![]() |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اداب الكسب والمعاش - اداب التعامل فى الاسواقالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( التاسع و الخمسون ) حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . آداب الكسب و المعاش : 1 ـ على التاجر أن يبدأ تجارته بنوايا طيبة : أيها الأخوة الأكارم . . . في الدرس الماضي بيَّنت لكم بعض فقرات من آداب الكسب والمعاش للإمام أبي حامد الغزالي ، وكيف أن التاجر يجب أن يبدأ تجارته بنوايا طيِّبة ، من هذه النوايا أن يقصد الكَفَّ عن السؤال - عن سؤال الناس - من هذه النوايا أن يكفَّ عن التطلٌّع لما عند الناس ، من هذه النوايا أن يقصد خدمة المسلمين ، من هذه النوايا أن يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و أن يبني علاقاته مع الناس على الإحسان وعلى العدل ، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى في تجارته ، إذا فعل ذلك كانت هذه التجارة جُزءاً من عمله الصالح . 2 ـ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات : البند الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات لأن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق . 3 ـ ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة : وصلنا إلى البند الثالث وهو ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، شيءٌ مهم جداً ، عليه إقبال شديد ، عليه ضغط ، بضاعته رائجة ، محلِّه في مكان حسَّاس ، انشغاله في البيع والشراء ، أو انشغاله في المكاسب الدنيويَّة أخَّرته عن المكاسب الأخرويَّة ، إذا فعل ذلك فقد وقع في فخِّ الشيطان . . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ سورة المنافقون : 9] فألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، للآخرة سوق وللدنيا سوق ، وأسواق الآخرة المساجد ، المساجد أسواق الآخرة ، بها تتعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى ، وبها يزداد علمك ، وتزداد رؤيتك وضوحاً ، ويزداد قربك ، لذلك من علامات المؤمن أنه لا تشغله الدنيا عن الآخرة ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ﴾ [ سورة النور: 37 ] كلمة رجالٌ لا تعني ذكراً بل تعني بطلاً ، ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس : " ما سمعت حديثاً من رسول إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى ، ولا صلَّيت صلاةً فشغلّت نفسي بغيرها حتَّى أقضيها ، ولا سرت في جنازةٍ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتَّى انصرف منها " ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾ [ سورة النور: 37 ] لا تلهيهم ، للتجارة وقتٌ وللعبادة وقتٌ ، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . . ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ [ سورة النور: 36 ] على الإنسان أن يجعل الفترة الأولى صباحاً للآخرة : يقول الإمام الغزالي : ينبغي أن يجعل الرجلُ أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته . . الفترة الأولى صباحاً هذه للآخرة . . فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد . وكان عمر رضي الله عنه يقول للتجَّار: " اجعلوا أوَّل نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم " و كان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة ، أوله وآخره للآخرة ، وما بين الأول والآخر للدنيا ، وفي الخبر أن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذِكْر الله كفَّر الله عنه ما بينهما ، أول النهار وآخره فيه ذِكْرُ الله كفَّر الله عنه ما بينهما . . " يا بن آدم لا تعجز عن ركعتين أول النهار أكفِك النهار كلَّه " أنت في النهار كلُّه في حفظ الله ، أنت في ذمَّة الله ، أنت تحت مظلَّة الله ، أنت في توفيق الله ما دمت قد بدأت نهارك بذِكْرِ الله . ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر ، للظهر والعصر فينبغي ألا يعرج على شغلٍ ، وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه ، فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا وما فيها ، هكذا قال أحد التابعين : مضى عليه أربعون عاماً ما فاتته التكبيرة الأولى في المسجد مع الإمام: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [ سورة النور: 37 ] وكان السلف الصالح يبتدرون عند الأذان ، ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمَّة ، وقت الصلاة السوق فارغ ، لا أحد في متجره ، وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات ، إنهم كانوا حدَّادين وخرازين ، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة وأذَّن المؤذِّن لا يهوي بها ، وإذا أدخل الإبرة في الثوب وأذَّن المؤذِّن لا يخرجُها ، هكذا كان السلف الصالح . هذه من باب التأكيد عن ألا يتلهَّى الإنسان بالدنيا عن الآخرة . 4 ـ أن يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق : الشيء الرابع : ألا يقتصر على هذا بل يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق ، فإذا الإنسان كان في السوق في محلِّه التجاري ، في عمله ، في وظيفته وذكر الله عزَّ وجل ، ذكر آية لشخص ، شرح له حديثاً ، ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى ، قال : سبحان الله ، سمع قصَّة فيها موعظة قال : لا حول ولا قوَّة إلا بالله ، فالإنسان ما دام وهو في مكان عمله يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [ سورة المعارج: 23 ] كيف يداوم على صلاته ؟ هناك خمس صلوات ، هذه الآية حُمِلَت على أن قلبهم ملتفتٌ إلى الله سبحانه وتعالى طوال نهارهم ، فهذا المؤمن وهو في السوق يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى . ذكر الله أوسع عبادة على الإطلاق : بالمناسبة : أوسع عبادة كلمة ذِكْرُ الله ، فإذا ذكرت آيةً كونيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت آيةٌ قرآنيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حديثاً شريفاً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حكماً فقهياً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت دقَّة خلق ربك فقد ذكرت الله ، إذا أمرت بالمعروف فقد ذكرت الله ، إذا نهيت عن المنكر فقد ذكرت الله ، إذا رويت قصَّةً فيها موعظةٌ فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت نعمةً فقد ذكرت الله ، إذا قلت : الحمد لله الأمطار بدأت تنهمر ، هذا ذكر لله ، إذا قلت : الله سبحانه وتعالى وفَّقني إلى كذا وكذا ذكرت الله . . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ [ سورة الأحزاب : 41] برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله : ((ذاكر اللهِ في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وكالحي بين الأموات )) [ إحياء علوم الدين عن ابن مسعود] فأحياناً تجد تجَّاراً في السوق حديثهم فقط متعلِّق بحرفتهم ، بمصلحتهم ، بالأسعار ، فلان ربح ، فلان باع ، فلان خسر ، فلان حمل حملاً فوق طاقته ، فلان نفض من حمله ، فلان جاء لعنده موظَّفو التموين ، فلان سلَّم محلَّه ، فلان اشترى محلاً ، هذا حديث التجَّار ، أما حديث النساء فلانة تزوجت ، فلانة تطلقت ، فلانة اشترت بيتاً ، فلانة طلَّقها زوجها ، فلانة في خصومة ، جاءها ولد متوف ، هذا كلَّه حديث النساء ، أما المؤمن فهذه كلُّها سفاسف . (( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها )) [ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ] كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وما والاه ، الصامت في سلام ، والمتكلِّم إمَّا له أوعليه ، فهذا اللسان فيه بابٌ كبير للعمل الصالح وللعمل السيِّئ . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة إبراهيم : 24-25] يمكن أن تشرح آية لأخ ، صديق ، جار ، يتأثَّر فيها ، على شهر شهرين ثلاثة كلَّما التقيت معه حدِّثه شيئاً عن آيات الله ، شيئاً عن آيات القرآن الكريم ، شيئاً عن الصحابة ، شيئاً عن رسول الله ، وبعد هذا حمله الشوق أن يقول لك : أين تذهب أنت ؟ دلَّني على شيخك ، خذني معك إلى مجلس العلم ، تأتي به إلى مجلس العلم ، ما هي إلا أشهر حتَّى يصبح من المؤمنين الصادقين الصالحين ، هذا إنسان ، الآن تزوج امرأة مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، ساهم في هداية إخوته ، وأخواته ، وجيرانه ، أنت في زمانك تكلمت بكلمة ، الله سبحانه وتعالى يطلعك على نتائجها يوم القيامة فإذا أمَّةٌ قد اهتدت بهذه الكلمة ، يوم القيامة أمَّة . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [ سورة إبراهيم : 24] معنى أصلها ثابتٌ أي أنها مبنيَّةٌ على حقائق وليس على أباطيل ، مبنيَّة على وقائع لا على أوهام ، مبنية على مبادئ ثابتة لا على نظريات متبدِّلة ، الباطل من صفاته أنه زاهق . . ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ [ سورة الإسراء : 81] الحق من صفاته أنه ثابت ، الحق هو هو لا يتبدَّل ولا يتغيَّر ، فالحق كالسحاب يسير في السماء ، وما ضرَّ السحاب نبح الكلاب ، الذين يقاتلون الحق كنبح الكلاب والسحاب سحاب وهو هو في عليائه ، وهو هو في حركته وفي تقدُّمه ، لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجه الحق لأن الله هو الحق ، هو الحق المبين . فوائد ذكر الله عز وجل في السوق : أحدهم رأى الآخر يصلي فقال له : لمن تصلي ألا تكف عن ذلك ؟ هل أنت متأكد ومصدِّق أن هناك إلهاً موجوداً ؟ هذا المصلي عابد وليس عارفاً لم يستطع أن يرد عليه ، قال له: شكوتك إلى الله ، فقال له : إذا الله موجود فأنا أتحدَّاه ، وإذا كان موجوداً يثبت وجوده ، فما مضى ساعة حتى فقد هذا المتكلِّم بصره ، الله أثبت له وجوده وأعطاه مهلة أن يتوب ، المؤمن مسددٌ رشيد ، مثل الفريقين كالأعمى والأصم ، والسميع والبصير هل يستويان ؟ أعمى وأصم ، سميع وبصير ، المؤمن سميع وبصير ، الكافر أعمى وأصم : (( ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم )) [ أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر] حشائش يابسة ، وشجرة نضرة وارفة الظلال ، متألِّقة ، صدقاً أحياناً تصافح مؤمناً تشعر أنه كتلة حياة ، كتلة وفاء ، كتلة إخلاص ، كتلة اندفاع ، كتلة محبَّة لله عزَّ وجل ، جاهز للعمل الصالح ، جاهز للنصيحة وخدمة الناس ، عنده غنى بقلبه ، لو لم يكن في يديه إلا دُرَيْهِمَات لملأ الناس غنىً ، إن الغنى غنى النفس ، عنده توكُّل . . قال الإمام الشافعي : " لو أن السماء من نحاس ، والأرض من رصاص ، وأهل مِصْرَ كلُّهم عيالي ما شكوت همَّاً لأحد ، لأن الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين " وقال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ )) [ الترمذي عن عمر بن الخطاب ] لا إله إلا الله أي لا رازق إلا الله ، لا ينبغي أن تحلف كذباً ، لا ينبغي أن تُدَلِّس ، لا ينبغي أن تَغُش ، لا ينبغي أن تكتم عيباً ، لا ينبغي ألا تنصح المسلمين ، لا إله إلا الله ، لا رازق إلا الله . وقال الحسن رضي الله عنه: " ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوءٌ كضوء القمر ، وبرهانٌ كبرهان الشمس ، ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله " إذا كان محلِّه في مكان مزدحم له مغفرة كبيرة ، سيدنا عمر كان إذا دخل السوق قال: " اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ، ومن شرِّ ما أحاطت به السوقُ ، اللهمَّ إني أعوذ بك من يمينٍ فاجرة وصفقةٍ خاسرة " إذا إنسان غير موفَّق الله سبحانه وتعالى يريه أن هذه البضاعة ممتازة ، وسوف يربح منها أرباحاً طائلة ، فإذا اشتراها نفر الناس منها ، وبقيت في مستودعه لا تباع ولا تشترى، عندئذٍ ربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [ سورة التوبة: 24 ] فأصعب شيءٍ في حياة التاجر أن يدخل إلى دكَّانه أو إلى مستودعه فيرى البضاعة قد مضى عليها سنوات ولا يسأله عنها أحد . . ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [ سورة التوبة: 24 ] المؤمن الله عزَّ وجل يلهمه البضاعة الرائجة ، والبضاعة غير الرائجة يصرفها عنه، لا يوجد هنا ذكاء بينهما ، تجد تاجراً عريقاً بالتجارة ، له أربعون سنة بالتجارة ، يشتري صفقة فيفلِّس منها ، فسيدنا عمر كان يقول : " اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة " تجارة السلف الصالح لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا : قال : كنّا يوماً عند الجُنَيْد رضي الله عنه ، فجرى ذكر أناسٍ يجلسون في المساجد يتشبَّهون بالصوفيَّة ، ويُقَصِّرون عما يجب عليهم من حقِّ الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق . جالس في المسجد لأنه ولي ، هذا الذي ذهب إلى السوق محباً للدنيا ، هكذا يقولون . . سمع ذلك الجنيد رضي الله عنه فقال: كم ممن هو في السوق حُكْمُهُ أن يدخل المسجد ويأخذ بأذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه ، وإني لأعرف رجلاً يدخل السوق ورده كل يومٍ ثلاثمئة ركعة . أي له أوراد ، وله أحوال ، وله مواجد ، وله حالات قرب ، فما كل من دخل السوق يسمَّى محبَّاً للدنيا ، إذا كانت نواياه السبع أن يكفُّ عن السؤال ، أن يكفي أهله ، أن يكفّ عن التطلُّع لما عند الناس ، أن يستعين بالمال على أمر دينه ، أن يذكر الله في السوق ، أن يتعامل مع الناس بالعدل والإحسان ، أن يأمر بالمعروف ، أن ينهى عن المنكر ، أن يخدم المسلمين ، هذه هي النوايا على ما أظن سبع أو ثماني ، إذا كانت هذه نواياه من دخول السوق فأنعم وأكرم، وربَّما سبق العُبَّاد لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء )) [الدارمي عن أبي سعيد ] أنا أقول لكم هذا الكلام : التاجر الذي يخشى الله سبحانه وتعالى ، يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله ، عنده هذه البضاعة اشتراها بعشرة ربحه فيها ليرتان صارت اثني عشر ، جاءه شخص بحاجة ماسَّة لها ، لو طلب خمسين سيدفع له ثمنها ، قال له : اثنا عشر ، هذا التاجر لا يمكن أن يخوِّفه الله من جهة ثانية ، لا يمكن أن يخوِّفه الله عزَّ وجل من جهة أرضيَّة، تجده لا يخاف ، أما إذا جاءه شخص بحاجة فاستغلَّ حاجته أبشع استغلال وضاعف السعر ، في اليوم الثاني له حساب ، يأتي له شخص يجعله يرجف ، طبعاً أنت لم تخف الله عزَّ وجل بينك وبينه فخوَّفك من عباده ، من خاف الله خافه كل شيء ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء . قال لي أحدهم : أنا أرجف رجفاً ما هذه الحياة ؟ عند جاري أتى الموظفون وأنا كلي أرجف ، والله أنا لم أفعل شيئاً ، وكلها بضاعتي ، قلت له : عند الله حساب جار ، يجمع الله البيت والمحل ، البيت هل فيه معاص ؟ فسكت ، من وإلى ، في البيت يوجد حساب وهنا يوجد حساب ، هو عنده البضاعة صحيحة ، وسعرها قانوني ، ووفق الأصول ، لكن الله عنده حساب في البيت ، فإذا لم يكن في البيت غلط وهنا لا يوجد غلط لا تخف . . ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ [ سورة النساء : 147] هو عندما كان فيه خشية من الله عزَّ وجل ما كان فيه شيء ، عندما فجر الناس ، سأقول لكم كلمات : المؤمن إذا قرأ كلام الله عزَّ وجل وأخذه مأخذاً جديَّاً ، ربنا عزَّ وجل قال: ولن هذه لن لنفي المستقبل ، أداة التحدي . . ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ [ سورة النساء: 141 ] هذا كلام رب ، خالق الكون ، أنت كن مع الله وانظر ، كن مع الله تر الله معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟! ما معك أحد ، يخيفك من أحقر خلقه ، وإذا كنت معه خافك كل شيء . هكذا كانت تجارة السلف الصالح ، يتَّجرون لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا ، فإن من طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يخزيه الله سبحانه وتعالى ؟ طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة . 5 ـ ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة : الآن البند الخامس : فيما يدعو لشفقة التاجر على دينه وهو في السوق ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة ، وذلك بأن يكون أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، الآن من نعم الله أنه يوجد تحديد للدوام ، لكن قبل التحديد تجد السوق للساعة الحادية عشرة ، الثانية عشرة ، والنساء في البيت وحدهن ، كل زوجة لها حق ، لا يجعل واحداً يتأخَّر عنه ، يظل بالسوق لآخر الوقت ، أول إنسان يفتح ، قال : هذا مكروه ، عن عمرو بن العاص يقول: " لا تكن أول داخلٍ في السوق ولا آخر خارجٍ منها ، فإن بها باض الشيطان وفرَّخ " الذي يدخل أول واحد ويخرج آخر واحد ، إبليس يقول لزبانيَّته : سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق ، زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة ، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، وفي الخبر: شرُّ البقاع الأسواق ، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً . 6 ـ ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات : البند السادس : ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات ، عندنا حرام وعندنا شبهات ، إذا الإنسان ترك الحرام لابأس به ، لكن هناك شيئاً آخر وهو ترك الشبهات ، ومظان الريب ، ولا ينظر إلى الفتاوى ، يا أخي توجد فتوى أن البيع ولو مع الدين لا شيء عليه ، فلان وفلان أنت أفهم منهم ؟ لا ، لست أفهم منهم ، قال : المؤمن الصادق لا يقبل الفتاوى التي نُقِلَت إليه التي فيها إباحة لبعض المنهيات ، فأنا كلَّما سألني إنسان شيئاً أقول له: تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجودة ، أي معصية لها فتوى ، إنسان ضيع خمسين ليرة ذهباً ، فدعا الله : يا رب أدعو ألا يجدها شيخ ، قال له : لماذا ؟ قال له : سيؤول فتوى ويأخذها ، الفتوى موجودة أما التقوى فهذه غير سهلة ، فأي معصية تريد أن تقترفها توجد لها فتوى ، لكن إذا كنت تريد التقوى ، تريد مرضاة الله ، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك . قال لي رجل : إذا الإنسان باع بالتقسيط ورفع الثمن لا شيء عليه ، قلت له : كيف ذلك ؟ قال: أتريد أن نأخذ الثمن متأخِّراً بلا فائدة ؟ قلت : حينما يبيع الشيء لأجل يكتبه ديناً ، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا ، ولا بيع بعقدين ، ومن باع بعقدين فله أوكسهما أو يكون الربا ، قال : لا بشرط ألا تبيع نقداً أو تقسيطاً ، إذا بعت تقسيطاً فقط ، يجوز أن تبيع بالتقسيط وبسعر مرتفع ، قلت له : محلان تجاريان إلى جانب بعضهما بعضاً ، يبيعان أدوات كهربائيَّة ، البضاعة واحدة ، الأول يبيع نقداً والثاني يبيع تقسيطاً ، حسب رأي هذا الإنسان العمل شرعي ، هذا يبيع تقسيطاً فقط ، هذا البرَّاد ثمنه ألف ومئتان لستة أشهر ، كل شهر مئتا ليرة ، المحل الثاني يبيع البرَّاد بألف ليرة نقداً ، حسب توجيه هذا الرجل البيع في الحالتين شرعي ، قلت له: لو جاء إنسان إلى الذي يبيع تقسيطاً وأخذ ثلاجةً ، وسُجِّل في الدفتر ديناً لستة أشهر على أن يُسدَّد كل شهرين مئتي ليرة ، إنسان آخر ذهب إلى البنك ، واستقرض ألف ليرة بفائدة مئتين لستة أشهر ، وذهب إلى المحل الثاني الذي يبيع نقداً واشترى هذه الثلاجة ، أي فرقٍ بين الرجلين ؟ أبداً لا فرق بينهما إطلاقاً ، إلا أن الثاني ذهب إلى المصرف وأخذ الألف بفائدة ، ودفع الألف للبائع الذي يبيع نقداً ، وسجَّل المصرف عليه مئتي ليرة لستَّة أشهر ، والأول دفع الزيادة لصاحب المَتْجَر ، فبقي شخص يقول لك : توجد فتوى ؟ أنا سمعت فتوى من رجل له مكانته وعالِم جليل فانتهى الأمر ، لكن ما هو دليله على شرعية هذا العمل ؟ لأنه إذا سيق الإنسان للحساب يجب أن يبيِّن له الدليل ، كل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا . (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الإمام الغزالي يقول: ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات، ومظان الرِيَب ، ولا ينظر إلى الفتاوى . من يعرف الله لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله : مرَّة أحدهم أحضر لي فتوى وقال لي : تفضل هذه الفتوى بتوقيع رجل مكانته كبيرة جداً ، ومأخوذة عن حاشية ابن عابدين ، أن الإنسان يستطيع أن يضع أمواله في دولة أجنبيَّة ويأخذ فائدتها ، قلت له : هذا الذي ينقل ماله من بلد المسلمين إلى بلد الكافرين ليقوِّيهم ويضعف المسلمين أليس له عند الله حساب ؟ ابن عابدين حينما قال في حاشيته : لك أن تأخذ أموال الكفَّار يعني بهذا أن تأخذها في حالة الحرب ، دون أن تضع مالك عندهم وتأخذ عليها الفائدة ، القضيَّة أعقد من هذا ، الفتوى صحيحة ولكن لها ظروفاً معيَّنة ، لها ملابسات ، في حالة الحرب لا في حالة السلم ، هناك تمثيل دبلوماسي وهناك سفارات أين حالة الحرب هذه ؟ وكذلك نقل الأموال من بلد مسلم إلى بلد غير مسلم هذا يضعف المسلمين ، يفقدهم السيولة النقديَّة ، إذاً كل فتوى لها ملابسات ولها ظروف ، أنا لا أكذِّب الفتوى لا والله حاشا لله ولكن أقول : هذه الفتوى التي تأخذها أنت لها ملابسات ولها ظروف قد لا تنطبق عليكَ أنت ، فإذا أردت الفتوى فالفتوى موجودة ، لكنك يجب أن تأخذ التقوى ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك)) [أحمد عن وابصة بن معبد] إنسان قال لي : إذا طالب ذهب إلى أوروبا ومضطر أن يتزوَّج ، له أن يتزوَّج زواجاً مؤقَّتاً ستَّة سنوات فترة الدراسة ، وقبل سنتين يطلِّق ، قلت له : من أين جئت بهذا ؟ قال : في المذهب الفلاني . . سمَّى لي اسم الكتاب . . موجود ، قلت له : ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ سورة النساء : 21 ] أغلظ ميثاق بين الزوجين ، من منكم يرضى أن يزوِّج ابنته زواجاً لأجل ؟ لا أحد يرضى ولو كان موجوداً في كتاب معتمد من الأئمَّة الأربعة ، يمكن المذهب المالكي ، المهم التقوى لا الفتوى ، قد تكون الفتوى لها ملابسات ، لها ظروف ، مدسوسة عن الإمام المالكي رضي الله عنه لا تعرف ، لأن الشيخ محي الدين في الفتوحات المكيَّة قالوا عنه أشياء غير مقبولة ، فالإمام الشعراني أنكرها قلبه ، هذا كلام خِلاف القرآن ، وفي الفتوحات ، والشيخ محي الدين الشيخ الأكبر سلطان العارفين ، ذهب إلى مكَّة المكرَّمة وعرض الأمر على أحد علمائها الكبار ، قال : دخل إلى غرفته فعاد ومعه نسخةٌ من الفتوحات بخطِّ يدِّ الشيخ محي الدين رضي الله عنه ، ففتح الكتاب فلم يجد فيها شيئاً مما أنكره قلبه ، إذاً مدسوسةٌ عليه ، قال : وقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة دسُّوها تحت وسادته قُبَيْل وفاته ، ولقد دسوا على الإمام الغزالي في الإحياء . . والنص عندي . . ولقد دسوا على الفيروزبادي ونسبوا له كتاباً في التهجُّم على أبي حنيفة ، قال: ودسوا عليَّ أنا كتاباً راج في مصر وقد نُسِبَ إليّ وأنا بريء منه ، النص هذا خطير جداً ، بمعنى أنه لو بَلَغَك عن عالمٍ جليل كلامٌ لا يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى ، ولا مع كمال أنبيائه ورسله ، القضيَّة سهلة ، ما أسهل الدسَّ على العلماء . فهناك تفسير شهير جداً وجدت في سطرين كلاماً يلفت النظر ، أن هذا الذي كُتِبَ عليه أن يكون شقياً من الأزل قال : هذا محض العدل لأن الله سبحانه وتعالى يتصرَّف في ملكه ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل ، قلت : لو تزوَّج الإنسان امرأةً ليس لها أب ، وليس لها أخ ، ولا أخت ، ولا قريب ، ولا أحد ، مقطوعة ، وظلمها ظلماً شديداً ، لم يطعمها ، وسَخَّرها لخدمة أُناسٍ كثيرين ، وأهانها ، وضربها ، فهل نقول : هذا محض العدل والإحسان وأنه لا أحد يحاسب الزوج عنها ؟ هل ينقلب الظُلم إلى عدلٍ لمجرَّد أن أحداً لن يحاسبك على هذا الشيء ؟ لا ، هذا السطر لابدَّ أنه مدسوسٌ على هذا المُفَسِّر الجليل . النبي عليه الصلاة والسلام يمشي في الطريق يرى باباً مفتوحاً ، ينظر في الباب ، فيرى امرأةً تغتسل غايةً في الجمال ، وقع حُسنها في قلبه يقول : سبحان الله ، تسمعه فتقول لزوجها ، تأتي الآيات تأمر زوجها أن يطلِّقها ليأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا إذا وجدته في الكتاب لا أتهم صاحب الكتاب بل أقول : هذا مدسوسٌ عليه ، الأنبياء فوق هذا المستوى ، فوق هذا بكثير . سيدنا سليمان بَلَغَهُ أن للسيدة بلقيس أرجلاً كأرجل الحمار ، وأن شعراً كثيفاً في أرجلها فبدافع حبِّ الفضول صنع لها بهواً فخماً من زجاجٍ صافٍ ، وأجرى تحته الماء . . ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [ سورة النمل: 44 ] هكذا التفسير ؟! معاذ الله أن يكون سليمان عليه السلام بهذا المستوى ، لا ، لكن الهداية لا تكون إلا بشيئين : بوجود تفكيرٍ سليم ووجود خضوع ، فهذه ملكة وهو ملك ، كيف تخضع له ؟ لابدَّ من أن يُحَجِّمها ، امتحن ذكاءها بنقل عرشها ، فلما طرح عليها السؤال : أهكذا عرشك ؟ كانت ذكيَّةً جداً ، أجابت إجابةً دُبلوماسية قالت : كأنه هو ، فلو أنه هو ، قالت : كأنه هو ، ولو لم يكن هو ، قالت : كأنه هو أي ليس هو ، فالجواب دقيق جداً ، شرطان : أول شرط أن تكون مفكِّرةً وها هي تثبت أنها مفكِّرة ، بقي خضوعها ، ملكة وهو ملك ، ندٌ لند ، حينما دخلت قصره المنيف ، وظنَّت الماء يجري في بهو القصر كشفت عن ساقيها فقيل لها: لا إنه صرٌ ممرَّدٌ من قوارير ، فإذا واحد له مكانة كبيرة جلس ليأكل فأوقع الصحن على ثيابه ، يخجل، يتحجَّم ، فسيدنا سليمان أراد أن يخضعها ، أن يجعل بينه وبينها مسافةً ، فإذا وجدت في بعض الكتب أنه أراد أن يكتشف ما إذا كان في ساقيها شعرٌ أو لا ، لا ، فهذا لا يليق بالأنبياء أن يفعلوه ، إذا أراد أن يكتشف ما إذا كان ساقاها ساقي حمار ، لا الملكة لا تكون كذلك . على كل أضرب لكم مثلاً : أحد سكَّان دمشق دخل إلى مكتبةٍ فإذا فيها كتابٌ عن دمشق قَلَّبَ صفحاته فأعجبه فاشتراه ، جاء للبيت قرأ عن سكَّان دمشق ، عن تضاريس دمشق ، عن غوطتها ، عن بردى ، عن نشاط أهلها ، عن تاريخهم ، كيف أنها أقدم مدينة ، عن آثارها، عن قصورها ، عن بساتينها ، عن عادات أهلها ، عن تقاليدها كلُّه صحيح ، وهو من الشام ، في نهاية الكتاب قرأ كلمتين : وتقع دمشق على البحر المتوسِّط شمال بيروت ، هو من دمشق ويسكن الشام فهل عنده إمكانيَّة أن يصدِّق هذا الكلام ؟ هذا كتاب مهم ، معناها نحن نعيش على البحر ، لا ليس هكذا ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب بكثير ، راكب سيَّارة وهي واقفة ، و عندك على وقوفها مليون دليل ، نظرت فرأيت الإبرة على الثمانين فقلت : معنى هذا أننا نسير ، لا هذه لها تفسير ثان ، معنى هذا أن العدَّاد معطَّل، الكبل مقطوع وواقف على الثمانين ، وقوفك أقوى من العدَّاد ، فعندما يعرف الإنسان الله سبحانه وتعالى لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله . . ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [ سورة الأعراف: 180 ] فمن يصدِّق أن الشام تقع على البحر ؟ إنسان ما رأى الشام ، إنسان يقرأ كتاباً مترجماً عن الشام وهو يسكن في ألاسكا ، بأستراليا ، يقول لك : معنى هذا أن الشام بين طرابلس وبين بيروت ، هنا الشام ، باعتبار هو قرأ هكذا في الكتاب ، أما ابن الشام فلا يقول هذا الكلام و لا يقبله . فيجب أن تبلغ معرفتك بالله عزَّ وجل درجة أن لا ترضى عنه النقص ، لا ترضى لأسمائه إلا أن تكون حسنى ، فاسم القابض من أسمائه الحسنى ، الضار من أسمائه الحسنى لكنه يضرُّ لينفع ، ويقبض ليبسط ، ويمنع ليعطي . . إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي وييبتلي ليجزي ، هكذا ، فالإنسان إذا أقبل على الله سبحانه وتعالى وذاق من رحمته لا يقبل تفسيراً يتنافى مع رحمته ، لا يُسأل عما يفعل لفرط عدالته لأن عدله يسكت الألسنة .