![]() |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة لقمان (31) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ (سورة لقمان ) مَن يُسْلِمُ، ومَن كَفَرَ ! فأنت مُخَيَّر إما أن تُسْلِمَ وَجْهك لله تعالى، وأن تُحْسِنَ إلى خلْقِهِ، وإما أن تُدير ظَهْرَكَ لِهذه الحقيقة، ولِهذا الدِّين وتبْحَثَ عن لذَّتِكَ وشَهْوَتِكَ، وتقْتَنِص مصالِحَكَ كما تشاء، إلا أنَّهُ لِهذا العَمَل نتيجة ولذاك نتيجة. هناك آيةٌ أخرى تُوَضِّحُ هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾ [ سورة البقرة ] هناك معنى ضِمْني وسواء فانْتِماؤُك إلى الإسلام انْتِماء شَكْلي ورفْع لافِتات إسْلامِيَّة، أو عدم انْتِمائِك للدِّين إن لم يَكُن هناك تَطبيق فالانْتِماء الصوري لا قيمة له فلو أنَّ محلاًّ مَكتوبًا عليه شِعارٌ، فاخْتِلاف اللافِتات لا قيمة له، فما دام لا توجَد بِضاعة إطْلاقًا، فاللافِتات لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر ! قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾ [ سورة البقرة ] فَمَن آمَن بالله مِن هؤلاء جميعًا، واليوم الآخر وعمِل صالِحًا فلا خوف عليهم ولا هم يَحْزنون، معنى ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يُريدُكَ طائِعًا مُقْبِلاً عليه وطائِعًا لِشَرْعِهِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] فهذا هو الإقْبال على الله. أيُّها الإخوة الكرام، الإنسان عنده إدْراكٌ وشُعور، فالإدْراك قد يشْمَلُ جميعَ المسلمين، أما العِبادة فَهِيَ الشُّعور، فالصَّلاة تنْقُلُكَ مِن الإدْراك إلى الشُّعور، خُذْ ألْفَ رجُل وسلْهُ مَن خلق السماوات والأرض ؟ يقولون لك: الله عز وجل، وهذا الكتاب كلامُهُ، فلو سألْتَ الآلاف المُؤلَّفة عن حقائِق الدِّين لأجابوك ، ولكن كيفَ يتمايَزون ؟! في قُرْبِهِم إلى الله عز وجل، لذلك لا خيْر في دينٍ لا صلاة فيه، ومَن تَرَك الصَّلاة فقد كفَرَ، والصلاة عِماد الدِّين فمَن أقامَها فقد أقام الدِّين، فالإدْراك أحْيانًا جيِّد، أما الإقْبال ضعيف، فالعِبادة إقْبال وليس إدْراك فالإدْراك قد يكون بِحُكْم الحِسّ السليم والفِطْرة السليمة، ولكنَّكَ تعْبُدُ الله تعالى بِمَشاعِرِك، فالصَّلوات عِبادة، إنسانٌ يَظُنّ الناس جميعًا أنَّهُ أسْلَمَ مُفَكِّر فْرنسي ! وفَرِحَ المسْلمون لإسْلامِهِ وطبَّلوا، وابْتَهَجوا، وألْقى مُحاضَرات، وقبل أيَّام نُقِلَ عنه حديثٌ صَحَفي، قال: أنا لا أُصَلِّي لأنَّ تأمُّلي في ذات الله صلاة، وأنا لا أصوم لأنَّهُ ترْكَهُ إيذاء الناس هو الصِّيام، ولا يعْتَقِدُ بالسُّنة ولا بالعلماء إطْلاقًا، فَهُوَ لا يعْتَقِدُ إلا بِما كان يعْتَقِدُهُ ! فالإنسان لا ينبغي أن يكون ساذجًا، ولا أن يكون بسيطًا، إن لمْ يعْبُدِ الله تعالى لا يكون قريبًا منه، فالقُرْب من الله تعالى يعْني أن تعْبُدَهُ، يعني أن تُصَلِّي وتَصوم وتغضَّ البصَر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] القناعةُ شيءٌ، والاتِّجاهُ شيءٌ آخر فالإنسان قد يقْتَنِعُ بأشْياء كثيرة ولكن يتَّجِهُ إلى أشياء لا تُرْضي الله تعالى، فالآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] الله تعالى يريدُ قلبَك ويريدُ أن تلْتَفِتَ إليه، ويريدُ اهْتِمامَكَ، يريدُ حُبَّكَ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] الحقيقة هنا علاقة ترابُطِيَّة ؛ وهو أنَّك لن تستطيع أن تُقْبِلَ على الله تعالى إلا إذا كُنْتَ مُحْسِنًا لِخَلْقِهِ، لأنَّ هؤلاء العِبادِ خلْقُ الله تعالى، إن أسأتَ إليهم وأوْقَعْتَ فيهم الأذى، وإن أكَلْتَ مالهم، وألْقَيْتَ في قلوبِهِم الخَوف لن تستطيع أن تتوجَّهَ إلى الله تعالى إطْلاقًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] أي ارْتَبَط بالدِّين ارْتِباطًا متينًا فهناك أحْيانًا لأدْنى إغراء أو ضَغْط، فهذا مُقاوَمَتُهُ هشَّة، وهذا عُرْوَتُهُ غير وُثْقى، وارْتِباطُهُ بالدِّين ضعيف فأدْنى ضَغْطٍ أو إغْراء يعْصي الله تعالى، وهناك مَن ارْتِباطُهُ بالدِّين وثيق وعُرْوَتُهُ وُثْقى، فمهما تلقَّى ضَغْطًا يقول: أحدٌ أحد فرْدٌ صَمَد ! قال تعالى: ﴿مِن الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾ [ سورة الأحزاب ] ما غيَّر وما بدَّل، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)﴾ [ سورة الحج ] فالعُرْوَة الوُثْقى أن تُحْسِنَ إلى الخَلْق، وأن تتَّصِل بالحق، ولن تتَّصِل إلا إذا أحْسَنْتَ، ولن تُحْسِن إلا إذا اتَّصَلْت، فالاتِّصال يُعينُكَ على الإحْسان، والإحْسان يُعينُكَ على الاتِّصال، وكُلٌّ منهما سبب ونتيجة علاقة مُتَرابِطَة، فالإحْسان سبب للتَّوجُّه إلى الله تعالى، والتَّوَجُّه إلى الله سبب للإحْسان، وكُلَّما ازْدَدْتَ إحْسانًا اِزْدَدْتَ إقْبالاً، وكُلَّما اِزْدَدْتَ إقْبالاً اِزْدَدْتَ إحْسانًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾ [ سورة لقمان ] فالله تعالى يُريدُ وَجْهكَ، واتِّجاهَكَ واهْتِمامَكَ، وقلْبَكَ ومشاعِرَك، فهذه يُريدُها، أما قناعاتك، كم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(25)﴾ [ سورة لقمان ] فالقناعة شيء والشُّعور شيءٌ آخر العُرْوَة الوُثْقى هي التي لا تُفَكّ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾ [ سورة لقمان ] الأمور بالخواتيم، والغِنَى والفقْر بعد العَرْض على الله تعالى، ولا يُسَمَّى العاقِلُ عاقِلاً إلا إذا وصَلَ إلى الجنَّة، أما إذا وصَلَ إلى الجنَّة فلا يُسَمَّى عاقِلاً، فهذا يُسَمَّى ذَكِيًّا لا عاقِلاً، لذلك قال الإمام عليّ كرَّم الله وجْهه: يا بُنيّ ما خيْرٌ بعدهُ النار بِخَيْر، وما شرّ بعده الجنَّة بِشَرّ، وكُلُّ نعيم دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاء دون النار عافِيَة، فنجاحُكَ الاقْتِصادي ونجاحُكَ في جَمْع المال ونجاحُك في نَيْل الدَّرَجات العِلْمِيَّة، وفي تَجْميع الناس حَوْلَكَ، والارْتِقاء في المناصب العليا ؛ هذه كُلُّها نجاحات، هذه النجاحات إذا انْتَهتْ إلى النار فهِيَ ليْسَت بِنَجاح وكلّ المتاعب والأحزان والهُموم والمصائِب إذا أفْضَتْ بِكَ إلى الجنَّة فهذه نِعَم ! حتَّى لو فقَدْتَ حُرِيَّتَكَ وأمْضَيْتَ سنوات طويلة، وخَرَجْتَ حافِظًا لِكِتاب الله فهذا مِن النِّعَم الباطِنة، فالنِّعَم الظاهِرة التي تعارف الناس على أنَّها نِعَم، والباطِنة هي المصائِب ؛ ما خيْرٌ بعدهُ النار بِخَيْر، وما شرّ بعده الجنَّة بِشَرّ، وكُلُّ نعيم دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاء دون النار عافِيَة، وهناك قَول آخر للإمام عليّ كرَّم الله وَجْهه يقول: فَلْيَنْظُر ناظِرٌ بِعَقْلِهِ أنَّ الله أكْرَمَ مُحَمَّدًا أم أهانَهُ حينما زوَى عنه الدنيا ؟!! فهل زار النبي عليه الصلاة والسلام العالم ؟ وهل رأى المُدُن الجميلة ؟ وهل ركِب السيارات الفَخْمة ؟ مِن مكَّة إلى المدينة ؛ صَحْراء، وتَمْر وماء ينامُ أحْيانًا جائِعًا، وما ذاق من الدنيا شيئًا، فَلْيَنْظُر ناظِرٌ بِعَقْلِهِ أنَّ الله أكْرَمَ مُحَمَّدًا أم أهانَهُ حينما زوَى عنه الدنيا، فإن قال: أهانَهُ فقد كذَب وإن قال: أكْرَمَهُ فقد أهان غَيْرَهُ حينما أعْطاهُ الدنيا ! فالدُّنيا مُوَقَّة وليْسَت عطاءً، وهي أحْقَرُ مِن أن تكون عطاء الله تعالى لو كانت الدنيا تعْدِل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى منها الكافر شرْبة ماء، وهي شيءٌ طارئ ومُوَقَّت لا يُقَدَّم ولا يؤَخِّر لذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾ [ سورة لقمان ] أيُّها الإخوة الكرام، إنَّ الذي يعيش المستقبل هو العاقِل، والمستقبل فيه الموت، وبعد الموت هناك برْزَخ، وبعد البرْزَخ إما الجنَّة وإما النار فو الذي نفْس مُحَمَّد بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار، فَكُلّ إنسان يعيش لحْظة مُغادَرة الدنيا، ولحْظة دخول القبْر ؛ هذا إنسانٌ عاقِل، وإنسانٌ يَعُدّ للِقاء الله تعالى، وكلّ مَن يعيشُ لَحْظتَهُ فهذا غبيّ والهلاك كُلّ الهلاك أن تُقيم على معْصِيَة، وأن تأكل مالاً حرامًا وأن تُنفقَ مالاً حرامًا، وأن تُمَتِّع عيْنَيك بما حرَّمَهُ الله تعالى، أما إذا كنت في سيارة والنسيم عليل ولكن المِكبح مُعَطَّل وأنت لا تعْلم فأنت عاقِبَتُكَ الموت وأنت لا تعلم، لذا الويل لِمَن كان على غير طاعة الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾ [ سورة لقمان ] كنت البارحة في زِيارة إنسان في أحد مطارات العالم، شَخْص مُتَكَبِّر ومُتَعَجْرِف ومُسْتعلي، يُخاطِب المُوَظَّف بِأعلى درجة مِن الاسْتِعلاء فالمُوَظَّف تحمَّل غَطْرسَتَهُ، ولكن ماذا فعل هذا الموظَّف: حوَّل أمْتِعَة هذا الإنسان كُلَّها إلى توكيو، الشَّخص كان ذاهِبًا إلى أمْريكا ! دَقِّقوا قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)﴾ [ سورة لقمان ] قد يرْتكب الإنسان جريمة، ويسْرِق ثلاثة عشرة غرام مِن الذَّهب وبعد حين يُلقى عليه القبْض ويُعْدَم !!! فهل هذا ذَكِيّ ؟ فالأمور بِنِهاياتها وخواتمِها وما بعد الموت. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة لقمان (31) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] هناك في الكَون حقيقةٌ واحِدَة ؛ هي الله تعالى، فَكُلّ شيءٍ يُقَرِّبُنا من هذه الحقيقة أُمِرنا به، وكلّ شيءٍ يُبْعِدُنا عنها نُهينَا عنه، فلو قرأتَ القرآن الكريم كُلَّه، وكذا السنَّة المُطَهَّرَة كلَّها، لما وَجَدْتهما يزيدان عن أمْرٍ لما يُقَرِّبُك، وعن نَهْيٍ لما يُبْعِدُك، أما الذي سكَتَ عنه القرآن ولا علاقة له لا بالقُرْب ولا بالبُعْد، فالذي سَكَت عنهُ القرآن حِيادي ولا يُقَرِّبُ ولا يُبَعِّدُ، ألوان الألبسة وأنواع الأثاث وشَكْل المساجِد وشَكل البيوت، وحينما تنتهي الدنيا تنتهي، أما غضُّ البصَر فهذا يُقَرِّبُك، وإطلاق البصَر يُبْعِدُكَ والكذِب يُبْعِدُكَ والصِّدق يُقَرِّبُك، فَكُلّ شيءٍ يُقَرِّبُكَ أمرَكَ به القرآن ولو درجةً بالمائة ! وكلّ شيءٍ يُبْعِدُكَ نهاك عنه، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ [ سورة الزلزلة ] وَجَدت نملة على الرصيف قتَلتها ! أنت مُحاسب ! أنا أذْكُر لكم أدقَّ الأشياء، قال له عِضني ولا تُطِل، فإذا قلتَ لي هذا الكِتاب مِن دفَّتِهِ إلى دفَّتِهِ، وهذه السنَّة التي تحوي حوالي مائتان ألف حديث، ومجموع السنَّة ستُّ مائة ألف حديث، هذه الأحاديث مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، يقول عليه الصلاة والسلام: ((ما ترَكْتُ شيئًا يُقَرِّبكم إلى الله تعالى إلا أمرتكم به )) فأيُّ شيءٍ يُبْعِدُكَ ولو كان بِأدَقِّ الأشياء فالله تعالى نهاكَ عنه، فإذا قلتَ لِصاحِبِكَ والإمام يَخْطُب: أنصت فقد لَغَوْتُ، ولو كانت معك مَسْبَحة فهذه ممنوعة أثناء خطبة الجمعة أو دروس العِلم، حتَّى في علاقتك الزَّوْجِيَّة، واللِّقاء الزَّوجي، وفي الاغْتِسال، وفي قضاء الحاجة ؛ مَنْهَج كامِل اِفْعَل ولا تفْعَل، فلِذلك قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ (سورة لقمان ) تحت هذه الكلمة ضَع كلّ مذاهِب الأرض، وكلّ النَّظَرِيَّات، وكلّ الطُّروح والمُعْطَيات والمذاهب، وكلّ المِلَل والنِّحَل، لماذا ربُّنا سبحانه وتعالى ذَكَر الحقَّ مُفْرَدًا ؟ وذكَر الباطِل جمْعًا ؟ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾ [ سورة الأنعام ] لأنَّ الباطِل يتعدَّد، كما أنَّ بين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيم واحِد، والثاني فوْقَهُ يأتي، فالحق لا يتعدَّد، والطريق المستقيم واحِد، ولكن يُمْكِن أن ترْسُم ألف خطٍّا مُنْحني انحناء خفيفا، وانحناء أشَدّ، وخطّا مُنْكَسِرا وآخر مُتَعَرِّجا، فالطُّرق المُلْتَوِيَة كثيرة، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾ [ سورة البقرة ] سأطْرَحُ حقيقة خطيرة ؛ إذا كُنَّا جميعًا على الحق فَلِقَاؤُنا حَتْمي ! إلهٌ واحِدٌ، والنبي فينا واحِدٌ، وسنَّة واحِدة، فإذا تفرَّقْنا معنى ذلك أنّ هناك أهْواء، ومصالِح ! طيِّب لو قُلْتُ: سأسير مِن هذا المسْجِد إلى خطِّ المُهاجِرين على الطريق الفلاني بالسُّرْعة الفلانيَّة، فَكُلّ مَن سار على هذا الخطّ وبِهذه السُّرْعة، فيَجِبُ أن يلتقي معي مائة بالمائة، فَلِقاء المؤمنين إن كان هَدَفُهم واحِدًا، وطريقهم واحِدًا، ووسيلتهم واحِدَة، فاللِّقاء حَتْمي، لذا الخُصومات أساسُها أنَّ واحِدًا يُعْلِنُ أنَّهُ على حق وهو ليس كذلك والثاني على الحق، فالاخْتِلاف هو الذي فرَّق المسلمين، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] هو الحق خالِقًا، وهو الحق ربًّا، وهو الحق إلهًا، وهو الحقّ مَوْجودًا وكامِلاً، وشَرْعُهُ هو الحق، ومَنْهَجُهُ هو الحق، وسنَّة نبيِّه هو الحق، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((طوبى لِمَن وسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتهوِهِ البِدعة.)) قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] هناك آية قرآنِيَّة تُفيدنا في هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)﴾ [ سورة البقرة ] القوَّة مُطْلقة، فقُوَّة الجمال لله تعالى، فقد يسْتَهْويهِ أحْيانًا الإنسان الجمال ! فيَتْرُكُ الصلاة ويلْتَحِق بامرأة، ولكنَّه لو عرف شيئًا مِن جمال الله عز وجل لقال كما قال العارِفُ بالله تعالى: فلو شاهَدَتْ عَيْناكَ مِن حُسْنِنَا الذي رأَوْهُ لما ولَّيْتَ عنَّا لِغَيْرِنَا ولو سَمِعَت أذناك حُسْن خِطابنا لَخَلَعْتَ عنك ثِياب العُجْب وجئتنا ولو ذُقْتَ مِن طعْم المحبَّة ذرَّةً عذَرْتَ الذي أضْحى قتيلاً بِحُبِّنـا ولو نسَمَتْ لك مِن قُرْبِنا نسْمَةٌ لَمُتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُرْبِنــــا فما حُبُّنا سَهْل وكلّ من ادَّعى سهولته قلنا له قد جَهِلْتنـــــا *** العِزُّ عند