منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   الفقة الاسلامى 2 (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9580)

السعيد 09-11-2018 09:02 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
اختى الفاضلة منال تسلمين على تواجدك الدائم

السعيد 09-11-2018 09:03 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
اختى الفاضلة سوالف تسلمين على تواجدك الدائم

السعيد 09-12-2018 08:28 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و السبعون )

الموضوع : حقوق الاخوة فى الاسلام






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تذكرة بما سبق :
أيها الأخوة المؤمنون . . . انتهى موضوع الزكاة ، وبانتهاء موضوع الزكاة نكون قد أنهينا في العبادات الصلاة ، والصوم ، والزكاة ، وكنَّا قد تحدَّثنا عن الحج عدَّة مرَّاتٍ في سنواتٍ سابقة ، وتحدَّثتُ عن الحج في هذا العام في الخُطَبْ الأسبوعيَّة ، وكنَّا من قبل ذلك قد أخذنا موضوع النكاح وهو من أبرز الموضوعات الشخصيَّة ، وبقينا فيه أكثر من سنة ونصف تقريباً ، وكنَّا قبل هذه الموضوعات قد أخذنا المُعاملات ، كل هذا من كتاب فقه السُنَّة ، وأنا في صَدد أن نبدأ موضوعاً جديداً لم نأخذه من قبل وهو موضوع العقائد ، بدل كتاب الفقه في الدرس القادم إن شاء الله سنبدأ بالحديث عن العقائد الإسلاميَّة الصحيحة ، وربَّما اخترنا كتاباً من أوثق الكُتُبِ في موضوع العقائد ، وقد نمضي فيه مدَّةً طويلةً ، لأن موضوع العقائد هو الموضوع الأوَّل في الإسلام ، لأنه إذا صَحَّت العقيدة صَحَّ العمل ، وإذا فسدت فسد العمل ، وسوف نتابع إحياء علوم الدين ونحن الآن في الجزء الثاني منه ، وربَّما أضفنا في دروسٍ قادمة بعض قصصٍ من السيَر النبويَّة ، أو من سير الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
فدرس الأحد نختار فيه فصلاً من كتاب العقائد ، وفصلاً من إحياء علوم الدين ، وبعضاً من سِيَرِ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين .
من حقوق الأخوة في الإسلام :
الوفاء و الإخلاص :
والآن إلى إحياء علوم الدين لنُنْهي الحقوق التي تجب على الأخ الذي يعقد أخوَّته مع أخٍ في الله .
وصلنا في الحقِّ السابع الذي عنوانه : الوفاء والإخلاص ، وعرَّفنا معنى الوفاء بأنه الثبات على الحبِّ وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع الأولاد والأصدقاء ، وإنما الحب بين الأخوين في الله إنما يُراد للآخرة وليس للدنيا . من آثار الوفاء :
1 ـ ألا يتغير حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه :
وصلنا إلى أن من الوفاء ألا يتغيَّر حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه. فالإنسان في الدنيا قد ينتقل من مكانٍ إلى آخر ، من منصب إلى آخر ، من عمل إلى آخر ، فإذا ارتفع شأنه فمن باب الوفاء مع إخوانه في الله ألا يبتعد عنهم ، وألا يزوَّرَّ عنهم ، وألا يرى نفسه فوقهم ، فمن صفات الكرماء المؤمنين أنه هو هو مع إخوانه ، ومن صفات المنقطعين عن الله عزَّ وجل أنه إذا ارتفعت مكانته نسي إخوانه .
فالتَرَفُّع عن الإخوان بما يتجدَّد من الأحوال لؤمٌ ، أي أن أحد أنواع اللؤم أن تترفَّع عن إخوانك إذا عَلَت منزلتك ، سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما فَتَحَ مكَّة ، ودانت له الجزيرة العربيَّة بأكملها ، وخضعت له القبائل ، وصار قمَّة هذا المجتمع الجديد ، خشي الأنصار رضوان الله عليهم أن يؤثر النبي عليه الصلاة والسلام البقاء في مكَّة بلده ، فلمَّا أعلنوا عن قلقهم قال :
((إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، قَالَ : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ : وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ ))
[ أحمد عن أَبُي هُرَيْرَةَ ]
((لو سلك الناس فجَّاً وسلكت الأنصار فجَّاً لسلكت فَجَّ الأنصار ، اللهمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناءِ الأنصار))
هذا هو الوفاء ، لمَّا وصل النبي الكريم إلى مكَّة فاتحاً تنازع أصحابه في أي بيتٍ سيبيت فقال : "انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة "
وفاءً لهذه الزوجة التي صَدَّقته حين كذَّبه الناس ، وقامت معه لمَّا قعدوا ، وواسته بمالها ، وحدبت عليه بعطفها ، وأيَّدته وآمنت به ، وكان وحده ، قال : "انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة " فيكاد يكون الوفاء خُلُقَ المؤمن الأول ، الوفاء لإخوانه ، لمن كانوا معه ساعة العسرة ، لمن كانوا معه في ساعة الشدَّة ، ولا يتكبَّر على أخٍ إذا عَلَت منزلته إلا لئيم ، قال الشاعر: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
* * *
وهذا الذي يتزوَّج امرأةً وتصبر عليه ، فإذا أغناه الله بَحَثَ عن أُخرى ، هذا والله عين اللؤم ، رضيت بكَ حينما كنت فقيراً فلمَّا اغتنيت لم ترض بها ؟! قد يلقى الله وهو عليه غضبان . وأوصى بعض السَلَف ابنه فقال: " يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قَرُبَ منك ، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك ، وإن عَلَت مرتبته لم يرتفع عليك "
وقال بعض الحكماء : " إذا ولي أخوك ولايةً فَثَبَتَ على نصف مودَّته لك فهو كثير"
صديقان عاشا أيَّام الصِبا ، وكانا يعيشان حياةً خشنة ، فقال أحدهما للآخر : لو أنك تَسَلَّمت منصباً رفيعاً هل تذكرني ؟ قال : أعوذ بالله أنا لا أنساك أبداً ، قال : وكيف ألتقي بكَ ؟ قال : قِفْ لي أمام هذه الشجرة - عيَّن له شجرة في المدينة - فلمَّا دارت الأيام وتسلَّم أحدهما منصباً رفيعاً صار هذا الصديق الأخ يقف عند الشجرة ، فتقع عين صديقه عليه فلا يُسَلِّم عليه ، فلمَّا أُزيح عن منصبه التقى به ، قال: ألم تكن ترني ؟ قال : " والله لم أكن أرى الشجرة كلَّها " ليس أنت بل لم أكن أرى الشجرة ، فالإنسان قد يكون في عمى ، لذلك قال بعض الحكماء : إذا ولي أخوك ولايةً فثبت على نصف مودَّته لك فهو كثير .
وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى ببغداد رجلاً ، ثمَّ إنَّ أخاه ولَّي ولايةً له ، فتغيَّر له عما كان عليه ، آخى رجلاً هذا الرجل تسلَّم ولايةً فتغيَّر له ، فكتب إليه الشافعي هذه الأبيات و بعثها إليه برسالة وقال : اذهب فودُّك من فؤادي طالـــقٌ أبداً وليس طلاق ذات البين
فإن ارعويت فإنها تطلــقةٌ ويدوم ودُّك لي على ثنتيـــــن
وإن امتنعت شفعـــــــتها بمثالها فتكون تطليقين في حيضين
وإذا الثلاث أتتــك مني بتَّةً لم تغن عنك ولاية السيبـــــن
* * *
هذه أول نقطة ، أي أن من الوفاء إذا ارتفعت أنت ألا تنسى أخاك الذي كان في أيَّام ضيقك وفقرك . 2 ـ ألا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله :
النقطة الثانية : واعلم أنه ليس من الوفاء أن توافق أخاك فيما يخالف الحق في أمرٍ يتعلَّق بالدين ، ليس من الوفاء أن تسكُت عن معصيته ، ليس من الوفاء أن توافقه على معصية ، ليس من الوفاء أن تعرف أن دخله حرام فلا تنصحه ، ليس من الوفاء إذا ضَيَّع فرض صلاةٍ أن تسكت عنه ، هذه خيانة ، من وفائك لأخيك المؤمن أنه إذا انحرف أو أخطأ أو قَصَّر أن تنبِّهه وأن تُذَكِّره من دون أن يكون هذا أمام ملأ من الناس لأن في هذا تشهيراً وليس في هذا نصيحةً .
بل من الوفاء له المخالفة ، فالشافعي رضي الله عنه آخى محمَّد بن عبد الحكم وكان يقرِّبه ويقبل عليه ، ويقول : " ما يقيمني بمصر غيره " فاعتلَّ محمدُ ، فعاده الشافعي رضي الله عنه فقال :
مرض الحبيب فعدته فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيبُ يعودني فبرئــــــــــت من نظري إليه
* * *
أي شفيته ، ظنَّ الناس لصدق هذه المودَّة وتمامها أنه يفوِّض أمر حلقته إليه بعد وفاته ، لما بينهما من مودَّة ، فقيل للشافعي في عِلَّته التي مات فيها : إلى من نجلس بعدكَ يا أبا عبد الله ؟ أي من خليفتك ؟ فاستشرف أبو محمد ، محمد بن عبد الحكم ، استشرف أي ارتفع، وبَيَّن وظهر أمام تلامذة الشافعي ، وهو عند رأسه ليومئ إليه ، فقال الشافعي : " سبحان الله أَيُشَكُّ في هذا ؟ أبو يعقوب البويطي "
كانت كالقنبلة ، مفاجأةٌ كبيرة ، كل الناس يظنُّون أنه سَيُخَلِّفُ من بعده محمد بن عبد الحكم ، فانكسر لها محمد ، ومال أصحابه إلى البويطي ، مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله ، لكن هذا الذي خَلَّفه من بعده كان أقرب إلى الزُهد والورع ، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ، ولم يؤثِّر رضا الخلق على رضا الحق ، فلمَّا توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه ، ودرس كتب مالكٍ رحمه الله .
هذه النصيحة ، أي من تمام الوفاء ألا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله أبداً ، المقصود من هذا أن الوفاء بالمحبَّة من تمامها النصح لله تعالى .
قال الأحنف: " الإخاء جوهرةٌ رقيقة إن لم تحرسها كانت معرَّضةً للآفات ، فاحرسها بالكظم حتَّى تعتذر إلى من ظلمك ، وبالرضا حتَّى لا تستكثر من نفسك الفَضلَ ، ولا من أخيك التقصير " أي أن الأخوَّة جوهرة رقيقة ، سريعة العطب ، احفظها من أن تنكسر بالانتقاد ، أو بالشعور بأنك ممتنٌّ عليه ، أو بإحساسك أن أخاك مقصِّر في حقِّك ، أو أنه إذا أساء إليك اعتذر عنه حفاظاً على هذه الجوهرة . 3 ـ أن تكون شديد الجزع من المفارقة :
ومن آثار الوفاء بل من آثار تمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة ، نفور الطبع عن أسبابها ، كما قيل :
وجدت مصيبات الزمان جميعها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
***
فرقة الأحباب من أشدُّ أنواع المصائب في الدنيا .
قال ابن عُيينة : " لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنةً ما يُخَيَّلُ إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي "
الأخ الراقي ، الأخ الوفي ، المؤمن ، الصادق ، المحب ، المتواضع ، هذا إذا فارقك فإن حسرةً سوف تلسع القلب .
أن تكون شديد الجزع من المفارقة : 4 ـ ألا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك :
الآن من الوفاء أيضاً ألا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك ، لاسيما من يُظْهِرُ أولاً أنه محب ، فالناس يفسدون هذه العلاقات على الشكل التالي : يقول لك من أصدقاؤك ؟ تقول له : فلان صديقي ، والله إنسان طيِّب ، والله أحسنت الاختيار ، نِعم هذا الصديق ، حينما يمدحه لك تسَر ، تستأنس ، يقول لك : فعلاً صديق جيد ، وفي ، أخلاقه عالية ، سبحان الله لكن من يومين وجدت له موقفاً أحزنني ، سبحان الله وجدت له موقفاً ما كنت أصدِّقه عنه ، تقول له : غير معقول ، ماذا فعل ؟ يقول لك بعض عيوبه ، هذا اسمه فخ ، حينما أثنى عليه من أجل أن تصغي إليه ، لو بدأ بهذه المنقصة لما استمعت إليه ، من أجل أن يضمن أن تستمع إليه بدأ بالثناء ، وثنىَّ بالنقد ، فمن تمام الوفاء لصديقك ألا تستمع إلى أقوال الناس فيه .
فذلك من دقائق الحيل في التضريب ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً .
قال بعضهم : جاء رجل إلى حكيم فقال : قد جئتك خاطباً لمودتك ؟ قال : إن جعلت مهرها ثلاثاً فعلت - مودَّتي لها مهر – قال : ما مهرها ؟ قال : ألا تسمع عليّ بلاغةً ، ولا تخالفني في أمر، ولا تغُشَّني في نصيحة .
لا تستمع علي شيئاً ، ولا تخالفني في أمر ، ولا تغشَّني في نصيحة .
5 ـ ألا تصادق عدوَّ صديقك :
الآن من الوفاء ألا تصادق عدوَّ صديقك ، لك عدوٌ لدود ، يتكَّم عنك أشياء غير صحيحة ، يلفِّق عليك ، صديقك المُحِب الوفي يصادقه ، سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: " أصدقاؤك ثلاثة : صديقك ، وصديق صديقك ، وعدوِّ عدوِّك ، وأعداؤك ثلاثة : عدوُّك ، وصديق عدوِّك ، وعدوُّ صديقك " . فالإنسان ليس له حق أن يصاحب عدو صديقه لأن هذا من عدم الوفاء هذا هو الحق السابع ، بقي الحقُّ الثامن والأخير . التخفيف وترك التكلُّف والتكليف :
الحقُّ الثامن عنوانه : التخفيف وترك التكلُّف والتكليف وذلك بألا يكلِّف أخاه ما يَشُقُّ عليه ، نحن غداً إن شاء الله سنأتي لنتغدَّى عندك ، سمِّكها ، ما هذا ؟ هذا تكليف ، الإنسان بين عُسر ويُسر ، بين ضيق وتوسعة ، قد يكون غير مشغول ، قد تكون امرأته مريضة، قد يكون في بيته مشكلة ، قد يكون ميسور الحال ، أخي فلان الله عزَّ وجل ميسِّر أموره ، صحيح لكن قد يكون عنده في البيت مرض ، زوجته قعيدة الفراش ، من يطبخ ؟ قد يكون في مشكلة ، فأحياناً في البيت تجد مشكلات ، ابنته مخطوبة والخطيب لم يظهر ، يا ترى وافقوا أم لم يوافقوا ؟ هناك تشويش في هذا البيت ، أخي غداً الغداء عندك ، سمِّكها ، التخفيف وترك التكلُّف والتكليف .
بالعكس يجب أن تخفِّف عنه ، يجب ألا تحمِّله عبئاً ، يجب ألا تستمدَّ من ماله ولا من جاهه ، يجب ألا تكلِّفه التواضع لك ، والتفقُّد لأحوالك ، والقيام بحقوقك ، لا تكلِّفه ، أخي أنا أليس لي حق عليك ؟ اعزمنا ؟ أنت تكلِّفه بما لك عليه من حق ، أنا ألم أعمل لك عزيمتين سابقاً ؟ يظهر أن هذا لم يبين معك ؟ هذا تكليف ، يجب أن تحبَّه لله تعالى فقط ، كلَّما كان إيمانك أرقى كانت مؤونَتُك أخف ، لو عملت له ثلاثين عزيمة لا تطالبه بأية بعزيمة ، لو خادمه مليون خدمة ، ألم تخدمه لله ؟ انتهى الأمر . .
((اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله ، فإن أصبت أهلَه أصبت أهلَه وإن لم تصب أهله فانت أهلُه))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخه]
أنت ألم أهدك هديَّة قديماً بمناسبة زواجك ؟ أنا جاء لي مولود ولم تهدني يا أخي، أنت هكذا تطالبه بحقوق وقد يكون هو في عسر ، قد لا يملك ثمن الهديَّة .
فملخَّص الكلام أنه إذا كان لك أخٌ في الله يجب أن تخدمه لله ، من دون أن تنتظر أن يردَّ عليك بخدمةٍ مشابهة ، يجب ألا تستغل مودَّته بأخذ ماله ، ولا استعارة جاهه ، ولا أن تكلِّفه ما لا يطيق ، ولا أن تكلِّفه أن يتفقَّد أحوالك ، ولا أن يفي بحقوقك ، هذا كلُّه من ضَعْفِ الإيمان ، أنا ذاهب إلى المكان الفلاني هل تريد شيئاً ؟ نعم والله انتظر قليلاً عندي قائمة ، أعطاه قائمة تحتاج إلى خمس ساعات ، هذا أخونا ذاهب إلى محل يمكن أن يكون معه بضاعة ، أنت بهذا كلَّفته شيئاً فوق طاقته ، قل له: والله ممنون جداً ، شكراً ، لا تكلِّف ، يكون الإنسان ذاهباً إلى مشوار يجد التكاليف صارت فوق طاقته ، تحتاج إلى وقت عشر ساعات وهو ذاهب ليوم واحد، صار الحجم غير مقبول ، إنسان مسافر إلى بلد فأعطوه أغراضاً تحتاج إلى حقيبتين ، هو له عشرون كيلو ، والدفع بالعملة الصعبة ، هذا غير معقول ، لا تُكَلِّف أحداً فوق طاقته .
أمَّا لك أن تُكَلِّفه أن يدعو لك فهذه مقبولة ، لك أن تكلِّفَه أن يدعو لك ، لك أن تستأنس بلقائه ، لك أن تستعين به على أمر دينك ، أخي ادع لنا ، هذا من حقِّ الأخوَّة ، والله أنا آنس بك لو تزورني ، تدعوه لزيارتك ، أو زره ، أو استعن به على أمر دينك ، هذا مباح .
تقرَّب إلى الله بخدمته ، تقرَّب إلى الله بأداء حقوقه ، تقرَّب إلى الله بتحمُّل مؤونته ، هذا هو الأخ في الله ، قال بعضهم : " من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم "
لك محل وله محل ، زرته في محلَّه اشتريت حاجة فقال لك : ليست بحاجة ، ليس لها قيمة خذها ، الثاني لم يزرك في محلَّك ولم يأخذ شيئاً أبداً دون مقابل ، إذاً أنت اقتضيت منهم ما لا يقتضونه منك ، ليس هذا من أخلاق المؤمن . ." من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم ، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم "
أنت خدمته خدمة ، بعد أسبوعين كلَّفته بخدمة مشابهة ، أتعبته ، إذاً صارت هذه عمليِّة دين ووفاء ، لم تفعل هذا لله . ." من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم ، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم ، ومن لم يقتض فهو المتفضِّل عليهم "
اخدمهم وإذا كان بالإمكان ألا تطالبهم بشيء فافعل ، فقد تفضَّل عليهم ، وقال بعض الحكماء : " من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثِمَ وأثِموا " من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا :
نبينا صلى الله عليه و سلم هل في الأرض من هو أرقى منه ؟ هل في الأرض من هو أكمل منه ؟ من هو أقرب إلى الله منه ؟ من هو أعظم منه ؟ لا ، كان مع أصحابه ، أرادوا أن يذبحوا شاةً ليأكلوها ، قال أحدهم : عليَّ ذبحها ، قال الثاني : عليَّ سلخها ، قال الثالث: عليَّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " وعليَّ جمع الحطب "
يا رسول الله نكفيك ذلك ، قال : " لا ، إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه" .
يكون الإنسان تافهاً يذهب نزهة مع إخوانه فيقول لهم : أنا تعبان أريد أن أرتاح ، يشترون الأكل ، ويطبخون ، ويقدِّمون الطعام ، تفضَّل ، يستيقظ ويأكل نعرف أنك تعبان !! يأكل وينسحب كأنه غير مكلَّف بشيء ، هناك أناس مكلَّفون بالخدمة ، وبغسيل الأطباق ، ليس هذا من أخلاق المؤمن ، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحق قال : " إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه"
سيدنا الصديق رضي الله عنه وقع زمام ناقته وأصحابه حوله ، فنزل من على ناقته ليلتقط الزِمام ، تعجب أصحابه ، يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك ؟ قال: " لا ، سمعت حبيبي رسول الله يقول : " لا تسألوا الناس شيئاً "
فأحياناً الإنسان يكون مريضاً ، قعيد الفراش ، إذا كلَّف أخوه بحاجة هذا شيء مشروع ، أما ما دام بقوَّته ، اقض حاجتك بيدك فهذا شكر قوَّتك . .
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
سيدنا رسول الله في معركة بدر عندماً وجد الرواحل قليلة قال : " كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة " ركب النبي على راحلته ، انتهت نوبته في الركوب ، جاء دور عليّ وأبي لبابة فتوسَّلا إليه أن يبقى راكباً ، قال: لا .
قدم رسول الله لعدي بن حاتم الطائي وسادة من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، قال لعدي : اجلس عليها ، قلت: بل أنت ، قال: بل أنت ، قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض ، هذه النبوَّة .
من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا . . أثمَ لأنه رفع نفسه فوقهم ، وأثِموا لأنهم لم ينصحوه ، أوهموه أنه هو بهذا المستوى ، ما دام إخوان من نفس المستوى فليقولوا له : قم عاونا ، إذا سكتوا معنى هذا أنه أعلى مستوى ، أوهموه . . أثِمَ وأثِموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سَلِمَ وسلِموا . من تمام التخفيف طيُّ بساط التكليف :
وتمام التخفيف طيُّ بساط التكليف ، حتَّى لا يُستحيا منه ، قال الجنيد : " ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ".
أبشع عادة بالأسر مثلاً يدخل الصهر إلى بيت عمِّه يرحِّبون به ، يحترمونه ، يدلِّلونه كذلك هو يتأدَّب معهم ، يذهب إلى البيت فيقول لزوجته : كان الجبن مالحاً زيادة ، والزيتون كان قليلاً في الصحن ، والبيض كان مقلياً بسمن نباتي و ليس بالسمن البلدي ، ينتقد هذا الطعام لزوجته ، تخجل ، تعاتب أمها ، يظهر التكلَّف ، معنى هذا أنه ينتقد ، معنى هذا أنه يراقبنا مراقبة دقيقة جداً ، يصير هناك جفاء ، إذا كنت بطلاً لا توجد حالتين بل حالة واحدة ، هناك تكلُّف لا تزرهم ، تحبُّهم ارفع التكلُّف ، هكذا المؤمن ، انتقاد ، تكون الزوجة مسكينة فتتحطَّم ، زوجها ينتقد أهلها ، تدافع عن أهلها يقول لها : لا تدافعي ، ألم أقل لكِ أن أهلك لا يوجد بهم ذوق ، شيء يحيِّر ، إن سكتت لا يسكت ، وإن دافعت يمنعها من المدافعة ، هذه كلها أخلاق الجهل ، أخلاق الجاهليَّة . .
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
والله الذي لا إله إلا هو لا يتعلَّق بالسفاسف مؤمن ، هذه سفاسف .
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تمرةٌ كانت تَسُدُّ رمقهما ، وضع لك العشاء ، فمعنى هذا أنك غال عليه ، هذا الذي عنده ، كأن هناك فواكه لم يضعوها لي ، في البراد أنا رأيتهم ، فتحت لأحضر الماء فرأيتهم في البراد ، ما هذا الصهر ؟ " ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ". شرُّ الإخوان من تتكلَّف له :
وقال عليٌّ رضي الله عنه: " شرّ الأصدقاء من تكلَّفت له " هذا شر الأصدقاء .
كان لي صديق يحضر من بلد مجاور فيحضر مجلس علم ، ينام عندي أحياناً ، يقول لي : الذي عندك قدِّمه لي ، تجد أنه مسرور جداً ، لو طرق بابي دائماً لا أنزعج أبداً ، ظله خفيف ، الموجود أضيفه منه ، ينام بالمكان المُتاح ، الطعام الموجود أضيفه فيه ، لا أشعر بثقل أبداً من مجيئه لأنه رافع التكليف ، كنت أزوره في بلده الشيء نفسه يفعله ، الموجود يضعه لي ، هكذا المودَّة تدوم ، أحياناً يكون هناك سهرات ، هذا وضع كاس شاي ، وفي المرة الثانية وضع كعكة وشاي ، و في الثالثة وضع أرزاً بحليب ، وفي الرابعة عمل قشطة ، وبعد هذا عشاء ، وبعد هذا عشاء وحلويات ، وبعد هذا وقف الدور ، التغى الدور كله ، غير معقول أن يستمر هذا ، اجعل الموضوع عادياً جداً ، اجعل اللقاء هو أهم شيء ، اللقاء هو الأهم ، التكلُّف يمنع الألفة ، لا تتكلَّف ، كن طبيعياً ، تتكلَّف مرَّة فلن تستطيع أن تعيدها مرَّة ثانية ، وإذا تكلَّفت هذا المرَّة قد يكون الذي أكرمته دخله محدود لا يتحمل أن يقدم لك مثل هذا العشاء ، هذا العشاء سيُذْهِبْ بنصف معاشه ، أنت آذيته وقطعت علاقته معك ، كن طبيعياً ، عندك قهوة قهوة ، ما عندك شاي ، القهوة صارت غالية ، ما كان عندك قهوة ضع شاياً ، لا يوجد شاي ضع مليسة ، سكرة، قدم سكراً ، اجعل القضيَّة من دون تكلُّف هذا الذي يديم المودَّة . . شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ومن أحوجك إلى مداراةٍ . . يقول لك : أنا لا أتحمَّل كلمة . ويلجئك إلى اعتذارٍ . . ثلاث صفات : " شرُّ الإخوان من تتكلَّف له ، ومن أحوجك إلى مداراةٍ ، و ألجأك إلى اعتذارٍ " .
معنى هذا الأخ الراقي لا تحتاج أن تتكلَّف له ولا أن تعتذر إليه ، يعرفك محباً انتهى ، والله أنا لم أقصد هذه الكلمة ، لا تغضب ، على كل حال لابأس ، تجد أنه يكسِّر ويقول: مشي الحال ، أتحبُّه ويحبُّك انتهى الأمر ، أما هذا التدقيق فهذا من صفات الجاهليين ، قال له : " يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي " بدوي ضيَّع ناقته فوجدها فمن فرحته أخطأ ، قال له : " يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي " فالنبي عليه الصلاة و السلام قال : " لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته"
هناك شخص حقود لا يمررها أبداً ، يقول لك : أنت تكلَّمت هكذا بزمانك لا أنساها لك ، هذا شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ، وأحوجك إلى مداراةٍ ، وألجأك إلى اعتذار .
وقال الفضيل : " إنما تقاطع الناس بالتكليف "
قلت لكم ذات مرَّة : إن دوراً استمرَّ سبعة عشر عاماً ، كل يوم ثلاثاء ، استغربوا لأن الأدوار كلها تنتهي بعد سنة أو سنتين ، اقصى شيء سنة ، فالتكلُّف يقطعها ، سبعة عشرَ عاماً قال أحدهم : ما سبب ذلك ؟ قالوا : لأنه لا يوجد غيبة ، ولا نساء ، ولا تَكَلُّف ، لا تكلُّف ولا غيبة ولا نساء ، إذا كان هناك نساء انتهى ، صار هناك حرام و معصية و اختلاط ، نظرتِ إليه ، والله لم أنظر ، يعمل لها مشكلة في المساء ، أنتَ عينك عليها ، شيء يقرِّف ، هذه علاقات أهل الدنيا ، أما المؤمنون فلا يوجد عندهم اختلاط ، لا يعرف أحداً . . إنَّما تقاطع الناس بالتكليف . . يزور أحدهم أخاه فيتكلَّف له فيقطعه ذلك عنه .
وقالت عائشة رضي الله عنها : " المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه " ما معنى يغتنمه؟ أي يستغلُّه ، يقول : هذا مُدْهِن ، ترفَّع ترقى عند الله ، الذي أعطاه يعطيك ، إيَّاك أن تجلس إليه فتذلَّ نفسك أمامه . ." لا يغتمنه ولا يحتشمه"
كذلك يجلس بوقار فوق الحد المعقول ، خذ راحتك قليلاً وانفرد ، هذا أخوك .
وقال الجنيد : " ما تواخى اثنان في الله واحتسم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلَّةٍ في أحدهما "
قال لي أحدهم البارحة ، ركب معي ، حكيت له حديثاً قدسياً فدمعت عينه وقال لي: جزاك الله خيراً ، ركبت معك وآنستني بهذا الحديث ، قلت له : والله شيء طبيعي ماذا نتحدَّث إذاً ؟ قال لي : البارحة ركبت مع إنسان على قدر ما استعلى بسيَّارته وعلى قدر ما تكبَّر ونظر لي شزراً ، قال لي : والله هممت مرَّات عديدة لأقول له : قف لأنزل ، لم أتحمَّل ، ما تكلَّم ولا كلمة ، لأنه ركَّبه بالسيارة وأوصله ، هذا الكبر أعوذ بالله . .
وانظر إلى الأكحال وهي حجارة ٌ لانت فصار مَقَرُّها في الأعينِ
* * *
الابتعاد عن التكلف و التحفظ :
والله يا أيها الأخوة الأكارم . . . على قدر ما تواضعت تعلو عند الله وعند الناس والمتكبِّر محتقرٌ في نظر الله ، لا توجد صفة أبشع من التكبُّر ، على ماذا ؟ من أنت ؟ نطفةٌ أولك وجيفةٌ آخرتك ، بعد الموت ، وأي غلطة في حياتك تجد أن الإنسان فقد حواسّه ، بحصة في الكلية لا تنام منها الليل ، ويطلب لك الإسعاف . وقيل لبعضهم : من نصحب ؟ ، قال : " من يرفع عنك ثِقَل التكلُّف وتسقط بينك وبينه مؤونة التحفُّظ " التحفُّظ كذلك مشكلة ، تكون خائفاً أن تتكلَّم بكلمة فينتقدك عليها ، ما هذه الحياة ؟ ما هذه الصداقة والمودَّة ؟ خائف ، تكلَّمت بكلمة رأيت أنه سكت ، هل هناك شيء ؟ لا ، لا يوجد ، حزنت مني ؟ لا لم أحزن ، أما المؤمن فلا يوجد عنده هذا ، ما دام وقعت المحبَّة ارتفع التكلُّف ، ذكر اسمك ولم يقل أستاذ ، لم يوقِّرني ولم يعرف قيمتي ، نسي يقول لك أستاذ ، ماذا قال لك : أبو فلان ، لماذا غضبت كل هذا الغضب ؟ الله عزَّ وجل ذكر كنية واحدة في القرآن الكريم فقال :
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد : 1]
ما ذكر غيرها ، أما يا يحيى ، يا زكريا ، يا عيسى ، أحبابه الأنبياء بأسمائهم أما عدوه فبكنيَّته . . ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد : 1]
إنسان ما أحب أن يقول لك : أستاذ فناداك باسمك ، قال لك : أبو فلان ، لابأس ، نسي اسم ابنك فناداك باسمك ، كذلك التحفُّظ يقطع المودَّة .
جعفر الصادق رضي الله عنه يقول: " أثقل إخواني علي من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي "
أحدهم ذهب إلى مكان ما فأخذ معه رفيقه ماذا أخذت معك ؟ والله عندنا قليل من البرغل فأخذناهم مع صحن مخلَّل ، والله هذا لذيذ ، أكل معك ، فعلامة الصديق الناجح من إذا كنت معه كأنك وحدك ، زارك ضيف ، إذا كان هذا الضيف فيه تكُّلف يجب أن تلبس ، لا تقدر، تلبس ثوباً أبيض نظيف استقبلته فيه ما الذي حصل ؟ أخي ما عرف قيمتي ، ما ذهب ولبس ، " أثقل إخواني عليّ من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه ، وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي " هذا أعظم أخ .
وقال بعض الصوفيَّة : " لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده بِدِرٍ ، ولا تنقص عنده باثمٍ ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء ، وإنما قال هذا لأن به يتخلَّص عن التكلُّف والتحفُّظ ".
إذا إنسان نام عند صديقه فاستيقظ بعد الشمس ، يجب أن تعذره ، فهو متعب ، أين صلاة الصبح أذهبتها ؟ هكذا المؤمن ؟ فاستحى على حاله ، و لن يزورك أبداً ، الإنسان تصير معه ، النبي مرَّة صلاها لكي يعلِّمنا أنه ممكن لإنسان مرّ بأمر قاهر إذا نام الساعة الثالثة و لم يستطع أن يستيقظ ليصلي الصبح لأن ابنه لم ينم طوال الليل ، فاستيقظ فرأى الشمس قد طلعت ، لا تتكلَّم ولا كلمة ، لأن هذا يصير معك أيضاً .
الصاحب الحقيقي هو من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر إليك إذا أسأت :
قال بعضهم : " كن مع أبناء الدنيا بالأدب ، ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت"
مثلما تريد لأن التكلُّف مرفوع . لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، و يعتذر إليك إذا أسأت ، هو الذي يعتذر عنك ، أحياناً تخدم إنساناً وتقول له: لا تؤاخذنا ، كيف أفعل هذا وأنت الذي خدمتني ؟ آخذ على لسانه لا تؤاخذنا من تواضعه ، يخدمك ويقول لك : لا تؤاخذني من كرم أخلاقه ، إذاً : " لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، ويحمل عنك مؤونة نفسك ويكفيك مؤونة نفسه"
رجل قال للجنيد: " قد عزَّ الأخوان في هذا الزمان . . لم يبقَ أخ صديق وفي . . أين أخٌ لي في الله ؟ " ، الجُنيد أعرض عنه حتى أعاده ثلاثاً ، فلمَّا أكثر ، قال له الجنيد : " إن أردت أخاً يكفيك مؤونتك ويتحمَّل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخاً في الله تحمل أنت مؤونته وتصبر على أذاه فعندي منهم الكثير"
لا تقل لا يوجد ، الأخوان في الله كثير ، ولكن لا تطلب منه يخدمك ويتحمَّل أذاك، إذا كنت تريد إنساناً تخدمه وتتحمَّل أذاه يوجد منه كثير ، ما أكثرهم فسكت الرجل .
العلم يحتاج إلى جهد و مُدارسة و مذاكرة :
هذا الموضوع له تتمَّة طويلة ننهيها في الدرس القادم إن شاء الله ، على كل أنا متأكِّد أنكم في أثناء الدرس تستفيدون من هذه المعلومات ، ولكن لو أن أحداً منكم سأل نفسه بعد شهر عن هذا الموضوع . . عن الحق الثامن . . كم يذكر منه ؟ أغلب الظن لا يذكر شيئاً، إذاً العلم يحتاج إلى مُدارسة ، فإذا إنسان عنده وقت فراغ واشترى هذا الكتاب وبدأ يراجع الذي يسمعه ، القراءة المتكرِّرة مع التجارب اليوميَّة هذا ربَّما يقلب هذه الحقائق إلى سلوك ، إلى عادات ، إلى خُلُق ، فالمقصود ليس إعطاء معلومات ، العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له إلا إذا طُبِّق ، مهما أتحفتكم بأفكارٍ دقيقة من هذا الكتاب ، والله الذي لا إله إلا هو لا وزن لها عند الله أبداً ما لم تنقلب إلى أخلاق تعيشونها ، وعادات تتبعونها .
فلذلك الإنسان إذا أراد أن يكون طالب علم حقيقي ، عندما كنَّا في الجامعة كان عندنا نظام للاستماع وطالب نظامي ، بقي أربع سنوات يعطى المستمع شهادة خاصَّة لا قيمة لها ، مستمع ، أما الطالب النظامي فعليه امتحانات ، و مذاكرات ، و أعمال كتابيَّة ، و تقارير، و أطروحة ، وأشياء دقيقة جداً ويُحاسب حساباً خاصاً .
فنحن الاستماع فقط لا يفيد ، الكتاب موجود في الأسواق ، فإذا إنسان حاول أن يراجع هذا الموضوع لوحده في البيت يتذكَّر كل تعليق علَّقت عليه أنا ، كل تعليق علَّقت عليه يتذكَّره ، فالذي أرجوه أن تكون هذه الحقائق عاداتٍ ، أخلاقاً ، سلوكاً نعيشه ، إذا فعلنا هذا والله كان المجتمع كالبنيان المرصوص ، هذه أخلاق ثمينة جداً ، هذه حقوق إذا أحب الواحد أن يطبعها لوحدها كرسالة حقوق الأخوة في الله والله شيء جميل ، عمل طيِّب ، إذا إنسان أخذ من الكتاب حقوق الأخوَّة في الله وطبعها ووزَعها مجَّاناً يكون قد أدَّى خدمة كبيرة ، هذا الفصل لوحده موضوع .
فالواحد لا يكتفي بالسماع ، العلم يحتاج إلى جهد ، إلى مدارسة ، إلى مذاكرة ، إلى مراجعة ، إلى تطبيق ، حتَّى أن بعضهم أخذ هذا الموضوع - الحق الثامن - وسجِّل عنده النقاط الرئيسة ، في آخر الجمعة يقول : ماذا طبَّقت منه ؟ عمل زيارات أو زاره أقرباؤه هل طبَّق هذه المعلومات ؟ رفع التكلُّف ؟ لم ينتقدهم أبداً ؟ ما حاسب حساباً دقيقاً ؟ ما تحفَّظ ؟ ما أوجس الناس منه ؟ أما كمعلومات فليست لها قيمة ، إنسان توفي فترك مئتي مؤلَّف ، فلمَّا سأله تلميذه في المنام قال له : يا سيدي ماذا فعل الله بكَ ؟ قال له : طاحت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا رُكَيْعَات ركعناها في جوف الليل .
إذاً العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له ، العلم ليس مطلوباً لذاته إنما هو مطلوبٌ لأن تعمل به ، ومن عمل بما علم علَّمه الله ما لم يعلم ، ولن تكون عالماً حتَّى تعلم ما علمت ، تعلَّموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتَّى تعملوا بما علمتم ، أي لو أنك فعلت مع أخيك المؤمن حالةً من هذه الحالات لكان هذا أفضل لك من حفظ هذا الكتاب كُلِّه ، لو حفظته كلَّه أقول لك كما قال الغزالي: " زادت نسخة " ، في السوق على مستوى القطر فرضاً توجد ثمانية آلاف نسخة ، لو حفظته غيباً خلال خمسة أعوام لقلت لك : زادت نسخة ، فلو طبَّقت بعض أحكامه لارتقيت عند الله عزَّ وجل فالعبرة بالتطبيق ، أما الحفظ وحده فلا يكفي .

