منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-25-2018 10:19 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

(سورة لقمان )
مَن يُسْلِمُ، ومَن كَفَرَ ‍‍! فأنت مُخَيَّر إما أن تُسْلِمَ وَجْهك لله تعالى، وأن تُحْسِنَ إلى خلْقِهِ، وإما أن تُدير ظَهْرَكَ لِهذه الحقيقة، ولِهذا الدِّين وتبْحَثَ عن لذَّتِكَ وشَهْوَتِكَ، وتقْتَنِص مصالِحَكَ كما تشاء، إلا أنَّهُ لِهذا العَمَل نتيجة ولذاك نتيجة.
هناك آيةٌ أخرى تُوَضِّحُ هذه الآية، وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾

[ سورة البقرة ]
هناك معنى ضِمْني وسواء فانْتِماؤُك إلى الإسلام انْتِماء شَكْلي ورفْع لافِتات إسْلامِيَّة، أو عدم انْتِمائِك للدِّين إن لم يَكُن هناك تَطبيق فالانْتِماء الصوري لا قيمة له فلو أنَّ محلاًّ مَكتوبًا عليه شِعارٌ، فاخْتِلاف اللافِتات لا قيمة له، فما دام لا توجَد بِضاعة إطْلاقًا، فاللافِتات لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر ! قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾

[ سورة البقرة ]
فَمَن آمَن بالله مِن هؤلاء جميعًا، واليوم الآخر وعمِل صالِحًا فلا خوف عليهم ولا هم يَحْزنون، معنى ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يُريدُكَ طائِعًا مُقْبِلاً عليه وطائِعًا لِشَرْعِهِ، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
فهذا هو الإقْبال على الله.
أيُّها الإخوة الكرام، الإنسان عنده إدْراكٌ وشُعور، فالإدْراك قد يشْمَلُ جميعَ المسلمين، أما العِبادة فَهِيَ الشُّعور، فالصَّلاة تنْقُلُكَ مِن الإدْراك إلى الشُّعور، خُذْ ألْفَ رجُل وسلْهُ مَن خلق السماوات والأرض ؟ يقولون لك: الله عز وجل، وهذا الكتاب كلامُهُ، فلو سألْتَ الآلاف المُؤلَّفة عن حقائِق الدِّين لأجابوك ‍، ولكن كيفَ يتمايَزون ؟! في قُرْبِهِم إلى الله عز وجل، لذلك لا خيْر في دينٍ لا صلاة فيه، ومَن تَرَك الصَّلاة فقد كفَرَ، والصلاة عِماد الدِّين فمَن أقامَها فقد أقام الدِّين، فالإدْراك أحْيانًا جيِّد، أما الإقْبال ضعيف، فالعِبادة إقْبال وليس إدْراك فالإدْراك قد يكون بِحُكْم الحِسّ السليم والفِطْرة السليمة، ولكنَّكَ تعْبُدُ الله تعالى بِمَشاعِرِك، فالصَّلوات عِبادة، إنسانٌ يَظُنّ الناس جميعًا أنَّهُ أسْلَمَ مُفَكِّر فْرنسي ! وفَرِحَ المسْلمون لإسْلامِهِ وطبَّلوا، وابْتَهَجوا، وألْقى مُحاضَرات، وقبل أيَّام نُقِلَ عنه حديثٌ صَحَفي، قال: أنا لا أُصَلِّي لأنَّ تأمُّلي في ذات الله صلاة، وأنا لا أصوم لأنَّهُ ترْكَهُ إيذاء الناس هو الصِّيام، ولا يعْتَقِدُ بالسُّنة ولا بالعلماء إطْلاقًا، فَهُوَ لا يعْتَقِدُ إلا بِما كان يعْتَقِدُهُ ! فالإنسان لا ينبغي أن يكون ساذجًا، ولا أن يكون بسيطًا، إن لمْ يعْبُدِ الله تعالى لا يكون قريبًا منه، فالقُرْب من الله تعالى يعْني أن تعْبُدَهُ، يعني أن تُصَلِّي وتَصوم وتغضَّ البصَر.
قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
القناعةُ شيءٌ، والاتِّجاهُ شيءٌ آخر فالإنسان قد يقْتَنِعُ بأشْياء كثيرة ولكن يتَّجِهُ إلى أشياء لا تُرْضي الله تعالى، فالآية وهي قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
الله تعالى يريدُ قلبَك ويريدُ أن تلْتَفِتَ إليه، ويريدُ اهْتِمامَكَ، يريدُ حُبَّكَ قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
الحقيقة هنا علاقة ترابُطِيَّة ؛ وهو أنَّك لن تستطيع أن تُقْبِلَ على الله تعالى إلا إذا كُنْتَ مُحْسِنًا لِخَلْقِهِ، لأنَّ هؤلاء العِبادِ خلْقُ الله تعالى، إن أسأتَ إليهم وأوْقَعْتَ فيهم الأذى، وإن أكَلْتَ مالهم، وألْقَيْتَ في قلوبِهِم الخَوف لن تستطيع أن تتوجَّهَ إلى الله تعالى إطْلاقًا، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
أي ارْتَبَط بالدِّين ارْتِباطًا متينًا فهناك أحْيانًا لأدْنى إغراء أو ضَغْط، فهذا مُقاوَمَتُهُ هشَّة، وهذا عُرْوَتُهُ غير وُثْقى، وارْتِباطُهُ بالدِّين ضعيف فأدْنى ضَغْطٍ أو إغْراء يعْصي الله تعالى، وهناك مَن ارْتِباطُهُ بالدِّين وثيق وعُرْوَتُهُ وُثْقى، فمهما تلقَّى ضَغْطًا يقول: أحدٌ أحد فرْدٌ صَمَد ! قال تعالى:

﴿مِن الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
ما غيَّر وما بدَّل، وقال تعالى:

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)﴾

[ سورة الحج ]
فالعُرْوَة الوُثْقى أن تُحْسِنَ إلى الخَلْق، وأن تتَّصِل بالحق، ولن تتَّصِل إلا إذا أحْسَنْتَ، ولن تُحْسِن إلا إذا اتَّصَلْت، فالاتِّصال يُعينُكَ على الإحْسان، والإحْسان يُعينُكَ على الاتِّصال، وكُلٌّ منهما سبب ونتيجة علاقة مُتَرابِطَة، فالإحْسان سبب للتَّوجُّه إلى الله تعالى، والتَّوَجُّه إلى الله سبب للإحْسان، وكُلَّما ازْدَدْتَ إحْسانًا اِزْدَدْتَ إقْبالاً، وكُلَّما اِزْدَدْتَ إقْبالاً اِزْدَدْتَ إحْسانًا، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(22)﴾

[ سورة لقمان ]
فالله تعالى يُريدُ وَجْهكَ، واتِّجاهَكَ واهْتِمامَكَ، وقلْبَكَ ومشاعِرَك، فهذه يُريدُها، أما قناعاتك، كم قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(25)﴾

[ سورة لقمان ]
فالقناعة شيء والشُّعور شيءٌ آخر العُرْوَة الوُثْقى هي التي لا تُفَكّ، قال تعالى:

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾

[ سورة لقمان ]
الأمور بالخواتيم، والغِنَى والفقْر بعد العَرْض على الله تعالى، ولا يُسَمَّى العاقِلُ عاقِلاً إلا إذا وصَلَ إلى الجنَّة، أما إذا وصَلَ إلى الجنَّة فلا يُسَمَّى عاقِلاً، فهذا يُسَمَّى ذَكِيًّا لا عاقِلاً، لذلك قال الإمام عليّ كرَّم الله وجْهه: يا بُنيّ ما خيْرٌ بعدهُ النار بِخَيْر، وما شرّ بعده الجنَّة بِشَرّ، وكُلُّ نعيم دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاء دون النار عافِيَة، فنجاحُكَ الاقْتِصادي ونجاحُكَ في جَمْع المال ونجاحُك في نَيْل الدَّرَجات العِلْمِيَّة، وفي تَجْميع الناس حَوْلَكَ، والارْتِقاء في المناصب العليا ؛ هذه كُلُّها نجاحات، هذه النجاحات إذا انْتَهتْ إلى النار فهِيَ ليْسَت بِنَجاح وكلّ المتاعب والأحزان والهُموم والمصائِب إذا أفْضَتْ بِكَ إلى الجنَّة فهذه نِعَم ! حتَّى لو فقَدْتَ حُرِيَّتَكَ وأمْضَيْتَ سنوات طويلة، وخَرَجْتَ حافِظًا لِكِتاب الله فهذا مِن النِّعَم الباطِنة، فالنِّعَم الظاهِرة التي تعارف الناس على أنَّها نِعَم، والباطِنة هي المصائِب ؛ ما خيْرٌ بعدهُ النار بِخَيْر، وما شرّ بعده الجنَّة بِشَرّ، وكُلُّ نعيم دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاء دون النار عافِيَة، وهناك قَول آخر للإمام عليّ كرَّم الله وَجْهه يقول: فَلْيَنْظُر ناظِرٌ بِعَقْلِهِ أنَّ الله أكْرَمَ مُحَمَّدًا أم أهانَهُ حينما زوَى عنه الدنيا ؟!! فهل زار النبي عليه الصلاة والسلام العالم ؟ وهل رأى المُدُن الجميلة ؟ وهل ركِب السيارات الفَخْمة ؟ مِن مكَّة إلى المدينة ؛ صَحْراء، وتَمْر وماء ينامُ أحْيانًا جائِعًا، وما ذاق من الدنيا شيئًا، فَلْيَنْظُر ناظِرٌ بِعَقْلِهِ أنَّ الله أكْرَمَ مُحَمَّدًا أم أهانَهُ حينما زوَى عنه الدنيا، فإن قال: أهانَهُ فقد كذَب وإن قال: أكْرَمَهُ فقد أهان غَيْرَهُ حينما أعْطاهُ الدنيا ! فالدُّنيا مُوَقَّة وليْسَت عطاءً، وهي أحْقَرُ مِن أن تكون عطاء الله تعالى لو كانت الدنيا تعْدِل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى منها الكافر شرْبة ماء، وهي شيءٌ طارئ ومُوَقَّت لا يُقَدَّم ولا يؤَخِّر لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾

[ سورة لقمان ]
أيُّها الإخوة الكرام، إنَّ الذي يعيش المستقبل هو العاقِل، والمستقبل فيه الموت، وبعد الموت هناك برْزَخ، وبعد البرْزَخ إما الجنَّة وإما النار فو الذي نفْس مُحَمَّد بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار، فَكُلّ إنسان يعيش لحْظة مُغادَرة الدنيا، ولحْظة دخول القبْر ؛ هذا إنسانٌ عاقِل، وإنسانٌ يَعُدّ للِقاء الله تعالى، وكلّ مَن يعيشُ لَحْظتَهُ فهذا غبيّ والهلاك كُلّ الهلاك أن تُقيم على معْصِيَة، وأن تأكل مالاً حرامًا وأن تُنفقَ مالاً حرامًا، وأن تُمَتِّع عيْنَيك بما حرَّمَهُ الله تعالى، أما إذا كنت في سيارة والنسيم عليل ولكن المِكبح مُعَطَّل وأنت لا تعْلم فأنت عاقِبَتُكَ الموت وأنت لا تعلم، لذا الويل لِمَن كان على غير طاعة الله.
قال تعالى:

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23)﴾

[ سورة لقمان ]
كنت البارحة في زِيارة إنسان في أحد مطارات العالم، شَخْص مُتَكَبِّر ومُتَعَجْرِف ومُسْتعلي، يُخاطِب المُوَظَّف بِأعلى درجة مِن الاسْتِعلاء فالمُوَظَّف تحمَّل غَطْرسَتَهُ، ولكن ماذا فعل هذا الموظَّف: حوَّل أمْتِعَة هذا الإنسان كُلَّها إلى توكيو، الشَّخص كان ذاهِبًا إلى أمْريكا !
دَقِّقوا قوله تعالى:

﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)﴾

[ سورة لقمان ]
قد يرْتكب الإنسان جريمة، ويسْرِق ثلاثة عشرة غرام مِن الذَّهب وبعد حين يُلقى عليه القبْض ويُعْدَم !!! فهل هذا ذَكِيّ ؟ فالأمور بِنِهاياتها وخواتمِها وما بعد الموت.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-25-2018 10:21 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]
هناك في الكَون حقيقةٌ واحِدَة ؛ هي الله تعالى، فَكُلّ شيءٍ يُقَرِّبُنا من هذه الحقيقة أُمِرنا به، وكلّ شيءٍ يُبْعِدُنا عنها نُهينَا عنه، فلو قرأتَ القرآن الكريم كُلَّه، وكذا السنَّة المُطَهَّرَة كلَّها، لما وَجَدْتهما يزيدان عن أمْرٍ لما يُقَرِّبُك، وعن نَهْيٍ لما يُبْعِدُك، أما الذي سكَتَ عنه القرآن ولا علاقة له لا بالقُرْب ولا بالبُعْد، فالذي سَكَت عنهُ القرآن حِيادي ولا يُقَرِّبُ ولا يُبَعِّدُ، ألوان الألبسة وأنواع الأثاث وشَكْل المساجِد وشَكل البيوت، وحينما تنتهي الدنيا تنتهي، أما غضُّ البصَر فهذا يُقَرِّبُك، وإطلاق البصَر يُبْعِدُكَ والكذِب يُبْعِدُكَ والصِّدق يُقَرِّبُك، فَكُلّ شيءٍ يُقَرِّبُكَ أمرَكَ به القرآن ولو درجةً بالمائة ! وكلّ شيءٍ يُبْعِدُكَ نهاك عنه، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[ سورة الزلزلة ]
وَجَدت نملة على الرصيف قتَلتها ! أنت مُحاسب ! أنا أذْكُر لكم أدقَّ الأشياء، قال له عِضني ولا تُطِل، فإذا قلتَ لي هذا الكِتاب مِن دفَّتِهِ إلى دفَّتِهِ، وهذه السنَّة التي تحوي حوالي مائتان ألف حديث، ومجموع السنَّة ستُّ مائة ألف حديث، هذه الأحاديث مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما ترَكْتُ شيئًا يُقَرِّبكم إلى الله تعالى إلا أمرتكم به ))
فأيُّ شيءٍ يُبْعِدُكَ ولو كان بِأدَقِّ الأشياء فالله تعالى نهاكَ عنه، فإذا قلتَ لِصاحِبِكَ والإمام يَخْطُب: أنصت فقد لَغَوْتُ، ولو كانت معك مَسْبَحة فهذه ممنوعة أثناء خطبة الجمعة أو دروس العِلم، حتَّى في علاقتك الزَّوْجِيَّة، واللِّقاء الزَّوجي، وفي الاغْتِسال، وفي قضاء الحاجة ؛ مَنْهَج كامِل اِفْعَل ولا تفْعَل، فلِذلك قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

(سورة لقمان )

تحت هذه الكلمة ضَع كلّ مذاهِب الأرض، وكلّ النَّظَرِيَّات، وكلّ الطُّروح والمُعْطَيات والمذاهب، وكلّ المِلَل والنِّحَل، لماذا ربُّنا سبحانه وتعالى ذَكَر الحقَّ مُفْرَدًا ؟ وذكَر الباطِل جمْعًا ؟ قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]
لأنَّ الباطِل يتعدَّد، كما أنَّ بين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيم واحِد، والثاني فوْقَهُ يأتي، فالحق لا يتعدَّد، والطريق المستقيم واحِد، ولكن يُمْكِن أن ترْسُم ألف خطٍّا مُنْحني انحناء خفيفا، وانحناء أشَدّ، وخطّا مُنْكَسِرا وآخر مُتَعَرِّجا، فالطُّرق المُلْتَوِيَة كثيرة، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]
سأطْرَحُ حقيقة خطيرة ؛ إذا كُنَّا جميعًا على الحق فَلِقَاؤُنا حَتْمي ! إلهٌ واحِدٌ، والنبي فينا واحِدٌ، وسنَّة واحِدة، فإذا تفرَّقْنا معنى ذلك أنّ هناك أهْواء، ومصالِح !
طيِّب لو قُلْتُ: سأسير مِن هذا المسْجِد إلى خطِّ المُهاجِرين على الطريق الفلاني بالسُّرْعة الفلانيَّة، فَكُلّ مَن سار على هذا الخطّ وبِهذه السُّرْعة، فيَجِبُ أن يلتقي معي مائة بالمائة، فَلِقاء المؤمنين إن كان هَدَفُهم واحِدًا، وطريقهم واحِدًا، ووسيلتهم واحِدَة، فاللِّقاء حَتْمي، لذا الخُصومات أساسُها أنَّ واحِدًا يُعْلِنُ أنَّهُ على حق وهو ليس كذلك والثاني على الحق، فالاخْتِلاف هو الذي فرَّق المسلمين، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]
هو الحق خالِقًا، وهو الحق ربًّا، وهو الحق إلهًا، وهو الحقّ مَوْجودًا وكامِلاً، وشَرْعُهُ هو الحق، ومَنْهَجُهُ هو الحق، وسنَّة نبيِّه هو الحق، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((طوبى لِمَن وسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتهوِهِ البِدعة.))

قال تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]
هناك آية قرآنِيَّة تُفيدنا في هذا المعنى، وهي قوله تعالى:

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)﴾

[ سورة البقرة ]
القوَّة مُطْلقة، فقُوَّة الجمال لله تعالى، فقد يسْتَهْويهِ أحْيانًا الإنسان الجمال ! فيَتْرُكُ الصلاة ويلْتَحِق بامرأة، ولكنَّه لو عرف شيئًا مِن جمال الله عز وجل لقال كما قال العارِفُ بالله تعالى:

فلو شاهَدَتْ عَيْناكَ مِن حُسْنِنَا الذي رأَوْهُ لما ولَّيْتَ عنَّا لِغَيْرِنَا
ولو سَمِعَت أذناك حُسْن خِطابنا لَخَلَعْتَ عنك ثِياب العُجْب وجئتنا
ولو ذُقْتَ مِن طعْم المحبَّة ذرَّةً عذَرْتَ الذي أضْحى قتيلاً بِحُبِّنـا
ولو نسَمَتْ لك مِن قُرْبِنا نسْمَةٌ لَمُتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُرْبِنــــا
فما حُبُّنا سَهْل وكلّ من ادَّعى سهولته قلنا له قد جَهِلْتنـــــا
***

العِزُّ عند الله، والمكانة عنده تعالى، والغِنى عنده سبحانه، والله هو صاحِب الشَّأن، وهو الذي يُعطي السَّلام والطمأنينة، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
أحْيانًا الشَّخْص القويّ تقول عنه: هذا يلْزمني وتأخذ رقْم هاتِفِه، والله عز وجل يُؤَدِّبُهُ تأديبًا شديدًا فيتخلَّى عنه، أو في أضْيَقِ الحالات لا يسْتجيب له، أما الذي يَعْتَمِدُ على الله عز وجل فما مِن مخلوق يعْتَصِمُ بي مِن دون خلْقي أعْرف ذلك مِن نِيَّتِهِ فتكيدهُ أهل السماوات والأرض إلا جَعَلْتُ له من بين ذلك مَخْرَجًا، وما مِن مخلوق يعْتَصِمُ بِمَخلوق دوني أعرف ذلك من نيَّتِهِ إلا جَعَلْتُ الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يَدَيْه، ذلك لأنَّ الله هو الحق !
عندنا بالكَون نَظَرِيَّة فلْسَفِيَّة اسْمُها الاثْنَيْنِيَّة، فالكون اثنان ! كيف ؟! هناك حق وهناك باطل، وخير وشرّ، واسْتِقامة وانْحِراف، إخلاص وخِيانة، وإحْسان وإساءة، إنْصاف وظُلْم، ويجب أن تعْتَقِدوا أنَّكم إن لم تكونوا على أحد الخطَّيْن فأنت على الآخر حَتْمًا، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل، وإن لم تكن مستقيمًا فأنت مُنْحرِف، وإن لم تَكن مُحْسِنًا فأنت مُسيء، وإن لم تَكُن مُنْصِفًا فأنت ظالم، هذا هو معنى الآية، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]
فأيَّةُ نظَرِيَّةٍ تتناقض مع القرآن الكريم فَهِي باطِلة، ومعنى باطِلة أيْ زائِلَة فالجدار إن بنيْتَهُ بالشاقول فهذا مصيرُهُ السُّقوط، وإن كان بالشاقول فهذا مصيره البقاء، فَكُلّ بناء باطِل ينْهار، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾

[ سورة التوبة ]
عَمَلُكَ مِن بُنْيانك، وزواجُكَ مِن بنْيانك، وأولادك مِن بُنْيانك واخْتِيار أصْهار مِن بُنْيانَك، وعملكَ مِن بُنْيانَك، وقضاء وقْت فراغك من بنيانك، فَمَن بنى عمله على الرِّبا، وعلى تأجير أفلام مُنْحطَّة ‍! وبنى حِرْفته على الكذب والغشّ والخداع، وبنى بيْته على المعْصِيَة فهذا أسَّس بُنيانه على شفى جرف هار، ويُمْكن أن يتفاجأ أنّ زوْجته قد خانَتْهُ مع هذا الشَّخْص، وكلّ إنسان يتحرَّك حركَةً خِلاف منْهج الله يَدْفَعُ الثَّمَن باهِظًا، والله أيُّها الإخوة، أوَّل خُطبة خطبْتُها سنة الأربع والسَّبعون وأذْكر أنَّ شَخْصًا زارني، وبدأ يبْطي وقال: إنَّ زوْجتي تَخونني منذ خمس سنوات وأنا لا أدْري !! فقلْتُ له مَعَ مَن ؟ فقال لي: مع الجار ! فقلْتُ له كيف عرفها ؟ فقال لي: مرَّةً زارني بالبيت، فقلتُ لها تعالَي إنّ هذا مِثل أخوك !! فلمَّا الإنسان يُخالف منْهج الله يدْفع الثَّمن باهِظًا فهذا أحد سائِقي التاكسي اسْتَوْقفَتْهُ امرأة فقال لها: إلى أيْن ؟ فقالتْ له: لي أين ما تريد ! فَفَهِمَ، واعْتَبَر هذا مَغْنمًا وفُرْصَةً لا تُعَوَّض، وبعدما قضى حاجته أعْطَتْهُ فوق ذلك ظرْفَين الأوّل فيه خمْسة آلاف دولار ! والآخر في رسالة تقول: مرحبًا بِكَ إلى عالم الإيدْز، والخمسة آلاف كانت مُزَوَّرة فَوُضِعَ بالسِّجْن !! لو كان مؤمنًا لركلَها بِقَدَمِه، يا بُنَيّ العِلْم خير مِن المال ؛ لأنَّ العِلم يحْرسُكَ، وأنت تحرس المال، والعِلم يزْكو على الإنفاق، والمال يتلف.
أيها الإخوة، صَعْب على المؤمن المستقيم يقع بِوَرْطَة !! فقد يدخل الإنسان إلى بيْتٍ فيه امرأة واحِدَة، فإذا بِها تصرخ وتدّعي أنَّه أراد أن يفْعل بها ! أما المؤمن لا يمْكِن أن يدخل بيْتًا فيه امرأة لِوَحْدِها ! والمؤمن لا يضَعُ نفسَهُ مَوْضِع التُّهْمة، وهذا خلاف السنَّة، فقد روى البخاري:

(( أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَفَذَا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا))

[ رواه البخاري ]
البيان يطْرد الشَّيْطان وإذا سافر الإنسان بلَّغ الجيران وأنَّه كلَّف ابن أخته أن يأتي للبيْت كي لا يتَّهِمك الناس في عِرْضِك، والشَّراكة بالعَقد مرَّةً سأل مُعاوِية سيِّدنا عمرو بن العاص وكان مِن دُهاة العرَب: فقال له: يا عمرو ما بلَغَ مِن دهائِكَ ؟ فقال: والله ما دَخَلْتُ مدخلاً إلا أحْسَنْتُ الخُروج منه! فقال له: لسْتَ بِداهِيَة ! أما أنا يا عمرو: ما دَخَلْتُ مدخلاً أحْتاج أن أخرج منه إلا أحْسنت الخروج منه ! فأنت إذا انْضبطت، وكانت أمورك وِفْق القانون الشرعي ووِفق البيان، فإنَّك تتجنَّب الشرّ، فأذْكر أنَّ مرةًّ كنت عند صديق في دُكانِهِ، وجاءه زائِرٌ من حلب، وأثناء الجلسة دخلتْ امرأة فرحَّب بها أشَدّ التَّرْحيب فرأيْتُ في هذا الزائِر انْزِعاجًا، فقلتُ له: هذه أُخْتُهُ ! وفِعلاً كانت أخْتُهُ ولكنَّ صاحِب المحل لم يُخْبِرْنا بِهذا إلا بعد خروجها من المحلّ ! فالإنسان إذا بيَّن ارْتاح، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾

[ سورة لقمان ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-25-2018 10:22 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثلاثون من سورة لقمان، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33)﴾

[سورة لقمان]
اتَّقوا ربَّكم أي أطيعوه، أو اتَّقوا عذابَهُ، واتَّقوا سَخطَهُ، اتقوا معصيةً تُفضِي بك إلى النارِ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾

[سورة لقمان]
أحيانا الإنسانُ يعصي اللهَ من أجل ابنه و أحياناً يعصي اللهَ من أجل أبيه، فإذا عصيتَ اللهَ من أجل ابنك ومن أجل ان تؤَمِّن له مالا كثيرا الاِبنُ لا ينفع أباه يوم القيامةِ، عن عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ))

[رواه البخاري]
فقد تقع عينُ الأم على ابنها، تقول له يا بُنيَّ جعلتُ لك صدري سقاءً و حِجري وِطاءً و بطني وِعاءً، فهل من حسنةٍ تنفعني اليومَ من حسناتك ؟ يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنني أشكو مما أنتِ منه تشكين، فالإنسانُ عصى ربَّه من أجل ابنه فلا ينفعه أولادُه يوم القيامة، و إذا عصى اللهَ من أجل والده، والدُه لا ينفعه شيئًا يوم القيامة، سُئل أحدُ الشباب: إلى أين ذاهبٌ ؟ فقال: لأسكرَ على روح والدي، ترك له والدُه مائة مليون الأبُ سيحاسَب كيف جمعها و أنفقها و لم ينتفع بها هو، بل انتفع بها أولادُه، الآيةُ دقيقةٌ جدًّا، أحيانا تقول البنتُ لربِّ العزَّةِ يوم القيامة: يا ربي لا أدخل إلى النار حتى أُدخِل أبي قبلي، هذه الآية للعلاقات الأُسرية.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾

[سورة لقمان]
فلا ينفع الأب إذا عصى اللهَ من أجل ابنه شيءٌ، و لا يشفع الابنُ إن عصيتَ اللهَ من أجله.
هنا نقطةٌ دقيقةٌ ؛ الخيرُ كلُّه في المؤاثرةِ، و لكن لا مؤاثرةَ في الخيرِ و لا أوثِر ابني و لا زوجتي و لا والدي على طاعة ربي، قد يقول الواحدُ: أنا أعصي اللهَ من أجل أولادي، اللهُ يغفر لي، لا مؤاثرةَ في الخير، طاعة الله لا ينبغي أن تؤثر عليها أحدًا، لا أبًأ و لا زوجةً و لا ابنًا، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)﴾

[سورة التغابن]
أولا: " مِن " للتبعيض ؛ أي بعضُ أزواجكم، و قال علماءُ التفسير: هذه العداوةَ ليست عداوةَ حالٍ بل إنها عداوةُ مآلٍ، ولو أن الإنسانَ تحرَّك من هديِ زوجته التي تحب الدنيا و تريد المظاهرَ فكسب المالَ الحرام من أجل زوجته، ويحبُّها في الدنيا، أما يوم القيامة حينما يرى أنَّ طاعتها كانت سببًا في دُخوله النار تنْقلبُ المحبَّة إلى عَدَاوَة قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)﴾

(سورة التغابن)

عداوة مآل، كأن يقْتَرِح الشَّريك على شريكهِ صَفْقة غير نِظامِيَّة ولمَّا اشْتَروا هذه الصَّفْقة وضُبِطَت، وأحيل الشريك إلى السِّجن عندها يكرهُ شريكه فالله تعالى قال:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)﴾

[سورة النساء]
وعَدَنا أن يُحاسِبَنا، ووعدنا أن يسألنا، ووعَدَنا أن يُجيبنا، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
فالله تعالى قال:

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾

[سورة لقمان]
معنى تَغُرَنَّكم ؛ أي لا تُعْطوها حجْمًا فوق حَجْمِها، فالإنسان في بِدايات حياتِهِ يرى المال كلّ شيء، وبعد حينٍ يراهُ شيئًا، أما عندما يحين وقتُ مغادَرَتِهِ يراه ليس بِشَيء، بل الشيء الوحيد هو طاعة الله عز وجل، والحقيقة أنَّ كلٌّ مِنَّا سيَعْرف الحقيقة، ولكنّ مهمَّة التعليم أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، أما مَا مِن مخلوق على وَجه الأرض إلا وسيَعْرِفُ الحقيقة بعد فوات الأوان، وهذه المعرفة لا قيمة لها إطلاقًا، والبُطولة أن تؤمن وأنت شَحيح صحيح قويّ، والبُطولة أن تؤمن قبل أن تمْرض وقبل أن تفْتقر، وقبل أن تهْرَم، فالإيمان سيَحْصل، فهذا فِرعون وآمَن وقال أنا من المسلمين، قال تعالى:

﴿أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾

[سورة يونس]
كل الحقائق التي تُعرض عليكم من خلال آيات كتاب الله سوف تعرفونها معرفةً يقينِيَّة عند الموت، ولكنَّ لا قيمة لِهذه المعرفة، لذا قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33)﴾

[سورة لقمان]
أيها الإخوة، والله الذي لا إله إلا هو ؛ مَن أصْبَحَ منكم مُعافى في جسَدِهِ، عندهُ قوتُ يوْمِهِ، وقد بكى أحد الإخوة حيث قالت له زوْجته ليس عندنا شيء ! فبَكى خشْيةً لله تعالى !! لأنَّ بيوتنا اليوم لا تخلو من الأكل والطَّبخ ولو خبز وزيت، وبرغل، ومعكرونة، فالإنسان المؤمن الصادِق يُعِدُّ العدَّة لهذه الساعة، لذا لا تُعطي الدنيا حجْمًا أكبر مِن حجْمها، وهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[رواه الترمذي]
هناك رجل توفِّي وترك خمْسة أولاد لأخيه، وهذا الأخ له شيْخ فحكى عليه الموضوع، فهذا قال لهذا الأخ: ألم يتْرك شيئًا ؟! فقال له: ترك ما يكفيهم ثمانية أشْهر ! فهذا الأخ مات بعد أربعة أشْهر !! وأذكر أحدهم كانت له غرفة بِمَسْجد، والمسجِد كان سيُوَسَّع، فَقَلِقَ قلقًا غير معقول، فقدَّم طلبات، وَوَعَدُوه بِتَأمين بيتٍ له أفْضل مِن بيْتِهِ ماتَ قبل هَدمِ بيْتِهِ !! فالإنسان يُعطي الأمور حجمًا كبيرًا، وهذا الحجْم يسْحَقُهُ، فالله تعالى:

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾

[سورة لقمان]
وهو الشيْطان، أوْضَح مثل قاضي نزيه جدًّا، قال لك آذِنُهُ قدِّم له هدِيَّة جيِّدة يُعينك، فإذا بالخَصم يفاجئ أنَّ هذا القاضي نزيه، فلم يحْكُم له القاضي لِصالِحِهِ، وهكذا هو دَور الشَّيطان، يقول لك: لا تُدَقِّق، والله غفور رحيم، والنبي يشْفع ! فهذا كلام الشَّيطان فالشيطان يريد أن يغرّ الإنسان، فالشيطان يَعِدُ ويُمَنِّي، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[سورة إبراهيم]
فالشيطان يُمنِّي، ويَعِدُ، ويُخَوِّفك، ويعِدُكَ الفقر ويأمرك بالفحشاء قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)﴾

[سورة النساء]
لذلك ابن عمر دينَكَ دينَكَ ؛ إنَّه لحْمُكَ ودَمُكَ، خُذْ عن الذين اسْتَقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
فهذه الآية دقيقة، أحدهم أخذ غرفةً بِشارع برْنِيَّة، والبيت بأعلى كِسوَة، ولكن هذا الإنسان له أذْواق أرْقى مِن هذه، فأعاد البيت على الهَيْكل، قلِعَت النوافِذ، وكُسِر البلاط، وبعد سنَتَين من العمل وبعدما انْتَهَت الكِسوة الجديدة توفَّاهُ الله بعد أسبوع ‍‍!!
وأحدهم كما يُحَدِّثنا أحد إخواننا، طلب منه أن يصْنَعَ غرفة نوم، فبَقِيَ المشتري سِتَّة أشْهر كي اسْتَقَرَّ على غرفةٍ أعْجَبتْهُ، وتابعني سنة حتَّى انْتَهَت، وبعدها لم يأت ليأخذها، فاتَّصل به، فإذ به يسْمع ضجيج ! قال: أين صاحب هذه الغرفة فقيل له: لقد توفّي !! وآلاف القصص ما انسكنتْ، وشهادات لم تُسْتَعمل، ومنْصب لم يصِلْهُ، لذا لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، والدُّنيا تغُرّ، وتضرّ، وتمرّ، وهي دار مَن لا دار له ولها يسْعى مَن لا عَقْل له، فهذه هي الآية:

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾

[سورة لقمان]
والله تعالى يقول:

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[سورة الزخرف]
وقال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾

[سورة الكهف]
أذكر قبل عشرين سنة أنَّ أحد الأصدِقاء أخذني إلى حلب وأراني حيًّا اسمه الشَّهباء ؛ هذا الحيّ شارع المالكي يظهر كالكوخ أمامه، فيلات أشكال وأنواع، لفتَ نظري فيلا على النَّمَط الصيني، فقال لي: هذه كلَّفت سنة الأربع والسَّبعين خمسة وثلاثون مليون، واليوم ثمنها سبعمئة مليون، تُوُفِّي صاحبها في الثانيَة والأربعين، وكان طويل القامة ولمَّا وُضِعَ القبْر وُضِعَ مُعْوجًّا ‍‍‍!! فالعِبرة الفرَح بالطاعة وطلب العلم ومال تنْفقُهُ في سبيل الله، أما الاعْتِناء بالدنيا فهذا كزبد البحر،
فعن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

(( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئً ))

[رواه البخاري]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي))

[رواه البخاري]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى))

[رواه البخاري]
وقال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾

[سورة الزمر]
قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾

[سورة لقمان]






والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-25-2018 10:23 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، بعض الأئمَّة رأى في المنام ملَكَ الموت، وأظُنُّه الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقال يا ملَكَ الموت كَم بَقِيَ لي من عمري ؟ فأشار إليه ملَكُ الموت هذه الإشارة ؛ خمسة ! فلمَّا اسْتيقظ الإمام مالِك ازْداد قلقًا ! يا تُرى خمسُ سنواتٍ أم خمْس أشْهر أو خمسة أيَّام أم خمْسُ ساعات، فذَهَب إلى الإمام ابْنِ سيرين رحمه الله وكان عالِمًا في تفسير الأحلام، فقال له هذا الإمام: يا إمام، يقول لك ملَكُ الموت، إنَّ هذا السُّؤال مِن خمْسة أشياء لا يعْلمها إلا الله ! لأنَّ الله سبحانه وتعالى في الآية الرابعة والثلاثين والأخيرة مِن سورة لقمان يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾

[سورة لقمان]
بعض العلماء المُعاصرين أجْرَى حِسابًا على الكمبيوتر، فَوَجَدَ أنَّ كلّ أرقام القرآن الكريم من آيات وأرقامها، وعدد الآيات والأحرف يقْبَلُ القِسْمة على تِسْعة عشر ؛ إلى حدٍّ ما قَبِلْنا منه ذلك ! ثمَّ فاجأ الناس بِمُحاضَرة في مِصْر أنَّه يعْلَمُ متى يوْم القِيامة !! فانْسَحَب الناس كلُّهم من المُحاضرة، لأنَّ الله عنده علم الساعة.
أما المَطَر، فالحقيقة أنَّ الله تعالى ثبَّتَ أشياء، وحرَّكَ أشياء، نحن لا نقْلقُ من أجلها، فالله تعالى ثبَّتَ دوْرة الأرض حول نفْسِها، ونحن لا نشْكو مِن عدم وُجود ليل أو نهار، فالليل والنَّهار مُنْتَظِمان، فَدَورة الأرض حوْلَ نفْسِها ثابِتَة، ودَوْرتها حوْل الشَّمس ثابِتَة، ومُمْكِن أن تعرف قبل ألف عامٍ متى كان شُروق الشَّمس يوم كذا وكذا ؟ فهذه الأشياء ثابِتَة، ولكنَّ الله تعالى حرَّكَ المَطَر، فالأمطار تُشْبِه أرْقى آلة ولكنَّ مِفْتاح التَّشْغيل بِيَدِ الله عز وجل، فآلِيَة المَطَر دقيقة جدًّا، ووِفْقَ أدَقِّ القوانين العِلْميَّة، ولكن متى يسْمح الله لِهذه القوانين أن تعمل أم لا ؟ بيَدِ الله عز وجل، لذا وَجَد العلماء الآن - وهو شيءٌ مُدْهِش - أنَّنا إذا جَمَعنا كمِيَّات الأمطار التي تهْطل في العالم، استَطَعنا أن نأخذ إحْصاءات دقيقة جدًّا، سوف ندْهش أنَّ الأمطار التي تهْطُل في كلِّ عامٍ لا تزيد ولا تنْقص، ولا ميلي مِتر، إلا أنَّها تتوزَّع، ولو دُهِشْتُم أكثر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

(( لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَعْنِي عَامًا أَخْصَبَ مِنْ عَامٍ وَلَا أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَخِيَارُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا وَيَجِيءُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ ))

[رواه الدارمي]
على مسْتوى الأرض، فمرَّة بأوروبا الجفاف، ومرَّة بإفريقيا، ومرَّة بالشرق الأوسَط، وسُيول في مِصْر أما لو جَمَعتَ كمِيَّة الأمطار التي تهْطل في العالم لوَجَدتها واحِدَة والنبي صلى الله عليه وسلَّم لا ينْطِق عن الهَوى، ولو سألت أصحاب الأرصاد الجَوِيَّة الآن لقالوا لك أنَّ نِسَب الأمطار في العالم واحِدَة إلا أنَّها تخْتلف مِن بلدٍ لآخر.
قال تعالى:

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

[سورة لقمان]
دِقَّة هذه الآية في حرْف ما، لو أنَّ الله عز وجل قال: ويعْلم مَنْ في الأرحام ! فهو تعالى يعْلم ذَكَرًا أو أنثى ! لكنَّ الله تعالى قال: مَا في، تُفيد الإطلاق، فالحُوَين المنَوِي عليه خمسة آلاف مليون معْلومة مُبَرْمَجَة، وأرقى عِلْم الآن على الإطلاق في الطِّب ؛ الهَنْدسة الوِراثِيَّة ! لأنَّ كلّ حالات الإنسان راجِعَة إلى مُوَرِّثاتِهِ، فالذي معه الكولِسترول يكون معه خطأ بالمُوَرِّثات، والذي عنده ضَغْط مرْتَفعِ فقد يكون وِراثة، فهذه الأعراض الطارئَة لها أصْل في المُوَرِّثات وحتَّى الآن وصَلوا ثمانِيَة مُوَرِّث إلى خمْسة آلاف، ماذا قال الله عز وجل:

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة]
فإذا شاء لنا أن نعلم بعض المُوَرِّثات، فهو الذي شاء وسَمَح لنا أن نعلم، وهذا لا إشْكال فيه، لأنّ الإنسان لا يسْتطيع أن يعْلم شيئًا لم يشأْهُ الله تعالى، فالاختراع أساسُهُ الإلْهام، أحَدُ العلماء الذين اخْتَرَعوا بعض المُخترعات، واسْمُهُ أَدِسُن قال: العَبْقَرِيَّة تِسْعٌ وتِسْعون منها عَرَق ! وواحِد بالمائة منها إلْهام، فلا يوجَد عالِمٌ اكْتشَفَ شيئًا إلا وأُلْقِيَ في روعِهِ، فالاخْتِراع والاكْتِشاف والإبْداع هِيَ إشْراقة من الله عز وجل، لأذلك قال تعالى:

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة]
لا يسْتطيع الإنسان أن يعْلَمَ شيئًا ما أرادَهُ الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى قال:

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

[سورة لقمان]
ولم يقُل مَنْ ! فالمولود الذي يولَدُ لك ؛ هل تعلم أنَّه سيَكون عبْقَرِيًّا ؟ أم مُخْتَرِع ؟ أم أكبر داعِيَة للدِّين ؟ أم مُجْرِما ؟ أم مُستقيما ؟ أم مُنْحَرِفا ؟ وهل هو عَصَبِي المِزاج ؟ أم هادئ المِزاج ؟ فالخمسة آلاف مليون مُوَرِّث لا يعلمها إلا الله، فهؤلاء العُظَماء الذين تَركوا بصَمَات في الحياة أجْهَدوا أنفسهم، لذلك الأنبياء وحْدهم لهم بالحياة إرْهاصات أي مُعْجِزَة مُبَكِّرة، كي لا يتفاجَىء الناس، فهذا النبي أُعِدَّ لِيَكون نبيًّا فسيِّدُنا عيسى وهو في المهْد قال: إنِّي عبْد الله ! فهل هذا معْجزة ؟ لا وإنَّما إرْهاص ؛ أيْ إشارة مُبَكِّرة إلى نُبُوَّتِهِ.
فالله عز وجل قال:

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

[سورة لقمان]
ألم يكن طِفلاً صغيرًا، فَمن يعْلم مصير الإنسان ؟ لا يعلم الغَيْب إلا الله، أما إذا عرفوا أنّ الجنين ذكر أم أُنثى ! فهذا لا يتعارَض مع النص القرآني، لأنَّ الله عز وجل قال:

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة]
وأنا من دون جِهاز أعرف إن كان ذكرًا أم أُنثى !.
قال تعالى:

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾

[سورة لقمان]
نحن لا نعرف المستقبل ولا يعْلم الغيب إلا الله، ومن ادَّعى الغيب فَهُوَ دجَّال، وقد قال عليه الصلاة والسلام،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

[رواه أحمد]
فلا يعلم الغيب إلا الله قال تعالى:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾

[سورة الاعراف]
قد يقول الواحد مِنَّا: لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حكى مئات الأحاديث عن يوم الساعة ! فالجواب: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يعْلم الغيب بذاتِهِ إلا أن يُعْلِمَهُ الله، فكلّ حديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام وعن أشْراط الساعة، وعن قِيام الساعة ليس مِن عِلمهِ الذاتي ولكن مِن إعلام الله له.
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾

[سورة لقمان]
يرْوا قِصَّة رمْزِيَّة أنَّ سيِّدنا سليمان كان عنده رجل، وملكُ الموت، وكان ملك الموت يُحِدُّ النَّظَر إليه، فسأل الرجل سليمان: من هو الرجل ؟ فقال: هذا ملكُ الموت ! فترجَّى سليمان أي يأخذه إلى طرف الدنيا الآخر، فنقَلَهُ إلى الهِنْد ! وبعد يوْمَين مات بالهِند، ولمَّا التقى سيِّدنا سليمان بِمَلك الموت: فقال عَجِبتُ لك: لِمَ كنتَ تنْظر إليه هكذا ؟ فقال ملك الموت: أنا معي أمْر بِقَبض روحِه بالهِنْد، فما الذي جاء بِهِ إليك ؟!! فالإنسان قد يموت بِبَلَدِهِ أو بالغُربَة، أو بِمَكَّة أو المدينة فأنا كنت أعرف أخًا مِن إخواننا الدُّعاة إلى الله، فاجْتَمَعتُ معه في بيتٍ وتحادَثنا، وبعدها خرج، وما إن خرج حتَّى وجَدَ أحد الإخوة يطلبُ منه أن يأخذهُ بِسيَّارتِهِ إلى بيتِهِ، فهذا الأخ لمَّا وصل إلى البيت دَخَل بيتَهُ، ونزَع ثِيابَهُ وتسطَّح على فِراشِهِ، وانتَقَلَ إلى الرفيق الأعلى ! فهذا سبحان الله لو بَقِيَ دقائق ينتظر فيها التاكسي لمات بِها ! لذا قال تعالى:

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾

[سورة لقمان]

لكنَّ النبي الكريم يقول:

((صنائِع المعْروف تقي مصارِعَ السوء ))

فقد يكون الإنسان بفِراشِهِ أمام أهْلِهِ وأولاده، وبين أن يموت بالطريق أو حتَّى بالمرحاض !.
قال تعالى:


﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾

[سورة لقمان]
هل ستَكون فقيرًا أم غَنِيًّا ؟ تتزوَّج أم لا ؟ تنْجب أولادًا ذكورًا أم إناثًا ؟ أم عقيمًا ؟! فلا أحدَ يعْلم.
فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾

[سورة لقمان]
كان هناك رجل شاب له دُروس ناجِحَة، فانْزَعَجَ أحد الكِبار الذين انْصَرَف الناس عنهم، فجاء أحد الكِبار لِيُغيظَهُ، فحضَرَ درْسَهُ وبعد أن انتهى ؛ وقفَ وقال له هذا الكبير: يا هذا، هذا الكلام ما سَمِعناهُ مِن أحَدٍ !! فقال له الفتى: أَحصَّلْتَ العِلْم كلَّهُ ؟! فقال: لا فقال الفتى: هذا مِن الجُزْء الذي لم تُحَصِّلْهُ ! قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)﴾

[سورة الإسراء]
وإذا تقدَّمتَ علمِيًّا، وعلِمَ العامَّة تقدُّمَكَ، فالله هو الذي شاء لهم أن يعْلموا تقَدُّمَكَ العِلْمي، والآية واضِحَة.

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة]
فإذا سمَحَ الله فلا مشْكِلة في هذا.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-25-2018 02:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم آيات محكمات قطعية الدِّلالة لا يختلف فيها اثنان و لا تحتاج إلى تفسير، لا تحتاج لا إلى زمخشري و لا إلى قرطبي و لا إلى جلالين، بلسان عربيٍّ مبين، قطعيةُ الثبوت واضحة الدلالة، سأُطَمئِنكم أنَّ كلَّ آيات التكاليف ؛ افعَلْ و لا تفعلْ واضحة الدلالة و قطعية الدلالة لا لُبسَ فيها، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(52)﴾

[ سورة يوسف ]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103)﴾

[ سورة النساء ]
قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
لو تتبَّعتَ آيات القرآن الكريم التي تتعلَّق بالأمر والنهي ؛ أي بالتكليف -والإنسان أيُّها الإخوة لا يُحاسب حينما يلقى الله إلاَّ على التكليف ولو سُئِل الإنسان كم نجوم السماء وقال: لا أدري، هل يدخل النار؟ أبدًا حتَّى لو توهَّم أنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض ؛ بحَسَب عينه التي في رأسه، هل يُحاسَب على هذا التوهُّم ؟ لا، لكنْ يُحاسَب إذا كذب، أو أكل مالاً حرامًا - فالأصل هو التكليف، و آيات التكليف واضحة لا لبس فيها، ولكنْ لحكمة َبالغة ورد في القرآن الكريم آياتٌ متشابهات، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)﴾

[سورة آل عمران]
بعضهم وقف عند كلمة " الله "، وبعضهم وقف عند كلمة "والراسخون في العلم " و الفصل بين هذين الرأيين، هو أنَّ الآيات المتعلِّقة بذات الله لا يعلم تأويلها إلاَّ الله، والآيات المتعلَّقة بدينه يعلم تأويلَها اللُه و الراسخون في العلم، لذلك نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نخوض في ذات الله وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا ذُكر القدرُ فأمسِكوا" إذًا لا يعلم تأويل الآيات المتعلِّقة بذات الله إلاَّ الله، مثلاً: قال تعالى:

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)﴾

[سورة الفجر]
أين ؟ وكيف يأتي؟ صار هناك مكان وحركة وانتقال مِن مكان إلى مكان، هذه الآية مُتعلِّقة بذات الله
السَّلف الصالح على أربعة اتِّجاهات ؛ اتِّجاهان سليمان واتِّجاهان فاسِدان الأوَّل أن تَكِلَ تفْسير هذه الآية إلى الله تعالى وترْتاح، كلُّها خمسة آيات:

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)﴾

[ سورة الفجر ]
وقوله تعالى:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة الفتح ]
وقوله تعالى:

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾

[ سورة الحديد ]
هذه مِن الآيات المُتَعلِّقَة بِذات الله تعالى، فهذه تَدَعُ تأويلها إلى الله وهناك رأيٌ آخر، وهو أن تُؤوِّلَها وِفْق ما يليق بِكَمال الله جاء ربُّك أيْ جاء أمْرُهُ، إنسان ظالم يأكل أموال الناس ويظلمهم، وهو في أكْمَل القوَّة، فالله عز وجل يُرْخي له الحَبْل، ثمَّ يبْطِشُ به، فحينما يبْطِشُ به، نقول: جاء أمر الله أي جاء التَّنفيذ، أحيانًا جِهَة قوِيَّة تُمِدُّ لإنسان مَشْبوه، وتتغافل عنه مِن أجل أن تعرف كلّ حركاتِهِ، وكلّ اتِّصالاته فإذا أُدين بالجرم المَشْهود أُلْقِيَ القبْض عليه، فهذا هو معنى وجاء ربُّك ! يُمْهِل، ويمُدّ للظالِمِ مدًّا، ويسْمَحُ له أن يتحرَّك مِن أجْل أن يأخذ كلّ أبعادِهِ، وبعد أن تتَّضِحَ وِجْهتُهُ، وينتهي مِن قصْدِهِ، ويأخذ كلَّ مطالبِهِ يجيء أمْر الله فيبْطشُ به، قال تعالى:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[ سورة البروج ]
فالله عز وجل لهُ يَدُ، وهي القدْرة، وسَمع و بصر وهو العلم، أنت كلَّمتَ يعني عَلِم أي سمع , إن تحرَّكتَ رآك ؛ يعني عَلِم، وإن خطر ببالك خاطر فإنَّه يعلم ذلك، فالسمع والبصر مشتقٌّ مِن علم الله عز وجلَّ فإمَّا أن تُفوِّض وإمَّا أن تُأوِّل، مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل، أمَّا إذا جسَّدتَ فقلتَ مثلاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))

[ رواه البخاري ]
كما أنزل أنا، أو عطَّلت هذه الآيات فقلتَ: هذه الآيات هي عين ذات الله عز وجل فقد وقعتَ في عقيدة زائغة أمَّا إذا جسَّدتَها وعددْت سمع الله وبصره ومجيئه وذاته ونفسه ووجهه، عددت هذه الآيات منفصلة عن ذات الله جسَّدتها و أشركتَ، فالإنسان إذا جسَّد أشرك وإذا عطَّل أَلْحَدَ، أمَّا إذا فوَّض ارتاح وإذا أوَّل نفَعَ، إذًا هناك آيات محكمات بيِّنات لا لُبْس فيها هي حُجَّة الله على ابن آدم وهناك آيات تحتاج إلى تأويل أو إلى تفويض، و حرام أن نجسِّد و حرام أن نعطِّل.
في سورة السَّجدة آية متشابهة إنْ أخذتَ بظاهرها ظنَنْتَ بالله ظنَّ السوء، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

[ سورة السجدة ]
لو حرف امتناع لامتناع، أي امتنع أن نُؤتيَ كلَّ نفس هداها لامتناع مشيئتنا عن ذلك، يعني أنَّ الله ما شاء أن يهديَنا، مثلاً: أنشأنا سجنًا مركزيًّا ممتازًا لكنَّه فارغ، فأقمنا حاجِزًا في الطريق و كلُّ مَن نمسكه نأخذه إلى ذلك السجن، هل يُعقل هذا المعنى ؟ هل يليق هذا المعنى بذات الله؟ قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180)﴾

[ سورة الأعراف ]
أين حسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنَّة ؟ هذه آية متشابهة، هذه الآية هي التي عناها الله بقوله تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾

[ سورة الفرقان ]
و قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾

[ سورة النحل ]
فمثلُ هذه الآيات لا ينبغي أن تفهمها على ظاهرها، وهذه الآيات أيضًا فيها امتحانُ الله لعباده، نضرب مثلاً لذلك: صحابيٌّ جليل قال: أنا أصلِّي بغير وضوء، وأنا أفِرُّ مِن رحمة الله، وأكره اليقين، وأحبُّ الفتنة، و لي في الأرض ما ليس لله في السماء صحابيٌّ قال مثل هذا الكلام أمام سيِّدنا عمر، فضجر عمر مِن هذا الكلام، قال: ماذا يقول هذا ؟! قالوا: إنَّه يصلِّي على النبيِّ بغير وضوء ويحبُّ الفتنة و قد قال تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)﴾

[ سورة التغابن ]
و يفِرُّ مِن رحمة الله ؛ مِن المطر، ويكره اليقين وهو الموت، طمعًا في العمل الصالح، وله في الأرض زوجةٌ وولدٌ ما ليس لله في السماء هذا التأويل، فحينما يتعارض المنقولُ مع المعقول نُأَوِّل، فإذا قال لك رجلٌ: في بيتنا زهرةٌ تلعب، معناها في بيتنا طفلٌ جميلٌ جدًّا كالزَّهرة تلعب، فهناك قرينة مانعة لفهم المعنى الحقيقي، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(8)﴾

[سورة النمل]
هذه نار الحُبِّ، لأنَّ في اللغة مجازًا، وهذا مِن مجاز القرآن الكريم، يحتاج إلى تأويل و إلى تفسير و توضيح، هذا معنى قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾

[ سورة النحل ]
و هذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾

[ سورة الفرقان ]
فقوله تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾

(سورة السجدة )
مثْلُ هذه الآية عشرات، قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾

[سورة الرعد]
و قال تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾

[ سورة السجدة ]
ولكنَّ الله لم يَشَأ، فكيف تفسِّر هذه الآيات بما يليق بكمال الله و رحمته وعفوه، العلماء قالوا: الإنسان مُخيَّر، وحينما يفعل بعض السيئات يعزوها إلى الله، على قول العامة من الناس: كلٌّ شغلُ سيِّدك ! وهذا الكلام كفر، الإنسان يقترف المعاصي ثم يقول: هكذا قدَّر الله عليّ ! فالإنسان المُخَيَّر حينما يَعْزو أعْمالهُ السيِّئة إلى الله، فالله أجابه عنه هذا قال تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾

[ سورة السجدة ]
فلو شئْنَا أن نُجْبِرَكم على عمل قصري كما تدَّعون لما أجْبرْناكم إلا على الهدى، فالهُدَى القصْري لا يسْتفيد منه الإنسان شيئًا، مُدير جامعة لو أراد أن ينْجح كلّ طلاب الطِّب ! فهل يسْتطيع ؟! نعم يستطيع، يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبًا عليها الإجابة الصحيحة ثمَّ يعطيك علامة مائة على مائة وتُكتَب عليها أسماء الطلبة، هل لهذا النجاح قيمة عند الناس وعند الناجحين وعند إدارة الجامعة ؟ لا قيمة له إطلاقًا والدكتوراه الفخرية لا قيمة لها، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾

[ سورة السجدة ]
أي أنَّ هذه الأفعالَ محضُ اختياركم ومِن كسبكم و سوف تُحاسبون عليها، و ليست مِن إجبار الله لكم، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[ سورة الأعراف ]
فيا أيُّها الإخوة الأكارم ؛ هذه الآية متشابهة ؛ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، أي: يا عبادي لو زعمتم أو توهَّمتم أنَّنِي أجبرتُكم على المعاصي فأنتم واهمون، ولو أنَّني أجبرتكم على شيء ما لمَا أجبرتكم إلاَّ على الهدى، ولو شئنا أن نجبركم و نحملكم على شيء ما و نأخذ منكم إرادتكم الحُرَّة لآتينا كل نفس هداها.

﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾

[ سورة السجدة ]
لكنَّ هذه الأفعال التي تفعلونها هي محض اختياركم ومن كسبكم و سوف تُحاسبون عليها، والعمل السيئ جزاءه جهنَّم، فالإنسان إذا أوَّلَ بما يليق بكمال الله فهو دليل حسن إيمانه.
هناك حديث مشابه لهذه الآية قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ رواه البخاري ]
هذا الحديث في ظاهره مرفوض، أي لو لم تُحِسُّوا بذنوبكم، لأنَّ المؤمن ذنبه كالجبل جاسم على صدره، والمنافق ذنبه كالذبابة، فحينما لا تحِسُّون على ذنوبكم، معنى ذلك أنَّكم هَلكى يوُشِك أن يذهب الله بكم أمَّا إذا أذنب الواحدُ فاستغفر وبكى ودفع صدقةً وصحَّح معنى ذلك أنَّ قلبه حيٌّ، فحينما يتعارض المنقوُلُ مع المعقول نُأوِّل المنقولَ بما لا يخالف المعقول.




والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-25-2018 02:37 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية ا لخامسة عشرة و السادسة عشرة من سورة السجدة وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾

[ سورة السجدة ]
أيُّها الإخوة، آية أخرى تقول:

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(50)﴾

[سورة المرسلات]
كأنَّ الله سبحانه وتعالى يرسم لنا طريقًا واحدًا إجباريًّا لمعرفته، فبأيِّ حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟ في الحقيقة، الإنسان كما كنتُ أقول كثيرًا إذا لم يعرف الآمرَ و عرف الأمرَ تفنَّن في التفلُّت مِن أمره أمَّا إذا عرف الآمر ثمَّ عرف الأمر تفانى في تطبيق أمره، الجنَّة تحتاج إلى طاعة، والطاعة لا تكون إلاَّ بمعرفة الآمِر، فإذا أغفلنا معرفة الآمِرَ، فأغلبُ الظنِّ أن لا نُطيع الله عز وجل، لأنَّ شرفَ الأمر بشرَف الآمر، فالإنسان لا يُعدُّ مؤمنا بآيات الله إلاَّ إذا كانت حالتُهكما هي هذه الحال، إذا تُلِيت عليه خرَّ ساجدًا،والسجود له معنيان، له معنى ظاهري مثل أن يكون الإنسان واقفًا فسجد، هذا شكلٌ ظاهري، أمَّا السجود الحقيقي أن تخضع نفسُه لعظمة خالقها و قد ورد في الحديث القدسي: ليس كلُّ مُصَلٍّ يصلّي، إنَّما أتقبَّل الصلاةَ لِمَن تواضع لعظمتي، وقد ورد في القرآن الكريم:

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾

[ سورة الحاقة ]
لِمَ ؟ قال تعالى بعد ذلك:

﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾

[ سورة الحاقة ]
ما قال الله: إنه كان لا يؤمن بالله " و سكت، و غالب الظنِّ أنَّه كان يؤمن بالله، و لكن، بالله العظيم، فما عظَّم الله و ما عظَّم أمره، فما أطاعه، فاستحقَّ النار،، فكأنَّ التركيز على الإيمان بالله العظيم، الذي يحتاج إلى معرفة خلقه، لذلك:

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾

[ سورة السجدة ]
فحالته النفسية أنَّه خضع لله عز وجل، ما تقول في مجرَّةٍ تبعد عنَّا ثلاثمائة ألف مليار سنة ضوئية، فهذا الذي خلق الكون هو نفسه الذي أنزل القرآن، فبقدر ما تتأمَّل في السماوات و الأرض و بقدر ما تقف عند دقائق صنعة الله عز وجل و عجيب قدرته تستطيع أن تعظِّمه، و أن توَحِّده و أن تنصاع لأمره،

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾

[ سورة السجدة ]
الكِبْرُ أيُّها الإخوة ما هو ؟ أحد الصحابة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدُنا يحبُّ أن يلبس الثياب الحسن أهذا كبْر؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[رواه مسلم]
بطر الحق أن ترُدَّ الحق و تستكبر عن الحق، أمَّا المؤمن تحت الحق خاضعٌ له، فنفسُ غيرِ المؤمن تُعظِّم صنعة الإنسان، لكنَّ نفس المؤمن تعظِّ صنعة الواحد الديَّان، نفس المؤمن ممتلئة بتعظيم صنعة الله، فلذلك إذا أعطاك المؤمن آيات في حياتنا و في النبات وفي الحيوان وفي الطعام والشراب هذا من تعظيم المؤمن لربِّه، وليس كلُّ مُصلٍّ يصلي، إنما أتقبَّل الصلاة لمَن تواضع لعظمتي وكفَّ شهوته عن محارمي و لم يُصِرَّ على معصيتي و أطعم الجائع وكسى العريان ورحم المُصاب و آوى الغريب، كلُّ ذلك لي، أي مخلصًا، فهؤلاء المؤمنون الصادقون الذين قال الله عنهم:

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾

[ سورة السجدة ]
ومعنى سبَّحوا ؛ قال العلماء: نزَّهوا و مجَّدوا و صلُّوا، نزَّهوا الله عن كلِّ ما لا يليق به، هذا جزءٌ من التسبيح، ثمَّ مجَّدوا الله بأسمائه الحسنى و أفعاله و كمالاته وهذا من التسبيح ثمَّ اتصل به وهذا من التسبيح، نزَّه ومجَّد واتَّصل، وسبَّحوا بحمد ربهم" وكلمة بحمد ربهم تعني أنَّ كلَّ ما فعله الله يُحمَد عليه فالكون كلُّه تجسيدٌ لفضل الله، لكن قد يقول أحدُكم: والمصائب و الأمراض و المجاعات والزلازل والبراكين و القهر ؛ أشياءٌ مخيفة قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65)﴾

[ سورة الأنعام ]
الحقيقة أنَّ كلَّ ما في الكون يدعو إلى أن تحمد الله عز وجل، لكنَّ المصائب لها تفسير بسيط كنتُ ذكرتُه سابقًا، وهو أنَّ هذه السيَّارة لماذا صُنعت في الأصل ؟ مِن أجل أن تسير، أليس الأمر كذلك ؟ هل يُمكن أن تُلغِيَ المحرِّك من السيَّارة ؟ و يبقى اسمها سيَّارة ؟ لا صُنِعتْ مِن أجل أن تسير، لماذا زُوِّدت بالمكابح ؟ والمكابح تتناقض مع سرِّ صنعتها، لأنها توقفها لسلامتها، والمصائب كلُّها يمكن أن تشبِّهها بالمكابح، فسعيًا وراء سلامة الإنسان تأتيه المصائب تكبح جِماحه ومعصيته و كِبْره وغفلته وتفلُّتَه، لهذا سمَّاها الله عزوة جل في كتابه بالنِعم الباطنة، قال تعالى:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾

[ سورة لقمان ]
أكثر الناس الذين اصطلحوا مع الله والذين أقبلوا عليه و نعموا بقربه لعلَّ اصطلاحهم معه بسبب مصيبة ساقها الله لهم، وقد قيل: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة، وقال ابن عطاء الله السكندري: رُبَّما أعطاك فمنعك و رُبَّما منعك فأعطاك، ومنعُ الله عينُ العطاء، هذه الآية الكريمة لو تأمَّلها الإنسان، قال تعالى:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾

[ سورة البقرة ]
في القصص المأثورة أنَّ رجلاً من أهل المدينة تزوَّج امرأةً فلمَّا دخل عليها لم تُعجِبه، فقضى ليلته الأُولى وفي صبيحة اليوم الأوّل من عرسه هام على وجهه متألِّمًا أشدَّ الألم مِن هذه المرأة التي لم تكن في مستوى طموحه، ويبدو أنَّ هذه المرأة صالحة وذكية، قالت له كلمة: يا فلان قد يكون الخير كامنًا في الشر " يعني إذا توهَّمتَني شرًّا فقد يكون الخير فِيَ، غاب هذا الزوج عن المدينة عشرين عامًا هائمًا على وجهه، ثم عاد إلى المدينة، و السُّنة أن يصلِّيَ قبل دخول بيته، فدخل إلى المسجد فإذا درسٌ فيه، فحلَّق حول المدرِّس أُلوف، سأل مَن هذا؟فقالوا له: هو مالك بن أنس، فعرف أنَّه ابنه، فقال: يا سيِّدي قل لأُمِّك: إنَّ بالباب رجلاً يقول لكِ: قد يكون الخير كامنا في الشر، قالت: يا بُنَيَّ هو أبوك، فأحيانًا الإنسان يتزوَّج امرأةً لا تعجبه فيرزقه الله منها الذريَّة الصالحة، فالإنسان عليه أن يستقيم و الباقي على الله و الاستسلام لله مُريحٌ كثيرًا، ولا بُدَّ أن تعرف أنَّ زوجتك قدرُك أولادُك قدرُك و حرفتك قدرُك، وليس في الإمكان أبدعُ ممَّا كان، مرَّة دخل إنسان على رجل رفيع فقال: أنت قدرُنا، إمَّا أن نصبر عليك و إمَّا أن تصبر علينا، و أولادك وزوجتك ومَن حولك هو قدَرُك، فلمَّا يوقن الإنسان أنَّ الله حكيم و رحيم، وهذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء و منزل طرَحٍ لا منزلُ فرح، ومَن عرفها لم يفرح لرفاه ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دارَ بلوى و جعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا وجعل عطاء الآخرة مِن بلوى الدنيا عِوضًا , يأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، هذا هو الاستسلام لله عز وجل.

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)﴾

[ سورة السجدة ]
ثم قال تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

[ سورة السجدة ]
الإنسان يكون نائمًا نوما عميقًا على فراش وسيم في غرفة دافئة مطمئنًّا، ثم يؤذِن للفجر فينزع اللحاف عنه و يستيقظ، وهو معنى تتجافى، هذا المعنى الضيِّق، فالإنسان إذا أراد أن يصلِّيَ الفجر في وقته فعليه أن يستيقظ، طبعًا الجسد يدعوه إلى أن يبقى نائمًا، والمعنى الواسع لهذه الآية هو عدم الرُكون إلى الدنيا، هناك إنسان يحبُّ أن يرتِّب أموره أكثر مِن المعقول فيعتني عناية بالغة، حتَّى يُفاجأُ بمَلَك الموت على الأبواب، فالدنيا تغُرُّ وتضُرُّ و تمُرُّ، وهي مغامرة يجعل فيها الإنسان كلَّ مكتسباته، ويقولون: لا تضع البيض كلَّه في سَلَّة واحدة، فالغافل عن الآخرة وضع كلَّ مكتسباته في الدنيا فهذا مُقامر ومُغامِر،قال تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

[ سورة السجدة ]
لا يَركن للدنيا، لأنَّ الإنسان أحيانًا إذا تحصَّل على بيت جديد ترك دروس العلم، حتَّى يفرح بهذا البيت الجديد، لأنَّ استراتيجيَّته سرورُه أمَّا المؤمن فاستراتيجيتُه العمل الصالح،

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

[ سورة السجدة ]
لا يركن، لأنَّ الركون إلى الدنيا خطير، فالإنسان يرتاح للملذَّات و الطعام و النعيم و النساء وينسى الآخرة حتَّى يأتيه الموت فجأةً فيُقلِق راحته، قال تعالى:

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾

[ سورة الطور ]
المعنى الضيِّق ؛ النائم استيقظ لِيُصلِّي، والمعنى الواسع ؛ أن لا يركن إلى الدنيا و لا يطمئِنُّ لها، مرَّةً مِنَ المرات كنتُ في منطقة جميلة عند صديق له بيتًا فخمًا، فقال لي: هنا كان والدي، والبيت فيه كلَّ ما لَذَّ وطاب، المسبح والمناظر على سفح البحر، بموقع لا يُوصَف، مُزوَّدة بكل أشجار الفاكهة، ثم قال لي: جاءتْهُ أزمة قلبية فمات هنا والدي فتركتْ هذه القصة في نفسي أثرًا، أنتَ في أجمل مكان و تأكل ألذَّ الطعام و تجلس مع مَن تحب، فهل يدوم لك هذا ؟أبدًا لا يدوم، فعليك أن تبحث عن عمل ينفعك عند لقاء الله عز وجل،

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

[ سورة السجدة ]
لا يركنون إلى الدنيا، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
ومِن السهل أن تطمع في رحمة الله، ومن السهل أن تخافه، ولكنَّ المؤمن يطمع ويخاف، يرجو رحمة ربه و يخاف عذابه، فإذا زاد الطمع في الرحمة فقد يتكاسل الإنسان و يقعد، وإذا زادت الخشية، فقد يقع في اليأس، والله عز وجل يُقلِّب المؤمن بين الرجاء و الخوف، والمؤمن الصادق يدعو ربَّه خوفًا وطمعًا، ولو علمتَ ما ينتظر المؤمن مِن نعيم لَما يئِس من جنَّته أحدٌ، ولو علمتَ ما ينتظر الكافر من الجحيم لما طمع في رحمته أحدٌ، وقد قال سيَّدُنا عمر: لو علمتُ أنَّ الله منْزِلٌ أنَّه سيعذِّب واحدًا مِن خلقه لظننتُ أنَّني أنا، و لو علمتُ أنَّ الله سيرحم واحدًا مِن خلقه لظننتُ أنِّي أنا " هذا مِن شدَّة خوف المؤمن و مِن شدَّة رجائه، و قال أيضًا: ليتَ أمَّ عمر لم تلد عمرَ " و نحن نقول: الحمد لله الذي ولدتْ أمُّ عمر عمرَ، قال تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

[ سورة السجدة ]
واللهِ إنَّه وصفٌ جامعٌ مانعٌ، إذا ذُكِّر بآيات ربِّه خرَّ ساجدا سجودَ تعظيم يُنزِّه الله عمَّا لا يليق به و يمجده و يتصل به، و لا يستكبر عن عبادته و لاعن طاعته و لا يركن إلى الدنيا و يدعو ربَّه خوفًا وطمعًا و ينفق ممَّا رزقه الله، فهذه الصفات أُدرُسها وحلِّلها ثم انظُر مدى انطباقها عليك فإذا وجدتَ انطباقًا فاحْمَدِ الله عز وجل على أنك مؤمن و إذا لم تجدْ انطباقا فتحرَّكْ نحو الانطباق. اخترتُ هذه الآية لأن فيها وصفًا دقيقًا للمؤمن، يسبِّح و ينزِّه ويمجِّد و يتَّصِل ويحمد الله عز وجل و لا يستكبر عن عبادته و لا يركن إلى الدنيا و يدعو ربَّه خوفًا و طمعًا وينفق ممَّا رزقه الله هذا هو المؤمن، حتَّى لا يدَّعي أنَّه مؤمن وهو ليس كذلك، فعليه بقراءة هذه الآية ولتَكنْ له شعارًا.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-25-2018 02:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة عشرة من سورة السجدة وهي قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
أيُّها المؤمن ؛ اُنظُر إلى حال المؤمن، انظُر إلى صدقه و إلى عفافه و أمانته وانظُر إلى وفائه بوعده وإلى تواضعه و إلى إنصافه وإلى تربية أولاده و انظُر إلى نورانية وجهه وانظُر إلى بيته وإلى تجارته، تجد بَوْنًا شاسعًا بينه وبين الكافر الذي يخلف وعده و يظلم ويتكبَّر و يكذب ويخون و يعتدي على أموال الناس و على أعراضهم، وتُسوِّل له نفسه كلَّ شيء، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
ما دُمنا في هذا الموضوع فهناك آيات كثيرة تشير إلى هذا الحقيقة، قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)﴾

[ سورة العلق ]
اُنظُر إلى الذي ينهى العبد إذا صلى، اُنظُر إلى بيته وإلى تربية أولاده و إلى صدقه و استقامته، وثَمَّةَ معنًى دقيقًا، وهو أنَّ الذي ينهى عبدًا إذا صلى و ترى دناءته وخِسّته و ترى إخلافَه لوعده و ترى أكاذيبه وترى نفاقه، هذا أحقر مِن أن تناقشه، و حينما تُصغي إليه و تناقشه تحترمه وهو أقلُّ مِن ذلك، لذلك فعل الإنسان السَّيِّء يُلغي فكره.

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
أيُّها الإخوة، أريد أن أُطمئِنكم، أنَّ الذي يخشى الله ويستقيم على أمره و يرجو رحمته و يخشى عذابه ويسعى لمرضاته و يتقرَّب إليه و يتحرَّى الحلال في دخله و سعى في إنفاقه، أنْ يُعامل هذا الإنسان الشريف المؤمن الطائع المستقيم مُعاملةَ الفاسق الفاجر، واللهِ هذه المقولة تتناقض مع وجود الله، حدَّثني مرَّة أخٌ طبيب زارنا في المسجد أنَّه تخرَّج على يده خمسون جيلاً مِن الأطبَّاء، ثم جاءتْه امرأة يومًا معها سرطان الثدي، قال: غضبتُ أشدَّ الغضب مِن زوجها إيَّاها على إهماله إيَّاها، قلتُ له على انفراد: أنتَ مجرم في حقِّها، قال: و لِمَ ؟ قلتُ: هذا السرطان في بدايته معالجته سهلةٌ جدًّا، هناك استئصال و معالجة كيميائية، أمَّا أن تترك الزوجة إلى أن وصل الأمر إلى مشارف الموت، فأنت في حق امرأتك مجرم، فقال لي هذا الزوج: لكن نحن عند فلان منذ عام أو أكثر و ما قال لنا إنَّه سرطان ثدي، فهمس في أُذني قائلاً: يا أستاذ إنَّ الطالب في الصف الأوَّل يعف أنَّ هذا سرطان، لكن أراد هذا الإنسان غير المؤمن و غير المنضبط أن يبتزَّ هذا المريض، إلى أن تفاقم الأمر فصار الأمر إلى الموت، يقول لي هذا الطبيب: حينما علم هذا الزوج أنَّ الطبيب الأول قد ابتزَّ ماله ولم يخبرهم بالحقيقة في الوقت المناسب وقع على الأرض واضطربت أعضاءه وقال: يا ربِّ إذا كنتَ موجودا فانتقم منه، ثم انصرف و بعد أسبوع تُوفِيتْ امرأتُه، والقضية نسيها الطبيب، ثمَّ أخبرني الطبيب أنَّه جاءه شابٌ بعد أحد عشر شهرًا مُنهارًا فجلس على المقعد الذي جلس عليه الزوج قبل أحد عشر شهرًا، فسأله الطبيب ؛ ما الأمر ؟ فقال له: أنا زميلك الطبيب الفلاني عندي سرطان في الصدر، يقسم بالله العظيم أنَّ خبرة هذا الطبيب أكثر من سبعين سنة، و الورم عمره أحد عشر شهرًا، ففي الوقت الذي وقع فيه الزوج على الأرض و يقول: يا ربِّ إن كنتَ موجودًا فانتقم منه، مات الطبيب بعد أشهر !
فيا أيُّها الإخوة، والله إنِّي أُرَدِّد هذه الآية آلاف المرات، ولا أرْتَوي منها، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
المؤمن صادق، وناصِح، ومنْصِف، ووقّاف عند حُدود، والمؤمن لا يظْلم ولا يغشّ، ومُتواضِع أقول لكم: هذه الحقيقة ؛ أنْ يُعامِل الله المؤمن كالفاسق، أو أن يُعامِل الفاسِق كالمؤمن، إن في الحياة الدنيا وإن في الآخرة، فهذا يتناقض لا مع عدالة الله بل وُجود الله ! فما دام الله مَوْجودًا فلن يُعامِل المؤمن كالفاسق، قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
وقال تعالى:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾

[ سورة القلم ]
أين عَقْلُكم ؟ مسْلمٌ عقيدتُهُ صحيحة، ويُصَلِّي ويصوم، ويخاف الله، وأمين وعفيف، ويُرَبِّي أولاده ؛ هذا مُسْلم، أفيُعامَل كالمُجْرِم ؟! لا.
آية رابعة، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص ]
ضَرَبْتُ مثلاً فقلْتُ: لو أنَّ إنسانًا معاشُه ألف وثمان مائة فقط ! وله ثمانِيَة أولاد، وبيْتُهُ بالأُجْرة، وعليه دَعْوَة أخلاق، وله عمّ عقيم ويمْلكِ خمسمائة مليون، ماتَ بِحَادِث فجْأةً، فهذه الثَّرْوَة لِمَن ؟؟ لِهذا الفقير، إلا أنَّه لم يتمكَّن مِن قبْض هذا المبْلغ إلا بعد سنة ؛ براءات ذِمَّة ومُعاملات، وترِكات...فلِماذا هذا الفقير المُعْدَم، الذي لا يمْلِكُ قوتَ يَوْمِهِ، يدْخُل في سعادةٍ لا توصَف ؟! فما غيَّر بيْتَهُ، وما اشْترى مرْكَبَةً، وما غيَّر ملابِسَهُ، فَلِمَ الفرَح ؟! لأنَّهُ دخَلَ بالوَعْد، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾

[ سورة التوبة ]
واللهِ لزوال الكون أهْوَنُ على الله ممَّن لا يَفِي بِوَعْدِهِ للمؤمن، فالله قال لك: أنت مِن أهل الجنَّة إن فعلْتَ كذا وكذا، ولِذا هذا الوَعْد يمْتصُّ كلّ مُشْكِلَة، فالمؤمن يُعاني مِن ضيق اليد، والمرض أحْيانًا، وذاك زوْجته ليسَتْ على ما يُرام، أولاده مُتَشَرِّدون، مُشْكِلات كثيرة، فهذه المُشْكِلات تَمْتَصُّها عقيدة المؤمن الذي وَعَدَهُ الله بالجنَّة، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص ]
يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60)﴾

[ سورة القصص ]
لو معَكَ ألف مليون فهذا مِنْ شيءٍ ! فالآية الأولى

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
والآية الثانية:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾

[ سورة القلم ]
والآية الثالثة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
والآية الرابِعَة:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص ]
لذلك أيُّها الإخوة، إذا كنتَ مُسْتقيمًا على أمْر الله فما عليك إلا أن تتفاءَل، وتسْتَبْشِر واعْتَقِد أنَّ المستقبل لك، وهو لِصالِحِكَ لأنَّ الله تعالى يقول:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالأُمور تَدور، يصْعَدُ أُناسٌ ويهْبِطُ أُناس، ويتَّسِعُ الأمْر ويضيق الأمْر ولا تسْتَقِرُّ الحياة إلا على إكرام المؤمن.
لو قرأتَ تاريخ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ الكِرام، ومع كُفَّار قريش ؛ ثلاثة وعشرون سنة مِن المُضايقات، والإخراج والهُجوم أين هؤلاء الكفار الآن ؟ وأين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال تعالى:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

[ سورة غافر ]
مضى على آل فرعون ستَّة آلاف سنة ! فالإنسان إذا تمتَّع بالحياة تمَتُّعًا طارِئًا، ليس معنى هذا أنَّهُ ذكِيّ أو فَطِن ! فالله عز وجل كبير الموضوع الذي يُذاع اليوم في الإذاعات؛ جُنون البقر ! أنا قرأتُ مقالة في جريدة خليجِيَّة قبل عامَيْن ؛ الخبَر لا يُصَدَّق، فقد تمَّ إعْدامُ عشرين مليون رأس غنَم مِن أجل الحِفاظ على السِّعْر المُرْتَفع ! فهؤلاء الوُحوش ؛ كَم هناك مِن الشُّعوب التي تموت بالجوع ؟ عشرين مليون رأس غنَم يَتِمُّ إعْدامُها في أسْتراليا، حينما يفْعَل الكافر هذا يضْطرُّه الله تعالى إلى إعْدام، وهذا الإعْدام كان خسارة إحْدى عشرة مليون بقرة، وخسارتهم ثلاثة وثلاثون مليار جُنَيْه إسْترليني !! هذه مِن آيات الله تعالى الدالة على عَظَمَتِهِ.
الشيء الآخر أنَّ الله مُصَمِّم البقرة نَباتي، فَكُلّ حيَوان نُطْعِمُهُ هو في أصْله نباتي، فَهُؤلاء أطْعموا البقر: الدَّم النَّجِس، والأمعاء والجُلود تُرْحل وتوضَع في صيغة مأكولات للبقر، مُدَّعِين بِهذا أنَّ فيها مواد بروتينيَّة، فحينما نُغَيِّر خلق الله ندْفَعُ الثَّمن، فإلغاء الشَّرْع وإعْمال العقْل دفَعَهم إلى هذه الخَسارة، والأمْر الآخر أنَّ البقَر مُذَلَّل، فالله يخرق هذه القاعِدَة بِمَرض جُنون البقر، وهذا مرض قديم وليس جديدًا فالبقرة إذا جُنَّتْ كان لِزامًا على صاحِبِها أن يطلق عليها النار وإلا قتَلَتْ الناس !
أيها الإخوة، إنّ الأخبار التي نسْمَعُها اليوم يُمْكِنُ أن تُوَجِّهها توجيهًا تَوْحيدِيًّا، فالله مَوْجود، وهذه الأُمم الظالمة التي تَكيد للشُّعوب ستُعَذَّب في الدنيا، ففي أمريكا كل عشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدْز وجامعات ومُؤسَّسات ومخابِر مَكْتوفة الأيدي أمام هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعَين.
أيها الإخوة، الآيات مُسْتمرَّة والله يُظْهرها إلى يوم القيامة، والآيات لا تنقَطِع، وموضوع الدرس اليوم مُوازنة، فالآية الأولى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السّجدة ]
والآية الثانية:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) ﴾

[ سورة القلم ]
والآية الثالثة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
والآية الرابِعَة:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-25-2018 02:47 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة السجدة وهي قوله تعالى:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[ سورة السجدة ]
الحقيقة أنَّ العذاب الذي يُصيب الإنسان في الدنيا له في الإسلام فلْسفة فلا أحَدَ يُنْكِر أنَّ عذابًا يقعُ بالإنسان، لكنَّ الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في تفسير هذا العذاب، فللمصائِب تصَوُّرات وفلسفةٌ دقيقة في عقيدة المسلم، وهذه الآية تُشير إلى طرَفٍ مِن فلسفة المُصيبة فالعذاب الذي يُصيب المؤمن في الدنيا هو تَكْفيرٌ لِذُنوبِهِ، والعذاب الذي يُصيبُ الكافر في الدنيا رَدْعٌ له عن كُفْرِهِ، أو قصْمٌ له، والحقيقة أنَّ البشَر على ثلاثة أصْناف ؛ صِنْفٌ كافر، و صِنْف مؤمن، والأنبياء صِنْف ثالث، فمصائِبُ المؤمن مصائِب قصْمٍ، وردْعٍ، فالله سبحانه وتعالى إذا أنْزَل بالكافِر مُصيبةً ولم يُهْلِكْهُ بها، معنى ذلك أنَّه أعْطاهُ فرْصَةً ومُصيبة القصْم، حينما قال الله تعالى:

﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾

[ سورة هود ]
فحينما يعْلمُ الله عز وجل أنَّ هذا الكافر لن تزيدَهُ الحياةُ إلا كُفْرًا، ولن يزيدَهُ العُمْر إلا طُغْيانًا، عندئِذٍ يقْصِمهُ الله تعالى، أما حينما يعْلم الله عز وجل أنّ هذا الكافر يُمْكِنُ أن يرْتَدِع، حينها يُنْزِلُ به مُصيبَةً ولكن لا يقْصِمُهُ، بل يوقِعُ بِهِ أشَدَّ الألَم فلعلَّهُ يعود، فمصائِبُ الكفار مصائِب قصْمٍ، أو رَدْعٍ، أما المؤمنون فَمَصائِبُهم مِن نوعٍ آخر، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
أما الكافر، فقد قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
هذا هو القصْم، يُعْطيه الله الدنيا كما يشْتهي، أبواب كُلِّ شيء ثمَّ يقْصِمُهُ مرَّةً واحِدَة، وأحيانًا يرْدَعُهُ ردْعًا شديدًا، ومعنى يرْدَعُهُ أن يُعْطيهِ فُرْصَةً لِيَعود إلى الله، أما المؤمن فكما قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ:

(( مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتِ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ))

[ رواه مسلم ]
وَعزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأنا أُحِبّ أن أرْحَمَهُ إلا ابْتَلَيْتُه بِكُلّ سيِّئةٍ كان عملها سُقْمًا في جسَدِهِ وإقْتارًا في رِزْقِهِ، أو مصيبَةً في ماله أو ولدَهِ حتَّى أبْلغَ منه مثل الذَّر، فإن بقِيَ عليه شيء شدَّدْتُ عليه بِسَكرات الموت حتَّى يلقاني كيَوْمَ ولدَتْهُ أُمُّه، فالمؤمن المصائب له للتَّطْهير، ولِكَي تَدْفعَهُ إلى الله بِسُرْعة، فَيُمْكِنُ أن تَجِدَهُ مستقيمًا، ولكنَّ سرْعَتَهُ إلى الله تعالى بطيئَة فتأتيهِ المصيبة لِتَدْفَعَهُ إلى باب الله تعالى دَفْعًا، ومُسْتقيمٌ وينطلِق فيُريدُ الله تعالى أن يُعْطِيَهُ أجْرًا مُضاعفًا، فيَرْفَعُهُ بِهذه المُصيبة، فمصائِب المؤمن تَطْهير ودَفعٌ ورفْعٌ لذلك قال: ما مِن عثَرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْق، ولا خَدْش عودٍ، إلا بِما قدَّمَت أيديكم، وما يعْفو الله أكثر، قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾

[ سورة الشورى ]
وقال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

(سورة النِّساء)
الكَون مُسَخَّرٌ تسْخيرين ؛ تسْخير تعريف، وتَسْخير تَكريم، فالأوّل يقتضي أن تُؤمن، والثاني يقتضي أن تشْكر، فإن آمَنْت وشَكَرْتَ ماذا يفعل الله تعالى بِعذابِك ؟‍! فالإنسان إذا آمَنَ وشَكَر فقد حقَّق المُراد الذي مِن أجلِهِ خُلِق.
هذه الآية تُشير إلى فلسفَةِ العذاب.
من هنا قال الإمام عليّ رضي الله عنه: يا بنيّ، ما خيرٌ بعده النار بِخَيْر، وما شرٌّ بعده الجنَّة بِشَرّ ! وكلَّ نعيمٍ دون الجنَّة مَحْقور، وكلّ بلاءٍ دون النار عافِيَة ! فالإنسان إذا وصَلَ إلى القبْر طاهِرًا ومُعافًى مِن كلّ ذَنْب فقد ملَكَ الآخرة، فالعِبْرة لا أن ترى إنسانًا صحيحًا، وينتظِرُه عذابٌ في جهنَّم إلى أبد الآبدين، فالعِبْرة أن يَصِل الإنسان إلى القبر وقد غفر الله له ذُنوبَهُ، فَمِن هذا المنطلق تُصبِحُ المصيبة للمؤمن رحْمة، رُبَّما أعْطاكَ فَمَنَعَك، وربَّما منَعَك فأعْطاكَ، وقد يكون المنْع عَيْنَ العَطاء، قال تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾

[ سورة البقرة ]
فالإنسان إذا قرأ هذه الآية وعاشَها لا ينْدَمُ على ما فات، ولا يَخْشى على ما هو آت، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
المؤمن أيُّها الإخوة يعيشُ في راحَةٍ نفْسِيَّة وثقَة بالله عز وجل، وفي طمأنينة ما لو وُزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، فهذه الآية وهي قوله تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[ سورة السجدة ]
فالمرض عذابٌ أدْنى، ومجموعة أمراض هي مِن العذاب الأدنى فشَل كَلَوي، وسرطان بالدَّم، ودسَّم مَعْطوم بالقلب، مهما كان المرض وبيلاً إذا قيسَ بِعَذاب النار فَهُوَ أدنى، ومهما كان الفقْر مُدقِعًا إذا قيسَ بِعَذاب النار فَهُو أدنى، ومهما كان الخوف شديدًا فإذا قيسَ بِعَذاب الله فَهُوَ أدْنى فالله تعالى سمَّى هذا العذاب أدنى بالنِّسبة لِعَذاب الآخرة، فإذا يسَّر الله للإنسان عِلاجات حكيمة، وعاد بِها إلى الله ووصَل إلى القبْر طاهِرًا وتائِبًا فهذا مِن أسْعَدِ الناس، أما الذي يَحْيى قَوِيًّا وغَنِيًّا، يموتُ عاصِيًّا فَهذا أشْقى الناس، والعِبرة بالخواتيم، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاه، أما إذا أبْغضَهُ حينها يُخْرِجُهُ مِن مُعالَجَتِهِ، فإذا ابتلاه وصبَر اجْتباه، فإن شَكَر اِقْتناه، والإمام عليٌّ كرَّم الله وَجْههُ يقول: الرِّضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين ! وصَدِّقوني أيها الإخوة أنَّ الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبة وهو يعْلم أنَّها مِن الله تعالى، ويقول: يا ربّ لك الحمْد فقد نجَحَ، وهذا أفْضَل ألف مرَّة مِن الذي لم تأِتِه المصيبة وكفَر.
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166)﴾

[ سورة آل عمران ]
قال:

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾

[ سورة التغابن ]
يهْدِ قلبَهُ إلى حِكْمتها، الآن عندنا موضوع ثانٍ ؛ أنت أبٌ، وعندك ابنٌ أخطأ خطأً كبيرًا ورأيْتَ أنَّهُ مِن الحِكْمة أن تُؤَدِّبهُ فضَرَبْتَهُ وهو يصيحُ بين يدَيْك ؛ هل تبْقى ساكِتًا ؟ أم ماذا ينبغي أن تقول وأنت تُؤدِّبُهُ ؟ ينبغي أن تذْكر له ذَنْبَهُ، لأنَّ إن لم تذْكر له ذَنْبه فما أدَّبْتَهُ، لأنَّه لا يعْلم لماذا ضَرَبْتَهُ، فَمِن لوازِمِ التَّرْبيَة أن تُذَكِّر المُعاقَب بِذَنْبِهِ، طيِّب الله عز وجل لمَّا يُعاقِب الإنسان ؛ كيف يُذَكِّرُه بالذَّنْب ؟ أحدُ هذه الوسائل أن يُلقي الله تعالى في روعِهِ أنَّ هذا الذَّنْب مِن أجل كذا ؛ جاء زبون لِمَعمل فطلب ستَّة قِطَع فقط، والمعمل لا يبيع إلا بالجُمْلة فرفضَ صاحب المعْمَل بيْعَهُ بِكِبَرٍ ؛ فأدَّبَهُ الله تعالى بِأَن حرم عليه الزَّبائن قرابَة شَهْر ! فلم يعرف صاحب المعمل السَّبب ! فألقى الله تعالى في روعِهِ ؛ لماذا طَرَدْتَ فلانًا ؟؟ فأوَّل شيء أن يُلقي الله تعالى في روعِكَ الذَّنْب، وأنَّ هذا مِن أجل هذا، أحدهم أمضى حياته كلَّها بالمرض ففي أحد المرات كأنَّه عاتب الله تعالى: فأُلْهِمَ أنَّه يا عبدي لولا هذا المرض لما كنت في هذا الحال مِن الطاعة ! فأحَدُ الوسائل التي يُعلِمُ بهال الله عبْدهُ حينما يبْتليهِ بِمُصيبة يُلقي في روعهِ ويُسَمُّون هذا وَحْي إلهام قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾

(سورة التغابن )

أي إلى علَّة هذا الذنب.
أيُّها الإخوة الأكارم، أتمنَّى عليكم و أتمنَّى على نفسي إذا أصابت الإنسانَ مصيبةٌ أن لا يبقى ساكتا، بل لا بدَّ له أن يبحث، لماذا أُصِبتُ بهذه المصيبة ؟ و أحيانا يهتدي إلى سبب وجيه ويرى عدالة الله عز وجل وأحيانا طبيعة المصيبة تشير إلى سببها، مثل أن تمنعه زوجته دفع الزكاة، فوقع لسيارته حادث وأخذها للمصلِّح، ودفع أجرة التصليح نفس المبلغ الذي لم يخرجه للزكاة، أنت بخلتَ بدفع الزكاة فأُصيبتْ سيارتك بعطب فدفعتَ المال بلا طائل، و المتكبِّر يهينه الله و المسرف يفقره الله، و أحيانا المصيبة تكون من جنس الذنب، فإمَّا أن يلقي الله في رُوعِك أنَّ هذه من أجل كذا، وإمَّا أن يأتي المُصابُ من جنس الذنب فتعلم أنَّه من أجل كذا، ما أصابك من شيء، من عثرة ولا اختلاج عِرق و لا خدش عود إلاَّ ما قدَّمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، و لابدَّ أن تناجي الله عز وجل وتقول: يا ربِّ أنا راضٍ بقضائك و لكن أحبُّ أن أعرف السبب حتَّى لا أعود إليه مرَّةً ثانية أنت عندما تبحث عن سبب المصيبة فلستَ تعترض على الله، و لكنْ حتىَّ لا تقع في ذاك السبب مرَّةً ثانية لأنَّه مَن وقع في حفرةٍ مرَّتين فهو غبيٌّ، و ليس العار أن تخطِئ ولكنَّ العار أن تبقى مخطئًا، فالمصائب لها حِكم، فللكفار ردعٌ و قصم وللمؤمنين تطهير و رفع و دفع، أمَّا الأنبياء فكما قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:


(( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))

[ رواه الترمذي ]
أنت عندك سيارة قوَّةُ محرِّكها ستَّةٌ وسبعون حصانًا، و هذه القوَّة لا تبدو في طريق سهل و لا في انحدار،وإنَّما تبدو في الصعود، فأحيانًا تأتي المصائب للأنبياء حتَّى تكشف حقيقة نبوَّتهم ومحبَّتهم لله عز وجل
قبل أن آتي إليكم كنتُ أطالع في السيرة قصة رجل من الأعراب آمن مع رسول الله و دخل معه غزوة وانتصر النبي الكريم مع أصحابه ووُزِّعت الغنائم، قال:

(( ما هذا ؟ قال له: غنائم، قال: ما على هذا اتبعْتُك، إنما اتبعتُك على الذبح، فأكبَرهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وفي غزوة قادمة جاءه سهمٌ فأرْدَاه قتيلاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: آتوني به، قال: أَهُوَهو، قالوا: هوهو يا رسول الله، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ثمَّ قال: اللهمَّ إنّي أشهد أنَّه قاتل في سبيلك فالإنسان أحيانا يقدِّم عملاً عظيما، فبلغتْ درجة محبَّته لله عز وجل لا يريد إلاَّ الاِمتحان، فامتحنه الله ومات شهيدا، فالمصيبة للكافر ردع و قصم وللمؤمن تكفير و دفع ورفع وللأنبياء كشف فقط، الواحد من عامة الناس أو من المؤمنين إذا أسأت له إساءةً بالغة يتمنَّى أن يُقطِّعك إرْبًا إربًا، و قد أساءوا للنبي عليه الصلاة و السلام في الطائف و كذَّبوه و سخروا منه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد، أمرني ربِّي أن أكون طَوْع إرادتك، ولو شِئتَ لأطبَقتُ عليهم الجبلين، قال عَبْد ُاللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ))

[ رواه البخاري ]
بإمكانه أن يقضَي عليهم كلِّيًّا و يُبِيدَهم عن آخرهم، هذه هي مصائب الأنبياء.







والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-25-2018 02:48 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس الخامس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة السجدة وهي قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
أيُّها الإخوة الكرام، ألاَ تثير هذه الآية تساؤلاتٍ كثيرة، و من أظلم "مَن " هنا استفهامية , "أظلم " اسم تفضيل، أي، ليس في الأرض كلِّها إنسانٌ أشدُّ ظلما لنفسه و لغيره.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
الله جلَّ جلاله له آيات كونية وله آيات تكوينية وله آيات قرآنية، و الآيات جمعُ آيةٍ، وهي العلامة الدالَّةُ على عظمته والله تعالى لا تدركه الأبصار، ولكنَّ كلَّ شيء حولك يشير إليه، لا تدركه الأبصار ولكنَّه في كلِّ شيء آيةٌ تدلُّ على أنَّه الواحد ؛ له آيات كونية كالمجرَّات والشمس والقمر والليل والنهار، طعامك وشرابك والنبات و الحيوان و الجبال والبحار والأنهار والينابيع، خَلْقَك عضلاتك و عظامك و دماغك، والأعين والسمع والبصر والقلب والرئتين، كلُّ ما في الكون يدلُّ عليه و على وجوده ووحدانيته وكماله هذه الآيات الكونية، وهناك الآيات التكوينية ؛ أفعاله، أحيانًا يُغَيِّر العبادُ خلق الله، فيكون ثمَّة ردعٌ من الله، والله تعالى خلق المرأة و الرجلَ وجاء الإنسانُ و تعامل مع الذكَر، فانتشر مرضُ الإيدز، أرأيتم إلى هذه الآيات، كل يوم فيه آية وهي من أفعاله، الإيدز أكبر آية دالَّة على عظمته، فكلُّ من خالف الفطرة فسوف يدفع الثمن باهظا، وكلُّ مَن غيَّر خلق الله، إنْ في الحيوان وإنْ في النبات فإنَّه يدفع الثمن باهضًا.
أيُّها الإخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)﴾

[ سورة فصلت ]
آيات مستمِرَّة تصوَّروا أنَّ خمسة وثلاثين صناعيا من الدرجة الأولى يموتون في حادث طائرة، لأنَّ الله أقوى، ومهما رأيتَ جهة قويَّةً فهو أقوى الشمس والقمر والنجوم وخلق الإنسان، هذه آياته الكونية، مرض الإيدز وجنون البقر، تفحُّم القمح والزلازل والبراكين وشُحُّ الأمطار في جهة والسيول من جهة ثانية، هذه من آياته التكوينية، وهذا الكتاب آياته القرآنية، ذكرتُ مرَّة أنَّ مجرَّةً تبعد عنَّا ثلاثمائة بليون سنة ضوئية و ذكرنا أنَّ بشبكية العين مائة وثلاثون مليون عُصيَّة ومخروط وذكرنا أنَّ العصب البصري فيه تسعمائة ألف عصب و ذكرنا أنَّ في الدماغ مائة و أربعين مليار خلية سمراء لم تُعرَف وظيفتُها بعد و ذكرنا أنَّ في الغُدَّة النخامية اثني عشر مفرزًا هرمونيًّا و الغدَّة ملكة الغدد ووزنها نصف غرام،

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
ذكَّرناه بآياته الكونية، فما بالى، وآياته القرآنيَّة فما بالى، فقوله: ومَن أظلم ؛ أيْ ليس في الأرض كلِّها إنسانٌ أشَدُّ ظُلْمًا لِنَفسِهِ ولغَيْرِهِ مِمَّن ذُكِّر بآيات ربِّه ثمّ أعْرَض عنها، بِرَبِّكم ما معنى قوله تعالى:

﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
أيْ مِن هؤلاء الذين ذُكِّروا بآيات ربِّهم ثمَّ أعْرضوا عنها ؛ هؤلاء هم المُجرمون، فهَل يُسَمَّى الإنسان مُجْرِمًا إن أعرض عن ذِكْر الله تعالى ؟ هكذا سَمَّاه الله، والإنسان إذا ذُكِّر بآيات الله ولم يعْبأ ولم يُعَظِّم ولم يخْشَ الله، فسَوف يتحرَّك إلى الشّهوات، وله قِوى انْدِفاعِيَّة كبيرة جدًّا حُبّ المال والنِّساء، والعُلُو في الأرض، فَمِن دون روادِع، ومن دون مكابِح، ومن دون إيمان وخوف من الله، فَمِن لوازِم الغفْلة عن الله تعالى، وعدم الاكْتِراث بآيات الله وبالتالي عدم الاكْتِراث بِوُجود الله تعالى، سوف ينْحَرِف الإنسان لأنّ أساس الإنسان الحركة، وليس السُّكون، فالطاوِلة أساسها السُّكون لأنَّها مُعْدمة من الشَّهوات، فهِيَ لا تشْتهي أُخْتَها، ولا تأكل ولا تشْرب ولا تتزاوَج، أما كلّ مَخْلوق فيه شَهَوات فَهُوَ حركي، فالشَّهْوة تسْتلزم الحركة يلزمه مال، ولا يهمه كيف جمعَه من حلال أو من حرام، فمادام هناك شهوة فهناك حركة ومادام هناك حركة بغير منهج فهناك ظلم وجريمة، قال تعالى:

﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
و قد سمعتُ قبل أسابيع أنهم أعدموا سبعة أخذوا صائغًا وقتلوه هو وابنه وصهره ودفنوهم وأخذوا ثلاثة عشر كيلو ذهبًا، هم بشر لهم شهوات مستعرة وما عندهم منهج وفيه غفلة عن الله، فهناك كسب للأموال غير مشروع، إذا غششْتَ الناس في البضاعة أو احتكرتها وقعتَ في المعصية.
فيا أيُّها الإخوة، الآية خطيرة جدًّا، و الإنسان إذا ذُكِّر بآيات الله الكونية أو التكوينية أو القرآنية فاتَّعظ وعرف أنَّ لهذا الكون خالقًا ولهذا الكون مربِّيّا و مسَيِّرًا و أنَّه على كلِّ شيء قدير وأنَّه سميع بصير و أنَّه يعلم السِّرَّ و أخفى وأنَّه سيُحاسِب في الآخرة فينضبط الإنسان، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
فأيُّ إنسان ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها ينقلب إلى مجرم في حقِّ نفسه إذْ ضيَّع الآخرة من أجل الدنيا، ضيَّع الأبد مِن أجل سنوات يقضيها في الهموم والتعب، ولم يعبأ بمرضاة الله سقط من عين الله من أجل الدنيا:
فحينئذٍ لا خِيارَ لنا، فإمَّا أن نؤمن بالله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية و نؤمن بمنهجه و نطبِّقه، وإمَّا سوف نتحرَّك حسب ما تملي غرائزُنا و شهواتنا، والحركة بدافع الغريزة فيها معها عُدوان، فإذا نظر الإنسان إلى امرأة لا تحلُّ أو أقام علاقة مع امرأة لا تحلُّ له، أليس هذا عدوانًا، و إن أخذ شيئًا ليس له أليس هذا عدوانًا فاستعار الشهوات والحركة بدافع الشهوة ؛ مِن لوازمها الجريمة سواء كانت مخفَّفة كالجريمة المدنية أو جريمة جنائية وفي الحالين فهي جريمة، فالذي يغشُّ الناس مجرم، والذي يضع الإنسان في العناية المٍشدَّدة عشرين يومًا و هو يحتاجها ليوم مجرمٌ، والدفع لذلك المال و قد نُشِر مرة في جريدة عن طبيب عمل عملية جراحية فورية لا حاجة فيها بمبلغ ضخم فهو مجرم ولو كان مثقَّفًا ثقافة عالية، فمادام هناك شهوات مستعرة وحركة بدافع الشهوة حدثت جرائم، إمَّا مُخفَّفة لا نشعر بها نحن، أو جريمة واضحة كالقتل، أمَّا فالكلُّ مجرم، و مرة قال لي طبيب: جاءتني امرأةٌ مع زوجها مريضة بالسرطان، فانفردتُ بالزوج وقلتُ له: أنتَ مجرم، قال: ولِمَ ؟ قلتُ لأن السرطان في أوَّله يُمكن أن يُعالج، وأنت تاركٌ زوجتك إلى هذه الدرجة، فالسرطان في أوَّله يكون كَحَبَّة العدس ثمَّ يتطور ويكبر إلى حجم حبَّة الحمص وأدْنى طبيب بالسَّنة الأولى يَكْشِفُه ‍ و يتعالَج بالأشِعَّة أو الاسْتِئصال، و ذاك الطبيب يعالجها منذ سنتين بالمسكِّنات وهو يعلم أنَّه سرطان و ما عنده العملية، ومات ذاك الطبيب بنفس المرض و انتقم الله منه،

﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
و لا تستكبر كلمة مجرم فهناك ملايين من المجرمين، انكشف منهم القليل، أمَّا البقية فكلُّ انحراف عن منهج الله فهو جريمة، فبالحدِّ الأدنى ففي حقِّ نفسك، وهذا العمل حجبك عن الله، وصار الإنسان ملعونًا واللعن هو الطرد من رحمة الله و الإبعاد عنه و هو عقوبة كبيرة جدًّ، لعنهم الله والملائكة والناس أجمعون، لذلك الآية:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
والانتقام في الدنيا قبل الآخرة،، فكلَّما كبُر عقل الإنسان كلما استقام أكثر، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1)﴾

[ سورة المجادلة ]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[ سورة الفجر ]
و أحيانا تدخل صالة مراقبة تلفزيونيًا، هل تستطيع أن تسرق؟ فإذا كنتَ مع إنسان يرقبك تنضبط معه فكيف مع الله الذي قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

[ سورة الأحزاب ]
أيُّها الإخوة، الآية دقيقة جدًّ:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]
و مع ذلك أنَّ كلَّ إنسان ذكِّر بآيات الله ثم أعرض عن هذه الآيات و تحرَّك وفق شهواته وغرائزه لا بد أن يعتديَ عن الآخرين وأن يعتديَ على نفسه التي بين جنبيه، فهذا سمَّاه الله مجرما، قال تعالى:

﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)﴾

[ سورة السَّجدة ]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-25-2018 02:49 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة السجدة (32)


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون، والتي بعدها مِن سورة السَّجدة، وهي قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾

[ سورة السجدة ]
هاتان الآيتان تُشيران إلى معنى خطير جدًا ؛ الفَتْحُ هو النَّصْر بِمُطْلق معانيه، فَيَوْمُ القيامة هو يوم الفَتْح، وفيه تنْكشف الحقائق، ويظْهر الحق أبلج، وسيختفي الباطل ويسقط، وإذا نصَر الله دينه في الحياة الدنيا فهذا يوم الفتْح.
الفتْحُ هو النّصر، فهم يقولون: متى هذا الفتْح اسْتِهزاءً ‍! الجو بدقيق جدًا، قال تعالى:

﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29)﴾

[ سورة السَّجدة ]
لو أنَّ أستاذًا قال لِطُلابِهِ غدًا مُذاكرة، وسوف يكون لها تأثير كبير في نجاحِكُم هذا العام، فأحدُ الطلاب ما عبأ بِهذا التَّنبيه، ولم يدْرس، ففي اليوم التالي إذا دَخَل المُدَرِّس، وقال افْتَحوا الأوراق واكْتُبوا الأسئِلة فهذا الذي فتَحَ الأوراق ولم يعْبأ به، ألم يوقِن الآن يقينًا قَطْعِيًا أنَّ الآن يوجد مُذاكرة ؟! وهل ينفَعُهُ هذا اليقين ؟ ماذا نسْتفيد من هاتين الآيتين؟! نسْتفيد الحقيقة التالِيَة وهو أنَّ الإنسان في موضوعات كثيرة له خِيار قَبول ورفْض إلا في موضوع الدِّين فَخِيارُهُ خِيار وَقْتٍ فقط ! فإمَّا أن يؤْمِنُ الآن في الحياة، والقلبُ ينبِض، ويتمتَّعُ بِصِحَّتِهِ، أو لا بدّ مِن أن يؤْمِن حينما يأتيهِ ملكُ الموت، وسوف يؤْمِن، ولكنَّ هذا الإيمان الذي سيأتي مُتأخِّرًا لا قيمة له إطْلاقًا.
يُمْكِن أن نقول الفِكْرة الأساسيَّة في هاتين الآيتين ؛ خِيارُكَ مع الإيمان هو خِيار وَقْت، وليس خِيار قَبول أو رفْض، قال تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾

[ سورة السجدة ]
هم يقولون هذا اسْتِهزاءً ! ولكنَّ الحقيقة إن لم تؤْمِنوا الآن بِيَوم القيامة وتسْتَعِدُّوا له، وتسْتقيموا على أمْر الله، حينما يأتي اليوم الآخر سوف تُؤْمنون به إيمانًا يقينِيًّا مِن أعلى درجة ولكنَّ هذا الإيمان لا ينْفعُك قال تعالى:

﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29)﴾

[ سورة السَّجدة ]
فما قَوْلُكَ أيُّها الأخ الكريم أنَّ أكْفَرَ كُفَّار الأرض مِن دون اسْتثناء والذي قال:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[سورة القصص]
والذي ذبَّحَ بني إسْرائيل، هذا الطاغِيَة فِرْعَون حينما أدْرَكَهُ الغرق قال، كما قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[ سورة يونس ]
فكان الجواب من الله عز وجل، قال تعالى ":

﴿أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾

(سورة يونس )

أرجو الله تعالى أن يُوَفِّقني لإيضاح هذه الفِكْرة، أنت سوف تُؤمِن شئْتَ أم أبَيْت ! ولكن إن لم تؤمن الآن وأنت صحيح الجسم وقوي ومُدرِك، وفي بَحْبوحة، فإيمانُكَ بعد فوات الأوان لا قيمة له، ولن يُجْدِيَكَ إطْلاقًا، فأنت إما أن تؤمن الآن، وإما لا قيمة لإيمانك بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾

[ سورة السجدة ]
تروي كُتُب الأدب أنَّ بِرْكة ماءٍ فيها سمكات ثلاث ؛ كيِّسَة وأكْيسُ منها وعاجِزة، قيل:
فاتَّفقَ مرَّة في ذاك المكان صيَّادان، فأبْصَرا الغدير، وما فيه مِن السَّمَك، فتَوَاعَدا أن يرْجِعا ومعهما شِباكُهما لِيَصيدَا ما فيه مِن السَّمَك - هذه قِصَّة رمْزِيَّة رواها ابن المُقَفَّع في كتابه كليلة ودِمنة- قال: فسَمِعَت السَّمكات قولهما، أما أكْيسُهُنّ فإنَّها ارْتابَتْ وتخوَّفتْ وقالتْ: العاقل يَحْتاط للأمور قبل وُقوعِها، ولم تعْرُج على شيءٍ حتَّى خرجَت من المكان الذي يدْخل منه الماء من النَّهر إلى الغدير فَنَجَتْ قال: وأما الكيِّسة أو الأقلّ عقْلاً فَمَكثَتْ في مكانِها حتَّى عاد الصَّيَدان فذَهَبَت لِتَخرج من حيث خرَجَت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُدّ، فقالتْ: فرَّطت وهذه عاقبة التَّفريط ! إلا أنَّها قالتْ: لكنَّ العاقِلَ لا يقْنطُ مِن منافِعِ الرَّأي، ثمَّ إنَّها تماوَتَتْ فطفَت على وَجْه الماء فأخذَها الصَّياد بيَدِهِ ووضَعَها على الأرض بين النَّهر والغدير، فوثَبَتْ في النَّهر فنَجَتْ ! قال: وأما العاجِزَة فلم تزلْ في إقبال وإدْبارٍ حتَّى صِيدَتْ وهذا المثَل ينطبق على بني البشَر فهناك العاقل جدًا، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ رواه الترمذي ]
فالعاقل دان نفْسه، بِمَعنى ضبطَ، ضَبَطَ دَخْله وتحرَّى الحلال وضبَطَ بيْتَهُ وزوْجته، وبناتِه وضبط لِسانه، وعينه وسمْعه، وضبط ما يأكله أَحَلال أم حرام ؟ وضبط ما يخرج من الكلام ! فالمؤمن كيِّس.
أيها الإخوة الكرام، كلّ إنسانٍ يعيش لحْظته دون أن يُفَكِّر في المستقبل هو إنسانٌ غَبِيّ ! لأنَّ هذه اللَّحْظة الراهنة لا تدوم، فالدُّوَل العُظْمى تُخَطِّط لِسَنة ألفين وألفين وعشرة، والدُّوَل أقل تطوُّر تعيش بِرُدود الفِعْل، والأكْثر تَخَلُّف تتحدَّث عن ماضيها، فالذَّكاء أن تُخَطِّط للمستقبل، فالإنسان إذا أغْفل موضوع الموت من بين حِساباته اليَوْمِيَّة وأغفَل دُخول القبر، وأغْفل أنَّهُ سَيُسْأل عن كلّ ما يفعله، سوف يُصْعق عند الموت، لذلك من حاسب نفسه في الدنيا حِسابًا عسيرًا كان حِسابُهُ يوم القيامة يسيرًا، ومن حاسب نفسه في الدنيا حِسابًا يسيرًا كان حِسابُهُ يوم القيامة عسيرًا ! فالمعنى الذي بين هاتين الآيتين أنَّكَ لا بدّ أن تؤْمن بأعلى أنواع الإيمان، ولكنَّ هذا الإيمان الذي يأتي مُتأخِّرًا وعن النِّزاع، وفي فِراش الموت ؛ فهذا الإيمان لا ينْفعُكَ إطْلاقًا وكأنَّه لم يكُن، فالعِبْرة أن تؤمن في الوقت المناسب، وخِيارك مع الإيمان خِيار وَقت ؛ احْفظوا هذه الجملة.
وكما تعلمون أنَّ الإنسان بين أيَّام ثلاثة، قالوا: ما مضى فقد فات والمُؤَمَّلُ غَيب، ولك الساعة التي أنت فيها، وكثير مِمَّن ينامون ولا يسْتيقظون، وخرج ولم يرْجع، هذا شيء بديهي، ومَن أعدَّ غدًا مِن أجلهِ فقد أساء صُحْبة الموت، فما دُمْتَ لا تمْلِكُ نِهاية الحياة، فلأسْتَغِلّ هذه اللَّحظة التي أنا فيها، وقد ورد بالحِكم أنْ هلك المُسوِّفون ! المُسَوِّف هو الذي يُؤَجِّل التَّوبة والصلاة والاسْتِغفار والاسْتِقامة.
قال تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)﴾

[ سورة السجدة ]
المستقبل في صالح المؤمن، وليس في صالح الكافر، والباطل يجول جَوْلةً ثمَّ يضْمَحِلّ أما المؤمن ينتظِر من المستقبل كلّ المستقبل، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
فَمُضِيّ الزَّمن في صالح المؤمن لأنَّه يزيدُه إيمانًا وتألُّقًا، وعملاً صالِحًا ولكنَّ الزَّمَن مع الكافر يَحوي مُفاجآت، فهو ينتظر عِقاب الله تعالى وتَدْمير مالهِ، وينتظر قصْم العلاقات الزَّوْجِيَّة، فالزَّمَن لا يلِدُ إلا المصائب للكفار، ولا يلِد إلا الإكرام والعطاء للمؤمنين، وفي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
سرٌّ، تقول: هذه الآلة لي ؛ هذه لامُ المُلْك، ولا يُمَلَّك إلا شيء ثمين، أما على فَهِي تُفيد المسؤوليَّة، قال تعالى:

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)﴾

(سورة البقرة )

على تُفيد القهْر، أما اللام فَهِي تُفيد التَّملّك، فالآية جاءت:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
فَفَرْقٌ كبير بين كتَبَ لنا وبين كتَبَ علينا !
قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(15)﴾

[ سورة الجاثية ]
فعلى تُفيد القهْر، أما اللام فَهِي تُفيد التَّملّك.
أيها الإخوة، نَخْلص من هاتين الآيتين إلى أنّ خِيار الإنسان مع الإيمان خِيار وَقت، وليس خِيار قَبول ورفْض، وطوبى لِمَن عرف الله في الوقت المناسب، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا ))

[رواه الترمذي]










والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-26-2018 01:33 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاحزاب (33)


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام في سورة الأحزاب بضع آيات أشارت إلى غزوة الخندق فقد قال الله تعالى في الآية التاسعة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]
أيُّها الإخوة، بادئ ذي بدء، سُئِل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

﴿ أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ أي ليبتلينا أم ليمكِّننا، فقال رحمه الله: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى، قال تعالى:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[ سورة العنكبوت ]
وهل في الأرض جامعة واحدة ليس فيها امتحان ؟ مستحيل، مئات الملايين أُنفقَت من أجل الدوام فقط بغير امتحان، ثم تُعطَى الشهادات هذا مستحيل.
أيها الإخوة، بادئ ذي بدء يجب أن نعلم أنَّ الابتلاء سنَّةُ الله في خلقه لقوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[ سورة المؤمنون ]
قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[ سورة الملك ]
قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾

[ سورة آل عمران ]
آيات كثيرة تبين أنه لا بدَّ من الابتلاء، والابتلاء معناه الامتحان ؛ وقد ينجح المؤمن في الامتحان , من خلال هذا الامتحان ينال الشهادة العليا ولمْ ينجُ من الابتلاء حتَّى أصحابُ النبي الكريم الذين آمنوا به وصدَّقوه وبذلوا من أجله أرواحَهم و دماءَهم وأنفسَهم و أموالَهم ؛ ومع ذلك اُبتُلِيَ المؤمنون وزُلزِلُوا زلزالاً شديدًا، قال تعالى:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فأمَّا الذين في قلوبهم مرض فقال الله في حقِّهم:

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾

[ سورة الأحزاب ]
نُقِل في السيرة أنَّ أحدهم قال: أيَعِدُنا صاحبُكم أن تُفتَح علينا بلادُ قيصر و كسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته! وما قال: النبي قال: صاحبكم، لأنه أنكر عليه النبوَّة والرسالة، ورأى أنَّ هذه الدعوة لا أصل لها، لأنَّه اجتمع في تاريخ الجزيرة العربية عشرةُ آلاف مقاتل جاءوا ليُبيدوا المسلمين، والإسلام وقتها كان قضيةَ ساعات وينتهي إلى الأبد، واليهود نقضوا عهدهم كعادتهم مع المسلمين فانكشف ظهر المسلمين و جاءت العرب كلُّها لتستأصل شأفة النبي عليه الصلاة والسلام و أصحابه الكرام، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً (15)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فالله عز وجل فرز المؤمنين و محصهم، قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)﴾

[ سورة آل عمران ]
إن شئتَ قل: أنا مؤمن، أنا أحب الله ورسوله ولكنَّ الله متكفِّل بأن يضعك في ظرف يكشف فيه حقيقَتك، والله عز وجل متكفِّل بأن يضعك في حجمك الحقيقي، و كيف ذلك ؟ قد تحيط بك مشكلة فإن رسَبتَ فقد حُجِّمتَ و إن نجحتَ فقد نجحتَ، إذًا النبي عليه الصلاة والسلام و أصحابه الكرام ما نجَوْا من الابتلاء، وكانت معركة الخندق من أشدِّ أنواع الابتلاء.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]
بردٌ لا يُحتمَل و جوع لا يُحتمل و عدوٌّ جاء ليستأصل شأفةَ المسلمين وجِوارٌ نقضوا العهدَ وكشف الظهر ولم يبق أمام المسلمين إلاَّ أن يستسلموا لقضاء الله وقدره وللفناء والإبادة، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى جلَّت عظمتُه في الوقت المناسب أرسل عليهم رياحاً عاتيةً قلعتْ خِيامهم أطفأت نيرانهم و قلبت قم، وهذه المعركة الطاحنة التي كان من الممكن أن تقضي على المسلمين جعل الله النصرَ المُؤزَّر على يد إنسان واحد هو نُعَيْمُ بنُ مسعود، أسلم في الوقت المناسب و كان حديث عهد بالإسلام وقال: يا رسول الله مُرْنِي ماذا أصنع، فقال عليه الصلاة والسلام: " أنت رجلٌ واحد، خبِّرْ عنَّا ما شِئتَ، فذهب هذا الصحابي الذي أسلم لتَوِّهِ، ولم يُعرَف أنَّه قد أسلم ذهب إلى قريش وقال: هؤلاء اليهود الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله ندموا على ما فعلوا وخافوا إن أنتم رجعتم إلى بلدكم أن يتحكَّم فيهم النبيُّ و أن يستأصلهم، فاتفقوا معه على أن يأخذوا منكم رهائن ليقتلوهم إرضاءً لرسول الله، وذهب إلى اليهود وقال لهم: إنَّ قريشا سترحل إلى بلادها و يَدَعُوكم مع محمد، فلا بدَّ من أن تمتنعوا أن تعطوهم إذا طلبوا منكم الرهائن، فدبَّ الخلاف بين الأطراف المتنازعة، ثم أرسل الله الرياح العاتية فقلبت القدور و قلعت الخيام وأطفأت النيران و كفى الله المؤمنين القتال، قال تعالى:

﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25)﴾

[سورة الأحزاب]

فالله عز وجل يُجرِي خيرًا كبيرًا على يد إنسان واحد، فلمَّا أرسلت قريش إلى اليهود تطلب منهم الرهائن صدَّقوا ما قال لهم نُعَيْم وامتنعوا ودبَّ بينهم الخلاف وشُقَّت الصفوف و أرسل الله الرياح فولَّوا الأدبار وكفى الله المؤمنين القتال، ونحن في العيد نقول: الله أكبر صدق وعده وأعزَّ جنده و هزم الأحزاب وحده، لاشيءَ قبله ولاشيءَ بعده.
هذا الدرس أيها الإخوة، والقصة وقعت، وماذا يُجدي أن نقرأها في كتاب الله، لأن كلَّ قصة وقعت يمكن أن تقع مرة ثانية، وإن لم يكن هناك ابتلاءٌ جماعيٌّ فهناك ابتلاءٌ فرديٌّ، والمؤمن الصادق يُوطِّن نفسه على أنَّ الله سوف يبتليه و سوف يمتحنه، فإذا كان مستعدًّا لهذا الامتحان، وقال: يا ربِّ لك الحمد أنا راضٍ بقضائك، معنى ذلك أنَّه نجح في الامتحان، حدَّثني طبيب أنَّه كان عنده مريض مُصاب بالسرطان في الأحشاء، قال لي أنّه كلما دخل عليه صديق يعوده يقول له: بادئ ذي بدء اِشهَد أنِّي راضٍ عن الله، واللهِ الذي لا إله إلا هو لو عاش مائة عام في صحَّة طيِّبة لا يرقى عند الله كما لو أنَّه قال هذه الكلمات، أنت هل تعلم عندما تقول: يا ربِّ عنك الحمد أنَّك ترقى عند الله، فإذا ساق الله عز وجل للإنسان شِدَّة أو مصيبة أو مرضا أو فقرا وقال يا ربِّ لك الحمد أنا راضٍ بقضائك و قدرك، هذا ارتقى عند الله إلى أعلى المراتب، وسيِّدُنا عليٌّ يقول: الرِضا بالمكروه أعلى درجات اليقين " فالمؤمن مستسلم لقضاء الله وقدره، وطبعًا لا يكون سلبيًا وقد ورد في الحديث الشريف:


(( إنَّ الله يلوم على العجز ولكن عليكم بالكيس فإذا غلبكم أمرٌ فقولوا حسبنا الله ونِعْم الوكيل))

و عليك أن تسعى و أن تفكِّر و أن تتَّصل وأن تُوصِل أن تطلب وأن تنتقد و أن تشتكي، فإذا استنفذتَ كلَّ الوسائل وغلبك الأمرُ عندئذٍ قل: حسبيَ الله و نِعْم الوكيل، فالمسلم الصادق بين أن يصبر على قضاء الله و قدره وبين أن يشكر نعمة الله عليه، ففي البلاء صبور و في الرَّخاء شكور، قانعا بالذي له و لا يبتغي ما ليس له.
أيُّها الإخوة الكرام، عودٌ على بدءٍ، سيِّدُنا الشافعي حين قال: لن تُمكَّن حتَّى تُبتَلى، ومعنى ذلك أنَّك في دور الامتحان، و كلُّ واحدٍ منَّا ممتَحَن، فتُمتحَن فيما أعطاك الله و فيما حرَمَك الله، واحد ما سمح له الله أن ينجِب، فعدم إنجابه للأولاد مادةُ امتحانه مع الله، و الواحد الله عز وجل أعطاه الأولاد، و هؤلاء الأولاد هم مادة امتحانه مع الله والغنَى مادة امتحان مع الله و الفقر مادة امتحان مع الله و القوَّة مادة امتحان مع الله و الضعف مادة امتحان مع الله و الصِّحة مادة امتحان مع الله و المرض مادة الامتحان مع الله، فيجب أن تعلم أنَّ كلَّ شيء نِلْتَه مع الله هو مادة امتحانك معه، وكلُّ شيء حُرِمتَ منه هو مادة امتحانك مع الله، هذه موادٌ خاصَّة، وهناك مواد عامَّة، المرأة في الطريق مادَّة امتحانٌ عامة لكلِّ الناس، والمال المُغرِي مادة امتحان عامة، فهناك مواد خاصة وهناك مواد عامة، فالمواد الخاصة حظوظك من الدنيا مواد امتحانك مع الله، وما حُرِمتَ منه في الدنيا مواد امتحانك مع الله.
الآن، الإنسان الغني، الغِنَى مادة امتحانه مع الله، فإذا شكر وتواضع و أنفق من هذا المال نجح، فجاء في الآخرة دخل الجنة، فاتصلتْ نِعَمُ الدنيا بنِعَم الآخرة، ولو استكبر بالمال وأمسكه وأنفقه على شهواته و حرَم منه الفقراء رسَب وخسر، وسيُعاني من العذاب الأليم إلى أبد الآبدين، ويأتي فقيرٌ ذو دخلٍ محدود، فقرُه مادة امتحانه مع الله و لكن هناك فقر الكسل و هناك فقر القدر و أنا أعني فقر القدر، فإذا كان الإنسان كسولاً لا يحبُّ العمل يفتقر، لكن هذا فقر الكسل، لا فقر القدر، والإنسان أحيانا يبذل كلَّ طاقته و بكلِّ ذكاء و لكنَّ الله تعالى لحكمة بالغةٍ شاء له أن يبقى فقيرا، هذا فقر القدر، فالفقر الذي هو مادة امتحان مع الله هو فقر القدر لا فقر الكسل الذي هو جزاء التقصير، لو أن الفقير و كان فقره مادة امتحانه مع الله صَبرَ وتجمَّل وتعفَّف و شكر الله على أن قدَّر له هذا الفقر، ينجح، فإذا مات فإلى الجنّة إلى الأبد، وقِسْ على هذا القوَّة والضعف والغنى والفقر و الذكاء وكلُّ الحظوظ تأتي على هذا المقياس، فمادة امتحانك مع الله حظوظك من الدنيا، ومادة امتحانك مع الله ما حُرِمتَ منه في الدنيا.
اللهمَّ ما رزقتَني ممَّا أُحبُّ فاجعله عونا لي فيما تحبُّ وما زوَيْتَ عنِّي ما أحبُّ فاجعله فراغًا لي فيما تحب فأنت بين شيئين، شيء تمنَّيتَه ونِلتَه و شيء تمنَّيتَه وحُرِمتَ منه فيدعو النبي الكريم، ويقول: هذا الذي تمنَّيته وأعطيتني إيَّاه اِجعلْه في الحق و في طاعتك و في سبيلك والدليل قوله تعالى:


﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾

[ سورة القصص ]
الذي حُرِمتَ منه تتقرَّب به، أنا أعرف رجلاً قضى كل َّحياته مريضا فقال لي يوما: قد ضاقت نفسي، و ما ارتحتُ يومًا ثمَّ قال: وقع في قلبي أنَّه لولا هذا المرض ما كنتُ في هذه الحال، حال القرب والشَّدائد سبب قربه من الله وسبب توبته و إقباله، ولكنْ يوم القيامة الذي أعلمُه أنَّ الله يكشف لكلِّ إنسان كلَّ شيء ساقه له، فلذلك الإنسان يوم القيامة يذوب كالشمعة المشتعلة حُبًّا بالله على كلِّ ما ساقه له، وهذا كلامٌ دقيق جدًّا، هل هناك واحد منَّا ليس له قدَر !! هذا القدر الذي ساقه الله له لو كُشِف غِطاءُه لَذاب الإنسان حبًّا بالله عز وجل.
مُلخَّص الدرس، نحن مُمتحنون فيما أُعطينا و فيما حُرِمنا، ممتحنون امتحانا عامًّا في الطريق، فهنيئًا لِمَن نجح في الامتحان، وقد ينجح الفقيرُ في امتحان الفقر و يرسب الغنيُّ في امتحان الغِنَى فتنعكس الآية قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فصار الفقير أغنى الأغنياء إلى الأبد و الغنيُّ أفقر الفقراء إلى الأبد وأحيانا يُمتَحن القويُّ بقوَّته فيستخدمها في الباطل و يُمتحَن الضعيف بضعفه فيرضى بقضاء الله و قدره، فيصبح الفقير عند الله في مقعد صِدق إلى أبد الآبدين ويصبح القوي في أسفل النار إلى أبد الآبدين لذلك سيِّدنا عليٌّ قال كلمةً رائعةً جدًّا، قال: " الغِنَى والفقرُ بعد العرض على الله، فلا يُسمَّى الغنيُّ غنيًّا في الدنيا و لا الفقيرُ فقيرًا، فقد تجد الفقيرَ أغنى الأغنياء يوم القيامة، و قد تجد الغنيَ أفقرَ الفقراء.
فأيُّها الإخوة الكرام، نحن ممتحنون فيما أُعطينا وفيما حُرِمنا، و الذي حُرِم فليصبرْ وليحتسبْ و ليقلْ حسبيَ الله ونِعم الوكيل، و إذا نجح لِيَشكر اللهَ عز وجل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-26-2018 01:34 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاحزاب (33)


الدرس الثانى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة الأحزاب وهي قوله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[سورة الأحزاب]
في الحقيقة هذه الآية أصل في فرضية معرفة سيرة رسول الله، لماذا ينبغي أن تقرأ سيرة رسول الله أو أن تستمع إليها أو أن تحضر مجلس علم موضوعُه سيرةُ النبي ؟ لأن ذلك فرض، و القاعدة الأصولية تقول: ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب " فالوضوء فرض لأنَّه لا تتمُّ الصلاة إلاَّ به، كيف سيكون النبي عليه الصلاة والسلام أُسوةً لك إن لم تعرف سيرته ؟ كيف يكون أُسوةً حسنةً في معاملتك لزوجتك و لأولادك ولجيرانك و لزبائنك و لمن حولك و لمن فوقك ولمن تحتك ؟ كيف تتأسَّى برسول الله إن لم تعرف ماذا فعل ؟ كيف كان صبرُه و كيف كان حِلمُه و رحمتُه و شجاعته و تواضعه، فلن تستطيع أن يكون لك النبيُّ أُسوةً حسنةً إلاَّ إذا عرفتَ كيف فعل في بيته ومع أصحابه، فهذه الآية أيُّها الإخوة أصلٌ في فرضية معرفة سيرة رسول الله، وفيها لفتةٌ لطيفة، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾

[سورة الأحزاب]
ليس لكلِّ الناس و لا لعامة الناس ولا للدَّهماء، ولكن قال تعالى:

﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[سورة الأحزاب]
الحقيقة أنَّه لا يُوجد واحدٌ على وجه الأرض إلاَّ و له أُسوةٌ حسنة، أهل المال يقولون: فلان حجم ماله مُخيف، و أهل الدنيا يُعظِّمون أهل الدنيا، وأهل العلم يعظِّمون أهل العلم، و أهل السياسة يعظمون أهل السياسة، فكلُّ إنسان له في حياته شخصٌ كبير يُعظِّمه ؛ شاء أم أبَى أحَبَّ أم كرِه، فمَن هو هذا الكبير في نظرك ؟ أهلُ المال يعظِّمون التجار الكبار، أصحاب الدرجات العلمية يعظِّمون الأعلى منهم والجرَّاح الناشئ يقول: فلان أعظم جرَّاح في القطر، فالإنسان شاء أم أبَى، أحبَّ أم كره يعظَّم شخصا كبيرا في حياته وهو لا يشعر ولا يدري، وهذا الشخص الكبير مُستنبَطٌ مِن معرفة الإنسان، فالمؤمن الصادق الشخص الكبير الذي ينظر إليه هو رسول الله عليه الصلاة والسلام قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[سورة الأحزاب]
كيف كان في بيته و مع زوجاته كيف كان إذا دخل بيته بسَّامًا ضحَّاكًا كيف كان يقول: أكرموا النساء فواللهِ ما أكرمهنَّ إلاَّ كريم ولا أهانهنَّ إلاَّ لئيم، كيف أنَّه غضب غضبًا شديدا من خادم و كان بيده سواك فقال له: لولا خوف الله لأوجعتُك بهذا السواك، ما هذه الرحمة؟! و كيف كان يقول عليَّ جمعُ الحطب؟ و كان يقول:ما أنتما بأقوى منِّي على السير ولا أنا بأغنَى منكما عن الأجر ! كيف وقد كانوا يقولون كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا.

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))

[ رواه أحمد ]
كيف أنَّ السيدة عائشة زوجته وهو أكبر شخص في العالم أصابتْها الغِيرة فكسرت طبق الطعام عمدًا جاءها من صفيَّة، فقال عليه الصلاة والسلام:" غضبتْ أمُّكم غضبتْ أُمُّكم ! فانظر إلى الواقعية والحلم وأنت لن تفلح إلا إذا كان النبي أسوةً لك،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا قَامَ قُمْنَا فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ يَا فُلَانُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرِفُوا ))

[رواه النسائي]
فماذا لو حدث مثلُ هذا لواحد منَّا فنحن لن نفلح إلاَّ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أُسوةً لنا وأكبر شاهد أنَّ رجلاً ارتكب معه ما يُسمَّى اليوم بالخيانة العُظمى عن عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ:

(( بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ صَدَقَكُمْ قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ))

[رواه البخاري]
فأنهضه من كَبوته ومنع أصحابه مِن أن ينالوا منه، ولِيُشعره أنَّه واثق به كلَّفه بمهمة سياسية فكان مندوبَه إلى أحد الملوك، هذه هي أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
و الآية الكريمة:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾

[سورة الأنفال]
المعنى الأول لها بديهي، أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يعذَِب أُّمَّة محمَّد ما دام النبي بين ظهرانيهم، ولكنَّ المعنى الأعمق بعد موت النبي أنَّ الله ما كان ليعذِّب أُمَّة النبي إذا كانت سنَّتُه مطبَّقةً في حياتهم، فإذا كان بيعُنا وشِراؤنا وِفْق السنَّة، وبُيوتنا إسْلامِيَّة، ولَهْوُنا إسْلامي وإذا كانت نشاطاتُنا واحْتِفالاتنا إسلامِيَّة وبعيدة عن الاخْتِلاط والأماكن العامَّة فما كان الله لِيُعَذِّبنا، قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
أيها الإخوة، هذه الآية أصْل في فَرْضِيَّة مَعْرفة سنَّة رسول الله، وهناك دليل أقْوى ؛ يقول الله عز وجل:

﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120)﴾

[سورة هود]
قَلْبُ النبي وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتًا عندما يستمع قصَّة إلى نبيٍّ دونه، فكيف بمؤمن في آخر الزمان يصغي إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي نفسه الذي هو سيِّد الخلق وحبيب الحق يثبت قلبُه بالإيمان إذا قص عليه الله قصَّة نبيٍّ دونه، قال تعالى مخاطبًا نبيَّه:

﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35)﴾

[ سورة الأحقاف ]
وأحيانا الواحد تكون له زوجة نقية طاهرة، لسبب أو لآخر و لخطأ غير مقصود تكلَّم الناس عنها و لولا أنَّ السيدة عائشة تكلَّم الناس عنها و برَّأها الله عز وجل لَتَألَّم هذا المؤمن ألمًا شديدا، لكنْ له في حديث الإفك أسوة حسنة، و لماذا جعل الله لبعض الأنبياء زوجة كافرة , و لنبيٍّ والدًا كافرا و لنبيٍّ آخر ابنه كافرا، لماذا الأمر هكذا ؟ سيدنا إبراهيم أبوه كافر وسيدنا نوح ابنه كافر، آسية امرأة فرعون زوجها كافر و سيدنا لوط زوجته كافرة لماذا؟ لأنَّ الله جعل الأنبياء مُثُلاً عليا، فالذي له ابنٌ مُزعِج فله في سيدنا نوح أُسوة، والذي له أبٌ مزعج فله في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة والذي له زوجة مزعجة فله في سيدنا لوط أسوة حسنة، وكلُّ الذي تكلم الناس في زوجته البريئة فله في سيدتنا عائشة أسوة حسنة وهي زوجة رسول الله و لم تنجُ من كلام الناس، فأنت حينما تقرأ سيرة رسول الله و تقرأ قصص الأنبياء، ترى أنَّك مغطَّى في كلِّ حياتك، إذاً كما قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]
هناك نقطة دقيقة، أنت ماذا ترجو ؟ فكلُّ إنسان يرجو شيئًا شاء ذلك أم أبى، فهذا يرجو الدنيا، وهذا يرجو المال وهذا يرجو النساء، وهذا يرجو العُلُوَّ في الأرض، قال تعالى:

﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]
علامة أنَّه يرجو الله هي قوله:

﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]
أمَّا المنافق فيذكر الله ولكنْ قليلا، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾

[ سورة النساء ]
*أمَّا المؤمن فيذكر الله كثيرا، والمعنى ؛ أنَّ النبي الكريم قدوة بأخلاقه وأفعاله لِمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيرا. فهذه الآية أصل في معرفة سيرة رسول الله، فالذي له إمكانية اقتناء كتاب سيرة له ولأولاده فليفعلْ، و النبي أمرنا بالنص الصريح أن نربِّيَ أولادنا على حُبِّ ر سول الله، و ماذا تظنُّون ؟ الأب مكلَّف بأمر رسول الله أن يربيَ أولاده على حبِّ رسول الله، ولذلك يجب أن تقرأ سيرة رسول الله مع أبنائك، وتقول: يا بُنيَ هكذا فعل رسول الله مع أصحابه وهكذا كان يُؤثرهم على نفسه، و هكذا كان متواضعا معهم، وهكذا كان رحيما بهم فإذا أردتَ أن تنفِّذ وصيَّة رسول الله في تربية أولادك يجب أن تقرأ لهم سيرته حتَّى يحبُّوه، أما الشباب الآن فيقولون ما رادونا يتعلَّقون بِلاَعِبِي الكرة وهم عندهم شذوذ جنسي و مخدِّرات و غير ذلك، فعار على الشاب المسلم أن يكون قدوتُه واحدًا من المنحرفين الغارقين في الجنس والمخدِّرات، وهذا من تقصير والده، لأنَّ والده ما علَّمه السيرة فهو يستقي أخبار الرياضيين و يعظمهم، أمَّا لو كان أبوه حريصًا عليه لعلَّمه سيرة رسول الله، لجعل أصحاب النبي هم القدوة في نظره.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-26-2018 01:35 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاحزاب (33)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة الأحزاب والتي تليها وهي قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)﴾

[ سورة الأحزاب ]
الحقيقة أنَّ الإنسان لمَّا يصطلح مع الله، ويتوب إليه ويعاهده على الطاعة والعمل الصالح ؛ قد ينتبه أنَّه يعاهد الله خالق الكون، الذي بيده كلُّ شيء، فالمؤمن الكامل هو الذي إذا عاهد الله على التوبة وعلى الاستقامة والعمل الصالح لا يغيِّر و، لا يبدِّل، ومن علامات رسوخ الإيمان في المؤمن الصادق أنَّه لا يبدِّل ولا يغيِّر، أمَّا هذا الإنسان الذي نسمِّيه بالتعبير العامي " السُّوَيْعَاتي " إن أصابَهُ خير اطْمأنَّ به، وإن أصابَتْهُ فِتْنة انْقلب على لا وَجْهه، فهذا الإنسان المُتَقَّلِب والمُتَحَيِّر في النَّعْماء ينطلق إلى الله، وفي الضَّراء ينْكمش، وفي الخير يُحِبّ وفي الابْتِلاء يُشَكِّك، فهذا النَّموذج نموذَجٌ الإيمان، ونموذَجٌ فيه نِفاق، وإيمانهُ لا يكفي لِنَجاتِهِ مِن عذاب الدنيا والآخرة، دائِمًا قالوا: وبِضِدِّها تتميَّز الأشياء !! ماذا قال بعضهم ؟ قالوا كما قص الله علينا في كتابه:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[سورة الأحزاب]
أيَعِدُنا صاحِبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيْصَر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمَنُ أن يقْضِيَ حاجتَهُ ! والبعض الآخر قال عنهم تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
ما الصِّدْق أيُّها الإخوة ؟ في الحقيقة قد تقول قوْلاً يُطابِق الواقِع فأنت بهذا صادِق، وقد تقول قَولاً لا يُطابِق الواقِع، فالقائل يكون كاذِبًا، هذا الصِّدْق نوع مِن أنواع الصِّدق أما الصِّدْق الأخْطر والأهمّ أن يأتي فِعْلُكَ مُطابقا لِقَولك، وأن يأتي قولُكَ مُطابِقًا للواقِع ؛ هذا صِدْق مُتعارَفٌ عليه، وفلان يكذب ويصْدق، أما إذا قلنا فلانٌ مع الله تعالى صادِق ؛ فهذا معنى آخر غير المعنى المألوف، فقولنا مع الله تعالى صادِق، أيْ أنَّ أفْعالَهُ تُقَيِّدُ أقواله، إذا أحبَّ الله، وقال: إنِّي أُحِبّ الله فإنَّ فِعْله يأتي مُطابِقًا لِقَوْلهِ، وأحْيانًا الإسْمَنت، كُلّ طَبْخة يمْتَحِنون مُقاومَتَها ويَصُبُّونها مُكَعَّبات، وهناك جِهاز يُمْسَكُ مِن أعْلاه، ومِن أسْفلهِ مُعَلَّق عليه كفَّة ميزان، ويضَعون الأثْقال، فَكُل طَبْخة لها مُقاومة، وكلُّكم يعْلم أنّ الشيء أحْيانًا يُقاوِمُ قِوى الضَّغْط، والشيء نفْسُه يُقاوِم قِوى الشَّد، فالإسْمَنْت كَمُقاومة الضَّغط عالي جدًّا، ويتحمَّل السَّنتمتر المربَّع خمسمائة كيلو، أما كَمُقاوَمة قِوى الشَّدة على خمسة كيلو ينقطع، فلا بد مِن حديد، وكذا كلّ مؤمن له مُقاوَمة، وعلى نوع مِن الشَّدائد تجد ظنَّه تغيَّر بالله وظنَّ بالله السوء! فأوَّل نموذج قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غُرورًا، أما النَّموذج الثاني فقد قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فالمؤمن لا بدّ مِن أن يمُرَّ بِشِدَّة، وهذه الشِّدَّة تَكْشِفُ حقيقة إيمانِهِ ومُسْتوى صِدْقِهِ، وتَكْشف مُسْتوى تَوْحيدِهِ، مُستوى صَبْرِهِ ومحبَّتِهِ والمُصيبة مِحَكُّ الرِّجال، فربُّنا عز وجل قال:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فنحن علاقتنا بِهذه الآيات ؛ يا تُرى ما دام دَخْلي كافٍيا وزوْجَتي أمامي وأولادي تحت سَمْعي وبصري، فما دُمْتُ هكذا أُحِبُّ الله ورسوله ولكن لو فرضْنا أنَّ حدثًا ألمّ بِكَ؛ صفْقة خاسِرة، أو خسارة مالِيَّة، أو انْعِدام الدَّخْل، مشكلة بالعمل أو البيت أو الأهل، فيا ترى هل يُغَيِّر أو يُبَدِّل ؟‍! نحن الآن دَخَلنا بِمَوضوع الرِّضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين، وهذه القِصَّة ما ذُكِرَت إلا لِنَسْتنبِطَ منها فأنت دائِمًا في امْتِحان قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فالامتحان مُسْتمرّ، والامتحان يكون في صِحَّة الإنسان وفي ماله وأولاده وعملِه، وراحَتِهِ النَّفْسيَّة، فأنت ماذا تَفْعَل حينما تأتي الشِّدَّة ؟ هنا يظْهر إيمانك، لذا إن اشْترى الإنسان سَّيارة، وأراد أن يمْتَحِن قوَّة مُحَرِّكِها، فهو لا يمْتَحِنها في الطريق الهابِطَة، بل في الصُّعود، وكذا الامْتِحان بالرَّخاء لا يوجَد، فَمِن خصائص الامتحان أنَّهُ في الشِّدَّة فالإنسان حينما تأتي الشِّدَّة لِيُلاحِظ خواطِرَهُ ؛ هل أساء الظنّ بالله عز وجل ؟ وهل يُبَدِّل أو يُغَيِّر ؟ أو يَخْرِق بك الاسْتِقامة ؟ كان عليه الصلاة والسلام يقول: أوذِيتُ في الله وما أوذِي أَحَدٌ مِثلي، وخِفْتُ في الله، وما خاف أحَدٌ مِثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يدخل جَوْفي إلا ما يُواريهِ إبْط بِلال ! فإذا جاء الليل صلَّى حتَّى تورَّمَت قدَماه، فَيُقال له: يا رسول الله: ألم يغفر الله لك ما تقدَّم مِن ذَنْبِكَ و ما تأخَّر؟ فيقول: أفلا أكون عَبْدًا شَكورًا جاعَ وخاف وأوذِيَ، فأحيانًا نحن إذا جاءَنا الأمْر على ما هو خِلاف عليه يسُبُّ الدِّين تَجِدُه مسلمٌا ! لأتْفه سبب يسبّ، ومِن علامات الساعة أنْ يُمْسي الإنسان مؤمنًا ويصْبح كافِرًا، ويصْبحُ كافِرًا ويمْسي مؤمنًا ؛ مِن أجْل حُطام الدُّنيا وزينتِها ! فهذه الآية دقيقة جدًا:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
معنى ذلك أنَّك لن تكون كامِل الإيمان إلا إذا كان محبَّتُك لله وإخلاصك له، واسْتِقامتُكَ على أمْرِهِ، وأعْمالُكَ الصالحة هِي هِيَ في السَّراء والضَّراء، وفي إقبال الدنيا، وفي إدْبارِها، وفي الغِنى والفقْر و في الصحَّة والمرض، في رضاء الناس عنك وفي سخطهم عنك.

فليتك تحلو و الحيا ة مريرة وليتك ترضى و الأنام غِضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني و بين العالمين خراب
إذا صحَّ منك الودُّ فالكل هيِّن و كلُّ الذي فوق التراب تراب
***

أيُها الإخوة الكرام، الحُزنُ خلاَّق، أحيانا تأتي المصيبة مؤلمةً والمؤمن يقول: يا ربِّ لك الحمد أنا راضٍ بقضاء الله و قدره، يا ربِّ أنا عبدك وابن عبدك وابن أمَتِك، ناصيتي بيدك ماضٍ فيَ حكمُك عدلٌ فيَ قضاؤك، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض و صلح عليه أمر الدنيا والآخرة أنْ تنزل بي سخطك وأن تحلَّ عليَّ غضبك، أعوذ بك من فجاءة نقمتك وتحوُّل عافيتك و جميع سخطك، ولك العُتبَى حتَّى ترضى لكنَّ عافيتك أوسعُ لي، هذا دعاءٌ مهمٌّ جدًّا، يا ربِّ أنا راضٍ إلاَّ أن تكون غاضبا عليَّ، وما تخلو حياة الإنسان من مصيبة، والبطولة حينما تأتي المصيبة أن تصبر عند الصدمة الأُولى، فإن تصبر أو لا تصبر فلا بدَّ من أن تصبر، أمَّا متى يتألَّق الإنسان ؛ عند الصدمة الأولى، يا ربِّ لك الحمد وأنا راضٍ بقضائك.
أيُّها الإخوة الكرام، صدِّقوني إنَّه لا ينجو مؤمن على وجه الأرض من يوم آدم إلى اليوم من امتحان، لقوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(21)﴾

[ سورة البقرة ]
قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فما علاقتنا بأصحاب رسول الله و قد زلزلوا، قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فمعنى ذلك أيها المؤمن أنَّك بعد مئات السنين و آلاف السنين لا بدَّ مِن أن تسلك الطريق نفسه لأنَّ سلعة الله غالية و لن يدخل الجنةَ أحدٌ إلا إذا دفع الثمن، ومن طلب الجنة بغير عمل فقد وقع في ذنب من الذنوب، فعندك نموذجان، الأول:

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[سورة الأحزاب]
ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا هؤلاء الناس يقولون: أين الله عز وجل المسلمون مقهورون و معذَبون وفقراء يكيد الأعداء لهم الذين هم على كفرهم وإباحيتهم أقوياء أشدَّاء يتحكّ‍مون في العالم، هؤلاء ينشرون البلبلة و الزلزلة، ولو قرأ الواحد منهم القرآن الكريم مثل قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالقرآن الكريم إذا قرأته كلَّ يوم أعادك إلى الصواب وأعطاك تفسيرًا لكل ما يجري،
فأنت مع القوي ومع العزيز وأنت مع المقتدر وأنت مع مَن بيده ملكوت كل شيء،قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26)﴾

[ سورة الأحزاب ]
أنزلهم من حصونهم، وقذف في قلوبهم الرعب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا ))

[رواه البخاري]
و أمَّتُه حينما تركت سنَّتَه هُزِمت بالرعب مسيرة عام، وقذف في قلوبهم الرعب تقتلون و تأسرون فريقا.
أيها الإخوة الكرام، قصة الأحزاب درس لا يُنسَى لكل مؤمن، و لابدَّ أن تُمتحَن و الصبر عند الصدمة الأولى، و أنت تعامل الله عز وجل فلا تُغيِّر و لا تُبدِّل، " أحد الصحابة أسلم فدخل مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة، وانتهت الغزوة و قسَّم النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم، فقال هذا الصحابي: أنا ما على هذا أسلمتُ، أسلمتُ على الذبح ! وعاهد الله أن يموت شهيدا، فكانت له الشهادة في المعركة الثانية فبلَّغوا النبي قصته فبكى النبي، قال: هو هو، قالوا: هو هو فصلَّى عليه و قال: اللهم إني أشهد أنَّ عبدك هذا قاتل في سبيلك فاغفر له وارحمه فهذا الصحابي أسلم على الذبح، و ليس على الغنائم ونسأل الله أن يلهمنا الصواب.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-26-2018 01:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 


بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاحزاب ( 33 ))



الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والعشرون والآيات التي بعدها تشكِّل مجموعة: محورها القدوة في الإسلام لها حساب خاص، فالأب قدوة في البيت، وخطأ الأب غير خطأ الابن، والمعلم قدوة، والطبيب في المستشفى قدوة، ومدير المستشفى قدوة، وأي إنسان يحتلّ ُمنصبًا قياديا ولو كان على مستوى الأسرة الذي هو أقل منصب قيادي، فلا بد أن تكون قدوة، والمعلم في الصف قدوة، ومدير المدرسة قدوة، فالذي يحتل منصبا قياديا له حساب خاص.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾

[سورة الأحزاب]
لماذا قال تعالى:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾

[سورة الأحزاب]
" منكن " أي يا نساء النبي، أجرا عظيما، لأن زوجة النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لنساء المؤمنين، ثم قال تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)﴾

(سورة الأحزاب)

فإن أرادت الله و الدار الآخرة فإن الله سيؤتيها أجرا عظيما، و إن أتت بفاحشة مبينة يُضَاعف لها العذاب ضعفين، وهذا حكم، لأن القدوة إن أحسن فله أجر إحسانه و أجر مَن اقتدى به، والقدوة إذا أساء فعليه وزر إساءته و وزر مَن قلَّده، فإذا كان الأب يُدخِّن أمام أبناءه ملء السمع والبصر، وصار ذلك مألوفا عند الولد، و قد لا يشتهي الابن أن يدخِّن، ولكن حتَّى يقلِّد والده صار يدخَّن.
فيا أيها الإخوة، المنصب القيادي ولو على مستوى أب أو معلم مدرسة عنده خمسة وخمسون طالبا، أو طبيب في مستشفى، و الأم تحتل مركزا قياديا أمام بناتها، ولو أنها مثلا قالت لزوجها: لن أخرج في غيبتك ؛ وقد خرجت على مرأى من بناتها كذبت على زوجها أمام بناتها، فتحمل وزر إساءتها ووزر ابنتها التي قلَّدت أمها في الكذب على زوجها بعد أن كبرت، فكل إنسان قيادي له حساب خاص، إن أحسن فله أجره وأجر من قلده، وإن أساء فله وِزْرهُ وِ وِزْرَ من قلَّده قال تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)﴾

[سورة الأحزاب]
هناك موضوع ثانٍ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أعلى مستويات الكمال ؛ وهو كذلك ؛ ولم تكن نساءه كذلك ما الذي يحصل ؟! أردْن الحياة الدنيا و زينتها، و المظاهر و الفخامة، و قد رُكِّب في طبيعة المرأة حبُّ المظاهر، فلو أنَّ المرأة لم تكن على شاكلة زوجها وكان زوْجها له دَعوة إلى الله عز وجل، ما الذي يَحصل ؟ يقول الناس جميعًا: لو كانت دَعْوته واقِعِيَّة لطَبَّقَها على أهل بيْتِهِ، فما دام هذا الدَّاعِيَة عاجِزًا عن تطْبيق دَعْوتِهِ على أهْل بيْتهِ، فالدَّعْوَة غير واقِعيَّة، وإن كانت واقِعِيَّةً فلماذا لا يطبِّقها على لا أهل بيته ؟ و في أحسن الظروف نقول: إنّ الدعوة غير واقعية، مثالية، فكما يقال: يا طبيب طُبَّ لنفسك، لذلك أكاد أقول إنك إذا دعوتَ إلى الله فزوجتك وبناتك و أبناءك جزء من الدعوة، فإن لم يكونوا كما تريد فقد حُطِّمتْ الدعوة، وليس ثمَّة عذرٌ، فأنت مرشد وموَجِّه تنصح الناس بكذا و كذا فإذا كانت النصيحة غير واقعية فدعْنا منها، و إن كانت واقعية فلِمَ لا تطبِّقها في بيتك ؟!، لذلك فالله عز وجل تولَّى بذاته العلية تطهير بيت أهل النبي.


﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

[سورة السجدة]
و أهل البيت الزوجة و الأولاد جزء من الدعوة، فإن لم يكن البيت منسجمًا مع الدعوة صار للناس ألف استفهام واستفهام و ألف مأخذ ومأخذ و هذه الآيات تؤكِّد ذلك.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾

[سورة الأحزاب]
ثم قال تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)﴾

[سورة الأحزاب]
ما المقصود بالفاحشة ؟ الحقيقة أنَّ الفاحشة وردت للزنا، لكنَّ العلماء قالوا: لا يُعقَل و لا يمكن و لا يرد على الخاطر أن تقع زوجة رسول الله في الزنا، فالعلماء لحسن ظنِّهم وفهمهم الدقيق قالوا: إنَّ الفاحشة في حقِّ نساء النبي أ نْ يزعجن النبيَّ في طلب الدنيا فقط، فلو طلبتْ منه شيئا لا يستطيعه كأنَّما أتتْ بفاحشة لِعِظَم مقام النبي عليه الصلاة والسلام، فلو أنَّ إحداهنَّ طلبت طعاما من النبي لا يملك ثمنه يُعَدُّ في حقِّها فاحشة لعِظَم مقام النبي عند الله عز وجل، فإرهاق الخلق بمطالب مادية شيء يزعجه ويعرقل الدعوة إلى الله عز وجل، و تمر ّأيام عديدة لا تُوقَد نار في بيوت النبي، لأنّ النبي كان فقيرا، وقد قال الله له:
((يا محمد أتريد أن تكون نبيًّ ملِكا أم نبيا عبدا ؟ قال: بل نبيا عبدا، أجوعُ يوما فأذكره و أشبع يوما فأشكره..."))
و دخل عليه عديُّ بن حاتم فألق له وِسادةً مَحشُوَّة ليفاً، قال: اجلس عليها، قلتُ: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلستُ عليها وجلس هو على الأرض ليس في بيته وهو سيِّدُ الخلق إلا وسادة واحدة، " وكان إذا أراد أن يصلِّيَ قيام الليل غرفتُه التي ينام فيها مع عائشة لا تتَّسع لصلاته و نوم عائشة، فلو أن الدنيا أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر جرعة ماء ! فلينظر ناظرٌ بعقله أنَّ الله أكرم محمَّدًا أم أهانه فإن قال: أهانه فقد كذب، و لئِن أكرمه فقد أهان غيره إذ أعطاه الدنيا قال تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)﴾

[سورة الأحزاب]
ثم قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً (31)﴾

[سورة الأحزاب]
هل لاحظْتُم ؛ في الإكرام هناك مُضاعفة وفي العقاب هناك مضاعفة و هذا ينسحبُ على كلِّ قدوة في المجتمع الإسلامي، فكل إنسان له منصب قيادي بدءًا بالأب ونهاية بأعلى منصب ؛ فهذا يُحاسَب حسابا خاصًّا ؛ إنْ أحسن فأجره وأجر من قلَّده، وإن أساء فعليه وزرُه ووزرُ من قلده، ثم قال تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾

[سورة الأحزاب]
فالمرأة إذا دخلت لتشتريَ حاجة و أَلاَنَت القولَ طمع فيها هذا الرجُل وهذه قاعدة خطيرة جدًّا، ومِن أُولى آداب المرأة أنْ تقول مع الرجل الأجنبي قولاً معروفا، ذكر لي أحد الإخوة القصةَ التالية ؛ عنده محلٌّ تجاري أمام بيته، فجاءه يوما ابنه يقول له: إنَّ في بيتنا رجلا و أُمِّي تستغيث بك، فأسرع إلى بيته فرأى رجلا داخل بيته و الزوجة لابسةٌ لباسا كاملا، كيف دخل إلى البيت ؟ هذا الرجل بائع، دخلتْ عليه هذه الزوجة لتشتريَ، وبدأتْ تناقش البائع في السعر، فظنَّ أنَّ هذه المرأة تقبل أن يتَّصل بها و هي تسكن قريبا منه، فطرق بابها ودخل البيت و المرأة جاهلة، وإن أرادتْ بنقاشها في الشراء شيئا إلاَّ أن تخفِّض السعر، ولكن ألاَنَتْ القول، فيجب أن نربِّيَ نساءنا إذا كلَّمْنَ رجلا أجنبيا أن يقُلْن قولا معروفا، لأنَّ الكلمة اللَّيِّنة من المرأة تعني أنَّها ترضى الفاحشة، وهذه نقطة دقيقة قال تعالى:


﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾

[سورة الأحزاب]
ثم قال تعالى:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

[سورة الأحزاب]
فالأصل أن تقررْن في بيوتكن، فقائدُ الطائرة يقود طائرةً تحمل ستمائة راكب، غرفة القيادة هل تُعَدُّ سجنا لهذا الطيَّار، هو أخطرُ مكان، فإذا ظنَّ الطيَّار أنَّ هذه الغرفة تقييدًا لحرِّيته، ويجب أن ينطلق إلى رحاب الطائرة أودَى بحياة الركاب، كذلك هذا البيت هو مركز قيادة لهذه الأُسرة،وفي الحديث:

(( أيُّما امرأة قعدتْ على بيت أولادها فهي معي في الجنة..."))

و المرأة المؤمنة تتفرَّغ لأولادها.

