، ثم ظهر القاضي أشرفَ من ذلك، أما أنت فمُغرَّرٌ بك، فلما أردت أن تتحرك وفقَ ما وجَّهوك وجدتَ الطريقَ مسدودا و قعتَ في إحباطٍ فخسرت الدنيا و الآخرةَ
فلذلك إخواننا الكرام قال تعالى:


﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
عدلٌ مطلقٌ و حسابٌ و عذابٌ و جنةٌ و نارٌ و مسؤوليةٌ، أما أن تتعلَق بالأماني و أن تتعلَّق بشفاعةٍ و بمفهوم ما أراده النبيُّ إطلاقا وقد قال تعالى:

﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)﴾

[سورة الأنبياء]
و قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)﴾

(سورة الشعراء)
هذه هي المعاني الصحيحة قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

[سورة الزمر]
أفأنت يا محمد تنقذ من في النار ؟
هذه الآيةُ أصلٌ لنفي المفهوم الساذِجِ للشفاعةِ، أمَا لها مفهومٌ آخرُ نرجو اللهَ أن تنالنا شفاعةُ النبيِّ





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-01-2018 01:14 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآياتُ التي شُرِحت البارحةَ بفضل الله عز وجل لها تتِمَّةٌ، فحينما قال الله تعالى:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
أي ؛ يا من أسرفتُم على أنفسكم لا تقنطوا من رحمة الله و في الحديث القدسي عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[رواه الترمذي]
المشكلة أن تنيبوا،أناب إلى الله رجع إليه و إلى أمره و إلى نهيه و إلى منهجه و رجع إلى ما يرضيه و ترك ما لا يرضيه، و الرجوع إلى الله هو الرجوع إلى منهجه و إلى الصراط المستقيم، قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
و الرجوع في الإقبال إليه، في الحياة اليومية هناك استقامة هذا رجوع إلى منهجه و إلى طاعته في شأن بيته و عمله و تجارته و علاقاته و سفره و إقامته، قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾

[سورة الزمر]
ومعنى " أن " في اللغة لئلا تقول نفسٌ، قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
أيها الإخوة الكرام، ما من حالةٍ نفسيةٍ أشدُّ إيلاما لصاحبها من شعور الندمِ، الشيءُ بين يديكم متاحٌ لك و بإمكانك أن تصل إليه، فمثلا بيت عُرِض عليك بمائة ألف، و رفضتَه لسبب تافهٍ، و بعد عشر سنوات أصبحتَ بحاجة لهذا البيت و صار ثمنُه ثلاثين مليوناً، فتقول: أنا قلبي محروقٌ كيف ذهب البيتٌ عني، و أحيانا الإنسان يفرِّط في زوجةٍ بسبب طارئٍ طلَّقها وهي جيِّدة جدًّا ؛ أخلاق و دين و جمالٌ، فتشرَّد الأولاد و انحرفوا وتزوج الثانية و ما أعجبته، فيقول: أنا قلبي محروق كيف طلَّقتها، هذا ندم في الدنيا، و الموتُ ينهي فقر الفقير وغنى الغنيِّ و صحة الصحيح و مرض المريض، و الموت ينهي كلَّ شيءٍ، أما الأبد فإلى أبد الآبدين، قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا(29)﴾

[سورة الفرقان]
لا توجدُ حالةٌ نفسيةٌ تردُّ النفسَ و تؤلمها مثل الندم، و الشيءُ المستحيل لا تندم عليه، أما أنت فتندم على ما بين يديك و على ما في متناول يديك و على ما أنت قادرٌ عليه، فإذا لم تصعد إلى الفضاء الخارجي هل تندم ؟ لا، ليس لك المؤهِّلات و لا الإمكانات، وهو شيءُ فوق طاقتك، فلا تندم إلا على ما هو بين يديك متمكِّن منه قادر عليه، قال تعالى:

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42)﴾

[سورة القلم]
قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
ومعظم الناس هم على حالة لا ترضي اللهَ، و حتى يتوازن همًّه الأولُ السُّخريةُ من أهل الدين، و التعليق على تصرفاتهم و انتقاد مواقفهم، حينئذٍ يرتاح، أما لو عرف الطريق المستقيمَ و الناسَ الملتزمين و الناجحين مع ربِّهم يختلُّ توازُنُه، أما حتى يستعيد توازنَه المنهارَ يطعن في أهل الحقِّ، قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
قلتُ لكم منذ يومين أنه معقول أن الله تعالى يقول:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
:قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4(﴾

[سورة التحريم]
إذا انتقدت لامرأةٌ ملِكًا هل من المعقولِ أن يستنفر خمسَ فرق من الجيشِ و سلاح الطيران و البحرية و الشرطة و الأمن ؟ فما معنى الآية؟

﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[سورة التحريم]
زوجتا النبيِّ قال تعالى:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[سورة التحريم]
معقول هذا الاستنفار كلُّه من أجل امرأةٍ، المعنى الذي أراده اللهُ أن الإنسانَ قبل أن يتحرَّك ليطفئَ نور الله و ليعادي أولياء الله لابد أن يحسب الحساب، لأن هذا المؤمنَ يدافع الله عنه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة أجمعين، مثلما أن الإنسان لا يستطيع أن يقترب من الشرطي، لأن وراءه وزير الداخلية، فإذا فكَّرت في أحد أولياء الله و أن تجعله مضغةً في الأفواهِ فكِّرْ، لا تقترب إلى المناطق الخطيرة، دعك وهؤلاء الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله، و الذي لا يخطئُ هو رسول الله و معه شخصٌ ثانٍ هو الذي لا يعمل، لا دعا إلى الله و لا أمر بالمعروف و لا خدم المسجد، و قعد وصِيًّا على الناس، و من أنت حتى تكون وصيًّا على الناس، الذي لا يعمل يخطَئُ ؛ هذا معنى ثانٍ، قال تعالى:

﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)﴾

[سورة الزمر]
وهذه المشكلة التي يصفها اللهُ عز وجل أن الإنسانَ لمَّا يهتدي يقول: أنا اهتديتُ، أما إذا ضلَّ قال: هكذا الله كتب عليَّ لماذا في أمور الضلال و المعاصي و الآثام تعزوها إلى الله، قال تعالى:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]
لا يُعقل أن تُعزى الحسناتُ إلى الإنسان و السيِّئاتُ إلى الله تعالى، هنا قال تعالى:

﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)﴾

[سورة الزمر]
واللهُ هداك، و الكونُ فيه هدًى و الأنبياءُ فيهم الهدى و الكتابُ فيه الهدى، و كلُّ شيء في الكون ينطق بالهدى، فالله هداك و بقيَت الاستجابة، قال تعالى:

﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الإخوة الكرام نحن مُحاطون بآياتٍ لا تُعدُّ و لا تُحصَى، آيات كونية و آيات قرآنية و آيات تكوينية، فأفعالُ الله آياتُه التكوينيةُ و خلقُه آياتُه الكونيةُ و كلامُه آياتُه القرآنية، و كلًّ ما خلق الله تعالى يدلُّ على وجوده و على كماله و على وحدانيته، و كل!ُّ كلامه يدلٌُّ على وحدانيته و كلُّ أفعاله تدلُّ على وحدانيته، قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)﴾

[سورة الزمر]
من الكذب على الله أن تقول حينما تفعل الفاحشةَ: إن الله أمرني بها، وإن الله كتبها عليَّ، و العوام يقولون: طاقاتٌ معدودةٌ في أماكنَ محدودة، و لا تعترض فتترض، و كلٌّ شغلُ سيِّدك،هذا كلُّه باطلٌ لا أساس له، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]
و قال تعالى:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[سورة الأنعام]
قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)﴾

[سورة الزمر]
هذا الوضعُ العصيبُ المُخيفُ الرهيبُ ؛ حسابٌ دقيقٌ و نارٌ مستعرةٌ، و المؤمنون وحدهم الناجون، قال تعالى:

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)﴾

[سورة الزمر]
اتقوا ؛ أي اتقوا سخطَه و غضبه و أن يبتعدوا عنه، قال تعالى:

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)﴾

[سورة الزمر]
لذلك الفوزُ كلُّ الفوزِ و النجاحُ كلُّ النجاحِ أن تكون في هذا اليوم العصيبِ من الفائزين، و إن غدا لناظره قريبٌ، و كلُّ متوَقَّعٍ آتٍ و كلُّ آتٍ قريبٌ، و الإنسانُ بين عشيةٍ و ضحاها و بين التفالتةٍ أو سواها يصبح من أهل القبور، كان شخصًا ماءَ السمع و البصر فصار خبرا على الجدرانِ، واعلموا أن ملَك الموت قد تخطَّانا لغيرنا و سيتخطَّى غيرَنا إلينا، فلنتَّخِذْ حِذرَنا، فالبطولةُ أن تصل إلى هذه الساعة الحرجةِ و أنت من الفائزين، و الفوزُ بيدك، و الندمُ أساسيُه الشيءُ المُستطاعُ، و أنت لا تندم على المستحيل عليك، فلذلك قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[سورة الزمر]
أو لئلا تعزُوَ ذنبَها حينما يختلُّ توازُنها إلى الله أو لئلا تطلبَ الكَرَّةَ الثانيةَ، قال تعالى:

﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)﴾

[سورة الزمر]
وقال تعالى:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[سورة الأنعام]
هذا كذبٌ، و تخرصون ؛ أي تكذبون، و حينما تعزو أخطاءك إلى الله أو إلى القضاء و القدر أو أنها مكتوبةٌ عليك قبل أن تُخلَق، هذا افتراءٌ على الله و هذا أشدّ‍ُ أنواع الكذبِ.
قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)﴾

[سورة الزمر]
عرفوا ربَّهم في الدنيا و استقاموا على أمره واتقوا أن يعصوه فنجَّاهم اللهُ عز وجل، قال تعالى:

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)﴾

[سورة الزمر]











والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-01-2018 01:16 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ما من آيةٍ في كتاب الله تعالى أرجى من قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
أسرفوا على أنفسهم، فعلوا كلَِّ المعاصي ليلا و نهارًا كبيرَها و صغيرَها، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
القانطُ عند الله كافرٌ، و الذي ييأس من رحمة الله كافرٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
و في الحديث القدسي، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة* ))

[رواه الترمذي]

عندي لك الصلحُ وهو بِرِّي و عندك السيفُ و السِّنانُ
ترضى بأن تنقضي الليالي وما انقضتْ حربُك العوانُ
فاستحِ من كتابٍ كريــم يُحصِي به العقلُ و اللسانُ
واستحِ من شيبةٍ تراهــا في النار مسجونة تُهــان

قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
و قال عليه الصلاة و السلام

(( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ * ))

[رواه البخاري]
أعرابيٌّ يركب ناقته و يقطع بها الصحراءَ، عليها زادُه و شرابه، جلس ليستريح، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
((قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[رواه مسلم]
اللَّه أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.
قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)﴾

[سورة النساء]
و ما فتح اللهُ باب التوبة لعباده إلا ليتوب عليهم، و ما أمر عبادَه أن يدعوه إلا ليستجيب لهم، و حسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنة، قال لي أحدُهم: ليس هناك معصيةٌ ما عملتُها، و تاب إلى الله توبةً نصوحًا، و الآن يعيش حياةً فوق التصوُّرِ من السعادة، إذا قال العبدُ يا ربي وهو راكع، قال الله له: لبَّيك يا عبدي، فإذا قال يا ربي وهو ساجد، قال الله لبَّيك يا عبدي، فإذا قال يا ربي وهو عاصٍ قال الله لبَّيك ثم لبَّيك ثم لبَّيك، و لم يعلم المعرضون انتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالُهم من حبي، و لماتوا شوقا إليَّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ؟
هذا موقف الله تعالى، أهلُ ذكري أهلُ مودَّتي، و أهلُ شكري أهل زيادتي، و أهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم و إن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لا أطهِّرهم من الذنوب و المعايِب، الحسنةُ عندي بعشرة أمثالها و أزيد و السيِّئة بمثلها و أعفو، وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِّ بولدها "
قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64)﴾

[سورة غافر]
و قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
إعراب " جميعا " توكيدٌ، كلُّ الذنوب مهما كثرت و مهما عظُمتْ، بشرط أن تأتيَه تائبا، و المشكلةُ في الذين يقولون:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)﴾

[سورة الماعون]
لكن تمام الآية "

﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)﴾

[سورة الماعون]
و لو أن الله قال: في صلاتهم ساهون، الإنسانُ يسهى أحيانا، أما عن صلاتهم اختلف الوضعُ قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
متى أغفر الذنوب جميعا و متى رحمتي سبقت غضبي، متى، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
متى، قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
إذا أنبتم و رجعتم و ندمتم و استغفرتم و تبتم و أصلحتم و أقلعتم و عزمتم، متى ؟ قال تعالى

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
أي استسلمتم لأمره و انصعتم لأمره و طبَّقتم أمرَه و تحرَّيتم الحلالَ و في الحديث: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
((قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة* ))

[رواه الترمذي]
أيها الإخوة الكرام لا يجوز أن نقرأ آيةً و ندعَ الثانيةَ، قال تعالى:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾

[ سورة الحِجر]
قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
وفي دعاء النبيِّ صلى الله عليه و سلم، يقول:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ * ))

[رواه مسلم]
أحيانا التحليلُ يعطيك خبرَ البورم فيصبح الإنسانُ في كآبة و ألم، اللهم إنا نعوذ بك من فجاءة نقمتك.
أيها الإخوة الكرام، دقِّقوا في هذا الحديث، هذا كلام النبيِّ،عَنْ مُعَاذٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ
((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا * ))

[رواه البخاري]
هل تصدِّق أنك حينما تعبد اللهَ ينشأ لك حقٌّ على الله ؛ أن لا يعذِبك، و الله تعالى عنده ألوانٌ من العذاب لا يحتملها الإنسانُ، و هناك آلامٌ لبعض الأمراض لا يحتملها الإنسانُ، و بعضُ الذُّلِّ و الإهانة لا يحتملها الإنسانُ، و الفقرُ المدقع لا يحتمله الإنسانُ و يجعل حياة الإنسانِ جحيما أنت حينما تعبد اللهَ ينشأ لك حقٌّ على الله، أن لا يعذِّبك، وهناك دليلٌ آخرُ، قال تعالى:وَقَالَتْ

﴿ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾

[ سورة المائدة ]
قال العلماءُ: لو أن اللهَ أقرَّهم على دعواهم لما عذَّبهم، و هم ادَّعَوا أنهم أحبابُه، إذًا اللهُ سبحانه و تعالى لا يعذِّب أحبابَه، و أدَقُّ من ذلك قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
الدنيا قبل الآخرةِ، سواءٌ محياهم دنياك كمؤمن غيرُ دنيا الكافرِ، فيها طمأنينة و أمنٌ، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
أين قوله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)﴾

[ سورة الطور ]
وقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾

[سورة الحج]
و أين قوله تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ٍسورة البقرة]
و أين قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ(11)﴾

(سورة محمد)
و أين قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾

[سورة مريم]
أنت تعامِل خالقَ الأكوانِ، أنت تعامل من بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، أنت تعامل من إذا قال: كن فيكون، و في الحديث:عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ

((ْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
موطِن الشاهدِ، الآيةُ الثانيةُ، قال تعالى

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
فارجِعْ إلى الله و اصطلِحْ معه و راجعْ حساباتك و سدِّدْ ديونَك، و استسمِح من اغتبْتَهُ و أدِّ ما عليك، و غُضَّ بصرَك، و ربِّ أولادَك و زوجتَك و أقِم الإسلامَ في بيتك و في عملك و انظُرْ كيف يعاملُك اللهُ، عبدي كنْ لي كما أريد أكنْ لك كما تريد، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفيْتُك ما تريد، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبْتُك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد "
فأوَّلُ آيةٍ قوله تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[سورة الرعد]
و قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)﴾

[سورة الرعد]
ليس عنده استئناف، و قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

[سورة الزمر]
هو وزوجتُه و خمسةُ أولادٍ يمشون فإذا سائقٌ نائم قد اصطدم بهم، الزوجةُ ثلاثون كسرا، وولدان قد ماتوا، و هو مشلولٌ، هذه بغتة، فإذا كان الإنسانُ مستقيما فهو في حفظ اللهِ، قال تعالى:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد]
الملائكة تحفظك، و قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * ))

[رواه مسلم]
الملائكةُ موَكَّلةٌ بحفظك من كلِّ مكروهٍ و حادثٍ ومن كلِّ مشكلةٍ، ومن كلِّ بلاءٍ، الواحدُ استيقظ الصبحَ فلم يجدْ سيارَته، سُرِقتْ، و السيارةُ فيها تهريب الحشيش و انضبطتْ أودِع السِّجنَ لخمسِ سنواتٍ، لذلك لا تعجزْ عن ركعتين قبل الفجرِ أكفِك النهارَ كلَّه، و قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ *))

[رواه مسلم]

(( فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ* ))

[رواه مسلم]
فأنت في ذمَّة اللهِ وحفظِه، و أنت مع خالقِ الكونِ، و المسجد بيتُه، و إن بيوتي المساجد.
قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42)خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43)﴾

[سورة القلم]
و النبيُّ الكريمُ مرَّ على قبرٍ و قال: إن صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تنفلون في صلاتكم أحوجُ إليها من دنياكم كلِّها.." قال تعالى

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾

[سورة الطور]
فأيها الإخوةُ الكرامُ، ليس لنا حجَّةٌ، و قال العلماءُ هذه أرجَى آيةٍ في كتاب اللهِ، وفي الحديث السابق: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، بشرط أن تكملها بأولها قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
وإلا يأتيك العذابُ فجأةً و أنت لا تشعر






والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-01-2018 01:18 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ الكريمةُ السابعةُ و الستُّون من سورة الزمر وهي قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
النقطةُ الدقيقةُ هو أن النبيَّ عليه الصلاة و السلامُ حينما بُعِث إلى قريشٍ و إلى الأمةِ العربيةِ و إلى جميع الأممِ بدأ بتعريف الناسِ باللهِ، و بقيَ ثلاث عشرةَ سنةً يعرِّف الناسَ باللهِ، و الآياتُ المكيةُ كلُّها تقريبا تتحدَّث عن الكونِ، و في المدينة نزلتْ آياتُ التشريعِ، فالدعوةُ سلكتْ في مرحلتين، مرحلةُ التعريف بالآمرِ و مرحلة التعريف بالأمر، ونحن إذا أغفلنا المرحلةَ الأولى لا نفلح في دعوتنا أبدا، وهذه الآيةُ تغطّي هذا المعنى، قال تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
فكيف نقدِّر اللهَ حقَّ قدرِه ؟
تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستِّين عاما، قال تعالى:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

[سورة القدر]
ألف ثمانين عاما تعبد فيها اللهَ عز وجل، خيرٌ منها أن تتعرَّف على الله عز وجل و أن تعظِّمه، ألم يقل سيِّدُنا موسى: ربِّ أيُّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبِّك، قال يا موسى أحبُّ العباد إليَّ تقِيُّ القلبِ نقيُّ اليدين لا يمشي إلى أحد بسوءٍ، أحبَّني و أحبَّ من أحبَّني و حبَّبني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبُّك و أحب من يحبُّك، فكيف أحبِّبُك إلى خلقِك ؟ قال ذكِّرْهم بآلائي و نعمائي و بلائي "
أنا أريد أن أبحث عن الخطوات العملية كي يقدِّر اللهَ حقَّ قدره، الله تعالى نفى عن هؤلاء التائهين الشاردين الغافلين العصاة المذنبين أنهم ما قدروا اللهَ حقَّ قدره، إذا الإنسانُ مجنَّدٌ في العسكرية و لمحَ لواءً في الطريق يحيِّيه أقوى تحيَّةٍ، أما إذا لمحه مدنيًّا لا يعرف ما هي الرُّتبُ لا يقدِّره، من يقدِّر؟ من ينظَمُّ لهذا السلك، من يقدِّر أكبرَ جرَّاحِ قلبٍ في العالَمِ ؟ أطبَّاءُ القلب، من يقدِّر أكبرَ مهندسٍ ؟ المهندسُ، أنت لن تستطيع أن تقدِّر إلا إذا تأمَّلتَ و تعرَّفتَ، و ماذا تعني الآياتُ ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)﴾

[سورة البقرة]
إن أردتم صيغةً عمليةً لأن تقدِّر الله حقَّ قدره، الجوابُ: تفكَّرْ في خلق السماوات و الأرض، فكلما تفكرتَ في خلق السماوات و الأرض قدَّرت الله حقَّ قدره، بل إن الكونَ بمجرَّاته و مذنَّباته و كواكبه ونجومه، و المجموعة الشمسية و التي نحن فيها و الأرض بما فيها و ما عليها و ما في باطنها و بجماداتها بأنهارها و جبالها ببحورها و نباتاتها و حيواناتها، هذا الكونُ أوسعُ بابٍ تدخل منه إلى معرفة الله و أقصرُ طريقٍ تعبُره كي تصل إلى الله، و لا حاجةَ لإعادة بعض الآيات الكونية، أنا ذكرتُ لكم قبل عامٍ أن إحدى محطَّاتِ الأخبار العالمية أذاعتْ الخبرَ التالي: أُرسِلتْ مركبةٌ إلى الفضاء الخارجي بأعلى سرعةٍ صنعها الإنسانُ أربعين ألفَ ميلٍ في الساعة، بقيتْ تسير في الفضاء الخارجي ستَّ سنواتٍ، وصلتْ إلى قريب المشتري، و على هذه المركبة مرصدٌ عملاق، رصد قبل عام أبعدَ مجرَّةٍ كُشِفتْ للإنسانِ، الرقم بسيطٌ جدا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، و الضوءُ يقطع في الثانية ثلاثمائة ألف كيلومتر، قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾

[سورة الواقعة]
انتقِلْ إلى الشيء الصغيرِ ؛ الحُوَيْن المنوي، الإنسانُ في اللقاءِ الزوجي يفرز خمسمائة مليون حُوَيْن، تحتاج البُوَيْضةُ إلى حوَيْن واحدٍ، و في الحوين الواحد موادٌ خمسة آلاف مليون معلومة مُبرمجة، على نُوَيَّة الحوين المنوي، قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)﴾

[سورة يونس]
قال تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
إن أردتم الصيغةَ العمليةَ لأن تقدِّر اللهَ حقَّ قدره، فإذا عرفت اللهَ عز وجل، تعُدُّ للمليون قبل أن تعصيَه، و إذا لم تعرفه تبحثُ عن فتوى من أجل أن تعصيَه، لذلك من عرف الأمرَ قبل الآمرِ تفنَّن في التفلُّت من أمر الآمرِ، و من عرف الآمرَ قبل الأمرِ تفانى في طاعته، أنت الآنَ جندي في الثكنةِ جاءك أمرٌ من سبعةٍ، من ثمانية ونجمتين أو أكثر من ذلك، فكلما صعدتْ الرتبةُ تندفع كلمح البصر إلى تنفيذ الأمرِ، هذا في السلك العسكري، و قد قيل: لا تنظر إلى صِغر الأمر و لكن انظُر إلى على من اجْترأْتَ، اجترأْت على الله خالق الكون.
آيةُ اليوم قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
كيف أقدِّره حقَّ قدره ؟ لو أمضيتَ العمُرَ كلَّه في التدقيق في آيات الله في جسمك لا تنتهي، و الذي هو أقربُ شيء إليك، ثلاثمائة ألف شعرة و كلّ!ُ شعرةٍ فيها وريد و شريان و عصب و عضلة، غدَّة دهنية و غدة صبغية، و العين مائة و ثلاثون مليون عُصيَّة و مخروط في الشبكية من أجل نقل أدقِّ تفاصيل الصورة الملوَّنة، ثم انظُر إلى الدماغِ، أربعة عشر مليار خلية قشرية، ترتكز على مائة و أربعين خلية سمراء لم تُعرَف وضيفتُها بعدُ و الذاكرةُ تحتوي في عمرٍ متوسِّط أربعين مليار صورة مصنفة في أرشيف، منها البعيد و المتوسط و القريب و شيء يُمحَى
أتحسب أنك جِرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبرُ
فجسمك وحده يمكن أن تعرف اللهَ من خلاله، طعامك، قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