الله، والمكانة عنده تعالى، والغِنى عنده سبحانه، والله هو صاحِب الشَّأن، وهو الذي يُعطي السَّلام والطمأنينة، قال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾ [ سورة الأنعام ] أحْيانًا الشَّخْص القويّ تقول عنه: هذا يلْزمني وتأخذ رقْم هاتِفِه، والله عز وجل يُؤَدِّبُهُ تأديبًا شديدًا فيتخلَّى عنه، أو في أضْيَقِ الحالات لا يسْتجيب له، أما الذي يَعْتَمِدُ على الله عز وجل فما مِن مخلوق يعْتَصِمُ بي مِن دون خلْقي أعْرف ذلك مِن نِيَّتِهِ فتكيدهُ أهل السماوات والأرض إلا جَعَلْتُ له من بين ذلك مَخْرَجًا، وما مِن مخلوق يعْتَصِمُ بِمَخلوق دوني أعرف ذلك من نيَّتِهِ إلا جَعَلْتُ الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يَدَيْه، ذلك لأنَّ الله هو الحق ! عندنا بالكَون نَظَرِيَّة فلْسَفِيَّة اسْمُها الاثْنَيْنِيَّة، فالكون اثنان ! كيف ؟! هناك حق وهناك باطل، وخير وشرّ، واسْتِقامة وانْحِراف، إخلاص وخِيانة، وإحْسان وإساءة، إنْصاف وظُلْم، ويجب أن تعْتَقِدوا أنَّكم إن لم تكونوا على أحد الخطَّيْن فأنت على الآخر حَتْمًا، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل، وإن لم تكن مستقيمًا فأنت مُنْحرِف، وإن لم تَكن مُحْسِنًا فأنت مُسيء، وإن لم تَكُن مُنْصِفًا فأنت ظالم، هذا هو معنى الآية، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] فأيَّةُ نظَرِيَّةٍ تتناقض مع القرآن الكريم فَهِي باطِلة، ومعنى باطِلة أيْ زائِلَة فالجدار إن بنيْتَهُ بالشاقول فهذا مصيرُهُ السُّقوط، وإن كان بالشاقول فهذا مصيره البقاء، فَكُلّ بناء باطِل ينْهار، قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾ [ سورة التوبة ] عَمَلُكَ مِن بُنْيانك، وزواجُكَ مِن بنْيانك، وأولادك مِن بُنْيانك واخْتِيار أصْهار مِن بُنْيانَك، وعملكَ مِن بُنْيانَك، وقضاء وقْت فراغك من بنيانك، فَمَن بنى عمله على الرِّبا، وعلى تأجير أفلام مُنْحطَّة ! وبنى حِرْفته على الكذب والغشّ والخداع، وبنى بيْته على المعْصِيَة فهذا أسَّس بُنيانه على شفى جرف هار، ويُمْكن أن يتفاجأ أنّ زوْجته قد خانَتْهُ مع هذا الشَّخْص، وكلّ إنسان يتحرَّك حركَةً خِلاف منْهج الله يَدْفَعُ الثَّمَن باهِظًا، والله أيُّها الإخوة، أوَّل خُطبة خطبْتُها سنة الأربع والسَّبعون وأذْكر أنَّ شَخْصًا زارني، وبدأ يبْطي وقال: إنَّ زوْجتي تَخونني منذ خمس سنوات وأنا لا أدْري !! فقلْتُ له مَعَ مَن ؟ فقال لي: مع الجار ! فقلْتُ له كيف عرفها ؟ فقال لي: مرَّةً زارني بالبيت، فقلتُ لها تعالَي إنّ هذا مِثل أخوك !! فلمَّا الإنسان يُخالف منْهج الله يدْفع الثَّمن باهِظًا فهذا أحد سائِقي التاكسي اسْتَوْقفَتْهُ امرأة فقال لها: إلى أيْن ؟ فقالتْ له: لي أين ما تريد ! فَفَهِمَ، واعْتَبَر هذا مَغْنمًا وفُرْصَةً لا تُعَوَّض، وبعدما قضى حاجته أعْطَتْهُ فوق ذلك ظرْفَين الأوّل فيه خمْسة آلاف دولار ! والآخر في رسالة تقول: مرحبًا بِكَ إلى عالم الإيدْز، والخمسة آلاف كانت مُزَوَّرة فَوُضِعَ بالسِّجْن !! لو كان مؤمنًا لركلَها بِقَدَمِه، يا بُنَيّ العِلْم خير مِن المال ؛ لأنَّ العِلم يحْرسُكَ، وأنت تحرس المال، والعِلم يزْكو على الإنفاق، والمال يتلف. أيها الإخوة، صَعْب على المؤمن المستقيم يقع بِوَرْطَة !! فقد يدخل الإنسان إلى بيْتٍ فيه امرأة واحِدَة، فإذا بِها تصرخ وتدّعي أنَّه أراد أن يفْعل بها ! أما المؤمن لا يمْكِن أن يدخل بيْتًا فيه امرأة لِوَحْدِها ! والمؤمن لا يضَعُ نفسَهُ مَوْضِع التُّهْمة، وهذا خلاف السنَّة، فقد روى البخاري: (( أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَفَذَا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا)) [ رواه البخاري ] البيان يطْرد الشَّيْطان وإذا سافر الإنسان بلَّغ الجيران وأنَّه كلَّف ابن أخته أن يأتي للبيْت كي لا يتَّهِمك الناس في عِرْضِك، والشَّراكة بالعَقد مرَّةً سأل مُعاوِية سيِّدنا عمرو بن العاص وكان مِن دُهاة العرَب: فقال له: يا عمرو ما بلَغَ مِن دهائِكَ ؟ فقال: والله ما دَخَلْتُ مدخلاً إلا أحْسَنْتُ الخُروج منه! فقال له: لسْتَ بِداهِيَة ! أما أنا يا عمرو: ما دَخَلْتُ مدخلاً أحْتاج أن أخرج منه إلا أحْسنت الخروج منه ! فأنت إذا انْضبطت، وكانت أمورك وِفْق القانون الشرعي ووِفق البيان، فإنَّك تتجنَّب الشرّ، فأذْكر أنَّ مرةًّ كنت عند صديق في دُكانِهِ، وجاءه زائِرٌ من حلب، وأثناء الجلسة دخلتْ امرأة فرحَّب بها أشَدّ التَّرْحيب فرأيْتُ في هذا الزائِر انْزِعاجًا، فقلتُ له: هذه أُخْتُهُ ! وفِعلاً كانت أخْتُهُ ولكنَّ صاحِب المحل لم يُخْبِرْنا بِهذا إلا بعد خروجها من المحلّ ! فالإنسان إذا بيَّن ارْتاح، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ [ سورة لقمان ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة لقمان (31) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثلاثون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33)﴾ [سورة لقمان] اتَّقوا ربَّكم أي أطيعوه، أو اتَّقوا عذابَهُ، واتَّقوا سَخطَهُ، اتقوا معصيةً تُفضِي بك إلى النارِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [سورة لقمان] أحيانا الإنسانُ يعصي اللهَ من أجل ابنه و أحياناً يعصي اللهَ من أجل أبيه، فإذا عصيتَ اللهَ من أجل ابنك ومن أجل ان تؤَمِّن له مالا كثيرا الاِبنُ لا ينفع أباه يوم القيامةِ، عن عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)) [رواه البخاري] فقد تقع عينُ الأم على ابنها، تقول له يا بُنيَّ جعلتُ لك صدري سقاءً و حِجري وِطاءً و بطني وِعاءً، فهل من حسنةٍ تنفعني اليومَ من حسناتك ؟ يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنني أشكو مما أنتِ منه تشكين، فالإنسانُ عصى ربَّه من أجل ابنه فلا ينفعه أولادُه يوم القيامة، و إذا عصى اللهَ من أجل والده، والدُه لا ينفعه شيئًا يوم القيامة، سُئل أحدُ الشباب: إلى أين ذاهبٌ ؟ فقال: لأسكرَ على روح والدي، ترك له والدُه مائة مليون الأبُ سيحاسَب كيف جمعها و أنفقها و لم ينتفع بها هو، بل انتفع بها أولادُه، الآيةُ دقيقةٌ جدًّا، أحيانا تقول البنتُ لربِّ العزَّةِ يوم القيامة: يا ربي لا أدخل إلى النار حتى أُدخِل أبي قبلي، هذه الآية للعلاقات الأُسرية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [سورة لقمان] فلا ينفع الأب إذا عصى اللهَ من أجل ابنه شيءٌ، و لا يشفع الابنُ إن عصيتَ اللهَ من أجله. هنا نقطةٌ دقيقةٌ ؛ الخيرُ كلُّه في المؤاثرةِ، و لكن لا مؤاثرةَ في الخيرِ و لا أوثِر ابني و لا زوجتي و لا والدي على طاعة ربي، قد يقول الواحدُ: أنا أعصي اللهَ من أجل أولادي، اللهُ يغفر لي، لا مؤاثرةَ في الخير، طاعة الله لا ينبغي أن تؤثر عليها أحدًا، لا أبًأ و لا زوجةً و لا ابنًا، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)﴾ [سورة التغابن] أولا: " مِن " للتبعيض ؛ أي بعضُ أزواجكم، و قال علماءُ التفسير: هذه العداوةَ ليست عداوةَ حالٍ بل إنها عداوةُ مآلٍ، ولو أن الإنسانَ تحرَّك من هديِ زوجته التي تحب الدنيا و تريد المظاهرَ فكسب المالَ الحرام من أجل زوجته، ويحبُّها في الدنيا، أما يوم القيامة حينما يرى أنَّ طاعتها كانت سببًا في دُخوله النار تنْقلبُ المحبَّة إلى عَدَاوَة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)﴾ (سورة التغابن) عداوة مآل، كأن يقْتَرِح الشَّريك على شريكهِ صَفْقة غير نِظامِيَّة ولمَّا اشْتَروا هذه الصَّفْقة وضُبِطَت، وأحيل الشريك إلى السِّجن عندها يكرهُ شريكه فالله تعالى قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)﴾ [سورة النساء] وعَدَنا أن يُحاسِبَنا، ووعدنا أن يسألنا، ووعَدَنا أن يُجيبنا، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾ [سورة الحجر] فالله تعالى قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [سورة لقمان] معنى تَغُرَنَّكم ؛ أي لا تُعْطوها حجْمًا فوق حَجْمِها، فالإنسان في بِدايات حياتِهِ يرى المال كلّ شيء، وبعد حينٍ يراهُ شيئًا، أما عندما يحين وقتُ مغادَرَتِهِ يراه ليس بِشَيء، بل الشيء الوحيد هو طاعة الله عز وجل، والحقيقة أنَّ كلٌّ مِنَّا سيَعْرف الحقيقة، ولكنّ مهمَّة التعليم أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، أما مَا مِن مخلوق على وَجه الأرض إلا وسيَعْرِفُ الحقيقة بعد فوات الأوان، وهذه المعرفة لا قيمة لها إطلاقًا، والبُطولة أن تؤمن وأنت شَحيح صحيح قويّ، والبُطولة أن تؤمن قبل أن تمْرض وقبل أن تفْتقر، وقبل أن تهْرَم، فالإيمان سيَحْصل، فهذا فِرعون وآمَن وقال أنا من المسلمين، قال تعالى: ﴿أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾ [سورة يونس] كل الحقائق التي تُعرض عليكم من خلال آيات كتاب الله سوف تعرفونها معرفةً يقينِيَّة عند الموت، ولكنَّ لا قيمة لِهذه المعرفة، لذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33)﴾ [سورة لقمان] أيها الإخوة، والله الذي لا إله إلا هو ؛ مَن أصْبَحَ منكم مُعافى في جسَدِهِ، عندهُ قوتُ يوْمِهِ، وقد بكى أحد الإخوة حيث قالت له زوْجته ليس عندنا شيء ! فبَكى خشْيةً لله تعالى !! لأنَّ بيوتنا اليوم لا تخلو من الأكل والطَّبخ ولو خبز وزيت، وبرغل، ومعكرونة، فالإنسان المؤمن الصادِق يُعِدُّ العدَّة لهذه الساعة، لذا لا تُعطي الدنيا حجْمًا أكبر مِن حجْمها، وهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) [رواه الترمذي] هناك رجل توفِّي وترك خمْسة أولاد لأخيه، وهذا الأخ له شيْخ فحكى عليه الموضوع، فهذا قال لهذا الأخ: ألم يتْرك شيئًا ؟! فقال له: ترك ما يكفيهم ثمانية أشْهر ! فهذا الأخ مات بعد أربعة أشْهر !! وأذكر أحدهم كانت له غرفة بِمَسْجد، والمسجِد كان سيُوَسَّع، فَقَلِقَ قلقًا غير معقول، فقدَّم طلبات، وَوَعَدُوه بِتَأمين بيتٍ له أفْضل مِن بيْتِهِ ماتَ قبل هَدمِ بيْتِهِ !! فالإنسان يُعطي الأمور حجمًا كبيرًا، وهذا الحجْم يسْحَقُهُ، فالله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾ [سورة لقمان] وهو الشيْطان، أوْضَح مثل قاضي نزيه جدًّا، قال لك آذِنُهُ قدِّم له هدِيَّة جيِّدة يُعينك، فإذا بالخَصم يفاجئ أنَّ هذا القاضي نزيه، فلم يحْكُم له القاضي لِصالِحِهِ، وهكذا هو دَور الشَّيطان، يقول لك: لا تُدَقِّق، والله غفور رحيم، والنبي يشْفع ! فهذا كلام الشَّيطان فالشيطان يريد أن يغرّ الإنسان، فالشيطان يَعِدُ ويُمَنِّي، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [سورة إبراهيم] فالشيطان يُمنِّي، ويَعِدُ، ويُخَوِّفك، ويعِدُكَ الفقر ويأمرك بالفحشاء قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)﴾ [سورة النساء] لذلك ابن عمر دينَكَ دينَكَ ؛ إنَّه لحْمُكَ ودَمُكَ، خُذْ عن الذين اسْتَقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا. فهذه الآية دقيقة، أحدهم أخذ غرفةً بِشارع برْنِيَّة، والبيت بأعلى كِسوَة، ولكن هذا الإنسان له أذْواق أرْقى مِن هذه، فأعاد البيت على الهَيْكل، قلِعَت النوافِذ، وكُسِر البلاط، وبعد سنَتَين من العمل وبعدما انْتَهَت الكِسوة الجديدة توفَّاهُ الله بعد أسبوع !! وأحدهم كما يُحَدِّثنا أحد إخواننا، طلب منه أن يصْنَعَ غرفة نوم، فبَقِيَ المشتري سِتَّة أشْهر كي اسْتَقَرَّ على غرفةٍ أعْجَبتْهُ، وتابعني سنة حتَّى انْتَهَت، وبعدها لم يأت ليأخذها، فاتَّصل به، فإذ به يسْمع ضجيج ! قال: أين صاحب هذه الغرفة فقيل له: لقد توفّي !! وآلاف القصص ما انسكنتْ، وشهادات لم تُسْتَعمل، ومنْصب لم يصِلْهُ، لذا لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، والدُّنيا تغُرّ، وتضرّ، وتمرّ، وهي دار مَن لا دار له ولها يسْعى مَن لا عَقْل له، فهذه هي الآية: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾ [سورة لقمان] والله تعالى يقول: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾ [سورة الزخرف] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾ [سورة الكهف] أذكر قبل عشرين سنة أنَّ أحد الأصدِقاء أخذني إلى حلب وأراني حيًّا اسمه الشَّهباء ؛ هذا الحيّ شارع المالكي يظهر كالكوخ أمامه، فيلات أشكال وأنواع، لفتَ نظري فيلا على النَّمَط الصيني، فقال لي: هذه كلَّفت سنة الأربع والسَّبعين خمسة وثلاثون مليون، واليوم ثمنها سبعمئة مليون، تُوُفِّي صاحبها في الثانيَة والأربعين، وكان طويل القامة ولمَّا وُضِعَ القبْر وُضِعَ مُعْوجًّا !! فالعِبرة الفرَح بالطاعة وطلب العلم ومال تنْفقُهُ في سبيل الله، أما الاعْتِناء بالدنيا فهذا كزبد البحر، فعن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: (( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئً )) [رواه البخاري] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)) [رواه البخاري] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى)) [رواه البخاري] وقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾ [سورة الزمر] قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾ [سورة لقمان] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة لقمان (31) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، بعض الأئمَّة رأى في المنام ملَكَ الموت، وأظُنُّه الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقال يا ملَكَ الموت كَم بَقِيَ لي من عمري ؟ فأشار إليه ملَكُ الموت هذه الإشارة ؛ خمسة ! فلمَّا اسْتيقظ الإمام مالِك ازْداد قلقًا ! يا تُرى خمسُ سنواتٍ أم خمْس أشْهر أو خمسة أيَّام أم خمْسُ ساعات، فذَهَب إلى الإمام ابْنِ سيرين رحمه الله وكان عالِمًا في تفسير الأحلام، فقال له هذا الإمام: يا إمام، يقول لك ملَكُ الموت، إنَّ هذا السُّؤال مِن خمْسة أشياء لا يعْلمها إلا الله ! لأنَّ الله سبحانه وتعالى في الآية الرابعة والثلاثين والأخيرة مِن سورة لقمان يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾ [سورة لقمان] بعض العلماء المُعاصرين أجْرَى حِسابًا على الكمبيوتر، فَوَجَدَ أنَّ كلّ أرقام القرآن الكريم من آيات وأرقامها، وعدد الآيات والأحرف يقْبَلُ القِسْمة على تِسْعة عشر ؛ إلى حدٍّ ما قَبِلْنا منه ذلك ! ثمَّ فاجأ الناس بِمُحاضَرة في مِصْر أنَّه يعْلَمُ متى يوْم القِيامة !! فانْسَحَب الناس كلُّهم من المُحاضرة، لأنَّ الله عنده علم الساعة. أما المَطَر، فالحقيقة أنَّ الله تعالى ثبَّتَ أشياء، وحرَّكَ أشياء، نحن لا نقْلقُ من أجلها، فالله تعالى ثبَّتَ دوْرة الأرض حول نفْسِها، ونحن لا نشْكو مِن عدم وُجود ليل أو نهار، فالليل والنَّهار مُنْتَظِمان، فَدَورة الأرض حوْلَ نفْسِها ثابِتَة، ودَوْرتها حوْل الشَّمس ثابِتَة، ومُمْكِن أن تعرف قبل ألف عامٍ متى كان شُروق الشَّمس يوم كذا وكذا ؟ فهذه الأشياء ثابِتَة، ولكنَّ الله تعالى حرَّكَ المَطَر، فالأمطار تُشْبِه أرْقى آلة ولكنَّ مِفْتاح التَّشْغيل بِيَدِ الله عز وجل، فآلِيَة المَطَر دقيقة جدًّا، ووِفْقَ أدَقِّ القوانين العِلْميَّة، ولكن متى يسْمح الله لِهذه القوانين أن تعمل أم لا ؟ بيَدِ الله عز وجل، لذا وَجَد العلماء الآن - وهو شيءٌ مُدْهِش - أنَّنا إذا جَمَعنا كمِيَّات الأمطار التي تهْطل في العالم، استَطَعنا أن نأخذ إحْصاءات دقيقة جدًّا، سوف ندْهش أنَّ الأمطار التي تهْطُل في كلِّ عامٍ لا تزيد ولا تنْقص، ولا ميلي مِتر، إلا أنَّها تتوزَّع، ولو دُهِشْتُم أكثر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (( لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَعْنِي عَامًا أَخْصَبَ مِنْ عَامٍ وَلَا أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَخِيَارُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا وَيَجِيءُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ )) [رواه الدارمي] على مسْتوى الأرض، فمرَّة بأوروبا الجفاف، ومرَّة بإفريقيا، ومرَّة بالشرق الأوسَط، وسُيول في مِصْر أما لو جَمَعتَ كمِيَّة الأمطار التي تهْطل في العالم لوَجَدتها واحِدَة والنبي صلى الله عليه وسلَّم لا ينْطِق عن الهَوى، ولو سألت أصحاب الأرصاد الجَوِيَّة الآن لقالوا لك أنَّ نِسَب الأمطار في العالم واحِدَة إلا أنَّها تخْتلف مِن بلدٍ لآخر. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة لقمان] دِقَّة هذه الآية في حرْف ما، لو أنَّ الله عز وجل قال: ويعْلم مَنْ في الأرحام ! فهو تعالى يعْلم ذَكَرًا أو أنثى ! لكنَّ الله تعالى قال: مَا في، تُفيد الإطلاق، فالحُوَين المنَوِي عليه خمسة آلاف مليون معْلومة مُبَرْمَجَة، وأرقى عِلْم الآن على الإطلاق في الطِّب ؛ الهَنْدسة الوِراثِيَّة ! لأنَّ كلّ حالات الإنسان راجِعَة إلى مُوَرِّثاتِهِ، فالذي معه الكولِسترول يكون معه خطأ بالمُوَرِّثات، والذي عنده ضَغْط مرْتَفعِ فقد يكون وِراثة، فهذه الأعراض الطارئَة لها أصْل في المُوَرِّثات وحتَّى الآن وصَلوا ثمانِيَة مُوَرِّث إلى خمْسة آلاف، ماذا قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة] فإذا شاء لنا أن نعلم بعض المُوَرِّثات، فهو الذي شاء وسَمَح لنا أن نعلم، وهذا لا إشْكال فيه، لأنّ الإنسان لا يسْتطيع أن يعْلم شيئًا لم يشأْهُ الله تعالى، فالاختراع أساسُهُ الإلْهام، أحَدُ العلماء الذين اخْتَرَعوا بعض المُخترعات، واسْمُهُ أَدِسُن قال: العَبْقَرِيَّة تِسْعٌ وتِسْعون منها عَرَق ! وواحِد بالمائة منها إلْهام، فلا يوجَد عالِمٌ اكْتشَفَ شيئًا إلا وأُلْقِيَ في روعِهِ، فالاخْتِراع والاكْتِشاف والإبْداع هِيَ إشْراقة من الله عز وجل، لأذلك قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة] لا يسْتطيع الإنسان أن يعْلَمَ شيئًا ما أرادَهُ الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة لقمان] ولم يقُل مَنْ ! فالمولود الذي يولَدُ لك ؛ هل تعلم أنَّه سيَكون عبْقَرِيًّا ؟ أم مُخْتَرِع ؟ أم أكبر داعِيَة للدِّين ؟ أم مُجْرِما ؟ أم مُستقيما ؟ أم مُنْحَرِفا ؟ وهل هو عَصَبِي المِزاج ؟ أم هادئ المِزاج ؟ فالخمسة آلاف مليون مُوَرِّث لا يعلمها إلا الله، فهؤلاء العُظَماء الذين تَركوا بصَمَات في الحياة أجْهَدوا أنفسهم، لذلك الأنبياء وحْدهم لهم بالحياة إرْهاصات أي مُعْجِزَة مُبَكِّرة، كي لا يتفاجَىء الناس، فهذا النبي أُعِدَّ لِيَكون نبيًّا فسيِّدُنا عيسى وهو في المهْد قال: إنِّي عبْد الله ! فهل هذا معْجزة ؟ لا وإنَّما إرْهاص ؛ أيْ إشارة مُبَكِّرة إلى نُبُوَّتِهِ. فالله عز وجل قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة لقمان] ألم يكن طِفلاً صغيرًا، فَمن يعْلم مصير الإنسان ؟ لا يعلم الغَيْب إلا الله، أما إذا عرفوا أنّ الجنين ذكر أم أُنثى ! فهذا لا يتعارَض مع النص القرآني، لأنَّ الله عز وجل قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة] وأنا من دون جِهاز أعرف إن كان ذكرًا أم أُنثى !. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان] نحن لا نعرف المستقبل ولا يعْلم الغيب إلا الله، ومن ادَّعى الغيب فَهُوَ دجَّال، وقد قال عليه الصلاة والسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) [رواه أحمد] فلا يعلم الغيب إلا الله قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾ [سورة الاعراف] قد يقول الواحد مِنَّا: لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حكى مئات الأحاديث عن يوم الساعة ! فالجواب: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يعْلم الغيب بذاتِهِ إلا أن يُعْلِمَهُ الله، فكلّ حديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام وعن أشْراط الساعة، وعن قِيام الساعة ليس مِن عِلمهِ الذاتي ولكن مِن إعلام الله له. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان] يرْوا قِصَّة رمْزِيَّة أنَّ سيِّدنا سليمان كان عنده رجل، وملكُ الموت، وكان ملك الموت يُحِدُّ النَّظَر إليه، فسأل الرجل سليمان: من هو الرجل ؟ فقال: هذا ملكُ الموت ! فترجَّى سليمان أي يأخذه إلى طرف الدنيا الآخر، فنقَلَهُ إلى الهِنْد ! وبعد يوْمَين مات بالهِند، ولمَّا التقى سيِّدنا سليمان بِمَلك الموت: فقال عَجِبتُ لك: لِمَ كنتَ تنْظر إليه هكذا ؟ فقال ملك الموت: أنا معي أمْر بِقَبض روحِه بالهِنْد، فما الذي جاء بِهِ إليك ؟!! فالإنسان قد يموت بِبَلَدِهِ أو بالغُربَة، أو بِمَكَّة أو المدينة فأنا كنت أعرف أخًا مِن إخواننا الدُّعاة إلى الله، فاجْتَمَعتُ معه في بيتٍ وتحادَثنا، وبعدها خرج، وما إن خرج حتَّى وجَدَ أحد الإخوة يطلبُ منه أن يأخذهُ بِسيَّارتِهِ إلى بيتِهِ، فهذا الأخ لمَّا وصل إلى البيت دَخَل بيتَهُ، ونزَع ثِيابَهُ وتسطَّح على فِراشِهِ، وانتَقَلَ إلى الرفيق الأعلى ! فهذا سبحان الله لو بَقِيَ دقائق ينتظر فيها التاكسي لمات بِها ! لذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان] لكنَّ النبي الكريم يقول: ((صنائِع المعْروف تقي مصارِعَ السوء )) فقد يكون الإنسان بفِراشِهِ أمام أهْلِهِ وأولاده، وبين أن يموت بالطريق أو حتَّى بالمرحاض !. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان] هل ستَكون فقيرًا أم غَنِيًّا ؟ تتزوَّج أم لا ؟ تنْجب أولادًا ذكورًا أم إناثًا ؟ أم عقيمًا ؟! فلا أحدَ يعْلم. فالله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾ [سورة لقمان] كان هناك رجل شاب له دُروس ناجِحَة، فانْزَعَجَ أحد الكِبار الذين انْصَرَف الناس عنهم، فجاء أحد الكِبار لِيُغيظَهُ، فحضَرَ درْسَهُ وبعد أن انتهى ؛ وقفَ وقال له هذا الكبير: يا هذا، هذا الكلام ما سَمِعناهُ مِن أحَدٍ !! فقال له الفتى: أَحصَّلْتَ العِلْم كلَّهُ ؟! فقال: لا فقال الفتى: هذا مِن الجُزْء الذي لم تُحَصِّلْهُ ! قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)﴾ [سورة الإسراء] وإذا تقدَّمتَ علمِيًّا، وعلِمَ العامَّة تقدُّمَكَ، فالله هو الذي شاء لهم أن يعْلموا تقَدُّمَكَ العِلْمي، والآية واضِحَة. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة] فإذا سمَحَ الله فلا مشْكِلة في هذا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم آيات محكمات قطعية الدِّلالة لا يختلف فيها اثنان و لا تحتاج إلى تفسير، لا تحتاج لا إلى زمخشري و لا إلى قرطبي و لا إلى جلالين، بلسان عربيٍّ مبين، قطعيةُ الثبوت واضحة الدلالة، سأُطَمئِنكم أنَّ كلَّ آيات التكاليف ؛ افعَلْ و لا تفعلْ واضحة الدلالة و قطعية الدلالة لا لُبسَ فيها، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(52)﴾ [ سورة يوسف ] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103)﴾ [ سورة النساء ] قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾ لو تتبَّعتَ آيات القرآن الكريم التي تتعلَّق بالأمر والنهي ؛ أي بالتكليف -والإنسان أيُّها الإخوة لا يُحاسب حينما يلقى الله إلاَّ على التكليف ولو سُئِل الإنسان كم نجوم السماء وقال: لا أدري، هل يدخل النار؟ أبدًا حتَّى لو توهَّم أنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض ؛ بحَسَب عينه التي في رأسه، هل يُحاسَب على هذا التوهُّم ؟ لا، لكنْ يُحاسَب إذا كذب، أو أكل مالاً حرامًا - فالأصل هو التكليف، و آيات التكليف واضحة لا لبس فيها، ولكنْ لحكمة َبالغة ورد في القرآن الكريم آياتٌ متشابهات، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)﴾ [سورة آل عمران] بعضهم وقف عند كلمة " الله "، وبعضهم وقف عند كلمة "والراسخون في العلم " و الفصل بين هذين الرأيين، هو أنَّ الآيات المتعلِّقة بذات الله لا يعلم تأويلها إلاَّ الله، والآيات المتعلَّقة بدينه يعلم تأويلَها اللُه و الراسخون في العلم، لذلك نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نخوض في ذات الله وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا ذُكر القدرُ فأمسِكوا" إذًا لا يعلم تأويل الآيات المتعلِّقة بذات الله إلاَّ الله، مثلاً: قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)﴾ [سورة الفجر] أين ؟ وكيف يأتي؟ صار هناك مكان وحركة وانتقال مِن مكان إلى مكان، هذه الآية مُتعلِّقة بذات الله السَّلف الصالح على أربعة اتِّجاهات ؛ اتِّجاهان سليمان واتِّجاهان فاسِدان الأوَّل أن تَكِلَ تفْسير هذه الآية إلى الله تعالى وترْتاح، كلُّها خمسة آيات: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)﴾ [ سورة الفجر ] وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [ سورة الفتح ] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [ سورة الحديد ] هذه مِن الآيات المُتَعلِّقَة بِذات الله تعالى، فهذه تَدَعُ تأويلها إلى الله وهناك رأيٌ آخر، وهو أن تُؤوِّلَها وِفْق ما يليق بِكَمال الله جاء ربُّك أيْ جاء أمْرُهُ، إنسان ظالم يأكل أموال الناس ويظلمهم، وهو في أكْمَل القوَّة، فالله عز وجل يُرْخي له الحَبْل، ثمَّ يبْطِشُ به، فحينما يبْطِشُ به، نقول: جاء أمر الله أي جاء التَّنفيذ، أحيانًا جِهَة قوِيَّة تُمِدُّ لإنسان مَشْبوه، وتتغافل عنه مِن أجل أن تعرف كلّ حركاتِهِ، وكلّ اتِّصالاته فإذا أُدين بالجرم المَشْهود أُلْقِيَ القبْض عليه، فهذا هو معنى وجاء ربُّك ! يُمْهِل، ويمُدّ للظالِمِ مدًّا، ويسْمَحُ له أن يتحرَّك مِن أجْل أن يأخذ كلّ أبعادِهِ، وبعد أن تتَّضِحَ وِجْهتُهُ، وينتهي مِن قصْدِهِ، ويأخذ كلَّ مطالبِهِ يجيء أمْر الله فيبْطشُ به، قال تعالى: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾ [ سورة البروج ] فالله عز وجل لهُ يَدُ، وهي القدْرة، وسَمع و بصر وهو العلم، أنت كلَّمتَ يعني عَلِم أي سمع , إن تحرَّكتَ رآك ؛ يعني عَلِم، وإن خطر ببالك خاطر فإنَّه يعلم ذلك، فالسمع والبصر مشتقٌّ مِن علم الله عز وجلَّ فإمَّا أن تُفوِّض وإمَّا أن تُأوِّل، مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل، أمَّا إذا جسَّدتَ فقلتَ مثلاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) [ رواه البخاري ] كما أنزل أنا، أو عطَّلت هذه الآيات فقلتَ: هذه الآيات هي عين ذات الله عز وجل فقد وقعتَ في عقيدة زائغة أمَّا إذا جسَّدتَها وعددْت سمع الله وبصره ومجيئه وذاته ونفسه ووجهه، عددت هذه الآيات منفصلة عن ذات الله جسَّدتها و أشركتَ، فالإنسان إذا جسَّد أشرك وإذا عطَّل أَلْحَدَ، أمَّا إذا فوَّض ارتاح وإذا أوَّل نفَعَ، إذًا هناك آيات محكمات بيِّنات لا لُبْس فيها هي حُجَّة الله على ابن آدم وهناك آيات تحتاج إلى تأويل أو إلى تفويض، و حرام أن نجسِّد و حرام أن نعطِّل. في سورة السَّجدة آية متشابهة إنْ أخذتَ بظاهرها ظنَنْتَ بالله ظنَّ السوء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾ [ سورة السجدة ] لو حرف امتناع لامتناع، أي امتنع أن نُؤتيَ كلَّ نفس هداها لامتناع مشيئتنا عن ذلك، يعني أنَّ الله ما شاء أن يهديَنا، مثلاً: أنشأنا سجنًا مركزيًّا ممتازًا لكنَّه فارغ، فأقمنا حاجِزًا في الطريق و كلُّ مَن نمسكه نأخذه إلى ذلك السجن، هل يُعقل هذا المعنى ؟ هل يليق هذا المعنى بذات الله؟ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180)﴾ [ سورة الأعراف ] أين حسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنَّة ؟ هذه آية متشابهة، هذه الآية هي التي عناها الله بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾ [ سورة الفرقان ] و قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾ [ سورة النحل ] فمثلُ هذه الآيات لا ينبغي أن تفهمها على ظاهرها، وهذه الآيات أيضًا فيها امتحانُ الله لعباده، نضرب مثلاً لذلك: صحابيٌّ جليل قال: أنا أصلِّي بغير وضوء، وأنا أفِرُّ مِن رحمة الله، وأكره اليقين، وأحبُّ الفتنة، و لي في الأرض ما ليس لله في السماء صحابيٌّ قال مثل هذا الكلام أمام سيِّدنا عمر، فضجر عمر مِن هذا الكلام، قال: ماذا يقول هذا ؟! قالوا: إنَّه يصلِّي على النبيِّ بغير وضوء ويحبُّ الفتنة و قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)﴾ [ سورة التغابن ] و يفِرُّ مِن رحمة الله ؛ مِن المطر، ويكره اليقين وهو الموت، طمعًا في العمل الصالح، وله في الأرض زوجةٌ وولدٌ ما ليس لله في السماء هذا التأويل، فحينما يتعارض المنقولُ مع المعقول نُأَوِّل، فإذا قال لك رجلٌ: في بيتنا زهرةٌ تلعب، معناها في بيتنا طفلٌ جميلٌ جدًّا كالزَّهرة تلعب، فهناك قرينة مانعة لفهم المعنى الحقيقي، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(8)﴾ [سورة النمل] هذه نار الحُبِّ، لأنَّ في اللغة مجازًا، وهذا مِن مجاز القرآن الكريم، يحتاج إلى تأويل و إلى تفسير و توضيح، هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾ [ سورة النحل ] و هذا معنى قوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾ [ سورة الفرقان ] فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ (سورة السجدة ) مثْلُ هذه الآية عشرات، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد] و قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ [ سورة السجدة ] ولكنَّ الله لم يَشَأ، فكيف تفسِّر هذه الآيات بما يليق بكمال الله و رحمته وعفوه، العلماء قالوا: الإنسان مُخيَّر، وحينما يفعل بعض السيئات يعزوها إلى الله، على قول العامة من الناس: كلٌّ شغلُ سيِّدك ! وهذا الكلام كفر، الإنسان يقترف المعاصي ثم يقول: هكذا قدَّر الله عليّ ! فالإنسان المُخَيَّر حينما يَعْزو أعْمالهُ السيِّئة إلى الله، فالله أجابه عنه هذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ [ سورة السجدة ] فلو شئْنَا أن نُجْبِرَكم على عمل قصري كما تدَّعون لما أجْبرْناكم إلا على الهدى، فالهُدَى القصْري لا يسْتفيد منه الإنسان شيئًا، مُدير جامعة لو أراد أن ينْجح كلّ طلاب الطِّب ! فهل يسْتطيع ؟! نعم يستطيع، يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبًا عليها الإجابة الصحيحة ثمَّ يعطيك علامة مائة على مائة وتُكتَب عليها أسماء الطلبة، هل لهذا النجاح قيمة عند الناس وعند الناجحين وعند إدارة الجامعة ؟ لا قيمة له إطلاقًا والدكتوراه الفخرية لا قيمة لها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ [ سورة السجدة ] أي أنَّ هذه الأفعالَ محضُ اختياركم ومِن كسبكم و سوف تُحاسبون عليها، و ليست مِن إجبار الله لكم، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾ [ سورة الأعراف ] فيا أيُّها الإخوة الأكارم ؛ هذه الآية متشابهة ؛ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، أي: يا عبادي لو زعمتم أو توهَّمتم أنَّنِي أجبرتُكم على المعاصي فأنتم واهمون، ولو أنَّني أجبرتكم على شيء ما لمَا أجبرتكم إلاَّ على الهدى، ولو شئنا أن نجبركم و نحملكم على شيء ما و نأخذ منكم إرادتكم الحُرَّة لآتينا كل نفس هداها. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ [ سورة السجدة ] لكنَّ هذه الأفعال التي تفعلونها هي محض اختياركم ومن كسبكم و سوف تُحاسبون عليها، والعمل السيئ جزاءه جهنَّم، فالإنسان إذا أوَّلَ بما يليق بكمال الله فهو دليل حسن إيمانه. هناك حديث مشابه لهذه الآية قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) [ رواه البخاري ] هذا الحديث في ظاهره مرفوض، أي لو لم تُحِسُّوا بذنوبكم، لأنَّ المؤمن ذنبه كالجبل جاسم على صدره، والمنافق ذنبه كالذبابة، فحينما لا تحِسُّون على ذنوبكم، معنى ذلك أنَّكم هَلكى يوُشِك أن يذهب الله بكم أمَّا إذا أذنب الواحدُ فاستغفر وبكى ودفع صدقةً وصحَّح معنى ذلك أنَّ قلبه حيٌّ، فحينما يتعارض المنقوُلُ مع المعقول نُأوِّل المنقولَ بما لا يخالف المعقول. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية ا لخامسة عشرة و السادسة عشرة من سورة السجدة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾ [ سورة السجدة ] أيُّها الإخوة، آية أخرى تقول: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(50)﴾ [سورة المرسلات] كأنَّ الله سبحانه وتعالى يرسم لنا طريقًا واحدًا إجباريًّا لمعرفته، فبأيِّ حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟ في الحقيقة، الإنسان كما كنتُ أقول كثيرًا إذا لم يعرف الآمرَ و عرف الأمرَ تفنَّن في التفلُّت مِن أمره أمَّا إذا عرف الآمر ثمَّ عرف الأمر تفانى في تطبيق أمره، الجنَّة تحتاج إلى طاعة، والطاعة لا تكون إلاَّ بمعرفة الآمِر، فإذا أغفلنا معرفة الآمِرَ، فأغلبُ الظنِّ أن لا نُطيع الله عز وجل، لأنَّ شرفَ الأمر بشرَف الآمر، فالإنسان لا يُعدُّ مؤمنا بآيات الله إلاَّ إذا كانت حالتُهكما هي هذه الحال، إذا تُلِيت عليه خرَّ ساجدًا،والسجود له معنيان، له معنى ظاهري مثل أن يكون الإنسان واقفًا فسجد، هذا شكلٌ ظاهري، أمَّا السجود الحقيقي أن تخضع نفسُه لعظمة خالقها و قد ورد في الحديث القدسي: ليس كلُّ مُصَلٍّ يصلّي، إنَّما أتقبَّل الصلاةَ لِمَن تواضع لعظمتي، وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾ [ سورة الحاقة ] لِمَ ؟ قال تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾ [ سورة الحاقة ] ما قال الله: إنه كان لا يؤمن بالله " و سكت، و غالب الظنِّ أنَّه كان يؤمن بالله، و لكن، بالله العظيم، فما عظَّم الله و ما عظَّم أمره، فما أطاعه، فاستحقَّ النار،، فكأنَّ التركيز على الإيمان بالله العظيم، الذي يحتاج إلى معرفة خلقه، لذلك: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾ [ سورة السجدة ] فحالته النفسية أنَّه خضع لله عز وجل، ما تقول في مجرَّةٍ تبعد عنَّا ثلاثمائة ألف مليار سنة ضوئية، فهذا الذي خلق الكون هو نفسه الذي أنزل القرآن، فبقدر ما تتأمَّل في السماوات و الأرض و بقدر ما تقف عند دقائق صنعة الله عز وجل و عجيب قدرته تستطيع أن تعظِّمه، و أن توَحِّده و أن تنصاع لأمره، ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾ [ سورة السجدة ] الكِبْرُ أيُّها الإخوة ما هو ؟ أحد الصحابة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدُنا يحبُّ أن يلبس الثياب الحسن أهذا كبْر؟ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) [رواه مسلم] بطر الحق أن ترُدَّ الحق و تستكبر عن الحق، أمَّا المؤمن تحت الحق خاضعٌ له، فنفسُ غيرِ المؤمن تُعظِّم صنعة الإنسان، لكنَّ نفس المؤمن تعظِّ صنعة الواحد الديَّان، نفس المؤمن ممتلئة بتعظيم صنعة الله، فلذلك إذا أعطاك المؤمن آيات في حياتنا و في النبات وفي الحيوان وفي الطعام والشراب هذا من تعظيم المؤمن لربِّه، وليس كلُّ مُصلٍّ يصلي، إنما أتقبَّل الصلاة لمَن تواضع لعظمتي وكفَّ شهوته عن محارمي و لم يُصِرَّ على معصيتي و أطعم الجائع وكسى العريان ورحم المُصاب و آوى الغريب، كلُّ ذلك لي، أي مخلصًا، فهؤلاء المؤمنون الصادقون الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾ [ سورة السجدة ] ومعنى سبَّحوا ؛ قال العلماء: نزَّهوا و مجَّدوا و صلُّوا، نزَّهوا الله عن كلِّ ما لا يليق به، هذا جزءٌ من التسبيح، ثمَّ مجَّدوا الله بأسمائه الحسنى و أفعاله و كمالاته وهذا من التسبيح ثمَّ اتصل به وهذا من التسبيح، نزَّه ومجَّد واتَّصل، وسبَّحوا بحمد ربهم" وكلمة بحمد ربهم تعني أنَّ كلَّ ما فعله الله يُحمَد عليه فالكون كلُّه تجسيدٌ لفضل الله، لكن قد يقول أحدُكم: والمصائب و الأمراض و المجاعات والزلازل والبراكين و القهر ؛ أشياءٌ مخيفة قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65)﴾ [ سورة الأنعام ] الحقيقة أنَّ كلَّ ما في الكون يدعو إلى أن تحمد الله عز وجل، لكنَّ المصائب لها تفسير بسيط كنتُ ذكرتُه سابقًا، وهو أنَّ هذه السيَّارة لماذا صُنعت في الأصل ؟ مِن أجل أن تسير، أليس الأمر كذلك ؟ هل يُمكن أن تُلغِيَ المحرِّك من السيَّارة ؟ و يبقى اسمها سيَّارة ؟ لا صُنِعتْ مِن أجل أن تسير، لماذا زُوِّدت بالمكابح ؟ والمكابح تتناقض مع سرِّ صنعتها، لأنها توقفها لسلامتها، والمصائب كلُّها يمكن أن تشبِّهها بالمكابح، فسعيًا وراء سلامة الإنسان تأتيه المصائب تكبح جِماحه ومعصيته و كِبْره وغفلته وتفلُّتَه، لهذا سمَّاها الله عزوة جل في كتابه بالنِعم الباطنة، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾ [ سورة لقمان ] أكثر الناس الذين اصطلحوا مع الله والذين أقبلوا عليه و نعموا بقربه لعلَّ اصطلاحهم معه بسبب مصيبة ساقها الله لهم، وقد قيل: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة، وقال ابن عطاء الله السكندري: رُبَّما أعطاك فمنعك و رُبَّما منعك فأعطاك، ومنعُ الله عينُ العطاء، هذه الآية الكريمة لو تأمَّلها الإنسان، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾ [ سورة البقرة ] في القصص المأثورة أنَّ رجلاً من أهل المدينة تزوَّج امرأةً فلمَّا دخل عليها لم تُعجِبه، فقضى ليلته الأُولى وفي صبيحة اليوم الأوّل من عرسه هام على وجهه متألِّمًا أشدَّ الألم مِن هذه المرأة التي لم تكن في مستوى طموحه، ويبدو أنَّ هذه المرأة صالحة وذكية، قالت له كلمة: يا فلان قد يكون الخير كامنًا في الشر " يعني إذا توهَّمتَني شرًّا فقد يكون الخير فِيَ، غاب هذا الزوج عن المدينة عشرين عامًا هائمًا على وجهه، ثم عاد إلى المدينة، و السُّنة أن يصلِّيَ قبل دخول بيته، فدخل إلى المسجد فإذا درسٌ فيه، فحلَّق حول المدرِّس أُلوف، سأل مَن هذا؟فقالوا له: هو مالك بن أنس، فعرف أنَّه ابنه، فقال: يا سيِّدي قل لأُمِّك: إنَّ بالباب رجلاً يقول لكِ: قد يكون الخير كامنا في الشر، قالت: يا بُنَيَّ هو أبوك، فأحيانًا الإنسان يتزوَّج امرأةً لا تعجبه فيرزقه الله منها الذريَّة الصالحة، فالإنسان عليه أن يستقيم و الباقي على الله و الاستسلام لله مُريحٌ كثيرًا، ولا بُدَّ أن تعرف أنَّ زوجتك قدرُك أولادُك قدرُك و حرفتك قدرُك، وليس في الإمكان أبدعُ ممَّا كان، مرَّة دخل إنسان على رجل رفيع فقال: أنت قدرُنا، إمَّا أن نصبر عليك و إمَّا أن تصبر علينا، و أولادك وزوجتك ومَن حولك هو قدَرُك، فلمَّا يوقن الإنسان أنَّ الله حكيم و رحيم، وهذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء و منزل طرَحٍ لا منزلُ فرح، ومَن عرفها لم يفرح لرفاه ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دارَ بلوى و جعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا وجعل عطاء الآخرة مِن بلوى الدنيا عِوضًا , يأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، هذا هو الاستسلام لله عز وجل. ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾ [ سورة السجدة ] ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾ [ سورة السجدة ] الإنسان يكون نائمًا نوما عميقًا على فراش وسيم في غرفة دافئة مطمئنًّا، ثم يؤذِن للفجر فينزع اللحاف عنه و يستيقظ، وهو معنى تتجافى، هذا المعنى الضيِّق، فالإنسان إذا أراد أن يصلِّيَ الفجر في وقته فعليه أن يستيقظ، طبعًا الجسد يدعوه إلى أن يبقى نائمًا، والمعنى الواسع لهذه الآية هو عدم الرُكون إلى الدنيا، هناك إنسان يحبُّ أن يرتِّب أموره أكثر مِن المعقول فيعتني عناية بالغة، حتَّى يُفاجأُ بمَلَك الموت على الأبواب، فالدنيا تغُرُّ وتضُرُّ و تمُرُّ، وهي مغامرة يجعل فيها الإنسان كلَّ مكتسباته، ويقولون: لا تضع البيض كلَّه في سَلَّة واحدة، فالغافل عن الآخرة وضع كلَّ مكتسباته في الدنيا فهذا مُقامر ومُغامِر،قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾ [ سورة السجدة ] لا يَركن للدنيا، لأنَّ الإنسان أحيانًا إذا تحصَّل على بيت جديد ترك دروس العلم، حتَّى يفرح بهذا البيت الجديد، لأنَّ استراتيجيَّته سرورُه أمَّا المؤمن فاستراتيجيتُه العمل الصالح، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾ [ سورة السجدة ] لا يركن، لأنَّ الركون إلى الدنيا خطير، فالإنسان يرتاح للملذَّات و الطعام و النعيم و النساء وينسى الآخرة حتَّى يأتيه الموت فجأةً فيُقلِق راحته، قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾ [ سورة الطور ] المعنى الضيِّق ؛ النائم استيقظ لِيُصلِّي، والمعنى الواسع ؛ أن لا يركن إلى الدنيا و لا يطمئِنُّ لها، مرَّةً مِنَ المرات كنتُ في منطقة جميلة عند صديق له بيتًا فخمًا، فقال لي: هنا كان والدي، والبيت فيه كلَّ ما لَذَّ وطاب، المسبح والمناظر على سفح البحر، بموقع لا يُوصَف، مُزوَّدة بكل أشجار الفاكهة، ثم قال لي: جاءتْهُ أزمة قلبية فمات هنا والدي فتركتْ هذه القصة في نفسي أثرًا، أنتَ في أجمل مكان و تأكل ألذَّ الطعام و تجلس مع مَن تحب، فهل يدوم لك هذا ؟