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

[سورة الأحزاب]
فإذا خرجْتُنَّ لأمر قاهر فلا تبرَّجن تبرُّج الجاهلية الأولى، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23)﴾

[سورة القصص]
فحياء المرأة منعها أن تختلط بالرجال، وما خرجتْ من البيت إلا لأمر قاهر؛ لأنَّ أبانا شيخٌ كبير، قال تعالى:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

[سورة الأحزاب]
" يطهركم تطهيرا " لأنَّكنَّ جزء من الدعوة، فإذا كان الواحد ملتزما وزوجته متفلِّتة لا يُقبَل ذلك منه، هو مطبِّق وبناته كاسيات عاريات مائلات مميلات، معنى ذلك لستَ أبًا، فزوجتك و أولادك جزء من دعوتك إلى الله، هذا هو معنى الآيات، فدرس اليوم القدوة، والقدوة له حساب خاص، إنْ أحسن فله أجره مرَّتين، و إن أساء فله العقاب مرَّتين، والأصل في الزوجة أن تقرَّ في بيتها لتربية أولادها و" أيُّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-26-2018 01:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاحزاب ( 33 )





الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة والثلاثون من سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
أيُّها الإخوة، في اللُّغة العربيَّة شيء اسْمُهُ نَفْيُ الحَدَث، وشيءٌ اسْمُهُ نَفْيُ الشَّأن، وفرقٌ كبير بين أن تنْفِيَ الحدَث، وبين أن تنْفِيَ الشَّأن فقد تسأل أكْبر سارِقٍ هل سَرَقْتَ هذه الحاجة، فيقول: لا، لم أسْرِق هذه فهذا النَّفْيُ هو نَفْيُ الحدَث، أما لو سألْتَ إنسانًا كريمًا مِن عِلْيَةِ القَوم: هل أنت سارِق ؟ يقول لك: ما كان لي أن أسْرِقَ، فُهو الآن لا ينفي الحدَث، ولكن ينفي الشَّأن، فليس مِن شأنِهِ ولا مِن طَبْعِهِ أن يسْرِق ولا مِن إرادَتهِ أن يسْرق، ولا مِن عِلْمِهِ أن يسْرق، ولا يريد أن يسْرق، ولا يتمنَّى أن يسْرق، ولا يرْضى أن يسْرق، فأشَدُّ حالات النَّفْي في اللُّغَة نَفْيُ الشَّأن، لا نَفْيَ الحدَث.
فإذا قال الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾
(سورة العنكبوت)
فما قَوْلُكَ ؟ وقال تعالى:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾
[سورة آل عمران]
لو تتَبَّعْتَ في القرآن الكريم هذه الصِّيغة: ما كان لله ؛ هذه أشَدُّ أنواع الصِّيَغِ نَفْيًا.
الآية الكريمة الآن، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
أحيانًا تقول: الماء ! هذا الماء هيدروجين وأكسجين، فأنْ يكون مُؤلَّفًا مِن ذرَّتَين هيدروجين، وذرَّة أكسجين، فهذا مِن أصْل تَكْوينِهِ فَمُمْكِن أن يُصبَغ الماء باللَّوْن الأحمر أو الأصفر، أو نُظيف له مِلحًا أو سُكَّرًا فهذه كُلُّها عارِضَة، فالماء جَوْهر وله عرَض، فالجَوْهر أصْل تَكْوينهِ أما العرَض ما يطرأُ عليه، فلو أنَّ هذا الماء كان مالِحًا لأمْكنَنَا بِتَقْطيرِهِ أن يُصْبِحَ عذْبًا، ولو أنَّ الماء كان فيه شوائب لأمْكنَنا بالتَّصْفيَة مِن أن يصبِحَ صافِيًا، فالشَّوائب والمُلوحة والعُذوبَة ؛ هذه صِفات عرَضِيَّة تأتي وتذْهَب، أما أن يكون الماء مُؤلَّفًا مِن أكسجين وهيدروجين، فهذا مِن أصْل تَكوين الماء، فالله تعالى إذا قال:
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110) وكان الله غفورًا رحيمًا (111)﴾
[سورة النساء]
فهل يعني أنَّهُ تعالى ليس غفورًا رحيمًا الآن ؟! لا، كَون الله غفورًا رحيمًا هذا مُتَواجِدٌ مع الله عز وجل، فما دام الله مَوجودًا فَهُوَ رحيم وقد عبَّر عنها العلماء بِالتَّرابُط الوُجودي، كُلُ هذه التَّمْهيدَات لِهذه الآية قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
فإذا كنت مُؤمنًا ونُقِل إليك أمْر الله تعالى، فإذا قُلْتَ: لأدْرُسُ هذا ! أو سأُفَكِّر في الأَمْر، فقد لا أقْنَعُ بِهذا الأمْر، لِمُجَرَّد أن تضَعَ هذا الأمْر مَوْضِع المناقشَة، ومَوضِعَ الدِّراسَة والبَحْث، ومَوْضِعَ القَبول والرَّفض فَلِمُجَرَّد أن تُدْرِجَهُ في جَدْوَل أعْمالِكَ فأنت لسْتَ مؤمنًا، لأنَّ الله تعالى يقول:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
فأنت مُخيَّر في أن تشْتري هذا البيتَ أم لا ! وفي أن تتزوَّج هذه الفتاة أم هذه الفتاة، أمَّا أن تختار أن تفْعَلَ ما أمَرَك الله بِه أو أن لا تفْعَل فهذا ليس مِن اخْتِيار المؤمن، أما غير المؤمن فيُمْكِنُهُ ذلك ! إن عرَضْتَ عليه أمْر الله ؛ يقول لك: لسْتُ قانِعًا ! فَغَيْرُ المؤمن فيُمْكِن أنه يُدْرِجَ الأوامِر والنَّواهي في جَدْول المناقشة والدِّراسَة، أما إذا كان مؤْمِنًا صادِقًا وتلقَّى أمْرًا مِن ربِّه في الكتاب أو السنَّة، ووضَعَهُ مَوْضِع المناقشة، وقال: سأدْرُس الأمر، فهذا ليس مُؤْمِنًا !! قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
كأنَّ المؤمن بعد أن عرف الله وعرف منْهَجَهُ فقَدَ اخْتِيارَهُ، فلو طلبَ مِنْك إنسانٌ أن تُساعِدَهُ وَكُنْتَ مُقْتَدِرًا، والله أمرَكَ أن تُساعِدَ إخوانَك المؤمنين فهل لك اخْتِيار في أن تُساعِدَهُ أم لا ؟! وهذا إنسانٌ جريح وأنت طبيب مؤمن، فهل لكَ خِيارٌ في أن تُسْعِفَهُ أم لا ؟ لذا يمكننا أن نقول: تأتي درَجَة بعد الإيمان بعد أن تعرف الله تعالى حقَّ المعرفة وبعد أن تعرف منْهَجَهُ ؛ تَجِدُ نفْسَكَ شِئْتَ أم أبَيْتَ تسير في خطٍّ إجْباري !! فبَعْد أنْ عرَفْت الله تعالى وعرَفْتَ منهَجَهُ، وعرفْتَ طريق جنَّتِهِ، وطريق سَخَطِه، فالآن أنت كأنَّك تجْري في طريق مرْسوم ومُحَدَّد، وهذا معنى الآية الكريمة:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
قد يقول لك قائِل أين أمْر الله تعالى ؟ وأين أمْرُ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ يُؤَكِّدُ هذا المعنى قوله تعالى
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
[سورة النساء]
أين الله ؟ المعنى رُدُّوه إلى كلامِهِ تعالى، ورُدُّوه إلى سنّتِهِ صلى الله عليه وسلَّم، فإذا قيل لك: رُدَّ هذا الأمْر إلى الله، المعنى رُدَّ هذا الأمر إلى كتابهِ، ورُدَّ هذا الأمْر إلى رسول الله أي إلى سُنَّتِهِ، فنحن معنا كتاب وسنَّة.
(( فعَنْ مَالِك أَنَّه بَلَغَه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ))
[رواه مالك]
أمْر الله في كتاب الله، وأمْرُ النبي صلى الله عليه وسلَّم في سنَّتِهِ قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
هناك ضلال بعيد، وهناك ضلال مبين، فما قَوْلُك وأنت ترْكب سيارةً في طريق عرْضُهُ سِتِّين متر ؟، وعلى عرْض الطريق لَوْحة، كما في بعض البلاد، هناك لَوْحة ارْتِفاع ثلاثة أمْتار، بِلَوْن فسفوري، مكتوب مِن هنا مكّة، فإذا خالف الإنسان هذه اللَّوْحة الكبيرة والواضِحَة جدًّا وبلُغَتين، ومُضاءة ليلاً، فقد ضلَّ ضلالاً مُبينًا، أما إذا كانت هناك لوحة صغيرة، ولا تكاد تقرأ، وغير مُضاءة ليلاً، وفي زاوِية الطريق، ولم تنتَبِه إليها، نقول: هذا ضلال غير مبين، فإذا جاوز المفرق الذي فيه هذه الإشارة بِعَشرة كيلو مترات، نقول ضلَّ ضلالا غير بعيد، أما لو مشى في هذا الطريق الضال مائة كيلومتر، نقول: ضلَّ ضلالاً بعيدًا ! فالإنسان قد ينْحرف بِتَفْكيرِهِ، أو بِسُلوِكِهِ ويبْق مُصِرًّا على انْحِرافِهِ أمدًا، وينتج عن انْحِرافِهِ انْحِراف، وعن سُلوكِهِ سُلوك، نقول: هذا ضَلَّ ضلالاً بعيدًا، فإذا قال تعالى:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾
[سورة المائدة]
ونحن نُطْعِم البقر الجِيَف والمشيمات، والدَّم، ثمَّ يُصاب البقر بالجُنون نقول: هؤلاء ضلُّوا ضلالاً مُبينًا لأنَّ الله تعالى لمَّا حرَّم هذه الأشياء حرَّمها لِحِكمة، والشيء الغريب الآن أنَّهم أطْعَموا مَسْحوق هذه الجِيَف للقِطَط فأُصيبَتْ بالجُنون، معنى هذا إذا أطْعمْنا الحيوانات طعامًا ليس في أصْل بُنْيَتِها، فالبقرة مُصَمَّمة على أنها حيوان نباتي، فلمَّا أطْعمناها مَسْحوق الجِيَف، والدِّماء المُجَفَّفة دَفَعوا الثَّمن ؛ ثلاثة وثلاثون مليار جُنَيه اسْتِرليني ! وهو ثَمَن إحدى عشرة مليون بقرة مُصابة بإنجلترا، وبلاد الإنْجليز كُلُّها مراعي، والإنتاج الأوَّل في بلادهم البقر، وأُصيبُوا في أهَمِّ إنتاجهم، لأنّهم ضلُّوا ضلالا مُبينًا وبعيدًا والله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)
إلهٌ عظيم منَحَك منهَجًا ؛ اِفْعَل ولا تفْعَل، فهل يُمكن أن تُسَلِّم جِهازَك الكمبيوتر إلى خضَّار ؟! أو إلى جارٍ كريم ومُحِبّ ؟! لابدّ مِن خبير فهذا الكلام كلام الخبير، وهناك جهَة واحِدَة لا تُناقَش ؛ هِيَ الجِهَة الصانِعَة، لذا الجَهل أعْدى أعداء الإنسان، فهذا مُزارع اشْترى سميدًا من أفْخر الأنواع، والتّعليمات تقول: وَضْعُ كيلو غرام في البرميل الواحِد، فهُو من شِدَّة حُبِّ الرِّبْح وضَعَ كيلِيَيْن !! لمَّا فاق في اليوم التالي وجَدَ المحصول كُلّه أسْوَد !! فالجاهِل يفْعَلُ في نَفْسِهِ ما لا يستطيعُ عَدُوُّه أن يفْعَلَهُ به !
قال لي أحدهم زَوْجتي تَخونُنِي وعنده منها خمسة أولاد، وأنا تاجِر كبير، وعندي بيتٌ واسِع، فقلتُ له: معَ مَن؟ فقال لي: مع جارنا ! فقال لي: أحد المرَّات دخل عندي فقلتُ لِزَوْجتي: ادخُلي، هذا مِثل أخوك ! لو أنَّهُ حضَرَ مجلسًا واحِدًا مِن مجالسِ العِلْم لما قال هذا !
أيُّها الإخوة الكرام، ما مِن مُشْكلةٍ على وَجْه الأرض - وأنا أعْني ما أقول - إلا بِسَبب خُروجٍ عن منهَج الله تعالى، وما مِن خُروجٍ عن منهَج الله إلا بِسَبب الجَهْل، والجَهْل أعدى أعداء الإنسان، والمعرفة أيُّها الإخوة أوَّل مراحل العِلاج، وإذا أردْتَ الدنيا فعَلَيْك بالعِلْم، فلِكَي تعرف منهَج الله عليك أن تعرف كلامه وسنَّة نبيَّه، فيَجِب أن تعرف منهجَ الله وأمْره ونَهْيَهُ مِن أجل أن لا تغْترَّ أنَّك مُستقيمًا، فأنت لا يُمْكِنُك أن تُعالِجَ الضَّغْط المرتَفِع إلا إذا علِمْتَ أنَّ ضَغْطَكَ مُرْتَفَع وبالمقابل قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾
(سورة الأحزاب)
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾
(سورة الأحزاب)








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-27-2018 08:07 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاحزاب ( 33 )





الدرس السادس


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، يقول الله جل جلاله في آخر سورة الأحزاب:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)﴾
[سورة الأحزاب]
أوَّل ملاحظة، أنَّ الأنبياء العِظام، وأولوا العَزم، والذين غيَّروا مَجْرى الحياة، والذين نشَروا الفضيلة ورسَّخوا الحق، بماذا جاءوا ؟ جاءوا بالكلمة ! إلا أنَّ هذه الكلمة يؤكدها الواقِع، فمتى يكْفر الناس بِالكلمة ؟ إن كان الواقِع لا يُؤكِّدُها، وإن كانت الكلمة في واد، والواقِع في وادٍ آخر لذلك حينما جاءت الممارسات تُناقض الادِّعات كفَر الناس بالكلمة، ولمَّا كفروا بالكلمة استهزئوا بِكُلّ كلمة، والآن الكلمة التي تُقال اسْتِهزاءً لأيِّ دَعْوَة: دون فلْسفة، وكلام فارِغ، لأنَّ الناس ألِفُوا أن يسْمعوا كلامًا لا يُؤَكِّدُه الواقِع، وأن يسمعوا كلامًا هو في وادٍ والواقِع في وادٍ آخر ! أضْرِبُ لكم مثلاً ؛ لو أنَّ أبًا شاذًّا جائِعًا أشَدَّ الجوع، وحَوْله أولاد يموتون من الجوع، فجاء هذا الأب بِطَعامٍ نفيس وأكلَهُ على مرأى مِن أولادِهِ ! فالأولاد مَقْهورون وهو جبَّار، إلا أنَّهُ أضاف إلى العَمَل أن قال لهم: إنَّني أُحِبُّكم ! فهل لِهذه الكلمة أساس ؟ وإذا كفر الأطفال بِهذه الكلمة فهل لهم الحق ؟! كل الحق معهم، لأنّ سُلوك الأب يتناقض مع ما قال، لذا إن أرَدْتَ أن تُحَطِّمَ مبْدأً اُنْشُرْهُ بِلِسانِك وخالفْهُ بسُلوكِكَ، لذلك ماذا فعَلَ الأنبياء ؟ جاءوا بالكلمة ولكنَّ الواقِعَ كلّه يُؤَكِّدُها، وحياةُ النبي كلُّها تَجْسيدٌ لِهذه الكلمة التي جاء بِها فَمَن مِنَّا لا يعْرِف موضوع التَّواضُع، فقد كان النبي مع أصحابه في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاة ليأكلوها فقال أحدهم: عليَّ ذبحها و قال الثاني: عليَّ سلخها وقال الثالث: عليَّ طبخها وقال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: عليَّ جمع الحطب ! فهُم ما سمعوا التواضع منه كلامًا ولكنْ رأوه ممارسة، لذلك تعلَّقوا به أشدَّ التعلُّق، و بالمقابل إذا جاء الأنبياء بالكلمة بماذا جاء أعداؤهم ؟ بالكلمة المضادة و بالتكذيب والتسفيه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))
[ رواه البخاري ]
فالإنسان متى يُفْلِح ؟ إذا عدَّ كلامه مِن عَمَلِهِ، فإذا ظنَّ أنَّ الكلام حديث فقط، فأنت لا تفْقَهُ الدّين، فلا يستقيم إيمان عبْدٍ حتَّى يستقيم قلبهُ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لِسانُهُ، فهذه قالت حسبُكَ مِن صفِيَّة أنَّها قصيرة، فالإنسان متى يَجِدُ الطريق إلى الله تعالى سالِكًا ؟ إذا ضَبَط لِسانَهُ وإذا كفَّ عن الغيبة والنَّميمة، وعن البُهتان وعن الافْتِراء، وعن السُّخْرِيَّة والاحْتِقار، والاسْتِعْلاء، لذا قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)﴾
[سورة الأحزاب]
فَهُم ما ضَربوه فالله يحْفظه، ولكنَّهم طَعَنوا بِدَعْوَتِهِ، وهناك مُنْحَرفون كثيرون لا يَحْلو لهم إلا الطَّعن بالعلماء وتَجْريحِهم، حينها يرْتاحون، فلو كان هناك مستقيم لأقيمتْ عليه الحجَّة، وإما أن يطْعن بالجميع فيرْتاح، لذا الإنسان قد يتكلَّم الكلمة لا يلقي لها بالاً قد يهْوي بِها سبْعين خريفًا و سَمِعْتُ مرَّةً مُقابلة مع رجل سألوه عن الأُضْحِيَة فقال هذا تَقْليد ‍! فقد كانوا يُضَحُّون بالفتيات وأصبَحوا بعدها يُضَحُّون بالخِرْفان !! وموضوع الأضحية لا علاقة لها بالدِّين إطْلاقًا !!! هذا كلامٌ خطير ! لمَّا تَعُدُّ الدِّين تُراثًا، وفُلْكلور، وتقاليد، وعادات فالإنسان قد يتكلَّم الكلمة لا يلقي لها بالاً يهْوي بِها سبْعين خريفًا برنامج مِن ملفَّات القضاء ؛ امرأة زَنَتْ مع شابّ، ووعَدَها بالزَّواج ثمّ لم يَفِ بِوَعْدِهِ فلمَّا طالبَتْهُ بالزَّواج، قال لها: أعْطِني مِفتاح دُكَّان أبيك فلعلَّي آخُذ منها مائة ألف ليرة أطْلُبُكِ بِها، فناوَلَتْهُ المِفْتاح مِن تحت ميلاء ! هذا وكأنَّه دليل على أنَّها مُتَحَجِّبَة ؛ زانِيَة وخائِنَة تُعْطي مفتاح دُكَّان أبيها من تحت الملاية ! هذه كلمة كُتِبَت في ملف، فهذا يُشْعِر أنَّ المُحَجَّبات يفْعَلن ويفْعَلن ! فهذه كلمة تكلَّم ؛ لا يلقي لها بالاً قد يهْوي بِها سبْعين خريفًا، فلذا قبل أن يطْعن الإنسان، وقبل يُلْقي التُّهَم العَشْوائِيَّة، وقبل أن يُقَلِّل من قيمة دعوة إلى الله تعالى، لماذا اتُّهِمَت السيِّدَة عائِشَة في شَرَفِها وهِي السيِّدة المصون، وزوْجَةُ النبي عليه الصَّلاة والسلام ؟ لِتَكون قُدْوَةً لِكُلّ فتاةٍ طاهِرَة اِفْتُرِيَ عليها، وهي ليسَت كذلك ! لذا قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)﴾
[سورة الأحزاب]
أحيانًا تكون هناك دعوة إلى الله كلُّها إخلاص وصِدق وحِرْص، فلأنَّهُ مُنْحرِف وشَهَواني، وضَعيف أمام نفْسِهِ تراه يطْعَنُ بالآخرين، فهذه كلمة، وأحيانًا الإنسان يستفيد من المسْجد، فلا يحْلو لأصْدِقائِهِ إلا أن يطْعنوا بِهذا المسْجِد، فكما أنّ الأنبياء جاءوا بِكَلِمَة، فأعْداء الله تعالى جاءوا بِكَلِمَة ؛ كلمة طَعْنٍ وتَفْريغٍ مِن مَضْمون، وكلمة تَقليل أهَمِيَّة قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)﴾
[سورة الأحزاب]
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70)﴾
[سورة الأحزاب]
وقد وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنَّه يُطْبع المؤمن على الخِلال كلّه، تجد مؤمنًا اجْتِماعيا، وآخر انْعِزاليا، فَكِلاهما على العَين والرَّأس وهذا مؤمن ينفق كثيرًا، ومؤمن إنفاقه أقلّ، وذاك يُحِبّ لِقاء إخْوَتهِ ومؤمن يحبّ أن يبقى لوَحده، وآخر يحبّ السَّفر، ومؤمن يحب الحضر، ومؤمن يعتني بِبَيْتِهِ كثيرًا، ومؤمن أقلّ اعْتِناء، فهذه طِباع ويُطبَع المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الكذب و الخيانة، فإذا صدقنا مع ربّنا ومع أنفسنا ومع الآخرين فإن أغلب المشاكل سَتُحل وقال لي أحد الإخوة المحامين: هناك سبعة آلاف دعوى كيدية لقصر العدل لا أساس لها من الصِّحة، إرهاق للقضاة والمحامين، فالعلم هو الوصف المطابق للواقع، فإذا كنتَ مع الواقع فأنت عالم و إذا قلَّلت من قيمته فأنت مغرض و إذا بالغتَ فأنت واهم، والعالم ليس واهمًا وليس مغرضًا لا يقلِّل من قيمة الشيء و لا ينفخ فيه لذلك النبي عليه الصلاة والسلام خطب أحدٌ أمامه فقال: ما شاء الله وشئتَ فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: ((أجعلتَني لله نِدًّا قل: ما شاء الله وحده، فهو عبده ورسوله ))
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)﴾
[سورة الأحزاب]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
[سورة السجدة]
اِلزم الصدق، ودائما يتوهَّم الإنسان أوهاما باطلة، فيقولون: الكذب ملح الرجال، والعياذ بالله، إنَّ الصدق من خلُق المؤمن، فكن صادقا وكلمة الحق لا تقطع رزقا ولا تقرِّبُ أجلا، كن صادقا في البيع والشراء، قال لي أحد الإخوة: عندي قطعة تبديل للسيارة منذ خمس سنوات، وسعرها عشرون ألف ليرة، جاء الزبون فقال له: عندك القطعة الفلانية ؟ قال: نعم، قال: هل هي أصلية ؟ فوقع البائع في صراع، ثم قال له: ليست أصلية، قال له: أعطنها، فكلمة صدق واحدة جعلت البيع مشروعا، وكلمة أخرى قد تجعله حراما، فقولوا قولا سديدا في البيع و الشراء و لا تخَفْ، ولا تُدَلِّس، قال لي مرة واحدٌ من الناس: ما هو التدليس ؟ قلتُ: شخصٌ خطَب فتاة وقال لها: أنا عندي بيت في حيِّ المالكي، فوافق الوليُّ فورا، ثم ظهر أنَّ بيته في حيِّ الملكي بمنطقة ببيلا على طريق السيدة زينب فهو ما كذب ولكنه دلَّس والتدليس أخ الكذب، وفي البيع آلاف أنواع التدليس كالإيهام، تكتب إيطالي، هذه موديل إيطالي ولكن ليس بِضاعة إيطالِيَّة فالتَّدْليس والكذب والغِشّ ؛ هذا لا يجْلبُ رِزْقًا، ونحن في العيد قلنا: الله أكبر فَمَن قال: الله أكبر ألف مرَّة وكذب، ورأى أنَّ هذا المَبْلغ الذي سيَأتيه عن طريق هذه الصَّفقَة بالكذب أغلى عنده مِن طاعة الله فهو ما قال الله أكبر ولو مرَّة ولو ردَّدَها بلِسانِهِ ألف مرَّة، وإذا الإنسان رأى أنَّ إرْضاء زوْجتِهِ أغلى عنده مِن طاعة ربِّهِ فما قال الله أكبر ولو مرَّة ولو ردَّدَها بلِسانِهِ ألف مرَّة، فأنت إذا أطَعْتَ تكون أمام شَخْصيْن أحدهما: معه سيْفَين، والآخر سبْعَين ! فمَن تُطيع ؟ السَّيْفَين فالإنسان إذا أطاع مَخلوقًا وعصى الخالق، فهذا لا يعرف الله ولو قال الله أكبر ولو مرَّة ولو ردَّدَها بلِسانِهِ ألف مرَّة، لذلك مِن علامات تخَلُّف المسلمين ؛ هذه الكلمات الضَّخْمة، مُفَرَّغَة مِن مَضْمونها نُرَدِّدُها ولكنَّنا لسْنا في مستواها، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70)﴾
والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-27-2018 08:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الاحزاب ( 33 )

الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الثانِيَة والسَّبْعون مِن سورة الأحزاب وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

(سورة الأحزاب)
لعلَّ هذه الآية مِن أخْطَر آيات القرآن الكريم التي تُحَدِّد هَوِيَّة الإنسان ومِن خِلال هذه الآية يتبدَّى أنَّ الإنسان هو المَخْلوق الأوَّل، لذلك أُمِرَتْ الملائكة أن تسْجُدَ له، والإنسان كما قال الإمام عليّ كرَّمَ الله وجْهه رُكِّبَ مِن عَقْلٍ وشَهْوةٍ، بينما رُكِّبَ الحيوان مِن شَهْوَةٍ ولا عقْل ورُكِّب الملَكُ مِن عقْل دون شَهْوة، أما الإنسان فَرُكِّب مِن كِلَيْهِما فإن سَما عَقْلُهُ على شَهْوَتِهِ أصبَحَ فوق الملائكة، ومِن هنا يُعَدُّ المؤمن أرْقى مِن الملائِكَة أما إذا خان الأمانة وضَيَّعَها يُعَدُّ أسْوَء مَخْلوقٍ على الإطلاق، فأيُّ حَيوان تَحْتَقِرُهُ، فالإنسان الكافر أسْوَءُ منه، والدليل قول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6)﴾

[سورة البينة]
أيْ شَرُّ ما برءَ الله، فأنت بين أن تكون خَيْرَ ما برءَ الله، وبين أن تكون شرَّ ما برءَ الله، فالإنسان يُتَذَبْذب من أعلى مرْتبة إلى أدْناها من مرتبة الملائكة إلى مرتبة دون الحَيوان !
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
النُّقْطة الدقيقة في هذه الآية أنَّ الله تعالى خلق الخلْق لِيُسْعِدَهم، لكنَّ السَّعادة تَحْتاج إلى أهْلِيَّة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهم إنَّا نسألك موجِبات رحْمتِك؟))
فأنت يُمْكن أن تعْطي الزَّهْرة مِن الماء ما تتحمَّل، ولو عندك عشرة إنش، ولك زهرة لطيفة وصببْتَ هذا الماء على هذه الزَّهْرة لسَحَقْتَها، فالعَطاء يتناسَب لا مع المُعْطي، ولكن مع طاقة الآخِذ، فالله تعالى خلَقَ الخَلْق لِيَرْحَمَهم، ولكن هناك رحْمة عالِيَةٌ جدًا عرضَها على المخلوقات، مَخْلوق تُوضَعُ فيه شَهوات ويُعطى عقْل وفِكْرة، ويُعْطى له منهَج، ويُكَلَّف بِأمْر ونَهْيٍ، فإذا نجَحَ صار مُؤَهَّلاً لِسعادة تفوق أيَّةَ سعادة !ّ هذا هو مَفْهوم الأمانة، فالله عز وجل عرضَ على المخلوقات مرْتبةً مِن النَّعيم لا تفوقها مرْتبة، إلا أنَّ هذه المرتبة تحتاج إلى جُهْد، فلو أنَّ أبًا كان له محلّ، وكان له خمْسة أولاد، وقال لهم: مَن أراد أن يأتي للمَحلّ فليَأتي وله خمْسة آلاف ومن درسَ وتحصَّل على البورد أُعْطيه الملايين ! ودخْلُهُ يُصبِح بالملايين، فَهذِه المرتبة تحتاج إلى دِراسَة وجُهْد وبذْل طاقة، فالإنسان رضِيَ أن يتحمَّل الأمانة، فأنت لِكَوْنِكَ إنسان يجب أن تعلم عِلْمَ يقين أنَّ الله تعالى في عالم الذرّ عرض عليك أن تكون إنسانًا وقَبِلْتَ فجاءَ بِكَ إلى الدُّنيا.
الآن مُقَوِّمات حَمْل الأمانة ؛ الكَون، فالكَوْن مُسَخَّر للإنسان، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(13)﴾

[سورة الجاثية]
لأنَّك حَمِلتَ هذه الأمانة، ورضيتَ أن تكون المَخْلوق الأوَّل، وقبِلْتَ أن تتحمَّل مُخاطَرَة النَّجاح والرُّسوب، سُخِّرَت لك السَّماوات والأرض بِما فيها هذه الأولى
الثانيَة ؛ أنَّك مُنِحْتَ نِعْمة العَقْل، فالعَقْل قُوَّة إدْراكيَّة يتمتَّعُ بها الإنسان وَحْدهُ، وأُعْطيتَ فِطْرةً تتوافق مع الدِّين فحينما تَحيد عن الدِّين تَحُسّ بالانْقِباض ؛ الشُّعور بالنَّقْص، والشُّعور بالذَّنْب، والكآبة، هذه كُلُّها الفِطْرة السليمة التي فُطِرْتَ عليها، قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) ﴾

[سورة الشمس]
فهذه النَّفْس حينما سوَّاها ألْهَمَها طريق سَعادتِها، وطريق شَقائِها فإذا سَلَكَتْ طريق سَعادَتِها ألْهَمَها أنَّها على الطريق الصحيح، وإن سلَكَتْ طريق شَقائِها ألْهَمَها أنَّ على الطريق المُشْقي، فهذه هي أخْطَر آيةٍ مُتَعَلِّقة بالإنسان، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
سائق سيارة يتقاضى بالشَّهْر خمسة آلاف، لو حدث معه حادِث يُبَلِّغ صاحب السيارة، فهو ليس مسؤولا، أما قائِد الطائرة يأخذ بالشَّهر مائتان ألف لأنَّه إن أخْطأ يقولون: مات جميعُ رُكَّابِها، فالدَّخْل على قدَر المسؤوليَّة فهذا المخلوق جاء إلى الدنيا، وقد رَضِيَ أن يحْمِل الأمانة، ورَضِيَ أن تودَعَ فيه الشَّهوات، وهل هناك إنسان ليس له شهوة في النساء، ولا في المال، فهذه شهوة قويّة، ولكن هناك منهج وهناك عقل وفكر وكون وفطرة، وهناك أمر ونهي، فالمقومات الكونُ لأنَّ الكون يدلُّ على الله وعلى وجوده وكماله ووحدانيته، والعقل أداة معرفة، والفطرة تكشف لك خطأك، قال تعالى:
﴿بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾

[سورة القيامة]
فالكون والعقل والفطرة، والشهوة هي القوة المُحرِّكة، ولماذا الجماد لا يرقى إلى الله؟ لأنَّه لا شهوة له، أمَّا أنت فطاقة تشتهي النساء و المال والمنصب، و هذه شهوات أودعها الله فيك مِن أجل أن ترقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، فالشهوة هي الطريق إلى الله و لو لم نَشْتهِ لمن نذنب فلا نُكرَّم عند الله عز وجل، وإذا لم نذنب كنا جمادا فكيف نرقى عند الله ؟ و ربُّنا عز وجل أودع فينا الشهوات لنتحرَّك من خلال منهج الله، وليس كلُّ امرأة لك الحقُّ في النظر إليها، أما هناك امرأة لك الحق أن تنظر إليها، قال تعالى:

﴿"بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86) ﴾

[سورة هود]
فلذلك ورد في الحديث القدسي " أحبُّ الطائعين و حبِّي للشاب الطائع أشدُّ، و أحب الكرماء، وحبي للكريم الفقير أشدُّ، و أحب المتواضعين وحبي للغنيِّ المتاضع أشدُّ، وأبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، و أبغض المتكبرين و بغضي للمتكبر الفقير أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغنيِّ البخيل أشد، لما الله تعالى ينظر إلى شاب يتَّقد بالشَّهوات ولكن يضْبطها وِفق منهج الله يقول: اُنْظروا عَبْدي ترك شَهْوته مِن أجلي، فالبُطولة كما قال سيِّدنا يوسف ؛ قال تعالى:

﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾

[سورة يوسف]
فالإنسان لمَّا يُسايِر شَهْوتَهُ يسْقُط أما إذا خالفها يرْقى، وإنَّ اتِّباع الهَوى هوان

وا خَجْلتي مِن عِتاب ربِّي إذا قال لي: أسْرَفْتَ يا فــلان
إلى متى أنت في المعاصي تسير مُرخَى لك العِنــــان
عندي لك الصلح وهو بِرِّي وعندك السيف والسّنــــان
ترضَى بأن تنقضي الليالي وما انْقضَت حرْبُكَ العَـــوان
فاسْتحي من كتاب كريـم يُحصي به العَقل واللِّســـان
واسْتَحي مِن شيبةٍ تراهـا في النار مَسْجونة تُهــــانُ
***

وقال الشاعر:

إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كُلِّ ما قدَّمْتَ مسؤول
***

قال: عبدي كبرتْ سِنّك وانْحَنى ظَهْرك، وضَعُف بصرُك، وشاب شَعْرك، فاسْتحِ مِنِّي فأنا أسْتحي منك، ومن دخل في الأربعين دخل في أسْواق الآخرة، فهذه الآية:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
فلأنَّك مِن بني البشر عُرِضَت عليك الأمانة في عالم الذَّر، وقَبِلْتَ أن تَحْمِلَها.
الله تعالى حينما حمَّلَكها، أعْطاكَ مُقَوِّماتِها، أوَّل مُقَوِّم الكَونُ، فَكُلّ ما في الكون يدُلّ على الله، وأعْطاكَ العَقْل ؛ قُوَّة أدْراكِيَّة، وأعْطاكَ الفِطْرة كَمِقْياسٍ نَفسي، قال تعالى:

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾

[سورة القيامة]

لا يوجدُ إنسان يحيد عن المنهج الصحيح إلا وينْقبِض، فالمرض المُنْتشِر في العالم الغربي، مع تَفَلُّتِهم هو الكآبة ! ما هي الكآبة ؟! تَعذيب الفِطرة لدى الإنسان، لمَّا يزْني الإنسان بِفَتاة، فهِيَ كانت طاهِرَةً فأفْسَدَها، هذا له فِطْرة تُعَذِّبُهُ في أعْماقِهِ ‍! لو فرضْنا أنَّ أبًا ترَكَ عشْرة ملايين، ومات وترك خمسة أولاد، وأحد الأولاد اسْتطاع أن يأخُذَها كُلَّها، واشْترى بيتًا فخْمًا وفرشَهُ بالأثاث، صَدِّقوني في أعْماقِهِ يوجَدُ انْهِيار ؛ لأنَّهُ يعْلَمُ أنّ هذا المال مال إخْوَتِهِ، وقد اغْتصَبَهُ فمهما بدى لك مَظْهر المُنْحَرِفِ فَخْمًا، فهذا له انْهِيار داخلي، وهذا الانْهِيار هو تَعذيب الفِطْرة والكآبة، لذلك تَجِد معظَم الناس الذين يأكلون أموال الناس بالباطل لهم كآبة، بُيوتهم فخْمة، ولكنَّهم بعيدون عن السُّرور ! أما الدَّخْل الحلال يُعْطي صاحِبَهُ سُرورًا كبيرًا جِدًّا، فأنا أذْكر أنَّني دَخَلتُ إلى مزْرعة كبيرة جدًا إلا أنّ صاحِبَها دَخْلُهُ ليس كما ينبغي ! صَدِِّقوني ؛ هذه المَزْرعة كأنَّ أشْجارَها تلْتَهِبُ نارًا ! هذه مِن أموال الناس، مَن أكلَ مالاً حرامًا عُذِّب به في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
الآن سؤال: هل كان هذا الإنسان ظَلومًا وجَهولاً حينما حمَلها ؟ الجواب: لا، فلو عَرَضوا عليك مَنْصِبًا رفيعًا يحْتاج إلى دُكتوراه وأنت ذَكِيّ وقلتَ: أنا له، ودرسْتَ، فلَسْتَ مُخْطئًا، فلو أنَّ أباك عرض عليك أفْخَم بيتٍ على أن تنال شَهادة البورد، وأنت شاب في مُقْتَبَل الحياة، ولك طاقاتِك، هل إذا قبِلْتَ هذا العرْض ظالمٌ ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
فالآية لها معنيان: أنّ هذا الإنسان حينما قَبِلَ عرْض الأمانة لم يَكُن ظالمًا ولا جَهولاً، أما إذا قَبِلَ حمْلها، ولم يُؤَدِّها كان ظلومًا جهولاً وهذا شيء يَحْصل ؛ فقد يُرْسِلُ الأب ابنه إلى أوروبا لِنَيل الدُّكتوراه وفي كلّ شَهر يبْعث له ألف دولار، وبعد خمسة سنوات ؛ لا شَهادة ولا عِلْم فالابن لمَّا قَبِلَ عَرْض والدِهِ ما كان ظَلومًا جَهولاً، أما لمَّا خيَّب ظنَّ والدِهِ كان ظلومًا جَهولاً.
إذًا نحن في امْتِحان، فإذا عرفْنا مَن نحن ؟ أنت المَخلوق الأوَّل وأنت الذي سُخِّرَت له السَّماوات والأرض، وكلّ المَخلوقات في خِدْمَتِك وإذا الله تعالى قنَّن عليك، فَتَقْنين الله تعالى تَقْنينُ تأديب لا تَقْنين عَجْز، وقد ذكرتُ لكم أنَّهم عقدوا في أحد البلاد قديمًا مؤتَمَرًا يدرسون فيه كميَّة الحديد الموجودة الآن، وتوصَّلوا إلى أنَّ هناك كمِّيَة تكفي ستِّين سنة وكان المؤتمر سنة ألف وتسعمائة وعشرة ! معنى ذلك أنَّ سنة السَّبعين ينعدم الحديد، ثمّ اكْتُشِفَ أنَّ خُمس الكرة الأرضِيَّة تحوي الحديد ! فإذا قنَّن الله فهذا تقْنين تأديب، والكون كلّه مُسَخَّر لك، وهناك مِياهٌ كافِيَة ومزْروعات، ونحن في بلدِنا الطيِّب أنتَجنا ثلاثة ملايين قَمح وحاجتنا مليون قَمح فقط ! فالأمر بيَدِ الله، يبسط ويقبض، لذا الإنسان لا يعبأ بِكلام المُثبِّطين ؛ انْفِجار سُكَّاني، ونَقْص الموارِد، وجفاف المياه وحرب المياه،و حرب القَمح، هذا كُلُّه يُقال لنا كَي يشُدَّ هذا أعْصابنا دائِمًا، أما الله تعالى إذا أعْطى أدْهَش.
فالمُلَخَّص، لِكَونِك إنسان قَبِلْتَ حمْل الأمانة، وأنت المخلوق الأوَّل وما العقل والفِطْرة والشَّهوة وحُرِيَّة الاخْتِيار، وما الكون والشَّرْع إلا مُقَوِّمات حَمْل الأمانة، لذلك قالوا: مَن عرف نفْسَهُ عرف ربَّه ! يجب أن تعرف مَن أنت ؟ قالوا: مِن الناس مَن يدْري بأنَّه يدْري فهذا عالِمٌ فاتَّبِعوه، ومنهم لا يدْري بأنَّه لا يدْري فهذا شَيطانٌ فاحْذَروه، أما أن تكون على هامِش الحياة، وتعيش لأجل الأكل والشرب و الشَّهوة أنت أكبر من هذا أيُّها الإنسان، إلا أنَّه أحْيانًا الإنسان يضَعُ نفْسَهُ مَوْضِعًا صغيرًا، فأنت لك مُهِمَّة تفوق دَخْلك ومكانتَكَ في المُجتمَع.





والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-27-2018 08:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الاحزاب ( 33 )

الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة مِن سورة الأحزاب، والتي شُرِحَ جانب منها، وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
الحقيقة أنَّ الأمانة التي حَمَلها الإنسان في أوْجَه التَّفسيرات هي نفْسُهُ التي بين جَنْبيْه، والدليل قوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)﴾

[سورة الشمس]
فهذه النَّفس البَشَرِيَّة هي ذاتُكَ، وهي أنت، وهذه النَّفْس خُلِقَت، ولن تموت إلا أنَّها تَذوق الموت، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران]
ذَوْق الموت شيء، وأن تموت النَّفس شيءٌ آخر.
إنَّ الإنسان في الدنيا جسَدٌ ونفْس وروح، فالرُّوح هي القوَّة المُحَرِّكة وعند الموت تُسْلبُ الرُّوح، ويبقى الإنسان جسدًا يفنى، ونفْسًا خالِدَة فإذا قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(6)﴾

[سورة الحديد]
وقال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران]
هي التي تؤمن وهي التي تَكفر، وهي التي تُحبّ، وهي التي تُبْغض وهي التي تَسْمو تسْكن، وهي التي تتقرَّب إلى الله، وهي التي تبْتَعِدُ عنه، وهي التي تتحلَّى بالكمال، وهي التي تتلبَّسُ بالنَّقْص نفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك هي ذاتُك، وهذه النَّفس لا تموت أبدًا، وإلى أبد الآبدين، قال تعالى:

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾

[سورة الزخرف]
إلا أنَّ الموت انْفِصال الجسَد عن النَّفْس وعن الرُّوح، و الرُّوح قوَّة الله في الإنسان سُحِبَتْ، وبَقِيَتْ نفْسُهُ الخالِدَة فَهِيَ إمَّا في نعيم أبَدِيّ وإمَّا في شَقاءٍ أبدي، إما أنْ يكو ن القبْرُ رَوْضَةً مِن رِياض الجنَّة وإمَّا أن يكون حُفْرةً مِن حُفَر النار، وهذا الجسَد يُصبِحُ تُرابًا، لذا الأمانة هِيَ النَّفْس، نفْسُكَ بِيَدِك، وأودِعَت أمانةً بِيَدِك، فإذا عرَّفْتها بِرَبِّها أحبَّتْهُ وأطاعَتْهُ وتقرَّبَتْ منه، وسَعِدَت بِقُرْبِهِ في الدنيا والآخرة والإنسان يوم القيامة يُسْمَحُ له أن ينْظر إلى وَجه الله الكريم، فيَغيبُ خمسين ألف عام مِن نَشْوَة النَّظْرة، قال تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾

[سورة القيامة]
أكْبر عِقاب يوم القِيامة كما قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15)﴾

[سورة المطففين]
نحن نتوَهَّم أنَّ هذه الجنَّة هِيَ حور العِين، والأنهار، وفواكه، وعسل مُصَفَّى، وخمرٍ لذَّة للشاربين ؛ هذا أقلّ ما في الجنَّة، الجنَّة هي دار النَّعيم، وأبْرزُ ما في هذا النَّعيم النَّظر إلى وَجْه الله الكريم، لذلك قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾

[سورة التوبة]
أكبر من حور العين والبساتين والأنهار شُعور هذا الإنسان يوم القيامة أنَّ الله راضٍ عنه، وأنّ الحِجاب كُشِفَ بينه وبين ربِّه، وأنَّهُ بِإمكانهِ أن ينظر إلى وَجْه الله الكريم، وأن يتقرَّب منه، وتقرَّ عَيْنُهُ بالقرب منه تعالى.
هذه النَّفس ؛ الذات الخالدة، والتي هِيَ مِن روح الله، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29)﴾

[سورة الحجر]
هذه عقيدة، لا تقْبلوا الأمور إلا بالدليل من الكتاب والسنَّة، فهذه النَّفس مِن روح الله، وخُلِقَت لِتَبْقى إمَّا في سَعادة أبَدِيَّة، وإما في شَقاءٍ أبَدِيّ وأوكِلَ أمْرُها إليك في الدنيا فإمَّا أن تُزَكِّيَها، وإما أن تُدَسِّيَها.
خمسة آلاف مليون إنسان مُوَزَّعون بِحَسَب القارات والتقاليم والشَّمال والجنوب والغرب، والعرق الأبْيَض والملوَّن، والساميُّون، والشُّعوب المتقَدِّمة والمُتَخَلِّفة ؛ يُمْكِنُكَ تَقْسيم البشر إلى ألف قِسْم هم في النِّهايَةِ قِسْمان: قسْمٌ عرف الله فاتَّصل به، وانضبَط بِمَنْهَجِهِ فأحْسَنَ إلى خلْقِهِ فَسَعِدَ في الدنيا والآخرة، وقِسْمٌ جَهِل حقيقة الله عز وجل، وتفلَّتَ مِن مَنْهجهِ، وأساء إلى خلْقِهِ فشَقِيَ في الدنيا والآخرة، والناس رجلان: بر تقي ولا ثالث لهما، فلذلك كما قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)﴾

[سورة الشمس]
إن عرَّفْتها بِرَبِّها تُزَكِّيها، وإن حَمَلْتَها على طاعة الله تُزَكِّيها وإن تقرَّبْتَ إلى الله عز وجل بالأعمال الصالِحَة تُزَكِّيها، وإن أبْعَدْتها عن الحرام تُزَكِّيها، وكذا إن حضَرْتَ مجالسَ العِلْم، نَفْسُكَ أمانة بين يَدَيْك والفَحْص عند الموت، إما أن تكون مِن السُّعَداء الناجِين، وإما أن يكون الإنسان لا سمَحَ الله مِن الأشْقياء الهالِكين، فالذي زكَّاها في الدُّنيا سَعِدَ بِها إلى أبَدِ الآبِدين، لذلك قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
فنَفْسُكَ أوكِلَ إليك أمْرُ شأنِها، فأنت مُخيَّر ؛ بِإمكانِكَ أن تُصَلِّي أو لا تُصَلِّي، فإن صَلَّيْتَ تُزَكِّيها، وإن لم تُصلِّ تُدَسِّيها، وتَجْعلها سيِّئة وبإمكانك أن تصْدق فتُزَكِّيها، أو أن تكْذب فَتُدَسِّيها، وبإمكانك أن تكون كريما فَتُزَكِّيها، أو أن تبْخل فَتُدَسِّيها، فالأمر بِيَدِك، قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

[سورة الشمس]
هذه هي الفِطْرة، فَمِن دون أن يُعَلِّمك أحدٌ تَعلمُ عِلم اليقين ما إذا كنت على الحق أم الباطل، قال تعالى:

﴿بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾

[سورة القيامة]
كلّ واحِد مِنَّا يعْلم نفْسَهُ عِلْمَ يقين ما إذا كان مُستقيمًا أو مُنْحَرِفًا مُحْسِنًا أو مسيئًا، صادِقًا أو كاذِبًا، مُقبلاً أم مُدْبِرًا.
فيا أيُّها الإخوة، هذه مِن أخْطر آيات القرآن الكريم التي تُعَرِّف الإنسان بِنَفْسِهِ وحقيقَتِهِ ؛ أنت مَخلوق أوَّل ومُكَرَّم ومُكَلَّف، امْتَنَّ الله عليم بِنِعْمة الوُجود والإمداد ونِعمة الهُدى والرَّشاد، وحمَّلَك الأمانة والأمانة نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك، فالإنسان إذا خالَطَ أهل الدنيا واشْتهى مناهِجَ الحياة ولو مِن طريق غير مَشْروع تَجِدُهُ يسْتَمْتِه، ويجد لذَّة آنِيَّة وطارِئَة يَعْقبُها كآبة وانْقِباض، أما إذا عرَّف نفْسه بالله تعالى، وطلب العِلْم، واسْتَقام على أمر الله يتجلَّى الله على قلبِه ويُسْعِدُهُ سعادة متنامِيَة إلى أبد الآبدين وهناك فَرقٌ كبير بين اللَّذة والسَّعادة فلو أنّ ورِث عشرة ملايين من أخوته واغْتصَب ترِكَة أخوته، حينها يشتري ما يريد سيارات وبيت وينْعُم، ولكن ألا يشْعُر بانْهِيار داخلي أنَّه أكل مال أخوته ؟! لو أنَّهُ قسَمَ المال بالعَدل، وأخد بيتًا صغيرًا وليس معه سيارة ويركَب بالباصات ولكن حينما يشْعر أنَّ الله تعالى راضٍ عنه يشْعر بِسَعادة لا توصَف اللَّذة تأتي من الطعام والشراب والنِّساء وملذات الدنيا هذه أشياء مادِيَّة وآنِيَّة، وإذا كانت في الحرام يَعْقِبُها كآبة وانْقِباض ويَعْقِبُها ضيق، أما المؤمن إذا كان دَخْلُهُ حلالاً واسْتَمْتَعَ بِحَسبِ دَخْلِهِ بما سَمَح الله له بِهِ يشْعر بالسَّعادة متنامِيَة، لأنّ الله راضٍ عنك، وأن تشْعر هذا الشُّعور هذا أثْمَنُ شيءٍ في الحياة الدنيا ! وما مِن شُعور يقول لك: أنّ الله راضٍ عنك ويُحِبُّك أفضل من هذا الشُّعور فالإنسان لمَّا يستقيم ويقترب من الله، والدليل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾

[سورة التوبة]
أيْ أكْبرُ شيءٍ في الجنَّة شُعور المؤمن وهو في الجنَّة أنَّ الله تعالى راضٍ عنه، فهذا أكبر مِن حور العِين، ومن جنات تجري من تحتها الأنهار، ومِن فواكه وهم مُكرمون، ومن أنهار مِن عسلٍ مُصَفَّى ومن خمْر لذَّة للشاربين، فالنَّظر إلى وجه الله الكريم ورِضْوان الله عز وجل أكْبر مِن كُلّ ما في الجنَّة، فالجنَّة هي دار النّعيم، وثَمَنها نفْسٌ زكِيَّة، والدليل قوله تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

[سورة الشعراء]

قلبٌ زكي وطاهِر، قال: يا رب، أيُّ العِباد أحَبُّ إليك حتَّى أُحِبَّهم بِحُبِّك ؟ قال: أحبُّ العباد إلي تَقِيّ القلب، ونقيّ اليدين لا يمشي إلى أحدٍ بِسُوء، أحبَّني، وأحبَّ مَن أحبَّني، وحبَّبني إلى خلْقي، قال: يا رب، إنَّك تعْلم أنِّي أُحِبُّك وأُحِبّ من يُحِبُّك، فكَيْف أُحَبِّبُكَ إلى خلْقِك ؟! قال: ذَكِّرْهم بآلائي ونَعْمائي، وبلائي.
فإذا كان الواحد منضبط الجوارح والدَّخل، وقائِم على أهله وبيْتِهِ، فقد تكون حياة هذا الإنسان خَشِنَة، ولكن هذه الصِّلة تُغْنيه عن كلّ شيء ولو يعْلم المُلوك ما نحن عليه لقاتَلونا عليه بالسُّيوف ! فالرَّحمة تُغني عن المال والجاه، وعن مباهِج الدنيا، وأحْيانًا يُعْطيك الدنيا بِكُلّ تفاصيلِها، ويَحْجُب عنك رحْمَتَهُ، فَهُوَ أشْقى الناس، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)﴾

[سورة الشمس]
فالإنسان نفسُهُ بين يَدَيه، فإذا عرَّفها بِرَبِّها وحملها على طاعة الله وتتقرَّب إليه تعالى، حتى تتَّصِل به فكانت أهْلاً لِدُخول الجنَّة، أما إن ترَكَها جاهِلة، فلا تجد عنده الوقت لا بالمَوسِم ولا بِغير المَوْسِم ! والعِلم لا يُعْطيك بعضه إلا إذا أعْطَيْتَهُ كُلَّكَ، ويظلّ المرء عالمًا ما طلب العِلم فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهِل، والعلم لا نِهاية، ويقول الإمام الشافعي: كلَّما ازْدَدْتُ عِلمًا اِزْدَدْتُ عِلْمًا بِجَهلي ! وأعلى صِفَة بالمؤمن التَّواضع فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ رواه ابن ماجه ]
لذا نفسُكَ إما أن تَحْملها على الطاعة، وإما أن تحمِلَها على المعْصِيَة وهي أمانة بين جَنْبيْك، أعرف امرأة أُصيبتْ بمَرض خبيث في دِماغِها ثمّ شفاها الله بِعَمَلِيَّة ناجحة، فأرادَتْ أن تتقرَّب إلى الله، ففتَحَت مطْبَخًا صغيرًا تطْبخ فيه طبْخًا نفيسًا، وتبيعُهُ إلى الأغنياء، وكل الدَّخل الذي تأتي به تُعين به الفقراء ومَن معه عَمَلِيَّات جِراحِيَّة لا يستطيع أن يؤدِّي مبلغها !! فهذه قُدْرتها الطَّبْخ، وكذلك أنت، فَكُل إنسان له أن يُقَدِّم مِمَّا اسْتطاع.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-27-2018 08:09 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الاحزاب ( 33 )

الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة مِن سورة الأحزاب، وهي الآية الثانية والسَّبعون، والتي تليها، وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
في الدَّرس الماضي تَحَدَّثْتُ عن الأمانة، وبيَّنْتُ أنَّه مِن أوْجَهِ التفاسير للأمانة ؛ هِيَ أنَّها نفْسُكَ التي بينَ جَنْبَيْك، أوْكَلَها الله إليك فبإمكانِكَ أن تُزَكِّيَها، فَتَسْتَحِقُّ جنَّة ربِّها، وبإمكانِكَ أن تُدَنِّسَها فتَسْتَحِقُّ عذابًا أبَدِيًّا وهذا الأمر بيَدِ الإنسان.
أما الذي يتوهَّم أنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّر عليه أن يكون عاصِيًا، قال تعالى:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]
لذلك لمَّا سيدِّنا عمر جاءهُ رجل شاربُ خمْرٍ، فلمَّا قال: أقيموا عليه الحدّ، فقال هذا الشارب للخمر: والله يا أمير المؤمنين إنَّ الله قدَّر عليَّ ذلك ! فقال عمر بن الخطاب: أقيموا عليه الحدّ مرَّتَين ؛ مرَّةً لأنَّه شرِبَ الخمْر،و مرَّةً لأنّه افْترى على الله ! وقال له: وَيْحَكَ يا هذا، إنَّ قضاء الله لم يُخْرِجْكَ مِن الاخْتِيار إلى الاضْطِرار، لذا قال تعالى:

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[سورة البقرة]
إذا اعْتَقَد الإنسان أنَّ الله تعالى أجْبرهُ على المعاصي، فقد اعْتَقَد عقيدَةً زائِغَةً تُهْلِكُهُ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الأعراف]
إذا عَزَوْت الشّرْك والمعْصِيَة إلى قضاء الله وقدَرِه فقد افْتَرَيْتَ على الله، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأعراف]
وقال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[سورة الأعراف]
لِمُجَرَّدِ أن تُلْغِيَ الاخْتِيار فإنَّك تُلْغي الأمانة، وتُلْغي التَّكْليف، وتُلغي الثَّواب والعِقاب، وتُلغي الجنَّة والنار، وتُلغي بِعْثَة الأنبياء وإنزال الكتب، ويًصبحُ كلّ هذا تَمْثيليَّة !! قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)﴾

[سورة فصلت]
وقال تعالى:

