منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-20-2018 12:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: الآيات الأخيرة من سورة النَّمل لها مِحْوَر ؛ كيف أنَّ المسْبَحة أو السُّبْحة فيها حبَّات وفيها خيْط وهذا الخيط لا يُرى ولكن دليل وُجودِهِ ترابُط هذه الحبَّات، فنحن الآن أمام مجموعة آيات، وهناك مِحْوَرٌ يَجْمَعُ بينها جميعِها، ما هذا المِحْوَر ؟ قال تعالى:

﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل )
خلقَ السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً، وأنْبَتَ بِهذا الماء حدائِقَ ذاتَ بَهْجَة لا يسْتطيعُ البشر جميعًا ولو اجْتَمَعوا أن يُنْبِتوا قَمْحًا ولا زرْعًا.
قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾

(سورة النمل )
جعلها تدور بهذه السُّرْعَةَ حوْل نفْسِها، وحَوْل الشَّمْس، ومع دورانِها مُسْتَقِرَّة، ومدارُها إهليلجي ولها قطر طويل وآخر قصير، ومن جعلها تزيدُ من سُرْعَتِها ؟ لينشأ من سرعَتِها قُوَّة نابِذَة تُكافِؤُ القوَّة الجاذِبَية ومنْ جَعَلها تُخَفِّضُ من سُرعَتِها ؟ كي تَقِلَّ قُوَّتِها النابِذة لأنْ لا تتفلَّت مِن مسارِها حَوْل الشَّمْس؟ ومن جَعَل تسارُعها بطيئًا ؟ ومَن جَعَل التباطؤ بطيئًا ؟ ومن جَعَل الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض ؟ قال تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)﴾

(سورة النمل )
هذه الآيات كُلُّها فيها مِحْوَر، وهذا المِحْوَر أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، ولم يطْمَئِنّ إلا إذا ركَنَ إلى قُوَّة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

[ سورة المعارج ]
والإنسان خُلِقَ عَجُولاً، لا يُسَكِّن روْعَتَهُ، ولا يُطَمْئِنُ خَوْفَهُ، ولا يقضي حاجَتَهُ إلا أن يلْجأ إلى رُكْنٍ وثيق، لذا أنت شئْتَ أم أبَيْتَ فلا بدّ مِن أن تعْبُدَ قُوَّةً، والعبادة لا بدّ منها، وأنت إما أن تكون عَبْدًا لله تعالى، وإما أن تكون عَبْدًا لِعَبْدٍ لله تعالى ‍! بُنْيَتُكَ ضعيفَة، وخلقَ الإنسان هلوعًا، فهذا الضَّعْف الخَلْقي ليس عَيْبًا فيك بل هو لِصالِحِك تمامًا الأجْهِزَة الغالِيَة جدًّا فيها وصْل ضعيف يُسَمَّونهُ فيوز فإذا جاء التَّيار قَوِيًّا أتْلَفَ هذا الوَصْل وحُفِظَ الجِهاز، فهذه النُّقْطَةَ الضَّعيفة في الجِهاز هي لِصالِحِ الجِهاز، ضمانًا لِسَلامَتِهِ، فالإنسانُ خُلِقَ ضعيفًا لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فيَسْعَدَ بافْتِقارِهِ، وله خُلِقَ قَوِيًّا لاسْتَغني بِقُوَّتِهِ، ولَشَقِيَ بها ! فالبُنْيَة أنَّك ضعيف وتخاف من أدْنى خطَر، وينْخَلِعُ القلب لأدْنى مُصيبَة ويتوقَّعُ الإنسان كُلّ شيء، فهذا الضَّعْف الخَلقي، وهذا الخوف، وهذا الجَزَع، وهذه العَجَلَة لا بدّ مِن أن تَدْفَعَك لِتَعْبُدَ إلهًا قَوِيًّا فالإنسان متى يطْمَئِنّ ؟ إذا عرَفَ أنَّ هناك قُوَّةً تَحْميهِ، فهذا على مُسْتوى الدنيا تجد من يُصاحِب القَوِيّ يَطْمَئِنّ، ويشْعر أنّ ما مِن واحِدٍ يتعدَّى عليه، يُخَبِّر ذاك القويّ ‍‍!! لكِنَّك إذا شَعَرْتَ أنَّ الذي خَلَق السماوات والأرض مَعَك، ولا يتخلَّى عنك، ويُدافِعُ عنك ويرْزُقُك مِن حيث لا تَحْتَسِب، ويُوَفِّقُكَ وينْصُرُك، ويُؤَيِّدُكَ، فأكبر قُوَّة بالكون هو الله عز وجل، فَمحْوَر الآيات أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فَيَسْعَدَ بافْتِقارِه، مادام ضعيفًا وهلوعًا فلا بدّ له مِن قُوَّةٍ يرْكَنُ إليها والغَلَط أن ترْكَنَ لِغَيْر الله تعالى فهذا هو مِحْوَر الآيات.
فأنت أيها الإنسان أَتَعْبُدُ إلهًا خلق السماوات والأرض وأنْزَلَ مِن السماء ماءً فأنْبَتَ به حدائِق ذات بَهْجَة، هل تَعْبُدُ من هو دونهُ ؟ ! قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)﴾

(سورة النمل )
ثُمَّ هذه الأرض مَن يُسَيِّرُها حوْل الشَّمس، وحول نفْسِها؟ ومَن جعَلَ الأشياء تَسْتَقِرُّ عليها ؟ اُعْبُد هذا الإله العظيم، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

(سورة النمل )
لذا أَنْ تَعْبُدَ قُوَّةً منيعَةً فهذا شيءٌ في أصْل فِطْرَتِك، ولاحِظ أنَّ الإنسان إن لم يُؤْمِن بالله تعالى تَجِدُه يلْجأ إلى إنسانٍ قَوِيّ ! ينْطَوي تحت لِوائِهِ وأُناسٌ كثيرون يلجئون إلى القِوَى البَشَرِيَّة حتَّى يطمئِنُّوا، فأنت بِحاجَة إلى قَوِيٍّ يَدْعَمُكَ، وإلى من يَحْميك، إلى مَن يُغَطِّيك، وإلى قُوَّة إن اسْتَنْجَدْتَ بها نجَّتْك، فالغَلْطَة الكبيرة أنَّ جِهَةً غير الله تعالى يُمْكِنُ أنْ تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُجيبَكَ وأنت مُضطَر، وأنَّ جِهَةً غير الله يُمكِنُ أن ترْزقكَ، قبيلَةٌ صنَعَت صَنَمًا مِن تمْرٍ فلمَّا جاعَتْ أكَلَتْهُ !! أتأكُل إلهَكَ ؟!! فالآن بِشَرْق آسيا بوذَا إلهٌ، وله معابِد ضَخْمة ليأكُلَها في الليل، ويأكلها الكَهَنة.
فيا أيها الإخوة، هذه الآيات دقيقة، فأنت أيها الإنسان ضعيف ولا بدَّ لك مِن قُوَّة كي تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُذيبَكَ وأنت مُضطَر فالبُطولة الحقيقيَّة أن تعرِفَ القوَّة الحقيقيَّة، مَن تعبُد ؟ قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل )
الله تعالى الذي خلَقَ السماوات والأرض هو الذي تَعْبُدُه فإذا كانت المجرَّة التي اكْتُشِفَت قبل أسبوعَين بُعْدُها عن الأرض ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والأربَع سنوات ضَوْئِيَّة لو أردْتَ أن تصل إليها بِمَرْكَبَةٍ لاحْتَجْتَ إلى خمسين مليون عام ! وقبل أسبوعَيْن أرْسَلوا مرْكَبَةً إلى المُشْتري وبَقِيَتْ تنطلِق في الفضاء خمْس سنوات بِسُرْعة خمسين ألف ميل بالساعة، وعلى هذه المَرْكَبة مَرْصَد عِمْلاق قُطْرُ عَدسَتِهِ ثمانِيَة أمتار، والْتَقَط قبل أسبوعَين أو ثلاثة هذه المجرَّة، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

(سورة النمل )
الذي ينبغي أن تعبُده لا بدّ أن يكون خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءً، فلو لم يُنْزِل الله تعالى الماء لانْتَهى كُلّ شيء، تأتي أحْيانًا سنوات عِجاف تتراجَعُ فيها المحاصيل، وتغور الآبار، فمرَّةً أنْتَجَ قُطْرنا ثلاثة ملايين طنّ قَمْح، ونحن حاجَتُنا مليون طنّ والمليونَيْن هو مِن الفائِض، ومرَّةً أنْتَجْنا مائة وستّة وسبعون ألف طنّ فاسْتَوْرَدْنا بِمَبْلَغٍ فلَكي قمْحًا لِنَأْكُلَهُ، لذا الذي ينبغي أن تعبُدهُ أن يكون هو الرَّزاق ذو القوَّة المتين، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أنْبَتَ لك النبات المحاصيل والشَّجَر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جعل الأرض مُسْتَقِرَّة وكلّ ما عليها مُسْتَقِرًّا، وجعل الأنهار مِن أجل حياتِك، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أرْسى هذه الجِبال الشَّوامِخ، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جَعَل بين البحرين حاجِزًا، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يسْتجيبُ لِدُعائِكَ وأنت مُضْطَرّ والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَجْعَلُكَ خليفَةً له في الأرض، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَهْديك في ظُلمات البرّ والبحر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يُحَرِّك هذه الرِّياح فَتَسوقُ السَّحاب، والذي ينبغي أن تعْبُدَه بدأ الخلْق وسَيُعيدُ الخلق ؛ فهذه هي صِفات الخالق الذي يجب أن تعبُدَهُ من أجلها، أما أنْ تَعْبُدَ مَخْلوقًا ضعيفًا سَبَقهُ عَدَم وسيَنْتهي إلى عَدَم لا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعًل ولا ضَرًّا، فالذي يُعَلِّق الآمال على مَخلوقٍ مِثْلهُ، ويَعْتَقِد أنَّ هذا المخلوق ينفَعُهُ ويضُرُّه، وأنّهُ يسْمَعُهُ إن دعاهُ، وقَعَ في وَهْمٍ كبير، فالآيات تُريد أن تنْهانا عن الشِّرْك، والمِحْوَر لهذه الآيات ؛ أنَّك إنسانٌ ضعيف وقد خُلِقْتَ ضعيفًا لِصالِحِ إيمانِك مِن أجل أن تلجأ إلى الله، فإذا الْتَجَأت إلى ما سِواه فقد وَقَعْتَ في وَهْمٍ كبير، وشرِّ كبير، فلو فرضْنا أنَّ أحدهم ذاهِبٌ إلى حلب ليأخذ مبلغًا، فهذا قد يرْتكب عِدَّة أخطاء، فقد يجلس في غير المكان الذي دفَعَ من أجله، ويجلس في اتِّجاهٍ مُعاكِس وغيرها من الأخطاء ولكنَّه لا يُمكن أن يرتكِبَ خطأً واحِدًا، وهو أن يتَّجِهَ إلى درْعا، فهذا معنى قول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)﴾

[ سورة النساء ]
فإذا كنتَ مُتَوَجِّها إلى الله فَكُلُّ شيءٍ ينْحَلّ، أما إن كُنْتَ مُتَوَجِّها إلى غير الله، فهذا هو الشِّرْكَ الذي لا يُغْفَر، وهذا هو السَّراب، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

[ سورة النور ]
فَالذي يُشْرك، كَمَن هو في الصَّحراء،يظنّ أنَّه رأى الماء فإذا ذَهَب لم يَجِد شيئًا.
هذه الآيات من أجل التوحيد والشِّرْك، وأنت في أصل بُنْيَتِك تحتاج إلى قوَّة تلجأ إليها، فإن لم تعرف الخالق لجأتَ إلى المخلوق الذي لا ينفعُ ولا يضرّ.
فَمُلَخَّص الموضوع، يجب أن تعرِف على مَن تعتَمِد، إلى من تلجأ، ومَنْهجُ مَن تتَّبِع، والقرآن كلُّها على التَّوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التَّوحيد.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-20-2018 12:40 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الحادى عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، وفي نِهاية سورة النَّمل آياتٌ كثيرة تُعَدُّ تعْقيبًا وتلْخيصًا لِفَحْوى السورة ومَضْمونِها.
فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)﴾

[ سورة النمل ]
ألَمْ يسْأل أحدكم هذا السُّؤال: لماذا أكْثَرَ الله في كتابِهِ الكريم الحديث عن بني إسرائيل ؟ وما علاقتنا بِهِم ؟ بعضهم أجاب الإجابة التالِيَة: قال إنّ الأمراض التي وَقَعوا فيها، وأصابَتْهُم هي أمْراضٌ يُمْكِن أن تُصيبنا نحن المسلمين، فالذين جاءهم الكتاب وطال عليهم الأمَدَ، وقَسَتْ قلوبهم، وقالوا سمعنا وعَصَيْنا، قال تعالى:

﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)﴾

[ سورة المائدة ]
هذه أمراض وبيلة وقَع فيها بنو إسرائيل، سيِّدنا سعد بن أبي وقاص لما سأل النبي أصحابه قُبَيل معركة أحد: ماذا نفعل ؟ فقال: لعَّلك تظنُّنا يا رسول الله تُريدُنا ؟ فقال: نعم، والله يا رسول الله لقد آمنَّا بك وصدَّقْناك، وشَهِدنا أنَّ ما جئتَ به الحق، وأعْطَيناك على ذلك عُهودَنا ومواثِقَنا، يا رسول الله ؛ لو خُضتَ بنا هذا البَحْر لَخُضْناهُ مَعَك، وما تخلَّفَ مِنَّا رجلٌ واحِد، ولا نقول لك كما قال بنوا إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا ههنا قاعدون وإنَّما إنَّا معك مُقاتِلون، صِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ واقْطَعْ حِبال مَن شِئْتَ وسالِمْ مَنْ شئْتَ، وعادي مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أموالنا ما شئتَ، ودَع ما شئْت، فوَ الذي بعَثَك بالحق للَّذي تأخذهُ مِنَّا أحَبُّ إلينا مِمَّا تَدَعُهُ لنا هذا موقف الصحابة الكرام، فالإنسان أحيانا يكون مِمَّن بلغَتْهُ رِسالة النبي عليه الصلاة والسلام، يَنْغَمِسُ في الدنيا، ويَقْسو قلْبُهُ، يُقَصِّر في عباداتِهِ، يَبْخَلُ بِمالهِ ووقْتِهِ وجُهْدِهِ، لا يُقَدِّمُ شيئًا للمسلمين، فهذا قد أصابَتْهُ أمراض بني إسرائيل، قال تعالى:

﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(93)﴾

[ سورة البقرة ]
ولما طلب الله منهم الإنفاق قالوا:

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾

[ سورة آل عمران ]
قال تعالى:
﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾

[ سورة المائدة ]
فلذلك الإنسان إذا جاءَتْهُ رِسالة وانْكَبَّ على الدنيا مُرشَّحٌ كي يُصاب بِأمْراض وبيلة مُهْلِكَةٍ خطيرة ماحِقَة كالتي أصابَت بني إسرائيل ولعلّ في الأُسلوب الحكيم أنّ الله تعالى حدَّثَنا عن بني إسرائيل، وعنانا بهذا الحديث، فالله مثلاً قال:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾

[ سورة المائدة ]
قِسْ عليه كتاب الله، فلو أنَّنا أقَمنا كتاب الله لأكلْنا من فوقنا ومن تحت أرجلنا، وقال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

[ سورة الجن ]
وقال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾

[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13)﴾

[ سورة نوح ]
فالإنسان إذا قرأ القرآن ومرَّ في قِراءَتِهِ على بني إسرائيل، وكيف عامَلوا نبيَّهُم موسى، وكيف صَنَعوا عِجْلاً جسَدًا له خُوار، كما قال تعالى:

﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ(88)﴾

[ سورة طه ]
وكيف تَخَلَّوا عن نبِيِّهم الكريم وبَخِلوا بِمالِهِم، وحرصوا على الدنيا قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(94)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:

﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(6)﴾

[ سورة الجمعة ]
فالإنسان إذا قرأ ما أوْرَدَهُ الله عن بني إسرائيل يجب أن يَعُدَّ هذا الخِطاب له لكنَّ الله جاء بِأُسْلوب تَرْبَوي حكيم، فالأب أحْيانًا لِحِكْمَة بالِغَة يتحدَّث عن شاب ابنُ صديقِهِ، وكيف انْحَرَفَ عن منْهَجِ الله وكيف أصابَهُ ما أصابَهُ، ويُسْمِعُ ابْنَهُ هذا الكلام، فلو أنَّهُ خاطَب ابْنَهُ هذا بالكلام مُباشَرَةً لما قَبِلَهُ ابْنُهُ، ولعَّلهُ يُناقِش، ويُحاوِر، ويُكابِر أما إذا حدَّثْتَ عن إنسانٍ آخر ما أصابَهُ، وما أحَلَّ به، فهذا الكلام أقْرَبُ في نفْسِهِ، وأيْسَرُ في الدخول إلى قلبِهِ، فحينما نقرأ عن بني إسرائيل في كتاب الله فهذا أُسلوب حكيم أراد الله أن يُطْلِعَنا الله عن أمراضٍ وبيلةٍ مُهْلِكَةٍ أصابَتْ هؤلاء القوم، فيا أيها المُسْلِمون اِحْذَروا أن تُصيبَكُم أمراض بني إسرائيل، مُنِعوا من صَيْد السَّمك يوم السَّبْت فصَنَعوا بُحَيْراتٍ على شاطئ البِحار، واسْتَقْبَلوا الحيتان يوم الجُمُعَة وأغْلَقوها يوم السَّبت واصْطادوها يوم الأحد، أَلَيْسَتْ هذه حيلَةً شَرْعِيَّة أليْسَ هناك مُسْلِمون كُثُر يفْعَلون الحِيَل الشَّرْعِيَّة، وكأنَّ الله غافل عنهم لقد ضَعُفَ الدِّين في حياة الناس، فالحِيَل الشَّرْعِيَّة دليل ضَعْف الإيمان لذلك إذا قرأْتُم عن بني إسرائيل تَرَوْنَ العَجَب العُجاب ؛ الحِيَل الشَّرْعِيَّة والبُخْل، والانْغِماس في الدنيا، وعبدوا الذَّهَب من دون الله، وجعلوهُ إلهًا، فالذي يُعَدُّ دينُهُ ودَيْدَنُهُ الدِّرْهَم والدِّينار، ويبْخل بِمالِهِ ؛ هذا أصابَتْهُ أمراض بني إسرائيل، فإذا حدَّثنا ربُّنا عن بني إسرائيل فالحديث على طريقة: إيَّاك أعْني واسْمَعي يا جارة !
قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)﴾

[ سورة النمل ]
ما الفرق بين الهُدَى والرَّحْمة ؟ الهُدى أن يَمْشي إنسانٌ في طريق مُظْلِم وطريق مملوء بالحُفَر والحشرات والأفاعي وصُخور وعَقَبات، فإذا كان الظلام دامِسًا أُصيبَ بِحاجِزٍ ووقَعَ في حُفْرة، أو صدَمَتْهُ صَخْرة لدَغَتْهُ حيَّة، فالهُدى أن تَحْمِلَ مِصْباحًا كشَّافًا، وبه ترى كُلّ شيء فالقرآن هُدَى ترى به كُلّ شيء ونورٌ مِن الله، قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)﴾

[ سورة المائدة ]
أما الرَّحمة فهو إن طبَّقْتَهُ جاءَتْكَ الرَّحَمات من الله عز وجل، فَكِتابُ ربِّنا هُدًى ورحمةً، تسْتنير به، وإذا طبَّقْتَهُ تَسْعَدُ به، والرَّحْمة السعادة والطُّمأنينة والسلام، والهُدى البصيرة، فأنت ترى وتسْعد،:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)﴾

[ سورة النمل ]
فإذا كان المسلمون مختلفون، شِيَعًا وفِرَقًا وأحْزابًا، وطوائِفًا وتَصَوُّرًا وسَلَفِيَّة وتصَوُّف، والرِّفاعِيَّة، فنحن إذا اخْتَلَفْنا وتفرَّقْنا فالله يحْكم بيننا، فالسعيد مَن كان على منهج الله ومنهج رسولِهِ، لا أن يكون مع المتفرِّقين، الله تعالى يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
فَكُلُّ إنسانٍ ينْطوي على إخلاصٍ شديد يَحْرَصُ على وَحْدة المسلمين وأن تذوب الفُروق بينهم، ويحْرص على أن يتعاوَنوا فيما اتَّفَقوا، وأن يتسامَحوا فيما اخْتلفوا، يقول الإمام الشافعي: أنا على حق، وخَصْمي على باطل، وقد أكون مُخْطئًا، وخصْمي على باطل وأنا على حق وقد يكون مُصيبًا، اِجْعَل عَقْلَكَ مَفْتوحا وتفهَّم رأْيَ الطَّرَف الآخر، لذا لا تعْتقد أنَّك الوحيد على الحق والناس كُلُّهم على ضلال، فالعَقْل المفتوح والقدرة على المُحَاوَرة، والفَهْم والتَّفَهُّم هذا مِمَّا يجْمَعُ شَمْل المُسْلِمين ولا يُفَرِّقهم، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)﴾

[ سورة النمل ]
فالإله الذي تَعْبُدُه إذا كان لا يَحْميكَ مِن خُصومِكَ فلا معنى لِعِبادَتِهِ فالله عز وجل قال:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[ سورة هود ]
أنت حينما تتوكَّل على الله فإنَّك تتوكَّل على القويّ والعليم والحكيم والكريم والعزيز، قال تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(13)﴾

[ سورة التغابن ]
فأنت إما أن تكون مُتَوَكِّلاً، وإما أن تكون غير مؤمن، قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
يعني علامة إيمانكم تَوَكُّلُكم على الله، والتَّوَكُّل مَتى يكون ؟ مع الخطر الداهِم، فالخَطر مَقْصود من الله عز وجل، فالإنسانُ تُساق له بعض الأخطار لِيُرَى تَوَكُّلُه، والإنسان يقول حينما تُحدق به الأخطار: يا رب ليْسَ لي سِواك، وحَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيل، وهذه مِن الأذْكار فالإنسان إذا كان على حق، ودَخْلُهُ حلال، وجَوَارِحُهُ مَضْبوطَة، وكذا بيتُهُ وعملُهُ، فإذا كان لهُ أعْداء وخُصوم فلا ينبغي أن يَخْضَعَ لهم ويذِلَّ أمامهم، قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾

[ سورة النمل ]
ولكنَّ الإنسان المقبور ِبشَهَواتِهِ ؛ هذا إنسانٌ ميِّت، قال تعالى:

﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
الموتى هنا المُنْغَمِسون في الشَّهوات، وقال تعالى:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾

[ سورة النحل ]
وقال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[ سورة الأنفال ]
يعني أنَّكم كُنتم أمواتا، والإنسان قبل التَّوبة هو من الأموات، وقبل أن يعرف الله، ويتَّصِل به، وقبل أن يصْطَلِحَ معه، ويتعرَّف إلى منْهَجِهِ يقول سيِّدنا عليّ رضي الله عنه: يا بُنيّ ماتَ خُزَّانُ المال وهم أحْياء، والعلماء باقون ما بَقِيَ الدَّهْر، أعْيانُهُم مَفْقودَة، وأمْثالهم في القلوب مَوْجودَة، والعِلْم خيرٌ مِن المال ؛ لأنّ العِلْمَ يَحْرسك، وأنت تحْرس المال، والمال تنْقصُه النَّفقَة، والعلم يزْكو على الإنفاق، لذلك قال تعالى:

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
وهذه الآية فيها إعْجاز عِلْمي، فالأصَمّ ينْمو له ذكاءٌ خارِق، وهو يفْهم بالإشارة، فالأصَمّ إذا نظَر إليك فهِمَ ما تريد، أما إذا ولَّوا وأداروا ظهورهم حينها لا يسْمعون.
آيات اليوم تُبيِّنُ أُسلوب العزيز الحكيم في خِطاب المسلمين عن طريق خِطاب بني إسرائيل، وتُبيِّن أنَّ القرآن هُدًى ورحمة، وتُسْعِدُ به ويُبَيِّن أنَّه مهما اخْتلفْنا فالله يحْكم بيننا يوم القِيامة، وأنَّك إن لم تتوكَّل على الله تعالى فلَسْتَ مؤمنًا، وتُبَيِّن أنَّ الإنسان إن لم يُؤْمِن فهو ميِّت، قال تعالى:

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
وحُبُّك الشيء يُعْمي ويُصمّ، والأعمى لا يرى ولا يسْمع، قال تعالى:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)﴾

[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-20-2018 12:42 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثانى عشر





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .



تمهيد :



أيها الإخوة الكرام ؛ القرآن الكريم كلام الله ، وفيه بيانٌ لِكُلّ شيء ، وتفصيل لِكُلّ شيء ، إلا أنَّ في القرآن الكريم ظاهرة تلفت النَّظر وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكرَ في كتابِهِ الكريم أُصول الحقائق .
فالأرض كُرَة تَدور حوْل الشَّمس وحول نفْسِها ، وهي في حركةٍ دائِمَة ، ولكنّ الوقت الذي نزل فيه القرآن كانت العُلوم في بدايتها ، فالأرض عند العرب مُنْبسِطَة وجامِدَة والجبال راسخة ، فربُّنا سبحانه وتعالى اخْتار هذا العصْر لأنَّهُ عصر مِثالي لِنُزول الوَحي ، واختار هذا المكان لأنَّه بعيد عن تلاحق الحضارات ، واختار البيئة العرَبِيَّة لِصفائِها ووُضوحِها ولكن هناك مُشْكِلة وهي لو أنّ الحقائق جاءَتْ مُفصَّلةً كما هي عليه لأوْقَعَ العرب في عهْد النبي في اضْطراب وشكّ ، ولو أنَّ الله عز وجل أغْفل الحقائق الكَوْنِيَّة لوَقَعْنا في اضْطِراب ،




معجزة القرآن الكريم في آياته الكونية .



لذلك بعض علماء التَّفسير لفَتَ نظَرَهُ هذه الآية ، قوله تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 87 ]
فقد يتوهَّم القارئ أنَّ هذه الآية الثانِيَة مُتَعَلِّقة بِيَوْم القيامة ، فقوله الله تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
إنَّها آيةٌ كَوْنِيَّةٌ واقِعَة ! وراهِنَة ، فَمَرَّ السَّحاب في سرْعَتها ومرَّ السَّحاب في هُدوئِها ، ومرَّ السَّحاب في كتلتها ، قال تعالى :
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما بيَّنَ وما فصَّل الآيات الكَوْنِيَّة ، وترَكَ كُلَّ آيةٍ لِوَقْتِها وزمانِها ، فلو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّنها وفصَّلها لَشَكَّ أصْحابُهُ في هذا الكلام ، ولو أنَّهُ بيَّن فَحْوى هذه الآيات بِشَكْل حقيقيّ كما عرَفْناها نحن الآن ، لأرْبَكَ أصْحابه ، ولو أنَّهُ فسَّرَ تفْسيرًا بطيئًا يتناسب مع عُقول العصْر الذي نزل فيه القرآن لشَكَكْنا نحن ، فالآيات الكَوْنِيَّة أحجَمَ عنها النبي عليه الصلاة والسلام عن تفْسيرها ، وترَكَ كُلّ آيَةٍ لِوَقْتِها ، فهذا سيِّدُنا علي رضي الله عنه يقول : في القرآن آيات لمَّا تُفسَّر بعد ، فالعِلْم كُلَّما تقدَّم كشَف عن جانب في إعْجاز هذا القرآن ، والحقيقة أيها الإخوة ، أنتم أمامكم كتاب هو مُعْجِزَة عَقْلِيَّة إلى يوم القيامة ، فالذي قرأ هذه في عَهْد قد يتبادَر في ذِهْنِهِ أنَّهُ يوم القيامة ، قال تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآيات : 87-88 ]
لكنَّ هذه الآية الآن واقِعَة فَجِبال الهمالايا والألب ؛ هذه تَمُرّ مرَّ السَّحاب ، قال تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
وقد ذَكَرْتُ لكم قبل أسْبوعَين أو أكثر أنَّه في الوقت الذي نُصَلّيِ فيه الظهر عشر دقائق مثلاً، تَقْطَعُ فيه الأرض إحْدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ‍! لأنَّ الأرض تقْطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثين كيلومتر ، ففي الوقت الذي نسْتغْرِقُهُ لأداء صلاة الظهر فقط تقطع الأرض إحْدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر .
قال تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
أما مرَّ السَّحاب ، فإذا كانت هناك مدينة كَبَيْروت مثلاً إلى جانب المطار ، الضَّجيج لا يُحْتَمَل فالطائرة لها صَوت يُساوي مائة وخمسٌ وعِشرون بِسِبِل ، وهذه هي وِحْدة قِياس الضَّجيج ، فالإنسان إذا سَكَن بيْتًا جانب المطار ربَّما يُصاب بِضَعْف السَّمع ، والأصوات العالِيَة دائِمًا تُخَرِّص الأذُن وتُضْعِفُها ، فطائرة من أحدث ما توصِّل إليه تحْمل خمسمائة راكب إذا طارَت تُحْدِث ضجيجًا فوق المدن ، فكيف بهذه الأرض وهذه الجبال التي تمرُّ مرَّ السَّحاب دون صَوت ؟! انْعِدام الصَّوت دليل إتْقان الصَّنْعة فالمُكَيِّف الذي دون صوت غالي على المُكَيِّف الذي فيه صوت والمركبة التي فيها صوت خفيف معناها أنَّ فيها تَقْنِيَّة عالِيَة جدًا فالجبال والأرض تمرّ مرَّ بِسُرْعَتها وهُدوئِها فالأرض تدور ثلثين كيلومتر في الثانِيَّة ومع ذلك لا صَوتَ لها .


الحسنة والسيئة .



ثمَّ يقول الله عز وجل ، ودَقِّقوا في هذه الآية :
﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 90 ]
مُلَخَّصُ المُلَخَّص أنَّك في الدنيا :
إما أن تأتي يوم القيامة بالحسنات ؛ في تَرْبِيَة أولادك ، وأعمالك الصالحة مِن إنفاق المال والجُهْد والعلم ، وفي الإخلاص والاسْتِقامة .
وإما أن تأتي بِسَيِّئَةٍ تكون سبب هلاك الإنسان يوم القيامة .
فالإنسان عليه أن يتفحَّص عمله وبِدِقَّة بالغة ، لأنّ الحسنة بِعَشْر أمثالها ويزيد ، والسيِّئَة بِمِثْلها وتُسَبِّب هلاك صاحبِها .


لماذا خلقنا الله ؟



ثمَّ يقول الله عز وجل :
﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
قد يقول قائلٌ : لماذا خَلَقَنا الله عز وجل ؟
هذا القرآن أجاب الله عنه فالإنسان أحيانًا يريدُ أن لا يفْهَم ، ويريد أن لا يعرف ، حتَّى لا يكون بِوَهْمِهِ مَسْؤولاً !! الإنسان جاء إلى الدنيا وكتاب الله الذي بين أيْدينا يُبَيِّن أنَّهُ جاءَهُ لِيَعْبُدَهُ ، قال تعالى :
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56 ]



العبودية لله تعالى .



فالله تعالى :
﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
هذه اللام ؛ له كُلَّ شيءٍ هي لامُ الملكيَّة ، الكَون كُلُّه ملك الله ، وهو ملْك خلْق وتصَرُّف وملكُ مصير اُنْظُر إلى الإنسان أحْيانًا يَمْتَلِكُ بيْتًا ولا ينْتفع به ؛ مُؤَجَّر ، وهناك مَن ينتفِع ولا يَمْلك ، وهناك مَن ينتفِع ويَمْلِك لكِنَّ مصير هذه البيت ليس له فالله له الملْكِيَّة التامَّة ، وربُّنا عز وجل يقول :
﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
ملك الخلق قال تعالى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 62 ]

وله ملْكِيًّة المصير ، قال تعالى :
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة مريم الآية : 40 ]

فلماذا أُمِرْتَ أيُّها النبي ويا أيها المؤمن أن تعبُد الله ؟ لأنَّ الله له كلّ شيء ، خلقَ وسَيْطَر وهَيْمَن وتصرَّف والمصير إليه ، لذلك يجب أن تعبُدَهُ ، فالعبادة تقْتضي أن تعْبُدَ الله الخالق، والذي بيَدِهِ الأمْر ، وأن تعْبُدَ الذي بيَدِهِ المصير، خلق وعبد وتصرَّف ، فالعبادة الحقَّة لا تكون إلا لله تعالى ، لأنَّ الخالق والمتَصَرِّف .
العبادة غايَةُ الطاعة ، وغاية الخُضوع والحبّ والإخلاص ، ولكنَّ هذه المشاعر لا يمكن أن تكون إلا بِمَعْرِفَة الله ، فالمعْرفة سبب والانْصِياع لله ثَمَن ، والهدف رحْمة الله في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 32 ]

خلقنا تعالى لِيَرْحَمَنا ، ولو أنّ الله سبحانه وتعالى خلقنا لِيُعَذِّبنا ، وجاء بنا إلى الدنيا لما عالَجَنا كما عالَجَ بَقِيَّة الناس ، قال تعالى :
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 33 ]

لذا دليل مُعالَجَة الله لِكُلّ الناس ، الناس جميعًا خُلِقوا لِيُرْحَموا .
ثمَّ يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
الاسم الجامِع لِكُلّ الأدْيان السَّماوِيَّة هو الإسلام ، ولا يوجد نبيّ على الإطلاق إلا وهو مُسلم ، والإسلام بِمَفْهومِهِ الواسِع هو الاسْتِسلام لأمْر الله ، فَكُلّ دين سَماوي اتِّباعُهُ هو الإسلام ، وهو بِالمَفْهوم الضيِّق الرِّسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ، أما المعنى الواسِع ؛ كُلّ طاعَةٍ لِمَنْهج الله هو من الإسلام ، فالآية جاءت هنا
﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
مِمَّن اسْتَسْلم لله تعالى ، وأطاعَهُ .
ثمّ قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]
فالإنسان مِن دافِعِ حُبِّه نفْسَه ، ومِن دافِعِ حبِّ وُجودِه ، ولاسْتِمْرار وُجودِه يجب أن يكون مُطَبِّقًا لله عز وجل ، لأنَّ الخير كُلَّه يعود عليه ، قال تعالى :
﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 93 ]
ما مِن مؤمن على الإطلاق ، يخطبُ وُدَّ الله بِطاعةٍ وقِيام ليل وتِلاوَة قرآن واسْتِغفار وذِكْرٍ إلا وَيُريهِ الله من آياتِه ، ولا تظن أنّ من يمْشي مع الله بِقَناعاتٍ ليس إلا ، بل الأمر أبْلَغ من ذلك ، وكلّ من تقربَ إلى الله تقرَّب إليه الله ، وذلك بالتَّوفيق والتَّأييد والنّصْر وانْشِراح الصَّدْر والثِّقة بالله عز وجل ، فهذه هي التي تدْفع الإنسان إلى المزيد من طاعة الله عز وجل ، فلذلك قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]
سَيُريكُمْ آياتِهِ ، وأنا أقول لكم هذا الكلام وأنا أعرف ما أقول : لا يوجد واحِد من الحاضِرين ، وأنا معكم إذا أخْلصَ لله ، وآثَرَ مرضاة الله ، فلا بدّ مِن أن يُرِيَهُ الله مِن آياتِهِ، والآيات خَرْقٌ للعادات ، قد يكون الواحِد بِمُشْكِلَة كبيرة فَتَنْزاحُ عنه دون سبب وتنْصرف عنه وهو مُطْمَئِنّ ، ويكون له ضَعْف نفْسي فَيُقَوِّي الله له نفْسه ، وله أعداء يقْمعهم الله ، آياته شيء غير مألوف ، لذا أيُّ إنسان يستقيم على أمْر الله ، ويُطيعُهُ مُخْلِصًا فلا بدّ مِن أنْ يُرِيَهُ مِن آياتِهِ فمَن طلبَ العفاف يسَّر الله له الزواج ، ومَن طلب الرِّزق الحلال فالله يُيَسِّر حرامًا ، لذا ما مِن واحِدٍ إلا وأرى الله له آياتِهِ ؛ حِفْظًا وتَوْفيقًا وتأييدًا ونَصْرًا فالله إن تقرَّبْت إليه شبْرًا تقرَّب إليك ذِراعًا ، وإن تقرَّبْتَ إليه ذِراعًا تقرَّب إليك باعًا ، وإن أتَيْتَهُ مَشْيًا أتاك هَرْولةً ، لذا ما عليك إلا أنْ تتحرَّك وعلى أوَّل حركة تجد تغيُّر في المعاملة ، قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-21-2018 12:51 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الاول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قبل أن أشْرَحَ الآيات الأولى من سورة القصص فلا بدّ مِن مُقدِّمَةٍ تُلْقي ضَوْءًا على هذه الآية.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:
((َ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))

[ رواه أحمد ]
لأنَّه حينما يقضي وهو غضْبان اضْطربَتْ أحْكامُهُ، ولم تأت عادِلَة فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى القاضي أن يحْكُمَ بين الناس وهو غَضْبان، جاء الفقهاء وقالوا: ما عِلَّةُ هذا النَّهي ؟ عِلَّةُ هذا النَّهي أنَّ الغَضَب يجْعل أحْكام القاضي مُضْطربة، وأيُّ شيءٍ آخر يجْعل أحْكام القاضي مُضْطربةً مَنْهِيٌّ عنه بالقياس على هذا، فلو أنَّ ابن القاضي كان مريضًا مرضًا شديدًا، فهذا المرَض الشديد الذي ألمَّ بابنِهِ ربَّما جعل أحْكامَهُ مضْطربَةً، فالفقهاء حَمَلوا على الغضب ثلاثًا وثلاثين حالة، إذًا ليْسَت العِبْرة أن يغْضَبَ فقط، بل أيُّ شيءٍ يساوي الغضَب في العِلَّة فَهُوَ مَنْهِيٌّ عنه أيضًا، فهذه قاعِدَة.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((تجِبُ الزَّكاة في القمْح والشَّعير والزَّبيب والتَّمْر ))
طيِّب لو كان الآن رجلٌ عنده مزْرعة نصْف مليون تُفَّاح أليس عليه زَكاة ؟ وهناك آلاف المحاصيل فيها فواكه وثِمار فهل هذه خارجة عن الزَّكاة ؟ قال العلماء: تجبُ الزَّكاة في عِلَّة هذه الأصْناف لا في عَيْنِها، فأيُّ مَحْصول ذو قيمة عليه زَكاة، أما في عَهْد النبي فقد كان القَمح والزَّبيب والشَّعير، أما الآن التُّفاح والأجاص والفريز ثَمينة جدًّا، فالعلماء قالوا: تجبُ الزَّكاة في عِلَّة هذه الأصْناف لا في عَيْنِها، فأيُّ مَحْصول ذو قيمة يتَّحِدُ مع القمح والزَّبيب والشَّعير في العِلَّة فالزَّكاة تَجِبُ فيه.
مِن هذين التَّنْبيهَين ننتقل إلى هذه الآية، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
كأنَّ البشَر أصْنافٌ ثلاثة صِنْفٌ عرَفَ الله و أطاعه، فهذا نجا وصِنْفٌ عرَفَهُ وقصَّر في طاعَتِهِ، وصِنْفَ ما عرفه وما أطاعهُ، فالصِّنْفُ الثاني والثالث ماذا يفْعَلُ الله بِهِم ؟ الأوَّل عرفهُ وأطاعَهُ، قال تعالى:

﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾

[ سورة الفجْر ]
هؤلاء نَجَوْا وسَعِدُوا في الدنيا والآخرة، ولكن هناك صِنْفان ؛ إنْسانٌ عرف الله وقصَّر في طاعتِهِ، وآخر لم يعرفه فلم يُطِعْهُ ! فكيف يُعالِجُ الله هذين الصِّنْفَيْن ؟ هذان الصِّنْفان يُعالَجان بالطَّريقة التالِيَة: إذا عصاني مَن يَعْرِفُني سلَّطْتُ عليه من لا يَعْرِفُني فالذي يعْرِفُ الله وقصَّر في طاعَتِهِ يُسَلَّطُ عليه مَن لا يعْرِفُهُ إطْلاقًا فضَغَط عليه َ واسْتَباحهُ ونكَّل به، لعلَّ هذا الذي يعرفُ الله والمُقصِّر في طاعَتِهِ لعلَّهُ يصْحو ! ولعلَّهُ يصْطلِحُ ويتوب إلى الله، فإن تابَ عكَسَ الآية مكَّنَ الضَّعيف من القَوِيّ، فلعلَّ القَوِيَّ يتوب مرَّةً ثانِيَة، إيَّاكُم أن تفْهَموا هذه الآية وصْفًا لِحَدَثٍ وقَعَ، بل هو مُتَكَرِّرٌ دائِمًا، إذا كان للكُفَّار علينا ألف سبيل وسبيل، فنحن في حياتنا نرْتَكِبُ ألف مَعْصِيَةٍ ومَعْصِيَة، إذا عصاني مَن يعْرِفُني سلَّطْتُ عليه مَن لا يعْرِفُني وأنا ملِكُ المُلوك ومالكُ المُلوك، قلوب المُلوك بِيَدي فإنْ أطاعني العباد حوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالرَّأْفَة والرَّحْمة، وإن عصاني العباد حوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالسُّخْطة والنَّقْمة، فلا تشْغلوا أنْفسَكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنّ صلاحَهم بِصَلاحِكُم، والذي لا يعْرِفُ الله يُسَلَّطُ على الذي يَعْرِفُهُ، فلعلَّ هذا المُقصِّر يتوب ويُنيب ويرْجع ولعلَّه يصْطلح ويسْتغفر، فإذا عادَ مكَّنَهُ، قال تعالى

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

[ سورة القصص ]
والظالم سَوْطُ الله ينتَقِمُ به، ثمَّ ينْتَقِمُ منه.
فالبشَر أصنافُ ثلاثة، الأوَّل مَن عرف الله، وأطاعَهُ نجا، وهذا ليس للكافر عليه سبيل، قال تعالى:

﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾

[ سورة النِّساء ]
وقال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]
هذا الصِّنْف خارِج الحِساب، أما الذي عرَفَهُ وعصاه، كَحَال المسلمين مليار ومائتان مليون مسلم ! ليسَتْ كلِمَتُهم هي العليا، فإذا كان للكفار عليهم ألف سبيل وسبيل فلأنَّهم يقْترفون ألف معْصِيَة ومعْصِيَة والظالم سَوْطُ الله ينتَقِمُ به، ثمَّ ينْتَقِمُ منه، أما الآية الدقيقة التي تُؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
فهذه الآية تكاد تكون قانونًا، دَعْكَ من مُلابساتِها، والأسماء، والظروف واجْعَلْها قانونًا قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
فالإنسان العاقل إذا أصابَهُ ما يكْرهُهُ راجَعَ نفْسَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"))

[رواه مسلم]
ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاج عرقٍ ولا خدْش عودٍ إلا بما قدَّمَتْ أيْديكم، وما يعْفوا الله أكثر، اِجْعَل هذه الآية نُصْب عيْنَيْك:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]
فالمؤمن يُحاسِبُ نفْسَهُ حِسابًا عسيرًا لِيَكون حِسابُهُ يوم القيامة يسيرًا فإذا أصابَهُ ما يُؤْلِمُهُ يتساءل ويبْحَث، ويُدَقِّق ويتأمَّل، مِن أجل أن يصِلَ إلى الذَّنب الذي اقْتَرَفهُ حتى لا يُعيدُهُ مرَّةً ثانِيَة، فأحيانًا تجد موظَّفًا يُعامَل بِقَسْوة وبِشِدَّة من طريف المدير لماذا جعل الله له عليك سبيلاً ؟ إذا كنتَ تَقِيًّا ونقِيًّا وورِعًا، لا يستطيع أن يكون لِهذا الإنسان عليه سبيل، فالإنسان يجب أن يُدَقِّق، هذه الآية تُفْهَمُ فهْمًا جماعِيًّا وفهْمًا فرْدِيًّا، لذلك المُسْتَضْعَف ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ الله إذا أحبَّ عبْدًا ابْتلاه، فإن صبَرَ اجْتباهُ، وإن شَكَر اقْتناه، إذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، إذا أحبّ الله عبْده عاتبَهُ في منامِه وجعل له واعِظًا من نفْسِهِ، فالإنسان يُدَقِّق، لعلَّهُ قصَّر في حقّ إنسان ولعلَّه تكلَّم كلمةً جارِحَةً، ونظرَ نظْرَةً خاطِئَةً، ولعلَّه استهزأ بِأحَد فإذا أصابَهُ ما يكْرهه فلْيُحاسِب نفْسَهُ حِسابًا عسيرًا لأنَّ الله تعالى ما يفْعل بِعذابِنا إن شَكرنا وآمنَّا ؟! قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
هذا قانون الله مع الفئتين الثانية والثالثة، الفئة الثانية التي عرفتْهُ وقصَّرَت في طاعَتهِ، والفئة الثالثة التي ما عرفتْهُ وما أطاعَتْهُ، يُسَلِّط الثالثة على الثانِيَة فلعلَّ الثانِيَة تعود إلى رُشْدِها فإن عادَتْ مكَّنها وقوَّاها وسلَّطها على الثانِيَة من أجل أن تعود إلى رشْدِها، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
والإنسان بِهذه النَّظْرة التَّوْحيدِيَّة يزول في قلبِهِ الحِقْد والحسَد، فلو أصابَك أحدهم بِمَكْروهٍ، تقف منه المَوْقف الكامِل، إما أن تُأذِّبَهُ، وإما أن تُحاسِبَهُ ولكن لا تحْقِدُهُ ؛ لماذا؟ لأنَّ الله سلَّطَهُ عليك، وسمَحَ له أن يفْعَل كذا وكذا، فبيْنَ أن تحْقِد الناس، وبين أن ترى الفاعِل هو الله، وأنَّ يدَ الله فوق أيديهم، وقال تعالى:

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[ سورة الأنفال ]
بالنَّظْرة التَّوْحيدِيَّة يشْفى قلبُكَ من الغِلّ والحسَد، ومن الحِقْد، وكُلُّ مَكْروهٍ أصابَكَ من طرف إنسان فالله تعالى سمَحَ له بذلك ومكَّنهُ منك رِعايَةً لِحَقِّ العباد على الله في ترْبِيَتِهِم، ولولا تربيَةُ الله لنا ما زكى مِنَّا مِن أحَدٍ أبدًا، قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21)﴾

[ سورة النور ]
ذكر لي أخ صاحب معمل ألْبِسَة زارَهُ شَخْص، طلب أربعة قِطَع فاعْتَبَر صاحب المعمل هذه إهانَة، أنا أبيعُ أربعة قِطَع ‍! وانْزَعَجَ وقال للمشتري: أنا لا أبيع المُفرَّق، فهذا الشَّخْص اسْتحى وخرَج ! فقال لي هذا الإنسان: ثلاثون يوْمًا ما دَخَل مَعْمَلي شَخْص !! أدَّبَهُ الله والمُسْرِفُ أحيانًا يُؤدِّبُهُ الله بالتَّقْتير، والمُتَكبِّر يُهينُهُ، والمُتطاوِل يُوقِفُهُ عند حدِّه، ولولا تربيَةُ الله لنا لما زكى مِنَّا من أحد، تسْعة أعْشار الفضائل التي يتمتَّعُ بها المسلمون هي من فضل تربية الله لهم، فالله ربُّ العالمين، صحيحٌ أنَّ الله منحنا الكتاب والسنَّة ولكنَّهُ يُتابِعُك، ولا بدّ أن يعْلم الإنسان أنَّ الله تعالى إنْ عالَجَهُ فهذه نِعْمة كُبْرى، أما إذا أهْمَلَهُ فهذا دليل على أنَّهُ خارج عناية الله، فالطبيب متى يقول للمريض: كُل ما شئْتَ ! إذا كان مرضُهُ عُضال ولا سبيل للتَّخلُّص منه، أما إذا كان معه الْتِهاب معْدَة فإنَّهُ يُقيم عليه النَّكير إذا أكل لقمة تُخالف التعليمات، فإذا كان الإنسان ضِمن العِناية وعالَجَهُ الله فهذه من نِعْمة الله عليه.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-21-2018 12:53 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فالآية السابعة من سورة القصص، وفي قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
أوَّلاً ؛ الوَحي في القرآن الكريم على أرْبَعِ مُسْتَوَيات، قال تعالى:

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)﴾

[ سورة الزلزلة ]
هذا وَحْيُ الأمْر، الله عزَّ وجل إذا أوْحى إلى الجماد كان بِمَعنى أمَرَهُ وقال تعالى:

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
هذا وَحْيُ الغريزة، قال تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

[ سورة طه ]
هداهُ إلى مصالحِه، وإلى سلامَتِهِ، وإلى صِيانتهِ، وإلى تأمين غايَتِهِ وتأمين طعامِهِ.
فالوَحيُ الأوّل وحْي الأمْر إلى الجَماد، والوَحْيُ الثاني وَحْيُ الغريزة الحَيوان.
قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
هذا وَحْيُ الإلهام، وكُلّ إنسان يُمْكِن أن يوحَى إليه وَحْي إلْهام ؛ يَخْطُر بِبَالِهِ أن يَذْهَب بِهذا الطريق، فالله تعالى يُنَجِّيه، إذْ في الطريق الآخر مُشْكِلة، ويَخْطر بِبَالهِ أن يُلْغي سَفَرَهُ، فإذا به يسْمع أنَّ الطائرة التي كان ينوي الذهاب فيها قد سَقَطَتْ فالإنسان بين وسْوَسَةِ الشيطان وإلهام الملائكة، فالمؤمن المُستقيم يتحرَّك بإلْهامٍ من الملائكة، والإنسان المُنْحَرِف يَتَحَرَّك بِوَسْوَسَة من الشيطان فإمَّا أن تتحرَّك بِوَسْوَسَةِ الشيطان أو إلْهام الملائكة؛ هذا الوحي الثالث، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
الوحيُ الرابِع هو وَحْيُ الرِّسالة، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(15)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا وحيُ جِبْريل عليه الصلاة والسلام، فقوله تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيه﴾

[ سورة القصص ]
هذه الآية فيها أمْران ونَهْيان وبِشارتَان ؛ الأمْرُ الأوَّل: أن أرْضِعيه فإذا خِفْتِ عليه فألْقيهِ في اليمّ، شيء لا يُصَدَّق ! فهي تكاد تموت خَوْفًا عليه، والله يقول: فإذا خفْتِ فألْقيهِ في اليمّ ! بالمناسبة ماذا نسْتفيد نحن في القرن العشرين مِن قِصَّةٍ وقَعَتْ قبل ثلاثة آلاف عام ؟ الحقيقة كما أُؤكِّد لكم دائِمًا: ليس القرآن كتاب تاريخ ولا كتاب قصص، إنَّما هو كتاب قوانين، فلمَّا تلقي الأمّ ابنها المولود في توِّه في صندوق، حركة الماء بِيَدِ مَن ؟ بِيَد الله، وكذا الرِّياح طيِّب امرأة فرعَون التي خطَرَ لها أن تأتي إلى شاطئ البحر ! هذا بِيَدِ مَنْ ؟ بِيَدِ الله، ولمَّا فتِحَ الصندوق مال قلبها إليه، القلب بِيَدِ مَن ؟ بِيَد الله فالله تعالى أراد من هذه القِصَّة أنْ يُعْلِمَنا ونحن نقرأ القرآن في أيِّ زَمانٍ ومكانٍ أنَّه كُلَّ شيء بِيَدِ الله الماء والرِّياح وقلب امرأة فرعوْن كُلّ هذا بِيَدِ الله، وحتَّى الإنسان يطْمئِنّ، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
الآية التي تَخُصّ الأنبياء والمرسلين قال العلماء: إنَّ كلّ مؤمنٍ بِقَدْر إيمانهِ واسْتِقامتِهِ وإخلاصِهِ له من هذه الآيات نصيب، فإذا كان هذا الطِّفْل الرَّضيع في صُنْدوقٍ أصَمّ، وفي نهْر هو النِّيل، تتحرَّكُ به الأمواج وتقْذِفُهُ الرِّياح إلى أنْ ساقَتْهُ إلى قصْر فِرْعَون، ثمّ توقَّف أمام غصْن، ثمَّ ألْهَمَ امْرأة فرعون أن تأتي إلى الشاطئ، ثمّ رأَتْ صُنْدوقًا فقالتْ: افْتَحوه فلما فتحوه رأتْ طفلاً قالتْ كما قالت تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)﴾

[ سورة القصص ]
فرعَون كما ترْوي القِصص رأى في المنام أنَّ طفلاً من بني إسرائيل سيَقْضي على مُلْكِهِ، فقال: القضِيَّة سهْلةً ؛ سأقْتُلُ أولاد بني إسرائيل جميعًا، فَكُلُّ قابِلَة ولَّدَت امْرأةً أنْجَبَتْ طفلاً عليها أن تُبلِّغ المسؤولين في عهد فرعون لِيَذْبَحوه، فإن لم تُبلِّغ ذُبِحَتْ هي ! أما هذا الطِّفْل الذي سَيَقْضي على مُلْكِهِ ربَّاهُ في قَصْرِهِ !! قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾

[ سورة القصص ]
الحقيقة هاتان الكلمتان تتكرَّران في القرآن الكريم، وهما دقيقتان فأنت لك ثلاثة أزمان ؛ الزَّمَن الحاضِر والماضي والمُستقبل، فالحاضِر هي الَّحْظ التي تعيشُها الآن، أما الماضي والمستقبل، فالماضي قد تحزَنُ عليه وتنْدَمُ على مُضِيِّهِ، وتنْدم على أيَّام الشَّباب، وأيَّام الغِنى والسُّرور والمستقبل تخاف منه ؛ فيه مُفاجآت وأمراض، وذهاب المال فالإنسان دائِمًا عنده قلقان ؛ قلقٌ مُتَعَلِّق بالماضي وهو ندَمٌ، وقلق مُتَعَلِّق بالمستقبل وهو الخوف، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
فهذه الآية غطَّتْ المستقبل والماضي، لا تخافوا مِمَّا سيَأتي، ولا تحْزنوا على ما مضى، ولأنَّ المؤمن في خَيْرٍ مُتَجَدِّد، وفي صُعودٍ دائِم، ولن يُصيبَهُ إلا ما كتب الله له من خير، فَكُلّ إنسان مؤمن آمَنَ بالله واسْتقام على أمْرِهِ الله عز وجل في عَلْياء سمائِهِ يُطَمْئِنُهُ، لا تَحْزَنْ على ما مضى، ويُغَطِّي له المستقبل فلا تخشى مِمَّا سيَأتي، لذلك ربنَّا عز وجل يقول:

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾

[ سورة البقرة ]
فالمُستقبل دائِمًا أحلى مِن الماضي للمؤمن، أما غير المؤمن فدائِمًا المستقبل أسْوَء من الماضي، عدم القدرة على الاستمتاع بالملذَّات ودِقَّة بالأكل فلا يأكل كلّ شيء، لذا كُلَّما تقدَّم الإنسان بالسِنّ ضَعُفَتْ قُدْرتُهُ على الاسْتِمتاع بالحياة، ففي المستقبل قلق زوْجَتُهُ تكبر ويسْتقلّ أولادُهُ عنه، كان يأْنَسُ بِهِم، إضافَةً إلى أمراض مُخيفة، ففي المستقبل هناك قلق، والماضي في نَدَم، أما المؤمن فالله قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
أوَّل ثمْرة من ثمرات الإيمان كما قال تعالى:

﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)﴾

[ سورة طه ]
قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
هذا تَوَكُّل قوِيّ وهذا سيِّدُنا إبراهيم وضَعَ زَوْجَتَهُ في وادٍ غير ذي زَرْع وتوكَّل على الله، هذا فوق طاقَة البشَر، فذَهَبَت جيئةً وذهابًا، فَنَبَعَ ماء زَمْزَم في مكَّة المكرَّمة، فالله تعالى يقول:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
مِن لوازِم إيمانكم التَّوَكُّل على الله.
قال تعالى:

﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾

[ سورة القصص ]
هذان هما النَّهْيان، والأمْران قال تعالى:

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص ]
هذان هما الأمران، والبشارتين، قال تعالى:

﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾

[ سورة القصص ]
فهنا اتَّضَح أنّ فِرْعون الذي قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾

[ سورة النازعات ]
وهو الذي قال:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

[ سورة القصص ]
وهذا الذي يُعَدُّ أكْفَرَ أهل الأرض، فقد ادَّعى الأُلوهِيَّة، وقتل أبناء بني إسرائيل على شبهة أنَّ أحدهم سيَقْضي على مُلْكِهِ ! ما الذي حصَل ؟ قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا الطِّفْل الذي سيَقْضي على مُلْكِهِ ربّاهُ في قصْرِهِ قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
هذه اللام أعْربها النُّحاة لام المآل، لأنَّه لا يُعْقَلُ أن تكون لامُ التَّعْليل ولا يُعْقَلُ لِعاقِلٍ أن يلتقط طفلاً يقْضي على مُلْكِهِ، لكنَّ الذي حصل وفي نِهايَة المطاف أنَّ هذا الطِّفْل قضى على مُلْكِهِ، قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
الغريب أنَّ مع فرعون دائِمًا هناك هامان وجنودَهُما، فَمَن أعان ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومَن أعان ظالمًا جاء يوم القيامة مَكْتوبٌ على جبينه آيِسٌ من رحْمة الله، ومَن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة كان أوّل ضحاياه، لا تُعِنْ ظالمًا على ظلْمِهِ.
أيها الإخوة الأكارم، مرَّةً أخرى ؛ ما جعَلَ الله هذا القرآن قصَّةً يُتْلى إلى يوم القيامة لِتَكون قِصَّةً، أو لِيُنْبِئنا عن حدثٍ وقع قبل ألفي عام إنَّما العَبْرة أن تتَّخِذ من هذه القِصَّة عِبْرَةً، وهي أنَّ كُلَّ شيء بِيَدِ الله تعالى حتَّى حركة صنْدوق خَشَبي بيَدِهِ، وحركة الرِّياح والماء، وحركة المرأة، ومَيْلُ قلبِها بِيَدِهِ، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾

[ سورة طه ]
فإذا أحبَّ الناس أحدًا فلا يظنَنَّ أنَّهُ هو الذَّكيّ ! لا، هذا من توفيق الله وفضْلِهِ، لذلك أجْمَل آية أن هذا الطِّفْل الصغير، تجِدُ الأب بِكامِل طاقاتِه، وذكائِه وخبْراتِهِ، كُلُّها مُوَظَّفة لِتَرْبِيَة هذا الطِّفْل، وكذا الأم فَمَن ألْقى حُبَّهُ في قَلْبَيْهِما ؟ الله عز وجل، ومِن أجل أن يعْمر الكَون فالأب يريدُ أن يُزَوِّج أبناءَهُ ويُعَلِّمَهُم، هذا مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ، فالله عز وجل بلا جهْد ولا عمل ألقى حُبَّ الطِّفل في قلب والِدَيْه، يجوعان لِيَأكل، ويسْهران لِيَنام، ويمْرضان لِيَشْفى، هذا دليل على محبَّة الله لنا، وعلى عظمة الله جل جلاله.
قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
فالبُطولة أن لا تكون من الخاطئين لأنَّ العاقبة للمُتَّقين، والعاقبة لِمَن خاف الله، واسْتَقام على أمْره، والأمور تَدور وتَدور، ولا تسْتَقِرّ إلا على نُصْرة المؤمن وقَهْر الكافر.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
لا يشْعرون مَن سَيَكون هذا الغُلام، لذا الله تعالى عَلِمَ ما كان وعَلِمَ ما يَكون، وعلِمَ ما سيَكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون عَلِمَ أنَّ هذا الطِّفْل سيَغْدو نبِيًّا مُرْسَلاً، وسيَأتي إلى فرْعون وسَيُحاوِرُهُ وسيُثْبِتُ له أنَّهُ رسول مِن خلال آيات كَوْنِيَّة، وفرعون يُلجِمُهُ الله عن قَتْلِهِ، ويَقْبَلُ أن تكون هناك مُناظَرة بينهما، وتَجْري هذه المناظرة ويجْتَمِعُ قَومٌ حول سيِّدِنا موسى، ويتَّجِهون نحو البَحْر فَيَتْبَعُهُم فرعَوْنُ بِجُنودِهِ، ويُصْبِحُ البحر طريقًا يبَسًا ينْزِلُ فيه موسى وأصْحابُهُ فإذا خرج من الضَّفة الثانِيَة نزَلَ فرعون، فعاد البحرُ بَحْرًا، فأغْرَقَهُ الله عندئِذٍ يقول فرعون كما قال تعالى:

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[ سورة يونس ]
لِمَن العاقبة ؟ للمؤمنين، فأنت كُلّ بُطولتِك أن تكون مع الحق، وأن تكون في خَنْدَق المؤمنين.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-21-2018 12:54 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، وصَلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام مع فرْعون وملأه إلى قول الله تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾

[ سورة القصص ]
أمرَها تعالى بِأمْرين ونهاها عن شيئين وبشَّرَها بِبِشارَتين، ثمَّ قال الله عز وجل:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
ولا يُعْقل في المنطق البشَري أن يلْتقط إنسانٌ غلامًا لِيَكون له عَدُوًّا وحزنًا، ولكنَّ الذي حصَل أنَّ هذا الغلام الذي الْتُقِط، والذي رُبِّيَ في قَصْر فرعون حينما كبر، وجاءَتْهُ الرِّسالة ودعا فرعون إلى أن يخْضَعَ إلى أمْر الله عز وجل، فلمَّا أبى والقِصَّة معروفة لدَيْكم ؛ أتْبَعَهُ فرعون بِجُنودهِ فَغَشِيَهُم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُم، وانتهى فرعون، لذلك قال علماء النَّحْو هذا اللام هي لامُ المآل، قال تعالى

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
يُسْتنبط من هذه الآية أنَّ الإنسان مهما كان ذَكِيًّا، ومهما كان قَوِيًّا فإنَّ الله تعالى كما قال:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
وإذا أراد ربُّك إنفاذ أمْر أخَذَ من كُلّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(182)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالله عز وجل إذا أراد ربُّك إنفاذ أمْر أخَذَ من كُلّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ، ثمّ نفَّذ الأمر، فالله تعالى لا ينْفع معه الذَّكاء والعقل والكِياسَة، ولا أن تسدَّ الغلطات وتُغطِّي الاحْتِمالات، لا ينفَعُكَ مع الله إلا أن تُطيعَهُ ولا تنْجُوَ من عقابِهِ إلا بالإقبال عليه.
فرعون وما أدراكم ما فرعون ؛ قُوَّةٌ وجبروت وسَيْطَرة وادِّعاء الألوهِيَّة، ومع ذلك طفْل صغير الْتُقِط وربَّاهُ في قَصْرِهِ لِتَكون ِنهايةُ ملكِهِ على يدي هذا الطِّفل الصغير، قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
وهذا هو معنى قول الله تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾

[ سورة الطارق ]
فالله ليس كائِدًا ولكن يرُدُّ على تَدبير الكُفَّار بِتَدْبير مُحْكَمٍ ينْفَعُ المؤمنين ثمَّ قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
لماذا ذكر الله فرعون مع هامان ؟ ومع هامان الجنود ؟ لأنَّهُ مَن أعان ظالمًا كان شريكَهُ في الإثْم، ومَن أعانَ ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة جاء يوم القيامة مَكْتوب على جبينه: آيِسٌ مِن رحمة الله ! فلا تُعِنْ ظالمًا ولو بِهَزِّ رأسٍ، ولا بِتَقْديم قلمٍ للتَّوقيع ولا بابْتِسامَةٍ، ولا بإقرار ولا بموافقَة، وإلا كنتَ أحد ضحاياه، قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾

[ سورة المائدة ]
يريدُ هذا الظالم أن يُنْفِذَ أمْرًا مُجْحِفًا بِحَقِّ بريء، فإذا قال لك: ما رأيُك ؟‍! فَهَزَزْتَ رأْسَك كُنْتَ مِمَّن أعان على الظُّلم، مَن أعانَ ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة جاء يوم القيامة مَكْتوب على جبينه: آيِسٌ مِن رحمة الله ! لذلك ورد في هذه القِصص كثيرًا قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ هامان والجنود نالهم من فرعون الشيء الكثير، والغرْم بالغرم فحينما يُحاسَبُ فرعون فينْبغي أن يُحاسَبَ مَن أعانَهُ على الظُّلْم ومَن كان عَوْنًا له على السَّيْطَرة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَفَّانُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ قَالَ عَفَّانُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ رواه أحمد]
فقد يُلْقي في قلب هذا الإنسان الحبّ لِفُلان، وقد يُلْقي البغْض، والقَسْوَة فقُلُوب العباد بين أُصْبعين من أصابِع الرحمن يُقَلِّبُها كيف يشاء، أنت إذا وقَفْتَ أمام إنسانٍ قَوِيٍّ ورأيْتَ أنَّهُ قسى عليه فلأنّ الله جعل قلبَهُ هكذا، وإذا رأيْتَهُ أنَّهُ رَحِمَك ألْقى في قلبِهِ حبَّك والعَطْف عليك فعلاقتُكَ مع الله، وهذا هو التَّوحيد، قال تعالى:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)﴾

[سورة هود]
الأقْوِياء ينبغي أن لا تخاف منهم، والخوف من الذي بِيَدِهِ زِمامهم ؛ هو الله، قال تعالى:

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[سورة هود]
لذا وردَ أنْ لا يخافنَّ العَبْدُ إلا ذَنْبَه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّه، فلا تَخَفْ قَوِيًّا ولا تَخَف مرضًا، ولا تخَف مُصيبَةً، إنَّما خَف مِن ذَنْب يسْتدعي كُلَّ ذلك قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[ سورة النحل ]
فإذا وقَعْتَ في مُشْكِلَةٍ فلا ترْجُونَّ إلا الله، فلا ترْجو أن تُزاحَ عنك هذه المُصيبة بالمال، ولا بِفُلان ولا بِعِلاَّن، ولا بِمَكانَتِك وسَطْوَتِك، لا يخافنَّ العبْد إلا ذَنْبه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّه، امرأةُ فرعون قد يسأل بعضكم ؛ ما الحِكمة في أن تكون صِدِّيقة ؟
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
﴿كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ﴾

[رواه البخاري]
ما الحكمة في أن تكون هذه الصِّديقة تحت ظالمٍ ؟ أراد الله عز وجل أن يُبَيِّن للناس فضْلاً عن تَقْريرهِ المُباشِر، أراد أن يُبَيِّن من خِلال الحوادِث أنَّ المرأة مُسْتَقِلَّةٌُ في إيمانها، وفي مَسْؤولِيَّتها، وفي دينها عن زَوْجِها، فأيَّةُ امرأةٍ تقول: هكذا يُريد زَوجي، ولو كان زوْجُها أحدُ جبابرة الأرض، ومع ذلك لا يستطيع أن يَحْمِلَها على الكُفْر، وهذا درْسٌ مِن أبْلَغ الدُّروس، الله عز وجل جعل تحت أكبر طاغِيَةٍ في الأرض صدِّيقَةً، بِكُلِّ جَبَروتِهِ وسَطْوتِهِ لم يسْتطع أن يَحْمِلَها على الكفر، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

[ سورة التحريم ]
لذلك هذه القِصَّة لِكُلّ امرأة، فلا تقل: هكذا يريد زَوْجي، وأنا لا دَخل لي، فمهما كان زَوْجُك طاغيَة فلن يبْلغ طغيان فِرْعَون، ومع ذلك المرأة مُسْتقِلَّة في إيمانها وطاعَتِها في مَسْؤولِيَّتِها عن زوْجِها، اتَّصَلَتْ بي امرأة وقالتْ لي: زوْجي يُريد أن يأخذني إلى البَحْر وأن أسْبَحَ أمام زُملائهِ، وهدَّدني إن لم أفْعَل فسَيُطَلِّقُني ! فقلتُ لها: لا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَة الخالق، ولْيُطَلِّقْك!! لكِنَّه لم يُطَلِّقْها، إنَّما اسْتَعْمَلَ معها أُسْلوب التَّخْويف، ماذا قال سَحَرة فرعون ؟ قال تعالى:

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(123)﴾

[ سورة الأعراف ]
أُمُّ سيِّدنا سعْد ابن أبي وقَّاص قالتْ له: يا بُنيّ، إما أن تكْفر بِمُحَمَّد، وإما أن أدَعَ الطَّعام والشَّراب حتَّى أموت ! قال: يا أُمِّي، لو أنَّ لكِ مائة نفْسٍ فَخَرَجَت واحِدَةً واحِدَة ما كَفَرْتُ بِمُحَمَّد فَكُلِي إن شئْتِ أو لا تأكُلي، فالإنسان ليِّن إلى أقْصى المواقف، ولكن هناك مواقف إن لم يَكُن صلْبًا ينتهي والمؤمن عندهُ كلمة ؛ لا يقولها بملء فَمِهِ، لا أفْعل هذا، هذا لا يرْضاهُ الله، فهناك منْ عندهُ حياء شَيْطاني، يسْتحي فإذا به يأكل الحرام، ويسْتحي فإذا به يَعْصي الله، ويسْتحي فيَقُرّ بالمَعْصِيَة، يجب أن تقول كلمة بِمِلء فَمِكَ أحْيانًا، ولْيَكُن ما يَكُن خاطَبوا أحد جبابرة الأرض، وخاطبوا إنسانًا يقتل العباد كما يقتل الذُّباب ! قال تعالى:

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)﴾

[ سورة طه ]
أيها الإخوة، يجب أن نعلم جميعًا أنَّ هذه القِصص، والله الذي لا إله إلا هو ما أرادها الله تعالى قِصَصًا أبدًا، ولكن حقائِق على شَكْل قِصص، لذلك قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
مَن ألقى حُبّ موسى في قلب امرأة فرعون ؟ الله جل جلاله، وفي المرة القادِمَة نُتابع هذه القصَّة.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-21-2018 12:56 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، بعد أن الْتَقَطَهُ آل فرعون ليكون لهم عَدُوًّا وحزَنًا، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
وصلنا إلى هنا في الدرس الماضي.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
المَنْطِقُ يُشير إلى أنَّ هذا الطِّفْل ما ألقِيَ في اليمّ إلا لأنَّهُ من أطْفال بني إسرائيل، مع أنَّ فرعون جزَم بِقَتْل كل أطفال بني إسرائيل، فلذلك ألقى الله تعالى حبَّ هذا الطِّفْل في قلب امرأة فرعون، قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
لا يشعرون أنَّ هذا هو الطِّفل الذي سيَقْضي على ملك فرعون ؟ يُؤتَى الحَذِرُ مِن مأْمَنِه، ولا ينفعُ ذا الجدّ منك الجَدّ، ولا ينفعُ حذَرٌُ من قَدَر ولكن ينْفعُ الدُّعاء ممَّا نزل وما لم ينزل، وما أخذْت الاحْتِياطات وغطَّيْتَ الاحْتِمالات، ومهما سدَدْتَ الثَّغرات، الله غالب على أمره وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له، وإذا أراد إنفاذ أمْر أخذ من كلِّ ذي لُبٍّ لبَّهُ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، لم يشْعروا أنّ هذا الطِّفل سيَغْدوا نبِيًّا ويُواجِهُ فرعَون وسيَتْبَعُهُ فرعون ويغرق هو ومن معه، ويورث بنو إسرائيل مُلك فرعون من بعده.
قال تعالى:

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)﴾

[ سورة القصص ]
بعد أنْ ألْقَتْهُ، فالأمّ أمّ وامتلأ قلبها قلقًا عليه، قال تعالى:

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)﴾

[ سورة القصص ]
أي مِن شدَّة قلقها وخوفها، كادَتْ أن تقول: ابني في قَصْر فرعون لولا أن ربطَ الله على قلبها، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
عن النَّوَّاس ابن سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ قَالَ وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[ رواه ابن ماجه ]
وقال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

[سورة الفتح]
فالله تعالى أحْيانًا يَمْنَحُكَ قُوَّة التَّحَمُّل، وأحْيانًا يَجعلُ مُقاوَمَتَكَ هشَّة، تجد رجلاً صامِدًا لأقصى الحوادث، وآخر ينْهار لأتْفَه الحوادِث، فَمَن الذي يُعْطي قُوَّة التَّحَمُّل ؟ الله جل جلاله، من الذي يُفْقِدُ هذه القوَّة ؟ الله جل جلاله، فالله تعالى يمكنهُ أن يربط على قلبك، وكما يمكنه أن يجعله كفُؤاد أمِّ موسى ! قال تعالى:

﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾

[ سورة القصص ]
تتبَّعي أخبارهُ، قال تعالى:

﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

[ سورة القصص ]
قالوا: هذا التَّحريم ليس تَحريم تَشْريع بل هو تحريم مَنْع، هذا الطِّفل الصغير أعْطِيَ أوَّل مرضِعة فرفضَها، وكذا الثانية والثالثة، فأيَّةُ مرضِعَة غير أمِّه رفضَها، قال تعالى:

﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:

﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) ﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ الله تعالى قال:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾

[ سورة القصص ]
هذا كَيْدُ الله، ومكْرُهُ تعالى، لكنَّ كيد ومكْر الله فيه الخير، والله يعْلم السرَّ وأخفى.
خطَرَ بِبَالي مَثل وأنا في طريقي إليكم، شاحنة قُوَّتها ثمانون حِصان مُنْدَفِعَة، ما الذي يوقِفُها ؟‍! الذي يوقِفُها شيء أمتَن منها وأصْمَد شاحنة أو جدار، لكن أحيانًا شريط كهربائي في مُحَرِّك الشاحنة لو قطِعَ وقفَتْ ! فما هو الأحْسَن أن توقَفَ بصَدْمٍ أم بِقَطْع هذا الشريط ؟! فالله أقْوى الأقوياء، كل شيء بِيَد الله، ففِرْعون أمر بِذَبْح كل الأطفال ولكن هذا الطِّفل قالت له زوجه هو قرَّة عين لي ولك ! فما قتَله قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) ﴾

[ سورة القصص ]
فلو عُرِضَ عليك مال حرام تَحُلّ فيه كُلَّ مشاكِلِك، وقلتَ أنت: لا إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين، والله تعالى وَعَدَ المستقيم بالفَوْز والعاقبة والتَّوفيق، والنَّجاح والطّمأنينة، ولكنَّ الله يعطيك مهلةً يمْتَحِنُكَ فيها تستقيم وتعفّ عن الحرام، بعد حينٍ يأتي الفرَج، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[ سورة النور ]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾

[ سورة الحج ]
وقال تعالى:

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)﴾

[ سورة الحج ]
كل هذه الوُعود لا بدّ من أن تُحَقَّق، وزوال الكون على الله أهْوَنُ من أن لا تُحَقَّق هذه الوُعود.
فالله تعالى قال:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

[ سورة طه ]
مهما حصَّلت من الأموال الطائلة، ومن العلاقات، فإنَّ الله جعل لك وعيدًا فالله وعَد المستقيم بالفَوز، ووعد المُتَصِّدق بِنَماء المال، ووعَدَ الطَّيِّبين بالطَّيِّبات، ووعد المؤمن بالحِماية والتَّوفيق والتأييد والنَّصر قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

(سورة المائدة )
وأكثر الناس لا يعلمون أنَّ وعْد الله حق، قال تعالى:

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(28)﴾

[ سورة سبأ ]
ما عليك إلا أن تسْتقيم على أمْرِهِ، ولا يَحْميك إلا أن تكون على أمره ومُطيعًا له، وأَقْبل على الحلال، وارْكُل الحرام، ففي الحلال برَكَة فعلى الإنسان أن يُطبِّق الشَّرْع وينتظر وَعْد الله، وحبَّذا لو قرأ الإنسان القرآن الكريم والْتقَط وُعود الله، والَعْد ثَمَنُهُ الطاعة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[سورة الأحزاب]
وقال تعالى:

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾

[سورة النساء]
امرأة ترمي ابنها في البحر، وتَغْدو بعد حينٍ مُرْضِعَةً له !! صندوقٌ وُضِعَ باليمّ، وسيَّرتْهُ الرِّياح، ووقف أمام غصْن، وأُلْهِمَت امرأة فرعون أن تنزل الشاطئ، وألقِيَ حبَّه في قلبها، ورَجَتْ زوْجها أن لا يقْتُله، وعرَضوا على الطِّفل المراضع فأبى ! ثمَّ جاءَت أُخْتُهُ تتقصَّى أخْبارهُ، ودلَّتْهم على مرْضِعَةٍ يقْبلها والتي هي أُمُّه، وهذا تدْبير الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

[سورة إبراهيم]
مكْر الكفار مُخيف،إحدى الدول القويَّة تقول: عندي قنابل نويَّة أدَمِّر بها الأرض خمْس مرَّات !! فدمَّرها الله قبل أن تُدَمِّر شيئًا، فأنت أسْعَدُ الناس إن دافع عنك الله، أنت قُمْ بالأسباب وتوكَّل على رب الأرباب وانتَظِر من الله تحقيق وعْدِهِ لك، وُقوع وَعْد الله أقْوى من كلّ شيء قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[سورة يوسف]
هذه الآية وردَتْ في سورة يوسف عليه السلام، كانوا اثني عشرة إخوة إئتَمروا على أخيهم ووضَعوه بالجبّ لِيَموت ! فإذا به يصبح عزيز مِصْر، قال تعالى:

﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58)﴾

[سورة يوسف]
فالذَّكي يقرأ القرآن ويتتبَّعُ وُعود الله عز وجل ويعْمل موجباتها وينالها حُبًّا وكرامة، فالله تعالى ما ذكر هذه القِصَّة لِتَكون قِصَّة ! لا، بل ذكرها لِتَكون قانونًا ننتفِعُ بها نحن الآن في القرن العشرين، المُرضِعة بِيَد الله، والطفل بيَدِ الله، وكذا القلوب بيَدِ الله، وحركة الرِّياح وكل شيء بِيَدِهِ، وبالنِّهايَة قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(55)﴾

[ سورة يونس ]
مُلخَّص القِصَّة ؛ يجب أن نعلم أنَّ وعْد الله حق، والإنسان إذا كان مُغطَّى بِوَعد الله فهذا أسْعَدُ الناس تَجِدُ شابًّا لا بيْتًا ولا عملاً ولا زوجةً ولكنَّهُ مستقيم، فالله تعالى يخْلق من الضَّعف قُوَّةً، ويُيَسِّر له، ويمُدُّه بالمال، ويُزَوِّجُهُ دون أيِّ شيء وآخر تجد معه ألف مليون يتدمَّرون بالنوادي الليليَّة، والأمراض، عبدي أعطيتكَ مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي فقال: ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين، إنَّ الذي خشيتَهُ على أولادك من بعدك قد أنْزلتُهُ بهم ! حدَّثني أخ فقال لي: أحد الناس تركَ لأوْلاده محلّا بالحمراء ومعملا وبيتا بالمالكي وسيارة، وأقلّ مِن عشْر سنوات لم يبْق معهم ولو قرشًا تدمَّروا، وتورَّطوا بصفقات خاسرة واضطرُّوا أن يبيعوا الأملاك واحدا واحدا، والثاني قال له: أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب أنْفَقْتُهُ على كُلّ مُحتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحمُ الراحمين، قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك، فأحيانًا يموت إنسان يترك خمْسة أولاد أيتام، يُصبِحون أعلاما بالمُجْتمَع ويأتي آخر لم يتَّق الله في كَسْب المال، ويترُك لهم ثرْوَة طائلة ويكونوا من بعده أشقياء.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-21-2018 12:57 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا إلى قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
فأيُّ مُحْسِنٍ على الإطلاق إذا أحْسنَ عملهُ واسْتقام على أمْر الله يؤْتيه الله الحُكْم والعِلم، والله عز وجل أعْطى القُوَّة لِمَن لا يُحِبّ، وأعطى المال لِمَن لا يُحبّ، أعطاه لِمَن يُحِبّ ولِمَن لا يُحِبّ، أعطى القوّة لِفِرْعون وهو لا يُحِبُّه، وأعطاها لِسُلَيْمان وهو يُحِبُّه، وأعطى المال لِقارون وهو لا يُحِبُّه، وأعطى المال لِعَبْد الرحمن بن عوف وهو يُحِبُّه فإذا الشيء أُعْطِيَ لِمَن يُحِبّ ولِمَن لا يُحِبّ، فهل يُعَدُّ مقياسًا على الحبّ ؟ لا، إطلاقًا، ولكن الحبّ مِقْياسُهُ الحكمة والعلم، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

(سورة يوسف )
وفي آية أخرى قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
لأنَّ بالحِكمة تعرف الله وتسْتقيم على أمْرِه، وبالحِكْمة تُحْسِن انتِقاء زَوْجتِك، وبالحِكمة تُعامِلُها المُعامَلَة الحسَنَة، وبالحِكْمة تُرَبِّي أولادك وتقْطف ثِمار أولادِك، وبالحِكْمة تَكْسِبُ المال الحلال، والمال الحلال مَحْفوظ لك، وبالحكمة تُحْسنُ إنفاق هذا المال، وبالحُمْق تختار الزِّوجة السيِّئة وتُعامِلُها المعامَلَة السيِّئة، فتقَعُ في البيت تفجُّرات أنت بِغِنًى عنها، ولا تُرَبِّي الأولاد ترْبِيَةً صالِحَة ؛ تُعاني مِن عُقوق إذا كبروا ولا تكسبُ المال كسْبًا صحيحًا، وتُعاني مِن الإفْلاس فالحِكْمة سبب السَّعادة والحُمْق والبعد عن الله سبب الشَّقاء، لذا قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
هذا بِنَصِّ كتاب الله وبالمناسبة الحِكْمة لا يُمْكِن أن تُؤْتى لِغَيْر المؤمن إنَّ الله يُعْطي الصِّحة والذَّكاء والمال والجمال لِكَثيرين من خلْقِهِ، أما الحِكْمة فهي للمؤمنين خاصَّةً، لأنَّهم باتِّصالهم بالله وإقْبالهم عليه وأخذهم من حِكْمته تعالى وعلمِه، ومن حِلْمِهِ يُصْبِحون حُكَماء لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما نظَر إلى أصْحابهِ قبل أن تأتِيَهُ المَنِيَّة ابْتَسَم حتَّى بدَتْ نواجذُه، قال:
((علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء !))
قد تَجِدُ إنسانًا دَخْلُهُ مَحدود، وبيْتُهُ صغير، وحياتُهُ خشنة ولكنَّهُ من أسْعَدِ الناس، لأنَّهُ أوتِيَ الحِكْمة، وقد تَجِدُ إنسانًا دَخْلُهُ كبير وبيتُهُ كبير وحجْمُهُ كبير، ولكنَّ بيْتَهُ جحيم، وزواجُهُ جحيم لأنَّهُ فقَدَ الحِكْمة، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)﴾

[سورة محمد]
لا يُمكن أن يكون البعيد عن الله تعالى حكيمًا، يرْتَكِبُ حماقات ما بعْدَها حماقات وضيق أُفُق وتورُّط، واقْتِحام، ومُبالغَة، ورُدود فِعْل قاسِيَة ؛ هذا كُلُّه من لوازِم البُعْد عن الله تعالى، ومِن لوازِم القرب من الله تعالى الحِكْمة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
العِلْم هو العِلْم، أما الحِكْمة وَضْعُ الشيء في نِصابِه، أن تتكلَّم بالقَدْر الحكيم مع الشَّخص المناسب في الوقت المناسب، وأن تضَعَ الشيء المناسب في المكان المناسب بالقَدْر المناسب وفي الوقت المناسب فالحِكْمة مِن خصائِص المؤمن، لذلك الله عز وجل يُعْطي الحِكْمة للمؤمن فَيَعيشُ في سَلامٍ مع نفْسِهِ، ومع مُجْتَمَعِهِ ومع ربِّه، ومع صحَّتِهِ، فالإسلام كُلُّهُ حِكْمة، اخْتِيار الزَّوْجة بالحِكْمة، وترْبِيَة الأولاد بالحِكمة، وكذا إنفاقُهُ، وبهذا لا تجد المفاجآت والتَّفَجُّرات، فالتَّفَجُّر ناتِج عن الانْحِراف، والمبالغة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
لكي لا تتوهَّم أنّ هذه خاصَّة لِسَيِّدنا موسى، أطْلَقَها الله عز وجل فقال تعالى:

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ(44)﴾

[سورة المرسلات]
وأجْمَل ما في هذه الآية إطْلاقُها، إنسانٌ يقرأُ كتاب الله كُلَّ يوم ويُصَلِّي الفجْر في جماعة، ويسْتَمِعُ إلى تفْسير كلام الله، ويُطَبِّقُه، ويتقصَّى رِضاء الله عز وجل، فهذا الإنسان راض عنه الله، ومُسَدَّد من الله وله من الله تعالى حافِظ يحْفظه ويُوَفِّقُه، ويُلْهِمُه الصَّواب ويقيسُ الزَّلَل ويُبْعِدُه عن المُشْكِلات ويقيه من الوَرْطات، هذه هي الحكمة.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾

[سورة القصص ]
في وقْت قَيْلولة قال تعالى:

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾

[سورة القصص ]
سيِّدُنا موسى دَخَل على حين غفْلَةٍ من أهْلِها فَوَجَدَ فيها رَجُلَيْن يقْتَتِلان هذا من شيعَتِهِ وهذا مِن عَدُوِّه، فَمِن شيعَتِهِ أي مِن بني إسرائيل، ومن عَدُوِّه أي مِن قَوْم فِرْعَون، تَصَوَّر إنسانًا ينْتمي إلى فرعَون ؛ كَم هو قَوِيّ ومُخيفٌ وجبَّار، وكم هو مَرْهوب الجانب ‍! وإنسانٌ ينْتمي إلى فئَةٍ مُذَبَّحُ أطْفالها ومُسْتضْعفة، إذًا هناك مُسْتَضْعَف ومُتَجَبِّر فالمُسْتَضْعَف بنو إسرائيل في عهْد فرعَون، والمُسْتكْبرون هم فرعون ومَن معه.
قال تعالى:

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَان﴾

[سورة القصص ]
سيِّدُنا موسى أبْعَدَهُ فإذا بذاك الشَّخص يلقى ميِّتًا، وهذه الظاهرة معْروفة بالطِّب، يكون عنده مُشْكلة بقلْبِهِ، ومُشْكِلَة بِدَوْرَتِهِ الدَّمَوِية وتَجَلُّط بالدَّم، فأقلّ حركة يقْضي عليه، فسيِّدُنا موسى ليس قاتِلاً ولم يقْصِد أن يقْتُلَهُ، إنَّما قصَد أن يُبْعِدَهُ، ولكن هذا الذي أبْعَدَهُ من شيعَة فرْعون وهذا الذي انتصَر له من شيعَتِهِ ؛ مُشْكلة كبيرة جدًا.
قال تعالى:

﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) ﴾

[سورة القصص ]
إذا وَجَدْتَ إنسانًا يشْنُقونهُ، لك أن تقول: هذا مِن عَمَل الشَّيْطان، دفَعَهُ إلى الجريمة ثمّ ساقَهُ إلى المحاكَمَة ثمّ شُنِق، تجد إنسانًا يشْرب الخمر فإذا بِحادِث يقضي عليه هو وأسْرَتُه، هذا من عمَل الشيطان، فالكافر الميؤوس من إيمانِهِ يقْصِمُهُ قصْمًا، والكافر الذي فيه بَقِيَّةُ خيرٍ يُعْطى فرْصَة، فهناك مصائب قَصْم، وهناك مصائِب ردع، ومصائب دَفْع فالقصْم للذي شرَدَ عن الله شرودًا بعيدًا، وهناك مصائب ردْع وهناك مصائب دَفْع، وهي مصائب المؤمنين، وهناك مصيبة رفْع ؛ تَرْقى بالمؤمنين، ومصيبة كَشف، وهذه للأنبياء، فالمصائب بين قَصْم وردْع ودَفْع ورفْع، وكَشْف، والأخيرة للأنبياء، إذْ أنَّهم ينْطَوون على كمالٍ لا يُمْكِن أن يبْدُوَ إلا في حالاتٍ صَعْبَة، كان يذْهب النبي إلى الطائف، ويسُبَّهُ أهل الطائف، ويُكَذِّبونه ويرُدُّونه ويسْخرون من دَعْوَتِهِ ويضْربونه، وأن يأتيه جبريل عليه السلام ويقول له: يا محمَّد أمَرَني ربِّي أن أكون طَوْعَ إرادَتِك، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الجَبَلَيْن فيقول:
((لا، يا أخي، اللهمَّ اهْدِ قَومي فإنَّهم لا يعلمون ))
لعلّ الله يُخْرِجُ من أصْلابِهِم من يُوَحِّدُه، والمؤمن بين مُصيبتين ؛ دَفْع ورَفْع والله عز وجل يَدْفَعُهُ إلى بابهِ، وإلى مزيد إلى السرعة إليه، وإلى طاعته، وإلى العمل الصالح، وأحيانًا يكون مُسْرعًا إلى الله فتأتيهِ مُصيبةً فَتَرْفَعُه إلى الله، يقول سيدُنا عليّ رضي الله عنه: والله لو عَلِمْتُ أنّ غذًا أجلي ما قدَرْتُ أن أزيد في عملي ! فالمؤمن بين دَفْع ورَفْع، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[سورة البقرة]
وعِزَّتي وجلالي لا أقبِضُ عبْديَ المؤمن وأنا أحِبُّ أن أرْحَمَهُ إلا ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سيئَةٍ كان عَمِلَها ؛ سُقْمًا في جَسَدِه، أو إقْتارًا في رِزْقِهِ، أو مصيبةً في مالهِ وولَدِه حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذرّ فإذا بقِيَ عليه شيء شَدَّدْتُ عليه سَكَرات الموت حتَّى يلْقاني كيوم ولدَتْهُ أُمِّه، فأنت لك عند الله تعالى درجة إما أن تنالها بِعَمَلٍ صالحٍ، أو بِصَبْرٍ على مُصيبة وأنا أنْصَحُ أن يخْتار الإنسان العمل الصالِح، فهو الذي يَحُلّ محلّ المُصيبة ولأنّه أعْمَل.
لِكُل شيء حقيقة، وما بلغَ عبْدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعْلَم أنَّ ما أصابَهُ لم يَكُن لِيُخطأهُ، وما أخْطَأهُ لم يَكُن لِيُصيبَهُ، فسيِّدُنا موسى دخل المدينة على حين غفلتها فَوَجَد رجلان يقتَتِلان، قال تعالى:

﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(15)﴾

[سورة القصص ]
ثمّ قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17)﴾

[سورة القصص ]
عَدْلُ ساعَةٍ تعْدِل عند الله عبادة ثمانين عامًا فلا تَكُن مع المُجْرِمين والأقْوِياء الظالمين، ولا تنْصُر الظالمين، ولكن اُنْصر المَظْلومين ولو بدى لك أنَّ هناك خطر عليك، فالله تعالى هو الذي يُنْقذُكَ، ويَحْفظك وهو تعالى الذي يقْلبُ الموازين، وهذه القِصَّة مفادُها ؛ إيَّاك أن تقفَ مع الظالم، وإيَّاك أن تُقِرَّهُ، وأن تُعْطِيَهُ إشارَةً بِعَيْنَيْك، ومن أعان ظالمًا سلَّطهُ عليه.
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾

[سورة القصص ]
بدى له أنَّه انتهى، وكَزَ أحد شيعة فرعون، والقاعدة كما قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
فعلى مُسْتوى تَقْسيم إرْث تجِد الأخ الأقوى يسْتَولي على كل التَّرِكَة فالناس ألِفوا أن يكونوا مع الأقوياء والأغنياء، وأن تكون مع هؤلاء هذا لا يرْفَعُكَ عند الله بل يضَعُكَ في الوَحْل، كُنْ مع الحقّ ولا تَخْشَ الغنيّ، وكُنْ مع صاحِب الحقّ ولو كان ضعيفًا ومنْبوذًا، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
فلا تُعلِ شَأن مَن تراه يشْرب الخمر من أقاربك وتُعل شأنهُ وتُبجِّلُهُ فهذا نِفاق ليس بعدهُ نِفاق، ولكن زُرْ أخًا مؤمنًا ومُستقيمًا يعْرف الله عز وجل، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
لا تُعِنْهم ولا تُقَدِّم لهم دَعْمَكَ، ولا تُثْنِ عليهم وتعْتَزَّ بِهم.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-22-2018 03:08 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[سورة القصص]
أوَّل اسْتِنباط من هذه الفقْرة أنّ الغِنى هو العمل الصالح وأنّ الفقْر الحقيقي هو فقْر العمل الصالح، لذا قد تَمْلِك مئات الملايين وأنت أفْقر الفقراء إن لم يكنْ لك عَمَلٌ صالِحٌ ينْفَعُكَ بعد الموت، وقد لا تمْلكُ ثرْوة لكنَّ لك أعمال كالجبال فأنت أغنى الأغنياء، هذا ما قاله الإمام علي كرَّم الله وجْهه ؛ قال: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، هذا النبي الكريم يُقَرِّر بإذْن الله عز وجل أنَّ الغِنى غِنَى الأعمال الصالحة وأنّ الفقْر الحقيقيّ فقْرُ الأعمال الصالحة،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ))

[رواه الترمذي]
كلمة الحق صدَقة، والنُّصْح صدقة، وأبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها، ترْبِيَة الأولاد من أعْظم الأعمال، والرِّفْق بالزَّوْجة من أعْظم الأعمال ورِعايَة الأبَوَيْن من أعظم الأعمال، ورِعاية الأولاد من أعظم الأعمال والنُّصح للمسلمين من أعظم الأعمال، وإتقان العمل من أعظم الأعمال فَبِإمكانِكَ أن تكون أغنى الأغنياء، وبِمِقْياس الأرض الأغنياء هم الذين يَمْلِكون الملايين المُمَلْيَنَة، ولكنْ بِمِقْياس السَّماء الأغنياء هم الذين سخَّر الله لهم ما يُعينهم على الأعمال الصالحة، قدَّر على يدهم الخير ؛ الخير بِيَدي والشرّ بيَدي فَطوبى لِمَن قدَّرتُ على يده الخير، والوَيل لِمَن قدَّرْتُ على يده الشرّ، وإذا أردْت أن تعرف مقامَك فانْظُر فيما اسْتَعْمَلَك، كيف يسْتعملكَ الله ؟ لِخِدْمَة الخلق أم لإيذائهم، لإعْطائِهم أم للأخْذ منهم ؟ لتَطْمينهم أم لِتَخْويفِهم ؟ الويل ثمَّ الوَيل ثمَّ الوَيل لِمَن جعلَهُ الله أداة تأديب خلْقِهِ! يسوق الشرّ على يَدَيْه، ولذلك أحدهم قدَّم كتابًا للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا مَن جئْتَ الحياة فأعْطَيْتَ ولم تأخذ، أما الكفار أخذوا كُلَّ شيء، ولم يُعْطوا شيئا، والأنبياء أعْطَوا كُلَّ شيء ولم يأخُذوا شيئًا، والمؤمنون يأخذون ويُعطون.
ويا مَن قدَّسْتَ الوُجودَ كُلَّه، ورعَيْتَ قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادة العَقْل، ونَهْنَهْتَ غريزة القطيع، ويا مَن هيَّاك تفوُّقك لِتَكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، يا مَن كانت الرحْمة مهجتك، والعَدل شريعَتَك، والحبّ فطْرَتَك، والسُّموّ حِرْفَتَك ومُشْكلات الناس عبادتَك، سيِّدنا ماذا فَعَل ؟ سقى لِفتاتَين مؤْمِنَتَين ترفَّقَ بهما، فأنت كَمُؤْمِن الآن ألَيْس لك بنات أخ وبنات أخت، أليْسَ لك جار مُتَوَفِّى أولادُهُ أيتام أليْسَ لك أن ترْعى هؤلاء، وتُقَدِّمَ لهم مَعونةً، وهَدِيَّة، وأن تُعالِج مريضًا، وأن تحضر تَعْزِيَة، أليْسَ بِإمكانِكَ أن تفعَلَ الخير ؟ أليْسَ لك أن تقوم في مركبتِك عامَّة لامرأة مُحَجَّبَة ؟ أليْسَ بإمكانك أن تُعطي مقْعَدَك لِرَجُل كبير بالسِّنّ ؟ أليْسَ بإمكانِكَ أن تبْتَسِم لِمَن هم دونَك ؟ أحيانًا تجِدُ مَن يبْخل بابْتِسامة لأخٍ صانِعٍ عندهُ، والابْتِسامة في وَجْه أخيكَ صدَقَة، ألا تستطيع أن تزور أقْرِباءَكَ يوم الجمعة ؟ صلة الرَّحِم ! تنصحهم وتُبلِّغُهم، وتأتي بهم على الجامع، وتأتي بأولاد أخوك على الجامع، ماذا فعل سيدنا موسى ؟ سقى لِفتاتَيْن ابنتي شعيب، قال تعالى:

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
أبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها.
قال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾

[سورة القصص]
اسْتنبط العلماء أنّ المرأة المؤمنة لا تُزاحِمُ الرِّجال، ومن صفات المرأة المؤمنة أنَّها تبتعِدُ عن مُزاحَمَة الرِّجال، قال تعالى:

﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

[سورة القصص]
كلمة واحدَة، وكلَّما زاد إيمانك خاطَبْتَ الأجْنبيَّات بِكَلِمَة واحدة جادَّة صارِمَة مُخْتصرة، ما خطبكُما ‍! وليس في اللُّغة كلمة أقلّ منها، لم يقل: ماذا تفعلان هنا ؟ أنا بِخِدْمتِكم، قال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا(32)﴾

[سورة الأحزاب]
ما خطبكما، يُمْكن أن تبيع النِّساء، ولكن بالجدّ ! هذه سِعْرها كذا ! وأحْيانًا المرأة تقول: نحن جيرانك، وقلبك قاسٍ علينا، ألا تُراعينا ؟! اللِّين اجْعَلْهُ مع زَوْجتِك، ليس في البيت دبور وبالخارج شَحرور ! هذا الكلام الطيِّب دَعْهُ لِزَوْجتك، ولِمَن تحلّ لك، وابْتِسامتك لِزَوْجتِك وأذْكر مرَّة أنَّني كنتُ بِمَحَلّ تِجاري، وصاحب المحلّ أعْرفُهُ، دَخَلَتْ امرأة فرحَّب بِها تَرْحيبًا غير مَعْقول، فأنا مِن شِدَّة أنَّني أعْرِفُهُ مؤمنًا جَزَمْتُ أنَّها أُخْتُهُ وأحد العلماء كان بالصَّدر فعبسَ، فقلتُ له: هذه أخْتُهُ ! ولمَّا ذهَبَت قال لنا: هذه أخْتي.
الآن اسْمعوا الجواب، قال تعالى:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾

[سورة القصص]
واسْتَنْبَطَ العلماء أنَّ المرأة لا تخْرجُ إلا لِضَرورة قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33)﴾

[سورة الأحزاب]
فإذا خَرَجْتِنَّ لِضَرورة فتسَتَّرن، وقد وردَ أنَّ البيان يطْرد الشَّيْطان يقول: هذه أختي كي لا يُساء الظنّ فيه ورحمَ الله عبْدًا جبَّ المغيبة عن نفْسِهِ، لا تجعل نفْسَك في مواضع الشُّبْهة والتُّهْمة، دائِمًا لا تضَع نفْسَكَ موْضِع التُّهْمة، ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، فإذا كنت مُسافِرًا وكلَّفْتَ أخ زوْجتِكَ أن يتردَّد على أخته فلا بدّ أن تُبَيِّن للجيران أنَّك مسافر وسوف يتردَّد أخو زوْجتِكَ، حتى لا يشكَّ أحد في عرضِك البيان يطْرد الشَّيْطان، ولا تضَع نفْسَكَ مَوْضِعَ التُّهْمة ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، قال تعالى:
ًُ
﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
وكل واحِد مِنَّا أيها الإخوة، يستطيع أن يفْعل مائة عمل صالح باليوم وحتَّى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يكْنُس دارهُ، ويحْلبُ شاتهُ ويخسف نعلَهُ، وكان في مؤونة أهله، فلو أعَنْتَ زَوْجتَكَ هو لك صَدَقة ولو أفْرَغْت دلْوَك في دَلْوِ المُسْتسْقي هو لك صدَقة، طالب علم مِن إفريقيا يجب أن يُقابل أستاذًا له من بيْروت وركِبَ سيارة تاكسي، فهذا التاكسي أوْصَلَ هذا الطالب إلى بيروت وأرْجعَهُ واشْترى له هدايا وقال له لا أريد منك شيئًا ! وقال له: اُدْع لي، وكذا إذا كنت طبيبًا لك أن تُعين من ليس معه، فأبواب العمل الصالح مُفتَّحَة على مصارعها، قال تعالى:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
ولا تَنْسَوا قَول الإمام عليّ كرَّم الله وجْهه: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله ! والإنسان إذا وضَع اللُّقْمة في فيِّ زوْجتِهِ يراها مثل أُحُد فأنت في أكلك يمْكن أن تعمل العمل الصالح، رأيتَ قليلاً من اللَّحْم أعطه لِزَوْجَتِكِ، ولابنك.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-22-2018 03:10 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى سيِّدنا موسى مع مَدْيَن في قوله تعالى:
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
وأجْمَلُ ما في المرأة حياؤُها، وأكبر شيء يلْفتُ نظَر الرَّجل في المرأة حياؤُها، ومن علامات آخر الزَّمان أنَّ الحياء يُرفَعُ من وُجوه النِّساء وأنَّ النَّخْوَةَ تذْهب من رؤوس الرِّجال، وأنَّ الرَّحمة تُنْزَع من قلوب الأمراء، فلا رحمة في قلوب الأمراء، ولا نَخْوة في رؤوس الرِّجال ولا حياء في وُجوه النِّساء.
قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
علماء النَّفس فرَّقوا بين الأنوثَة وجنس المرأة، فَكُلّ امرأة لها رحمٌ وأعضاؤُها مُتوافقة مع جنْسِها، هي امرأة، لكنَّ الشيء الذي أكرَمَها الله به أنوثتَها، فإذا خالَطَت الرِّجال، وخرجَت عن منهج الله عز وجل فقَدَتْ أثْمَنَ شيءٍ تَمْلِكُهُ، وهو أُنوثَتُها، وأُنوثَتُها مُتَعَلِّقَةٌ بِحَياتِها ولا يلْفتُ نَظَر الرَّجل في المرأة إلا حياؤُها فالله تعالى قال:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
تَعقيبًا على دَرْس البارِحَة قالتْ له: كلامًا مُخْتصَرًا ومُفيدًا، وموجَزًا ولا يحْتَمِل الحِوار قال تعالى: قالتْ:

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾

[ سورة القصص ]
فلو قالتْ له إنَّ أبي يَدْعوك ‍! يقول لها: من أبوك ؟ وما المناسبة ؟ ولماذا يَدْعونني ؟ تقول له: إنّ أبي يدعوك لِيَجْزِيَكَ أجْر ما سَقَيْتَ لنا قالتْ كلمَةً جامِعَةً مانِعَةً فيْصلاً لا يحْتمل النِّقاش ؛ فهي قالتْ كما قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)﴾

[ سورة القصص ]
معنى هذا أنَّهُ حينما وكَزَ هذا الرَّجل فقَضى عليه، ما أراد قَتْلَهُ، وليس هذا النَّبي الكريم مُقاتِلاً، فَمَوت ذاك الرَّجل كان قضاءً وقدَرًا، ولِحِكْمةٍ أرادها الله عز وجل، كان مَوْتُهُ على يَدِ هذا النبي الكريم لِيَخْرُجَ من قصر فِرْعون، ولِيَذْهب إلى مَدْيَن، ثمَّ لِيَأتِيَهُ الوَحي ولِيُكَلِّمه الله تَكْليمًا كن لِما لا ترجو أرْجى منك لما ترجو.
قال تعالى

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾

[ سورة القصص ]
يبْدو أنَّ حياء المرأة واضِحٌ جدًا، فهي اسْتَحْيَت أن تقول: يا أبت زوِّجْني إيَّاه، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
الآن سؤال آخر ؛ إذا كان حياء المرأة وأُنوثتُها هو الذي يلْفتُ نَظَر الرَّجل إليها، فإنَّ قُوَّة الرَّجل وأمانتهُ يلْفِتُ نظَرَ المرأة في الرَّجل فالمرأة تُعْجَب بِقُوَّة الرَّجل وأمانتهِ، والرَّجل يُعْجَب بِحَياء المرأة وهذا في الرَّجل السَّوِيّ، وفي المرأة السَّوِيَّة، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
سيِّدُنا عمر عِمْلاق الإسلام كان إذا أراد أن يُعَيِّنَ واليًا يقول له: خُذْ عَهْدَكَ، وانْصَرِف إلى عملك، واعلمْ أنَّكَ مَصْروف رأس سنتِكَ وأنَّك تصير إلى أربعِ خِلال فاخْتَر إلى نفْسِكَ، إنْ وَجَدْناكَ أمينًا ضعيفًا اسْتَبْدَلناك لِضَعْفِكَ، وسلَّمَتْكَ من مَعَرَّتِنا أمانتُك، وإن وجَدْناكَ خائِنًا قَوِيًّا حازِمًا، اسْتَهَلْنا بِقُوَّتِكَ، وأوْجَعْنا ظَهْرَكَ، وأحْسنَّا أدَبَك، وإن جَمَعْتَ الجُرْمَيْن جَمَعْنا عليك المضَرَّتَيْن ؛ العَزْل والتَّأديب، وإن وَجَدْناك أمينًا قَوِيًّا زِدْناكَ في عَمَلِكَ، ورَفَعْنا لك ذِكْرَك، وأوْطَأنا لك عَقِبَك، والقوَّة والأمانة بِلُغَةِ العصْر الآن، الكفاءةُ والإخلاص والكفاءةُ مَقْدِرَةٌ على تَصْريف الأمور، والإخلاص هو النَّزاهَة، فإذا كنتَ تُريدُ لِمَحَلِّكَ التِّجاري شابا ابْحَث عن القَوِيّ الأمين، وإن كنتَ تُريد لابْنَتِكَ زَوْجًا فابْحَث عن القويّ الأمين، وإن كنت تُريد مُديرًا لأيّ جهة فابْحَث عن القويّ الأمين ؛ القُوَّة والأمانة خصِيصَتان لِلمَنَاصِ للقِيَادِيَّة قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
فهو الْتَفَتَ إلى حيائِها، وهي الْتَفَتَتْ إلى قُوَّتِهِ وأمانتِهِ، فَقُوَّتُهُ حينما سقى لهما، وأمانتهُ حينما قال للفتاة: اِمْشِ ورائي ودُلِّيني على البيْت فهي تأثَّرَت لِهذه الأمانة.
قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
معنى هذا أنَّ للخاطِبِ أن يرى مَخْطوبَتَهُ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: اُنْظر إليها، والشيء الآخر الذي يُقَصِّر فيه الناس هو أنَّ الإنسان يسْتحي أن يعْرِضَ ابْنَتَهُ على شابٍّ وهذا مِن السُّنَّة، وهذا فَعَلَهُ نبِيٌّ كريم، فإذا كانت لك بنْتٌ مُناسِبَة جدًّا، ورأيْتَ شابًّا كُفْأً أمينًا صادِقًا، وعرَضْتَ عليه فتاتَكَ فإنْ وافَقَ فَبِها ونِعْمَت، وإن لم يُوافِق فلا شيء عليك، أما كُلّ أب هو مُكَلَّف أن يبْحَث لها عن شابٍّ صادِق وأحيانًا تتزوَّجُ الفتاة صدفَةً، أما الأصْل أن تختار لابنَتِكَ، وإذا كان هو يسْتحي، مَن مَشى بِتَزْويجِ رَجُلٍ بِامرأةٍ كان له بِكُلِّ كلمةٍ قالها وبِكُلِّ خُطْوَةٍ خطاها عِبادة سنة قام ليلها، وصام نهارَها ! وهذا مِن أجلِّ الأعمال ؛ أن تكون شفيعًا بين زَوْجَيْن، إما في عَقْد الزَّواج، وإما في إصْلاح الزَّواج، فالذي يُصلح بين الزَّوْجَين له شأن عند الله عظيم لِقَول الله عز وجل:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[سورة الأنفال]
فَمِن معاني هذه الآية أن تُصْلِح نفْسَك، ومن معاني هذه الآية أن تُصْلِحَ ما بينك وبين الآخرين، وأيّ علاقة بين اثْنَين، وأجلّ علاقة وأهمّ علاقة بين اثْنَين هي علاقة الزَّوْجَين، لأنَّ عَقْد الزَّواج هو أقْدَسُ عَقْدٍ على الإطلاق، قال تعالى:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا(21)﴾

[ سورة النساء ]
فالرَّجل يرى من زوْجتِهِ ما لا يسْتطيعُ أبوها أن يراه، ولا أخوها ولا ابنُها وعمُّها ولا خالها، ولا ابن أخيها ولا ابن أُخْتِها، لذلك قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
فالمَهْر من لوازِمِ عَقْد الزَّواج، وأيُّ عَقْدِ زواج من دون مَهْرٍ فَهُوَ فاسِد لا بدَّ مِن أن يُصَحَّح بِمَهْر المِثْل، وهذه القِصَّة فيها أركان عَقْد الزَّواج قال تعالى: قال إني أُريد أن أنْكِحَكَ " هذا الإيجاب وقوله تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾

[ سورة القصص ]
هذا المَهْر وقوله تعالى:

﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

[ سورة القصص ]
دليل رؤْية المَخْطوبة.
قال تعالى:

﴿حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
هذه الكلمات في هذه الآية ينبغي أن تكون شِعارَ كُلِّ أب، أنتَ عمركَ خمسًا وخمسين سنة، بيْتُكَ مُرَكَّز، ولك عمل، وتَوَدُّ مِن شاب عمرهُ خمسًا وعِشرون له بيْت بالشَّام !! مُسْتحيل، وتودُّ سيارة، ومحلّ !! هذه طلَبَات تَعْجيزِيَّة، سَلْ نفْسَكَ فقط، ما الذي كنت تَمْلِكُهُ في هذا السِّنّ ؟ كنت مُعْدَم ولا شيءَ معك ! فكَيْفَ زوَّجَك بيْتُ حماك ؟! فَبَعْدَ أن أكْرَمَكَ الله وأعطاك تَجْعَل عَقَبات أمام شاب، وكُلّ إنسان يضَع عَقَبات تَعْجيزِيَّة أمام تَزْويج ابْنَتِهِ كأنَّهُ يُكْرِهُ فتاتهُ على الزِّنا، لأنّ الله تعالى خاطَب المؤمنين، وقال:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾

[سورة النور]
هذه الآية يَصْعُب فَهْمُها، إذْ لا يُعْقَل مَن يُكْرِهُ فتاتهُ على الزِّنا، لكنَّ علماء التفسير رحمهم الله قالوا: هذه الآية لها معنىً عميق ؛ كُلُّ أبٍ يضَعُ مطالب تَعْجيزِيَّة أمام خاطِب ابنِه كأنَّه في النِّهاية يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا فلو كان لك مَحلّ تِجاري ولك دخل مائة ألف باليوم، ولك عامل تُعطيع ألفين بالشَّهْر، والصُّندوق بِيَدِهِ، فأنت ماذا تفعل له ؟ أنت تحْملهُ على السَّرِقَة، فَكُلّ إنسان يضَعُ شروط تَعْجيزِيَّة أمام ابنته، وهو لا يشْعر يَحْمِل ابنتَهُ على الانْحِراف.
خطيب من خُطباء دِمَشق جاء رجل من أهل اليسَار، وشكى له مصيبَةً لا يتحمَّلُها إنسان، فقد كان هو وزوْجَته يرون التلفاز، واشْترى ستلايت لِكَي يرى مكَّة المُكَرَّمة كما قال ! وأثناء تغييره المحطَّات مرَّتْ محطَّة مُنْحطَّة، فرأسًا غيَّرها الأب، الابن أخذَ الرَّقم، وبعدما تعشَتْ الأسرة ونامَت، وقد كان للأب بِنْتَين وولدَين، قام الابن بالليل وشغَّل التِّلفاز على هذه المحطَّة، وأفاق أخوه الثاني وأراه المناظر الخليعَة وفعلاَ بِأُخْتَيهما العَجَب، فالأب بالليل سَمِعَ أنينًا غير عادي فلمَّا ذهب لِغُرفة الأولاد، وجَدَ كُل ابن فوق ابنته !!!
قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

[ سورة القصص ]
فإن وجَدَ بيتًا بعيدًا عن العاصِمَة، أو له غرفة مع أوليائه، قل له: أنا مُوافق.
قال تعالى:

﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

[ سورة القصص ]
هذا القبول، فصار عَقْد الزَّواج إيجابا وقَبولا ومَهْرا، والآن بقِيَ الشاهِدان ؛ قال تعالى:

﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)﴾

[ سورة القصص ]
فالله خير شاهِدَا فأصْبَحَ بهذا إيجاب وقَبول ومَهْر ورؤية المَخطوب والشُّهود، ولعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام اسْتنبط أركان الزَّواج من هذه القِصَّة.
واسْتَنْبَطَ العلماء أنَّه لا يجوز للزَّوْج أن يُسافر بِزَوْجتِهِ ما لم يَدْفَع لها مَهْرها، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)﴾

[ سورة القصص ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-22-2018 03:12 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

[سورة القصص]
نبِيٌّ كريم ألْقى الله في قلبهِ الخوْف، فالخَوف له وظائِفُ تَرْبَوِيَّة والإنسان بالخَوف يرْكض إلى باب الله، وينْدَفِعُ إلى طاعَتِهِ، وإلى الإقبال عليه وينْدَفِعُ إلى الاسْتِعانَة به، والتَّوَكُّل عليه، فالخَوف له مُهِمَّة كبيرة، قال عليه الصلاة والسلام:
((خِفْتُ وما خاف أحدٌ مثلي وأوذِيتُ وما أوذِيَ أحَدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يَدخل جَوْفي إلا ما يُواريه إبْط بِلال" ))
وهو سيِّدُ الأنبياء، وسيِّد ولَدِ آدم ومِن أكرم الخَلْق على الله عز وجل، ومع ذلك:

(( خِفْتُ وما خاف أحَدٌ مِثلي، وأوذِيتُ وما أوذِيَ أحَدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يَدخل جَوْفي إلا ما يُواريه إبْط بِلال.))
قال تعالى:

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً﴾

[سورة القصص]
سيِّدنا موسى أصْبَحَ خائِفًا وهو نَبِيٌّ كريم، وهو مِن أولي العَزْم، طبْعًا هذا قبل النُّبُوَّة ولكنَّ الله سبحانه وتعالى اصْطفاه.
فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

[سورة المعارج]
خَلَقَ هَلُوعًا كي تنْدَفِعَ إلى بابِه، وكي تَلوذَ بِحِماه، وكي تذوقَ طَعْم القُرْب منه، وحَلاوَة الإيمان به، وحلاوَةَ التَّوَكُّل عليه، كي تَذُوقَ حلاوَة أنَّهُ يَحْميك من كُل عدُوّ فهذا لا يكون بالأمْن ولكن يكون بالخَوف، فالإنسان إذا خاف لا ينبغي أن يشْعر أنَّهُ عند الله صغير فالإنسان أحيانًا يخاف، وقد يكون مُسْتَضْعَفا، فاسْتِضْعافُهُ يؤدِّيه إلى الخوف، والحزن كذلك خلاَّق، أما الطمأنينة والطَّعام والشَّراب والأمْن لا يخلق ولكنَّ الخوف أحيانًا يُفتِّق العَبْقَرِيَّات ودواعي الإيمان، ويدعو إلى الله، والله تعالى حكيم، يعني أمٌّ معها ابنها فتَرَكَ يدَها، وجاء كلب عقور، فَمِن شِدَّة الخَوف عاد إلى أُمِّه وأمْسَكَ بها فإذا الله خوَّف أحدًا من شبَح مُصيبَة ومن مرض أو بِقضِيَّة بأولاده وأهله ودَخْلِهِ أو تِجارتِهِ فهذا الخَوْف تَرْبِيَةٌ من الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)﴾

[سورة القصص]
حينما تسلَّط عليك الناس معنى هذا أنَّ هناك مُشْكِلَة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ، وخَدْش عودٍ إلا بِمَا قدَّمَت أيْديكم وما يَعْفو الله أكثر.))
قال تعالى:

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ﴾

[سورة القصص]
مرَّةً ثانِيَة الإنسان حينما يُصاب بِمُشْكِلَة ينْبغي أن يُراجِعَ نفْسَهُ، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيبِهِ، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
والأمر بِيَدِهِ، ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ، وخَدْش عودٍ إلا بِمَا قدَّمَت أيْديكم وما يَعْفو الله أكثر، فلماذا أصابَني ما أصابني ؟! قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)﴾

[سورة القصص]
البارحة مُشْكلة واليوم مشكلة، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)﴾

[سورة القصص]
وسَّع الخبَر، وأعْلَنَ النَّبَأ وأنت قاتِل، وسيِّدنا موسى ما قتَل، قال تعالى:

﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾

[سورة القصص]
قد تكون هناك مُشْكلة أنت منها بريء، وقد تُلبَّسها ! وهذا من تَقْدير الله عز وجل، أحدهم سُرِقَتْ سيارتُه على الساعة الثانية عشرة ليلاً فقال: صباحًا نُخَبِّر المَخفَر ! ففي هذه الأوقات حصل مِن العجب ما حصل ! فالله تعالى قادِر على أن يُلبِّسَك مُشْكلةً أنت بريء منها لِحِكْمة يريدُها تعالى، وكما أنَّ هناك مُشْكِلة حقيقيَّة، ومُشْكلة خيالية، أو يوهِمُك أو يُخيفُك، كانت هناك طالبة تريد أن تتوضَّأ، وطولِبَت بِشَهادة طِبِيَّة فذَهَبَتْ لِفَحْص صَدْرِها في المستشفى فكانت النتيجة أنَّها مُصابَة بِمَرض خطير فابْتَعَدَ عنها أهْلُها وجَعَلوا طعامًا خاصًّا وفي غرفةٍ لِوحْدِها، وانْهارَتْ نَفْسِيًّا وانْعَزَلَتْ عن المُجْتَمَع ثمّ ذهَبَ أخوها إلى المستشفى ليَرى الخَبر فإذا التحاليل خطأ وفي هذا الوقْت تابَت هي وتَحَجَّبَت وصلَّتْ، فالخطأ يُوَظِّفه الله تعالى لِصالحِ الإنسان.
قال تعالى:

﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) ﴾

[سورة القصص]
الآن سيِّدنا موسى نَزيل قَصر فِرْعون، فما معنى قصْر فرْعون ؟ كُلّ شيءٍ مِن أعلى مُسْتوى، فإنسان يعيش في قَصْر فرْعون موْقفُهُ الأخلاقي وانْتِصارُهُ للحق ورَّطَهُ بِهذه الوَرْطات، قال تعالى:

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) ﴾

[سورة القصص]
كان نزيل قصْر فِرْعَون وأصْبَحَ بالطُّرُقات، إلى أين اتَّجَه ؟ فرْعون بِمِصْر، ومَدْيَن في شَمال الجزيرة، معنى هذا أنَّهُ مشى ألفين وخمسمائة كيلومتر ساحِلاً، فلا بدّ أنَّهُ مشَى مُساحِلاً، والمَشْي مُساحِلاً قدَّروها مائتان وخمسمائة كيلومتر، يمشي في الليالي وهو نَبِيٌّ كريم قال تعالى:

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) ﴾

[سورة القصص]
لكن ما الذي نَكْشِفُهُ في هذه القِصَّة ؟ أنَّه بعد أن خرَجَ مِن قَصْر فِرْعَون وهام على وَجْهه في الطُّرُقات، وفي البراري، ووصَلَ إلى مَدْيَن والْتَقى بِسَيِّدِنا شُعَيْب ؛ نَبِيٌّ كريم وتَزَوَّج ابْنَتَهُ، وفي طريق العَوْدَة جاءهُ الوَحيُ وأصْبَحَ نبِيًّا، وكلَّمَهُ ربُّه، فقال العلماء: كُنْ لِما لا ترْجو أرْجى منك لما ترجو.
هذا التَّشَرُّد انتهى به إلى النُّبُوَّة، وهذا الإخْراج انتهى به إلى العَطاء وهذا الخَوْف انتهى به إلى شُعَيْب، وشُعَيْب انتهى به إلى لا تَزْويج ابْنَتِهِ وبعد أن تزوَّجَ ابنتَهُ وسار بِأَهْلِهِ انتهى هذا به إلى النُّبُوَّة وإلى تكليم الله وهو كليمُ الله، فالإنسان إذا قاسَ على القِصَّة أشْياء كثيرة، فأنت بالغُرْبة تتْرُك أولادَكَ وتُسافِر، وتحسّ بِضَياع وتشَرُّد، فَكُل هذا بِقَدَر والله هو الربّ، وهو المُرَبِّي، قال تعالى:

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) ﴾

[سورة القصص]
هذا مِن دِفاع الله عنه، فلو لم يخْبِرْهُ لَقُتِلَ فالله عز وجل دافَعَ عنه بِأنْ أرْسَلَ له هذا الإنسان ونبَّهَهُ، وخرَجَ من مِصْر هائِمًا على وَجْهه وسار في طريقٍ ساحلي، وقَطَعَ المسافات الشاسِعَة إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَن، وهناك وَجَد من دونهما امرأتين تذودان كم قال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾

[سورة القصص]
ومِن خِلال هذا التَّعارف تزوَّج ابْنَة شُعَيْب عليه السَّلام، وفي طريق العَوْدَة سار نَبِيًّا مُرْسَلاً مِن أولي العَزْم، فعلى الإنسان أن يسْتَقِم وفقط ولْيَتْرُكْ أمْرَهُ إلى الله، لِيَعْبُدِ الله ولن يُصيبَهُ إلا الخير، ولو بدى له أنَّ هناك مُشْكلات ومتاعِب وإحْراجات ومصائِب، لكنَّ الله سبحانه وتعالى بعد كُلِّ ذلك يُبَدِّل المَخاوِف إلى طُمأنينة والمتاعب إلى عطاءات والإنسان إذا لم تُشْرق نِهايَتُه فلن تُشْرِق نِهايَتُه، وما هذه القِصص إلا مِن أجل أن نقيس عليها أنْفسنا، فلا يتألَّم الواحد ويخاف، ولْيَكُنْ راضٍيا عن الله وقد كان يقول الإمام عليّ: والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقينًا، فكان هذا الإمام الجليل قبل كَشْف الغِطاء يقيه برحمة الله وعدالتِهِ كي يقيهِ بعد كَشْف الغِطاء، وكان يقول: والله لو عَلِمْتُ أنَّ غدًا أجلي ما قَدَرْتُ أن أزيدَ في عملي، وكان يقول: قِوام الدِّين والدُّنيا أربعة رِجال عالم مُسْتَعْمِلٌ علْمَهُ، وجاهِل لا يسْتنكِفُ أن يتعلَّم، وغَنِيٌّ لا يبْخَل بِمالهِ، وفقير لا يبيعُ آخرَتَهُ بِدُنْياه، فإذا ضيَّعَ العالم عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ أن يتعلَّم، إذا بَخِلَ الغنيُّ بِمالهِ باع الفقير آخرته بِدُنيا غيره وكان هذا الإمام يقول: الناس ثلاثة ؛ عالِمٌ ربَّاني، ومُتَعَلِّم على سبيل نَجاة وهَمَجٌ رعاع أتْباع كُل ناعِق، لم يستضيئوا بِنُور العِلْم، ولم يلجئوا إلى رُكنٍ وثيق، فاحْذَر يا بُنَيَّ أن تكون منهم، يا بُنَيّ العِلْم خير من المال لأنَّ العِلْم يَحْرُسُكَ، وأنت تحْرسُ المال، والمال تنقِصُهُ النَّفقَة، والعلم يزْكو على الإنفاق، يا بُنَيَّ مات خُزَّانُ المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهْر، أعْيانهم مَفْقودهم، وأمثالهم في القلوب مَوْجودة.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-22-2018 03:15 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس التاسع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)﴾

[ سورة القصص ]
أيْ دفَعَ مهْر زَوْجَتِهِ رِعايَةً لأغنام والد زوْجته سيِّدنا شعيب، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً﴾

[ سورة القصص ]
قال العلماء: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فأحيانًا خير كبير يأتيك لِسَبب صغير، قد تُسافر إلى بلْدة فيأتيك منها الخير الكثير، وقد تلتقي بإنسان ولا تعبأ به، ويكون لِهذا اللّقاء خير كبير، فالقاعدة: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، سيِّدنا موسى حينما أراد أن يبْحث عن نارٍ يصطلي بها هو وأهله، عندها ناجاه الله عز وجل، وكان هذا النبي الكريم كليم الله، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) ﴾

[ سورة القصص ]
تصْطلون أي تستدفئون بالنار، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) ﴾

[ سورة القصص ]
الحقيقة أحيانًا يردُ لفْظ الجلالة مع ضمير الجَمع، قال تعالى:

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ(23)﴾

[ سورة الحجر ]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ(40)﴾

[ سورة مريم ]
ولكن في قوله تعالى:

﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)﴾

[ سورة القصص ]
العلماء قالوا: ربُّنا جلَّ جلاله إن تَكَلَّم عن ذاتِهِ كان الضَّمير مُفْرَدًا وإن تكلَّم عن أفْعالهِ كان الضَّمير جمْعًا، فإن تكلَّم عن أفعاله، فأفعالُهُ فيها الأسماء الحسنى كُلَّها، وكُل فعْلٍ من أفعالهِ فيه رحْمَة، وعلمٌ وحكمَةٌ وعدْل، فإنْ تكلَّم عن أفعاله فَبِضَمير الجمْع، وإن تكلَّم عن ذاتِهِ فبِضَمير المُفْرَد، قال تعالى:

﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)﴾

[ سورة القصص ]
وهناك آية أخرى وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى(17)﴾

[ سورة طه ]
فالله عز وجل حينما ناجى موسى عليه السلام ؛ شيء لا يُصَدّق، قال تعالى:

﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)﴾

[ سورة طه ]
أراد أن يطيل اللِّقاء ! قال تعالى:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى(17)﴾

[ سورة طه ]
يبْدو أنَّهُ اسْتحيى من إطالة الحديث، لكنَّ حقيقة المناجاة أنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يلْفتَ نظر هذا النبي الكريم، إلى أنَّ هذه العصا التي هي من خَشَب بعد قليل سَتَغْدو حيَّةً، والحقيقة أنَّهُ ورَدَ مرَّةً ثعبان وأخرى حيَّة، لفظ سيِّدنا موسى حيَّة لِكَي لا يشْتَدَّ خوْفُه، أما حينما واجَهَ السَّحَرة، قال تعالى:

﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ(32)﴾

[ سورة الشعراء ]
ففي معْرض المناظرة أمام السَّحرة كانت هذه العصا ثعْبانًا مُبينًا، أما فيما بينه وبين نفْسِه فهيَ حيَّةٌ تَسْعى، الفرق في القرآن الكريم دقيق جدًّا، ومعنى هذا أنَّ المؤمن يجب أن يُناجِيَ الله عز وجل، ولا يوجد مؤمنٌ صادِق ليس له مع الله تعالى مُناجاة، فإذا أرَدْتَ أن يُحَدِّثَكَ الله تعالى فاقْرأ القرآن وإذا أرَدْتَ أن تُحَدِّث الله تعالى فادْع، إنَّ الله يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أن يسألهُ شِسْعَ نعْلِهِ إذا انْقَطَع ‍! هل هناك أكثر من هذا ؟ إنَّ الله يحبّ من عبْدِهِ أن يسألهُ ملْح طعامِهِ، إنَّ الله يُحِبُّ من عبْدِهِ ان يسْألهُ حاجتَهُ وإنَّ الله يُحِبُّ المُلِحِّين في الدُّعاء، ومَن لا يدْعوني أغْضب عليه، يا موسى سَلْني حاجَتَكَ كُلَّها، فهؤلاء أنبياء عِظام مِن أولي العَزْم ولكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ))

[رواه البخاري]
وإنَّ الله تعالى أمَرَ المؤمنين بِما أمرَ به المرْسلين، فاسْتَقِم كما أُمِرْت ومنْ تاب معك، معنى ذلك أنَّنا مُكَلَّفون أن نكون على منهج الأنبياء، وأن نقْتفي أثَرَ النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي ناجى ربَّهُ ففي الطائف قال:
((إنِّي أشْكو إليك ضَعْف قُوَّتي، وقِلَّة حيلتي، وهواني على الناس يا ربّ المُسْتضْعَفين، إلى مَن تَكِلُني ؟ إلى عَدُوٍّ ملَّكْتَهُ أمْري أم إلى صديق يتجشَّمني، إن لم يكن بِكَ غضب عليَّ فلا أُبالي ولك العتبى حتَّى ترْضى ولكِنَّ عافِيَتُكَ أوْسَعُ لي ))
فالمؤمن الصادِق له مُناجاة مع الله، إن في صلاة قِيام اللَّيل، وإنْ في السُّجود، وفي دُبر كُلّ صلاة وأقرب الدُّعاء إجابَةً ما كان عقب الصَّلاة، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ))

[رواه البخاري]
فالدُّعاء مَطْلوب عقِبَ الصَّلوات الخمْس، وكذا الاسْتِغْفار، والحَمْد والتَّكبير، هذه الكلمات التي ردَّدَها المسلمون دون أن يفْقَهوا مَعْناها فقَدَتْ مَدْلولَها.
قال تعالى:

﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) ﴾

[ سورة القصص ]
أيخافُ نبيّ ؟‍ نعم الأنبياء يخافون، ولولا أنَّهم تَجْري عليهم كُلّ خصائص البشَر لما كانوا صَفْوَة البشَر، فلو كان عندي خمسون طالبا في الصفّ وأعْطَيْتَ الأسئِلة لأحَد الطُّلاب فهل له فضْل ؟‍‍! أما الفضل في التَّفوُّق حينما يأخذ الأسئِلة لِوَحْدِهِ ويُجيب عليها، فالله عز وجل لو منَحَ الأنبياء قُدْرات غير قدرات البشَر، ومنع عنهم الشيطان لما كان لهم فضل عن البشَر، ولكن حينما جعَلَهُم البشر حازوا على التَّفوُّق اللهمّ إنِّي بشر أغْضَبُ كما يغْضبُ البشَر، وأرْضى كما يرْضى البشَر وأنْسى كما ينْسى البشَر، فقد نسِيَ النبي عليه الصلاة ركعتين في الظُّهْر وقال حينها:
((إنَّما نُسِّيتُ كي أسُنَّ لكم ))
لولا أنَّ الله أنْساهُ، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

(سورة الأنعام )
نِعْمةُ الأمْن لا يعْدِلُها نِعْمة على الإطلاق، قال تعالى:

﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾

[ سورة قريش ]
فالسَّلامة هي عدمُ وُقوع المُصيبَة، ولكنَّ الأمْن أن لا تتوَقَّع المُصيبة وتوَقُّعُ المصيبة مصيبَةٌ أكبر منها، وإنَّ أكبر نعْمةٍ تُرافِقُ الإيمان هي نِعْمةُ الأمْن، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
وقال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)﴾

[ سورة الطور ]
وإذا كان الله معك فَمَن عليك، وإذا كان عليك فَمَن معك ؟ يا رب ماذا وجَدَ مَن فقَدَك، وماذا فقَدَ مَن وجَدَك ؟! فالله تعالى قال:

﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31)﴾

[ سورة القصص ]
وكُلّ مؤمنٍ آمِن، وإنّ الله يُعطي الصِّحة والجمال والبشَاشَة والمال لِكَثيرين مِن خلْقِهِ ولكن يُعْطي السَّكينة بِقَدَرٍ لأصْفيائِهِ المؤمنين، وفي القلب المؤمن من الأمْن ما لو وُزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ(32)﴾

[ سورة القصص ]
لمَّا يقول إنسان لِطُغاة وعُصاة أنا رسول الله، فأوَّلُ سؤالٍ يسْألونه: ما الدليل على ذلك ؟! لا بدَّ من أن يُعْطِيَهُ الله خرقًا للقوانين، فسيِّدُنا موسى ألْقى عصاهُ فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يدَهُ فإذا هي بيْضاء للناظرين، وسيِّدنا إبراهيم قال تعالى:

﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)﴾

[ سورة الأنبياء ]
وما مِن نَبِيٍّ إلا وجاء بالمُعْجزة، ولكن أعْظم مُعْجزة على الإطلاق هي مُعْجزة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ فَمُعْجِزات الأنبياء تتألَّق وتنطفئ، وهي قُدْسِيَّة، وتبقى خبرًا يُصَدِّقهُ ويُكَذِّبُهُ مَن يُكَذِّبُه إلا أنّ مُعْجزة النبي الكريم مُعْجزةٌ مُستمرَّة، فالعِلْم كُلَّما تقدَّم كشَف عن جانبٍ من جوانب القرآن الكريم، وكلُّكم يعْلم أنَّ الطائرة يُضَخُّ هواؤُها ثمانِيَة أمْثال حجمها، لِيَكون الضَّغط على ارْتِفاع أربعين قدَم كالضَّغط على الأرض، أما لو صعد الإنسان طائرةً ليس فيها ضَغْط هواء فماذا يحْصل له ؟ مِن سَطح البحْر إلى عشْرة آلاف قدَم لا يشْعر بِشَيء ومِن عشْرة آلاف قدم إلى ستَّة عشرة قدم، الله تعالى هيَّأ في الجِسْم أجْهِزَة تكافئ هذا النَّقْص بالأكسجين ؛ تَزْداد ضَربات القلب، ويزْداد وجيب الرِّئتين ويرتفِعُ ضَغْط الدَّم، هذه العوامل تجعل التَّهوية نفْسها، وبعد ستَّة عشرة ألف قدَم إلى خمس وعشرون قدَم يفْقِدُ الإنسان وَعْيَهُ، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(125)﴾

[ سورة الأنعام ]
وهذه الآية هي مِن إعْجاز القرآن العلمي، نقْصُ الأكسجين من الصِّفر إلى عشْرة آلاف لا نشْعر به، ومن عشرة آلاف إلى ستَّة عشرة ألف قدَم ؛ هناك بالجِسْم أجْهزة تُعَوِّض النَّقْص، يزداد نبْض القلب، ويرتفع الضَّغط ويبقى الأكسجين نفسهُ، ولكن بعد ستَّة عشرة ألف قدَم يغيبُ وَعْيُ الإنسان، ونقْص الضَّغط ماذا يُسَبِّب ؟ آلام لا تُحْتَمَل في الأُذُن وآلام في المفاصِل، وآلام في الأمعاء، لأنَّ غازات تتمدَّد من الضَّغْط وقد تتمزَّق رئة الإنسان.
وفي الدرس القادم، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)﴾

[ سورة القصص ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-22-2018 03:18 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس العاشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:

﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ(32)﴾

[ سورة القصص ]
واليوم إن شاء الله سَنَتَناوَل قوله تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)﴾

[ سورة القصص ]
هناك اسْتِنباطات كثيرة ؛ أوَّلاً النبي بشَر، يخاف كما يخاف البشَر ويغْضَبُ كما يغْضب البشَر، ويَنسى كما ينسى البشَر، ولولا أنَّهُ بشَر لما كان مُتَفَوِّقًا، فلأنَّهُ تَجْري عليه كُلُّ خصائص البشَر كان صَفْوَة البشَر، فلو أنَّ النبيّ ملكًا لما كانت له حجَّة علينا، الكلمة التي نقولها له دائِمًا: أنت ملَك، ولَسْتَ تُعاني من الشَّهوات التي أوْدَعَها الله فينا ولكنَّ النبيّ بشَر، وتفوَّق على البشَر فاصطفاه الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)﴾

[سورة آل عمران]
فالمؤمن إذا كان بالطريق ورأى النِّساء الكاسِيات العارِيات، ألا يَشْتهي أن ينْظر ؟ يشْتهي كَغَيْرِهِ ولكِنَّهُ غلَّب خوف الله على شَهْوَتِهِ فغضَّ بصَرَهُ، وإذا كان بين يَدَيْكَ مالٌ وفير أفلا تشْتهي أن تأخُذَه ُ ؟ تشْتهي ولكنَّ خَوْف الله عز وجل غلبَ عليك فقُلْتَ إنِّي أخاف الله رب العالمين فالمؤمن بشَر، ولأنَّهُ بشر ويشْتهي كما يشْتهي البشَر ويخاف كما يخاف البشَر، ويرْجو كما يرْجو البشَر، وانْتصَر على بشَرِيَّتِهِ وخاف مقام ربِّه، ونهى نفْسَهُ عن الهَوى أكْرَمَهُ الله تعالى ورفَعَهُ، هذه عدالة، وتكافؤ فُرَص، ومكان واحِد يبْدأ به السِّباق، فلو أنَّ أحدًا أعْطِيَتْ له أجْوِبة الامْتِحان، فهل لِهذه الدَّرَجة والشَّهادة قيمة ؟ لا إطلاقًا.
قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[سورة فصلت]
خاف النبي وقال:
((خفْتُ وما خاف أحَدٌ مِثْلي، وأوذِيتُ وما أوذِيَ أحَدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يومًا لم يَدْخُل جَوْفي إلا ما يُواريه إبْطًا))
فالنبي يجوع ويعْطش، ويشْعر بِوَطْأة الحرّ، وشِدَّة البرْد، ويخاف ويرْجو، ولكنَّهُ انْتَصَر على بشَرِيَّتِهِ، فالإنسان فيه نوازِع سُفلى ونوازِع عُلْيا، وحينما تنتصل نوازِعُهُ العليا على نوازِعه السُّفلى يَرْقى عند الله، وحينما تنتصر غرائِزُه على مبادئِهِ يسْقط من عَيْن الله ولأنْ يسْقط الإنسان من السَّماء إلى الأرض فتَنْحَطِمَ أضلاعه أهْوَنُ مِن أن يسْقط مِن عَيْن الله ! فالإنسان قد يحوز المال الوفير، وقد يتسلَّم أعلى المراتب، وقد يتألَّق نَجْمُهُ في الدنيا، أما إذا كان ساقِطًا مِن عَين الله، فإنَّ كلّ هذا لا قيمة له، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

[سورة الغاشية]
هذا أوَّل اسْتِنباط.
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)﴾

[ سورة القصص ]
هناك آياتٌ أخرى تُوَضِّحُ هذا الموْقف، قال تعالى:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

[سورة طه]
هذه الآية وحْدها تملأُ النَّفْس طمأنينة، قال له: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موطئ قَدَمِهِ لرآنا ! قال له:
((يا أبا بكر، ما ظنُّك باثْنَين الله ثالثهما !!))
وبعض الرِّوايات تروي أنَّه قال له: يا رسول الله لقد رأوْنا وقَعَتْ عيْنُ أحدهم على عَيْن أبي بَكر، فقال يا أبا بكر:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198)﴾

[سورة الأعراف]
وهذا يُطَبَّقُ في كُلِّ وقت، فالله إن حفِظَك فإنَّ خَصْمَكَ لا يرى شيئًا ولا يراك إطلاقًا، ولا يرى المُخالفَة لذا لا تقل هذه شطارةٌ مِنِّي !! بل هذا حِفْظ من الله تعالى، لأنّ المؤمن كما قال بعض العلماء على حسب إيمانه وإخلاصِهِ واسْتِقامَتِهِ وورَعِهِ له من بعض الآيات نصيب ألم يقل الله عز وجل لِنَبِيِّه الكريم:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[سورة الطور]
وللمؤمن الصادق الحذِر والمشتاق نصيبٌ من هذه الآية.
قال تعالى:

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ﴾

[ سورة القصص ]
لو كان بالمَجْلس خمسة وكان أحدهم أفْصَحهم وأطلقهم لِسانًا، وقَوِيّ الحجَّة وواسِعَ البيَان وتكلَّم فلا تُقاطِعْهُ ودعْهُ يتكلَّم، إذْ هناك أشْخاص لا بدّ لهم مِن أن يُثْبِتوا وُجودَهم، يُقاطِع حديثَك، ويقول لك: ولماذا لا أتكلَّم أنا ؟! فقط هو الذي يعرف الحديث والكلام، لذلك ورَد في الأثر: إذا عزَّ أخوك فَهُنْ سيِّدُنا موسى نبيٌّ ومُرْسَل، لكن عندهُ عُقْدة بِلِسانِهِ وأخوه هارون أفْصَحُ منه، فإذا كان هدفُكَ المَصْلَحَة العامّة فأنت ترْسِل الرَّجل المناسب في المكان المناسب، هذا إن كان هدَفك نشْر الدَّعْوَة وإقْناع الطَّرف الآخر، فإنَّك تختار أفْضل واحد، ونِيَّتُكَ العالِيَة تجْعل أعمال الآخرين في صحيفتك، فلو أنَّ أحدكم يعرف مَن هو طليق اللِّسان وقَوِيّ الحُجَّة، وتكلَّم فاصْغِ له، وأعِنْهُ، فقد حضَرْتُ مرَّةً حفْلَةً قال فيها أحد الخُطباء: إن لم يكن الإنسان داعِيَة ولم يكُن عنده قُدْرة على إقْناع الناس فلْيَدْعم داعِيَةُ يُعينُه، فَكُلٌّ مِنَّا يُعين داعِيَة، ومُرْشِد وعالِم له مثل أجْره، والله عز وجل يُقَدِّر كُلّ شيء، قد تجد مَن يعمل في الخفاء بِمَالِهِ وسلطَتِهِ، وحتى طلاقة لِسانِه، فالحياة أدْوار، فَلو أنَّ كلاًّ مِنَّا أخَذَ دَوْرَهُ الحقيقيّ لكان لِكُلّ مِنَّا أجر، ونحن الحياة نجدُّ فيها تناسق وتعاوُن.
قال تعالى:

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾

[ سورة القصص ]
لذلك الله في عَوْن العَبْد ما دام العبْد في عَون أخيه، ويدَ الله مع الجماعة، وعليكم بالجماعة فإنَّ الشيطان مع الواحِد، وهو من الاثْنَيْن أبْعَد، وإنَّما يأكل الذِّئب من الغنَم القاصِيَة ! فلو أنَّ لِكُلٍّ مِنَّا مَجْلِس علْم معنى هذا أنَّ له إخوان، وله أخ يثِقُ بِعِلْمِهِ وورَعهِ يسْتشيره ويأنسُ بِرأيِهِ، وأحيانًا يشْكو همَّهُ لأخيه لِيُصَبِّره لا لِيَشْمَتَ به، فالجماعة رحْمة، والإنسان إذا كان يعيش لوحْده أو بين جماعة مُنْحرِفَة فالحياة تكون حينها جحيمًا على جحيم، لكنَّ صُعوبة الحياة مع أخٍ مؤمن تشْكو له همَّك، وتسْترْشِدُه وتسْنتصِحُهُ، وتسْتنصره وتسْتعينُهُ، وهكذا قال النبي:

((أتدرون ما حق الجار ؟ إذا اسْتعان بِك أعَنْتَه وإذا اسْتَنْصَرَك نصَرْتَه، وإذا اسْتقْرَضَك أقْرَضْتَه، وإذا أصابهُ خير أقْرَضْتَه، وإن أصابَتْهُ مصيبة عزَّيْتَه، ولا تسْتَطِل عليه بالبناء فَتَحْجُب عنه الرِّيح إلا بإذْنِه، وإذا اشْتَرَيْتَ فاكِهَةً فأهْدِ له منها، فإن لم تفْعَل فأدْخِلها سِرًّا، ولا يخْرج بها ولدك لِيَغيض ولده، ولا تؤْذيه بِقُتار قِدْرِك إلا أن تغرف له منها ))
هذا الجار العادي، فكيف بالجار المؤمن ؟ والجار المؤمن القريب ؟ لي صديق غاب عنِّي في أيِّ طابقٍ هو ! طرقْت الباب وسألتُ عنه فقيل لي: لا نعْرفُهُ ! وكذا في الطابق الذي بعده، فقال لي: لا نعْرفهُ ! فقُلْتُ: والله هذه وَصْمة عارٍ لهذه البنايَة، جارٌ يسْكن الطابق الثالث، والذي في الطابق الرابِع لا يعْرفُهُ، والذي في الطابق الثاني لا يعْرفُهُ !! هكذا يُريدُنا أعْداؤُنا أن نتفرَّق، ونحن نسْمع من السَّلف الصالح أنَّه إن دخل الإنسان وكان معه ضَيْف يأتيه خمسون صحنا من الجيران، وكان الحيّ أُسْرَةً واحِدَة، وإذا تخلَّف إنسانٌ عن صلاة الفجْر يذْهبون إليه لعلَّهُ مريض.
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾

[ سورة القصص ]
لذلك هناك أمْر إلهي، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾

[سورة المائدة]
تعاونوا لِتَشْغيل الشَّباب وإنشاء مساكِن لهم، قرأتُ خبرًا باليَمَن زواج جماعي خمسمائة وثلاثًا وثلاثين شابًّا وشابَّة ؛ جمْعِيَّة خيْرِيَّة تُزَوِّج الشباب، هذا هو الذي يُرْضي الله عز وجل، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)﴾

[ سورة القصص ]
فإذا كان الله معك فَمَن عليك، إذا كان عليك فَمَن معك ؟! الأنبياء مَعْصومون من الخطأ، ومَعْصومون من القتل، لأنَّه بِقَتْلِهِم تقتل الدَّعوة، لذلك قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾

[سورة المائدة]
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)﴾

[ سورة القصص ]
فأحد الشَّباب كان يلتفُّ حوله الناس، وقد أقْبلوا عليه إقبالاً شديدًا فأصحاب الحرفة من أنداده غاضَهم هذا العالم وإقبال الناس عليه فذَهَبَ أحدهم لِيُصَغِّرَهُ أمام التلاميذ، فلمَّا أقبل الناس حوله وأتمّ درْسَهُ وقف هذا العالم وقال لهذا الشاب: يا هذا، إنَّ الذي قلْتَهُ ما سَمِعْناه ! مِن أين جِئْتَ به ؟ فقال له: أوَ تَعَلَّمْتَ العِلْم كُلَّهُ ؟ فقال: لا، فقال: كم تعلَّمْتَ من العِلْم ؟ فقال: شطْرهُ ! فقال هذا الشاب، وهذا من الشَّطْر الذي لا تعرِفُهُ، دائِمًا حُجَّة أعْداء الدِّين ؛ ما سَمِعْنا بِهذا ! دائِمًا المُنْحرِف يَحْتجّ بالتَّقاليد والعادات، والتقاليد إذا كانت بالية، والعادات إن كانت مُصادِمَة للشَّرْع فإنَّا نضعها تحت أقْدامنا.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)﴾

[ سورة القصص ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-23-2018 12:43 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الحادى عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)﴾

[سورة القصص]
وذَكَرْتُ لكم البارِحَة أنَّ المُنْحرِف والعاصي يتمسَّك بالتَّقاليد والعادات ويتمسَّك بِما ألِفَهُ عن عاداته وأجْداده ولو كان مُخالفًا للشَّرع، ولكنَّ المؤمن يتمسَّك بالوَحي، ويتمسَّك بِما أنزل الله على نبيِّه، فالحسَنُ ما حسَّنَهُ الشَّرْع، والقبيح ما قبَّحَهُ الشَّرْع، ولو أنَّك تَمْلِكُ آلةً عظيمة النَّفْع وأصابَها عطب يُمْكنُك أن تسأل ألف رجل عن إصْلاحها، ولكنَّ الكلمة التي ينبغي أن تُصغي إليها هي كلمة الخبير والصانِع، فَهُناك ألف رأي ورأي وألف مَقولة ومقولة وهذا بِأَيِّ مَوضوع، بِأيِّ موضوع في حياتِك، وفي تعليم أولادك، وفي بناتك وزَوْجَتِك، وفي إنفاقك للمال ألف موضوع وموضوع، وممكن أن تتلقَّى عن الموضوع الواحِد ألف رأيا ورأيا، إذا كنتَ مُوَفَّقًا وعاقِلاً فإنَّك تبحث عن حُكم الشَّرْع، لأنَّك وِفقَهُ سَتُحاسَب وليس وفق زيْد أو عُبَيد، ولأنَّك وفق هذا الشرع سَتُحاسب لذا قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)﴾

[سورة القصص]
بالمناسبة أيها الإخوة، الإنسان المؤمن لا يسْتشير فاسقا ولا العاصي قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[سورة لقمان]
هذه نقطة، والنُّقْطة الثانِيَة: لا يتَّخِذ المؤمن وبيئة وأصْدقاء وجماعة وأصْحاب وثُلَّة غير مُنْضبِطَة بالشَّرع لأنَّ الصاحب ساحب، لا تسل عن المرء وسَل عن قرينه، وقال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾

[سورة التوبة]
سعادة الإنسان أن يكون إخْوانُهُ مؤمنين، حفلة وسيران ونزهة ووليمة هؤلاء يجب أن تخْتارهم اخْتيارًا حكيمًا، فإذا اخْتَرْتَهم من أهل الدنيا فأنت مِن أهل الدنيا، وينبغي أن تختارهم من أهل الدِّين كي يُعينوك على طاعة الله ويأمروك بالمعروف ويَنْهَوْكَ عن المُنكَر، ويُقَوُّوا عزيمَتَك لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)﴾

[سورة المائدة]
ولا يتِّخذ الإنسان إنسانًا ولِيًّا من دون الله إن لم يَكُن مستقيمًا، والدليل أقْوالهم دائِمًا تُشَكِّك وتُضْعِفُ الهمَّة، وتُقَوِّي الشَّهوة، وتُبْعِد عن الآخرة، أما المؤمن يُقَرِّبُك من الدِّين، ويُقَوِّي عزيمَتَك، لذا لا تُصاحب مَن لا يُنْهِضك حالهُ ولا يَدُلُّك على الله مقالُهُ.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)﴾

[سورة القصص]
هناك نقطة دقيقة ذَكَرْتُها كثيرًا ؛ لو أنَّك تَمْلِك كيلو معْدَن، وكان هذا المعْدنُ ذَهَبًا، وكُلّ الناس يظُنُّه معْدَنًا خسيسًا، مَن الرابِح ؟ أنت هو الرابِح، ولو أنَّك تمْلكُ معدنًا خسيسًا، وبِذَكاءٍ بارِع أوْهَمْتَ الناس أنَّه معْدنٌ ثمين، من الخاسِر ؟ أنت هو الخاسِر، لذا فأنت علاقتُكَ مع نفْسِكَ وليس مع أحَد، فإذا كنت على الحق فلا تخْش في الله لَوْمَة لائِم قال تعالى

﴿: قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)﴾

[سورة الأنعام]
أما العوام وضِعاف العُقول يقولون: سيَضْحكون عليّ، ويقولون بخيل إن لم أُقِم حفْلَةً مُختلَطَة، وبالمكان الفلاني ! لذا حينما تضَعُ التَّقاليد تحت قَدَمِك فأنت مؤمن، ولا تعْبأ، والفتاة المؤمنة كُلّ المودات البدْلات الحديثة تحت قَدَمِها، وترْتدي ثِيابًا ساتِرَةً، ومُحْتَشِمَةً، فما دام هناك آلِهَة تُعْبَد كالإله، وأصْبَحت الشَّهوات إله، وكذا العادات ذَكَرْتُ لكم قبل أُسْبوعَين أنَّ أحَدَ الآباء قام بالليل على الساعة الثانية وإذْ يسْمعُ أنينًا، والحاصل أنَّ ابنهُ كشف أحد المحطَّات الخليعة، ووجدَ ابنه الأوَّل فوق ابنته، والثاني فوق ابنته ‍‍!!! والذي قال هذا هو الذي حصلَتْ له المشكلة، طوبَى لِمَن وَسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتهْوِهِ البِدْعَة وأحدهم اشْترى آلة تَصْوير فيدْيو، وبِوَسْوَسة من الشَّيطان صوَّر نفْسَهُ مع زوْجته بأوضاع مُزْرِيَة! فاسْتأجَر أحد الأيام أفلام وبالخطأ وضَعَ هذا الفلم الذي صوَّره مع زوْجَتِه في علبة من العلب التي اسْتأجَرَها !! صاحب الأفلام هذا وجَد أنَّ هذا الفلم لم يُعْطِهِ له، ووجدَ الفيلم جيِّد طبَعَهُ ووزَّعَهُ، ووصَل لأخ صاحِب المُشْكلة، ووجَدَ أخوه وامْرأة أخيه !! والآن سافر وهرب إلى حَمْص، طوبَى لِمَن وَسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتهْوِهِ البِدْعَة، قال تعالى:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116)﴾

[سورة الأنعام]
نحن الآن نريد بيتًا مُسْلِمًا، خالي من الفسق والفُجور، ولا أجْهزة لَهو وجلسات فيها مودَّة ورحْمة.
فالله تعالى قال:

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾

[سورة القصص]
إن كنت على الحق فلا تعْبأ بِكلام أحد، ولا تأخذْك بالله لومة لائِم ولا تُبالي ومَن عرف نفْسَهُ ما ضرَّتْهُ مقالةُ الناس به، أحدهم وجد داعِيَة مُخْلصا لله تعالى، فقال له: إنيِّ أُشْفق عليك مِمَّا يقوله الناس عنك ! فقال: هل سَمِعْتَ مِنِّي عنهم شيئًا ؟ فقال: لا، فقال: عليهم فأشْفِق ! برئ مِن الشُّح مَن أدَّى زكاة مالهِ، وبرئ من الكِبر مَن حمَل حاجتَهُ بِيَدِه، و برئ من النِّفاق مَن أكثر من الذِّكْر، فهذا سيِّدنا الصِّدِّيق سار إلى جانب أُسامة ابن زيْد، فَأُسامة يرْكب الناقة وهو قائِدُ الجيْش وخليفة رسول الله يمْشي، فقال أسامة: والله، يا خليفة رسول الله لَتَرْكَبَنَّ أو لأنْزِلَنَّ، فقال: والله لا نزلتَ ولا ركبْت، وما عليَّ أن تغْبرَّ قدَمايَ ساعةً في سبيل الله ! فالنبي عليه الصلاة والسلام عيَّنَهُ قائِدًا للجَيْش وكان عمره سبْعة عشرة سنة ! وفيهم عمر وعثمان وعليّ ومِن أجْل أن يُرسِّخ الصِّديق مكانَتَهُ سار في رِكابِهِ، أين شباب السابعة عشرة اليوم ؟ بالكرة ؛ هذا إن كان نظيفًا كثيرًا، أما سيِّدنا أُسامة فقد كان قائِد جَيش، وفيهم عمر بن الخطَّاب، قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)﴾

[سورة القصص]
هناك سؤال دقيق وهو أنّه لمَّا قيل للنبي صلى الله عليه وسلَّم: إنَّك مَجنون ! وقالوا: إنَّك ساحِر، وقالوا: إنَّك كاهِن، كُلّ هذا قِيل ولكنّ السؤال: لماذا أثْبَتَ الله هذه التُّهَم في القرآن الكريم تُتْلى إلى يوم الدِّين ؟ قال: أثْبتَ هذه التُّهَم لِتَكون عزاءً لِكُلّ مؤمن إلى يوم الدِّين فإذا قالوا لك: أنت جامِد، ولسْتَ مُنْفَتِحا، مُتَزَمِّت، فأنت لك في النبي أُسْوَةً حسَنَة، قال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾

[سورة هود]
أحدهم ما أكل العَسَل بِحَياتِهِ، ويَحْلِف بالله أيْمان أنَّ أطْيب شيء هو الدِّبس ؛ فهذا كلامه صحيح لأنَّه ما ذاق العسَل.
فالقَصْدُ من هذه الآية لا تعبأ بِقَوْل الناس، والذي يَخْشى أن يقوله الناس عنه، هو يعْبُدُهم من دون الله، والله عز وجل عِتابٌ لطيف للنبي قال تعالى:
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(37)﴾

[سورة الأحزاب]
لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تكلَّف شيئًا فوق طاقتِهِ، فقد تكلَّف أن يتزوَّج زوْجة مُتَبَنَّى ! وهذه في الجاهِلِيَّة عارٌ كبير، وعارٌ لا يُحْتَمَل إذْ أنَّها مثل ابنَتِهِ !! قال: تزوَّجْها كي يُبْطِلَ الله هذه العادة الجاهِلِيَّة، هذا ليس ابنك، وإنَّما نُسِب إلى أبيه ؛ زيد بن محمَّد، وليس في أصحاب رسول الله كُلِّهم واحِدٌ ذُكِر اسمه في القرآن إلا سيِّدنا زيْد، فقد كان اسمُهُ زيد بن محمَّد، وأصْبح اسمُهُ زيْد ابن حارثة، وعندها جاء اسْمُهُ في القرآن الكريم قال تعالى:
وهناك آية دقيقة قال فيها تعالى:

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى(25)﴾

[سورة النازعات]
قرآن كريم، وكلام خالق الكون، وفضْل كلام الله على كلام خلْقِهِ كَفَضْل الله على خلْقِهِ، فلماذا بدأ الله بالآخرة قبل الأولى ؟ هذا خلاف التَّرتيب، أليس المنطق أن تقول: نكال الأولى والآخرة !! فما حِكْمة ذلك ؟ الأولى: ما علمت لكم مِن إلهٍ غيري، في حُدود علمي، وهذا فيه تَحَفُّظ، ولكن لمَّا قال: أنا ربُّكم الأعلى ! فهذه فيها تحَدِّي، قال تعالى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[سورة القصص]
فالله تعالى بدأ بالتي هي أكفَر ؛ أنا ربكم الأعلى، والأولى قوله: ما علمت لكم من إله غيري !
قال تعالى:

﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[سورة القصص]
أراد أن يبني بُرج لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى ! قالوا للإمام علي رضي الله عنه: يا إمام متى كان الله ؟ فقال: ومتى لم يَكُن ؟!.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-23-2018 12:45 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثانى عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

[سورة القصص]
العلماء قالوا: ليس في الأرض كُلِّها اسْتِكبارٌ بالحق فأصْل الاسْتِكبار في الإنسان باطِل، لأن الإنسان ضعيف، وخُلِق الإنسان ضَعيفًا، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

(سورة المعارج)
وهذا الضَّعْف في أصْل خَلْقِهِ وضَعْف في صالِحِهِ.
أوَّلاً في أصْل خَلْقِهِ فالله تعالى هكذا أرادَهُ ضَعيفًا، لِيَفْتَقِرَ إلى الله تعالى بِضَعْفِهِ فَيَسْعَدَ بافْتِقارِهِ إليه، ولو خَلَقَهُ قَوِيًّا لاسْتَغنى بِقُوَّتِهِ وشَقِيَ باسْتِغْنائِهِ، فلأنَّك ضعيف تفْتَقِرُ إلى الله وتُقْبِلُ فَتَغْتني وتَقْوى وتَسْعَد فلو أنَّ الله تعالى خلَقَ الإنسان قَوِيًّا لاسْتَغْنى عن الله فَشَقِيَ بِهذا الاسْتِغناء والبُعْد، ويُسْتَنْبَط أنَّ أيَّةَ مُصيبَةٍ يسُوقُها للإنسان يُقَرِّبُهُ إليه.قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

((عَبدي مرضْتُ فلم تَعُدْني ! يقول: وكيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين ؟ قال: مَرِضَ عَبْدي فلان ولم تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عنده !!))
فالله لما أخذَ صِحَّة الإنسان وسلبَهُ إيَّاها، عوَّضَهُ أضعافًا مُضاعَفَة من رحْمتِهِ وأنوارِهِ وقُرْبِهِ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عنده !!
((اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطْعِمني، فقال: وكيف أُطْعِمُكَ وأنت ربُّ العالمين ؟ قال اسْتَطْعَمَكَ عَبْدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أما علِمْتَ أنَّكَ لو أطْعَمْتَهُ لوَجَدْتَ ذلك عندي ))
لذلك هناك آية قرآنِيَّة أيها الإخوة لو تأملها الإنسان تَهْتَزُّ مشاعِرُهُ، قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)﴾

(سورة البقرة)
أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لإنسانٍ كائِنًا مَن كان هو في حقيقتِهِ قَرْضٌ إلى الله، قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾

[سورة البقرة]
فيا أيها الإخوة الكرام الفقير مَنْ حُرِمَ العَمَلَ الصالِح، والفقير مَن جاءَ يَوْم القيامة، وقد خلَّفَ أموالاً طائِلَة وليس بين يَدَيْه عَمَلٌ صالح يَعْرِضُهُ على الله عز وجل، فالمؤمن الصادِق شُغْلُهُ الشاغِل هو ماذا قدَّمْتُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ للآخرة، وربنا عز وجل يقول:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(19) ﴾

[سورة الحشر]
نِسْيانُهم لله تعالى أنْساهُم أنْفسَهم، وأنساهُم مُهِمَّتَهُم في الحياة ونسيانهم لله تعالى أنْساهم العَمَل الصالِح، ونِسْيانهم لله أنْساهم لماذا خُلِقُوا في الدنيا، قال تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(19) ﴾

[سورة الحشر]
وقال تعالى:

﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)﴾

[سورة الحشر]
وقال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾

[سورة الحشر]
إذًا اسْتَكْبَرَ هو وَجُنودُهُ، والمُسْتَكْبِر لا يتعلَّم، والمُسْتَحي لا يتعلَّم والمُسْتَكْبر لا يعْبُدُ الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172)﴾

[سورة النساء]
لذلك الإنسان إن لم يَدْعو الله عز وجل، فَعَدَمُ دُعائِهِ لله تعالى اسْتِكْبارٌ في نفْسِهِ، ومَن كان مُسْتَكْبِرًا اسْتَوْجَبَ العذاب، واسْتَوْجَبَ غَضَبَ الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)﴾

[سورة القصص]
صَدِّقوني أيُّها الإخوة ؛ لو سألْتَ مائة شَخْص، كم مِن واحِدُ يُدْخِلُ المَوت بين عَيْنَيْه ؟ وفي حِساباتِهِ اليَوْمِيَّة ؟ قلَّة ! تجدهُ يعيش وكَسْبُهُ الحرام شُغْلُهُ الشاغِل، والاسْتِمْتاع بالمَلَذَّات بِأيِّ طريق، أما هناك ساعة سَيَلْقى فيها الله عز وجل ويوضَعُ في القبر، والله أيُّها الإخوة مِن أجَلِّ العِبادات أن تتْبَعَ جنازَةً، وأن تقفَ على القبْر، كيف يُحْمَلُ النَّعْش ؟ وكيف يحْملُ الميِّتُ ؟ وقد جُمِّلَ في كَفَنِهِ ؟ وكيف يُنَزَّل القبر ؟ والتراب في أيَّام الشِّتاء، ذكر لي شَخْص مدير معْمَل، قال لي: كان لنا صاحب معمل من أنْدَر أشْخاص البَلَد ! له بيْت كالقَصْر، وحاجاتُهُ ومُقْتَنَياتُهُ مِن أعلى مُسْتوى، وبيتُهُ ستِّون أو سبعون مليونًا ثمنُه ! قاعات وأقْواص، قال لي: تُوُفِّيَ في أيَّام الشِّتاء المطِرَة، ودُفِنَ بِباب الصَّغير، وكان له ابنٌ مُهَنْدِس، فُتِحَ القبر فإذا مِياهُ المجاري قد وصَلَتْ إليه، فسألوا ابنهُ ماذا نفْعَل ؟ قال لي هذا الأخ: والله سبْعَة أيَّام لم أذُق الطَّعام !!
كنتُ مرَّةً بِحَلَب في زِيارة، فَمُضيفي أخَذَني إلى أحد أحْياء حلب الفَخْمة، حيُّ الشَّهْباء، كل فيلا تُحْفة، هذه على النَّمَط الروماني وهذه على النَّمَط الصيني، آيات من الجمال، وأرْقى أحْياء دِمَشْق أكْواخ أمام هذا الحيّ ! فلَفَتَ نَظَري بِناء أبْيَض صيني، قال لي: هذا البناء كان ثمَنهُ سنة الأربع والسِّبعين: خمسًا وثلاثين ملْيون، وصاحِبُ هذا البناء تُوُفِّي في الثانِيَة والأربعين، وكان مديد القامة وجاء القبر أقْصر من قامَتِهِ، فلمَّا وُضِعَ في القبر وُضِعَ مُنْحَنِيًّا من جهة رأسِهِ !! وانهَدَم عليه التُّراب.
أيُّها الإخوة الكرام، يجب أن نُدْخِلَ الموت في حِساباتِنَا اليَوْمِيَّة، لي عشرين سنة بالتَّدريس في المساجِد، ومِن دون مُبالغَة ما مِن أسبوع إلا ويوجد أخٌ أو أخَويْن يُغادِران هذه الدنيا، فأحَدُ إخواننا كان يدْفَعُ الضَّريبَة، وقعَ فماتَ ! المُغادَرَة صغيرة، وفي بعض دُوَل النَّفْط هناك كلمة على الجواز إن كُتِبَت ينْقَطع قلْبُه ؛ مُغادَرة بلا عَوْدة ! وكُلُّنا سَوْف نُغادِر بلا عَوْدة ! فالإنسان إذا فكَّر بِساعة الموت كان عليه الصلاة والسلام يتذَكَّر الموت كُلَّ يوم بين سنَّة الفجْر وصلاة الفَجْر وأكْبَرُ عَقْلٍ وأرْجَحُهُ هو الذي يُعِدُّ للموت عُدَّتَهُ ؛ بالتَّوْبة وكَسْب المال وتَحْرير الدَّخْل من الحرام، وبِضَبْط الزَّوْجة والأولاد، فأنت أب لك حقوق على أولادك، أين ترْبِيتَك ؟ وأين شَخْصِيَّتَك ؟ وأين إدارتك ؟ وأين قناعتك ؟ وأين هي سُلْطَتَكَ ؟ وأنت مَسْؤول، فنحن يَهُمُّنا هل هناك مَن ينْفذُ من الموت ؟ الأنبياء ولم ينْفذوا، قال تعالى:

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30)﴾

(سورة الزمر)
مِحْورُ الدَّرْس أنَّك إن اسْتَطَعْتَ أن تُدْخلَ الموت في حِساباتِكَ اليَوْمِيَّة قبل أن تقول كلمة، فهل هي تُرْضي الله ؟ وقبل أن تعُطي وقبل أن تَمْنَع، وقبل أن ترْى، وقبل أن تغْضَب، وقبل أن تَصِل، وقبل أن تقْطَع، وقبل أن تجْلسَ هذه الجَلْسَة، وقبل أن تسْهَر هذه السَّهْرة وقبل أن تحضر حفلة لا ترْضي الله، وإلى مكانٍ يُشْرَبُ فيه الخمْر، وقبل أن تتحرَّك، سَلْ نَفْسَكَ هذا السُّؤال: ماذا سأُجيب الله عز وجل يوم القيامة ؟
أيها الإخوة الكرام، اسْمَحوا أن أقول لكم: أنّ جزْءً من عباداتِكم هو تذَكُّر الموت، والدليل قوله عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ ))

[ رواه الترمذي ]
مُفَرِّق الأحْباب، ومُشَتِّتْ الجماعات، عِشْ ما شئْتَ فإنَّك ميِّت وأحْبِبْ مَن شئْتَ فإنَّك مُفارِق، واعْمَل ما شئْتَ فإنَّك مَجْزِيٌّ به، وكُلُّ مَن غَفَل عن الموت سمَّاهُ الله غافِلاً، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205)﴾

[سورة الأعراف]
والموت عُرْس المؤمن، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ))

[ رواه البخاري ]
سُئِلَ أحد العارفين بالله ؛ كيف القُدوم على الله ؟ فقال: أما المؤمن فكالغائِب رُدَّ إلى أهْلِهِ، فلو كان هناك ابن لك مُتَغَرِّب جاء من بعيد فإنَّك تطْبخهُ له كلَّ ما يشْتهي، وتتغيَّر الفُرْش، فهذا العارِف بالله تعالى سُئِل: كيف القُدوم على الله ؟ قال: أما المؤمن فكالغائِب عاد إلى أهْلِهِ، وأما الكافر فكالعبْدِ الآبِقِ رُدَّ إلى مَوْلاه، يُلْقى القَبْضُ عليه ويُساق إلى جهنَّم، لذلك قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)﴾

[سورة القصص]
فالمؤمن الصادِق ينْقُل اهْتِماماتِهِ ونشاطِه، وطاقاتِهِ وذكائِهِ وخِبْراتِهِ وأموالِهِ للدار الآخرة وسَيُفاجىء أنَّهُ كسَبَ الدنيا معها، أنت حينما تُؤْثِرُ الآخرة ترْبَحُ الدنيا قال تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)﴾

[سورة الرحمن]
جنَّةٌ في الدنيا، وجنَّةٌ في الآخرة، ولأحَدِ العارِفين قَوْلٌ رائِع، يقول: في الدنيا جنَّة مَن لم يَدْخُلْها لم يدْخُل جنَّة الآخرة، ما هي جنَّة الدنيا ؟ القُرْب من الله، والقرْب بالطاعة، والطاعة بين يَدَيْك، فإيَّاك أن تقول: لا أسْتطيع أن أسْتقيم فأنت إن قلْتَ: لا أقْدِرُ أن أسْتقيم فأنت تُكَذِّب القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

[سورة البقرة]
يقول لك: أنا لا أسْتطيع أن أغُضَّ بصري ! لو كنت لا تستطيع غضَّ البصَر لكانت الآية خاطئة !! وذاك يقول لك: أنا لا أستطيع أن آكل المال الحرام ؛ عندي أولاد !! أحد أصحاب الملاهي ؛ كُلُّ ماله من الملاهي، كانت عندهُ بنْت اِهْتَدَتْ إلى الله عز وجل وتعْمل مُعَلِّمة في جوبَر، تطْبخ في غرْفَتِها ولا تأكل من أبيها لُقْمَةً واحِدَة ! ولو طلبَتْ من أبيها مليونين لأعْطاها ! لا تأكل إلا مِن كَسْبِها مالاً حلالاً، وهناك مليون شاهِد، وفي كُلّ عصْر شاهِد إذا اسْتَقَمْت تتألَّق، أما إن تكلَّمت فقط بالدِّين فلن تتألَّق، الكلام لا يرْفَعُك عند الله، أما التَّطبيق فإنَّه يرْفَعُك.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-23-2018 12:46 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثالث عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الإنسان في هذه الحياة الدنيا يتحرَّكُ، إما انْطِلاقًا مِن قِيَمٍ أو مبادئ أو منْهَج، أو مِن شَهَواتٍ وغرائِز، فإذا تصوَّرْنا الشَّهوات في جانب، والمبادئ في الجانب الآخر، فَكُلَّما ابْتَعَدْتَ عن المَبْدَأ اقْتَرَبْتَ من الشَّهْوَة، وكُلَّما اقْتَرَبْتَ من الشَّهْوة ابْتَعَدْتَ عن المبْدأ هذا المعنى الدَّقيق تُصَوِّرُهُ الآية الكريمة الخَمْسون من سورة القصص وهي قوله تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

[سورة القصص]
قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة اللأنفال]
هناك دَعْوَةٌ من الله تعالى من خِلال الكتاب والسنَّة لِحَياةٍ عُلْيا، ولأرْقى أنواع الحياة ؛ حياة الإيمان والمعرفة بالله والاتِّصال به، والسُّمُوّ النَّفْسي، فأعلى أنواع الحياة جاءَت في هذه الآية، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة اللأنفال]
فالإنسان قد يعيش حياةً بهيمِيَّة ؛ يأكل ويَشْرب وينام، وقد يعْمَل ويتمتَّع بِأذواق فَنِيَّة عالِيَة، لكنَّ الحياة التي أرادها الله للمؤمن هي أرْقى أنواع الحياة ؛ إنَّها الحياة التي خُلِقَ من أجْلِها، حياةُ معْرفة الله وحياة مَنْهجٍ دقيق تَسير عليه، حياة الاتِّصال بالله، والطمأنينة والتَّفاؤُل، قال تعالى

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة اللأنفال]
وهنا قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص]
لا يوجَد إلا طريقَيْن ؛ حق وباطِل، خير وشرّ، إساءَة وإحْسان اسْتِقامة وانْحِراف، إخلاص وخِيانة، وصِدْق وكذب، قَسْوة ورحْمة وكرمٌ وبُخْل، نِظام الكَون هو نِظامٌ اِثْنَيْن، فإن لم تَكُن مع الحق فأنت مع الباطل قَطْعًا، وإن لم تَسْتَجِب لله ولِرَسُولِهِ فأنت مُسْتجيبٌ حُكْمًا للشَّيطان، فإمَّا أن تكون رَحْمانِيًّا أو شَيْطانِيًّا، فالآية دقيقة جدًا، ولا حلَّ وسَط، ولا زُمْرة ثالثة، قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾

[سورة القصص]
لم يسْتقيموا، ولم يتعرَّفوا على الله، قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُم﴾

[سورة القصص]
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾

[سورة القصص]
أَضَلُّ هنا اسْمُ تفْضيل أي ليس في الأرض كُلِّها، على شَنَّى بِقاعِه وعلى امْتِداد الزَّمَن، مِن آدَمَ إلى يَوم القيامة، وفي كُلِّ بِقاع الأرض ليس هناك مِن إنسان أضَلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هواه بِغَيْر هُدًى من الله، هنا أصْبَحَ عندنا معنًى جديدًا.
أنت يُمْكِنُ أن تتَّبِعَ الهَوى، ولكن وفق هُدى الله عز وجل، فالله عز وجل قال:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾

[سورة آل عمران]
فالله تعالى أوْدَعَ هذه الشَّهوات في قُلوبِنَا، ولم يودِعْها في قُلوبِنَا إلا مِن أجْل أن نَرْقى بها مرَّتَين مرَّةً صابرين ومرَّة شاكرين، ولولا الشَّهوات ما ارْتَقينا إلى ربِّ الأرض والسَّماوات.
الفقْرة الثانِيَة في الآية، قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

[سورة القصص]
إذا الشاب أنْهى دِراسَتَهُ، وله عمَل، وله زوْجة صالِحَة، وأرادها جميلة فلا مانِع، وإذا أراد المال فَكسبهُ مِن طريق مَشْروع، فلا شيء عليه بل يُبارِكُ الله له، والإسلام ليس فيه حِرْمان ولكن فيه تَنْظيم والإسلام طهارة ونظافة، فلا يوجد حِرْمانٌ مِن الطَّعام والشَّراب، ولا مِن النِّساء، ولا مِن أن تكون مُتَفَوِّقًا في الحياة الدُّنيا، قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

(سورة المطففين)
وقال تعالى:

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

[سورة الصافات]
الإيمان عمَل، وليس اتِّكال شَكلي، والإيمان اقْتِحام وليس انْسِحاب والإيمان انْفِتاح وليس عُزْلة، والإيمان إيجابي وليس سَلْبي، فالله تعالى قال:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

[سورة القصص]
الخُطورة أن تنْقادَ لِغَريزَتِكَ وشَهْوَتِكَ، أو لِهَواك مِن دون مَنْهَجٍ إلهي لكَ أن تنْظُرَ إلى زَوْجتِكَ فهِيَ مُباحةٌ لك، ولك أن تشْكُرَ الله أن جَعَلَ لكَ زَوْجة، أما إن رأيْتَ امرأةً في الطريق فلا ينبغي أن تنْظر إليها هذه ليسَت حلالاً، فالشَّهْوة لا بدّ لها من منْهَج، هناك ألف باب لِكَسْب المال الحرام، والمال الحرام يذْهَب وأهْلَهُ، يجب أن تكْسِبَ المال بالطَّريق المَشْروع دون كذِب ولا غِشّ، ولا تَدْليس ولا احْتِكار ولا إيهام ولا تلاعُب، ولا بِضاعَة مُحَرَّمة ولا أسلوب مُحَرَّم، ولا علاقة ربَوِيَّة، وإنَّ أطْيَبَ الكَسْب كَسْبُ التُّجار الذين إذا حدَّثوا لم يَكْذِبوا وإذا تواعَدوا لم يُخْلِفوا وإذا اءتُمِنُوا لم يَخونوا، وإذا اشْتَرَوا لم يَذُمُّوا، وإذا باعوا لم يُطْروا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لا يُمكروا فالمُشْكِلَة أن تتَّبِعَ الهوى بِغَيْر هُدًى من الله، هنا المُشْكِلة، لذلك قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[سورة لقمان]
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

[سورة القصص]
ما علاقة الظُّلْم باتِّباع الهَوَى من دون هُدًى من الله ؟ العلاقة حَتْمِيَّة ! فَكُلُّ إنسان اتَّبَع هواه من دون مَنْهَجِ الله لا بدَّ مِن أن يقَعَ في الظُّلْم ولا بدَّ من أن يظْلِمَ نفْسَهُ أوَّلاً لِبُعْدِها عن الله وإبعادِها عنه، ولا بدّ مِن أن يظْلِمَ غيْرهُ، ولمَّا يريد الإنسان أن يُحَقِّق أو يُمارِسَ شَهَواتِهِ السُّفلى بِطَريق غير مَشْروع معنى ذلك أنَّهُ سيَعْتَدي على أعْراض الناس على مُسْتوى النَّظَر وعلى مُسْتوى الكلام وعلى مُسْتوى اللَّمْس، فالإنسان إذا أراد أن يأكل المال من دون قَيْدٍ أو شَرْط فلا بدّ من أن يأكُل أموال الآخرين ظُلْمًا وعُدْوانًا، فلذلك كما قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(7)﴾

[سورة الصف]
لا يَهْديهم إليه لأنَّهم وقعوا في الحِجاب، ولا يهْديهم إلى مصالحِهم الدُّنْيَوِيَّة، مَن ابْتغى أمْرًا بِمَعْصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجا، وأقْرَبَ مِمَّا اتَّقى، والإنسان يَغُشّ حتَّى يُحَقِّق أرْباحًا طائِلَة، لو دقَّقْتَ وتابَعْتَ وحلَّلْتَ لَوَصَلْتَ إلى أنَّ الذي يَغُشّ يُرْخي له الله الحَبْل قليلاً ثمَّ يَمْحَقُهُ ! لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83) ﴾

[سورة القصص]
فهذه الآية مَنْهجٌ كامِل، قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

[سورة القصص]
اِقْرأ كلام الله وسنَّة رسول الله، واحْضَر مَجالِسَ العِلْم، ثُمَّ قِسْ ما أنت عليه في حَياتِكَ الأُسَرِيَّة مع زَوْجَتِك، وأولادِك، وحياتك العَمَلِيَّة في كَسْبِكَ للمال، وإنفاقِك للمال، وحياتك التي فيها تمتُّع ؛ مِن نُزهات وسِياحَتِك وسَفَرِك، قِسْ ذما أنت عليه بِمَنْهَجِ الله، فإن لم تَكُن مُسْتجيبًا لله ولِرَسُولِهِ، فاعْلَم أنَّك مع الشَّهْوَة والهَوَى، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

[سورة القصص]
ليس في الأرض كُلِّها إنسانٌ أشَدُّ ضلالاً مِمَّن يتَّبِعُ هواه بِغَيْر هُدًى من الله، معنى ذلك نحن في بَحْبوحَة، والإسلام واقِعي، والإسلام دينُ الفِطْرة، ولا شيء مَحْروم منه، فأنت يُمْكِنْ أن تفْعل ما تُريد ولكن مِن طريق نظيفٍ ومَشْروع، لاحِظ إذا الواحِد الْتقى مع زَوْجَتَهُ ألا يسْتطيع أن يُصَلِّي قِيام اللَّيل بعد ذلك ؟ ولا يشْعُر بِشَيء، أما لو نَظَر إلى جارَتِهِ نظْرةً خبيثَةً فهذا يُحْجَبُ عن الله تعالى.
فيا أيُّها الإخوة الكِرام منْهَجُ الله يقْتضي أن تسْتجيبَ له، ولذلك قال العلماء: أمَّةُ محمَّد صلى الله عليه وسلَّم أُمَّتان ؛ أمَّةُ الاستجابة وأُمَّة التَّبْليغ، فَكُلُّ مَن وُلِد من أبَوَيْن مُسْلِمَين فَهُوَ أمَّة التَّبليغ، ولا ينسحِبُ عليه أيَّةُ ميِّزَة لأمَّة مُحمَّد، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾

[سورة المائدة]
قِس على هذه الآية أن يقول المسلمون: نحن مِن أُمَّة محمَّد ‍، ونحن مُسْلِمون والحمد لله، الجواب
﴿: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة]
وقد اسْتَنْبَطَ الإمام الشَّافِعي من هذه الآية أنَّ الله لا يُعَذِّبُ أحْبابَهُ، فلو أنَّ الله عز وجل أقرَّهم على دَعْواهم وكانوا أحْبابَهُ فِعْلاً لما عذَّبَهم فلا جَدْوى أن تنْتَميَ إلى أُمَّةِ مُحَمَّد انْتِماء شَكْليًّا، وانتِماء التَّبْليغ، ينبغي أن تنتمي إلى أُمَّة محمَّد انْتِماء الاستجابة، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

[سورة القصص]
لا يهْديهم إليه، وتأديبًا لهم لا يَهْديهم إلى مصالِحِهم، فالخير كُلُّه والفلاحُ كُلُّه، والرَّشادُ كُلُّه، والتَّ فَوُّق كُلُّه، والذَّكاء كُلُّه، والنَّعيمُ كُلُّهُ في طاعة الله عز وجل، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13)﴾

[سورة النساء]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-23-2018 12:47 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الرابع عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في هذه السورة آيةٌ دقيقة جدًا، والمُسلمون في أشَدِّ الحاجة إلى فَهْم معناها، وهي قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾

[سورة القصص]
فحينما كُنتم تعْبدون الأصنام، وحينما كنتم في تيهٍ وضلال، وحينما أكَلْتُم المال الحرام، مكنَّا لكم حرمًا آمِنًا، فلمَّا أسْلَمْتُم وتُبْتُم تُتَخَطَّفون مِن أرْضِكم ! أَيُعْقَلُ هذا ؟!
سيِّدُنا موسى فيما ترْوي الكُتب، دعا ربَّهُ بالسُّقْيا، فقال له الله عز وجل وكان كليم الله: إنَّ فيكم عاصِيًا ! فقال موسى عليه السلام: مَن كان فينا عاصِيًا لله فلْيُغادِرْنا ! لم يُغادِر أحد، والسَّماء نزَلَت بِأمْطار غزيرة، فقال: يا رب، مَن هذا العاصي الذي عصاك ؟ فقال الله عز وجل فيما تَرْوي الكُتب: عَجِبْتُ لك يا موسى أسْتُرُهُ وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! قال تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

[سورة القصص]
أخي أنا إذا اتَّبَعْتُ هذا المَنْهَج القرآني في البيْع والشِّراء أموت مِن الجوع أنا وأولادي ! وإن لم أكْذِب لا أُمَشِّي أموري ! وإذا لم أغُشّ فلا أرْبَح ! فهل يُعْقَلُ هذا ؟! فأنت بالمَعْصِيَة والله تعالى يرْزُقُك ويَحْفظك فإذا رَفَعْتَ مُسْتوى طاعتِك إلى الله، وتُبْتَ إليه يَتَخَطَّفُكَ من أرضِك فهل يُعْقَل من هذا الإله الجليل أن يُدَمِّرَك حين تعْبُدُهُ ؟؟! وإذا الواحِد خاف من الله، ولم يودِع مالَهُ بالمَصْرف، وخاف، فلا بدّ أن يَقْتُلوه ! والذي لم يَخَف من الله مُطْمَئِنّ ! هل هذا مَعْقول ؟! حينما تعصي هذا الإله يُأمِّنُك، وحينما تُطيعُهُ يُدَمِّرُك !! هذه هي مُشْكِلَة العالم الإسلامي الآن !! قال تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