على الإنسان أن يستفتي قلبه و يسأل عن كل سلعة رابه أمرها : قال : ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه ، فإذا وجد فيه حزازةً اجتنبه ، نفسه ضاقت فتركه ، وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها ، أخي أنا قال لي اشتر فاشتريت ، هو قال لك : اشتر هذه الكأس وثمنها ليرتان قال لك : تأخذها بنصف ليرة ، أين أنت جالس ؟ معنى هذا أن هذه الكأس مسروقة ، أخي أنا بعتها بيعاً حلالاً ، عرض عليّ كأساً بنصف وأنا لي مصلحة أن آخذها بنصف ، لا معنى هذا أنك لست ورعاً ، سعرها ليرتان ، إن باعك إياها بليرتين إلا ربع فلابأس ، مئة وتسعون معقول ، مئة وثمانون معقول ، ليرتان وربع معقولة ، لكن نصف ليرة غير معقولة . قال : وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها حتَّى يعرف وإلا أكل شبهةً ، وقد حُمِلَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام لبنٌ فقال : من أين لكم هذا ؟ قالوا: من الشاة ؟ قال: ومن أين لكم هذه الشاة ؟ قيل: من موضع كذا ، فشرب منه ، حلال ، وقال : إنَّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا ألا نأكل إلا طيِّباً ولا نعمل إلا صالحاً ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) [ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ [ سورة البقرة: 172 ] قال : النبي الكريم سأل عن أصل الشيء وأصل أصله ، فقط ، أما عن أصل أصل أصله فما سأل لأن هذا الشيء متعذَّر . التاجر عليه أن ينظر إلى من يعامله فإن كان منسوباً إلى ظلمٍ ، أو خيانةٍ ، أو سرقةٍ ، أو ربا فلا يعامله . قال : دخل سفيان على المهدي فقال : يا سفيان أعطني الدواة حتَّى أكتب ، فقال: أخبرني عن أي شيءٍ تكتب ؟ . . إذا ناوله الدواة صار مسؤولاً فصار شريكه في الإثم . . عن أي شيءٍ تكتب ؟ فإن كان حقَّاً أعطيتك ، بعض الأمراء طلب من بعض العلماء أن يناوله شيئاً ليختم به الكتاب فقال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه ، الختم فقط قال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه .الناس قسمان : قال : وبالجملة ينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يُعَامَل ومن لا يُعَامَل ، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمن ، قال بعضهم : أتى على الناس زمانٌ كان الرجل يدخل في السوق ويقول: من ترون أعامل من الناس ؟ فيقال له : عامل من شئت ، كلُّه طيِّب، كلُّه فالح ، كله ورع ، كله مستقيم ، كله محسن ، عامل من شئت ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر كانوا يقولون : عامل من شئت في هذا السوق كلِّه إلا فلاناً وفلاناً ، هذان مشكوك في أمرهما ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر فكان يقال : لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلاناً ، لا يتعاملوا ، قال: ونخشى أن يقال لا تعامل أحداً أبداً . أول أمر عامل من شئت ، رقم اثنين عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً ، رقم ثلاثة لا تعامل إلا فلاناً وفلاناً ، وقد يأتي زمان يقال للرجل : لا تعامل أحداً ، قال عليه الصلاة والسلام: (( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَن)) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ] إنه في آخر الزمان من لم يأكل الربا أصابه غباره ، العلاقات كلُّها ربويَّة ، مهمَّا احتاط الإنسان يصيبه غبار الربا . 7 ـ أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه : البند السابع والأخير في الأشياء التي يحترز بها التاجر على دينه أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه ، قال : فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليعدَّ الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلةٍ وقولةٍ لماذا قالها ؟ ولماذا فعلها ؟ ولأجل ماذا ؟ قال : فإنه يقال: إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه في الدنيا ، إذا عندك بيع في اليوم حوالي خمسين أو ستين زبوناً على أربعين سنة أعانك الله ، واحد واحد ، قلت له : هذه البضاعة لا يوجد منها وهي يوجد منها لكي يشتري على الفور ، إذا قلت له : هذه البضاعة أصليَّة و كانت ليست كذلك تعال إلى الحساب ، وبعدها أتى الزبون الرابع أنت قلت له : إن هذه البضاعة تصنيع محلي وهي فيها عيب وأنت لم تظهره ، أبداً ، كم زبون بعت في حياتك ؟ يُحْشَر الأغنيار أربع فرقٍ يوم القيامة : فريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام ، أهون حساب حسابه . . يقال : خذوه إلى النار ، لا يوجد ازدحام ، ولا طوابير ، على الفور خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرامٍ . . عنده ملهى . . وأنفقه في حلال فيقال : خذوه إلى النار . . حسابه سريع . . وفريقٌ جمع المال من حلالٍ . . تجارة شرعيَّة . . وأنفقه في حرام . . على المعاصي . . فيقال: خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال فيقال : قفوه فاسألوه ، هذا سيحاسب ، حلال بحلال قفوه فاسألوه ؛ هل قصَّر في حقِّ جيرانه ؟ هل قصَّر في حق من حوله؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته من بيننا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ترك فرض صلاةٍ ؟ هل سها على عباد الله ؟ عنده ملايين الأسئلة ، النبي الكريم من بلاغته المعجزة قال: فتركته يُسْأل ويُسْأل . عمله طويل لا ينتهي بيومين أو ثلاثة . يروون قصّة وهي كطرفة أن أحد الأثرياء ترك أموالاً طائلة ، على فراش الموت طلب أن ينزلوا معه واحداً على القبر لعله يستأنس به عند الحساب ، فرأوا إنساناً فقيراً إلى درجة متناهية يعمل حَطَّاباً ليس عليه إلا خرقتين . . (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] قميصان داخليان لا يوجد غيرهم ، فأغروه بمبلغ كبير ، هذا لم يسمع بهذا المبلغ في حياته فرضي ، طبعاً اتفقوا مع الحفَّار أن هناك شيئاً خاصاً هو أن ننزل إنساناً وغداً صباحاً تخرجه من القبر ، قال لهم: موافق ، كذلك أعطوا للحفار مبلغاً لكي يرضى ، لأن هذه فيها مسؤوليَّة ، أنزَّله ، بعدما نزل هذا الحطَّاب جاء الملكان ، قال أحدهما للآخر : هنا في القبر اثنان ، فلمَّا جاء الملكان اضطرب هذا الحي فحرَّك رجله ، فقال : أحدهم حي ، هيا نبدأ به ، أجلسوه وسألوه : من أين هذا الثوب ؟ قال لهم هذا دفعه إليَّ فلان ، من أين هذا البنطال ؟ من فلان ، هذا الحَبل الذي تحزم به خصرك من أين جئت به ؟ قال: هذا وجدته في بستان مُعَلَّقاً على شجرة فأخذته ، قال: هل أخذته من صاحبه ؟ قال: لا ، قال: هل أعلمت صاحبه ؟ قال: لا ، قال : هل دخلت إلى البستان بإذن صاحبه ؟ قال : لا ، فقال : اضربوه على هذا الحبل الذي أخذه من دون إذن صاحبه ودخل البستان من غير إذن صاحبه ، ففي اليوم الثاني صار يصيح من شدَّة الألم ويقول : أعان الله والدكم ، أي على حبل واحد ، القضيَّة ليست سهلة ، إذا الإنسان عرف دقَّة الحساب خشي الله سبحانه وتعالى . . (( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجةِ الإسلام )) [ ورد في الأثر] دانقٍ من حرام ، فآخر شيء أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحدٍ من معامليه فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليُعدَّ الجواب ليوم الحساب ، يقول لك : الآن لبسناها له ، بعد أن عملت حادثاً وقلبت قلبتين ودهَّناها لم يعرفها ، بعناها ليلاً ، ألبسته إياها ؟ أعانك الله في كل فعلةٍ وقولةٍ . قال لي أحدهم : والله يا أستاذ أخذنا مئتي بيضة فكانوا فاسدين فبعناهم في سوق الجمعة يوم الجمعة و لحقَّنا حالنا ، ما هذا الكلام ؟ هو خضري اشترى بيضاً ليتاجر به فوجد أن البيض كله فاسد ، قال لي: لحَّقنا حالنا وبعناهم في سوق الجمعة ، أنت مسلم ، فأرة وقعت في الزيت ما أحد رآها ، الزيت صار نجساً ، هناك أخطاء كبيرة جداً . إذاً لأجل هذا يقال : يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه شيئاً وقفةً ، ويحاسب عن كل واحدٍ محاسبةً ، على عدد من عامله ، قال بعضهم : " رأيت بعض التُجَّار في النوم فقلت : ماذا فعل الله بك ؟ قال: نشر عليَّ خمسين ألف صحيفة ، عنده مجلَّد ضخم ، عدد صفحاته خمسون ألفاً ، هذا دفتر حسابه ، فقال: هذه كلُّها ذنوب ؟ قال : لا هذه كلُّها معاملات الناس بعدد كل إنسانٍ عاملته في الدنيا ، لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه . لذلك ما على المكتسب في عمله إلا العدل والإحسان والشفقة على الدين ، فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين ، وإن أضاف إليه الإحسان كان من المُقَرَّبين ، وإن راعى في ذلك وظائف الدين كان من الصديقين والله أعلم . فالقضيَّة ليست سلهة . . فما حبُّنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له : قد جهلتنا *** الدين يبدو في المعاملات ، أتعرفه ؟ قال : نعم ، قال : هل جاورته؟ قال : لا ، هل سافرت معه ؟ قال : لا ، هل عاملته بالدرهم والدينار ؟ قال : لا ، قال : أنت لا تعرفه ائتني بمن يعرفه . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الستون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . الشبهات : أيها الأخوة الأكارم ، لازلنا في موضوع الشبهات ، بينت لكم في درس سابق قول النبي عليه الصلاة و السلام الحلال بين كالأبيض الناصع و الحرام بين كالأسود الداكن و بينهما أمور مشتبهات ملايين الحالات التي يختلط بها السواد بالبياض ، يختلط الحرام بالحلال، هذه الحالات بين الأبيض الناصع و الأسود الداكن لا يعلمها كثير من الناس و هي التي أهلكت الناس ، قبل المضي في الحديث عن هذا الموضوع يقول عليه الصلاة و السلام : ((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ )) [الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] أي يقول المسلم اليوم : أنا لا أزني ، أنا لا أسرق ، أنا لا أشرب الخمر ، هذه كبائر و يتهاون بالصغائر ، الحقيقة الكبائر كبائر و إذا تركت الكبائر الإنسان قد يهلك بالصغائر : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ )) [الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] و : (( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار )) [ مسند الشهاب عن ابن عباس ] و الصغيرة في النهاية كالكبيرة أي حرف المقود سنتمتر واحد على مسافة مئة متر يؤدي بالإنسان إلى الوادي ، و حرف المقود تسعون درجة فجأة يؤدي به في الوادي ، القضية قضية وقت أما في النهاية فالصغيرة إذا استمر عليها ، و ثبت عليها ، و أصرّ عليها في المؤدى كالكبيرة ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ )) [الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] أي شبهات ، هذه التي لا يعبأ بها الناس ، هذه التي لا يعلمها كثير من الناس ، الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين أفرد لها فصولاً طويلة ، لازلنا في أول الطريق . من مسارات الشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية : تذكرون في أول درس تحدثت عن الشبهات بينت أن مسار بعض الشبهات في أسبقية السبب المحلل و السبب المحرر ، الصيد في الأسلحة حلال و لكن إذا صدت غزالاً ووقع في الماء فرأيته ميتاً هل مات بسبب جرحه فهو حلال أم مات بسبب غرقه فهو حرام ؟ هذه شبهة و تحدثنا عنها ملياً ، ثم تحدثنا عن اختلاط الحلال بالحرام ، حلال محدود مع حرام محدود ، حرام محدود مع حلال غير محدود ، حرام غير محدود مع حلال غير محدود ، و تحدثنا في درس آخر عن طرح السؤال ، إذا سألت إنساناً ما : هل هذا المال حرام أم حلال ؟ هذا له تفصيلات بيناها في وقتها . اليوم موضوع جديد حول الحلال و الحرام ، أو حول الشبهات المسار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية ، الآن العمل حلال لكن يتصل بهذا العمل الذي أحله الله شيء حرام قال : إما في قرائنه - أي ما يقترن به - وإما في لواحقه ، وإما في سوابقه ، وإما في عوضه . يجوز أن يقترن بالسبب المحلل شيء حرام ، أو أن يسبقه شيء حرام ، أو أن يلحقه شيء حرام ، أو أن يكون عوضه شيئاً حراماً ، وكانت هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل ، مثلاً لو أنك عقدت قراناً على امرأة تبينت أنها أختك من الرضاع ، هذا الذي تبين لك يبطل السبب المحلل وهو الزواج ، هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد باطلاً ، لا يسمى هذا العقد فاسداً ، لأن شيئاً أبطل السبب المحلل ، لكن إذا عقدت قراناً على امرأةٍ من دون مهر هذا عقد فاسد ، العقد الفاسد يصحح أما العقد الباطل فلا يصحح يبطل ، هنا موضوع دقيق جداً ، أي هذا الشيء الذي اقترن بالحلال أو سبقه أو لحقه أو كان بدلاً منه ، هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض ، هذه كانت من المعاصي لكنها لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل . مثال المعصية في القرائن ، البيع وقت نداء الجمعة ، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجمعة : 9] البيع حلال وأحلّ الله البيع لكنه اقترن بوقت النداء ، هذا السبب لا يوجب بطلان العقد في رأي بعض العلماء ، ولكن معصية لله عز وجل ، والذبح بالسكين المغصوبة ، الذبح حلال لكن هذه السكين مغصوبة ، والاحتطاب بقدوم مغصوب ، والبيع على بيع الغير فيه معصية ، والصوم على صومه ، كل هذا ورد نهي فيه ، ولكن من يدل على فساد العقد هو معصية يجب أن تترك ولكنها لا تجعل هذا العقد باطلاً ولا تجعله فاسداً فإن الامتناع من جميع ذلك ورع ، وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوماً بتحريمه ، ليس هذا من باب التحريم القطعي ولكن من باب الكراهية الشديدة ، إذاً هذه شبهة بمعنى أنها من النوع المكروه . أنواع الكراهة : وقالوا : إن الكراهة لها ثلاث درجات ، كراهة تقترب من الحرام ، الطلاق شيء مكروه ، أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، هذه كراهة تقترب من الحرام والورع عنه مهم ، والأخيرة تنتهي إلى ورع من نوع المبالغة ، والوسطى تلحق بإحدى الطرفين ، يوجد عندنا كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم ، وكراهة تقترب إلى درجة المبالغة أو الوسوسة ، وعندنا كراهة بينهما، فهناك مستويات ثلاثة للكراهة ، إذاً الكراهة درجات ، كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم، وكراهة تلحق بكراهة الوسوسة والمبالغة ، وكراهة بينهما . المسروق أن تأخذ السكين من حرز من دون أن يشعر بك صاحبها هذه سرقة أما الاغتصاب فقد تأخذها أمامه ولكن بقوة ما ، قد تأخذها بقوة السلاح ، وقد تأخذها بقوة أدبية معنوية هذا اسمه غصب . والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ، لازلت أقول لكم : (( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط )) [ الجامع الصغير عن أنس ] والفرق الجوهري بين المؤمن الصادق وبين المنافق الورع ؛ هذا ورع يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا لا يبالي أكان ماله حلالاً أم حراماً ، لكن أحب أن أبين لكم أن هناك حالات مرضية ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا )) [ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ] المتنطعون الذين يقعون في وساوس ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان ، تراه معطلاً وقته ، وطاقته ، وجهده ، في البحث في تفصيلات لا تقدم ولا تؤخر ، هذا مرض يصيب بعض المؤمنين ، كيف أن هناك أمراضاً نفسية كثيرة وشائعة متعلقة بالوسوسة سماها العلماء الوساوس المتسلطة ، هناك أمراض نفسية تصيب بعض ضعاف المؤمنين من داء الحلال والحرام والشبهات وما شاكل ذلك ، أي يوجد إنسان عنده كرم عنب أحرقه جميعاً لماذا ؟ قال : يخشى أن يصل بالنهاية إلى خمار فيصنعه خمراً ، قياساً على هذه القاعدة يجب أن تدمر كل شيء ، هذا يحتاج إلى طبيب نفسي ، شيء مضحك ولكنه شيء واقعي ، أنا أحياناً تصلني حالات من هذا القبيل ، هذا شيء ما أنزل الله به من سلطان أنت بحاجة إلى من يسدد خطاك وإلى من يقول لك هذا حلال وهذا حرام . المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال : أما هنا فهناك فكرة دقيقة إلى أقصى الحدود : ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا)) [رواه مسلم عن ابن مسعود ] هؤلاء المبالغون الذين يصلون بتفكيرهم إلى مناطق موحشة ، إلى مستحيلات ، إلى افتراضات باطلة يتنحلون ، يبالغون ، يتصنعون إلى درجة أنهم يمقتهم الناس ويمقتون أنفسهم ، قال : هذه المبالغات وإن كانت لا تضر صاحبها لكنها ربما توهم الغير أن مثل هذا مهم ، أي إذا رجل قدم لك سؤالاً باهتمام بالغ أنه ليس متأكداً بعد أن نوى الصلاة وقرأ الفاتحة أن الماء تجاوز عقبيه أم لا يتجاوز ، فانشغل وأمضى صلاته كلها في هذه الوسوسة ، إذا إنسان غريب عن الدين وسمع هذا السؤال يرى الدين معقداً إلى درجة غير معقولة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا )) [البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] الإنسان إذا شعر أن الدين معقد جداً تنشأ عنه حالة غريبة يقول لك : هذا شيء غير واقعي ، مستحيل أن يطبق ، يتركه كله ، سألني رجل وقال : جاءتني كنزة من إنكلترا هل يجوز أن ألبسها ؟ قلت له : لماذا لا تلبسها ؟ قال : هذه الكفار صنعوها ، قلت له : معقول هذا الكلام ؟ رأيته يبالغ هذه المبالغة فقلت : شدْ عليه لا تلبسها معك حق ، هذا التفكير مرضي ، على هذا القياس لا نجوز أن نشرب بهذا الكأس ، هذا مصنوع في فرنسا وأيدي كفار صنعته . الإمام الغزالي يقول : من وصل إلى هذا التحمل وهذه المبالغة وهذه الوسوسة إلى درجة أنه أوهم الناس أن الدين قيود لا حدود لها ، مبالغات لا نهاية لها ، تعقيدات لا حل لها ، ما الذي ينشئ في نفس الذي يستمع إلى هذا الكلام ؟ ينفر من الدين ، يرى أن هذا الشيء غير واقعي ولا سبيل إلى تطبيقه والأولى تركه كلياً ، أي إذا طالب دخل المدرسة - وهذا من باب التبسيط - يكتب الطالب كلمة الاجتماع يضع لها همزة وهذا خطأ ، الاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، يأتي أستاذ عربي ويقول : الهمزة في أمر الثلاثي وماضي وأمر ومصدر الخماسي وماضي وأمر ومصدر السداسي همزة وصل فهذه القاعدة معقدة ، يأتي أستاذ ثان يقول للطالب : أضف لهذه الكلمة واواً فإن بقيت الهمزة فاكتبها وإن سقطت فأسقطها ، الاستقلال والاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، اجتماع والاجتماع لا تحتاج إلى همزة ، أكل وأكل هذه تحتاج إلى همزة ، أكرم وأكرم هذه قاعدة مبسطة ، فالإنسان عندما يعقد الأمور على الناس ينفرون ، هذا المستشرق الذي جاء يريد أن يسلم في مصر وأوقعه حظه العاثر بعالم متحجر فجعله في مجلسة ستة أشهر في أنواع المياه ، هذا متشوق إلى الله عز وجل يريد أن يعرف شيئاً عن الله ، عن كتاب الله ، أنواع المياه ، مياه الآبار ، الآثار حكم الوضوء بماء العدس ، حكم الوضوء بالبن ، إلى أن ترك الإسلام والتقى بالإمام محمد عبدو قال له هذه قصتي أهكذا الدين ؟ قال له : الماء الذي تشرب منه توضأ منه. أحياناً هناك موضوعات ليست واقعية ، موضوعات افتراضية ، موضوعات لدرجة الإنسان ينفر منها ، يقول لك : إذا وقعت هذه الفأرة في البئر وكان يلحقها هر وخافت منه وبالت في الطريق فالماء حلال ، من الذي يراقب الفأرة والقط يلحقها هل بلت نفسها ؟ هكذا الفقه أعوذ بالله أشياء في غاية التعقيد لذلك : أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ خاطبوا الناس بما تفهمون ، المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال . ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ] الملخص هنا : إذا بالغت في هذه الشبهات لدرجة أصبح الدين شيئاً عقيماً ، معقداً جداً ، متاهات ، اضطرابات ، أشياء خيالية غير واقعية ، إنسان يقول : هذا ليس ديناً ، يتركه كلياً ، أما إذا كان العرض مبسطاً واضحاً وضعت يدك على النقاط الجوهرية في الدين تحبب الناس بالدين ، هذا مثل القرائن ، القرائن البيع أثناء النداء ، أو ذبح الحيوان الذي أحل الله ذبحه بسكين مغصوبة ، أو ما شاكل ذلك . أمثلة اللواحق : الآن من أمثلة اللواحق قال : فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية ، أي رجل باع العنب إلى خمار ، العنب حلال ، فاكهة من خلق الله سبحانه و تعالى ، أحلّ زراعة العنب و جنيه و أكله و بيعه ، كل شيء في العنب حلال إلا أن تبيعه لخمار لأنه سوف يصنعه خمراً و يؤذي به عباد الله ، الإنسان ينتبه إذا أراد أن يبيع شيئاً وهذا الشيء ينتهي بمعصية يكون عمله به شبهة ، قال لي رجل : كلفوني بتمديد كهرباء لملهى ، لا تفعل ذلك ، إذا أردت أن تساهم بتأمين راحة العصاة ، و تساهم بتأمين سرور الفجار ، تمديد الكهرباء شيء سليم جداً ، عمل شريف لكن يستفيد من الكهرباء العصاة وحدهم ،و تنقلب التمديدات إلى معاصي ، هذا من اللواحق . بيع السيف لقطاع الطريق ، بيع السيف لا شيء عليه طبعاً إذا صرح السلطان ببيعه ، فإذا منع السلطان بيع السيف لا ينبغي أن يباع السيف لأن الله سبحانه و تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [ سورة النساء : 59] إذا كان السلطان قد أباح بيع السيف ، لا ينبغي أن تبيع السيف لمن ؟ لقطاع الطريق ، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع السلاح في الفتنة ، أي هذه الدول الكبرى الآن بالإحصاءات الكبرى أربح صناعة في العالم صناعة السلاح ، وعقود السلاح دائماً عقود إذعان لا عقود بالتراضي ، أنت تريد أن تأخذ قماشاً ، قال لك : ثمن اليرد ثمانمئة ليرة هذا عقد بالتراضي ، إن وجدت اليرد بمئة وثمانين ليرة والبضاعة ممتازة تشتري أما إن قال لك : بألف ليرة اليرد فلا تشتري ، أما الذي يشتري السلاح هذا يعقد عقد إذعان ، الطائرة ثمنها ثمانية ملايين ليرة ، فهذه الدول العظمى التي تعيش على مشكلات الناس تبيع هؤلاء وهؤلاء فأربح صناعة في العالم الآن السلاح ثم الدواء ، أروج صناعتين السلاح والدواء ، أي يجرحون ويداوون فيربحون في الحالتين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم )) [ أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ] أي المسافة بين العابد والعالم كالمسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، بيع السيف بالفتنة ، بيع السيف لقاطع الطريق هذه من اللواحق ، يقول الإمام الغزالي : وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن، فإنه إذا جاوز مع رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، كما أن تحليل الحرام شيء كبير كذلك تحريم الحلال شيء كبير لذلك العلماء السابقون جبناء في الفتوى ، أهون شيء أن تقول : حرام ، وقد يكون حلالاً ، قد تكون هذه العلاقة حلالاً ، تقول له حلال وتأخذ الأحوط وترتاح ، أنت ارتحت ولكن أهلكته ، فلذلك الإنسان في الفتوى يجب ألا يتسرع ويتأمل وأن يراجع الكتب ، يراجع العلماء أما أن يفتي ويسرع بالفتوى فقد يهلك نفسه ويهلك غيره . أمثلة عن المقدمات : يوجد عندنا قرائن ولواحق ، ويوجد عندنا مقدمات ، أي بيع العنب ، تبيعه لخمار هذه طاعة لحقتها معصية ، بيع البيت وقت أذان الظهر يوم الجمعة ، هذه طاعة اقترنت بها معصية ، الآن طاعة سبقتها معصية ، قال : ما بقي أثره في المتناول كالأكل ، شاة علفت بعلف مغصوب ، هذه الشاة جائعة جارنا غافل حششنا من أرضه سرقةً وأطعمنا هذه الشاة ثم أكلنا من هذه الشاة ، أكل لحم هذه الشاة طاعة لكنه سبقها معصية لازال أثر هذه المعصية في لحمها ، وفي لبنها ، وفي دهنها ، أو شاة رعت في مرعى حرام ، فإن ذلك معصية وبما أن هذه المعصية استمرت في الشاة فهذه مكروهة أشد أنواع الكراهية . يروى عن أبي عبد الله الطوسي أن له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي ، وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعةً فتناولت من ورق كرم على طرف بستان ، فتركها في البستان ولم يستحل أكلها لأنها أكلت من مال حرام ، ودخل هذا الحرام إليها وأصبح لحماً فيها ، فإذا أكلتها فقد أكلت شيئاً محرماً ، لكن هذا من باب الشبهات لا من باب المحرمات القطعية ، تركه ورع . هذه المرتبة الأولى شاة أكلت علفاً مغصوباً الكراهة فيها شديدة ، ويوجد درجة أقل امتناعه عن ماء يجري في نهر حفره الظلمة غصباً أو قهراً ، ماء يجري في نهر والنهر محفور غصباً أو قهراً أو عدواناً ، الدرجة الثالثة وهي قريبة من الوسواس أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله ، مثل موضوع الكنزة الإنكيزية ، قال : هذا قريب من الوسوسة . النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( . .اسْتَفْتِ قَلْبَكَ . . . . ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )) [ سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ] لأنك لو أخذت فتوى ممهورة بخاتم رسمي وكانت لا ترضي الله عز وجل علاقتك مع الله عز وجل ، هل تنجيك هذه الورقة من عذاب الله عز وجل ؟ استفت قلبك وإن أفتوك . ترى شخصاً يقول لك : ضميري غير مرتاح ، ليس مطمئناً متضايقاً هل هذه حلال ؟ أنا أؤكد لكم لو قلت له : حلال ، يقول لك : هذا الشيء ليس سهلاً أنت تسرعت وقلت لي : حلال . (( عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلا الْمَسْأَلَةُ ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) [مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ] تراه تارك أثراً في القلب ، فعندما الإنسان يأكل مالاً حراماً لو تلقى فتوى أن هذا المال حلال لا يرتاح ، هناك شيء داخلي ، أي ربنا عز وجل أعطانا مقياساً دقيقاً جداً لا يخيب. العلماء قالوا : القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حرجاً في الحلال ويجد حرجاً في الحرام ، أي كأن القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق للحلال والحرام ، قال تعالى : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ [ سورة آل عمران : 61 ] أي القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق ، لا لغيره بل لصاحبه . بقي علينا موضوع جديد وهو إذا اشتريت شاةً ديناً وذبحتها وأكلتها هذا عمل حلال مئة بالمئة ، إذا دفعت ثمنها بعد حين من مال مغصوب انقلبت حراماً ، اشتريتها حلالاً ذبحتها وأكلتها ، أديت ثمنها بعد حين من مال فيه شبهة فأصبح هذا الذي أكلته مشبوهاً . شيء حلال اقترن به حرام كالبيع في أثناء النداء ، أو ذبح شاةً بسكين مغصوبة ، أو لحقها حرام كبيع العنب للخمار ، أو سبقه حرام كإطعام شاة علفاً مغصوباً ، أو كان عوضه حراماً كشراء شاة ديناً وأكلها ثم نقد ثمنها بعد حين من مال مشبوه ، هذه أربع حالات تصبح فيه القضية محللة ذات شبهةً الأولى تركها ، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى المسار الرابع وهو الاختلاف في الأدلة . * * * شمائل النبي عليه الصلاة والسلام : 1 ـ يحجم لسانه إلا فيما يعنيه : والآن إلى نبذة عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، تحدثنا في درس ماض عن سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى منزله ، وكيف أنه يقسم وقته ثلاثة أقسام ؛ قسم لربه يمضيه في التعبد والتهجد وتلاوة القرآن والذكر ، وقسم لنفسه يشطره شطرين ؛ شطر لأخذ قسط من النوم ، وشطر لقضاء حوائج الناس قضاءً خاصاً ، وشطر لأهله يقسمه قسمين قسم يؤنسهم فيه ، وقسم آخر يلبي بعض حوائجهم فيه . الآن إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته ، قال الحسين رضي الله عنه : سألت أبي - يعني علياً كرم الله وجهه - عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجم لسانه إلا فيما يعنيه ، راقب نفسك الحديث الذي تتحدث فيه هل هو مما يعنيك ؟ قال عليه الصلاة والسلام : (( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ )) [ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ما معنى يعنيه ؟ أي تتعلق عنايته به ، أي يكون قصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء ، عناه الأمر أي أهمه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع و الإسلام ، كيف ؟ أي مثلاً ماذا يعني المؤمن أن يعرف الله سبحانه و تعالى ؟ ماذا يعني المؤمن أن يتقرب إليه ؟ ماذا يعني المؤمن أن يستقيم على أمره ؟ فكل شيء يعنيه من هذه الموضوعات يسأل عنه ، يبحث فيه ، يتقصاه ، يدقق ، يتأمل ، يسأل، أما إن كان من أمر الدنيا فهو قد يعنيه من باب هوى النفس و لكن لا يعنيه من هوى الشرع ، مثلاً شاري بيتاً يريد أن يعمل له تزيينات هذا يعنيه فأصبح يسأل و يبحث و يدقق و يمضي الساعات الطويلة و أذهب عنه صلوات كثيرة ، أخي هذا الشيء يعنيني ، هذا يعنيك بحسب الهوى لا بحسب الشرع : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) [ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الذي يعنيه في مقياس الشرع ، لا يعني الإنسان الصادق إلا أن يعرف الله عز وجل، إلا أن يستقيم على أمره ، إلا أن يتقرب إليه ، هذا الذي يعنيه ، فكان عليه الصلاة و السلام يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، أي أحد ما سأل عن آية قرآنية ، سمع تفسيرها يصغي بإذنه، ما توضيح التفسير ؟ يسأل ، حكم شرعي ، قضية متعلقة بالصلاة ، متعلقة بالزكاة ، قضية متعلقة بطاعة من الطاعات ، قضية متعلقة بأداء عبادة ، قضية متعلقة بحديث يتعارض مع آية، يا ترى ما وجه التوفيق بينهما ؟ قضية متعلقة بما يبدو له شبهة يحب أن يعرف وجه الحق فيه ، هذا كله يعنيك لكن هناك غوصاً في أمور تعنيك لكن لا ترضيك . 2 ـ يؤلف و لا ينفر : وكان عليه الصلاة و السلام يؤلفهم و لا ينفرهم ، أي كلما التقى بإنسان يحدثه بحديث يجمعه مع إخوانه ، أي اشترى بيتاً من أخيه قال : والله أخي باعني هذا البيت بمئتي ألف ، قد يكون سعر البيت ثلاثمئة ألف، من دون مبالاة البيت يساوي مئة ألف قالها ومشى ، مئتان على ماذا ؟ هذا الكلام يساوي شقاقاً، يساوي خلافاً ، يساوي عداء ، يساوي تقاطعاً ، يساوي تدابراً ، صلى الله عليه كان يؤلفهم ولا ينفرهم . دخل إلى عند أخته قالت له : زوجي ما أحضر لي شيئاً ، يقول لها : زوجك كله هدية ، أخلاق عالية وورع ، وجهده كله لكم ، لماذا هذه الهدية ؟ أما إنسان آخر فيقول : ما أحضر لك شيئاً هو لا يستحقك ، في المساء يوجد مشكلة ، من الممكن أن يرسلها إلى بيت أهلها ، ممكن أن ينتهي الأمر بالطلاق من أجل كلمة لا يستحقك ، صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، دائماً يوفق بين الناس ، بين شريكين ، بين أخوين ، بين أب وابنه ، بين بنت وأمها، أي هذا الأب يشكو ابنه ، يقول له : معك حق انظر إلى غيره من الأولاد ، شيء لا يحتمل، ترى الأب ارتاح ، يا أخي لا يدرس ، لا أحد يدرس صار هناك عطف من الأب على ابنه ، جاء أب واشتكى لك على ابنه ، تقول له : لا والله أنا ابني مميز، لا يوجد منه ، حرقت له قلبه هو يشتكي على ابنه وأنت مدحت ابنك فتنشئ نفوراً بين الأب وابنه . أحياناً إنسان يمدح لك ابنك وأنت تعرفه ليس كذلك تقول له : جبر الله خاطرك ، هذا ليس مديحاً هذا جبران خاطر . فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، خطيب أحضر لخطيبته أسوارة من الذهب فقالت أمها : من الآن تقدم ذهباً ، نريد ألماساً ، فإن قال أحدهم : أنت مخطئة الألماس يخيس نصف ثمنه ، والذهب هو هو ، بالعكس انطربت هذه الخطيبة ، لما قدم لها أسوارة ذهب انزعجت ، متوقعة ألماس يقدم لها ، جاء أخوها قالت له : ذهب أحضر لي خطيبي ، فقال : لابأس هذا الذهب لا يخيس وثمنه معه ، ومن ثم خيره إلى الأمام ، إذا كان معاملته لطيفة لك فهي أكبر هدية ، هناك أخوة يوقعون الشقاق بين الخطيب وخطيبته ، دائماً كلامه مؤذ ، شيطان داخل فيه ، أساساً كل إنسان كلامه يفرق هو شيطان ، ليس منا من فرق . 3 ـ يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم : يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، قال : " أكرموا عزيز قوم ذلّ ، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال " هذه سفانة بنت حاتم طي وقعت أسيرةً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، مرّ عليه الصلاة والسلام وكانت ذكيةً جداً ، فوقفت وقالت : يا رسول الله إن أبي كان يقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر ، أكرمني أكرمك الله ، قال : أطلق سراحها وأطلق سراح قومها إكراماً لها ، ثم قال : أكرموا أباها فإنه كان يحب مكارم الأخلاق . هكذا النبي دخل عليه عدي بن حاتم ، رحب به ، إذا شخص دخل إلى عندك وأنت خلف الطاولة جالس تعرفه له مكانة اجتماعية تتجاهله هذا سوء أدب ، احتل وظيفة سابقة رفيعة ، الآن هو رجل متقاعد دخل إلى عندك أهلاً وسهلاً ، رحب به ، أكرموا كريم كل قوم . كان يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليه ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منه بشره وخلقه . 4 ـ يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد : قال لك إنسان : أريد أن أستدين منك عشرة آلاف ليرة وأنت لا تعرفه وليس لك ثقة بأمانته ، أخي أنا لا أعرفك أخاف أن تأكلهم عليّ ، لا ليس كذلك ، إذا أنت اعتذرت منه اعتذاراً لطيفاً ، وبششت في وجهه ، كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد . احذروا الناس ، المؤمن كيس فطن حذر ، المؤمن يحترس ، يفكر بالعواقب ، يتبصر لكن كان يحذر الناس ويحترس منهم ، أي بشاشته للجميع ، يبش للجميع لكنه يحذر بعض الناس ، شخص لا تعرفه كيف تحدثه مثلاً عن أسرارك ؟ شخص لا تعرفه كيف تعطيه مالك بلا إيصال ؟ شخص لا تعرفه كيف تدخله لبيتك في غيبتك ؟ هذه بلاهة ، سذاجة ، كان يحذر الناس ، أي وجهه باش للجميع وأحياناً في حذر وفي احتراس من بعض الناس مما لا يثق بهم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ )) [ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] 5 ـ يتفقد أصحابه : يتفقد أصحابه يسأل عنهم ، فلان ما شأنه ؟ ما صنع فلان ؟ أين فلان لم نره ؟ غاب عنا طويلاً اسألوا عنه ؟ ولكن من الأصول إذا كان الإنسان يحضر مجلس علم واضطر أن يسافر ، أو اضطر أن يعمل عمرة ، أن يعطي للآخرين علماً بهذا ، أحياناً نفتقده شهراً ، فلان لم أشاهده ، ممكن أن يكون مريضاً أين كنت ؟ كنت في العمرة ، أعطنا خبراً نفرح لك ونبلغك رسالة أن تدعو لنا عند رسول الله ، فقط أعطنا علماً ، الإنسان بالإعلام يزيد المودة . يتفقد أصحابه ويسأل الإنسان عما في الناس ، جلست مع مزارع فوراً الآية الكريمة، الحديث ، الآخرة ، اسأله عن أحواله كيف المطر ؟ كيف الموسم ؟ أمنت بذاراً إن شاء الله ؟ هل يوجد عندك مشكلات ؟ إن شاء الله عملك جيد ؟ عندما تسأله عن أحواله يفرح ، هذا مهتم بمزرعته ، ببستانه ، بالمطر ، بالأتربة ، بالبذور ، تكلم عن موضوعاته ، جلست مع تاجر إن شاء الله العمل جيد ؟ هل تؤمن موادك ؟ بضاعتك ؟ كيف البيع ؟ إن شاء الله النتيجة جيدة هذه السنة ؟ النبي صلى الله عليه إن جلس مع تاجر يسأله عن تجارته ، مع مزارع عن زراعته، مع موظف عن وظيفته ، إن شاء الله لا تعاني من المشاكل في وظيفتك ؟ كم ساعة دوامك ؟ يوجد وظائف مريحة ووظائف متعبة الحياة كلها جهاد وتعب : (( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له )) [ ابن عساكر عن أنس] اسأل الموظف عن وظيفته ، والتاجر عن تجارته ، والمزارع عن زراعته ، والعامل عن معمله ، والله عز وجل يبعث لك محلاً ويكرمك وهو يعمل صانعاً ، الله كريم كلنا بدأنا من الصفر والله أكرمنا ، لما أنت تكلم شخصاً بموضوعات تهمه يحبك ، لكن هو مهموم والمطر لا تهطل تأتي تقول : الله عز وجل قال الآية الفلانية ، والحديث الفلاني ، والآخرة ، والموت ، يقول لك : لا أريد أن أموت الآن . 6 ـ يسأل الناس عما في الناس : يسأل الناس عما في الناس ، هذا له قضية تهمه أي عنده أولاد أنا ألاحظها ، إذا التقيت بإنسان اسأله عن ابنه فيسر ، كيف حال ابنك إن شاء الله بخير ؟ كيف دراسته ؟ كيف صحته ؟ عندما تسأل إنساناً عن ابنه يطمئن ، معنى ذلك أنك مهتم به ، ثم توجهه ليس في الحال اترك التوجيه لمرحلة ثانية ، اسأله عن أحواله ، بحاجة إلى مساعدة ؟ يريد قضية أن تعاونه فيها ؟ أحياناً تساعده باسم طبيب ، و الله يوجد اسم طبيب مختص بهذا المرض ، أحياناً تساعده باسم محامي ، باسم مهندس ، بموظف تعرفه اذهب إليه و قل له : فلان بعثني لعندك، عندما تحل له قضيته الدنيوية يميل قلبه نحوك و في ذلك الوقت توجهه ، يسأل الناس عما في الناس . 7 ـ يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه : يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه ، و الله أخي جاءنا خطيب لكن ، و الله أخي عملت عين العقل ، أنت بطل ، رسول الله قال : (( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) [ابن ماجة عن أبي هريرة ] يأتي إنسان كافر يقول لك : و الله خطب ابنتي فلان عنده بيت ؟ لا و الله لا يوجد عنده ، ماذا تريد بهذا العمل ، ماذا يعمل ؟ موظف ، موظف لا تريده ، يكرهك بالناس الطيبين، مقياسه مادي فقط ، إذا كان هذا الخطيب لا يوجد معه مال وفير ، لا يوجد عنده معمل ، لا يوجد عنده بيت ، ينفروك منه ، هذا فسق و فجور ، صلى الله عليه وسلم يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه . 8 ـ معتدل الأمر : معتدل الأمر ، أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما . أحياناً يخطب هذه البنت خاطب يدخل إلى الأعماق ، ما أكلوا من دونه ولم يذهبوا إلا معه ، فكشف كل مشاكلهم ، بعد هذا اختفى هذا الخاطب ، أحياناً يهجمون على الرجل هجمة ينسون أحوالهم ، وإذا عادوا عداء شديداً ، صلى الله عليه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا ، أي لا يغفل عن نصح أصحابه ، لا يغفل عن تذكيرهم ، لا يغفل عن إرشادهم ، لا يغفل عن تعليمهم ، لا يغفلوا عن توجيههم ، مخافة أن يغفلوا عن الله ، فإذا غفلوا مالوا إلى الدنيا ، وإذا مالوا لها هلكوا . 9 ـ لكل حال عنده عتاد : لكل حال عنده عتاد ، قال له رجل : انظر هذه الفرس أعلفها كل يوم صاع من بر لأقتلك عليها ، قال له : إني قاتلك ، هكذا كلام لا يحتاج إلى لطف ، هذا الكلام يحتاج إلى كلام من وزنه ، في أحد قال أحدهم : أين محمد ما نجوت إن نجا ؟ دعوني ، خلوا بيني وبينه ، وكزه بالرمح فولى هارباً يعوي كالكلاب ، قال : قتلني قتلني ، فقال له : ما قتلك ، قال : والله لو بسق عليّ لقتلني . لأن لكل حال عنده عتاد ، الكريم معه كريم ، واللطيف معه لطيف ، قال : التكبر على المتكبر صدقة ، قال سيدنا الشافعي : " ما تكبر علي متكبر مرتين" لا أسمح أن يتكبر عليّ إنسان مرتين . 10 ـ لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه : لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه ، أي لا إفراط ولا تفريط ، أحياناً الزوج يشدد تشديداً غير طبيعي ، ليس معقولاً طلبت منه أن تزور أهلها لا يسمح لها ، وآخر مسيبها ، واحد قصر عن الحق وواحد تجاوزه ، صلى الله عليه وسلم لا يقصر عن الحق و لا يجاوزه . 11 ـ الذين يلونه من الناس خيارهم : الذين يلونه من الناس خيارهم ، أي من السنة الأوائل المتفوقين يكونوا أقرب الناس له ، لو أن بعض الناس من دهمائهم ، من سوقتهم كانوا إلى جانبه أي يسيؤون أحياناً ، رجل جلس و صار يتجشأ تضايق منه رسول الله و قال له : كف عنا جشأك يا أخي ، اجلس أنت ببيتك ، آكل كثيراً ، مد أقدامه و أخذ راحته ، هذا ليس طالب علم ، اذهب و اجلس ببيتك يا أخي ، قال له : كف عنا جشأك ، النبي الكريم يتمنى أن يجلس حوله المتفوقون الصادقون المحبون العاشقون المتيمون ، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة ، هذا إن كان خرج من منزله . الاستقامة عين الكرامة : الدرس الماضي عندما دخل بيته صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [ سورة الأحزاب : 21] انتبه لكلامك يا أخي ، قد تكون كلمة تفرق بين زوجين ، قد تكون كلمة تنزع بيعة بيت ، نظر إلى البيت وجده مناسباً ، معه ثلاثمئة ألف عمل عقداً ، تأتي و تقول : أي بيت مناسب بثلاثمئة ألف ؟ نظرت إليه ، ما هذا البيت كالعلب هذا بيت هذا ؟ هذا يسكن ؟ قال : أنا لا أريده صار سعره خمسمئة و هو معه ثلاثمئة أصبح بلا بيت ، فهل صنعت معه جيداً أنت ؟ أنت عندك بيت ، سعره مليونا ليرة ، طبعاً أمام هذا لا يسكن ، هذا بالنسبة لك ، أما هو فيسكن فيه لأنه لا يوجد عنده بيت ، من كلمة تخلق مشكلة ، تفرق بين زوجين ، تنزع بيعة ، تُكره إنساناً بمجلس علم أحياناً ، قال تعالى : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ سورة البقرة : 269] هذا الكلام لا للاستهلاك و إنما للتطبيق ، و ليس للمتعة ، هذا كلام خطير هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) [البخاري عن أبي هريرة ] لا يلقي لها بالاً : ((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) [الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ] و قال : (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ)) [ أحمد عن أنس بن مالك] أي في الأعم الأغلب لا يسرقون ، و في الأعم الأغلب لا يزنون ، و في الأعم الأغلب لا يشربون الخمر ، و لكنهم يغتابون و يجتمعون للغيبة ، و يتكلمون بما لا يعرفون ، و يوقعون بين الناس ، و يحسدون ، و ينقلون الكلام من شخص لشخص ، هذا كله عند الله محرم، أي من علامة ورع المؤمن استقامة لسانه ، أحد العلماء الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يستطيع رجل أن يتكلم عن أحد بمجلسه كلمة ، إذا رجل تكلم يقول له : اسكت يا با ، أظلم قلبنا ، يكن لك هيبة ، إذا رجل تكلم كلمة اسكت أظلم قلبي ، لا يدع أحداً يتكلم ، الآن تجد الناس ينهشون بأعراض بعضهم و يضحكون على بعض ، أين جالس أنت ؟ أنت مؤمن ؟ أنت مسلم ؟ قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات : 12] أي الاستقامة هي عين الكرامة ، و هذه المجالس قيمتها بتطبيقها . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم- 2 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الستون ) أنواع الشبهات : أيها الأخوة المؤمنون ، منذ عدة أسابيع بدأنا في موضوع الشبهات ، والشبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس وهي بين الحلال والحرام ، بين الحلال المُطلق و الحرام المُطلق ، وبيّنا في الدروس الماضية أنَّ مسارَ الشُبهات عديد ومن هذه المسارات مثلاً : اختلاف الأدلة المُبيحة أو المُحرّمة ، اختلاف الأدلة ، أو اختلاف الحلال والحرام ، أو ترجيح السبب المُحلل على السبب المُحرّم ، فالدرس اليوم اختلاف الأدلة . هناكَ نوعٌ من الشُبهات يتأكّدُ التورّعُ عنهُ لأنَّ الدليلَ الذي يُحرّمه أو الذي يُوجِبُ الابتعاد عنه أقوى من الدليل الذي يُبيحُهُ ، هناكَ دليلٌ مُبيح ودليلٌ غيرُ مُبيح ، الدليل الغير مُبيح أقوى من الدليل المُبيح . درسنا اليوم : تعارض الأدلة ، أي أنّ هناك دليلاً على إباحته ، وهناك دليلاً على تحريمه ، دليلانِ متعارِضان أيُهما أقوى ؟ إذا كان الدليل الذي لا يُبيحُ أقوى يجبُ أن نتركُهُ تورُعاً . مثلاً : التورُعُ عن فريسةٍ كلبٍ مُعلّم " أي عُلِّمَ كيف يأتي بالفريسة " إذا أكلَ منها الكلبُ فالتورّعُ عن أكلِ هذه الفريسةِ التي أتى بِها كلبُ مُعلّم واجبُ ، التورّعُ عنها واجبٌ لأنَّ دليلَ التحريمِ أقوى من دليل الإباحة عِندَ الفقهاء . هناك مثل أوضح : لو أنَّ إنساناً أكَلَ لحماً لم يُسمّ على ذبحِهِ فهُناكَ دليلانِ متعارِضان : الآيات الكريمة التي تأمر أن نأكُلَ مما ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ ، وعندنا بعض الأحاديث كقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( المسلم يذبح على اسم اللّه تعالى ، سمى أو لم يسم)) [أخرجه الدار قطني عن ابن عباس] أحياناً يأتي دليلٌ موجِب ويأتي دليلٌ آخر فيه تساهُل أيُهما أقوى يجب أن أبحث عن الدليل الأقوى ، طبعاً هذا ليس من اختصاص عامّة المسلمين هذا من اختصاص الفقهاء ، من اختصاص المُفتين ، وللمفتين جمعٌ آخر هو المفاتي ، من اختصاص المُفتين أو المفاتي أي أن يبحثَ عن الدليل المُبيح والدليل غير المُبيح ويرى أيُهما أقوى ، فيُرجّحُ الدليلَ المُبيحَ أحياناً والدليلَ غير المُبيح أحياناً أخرى . الآن : أحياناً هناك رأي لبعض العلماء أنكَ إذا ذبحتَ ذبيحةً ووجدتَ في رَحِمِها جنيناً هل يُباح أن تأكُلَ الجنين ؟ في المذهب الحنفي لا يُباح ، (( قاله قطرب وقال ابن سيده في [المحكم] والعرب تقول : ذكاة الجنين ذكاة أمه ؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث . وذكى الحيوان ذبحه )) مادامت الأم قد ذُبِحت ذبحاً شرعيّاً فزكاة جنينها مشتقٌ من زكاتِها ، قال بعض العلماء أن أبا حنيفة لم يبلُغهُ هذا الحديث ، ولو بلَغَهُ لأجازَ أكلَ جنين الذبيحة من دونِ أن يتورّع الإنسانُ عن تركِ الجنين . على كُلٍّ هذا اسمه مزاحمةٌ بمعنى أنَّ آراء الفقهاء تُرجِّحُ عدمَ أكلِ الجنين ، لكن هناكَ حديثاً وَرَدَ عندَ بعض العلماء يُبيحُ أو يُؤكِدُ أنَّ ذكاة الجنين ذكاةُ أمِهِ ، إذاً لا ينبغي أن نَقِفَ عِندَ رأي بعض العلماء مادامَ هُناكَ رأي آخر نُرجّح . على كُلٍّ الشيء الذي أحبُ أن أقوله لكم : إنَّ أيّ عملٍ وافقَ أيّ مذهبٍ عن علمٍ أو عن غير علمٍ فهو صحيح ، لو أنَّ الإنسان صلى الوتر ركعتين بركعة صلى ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّى ركعة ، لو صلّى الوتر بِلا دعاء القنوت ، لو قرأ دعاء القنوت بعد أن يقول : سَمِعَ الله لِمن حَمِدَ هناكَ مذاهب متعددة تُبيحُ كُلَّ هذا . . إذاً أيُّ صلاةٍ وافقت أيَّ مذهبٍ فهي صحيحة . تعارض الأدلة : مازِلنا في تعارض الأدلة أي دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح ، لاشكَّ أنَّ الفِكرة تقوم على أيُهُما أقوى ، إن كانَ الدليل المُبيح أقوى أخذنا بهِ ، وإن كان الدليل المُحرّمُ أقوى أخذنا بهِ ، إذاً من أين تأتي الشُبُهة ؟ أنَّ هناك دليلاً مُبيحاً ودليلاً غير مُبيح متعارضان . . . هذا من عمل الفقهاء ، من عمل المجتهدين ، من عمل المُفتين . . أحياناً في بعض المسائل لا يُشتهرُ خِلافٌ إطلاقاً . . أي عندنا تعارض دليلين ، عندنا رأي لفقيه لو بلَغَهُ الحديث الشريف لَقَالَ بإباحته ، أمّا الصنف الثالث فألاّ يكون في المسألة خِلافٌ إطلاقاً ولكنَّ الدليل المُبيحَ ضعيف أي دليل آحاد . ماذا يقول الإمام الغزالي ؟ يقول : وقد اختلف الناسُ في خبر الواحد . . أي إنسان روى خبراً . . فمنهم من لا يقبله لأنَّ النَقَلَةَ الذين نقلوا هذا الخبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلط جائز عليهم . . وتعرفون من هو العدلُ ، العدلُ صِفةٌ تلحقُ المُسلم تُقبلُ شهادتُهُ ، تُقبلُ روايتُهُ ، له مكانة تُبيحُ له أن يُؤخذَ منه . . هذا هو الإنسان العدلُ : ((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، و وعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] لكن لو أنَّ إنساناً أكلَ لقمةً من حرام ، أو طففَّ في الوزن بتمرة ، أو مشى في الطريق حافياً ، أو أطلقَ لبرذونه العنان . . أي أسرع في قيادة السيارة . . أطلقَ لفرسهِ العِنان ، أو قادَ برذوناً . . أي حيواناً مُخيفاً أفزعَ بِهِ المارة ، أو تحدث عن النساء ، أو تنزّه في الطرقات ، أو بالَ في الطريق ، أو لعِبَ الشطرنج ، أو علا صياحهُ في البيت حتى سمعهُ من في الطريق ، أو كان حديثه عن النساء ، أو صَحِبَ الأراذل ، إنَّ كُلَّ هذه الصفات إذا وُجِدَ أحدُها في الإنسان المُسلم جُرِحت عدالته ، فإذا عاملَ الناسَ وظلمهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وكذبَ عليهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وأخلفهم سقطت عدالته ، إذا عاهدهم فخانهم سقطت عدالته ، ويتضحُ لكم الفرق بين سقوط العدالة وبين جرح العدالة ، أن تأتي بإناء زجاجي فتُكسّرهُ بالمطرقة . . هذا سقوط العدالة . . أمّا أن يظهرَ شقٌّ في هذا الكأسِ نقول: العدالةُ جُرِحت ، الإنسان ليسَ له أن يأكُلَ في الطريق لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يرتدي ثياباً مبتذلة لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يكون حديثه عن النساء لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يصحب الأراذل لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يعلو صياحُهُ في البيت ، ليسَ له أن يأكُلَ لقمةً من حرام ، أن يُطفِفَّ بتمرة ، أن يُسرِعَ في قيادة السيارة ، أن يقودَ برذوناً ، أن يتنزّه في الطُرقات، أن يجلِسَ على مقهىً على الرصيف . . هذه الآن منتشرة جداً . . مقاهي الرصيف يجلسُ يتناول كوبَ شايٍ أو يحتسي كوباً من القهوة لينظر إلى المارة ، هذا مما يُسقط العدالة . إذاً : هؤلاء الذين ينقلون خبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلطُ جائزٌ عليهم . . . . والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم . . لغرضٍ خفيٍّ عنهم . . أحياناً يتلقى الإنسان خبراً مؤلماً، انظر إليه ماذا يفعل ، أول شيء يفعلُهُ أنهُ يُكذّبُ الخبر بشكلٍ عفوي . من أنواع الشُبُهات أيضاً أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد : قال علماء النفس : إنَّ الإنسان يُدافع عن نفسِهِ بادئَ ذي بدءٍ بتكذيب الخبر ، لو مثلاً أرسل تحليلاً فكانت النسبة مرتفعة جداً ، لاحظ إنساناً حلّلَ دمه فتلّقى النتيجة أنَّ هناك ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول . . لاحظهُ ماذا يقول : لابُدَّ أنَّ هذا المُحلل لم يُحسن التحليل أو أنَّ المواد الكاشفة ليست فعّالة . . هذا كذب أمّا هو فكذب غير مقصود ، كذب خفيّ عن صاحبه ، أحياناً الإنسان يأتيه خبرٌ عن ابنه يُكذبُهُ ، أي لا يستطيع تحمل هذا الخبر أنه مُنحرف مثلاً ، أو أنه أخذَ شيئاً ليسَ له ، يميل إلى التكذيب ، هذا التكذيب أو هذا الكذب غير مقصود ، خفيٌّ عن صاحِبِهِ ، أي لو فرضنا أنَّ شخصاً قام بتنبيه شخص إلى سلوك لا يُرضي من زوجتِهِ أول شيء ينفجر عليه . . هذا غير صحيح ، يُدافع عن نفسِهِ تِجاهَ هذا الخبر المؤلم بتكذيبه . إذاً هل هو موضوعيٌّ في تكذيبِهِ ؟ الجواب لا ، لكنَّ السبب الذي كذّبَ من أجلِهِ خَفِيَ عليه ، العلماء فسروه دفاع النفس عن ذاتِها ، دفاع داخلي ، فقال : وإن كان هؤلاء عدولاً فالغلط عليهم جائز ، أي مثلاً ممكن أن تفهم النص فهماً مغلوطاً ، ممكن أن تسمع كلمة لم يقلها القائل ، ممكن التوهم أنهُ قالَ كذا ، مادامَ الراوي واحداً . لماذا العلماء يُرحّبون كثيراً بالخبر المتواتر ؟؟ أحياناً تسمع الخبر من هذه الإذاعة وهذه الإذاعة وهذه الإذاعة ومن وكالات أنباء متعددة . . . كُلُّ هذه الأخبار تقاطعت على هذه الواقعة ، تُحِس أنَّ هذه الواقعة وقعت فعلاً لماذا ؟ لأنها متواترة ، أمّا أحياناً فيأتيكَ خبرٌ من مصدرٍ لستَ واثقاً منه ، خبر يُسمونه الفقهاء " آحاد " تقول : لعلَّ هناك غرضاً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناكَ مصلحةً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناك نفعاً ماديّاً ، لعلَّ هناكَ خطةً . . . . . إذا جاء الخبر من واحد أنتَ عندئذٍ تشُكُ في الأمر . لذلك هؤلاء العدول ، هؤلاء النَقَلةَ وإن كانوا عدولاً فالغلطُ عليهم جائز ، وجلَّ من لا يسهى ، والكذبُ بغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم ، كأني أخاف أن يُساءَ فهم هذه الكلمة ؛ الكذبُ بغرضٍ خفيٍّ عنهم جائزٌ عليهم ، هو لا يشعر إطلاقاً أنه يكذب ، أحياناً الأم عاطفتها التي ترتبطُ بابنها تجعلُها تذكُرُ محاسنهُ وتنسى عيوبهُ ، هذا أحد أنواع الكذب لكنَّ هذا غير مقصودٍ وخفيٌّ عن صاحبِهِ ، فالعدلُ جائز ٌعليه الكذبُ لغرضٍ خفيّ . والعدلٌ يُجيز عليه الوهمُ أو يتوهّمَ ، الآن في حياتنا اليومية كم التباس حصل بينكَ وبين إنسان ؟ أضرب لكم مثلاً قضية بلاغية في فقه اللغة : قالوا : كلمة مشجب " علاّقة " كُل إنسان يُعلّقُ عليها حاجةً في نفسِهِ ، لو فرضنا هناك غرفة فيها مشجب ، إنسان يُعلّق مظلة ، إنسان آخر يُعلّق معطفاً ، إنسان ثالث يُعلّق قميصاً ، إنسان رابع يُعلّق كنزة ، هذه الكلمة مشجب ، نُحضر مثلاً شخصاً يمشي في الطريق أستاذ جامعة لكن بِلا كُرسي أي أنَّ هناكَ شخصاً تنافسَ معه على هذا المنصب وناله ، لم يتسنّ له أن يُصبح أستاذاً بكُرسي ، أستاذ بكرسي نصابه ثماني ساعات ، له مكتب فخم ، رئيس مادة مثلاً كُرسي البلاغة ، كُرسي العروض ، كُرسي الأدب الحديث ، قواعد اللغة العربية . . . هذا كُرسي يكون في هذه المادة ثمانية مدرسين في الكُلية لهم رئيس ، رئيسهم هو صاحب هذا الكُرسي ، هو الذي يُقرر المنهج، نِصابه قليل ، وعمله في شيء من العمل الإداري ، فلو أنَّ هذا الأستاذ الجامعي الذي لم يُتح له أن يكون أستاذاً بكرسي سَمِعَ كلمة كرسي من إنسان في الطريق يبقى يسير ساعةً أو أكثر وهو يُفكر لِمَ لم أنل هذا المنصب ؟ لماذا نافسني عليه فلان وشهادته أقلُّ من شهادتي وخبرته أقلُّ من خبرتي ؟ لماذا أنا كذلك ؟ كيف أحتال حتى أصِلَ إلى هذا المنصب ؟ لماذا يُهضمَ حقي؟ ماذا علّقَ على هذا المِشجب ؟ يسمع كلمة كرسي حلاق ، عنده كرسيان في المحل وعليه ضغط، فإن أحضر كرسياً ثالثاً يخاف من المالية أن تُكلّفه بتكليف أكثر ، والكرسي الثالث يحتاج إلى صانع ، والصانع يحتاج إلى تأمينات إجتماعية . . . . ساعة يُفكّر في مجال آخر ، يمشي إنسان ثالث يسمع كلمة كرسي وهو تعب يتمنى كرسياً لكي يجلس عليه ، إنسان رابع يسمع كلمة كرسي وهو محتاج إلى كرسي للحمام يُفكر كيف سيأخذه ؟ هل يأخذه من الخشب أم من البلاستيك يحتار ماذا يفعل . انظروا للفهم ، الكلمة واحدة كلمة كُرسي . . حتى الصوفيين يقولون : أحدهم سمع بائعاً يقول : زعتر برّي . . يبيع زعتراً برّياً . . ، فهناك أحد العاشقين سمع هذا البائع يقول : ما أعظم بِرّي ، وهناك إنسان مرتبته أقل سمعه يقول : انظر ترَ بِرّي ، وهناك آخر غافل سمعه يقول : زعتر برّي . . الكلمة كلمة لذلك قالوا : نحنُ نفهم الأشياء كما نحنُ عليها لا كما هي علينا ، فالإنسان يفهم القرآن بحسب حُسن ظنه بالله عزّ وجل ، يفهم القرآن بحسب معرفته بالله ، لذلك أصحاب النبي الكريم قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " إذا كان عَرَفَ الله ، عَرَفَ عدالته ، عَرَفَ رحمته ، يُفسّر الآيات تفسيراً يليقُ بكمالِهِ ورحمتِهِ وعدالتِهِ ، وأنَّ الله على صِراطٍ مستقيم . . هكذا . . موضوع العدول موضوع دقيق جداً ، لو أنَ هذا الحديث المُفرد نقله عدول يجوز عليهم الكذبُ لغرضٍ خفيٍّ عنهم ، ويجوز عليهم الغلطُ ، ويجوز عليهم التوّهمُ ، وقد يسبِقُ إلى سمعهم خِلافُ ما يقولُهُ القائل . . ألم يحدث معكم أنَّ إنساناً قالَ شيئاً ففهِمتُم خِلاَفَهُ . . نعوذ بالله أن نسمَعَ غيرَ ما يُقال لنا ، وأن نفهمَ غير ما سمِعنا ، وأن نقول غيرَ ما فهِمنا . . إذاً : أحد أنواع الشُبُهات أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد . . هذا أيضاً شُبُهة يجبُ تركُها . تناقض العلامات : من أنواع الشُبُهات تناقُض العلامات ، قُلنا قبل قليل اختلاف الأدلة ، الآن : تناقُض العلامات ، مثلاً قد يُنهبُ نوعٌ من المتاعِ في وقتٍ ويندرُ وقوعُ مثلِهِ من غيرِ نهبٍ . . أي نوع من أنواع البضاعة نُهِبت حصراً في كل الشام لا يوجد إلا صندوق من بضاعة معينة، سُرِقَ هذا الصندوق ، تجدُ قطعةً من هذه البضاعة بيد رجلٍ صالح ورعٍ تقي ، ما دامت هذه القطعة بيده فهذا دليل أنها حلال ، ومادامت هذه البضاعة لم تنتقل إلى أيدي الناسِ إلا سرقةً فهذا دليلٌ آخر على أنها حرام . . هنا دليلان متعارضان متعاكسان . . قال : هذا الأولَىَ تركُهُ ، قد تصل هذه البضاعة إلى يدِ هذا الرجل الصالح وهو لا يعلم أنها حرام ، وإذا سَبَقَ لِعلمِكَ أنَّ هذهِ البضاعة لم توجد في الأسواق إلا بشكلٍ غير مشروع . . الأولَىَ تركُ هذا الشيء . . هذا أحد أنواع اختلاف الأدلة . عندنا حالة ثالثة : إنسانانِ عدلانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين كلاهُما عدلٌ ، أو فاسقانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين أيضاً الأولَىَ تركُ هذا الشيء . تعارض الأشباه في الصفات : عندنا موضع آخر في الشُبهات : تعارض الأشباه في الصفات ، مثلاً : إنسان أوصى بمالٍ له لطلبة العلمِ ، هنا عندنا خِلاف : الجاهل معروف أنه جاهل متفق على جهله ، والعالم معروف أنه عالم متفق على علمه ، لكن بين العالِم والجاهل آلاف الأشخاص بعضهم أقرب إلى العلمِ ، وبعضهم أقربُ إلى الجهلِ ، المُشكلة في هذه الدرجات بينَ الحالتين . . يا ترى هذا طالب علم ؟؟ ، طبعاً المشكلة تُصبح أوضح في المثل التالي ، مثلاً : الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، فإنه من لا شيء له معلومٌ أنه محتاج لا يملك شيئاً ، واقف في الطريق لا يوجد بيت ولا زوجة ولا أولاد ومريض ومقطوع . . هذا مُحتاج . . لا شيء عنده، ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ، أمّا المشكلة ففي هؤلاء الآلاف المؤلفة الذين هم بين الغِنى الثابت وبين الفقر الثابت ، هُنا تكمنُ الحيرة . . الموضوع النبي الكريم حلّه ، كلمة الفقراء والمساكين العلماء لهم رأيٌ دقيقٌ فيهما قال: "إذا اجتمعا تفرّقا وإذا افترقا اجتمعا " حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا ، أي إذا قال الله عزّ وجل الفقراء والمساكين الفقراء أُناسٌ والمساكين أُناسٌ : (( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ أَوِ التَّمْرَتَانِ أَوِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أي على افتتاح المدارس بحاجة إلى مصروف لأولاده ، دخله يكفيه طعاماً وشراباً فقط أمّا على موسم الشتاء فهو بحاجة إلى ألبسة ، لا يملك ثمن الألبسة ، منزله ملكٌ له قد اشتراه بستة آلاف وثمانمئة ليرة عام خمسة وستين الآن ثمنه مئة وعشرون ألفاً . . أخي يجوز أن نُعطيه وثمن منزله مئة وعشرون ألفاً !؟ ، إذا كان ثمنه مئة وعشرين ألفاً وإذا كان مليوني ليرة أو خمسة ملايين . . هذا المنزل مُستهلك ، فهُنا موضوع الخِلاف ، النبي الكريم فرّق بين المسكين والفقير ، الفقيرُ هو الذي لا يجدُ حاجتهُ أمّا المسكين فهو الذي ليسَ عنده شيء ، فإذا قال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [سورة البقرة : 273] الفقراء شيء والمساكين شيء آخر ، الفقير لا تعرفه . . مرتد ملابسه : ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ [سورة البقرة : 273] محتاج إلى دواء ، محتاج إلى عملية جراحية لا يملك ثمنها سوف يستقرض . . أصبح هذا القرض عِبئاً كبيراً عليه ، وسوف يقتطعُ من طعام أولادِهِ ما يفي لهذا القرض . . هذا الفقير . . منزله يملكه ، أمّا وإذا افترقا اجتمعا ، إذا قال الله : الفقراء فقط فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، وإذا قال الله المساكين فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، إذا اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا . قال : وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، من لا شيء عنده معلومٌ أنه محتاج ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ويتصدى بينهما رسائل غامضة ، كمن له دارٌ وأثاثٌ وثيابٌ وكُتب فإنَّ قدرَ الحاجةِ منهُ لا يمنع من الصرفِ إليه والفاضل يمنع ، هناك أُناس يقولون لك : هذا الإنسان لا يستحق ، أُناس يقولون : يستحق . . هنا القضية خِلافية ، هذا مسار الشُبُهات أحياناً . ينتهي موضوع الشُبهات ، المسار الرابع : الاختلاف في الأدلة : إمّا أن يكون الدليل المُبيح قوياً وإمّا أن يكون الدليل المُحرِّمُ قوياً ، وإمّا أن يُنقلَ الدليلُ الذي يُحِلُ من رجل واحد وهو خبرُ الآحاد ، وإمّا أن تختلف انطباق الصفات على الأشباه . وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله إلى موضوعات أخرى في الحلال والحرام . * * * سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم : الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، أنا في كتاب إحياء علوم الدين لا أتكلم كُلَّ شيء لأنه شيء دقيق جداً ، أي هناك أشياء دقيقة لدرجة يصعُب متابعتُها من قِبل المستمعين ، تحتاج إلى قراءة متأنية مع استيعاب ، مع مراجعة ، مع بحث ، مع تمحيص ، مع إعادة ، مع سؤال ، مع جواب ، لكنَّ الشيء المهم جداً نقوله بشكلٍ مباشر . الآن : الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم . 1 ـ دائم البِشر : قال الحُسين رضي الله عنه : سألت أبي علي رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائِهِ فقال : كان عليه الصلاة والسلام دائِمَ البِشرِ أي طلق الوجه ، المؤمن طلقُ الوجه ، لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طلق ، أحياناً ربُّ العمل إذا كان طليقَ الوجهِ يبعث الطمأنينة والحماس فيمن حوله ، وإذا كان عبوساً قمطريراً يبعثُ الخوفَ والقلقَ والخوفَ والحُزنَ والتشاؤم فيمن حوله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ دائِمَ البِشرِ أي أنَّ الابتسامة اللطيفة لا تُفارق مُحيّاه ، والابتسامة عملٌ صالح ، تبسُمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة ، وهناكَ أُناسٌ يضنونَ بالبسمة ، يضنونَ بالكلمة الطيبة ، يضنونَ بشيء لا يُكلفُهم شيئاً ولكن نفوسُهم الشيحة . . 2 ـ سهل الخلق : دائِمَ البِشرِ سهلَ الخُلُقِ ، أي لا يُحبُ المشاحنة : (( غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلا إِذَا بَاعَ ، سَهْلا إِذَا اشْتَرَى ، سَهْلا إِذَا اقْتَضَى )) [البيهقي عَنْ جَابِرٍ] ليسَ عنيداً ، ليس مشاحناً ، ليسَ قاسياً ، أميل إلى اللين . ليّنَ الجانب أي من عامله أحبه ، قيلَ في النبي عليه الصلاة والسلام : " من رآه بديهةً هابَهُ ومن عامله أحبَهُ " 3 ـ متواضع : متواضع ؛ قد يأنس به الصغير ، ويسعد به الكبير ، ويستعظمه العظيم ، ويُحبه القريب ، ويشتاق له البعيد . 4 ـ ليس بفظ : ليس بفظٍّ . . هناك إنسان فظ . . ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [ سورة آل عمران : 159 ] كلمته قاسية يقول له : أنت لاتفهم . . . أعتقد أنَّ الأمر على خِلاف ما ذكرت . . . كاذب . . هذه فظاظة . . ، ألا ترى معي أنَّ هذه الرواية عليها مآخذ ؟ سيدنا عمر كان يمشي في الطريق فرآى أُناساً يوقِدون ناراً فقال : السلام عليكم يا أهلَ الضوء ولم يُقل : السلام عليكم يا أهلَ النار . . هناك لُطف . . ، ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون : 5-7 ] هل هذه العبارة تخدشُ حياء الإنسان ؟ هل هذه العبارة مما تُحرج المُتكلّم ؟ يقول : لا حياء في الدين !! من قال لك ذلك ؟ الدين كُلُهُ حياء ، كُلُه أدب ، كُلُه خجل . . لا حياء في الدين . . لا . . من لا حياءَ له لا إيمانَ له ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخر . 5 ـ ليس بغليظ : ولا غليظ . . أحياناً يلتقي شخص في الطريق بشخص آخر يسأله أين ذاهب ؟ فيقول له : مشوار ، فيُريد هذا الشخص أن يُحقق معه ماذا يعمل ؟ أين يسكن ؟ ما اسمه ؟ وكلما سكت يسأله ويُضيّق عليه ، قد يكون له وضع خاص . . هذه غلاظة . . ، ليسَ بفظٍ ولا غليظ . 6 ـ ليس بصخّاب : ولا صخّابٍ ، أي هناك أُناس صوتهم مرتفع يُسمى عِندَ العوام على الموجة العالية، الصوت المنخفض سُنّة نبوية : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [سورة لقمان : 19] 7 ـ ليس بفحّاش : ولا فحّاشٍ ، أي مزاحه كلُهُ مغشوش ، وكل مزاحه متدن ، أي في مجلس إذا كان الوالد مع ولده تجد الابن قد ذابَ خجلاً من والده ، واحمرَّ وجهه لأنه يتكلّم عن العورات ، وبالعلاقات الشائنة بين الجنسين ، ويقوم ويُمثّل . . هذا فحّاش . . ، اللهمَّ صلِّ عليه ليسَ بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ ولا فحّاشٍ . النبي الكريم رأى أحد بناته أو أحد نسائه ترتدي ثوباً رقيقاً فقال : لا تلبسي هذا الثوب إنه يصفُ - ماذا يتكلّم عليه الصلاة والسلام ؟ أي شيء يذكره عن المرأة يُثير- إنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، انظر لكلمة عظام هل تُحرَك شيئاً ، شاعر تغزّل بفتاة اسمُها سلمى فأخذَ عليه النُقّاد مآخذ كثيرة ، قال : إنَّ سلمـى خُلِقت من قصبِ السُـــــــــكر لا عظم الجمل وإذا قدّمت منها بصلا ً غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل *** ما هذا الغزل الذي فيه بصل وعظم جمل ؟ أي يتنافر ، قال : لا تلبسي هذا الثوب فإنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، لم يكُن فحّاشاً أبداً ، وربنا عزّ وجل قال : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء : 43] انظر لكلمة لامستم النساء : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾ [سورة النور : 24] الجلود كنّى بها الله سبحانه وتعالى عن شيء ينبغي ألا يُذكر : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [سورة فُصلّت : 21] دقة القرآن الكريم ، روعة بيانه ، صياغته اللطيفة ، أحياناً الإنسان . . . . مجلة مثلاً يستفيد منها الأهل للخياطة فيها صور شائنة تُسبب حرجاً في البيت لابُدَّ من مقص للرقابة يقص هذه الصور أحياناً ، أمّا كلام ربنا عزّ وجل كائناً من كان يقرأه فليسَ فيه شيء يخدش الحياء ، فالإسلام ليسَ فيه حياء !!؟ الإسلام كله حياء ، هذا الذي يذكر العورات تحت ستار لا حياء في الدين فهذا يجهل الدين ، يجهل حقيقة الدين . 8 ـ ليس بعيّاب : ولا عيّابٍ ، شخص اشترى طقماً غالياً ، إذاً القماشة غالية والخياطة ممتازة ، يقول له شخص آخر : الخياطة غير جيدة ، الساعد لم يُخيّط بشكل جيد ، فخجل بنفسه ، فلا همَّ له إلا أن ينتقد ، أينما وقع بصره ينتقد ، هذا الإنسان لا يوجد عنده لباقة . 9 ـ ليس بمشاحن : ولا مُشاحن وفي رواية ولا مدّاحٍ ، أحياناً الإنسان يمدح الحاجة أكثر من الحد الطبيعي ، فماذا يحدث ؟ يبدو أنَّ هذا الإنسان مُحبٌ للدنيا ، أي إذا مدحت شيئاً فكُن مُعتدلاً في مدحِك ، إذا مدحت الشيئء فوقَ الحد المعقول شكَّ الناس في توازِنك . 10 ـ ليس بمزّاح : ولا مزّاحٍ ، هناك شخص أربعة أخماس كلامه مُزاح لا تعرفه جاداً أو أنه يمزح ، طبعاً هذا مما يُسببُ حرجاً . " من كثر مزاحُهُ قلّت هيبته " ليس معنى ذلك أنَّ المُزاح حرام ، كان عليه الصلاة والسلام يمزحُ ولا يمزحُ إلا حقاً ، مرةً أمسكَ بأحد أصحابِهِ من وراء ظهره ، وقال : من يشتري هذا العبد ؟ فقال هذا الصحابي : إذا تجدني كاسداً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أنت عندَ الله لستَ بكاسد ، مرةً قال لصحابي : أبشر بدخول الجنة ، فقال الثاني : وأنا ؟ الثاني أحرجه ، الأول في مستوى الجنة ، فقال له : سَبَقَكَ بِها عُكاشة ، جواب بمنتهى اللُطف . 11 ـ يتغافل عما لا يشتهي : يتغافل عمّا لا يشتهي ، في مجلسه صحابي تكلّم كلمة كان يجبُ ألاّ يقولها فلا يُعلّقُ عليها ، يتغافل عنها كأنه لم يسمعها ، إنسان تجشأ فعل ذلك كثيراً فقال له : كُفَّ عنّا جشأكَ . . . يتغافل عمّا لا يشتهي ، لا تحمروا الوجوه ، لا تُحرج الناس ، غلط وندم على الغلط فكأنه لم يقلها . 12 ـ لا ييئس منه راجيه : ولا ييئس منه راجيه ، أي إذا رجاه إنسان كان موطن راجيه ، ولا يخيبُ فيه راجيه . 13 ـ يترك المراء و الإكثار و ما لا يعنيه : قد تركَ نفسه من ثلاث : من المِراء : قال : سمعت هذا بركان كولومبيا قتل خمسة وثلاثين ألف شخص خلال يومين ، يقول الآخر : غير معقول أنا سمعت خمسة عشر ألف فقام الخِلاف بينهما . . . . . هذا المِراء ، فهذه ليسَ لها علاقة بالدين ، مررها له ، خمسُة وثلاثون ، هناك شخص عنيد يبقى على نِقاش حتى يقوم بتفشيل صاحبه . . هذا مِراء . . ، أما لو كانت القضية خِلافية في الدين فالسكوت عنها لا يجوز ، أمّا القضية فإخبارية . والإكثار : هناك شخص نفسه محور العالم أو محور الحاضرين . . سافرت وعدت وبعت واشتريت وسكنت ، وكأنهُ فقط هو الذي يجلس في المجلس ، فهذا الذي يجلس بجانبك ليس بتاجر ، أنت تتكلم عن رحلاتك وصفقاتك وفي أي فندق نزلت و . . . . . . فهذا لا يهم الحاضرين بل يتضايقون منه ، فهو يجب أن تكون حركاته وسكناته محور الحديث كله . . هذا الإكثار . . ، كان عليه الصلاة والسلام لا يتحدث عن نفسهِ إطلاقاً ، وما لا يعنيه . 14 ـ لا يذمُّ أحداً ولا يعيبُهُ ولا يطلبُ عورته : وتركَ الناسَ من ثلاث : كان لا يذمُّ أحداً ، ولا يعيبُهُ ، ولا يطلبُ عورته . . سمعنا البارحة الجار الفلاني قد تشاجر مع زوجته ما السبب يا تُرى ؟ الشخص الفلاني لم يُنجب أولاداً فيا ترى منه أم من الزوجة ؟ . . ليس لكَ علاقة بكل هذه الموضوعات . 15 ـ لا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ : ولا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ ، والدارُ لهوٌ ، والذين هم عن اللهو معرضون ، وقال العلماء : كل ما سِوى الله لهوٌ . 