[سورة عبس]
هذا البطِّيخ الذي نأكله في الصيف، كيف يعرف الفلاحُ أنها استوتْ ؟ الله تعالى جعل فيها حلزونا أخضرَ تمسكه و تضغطُه إذا انكسر معناها أنها استوتْ، ما انكسر اترُكْها، علامة راقية جدًّا، و العنب مهما هبَّتْ عليه الرياحُ لا يسقط، وهو محمولٌ بأربطةٍ متينةٍ جدًّا، فكِّرْ في البيض و الدجاج و الحليب و الخضر و الفواكه و القمح الذي فيه أربعة آلاف و خمسمائة نوع من القمح، أحدُ إخواننا الدكاترة في الجامعة قال لي: خمسة و أربعون ألف نوع من القمح تنبت في رؤوس الجبال و الأغوار و في كلِّ المناطق، لأنه أساسي، فإذا أردتَ أن تقدِّر اللهَ حقَّ قدره عليك أن تتفكَّر، قال تعالى:

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)﴾
و قال تعالى
﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

[سورة عبس]
و قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)﴾

[سورة الغاشية]
وقال تعالى:

﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[سورة يونس]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)﴾

[سورة البقرة]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-01-2018 01:21 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس العاشر



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيُّها الإخوة الكرام ؛ الآياتُ الأخيرة من سورة الزمر وهي قوله تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
معنى :
﴿ زُمَراً ﴾
الزناةُ زمرةٌ ، والشَّاذون زمرةٌ ، وأكِلوا الربا زمرةٌ ، والكذَّابون زمرةٌ ، والمحتالون زمرة ، والقتلةُ زمرة ، والمجرمون زمرة ، والمستغلُّون زمرة .
كلُّ عمل فيه إيذاءٌ للبشر يُعدُّ عملا شرِّيرا يُجمع أصحابُه زمرةً واحدةً .
(( الخلقُ كلُّهم عيالُ الله تعالى ، فأحبُّهم إلى الله عز وجل أنفعُهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى والحارث في مسنده ]
قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الذين كفروا هم الذين كذَّبوا و أعرضوا ، فإعراضُهم كفرٌ و تكذيبُهم كفرٌ هناك من يكذِّب و يعرض و هناك من لا يكذَّب ولكنَّه يعرض فإعراضُه سببُ كفرِه .
أيها الإخوةُ في آية أخرى يقول الله تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة التغابن الآية : 1 ]
قال بعض العلماء : سبَّح أي نزَّهَ ومجّد وخضعَ ، وأضاف بعضُهم أن الخضوعَ علامةُ التسبيح والتمجيد ، فمن لم يخضع لم يسبِّح ولم يمجِّد ، فالإيمانُ علامتُه الخضوعُ ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت الآية : 30 ]
علامةُ صحَّة إيمانهم استقامتُهم ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة فصلت الآية : 33 ]
علامةُ إخلاص الدعوةِ العملُ الصالحُ ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الضيفُ الكبيرُ تُفتَح له الأبوابُ قبل أن يأتي ، أما المسجونُ يصل إلى باب السجن بعد أن يصل يُفتَح له البابُ و يُدفَع إلى داخله دفعًا ، قال تعالى
﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
لا أعتقد شعورا يرُدُّ النفسَ كشعور الندم ، قال تعالى :
﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
من " للتبعيض " أي من بني جلدتكم ، من البشر ، و لولا أن الرسلَ تجري عليهم كلُّ خصائص البشر لما كانوا سادةَ البشرِ ، والرسولُ بشرٌ يجوع و يعطش ويغضب ويرضى ويشتهي ، لكنَّه انتصر على بشريته وحلَّق إلى مقامٍ رفيعٍ ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
و رسلُ الله عز وجل حجَجٌ على بني البشر ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
يقول الواحدُ ، أنا لا أعمل هذا العملَ ، لستُ نبِيًّا ، ولم يعلم أن اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال تعالى :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]
أيها الإخوةُ الكرامُ ؛ هناك في اللغة بحثٌ اسمه " التفضيل" لا يُفضَّل من فعلٍ غيرِ قابلٍ للتفاوتِ ، أنت لا تقلْ : فلانٌ أموتُ من فلان ، لأن الموتَ حالةٌ واحدةٌ ، أما تقول : فلان أغنى من فلان ، وفلان أكبر وأطول وأعلم ، تستخدم اسمَ التفضيلِ للأفعال القابلة للتفاوتِ ، أما اسمُ التفضيل من فعلٍ غيرِ قابلٍ للتفاوتِ لا يُصاغُ منه اسمُ التفضيل ، الاستقامةُ غيرُ قابلةٍ للتفاوت ، وهي حدِّيةٌ ، أما عدم الاستقامة فنسبيَّةٌ ، واحد يزني بعينيه ، واحد بلسانه وواحد بيده واحد بفرجه ، والكلُّ زنا ، ولكنه متفاوِتٌ ، الانحراف حدِّي ، أما المستقيم فحالةٌ واحدةٌ ، يستوي في استقامته القرشُ مع المليون ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي]
قال تعالى :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]
و الحقنةُ التي يأخذها أعلى طبيب في العالم يجب أن يعقِّمها كما يعقِّمها أصغرُ ممَرِّضٍ في العالم ، فالنبيُّ له عند الله مقامٌ كبيرٌ جدًّا ، أما الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الله عز وجل أرسل الرسلَ وبعث الأنبياء ووزَّع دعاةً في الأرضِ ، كلُّ هؤلاء لنشر الحقِّ ، ولإقامة الحجَّة على الإنسانِ ، أرسل الرسلَ و بعث أنبياءَ ووزَّع دعاةً في شتَّى بقاع الأرض ، هؤلاء ينوبون عن الأنبياء في تبليغ الناس الحقَّ ، هؤلاء حججٌ لله على خلقه ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الآياتُ أنواعٌ :
- الآياتُ الكونية .
- الآيات التكوينية .
- الآيات القرآنية .
الكونية خلقُ السماوات والأرض .
التكوينية أفعالُ الله عز وجل .
القرآنية كلامه .
على كلُّ هذه الآياتُ تشير إلى الله ، و إلى وجوده وإله وحدانيته وإلى كماله ، قال تعالى :
﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
هذا اليومُ الذي لا مندوحةَ منه ، سمَّاه الله الواقعةَ والطَّامَّةَ والحاقَّةَ ويومَ الفصل ، يوم الدين ، يوم الجزاء ، يوم القيامة ، قال تعالى :
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة الآيات : 19-24 ]
وقال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي * يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾

[ سورة الحاقة الآيات : 25-32 ]
قال تعالى
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
قوانينُ الله تعالى انطبقتْ على هؤلاء الذين ضلوا و أضلوا فاستحقوا العذاب .
هذا الموقف العظيمُ الذي يُعدُّ الذكيُّ والعاقلُ والفائزُ من ينجو في هذه الساعةِ ، الغنيُّ في ثانية واحدة يصيرُ خبرًا ، قُطِعتْ سيارتُه لتُخرَج جُثَّتُه البطولة عندما تلقى اللهَ عز وجل ، و أن تنجوَ في ذلك اليومِ ، قال تعالى
﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 72 ]

أيُّ تكبُّرٍ هذا ، تكبَّروا عن معرفة الله ليس عندك وقتٌ لتعرف الله عز وجل و تحضر مجلسَ العلم ، و لا أن تعرف آخرتَك و لا إلى أين أنت سائرٌ ، أما أن يتابع مسلسلا إلى الساعة الواحدة ليلا ، قال تعالى
﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 72 ]
تكبروا عن معرفة اللهِ و عن طاعته و عن قبول منهجه ، يفعل كلَّ شيءٍ وهو يحسب أنه يحسن صنعا ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
أيها الإخوة الكرام ؛ يقال : دقيقةُ الألم ساعةٌ ، وساعةُ اللذَة دقيقةٌ ، والإنسانُ أحيانا يُمضي عشرَ ساعات وهو لا يشعر ، إذا كان مع أحبابه في مكان جميل ويأكل أطيبَ الطعام في مرحٍ و سرور ، أما حينما يؤلمه سِنُّه يقول : مضتْ عليَّ ليلةٌ مثل السنةِ ، هذا في الدنيا ، وهذا القرآن كلام من ؟ فإذا كان الإنسانُ شاكًا في كلام الله فليُعِدْ بناءَ إيمانه إذا كان ممكنًا أن يكون هذا الكلامُ غيرَ صحيحٍ فليؤمِنْ بالله و أسمائه الحسنى و بكلامه و قرآنه .
أيها الإخوةُ الكرام ؛ خبرٌ في الجريدة أربع أسطرٍ يُنزِّل سعرَ السيارةِ مائتي ألف ، الناسُ يصدِّقون تصريحاتِ أولي الأمرِ ، وخالقُ الكونِ لا تصدِّقه ، فكيف لو أن الإنسانَ يقرأ كلام الله ، هذا مصير الكافر ، إلى النار و إلى أبد الآبدين ، لذلك قال أحدُ العلماء عندما قرأ حديثا استغنى به عن كلِّ حديثٍ ، قال فيه علمُ الأولِّين و الآخرين ، و قال : اِتَّقِ النارَ بقدر صبرك عليها ، و اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها ، و اتقِ اللهَ بقدر حاجتك إليه " لأنه كلُّ مخلوقٍ ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
غدًا إن شاء الله نتحدّث عن آيات المتقين ، قال تعالى
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾

[ سورة الزمر الآية : 73 ]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-01-2018 01:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الحادى عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، البارحة الآياتُ كانت حول أهلِ النار الذين يُساقون إلى النار زمرا بحسب معاصيهم، و اليومَ، قال تعالى:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)﴾

(سورة الزمر)
أيضا الذين دعوا إلى الله و الذين رعوا الأيتامَ و الذين تصدَّقوا بأموالهم و الذين أصلحوا بين الناس و الذين أدَّوا العباداتِ أداءً متقَنا، و الذين جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله، أنواعُ الخيرِ لا تُعدُّ و لا تُحصَى بعضُهم قال: الطرائِقُ إلى الخالق بعددِ أنفاس الخلائقِ، وكلُّ إنسانٍ بإمكانه أن يصل إلى الجنَّة من بابٍ، فالأمومة الصحيحةُ، و هي الأم التي ربَّت أولادها و بناتها و اعتنتْ بهم و أحسنتْ رعايةَ زوجها تدخل الجنةَ، و أبٌ اعتنى بأولاده و ربَّاهم تربيةً صحيحةً و زوَّجهم و اعتنى بهم يدخل الجنةَ، و البنُ البارُ لوالديه يدخل الجنَّةَ، و الإنسان الذي عمل عملا متقنا أخلص فيه إتقانه و نصح المسلمين، و لم يقسُ عليهم يدخل الجنةَ، و أصحابُ الحرفِ و التجارات مع الصدِّقين يوم القيامة، فلا يتوهَّم الواحدُ أنه حتى يطلع المنبرَ، أو يصير عالما، هذا أحد فروع الدين، فكلُّ إنسان باختصاصه و مهنته و تجارته و صناعته و الزوجة المثالية، و في الحديث
:(( أيما امرأة ماتت و زوجُها عنها راضٍ دخلت الجنةَ.))"
اِعلمي أيتها المرأةَ و أعلِمي من وراءك أن حسنَ تبعُّل المرأة زوجَها يعدل الجهاد في سبيل الله، و قد ورد في الحديث الشريف: قابل اللهَ في برِّهما..." فيمكن أن تلقى اللهَ عز وجل و ليس لك عمل إلا برُّ الوالدين، و الزوجة و الأب و الأم،ضمنَ البيتِ كلُّها مداخلُ للجنة دخلتَ إلى عملك، و عملك مشروعٌ و سلكتَ به الطرقَ المشروعةَ، و ما كذبتَ و لا دلَّستَ و لا غششْت و لا احتكرتَ و لا أوهمتَ، و أردتَ به كفايةَ نفسك و أهلك و خدمة المسلمين، و لم يشغلْك عن الصلاة و لا عن الصيام و لا عن طلب العلم، هذا العملُ ينقلِب إلى عبادةٍ، فكيفما تحرَكتَ يمكن أن تجعل من عملك في بيتك و أن تضع اللُّقمةَ في فم زوجتك هي لك صدقةٌ، و أن تدخل على أولادك الفرحَ، و أن تعودَ مريضا و أعنتَ ضعيفا، و أفرغت من دلوك في دلو المستسقِي و أعطيت دورَك لإنسانٍ كبيرٍ في السنِّ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
هناك من يتقي اللهَ و يجتنب المعاصي، وهناك من يتقي سخطَ الله و هناك من يتقي سخطَ الله، و هناك من يتقي معصيته، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
الذين عملوا بفكرهم بمؤلفات نشر بها الحقَّ، إنسان بنى مسجدا، و إنسان حافظ على سلامة قلبه و لم يكن في قلبه غلٌّ، كلُّ هذه الأعمال مقبولةٌ عند الله، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
فُتِحت لهم من قبل تكريما لهم.
ذكرتُ لكم البارحةَ أن الضيوف الكبارَ هناك تهيئةٌ لهم، يأتي الضيفُ إلى المطار و يدخل قاعة الشرف وهي مهيَّأةٌ و المركبة جاهزة و القصرُ جاهزٌ و كلُّ شيءٍ جاهزٌ قبل أن يأتي، أما المجرمون فيُساقون إلى السجنِ و في الطريق يُضرَبون و يقفون و يُفتَح لهم بابُ السجن بعد أن يصلوا، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة الزمر)
فالله تعالى سمَّاها دارَ السلامِ ليس فيها مشاكلُ كالدنيا، حتى على المستقيمين في الدنيا تلحقهم المشاكلُ، مشكل الهرم والمرض و الشيخوخة..، إن هذه الدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ استواءٍ منزلُ ترحٍ لا منزلُ فرحٍ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء، أما الجنّةُ دارُ سلامٍ، لا كبَر و لا شيب شعرٍ، شبابٌ دائمٌ و لا مرض و لا حزن و لا فقر و لا قلق ولا خوف و لا قهر و لا زلزال، أكبر ثلاث شركات في اليابان دمَّرتها الزلازلُ، و فيها حوادث السير، و الإيدز، خمس و ثلاثون مليون مصابًا، الله تعالى سمَّى الجنَّة دار السلام، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة الزمر)

انتهت المشاكلُ،قال تعالى:
﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)﴾

(سورة الزمر)
إلى أبد الآبدين، فهل تُضَيَّعُ الجنَّةٌ من أجل عشر سنوات في الدنيا ؟‍! حتى لا يتزوج الإنسانُ و يشتري سيارة و بيتًا كم يلزمه من السنين ؟ معقول أن يضيِّع الجنَّةَ كلَّها من أجل هذه السنوات المعدودة ؟
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾

(سورة الزمر)
وعدُ الله كبيرٌ، و الله تعالى قال:

﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)﴾

[سورة الفيل]
أنت لم تر، و لكنَّ اللهَ ينتظر منك أن تنزِّلَ خبرَه منزلةَ الرؤيةِ لمصداقيته، فالله عز وجل وعَدَ، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[سورة القصص]
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾

(سورة الزمر)
و قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8﴾

[سورة التحريم]
قال تعالى:

﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

(سورة الزمر)
أيَّةُ أرض ؟ قال بعضهم: لو لم نكنْ في الأرضِ و عرفنا ربَّنا و أطعناه لما دخلنا الجنَّةَ، و كيف الطبيب يأخذ يوميا خمسين آلاف ليرة لولا السنوات التي أمضاها في الجامعة، و السهر في الليالي، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

(سورة الزمر)
و لولا أن جئنا إلى الدنيا، كانت فيها الشهوات و المنهج و الكون يدلُّ على الله، و الإنسانُ أُعطِيَ حرِّيةَ الاختيار، و لولا نظام الدنيا ؛ كونٌ مسخَّرٌ للإنسانِ تسخير تعريف و تسخير تكريم، عقلٌ يدلُك على الله و فطرةٌ تدلُّك على خطأك، وحرِّية اختيار تثمِّن عملك، منهجٌ يُعدٌّ ميزانا على الميزان، لولا هذه الأشياء في الدنيا لما كنا في الجنة، كما لو أن الإنسانَ تمتَّع بأعلى دخلٍ بدراسته الجامعية، و لولا الجامعة التي درس فيها ما كان في هذا الدخلِ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
الآن نحن في المدرسةِ، وضعُنا مع ربِّنا يقرِّرُ مصيرَنا في الجنةِ، نحن في زمنٍ المؤمنُ يوم القيامة لا يندم إلا على شيءٍ وهو ساعةٌ مرَّتْ لم يذكر اللهَ فيها، هذا الوقتُ محسوبٌ علينا، كيف الواحد إذا كان في النُّزهة ـ السيران ـ ثلاث أو أربع ساعات مرتاح يفعل ما يشاءُ، أما لو كان في الامتحان فالوقتُ محسوبٌ عليه، وهو وقتٌ مصيري، ينبني عليه نجاحُه، وهل معقول أن ينظِّف الواحد في الامتحان ساعته و يشتغل بها على حساب امتحانه، الوقتُ ثمين جدا، و كلُّ دقيقة لها معنى، فوقت الامتحان وقتٌ خطيرٌ و مصيري، و أنت في الدنيا في امتحان، و الإنسانُ بضعةُ أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ﴾

(سورة الزمر)
الآن الخلائقُ كلُّها علاقتُها مع الله ملخَّصةٌ في كلمةٍ واحدةٍ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
كلُّ ما في الكونِ من زلازل ومن فيضانات و حروب و أمراض و فقر و من نزاعات و قهر و اجتياح، كلُّ المآسي، الخلائق تقول:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
من هنا قال الإمام الغزالي: ليس في الإمكان أبدعُ مما كان " و لو كُشف الغطاءُ لأصبتم الواقعَ، يقول سيدُنا عليٌّ: و اللهِ لو كُشِف الغطاءُ ما ازددتٌ يقينا، و لو علمتُ أن غدا أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي "
أيها الإخوة الكرام، فإذا أدخل الإنسانُ الآخرةَ في حساباته اليومية يختلف وضعُه كلِّيا، يركل الدنيا بقدمه إذا كان فيها شبهةٌ، و يقبل مائة ليرة حلالا، يضيِّع الساعات في خدمة الخلق، لأنه محسوب عند الله تعالى، و إذا الإنسان ما آمن بالآخرة فله وضعٌ، و إذا آمن بالآخر و فله وضعٌ ثانٍ.
آخرُ مثلٍ ؛ أحدُ إخواننا يصلِّح المحركات، يفتح المحرك يجد فيه عطلا بسيطا يصلِّحه و لا يكلِّف شيئا، و لكنه يأخذ عليه خمسة آلاف، و بعد أن تاب إلى الله يأتيه المحرِّك مثل الأول عطلُه بسيطٌ يصلِّحه، ثم يأخذ عليه خمسة و عشرون ليرة، واللهِ أيها الإخوة قال لي أحدهم: أرجعتُ عشرين مليون ليرة لورثةٍ لا علم لهم بهذا المبلغ، تُوُفِي الأبُ في حادث و ترك هذا المبلغ عند هذا الشخص، تعرف اللهَ تصير أمينا صادقا كلُّ الأخلاق العالية تأتي من معرفة الله و من طاعة الله تعالى و من الخوف من حسابه.
أحدُ الفلاسفة الأجانب يقول: لا يمكن أن تكون الأخلاقُ دون أن تؤمن أنَّ لهذا الكون إلها يعلم و سيحاسب، حينما تؤمن أنَّ اللهَ يعلم و سيحاسب تستقيم






والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-02-2018 08:22 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 




بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الاول

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، مع الآية الواحدة و العشرين من سورة غافر، وهي قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
الأدلة في معرفة الله ثلاثة، كونية و تكوينية و قرآنية، فالآيات الكونية خلقُه و التكوينية أفعالُه و القرآنية كلامُه، لذلك ممكن أن تعرف اللهَ من أفعاله، كيف يوفِّق المؤمنَ و يدمِّر الكافرَ، و كيف يُعلي قدرَ المؤمن و يذِلّ الكافرَ، سبحانه إنه لا يذل من واليتَ و لا يعَزّ من عاديتَ، قال تعالى:

﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾

[سورة غافر]
إذا الإنسانُ ذهب إلى مصرَ و نظر إلى الأهرامات شيْق صعبٌ تصديقُه، أحجار الأهرام نقلوها من صعيد مصرَ، و صعيدُ مصرَ يبتعد ألف كيلومتر، و ما كانت حاملات و لا ناقلات، فكيف نُقِلتْ هذه الأحجارُ ؟ ثم كيف نُقِلت من شطِّ النيلِ إلى محلَّةِ الهرمِ، ثم كيف رُفِعت ؟ شيءٌ لا يَصدَّق، و الفراعنةُ إذا دخل الإنسان إلى متاحفهم يرى فيها العجبَ العُجابَ، كان الملِك حينما يموت، كلُّ أصابعه تلبَّسُ ب أقنعة من الذهب الخالص، أنا رأيتها بأمِّ عيني، و مُحنَّطٌ، و قد مضى على موته ستَّةُ آلاف عام وهوهو، بل لعلَّ هذا من آيات الله، وإن فرعون موسى هو الذي حُنِّط وهو الذي أُخِذ إلى فرنسا قبل سنوات ليُعالَج من بعض التعفُّناتِ، قال تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92)﴾

[سورة يونس]
فرعون موسى الذي أغرقه اللهُ في البحر الأحمر موجودٌ بكلِّ دقائقه في متحف مصرَ، فالله عز وجل الأقوامُ السابقةُ عمَّروا و شادوا و كانوا على مستوى رفيع من العلم، نافذةُ الأهرام مبنيَّةٌ بشكلٍ دقيق جدا بحيث أن الشمس لا تعبرها إلى نهايتها إلا في أحد أيام السنة وهو يوم وفاة فرعون، هل ممكن أن تقول لمهندسٍ: أنشِأْ بناءً و ضعْ نافذةً لا يمكن للشمس أن تخترق هذه النافذةَ إلا في يوم واحدٍ من أيام العام، هذا الذي حصل، برعوا في الرياضيات و الفلك، و مع ذلك عقيدتُهم سخيفةٌ جدًّا لو ذهبت إلى متاحفهم ترى الخبزَ من ستَّة آلاف عام و القمحَ و قطعَ اللحم المُقدَّد، كانوا يعتقدون متوهِّمين أن الإنسان إذا مات يعيش في القبر حياةً ثانيةً، و مركباتهم الملكية كلُّ حاجاتهم و حُلِيِّ نساءهم و كل طعامهم و شرابهم كلُّه مُحنَّطٌ، حتى أحذيتهم و ألبستهم، كلُّها في المتاحف، تحت الأرض مدفونة معهم، عقيدتهم سيئة جدا، و لكنه قد برعوا في الدنيا، و هذا ينطبق على إنسان اليوم، اليابان تفوَّقت في الصناعة تفوُّقا مذهلا و تحدَّوا العالَم كلّه بصناعتهم، و راجت صناعتهم حتى في أكثر الدول تقدُّمًا، و الآن يهدِّدون العالم بتجارتهم، لكن ماذا يعبدون ؟ هل تصدِّقون أنهم يعبدون ذكَرَ الرجُل.
أخٌ كريم مهندس ذهب إلى معبدهم و عنده صورٌ، أسطوانة كبيرةٌ من الشمع كبيرة يسجدون لها، الذين اخترعوا المخترعاتِ الحديثة ؛ أجهزة الصوت و الرادارات يعبدون ذكرَ الرجل، و هذه الآية تنطبق على كِلّ الأقوام، الذين برعوا في الدنيا و شردوا عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
في سفح جبل " فِيزُوفْ " بإيطاليا بلدةٌ أثناءَ الحفريات اكتشفوا آثارًا ضخمةً، هذا الجبلُ بُرْكَانِي، و قبل ثمانين عاما ألقى هذا البركانُ من الرماد البركاني ما سماكتُه ثمانيةُ أمتار، فاضطروا لحفر هذه الأرض فوجدوا مدينةً من أعرق مدن الرومان سار عليهم هذا البركانُ أثناء الظهر، مع طعام الغذاء، هذا البركان غطَّاهم برماد بركاني ثمانية أمتار، الأشخاص و كلُّ حاجاتهم تفسَّختْ و ذابتْ في فراغ، حقنوا هذا الفراغَ في جبصين سائلٍ، ثم كسروا ما حوله فإذا هم أمام مُجسَّماتٍ لكلّ ما جرى وقتَ ثورة البركان، النساءُ بحلِيِّهن و الطعام على الموائد، و أنا عندي صورٌ لهذه المجسمات من الجبصين السائل، ترى كيف أمة و مدينة عريقة و في أوجِ حضارتها جُمِّدتْ عن طريق البركان الرمادي، فاللهُ عز وجل ينبِّهنا، و الرُّبْعُ الخالي كان دولاً عظيمةً، و تدمر دولة الأنباط، و لو ذهبتم إلى الأردن و نظرتم إلى الأنباطِ كيف نقبوا الأحجارَ، شيءٌ غيرُ معقولٍ، هناك قاعة ملَكية بحجم هذا المسجد محفورة من الصخر على مستوى الميليمتر المكعَّب مائة بالمائة، و من الخارج أعمدة و تيجان ومداخل و أبواب، كلٌّ من الجبل، و مع ذلك أهلكهم عز وجل، التدمريون، وتدمر من الشام إلى بغداد كلُّها بساتين غنَّاء و أنهار و أمطار و مروج، أين هم ؟ قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
ثم قال تعالى:

﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)﴾

[سورة غافر]









والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-02-2018 08:26 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم آيات تشيرُ إلى حقائقْ، و أيات تشيرْ إلى حوادث حقائق مجردة، أو حقائق مفصلة، وهي في الحقيقة حقاق ممدَّدة، حقيقة يمكن أن تُلقَى في كلمتين، قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)﴾

[سورة محمد]
تأتي قصةُ سيدنا يوسف في عشر صفحات تقريبا، بتفاصيل و شخصيات و بداية و نهاية و حوار و تحليل ووصف و سردٌ، كلُّ هذا الآيات الطويلة من أجل أن تؤكد الحقيقة، يمكن أن تأكل ملعقةَ عسل و يمكن أن تشرب شربة عسل، هذه الملعقةُ إذا أذبتها في كأس من الماء و شربته صار شربةَ عسل ممدَّدة و لطيفة، أو لك أن تلعق هذه الملعقة لعقةً واحدةً، فالأفكار المكثَّفةُ هي لعقة العسل، أما الأفكار الممددةُ على شكل قصة هي شربة العسل.
النقطة الدقيقة في هذا الموضوع أن اللهَ جل جلالُه ما أراد من أيّة قصةٍ يتلوها علينا أن نفهمها قصَّة وقعت و لن تقع مرَّةً ثانيةً، و لو أن القرآن فعل هذا لكان كتابَ تاريخ، إنه كتابُ هدايةٍ، لا يتلو علينا قصَّةً على أنها وقعت و لن تقع، بل على أنها وقعت و ستقع كلَّ يومٍ، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[سورة يوسف]
قصَّةُ اليوم، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)﴾

[سورة غافر]
دائما أهلُ الحقِّ إذا وضَّحوا آراءهم ووضَّحوا الحقَّ فأهل البطل الغارقون في شهواتهم يردُّون الحقَّ و يكذِّبون الأنبياءَ و الرسلَ، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)﴾

[سورة غافر]
تروي الكتبُ أن فرعون رأى في المنام طفلا من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، فببساطةٍ شديدةٍ أمرَ بقتل أبناء بني إسرائيلَ جميعا، و لن يسمح لمولودٍ ذكرٍ أن يعيش، قال تعالى:

﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)﴾

[سورة غافر]
فكيدُ الكافر و تدبيرُه لا يمكن أن ينجح، لأن اللهَ لا يسمح له أن ينجح قال تعالى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
أن يقول: أنا ربكم الأعلى ليس فسادا، أما أن يدعوَ موسى إلى اللهِ عز وجل عدَّه هو الفسادُ، معنى ذلك أن الإنسان أحيانا يتفلسف، و الإنسانُ كائنٌ فيه عقلٌ و فيه شهواتٌ، و لو أنه اتبع شهوتَه سوف يجد أن له عقلا جهاز خطير جدا، هذا الجهازُ يمكن أن يُفلسف شهوته فصار للعقل دَوْرَان، إما دورٌ قيادي و إما دورٌ تبريري، عند أهل الدنيا و العصاة و المنافقين و المنحرفين الشاذِّين و الجهَّالِ العقلُ له وظيفةٌ و لكنْ ليست وظيفتُه وظيفة قيادةٍ بل وظيفةُ تبريرٍ، هناك طُرْفةٌ، مرةً أردتُ أن أشتري سِتارةً فدخلتُ إلى محلٍّ و فيه توصيةٌ، فقال لي: يا أستاذ الستارةُ لا يمكن أن تكون لا بالطول الفلاني، قلتُ له: كيف ؟ قال لي: الحائطُ مضروبُ في اثنين يُضافُ له مترٌ، من أجل أن تكون جميلةً، اخترتُ ثوبا وقلت له من هذا أريد، فوجد أقلَّ من الحائط، قبل دقيقة قال أنها لا تكون جميلةً إلا إذا كانت ضعفًا زائد مترٍ، فقال: يا أستاذ هذا المُطرَّزُ على الفرد أجملُ، من خلال دقيقة تغيَّر، لأن من مصلحته أن يبيع هذا الثوبَ، ماذا فعل ؟ استخدم عقلَه لإقناعي أن هذا أفضل، و قبل دقيقة حكى العكسَ، فالعقل البشري إما أن يقودك إلى الحق و إما يقودك و إما أن تستخدمه مبرِّرا، كلما أخطأتَ تفلسِف خطأَك و كلما انغمس الإنسانُ في الشهوة يفلسِف شهوتَه، فالعقل مشكلتُه إما أن تستخدمه قائدا للحق و لسعادة الدارين وإما أن تستخدمه لتغطية كلِّ الأخطاءِ، ماذا قال فرعون ؟ قال تعالى:

﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
هذا عقل تبْريري ! إنسان يقول: أنا ربكم الأعلى، ويُقَتِّل أبناءهم ويسْتحيي نِساءهم ! وكل هذا ليس فسادًا، أما أن يدْعوهم موسى للواحِدِ القهَّار ؛ هذا فساد ؟! لذلك قال عليه الصلاة والسلام: كيف بِكم إذا أصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا...." مِن علامات آخر الزَّمان يؤْتَمَن الخائِن، ويُخَوَّن الأمين، ويُصَدَّق الكاذب، ويُكَذَّب الصادِق والرَّجل يبرُّ صديقهُ، ويَعقّ أباه، تجده لطيف مع أصْدِقائِهِ والغريب وعدوّ شرِسٌ مع والِدَيه، فالله تعالى قال:

﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
فَفِرْعون اسْتَخْدم عقْلَهُ لا لِيَقودَهُ إلى الحق، ولكن لِيُغَطِّي انْحِرافَهُ ؛ لذلك اعْتَقِدوا أنَّ هناك عَقليْن، عقْل قائِد مُسْعِد، وعقْل مُبرِّر للغلَط، فهذا الذي يقول: أنّ الاخْتِلاط يُهَذِّب المشاعِر ويْصقل الشباب ؛ هدَفهُ تِجاري أما تَبْريرهُ تهذيب المشاعر !
قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة غافر]
هناك ملاحظة مسْتنبطة مِن حقل الزِّراعة ؛ إذا كانت لك بُذور مِن الدَّرجة الأولى وبِعْتَ أنت هذه البذور لِخَمسين فلاح، فخمسٌ وأربعون فلاحًّا شكا لك أنَّها لم تُنْبِت، وخمسةٌ منهم أثْنَوا على هذه البِذْرة ثناءً كبيرًا، فما دام هناك خمْسة بالمائة مِن ظرْف واحِد، نقول: الخطأ مِن الفلاحين، وإن لم تُنبِت ولا واحِدة كان الخطأ من البِذرة، فهذا المثَل له معنى ؛ فالله عز وجل بِكُلّ حقل، وبِكُلّ مكان، وبِكُلّ نشاط يتْرك شَواهِد تقوم بِهم الحجَّة وبأسْوَأ مكان تَجِد إنسانًا مُسْتقيمًا، فمهما تكون البيئة فاسِدَة، هناك أشْخاص مستقيمون، فهؤلاء حجَّة على مَن سِواهم، فقَوْل فِرعون أنَّه منْحَرِف، وقَومُهُ منْحَرِفون إلا مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون كذلك حجَّة لِكُلّ النِّساء اللَّواتي يدَّعين وجودهنّ بأماكن السوء، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

[سورة التحريم]
قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة غافر]
هذا الرجل قالوا: ابن عمِّ فِرعون، ووَلِيُّ عهْدِهِ، وصاحِبِه شريطَتِهِ ؛ أي وزير داخِلِيَّة ! فهذا لمَّا سَمِعَ أنَّ فرعون سيَقْتُل موسى لم يحْتَمِل ؛ قال تعالى عنه

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

[سورة غافر]
فهو ألقى يده فكانت بيضاء للنَّاظِرين ! هذا ليس مِن عمل البشر ! ثمَّ قال تعالى

﴿ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾

[سورة غافر]
هذا تفْكير منطِقي، فلو قال لك أحدهم قدِّم طلبًا، واليوم آخر يوم ؛ قد يكون الطَّلَب شِراء بيت، أو طلب لِشِراء بيت بِسِعر مُخَفَّض، أو طلب لِشِراء مرْكبة، فأنت قد تُفَكِّر بِهذا الإنسان على أنَّه كاذِب، فإن كان الخبر كذبًا لم صِبك منه شيئًا، وإن يكن الخبَر صادِقًا تكون قد ضيَّعتَ منه فرْصة.
ثمَّ قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

[سورة غافر]
مناقشة أخرى يقول تعالى:

﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾

[سورة غافر]
فهذه القوَّة والغِنى والصِّحة هل سَتَسْتَمِرّ إلى ما لا نِهايَة ؟! حينها قال فرعون كما في قوله تعالى

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾

[سورة غافر]
أيضًا هن يسْتخْدِم عقْلَهُ لِيُغَطِّي على انْحِرافاتِهِ.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)﴾

[سورة غافر]
هؤلاء الذين تحزَّبوا على أنبيائِهم فأهْلَكَهم الله تعالى، فهو خاف عليهم أن يحدث لهم ما حدث لِهؤلاء، قال تعالى:

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)﴾

[سورة غافر]
لمَّا يأتي بلاء كبير تجدُ الناس يصْرُخون، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)﴾

[سورة الحج]
وقال تعالى:

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾

[سورة غافر]
هذا الرَّجل من مؤمني آل فرعون رأى الحقائق وكان ابن عمِّ فرعون، وولِيُّ عهْدِهِ، إلا أنَّه فكَّر، فالله تعالى لمَّا خلق العَقل قال أدْبِر فأدْبَر، قال: وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلْقًا أحبَّ إليَّ منك ؛ بِكَ أعطي وبِكَ آخُذ ! لذا لحْظة تفكير صحيحة تسْعد بها في الدنيا في الدنيا والآخرة، والعكس بالعكْس.
قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)﴾

[سورة غافر]
أحد العلماء كان في درْسِهِ ثلاثين رجلاً، فلمَّا مات ردف جنازته المِئات !
فهذه الآية دقيقة، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾

[سورة غافر]
فالإنسان لا يكن كالنَّعامة.
قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)﴾

[سورة غافر]
المتكبِّر يطْبع الله على قلْبِهِ، والجبَّار الذي يأبى الخضوع للحق.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 08:30 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة غافر، وهي قوله تعالى

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
الكافر يوم القيامة ينْدمُ أشَدَّ النَّدَم، ويتألَّم أشَدَّ الألَم، ويمْقُتُ نفسه أشَدَّ المقت، ويكْرهُها، ويُبْغِضُها، فالإنسان أحيانًا في الدنيا يتَّخِذ قرارًا خاطئًا يلْعن نفْسهُ مليون مرَّة، لماذا طلَّقتُها ؟! هي أمُّ أولادي ومُمْتازة، ففي ساعة الغضب طلَّقَها فالإنسان قد يلعنُ نفْسَهُ مليون مرَّة على قرارٍ اتَّخَذَهُ، والمُحَصِّلة خسارة في الدُّنيا فقط، فالذي جاءتْهُ فرْصة شِراء بيتٍ وما اشْترى، وأصبَحَ ثمن ذلك البيت الآن بالملايين، فهذا ينْدم أشَدَّ النَّدَم، وأحيانًا قد يكون لإنسان بيتًا يُسافر ويتْركُهُ للاسْتِثمار فإذا رجَعَ بيعَ البيت بِثَمَ،ٍ بخْسٍ من جرَّاء مُعامَلة ! فهذه الآلام في الدنيا، أما حينما تفوتُهُ الآخرة بأكْمَلِها وحينما تفوتُهُ جنَّة عرْضُها السماوات والأرض، وجنَّة فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا خطَر على قلبِ بشَر، مِن أجل شَهوةٍ خسيسة، لذا قال تعالى: إنَّ الذين كفروا يُنادَون يوم القيامة.." المعنى دقيق جدًّا قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
فلو أنّ أبًا واعِيًا حكيمًا وعاقِلاً ؛ كلَّما دَعى ابنَهُ للدِّراسة رفَض، فهذا الابن يرْفض مللاً، أما الأب فيتألَّم من أعماق قلبِهِ لأنَّه يعْلمُ أنَّ مصير ابنِهِ سيَكون في المرتبة الأخيرة في المجتمَع، أما لمَّا يكْبر الابن تجدُ الابن يعْمل ليل نهار بِأجْرٍ لا يكْفيهِ طعامَهُ ! حينها يمْقُت نفسَهُ أشَدَّ المقت فالله تعالى قال عن الذين هم في النار أنَّهم سيتألَّمون أشَدَّ الألم، ويُعَذَّبون أشدّ العذاب، وينْدمون أشدَّ النَّدم، ووقْتَها يُنادَوْن لَمَقْتُ الله لكم ؛ حينما كان يدْعوكم إلى الإيمان وإلى التوبة وإلى الصُّلح لكم، وإلى مغفرة الذُّنوب، وإلى ستْر العيوب، وإلى صلاح الدنيا والآخرة ؛ تُدْعَون بِلُطْف، وليل نهار، وكتاب الله يُتلى عليكم صباح نهار، وأنتم تُديرون ظهْركم للدِّين، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
وهم في النار يمْقتون أنفسهم أشدَّ المقت، ويحْتقِرونها وينْدمون أشَدَّ النَّدَم إلا أنَّ مقْتَ الله لكم يوم كان يدعوكم إلى الإيمان فتَكفرون أكبر من مقْتكم أنفسكم ؛ لأنّ الله تعالى علِمَ ما كان وعلِمَ ما يكون وعلِمَ ما يكوم لو كان كيف كان يكون، فحينما كنتم ترْفضون كان الله يمْقتكم أ شدَّ المقت فنحن الآن في الدنيا وباب الله مفتوح، وباب الإنابة مفتوح و باب إصلاح الأمور مفتوح، و باب المغرفة مفتوح، و الإسلام يهدم ما كان قبله، و لو أنك أتيتني ملء الأرض ذنوبا لأتيتك بمثلها مغفرة.
نحن الآن في الدنيا، و هذه الآية يوم القيامة، و الذي سيكون يوم القيامة أخبرنا الله به الآن ـ هذا تسريبُ المعلومات ـ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
إخوانا الكرام، الإنسانُ أحيانا يصل إلى طريق مسدود، الواحد ارتكب جريمة القتل، عن سابق قصد و تصميم، أُجرِيت له محكمةٌ عادلة و حُكم عليه بالإعدام، اُستُأنِف الحكمُ و صُدِّق الحكمُ من محكمة النقض و رُفع الحكمُ إلى رئاسة الجمهوريةِ ووقَّع الرئيسُ عليه و سيق المجرمُ إلى ساحة المرجةِ ليُشنَقَ، و قبل أن يصعد درجة المشنقة اِستعطفهم و ندم و بكى، فنقول له: لك أن تبكي و لك أن تضحك و لك أن تنهار و لك أن تستعطف، كلُّ ما تفعله لا يُجدي، و لا بدَّ من تنفيذ حكم الإعدام، لأنك أوصلتَ نفسَك إلى طريق مسدودٍ، فالإنسانُ اللهُ عز وجل شديد المِحال يسوق له من المواعظ و يدعوه دعوةً بيانيةً،الإنسانُ مُعافى و صحيح سليم و كلُّ أموره ميسَّرةٌ يُدعَى دعوةً بيانية في خطبة أو يقرأ كتاباً أو يسمع شريطا، أو له صديق صالح يقول له يا فلان تُبْ إلى الله، ثم ما استجاب، يُساق له تأديبٌ تربويٌّ، أو مشكلة في جسمه أو أولاده و لا يتوب، يُساق له إكرامٌ استدراحيٌّ فلا يشكر ثم يُقصَم، و بعدها يقول تعالى:

﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

[سورة الفجرٍ]
أو يقول:
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
﴿الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن وصل هؤلاء مع الله إلى طريق مسدود، قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
الموتُ الأولُ موتُ العدم و الموت الثاني موتُ الدنيا، و الحياة الأولى حياة ولادةٍ و الحياة الثانية حياة البعث يوم القيامة، قال تعالى:

﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾

[سورة غافر]
موت العدم وموت الدنيا "

﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾

[سورة غافر]
حياة الولادة و إحياء البعث يوم القيامة " قال تعالى:

﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
طبعا الجوابُ لا، قال تعالى

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾

[سورة غافر]
فإذا ساق اللهُ عز وجل الزلزالَ لبلد فسق و انحرف ترفضون هذا التفسيرَ و إذا قلنا أن القشرة الأرضية اهتزَّتْ هذا تقبلونه، فإذا قلنا مثلا قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
هذا ترفضونه ! حروب أهْلِيَّة وجوع فتفسير هذه أنَّ الله تعالى ساق لِهَؤلاء مَن يُؤَدِّبُهم، وأنتم تريدون أنَّ زيْدًا فعل كذا، ولكن لا تقْلبون تفسيرًا سماوِيًّا، فأنتم لا تقبلون إلا تفسيرًا أرْضِيًّا أساسهُ الشِّرك ! فالله تعالى قد يُسَلِّط القويّ على الضَّعيف فإذا كنتَ مُوَحِّدًا ترى يد الله تعمل في الخفاء، وأنَّ هذا بِقَضاء الله وقدره أما الكافر فلا يقبل إلا التَّفسير الأرضي، ويكفر بالتَّفسير التَّوحيدي، قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)﴾

[سورة غافر]
فأحداث لبنان لها تفسير طائِفي، ولها تفسير عربي، ولها تفسير إلهي قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
بما كانوا يصْنعون مِن فِسقٍ وفُجور، فهؤلاء يرفضون التَّفسير الإلهي فالقويّ بالعالم، والذي يمْلك كلّ مصادِر القِوَى، ويرْسُم خِططه على حِساب الشُّعوب، فنجاح هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فالله موجود، قال تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

[سورة طه]
لا تلْغي وُجود الله عز وجل، فأحيانًا تجد من يعْزو كلّ القِوَى لإنسانٍ ما ؛ كلّ ما يريد يفعلُهُ ! هذه مُبالغة، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

ٍ[سورة البروج]
وأحيانًا تعرف الله تعالى بالعزائِم، فالإنسان بالتَّوحيد يرْتاح، أما مِن دونه فهذا ينْسَحِق ! فالله تعالى لمَّا أمرنا أن نعْبُدَهُ قال:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
فهو ما أمركَ أن تعْبُدَهُ إلا بعد أن طمأنَكَ أنَّ أمْرَكَ بِيَدِهِ ؛ صِحَّتَكَ ورِزْقَكَ وأمانكَ وزوْجَتَك وأولادك، فأنت إذا اسْتَقَمتَ كانت لك مُعامَلَة خاصَّة، قال تعالى:

﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

[سورة الجن]
وقال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾

[سورة الأعراف]
قد يُحْرَم المرء بعض الرِّزق بالمعْصِيَة، بيتٌ فيه صحون هوائِيَّة، فهذه بيوتٌ مُنهارة، فكلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السَّماء، فهذه الآيات وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
نحن في الدنيا الآن، ووالصَّلاح سَهل، والتَّوبة سهْلة، ولو أنَّ أحدَنا اصْطَلَحَ مع الله لشَعَرَ أنَّ جِبالاً كانت جاسِمَة على صدْرِهِ انْزاحَت عنه ! قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾

[سورة مريم]
فما دام القلب ينبض فَكلّ شيءٍ ينحلّ، فإذا جاء أجل الإنسان فلا يقدَّم ولا يؤَخَّر، قال تعالى
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[سورة المؤمنون]
فهذا الذي وكيل شركة، وهذا الذي يمْلِكُ كذا وكذا، وهذا الذي يرْبَح مليون ليرة في اليوم لا قيمة له عند مجيء ملَكِ الموت، قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]









والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-02-2018 08:32 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السبعون من سورة غافر، وهي قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
هؤلاء الشركاء في الدنيا، والذين اعْتقدتم أنَّهم ينفعون أو يضرُّون يرْفعون أو يخفضون، ويُعطون أو يمْنعون، هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله في الدنيا، وهؤلاء الذين استغنيتُم بهم عن معرفة الله وطاعته وقدَّسْتموهم وعظَّمتموهم وعملْتُم لهم ونسيتم ربَّكم، قال تعالى:

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
قال لي أحدهم: قضِيَّة ربَوِيَّة كانت فيها فتْوى، ويوم القيامة تقول: يا رب: أنا لي قضِيَّة مع فلان ! فيُقال لك: ابْحَث عنه فإذا لم تجِدْهُ فماذا تفعل ؟! فأنت إن كان لك مسْتند وحيد، وهو الوحيد الذي أفتى لك ولكن هناك فتوى وهناك تقْوى، ونفس المشكلة ؛ قال تعالى:

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

[سورة غافر]
بحثوا عنهم فلم يَجِدوهم، قال تعالى:

﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾

[سورة غافر]
ما وجدنا لهم ذِكْرًا ولا أثرًا، ولا قيمةً، ولا حركةً، ولا فِعلاً، وتأثيرًا قال تعالى:

﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
ثمَّ إنَّهم تذَكَّروا أنّهم كانوا يكذبون على أنفسهم في الدنيا، وهذه الآية ذَكَرتها لهذه الكلمة، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
كيف يُضِلُّهم ؟ يُضِلُّهم لا عن ذاته، ولكن عن شُركَائِهِ، وهذا معنى آخر للإضلال، فالإضلال إذا عُزِيَ إلى الله، فليس معناه أنَّه تعالى يُضِلُّهم عن ذاته، ولكن عن شُركائِهِ، ويُضِلُّهم عن آلهة مزْعومة اتَّخذوها افْتِراءً وانْحِرافًا، ويُضِلُّهم عن جِهَةٍ لا تمْلِكُ شيئًا، ولا تنفعهم ولا تضرُّهم، فالله تعالى إذا أضلَّ إنسانًا فليس إضلاله أن يُبْعِدَهُ عن ذاته بل العكس، يُبْعِدُه عن شُركائِهِ لِيَصِلَ إليه، وهذا الإضلال بِمَعنى الهدى، فلأنَّ الله تعالى موجود، ولأنَّه هو القويّ والمانع والمعطي، والمعزّ المذلّ والقابض الباسط ؛ جاءَ إنسان واتَّخذ إلهًا غيره تعالى، فهذا المخلوق هو الذي افترى على الله تعالى كذبًا، وهو الذي قال: هذا قويّ، وهذا يرفعني، ويعْطيني ويمنعُني، فالله عز وجل إذا أراد أن يهْدي هذا الإنسان ماذا يفْعل ؟ يُضِلُّه عن هذا الشريك الزائِه الذي لا يمْلِكُ شيئًا، فهذا معنى آخر مِن معاني الإضلال وهو أنَّه إذا عُزِيَ الإضلال إلى الله عز وجل، فهو الإضلال عن ذات الله تعالى بل عن شُركائِهِ المزعومين والمُزَوَّرين، والذين لا ينفعون ولا يضرُّون.
أُعيد الآية عليكم، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)﴾