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا(10)﴾

[سورة الكهف]
هذه الآيات تُؤَكِّد أنّ الإنسان مُخَيَّر، ولو أنّ الله تعالى أجْبَرَ عِباده على الطاعة لبطَل الثَّواب، ولو أجْبرهم على المعْصِيَة لبَطَل العِقاب، ولو تركَهم هملاً لكان عَجْزًا في القدْرة، إنّ الله أمَرَ عِبادهُ تَخْييرًا، ونهاهم تَحذيرًا، وكلَّف يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا ولم يُعْصَ مَغْلوبًا ولم يُطَع مُكْرَهًا لذا أخطر عقيدة فاسِدة تشل قدرات الإنسان، وتصِف الله بالظُّلم وهو المُنَزَّه بالكمال ؛ أن تقول إنَّ الله أجْبرني على هذه المَعْصِية، والعوام يقولون كلمات هي مِن قبيل الكُفر أقام العباد فيما أراد، وله المُراد فيما يريد، والله خلق المؤمنين وخلق الكفار، ولا يملك واحد منَّا شيئًا ألقاه في اليَمِّ مَكْتوفًا وقال له إياك إياك أن تبْتَلَّ بالماء
إذا كنت مُديرًا عامًّا بِمُؤسَّسة، أو بِدائرَة، وأرْسَلْتَ مُوَظَّفًا إلى حلب بِمُهِمَّة، وبأمْرٍ إداري، وفي اليوم الثاني أعْطَوْكَ جداوِل الغياب فإذا ذاك الشَّخص مَكتوب غائِبا، فهل تُعاقب هذا الذي بَعَثْتهُ ؟ وتقول له لمَ غِبْتَ ؟! وكذا يُقال: هل يُمْكن لله تعالى أن يُجْبِرَنا على المعْصِية ثمّ يُحاسِبُنا عليها ؟ لا يبقى حينها لا ثواب ولا عِقاب ولا جنَّة ولا نار ولا أمانة، فأنت مُخَيَّر، وإن لم تُؤمِن أنَّك مُخَيَّر فقد افْتَرَيتَ على الله تعالى، وظَنَنْتَ به ظنَّ السَّوء.
أيها الإخوة، قال العلماء: مُجَرَّد الأمْر والنَّهْي يقْتضي الاخْتِيار ! لأنَّك أُمِرْتَ بِكذا ونُهيت عن كذا، ولو لم تكن مُخَيَّرًا لما كان لِهذا الأمْر مِن معنى، لذا قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[سورة الأحزاب]
حملها الآن، فإن أدَّاها كما أرادها الله عز وجل، لم يَكُن ظلومًا وإن لم يُؤَدِّها كان ظَلومًا جَهولاً، هذا هو المعنى.
النقطة الدقيقة، لو أنَّه آمن أو لم يؤْمِن، وحَمَل الأمانة أو لم يَحمِلها وقبِلَ هذه الأمانة أو لم يقْبل، وليس هناك مُضاعفات أو نتائِج وخيمة فلا مانِعَ من هذا ! اِحْمِل أو لا تَحْمِل، وارْض أو لا ترض، ولكنّ الإنسان حينما يرفض حَمْل الأمانة ينْدَفِع وراء شَهَواتِهِ، ومِن لوازِم الانْدِفاع وراء الشَّهْوَة العُدْوان والظُّلم، والدليل أنَّ الله تعالى جعل في الحياة طريقين لا ثالث لهما ؛ فأنت مُغْمض عَيْنَك، إن لم تكن على أحدِهما فأنت على الآخر، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
معنى ذلك أنَّ الذي يتَّبِعُ هواه بغَير منهَج الله عز وجل لابدّ مِن أن يقَع في الظُّلْم، والظُّلْم ظُلمات يوم القيامة ومَرْتَعُهُ وَخيم، والنُّقْطة الدقيقة الآن أنَّك حُمّلْتَ الأمانة، وكُلِّفْتَ حَمْلها وافْعَل ولا تفْعَل، فإن فَعَلْتَ نَجَوْتَ وسَعِدْتَ، وإن لم تفْعل، قال تعالى:

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(73)﴾

[سورة الأحزاب]
الذي أريد أن أقوله لكم أنَّك عبد لله، والدعاء الشريف: اللهم إني عبدك وابنُ عبدِك وابنُ أَمَتِك ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَ حكمك عدلٌ فيَ قضاءك " فإن كنتَ كذلك فأنتَ عبد القهر، أمَّا إذا عرفتَ الله وأنت في بحبوحة أتيتَه طائعا و مبادرا، أتيته و أنت صحيح قويٌّ غنيٌّ وأنت شاب، إنْ عرفتَه بدافع الحبِّ و دافع الوفاء و بدافع البحث عن الحقيقة و عرفتَ منهجه وطبَّقتَه وتقرَّبتَ منه فأنتَ عبد الشكر، فإماّ أن تكون عبد القهر وإمَّا أن تكون عبد الشكر، وعبد القهر جمعه عبيد و عبد الشكر جمعه عباد، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(182)﴾

[سورة آل عمران]
و قال تعالى

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾

(سورة الفرقان)
يمشون هونا، والنبي إذا مشى أسرع، كأنَّما ينحطُّ من صببٍ، وسيدنا عمر كما تروي عنه السيدة عائشة قالت: ما رأيتُ أزهد منه، إذا قال أسمعَ و إذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع و إذا أطعم أشبعَ! فما معنى قوله تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾

[سورة الفرقان]
إنَّ معظم الناس تستهلكهم أعمالهم، أعمالهم قبورهم، فمنذ أن يستيقظ حتَّى ينام ؛ الصفقة الفلانية و المال الفلاني والسلعة الفلانية، و هكذا في كل يوم حتى يأتيهم الأجل وقائمة أعماله لا تنتهي، فإذا زرتَ المقبرة تأكَّد أنَّه ما من واحد مدفون في هذه المقبرة وقد أنهى أعماله قبل أن يموت، فالأعمال لا تنتهي، و الذي يستهلكه عمله و الذي يُقبَر في عمله هذا لا يمشي هونا، هذا غافل، قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾

[سورة الفرقان]
أنت ينبغي أن تعلم السؤال التالي ؛ مَن أنا ؟ و من أين و غلى أين ولماذا، هذه أربعة أسئلة، إن عرفتَ جواب هذه الأسئلة نجوتَ من عذاب الدنيا والآخرة، مَن أنا ؟ و مِن أين جِئتُ ؟ و إلى أين المصير؟ و لماذا جئتُ ؟ إن أجبتَ عن هذه الأسئلة نجوت من عذاب الدنيا و الآخرة، من أنت ؟ أنت المخلوق الأول والمخلوق المُكرَّم والمخلوق المُكلَّف، أنت سيد المخلوقات، والكون كلُّه مُسخَّر لك بنص القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(13)﴾

[سورة الجاثيةٍ]
أنت مُخيَّر وأنت مكلَّف بالأمانة، أنت معك منهج ؛ اِفعل ولا تفعل وأودع الله فيك الشهوات قوى دافعة إلى الله، أعطاك حرِّية الاختيار فترك فطرة تدلُّك على خطأك، هذا أنت، مِن أين ؟ من العدم، لكن ليس إلى العدم، فالإنسان سبقه عدم ولكن لا يموت يوم القيامة، قال تعالى:

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾

[سورة الزخرف]
فالإنسان لا يفنى ولكن يذوق الموت، إذًا من أين و إلى أين، و لماذا ؟ جاء الله بك إلى الحياة الدنيا من أجل أن تكون هذه الحياة الدنيا إعدادا للحياة الآخرة الأبدية، فأنت في حياة دنيا إعدادية ثانية من أجل حياة عليا أبدية باقية.
فهذه أسئلة كبيرة جدًّ إن عرفتَها وجَّهت عملك و نشاطاتك ومناسباتك و علاقاتك، وكلُّ شيء في حياتك يجب أن يتناغم مع منهج الله عز وجل، فالقضية أخطر من أن تُؤَدَّى الصلوات في المسجد، أخطر من أن تصوم رمضان، فكلُّ كيانك يجب أن يتحرَّك إلى الله، فلذلك العبادة تشمل كلَّ شيء وتتغلغل في كيان الإنسان كلِّه، و لو أن القضية تنتهي أن تقبل هذه الأمانة أو لا تقبل فالقضية سهلة أما إن لم تقبل و لم تحمل هذه الأمانة ولم تُؤَدِّها كما أراد الله ولم تُزَكِّ نفسك وتطهِّرها وتحملها على طاعة الله

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(73)﴾

[سورة الأحزاب]
المنافق هو كافر أو مشرك ولكن مصلحته متعلِّقة بالمسلمين فتَزَيَّى بزيِّهم وفعل أفعالهم وحضر مجالسهم ولكنه منافق، قال تعالى

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾

[سورة النساء]
وتصوَّرْ رجُلين على وشك أن يموتا عطشًا، أحدهما عرف نبع ماء ولم يذهب إليه والثاني لم يعرف، فماتا، فأيُّهما أكثر ندمًا ؟ الذي عرف النبع ولم يذهب إليه، هذا مثل المنافق، لذلك

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾

[سورة النساء]
وقال تعالى:

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(73)﴾

[سورة الأحزاب]
هذه أخطر آية في حمل الأمانة في كتاب الله، أنت إنسان مخلوق أول مكرَّم مُكلَّف و أنت مخير، وأودع الله فيك الشهوات لترقى بها إلى الله و أودع فيك العقل لتعرف الله و أودع فيك الفطرة لتكشف خطأك و أعطاك منهجًا لئلاَّ تخطئ، اِفعل ولا تفعل، هذا هو المنهج، فأنت مخيَّر وأنت مكلَّفو إذا قلتَ: إن الله أجبرني على هذا فقد افتريتَ على الله، قال تعالى:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 08:10 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة سبأ ( 34 )

الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في سورة سبأ، وهي الآية الثالثة والآيات التي بعدها، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

[ سورة سبأ ]
أركان الإيمان في القرآن خمسة ؛ الإيمان بالله وملائكته و كتبه ورسله والقدر خيره و شره من الله تعالى، وممَّا يلفت النظر أن أكثر ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم هما الإيمان بالله واليوم الآخر وأنَّه لا معنى أن تؤمن بالله من دون أن تؤمن بعدالته ولا معنى أن تؤمن باليوم الآخر من دون أن تؤمن بالله، فكأنَّ الركنين المتلازمين في كتاب الله ؛ الإيمان بالله و اليوم الآخر ؛ متكاملان ولأنَّك إنْ آمنتَ باليوم الآخر فستُحَلُّ مليون قضية في الحياة، لأن في الحياة الدنيا ظالم مظلوم و غنيٌّ وفقير و قويٌّ و ضعيف وصحيح ومريض ووسيم وذميم و مُعمِّر وقيصر العمر، فالحظوظ متفاوتة في الدنيا، فهناك إنسان لا يجد غرفة يتزوج فيها وآخر له قصر في مصيَف يقضي فيه أياما معدودات في الأسبوع، وهناك إنسان يتمنَّى لقمة لحم، وهناك إنسان آخر يكاد يكره اللحم لكثرة ما يأكله، فلأن هناك غني و فقير وقوي وضعيف و صحيح ومريض وظالم ومظلوم ووسيم وذميم ومعمِّر وقصير العمر، فالحظوظ متفاوتة في الدنيا تفاوتا كبيرا، و لو أن هذه الدنيا هي كلُّ شيء والموت نهاية كلِّ شيء توزيع الحظوظ فيه ظلم شديد، و لا ترتاح النفس ولا تستقر ولا يتوازن الإنسان إلا إذا آمن أنَّنا في دار عمل لا جزاء فيها ونأتي إلى دار جزاء لا عمل فيها، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام
((أنتم في دار عمل ولا جزاء وسوف تُنقلون إلى دار جزاء و لا عمل ))

فلذلك لو أنه لا تُوجد الآخرة لكان الكفار أذكى من المؤمنين بمليار مرة، لأن هناك آخرة وهناك حساب دقيق يُحاسب الإنسان على نظرة وعلى كلمة وعلى ابتسامة وعلى درهم، لذلك المؤمن إذا عرف الله عز وجل هو من أسعد الناس.
بالمناسبة، يا إخواننا أيُّ إنسان مهما كان غبيا إذا أيقن أن جهة قوية أصدرت أمرا، وعلمها يطولك و قدرتها تطولك، فلا يمكن أن يعصيَ هذه الجهة، أدنى الناس، لأنه قرار حازم و المخالفة تُسجَّل والعقاب أليم، فأي إنسان عنده ذرة تفكير لا يقدم على هذه المعصية، فإذا أنت آمنت أنَّ الله يعلم و سيُحاسِب، انتهى الأمر حينئذٍ، ولأنك علمت أن علمه يطولك، أنت لماذا لا تقف عند الإشارة الحمراء على الساعة الثالثة ليلا، لأنك تعلم أن الذي أصدر القانون لا يطولك علمه و قدرته لا تطولك، فإنك تعصي أمره، أما إذا علمت أن علمه يطولك و قدرته تطولك لا يمكن أن تعصي أمره، وإذا استوردت بضاعة و نسخة من الفاتورة تذهب إلى المالية ولم تظهر هذه البضاعة قي حساباتك سيكلفك ذلك ضريبة كبيرة جدًّا، هل يمكن أن لا تقدِّم حسابات هذه الصفقة في دفاترك ؟ مستحيل، لذلك قال تعالى:


﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾

[ سورة الطلاق ]
فالله اختار من أسماءه كلها علمه وقدرته، فلمجرد أن توقن أن علمه يطولك و أن قدرته تطولك مهما يكن الإنسان غبيا فلا بد من أن يستقيم على أمر الله فنحن في دار عمل ولا جزاء و سوف ننقَل إلى دار جزاء ولا عمل، فإذا أدرك الإنسان هذه الناحية ينضبط أشد الانضباط ويتقيَّد أشد التقييد و يكون وقَّافا عند حدود الله، فلا يتعدى ولا يظلم ولا يكذب و لا يغتاب، لأن الذي أمامه سوف يحاسبه وسيعذبه.
الآن إذا كان من لوازم الإيمان بالله أن تؤمن باليوم الآخر، من لوازم الكفر بالله أن تكفر باليوم الآخر، لذلك الكافر يقول لك: هذه الدنيا هي كل شيء هي جنتنا و نارنا، لذلك يبحث عن المال بأي سبيل، و يستنفع إلى أعلى درجة بكل الوسائل، ويريد أن يكون مع النماذج كلها هذه صورة الكافر، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

[ سورة سبأ ]
أحد الإخوة الكرماء كلفوه بضريبة مخالفة سير كبيرة فانزعج وذهب حتى يراجع و يعترض، فأروْه صورة سيارته و رقمها في الشارع والساعة والدقيقة و السرعة، فسكت، فكلُّ أعمالنا مسجلة عند الله وسوف تعرض علينا باللون والصوت والصورة، قال تعالى
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾

[ سورة الإسراء ]
قد تُسأَل لماذا طلقتَها و لماذا تزوجتها، لماذا أعطيتَ ولماذا منعتَ و لماذا غضبتَ ولماذا رضيتَ ؟ قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

[ سورة الحجر ]
والحقيقة يا أيها الإخوة أنه كلما نما عقل الإنسان يخاف بعقله و كلما ضعف عقله يخاف بعينه، فالغنيُّ إذا وصل إلى المشكلة ينهار والواحد المثقف يعلم أن الدخان يضيِّق الشرايين و يرفع الضغط و يسرِّع نبضات قلبه...؛ هذه الأشياء وغيرها أصبحت بديهية في الدخان، فمتى يترك الإنسان الدخان ؟ الغبي حينما يُصاب بالسرطان أما الذكي حينما يقرأ هذه المعلومات يترك، فكلما خاف الإنسان بعقله يكون راقيا، وكلما خاف بعينه يكون غبيا، والإنسان إذا جاءه ملك الموت سيعرف الحقيقة التي عرفها الأنبياء ولكن بعد فوات الأوان فالبطولة الآن أن تعرفها و أنت صحيح شحيح قوي، فنحن في دار عمل و لا جزاء و سوف ننقل إلى دار جزاء و لا عمل، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

[ سورة سبأ ]
هذه الساعة التي " لتأتينكم " علَّتُها "قال تعالى:

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾

[ سورة سبأ ]
ثم قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)﴾

[ سورة سبأ ]
إذاً أسماء الله تعالى كلها محقَّقة في الدنيا إلا اسم العدل، يُحقق يوم القيامة، أسماءه كلها ؛ اللطيف القوي الغني السميع البصير...، كل أسماءه مجسَّدة في خلقه إلا اسم العدل يُؤخَّر إلى يوم القيامة، إلا أن الله سبحانه وتعالى رحمة بعباده يكافئ بعض المحسنين تشجيعا لهم ولغيرهم، و يعاقب بعض المسيئين ردعًا لهم ولغيرهم، لكن قد تجد إنسانا مسيئا لم يُعاقب، فنحن في دار عمل والعقاب يوم القيامة، مثل أن يكون الامتحان في شهر حزيران، أما هناك أستاذ يُجرِي مذاكرة تجريبية، يشجع فيها المجتهدين وينبِّه الكسلاء، أما الفحص النظامي ففي شهر حزيران، قال تعالى:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[ سورة آل عمران ]
فإذا أيقنا باليوم الآخر فستنحل كل المشاكل و ننسى كل متاعبنا، و إذا وازنت بين الكافر والمؤمن، الكافر غني و متألق و يتحرك حركة واسعة جدا، صحة و أولاد و نساء و جمال وكمال، و المؤمن فقير ضعيف و دخله محدود و لكنه مستقيم، فإذا وازنت بين هذا وهذا في الدنيا يبدو الكافر أذكى من المؤمن، أما إذا وازنت بينهما في الدنيا و الآخرة معًا يظهر لك الكافر غبيا أحمق لأنه ضيَّع الأبد من أجل سنوات محدودة.
أيها الإخوة، الإيمان، قال تعالى:

﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

[ سورة الإسراء ]
فحظُّ الدنيا مؤقَّت، كنتُ في هذه الأيام في تشييع جنازة، لحظة وضع الميِّت في القبر لحظة غريبة جدا، القبر لا ماء فيه ولا كهرباء و لا نور، فالانتقال من بيت فخم فيه كل وسائل الراحة إلى القبر نقلة كبيرة جدا، لذلك الموت يلغي غنى الغنيِّ وفقر الفقير وقوة القوي وضعف الضعيف ووسامة الوسيم ودمامة الدميم وذكاء الذكي وغباء الغبي وصحة الصحيح ومرض المريض، فإذا نقلنا اهتماماتنا إلى الآخرة نكون عقلاء، و دقِّق في قول النبي عليه الصلاة والسلام: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا وإن أحزمكم أشدُّكم استعدادا له، ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التزوُّد بسكنى القبور و التأهُّب ليوم النشور
الآيات:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

[ سورة سبأ ]
علة اليوم الآخر ؛ كما قال تعالى:

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4)﴾

[ سورة يونس ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 08:11 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة سبأ ( 34 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في سورة سبأ قصص كثيرة من أبرزها قصة سيدنا داود و قصة سيدنا سليمان وقصة قوم سبأ.
نستفيد من قصة سيدنا سليمان أن اله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

[سورة سبإ]
فسيدنا سليمان سُخِّرت له الجن والطير والريح، فقد كلَّف الجنَّ بأعمال مجهدة ومات، و عصاته حينما أكلتْها دابة الأرض ونخرتْ انكسرت فخرَّ سليمانُ على الأرض ولو أنهم يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.
نستنبط من هذه الآية الكريمة أنَّ أحدا في الأرض لا يعلم الغيب، قال تعالى:

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾

[سورة النمل]
وهذه القصة وهذه الآية وتلك الحقيقة يمكن أن تنفي من خلالهما آلاف القصص، لا أحد في الأرض يعلم الغيب إلا الله، وكل أقوال الكهان والسحرة افتراءات باطلة، قال عليه الصلاة والسلام

(( حَدَّثَنَا خِلَاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[رواه أحمد]
وقال: من أتى ساحرا فصدقه لم تُقبل منه صلاة أربعين يوما وبين العوام آلاف القصص تُروَى أن فلانا علم الغيب و فلانا قال كذا والذي قاله وقع، فأنت حينما تؤمن أن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب تكذَّب القرآن لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقد أُمر النبي أن يقول لمن حوله كما قال تعالى

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

[سورة الأنعام]
و قال تعالى:

﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾

[سورة الأعراف]
العقيدة الصحيحة تحتاج إلى تنقية، لأن آلاف القصص يرويها العوام مُؤدَّاها أن من الناس من يعلم الغيب إلا أن الأحاديث الصحيحة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن آخر الزمان من الغيب الذي أطلعه الله عليه، فإذا قلنا: لا يعلم الغيب إلا الله ؛ أي بذاته، أما إذا أطلع الله أحد أنبياءه على ما سيكون هذا غيب و لكن بإعلام الله له قال تعالى
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الجن]
فكل أحاديث آخر الزمان و أحاديث قيام الساعة التي تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلمه إياها ربُّه، أما إنسانا يعلم الغيب بذاته فهذا شيء مستحيل، فلذلك القرآن ميزان و مقياس، فأيَّة قصة مهما بدت محكمة و مهما بدت واقعية بأن فلانا يعلم الغيب فلك أن تركلها بقَدَمِك من خلال هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام: من أتى كاهنا..." و من هو الكاهن؟ هو الذي يتنبَّأ بالغيب، لذلك ما يلجأ إليه الناس في المجلات لمعرفة حظ الأسبوع وقراءة هذه الزاوية حرام لأنك بقراءتك لها فإنك تصدق من كتبها و لا يعلم الغيب إلا الله، والمنجِّمة في النزهات الإصغاء لها حرام، فنجان القهوة و تصديق فاعله حرام، كل تنبُّإ بالغيب تكذيب لآيات القرآن،

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾

[سورة النمل]
من كان صدِّق قبل خمس سنوات أن نصف الأرض القوي ينهار ؟ من قال بهذا وُضع في المستشفى، النبي عليه الصلاة والسلام كان عند أحد أصحابه الذين توفَّاهم الله عز وجل، وهو مُسجًّى، وكان من عادة النبي أنه إذا مات أحد أصحابه ذهب إلى بيته، فسمع امرأة تقول: هنيئا لك يا ابن السائب لقد أكرمك الله فقال عليه الصلاة والسلام: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه
من خلال آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة لك أن تركل بقَدَمِك آلاف القصص التي يتعلق بها العامة، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

[سورة سبإ]
فالله عز وجل وكَّل سيدنا سليمان بأمر الجن و كلفهم بأعمال شاقة، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

[سورة سبإ]
وهذه آية من أوضح الآيات على أن مخلوقا ما كائنا من كان لا يعلم الغيب.
عِظَةٌ أخرى من قصة قوم سبأ، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لسبأ فِي مَسْكَنِهِمْ

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)﴾

[سورة سبإ]
وهناك آية أخرى في هذه القصة تلق في قلب الإنسان كلَّ الطمأنينة إذا كان مستقيما، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[سورة سبإ]
استفهام إنكاري، فكن مستقيما ولك عند الله معاملة خاصة قال تعالى:

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)﴾

[سورة الزمر]
قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[سورة الأنبياء]
فأنت إذا استقمت على منهج الله فلك معاملة خاصة ولو كنت في طوفان المعاصي و لو كنت في مجتمع متفلِّت فاسد ومنحط ؛ إن استقمتَ على أمر الله في أي مجتمع فلك معاملة خاصة و الدليل قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[سورة فصلت]
هذه الآية لِتبقى في ذهنك

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[سورة سبإ]
أي في كل التاريخ يا عبادي هل رأيتم أني أهلكت إنسانا مستقيما أو دمَّرت قرية صالحة

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[سورة سبإ]
قال تعالى

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

[سورة هود]

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[سورة سبإ]
أنت عليك أن تطيع الله وعلى الله أن يحفظك و يرعاك ويؤيدك وينصرك، أما إذا تفلَّت المسلمون من أمر الله و منهج ربهم ولا فرق بينهم وبين الكفار إلا بالانتماء الشكلي ؛ فهذا الانتماء الشكلي لا قيمة له وهناك شيء آخر قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آَمِنِينَ (18)﴾

[سورة سبإ]
و من شدَّة الرخاء والأمطار والبساتين بلادهم متصلة، و علامة الرخاء اتصال البناء وعلامة القحط تباعد البناء فقال قوم سبأ شيئا يصعب تصديقه، قال تعالى:

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

[سورة سبإ]
أي اجعل بلادنا قاحلة و جرداء و باعد بين قرانا، وهل هناك إنسان في الأرض عاقل يدع بهذا الدعاء ؟! بماذا فسره المفسِّرون، قالوا يا رب امحق رزقي،: إن الإنسان إذا عصى ربه كأن لسان حاله يقول: يا ربي دمِّرني يا ربي أهلكني، ومثله الإنسان المدخِّن الذي يعلم أضرار التدخين، كأن لسان حاله يقول: يا مرض تعال إليَّ، والعلماء قالوا: الذي يعصي ربه لسنُ حاله يقول: يا ربي دمرني يا ربي أهلكني يا ربي امحق رزقي يا ربي أنزل بيَ النوازل

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

[سورة سبإ]
و العرب بالأندلس لما فتحوها مخلصين نصرهم الله، فلما التفتوا للموشحات والغناء والخمور والجواري خرجوا منها وقد ذُبِّحوا وقتِّلوا فالذي يعصي ربه كأنه يقول: ربي دمرني، ربي أتلف رزقي، هذا هو معنى الآية، أما الإنسان ذو العقل لا يقول هذا الكلام، بلاد متصلة وكلها رخاء ؛ جنات و أنهار و بساتين و أسعار رخيصة، و سيدنا شعيب لما قال لقوم سبأ كما ذكر الله تعالى عنه في كتابه:

﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)﴾

[سورة هود]
فما معنى بخير ؟ فسَّر العلماء هذا الخير بوفرة المواد و رخص الأسعار، وفي حالة أشد، وفرة المواد و ارتفاع الأسعار و في حالة أشد لا مواد ولا أسعار، فوفرة المواد ورخص الأسعار هذا هو الخير أم وفرتها و غلاؤها هذا بعض الشر، أما عدم وفرتها و ندرتها هذا شرٌّ من الشر.
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

[سورة سبإ]
كانوا أقواما فجعلناهم أحاديث، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: اللهم لا تجعلني عبرة لأحد من خلقك" و أنا أقول لكم إن الحياة مسرح فيها مقاعد للمشاهدين وفيها خشبة مسرح، فإن استقمتَ على أمر الله و التزمتَ منهجه لك مقعد مع المشاهدين أما إذا لم تستقم على أمره ولم تلتزم منهجه لابد من أن تُجَرّ إلى خشبة المسرح وأن تُضرَب ضربا مبرَّحا لتصبح قصة تُروَى

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾

[سورة سبإ]
كانوا قوما ملء السمع والبصر

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)﴾

[سورة سبإ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 08:12 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة سبأ ( 34 )

الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة و الأربعون من سورة سبأ وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبإ]
الموضوع في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عقيدة بالتقليد ولا يقبلها إلا بالتحقيق، فالإنسان إذا استمع إلى خطبة أو إلى درس ولم يتفكّر فيما سمع ولم يطالب بالدليل ولم يبحث عن التعليل و لم يتبنَّ هذا الذي سمعه فكأنه ما سمع، لأنه لو قبل الله من عبد كائنا من كان أن يعتقد عقيدة من دون تحقيق لكانت كل الطوائف المنحرفة معهم الحُجة على الله يوم القيامة، فكل أصحاب الملل والنحل يقولون كما حكى الله عنهم فقال تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23)﴾

[سورة الزخرف]
فكل أصحاب الملل والنحل المنحرفون هؤلاء ما ذنبهم ؟ لذلك ربنا سبحانه و تعالى أمرنا في آيات كثيرة، فقال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)﴾

[سورة المؤمنون]
و قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

[سورة الإسراء]
أنت في الدنيا تدقِّق و تسأل و تحقِّق و توازن، لماذا لا تفعل هذا في حقِّ الآخرة ؟ وفي شأن العقيدة، فالنقطة الدقيقة هو أنه أيَّة آية في كتاب الله إذا فيها أمر فتقتضي الوجوب وما تخلَّف المسلمون إلا حينما مسخوا دينهم إلى عبادات تُؤدَّى بلا مضمون، أمَّا كل أمر في كتاب الله فيقتضي الوجوب، مثلا ؛ قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾

[سورة التوبة]
فأنت مأمور بنص القرآن أن تكون مع المؤمنين و مع الصادقين، وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)﴾

[سورة النحل]
فأنت مأمور أن تكون محسنا، ولو تتبعتم الآيات الكريمة التي فيها أوامر جليلة من الله عز وجل، كل أمر من هذه الأوامر يقتضي الوجوب، هذا فضلا عن الصلاة و الصيام والزكاة والحج التي فهم الناس أنها هي الإسلام ؛ مع أن الإسلام منهج كبير ودقيق وتفصيلي و متكامل، هذا أمر من الأوامر التي قد تغيب عن معظم المسلمين، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]
أي عليكم أن تتدارسوا هذا الدين و أحكامه و أوامره وشرائع هذا الدين أن تدرسوا القرآن الكريم وأن تصغوا إلى تفسيره وتسألوا عن محكمه و عن متشابه وعن أمره و نهيه وعن حلاله وحرامه وعن أخباره الماضية والحاضرة والمستقبلة قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]
فماذا يمنع أن يكون بين الجيران و بين الإخوة و الأقرباء لقاء دوري تُدرَس فيه بعض آيات القرآن وبعض أحاديث رسول الله و بعض أحكام الفقه، نقرأ القرآن أمام بعضنا بعضا، فجلسة على مستوى أبٍ و أولاده و أخ و إخوته و جارٍ و جيرانه، لقاء أسبوعي، لو تدارسوا كلام الله و تدارسوا حديث رسول الله و تدارسوا فحوى هذه الدعوى ليس هناك من ليس له لقاءات أسبوعية للولائم على مستوى أصدقاء تجار و موظفين، هذه اللقاءات التي فيها الغيبة والنميمة و الكلام الذي لا يرضي الله أو الكلام المباح لكنه يفرق ولا يجمع،

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]
فلنوازن بين أمر الله عز وجل وبين ما يفعله الناس، الفكر سلطان ولما يعطل الإنسان فكره و يتلقى تلقِّيًّا بدون تمحيص يمرُّ عليه كل دلالة، والمشكلة أن الإنسان أحيانا يكون خاليا، وقد قال أحد الشعراء:

عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا
إذا الإنسان سمع ضلالة أو شبهة أو طرحا معيَّنا أو تفسيرا منحرفا و ليس عنده ميزان و ليس عنده ضوابط يقبل هذا الضلال و يقبل هذه الشبهات فإذا قبلها تمكنت منه وانبنى سلوكه عليها، هذا هو الضلال المبين، ما الذي يعيدك إلى جادة الحق ؟ أن تتعلم أصول الدين فمشكلة الناس ـ و أقول كلاما خطيرا ـ لا يفقه شيئا عن أصول الدين ولكنه يدرس الشبهات، ماذا قال كتاب " قراءات معاصرة " ماذا قال فلان، يقرأ كل كتب فيها ضلالات وانحرافات و يدع أصول الدين ليصل إلى خلافات المسلمين، و أنت لستَ أهلا، و أوضح مثل لهذا أن طالبا يحمل الكفاءة و نوى أن يصير طبيبا، هل هذا ممكن أن ندخله في متاهة وجهات النظر المتباينة بين جراحة القلب في أمريكا وجراحة القلب في روسيا هل ممكن هذا ؟ ليس ممكنا، و إذا أراد أن يقفز إلى هذه الخلافات و تلك المعضلات ولم يدرس بعد قواعد الطب ولا أسس الطب و لا علم التشريح و لا علن الفيزيولوجيا ولا علم الأمراض ولا علم الأدوية، هذا هو حال المسلمين، الكتاب أصل و السُّنة أصل و الأحكام الفقهية أصل و السيرة أصل فهل قبل أن نقرأ الدين في أصوله نقفز إلى الشبهات وإلى الخلافيات و إلى ما طُرِح في الأسواق و إلى مناحرات العلماء و خلافاتهم، مادة دسمة ومغرية فترى الناس ينصِّب نفسه حَكَما على العلماء وهو لم تبتل بعد قدمُه ببحر المعرفة، ولا يعرف أحكام الصلاة، فلذلك قبل أن نصل إلى الخلافيات إلى ما يفرقنا وما يمزقنا ويجعلنا مللا و نحلا و إلى ما يضعف قوتنا، ينبغي أن نفهم أصل ديننا، آيات القرآن المحكمة كثيرة جدا، الآيات المتشابهة قليلة تعد على أصابع اليد، فدعْك من هذه الآيات و افهم الآيات المحكمة، مليون موضوع متفق عليه و عشرات الآلاف من الأحاديث المتفق عليها الآلاف من الأحكام المتفق عليه فقبل أن تنتقل من المتفق إلى المختلف ؛هل أتقنت المتفق ؟ وهل أتقنت أصول الدين ؟ هل عرفتَ أحكام الشريعة، لو فرضنا أن هيئة طبية عالية جاءها مريض معه جلطة مستحكِمة في أماكن حسَّاسة و له أظافر طويلة هؤلاء الأطباء لو تركوا قلبه وقلَّموا أظافره ما قولكم ؟! مريض أظافره طويلة وقلبه خطير، تركوا قلبه و قلَّموا أظافره، هناك في المسلمين من يفعل هذا، فتجد شخصا قد ترك أصلا من أصول الدين وذهب يجول في أمور بعيدة عنه تماما، لذلك، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]
ليس عبقريا و ليس مصلحا اجتماعيا و لكنه رسول الله و نبي الله يُوحى إليه حتى حديثه وحي غير متلُوٍّ لقول الله عز وجل:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾

[سورة النجم]
وهناك دعوة خطيرة جدا إلى ترك السنة، وأن نبقى في القرآن الكريم ولو صدر قانون من ثمانية وعشرين مادة ثم صدر مرسوم تفصيلي في مائة وخمسين مادة تبين أحكام القانون، فلو أغفلنا المرسوم و لم نعبأ به فهل نفهم القانون وحدنا ؟ وهل من الناس من يفهم القرآن بغير السنة، كم زكاة البقر ؟ وكم زكاة الإبل ؟ و كم زكاة عروض التجارة ؟ الله تعالى قال:

﴿ وَآتُوا الزَّكَاة ﴾

[سورة البقرة]
في حكم إجمالي، أما النبي فقد فصَّل، ومن دون السنة كيف نصلي ؟ وكيف نؤدي مناسك الحج ؟ و كيف نصوم رمضان ؟ والله عز وجل يقول:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[سورة الحشر]
والذي يهمل السنة يعصي كلام الله عز وجل أين قوله تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

[سورة النجم]
أين قوله تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)﴾

[سورة النحل]
اليوم وقع تحت يدي كتابا يدعو إلى ترك السنة كلها، فإذا قرأه شخص و أُعجب به لان عقله خالٍ، على قول الشاعر:

عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا
فلو كان مطَّلعا على أصول الدين ينبذ هذا الكلام بشكل يسير و لا يقبله
أتمنى على إخوتنا الكرام قبل أن نقحم أنفسنا في الخلافيات و في المتاهات وفي قضايا لا تقدِّم ولا تؤخِّر علينا أن نتقن أصول الدين و هذه الآية الكريمة: ٌ

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]
لقاء مع أخيك ومع أولادك و مع أصدقاءك وجيرانك ومع زملائك في حرفتك وفي دائرتك

﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[سورة سبأ]
قال تعالى

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

[سورة الإسراء]
قال بعض العلماء: الفؤاد إذا جاء مع السمع والبصر فهو الفكر

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

[سورة الإسراء]
لِم لمْ تفكر، قد يقول الواحد: سألت شيخا وهكذا قال لي، طيب عندك بيت و أردت أن تبيعه، خرجتَ من بيتك سألت صاحب مكتب عقاري كم ثمنه ؟ فقالَ كذا، فهل تبيعه له ؟ طبعا لا، ستسأل مائة مكتب عقاري، فلماذا في أمر بيع بيت تعدِّد السؤال و تستقصي وتبحث و تمحِّص، لذلك حتى لو عُرض عليك فكر منحرف ضال، أو كتاب مشبوه أو فكر يعطل أحكام الدين، أو فكر يريد أن يميِّع الدين إلى السلوك المعاصر، أو أن يربط الدين بالدنيا، والآن أيقن أعداء الدين أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا الدين مباشرة فلجئوا إلى طريق آخر وهو طريق التفجير من الداخل عن طريق اصطناع فكر مزيَّف لإنهاء تمسك الناس بدينهم، هذه الخطة الجديدة لأعداء الدين، فهذه الآية

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبأ]








والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-27-2018 08:13 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة سبأ ( 34 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة و الأربعون من سورة سبأ وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
الإنسان أحيانا - كما يقول بعضهم - يكون ضحيّةَ داعيةِ منحرِف يقول لك: أنا ضحيَّتُه فما ذنبي ؟ لماذا لا تقرأ القرآن الكريم ؟ فقد أشار كتاب الله جل جلاله إلى صفاتِ الدعاة الصادقين، فقال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[ سورة يس ]
وما دام هناك مكاسب و منافع ومكانة و سيطرةٌ و مغنم فالدعوةُ مشبوهةٌ، أما إذا لم تكن هناك أيُّ علاقة بالدنيا قال تعالى:

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
و لو أن النبيّ عليه الصلاة و السلام أراد الأجرَ لشكَّ الناسُ في دعوته إلى تعالى:

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
فإن استقمتم فاستقامتكم لكم، و إن أحسنتم فهو لكم

﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
تصوَّروا إنسانا أعطى درسًا لطالب، و الدرس تعويضُه خمسمائة ليرة قال لك أحدهم وهو يملك كلَّ شيء: أعطِهِ و لا تأخذْ منه شيئا و أنا أعطيك على كلِّ درس مليون ليرة، فلما يعرف المؤمن ما عند الله من العطاء لاستصغر أن ينال على عمله أجرا، فلذلك المؤمن بنى حياتَه على العطاء، و أنه يرجو رحمة الله تعالى، قال تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾

(سورة الزخرف)
و لو جمع الإنسانُ في السنة مائة مليون
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾

[ سورة الزخرف ]
هذه أولُ علامةٍ، قال تعالى:

﴿تَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[ سورة يس ]
الآية الثانية قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[سورة يوسف ]
فالدعوة إلى الله على بصيرة مع الحجة و البرهان و الدليل و المنطق و العقل و الفطرة و النقل، هذا هو الحق، دعوة الله لا تخشى البحث ودعوةُ الله تُلقَى تحت ضوء الشمس، ودعوة الله لا تخشى التدقيق ومهما دقَّقتَ فإنها من عند الله تعالى، وهذا معنى قول الله تعالى
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

(سورة يوسف)
هناك علامةٌ ثالثة، قال تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

(سورة آل عمران)
من يشهد لك على عدالة الله تعالى فهو من أولي العلم، ومن شهد لك بعكس ذلك فهو جاهل، و مثال ذلك أن يقول لك: يمكن أن تفنيَ حياتَك في طاعته و يمكن ان يضعك في النار، أين قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

(سورة الزلزلة)
هذه دعوة لا تحبِّب الناسَ بالله تعالى و لا ترقى إلى الدعوة الصحيحة، قال يا ربي أيُّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ ال أحبُّ العباد إليَّ تقيٌّ القلب نقيُّ اليدين لا يمشي إلى أحد بسوءٍ، أحبَّني و أحبَّ من أحبَّني و حبَّبَني إلى خلقي، يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوسَ جُبِلتْ على حبِّ من أحسنَ إليها و بغضِ من أساء إليها، فلو لقيْتَ صورةً غيرَ صحيحة عن الله تعالى تُظهِر أنه يظلم العبادَ، إنما هما قبضتان، فقبضةٌ إلى جنَّتي و لا أبالي و قبضةٌ إلى النار و لا أبالي، هذا الحديث يحتاج إلى تفسير طويلٍ، و قال، عليه الصلاة و السلام: لو لم تذنبوا.." فالإنسانُ مكلَّفٌ أن يحبِّب الناس بربهم عن طريق الفهم الصحيح و النطق الصحيح، لا أن ينقل نصوصا لا يفقه معناها فيُنفِّ الناسَ عن الله تعالى، و ما غضب النبيُّ غضبا أشدَّ من غضبه على أحد أصحابه حينما صلى و أطال، فقال له: إنما أنت منفر..." قال فكيف أحبِّبهم ؟ قال ذكِّرْهم بآلائي و نعمائي وبلائي، فآلاؤه تدعو إلى تعظيمه و نعماؤه تدعو إلى محبَّته و بلاؤه يدعو إلى الخوف منه.
العلامةُ الأولى،

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
و العلامة الثانية

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

(سورة يوسف)
و العلامة الثالثة

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

(سورة آل عمران)
و العلامة الرابعة، قال تعالى:

﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

(سورة البقرة)
متى جعله الله للناس إماما ؟ بعد أن امتحِن و نجح في الامتحان، قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

(سورة السجدة)
و قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

(سورة الأحزاب)
و لو أن هذا الداعي خاف غيرَ الله و سكت عن الحق إرضاءً للقوي و تكلَّم بالباطل إرضاءً له فماذا بقيَ من دعوته ؟ فكأن الله تعالى أشار في القرآن إشاراتٍ لطيفة إلى من ينبغي أن تأخذ عنه، قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

(سورة لقمان)
و قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

(سورة الكهف)
فالآية، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]
فإذا طلب النبيُّ منا شيئا فهو لنا، كالصلاة و الحج و الصوم، و ضبط اللسان و الإقبال على الله فهو لنا، و ما طلب شيئا لذاتِه، و خرج من الدنيا كأن لم يكن شيئا، وكلُّكم يعلم أن النبيّ عليه الصلاة و السلام خيَّره سيِّدُنا جبريل: أتحبُّ أن تكون نبيًّا ملِكًا أم نبيًّا عبدًا ؟ قال: بل نبيًّا عبدًا،أجوع يوما فأذكره و أشبع يوما فأشكره، قال تعالى:

﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾

[ سورة سبأ ]

أيها الإخوة الكرام، تطبيقًا لهذه الآية، إذا ليس للإنسان عملٌ خالصٌ لوجه الله تعالى لا يرجو منه سُمعةً و لا مكانةً و لا رزقا و لا مالا و لا مديحا إنما يبتغيه لوجه الله تعالى، هذا الذي ينفعه يوم القيامة لأن الإنسانَ لما يُوضَع في قبره، يقول اللهُ عز وجل:

(( عبدي رجعوا و تركوك و في التراب دفنوك و لو بقُوا معك ما نفعوك، و لم يبقَ لك إلا أنا، و أنا الحيُّ الذي لا يموت ))

فمهما كانت الجنازةُ عظيمةً رجعوا و تركوك، و في التراب دفنوك و لو بقُوا معك ما نفعوك و لم يبقَ لك إلا أنا، و أنا الحيُّ الذي لا يموت
ثم قال تعالى


﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)﴾

[ سورة سبأ ]
هذه الآية فيها معنى دقيقًا، أن الخيرَ من الله تعالى، والجنَّة محض ُ فضل من الله و الهداية محضُ فضل من الله و الاستقامة محضُ فضل من الله، و لكنَّ الشرَّ يتأتَّى من أنفسنا و من بعدنا عن منهج الله تعالى، قال تعالى:

﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ(50)﴾

[ سورة سبأ ]
ثم يقول الله تعالى في آخر هذه السورة:

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾

[ سورة سبأ ]
فالإنسانُ مركَّبٌ من جميع الشهواتِ و يأتي الموتُ فيحول بينه و بين كلِّ الشهواتِ

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾

[ سورة سبأ ]
ولو عدَّد الإنسانُ مباهجَه في الدنيا، بيتًا و مركبةً و وليمة و سفرًا و زوجة و مكانةً كل هذه الشهواتِ التي إذا تعلَّق الإنسانُ بها سوف يُحالُ بينه و بينها عند الموتِ

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾

[ سورة سبأ ]
فمن هو العاقل ؟ العاقل هو الذي يُعِدُّ لهذه اللحظة
أيها الإخوة الأكارم الإنسانُ يُولد و حوله يضحكون وهو يبكي وحده أما إذا مات فكلُّ من حوله يبكي، و بقيَ هو، فإن كان بطلاً يضحك وحده، دقَّقْ ‍!! كلُّ إنسانٍ إذا جاءته منِيَّتُه كلُّ من حوله سيبكي، و بطولتُه تتبدَّى في أن يضحك وحده إذا بكى الناسُ حوله، لأن الله تعالى قال:

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ(27)﴾

(سورة يس)
و مَنْ هو العاقل ؟ الذي لا يندم، و أيُّ ندمٍ يدلُّ على نقص في العقل و العقل كلُّ العقل في الإعداد لمفارقة الدنيا، لذلك قال عليه الصلاة و السلام: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا و أحزمكم أشدكم استعدادا له ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التزود لسكنى القبور و التأهب ليوم النشور و الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأمانيَّ " هذا هو العاجز، يقول: نحن عبيد إحسان و لسنا عبيدَ امتحان، و يقول: لا تسعنا إلا رحمتُه، هذه أمانيُّ، و الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأمانيَّ





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 02:07 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في سورة فاطر آيةٌ كريمة هي الآيةُ الثانيةُ وهي قوله تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

(سورة فاطر)
هذه الآية أيها الإخوة فيها معانٍ دقيقةٌ جدًّا، هناك دنيا و هناك المالُ و هناك السلطانُ وهناك النساءُ و هناك الطعام و الشراب و هناك البيت الفخمةُ و المزارع الغنَّاءُ، و هناك الأموال الكبيرةُ، هذه الدنيا، و هناك رحمة الله التي تجمع كلَّ شيء، وقد يعطي اللهُ المالَ و صاحبُه أشقى الناسِ، و قد يقتله أولادُه، وقد ُنهَى حياتُه بسب ماله، وقد يكون مالُه سببَ شقائه في الدنيا، و قد يأتيه المرضُ العُضالُ الذي لا ينفع معه المالُ، فأُعطِيَ المالَ و أُمسَكتْ عنه رحمةُ الله تعالى، و قد يُعطَى رحمةَ الله، و بمالٍ قليل يبارك اللهُ له فيه و يسعد أهلُه به و أولادُه وينفقه في طاعة الله، و كما قلتُ في البداية، المال الوفيرُ و النساء الجميلات و البيوت الفاخرة و المراكب الرائعة و الحدائق الغنَّاء و القصور ؛ هذه الدنيا، و رحمة الله تعالى شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾

(سورة الزخرف)
و قد يُحرَم الإنسان الولدَ و تأتيه رحمة الله، فهو أسعدُ الناس بها، و قد يأتيه أولادٌ أشرارٌ و بناتٌ منحرفاتٌ ينغَّصون حياتَه، و ليس معنى هذا أننا نرفض الولدَ، و لكن نريد رحمة الله، و ما أروعَ رحمةُ الله مع الأولاد و مع الأموال و مع الزوجة الصالحة، فربنا تعالى يقول:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

(سورة فاطر)
وليس في الأرض كلِّها جهةٌ مهما قوِيتْ يمكن أن تحول بينك و بين رحمة الله تعالى، لذلك كلمة الحق لا تقطعه رزقًا و لا تقرِّب أجلا إذا طَلَبْتَ رحْمة الله تعالى نِلْتَها، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان في أعلى درجات الأدب،وكان يقول: اللهمّ إنِّي أسألك موجبات رحمتك..." فالأديب يسأل موجبات الرحمة، وقد يُعْطِيَكَ الله مرْتبةً اجْتِماعِيَّة فإذا هذه المرتبة سبب الحسَد، والكَيْد والعَدَاوة وتنتهي هذه العَدَاوة بِمَرَضِكَ وقد تأتيك رحْمة الله وتأتيك معها مرْتبةً دينِيَّة، فإذا الناس حوْلك مُحشبُّون ولك مُخْلصون، فأنت ما عليك إلا أن تطلبَ رحْمة الله، وكلّ شيءٍ من الله تعالى مَقْبول، فالفقْر مَقبول، والغِنَى مَقبول، والصِّحة مَقْبولة والمرض مَقبول، فكَمْ مِن صَحابيٌّ جَليل فَتَح البِلاد وهو مريض مرضًا شديدًا ‍! فَرَحمة الله عز وجل لا تتأثَّر لا بِمَرضٍ ولا بِخَوفٍ ولا بِقَلَق، ولكن ما تعريفها ؟
أردْتُ وأنا بِطَريقي إلى المسْجِد أردْتُ أن أضْرِبَ مثلاً، فلو أنَّ ملِكًا كبيرًا يمْلِكُ ممالِك كبيرة، ورضِيَ عن أحَدِ رعاياه ؛ بيتٌ ومركبة ومرتبة ومنْصِب وصلاحِيَّات، فهذا الملِكَ رضِيَ عن هذا الإنسان وملَّكَهُ ما يَحْتاج، فهذا مَلِكٌ مِن بني البشَر إن رضِيَ عن إنسانٍ أعْطاهُ كلّ شيءٍ، فإذا كان الواحدُ الدَّيان رضِيَ عن مؤمنٍ، فما معنى رحْمة الله مع هذا المؤْمِن ؟! الصِّحة ضِمْن الرَّحْمة، وكذا الزَّوْجة الصالحَة ضِمْن الرَّحمة والمكانة، إلا أنَّ هناك شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾

(سورة التوبة)
فإحْساس المؤمن أنَّ الله راضٍ عنه هذا شيءٌ لا يُقَدَّر بِثَمَن، ورحمة الله في الآخرة هِيَ النَّظَر إلى وجْهه الكريم ؛ الجِنان والحُور العين والوِلدان المُخلَّدون، والأنهار العسل واللَّبَن، كلّ ما وصَف الله لنا في الجنَّة لا يُعادِل رِضْوان الله عز وجل، والنظرُ إلى وجه الله الكريم لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن المؤمن ينظر إلى وجه الله الكريم فيغيب خمسين ألف سنة من نَشوة النظر، قال تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾

(سورة القيامة)
و قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾

(سورة آل عمران)
اللهُ تعالى خالق الكون إذا أراد أن يسعدك يعرف كيف يسعدك من كلِّ النواحي و من كلِّ الألوان و الأشكال، فالإنسانُ لِيطلبْ رحمةَ الله اللهم رحمتَك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، هكذا كان يدعو النبيُّ عليه الصلاة والسلام. فالعبرة أيها الإخوة من هذه الآية أن الله تعالى قد يعطي عبدَه المالَ وهو لا يحبُّه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

(سورة القصص)
وهو لا يحبُّه، و أعطى فرعونَ الملكَ وهو لا يحبه، و أعطى سليمانَ الملكَ وهو يحبه و أعطى عبد الرحمن بن عوف المالَ وهو يحبه، فرحمة الله لا علاقة لها بالدنيا، فقد تأتي و قد تذهب، و لكنَّ! رحمة الله شيءٌ ثمين جدًّا.
فلذلك أيها الإخوة رحمة الله لها أسبابٌ، و لو أنكم قرأتم القرآنَ الكريمَ ما هي أسبابُ رحمة الله؟ قال تعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)﴾

(سورة النور)
فثمنُ رحمة الله الطاعةُ، وهي بين يديكم، فكلُّ إنسان بإمكانه أن يطيع الله تعالى

أطعْ أمرنا نرفعْ لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبَّنــا
و لُذْ بحمانا واحتمِ بجنابنــا لنحميك ما فيه أشرارُ خلقنــا
و عن ذكرنا لا يشغلَنَّك شاغلٌ و أخلصْ لنا تلقَ المسرَّة و الهنا
و سلِّم لنا الأمرَ في كلِّ ما يكن فما القربُ و الإبعادُ إلا بأمرنا
وجدناك مضطرًّا فقلنا أُدعونـا نُجِبْك، فهل أنت حقًّا دعوتَنـا
دعوناك للخيرات أعرضْتَ نائيًا فهل تلق من يحسن لمثلك مثلَنا
فيا خجلي منه إذا هو قال لـي يا عبد نا ما قرأتَ كتابـــنا
أما تستحي منا و يكفيك ما جرى أما تختشي من عتقنا يوم جمعنا
أما آنَ أن تقلع عن الذنب راجعا وتنظر ما به جاء وعدُنـــا

أيها الإخوة، هذه الآية دقيقة جدًّ،قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

(سورة فاطر)
قد يعطيك المالَ الوفيرَ و يحجب عنك رحمتَه، فإذا المالُ سببُ شقائك وقد يعطيك المنصبَ الرفيعَ و يحجب عنك رحمتَه، فإذا هذا المنصب سببُ شقائك و هلاكك، و قد يعطيك الذرِيةَ الكثيرةَ ويحجب عنك رحمته فإذا هذه الذرِّيةُ سببُ شقائك في الدنيا و الآخرة، تقول البنتُ يوم القيامة: يا رب لا أدخل النارَ حتى يدخل أبي قبلي، هو سببي، لم يعلِّمني، فتُعطَى المالَ و تُحجَب عنك حمة الله فالمالُ سببُ الشقاء، وتُحرَم من المال و تأتيك رحمة الله فأنت أسعد الناس، اللهم من أحبَّني فاجعل رزقَه كفافا، تُحرَم من المكانة العالية في المجتمع و تكون عبدا خفيًّا و تأتيك رحمة الله فأنت أسعدُ الناس، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