السعيد 09-12-2018 08:31 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و السبعون )

الموضوع : قضاء رمضان - ليلة القدر- الاعتكاف - سنن عيد الفطر





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
رمضان والأساليب الشرعية لقضائه :
أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا هو الدرس الأخير لهذا الشهر الكريم ، أردت أن أجعل فيه بعض الموضوعات الفقهية التي نحن في حاجةٍ إليها في هذه المناسبة .
أولاً : مع انقضاء هذا الشهر الكريم قد يسأل سائل :
- من اضطر أن يفطر في رمضان .
- كيف يتم القضاء ؟
- قضاء رمضان لا يجب على الفور ، بل يجب وجوباً موسَّعاً .
- في أي وقتٍ وكذلك الكفَّارة ، الكفارة صيام ستين يوماً متتابعة .
- لو أن الإنسان أفطر في رمضان عَمْدَاً فعليه القضاء .
- لو قارب أهله فعليه الكفارة .
- والكفارة إعتاق رقبةٍ أو صيام ستين يوماً ، أو إطعام ستين مسكيناً .
إعتاق رقبةٍ فمن لم يجد ، فصيام ستين يوماً ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ، فهذه الكفارة على الترتيب لا على التخيير ، إن لم تجد أن تعتق رقبةً فلا بدَّ من الصيام أولاً ، فصيام الكفارة وقضاء ما فاتك من رمضان لسببٍ أو لآخر ، هذا لا يجب على الفور ، بل يجب وجوباً موسَّعَاً .
وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ولم تكن تقضيه فوراً عند قدرتها على القضاء ، والقضاء مثل الأداء ، أي لا يوجد فيه ربا ثلاثة أيام ثلاثة أيام ، خمسة ، خمسة ، والقضاء مثل الأداء ، بمعنى أن من ترك أياماً عليه أن يقضيها دون أن يزيد عليها ، كفرض ، كأيامٍ أفطرتها من رمضان بعذر تقضيها بالعدد بالتمام والكمال ، يفترق القضاء عن الأداء ، معنى الأداء ، من صام رمضان في رمضان فهذا أداء من صام أياماً فاتته من رمضان في شهرٍ آخر فهذا قضاء ، تعبير فقهي ، يفترق القضاء عن الأداء في أنه لا يلزم فيه التتابُع ، في رمضان يجب التتابع ، أما في القضاء لا يجب التتابع ممكن أن تعمل بالأسبوع يوم واحد ، بالأسبوع يومين ، بالشهر يوم ، لقول الله عزَّ وجل :
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 185 ]
مُطْلَقَة ، أي ومن كان مريضاً , أو مسافراً , فأفطر فليصُم عدةً أيامٍ التي أفطر فيها في أيامٍ أُخَرى ، متتابعاتٍ أو غير مُتتابعات ، فإن الله أطلق الصيام ولم يُقَيِّدُهُ .
وروى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان : (( إن شاء فرَّق وإن شاء تابع ))
أنت في التخيير ، لكن من أَخَّرَ القضاء حتى دخل رمضان آخر ، هنا في موضوع خِلافي ، بعض المذاهب :
- توجب أن تقضي ما فاتك من رمضان بعد أن دخل رمضان آخر مع الفدية .
- وبعضهم قال : لا فدية عليه .
- وفي رأي ثالث يجمع بين الرأيين إذا كان عدم التَمَكُّن , إذا كان عدم الصيام بسبب عدم التمكن فلا فدية عليه ، أما إذا كان في تقصير وفي تهاون , ومرت أيامٌ طويلةٌ وأشهرٌ عديدة ، وكنت في أتمّ الصحة ، وكان الوقت شتاءاً والنهار قصيراً , ولم تصم ، فهذا إهمالٌ شديد ، فإذا في عذر لا فدية ، إذا ما في عذر في فدية ، هذا الرأي يجمع بين الرأيين .
الإمام مالك والشافعي قال : أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر .
والإمام أبو حنيفة قال : لا فدية عليه مُطلقاً .
في سؤال صغير : أنه من مات وعليه صيام ولم يقضه ، أجمع العلماء على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة ، فإن وليَّهُ لا يصلي عنه هو ولا غيره ، كمن صار معه مرض وتوفي وفي دواء لهذا المرض ، فمات ، نكلف واحد يأخذ الدواء عنه ، مات وانتهى , هذا الدواء لذاك ، كل إنسان له حالة خاصة ، العلماء أجمعوا على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة فإن وليَّه لا يصلي عنه هو ولا غيره ، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحدٌ أثناء حياته .
فإن مات وعليه صيام ، وكان قد تمكَّن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه ، في عليه صيام ، ووافته المنية ، وكان بإمكانه أن يصوم ، كان بإمكانه أن يقضي ما فاته ، جاء رمضان صام ، ترك الصيام لمرضٍ شديدٍ سبعة أيام ثم صح من هذا المرض وتمتع بصحة تامة ، ووافته المنية بعد ذلك ، هذه الأيام السبعة التي وافته من رمضان ، ماذا يفعل بها أهله ؟
فقال : ذهب جمهورٌ من العلماء منهم أبو حنيفة , ومالك , والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه ، ويُطعم عنه مُدَّاً عن كل يوم ، ما دام في عليه سبعة أيام أفطرها في رمضان بعذر ، ومضى عليه أيامٌ واشهر كان فيها صحيحاً ولم يصم ، ووافته المنية ، وليه لا يصوم عنه ، لكن يدفع عنه كل يومٍ مُدَّاً عن كل يوم ، عند بعض الشافعية يستحب لوليِّه أن يصوم عنه ، هذا عند بعض الشافعية ، أما عند جمهور العلماء منهم أبو حنيفة ومالك أنه لا يصوم عنه وليه بل يطعم عنه مسكيناً كل يوم .
شيءٌ آخر ؛ اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويَقْصُرُ ليلها ، في بعض البلاد في المنطقة الشمالية قد يزيد نهارها عن عشرين ساعة ، وقد يقل ليلها عن أربع ساعات ، هذا الموضوع عولج كثيراً ولا يزال الناس يُدلون فيه بآرائهم ، أرجح الأقوال أن تطبَّق على هذه البلاد التي يصعب فيها الصوم بهذه المدة الطويلة توقيت مكة المكرمة التي أُنزل فيها التشريع ، وبعضهم يرى أن البرد الشديد ، يعين الإنسان على الصيام مع طول المُدة فهناك تناسب ، ونحن نلاحظ في الأيام المعدلة الصيام سهل جداً ، إذا الطقس معتدل الإنسان لا يخسر من مائه كثيراً ، أما في الأيام الحارة جداً يصبح الصيام عسيراً أو صعباً ، فلذلك كلما ارتفعنا نحو الشمال كان الجو رطباً وبارداً ، وهذا مما يُعِينُ على الصيام ، بعضهم قال : مكة أو المدينة ، وبعضهم قال : أقرب بلد إسلامي يطيق أهله الصيام في توقيته . أهمية ومكانة ليلة القدر :
وبمناسبة كون هذه الليلة هي ليلة القدر ، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
[ سورة القدر ]
ألف شهر ثمانين سنة ، بعض العلماء وجَّهوا هذه الآية : أنك إذا عبدت الله ثمانين عاماً عبادةً تامةً ، وحَصَلَت لك ليلة القدر ، بمعنى أنك عرفت الله ، وقدَّرته ، وعرفت عظمته , وغناه وقوته ، وعلمه ، وعرفت أحقية شريعته ، وعرفت لماذا خلقك ، فهذه المعرفة تنقُلك من مرتبة العُبَّاد إلى مرتبة العُلَماء ، من هنا كانت ليلة القدر ، فلا ترقى عند الله إلا بعلمك ، إلا بمعرفتك إلا بإقبالك ، أما أن تطبِّق الشريعة تطبيقاً شكلياً أو صورياً وأن ساهٍ ولاهٍ ، هذا ليس مطلوباً فلذلك : ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
[ سورة القدر ]
لأن العوام يقولون : " ضربة المعلم بألف " ، فالذي يعرف ، هذا إذا صلى ، هذا إذا فعل ، هذا إذا عمل صالحاً ، هذا إذا دعا إلى الله ، لذلك :
" ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه " .
" يا بني الناس ثلاث ؛ عالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كُميل أن تكون منهم " .
إما أن تكون عالماً ربانياً ، وإما أن تكون مستمعاً على سبيل النجاة ، وإما أن يكون هذا الإنسان من الهمج الراع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم .
قال : يستحب طلبها في الوَتْرِ من العشر الأواخر من رمضان ، في الوتر ، واحد وعشرين ، ثلاثة وعشرين ، خمسة وعشرين ، سبعة وعشرين ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان ، وتقدَّمَ سابقاً أنه إذا كان دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ الأهل وشدَّ المئزر ، شد المئزر كنايةٌ عن أن هذه الأيام أيام سباق فلذلك لا ينبغي أن ينشغل الإنسان فيها حتى في المُباحات ، أي كنايةٌ عن اعتزال النساء .
للعلماء آراءٌ في تعيين هذه الليلة ، منهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين ، منهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ، منهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين ، منهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين ، ومنهم من قال : إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين ، أي هذه الليلة بالذات .
روى أحمدٍ بإسنادٍ صحيح , عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ))
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
وروى أحمد وابن ماجة والترمذي وصحهَهُ , عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ))
هذا هو الدعاء المُختار في هذه الليلة ، اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فأعفو عني يا كريم . تعريف الاعتكاف :
موضوع الاعتكاف هو أن تبقي في المسجد بنيَّة التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، فأنا أؤكد لكم أن جلوسكم في هذا المسجد اعتكاف ، ليس لك مصلحةٌ في هذا البقاء إلا في سبيل معرفة الله ، فالجلوس في المسجد بنية التقرب إلى الله عزَّ وجل هو تعريف الاعتكاف ، الاعتكاف بالبيت لا يسمى اعتكاف يسمى انقطاع لله عزَّ وجل ، يسمى قنوت ، أما في المسجد يسمى اعتكاف لقوله تعالى :
﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
يستحب للمُعْتَكِفِ أن يكثر من نوافل العبادات ، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح ، والتحميد ، والتهليل والتكبير ، والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، والدعاء ، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العِلْمِ ، واستذكار كتب التفسير والحديث ، وقراءة سير الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين ، إذاً حينما تأتي إلى المسجد لتصلي ، أو لتقرأ القرآن ، أو كي تسبِّح ، أو تُحَمِّد ، أو تهلل ، أو تُكَبِّر ، أو تستغفر , أو تصلي على النبي ، أو تدعو ، أو أن تقرأ كتاب تفسيرٍ ، أو كتاب حديثٍ ، أو سيرة الأنبياء والصالحين ، أو كتابٍ فقهٍ ودين فهذا كله من مُسْتَحِبَّات الاعتكاف .
فأنت في الدنيا لكسب الرزق ، دخلت إلى المسجد لتنقطع عن الدنيا إلى الله ، هذا الاعتكاف ، لذلك في بعض المساجد يكتبون عليها :
" نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه "
فأنت الآن معتكف ، وانتظارك الدرس أنت في اعتكاف ، إذا سبَّحت الله فأنت معتكف ، إذا مجَّدته ، إذا حمدته ، إذا كبَّرته ، إذا ذَكَرْتَهُ ، إذا قرأت كتاب الله ، إذا صلَّيت إذا قرأت كتاب تفسير ، كتاب حديث ، كتاب فقه ، كتاب ديني ، كتاب سِيَر ، كتاب سيرة نبوية فأنت معتكف .
سيدنا رسول الله خرج من معتكفه لتوديع أهله .
فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))
[ من صحيح البخاري : عن " صفية بنت حيي ]
إذا رسول الله هكذا فكيف نحن ؟ هو فوق الشبهات ، معصوم ، يوحى إليه ، سيِّد البشر سيد الأنبياء خاف على صاحبيه أن يوسوسَ لهما الشيطان شيئاً ، من هذه التي معه ؟ إذا أنت بوضع وضح ، هذه زوجتي ، إذا الإنسان أخذ زوجته يكون معه ابنه أفضل ، لأن الابن ينفي الشبهة ، قد يسئ الإنسان فهمه ، أحياناً يسافر الإنسان ، فيكلف ابن حماه أو أخ زوجته يطل بغيابه على اخته التي هي زوجته ، لا يعرفونه الجيران من هو ، والله واحد وهو غايب دخل جلس ساعتين ثم ذهب ، جاء مرتين ثلاثة ، وَضِّح يا أخي ، وضح أن هذا ابن حمايا ، هذا أخو زوجتي ، أنا كلفته الله يجزيه الخير ، البيان يطرد الشيطان ، وضِّح ، اجعل هذا مبدأك كل شيء أبقيته عالق قد يأتي خبيث فيسئ الظن بك ، ويروِّج هذا بين الناس ، فتتألم أنت , لأنك وضعت نفسك موضع التهمة ، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك وضِّح .
قال لي شخص : رجل متدين في محل تجاري ، ويعلم أن صاحب هذا المحل أيضاً متدين ، جاءت امرأةٌ قالت له : اشتقنا لك ، قال لها : والله نحن أيضاً اشتقنا لك ، ما هذا قال له : هذه أخته ، وضح هذه أختي ، كلمة مشتاقين لا تتكلم مع زبونة ، بلغ يا أخي ، والله هذه أختي ، لتشتري قطعة من القماش ، هكذا رسول الله علمنا .
عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم ]
قال الشافعي الله يرضى عنه : حُكِيَ عن الشافعي أن ذلك كان منه شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ لكفرا ، خاف عليهما ، لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ كفرا ، هو يعرف نفسه فبادَرَ إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا .
وقال الشافعي رضي الله عنه :
" إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء " .
فيجوز الخروج من المعتكف ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، فأجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه لقضاء حاجةٍ ، لأن هذا لا بدَّ منه ، وفي معنى الحاجة أن يأكل ويشرب ، وإن بغته القيءُ ليقيء ، وكل ما لا بدَّ منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه ، وهذا لا يفسد اعتكافه ، يبطل الاعتكاف أن تخرج من المسجد لغير حاجةٍ عمداً وإن قَل ، ويبطله الردة لمنافاتها للعبادة ، ويبطله ذهاب العقل , ويبطله الوطءُ لقوله تعالى : ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
شروط وأحكام صلاة العيد :
شيءٌ آخر , عن صلاة العيد
شُرِعَت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة ، وهي سنةٌ مؤكدةٌ واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، معنى سنة مؤكدة أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها كثيراً وتركها قليلاً ، لو لم يتركها لكانت فرضاً ، والسنة غير المؤكدة معناها أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها قليلاً وتركها كثيراً ، فهي سنةٌ مؤكدة واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها أصحابه أن يخرجوا لها .
أولاً : يستحبُّ الغُسْلُ والتطيب ولبس أجمل اللباس ، فعن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بُردةً حبره في كل عيد ، فذا الواحد عنده طقم أجد طقم عنده ، هذا أيام العيدين ، للاحتفالات ، للزيارات الرسمية ، لأن الآن ينظر للإنسان من خلال ثيابه ، يقيم الإنسان في آخر الزمان من خلال ثيابه ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس ))
وعن الحسن السبط قال :
" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد ، وأن نتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحِّي بأثمن ما نجد " .
وكان عليه الصلاة والسلام يلبس لهما أجمل ثيابه ، وكان له حُلَّةٌ يلبسها في العيدين والجمعة ، الجمعة عيد أسبوعي والعيدين سنويين ، فأعياد المسلمين الفطر والأضحى , والجمعة .
يسن أكل تمراتٍ وتراً قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر ، وتأخير ذلك في عيد الأضحى حتى يرجع من المُصَلَّى فيأكل من أضحيته إن كانت له أضحية ، فالطعام في عيد الفطر قبل الصلاة ، وتناول هذه التمرات في عيد الأضحى بعد الصلاة .
وعن أنسٍ رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة في صحيحه ]
أي ثلاثة أو خمسة أو واحدة رواه أحمد والبخاري .
وعن بُريده ، كان النبي صلى الله عليه وسلَّم : (( لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ وَلا يَأْكُلُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ))
[ من مسند أحمد : عن " عبد الله بن بريدة عن أبيه ]
وقالت ابن قُدامة : لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلاف ، وذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد من طريقٍ والرجوع من طريقٍ آخر ، ما الحكمة من ذلك ؟ من أجل أن تجتمع بأكبر عددٍ من الناس ، هذا يوم اللقاء ، يوم المحبَّة ، يوم الصفاء ، يوم المودَّة ، ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة جعل هذين العيدين ، فأنت في العيد يجب أن تفرح ، يجب أن تُلْقِيَ الفرح في نفوس من حولك ، الأمور كلها مجمدة في العيد ، لا توجد مشكلات ، أو كسب رزق ، ولا يوجد تأمين حاجات ، وتأمين بضاعة ، وتأمين طلبات ، كله انتهى ، عندك أكلاتك في العيد وأنت معطل ، وأهلك مزيَّنين ، وأولادك لابسين ، فالمفروض أن يذوقوا منك حلاوة العيد ، المودة ، المحبة ، العبارات اللطيفة ، تأمين حاجات العيد بشكل زيادة عن الحد المألوف ، الأكلات الطيبة التي يحبها أولادك أمِّنها لهم ، ألبسهم مما يشتهون , هذا هو العيد ، وطبعاً هذا هو المعنى السائد ، له معنى أعمق من ذلك . المعنى الحقيقي للصوم الصحيح :
بصراحة أقول لكم : فإذا واحد مثلاً إذا كان في الجامعة وهو بالسنة الأخيرة , وفي عنده آخر مادة ونجح منها ، والفرع صعب جداً ، ونجاحه يترتَّب عليه ميزات كبيرة ، سوف يتعين مثلاً ، سوف يتقلَّد وظيفة عالية ، وسيستحق بعثة ، فتجده فرحان فرح حقيقي ، ما هذا الفرح ؟ هو النجاح ، أنت نجحت ، نجحت بهذه الشهادة ، فالنجاح طعمه طيِّب جداً ، إذا الإنسان صام ثلاثين يوم صيام صحيح ، ضبط نفسه عن المباحات إكراماً لله عزَّ وجل ، تنفيذاً لأمره وضبط جوارحه عن المعاصي كلها ، وصام صيام صحيح ، وقام قيام صحيح ، وشعر أنه , انتقل من مرحلة إلى مرحلة ، ارتقى ، في فرح أعظم من هذا الفرح ؟ عاد إلى الله عزَّ وجل عادت إليه روحه ، عاد إليه إقباله ، عاد إلى جادة الصواب ، عاد إلى طريق الهُدى ، هذا المعنى راقي جداً لا يعرفه إلا أن صام صياماً صحيحاً ، من صام صياماً صحيحاً يقبض الجائزة ، فإذا الإنسان ينهي عمل ويحاسب يعطوه هذه الأوراق النقدية ذات الخمسمئة ليرة , تجده يركزهم ، يحس أنه حقق شيء ، أنجز وقبض الأجرة ، يوم العيد يوم الجائزة .
فالله عزَّ وجل علمنا أننا في رمضان يجب أن نترك المباح ، فإذا أنت عوَّدت نفسك أن تترك المباح فمن باب أولى أن تترك غير المباح ، أصبحت هينة عليك ، ما دام الطعام والشراب الشيء المباح تركته في رمضان ، فترك الغيبة , والنميمة , والنظرة إلى المرأة الأجنبية , أصبح من باب أولى ، فالعيد هذا الفوز ، هذا النجاح ، هذا الفلاح ، قد حققت رضوان الله عزَّ وجل هذا هو المعنى ، لمن صام صياماً حقيقياً ، ولمن صام صياماً تقليدياً يفرح براحة البال والطعام والشراب واللِّباس .
اسس وأركان صلاة العيد :
وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتارٍ إلى الزوال ، أي إلى الظهر تصح لما أخرجه أحمد بن حسن من حديث جندب قال :
كان النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يصلي بنا الفطر والشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أوْ الأضحى على قيد رمحين ))
لكن يستحب تعجيل صلاة عيد الأضحى وتأخير صلاة عيد الفطر، يستحب تقديم الأضحى ليَتَّسِعَ وقت الضَحِيَّة ، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر .
وكان عليه الصلاة والسلام إذا انتهى إلى المُصلى أخذ الصلاة من غير أذان ولا إقامة إطلاقاً ، والسنة أن لا يفعل شيئاً من ذلك لا أذان ولا إقامة ، وقد قال مسلم عن عطاء قال :
" أخبرني جابرٌ أنه لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ، ولا بعد ما يخرج , ولا إقامة ولا نداء ولا شيء " .
وكان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين قائماً ، يفصل بينهما بجلسة ، خطبتين .
والآن تكبيرات صلات العيد ، صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبِّر فيهما المصلي قبل القراءة في الركعة الأولى .
الصلاة على المذاهب مختلفة .
1- على المذهب الحنفي يقف الإمام ويكبِّر تكبيرة الإحرام ويقرأ دُعاء الثناء :
" سبحانك اللهم وبحمدك .. "
ثم يكبر ثلاث تكبيرات ، وفي كل تكبيرةٍ يرفع يديه إلى شحمة أذنيه ، وبين التكبيرتين يقول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله والله أكبر , ويقرأ الفاتحة ، ويقرأ سورة سبِّح اسم ربك الأعلى ، ويركع ويسجد ، ثم يقف فيقرأ الفاتحة , وسورة هل أتاك حديث الغاشية ، وقبل أن يركع يكبِّر ثلاث تكبيرات ، يرفع يديه في كل تكبيرة إلى شحمة أذنيه ، وبين التكبيرتين يقول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، هذه صلاة العيد وفق المذهب الحنفي .
2-في المذهب الشافعي : سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام ، وخمسة تكبيرات بعد تكبيرة القيام ، نحن نُصلي العيد هنا على المذهب الحنفي .
لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى قبل صلاة العيد سنةً قبلها ولا بعدها ، لا في قبلها ولا في بعدها ، ولا أصحابه يُصَلُّون إذا انتهوا إلى المُصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها .
تصح صلاة العيد من الرجال والنساء والصبيان والمسافرين كانوا , أو مقيمين مسافرين أو مقيمين ، جماعةً أو منفردين ، في البيت أو في المسجد ، أو في المُصلى طبعاً جماعة , ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلَّى ركعتين .
قال البخاري : إذا فاتته العيد يُصَلِّي ركعتين , وكذلك النساء ومن في البيوت والقُرى ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَصَلَّى كَصَلاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ))
[ من صحيح البخاري ]
أي ركعتين للعيد نصليهما في المسجد هكذا ، العادة جرت ، فإذا لسبب قاهر فاتت أحدنا ، فليصلي ركعتين لله عزَّ وجل .
والخطبة في العيد بعد الصلاة ، الخُطبة سُنَّ ، والاستماع إليها سُنَّة .
فعن أبي سعيدٍ قال : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ .. أي غزوةً .. أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقُلْتُ لَهُ : غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ فَقَالَ : أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ ، فَقُلْتُ : مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لا أَعْلَمُ ، فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاةِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم ]
طبعاً السنة أن نصلي قبل الخطبة وهذا الذي تفعله اليوم ، واستماع الخطبة سنة , وصلاة العيد أيضاً سنةٌ مؤكَّدة ، فالأولى أن لا نخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي شي فعله .
كما قلنا قبل قليل : يستحب في العيد أن تَبُثَّ البهجة والفرحة في نفوس من حولك ولا سيما الصغار ، ويستحب العمل الصالح ، لأن هذا العيد يوم جبر ، فزيارتك للأقارب ، إكرام اليتيم ، إكرام الأرملة ، هذا العمل الصالح له أجر كبير في هذه الأيام .
ويستحب التهنئة بالعيد كما كان بعضهم يقول لبعض : تقبَّل الله منا ومنك .
وصيغة التكبير : " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد " هذه يجب أن تكون قبيل صلاة العيد ، تكبير مستمر ، أما في العيد الأضحى يكون التكبير عقب الصلوات الخمس إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد الأضحى المبارك .
فهذه بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بقضاء رمضان ، وبليلة القدر ، وبالاعتكاف وبصلاة العيد ، أردت أن أجمعها في هذا الدرس لأننا على وشك أن نستقبل هذا العيد المبارك وكما قلنا في درسٍ سابق جعلنا العيد فيه عطلة رسمية ، وكل عامٍ وأنتم بخير .