[سورة غافر]
هو لماذا كذَّب بالكتاب ؟ وادَّعى أنَّ جهةً أخرى تنفعُه ‍! اسْتغنى عن الله تعالى وأخْلص لإنسان، وأعطى حياته وذكاءه لإنسانٍ، وولاءه ومحبَّتَهُ قال تعالى:

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)﴾

[سورة غافر]
سوف هذه تهديد من الله تعالى ؛ أيْ غدًا تعلمون الحقيقة، فأنت الآن واهِم وفي ضلال، وفي زَيْغ وانْحِراف ولكن متى ستَعلم ؟! أحيانًا يسْرق الإنسان سرقة كبيرة، ويهِم أنَّه أذكى من كُلِّ الناس، فهو يظنّ أنّ الناس يعملون بِجُهدٍ ومشقَّة، وهو بِنِصف ساعة يأخذ الملايين المُجَمّعة سنواتٍ طِوال ! فحينما يُحاسب الإنسان يعرف الحقيقة، فالعِصابات يأكلون ما يشتهون يزنون، قال تعالى:

﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
أين شُركاؤُكم ؟ وآلهتكم المزعومة ؟ وأين الذين عبدْتموهم مِن دون الله ؟ وأغضبتم الله من أجلهم ؟ أين هم ؟! بحثوا عنهم فلم يجدوا لهم أثرًا ولا ذِكْرًا ولا قوَّةً ولا تأثيرًا، وقالوا: ضلُّوا عنَّا، ثمَّ تذكَّروا أنَّهم كانوا يكذبون على أنفسهم قال تعالى:

﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
كبار الكهنة يعلمون أنَّهم على الضلال، ففي بعض المعابد بالهند يُقدِّمون لإلههم بوذَا أغلى أنواع الفاكهة، لِيأكلها في الليل، ثمَّ يأكلونها عنه في الليل !! أحد أكر الشَّخصيات للدِّعاية للدُّخان ماتَ بِسَرطان الرِّئة ! بسبب الدُّخان، وهو على فراش الموت قال: كنتُ أكذب عليكم ؛ إنَّ الدُّخان هو الذي قتلني ! قال تعالى:

﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
وهذه الكلمات الأخيرة هي موْطِنُ الشاهِد ؛ فالله تعالى يُضِلُّهم عن شُركائِهِم المزْعومين فنحن الآن في الدنيا أيُّ واحد مِنَّا يعتمد على أي! جهة في الدنيا، ويعتقد أنَّها تنفعه أو تضرُّه ؛ لو أنَّها نفعتهُ فِعلاً أو لو أنَّها ضرَّتْهُ فعلاً ؛ الذي يحصَلُ أنَّ عقيدته تزْداد بها، كيف يهْديه الله إلى ذاته ؟ حينما تُخَيِّبُ ظنَّهُ ؛ يعْتَمِدُ عليها فَتُخَيِّبُ ظنَّهُ، فقد يعتمِدُ الإنسان على زوْجته، ويراها كلّ شيءٍ في حياته، ويمْحضُها كلّ حُبِّه وكلّ اهْتِمامه، وكثيرًا ما يعْصي الله مِن أجلها، وحينما تُسيء هيَ إليه وتتخلَّى عنه، وتقسو عليه، وتُؤثِرُ مصْلحتها على مسرَّتِهِ ؛ عندها يعلمُ أنَّه كان واهِمًا وأنّ الله أذَّبَهُ، فالإنسان كلَّما اتَّجَهَ إلى جهة أرْضِيَّة واعتَمَد عليها، ومحضَها وُدَّهُ واعتَقَدَ أنَّها تنفعُه وتضرُّه، فهِدايَةُ الله له أن يُضِلُّهُ عليك، فالاعتماد على المخلوق يُخَيِّبُ الظَّن، والإنسان قد يعتمد على ابنه، ويُعطيهِ كلَّ ما يمْلِك، فإذا بالولَد يذهب إلى بلاد الغرب ويأخذ جِنسِيَّة، ويبخل عليه بِرِسالة ! فالإنسان إذا اعتمد على جهة غير الله عز وجل فَهِدايَةُ الله له أن يُخَيِّب ظنَّه في الذي اعْتَمَد عليه، وكأنَّه أضلَّه عنه لِيَلفِتَهُ إلى ذاته تعالى، وهذا أحَدُ أنواع الإضلال الإلهي يُضِلَّك عن شُركائِهِ لِيَلفِتَك إلى ذاته، وهذا معنى جديد مِن معاني الإضلال، فإذا قلتَ أضلَّه الله ؛ أي أضلَّه عن شُركائِهِ.
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)﴾

[سورة غافر]
الإنسان قد يفرح، أما هناك فرح بالحق، وفرحٌ في غير الحق فالإنسان لو تزوَّج يفْرح لأنَّهُ سنَّة، وكذا لو اشْترى مأوى، ولو نال منْصِبًا رفيعًا يفرحُ، أما حينما يفرَحُ بِكَسبٍ حرامٍ، وبِلَذَّةٍ مُحَرَّمة، وبِعُلُوٍّ بُنِيَ على أنقاض الآخرين، وإفقار الآخرين ؛ فهذا فرح ممنوع ؛ لذلك قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)﴾

[سورة غافر]
فهذا فرْقٌ، قال تعالى:

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13)﴾

[سورة الإنشقاق]
ينطوي نصفين من الضَّحِك، فهذا فرح بغير الحق، ولكنَّ الله تعالى وجَّهها توجيهًا آخر، قال تعالى:

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾

[سورة يونس]
فأنت اِفْرَح بِفَضل الله تعالى أنَّه هداكَ إليه، وافْرَح بِهِداية ابْنِكَ وبالزَّوجة الصالحة، وإيَّاك والفرح بالمعاصي والآثام، والمكاسب بغير حقّ.
قال تعالى:

﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)﴾

[سورة غافر]







والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 08:34 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والسبعون من سورة غافر وهي قوله تعالى:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
بعض المؤمنين يَظنّ أنَّ الدنيا دار جزاء، فهو ينتظِر مِن أيِّ مُسيءٍ أن يُعاقَبَ في الدنيا، وينتظِر مِن كلّ مُحسِنٍ أن يُكافىء في الدُّنيا، وقد يأتي بِشَواهِد كثيرة، وهي أنَّ فلانًا أحْسَنَ فأكْرَمَهُ الله وفلانًا أساء فعاقَبَهُ الله تعالى، لو تحدَّث هذا أمام الناس لفاجأهُ بعضهم أنَّ فلانًا يرتكب كلّ المعاصي والآثام وهو في أتمِّ الصِّحة والقوَّة، وأغْنى إنسان ! كيف تُفسِّر هذا ؟! والحقيقة كلُّنا، وأنا منهم ؛ نتحدَّث كثيرًا عن إنسان أكل مالاً حرامًا فأتلفَ الله ماله وأتلفهُ، وإنسان اسْتقام على أمر الله فأكْرمه الله هذا الكلام نقوله في المساجِد فيلقى قَبُولاً، فلو جلستَ إلى مجلسٍ عام وليس هؤلاء المستَمِعون على شاكلَتِك، فإنَّهم يفاجئونك، فلو أنَّ هذا المِقياس كانَ صحيحًا، ففلانٌ من الناس يقتَرِفُ كلّ المعاصي، ولا يعترف بالدِّين، ومع ذلك مِن أقوى الناس، ومن أغْنى الناس، وفيما يبْدو لهذه العَينِ مِن أسْعَدِ الناس، فكيف نُوَفِّق بين القِصص التي نُلقيها على مسامِعِكم وبين حالاتٍ كثيرة لا يتبيَّن أنَّ المؤمن يسعَدُ في الدُّنيا ولا أنَّ الكافر يشقى في الدنيا؟! الجواب هو هذه الآية.
أيها الإخوة، حينما نوقِنُ أنّ هذه الدنيا دار ابْتِلاء، وبينما الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تَكليف، والآخرة دار تَشْريف، وحينما نوقِنُ أيضًا أنَّ الله تعالى يكافئ بعض المُحسنين تشْجيعًا لِبَقِيَّة المحسنين، ويُعاقبُ المسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين نتوازَنُ، فإذا رأيتَ إنسانًا غارقًا في المعاصي والآثام، ويزداد قوَّةً ومنَعَةً وغِنًى ؛ ماذا نقول ؟ هذا أرجأهُ الله إلى الدار الآخرة، وإذا رأينا إنسانًا مُستقيمًا يُعاني من مُشكلات كثيرة فإنَّا نُفسِّرُ ذلك أنَّ الله تعالى أرجأ إكرامَهُ إلى الدار الآخرة، فالفِكرة أنَّ الدنيا دار ابْتِلاء، وأنّ الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف، والآخرة دار تَشريف، والدنيا دار عمل، والآخرة دار نعيم، وفي الدنيا عملٌ ولا جزاء، وفي الآخرة جزاءٌ ولا عمَل، ثمّ إنَّ الله تعالى تَرْبِيَةً لنا ومَعونَةً لنا ؛ يكافئ بعض المحسنين تشْجيعًا لِبَقِيَّة المحسنين، ويُعاقِبُ بعض المُسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين، أما الحِساب الخِتامي، قال تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران]
ويقول الله عز وجل:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
وَعَد أهْل النار بالنار ووعَدَ أهل الجنَّة بالجنَّة ووعْدُهُ حق، قال تعالى

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
وقال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
وُعود الله تعالى حقّ، وقال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
ولكن حينما ترى حالات يصْعب تفسيرها، فكيف تُحَلّ ؟ تُحَلّ بأنَّ الدنيا ليْسَت دار جزاء ولكنَّها دار ابْتِلاء، ففي البلاد الأجنبية أحيانًا يطغى فيهم الإنسان ويموت ويخرج في الجنازة، ولم يشْهد لها التاريخ مثيلاً ! فالنبي عليه الصلاة والسلام الذي هو نبيُّ الحق وحبيب الحق، قد لا يرى بِعَينِهِ مصير الآخرين، فقد تموت ولا ترى مصير الكفار، قال تعالى:

﴿ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
فهذا أحد الإخوة اتَّفق مع شخص على أن يُقرضه ثلاثمائة ألف ليرة فقال الآخر: وما الضَّمان ؟ فقال: مزرعي ! أُسَجِّلُها باسمك، وحينما أسَدِّد لك المبلغ تُرجِعُها إليّ، فوافق الدائن، وأعطاه ثلاثمائة ألف، وحينما أراد المديون أن يعطيه مبلغه، ويُرجع له هو مزرعته رفض ! وقال له كلّ واحِدٌ له حقَّه، والمزرعة ثمنها مليون ليرة ! فصاحب المزرعة ماتَ مِن شِدَّة القهْر ! وقبل أن يموت أوْصى ابنه أن يمشي بِجَنازَتِهِ إلى أمام دُكَّان المُغْتَصِب، وأن يوقف الجنازة ويدخل أمام الناس لِيُسَلِّمَهُ هذه الرِّسالة ؛ التي يقول فيها: أنا ذاهب إلى دار الحق، وسأتقاضى عند أحكم الحاكمين، فإن كنتَ بطلاً لا تأتي إلينا، قال تعالى:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

[سورة الغاشية]
وأنا معي آلاف الشَّواهد أنَّ المُسيء يُعاقب في الدنيا، والمحسِن يكافئ في الدنيا، ولكن أقول لكم أيضًا أنَّ الدّنيا ليست دار جزاء فأنت قد تجد إنسانًا مُسيئًا ولم يُعاقب في الدُّنيا، والعكس بالعكس، وهذه لِحِكمةٍ أرادها الله، فأحيانًا يكون الإنسان ضِمن العِناية المُشَدَّدة، وأذكر أنَّه جاءَتني رِسالة يقول صاحبها: نرجو قِراءة الفاتحة لِأخٍ شابٍّ هو في العناية المُشَدَّدة، أنا أقول لكم: لمَّا يسوق الله لإنسان بعض الشَّدائد لِيَعلَم عِلم يقين أنَّه في العناية المُشَدَّدة، فإن لم يكن في العناية المُشَدَّدة أطْلقه قال تعالى:

﴿لَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)﴾

[سورة الأعراف]
فلمَّا نسوا ما ذُكِّروا به، لذا الإنسان إذا ساق الله له بعض الشَّدائد فلْيَفرح لأنَّه في العناية الإلهيَّة المُشَدَّدة، وهذا معناه أنَّه مطلوب لِرَحمة الله وعِزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأنا أُحِبُّ أن أرحمهُ إلا ابتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سيِّئة كان عملها سُقْمًا في جسَدَهِ، أو إقْتارًا في رزقِهِ، أو مُصيبَةً في مالهِ وولدَهِ، حتَّى أبلغَ منه مثل الذَّر، حتَّى إذا بقيَ عليه شيء شَدَّدْتُ عليه سَكرات الموت حتَّى يلْقاني كَيَوم ولَدَتهُ أُمّه ! فالله سبحانه وتعالى إذا تفضَّل علينا وأكرمنَا ساق لنا بعض الشَّدَائد حتَّى يُطَهِّرَنا مِن كلّ درن، فإذا وصَلنا إلى سفير القبر ونحن أطهار كيَوم ولَدَتنا أُمُّنا فَتِلك أفضل حال المؤمن، ونحن الفائزون، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: حمَّة لا بارك الله فيها..." اعْتَقِدوا
أيُّها الإخوة إن كنتم مؤمنين أنَّ كلّ المصائب التي يسوقها الله للمؤمن حصْرًا مصائب تكفير وتَطهير ومغفرة، ومصائب الكفار مصائب قصْمٍ وردعٍ، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[سورة البقرة]
فالدنيا ليْسَت دار جزاء بل هي دار عمل إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى رحمةً بنا، وتشْجيعًا وردْعًا يُعاقِب بعض المسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين ويكافئ بعض المُحسنين تشْجيعًا لبعض المُحسنين، ولكنَّ الحساب الخِتامي، والرَّصيد قوله تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[سورة آل عمران]
وما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غُمِسَ البحر ؛ وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي علِقَ بالمخيَط هو الدنيا، والبحر هو الآخرة، فالله أكرمَكَ بالصِّحة والبيت والزوجة، ولكنَّ الإكرام الحقيقي في الآخرة، وهو العطاء الدائم، ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سَقى منها شرْبة ماء فالنبي عليه الصلاة والسلام ما ركب طائرة ولا يخت، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم ير إلا الصَّحراء، ولكنَّه رأى كلّ شيء، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18)﴾

[سورة النجم]
فهذا عبد الله ابن المبارك كان يمشي وحوله إخوانه يحفونه بالمعونة والإجلال، وكان بهيَّ الطَّلعة، وجميل المنظر، وكان أمامه ذِمِيّ يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))

[ رواه مسلم ]
فقال له يا سيِّدي: أيَّة جنَّةٍ أنا فيها وأيُّ سِجن أنت فيه ؟! فأجابه ابن المبارك: أيُّ جنَّة أنا فيها لو قِستَها بالجنَّة ؟ ولو قِسْتَ حالتَكَ بالنار فأنت في جنَّة ! فالله تعالى أعدَّ لنا ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلب بشر، والنُّقطة الدقيقة في هذا الدرس أنَّك إن رأيتَ إنسانًا عاصِيًا قَوِيًّا فلا يغرنَّك هذا، قال تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾

[سورة آل عمران]
حديث: أهلا بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه..." فالأصل الاستقامة، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالذين كانوا في القاع في الدنيا تجدهم في الأعلى، والعكس بالعكس فالعبرة أن تكون مُطيعًا لله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة النور]







والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-02-2018 08:37 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والسِّتون من سورة غافر، وهي قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
هناك آيات عديدة في كتاب الله ترْبط بين الإعراض عن الدِّين والانْحِراف السُّلوكي قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

[سورة الماعون]
وقال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

[سورة العلق]
أريتَ إلى سُلوكِهِ ؟ أرأيتَ إن كان على الهُدى أو أمر بالتَّقوى، يستحيل على من يُكذِّب بالدِّين أن يكون مُستقيمًا، التَّفسير أنَّ الإنسان عندهُ عقل وعندهُ فِطرة، لمَّا ينحرِف يخْتَلّ توازنَهُ، وهو يستعيدُ توازُنَهُ الموهوم بالتَّكذيب بالدِّين، فإذا كذَّب بالدِّين أصْبَحَ حُرَّ الحركة، أما إن لم يُكَذِّب بالدِّين أصْبَحَ مُقَيَّد، فهو يُحاوِل أن يستعيد توازُنَهُ بالتَّكذيب بالدِّين وباتِّهام المؤمنين بالانْحِراف، فإذا بلغوا عن مؤمن مستقيم، وعفيف وعِصامي، ونقيّ طاهر، هو يريد أن يكون الناس كلُّهم منحرفين، فإذا كان الناس كلُّهم منحرفون يستعيد توازنَهُ النّفسي، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
يُعارضونها، ولا يقبلونها ويُكَذِّبونها ويقيمون الأدِلّة والواهِيَة على نقيضِها، فهؤلاء الذين يُكَذِّبون بالدِّين يرُدُّون آيات الله عز وجل ويفترون على الله الكذب، ويُكابرون بالمحسوس، هؤلاء اُنظُر أين يُصرفون ؟ أين يسهر ؟ وكيف يكْسِب مالهُ ؟ وحال علاقاته الاجْتِماعِيَّة وتَجِدُهُ أنانِيَّ النَّزْعة، ودنيء النَّفس، ومُتَعَجْرف، ومُتَكَبِّر، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
وقال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

[سورة العلق]
فالآية الأخيرة تحوي معنى ضِمني ؛ أي أرأيتَ إلى أمانتهُ ؟ لا أمانة له وإلى اسْتِقامته، لا اسْتِقامة له، وإلى عهْدِهِ، لا عهْد له، فلا صِدقَ ولا أمانة، ولا إنصاف، ولا ورع، فالآيات هذه التي اُسْمِعتموها مُؤَدَّها أنَّ هناك تلازُمًا ضروريًّا بين التَّدَيُّن، والخُلُق القويم، وأنَّ هناك تلازُمًا آخر بين عدَم التَّدَيُّن والانْحِراف، فَكُلّ إنسان يُكَذِّب بالدِّين تَجِدُهُ منحرفًا فلو أنَّ إنسانًا أراد ان ينحرف انْحِرافًا كبيرًا جدًّا كأن يُكذِّبَ بِوُجود الله ‍! يفعل ما يريد فنحن أردنا من هذه الآيات الرَّبط بين التَّدَيُّن الصحيح والخُلُق القويم وبين التَّفَلُّت من الدِّين، والتَّفَلُّت مِن السُّلوك الصحيح يستحيل على مَن دَخلُهُ حرام، ثمَّ يُصَلِّي، فالذي يبْحث عن دَخلٍ حرامٍ ينبغي أن يُكَذِّب بالدِّين، قد يُكَذِّب تَكذيبًا نَظَرِيًّا، وقَوْلِيًّا، وقد يُكَذِّب تَكذيبًا عمَلِيًّا، فالتَّكذيب العملي ؛ لا ينصاع لأوامِر الدِّين، أما التَّكذيب النَّظري كأن يقول لك: هذا الدِّين ليس لِهذا الزَّمَن ‍‍!!! يُحاوِل أن يتفلَّت مِن أوامر الدِّين، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
والآيات التي تبدأ بِألَمْ ترَ في الأعمِّ الأغلب نماذِج مُتَكَرِّرة تَجِدُها في كلّ مكان وزمان، فلو كان نموذَجًا انْقرض لما قيل: ألَمْ ترَ ؟ فهذا الكاتب يُخاطِب كلّ المؤمنين.
ما هي المُجادَلَة ؟ المُجادلة ؛ هي أنَّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان عقْلاً، هذا العَقْل ينبغي أن يُعْمِلَهُ وِفْق خطَّةٍ إلَهِيَّة، وينبغي أن يُفَكِّر في خلق السماوات والأرض، وينبغي أن يتأكَّد مِن صِحَّة النَّقل ويفْهَمَهُ، وأن يتعرَّف إلى الله مِن خِلال خَلقِهِ، فالعَقل أداة معرفة الله فلمَّا يرفض الإنسان الدِّين وينغَمِسُ في الدُّنيا يفاجئ أنَّ معه عَقل ؛ كيف يستفيد مِن هذا العقل وهو غارق في شَهَواتِهِ، يستخدم العقل اسْتِخدامًا عَكْسِيًّا، فالعَقل أداة معرفة الله تعالى، ينقلب هذا العَقل عند الفاجر والفاسق إلى أداة تَبْرير أعمالِهِ، فإذا قرأتَ كتابًا باطِلاً تَجِدُهُ يُفَلْسِفُ لك المعْصِيَة، يُفَلْسِفُ الاخْتِلاط، وأكل أموال الناس بالباطل، فكُلَّما اتَّجَهَ العقل إلى فلسفة مَعصِيَة، وتسْويغِها للناس، وتَبريرها، معنى ذلك أنَّ هذا العقل أخذ دَوْر مُعاكِس للدَّوْر الذي أراده الله له، مثل آلات التَّصوير الملوَّنة هي صُنِعَت مِن أجل أخذ صورة طبق الأصل، فصانِعها ما أراد بها أن تكون آلة تَزوير، أما الذي يشتريها ويستعملها للتَّزوير ! نقول: هذا الإنسان اسْتَخدم هذه الآلة على خِلاف ما صُنِعَت له، فذلك يدْفع الثَّمَن الباهِظ، وكذا العَقل البشري ؛ إمَّا أن تسْتخدِمَهُ وِفْق ما أراد الله تعالى، وتتعرَّفُ به إلى الله، وإلى منْهَجِ الله وإلى تحقيق مصالِحِك في الدُّنيا، ودَفع المفاسِدِ عنك، هذا هو الاسْتِخدام الطَّبيعي للعقل، أما إذا اسْتَخدَمْتَهُ للتَّبرير، والفلسفة، وتسويغ المعاصي والجرائِم، فهذا الاسْتِخدام مُعاكِس للهَدَف الذي خُلِقَ العَقل مِن أجلِهِ، ومن هنا تأتي المُجادَلَة، فالمُجادلة اسْتِخدام العَقل لِغَير ما أراد الله تعالى ولِغَير ما خُلِقَ.
فهؤلاء الذين يُجادِلون في آيات الله أنَّى يُصْرفون ؟! يُمكن لِهذا المُنْغَمِس في شَهَواتِهِ أن يبني مَجْدَهُ على أنقاض الآخرين، وحياتهُ على موتِهِم وأن يبني أمْنَهُ على إخافَتِهِم، فأصبَحَ بالأخير نموذَجَين ؛ نموذَج ربَّاني ونموذَج شيْطاني، فالرَّباني هو الإنسان الذي أحبَّ الله، وعبَدَهُ وتخلَّق بالخُلُق الكريم اِقْتِباسًا من الله عز وجل، والإنسان الشَّيطاني هو الذي اسْتَخدم عقْلَهُ لِغَير ما خُلِقَ له، أجْرى شَهَواتِهِ في قنواتٍ قَذِرة غير صحيحة، واسْتَخدمَ لِسانه في الإيقاع بين الناس، وللدَّعوة للباطل ؛ هذه كُلُّها مَلَكات، فاللِّسان مَلَكَة، وكذا الدِّماغ، واليد، والعضلات، والِكر اسْتَخدم هذه كلّها لِغَير ما أراد الله عز وجل، فالمُكَذِّب بالدِّين انسانٌ مُنحرِف، والمُصَدِّق بالدِّين تصديقًا حقيقيًّا هذا مُستقيم، وأوْضَح الآيات هذه الآية:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(3)فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(7)﴾