(سورة فاطر)
و رحمة الله تعالى بالطاعة

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)﴾

(سورة النور)
و قال تعالى:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

(سورة الأعراف)
أحسِنْ لكلَّ الناسِ و لكلِّ المخلوقات

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

(سورة الأعراف)
لو أن الإنسانَ قرأ القرآن ووقف عند كلمة " رحمة الله " ما أسبابها ؟ و هل تصدِّق أن علَّةَ خلق الكون أن يرحم اللهُ مخلوقاتِه، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

(سورة هود)
خلقَنا ليرحمنا، و رحمة الله أسبابها الطاعة و الإحسان، و إذا ملكْتَها ملكْتَ كلَّ شيءٍ، و إن غابتْ عنك غاب عنك كلُّ شيءٍ، " يا ربي ماذا فقدَِ من وجدك واللهِ ما فقَد شيئا، و ماذا وجد من فقدك " أحدُ الأغنياء في العالم ترك البلايين، ماتتْ بنتُه منتحِرةً، وهي الوارثةُ الوحيدةُ، فلذلك العبرة أن يرحمك اللهُ، يرحمك بأولاد صالحين و بدخل معتدلٍ و بزوجة صالحةٍ، فإذا رحمك اللهُ أعطاك كلَّ شيءٍ يا ربي ماذا فقدَِ من وجدك، و ماذا وجد من فقدك






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-27-2018 02:08 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسةُ من سورة فاطر، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
أوَّلاً ؛ إن وعد الله حق، أيْ واقعٌ لا محالةَ، لذلك ربنا تعالى يغبر عن المستقبل بالفعل المضارع، قال تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

(سورة النحل)
و قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

(سورة المائدة)
و لم يحدث هذا بعدُ، فاستخدامُ الفعل الماضي مكان المستقبل هدفُه أن وعد الله حق، وعدنا بالجنة فالجنةُ حقٌّ، ووعد العصاةَ بالنار فالنارُ حقٌّ،

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار و معنى "لا تغرنكم " أي لا ينبغي أن تبدوَ لكم الحياةُ الدنيا بحجمٍ أكبرَ من حجمها، و الإنسانُ أحيانا يتوهَّم أن المالَ كلُّ شيءٍ و أن المرأةَ كلُّ شيء، و أن المنصبَ كلُّ شيءٍ، و أن السياحة و السفرَ كلُّ شيء و كلما تقدَّم به العمُرُ قلَّتْ قيمةُ هذه الأشياء، يقول: المالُ كلُّ شيء و ليس كلَّ شيء، أما إذا شارف القبرَ، يقول لك: المالُ ليس بشيء، فالمشكلةُ أن الإنسانَ قد يكشف الحقيقة و لكن بعد فوات الأوان، و ما قيمة التعليم إذًا ؟ أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب، الإنسان حينما يستجيب لأمر الله، و اللهُ هو الخالق، أعطى كلَّ شيء حجمَه الحقيقي، قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾

(سورة الحديد)

﴿و قال تعالى:وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(20)﴾

(سورة الحديد)
و قال تعالى

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى﴾

(سورة النساء)

﴿و قال تعالى "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(27)﴾

(سورة الرحمن)
و النبيُّ الكريم يقول:
((الدنيا جيفة..." " الدنيا دار من لا دار له..))
والدنيا ممرٌّ و ليست مقرًّا، هذا كلام الخبير، و الله هو الخبير و النبيُّ هو المبيِّنُ، فإذا كشف الإنسانُ الحقيقةَ بنفسه في الثمانين فليسعدنه من الوقت ما يستفيد منه، أما إذا عرفها بالثلاثين يتوازن، فربنا تعالى يقول:

﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
و الشابُ يحلم ببيتٍ و زوجة و سيارة ومنصب رفيع و شهادة عليا بعد حين هذه الأشياءُ تصغر و تصغر إلى أن تصبح في عين الإنسان و ليستْ بشيء، و الشيءُ الوحيد هو رحمة اللهِ تعالى، و طاعة الله قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

(سورة الأحزاب)
و الشيء الوحيد هو معرفة الله، فالإنسانُ الغافل لا يغترُّ بالدنيا.
ذكرْتُ لكم قصَّةً عدَّة مراتٍ و هي تناسب المقامَ، كان هنالك رجل تُوفِيَ رحمه الله و كان صانعا في الحميدية، و عنده دُعابةٌ، كلما دخل المحلَّ جمع قمامته في علبةٍ، و يلُفُّها لفًّا أنيقا جدًّ بورق الهدايا و يضع عليها شريطا أحمرَ، و يضعها على الرصيف، يأت الإنسان المغفَّلُ و يظن أن فيها هديةً ثمينةً، يحملها و يمشي، و يلحقه هذا الرجلُ، بعدها يفكُّ له شريطها و بعده يفك الورقَ، و يفتح فيلقي القمامةَ في وجهه، خيبة أمل مُرَّة، فإذا علَّق الإنسانُ آمالا على شيء ثم يكتشف أنها ليست بشيء، و أحد الرجال من أهل الدنيا اشترى بيتا و كسر البلاطَ كلَّه، و السيراميك و الأبواب و كسى البيتَ من جديد اشتغل فيها سنتين، بعد انتهاء البيت بأسبوع واحد جاءته المنيَّةُ القصص في هذا كثيرة جدًّا، "

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
أوقفني أحد الإخوة عند محلِّ المفروشات فجاءه زبونٌ يطلب غرفة النوم من الدرجة الأولى، كلفتْه ثلاثُ سنوات، واتصلا بعجها بهذا المشتري، فأخبره أهلُه انه مات، و أحدهم اشترى بيتا له إطلالةٌ جميلةٌ بعد عشرة أيام جاءه الأجلُ

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
إياك أن تراها بحجم أكبرَ من حجمها، قال عليه الصلاة و السلام: من أصبح آمنا...بحذافرها " قال أحد الملوك لوزيره: من الملكُ؟ قال: أنت، قال: لا الملكُ رجلٌ لا نعرفه و لا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه و زوجةُ ترضيه و دخلٌ يكفيه "
الآية دقيقة جدا، أحيانا يغترُّ الإنسانُ بالحياة الدنيا فيضَيِّع آخرتَه، "

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

(سورة فاطر)
و الغرور هو الشيطان يقول لك " إن الله لا يدقِّق معك و الله غفور رحيم، والنبي يشفع لنا يوم القيامة، تماما كالطالب في أول العم الدراسي، قال له أحد الطلاب: أَعطِ للأستاذ هديةَ يعطيك الأسئلة ثم فوجِئَ في آخر السنة أن الأستاذَ نزيهٌ، رسب، لك قضيةٌ مع القاضي قال لك رجلٌ: بهديةٍ يحكم لك، فقدّ!َمت هديةً فرفضها و حكم ضدَّك الغرور هو الشيطانُ، وهو الذي يوهم الإنسانَ أن الله لا يحاسبك وأنه يفسِّر آيات القرآن الكريم تفسيرا ما أراده اللهُ، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾

(سورة الحجر)

﴿و قال تعالى فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

(سورة الحجر)
فهناك سؤال و حساب، و قاتل تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

(سورة الزلزلة)
أيها الإخوة الكرام، هذه الآية خطورتها من مُنْزَلَقَيْن، أوَل منزلق أن تبدوَ لك الحياةُ بحجم كبير فتسعى إليها على حساب آخرتك و دينك وعقيدتك، و المنزلق الثاني أن تصغِيَ إلى كلام الشيطان لأنه يصرفك عن الله و يمنِّيك، قال تعالى:

﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64)﴾

(سورة الإسراء)
فهنا عدُوَّان ؛ الدنيا و الشيطانُ، الدنيا إذا بدَتْ لك بحجم كبير فاستهوتْكَ و مِلْتَ إليها على حساب دينك و الشيطانُ يُشكِّكُك بِعدَالة الله يُطَمئِنُكَ طمأنينة ساذجة أساسها الوَهم المُريح، والنبي عليه الصلاة والسلام يُقال له: اِرْفَع ! فيقول: لا أرفع حتَّى تشْفَعَ لأمَّتي، فَيُقال له: اِرْفَع واشْفَع تُشَفَّع فيَكْفي أن تنْضَمَّ لأمَّتي النبي حتَّى تنالكَ شفاعته صلى الله عليه وسلَّم فالشَّفاعة حق وفيها آيات وأحاديث ولكنْ لها معنى آخر غير هذا المعنى الساذِج، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾

(سورة الزمر)
يا فاطمة بنت محمَّد يا عبَّاس عمَّ رسول الله أنْقِذا نفسيْكما من النار فأنا لا أُغني عنكما من الله شيئًا، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابِكم، مَن يبطئ به عمله لم يُسْرِع بِهِ نسَبُهُ إنَّ فلانة تذكر أنَّها تُكثر من صلاتها وصِيامِها وصَدَقَتِها غير أنَّها تؤذي جيرانها بِلِسانِها فقال: هي في النار ! فأنت في خطَرين وهي أن تبْدُوَ لك الدنيا بِحَجْم كبير تسْعى إليها على حِساب دينِكَ، أو أن تُصْغي إلى الشَّيطان الذي يصْرِفُكَ عن الدِّين ويَعِدُكَ ويُمَنِّيكَ وما يَعِدُكَ إلا غرورًا أو كذِبًا، فمثلاً البارحة كنت أقرأ لإنسان يعمل في الإعلان كان يقول: تعال إلى حيث النُّكْهَة، ويقصِد الدُّخان !! هذا الأخير مات بِسَرَطان في الرِّئتين وآخر كلمة قالها: كنت أكذِبُ عليكم !! فهذا هو الشَّيْطان يَعِدُهم ويُمَنِّيهم، فاليَهود قالت فيما قاله عنهم تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾

(سورة البقرة)
فالمُسلمون المُقَصِّرون والتائِهون يُمَنُّون أنفسَهم بأشياء لن تقَع.
إذًا لِنَحْذَر هذين الخَطَرَيْن ؛ أن تبدُوَ الدنيا بِحَجْم كبير، وأن نُصْغي إلى الشيطان الذي يوهِمَنا أنَّ الله تعالى لن يُحاسِبَنا، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)﴾

(سورة فاطر)








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 02:22 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة فاطر، وهي قوله تعالى
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾

[سورة فاطر]
النبي عليه الصلاة والسلام كان يدْعو ربَّهُ ويقول: اللَّهمّ أرِنَا الحقَّ حقًّا...." السَّبب أنَّ هناك أناسًا يرَوْن الحقَّ باطِلاً، والباطِل حقًّا، فما سِرُّ هذه الآية وهذا الدُّعاء ؟ الإنسان له بصَرٌ وبصيرة، فالبصَرُ عَينُهُ التي يرى بها الأشياء وهذه الأشياء لا يخْتَلِفُ عليها اثْنان، الأحمر أحمر، و الأبيض أبيض لكنَّ الخلافَ في رؤية البصيرة ؛ فهناك إنسانٌ يملك رؤيةً صحيحة استنار بنور الله و هناك إنسانًا يملك رؤيةً فاسدةً، ابتعد عن الله فعميَ قلبُه، و إذا أردتَ أن ترجع كلَّ مشكلاتِ الإنسان يمكن أن نرجعها إلى قلبٍ أعمى ؛ يرى الحقَّ باطلا و الباطلَ حقًّا، إذاً لان الإنسانَ يحبُّ نفسَه ووجودَه و يحبُّ سلامةَ وجوده و يحبُّ كمالَ وجوده و يحبُّ استمرار وجوده، لمجرَّد أن يرى رؤيةً صحيحةً يتحرَّك وفق الطريق الصحيح، فالعبرةُ أن تملك هذه الرؤيةَ الصحيحةَ، فالذي يسرق أموال الناس، لماذا يسرق ؟ لأنه يرى أن السرقةَ جهدٌ قليل و دخلٌ كبير، لكنَّ قلبَه الأعمى غفل عن العقاب الأليم و عن السجن المديد، وعن الفضيحة الاجتماعية، فأنْ يرى الإنسان الحقائق بِقَلبِهِ هذا أعظَم كَسْب يَصِل إليه الإنسان المؤمن لأنّ الإنسان إذا رأى الحقيقة سلَكَ طريقَها، وإن كان أعْمَى القلْب تاهَ في مجالات الحياة فارْتَكَب الأخطاء، أوْضَحُ مثلٍ ؛ يُمكن لإنسانٍ أن يرْكَبَ مرْكبةً وعن يَمين الطريق وادي وعن يسارِهِ وادٍ آخر، والطُّرق مُتَعَرِّجَة وليس مَعَهُ مِصباح !! سُقوطُه في الوادي حَتْمي.
أيها الإخوة الكرَام، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾

[سورة فاطر]
بائِعٌ يأتيه إنسان لِيَشْتري منه حاجة، يُدْرِك بِحاسَّتِهِ السادِسة أنَّه غِرّ، لا يعْرِفُ مُسْتويات البضاعة فيَبيعُهُ أدنى البضاعة بأعلى ثَمَن، ويغْتَبِطُ هذا البائِع وهو أنَّه اسْتَطاع أن يُحَقِّق أكبر ربْح في هذا اليوم، فهذا التاجِر نظْرتُهُ قاصِرَة، وهو يرى حتْف أنْفِهِ، لي قريب له جار جاءَهُ صاحِب مرْكبة جديدة، وقد تعطَّلَت، وأدْرَكَ هذا الإنسان أنَّ صاحب هذه المركبة قلق جدًّا على مرْكَبتِه، وأنَّ صاحبها مَيْسور فطلبَ منه عشْرة آلاف ليْرة ! هذا الشَّخص وافَقَ، فلمَّا انْصرَف صلَّحها له بِدَقائِق مَعْدودة، واتَّصَل بِأهْلِهِ، وأخذَهم إلى الزَّبداني، وثاني يوم أخَذَهم إلى المطار، وثالث يوم أخذَهم إلى الوادي، وفي اليوم الرابِع جاء صاحبها وتسلَّمَها، ودَفَع عشْرة آلاف ليرة ! فقال له جارُهُ: هذا حرامٌ عليك، وهذا غِشّ كبير، والقضِيَّة تَحتاج إلى مئات اللَّيرات فقط، فقال له: هكذا العَمل ‍! وهكذا الرِّبْح وبعد يوْمَين دَخَلَت بِعَين ابنِهِ ريشة ! فاضطرّ إلى أن يأخذه إلى بلدٍ مُجاوِر ويدْفع إحدى وعشرين ألف ليرة !! لو أنّه رأى أنَّ الله له بالمرصاد وسوف يُحاسِبُه حِسابًا عسيرًا في الدنيا والآخرة.
وهذا إنسان أراد أن يُظهر مهارَتَهُ في السَّواقة، فرأى كلبًا نائِمًا فأراد أن يقطع له رِجْليه دون أن يمسَّ بقيَّة أعضائِهِ !! فقَطَع رِجليه وضَحِكَ ضحْكةً هِسْتيرِيَّة، وبعد أسبوع فقط وفي نفْس اليوم قُطِعَت يدا هذا السائِق ‍‍‍!
أيُّها الإخوة، يُمكِنُ أن تُعْزى كلّ أخْطاء البشَر إلى عَمَى القلب، فهذا الذي يغشّ الناس في البِضاعة تأتيه مُصادَرات تَجْعلُهُ فقيرًا، وهو لا يرْبِطُ هذه المُصادرات و تلك الانحرافات، قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[سورة الفجر]
و قال تعالى

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(8)﴾

[سورة الحجرات]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[سورة البروج]
فلكلِّ مخلوق أمامك مخلوق يدافع عنه، فالذي يملك رؤيةً صحيحة يستقيم بدافع الخوف من الله، و بدافع طلب السلامة، و لكن بعد ذلك يتصل بالله، فإذا اتصل به اصطبغ قلبُه بصبغة الله، قال تعالى:

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(138)﴾

[سورة البقرة]
أيها الإخوة، ما من انحرافاتٍ خطيرةٍ أو غير خطيرة ؛ إذْ أحيانا الإنسانُ يطلق بصرَه في الحرام، أو يرفع السعرَ بلا مبرِّرٍ، أو يبيع بضاعةً فاسدةً، أو يستغل جهلَ المشتري، النبيُّ الكريم يقول: غبنُ المسترسل حرام.." و من هو المسترسل؟ هو الذي لا يدري السعرَ و لا نوع البضاعة، فالعبرة أن يلقيَ اللهُ في قلبك نورا عند الاتصال به وهذا النور يريك الحق حقًّا و الباطل باطلا، و إذا ملكتَ الرؤية الصحيحة فقد ملك كلَّ شيءٍ لأنَّك لن تخطئ، ولن تنْحرف، ولن تأخذ ما ليس لك، ولن تعْتدي على الآخرين، ولن تتطاوَلَ على غيْرِكَ، أما الذي يتطاوَل ويأكل المال الحرام، ويأثَم بِجَوارِحِه ويعْتَدي بِلِسانِهِ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[سورة الفجر]
فهو يفْعل هذا لأنَّه جاهِل، قال تعالى

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾

(سورة طه)
لمَّا يفْتح الإنسان مَتجَر أو ملهى يقوم على المَعْصِيَة، يبيع الخمْر ويأتي بالراقِصات، وقد قال لي أحدهم في خمسةٍ وأربعين يوم ثمانيَة ملايين رِبْح !! فالذي يَمْلِكُ رؤْيَةً صحيحة ولو قطَّعْتَهُ إرْبًا إرْبًا لا يعْمَل عملاً في معْصِيَة الله، وأذْكر أنَّه كان لي طالب كان خالهُ يَمْلِك دار سينما، في الثانيَة والأربعين أُصيبَ بِسَرَطان في دَمِهِ، فدَخَل عليه فرآهُ يبْكي، فقال له: مالكَ تبْكي يا خال ؟! فقال له: جَمَّعْتُ خمسة ملايين ليْرة - يوم كان الدولار بثَلاثة ليْرات - لأُنْفِقَها في خريف عُمُري وأسْعَدَ بها، وها هو ذا المرض قد عاجَلني ولم يسْمَح لي أن أتمتَّعَ بهذا المال ! فهذا جَمَع المال على أنقاض الشباب وتَدْمير الأُسَر، فالإنسان الذي يمْلِكُ رؤْيَة صحيحة يعُدّ للملْيار قبل أن يقْتَرِف معْصِيَة أو يُؤْذي المَخلوق، وقبل أن يضرّ غيره.
الطَّبيب لمَّا يرى إنسانًا يأكل الفاكِهَة من دون غسيل فإنَّه يراهُ أعْمى لا يعْرِف ما الجراثيم والعَدوى، طيِّب ؛ هذا الذي عرف أنَّ مرض الإيدْز انْتشَر ويزْني مع امرأةٍ ساقِطَة ألا تَظُنُّه جاهِلاً ؟ الإنسان كلَّما تعلَّم واتَّصَل بالله صحَّتْ رؤْيَتُهُ واسْتَقام عملُهُ، والآية الكريمة

﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾

[سورة فاطر]
عمل سيئ، وعمل فيه ظُلم وإثْم، وعَمَل فيه تَعَدِّي، وفيه غشّ، كلّ هذا يراهُ حسَنًا، يُرْوى أنَّ رجلاً كان يطوف حوْلَ الكعْبة وهو يقول: ربِّ اغْفِرْ لي، ولا أظُنُّكَ تفْعَلُ !! فَعَجِبَ منه رجلٌ وقال له: يا هذا ما أشَدَّ يأسَكَ مِن رحْمة الله، فقال: ذَنْبي عَظيم، فقال له: ما ذَنْبُكَ ؟ فقال له: كنتُ جُنْدِيًّا في حَمْلة قَمْعِ فِتْنة فلمَّا قُمِعَت الفِتْنة أُبيحَت لنا المدينة، دَخَلْتُ أحدَ البيوت فرأيتُ فيه رجلاً وامرأةً وولَدَين، فقَتَلْتُ الرَّجُل، وقلتُ للمرأة: اِعْطِني كلَّ ما عِنْدَكِ، فأعْطَتْهُ كلَّ ما عِنْدَه فقَتَلتُ ولَدَها الأوَّل فلمَّا رأتْني جادًّا في قَتْلِ الثاني أعْطَتْني ذِرْعًا من ذَهَب، تأمَّلْتُها فإذا عليها بَيْتَين مِن الشِّعْر فلمَّا قرأْتُهما صُعِقْتُ ! وأتَيْتُ إلى بيت الله الحرام، قرأ على هذه الذِّرْع المُذْهَبة:

إذا جار الأمير وحـاجِباه وقاضي الأرض أسْرَفَ في القضاء
فَوَيْلُ ثمَّ وَيلٌ ثمَّ وَيْـــلٌ لِقاضي الأرض مِن قاضي السَّماء

إنسانة تعْمل في المُحاماة لها أخٌ مُوَظَّف له أربعة عشرة طِفلاً، عَرَضَتْ عليه قبل عِشرين عامًا أن تشْتري وإيَّاه بيتًا عن طريق جَمْعِيَّة تعاوُنِيَّة بِقَصْر العَدْل، ودَفَعَ لها نِصْف البيْت نقْدًا، ولم يُطالِبْها بالإيصالات لِثِقَتِهِ أنَّها أُخْتُهُ، والآن ثمنُهُ خمسة عشرة مليون !! وقبل عامَين قالَت له إمَّا أن تخْرج من هذا البيت وإمَّا أن أُخْلِيَكَ، والقانون معها، فَوَضَع أثاث بيْتِهِ في مُسْتَودعات، وقسَّم أُسْرته إلى قِسْمَين قسْم عند أهل زوْجَتِهِ، وقِسْم عند أهْلِهِ !! يقول لي ابن أخيها: أُصيبَتْ عمَّتي بِمَرضٍ خبيثٍ في أمْعائِها وهي تَصيحُ كلَّ الليل، فإذا بها بعد شَهْرٍ واحِدٍ تَموت، وذَهَبْتُ إلى البيت وألْقَيتُ فيه كلمة، وكان وريثُها الوحيد هو أخوها ؛ فعاد إلى البيت، واسْتَحَقَّت هي لعنة الله والملائكة فهذه لو أعْمَلَت عقْلها لما وصَلَت إلى ما وصَلَت إليه.

أيها الإخوة، العِبرة أن ترى الحقَّ حقًا والباِطل باطِلاً، قال تعالى

﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾

[سورة فاطر]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-27-2018 02:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة فاطر، وهي قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
في الإنسان دَوَافِعَ فِطْرِيَّة ثلاث ؛ دافِعُ الطَّعام والشَّراب، ودافِعُ الجِنس ودافِع الأهَمِيَّة ؛ تأكيد الذَّات، فالدافِعُ الأوَّل للحِفاظ على الفَرْد والدافِع الثاني للحِفاظ على النَّوع، والدافِع الثالث للحِفاظ على الذِّكْر فالإنسان إذا أكل وشَبِعَ، وتزوَّجَ وكُفِيَ، فإنَّه يحْتاجُ حاجةً مُلِحَّة أن تكون له قيمة في المُجْتَمَع، وأن يكون إنسانًا ذا أهَمِيَّة ويُشار إليه بالبَنان، فهذه حاجة أوْدَعَها الله في الإنسان، وأيَّةُ حاجةٍ أوْدَعَها الله في الإنسان يُمْكِنُ أن تسْلُكَ طريقًا وقناةً نظيفةً شرَعَها الله عز وجل ويُمكنُ أن تسلُكَ قنَوات قَذِرَة نهى الله عنها، فلكَ أن تأكل ما لذَّ وطاب مِن كسْبٍ حلال ولا شيءَ عليك، أما إذا أكلتَ لقمةً من حرام جُرِحتْ عدالتُك، و لك أن تتزوج، أما إذا أردتَ أن تشبع هذه الرغبةَ خارجَ الزواج فهذا هو الزنا، و خارج الفطرة هذا هو اللواطُ، فأيَّةُ شهوة أودعها اللهُ في الإنسان رسم لها طريقا صحيحا و سنَّ لها سنَّة نظيفةً و صنع لها قناةً رائعةً.
درسُنا اليوم، الدافع الثالث ؛ الشعور بالأهمِّية، فأحيانا الإنسانُ يُخيف الناسَ بظلمه، فحينما يبطش يريد أن يشعر الناسَ أنه ذو أهميةٍ و مَرهوبُ الجانب، هذا طريق خاطئٌ لإشباع هذا الهدف، أما حينما تُحسِن و حينما تعطي و تكون مثلاً أعلى و تكون في قلوب الناس و تعينهم على أمر حياتهم و تُخفِّف من آلامهم و تعلِّمهم وتنفق عليهم و تمسح دمعةَ الأسى عن وجوههم، و حينما تحُلُّ مشكلاتهم و توَفِّق بين خصوماتهم تشعر بأهميَّةٍ وترقى عند الله تعالى، الشعور الفطري و الشعور بالأهمية هذا يمكن أن يُلبَّى من طريق الإيمان، فالإنسانُ إذا فاته مجدُ النسب و مجد المال فمجدُ العلم بين يديه، و العلمُ هو كلُّ شيءٍ في الحياة حتى في مجتمع الكفر، لا يُتَّخذ قرارٌ إلا بعد استشارة العلماء فإذا فاتك مجد النسب أو مجد المال، فمجدُ العلم بين يديه تعلَّموا العلمَ فإن كنتم سوقة عِشتُم إن كنتم وسطا سُدْتُم و إن كنتم سادةً فُقْتُم، يتعلم الإنسانُ اختصاصا يأتيه منه دخلٌ يكفيه في حياته، فالعلم يرفع الإنسانَ العادي إلى منزلة الكفاية و يرفع الإنسانَ المتوسِّطَ إلى منزلة السيدة و يرفع الإنسانَ الشريف إلى مرتبة التفوُّقِ، فباب العلم مفتوحٌ، فهذه الحاجة النفسية التأكيد للذاتِ و الشعورُ بالأهمية، و هناك ناسٌ يحتلون وظائفَ يريدون أن يشعروا الناسَ بأهميتهم عن طريق تعقيد الأمور، فتقف أمامه ذليلا، عندك مشكلة و بإمكانه أن يحلَّها، فيعقَّدها لتعرف أهميتَه، فهذا يروي حاجةً في نفسه لكنْ بطريقةٍ خطأ، ولو سهَّل لك الأمرَ لاحترمْتَه أكثر.

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
فإذا أردتَ العزةَ و السيادةَ و الكرامةَ و أن تكون متفَوِّقا، وأن تكون متألِّقا أو يُشار إليك بالبنان و يتحدَّث الناسُ عنك في المجالس، اعلم أن هذا الدافع لا يُحقٌّق إلا من طريق الإيمان، باستقامتك و طاعتك وخدمتك و أعمالك الصالحة تسمو عند الله الناس.
أيها الأخوة زوروا قبر النبيِّ عليه الصلاة و السلام، هل تصدِّق أن في الأرض كلِّها من آدمَ إلى يوم القيامة إنسانٌ أعزَّه اللهُ كمحمدٍ عليه الصلاة و السلام، أنت كلما خضعتَ لله رفعك اللهُ، و كلما تكبَّرتَ وضعك اللهُ، فالعلاقة عكسية، كلما خضعتَ لله رفعك اللهُ، و كلما تكبَّرتَ وضعك اللهُ، تجد إنسانا عاديا جدًّا لما طلب العلم واستقام على منهج الله صار يُشار إليه بالبنان، و قد سمعتُ قصَّةً قديمةً من خمسين سنة، جاء والى إلى الشام من طرف السلطان عبد الحميد جلس فغي المجالس و يقول: أنا خالع الملِكين، خلع مرةً ملكين مدحت باشا، فبلغ ذلك َ بدر الدين الحسني فقال له أنا سأخلعك أرسل برقية للسلطان فجاء خلعُه فورا، لأنه أطاع اللهَ تعالى اكتسب هيبةً فوق التصوُّرِ، من هاب اللهَ هابه كلُّ شيءٍ، الحسنُ البصري أطاع اللهَ عز وجل و أدَّى واجب العلماء و نصح الناسَ فأزعج الحَجَّاجَ فأمر بقتله، استدعاه ليقتله و السيَّاف جاهزٌ و قد مُدَّ النطْعُ، فلما دخل رأى السيَّافَ و النطع جاهز عرف القصةَ، فدعا اللهَ تعالى بكلام غير مسموع، و الحجَّج وهو لا يشعر وقف له واستقبله و رحّب به و قرَّبه إلى مجلسه و أجلسه على سريره وقال: يا أبا سعيد أنت سيِّد العلماء و استفتاه في قضيَّةٍ و عطَّره و أكرمه و شيَّعه إلى باب قصره الحاجب و السيَّفُ صُعِقا، فتبعاه و قالا له: يا أبا سعيد لقد جِيءَ بك لغير ما فُعِل بك، فماذا قلتَ ؟ قال: قلتُ: يا ملاذي عند كربتي و يا مؤنسي في وحشتي اِجعلْ نقمتَه عليَّ بردا و سلاما كما جعلتَ النارَ بردا و سلاما على إبراهيمَ، ماذا ألقى اللهُ في قلب الحجَّاجِ، لا أحد يعلم،ى كان يريد أن يقتله فرحَّب به ووضعه على سريره، قال تعالى

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
فطريق العزَّة طاعة الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[سورة الحجرات]
طريق السيادة طاعةُ اللهِ، قال تعالى: وعد الله..الأرض " الطريق الذي يرضيك أن تكون في طاعة الله، أنت تريد من الله الكرامة و هو يريد منك الاستقامةَ، قال تعالى :
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾

[سورة هود]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[سورة الزخرف]
قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
السيادة و الشأن و المكانة و السمعة الطيِّبة و الذكر العطر و التألق و العلو الشرعي، فإذا طلبتَ العلم رفعك اللهُ و إذا خدمتً الناسَ أحبُّوك و إذا نصحتهم قدَّسوك، و إذا كنت وقَّفا عند كتاب الله التفُّوا حولك، و إذا كنتَ قدوةً لهم فَدَوْك بأرواحهم،

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
من عند الله تأتي، من طاعته و من التقرُّب إليه و طلب العلم، و من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذا أردتَ العزةَ، و لا تصدِّقْ أحدا في الأرض لا يريد العزةَ إلا أن يكذب، فكلُّ إنسان يتمنى أن يكون له شأنٌ و مكانة، وهذا شيءٌ طبيعيٌّ، كما أنك تجوع كما أنك تشتهي أن تتزوَّج تشتهي أن تكون ذا شأن في المجتمع، و حتى أدنى حِرفي يقول لك: عملي متقَنٌ، و يفتخر بها، و أحيانا تتعطَّلُ سيارتُك فتقف أمام المُصَلِّح بكلِّ أدب، لأنك بهذا الموضوع جاهل فمارس عزَّتَه معك، هذا شيء فطريٌّ، لكن له قناةٌ نظيفةٌ وهي أن تسلك طريق الإيمان، و أن تطيع اللهَ و أن تكون مع الله فكن مع الله ترَ اللهَ معك و اترك الكلَّ و حاذر طمعَك
يقول الظاهرُ بيبرس: ما استقرَّ مُلكي حتى مات العزُّ بن عبد السلام، لمكانه في المجتمع تفوق مكانة الظاهر بيبرس، و أحدج الخلفاء كان في الحرم المكي قال: أريد عالما أنتفع بعلمه، فاختاروا الإمامَ مالكًا من كبار علماء المدينة، و إمام دار الهجرة، طلبوه للخليفة فقال لهم: قولوا له يا هارون العلم يُؤتَى و لا يأتي، فقال: صدق، نحن نأتيه و قولوا له: إن أتانا لا يتخطَّى رقابَ الناسِ،قال: صدق، أتاه و أجلسوه على كرسيٍّ فقال الإمامُ مالك: من تواضع لله رفعه و من تكبَّر وضعه، فقال الخليفة: خذوا عني هذا الكرسي، هذه عزة ؛ خليفة المسلمين لا تغيب الشمسُ عن ملكه، كان يخاطب السحابةَ و يقول: اِذهبي أين شئْتِ فإن خراجَك يأتيني، و اضطر لأن يستجيب لهذا الإمام، و لو كان يريد العزةَ فلله العزة جميعا، فإله الصحابة إلهنا و إله الأقدمين إلهنا و إله الأنبياء إلهنا، و إله المؤمنين إلهنا، ما عليك إلا أن تعامله بصدق،

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
الآية دقيقةٌ جدًّا، الكلام يصعد إلى الله و تبقى أنت في الأرض،أما إذا كان عملُك مؤيِّدا لكلامك صعدتَ أنت إلى الله، و لا ترقى إلى الله إلا إذا جاء عملُك موافقا لعملك

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر]
فقد تقول كلاما أحلى من العسل لكنَّ واقعك مختلف عن هذا الكلام، أنت في الأرض و كلامك صعد إلى الله، أما إذا أردتَ أن تصعد أنت إلى الله و ترقى إليه و تقبل عليه يجب أن يكون عملُك موافقا و لقولك

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر]
إليه..يرفعه" ثم قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[سورة فاطر]
قال تعالى

﴿:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[سورة الأنفال]
آثِرْ آخرتك على دنياك تربحهما معاً، و آثر دنياك على آخرتك تخسرهما معاً





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-27-2018 02:24 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، لأن الله سبحانه و تعالى شاءتْ حكمتُه أن يخلق الإنسانَ ضعيفا، وما خلقه ضعيفا إلا ليفتقر إلى الله، فإذا افتقر إليه سعد بافتقاره، و لو خلقه قويًّا لاستغنى بقوَّته، فإذا استغنى بقوَّته شقيَ باستغنائه، و الإنسانُ إن لم يعرف اللهَ وهو ضعيف توجَّه إلى البشر يدعوهم و يعلِّق عليهم الآمالَ، و يرجو ما عندهم و يخاف بطشه، هذا هو الشركُ، وهو أحدُ أكبر العذاب في الحياة، و الله تعالى يقول

﴿"فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
لأن الإنسانَ لو أحبَّك قد لا يستطيع أن يستجيب لك، أحيانا الإنسانُ يكون معه مرضٌ عضالٌ لا يرحمه رغم وجود المال و الأولاد و الزوجة، فالإنسان ضعيف و ما عرف اللهَ القويَّ والتجأ إلى غير اللهِ يخيب أملُه و يحبط عملُه، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[سورة فاطر]
هذا إذا سمعك قد لا يستجيب، و إن لم يسمعك لا يستجيب من باب أولى، فتَصوَّرْ إنسانا واقعا في الشرك معلِّقا أملا على زيد، و معلقا رجاءً على عُبَيد، و الله تعالى يؤدِّب هذا الإنسان المشركَ بمشكلة لا تُحلُّ عند هؤلاء إطلاقا
أحد الناس ممن أعرف وهو من أهل الغنَى، قال مرةً كلمة كبيرة في مجلسٍ، قال ك المالُ يحلُّ كلَّ شيء، بعد مدَّةٍ، اُتُّهِم بتهمة هو منها بريءٌ، فمكث في السجن شهرين، و طوال هذه المدة كان يخاطب نفسه ؛ هل المال يحلُّ كلَّ شيء ؟ لا ؛ فلما قال إن المال يحل كلَّ شيء جعله إلها و اعتمد عليه، فخيَّب اللهُ ظنَّه، و دقِّق أيها الأخ ؛ أيُّ شيء تعتمد عليه و تنسى ربَّك من أجله، و أيُّ شيء تحطُّ عنده الرِّحالَ و يطمئنك من دون الله ؛ علاج هذا الإنسان المشرك الشركَ الخفيَ أن يخيِّب اللهُ آمالَه في الذي وضع آماله فيه، و أحيانا الإنسان يضع كلَّ آماله في ابنه، ويرسله إلى الخارج للدراسة فيتزوج و يقطع كلَّ المراسلات، و أحيانا يضع كلَّ آماله في زوجته فتتنكَّر له و تعامله أقسى معاملة، و أحيانا يضع آماله في ماله، و المال لا يحلب كلَّ المشاكل، فالله تعالى يقول:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[سورة فاطر]

فإذا معك رقم الهاتف و كنت في مكان ليس فيه هاتف ماذا تفعل ؟ أو الهاتف معطَّلٌ أو صاحب الهاتف مسافر، الإنسان أحيانا ينسى اللهَ تعالى و يعتمد على غيره، هذا هو الشرك الخفي، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال:

((أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنما و لا حجرا و لكن شهوةٌ خفيةٌ و أعمال لغير الله ))

أما بالمقابل ربُّنا عز وجل يقول:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾

[سورة النمل]
فإذا كنت مضطرا فالله معك، فقد كان مع سيدنا يونس في بطن الحوت، و هل يوجد مكانٌ أصعبَ من هذا المكان ؟ إنسان فوق سفينة يجد نفسه فجأةً في ثلاث ظلمات ؛ ظلمة بطن الحوت و ظلمة الليل و ظلمة البحر، و ينادي في بطن الحوت

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

[سورة الأنبياء]
فأينما كنت في أطباق السماء أو في أعماق البحار، في الصحراء و في الطريق و في خلوتك و في جلوتك و في عملك و حيثما كنت فالله تعالى معك قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]
أما الشركاء فلا يسمعون، و لو سمعوا لم يقدروا، تنتهي صلاحياتُه هنا، ثم قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[سورة فاطر]
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[سورة إبراهيم]
لا يكفي أنه لم يسمعك و لا يكفي أنه سمعك و ما استجاب، ولكن يقول لك يوم القيامة: أنت كنتَ واهما، و أنا بريء منك، هناك كتاب وقع في يدي و ما أُتيح لي أن أقرأه إلا قبل أسبوع عن الدخانِ و مؤلِّف الكتاب أحد علماء مصر الكبار، ذهب إلى أمريكا و نظر بأمِّ عينه و زار معامل الدخان المشهورة في أمريكا، فإذا بأوراق التبغ تنقع في الخمر ثلاثُ سنوات، وهذه النكهةُ التي يتحدَّثون عنها، هي نكهة الخمر، وهذه الدخينة التي تبقى مشتعلة من أولها إلى آخرها فيها كحول، هذا الإنسان ذهب إلى أمريكا و شاهد معامل الخمر كيف تعتِّق أوراق التبغ في براميل الخمر ثلاثَ سنوات، و ألَّف كتابا على غلافه مرسومٌ شابًا في ريعان الشباب، و هذا الإنسان دائما يظهر في الدعايات للدخان، فهذا الإنسان مات بسرطان الرئة، و قبل أن يموت قال ما يلي: كنتُ أكذب عليكم، الدخان قتلني، فلذلك قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]
دقِّقْ فيما يلي ؛ أنت عندك جهازٌ معقَّدٌ ؛ كومبيوتر عطَّل و من حولك مائة شخص يحبونك، هذا تاجر و هذا خضري و هذا لحَّام، تتوجَّه إلى من ؟ إلى الشركة الصانعة، و إلى الوكالة و إلى الخبير، هل يُعقَل أن تصلِّح هذا الجهاز عند الخضري ؟! هذا يحتاج إلى خبير فإذا أنت جهاز كومبيوتر بسيط لا تسخو نفسُك أن تعطيَه لإنسان غير خبير، و أنت أعظم مخلوق في الأرض و الإنسان الأول المكلَّف تسلِّم نفسَك لإنسان آخر، تستنصحه و تسترشده و تأخذ برأيه و تطيعه، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[سورة الكهف]
ملخَّص الآية ؛ ما سوى الله إن دعوته لا يسمعك، و إن سمعك لا يستجيب، و فضلا عن أنه لا يستجيب يكفر بك و يسخر منك يوم القيامة، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]
و الخبيرُ هو اللهُ، و ليس هناك جهة أولى من أن تتَّبع تعليماتُها كالجهة الصانعة، فملخَّص الآية، لأنك بالأصل ضعيف، وهذا الضعف خَلقي و هو لحكمةٍ كبيرةٍ من أجل أن تلجأ إلى الله فتسعد بالتجائك له، فإن اتَّجهت إلى غير الله تعالى خاب ظنُّك، لأنه أو لا يسمعك، و لا يستجيبون و يسخرون منك يوم القيامة، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 07:47 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيات التاسعة عشرة و العشرون و الواحدة والعشرون و الثانية و العشرون و الثالثة و العشرون من سورة فاطر وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

[سورة فاطر]
تصوَّرْ أن إنسانا فاقدَ البصر، يمشي في طريق وعرة كلّها حفرٌ و أكمات و حشرات و حيوانات، و نسبةُ نجاته صفر، لأنه لا يرى هذا المثل ينسحب على إنسان مقطوع عن الله، أعمى، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾

[سورة فاطر]
لأنك كنت أعمى في الدنيا، قال تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

[سورة الحج]
ففرق واسعٌ جدًّا بين إنسان له بصيرة و إنسان طُمِست بصيرتُه، قال تعالى:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)﴾

[سورة فاطر]
و المؤمن له هدايتان ؛ هداية دلالة و هداية استنارة، هداية الدلالة معه كتاب و سنَّة افعل و لا تفعلْ، هذا حلال و هذا حرام وهذا مكروه وهذا مستحبٌّ وهذا مندوب وهذا واجب وهذا مباح، و كم موضوع في الحياة الدنيا له خمسة أحكام، بين الفرضية و الندب و بين الإباحة و الكراهة و التحريم، فهذه هداية الدلالة، أنت اجلسْ في مجلس العلم هذا حرام وهذا حلال، وفي الزَّواج هذا حلال وهذا حرام، فالمُسْلم بِهذه الدَّلالة يسْتنير، فأنت إذا دَخَلتَ إلى مَخْبَر تَجِد قوارير مواد سامَّة ومواد خَطرة وفيتامينات، فهذه اللُّصاقات على هذه القارورات هي هِدايَة ولكنَّ هذه الهِداية هي هِدايَة دلالة، وكأنَّكَ أصْبَحْتَ بصيرًا، فأنت لا تَمْلِكُ القُدْرة على معرفة هذه المواد الكيماوِيَّة، ولكنّ هذه اللُّصاقات أرْشَدَتْكَ، فالزّواج حلال، والزِّنا حرام، والبيْع حلال والرِّبا حرام والصِّدق حلال والكذب حرام، فأوَّل هِدايَة هي هِدايَة دلالة، فالإنسان إذا قرأ القرآن وقرأ سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ثمّ قرأ كُتُبَ الفقْه يَستنْبِط منظومة أوامر ونواهي، أما حينما يتَّصِل بالله يُلْقي الله في قلبهِ نورًا، والدليل قوله تعالى

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾

[سورة الحديد]

فنحن عندنا هِداية دلالة وهِداية اسْتِنارَة، فَعَالِمُ الكيمياء من دون لُصاقة يقول لك: هذا زِئبق، وهذا صوديوم ؛ يعرف المواد مِن دون لُصاقات، فالإنسان إذا حضَر مجالِسَ العِلْم يعرف الحلال والحرام وإذا اتَّصل بالله عز وجل تَطْهُرُ نفْسُهُ وتصْفو نفْسُهُ ويُلقي في قلبِهِ نورًا، والدليل أنَّ الصَّحابة الكِرام يفْرحون بِما أُنْزِل إليهم لماذا يفْرَحون ؟‍ لأنَّ فِطْرتهم كانت مُصَدِّقةً لما أُنْزِل إليهم، توافُق الفِطْرة مع التَّنْزيل، وهناك دليل آخر وهو قوله تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

[سورة الشمس]
وقال تعالى:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)﴾

[سورة فاطر]
قِطْعَتا لَحْمٍ مِن خروفٍ واحِد، ومِن أصْلٍ واحِد، ومن مكانٍ واحِد فالأولى رائِحَتُها مِن مائة مِتْر، وتكاد تخْرج مِن جِلدِكَ مِن شِدَّة رائِحَتها، وقِطْعة لونُها وَرْدي، فالذي له مَجْلسُ عِلم، ويعرف الخَير مِن الشَّر والحق مِن الباطِل، وما ينبغي وما لا ينْبغي، وما يجوز وما لا يَجوز فهذا إنسان بصير.
قال تعالى:

﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20)﴾

[سورة فاطر]
النُّقْطة الدَّقيقة أنّ هذه العَيْن لو فَحَصْتها عند طَبيب العُيون، تَجِدُها مثلاً جيِّدة الرؤْيَة، ولكنَّ هذه العَين ما قيمتها مِن دون نورٍ ؟‍ صِفْر وكذا العَقل ؛ ما قيمته من دون وَحْي، فكما أنَّ النُّور ضَرورِيٌّ للعَين فالوَحي ضَرورِيّ لِعمَل العقْل فالذي يسْتَغني عن الوَحي يقَعُ في حماقات لا حُدود لها، وأكْبَر دليل المُجتمع الغربي، تَجِدُ في الأمراض والإيدْز، وتبادُل الزَّوجات، والمُخَدِّرات ‍‍!! لِذا لا يستوي النور والظُّلمات ؛ مؤمنٌ مُسْتَنير مُهْتدي بِهداية الله مع إنسان يسْرِق ويزْني ؛ هذا أعْمى، بلغني أنَّ سائِق تاكسي أوْقَفَتْهُ أحدُ الفتيات فقال لها: إلى أين ؟ فقالتْ له إلى حيثُ ما تريد ! فَفَهِمَ ما تُريد، ولمَّا قضى منها حاجَتَهُ أعْطَتْهُ ظَرْفَيْن فلمَّا فَتَحَ الأوَّل وَجَد خمسة آلاف دولار، وفي الثاني فيه رِسالة مَكتوبٌ فيها: مرْحبًا بِكَ في نادي الإيدْز، والمبْلَغ كان مُزَوَّرًا فَوَضَعوه في السِّجْن فهذا لو كان بصيرًا لرَكَلَها بِقَدَمِهِ ! فالظُّلمات هو الباطل، قال تعالى:

﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾

[سورة النور]
أما النبي عليه الصلاة والسلام قال: تركتكم على بيْضاء نَقِيَّة ليلها كنهارها..." فأنت مع مَنْهَج يُفَسِّر لك حقيقة الكَون، وحقيقة الحياة وحقيقة الإنسان، مِن أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ تَفاصيل دقيقة وتَفسيرات حقيقيَّة، وما بعد الموت ؛ هذا كلُّهُ نور.
قال تعالى:

﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)﴾

[سورة فاطر]
هذا مَثَل نابِعٌ مِن بيئة الصّحراء فلو كنتَ جالسًا تحت أشِعَّة الشَّمس اللاهِبَة، وبين أن تَجْلس في ظِلّ ظليل، ونَسَماتٍ عليلة، ومِياه جارِيَةٍ أمامك ؛ فهل هُناك نِسْبَة بينهما ؟! فهكذا حالة المؤمن، كأنَّه في ظِلٍّ ظليل، وحالة الكافِر كأنَّه في لهَبٍ لا يسْتَمِرّ.
فأوَّل نقطة، فالإنسان المؤمن و غير المؤمن والأعمى و البصير، و النقطة الثانية الهدى الإلهي الواضح البيِّنُ النيِّرُ، و الدلالات البشرية ظلمات بعضها فوق بعض

﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)﴾

[سورة فاطر]
الواحد يرى أن المرأة تمشي في الحياة من ملهى إلى ملهى ثم يأتيه الأجل وهو في أسوأ حال، في عذاب جهنم إلى أبد الآبدين، هذا أعمى و البصير هو الذي في النور و في الظلِّ، بصر دلالة و بصر استنارة فالذي مع الحق في النور و في الظلِّ السعادة النفسية، قال هذا هو الحيُّ و الأعمى الذي في الظلمات و في الحرور هذا هو الميِّتُ:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾

[سورة فاطر]
معناها أن علامة الحياة أن تكون متفتِّح البصيرة و أن تكون على هدًى من الله و أن تكون في السعادة الأبدية، أوَّلًا أعمى البصيرة في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، وثانيا عقيدتُه و أفكاره ظلماتٌ، و الثالثة و في حرور البعد عن الله و في حرور الشهوة و في حرور الكآبة، قال هذا ميِّتٌ وهذا حيٌّ

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

[سورة فاطر]
هذه الحياة ذكرها الله تعالى في آية أخرى فقال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة فاطر]
معنى الحياة، أوَّلا البصيرةُ تهتدي بنور الله و ثانيا معرفة الحق من الباطل و الحلال من الحرام، ثالثا أنت على عقيدة صحيحة، و رابعا أنت في سعادة، فالحياة حق و بصيرة و سعادة قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة فاطر]
هذه هي الحياة،قال تعالى: فإن لم يستجيبوا لك..يتبعون أهواءهم " عندئذٍ:"

﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
أيُّ قبر هذا ؟ قبر الشهوات و الضلالات و قبر المبادئ الوضعية و الأنانية لما يكون الإنسان منقطعا عن الله

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

[سورة فاطر]
الله يسمع من يشاء أن يسمع من الناس

﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾

[سورة فاطر]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-29-2018 07:48 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية و الثلاثون و التي بعدها من سورة فاطر

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)﴾

[سورة فاطر]
من " هنا للتبعيض

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾

[سورة فاطر]
لم يأخذ هذا الكتابَ و لم يهتد به و لم يطبِّق أحكامه، و هذه هو أشدُّ أنواع الظلم،

﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾

[سورة فاطر]
ومنهم مقتصد، أخذ بالرخَصِ و فعل المباحات و لم يفعل العزائمَ

﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

[سورة فاطر]
فأنت لك موقفٌ مع هذا الكتاب إما أن يكون الإنسان سابقا بالخيرات و إما أن يكون مقتصِدا و إما أن يكون ظالما لنفسه، فإن لم يفهم هذا الكتابَ ولم يتدبَّرْ آياته و لم يحلَّ حلالَه و يحرِّمْ حرامه و لم يعبأ بوعده و لا بوعيده و لم يتَّعِظْ بقصصه و لم يصدِّق أخبارَه، ظلم نفسَه ن كتاب هداية و سعادة، منهم ظالم لنفسه، وهناك إنسان آخر اتَّخذ الحدَّ الأدنى، هذا ينجو، ومنهم مُقْتَصِد وهو مِن أصْحاب اليمين، وهناك إنسان جَعَل هذا القُرآن ربيعَ قلْبِهِ، وجَعَلَهُ منْهَجًا دقيقًا، وأخذَهُ بِكِلْتا يدَيْه، وقرأه آناء الليل وأطراف النَّهار، وعاشَ في رِحاب مَعانيهِ وصدَّق أخْبارَهُ، وأخَذَ وَعْدهُ ووعيدَهُ على مَحْمَل الجدّ، ومنهم سابِق بالخَيْرات، قال تعالى

﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾

[سورة فاطر]
أما هناك مَن يرى أنَّ الفضْل الكبير أن تشْتري بيتًا بِعشرين ألف ليْرة واليوم ثَمَنُهُ سبعين مليون ليرة، فالفَضْل الكبير أن تكون وكيل شَرِكَة لها بِضاعة رائِجَة ومَحصورة فيك، ولكنَّ الله عز وجل يُخْبرُنا وهو العَليم الخبير، وهو رب العالمين أنَّ الفضْلَ الكبير أن يكون القرآن ربيعَ قلبِكَ، قال تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾

[سورة فاطر]
هذا الفضْل الكبير ينتهي إلى جنَّاتٍ عَدنٍ يدْخُلونها، حينما تُحِلُّ حلاله وتُحَرِّم حرامه، وتُصَدِّق وَعْد ووعيدَهُ، وتأخذ بما أمر وتنتهي عمَّا عنه نهى وزَجَر ؛ هذا هو الفضْل الكبير، فهذه العقيدة وذاك السُّلوك وهذا الحال ينتهي بِكَ إلى الجنَّة، فأحيانًا تَجِدُ الدارس سبعة سَنَوات دِراسَة كي يُعْطُونه ورقَة فيها كلمة ماجِسْتير، ولكنَّ هذه الوَرَقة الصَّغيرة تنتهي بِكَ إلى دَخْلٍ كبير، وهذا الفضْل الكبير ينتهي بِكَ إلى الجنَّة، فالله تعالى قال

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)﴾

[سورة فاطر]
كلّ ما في جنَّة غير ما في الأرض، أعْدَدْتُ لِعِبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَر على قلْبِ بشَر ؛ فهذا الوَصْف مِن باب التَّقريب.
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾

[سورة فاطر]
فالله تعالى وَعَدَنا بالجنَّة وهذه هِيَ الجنَّة، بِرَبِّكُم كم يوجد مِن مَصْدَرٍ للحَزَن ؟‍ مليون مصْدَر، مليون همّ مِن جِسْمِكَ ! ومليون ثاني مِن بيْتِكَ !! ومِن دَخْلك!! كلَّ هذه الهُموم تزول يوم القيامة، وينتهي الحَزَن مِن دون رَجْعة، والدُّنيا أيُّها الإخوة كلُّها أحْزان، ولا تَصْفو لِمُؤْمِن، ويقولون لا راحَةَ لِمُؤْمِنٍ إلا بِلِقاء وجْهِ ربِّه، فأحَدُهم سَمِعَ هذه الكلمة فقال: ولا الكافر يرْتاح !! فهذه الحياة مَبْنِيَّة على المتاعِب مِن أجل أن تسْعى إلى الجنَّة، فأجْمَل صِفَة للدُّنيا أنَّ الدنيا كلُّها حُزْن ومُقْلِقات والجنَّة راحةٌ ما بعدها راحة، ففي الدُّنيا شَبَح الأولاد والزَّوجة والفقْر ؛ هذه كُلُّها مشاكِل.
ثمَّ يقول تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾

[سورة فاطر]
على ما كان مِنْك، وشَكَر أعمالكَ الصالحة، فآلَتْ بِكَ الأمور إلى الجنَّة، قال تعالى:

﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35)﴾

[سورة فاطر]
فلا تعَب ولا مشاكِل، ولا سِنَّ يُؤلِمُك، ولا بيت بالأُجْرة، فهذا حال أهل الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36)﴾

[سورة فاطر]
ما قرؤوا القرآن وما عبئوا به، وما الْتَزَموا به، وما أحَلُّوا حلاله، وما حرَّموا حرامهُ، قال تعالى:

﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)﴾

[سورة فاطر]
أصْعَب أن تكون دون مَوتٍ ودون حياة، لا حَرْب ولا سِلْم.
ثمّ قال تعالى

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾

[سورة فاطر]
ثلاثة وسبْعون سنة فهذا العُمْر كافي لِمَعرفة الله، أفلا يتذَكَّر فيه مَن تذَكَّر ؟! فهذا العمر كافي للتَّوبة وإصلاح الأخطاء، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37)﴾

[سورة فاطر]
ما هو النَّذير ؟ هذا القرآن، والنبي العَدنان، وسِنُّ الأربعين والسِّتين والنَّذير الشَّيْب، عَبْدي كبرتْ سِنُّك، وضَعُف بصرُك، وانْحَنى ظَهْرك، وشاب شَعرك، فاسْتحي مِنِّي فأنا أسْتحي منك

إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كلّ ما قدَّمْتَ مسؤول
تَعْصي الإله وأنت تُظهر حبَّه ذاك لَعَمْري في المقال بديعُ
لو كان كان حُبُّك صادِقًا لأطعْته إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ يُطيعُ

فالنَّذير ما سبَقَ وَصْفه، ومن دَخَل الأربعين دَخَل أسْواق الآخرة والنَّذير سِنُّ السِّتين، والنَّذير المصائِب، ومَوْتُ الأقارِب، هكذا قال الإمام القرطُبي في تَفسير معنى كلمة النَّذير، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)﴾

[سورة فاطر]
هذه الآخرة قُدِّمَت لنا صُوَر منها، وكأنَّنا نراها رأْيَ العَين، فالله سرَّب لنا مشاهِد الآخرة، وهذا كلام آخر الكون، وكلام الله تعالى وهو الذي قال لك: الفضْل الكبير أن تأخذ بِهذا الكِتاب، وتعملَ به وأن تُصَدِّق وَعْده، وتخاف من وعيدِهِ، قال تعالى:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

[سورة فاطر]
أحدهم سأل أحد العلماء: كم الزَّكاة ؟ فقال له: عِندنا أم عِندكم ؟! فقال: وهل لنا زكاة ولكم زكاة ؟!! فقال: يا ابني أما عندنا فالعَبد ومالهُ لِسَيِّدِه، وأما عندكم اثنان ونصف بالمائة ! قال تعالى:
﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾

[سورة البقرة]
فإيتاء المال على حُبِّه شيءٍ، وإيتاء الزَّكاة شيءٌ آخر، فلَكَ أن تأخذ الحدّ الأدنى وأنت مُقْتَصِد بهذا، ويمْكِنُ أن تأخذ الحدّ الأعلى فأنت سابق بالخيرات، لذا هذا الكتاب الكريم لك مِنه ثلاثة مواقف: فإن لم تعْبأ به فقد ظَلَمتَ نفْسَكَ، وإن أخَذْت الحدّ الأدْنى اقْتَصَدْت، وإن أخَذْتهُ بكلِّك سبَقت الخيرات، لذلك قالوا: العِلْم لا يُعْطيكَ كُلَّه إلا إذا أعْطَتَهُ كُلَّك، فإذا أعْطَيْتَهُ بعْضَكَ لم يُعْطِكَ شيئًا، ويظلُّ المرء عالمًا ما طلب العِلم فإذا ظنَّ أنَّه عَلِمَ فقد جَهِل.
نسأل الله أن يجْعلنا من السابقين أو أقلّ شيء مِن المُقْتَصِدين، إما أن نكون من الظالمين فنَعوذ بالله تعالى من هذا.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-29-2018 07:48 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحِدَة والأربعون من سورة فاطر وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً(41)﴾

[ سورة فاطر ]
زوال الشَّمس عن كَبِدِ السَّماء أي انْحِرافها، ووقْتُ الظُّهر يتوافقُ مع زوال الشَّمس، فإذا زالت الشَّمس عن كَبِد السَّماء دَخَلَ وقْتُ الظُّهر ومعنى زالَتْ أي انْحَرَفَتْ، والكون الذي يَعُدُّه بعض علماء الفلَك مليون مليون مَجَرَّة، وفي مُعظم الكجرَّات حوالي مليون مليون كَوْكَب ونَجْم، هذا الكَون كلُّه مُتَحَرِّك، وكلّ هذه الحَرَكة مُغْلَقَة، قال تعالى
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[ سورة الطارق ]
أي كلّ كوْكَبٍ يدور حول كَوْكبٍ آخر حتَّى يرْجِعُ إلى مكان انْطِلاقِهِ وأنَّ هذا التَّوازن في الكَون هو مِن أعْظَمَ أنواع التَّوازُن ؛ تَوازُن حَرَكي، وهو مُتحَرِّك متوازي، ولولا حركة الكواكب لأصْبَحَ الكون كلُّه كتْلةً واحِدَة ؛ لأنَّ قانون الجاذِبِيَّة يقْضي بأنَّ الكُتلة الأكبر تَجْذِبُ الكتلة الأصْغَر، فإذا تَوَقَّف الكون عن الحركة انْجَذَب إلى بعْضِهِ بعْضًا، وشَكَّل كتْلةً واحِدَة، أما في أثناء الحركة ينشأ عنها قِوى النَّبْذ وهي التي تكافئ قِوى الجَذْب، ومن هنا يأتي التَّوازُن، ولْنَأْخُذ أرْضَنا، فالأرض تدور حَوْل الشَّمس، ومِن دَوَرانِها تنشأ قُوَّة نابِذَة و لارتباطها بالشمس تنشأ قوَّةً جاذبة، و لا شك أن قوَّة الجذب أكبر من قوَّة النبذ لذلك تبقى الأرضُ على مسارها، و لو تصوَّرنا أن الأرض خرجت عن مسارها و سبحت في الفضاء الخارجي، أي زالتْ عن مسارها و تفلَّتتْ من جاذبية الشمس و انطلقت في الفضاء الخارجي سوف تفتقر إلى أشعة الشمس و سوف تبرد إلى أن تصل إلى الصفر المطلق، و الصفر المطلق مائتان و سبعون درجة تحت الصفر وعندها تزول المودَّة، فإذا زالت عن مسارها تلاشتْ، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

[ سورة فاطر ]
بعض العلماء قالوا: لو أردنا أن نعيد الشمس إلى الأرض لاحتجنا إلى مليون مليون كبلٍ فولاذي، و قطر كلِّ حبل خمسة أمتار، و هذا الحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يتحمَّل قوى شدٍّ تكافئ مليوني طنٍّ، فنحن بحاجة إلى مليون مليون حبل، و كلُّ حبل يتحمَّل قوى شدٍّ تكافئ مليوني طنٍّ، يعني أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوَّة جاذبيةٍ تساوي مليونين ضرب مليون، هذه قوَّة جذب الشمس إلى الأرض وجذب الشمس إلى الأرض منم أجل أن يحرف الأرضَ عن مسارها المستقيم إلى مسارها الإهليلجي ثلاثة ميلي في الثانية، و منها يتشكَّل مسارٌ مغلقٌ حول الشمس، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر ]
فإذا قطارٌ خرج عن سكَّته هل تستطيع أن ترجعه، قال تعالى

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر ]
أيها الأخوة، الشيء الذي يلفت النظرَ أن الأرضَ مادَّةٌ، و المادة غيرُ عاقلة، و المسارُ إهليلجي ؛ أي بيضوي ؛ الدائرة لها قطران ؛ قطر أصغري و قطر أعظمي، فالأرضُ إذا وصلت إلى قطرها الأصغري تزيد من سرعتها لأن المسافة قصرتْ و هناك احتمال للشمس أن تجذبها فتحترق، و إذا أُلقيتْ الأرضُ في الشمس تبخَّرتْ في ثانية واحدة، لأن الشمس حرارة سطحها ستة آلاف درجة، أما حرارة أعماقها عشرون مليون درجة، و الحديد ينصهر بألف وخمسمائة درجة، و الأرضُ وهي في مسارها حول الشمس إذا وصلتْ إلى القطر الأصغر لئلا تجذبها الشمسُ فتنتهي تزيد من سرعتها، فإذا زادت من سرعتها نشأ عن هذه الزيادة قوَّةٌ نابذة جديدة تكافئ القوَّةَ الجاذبةَ الجديدةَ الناتجة عن قرب الأرض من الشمس، فإذا وصلتْ إلى القطر الأعظم و بقيت سرعتُها عاليةً فهناك احتمال التفلُّتِ و أن تزول عن مسارها حول الشمس، و هناك تبطِئُ من سرعتها، فالأرضُ تزيد من سرعتها في القطر الأصغر و تبطئُ من سرعتها في القطر الأعظم، فمن الذي أبطأها و سرَّعها ؟ و من الذي ربطها بالأرض ؟ و هذه القوَّةُ الهائلة تجذبها إلى الشمس، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر ]
هؤلاء الذين يُعبَدون من دون الله، هل يستطيعوا أن يعيدوا الأرضَ إلى مسارها ؟ و لو أن الأرضَ خرجت عن مسارها ما الذي يحصل ؟ أيها الإخوة الكرام، القضيةُ تحتاج إلى دقَّةٍ، و لو جئنا بكتلتين مغناطيسيتين وَوَضَعْنَاهُما على سطح سقيل، و جئنا بكرةٍ ثقيلة صغيرة أكبر ُ عالِم في الفيزياء لا يستطيع أن يضع هذه الكرةَ في المكان المتوسِط الدقيق بحيث تكافئ قوى الجذب هنا و هنا، و لو أُزيح واحد ميكرون تنظم إلى الكرة الأولى، أما إذا استطعنا أن نحافظ على كرة صغيرة بين كتلتين مغناطيسيتين فهذا شيءٌ معجِز، و لو أن الكتلتين متفاوتتان في الحجم كان الأمرُ أصعبَ، و لو أن هناك ثلاث كتل مغناطيسية متفاوتة الحجم كان أصعب بكثير، و كان عليك أن تضع كتلة في الفضاء بحيث تستقِرُّ بين هذه الكتل، هذا شيء فوق طاقة البشر، و لو أن هذه الكتل متحرِّكةٌ و الكتلةُ التي نريد أن نجعلها تستقر متحرِّكةً أيضا في فضاء، هذا شيء فوق طاقة العقل البشري، هذا هو الكونُ، و الكون مليون مليون مجرَّة، و كلُّ مجرَّة مليون مليون نجم، و كلُّ نجم له حجم وله كثافة و له مسافة و له بعدٌ و كله متحرِّكٌ، وهذا التحرُّكُ يؤدِّي إلى نظام دقيق، بحيث أن أدقَّ ساعةٍ في العالَم تضبَطُ على النجم، ومعنى ذلك أن حركة النجوم أدقُّ من أدقِ ساعة في الأرضِ، ألا ترى إلى التقويم الهاشمي فيه مثلا، أن الشمسَ تطلع يوم 25 أيلول على الساعة الخامسة و دقيقتين، لأن الحركة على مستوى معشار الثانية، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

[ سورة فاطر ]
هذا الإله العظيم يُعصَى و يُزهَد فيه و لا يُخطَب وُدُّه، و نسير بِخلاف منهجه، و لا نبتغي رضاه و نبتغي رضا البشر، قال تعالى في الحديث القدسي: إني و الإنس..قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر ]
لذلك أيها الإخوة، قبل سنة تقريبا أُرسِلت مركبةٌ إلى المشتري وعليها مرصادٌ عملاق، و عدسة المرصاد قطرها تسعة أمتار، يستغرق تبريدها عشرُ سنوات، التقط قبل سنة مجرَّةً ـ أُذيعت هذه الأخبار في إذاعة الأخبار العالمية ـ التقط مجرَّةً تبعد عنا ثلاثمائة ألف مليون سنة ضوئية، و أربع سنوات ضوئية نحتاج إلى سيرها بمركبة أرضية خمسين مليون سنة، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(15)﴾

[ سورة التكوير ]
هذه الآية من إعجاز القرآن الكريم العلمي، قال تعالى:

﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (41)﴾

[ سورة فاطر ]

تعصي الإله و أنت تظهر حبَّه ذاك لعمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتَـه إن المحبَّ لمن يحبُّ يطيـع

الله تعالى أعطانا هذا الفكرَ و العقل كي نتعرَّف بهما على الله، فإذا عطَّلنا عقولنا أو استخدمنا عقولنا لغير ما خُلِق له فقد خسرنا خسارةً كبيرةً





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 07:49 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر ( 35 )

الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشرة من سورة فاطر وهي قوله تعالى:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سور فاطر ]
أنت إن أردتَ أن تدعوَ إنسانا في الدنيا تدعو من؟ تدعو مَن تؤمن بوجوده، أتدعو خيالاً ووهْمًا ؟ تدعو إنسانًا بلحمه أمامك، فلنم تدعوَ إنسانًا إلا إذا آمنتَ بوجوده، و الآنَ آمنتَ بوجوده، و لن تدعوَ إنساناً إلا إذا استمع إليك، الآنَ آمنتَ أنه موجودٌ و يسمعُ، و لن تدعوَ إنساناً إلا إذا أيقنتَ أنه أن يعاوِنك و يحبُّك، آمنتَ أنه موجود و يسمع و يحبُّك، لن تدعوَ إنسانا إلا إذا أيقنتَ أن قدرتَه كافيةٌ لحلِّ مشكلتك، إن كنتَ محتاجا إلى الموافقةِ للسفرِ فلن ترجوَ حاجبًا بل ترجو وزير الدائرةِ، فأنت إذا أردتَ أن تدعوَ مخلوقًا مثلَك، لن تدعوَ إلا من تؤمن بوجوده و من يستمع إليك و من يحبُّ أن يقضِيَ حاجتك ومن يقدرُ أن يقضيَ حاجتك، فكيف مع الله عز وجل؟
أنت حينما تؤمن أن الله موجودٌ و أن الله سميعٌ بصيرٌ عليمٌ بما في الصدورِ، و أنه خلقَك ليرحمَك و أنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فما الذي يمنعُك أن تدعوَ اللهَ؟ و إذا دعوتَه فأنت أقوى الناسِ، مثلًا ؛ دولةٌ قويَّةٌ جدًّا إذا كانت مع دولةٍ ضعيفةٍ، هذه الدولةُ الضعيفة أصبحتْ أقوى دولةٍ، أليس كذلك ؟ هذا مثلٌ أرضِي، ومهما كنتَ ضعيفَ الحيلة و مهما كنت مكتَّفَ اليدين و مهما كنت ضعيفَ الإمكاناتِ إذا كان الله معك فأنت أقوى الناسِ، لذلك بابُ الدعاءِ الذي حُرِمه كثيرٌ من المسلمين، لأنهم يرون فيما يبدو أن هناك مَن بفصاحةٍ ما بعدها فصاحةٌ و بصوتٍ مرتفعٍ ما بعده صوتٌ مرتفعٌ، وبطلاقةٍ ما بعدها طلاقةٌ، و ببلاغةٍ ما بعدها بلاغةٌ، و بدعاءٍ مأثورٍ ما بعده مأثورٌ، و مع ذلك لا يستجيبُ اللهُ لنا، ومعنى ذلك أن المانعَ منا، وأن الله تعالى يقول

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾

[ سورة غافر ]
وما أمرنا بالدعاء إلا ليستجيبَ فمن الذي يمنع الدعاءَ مِن الإجابةِ الكسبُ الحرامُ، فإذا أردتَ أن تكون مستجابَ الدعوةِ أطِبْ مطعمَك يا سعدُ أطِبْ مطعمك تكنْ مستجابَ الدعوةِ، قال عليه الصلاة و السلام: يقول العبد يا رب يا رب و مطعمه حرام.."
أكادُ أقول إن الاستقامةَ في معظمها في كسب الرزقِ، فإذا كان كسبُ رزقِك حلالا فدعاؤُك مستجابٌ، و إن كان دعاؤُك مستجابًا فأنت أقوى الناسِ، و الله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ، هل هناك أصعبُ من ورَمٍ خبيثٍ ؟ الله عز وجل قادرٌ، و هناك الملايينُ من الحالات تراجعَ هذا الورمُ، مَن الذي يمنع الخليَّةَ أن تتراجعَ ؟ الله عز وجل، سيِّدنا يونسُ؛ هل هناك أصعبُ مِن أن يكون الإنسانُ في بطنِ الحوتِ ؟ و في ظلمةِ الليل و ظلمةِ البحر و ظلمة بطن الحوتِ، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[ سورة الأنبياء ]
فأنت ليست لك طلباتٌ عند الله تعالى، لا تحتاج إلى بيتٍ ؟ و لا تحتاج إلى زوجة صالحةٍ ؟ و إلى رزقٍ موفورٍ يغطِّي نفقاتِك ؟ و إلى سمعةٍ طيِّبةٍ ؟ هذه حاجاتٌ أساسيةٌ للإنسان، سعادةٌ، و صحةٌ و عافيةٌ أطِبْ مطعمَك و ادْعُهُ، قال عليه الصلاة و السلام: إذا كان ثلثُ الليل الأخيرِ ينزل ربُّكم إلى السماءِ الدنيا، فيقول.... خالقُ الكون يقول لك اُدعُوني و أنا أنتظرك، أنتظر أن تتوب و تستغفرَ و تسألني حاجتَك
أيها الإخوةُ الكرام، الشيءُ بين أيديكم، و كلُّ واحدٍ منا له عملٌ يكون صادقًا فيه و لا يكذب أبدا و لو خاف، فكلمة الحقِّ لا تقطع رزقا و لا تقرِّب أجلًا، أظهِرْ للناس مَن هو المسلمُ، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)﴾

[ سورة الذاريات ]
وقال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40)﴾

[ سورة الروم ]
فَكلمة الحقِّ لا تقطع رزقا و لا تقرِّب أجلًا، فنحتاج إلى إسلامٍ عملي و ليس إسلاما نظرِيًّا في الكتبِ، الإسلامُ مع الحياةِ، لا تغُشَّ أحدًا و لا تُخْفِ عيبًا يزيد رزقُك، أحد الإخوةِ من إخواننا يبيع قطعا للسياراتِ قال لي: عندي قطعةً منذ سنواتٍ، كلُّ سنةٍ أحوِّلها من جردٍ إلى آخرَ وقيمتها عشرون ألف ليرة، جاءَه مرَّةً زبونٌ ليأخذ هذه القطعةَ، و سأله الزبونُ هل هي أصليةٌ أم لا ؟ فوقع في حرجٍ شديدٍ، فقال له ليستْ أصليَّةً، فقال له: ناولْنِيها، كلمةٌ واحدةٌ، فالله عز وجل هو الرزَّاقُ فأطِبْ مطعمَك، و توكَّلْ على الله في الدعاءِ، لتكون مستجابَ الدعوةِ فأنت لا يُمكن أن تسألَ إنسانا إلا إذا آمنتَ به موجودا و يسمعك و يحبُّ أن يلبِّيَ حاجتَك، و يقدر أن يلبِّيَ حاجتك، أما إذا كان لا يستطيعُ قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)﴾

[ سورة الشعراء ]
وقال تعالى:

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(62)﴾

[ سورة غافر ]
فهل منكم من ليس له طلبٌ عند الله تعالى ؟ مستحيلٌ، أما إذا أشركتَ ـ لا سامح اللهُ ـ فتوجَّهتَ إلى المخلوقين، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[ سورة الشعراء ]
إذا توجَّهتَ إلى المخلوقين فاسمع الآيةَ، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سور فاطر ]
فبيْنَ أن تتوكَّلَ على مخلوقٍ ضعيفٍ قد لا يحبُّك، و ربما يحبُّك و لا يستطيع أن يساعدك، و بيْنَ أن تتوكَّل على خالق الأكوان و ربِّ الأرض و السماوات، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سور فاطر ]
أضربُ لكم مثلًا حادًّا، الدنيا شتاءٌ و أنت لابسٌ قميصا و فوقه كنزةٌ جديدةٌ، و أنت تحمل أغراضًا كثيرة، فقال لك طفلٌ: كم الساعة عمي ؟ طفلٌ صغيرٌ لا ترضى أن لا تجيبَه و تتجاهل سؤالَه و أنت إنسانٌ ضعيفٌ فكيف بربِّ الأكوان ؟ هو يقول لك:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾

[ سورة غافر ]
ثم لا تدعوه و تدعو غيرَه، تبذلُ ماءَ وجهك أمام إنسانٍ، " من جلس إلى غنيٍّ فتَضَعْضَعَ له ذهب ثلُثا دينه "

لا تسألنَّ بني آدم حاجــةً و سل الذي أبوابُه لا تُحجَـب
اللهُ يغضب إن تركتَ سؤالَه و بني آدم حين يسأَل يغض

الذي أكرم الناسَ هو يكرمك، و الذي أغنى يغنيك، أنا أريد أن تعقدَ صلحًا مع الله تعالى، و أن تعقد علاقةً متينةً مع الله، و أن تستجيب له، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[ سورة الأنفال ]
أن تستجيب له ثم تدعوه فأنت أقوى الناسِ، وإذا أردتَ أن تكون أقوى الناسِ فتوكَّلْ على الله، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)﴾

[ سورة آل عمران ]
أجملُ شيءٍ إنسانٌ عرف اللهَ عز وجل و بدأ يحاسب نفسَه، و مادام القلبُ حيٌّ ينبُضُ فكلُّ شيءٍ يُحلُّ، قال لي أحد الإخوة: عندي معملٌ للجرابات و كلُّ يومٍ أجد نقصًا في البضاعةِ، عيَّنتُ موظِّفا للمراقبةِ فلم نفلح في إيقاف ذلك السارق، بعد اثنا عشر سنة طرق بابي رجلٌ محترمٌ، قال له: كنتُ عندك موظَّفا من زمان و كنتُ أسرقك، و أريد أن أحاسبك الآن على ما أخذتُه منك، فقال له: قد سامحتُك و إذا أردتَ أن تشتغل فارجع عندي، فممكنٌ أن يخطِأَ الإنسانُ و يتوب و يصحِّح، و لأن حقوق العباد مبنيَّةٌ على المشاحَحَة لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحةِ، بينما حقوقُ الله تعالى مبنيةٌ على المسامحةِ، فإذا راجع الإنسانُ نفسَه و ما دام القلبُ ينبُضُ فكلُّ شيءٍ له حلٌّ، أما إذا انتهى الأجلُ و خُتِمَ العملُ سِيق الإنسانُ ليلقى جزاءَ عمله
فالآيةُ اليومَ الرابعة عشر، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سور فاطر ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-29-2018 07:50 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الثالثة و الثلاثين في قوله تعالى:
﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]
بعد أن بيَّن الله جل جلاله مغبَّة الصدِّ عن سبيله و رفض رسالات الأنبياء و ضرب لنا مثلا حيًّا من أقوامٍ كذّبوا رسلهم و أهلكهم الله تعالى، و أوقعهم في شرِّ أعمالهم، و كيف أن الذي عرف الله تعالى لقيَ اللهَ و هو عنه راضٍ فَدخل جنة الخلد، بعد أن بيَّن الأمور النظريةَ و الأمثلة التطبيقيةَ بيَّن الله تعالى الطريقَ إليه.
الطريق إلى اللهِ يبدأ بمعرفته، و معرفةُ الله عز وجل هي اصلُ الدين هذه أصولٌ، و فروعُ الدين كثيرةٌ التي إذا خُضنَا فيها و لم نملك هذا الأصلَ القويمَ فإننا في متاهاتٍ كثيرةٍ، و ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام في مكَّةَ المكرمةِ ؟ و لماذا الآياتُ المكِّيةُ كلُّها تتحدَّث عن الله تعالى و عن آياته الكونيةِ ؟
مرَّتْ الدعوةُ إلى الله بمرحلتين ؛ المرحلةُ المكِّية و المرحلة المدنية في المرحلةُ المكِّية تمَّ التعريفُ بالله من خلال آياته، فإذا قرأتَ الآياتِ المكِّيةَ لوجدتَ العجبَ العُجابَ، كلُّها إشاراتٌ إلى آيات الله في الأرض، قال تعالى:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)﴾

[ سورة الشمس ]
وقال تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى(1)﴾

[ سورة الليل ]
وقال تعالى:

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1)﴾

[ سورة الانفطار ]
وقال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47)﴾

[ سورة الذاريات ]
فلو تتبَّعتَ الآياتِ الكونيةَ لوجدتَها في محورٍ واحدٍ الإيمانُ بالله من خلال آياته والإيمان باليوم الآخر، فإذا صحَّ إيمانُك بالله صحَّ كلُّ شيءٍ عندئذٍ يأتي دورُ الفروعِ، و دورُ التشريع، أحكام الزواج و أحكام الطلاق و أحكام البيوع، كلُّ هذه الأوامر و النواهي لها معنى حينئذٍ إنها تنفيذٌ لأمرِ اللهِ، و إنها طاعةٌ لله، فالأمرُ و النهيُ لا معنى له قبل معرفة الآمرِ و الناهي، لذلك ما من دعوةٍ تنجح إلا إذا بدأتْ بتعريف الناس بالله، و ما منْ دعوةٍ بدأتْ بالعكس، بدأتن بتعريف الناس بشرع الله دونَ أن يعرفوهم بأمر الله تعالى، هذه الدعوةُ لا تنجح، لأن قيمةَ الأمر من قيمةِ الآمرِ فإذا ما عرفتَ للآمرِ قدرًا هل تعرف لأمره قدرًا ؟ قال تعالى: و ما قدروا الله.." فدائماً إذا أردتَ أن تعلِّم أو أن تتعلَّم فابدأْ بالآمرِ قبل الأمرِ، و من هو الآمرُ ؟ هذا الذي أمرني أن أفعل كذا و كذا من هو ؟ الله تعالى قال:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)﴾

[ سورة السجدة ]
وقال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾

[ سورة الرعد ]
وقال تعالى:

﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا(9)﴾

[ سورة المزمِّل ]
إذا سلَّم الإنسانُ نفسَه لطبيبٍ، و هذا الطبيب درسَ في بلدٍ أجنبيٍّ و معه بورد مثلا، و متفوِّقٌ في اختصاصه و شهادتُه امتياز، أجرى الآلافَ من العملياتِ الناجحة، حتى يسلِّم المريضُ نفسَ للطبيبِ يجب أن نعرِّفه بهذا الطبيب، و حتى يعرف الإنسانُ كيف ينفِّذ أمرَ الله تعالى و الانتهاء عن نهيه يجب أن يعرفه، فالذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام هو أنه أمضى ثلاث عشرةَ سنةً في مكَّةَ، يعرِّف أصحابَه بالله و باليوم الآخر من خلال الآيات الكونيةِ، فلما جاء للمدينةِ بدأ الشرعُ ينزلُ اتِّباعًا، آياتُ الدَّيْن و آياتُ الطلاق و البيوعِ هذا كلُّه جاء في المرحلة المدنيةِ، فربُّنا عز وجل حينما أراد أن يعرِّفنا بذاتِه بدأ بهذه الآياتِ، قال تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]
اُنظُر بشكلٍ بسيطٍ إلى الأرض في الشتاءِ و إلى الأشجار، خشبٌ يابسٌ، ثم انظُر إليها في الربيعِ، الحشيشُ الأخضرُ و الأزهارُ و الورودُ و الرياحينُ و الأشجارُ في حُلَّةٍ زاهيةٍ، أينَ كان هذا الجمالُ كلُّه في الشِّتاءِ ؟ الأرضُ بأشجارها و ترابها في الشتاء، ثم انظُر إليها في الربيع، قال تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]
اِذهب إلى سهولِ حورانَ في الربيع تراها بساطًا أخضرَ، وكلُّها حبَِّاتٌ، وهذه الحبَّةُ عبارةٌ عن رُشَيْمِ، وهذا الرُشَيم له سُوَيقٌ و له جُذَيرٌ وهو كائنٌ حيٌّ، و له غذاءٌ، وله قشرَةٌ، فإذا جاءتْه الرُّطوبةُ نَمَا جُذيْرُه و سُوَيقُه على حساب الغذاءِ، إلى ظان تتمكَّن جذورُه أن تمتصَّ الغذاءَ من التربةِ، عندئذٍ تصبح نبتةً، وهي آيةٌ من آيات الله الدالَّةِ على عظمتِه، قال تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]
تحدَّثْتُ في الدرسِ الماضي أنَّ القمحَ هو الغذاءُ الأولُ، و الرئيسي لحياة الإنسانِ وهو متناسِقٌ تناسُقًا عجيبا مع حاجات الإنسانِ، الأمرُ الذي يدعو إلى أن تقولَ يقيناً أنَّ الذي خلق هذه الحبَّةَ و الذي خلق الإنسانَ هو إلهٌ واحدٌ، و التناسقُ الدقيق بين بُنيَةِ هذا القمحِ و مكوِّناتها الغذائية و بين بنية الجسم و حاجاته الطبيعية، فيه نَشاءٌ و حديد و فسفور...موادٌ سكَّرية كلُّها في هذه القمحةِ، و القمح أنواعٌ كثيرةٌ، و لو رأيتَ محلَّ المواد الغذائية لرأيتَ أن معظمَ مكوِّنات هذه البضاعة هي القمحُ، و الحلوياتُ و أنواعُ المعَجَّناتِ و الخبزِ، كلُّ هذه المواد أساسها القمحُ، قال تعالى:

﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[ سورة يس ]
فلما يشتري الإنسانُ ربطةَ الخبزِ و يقول باسم الله الرحمن الرحيم فهل تعني ما معنى باسم الله الرحمن الرحيم ؟ أيْ أيها الإنسانُ هل فكَّرتَ في هذا الخبزِ ؟ و هل نفَّذْتَ أمرَ الله في تناولِ الطعامِ ؟ و البسملةُ كي تذكرَ أمرَ الله تعالى في تناولِ الطعامِ، و البسملةُ كي تذكرَ نِعَمَ الله عز وجل، باسم الله الرحمن الرحيم آكُلُ، أيْ آكُلُ باسم الله الرحمن الرحيم، وِفقَ أمرِه و مستنيرًا بنوره، فإذا شربتَ فقل: باسم الله الرحمن الرحيم، و هذا الماءُ من نعمةِ الله علينا أن جعله عذبًا فراتًا و سوف أشربُه وفقَ سنَّةِ رسول الله صلى اللهُ عليه و سلم
قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[ سورة يس ]
الأرضُ غيرُ القمحِ و غيرُ المحاصيلِ ؛ القمحُ و الشعيرُ و العدسُ و الحُّمُص.. أصنافٌ يعلمها الزُّراعُ، و المحاصيلُ لحكمةٍ يعلمها اللهُ تنبتُ في وقتٍ واحدٍ، تيسيرا على الإنسانِ، و فوقَ هذا و ذاك يصيبها السُّوسُ بعد حينٍ، و لولا هذا السُّوسُ الذي يصيبُ هذه الحبوبَ و المحاصيلَ لاحتكرَ الإنسانُ قوتَ أخيه الإنسانِ، و لأَمْكنَ للإنسانِ أن يجمع القمحَ كلَّه و أن يبيعه بمائةِ ضعفٍ على رأسِ ماله، و لكنَّ هذا السُّوسُ الذي يصيبُه هو الذي يُفقِدُه ثمنَه بعد حينٍ، فلا بدَّ من أن يبيعَه، و هذا من حكمة الله عز وجل، حكمةٌ بالغةٌ.
قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[ سورة يس ]
هذا النخيلُ ؛ في الحقيقةِ أن العلماءَ قالوا: إنَّ أطولَ الأشجارِ عُمُرًا هي النخيلُ، وبعضُ أشجار النخيل عمُرها اكثرُ من ستَّةِ آلاف عامٍ أطولُ الأشجار عمُرًا هي النخيلُ، و هناك صفاتٌ كثيرةٌ للنخيلِ، أنه إذا قُطِع رأسُه لا تنمو، كالإنسانِ،و أنَّ ثمارَ النخيلِ عُقِدَتْ عليه مؤتمَراتٌ، و قد قرأتُ عن مؤتمرٍ في العالَم عُقِد لدراسةِ بُنيةِ ثمرةِ النخيل، و حتى أنهم قالوا عن ثمرةِ النخيلِ: إنها صيدليَةٌ في حبَّةٍ، ستَّةٌ و أربعونَ مادَّةٍ داخلةٌ في تركيب التمر، مادة مُسَكِّنةٌ إذا الإنسانُ أعصابُه مشدودةٌ يُنصَح بأكلِ التمرِ، و إذا الطفلُ شرِسُ الطِّباعِ يُنصَح بإطعامه التمرَ، و لما ربُّنا عز وجل قال:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)﴾

[ سورة مريم ]
فالتمرُ فيه مادَّةٌ تُقَبِّض الأوعيةَ، فالمرأةُ التي سَتَلِدُ أخطرُ شيءٍ في الولادةِ النزيفُ، لأن مئاتُ الألوفِ من الأوعية التي في الرَّحمِ سوف تتمزَّق، فإذا كان هناك مادَّةٌ تقبض هذه الأوعيةَ فالولادةُ سليمةٌ، فلذلك التمرُ يفيد المرأةَ التي على وشكِ الولادةِ، لأن المادَّةَ التي في التمرِ تقبض الأوعيةَ فتسهِم في انقطاع النزيفِ، و في التمر مادَّةٌ مُلَيِّنةٌ، لأن الأمعاءَ التي في المرأةِ إذا كانت ممتلِئةً بالفضلاتِ تعسرُ الولادةَ، مما يُسهِّل الولادةَ أن تفرغ أمعاؤُها، و في التمر مادَّةٌ مسهِّلةٌ و في التمرِ مادةٌ قابضةٌ و في التمرِ مادةٌ مضادَّةٌ للنزيفِ، و في التمرِ مادة تسرِّع في تقلُّصِ العضلاتِ، كلُّ الموادِ التي في التمرِ لها علاقةٌ نفيسةٌ بالولادةِ، هذا معنى قول الله تعالى:

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)﴾

[ سورة مريم ]
وفوقَ هذا وذاك التمرُ لا يتلوَّثُ، لأن شدَّةَ تركيز المادةِ السكَّريةِ فيه تمتصُّ أيَّةَ جرثومةٍ تقع على التمرِ، و هو مُعقَّمٌ دائما، و يُخزَّن التمرُ وقد قرأْتُ عنه، صيدليةٌ في حبَّةٍ، حتى أن إخوةً كثيرين حدَّثوني عن النتائجِ الطيبِّةِ التي عاينوها في أجسامهم بعدَ تناولِ التمرِ، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[ سورة يس ]
والتمر أنواعٌ منوَّعةٌ، وقد سمعت أن قيمةَ بعض أنواعه ألف ليرةٍ، و أفخرُ أرقى أنواع الحلويات لا ترقى إلى مستواها، و العنبُ يُعدُّ المادةَ الغذائيةَ الأولى في الفواكه، لأنَّ فيه سكَّريات و فيتامينات لدرجةٍ أنه يُعدُّ الفاكهةَ الأولى، وهو أيضا أنواع منوَّعةٌ، و يمكن أن يُخزَّن زبيبا، وهو قوتٌ أساسيٌّ، ":

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[ سورة يس ]
وكلّ!ُ كلمةٍ فيها موضوعٌ للتفكُّرِ، موضوعُ تفجُّرُ الينابيعِ طويلٌ أساسُه تصميمُ طبقاتَ الأرضِ ؛ طبقةٌ نفوذةٌ و طبقةٌ كتيمةٌ و حوضٌ وصخورٌ معدنيةٌ، تُذابُ قليلا قليلا في الماءِ المعدني الذي يُرمِّم الجسمَ البشري حديثٌ طويلٌ حول، قال تعالى:

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[ سورة يس ]
الماءُ أساسُه مالحٌ، و البحرُ لولا أنه مالحٌ ما تمَّتْ حياةٌ على وجه الأرض، ثم يُبخَّر و يقطَّر هذا الماءُ عن طريق السطوح المائية الواسعة و عن طريق أشعةِ الشمسِ وعن التبخُّرِ و تحمُّلِ الهواء لبخار الماءِ و عن طريق سوقِ الرياح لهذا السحابِ و عن طريق انعقادِ السحابِ على شكلِ حبَّات المطرِ، وهو بحثٌ طويلٌ، وكيف يتخلَّى الهواءُ عن بخارِ الماء إذا برَدَ و كيف يستوعِبُ هذا البخارُ إذا سخَنَ وكيف قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)﴾


[ سورة النبأ ]
وكيف أن الضغط الجويَّ يُسَاهِم في تحويلِ بخار الماءِ إلى قطرات الماءِ ؟ و كيف أنَّ هذه القطراتِ لا تنعقدُ إلا على ذرَّاتٍ من الغبارِ الذي في السماء ؟ بحثٌ طويلٌ، قال تعالى:

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[ سورة يس ]
اللامُ للتعليلِ، يعني هذه الثمارُ مُصممَّةٌ لك، و لإكرامك، في لونها و حجمها و طعمها و قوامها و رائحتها و شكلها، هذه كلُّها تسهِم في إكرام الإنسانِ، و الفواكهُ لها منظرٌ جميلٌ في حدِّ ذاتها، و قبل أن تأكلَها، و الفاكهةُ من حيثُ الجمالُ قطعةٌ فنِّيةٌ، و التصميمُ مبدِعٌ، مِنتْ إلهٍ عظيمٍ، فهذه الفاكهةُ، قال تعالى:

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[ سورة يس ]
هذه إشارةٌ دقيقةٌ في القرآن إلى أنَّ النباتَ له فائدُ لا تُعدُّ لا تُحصَى تزيد عن أنَّه تأكله، و الأساسُ هو الخشبُ، وأكثرُ الأدويةِ النافعة والمفيدةِ من النباتِ، و الأصبغةُ من النبات و المطَّاطُ من النباتِ

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[ سورة يس ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-29-2018 07:50 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشرة والتي بعدها من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾

[ سورة يس ]
تطَيَّرنا أيْ تشاءَمْنا، والتَّطَيُّر عادَةٌ جاهِلِيَّة، فالإنسان كان إذا طار الطائِر عن يمينِهِ تفاءَلَ، وإن طار عن شِمالِهِ طائِر تشاءَم، فالتَّطَيُّر إذا أُطْلِقَ انْصَرَف إلى التَّشاؤُم، فهو إن طار عن يمينِهِ تفاءَلَ، وإن طار عن شِمالِهِ تشاءَم، أما إذا أُطْلِقَ نقول فلان تطيَّر.
قبل أن نُتابِعَ الآيات، التَّطَيُّر لا أصْل له إطلاقًا، ولا وُجود له فلا يومٌ مِن أيَّام الأُسبوع فيه تَشاؤُم، ولا رقم فيه تشاؤُم، ولا فلان قَدَمُهُ قَدَمُ سوء، ولا امْرأة تزوَّجْناها فدَخَل الشرّ علينا ‍! هذا كلُّهُ كلامُ إبْليس مِن أجل أن يفَرِّق بين الرَّجُل وزوْجَتِهِ، وبين الأخ وأخيه، وبين الشَّريك وشريكِه.
فالتَّطَيُّر أن يطير الطائِر عن اليمين فتتفاءَل، وأن يطير مِن الشِّمال فتتشاءَم، فهذا لا أصْل له في الدِّين، والنبي صلى الله عليه وسلّم وهو سيِّد الخَلق، وحبيب الحَّق، تُوُفِّيَ ابْنُهُ إبراهيم فَكَسفت الشَّمس، فظنَّ الصَّحابة الكِرام أنَّ الشَّمس كُسِفَت مِن أجل مَوْتِ إبراهيم، فلمَّا بلَغَ النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقفَ فيهم خطيبًا وقال: إنَّ الشَّمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنْكَسِفا لِواحِدٍ من خلْقِهِ، فالأبراج والتَّشاؤم، ووقعَت لك مُشكلة يوم الثالث عشر، أو وجَدْت بالدُّرج كلمة في تشاؤُم، فهذا كلُّه خَلط بِخَلْط بِخَلْط، ولا أساس له بالصِّحة، قال تعالى:

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)﴾

[ سورة يس ]
الشَّق الثاني: قالوا طائِرُكم معكم، فالتَّشاؤُم مِنَك، والتَّفاؤُل منك فأنت إذا فَعَلْتَ مَعْصِيَةً تشاءم والحق معك ! وإن فَعَلْتَ طاعةً فتفاءَل فالخير لا يأتيك من الخارِج، ولكن مِن الدَّاخِل، والشرّ لا يأتيك من الخارج ولكن من الداخل، ولا يخافنَّ العبد إلا ذَنْبه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّهُ وهناك أُناسٌ مُخيفون، وأمراض وبيلة، وحشرات وفيروسات وأشخاص شرِّيرون، هؤلاء لا تَخَفْهم، ولكن خَفْ ذَنْبَكَ، لأنّ هذا الذَّنْب يُسَلِّطُ عليك كلّ هؤلاء، فلا تخَف هؤلاء ولكن ذَنْبَكَ ! فَذَنْبُكَ هو الذي يسْتَقْدِمُهم، وهو الذي يُقَوِّيهم، فإذا الإنسان ارْتَكَب المعاصي كان عليه أن يتشاءَم وإلا كان أبْلهًا، ويجب أن ينتظِر العِقاب، وإذا كان مالُهُ حرام يجب أن ينتَظِر تَدْمير مالِهِ، إلا أنْ يتوبً طبْعًا، وإذا علاقاتُهُ الاجْتِماعِيَّة ساقِطَة عليه أن ينتَظِر الشَّقاء الزَّوْجي إلا أن يتوب وإن أهْمَلَ أولادَهُ فَيَجِبُ أن ينتَظِر عُقوقَهم، وإن أفْلَتَ زوْجَتَهُ فيجب أن ينْتَظِر خِيانتها، فطائِرُكم معكم، والشَّر مِن داخِل الإنسان، فإذا الدَّخل حرام عليك أن تتوقَّع احْتِراق المَحَلّ، وتتصادَر الأموال وتَبُور التِّجارة، وتُفَلِّس، وإذا كان عَمَلُكَ طيِّب كان عليك أن تتفاءَل وقل لن يُصيبَنا إلا ما كتبَ الله لنا، فالله وعَدَك بالحياة الطَّيِّبَة فخَيْرُكَ مِنْكَ فلا يوجَد رقْم خارِجي، وحتَّى الشَّيطان، قال تعالى

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

[ سورة إبراهيم ]
ومن أتى كاهِنًا فقد كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على مُحَمَّد ومن أتى ساحِرًا فصَدَّقه لم تُقبل صلاته أربعين صباحًا، فطائِرُنا مِنَّا، فإذا أدَّيتَ زكاة مالِكَ، وكنت مُستقيمًا فلا تَخَف، فهذا سيِّدنا أبو الدَّرداء كان له مَحَلّ تِجاري في المدينة، فقيل له: يا أبا الدَّرْداء احْتَرَقَ مَحَلُّك، فقال: ما كان الله لِيَفْعَلَ !! اِذْهَبوا فلمَّا تأكَّدوا فإذا ليس بِمَحَلِّه وما تَلِفَ مال في برِّ ولا بحْر إلا بِحَبْسِ الزَّكاة، وتبرُّ والِدَيْك فسَوْف يكون أولادُكَ أبْرارًا لك، واخْتَرْتَ زوْجَةً لِدينِها فلن ترى منها سوءً فالخير مِنك، والشَّر منك، فَسَيِّدُنا هود عليه السلام ماذا قال ؟ قال تعالى:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)﴾

[ سورة هود ]
أنت أمام خمسين وَحْش مُخيف، ولكن كلّ وَحْش مربوط بِزِمام مُحْكَم بِيَدِ إنسان عادِل وقوِيّ وحليم، فأنت لا علاقة لك بالوُحوش، ولكن بِمَن بيَدِهِ أزِمَّة الوُحوش فإن رَضِيَ عنك أبْعَدَها عنك، وإن غَضِب عليك قرَّبَها مِنك، فهذه الآية دقيقة:

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(19)﴾

[ سورة يس ]
لذلك لا يخافنَّ العبد إلا ذَنْبه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّهُ ؛ هناك حوادِث مُرَوِّعة، وحشرات مُخيفة، وأناس ظالمون، وخِيانة زَوْجِيَّة، فأنت لا تَخَف مِن شيءٍ، وإنَّما عليك بالخَوف مِن ذَنْبِكَ فَهُوَ الذي يَجْلبُ لك كلّ هذا، وإذا كنتَ مُسْتقيمًا وِفقَ مَنْهَج الله وأنت راضٍ لله، فلا تتشاءَم، و أرجو من الله كل خير، لأنّ الله تعالى يقول:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[ سورة النحل ]
قال تعالى

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾

[ سورة يس ]
الإنسان بِطَبيعَتِهِ لا يتحرَّك إلا لِفائِدَة، وهناك أشْخاص مادِّيِّين، ولا يتكلَّم إلا بالدَّراهِم فأنت إن وَجَدْتَ إنسانًا لا يريدُ لا المديح ولا الأخضَر - أي الدولار - ولا أحْمر - الذَّهَب - ولا أبْيَض - الفِضَّة - وإنَّما يريد وَجْه الله عز وجل فهذا على حقّ، قال تعالى: اتَّبِعوا من لا يسألكم أجْرًا وهم مهتدون.
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنْقِذُونِ(23)﴾

[ سورة يس ]
سيِّدُنا الحسَن البصري وهو من كبار التابعين كان عند والي البصْرة لِيَزيد ابن معاوِيَة، وزير معاويَة أرْسَل له كتابًا بالبريد تسلَّمَهُ وفي حضْرَتِهِ الحسَن البصري ففتَحَ الكتاب، فإذا في الأمر فيه ظُلم، فوقَعَ في حَيْرة، إن نفَّذ أمْر يزيد رضِيَ عنه وسَخِط عنه الله، وإن نفَّذ أمْر الله رضي عنه تعالى وأسْخَطَ عنه يزيد وربَّما عزَلَهُ، فعرَض أمرهُ على الحسَن البصري فقال: ماذا أفْعل يا إمام ؟! فقال له الإمام الحسَن: إنَّ الله يمْنَعُكَ مِن يزيد ولكِنَّ يزيد لا يمْنَعُكَ مِن الله ! فهذه الكلمة نحن في أمسِّ الحاجة إليها، فالله إذا أراد شيئًا لو أنَّ أهل الأرض جميعًا أرادوا أن يمْنَعوه لما اسْتطاعوا ! وإذا كان الله معك فَمَن عليك، وإذا كان عليك فَمَن معَكَ، فالإنسان أحيانًا يكون له ولاء كبير جدًّا لشَخصٍ قَوِي، ويَفديه روحه، ويأتيه مرض فما يفعل معه هذا القويُّ يدخله أفخم مستشفى و في الأخير يموت، هل استطاع أن ينقذه من هذا المرض ؟ لكنَّ الله يقدر لأنه هو الأقوى، فهل يمكن إن كنتَ في الجَيْش أن يُعطيك أحدهم ذو مرتبةٍ عالِيَة أمرًا ولا تُنَفِّذُه ؟‍! فالله أقْوى الأقْوِياء، وهذا هو معنى الكلام.
قال تعالى:

﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)﴾

[ سورة يس ]
إذا الإنسان نَسِيَ الله وأطاع مَن دونه فهو في ضلال مُبين، فهناك ضلال بعيد، فمثلاً لو أنَّ الإنسان كان بالسيارة وأراد أن يذهب لِمَكَّة واللَّوحة تُؤشِّر إلى أنّ المكان جدَّة فهذا أضلَّ الطريق ضلالاً مُبينًا رغم اللَّوحة الكبيرة أما الذي دخل خطأً بالطريق وهو لا يعلم، ومشى فيه عدَّة كيلومترات ثمَّ علِمَ أنَّه أخطأ فهذا ضلال بعيد، فهناك إذًا ضلال بعيد وآخر مبين فالإنسان يُطيعُ مَخلوقًا ضعيفًا ولئيمًا، ويعْصي خالقًا عظيمًا بصيرًا.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-29-2018 07:51 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ الثانية عشر من سورة يس، وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
أحيانا يعبِّر الله جل جلاله عن ذاتِه بضمير المفردِ قال تعالى:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾

[ سورة طه ]
وأحيانا يذكر ضمير الجمع للتعظيم، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
وقال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)﴾

[ سورة الحِجر ]
قال بعضُ العلماءِ: إذا وردت الذاتُ بضمير المفرد فالمقصودُ ذاتُ الله تعالى، أما إذا جاء التعبيرُ عن الله تعالى بضميرِ الجمعِ فالمقصودُ أفعالُه و فيها كلُّ أسمائه الحسنى، فعلُ الله تعالى فيه العدلُ و الرحمةُ و القوَّةُ و العلمُ و الحِلمُ و الُّلطفُ، كلُّ أسماء الله تعالى الحسنى منطويةٌ بضمير الجمع، فإما أن يعبِّر عنه بذاتِه بضمير المفرد أو بضمير الجمع

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
الحقيقةُ الفعلُ " نكتب " جاء بصيغة المضارع، الفعل " قدموا" بصيغة الماضي، الإنسانُ حينما يفعل شيئًا و يصرُّ عليه لا يندم عليه و لا يتوب منه و لا يراجع نفسَه من أجله يُكتَب عليه، لذلك جعل اللهُ ملَكَ اليمين أميرًا على ملَكِ الشمال، فالإنسانُ إذا فعل سيِّئةً واسترجع تُمحَى، أما إذا أصرَّ عليها و لم يتبْ منها عندئذٍ تُكتبُ عليه، فالكتابة جاءتْ بالفعل المضارعِ، و الفعل "قدموا " جاء بالماضي، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
في الآيةِ كلمةٌ واحدةٌ لو عقلَها الإنسانُ لاقشعرَّ جلدُه، هذه الكلمةُ " و آثارهم " إنسانٌ طلَّق زوجتَه طلاقا تعسُّفِيًّا، الزوج له مظهرٌ ديني و كان طلاقُه تعسُّفِيًّا، فلما رأتْ زوجَها طلَّقها طلاقا تعسُّفيا أرادت أن تنتقم منه و من دينه فسكَرَتْ و انحرفتْ فإذا سقطتْ أو تزوّ‍َجتْ من فاسقٍ أو أنجبتْ بنتا ربَّتْها على منوالها، فكلُّ الفساد الذي سيظهر من هذه المرأةِ بسبب الطلاق التعسُّفي الذي طالها من زوجها، فآثارُ هذا الطلاقِ وما جرَّ من انحرافٍ و إثمٍ و من فتياتٍ فاسداتٍ ومن ذرِّيةٍ فاسدةٍ إلى يوم القيامة هو بسب الطلاق التعسُّفي الذي أوقعه الزوجُ ظلمًا على زوجته، فانتقمت منه ومن دينه، هذه هي الآثارُ، إنسانٌ أراد أن يعلِّم ابنَه اللغةَ الأجنبيةَ فأرسله إلى بلدٍ وهو يعرف أن ابنَه ذو مقاومةٍ هشَّةٍ، فجالس مع أسرةٍ متفلِّتةٍ و زلَّتْ قدمُه فانحرفَ، و رجع إلى بلاد المسلمين في حالٍ أخرى، و رفض دينَ أُمَّتِه، و انحلَّتْ أخلاقُه و أتى بامرأةٍ أجنبيةٍ فسقتْ و فجرتْ في بلاده، كلُّ هذا الفسقُ و الفجورُ بسببِ قرار الأبِ غيرِ الحكيمِ، أحيانا الإنسانُ يسهِم في عملٍ يستمرُّ من بعده بشكلٍ سيئ كأنْ يؤَسِّس مشروعًا لا يرضِي اللهَ تعالى و مات بعد ذلك، فالآثارُ المترتِّبةُ عن هذا المشروع في صحيفة الذي أسَّسهُ إلى يوم القيامةِ، لذلك هذه الكلمةُ