[سورة القصص]
هناك وَهْم من الشَّيْطان أنَّك إن أطَعْتَ الله تعالى يُدَمِّرُك، يقول لك: لا بدّ أن يكون مَظْهري ليس دينِيًّا ! ولا أُطَبِّق الدِّين كي أرْتاح ! قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾

[سورة القصص]
من هم ؟ الكُفَّار ؛ عَبَدةُ أوْثان وشارِبي خَمْر، وفوْضى جِنْسِيَّة لا حُدود لها، والمرأة تتزوَّج عشْرة رِجال في وقْتٍ واحِد، يطوفون بالبيت وهم عُراة، وفي هذه المعاصي كُلِّها، وحفظكم الله وآمنَكُم، ووفَّرَ لكم حرمًا آمِنًا ! فلمَّا جاءَكم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بالهُدى ودين الحق ؛ فإذا آمَنْتُم تُتَخَطَّفون مِن أرْضِكم ! هل يَقْبَلُ عَقْلُكَ هذا الكلام ؟! مُعْظم المُسْلمين يرى المَعْصِيَة فيها طمأنينة والطاعة فيها مُشْكِلَة، ويرى أنَّهُ إن قيَّدَ نفْسَهُ بالشَّرْع يُصْبِحُ مَعْزولاً، وإن تعامل مع هؤلاء الذي انْتهكوا حرْمَة الله أصْبَحَ مَقْبولاً عند الناس، أين التَّوحيد ؟ ما مِن آيةٍ المسلمون في أشَدِّ الحاجة إلى فَهْمِها كَهذه الآية، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾

[سورة القصص]
أنتم إذا طَلَبْتُم المال بالمَعْصِيَة، وأصْبَحتم من أثْرِياء البِلاد، فَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها، وقد بطَرَتْ معيشَتَها، قال تعالى:

﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) ﴾

[سورة القصص]
الأنباط والتَّدْمريُّون، وعاد وثمود، والفراعِنَة ؛ أين هُم ؟! هؤلاء الذين عصَوا لِكَي لا يُتَخَطَّفوا، أين مصيرُهم ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

[سورة الغاشية]
وقال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)﴾

[سورة القصص]
الله عز وجل لا يأخذ غِرَّة، فهو تعالى لا يأخُذ إلا حين يُبَيِّن مِن خِلال الأنبياء والرُّسل، والعلماء والدُّعاة والكتاب الذي يُتْلى صباح مساء قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)﴾

[سورة القصص]
أيُّها الإخوة، في الحقيقة هي بِشارة، فما مِن إنْسانٍ أُتيحَ له أن يسْمَعَ الحق صافِيًا إلا وعَلِمَ فيه الله الخيْر، والآية الكريمة:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾

[سورة الأنفال]
فإذا أسْمَعَك الله الحق فهذه بِشارة وما عليك إلا أن تسْتجيب، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
ذَكَرْتُ كثيرًا أنَّ الله تعالى مِن سُنَنِهِ أنَّهُ يبْدأُ مع عَبْدِهِ بالدَّعْوَة البيانِيَّة تسْمع خُطْبَة أو درْسًا، أو تقْرأ كتابًا تسْمَعُ شريطًا، هذه دَعْوَة من الله وجعل لك حاجة بِهذا المكان، أذَّن الظُّهْر وسَمِعْتَ كلامًا فتأثَّرْت ! ليس هذا صُدْفةً، قال تعالى:

﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى(40)﴾

[سورة طه]
فلمَّا ربُّنا عز وجل يُسْمِعُ عبْدَهُ الحق، فَمَعنى ذلك باليَقين، والاسْتِدلال القَطْعي أنَّ الله تعالى عَلِمَ فيه خيْرًا، ولأنَّهُ عَلِمَ فيه خيْرًا أسْمَعَهُ الحق وتسْمَعُ قِصَصًا عجيبة، تجِد إنسانًا ما كان له أن يجْلس في هذا المَجْلس أو في أيِّ مجلس عِلْم آخر، ولِسَبَبٍ غريب ونادِرٍ ساقَهُ الله لِمَجْلسِ علْمٍ فانْعَقَدَتْ مع الله تعالى تَوْبَةٌ وصِلَة، فكان مَبْدأ الصُّلْح مع الله، وإذا رَجَعَ العَبْدُ إلى الله نادى مُنادي في السماوات والأرض أن هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله، فإذا سَمِع الواحد الخير، وجعلك الله بِبَلَدِ إسلامي فلو كنت في أمريكا والعياذ بالله، فهذه القضايا ليْسَت صُدْفة، فالله تعالى عَلِمَ فيكَ خيْرًا، والله خلَقَكَ لِيُسْعِدَكَ في الآخرة فأنت أوَّلاً في بلَدٍ إسلامي تسْمعُ الأذان، وهناك مساجِد، ودُروس عِلم وهناك بَقِيَّة حياء وخجَل، وبَقِيَّة وفاء، واسْتِقامة، فأنت بِنِعْمة، تجد مَن هم في بلاد الغرْب يقولون: نحن الأذان مَحْرومون منه !! نوادي وخمور ومصائف، أما أنت ففي بلَدٍ إسلامي تُقامُ فيه شعائِرُ الله ومساجِد مُكْتظَّة بالمُصَلِّين، هذه نِعمة كبيرة، والله تعالى قال:

﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)﴾

[سورة القصص]
قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)﴾

[سورة القصص]
لمَّا قال النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

[ رواه الترمذي ]
ماذا ينْبغي أن تعمل ؟ كُلَّما أخْطأْتَ تدفعُ صَدَقة، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَال لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[رواه الترمذي]
فإن لم يكن معك فَصُمْ أسأْتَ اِعْتَذِر، وغفَلْتَ عليك أن تتذَكَّر فالمؤمن يحْرصُ على نفْسِهِ وقال بعضُهم: المنافق يعيش في حالٍ واحِدٍ أربعون عامًا، أما المؤمن فيتقلَّب في اليوم الواحِد أربعين مرَّة مِن شِدَّة حِرْصِهِ، ومِن شِدَّة خَوْفِهِ، فسَيِّدُنا عمر بن الخطَّاب ألَمْ يُبَشَّر بالجنَّة ؟ نعم، والبِشارة ثابِتَة فلِمَ قال: ليْتَ أُمَّ عمر لم تَلِد عمر ! غفل ونسيَ البِشارة، ولكنَّه اسْتَحْضَر عظمة الله عز وجل والمَسْؤولِيَّة وقال له: قَرْقِر أيُّها البَطْن أو لا تُقَرْقِر، فَو َالله لن تذوق اللَّحْم حتَّى يشْبَعَ منه صِبْيَةُ المسلمين ! وجاءَهُ رسول مِن أذْربيجان، وكانت تابِعَةً إلى عمر بن الخطاب في عهْده ووصل إلى المدينة ليلاً، فَكَرِهَ أن يطْرُقَ باب الخليفة في الليل فدَخَل إلى المَسْجِد، فسَمِعَ رجُلاً يقول في الظَّلام: يا رب، هل قَبِلْتَ تَوْبتي فَأُهَنِّأ نفْسي، أو رَدَدْتَها فأُعَزِّيَها فقال الرسول: مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين ألا تنامُ اللَّيل ؟ فقال: إن نمْتُ ليلي كُلَّه أضَعْتُ نفْسي أمام ربِّي، وإن نمتُ نهاري أضَعْتُ نهاري ! إنَّ لله عملاً بالليل لا يَقْبَلُه بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً في النَّهار لا يقْبلُهُ في الليل ! كان أصْحابُ النَّبي عليه الصلاة و السلام رُهْبانًا بالليل، وفُرْسانًا بالنَّهار، وأمرٌ رائِعٌ جِدًّا أن تَجِدَ إنسانًا مُتَفَوِّقًا في عَمَلِهِ، ونِظام ودِقَّة ونظافَة ومواعيد، وإنْجاز وتَجِدُهُ بالليل يُصَلِّي فالإهمال لابدَّ أن لا يكون من المؤمنين، أكل تُفَّاحة وما غسَلَها، يقول لك: كُلْها وسَمِّ بالله !! يَمْرض ابْنَهُ ويقول: الله الشافي ! ما هذا الجَهْل ؟ وما هذا الانْحِطاط ؟ أهكذا أمرَكَ الله ؟ الله تعالى أمَرَكَ أن تأخُذ بالأسباب ثمَّ تتوكَّل عليه، تجد أحدهم صالِحًا ولكن ليس مُنْضَبِطًا، والآخر مُنْضَبِط ولا يوجد فيه الصَّلاح، أما الأصل أن ترى مؤمِنًا أعلى درجَة في الذَّكاء والفَهْم والتَّصَرُّف، وفي الوَقْت نفْسِهِ في الوَرَع والزُّهْد والصِّلة بالله عز وجل،: يا أمير المؤمنين ألا تنامُ اللَّيل ؟ فقال: إن نمْتُ ليلي كُلَّه أضَعْتُ نفْسي أمام ربِّي، وإن نمتُ نهاري أضَعْتُ نهاري! إنَّ لله عملاً بالليل لا يَقْبَلُه بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً في النَّهار لا يقْبلُهُ في الليل ! وبقِيَ معه إلى الفجْر فصلى الفجْر وأخَذَهُ إلى بيْتِهِ، فقال لها: يا أُمَّ كلثوم ماذا عندك مِن طعامٍ لِضَيْفِنا ؟ فقالتْ له: عندنا مِلْحٌ وخُبْز، فقال لها: هاتيهِ لنا ! فأكل وشَرِبَ وقال: الحمد لله الذي أطْعَمَنا وسقانا، وبعد أن أكَلَ مع ضَيْفِهِ قال له: ما الذي جاءَ بِكَ إلينا ؟ فقال له: هذه هَدِيَّةٌ أرْسَلها عاملُكَ على أذْربيجان ففتَحها فإذابها: حَلْوَة !! أكَلَ واحِدَةً فرآها ذات طَعْمٍ طيِّب، ثمّ توقَّف فقال له: يا هذا هل يأكُل عندكم عامَّة المسلمين هذا الطَّعام ؟ فقال الرسول: لا، هذا طعامُ الخاصَّة، فلفظَ عمر ما أكل، وقال: حرامٌ على بَطْنِ عُمَر أن يذوق طَعْمًا لا يأكُلُهُ فقراء المسلمين، ثمّ بعَثَ بهذه العُلْبَة لأهْل الصُّفَّة لِيَأكلوها، وأرْسَلَ كتابًا إلى عامِلِه على أذْربيجان، وقال له: كُلْ مِمَّا يأكل منه عامَّة المسلمين، فَكَيْفَ يَعْنيكَ أمْرُهم إن لم تأكل من طعامهم ؟!! وبِذِكْر الصالحين تتنزَّل الرَّحمات، وأنا أنْصَحُكم جميعًا، لا تذْكر إلا الصالحين في مجالسِك، فإن أرَدْت أن يتعكَّر المجْلس، ويضيق قلبُك اُذْكر أهل الدنيا وغير الصالحين ؛ البخلاء والمتعنِّتين، وقد مرَّتْ معي أحاديث تنْهى عن ذِكْر غير الصالحين اُذْكر الصالحين كي ترى نفْسَك تتوق لهم، وإلى ورَعِهِم وإلى زهدهم.
أيها الإخوة، المُلخَّص قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) ﴾

[سورة القصص]
وما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله في دينه ودُنياه.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-23-2018 12:49 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الخامس عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، ففي سورة القصص آية بالغة الدِّقة، وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) ﴾

[سورة القصص]
يُخاطب الله جلَّ جلاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق، وما مِن إنسانٍ على وَجْه الأرض أقْدَرُ على هِداية الناس مِن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؛ عِلْمًا وحِكْمةً وتأثيرًا ونورانِيَّة ووحْيًا وعِصْمةً وصوابًا، ما من مخلوق على وجْه الأرض أقْدَرُ على هِداية الناس من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقول له الله جلَّ جلاله:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

[سورة القصص]
ماذا يُفْهَمُ من هذا الكلام ؟ الهُدى اخْتِيار شَخْصي، فالإنسان إن لم يقْبل الهُدى، فلو جلسَ مع رسول الله ولو جلسَ مع الأنبياء جميعًا، ولو رأى كُلَّ المُعْجِزات، ولو رأى رَجُلاً خرجَ من القبْر وأخْبرهُ، ولو رأى هذا الكتاب نزل من السَّماء إن لم يَخْتر الهُدى، وإن لم يطلب الهُدى، لا تُجْدي معه كُلُّ الأدِلَّة والبراهين وأنواع البيان، ولا المُعْجِزات ولا الكرامات، لا أيّ شيء آخر، أما لو أراد الهُدَى وطلبَهُ فأيُّ شيءٍ في الأرض ينْتفِعُ به، فالطَّيْر يُعَلِّمُهُ، والنَّملة تُعَلِّمُهُ والنَّصيحة يأخذ بها، والآية يتفاعَلُ معها، والحديث يَخْضَعُ له، فهُناك قَرار يتَّخِذُهُ الإنسان في أعْماقِهِ إن لم يتَّخِذْهُ في أعْماقِهِ لا ينْفَعُهُ شيئًا وإن اتَّخَذَهُ ينْفَعُهُ كُلُّ شيء، فهل في الأرض كُلِّها إنسانٌ أجْدَرُ وأقْوى بِقُوَّة تأثيرهِ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، عَمُّهُ أو لهب هل آمَنَ به ؟ وأبو جَهل هل آمَنَ به ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) ﴾

[سورة القصص]
فأيُّ إنسانٍ أراد الهِداية يَهْديه الله تعالى، فقوله يهْدي مَن يشَاء تَعود على مَن أراد الهِدايَة، فلِذلك كثير من الآيات في ظاهِرِها يَدْعو إلى الحَيْرة، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99)﴾

[سورة الأنعام]
معنى ذلك اتَّخَذْتَ قرارًا أن تُؤْمن قبل أن ترى الآيات، فإن رأيْتَها آمَنْت، وقد قال الصَّحابة: أوتينَا الإيمان قبل القرآن، فأكْثَر مِن مائة آية تُشير إلى أنَّ الآيات والكلمات، والبيِّنات والدَّلالات والمُعْجِزات لا تنْفعُ إلا المؤمنين، قال تعالى:

﴿الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)﴾

[سورة البقرة]
فالهُدَى اخْتِياري، تَختارُهُ أنت، وعندَئِذٍ كُلُّ شيءٍ ينْفَعُكَ، فإذا دَخَلْتَ إلى الجامِعَة باخْتِيارِك، هناك أساتِذَة ومَكْتبة ضَخْمة ومَخْطوطات وسَكَن جامِعي، وبِعثات، وتَدْريبات، بِشَرْط أن تَدْخل الجامعة ! فإن لم تَدْخُلها فَكُلُّ ما فيها لا تنتفِعُ به، وهناك شيء ثاني يُوَضِّح الفِكْرة لو فرَضْنا إنسانًا دَخَل مَحلّ يبيعُ السُّجاد، والستائر فهو يبْحث عن الستائر ولا ينتبِهُ إلى السَّجاد إطْلاقًا، ولا يُلْقي له بالاً لأنَّ هَدَفهُ السَّتائِر فالمَحلّ فيه ستائر وسجَّاد، فأنت تهْتمُّ إلى الذي تريدُهُ، وكذا لو كنتَ تَسْكُنُ بيْتًا مُريحًا فيه كلّ شيء، فإذا قال له أحدهم في الطريق: هل تريدُ بيْتًا ؟ يُمْكن أن لا يردَّ عليه ! أما الذي تَجِدُهُ يبْحث عن بيت فإنَّه يفرح لهذا فرَحًا شديدًا، فالذي تجده يبْحث عن شيءٍ ترى له آذانًا صاغِيَة، يسْتنبط ويتأمَّل ويُحَلِّل، ويدْرس، وكُلّ نشاطه الفِكْري في ما هو عليه، وقد قيل الحاجةُ أُمُّ الاخْتِراع، فهذه الآية الله عز وجل يُخاطِب سيِّد الأنبياء، وسيِّد الرُّسل، وسيِّد الفُصَحاء والبُلَغاء وسيِّد ولد آدم، ومَن أوتِيَ الفصاحة والجمال وقوَّة البُرْهان، والوَحْي الصادِق وكُلّ شيء، ومع ذلك قال تعالى له:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

[سورة القصص]
أما إذا شاء الواحِد الهِداية ؛ فهذا رَجُل جالسٌ رأس نمْلة صَعِدَتْ، فلمَّا وصَلَتْ إلى مكانٍ ما وَقَعَتْ، أعادَتْ الكرَّة أربعين مرَّة، وهذا الرَّجُل كان أُمِّيًا لا يقرأ ولا يكْتُب، أراد أن يتعلَّم فرأى الطريق طَويلاً وشاقًّا ولعلَّهُ رآهُ مُسْتحيلاً فعَزَفَ عن الدِّراسَة، أما هذه النَّمْلة التي صَعِدَت أربعين مرَّة علَّمَتْهُ درْسًا بليغًا، عادَ إلى الدِّراسَة وتعلَّم القِراءة والكتابة وتعلَّم القرآن، وما ماتَ إلا شَيْخ الأزْهر، وهناك شَخْص آخر، ولعلَّه زكرِّيا الأنصاري له ابن طلَبَ العِلْم بالأزْهَر، فلمَّا عاد إلى القرْيَة أعْجَبَهُ هذا الاخْتِصاص، وكان الأب أُمِّيًا، فرَكِبَ الدابَّة واتَّجَهَ إلى الأزْعَر كما كان يُسَمِّيه ‍‌! فقيل له: يا أيُّها الشَّيخ هذا اسْمُهُ الأزْهَر وكما يقول العلماء: بدأ هذا الرَّجل تعلُّم القِراءة والكتابة بالخامِسَة والخَمْسين ! وعاش إلى السادِسَة والتِّسْعين، وما ماتَ إلا وهو شَيْخ الأزْهَر، فالإنسان إذا اتَّخَذَ قرارًا داخِلِيًّا بِطَلَبِ الهِدايَة، وقد قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69)﴾

[سورة العنكبوت]
يُمْكِن أن تنتفِع مِن أصْغَر داعِيَة، عِلْمُهُ قليل إذا أرَدْت الهِداية، ولن تنتفِعَ مِن سيِّد المرسلين إن تُرِدِ الهِدايَة ! تُفَكِّر بالشَّمس والقمَر والنُّجوم والسَّحاب والأطيار، وخلْق الإنسان مِن سَمْعٍ وبصَر، تراها كُلَّها أدِلَّةً قاطِعَةً ونَيِّرَةً على وُجود الله، وكمالهِ وعَظَمَتِهِ، فالذين رأَوا البَحْر أصْبَحَ طريقًا يبَسًا، ورأَوا العصاةَ أصْبَحَت ثُعبانًا كبيرًا، ورأَوْا جبلاً انْشَقَّ فَخَرَجَتْ منه ناقَة ورأَوْا النار لم تُحْرِق إبراهيم عليه السَّلام قال تعالى:

﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)﴾

[سورة الأعراف]
فالأشياء الطَّبيعِيَّة والمألوفَة تنتَفِعُ بها وتصِلُ بها إلى الله، وخَرْقُ القوانين والمُعْجِزات لا تنتَفِعُ بها، هناك سِرّ دقيق، فالعِبْرة أن تطْلب الهِدايَة، وأن تُريد أن تؤْمِن، وأن تبْحث عن الحقيقة، فأنت قد تَجْلس مع إنسان، وتتكلَّم ساعة وساعَتَيْن، أحد العلماء كان جالِسًا بِحَديقة في أحد البلدان، وجلسَ بِجَانِبِهِ شَخْص مِن سُؤال إلى سُؤال، حتَّى قال له: أنا من بلاد الشَّرق الأوْسَط، وأنا رجل مُسْلم، فهذا الرَّجل العالم بِكُلّ ما أوتِيَ مِن فصاحَة وبلاغة وفَهم وقَدْر، شَرَحَ له الإسلام بِخَمْسين دقيقة، وترَكَ عشْر دقائِق للمناقشَة بعد كُلِّ هذه المُحاضَرَة البليغَة أخْرَجَ هذا الرَّجل المُسْتَمِع دولارًا وقال: هذا هو ربِّي الذي أعْبُدُه مِن دون الله ! قال تعالى:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾

[سورة الأنفال]
تَجِد شَخصًا يتعلَّم مِن أقلّ إنسانٍ، وآخر لو عاش مع أكْبر الأنبياء لا يتعلَّم منه، لأنّ الذي أراد الهُدى ينْفعُهُ كُلّ شيء والذي لم يُرِد الهُدَى لا ينتفِعُ بِشَيء، فربُّنا عز وجل يقول:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

[سورة القصص]
أما إذا أرَدْتَ أن تُعيدَ الضَّمير على الله عز وجل، فَهُناك تفْسير آخر وهذا التَّفسير يقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى رسَمَ للهُدَى طريقًا، فَمَن لم يسْلُكْهُ لم يُهْتَد، كما أنَّ الطِّب رُسِمَ له طريقُهُ كي تصبح طبيبًا سبْعة سَنَوات، سنة علوم عامَّة، وسنة تَشريح، وسنة فيزْيولوجيا، وسنة علم الأمراض وسنة عِلْم أدْوِيَة وبعدها تَدْريبات وتأخذ إجازة بالطبّ وبعدها تقوم باخْتِصاص ثلاث سَنَوات، وبعدها تقوم باخْتِصاص سنة خارِج القُطْر حينها تُصْبِحُ طبيبًا، فهذا الطريق إذا سَلَكَهُ الإنسان أصْبَحَ طبيبًا، وتشاء له الدَّولة أن يكون طبيبًا، وهكذا فالله عز وجل لا يشاء الهِداية إلا مَن سَلَكَ طريقَها، والله تعالى لهُ سُنَن، أما إذا ورَدَ في القرآن أنَّ الله أضَلَّ فلانًا، قال علماء التَّوحيد: هذا هون الإضْلال الجَزائي المَبْني على إضْلال اخْتِياريّ فلو أنَّ طالبًا لم يُقَدِّم الفحْص ولم يشْتر الكتب، وأُرْسِلَ له إنذار واثنان وثلاثة فما اسْتَجاب، حينها صدَر قرار برفْض قيْدِهِ، فَحِينها لا يقل: الجامِعَة رفَضَتْني !! فالجامعَة أصْدَرَت هذا القرار تَجْسيدًا لِرَغْبَتِك في العزوف عن الدِّراسَة، فالآية هذه دقيقة:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

[سورة القصص]
وهناك آية أُخْرى تُكْمِلُها وهي قوله تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾

[سورة البقرة]
إنَّك لا تسْتطيع أن تهْدي مَن أحْبَبْت ولسْتَ مسْؤولاً عن الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يُبَلِّغ، والعلماء ما عليهم إلا البيان، والإنسان مُخَيَّر قال تعالى:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾

[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)﴾

[سورة فصلت]
فأنت ما عليك إلا أن تتَّخذ قرارًا في نفْسِكَ للهُدى وكُل شيء تراه بين يَدَيْك، تتعلَّم مِن كلّ شيء، فهذا أبو حنيفة أشار إلى غلام: أنْ إيَّاك أن تسْقط في هذه الحفْرة، فهذا الغلام نبيه وقال له: بل أنت يا إمام إيَّاك أن تسْقط ! أنا إن سَقَطْتُ سَقَطْتُ وَحْدي، وإنَّك إن سَقَطْتَ سقَطَ معك العالم !!! فالطِّفل قد يُؤْتيك درْسًا بليغًا، وأحْيانًا الحادِثَة تُعَلِّمُكَ درْسًا، وكذا الآيات الكوْنيَّة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-23-2018 12:51 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السادس عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فلا زِلنا في سورة القصص، وفي أواخِر هذه السورة، يقول الله عز وجل، ولعلَّ هذه الآية مِن أدَقِّ آيات هذه السورة:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)﴾

[سورة القصص]
مِن أكثر كلمات اللُّغة العربيَّة عُمومًا حتَّى أنَّنا إذا وصَفْنا الله عز وجل بأنَّهُ عزيز، قالوا في تفسير هذا الاسْم يَحْتاجُهُ كُلّ شيء في كُلِّ شيء فهو يَحْتاجُهُ الصَّخْر في بقائِهِ صَخْرًا ؛ لأنَّ ذرات الصَّخْر تدور حوْل النَّواة، ولولا أنّ الله سبحانه وتعالى سمَحَ لأيِّ شيء أن يبْقى لما بقِيَ فالله تعالى قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء ﴾
[سورة القصص]
كلمة مِنْ تُفيد اسْتِغراق أفراد النَّوع، واحِدٌ أوتِيَ طلاقة لِسان، والآخر أوتِيَ قناعَة إقْناع، وآخر أوتِيَ وسامة، وذام أوتِيَ ذاكرة قَوِيَّة والآخر أوتِيَ المال الوفير، فأيُّ شيء يَدْخل تحت هذه الآية، قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء ﴾
[سورة القصص]
شيءٍ جليل أم شيء حقير، أو شيءٍ كبير أو شيء صغير، شيءٍ خطير أم شيءٍ تافِه، قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء ﴾
[سورة القصص]
أَيُّ شيءٍ تَمْلِكُهُ أو وُضِعَ في يدِك، سُئِلَ أعرابيٌّ بِيَدِهِ قَطيعٌ من الإبل لِمَن هذه الإبل قالوا: أجابَ أدَقّ إجابَةٍ في اللُّغة قال: لله في يدي ! فإذا أوتِيَ الواحد شيئًا فهذا لله، هو الذي ملَّكهُ، وهو في يَدِكَ الآن.
قال تعالى قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

[سورة القصص]
المتاع شيءٌ آنِيُّ اللَّذة وينقضي بِسُرْعة، قال تعالى:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾

[سورة النساء]
المتاعُ لذَّة عابِرَة، وبعدها تَشْعُر بالانْقِباض، ولا أثَرَ لها، فلو أنَّ واحِدًا شَعَرَ بِأَلَمٍ شديد في فمِهِ، لو تذَكَّر بعض الولائِمِ التي حضَرَها فهل هذا التَّذَكُّر يُريحُهُ مِن ألَمِ أسْنانِه؟ كُلّ شيءٍ أكَلْتَهُ وإلى أيِّ مكانٍ ذَهَبْت متاعٌ، ولا أثَرَ له مُسْتقبلي، أثرُهُ آنِيٌّ، فاللَّذائِذ أثَرُها آنِيّ والإنسان حينما يأكل لِثَواني مَعْدودات، ويَدْفَعُ لِسانه اللُّقْمة إلى سَقف حَلْقِهِ، في سَقْف الحَلْق أعْصاب الذَّوْق ؛ يشْعُر بِطَعْم الطَّعام في هذه الثانِيَة، ولكن بعد أن ينتقل الطَّعام إلى المعِدَة ؛ إن كان فلافل أو لَحما فهذا مثل بعْضِهِ، ويشْعُر بالشِّبَع، وليس الطَّعام والشَّراب جميع اللَّذائِذ حتَّى اللَّذة التي يسْعى الناس إليها جميعًا ؛ يعملون ويَجْهدون مِن أجل أن يتزوَّجوا، هذه كذلك دقائق مَعْدودات، قال تعالى قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

[سورة القصص]
يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)﴾

[سورة القصص]
إذا كان ما عند الله خيْرٌ وأبْقى، معنى هذا أنَّ الذي بين أيْدينا قليل وفاني، ونُوَضِّح الآية بالمثل التالي: لو خيَّرْنا إنسانًا بين درَّاجة يتملَّكُها وبين سيَّارة يرْكَبُها لِسَاعةٍ واحِدَة ! فإنَّه يختار الدراجة، لو خيَّرناه بين سيارة يتملَّكُها وبين سيارة يرْكبها لِثانِيَة واحِدَة، يقول لك: أمْتَلِك، فلو خيَّرْنا الإنسان بين سيارة يمْتلكها وبين دراجة يرْكبها لساعة واحِدَة فهل يتردَّد في اخْتِيار السيارة ؟! إن تردَّد فَهُوَ أحْمَق هكذا المُوازَنة، قال تعالى: قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة القصص]
خيرٌ من الدنيا، فالدُّنيا فيها متاعِب، وأَبْقى إلى أبَدِ الآبِدين، ومُضِيُّ العُمر يُقرِّب من النِّهاية واسْتِمرار الحياة ليس في صالِحِ الإنسان تضْعف ذاكرتُه، ومكانتهُ، ويُصْبح هامِشي، ولكن بالجنَّة أمْرٌ آخر لذلك هذه الآية التي قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

[سورة القصص]
يُمكن أن تدْخل بيتًا ثمَنهُ سبعون مليون وله أثاث بِخَمسين مليون والعشاء يُكَلِّف ثلاثون أو الأربعون ألفًا ! وبالنِّهاية إلى القبر، قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)﴾

[سورة القصص]
ماذا قال سَحَرة فرعون حينما قال لهم: آمنتم له قبل أن آذن لكم ؟! قال تعالى:

﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ َلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)﴾

[سورة طه]
المُوازنة بين سيارة ثمنها خمس وعشرون مليونًا، ودراجة ثمنها خمسة آلاف !
الآن التَّفصيل، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[سورة القصص]
لو فرضنا أنَّ شخْصًا معاشُه ألف وثمان مائة ليْرة على القديم، وله ثمانية أولاد، وبيتُه بالأجرة، وله دَعْوى أخلاق وزوْجَتُهُ مريضَة وله عمّ ثرِيُّ جدًا، وليس له أولاد، ومات بِحادِث فجْأةً، المال كلُّه يصبح له، وحتى اسْتطاع أن يأخذ أوَّل قبْضة سنة، تَجِدُه في هذه السَّنة ولو أنَّه لم يأخذ شيئًا، تجدُهُ أسْعَد الناس، لماذا هو على هذه الحال من الفرح ؟ لأنَّهُ دَخَلَ بالوَعْد، وهذا هو شأن المؤمن فالله عز وجل وعَدَهُ بالجنَّة، وهذا الوَعْد يُنْسيهِ كُلَّ متاعب الحياة، زوال السماوات والأرض أهْون على الله مِن أن يُخيِّبَ ظنَّ المؤمن، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا(122)﴾

[سورة النساء]
وقال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾

[سورة التوبة]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾

[ سورة التوبة ]
بِكُل آيات النَّفس والمال، تجد المال مُقَدَّم على النَّفْس، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)﴾

[ سورة التوبة ]
لأنّ إنفاق المال أهْون مِن إنفاق النَّفْس، إلا بهذه الآية الوحيدة بالقرآن قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)﴾

[ سورة التوبة ]
فالله هنا بدأ بالأهَمّ لأنَّ هناك بيْع قَطْعي، ففي مجال البذْل تبدأ بالمال، أما بَِمجال البيْع القطْعي تبدأ بالأهمّ.
قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[سورة القصص]
يُلقى القبْض عليه ويُساق إلى المُحاسبَة، فإذا كان الواحد بأفْخر مرْكبة ذاهب لِيُشْنَق والتقى بِوَاحِدٍ يمشي ليأخذ قصْرًا، هنيئًا لِمَن ؟ فهذه الآية دقيقة قال تعالى:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[سورة القصص]
أيها الإخوة، الإنسان إن لم يُحْسِن الاختيار فهو ليس عاقلاً، لمَّا تختار أنت الآخرة، فالله أعظم وأجلّ واكْرَم أن يحْرِمَكَ الدنيا، ولكن تأتي هامِشِيَّة وعرَضِيَّة، وأنت تقْصِد رِضاء الله عز وجل، فالله تعالى من كَرَمِهِ ورحْمتِهِ، مَن آثر آخرته على دنياه ربِحَهُما معًا، وقد أوحى ربُّك إلى الدنيا انَّهُ مَن خدَمَكِ فاسْتَخْدِميه، ومَن خَدَمَني فاخْدُميه، فالله عز وجل هنا يُقيم مُوازَنَة معها تعَجُّب، وعندنا موازنات أخرى، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

[ سورة السجدة ]
وقال تعالى:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)﴾

[ سورة القلم ]
وقال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
وهنا يقول الله:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾

[سورة القصص]
أيها الإخوة، بُطولة الإنسان في حُسْن اخْتِيارِهِ، فالكافر قد يُحسِن اخْتيار زوْجة، يعْبُدُها من دون الله، إما أن يموت قبلها، وإما أن تموت قبلَهُ، وذاك يضَعُ كلّ آمالهِ بِأولاده فَيُسافرون، ويتجنَّسوا وينْسَوا أباهم، فالإنسان إذا علَّق آمالهُ بِغَير الله عز وجل يكون قد أساء الاخْتيار، ولو كُنت مُتَّخِذًا خليلاً لكان أبا بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله، والأمَل كُلُّه بالله، وهو الهدَف كله في الله إلهي أنت مَقصودي ورِضاك مَطْلوبي، فالدُّنيا تغُرّ، وتضرّ، وإنَّ أسْعَدَ الناس في الدنيا أرْغَبُهم عنها، وأشْقاهم فيها أرْغَبُهم فيها، وهذه الآية أساسِيَّة جدًا، فالإنسان تأتيه إغراءات وضُغوط، وهذه الآية تُعينُهُ على اتِّخاذ القرار الصحيح.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-23-2018 12:52 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السابع عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة القصص، ومع قِصَّة قارون ذلك الرَّجل الذي آتاه الله من الكُنوز الكثيرة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[ سورة القصص ]
معنى بَغَى أيْ خرَجَ عليهم، وعن منهجهم، وعن طاعة الله عز وجل فلمَّا خرج عليهم قال تعالى:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

[ سورة القصص ]
معنى ذلك أنَّ الإنسان أحْيانًا حينما يُذَكِّرُهُ الله بالدَّعْوَة البيانِيَّة فلا يسْتجيب ويُؤَدِّبُهُ فلا يسْتجيب، رُبَّما سبحانه وتعالى أجْرى له عِلاجًا ثالِثًا وقد سمَّاهُ العلماء: الإكرام الإسْتِدْراجي، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

[ سورة القصص ]
المفتاح الواحِد وزْنُهُ عشرين غراما لِصُنْدوق يَحْوي خمْسة ملايين فكَيْف سبْعة رِجال لا يسْتطيعون حَمْل مفاتيح كُنوزِهِ ؛ هذا وَصْف قرآني، فالله تعالى:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة﴾

[ سورة القصص ]
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

[ سورة القصص ]
الفرحين بالدُّنيا لأنَّها زائِلَة، وإنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء ومَنْزِل فرح لا مَنْزل تَرَح، فَمَن عَرَفَها لم يفْرَح لِرَخاء، ولم يَحْزَن لِشَقاء، قد جَعَلَها الله دارَ بَلْوى وجَعَلَ الآخرة دار عُقْبى.
قُل لي ما الذي يُصْلِحُكَ أقول لك مَن أنت ؟ هذا مِقْياسٌ دقيق، إن تفْرحُكَ الدنيا فأنت مِن أهل الدُّنْيا، تُفْرِحُكَ مرضاة الله فأنت مؤْمِنٌ وربِّ الكَعْبَة، يُفْرِحُكَ العمل الصالح فأنت مؤمن، يُفْرِحُكَ البَذْل والعطاء، فأنت مؤمن، وإن يُفْرِحُكَ أن تأخُذَ لا أن تُعْطي فأنت مِن أهل الدنيا، قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

[ سورة القصص ]
أيُّها الإخوة، مِن أدَقِّ آيات القرآن الكريم قاعِدَة وقانون، كُلُّ إنسانٍ آتاهُ الله حظًّا، وأعْطاهُ مالاً، ووسامَة وذكاء وزوْجَة وأولاد، أعطاه مكانَة ؛ هذه كُلُّها حُظوظ الدنيا، يقول الله عز وجل على لِسان قَوْمِ قارون:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

[ سورة القصص ]
أمْرٌ، ينبغي أن تُوَظِّف كُلَّ شيءٍ الذي منَّ الله بِه عليك لدار الآخرة فإنْ وظَّفْتَ كُلَّ شيءٍ منَّ الله به عليك للدار الآخرة، عِنْدَئِذٍ سَعِدْتَ سعادَةً أبَدِيَّة، وأصْبَحَ هذا الذي منَّ الله عليك نِعْمةً، فهو قبل أن تُوَظِّفَهُ للدار الآخر ليس نِعْمةً ولا نِقْمةً، هو مَوْقوف، ابْتِلاء مَوْقوف على نوعِ اسْتِخْدامِهِ، سِكِّين يُمْكِن أن تسْتَخْدِمَها في قَطْع الخُضار والفواكه فَتَنْفَعُكَ، ويُمْكن أن تقتل بها لا سمَحَ الله، فالمُجْرم يسْتخدِمُها لهذا فالحُظوظ يُمْكن أن تكون سُلَّمًا ترْقى به أو درَكَات تَهْوي بها، قال تعالى

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القصص ]
كُلُّ واحِدٍ مِنَّا، ماذا آتاهُ الله ؟ هذا ينبغي أن يُوَظِّفَهُ في الحق والبارِحَة طبيب أعطاني عشْرة كروت، وقال: أيِّ مريض له مرض أُعالِجُهُ مجَّانًا، ابْتغى في عِلْمِهِ الدار الآخرة، وإنسان يُوَزِّع أموالهُ على الفقراء والمساكين مِن طيبِ نفْسٍ منه، وهذا يُلْقي علْمًا يبْتغي الدار الآخرة، وإنسان يُرَبِّي أولاده لِيَكونوا صلحاء من بعده يبتغي الدار الآخرة، فهذه نقطة دقيقة جدًا، الحُظوظ التي منَّ الله بك عليك ليسَت نِعَمًا، وليْسَت نِقَمًا إنَّما هي ابْتِلاء، فإن وُظِّفَت للدار الآخرة كانت سُلَّمًا ترتقي به إلى أبد الآبدين، وإن وُظِّفَت للدنيا كانت دركات تَهْوي بها إلى أسْفل سافلين، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾

[ سورة الفجر ]
ليس عطائي إكرامًا ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابْتِلاء، وحِرْماني دواء
أخْطَرَ سُؤال ينبغي أم يرِدَ عليكم كُلَّ يوم ؛ هل وظَّفْتُ الذي آتاني الله إيَّاهُ للدار الآخرة ؟‍ يُمْكنُ أن تكون حِرْفَتُكَ للدار الآخرة، إذا فَتَحَ الإنسان دُكَّانهُ ونوى خِدْمة المُسْلمين ؛ والله كُلّ دقيقة يُمْضيها بالمَحَلّ التِّجاري تُعَدُّ عِبادَة ! هؤلاء مسلمون، وهم خَلْقُ الله فإذا أعْطَيْتَهُم بِضاعةً جيِّدَةً بِسِعْرٍ مَعْقول، ونصَحْت لهم وما غَشَشْتَهم، فأنت في عبادة، وأنت تزوَّجْتَ تبْتغي أن تُحْصِنَ نفْسَك، وأن تُنْجِبَ أولاد صالِحين يُصْبِحُ الزَّواج عِبادة، فأيُّ عَمَلٍ تعْمَلُهُ وأيُّ نشاطٍ تقوم به قال تعالى:

﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾

[سورة التوبة]
والآية دقيقة جدًا، قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القصص ]
ويا أيها الإخوة، مَن لا يبتغي الدار الآخرة تكون حياتُهُ مُتْعِبَة، وفيها مُنَغِّصات ومطبَّات، وهُموم تغُرّ وتضرّ وتمرّ، روى لي أحد الإخوة هذه القِصَّة وقد توفَّاه الله تعالى؛ اِشْتَغَل بِمَحلّ الحميديَّة، وكانتْ له دُعابَة ولكن غير مَقْبولة، فكان يكْنس هذا المحلّ ويَجْمع القُمامة ويضَعُها في علبة هدايا، وفَخْمة، وكأنَّها قِطْعة ذَهَب ثمينة وكأنَّها على الرَّصيف، يأتي إنسان فيَنْظر يَمْنةً فلا يجد أحدًا فيأخُذُها، ويَعْدو ويتْبَعُه هذا الشَّخْص، وبعد مائة متْر يَفُكّ العلبة فإذا فيها القُمامة، والله هذا المَثَل أصْغَر بِكَثير مِمَّا يُفاجأ به الإنسان عند الموت، وأنَّ الدنيا غرَّتْهُ وضَرَّتْهُ، ومرَّتْهُ.
وكُنتُ بِحَلب فالذي اسْتَضافَني أراد أن يُطْلِعَني على أحد الأحياء الفَخْمة فرأينا قصْرًا قال لي: كلَّف هذا القصْر صاحِبَه خمْسًا وثلاثين مليون سنة الأربع والسَّبعين، وخمسة ملايين رخام أونيكس، والمُهَنْدِسون اسْتَقْدَمَهم من أوروبا، صاحب هذا القصْر تُوُفِّي في الثانِيَة والأربعين وكان القبْر أصْغَر من صاحب هذا القصْر، فَوُضِعَ مُعْوَجًّا !!
أيُّها الإخوة، مِن أخْطَر آيات القرآن الكريم:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القصص ]
أنت مُهَنْدس أو طبيب أو مُدَرِّس أو تاجِر أو مُوَظَّف، يجب أن تعْلَمَ أنَّ الله تعالى يَمْتَحِنُكَ ويُراقِبُكَ، وأنَّ الله ينْظر ماذا تعْمل، فَبِقَدْر ما تُوَظِّف اخْتِصاصك في خِدْمة الخَلْق ترْقى عند الله.
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[ سورة القصص ]
لهذه الآية معاني كثيرة، ولكن مِنْ أَوْجَهِ معانيها، فهذه الآية يلْفظونها كثيرًا، كلَّ ما أراد الرَِّفاه والسُّرور، والتَّنَعُّم بالبيوت، والرُّكوب بأجْمل المركبات يقول لك قال الله:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[ سورة القصص ]
الحقيقة لو أنَّ طالبًا ذهَب إلى فرنسا ليأخذ دُكتوراه، هناك بِفِرَنْسا ملاهي ومتاحف ومُتَنَزَّهات وهناك سوربون، فإذا قلنا له وهو في طريقه إلى فرنسا لا تنْس المُهِمَّة التي أُرْسِلْتَ مِن أجْلِها، وهي مُهِمَّة واحِدَة أن تدْرُس، فهذا الذي لا ينسى نصيبه من فرنسا وقد ذَهَب إليها فأنت خُلِقْتَ من أجْل العمل الصالح قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّه إذا جاءَكَ الموت ماذا تقول:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]
ومُعْظم الناس يسْتَشْهِدون بِهذه الآية على غير ما أراد الله عز وجل لا تنْسَ نصيبَكَ من الدنيا، والآية هذه تُؤكِّدُها قال تعالى:

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(82)﴾

[ سورة الواقعة ]
أي أنَّ حظَّكم أنَّكم كذَّبْتُم به ونصيبُكَ من الله أن تؤمن به وتُطيعَ الله وأمرَهُ، وأن تخْدِمَ خلْقهُ من أجْل أن ترْقى عنده.
ما هو النَّصيب. فسَّرَهُ الله فقال تعالى

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾

[ سورة القصص ]
أما لو أحْسَنَ الله على الإنسان وبدأ يظْهر أمام الناس بِزينَتِهِ قال تعالى:

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة القصص ]
هناك أُناسٌ كثيرون عندهم رَغْبة دفينة أن يُظْهِروا ما عندهم لِيَسْتَعلوا على الناس، فَكُلّ إنسان يبْتغي من دُنياه أن يسْتعلي على الناس ؛ بِمَالِهِ أو بيْتِهِ أو مرْكَبَتِهِ أو بِحَجْمِهِ المالي أو تِجارَتِهِ، إذا أراد الظُّهور فالله سبحانه وتعالى له بالمِرْصاد، والآية دقيقة جدًا، قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص ]
نصيبَكَ من الدنيا أن تُحْسِن كما أحْسَنَ الله إليك، فالله أحْسنَ إليك ومنَحَكَ نِعْمة الوُجود وهذه أثْمَنُ نِعْمة، ومنَحَك نِعْمة الإمداد، ونِعْمة الإرْشاد، خلَقَك وأمدَّك وهداك، ماذا ينتظر منك ؟ أن تُقابِلَ هذا الإحْسان بإحْسانٍ مثله، لأنَّ الله تعالى سخَّر الكون تَسْخير تَعْريف تَكريم، فالتَّعْريف يقْتضي أن تُؤْمِن، و التَّكريم يقتضي أن تشْكُر، فإذا آمنْتَ وشَكَرْتَ انتهى العِلاج قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة القصص ]
كأسُ الماء صافي ؛ لا طَعْم له ولا لَوْن له، ولا رائِحَة له، فلو وَضَعْتَ فيه تُرابًا ولو وَضَعْتَ فيه مادَّةً سامَّةً أفْسَدْتَهُ، فالفساد إخْراج الشيء عن طبيعَتِهِ وهذه الفتاة خَلَقَها الله لِتَكون زَوْجةً، فإذا أطْلَقْتَ لها العِنان واخْتَلَطَتْ مع الرِّجال وقَعَتْ في الحرام، وأصْبَحْت أنت بَغِيًّا وهذا الشاب ينبغي أن يعْرِفَ ربَّهُ وأن يبْحَثَ عن عمل، فإذا دَلَلْتَهُ على عمل حرامٍ تكون أفْسَدْتَهُ، فالفساد خروج عن الطبيعة، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[ سورة الروم ]
فالهواء مُلَوَّث، وهناك الآن تَلَوُّث صَوْتي ؛ آلاف المحطَّات تُرْسِل موجات كهرطيسيَّة إلى الجوّ، والجو مُلَوَّث بِغاز أُكْسيد الكربون والماء مُلَوَّث بِمُخَلَّفات البِحار، والتُّرْبَة مُلَوَّثَة بالأسْمِدَة الكيماوِيَّة التي رفَعَتْ مُلوحة التُّرْبة، والفواكه والخُضار مُلَوَّثة بِمَواد سامَّة جاءَتْ مع مياه السَّقْي، فَمُخالفَة مَنْهج الله فساد، أما الفساد هنا في السِّياق أن لا تُظْهِرَ ما عندك للناس، أحيانًا تَجِد مَن يقول لك: هذا الأثاث من إيطاليا والبلاط أتَانا بالطائرة، قال تعالى:

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

[ سورة القصص ]
والآن تطبيق عَمَلي، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص ]
جُهود وخِبْرات مُتراكِمَة، وأسَّسْتُ عملاً من ثلاثين سنة، وأنا معي شَهادات عُلْيا، وأنا وظَّفْتُ العِلْم للصِّناعة، وهذه الكلمة التي قالها قارون يقولها معْظم الناس، ويقولونها بأساليب كثيرة، يقول لك: هذا تعبي، هذا اسمي بالبلد، وينسى فضْلُ الله عليه، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص ]
لذلك قالوا: أربع كلمات مُهْلِكات: أنا ولي وعندي ونحن، فأنا قالها إبليس ؛ أنا خير منه، فأهْلَكَه الله، ونحن قالها قوم سبأ، قال تعالى:

﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(33) ﴾

[ سورة النمل ]
ولي قالها فرعون، قال تعالى:

﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51)﴾

[ سورة الزخرف ]
فأهْلكَهُ الله، وعندي قالها قارون قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص ]
ثمَّ قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾

[ سورة القصص ]
تجدهم يقولون: اشْترى أرْضًا ارْتَفَع سِعْرُها ثلاثة أضْعاف، وتجده حينما يقولها يتنهَّد ! قال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

[ سورة القصص ]
أهل الدنيا يُعَظِّمون أصحاب الأموال، تجده لا يُصَلِّي ويشْرب الخمْر ويحْتَرِمونهم أشَدَّ الاحْتِرام، أما المؤمن الذي دَخْلُهُ قليل لا ينظر إليه قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

[ سورة القصص ]
الجواب الإلهي قال تعالى:
ُ
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾

[ سورة القصص ]
سَمِعْتُ عن شركة ضَخْمة بالخليج يرْأسُها شَخْص يُعَدُّ من نوادِر العلماء بالاقتصاد، ويَحْمِل دكتوراه بأمريكا ركب أحدث سيارة بِي أمْ فاحْتَرَقَتْ السيارة، والذي حدث أنَّ القِفل المركزي لم يسْتطيعوا الخُروج حتَّى أصْبحوا قِطْعَتي فَحم هو وزوْجتُه! فالله عز وجل يُنهي الإنسان لِثَواني ولأتْفَه الأسباب، قال تعالى:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)﴾

[ سورة القصص ]
أنت بِعَيْنَيْك أغْنى إنسان، وإذا كان زِراعة الكبد سبْعة ملايين !
الخِتام، قال تعالى:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

[ سورة القصص ]
المُتَّقي هو الفائِز والذَّكي والعاقل وهو الذي عرف ربَّهُ فاسْتقام على أمْره.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-23-2018 12:54 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثامن عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى في الآية الواحدة والسبعين من سورة القصص:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) ﴾

(سورة القصص )
الحقيقة هذه الآية تُمَثِّل مَنْهجًا في التَّفْكير، هناك آمِر وهناك أمْر، لو تعرَّفْتَ إلى الأمر، لا تنْدَفِعُ إلى تَطْبيقهِ، أما إذا تعرَّفْتَ إلى الآمِر تتفانى في تَطْبيق الأمْر، إن لم تتعرَّف إلى الآمِر تفَنَّنْتَ في التَّفلُّت من أمْرِهِ، قد يضَع الإنسان في جَيْبِهِ حبَّات من الثُّوم فإذا دخَلَ وقْت صلاة الجمعة ألْقى في فَمِهِ حبَّةً، فصار مَعْذورًا ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ:
((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ))

[رواه البخاري]
إن عَرَفْتَ الأمْر ولم تَعْرِفِ الآمِر تفنَّنْتَ في التَّفَلُّت من أمْره وإن عرَفْتَ الآمِرَ حقيقةً تفانَيْتَ في تَطبيق أمْرِهِ فهناك آيات كثيرة جدًا الهدَفُ منها أن تعْرف الآمر، والآمِرُ هو الله عز وجل، قال تعالى:

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)﴾

[ سورة الأنعام ]
السَّمع والبصر، والشَّم والذَّوْق واللَّمس ؛ هذه حواسّ تنْفعُ في الأشياء المادِيَّة والمَحْسوسة أما في ما غاب عنك وبَقِيَت آثارهُ ؛ غابَت عنك عَيْنُهُ وبَقِيَت آثارهُ لا ينْفَعُكَ إلا عَقْلُك، ولذلك العُقول تَصِلُ إلى الله والحواسّ لا تُدْرِكُهُ، إذًا نحن مِن أجل أن نعْرف الله لا بدَّ مِن أن نُفَكِّر في مَخْلوقاتِهِ، والتَّفكُّر في مخلوقات الله يَحتاج إلى منْهَج في التَّفكُّر وهذه الآية تُمَثِّل أحَدَ المناهِجِ الكُبْرى، الشيء وخِلاف ما هو عليه تصوَّر أنَّ الأرض لا تدور، يُصْبِحُ نصْفها ليل سرْمدي، والنِّصف الآخر نهار سَرْمدي طبْعًا الليل السرمدي الحرارة مائتان وسبعون تحت الصِّفر، والحياة تسْتحيل عليها، والنّهار السَّرمدي معناه ثلاثمائة وخمسون فوق الصِّفر، والحياة مُسْتحيلة، قال تعالى

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

[ سورة القصص ]
إذا وقفَتْ الأرض فجْأةً، ووضَعوا مؤْتَمر عالمي بِتَسْيير الأرض، فهل تدور ؟ لو مُعْظم دُوَل العالم اتَّخَذَت قرارات حاسِمَة على أن تدور الأرض، فهل تدور ؟ لو وقفَتْ فجْأةً يصبح نصف الكرة نهار سَرْمدي ونصف الكرة ليل سَرْمدي، وبعد حينٍ تنعدِم الحياة في النِّصْفَين ويموت الخلق جميعًا.
قال تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اليلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِيضاء﴾

[ سورة القصص ]
الحقيقة في الآية لَفْتة، قال تعالى:

﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71)﴾

[ سورة القصص ]
وفي قوله تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)﴾

[ سورة القصص ]
لماذا جاء هناك أفلا تسمعون وهنا أفلا تبصرون ؟ الله عز وجل من تَكريم الله للإنسان أعْطاه حواس خَمْس، ففي النَّهار الحاسَّة الأولى العَين، أما في الليل الحاسَّة الأولى السَّمع، يقول لك: أسْمع شيئًا ! الحقيقة أنَّ حاسَّة البصر تنتهي عند الحواجز، أما حاسَّة السّمع تتجاوَز الحواجز، فالواحد مِنّا يكون جالسا في غرفة الجلوس فَعَيْنُهُ تتفحَّص مَن في الغرفة، أما لو سَمِع حركةً بالغُرْفة الأخرى، وهو لا يعلم في البيت أحدًا فإنَّه يقول: فلان قد جاء ! ودخل ولم نشْعر به، فما الذي أخْبره ؟ الأُذن، ففي النَّهار الحاسَّة الأولى هي البصر، وفي الليل الحاسَّة الأولى السَّمع فالله تعالى قال:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)﴾

[ سورة القصص ]
فالنَّهار معه البصر، والليل معه السَّمع، وهذا من حِكْمة الله عز وجل فهذا مَنْهَج، وأنت بِكُل قضِيَّة إن أرَدْت أن تعرف منهَجَ الله عز وجل غيِّر، فمثلاً الفواكه على الأشجار، أما المحاصيل على الأرض فالبطِّيخ فاكهة، ولكنَّه لو كان مُعلَّقًا على الأرض لكانت مُشْكلة كبيرة إن وقَعَت هذه الثَّمرة تنشَطِر، وإن وقعَت على رأس شَخْصٍ تَقْتُلُهُ ولأنّ حجْمها كبير جُعِلَت على الأرض، فَمَنِ الذي قرَّر ذلك ؟ الله عز وجل، ومُمْكن كلّ شيء أمامك تقيسُهُ على هذا المنْهج فمثلاً بالأنف هناك شَعْر، ولكن بالفم لا يوجد شَعر، الأنف فيه سُطوح مُتَداخِلَة، تَحوي أوْعِيَة تتميَّز بِخَاصَّة تنفرد بها، فهذه الأوْعِيَة فيها عضلات تتوسَّع، فإذا توسَّعَت جاءَتْ كمِيَّة دم كبيرة إلى الأنف، فالإنسان إذا برَد يَحْمرّ أنْفُهُ، والأنف مُهَيَّأ أنَّ أوعِيَتَهُ الدَّمَوِيَّة فيها عَضَلات مُوَسِّعَة فكَمِيَّة الدم هذه التي تأتي إلى الأنف من أجل تَسْخين الهواء البارد الذي سَيَدْخُل إلى الرِّئتَين، ثمَّ إنَّ هذه السُّطوح عليها مادَّة مُخاطِيَّة فإذا دخَلَ الغبار فإنَّه يعلق بهذه المادَّة، فالإنسان إذا نظَّف بيْتَهُ، فبَعْد التَّنظيف يجد ما بِداخِل أنْفهِ أسْوَدًا، فالسُّطوح هذه أخذَت هذه المواد العالِقَة بالهواء، وإذا تمكَّنَت ذرَّة غُبار أن تْشي في الفراغات بين السُّطوح المُتَدَاخِلَة تأخُذها الشَّعْرة، فالله عز وجل أعْطانا منْهَج، وما عليك إلا أن تتصوَّر الشيء على ما هو خلاف عليه تعْرف قيمَتَهُ، فالمفصل لو لم يكن لأكلت كالقط، فأنت يُمكن أن تقيس جسْمك وحواسَّك وأعضاءَك وعظامك، تجِدُ كُلّ شيء في أعلى درجات الحكمة، فهذا منْهج، وأحد مناهج التَّفكُّر في خلق السماوات والأرض أن تتصَوَّر الشيء على خِلاف ما هو عليه، فالمرأة عندها بُوَيْضات مَحْدودة، لو لم تَكن مَحدودة لأمْكَنَها أن تلد وعمرها اثنان وثمانون سنة !! فهذه ليس لها إمكانِيَّة ترْبِيَة الطِّفل، فَلِحِكْمَةٍ أرادها الله المرأة بُوَيْضاتها مَحدودة تنتهي بالخمسينات أو الأربعينات ؛ يُسَمَّى سِن اليأس أما الحُوَيْنات عند الرَّجل غير مَحدودة ويمكن أن يُنْجِب بالتِسعين، فَمَن الذي قرَّر أنَّ الرَّجل حُوَيْناته غير محدودة ؟ الله جل جلاله، تصَوَّر بالعَكس ؛ إنسان بالخمسين لا يستطيع أن يُنْجِب ولا يزال قَوِيًّا والمرأة بالثمانين وتُنْجِب !! مُشْكلة كبيرة، والإنسان يَخُفّ شَعْره وقد يَذْهب كُلُّه، ولكن ليس في النِّساء امرأة دون شَعر، وهذه لِحِكْمة أرادها الله عز وجل، وبِطُحال الطِّفل الصغير مادَّة حديد تَكفيه عامَيْن، فالله أودَعَ فيه هذه المادَّة لأنَّ الحليب ليس فيه حديد، ومن أجل الدم والصوص الذي في البيْضَة كيف يَخْرج ؟ إذْ هو مُحاصَر، يَنْمو على مِنْقارِهِ نُتوء مُدَبَّب كالإبرة تمامًا، يَكْسرُ به البيْضَة، فإذا خرَجَ إلى خارج البيْضَة تلاشى هذا النُّتوء وتلاشى، فَمَن الذي يَجْعل هذا النُّتوء؟ ومن الذي يجعله يتلاشى ؟ فالآية هذه مَنْهج، والعِلْم حرف والتَّكْرار ألف، فلو أنَّ الماء برَّدْتهُ ينْكَمِش مِثل أيّ عُنْصر بالأرض لانتَهَت الحياة، تَتَجَمَّد البِحار، ويَقِلُّ حَجْمُها، وتَزْداد كَثافَتُها، وتَغوص في أعْماق المياه، وتأتي طبقة أخرى تتجمَّد وتَغوص، وبعد حينٍ تُصْبِحُ البِحار كُلّها مُتَجَمِّدَة وينْعَدِم التَّبَخُّر، ويَنْعَدِم المطر، ويموت النَّبات والحيوان، وينْتهي الإنسان ! فَمَن الذي جَعَل الماء بالدَّرَجة زائِد أربعة يزْداد حجْمُهُ، وبِهذه الطريقة حُوِّلَت الصُّخور إلى تُرْبة زِراعِيَّة، فالخاصَّة هذه هي التي تَجْعل الصَّخر تُرْبَةً زِراعِيَّة، يَتَغَلْغَل الماء ويتجمَّد ويُفَكِّك التُّرْبة، فهذا إذًا منْهَج تَفكير دقيق جدًا، قال تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)﴾

[ سورة القصص ]
هناك مَنْهج ثاني، وهو الشيء وعَدَمُه فالمَنهَج الأوَّل ؛ الشيء وما هو خِلاف عليه، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(30)﴾

[ سورة الملك ]
الله جل جلاله، فلو أنَّ الشام أصْبحت بلا ماء، لن تجد أحدًا يسْكُنُها المحل الذي ثمن المتر فيه مائة ألف يُصبح خمسة آلاف.
المنهج الثالث ؛ اُنْظر إلى طِفْلٍ صغير ؛ إلى جبينه وشَكل وجْهه وعَيْنَيْه وأُذُنَيْه، وإلى أنْفِهِ وفَمِهِ، وإلى أسْنانه، ويأكل، معنى ذلك أنَّ له بلعوم ومعدة وبنكرياس، وأمعاء دقيقة وغليظة، وفتْحة علويَّة وسفليَّة والقلب والرئتين والكليتان، فهذا المخلوق ما هو أصْلُهُ ؟ نقطة من ماء مهين، تسْتجيبه إذا كان على ثِيابِكَ، وفي اللِّقاء الزَّوجي هناك خمسمائة مليون حُوَين، والبُوَيْضَة تتلقَّح بِحُوَيْن واحِد، فهذا الطِّفل الذي أمامك لا يعرف أحدٌ كيف تخَلَّقَ سِواك ؛ نُقْطة ماء أودِعَت في رَحِمِ أُمِّه وأصْبحَ كائِنًا بِأيدي وعِظام، وعَضلات، وطبقة شَحْمِيَّة وأخرى جِلْدِيَّة ولحْم وشَعْر، وأجْهزة دقيقة، وغُدَّة نُخامِيَّة بِمَثابة ملكة الغُدَد، وغُدَّة كظْرِيَّة، وعُقَد لمْفاوِيَّة، شيءٌ مُذْهل !
إذًا أصْبَحَ عندنا ثلاثة مناهج ؛ الشيء وأصْلُهُ، والشيء وخِلافُ ما هو عليه، والشيء وعَدَمُهُ، فإذا أرَدْتَ أن تُفَكِّر في عَظَمَةِ الله معك هذه المناهِج الثلاثة، قال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

[ سورة الطارق ]
هذه الشيء وأصْلُهُ، والشيء وخِلاف ما هو عليه، والشيء وعدمه.
أيُّها الإخوة، مرَّةً ثانِيةً إذا عَرَفْتَ الله حق المعرفة لِقَول الله:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(67)﴾