أبدًا لا يدوم، فعليك أن تبحث عن عمل ينفعك عند لقاء الله عز وجل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾ [ سورة السجدة ] لا يركنون إلى الدنيا، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [ سورة الكهف ] ومِن السهل أن تطمع في رحمة الله، ومن السهل أن تخافه، ولكنَّ المؤمن يطمع ويخاف، يرجو رحمة ربه و يخاف عذابه، فإذا زاد الطمع في الرحمة فقد يتكاسل الإنسان و يقعد، وإذا زادت الخشية، فقد يقع في اليأس، والله عز وجل يُقلِّب المؤمن بين الرجاء و الخوف، والمؤمن الصادق يدعو ربَّه خوفًا وطمعًا، ولو علمتَ ما ينتظر المؤمن مِن نعيم لَما يئِس من جنَّته أحدٌ، ولو علمتَ ما ينتظر الكافر من الجحيم لما طمع في رحمته أحدٌ، وقد قال سيَّدُنا عمر: لو علمتُ أنَّ الله منْزِلٌ أنَّه سيعذِّب واحدًا مِن خلقه لظننتُ أنَّني أنا، و لو علمتُ أنَّ الله سيرحم واحدًا مِن خلقه لظننتُ أنِّي أنا " هذا مِن شدَّة خوف المؤمن و مِن شدَّة رجائه، و قال أيضًا: ليتَ أمَّ عمر لم تلد عمرَ " و نحن نقول: الحمد لله الذي ولدتْ أمُّ عمر عمرَ، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾ [ سورة السجدة ] واللهِ إنَّه وصفٌ جامعٌ مانعٌ، إذا ذُكِّر بآيات ربِّه خرَّ ساجدا سجودَ تعظيم يُنزِّه الله عمَّا لا يليق به و يمجده و يتصل به، و لا يستكبر عن عبادته و لاعن طاعته و لا يركن إلى الدنيا و يدعو ربَّه خوفًا وطمعًا و ينفق ممَّا رزقه الله، فهذه الصفات أُدرُسها وحلِّلها ثم انظُر مدى انطباقها عليك فإذا وجدتَ انطباقًا فاحْمَدِ الله عز وجل على أنك مؤمن و إذا لم تجدْ انطباقا فتحرَّكْ نحو الانطباق. اخترتُ هذه الآية لأن فيها وصفًا دقيقًا للمؤمن، يسبِّح و ينزِّه ويمجِّد و يتَّصِل ويحمد الله عز وجل و لا يستكبر عن عبادته و لا يركن إلى الدنيا و يدعو ربَّه خوفًا و طمعًا وينفق ممَّا رزقه الله هذا هو المؤمن، حتَّى لا يدَّعي أنَّه مؤمن وهو ليس كذلك، فعليه بقراءة هذه الآية ولتَكنْ له شعارًا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة عشرة من سورة السجدة وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] أيُّها المؤمن ؛ اُنظُر إلى حال المؤمن، انظُر إلى صدقه و إلى عفافه و أمانته وانظُر إلى وفائه بوعده وإلى تواضعه و إلى إنصافه وإلى تربية أولاده و انظُر إلى نورانية وجهه وانظُر إلى بيته وإلى تجارته، تجد بَوْنًا شاسعًا بينه وبين الكافر الذي يخلف وعده و يظلم ويتكبَّر و يكذب ويخون و يعتدي على أموال الناس و على أعراضهم، وتُسوِّل له نفسه كلَّ شيء، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] ما دُمنا في هذا الموضوع فهناك آيات كثيرة تشير إلى هذا الحقيقة، قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)﴾ [ سورة العلق ] اُنظُر إلى الذي ينهى العبد إذا صلى، اُنظُر إلى بيته وإلى تربية أولاده و إلى صدقه و استقامته، وثَمَّةَ معنًى دقيقًا، وهو أنَّ الذي ينهى عبدًا إذا صلى و ترى دناءته وخِسّته و ترى إخلافَه لوعده و ترى أكاذيبه وترى نفاقه، هذا أحقر مِن أن تناقشه، و حينما تُصغي إليه و تناقشه تحترمه وهو أقلُّ مِن ذلك، لذلك فعل الإنسان السَّيِّء يُلغي فكره. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] أيُّها الإخوة، أريد أن أُطمئِنكم، أنَّ الذي يخشى الله ويستقيم على أمره و يرجو رحمته و يخشى عذابه ويسعى لمرضاته و يتقرَّب إليه و يتحرَّى الحلال في دخله و سعى في إنفاقه، أنْ يُعامل هذا الإنسان الشريف المؤمن الطائع المستقيم مُعاملةَ الفاسق الفاجر، واللهِ هذه المقولة تتناقض مع وجود الله، حدَّثني مرَّة أخٌ طبيب زارنا في المسجد أنَّه تخرَّج على يده خمسون جيلاً مِن الأطبَّاء، ثم جاءتْه امرأة يومًا معها سرطان الثدي، قال: غضبتُ أشدَّ الغضب مِن زوجها إيَّاها على إهماله إيَّاها، قلتُ له على انفراد: أنتَ مجرم في حقِّها، قال: و لِمَ ؟ قلتُ: هذا السرطان في بدايته معالجته سهلةٌ جدًّا، هناك استئصال و معالجة كيميائية، أمَّا أن تترك الزوجة إلى أن وصل الأمر إلى مشارف الموت، فأنت في حق امرأتك مجرم، فقال لي هذا الزوج: لكن نحن عند فلان منذ عام أو أكثر و ما قال لنا إنَّه سرطان ثدي، فهمس في أُذني قائلاً: يا أستاذ إنَّ الطالب في الصف الأوَّل يعف أنَّ هذا سرطان، لكن أراد هذا الإنسان غير المؤمن و غير المنضبط أن يبتزَّ هذا المريض، إلى أن تفاقم الأمر فصار الأمر إلى الموت، يقول لي هذا الطبيب: حينما علم هذا الزوج أنَّ الطبيب الأول قد ابتزَّ ماله ولم يخبرهم بالحقيقة في الوقت المناسب وقع على الأرض واضطربت أعضاءه وقال: يا ربِّ إذا كنتَ موجودا فانتقم منه، ثم انصرف و بعد أسبوع تُوفِيتْ امرأتُه، والقضية نسيها الطبيب، ثمَّ أخبرني الطبيب أنَّه جاءه شابٌ بعد أحد عشر شهرًا مُنهارًا فجلس على المقعد الذي جلس عليه الزوج قبل أحد عشر شهرًا، فسأله الطبيب ؛ ما الأمر ؟ فقال له: أنا زميلك الطبيب الفلاني عندي سرطان في الصدر، يقسم بالله العظيم أنَّ خبرة هذا الطبيب أكثر من سبعين سنة، و الورم عمره أحد عشر شهرًا، ففي الوقت الذي وقع فيه الزوج على الأرض و يقول: يا ربِّ إن كنتَ موجودًا فانتقم منه، مات الطبيب بعد أشهر ! فيا أيُّها الإخوة، والله إنِّي أُرَدِّد هذه الآية آلاف المرات، ولا أرْتَوي منها، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] المؤمن صادق، وناصِح، ومنْصِف، ووقّاف عند حُدود، والمؤمن لا يظْلم ولا يغشّ، ومُتواضِع أقول لكم: هذه الحقيقة ؛ أنْ يُعامِل الله المؤمن كالفاسق، أو أن يُعامِل الفاسِق كالمؤمن، إن في الحياة الدنيا وإن في الآخرة، فهذا يتناقض لا مع عدالة الله بل وُجود الله ! فما دام الله مَوْجودًا فلن يُعامِل المؤمن كالفاسق، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾ [ سورة القلم ] أين عَقْلُكم ؟ مسْلمٌ عقيدتُهُ صحيحة، ويُصَلِّي ويصوم، ويخاف الله، وأمين وعفيف، ويُرَبِّي أولاده ؛ هذا مُسْلم، أفيُعامَل كالمُجْرِم ؟! لا. آية رابعة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] ضَرَبْتُ مثلاً فقلْتُ: لو أنَّ إنسانًا معاشُه ألف وثمان مائة فقط ! وله ثمانِيَة أولاد، وبيْتُهُ بالأُجْرة، وعليه دَعْوَة أخلاق، وله عمّ عقيم ويمْلكِ خمسمائة مليون، ماتَ بِحَادِث فجْأةً، فهذه الثَّرْوَة لِمَن ؟؟ لِهذا الفقير، إلا أنَّه لم يتمكَّن مِن قبْض هذا المبْلغ إلا بعد سنة ؛ براءات ذِمَّة ومُعاملات، وترِكات...فلِماذا هذا الفقير المُعْدَم، الذي لا يمْلِكُ قوتَ يَوْمِهِ، يدْخُل في سعادةٍ لا توصَف ؟! فما غيَّر بيْتَهُ، وما اشْترى مرْكَبَةً، وما غيَّر ملابِسَهُ، فَلِمَ الفرَح ؟! لأنَّهُ دخَلَ بالوَعْد، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾ [ سورة التوبة ] واللهِ لزوال الكون أهْوَنُ على الله ممَّن لا يَفِي بِوَعْدِهِ للمؤمن، فالله قال لك: أنت مِن أهل الجنَّة إن فعلْتَ كذا وكذا، ولِذا هذا الوَعْد يمْتصُّ كلّ مُشْكِلَة، فالمؤمن يُعاني مِن ضيق اليد، والمرض أحْيانًا، وذاك زوْجته ليسَتْ على ما يُرام، أولاده مُتَشَرِّدون، مُشْكِلات كثيرة، فهذه المُشْكِلات تَمْتَصُّها عقيدة المؤمن الذي وَعَدَهُ الله بالجنَّة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60)﴾ [ سورة القصص ] لو معَكَ ألف مليون فهذا مِنْ شيءٍ ! فالآية الأولى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] والآية الثانية: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾ [ سورة القلم ] والآية الثالثة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] والآية الرابِعَة: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] لذلك أيُّها الإخوة، إذا كنتَ مُسْتقيمًا على أمْر الله فما عليك إلا أن تتفاءَل، وتسْتَبْشِر واعْتَقِد أنَّ المستقبل لك، وهو لِصالِحِكَ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾ [ سورة الأعراف ] فالأُمور تَدور، يصْعَدُ أُناسٌ ويهْبِطُ أُناس، ويتَّسِعُ الأمْر ويضيق الأمْر ولا تسْتَقِرُّ الحياة إلا على إكرام المؤمن. لو قرأتَ تاريخ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ الكِرام، ومع كُفَّار قريش ؛ ثلاثة وعشرون سنة مِن المُضايقات، والإخراج والهُجوم أين هؤلاء الكفار الآن ؟ وأين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾ [ سورة غافر ] مضى على آل فرعون ستَّة آلاف سنة ! فالإنسان إذا تمتَّع بالحياة تمَتُّعًا طارِئًا، ليس معنى هذا أنَّهُ ذكِيّ أو فَطِن ! فالله عز وجل كبير الموضوع الذي يُذاع اليوم في الإذاعات؛ جُنون البقر ! أنا قرأتُ مقالة في جريدة خليجِيَّة قبل عامَيْن ؛ الخبَر لا يُصَدَّق، فقد تمَّ إعْدامُ عشرين مليون رأس غنَم مِن أجل الحِفاظ على السِّعْر المُرْتَفع ! فهؤلاء الوُحوش ؛ كَم هناك مِن الشُّعوب التي تموت بالجوع ؟ عشرين مليون رأس غنَم يَتِمُّ إعْدامُها في أسْتراليا، حينما يفْعَل الكافر هذا يضْطرُّه الله تعالى إلى إعْدام، وهذا الإعْدام كان خسارة إحْدى عشرة مليون بقرة، وخسارتهم ثلاثة وثلاثون مليار جُنَيْه إسْترليني !! هذه مِن آيات الله تعالى الدالة على عَظَمَتِهِ. الشيء الآخر أنَّ الله مُصَمِّم البقرة نَباتي، فَكُلّ حيَوان نُطْعِمُهُ هو في أصْله نباتي، فَهُؤلاء أطْعموا البقر: الدَّم النَّجِس، والأمعاء والجُلود تُرْحل وتوضَع في صيغة مأكولات للبقر، مُدَّعِين بِهذا أنَّ فيها مواد بروتينيَّة، فحينما نُغَيِّر خلق الله ندْفَعُ الثَّمن، فإلغاء الشَّرْع وإعْمال العقْل دفَعَهم إلى هذه الخَسارة، والأمْر الآخر أنَّ البقَر مُذَلَّل، فالله يخرق هذه القاعِدَة بِمَرض جُنون البقر، وهذا مرض قديم وليس جديدًا فالبقرة إذا جُنَّتْ كان لِزامًا على صاحِبِها أن يطلق عليها النار وإلا قتَلَتْ الناس ! أيها الإخوة، إنّ الأخبار التي نسْمَعُها اليوم يُمْكِنُ أن تُوَجِّهها توجيهًا تَوْحيدِيًّا، فالله مَوْجود، وهذه الأُمم الظالمة التي تَكيد للشُّعوب ستُعَذَّب في الدنيا، ففي أمريكا كل عشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدْز وجامعات ومُؤسَّسات ومخابِر مَكْتوفة الأيدي أمام هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعَين. أيها الإخوة، الآيات مُسْتمرَّة والله يُظْهرها إلى يوم القيامة، والآيات لا تنقَطِع، وموضوع الدرس اليوم مُوازنة، فالآية الأولى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ [ سورة السّجدة ] والآية الثانية: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾ [ سورة القلم ] والآية الثالثة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] والآية الرابِعَة: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة السجدة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾ [ سورة السجدة ] الحقيقة أنَّ العذاب الذي يُصيب الإنسان في الدنيا له في الإسلام فلْسفة فلا أحَدَ يُنْكِر أنَّ عذابًا يقعُ بالإنسان، لكنَّ الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في تفسير هذا العذاب، فللمصائِب تصَوُّرات وفلسفةٌ دقيقة في عقيدة المسلم، وهذه الآية تُشير إلى طرَفٍ مِن فلسفة المُصيبة فالعذاب الذي يُصيب المؤمن في الدنيا هو تَكْفيرٌ لِذُنوبِهِ، والعذاب الذي يُصيبُ الكافر في الدنيا رَدْعٌ له عن كُفْرِهِ، أو قصْمٌ له، والحقيقة أنَّ البشَر على ثلاثة أصْناف ؛ صِنْفٌ كافر، و صِنْف مؤمن، والأنبياء صِنْف ثالث، فمصائِبُ المؤمن مصائِب قصْمٍ، وردْعٍ، فالله سبحانه وتعالى إذا أنْزَل بالكافِر مُصيبةً ولم يُهْلِكْهُ بها، معنى ذلك أنَّه أعْطاهُ فرْصَةً ومُصيبة القصْم، حينما قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾ [ سورة هود ] فحينما يعْلمُ الله عز وجل أنَّ هذا الكافر لن تزيدَهُ الحياةُ إلا كُفْرًا، ولن يزيدَهُ العُمْر إلا طُغْيانًا، عندئِذٍ يقْصِمهُ الله تعالى، أما حينما يعْلم الله عز وجل أنّ هذا الكافر يُمْكِنُ أن يرْتَدِع، حينها يُنْزِلُ به مُصيبَةً ولكن لا يقْصِمُهُ، بل يوقِعُ بِهِ أشَدَّ الألَم فلعلَّهُ يعود، فمصائِبُ الكفار مصائِب قصْمٍ، أو رَدْعٍ، أما المؤمنون فَمَصائِبُهم مِن نوعٍ آخر، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] أما الكافر، فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾ [ سورة الأنعام ] هذا هو القصْم، يُعْطيه الله الدنيا كما يشْتهي، أبواب كُلِّ شيء ثمَّ يقْصِمُهُ مرَّةً واحِدَة، وأحيانًا يرْدَعُهُ ردْعًا شديدًا، ومعنى يرْدَعُهُ أن يُعْطيهِ فُرْصَةً لِيَعود إلى الله، أما المؤمن فكما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: (( مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتِ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )) [ رواه مسلم ] وَعزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأنا أُحِبّ أن أرْحَمَهُ إلا ابْتَلَيْتُه بِكُلّ سيِّئةٍ كان عملها سُقْمًا في جسَدِهِ وإقْتارًا في رِزْقِهِ، أو مصيبَةً في ماله أو ولدَهِ حتَّى أبْلغَ منه مثل الذَّر، فإن بقِيَ عليه شيء شدَّدْتُ عليه بِسَكرات الموت حتَّى يلقاني كيَوْمَ ولدَتْهُ أُمُّه، فالمؤمن المصائب له للتَّطْهير، ولِكَي تَدْفعَهُ إلى الله بِسُرْعة، فَيُمْكِنُ أن تَجِدَهُ مستقيمًا، ولكنَّ سرْعَتَهُ إلى الله تعالى بطيئَة فتأتيهِ المصيبة لِتَدْفَعَهُ إلى باب الله تعالى دَفْعًا، ومُسْتقيمٌ وينطلِق فيُريدُ الله تعالى أن يُعْطِيَهُ أجْرًا مُضاعفًا، فيَرْفَعُهُ بِهذه المُصيبة، فمصائِب المؤمن تَطْهير ودَفعٌ ورفْعٌ لذلك قال: ما مِن عثَرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْق، ولا خَدْش عودٍ، إلا بِما قدَّمَت أيديكم، وما يعْفو الله أكثر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾ [ سورة الشورى ] وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ (سورة النِّساء) الكَون مُسَخَّرٌ تسْخيرين ؛ تسْخير تعريف، وتَسْخير تَكريم، فالأوّل يقتضي أن تُؤمن، والثاني يقتضي أن تشْكر، فإن آمَنْت وشَكَرْتَ ماذا يفعل الله تعالى بِعذابِك ؟! فالإنسان إذا آمَنَ وشَكَر فقد حقَّق المُراد الذي مِن أجلِهِ خُلِق. هذه الآية تُشير إلى فلسفَةِ العذاب. من هنا قال الإمام عليّ رضي الله عنه: يا بنيّ، ما خيرٌ بعده النار بِخَيْر، وما شرٌّ بعده الجنَّة بِشَرّ ! وكلَّ نعيمٍ دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاءٍ دون النار عافِيَة ! فالإنسان إذا وصَلَ إلى القبْر طاهِرًا ومُعافًى مِن كلّ ذَنْب فقد ملَكَ الآخرة، فالعِبْرة لا أن ترى إنسانًا صحيحًا، وينتظِرُه عذابٌ في جهنَّم إلى أبد الآبدين، فالعِبْرة أن يَصِل الإنسان إلى القبر وقد غفر الله له ذُنوبَهُ، فَمِن هذا المنطلق تُصبِحُ المصيبة للمؤمن رحْمة، رُبَّما أعْطاكَ فَمَنَعَك، وربَّما منَعَك فأعْطاكَ، وقد يكون المنْع عَيْنَ العَطاء، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾ [ سورة البقرة ] فالإنسان إذا قرأ هذه الآية وعاشَها لا ينْدَمُ على ما فات، ولا يَخْشى على ما هو آت، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] المؤمن أيُّها الإخوة يعيشُ في راحَةٍ نفْسِيَّة وثقَة بالله عز وجل، وفي طمأنينة ما لو وُزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، فهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾ [ سورة السجدة ] فالمرض عذابٌ أدْنى، ومجموعة أمراض هي مِن العذاب الأدنى فشَل كَلَوي، وسرطان بالدَّم، ودسَّم مَعْطوم بالقلب، مهما كان المرض وبيلاً إذا قيسَ بِعَذاب النار فَهُوَ أدنى، ومهما كان الفقْر مُدقِعًا إذا قيسَ بِعَذاب النار فَهُو أدنى، ومهما كان الخوف شديدًا فإذا قيسَ بِعَذاب الله فَهُوَ أدْنى فالله تعالى سمَّى هذا العذاب أدنى بالنِّسبة لِعَذاب الآخرة، فإذا يسَّر الله للإنسان عِلاجات حكيمة، وعاد بِها إلى الله ووصَل إلى القبْر طاهِرًا وتائِبًا فهذا مِن أسْعَدِ الناس، أما الذي يَحْيى قَوِيًّا وغَنِيًّا، يموتُ عاصِيًّا فَهذا أشْقى الناس، والعِبرة بالخواتيم، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاه، أما إذا أبْغضَهُ حينها يُخْرِجُهُ مِن مُعالَجَتِهِ، فإذا ابتلاه وصبَر اجْتباه، فإن شَكَر اِقْتناه، والإمام عليٌّ كرَّم الله وَجْههُ يقول: الرِّضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين ! وصَدِّقوني أيها الإخوة أنَّ الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبة وهو يعْلم أنَّها مِن الله تعالى، ويقول: يا ربّ لك الحمْد فقد نجَحَ، وهذا أفْضَل ألف مرَّة مِن الذي لم تأِتِه المصيبة وكفَر. أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166)﴾ [ سورة آل عمران ] قال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾ [ سورة التغابن ] يهْدِ قلبَهُ إلى حِكْمتها، الآن عندنا موضوع ثانٍ ؛ أنت أبٌ، وعندك ابنٌ أخطأ خطأً كبيرًا ورأيْتَ أنَّهُ مِن الحِكْمة أن تُؤَدِّبهُ فضَرَبْتَهُ وهو يصيحُ بين يدَيْك ؛ هل تبْقى ساكِتًا ؟ أم ماذا ينبغي أن تقول وأنت تُؤدِّبُهُ ؟ ينبغي أن تذْكر له ذَنْبَهُ، لأنَّ إن لم تذْكر له ذَنْبه فما أدَّبْتَهُ، لأنَّه لا يعْلم لماذا ضَرَبْتَهُ، فَمِن لوازِمِ التَّرْبيَة أن تُذَكِّر المُعاقَب بِذَنْبِهِ، طيِّب الله عز وجل لمَّا يُعاقِب الإنسان ؛ كيف يُذَكِّرُه بالذَّنْب ؟ أحدُ هذه الوسائل أن يُلقي الله تعالى في روعِهِ أنَّ هذا الذَّنْب مِن أجل كذا ؛ جاء زبون لِمَعمل فطلب ستَّة قِطَع فقط، والمعمل لا يبيع إلا بالجُمْلة فرفضَ صاحب المعْمَل بيْعَهُ بِكِبَرٍ ؛ فأدَّبَهُ الله تعالى بِأَن حرم عليه الزَّبائن قرابَة شَهْر ! فلم يعرف صاحب المعمل السَّبب ! فألقى الله تعالى في روعِهِ ؛ لماذا طَرَدْتَ فلانًا ؟؟ فأوَّل شيء أن يُلقي الله تعالى في روعِكَ الذَّنْب، وأنَّ هذا مِن أجل هذا، أحدهم أمضى حياته كلَّها بالمرض ففي أحد المرات كأنَّه عاتب الله تعالى: فأُلْهِمَ أنَّه يا عبدي لولا هذا المرض لما كنت في هذا الحال مِن الطاعة ! فأحَدُ الوسائل التي يُعلِمُ بهال الله عبْدهُ حينما يبْتليهِ بِمُصيبة يُلقي في روعهِ ويُسَمُّون هذا وَحْي إلهام قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾ [ سورة القصص ] قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾ (سورة التغابن ) أي إلى علَّة هذا الذنب. أيُّها الإخوة الأكارم، أتمنَّى عليكم و أتمنَّى على نفسي إذا أصابت الإنسانَ مصيبةٌ أن لا يبقى ساكتا، بل لا بدَّ له أن يبحث، لماذا أُصِبتُ بهذه المصيبة ؟ و أحيانا يهتدي إلى سبب وجيه ويرى عدالة الله عز وجل وأحيانا طبيعة المصيبة تشير إلى سببها، مثل أن تمنعه زوجته دفع الزكاة، فوقع لسيارته حادث وأخذها للمصلِّح، ودفع أجرة التصليح نفس المبلغ الذي لم يخرجه للزكاة، أنت بخلتَ بدفع الزكاة فأُصيبتْ سيارتك بعطب فدفعتَ المال بلا طائل، و المتكبِّر يهينه الله و المسرف يفقره الله، و أحيانا المصيبة تكون من جنس الذنب، فإمَّا أن يلقي الله في رُوعِك أنَّ هذه من أجل كذا، وإمَّا أن يأتي المُصابُ من جنس الذنب فتعلم أنَّه من أجل كذا، ما أصابك من شيء، من عثرة ولا اختلاج عِرق و لا خدش عود إلاَّ ما قدَّمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، و لابدَّ أن تناجي الله عز وجل وتقول: يا ربِّ أنا راضٍ بقضائك و لكن أحبُّ أن أعرف السبب حتَّى لا أعود إليه مرَّةً ثانية أنت عندما تبحث عن سبب المصيبة فلستَ تعترض على الله، و لكنْ حتىَّ لا تقع في ذاك السبب مرَّةً ثانية لأنَّه مَن وقع في حفرةٍ مرَّتين فهو غبيٌّ، و ليس العار أن تخطِئ ولكنَّ العار أن تبقى مخطئًا، فالمصائب لها حِكم، فللكفار ردعٌ و قصم وللمؤمنين تطهير و رفع و دفع، أمَّا الأنبياء فكما قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )) [ رواه الترمذي ] أنت عندك سيارة قوَّةُ محرِّكها ستَّةٌ وسبعون حصانًا، و هذه القوَّة لا تبدو في طريق سهل و لا في انحدار،وإنَّما تبدو في الصعود، فأحيانًا تأتي المصائب للأنبياء حتَّى تكشف حقيقة نبوَّتهم ومحبَّتهم لله عز وجل قبل أن آتي إليكم كنتُ أطالع في السيرة قصة رجل من الأعراب آمن مع رسول الله و دخل معه غزوة وانتصر النبي الكريم مع أصحابه ووُزِّعت الغنائم، قال: (( ما هذا ؟ قال له: غنائم، قال: ما على هذا اتبعْتُك، إنما اتبعتُك على الذبح، فأكبَرهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وفي غزوة قادمة جاءه سهمٌ فأرْدَاه قتيلاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: آتوني به، قال: أَهُوَهو، قالوا: هوهو يا رسول الله، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ثمَّ قال: اللهمَّ إنّي أشهد أنَّه قاتل في سبيلك فالإنسان أحيانا يقدِّم عملاً عظيما، فبلغتْ درجة محبَّته لله عز وجل لا يريد إلاَّ الاِمتحان، فامتحنه الله ومات شهيدا، فالمصيبة للكافر ردع و قصم وللمؤمن تكفير و دفع ورفع وللأنبياء كشف فقط، الواحد من عامة الناس أو من المؤمنين إذا أسأت له إساءةً بالغة يتمنَّى أن يُقطِّعك إرْبًا إربًا، و قد أساءوا للنبي عليه الصلاة و السلام في الطائف و كذَّبوه و سخروا منه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد، أمرني ربِّي أن أكون طَوْع إرادتك، ولو شِئتَ لأطبَقتُ عليهم الجبلين، قال عَبْد ُاللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )) [ رواه البخاري ] بإمكانه أن يقضَي عليهم كلِّيًّا و يُبِيدَهم عن آخرهم، هذه هي مصائب الأنبياء. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة السجدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] أيُّها الإخوة الكرام، ألاَ تثير هذه الآية تساؤلاتٍ كثيرة، و من أظلم "مَن " هنا استفهامية , "أظلم " اسم تفضيل، أي، ليس في الأرض كلِّها إنسانٌ أشدُّ ظلما لنفسه و لغيره. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] الله جلَّ جلاله له آيات كونية وله آيات تكوينية وله آيات قرآنية، و الآيات جمعُ آيةٍ، وهي العلامة الدالَّةُ على عظمته والله تعالى لا تدركه الأبصار، ولكنَّ كلَّ شيء حولك يشير إليه، لا تدركه الأبصار ولكنَّه في كلِّ شيء آيةٌ تدلُّ على أنَّه الواحد ؛ له آيات كونية كالمجرَّات والشمس والقمر والليل والنهار، طعامك وشرابك والنبات و الحيوان و الجبال والبحار والأنهار والينابيع، خَلْقَك عضلاتك و عظامك و دماغك، والأعين والسمع والبصر والقلب والرئتين، كلُّ ما في الكون يدلُّ عليه و على وجوده ووحدانيته وكماله هذه الآيات الكونية، وهناك الآيات التكوينية ؛ أفعاله، أحيانًا يُغَيِّر العبادُ خلق الله، فيكون ثمَّة ردعٌ من الله، والله تعالى خلق المرأة و الرجلَ وجاء الإنسانُ و تعامل مع الذكَر، فانتشر مرضُ الإيدز، أرأيتم إلى هذه الآيات، كل يوم فيه آية وهي من أفعاله، الإيدز أكبر آية دالَّة على عظمته، فكلُّ من خالف الفطرة فسوف يدفع الثمن باهظا، وكلُّ مَن غيَّر خلق الله، إنْ في الحيوان وإنْ في النبات فإنَّه يدفع الثمن باهضًا. أيُّها الإخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)﴾ [ سورة فصلت ] آيات مستمِرَّة تصوَّروا أنَّ خمسة وثلاثين صناعيا من الدرجة الأولى يموتون في حادث طائرة، لأنَّ الله أقوى، ومهما رأيتَ جهة قويَّةً فهو أقوى الشمس والقمر والنجوم وخلق الإنسان، هذه آياته الكونية، مرض الإيدز وجنون البقر، تفحُّم القمح والزلازل والبراكين وشُحُّ الأمطار في جهة والسيول من جهة ثانية، هذه من آياته التكوينية، وهذا الكتاب آياته القرآنية، ذكرتُ مرَّة أنَّ مجرَّةً تبعد عنَّا ثلاثمائة بليون سنة ضوئية و ذكرنا أنَّ بشبكية العين مائة وثلاثون مليون عُصيَّة ومخروط وذكرنا أنَّ العصب البصري فيه تسعمائة ألف عصب و ذكرنا أنَّ في الدماغ مائة و أربعين مليار خلية سمراء لم تُعرَف وظيفتُها بعد و ذكرنا أنَّ في الغُدَّة النخامية اثني عشر مفرزًا هرمونيًّا و الغدَّة ملكة الغدد ووزنها نصف غرام، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] ذكَّرناه بآياته الكونية، فما بالى، وآياته القرآنيَّة فما بالى، فقوله: ومَن أظلم ؛ أيْ ليس في الأرض كلِّها إنسانٌ أشَدُّ ظُلْمًا لِنَفسِهِ ولغَيْرِهِ مِمَّن ذُكِّر بآيات ربِّه ثمّ أعْرَض عنها، بِرَبِّكم ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] أيْ مِن هؤلاء الذين ذُكِّروا بآيات ربِّهم ثمَّ أعْرضوا عنها ؛ هؤلاء هم المُجرمون، فهَل يُسَمَّى الإنسان مُجْرِمًا إن أعرض عن ذِكْر الله تعالى ؟ هكذا سَمَّاه الله، والإنسان إذا ذُكِّر بآيات الله ولم يعْبأ ولم يُعَظِّم ولم يخْشَ الله، فسَوف يتحرَّك إلى الشّهوات، وله قِوى انْدِفاعِيَّة كبيرة جدًّا حُبّ المال والنِّساء، والعُلُو في الأرض، فَمِن دون روادِع، ومن دون مكابِح، ومن دون إيمان وخوف من الله، فَمِن لوازِم الغفْلة عن الله تعالى، وعدم الاكْتِراث بآيات الله وبالتالي عدم الاكْتِراث بِوُجود الله تعالى، سوف ينْحَرِف الإنسان لأنّ أساس الإنسان الحركة، وليس السُّكون، فالطاوِلة أساسها السُّكون لأنَّها مُعْدمة من الشَّهوات، فهِيَ لا تشْتهي أُخْتَها، ولا تأكل ولا تشْرب ولا تتزاوَج، أما كلّ مَخْلوق فيه شَهَوات فَهُوَ حركي، فالشَّهْوة تسْتلزم الحركة يلزمه مال، ولا يهمه كيف جمعَه من حلال أو من حرام، فمادام هناك شهوة فهناك حركة ومادام هناك حركة بغير منهج فهناك ظلم وجريمة، قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] و قد سمعتُ قبل أسابيع أنهم أعدموا سبعة أخذوا صائغًا وقتلوه هو وابنه وصهره ودفنوهم وأخذوا ثلاثة عشر كيلو ذهبًا، هم بشر لهم شهوات مستعرة وما عندهم منهج وفيه غفلة عن الله، فهناك كسب للأموال غير مشروع، إذا غششْتَ الناس في البضاعة أو احتكرتها وقعتَ في المعصية. فيا أيُّها الإخوة، الآية خطيرة جدًّا، و الإنسان إذا ذُكِّر بآيات الله الكونية أو التكوينية أو القرآنية فاتَّعظ وعرف أنَّ لهذا الكون خالقًا ولهذا الكون مربِّيّا و مسَيِّرًا و أنَّه على كلِّ شيء قدير وأنَّه سميع بصير و أنَّه يعلم السِّرَّ و أخفى وأنَّه سيُحاسِب في الآخرة فينضبط الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] فأيُّ إنسان ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها ينقلب إلى مجرم في حقِّ نفسه إذْ ضيَّع الآخرة من أجل الدنيا، ضيَّع الأبد مِن أجل سنوات يقضيها في الهموم والتعب، ولم يعبأ بمرضاة الله سقط من عين الله من أجل الدنيا: فحينئذٍ لا خِيارَ لنا، فإمَّا أن نؤمن بالله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية و نؤمن بمنهجه و نطبِّقه، وإمَّا سوف نتحرَّك حسب ما تملي غرائزُنا و شهواتنا، والحركة بدافع الغريزة فيها معها عُدوان، فإذا نظر الإنسان إلى امرأة لا تحلُّ أو أقام علاقة مع امرأة لا تحلُّ له، أليس هذا عدوانًا، و إن أخذ شيئًا ليس له أليس هذا عدوانًا فاستعار الشهوات والحركة بدافع الشهوة ؛ مِن لوازمها الجريمة سواء كانت مخفَّفة كالجريمة المدنية أو جريمة جنائية وفي الحالين فهي جريمة، فالذي يغشُّ الناس مجرم، والذي يضع الإنسان في العناية المٍشدَّدة عشرين يومًا و هو يحتاجها ليوم مجرمٌ، والدفع لذلك المال و قد نُشِر مرة في جريدة عن طبيب عمل عملية جراحية فورية لا حاجة فيها بمبلغ ضخم فهو مجرم ولو كان مثقَّفًا ثقافة عالية، فمادام هناك شهوات مستعرة وحركة بدافع الشهوة حدثت جرائم، إمَّا مُخفَّفة لا نشعر بها نحن، أو جريمة واضحة كالقتل، أمَّا فالكلُّ مجرم، و مرة قال لي طبيب: جاءتني امرأةٌ مع زوجها مريضة بالسرطان، فانفردتُ بالزوج وقلتُ له: أنتَ مجرم، قال: ولِمَ ؟ قلتُ لأن السرطان في أوَّله يُمكن أن يُعالج، وأنت تاركٌ زوجتك إلى هذه الدرجة، فالسرطان في أوَّله يكون كَحَبَّة العدس ثمَّ يتطور ويكبر إلى حجم حبَّة الحمص وأدْنى طبيب بالسَّنة الأولى يَكْشِفُه و يتعالَج بالأشِعَّة أو الاسْتِئصال، و ذاك الطبيب يعالجها منذ سنتين بالمسكِّنات وهو يعلم أنَّه سرطان و ما عنده العملية، ومات ذاك الطبيب بنفس المرض و انتقم الله منه، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] و لا تستكبر كلمة مجرم فهناك ملايين من المجرمين، انكشف منهم القليل، أمَّا البقية فكلُّ انحراف عن منهج الله فهو جريمة، فبالحدِّ الأدنى ففي حقِّ نفسك، وهذا العمل حجبك عن الله، وصار الإنسان ملعونًا واللعن هو الطرد من رحمة الله و الإبعاد عنه و هو عقوبة كبيرة جدًّ، لعنهم الله والملائكة والناس أجمعون، لذلك الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] والانتقام في الدنيا قبل الآخرة،، فكلَّما كبُر عقل الإنسان كلما استقام أكثر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1)﴾ [ سورة المجادلة ] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾ [ سورة الفجر ] و أحيانا تدخل صالة مراقبة تلفزيونيًا، هل تستطيع أن تسرق؟ فإذا كنتَ مع إنسان يرقبك تنضبط معه فكيف مع الله الذي قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾ [ سورة الأحزاب ] أيُّها الإخوة، الآية دقيقة جدًّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] و مع ذلك أنَّ كلَّ إنسان ذكِّر بآيات الله ثم أعرض عن هذه الآيات و تحرَّك وفق شهواته وغرائزه لا بد أن يعتديَ عن الآخرين وأن يعتديَ على نفسه التي بين جنبيه، فهذا سمَّاه الله مجرما، قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾ [ سورة السَّجدة ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة السجدة (32) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون، والتي بعدها مِن سورة السَّجدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾ [ سورة السجدة ] هاتان الآيتان تُشيران إلى معنى خطير جدًا ؛ الفَتْحُ هو النَّصْر بِمُطْلق معانيه، فَيَوْمُ القيامة هو يوم الفَتْح، وفيه تنْكشف الحقائق، ويظْهر الحق أبلج، وسيختفي الباطل ويسقط، وإذا نصَر الله دينه في الحياة الدنيا فهذا يوم الفتْح. الفتْحُ هو النّصر، فهم يقولون: متى هذا الفتْح اسْتِهزاءً ! الجو بدقيق جدًا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29)﴾ [ سورة السَّجدة ] لو أنَّ أستاذًا قال لِطُلابِهِ غدًا مُذاكرة، وسوف يكون لها تأثير كبير في نجاحِكُم هذا العام، فأحدُ الطلاب ما عبأ بِهذا التَّنبيه، ولم يدْرس، ففي اليوم التالي إذا دَخَل المُدَرِّس، وقال افْتَحوا الأوراق واكْتُبوا الأسئِلة فهذا الذي فتَحَ الأوراق ولم يعْبأ به، ألم يوقِن الآن يقينًا قَطْعِيًا أنَّ الآن يوجد مُذاكرة ؟! وهل ينفَعُهُ هذا اليقين ؟ ماذا نسْتفيد من هاتين الآيتين؟! نسْتفيد الحقيقة التالِيَة وهو أنَّ الإنسان في موضوعات كثيرة له خِيار قَبول ورفْض إلا في موضوع الدِّين فَخِيارُهُ خِيار وَقْتٍ فقط ! فإمَّا أن يؤْمِنُ الآن في الحياة، والقلبُ ينبِض، ويتمتَّعُ بِصِحَّتِهِ، أو لا بدّ مِن أن يؤْمِن حينما يأتيهِ ملكُ الموت، وسوف يؤْمِن، ولكنَّ هذا الإيمان الذي سيأتي مُتأخِّرًا لا قيمة له إطْلاقًا. يُمْكِن أن نقول الفِكْرة الأساسيَّة في هاتين الآيتين ؛ خِيارُكَ مع الإيمان هو خِيار وَقْت، وليس خِيار قَبول أو رفْض، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾ [ سورة السجدة ] هم يقولون هذا اسْتِهزاءً ! ولكنَّ الحقيقة إن لم تؤْمِنوا الآن بِيَوم القيامة وتسْتَعِدُّوا له، وتسْتقيموا على أمْر الله، حينما يأتي اليوم الآخر سوف تُؤْمنون به إيمانًا يقينِيًّا مِن أعلى درجة ولكنَّ هذا الإيمان لا ينْفعُك قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29)﴾ [ سورة السَّجدة ] فما قَوْلُكَ أيُّها الأخ الكريم أنَّ أكْفَرَ كُفَّار الأرض مِن دون اسْتثناء والذي قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [سورة القصص] والذي ذبَّحَ بني إسْرائيل، هذا الطاغِيَة فِرْعَون حينما أدْرَكَهُ الغرق قال، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾ [ سورة يونس ] فكان الجواب من الله عز وجل، قال تعالى ": ﴿أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾ (سورة يونس ) أرجو الله تعالى أن يُوَفِّقني لإيضاح هذه الفِكْرة، أنت سوف تُؤمِن شئْتَ أم أبَيْت ! ولكن إن لم تؤمن الآن وأنت صحيح الجسم وقوي ومُدرِك، وفي بَحْبوحة، فإيمانُكَ بعد فوات الأوان لا قيمة له، ولن يُجْدِيَكَ إطْلاقًا، فأنت إما أن تؤمن الآن، وإما لا قيمة لإيمانك بعد فوات الأوان، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾ [ سورة السجدة ] تروي كُتُب الأدب أنَّ بِرْكة ماءٍ فيها سمكات ثلاث ؛ كيِّسَة وأكْيسُ منها وعاجِزة، قيل: فاتَّفقَ مرَّة في ذاك المكان صيَّادان، فأبْصَرا الغدير، وما فيه مِن السَّمَك، فتَوَاعَدا أن يرْجِعا ومعهما شِباكُهما لِيَصيدَا ما فيه مِن السَّمَك - هذه قِصَّة رمْزِيَّة رواها ابن المُقَفَّع في كتابه كليلة ودِمنة- قال: فسَمِعَت السَّمكات قولهما، أما أكْيسُهُنّ فإنَّها ارْتابَتْ وتخوَّفتْ وقالتْ: العاقل يَحْتاط للأمور قبل وُقوعِها، ولم تعْرُج على شيءٍ حتَّى خرجَت من المكان الذي يدْخل منه الماء من النَّهر إلى الغدير فَنَجَتْ قال: وأما الكيِّسة أو الأقلّ عقْلاً فَمَكثَتْ في مكانِها حتَّى عاد الصَّيَدان فذَهَبَت لِتَخرج من حيث خرَجَت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُدّ، فقالتْ: فرَّطت وهذه عاقبة التَّفريط ! إلا أنَّها قالتْ: لكنَّ العاقِلَ لا يقْنطُ مِن منافِعِ الرَّأي، ثمَّ إنَّها تماوَتَتْ فطفَت على وَجْه الماء فأخذَها الصَّياد بيَدِهِ ووضَعَها على الأرض بين النَّهر والغدير، فوثَبَتْ في النَّهر فنَجَتْ ! قال: وأما العاجِزَة فلم تزلْ في إقبال وإدْبارٍ حتَّى صِيدَتْ وهذا المثَل ينطبق على بني البشَر فهناك العاقل جدًا، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) [ رواه الترمذي ] فالعاقل دان نفْسه، بِمَعنى ضبطَ، ضَبَطَ دَخْله وتحرَّى الحلال وضبَطَ بيْتَهُ وزوْجته، وبناتِه وضبط لِسانه، وعينه وسمْعه، وضبط ما يأكله أَحَلال أم حرام ؟ وضبط ما يخرج من الكلام ! فالمؤمن كيِّس. أيها الإخوة الكرام، كلّ إنسانٍ يعيش لحْظته دون أن يُفَكِّر في المستقبل هو إنسانٌ غَبِيّ ! لأنَّ هذه اللَّحْظة الراهنة لا تدوم، فالدُّوَل العُظْمى تُخَطِّط لِسَنة ألفين وألفين وعشرة، والدُّوَل أقل تطوُّر تعيش بِرُدود الفِعْل، والأكْثر تَخَلُّف تتحدَّث عن ماضيها، فالذَّكاء أن تُخَطِّط للمستقبل، فالإنسان إذا أغْفل موضوع الموت من بين حِساباته اليَوْمِيَّة وأغفَل دُخول القبر، وأغْفل أنَّهُ سَيُسْأل عن كلّ ما يفعله، سوف يُصْعق عند الموت، لذلك من حاسب نفسه في الدنيا حِسابًا عسيرًا كان حِسابُهُ يوم القيامة يسيرًا، ومن حاسب نفسه في الدنيا حِسابًا يسيرًا كان حِسابُهُ يوم القيامة عسيرًا ! فالمعنى الذي بين هاتين الآيتين أنَّكَ لا بدّ أن تؤْمن بأعلى أنواع الإيمان، ولكنَّ هذا الإيمان الذي يأتي مُتأخِّرًا وعن النِّزاع، وفي فِراش الموت ؛ فهذا الإيمان لا ينْفعُكَ إطْلاقًا وكأنَّه لم يكُن، فالعِبْرة أن تؤمن في الوقت المناسب، وخِيارك مع الإيمان خِيار وَقت ؛ احْفظوا هذه الجملة. وكما تعلمون أنَّ الإنسان بين أيَّام ثلاثة، قالوا: ما مضى فقد فات والمُؤَمَّلُ غَيب، ولك الساعة التي أنت فيها، وكثير مِمَّن ينامون ولا يسْتيقظون، وخرج ولم يرْجع، هذا شيء بديهي، ومَن أعدَّ غدًا مِن أجلهِ فقد أساء صُحْبة الموت، فما دُمْتَ لا تمْلِكُ نِهاية الحياة، فلأسْتَغِلّ هذه اللَّحظة التي أنا فيها، وقد ورد بالحِكم أنْ هلك المُسوِّفون ! المُسَوِّف هو الذي يُؤَجِّل التَّوبة والصلاة والاسْتِغفار والاسْتِقامة. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾ [ سورة السجدة ] المستقبل في صالح المؤمن، وليس في صالح الكافر، والباطل يجول جَوْلةً ثمَّ يضْمَحِلّ أما المؤمن ينتظِر من المستقبل كلّ المستقبل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] فَمُضِيّ الزَّمن في صالح المؤمن لأنَّه يزيدُه إيمانًا وتألُّقًا، وعملاً صالِحًا ولكنَّ الزَّمَن مع الكافر يَحوي مُفاجآت، فهو ينتظر عِقاب الله تعالى وتَدْمير مالهِ، وينتظر قصْم العلاقات الزَّوْجِيَّة، فالزَّمَن لا يلِدُ إلا المصائب للكفار، ولا يلِد إلا الإكرام والعطاء للمؤمنين، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] سرٌّ، تقول: هذه الآلة لي ؛ هذه لامُ المُلْك، ولا يُمَلَّك إلا شيء ثمين، أما على فَهِي تُفيد المسؤوليَّة، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)﴾ (سورة البقرة ) على تُفيد القهْر، أما اللام فَهِي تُفيد التَّملّك، فالآية جاءت: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] فَفَرْقٌ كبير بين كتَبَ لنا وبين كتَبَ علينا ! قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(15)﴾ [ سورة الجاثية ] فعلى تُفيد القهْر، أما اللام فَهِي تُفيد التَّملّك. أيها الإخوة، نَخْلص من هاتين الآيتين إلى أنّ خِيار الإنسان مع الإيمان خِيار وَقت، وليس خِيار قَبول ورفْض، وطوبى لِمَن عرف الله في الوقت المناسب، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا )) [رواه الترمذي] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاحزاب (33) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام في سورة الأحزاب بضع آيات أشارت إلى غزوة الخندق فقد قال الله تعالى في الآية التاسعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾ [ سورة الأحزاب ] أيُّها الإخوة، بادئ ذي بدء، سُئِل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ﴿ أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ أي ليبتلينا أم ليمكِّننا، فقال رحمه الله: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى، قال تعالى:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾ [ سورة العنكبوت ] وهل في الأرض جامعة واحدة ليس فيها امتحان ؟ مستحيل، مئات الملايين أُنفقَت من أجل الدوام فقط بغير امتحان، ثم تُعطَى الشهادات هذا مستحيل. أيها الإخوة، بادئ ذي بدء يجب أن نعلم أنَّ الابتلاء سنَّةُ الله في خلقه لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾ [ سورة المؤمنون ] قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾ [ سورة آل عمران ] آيات كثيرة تبين أنه لا بدَّ من الابتلاء، والابتلاء معناه الامتحان ؛ وقد ينجح المؤمن في الامتحان , من خلال هذا الامتحان ينال الشهادة العليا ولمْ ينجُ من الابتلاء حتَّى أصحابُ النبي الكريم الذين آمنوا به وصدَّقوه وبذلوا من أجله أرواحَهم و دماءَهم وأنفسَهم و أموالَهم ؛ ومع ذلك اُبتُلِيَ المؤمنون وزُلزِلُوا زلزالاً شديدًا، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)﴾ [ سورة الأحزاب ] فأمَّا الذين في قلوبهم مرض فقال الله في حقِّهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾ [ سورة الأحزاب ] نُقِل في السيرة أنَّ أحدهم قال: أيَعِدُنا صاحبُكم أن تُفتَح علينا بلادُ قيصر و كسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته! وما قال: النبي قال: صاحبكم، لأنه أنكر عليه النبوَّة والرسالة، ورأى أنَّ هذه الدعوة لا أصل لها، لأنَّه اجتمع في تاريخ الجزيرة العربية عشرةُ آلاف مقاتل جاءوا ليُبيدوا المسلمين، والإسلام وقتها كان قضيةَ ساعات وينتهي إلى الأبد، واليهود نقضوا عهدهم كعادتهم مع المسلمين فانكشف ظهر المسلمين و جاءت العرب كلُّها لتستأصل شأفة النبي عليه الصلاة والسلام و أصحابه الكرام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾ [ سورة الأحزاب ] ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً (15)﴾ [ سورة الأحزاب ] فالله عز وجل فرز المؤمنين و محصهم، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)﴾ [ سورة آل عمران ] إن شئتَ قل: أنا مؤمن، أنا أحب الله ورسوله ولكنَّ الله متكفِّل بأن يضعك في ظرف يكشف فيه حقيقَتك، والله عز وجل متكفِّل بأن يضعك في حجمك الحقيقي، و كيف ذلك ؟ قد تحيط بك مشكلة فإن رسَبتَ فقد حُجِّمتَ و إن نجحتَ فقد نجحتَ، إذًا النبي عليه الصلاة والسلام و أصحابه الكرام ما نجَوْا من الابتلاء، وكانت معركة الخندق من أشدِّ أنواع الابتلاء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾ [ سورة الأحزاب ] بردٌ لا يُحتمَل و جوع لا يُحتمل و عدوٌّ جاء ليستأصل شأفةَ المسلمين وجِوارٌ نقضوا العهدَ وكشف الظهر ولم يبق أمام المسلمين إلاَّ أن يستسلموا لقضاء الله وقدره وللفناء والإبادة، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى جلَّت عظمتُه في الوقت المناسب أرسل عليهم رياحاً عاتيةً قلعتْ خِيامهم أطفأت نيرانهم و قلبت قم، وهذه المعركة الطاحنة التي كان من الممكن أن تقضي على المسلمين جعل الله النصرَ المُؤزَّر على يد إنسان واحد هو نُعَيْمُ بنُ مسعود، أسلم في الوقت المناسب و كان حديث عهد بالإسلام وقال: يا رسول الله مُرْنِي ماذا أصنع، فقال عليه الصلاة والسلام: " أنت رجلٌ واحد، خبِّرْ عنَّا ما شِئتَ، فذهب هذا الصحابي الذي أسلم لتَوِّهِ، ولم يُعرَف أنَّه قد أسلم ذهب إلى قريش وقال: هؤلاء اليهود الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله ندموا على ما فعلوا وخافوا إن أنتم رجعتم إلى بلدكم أن يتحكَّم فيهم النبيُّ و أن يستأصلهم، فاتفقوا معه على أن يأخذوا منكم رهائن ليقتلوهم إرضاءً لرسول الله، وذهب إلى اليهود وقال لهم: إنَّ قريشا سترحل إلى بلادها و يَدَعُوكم مع محمد، فلا بدَّ من أن تمتنعوا أن تعطوهم إذا طلبوا منكم الرهائن، فدبَّ الخلاف بين الأطراف المتنازعة، ثم أرسل الله الرياح العاتية فقلبت القدور و قلعت الخيام وأطفأت النيران و كفى الله المؤمنين القتال، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25)﴾ [سورة الأحزاب] فالله عز وجل يُجرِي خيرًا كبيرًا على يد إنسان واحد، فلمَّا أرسلت قريش إلى اليهود تطلب منهم الرهائن صدَّقوا ما قال لهم نُعَيْم وامتنعوا ودبَّ بينهم الخلاف وشُقَّت الصفوف و أرسل الله الرياح فولَّوا الأدبار وكفى الله المؤمنين القتال، ونحن في العيد نقول: الله أكبر صدق وعده وأعزَّ جنده و هزم الأحزاب وحده، لاشيءَ قبله ولاشيءَ بعده. هذا الدرس أيها الإخوة، والقصة وقعت، وماذا يُجدي أن نقرأها في كتاب الله، لأن كلَّ قصة وقعت يمكن أن تقع مرة ثانية، وإن لم يكن هناك ابتلاءٌ جماعيٌّ فهناك ابتلاءٌ فرديٌّ، والمؤمن الصادق يُوطِّن نفسه على أنَّ الله سوف يبتليه و سوف يمتحنه، فإذا كان مستعدًّا لهذا الامتحان، وقال: يا ربِّ لك الحمد أنا راضٍ بقضائك، معنى ذلك أنَّه نجح في الامتحان، حدَّثني طبيب أنَّه كان عنده مريض مُصاب