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
تقصِم الظهرَ، سهرةٌ مختلَطةٌ صار فيها إعجابٌ و هاتفٌ و زيارةٌ مفاجئةٌ و بعدها خيانةٌ زوجيةٌ، فالذي دعا إلى وليمةٍ و قال: نحن هكذا علَّمنا أبونا و لم يعبأ بقواعد الشرعِ، و من خلال هذا اللقاءِ المختلَطِ انتهى الأمرُ إلى خيانةٍ زوجيَّةٍ و إلى طلاقٍ و إلى تشرُّد الأولادِ، وهذه الآثارُ في صحيفة الذي دعاهم، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
الإنسانُ إذا لم يربَّي ابنَه و ترك له مالًا وفسق به الابنُ لجهله فالأبُ محاسَبٌ عنه، ترك له مالا و لم يترك له علما، فالأبُ يقول:يا أهلي يا ولدي لا تلعبَنَّ بكم الدنيا كما لعبَتْ بي، جمعتُ المالَ مما حلَّ و حرم فأنفقْتُه في حِلِّه و في غير حِلِّه فالهناءُ لكم و التَّبِعةُ عليَّ، و قبل أن تجمع بين رجلٍ و امرأةٍ لا يحِلُّ لهما أن يجتمعا و قبل أن تطلِّق طلاقا تعسُّفِيا و قبل أن تبيعَ بضاعةً يمكن أن تُوَظَّف في الباطل فكلُّ ما يجري من هذه البضاعةِ من المعاصي في صحيفة الذي اشتراها و باعها و تاجر بها، فالمؤمن يقف وقفةً متأنيَّةً عند كلَّ عمل له آثارٌ لا يحكمها و لا يسيطر عليها، فأيُّ عمل أو سلوكٍ أدى إلى معصيةٍ واستمرَّتْ هذه المعصيةُ ففي صحيفة الذي فعله أوَّلَ مرةٍ، رجلٌ جاء من السعودية إلى الشام بسيارته، و دخل إلى ورشةِ الصيانةِ من أجلِ صيانةِ بعضِ أجزاء السيارةِ، صاحب المحلِّ كلَّف صانعا صغيرا أن يراقب الموضوعَ، هذا الصانعُ ما ضبط هذه الآلةَ هرب منها الزيتُ و بعد حينٍ توقَّفت السيارةُ، و الحَرُّ 57 درجة وخرج صاحبُ السيارة لينظر في الخللِ فأكل ضربةً من الشمسِ أودتْ بحياته، هذا الذي كل‍فَ الصانعَ لضبط الخلل يُبنَى عليه سلامةُ أسرةٍ أليس محاسبًا عند الله عز وجل ؟ و أحدُ الأخوة الكرام أطلعني على رقبته تقريبا عشرون حبَّةٍ مخيفةٍ بقيَ يعالجها سنواتٍ، و السَّببُ أن شفرةَ الحلاقة كان ملوَّثا فسبَّبَ جرثومًا و لم تنتهِ هذه المشكلة، فالإنسانُ الذي لم يهتم بمصلحته و لم يعقِّم أدواته يحاسَبُ عند الله تعالى، فأيُّ مضاعفاتٍ تنتج عن سلوكٍ وعن وعيٍ فالإنسانُ محاسَبٌ عنه، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
فمن عمل عملا أصرَّ عليه و لم يندم عليه و لم يستغفرْ منه و فعَلَه عن قصدٍ و تصميمٍ سُجِّلَ عليه، و آثارُ هذا العملِ باقيةٌ في صحيفته إلى يوم القيامةِ، و لو فرضنا أنَّ فتاةً بريئةً من الممكنِ أن تكون زوجةً ثم تغدو أمًّا، لها زوجٌ يحترمها و يحبُّها و يرعى شؤونَها و ينفق عليها و أنجبتْ له الأولادَ يحبُّون أمَّهم و يعطفون عليها ثم أصبحتْ جدَّةً لها أولادُ الأولادِ و هي في أعلى مكانةٍ، و لو أنَّ شابا أغوى فتاةً و زنى بها وهذه خافتْ الفضيحةَ فهربتْ و لا تملك من حطامِ الدنيا إلا جمالها و امتهنت الدَّعارةَ، هذه الفتاةُ إذا جاء من نسلها مليون فتاةٍ فاسدةٍ إلى يوم القيامة كلُّ هؤلاء الفتيات الفاسداتِ في صحيفة الذي زنى بهات أول مرةٍ، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
يُقالُ أنَّ الكاتبَ التافهَ تقرأ قصًّتَه تتثاءبُ و تنام، لكن الكاتبَ الخطيرَ تقرأ قصَّته فتبدأ متاعبُك، و يدعُك أمام مسؤولياتك.
هذه الآيةُ أيها الإخوةُ الكرام من أخطر الآياتِ، نكتبُ عليهم أعمالَهم و الآثارَ الناتجةَ عن أعمالهم، هذا الوجهُ السلبي القاتِمُ، و الوجهُ المُشرِقُ ؛ إذا أنت هديْتَ إنسانًا و هذا الإنسانُ تزوَّج و اختار امرأةً مؤمنةً وأنجب الأولادَ و ربَّاهم التربيةَ الإسلاميةَ و كان من ذريَّته ثلاثة ملايين صالحين، كلُّ هؤلاء في صحيفة الذي هداه أول مرةٍ، أنت ساهمتَ في بناء مسجدٍ، فكلُّ من دخل المسجدَ و صلى فيه و كلُّ درسٍ انعقد في المسجدِ و كلُّ توبةٍ انعقدتْ في المسجد في صحيفة الذي بناه و ساهم في بنائه، هذه الآيةُ مطلقةٌ، الآثارُ الإيجابيةُ و السلبيةُ في صحيفة الإنسان الأولِ الذي فعلها، لذلك كلُّ أعمال المسلمين إلى يوم القيامةِ في صحيفةِ سيِّد المرسلين، من دون أن ينقص من أجرهم شيءٌ، يا عليُّ لئن يهديَ اللهُ بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من الدنيا و ما فيها و من حُمُرِ النَّعمِ و خيرٌ لك مما طلعتْ عليه الشمسُ.." أنت تسهِم في هداية إنسانٍ و هذا الإنسانُ سعِد وهدى ابنوَه و أخاه و من حوله، فالآيةُ لها وجهٌ إيجابيٌّ، و الوجهُ السلبيُّ ؛ إذا كنتَ سببًا في معصيةٍ و لهذه المعصيةِ مضاعفاتٌ خطيرةٌ، كلُّها في صحيفةِ من عصى، و إذا عملتَ صالحًا فاللهُ تعالى قال:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)﴾

[ سورة المائدة ]
ويمكن لك أن تسافر إلى بلدٍ تهدي إنسانًا و تغيبُ عنه سنوات فتجدُ الآلافَ من الناسِ على الطريق المستقيمِ، كلُّهم من إنسانٍ واحدٍ و أنت سببُ هدايته، و كلُّهم في صحيفتك، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]
مكتوبٌ عليك أو لك آثارُ أعمالك، مكتوبٌ عليك آثارُ أعمالك السلبيةِ ومكتوبٌ لك آثارٌ أعمالك الإيجابيةِ، فقَبْلَ أن تتحرَّك حركةً انظُرْ إلى الآثار التي تتركها، هل هي لك أم عليك، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[ سورة يس ]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 07:52 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الرابع


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة والأربعون من سورة يس و هي قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(47)﴾

[سورة يس]
لا شكَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى قادر أن يطعم الفقير و أن يغنيه و يجعل الغنيَّ محتاجا إليه، ولكنَّ الله سبحانه و تعالى امتحن بعضنا ببعض أرسل بنا إلى الدنيا من أجل أن نعمل عملا صالحا نرقى به، فالإنسان إذا تَوَهَّم أن الله تعالى هو الذي يطعم الفقيرَ و هو الذي يعين الضعيفَ و ينصر المظلومَ، وأنا لا علاقة لي، نسي في الدنيا، نسي هويته لأن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾

[سورة الأحزاب]
الإنسان قَبِل حملَ الأمانة و قَبِل التكليفَ، وجاء اللهُ به إلى الدنيا لتكون مدرسةً للآخرة، لتكون الدنيا حياةً إعدادية للحياة العليا، فجاء بنا إلى الدنيا وخلق الكون من أجل أن نعرفه من خلاله، أحد أول المقوِّمات حمل الأمانة الكونُ ؛ لأن الكون مظهر لصفات الله العليا و أسمائه العليا، والله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، وإذا نظرتَ إلى الكون عرفت الله من خلاله، فعن قَتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

[ رواه أبو داود ]
الكون كله ببحاره وأنهاره بجباله وسهوله وبكل ما فيه من مَخلوقات وحيوانات وأسماك وطيور من إنسان و بكل ما فيه من مزروعات يدلُّ على الله، موجوداً وواحداً وكاملاً، فالكون مقوِّم، والعقل مقياس دقيق أودعه الله فينا، بل إن العقل في الإنسان أعظم ما في الكون من دون استثناء، الإنسان أعقد ما في الكون و أعقد ما في الإنسان دماغه، فالعقل البشري أعظم هدية وهبها الله لنا، ولمَّا خلق الله العقل قال له: أقبل ؛ فأقبل، ثمَّ قال: أدْبِرْ، فأدْبَر، قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أحبَّ إليَّ منك، بك أعطي و بك آخُذ، فالإنسان لو أعملَ عقله ساعة واحدة لعرف الله، والإنسان وصل للقمر و غاص في أعماق البحار ووصل إلى خندق مِرْيانا في المحيط الهادي الذي عمقه اثنا عشر ألف، نقل الصوت والصورة الملوَّنة عبر الأقمار، والإنجازات العلمية شيء لا يُصدَّق ! لو أنَّ الإنسان أعمل مِنْ عقله واحداً مِن مليار ممَّا أعمله من أجل الدنيا لعرف الله، وهذه حجة الله على الإنسان، ونحن نَنْعَم بهذه المنجزات فالإنسان يتصل بالعالم كلِّه في دقائق، والتلفون الخلوي أعظم، في أيِّ مكان أنت تستخدم هذا الهاتف تتَّصل بأيِّ إنسان، ونقل الصورة ليس قليلا، والكمبيوتر يقرأ أربعمائة و خمسين مليون حرف في الثانية والإنسان اختصر المسافات و الوقت ومع ذلك ما عرف الله، فلو أنَّه عمل مِن عقله ما يساوي مِنْ حيث الطاقة واحدا بالمليار ممَّا أعمله مِن أجل دنياه لعرف الله، و الطائرة التي تنقل سبعمائة راكب يأكلون الطعام الساخن و المشروبات الباردة و الفواكه والحلويات وهم مرتاحون في مقاعد على ارتفاع ثلاثةٍ و أربعين ألفِ قدمٍ و يتَّصلون بالعلم بالهاتف و يرَوْن ويسمعون، هذا كلُّه مِن إنجاز العقل البشري و هذا العقل الإنسان أعمله لغير ما خُلِق له، أعمله للدنيا و لحياة محدودة و لسنوات معدودة، ولو أنَّ الإنسان أعمل عقله لمعرفة الله عز وجل لَمَلَكَ السعادة الأبدية، لذلك لمَّا رأى سيِّدُنا رسول الله خالدَ ابنَ الوليد قال له: "عجبتُ لك يا خالد ! أرى لك فكرًا.أي ؛ لماذا تأخَّرْتَ في إسلامك ؟ أنت إنسان عاقل، وإنَّما الدِّينُ هو العقل، ومّن لا عقل له لا دِينَ له، ومَن لا دين له لا عقل له.
إنَّ الإنسان قد يكون ذكيًّا في اختصاصه و في حِرْفته، في طِبِّه، في هندسته، في إدارة أعماله، في كلِّ ما هو فيه قد يكون ذكيًّا، أمَّا إذا لم يعرف اللهَ فليس عاقلاً أبدً، لأنَّه اهتمَّ بالجزئيَّات و نسِيَ الكُلِّيات فالله عز وجل أعطانا الكون، والكون بلا عقل لا قيمةَ له، والعقل بلا كون لا قيمة له، فالعقلُ و الكون متكاملان، و الإنسان في دماغه مركز الذاكرة فيه لا يساوي حَبَّةَ العدس، فالإنسان إذا عاش ستِّينَ سنةً في ذاكرته سبعون مليار صورة، شيء مُعْجِز !! هذا هو العقل البشري، فيه تذَكُّرٌ و محاكمة وحكم واستقراء و استنتاج و تخَيُّل وتصوُّر، فنشاطُ العقل كبيرٌ، أحياناً الإنسان يتوَجَّهُ إلى بيته بغير تفكير و يقود سيَّارته و هو لا يشعر، فربُّنا عز وجل أعطانا في الدماغ مركزَ العمل الآلي رحمةً بنا، فكلُّ حركاتنا اليومية تنتقل إلى مركز العمل الآلي، تعملها و أنت لا تشعر، فالعقل البشري أعظمُ جهاز خلقه الله في الكون، وأعظم مخلوق هو الإنسان و أعظم ما فيه عقله البشري الذي يمكن أن يُوصلَك إلى سعادة الأبد، فجاء الإنسان و استخدمه للدنيا فقط، وإذا مات ترك كلَّ شيء و انتقل إلى دار أخرى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ألاَ يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألاَ يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة.أيَا رُبَّ مكُرِمٍ لنفسه وهو لها مُهين.
أحيانا الإنسان يترفَّعُ عن الدخل الحرام، و تكون حياتُه خشنةً و بيته صغيرًا و مَركَبتُه صغيرةً و لباسُه وسطًا، لكنَّه آثَرَ مرضاةَ الله عز وجل، و أحيانًا يقبلُ دخلاً كبيراً و لكنْ بطريقٍ مشبوه، فيُغَيِّر مركبتَه و بيتَه و يلبس و يترتَّب،" ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ".
ألا يا رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أورثَتْ حُزْنًا طويلا، واحد من الناس سافر لمهمَّةٍ خارج القُطْر زلَّتْ قدمُه فأُصيبَ بمرض جنسيٍّ وبقيَ عشرين عامًا يعالج و هو متزوِّج و له أولادٌ وبنات، فشهوةُ ساعةٍ أورثتْ حُزْنًا طويلا، وسيِّدُنا يوسف عِفة ساعة جعلتْهُ سيِّدًا، مِنْ أين جاء بهذه المكانة العُظمَى ؟ مِنْ دعوة امرأة ذات منصِبٍ وجمال لنفسها، فقال: معاذ الله إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(4 )﴾

[سورة النازعات]
أعطانا الله الكونَ والعقلَ و الفطرةَ، و أحيانًا الإنسانُ يرتكبُ عملاً خطأً و ما علِمَ بهذا الخطأ أحدٌ، أمَّا هو يعلمُ ذلك فينهارُ مِن داخله و يحتقر ذاتَه، لأنَّ احترام الإنسان لِذَاتِه شعورٌ لا يُوصَف، لكونه نزيهًا و نظيفًا و صادقًا أمينًا مُخلِصًا ومع ذلك قد يكون فقيرًا، الله تعالى يقول:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(8)﴾

[ سورة الحشر]
لكنْ فقرُهم وِسامُ شرفٍ لهم و الإنسانُ الغنيُّ معصيتُه وصمةُ عارٍ له ولأنَّ أهمَّ شيء هو احترامُ الذات، ولأنَّ احتقارَ الذات شعورٌ لا يُحتمَل لذلك مرَّةً مِنَ المرَّات سألوا ألفَ زوجٍ بِاسْتِبْيَانٍ عِلميٍّ في علم النفس لماذا لا تخونُ زوجكَ ؟ فجاءت الإجاباتُ متنوِّعةً صُنِّفَت تصنيفًا أخلاقيًّا إلى ثلاث زُمرٍ ؛ صنفٌ لا يستطيع أن يخونَها لأنَّها معه في العمل، هذه أدنى إجابة، وصنفٌ لا يحتمِلُ الشُّعورَ بالذنبِ ولا تأنيبَ الضمير و لا يحتمل شعورَ لخيانة، وهذا وسَطٌ، أمَّا الأرقى فنفسُه تعَافُ الخيانة مِن الأساس، قال عليه الصلاة والسلام:" نِعْمَ العبدُ صهيبٌ لو لم يَخَفِ اللهَ لم يعصهِ مَن السائِر في احترام ذاته، صادقًا في ذلك ليس عنده ازدواجيةٌ أبدًا و لا نفاق، ولا شيء مُعلَنٌ شيء و شيء مُبَطَّنٌ و لا مُجاملات و لا تمَلُّق، فهذا الذي يحترم ذاتَه إنسانٌ عظيمٌ و لو كانت حياتُه خشنةً ولو كان بيتُه صغيرًا و مركبتُه وسطًا، دخل على النبيِّ عليه الصلاة والسلام رجلٌ فقيرٌ فقال له عليه الصلاة والسلام:" أهلاً بِمَن خبَّرَني جبريلُ بقُدُومه، قال له الرجلُ أنا: قال: أنت في الأرض خاملٌ ولكنَّك في السماء عَلَمٌ،
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ
(( أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ))

[رواه النسائي]
ْ يُحبَّك اللهُ و رسولُه ليس بالشيء الهَيِّن، ألا تطمئِنُّ إذا كان الله يحبُّك و يرعاك و كنتَ في رحمة الله، فالطاعةُ أمامك، أطِعْ أمْرَنا نرفعْ لأجْلك حُجْبَنا فإنَّما نحن بالرضا مَنْ أحبَّنا، و لُذْ بحِمانا واحتَمِ بجنابنا لنحميك ما فيه أشرارُ خلقنا وعن ذكرنا لا يُشغِلَنَّك شاغلٌ و أخلِصْ لنا تلقَ المسرَّةَ والهَنَا.
أليس بإمكانك أن تكون صادقًا مع كلِّ مخلوق ؟ أليس بإمكانك أن تكون أمينا ؟ أن تكون عفيفا ؟ أن تكتفي بما قسمَه الله لك مِن زوجةٍ و مِن دخلٍ وأن لا تطمعَ فيما ليس لك؟ بإمكانك ؛ أليس بإمكانك أن تؤدِّيَ الصلوات الخمس في وقتها ؟ وأحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها أليس بإمكانك أن تنفق جزءًا مِن مالك، كلُّ ذلك بإمكانك، أليس بإمكانك أن تصلِّيَ الفجرَ في جماعة ؟ فأنت في ذِمَّة الله حتَّى تُمسِي أليس في إمكانك أن تصلِّيَ العشاء في جماعة ؟ فأنت في ذِمَّة الله حتَّى تُصبح، قال عليه الصلاة و السلام: لا تعجزْ عن ركعتين قبل الفجر أكفِكَ النهار كلَّه، فلذلك أعطانا العقل و أعطانا الكون و أعطانا الفطرة وأعطانا الشهوة لنرقى بها، و ما قيمة أعمالك الصالحة إن لم يُودِع فيك الله الشهوات، أودع فيك حُبَّ النساء وغضُّ البصر فيه شأنٌ كبير، لذلك لمَّا يطيع الإنسانُ ربَّه يشعرُ بالتَّألُّق و أنَّه اتصل به، لذلك يا ربِّ ماذا فقَدَ مَن وجَدك و ماذا وجد مَن فَقَدك، وأهلُ الدنيا ماعرفو الله ووصلوا إلى كلِّ شيء، و ما وصلوا إلى شيء، وأهل الآخرة دنياهم مُتواضعة لكنّهم عرفوا الله عز وجل فما فاتَهُم شيء.



والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 07:52 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثلاثون من سورة يس و هي قوله تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[سورة يس]
آيةٌ أي دليلٌ على وجود الله و كماله ووحدانيته وعظمته و رحمته وعلمه وقدرته ومحبَّته لكم، قال تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾

[سورة يس]
أنزلنا عليها الماء فأنبتت أصبحت ذاتَ حياة لنا، القمح نأكله و العدس نأكله و الشَّعير نأكله قال تعالى:

﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)﴾

[سورة يس]
هناك محاصيل استراتيجية كالقمح وهو قِوام حياة الناس قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)﴾

[سورة يس]
هناك نباتات أخرى و فواكه ؛ تفَّاح وعنب... أشجار جميلة ألوان زاهية و روائح عطرة و طعوم طيِّبة، قال تعالى:

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[سورة يس]
يجب أن تعلم علم اليقين أنَّك حين تشتري التفاح تدفع ثمن خدمته أمَّا هو فلا ثمن له أو لا يُقدَّر بثمن، ولو أنَّ أهل الأرض جميعا اجتمعوا على أن يصنعوا تفاحة واحدة ما استطاعوا، فكلُّ أنواع النباتات و الخضر و الفواكه والمحاصيل ماذا فعل الفلاَّح؟‍‍‍‍ ألقى حبَّةً في الأرض وهذه الحبَّةُ كائنٌ حيٌّ راقٍ جدًّا، بائع البذور يقول لك: هذه البذرة تقاوم البرد, إنتاجها مُبكِّر وحموضتها عالية، والمادة النسيجية فيها كثيرة، والماء قليل، وهذه للتصدير، وهذه للاستهلاك، كم نوعا في الطماطم مثلاً ؟ أنواع كثيرة فإذا وقفْتَ أمام بائع بذور النباتات ؛ وقلت له يعطيك بذور الخيار فيقول لك: هذه البذرة غالية لأنَّ إنتاجها مبكِّر لأنَّ حبة الخيار طويلة و جميلة و فيها لمعة وتقاوم الحشرات، يعطيك صفات عِدَّة و كلَُّ صفة أمرٌ مُبَرمجٌ بالُرشَيْم، كم من أنواع العنب عندنا، ثلاثمائة نوع عنب، وأربعة آلاف و خمسمائة نوع قمح وهناك ساعة للمواقيت فيها سبعون ألف، هل تُصَدِّقون في بعض نباتات الزينة الغرام الواحد فيه سبعون ألف بذرة ؟ وكلُّ بذرة رُشَيْم وسُوَيْق وجُزَيء وتحوي حوالي خمسة آلاف أمر مُبَرمج، فعالَم البذور عالَمٌ قائم بذاته، أمريكا متخلِّفة عن هولندا في البذور بخمسين سنة، والآن التهجين و التطعيم أمر عجيب تُدرَس في كُلِّيات الزراعة في سنوات والله تعالى لخَّصه في كلمة، قال تعالى:

﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[سورة يس]
أنت مأمور مِن رسول الله أن تُسمِّيَ الله قبل أن تأكل لأنَّك حينما تأكل هذه الفاكهة لستَ أنتَ الذي صنعْتَها وليس مِن قُدرتك، إنَّما هي قدرة الله، إذا أعطيناك بيتًا قدرُه خمسون مليون ليرة مملوء بالأثاث ثمَّ أعطيناك المفتاح فهل أنت الذي بَنيْتَه ؟ المفتاح يساوي خمسةً وعشرين ليرة، أنت ما فعلتَ شيئًا أبدًا، إنما أُعطِيتَ المفتاح وسكنتَ البيت، أنت حينما حملتَ كأس الماء، أنتَ خلقتَ الشمس المُسلَّطة على البحار ؟ أنت الذي جعلتَ أربعة أخماس اليابسة بحارًا ؟ أنت الذي صمَّم قانون التَّبخر ؟ أنتَ الذي حرَّك السحاب بالرياح إلى أماكن بعيدة واجهتْ جبهةً باردة فصار مُعصرات و انقلب إلى مطر فصار ينابيع وأنهارًا و ماءً زُلالاً، أنتَ إذا قلتَ بسم الله الرحمن الرحيم يجب أن تعلم أنَّك تشرب كأس الماء لا بذكائك ولا بقدرتك ولكن بقدرة الله وعلم الله ورحمة الله و فضل الله، هذه هي البسملة، أمسكتَ رغيف الخبز قلتَ بسم الله الرحمن الرحيم، في قشر القمح هناك ستة فيتامينات و ثمانية معادن و كلُّ المواد المفيدة بقشر القمح، ونحن بجهلنا الفاضح نُطعم الدوابَ النخالة و نأكل النشاء صرفًا، وقال أحد علماء التغذية: احذَرُوا السموم الثلاثة: الخبز الأبيض الناصع وهو النشاء ؛ و الملح والسُّكر الصناعي، فالإنسان إذا استعاض عن السُّكر بالفاكهة واستعاض عن الخبز الأبيض بالأسمر كانت له فائدة، وأوَّل بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم هي نَخْلُ الدقيق، فالله تعالى قال:

﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[سورة يس]
وأنت لمَّا تسمِّي تفكِّر في الماء ؛ كيف جعله الله سحابًا و مطرًا و ينابيع مُتفجِّرة، فنبْعُ الفيجة يعطي أيام قوَّته اثنين وثلاثين متر مكعب في الثانية و في الأيام العادية ستة عشر و في أيام الجفاف مترين أو ثلاثة، و مدينة دمشق فيها نهارًا ستةُ ملايين يشربون مِن نبع واحد وهذا النبع يمتدُّ مِن دمشق إلى حمص ومِن سيف البادية إلى منتصف لبنان و التدفقُ باعتدال على مدار السنة، مَن الذي صنع الماء وصمَّمه والماء المُحَلَّى في السعودية يؤذي الإنسان لأنَّ الماء فيه معادن وأنتَ تأخذ حاجتك مِن المعادن مِن ماء الشُّرب، مَن الذي أمر المعادن أن تزول في الماء ؟ و مَن سمح بالتَّحليل ؟ فأوَّل شيء في البسملة أن تتذكَّر وأنت جالس على مائدة الطعام التي فيها طبقان أو أكثر أن تتذكَر مَن صنع ذلك، مَن صنع السمن ؟" السمن جاء مِن البقر و البقر مَن خلقها ؟ فأنت لمَّا تُسمِّيا الله تدخل على هذه النِعَم لا بقدرتك ولا بمالك ولا بذكائك، لكنْ بقدرة الله وعلم الله ورحمة الله ولطف الله بين يديك.
المعنى الثاني للبسملة ؛ يجب أن تأكل وفق منهج الله، أن تأكل طعاما حلالا و أن لا تأكل حرامًا لا لعينه ولا لغيره، لأنه عندنا حرام لِذَاته و حرام لغيره، فالحرام لذاته أن تأكل لحم خنزير، والحرام لغيره أن تأكل لحمًا حلالا لم تدفع ثمنه أو ثمنه حرام مِن مال مشبوه، واحد غشَّ في بيعه ثمَّ اشترى لحما فهذا الأكل حرام لأنَّ ثمنه فيه غش وحرام، لذلك الدخل الذي فيه تدليس و كذب و احتكار واستغلال يجعل المالَ حرامًا، و كل لحم نبت مِن حرام فالنار أولى به، وأنت حينما تُسمِّي يجب أن تتذكَّر أنَّ هذه النعم لم تدفع ثمنها ولكنْ دفعتَ ثمن خِدمتها، والبسملة أن لا تأكل حرامًا و لا تأكل كثيرًا و لا تُسرِف لا كَمًّا و لا نوعًا:
عن الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ))

[رواه ابن ماجه]
فأنت حينما تُسمِّي تذكر نِعَمَ الله عليك و تذكر منهج الله الذي أمرك به فكلَّما سمَّيتَ في قضية تذكَّرْ النِعم وتذكَّر المنهج انطلقتَ إلى عملك ؛ بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ فتحتَ الدُّكان، فيجب أن يكون كلَّ ما في الدُّكان على وفق منهج الله، ويجب أن تذكر أنَّ الله جعلك تاجرًا وأعطاك محلاًّ تعيش منه و قدرات عقلية و خبرات لكسب الرزق، و يجب أن يكون البيع والشراء وفق منهج الله قال عليه الصلاة والسلام
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(( يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[رواه البخاري]
فكلمة

﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

[سورة يس]
لها معنىً ثانٍ، إذا أكلتَ معمولة و هي مِن صنع يدك و لكنَّ مُقوِّماتها من صنع الله عز وجل، فلك أن تفهمها نافية، ولك أن تفهمها مصدرية، وفي الحالين كله مِن نِعم الله عز
وجل أفلا يشكرون.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 08:02 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والستون من سورة يس و هي قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
الإنسان في الأصل مُخَيَّر و الاختيار أصلٌ في التكليف، ولولا أنَّه مُخَيَّر، ما كُلّف و ما سُئِل،و كُوفِئ ولا عُقِب،و ما وُجِد ثوابٌ و لا عقابٌ، و لا كانت جنَّةٌ و لا كانت نارٌ.
أصل التكليف أنَّ الله سبحانه وتعالى كلُّ شيء أودعه في الإنسان حيادي يُمكن أن يستخدمه في الخير و يُمكِن أن يستخدمه في الشَّر لأنَّه مُخيَّر، و مِن هذه الأشياء التي وهَبك الله إياها العقلُ، وهو أعظمُ جهاز أودعه الله في الإنسان على الإطلاق، فالإنسان هو المخلوق الأوَّل وأعظم جهاز أودعه الله فيه هو العقل، ومِن خلال العقل يُمكن أن تعرف الله، وتعرف منهجه، و تعرف ما يُرضيه وما يُغضبه وأن تسعد بِقُربه في الدنيا و الآخرة، إلاَّ أنَّ الإنسان كما قُلتُ قبل قليل مُخيَّر، فحينما يختار الشَّر يجُد أنَّ عقله يُمكن أن يستخدمه في شيء آخر غيرِ معرفة الله ؛ في فلسفة الشَّر، فتجدُ في الدنيا ناسًا يقترفون كلَّ الجرائم ويُفلسِفون جرائمهم على شكل مبادئَ و أفكارٍ و مذاهبَ فهناك فكرٌ تبريري أساسه الانحرافُ، لذلك تجد الإنسان في الدنيا مُتفلِّتًا غيرَ مُلتزمٍ يسيئُ و يعيش لِذَاته ويبني أمجاده على أنقاض الآخرين، ومع كلِّ هذا الانحراف يُفلسِف سلوكَه على أنَّه واقعيٌّ وعلى أنَّه منفتح، فمَن الذي جعله يفعل كلَّ هذا ؟ هذا الفكر و ذاك العقل الذي أودعه الله في الإنسان ليعرف الله به فإذا هو يستخدمه لغير ما خُلِق له. هناك في السُّوق الآن آلاتٌ طابعةٌ مُلوِّنةٌ يُمكن للمهندس أنْ يستخدم هذه الآلة و يربح منها الآلاف المُؤَلَّفة، لأنَّه يُمكن أن نستخدم هذه الآلة لكسب الرزق الحلال الوفير، ولو أنَّ صاحب هذه الآلة خَطَرَ له أنْ يُصوِّر العُملة الصعبة ؛ الدولار مثلاً، وقد فعلها الكثير وهم بالسجن استخدموا هذه الطابعة المُلوِّنة في تزوير العُملة، فحينما استُخدِمت هذه الطابعة لغير ما صُمِّمَتْ له عُوقب صاحبُها بالسِّجن، ضربْتُ هذا المَثلَ لِأرِيَكُم كيف أنَّ العقل البشري يُمكن أن يقودك إلى الله وإلى طاعته وإلى جنَّته و إلى الفوز بالدنيا و الآخرة، والعقل نفسُه إنْ أسيء استخدامُه أو إنِ اِستخدمْتَه لغير ما خُلِق له يُمكن أنْ يقودك إلى النار فلذلك الإنسان الكافر الفاجر في الدنيا يُفلسِف لك حياته المنحرفة و يُفلسف لك كسب المال، يأخذ ما ليس له، ثُمَّ يُعطي هذا العمَل طابَعًا فلسفيًّا مقبولاً.
الآية اخترتُها لكم اليوم لِأنَّ القدرة العقلية لفلسفة المعصية َفقدها الإنسان يوم القيامة، قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
فالقدرة على فلسفة المعصية و التبرير و التسويغ و قلب الحقِّ باطلاً والباطل حقًّا، هذه القدرة العقلية المنحرفة التي يُغطِّي بها الإنسانُ انحرافَه تصبح يوم القيامة مُعطَّلةً، قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
يقولون مثلاً نحن جِئنا بالتَّعليم المُختلَط حتَّى يصير هناك تهذيبٌ للمشاعر، وليس الأمرُ كذلك، الآن في أُوروبا يُمارس الزنا في دورات المياه في المدارس و اللُقطاء بِمِئات الأُلوف، و أنت تقول مِن أجل تهذيب المشاعر، يُفلسفون شيئًا حرَّمه الله، ثمَّ نتفاجأ بأمراض لا تنتهي، هذا مِن جرَّاء فلسفة المعصية، يقول: أنا منفتح وواثقٌ مِن زوجتي حتَّى يتورَّط في الخيانة الزوجية، فالقصد مِن هذا كلِّه أنَّ كلَّ المُسوِّغات و المبرِّرات والفلسفات و المنطق التبريري الذي يستخدمه الإنسان في الدنيا يَفقده يوم القيامة، قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
فأعمال الإنسان تُعرَض عليه عملاً عملاً بشكلها الصحيح ووقتها ومُلابساتها و بيئتها و عواملها ونواياها، قال تعالى:

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾

[سورة الإسراء]
الإنسانُ في الدنيا بإمكانه أن يَخدع كلَّ الناس لبعض الوقت و بإمكانه أن يخدع الناس لكلِّ الوقت، أمَّا أن يخدع الناس في كلِّ الوقت فمستحيل، هذا في الدنيا مستحيل، فكيف عند الواحد الديَّان ؟!.
الإنسان إذا لم يعرف الله عز وجل يظنُّ أنَّ معه حُجَّةٌ و يُبرِّر لنفسه أمَّا إذا عرف الله عز وجل وأنَّه يعلم السِّرو أخفى و يعلم الخبايا و الخواطر يستقيم على أمره، وأكثرُ الأشياء التي يقع فيها الناس موضوع الميراث، فيحرِم بناته بِحُجَّة أنَّ هذا المال يذهب للغريب فهل زوجُ ابنتك و حامي عرضها غريب ؟ فلماذا تحرِم بناتك مِن الميراث ؟ هذا خِلافُ الشرع، و أحيانا يكون عنده أولادٌ مِن زوجة لا يُحبُّها، فيحرِمهم مِن كلِّ شيء، و يعطي أولادَ التي يحبُّها، فيوقع نفسه في الظلم بفلسفته، وماذا يوم القيامة ؟ قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
عندي صديق له زوجة مِن أُمٍّ مُطلَّقة لأبيها، فاشتهتْ هذه الزوجة أن تزور أباها يوم العيد، فذهبتْ مع زوجها وأولادها، فوجدت بناته مِن زوجته التي يعيش معها كلَّهنَّ في البيت و قد أعطى أبوهم كلَّ واحدة خمسة آلاف , و أعطى بنته مِن زوجته المطلَّقة خمسمائة ليرة ثمَّ أمرها بالخروج مِن بيته، فبقيت الزوجة تبكي شهرًا كاملاً، وهذا ظلم والظلم ظلمات يوم القيامة، فإذا لم يُدخل الإنسانُ في حسابه خالق الكون و لم يعدل في أبنائه فإنَّه سيحاسبك على ذلك،
عَنِ النُّعْمَانِ ابْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ
(( سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ))

[رواه البخاري]
أنت حينما تفرِّق في الوصيَّة أو في توزيع الإرث بينَ ابنٍ مُحِبٍّ وبينَ ابنٍ غير محِبٍّ تزيد البعيد بُعدًا و تزيد العاق عُقوقًا، أمَّا إذا عدَلتَ‌ تُؤلِّف بينهم، ولعلَّ هذه العداوة تزول.
فيا أيُّها الإخوة الأكارم ؛ أعمالنا يجب أن تكون مغطَّاةً بالشرع، أمَّا أن نجد لها تبريرا و تسويغًا نتفلسف به على الله عزوة جل و نقول: فعلْنا هكذا لأنَّه هو اللائق، وهل هذه الحُجَّة مقبولةٌ يوم القيامة ؟ و قد لا يُتاحُ لك يوم القيامة أن تقول كلمةً، قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
أحيانًا الإنسان يُطلِّق زوجته طلاقًا تعسُّفيًّا بعد طول عشرة -بذنب أو بغير ذنب -وحتَّى يرتاح يلجأُ إلى تكبير أخطائها و يَفضحها، أمَّ يوم القيامة فهذا الكلام عند الله غير مقبول، فما ذنبها بعد طول عشرة ثمَّ ألقيتَ بها في الطريق و لا أحدَ لها، فالإنسان لا بُدَّ أن يتأنَّى كثيرًا قبل أن يتخِّذ قرارًا ومعه تبرير لذلك، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(7)﴾

[سورة الأنبياء]
و قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾

[سورة الفرقان]
ففي أمور الدنيا اسأل به أهل الذكر و في أمور الآخرة اسألْ به خبيرًا حتَّى لا يَتوهَّم الإنسان أنَّ معه حجَّةٌ وهي غير مقبولة، فكلَّما سُئِلتُ عن موضوع إعطاء ابن شيئًا في حياته هو خلاف الإرث ؛ أقول له: معك لله حُجَّة، فيقول: كيف ذلك ؟ فأقول: إذا كان عندك ابنٌ مُصابٌ بعاهة و هيَّأْتَ له دكَّانًا فمَعَكَ حجَّة، إخوتُه يعملون جميعًا فأنت معك حجة، فلا بُدَّ أن تُهيِّئ لله جوابًا مقبولاً، أمَّ أن تأتيَ بفلسفة لكلِّ انحراف قد لا تُقبَل عند الله عز وجل، فالآية هذه دقيقة جدًّا، أي يجب أن تكون تحت سمعنا و بصرنا، قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]
فكلُّ حركاتك وسكناتك مُسجَّلة بالصورة والصوت واللون والوقت والتاريخ، فالإنسان بسيط لو أراه الشرطيُّ صورة سيَّارته بالوقت والمكان والمخالفة، هل يستطيع أن يتكلَّم كلمة ؟ فهذا الإنسان ؛ فكيف بخالق الأكوان ؟!.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 08:04 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ السابعةُ و الستُّون من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]
كأنَّ هذه الآيةَ تشير إلى نعمةٍ عُظمى أنعم الله بها علينا وهي نعمة القوَّة الإدراكية و الذاكرةُ، فأحدُنا ينطلق من بيته و يعود إلى بيته دون أن يفكِّر في معرفةِ الطريقِ المُوصِلِ إلى بيته، و أحدُنا يدخل عليه ابنُه فيعرفُه و يدخل إلى دكَّانه فيعرف كلَّ ما فيها من البضاعةِ، هذه القوَّةُ الإدراكيةُ و هذا التَّذكُّرُ من نِعَم الله تعالى علينا.
أحدُ إخواننا الكرام تُوُفِّيَ رحمه الله، و قبل أن يموت بعامين تقريبا و له معملٌ في منطقة القَدَمِ، ركب مركبته واتَّجه نحو بيته، فنسيَ بيتَه، و بقيَ نصفَ ساعةٍ وهو يدورُ، أين بيتي ؟! لكنَّه تذكَّر بيتَ ابنه فذهب إلى بيت ابنه ليدُلَّه على بيته، و لما عالجه الأطِبَّاءُ قالوا إنَّه فَقَدَ الذاكرةَ جزئِيًّا، أحد الصيادلة في المهاجرين فقَدَ ذاكِرَتَهُ كُلِيًّا إلى حدّ أنَّه دَخَل عليه ابنُهُ مِن أمريكا فما عرفهُ ! أحيانًا بعض المرْضى إذا تَقَدَّمَت بهم السِّن لا يعرفون أحدًا يدْخُل عليهم، فأنت لمَّا تدْخُل المسْجِد تضَعُ حِذاءَكَ في مكانٍ مُعَيَّن، وبعد أن تنتهي الصَّلاة تذهب بِشَكلٍ طبيعيّ لِتَأخذ حِذاء، فَكُلّ شيءٍ تفْعَلُهُ له مكان في الذاكرة فأنت حينما تدخل عند الصَّيدلي، وتسألُه إن كان له هذا الدَّواء، تَجِدُه يذْهب إلى أحد الرُّفوف من الجهة كذا وفي الطابق كذا، ويأتيك بالدَّواء، معنى هذا أنَّ كلّ الصَّيْدَلِيَّة في ذِهْنِهِ، فالبيت والمحل ؛ كلّ هذه يُمْكِن أن تكون بِذِهْنِكَ، وأنت إذا عشت سبعين سنة، يكون لك في ذِهْنِكَ سبعين مليار صورة ! وأيُّ إنسان يتَّصِل معك على الهاتِف فيقول لك: هل عرفْتني؟ تقول له: أنت فلان ! فما هذه الذاكرة ؟ العلماء قالوا: هذه الذاكرة مُقَسَّمَة إلى أنواع ؛ فَهُناك ذاكرة شَمِّيَّة فأنت تُمَيِّز أنواع الروائِح، فأنت مِن خلال لحظات تسْتطيع أن تعرف نوع الرائِحَة، فهذه الذاكرة هِيَ مِن أعظم النِّعَم الإلهيَّة، وهي أسْرع مِن الكمبيوتر، إذْ هناك الآن حواسِب تقرأ بالثانية أربعمائة وخمسون مليار حرف في الثانِيَة، فالطبيب مِن خِلال نظْرة يقول لك: معك كذا وكذا هذا يعني أنّ الطبيب بِذَاكِرَتِهِ ملايين المعلومات التي جَعَلتهُ يكْشِف مرضَكَ، وكذا المحامي والصَّيدلي، والآن هناك حِرَف مِعَقَّدة جدًّا، لذا لولا الذاكرة لما اسْتَطاع الإنسان أن يعيش، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]
أحد الإخوة خرج من بيتِهِ وكان ذا مستوى رفيع علميًّا، خرجَ ولم يعرف العَودة ! بَحَثوا عنه فإذا هو بالقنوات !! قال تعالى

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]
وبالمناسبة، فقْد الذاكرة الكُلِّي أو الجُزئي هو نوعٌ مِن الخرَف، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((مَن تعلَّم القرآن متَّعَهُ بِعَقْلِهِ حتَّى يموت...))
ونحن عندنا قاعِدَة بالطِّب هي أنَّ العُضْوَ الذي لا يعْمَل يضْمُر، فكلّ إنسان يعْمَل بِذِهْنه، فالذي يُصَلِّي خمْس صلوات باليوم يقوم بِنَشاط ذِهني، لي قريبة وهي أُخْت أُمِّي، أُصيبَت بِضيقٍ في شرايين الدِّماغ، فقال: حدِّثوها ! فقلتُ: وهل هذا هو الدَّواء ؟! فقال الطبيب: نعم، إنَّكم إن حدَّثتموها أرْغَمْتُموها على أن تُجيب ؟ عَمِلَت خلايَا الدِّماغ، فاتَّسَعت الأوْعِيَة، ورُوِيَ المخّ بالدَّم، فهذا الذي يُصَلِّي ويحْضُر مجالسَ العِلم ؛ هذا يعْمل بِذاكِرَتِهِ دائِمًا، فهذا النَّشاط الفِكري الدائِم يقيهِ مِن نشاط الذاكرة، ويقيهِ مِن فقْدِ الذاكرة.
فنحن قلنا هناك ذاكرة شَمِيَّة، وذاكرة ألوان، وذاكرة أشْكال، وذاكرة أصْوات، وخمسة آلاف مليون بالعالم ؛ لا يوجد ولا واحد يُشْبِهُ الآخرة بِنَبْرة صَوْتِهِ ! لذا أنت تعرف الناس بالهاتِف بِنَبَراتِ صَوْتِهِم أذْكُر أنَّه مرةً اتَّصل بي شَخص فقال لي: هل عرفْتني ؟ فقلتُ له: لا فقال: أنا فلان الفلاني، فهذا الشَّخص نسيتُهُ لأنَّه دخل السِّجن، وفي اليوم نفْسِهِ الذي خرج منه اتَّصل بي، فأنا كنت قد أخليتُ ذاكرتي منه جرَّاء دُخوله السِّجن، فلذلك نسيتُهُ، وما اسْتَحْضرتُ نبْرَةَ صَوْتِهِ وكذا أرقام الهواتف، لذا قا العلماء: هناك بعض الأمور الدقيقة جدًّا تُحْفَظ في مكان دقيق، وبعض الأمور تُحْفَظ في مكانٍ مُتَوَسِّط وبعض الأمور تُحْفَظ في مكانٍ بعيد، فالأشياء التي لا قيمة لها توضَع في مكان بعيد في الذاكرة، فالذاكرة شيء لا ينتهي، ففي عالم الحيوانات هناك دودة لها اسم خاص يدْرُسها طلاب الشهادة الثانوِيَّة، وهذه الدودة إذا قَطَعْتها نملة ذَنَبُها رأْسًا، ونمى رأسُها ذَنَبًا، وهذه مِن أنْدَر المخلوقات ! أخذوا هذه الدودة ووضَعوها في محلول - مِن أجل معرفة الذاكرة - كَهْربوا المحلول وتألَّق مِصباح كهربائي موصول وعلى مُدَّة سِتَّة أشْهر كَهربوا المحلول، فاضْطَرَبَت، ولم يتألَّق المِصْباح !! هذه أبْسَط نوع من أنواع الذاكرة، ارْتبَك كهربَة المحلول مع تألُّق المِصباح، فلمَّا تألَّق المصباح وحْده اضْطربَت هذه الدودة لذا أيها الإخوة موضوع الذاكرة وحْده شيء مُذْهِل، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]
هذه الذاكرة من آيات الله الدالة على عظمة الله، حدَّثونا بعض الأساتِذة في الجامعة أنَّهم رسَموا دائِرَتين مُتَداخِلَتين، وقالوا: هذه ذاكرة الذَّكاء وهذه دائرة الذاكرة، فليس شرْطًا أن يكون الذَّكي ذا ذاكرة قَوِيَّة، وليس شرْطًا أن يكون ذو الذاكرة القِويَّة ذَكِيًّا، ولكن لا بدّ مِن منْطِقَةٍ مُشْتركة بينهما، فكلّ إنسانٍ له قُوَّة مُحاكَمَة قَوِيَّة لا بدّ له من ذاكرة قَوِيَّة، وكلّ إنسان له ذاكرة قَوِيَّة فهذا يعني أنّ له مَلَكات قَوِيَّة، ولكن الذاكرة شيء، والمُحاكَمة شيء آخر، لذا إذا الله تعالى متَّع الإنسان بِذاكرة فهذه نِعْمة كبيرة، ومن تعلَّم القرآن متَّعَه الله حتَّى يموت، قال تعالى:

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[ سورة الحج ]
فالذي يصلِّي ويحضر مجالسَ العِلْم، وفكَّر في خَلق السماوات والأرض، فهذا في الأعمّ الأغْلَب مَحْفوظ أن يَخْرف أو أن يُرَدَّ إلى أرْذَل العُمر، وهذه الآية في سورة يس مُهِمَّة جدًّا، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)﴾

[ سورة يس ]










والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-29-2018 08:05 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس ( 36 )

الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ السابعةُ السبعون والتي بعدها من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)﴾

[سورة يس]

أوَّلاً قوله: يَرَ ! فمَن مِنْكم رأى كيف خلقَهُ الله عز وجل ؟! يبْدأ الوعي والتَّمييز في سِنِّ الخامسة، هل مِنَّا من يستطيع أن يرى يوْمَ كان نُطْفةً كيف خَلَقَهُ الله عز وجل ؟ العلماء قالوا: إن لمْ تَرَ كيفَ خُلِقْتَ، ألا ترى كيف خُلِقَ ابنُك ؟ فكُلّ إنسانٍ تزوَّج، وهذا الماء المهين، الخمس مائة مليون حُوَين، والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَين واحِد، والحُوَين لا يُرَى بالعَين، فَيَدْخُل إلى البُوَيْضَة ويُلَقِّحُها، وهذا الحُوَين عليه بالنَّواة خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة ؛ شَكْلُ الإنسان وطولُه ولوْنُهُ ونوع شَعْرِه، ولون عَيْنَيْه، وشَكل رأسِه، ونوع عِظامِهِ، وبلازْمَا الدَّم، وقُزَحِيَّة العَيْن، ونَبْرَة الصَّوت، حلْوٌ أو غير هذا، فَكُلّ خصائِص الإنسان على نواة الحُوَين المَنَوي، الذي لا يُرَى بالعَين، والبُوَيْضَة فيها كذلك خمْسة آلاف مليون معْلومة مُبَرْمجة، وهذه المَعلومات تتفاعَل، وتتَّحِد، لذا قال عليه الصلاة والسلام:

((اغْتَرِبوا لا تضْوُوا...))

فلو أنَّ هناك عناصِر ضعيفة بالحُوَين أو البُوَيْضة بِسَبب القرابَة، فالضَّعْف يزْداد، أما إذا كانت هناك عناصِر مُتنافِرَة، فالحُوَيْن والبُوَيْضة، يُؤْخَذُ منهما العنْصر الأقْوى، فالإنسان كلَّما ابْتَعَد في زواجِهِ جاءَهُ النَّسْلُ قَوِيًّا، وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّهُ عُقِدَ في دِمَشق قبل عشْرة أعوامٍ تقريبًا، أسبوع العِلم، وكان مِن أبْرَزِ مَوضوعاتِهِ تَحسين النَّسْل، وقد أُلْقِيَت مُحاضَرات مِن علماء كِبار مِن شَتَّى العالَم، وقام رئيس المَجْمَع العِلمي العربي رحمه الله، وألْقى كلمة مُخْتَصرة فقال: كلّ هذه المُحاضَرات مُلَخَّصُها قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام: اغْتَرِبوا لا تَضْووا ! فهذه النُّوَيَّة التي في الحُوَين المَنَوي عليها خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة، وكذا البُوَيْضة، فهذه المعلومات تتفاعَل، قال تعالى:

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾

[سورة الإنسان]
هذه الأمْشاج هي اخْتِلاط المعلومات، فإذا كان بالمعلومات قُوَّة وضَعْف، فالمَخلوق يأخذ الصِّفة القَوِيَّة، أما إذا كان الضَّعف مِن الجِهَتَين فالضَّعف يزْداد فالنبي عليه الصلاة والسلام لا عن عِلْمٍ ذاتي، ولا عن ثقافَةٍ حصَّلها ولا عن حضارةٍ اسْتَوْعَبَها، بل عن وَحيٍ إلهي، وما ينطِق عن الهوى، قال تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

[سورة النجم]
أعرفُ إنسانًا مُقيمًا في بلْدة قريبة من دمشْق جاءَهُ خمْسة أولاد عُته وبُلْهٌ، فلمَّا سأل عن السَّبَب، عرف الحقيقة، وهو أنَّه تزوَّجَ أُخْتَهُ مِن الرَّضاعة وهو لا يدْري !! لذلك الأوامر الإلهيَّة مِن نتائِجِها ما سبق ذِكرهُ، فلمَّا حرَّم الله الأخت مِن الرَّضاع، لأنَّ هناك عناصِر مشْتركة، فيأتي الولَد أبْله، وعِظامُهُ هشَّة !
قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)﴾

[سورة يس]
أصبَحَ يتفلْسَف، ويقول لك: أنا لا أومِن إلا بِشَيءٍ أراهُ بِعَيني ! هو في الأصْل إعْجاز نُطفة من ماء مهين، ومن بُوَيضة، وانْقِسامات ؛ وتشكَّلت العِظام و كسى الله العِظام لحْمًا، وفي تِسعة أشْهر خرج الجنين ؛ هذه كُلُّها لم يرَها، وهذا الطِّفل يضْحك ويتثاءَب، ويُصيبُهُ السُّعال، ويأكل ويسْحب الهواء، ويخرج منه البراز، وقلبُهُ ينْبض ومائة وأربعين خَلِيَّة بِدِماغِهِ، وأربعة عشرة مليار خلِيَّة قِشْرِيَّة وتسعمائة ألف عصَب بصري بِعَيْنِهِ، وألف وخمسمائة كيلومتر طول أوْعِيَةِ دَمِهِ وطريق بالكليتين طوله مائة كيلومتر !! ويقْطَعُهُ الدَّم في اليوم خمسة مرَّات، والأسنان عالم قائِم بذاتِهِ، فهذه لها لبّ، ووِعاء وشِريان وعصَب ؛ كلّ هذا من الماء المهين، وأقسى عُنصر في الأرض بعد الألماس هو الأسنان ! وهذا السِنّ مُسْتَنِد إلى وِسادة فإذا الإنسان عصَّب وضَغط على أسنانه هناك حوالي ربْعِ ميلي يتجاوبون معه، ولولا عَظْم مُسْتَنِد لانْكسَرَت أسنان الإنسان، فهذه الوِسادة تمْتَص الصَّدمات، فَعِلْم الأسنان عِلْمٌ قائِم بِذاتِهِ.
والشَّعْر عِلمٌ آخر، فلو أنَّ الله تعالى وضَعَ بالشَّعْر عصَب مُحَرِّك لاحْتَجتَ إلى عَمَلِيَّات جِراحِيَّة مُعَقَّدة مِن أن حلق الشَّعْر، وكذا الأظافر خالِيَة من الأعصاب الحِسِيَّة، فهذا مِن نِعمة اله عز وجل.
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)﴾

[سورة يس]
ألَمْ ترَ ابْنَكَ ؟ وهل يوجَد من لا يعرف ابْنَهُ، خطَب وتزوَّج وبعد كم شَهرٍ حَمَلَت زوْجَتُهُ، فوَلَدَت وجاء طِفل، وكبُر، فابنُكَ الذي الآن تراه أطْوَل منك، كان نطفة ماء مهين ! فهذا عَظمُ عُنق الفَخِذ يتحمَّل مائتين وخمسين كيلو غرام، والثانية مائتان وخمسون، فالإنسان المتين له أن يتحمَّل وزْن خمسمائة كيلو !! فهذا كان ماءً مهين، فَبِفَضْل عَمَلِيَّة تَجري في العِلم اسْمُها التَّرسُّب، فَمِن أين جاءَت هذه الأسنان القاسِيَّة وهذا العَظم الثَّخين ؟ جاء مِن عَمَلِيَّة اسْمُها التَّرسُّب، يأتي هذا الحليب فيه مُركَّبات الكِلْس، وتأتي هذه الخلايا فَتُرَتِّب الكِلْس في العِظام، ويُصْبِحُ متينًا، فاللَّحام تَجِدُه يكسِر العَظم أحيانًا بِحَديد حادَّة وقَوِيَّة ولا يُكْسَر العَظْم ! فهذه كان أصْلُها ماء، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)﴾

[سورة يس]
يتفلْسَف الإنسان، فهل يُمكن أن تؤمن أنَّ هذه العُلْبَة من المحارِم التي أمامك، جاءَت هكذا ! وسَبَهْللاً !! وهذا الإنسان الذي يَحَار العَقْل في تَطبيقه، فهل تؤْمِن أنَّ الإنسان مِن دون خالق ؟ فإذا هو خصيمٌ مُبين، يقول لك: أنا لسْتُ قانِعًا بِهذا الدِّين وهذا العَصر عَصْرُ التَّقَدُّم وعصْر العِلْم، وأحيانًا يقول لك: هذا الإنسان نَتيجة شُعورِهِ بالضَّعْف تديَّن ! فالدِّينُ دليل ضَعْف الإنسان !! وأحيانًا تُقامُ مُحاضَرات في الإلْحاد، والطَّعْن بالدِّين، ويُقالُ له الدُّكتور الفلاني !! والطِّفْل تجِدُ فيه طِباعًا رُكِّبَت فيه يذْهَل العَقل في فهْمِها، قال تعالى

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)﴾

[سورة النجم]
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)﴾

[سورة يس]
كلٌّ مِنَّا رأى القبْر، ونظر إلى بقِيَّةٍ مِن العِظام فيه، قال تعالى

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)﴾

[سورة يس]

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]
هذه الآية إن شاء الله نرجئها إلى درْس الغد.





والحمد لله رب العالمين



الساعة الآن 07:20 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.