[ سورة الزُّمر ]
إنْ عَرَفْتَ الله معْرِفَةً تليق به يسْتوي عندَكَ التِّبْر والتُّراب، والألف مليون تحت قَدَمَك إذا كانت فيها شُبْهة، وإذا لم تعْرف الله والله قد تبيع دينَكَ بمائة ليْرة، ويبيعُ الإنسان دينَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا قليل، فأنت إذا عرَفْتَ الآمِرَ قبل الأمْر تفانَيْتَ في تَطْبيق الأمْر، وإن عَرَفْتَ الأمْر قبل الآمِر تفنَّنْتَ في التَّفَلُّت منه، وثلث القرآن آيات كَوْنِيَّة من أجْل أن تعرف الآمِر، وتنْدفِعَ إلى تَطْبيق الأمر، ومن أجل أن يكون الله عز وجل هو كُلّ شيء في حياتِكَ، أما إن لم يعرف الله فإنَّك تَجِدُهُ يمُنُّ على الله بِصلاته وصِيامه !!! قال تعالى:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)﴾

(سورة الحجرات )










والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-24-2018 09:34 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فالآية الثانية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾

[سورة العنكبوت]
تُعَدُّ هذه الآية من أخْطَر الآيات في حياة المؤمن، لماذا ؟! لأنَّ الله سبحانه وتعالى خلَقَ الخَلْق في الدنيا لِيَمْتَحِنَهُم، والأصْل في الحياة الدنيا أنَّها دار ابْتِلاء، ونحن في حياةٍ هي في جَوْهَرِها دار ابْتِلاء والآخرة دار جزاء، وهي في جَوْهَرِها دار تَكْليف، والآخرة دار تَشْريف، وهي في جَوْهرِها دار عمل، والآخرة دار عطاء.
نِظام الحياة الدنيا كما قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾

[سورة الإنشقاق]
لن تَصِلَ إلى شيء إلا بعد بَذْل الجُهْد المكافئ له، أما في الآخرة فالنِّظام آخر ؛ بِمُجَرَّد أن يخْطر بِبَالِكَ شيء تَجِدُهُ أمامك، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا(16)﴾

[ سورة الفرقان ]
قال تعالى:

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)﴾

[ سورة الصافات ]
نِظام الآخرة نِظام عَطاء، ونِظام راحة وطمأنينة واسْتِقرار، ولا همَّ ولا حَزَن، ولا حروب ولا تنافس، ولا تقَدُّم بالسِّن، ولا تنكُّس شَيْخي ولكن إكرامٌ مُسْتَمِرّ إلى أبَدِ الآبدين، أما ثَمَن هذه الحياة الآخرة أن تأتي إلى الحياة الدنيا وأن تُمْتَحَن، فالامتحان مِحْوَر الحياة الدنيا، وقد ورَدَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:
((إنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء، ومنزِل تَرَحٍ لا منزل فرح، فَمَن عرفَها لم يفْرَح لِرَخاء، ولم يحْزن لِشَقاء، وجعلها الله دار بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقبى فجَعَلَ بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضًا، فيأخُذ لِيُعْطي ويبْتلي ليُجْزي.))
أردْتُ من هذه المُقَدِّمة أن يعرف الإنسان حقيقة الحياة الدنيا، مِحْوَرُها الابْتِلاء والامْتِحان، وقد سُئِل الإمام الشافعي رحمه الله: أَنَدْعو الله بالابْتِلاء أم بالتَّمْكين ؟ فتَبَسَّم وقال: لن تُمَكَّن قبل أن تُبْتَلى ‍! والله تعالى قال:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ(106)﴾

[ سورة الصافات ]
سيِّدُنا إبراهيم كان ابْتِلاؤُهُ عظيمًا فقد أُمِرَ أن يذْبَحَ ابْنَهُ، هل يستطيعُها أحد ؟! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ذهب إلى الطائف فَكَذَّبوه وسَخِروا منه ورَدُّوا دَعْوَتَهُ وضَرَبوه، فقال: إنّ الله ناصِرٌ نَبِيَّهُ، وفي الهِجْرة وُضِعَت مائتا ناقَةٍ من أجل مَن يأتي به حَيًّا أو مَيِّتًا ! فَلَقِيَهُ سُراقة، فقال يا سُراقة: كيف بِكَ إذا لَبِسْتَ سِواري كِسْرى ؟! الحقيقة المسلمون ومعهم رسول الله عليه الصلاة والسلام مَرُّوا بامْتِحانٍ لا يُحْتَمَلُ في غَزْوَة الخَنْدق، قال تعالى:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10)﴾

[ سورة الأحزاب ]
حتَّى قال بعضهم: أَيَعِدُنا صاحِبُكم أن تُفْتَحَ علينا بلاد قيصر وكِسْرى وأحَدُنا لا يأمَنُ أن يقْضِيَ حاجته !! قال تعالى:

﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10)﴾

[ سورة الأحزاب ]
ولكن قال تعالى:

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
وكذا بِحُنَين قال تعالى:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾

[ سورة التوبة ]
لمَّا الجسم يفْقِدُ مناعتهُ فإنَّهُ ينْهار لأدْنى مرَض، الله عز وجل يَمْتَحِنُ المؤمن وكُلّ امْتِحان يسوق له مُشْكِلة، فيَدْعو الله فَيُنَجِّيهِ الله منها ويثِقُ بِقُدْرة الله ورحْمة الله، وبِعِلْم الله وحِفْظِهِ، فالجِسْم لمَّا نُعْطيهِ جُرْثومًا مُضَعَّفًا، يصْنَع مَصل مُضادّ يُصْبِحُ مُحَصَّنًا ضِدَّ الكوليرا وإذا أعْطَيْناهُ الطاعون المُضَعَّف فَيَصْنَعُ الجِسْم مصل مُضادّ للطاعون حينها يُصْبِحُ مُحَصَّنًا ضِدَّ الطاعون، فالله عز وجل يُعْطي مُشْكِلات هي مِن أجْل أن تُحَصِّن الإنسان، والمؤمن كُلَّما تقدَّم به السِّن أصْبَحَ كالجَبَل، لولا هذه الامتحانات المُتتالِيَة، تَدْعو الله فيسْتَجيب لك ويقيك ويرْفعُ ذِكْرَكَ، فلولا هذه فلن تَقْوى، أذْكُر أنَّني دَخلْتُ لِمَعْمل خُيوط نايْلون، أوَّل خُروج الخَيْط، أعْطاني صاحِبُ المَعْمل قِطْعة من هذا الخَيْط، فشَدَدْتُهُ شدًّا بسيطًا فانْقَطَع، أما عند التبريد ثمّ التَّسْخين وإعادة الكرَّة فإنّ هذا الخيط يثْبُت ويصبه عاصِيًّا ومتينًا، فالله عز وجل في الدنيا يسوق للمؤمن من الشدائد، ولكنَّ الله تعالى حكيم يسوق لك مِن الشِّدة التي تَحْتَمِلُها ؛ يسوق لك شِدَّة ويرسِل لك مَن يَعِظك، يفْتَحُ لك باب الدُّعاء فَتَدْعوهُ ويُنْجيكَ من هذه الشِّدَّة، وبِهذا تُصبِحُ لك خِبْرة مع الله تعالى، مُمَارسَة، فَكُلّ مُشْكِلَة تُقَوِّي إيمانَك إلى أن يأتِيَ وقْتٌ لو أنَّ أهْل الدنيا جميعُهم كفروا لن تَكْفُرَ، ولو أنَّ كُلَّ الضُّغوط اجْتَمَعَتْ عليك تقول: أحَد أحَد، والله الصَّمد، أما إن لم تتعوَّد على الشَّدائِد فأوَّل ضَغْط أو إغْراء تنْحلّ ! فَرَبُّنا عز وجل جاء بِنَا إلى الدنيا لِيَمْتَحِنَنَا ولِيُرَبِّيَنَا، فهل في الأرض كُلِّها جامعة يُقَدِّم فيها الطالب طلب انْتِساب ويُصْبِحُ أحد طلابها، وآخر السنَّة يطلب الطالب طلبًا يقول فيه: أنا واثِق من عِلْمي لذا يُرْجى مَنْحي الشَّهادة ؟ فهذه الجامِعة لا توجد على الإطلاق ؛ دون أن يُقدِّم الطالب فحْصًا تُمْنَحُ له شهادة ! ولن تكون لِهذه الشَّهادة قيمةً إطْلاقًا، فالآية الكريمة:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) ﴾

[سورة العنكبوت]
صلَّى وصام وحجَّ وزكَّى، وأمورهُ سهْلةً ومُيَسَّرة لكنَّ النَّفس فيها مليون مرض نفسي، يسوق الله لك شِدَّة تجعلُكَ لا تعْتَزَ بِنَفْسِك ويسوق لك شِدَّة لِيُنْجيك من مرض، فهذا أحَدُ الأغنياء قال: كُلّ شيءٍ يُحَلُّ بالمال ! والدراهم مراهِم، فسيق إلى السِّجْن وبقِيَ فيه سِتِّين يوْمًا وتأتيه الخواطِر ؛ هل ينْحَلُّ هذا بالمال ؟! وقد كان بريئًا من هذه التُّهْمة فَهذا تأديب من الله عز وجل، فهذه الآية تَدْخل بِحَياتِنا اليَوْمِيَّة:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) ﴾

[سورة العنكبوت]
يقول لك: والله لو تَزَوَّجْت لأجْعَلَنَّ زوْجتي خادِمَةً لأُمِّي ! مُجَرَّد كلام فإذا تزوَّج، يأتي ظُهْرًا فَيَجِدُ مُشْكِلَةً بالبيْت، يلْتَفِتُ لأُمِّه ويقول لها: كُلّ البلاء منك !!! آثَرَ شَهْوَتَهُ على أُمِّه، والإنسان مع الحق دائِمًا فقد سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أعظم الناس حقًّا على المرأة ؟ قال: زوْجُها، وذاك يقول لك: والله لو رزقني الله مالاً لأعْمَلَنَّ كذا وكذا، يُصْبِحُ معه المال، وتأتيه لجْنة فيقول لها: معنا الْتِزامات !! وهو معه الملايين، فأين كلامه السابق، وذاك يقول لك: إذا تَزَوَّجْت أَغُضُّ بصري، فإذا به بعد الزواج ينظر أكثرَ، امْتَحَن ورسَب والآخر يقول: لما أُصْبح غَنِيًّا أبني جامِعًا، فلمَّا اغْتنى بنى ملْهى ! فَكُلّ واحِد يُمْتَحَن امْتِحانًا دقيقًا، ولا ينْجو من الامتِحان بما فيهم الصحابة الكرام حتى قال أحدهم: ما وَعَدَنا الله ورسوله إلا غُرورًا، قال تعالى:

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10)﴾

[سورة الأحزاب]
حتَّى قال بعضهم: أَيَعِدُنا صاحِبُكم أن تُفْتَحَ علينا بلاد قيصر وكِسْرى وأحَدُنا لا يأمَنُ أن يقْضِيَ حاجته، عشْرة آلاف مُقاتِل ما اجْتَمَعت في أنحاء الجزيرة جاءوا لِيستأصِلوا المسلمين، وتعاوَن معهم اليهود وانْكَشَف ظهْر النبي عليه الصلاة والسلام، وصَدِّقوني حسْب المنطق التاريخي الإسلام بَقِيَ مُجَرَّد ساعات ! الرِّسالة مع الدَّعوة مع النبي والوَحْي ! قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فالإنسان إذا أيقَنَ أنَّ الله يفتح عليه بالإسلام، ويُصبِحُ في بَحْبوحة، وَ يُعْطيه زوْجة صالحة ومالاً وفيرًا، وتِجارة رائِجة، وصِحَّة تامَّة ؛ هذا وَهم ‍‍!! نحن في دار ابْتِلاء لا في دار جزاء، لكنَّ المؤمن يسْعَدُ في الدنيا لأنَّهُ يشْعُر أنَّهُ راضٍ بالله عز وجل، يشعر بالطمأنينة والرِّضى الداخلي أما المؤمن فَهُوَ مُعَرَّض للابْتِلاء، لذلك قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

(( أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[ رواه أحمد ]
فهذه الآية دقيقة:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) ﴾

[سورة العنكبوت]
تُمْتَحَنُ بِمالِكَ وأولادك وبالغِنى والفقْر، والفقْر أصْعَب، فقد يَمُدُّ يدهُ للحرام، ويقول لك: عندي أولاد ! امْتُحِنَ فرَسَب، وامْتُحِنَ بالغِنى فرسَب، وامْتُحِنَ بالزَّواج فَنَظر للأجنبيات وامْتُحِنَ بعدم الزَّواج فزلَّتْ قدَمُه، والمؤمن مُنيبٌ ومُستقيم قبل الزَّواج وبعدهُ، وفي الغِنى والفقْر فهو في الرَّخاء صَبور، وفي الشِّدَّة صَبور قانِعًا بالذي له ولا ينظر لِمَا ليس له، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾

[سورة العنكبوت]
تُقَدِّم طلبًا للانتِساب إلى الجامعة، وفي آخر السنة تنُقَدِّم طلبًا آخر يُرْجى مَنْحي شَهادة اللِّيسانس !! دون أن تُقَدِّم امْتِحانات ‍! هل يُعْقَل أن يُعطيك شهادة حِفْظ القرآن دون أن يمْتَحِنَكَ ! مِن أوَّل القرآن ومن وسَطَهِ ومن آخره، فكَيف خالق الكون ؟ قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) ﴾

[سورة العنكبوت]
فقد يسْبح الإنسان باتِّجاه النَّهْر، وهذا شيء سَهْل، وبِأدنى جُهْد يقْطع أطْوَل مسافة، ولكنَّ البُطولة في السِّباحة أن تسْبح مُعاكِسًا لاتِّجاه النَّهْر فقد تأتي الظُّروف مُوافقَة لِطَاعَتِكَ لله تعالى، ولكن أحْيانًا توضَعُ في ظَرْف صَعْبٍ ؛ إمَّا أن تعْصي الله تعالى، وإما أن تقَعَ في مُشْكِلة ماذا تقول ؟ سألني أحدهم: التَّأمين ما حُكْمُهُ ؟ فقلتُ له: هناك كُلِّي وآخر إجْباري ! فَلَغَى التأمين، في اليوم الثاني ضَرَبَ سيَّارتهُ فدَفَعَ مائة وثمانون ألف ليرة !! فجاءني وعاتبني وقال: لو أنَّني ما سألْتُكَ لما دَفَعْتُ هذا المَبْلَغ ! وتألَّم، فقلْتُ له: والله، إنَّ الله قد امْتَحَنَ إيمانَك فباعَ السيارة، واشترى فيها بيْتًا، وأقْسَمَ لي قبل شَهْرٍ أنَّه باعها بما يزيد عن أربع مائة ألف عن سِعْرها الحالي، وربِحَ في البيت ثلاثمائة ألف، ففي أوَّل الأمْر كان الأمْر قاسٍ، ودَفَعَ مائة وثمانون ألف فالامتحانات موجودة، ولا ينْجو منها أحد، وأحيانًا الأشياء مُتساوِيَة وسَهْلة، وكُلّ الرِّبْح بالمَعْصِيَة، وإذا هذه حرام وهذه حرام لما بقيَ شيء ! لو أنّ الحلال سهلٌ لأقبلَ الناس إليه لا لأنَّهُ، ولكن لأنَّهُ سهْل ولو أنَّ الحرام صَعْب لَتَرَكَهُ الناس لا لأنَّهُ حرام ولكن لِكَوْنِهِ صَعْبًا فمثلاً قبل عشرين سنة لو الواحِد سافَرَ وَدَعَتْهُ امرأة ذات جمالٍ ومنصب، وقال: إنِّي أخاف الله رب العالمين لأخذَ عليها مليار أجْر أما الآن فلا يخاف من المعصِيَة ولكن يخاف من الإيدْز ! قال تعالى:
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا(102)﴾

[ سورة الكهف ]
وطِّن نفْسَكَ ؛ جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض دون امْتِحان ولا أجْر ولا جهْد ! مُستحيل، ألا إنَّ سلْعة الله غاليَة فلو أنَّ أحدهم أراد أن يفتح أكبر محلّ غسالات، ووجَدَ موضوع الكمبيوتر غالي، وصَعْب تركيبهُ وحينها أصْبح يلْغي كلّ شيء يعْتريه صعْبًا لأصبحت هذه الغسالة علبة وكذا إذا أراد الإنسان أن يكون الإسلام رخاء وسُرور وموالد واحْتِفالات، لوَجَدْتَهُ يُصَلِّي مثل الصَّنم، ولكن لمَّا يدْفَع ثمَن الدِّين غاليًا وحينما يؤثر الله ورسوله والدار الآخرة ويتحمَّل المتاعب عندها يُعطيه الله الدنيا والآخرة.
لذا هذه الآية أساسِيَّة في حياة المؤمن ؛ قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

[سورة العنكبوت]
قد تُدعى لِحَفلٍ كبير ولكن فيه اخْتِلاط، وأحيانًا دَعْوى فيها منكرات وأخرى دَجَل، فالإنسان عليه أن يحْتاط، وإنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء، ومنزِل تَرَحٍ لا منزل فرح، فَمَن عرفَها لم يفْرَح لِرَخاء ولم يحْزن لِشَقاء، وجعلها الله دار بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقبى فجَعَلَ بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضًا، فيأخُذ لِيُعْطي ويبْتلي ليُجْزي.




والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-24-2018 09:36 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الرابعة من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)﴾

[سورة العنكبوت]
حَسِبَ بِمَعنى ظنَّ وحسَبَ بِمَعنى عدَّ، وحَسُب بمعنى افْتَخَرَ بِحَسَبِ وحسْبُكَ أيْ يَكْفيك دِقَّةُ لُغَتِنا العربيَّة أنَّ حركتنا الواحِدَة في الحرف الداخلي تُغَيِّر معنى الكلمة كُلِّها، حسِبَهُ ظنَّهُ، وحسَبَهُ عدَّهُ، وحَسُبَ افْتَخَرَ بِنَسَبِهِ، وحَسْبُكَ أي يكْفيكَ، أربعة تقاليب إذا غيَّرْنا حركة الحرف الداخلي حسَبَ وحَسُبَ وحَسِبَ وحَسْب.
قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

[سورة العنكبوت]
هناك شُعور عند الإنسان العاصي أنَّهُ يفْعَلُ ما يريد، ولكنَّ الحقيقة التي ينْبغي أن نعلَمَها أنَّهُ لا يليق بالله ولا يتناسَبُ مع كمالِهِ أن يَقَعَ شيءٌ في كَوْنِهِ إلا بإذْنِهِ، ولذلك المَقولَة التي إذا فَهِمْنا أبْعادَها كانتْ برْدًا وسَلامًا على قُلوبنا ؛ أنَّ كُلَّ شيءٍ وقَعَ أرادَهُ الله، ولكن لِكُلِّ واقِعٍ حِكْمة وليس لِكُلِّ موقِعٍ حِكْمة، فقد يرْتَكِبُ الإنسان حماقةً، ويرْتَكِب معْصِيَة كبيرة ويُسَبِّب للناس آلاما كثيرة، فهذا الذي فَعَلَ هذا سَيُحاسَبُ حِسابًا عسيرًا أما لأنَّ هذه الإساءَة وقَعَتْ ؛ كيف سَمَحَ الله لها أن تقَع ؟ فمعنى هذا أنَّها بِحِكْمَتِهِ تعالى، وهناك حِكْمة بالغة، والنُّقْطة الدقيقة هو أنَّ الإنسان مُخَيَّر أن يعْصي أو يُطيع، أما إذا أراد المَعْصِيَة فليس مُخَيَّرًا أن يَصُبَّ معْصِيَتَهُ على من يشاء، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[سورة الأنعام]
فالإنسان إذا أراد أن يسْرق فَهُوَ اخْتار السَّرِقَة وسوف يُمَكِّنُهُ الله منها لأنَّهُ أصرَّ عليها، ولأنّ الله أعْطاهُ اخْتِيارًا وسوف يُحاسِبُهُ عليه، ولكن يَدُ الله تَسوقُهُ إلى مَن يسْتَحِقُّ السَّرِقَة ! ويؤكِّد هذا: الظالم سَوط الله ينتَقِمُ به، ثمَّ ينتقِمُ منه ! قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[سورة الأنعام]
فإذا الكافر وَضَع خِطَّةً سيِّئَة لِيَبْني مَجْدَهُ على أنْقاض الناس ولِيَبْني أمْنَهُ على خَوْفِهِم، فَخِطَّةُ الله تسْتَوْعِبها، فلا يُنَفَّذُ منها إلا ما يُسْمَحُ بِذلك، هذا المعنى، وهو أنّ كُلَّ شيءٍ فعَلَهُ الكافر سَمَحَ الله به وحينما تقول سَمَح الله بِهِ أيْ هناك حِكْمة مُطْلقَة، وقد لا نكْشِفُها، ولا نعْرِفُها ولكن بعد حينٍ تظْهر هذه الحِكْمة.
لذا كلمة يسْبقونا في قوله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[سورة الأنعام]
معنى يسْبِقونا ؛ أيْ يَفْعَلوا شيئًا ما أرَدْناهُ، أو أن يتفَلَّتوا من قبْضَةِ الله فالإنسان قد يقرأ الآية عِشرين سنة، ويُرَكِّز على مَقْطَعٍ منها ويَغيبُ عنه المَقْطع الثاني، قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(123)﴾

[سورة الأنعام]
توْضيحًا للآية، لو أراد إنسانٌ أن يغيظ آخرًا فيَكْسِرَ له بِلَّوْر السيارة الأمامي ! ثُمَّ فوجئ أنَّهُ كسَّر بِلَّوْر سيَّارتِهِ هو ! يُصْعَق، أراد أن يوقِعَ به الأذى فَصُبَّ الأذى عليه، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(123)﴾

[سورة الأنعام]
لذا قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)﴾

[سورة القصص]
فهذا قانون، وهذه الفِكْرة إذا اسْتَوْعَبَها الإنسان ؛ كلّ شيءٍ وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقَع، لأنَّ الله فعال لما يريد، أما نحن فلا نستطيع أن نُحَقِّق ممَّا نريد ولو بالمليون واحد !

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه تَجري الرِّياح بِما لا يشْتهي السَّفِنُ
***

السَّفِنُ: صاحب السفينة، ولكنَّ الله تعالى فعَّال لما يريد، فَكُلّ شيء وقَعَ أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقَع، ففي العالم المادِّي إذًا لا يوجد شرّ مُطْلق، ولكن هناك شرّ في النُّفوس، لأنَّهُ ورَدَ لسَيِّدِنا علي رضي الله عنه كلام، وهو: أنَّ فاعِل الخير خيرٌ مِن الخَيْر، وفاعِل الشرّ شرٌّ من الشرّ، فالذي ألقى على هيروشيما قنبلة ذُرِيَّة قبل مائة سنة، أو أقلّ، أين هو الآن ؟ مات ! والذين ماتوا وقْتَها لو لم تُلق عليه هذه القنبلة، لكانوا الآن مِن عِداد الموتى، والمَفْعول انتهى الآن وبَقِيَتْ هذه النَّفْس الشِّريرة التي تُريد أن تُهْلِكَ الحرث والنَّسْل، أعْظَم مَشْروع خيري، ينتهي مَفْعوله يوم القيامة ؛ إطعام وإعانة وكل أعمال الخير تنتهي عند الموت، ما الذي يبقى عند أبَدِ الآبدين ؟ هذه النَّفس البشَرِيَّة التي أرادت الخير، والتي تَسْعَدُ به إلى يوم القيامة، فَفَاعِل الخير خيرٌ مِن الخَيْر، وفاعِل الشرّ شرٌّ من الشرّ، وورد بالحديث:
((نيَّة المؤمن خير من عمله، ونِيَّة الكافر شر من عمله ))
فلذلك الآية الكريمة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

[سورة العنكبوت]
أيْ أن يفْعَلوا شيئًا ما أردْناه ! أن تكون لهم إرادة مُسْتَقِلَّة عن إرادة الله ولا يوجد بالكون مَخلوق له إرادة مُسْتقلَّة عن الله، قال تعالى:

﴿مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)﴾

[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[سورة الأنفال ]
فالمعنى الأوَّل أنْ يسْبِقونا أيْ أن يفْعَلوا شيئًا ما أرَدْناه والمعنى الثاني أن يتفلَّتوا من قبْضة الله.
أحد الأشْخاص بإفريقيا كان مع خُصومٍ مع الحاكم، وسافرَ إلى أوروبا وكتب مقالات على بلده، فهذا الإنسان اسْتُدْرِجَ إلى أن حُمِلَ إلى بلد ووجد نفْسه أمام من كان يطعن فيه ! لذا مهما فعلت، ولو ذَهَبْتَ إلى القمر، وغُصْتَ في أعماق المُحيطات، فبالنِّهاية هناك موت، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

[سورة الغاشية]
أوَّل ليلة يوضَع العبد في قبرِه يقول له الله: عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دَفنوك، ولو بَقوا معك ما نفَعوك ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحيّ الذي لا يموت، ليس لك إلا الله، فأنت إن عرَفْتَ الحقيقة عند الموت فهذه لا فائِدَة منها، ولكن يجب أن تعرِفَها الآن، وأنت شاب قال تعالى:

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(158)﴾

[سورة الأنعام]
يُمْكِن أكْسَل طالب يحصل على الإجابة بعد خُروجه من الفحْص !
فهذه الآية تكفي:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

[سورة العنكبوت]
الذي يَجْمع أموالا، ويُتاجِر بالغِشّ، ويغشّ الناس بأكْلهم وبالوزْن أو البِضاعة، ويستغل انفراده بالبِضاعة فيَرْفَعُها كثيرًا، فالإنسان لمَّا يظنّ أنَّهُ يمكن أن يفْعل شيئًا ما أراده الله، أو ما سمَحَ الله بِه أن يفْعَلَهُ فهو جاهِل، وخِطَّة الله تسْتَوْعِبُ خطَّة العُصاة، فلا تقل لا يوجد بالعالم إلا الماسونيَّة، وكُلّ شيءً خطَّطوا له نفَّذوه ! لا، لا إله إلا الله، فالذي أمرَكَ أن تعْبُدَهُ ما أوْكَلَكَ إلى أحد، ولو أوْكَلَكَ ما اسْتَحَقّ أن تعْبُدَه ! فقد تقول له: يا رب، سأَعْبُدُكَ وأعْبُد الجِهة الفلانِبَّة !! إنَّك ملَّكْتَهُ أمْري، قال تعالى:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
اكْتَشَفوا الآن أنَّ أخْطَرَ الأمراض الشِّدَّة النَّفْسِيَّة فهي التي تُسَبِّبُ المرض وتُؤَخِّر شِفاء المرَض، والشِّدَّة النَّفْسِيَّة أساسها الشِّرْك، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
خوف وقلق، شَخْص لا يُحِبُّك وترى أنت أنَّ مصيرَكَ بِيَدهِ، هذا لِوَحْدِهِ يفْعل جلْطة ! لكنَّ الله سبحانه وتعالى قطع الآجال والأرزاق عن العباد، ووكلَها إليه، فَكَلِمَة الحق لا تُقَرِّب أجلاً، ولا تقْطعُ رِزْقًا وليس في الكون كُلِّه مَن له إرادة مُسْتَقِلَّة عن الله، ولا يفعل إلا بِما أذِن الله به، فلو زنى الإنسان فهل معنى هذا أنَّ الله تعالى رضِيَ بهذا ؟!! لا، نعوذ بالله من الضلال، ولكن معنى سَمَح أيْ لم يرْض ولم يأْمُرْ به، ولكنَّ الله منحَ الإنسان حُرِيَّة الاخْتِيار، ولكن مَن أراد الإساءة يُساق لِمَن يُحِبّ الإساءة، حكى لي مُحامي أنَّه كان يُدافِع عن رجل مُتَّهَم بِجَريمة قَتْل، كانت قناعاتهم أنَّه لم يرتكب هذه الجريمة ولكن الأدِلَّة كانت ضِدَّه والقاضي أصْدَر حُكْم بالإعْدام، وبلَّغوه فقال للقاضي: هل قتلته أنت ؟ فقال: لا، فقال هذا السَّجين: وأنا لم أقتله ولكن قتلت شخْصًا آخر ‍!! ففي أيام العباسيِّين فتحوا أحد البلاد، ودخل أحد الجنود إلى بيتٍ فوجَدَ فيه رجلا وامرأة وابنين لهما، فقَتَل الرجل وأمر المرأة أن تُعطيه ما تمْلِكُهُ، فأبَتْ، فقتَلَ ابنها الأوَّل، فلمَّا رأتْهُ جادًّا في قتْل الثاني، أعْطَتْهُ ذِرْعًا من ذَهَب، فأُعْجِبَ بها، ونظر فيها فإذا مَكتوب عليها بَيْتان من الشِّعْر:

إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويـــل لِقاضي الأرض مِن قاضي السماء
***

فَوَقَعَتْ الذِّرع من يدِهِ وأُغْمِيَ عليه، وذَهَب إلى مكَّة المكرَّمة وصار يطوف حول البيت وهو يقول: ربِّ اغفر لي ذَنبي ولا أظنُّك تفْعَل !! فالقَصْد أنَّ هناك عدالة مُطْلقة، ومَن أصْبح واكبر همِّه الآخرة جعل الله غِناهُ في قلبهِ، وجمعَ عليه شَمْلَهُ وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، ومَن أصْبحَ وأكبر همّه الدنيا جَعَلَ الله فقْره بين عَيْنَيْه، وشتَّتَ عليه شَمْلهُ ولم يؤْتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له، وأنت كَمُؤْمِن لا بدّ أن ترْفَعَ مَعْنَوِيَّاتِك، ولن يتخلَّى الله عنك، وأنت مُنتصِر والفائز والرابِح وأرْجَحُكم عقْلاً أشَدُّكم لله حُبًّا، فأنت تعلَّقْتَ بالخالق، وغيرك تعلَّق بالمخلوق ! فهذه الآية دقيقة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)﴾

[سورة العنكبوت]
أخطئوا خطأً كبيرًا، ولا إله إلا الله، وكُلّ ما تراهُ أعينكم كما قال تعالى:

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى(23)﴾

[سورة النجم]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 09:38 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(6)﴾

(سورة العنكبوت)

الرَّجاء حالةٌ مِن حالات النَّفْس، فالإنسان يرْجو الله تعالى، ويرْجو الجنَّة، والصِّحة والغِنى والطمأنينة، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ربَطَ الرّجاء بالعَمَل، ولم يرْبِطْهُ بالأمَل، فنحن عندنا تأمُّل وتمَنِّي، وعمَل فإذا كان بالقطر، ثلاثمائة طالبٍ للشهادة الثانَوِيَّة فهَؤُلاء جميعهم يتمنَّون النَّجاح بهذه الشَّهادة، فالتَّمنِّي شيء، والسَّعْي والعمَل شيء آخر، الله عز وجل قال:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾

[سورة النساء]
الله جل جلاله لا يتعامَل معنا بالتَّمَنِّيات إطْلاقًا، فالتَّمَنِّي سَهل، جالسٌ ومُقيمٌ على المُخالفات ولا يسْعى لِطَلب العِلم ولا يُقيم الإسلام في بيْتِهِ ولا في عملِهِ ويتمنَّى أن يكون مِن أهل الجنَّة، وقد يقول: نحن عبيد إحْسان وليس عبيد امْتِحان ‍! هذا كلام سخيف، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
وهناك أدْعِيَّة ليْسَتْ من السنَّة: اللهمَّ لا تسألْنا عن شيء ! فهذا لم يقُلْهُ النبي الكريم، ولكنَّه قال:
((اللهمَّ إنا نسألك موجِبات رحْمتِك ))
أما لا تسألنا عن شيءٍ فهذا خِلاف القرآن، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
إذًا الأشْخاص رَجُلان ؛ رجل يتعامَلُ مع الله تعالى بالتَّمَنِّي، ورجُل يتعامَل مع الله بالعَمَل، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80) ﴾

[سورة البقرة]

(( يا فاطِمَة بنت محمَّد أنقِذي نفْسَكِ من النار فأنا لا أُغْني عنكِ من الله شيئًا !! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنْسابِكم، مَن يبطئ به عملهُ، لم يُسْرِع به نسبُه، فإمَّا أن تعمل بالتَّمنيات مه الله التي لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر ))
قال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

[سورة الفرقان]
وإما أن تتعامَلَ مع الله تعالى بالعَمَل، والآية الدقيقة جدًا، قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)﴾

[سورة الإسراء]
وأدَقّ ما في الآية ضمير الهاء، فلم يقل: مَن أراد الآخرة وسعى لها ! وإنَّما قال:
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
سَعْيَها المكافئ، وسَعْيَها المَطْلوب جنَّة عرضُها السماوات والأرض لا تُنال بِصلاة هشَّة، إنَّما تُنال بِمُجاهَدَة النَّفْس والهَوى، وجنَّةٌ عرضُها السماوات والأرض لا تُنال بالتَّبرُّك ! يُقيم مسْبح مُختلط أو مطْعم فيه خمْر ثمَّ يدْعو كمِّية من العلماء ويقول: تباركنا !! لذلك قال تعالى:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾

[سورة النساء]
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)﴾

[سورة البقرة]
ربُّنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[سورة الكهف]
ما قيمة الإعْتِقاد إن لم تَكُن هناك حركَة تُؤَكِّدُه، قال:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(72)﴾

[سورة الأنفال]
فالذي لا يأخذ مَوْقفا عمليا فلا قيمة من اعْتِقادِهِ، فهذا إبليس ويؤْمِن بِوُجود الله، والدليل قوله تعالى:

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

[سورة ص]
فَكُلّ إيمان لا ينتج عنه عمَل فهو إيمان إبْليسي ! لا يُقَدِّم ولا يُؤَخِّر.
فالآية الكريمة:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[سورة الكهف]
لقاء الله الاتِّصال به، وأن يتجلَّى الله عليك بالسَّكينة وأن يملأ قلبَكَ نورًا، وأن يُوَفِّقَك لِعَمَلِهِ، وأن يُسَدِّدَ خُطاك، وأن يُسْعِدَكَ في بيْتِك ويحْفظك من السوء، وهذا كُلُّهُ مِن معاني اللِّقاء، قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)﴾

[سورة العنكبوت]
إلا أنَّ هناك نقْطة دقيقة، وهي أنَّ الله تعالى رب والربّ بمَعنى مُرَبِّي فالإنسان أحْيانًا يطْمَع فَيَحْجُبُهُ، وييْأس فَيُقَرِّبُهُ، وهكذا، فالإنسان إذا طَمِع من رحْمة الله دون أن يُقَدِّم ثَمَنها، فهذا سوء أدَبٍ مع الله، فلو أنَّ شَخْصًا دخل لِمَحل سُجَّاد، وقال: أريد سجَّادا، وكلَّف البائِع أن يُري له كلَّ البِضاعة، وبقي ما يقرب عن الساعتين، فهل يُعْقل أن يقول هذا المشتري للبائِع إنَّ السجاد الذي ثمنه كذا بِعْني إيَّاه خمْس ليْرات ؟؟!! وهكذا طَلَبُ الجنَّة من دون عَمَل ذَنْب من الذُّنوب جنَّةٌُ إلى الأبَد ولهم ما يشاءون فيها مِن دون انْضِباط والْتِزام ومن دون طاعة فالإنسان دائِمًا تَجدُه يحْتاج إلى فَتْوى يُعَلِّقُها في رقبة فلان.
أيها الإخوة الكرام، هناك أحاديث أُسَمِّيها مَفْصَلِيَّة، فما هو قولك إن أخَذْتَ فتْوى من عالم أنَّ الأمر الفلاني لا عليك بأس به ! هل تنْفذ من هذا إن علمْتَ أنّ هذا خلاف الصَّواب ؟! فلو اسْتَطَعْتَ أن تأخُذ الفتْوى من فَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؛ بِطلاقة لِسان وقُوَّة بيان وحجَّة، ولم تَكُن مُحِقًّا فلن تنْجُوَ من عذاب الله، والدليل قوله صلى الله عليه وسلَّم:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ رواه البخاري ]
معنى هذا أنَّك لا تنْجو ولو كانت معك فَتوى من رسول الله، لذلك هناك فَتْوى وهناك تَقْوى، وأنا أقول لكم: أَيُّ مَعْصِيَةٍ إلا وهناك مَن أفْتى بِها على طول الزَّمن، ولكن العِبْرة بالتَّقْوى لا بالفَتْوى، والعِبْرة بِهذا المُفْتي الصَّغير الذي في صَدْرِك، اسْتَفْتِ قلبَك وإن أفتاك المُفتون وأفْتَوْكَ.
معنى لآتٍ ؛ فأنت عليك أن تعْمل أمَّا المُكافأة فقد يأتيك بعضُها في الدنيا ؛ نفَحات وتَوْفيقات، ولكنَّ الدنيا بِمُجْمَلِها لا تعْدِل عند الله جناح بعوضَة، ولو كانت تعدلها ما سقى منها الكافر شرْبَة ماء، والله أعطى المُلْك لِسَيِّدِنا سليمان وهو يُحِبّه، وأعطاه لِفِرْعون وهو لا يُحِبُّه فهل يُعَدُّ المُلْك مِقْياسًا ؟ لا، وأعطى المال لِقارون، ولِسَيِّدنا ابن عوف، فهل يُعَدُّ المال مِقْياسًا ؟ إنَّ هذه الدنيا عرَضٌ حاضِر يأكل منه البر والفاجِر، والآخرة وَعْدٌ صادِق يحكم فيه ملِكٌ عادِل، فأحيانًا الإنسان إذا جاءَهُ العَطاء مُبَكِّرًا جلَسَ وتوانى عن مُتابعة السَّيْر، فالله عز وجل يُعالِجُ النَّفس مرَّةً بالحِجاب ومرَّةً بالوَصْل وأخرى بالقَطْع ومرَّةً بالتَّجلي، ومرَّة بالتَّوفيق وأخرى بالتَّعسير، ومرَّة بالحِفظ وأخرى بالابْتِلاء ؛ كُلُّ هذا مِن أجْل أن تَصِل إلى القبر كَيَوْمَ ولَدَتْكَ أُمُّك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربِّه: وعِزَّتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أُحِبُّ أن أرْحَمَهُ، إلا ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سيِّئَةٍ كان عَمِلَها ؛ سُقْمًا في جَسَدِهِ أو إقْتارًا في رِزْقِهِ، أو مصيبَةً في مالهِ أو ولَدِه، حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذَّر، فإذا بَقِيَ عليه شيء شَدَّدْتُ عليه سَكَرات الموت حتَّى يلقاني كَيَوم ولَدَتْهُ أمُّه.
فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ:

(( مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتِ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ))

[ رواه مسلم ]
فَكُلّ ما يُصيبُ المؤمن مِن مكْروهات هي كَفَّارات، ضُغوط وهُموم وأحْزان، ومُصيبة في مالِهِ وولَدِهِ وزوْجَتِهِ، ومُصيبة اجْتِماعِيَّة أو مادِيَّة أو صِحِيَّة ؛ كبيرة أو صغيرة، آجِلة أم عاجِلَة، وسابِقَة أم لاحِقَة كُلُّ مُصيبَةٍ تُصيبُ المؤمن هِيَ كفَّارةٌ له، ومَحْوُ خطايا، لذا المصائب للمؤمن مُكَفِّرات، وللعاصي عُقوبات.
قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)﴾

(سورة العنكبوت)

الله عز وجل عزيز، مَعنى عزيز ؛ أنَّه ليس مِن أوَّل الوهلة ينفَتِحُ الباب، ولكنَّهُ يُحِبُّ أن يمْتَحِنَ صِدْقَكَ.

أخْلِقْ بِذي الصَّبْر أن يحْظى بِحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القرْعِ للأبواب أن يَلِجَ
***


يَمْتَحِنُكَ بالصلاة، وبِتِلاوَة القرآن، وبِخِدْمة الخَلْق، إلى أن يرى فيك الصِّدْق والإلحاح، عندَئذٍ يقْبَلُكَ، ويفتح لك أبوابه، هو سَمعَ دُعاءَك وعَلِمَ حالَك، وسوف يُفْتَحُ عليك في الوقْت المناسب، وما عليك أن تفرِض عليه، وصَلَّيْتَ ولم تشْعُر بِشَيء ! لا عليك المُهِمّ أن تُصَلِّي في الوقت المناسب وأتْقِن الصلاة واسْتَقِم، فأنت أدِّ الذي عليك، واطْلُب من الله الذي لك، فالله تعالى له حِكمة، فقد يتجلَّى على قلبك خارج الصلاة، وقد يُبكيك وأنت خارج الصلاة، وأحيانًا تقرأ القرآن فَتَزْكو نفْسُك، فالحال رِزْق من الله، ولكنَّهُ مَرْبوط بالاسْتِقامة والعمل الصالح والدليل، قوله تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[سورة الكهف]
ولكن قال تعالى عندها:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾

[سورة العنكبوت]
الظاهر كأنَّ الآيتين لا علاقة لهما ولكن في الفحوى هناك علاقة كبيرة جدًا، أن ترْجو لِقاء الله دون أن تُجاهِد لن تَصِل إليه، قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(6)﴾

[سورة العنكبوت]
دائِمًا اتَّهِم نفْسَك وهناك مليون ومليون قِصَّة تُؤَكِّد هذا، إذا أصابَكَ ما تكْرهُهُ فالله غنيٌّ عن تعْذيبِك، وغنيٌّ عن إفْقارك وإمْراضِك، وإنْزال الهمّ به، فإذا نزَلَ الهمّ والمرض والغمّ أو الفقْر، فكما قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾

[سورة الشورى]
وإذا فَهِمْتَ على الله قَطَعْتَ أربعة الأخماس إليه، فأحَدُ أصحاب المعامل كان يبيع الألبسة وجاءهُ أحد الإخوة ليشْتري منه خمسة قِطَع فقال له هذا: أنا لا أبيع المُفَرَّق، أنا أبيع بالجُملة، واعْتبر هذا إهانة له ! فقال لي صاحب المعمل هذا: والله ثلاثة وعشرون يومًا ما دخل مصنعي أحدٌ !! لما فَعَلْتُهُ مع هذا الأخ، أدَّبَهُ الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) ﴾

[سورة العنكبوت ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 09:40 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الجنَّة التي عرضُها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين لا يمكن أن تكون لِعَمَلٍ سطحي وشَكلي وبسيط لا يُقَدِّم ولا يؤَخِّر، ألا إنَّ سِلْعة الله غالِيَة ألا إنَّ سلعة الله غاليَة ألا إنَّ سِلْعة الله الجنَّة، وقد ورد أنَّ طلب الجنَّة من دون عَمَلٍ ذَنْب من الذُّنوب، فأيُّ شيءٍ يدَّعِيه الإنسان، قُلْ ما شِئْتَ وأعْطِ لِنَفْسِكَ أيَّ حجْم، وتحدَّث عن إيمانِك ومحبَّتِك لله، ولكنّ الله مُتَكَفِّلٌ أن يكْشِفَ لك حقيقتكَ، ويكْشَفها للناس، فَكُلّ الأقوال بعد حينٍ تنقلبُ إلى امْتِحانات، فإمَّا أن تنْجَح وإما أن ترسُب.
لكنَّ الله سبحانه وتعالى يعْلم عِلْم كَشْف لا علْم جَبْر أنَّ العِلْم الذي ذَكَرهُ الله في هذه الآية قال عنه العلماء هو عِلم حُصولي، تقريبًا لهذا ؛ لو أنَّ مُدَرِّسًا قديم في التدريس، نظر إلى هذا الطالب وقال: هذا ينْجَحُ وينال الدرجة الأولى، فهذا عِلْم كَشْف، أما حينما يدْخل الطالب الامتحان وينال الدَّرجة الأولى، فهذا عِلْم آخر، وهو العِلْم الحُصولي كان هناك عِلْم كَشْف وأصْبَحَ هناك علْم حصولي، فالعِلم الثاني الذي ذكَره الله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾

[سورة العنكبوت]
ليس معنى هذا أنَّه لم يكن يعْلم لمَّ علِمَ ! لأنَّ عِلْم الله مُتَعَلِّق بِكُل ممْكِن والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾

[سورة التغابن]
لكنَّ الذي يفْعَلُ فعْلاً يُصَدِّق عِلْم الله به، نقول: هذا عِلْمَ حُصول وليس عِلْم كَشْف، فالعِلْم الأوَّل عِلْم كَشْف، والثاني عِلم حُصول فالإنسان مُمْتَحن وفي الدنيا كُلّ شيءٍ يُمْكن أن يكون، أما الذي يعْتَقِدُ أنَّهُ كُتِبَ عليه الشَّقاء وانتهى الأمْر، فهذه عقيدة أهْل الشِّرْك، لأنّ الله تعالى يقول:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(35)﴾

[سورة النحل]
أيها الإخوة، لِمُجَرَّد أن تعتَقِدَ أنَّك ريشَةٌ في مَهَبِّ الرِّيح، ولا اخْتِيار لك إطْلاقًا، وأنَّكَ مُسَيَّرٌ في كُلِّ شيء، فأنت بِهذا جَعَلْتَ من الدِّين ومِن الجنَّة والنار والثواب والعِقاب، ومِن إنْزال الكُتب، وإرْسال الرُّسُل، جعَلْتَ مِنْ كُلِّ هذا تَمْثيلِيَّة لا معنى لها، فلو أنَّ الله تعالى أجْبركَ على الطاعة لبَطَلَ الثَّواب، ولو أجْبركَ على المَعْصِيَة لبَطَلَ العِقاب، ولو تركَكَ هملاً لكان هذا عَجْزًا في القُدْرة ؛ إنَّ الله أمرَ عِبادهُ تخْييرًا، ونهاهُم تَحذيرًا، وكَلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا فأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مَغلوبًا، ولم يُطَع مُكْرَهًا، فأنت مُخَيَّر.
أيُّها الإخوة، أقول كم كلامًا في مُنْتهى الدِّقة، حينما تعْتَقِدُ أنَّك مُسَيَّرٌ في كُلِّ شيء، حتى إذا عصَيْتَ الله، كما يقول العوام: الله قدَّر عليه الزِّنا، والله قدَّر عليه شرْب الخَمْر، فهذا الكلام كُفْر ! لأنَّ الله تعالى يقول:

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(28)﴾

[سورة الأعراف]
وقال تعالى:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾

[سورة الإنسان]
وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)﴾

[سورة فصلت]
وقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾

[سورة البقرة]
إذا لم تكُن مُخَيَّرًا الْتغى التَّكليف والْتَغَتْ الأمانة، والْتغى الثواب والعِقاب والْتغَت الجنَّة والنار، وأصْبَحَ إنْزال الكُتب عادَةً، وإرْسال الأنبياء لَعِبًا وأصْبَحِت الدنيا تَمْثيلِيَّة، فلو كنت أنت مدير مُؤَسَّسة وأرْسَلت مُوَظَّفًا لِمُهِمَّة، وأعْطَيْتَهُ كتابًا، وفي اليوم الثاني في قوائِم الدوام ؛ مَكْتوب غِياب فهل يُمْكِن أن تُعاقِبَهُ ثاني يوم ؟! فهل يُعْقل أن يُجْبرَكَ الله على المعْصِيَة ثمَّ يُعاقِبُكَ عليها ؟! هذا إلْغاء للعَقْل:

ألقاهُ في اليمّ مَكْتوفًا وقال له إيَّاك إيَّاك أن تبتلَّ بالماء
***

فالإنسان إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ مَجْبور شُلَّتْ حركَتُه، وهذه مشيئة الله، وهذه إرادته، وليس لنا اخْتِيار، فأنت إذا ألْغَيْتَ الاخْتِيار تكون بِهذا ألْغَيْتَ وُجودَك، وألْغَيْتَ الدنيا، وألْغَيْتَ الأمانة والتَّكليف، وألغيت الثواب والعقاب، وألغيت الجنَّة والنار، إنزال الكتب، قال: أكان مسيرُنا إلى الشام بِقضاء وقدَر من الله ؟! فقال له: وَيْحَكَ ! لو كان قضاءً لازِمًا، وقدَرًا حاكِمًا إذًا لبطَل الوَعْدُ والوعيد، ولانْتفى الثواب والعِقاب، إنَّ الله أمرَ عِبادَهُ تخْييرًا، ونهاهُم تَحْذيرًا، وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مَغْلوبًا، ولم يُطَع مُكْرهًا.
هناك معنى ثانٍ ذَكَرْتُهُ سابِقًا، فلو بَنَيْنَا جِدارين بينهما مسافة تُساوي مسافة ما بين كَتِفَيْكَ تمامًا، ومرَرْتَ بِهذا الطريق، فلو قلتُ لك: لفّ إلى اليمين ! فهل لِهذا الكلام معنى ؟! هل تقْبَلُ على الله أن يقول كلامًا لا معنى له ؟ قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119) ﴾

[ سورة التوبة ]
فأنت بِإمْكانك أن تكون مع الصادقين أو مع الكاذِبين، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾

[ سورة النور ]
الله أمرَك، فأنت مُخَيَّر إما أن تَغُض وإما أن لا تغض، فأحيانًا كلمات تُلقى بين الناس، وهذه الكلمات مَفْعولها خطير جدًا فَمِنهم مَن يدْعو ويقول: اللَّهم إن كنت كتبتني عندك في أمِّ الكتاب شَقِيًّا مَحْرومًا مُقَتَّرًا عليَّ بالرِّزْق، فامْح اللهم بِفَضْلك شقائي وحِرْماني فهذا الدعاء لا أصْل له يقولونه في نصف، قال تعالى:

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149)﴾

[ سورة الأنعام ]
بِرَبِّك هل يمكن أن تأمر إنْسانًا بِخِدْمَتِكَ ثمَّ تُعاقبُهُ عليه ؟! فالله الذي يقول:

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149)﴾

[سورة الأنعام]
هل يعقل أن يأمركَ بالمعْصِيَة ويُحاسبك عليها ؟؟! لذلك جاء سيِّدَنا عمر رجلاً يشْرب الخمر قال: أقيموا عليه الحدّ ! فقال: والله يا أمير المؤمنين إنّ الله قدَّر عليَّ ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: أقيموا عنه الحدّ مرَّتَين ؛ مرَّةً لأنَّهُ شرِبَ الخمْر، ومرَّةً لأنَّهُ افْترى على الله! قال له: وَيْحَكَ يا هذا إنَّ قضاء الله لن يُخرِجْكَ من الاخْتِيار إلى الاضْطِرار فلو أنَّك مُضطَرّ لما حاسبَكَ الله عز وجل والآية الكريمة:

﴿َا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[ سورة البقرة ]
شيء لها، وآخر عليها، فهي حينما تعمل عملاً صالِحًا هو لها، لأنَّها فَعَلَتْهُ بِمَحْض اخْتِيارها، ثمّ النقطة الدقيقة ؛ لماذا جَعَلَ الله سبحانه وتعالى سيِّدَنا النبي والرسول سليمان مَلِكًا؟ قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35)﴾

[ سورة ص ]
ما معنى ملِك ؟ أمْرُهُ نافِذ، ولماذا لم يَجْعَل الله كلّ أنبيائِهِ مُلوكًا وانتهى الأمر ؟ لماذا جَعَلَ أنبياءَهُ ضِعافًا ؟ لكَ أن تقول عن النبي ساحِر ومَجنون وكذاب وكاهِن، وتنام بالليل وأنت مرْتاح، لأنَّ الله ما أراد أن تُطيعه قصْرًا، وما أراد أن يُجْبرَكَ على الطاعة، وإنَّما أراد أن تأتِيَهُ عن اخْتِيار، وعن مُبادَرَةٍ وحُبّ، وعن شَوْق، والجنَّة أساسها الحب، ولو أنَّ الله أرادهُ أن يُطيعَهُ عباده جميعًا لألْزَمَهم ذلك، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

[ سورة السجدة ]
فلو أنّ رئيس الجامعة أراد أن يضَعَ نِسَب النجاح مائة بالمائة لكان سَهْلاً عليه، يُوَزِّع أوراق الامْتِحان مع الإجابة وما عليك إلا كتابة الاسم، فهل هذا النَّجاح له قيمة عند الناس ؟ وهل له قيمة عند الناجحين ؟ فالواهم هو الذي يظنّ أنّ الله أجْبرَهُ على المعْصِيَة لو أنّ الله أراد أن يُجْبِرَنا على شيءٍ ما لما أجْبرتكم إلا على الهُدى قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

[ سورة السجدة ]
ما تفْعلونه هو من اخْتِيارِكم وكَسْبِكم، وسوف تُحاسَبون عنه، وما سَمْعتُ أحدًا يقول: الله قدَّر عليَّ الهُدى ! والذي يعصي يقول: هكذا قدَّر الله عليّ ! فلماذا إذا أدَّيْتَ الصَّلوات وقُمْتَ رمضان، فلماذا لا تقول: هكذا قدَّر عليَّ الله ! فَفِكْرة الجَبْر فكْرة خاطِئة ومُميتَة، سواء عَمِلتَ أم لم تعْمل فالله هو الذي قدَّر عليَّ ؛ هذه الفِكْرة تتنافى مع كِتاب الله كُلِّه، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾

[ سورة العنكبوت ]
هذا عِلم الحُصول، وكان قبلهُ عِلم الكَشْف، فالله تعالى عِلْمُهُ عِلْمُ كشْفٍ لا عِلْم جَبْرٍ.