السعيد 09-12-2018 08:33 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و السبعون )

الموضوع : حكم الحج





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الإسلام عقيدة و شريعة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعض الأخوة الأكارم رَغِبَ أن يكون موضوع هذا الدرس عن حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا ، وكنت قد ذكرت في الخطبة يوم الجمعة بعضاً من هذه الحِكَم ، وأنا أستجيب لهذه الرغبة ، فأجعل جُلَّ هذا الدرس أو بعضه بحسب التيسير في موضوع الحج .
بادئ ذي بدء أقول : الإسلام عقيدةٌ وشريعة ، لخَّصها الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة فقال :
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف : 110 ]
هذه العقيدة " لا إله إلا الله " فلو ضغطتها كلها ضغطاً كثيفاً كثيفاً ، لانتهت بقوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد : 19 ]
لذلك قال العلماء : نهاية العلم لا إله إلا الله ، هي كلمةٌ خفيفةٌ على اللسان ، ثقيلةٌ في الميزان .
وهنا نقطة دقيقة أتمنى على الله عزَّ وجل أن يوفقني إلى توضيحها ، وهي أنّ فهم الآية شيء وأن تكون في مستواها شيءٌ آخر ، بل شتانَ بين فهم الآية وبين أن تكون في مستواها ، فقد تفهم قوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد : 19 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/01.jpg
ولكن إذا كنتَ في مستواها فإن إيمانك بهذه الكلمة ، أو بأنه لا إله إلا الله يحملك قطعاً وحتماً على طاعة الله ، فمن كان في سلوكه خَلَل ففي عقيدته خلل ومن كان في سلوكه معصية فإيمانه بأنه لا إله إلا الله لم يُسْتَكْمَل بعد ، فنحن إذا قسَمنا الإسلام إلى عقيدة ، فهذه العقيدة تنتهي بقول لا إله إلا الله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلا تَتْرُكُ ذَنْبًا ))
[ ابن ماجة عَن أُمِّ هَانِئٍ ]
وإذا تركنا العقيدة جانباً ، فهناك جانب العبادات التي تتمثَّل بقوله تعالى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف : 110 ]
في الإسلام جانب نظري ، وجانب اعتقادي ، وجانب فكري ، وجانب عقلي هذه كلها مرادفات ، وفي الإسلام جانب سلوكي ، وجانب عملي تطبيقي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال يؤكِّد ذلك : (( تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))
[رواه ابن عدي في الكامل ، والخطيب البغدادي في كتاب اقتصاد العلم للعمل عن معاذ ابن جبل]
وقال أيضاً : كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به ، فجانب العمل قَسَمَهُ العلماء قسمين ، عباداتٌ ومعاملات ، علاقتك مع الله تنظِّمُهَا العبادات ، وعلاقتك مع الناس تنظمها المعاملات ، لذلك أحكام البيع والشراء ، والزواج والطلاق ، والإيجار والشرِكات ، والمُضاربة المُزارعة والمساقاة ، وأحكام الوديعة واللقطة والأيْمَان ، كل هذه الأحكام مهما اتسعت وتعددت وتشعَّبت فإنها تنضوي كلها تحتها تحت عنوان المعاملات ، وهي علاقتك بالخلق .
أما علاقتك بالحق فهذه تنظمها العبادات ، وفي مقدمتها الصلاة ، والصلاة في كل مكان وزمان ، في الصحة والمرض ، والغنى والفقر ، وفي الحَضَر والسفر ، فلا يمكن أن ينقطع الإنسان عن الصلاة إلا في حالتين ؛ الإغماء والجنون ، ولو كان في مرضٍ شديد فله أن يصلّي بالإيماء ، أو بجفنه ، أو بعينه .
قلت لكم قبل قليل : الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر بعضها عبادات وبعضها مُعاملات ، والمعاملات جاءت أحكامها الكُلِّيَةَ في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله ، وجاء العلماء المجتهدون فاستنبطوا الأحكام التفصيلية من هذه النصوص الكلية فكان الفقه ، فالفقه هو أحكامٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسُنَّة ، والفقه أحكام اجتهادية ، وأما العبادات فأحكام الله التي أَلْزَمَ عباده بها ، فالصلاة مثلاً " الصلاة عماد الدين من أقام فقد أقام الدين " ، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله ، والصيام لعلكم تتقون ، وهو أن تصل به إلى الله ، والصلاة عبادة بدنية ، والصيام عبادة بدنية ، أما الزكاة فعبادةٌ مالية ، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ ، وماليةٌ ، وروحيةٌ ، مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد ، ويبدو أن الحج من أعلى العبادات مستوىً ، لأسبابٍ كثيرة . . العبادات طريق لمعرفة الله عز وجل :
بادئ ذي بدء ، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاته ، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالكون تجسيدٌ لأسمائه الحسنى ولصفاته الفضلى ، ومن أسمائه العليم ، فهو العليم الحكيم ، وهو الرؤوف الرحيم ، وهو القدير الغني ، وهو السميع البصير ، فكل هذه الأسماء الحسنى لا بدَّ أن تعرفها من خلال الكون ، فالكون دالٌ على عظمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/02.jpg
فالحج بشكلٍ مختصر أن الله سبحانه وتعالى يقول لك : أن يا عبدي تعالَ إليّ أمَّا الصلاة فصلِّ وأنت في بيتك ، وأنت في بلدتك ، وأنت بين أهلك ، وأنت في مجتمعك ، وأنت بين قومِك ، والزكاة ادفع من مالك ، والصوم دعِ الطعام والشراب ، لكن الحجَّ تعالَ إليّ ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم :

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الصافات : 99]
إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة ، وقد يُسافر بدافع التعلم ، وقد يسافر بدافع الاستجمام والسياحة ، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل ، تعالَ إليّ واترك همهومك، دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ ، دع هموم المعاش في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي ، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة ، وهذه حكمة الله البالغة ؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده سواءٌ أكانت هموم المعاش ، أو هموم العمل ، أو هموم الأُسرة ، أو هموم الصحة ، ُيجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها ، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام ، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا ، خلِّ عنك وتعالَ ، دع عنك الهموم كلها ، تعالَ إليّ يا عبدي ، فهو أمر إلهي ، وخالق الكون يقول لك : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة آل عمران : 97 ]
تترك أهلك وولدك ، وتتحمل مشاق السفر ، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة ، ثم ترجع كما ذهبت ؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل ، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله ، ويدفع عشرات الألوف ، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات ، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً ، أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً ، فالله سبحانه وتعالى جلَّ وعلا أن يكون أمره كذلك . قال لك : تعالَ إليّ لأذيقك طعم القرب ، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة ، تعال إلي لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء . . وأن كل شيء سوى الله باطل ، وأن كل نعيمٍ لا محالة زائل . . ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
***

فالحج فرصةٌ واحدة في العمر ، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة . حكم الحج :
1 ـ الإقبال على الله يعينك على أن تقبل عليه و تنعم بقربه :
إذاً يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خلقه فحسب بل في تشريعه ، وليس في تشريعه فحسب بل في عباداته ، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب بل في الحج، فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين ، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون ، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/03.jpg
إذاً أول شيء كما أن الكون خلقه - هذه الكلمة دققوا بها - ومن خلال الكون تتبدَّى عظمته ، كذلك هذه العبادة أمره ، ومن خلال هذه العبادة يجب أن تتبدَّى عظمة الله عزَّ وجل سواءاً بسواء ، فالله عزَّ وجل حينما قال لك : تعال إليّ قطع عنك الهموم ، وحينما أمرك أن تنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام ، جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حظوة ، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا ، والله عزَّ وجل غني عنك . .

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الحج : 37 ]
فقد أمرك أن تبتعد عن مكان الهموم ، وعن هموم المعاش وهموم العمل والأسرة والصحة ، وقال لك : تعالَ ، وأنفق أجرة الطريق ، ورسم الدخول ، وأجرة الإقامة ، وثمن الطعام والشراب ، وثمن الهدي ، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً ، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبل عليه ، فيقدِّم لك المبرر والمسوِّغ كي تُقبِل عليه ، إذاً حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك ، ومكان إقامتك ، وأهلك ، وزوجتك ، وأولادك ، وعملك ، وعزك ، وشأنك ، وجاهك ، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها دعها كلها وتعالَ إليّ ، هذا أول معنى ، تركتها وتجشَّمت مشاق السفر ، فشعرت أن لك عند الله حظوة ، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك ، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسراً لك ، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريباً منك ، وأصبحت المناجاة في مقدورك وكأنك تصنعها ، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبي المنال ، هذا هو المعنى الأول . فقد حملك على أن تقبل عليه ، فحملك على أن تَنْعُمَ بقربه ، فحملك على أن تسعد بالاتصال به ، فهذا هو المعنى الأول . 2 ـ الحج يحجم الإنسان و يريه حقيقته :
أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك ، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً ، وتخلع عنك الثياب المخيطة ، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب ، لجاء هذا بالزي الفلاني ، وهذا بالثوب الفلاني ، وهذا الثوب غالي الثمن ، وهذا ألوانه زاهية ، وهذا خيط خياطةً راقية ، لعادَ التفاوتُ بين الناس ، ويعود النظر إلى ما عند الناس ، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد ؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك ، لذلك لا فرق بين الكبير والصغير ، ولا الغني والفقير ، ولا الذي له سيطٌ ولا خامل الذِكْر ، الكل عند الله سواء ، كأن الله يشعرك أن يا عبدي هناك رحلة أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة ، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم ، وكذا الزوجة والأولاد ، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها ، إذاً كأن الحج رحلة قبل الأخيرة .
في الرحلة الأخيرة تدع كل شيء بلا عودة ، إنها مغادرةٌ بلا عودة ، لكن الرحلة قبل الأخيرة مغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة ، من أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها ، فدع عنك الدنيا قبل أن تدعك ، دعها عنك قبل أن تدعك هي ، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك ، اعرِفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها ، هذا هو حجمك ، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ ، أشعث أغبر ذو طمرين ، يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات ، أو حول البيت الحرام ، أو بين الصفا والمروة ، عبد حجمك صغيرٌ ، وشأنُك حقير ، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل :
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
[ سورة الأنعام : 94 ]
لقد تركت هموم المعاش ، وتجشَّمت مشاق السفر ، وخلعت عنك كل الزينة ، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة ، لأن الإنسان قد يصلي في بلده ، قد يصلي صلاةً شكلية ، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه ، ومشكلاته ، أو دنياه ، وقد يُعيقه ماله ، أو شأنه ، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج ، وقال لك : تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك ، لذلك " إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " . . فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله ، بالتعريف الدقيق هو صلحٌ مع الله . فإذا صالحت إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك ، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك : الحمد لله كابوسٌ زال عني ، أو إذا هي صالحته ، يقول لك : يا أخي الحمد لله الأمور رجعت إلى مجاريها ، فكيف إذا صالحت رب السموات والأرض ؟! كيف إذا صالحت من بيده ملكوت كل شيء ، من بيده أمر حياتك وموتك ، إذا صالحته فهنيئاً لك ، فالحج مشروع صلح مع الله . 3 ـ الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/04.jpg
لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود ، وممكن الوجود ، ومستحيل الوجود ، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، ونحن من باب ممكن الوجود ، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل ، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يكرمك : " إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني ، وحُق على المزور أن يكرم الزائر " فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله ، لا يبتغي إلا الحج ، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا ، فإذا ذهبت كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن ، بل لا بد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل ، جبر كسرك ، وحقق رغبتك ، وأعانك على أمر دينك ودنياك . هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام ، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك . .

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))
[البخاري عن أَبَي هُرَيْرَةَ]
كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء ، وانتهى الحساب ، ودخلتَ في مسامحة وعلى كلٍّ انتهى الحساب القديم ، وفُتِحت صفحةٌ بيضاء ، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذاً أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه ، إنه الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل لك ، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها . 4 ـ في الحج يحس الإنسان أنه ضيف الرحمن :
شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله ، ففي طواف القدوم دعاء ، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء ، وفي الإقامة بمنى دعاء ، وفي الوقوف بعرفة دعاء ، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء ، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء ، وفي طواف الإفاضة دُعاء ، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
إنّ مخ العبادة الدعاء ، فإذا دعوته لا بدَّ أن يستجيب لك ، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك فكيف بالدعاء وأنت في بيته ؟ فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة ، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مئةٌ في المئة ، فأنت في بيته ، وفي إكرامه وضيافته لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل ، ضيف الرحمن ، هذا الإحساس صارخ ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام . 5 ـ تشريف الإنسان بزيارة بيت الله الحرام :
وثمّة شيء آخر ، أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حججت البيت ، لا ، ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل جلَّ وعلا سمح لك أن تزور بيته ، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته ، وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج ، لأنك إذا قلت : يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام ، وهذا كرم منك ، فقد أكرمك الله بزيارته وبتجلِّيه على قلبه .
فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم إن قلةً قليلةً يعانيها ، لا والله بل تشمل كل حاج ، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده ، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحج بإخلاص ، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً ، ولا زينةً ولا وجاهةً ، ولا تجارةً ولا عملاً ، ولا إقامةً ولا ولا ، فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة .
الإكثار من الدعاء في الحج لأن الدعاء مستجاب :
أنت إذا طُفْتَ حول الكعبة ، تدعو الله عزَّ وجل : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار "
ماذا بقي ؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ، هذا الدُعاء الذي أؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به :
((اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني يا كريم))
[ الترمذي عن عائشة ]
و يحب أن يعفو عنك ، وها أنت ذا تطلب منه العفو ، إذاً لا بدَّ أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل : فتحت لك مع الله صفحةٌ جديدة ، فإذا قلت : (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها مردي ))
[ الترمذي عن عائشة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/05.jpg
وإذا قلت : واجعل الحياة زاداً لي من كل خير ، فما دامت الحياة فيها زيادةٌ لي من الخير فأحيني يا رب . . واجعل الموت راحةً لي من كل شر ، تشعر أن حياتك خير ، وأن انتهاء الحياة خير ، فهذه الأدعية في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان تحس أن لها وَهْجًا ، لأنك لو دعوت بها آلاف المَّرات وأنت في بلدك لا تذوق طعمها ، إلا إذا دعوت بها وأنت في بيته ، وأنت في في ضيافته ، وأنت متعرضٌ لكرمه في الطواف دعاء ، فإذا وصلت إلى الحجر الأسود ، والنبي عليه الصلاة والسلام قّبَّلَ الحجر الأسود وبكى كثيراً ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :
(( اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر ]
لذلك أجمع أهل العلم على أن الحجر الأسود يمينُ الله في أرضه ، لذلك عند تقبيله تدعو وتقول : (( بسم الله الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر ]
لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ أتمنى أن كل من أتيح له أن يقبِّل الحجر الأسود ألا ينسى هذا التقبيل طوال حياته ، كلما شعر بالتقصير تذكَّر أنّه قبَّل الحجر الأسود ، وعاهد الله عزَّ وجل على طاعته ، فهل أنت في مستوى هذه الطاعة ؟ وهل أنت ذاكرٌ لهذا العهد ؟ "عهداً على طاعتك" ، فكلما قطعتَ شوطاً وقفتَ أمام الحجر الأسود ، وسرتَ أمامه عَرْضَاً ، وقلت : " بسم الله ، الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك " ، وبعد هذا الطواف الذي هو سبعة أشواط ، تتوجَّهُ إلى المسعى ، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ بما بدأ الله به " . . تتلو قوله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[سورة البقرة : 158]
وأيضاً في الطواف دعاء ، فالله عزَّ وجل أعطاك أمكنة وحركات يجب أن يرافقها الدعاء ، فهل أنت في مستوى الدعاء ؟ لذلك إذا أزمع الإنسانُ الحجَّ فأنا أنصح له أن يكثر من حفظ الأدعية ، لأنك لو فتحت الكتاب هكذا فإنّ رونق الدعاء يتلاشى ، وروحانية الإقبال تذهب، وهناك أشخاص يفتحون الكتاب ويرفعون أصواتهم بالدعاء إلى درجة أنهم يشوِّشون على كل من يسعى ويطوف ، وهناك من يرفع صوته ليرُدَّ النساء خلفه ، وصوت المرأة عورة لذلك تفقهوا قبل أن تحُجّوا ، فيجب أن تدعو من ذاكرتك ، فإذا أعدَّ الإنسانُ نفسَه قبل الحج بشهرين أو ثلاثة ، وجمع الأدعية كلها ، وحفظها إلى درجة أنه أصبح يدعو بها من ذاكرته وقلبه فعندئذٍ يستطيع أن يلتفت إلى الله ، أما إذا فتح الكتاب وفُتِحت ورقة معه بالخطأ فغيَّر ، فإنّ هذا الحال الطيب الذي يظن أنه سيصل إليه قد يتفلَّت منه .
ثم إن الدعاء إذا تعلمته أو أمسكت بهذا المفتاح السحري ، فإنّه أكبر سلاح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " الدعاء سلاح المؤمن " . لأنك بالدعاء تنتصر على أقوى إنسان، لأن الله معك ، قال له : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ " ما قولك ؟ وما ظنك بإنسان الله سبحانه وتعالى معه ؟ فإذا دعوت الله في الحج ينبغي أن يصبح الدعاء رفيقاً لك في بلدك ، كلما واجهتك مشكلة ، أو ألمَّت بك مُلِمَّة أوشعرت بالضيق ، أو لاح لك شبحُ مصيبة ، أو أخافك إنسان ، أو أوقعك القلقُ في شعورٍ وحزن ، في هذه الحالات ادعُ الله عزَّ وجل . . ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
[ سورة غافر : 60 ]
لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجـــــــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَــــبُ
الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
***

إنَّ العبدَ إنْ سألته يغضب ، أما الله عزَّ وجل فيغضب إن تركت سؤاله . فالطواف إلى صلاة ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم ، وأكثر الحجَّاج يصرون على أن يصلُّوا خلف المقام ، وفي أيام الطواف الشديد يصبح هذا المصلي عقبةً كؤودًا أمام الطائفين ، مع أن العلماء أجمعوا على أن أي مكانٍ في الحرم المكي الشريف صالحٌ لصلاة ركعتين بعد الطواف ، فهناك أشخاص يضعون حواجز من أجل أن يصلي بعضهم في هذا المقام في ازدحام وتعسر ، فهذا الذي يذهب إلى هناك من دون فقه يؤذي المسلمين كثيراً . فأنا اصبحت أُلِحّ كثيراً على أن الإنسان ينبغي أن يفحَص قبل أن يذهب إلى الحج هل تعرف مناسك الحج وواجباته وأركانه والسنن المُستحبات ؟ فمن أجل أن يفعل سنة يرتكب معصية كبيرة ، أهكذا الحج ؟ من أجل أن تُقَبِّل الحجر تؤذي عشرات المسلمين ، أبهذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فلذلك : " تفقهوا قبل أن تحجوا" . حاجة الحج إلى إعدادين فقهي و نفسي :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/06.jpg
قلت في نفسي : إن الحج يحتاج إلى إعدادين ؛ إعداد فقهي ، وإعداد نفسي، فالإعداد الفقهي يجب أن تدرُسَ أحكام الحج الكُبْرَى والفرعية ، إلى أن تصل إلى دقائق الأعمال لأنك هناك قد تواجه مشكلة ، ما حكمها ؟ أعليها دم ؟ أهي سنةٌ أم هي واجبٌ ؟ هل عليَّ شيءٌ أم لا شيء عليَّ ؟ هذا الأمرُ ينبغي أن يكون واضحاً عند كل أخ ، فلا بدَّ من أن يتلقَّى دروساً مكثفةٌ في أحكام الحج ، وأركانه ، وواجباته ، وسننه ، ومستحبَّاته ، وآدابه ، وحكمته ، من أجل أن تكون هذه المعلومات زاداً للأخ الذي يحجُّ البيت ، أما الإعداد النفسي فأنْ تكون قد أَنَبْتَ إلى الله إنابةً صحيحة ، وتبتَ إليه من كل الذنوب ، فتوبتك واستقامتك ، وعملك الطيِّب وتحرِّيك المالَ الحلالَ هو الإعدادُ النفسي للحج ، لذلك قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( إذا أصححت لعبدي جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمسة أعوام لم يَفِد إليَّ لمحروم ))
[البيهقي في السنن الكبرى ومسند أبي يعلى والترغيب والترهيب للمنذري]
إضافة الله عز وجل إلى ذاته النبي و البيت الحرام و الكعبة :
الإمام البوصيري رضي الله عنه قال واصفًا النبي عليه الصلاة والسلام :
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

في هذا البيت حقيقتان ؛ أولاً : في القرآن آيةٌ واحدة أضاف الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذاته ، قال تعالى : ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾
[ سورة الجن : 19]
من هو عبد الله ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام ، أضافه اللهُ إلى ذاته ، لذلك قال البصيري : خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

وقد خاطب الله عزَّ وجل الأنبياءَ بأسمائهم صراحةً ، فناداهم بأسمائهم . . ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾
[ سورة مريم : 7 ]
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
[ سورة المائادة : 116 ]
لكن الله عزَّ وجل لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا باسمين ؛ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول ، ولم يقل له : يا محمد ، ولقد ذكر اسمَه في معرض الإِخبار ، لا في معرض النداء ، فقال تعالى : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾
[ سورة الفتح : 29 ]
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة الأحزاب : 40 ]
أما إنّه لم يقل له : يا محمد . . خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

وقياساً على هذه الحقيقة ، فقد أضاف الله عزَّ وجل البيت الحرام إلى ذاته فقال : ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾
[ سورة البقرة : 125]
إذاً الكعبة المُشَرَّفة أضيفت إلى الله عزَّ وجل ، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض. الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة :
ثم إن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة ، وهذا الشيءُ - سبحان الله - ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى تنعقد الصلة يحتاج إلى بذل جهد كبير ، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط تنعقد هذه الصلة ، فكأن الله عزَّ وجل أزال الحُجُب ، وكما يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
وفي حديث آخر : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
وكأن الله سبحانه وتعالى هنا نزل إلى السماء الدنيا ، وخاطب عباده فغفر لهم ورحمهم ، وقذف في قلبهم النور ، وتجلَّى عليهم ، فسَعِدوا وأسْعَدوا . فلا أريد أن أطيل عليكم ، فمن ذاق عرف ، ومن سار على الدرب وصل ، ومن توجَّه إلى بيت الله الحرام فلا بدَّ أن يعود وقد امتلأ قلبه محبةً لله عزَّ وجل . يوم عرفات أشرف يوم في السنة :
هناك شيء آخر أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ ، فيقول : "انظروا عبادي ، جاؤوني شعثاً غبراً ، فاشهدوا أني قد غفرت لهم " http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5974/07.jpg
فلا يستطيع الإنسان بعرفات أن يكون في حالة غفلةٍ ، لأن هذا اليوم أشرف يومٍ في السنة ، فأشرف الشهور رمضان ، وأشرف أيام السنة يوم الموقف . . عرفات . . وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة ، فالجمعة أشرف أيام الأسبوع ، ورمضان أشرف أشهر السنة ، والموقف في عرفات أشرف أيام السنة قاطبة ، فلذلك حينما يأتي الإنسانُ وكأن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل . .

﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 198 ]
كما هداكم إليه ، فهذه المناسك المتنوعة ؛ من طوافٍ ، إلى سعيٍ ، إلى صلاةٍ ، إلى وقوفٍ في عرفة ، إلى وقوفٍ في مزدلفة ، إلى رمي الجمار ، هذه المواقف المتعددة جعلها الله عزَّ وجل مناسبةً كي تقبل عليه منها ، فإذا وصل الإنسان إلى رمي الجمرات ، وقد سألني أخ كريم فقال لي : والله أنا لما حججت لم يستقِم الرميُ معي ، بعض الحصيات وصلت ، وبعضها لم يصل ، بعضُها كبير ، وبعضُها صغير ، يا ترى يصح رجمي ؟ سبحان الله ، خطر ببالي هذا الخاطر فقلت له : لو اخترت حصيات من وزنٍ واحد ، وكان الوزن مناسباً ، ووقفت أمام مكان الرمي ، ورميت وفق الأصول الشرعية مئةً في المئة ، وأصبت المرمى إصابةً صحيحة ، وعدتَ إلى بلدك ، وعصيت الله عزَّ وجل ، فإن الشيطان هو المنتصر ، فمهما أتقنت رمي الجمرات وعصيت الله عزَّ وجل فالشيطان هو المنتصر ، فإذا أطعتَ الله عزَّ وجل بعد الحج ، فأنت المنتصر ، لذلك قال الإمام الغزالي : " لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الله " .
فأنت مِن الآن إذا أردت أن ترغم أنفه من دون أن ترجمه فأطع الله عزَّ وجل وأنت في بلدك ، وانتهى الأمر ، طاعتك لله عزَّ وجل وأنت في بلدك إرغامٌ لأنف الشيطان ، عليه لعنة الله .
شيءٌ آخر ، أن الإنسان حينما يرجم الشيطان يشعر أن هذه المعرفة التي حَصَلَت له تقتضي معاداة الشيطان ، وهذه المعرفة التي حصلت له من لوازمها الحقيقية أن تعاديَ الشيطان ، وأن تبعدهُ عنك ، وعن خواطرك ، وسلوكك ، وعاداتك ، وعن كل أعمالك اليومية ولا أملك إلا أن أقول لكم : من ذهب إلى بيت الله الحرام مخلصاً بهذا الذهاب ، ومن أحرم من الميقات ، وضبط نفسه . . ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة : 197 ]
ومن سعى وطاف وصلى ووقف ورمى ، وأقام بمنى ، فهذه المشاعر لا بدَّ أن تكون بالنسبة إليه معالم الهُدَى التي ينتظرها من الله عزَّ وجل ، وبعد الحج إذا توجَّهَ إلى الحرم النبوي الشريف ، فالمشاعر هناك من نوعٍ آخر ، أي إن هذا الهدى كان على يد النبي عليه الصلاة والسلام . من وقع في ضيق فوقف أمام قبر الرسول أكرمه الله :
قلت لكم يوم الجمعة في الخطبة أن العتبي وهو أحد التابعين كان في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته الشريفة ، فجاء أعرابي وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال : أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وبعدها قال : يا رسول الله سمعت الله يقول :
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
وهأنذا يا رسول الله قد جئت إليك فاستغفر لي الله عزَّ وجل ، يروى أن هذا التابعي الجليل العُتبي أدركته سنةٌ من النوم ، فنام ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : يا عُتبي الْحَقْ الأعرابيَّ ويشِّره أن الله قد غفر له ، يقول العالم ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
هذه الآية تَصِحُّ بعد وفاة رسول الله ، فتصحُّ في حياته ، وتصح بعد مماته ، فكل إنسانٍ ضاقت به الدنيا ، وضعفت حيلته ، أو أخافه شيء ، أو أقلقه شيء ، إذا ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتلا هذه الآية : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
هذا الأعرابي قال بيتين من الشعر : يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنــــــــــــت ساكنـــه فيــه العفاف وفيه الجود والكرمُ
***

وقد سمعت من أناس كثيرين واللهِ وهم صادقون أنَّ أشياء كثيرة أقلقتهم ، فلما وقفوا أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلوا هذه الآية ، واستشفعوا به ، فَرَّجَ الله سبحانه وتعالى عنهم كربهم ، وما هم فيه .
وتعليل هذه القصة أن الأب أحياناً يريد أن يقيم علاقةً طيبةً بين ابنه وأمه ، فإذا سأل الابن أباه شيئاً فإنَّه يُمَكِّن الأمَّ من تلبية هذه الرغبة ، وبهذا تنمو العلاقة الطيِّبة بين الأم وابنها ، فالله سبحانه وتعالى إذا وقع الإنسان في ضيق ، فوقف أمام هذا القبر العظيم ، أمام مقام رسول الله عليه أتم الصلاة و التسليم ، فإنّ الله يكرمه إكراماً لهذا النبي ، لذلك أنا حيٌ طري في قبري وقال : حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم .

السعيد 09-12-2018 08:37 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و السبعون )

الموضوع : انواع الصيام






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أنواع الصيام :
أيها الأخوة المؤمنون ، نظراً لقرب شهر الصيام ، شهر المغفرة ، وشهر التوبة لابد من الحديث عن أحكام الصيام وعن حكم الصيام ، فأما عن حكم الصيام إن شاء الله تعالى في أحد دروس التفسير سوف أنهي درساً في الحديث عن حكم الصيام من خلال آيات الصيام، وفي درس الأحد هذا والذي يليه إن شاء الله تعالى نتحدث عن أحكام الصيام لأن التفقه في الدين حتم واجب على كل مسلم ، وأحكام الصيام مأخوذة من كتاب : اللباب في شرح الصيام على الفقه الحنفي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/01.jpg
الصوم أيها الأخوان ضربان أي نوعان ، واجب ونفل ، والصوم في الأصل لغةً هو الإمساك بل هو مطلق الإمساك ، قال تعالى :
﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾
[ سورة مريم : 26 ]
أي إمساك عن الكلام ، وشرعاً : الإمساك عن المفطرات حقيقةً أو حكماً ، ما معنى حقيقةً أو حكماً ؟ لو أن الإنسان تناول الطعام وهو ناس وأكل ولكنه حكماً ممسك عن الطعام يبقى صائماً لأن الذي ينسى ويأكل لا شيء عليه .
الإمساك عن المفطرات حكماً أو حقيقة في وقت مخصوص بنية من المؤهل للصوم ، فإذا قلنا : واجب ونفل ، فالصيام الواجب يراد به ما يقابل النفل الذي يجب أن يؤدى، وفي معنى آخر هو الواجب الذي بين الفرض وبين النفل ، فصيام النفل واجب وصيام رمضان فرض ، وصيام النفل نفل ، الواجب إما أن يعني الفرض الواجب معاً ، وإما أن يعني حالة بين الفرض وبين النفل ، على كلٍّ الواجب ضربان أي نوعان منه ما يتعلق بزمان بعينه كصيام رمضان ، أو كصيام النذر المعين، حينما ينذر الإنسان أن يصوم يوماً بعينه ، أو أسبوعاً بعينه ، أو شهراً بعينه ، فهذا صوم واجب يجب أن يؤدى في الوقت الذي حدد له، هذا الصوم الواجب المعين بزمن مخصص كصيام رمضان أو كصيام النذر المعين يجوز صومه بنية من الليل .
النية أحد شروط العبادة :
بالمناسبة النية أحد شروط العبادة ، لا تصح العبادة من دون نية لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ]
فلذلك ينوي الصائم صيام رمضان أو صيام النذر المحدد من الليل فإن لم ينوِ حتى أصبح الصبح أجزأته النية ما بين الفجر والزوال ، ومعنى الزوال زوال الشمس عن كبد السماء ، أي صيام رمضان أو صيام النذر المعين يجوز إذا نويت الصيام من الليل أو من الفجر وحتى الزوال أي حتى الضحوة الكبرى إلى ما قبيل أذان الظهر ، لأن أذان الظهر يأتي بعد الزوال ، بعد أن تزول الشمس من كبد السماء يدخل وقت الظهر . النوع الثاني من أنواع الصيام :
وأما النوع الثاني من أنواع الصيام فهو ما يثبت في الذمة كقضاء رمضان وما أفسده من نفل ، الإنسان إذا بدأ بعبادة نافلة عليه أن يتمها لقول الله عز وجل : ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة:196]
أي إذا الإنسان بدأ بالعبادة ينبغي أن يمضي فيها إلى آخرها ، فإذا نوى صيام نفل ثم أفطر لعذر يجب أن يقضي يوماً مكانه ، والضرب الثاني ما يثبت في الذمة من غير تقيد بزمن ، لك أن تقضي هذا الصوم من أي وقت تشاء يثبت عليك في الذمة من دون زمن معين كقضاء رمضان ، السنة كلها تصح لقضاء رمضان أو ما أفسده من نفل ، صيام النفل الذي أفسده لعذر يجب أن يؤدى قضاء من دون تحديد زمن معين ، والنذر المطلق ، طالب نذر إذا نجح في الشهادة الثانوية أن يصوم أسبوعاً ولم يحدد هذا اسمه نذر مطلق ، بينما النذر المقيد هو الذي قيد بزمان ، وصوم الكفارات أيضاً . الصوم الغير محدد بوقت معين لا يجوز إلا بنية معينة من الليل :
كل هذه الأنواع من الصيام صوم غير محدد بوقت معين ، هذا الصيام لا يجوز إلا بنية معينة من الليل ، صيام رمضان وصيام النذر المعين بوقت محدد على المذهب الحنفي لا يجوز إلا بنية من الليل ، أو بعد الفجر حتى الضحوة الكبرى ، أي إلى زوال الشمس عن كبد السماء ، أي يجب أن يكون معظم اليوم داخلاً في عبادة دينية ، لو فرضنا إنساناً أراد أن يصوم نفلاً أو قضاءً غير معين وكان اليوم قصيراً واستيقظ الساعة الثانية ظهراً هذا الصيام لا يصح لصيام النفل ، لصيام قضاء رمضان، أو ما أفسده من نفل ، والنذر المطلق ، وصوم الكفارات ، لا يجوز إلا بنية معينة من الليل لعدم تعيين الوقت ، نحن في رمضان كلنا نعلم أننا في رمضان لذلك بعض الفقهاء قالوا : لمجرد أن تستيقظ تأكل طعام السحور فهذه نية ، والمسلم له أن ينوي صيام الشهر كله مرةً واحدة ، لكن صوم الكفارات ، أو صوم قضاء رمضان ، أو صوم النذر المطلق ، أو صوم ما أفسده من نفل ، هذا يحتاج إلى نية مبيتة من الليل كي تصح هذه العبادة ، والشرط أن يعلم بقلبه أي صوم يقوم ، كل إنسان يعلم ما إذا كان يصوم صيام نفل ، أو صيام نذر مطلق ، أو صيام نذر معين ، أو صيام أداء، أو صيام قضاءٍ ، أو صيام كفارةٍ ، أو صيام قضاء نفل ، كل إنسان مؤمن يعلم أن هذا الصوم هو كذا .
هذه هي أنواع الصيام ، صيام فرض وصيام نذر ، وصيام الفرض منه ما هو محدد بوقت معين كصوم رمضان والنذر المحدد ، ومنه ما يثبت في الذمة من دون تحديد كأداء النذر المطلق ، أو قضاء النفل الذي بدأ فيه ثم أفسده ، أو صوم الكفارات ، أو ما شاكل ذلك .
تلمس الهلال لصوم رمضان :
الآن ينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، بل ينبغي عليهم أن يلتمسوا هلال شعبان في أول الشهر ، لتكون عدة الأيام صحيحة ، لأنه لو غم علينا في أول رمضان أتممنا شعبان ثلاثين يوماً ثم شرعنا بشهر رمضان ، لأن الأصل بقاء الشهر فلا ننتقل عنه إلا بدليل ، والدليل إما إتمام العدة ، أو رؤية الهلال ، هذان هما الدليلان اللذان يكفيان لانتقالنا من شهر إلى شهر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/02.jpg
الآن من رأى هلال رمضان وحده صام ولو لم تقبل شهادته لأنه متعبد بما علم، من رأى الهلال وحده وذهب إلى القاضي الشرعي فلم يقبل شهادته ، لأن في قبول الشهادة شروطاً سوف نأخذها بعد قليل وإن أفطر ، من رأى الهلال وحده فعليه القضاء دون الكفارة وإن كان في السماء علة من غيم أو غبار ونحوه ، قبل الإمام شهادة الواحد العدل ، من هو العدل التي تقبل شهادته في رؤية الهلال ؟ العلماء قالوا : من غلبت حسناته على سيئاته ومن تستر على معاصيه ، أي من غلب عليه الصلاح والتستر ، أي هذا الذي يفعل سيئةً ويذكرها للناس هذا سقطت عدالته ، الذي يقول : أنا البارحة أفطرت في رمضان هذا ساقط عدالته ، هذا الذي يقول : أنا البارحة لم أصلِّ ، إن غلب عليه التستر فشهادته مقبولة وإن غلب عليه الصلاح فشهادته مقبولة ، فإن جاهر بمعصية معنى ذلك أنه لم يتستر ، إذاً مطعون في شهادته ، فإن لم يكن في السماء علة لن تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم ، إذا السماء صافية ولا يوجد أي عذر ولا أي علة في السماء لا تقبل شهادة الواحد ، والسبب لأن المطلع متحد والموانع منتفية والأبصار سليمة والهمم لطلب الهلال مستقيمة ، هناك همم لطلب الهلال وهناك أبصار ، فكيف نجعل أمةً بأكملها تدخل في شهر الصيام بشهادة رجل إذاً هذا الرجل لابد أن في حكمه خطأ الواحد ، لكن بعضهم قال : إذا هذا مفوض إلى الإمام أو إلى القاضي الشرعي هو بحكمته الذي يقبل شهادة الواحد أو لا يقبلها ، لكن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه رجح في آخر الزمان حينما ينصرف الناس عن تلمس هلال رمضان ، حينما ينشغل الناس في أعمالهم وينصرفون عن هذه العبادة في آخر الزمان يجوز أن يقبل القاضي الشرعي أو الإمام شهادة الرجلين أو رجل وامرأتين ، عندئذ يصبح الصيام صحيحاً ، هذا الرأي الوسط بين أن ترد شهادة الواحد وبين أن تقبل شهادة الجمع الغفير وبين تقبل شهادة الرجلين أو رجل وامرأتين .
قال بعضهم : ولم أرَ أرجح من هذه الرواية ، وينبغي العمل بها في زماننا لأن الناس تكاسلوا عن ترائي الأهلة فكان التفرد غير قائم بالغرض .
وقت الصوم :
الآن وقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني أي الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، لقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة:187]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/03.jpg
والخيطان بياض النهار وسواد الليل .
الصوم شرعاً :
الصوم شرعاً هو الإمساك حقيقةً أو حكماً، من تناول الطعام ناسياً فهو ممسك عن الطعام حكماً ومن أمسك عن الطعام فعلاً فهو ممسك عن الطعام حقيقةً ، الإمساك حقيقةً أو حكماً عن المفطرات كالأكل والشرب والرفث ، لأن الله سبحان وتعالى يقول : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة:187]
المفطرات هي الأكل والشرب والرفث ، فإن أكل الصائم أو شرب ناسياً لم يفطر لأنه ممسك حكماً، لأن الله سبحانه وتعالى أو لأن الشارع الحكيم أضاف هذا الفعل إلى الله حيث قال عليه الصلاة والسلام : ((حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ دِينَارٍ عنْ مَوْلاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَأَكَلَتْ مَعَهُ وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْقًا فَقَالَ يَا أُمَّ إِسْحَاقَ أَصِيبِي مِنْ هَذَا فَذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَرَدَدْتُ يَدِي لا أُقَدِّمُهَا وَلا أُؤَخِّرُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ قَالَتْ كُنْتُ صَائِمَةً فَنَسِيتُ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ الآنَ بَعْدَمَا شَبِعْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتِمِّي صَوْمَكِ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ ))
[ أحمد عنْ مَوْلاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ]
لكن الفقهاء توسعوا في هذا الحكم فقالوا : إذا رأيت شيخاً فانياً قد أكل ناسياً فلا تذكره ، وإذا رأيت شاباً قوياً جلداً يأكل ناسياً في رمضان فذكره ، أي شفقةً على هذا الشيخ ، قد يكون شيخاً فانياً ويصوم وقد جهد في الصيام ، فأول يوم من الصيام هو أشد الأيام على الإنسان ، فلو شرب كأس ماء وبدأ بشربه أنت ابقَ ساكتاً أما إذا كان شاباً فذكره برمضان . القضاء و الكفارة :
الآن من ذرعه القيء أي سبقه وغلبه إلى صنعة منه ولو ملء فيه لم يفطر ، لكن من استقاء عمداً أي تعمد القيء أفطر وعليه القضاء .
الآن من أكل شيئاً مما لا يأكله الإنسان أو مما يستقذره أفطر وعليه القضاء ، لكن ليس عليه كفارة، إنسان أكل تراباً مادام أدخل إلى جوفه شيئاً إذاً عليه القضاء لكن لا كفارةً عليه لأن هذا الذي تناوله ليس في معنى الطعام ، لو فرضنا رجلاً أدخل إلى جوفه شيئاً عليه أن يقضي هذا اليوم ولا كفارةً عليه لأن هذا الذي أدخله ليس في قصد الطعام أو مما يشتهى .
الآن من أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة ، من أكل طعاماً أو شرب دواءً فعليه الكفارة لكمال الجناية أي أو من تعمد الرفث إلى النساء فعليه القضاء والكفارة ، الآن من احتقن أي صب الدواء في مكان الحقنة - التحاميل لا تفطر - أو من استعف أي صبّ الدواء في أنفه أو من قطر في أذنيه دهناً بخلاف الماء فيفطر على المذهب الحنفي ، تناول التحاميل أو وضع الدواء في الأذن أو في الأنف هذا لا يفطر الصائم، لكن لو تعمد إدخاله إلى الجوف دخلنا في حكم آخر ، لو أن الإنسان شعر بطعم الدواء في حلقه من دون أن يتعمد إدخاله لا يفطر ، أما إذا تعمد إدخاله إلى حلقه فإنه يفطر ، كل شيء يصل إلى جوف الإنسان بفعله وبإرادته فإنه يفطر ، أيضاً من داوى جائفةً أي جراحة في البطن أو آمةً جراحةً في الرأس بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر .
الآن من ذاق شيئاً بفمه لم يفطر ، أحياناً الإنسان يضطر أن يشتري شيئاً وقيمة الشيء يعرف من مذاقه ، طبعاً العلماء كرهوا ذلك لكن إذا كان في ضرورة بالغة ، متعهد طعام عليه إطعام أعداد كبيرة ، قد يكون هذا الجبن مسحوباً خيره ، فلو وضع شيئاً يسيراً على لسانه ليعرف نوعيته قال : من ذاق الطعام فإنه لا يفطر ، أيضاً لو أن الزوج قاس جداً فإذا كان الطعام فيه خلل ربما أقام على امرأته القيامة ، مثل هذا الزوج يجوز للمرأة أن تذوق الطعام تفادياً لشر هذا الزوج القاسي ، من ذاق الطعام فإنه لا يفطر لعدم وصول المفطر إلى جوفه ويكره له ذلك بما فيه لتعريض الصوم إلى الفساد ، ويكره للمرأة أن تمضغ الطعام لصبيها إن كان لها منه بد فإن كان لابد من أن تفعل ذلك فلا شيء عليها من دون أن يصل هذا إلى الجوف .
قال : مضغ العلك الذي لا يصل منه شيئاً مع الريق إلى الجوف لا يفطر ، كل هذا العلك مغطى بمادة سكرية فإذا تناولها الإنسان وصل السكر إلى الجوف إذاً هذا يفطر ، لو تصورنا أنه لا يوجد فيه أي مادة أخرى ، قال هذا لا يفطر ولكن يكره لأن صاحبه يتهم بالإفطار ، ويحمل على هذا إذا الإنسان حرك فمه تحريك من يأكل هذا مكروه أنت تعرض سمعتك إلى الفساد ، تتهم بالإفطار .
حكم الصيام للمريض و المسافر :
الآن من كان مريضاً في رمضان فخاف ، الخوف معتبر شرعاً ، يوجد عندنا الخوف معتبر شرعاً وهو ما كان بغلبة الظن بتجربةٍ أو إخبار مسلم عدل أو طبيب حاذق ، أي غلبة الظن عن طريق التجربة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/04.jpg
إنسان معه قرحة فكلما تأخر في شرب الحليب شعر بآلام لا تحتمل ، فغلبة الظن عنده أن الصيام يؤذيه ، أو أن طبيباً مسلماً حاذقاً نصحه بذلك ، أو أن إنساناً ذو تجربة كبيرة معهود عليه بالصدق قال له ذلك هذا هو الخوف معتبر شرعاً ، فإن صام المريض وزاد مرضه بالصيام أو تأخر شفاؤه أفطر وقضى ، وإن كان مسافراً وهو لا يتضرر بالصوم فصومه أفضل ، أحياناً يسافر إلى حلب بالطائرة ساعة وأقل من ساعة ، أي الطائرة مكيفة ومن المطار إلى البيت هناك باص مكيف فلا يوجد حاجة لأن يفطر الإنسان ، ومن لا يتضرر بالصوم وكان مسافراً فصومه أفضل لقوله تعالى :
﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:184]
وإن أفطر وقضى جاز لأن السفر مطلق السفر من دون قيد يجيز لصاحبه الفطر، لكن ينصح بالصوم إذ لم يكن بالسفر مشقة ، أما المرض فلا يجوز اتخاذه عذراً للفطر إلا إذا كان معتبراً شرعاً، بمعنى إنسان يده مجروحة مضمدها ، لا ، يجب أن يكون المرض له علاقة بالجهاز الهضمي ، له علاقة بالكليتين ، بتناول السوائل ، أو يكون له علاقة بالطعام والشراب ، أما مرض بالعظم ، أو مرض بالعضلات فهذا ليس له علاقة بالصيام ، أما مطلق السفر يجيز لصاحبه الإفطار، بينما المرض المحدد بغلبة الظن عن طريق تجربة ، أو وصف طبيب مسلم حاذق أو له تجربة صادقة ، هذا الذي يجيز له الإفطار ، وسوف نتابع هذا الموضوع بدرس الأحد القادم ، وأرجو أن تنتهي هذه الأحكام بهذين الدرسين ليكون الصوم على بينة وعلى علم . * * *
لمحة عن حياة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق :
والآن إلى سير التابعين الأجلاء رضي الله عنهم ، التابعي لهذه الدرس القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، هذا التابعي الجليل فتى جمع المجد من أطرافه كلها ، حتى لم يفته منه شيء ، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق - أي جده سيدنا الصديق - وأمه بنت كسرى يزدجر آخر الملوك ، وعمته عائشة أم المؤمنين ، وهو فوق ذلك قد توج هامته بتاج التقى والعلم ، أتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون ؟؟ ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة ، وأفضل أهل زمانه علماً ، وأحدهم ذهناً، وأشدهم ورعاً ، الآن يبدو أن والد هذا التابعي قد مات بمصر وكان والياً عليها قال : فجاءت عمتي عائشة رضي الله عنها فحملتنا من منزل عمي ، أكثر النساء يكثرن الخروج من البيت ويهملن أولادهن ، لكن المرأة التي تؤثر أولادها على حظها وتبقى في البيت ترعى أولادها وتعتني بهم قال عليه الصلاة والسلام : (( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]
وكانت تحنو علينا حنو المرضعات على الفطين ، فتغسل أجسادنا ، وتمشط شعرنا ، وتلبسنا الأبيض الناصع من اللباس ، الإسلام يرفع من قيمة الإنسان ، وكانت لا تفتأ تحضنا على الخير ، وتمرسنا بفعله ، وتنهانا عن الشر ، وتحملنا على تركه ، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله ، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله ، وكانت تزيدنا براً واتحافاً في العيدين ، فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري ، وغسلتني أنا وأختي ، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد ، وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد - هذه المرأة الصالحة - فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا ، هذا درس لكل أم ، درس لكل زوجة .
وفي ذات يوم ألبستنا ثياباً بيضاً ثم أجلستني على إحدى ركبتيها وأجلست أختي على ركبتها الأخرى ، وكانت قد دعت عمي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، فلما دخل عليها حيّته ثم تكلمت فحمدت الله عز وجل ، وأثنت عليه بما هو أهله ، فما رأيت متكلماً قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصح منها لساناً ، ولا أعذب بياناً ، ثم قالت : أي أخي إني لم أزل أراك معرضاً عني منذ أخذت هذين الصبيين منك وضممتهما إليّ ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان يتمنى أن يضم إليه هذين الطفلين فجاءت أخته عائشة رضي الله عنها وضمتهما إليها ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان واجداً عليها قالت : والله ما فعلت ذلك تطاولاً عليك ، ولا سوء ظن بك ، ولا اتهام لك بالتقصير في حقهما ، ولكنك رجل ذو نساء - لك زوجات - وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما ، يحتاجون إلى تنظيف وإلى تغسيل وإلى إطعام فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفساً - سبحان الله الأم تطيب نفسها بخدمة أولادها ، غير الأم لا تطيب نفسها - فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفساً ، ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذا الحال، وهاهما الآن قد شبا وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما فخذهما وضمهما إليك ، بعد أن أصبحا قادرين على خدمة أنفسهما الآن خذهما وضمهما إليك .
فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته ، بيد أن الغلام البكري ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها ، فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج، وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع ، ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى ، فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه ، وقد ظلت ذكرياته في منزل عمته الشذية الندية ، فقد قال يوماً لعمته عائشة : يا أم - يا أمي - اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه فإني أريد أن أراهم ، وكانت القبور الثلاث مازالت داخل بيتها - أي الآن في الحرم النبوي الشريف مكان القبور الثلاث ؛ قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وقبر سيدنا الصديق ، وقبر سيدنا عمر في غرفة السيدة عائشة ، النبي عليه الصلاة والسلام دفن في بيتها ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة معتدلة ، وقد مهدت بصغار الحصى الحمر مما كان في باحة المسجد ، فقلت : أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشارت بيدها وقالت : هذا، ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهم ، وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدماً على قبري صاحبيه فقلت : وأين قبر أبو بكر جدي ؟ قالت : ها هو ذا وكان مدفوناً عند رأس النبي عليه الصلاة والسلام ، فقلت : وهذا قبر عمر وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريباً من رجل النبي عليه الصلاة والسلام .
مكانة القاسم بن محمد :
ولما شبّ هذا الفتى حفظ كتاب الله عز وجل ، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء له أن يأخذ ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف ، وانقطع على حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه ، فروى عن أبي هريرة ، وعن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن خباب ، ورافع بن خديج ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم ، قال : حتى بدا إماماً مجتهداً وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة ، وكان الرجل لا يعد رجلاً عندهم حتى يتقن السنة ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح القاسم بن محمد وابن خالته سالم بن عبد الله بن عمر إمامي المدينة الموثوقين ، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاء بني أمية لا يقطعون أمراً ذا بال في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/05.jpg
من ذلك أن الوليد بن عبد الملك قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع ، وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه ، وهي أمور تشق على الناس ، ولا تطيب نفوسهم بها ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول : لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح مئتي ذراع في مئتي ذراع فاهدم جدرانه الأربعة وأدخل فيه حجر زوجات النبي صلى الله الله عليه وسلم ، واشتر من نواحيه من البيوت ، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب ومنزلتهم في قلوب الناس ، فإذا أبى عليك أهل المدينة فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأشركهما معك في الأمر ، وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء ، وإن لك في هذا سلف صدق ، فدعا عمر بن عبد العزيز القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطائفةً من وجوه أهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فسروا بما عزم عليه ، وهبوا لإنفاذه ، فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين يباشران هدم المسجد بأيديهما قاموا معهما قوم رجل واحد ونفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين .
القاسم بن محمد أشد الناس تأسياً بجده الصديق :
شيء آخر : كان القاسم بن محمد أشد الناس تأسياً بجده الصديق حتى قال الناس : لم يلد أبو بكر ولداً أشبه به من هذا الفتى فلقد أشبهه في كرم شمائله ، و نبل خصاله ، و صلابة إيمانه ، و شدة ورعه ، و سماحة نفسه ، وسخاء يده ، ولقد أؤثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا .
من هذا أن أعرابياً جاءه إلى المسجد فقال : أيكما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله؟ فتشاغل عنه ، فأعادها عليه ، فقال : سبحان الله فأعادها كرةً ثالثة ، فقال : ذاك سالم يا بن أخي يجلس هناك ، فقال من في المجلس : لله أبوه لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب ، وكان أعلم من سالم .
لقد رُئي ذات مرةٍ بمنى وأهله الأنصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب وهم يسألونه، فكان يجيبهم بما يعلم ويقول لهم فيما لا يعلمه : لا أعلم ، لا أدري ، هذه الكلمة قلها أيها الأخ قل : لا أعلم وهي وسام فخر ، نصف العلم لا أدري ، من ادعى أنه يعلم كل شيء فهو لا يعلم شيئاً ، كلمة لا أعلم فيها تواضع ، نصف العلم لا أدري ، هذا هو التواضع ، وهذه هي الدقة ، فكان يقول : لا أعلم ، لا أدري ، فأخذهم منه العجب فقال لهم : والله لا نعلم كل ما تسألون عنه ، ولو علمناه ما كتمناه ، ولا يحل لنا أن نكتمه ، ولأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم .
من أخلاق العالم الحقيقي إذا سئل عن قضية أن يقول : لا أعلم ، أو دعها إلى وقت آخر ، لكن أجرأكم على الفتية أجرأكم على النار .
على الإنسان أن يقول ما يعلم دون زيادة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4625/06.jpg
في ذات مرة عهد إليه في قسم الصدقات بين مستحقيها فاجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد ، وأعطى كل ذي حق حقه ، غير أن أحدهم لم يرضَ عن نصيبه الذي أعطي له فأتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي ، وجعل يتكلم في أمر الصدقة ، فقال ابنه : والله إنك لتتكلم في رجل ما نال من صدقتكم درهماً ولا دانقاً - الدانق سدس الدرهم - ولا أصاب منها تمرةً واحدة ، فأوجز القاسم صلاته والتفت إلى ابنه وقال : يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم، فقال الناس : صدق ابنه ولكن أراد أن يربيه ، وأن يحفظ لسانه من التوسع بالكلام .
إياك أن تتوسع في الكلام ، قل ما تعلم من دون زيادة ، طال عمر القاسم حتى نيف على الثانية والسبعين ، ولكن كف بصره وهو شيخ كبير ، وفي آخر سنة من حياته قصد مكة يريد الحج وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين - الموت - فلما أحس بالأجل التفت إلى ابنه وقال : إذا أنا مت فكفني بثيابي التي كنت أصلي بها ، قميصي وإزاري وردائي فذلك كان كفن جدك أبا بكر ، ثم سوِّ عليّ لحدي ، والحق بأهلك ، وإياكم أن تقفوا على قبري وتقولوا : كان وكان فما كنت شيئاً .
هذا التواضع ، لابد من حفل التأبين كان وكان . . . قال له : ما كنت شيئاً ، الإنسان عندما يعرف مقامه عند الله يزهد بكلام الناس عنه ، يزهد بتأبين الناس له ، يزهد بثناء الناس عليه ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به ، ذلكم كان القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه .

السعيد 09-12-2018 08:39 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و السبعون )

الموضوع : صيام المريض و المسافر





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حكم الصيام للمريض و المسافر :
أيها الأخوة المؤمنون ، لازلنا مع دروس الفقه المتعلقة بشهر الصيام ، وصلنا في الدرس الماضي إلى أنه من كان مريضاً في رمضان فخاف الخوف المعتبر شرعاً - يوجد خوف غير معتبر شرعاً ؛ وسوسة ، أو وهم ، أو ظن ، لا يستطيع المسلم أن يفطر في رمضان بناءً على رخصة المرض إلا إذا كان خوف المرض معتبراً شرعاً - وهو ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/01.jpg
رجل يعاني من آلام في المعدة فكلما صام اشتدت به الآلام يغلب على ظنه أن الصيام يؤذيه بتجربة سابقة محققة عنده ، أو إخبار مسلم عدل يخبره أن الصيام يؤذيه ، أو إخبار مستورٍ حاذقٍ والجمع بينهما ، أي أن يخبره طبيب مسلم ورع حاذق، إذا اجتمع في الطبيب المهارة والورع في الوقت نفسه فإخبار هذا الطبيب بضرورة الإفطار شيء يعد خوفاً شرعياً يجيز للمسلم الإفطار ، ماذا يخبره ؟ أنه إذا صام ازداد مرضه أو تأخر شفاؤه ، إذا كان كذلك أفطر وقضى ، أي أفطر ذلك اليوم وقضى مكانه ولا شيء آخر عليه ، لأن زيادة المرض وامتداده يفضي إلى الهلاك فيحترز عنه ، هذا إذا كان مريضاً، إذاً المرض مقيد ليس مطلق المرض يجيز الفطر ، بعضهم يتوهم أن مطلق المرض يجيز الفطر ، لا ، المرض المعتبر شرعاً بتجربة ثابتة فيها غلبة الظن ، أو بإخبار طبيب مسلم حاذق ورع.
وإن كان مسافراً وهو لا يضره الصوم ، أو لا يضره السفر إذا كان صائماً فصومه أفضل ، سافر إلى مسافة عشرين كيلو متراً أو ثلاثين كيلو متراً بسيارة مريحة ، والجو شتاء لا يوجد حر ، فمثل هذا السفر لا يضر الصائم بل إن الصيام لا يضر ، السفر إذا كان كذلك فصومه أفضل لقوله تعالى :

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:184]
لكن إن أفطر جاز وقضى ، لأن علة المرض مشروطة ، بينما علة السفر مطلقة، فإن أفطر المسافر جاز وقضى ، لكن بعض العلماء قال : إن السفر الذي به تقصر الصلاة هو السفر الذي يجيز للمسلم أن يفطر به ، والمسافة التي تقصر بها الصلاة ثمانون كيلو متراً، وقال بعض العلماء : إن السفر أي سفر لا يعرى عن المشقة ، فجعل نفسه عذراً ، أي السفر على إطلاقه عدّ عذراً بخلاف المرض لأنه قد يخف بالصوم ، فشرط كونه مفضياً إلى الحرج عدّ السفر على إطلاقه سبباً موجباً للفطر. حكم المريض و المسافر إذا ماتا وهما على حالهما أو بعد الصحة و الإقامة :
الآن إذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما ، مسلم مسافر مات في أثناء السفر ، أو مسلم مريض وهو مفطر مات في أثناء المرض قال : لم يلزمهما القضاء ولا قضاء عليهما ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
هذا المريض وهذا المسافر اللذان ماتا في مرضهما أو سفرهما لم يجدا عدةً من أيام أخر ، إذاً لا شيء عليهم ، الآن وإن صحّ المريض وأقام المسافر هذه العلة برأ منها وهذا السفر عاد منه ، إذا صحّ المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة ، إذا ماتا بعد مضي شهر من انتهاء الصوم وكانا في هذا الشهر صحيحين لزمهما القضاء بعد موتهما ، لوجود الإدراك بهذا المقدار ، لو عاشا بعد رمضان أسبوعين بصحة جيدة لزمهما قضاء نصف الشهر ، يلزمهما قضاء المدة التي صحا فيها أو أقاما فيها ، لذلك إذا صح المريض أو أقام المسافر ثم أدركه الموت وكان بوعيه لزمه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم لم يستطع أن يؤده قضاءً هذا هو الحكم. قضاء رمضان :
الآن قضاء رمضان المسلم مخير فيه إن شاء فرقه ، وإن شاء جمعه بإطلاق النص ، قال تعالى :
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/02.jpg
يا ترى هذه الأيام الأخر متتابعة أم متفرقة ؟ ما سكت عنه القرآن كان في هذا إطلاقاً ، والمطلق على إطلاقه ، وهذا رحمة من الله تعالى ، والإنسان إذا شيء ربنا سبحانه وتعالى سكت عنه لا ينبغي له أن يسأل عنه ، لأن في السؤال حرجاً ، لكن المستحب لو سألت عالماً أيهما مستحب أن نصوم هذه الأيام التي فاتتنا في المرض أو السفر متتابعةً أم نصومها متفرقةٍ ؟ لكان الجواب المستحب المتابعة ، لماذا ؟ مسارعةً إلى إسقاط الواجب ، أما إذا أخر المسلم ما عليه من أيام أفطر بها أخر قضاءها إلى أن جاء رمضان آخر فهذا له حكم آخر ، وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني ، لأن القاعدة الشرعية تقول : رمضان ظرفٌ لا يسع غيره ، أي في رمضان لا يسع رمضان إلا أن تصوم رمضان ، أما أن تجمع في رمضان بين صيام الفرض وصيام الكفارة أو القضاء فهذا مستحيل.
إذاً من أخر من فاته من أيام في رمضان إلى أن جاء رمضان آخر صام الثاني لأن وقته حتى لو نواه عن القضاء لا يقع إلا عن أداء ، لو نوى أن يصوم رمضان قضاءً عن رمضان آخر لا يقع إلا أن يكون أداءً لرمضان جديد ، وقضى الأول بعده ، لأن وقت القضاء على مذهب أبو حنيفة رضي الله عنه لا وجوب عليه ، وعلى بعض المذاهب إذا جاء رمضان الآخر ففي هذا إهمال ، عليه أن يقضي ما فاته ، وأن يدفع عن كل يوم ثمن إطعام مسكين ، لكن على المذهب الحنفي لا شيء عليه لأن وجوب القضاء على التراخي من دون تحديد ، أي إذا الإنسان أفطر برمضان لعذر من سفر أو مرض وجاء رمضان الثاني صام الثاني وقضى ما عليه بعد رمضان الثاني .
حكم الصيام للحامل و المرضع و الشيخ :
الآن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما نسباً أو رضاعةً ولو أنها ترضع غير ولدها ، أو إذا خافتا على أنفسهما ، إما الخوف على النفس أو الولد أفطرتا وقضتا دفعاً للحرج ، ولا فدية عليها لأنه إفطار بسبب العجز ، فيكتفى بالقضاء اعتباراً في المريض والمسافر هذا الحكم ، أما الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام لقربه إلى الفناء أو لفناء قوته فيفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً كما يطعم المكفر في الكفارات ، وكذلك العجوز الفاني هذا إذا كان ميسور الحال ، وإذا كان فقيراً لا يملك قوت يومه ليس عليه شيء ، والأصل فيه قوله تعالى :
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
في بعض التفاسير أي لا يطيقونه ، أما لو قدر الشيخ الفاني على الصوم بعد انقضاء رمضان فلن تقبل منه الكفارة ، عليه أن يصوم لأن شرط الفداء تعذر القضاء. حكم من مات وعليه قضاء رمضان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/03.jpg
الآن من مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه ، إذا الإنسان كان على فراش الموت وقد أفطر في رمضان الماضي بعذر من مرض أو سفر ثم أدركه الموت فعليه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم أفطره ، بشرط أن تكون قيمة هذا المال لا تزيد عن ثلث التركة لأن الثلثين من حق الورثة ، لو كان الإنسان يجب أن يأكل بخمسين ليرة في اليوم فرضاً ، ثلاثون يوماً ألف وخمسمئة ، لو أن الألف والخمسمئة أقل من الثلث لا يجب عليه إلى الثلث ، لأن ثلث المال يحق للمتوفى أن يتصرف فيه أما الثلثان فمن حق الورثة.
لكل يوم مسكيناً نصف صاع من بر - قمح - أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني هذا الذي يأتيه الموت ولم يصم ما عليه من رمضان ، لابد من أن يوصي فإن مات ولم يوصِ بالإطعام لا يلزم على ورثته شيء ، لا ينبغي لناظر الوصية أن يأخذ من أموال الورثة مبلغاً ليقضي به ما فاته من صوم إن لم يوصِ لا يلزمهم شيء ، لو تبرعوا عنه من غير وصية جاز ، وعلى هذا الزكاة.