بالسرطان في الأحشاء، قال لي أنّه كلما دخل عليه صديق يعوده يقول له: بادئ ذي بدء اِشهَد أنِّي راضٍ عن الله، واللهِ الذي لا إله إلا هو لو عاش مائة عام في صحَّة طيِّبة لا يرقى عند الله كما لو أنَّه قال هذه الكلمات، أنت هل تعلم عندما تقول: يا ربِّ عنك الحمد أنَّك ترقى عند الله، فإذا ساق الله عز وجل للإنسان شِدَّة أو مصيبة أو مرضا أو فقرا وقال يا ربِّ لك الحمد أنا راضٍ بقضائك و قدرك، هذا ارتقى عند الله إلى أعلى المراتب، وسيِّدُنا عليٌّ يقول: الرِضا بالمكروه أعلى درجات اليقين " فالمؤمن مستسلم لقضاء الله وقدره، وطبعًا لا يكون سلبيًا وقد ورد في الحديث الشريف: (( إنَّ الله يلوم على العجز ولكن عليكم بالكيس فإذا غلبكم أمرٌ فقولوا حسبنا الله ونِعْم الوكيل)) و عليك أن تسعى و أن تفكِّر و أن تتَّصل وأن تُوصِل أن تطلب وأن تنتقد و أن تشتكي، فإذا استنفذتَ كلَّ الوسائل وغلبك الأمرُ عندئذٍ قل: حسبيَ الله و نِعْم الوكيل، فالمسلم الصادق بين أن يصبر على قضاء الله و قدره وبين أن يشكر نعمة الله عليه، ففي البلاء صبور و في الرَّخاء شكور، قانعا بالذي له و لا يبتغي ما ليس له. أيُّها الإخوة الكرام، عودٌ على بدءٍ، سيِّدُنا الشافعي حين قال: لن تُمكَّن حتَّى تُبتَلى، ومعنى ذلك أنَّك في دور الامتحان، و كلُّ واحدٍ منَّا ممتَحَن، فتُمتحَن فيما أعطاك الله و فيما حرَمَك الله، واحد ما سمح له الله أن ينجِب، فعدم إنجابه للأولاد مادةُ امتحانه مع الله، و الواحد الله عز وجل أعطاه الأولاد، و هؤلاء الأولاد هم مادة امتحانه مع الله والغنَى مادة امتحان مع الله و الفقر مادة امتحان مع الله و القوَّة مادة امتحان مع الله و الضعف مادة امتحان مع الله و الصِّحة مادة امتحان مع الله و المرض مادة الامتحان مع الله، فيجب أن تعلم أنَّ كلَّ شيء نِلْتَه مع الله هو مادة امتحانك معه، وكلُّ شيء حُرِمتَ منه هو مادة امتحانك مع الله، هذه موادٌ خاصَّة، وهناك مواد عامَّة، المرأة في الطريق مادَّة امتحانٌ عامة لكلِّ الناس، والمال المُغرِي مادة امتحان عامة، فهناك مواد خاصة وهناك مواد عامة، فالمواد الخاصة حظوظك من الدنيا مواد امتحانك مع الله، وما حُرِمتَ منه في الدنيا مواد امتحانك مع الله. الآن، الإنسان الغني، الغِنَى مادة امتحانه مع الله، فإذا شكر وتواضع و أنفق من هذا المال نجح، فجاء في الآخرة دخل الجنة، فاتصلتْ نِعَمُ الدنيا بنِعَم الآخرة، ولو استكبر بالمال وأمسكه وأنفقه على شهواته و حرَم منه الفقراء رسَب وخسر، وسيُعاني من العذاب الأليم إلى أبد الآبدين، ويأتي فقيرٌ ذو دخلٍ محدود، فقرُه مادة امتحانه مع الله و لكن هناك فقر الكسل و هناك فقر القدر و أنا أعني فقر القدر، فإذا كان الإنسان كسولاً لا يحبُّ العمل يفتقر، لكن هذا فقر الكسل، لا فقر القدر، والإنسان أحيانا يبذل كلَّ طاقته و بكلِّ ذكاء و لكنَّ الله تعالى لحكمة بالغةٍ شاء له أن يبقى فقيرا، هذا فقر القدر، فالفقر الذي هو مادة امتحان مع الله هو فقر القدر لا فقر الكسل الذي هو جزاء التقصير، لو أن الفقير و كان فقره مادة امتحانه مع الله صَبرَ وتجمَّل وتعفَّف و شكر الله على أن قدَّر له هذا الفقر، ينجح، فإذا مات فإلى الجنّة إلى الأبد، وقِسْ على هذا القوَّة والضعف والغنى والفقر و الذكاء وكلُّ الحظوظ تأتي على هذا المقياس، فمادة امتحانك مع الله حظوظك من الدنيا، ومادة امتحانك مع الله ما حُرِمتَ منه في الدنيا. اللهمَّ ما رزقتَني ممَّا أُحبُّ فاجعله عونا لي فيما تحبُّ وما زوَيْتَ عنِّي ما أحبُّ فاجعله فراغًا لي فيما تحب فأنت بين شيئين، شيء تمنَّيتَه ونِلتَه و شيء تمنَّيتَه وحُرِمتَ منه فيدعو النبي الكريم، ويقول: هذا الذي تمنَّيته وأعطيتني إيَّاه اِجعلْه في الحق و في طاعتك و في سبيلك والدليل قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾ [ سورة القصص ] الذي حُرِمتَ منه تتقرَّب به، أنا أعرف رجلاً قضى كل َّحياته مريضا فقال لي يوما: قد ضاقت نفسي، و ما ارتحتُ يومًا ثمَّ قال: وقع في قلبي أنَّه لولا هذا المرض ما كنتُ في هذه الحال، حال القرب والشَّدائد سبب قربه من الله وسبب توبته و إقباله، ولكنْ يوم القيامة الذي أعلمُه أنَّ الله يكشف لكلِّ إنسان كلَّ شيء ساقه له، فلذلك الإنسان يوم القيامة يذوب كالشمعة المشتعلة حُبًّا بالله على كلِّ ما ساقه له، وهذا كلامٌ دقيق جدًّا، هل هناك واحد منَّا ليس له قدَر !! هذا القدر الذي ساقه الله له لو كُشِف غِطاءُه لَذاب الإنسان حبًّا بالله عز وجل. مُلخَّص الدرس، نحن مُمتحنون فيما أُعطينا و فيما حُرِمنا، ممتحنون امتحانا عامًّا في الطريق، فهنيئًا لِمَن نجح في الامتحان، وقد ينجح الفقيرُ في امتحان الفقر و يرسب الغنيُّ في امتحان الغِنَى فتنعكس الآية قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾ [سورة الواقعة] فصار الفقير أغنى الأغنياء إلى الأبد و الغنيُّ أفقر الفقراء إلى الأبد وأحيانا يُمتَحن القويُّ بقوَّته فيستخدمها في الباطل و يُمتحَن الضعيف بضعفه فيرضى بقضاء الله و قدره، فيصبح الفقير عند الله في مقعد صِدق إلى أبد الآبدين ويصبح القوي في أسفل النار إلى أبد الآبدين لذلك سيِّدنا عليٌّ قال كلمةً رائعةً جدًّا، قال: " الغِنَى والفقرُ بعد العرض على الله، فلا يُسمَّى الغنيُّ غنيًّا في الدنيا و لا الفقيرُ فقيرًا، فقد تجد الفقيرَ أغنى الأغنياء يوم القيامة، و قد تجد الغنيَ أفقرَ الفقراء. فأيُّها الإخوة الكرام، نحن ممتحنون فيما أُعطينا وفيما حُرِمنا، و الذي حُرِم فليصبرْ وليحتسبْ و ليقلْ حسبيَ الله ونِعم الوكيل، و إذا نجح لِيَشكر اللهَ عز وجل. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحزاب (33) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة الأحزاب وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ [سورة الأحزاب] في الحقيقة هذه الآية أصل في فرضية معرفة سيرة رسول الله، لماذا ينبغي أن تقرأ سيرة رسول الله أو أن تستمع إليها أو أن تحضر مجلس علم موضوعُه سيرةُ النبي ؟ لأن ذلك فرض، و القاعدة الأصولية تقول: ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب " فالوضوء فرض لأنَّه لا تتمُّ الصلاة إلاَّ به، كيف سيكون النبي عليه الصلاة والسلام أُسوةً لك إن لم تعرف سيرته ؟ كيف يكون أُسوةً حسنةً في معاملتك لزوجتك و لأولادك ولجيرانك و لزبائنك و لمن حولك و لمن فوقك ولمن تحتك ؟ كيف تتأسَّى برسول الله إن لم تعرف ماذا فعل ؟ كيف كان صبرُه و كيف كان حِلمُه و رحمتُه و شجاعته و تواضعه، فلن تستطيع أن يكون لك النبيُّ أُسوةً حسنةً إلاَّ إذا عرفتَ كيف فعل في بيته ومع أصحابه، فهذه الآية أيُّها الإخوة أصلٌ في فرضية معرفة سيرة رسول الله، وفيها لفتةٌ لطيفة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب] ليس لكلِّ الناس و لا لعامة الناس ولا للدَّهماء، ولكن قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ [سورة الأحزاب] الحقيقة أنَّه لا يُوجد واحدٌ على وجه الأرض إلاَّ و له أُسوةٌ حسنة، أهل المال يقولون: فلان حجم ماله مُخيف، و أهل الدنيا يُعظِّمون أهل الدنيا، وأهل العلم يعظِّمون أهل العلم، و أهل السياسة يعظمون أهل السياسة، فكلُّ إنسان له في حياته شخصٌ كبير يُعظِّمه ؛ شاء أم أبَى أحَبَّ أم كرِه، فمَن هو هذا الكبير في نظرك ؟ أهلُ المال يعظِّمون التجار الكبار، أصحاب الدرجات العلمية يعظِّمون الأعلى منهم والجرَّاح الناشئ يقول: فلان أعظم جرَّاح في القطر، فالإنسان شاء أم أبَى، أحبَّ أم كره يعظَّم شخصا كبيرا في حياته وهو لا يشعر ولا يدري، وهذا الشخص الكبير مُستنبَطٌ مِن معرفة الإنسان، فالمؤمن الصادق الشخص الكبير الذي ينظر إليه هو رسول الله عليه الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب] كيف كان في بيته و مع زوجاته كيف كان إذا دخل بيته بسَّامًا ضحَّاكًا كيف كان يقول: أكرموا النساء فواللهِ ما أكرمهنَّ إلاَّ كريم ولا أهانهنَّ إلاَّ لئيم، كيف أنَّه غضب غضبًا شديدا من خادم و كان بيده سواك فقال له: لولا خوف الله لأوجعتُك بهذا السواك، ما هذه الرحمة؟! و كيف كان يقول عليَّ جمعُ الحطب؟ و كان يقول:ما أنتما بأقوى منِّي على السير ولا أنا بأغنَى منكما عن الأجر ! كيف وقد كانوا يقولون كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا. (( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ )) [ رواه أحمد ] كيف أنَّ السيدة عائشة زوجته وهو أكبر شخص في العالم أصابتْها الغِيرة فكسرت طبق الطعام عمدًا جاءها من صفيَّة، فقال عليه الصلاة والسلام:" غضبتْ أمُّكم غضبتْ أُمُّكم ! فانظر إلى الواقعية والحلم وأنت لن تفلح إلا إذا كان النبي أسوةً لك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا قَامَ قُمْنَا فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ يَا فُلَانُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرِفُوا )) [رواه النسائي] فماذا لو حدث مثلُ هذا لواحد منَّا فنحن لن نفلح إلاَّ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أُسوةً لنا وأكبر شاهد أنَّ رجلاً ارتكب معه ما يُسمَّى اليوم بالخيانة العُظمى عن عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ: (( بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ صَدَقَكُمْ قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ )) [رواه البخاري] فأنهضه من كَبوته ومنع أصحابه مِن أن ينالوا منه، ولِيُشعره أنَّه واثق به كلَّفه بمهمة سياسية فكان مندوبَه إلى أحد الملوك، هذه هي أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام. و الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾ [سورة الأنفال] المعنى الأول لها بديهي، أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يعذَِب أُّمَّة محمَّد ما دام النبي بين ظهرانيهم، ولكنَّ المعنى الأعمق بعد موت النبي أنَّ الله ما كان ليعذِّب أُمَّة النبي إذا كانت سنَّتُه مطبَّقةً في حياتهم، فإذا كان بيعُنا وشِراؤنا وِفْق السنَّة، وبُيوتنا إسْلامِيَّة، ولَهْوُنا إسْلامي وإذا كانت نشاطاتُنا واحْتِفالاتنا إسلامِيَّة وبعيدة عن الاخْتِلاط والأماكن العامَّة فما كان الله لِيُعَذِّبنا، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [سورة النساء] أيها الإخوة، هذه الآية أصْل في فَرْضِيَّة مَعْرفة سنَّة رسول الله، وهناك دليل أقْوى ؛ يقول الله عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120)﴾ [سورة هود] قَلْبُ النبي وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتًا عندما يستمع قصَّة إلى نبيٍّ دونه، فكيف بمؤمن في آخر الزمان يصغي إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي نفسه الذي هو سيِّد الخلق وحبيب الحق يثبت قلبُه بالإيمان إذا قص عليه الله قصَّة نبيٍّ دونه، قال تعالى مخاطبًا نبيَّه: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35)﴾ [ سورة الأحقاف ] وأحيانا الواحد تكون له زوجة نقية طاهرة، لسبب أو لآخر و لخطأ غير مقصود تكلَّم الناس عنها و لولا أنَّ السيدة عائشة تكلَّم الناس عنها و برَّأها الله عز وجل لَتَألَّم هذا المؤمن ألمًا شديدا، لكنْ له في حديث الإفك أسوة حسنة، و لماذا جعل الله لبعض الأنبياء زوجة كافرة , و لنبيٍّ والدًا كافرا و لنبيٍّ آخر ابنه كافرا، لماذا الأمر هكذا ؟ سيدنا إبراهيم أبوه كافر وسيدنا نوح ابنه كافر، آسية امرأة فرعون زوجها كافر و سيدنا لوط زوجته كافرة لماذا؟ لأنَّ الله جعل الأنبياء مُثُلاً عليا، فالذي له ابنٌ مُزعِج فله في سيدنا نوح أُسوة، والذي له أبٌ مزعج فله في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة والذي له زوجة مزعجة فله في سيدنا لوط أسوة حسنة، وكلُّ الذي تكلم الناس في زوجته البريئة فله في سيدتنا عائشة أسوة حسنة وهي زوجة رسول الله و لم تنجُ من كلام الناس، فأنت حينما تقرأ سيرة رسول الله و تقرأ قصص الأنبياء، ترى أنَّك مغطَّى في كلِّ حياتك، إذاً كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ [ سورة الأحزاب ] هناك نقطة دقيقة، أنت ماذا ترجو ؟ فكلُّ إنسان يرجو شيئًا شاء ذلك أم أبى، فهذا يرجو الدنيا، وهذا يرجو المال وهذا يرجو النساء، وهذا يرجو العُلُوَّ في الأرض، قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ [ سورة الأحزاب ] علامة أنَّه يرجو الله هي قوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ [ سورة الأحزاب ] أمَّا المنافق فيذكر الله ولكنْ قليلا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾ [ سورة النساء ] *أمَّا المؤمن فيذكر الله كثيرا، والمعنى ؛ أنَّ النبي الكريم قدوة بأخلاقه وأفعاله لِمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيرا. فهذه الآية أصل في معرفة سيرة رسول الله، فالذي له إمكانية اقتناء كتاب سيرة له ولأولاده فليفعلْ، و النبي أمرنا بالنص الصريح أن نربِّيَ أولادنا على حُبِّ ر سول الله، و ماذا تظنُّون ؟ الأب مكلَّف بأمر رسول الله أن يربيَ أولاده على حبِّ رسول الله، ولذلك يجب أن تقرأ سيرة رسول الله مع أبنائك، وتقول: يا بُنيَ هكذا فعل رسول الله مع أصحابه وهكذا كان يُؤثرهم على نفسه، و هكذا كان متواضعا معهم، وهكذا كان رحيما بهم فإذا أردتَ أن تنفِّذ وصيَّة رسول الله في تربية أولادك يجب أن تقرأ لهم سيرته حتَّى يحبُّوه، أما الشباب الآن فيقولون ما رادونا يتعلَّقون بِلاَعِبِي الكرة وهم عندهم شذوذ جنسي و مخدِّرات و غير ذلك، فعار على الشاب المسلم أن يكون قدوتُه واحدًا من المنحرفين الغارقين في الجنس والمخدِّرات، وهذا من تقصير والده، لأنَّ والده ما علَّمه السيرة فهو يستقي أخبار الرياضيين و يعظمهم، أمَّا لو كان أبوه حريصًا عليه لعلَّمه سيرة رسول الله، لجعل أصحاب النبي هم القدوة في نظره. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
|