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-24-2018 09:41 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
معنى الجِهاد واسِعٌ جِدًّا، ولعلَّ مِن أبْرزِهِ أن يُجاهِدَ الإنسان نفْسَهُ وهواه كما قال عليه الصلاة والسلام رجعنا من الجِهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ؛ جِهاد النَّفس والهوى ولكن قبل أن نقِفَ عند هذا المعنى الدقيق لا بدّ مِن كلمة تُوَضِّحُ حُدود هذه الآية.
أيها الإخوة، العُلوم في الكون ثلاثة ؛ عِلْمٌ بِخَلْق الله، وعِلْمٌ بِأمْر الله وعِلْمٌ بالله، فالعِلْمُ بِخَلْق الله هو العلم الذي يبْحثُ عن القانون فيما بين المُتَغَيِّرات ؛ ظاهرة فيزْيائِيَّة أو كيميائِيَّة، أو فلَكِيَّة، ظاهرة اجْتِماعِيَّة أو نفْسِيَّة، فَهُوَ يبْحث في الظواهِر المادِيَّة، والمُتَغَيِّرات، والعلاقات الثابتة بين المُتَغَيِّرات ؛ فالعِلْمُ يبْحَثُ فيما هو كائِن، ذرَّةٌ لها خصائِص فيزيائِيَّة أو كيمْيائِيَّة، ورياضِيات، فالعِلْمُ بِخَلْق الله برَعَتْ به أوروبا أيَّما براعَة، وكُلُّ عُلومِنا الحديثة مُسْتَوْرَدَة من هناك ؛ هذا عِلْمٌ بِخَلْق الله.
ماذا يَحْتاج ؟ يحْتاج إلى فِكْر وجُهْد ووَقْتٍ، وإلى كِتاب، وإلى مُعَلِّم وإلى جامِعَة، وإلى مُدارَسَة، وحِفْظ، وإلى تذَكُّر، إلى كِتابَة، وامْتِحانات ؛ هذا العِلْم مِن ألِفِهِ إلى يائِهِ مُتَعَلِّقٌ بالدنيا، فإذا برَعَ فيه الإنسان فقد برَعَ في حِرْفةٍ راقِيَةٍ في الدنيا، وهذا العِلْم ثمنهُ الدِّراسة والقِراءة والتَّسْجيل، والمُذاكَرة والتَّأليف، وأداء الامْتِحان، وَنَيْل الشَّهادة ؛ هذا عِلْمٌ بِخَلْق الله، كما قلتُ قبل قليل: برَعَت به أوروبا أيَّما براعة.
لكنَّ العلْم بأَمْر الله، هو عِلْم الشَّريعة، أيْضًا أحكام الطلاق والزواج والميراث وأحكام الحضانة والنَّفقَة، والعاريَة والهِبة والقرْض وشرِكات المُضاربة والوُجوه والتَّضامن، والمُساقاة والمُزارعة تشْعيباتٍ كثيرة تَجِدُها في كُتب الفقْه ؛ هذا عِلْمٌ بأمْر الله، يحتاج أيْضًا إلى مدارسَة، وإلى دوام ومُتابَعة، وإلى حِفْظ وكتب وأساتِذة وإلى امْتِحانات، إلخ... وهذا العِلْم يتأتَّى عن طريق الجُهْد البشري، وقد يُتْقِنُهُ إنسانٌ غير مسلم، والشيء الذي يُؤْسَفُ له أنَّ في الجامعات الغَرْبيَّة، أساطين هذه العُلوم الشَّرْعِيَّة ليْسَوا مُسْلمين !
لكنَّ العِلْم بالله، وصَلنا الآن إلى العِلْم بالله، فَالعِلْم بأمْر الله شيء، والعِلْم بِخَلْق الله شيء، ولكنَّ العِلْم بالله لا تكْفيه المُدارسَة، بل يحْتاجُ إلى مُجاهَدَة، لذلك قال الإمام الغزالي جاهِد تُشاهِد، والآية الدقيقة وهي قوله تعالى:

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)﴾

[ سورة التوبة ]
هذا إنسانٌ آخر، فَمُمْكِن أن تُساهِم في بناء مَسْجِد ولك الشُّكْر الجزيل مِن العباد، ومن الله، مُمْكِن أن تُساهِم بِبِناء مَيْتَم، أو مُسْتَوْصَف ومُمكِن أن تُساهِم في إسْكان شبابٍ في البيوت، ومُمْكِن أن تقيم سبيل الماء، أما أن تَغُضَّ بصَرَكَ عن محارِمِ الله، هنا المُجاهَدة؛ ضَبْط اللِّسان والعَيْن والسَّمْع، وضَبْط السُّلوك وتحرِّي الحلال في الكَسْب، وفي الإنفاق، وأن تكون مع المؤمنين، ولعلَّ الإنسان تميل نَفْسُهُ لأهْل الدنيا، والمؤمنين قد يكونون فقراء أحْيانًا، فالله عز وجل قال لك:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
النقطة الدقيقة، أنَّ العِلْم بالله ثمنُهُ باهِظ، فأنت مُمْكِن أن تزور طبيبًا بِأعلى مُسْتوى ولا علاقة لك بِسُلوكِهِ ؛ يُصَلِّي أو لا يُصَلِّي هذا موضوع ثاني، الذي يَهُمّك أنَّ معه بورد بِهذا الاخْتِصاص، فأنت لا تُطالب أيّ إنسان بانْضِباط سُلوكي إذا كان عِلْمُهُ مادِّي، ولكنَّك لن تستطيع من رجل دِين ولا كلمة إن لم يكن مُسْتقيمًا، لذلك قيل: الوَرَعُ حَسَن وفي العلماء أحْسَن، والعَدْل حسَن ولكن في الأُمراء أحْسن والسَّخاء حسَن ولكن في الأغنياء أحْسَن، والحياء حَسَن ولكن في النِّساء أحْسَن والتوبة حسن ولكن في الشباب أحْسَن، الصَّبْر حسَن ولكن في الفقراء أحْسَن، فأنت يُمْكِنُكَ أن تفعل كُلَّ شيء، ولكن حينما تضْبط نفْسَكَ ترْقى عند الله، ولذا قال الإمام الغزالي كلمة دقيقة: حَيْثُمَا ورَدَت كلمة العِلْم في القرآن الكريم فإنَّما تعني العِلْم بالله، لذلك ينْفصِل العاقل عن الذَّكِيّ، فليس كُلّ ذَكِيٍّ عاقل، قد يُحَصِّل الواحد من هذه العُلوم أعلى درجاتها، ولكن لأنَّهُ لا يُصَلي فهو ليس عاقل، فَعَقْلُهُ إن لم يوصِلْهُ إلى الخالق، وإلى سِرِّ وُجوده، فلا يُعَدُّ هذا عند الله تعالى عاقِلاً، فالذَّكي فيما هو فيه، وهناك أساليب يفْعَلُها اللُّصوص لا تخطر في بال الإنس ولا الجنّ ؛ دخل إلى مَحَلّ بِالكُويت، فَوَجَدَ رويْسرايسْ ! أحدث سيارة مبلغها أربعمائة وخمسين ألف دينار كُوَيْتي فوَقَّعَ الشيك، وقَّعَ الشيك بعد الساعة الثانية عشرة، تأتي مُكالمة لِصاحِب المحلّ أنَّ هذا الشيك ليس له رصيد، أوْقفوا له سفره، وكان له سفر صباح السَّبت، وكان قد اشْترى سيارة، وهيَّأ عُقودا لأوروبا، فَمَنعوه بالسَّفر، ووجدوا له رصيدا بالبنْك، وأقام دَعْوى وربِحَ أرقامًا فَلَكِيَّة ! فإذا الإنسان لم يعرف الله عز وجل فإنَّه يسْتخدِم هذا الذَّكاء لِغَير ما خُلِقَ له، ومُشْكِلَة الذَّكاء أنَّ الحيوان لا يستطيع أن يُفَكِّر، أما الإنسان فلهُ عَقْل، فلو كان للواحِد آلة تَصْوير مُلَوَّنة يمْكن أن يُزَوِّر فيها عملات، فهذه آلة، وكذا العَقْل البشري إن اسْتَخْدَمْتَهُ لِغَير ما خُلِقَ له كان سبب الهلاك، لذلك غير الأذْكِياء من غير المؤمنين مُجْرمين ؛ لأنَّهم بِذَكائِهم يصِلون إلى أشياء لا تخطر بِبَال الإنسان، والمُلَخَّص أنَّك إن جاهَدْت هواك ونفْسَك عرفْتَ الله، والله عز وجل لا يتقبَّل مِن العبْد العمَل الذي لا يُكَلِّفُهُ شيئًا، لأنّ الله تعالى لا يُريدُ مالَكَ بِقَدْر ما يريدُكَ أنت، يريدُ إقْبالك عليه، وإخلاصك له، ومحبَّتَك له، فلذلك ترْقى عنده حينما تُجاهِدُ هواك ونفْسَك، أما إن تصَدَّقْتَ بالمال قد يُعْطيك أضْعافًا مُضاعَفَة ولكن في الآخرة لِمَن أحبَّهُ وأخْلصَ له، وأقْبل عليه أيها الإخوة الكرام قال تعالى:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
فالجاهل يظنُّ حين غَضِّهِ للبَصَر أنَّه فاتَتْهُ فرصَة النَّظر، أما المؤمن فَيَعْتَبِر غضَّ البصر كمَن وضَعَ ليرة ذَهَب، فالشاب حينما يتزوَّج يخْلق بينه وبين زوْجَتِهِ المودَّة، والحبّ والوِئام، والذي يخرق نِظام الله عز وجل أوَّل عِقابٍ له ؛ زواجٌ غير ناجِح، فَمَوضوع الزواج موضوع دقيق جدًا، ولا علاقة له بِشَكْل الزَّوْجة إطْلاقًا، ولكن العلاقة حينما يرى الله من عبْدِهِ الانْصِياع إلى أمْرِهِ، يَخْلِقُ بين الزَّوْجَيْن المودَّة والرَّحْمة، فإذا غضَّ بصره وجاهَدَ نفْسَهُ وهواه فهل نَفَعَ أحدًا بهذا ؟‍ لا فالذي تصَدَّق لِوَجْه الله، والمال مُحَبَّب ويَحُلّ مُشْكِلات، فهذا يَحْميهِ الله من خسارات يَقَعُ فيها مُعْظَم الناس ! ويُلْهِمُهُ إلى أعمال طيِّبة يرْبَحُ بها هذه عِنايَة إلهِيَّة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
اكْتُشِف أنَّ الإنسان الذي ينام نوْمًا مديدًا ؛ لا يَهُمُّه صلاة الصبح، ينام إلى تسعة ساعات أو أكثر، والقلب يضرب ثمانين ضرْبة بالدَّقيقة ومع النوم المديد يُصبِح خمسة وخمسين ضرْبة، ويمشي الدم بِبُطء، وإذا مشى بِبُطْء، وبهذا تترسَّب كلّ المواد الدَّهْنِيَّة على جدران الشرايين فالاسْتِيقاظ باكِرًا لِصَلاة الفَجْر يمْنَعُ النَّوم المُسْتَمِرّ، فأحد أسباب الصِّحة النَّوم المُتَقَطّع، ينام على الساعة الثانية عشرة، ويستيقظ على الساعة الرابعة والنِّصف، فلو دَرَسْتَ الأمور الشَّرْعِيَّة لوَجَدْت كلّ هذه الأمور مُتَوافقَة مع الصِّحة، هناك تدريبات رِياضِيَّة مَشْهورة بالسُّوَيْد أخذوا حركات الصلاة فوَجَدوها من التمارين التي يسْتطيعُهَا أيّ إنسان في كُلّ الأعمار، ذَكَرًا كان أو أنثى، قال تعالى:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحِدٍ ما زادوا في ملكي شيئًا، فالله غنيّ وإنَّما خلقنا لِيُسْعِدَنا ولِيَرْحَمنا، وهو الله أحد الله الصَّمَد.
النُّقطة الدقيقة، أنَّه بعدما قال:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾

[ سورة العنكبوت ]
فالذي له ماضي مرّ، فالماضي مُكَفَّر، لو جئتني بمثل قراب الأرض خطايا غفرتها ولا أُبالي، وقال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزُّمَر]
فالعَبْد إذا قال: يا رب وهو في صلاته قال الله: لبَّيْك يا عبدي، وإن قالها وهو عاصٍ، قال الله له: لبَّيْك ثمّ لبَّيْك ثمّ لبَّيْك، فالذي عنده ابن مُستقيم فهو مرتاحٌ منه، أما الذي عنده ابن شارِد وبعد سنوات يأتي ويُقَبِّلُ يدَ أبيه ويطلب منه السَّماح، يا ترى بِأيِّهما أشَدُّ فرحًا، ونحن الآن بِرَمضان، وهو شهر الطاعة والغفران، والنبي صعد المنبر فقال آمين، نحن في فرصَة أن نتعامل مع الله بِحِسابٍ جديد، فيُمْكِن أن تفْتَحَ مع الله حِسابًا جديدًا، والماضي كُلُّه نظيف، ولكن هذا يحْتاج إلى متابعة مُجاهَدة، وعلى الإنسان أن تكون شَخْصِيَّتَهُ قَوِيَّة، فلا يتلاعب بالأمور ويقول: ماذا أفعَل ؟ جاءوني ولا بدّ أن أخْتَلِطَ معهم، وذاك يقول لك: كنت عند بيتٍ صديقي، وله هوائي مُقعَّر، ونظرنا إلى أفلام جيِّدة ؛ كُلّ هذا بِرَمَضان ! فإذا الإنسان ما ضَبط سُلوكه لا يرْقى عند الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)﴾

[ سورة العنكبوت ]
والمَكْسَب معك.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 09:43 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والأربعون من سورة العنكبوت وهي قوله تعالى:

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)﴾

[سورة العنكبوت]
الحقيقة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عماد الدِّين وكلمة عماد تعني العمود الذي في وسط الخيمة، فالخَيْمة خَيْمة ما دام فيها هذا العمود، فإذا نُزِل أصْبَحَتْ قِماشًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((الصلاة عماد الدِّين من أقامها فقد أقام الدِّين ))
هَدَمَها أيْ ترَكَها والحقيقة الدقيقة جدًا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
((الصلاة عماد الدِّين ))
أراد من الصلاة أن تكون اتِّصالاً حقيقيًّا، لا أداءً شعائِرِيًّا وفرق كبير بين الطُّقوس وبين العبادات، فالعِبادات مُعَلَّلة بِمَصالِحِ الخَلْق، والعبادات أفعال لها ثِمار يانِعَة، والطُّقوس حركات وأقوال لا معنى لها، فحينما تَخَلَّفَ المسلمون، كان تَخَلُّفُهم بِسَبب تَرْك الصَّلاة لا ترْكِها كَأداء بل ترْكِ حقيقتِها، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(169)﴾

[سورة الأعراف]
ترْكُ الصلاة أنْ لا تُؤَدِّيَها، ولكن تضْييعُ الصَّلاة أن تفْقِدَ جَوْهَرَها ومَدْلولها، وقد ورد في الحديث القدسي:

(( ليس كُلّ مَن يُصَلِّي يُصَلِّي إنَّما أتقبَّل الصلاة مِمَّن تواضَعَ لِعَظَمَتي، كفَّ شَهواتِهِ عن محارِمي، ولم يُصِرَّ على مَعْصِيَتي، وأطْعَمَ الجائِعَ وكسى العُرْيان، ورَحِمَ المُصاب وآوَى الغريب ؛ كُلُّ ذلك لي ؛ وعِزَّتي وجلالي إنَّ نورَ وَجْهه لأضْوَءُ عندي من نور الشَّمْس، على أنْ أجْعَلَ له الجهالةَ حِلْمًا، والظُّلْمَةَ نورًا يَدْعوني فأُلَبِّيه، ويسْألني فأُعْطيه، ويُقْسِمُ عليَّ فأبَرُّه، أكلأه بِقُرْبي وأسْتحْفِظُهُ ملائِكتي، مثلُهُ عندي كمثل الفرْدوس، لا يُمَسُّ ثمرها ولا يتغيَّر حالُها ‍!))
مكارِمُ الأخلاق الأصيلة والحقيقيَّة مَخْزونة عند الله تعالى، فإذا أحبَّ الله عبْدًا منَحَهُ خُلُقًا حسنًا، كيف يَمْنَحُهُ هذا الخُلُق الحسَن ؟ مِن خِلال الصَّلاة، فالصَّلاة اتِّصال، ومن خِلال هذا الاتِّصال تُشْتَقُّ هذه المكارِم وتُشْتَقُّ هذه الكملات.
أيها الإخوة، هناك أحاديث كثيرة جدًا عن الصلاة، مِن أبْرزِها:
((الصلاة طَهور ))
فإذا أردْتُم أن تتعاملوا مع الصلاة تعامُلاً إيجابيًا حقيقيًّا وواعِيًّا وهادِفًا وجادًّا، فالصلاة طَهور، إنَّكَ إن اتَّصَلْتَ بالله عز وجل فَكُلّ أمراض النَّفس يجب أن تُزاحَ عنك ؛ كِبْر، فالكِبْر لا يجْتَمِعُ مع الصَّلاة، والشِّرك، والاعْتِداد بالنَّفس، وإيذاء الآخرين قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[سورة العنكبوت]
فهِيَ تنْهى حينما تتَّصِل بالله تَسْمو هذه النَّفس وتَطْهر، فإذا طَهُرَتْ أصْبَحَت هذه العلاقات كُلُّها إيجابيَّة، فلذلك أوَّل حديث:

((الصلاة طهور ))
والحديث الثاني عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))

[رواه مسلم]
فالله نور السماوات والأرض فإن اتَّصَلْتَ به منَحَكَ بعض نورِهِ، ماذا يفْعَلُ هذا النور؟ يُريكَ الحقَّ حقًا والباطِل باطِلاً، فالذي يفْعَلُ المعاصي والآثام ؛ ماذا يرى ؟ يرى أنَّ لذَّتَهُ وكَسْبَهُ في هذه المَعْصِيَة، فهو إذًا أعْمى، لذا أكْبَرُ ثِمار الصَّلاة أنَّها تمْنَحُ قَلْبَكَ نورًا ؛ ترى به الخَيْر خيْرًا والشرَّ شرًّا، ومِن أدْعِيَة النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم أرِنَا الحق حقًّا والباطل، فالذي يَمْلِكُ رؤْية صحيحة معناه أنَّهُ سَعِدَ في الدنيا والآخرة، الشيء الخطير جدًا أنَّ الذي يخطئ والذي يَعْصي والذي يأكل أموال الناس بالباطِل ويَعْتدي على أعْراض الناس، والذي يعيش لِوَقْتِهِ وينسى آخرته فهذا إنسانٌ قلْبُهُ أعْمى، قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

[سورة الحج]
فالصَّلاة فضْلاً عن أنَّها تُطَهِّر القلب من الأدْران، فَهِيَ تُلقي في القلب نورًا تُري لك الحقَّ حقًّا والباطِل باطِلاً.
الحديث الثالث ؛ ميزان ! فَالصلاة ميزان، ومَن وفَّى اسْتَوفى، فالذي عمل المعاصي، لو جرَّب أن يتوضَّأ ويُصَلِّي فإنَّه يجدُ سدًّا، ميزان دقيق لاسْتِقامَتِك، أدنى إساءة وأدْنى عُدْوانٍ يحْجُبكَ عن الله عز وجل والصلاة هي الميزان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((الصلاة ميزان ))
ومن وفَّى الاسْتِقامة حقَّها اسْتوفى من الصلاة ثَمَراتِها.
الحديث الرابع ؛ ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، يقول الله جل جلاله:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾

(سورة النساء)

هذه الآية نسْتفيد منها فائِدَة كبيرة، وهي أنْ لا نقْرَبَ الصلاة حتَّى نعْلم ما نقول، فهذا الذي لا يشْرب الخَمْر، ولكن إنْ صلَّى فلا يعْلَمُ ما قاله في الصَّلاة ! فهذا لَهُ حُكْمُ السَّكْران، قال تعالى:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾

[سورة النساء]
فالإنسان إن لم يعْلم ما يقوله في الصلاة، معنى هذه الصلاة ليست كما أرادها الله عز وجل و الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:
(("ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))
الحديث السادس:
(( الصلاة معراج المؤمن ))
بها تعرج إلى الله، يعني أنّ الله عزّ وجلّ ليس له مكان، هو مُنزَّهٌ عن المكان، وهو معك أينما كنت، كيف تصل إلى الله بهذه الصلاة ؟ الصلاة معراج المؤمن سألني أحدهم: كيف أخشع في الصلاة ؟ قلتُ له: اُدخل على شخص قويّ له مكانة، لاحظْ نفسك ؛ تجلس أمامه بأدَبٍ وتنْصرف إليه، فلو أنَّ على الطاوِلَة جريدة ؛ هل تقرؤُها ؟ لا، ولو أنَّ على الطاولة سُبْحَة ؛ هل تُمْسِكُها بيَدِك ؟ لا، فكيفَ بِكَ إذا كنت بين يَدَي الله تعالى فلذلك الصلاة خُشوع، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)﴾

[سورة المؤمنون]
قال بعض المُفَسِّرين: ليس الخُشوع في الصلاة مِن فضائِلِها، بل مِن فرائِضِها، وأوَّل ما يُسأل الإنسان يوم القيامة عن صلاتِهِ فإنْ صَحَّتْ صحَّ عملُه، وإن لم تَصِحَّ ساءَ عَمَلُه، ولمَّا وعدَ الله الذين آمنوا أن يسْتَخْلِفَهم في الأرض كما قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
شَرْط أن يَعْبُدوه، لماذا أَجَاب الله عن حالةٍ نعيشها نحن ؟ قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(169)﴾

[سورة الأعراف]
لذلك الصلاة غير المَقْبولة ورَدَ بالحديث أنَّها تُلفّ ويُضْرب بها وَجه المُصلِّي، وتقول الصلاة ضيَّعَك الله تعالى كما ضَيَّعْتني، فالله تعالى ما قال تركوا الصلاة، ولكن قال: خلفَ مِن بعدهم خلْف أضاعوا الصلاة ‍فَهَؤُلاء يُصَلُّون ولكنَّ صلاتهم لا تُقَدِّم ولا تؤَخِّر، ولا مَضْمون لها، والإنسان يسْتحيل أن يُدَقِّق في لسانه وسمْعه وبصَرَهِ، وفي دَخْله وفي بيتِهِ وأهْلِهِ، يُدَقِّق إلى أن يصِل إلى الاسْتِقامة التامَّة، فَيَسْتَحيل بعد هذه الاسْتِقامة إلا وأن يقْطِف ثِمارها اتّصالاً بالله، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالمرَض الأوَّل الآن في العالم هو القَلَق والخوف، حتَّى أنَّني سألْتُ طبيبَ قلبٍ وقلتُ له: ما رأيُكَ بِهذه المَقولة فقال: هي صحيحة فقلتُ له: هناك أمراض قلبٍ وبيلة سَبَبُها الخَوف مِن أمراض القلب فالخَوف أحْيانًا يُسَبِّب مرضًا، وسمَّاها العلماء الشِّدَّة النَّفْسِيَّة، وهذه الشِّدَّة وراء جلّ الأمراض، فالإنسان المُتَّصِل بالله يُلْقي الله في قلبِهِ الأمْن وقد قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
أصبَحَ لدينا عِدَّة أحاديث، أما هذه الآية:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[سورة العنكبوت]
لِمَ لمْ يَقُل الله تعالى: وصَلِّ ؟ هنا اخْتلف المعنى ؛ لأنَّني إذا قلتَ لك: هذا أقام البناء، أي بنى هذا أبناء بِطُرق سليمة ووِفْق الأسس المعروفة مِن حفْر وإقامة أساس وضبْط وإنشاء هَيْكل، فَهُناك عَمَلِّيات مُتتابِعَة إلى أن تقول: أقَمْتُ البناء، فهذا الذي يأكل الحرام، ثمَّ يُصَلِّي فإنَّ صَلاته لا تسْمن وتغني مِن جوع،، فالانحِرافات والمعاصي ؛ هذه كُلُّها تَحْجُبه عن الله تعالى، وإذا حَجَبَتْهُ عن الله انْقَلَبَتْ هذه الصَّلاة إلى طُقوس ! لذلك المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى قال تعالى:

﴿ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾

[ سورة النساء ]
سبب الكسَل في الصَّلاة أنَّ الإنسان مَحْجوب عن الله تعالى، فما لم يتُبْ توبةً نَصوحة لا يستطيع أن يحْجُب هذه الحُجُب.
فقد يكون الإنسان في الامْتِحان مُوَفَّر له كلّ شيء وحتَّى الدَّواء، إلا أنَّك لسْتَ دارِس ! فهذا الذي يُصَلِّي الفجْر ثمَّ يذهب إلى المحلّ ويتبادل الحديث مع النِّساء ولا يغضّ بصَرَهُ ثمَّ يأتي الظهر فيذْهب للصَّلاة، فل يسْتطيع أن يتَّصِل بالله تعالى ؟ مَحْجوبٌ هذا، لذا إقامة الصَّلاة ليس وَقت الصَّلاة ولكن قبل الصَّلاة، أقام الصَّلاة أيْ بنى نفْسه بِناءً صحيحًا بحيث إذا وقفَ بين يَدَي الله عز وجل يرى الطَّريق سالِكًا، قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[سورة العنكبوت]
الدِّقَّة في هذا أنَّ النُّظم الوَضْعِيَّة قائِمَة على الرَّدْع، أما عظمة الأديان قائِمَة على الوازِع، وشتَّان بين الرَّدْع والواَزِع والمُتَّصل بالله لا يستطيع أن يأكل دِرْهَمًا حرامًا، حدَّثني أخ يلفّ محَرِّكات، قال لي: يأتيني مَن يريد أن يصلِحَ مُحَرِّكه فإذا فتَحْت المحرِّك أجد فقط وصْلة تحتاج إلى لِحام، فأُلْحِمها، وآخذ منه خمسة آلاف ! ولمَّا اصْطَلَحْتُ مع الله تعالى أقول له: خمس وعشرون ليرة ! الإنسان لمَّا يتوب إلى الله تعالى يسْتقيم بِمُعامَلَتهِ، لذلك كما قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[سورة العنكبوت]
الصَّلاة أساسها الوازع الداخِلي، أما القوانين أساسها الرَّدْع الخارِجي، ففي أمريكا انْقطَعَت الكهرباء في نيويورك ففي هذه اللَّحظة ارْتُكِبت مائتي جريمة سرقة ! لأنَّ النِّظام يقوم على الرَّدع، فالشُّرطة تضع الرادار وهم يكتَشِفون ما يُشَوِّش على الرادار، والشرطة تضع جِهاز يكشف الجهاز المُشَوّش، وهكذا عَمَلِيَّة صِراع بين عَقْلين !
قال تعالى:

﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[سورة العنكبوت]
هذه الآية لها معاني كثيرة، قالوا: ذِكْر الله أكْبَر مَا فيها، قالوا: أنت بالصَّلاة تذْكُر الله، ولكنَّ ذِكْر الله لك أكبر من ذِكْرِكَ له، فالله تعالى إذا ذَكَرك أسْعد، وحَفِظَك ووفَّقَك وأعانَكَ وصانَكَ، والحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[ رواه البخاري ]
قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾

[ سورة البقرة ]
تذكرُهُ أنت خاشِعًا وسائِلاً وعابِدًا، وهو تعالى يذكُرك مُؤَيِّدًا وحافِظًا، قال تعالى:

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)﴾

[سورة العنكبوت]
لماذا تُقْبِلُ عليه ؟ لأنَّه يعْلم ما تصْنَع، وإنَّما الأعمال بالنِّيات، فكل دلو يدلو بإنائهِ، والفرق بالنِّيَّة، فهذا المُصَلِّي لأنَّه يعلم الله ما يصْنع يُقْبِلُ عليه.
فالآية اليوم من سورة العنكبوت:

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)﴾

[سورة العنكبوت]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 09:44 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثانية والخمسون من سورة العنكبوت وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدا﴾

[ سورة العنكبوت ]
كلُكم يعْلم أنَّنا إذا طلبْنا شاهِدًا للإدْلاء بِشَهادَتِهِ أمام القاضي يأتي إنسانٌ ويتكلَّم ويقول: نعم شاهَدْتُهُ يفْعَلُ كذا وكذا، فأنْ يشْهَد لنا إنسانٌ ناطِق و نسْمَعُهُ شيءٌ واضِحٌ جدًّا، ولكن مثل هذه الآية ورَدَتْ في كتاب الله كثيرًا، فَكَيْفَ يشْهَدُ الله لنا ؟ ثمَّ على ما يشْهَدُ لنا ؟ النبي صلى الله عليه وسلَّم جاءَ بِهذا الكتاب بِوَحْيٍ من السَّماء، وقال: هذا كلام الله تعالى، فَكَذَّبوه فقال: قال تعالى:

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدا﴾

[ سورة العنكبوت ]
موضوع الشَّهادة هو أَحَقِّيَّةُ هذا القرآن الكريم، هل هو كلام الله حقًّا أم مِن عِند مُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام ؟ فهُنَا المُشْكلة ! هم كذَّبوه و قالوا: هذا مِن عندِ قال تعالى:

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدا﴾

[ سورة العنكبوت ]
فالسُّؤال: كيف يشْهَدُ الله لِعِبادِهِ أنَّ هذا القرآن كلامُهُ ؟ فالإنسان تراهُ بِعَيْنِك وينْطِق بِلِسانِك وتسْمَعُهُ بأُذُنك فتقول: فِعْلاً شَهِدَ أنَّ هذا وقَعَ كذا وكذا، أما إذا كان تعالى هو الذي سيَشْهَدُ لنا، فكيف يشْهَدُ لنا ؟
الحقيقة شَهادَةُ الله لنا عن طريق أفْعالِهِ، مثلاً قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97) ﴾

[سورة النحل ]
يأتي شابّ فيَتَعرَّف على الله تعالى ويسْتقيم على أمْرِهِ وينتظِر مُعاملة الله له، فإن كانت أُمورُهُ مُيسَّرة ونَفْسِيَّتُه مطْمئِنَّة، وزواجُهُ ناجِح، ومكانتهُ عاَلِيَّة، ويُحِبُّهُ مَن حَوْلهُ فهذه الحياة الطَّيِّبَة التي يحْياها الشابّ هِيَ شَهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامهُ، لأنَّ الحياة الطَّيِّبَة لا يستطيعُ صُنْعَها إلا الله، فحينما يذوق المؤمنُ الحياةَ الطَّيِّبَة مِصْداقًا لِقَوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97) ﴾

[سورة النحل ]
فهذه شَهادة الله لِهذا الشابّ أنَّ هذا القرآن كلامي، ودليل أنَّ الأفعال التي نزَلَتْ بِكَ ويسَّرَتْ لك الأموَر هي أفْعالي، فالكلام كلامي والأفعال أفعالي.
إنسانٌ تفلَّتَ مِن منْهَج الله، فَعاشَ حياةً شَقِيَّة، إذا قرأ قول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

[ سورة طه ]
المعيشة الضَّنْك التي هِي مِن خلق الله تعالى ؛ مرض ألمَّ به وضيق ذات اليدّ، وضَجر، وانْقِباض وبيت جحيم، والعلاقة سيِّئَة، فهذه المعيشَة الضَّنْك، وهي مِن خلْق الله عز وجل، وهِيَ شَهادة الله له على مِصْداقِيَّة هذه الآية، وإنسانٌ يُرابي ويُنَمِّي فوائِدَه عن طريق الرِّبا فيقول لك: ماذا فَعَلْتُ ؟! هذا العصْر غير عَصْر الصَّحابة، هذا عصْر المال ! طيِّب القرآن يقول:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾

[سورة البقرة ]
متى يشْهد الله أنّ هذه الآية كلامهُ، وأنَّ هذا الحُكْم حُكْمَهُ ؟ حينما تُمْحَقُ أموالهُ، فَمَحْقُ مال المُرابي شَهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامهُ، وبالمُقابل مَن يتصدَّق، فالله تعالى

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾

[سورة البقرة ]
حينما ينْمو مالهُ بِطريقة غير مألوفة، وينمو بِطَريق العِنايَة الإلهِيَّة المباشِرَة، نماء المال هو شَهادة الله له.
أرَدْتُ من هذا الدَّرس أن يتوضَّح لكم أيُّها الإخوة، أنَّ الله تعالى حينما يشْهَد فلا يشْهَدُ بِكَلام مسْموع، بل يشْهد بأفْعاله أنَّ هذا القرآن كلامُهُ ومهما امْتدَّ بالإنسان العُمرُ فَكُلُّ أفعال الله عز وجل مِن دُون اسْتِثناء مُؤَيِّدةٌ لِكَلامِهِ، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[سورة الأنعام ]
قد تجِدُ الكافر في بَحْبوحة ؛ أموال لا تُحْصى، وصِحَّة، وسيْطَرة فإذا بِه يُقْصَمُ فجْأةً!! فأيُّ فِعْلٍ مِن أفعال الله هو في حقيقتِهِ شَهادَةٌ منه للإنسان أنَّ هذا القرآن كلامهُ.
لكنَّ النقطة الدقيقة أيُّها الإخوة ؛ هِيَ أنَّ شَهادة الله تعالى تأتي مُتأخِّرةً عن كلامهِ، فالإنسان إن لم يُطَبِّق كلامه بالطُّرق الأساسيَّة والطَّبيعِيَّة فحينما تأتي شَهادة الله ستكون قد أتى معها العِقاب، فشَهادَةُ الله تعالى تأتي مع العِقاب وليس مُنْفصِلَة، فالبُطولة لا أن تُصَدِّق الله بعد أن تأتِيَ أفْعالهُ مُطابِقَةً لأَقواله ؛ هذا أسْلوب غير سليم، وعليك أن تُصَدِّق الله عز و جل بالطُّرُق الأخرى، فهذا الكَون مثلاً يدلّ على وُجودِهِ، وعلى وَحْدانِيَّتِهِ وكمالِهِ، وثانِيًا هذا القرآن فيه إعْجاز، فهل عُرِفَ الطَّيَران في عهْد النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فالإنسان إذا صعد في السَّماء عشْرة آلاف ميل، ففي أثناء الارتِفاع إلى الفضاء الخارِجي عندنا شيئان: نقْص الأكسجين، وانْخِفاض الضَّغط، ومِن عشرة آلاف ميل إلى ستَّة عشرة هناك أجْهِزة في الجِسْم تُعاوِض، فيَزْداد نبْض القلب وتضيع الشَّرايين، بحيث تتلافى نقْص الأُكسجين، وانْخِفاض الضَّغط إلا أنَّه بعد سِتَّة عشرة ميلاً يفْقِدُ الإنسان الوَعْي، ويخْرج الدَّم مِن أنفِهِ وأُذُنِهِ، ويتمزَّق كلّ شيءٍ بِداخِلِه ! ربُّنا عز وجل قال:

﴿ فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(125)﴾

[ سورة الأنعام ]
فهذا إعْجاز عِلمي، فأحْيانًا تركب طائِرَة تُحَلِّق فوق الغَيْم فتُلاحِظ جِبال، فنحن في الأرض نرى الغَيْم طبقة بيضاء، أما لو ركِبتَ الطائرة لوجَدْتها جِبالاً، وقد أشار القرآن الكريم أنَّ الغيْم يُشْبِهُ الجِبال ! متى عرفنا ذلك ؟
ذَكَرْتُ في أوَّل رمضان أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل التَّمْر قبل الإفْطار، ويُصَلِّي ركعات المغرب ثمَّ يأكل، والآن كُشِف أنَّ بالتَّمر مادَّة أُحادِيَّة بِنِسْبة خمسة وسبعين بالمائة، سريعة الهَضْم بِحَيث تنتقل هذه المادَّة مِن الفمِ إلى الدَّم في أقلّ مِن عشْرة دقائق، وإذا وصل السّكر إلى الدم تنبَّه مركز الشِّبَع، فإذا جلسَ للأكل أكل وكأنَّه في الإفطار من دون نهم، أمَّ إذا أكل موادًا دسمة لا تنهضم إلا بعد ثلاث ساعات، فلا يصل تأثيرها إلى مركز الشبع إلا بعد ثلاث ساعات فالإنسان يأكل و يأكل ويقف لأنَّ بطنه امتلأ لا لأنَّه شبع، قال: واللهِ ما شبعتُ ولكنَّني ملَلْتُ، و هذا التمر فيه ستَّة فيتامينات أساسية وثمانية معادن إذا أكلتَ مائة غرام من التمر تأخذ نصف حاجتك من المعادن وفيه مواد دهنية و فيه مواد مُسكَّنة، و قد عدَّ بعض العلماء ستةً و أربعين عنصرا غذائيًا في التمر، و يُقال: التمرة صيدلية، والنبي قال:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلم:

(( يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ))

[ رواه مسلم ]
وسمَّى التمر واللبن الطيبان هذا كلُّه إعجاز، فنحن يجب أن نؤمن بكتاب الله من خلال الإعجاز العلمي لا من خلال شهادة الله لنا، لأنَّ الله إذا شهد فَمَع شهادته قصم، فشهادتُه للمُرابي أن يمحق مالَه، وشهادته للسارق أن تُقطع يدُه، فاليد تُقطع أحيانا بفعل الله التكويني لا بفعله التكليفي، والله تعالى قال:

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(38)﴾

[ سورة المائدة ]
فإذا سرق الإنسان ولم تُقطَع يدُه قد تُقطَع بحادث، رجلٌ من الناس أكل مالاً حراما بقسوة وبعنف والذي أكل ماله ضعيف، ذهب في سفر و مدَّ يده لينحرف نحو اليسار فجاءت سيارةٌ فقطعت يدَه قطعا، فإن لم يطبِّق الإنسان حكم الله في السارق يتكفَّل الله عز وجل بفعله التكويني بتطبيقه، فنحن في الأصل لا ينبغي أن ننتظر شهادة الله لأنَّ مع شهادته يأتي القصم و العقاب، فالأولى أن نصدِّق القرآن بإعجازه فهناك ثلاث مراحل ؛ أنْ تؤمن بالله موجودا و كاملا وواحدا من خلال الكون و أنْ تؤمن بهذا الكتاب من خلال إعجازه، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾

[ سورة الإسراء ]
فالله تحدَّى الإنس و الجنَّ على أن يأتوا بسورة من مثله، هل تصدِّقون أن كلمة "يوم " وردت في القرآن ثلاثمائة وخمسة و ستُّون، و كلمة "شهر" اثنا عشر مرَّة، و ألفاظ البَرِّ والبحر، وعندنا قاعدة جغرافيَّة أنَّ البرَّ يساوي 29/100 من البحر، وعدد كلمات "البر" إلى كلمات "البحر" كمساحة البر إلى البحر، من يصدِّق هذا، وكلمات " الجَنَّة " تساوي كلمات "النار"، و كلمات " الملائكة " تساوي كلمات " الشياطين "، و كلمات " الحياة الدنيا " تساوي كلمات "الحياة الآخرة " هذا يُسمَّى إحكام عددي، وهو باب جديد ما عرفه أحد، فأنت أمام ملايين الأدلة على أنَّ هذا القرآن كلام الله، والإنسان قد يصدِّق الإنسان، أفلا يُصدِّق الواحد الديَّان ؟! قال تعالى:

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(52)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فأنا أتمنَّى على إخواننا الكرام أن يعكفوا على قراءة هذا القرآن و أن يستنبطوا الأمر والنهي منه، لأن الأمر والنهي تعليمات الصانع، فإذا أردتَ أن تحافظ على سلامتك وعلى أعلى مردود لك فطبِّق تعليمات الصانع إذا انطلقتَ من حبِّك لذلك، أو يشهد الله لك بعد فوات الأوان أنَّ هذا القرآن كلامُه، أحينًا الإنسان يذهب مالُه كلُّه ثمَّ يقول: واللهِ مالي كلُّه فيه شبهة، ولكنَّه أدرك ذلك متأخِّرًا، ولو علم ذلك قبل فوات الأوان لكان خيرًا لك.
أيُّها الإخوة الأكارم، اِنتبِهوا إلى هذه النقطة، خِيارُك مع الإيمان خِيارُ وقت وليس خيار قبول أو رفض، ولو كان الإنسان كافرًا كفرعون حينما يأتيه الموت يؤمن كأيِّ إنسان مؤمن، قال تعالى في حقِّ فرعون:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[ سورة يونس ]
لكن قالها بعد فوات الأوان، فنحن لا يهمُّنا أن نؤمن قبل الموت، ولكن يهمُّنا الإيمان ونحن أصحَّاء و شباب أشدَّاء ونحن والقلب ينبض.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-24-2018 09:46 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قضية الإيمان بأنَّ الله خالق الكون، لم يُلِحَّ عليها الإسلام ؛ لماذا ؟ لأنّها ضَرورةٌ فِطْرِيَّة ! لأنَّ ما مِن إنسانٍ على وَجه الأرض بِفِطْرَتِهِ، ومِن دون تكَلّف يؤْمِن بأنَّ لِهذا الكون خالِقًا، والدليل قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)﴾

[سورة العنكبوت]
وقال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(25)﴾

[سورة لقمان]
فَقَضِيَّة الإيمان أنَّ الله خالق الكَون ؛ هذه ضرورةٌ فِطْرِيَّة، والقرآن لم يُلِحَّ عليها، ولكن ألَحَّ على إفراد الله وتوحيد الله تعالى بالعِبادة، ألحَّ على توحيد الألوهِيَّة فهناك توحيد الرُّبوبيَّة، وتوحيد الألوهِيَّة، فتَوْحيد الرُّبوبيَّة أن تؤْمِن أنَّ لهذا الكون خالِقًا ومُمِدًّا، خلق وأمدَّ، قال تعالى:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)﴾

[سورة النمل]
أما العلاقات والتَّصرفات والأشْخاص والأحداث بِيَدِ مَن ؟‍ التَّرْكيز على هذا الإيمان، وأن تؤْمِن أنّ في السماء إله وفي الأرض إله، وأن الأمر كلَّه بِيَدِهِ، والحقيقة أنَّ الإنسان لن يسْتقيم إلا إذا آمَنَ بِوَحْدانِيَّة الله تعالى ؛ في ذاتِه وأفعاله وصِفاتِه، فإذا أرَدْتَ أن تعْرِفَ فَحْوى دعوة الأنبياء جميعًا إنَّها التَّوحيد، ولذلك لا إله إلا الله كلمة التوحيد وهي التي تُعَدُّ شِعار الإسلام، ولا رازِق إلا الله، ولا حافِظ إلا الله ولا مُذِلَّ ولا رافِع إلا الله، قال تعالى:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[سورة هود]
فَهُوَ تعالى ما سلَّمَك لأحَدٍ، ولو سلَّمَك لأحدٍ لكانت لك الحُجَّة أن تقول: يا ربّ، أنا سأَعْبُدُ مَن سلَّمْتني إليه ‍‍! ولو بدى لك أنَّ هناك أقْوياء ولو بدى لك بِهذه العَيْن الظاهرة أنَّ هناك مَن يفْعَل، ومَن لا يفْعل، ومَن يُعطي، ومن يمْنَع، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى مِن ورائِهم مُحيط، ويدُ الله فوق أيديهم.
لو أنَّ الله سبحانه وتعالى خلَقَ وأمَدَّ وتركَ، ينبغي أن تعْبُدَ غيرهُ ! فلو أنَّهُ تعالى سلَّمَ أمرَك لِزَيْد أو عُبيْد ينبغي أن تُرضي أحدهما لِتَنْجُوَ من الآخر! أمَّا لمَّا أمرَكَ الله أن تعْبُده وحْدهُ، معنى ذلك أنَّ أمْرَكَ كُلَّهُ بيَدِهِ تعالى، فلو أنَّ الإنسان أصابَهُ ضَغْط، قال تعالى:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) ﴾

[سورة العنكبوت]
جميع الأعْذار تسْقط يوم القيامة ! الإنسان جاء للدنيا لِعِبادة الله فَيَنْبغي أن يعْبُدَهُ في أيِّ مكان، فلو أنَّ مكانًا منَعَهُ مِن عِبادته عليه أن يبْحث عن مكانٍ أخر، ولا عُذْر له لأنَّ مُهِمَّتَك الأولى عِبادة الله سبحانه وتعالى، فلذلك الآيات التي تُشير إلى أنَّ الأرض واسِعة فمَعنى ذلك أنّ الإنسان ليس معْذورًا أن يقول: يا رب أنا وُجِدْت بِمَكان مُنِعْتُ أن أعْبُدَكَ فيه ! قال تعالى:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) ﴾

[سورة العنكبوت]
وحينما قُدِّمَت إيَّاي ؛ أيْ أنّ هذا التَّقديم يُفيد الحَصْر والقَصْر، أي لا ينبغي أن تعبُدَ إلا الله عز وجل، والحقيقة أنَّ الإنسان لا يستطيعُ بِلِسانِهِ أن يقول: هناك إلهٌ مع الله تعالى ولكن يتعامَل مع أشْخاص وكأنَّهم آلهة يُرْضيهِم ويعْصي الله، ويرْجو عَطاءَهم ولا يرْجو من الله ويُحِبّهم أشَدَّ ممَّا يحبّ الله عز وجل، فأنت مُعامَلَتُك له كإله هي عبادة مِن دون أن تشْعُر، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(14)﴾

[سورة الأنعام]
القضِيَّة الآن قَضِيَّة مصيريَّة، فحينما تعْتقِدُ أنَّ جِهَةً في الأرض بِيَدِها كلّ شيءٍ ؛ هذا اعْتِقاد خاطئ لأنَّ الله تعالى قال:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

[سورة يونس]
الأقْوِياء مهما بدَت لكم قُوَّتهم إنَّهم في يَدِ الله عز وجل وخِطَطُهم تسْتَوْعِبُها خطَّة الله عز وجل، لذا الإيمان بأنَّ الله تعالى خلق وأمَدَّ ؛ هذا سمَّاهُ العلماء تَوحيد الرُّبوبيَّة، هذا الإيمان لم يُلِحَّ عليه الإسلام لأن كلَّ إنسان بفطرته مؤمن حتَّى الذين عبدوا الأوثان و حتى المشركون في عهد النبي، قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(25)﴾

[سورة لقمان]
فالعبرة لا أن تؤمن بأنَّ الله خلق و أمدَّ فقط، العِبْرة أن تؤمن أنَّ الله تعالى فعَّال لِما يريد، بِيَدِه كلّ شي وبيَدِه مقاليد السماوات والأرض إليه يرجع الأمر كلّه، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾

[ سورة الزخرف ]
أوْضَحُ مثلا أرَدِّدُهُ كثيرًا ؛ أنت مَعَك مُعاملَة تحتاج إلى موافقة على المُغادرة، دَخَلْتَ إلى بناء ثلاثة طوابق وفيه مائتان مُوَظَّف، فتقول مَن بيَدِهِ حقّ التَّوقيع فَيُقال لك: المُدير العام هذه المُعامَلة لا يستطيع أن يُوَقِّعها أحد سِواه، فهل تَبْذِلُ ماء وَجْهِكَ لإنسانٍ آخر ؟! وهل تترجَّى مُوَظَّفًا أو كاتبًا هناك ؟ فَكُلّ هؤلاء ليس بِيَدِهم الأمر، أما حينما توقِن أنَّ الأمر كُلَّه بيَدِ الله، الآن تعْبُده وحْده، وتُخْلص له وحده، وتُحِبّه وحْده، وتخافه وترْجوه وحْده، فالشَّهادة باللِّسان شيء، وأن تتعامَل مع العِباد لا أنَّهم آلِهَة، بل على أساس أنَّهم عبيد لله تعالى، لذا مُنْعَكسُ التَّوحيد مُنْعكَسٌ مُدْهِش، فَكُلّ أنواع القلق والخوف والرِّياء والنِّفاق ؛ كلّ هذا مِن ضَعْف التَّوحيد وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّ الخليفة الرَّشيد حينما جاء الحجّ قال: أُريد عالِمًا جيِّدًا أتعلَّمُ منه مناسك الحج، وكان وقْتَها الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فقيل له: اِذْهب معنا إلى الخليفة، فقال لهم: قولوا له: إنَّ العِلْم يُؤْتَى ولا يأتي ‍‍! فلمَّا بلَّغوه ذلك قال هذا الخليفة: صدَق، نحن سنأتيه، ثمَّ قال لهم الإمام مالك: قولوا له أن لا يتخطَّى رِقاب الناس، فقال: الخليفة: صدَق، سأجْلسُ حيث ينتهي بِيَ المجْلس، ثمَّ جاء الخليفة وجلسَ بِنِهاية المجْلس على كرْسِيٍّ فقال الإمام مالك: مَن تواضَعَ لله رَفَعَه ومن تكبَّر وضَعَه، وحينها جلس الخليفة على الأرض.
وهذا أحد الخلفاء، وأظُنُّه المنْصور، التقى بِأبي حنيفة النُّعمان فقال: يا أبا حنيفة لو تغشَّيْتنا ؟ فقال: وَلِمَ أتغَشَّاكم وليس ليَ عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشَّاكم إلا مَن خافكم على شيءٍ ! وإنَّك إن أكْرَمْتني فتَنْتني، وإن أبْعَدْتني أزْريْتني !! فالقَصْد أن الإنسان له إلهٌُ واحِد، العِبْرة والعِزَّة في التَّوحيد، فالطُّمأنينة والعِزَّة والاسْتِقامة والإخلاص من التَّوحيد، والنِّفاق والكذب والرِّياء والتَّذلُّل للناس من ضَعْف التَّوحيد، والتَّضَعْضُع، وهو التَّمَسْكُن للغنيّ، مَن جلسَ إلى غنِيّ فتَضَعْضَع له ذهَب ثلثا دينِهِ ؛ ابْتَغوا الحوائِجَ بِعِزَّةِ الأنْفس، فإنَّ الأمور تَجْري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفْسَهُ.
أيُّها الإخوة، الدِّين كُلُّه تَوْحيد، والعلماء قالوا: نِهاية العِلم التَّوحيد والنَّفس تتوازَن بالتَّوحيد، وتعْتَزّ وتَقْوى بالتَّوحيد، أما إذا أشْرَك تزَعْزع، فلو أراد أن يُرْضيَ الناس، فهذه غايَةٌ لا تُدْرَك، ولو اتَّفَقْنا جدلاً أنَّ إنسانا أرْضى كُلَّ الناس، فَهُوَ منافق، متلوِّن كالحرباء فلذلك الإنسان بالتوحيد تقوى نفسه و يطمئِنُّ قلبه،و بالتوحيد لا يعبأ بأحد وهل هناك موقف أشدُّ من فرعون ؟ كان يقتِّل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، فلمَّا آمن السحرةُ بموسى قال لهم فرعون:

﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)﴾

[ سورة طه ]
أنَّ الإنسان يعجب من هذه المواقف، فالحجَّاج كما قلتُ لكم أراد أن يقتل الحسن البصري لمَّا بلغه شيء من أمره، فقال: واللهِ لأَروِينَّكم من دمه، فجِيء بالحسن البصري ليقتله، وجاء السيَّاف ومُدَّ النطْعُ فتكلَّم الحسن بكلمات ما سمعها أحد، فما كان من الحجَّاج إلا أن وقف له و استقبله و أجلسه على سريره وقال له: يا أبا سعيد أنت سيد العلماء و سأله سؤالا وعطَّره وشيَّعه، فتبعه الحاجب وقال له: يا أبا سعيد لقد جِيء بك لغير ما فُعِل بك فماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: يا مُؤنسي في وحشتي و يا ملاذي عند كربتي اِجعَل نقمته عليَّ بردًا وسلامًا كما جعلتَ النار بردا وسلاما على إبراهيم " فليس لك إلا الله عزو جل والإنسان يكون حكيما و يأمر بالمعروف و يحسب الأمور بشكل دقيق لكن لا يُذل نفسه و لا يخاف إلا من الله عز وجل، فالتركيز على عقيدة التوحيد ضرورية وشيء بديهي إلا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أشار كثيرا إلى توحيد الألوهية فقال:
(( لا إله إلا الله حصن من دخلها أمِن من عذاب الله.."))
وقال:
(( لا إله إلا الله لا يسبقها عمل و لا تترك ذنبا.." ))
فإذا آمنتَ بلا إله إلا الله، أنَّه لا مُسيِّر إلا الله ولا فعَّال إلا الله ولا معطيَ إلا الله فقد دخلتَ في حصن، فإذا كان في إيماننا تقصير في التوحيد لمجرَّد أن تطيع إنسانا خوفًا أو طمعًا وتعصي الإله فقد نقص توحيدك، ولكنَّ الإنسان المؤمن لا يرضي إلا الله، لذلك أيها ال الإخوة هناك في الإسلام نهايتان ؛ نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، والأعمال كلها لا تُقبل إلا إذا كانت مطابقة للشرع، لذلك يقول الإمام الفضيل:" لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصا صوابا "، خالصا هو الذي ابتُغيَ به وجه الله، ولن تستطيع أن تبتغي بعملك كلها وجه الله إلا إذا وحَّدتَه، والصواب ما وافق السُّنة، فإذا وحَّدته فهو نهاية العلم و إذا أطعتَه فهو نهاية العمل، فأنت تحقِّق الهدف الكامل من وجودك إذا وحَّدتَه وعبدته، لذلك أكثر من أربعين آية في القرآن:

﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)﴾

[ سورة المؤمنون ]
ودعوة الأنبياء لخَّصها الله بقوله:

﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)﴾

[ سورة المؤمنون ]
ثمَّ لخَّص فحوى دعوى الأنبياء جميعًا فقال:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[ سورة الأنبياء ]
فهناك كلمتان: التوحيد والعبادة التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل، فإذا وحدتَ وعبدتَ حققت الهدف من وجودك على وجه الأرض.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-24-2018 09:47 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العنكبوت (29)


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والسِّتون والتي تليها، وهما آخر آيَتَين من سورة العنكبوت، والآية الأولى وهي قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)﴾

[ سورة العنكبوت ]
مَنْ اسْتِفهام، وأظْلم اسم تفضيل أيْ ليس في الأرض كُلِّها إنسان أشَدُّ ظلمًا لنفسِهِ ولِمَن حوله مِمَّن افْترى على الله كذِبًا ! تَكَلَّم عن الله ما لا يعْلم، فلو نظَر إلى إنسان مُرْتَكِب معْصِيَة وقال له: إنَّ الله غفور رحيم ! فهذه كلمة حق ولكن أُريد بِها باطل فالله عز وجل يقول في قرآنه الكريم:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(110)﴾

(سورة النحل )
رآهُ مقيمًا على المعْصِيَة فقال له: إنَّ الله غفور رحيم !! افْترى على الله كذِبًا، والله عز وجل يقول:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾

[ سورة الحجر ]
وقال تعالى:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾

[ سورة آل عمران ]
وقال تعالى:

﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
لذلك ليس في الأرض كُلِّها - هذا معنى الآية الدقيق - مِن آدَمَ إلى يوم القيامة إنسانٌ أشَدُّ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ ولِمَن حوله مِمَّن يفْتري على الله كذِبًا فإذا قال لك أحدهم: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلَّم لأهْل الكبائر من أُمَّتي ! ماذا نفْعَل بِهذه الآية الكريمة:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾

[ سورة الزمر ]
وماذا نفْعَلُ بالحديث الصحيح الذي قال عليه الصلاة والسلام فيه: أمَّتي أمتِّي فيقال:
عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ))

[ رواه البخاري ]
وماذا تفعل بِقَوْل النبي عليه الصلاة والسلام لاِبنته فاطمة:
((يا فاطمة أنْقذي نفْسَكِ من النار فأنا لا أُغني عنك من الله شيئًا، لا يأتيني الناس بأعْمالهم وتأتوني بِأنْسابِكم ؛ مَنْ يبطئ بهِ عَمَله لم يُسْرِع به نسَبُهُ.))
أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(33)﴾

[ سورة الأعراف ]
فهذه الآية ذَكَرت أنواع المعاصي، وآخرهم أن تقول على الله ما لا تعْلم لأنَّك إن تَكَلَّمْتَ عن الله ما لا تعلَم ضَلَّلْتَ العِباد، فالمُرابي على معْصِيَتِهِ، والمُنْحرِف أقامَ على انْحِرافه، وآكل المال الحرام بقِيَ على حاله، لذلك قيل: ابن عمر ! دينَكَ دينَكَ، لَحمُكَ ودَمُك، خُذْ عن الذين اسْتَقاموا ولا تأخُذ عن الذين مالوا، فمهما أعْطَيْتَ معلوماتٍ دقيقة وحَلَّلْتَ، وتبحَّرْتَ وأتَيْتَ بِنُصوص دقيقة، وقصص رائِعَة، إنْ لم تَحْمِل إخوانَكَ على طاعة الله فَكُلّ هذه المَعْلومات لا قيمة لها ؛ لأنَّ الدِّين اِلْتِزام، وإذا حَمَلَ الإنسان أخاهُ على طاعة الله والاسْتِقامة على أمْرِهِ، فَهُوَ حينما يسْتقيم تنعَقِدُ مع الله الصِّلَة، ترى مُسْلِمين بِأعْدادٍ خيالِيَّة، مليار ومائتان مليون !! كلمتهم ليْسَتْ العُليا، والآية صريحة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55) ﴾

[ سورة النور ]
فنحن نريد أن نُنَقِّي العَقائِد من الأوهام والزَّيْغ، هناك آلاف العقائِد يعْتَنِقُها الناس وهِيَ هجينة على الدِّين، والدِّين منها بَرَاء، وهذه العَقائِدُ تُشِلُّهم، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ الله عز وجل خلَقَ الكافر كافِرًا، وسيَضَعُهُ في جهنَّم إلى الأبَد ! وهكذا قدَّر الله عليَّ ! عقيدَةُ الجَبْر تَشُلُّ قِوى الإنسانِ تَمامًا، أما الصحيح أنَّ الإنسان مُخَيَّر، ولأنَّهُ مُخَيَّر فَهُوَ مُحاسَب ولأنَّهُ مُخَيَّر هناك ثواب وعِقاب، وجنَّة ونار، ولأنَّهُ مُخَيَّر أنْزَلَ الله الكتاب، ولأنَّهُ مُخَيَّر أنْزَل الله الرُّسُل، أما لو كان مَجْبورًا لكان كُلُّ شيءٍ فَعَلَهُ الله عز وجل لا معنى له، وقد ذَكَرْتُ لكم ذلك للعِلْم أنَّ أعْظَم معْصِيَةٍ على الإطلاق أن تقول على الله ما لا تعْلم، لذا راجِعْ نفْسَكَ؛ كُلّ قضِيَّة مُمْكِن أن تُحرِّف السُّلوك فاسأل عنها، لأنَّنا لو فرضْنا أنَّ واحِدًا اعْتَقَدَ أنَّهُ بيْننا وبين الشَّمْس مائة مليون كيلومتر والمسافة الحقيقيَّة مائة وستّ وخمسون مليون، فلا يحدث شيئًا، وكذا إن اعْتَقَدَ أنَّ الأرضَ مُسَطَّحة، وهي كُرَوِيَّة، فَهُناك أشياء ولو أخْطأتَ فيها، فَهِيَ لا تُقَدِّم ولا تؤَخِّر، أما إن أخْطأتَ في الله، ظَنَنْتَ أنَّهُ لا يُحاسِب فإذا هو تعالى يُحاسِب، فَمَثلاً لو أنَّ طالبًا اتَّكَل على صديقهِ بِدَعْوى أنَّه إن أعْطاه مبلغًا يأتي له بالأسْئِلَة ثمّ ارْتاحَ وما درسَ، وفي النِّهاية خاب أمله، فالطالب يُمْكِن أن يعْتَقِد ألف افتراض خطأ، فهذه العقيدة مُدَمِّرة ؛ قد يقولون لك: الحرارة اليوم خمس وثلاثون والحقيقة أنَّها أربعون، فهذه لا إشْكال فيها، فأيُّ خطأ بِمَوْضوعات كثيرة لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، أما إن اعْتَقَدَ أنَّ الأستاذ سَيُعْطيه الأسئلةَ وبِناءً على هذا ما درسَ ؛ فهنا المُشْكِلة، فالله تعالى قال:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)﴾

[ سورة العنكبوت ]
شيء غير صحيح وكلامٌ ما قالهُ تعالى، فالعَوَّام تَجِدُهم يَعْتقِدون عقائِد فاسِدَة ولا أصْل لها ولو اعْتَقَدَها الصَّحابة لما خرجوا من مكَّة أما لمَّا اعْتقَدوا العقيدة الصحيحة تَحَرَّكوا وتألَّقوا، وفتَحوا، والله سبحانه وتعالى رفَعَ شأنهم قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فالآن عندنا حالة ثانِيَة، التَّكذيب بالحق لما يأتيك، نحن عندنا حالتين؛ إمَّا أن تخلق نُصوص لا أصْل لها، وتدَّعي نُصوص لا أصل لها، وإما أن تردَّ العقائِد التي جاءَتْكَ، والمُشْكِلة أنَّ الإنسان مُقيم على انْحِرافات وعلى شَهَوات، فإمَّا أن يردَّ النُصوص الصحيحة، وإما أن يخْتلِقَ أفكارًا غير صحيحة، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)﴾

[ سورة العنكبوت ]
النتيجة قوله تعالى:

﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32)﴾

[ سورة الزمر ]
إذًا ما علاقة افْترى على الله كذبًا، أو كذَّبَ بالحق لمَّا جاءَهُ ؟ العلاقة أنَّ كلا العَمَلَيْن كُفْر، فقوله تعالى:

﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32)﴾

[ سورة الزمر ]
أن تَفْتَرِيَ على الله كذبًا ؛ هذا كُفْر، وأن تَرُدَّ النُّصوص ؛ هذا كُفْر فبعض سَفَلة القوم يقولون لك: الخَمْر غير مُحَرَّمة !!! الله تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)﴾

[ سورة المائدة ]
فاجْتنِبوه ؛ يقول لك: لكنَّه لم يقُل: حُرِّمَت عليكم !! فما قولك: أنَّ كلمة فاجْتَنِبوه من أعلى درجات التَّحْريم ؟ فالاجْتِناب أبْلَغُ من التَّحْريم والاجْتِناب أن تُبقي مسافة كبيرة بينَكَ وبين المُحَرَّم، فهناك أشياء تَحتاج إلى هامِش أمان، قال تعالى:

﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32)﴾

[ سورة الزمر ]
لذا علينا أن نُقيمَ جَرْدًا لأفكارِنا وتصَوُّراتنا، ومُعْتَقَداتنا، إذا كانت لدينا مُعْتقدات خِلاف السُّنة يجب أن نُعالِجَها.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
جاهَدَ نفْسَهُ وهواه، وجاهد بِكتاب الله عز وجل، قال تعالى:

﴿فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)﴾

[ سورة الفرقان ]
جاهَدوا فينا أَيْ تَعرَّفوا علينا، وبذَلوا وَقْتًا، فالذي معه دُكتوراه بالعلوم هل يُعْقَلَ أن يأخذ هذه الشَّهادة وهو نائِم ؟! أقل شَهادة تحتاج إلى دِراسة بكالوريا، والليسانس أكثر والدكتوراه أكثَر، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
أيْ بَذَلوا جُهْدًا كبيرًا حتَّى تعرَّفوا علينا.
قال تعالى:

﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
قال تعالى:

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

[ سورة الكهف ]
الإنسان لِمُجَرَّد أن يَطْلب الحق فالله عز وجل يأخُذ بِيَدِهِ، نحن عِندنا هِدايَة المصالِح، فالله تعالى أعْطاك عَيْنان، فإذا وَجَدْتَ حشَرَةً قاتِلَة تقتلها، وأعطاكَ سَمْعًا فإذا كنتَ نائِمًا بالبيتِ وسَمِعْتَ حركَةً، وأعْطاك شمّ، تشمّ بها الحريق، وأعْطاكَ لمْسًا وتوازُنا،وقَيْئا، فإذا أكَلْتَ شيئًا سامًّا تتقيَّأ، فالله عز وجل خَلَقَ في الإنسان خصائِص وغرائِز ؛ حِفاظًا على سلامتِهِ، لكنَّ هذه هِدايَة عامَّة، والحَيَوان كذلك فالحيَوان يتَّقي المطبَّات التي تُهْلِكُهُ، فأحيانًا نمْلة إذا وضعْتَ يدَكَ أمامها تُغَيِّرُ اتِّجاهها معنى هذا أنَّها أدْرَكَت العَقَبَة التي أمامها، فأوَّل هِداية هي الهِدايَة للمصالِح، والهِداية الثانية هي هِداية الوَحي ؛ جاء الوَحي على النبي عليه الصلاة والسلام والهِداية الثالثة هي هِدايَة التوفيق ؛ اُطْلب الحقيقة يُيَسِّرها الله لك ويَجْمَعُك مع أهل الحق ويُمَكِّنُكَ مِن إنفاق المال، ويدُلُّكَ عليه، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
هذه الهِداية الثالثة، فنحن عندنا هِدايَة عامَّة، وهيَ هِدايَة المصالِح فمثلاً العنَب الناضِج كان لوْنُه أخْضَر، وأصْبح أصفر والبن الناضِجَة كانت خضْراء فأصْبَحَت حمراء، أعْطاكَ علامات فإذا كان الطِّفْل معه الْتِهاب أمْعاء ترتفِعُ حرارته، والحرارة دليل فالله جعل لِكُلِّ شيءٍ خلقَهُ دليلاً، وهذا هِدايَةُ مصالِح، فالإنسان في الحياة يجْلس دون أن يسْقط، والله تعالى جَعَلَهُ قنوات توازُن هناك ثلاثة قنوات بِدِماغِهِ، بالأُذن الداخِلِيَّة ؛ قنوات التَّوازن، عبارة عن أقْواص فيها سائل وأهْداب، فإذا مال الإنسان، يصعد السائل إلى الأهْداب فَيَتَوازن الإنسان، فلولا هذا الجِهاز لكان كلّ مَن ركِبَ الدراجة يقع ! فالله تعالى هداك للمصالِحة، وهي الهِدايَةُ الأولى.
وهداك الله تعالى إليه بالوَحْي ؛ أنْزَلَ كتابًا على عَبْدِهِ، وأمرَ نبِيَّهُ أن يُشَرِّع لك، وأعْطاكَ عطاء العًْمة، فإذا أرَدْتَ الحق، هداك إليه، قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

[ سورة الكهف ]
وقال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
اللام لامُ التَّوكيد، والنون نونُ التَّوْكيد الثقيلة، ثلاثة توكيدات، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
مَعِيَّةُ الله تعالى مَشْروطة، وإذا كان الله معك فَمَن عليك، وإذا كان عليك فَمَنْ معك، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

[ سورة المائدة ]
فالآية أصْبَحت

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)﴾

[ سورة العنكبوت ]
ففي البيْت هناك مجموعَة معاصي، فإذا كنتَ صادِقًا فالله عز وجل يُعينُكَ على إزالتها، وتريد إنفاق المال في سبيل الله فإنْ أرَدْتَ هذا صادِقًا أعْطاكَ الله مالاً لِتُنْفِقَهُ، وتُريد أن تَهْدِيَ الناس، أطْلَقَ الله لِسانكَ، وتُريدُ أن تُرَبِّيَ بناتِك تربيَةً صالِحَة، فإن أرَدْتَ ذلك لانَ قلْبُكَ لها، فهذا هو قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]
ودائِمًا بآخِرِ السُّوَر تأتي الآياتُ تُلَخِّص السُّورة كُلَّها، وهاتين الآيتين من أدَقِّ الآيات، والإنسان إذا ردَّ الحق، وافْتَرى وظلمَ وردَّ الحق فهذا أظْلَم إنسان، وهو كُفْر، وبالمُقابل قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-24-2018 01:46 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، ذَكَرْتُ قبل أيَّام أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما يَشْهَدُ لِعِبادِهِ أنّ هذا القرآن كلامه ؛ إنَّما يشْهدُ لهم بِأفعاله، فإذا جاءَتْ أفعالهُ مُطابِقَةً لما في القرآن، وهذه الأفعال لا يَقْدِرُ عليها إلا خالق السماء والأرض، أفْعال الله المُؤَيِّدة لأقْوالِه في القرآن الكريم ؛ شَهادة الله لِهذا الإنسان أنَّ هذا القرآن كلامهُ.
الأفعال التي تُؤَكِّد وَعْدَ الله ؛ يُمْكِنُ أن تأتي، وأن تزيدَنا إيمانًا وعَظَمَةً بِهذا الكتاب، ولكنَّ أفعال الله التي تأتي مُصَدِّقَةً لِوَعيدِهِ، فهذا التَّصْديق وهذه الشَّهادة تأتي بعد فواتِ الأوان، فالإنسان حينما يأكل المال الحرام ولا يُصَدِّق ما جاء بِكَلام الله عز وجل، وأنَّ الله يَمْحَق الله الربا فإذا مَحَقَ الله له مالهُ، فَمَحْق الله لِمَاله شَهادة منه تعالى لِهذا المُرابي وها قد مُحِقَ مالهُ مِصْداقًا لِما جاء في القرآن الكريم.
هل هناك طريق أكْمَل لِمَعرفة كلام الله عز وجل ؟ أحَدُ أدِلَّةُ كلام الله شَهادة الله لِهذا الإنسان، وهناك دليل أقْوى ؛ إعْجازُهُ، وهو كثير فهناك إعْجازٌ تَشْريعي وبياني، وآخر إخْباري وعِلْمي، وهنا في هذه السورة سورة الروم ؛ إعْجازان: الأوَّل إخْباري والثاني عِلْمي، أمّا العلمي فقال تعالى:
﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