صوم التطوع :
الآن من دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ثم أفسده قضاهما ، يوجد عندنا قاعدة أن النفل إذا شرعت فيه يجب أن تتمه لقوله :
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة:196]
هنا الحكم ليس الفرضية ، الحكم الإتمام ، إذا شرعت في عبادة يجب أن تتمها وجوباً لأن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال ، وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه . من يصوم نفلاً يجوز له أن يفطر بعذر :
إذاً لا يباح الإفطار عند بعض الأئمة بغير عذر في إحدى الروايتين ويباح بعذر في رواية أخرى ، أي الذي يصوم نفلاً في بعض الأحاديث : " الصائم نفلاً أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر " ، بعض العلماء يقولون : لا يجوز أن يفطر إلا بعذر ، وبعضهم قال : يجوز أن يفطر من دون عذر لأنه صيام نفل أخذاً من هذا الحديث.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/04.jpg
لكن من العذر أن تدعى إلى طعام ، أنت صائم صيام نفل دعاك أخ كريم وتكلف تقول له : إني صائم ؟ النبي عليه الصلاة والسلام غضب من بعض أصحابه وقد دعوا إلى طعام فقال أحدهم : إني صائم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أخوك تكلف ودعاك وتقول إني صائم أفطر واقض يوماً مكانه "
فالعلماء أخذوا أنه يجوز لمن يصوم نفلاً أن يفطر بعذر ، من العذر الدعوة إلى الطعام ، أو زارك ضيف ، جاءك ضيف من سفر وأنت صائم نفلاً الأولى أن تفطر من أجله، وأن تأكل معه إكراماً له .
والرأي الثاني : يجوز أن تفطر من صيام النفل مطلقاً من دون قيد أو شرط ولكن المقصود من هذا الكلام أن المضي في العبادة واجب فمن بدأ نفلاً وأفطر فيه عليه أن يقضيه وجوباً لا اختياراً ، الصيام اختياري فلما بدأت فيه وأفطرت عليك أن تقضيه ، مثلاً طرح السلام سنة لكن ردّ السلام فرض ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾
[ سورة النساء:86]
لك أن تسلِّم أو لا ، ولكن إذا سلم عليك وجب عليك أن ترد السلام . تعاليم خاصة بالصيام :
إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما ، لو تصورنا إنساناً لا يعتقد بالدين خلال مناقشة موفقة بين إنسان غير معتقد بالدين وهو مفطر اعتقد بأحقية هذا الدين الساعة الثانية عشرة النظام الدقيق يجب أن يمسك عن الطعام والشراب بقية اليوم .
إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما قضاءً لحق الوقت بالتشبه بالصائم ، وصاما ما بعده لتحقق السببية والأهلية ولم يقضيا ذلك اليوم الذي فيه تم الإسلام أو تم البلوغ ، لكن الإمساك عن الطعام مراعاة للنظام العام.
الآن إذا حاضت المرأة أو نفست - أي دخلت بالنفاس - وهي الأيام التي تلي الولادة أفطرت وقضت وليس عليها أن تتشبه حال العذر لأن صومها حرام ، والتشبه بالحرام حرام ، أي إذا امرأة في الحيض أو بالنفاس من حقها أن تفطر ، إذا في حالات نادرة أحياناً يكون الطفل صغيراً غير مدرك فإذا أفطرت أمامه يصعب عليه أن توضح سبب الفطر ، هذه حالة ربما استخف الطفل بقدسية هذا الشهر لأن أمه رآها قد أفطرت ، وقد لا تستطيع لصغر سنه أن تبين له لماذا هي تفطر ، أي يوجد حالات إذا كان المرأة حاولت أن تخفي إفطارها عن صغيرها لا مانع مراعاة للحرج .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/05.jpg
الآن إذا قدم المسافر أو برأ المريض أو طهرت الحائض أو النفساء في بعض النهار أمسكا وجوباً ، المسافر وصل الساعة العاشرة إلى بيته في أيام رمضان صباحاً كان مفطراً مادام قد وصل إلى البيت ، ووصل إلى دار إقامته ، ينبغي أن يمسك بقية اليوم ، فإذا طهرت الحائض أو النفساء ، أو برأ المريض ، أو قدم المسافر في بعض النهار ، أمسكا وجوباً وهو الصحيح عن المفطرات من الطعام والشراب وغيرهما بقية يومهما قضاءً لحق الوقت تقديساً لهذا الشهر العظيم .
ومن تسحر وهو يظن أن الليل باق ، أي سمع القرآن فظن القرآن الذي قبل الفجر، فإذا هو قرآن بعد الفجر من إذاعة أخرى فرضاً وكان قد أذن الفجر هذه حالة ، أو أفطر وهو يرى أو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الفجر كان ، أحياناً يسمع الإنسان أذاناً من غير محطة يكون هذا الأذان قبل نصف ساعة من أذان توقيت دمشق أو ما حولها ، أي قد يحصل خطأ في الإمساك عن الطعام بعد الوقت المناسب ، أو في الإفطار قبل الوقت المناسب ماذا يفعل ؟ قال : عليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفطر فيه خطأً لأنه حق مضمون بالمثل ، ولا كفارة عليه لقصور الجناية ، أي هذه الجناية ليست تامة ، كيف ليست تامة ؟ ليس فيها عزم على الإفطار ، فما دام هناك جناية ناقصة إذاً عليه قضاء وليس عليه كفارة.
ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ، الدرس الماضي : من رأى هلال رمضان وحده عليه أن يصوم ، فإذا أفطر وجب عليه القضاء ، الآن من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً ، النبي عليه الصلاة والسلام له أحاديث تعطينا نظاماً اجتماعياً.
((صومكم يوم تصومون))
[أبو داود عن أبي هريرة ]
أنت عضو في مجتمع ، أنت مواطن في بلد مسلم إذا أعلن الصيام تصوم ، أعلن الإفطار تفطر ، أما أن تنفرد وحدك بالصيام أو الإفطار ليس هذا مما يصح في القواعد الاجتماعية ، من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً لاحتمال الغلط فإذا أفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة ، الآن وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، مرّ معنا أنه تقبل شهادة رجل واحد في الدخول في العبادة لكن الخروج منها لا تقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين إذا كان في السماء علة من غيم أو غبار ، وإن لم يكن بالسماء علة لن تقبل إلا شهادة جمع غفير يقع العلم بخبرهم .
هذه بعض الأحكام الأساسية التي نصت عليها بعض كتب الفقه على المذهب الحنفي ، وهي من كتاب : " اللباب في شرح الكتاب " وسوف ننتقل في دروس أخرى إن شاء الله تعالى إلى بعض أبحاث الاعتكاف وما يتبعه من موضوعات متعلقة ، أو يأتي الصيام مناسبة لها كدفع الزكاة والصدقة .
* * *
صلة بن أشيم العدوي :
والآن إلى قصة تابعي جليل من التابعين الذين نحن في صدد الحديث عن حياتهم، تابعي اليوم اسمه صلة بن أشيم العدوي عابد من عباد الليل وفارس من فرسان النهار ، وهذا وصف بعض أصحاب رسول الله : رهبان في الليل فرسان في النهار.
كان إذا نشر الظلام أستاره على الكون ، وأسلمت الجنوب إلى المضاجع ، قام فأسبغ الوضوء ثم صف في محرابه ، ودخل في صلاته وهام وجداً بربه ، فيشرق في نفسه سناً إلهي ينير لبصيرته أرجاء الكون ، ويريه آيات الله في الآفاق ، وكان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر قال تعالى :
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾
[ سورة الإسراء: 78]
فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل انحنى بصلبه على أجزاء القرآن ، وانطلق يرتل آيات الله البينات بصوت ندي وجرس شجي ، فتارةً يجد للقرآن حلاوةً تأخذ بمجامع القلوب وتستأثر بمكامن الألباب من خشية الله ، وأخرى يستشعر للقرآن خشعةً تُصدع فؤاده ، ولم يكن صلة اسم هذا التابعي يفتر عن العبادة هذه قط ، لا فرق في ذلك بين حله وترحاله وشغله وفراغه ، حكى جعفر بن زيد فقال : خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين في غزوة إلى مدينة كابل - وهي الآن عاصمة أفغانستان - رجاء أن يفتحها الله لنا ، و كان في الجيش صلة بن أشيم فلما أرخى الليل سدوله ونحن في بعض الطريق حطّ الجند رحاهم ، وأصابوا شيئاً من الطعام ، وأدوا العشاء الأخيرة ثم مضوا إلى رحالهم يلتمسون حظاً من الراحة - هذا جعفر بن زيد - فرأيت صلة بن الأشيم يمضي إلى رحله كما مضوا ، ويسلم جنبه إلى الرقاد كما فعلوا ينام ، هذا تصرف فيه إخلاص لا يريد أن يحدث ضجيجاً أنه يصلي قيام الليل ، ذهب إلى فراشه مع من ذهب ، وأوى إلى مكان نومه فقلت في نفسي : أين الذي يرونه من صلاة الرجل وعبادته ويشيعون من قيامه حتى تتورم قدماه ؟ والله لأرمقنه الليلة حتى أرى ما يكون منه ، فما إن غرق الجند في نومهم حتى رأيته يستيقظ من رقدته وينحاز عن العسكر مستتراً بالعتمة ويدخل في غابة لفاء باسقة الأشجار وحشية الأعشاب كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل ، فمضيت في إثره فلما بلغ منها مكاناً قصياً التمس القبلة ، واتجه إليها ، وكبر للصلاة ، واستغرق فيها ، فنظرت إليه من بعد فرأيته مشرق الوجه ، ساكن الأعضاء ، هادئ النفس ، كأنما يجد في الوحشة أنساً ، وفي البعد قرباً ، وفي الظلمة ضياءً منيراً ، وفيما هو كذلك طلع علينا سبع عظيم من الجانب الشرقي للغابة فما إن رأيته حتى انخلع فؤادي هلعاً حتى أصبح على قيد خطوات منه ، فوالله ما التفت إليه ولا حفل به فلما سجد قلت : الآن يفترسه ، فلما نهض من سجوده وجلس وقف السبع بإزائه وكأنه يتأمله فلما سلم نظر إلى السبع في سكون وحرك شفتيه بكلام لم أسمعه - يبدو أنه استعاذ بالله منه - فإذا بالسبع ينصرف عنه في هدوء ويعود من حيث جاء .
من اتق الله هابه كل شيء ومن لم يتقِ الله هاب كل شيء ، ولما انبلج الفجر نهض وأدى المكتوبة ثم طفق يحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع مثلها قط ، قال : " اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار وهل يجترئ أحد عبد خاطئ مثلي أن يسألك الجنة ؟ وما زال يكررها حتى بكى وأبكاني ، ثم رجع الجيش دون أن يفطن له أحد وبدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا - الفرش - وعدت أنا في إثره وبي من سهر الليل وفتور الجسم وخوف السَبُعِ ما الله به عليم.
ترفق صلة بن أشيم في الدعوة إلى الله :
ولقد كان صلة إلى هذا كله لا يدع سامحة من سوامح الموعظة والتذكير إلا اغتنمها ، وكان أسلوبه في ذلك أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيستميل النفوس النافرة ، ويستلين القلوب القاسية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/06.jpg
من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية في ظاهر البصرة للخلوة والتعبد فكانت تمر به طائفة من الشباب أرخت للصبا عنانها فتلهو وتلعب وتسرح وتمرح ، فكان يحييهم بأنس ويخاطبهم برفق ويقول لهم : ما تقولن في قوم أجمعوا سفراً لأمر عظيم غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهوا ويلعبوا وفي الليل يبيتون ليستريحون فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم ويبلغون غايتهم ؟ ودأب على قول ذلك المرة تلو المرة فلقيهم ذات يوم وقال لهم : مقالتهم تلك فنهض شاب منهم وقال : والله إنه ما يعني بذلك أحداً غيرنا فنحن في النهار نلهو وفي الليل ننام ، ثم انحاز الشاب عن رفاقه ، واتبع صلة بن أشيم منذ ذلك اليوم وما زال في صحبته حتى أتاه اليقين .
انظر الترفق بالدعوة إلى الله ، قال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 159]
درس لمن أراد أن يأمر بالمعروف :
ومن ذلك أيضاً أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية له ، فمر بهم شاب رائع الشباب ، ريان الصبا ، قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر الخيلاء ، فهم أصحابه بالشاب وأرادوا أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم أخذاً شديداً فقال لهم صلة: دعوه لي أكفكم أمره ، ثم أقبل على الشاب وقال في رفق الأب الشفيق ونبرة الصديق الحميم: يا بن أخي إن لي إليك حاجة ؟ فتوقف الفتى وقال : ما هي يا عم ؟ فقال : أن ترفع إزارك فإن ذلك أنقى لثوبك وأتقى لربك وأدنى لسنة نبيك ، هذه الموعظة بلطف ، بأدب ، بذكاء، بحكمة ، فقال الفتى في خجل : نعم ونعمة عين ، ثم بادر ورفع إزاره ، فقال صلة لأصحابه : إن هذا أمثل مما أردتم ، علموا ولا تعنفوا ولو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه لضاربكم وشاتمكم وأبقى إزاره مسدلاً يمسح به الأرض ، هذا درس لمن أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ، جاءه مرةً فتىً من فتيان البصرة فقال: علمني يا أبا الصهباء مما علمك الله فهش له صلة وبش وقال : لقد أذكرتني يا بن أخي ماضياً لا أنساه حيث كنت إذ ذاك شاباً مثلك فأتيت من بقي من صحابة رسول الله وقلت لهم" علموني مما علمكم الله ، فقالوا لي : اجعل القرآن عصمة نفسك وربيع قلبك - اقرأه وافهم أحكامه وطبقه ، واجعله ربيع قلبك ، داوم على قراءته والتغني به - وانتصح له وانصح المسلمين به ، وأكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت ، فقال الفتى : ادعو لي جزيت خيراً، فقال : رغبك الله تعالى فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ووهب لك اليقين التي تسكن إليه النفوس ، ويعول عليه في الدين .

عادات معاذة العدوية زوجة صلة بن أشيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/07.jpg
كان لصلة ابنة عم تدعى معاذة العدوية وكانت هي الأخرى تابعية ، أخذت عن أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها ، ثم لقيها الحسن البصري نضر الله روحه وسمع منها، وكانت تقية نقية عابدة زاهدة ، وكان من عادتها إذا أقبل الليل أن تقول : قد تكون هذه آخر ليلة لي فلا تنام حتى تصبح ، وإذا أقبل عليها النهار تقول : قد يكون هذا النهار آخر يوم لي فلا يطمئن لها جنب حتى تمسي ، وكانت تلبس رقيق الثياب بفصل الشتاء حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم ، والانقطاع عن العبادة ، وكانت تحيي الليل صلاةً واقتراءً - أي التعبد بقراءة القرآن - فإذا غلبها النعاس قامت وجالت في الدار وهي تقول : أمامكِ يا نفس يوم طويل غداً تطول رقدتك في القبر ، إما على حسرة وإما على سرور ، فاختاري يا معاذة لنفسكِ اليوم ما تحبين أن تكوني عليه غداً.
وكانت هذه زوجته وأنعم بها من زوجة .

شجاعة صلة و فروسيته :
ولم يكن صلة بن أشيم أواهاً ، أواباً، عابداً فحسب وإنما كان إلى ذلك فارساً مجاهداً ، وبطلاً مجاهداً ، قلّما عرفت ساحات القتال كمياً - أي بطلاً - أشد منه بأساً أو أقوى نفساً ، أو أمضى سيفاً حتى غدا قواد المسلمين يتنافسون في اجتذابه إليهم ، كل منهم يريد أن يظفر به في عسكره ليقطف بفضل شجاعته النصر الكبير الذي يطمح إليه .
" روى جعفر بن زيد قال : خرجنا في غزوة ومعنا صلة بن أشيم وهشام بن عامر فلما لقينا العدو انبرى صلة وصاحبه من صفوف المسلمين وأوغلا في جموع الأعداء طعناً بالرماح ، وضرباً بالسيوف ، حتى أثرا في مقدمة الجيش أبلغ الأثر ، فقال بعض قادة العدو لبعض : رجلان من جند المسلمين أنزلا بنا كل هذا فكيف لو قاتلونا جميعاً انزلوا على حكم المسلمين ودينوا لهم بالطاعة ، وفي سنة ست وسبعون للهجرة خرج صلة بن أشيم في غزاة له مع جيوش المسلمين المتوجهة إلى بلاد ما وراء النهر أي في تركستان وكان في صحبته ابن له فلما التقى الجمعان وحمي وطيس المعركة قال صلة لابنه : أي بني تقدم وجاهد أعداء الله حتى أحتسبك عند الذي لا تضيع عنده الودائع ، فانطلق الفتى إلى قتال العدو كما ينطلق السهم عن القوس ، وما زال يقاتل حتى خرّ صريعاً شهيداً ، فما كان من أبيه إلا أن مضى على أثره وظل يجاهد حتى ثوى شهيداً إلى جنبه ، فلما بلغ نعيهما البصرة اتجهت النساء إلى معاذة العدوية ليواسينها فقالت لهن : إن كنتن جئتن لتهنئتي فمرحباً بكم ، أما إذا كنتن قد جئتن لغير ذلك فارجعن وجزيتن خيراً ، ماداما قد قتلا في أرض المعركة ونالا شرف الشهادة فأنا ينبغي أن أهنأ بهما لا أن أعزى بهما ، هذه زوجته ، نضر الله هذه الوجوه النبيلة الكريمة ، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خيراً ، فما عرف تاريخ الإنسانية أتقى منهما ولا أنقى .

* * *
آفة السخرية :

آخر فقرة في الدرس الآفة التي نتحدث عنها من آفات اللسان هي آفة السخرية ، السخرية والاستهزاء محرم بقوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
أية لفظة ، أو عبارة ، أو حركة ، أو تصرف ، أو مشية ، أو محاكاة ، أو إشارة، أو عبارة تؤدي إلى السخرية فهي محرمة شرعاً بنص هذه الآية ، لذلك لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة أنها قالت عن أختها صفية قصيرة قال : " يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته" . معنى السخرية :
ومعنى السخرية : الاستهانة والتحقير ، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالتقليد في القول أو الفعل ، وقد يكون بالإشارة والإيماء ، ومرجع ذلك إلى استحقار الغير ، والضحك عليه ، والاستهانة به ، والاستصغار له وعليه ، قال تعالى:
﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
وفي حق النساء : ﴿ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4622/08.jpg
كأن الله تعالى يقول : لا تدري لعلك إذا احتقرته استصغاراً له لعله يكون خيراً منك ، هذا يحرم في حق من تأذى به ، فأما من جعل نفسه مسخرةً - هكذا جاء في الكتاب -وفرح بمن يسخر به كان السخرية في حقه من جملة المزاح ، يوجد أشخاص قلة يحبون أن يضحك الناس عليهم ويستمتعون بهذا ، قال : هذا دخل في المزاح ولم يدخل في السخرية ، هو تكلم كلاماً عن نفسه أضحك القوم ، أنت لست آثماً هو يفعل هذا بنفسه ، يتحدث عن نفسه، طبعاً الإنسان إذا كان في مجلس بشكل عرضي كان راكباً سيارة عامة رجل قام وتكلم نكتة فضحك الناس فإذا ضحك ما فعل شيئاً ، ما سخر منه هو سخر من نفسه ، هذا دخل بالمزاح.
أما أن تستصغر أخاك المسلم بحيث يتأذى بهذه السخرية فهذا من باب المحرمات التي تقطع الإنسان عن ربه ، على كلٍّ كما قال عليه الصلاة والسلام :
((من كثر ضحكه قلت هيبته ، ومن كثر ضحكه استخف به ))
[روضة العقلاء لابن حبان عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ]
إفشاء السر :
شيء آخر من آفات اللسان إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
يحدثك حديثاً ، سمع حركة فسكت هذه الالتفاتة تعني أن هذا الحديث يجب أن يبقى سراً بينك وبينه ، هكذا المسلم ، أما بعد أن يتوسل إليك ويؤكد عليك ويقول لك : هذا الشيء بيننا بعد نصف ساعة يسمعه بالطريق ، فهذه أخلاق ليست من أخلاق المسلم ، لم يقل لك شيئاً إنما التفت التفاته تعني أن هذا الذي قاله لك سر ، طبعاً إلا إذا كان موضوع مخالفة للشرع ، لو أسرّ لك إنسان أنه سيفعل كذا بفلان والفعل مناف للدين هذا بحث آخر ، ثلاثة مجالس لا أمانة لهم ؛ مجلس فيه سفك دم حرام ، وأكل مال حرام ، أو انتهاك عرض حرام ، هذه المجالس الثلاثة ليس لها سر ، سمعت أنه سوف يأكل مال فلان اغتصاباً لا يجوز أن تسكت عنه هذا فيه حق .

السعيد 09-12-2018 08:41 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثمانون )

الموضوع : اختلاف المطالع - الاعتكاف



الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
اختلاف المطالع :
أيها الأخوة المؤمنون ، موضوع اليوم موضوع شغل الناس جميعاً ، فبعض الناس في حيرةٍ من أمرهم في موضوع الصيام ، رأى العلماء أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ ))
[ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ]
صوموا فعل أمر أسند إلى الجماعة ، أي أيها المسلمون صوموا جميعاً لرؤيته ، لمطلق الرؤية ، ويا أيها المسلمون أفطروا جميعاً لرؤيته ، لذلك هذا الموضوع ينقلنا إلى بحث في الفقه اسمه اختلاف المطالع ، اختلاف المطالع كيف أن الأرض كروية تدور حول نفسها وتسبح في دورانها حول نفسها حول الشمس ، ففي دورتها حول نفسها تشرق الشمس على كل بقعة في الأرض في وقت غير الوقت التي تشرق فيه على بقعة أخرى ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت في الواقع وفي الشرع ، ففي كل بلد مواقيت لأداء الصلوات الخمس، قد يستمع الإنسان إلى أذان المغرب في بلد مسلم قبل نصف ساعة من أذانه في بلده ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت واقعاً وثابت شرعاً ، وليس هذا الاختلاف موضوع نزاع بين المسلمين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى هذه الأيام لكل بلد مواقيته الخاصة في أداء الصلوات الخمس ، لأن مطلع الشمس يختلف من بلد إلى آخر. الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤية مطلقة و ممكنة :
الآن القمر في دورته حول الأرض يتم دورةً كاملةً حول الأرض في مدة تقترب من مدة دورة الأرض حول نفسها ، لو أن هناك تطابقاً في دوران القمر حول الأرض مع دوران الأرض حول نفسها لبقي القمر ثابتاً في مكان موازياً للأرض لا يتغير ، ولكن هناك فارقاً وتفاضلاً بين دورة القمر حول الأرض ودورة الأرض حول نفسها ، هذا التفاضل يجعل للقمر مطالع كما للشمس مطالع ، بل إن مطالع الشمس تختلف من بلد إلى آخر ، أي وقت الفجر في دمشق غيره في بيروت ، غيره في بغداد ، غيره في دلهي ، غيره في الصين ، لكل بلد مطلع شمس خاص به ، وأيضاً لكل بلد مطلع قمر خاص به ، وكما أن مطالع الشمس مختلفة كذلك مطالع القمر مختلفة ، لكن مطالع الشمس يبنى عليها اختلاف مواقيت الصلاة في كل أقطار العالم الإسلامي ، وهذا ليس محل نزاع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام جعل رؤية الهلال شرطاً من شروط الصوم، صوموا أيها المسلمون جميعاً لرؤيته ، فالصوم موجه إلى كل المسلمين ، والرؤية مطلقة ، أي إذا رجلاً واحداً عدلاً ثقةً رأى الهلال وصحت شهادته ونقلت للناس هذه الشهادة وجب الصوم على كل مسلم ، هذا مذهب الأحناف أن الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤيةً مطلقة ورؤيةً ممكنة ، تصوروا أن العالم الإسلامي المترامي الأطراف قبل ألف عام لم يكن هناك تواصل إعلامي ولا لاسلكي ولا هاتف ولا شيء من هذا القبيل ، لو أن أهل الشام رأوا الهلال كيف السبيل إلى أن ننقل هذا الخبر إلى أهل العراق أو إلى أو إلى المغرب أو إلى أهل شمال إفريقيا ؟ حينما يكون التواصل الإعلامي متعذراً فكل بلد يرى الهلال يصوم هذا البلد وفق رؤية الهلال ، فإذا أصبح العالم الإسلامي وحدةً إعلاميةً واحدة فممكن أن يصوم الجميع لرؤية واحد من هؤلاء ، بشرط أن يكون هذا العالم الإسلامي موحداً ، فإذا كان لكل بلد إسلامي أمير مسلم وله قاضٍ للشرع هو المخول في إثبات الهلال أو عدم الإثبات ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فصار على الإنسان أن يبقى مع المجموع ، لأن هناك جهةً موكلةً من قبل الأمير لتحري هلال رمضان ، هذه الجهة بسبب أنه قد غمَّ علينا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((... فَإِنْ غُمَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ))
[ البيهقي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/01.jpg
وهذا وفق الشرع ، وعندها يبدأ الصيام في اليوم الذي يلي اليوم الثلاثين من شعبان بعض الأشياء التي يجب أن نأخذ بها ، الفقهاء اتفاقهم حجةً قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، أي حينما يكون العالم الإسلامي موحداً ، والتواصل الإعلامي متعذراً ، فكل بلد له مطلعه الخاص إذا رأى الهلال يصوم وإذا رآه يفطر ، إذا رأى هلال رمضان يصوم ، وإذا رأى هلال شوال يفطر ، وإذا كان العالم الإسلامي موحداً والتواصل الإعلامي موجوداً الأفضل أن يصوم جميع المسلمين في يوم واحد وهذا ما نطمح إليه ، على كلٍّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نكون مع المجموع ، وأن نكون مع الجهة التي أوكل إليه أمر إثبات شهر الصيام ، فنحن لا نملك أن نصوم من تلقاء أنفسنا ما لم يكن هناك إثبات شرعي لشهر الصيام ، هذا الكلام ملخص الموضوع ولكن من القواعد الأصولية أن أمر الحاكم يلغي الخلاف ، مادام لم يثبت من الجهة الرسمية أن رمضان اليوم فالموضوع ألغي الخلاف فيه لأنك أنت مسلم في جماعةٍ مؤمنةٍ ، فيها جهة مسؤولة عن إثبات الشهر ، وعن إعلان الإثبات، فأنت تابع لهذا المجتمع الذي يتصرف وفق القواعد الشرعية ، هذا ملخص الموضوع. على الإنسان أن يكون مع المجموع في صيامه و إفطاره :
لكن لماذا بقي الموضوع على الرؤية ؟ لأنه كما قلت قبل قليل : أحياناً يكون التواصل الإعلامي متعذراً والعالم الإسلامي موحد فصعب أن نبلغ الأقطار ، ثم هناك ناحية مهمة : الأقطار الإسلامية إذا تباعدت على خطوط العرض فاختلاف المطالع حتميٌ أما إذا تباعدت على خطوط الطول فاختلاف المطالع وهمي ، لأن الأرض في دورتها حول نفسها وفي دورة القمر حولها خطوط الطول تشكل مطلعاً موحداً ، أما خطوط العرض تشكل مطالع متباينة ، لذلك من الطبيعي أن يرى هلال رمضان في الهند ولا يرى في المغرب ، حتى أن بعض العلماء قالوا : من ضوابط التباعد بين الأقطار الإسلامية أن يشترك القطران معاً في الليل فهذا من دواعي التقارب ، أما هناك أقطار إسلامية بعضها نهار وبعضها ليل ، لو أخذنا الفيلبين مع المغرب فقد يتناقض الليل مع النهار ، إذاً اختلاف المطالع حقيقةٌ واقعة لا شك فيها ، ولكن العلماء بين من يأخذ بها وبين من لا يأخذ بها ، هناك من أخذ بها وهناك من لم يأخذ بها ، اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، وصومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون ، والإنسان أولى أن يكون مع المجموع في صيامه ، وفي إفطاره ، وفي وقفته ، وفي كل مناسباته الدينية.
قال بعض العلماء تعليقاً على قوله تعالى :
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 185 ]
أي الإنسان قد يتبادر له أن كلمة شهد الشهر أنه رأى القمر ، شهد الشهر أي أدركه رمضان وهو مقيم في أهله وبلده وهو مكلف وصحيح ومعافى وعالم بدخول الشهر ، عندئذ وجب عليه الصوم .
* * *
الاعتكاف :
الآن ننتقل إلى موضوعه الاعتكاف ، كثير ما يسأل بعض الأخوة عن حكم الاعتكاف في الإسلام ، الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً، في كل الموضوعات الفقهية يبدأ علماء الفقه بالتعريف اللغوي ، ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون ؟ العكوف لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾
[ سورة البقرة : 187 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/02.jpg
أي مقيمون متعبدون لها ، والمقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله تعالى ، قد يقول أحدكم : لا نرى أحداً يعتكف في المسجد ، أنا أريد من هذا الموضوع أن أصل إلى روح الموضوع ، روح الموضوع أن ينقطع الإنسان عن مشاعر الدنيا في رمضان ، وأن يكثر من الانفراد والتعبد وتلاوة القرآن ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى.
أجمع العلماء على أن الاعتكاف مشروع ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في كل رمضان عشرة أيام : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
في أواخر رمضان ، أي قياساً على هذا ؛ الإنسان إذا كان بإمكانه أن يفرغ نفسه في العشر الأخير من رمضان ، يلزم المسجد إذا أمكن ، وإذا ما أمكن أن يلزم بيته ما أمكن ، يبتعد عن القضايا التي تشوش عليه حياته وصفاءه ، أنا أريد أن أسهل عليكم الأمر ، إذا كان بإمكان الشخص أن يترك عمله إذا كان عمله حراً وغير مقيد بدوام وفي بحبوحة ولا يوجد شيء ملزم وأن يعتكف في المسجد أكمل شيء ، ما تمكن في المسجد يعتكف في البيت شيء جيد جداً ، ما تمكن أن يعتكف في البيت القضايا التي من شأنها أن تعكر عليه صفاءه عليه أن يبتعد عنها خلال هذا العشر من أواخر شهر رمضان. أقسام الاعتكاف :
الاعتكاف كما يقسمه العلماء ينقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف واجب http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/03.jpg
وفي بعض الكتب يقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف مستحب وإلى اعتكاف واجب ، فالمسنون أي ما كان في حكم السنة ، ما تطوع به المسلم تقرباً لله عز وجل ، وطلباً لثوابه ، واقتداءً بالنبي صلوات الله عليه ، ويتأكد هذا الاعتكاف بالعشر الأواخر من رمضان كما تقدم، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه إما بالنذر المطلق كأن يقول : لله علي أن أعتكف كذا وكذا ، نذر على نفسه أن يعتكف بضعة أيام في المسجد أو في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي الشريف ، فمن ألزم نفسه أي نذر على نفسه أن يعتكف أياماً معدودات في مسجد مخصص فهذا اعتكاف واجب ، وهو اعتكاف مطلق ، وهناك اعتكاف معلق أي اعتكاف واجب بالنذر المعلق ، كأن يقول : إن شفى الله مريضي لاعتكفن كذا وكذا ، وفي صحيح البخاري :
(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]
وفيه : ((عَنْ عُمَرَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ ))
[ متفق عليه عَنْ عُمَرَ]
زمان الاعتكاف :
زمان الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذر هو وسماه الناذر ، فإن نذر الاعتكاف يوماً أو أكثر وجب الوفاء بما نذر ، أما الاعتكاف المستحب فليس له وقت محدد فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر ، المستحب كلما دخلت المسجد ومكثت فيه فأنت معتكف ، والاعتكاف بهذه الطريقة اعتكاف مستحب ، ويثاب المسلم في اعتكافه مدة بقائه في المسجد ، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف ، أي أنتم في هذا المسجد مع بقائكم ساعة أو أكثر أنتم معتكفون في هذا المسجد لأنكم تركتم كل علائق الدنيا ، وأتيتم لتتعلموا شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من سيرة التابعين الأجلاء ، أو من بعض أحكام الفقه ، فهذا اعتكاف أيضاً ولكن اعتكاف مستحب.
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء ، مادمت في اعتكاف مستحب لك أن تقطعه متى شئت قبل قضاء المدة التي نواها.
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا]
كانت تضرب له قبة في المسجد ليعتزل الناس ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام ما ارتاحت نفسه لهذا التنافس في الاعتكاف ، وكأنه أشعر السامع أن نساءه كن أقرب إلى أن يظهرن بمظهر المعتكفات من هن بالوضع الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام ، فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فوقضت ، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأواخر أي من شوال ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته فيه، وهذا دليل على قطعه بعد الشروع فيه ، وفي الحديث أن الرجل له أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه وإليه ذهب عامة العلماء. شروط الاعتكاف و أركانه :
الآن شروطه : المعتكف يجب أن يكون مسلماً ، مميزاً ، طاهراً من الجنابة والحيض والنفاس ، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ، ولا جنب ، ولا حائض ، ولا نفساء ، أما أركان الاعتكاف فمن أبرز أركانه المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلو لم يقع المكث في المسجد ، أو لم تحدث نية الطاعة ، لا ينعقد الاعتكاف إن لم يكن المكث في المسجد ، أو إن لم تكن النية هي التقرب إلى الله عز وجل ، فإن الاعتكاف لا يصح ، أما وجوب النية فلقول الله تعالى :
﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾
[ سورة البينة : 5]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/04.jpg
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عنه ]
وأما أن المسجد لابد منه فلقول الله تعالى : ﴿ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
[ سورة البقرة: 187]
إذاً الاعتكاف في المسجد .
إذاً من أركانه أن يكون بنية ، وأن يقتضي المكث ، وأن يكون في المسجد ، والعلماء اختلفوا في نوع المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف ، فمنهم من قال : إنه يجب أن يكون في المسجد الجامع ، والمسجد الجامع هو المسجد التي تؤدى به الصلوات الخمس وتؤدى به صلاة الجمعة ، وهناك مسجد تؤدى به الصلوات الخمس فقط ، وهناك مسجد ليس له إمام ولا مؤذن يسمى مصلى ، بعضهم قال : في أي مسجد كان ، وبعضهم قال : في المسجد الجامع ، وبعضهم قال : في أي مسجد تؤدى فيه الصلوات الخمس وله إمام وله مؤذن. صوم المعتكف :
الآن صوم المعتكف ، المعتكف إن صام فحسن وإن لم يصم فلا شيء عليه ، أي اعتكاف هذا ؟ قلنا قبل قليل : هناك اعتكاف واجب ، الذي يجب بالنذر المطلق أو المقيد، وهناك اعتكاف مستحب ، وهناك اعتكاف مسنون ، الاعتكاف المسنون هو ما كان بالعشر الأواخر من رمضان فأنت صائم حكماً ، أما الحديث عن الصيام مع الاعتكاف فهذا في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو المقيد ، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمراً قال : " يا رسول الله إني نذرت بالجاهلية أن أعتكف ليلاً في المسجد الحرام ، فقال : أوفِ بنذرك "
ففي أمر النبي عليه الصلاة والسلام له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف ، أي كلما دخلت المسجد وأردت أن تبقى فيه تقرباً إلى الله تعالى تتلو فيه القرآن الكريم ، أو تعلم الناس القرآن ، أو تقرأ كتاباً في العلم الشريف ، أو كتاباً في التفسير ، أو كتاباً في الحديث ، أو كتاباً في الفقه ، أو كتاباً في السيرة ، أو أن تذكر الله خالياً، أو أن تأمر بالمعروف ، أي عمل يؤدي إلى مرضاة الله عز وجل فهو عمل مباح في أثناء الاعتكاف.
" وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل قال : كان على امرأتي من أهلي اعتكاف فسألت عمر بن عبد العزيز فقال : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها "
وقال بعض التابعين وهو طاوس : " كان فلاناً لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال عطاء بن رباح وهو تابعي أيضاً : " ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال الحسن البصري : " من اعتكف من غير صيام أجزأه " وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا : " إن شاء صام وإن شاء أفطر " هذا في الاعتكاف.
ما يستحب في الاعتكاف :
المستحب في كل أيام العام أو في الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو النذر المقيد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام :
(( ... إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ...))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]
معناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد ، أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فكان أول الليل ، يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات ، أن يصلي ، أن يذكر ، أن يسبح ، أن يهلل ، أن يكبر ، أن يحمد ، فالتسبيح والتهليل والتكبير والحمد وتلاوة القرآن ، هذا كله مما يستحب للمعتكف ، وأن يشغل نفسه بالصلاة وقراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام والدعاء ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى ، وتصل المرء بخالقه جل ذكره ، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث وقراءة سيرة الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين . ما يكره للمعتكف :
ويكره للمعتكف أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل لما رواه الترمذي وابن ماجة :
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ويكره للمعتكف الإمساك عن الكلام ظناً منه أن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى : (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ))
[ أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
((عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ وَلا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ))
[ ابن ماجة عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه ]
ما عمرك أخي ؟ خمسة وأربعون ، قال عليه الصلاة والسلام : (( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))
[ مسلم عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ]
من هذه التي تمشي معه ؟ كم كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً على سلامة صدر أصحابه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام مما ورد في الأثر : " رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه "
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/05.jpg
سيدنا علي يقول رضي الله عنه : " لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك " ، وقد قيل : " البيان يطرد الشيطان " ، الإمام الشافعي علق على هذه القصة ، قال : إن ذلك كان منه شفقةً عليهما ، هذا التصرف من رسول الله عندما قال : على رسلكما ، لأنهما إن ظنا به ظن السوء كفرا ، فبادر النبي عليه الصلاة والسلام إلى إعلامهما لئلا يهلكا.
كل واحد منا كمسلم أو كمؤمن مظنة صلاح ، مظنة استقامة ، مظنة طهر ، مظنة عفاف ، إذا فرضنا أن إنساناً له محل تجاري وزارته أخته في المحل ورحب بها ، ويوجد عنده أخ جالس في مكان آخر يقول له : هذه أختي لأنه رحب بها ترحيباً يختلف عن ترحيب امرأة عادية تدخل لتشتري ، تثير الشك ، قل لأخيك الذي في المحل أيضاً ، قل له : هذه أختي ، هذا من حسن إسلام المرء أن يدفع عن نفسه مظنة السوء ، والبيان يطرد الشيطان.
فقال الإمام الشافعي : كان هذا منه شفقةً عليهما لأنهما لو ظنا به ظن السوء لكفرا فبادر لإعلامهما لئلا يهلكا ، وقال الإمام الشافعي : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أنتم أيها المؤمنون إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أي إذا أنت في مكان وهناك ثياب معلقة ومددت يدك إلى جيوب أحد هذا الثوب رآك إنسان اندهش قل له : هذا ثوبي آخذ منه حاجة لكيلا يظن بك الظنون ، أو هذا ثوب صديقي كلفني أن أعطيه القلم منه ، كل حركاتك وسكناتك اجعل نفسك كالصفحة البيضاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
ما يجوز للمعتكف :
شيء آخر : أجاز العلماء أن يخرج المعتكف من مكان اعتكافه لحاجةٍ ضرورية، أي إيصال زوجته إلى البيت هذه حاجة ضرورية ، أيضاً يؤخذ منها أن الإنسان الأفضل دائماً يوصل أهله إلى المكان الذي هم بحاجة إلى الوصول إليه دون أن يتركهم وحدهم عرضةً لبعض الأخطار .
الشيء الثاني : ترجيل شعره ، وحلق رأسه ، وتقليم أظافره ، وتنظيف بدنه من الشعث والدرن ، ولبس أحسن الثياب ، والتطيب بالطيب ، هذا كله جائز في المعتكف.
(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَقَالَ مُسَدَّدٌ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
أي كان يخرج ليغسل رأسه أو ينظف بدنه أو ليقضي حاجة .
الشيء الآخر الخروج للحاجة التي لابد منها ، الإنسان له حاجة ، الإنسان من حين لآخر يحتاج إلى أن يخفف مما تراكم في جسمه من فضلات ، هذه الحاجة معتبرة في الاعتكاف ، الإنسان قد يخرج من معتكفة إلى البيت ليقضي حاجةً ، وقد يحتاج إلى أن يأكل أو أن يشرب وهو معتكف طبعاً في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب ، وكل ما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه ، وليس في هذا إفساد لاعتكافه ما لم يطل أو ما لم يشتغل بعمل يتنافى مع الاعتكاف ، ذهب واشترى بيتاً ، أو عقد صفقة ، أو عمل نزهة ، وهو معتكف بطل اعتكافه .
" وقد روى سعيد بن منصور قال علي بن أبي طالب : " إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليحضر الجماعة ، وليعد المريض ، وليأتي أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم ، وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه مع المحافظة على نظافته وصيانته ، وله أن يعقد عقد نكاح في المسجد لأن هذا مما يرضي الله عز وجل "
أي عمل صالح إذا كلفت به وأنت معتكف فهذا لا يتنافى مع اعتكافك ، لكن الذي يبطل الاعتكاف الخروج من المسجد بغير حاجة عمداً وإن قل ، فإنه يفوت وهو ركن من أركانه. من نذر أن يعتكف ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه :
الآن من نذر أن يعتكف يوماً أو أياماً ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الأئمة ، كل نفل شرعت فيه ثم أفسدته عليك أن تقضيه هذا حكم عام في العبادات ، ومن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى إن شاء الله تعالى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ لَهُ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
هناك أناس يفهمون هذا الحديث فهماً خاطئاً ، أنه لا يجوز أن تسافر إلى أي مكان إلا إلى هذه الأمكنة ، لا ليس هذا هو المعنى ، أي لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، إذا شددت الرحال إلى مسجد ليس من هذه الثلاثة فلا شيء يستفاد منه لأن جميع المساجد على وجه الأرض في الثواب سواء عدا هذه المساجد ، رجل نذر أن يعتكف في مسجد في حلب ، لا تشد الرحال إليه لأن أي مسجد في دمشق أو في حلب سواء ، لكن إذا أردت أن تعتكف في مسجدٍ للثواب الجزيل فيه فليس هناك إلا هذه المساجد الثلاث ، أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاث فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عينه ، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه ، هذا الأمر متعلق بالاعتكاف ، لكن أنهي الأمر بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا ))
[ الجامع الصغير عن ابن عباس]
* * *
علي بن الحسين :