[سورة الماعون]
قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
ففي حياتنا طريقان لا ثالث لهما ؛ طريق الحق، وطريق الباطل، والصِّدق والكذب، والاسْتِقامة والانْحِراف، والأمانة والخيانة، والنُّصْح والغشّ، والورَع والتَّفَلّت، والإحسان والإساءة، فالإنسان إن كان على أحد الخَطَّين هو قَطْعًا ليس على الخطِّ الآخر، وإن كان على الخطّ الآخر فهو ليس على الخطِّ الأوَّل، والدَّليل قوله تعالى: قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
هذا هو الدِّين، فإن رفضْتَهُ فأنت على الباطل.
فهذه الآية وأخواتها في كتاب الله تربِطُ بين التَّكذيب بالدِّين، وبين انْحِراف السُّلوك، والحقيقة أنَّ الإنسان يُكَذِّب لِيَنحرف، وإذا انْحرف كذَّب، لذلك الله عز وجل قال:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)﴾

[سورة الأنعام]
الغرور والباطل، قال تعالى:

﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ(113)﴾

[سورة الأنعام]
فإذا كذَّب الإنسان فمَصيرهُ الانحراف، وإذا انْحرف كذَّب، فهذه علاقة قطْعِيَّة ووطيدة بين التَّكذيب والانحراف، وبين التَّديُّن والاسْتِقامة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[سورة فصلت]
فعلامة الإيمان الاستِقامة وتجد نفْسَكَ مع إخوتك المؤمنين، أما المنحرِف فحالُهُ التَّكذيب.
إذًا درسنا اليوم ذلك الرَّبط بين التَّديُّن الصحيح والخُلُق القويم، وبين التَّكذيب والانْحراف، فكلّ إنسان يُجادِل في آيات الله تعالى يُصْرف إلى المعْصِيَة، وإلى كسْب المال الحرام.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 08:39 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾

[سورة غافر]
أدَقُّ ما في الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى لو قال: يستكبرون عن دُعائي، كان سياق الكلام يقتضيه ! فلماذا بدَّل كلمة دُعائي بِعِبادتي ؟ فُهِمَ أنَّ الدُّعاء هو العِبادة، فأصْل العبادة أنَّك مُفْتَقِرٌ إلى الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

[سورة المعارج]
فالإنسان مُفتَقِر، والإنسان ضَعيف، فذا دعا الله عز وجل صار غَنِيًّا، وقَوِيًّا، وطائِعًا، فأصْلُ الدِّين أن تعترف بِفَقْرِكَ، وأن تدْعُوَ ربَّك والعلماء قالوا: ما أمر الله عِبادَهُ بالدُّعاء إلا لِيَسْتجيب لهم، إذْ لا يُعْقَل أن نطْرح مُسابقة أو مُناقصة أو مُزايَدَة، ولا نُنَفِّذ، فالإنسان يستحي أن يفْعَلَ هذا فَكَيف بِخالِقِ الكون، فربُّنا عز وجل يقول لك: اُدْعوني، فالحقيقة المرَّة أن المسلمين كثيرين جدًّا موضوع الدُّعاء ليس داخِلاً في حِساباتِهم، لأنّ التَّفكير أصْبَحَ شِرْكي ووثَني، فالذي في قلبِهِ الشِّرْك لا يُصَدِّق أنَّ كلماتٍ معدودة تُغَيِّر واقِع، وتُبَدِّل تركيب جِسْم، وكلمات تُحْدِث شِفاء، ورِزْق، وكلمات تُحْدِثُ تَيْسير، فالقَضِيَّة أنَّ المسلمين اليوم لا يعبئون بالدُّعاء، وهناك أُناسٌ يُغالون بالدُّعاء، لأنَّ الله عز وجل قال:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾

[سورة الأعراف]
مَن هو المُعتَدي ؟ هو الذي يعْتَدي على أخيه الإنسان، ويقول يا رب ؛ انصُرني، ووفِّقني فكأنَّ الله عز وجل يقول لِهَؤلاء ؛ إنَّني لا أُحِبُّكم لأنَّكم مُعْتَدون فلذلك لا أسْتجيب، فهذا أحدُ العلماء الكبار واسْمُهُ إبراهيم الأدْهم، قيل له: يا إبراهيم: ما لنا ندْعو، ولا يسْتجيب الله لنا ؟ فقال: لأنَّكم تسْعَون لجنَّة وعملكم ليس كذلك، وتقولون: نخاف النار، وعملكم يُخالفُ ذلك، وكلُّكم دَعْواكم لا تُصَدِّقُها أعمالكم، فأوَّل فئة من الغُلات الذين أنكروا فضْل الدُّعاء ؛ إمَّا إنكارًا لفْظِيًّا أو إنكارًا ضِمْنِيًّا، والفئة الثانِيَة عظَّمَتْ الدُّعاء لِدَرجة أنَّها لم تتحدَّث عن شُروطِهِ ! قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[سورة البقرة]
فأنت إن آمنْتَ بالله، وأنَّهُ على كلّ شيءٍ قدير، واسْتَجَبْتَ لأمْرِهِ، ونَهْيِهِ فالآن أصْبَحتَ مُسْتَجاب الدَّعوَة ودَعَوْتَهُ مُخْلِصًا، فَشُروطُ الدُّعاء ثلاثة أن تؤمِنَ بالله، وأن تسْتجيب له، وأن تُخْلِصَ له، فإذا آمنْتَ، واسْتَجَبْتَ وأخْلَصْتَ أصْبحت مُستجابة الدَّعوة، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى ترغيبًا لِعِبادِهِ المؤمنين كي يُقْبِلوا عليه اسْتثنى مِن هذه الشُّروط المُضْطرّ، قال تعالى: أمَّن يُجيب المضْطرَّ إذا دعاه، فأيُّ مُضْطرّ بِأيِّ وَضْع، وبأيِّ عقيدة، وبأيِّ سُلوك، فإذا كنتَ مُضْطرًّا وقلتَ يا ربّ ليس لي سِواك، قال الله لك: لبَّيْكَ يا عبدي، فالمُضْطرّ مُستثنى، وغير المُضْطرّ عليه أن يؤْمِن ويستجيب ويُخْلِص، والنبي الكريم يقول اسْتِنباطًا من هذه الآية:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾

[سورة غافر]
قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قَالَ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ وَقَرَأَ ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) إِلَى قَوْلِهِ ( دَاخِرِينَ ) * ))

[ رواه الترمذي ]
بل إنَّ بعض العلماء يرى أنَّ الصَّلاة الدائِمَة هي الدُّعاء، فإذا الإنسان مسَكَ كاتب الأذكار للنَّووي يجِدُ فيه دعاء مَن دَخَلَ بيتهُ، ودُعاء مَن خرجَ مِن بيتِهِ، ودُعاء إذا آوى إلى فراشِهِ، ودُعاء إذا جلس لى الطَّعام، ودُعاء إذا انتهى من الطَّعام، ودُعاء إذا دَخَل الخلاء وخرج منها، ودعاء إتيان الأهل، فمعنى هذا أنَّك مع الله دائِمًا، كيف نُفَسِّر أنَّ هؤلاء على صلاتِهِم دائِمون ؟ لعلَّ المعنى أنَّهم يُؤَدُّون الصلوات على أوقاتها كما قال لي أحدهم، فقلتُ له هذا المعنى مُقْتَبَس من قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9)﴾

[سورة المؤمنون]
فالمُحافظة على الصلاة أن تُؤَدِّيَها في وقتِها، وأن تُتِمَّ رُكوعها وسُجوده وأن تخْشَعَ، أما الدَّوام على الصلاة هو الدُّعاء المُسْتَمِرّ.
هناك أمر ثانٍ بالدُّعاء، فالإنسان أحيانًا يَقِف أما خصْم، أو قاضي يدعو يا رب يا رب دون أن يحرِّك شَفَتاه، يدعو الله تعالى بِقَلْبِهِ، قال تعالى:

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)﴾

[سورة مريم]
أي ما دَعَوْتُكَ يا ربّ في حياتي مِن دُعاءٍ إلا اسْتَجَبْتَ لي، قال الشاعر:

وكُن عن هُمومك مُعْرِضَا وكِلِ الهموم إلى القضا
وأبْشِر بِخَيرٍ عاجِـــلٍ تنسى بِهِ ما قد مضـى
فلَرُبَّ أمْرٍ مُسْخِــــطٍ لك في عواقِبِه رضـا
ولرُبّما ضاق المضيــق ولربَّما اتَّسَع الفضــا
الله يفعل ما يشــــاء فلا تكن مُعْتَرِضـــا
الله عوَّدَكَ الجميــــل فقِس على ما قد مضـى

فعلى المرء أن يُعَوِّد نفسه دُعاء الله تعالى، في حالات الخصوم المخيفة والورطات الكبيرة، أو مرض مُخيف، أو خِصام زوْجي، أو دخْل قليل أو تِجارة راكِدَة، مشكلة في الصِّحة، ليس لنا إلا الله، ولا يُعْقَل أن تَجِدَ إنسانًا يُعَلِّق رجاءه بالله تعالى ثمَّ يخَيِّبُ الله في دعائِهِ ! قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))

[ رواه البخاري ]
قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا(77)﴾

[سورة الفرقان]
فأنتم إذا دَعَوتم الله فمعنى ذلك أنَّكم تعرفونه، وأنَّه الخالق، والمُسيِّر، والربّ، وهو على كلّ شيءٍ قدير، والمعطي المانع، فإذا علِمتُم انَّه تعالى موجود، ودَعَوْتُموه يَعْبأُ بكم ربِّي، وبالمناسبة أنت لا يمكِنُكَ أن تدعو إلا إنسانًا موقِنًا بِوُجودِهِ، ويسْمَعُكَ، ويُحِبُّكَ، وقادِرٌ على تلْبِيَة دَعوَتِك، فإذا دعا الإنسان الله عز وجل، فَمِن باب أولى أنَّهُ آمَنَ بِوُجودِهِ، وآمَنَ بِسَمعهِ وبِمَحَبَّتِهِ ورحمَتهِ، وبِقُدْرَتِهِ، فلذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا(77)﴾

[سورة الفرقان]
فنحن إذا دَعَونا الله فقد عَبَدناه.
أردْتُ مِن هذا الدَّرس قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم: الدُّعاء هو العبادة..." قال تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾

[سورة غافر]
وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله يُحِبُّ المُلِحِّين في الدُّعاء..." وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله يحب من عبده أن يسأله شِسع نعلِهِ إذا انقطَع..." والدّعاء مخّ العبادة، وفي حالات نادِرة تدعو الله تعالى فلا يستجيب لك ؛ لأنَّ الحِكمة البالغة أن لا يسْتجيب لك، وأنت لا تعلم هذه الحِكمة أو أن يكون في الدُّعاء المستحيل أو الضَّرَر، فليس كلّ ما تدعوه تعالى يستجيب لك، وإن لم يستجِب لك كتبَ لك أجْر الدُّعاء، وادَّخَرَهُ لك في الآخرة.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-02-2018 01:08 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة فصِّلت في الآية الثامنة، وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)﴾

[سورة فصلت]
أوَّلاً آمنوا وعملوا الصالحات ؛ هاتان الكلمتان معًا في أكثر مِن مائتي مرَّة في القرآن الكريم يُقاسُ عليه قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[سورة فصلت]
ويُقاسُ عليها قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)﴾

[سورة فصلت]
ما مِن آيةٍ في القرآن الكريم أشارتْ إلى الإيمان إلا قرَنَتْ معه العمَل الصالح ؛ لأنَّ الإيمان بِلا عمَل كالشَّجر بلا ثَمَر، فلو أنَّ هذه الشَّمس الساطِعة نظَرْتَ إليها وفكَّرتَ ملِيًّا ثمَّ قلتَ الشَّمسُ ساطعة ؛ أنت ماذا فَعَلْتَ ؟ إن قلتَ ساطِعَة فهي كذلك، وإن قلتَ: هي ليْسَت ساطِعَة فهي ساطِعة، فلا نفْيُكَ يُؤَثِّرُ في سُطوعها، ولا إثْباتُكَ يُضيف إلى سُطوعها، فإذا قلتَ أنت آمنْتَ بالله، فالله تعالى موجود، وإنْ قلتَ: الله عظيم فالله موجود وقوِيّ، أما إن لم تُغَيِّر موقفَك ولم تتحرَّك نحوه، وما طبَّقْتَ منهَجَهُ، فالله تعالى قال:

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)﴾

[سورة التغابن]
التَّسبيح كما يفهَمُهُ عامَّة الناس هو أن تقول: سبحان الله أما بالمعنى الدّقيق التَّسبيح أن تُنَزِّه الله عن كلِّ ما لا يليق به، والمعنى الثاني أن تُمَجِّدَهُ، وأن تصِفَهُ بالكمالات التي تليق به، والمعنى الثالث أن تخْضَعَ له، فإن لم تَخضَع له فتنْزيهُكَ باطل، وتوحيدُكَ باطل.
أردتُ مِن هذه المُلاحظة أنَّ كلّ شُعور إيماني إذا لم يُرافِقْهُ عمل، فهذا الشُّعور لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، أُضيفُ على ذلك قَول إبليس، فإبليس ماذا قال ؟ قال تعالى عنه:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

[سورة ص]
فهو آمنَ بالله تعالى ربًّا، وآمنَ به عزيزًا، ويقول الله تعالى:

﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ(54)﴾

[سورة التوبة]
دقِّقوا ؛ هم عند الله تعالى كافرون، يُصَلُّون بِكَسَل، ويُنْفِقون بِكُرْه فالقضِيَّة أخطر مِن أن تقول: أنا مؤمن، فإبليس وآمن، وهذا فرعون عند الغرق قال: آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لذا النُّقطة الحرِجَة ليس أن تقول: الله موجود، قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)﴾

[سورة الزمر]
فالصَّحابة الكِرام لأنَّهم فعَلوا وِفق ما اعْتَقَدوا ارْتَقَوا ولأنَّنا أفكارُنا في واد، والسُّلوك في وادِي آخر، مرَّةً كنتُ في مصيف، مسْجِد مُزْدَحِم بالمُصَلِّين بِيَوم جمعة، انتَهَت الخُطبة، خرجَ منه المُصَلُّون، فإذا بِواحِد مُتَّجِهٌ نحو مركبتي، وبِمَركبَتِهِ إنسانة مُتَفَلِّتة ! فلو قدَّرنا أنَّها زوجتُهُ لكان هذا مشكلة، ولو قدَّرنا أنَّها أختهُ لكانت هذه مشكلة كذلك ! فَمُشكلة المسلمين اليوم هي الانْفِصال، انْفِصال بين العقيدة والسُّلوك، فاليوم لا تَجِدُ فرْقًا بين المسلم وغير المسلم بالتَّعامُل اليومي، هناك كذب، وغِشّ وخِداع، وتَفَلُّت، واخْتِلاط، وكسْب حرام، وتَجِدُهُ يُصَلِّي، ويولِمُ ويَحُجّ، ويعْتَمِر، مائتا آية لم يُذْكِر فيها الإيمان إلا اقْتَرَن معه العمل الصالح !
الله تعالى في آيات رائِعَة ؛ الدِّينُ كلُّه كلمتان، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[سورة الأنبياء]
الدِّين توحيد وعِبادة وكلاهما شرْطٌ لازِمٌ غير كافٍ، فمثلاً أسطوانة الغاز ورأس الغاز كلاهما شرط لازِمٌ غير كاف، فالرَّأس لا يشتغل من دون أُسطوانة ولا الأسطوانة من دون الغاز، لذا مَن يقول: أنا عملي طيِّب ولا يؤمن فهذا لا يستفيد شيئًا، وتَجِدُ إنسانًا مُستقيمًا استِقامةً ليْسَت إليه ولكن لِمَصالِحِه، مثل أوروبا ؛ الساذِج من المسلمين تجدُه يقول: هؤلاء الكفار لا يكذبون ولا يغشُّون وكلمتهم كلمة، ومواعيدهم دقيقة، لكن نقول: لو تضاربَتْ مصالِحُهم مع دعواهم يضربوه ما هم عليه عرْض الحائِط !!، خمسمائة ألف طِفل عراقي ميِّت جوعًا !! وُحوش بِكُلّ معنى الكلمة، فنحن لا نريد العبادة التي مِن ورائِها المصالح، نحن نريد عبادة لله تعالى، فالذي يستقيم مِن أجل تحقيق مصالِح شَخصِيَّة، فهذا يعْبُدُ ذاتَهُ، أما الإيمان بالله فهو السَّير على منهَجِهِ مع عِبادَتِهِ، لذا قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ورة فصلت]
ويقول الله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[سورة فصلت]
فالقبول يستلزم القول والعمل، فهاتان الآيتان مِن أرْوَع الآيات، لذا نحن مُشكِلة مشاكلنا الانْفصال ؛ انْفصال القول عن العمل، هل تُصَدِّقون أنَّ إنسانًا يعيش مِن مَسْبح مُخْتَلَط، نساء كاسيات عاريات، ثمَّ تَجِدُهُ يعمل مَولِد حُبًّا في رسوله الله !! نحن بِوادٍ ودينُنَا بِواد، نحن بِحاجة لى الالْتِزام حتَّى يرفع الله عنَّا الغضب، مليار ومائتان مليون ليْسَت كلمتنا هي العليا، لأنَّ الله تعالى قال:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

[ورة مريم]
والله لو علمنا آيةً مِن كتاب الله تعالى وطبَّقناها لكانت خير لنا من قراءة القرآن وفهمه ! قال له: عِظني ولا تُطِل قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[سورة الزلزلة]
تجد مليون مشكلة بين الدُّعاة ؛ صوفي وسلفي...والله عز وجل ربَّما لا يعترف بِنا جميعًا فالله عز وجل يحبّ العمل والصِّدق، والإنسان الذي يقرأ القرآن ويُطَبِّقُهُ ولم يأتِ ذِكْر الإيمان إلا مع العمل، ولم يأتِ ذِكر الدَّعوة إلا مع العمل الصالح، وحيثما فصَلنا الإيمان عن العمَل فقَدْنا قيمة هذه الدِّين، وأصْبحنا في مؤخِّرة الشُّعوب، وإيَّاك أن تقول: عمَّ الفساد !! أنت عليك نفْسَكَ وأهلَكَ ؛ بيتُكَ وعَمَلَك، لذا من تعلَّم العِلم لِيُجادِل به العلماء ويُماري به السُّفهاء، أو لِيَصْرِفَ وُجوه الناس إليه فلْيتجهَّز إلى النار.
أيُّها الإخوة، العِلم وسيلة وليْسَت غايَة، تتعلَّم مِن أجل أن تعمَل، راجِع نفْسَكَ وبيتَكَ وزوْجَتَك، وبيْعَكَ، ومعاملاتِكَ، طبِّق وستَرَى ثِمار الدِّين يانِعَة، حتَّى يتجلّى الله على قلبِكَ، ويرْفَعَ مقامَكَ، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)﴾

[ورة فصلت]
الإيمان والعمل فأنت إن عمِلْتَ صالحًا ولم تؤمن فأنت لك الدُّنيا، قال تعالى:

﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200)﴾

[سورة البقرة]
شأنهم كشأنِ الأجانب، فالغرب مُسْتَعِدُّون أن يُدَمِّروا ملايين الشُّعوب مِن أجل مصالح صغيرة ؛ العقل في سبيل المصلحة، أما المؤمن فهو إنسانٌ آخر، يؤمن بالله ويعْبُدُه، وله الدنيا والآخرة، وهناك إنسان، وحيوان وشيْطان، فإذا اسْتَخدم الإنسان عقلهُ لِمَصلَحَتهِ فهو شيطان، وإذا عطّل عقلهُ فضاعَت عليه الدنيا والآخرة فهذا حيوان، أما إذا أعْمَلَ عقلَهُ وأطاع ربَّهُ أصْبَحَ إنسانًا، ونعوذ بالله أن نكون مِن الصِّنفين غير الإنسان.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 01:10 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ورد في الحديث الشريف أنَّ فضل كلام الله على كلام خلقه كفَضل الله على خلقه ! فكم هي المسافة بين مخلوقٍ ضعيفٍ فقير حادثٍ جاهِلٍ، ومُفتَقِرٌ في وُجودِهِ إلى إمْداد خارجيّ، وبين خالقٍ عظيم أزليّ وقويّ، وفْرْدٍ صمَد، كم هي المسافة بين الخالق والمخلوق ؟ هي نفسها بين كلام الله وكلام خلقه ! كلام الخلق يُعَبِّر عن ضَعفِهِم، وعن مَحْدودِيَّتِهِم، وعن تَطَوُّرهم، وعن خلل أصاب عُقولهم، وكلام خالق الكون كلامٌ مُطلق لا يأتيه الباطل من بين يدَيه ولا مِن خلفِهِ، فما دام فضل كلام الله على كلام خلقه كفَضل الله على خلقه، وهذا القرآن كتاب الله ينبغي أن نفهمَهُ سورةً سورة، وآيةً آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وحركةً حركة، مثلاً قوله تعالى في الآية:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[سورة فصلت]
ألا ينبغي أن يكون الفعل ؛ اسْتقيموا على ؟! فهنا جاءَتْ إلى ! فهل جاءَتْ هذه هكذا ؟! فالإنسان قد يستقيم خوْفًا من القانون، ويستقيم خوفًا من الفضيحة، وحِفاظًا على مكانَتِهِ ويستقيم لأنَّه كبير العائلة ؛ فهذه استقامة ولكن لا تُؤَدِّي إليه، ولا تصِل بِصاحِبِها إليه، فهي اسْتِقامة ولكنَّها لِعِلَّةٍ أرْضِيَّة وشِرْكِيَّة، ولِعِلَّة إرْضاء زَيد أم عُبَيْد، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يُريدنا أن نسْتقيم إليه، وأن تصِلَ اسْتِقامتنا إلى بابه، وأن تكون اسْتِقامتُنا طريقًا سالِكًا إليه، ولا تكون اسْتقامتنا إليه إلا إذا أخْلصناها له تعالى، فكلّ هذه الآية مَبْنِيَّة على كلمة استقيموا إليه، وهناك أمثلة كثيرة، فباللُّغة العربيَّة الفِعل أحْسَنَ يتعدَّى بِإلى، وكلّكم يعلم أنَّ الأفعال ثلاثة أنواع فِعل لازِم يكتفي بِفاعِلِه، وفِعل مُتَعَدٍّ يحتاج إلى مفعول به، وفِعل قاصِر ؛ لا هو لازِم، ولا هو مُتَعَدٍّ فاللاَّزِم كَغَضِبَ فلان وحَزِنَ فلان ؛ هذه أفعال لازِمة، والمُتَعَدِّية مثل أكل فلانٌ تفاحةً، وكسر فلانٌ قلمًا، أما القاصِر كأن تقول: بَحَثَ عن ونظَرَ إلى، ووجدَ في، ووقَّعَ عن، فالفِعل القاصِر بين اللاَّزِم والمُتَعَدِّي فربُّنا عز وجل في القرآن جعل الفِعل أحسَنَ يتعدَّى بالباء، ومعروف أنَّ هذا الفِعل يتعدَّى إلى ؛ تقول: أحْسَنتُ إليه، قال تعالى: وبالوالدين إحسانًا.." أي أحْسِنوا بالوالِدَين، والباء تُفيد الإلصاق، أي أنَّ الله عز وجل وجَّهَنا إلى أنَّه لا ينبغي أن يكون إحْسانُكَ لِأبوَيْك بالواسِطَة، فالواجِب أن تُحْسِنَ إليهما مُباشَرَةً، وأن تُؤَدِّي حاجاتهما بِيَدِك، وأن تذهب إليهما بِنَفسِك، وأن تطلب رِضاهما كلَّ يوم، فكما قلتُ قبل قليل
ينبغي أن نفهمَ كتاب الله سورةً سورة، وآيةً آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وحركةً حركة، فكلمة استقيموا إليه أصل الكلمة استقام على أمر الله، لأنَّ الاستقامة طريق، وأنت على هذا الطريق، أما هناك إلى وهو لانتِهاء الغاية، تقول ذَهَبتُ مِن دمشق إلى حلب، فحَلَب نِهاية الغاية، فقوله استقيموا إليه تعني وُجوب وُصول استقامتك إليه، ولن تصِلَ إليه إلا إذا أخْلصْتها، فأنت لا تسْرق لا إلى أنَّ القانون يُعاقِب على السَّرِقة، وأنت لا تفعل هذا الفِعل لا لأنَّك تخاف على سُمعَتِك ؛ إنَّك تفعل هذه الأعمال الطَّيِّبَة ابْتِغاء وَجهِ الله تعالى، وترضي بها الله عز وجل وهذه هي النِّيَّة الطَّيِّبة، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام
فعن عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ * ))