[ سورة الروم ]
أدنى الأرض؛ الآن عُرف عن طريق أشعَّة الليزر أنَّ أعمق نقطة في اليابسة هي غور فلسطين، وكتب التاريخ تؤكِّد أنَّ هده المعركة التي جرت بين الروم و الفرس جرت في غور فلسطين، و لم يكن أحدٌ يعلم أنَّ هذا الغور هو أعمق نقطة على الأرض على الإطلاق، و أعمق نقطة في البحر خليج مريانا في المحيط الهادي عمقه اثنا عشر ألف متر، وادي في قعر المحيط الهادي اسمه وادي مريانا، و أعمق نقطة في اليابسة غور فلسطين، وكنت زرتُ البحر الميِّت قبل أن يُحتلَّ و في الطريق مكتوب مائة متر تحت سطح البحر، و فيما أذكر أنَّ عمق هذا البحر ستُّمائة متر تحت سطح البحر، فأدنى الأرض الذي خلقها هو وحده يعلم أنَّ غور فلسطين أعمق نقطة فيه، هذا إعجاز علمي والحقيقة أنَّ هذا القرآن دستور ومنهج فلا بدَّ أن تتأكَّد أنَّه كلام الله.
أحياناً المسلم يأخذ موقفاً غير صحيح فيقول: تباركْنا بقراءة القرآن وسألني واحدٌ مرَّةً سؤالاً فقال: خطب ابنتي شابٌ في ريعان الشباب له معملٌ باسمه و له بيتٌ بأرقى حيِِّ في دمشق وله مركبة فخمة ولكنَّ دينه رقيق ؛ ماذا أفعل ؟ قلتُ: إقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾

[ سورة البقرة ]
ولم ينصع لهذه الآية، و بعد عشرين يوماً طلَّقها وكانت أخلاقه سيِّئةً جدًّا، فقلت لهم: لمَّا يقرأ الإنسان القرآن وينتهي يقول: صدق الله العظيم، وهناك مَن يُقَبِّلُهُ، فأنت إذا قلتَ صدق الله العظيم مائة مرَّة ولم تُصَدِّق ما فيه مِن نُصْحٍ، أو ما فيه مِن وَعْدٍ، ووعيد ولم تُحِلَّ حلاله، ولم تُحَرِّم حرامه، فأنت ما آمَنْتَ بالقرآن، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ‍))
فأنت إذا أطْلَقْتَ البصَر فأنت لا تقرأ القرآن، فَمَن لم يُحِلَّ حلاله، ولم يُحَرِّم حرامه ولم يؤْمن بِوَعْدِهِ، ومَن لم يَخَف مِن وعيدِهِ فلا يقرؤُهُ، فنحن الشيء الذي جَعَلنا مُتَخَلِّفين أنَّنا فَرَّغْنا الكتاب مِن مَضْمونه، وأصْبح كتابًا تُراثي، وكتاب طُقوس، ولكن هل بيتنا وِفْق القرآن ؟ تجدهُ يَكتب على المحلّ إنَّا فتَحْنا لك فتْحًا مُبينًا، وبسم الله الرحمن الرحيم:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)﴾

[سورة الذاريات]
إنَّ الله هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وبعد كلّ هذا تَجِد غِشّ، وكذب وتدليس وإخْفاء عُيوب، فما الذي يُجْدي من هذه الآيات التي تَضَعُها في مَحَلِّك والأنماط السُّلوكِيَّة كُلُّها مُخالفَة لِكِتاب الله، وكذا إن دَخَلْت إلى البيوت: تجد مَكتوبًا في الألواح: اللهمّ بارك هذا البيت ! والبيْت خالٍ من الطاعة لله ولِرَسولِهِ صلى الله عليه وسلَّم، وموبقات ومُلْهِيَات ومناظِر لا ترْضي الله تعالى، وتفلُّت، لذا نحن مُشْكلتنا أن نؤمن بِهذا القرآن كَمَنْهَج، وإنْ لم نفعل كُنَّا في خَسارةٍ مُبينة، والدليل على أنَّه كلامُ الله إعْجازُهُ العِلْمي، وهذه الآية مِن إعْجاز القرآن العِلمي.
هناك آية ثانيَة ؛ قال تعالى:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

[ سورة الحج ]
ولم يقُل بعيد، وقولك بعيد أوْضَح ! فالأرض كُرَة، وكُلَّما ابْتَعَدْتَ عن نقْطةٍ من نِقاطِها، يُصْبِحُ البُعْد عُمْقًا، فهذا لَوْنٌ مِن إعْجاز القرآن الكريم، أما إعْجازُهُ الإخباري فَهُوَ ثلاثة أنواع، غَيْب الماضي وغَيْب الحاضِر، وغَيْب المستقبل، فَمِن غَيْب المُسْتقبل أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

[ سورة الروم ]
وبعد سبع سنَوَاتٍ نشِبت معْركة بين الفرس والروم، فانْتصَر الروم.
مِن إعْجاز القرآن الإخباري، ولا سيَّما غَيْب المستقبل أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول
﴿:سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)﴾

[ سورة البقرة ]
أيْ يا أيُّها السُّفهاء إنَّكم سُفهاء مكَّة، وسوف تقولون ما ولاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ! بِرَبِّكُم لو أنَّ هؤلاء السُّفَهاء فكَّروا ثانِيَةً واحِدَة فسَكَتوا، فإنَّ سُكوتهم يُلْغي القرآن الكريم، لو أنَّهم سَكَتوا لأبْطَلوا كلام الله، وقال ما قالوا لذا في القرآن عندنا غَيْبُ الماضي، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)﴾

[ سورة آل عمران ]
وهناك غَيب الحاضِر، وغَيب المُستقبل.
فهذه الآية تحوي إعْجازين ؛ إعْجاز عِلمي أدْنى الأرض، وإعْجاز أخْباري على أنَّ معرَكَةً سوف تَقَع ينتصِرُ فيها الرُّوم كما وَعَد ربُّنا جلَّ جلاله.
سُئِلْتُ في دَرْسٍ سابق عن نِصاب الزَّكاة، والحقيقة أنَّ نِصاب الزَّكاة على حِساب الذَّهَب ؛ خَمْسُ وثمانون غرام ذَهَب ضَرب خمسمائة وسبعون، يكون الناتِج ثمان وأربعون ألف وخمسمائة ليرة سوريَّة فالذي يَمْلك هذا المبلَغ فإنَّ الزكاة تجِبُ فيه، أما الفِضَّة فسَبْعة آلاف ليرة سورِيَّة، أيْ سبعمائة غرام ضرب عشرة يكون الناتِج سبعة آلاف والفقهاء جميعًا يُؤْثِرون ويَسْتحْسِنون ويُفَضِّلون أن يُحْسَب المال على أساس زكاة الفِضَّة لا على زكاة الذَّهب رحْمةً بالفقراء، فلا مانِع للذي يَمْلك سبعة آلاف أن يدْفع زكاة مالهِ، رغْمَ أنَّه لا يُعَدُّ غَنِيًّا، وكما أنَّهُ لا مانِعَ أن يأخُذَ الزَّكاة، والإسلام فيه أخْذٌ وعَطاء.
يقول سائل: أنا أعمل في التِّجارة، وقد ملَكْتُ النِّصاب، فهل تَجِب عليَّ الزَّكاة مع العِلْم أَنَّني لم أتزوَّج، وبِحاجَة إلى تأمين مَسْكَنٍ، ومصاريف أخرى، والأمر الثاني أنَّ نصف مالي مُقْترض قرْضًا حسنًا
الحقيقة أنَّ المشاريع التي بِذِهْنِك لا تُلْغي الزَّكاة، فلو نويْتَ الزَّواج، أو بيْتًا فهذه المشاريع التي لم تتحقَّق لا يُمْكِن أن تُلْغي الزَّكاة إذْ هي تجب في المال الموجود، فمثلاً لو دَفَعَ الواحد سلفَةً كي يشْتريَ بيْتًا ولم يُحَدَّد نَوْع البيْت ولا مسافته ولا طابِقُه، ولا جِهتهُ، فما دام سُلْفَةً فعليه الزكاة، أما لو تحدَّد البيت وكتب العَقْد والمبلغ واضِح، فالآن الدَّيْن يسْتغرقُ الزَّكاة، أما الذي يعمل بالتِّجارة فالزَّكاة عليه واجبة من دون اسْتِثْناء، ومن دون أخْذ وردّ، أما إن أردْتَ الزَّواج فالله تعالى يُزَوِّجك وقد وردَت أحاديث كثيرة كما في الجامع الصغير، تبدأ هذه الأحاديث بِحَق الولد على ولَدِهِ، وحق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوْجِها، إلخ... إلا أنّ حديثًا واحِدًا إذا قرأْتَهُ اقْشَعَرَّ جلدُك: حق المسلم على الله أن يُعينهُ إذا طلب العفاف، شاب في ريْعان الشَّباب يدْعو الله أن يُيَسِّر الله له الزَّواج، وما مِن طلب أجْدر أن يُلَبَّى مِن هذا الطَّلَب، فالإنسان إذا نوى الزَّواج فَنِيَّةُ الزَّواج وَحْدَها تفْتَحُ سُبُل الرِّزق والنبي عليه الصلاة والسلام كان ما شَكى إليه أحد ضيق يدِهِ إلا وقال له اِذْهَب وتزوَّج!
ثمّ مَن هو الرَّزاق ؟ الله عز وجل، فأنت إن دَفَعْتَ الزَّكاة عن طيبِ نَفْسٍ منك، ورأيْتها مَغْنَمًا لا مغْرمًا، فالله سبحانه وتعالى مُكافأةً لك على هذا الأداء يُيَسِّرُ لك سُبُل الزَّواج، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ ]
يُخْلِفُهُ و قال تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(270)﴾

[ سورة البقرة ]
يقول هذا السائل: إنَّنا نقرأ القرآن ولكنَّنا لا نفهم تفسيره، فهل نقرءه بدون فهم ؟ بربِّك عدد الآيات التي لا تفهمها كم يساوي من كتاب الله ؟، لا تصل الواحد بالمائة، قال تعالى:

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42) ﴾

[ سورة المائدة ]
من لا يفهمها، وقال تعالى:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾

[ سورة طه ]
فكل آيات التكاليف قطعية الدلالة واضحة لا لبس فيها، وبعض الآيات المتعلقة بذات الله و بعض الآيات المتعلقة بأسرار الكون هذه إذا عرفتها أولم تعرفها لا تحسب عليها في القبر، و إنَّما تحاسب على الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، أمَّا قضية متعلِّقة بالكون و بالتاريخ إن فهمتَها أو لم تفهمها فهذا لا يقدِّم و لا يؤخِّر، إنَّما الذي يقدِّم و يؤخِّر هو الأمر والنهي لأنه قطعيُّ الدِّلالة، آيات محكمات لا لبس فيها، "السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " هل تحتاج إلى زمخشري إلى قرطبي إلى جلالين.

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾

[ سورة النور ]
كلُّها واضحة، فالأمر والنهي و الحدود و التكاليف واضحة لا تحتاج إلى مفسِّر، فاقرأ القرآن عن فهم أو عن غير فهم، و لكن أن تقرأه عن فهم أرقى، لقوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

[ سورة محمد ]
سؤال آخر، إنني لست مقيما في دمشق ولكنني زائر، فهل تجب عليَّ زكاة الفطر أن أدفعها هنا ؟ أم تجب أن أدفعها في بلدي و لكني سأحضر بعد العيد إلى بلدي ؟
الأغنياء وأصحاب الفعاليات التِّجاريَّة يبيعون ويشْترون، فهم يرْبحون مِن الشارين، وبعض الشارين فقراء، فالرِّبْح الذي أُخذ من هذه البلْدَة يجب أن يعود على هذه البلْدة، فبيَّاع الألبِسَة، يبيع الناس، ومنهم الفقراء، فهذا البائِع قد ربِحَ من الفقراء كذلك، فهذا الشاري الفقير الذي ربَّح هذا الفقير هو أوْلى بِزَكاته مِن واحد مِن بلدٍ آخر، فالأصْل في الزَّكاة أن تُدْفَعَ في البلد الذي جُمِعَ فيه المال، ويجوز نَقل الزَّكاة إلى بلدٍ آخر لِمَصْلحةٍ راجِحَة، فالذي يُقيم بأمريكا، ونشاطه التِّجاري هناك، وله أهلٌ فقراء جدًا، فالأكْمَل أن ينقل الأموال من أمريكا إلى بلدَهِ، وكذا مَن يُقيم بِبَلَدٍ فيه نفْط، فالأولى أن ينقل زكاة ماله إلى بلدِهِ فالأصل في الزَّكاة أن تُدْفع في بلدِ جَمْع المال، أما لِمَصْلَحَةٍ راجِحَة يجوز أن ينتقل المال مِن بلدٍ إلى بلدٍ لِمَصْلحة راجِحَة.
زكاة التِّجارة، مبدئِيًّا البِضاعة تُجْردُ بِكُلْفَتِها، أما إذا بِعْتَها بِرِبْحٍ فاحِش وكبير، ودخل الرِّبح بالصُّندوق، فهذا اسْتَحَقَّ الزَّكاة في العام القادِم فالبِضاعة تُجْرَدُ بِكُلْفَتِها، أما البِضاعة التي سوف تَدْفعُها زكاةً في الأصل تُحْسبُ البِضاعة بِكُلْفَتِها، أما إذا دَفَعْت البِضاعة زكاةً تُحْسَبُ بِكُلفتها أو بِسِعْر السوق أو أيُّهما أقلّ ؛ هذا هو الجواب.
والمرأة التي تَمْلِكُ الحليّ، فالحلي المُعَدّ للاسْتِعمال، ولا تمْلِكُ المرأة مالاً سائِلاً تَدْفَعُ عنه الزَّكاة، هذا الحليّ مُعْفى، أما المرأة الموسِرَة فيجب أن تَدْفَعَ زكاة حِلِيِّها، وكذا الحِليّ المَكسور، فهذا عليه زكاة لأنَّه انْقَلَب إلى مال، أما إذا كان للمرأة عشرة أساوِر فهذا تجب فيه الزَّكاة.
المسألة الأخرى، أنَّ كلّ سِلْعةٍ تشْتريها وتُريد الرِّبح فيها عليها الزَّكاة فلو اشترى الإنسان أرْضًا التي ليسَ عليها زكاة، ونوى عدم بيعها حتَّى يرتفع سِعْرها، فهذه عليها الزَّكاة، أما الأرض المُعَدَّة للزِّراعة فهذه لا زكاة عليها، وكذا البيت، وكذا السيارة والآلات المُعَدَّة للتِّجارة ؛ هذه كُلها عليها زكاة، أما المُعَدَّة للاسْتِعمال فهذه لا زكاة عليها.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 01:48 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الروم و هي قوله تعالى:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

[ سورة الروم ]
فالله سبحانه وتعالى أثبت للكفار العلم بظاهر الحياة الدنيا، و لا أدلَّ على ذلك من تقدُّم العلوم العصرية في العالم الغربي، فَكُل ما مِن شأنِهِ أن ينْفَعَهم في الدنيا، وأن يُمَتِّعَ أجْسادهم في الدنيا، تَفَوَّقوا بِهِ أيَّما تَفَوُّق فهذا عِلْم، ولكنَّ الحياة الدنيا مَحْدودة، والحياة الأبَدِيَّة مُمْتَدَّة فالذي يتعلَّم عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بالحياة الدنيا ينتهي عِلْمُهُ عند الموت، والذي يتعلَّم عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بالحياة الآخرة، ينتفِعُ بِهذا العِلْم إلى أبَدِ الآبدين، فلذلك شَتَّان بين مَن يَعْلم فرعًا مِن فُروع خَلق الله ؛ مُخْتصّ بالفيزياء والكيمياء والرِّياضيات، والفلك والحقوق الاقْتِصاد، وشتَّان بين مَن يعْلَمُ عِلْم الشَّرْع، والأفْضَلُ مِن هذا كُلِّه أن يكون لك عِلْمٌ بالله، لأنَّ هذا هو الذي يَسْمو بِكَ لذلك قال بعض العارفين مساكين أهل الدنيا جاءوا إلى الدنيا، وخَرَجوا منها ولم يَعْرِفوا أجْمَلَ ما فيها، فَمَهما ارْتقى الإنسان في العُلوم المادِيَّة يبْقى ذَكِيًّا وليس عاقِلاً، فلا يُسَمَّى الإنسانُ عاقِلاً إلا إذا عرف الله تعالى فما كُلّ ذَكِيِّ عاقِل، ولكن كلّ عاقِلٍ ذَكِيّ، تجِدُ أشْخاصًا كثيرين مُتَفَوِّقين في اخْتِصاصاتِهم ويحملون أعلى الدَّرَجات ولا يُصَلُّون، وقد يأكلون أموال الناس بالباطِل، وقد يبتزون أموالهم، ويتعاملون مع الناس وكأنَّ لِهؤلاء الناس لا ربَّ لهم ولن يُحاسِبَهم، وهم يَمْلِكون أعلى درجة عِلْمِيَّة، فقد يطْلب الطبيب من المريض أن يعمل عَمَلِيَّةً جِراحِيَّة، وهذا المريض مُسْتغْنٍ عن هذه العَمَلِيَّة ‍‍‍!! فقط من أجل أن يأخذ منه الطبيب أربعمائة ألف، وتجد هذا الطبيب يَحْمِل أعلى درجة مِن أمريكَا !! فُضِحَ أمْرُهُ، فهذا يَعْلم، فهل يُسَمَّى عاقِلاً ؟ لا، هذا ذَكِيٌّ وليس عاقلا، فالعاقِلُ مَن عرفَ الله، قال تعالى:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

[ سورة الروم ]
والعِبْرة بِمُؤَدَّ الشيء، قال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

[سورة الفرقان]
هناك مُجَمَّع سِياحي، وهناك مُهندسون واختصاصيين ومُهندس حدائِق ومهندس مياه، وإلا أنَّ هذا المُجَمَّع كُلّه يقوم على المَعْصِيَة.
أحد المرَّات اِفْتُتِح جامِعُ في الصَّبورة فَدُعينَا إلى افْتِتاحِه، وأنا خارِجٌ منه في الضِّفة الثانِيَة مَلْهى يَحوي كُلَّ الموبِقات، فقلتُ: سبحان الله ! شَّتَّان بين مَن يبْني جامِعًا، وبين مَن يبْني مَلْهًى، وصاحِبا المَلهى والجامِع سَيَموتان، وإنَّ أعْظَمَ الأعمال ما يسْتَمِرّ بعد وفات صاحِبِهِ وإنَّ أخْطرَها وأشْنَعها ما يسْتَمِرُّ بعد مَوْتِ صاحِبِه، ثمّ أُخْبرتُ أنَّ صاحب ذلك المَلْهى تُوُفِّي بعد أسبوع ! فَهذا المَلهى هو في صَحيفَتهِ إلى يوم القيامة !! وكُل موبِقَة يرْتَكِبُها الناس في صحيفَتِهِ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ))

[ رواه الترمذي ]
هناك أشياء برَّاقة ولكنَّ السمّ فيها، فَيُمْكِنُ لِمَحلٍّ راقٍ، وبِضاعتِهِ نِسائِيَّة، ويَدْخُل على هذا المَحلّ نِساء كاسِيات عارِيات مائلات وصاحِب المحلّ يُمَتِّع نَظَرُه بِتِلْكَ الحَسْناوات، وتَجِد محلاًّ آخر، عتيق وضجيج والمحل لِبَيْع العدس والحمص، ولكن ليس في مَعْصِيَّة الله فشَتَّان بين المكانين ! فأنت يُمْكِنُ أن ترْتاحَ لِفُندق خمسة نُجوم، وكلّ شيء فيه مُريح، ولكن فيه مِن المعاصي ما الله به عليم، ويُمكن لِفندق مَطْموس النُّجوم ولكن ليس فيه المَعْصِيَّة، فالعِبْرة أن يتجاوَزَ الإنسان المَظاهِر، وما دام يَهْتمّ بالمظاهِر فهذا مُشْكِلَتُهُ مُشْكلة، فَهُناك مظاهِر تنتهي إلى النار، وأماكن خَشِنَة، فالذي دَخْلُهُ مَحْدود لا يسْمح بالزنا، ودخْلُهُ حلال، تجد بيْتهُ صغيرًا، وطعامُهُ خَشِنا، وآخر لهُ دَخل غير مَشْروع، وهذا الدَّخْل غير المَشْروع يسْمَحُ له أن يأكل ما لذَّ وطاب، ويرتدي أفْخمَ الألْبسَة المُسْتوْرَدَة، فَبِهذه العَين ؛ هذا الإنسان يعيشُ حياةً راقِيَةً جدًّا، وذاك يُقال عنه مِسْكين، أما عند الله تعالى العكس، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)﴾

[ سورة الواقعة ]
قال عليه الصلاة والسلام:

(( أهلا بِمَن خبرني جبريل بِقدومه ! ))
فقد تكون مرتبتُكَ بسيطة جدًّا، مُوَظَّف بسيط بِزَاوِية مُهْملة في إحدى الوزارات أو كاتب أو حاجب، لكنَّ دَخْلَكَ مَشْروع فالعِبْرة الأَبَد، حينما يُكشَفُ الغِطاء، فإذا هذا الإنسان الفقير المَغْمور الذي لا يعْرفُهُ أحد ؛ أدى الصَّلوات الخمْس واتَّصل بالله، وخد َم الخَلق، وكان عفيفًا، فهذا الإنسان سيَغْدو مَلِكَ الدار الآخرة.
أيها الإخوة، نحن الآن في عالَم الصُّوَر، وعالَم الصُّوَر فيه زَيْف كبير فلو فرضْنا أنَّ أبًا ترَكَ خمسة ملايين، وجاء أحد الإخوة الكبار، وأخَذَ كُلَّ المَبْلغ، واشْترى أجْمل بيْتٍ، وزيَّن البيْت، وجعل مكاتب له وسكريتاريا، وبَقِيَ الإخوة الأربعة فقراء ! فلو أنَّ إنسانًا زارَ الغَنِيَّ ورأى ما عندهُ مِن تُحَف، وأشياء نادِرَة، وزارَ الفقير فرأى بيتَهُ صغيرا وخَشِنا، فهذه العَيْنُ ماذا تُريكَ ؟! تُريكَ أنَّ الغنيّ أقْرَبُ إلى الرَّفاه من الفقير، ولكنَّ العَقْل يُريك أنَّ هذا المَحروم مِن إرْث والِدِه وذاك المُغْتَصِب مِن إرْث والِدِه ؛ شتَّان بينهما ! إنسانٌ يلْقى الله والله راضٍ عنه، والإنسان الثاني يلقى الله وهو عنه ساخِط !
فهذا الدَّرْس، يَهُمُّنا أنَّ الإنسان يتجاوَز المظاهر، فقد زارني شَخْص له مَكْتب تِجاري، ولكن بِضاعَتُهُ غير مَشْروعة، وهَدَفُها إفْساد الأخْلاق، قال لي: أنا عَمَلي قَذِر ! ووالله له مَكْتب يُكَلِّف الملايين وفي اليوم التالي ذَهَبْتُ إلى مُصَلِّح مرْكبة ؛ رَجُل مُخْلِص ومستقيم وكان يوم شِتاء فانْبَطَح تحت المركبة حتَّى أصبح لونه أسود حتَّى صلَّح المركبة وأخذ على ذلك أجراً معتدلا، هذا هو العمل النظيف، أمَّا بالعين فبالعكس، فنريد تجاوز هذه العين إلى عين القلب، قال تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

[ سورة الحج ]
فالإنسان ما دام يتعلَّق بما تراه عينه يتعب قلبه كثيرا، فدخل مشروع يسمح لك أن تعيش حياة خشنة أفضل من دخل مشبوه تعيش له حياة مشبوهة ناعمة، ألا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ورُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة، فالعبرة بخواتيم الأعمال و العاقبة للمتَّقين، و الغنى والفقر بعد العرض على الله والنجاح والفوز والفلاح والذكاء إذا نجوتَ من عذاب النار، فإذا وصلتَ على الجنَّة بسلام، وإذا كان قبرك روضة من رياض الجنَّة، فهذه قِصَّة لأحد الرِّجال غير المنضبِطين، كان سبب إيمانِهِ أنَّ صديقًا له مِن الأثْرِياء، وكان يعيشُ أنواع النَّعيم ؛ أربع زوْجات وأربع قُصور، وبساتين، فهذا الصَّديق ماتَ فجْأةً ثمَّ قيل أنَّهُ ماتَ مَسْمومًا مِن إحْدى زوْجاتِهِ، فَفُتِحَ قبْرهُ، وفُتِحَت مَعِدَتُهُ، وأُخِذَتْ عَيِّنَة مِن مَعِدَتِهِ للتَّحقيق في الموضوع، فَصَديق هذا المُتَوَفَّى نَزَلَ إلى القبْر، فرأى مَنْظَرًا لا يُحْتَمَل، فقد انْتَفَخَ الميِّت، وأزْرق، والدود عليه، ورائِحَة لا تُقابَل، فانْدَهَش هذا الرَّجل لِمَا رآه من حال هذا الثَّري في القبر، وبعد حينٍ أرادوا أن يَدفنوا إنسانًا فوق إنسانٍ آخر في القبر، ومضى على هذا الميِّت في القبر أربعون عامًا، فَتَوَقَّع الناس أنَّهُ الآن عِظام، فإذا بهِ لمَّا يُفْتَح القبر، ويُقْسِمُ بالله العظيم الذي رأى هذا المَنْظر ؛ الجُثَّة كما هي، ولَحْمُهُ كما هو، وشيء خِلاف المألوف والطبيعة، وقد كان هذا مِن حُفاظ كِتاب الله، وكان رجلاً صالحًا وإمامًا في أَحَدِ المساجد الضَّخمة في دِمشق، فهذان المنْظَران أخذا بيدِهِ إلى الله عز وجل.
موضوعنا في هذا الدرس ؛ أنّ العَين غرَّارة وخدَّاعة، وليس كُلّ بيْتٍ جميل صاحِبُهُ سعيد، وليس كُلّ كوخٍ حقير صاحِبُهُ شَقِيّ، وليس كُلّ دَخْلٍ كبير فيه بركَة، وليس كُلّ دَخْل قليل مُزْعِج، وفقد يكون الدَّخْل القليل الحلال أشْرفُ وأقرب عند الله تعالى مِن دَخْل كبير حرام، وقد يكون إنسانٌ مريض وراضٍ عن مرضِهِ، وهو أحْسَن مِن إنسانٍ كالحِصان وهو بَطِر، لذا نحن نُريد حقيقة الأمور، ورُبَّ أشْعَثَ أغْبر ذي طمْريْن مَدْفوعٍ بالأبواب، لو أقْسَمَ على الله لأبرَّه، مَن هو بلال رضي الله عنه ؟ صحابي وعَبْدٌ حبَشي، وقَفَ بِبَاب سيِّدنا عمر أبو سفيان زعيم قريش والشَّخْصِيَّة الأولى في قريش، وطبْعًا أبو سفيان أسْلَمَ بعد الفَتْح، فَوَقَفَ بِبَاب عمر ساعاتٍ طِوال ولم يُؤْذَن له، وبلال وصُهَيْب يَدْخُلان دون اسْتِئذان، فتألَّم أشَدَّ الألم، ولمَّا دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين ؛ سيِّدُ قُريش يَقِفُ بِبَابِكَ ساعاتٍ طِوالاً، وصُهَيب وبِلال يَدخُلان دون اسْتئذان ؟‌‌‍! فقال له عمر رضي الله عنه: وهل أنت مِثلهما ؟! ومَن يُصَدِّق أنَّ سيِّدُنا عمر عملاق الإسلام يخْرج من المدينة مُتَوَجِّها إلى ظاهِرِها لاسْتِقبال سيِّدنا بلال ؟ ومَن يُصَدِّق أنّ شابًا عمره سبعة عشرة سنة يقود جَيْشًا فيهم أبو بكر وابن الخطَّاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم ! وسيِّدُنا الصِّديق أراد أن يُرَكِّز مكانه أمام الصَّحابة، ومشى بِرِكابِهِ، فأُسامة يركب الناقة كَقَائِدِ جَيْش وخليفة المسلمين يَمْشي على رِجْليْه، فقال أسامة ولم يتحمَّل الموْقف: يا خليفة رسول الله لَتَرْكَبَنَّ أو لأنْزِلَنَّ، فقال له: والله لا رَكِبْتُ ولا نَزَلْتَما عليَّ أن تغْبرَّ قَدَماي ساعةً في سبيل الله، فلمَّا أراد سيِّدنا الصِّديق أن يسْتبقي سيِّدنا عمر بن الخطاب كَمُسْتشارٍ له، لم يقل له: تعال يا عمر وابْقَ معنا ! ولكن تَوَجَّه إلى أُسامة قائِدِ الجَيْش، وقال: أتَأذَنُ لي بِعُمَرَ! سيِّدنا الصِّديق يسْتأذِنُ أُسامة في أن يُبْقي له عمر ! هذا هو الإسلام، ونحن نُريد تَجاوُز المظاهِر، وتجاوُز المظاهر البراقة والخدَّاعة، وإسلامًا حقيقيًّا، ولن نُنْصر وإسلامنا غير حقيقي أصْبَحَت الآن العمرة كالحج ؛ مملوءة واكْتِظاظ، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لن تُغلب أمتي من اثني عشرة ألف من قلَّة..."))
فما الجواب؟! قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

[ سورة مريم ]
أيها الإخوة الكرام، العُمْر قصير، والوقت ثَمين، والموت على الأبواب، ولا يستطيع أحدٌ مِنَّا ضَمان ساعة، ومَنْ عدَّ غدًا مِن أجَلِهِ فقد أساء صُحْبة الموت، والإنسان عليه أن يُغادِر والله قد عفى عنه والمظاهر لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، والله عز وجل أثْبتَ لِهَؤُلاء الكفار أنَّهم يعلمون ظاهِرًا من الحياة الدنيا.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 01:49 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مِن الثابت أنَّ كُلَّ إنسانٍ على وَجْه الأرض كائِنًا مَن كان، مِن أيِّ مِلَّة أو مذهب أو دين أو انْتِماءٍ، عنده مَطْلبان ثابتان لا يتغيَّران ؛ هذان المظهران هما السَّلامة والسَّعادة، فهل يوجد على وجه الأرض مَن يتمنَّى المرَض ؟ المرض العُضال، والفقْر المُتْقِع وحَبْس الحُرِيَّة والقَهْر والإهانة، والخوف، والفزَع، فما مِن إنسانٍ على وَجْه الأرض إلا ويتمنَّى سلامةً وسعادةً، يتمنَّى الغِنى والصِّحة والزَّوْجة الصالحة، وأولادا أبرارا، ودَخْلا كبيرا، ألا يسأل أحدكم هذا السؤال: ألَيْسَت الأرض مُفْعَمَةً بالمصائب والأمراض والأحزان والفقْر والهُموم والزلازل والصواعق والفيضانات، والحروب الأهْلِيَّة، والموت جوعًا، فكيف نُوَفِّق بين قوله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)﴾

[ سورة هود ]
خلَقَنا لِيَرْحَمنا فلِمَ المصائِب ؟
أيها الإخوة، الآية الدقيقة جدًّا هي قوله تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النِّساء ]
المعنى المُخالف أنَّه إن لم تؤمنوا يُعَذِّبْكم، وإن آمَنتُم ولم تشْكروا يُعَذِّبْكم، أوَّلاً ينبغي أن نعلم عِلْم يقين أنَّ الشرَّ المطلق لا وُجود له في الكون، فالشر المطلق هو الشر المَقصود لِذاته، فمثلاً أبٌ له ابنٌ في أتَمِّ صِحَّتِهِ، ويضَعُهُ في غرفة العَمَلِيَّات، ويفتح بطْنه دون سبب !! لا يوجد أبا يفتح بطْن ابنِهِ ويقطع الشرايين والأوْرِدَة، ويفْصِلُ الجلد عن بعضِه دون سبب، أما الأب الطبيب، حينما يتأكَّد أنَّ هناك الْتِهاب زائِدَة يُخَدِّره، ويفْتح بطْنه، ويخرج الدم، ويُغْلِقُ الشرايين ويستأصِلُ الزائِدَة، فأوَّل شيء بالعقيدة أنَّ الشر المطلق لا وُجود له في الكَون إطلاقًا، ومَن اعْتَقَدَ خِلاف ذلك فقد كفَرَ، لأنَّ المعنى أنَّ الله عز وجل يُعَذِّب الناس مِن دون سبب !! فالعوام يقولون: سبحان الله ! كأنَّ الله خلَقَنا للعَذَاب !! فهذا الكلام مَرْفوض، ويتناقض مع أصْل الدِّين ويتناقض مع العقيدة الصحيحة، فأنت حينما تؤمن وتسْتقيم على أمْر الله انْتَهَتْ المُعالَجَة، وإن آمَنْتَ وشَكَرْتَ حقَّقْتَ الهَدَفَ مِن وُجودِك.
السؤال الآن ؛ ما دامَت السَّلامة والسعادة هدفان ومطْلبان ثابتان وأساسيَّان في حياة كُلِّ إنسان مؤمن أو كافِرٍ، فكيف نُحَقِّق السعادة والسلامة ؟! أدَقّ جواب وأبْسَطُه ؛ أنت كائِنٌ، لك صانِع، والصانِع هو الجِهَة الوحيدة التي ينبغي أن تُتَّبَعَ تَعْليماتها، قال تعالى:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سورة فاطر ]
فالله وَحْدهُ الذي ينبغي أن تُطيعهُ لأنَّ الأحد الذي يعْلم قال تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾

[ سورة البقرة ]
إذًا لا بدَّ مِن طاعَتِهِ.
سؤال ثاني ؛ ألا تَرَوْن أنَّ في العالم الإسلامي الحلال والحرام مَعْروف ؟ هل يوجَد مُسْلم بالأرض لا يعلم أنّ الخمْر حرام ؟! وكذا الزِّنا والربا وأكل المال بالباطل... السؤال: أنَّنا كُلُّنا يريد السلامة والسعادة أما كَمُسْلِمين مهما كان المُسْلِم مُتَخَلِّفًا في عَقْلِهِ أو في عِلْمِهِ إلا ويعْلم أنّ السرقة حرام، وأكْل المال الباطل حرام، والعُدْوان على أعراض الناس حرام، طيِّب لماذا العالم الإسلامي غارق بالمعاصي ؟ الأموال تُنَمَّى عن طريق البنوك، والعلاقات الاجْتِماعِيَّة مُتَفَلِّتة ؛ اخْتِلاط ونساء كاسيات وعاريات ومُميلات في الطرقات، ولا يُبالي المسلم ما إن كان دَخْلُهُ حلالاً أم حرامًا، فكيف نُفَسِّر معرفة الحلال والحرام وعدم تَطْبيقِهِ ؟ يُفَسَّر - وهذه الفِكْرة دقيقة جدًّا، وهذه هي المشكلة في الدَّعوات الإسلامِيَّة غير ناجحة - أنَّك إذا عرَفْتَ الأمْر ولم تعْرف الآمِر تَفَنَّنْتَ في التَّفَلُّتِ من هذا الأمْر، أما إذا عَرَفْتَ الآمِرَ قبل الأمْر تفانَيْتَ في طاعته، معنى ذلك أنَّ المسلمين اليوم عرفوا الأمْر ولم يعرفوا الآمِر، وشرَفُ الأمْر مِن شرف الآمِر، وعظمة الأمر مِن عظمة الآمِر، فالإنسان حينما يعصي الله، أو حينما يتساهَل ؛ معنى ذلك أنَّ حَجْم معرِفَتِهِ بالله غير كافِيَة، فلو أنَّها كافِيَة لما عصى ربَّهُ والدليل: هل يمكن لأحَدٍ من الإخوة الحاضرين أن يقطع الإشارة الحمراء والشرطي أمامه ؟ مُستحيل أن تُخالِف!! وكذا أيُّ إنسانٍ غلبَ على عقْلِهِ أنَّ الله تعالى يُراقِبُهُ ويعلم وسَيُحاسِب فإنَّه يسْتقيم، فالعَقبَة إذًا عَقَبَةُ معرفة الله عز وجل، فحينما تعصي الله يجب أن تعلمَ عِلْم يقين أنَّ حجْمَ معْرِفَتِكَ بالله غير كافِيَة، فَمِن باب التَّوضيح والتقريب يُمْكِن أن نرْمز لِقَناعاتِك بِوَحَدات، فإذا كانت وحدات المعرفة بالله أقلّ مِن الشَّهوات، فالشَّهوات هي الراجحة، وحينما تقترف معصِيَة فمعنى ذلك أنَّ حجْم معرفتك بالله أقل من هذه الشَّهوة، لذلك رجَحَت الشَّهوة وإن كان التعادل دَخَلْتَ في الصِّراع ! أما إذا زاد حجم معرفته بالله دخل بالأعماق، وانتفى الصِّراع، يقول لك: والله لو قطَّعْتني أرْبًا إرْبًا لا أعصي الله، قال له: يا عم، ماذا يريد ابن أخيك ؟ لو أراد مالا جعلناه أكثرنا مالاً، ولو أراد النِّساء زوَّجْناه أجْمَل فتياتنا، ولو أراد العِزَّة والسلطان ولَّيْناهُ أمورنا، ولا نقْطع أمرًا دونه، فقال:

((والله يا عمّ، لو وضَعوا الشمس بِيَمني، والقمر بشمالي، على أن أدَعَ هذا الأمر ما تركتُهُ حتَّى يظهره الله أو أُهْلَكَ دونه !))
فيا أيُّها الإخوة إذا رأيْتَ مَن يعصي الله فيجب أن تعلَمَ أنَّ حجْم معرفته بالله قليل، والأمْر معروف عنده، فالحلال حلال، والحرام حرام، ولا إشْكال في هذا، ولكنَّ الإشكال في معرفة الله، لذا يُمْكن أن يكون مِحْوَر اللِّقاء ؛ إذا عرَفْتَ الآمِر قبل الأمر تفانيْت في الطاعة، أما إذا عرفت الأمْر قبل الآمر تفنَّنْت في المعْصِيَة، وحجْمُ معرفتِكَ بالله هو الذي يُحَدِّدُ طاعتك له، فكلَّما زاد هذا الحجم اندفعتَ إلى طاعته،وكلَّما قلَّ هذا الحجم تفلَّتَ من طاعته.
هذا الكلام ذكرتُه كمقدِّمة لآية كريمة، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

[ سورة الروم ]
والسؤال لم أُجب عنه بعد، المسلمون يعرفون الحلال والحرام و معظمهم غارقون في الحرام، ما تفسير ذلك ؟ إنَّهم لا يعرفون الله،وكيف يعرفونه ؟ قال تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)﴾

[ سورة الأنعام ]
إذاً كيف ؟ عن طريق العقول، و الله عز وجلَّ لاُ يرَى لكنَّ آثاره تدلُّ عليه، فصار عندنا طريق وحيد إلى الله، أنَّ الكون يُجسِّد أسماء الله الحسنى و يظهر عظمة الله ووحدانيته، وأنَّ العقل أداة معرفته فحينما تُذكَر آيات في كتاب الله تشير إلى عظمة الكون إنْ فكَّرتَ فيها وصلتَ من خلالها إلى الله، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

[ سورة الروم ]
هذا خلقه، الشمس آية و القمر آية والمجرَّات آية و اكتُشِفتْ حديثاً مجرة بُعدُها عنَّا ثلاثمائة بليون سنة ضوئية، فهذا الماء الذي تشربه و الهواء الذي تستنشقه، و ابنك الذي بين يديك ألم يكن نطفة من منيٍّ يُمنى، الطفل يضحك ويبكي و يدرس و يقرأ ويأكل و يشرب و ينجح هذه الأجهزة الدقيقة، مائة وثلاثون مليون عُصيَّة و مخروط في عينه و ثلاثمائة ألف شعرة و لكل شعرة عصب و شريان و غدة دهنية و غدة صبغية و عضلة، خمسة وثلاثون مليون عصارة هاضمة في المعدة، الأمعاء تتجدَّد كلَّ ثمانية و أربعين ساعة شيء لا يُصدَّق لذلك إذا ورد في القرآن الكريم إشارات إلى الكون فمعنى ذلك أنَّ هذه موضوعات التفكر هي طريق معرفة الله عز وجل.
هناك طريق ثانٍ قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا(10)﴾

[ سورة محمد ]
هذه أفعاله، لك أن تعرفه بخلقه ولك أن تعرفه بأفعاله و لك أن تعرفه بكلامه، قال تعالى:

﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(82)﴾

[ سورة غافر ]
البينات آية و الأفعال آية و الخلق آية وهذه مصادر ثلاثة لمعرفة الله عز وجل ؛ خلقه يدل عليه وأفعاله تدلُّ عليه و كلامه يدلُّ عليه، إنْ أردتَ أن تعرفه فعليك بالكون متفكِّراً أو بالقرآن متدبِّراً أو بالحوادث متَّعِظاً، لذلك القصص التي يسمعها الناس و التي تظهر فيها عدالة الله في أجلى معانيها هي دلائل على معرفة الله عز وجل، قلتُ لكم مرةً: لي صديق زوجته تركت البيت إلى بيت أهلها و مرَّ على ذلك ستة أشهر و أردتُ أن أكون وسيطاً بين الزوجين فطلبتُ أخ الزوجة وهو موظَّف في إحدى جهات القطاع العام، قال لي:وأنا في طريقي إلى المطار مع مديري كان ثمة جروٌ صغير جالس على طرف الطريق في أيسم الشتاء والزفت في أيام الشتاء دافئ لأنَّه أسود و الأسود يمتص الحرارة و هذا الجرو جالس على طرف الطريق فأراد المدير أن يظهر براعته في القيادة فيقطع يدي هذا الجرو قال: وأنا غير منتبه، و فجأة انعطفت السيارة وأطلق السائق ضحكة باردة فعلاً قطع يديه فقط وتابع سيره، أقْسَم لي بالله وهو عندي أنّه في يوم السبت القادم تعطَّلت له السيارة في المكان نفْسِهِ، ورفع السيارة بالجهاز كي يُغَيِّر العَجَلة، فإذا بالجهاز ينفكّ وتقع السيارة على الجهاز والجهاز على يديه ‍مِن الرسغَين ! ولما أُخِذ إلى المستشفى، وفي حين أخذِهِ اسْوَدَّتْ يداه فَقُطِعَتا !! فهذه أفعاله، وهناك ملايين القِصص، فأفعال الله تدل عليه وخلقهُ يدل عليه، وكلامه يدلّ عليه، فما علينا إلا أن نجهد في معرفته فإذا عرفناه تفانَيْنا في طاعته، أما إن لم نعْرفه فإنَّك تتفنَّن في التَّفلّت، حِيَلٌ شَرْعِيَّة، وتَقْصير، ويقول لك: نحن عبيد إحسان وليس عبيد امْتِحان، ونسأل الله أن يغفر لنا ؛ هذا كلام شيْطاني، فالإنسان يستطيع أن يستقيم، وقد قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[ سورة البقرة ]
ذَكَرْتُ هذا الدرس، لأنّ الله تعالى يقول:

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

[ سورة الروم ]
بآيتين ثلاثة مصادر للمعرفة ؛ خلقُه وأفعاله وكلامه، قال تعالى:

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(70)﴾

[ سورة التوبة ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-24-2018 01:51 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الله جلَّ جلاله يَجِلّ عن أن يقول كلامًا لا معنى له وقد ذَكَرْتُ هذا من قبل كثيرًا، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

[ سورة الروم ]
مِن للتَّبعيض، الطِّفل الصغير يزن ثلاثة كيلو غرام، فإذا بلغَ سِنَّ الرشْد، تجد وزْنه بالخمسين فما فوق، فهذا الوزْم مِن أين جاء ؟ مِن الطَّعام والشّراب، والطعام والشراب مِن أين جاء ؟ مِن التراب، تُلقي بذْرةً في التراب فَتُصبِحُ ثمْرةً تأكلها، لذا قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

[ سورة الروم ]
ألَم يلْفت نظَرك إلى الوردة ذات الألوان الرائِعَة، بياض ناصِع وصفار فاقِع، أحْمر قاني، رائِحة عَبِقَة، وأوراق خضْراء، أشْكال هَنْدَسِيَّة فهذه مِن تُراب، ألم يلْفِت نظَرَك هذه الفاكِهَة لَوْن وطَعْم ورائِحَة وقِوام وشَكْل وتناسُق، في بعض اللَّوْحات الزَّيْتِيَّة توضَع فيها مناظر طبيعِيَّة التفاح والكمَّثرى ؛ غير موضوع الطَّعام والشراب، مَنْظَر جمالي فالفاكهة لها شَكْل جمالي رائِع، فالكتُّاب الذي تَدوسُهُ بِقَدَمِك، طيف أصْبَح هذه الفاكِهَة، وهذه البيْضَة، لو راقَبْتَها لوَجَدْتها تأكل كلّ شيء فقد تأكل القمامة أحْيانًا، تُعْطيكَ بيضة ؛ سِتَّة عشرة فيتامينًا، موادا ودُهوان وكالسيوم، وحموضا أمينيَّة، وهذه البقرة تأكل حشيشا فتأخذ منها الحليب، ولبَنا، وسَمنا، وجبنة، فالألبان أحد أكبر أنواع الغِذاء بِحَياتنا، مِن حليب، فهذه البقرة كيف تصْنعُ الحليب ؟ هي حَيَوان أعْجَم لا يعرف كيف يصْنع الحليب ‍؟ لذا موضوع البقرة موضوع يلْفتُ النَّظَر، غُذَّة الثَّدْيِيَّة بالبقرة قُبَّة فوقها شبَكَة أوْعِيَّة دَمَوِيَّة، والخلِيَّة الثَّدْيِيَّة تنتقي مِن الدَّم حاجتها ؛ تأخذ بروتينا ودهنا وشَحما وفيتامينات وتصنع حليبًا كامِلَ الدَّسَم، لو وازَنْتَ بين الحليب والحشيش، وما يأكله الدَّجاج والبيْض، والتراب والزَّهرة، والتراب والفواكه، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

[ سورة الروم ]
قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

[ سورة الروم ]
المرأة إنسانٌ له عَقْل، ومشاعِر وعواطِف ومبادئ، تُحبّ وتغْضب وتَسْعد وتَشْقى، وترضى، فَشَريكَةُ حياتِك فالله تعالى تكريماً لك جعل الزوجة إنساناً يشعر لشعورك ويتألَّم لألمك، ويرضى برِضاك ويغْضب لِغَضَبِك، فأحيانًا الإنسان لو عاش مع آخر دونه معيشيًّا أو ثقافيًّا أو دونه فِكْرِيًّا تجدهُ يضْجر، ومن كرم الله على الإنسان أن جَعَل زوْجته مِن جِنْسِهِ، والنِّساء كما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم شقائق الرجال، فالزَّوْجة إنسان لها ميِّزاتها، فَهِيَ تُنْجب الأولاد وتُرْضي زَوْجها، وتقْضي له حاجته، وتقرأ القرآن وتخاف من الله، فَهِيَ من طبيعتكم، ومِن جِبِلَّتِكم، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

[ سورة الروم ]
وقال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾

[ سورة الروم ]
مرَّةً سافَرْتُ إلى إيران فلم أفْهَم ولا كلمة، ولا حرف ! ما هذا اللِّسان ؟! لغة عربيَّة ولغة فارِسِيَّة، ولغة إنكليزية وفرنسيَّة...، وكذا ألوانكم هناك أسْوَد وأبيَض وحِنطي.
قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾

[ سورة الروم ]
ينام اثْنان فالأوَّل يرى نفْسَهُ في بسْتان، ومعَ مَن يُحِبّ، وآخر يرى نفسَهُ مع ثعبان، فهذا المنام له معنى كبير ؛ معنى هذا أنَّ لك حياةً نفْسِيَّة لا علاقة لها بالجسَد إطْلاقًا فقد يرى أحدهم منامًا مُفْرِحًا يبْقى شَهْرًا مغْموسًا في السَّعادة، وآخر يرى منامًا مُخيفًا فيبقى مُتأثِّرًا أيَّاما ! فالنَّفْس مُسْتَقِلَّة عن الجسَد، والحقيقة أنّ المنام إشارة من الله على الحياة الأُخْرَوِيَّة، وبِشارة من الله تعالى.
فالله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)﴾

[ سورة الرعد ]
سحابَةٌ مُكَهْربة كهراءً سلْبِيَّة، وتلك إيجابِيَّة، تلتقي السَّحابتان فيَحْدُث البرْق، فالتَّيار الآن عندنا مائتان وعشرون، أما في السَّحاب فبالآلاف ومئات الآلاف فأحيانًا الصاعقة لا تُبقي ولا تذر ! لولا المطر ماذا نفْعل تَجِفّ الأنهار والآبار، ويموت النبات والحيوان، لي صورة لِبَلَدٍ إفريقي أصابَهُ الجفاف سبعة سَنَوات ! الأبقار ميِّتة والأشْجار كُلّها يابسة والشَّعب كُلّه هاجَر ! تجد بلدًا مُتألِّقًا ؛ صناعات وتِجارات ومحلات بِفَضْل الأمطار ولولاها لَهَجَرْنا هذه البلْدة، فالبيْت الذي ثمنه كذا وكذا إذا انعدم منه الماء أصْبَحَ لا شيء، فهذا المُسْتودَع الضَّخم الذي يُرْوي خمسة ملايين إنسان فقد سَمِعْتُ أنَّ دمشق اسْتِهلاكُها سبعمائة ألف متر مُكَعَّب كل ساعة ! هذه مِن آياته، قال تعالى:

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

[ سورة الحجر ]
فالله أراحنا من تخزين المياه، وأنت حينما تدفَعُ فاتورة الماء، فهذه فاتورة الخِدْمة وليس فاتورة الماء، فالماء ليس له ثَمَن.
قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)﴾

[ سورة الروم ]
شؤون السماوات والأرض بأمْرِهِ تعالى، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)﴾

[ سورة الروم ]
الإنسان يموتُ ويُدْفَنُ، ويُدْعى لِيُحاسَب، فالآذِن أحيانًا ينادي في المحكمة فلان الفلاني، فيأتي لِيُحاكَم، قال تعالى:

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26)﴾

[ سورة الروم ]
هذه لامُ المُلْك، أي لهُ خلْقًا وتصَرُّفًا ومصيرًا، فقد تمْلِكُ ولا تنتفِعُ وقد تنتفِعُ به وأنت لا تمْلِكُهُ، وقد تمْلِكُهُ وتنتفِعُ به ومصيرُهُ ليس إليك، قرار اسْتِملاك تُصْبح خارج البيت، ففي الدنيا ليس المصير إليك، أما إذا قلنا عن الله تعالى لَهُ أيْ هو المُتَصَرِّف وهو الذي خلَق وإليه المصير، قال تعالى:

﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾

[ سورة الروم ]
كلمَّا تفكَّرتَ في خلقِهِ وجَدْتَ أنَّ الخلق الثاني أهْوَنُ عليه مِن الأوّل !.
أيُّها الإخوة الكرام، عبادة قصَّر فيها المسلمون ؛ إنَّها التفكُّر في السماوات والأرض، فالإنسان لمَّا يتأمَّل هذه الآيات يتعرَّف إلى الله ويتقرَّب إليه بِطاعَتِهِ، فإنْ رأيْتَ أنَّك تعْصي الله فاعلَم أنَّ في إيمانِكَ نقْصٌ شديد، لأنَّ الإيمان الكامل يَحْملُ صاحِبَهُ على الطاعة، وما دام هناك مُخالفات فمعنى هذا أنّ الإيمان غير مُجْدي وغير كافٍ، فأنت إن أرَدْتَ أن تشتري بيْتًا، وأنت معك مالٌ ولكن ألف ليرة فقط !! فأنت معك المال ولكنَّه غير كافٍ، فأنت تعرف الله ولكنَّك لم تعْرفه المعرفة الكاملة، فالإنسان ينبغي أن يتفكَّر في خلق الله تعالى ؛ في الطَّعام والشَّراب واللَّبن والهواء والإبل، وهذا التَّفكّر يُوَلِّد معرِفَةً بالله، وتلك المعرفة تَحْمِلُكَ على طاعة الله تعالى.





والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-24-2018 01:52 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الخامس






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة الروم، وهي قوله تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
الأحْنف ؛ المائِل، وأقِم وجْهك حنيفًا أيْ أَطِع ربَّك مُحِبًّا له.
الحقيقة أنَّ الإنسان أحْيانًا يُنَفِّذُ أمْرًا مِن دون اهْتِمام، أمَّا أقم وجهك للدين ؛كما لو أنَّ إنسانا يرى ضغطه على ساعة الضغط و يخشى أن يكون ضغطه مرتفعًا، فتكاد عينه تخرج من رأسه،

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
يعني أعلى درجات الاهتمام و التركيز والتعظيم، أحيانا تسير في طريق و عينك على طريق آخر، تقدِّم شيئا ولا تعبأ بالشخص الذي أمامك، تتكلم و لا تبالي من تكلِّم، أمَّا أقم وجهك ؛ أي اهتمامك طاقتك وتفكيرك وجهدك مرَكَّز على طاعة الله عز وجل مع الميل، ذلك قالوا: من أطاع الله وما أحبَّه فما عبده و من أحبَّه ولم يطعه فهو كاذب فكلمة عبادة تعني طاعة مع محبَّة، فلو خلت العبادة من المحبة فليست عبادة، ولو خلت المحبة من الطاعة فليست عبادة و ليست محبة فالإنسان بعد ما عرف الله عز وجل من خلال الكون سوف يبحث عن أمره ونهيه كي يقيمه بشكل حازم، وأدقُّ ما في الآية أنَّ إقامة وجهك للدين حنيفا ذاك العمل و ذاك الحب وذاك السلوك متطابق مع فطرتك التي فُطرتَ عليها تطابقا تامًّا.
أحيانا لو جئنا بخريطة لسورية فيها تضاريس و أقمنا حولها إطارا ثم صببنا عليها جبس سائل، وبعد أن يجفَّ هذا الجبس فستنتج خريطة متطابقة مع الخريطة الأولى تطابقا تامًّا، صدِّقوني أنَّ طبيعة النفس البشَرِيَّة مع أوامر الدِّين كهذا القارب مع هذه الخارِطة ؛ تطابق تام فأنت لا ترْتاح إلا إذا أطَعْتَ الله عز وجل وما دام هناك مُخالفَة هناك ضيق وقلق، ولا تميل النَّفْس إلى الراحة والسَّكينة إلا بِمَعْرفة الله تعالى، وطاعته وخِدْمة خَلْقِهِ، فَصيغَة الآية:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
أي إقامة وَجْهِكَ للدِّين حنيفًا هو عَيْنُهُ فِطْرة النَّفس.
والاسْتِنباط ؛ أنَّك مهما بَحَثْتَ عن السَّعادة، ومهما عن الطمأنينة والاسْتِقرار مِن دون أن تُقيمَ وَجْهك للدِّين حنيفًا فهذا مُسْتحيل فإذا أرَدْتَ أن تُوَفِّرَ وقْتَكَ وجُهْدَكَ فلا سبيل إلى طمأنينتِكَ وسعادتِكَ وسكينتِكَ إلا بإقامَتِكَ للدِّين حنيفًا، قال تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
معنى ذلك أنَّ التَّدَيُّن فِطْري، والإنسان حينما يتديَّن ينْسَجِمُ مع فِطْرتِهِ وترْتاح نفْسُهُ، قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ سورة الرعد ]
وقال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

[ سورة الشمس ]
أي إنَّها إن فَجَرَتْ تعْلم أنَّها فَجَرَتْ وتنْهارُ داخِلِيًّا، وإنَّها إن اتَّقَت تعْلَمُ أنَّها اتَّقَت فَتَرْتاحُ داخِلِيًّا، فتَجِدُ في المؤمن مِن الطمأنينة والاسْتِقرار ما لو وُزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم، فما سِرُّ هذه الطمأنينة ؟‍‍‍! أنَّهُ أقامَ وَجْههُ للدِّين حنيفًا، لو تصَوَّرْتَ شرْطِيًّا عند ملِكٍ والمَلِكُ يُحِبُّه وغالٍ عليه فهل يخاف الشرطي من الوزير فهذا مِن أجل أنَّهُ مُقَرَّب لا يخاف، قال تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
لذلك هناك موضوع بالإسلام قلَّ مَن ينتَبِهُ إليه الناس ؛ إنَّهُ موضوع الفِطْرة ؛ لك عَقْلٌ يكْشِفُ لك الحقائِق، وعَقْلٌ تَهْتدي به إلى الله تهتدي به إلى أنّ الله خالق وموجود وواحِد، وتهتدي بأنَّ ذاك الإنسان رسول الله، وتهتدي إلى أنَّ هذا الكلام كلام الله، فهذا نشاط عقلي لكنَّ الله عز وجل فضْلاً عن ذلك أوْدَعَ فيك مِقْياسًا نفْسِيًّا ؛ يقول لك: انْقبَضْت وارْتَحْتُ، فإذا القَضِيَّة خلاف الشرع لن ترْتاح، لو لم تمْلكُ الحُكْم الشَّرعي لن ترتاح وراحة نفْسِكَ بِطاعة الله، والإنسان قد يرْتكب عملاً في ظاهِره مُغطًّى شرْعًا، ولكن فيه حِيلَةٌ شَرْعِيَّة، فأحدهم نزَّل قيمة بيت بِنِصْف قيمته وذلك باتِّفاق منهم، وكان أصْحابه أيْتاما !
فإذا أكْرم الله الإنسان بِفِطْرة سليمة، وضمير حيّ لو لم يعلم الحكْم الشرعي فإنّ نفْسهُ تتضايَق، لأنّ النفس مُبَرْمجة على الأمر والنَّهي فإذا كان هناك مسافة، كان دليل الضِّيف فأيّ إنسان يسألك سؤالاً سببُ سؤالهِ تَضَايُقُه، ولولا ذلك لما سأل، فلو أنّ شَخْصًا اشْترى الفاصولياء بِمال حرام، هل يسألك ما حُكم أكل الفاصولياء ؟! لا يسألك لأنَّه مرتاحٌ نفْسِيًّا، أما إن كان الأمر فيه مُخالفة شَرْعِيَّة، وشعور بالمعْصِيَّة، لذا أنت معَكَ ميزان الفطْرة، وأنا أسْتَخْدِم هذا الميزان كثيرًا، فقد حرَّم العلماء خَلوة الأخت من الرَّضاعة ! لأنَّها تُشْتهى والسفر خلوَة، أنْ يخْتلي أخٌ بِأُخْتِهِ من الرَّضاعة هذا لا يجوز، فالنَّفس تتوافق مع شَرْع الله، ففي عالم الميكانيك، لو فرضْنا أنَّ آلة لك تحتاج إلى برغي من قِياس كذا، وأتَيْتَ بِبُرغي قياس أكبر أو أصغر في آلةٍ فهذا لا ينْفع، وأنا لا أكْتُمكم أنَّ الإنسان تنْطمِس نفسُهُ أحيانًا قال تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)﴾

[ سورة المطففين ]
فالذي يريد أن يحْرص أن تبْقى فِطْرتُهُ سليمة وضميرهُ يقِض عليه أن يُطيع الله كي يكون له واعِظ مِن نفْسِهِ، وكلَّما قال لك أحد: لسْتُ مرْتاحًا، معناها أنَّ فِطْرته تُؤنِّبُهُ، وقد قالوا: أنَّ الإسلام دينُ الفِطْرة فالاخْتِلاط لا يجعل النَّفس مُرْتاحة، تُحَدِّثها وتراها وتَسْمعُ كلامها وترى قِوامها وشَكْلها وحركتها، ثمَّ يوحي لك إبليس كي تقول: مثل أخْتي! هذا خِلاف الفِطْرة، فلا بدّ أن تعرف أنَّ لكَ بُنْيَة نفْسِيَّة مُبَرْمَجَة في أصْل خِلْقَتِها مع الشَّرْع، ومتوافقة، وحينما تُطَبِّق الشَّرْع ترْتاح هذه الفِطْرة، وإن خالَفْتَ الشَّرْع تجد فيك القلق وهوة يدْعو إلى التساؤُل والشَّك، فلو أنّ أخًا لك بعث معك بِضاعة كي تبيعها بِسِعْر كذا وزِدْت على ما قال: تَجِدُ نفْسَكَ غير مرْتاحة، فهذا فِطْرَتُهُ سليمة، فأكْثَر أسْئِلة كسْب المال والتِّجارة، والبيع والشِّراء مِن جرَّاء عدم راحة النَّفس، قال تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
فإن أرَدْت أن يرْتاح عقْلك فآمِنِ بِكِتاب الله وسنَّة رسوله، وإن أرَدْت أن ترْتاح نفْسُك فاسْتَقِم على أمْرهِ، فالعَقْل غذاؤُه الإيمان، والنَّفْس غِذاؤُها الطاعة، فالمُطيع يشْعُرُ أنَّها ملَكَ الدنيا، قال تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)﴾

[ سورة هود ]










والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-24-2018 01:53 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلْنا في سورة الروم ومع الآية الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى:
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[ سورة الروم ]
الآية التي قبْلها شُرِحَت قبل العيد، وهي قوله تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]
المَنْهَجُ الذي أنْزَلَهُ الله على النبي صلى الله عليه وسلَّم مُتَوافِقٌ أتَمَّ المُوافقة مع فِطْرة النَّفس، فحينما يُقال: الإسلام دينُ الفِطْرة أيْ أنَّهُ مُتوافق مع النَّفْس البشَرِيَّة، فالذي خلَقَ النَّفْس البشَرِيَّة وخلقَ خصائِصَها، وخلق جِبِلَّتَها، وطِباعها ومبادِئها، هو الذي أنْزَلَ الكتاب على عبْدِهِ، وهو الذي أمَرَ ونهى، هناك توافق بين خلْق الله وبين تَكْليفهِ ؛ خَلَق وكلَّفَ، فلذلك أنْ تُقيم وَجْهك للدِّين حنيفًا عَيْنُ فِطْرة الله التي فطَرَ الناس عليها لا تبديل لِخَلق الله، وهذا هو أصْل الدِّين.
قال تعالى:

﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾

[ سورة الروم ]
أي ينبغي أن تكونوا مُنيبين إليه أي راجِعين إليه في الأمْر والنَّهْي وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقَّافًا عند كتاب الله، أنت لك مرْجِع، أما الكافر فَشَارِدٌ، يَفْعَلُ ما يشاء، وينطلِقُ من غَريزَتِهِ ومَصْلَحَتِهِ، ومِن شَهْوَتِهِ، أما المؤمن وقَّافٌ عند حُدود الله، وله مرجع، ويسأل ما حكْم الشرع في هذا الموضوع ؟ وما حُكْم الشرع في هذه القضيَّة ؟ وفي هذه الصَّفْقَة ؟ وفي هذه العلاقة ؟ وفي هذا السَّفَر ؟ وفي هذا الغضَب ؟ وفي هذا العَطاء والرِّضا، فأنتَ لك مرجع، قال تعالى:

﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾

[ سورة الروم ]
في الأمْر والنَّهي، ويرْجِعون إليه بِقُلوبهم، قال تعالى:

﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[ سورة الروم ]
ولكن مرْكز الثِّقل قوله تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)﴾

[ سورة الروم ]
مَن هم المشركين في هذه الآية ؟ قال تعالى:

﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[ سورة الروم ]
أيْ شارَك الله في التشْريع والعقيدة، واعْتقدَ بِشيء، وسفَّه ما سِواه وبحثَ عن الأدِلَّة بعد أن اعْتقَد بالشيء ! ودَقِّقُوا معي في هذا الموضوع أخْطَر فئةٍ في الدّين أَهْل الرأْي، مَن هم أهل الرأي ؟ الذين اعْتنَقوا رأيًا، ثمَّ بَحَثوا له عن أدِلَّتِهِ، فَهُو جاء بِعقيدة جديدة وفِكْرٍ جديد وبَحث عن الأدِلَّة، فالقرآن والسنَّة إنْ دعَمَت هذا الرأيْ تَمَسَّك بِهما وإن نَقَضَتْ هذا الرَّأي أغْفَلَهما ! إن كان قرآنًا أغْفَلَهُ، وإن كان سُنَّة كذَّبها، فدينُهُ رأيُهُ، وهؤلاء فرَّقوا دينهم وأصْبحوا دينهم دينَ رأْي كما تعلمون فِرَق وطوائِف، واتّجاهات، وفقد كان الإسلام واحِدًا وإلهٌ واحِد وقرآنٌ واحِد، وأصْبح هناك عشرات بل مئات الفِرَق والطَّوائِف فهؤلاء فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعًا، والشِّيَع جمْع شيعة ؛ أيْ انْحِيازٌ إلى مذْهب دون تَفْكير، قال تعالى:

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[سورة الروم]
فَكُلّ جماعة تدَّعي أنَّها على حقّ، وما سِواها على باطل، وحينها يتمزَّق الإسلام ويُصْبِحُ فِرَقًا، ومذاهب وجِهات وتتناحَر، وتتقاذف الطَّعْن وأنّها على الحق وسواها على الباطل ! هذا عَمَلٌ خطير جدًّا قال تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[ سورة الروم ]
فيَنْبغي أن نتعاوَن وأن نعود إلى الأصْل الواحد ؛ شَجَرةٌ لها جذع وفُروع وأغْصان، فالأغْصان كثيرة والفروع كثيرة ؛ أما الأصل فَوَاحِد، فالمُخْلِصون الآن يعودون إلى الأصْل، وإلى الكتاب والسنَّة الذي يَجْمَعُنا جميعًا، وإلى الأحاديث الصحيحة التي تجْمعُ شَمْلنا وفضْلاً عن ذلك نتعاوَن فيمَّا اتَّفَقْنا ويَعْذُرُ بعضُنا بعْضًا فيما اخْتَلَفْنا لذا مِن الأعمال الكبيرة جدًّا عند الله أن نأتي بِرَأْي مِن عندنا، وأن نبْحَث لهُ عن أدِلَّة مِن الكتاب والسنَّة، فإن جاء الدليل مُوافقًا تمسَّكْنا به، وإن جاء مُخالِفًا رفَضْناه فالأصْل إذًا رأْيُنا، والدِّين رأْيُنا، فهذا العَمَل يُفَرِّق الدِّين، ويجْعَلُهُ فِرَقًا، وطوائِف، ويُفَتِّتُ المسلمين، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
كيف نخْتَلِفُ والكتاب واحِدٌ، والنبي صلى الله عليه وسلَّم واحِد والسنَّة واحِدَة ؟ مرَّةً ثانِيَة الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة تُفَرِّق، أما الصحيحة فتَجْمَعُ، فإذا تمسَّكنا بِكِتاب الله وسنَّة رسوله الصحيحة اجْتَمَعنا، فلِذلك مِن علامات الإخلاص أن نَجْتَمِع، ومنْ علامات ضَعْف الإخلاص أن نتفرَّق، والله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)﴾

[ سورة الروم ]
لا تَكُنْ مُشْرِكًا بِمَعنى أنَّك تَبْتَدِعُ في الدِّين بِدْعَةً، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ:

(( مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ))

[رواه النسائي]
لذلك العقيدة ثابِتَة ومُنْتَهِيَّة، وكذا العِبادات، ولا يُضاف عليها ولا يُحْذَفُ منها، قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)﴾

[ سورة المائدة ]
إذا الله سبحانه وتعالى أتَمَّ هذا الدِّين وكمَّلَهُ، أتَمَّهُ عدَدًا، وكمَّلَهُ نَوْعًا فهل يَحْتَمِلُ الدِّين إضافات جديدة ؟ وهل يحْتَمِلُ الدِّين أن نَحْذِفَ منه شيئًا لا يتناسَب مع هذا العَصْر ؟ إنَّك إن قلتَ هذا فأنت تتَّهِمُ الله تعالى في حِكْمَتِهِ، وترفض هذه الآية، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[ سورة البقرة ]
إن ظَنَنْتَ أنَّ هناك تَكْليفًا فوق وُسْعِ البشَر فأنت تُكَذِّب هذه الآية، ومن كذَّب آيةً فقد كَفَر، فأيُّ أمْر في الكتاب والسنَّة في وُسْعِ النَّفس البشَرِيَّة أن تُطَبِّقَهُ، فأَنْ تقول: لا أستطيع ! وهذا الأمْر لا يتناسَبُ مع العَصْر ولا يتناسب مع التَّقدّم !! فأنت تَتَّهِمُ كتاب الله عز وجل أنَّهُ قاصِر على أن يُلَبِّي حاجات البشَر، أو أن يُغَطِّيَها، لذلك الأصْل هو النَّص، فأنت بعد أنْ آمَنْتَ بكِتاب الله عز وجل، لا يشْغَلُكَ إلا شيءٌ واحِد، أن تبْحَثَ عن أمْر الله تعالى، وعن نَهْيِهِ، فالأصْل هو الأمْر، أما إنْ جَعَلْتُ فِكْرتي هي الأمْر، وبَحَثْتُ لها عن أدِلَّة، وانْتَقَيْتُ انْتِقاءً يُعْجِبُني ورفَضْتُ ما لا يُعْجِبُني، فأنا أعْبُدُ نفْسي، ورأيي، وابْتَدَعْتُ دينًا جديدًا قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[ سورة يوسف ]
على بصيرة أيْ بالدَّليل والتَّعْليل، والبيان، والحق يتوافَقُ مع الفِطْرة ومع العَقْل، ومع الواقِع، فإذا تَخَلَّفَتِ الفِطْرة فهِيَ ليْسَتْ عقْلاً، وإن تَخَلَّفَ الواقِعُ فليس حقًّا، هذا الحق مُتَوَافِق مع الفِطْرة والعقْل والواقِع فَحينما آتي بِفِكْرةٍ ليس لها دليل فأنا أتَيْتُ بِدِينٍ جديد وابْتَدَعْتُ، فلذلك إنَّ هذا العِلْم دين، فانْظروا عمَّن تأخذوا دينكم، وخُذْ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين ماتوا، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[ سورة يوسف ]
لو قلتُ لك: أنا قلتُ هذا، وهذا هو الحق، فَأنت بِهذا أشْرَكْتَ نفْسَكَ في التَّشْريع، لذلك كلمة الإشْراك أحْيانًا تنْصَرِفُ إلى مَن يأتي بِجَديد وليس معه دليل، يقول لك: كلامي هو الدليل، وخطأُ الشَّيْخ خيرٌ مِن صَواب المُريد !! كلام لا أصْل له، الأصل الكتاب والسنَّة، فهذه الآية:

﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[ سورة الروم ]
مَن هم المشرِكون ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
أصْبَحَ الدِّين خمسين مَذْهبًا، واتِّجاهًا هؤلاء ضِدّ هؤلاء، وهؤلاء ضِدّ هؤلاء، وهؤلاء يُكَفِّرون هؤلاء،نحن على الحق، وغيرنا على الباطل هذه هي مُشْكِلة المسْلمين، وأصْبَحْنا فِرَقًا وطوائِفَ وشِيَعًا، وأحْزابًا وتفرَّقْنا، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
قال تعالى:

﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾

[ سورة الروم ]
إذا انْتَقَل المُريد مِن شيْخٍ لآخر يُكَفَّر ! هذه هِيَ مُشْكِلَةُ المسلمين، وعدمُ إخْلاصهم هو الذي يَدْعوهم لِهذا.
أيُّها الإخوة، كلمَة خِتامِيَّة، ودَقِّقوا فيما أقول: لن ولن تكون مُؤْمِنًا إلا إذا كان انْتِماؤُكَ إلى مَجموع المؤمنين، وليس إلى شِرْذِمة منهم، فإذا قلتَ فلان هو الحق وغيرهُ باطِل فأنت لا تعرف الإسلام، ولسْتَ مؤمنًا أما أنت كَمُؤْمِن فإنَّ انْتِماؤُك إلى مَجْموع المؤمنين، لِقَول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)﴾

[ سورة الحجرات ]
فَكُلّ مؤمن يجب أن تُرَحِّب به، وهو على العَيْن والرَّأس، وأخي ؛ فهذا هو الدِّين، مليون قاسِم مُشْترك يَجْمَعُنا وبعضُها يُفَرِّقُنا، فهذه القضايا المُفَرِّقة أغْفِلوها، وأبْرِزوا نِقاط الاتِّفاق والحال كحال الشَّجرة لها أصْل واحِد، فنحن نبيُّنا واحِد وديننا واحِد، والكتاب واحد وكذا السنَّة واحِدَة، فَلِمَ الاخْتِلاف ؟ قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[ سورة يوسف ]
يجب أن تفرَح بِكُلّ أخٍ كريم، ومهما كان اتِّجاههُ، إلا إذا اعْتَقَدَ عقيدَةً ضالَّة فلا بدّ أن تُناقِشَهُ، وتُرْشِدَهُ، فلا ينبغي أن تُقِرَّهُ على ذلك، أما إن كانت عقيدتُهُ صحيحة، وسُلوكُهُ حسَن فهذا أخي في الله مهما كان اتِّجاهه، أما الانْحِياز لِجَماعة، والتَّعَصُّب لها والطَّعْن فيما سِواها فهذا سُلوك شَيْطاني، والشَّيطان ما أراد إلا أن يُفَرِّقَنا، فذا شَهِد الشَّهادتين وأقام الصلاة وآت الزكاة فهذا أخ كريم في الله.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-24-2018 01:55 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلْنا في سورة الروم ومع الآية السادسة والثلاثين وَصْفٌ لِحالةٍ مرَضِيَّة تُصيب الإنسان أحْيانًا ؛ هذه الحالة قوله تعالى:

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)﴾

[ سورة الروم ]
فأَنْ تقْنَطَ مِنْ رحْمةِ الله إذا جاءَتْكَ مُصيبَة بِما قدَّمَتْ يداك ؛ هذه حالة مَرَضِيَّة ! لماذا ساق الله لك هذه المُصيبة ؟! مِن أجل أن تعود إليه فإذا عُدْتَ إليه أزاحَها عنك، ما أنْزَلَها عليك إلا لِيُزيحَها عنك، وجاءَتْ مُذَكِّرة لك، فأَنْ ييْأسَ الإنسان، وأن يقْنَطَ، وأن يَظُنّ أنَّهُ قد انتهى لماذا ساق الله هذه المُصيبَة ؟ مِن أجل أن تعود فإذا عُدْتَ أزاحها عنك فأَنْ تيْأسَ وأنْ تقْنَطَ هذا مِن ضَعْف الإيمان، ثمَّ إنَّ الإنسان إذا أصابَهُ رَخاء نَسِيَ مَنْهَجَ الله تعالى، واغْتَرَّ، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)﴾

[ سورة العلق ]
إن رأى نفْسَهُ غَنِيًّا أو فقيرًا أو صحيح الجِسْم، مُتألِّق المكانة ينْسى منْهَجَ الله، ويقول: إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي !! فالبُطولة أيُّها لإخوة أن تكون في الرَّخاء شَكورًا، وفي البَلاء صَبورًا مُتفائِلاً، ولو أنَّكم اطَّلَعْتُم على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لوَجَدْتُم العَجَب العُجاب ذَهَبَ إلى الطائِف، مع سيِّدنا زيْد، وعلَّق الآمال عليه، فكَذَّبوه وسَخِروا منه، وردُّوهُ، فلمَّا عاد إلى مكَّة، قال له سيِّدنا زيْد: كيف تعود إليها وقد أخْرَجَتْكَ ؟! فقال عليه الصلاة والسلام:
((إنَّ الله ناصِرُ نَبِيَّه ! ))
وكان في غارِ ثَوْر وتَبِعَهُ المُطارِدون ووصَلوا إلى فَمِ الغار، حتَّى قال الصِّديق: والله يا رسول الله، لو نَظَرَ أحدهم إلى موطأ قَدَمِهِ لرآنا، قال:

((يا أبا بكْر ما ظَنُّك باثْنَيْن الله ثالثهما ؟!))
وفي طريق الهِجْرة هُدِر َ دَمُهُ، ووُضِعَتْ مائة ناقَةٍ لِمَن يأتي بِهِ حيًّا أو ميِّتًا وتَبِعَهُ سُراقة وهو في أشَدِّ حالات الضَّعْف، مُطارَد ومَهدور دَمُه فقال لِسُراقة: يا سُراقة، كيف بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟! يَعِدُ سُراقة بأن يلْبس سِوارَي كِسْرى ! المعنى أنَّه كان مُتَيَقِّنًا أنَّه سيَصِل وأنَّهُ سيُحارِبُ أقْوى دولة في العالم ؛ الفرس والروم، وسوف نأتي بِغَنائِمِنا مِن الفُرْس وسَأُعْطيكَ سِوارَي كِسْرى، لذلك أيُّها الإخوة، الخُنوع واليأس والقنوط ؛ مرضٌ مِن أمراض المسلمين، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]
وقال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾

[ سورة آل عمران ]
أيها الإخوة، الأقْوِياء، وأعْداء الدِّين إن رسَموا خِطَطًا طويلَةَ الأمَد لإنْهاء الدِّين، نجاحُ هذه الخِطَط يتناقضُ مع وُجود الله تعالى، إنّ الله ناصِرُ نبيِّه، وقال تعالى:

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾

[ سورة غافر ]
وقال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾

[ سورة إبراهيم ]
هناك مرضان ؛ مرض الفرَح الساذج بالحياة الدنيا، فهذا الفرَح قد يُنسي فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا ِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ" ))

[رواه الترمذي]
فالنبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغِنَى المُطْغي أحَدُ المصائِب مُصيبةٌ كبيرة جدًا أن تغتني غِناءً يُطْغيك، ولذلك وردَ في أحدِ خُطب النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء، ومنزل ترحٍ لا منْزِل فرح، فَمَن عرفها لم يفْرح لِرَخاء، ولم يَحْزن لشَقاء قد جعلها دار عُقبى وجعل الدنيا دار بلْوى، وجعل بلاء الدنيا لِعطاء الآخرة سبَبًا، وجعل عطاء الآخرة لِبَلاء الدنيا عِوَضَا، فيأخذ لِيُعْطي ويبتلي لِيُجْزي، فالفرَح بالمال والمَنْصب، والحياة الدنيا، والقوَّة الصِّحة، فإذا حملكَ هذا على مَعْصِيَة الله تعالى كان إحْدى مصائِب الدنيا، قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(36)﴾

[ سورة الروم ]
العِلاج مُرّ، ولكنَّ العِلاج من أجْل الشّفاء، والشِّفاء مِن خلْق الله عز وجل، فالمؤمن إن أصابَتْهُ مصيبة لِتَحْمِلَهُ على طاعة الله، والتوبة والقرْب، لا ينبغي أن يقْنَطَ مِن رحْمة الله، ولا أن يَيْأس، المؤمن يَثِقُ بِرَحْمة الله تعالى، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)﴾

[ سورة الروم ]
فالله يبْسُط ويَقْدِر، لذلك قال العلماء: مِن أسْماء الضارّ والمانِع والقابِض والمُذِلّ والخافِض، فلا ينبغي أن تقول: الضارّ إلا إذا قَرَنْتَهُ بالنافِع، فيَجِبُ أن تقول: الضَّارّ النافِع، والمُعْطي المانِع والقابِض الباسِط، والمُعِزّ المُذِل والخافظ الرافِع ؛ لماذا ؟! لأنَّه لا يضَرّ إلا لِيَنْفَع ولا يُذِلّ إلا لِيَرْفَع، ولا يَمْنَعُ إلا لِيُعْطي، لذلك قال ابن عطاء السَّكَندري: ربَّما كان المَنْعُ عَيْن العَطاء فإذا كان الإنسان تِجارتُهُ رائِجَة واسْتَحَقَّ عِقابًا كبيرًا، وحَمَلَهُ هذا العِقاب على طاعة الله وعلى التَّوْبة، فهل هذه نِعْمة أم نِقْمة ؟! لِهذا قال تعالى:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾

[ سورة لقمان ]
فالمصائِب هي النِّعم الباطنة، ولا أُبالغ إن قلت: إنَّ تسعين بالمائة من هؤلاء المُصَلِّين إنَّما ساقَتْهُم بعض المصائِب إلى باب الله، وعلى التَّوْبة، وعلى الصُّلْح مع الله تعالى، والإنابة إليه، فهذه نِعَم باطِنَة ! لذلك نحن عندنا شرّ، وعندنا شرٌّ مُطْلق، وآخر نِسْبي، لو اسْتَلْقى الإنسان على طاوِلَة العملِيَّات، وجاء مَن قطَّع جِلْدَهُ وعضلاتِهِ وشرايينَه دون سبب، فهذا اسْمُهُ شرٌّ مُطْلق، وجريمة، يأتي طبيب ويضَعُ إنسانًا على طاوِلَة ويُخَذِّره، ويفتح بطْنه، ويرْبط الشرايين، ثمَّ يُغلق البَطْن ويُخَيَّط ! فهذا الشَّر مُوَظَّف للخَيْر، وهو نِسْبي، فالشَّر المُطْلق يتناقض مع وُجود الله، وليس في الكون كلِّه شرّ مُطْلق، بل هناك شرّ نِسْبي فهو بالنِّسْبة إلينا شرّ أما بالنِّسْبة لله العليم الرحيم خَيْر ! قال تعالى:

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾

[ سورة آل عمران ]
إيتاءُ المُلْك خيْر، ونَزْعُ المُلْك خير والإعْزاز خير، والإذْلال خير هكذا ينبغي أن نَفْهم المصائب، قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(36)﴾

[ سورة الروم ]
لا ينبغي أن تفْرَحَ بالدنيا، ولكن بِطَاعة الله تعالى، ولا بالمال، ولكن بالعِلم، قال له: يا بُنَيّ ! العِلم خير من المال، لأنَّ العِلْم يَحْرُسُ وأنت تحْرس المال، سائِق تكسي اسْتَوْقَفَتْهُ امرأة فقال لها إلى أين، فقالت له: إلى أينما تُريد، فَفَهِمَ وظنَّ أنَّهُ كسِبَ كسْبًا كبيرًا، فلمَّا قضى وطرَهُ منها أعْطَتْهُ ظَرْفَيْن ففتَحَ الظَّرْف الأوَّل فوَجَد خمسة آلاف دولار ! والثاني فيه رِسالة تقول: مرْحَبًا في نادي الإيدْز ! والدولار مُزَوَّر !! فهذا لو كان يعرف الله لركَلَها بِقَدَمِهِ، فالمال تُنْقِصُهُ النَّفقَة، والعِلْم يزْكو على الإنفاق، فلا تفْرح بالمال والدنيا، ولكن بالعِلم الصحيح والآخرة، ولا تفْرح بِمُقْتبل الحياة، ولكن بِمُؤخِّرة الحياة، قال له: يا بُنَيّ حَفِظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، قال تعالى:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾

[ سورة يونس ]
أيها الإخوة، قل لي: ما الذي يُفْرِحُكَ أقول لك: مَن أنت ؟! المؤمن يفْرح بِطاعة الله، وباسْتِقامَتِهِ، وأنَّ في بيْتِهِ طاعةً واسْتِقامةً، ويفْرَحُ أنَّ زوْجَتَهُ مؤمنة، وبناتِهِ مُحَجَّبات، فَمَن جاءه بنتا وأحسن تربيتهما كانتا له حجابا من النار، هل مِنَّا مَن ليس عنده بنات، أطْعِمهنّ واكْسوهنّ وابْحَث لهما عن زَوْجٍ صالِحٍ وأنت مِن أهْل الجنَّة.
فيا أيُّها الإخوة، مرضان ؛ الأوَّل أن تفْرِح بِغَير فضْل الله، وأن تفْرح بالدنيا، فأحدهم حفر فإذا ببِئْر ثمانية عشرة إنشْ، ومِن شِدَّة الفرح سكَب فيه الخمْر !! وبعد شَهْرين، جفَّ البئْر !! وآخر كان عنده مزرعات، وكلّ مزْرعة فيها بئْر، وكان هذا يمْنع المواشي أن تشْرب وكان واحد من هؤلاء المزارعين يسقي هذه الأغنام، فبَعْد أشْهر جفَّت كل هذه المياه إلا مياه هذا الساقي ‍‍!! اِفْرَح بالعَمَل الصالِح، قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(36)﴾

[ سورة الروم ]
قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)﴾

[ سورة الروم ]
فالدنيا اِجْعلها بين يديك وليس في قلبِك، واتَّخِذْها أداةً لِطاعَة الله، وما مِن حظٍّ مِن حُظوظ الدنيا إلا والله سبحانه وتعالى أعْطاكهُ كي تُوَظِّفَهُ لله تعالى، والدليل قوله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾

[ سورة القصص ]
فإذا جاءَت الإنسان مُصيبة ينبغي أن لا يقْنَط، ولْيَدْعو ربَّه، به يسْتغيث، وهناك أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلَّم:
((زوَيْتَ لي الأرض..." ))
فما عليك إلا أن تُوَظِّف الأشياء في الحق ! فالمؤمن يفْرح بِطاعة الله، فإذا أصابَتْهُ مُصيبة لم يقْنط ولم ييْأس وأنَّها مَحْض عدْل ورحْمةٍ وفضْل، وهدفها أن تحملَهُ على طاعته تعالى وما مِن مِحْنةٍ إلا ووراءها مِنْحة، وما مِن شَدَّة إلا ووراءَها شَدَّة إلى الله تعالى فأيَّةُ مُصيبة تُصيبُ المؤمن فيها قَفْزَتَين ؛ قفْزة في معرفة الله، وقفْزة في محبَّتِهِ، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾

[ سورة السجدة ]
وقال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
فإذا جاءَتنا الدنيا ينبغي أن لا تسْتَخِفَّنا، ولا بدّ أن نكون راسِخين كالجِبال.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-24-2018 01:56 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الروم (30)


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والأربعون من سورة الروم، وهي قوله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]
معنى الفَساد خُروج الشَّيْء عن طبيعَتِهِ، فهذا الماء طاهِر، ونقيّ وعَذْب وفُرات، ولا لوَنْ له، ولا طَعْم له، ولا رائِحَة، فإذا فسَدَ تغيَّر لَوْنُهُ، ورائِحَتُهُ، وأصْبَحَ مُجَرْثَمًا، فَفَسَادُ الشيءِ خُروجُهُ عن طبيعَتِهِ والله سبحانه وتعالى كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا، وخَلْقُهُ كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا إلا أنَّ مَخْلوقَين اثنين هما الإنْسُ والجنّ مُنِحوا حُرِيَّة الاخْتِيار، وأودِعَتْ فيهم الشَّهوات لِيَرْقَوا بِها إلى رب الأرض والسَّماوات، لكنَّ لهم منْهَجًا يسيرون عليه، وأوامِر ونواهي، فأيُّ مَخْلوقٍ مِن هذين الاثْنين حَصْرًا مِن الإنس والجنّ مادام أُعْطِيَ حُرِيَّة الاخْتِيار، ومُنِحَ إرادَةً حُرَّة وسُمِحَ له أن يُحَقِّق إرادَتَهُ بِفِعْل الله عز وجل، وغفَلَ عن منهَج الله، وعن أمْرِهِ ونَهْيِهِ، مِن هنا يأتي الفساد، ويُؤَكِّد هذا قوله تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)﴾

[ سورة الشعراء ]
فلم يقُل وإذا أمْرَضَني، فالمرَضُ عُزَيَ في أصْلِهِ إلى الإنسان فالإنسان إذا خرَجَ عن منهَج الله، وخالفَ تعليمات الصانِع فسَيَمْرَض، وقد يأتي المرض لا في آحاد البشر بل مِن خطأ في العصْر، فإذا كان الجوّ مُلَوَّثًا ومُشْبعًا بِثاني أُكْسيد الكربون، وأطْعِمَتُنا وأشْربتنا تَحوي مواد كيماوِيَّة تتراكم، وهرمونات بالنبات مِن أجل أن يكبر النبات، وكذا بنْزوات الصوديوم التي في كلّ المُعلَّبات فهذه كذلك مسَرْطِنَة، فحينما تكون هناك صِناعات مُخالفة لِمَنْهج الله تعالى يأتي مرض السَّرَطان وأمراض القلب والرِّئتين، وحينما يكون الشِّرْك بالله تأتي الشِّدة النَّفْسِيَّة والشِّدَة النَّفْسِيَّة وراء أكْثر الأمراض أمراض جهاز الهضْم والخلايا والدم ؛ كُلّ هذه الأمراض بسبب الأمراض النَّفْسِيَّة، لذا كما قلنا فساد الشيء خُروجُهُ عن طبيعته.
كلِمَة ظَهَر فَعْلٌ ماض، والقرآن الكريم مِن أساليبِهِ الرائِعَة أنَّه يُعَبِّر عن المُسْتقبل بالفِعْل الماضي تَحْقيقًا لِوُقوعهِ، كما في قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)﴾

[ سورة المائدة ]
وقوله تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1)﴾

[ سورة النحل ]
لذلك ربُّنا عز وجل إذا حدَّثَنا عن المستقبل جاء بالماضي تَحقيقًا لِوُقوعِهِ، وإذا أخْبرَنَا بِشَيْء عبَّر على هذا الإخْبار بالرؤْيا، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)﴾

[ سورة الفيل ]
ونحن لم نر شيئًا ! لكنَّ خبرُ الله عز وجل لِمِصْداقِيَّتِهِ يجب أن يقَعَ فيك أيُّها الإنسان كما تقَعُ الرؤْيَة !
وهناك الكلمة ظَهَرَ ؛ أيْ سيَظْهَرُ، وهذا مِن عِلْم الغَيْب، لذلك في القرآن الكريم إعْجازٌ إخْباري عن غَيْبِ الماضي وعن غَيْبِ الحاضِر وعن غَيْب المستقبل، فهذه الآية مِن إعْجاز القرآن الإخْباري المُتَعَلِّقة بِغَيْب المستقبل، والفسَاد ظَهَر، فَمَرض الإيدز انتشر، ونِصْف معْظم الدُّوَل الإفريقيَّة مُصابَةٌ بالإيدْز، وكلّ عشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدزْ في أمريكا ‍! والآن، ونحن أنْظَفُ دولة في العالم، ومع ذلك انْتشَرَ عندنا، وعندنا إصابات كثيرة، والشيء المُخيف أنَّ هذا المرض لو رصَدْنا له مئات الملايين من الدولارات، كلّ هذه الأموال تُنْفقُ على البُحوث العِلْمِيَّة لاكْتِشاف مُضاد، هذا الفَيْروس الذي هو أضْعَفُ فيْروس في الكَون يُغَيِّر شَكْلَهُ فتَذْهَبُ كلّ هذه الأموال أدْراج الرِّياح والآن هناك مُشْكِلَة، وهو أنَّ هذا الفيروس لا يظْهر إلا بعد ستّة أشْهر فإذا فُحِص المريض قبل سِتَّة أشْهر لن يظْهر هذا المرض معه ‍‍! وهناك أجْهزة دقيقة ولا تكْشِف، لماذا ؟! لأنَّ الأجْهزة تَكْشِف ثلاثة سُلالات والآن ظَهَرَت ستَّة سُلالات ! ولذلك تَوْجيه وزارة الصِّحة أنَّه مَن كان على وشَكِ إجْراء عَمَلِيَّة جِراحِيَّة ينبغي أن يبْحَث عن قريب له مُسْتقيم لِيَأخُذ منه الدَّم أوَّلاً، فلا ينبغي أن تأخذ الدَّم مِن أيِّ شخصٍ كان، وهذا الأمر تذْكُرُه الصُّحف اليَوْمِيَّة عشَرات المرات، وهناك حوادِث كثيرة وهذا هو الفساد، فالإنسان مُتَمَتِّع بأكْبر جِهاز مناعَة، مائتان مليون كُريَّة بيْضاء، فإذا دَخَل جُرثوم يَتَّجِهُ بعضُها إلى كَشْف هَوِيَّتِهِ، وأخْذِ شِفْرَتِهِ، وهذه الكُريَّات تُسَمَّى كريَّات مُسْتَطْلِعَة، فَيَصْنَعُ بعضُها مُضادَّات ضدّ هذا الفيْروس، ويَحْمِلُ بعْضُها هذا السِّلاح الفتَّاك وينطَلِق إلى الجرثوم، وهذه الكريات المُقاتِلَة، وتأتي كُريات مُنَظِّفة، فأنت معَكَ أرْقى جَيْشٍ في العالَم، قيادات ومعامِل أسْلِحة، وأقمار صِناعِيَّة وعُيون تَكْشِفُ أسْرار العدُوّ، ومع ذلك فيْروس الإيدز خُطورتُهُ أنَّه يدْخل الجِسْم مُتَخَفِّيًا على شَكْل أحد الجُنود ! فهو يدْخل الجِسْم على شَكل كُرَيَّة بيْضاء، فلا أحدَ يُعارِضُه، وبعد أن يتمكَّن يفْتِكُ بِهذه الكُريَّات واحِدَةً واحِدة، ويُنْهيها، لذا هَيْئات عِلْمِيَّة بأعلى مُسْتوى في الشرق والغرْب، ودُوَل عُظْمى، ومئات الألوف من الملايين مِن الدولارات أُنْفِقَتْ، وكُلّ هذه الأموال، وكلّ هذا العِلْم، وكلّ هذا التَّصميم ذَهَب أدْراج الرِّياح أمام هذا المَخْلوق الذي خلقَهُ الله، وهذا إذا خرجَ مِن الجِسْم ثانِيَةً يموت فَوْرًا، ومع ذلك شُغْل العالَمِ الشاغِل قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

[ سورة الروم ]
الجوّ مُلَوَّث، يقولون أنَّ تلوُّث الجوّ أربعمائة بالمائة ‍‍!! أكبر نِسْبة تلوّث في العالم، نتنفَّس ثاني أُكْسيد الكربون، وهذا الذي رفَعَ الحرارة، وقد زادَتْ دَرَجَتُها الآن بِدَرَجَتَيْن، وهذا يُسَبِّب اضْطِراب خُطوط المطَر وذَوَبان الثُّلوج في القُطْبَين، وارْتِفاع البِحار في الشواطئ، وغرَقُ بعْض المُدُن، لأنَّنا نُريد صِناعة، واسْتِهلاك غير مَعْقول للمواد، وهذا سبَّبَ أمراضًا وفساد البيئة، فالماء فاسِد وكذا الهواء، وحتَّى الفساد الصَّوتي، فَكَثْرة المحطَّات و البثّ التِّلفزيوني ؛هذا يُفْسِد الجوّ، وهناك إشارات يضْطربُ لها الإنسان، فالإنسان حينما تُرَكَ وعَقْلهُ أفْسَدَ البيئة ومَن حوْلَها، وقبل شَهْر ناقِلَة نفْطٍ فيها مليون طنّ غَرِقَت !!! وقد ذَكَر لي أحَدُ الإخوة، أنَّ هناك أسْماك فيها رصاص، من جرَّاء التَّلوُّث الذي في البحْر، فأنت تصطادُها لتأكلها فإذا بها مواد سامَّة، ويُغَيِّرون خلْق الله، تأكل فرُّوج لم يَنَمْ ولا دقيقة، كلّ يوم أكل مُسْتمرّ، وضوء مُستمِر حتَّى لا ينام، وكل هذا مِن أجل التَّسْويق السَّريع، فهذا مُسَرْطِن بِسَبب النُّمو غير الطبيعي، لذلك أمراض الأوْرام الخبيثة مُتضاعفة كثيرًا، ولم تكن هذه مِن قبلُ، وأمراض كثيرة لم تكن من قبل، هناك محطَّات بالليل تعْرض العمليَّات الجِنْسيَّة كما هي ؛ شباب وشابات، وقد قلتُ لهم مرَّةً: كُلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السَّماء وكلَّما اتَّسَعَتْ الحُصون ضاقَت الصُّحون، وإذا رخص رحْم البشر على لحْم الضَّأن، قال تعالى:

﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

[ سورة الجن ]
فظَهَر الفساد في البرّ والبحْر، فساد في الزَّواج، وفي العلاقات الأُسَرِيَّة وفساد في الهواء والماء والطَّعام، وغاز ثاني أكسيد الكربون فيه مشْكلة، وكلّ مَشْروباتنا كيماوِيَّة، والنبي قال: الأطْيَبَان ؛ الماء والتَّمْر، أما هذه المَشْروبات الغازِيَّة فلا شيء فيها طبيعي، وكلَّها كيماوِيَّات، فهذا فساد ! والإنسان كُلَّما رجَحَ عَقْلُهُ لا بدّ أن يعود إلى الفِطْرة، وإلى العلاقات الطَّبيعِيَّة.
أصْلُ الفسادِ مِن صُنْع الإنسان، لأنَّ الله تعلى كامل كمالاً مُطْلقًا والمخلوق مُخيَّر، وترَكَ المنهَج، وذهب إلى الشَّهوات، شَهَوات واخْتِيار وغَفْلة عن منهج الله، فالفِكْرة دقيقة؛ أصْل الفساد مِن صُنْع الإنسان، والآية أكبر دليل:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]
فالله تعالى خَلقُهُ كامِل.
قال تعالى:

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]
فالله جَعَل للانْحِراف ثَمَن باهِظ لعلَّهم يرْجِعون، ذَكَر أحد الخُطباء أنَّ أحدا في أثناء عشائِهِ مع أولاده كان يُقَلِّب المحطَّات فإذا بإحْدى هذه المحطَّات عرضَت مشْهَدًا خليعًا، فنقل الأب المحطَّة بسُرْعة إلى محطَّة أخرى، فابنهُ حفظ رقْم المحطَّة ! ولمَّا نام الأب، وإذا بِهِ يسْتيْقظ على أنين، فإذا ابْناهُ فوق ابْنَتَيْه !! هذه هي الحضارة !
قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]
إذا رفَضْنا شرْع الله ولا امْتثَلْنا السنَّة اسْتَهْوَتْنا البِدْعة.

(( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ))

[رواه الترمذي]
وهذا الغَزْو الثقافي، والسؤال: لماذا جَعَل الله تعالى عذابًا أليما لِهذا الفَساد ؟ لو لم يَخلق الله هذا الجرْثوم، لكان أرْيَح ! لا، فالآن المُلْحِد ويقول لك: لا أفعل الفاحِشَة خوْفًا من الإيدْز، فهو يخاف من المرض وليس من الله، والله هو الذي ردَع هؤلاء، ذَكَر لي أخ بِفِرنسا أنَّه كلّ يوم يوجَد فيلْم إباحي على سِتَّة قَنَوات، أما الآن ولا واحِد من هذه الأفلام، لأنهم أدْركوا خطرَ الموقِف، قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]
فلعلَّ هذا الفيروس يُرجعنا إلى الله.
مُلخَّص المُلخَّص، أنَّ الفَساد مِن صُنْع البشَر لأنَّ الإنسان مُخيَّر ومعه شَهوات دون منْهَج، ولعلّه يرْجع إلى الله بِهذا الرَّدْع.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-25-2018 09:44 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة لقمان، الآية العاشرة، وهي قوله تعالى:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10)﴾

[سورة لقمان]
هذه الآية تُشير إلى عِدَّة آياتٍ مِن خلق الله تَدُلّ على عَظَمَتِهِ، وقد بيَّنْتُ لكم كثيرًا أنَّ التَّفَكّر في خَلْق السماوات والأرض مِن أرْقى العِبادات لأنَّ الكَون أوْسَعُ بابٍ تَدْخل منه إلى الله عز وجل، وأقْصَرُ طريقٍ تسْلُكُهُ إلى الله، إنَّك إن فكَّرْتَ في خلْق السماوات والأرض وقَفْتَ وَجْهًا لِوَجْهٍ أمام عَظَمَة الله جلَّ جلاله، فالله سبحانه وتعالى:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة لقمان ]
إعراب تَرَوْنها ؛ تَرَوْن فِعْل مُضارع، وهذا الفِعْل ورَدَ في مَحَلِّ صِفَة أيْ بِغَيْر عمَدٍ مَرْئِيَّة، وما هي القِوَى غير المَرْئِيَّة التي ترْبِطُ السماوات ؟ إنَّها قِوَى التَّجاذُب ‍! فهذه قِوَى غير مَرْئِيَّة، فالأرض تدور حوْل الشمس والشمس تَجْذب الأرض، لذلك تبْقى تدور حَوْلها، وما الذي يَجْعل الأرض في مسارٍ مُغْلقٍ حول الشَّمس ؟ أنَّ جاذِبِيَّة الشَّمْس لها تأصِلُه، فلو أنَّها تفلَّتَتْ مِن جاذِبِيَّة الشَّمس، وانْطَلَقَت في الفضاء الكَوني لانْتَهَتْ الحياة مِن على سَطْح الأرض! لأنَّ الوَجْه المُقابِل للشَّمْس حرارته ثلاثمائة وخمسين درجة فوق الصِّفر، أما الوَجه المُقابل مائتان وسبعون تحت الصِّفْر، فبَعْض العلماء قال: لو أرَدْنا أن نرْبِطَ الأرض بالشَّمس بِحِبالٍ لاحْتَجْنا إلى مليون مليون حَبْل فولاذي، وأمْتَن عنْصر في الأرض الفولاذ المَظْفور، فالمصاعِد تُعَلَّق بالفولاذ المَظْفور، وتليفريك يُحْمَل على الفولاذ المَظْفور، قُطْر كلّ حبْل خمْسة أمتار، وهذا الحَبْل الفولاذي يُقاوِم قِوى شدّ تُعادِل مليونين طنّ، وهذه الحِبال مِن أجل أن تحْرِفَ الأرض ثلاثة ميلي كل ثانية في مسار مُغْلق حول الشَّمس، فالله خلق السماوات بِغَيْر عمَدٍ ترْوَنها، أي بِعَمَدٍ لا ترَوْنها ؛ أعْمِدَة يُمْكن أن تسير خِلالها، وأعمِدَة لا تراها بالعَيْن، وهذه هي قِوى التَّجاذب، فالذي يربِطُ الأرض بالشَّمْس، والقمَر بالأرض، والشَّمس بالمَجَرَّة ؟ قِوى التَّجاذب والقضِيَّة مُعَقَّدة جدًا، فلو أتَيْنا بِقِطْعَتي مغناطيس وبِحَجْمٍ ثابِتٍ ووضَعْناهما على طاوِلة، وأتَينا بِكُرَة حديدِيَّة صغيرة، لا يسْتطيعُ عالِمٌ على وَجْه الأرض أن يضَعَها في المنْتَصَف الدَّقيق بِحَيث تتساوَى قِوى الجَذْب ‍! لو أُزيحَتْ مِعْشار الميلي تَنْجذِب إلى الكتلة الأولى، فلو كان ثلاثى كُتَل لكان الأمْر أصْعَب، ولو كانت الكُتَل مُتفاوتة في الحجم أصْعب وأصعب، لو كان هناك فراغ في عشرين أو ثلاثين كتلة مغناطسيَّة مُتفاوِتَة في الحجْم والجَذْب، هذا شيء فوق قُوَّة البشَر، فالكَون هكذا، فَكُلّ الكواكب تنْجذب إلى بعْضِها عن طريق هذه القِوى، أما الشيء الذي يلْفت النَّظر لولا حركة الكواكب لاجْتَمَع الكون في كُتلةٍ واحِدَة، أما هذه الحركة ينشأ عنها قِوى نابِذة تُساوي القِوى الجاِذبَة فلو أنَّ الحركة انْعَدَمَتْ لانْعَدَمَت الحياة على وَجْه الأرض، ولأصْبح الكون كتْلةً واحِدَة، الله يقول:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾

[ سورة الرعد ]
يجب أن تعرف مَن هو الله ؟ ومن الذي تَعْبُدُه ؟ ومن الذي أنْزَلَ الكتاب ؟ ومن الذي تُحِبُّه ؟ ومن الذي ينبغي أن تعبدهُ ؟ والذي ينْبغي أن تكون له ؟ فالإنسان قد يبْتعِد عن الشيء احتقارا له، أما أحْيانًا يبْتَعِد عن الشيء احتقارا لِنَفْسِهِ قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)﴾

[ سورة البقرة ]
فالدِّين إن أعْرَضْتَ عنه فأنت تحْتَقِرُ ذاتَك، فأنت مَخْلوق أن تكون لله تعالى فإذا بِكَ تَجْعَلُ نفْسَكَ لِغَير الله، وعبْدًا للَّئيم، قال تعالى:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾

[ سورة لقمان ]
الجبال مُوَزَّعة تَوْزيعًا بحيث أنَّ تَوَزُّعها يَجْعل دَوَران الأرض دورانًا ساكِنًا فأنت لو رَكِبْتَ أعْظَمَ سيارة لوجَدْتَ اهْتِزازًا، وكذا الطائرة والأرض تمْشي في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثين كيلومتر دون اهْتِزاز، والدليل أنَّ الزِّلزال يَجْعل الأرض عالِيَها سافِلَها، فالجِبال مغْروسة في الأرض بِحِكْمة بالغة فَهُناك عِدَّة طبَقات في الأرض، هذه الطَّبقات مُتَفاوتَة في الكثافة، فلو أنَّ الأرض حينما تَدور ؛ هذه الطبقات تأخذ تسارع مُختلف عن بعضِها، فيحْدث اضطراب، فالجِبال ترْبط هذه الطبقات بعْضِها بِبَعْض، فمثلاً في بعض الآيات قال تعالى:

﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا(7)﴾

[سورة النبأ ]
لو أتَيْتَ بِبَيْضة غير مَطْبوخة لا تدور لأنَّ فيها مادَّة جامدة وسائِلَة فاخْتِلاف الكثافة تُحْدِث اخْتِلافًا بالتَّسارع والتَّباطؤ، أما إذا كانت مطْبوخةً فتَدُور، وكذا الأرض مُتفاوِتَة في الكثافة، ولولا الجِبال لاضْطَرَبَت فالله جعل الجِبال أوْتادًا ورواسي، شاهِقات، وللجِبال وظائِف لا تُعَدُّ ولا تُحْصى ؛ أوَّلاً تُلَطِّف الأجْواء، وتحمي بعض المناطق من الرِّياح تُضاعف المساحة المزْروعة، وتًغَيِّر الطَّقْس، وهناك حِكَم كبيرة جدًّا فالجِبال أحَد الآيات الدالة على عظمة الله تعالى.
قال تعالى:

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)﴾

[ سورة لقمان ]
لو أجْرَيْت إحْصاءً أنواع النبات الذي يُزْرع مِن أجل الخشَب، وأنواع النبات الذي يُزْرع الثَّمْر، وأنواع النبات الذي يُزْرع من أجل الأدْوِيَة ومن أجل الأصْبِغَة والصِّناعات، والنباتات المطاطِيَّة، ونباتات تُعْطيك سِواك، وأخرى خُلَّى، وأخرى ليفَةٌ، وأخرى روائِح عَطِرة، ونباتات تأكُلها، وأخرى تصْنَعُ بها الأثاث.
قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾

[ سورة لقمان ]
المؤمن مَدْهوش بِخَلْق الله، والكافِر مَدْهوش بِخَلق الإنسان ! والله قال أحدهم: أتمنَّى أن تمْشي فوقي هذه السيارة ؛ أيْ بي أم !! مَدْهوش بِصُنع الإنسان، أما المؤمن فَمَدْهوش بِخَلق الله، يقول لك: كِلْيَة صِناعِيَّة ! نعم كِلْيَة صِناعِيَّة، ولكن يُكَلِّفُكَ الأمر أن تبْقى ثماني ساعات، وكُلْفة وصوت، أما الكِلْيَة الطَّبيعِيَّة دون صوت وحجْم صغير، ولها طريق مائة كيلومتر، والدَّم يقْطعُهُ في اليوم خمس مرَّات مِن دون تكْلفة وتَعَطُّل ومن دون انْتِظار، وأنت تأكل وتشْرب وتعمل، فالكِلْيَة الصِّناعِيَّة لا بدّ أن تلْفِتَ نظَرَكَ للكِلْيَة الطَّبيعِيَّة وكذا الحال مع المثانة ؛ لولا العضَلات التي فيها لما كانت هناك طريقة لإخْراج البول إلا بالتَّنْقيس، أنابيب ‍! فالله تعالى زوَّدَ المثانة بِعَضلات فإذا أرَدْتَ إفْراغَها أفْرَغْتَها بِثَواني مَعْدودة ؛ حِكمة الله، ولولا المثانة لكنَّا في مُشكلة كبيرة، لأنَّه كلّ كِلْيَة تنزل منها قطْرة من البول في عِشرين ثانِيَة، ولولا المثانة لاحْتاج الإنسان إلى فُوَط ! فالله كرَّمَك وأعْطاك مثانة، تذهب في السَّفر وأنت في أكْبر راحة، مرتاح وتجْتمع والمثانة شغَّالة، ولك مُسْتوْدَع إذا ملئ فُرِّغَ، قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾

[ سورة لقمان ]
وأنت تنام اللُّعاب يزْدادُ في فَمِك فيأتي أمْر مِن الفَم إلى الدِّماغ أنَّ اللُّعاب قد كثر، فالدِّماغ يأمر لِسان المِزْمار بإغلاق القصَبة الهوَائِيَّة وافْتَح المريء ؛ كُلّ هذا وأنت في غَفْلة ! وهو يعمَل دون كَلَلٍ ولا ملل هذا هو فِعْل الله، والبروسْتات مسألة مُعَقَّدة جدًا ؛ مَجْرى الحياة ومَجْرى البول يلْتقِيان في مَجْرى الإحْليل، والبول مادَّة حامِضِيَّة، حينها تُفْرز البروسْتات مادَّة قَلَوِيَّة تتعادَل مع المادَّة الحامِضِيَّة، فلا يتأذَّى حينها المَجْرى من البول الحامِضي، في اللّقاء الزَّوْجي ؛ ماء الحياة ماءٌ طاهِرٌ تُفْرِزُ البروسْتات مادَّة مُعَقِّمة ومُطهِّرة ثمَّ مادَّة مُعَطِّرة ثمَّ مادَّة مُغَذِّيَة وتُغْلِقُ هذا الطريق وتفْتَح هذا الطريق، فَمَجْرى البول غير مجْرى ماء الحياة، هذا خَلْقُ الله !
أيها الإخوة، هذه الآية:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10)﴾

[سورة لقمان]
عن رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ:
((كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهعَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))

[رواه مسلم]
هنا مَوْطِنُ الشاهِد، فمهما تشفَّعَ لك النبي لا بدّ أن تُطيع الله تعالى فمهما كانت محبَّتي لك كبيرة لا أسْتطيع أن أضَعَك أستاذ جامعة وأنت عامِّي ! فهذه المرتبة تحْتاج إلى جُهْدٍ منك فالنبي قال له: سأشْفَعُ لك ولكن قال له أَعِنِّي على نفْسِكَ بِكَثْرة السُّجود ! آخر حديث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ ))

[رواه البخاري]
لأنَّ الغضب يجْمع الشَّر كلَّه، كم طلاق حدثَ بِسَبب الطلاق ؟ كم جريمة وقَعَت بِسَبب الطلاق ؟ الشرّ كُلُّه بِسَبب الغضب.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-25-2018 10:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة لقمان (31)


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة لقمان، وَصِيَّة من الوصايا التي ثَبَتَتْ في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾

[ سورة لقمان ]
أيُّها الإخوة، أوَّل فقْرةٍ في الوَصِيَّة: لا تُشْرِك بالله، هناك ذَنْبٌ يُغْفر وهو ما كان بين العبْد وربِّه، وذنب لا يُترك ما كان بيت العباد و ذنب لا يُغفَرو هو الإشراك بالله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)﴾

[سورة النساء]
لأنَّ الشرك بالله طريق مسدود، الإنسان إذا مرض واتَّجه إلى المستشفى فهناك أملٌ كبير للشفاء، أمَّا لو اتجه إلى السوق فليس فيه شيء يتعلَّق بِمَرضِهِ، فلو توجَّه الإنسان لِغَير الله تعالى لا يجد شيئًا قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

[ سورة النور ]
ضَرَبْتُ مثلاً فقُلْتُ لو أنَّ إنسانًا له بِحَلب مائة مليون وركِب القِطار، قد يرْتَكب عَشرات الأخطاء، وقد يكون القِطار غير مُريح، وركَّابه أغبياء، وقد يكون جائِعًا، ويجْلس في الدرجة الثالثة وهو قطَعَ في الدّرجة الأولى، هذه كُلُّها أخْطاء ولكنَّ القِطار في طريقِهِ إلى حلب وسوف تقْبِضُ هذا المبلغ، إلا أنَّ خطأً واحِدًا لا يُغْفر وهو إذا رَكِبَ قِطار درعا ‍! فهُنا غيَّر الاتِّجاه، فالقصْد من هذا المِثال ؛ إن كُنْتَ مُتَّجِهًا إلى الله فَكُلّ الأغْلاط يغْتَفِرُها الله ويُعالِجُكَ منها، أما إن أشْرَكْتَ بالله فهنا الخطأ لا يُغْتفر ! قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾

[ سورة لقمان ]
الشيء الأوَّل بعد الإيمان بالله وعدم الإشْراك بِرُّ الوالِدَيْن ! وحرْف العَطْف يَقْتضي المُشارَكَة، فأنت لا تقول: اشتريت بيْتًا ومِلْعَقَة ! هذا كلامُ مَجانين، ولكن تقول: اِشْتَريْتُ بيتًا وأرْضًا، بيْتًا ودُكَّانًا، أو تقول: اِشْتريْتُ ملعقةً وشَوْكةً، أو صَحْنًا ومِلْعقَة، فالعَطْف يقْتضي المُشاركة، فالله عز وجل قال:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)﴾

[سورة الإسراء]
رفعَ الإحْسان إلى الوالدَين إلى مرْتبة الإيمان بالله فأوَّل شيء بعد الشِّرك طاعة الوالدَين، قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾

[ سورة لقمان ]
مَن هو الموصِي ؟ هو الله، فهذه التي أمامك أُمُّك وهِيَ سببُ وُجودِكَ في الحياة، وهي التي كانت تَجوعُ لتأْكُلَ، وتسْهَر لِتَنام، وتمْرض لِتَشْفى، فَبَعْدَ أن أصْبَحْتَ قَوِيًّا وتَزَوَّجْتَ امرأةً، تراها عِبئًا عليك وتتمنَّى أن تُخْرِجَها مِن بيْتِك وتتمنَّى أن تموت، فهذا هو مُنْتهى الكُفْر لذلك العاق ليس فيه خير إطلاقًا، والإنسان لا يُشارِك العاق، فلو كان فيه الخَيْر لكان لِوَالِدَيْه.
قال تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾

[ سورة لقمان ]
هذا الطِّفْل الصغير بِحاجَة إلى كِلْس وهو لا يسأل، فإمَّا أن تأكُل أُمُّه طعامًا فيه كالسيوم، وإمَّا أن تشْرب الحليب وتأكل الجُبْن، فإذا لم تفْعَل ذلك أخَذَ مِن عظْمِها، ويكْتَمِلُ نُمُوّ الجنين على حِساب بُنْيَة أُمِّه فإن لم تأخُذ الطَّعام المُغَذِّي امْتصَّ الجنين الكِلْس الذي هو بِحاجَةٍ إليه مِن أسنانِها وعِظامِها، فالذي عندهُ زوْجة، وهي حامِل ؛ موضوع نَوْع الغِذاء مُهِمّ جدًّا، وإلا يدْفَع أربعة أمثالهِ دواء ! فالعِلْم يلْتقي مع الدِّين حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا على وَهْنٍ وفِصالُهُ عامَيْن، قال تعالى:

﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14)﴾

[ سورة لقمان ]
هنا توجَد قاعِدة ؛ إن جاءَكَ خيْرٌ مِن إنسانٍ، فمَن الذي عليك أن تشْكُرَهُ ؟ عليك أن تَشْكُر الواحِدَ الدَّيان، وثانِيًا عليك أن تشْكُر هذا الإنسان لأنَّه مُخَيَّر، ومَن لم يشْكُر الناس لم يشْكُر الله ! هناك مَن يقول: لا فضْل لأحَدٍ عليّ إلا الله فهذا جُحود، فلا ينبغي أن تجْحَدَ أُمَّكَ وأباك، ولا أن تجْحَدَ مَن كان له فضْلٌ عليك، فلا يتناقضُ شُكْر الإنسان مع شُكْر الله تعالى، قال تعالى:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾

[ سورة لقمان ]
لكنَّ الله عز وجل ما أمرَنَا أنْ نعبُدَ الوالِدَين مِن دون الله، فالآية دقيقة قال تعالى:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)﴾

[سورة الإسراء]
فالإحْسان للوالِدَين، والعِبادة لله تعالى أما هذا الذي يُطَلِّق زوْجَتَهُ لأنَّ أُمَّهُ أمرَتْهُ بِهذا ‍ فهذا عبدَها مِن دون الله، فلو أنَّ الزَّوْجة مُسْتقيمة وطاهِرة وعفيفة، ولكنَّ الأمّ تُريد امرأةً أخرى تفْتخِرُ بها، فإن لم يُعْجِبْها هذا الزَّواج، وأمرَتْ ابنها بِتَطْليق زوْجتِهِ، وطلَّقَها ! معنى هذا أنَّهُ عبَدَها مِن دون الله تعالى، لذلك لا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق، قال تعالى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

[ سورة لقمان ]
فالأمّ والأب أحْيانًا يفْرِضان على الابن المُتَزَوِّج سُلوكًا خِلاف السنَّة، هكذا أبي يريدُ، وهكذا نشأنا، وهذه هِيَ تَرْبِيَتنا ! وكأنَّ تَرْبِيَتَهم مِن مصادِر التَّشْريع ! هناك شرْع من القرآن والسنَّة، فَكُلّ إنسانٍ ينْصاع إلى أوامِر والِدَيْهِ فيما يُغْضِبُ الله تعالى، فهذا قد أشْرَكَ وعبَدهُما مِن دون الله تعالى، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

[ سورة لقمان ]
قالتْ أمُّ سيِّدنا سَعْد: إمَّا أن تكْفُر بِمُحَمَّد، وإمَّا أن أدَعَ الطَّعامَ حتَّى أموت ‍‍!! خِيارٌ صَعْب، فقال لها: يا أُمِّي لو أنَّ لكِ مائة نفْسٍ فخَرَجَت واحِدَةً واحِدَة، ما كَفَرْتُ بِمُحَمَّد، فَكُلي إن شئْتِ أو لا تأْكُلي ! أمور الدِّين لا يوجد فيها مُجاملات، وأنْصاف حُلول، فإن أمرَتْكَ بِمَعْصِيَةٍ فإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِغَضَبِها إطْلاقًا، وكذا الأب، قال تعالى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

[ سورة لقمان ]
أنا لا أتكلَّمُ مِن فراغ، فَعِنْدي مئات القِصص عن آباء وأُمَّهات أجْبروا أولادهم على المَعْصِيَة، فَمن انْصاع لِوَالَدْيه لِيَعْصِيَ الله تعالى فقد أشْرَكَ، وعبَدَ والِدَيه، أما بِأُمور الدنيا، أطْعِمْهُما واكْسوهما مِمَّا تكْتَسي، وأيُّ طلبٍ دُنْيَوي نَفِّذْهُ لهما، وأنت في طاعة الله، أما إذا أمراك بالمَعْصِيَة فلا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق.
وبالمناسبة، أنت حينما ترْفض طَلبَهُما، لا تَكُنْ عنيفًا، فَبِكَلامٍ لطيفٍ وأنت ترْفُض طَلبَهُما، فلا تَكُن قاسِيًا معهما، صاحِبْهُما في الدنيا مَعْروفًا، ونحن عِندنا ولاء واتِّباع، قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

[ سورة لقمان ]
تتَّبِعُ المؤمنين وتُوالي أُمَّك وأباك، فالولاء شيء والاتِّباع شيءٌ آخر قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

[ سورة لقمان ]
ولاؤُكَ لله ولِرَسوله وللمؤمنين، فالأُمّ والأب لهما ولاء لِفَضْلِهما عليك أما الاتِّباع فَهُوَ لله تعالى ولِرَسولِهِ، ولِمَن أناب إلى الله تعالى، فأنت مع الله ورسوله والمؤمنين تُوالي وتتَّبِعُ، ومعك الوالِدَين ولاءٌ دون اتِّباع.
الآن تَوحيد وإحْسانٌ للوالِدَين، والآن علاقات عامَّة ؛ قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)﴾

[ سورة لقمان ]
جاء أحد الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم وقال له: عِظْني ولا تُطِل ! فقال له:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

[سورة الزلزلة]
فقال عليه الصلاة أو لسلام فقُهَ الرَّجُل ! قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)﴾

[ سورة لقمان ]
كُلّ شيءٍ مُسَجَّل عليك، لن تسْتطيع أن تُقْبِلَ على الله، ولا أن تُحْسِنَ إلى والِدَيْك، ولا أن تسْتقيم مع الخَلق إلا إذا اتَّصَلْتَ بالله، قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾

[ سورة لقمان ]
الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فريضة سادِسَة، صَوم وصلاة وحج وزكاة وشَهادة، والأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر إحْدى فرائِض الإسلام، ونحن ما كُنَّا خَيْر أُمَّةٍ أُخْرِجَت للناس إلا بالأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، أما إذا ترَكْنا الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر اسْتَحَقَّيْنا غضب الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)﴾

[سورة آل عمران]
قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾

[ سورة لقمان ]
طبْعًا هناك مُعالَجات والمُعالجات الإلهِيَّة تقْتضي الألَمَ أحْيانًا، قال تعالى:

﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾

[ سورة لقمان ]
أما الذي يُبْعِدُك عن الله، ويقْطعك منه تعالى هو الكِبْرُ قال تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)﴾

[ سورة لقمان ]
فَمَن فَرِحَ بالدنيا كان عقْلُهُ مَحْدودًا، قال تعالى:

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾

[ سورة لقمان ]
في حركَتِكَ، وفي نُزْهَتِكَ وعملكَ، ووظيفَتِكَ، وتِجارَتِك، وفي إقامَتِك اقْصِدِ في كلّ هذه رِضاء الله قال تعالى:

﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾

[ سورة لقمان ]
تواضَع للخَلْق.
أيها الإخوة الكِرام، هذه الوَصِيَّة جمَعَتْ أطراف الدِّين مِن تَوْحيد وبِرُّ الوالدَين، والاسْتِقامة مع الخلق، والاتِّصال بالحق، ثمَّ بيَّنَتْ الحُجُب مِن كِبْر وفرحٍ، وهذان يحْجُبان عن الحقيقة.
أيها الإخوة الكرام، نسأل الله أن ينْفعَنا بِهذا الكتاب الكريم، ولكنَّ لي سؤال: أعْتَقِد أنَّهُ مِن عامَيْن نُدَرِّس تفْسير كتاب الله، وقد اقْترح عليَّ أخ أن نُدَرِّس الحديث الصحيح المُبيِّن لِكِتاب الله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ))

[ رواه الترمذي ]
وسَنَشْرعُ بِبَيان السنَّة المُطَهَّرة المُبيِّنة والمُوضِّحة لِكتاب الله.






والحمد لله رب العالمين




الساعة الآن 07:20 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.