والآن إلى قصة تابعي جليل من سلسلة التابعين الذين نحن نتحدث عنهم الحديث اليوم عن التابعي الجليل علي بن الحسين بن علي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما كاد علي هذا يبلغ سن التميز حتى أقبل على طلب العلم بشغف وشوق ، وكانت مدرسته الأولى بيته أكرم به من بيت ، وكان معلمه الأول والده الحسين بن علي أعظم به من معلم ، أما المدرسة الثانية فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي المفروض بالإنسان أن يكون بيته أيضاً مدرسة ، إذا كان الأب من حين إلى آخر تحدث مع أولاده عن أمور الدين، وعن أمور القرآن ، وعن أحاديث النبي العدنان ، ووجههم توجيهاً صحيحاً في حياتهم وفي علاقاتهم وفي حلهم وفي ترحالهم ، فهذا مما يجعل من هذا الطفل الشاب يتزود بالعلم قبل أن يصل إلى أماكن التزود بالعلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/06.jpg
وكان المسجد النبوي الشريف يموج بالبقية الباقية من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويذخر بالطبقة الأولى من كبار التابعين ، وكان هؤلاء وهؤلاء يفتحون قلوبهم لهذه الأكمام المزهرة من أبناء الصحابة الكرام فيقرؤونهم كتاب الله عز وجل ، ويفقهونهم فيه، ويروون لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقفونهم على مراميه ، ويقصون عليهم سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وينشدونهم شعر العرب ، ويبصرونهم بمواطن جماله ، ويملؤون قلوبهم الغضة بحب الله عز وجل وخشيته وتقواه ، فإذا هم علماء عاملون هداة مهديون .
لكن علي بن الحسين لم يتعلق قلبه بشيء كما تعلق قلبه بكتاب الله عز وجل ، فقد كان ربيع قلبه ، ولم تهتز مشاعره لأمر كما كانت تهتز لوعده ووعيده ، فإذا قرأ آيةً فيها ذكر الجنة طار فؤاده شوقاً إليها ، وإذا سمع آيةً فيها ذكر النار زفر زفرةً كأن لهيب جهنم في أحشائه ، وما إن اكتمل علي بن الحسين شباباً وعلماً حتى ظفر المجتمع المدني الأمثل بفتى من أعمق فتيان بني هاشم عبادةً وتقى ، وأعظمهم فضلاً وخلقاً ، وأكثرهم إحساناً وبراً ، وأوسعهم معرفةً وعلماً ، فقد بلغ من عبادته وتقواه أنه كانت تأخذه رعدةٌ بين وضوئه وصلاته ، يرتعد فينتفض جسده نفضاً ، فلما كلم في ذلك قال : ويحكم كأنكم لا تدرون لمن أقوم ولا تعلمون من أناجي !! فكانت هذه الرعدة التي تأخذه بين الوضوء والصلاة دليل خشوعه اللامتناهي ، وقد بلغ من إحسان الفتى الهاشمي لعبادته وإتقانه لشعائره أن دعاه الناس زين العابدين ، هذا اللقب الذي لقب ، علي بن الحسين زين العابدين ، حتى نسي قومه اسمه أو كادوا وآثروا لقبه هذا على اسمه ، وقد بلغ من إطالته لسجوده واستغراقه فيه أن ناداه أهل المدينة بالسّجّاد ، أي كثير السجود ، كان إذا سجد أطال السجود ، وقد بلغ من صفاء نفسه ونقاء قلبه أن نعتوه بالذكي ، وكان زين العابدين رضوان الله عليه يدرك أن مخ العبادة في الدعاء ، وكان يطيب له الدعاء أكثر ما يطيب وهو متعلق بأستار الكعبة ، فكم التزم البيت العتيق وجعل يقول : " ربي لقد أذقتني من رحمتك ما أذقتني وأوليتني من إنعامك ما أوليتني فصرت أدعوك آمناً من غير وجل ، وأسألك مستأنساً من غير خوف ، ربي إني أتوسل إليك توسل من اشتدت فاقته إلى رحمتك ، وضعفت قوته عن أداء حقوقه ، فاقبل مني دعاء الغريق الغريب الذي لا يجد لإنقاذه إلا أنت يا أكرم الأكرمين ".
وقع تحت يدي كتيب صغير عن أدعية هذا التابعي الجليل زين العابدين ، فعلاً فيه شيء يأخذ بالألباب. موقف لزين العابدين يأخذ بالألباب :
لقد رآه طاوس بن كيسان ذات مرة يقف في ظلال البيت العتيق وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء السقيم ، ويدعو دعاء المضطر ، فوقف ينتظره حتى إذا كف عن بكائه وفزع من دعائه تقدم نحوه وقال له : يا بن رسول الله رأيتك على حالتك ولك فضائل ثلاث أرجو أن تؤمن من الخوف ، أنت الذي تخاف ، فقال زين العابدين : وما هن يا طاوس؟ فقال " إحداهن أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ابنه من نسل فاطمة ، والثانية: شفاعة جدك لك ، والثالثة رحمة الله ، فقال له زين العابدين : يا طاوس إن انتسابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمنني بعد أن سمعت قول الله عز وجل :
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 101 ]
وأما شفاعة جدي لي فإنه الله علت كلمته يقول : ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 28 ]
وأما رحمة الله تعالى فهو يقول : ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
مواقف مشرفة لزين العابدين :
ولقد أفاضت التقوى على زين العابدين ما شاء الله أن تفيض من شمائل ، ومن نبل ، ومن فضل ، ومن حلم ، حتى ازدانت كتب السير بروائع أخباره ، وزهت صفحاتها بنبيل مواقفه .
من ذاك ما رواه الحسن بن الحسن ، قال : وقعت بيني و بين ابن عمي زين العابدين جفوة فذهبت إليه و كان مع أصحابه في المسجد ، فما تركت شيئاً إلا قلته له و هو ساكت لا يتكلم ، ثم انصرفت فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه فقمت إليه لأرى من هو فإذا زين العابدين ، فما شككت أنه جاء يرد إليّ الأذى و لكنه قال : يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت لي غفر الله لي ، و إن كنت غير صادق فغفر الله لك ، هكذا كان هؤلاء التابعون الأجلاء ، أخوك تكلم معك كلمة قاسية ، اتهمك بتهمة ، إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي و إن كنت غير ذلك غفر الله لك و انتهى الأمر ، ثم ألقى السلام عليّ و مضى فلحقت به ، و قلت له : لا عدت إلى أمر تكرهه ، فرق لي و قال : و أنت في حل مما قلت لي ، و روى أحد أبناء المدينة قال : كان زين العابدين خارجاً من المسجد فتبعته و جعلت ألوح له بالشتم و لست أدري سبباً لذلك ، فهجم عليّ الناس يريدون أخذي و لو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم ، فالتفت إلى الناس و قال : كفوا عن الرجل فكفوا عني ، و لما رأى ما أصابني من الذعر أقبل عليّ بوجهه الطلق و جعل يؤمنني و يهدئ من روعي ثم قال لي : لقد سببتنا بما علمت و ما ستر عنك من أمرنا أكبر ، ثم قال لي : ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحييت منه و لم أقل شيئاً ، فلما رأى حيائي ألقى علي كساءً كان عليه و أمر لي بألف درهم فجعلت أقول : كلما أقوله بعد ذلك أشهد أنك من أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4627/07.jpg
وروى أحد مواليه قال : كنت غلاماً لعلي بن الحسين فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه فخفقني بالسوط ، أي على كتفي ، فقلت له : الله الله يا علي بن الحسين تستخدمني في حاجةٍ فأقضيها لك ثم تضربني ، فبكى وقال : اذهب إلى مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام وصلّ ركعتين ثم قل في السجود : اللهم اغفر لعلي بن الحسين فإذا ذهبت وفعلت فأنت حر لوجه الله ، استغفر لي في المسجد وأنت حر ، فذهبت وصليت ودعوت ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر .
كان هذا التابعي الجليل إذا جنّ الليل يحمل أكياس الدقيق على ظهره الناحل ويخرج بها في عتمات الليل والناس نيام ، وكان يجوب بها أحياء المدينة ليتصدق على ذوي الحاجات ممن لا يسألون الناس إلحافاً فكانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها رغداً ، فلما مات علي بن الحسين فقد هؤلاء ما كانوا يأتيهم فعرفوا مصدره ، ولما وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه فوجدوا على ظهره آثار سواد فقالوا : ما هذا ؟ فقيل لهم : إنه من آثار حمل الدقيق ، مئة بيت في المدينة فقدت عائلها بفقده .
زين العابدين بن علي كالبدر المنير :
وكان يومئذٍ ولياً للعهد فأقبل يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، هذه كلمة الاستلام خاصة بالحجر الأسود لا تقول : استلمت من كذا مبلغ كذا قل : تسلمت منه ، أما الاستلام فهذه كلمة خاصة بالحجر الأسود ، استلم الحجر أي قبّله أو أشار إليه ، أما قبض المال فاسمه تسلم ، تسلمت من فلان كذا وكذا ولا تقل استلمت ، فأقبل هشام بن عبد الملك يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، وأخذ الجند الحافون به ينبهون الناس إليه ويوسعون الطريق له ، ولكن أحداً من الناس لم يلتفت إليه ولم يوسع لهم ، فالبيت بيت الله والناس جميعاً عبيداً له ، وفيما هم كذلك سمعت أصوات التهليل والتكبير آتيةً من بعيد فاشرأبت نحوها الأعناق ، فإذا رجل في كوكبةٍ من الناس قسيم وسيم ، ضامر الجسم ، وضيء الوجه ، عليه سكينة ووقار ، قد مشى في إزار ورداء وبدا بين عينيه أثر السجود فجعلت كتل الناس تنفرج له ، وتغدو صفوفاً صفوفاً وهي تستقبله بنظرات الشوق والحب حتى بلغ الحجر الأسود واستلمه ، وهنا التفت أحد رجال الحاشية إلى هشام بن عبد الملك وقال له : من هذا الذي أكرمه الناس كل هذا الإكرام وأجلوه كل هذا الإجلال ؟ فقال هشام : لا أعرفه ، وكان الفرزدق حاضراً فقال : إن كان هشام لا يعرفه أانا أعرفه والدنيا كلها تعرفه ، هذا علي بن الحسين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده ، ثم أنشد :

هذا الذي تعرف البطحاء وضأته و البيت يعرفه والحـل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهــم هذا التقي النقي الطاهر الــعلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلـه بجده أنبياء الله قد ختمـــوا
فليس قولك من هذا بضائــره العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهمـــا يستوكفان ولا يعروهما عــدم
سهل الخليقة لا تخشى بـوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
ما قال لا قط إلا في تـــشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعـــم
عمّ البرية بالإحسان فانقـــع عنها الغياهب والإملاق والعـدم
إذا رأته قريش قال قائــــلها إلى مكارم هذا ينتهي الــكـرم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتــــــم
بكفه خيزران ريحه عبــــق من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعتــه طابت مغارسه والخيم والشيـم
***
هذا هو التابعي الجليل زين العابدين الذي لما قدم إلى بيت الله الحرام انفرجت له الصفوف ، واصطفت له الأبدان ، وأفسح له المكان ، وكان بين من معه كالبدر المنير.
أي باب البطولة مفتوح إلى يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

السعيد 09-12-2018 08:44 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الثمانون )

الموضوع : الزكاة - تمهيد





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اقتران الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة بالقرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون، قبيل رمضان بأسبوعين تحدثنا عن باب الصوم في كتاب اللباب، ولأن الزكاة كما هي السنة النبوية يجري دفعها في رمضان لذلك اخترت لكم كتاب الزكاة أيضاً من كتاب اللباب، فالزكاة قرنها الله بالصلاة في مواضع كثيرة، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
العلاقة بين دفع المال و تزكية النفس :
ربما اتجه بعض المفسرين إلى توسيع معناها بحيث أن الزكاة أن تكون زكي النفس، أن تتصل بالله، ومن لوازم الاتصال بالله تزكية النفس، ولأن المعنى اللغوي حيث قال الله عز وجل:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
فهناك علاقة بين دفع المال وبين تزكية النفس، الذي يدفع المال تزكو نفسه، لماذا؟ لأن دفع المال برهان عملي على صحة الإيمان، الإيمان قبول الحقائق، إذا قبلت أن الشمس أكبر من الأرض ماذا فعلت أنت؟ الآن إذا فكرت في هذه المسلمة في هذه الحقيقة وقلت: صحيح الشمس أكبر من الأرض وفي الحقيقة الشمس أكبر من الأرض، الإيمان قبول، تصديق إذا صدقت أن لهذا الكون إلهاً عظيماً وهو كذلك، إذا صدقت أن هذا الكون فيه إبداع لا حدود له وهو كذلك، إذا صدقت أن الموت حق وهو كذلك، إذا آمنت ولم تفعل شيئاً ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال : 72]
الإنسان لا يكبر في عين الله إلا إذا أردف القول بالعمل، إلا إذا كانت له مواقف، إلا إذا كان مطبقاً، إلا إذا كان ملتزماً، إلا إذا كان عند عقيدته، عند مبادئه، أما أن يقبل الحقائق وهي حقائق فماذا فعلت إذا قبلت أن الشمس كما قلت قبل قليل أكبر من الأرض وهي كذلك؟ الدين كله اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق :
قرأت في بعض الأحاديث: "ماذا صنعت من أجلي هل واليت فيّ ولياً؟ هل عاديت في عدواً؟" ألك موقف؟ ألك بذل؟ ألك تضحية؟ لذلك لو أن إنساناً سئل لماذا قرن الله الصلاة مع الزكاة في أكثر من مئتي آية أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؟ أي كأن دفع المال برهان على صحة الصلاة، إذا كان اتصالك بالله صحيحاً فلابد من أن تبذل، كأن تزكية النفس دليل عملي على صحة الإيمان، المؤمن صادق، المؤمن طاهر، المؤمن مستقيم، المؤمن أمين، المؤمن متواضع، المؤمن دقيق، المؤمن عفو، المؤمن منصف، فإذا كانت لك نفس زكية فهذا دليل أن لك بالله صلة عالية، لذلك فسر بعضهم قوله تعالى:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾
[ سورة مريم : 31]
قال: في هذه الآية جمع الدين كله، اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق هذا هو الدين كله، اتصال بالخالق لا نعلمه نحن هذا بينك وبين الله دليله الإحسان إلى المخلوق، فلو أسأل إلى المخلوق فالاتصال غير صحيح، الاتصال مزعوم، الاتصال مزور، الاتصال شكلي، أجوف، إذا كان هناك إساءة للخلق فهذا هو المقياس. الإنفاق دليل قطعي على صحة الإيمان :
لذلك عندما قال تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 133]
المتقون لهم آلاف الصفات، ربنا سبحانه وتعالى اختار من كل هذه الصفات الذين ينفقون في السراء والضراء، الإنفاق دليل قطعي على صحة الإيمان، الإنفاق بذل، الإنفاق يتعارض مع متطلبات الجسد، يمكن الإنسان يشتهي أن يتزوج الزواج سنة، أنت إذا أقدمت على الزواج فعلاً سنة وطاعة، ولكن هذه الطاعة توافقت مع حاجات الجسد، أخي العمرة طبعاً إذا سافرت في الطائرة ولك أناس استقبلوك ورحبوا بك وأكرموك وكنت في بحبوحة وابتعدت عن هموم البلد طبعاً العمرة واجب، قال تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾
[ سورة البقرة: 196]
لكن توافقت مع حاجات الجسد، أما الزكاة فدفع المال يتعارض مع رغباتك، الخمسمئة هذه تحل معك مشكلة، دفعتها في سبيل الله، أنت عاكست رغباتك، لذلك الزكاة قرنها الله مع الصلاة، مئتان وعشرون مرة قرنها الله مع الصلاة، أي علامة صحة الصلاة، إذا أردت أن تأخذ معناها الواسع تزكية النفس، في المعنى اللغوي زكاة النفس أي طهارتها، ومعناها الشرعي دفعها للمخصوص.
على كلّ القضية ليست خلافية دفع المال يسبب إقبالك على الله عز وجل، فإذا أقبلت عليه ذكرته، القضية محلولة، إذا بذلت أقبلت، وإذا أقبلت زكوت، إذاً علامة إقامة الصلاة دفع الزكاة، لذلك جاء ترتيبها في كتاب: "اللباب بعد الصلاة" اقتداءً بكلام الله عز وجل:
﴿ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾
[ سورة الحج: 41]
قرنها المؤلف بالصلاة اقتداءً بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الزكاة لغةً و شرعاً :
الزكاة لغةً الطهارة والنماء، زكى الزرع أي نمى، زكى الإنسان أي طهره، صار زكي النفس، طبعاً إذا قلت: فلان ذكي العقل بالذال فهذه صفة عقلية ومنها الذكاء، أما إذا قلت: زكي النفس بالزاي تعني الطهارة، فنحن درسنا عن الزكاة، أما الذكاء أي الفطنة هذا موضوع آخر يتصل بالعلم.
الزكاة لغةً الطهارة والنماء، وشرعاً تمليك جزء مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى، ليس كل مال تؤخذ منه الزكاة، وليس كل مال تدفع عنه الزكاة، وليس كل شخص يستحق الزكاة، جزء مخصوص معين من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى، من هنا استنبط بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى إذا قال:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
الحق المعلوم أي حق محسوب، إذا إنسان عنده محل تجاري يقول لك: أنا لا يوجد عندي وقت لأجرد المحل، هذا المحل فيه بمئتي ألف لا بل بثلاثمئة، إذا إنسان معلوماته الفقهية محدودة يقول له: جزاك الله خيراً هل زكاته مقبولة؟ لا ليس مقبولة يجب أن يجرد، ما الجواب؟ الجواب أن بالألف تاجر إذا وجد تاجر قدر زيادة سيكون هناك تجار يقدرون أقل، لا يوجد مئة ألف ويكون نصف مليون لذلك قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
أي مجرود، محسوب بدقة، البضاعة، الصندوق، السندات، ديون مستحقة، ديون ميتة، من إلى ذمم، يكون المبلغ ضرب اثنين ونصف بالمئة، ربنا عز وجل قال: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
يوجد آيات أخرى قال تعالى: ﴿ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
ولم يقل معلوم أي إذا إنسان دفع زكاة ماله كاملةً وله جار مؤمن أصيب بحادث فاضطر إلى عملية جراحية طرق باب أخيه فقال له: أنا دافع، هذا كلام مرفوض، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنْهَا سَمِعَتْهُ تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ))
[ الترمذي عن عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ]
يجب أن تدفع من باب الصدقة معونةً لهذا الأخ الكريم المصاب، فأنت مؤمن والأوسع من ذلك كما قال بعض العارفين قال له: يا سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: ما عندنا وما عندكم؟ قال له: عندكم واحد بالأربعين، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، هؤلاء: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة : 10-11]
لا يوجد عنده ساعة له وساعة لربه؟ هذا له، كل ماله وكله، وكل طاقته، وكل وقته ونشاطه لله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 111 ]
إنسان باع بيته وقبض ثمنه كاملاً، أخي هذه الغرفة ماذا ستفعل بها؟ انتهيت، طالما بعت بعت، فالمؤمن باع نفسه لله تعالى، وربنا عز وجل طمأننا قال: ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 111 ]
لا تندموا على البيعة ربحتم علينا، فالزكاة لغةً الطهارة والنماء وشرعاً تمليك جزء مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى. على من تجب الزكاة ؟
أحياناً إنسان يكلفونه بضريبة فيقول: حسبناها من الزكاة، ما دخل الزكاة بالضريبة؟ هذه مقابل خدمات تؤدى للطرقات، والمستشفيات، والمدارس، أما هنا فحق الله، أما تلك فحق الأمير، أما الزكاة فحق الله وهي واجبة وجوباً قطعياً، ليست قضية الزكاة قضية خلافية بل قضية قطعية الثبوت وهي واجبة والمراد بالوجوب الفرض.
أي هي فرض فلا شبهة فيه، على الحر فلا تجب على العبد لأن العبد ماله لسيده ليس له مال يستقل به، على الحر المسلم، لا تجب على أهل الذمة تجب عليهم الجزية، البالغ لا تجب على الصغير، العاقل لا تجب على المجنون، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، إذا ملك نصاباً، فارغاً عن دين له، لو تخيلنا النصاب ثلاثين ألفاً معه في البيت ثلاثين ألفاً وعليه دين يقدر بستين ألفاً، هذا النصاب ليس فارغاً بل مشغول بالدين، كثير من الأخوان يسألوني: يوجد معه مال واشترى بيتاً، طالما وقع عقد شراء بيت، والبيت محدد ما انتهى، ولكن محدد في الطابق السادس في الجهة الشمالية أو الجنوبية بسعر كذا، مدفوع من قيمته كذا، وعليه مئتا ألف، وفي البيت مئة ألف، يا ترى هذا المبلغ هل عليه زكاة؟ لا، لأن هذا المبلغ مشغول بالدين فارغاً عن دين له مطالبٌ فيه وعن حاجته الأصلية، الإنسان له حاجة أصلية يحتاج إلى مأوى، فالمأوى لا زكاة عليه يحتاج إلى أثاث في البيت، سجاد وكراسي، وأسرة، وثريات وما شاكل ذلك، ومحله التجاري أيضاً ليس عليه زكاة، وأدوات الصناعة ليس عليها زكاة، ومركبته ليس عليها زكاة، إلا إذا اشترى محلاً ثانياً لينتفع به، هذا صار مال نام، عندك سيارة واشتريت سيارة ثانية لتنتفع منها هذه عليها زكاة، لأنه أصبح مال نام، أي المستهلكات ليس عليها زكاة، البيت مستهلك، الأثاث مستهلك، الدكان، المعمل، الآلات، المركبة، جميع المستهلكات ليس عليها زكاة، المال النامي أو أي مستهلك يقصد به النماء، اشتريت بيتاً على الهيكل وأنت عندك بيت النية فقط أن تنتفع بربحه هذا عليه زكاة، أي شيء أقتنيه بقصد النماء فهو مال وعليه زكاة، أما أي شيء أقتنيه بقصد الاستهلاك فهو حاجة أساسية ليس عليها زكاة.
فارغاً عن دين له مطالب فيه وعن حاجته الأصلية ملكاً تاماً، وحال عليه الحول موضوع أنه نام، أخذت بيتاً بثمانية عشر ألفاً في الستينات، والآن ثمنه ثلاثة ملايين، هذا مال نما، ولو أنه نام لكنه مستهلك، هل لك بيت ثان؟ لو صار ثمنه خمسين مليوناً ساكن به، فلذلك ليس عليه زكاة، إذاً ليس على الصبي ولا المجنون زكاة لأنهما غير مخاطبين بأداء العبادة كالصلاة والصوم، ولا المكاتب - العبد – عليه زكاة لعدم الملك التام، ومن كان عليه دين يحيط بماله أو يبقى منه دون النصاب فلا زكاة عليه، الذي عليه دين يستغرق ماله كله، أو يستغرق جزءاً من ماله والباقي دون النصاب فلا زكاة عليه، قال: لأنه مشغول بحاجته الأصلية وهي وفاء الدين، فاعتبر معدوماً كالماء الذي لا يوجب الوضوء الذي أعدّ للشرب، إنسان مسافر معه ماء للشرب نقول له: تيمم ويوجد ماء للشرب، هذا الماء للشرب بحكم المعدم.
وإذا كان ماله أكثر من الدين زكى عن الفضل - مثلاً عليه خمسون ألفاً ومعه تسعون ألفاً طرحنا الخمسين من التسعين بقي أربعون، الأربعون عليها زكاة، يعمل تفاضلاً، إذا بلغ نصاباً لفراغه عن الحاجة وليس في دور السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية وليست بنامية أصلاً، وعلى هذا كتب العلم المكتبة لو سعرها مئة ألف لأهلها أما لغير أهلها فعليها زكاة، هذا الكتاب مفقود خذ عشر نسخ وبعها بالضعف، لا علاقة لك بالعلم، رأيته يرتفع ثمنه اقتنيت عشر نسخ أما كتاب معد للقراءة فليس عليه زكاة، وآلات المحترفين، أدوات الصناعة، أدوات النجار، الحداد، كل مصلحة لها أدوات، هذه الأدوات أعدت للاستهلاك ليس عليها زكاة.