[ رواه البخاري ]
رجُلٌ في مكَّة المُكَرَّمة أحبَّ امرأةً، وعرضَ الزَّواج منها فأبَتْ ! فلمَّا أصرَّ عليها اشْتَرَطَت أن يُهاجِرَ إلى المدينة، وبعدها يتزوَّجُها، هي اسْمُها أُمُّ قَيس، فرَضِيَ وهاجر إلى المدينة وتزوَّجَها، فسمَّاهُ الصَّحابة مُهاجِر أُمِّ قيس ؛ لأنَّه هاجر مِن أجل الزَّواج لأمِّ قيس، ومِن هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ * ))

[ رواه البخاري ]
فأحيانًا يأتي الإنسان إلى بيت الله لا يبتغي إلا وَجه الله، وأحيانًا يَعِدُ إنسانًا في المسجد لِقَضاء حاجة، فهذا الدُّخول صار مَشوبًا لِقضاء حاجة، لذلك يقول الإمام الفُضَيل: لا تُقْبَلُ الأعمال إلا بِشَرطين: الإخلاص والصَّواب، فالصَّواب ما كان مُوافقًا للسُّنة، وخالصًا ما ابْتُغِيَ به وَجهُ الله، فالإنسان أحيانًا يُراقب نفْسَه، والإنسان العاقل هو الذي يتأمَّل ذاته فالذي يُقيم الوليمة لِيَتباهى بِبَيْتِهِ، بِطَبْخ زوْجته ! ويُقَدِّمُ هدِيَّةً كي تظهر أنَّها مِن فلان، فالمؤمن نواياهُ طيِّبة، فإذا قدَّم هَدِيَّة فَمِن أجل أن يُعين أخاه على الزَّواج مثلاً، لذا هناك اسْتِقامات ليْسَت إلى الله تعالى، تصِلُ بك إلى زيدٍ أو عُبَيد، وكلَّما ارْتقى الإنسان إلى الله حرَّر نواياه من الشِّرْك والخلْق، فالمُخلِصُ هو الذي لا يبتغي بِعَمَلِهِ إلا وجْه الله عز وجل.
الآن قد يسأل السائل ؛ هذه النِّيَّة الطَّيِّبَة مِن أن تأتي ؟ ومن أين نأخذُها ؟ الجواب: أنّ هذه النِّيَّة الطيِّبة هي مُحَصِّلة إيمانك كُلِّهِ، مرةًّ سأل أحدهم طبيبًا، فقال له: لي عندك طلبٌ صغير ؛ فقال له: علِّمني كيف تَكتب الوَصْفة ! فابْتسَمَ هذا الطبيب وقال: إنَّ كتابة الوَصْفة هو مُحَصِّلة دِراسة أربعًا وثلاثين سنة !! فأيضًا النِّيَّة العالِيَة هذه مُحَصِّلة الإيمان كُلِّه، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)﴾

[سورة الإنسان]
لذلك يا مُعاذ أخْلِص دينَكَ يكْفِكَ القليل مِن العَمَل.
قليل العمل وكثيرهُ ؛ هذا ينفعُ مع الإخلاص، أما مِن دون إخلاص فلا ينفعُ لا كثير العمل ولا قليلهُ.
الآن أصِلُ إلى نقطة دقيقة وأخيرة ؛ وهي أنَّ الإخلاص سببُهُ التَّوحيد فأنت إن وحَّدْتَ الله تُخلص له، وعدم الإخلاص سببهُ الشِّرْك، فأتن يضْعُف إخلاصك مِن ضَعف تَوحيدِك، ويزداد إخلاصك مِن ازْدِياد توحيدِك، فكأنَّ مُؤَشِّر التَّوحيد والإخلاص يتحرّكان معًا ؛ إذا ضَعُف الإخلاص ضَعُف التَّوحيد، وإذا ازْداد التَّوحيد ازْداد الإخلاص، وهناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص، وإخلاص عبادة القلب، ولا يطَّلِعُ عليه بشرٌ فَيُفْسِدُهُ، ولا مَلَكٌ فيُفْسِدُهُ، وهو بينك وبين الله، لذا عليك بِعبادة الله بالجوارِح، أما القلب فعبادتُهُ إخلاص العبادة، لذا قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(7)﴾

[سورة فصلت]
لِتَكُن اسْتِقامتكم واصِلَة إليه.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 01:12 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، كلُّ عامٍ و أنتم بخيرٍ، أطلَّتْ علينا ذكرى ميلادِ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم، و ذكرتُ البارحةَ في الخطبةِ أن الاحتفالَ بعيد المولد النبوِيِّ الشريف، له وجهان؛ الوجهُ الأولُ أنك إذا أردتَ أن تعرفَ رسولَ اللهِ فهذا من صُلْبِ الدين ، و أردت أن تعرف سنّتَه القوليةِ، وهي فرضُ عينٍ، لماذا تصلِّي الظهرَ ؟ لأن الصلاة فرضٌ، و هل يخطر في بالك أن معرفةَ سنّةَ رسول الله القوليةِ فرضُ عينٍ ؟ كالصلاة و الصيام و الحج و الزكاةِ، و إليكم الدليلُ ؛ " ما لا يتمُّ الفرضُ إلا به فهو فرضٌ، و ما لا تتِمُّ السنَّةُ إلا به فهو سنَّةٌ، و مالا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، الوضوءُ فرضٌ لأن الصلاةَ لا تتم إلا به، حينما قال الله تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[سورة الحشر]
كيف تأخذون ما آتاكم و تنتهون عما نهاكم إن لم تعرفوا ما آتاكم وما نهاكم ؟ الاحتفالُ بعيد مولدِ رسول الله يبدأ من الآنَ و إلى نهاية الحياة، يجبُ أن تطلبَ العلمَ كلَّ يومٍ، من أجل أن تتراكم الحقائقُ، و معرفةُ سيرةِ النبيِّ فرضُ عينٍ كالصلاة، و الدليلُ ؛ مالا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ ؛ قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾

[سورة الأحزاب]
كيف يكون النبيُّ أسوةً حسنةً إن لم نعرف سيرتَه ؟ كيف كان في بيته و مع أهله و أولاده و مع جيرانه و ع إخوانه و كيف كان مع أعدائه، و في حضره و سفره، في سِلمه و حربه، في حزنه و فرحه، يجب ان نعلم علمَ اليقين أن معرفةَ سنةِ النبيِّ القوليةِ و العمليةِ فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ، شيءُ آخر، قال تعالى:

﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120)﴾

[سورة هود]
النبيُّ عليه الصلاة و السلام وهو سيِّدُ الخلق و حبيبُ الحقِّ يزدادُ قلبُه ثبوتا إذا تُلِيَتْ عليه سيرةُ نبيٍّ دونَه، فكيف بمؤمنٍ مُقصِّرٍ يستمع إلى سيرةِ سيِّد الخلق سيِّدِ الأنبياء و المرسلين، لا توهدوا، النبيُّ الكريمُ قال ؛: أدبوا أولادكم على ثلاث ؛ على حب نبيكم و حب آل بيته و تلاوة القرآن..." بِرَبِّك هل تأديبُ الولدِ يكون بقولك له: يا بُنيَّ أحِبَّ رسولَ الله ؟ كلامٌ لا معنى له، يجب أن تحدِّثه عن رسول الله و أن تتلُوَ عليه أخلاقَ رسول الله و شمائلَه و مواقفَه و أحوالَه، من أجل أن يحبَّه، و الإنسانُ يحبُّ ثلاثةَ أشياءَ، يحبُّ الجمالَ و الكمالَ و النَّوالَ؛ وهو العطاءُ، فالذي يعطيك تحبُّه و الكاملُ كمالا رائعا لو لم ينلك من كماله شيءٌ تحبُّه، الذي ينالُك من كماله شيءٌ تحبه و تحبٌّ النوالَ، و الجميلٌ تحبُّه

و أجملَ منك لم ترَ قطُّ عيني و أكملَ منك لم تلد النساءُ
خُلِقتَ مُبرَّءًا من كلِّ عيــبٍ كأنك قد خُلِقتَ كما تشـاءُ

أيها الأخوة الكرامُ، لمَّا نتحدَّث عن سيَرِ المنحرفين و الظالمين يتعكَّر القلبُ، أما جرِّبْ الحديثَ عن رسول الله، الكمالُ المطلَقُ، و عن أصحابه الكرام، سيِّدُنا الصدِّيق له جيرانٌ عجائزٌ كان يحلب لهم الشِّياهَ فلما صار خليفةَ المسلمين أُخبِر أنهم في حزنٍ شديدٍ، لأن هذه الخدمةَ لن تستمرَّ، و في صبيحة اليوم الأول من تسلُّمه الخلافةَ طُرِق بابُ إحدى العجائزِ، قالت لابنتها: افتحي البابَ، فلما فتحت قالت من البطارِق يا بنيَّتي ؟ قالت: جاء حالِبُ الشاةِ يا أمَّاه، سيدنا الصديق حالبُ الشاةِ، استمعْ إلى التواضعِ و إلى الرحمةِ و إلى الكمالِ و إلى الصِّدق و إلى العطاء، و قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام: كل ثلاثة على راحلةٍ..." قائد الجيش و رئيس الدولة و نبيُّ هذه الأمةِ سيّد الخلق و حبيبُ الحقِّ رسولٌ الله، ركب النبي و سار صاحباه، فلما جاء دورُه في المشيِ توسَّلا إليه أن يبقى راكبا فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بالأقوى مني على السير و لا أنا بأغنى منكما عن الأجر، هذا رسول الله، و كانوا مرةً في سفر و أرادوا أن يعالجوا شاةً، قال أحدُهم: عليَّ ذبحُها و قال آخرُ عليَّ سلخُها و قال آخرُ عليَّ طبخُها فقال عليه الصلاة و السلام: و عليَّ جمعُ الحطبِ، و اختار أشقَّ الأعمالِ، قالوا نكفيك يا رسولَ اللهِ، قال أعلم أنكم كفونني و لكن اللهَ يكرهُ أن يرى عبدَه متمَيِّزا عن أقرانه، إذا كانت لك زوجةٌ و أخطأتْ معك يُعنِّف معها ؛ تُخلَع رقبتُها؛ جاء لعائشةَ طبقُ طعامٍ من عند ضرَّتها صفيَّةَ، فأصابتْها غِيرةُ النساءِ فأمسكتْ الطبقَ و رمتْه أرضًا و كسرتْه أمام النبيِّ، ماذا فعل النبيُّ جمع أشتاتَ الطبقِ فقال: غضبتْ أمُّكم غضبتْ أمُّكم.." هكذا كان في بيته و أرسل خادما في حاجةٍ فأطالَ كثيرًا، حتى غضب النبيُّ، فلما عاد قال: و اللهِ لولا خشيةُ القصاص لأوْجعتُك بهذا السِّواكِ، رحمة و إنصافٌ و الأنصارٌ أعلنوا له صراحةً أنهم غاضبون و أنهم متألِّمون جاء زعيمُهم سعدُ بنُ عبادةَ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ قومي وجدوا عليك في أنفسهم قال لِمَ، قال: لهذا الذي وزَّعْتَه في الناس و لم يُصِبْ منه الأنصارُ شيئًا قال: يا سعدُ أين أنت من قومك ؟ قال: ما أنا إلا من قومي، فقال: اجمعْ لي قومَك ـ الآنَ النبيُّ في أعلى درجات القوةِ بعد حُنيْنٍ و فتح مكةَ و دانتْ له الجزيرةُ العربيةُ من أقصاها إلى أقصاها وآخرُ معركة هي حنين وانتصر فيها ووزَّع الغنائمَ و صار أقوى رجلٍ في الجزيرةِ، في مكة عشرةُ آلاف سيفٍ متوَهِّج ينظرون إليه، فقال: ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخٌ كريمٌ و ابنُ أخٍ كريمٍ، قال: اذهبوا فانتم الطُّلقَاءُ، و الفاتحون من بني البشرِ الطُّغاة لجنودهم قتلا و تعذيبًا وسرقةً و نهبًا، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاءُ، قال له أبو سفيانَ: يا ابنَ أخي ما أعقلَك و ما أحكمَك و ما أوصلَك و ما أرحمك ـ فجمع الأنصارَ و قال لهم: يا معشرَ الأنصارِ مقالةٌ بلغتْني عنكم، وجَدةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم من أجل لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قوما ليسلموا و وكَّلتُكم إلى إسلامكم يا معشر الأنصارِ ـ الآنَ تصوَّروا ماذا يقول النبيُّ، بإمكانه أن يُلغِيَ وجودَهم و يقتلهم وهذا لن يكون، و بإمكانه أن يهدرَ كرامتهم يقول إنهم منافقون و انتهى الأمر، و بإمكانه أن يعاتبهم لصالحهم و بإمكانه أن يهملهم، ماذا فعل؟ ذكَّرهم بفضلهم عليه، قال: يا معشرَ الأنصار أما إنكم لو كنتم فلَصدَقْتُم و لصُدِّقتُم، أتيتَنا مُكذَّبا فصدَّقناك طريدا فآويناك مخذولا فنصرناك، ذكَّرهم بفضلهم عليه، يا معشرَ الأنصار ألم تكونوا ضُلَّالا فهداكم اللهُ بي، ألم تكونوا عالةً فأغناكم اللهُ ألم تكونوا أعداءَ فألَّف بين قلوبكم، أما ترضوْن أن يذهب الله بالشاةِ و البعيرِ وترجعون أنتم إلى رِحالكم برسول اللهِ، لأنَّه لما فتح مكةَ ؛ بلدَه قالوا: أَيُعقَلُ أن تبْقى يا رسول الله ؟ فقال: معاذ الله ! بل المحْيا مَحياكم والممات مماتُكم، وُلِدَ بِمَكَّة ثمّ أخْرجوه منها ثمَّ فَتَحها ثمَّ لا يرْضى أن يبْقى فيها أما ترْضَون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترْجِعوا أنتم بِرَسول الله إلى رِحالكم، اللهمّ ارْحَمِ الأنصار ؛ هكذا قال، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، وما سلَك الأنصار شِعبًا، والناس شِعْبًا إلا وسَلكْتُ شِعْبَ الأنصار، فبَكوا حتَّى أخْضلوا لِحاهم ! هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام ؛ البيت الذي لا يحوي كُتب السيرة لا خيْرَ فيه، وبيت لا تمْر فيه جِياعٌ أهْله، سيّدُ الخَلْق الذي أكْرمهُ الله، وعصَمَهُ، وجعلهُ مُشَرِّع وقُدْوَة، ابْحَث كيف كان ينام ؟ وكيف كان يُعامِل الناس ؟ فَعِكْرِمَة أسْلَم وكان أبوه أعْدى أعداء رسول الله ؛ أبو جَهْل، جَمَعَ أصْحابَهُ وقال: جاءَكم عِكْرِمَة مسْلِمًا فلا تسُبُّوا أباه، لأنَّ سبِّ الميِّت يؤْذي الحي، ولا يبْلُغ الميِّت ! ما هذه الأخلاق ؟؟! وهذا ابن أبي سلول طلبَ قبل مَوْتِهِ قَميص النبي عليه الصلاة والسلام فألْبسَهُ القميص بِنَفْسِهِ وهو على فِراش الموت !! وكان سيِّد المنافقين، فهو صلى الله عليه وسلَّم ترفَّقَ به مِن أجل ابنِهِ، ووفاءً معه.
أيها الإخوة، نحن شِعارنا في الاحْتِفال بِهذا اليوم المجيد أنْ نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ كي نعرفَ مَن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
فاسْتِجابة الناس لِرَسول هي عَين الاسْتِجابة لله تعالى.





والحمد لله رب العالمين




السعيد 04-02-2018 01:15 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة عشرة من سورة فصِّلت، وهي قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

[سورة فصلت]
هذه الآية ومثيلاتها تكِّد حقيقةً أساسيَّة في عِلم العقيدة، وهي أنَّ الإنسان مُخَيَّر فلو أنَّ الله تعالى أجْبَرَ عباده على الطاعة لبَطَلَ الثَّواب، ولو أجْبرهم على المعْصِيَة لبَطَل العِقاب، ولو تركَهَم هَمَلاً لكان عَجْزًا في القُدْرة إنَّ الله تعالى أمرَ عِبادهُ تَخييرًا، ونهاهُم تَحذيرًا، وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، لِمُجَرَّد أن تعتَقِد أنَّ الله تعالى أجبركَ على عَمَلِكَ صالحًا كان أم سيِّئًا فقد هَدَمْتَ جانِبًا كبيرًا مِن كمالات الله تعالى، فأنت إذا قلتَ أنَّ الله تعالى أجْبركَ على المعْصِيَة فكيف يُحاسِبُكَ، ولمَ جَعَلَ النَّار عِقابًا لِمَن يعصيه ؟ ولِمَ جَعَل الجنَّة ثوابًا لِمَن يُطيعُه ؟ وما معنى الثّواب ؟ وما معنى العِقاب ؟ وما معنى الجنَّة والنار إن لم يكن الإنسان مُكَلَّفًا، لا مسؤولِيَّة مِن دون تَخيير، لِمُجَرَّد أنَّ الله تعالى أمرَكَ بِأمرٍ فأنت مُخَيَّر، لمُجَرَّد أنَّ الله نهاك عن شيءٍ فأنت مُخَيَّر ولو أجْبرَكَ على المعْصِيَة لبَطَل العِقاب، ولو أجْبرَكَ على الطاعة لبَطَل الثَّواب، أساسًا عقيدة الجَبْر هي عقيدة الشِّرك، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[سورة الأنعام]
الإنسان المُقَصِّر والمنحرف، والذي يتَّبِعُ هواه يميلُ في عقلهِ الباطن إلى أن ينْسِبَ خطأَهُ إلى الله تعالى، يقول لك: هكذا القضاء والقدَر !! وإنَّ الله تعالى قدَّرَ عليَّ ذلك، وقد سَمِعَ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عِملاق الإسلام هذه الكلمة من إنسان فأقام عليه الحدّ مرَّتَين، قال: يا أمير المؤمنين إنَّ الله قدَّر عليَّ شُرْبَ الخمر فقال رضي الله عنه: أقيموا الحدّ عليه مرَّتَين ؛ مرَّة لأنَّه شرِبَ الخمر، ومرَّة لأنَّه افْترى على الله، وقال أمير المؤمنين: وَيْحَكَ يا هذا ؛ إنَّ قضاء الله لن يُخْرِجْكَ من الاختيار إلى الاضْطِرار، وآيات كثيرة قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

[سورة فصلت]
وقال تعالى:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾

[سورة الإنسان]
أيها الإخوة، حينما تُلْغي حُرِيَّة الكَسْب، يقول الله عز وجل:

﴿رلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

[سورة البقرة]
الفِعْل فِعْلُ الله، والاختيار اختيار الإنسان، فأنت حينما تُلغي حُريّة الكسب تُلغي التَّكليف، تلغي الأمانة والثَّواب والعِقاب وتُلغي الجنَّة والنار، وتُلغي بِعْثة الأنبياء وإنزال الكتب، وتجعل من الحياة وأحداثها تَمثيليَّة، فالإنسان مُخَيَّر، ولو أنَّه مُخَيَّر لما كانت هناك مَسؤوليّة ولما كان هناك عقاب، بِربِّكم لو أنَّ الإنسان كان مُجبرًا على الأعمال السيِّئة، حينما يأتي يوم القيامة، وقد أجْبره الله تعالى على فِعلها ؛ فهل يقول: ربِّ ارْجعون لعلِّي أعملُ صالحًا ؟! وهل يقول: يا ليتني قدَّمتُ لحياتي ؟! متى ينْدم الإنسان ؟ إذا كان بِإمكانهِ أن يفْعَل ولم يفْعل، عندها يندم، أما لو كان مجْبرًا، فلو أنّ طالبًا أعْطيناه الأسئلة، وأحْرزَ الدرجة الأولى، وكرَّمنه، وأقمنا له احْتِفالاً ضخْمًا، فهل لهذا النَّجاح قيمة ؟ ولو أنَّ الطالب أخذناه وحَجَزنا حُرِّيَّتَهُ قبل يوم الامتِحان، ثمَّ نقول له: أنت كسول ورسَبْتَ ! فهل يُعْقَل أن يُجْبِرَ الله تعالى عباده على المعْصِيَة ثمَّ يُحاسِبهم؟ هكذا ظنُّكَ بالله تعالى ؟ قال تعالى:

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)﴾

[سورة فصلت]
وقال تعالى:

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154)﴾

[سورة آل عمران]
حُسْن الظن بالله تعالى ثَمَن الجنَّة.
أيها الإخوة، أنا لا أقول لكم هذا الكلام من فراغ، أنا ألتقي بِأشْخاص كثيرين من روَّاد المساجد، ومِمَّن يحْضر مجالس العلم وهو يعْتقِد أنَّ الإنسان مُجْبر على أعماله، ويقول لك: قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾

[سورة الصافات]
من أين جئت بهذه الآية ؟ وهل قرأت ما قبلها ؟ فالآية لها سياق، وسباق، ولها لِحاق، قال تعالى:

﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95)وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾

[سورة الصافات]
تنْحتُ الصَّنَم بيَدِك، ثمَّ تقف أمامه ذليل !! فالله عَجِبَ منهم ! أما الآية الكريمة:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

[سورة البقرة]
أي حينما تنْبعث النفس إلى الطاعة فهذا هو الكسب، وحينما تنبعث النَّفس إلى المعْصيَة هذا هو الكسب والإنسان مُسيَّر ومُخيَّر، ولكن متى مُسيَّر ؟ أنت مُسيَّر في أنَّك ابن فلان وابن فلانة فهذا ليس من اخْتِيارك، ووُلِدت عام كذا وكذا، وبإمكانيات معيَّة، وبِذكاء مُعيَّن، فهذه كلُّها ليْسَت من اخْتِيارِك إلا أنَّها في صالِحِك فليس بإمكانِكَ أبْدَعَ مِمَّا أعطاك، والآن خيّرَكَ الله بين اِفْعَل ولا تفْعَل إن أردْتَ أن تفْعَلَ الطاعة سيَّرَكَ إلى تحقيقك، وإن أراد الإنسان المعْصِيَة أنْذَرَهُ وحذَّرَه، فإذا أصرَّ أطْلقَهُ، فالفِعل فِعْلُ الله، بعد أن تُحَقِّق اخْتيارَكَ بالتَّسيير الإلهي، يأتي الآن تسْيير التَّأديب، إنسانٌ اختار أن يعصي الله فالله عز وجل يُسَيِّرُهُ كي يُعَذِّبُهُ، فنحن عندنا تسْيير خلْق، وتسْيير اختيار وتسيير تأديب، أما الأصْل فأنت مُخيَّر، وأيَّةُ آيةٍ يُعْزى فيها الضَّلال والإضلال ؛ فهو إضْلال جزائي مبْنِيٌّ على ضلال اخْتِياري، فلا يوجد عقيدة فاسِدة تُثبِّط عزيمة الإنسان، وتشلُّ حركتَهُ، وتجعله كالخِرْقة، ولا يقْوى على فِعْل شيءٍ كَعَقيدَة الجَبْر ! هل يمكن لِمُدير المدرسة أن يجْمع التلاميذ أوَّل يوم دراسي، ويقول لهم: فلان وفلان هم الناجحون !! وفلان وفلان راسِبون !! انْطلقوا وادْرسوا !! والنتائِج معلومة من البِداية !! فهنا لا توجد إمكانِيَّة الدِّراسة إطلاقًا، فلماذا يدْرس الراسب ؟ ولماذا يدْرس الناجح ؟ قال تعالى:

﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]
هذه الأعمال السيِّئة مِن كَسْب الإنسان وسيُحاسَبُ عليها، والآية الكريمة:

﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾

[سورة الكهف]
لولا أنَّ الله تعالى شاء لكم أن تشيئوا لما شِئْتُم، فانتم إن سَعِدْتُم بِمَشيئتكم فهي من مشيئة الله، فالله شاء لكم أن تكونوا مَخلوقين نم الطِّراز الأوّل، وشاء لكم أن تكونوا مُخيَّرين، فإذا سَعِدتم باختياركم فهذا من مشيئة اله تعالى لكم، وهذا هو المعنى، لذا قوله تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(9)﴾

[سورة النحل]
لو أراد أن يُلْغِيَ اختياركم ويُجْبركم على طاعته لا تسْعدون به لهداكم أجمعين، فلو أنَّ مدير الجامعة وزَّع أجوبة الأسئلة، ونجحَ كلّ الطلاب، فهل يُفْتَخَرُ بهذا النَّجاح ؟ وهل تُعادل هذه الشهادة ؟ فالله عز وجل قادِرٌ على أن يهْدِينا جميعًا إلا أنَّ هذه الهداية لا قيمة لها، ولا تُسْعِدُنا ولا تُؤهِّلُنا لِدُخول الجنَّة، فما لم تأتِ طائِعًا، وما لم تأتِ بِمُبادرةٍ منك وما لم تخْتَر أنت طاعة الله وثمَن الطاعة، وما لم تتكلَّف ثمَن الطاعة فالتكاليف ما سمِّيَت بهذا إلا من أجل أنَّها ذات كُلْفة، فأنا انْطَلَقْتُ من هذه الآية ولكنَّني أردْتُ أن أتحدث عن حُرِيَّة الاخْتِيار، لأنَّ الإنسان إذا اعْتَقَد بِثَانِيَةٍ واحِدة أنَّ الله تعالى أجْبرَهُ على أعمالهِ بطَلَ الثَّواب، وبطَل العِقاب وبطَلت الجنَّة والنار
وبطلَتْ بعثة الأنبياء، وأصبَحت الأعمال لا معنى ولكنَّ الله عز وجل أثنى على عباده الطائِعين، ووبَّخ عباده العُصاة ووعدَ بالجنَّة لِمَن أطاعه، وبالنار لِمن عصاه، وأنت أيُّها الأخ بِإمكانِك أن تُطيع وبإمكانِكَ أن تعصي، فأنت بإمكانك إن أذَّن للصلاة أن تُصلي أو لا تُصلِّي وبإمكانك أن تغضّ بصرك، وبإمكانك أن لا تغضَّه، وعُرِضَت عليك صفْقة فبإمكانِكَ أن تقْبلها، وبمكانك أن ترفضها، دَعْكَ من النُّصوص وانظر إلى الواقِع تَجِدُ أنَّك مُخيَّر، والطالب بإمكانه أن يدْرس، وبإمكانه أن لا يدرس، والبائع بإمكانه أن يغش، بإمكانه أن يصْدق، وبإمكانه أن يحلف يمينًا كاذبة أو يمينًا صادقة، فهذا دليل واقعي وفِطري ونقلي على الاختيار، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

[سورة فصلت]
وقال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(35)﴾

[سورة النحل]
فكل الآيات التي يُشمُّ منها رائحة الجبْر لها معنى دقيق، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[سورة الكهف]
ليس المعنى أنَّنا خلقنا فيه الغفلة، ولكن وجدناه مُتغافلاً، فهو الذي تغافل فالتَّعديَة في اللُّغة لها معاني عِدَّة، تقول: حاكَكْتُها فما أبخَلتها، أي ما وَجَدتها بخيلة، فالتَّعدية من معانيها السَّبَبِيَّة، ومنها العِلم، ومنها الحُكم والاختبار.
وقال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾

[سورة الحجر]
ليس المعنى أنَّ الله تعالى خلق فيه الغواية، ولكن المعنى أنَّ الله تعالى وَجَدهُ غاويًا، ووجدهُ غافلاً، لذا أيها الإخوة هذه قضِيّة خطيرة، حينما تعتقِدُ أنَّ الله أجْبرنا على أفعالنا كأنَّك تقول بِلِسانِ حالك: لِمَ يُحاسبنا إذا كُنَّا قد أُجْبرنا، قال الشاعر:

ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال إياك إياك أن تبْتلّ بالماء !
فأنت إن كنتَ مجبورًا لا يُصبح للأمر معنىً، لذلك هناك ألف دليل ودليل على أنَّك مخيِّر، ولو لم تكن مخيَّر لما سألك تعالى، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 04-02-2018 01:17 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، حروفُ الجرِّ موضوعٌ في النحو العربي، هناك حرفان من حروف الجرِّ و هناك حرفان من حروف العطف، حرفا العطف هما ثمَّ و الفاء، و الواو لمطلق العطف، أما ثم للترتيب و التراخي و الفاء للترتيب مع التعقيب، إذا قلنا دخل فلان ثم فلان، بينها ساعات طويلة، أما دخل فلان ففلان، دخل وراءه مباشرة، فالفاء للترتيب مع التعقيب و ثم للتعقيب مع التراخي.
من خلال هذه المقدِّمة في معنى حرفي العطف الفاء وثم، نقرأ قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
الإنسان إلى أن يستقيم على أمر الله لا بدَّ من أن يعرف الله كثيرا، ولا بدَّ من أن يعرف أمره، فلابدَّ من وقت ثمين تعرف الله فيه، فأيُّ إنسان يجلس في مجلس علم أو يحضر خطبةً تُلقَى عليه الأوامر و النواهي فلا يطبِّقها رأسًا، فلابد من أن يعرف الآمرَ و لا بدَّ من أن يعظِّم الآمرَ و لا بد من أن يعرف ما عنده من خير و ما ينتظره من عقاب إذا عصاه، لابد من أن تؤمن بوجوده و بكماله ووحدانيته و أن تؤمن بوعده ووعيده و جنَّته و ناره، ولا بدَّ أن عرف منهجه، أمره و نهيه، فحتَّى يستقيم الإنسان يستقيم يحتاج إلى حقائق كثيرة و إلى مجالس علم كثيرة، و يحتاج إلى معرفة كثيرة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
كلمة قالوا ربنا الله ليس لها أيَّ معنى، لأن الله موجود، وإن قلت إنه موجود أو لم تقل إنه موجود، هو موجود، كلامك تحصيل حاصل، إن كان مطابقا للحقيقة فهو تحصيل حاصل و إن كان مخالفا للحقيقة فلا معنى له، و ما زدتَ على الحقيقة شيئا، فلو قلت الشمس ليست ساطعة وهي ساطعة، لاتُّهِم الإنسان في عقله، و إذ قلتَ ساطعة و أنت في أمسِّ الحاجة إلى أشعتها و لم تعِرّض جسمك إلى أشعتها فكلمة ساطعة لا معنى لها، فالإنسان يوفِّر وقته، يقول: أنا مؤمن، و ماذا فعلتَ ؟ و ماذا أعطيتَ ؟ و هل منعت و هل أعطيت هل سالمتَ و هل قطعتَ و هل وصلتَ و هل غضبتَ ؟ أنا أريد الموقفَ العملي، الحركة اليومية التي تُبنَى على معرفة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
فعلامة صحة قولهم استقامتهم و علامة صدقهم في اعتقادهم استقامتُهم، و علامة إخلاصهم فيما يعتقد من استقامتم و علامة علمهم العميق استقامتهم، وعلامة وعيهم استقامتهم، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
والإنسان أحيانا يتوهَّم إذا استقام لا يجد شيئا وهذا من الشيطان، أنه إذا استقمت فقد حرمتَ نفسك المناظر المبهجة من النساء الغاديات الرائحات وحرمت نفسك السهرات، والاختِلاط والنُّزهات، فهذه المباهج التي يتوهَّمُها الإنسان في المعاصي يظنُّ أنَّهُ يُحْرمُ منها، قال تعالى

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
من لوازِم إيمانهم بِرَبِّهم استِقامتهم، ومن لوازم اسْتِقامتهم تنزُّل الملائكة عليهم أن لا تخافوا ولا تحْزنوا.
أيها الإخوة الكرام، صدِّقوني ما مِن نعمةٍ أثْمَن في الأرض مِن نعْمة الأمْن وأن تكون مُطمئنًّا، وأن تكون واثقا من الله عز وجل، وأن يكون المستقبل لِصالِحِك، فهناك مَن ينْجح نجاحًا كبيرًا إلا أنَّ الزَّمَن ليس في صالِحِه، ماذا يعني الزَّمَن ؟ مُضِيّ الأيَّام والأسابيع، والأشْهر، والسَّنوات كان صحيحًا فأصْبح مريضًا، سكَّر وضَغط، فماذا يخبئ الزَّمن للناس ؟ أشياء لا نعلمها، يخبئ تراجع في الصِّحة، وتقاعُدِيَّة انتقال من بؤْرة النَّشا إلى هامش الحياة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ * ))

[ رواه الترمذي ]
لو أنَّ الدنيا غاية علمنا ومَبلغُ علمنا، ومحطّ رحالنا، ومنتهى آمالنا، فماذا ننتظر منها ؟ كلامٌ واقعي، كساد فضيع وبِضاعة مكدَّسة، والشِّراء قليل، والدخْل قليل، والمصروف كثير، فهل ننتظر إلا فقْرًا مُنْسِيًا أو غِنًى مُطْغيًا، فهذا دَخَل له دخل كبير فاشْتهى المعاصي والآثام فالفقْر المنْسي مُصيبة والغِنى المُطغي مُصيبة، أو مرضًا مُفْسِدًا يُفسِدُ عليه حياته، أو هرمًا مُفنِّدًا تضْعفُ فيه ذاكرته فَيُعيد الكلام مائة مرَّة، أو موتًا أو الدَّجال، فشَرُّ غائبٍ يُنتظر، أو الساعة والساعة أدْهى وأمَرّ، فَمِن لوازم إيمانك بالله تعالى اسْتِقامتك على أمره، ومن لوازم اسْتِقامتك تنزلّ الملائكة عليك أن لا تخاف ولا تحْزن، فقوله تخاف وتحزن تُغطِّي الماضي والمستقبل، فلا تخفْ مِمَّا سيَكون، ولا تحزن على ما كان، فهناك من يحْترق قلبهُ على الماضي ويقول لك: ذَهَب شبابي ! وضَعفَتْ قوَّتي، وكنتُ وكنتُ !! أما المؤمن فالماضي مُغْلَق، ومُغطَّى بِعَدم الحُزن، والمستقبل مُغطَّى بِعَدم الخوف، وقد كانت لي قريبة برَكتْ، وهي في حالٍ من الغِنى غير معقول، أوَّل أسبوعَين خُدِمَت خِدمة تفوق حدَّ الخيال، وكلَّما يمضي أسبوع كانت تنزل مستوى الخدمة، وبعد أيَّام أصبح أقربُ الناس يتمنَّى موتها ! بقيَتْ سنتين أو ثلاثة ! وهناك آية تُطَمئِن، وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
لنا للتَّمَلُّك، تقول: هذه الجوهرة لِمَن ؟ تقول له: لي، أما المخالفة تقول: هذه المخالفة على مَن ؟ فالعِقاب دائِمًا على، أنا الثَّواب فهي تَمَلُّك ؛ لي، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[ سورة البقرة ]
فلذلك كما قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
ربّنا عز وجل يُكَمنُهم، ويُلْقي في روعِهم، ويُطَمْئِنُهم على لِسان الدُّعاة إلى الله، وعلى لِسان الملائكة، وعلى لسان الأنبياء، والرؤى الصالحة، قال تعالى:

﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾

[ سورة فصلت ]
نظام الحياة الدنيا مَبني على الكَدح، وبَذْل الجهْد واتِّخاذ الأسباب، أما نِظام الآخرة فَمَبني على الطَّلَب، فَمِن أجْل أن تُحَقِّق شيء تَبذل جهْدًا غير معقول، فَمِن أجل أن تتناوَل طعام الغذاء تذْهب إلى السوق، وتشتري الخضار، وتحملها، والزَّوجة تغسل، وتجهِّز الأكل فَمِن الساعة تسعة إلى الساعة الثانية مساءً حتَّى تكل صَحن خِلال عشر دقائق، ولكي تُؤسسٍّ عمل تِجاري تحتاج لِسَنوات طويلة، فالحياة مَبْنِيَّة على الكَدْح، ولكن تتزوَّج، ولكن تشتري بيتًا، أما الآخرة فلهم فيها ما يشاءون فأيُّ خاطِرٍ يأتي إلى ذهنك يُحقَّق لهم فوْرًا، قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾

[ سورة فصلت ]
هذه الآية كان النبي عليه الصلاة والسلام يُكثرُ قراءَتها، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]
قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالإنسان من طبيعته لا يستطيع تنْفيذ شيءٍ إلا بعد أن يعرف المُتكلِّم، فالذين قالوا ربُّنا الله وتعرَّفوا إليه موجودًا وواحِدًا، وكامِلاً، ولى منْهَجِهِ وأحقِّيَّة منهجه، وإلى القدوة والأُسْوَة، عندها تسْتقيم، عندئِذٍ قال تعالى:
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-03-2018 08:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، آية البارحة قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
وآية اليوم قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]
كما أنَّ علامة اسْتِقامة الإيمان اسْتِقامة الجوارِح، وكما أنَّ علامة صِحَّة الإيمان الاسْتِقامة على أمْر الله، ومِن لوازم الاسْتِقامة الطُّمأنينة للمستقبل وعدم النَّدم للماضي، كذلك الدَّعْوَةُ إلى الله تتذبْذَبُ بين أن تكون أتْفَهَ الأعمال، وبين أن تكون صَنْعة الأنبياء، فما مِن عَمَلٍ يَتَذَبْذَبُ بين التَّفاهة وبين الخطورة كالدَّعة إلى الله، فإذا دعا الإنسان إلى الله ولم يَكُن عملُهُ حسنًا، عملُهُ تافِهٌ جدًّا، ويسْتَحِقّ الازْدِراء والسُّخْريَة، لأنَّ الناس لا يتعلَّمون بآذانهم، ولكن يتعلَّمون بِعُيونِهم، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)﴾

[ سورة الصف ]
وقال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]
قبل أن تنْصَحَ الناس، عُدَّ للمليون ؛ هذا الذي تقولهُ هل تفْعَلُهُ، لذا هناك سؤالان خطيران ؛ لو أنَّك قلتَ شيئًا وفَعَلْتَ شيئًا، وأحْسَنَ الناس بِكَ الظَّن وقالوا: دَعْوتُهُ غير واقِيَّة، والدليل أنت لا تُطبِّق ما تقول ! هذا إن أحْسنوا بِكَ الظَّن ! وإن كانت الدَّعوة واقِعِيَّة ؛ كيفَ تَدعونا وأنت لا تُطَبِّق فلسْتَ أهلاً أن تكون داعِيَة إلى الله عز وجل، فهذه الآية:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]
من لوازم صِدق الدَّعوة صلاحُ العَمَل، ومن إشارات كذِب الدَّعة و سوء العمل، فالأصْل صلاحُ العمل أو سوء العمل.
الآن هناك فِكرة ثانِيَة ؛ وهي أنَّك إن كنتَ ذا عملٍ صالِحٍ، لو بقيتَ ساكِتًا ولو تنْطِق بِكَلمة، لَكُنْتَ أكبرُ داعِيَة، فالدَّعوة بالعمل أبْلَغُ من الدَّعوة بالقَول، لُغَة العَمَل أبْلَغُ من لُغة القول، وموقفٌ أخلاقيٌّ واحِد أفْضَلُ عند الله من ألف مُحاضرةٍ تُلقى ! آيتان خطيرتان، قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
وقوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]
قد تَعْمل صالحًا مِن أجل أن تجْتذِب إعْجابَ الناس، عملي الصالح هو الاسْتِسلام له، والطاعة له، وليس مِن أجل الدُّنيا، وبهذا يكون الإخلاص فهو يكون مخلِصًا بِهذه الدَّعوة.
قال تعالى:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

[ سورة فصلت ]
مستحيل أن يكون الصِّدق كالكذب، والاستقامة كالانحراف، والإخلاص كالخِيانة، والدَّناءة كالسُّموّ والانْغِماسُ في الملذَّات كالعِفَّة، والطَّمَعُ كالتَّعَفُّف ؛ مستحيل ! ومستحيلٌ أن يكون الأب الكامل كالأب السيئ، والابن البار، كالابن العاق، والزَّوجة الصالحة كالزَّوجة السيِّئة، فهما على طرفي نقيض، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]
أحيانًا يقول أحدهم: أنا لا أُدخِّن حِفاظًا على صِحَّتي ! ولكن أحيانًا يُدعى إلى طعامٍ وفيه خَمْر فيقول: أنا معي قرْحة !! لماذا لا تقل: أنا مسْلم ؟! مرَّةً ذكر لي صديق كان بِبَلَد فجاءَتْ وزيرة لهذا البلد، وكان المستقبل لها الوزير المشابه لها وإلى جانِبِه كبار الموظَّفين، وأحد هؤلاء الموظَّفين كان مُلْتَزِمًا، والنبي قال: إنِّي لا أُصافحُ النِّساء، فلمَّا مدَّت يدَها لِتُصافِحَهُ امْتَنَع، وأشار لها على صَدرِهِ، فتألَّمَت أشَدَّ الألَم، وعدَّت هذا الموقف إهانةً لها، فلمّا انتهى الاسْتقبال: سألَت الوزير: لِمَ لمْ يُصافحْني ؟ هو الوزير غضِبَ منه غضبًا شديدًا، وعقابًا له: حرمَهُ نم مائِدَة الطَّعام، إلا أنَّها سألت عنه حين الغذاء ؛ أين فلان الذي لم يرِد مُصافحتي ؟! فقالتْ: أُريدُ أن أراه، وأصرَّتْ، فلمَّا طلبوه، قالتْ له: لِمَ لمْ تُصافِحْني ؟! فقال: إنَّني امرؤٌ مسلِم، وديني يأمرني أن لا أُصافِحَ المرأة الأجْنبيّة، وأنت امرأة أجْنبيَّة، فقالتْ له: لو أنَّ المسلمين أمثالك لَكُنَّا تحت حُكْمِكُم !! فإذا الواحد دُعِيَ إلى طعام فيه خمْر، لا تقلْ: أنا معي قرْحَة !! ولكن قُل: أنا مسْلِم، هذا الذي يُشَرِّفُكَ ويرْفَعُك، فلا تُفرِّغ الاسْتِقامة لِقَضايا صِحِيّة واجْتِماعيَّة، واتْرُكْها عبادة لله تعالى.
سَمِعتُ عن خطيبٍ في الزَّبداني ؛ لمْ يبْقَ في المنطقة إنسان إلا وخرجَ في جنازَتِهِ ! شيءٌ غير معقول، فسألتُ عن السَّبب: فقيل لي: أنَّهُ كان لا يُسلِّم على كلِّ مَن أقامَ عُرْسًا مُخْتلطًا، حتَّى اسْتَطاع بِحَزْمِهِ أن يجعل الأعراس من دون اخْتِلاط !! لذا المُجاملَة الزائِدَة، وكلّ الناس خيرٌ وبركة هذا يُبْعِد الناس عن الإسلام، فأنت لكَ موقف تقول: لا، بملء فَمِك حكى لي قاضي أنَّه رفضَ حُكمًا لاتِّهام شخْصٍ وقال: لا أُوقِّعُ ولو قُطِّعْتُ إرْبًا إرْبًا !! وهذا قائِد طائرة قدَّم اسْتِقالتَهُ من أجل أنَّ الطائرة يُوزَّعُ فيها الخمْر وهو من كبار الطَّيارين، وقال: لا أركبُ طائرة فيها خمْر، ونحن في الجوّ تحت رحْمة الله، وكانوا بأمسِّ الحاجة له: فأعْطَوْهُ اسْتِثناء !! وبعد سنة عمَّمُوا البلاغ على كلّ الرحلات، فالإنسان إن لم يُضَحِّ، ولم يقدِّم موقف جريء لا يستطيع أن يقيم الشرْع، وبالمناسبة الإنسان إذا رأى أنَّه ينْتُج عن إنكار المنْكر فتْنة أكبر منه، فيجب أن لا يُنْكرهُ، قال تعالى:

﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾

[ سورة البقرة ]
فإذا رأيْتُم شُحًّا مُطاعًا وإعْجاب كلّ ذي رأيٍ برأيِه،فلْزَم بيتَك، وأمْسِك لسانَك، وخُذ ما تعرفْ، ودَع ما تُنكِر، وعليك بِخاصَّة نفْسِك، فبناتك وأقرباؤك هم من خاصَّة نفسِك، لذا قُلْ: أنا أمْتَنِعُ عن هذا الشيء لأنِّي مسلِم، ولا أفعل هذا لأنِّي مسْلم ولا أدْفعُ هذا المبلغ لأنِّي مسلم، ولا تجْعل الإسلام عادات وتقاليد.
قال تعالى:

﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾

[ سورة فصلت ]
إذا كان هناك ألف تصرُّف حسَن تُقابِل بها سيِّئة، فيجب أن تختار أحْسن المواقف، فلا بدّ أن تدْفع لا سيِّئة بالتي أحسن، لِدَرجة فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنَّه وليٌّ حميم قال تعالى

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾

[ سورة فصلت ]
مَن كان حظُّه من الله تعالى كبيرًا، الحظّ هنا النَّصيب، فالإنسان أثناء صلاته إذا كان أتأله بالله تعالى شديدًا ونال من الله كمالاً كبيرًا، فهذا يفْعلُ هذا، قال تعالى:

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾

[ سورة فصلت ]
فمن نصيبُهُ من الله تعالى كبيرًا بِسَبب إقْبالِه عليه هذا يستطيع أن يردّ على السيِّئة لا بالحسَنة بل بأفضل أنواع الحسنات، وهذا المؤمن، أما نحن نصلِّي ونحقِد، ونغشّ، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-03-2018 08:14 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة فصلت ( 41 )



الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة والثلاثون من سورة فصِّلت، وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)﴾

[ سورة فصلت ]
أوَّلاً: الشَّيطان موجود وقد أخبرنا الله به، والشَّيطان يُوَسْوِس، والشيطان يأمر بالمنكر والفحشاء ويوقِعُ العداوَة والبغضاء بين المؤمنين، والشيطان يُخَوِّف، ويَعِدُ بالبُخْل وهو بصِفَة عامَّة عدوّ مبين، وهذا قرآن كريم، ومُعظَمُ الناس لا يُدخِلون هذا في حِساباتهم، فالإنسان أحيانًا يتحرَّك لإيذاء الناس، وهو لا يشْعر أنَّ الشيطان هو الذي يدْفعُهُ، وأحيانًا يُزَيِّن للناس المعاصي وهم لا يشعرون وأحيانًا يوقِعُ بين المرأة وزوجها، وهما لا يشعران أنَّه من الشَّيطان !
الشيطان كما قال عنه الله تعالى:

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالشَّيطان له مداخِل كثيرة، فقد يأتي من بين يَدَيْك، يقول لك: الدِّين شيءٌ قديم لا يتناسب مع هذا العصْر ؛ الذي هو عصر العلْم وعصْر التَّقدُّم، إلخ... يُريكَ أنَّ الدين شيء قديم لا يصلح لهذا الزَّمان ؛ هذا مِن بين أيديهم ومن خلفهم، يقول لك: الآباء والأجداد، والتقاليد والعادات والتُّراث، فإذا تناقض التراث مع الدِّين تمسَّك بالتُّراث، وإذا تناقضت العادات والتقاليد مع الدِّين تمسَّك بالتقاليد.
وعن أيمانهم، من باب الوَسْوسة، يقول لك: أنت مكتوب عليك أنَّك من أهل النار قبل أن تُخْلق، فلماذا العمل ؟! ويقول لك: صلاتك لم تصِحّ فالفاتحة فيها أربعة عشرة شدَّة، وأنت لم تأت بها !! وأتن آكل ثوم فلا تذهب الجامع اليوم، يأتيك من باب الوسوسة في العبادات والعقائِد.
وعن شمائلهم، يقول لك: إلى الآن لم تشْتري دشّ !! أنت خارج العصْر، يدعوك إلى المعاصي والموبقات والزِّنا، وإلى كلّ المنكرات، فالله تعالى قال:

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[ سورة الأعراف ]
أما من فوقهم فلا يستطيع، لأنَّ من فوق الله جلَّ جلاله، ومن تحتهم العبوديَّة لله، فهناك جِهتان مُغلقتان على الشَّيطان ؛ فقو وتحت، فالشيطان لا يستطيع أن يحول بينك وبين ربِّك وإن جئتَ الله مِن باب التَّذلُّل والافتِقار ؛ فهذه الجهة آمنة، فهناك جهتان آمنتان وأربع جهات غير آمنة، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى أعْطاكَ سِلاحًا فتَّاكًا ولِمُجرَّد أن تستعيذ بالله احْترق الشيطان، فالشيطان كما قال بعض علماء اللُّغة من شَطَن أي ابْتَعَد عن الحق، أو مِن شاط أي احْترق، فهذا سِلاحٌ فتَّاح لا يكَلِّفُك إلا أن تقول هذه الكلمة، ولكنّ المُحَقَّق أنَّ هذه الاستعاذة لا تُجدي ولا تنْفع ما لم تكُن حاضِرة القلب، فإن لم تكن خاشِعًا، وإن لم تَكن مُخْلصًا فهذه الاستعاذة لا تنْفع، لذلك بهذه الآية تُلغي مليون عمل مُشَعوِذ ودجال، والله عز وجل في كتابه الكريم قال:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)﴾

[ سورة فصلت ]
هذا هو السِّلاح القرآني، والشيطان مع انَّهُ يريدُ أن يغْويَ بني آدَم ويريد أن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن يمينهم وشمائلهم إلا أنَّ الشيطان يُوظَّف لخير المُطْلق من دون أن يريدُ ولا يشْعر، فهو يأتي لِهذا الإنسان فيُلقي فيه بعض الوساوِس فيفْزَع إلى الإيمان، ويسأل ويتعلَّم، ومن خِلال هذه الوَسْوسة التي أثارَتْهُ يزْدادُ إيمانًا، ويزْدادُ علمًا، فالإنسان أحيانًا يكون عاق لِوالِدَيه، فيأتي إنسان سفيه يسُبُّ أباهُ سُبابًا فاحِشًا ! فيسْتثيرُ أعمق ما فيه، فيَغْدو بارًّا لِوالِدَيه، فالشيطان يريد الإغْواء ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يُوظِّف هذا الإغْواء لِصالِحِ المؤمن، ومع الفاسِق لِصَالح الفاسق، شَهْوة مُسْتحكِمَة حجابٌ بينه وبين الله، فيأتي الشَّيطان فيُزَيِّنُها له قال تعالى:

﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)﴾

[ سورة النحل ]
هذا التَّزيين حَمَلَهُ على أن يفْعَلَها فإذا فعَلَها جاء العِقاب التأديبي فَشُفِيَ منها وكان تزْيين الشيطان له سب توْبَتِهِ، والله عز وجل كلُّه خير، وبيَدِهِ الخَير، فحتَّى الشيطان الذي يبْدو لكم مُغْوِيًا للإنسان، فإغْواؤُهُ هذا قد يُحَو َّللِصالِحِ المؤمن، والنتيجة كما قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[ سورة إبراهيم ]
فالسلطان لا يوجد، ولكنّ الوسْوسة موجودة، والوسوسة علاجها الاسْتعاذة بالله عز وجل، فأنت مع سِلاح فتَّاك قرآني، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)﴾

[ سورة الأعراف ]
وقال تعالى:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)﴾

[ سورة فصلت ]
وقال تعالى:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ(3)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)﴾

[ سورة الناس ]
سمَّاه الله خنَّاسًا لأنَّه لِمُجرَّد أن تسْتعيذ بالله عز وجل يهْرب ويخْنس، ويبْتعِد، ويحْترق.
فالآية الكريمة:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)﴾

[ سورة فصلت ]
والله معك دائِمًا حاضِر وناظر، لذلك قال تعالى:

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)﴾

[ سورة طه ]
أيها الإخوة الكرام، هناك بالإسلام مليون مليون مَقولة غير صحيحة فَمِقياسُنا نحن هذا الكاتب الذي هو كلام الله، ووَحْيُ السماء، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأيُّ قصَّة أو تصرُّف أو أسلوب غير قرآني يجب أن تركل صاحب هذا الطَّرْح، والطَّرح نفْسه، فلا يوجد أشخاص مُختصُّون بإخراج الشيطان من بني آدم ! نحن عندنا اسْتِعاذة بالله وكلَّما استعَذْت أذْهبتَ الشيطان، فالعِشرة الزَّوجيَّة التي تنتهي بالطَّلاق والزوجة صالحة ؛ هذه ساعة غضب، وساعة غفْلة، فالإنسان إذا دخَلَ البيت وسلَّم خنس الشيطان،

(( فعن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ))

[ رواه مسلم ]
فالبيوت الآن خُصومات وضرب، وتخبيط أبواب، وبعدها الطلاق !! هذا البيت فيه شَيطان ؛ لأنَّه لو كان هناك ذِكْرٌ للرحمن لما كان هذا البيت بِهذه الحالة وأدقُّ كلامٍ أنَّه يُخَوِّفك من الإنفاق، ويقول لك: خبئ قرْشَكَ الأبيَض لِيوْمِكَ الأسْوَد !! يأتي مشروع خيري فيُخَوِّفُكَ، قال تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾

[ سورة البقرة ]
والإنسان يُطعِم اللُّقْمة فيراها مثل جبل أُحد، قال تعالى:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)﴾

[ سورة البقرة ]
فهو يوقِع العداوة والبغضاء، ففي الحي تجد فرَق كثيرة، بل في الأسرة الواحدة تفرُّق عداء ونميمة وحِقد ومحاكِم ودعاوَى ؛ هذا كُلُّه من عمل الشَّيطان لأنَّهم ما اسْتعاذوا منه، وجوُّهم شيطاني وليس رحماني، والدليل آثار هذه الخصومات، والخلافات الزَّوجيَّة، فهو يدْعوك للحرام، وللاختِلاط ويُكرِّه لك زوْجتك، ويُزيِّن لك زوْجة أخيك ! ويدعوك للسَّفر المحرَّم، فالشيطان يَعِدُك بالفقْر، ويوقِعُ العداوَة والبغضاء، ويُخَوِّفنا، ويُثبِّطُ عزائِمَنا، ويدْعونا إلى الكفر، قال تعالى

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[ سورة الأعراف ]
وعلاجُهُ أن تسْتعيذ بالله منه، لذلك أكْثِر نم ذِكْر الله، وبرئ نم النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله، وبرئ من الكِبر مَن حمَلَ حاجَتَهُ بِيَدِهِ، وبرئ من البخل مَن أدَّى زكاة ماله.



والحمد لله رب العالمين




السعيد 04-03-2018 08:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والثلاثون من سورة فصّلت، بعد الآيات التي قال الله فيها:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾
[سورة فصلت]
وبعد الآيات التي قال تعالى فيها:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾
[سورة فصلت]
الله جلَّ جلاله رسَمَ الطريق للإيمان به ومعرفَتِهِ ثمَّ لِطاعتِه، فقال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾
[سورة فصلت]
أوَّلاً هذه الآية بيَّنَت أنَّ الطريق لِمعرفة الله أن تنْظر في خلق الله تعالى، لأنَّ الله عز وجل لا تُدركُهُ الأبصار، ولا الحوَاس، إنَّما يُعرُف بالعقل، والعقل لا يعْمَل إلا بِأَثَر، فالعَقل أداة اسْتِدلال،تحتاج إلى أثَرَ لِتَنْتَقِلَ منه إلى المؤثِّر، وتحتاج إلى كون لتَنْتقل به إلى المُكَوِّن، وتحتاج إلى نِظام لِتَعرف به المنظِّم، فالعقل يحتاج إلى أن ير تَسييرًا لِيَعرف المُسيِّر، ويحتاج لأن يرى شيئًا لِيعرف من خلقَهُ، ولذا ربُّنا عز وجل بعد آيات الإيمان والاسْتِقامة، وآيات الدَّعوة والصَّلاح رسَمَ الطريق إلى معرفَتِهِ.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾
[سورة فصلت]
مِن هذه تُفيدُ التَّبعيض، والحقيقة أنَّ الكون كلَّهُ يدلّ على الله تعالى، والكون في التَّعبير القرآني هو السماوات والأرض، فالسماوات والأرض كلّ ما يدلّ فيها إلهًا واحِدًا موجودًا كاملاً، ومن هذه للتَّبعيض، والآيات كما تعلمون آياتٌ قرآنيَّة، وآيات تكْوينيَّة، وآيات كَوْنِيَّة، فالله له خلْق وله أفعال ولخ كلام، فالقرآن آيته القرآنيَّة، والكون آياته الكونيَّة، والأفعال آياته التَّكوينيَّة، وقد تعرف الله من خلقه، ومن أفعاله، ومن كلامه، فَمِن آياته التَّكوينيَّة الليل والنهار، فالنُّقطة الدقيقة أنَّ الأرض تدور على مِحْور، ولو أنَّها لا تدور على مِحور لما كان هناك ليل ولا نهار، فإمَّا نهر سَرمدي أو ليل سَرمدي، فالنهار السرمدي ثلاثمائة وخمسين درجة فوق الصّفر، والليل السرمدي مائتان وسبعون تحت الصِّفْر فلولا هذه الدَورة لما كانت هناك حياة، فمن الذي أدار الأرض، والسؤال الثاني: لو أنّ الأرض تدور على مِحور مُوازي لِمُستوي دوران الأرض حول الشَّمس لما كانت هناك حياة، فمن الذي أبدع في هذا الخلْق، فالأرض تدور على محور عمودي على مستوى الدوران، فلو جعل الله المحور عمودي لما كانت الفصول الأربعة كذلك إما صيف أبدي أو شتاء أبدي لو كنَّ الله تعالى جعل المِحور مائِلاً، منها تكون الفصول الأربعة، فهذه من آياته، قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾
[سورة فصلت]
الفرق بين المسلمين، وغير المسلمين، فغير المسلمين عبدوا الشمس والقمر و، عبدوا البقر والحجر، وعبدوا النار والمرأة، فأحدهم كان يُعبدُ صَنَم في قبيلته، وكان أهلها يضعون له الطَّعام، وكان فُضوليّا فأراد أن يرى من الذي يأكل الطَّعام، فانتظَر يومًا، فإذا بِثُعبان يأتي ويأكل ذاك الطَّعام، وثمّ بال على الصَّنَم، فقال:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسِهِ لقد زلَّ من بالت عليه الثعالبُ
وعندها كفر بِعِبادة الأصنام، فالفرق بين المسلم، وغير المسلم، أنَّ المسلِم ينتقل من الكون إلى المُكَوِّن، ومن النِّعمة إلى المُنعِم، ومن البقرة البقرة إلى الذي خلقها، ومن الشَّمس والقمر إلى الذي كوَّنهما، ومن النِّظام إلى المنَظِّم، ومن التَّسيير إلى المُسيِّر، فهذا هو الفرق، فربّنا عز وجل يقول:
﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾
[سورة فصلت]
فأنت قد تنْعُم بالأرض، والأرض مستقِرَّة، قال تعالى:
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾
[سورة النمل]
تجِدُ بناءً عمره مائة سنة، ولا يوجد فيه شقّ، ونحن قبل يومين هزَّت بنا زلزال خمسة فاصل ستَّة ومن فوق الستَّة مُدمِّر، فالله رحمنا، فالإنسان ما هي ضمانتُهُ إذا عصى الله عز وجل ؟ قال تعالى
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)﴾
[سورة الحج]
فهذا الزِّلزال الذي جاء بنا ما تصْنيفُهُ في عِلم التَّوحيد ؟ هذا أسنه التَّلْويحُ بالعصى ‍‍! أيْ انتبِهوا أيُّها العباد، فأنتم إن ابتَعَدتم عن الله، وارتكبتم المعاصي يُدمِّرنا، لذا الآية الكريمة:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾
[سورة فصلت]
أوَّلاً العبادة عِلَّة وُجودنا، فنحن موجودين من أجل عبادة الله، وتصوَّر طالبًا ذهب إلى فرنسا لِتَحصيل شَهادة الدكتوراه ففعَلَ كلّ شيء إلا نيْل الشَّهادة، ذَهَب إلى المتنزَّهات والمتاحف، وإلى السينما ونسيَ السَّبب الوحيد الذي من أجله جاء فرنسا، فالإنسان يأتي إلى الدنيا فيَكْبر، ويتزوَّج ويُزوِّج أولاده ويُؤسِّس عملاً، ويشتري بيتًا، ويُسافر ويتصدَّر المجالس، ويتبجَّح ولكن ينسى عبادة الله عز وجل، فهذا الذي يأتي إلى الدنيا ويتزوَّج ويرْبح، إذا نسِيَ عبادة الله فقد نسِيَ مُهِمَّتَهُ الكبرى والعلَّة التي مِن أجلها جاء، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ(45)﴾
[سورة الشورى]
قال تعالى :
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)﴾
[سورة الكهف]
وقال تعالى ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى :
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)﴾
[سورة الحاقة]
فآية اليوم:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾
[سورة فصلت]
هناك معصيتان ؛ معصِية مَغلوبيَّة !! ومعْصِيَة كِبر، فالإنسان حينما يعْصي الله تعالى مَغلوبًا؛ هذا حالهُ أفضلُ ممَّن يعصي الله تعالى كِبرًا وعِنادًا ! فالذي يعصي غلبةً توبتُهُ سهلة ؛ يعرف الله ويعرف منهجه، والصلحة بِلَمْحة قال تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾
(سورة غافر)
هذه آية اليوم:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)﴾
[سورة فصلت]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-03-2018 08:20 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس التاسع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والأربعون من سورة فصّلت، وهي قوله تعالى :
﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾
[سورة فصلت]
هذه الآية دقيقة جدًّا في التعريف بِخَصائص القرآن، فالقرآن بِلِسانٍ عربيٍّ مبين، ولكن له خصيصة، هذه الخصيصة أنَّك إن لم تكن قريبًا من الله لا تفْهَمُ معانيه التي أرادها، فإذا كنتَ بعيدًا عن الله تعالى، فَهِمْتَهُ فهْمًا مَعْكوسًا.
شيءٌ دقيق جدًّا، فأيُّ نصٍّ آخر تجد له معنى تأخذهُ من ظاهره، ولكنّ كتاب الله عز وجل، إما أن يكون هُدًى وشِفاءً، وإما أن يكون عمى على الذين في قلوبهم مرض، فالكتاب نفسه والسورة نفسها، والآية نفسها والحكمة نفسها في كتاب الله ؛ تكون على إنسانٍ عَمًى، وعلى آخر هُدًى وشِفا ! العلَّة كما قال تعالى :
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾
[سورة فصلت]
فالمعنى أنَّ الإنسان إذا كان من الله تعالى قريبًا نودِيَ للقرآن مِن مكانٍ قريب فَفَهِمَ المُراد، أما إن كان مِن مكانٍ بعيد نودِيَ من مكانٍ بعيد ففَهِمَ عكْس المُراد وفَهِمَ فهْمًا معْكوسًا، لذلك ورد في آية أخرى، قوله تعالى:
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾
[سورة الإسراء]
الشِّفاء عِلاج، والرَّحمة عَطاء، والشِّفاء تطهير والرحمة تَعطير، والشِّفاء تَخْلِيَة، والرحمة تَحْلِيَة، فالقرآن في أدَقِّ تعاريفِهِ هُدًى وشِفاء، فالذي معه مرض العُجْب والحَّيْرة، ويقرأ القرآن فَيُجيبُهُ القرآن عن كلّ سؤال ويحلّ له كلّ مشكلة فِكْريَّة ونفْسِيَّة، ثمَّ إنّ الإنسان إذا قرأ القرآن واتَّصَل بالواحِدِ الدَّيان اصطَبَغَ بِصِبْغة الله عز وجل فَبَعْدَ أن تطهَّر تعطَّر وبعد أن تخلَّى تحلَّى، وبعد أن شَفِيَ من أمراضِهِ استحلَّى بالكمالات الإنسان، فالقرآن هو هو، وآياتُهُ هي هي، تكون هُدًى وشِفاءً، وتكون عمًى.
الآن هناك علاقة ترابُطِيَّة، إن كنتَ بعيدًا لا تفْهم لاقرآن، وإن لم تكن تفهم القرآن فأنت حتْمًا بعيد ! مرَّةً ثانية، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً﴾
[سورة فصلت]
بلُغَة فارسِيَّة لقالوا هذه ليْسَت لُغتنا قال تعالى: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾
[سورة فصلت]
وكان الجواب أيضًا يُقال: كيف اسْتفاد منه آخرون وتطهّروا به، وتحلَّت نُفوسهم وصَفَتْ، أَيُعْقل أن يكون شيءٌ واحد هُدًى وشِفاء من الله تعالى، وعمًى في الوقت نفسِهِ ؟! فالذي بعُدَ يكون عليه عمًى، فالذي لا يرى معانيه يُنادَى من مكانٍ بعيد، وهناك بِعَالم الزِّراعة ما يؤكِّد هذه الحقيقة، أنت بِعتَ ألف بذرة لِعَشرة مزارع، مُزارع أنبَتَتْ له هذه البذور ثمارًا يانعة، وآخر لم تُنبِت له ولا شيء، فإذا كان البِذْر واحِد، ففَلاَّح جنى مَحصولاً، وآخر جنى الكثير، فهل العلَّة في البذرة أم الفلاح ؟! في المزارع، فإهماله للبذرة وعدم الاعتِناء بها، فالفِكرة نفسُها قرآن واحد بِلِسان عربيٍّ مبين يقرؤُهُ أُناس فتطْهر قلوبهم، وتزكو نفوسهم، وتسعد أرواحهم، وأُناسٌ آخرون يفهمونه فهْمًا آخر ما أراده الله، فنقول العِلَّة لا في القرآن ولا في الذي أنزل القرآن، ولكن في الذي يتلقَّى القرآن فهذا الأخير إذا كان عاصِيًا للرحمن لا يفْهمُهُ على نَحْوٍ صحيح، يُؤيِّد هذا المعنى آية التالية.
يقول الله تعالى:
﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾
[سورة الواقعة]
الدِّقة البالغة في صِياغة الآية، لو قال: لا يمْسَسْهُ، إذا كان الله ينْهانا عن أنْ نمسَّ المصْحف إلا ونحن متوضئون يجب أن تكون بِحَسَب قواعِد اللُّغة لا يمْسَسْهُ، فالمضارع المُضَعَّف الآخر، وسبقَهُ حرف جزم يجب أن يُفكَّ التَّضعيف، تقول: يمسّ، لم يمْسَس، ويجرّ، لم يجْرر، ويشدّ لم يشْدُد فأيُّ فعْل مُضعَّف الآخر إن سبقه حرف جازِم يجب أن يفكّ التَّضعيف، أما إن سبقَهُ حرف نفْي فالتَّضعيف لا يُفَكّ، لأنَّ حرف النفي لا يعْمل عملاً نَحوِيًّا في الفعل، فإذا الفعل سبقه نهي يُجْزم، وإن سبقه نفي لا يُجْزم أما الآية يمسُّه، فاللام هنا نافية وليْسَت ناهِيَة، أي لا يستطيع أحدٌ متوضِّأ أو غير متوضأ أن يمسَّ معاني هذا الكتاب إن لم يكن قريبًا من الله تعالى فصار عندنا ثلاثة آيات ؛ قال تعالى:
﴿َأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾
[سورة فصلت]
فَشِدَّة قربِكَ من اله أحد أسباب فهْمك لِكلام الله، وبُعد الإنسان عن الله أحد أسباب انعكاس فهمه لكتاب الله، والآية الثانية:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾
[ سورة الإسراء ]
والثالثة قوله تعالى:
﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾
الحديث الذي يؤكِّد كلامنا هذا قَوْل الصحابة الكرام: أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القرآن ! فأنت إذا عرفت الله من خلال خلقه، وحمَلْتَ نفْسَكَ على طاعتِهِ، وثمَّ قرأت القرآن تفْهمه على نحو راقٍ جدًّا، صدِّقوني أيُّها الإخوة وهذا كلام بيني وبينكم، الإنسان حينما يضْبط سُلوكه، وحينما يُحَرّر دَخلهُ وحينما يُقيم الإسلام في بيتِهِ، ويتَّجِهُ إلى الله تعالى مُخْلِصًا ؛ إذا قرأ القرآن يتفتَّق ذِهنُهُ عن معانٍ في هذا الكتاب، فمُلخَّص الآية:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾
[سورة فصلت]
فالعِلَّة فيهم وليس في الكتاب، والوقر هو حبُّ الدنيا وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ * ))
[ رواه أبو داود ]
وحبُّ الدنيا رأس كل خطيئة.
إذا رأيت فهْم الذين هم بعيدين عن كلام الله تعْجب أعْجَب العَجَب، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)﴾
[ سورة آل عمران ]
فيفْهم أخونا أنَّك إن أكلت الربا غير أضعاف مُضاعفة جائِز ! ويقول لك:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾
[ سورة الصافات ]
ولكن هذه الآية لها سياق، قال تعالى قبلها:
﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95)﴾
[ سورة الصافات ]
فأنت اقرأ ما قبل الآية ثمَّ تكلَّم ؛ أي خلقكم وهذه الحجارة التي من الله لذلك الإنسان البعيد عن الله يفْهم الكلام مَعكوسًا ما أراده الله عز وجل يذكرون كلامَ حقٍّ أريد به باطل، وهذا الكتاب الكريم له خاصَّة، وهي أنَّ ليس كلّ من يقرؤُهُ يفْهمُهُ على النحو الذي أراده الله، فلِذلك الله عز وجل إما أن تعْرفه، وإما تعرف أمره، وإما أن تعرف خلْقه، فَمِن أجل أن تعرف أمرَهُ وخلقهُ تحتاج إلى دماغ فقط ! أما إذا أردت أن تعرفه سبحانه، فلا يمكن أن تعرفَهُ إلا إذا كنتَ مستقيمًا على أمر الله، لذا هناك معركة مُدارسة، ومعركة مشاهدة، فالمشاهدة جاهِدْ تُشاهِد، فإن أردْت أن تعرف الله فجاهِد نفْسَها وهواها، وإن أردْت أن تعرف أمره أو خلقه فاعْكِف على كتاب واقرأْهُ



والحمد لله رب العالمين



الساعة الآن 06:48 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.