عدم أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء :
لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء، رجل مثلاً طرق بابه إنسان شكا له حالته، فدفع له مبلغاً من المال بعد يومين قال: هذا المال دفعته سوف أحسبه للزكاة، لا يجوز أنت حينما دفعت هذا المال دفعته صدقةً، بعد أسبوع تريد أن تحوله زكاة هذا لا يجوز، الزكاة لا تصح إلا إذا قارنتها نية، أما كل شيء دفعته سابقاً حولته إلى زكاة، الزكاة فقدت شرطاً أساسياً من شروطها وهي النية، ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية قارنة للأداء ولو حكماً، إلا في حالة واحدة إذا دفع بلا نية، فلما أصبح المال بيد الفقير نوى أن تكون زكاةً، إذا دفع بنية الصدقة لا يجوز أن يغير، ولكن دفع ولم يفكر بشيء وبعد أن أعطاها للفقير قال: هذه من الزكاة يجوز ذلك، أو نوى عند الدفع للوكيل، عنده وكيل أعمال قال له: هذا المبلغ زكاة ممكن أن يدفع بعد سنة أو بعد شهرين هو نوى الزكاة حينما دفع المال للوكيل، أو أن تكون النية قابلة للعزل، أي عنده صندوق فيه مال، جمع المال وحسبه قال: الزكاة خمسة آلاف ووضعهم في الصندوق هذه نية العزل نية، إما أن تدفع المال للفقير أو للوكيل أو عند العزل فتصح النية في هذه الأحوال الثلاث، لأن الزكاة عبادة وكان من شرطها النية، والأصل فيها الاقتران، إلا أن الدفع قد يتفرق، وضعت خمسة آلاف زكاة دفعتهم مئتين، ثم خمسمئة ثم ألفاً، على مدى شهرين أو ثلاثة، حينما نويت الزكاة حينما عزلت المال أصبحت مقبولة وعبادة صحيحة، أي يكفي أن تنوي عند العزل، أما الدفع فمتتال، متفرق، متباعد إلا في حالة واحدة قال: من تصدق بجميع ماله ولا ينوي به الزكاة سقط فرضها عنه، طبعاً دفع كل ماله صدقةً سقط عليه فرض الزكاة استحساناً لأن الواجب جزء منه، الواجب الذي عليه جزء من هذا المال فكان متعيناً فيه فلا حاجةً للتعيين، انتهى الأمر ودفع كل ماله.
طبعاً يوجد عندنا زكاة الإبل، والبقر، والخيل، والغنم، والبغال سنأخذ زكاة الفضة والذهب والورق، والأصح لأن التعامل بالذهب غير متيسر الأصح هو زكاة الورق، أي المال النقدي المتداول هذا شيء معروف، ممكن موضوع زكاة الذهب والورق والعروض التجارية نبحثه في التفصيل في الدرس القادم.

* * *
قصة التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني :
سوف نبحث الآن عن قصة من قصص التابعين، هذا التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني.
طارت الأخبار من جزيرة العرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثقل عليه المرض بعد عودته من حجة الوداع، فسول الشيطان للأسود العنسي أن يعود للكفر بعد الإيمان، وأن يفتري على الله الكذب، فيزعم لقومه في اليمن أنه نبي مرسل من عند الله، وكان الأسود العنسي رجلاً شديد المرّة أي القوة، قوي البنية، أسود النفس، اسم على مسمى، مستطير الشر - سريع الشر - لقد أتقن الكهانة في الجاهلية، وحذق الشعوذة على الناس، وكان إلى ذلك فصيح اللسان، رائع البيان، ذكي العقل، قادراً على اللعب بعقول العامة بأباطيله، وكسب ولاء الخاصة بهباته وعطاياه، العامة يدجل عليهم والخاصة يغرقهم بالهدايا.
وقد انتشرت دعوة الأسود العنسي باليمن انتشار النار في الهشيم، وقد ساعده على ذلك اتباع قبيلته له، وكانت يومئذٍ من أكثر القبائل اليمن عدداً، وأوسعها نفوذاً، وأشدها بأساً، كما ساعدته على ذلك قدرته على اختراع الكذب وتلفيقه، واستعانته بالأذكياء من أتباعه على ذلك.
فقد زعم الأسود العنسي أن ملكاً من السماء ينزل عليه بالوحي ويخبره بالمغيبات، وسلك في إقناع الناس وبصحة هذا الزعم مسالك شتى فكان يبث عيونه - يوجد عنده أتباع يرسلهم إلى أطراف البلاد - يستقصون له الأخبار ليقفوا على كل شأن من شؤون الناس وشجونهم، ويكشف له عن أسرارهم وأخبارهم، وينفذ إلى ما يعتلج بخبايا نفوسهم من الآمال والآلام، وكانوا في الوقت نفسه يغرون هؤلاء الناس بأطراف البلاد باللجوء إليه، وطلب العون منه، فكانوا إذا جاؤوه واجه كل ذي حاجة بحاجته، وبدأ كل صاحب مشكلة مشكلته.
طبعاً تصرف ذكي يرسل عيونه- أتباعه- إلى أطراف البلاد يتقصون له الأخبار، ويغرون الناس أن يأتوا إليه، ويأتي الناس إليه يحدثهم عن أخبارهم، عن مشكلاتهم، عن حوادثهم، عن آلامهم، عن آمالهم، يصدقون أنه يعلم الغيب، وأتى أمامهم من العجائب والغرائب ما يذهل عقولهم، ويحير ألبابهم، الآن من يذكر أن هذا الأسود العنسي رسول الله؟ لقد طواه الزمان.
ما بين حضرموت وما بين الطائف، وما بين البحرين وما بين عدن، ولما استتب الأمر للأسود العنسي، ودانت له البلاد والعباد، نشط في تتبع معارضيه ممن آتاهم الله إيماناً راسخاً بدينه القويم، ويقيناً ثابتاً بنبيه الكريم، وجهراً بالحق متصدياً للباطل، فجعل يبطش بهم في قسوة قاسية، وينزل بهم أشد النكال، وكان في طليعة هؤلاء عبد الله بن ثوب المكنى بأبي مسلم الخولاني موضوع هذه القصة.
كان أبو مسلم الخولاني رجلاً صلباً في دينه، قوياً في إيمانه، عنيداً في الجهر بالحق، قد أخلص نفسه لله، وأعرض عن الدنيا وزينتها، وزهد في زخرف العيش ومتاعه، ونذر حياته لطاعة الله، والدعوة إليه، وباع الفانية بالباقية بيع السماح فأحله الناس من نفوسهم منزلةً رفيعة، ورأوا فيه رجلاً طاهر النفس والنفس، مستجاب الدعوة عند الله، وقد أراد الأسود العنسي أن يبطش بأبي مسلم الخولاني بطشةً جبارة، تبث الهلع والجزع في نفوس معارضي دعوته في السر والعلن، وتقمعهم قمعاً، فأمر بالحطب بأن يكدس في ساحة من ساحات صنعاء، وأن تضرم فيه النار، ودعا الناس أن يشهدوا استتابة فقيه اليمن وعابدها أبي مسلم الخولاني، وإقراره بنبوته، وفي الوقت المحدد أقبل الأسود العنسي على الساحة التي اكتظت بالناس اكتظاظاً، وكان يحف به طواغيته، وكبار أتباعه، ويحوطه حرسه، وقادة جنده، فجلس على كرسيه العظيم الذي نصب له قبالة النار، وقيد إليه أبو مسلم الخولاني على مرأى من الناس جميعهم ومسمع، فلما صار بين يديه نظر إليه الطاغية الكذاب في خيلاء ثم نظر إلى النار التي تتأجج أمامه في ضراوة ثم التفت إليه وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم أشهد إنه عبد الله ورسوله، وأنه سيد المرسلين، وأنه خاتم النبيين أيضاً، فقطب الأسود العنسي وجهه وزم حاجبيه وقال: وتشهد أني رسول الله؟ فقال: إن في أذني صمماً فلا أسمع ما تقول، طبعاً موقف عصيب النار وسيلقى بالنار، فقال الأسود: إذاً أقذفك في هذه النار، فقال أبو مسلم: إن فعلت اتقيت بهذه النار التي وقودها الحطب نار يوم القيامة التي وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فقال الأسود العنسي: لن أعجل عليك وسأتيح لك الفرصة لتراجع عقلك، ثم أعاد عليه السؤال فقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم أشهد إنه عبد الله ورسوله، وأنه سيد المرسلين، وأنه ختم برسالته الرسالات، فازداد الأسود حنقاً وقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: أما أخبرتك أن في أذني صمماً فلا أسمع مقالتك هذه، فاستشاط الأسود العنسي غيظاً من صرامة إجابته، وهدوء نفسه، وسكينة جواره، وهمّ بأن يأمر به فيلقى في النار، عندئذ تقدم منه أحد أتباعه وهمس في أذنه قال هذا الرجل المقرب من هذا المدعي النبوة: إن الرجل - أبو مسلم الخولاني - طاهر النفس، مستجاب الدعوة، وإن الله لن يخذل مؤمناً، وإنك إن ألقيته في النار ونجاه الله منها هدمت كل ما بنيته في لحظة واحدة - هذه مغامرة كبيرة إذا ألقيته في النار والله نجاه منها هدمت كل ما بنيته في لحظة واحدة - ودفعت الناس إلى الكفر بك وبنبوتك دفعاً، وإن أحرقته فرضاً ازداد الناس به إعجاباً، وله إكباراً، ورفعوه إلى مصافي الشهداء، فمن عليه بإطلاق سراحه وانفه من البلاد وأرح نفسك منه واسترح.
قدم له نصيحة كبيرة فقال: أخذ الأسود بمشورة طاغوته، وأمره بمغادرة البلاد بساعتها، أي الله عز وجل حفظه، ألقى في قلب هذا الرجل هذه النصيحة فنصحه بها فحفظه، بعض المصادر تشير إلى أنه قذفه في النار ونجاه الله منها، هكذا لكن يبدو أن المؤلف رجح هذه الرواية لأنها أقرب إلى الواقع، تلك معجزة بحق سيدنا إبراهيم، بعض كتاب السيرة علقوا على ما حدث لسيدنا إبراهيم تعليقاً لطيفاً فقال: الله عز وجل كان بإمكانه أن يجعله يتوارى عن الأنظار، وألا يُمكن النمرود من القبض على إبراهيم، أليس كذلك؟ وكان من الممكن أن يرسل سحابةً تمطر فوق النار فتطفئها كان من الممكن، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد إظهار قدرته فمكن خصومه من أن يقبضوا عليه، ومكنهم من أن يضرموا النار، وأشعلوها وألقوه فيها، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 69]
لو لم يقل سلاماً لمات من البرد، برداً وسلاماً على إبراهيم: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 70]
الله موجود في كل عصر، الإنسان يكون مع الله دائماً الله ينجيه، لا أنسى هذه القصة قصة سيدنا يونس عندما كان في بطن الحوت، في البحر، وفي الليل، في ظلمات ثلاث قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة المؤمنين : 87-88]
مبدأ عام، أحياناً الإنسان يكون راكباً سيارة الله ينجيه من حادث بمنتهى اللطف، أحياناً ينجيه من ورطة، من عدوه، من إفلاس، من صفقة خاسرة، ربنا عز وجل هو اللطيف.
يمم أبو مسلم الخولاني وجهه شطر المدينة، وكان يمني نفسه بلقاء رسول الله، كان النبي على قيد الحياة، فهو قد آمن به قبل أن تكتحل عيناه برؤيته، وتفرح نفسه بصحبته قبل أن يراه، عرض نفسه للموت قبل أن يراه، لكنه ما كاد يبلغ حواشي يثرب حتى بلغه نعي النبي صلوات الله عليه، ما متع عينه برؤية النبي وقيام أبو بكر الصديق على خلافة المسلمين من بعده فحزن على وفاة النبي حزناً خالط سويداء قلبه.
بلغ أبو مسلم المدينة، وقصد المسجد النبوي الشريف، فلما أقبل على المسجد عقل ناقته قريباً من بابه، ودخل إلى الحرم النبوي الشريف، وسلم على النبي صلوات الله عليه قال: أنا حي طري في قبري، إذا ذهبت الآن إلى المدينة تحس بوجوده وكأنه حي لا كالأموات، ثم وقف إلى سارية من سواري المسجد وجعل يصلي فلما فرغ من صلاته توجه نحو عمر بن الخطاب حتى صار أمامه وقال له: ممن الرجل؟ فقال: من اليمن، فقال: ما فعل الله بصاحبنا الذي سجر له عدو الله النار فأنجاه الله منا؟، طار سيطه إلى المدينة، فقال: هو بخير من الله ونعمة، قال: ناشدتك الله ألست أنت؟ قال: بلى، فقبّل عمر ما بين عينيه، وقال: أتدري ما فعل الله بعدو الله وعدوك؟ قال: والله لا أدري لقد انقطعت عن أخباره منذ غادرت اليمن، قال: قتله الله على أيدي البقية الباقية من المؤمنين الصادقين، وأزال دولته، وردّ أتباعه إلى دين الله، فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى قرت عيني بمصرعه، وعودة المخدوعين من أهل اليمن إلى أكناف الإسلام، فقال له عمر: وأنا أحمد الله الذي أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بخليل الرحمن سيدنا إبراهيم، ثم أخذه من يده ومضى به إلى أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة وبايعه، فأجلسه الصديق بينه وبين عمر وطفق الشيخان يستعيدان مع أبي مسلم خبره مع الأسود العنسي.
أقام أبو مسلم الخولاني زمناً في المدينة المنورة لزم خلاله مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى ما شاء الله أن يصلي في روضته المطهرة، وأخذ ما وسعه الأخذ عن جلة الصحابة من أمثال أبو عبيدة بن الجراح، و أبو ذر الغفاري، و عبادة بن الصامت، و معاذ بن جبل، وعوف بن مالك الأشجعي ثم بدا لأبي مسلم أن يرحل إلى بلاد الشام، وأن يتخذها له مقاماً، وكانت غايته من ذلك أن يكون قريباً من الثغور الشامية ليشارك المسلمين في غزو الروم، ويفوز بأجر المرابطة في سبيل الله، ولنا في الدرس القادم إن شاء الله بعض من مواقفه مع معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين في الشام.

السعيد 09-12-2018 08:46 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الثمانون )

الموضوع : احاديث فى باب الصبر




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
الصبر :
أيها الأخوة المؤمنون ، مع درسٍ جديد من دروس الحديث النَّبوي الشريف .
بعض الأحاديث في هذا اليوم معقودةٌ تحت باب الصَبر ، والصَّبر كما قال عليه الصلاة والسلام نصف الإيمان ، الإيمان نصفٌ صبرٌ ، ونصْفٌ شكرٌ ، فالصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان .
والصَّبر أساسه المعرفة ، فإذا عرفْت أنّ الله سبحانه وتعالى رحيمٌ بك ، وخلقكَ لِيُسْعِدَك فإذا رآك قد حِدْتَ عن الطريق الذي يؤدِّي إلى سعادتك ساقَ لك من الشَّدائد ما يُعيدُك إلى الطريق الصحيح ، فالصَّبر معرفة ، ولن تكون صابرًا إلا إذا كنتَ عارفًا ، فإذا عرفْت الله ، وعرفْت حبَّه ، وعرفْت حِرْصهُ ورحمتهُ ، ولماذا خَلَقَكَ ؟ وعرفْت أنّ هذه الدُّنيا دار عمل ، فإذا جَعَلتها دار أمل لا بد من عِلاج ، وإذا علمْت أنّ هذه الدنيا دار تكليف وجعلتها دار تَشريف فلابدّ من عِلاج ، إذا عرفْت أنَّ الدنيا دارَ سَعي والآخرة دار جزاء فعَكَسْت الآية لابدَّ من عِلاج، فالإنسان متى يُعالج ؟ ومتى يقسو الأب على ابنِهِ ؟ لا يمكن لأبٍ يرى ابنهُ على الطريق الصحيح ، وفي الاتِّجاه الصحيح ، وفي السرعة المناسبة ويقسُو عليه ، ويؤكِّدُ هذا قوله تعالى :
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
[سورة النساء: 147]
فلمّا الإنسان تأتيه الشدائد ، والشدائد أنواع منوَّعة ، هناك شدائد نفْسِيَّة ، وهناك شدائد جسدِيَّة كالأمراض ، وشدائد ضيق في الدَّخْل ، وشدائِد ألم ، وشدائِد قهر ، وشدائِد فقد الحُريَّة ، أنواع الشدائد أنواع منوَّعة ، ويجب أن تعلمَ عِلْم اليقين أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يسوقها إلا لِحِكمةٍ بالغة لو كُشِفَتْ لك لذابَتْ نفسُكَ محبَّةً لهذا الربّ العظيم ، والمؤمن يعرف هذا الكلام ، والمؤمن الصادق يقيس على ما قد سلف ، أيَّةُ مشكلةٍ ساقها الله إليك انتَهَت بثَمَرةٍ طيِّبة، قد يكون هناك انْحِراف طفيف ، وسوء ظنٍّ بالله تعالى ، شِرْكٌ خفيّ ، اعْتِماد على غير الله ، وطَمَع في الدنيا ، وطمأنينة لها ، تأتي المشكلة لِتُطَهِّر النَفس مِمَّا علِقَ بها من حبّ الدنيا، يُرْوى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكان مريضًا فقال هذا الصحابيّ المريض: " يا رسول الله اُدع الله أن يرْحمني ؟ فقال: يا ربّ ارْحَمْهُ ؟ فقال الله عز وجل : وعِزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبْدِيَ المؤمن وأنا أحِبّ أن أرحمَهُ إلا ابتَلَيْتُهُ بكلّ سيّئةٍ كان عملها سُقْمًا في جسَدِه ، أو إقْتارًا في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغَ منه مثل الذرّ فإذا بقِيَ عليه شيءٍ شدَّدْتُ عليه سكَرات الموت حتى يلْقاني كيَوْم ولدَتْهُ أُمُّه " الصبر علم :
أُريد أن أقول لكم كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لو كُشِفَ لك الغِطاء من أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا تابعَ عبْدهُ المؤمن بِعِقابٍ إثْرَ كلّ مَعْصِيَة لكان هذا العبدُ مكرَّمًا عند الله عز وجل ، فإذا تركَهُ هملاً فهذه هي الإهانة ، الإهانة ليْسَ أن يدَعَكَ الله وانْحرافك ، الإهانة أن يدَعَكَ وانْحِرافَكَ من دون معالجة ، ولكنَّ التَّكريم أن يُتابِعَك على كلّ ذَنْب تقترفهُ عُقوبةً أو ضيقًا أو شِدَّة .
أريد أن أقول لكم : إنَ الصَّبر عِلم ، والإنسان لن يصبر إلا إذا كان عالمًا بالله عز وجل ، حينما ترى الأب يُضيِّقُ على ابنِهِ ، فأنت كأبٍ آخر تعرف أنّ هذا رحمة ولُطف و عَطف وشفقَة وحِرص ، لذلك مجموعة أحاديث اليوم من باب الصَّبر ، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر : 10]
ما أرْوَعَ المؤمن حينما تأتيه الشِّدَة فيقول : يا ربّي لك الحمْد ، وأنا راضٍ بِحُكْمك، أليْسَ النبي عليه الصلاة والسلام قدوتنا في هذا الموضوع ؟ ألم يذهب إلى الطائف مَشْيًا على قدَمَيْه ؟ ألمْ يلْقَ من أهل الطائف ردًّا قبيحًا واسْتهزاءً وكُفرًا وتكذيبًا ؟ ألم يضيِّق عليه أهل الطائف ويرجئوه إلى الحائط ؟ أما دعا عليه الصلاة والسلام قائلاً : " اللَّهم إنِّي أشْكو إليك ضَعْف قوَّتي وقلَّة حيلتي وهواني على الناس ، يا ربّ المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍّ ملَكْتهُ أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أُبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكنَّ عافيتَكَ أوسَعُ لي " هذا هو حال المؤمن ، والنبي الكريم قُدوَةٌ لنا ، لا تخْلو حياة أحدنا من شدَّة ، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريبٌ ﴾
[سورة البقرة: 214]
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 2]
والله الذي لا إله إلا هو من ظنَّ أنَّه يُبْتلى أو لا يُبْتلى فقد ضلَ وأخطأ ، الصحيح أنَّهُ لابدَّ من أن نُبْتَلى ، وإنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ هذه الحياة الدنيا دار ابْتِلاء وامْتِحان ، المركبة لا تُمتحَن في الطريق النازلة ، مهما كانت المركبة ضعيفةً ، ففي الطريق النازلة تُسْرع ، ولكنَّ المركبة لا تمْتحن إلا في الطريق الصاعدة ، وكذا الإنسان لا يُمْتحنُ بالرَّخاء فجَميع الناس يشكرون الله سبحانه وتعالى ، ولكنَّ البُطولة أن تشكرهُ في الشِّدة ، قال الإمام عليّ كرَم الله وجهه: " الرِضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين " البُطولة وأنت في الضِّيق المادّي تقول : يا ربّ لك الحمد مِن أعماق أعماقك ، والبطولة في ساعة الشِدة ، وأنت في الضِّيق ، وأنت في الهمّ والحزن ، يا أرحم الراحمين بِرَحْمتِكَ أسْتغيث ، يا ذا الجلال والإكرام بِرَحمتك أسْتغيث ، اللهمّ إنِّ عبدك ، اللهمّ أنت خلقتني وأنا عبدك ، أبوء بذنبي ، حالة المؤمن حالةٌ راقيَة . الصبر نصف الإيمان :
قبل أن أمضي في الحديث عن أحاديث الصَّبْر لا بدّ أن تعرفوا أنَّ الصَّبْر نصف الإيمان ، والصَّبر تمامًا يُشبه مريضًا جالسًا على كرسي طبيب أسنان ، هذا المريض الواعي الراشد والواعي والعاقل مع أنَّ آلامًا مبرِّحة في الأسنان حين الحَفر ، وفي أثناء المعالجة ، لكنَ هذا المريض يضْغط على يدَيْه ويحْتملُ الآلام ، وفي النِهاية يشْكر الطبيب لأنَه يعلمُ علم اليقين أنَ هذا الذي يؤلِمُه هو في مَصْلحته .
قلتُ لكم مرَةً أنّ أحد الأعراب كان يطوف بالبيت وهو يقول : يا ربّ هل أنت راضٍ عنِّي ؟! كان خلفهُ الإمام الشافعي فقال له : يا هذا ، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟! فقال : يا سبحان الله ! من أنت ؟ فقال : أنا الشافعي ، فقال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنَى رِضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِّقمة كَسُرورِكَ بالنِّعمة فقد رضيت عن الله ! هذه هي البطولة ، البُطولة عند الصَّدمة الأولى ، وعندما يأتي الخَبَرَ المؤْلِم ، هذا فعلُك ، وفِعلكَ لا يخلو من حكمة بالغة ، هذه إرادتك ، وهذه مشيئتك ، وهذا قضاؤُك ، وأنا راضٍ به ، والله كلمةُ : أنا راضٍ بهذا القضاء تعْدلُ الدنيا وما فيها ؛ لأنَّ هذه الكلمة امْتِحان ، وقد نَجَحْت في هذا الامتِحان، وسوف يمضي كلّ شيء ، الخَير سيَمضي ، والضِّيق سيَمْضي ، وتبقى هذه الكلمة التي قلتها معبِّرًا بها عن امْتِنانك ، وعن رضاك بِقَضاء الله ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " إذا أحبَّ الله عبده ابتلاه ، فإن صبَرَ اجْتباه ، وإن شكر اقْتَناهُ " معنى هذا أنِّي غالٍ عليك يا ربّ ، ومعنى هذا أنَّك لم تنْسَني ، ومعنى هذا أنَّك تحبّني ، ومعنى هذا أنَّه لولا حرصك عليّ لما ضيَّقْت عليّ ، ومعنى هذا أنَّك تريد أن تُقوِّمَ سُلوكي ، ومعنى هذا أنَّك تريد أن تقرِّبني إليك ، ومعنى هذا أنَّك تبتغي بِيَ مقامًا أعلى مِن مقامِي بهذه المصيبة .
المصائب محض عدل و فضل :
المصائب أيُّها الأخوة الأكارم مَحْض فضْلٍ ، ومَحضُ عَدْلٍ ، وقد سمَّاها العلماء النِّعَم الباطنة في قوله تعالى:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
[سورة لقمان: 20]
النِّعَم الباطنة هي المصائب ، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ سورة آل عمران: 123 ]
الإعزاز خَير ، والإذلال خَيْر ، والعطاء خَير ، والمنعُ خَير ، لذلك علماء التوحيد يحظِّرون على المسلم أنْ يذكر بعض أسماء الله عز وجل وحدها ، فلا بد أن تقول : المانع المعطي لأنَه يمنَعُ لِيُعْطي ، والضَّار النافع ، أيْ يضرّ لِيَنفَعَ ، والخافض الرافع ، يخفض لِيَرْفَعَ قال تعالى : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص: 4 ـ 6 ]
هؤلاء المستضعفون نريد أن نمكِن لهم في الأرض ، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
محبة رسول الله تحتاج إلى بطولة و صبر :
إذا أردْت أن تكون من عباد الله المقرَّبين فاسْتَعِدَّ للبَلاء ، ولكن إيَّاك أن تطلب البلاء فهذا سوءُ أدبٍ مع الله عز وجل .
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ؟ فَقَالَ : انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاه ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل]
هناك امْتِحان ، وهذه دَعوة كبيرة جدًّا أن تُحِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه تحتاج إلى بطولة ، وإلى ابتِلاء ، وتحتاج إلى صَبْر ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أُلْقيَ القبض عليه ليقْتَل ويعذَّب قبل أن يُقْتَل تقدَّم منه أبو سفيان أظنّه خُبيْبًا ، فقال له : يا خُبَيب أتُريد أن يكون محمَّد مكانك وأنت معافى ؟ فقال خُبَيب رضي الله عنه : والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي ، وعند عافِيَة الدُّنيا ونعيمها ويُصاب رسول الله بِشَوْكَة ! هذا هو الإيمان ، هل أحْببْت في الله ؟ هل أعْطَيْت في الله ؟ هل منعْت لله ؟ ماذا قدَّمتَ ؟ ومع من وَقَفت ؟ من عادَيْتَ ؟ الإيمان مواقف ، والإيمان الْتِزام وبذْل وعطاءٌ ، فلذلك حينما يظنّ الإنسان أنَّ هذه الدنيا دار نعيم ، ودار مُتَعٍ وسُرور فقد وقعَ في خطأ كبير ، هذه الدنيا دار عمل ، ودار ابْتِلاء ، ودار بَذْل ، ودار عطاء ، النَّعيم المقيم في الآخرة، والسَّعادة العظمى في الآخرة ، والطمأنينة في الآخرة ، والتَّشريف في الآخرة ، أنت الآن في دار تَكليف ، هذه المقدِّمة أردْتُ أن تكون بين يديّ بعض هذه الأحاديث الشريفة . من أحبه الله عجّل له التأديب في الدنيا قبل الآخرة :
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
هذا العبد له إمكانيات طيِّبة ، ويحبّ الله ورسوله ، يُنْتَظَر منه أن يكون ذا مقامٍ عالٍ، هذا العبد مخلص ، يسأل الله عز وجل أن يطهِّرَ قلبه من الأغيار ، هذا هو طلبه ، فلهذا الطَّلَب العالي ، ولهذا السموّ الرفيع ، الله سبحانه وتعالى يُعجِّل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بِعَبْدِهِ الشرّ أمْسكَ عنه بِذَنْبِهِ حتى يُوافي به إلى يوم القيامة ، يجبُ أن تعلموا عِلْم اليقين أنَّه في اللَّحظة التي يُتْركُ فيها العَبْد وشأنَهُ ، يُتْركُ فيها العَبد وذَنبهُ ، يُتْركُ فيها العبد وتقصيرهُ ، يُتْركُ فيها العَبد ومخالفته ، في هذه اللَّحظة يجب أن تعلمَ عِلْم اليقين أنَّك مُهانٌ عند الله تعالى ، أما إذا حاسبَكَ حِسابًا سريعًا ، انْحرفْتَ قليلاً فجاء العقاب ، وقصّرْت فجاء الدّواء ، تجاوَزت فجاء العلاج ، اتَّكَلْت على غيره فجاء التخلي ، أشْركت به فجاء التأديب ، إذا كنتَ كذلك فأنت في نعمة كبرى ، لأنَّ هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحبُك ، وهذه النُّقطة مهمّة جدًّا .
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
المؤمن كأنّ له رداءً أبيض ناصعًا فإذا وقعَ عليه شيءٌ مهما بدا صغيرًا يبْدو صارخًا ، الثَّوبُ الأبيَض الناصع البياض ، والنَظيف ، لو أنَّ شيئًا وقَعَ عليه لا يزيدُ عن أنملةٍ يبْدو صارخًا لذلك يُسارعُ صاحبُ الثَّوب الأبيَض إلى مسْح هذه البقعة الملوّنة ، ولكن هذا الذي يرْتدي ثوبًا أسْود قد تمرَّغَ به في الوَحل والزُّيوت ، وفي الشُّحوم ، لو ألْقَيْتَ عليه محبرة فلا يظهر لها أثر ، فهناك إنسان ثوبهُ أسْوَد ، وهناك من ثَوبُهُ أبْيَض ، فالمؤمن ثوبُهُ أبْيَض ، لذا ما مِن عثرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَمَتْ أيديكم وما يعْفو الله أكثر ، والآية الكريمة قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
[سورة الشورى: 30 ]
وما هنا اسم شرْط جازم ، ومعنى الشِّرط أنَّ تعلّق الجواب بِفِعل الشَّرط هو تعلُّق حَتمي . أنواع المصائب :
الآن عندنا نقطة مهمَّة جدًّا أتمنَاها عليكم جميعًا ، هذه النُّقطة أنّ المؤمن إذا أصابتْهُ مصيبة عليه أن يتَّهِم نفسهُ بالتَّقصير ، الله سبحانه وتعالى عادِل ، ورحيم ، ولا بدّ من زَلَّةٍ زَللْتَ بها ، ولا بدَّ من مَعْصِيَةٍ اقْترفتها ، ولا بدّ من مخالفةٍ وقعْتَ بها ، لا بدَ من تقصيرٍ بدَر منك ، ولا بدَّ من تَطاوُلٍ تكلَّمْت به ، ولا بدّ من شِرْك ، ومن اعْتِمادٍ على غير الله تعالى هكذا الأدَب ، إذا وقعْت في مشكلةٍ فاتَّهِم نفْسكَ ، أما إذا رأيْت أنَّ أخاك قد وقعَ في مشكلة فإيَّاك أن تتَّهِمَهُ ، فهذا من سوء الأدب وعليك أن تقول : هذه مصيبة أرْجو الله أن يرفعهُ بها ، فهذه اعْتبِرْها مصيبة رَفْع أما لك فاعْتَبِرْها مصيبة عِقاب ، وكما تعلمون هناك مصيبة القصْم ، وهناك مصيبة الرَّدع ، وهناك مصيبة الدَّفع ، وهناك مصيبة الرَفع ، وهناك مصيبة الكَشف ، فالقصْم لمَّا يسْتوفي الإنسان كلّ رغباته في الدنيا ويريد أن يفجر ويؤذي ، عندئذٍ يقْصِمهُ الله عز وجل ، هذه مصيبة القَصْم ، إذا طغي ، وبغى ، واعتدى ، وتكبَّرَ ، وأصْبحَ يزْدادُ شرًّا كلّ ساعةٍ فرحْمةٍ به يقْصمهُ الله سبحانه وتعالى ، أما مصيبة الرَّدع فقد ينْحرفُ الإنسان ، قد يأكل مالًا حراماً فيفقد أموالًا طائلة ، أكل أمس فأذهب أموالاً طائلةً ، مصيبة قاسية جدًّا ، هذه مصيبة الردع ، أما مصيبة الدفع ؛ مؤمن مستقيم لكنه مقصِّرٌ ، فتأتي المصيبةُ لتدفعه إلى الأمام ، أما الرفعُ مؤمن مستقيم و يسرع في طريقه إلى الله ، لكنه يحتمل ، و مادام يحتمل فيضاعف اللهُ له أجره بهذه المصيبة ، و أما الأنبياء ففي أنفسهم من الكمال ما لا يبدو إلا في المصيبة ، أي فيه آلات أو فيه محرِّكاتٌ جبَّارةٌ ذاتُ قوى عالية جدًّا لا تبدو إلا في طرق وعْرة جدًّا و في صعود حادٍّ جدًّا و إلا محرِّك آخر أدنى بكثير يقوم بهذه المهمَّة ، فهذه مصيبة الكشف ، و على كلٍّ إذا أراد اللهُ بعبده الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا ، و إذا أراد اللهُ بعبده الشَّرِّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ، هذه الفكرةُ ضعْها في ذهنك ، إذا عجَّل اللهُ لك العقوبةَ فأنت محبوبٌ ، فأنت مرغوبٌ ، فأنت مطلوب ، محبوب و مرغوب و مطلوب ، و إذا تُرِكْت هملًا والعياذ بالله ، المصيبة عندئذ أن تُترك هملًا من دون عقاب .
كلُّكم يعلم أب عنده ثلاثة أولاد ، ولد ابن ذكيٌّ و متفوِّقٌ ، و ابنٌ آخر ذكيٌّ و مقصِّر، وابنٌ ثالث أبله ، فهذا الأبُ لن يضيِّق على الأبلهِ لعدم الجدوى على التضييق عليه ، فيدعه و شأنه لا يحتاج إلى تأديب ، لكنَّ تأديب هذا الأب ينصبُّ على الابن الثالث الذكيِّ المقصِّر ، فالإنسان لمَّا يقصّر يبْتَلِيه اللهُ عز وجل ، فإذا تفوّق ربَّما ابتُليَ بنوع آخر ، فإذا تفوَّق في معرفة الله عز وجل له امتحاناتٌ من نوع أخر أرقى ، هناك متاعب مقدَّسةٌ و هناك متاعب مؤدِّبةٌ ، و هناك متاعب فيها عقوبة .
إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه :
و قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام :
((عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
رواه الترمذي و قال حديث حسن ، الشقُّ الثاني من الحديث يؤكِّد المعنى الأول .
ملخَّص هذه الكلمة المطوَّلةُ حول هذين الحديثين أنك إذا شعرتَ أن اللهَ يتابعك بالعقاب فهذه بادرةٌ طيِّبةٌ جدًّا ، و أنت محبوبٌ و مرغوبٌ و مطلوبٌ ، و إذا شعرت أن الله قد ترك الإنسانَ هملاً بلا عقاب مع إساءته ، و مع تقصيره ، و مع معصيته ، فهذه علامةٌ خطيرةٌ على أن الله سبحانه و تعالى تركه هملاً . * * *
آثار عن فتوحات المسلمين في كتب الفرنجة :
و الآن إلى الفقرة الثانية من قصَّة التابعي الجليل عبد الرحمن الغافقي .
تحدَّثنا في الدرس الماضي عن القصَّة الأولى ، و اليوم نتحدَّث عن القصَّة الثانية و الأخيرةِ .
الحقيقة أن الأجانب الفرنجة في كتبهم ، و في تاريخهم ، و في كتب أدبهم ، آثارٌ كثيرةٌ عن فتوحات المسلمين في بلاد الأندلس ، فالشاعر الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزتْ أوروبا بعد فتح الأندلس ، و تعلمون أن جيوش المسلمين فتحت الأندلس ، أي أسبانيا اليوم و البرتغال ، و بعدها توجَّهت إلى فتح أوروبا بدءًا بفرنسا ، ووصلتْ إلى مئة كيلومتر من باريس ، و في بعض الروايات إلى مسافة أربعة عشر كيلو متر من باريس فهذه المعركة الشهيرة ؛ معركة بلاط الشهداء يتحدَّث عنها بعضُ الأجانب ، فيقول الشاعرُ الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزت أوروبا بعد فتح الأندلس ، من عربٍ و بربرٍ ، جموعٌ لا تُحصَى من عرب و بربر و رومٍ خوارج و فرسٍ و قبطٍ و تتَر قد انضَوَوْا جميعا تحت لواء واحد يجمعهم إيمانٌ ثائرٌ راسخُ الفتُوَّة ، و حميَّةٌ متلظِيةٌ كالشَّرر ، و أخوَّةٌ مُذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، قال تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "﴾
[سورة الانفال: 63 ]
تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، لم يكن قادتُهم أقلَّ منهم ثقةً بالنصر بعد أن ثمِلوا جميعاً بحُمَّى الظَّفرِ ، أي أنَّ النصرَ تتابع عليهم و اختالوا بتلك القوَّة القوية التي لا يقف أمامها شيءٌ ، هذه القوَّة القويةُ التي لا يقف أمامها شيءٌ ، و أيقنوا أنّ جيوشهم لا يمكن أن يُلِمَّ بها الكلالُ أي التعب ، فهي دائماً فتِيَّةٌ مشبوبةٌ كما انطلقتْ أوَّلَ مرة ، و آمنوا بأنها حيثما تحرَّكت مشى في رِكابها النصرُ و الغلبةُ ، و أنها ستندفع دائمًا إلى الأمام حتَّى تصبح مثل الرمال المُحرِقة المنتثرة على صحراء العرب ، و تقف فوق صخور مكة الصلبة .
هذا مقطعٌ مترجَمٌ لقصيدة لشاعر إنجليزي اسمُه سوذي يصف فتوحَ المسلمين لأوروبا في عهد التابعيِّ الجليل عبد الرحمن الغافقي . دخول الناس في الإسلام كان همّ الجيش الذي قاده عبدُ الرحمن الغافقي :
مؤلِّفُ الكتاب يخاطب هذا الشاعر : لم تكن أيُّها الشاعرُ بعيدًا عن الحقيقة أو هائمًا في أودية الخيال في كثيرٍ ممَّا قلتَ ، فقد كانت الجيوشُ التي قادها المجاهدون لإخراج آبائك من جاهليَّتهم الجهلاء كما وصفتَ ، ففيها عربٌ أقوياء ، أقوياءُ بالله هبُّوا إليكم من الشام ، من الحجاز ، من نجدٍ ، من اليمن ، و من كلِّ مكان في جزيرة العرب كما تهُبُّ الريحُ المرسلَة ، و فيها بربرٌ أعزَّةٌ بالإسلام تدفَّقوا عليكم من فوق جبال الأطلس كما يتدفَّق السيلُ العرِم ، و فيها فُرْسٌ عافتْ عقولُهم وثنيةَ الأكاسرة و فاءت إلى دين التوحيد و صراط العزيز الحميد ، و فيها رُومٌ خوارج كما قلتَ ، و لكنَّهم خرجوا عن الظلم و الظُّلمات و انحازوا إلى نور الأرض و السموات ، وهُدُوا إلى الدين القيِّم ، و فيها قِبطٌ رفعوا عن رقابهم نيرَ العبودية للقياصرة ليعيشوا كما ولدتْهم أمَّهاتُهم أحرارًا في أكناف الإسلام ، نَعَم لقد كان الجيشُ الذي قاده عبدُ الرحمن الغافقي و أسلافُه لإنقاذ أجدادك من الجاهلية فيه الأبيضُ و الأسودُ و العربيُّ و الأعجميُّ ، و لكنَّهم انصهروا جميعًا في بوتقة الإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا ، و قد كان همُّهم كما ذكرتَ أن يدخلوا الغربَ في دين الله كما أدخلوا الشرقَ من قبلُ ، وأن يجعلوا البشريَّةَ كلَّها تُطأطِئ الرأسَ لإله الناس ، و أن يعُمَّ نورُ الإسلام بَطاحَكم و أوديتَكم ، و أن تشرق شمسُه في كلِّ بيتٍ من بيوتكم ، و أن يُسوِّيَ عدلُه بين ملوككم و سُوقتِكم ، و كانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحَهم ثمنًا لهدايتكم إلى الله و إنقاذكم من النار .
القصة الأخيرة لجيش عبد الرحمن الغافقي :
و بعد : فالقصَّةُ الأخيرةُ لهذا الجيش كما يلي: تناهتْ إلى دُوقِ أُوكتانيا - الدوق أي الحاكم؛ أوكتانيا مقاطعة من مقاطعات فرنسا - الأخبارُ المُفزِعةُ عن مصرع صهره عثمان بن أبي نُسعة ، و بلغته أنباءُ النهاية الحزينة التي صارت إليها ابنتُه الحسناءُ مِينِين ، ابنةُ هذا الدوقِ قِيدَتْ أسيرةً إلى دمشق ، وصهره الذي خان المسلمين في الأندلس قُتل ، فأدرك هذا الدوق - دوق أوكتانيا - أنّ طبول الحرب قد دقَّت ، و أيقن أنّ أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي مُمْسٍ في دياره أو مُصبِح ، فتأهَّب للدفاع عن كلّ شبر من أرضه دفاع المُستَميت ، و استعدَّ للنضال دون نفسه ومملكته استعدادَ المُسْتبسِل ، فقد كان يخشى أنْ يُساق هو الآخر أسيرًا إلى دار الخلافة في الشام كما سِيقتْ ابنتُه - الشامُ هي دمشقُ – التي كانت تحكم معظمَ جمهوريات الاتِّحاد السوفيتي ، و كانت تحكم شمالَ إفريقيا بكامله ، و بلادَ إسبانيا اليوم و البرتغال ، و جزءاً كبيراً من بلاد فرنسا ، قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور: 55 ]
فقد كان يخشى أن يُساق هو الآخرُ أسيراً إلى دار الخلافة في الشام كما سيقت ابنتُه ، أو أنْ يُحمَل رأسُه على طبقٍ و يُطاف به في أسواق دمشق كما طِيفَ برأس لذِرِيق ملكِ إسباني من قبلُ ، لم يُكذِّب عبدُ الرحمن الغافقي ظنَّ الدوق فانطلق بجيشه من شمال الأندلس ، انطلق كالإعصار و انصبَّ على جنود فرنسا من فوق جبال البِرِنيه كما ينصبُّ السيفُ ، و كان عدَّةُ جيشه مئة ألف مجاهد ، بين جوانح كلٍّ منهم قلبُ شجاع لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ ، في عروقه عزيمة ماردٍ ، يمَّم الجيشُ الإسلاميُّ وجهه شطرَ مدينة آرِل الواقعة على ضفاف نهر الرُّون ، فلقد كان له معها حساب ، ذلك أنَّ آرل هذه كانت قد صالحت المسلمين على أن تدفع لهم الجزيةَ فلمَّا استُشهد السَّمحُ بن مالك الخولاني في معركة تولوز و تضعْضَع المسلمون لمصرعه ، نبذ أهلُ آرل الطاعةَ ، و نكثوا العهدَ ، و امتنعوا عن دفع الجزية ، و لما بلغ عبدُ الرحمن الغافقي ضواحي المدينة وجد أنَّ أَوَد دوق أوكتانيا قد عبَّأ قوَّاته الكثيفة عندها ، و حشدها حول تُخومها ، و تصدَّى لردّ الزحف الإسلامي عليها ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهًا لوجهٍ و دارت بين الفريقين معركةٌ طحونٌ ، قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائبَ من جيشه تحبّ الموتَ أكثر مما يحب أعداؤُها الحياةَ ، فزلزل أقدامَ العدوِّ و مزَّق صفوفه ودخل المدينة منتصرًا ، و غنِم منها غنائم عزّت عن الحصر ، أما دوق أود فقد فرَّ بمن بقي حيًّا من جنوده ، و طفق يُعِدّ العدَّة للقاء آخر مع المسلمين فقد كان يعلم أن معركة آرل كانت بدايةَ الطريق و ليست نهايته .
عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرَّار نهرَ الجارون و طفقت كتائبُه الظافرة تجوس مقاطعة أوكتانيا ذاتَ اليمين و ذات الشمال ، و أخذت المدنُ و القرى تتساقط تحت سنابك خيله كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف إذا هبّت عليها الرياح الهوج ، و أضاف المسلمون إلى غنائمهم السابقة غنائم لاحقة لم ترها عينٌ من قبلُ ، و لم تسمع بها أذنٌ ، و قد حاول دوق أوكتانيا أن يتصدَّى لهذا الزحف الكبير مرةً أخرى فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس ، لكنَّ المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمةً طاحنة ، سو أنزلوا به نكبةً ساحقة مدمِّرةً ، و مزَّقوا جيشه شرَّ ممزَّق ، و تركوا جيشه بين قتيل و أسير و هزيم ، ثم اتَّجه المسلمون إلى مدينة بوردو كبرى المدن الإفرنسية آنذاك ، و عاصمة مقاطعة أوكتانيا ، و خاضوا مع أميرها معركة لا تقلُّ هولاً عن المعارك السابقة ، و استبسل فيها المهاجمون و المدافعون استبسالًا يثير العجب و الإعجاب ، و لكنَّ المدينة الكبيرة الخطيرة ما لبثت أن سقطت في أيدي المسلمين كما سقطت أخواتُها من قبل ، و ما لبث أميرُها أنْ قُتل في جملة القتلى ، و أحرز المسلمون غنائمَ بوردو ما هوَّن في أعينهم كلَّ ما حازوه من غنائم ، و كان سقوطُ بوردو في أيدي المسلمين فاتحةً لسقوط مدنٍ آخرى كثيرة خطيرة أهمُّها لِيون - ثاني مدن فرنسا الآن - وبيزانسون و سانسْ ، و كانت هذه الأخيرةُ لا تبعد عن باريس أكثرَ من مئة ميل ، أي مئة وخمسون كيلو متراً ، اهتزَّت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنسا الجنوبي كلِّه في يد عبد الرحمن الغافقي خلال بضعة أشهر ، و فتح الفرنجةُ أعينَهم على الخطر الداهم ، و دبَّ الصريخُ في كل مكان يدعو العجزةَ و القادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق ، و يحضُّهم على التصدّي له بالصُّدور و السيوف ، و يدعوهم إلى سدِّ الطريق أمامه بالأجساد إذا انعدم العتادُ ، فاستجابت أوروبا لدعوة الداعي ، و أقبل الناسُ على الانضواء تحت لواء شَارْل مارتل ، و معهم الشجر و الحجر و الشوكُ و السِّلاح ، و كان الجيشُ الإسلاميُّ آنذاك قد بلغ مدينة تور ، طليعة مدن فرنسا وفرةً في السكان ، و قوَّةً في البنيان ، و عَراقةً في التاريخ ، و كانت المدينةُ فوق ذلك تختال على أكثر مدن أوروبا بكنيستها الفخمة الضخمة العامِرة بجميل الأعلاق ن وكريم النفائس، فأحاط بها المسلمون إحاطة الغِلِّ بالعنق و انصبّوا عليها انصباب المنون إذا جاء الأجلُ ، و استصرخوا في سبيل افتتاحها الأرواحَ و المُهج ، فما لبثتْ أن سقطت بين أيديهم على مرأى شارل مارتل و سمعه .
وفي العشر الأخير من شعبان سنة أربع و مئة للهجرة زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه الَّلجب على مدينة بوَاتييه ، و هناك التقى مع جيوش أوروبا الجرَّارة بقيادة شارل مارتل ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة لا في تاريخ المسلمين و الفرنجة فحسب ، و إنما في تاريخ البشرية جمعاء ، وقد عُرِفت هذه المعركة بمعركة بِلاط الشُّهداء ، و كان الجيشُ الإسلاميُّ يومئذٍ في ذِروة انتصاراته الباهرة ، لكنَّ كاهله كان مُثقلًا بتلك الغنائم التي انصبَّت عليه انصبابَ الغيث ، و تكدَّستْ في أيدي الجنود تكدُّس السُّحب ، و قد نظر عبد الرحمن الغافقي إلى هذه الثروة الهائلة نظرةَ قلق و إشفاق و توجَّس منها خِيفةً على المسلمين ، فقد كان لا يأمن أن تشغل هذه النفائسُ قلوبهم عند اللِّقاء ، و أنْ تُوزَّع نفوسُهم في لحظات البأس ، و أن تجعل إحدى عيني المقاتل منهم على العدوِّ المُقبِل عليه و عينَه الأخرى على الغنائم التي في يديه ، و لقد همَّ بأن يأمرَ جنودَه بالتَّخلُّص من هذه الثروات الطائلة الهائلة ، و لكن خشِيَ ألا تطيبَ قلوبُهم بذلك القرار الخطير ، و ألا تسمح نفوسُهم بالتَّخلِّي عن ذلك الكنز الثمين ، فلم يجد وسيلة خيرًا من أن يجمع هذه المغانم في مُخيَّمات خاصَّة و أن يجعلها وراء المُعسكر قبل إنشاب القتال . أحداث معركة بلاط الشهداء :
وقف الجيشان الكبيران بضعةَ أيام ، كلٌّ منهما قُبالةَ الآخر في سكون و ترقُّبٍ و صمت كما تقف سلسلتان من الجبال إحداها في وجه الأخرى ، فقد كان كلٌّ من الجيشين يخشى بأسَ عدوِّه و يحسب للقائه ألف حساب فلمَّا طال الوقتُ على هذه الحال ووجد عبد الرجمن الغافقي مراجِلَ الحميَّة و الإقدام تغلي في صفوف رجاله ، آثر أن يكون هو البادئ بالهجوم معتمدًا على مناقب جنده ، متفائلًا بحسن طالعه في النصر ، انقضَّ عبد الرحمن الغافقي بفرسانه على صفوف الفرنجة انقضاض الأسود الكاسرة ، و صمد لهم الفرنجةُ صمود الأطواد الراسخة ، و انقضى اليومُ الأول من المعركة دون أن ترجح فيه كفَّةٌ على كفَّةٍ ، و لم يحجز بين المتقاتلين غير هبوط الظلام على ميدان القتال ، ثم تجدَّد النِزالُ في اليوم الثاني ، و حمل المسلمون على الفرنجة حملاتٍ باسلة و لكنَّهم لم ينالوا منهم وطرًا ، و ظلَّت المعركةُ تدور على هذه الحال سبعة أيامٍ طويلةٍ ثقيلةٍ ، فلمَّا كان اليوم الثامنُ كرَّ المسلمون على عدوِّهم كرَّةً واحدةً ، ففتحوا في صفوفه ثُغرةً كبيرةً لاحَ لهم من خلالها النصرُ كما يلوحُ ضوءُ الصبح من خلال الظلام - الذي حصل في معركة أُحُدٍ تكرَّر في هذه المعركة - عند ذلك أغارت فرقةٌ من كتائب الفرنجة على معسكرات الغنائم ، فلما رأى المسلمون أنَّ غنائمهم قد أوشكت أن تقع في أيدي أعدائهم ، اِنكفأ بعضُهم لاستخلاصها منهم فتصدَّعت بذلك صفوفهم ، و تضعضعت جموعُهم، وذهبت ريحُهم فهبَّ القائدُ العظيمُ يعمل على ردِّ المنكفئين لمدافعة الهاجمين ، و سدِّ الثغور ، و فيما كان بطلُ الإسلام عبد الرحمن الغافقي يزرع أرض المعركة على صهوة جواده الأشهبِ جِيئَةً و ذهاباً ، و كرًّا و فرًّا أصابه سهمٌ نافذٌ فهوى عن متن فرسه كما يهوي العُقابُ من فوق قمم الجبال ، و ثوى صريعاً شهيدًا على أرض المعركة ، فلما رأى المسلمون ذلك عمَّهم الذُّعرُ ، و أصابهم الاضطرابُ ، و اشتدَّت عليهم وطأةُ العدوِّ ، و لم يوقِف بأسَه عنهم إلا حلولُ الظلام ، فلما أصبح الصُّبحُ وجد شارل مارتل أن المسلمين قد انسحبوا من بواتييه ، من أرض المعركة ، فلم يجرؤ على مطاردتهم ، ذلك أنه خشي أن يكون انسحابهم مكيدةً من مكائد الحرب دُبِّرتْ في الليل ، فآثر البقاءَ في مواقعه مكتفيًا بذلك النصر الكبير ، لقد كان يومُ بلاط الشهداء يومًا حاسما في التاريخ ، أضاع فيه المسلمون أملًا من أعزِّ الآمال ، و فقدوا خلاله بطلاً من أعظم الأبطال ، ما هو الاملُ ؟ أنْ تُفتَح القسطنطينية لا من الشرق ، بل من الغرب ، أي أن تُفتح أوروبا بأكملها بدءًا من فرنسا و انتهاءً بالقسطنطينية ، و تكرَّرت فيه مأساةُ يوم أحُد ، سنَّة الله في خلقه ، و لن تجد لسنة الله تبديلاً .
تعليقٌ لبعض المؤرِّخين الأجانب على معركة بلاط الشهداء :
الشيءُ المهمُّ جدًّا في هذه القصة تعليقٌ لبعض المؤرِّخين على هذه المعركة لبعض المؤرِّخين الأجانب : هزَّت أنباءُ فاجعة بلاط الشهداء نفوس المسلمين في كلِّ مكان هزّا عنيفاً ، و زُلزلت لهولها أفئدتُهم زلزالاً شديداً ، و عمَّ الحزنُ بسببها كلَّ مدينة و كلَّ قريةٍ و كلَّ بيتٍ ، و ما زال جرحُها المُمِضُّ ينزف من قلوبهم دمًا حتى اليوم ، و سيظلُّ ينزف ما ظلَّ على ظهر الأرض مسلم ، و لا تحسبن أنَّ هذا الجرح العميق الغائر قد أمضَّ أفئدة المسلمين وحدهم - اسمعوا الآن - و إنما شاركهم في ذلك طائفةٌ من عقلاء الفرنجة ، رأوا في انتصار أجدادهم على المسلمين في بواتييه مصيبةً كبرى ، الفرنجة رأوا في انتصار أجدادهم مصيبةً كبرى رُزِئت بها الإنسانية ، و خسارةً عظمى أصابت أوروبا في صميمها ، و نكبةً جُلَّى نُكِبت بها الحضارة، و إذا شئتَ أن تقف على رأي بعض هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع إلى هنري دي شامبون مدير مجلَّة ريفي الفرنسية حيث قال - و اسمعوا بدقَّة ماذا قال هذا الإنسانُ -:" لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى- في القرون الوسطى مخازي ، وجهل ، وطغيانٌ ، و استغلال ، و كان الإنسان محتقرًا ، هذه ظلماتٌ – قال : لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى ، و لما أُصيبت بفظائعها ، و لا كابدت المذابح الأهلية التي دفع إليها التعصُّبُ الديني المذهبي ، نعم لولا ذلك الانتصارُ الوحشي على المسلمين في بواتييه لظلَّت إسبانيا تنعُم بسماحة الإسلام ، و لنجتْ من وصمة محاكم التفتيش ، و لما تأخَّر سيرُ المدنيةِ ثمانيةَ قرون ، و مهما اختلفت المشاعرُ و الآراءُ حول انتصارنا ذلك فنحن مدينون للمسلمين بكلِّ محامد حضارتنا ، نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم و الفنِّ و الصناعة ، مدعُوُون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمال البشري ، في الوقت الذي كنا فيه مثالَ الهمجية ، و افتراء ما ندَّعيه اليوم من أن الزمان قد استدار و أن المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كنا عليه في العصور الوسطى "
كلمةُ مؤرِّخٍ مُنصِف ، أي أن انتصار الفرنجة على المسلمين في معركة بلاط الشهداء كان سببَ تأخُّر أوروبا ثمانية قرون ، و كان سببَ المآسي التي وقعت في العصور الوسطى ، و كان سبب الحروب الاهلية التي ذاقتها أوروبا أو ذاقت من ويلاتها ، و على كلٍّ سنة الله لن تتغيَّر فإذا قاتلتَ في سبيل الله ثم طمعتَ في الدنيا تخلَّى اللهُ عنك ، في أُحُد و مع النبيِّ الكريم و النبيُّ عليه الصلاة و السَّلامُ كان بين ظهرانيهم ، لمَّا طمعوا في الغنائم تخلَّى اللهُ عنهم ، و في حُنَين قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[ سورة التوبة:25]
تخلى اللهُ عنهم ، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك ، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك ، هذه سُنَن الله في خلقه . * * *
آفات اللسان :

بقيت كلمةٌ قصيرةٌ من إحياء علوم الدين حول آفات اللسان التي كنا قد بدأنا بها قبل رمضان .
من آفات اللسان الوعدُ الكاذب ، و اللسانُ سبَّاقٌ إلى الوعد ، و معظم الناس يطلق الوعودَ بدون حساب ، فقد يعِد ابنَه بدرَّاجة ، و قد يعِد امرأتَه بثوبٍ على العيد ، و قد يعد أخاه بهديَّة ، و أحياناً صاحب محلٍّ يعد الموظف بالشراكة ، وهو قد صدَّقك و بنى عليها آمالًا و أحلامًا ، و أنت وعدتَه و مشيتَ ، فهذه من آفات اللسان ، الوعد الكاذب ، قال : إن اللسان أسبقُ إلى الوعد ثم النفسُ ، ربما لا تسمح النفسُ بالوفاء ، فيصير الوعدُ خُلفاً ، و هذا من أمارات النفاق ، أنا أمتحن رصانةَ المؤمن و نضجَه و ذكاءَه من اقتصاده بالمواعيد ، يسكت ، و الشيءُ الذي يتمكَّن من تنفيذه يتكلَّم فيه ، أمّا دائماً يعطي وعودًا برَّاقةً ، الناسُ بعد فترة لن يصدِّقوه ، و أصبحت وعودُه لا قيمة لها إطلاقًا ، و لا تؤثِّر أبدًا ، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[سورة المائدة: 1]
تخلى اللهُ عنهم ، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك ، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك ، هذه سُنَن الله في خلقه . الوفاء بالوعد :
و قد أثنى الله تعالى على نبيِّه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾
[سورة مريم: 54 ]
و لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاةُ قال : إنه كان قد خطب إليَّ ابنتي رجلٌ من قريش ، وكان مني إليه شبهُ الوعد ، فوالله لا ألقى اللهَ بثُلُث النفاق ، أُشهدكم أني زوَّجته ابنتي - وعد - و إيَّاك أن تعد دون أن توَفِيَ هذا الوعد ، و كان ابنُ مسعود لا يعد وعداً إلَّا و يقول : إن شاء اللهُ ، و هو الأولى ، ثم إذا فُهِم مع ذلك الجزم في الوعد ، فلا بدَّ من الوفاء إلا أن يتعذَّر ، فإن كان عند الوعد عازمًا على ألا يفي فهذا هو النفاق ، و قد قال عليه الصلاة و السلام : ((مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
و في رواية ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
و النبيُّ عليه الصلاة و السلام أثنى على التجَّار الذين هم عند وعودهم فقال : " إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا ، و إذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا أؤتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، و إذا باعوا لم يُطروا ، و إذا كان لهم لم يعسِّروا ، و إذا كان عليهم لم يمطلوا ".
الإنسان لمجرّد أن يخلف وعده أو يكذب في حديثه أو يخون في أمانته فقد سقط من عين الله و ضُمَّ إلى زمرة المنافقين ، طبعًا إذا كان فيه الثلاثة فهو منافق خالص ، أما واحدة فثلث النفاق ، و قد قال عليه الصلاة و السلام : ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
و هذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخُلف ، أو ترك الوفاء لغير عذر ، الإنسان وعد وهو عازمٌ على الوفاء بهذا الوعد و لم يتمكَّن ، فهذا ليس منافقاً ، أما المنافق فحينما وعد الوعد عازمٌ في قلبه على ألا يفي بهذا الوعد ، هذا هو المنافق ، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول : ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
على الإنسان أن يتحرى دقة المواعيد لأنها ترفع من قيمته :
لكن العلماءُ قالوا : أمَّا من عزم على الوفاء و كان له عذرٌ منعه من الوفاء لم يكن منافقاً وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ، الصورةٌ الخارجية للنفاق انطبقت عليه ، فهو غيرُ منافق و لما وعد نوى و عزم عزمًا جازمًا على أن يفيَ ، و لكن ظهر له عذرٌ قاهرٌ ، ولكن هذه الصورة الخارجية صورة نفاق ، و لكن ينبغي ان يحترز من صورة النفاق أيضاً ، كما ينبغي أن يحترز من حقيقته ، انتبِهْ ، يجب أن تبتعد عن صور النفاق ، و طبعاً المؤمن يبتعد عن حقيقته وهي عزم القلب على إخلاف الوعد ، هذه حقيقة النفاق ، لكن صورة النفاق أن تعد وعدًا ثم لا تتمكَّن من الوفاء به ، فأنت فكِّرْ مادام الشيء فيه احتمال ألا تفي به فلا تعد الوعد ، و أصحابُ المصالح أنت تقدر أن تنجز العمل في عشرة أيام فقل له في أسبوعين احتياطًا ، فإذا ظهر معك أمرٌ قاهرٌ ولم تتمكَّن من الوفاء في هذا الوقت صارت الصورة نفاقًا ، أما إذا أخذت الاحتياط أسبوعاً ثانيا فهذا الأسبوع احتياط ، فيجب أن نبتعد لا عن حقيقة النفاق بل عن صورة النفاق ، و صورةُ النفاقِ أن تخلف الوعدَ لعذرٍ مقبولٍ ، و لكن على الإنسان أن يعتمد أو أن يتحرَّى دقَّةَ الوعد لأنها ترفع من قيمة الإنسان .


الساعة الآن 04:31 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.