16 ـ إذا تكلم أطرق جلساؤه : وإذا تكلّم أطرقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، كان له هيبةً شديدة ومحبة فإذا سكتَ تكلّموا ، حيث أنه يتكلم فالكل له مستمعون ، غير ممكن أن يُقاطعه إنسان إلى أن يسكت ويقول : يافُلان تكلم فيتكلّم ، أمّا الشخص فيُقاطعُك أول مرة والثانية والثالثة ويقول لك "من غير قطع لحديثك " ، فإذا سكت تكلّموا لا يتنازعون عنده الحديث ، من مكانته العليّة عند أصحابِهِ لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّمَ عِنده أنصتوا له حتى يفرغ ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له ، حديثهم عنده حديث أولهم ، دائماً التفوق والسبق والفوز . . حديث أولهم . . وليس حديث الضِعاف وحديث الكُسالى بل حديث المتفوقين السابقين السابقين . 17 ـ يضحك مما يضحك منه أصحابه : يضحك مما يضحكون منه ، أحياناً وهذه تحدث مع المدرس ، الطالب تصرّف تصرفاً مضحكاً فالطلاب ضحكوا . . المدرس لا . . ، اضحك معهم حيث أنَّ الموقف مُضحك والطلاب ضحكوا ضحكة بريئة فكُن أنت طبيعياً واضحك معهم ، إذا المدرس ضحك مع طلابه صار هناك شيء من الأُلفة ، أمّا الشيء مُضحك فعلاً والمدرس بقي ساكتاً ، عبوساً قمطريراً ، فصار هناك تفلُت ، كان عليه الصلاة والسلام يضحكُ مما يضحكون منه . . جُبران خاطر أحياناً ، شخص روى لكَ نكتة فلم تضحك فشعر بنفسه بالخجل ، أي أنها ليست مضحكة ، لو لم تكُن مُضحكة اضحك ضحكة خفيفة كي لا يخجل بنفسه . 18 ـ يتعجّب مما يتعجب منه أصحابه ويصبر للغريب على الجفوة : ويتعجّب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة ، قال : اعدل يا مُحمد، قال : ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ أي عليه الصلاة والسلام تحمله ، أحدهم قال له: أعطني مما أعطاكَ الله فأعطاه وسأله هل أحسنت إليك ؟ فأجاب لا أحسنت ولا أجمِلت ، فأصحابه الكِرام كادوا يثبون عليه فقال لهم النبي : دعوه لي ، أخذه إلى البيت وزاده عطاءً وسأله هل أحسنتَ إليك ؟ فأجاب نعم أحسنتَ وأجملت ، فقال له النبي : لقد سألتنا فأعطيناك فقُلت ما قُلت وفي نفسِ أصحابي شيء فإذا خرجت لعندهم الآن فقُل لهم مِثلَ ما قُلتَ لي ، خرجَ النبي مع هذا الأعرابي وقال : إنَّ هذا الرجل جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقالَ الذي قال فلمّا زِدناه رضي، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم أحسنتَ وأجملت وانصرف ، قال : مَثَلَي ومَثَلُ هذا الأعرابي كمَثَلِ رجل له ناقةٌ شردت منه فجعَلَ أصحابَهُ يتبعونها حتى زادوها شروداً فقال : خلّوا بيني وبينها ، فطلبها وأعطاها بعض خشاش الأرض إلى أن لانت ، فقال لو تركتكم وشأنكم لهلكتُم وهَلَكت . . انظر للرِقة . . كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب ، أحياناً يدخل أخ جديد ويقول : السلام عليكم ، هذه خِلاف الأصول الإسلامية حيث أنه في مجلس العِلم لا يوجد سلام ، فإذا قال له أحدهم بصوت خفيف : وعليكم السلام يكون قد خففَ من خجلِهِ . . هذا غريب لا يعرف . . ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة عطس فقال له الآخر : يرحمكم الله ، فأصحاب رسول الله ضربوا على أرجلِهم فخاف هذا الرجل وبقي بخوف شديد حتى انتهت الصلاة طلبه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له : إنَّ هذا الكلام لا يصحُ في الصلاة، فقال هذا الأعرابي فوالله ما رأيت معلماً أحكمَ منه والله ما كهرني ولا نهرني . . إنه لا يعرف . أحياناً يأتي طفل ليُصلي أول مرة في الجامع فلا يعرف أن يقف ، فيُقال له : عُد للخلف يبقى مُعقّداً ، قال لي شخص : أنا الدين كله أحببته حيث دخلت إلى الجامع منذ صَغري وكنت قد اشتريت حذاء جديداً وعندما خرجت لم أجده فبكيت " الجامع في سوق الحميدية " فشاهده تاجر وسأله فقال له ما جرى ، فقال التاجر له : تعال واشترى له حذاء بدلاً منه ، هذا الموقف مع هذا الطفل الصغير طيلة حياته يُحب الصلاة ، طفل دخل إلى الجامع قُم بتدليله وإكرامه وإذا صلّى في الصف الأول ما المانع ؟؟ أحياناً يجلس على قدميه فينهره شخص ويقول له : اجلس جيداً . . ليست هذه في الأساس الدعوة إلى الله . . هذه فظاظة . . من أمرَ بمعروف فليكن أمره بمعروف ، هذا الطفل عبد الإحسان ، عليه الصلاة والسلام كان يتصابى للصبيان قال : من كان له صبيٌ فليتصاب له ، إذا مرَّ في الطريق وكان فيه صبيان يقول : السلام عليكم يا صبيان . فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب على الجفوة في منطقِهِ ومسألتِهِ حتى إن كان أصحابهُ ليستجلبونهم ويقول : إن رأيتم طالِبَ حاجةٍ فأرسلوه . 19 ـ لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ : لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ ، إنسان سفيه يمدحه لا يرضَ ذلك ، يقبل الثناء من إنسان بمستواه راق ، لأنَّ مدح السفيه سفاهة ، ومدحُ السفيه إهانة . 20 ـ لا يقطع على أحدٍ حديثه : ولا يقطع على أحدٍ حديثه ، قال : وتراه يُصغي للحديثِ بسمعِهِ وقلبِهِ ولعلّه أدرى بِهِ حتى يجوز – أي يجاوز الحق - فيقطعه بنهيٍ أو قيام . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : حكم السؤال عن الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الستون ) لحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟ أيها الأخوة الأكارم ، حدثتكم من قبل عن موضوع الشبهات ، وكيف أن الحلال المطلق كالأبيض الناصع ، والحرام المطلق كالأسود الداكن ، وبين الحلال والحرام حالات كثيرة جداً اشتبهت على الناس ، لا يعلمها كثير من الناس ، وأن هذه الشبهات كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] بينت لكم من قبل أن هناك مسارات للشبهات ، ترجيح السبب المحلل والسبب المحرم ، اختلاط الحلال بالحرام ، هذه المسارات أنهيناها . درسنا اليوم متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟ هل يباح له أن يسأل ؟ هل محرم عليه أن يسأل ؟ هل يجوز أن يسأل ؟ هل مندوب أن يسأل ؟ مثلاً يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : اعلم أن كل من قدم إليك طعاماً ، أو هديةٍ ، أو أردت أن تشتري منه ، فليس لك أن تفتش عنه ، وتقول هذا مما لا أتحقق حله ، فلا آخذه ، وليس لك أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا يتيقن تحريمه ، بل السؤال واجب مرةً ، وحرام مرةً ، ومندوب مرةً ، ومكروه مرةً ، فلابد من تفصيل ذلك ، أي متى يجب أن تسأل ؟ متى يحرم أن تسأل ؟ متى يندب أن تسأل ؟ متى يستحب أن تسأل ؟ متى يكره أن تسأل ؟ السؤال أولاً هذا المال قدمه إليك فلان هناك بحثان ، هناك موضوع متعلق بالمالك ، وموضوع متعلق بالمال نفسه ، فالمالك لا يمكن إلا أن يكون إحدى أشخاص ثلاثة ، أولاً : أن يكون مجهولاً ، ثانياً : أن يكون معلوماً ، ثالثاً : أن يكون مشكوكاً فيه ، ما معنى مجهول ؟ أي لا تعرف صلاحه من فساده ، شخص يركب سيارة عامة معه كيس من العنب قدم لك عنباً ، شخص عادي لا تعرف عن صلاحه شيئاً ولا عن فساده شيئاً ، هذا الشخص غير مشكوك فيه اسمه مجهول ، وشخص تشك في أن ماله حرام ، هناك دلائل ، إذا كان هناك دلائل فهذا بحث مستقل ، وشخص متيقنٌ أنت أن ماله حرام ، مالك هذا المال إما أن يكون مجهولاً ، أو أن يكون معلوماً ، أو أن يكون مشككاً فيه ، فما موقفي إن كان مجهولاً ؟ المجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه ، إنسان عادي ليس في عمله ، أو حرفته ، أو تصرفاته ، أو حركاته ، أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، أو أن ماله حرام ، هذا اسمه مجهول ، فإذا دخلت قريةً لا تعرفها فرأيت رجلاً لا تعرف من حاله شيئاً ، وليس عليه علامةٌ تنسبه إلى أهل الصلاح أو إلى أهل الفساد فهو مجهول ، وإذا دخلت بلدة غريباً ودخلت سوقاً ووجدت خبازاً أو قصاباً أو غيره وليس هناك علامة تدل على كونه ذي مال حرام هذا أيضاً مجهول ، لكن أحد العلماء قال : منذ ثلاثين سنةً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، العلماء بعضهم لا يفرق بين المجهول وبين المشكوك فيه إذا كان هناك شك اترك ، وإذا ما كان هناك إطلاقاً شيء مباح لأن العلماء قالوا : الأصل في الأشياء الإباحة أما التحريم فيحتاج إلى دليل . فقال هذا : منذ ثلاثين عاماً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا : هو الورع ، قال لهم حسان بن أبي سنان : ما شيء عندي أسهل من الورع إذا حاك في صدري شيء تركته ، أي إذا شيء مشكوك فيه تركه سهل ، أما إذا كان الشيء مجهولاً العلماء قالوا : ليس هناك حرج في أن تأخذ ، أو أن تشتري ، أو أن تعامل شخصاً لا تعرفه ، وليس في حاله أو مقاله أو هيئته أو حركاته أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، هذا اسمه مجهول . فالمجهول إذا قدم لك طعاماً ، أو حمل لك هديةً ، أو أردت أن تشتري من دكانه شيئاً ، فلا يلزمك أن تسأله ، السؤال غير مطلوب أخي مالك حلال ، مجهول لا يوجد أي علامة يسمونه علامة ، لا يوجد علامة تؤكد أنه فاسد وذو مال حرام ، ولا يوجد علامة تؤكد أنه صالح، إنسان حيادي ، بل يده - كونه مسلماً - على الشيء ، معنى يده على الشيء أي له دكان أعطاك شيئاً من دكانه قال لك : تفضل ، يده عليه يد الملك ، وهو مسلم ، بل يده وكونه مسلماً دليلان كافيان في الهجوم على أخذه ، مادام هذا الشيء تحت يده إذاً في ملكه وهو مسلم إذاً يعرف الحق من الباطل ، وليس هناك ما يشير إلى فساده أو إلى أن ماله حرام ، إذاً ليس لك أن تسأله إطلاقاً ، ولك أن تهجم على ما في يده بمعنى أن تأخذه وأنت مطمئن من دون تريث ، من دون تردد ، من دون شك ، من دون وجل ، من دون قلق ، وليس لك أن تقول : الفساد والظلم غالب على الناس ، فهذه وسوسة وسوء ظن لهذا المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم ، أخي الناس كلهم أموالهم حرام ، هذا كلام باطل لا يوجد معك دليل ، والرجل مسلم ، وهذا الشيء تحت يده ، وقدّمه لك وضيفك ، وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك ألا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فساداً في غيره فقد جنيت عليه ، إذا أسأت الظن بعينه لأنك رأيت الفساد بغيره فقد جنيت عليه ، إذا أكثر الناس فسدوا أكثر الناس مالهم حرام ، هل عندك دليل على أن هذا الإنسان بالذات ماله حرام ؟ هذه جناية عليه ، وأتيت به في الحال نقداً من غير شك ، أي انتقدته وأنت لست شاكاً في ماله . الابتعاد عن الغلو في الدين : الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى ، القُرى غير القِرى ، القِرى الإكرام هذا جناس ناقص ، رجل قال : يقيني بالله يقيني هذا جناس تام ، أي يقيني بالله يحفظني ، المرء تحت طي لسانه لا تحت طيلتانه ، الطيلتان هو الثوب ، وكم من ملك رفعت له علامات فلما علا مات ، هذا كله من الجناس التام . الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى - أشخاص عاديون قدموا لهم طعاماً - ويدخلون البلاد لا يحترزون من الأسواق ، هناك شيء منطقي المسلم طبيعي ، التكلف والتعنت والتشدد بغير مكانه هذا غلو في الدين قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [ سورة المائدة : 77] غلو في الدين ، تزمت ، وكان الحرام أيضاً موجوداً في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا من ريبة ، سيأتي بعد قليل متى يجب أن تسأل في حالات يجب أن تسأل أهذا المال حلال أم حرام ؟ أي شخص مجهول ، لا يوجد دليل على فساده ولا دليل على صلاحه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يسأل عن كل ما يحمل إليه ، بل سأل في أول قدومه المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية ؟ وهذا السؤال مهم جداً إذا قلت له : صدقة لها وجوه ، الصدقات لها أصحابها، لها مستحقوها ، هناك فقراء ، هناك مساكين ، هناك ابن السبيل ، هناك غارمون ، هناك مرضى، هناك طلبة علم ، هناك أبواب محدودة وواضحة جداً لإنفاق الصدقة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قُدم له طبق من تمر فقال : أصدقة هو أم هدية ؟ فإن قيل : صدقة لم يأكل ولا تمرة ، وإن قيل هدية قال : بسم الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة سأل أول مرةٍ عن شيء حمل إليه أصدقة هو أم هدية ؟ هناك سبب لأن أصحابه الكرام المهاجرين كانوا فقراء جداً فصار الأنصار يقدمون لهم ما يعينهم على حياتهم ، لعل هذا الذي قدم هذا المال على نية الصدقة هنا صار التباس ، فالنبي الكريم سأل فغلب على الظن أنه ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعى إلى الضيافات فيجيب ، ولا يسأل هذا الطعام صدقة أم لا ، لأن العادة جرت أن الطعام الذي يقدم للناس ضيافةً وليس صدقةً . لكن سيدنا الصديق سأل أحد غلمانه عن هذا الطعام من أين أتيت به ويبدو أنه شك ، وسيدنا عمر أيضاً سأل عن الذي سقاه من لبن الإبل : هل هذا من إبل الصدقة ؟ أيضاً سأل غلاماً عنده قدّم له كوباً من الحليب ، وهذا الغلام مشرف على إبل الصدقة ، هنا في موضوع سؤال من أين أتيت بهذا الحليب ؟ أمن إبل الصدقة معه حق أن يسأل صار هناك شك. وكل من وجد ضيافةً عند رجل مجهول لم يكن عاصياً بإجابته من غير تفتيش ، أنت في بلد وإنسان رآك عربياً وأنت في بلد أجنبي ، وهذا الشخص عربي أيضاً ، دخلت إلى بيته ولا يوجد شيء يدل على فساده ، دعاك إلى الغداء ، طبيعي جداً لا يوجد خطأ ولا فساد ، قال : حتى لو رأى في داره تجملاً ومالاً كثيراً فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فهذا حرام ، هنا نقطة لطيفة إذا الإنسان اشتغل بتقوى الله عز وجل يعيش حياة كريمة ، لكن لا يوجد ثراء فاحش ، الثراء الفاحش أن تنتقل بين عشية وضحاها من إنسان فقير إلى إنسان غني جداً هذه النقلة المفاجئة هذه مشكوك فيها ، لأن الطريق المشروع يجعلك تكسب المال بشكل معقول أما النقلة الهائلة من الصفر إلى كل شيء فهذه نقلة مشكوك بها ، ومع ذلك لو دعيت إلى طعام ورأيت في البيت تجملاً ومالاً كثيراً ليس لك أن تقول : الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين اجتمع له هذا الحلال ؟ قد يكون هذا الشخص قد ورث هذا المال أو اكتسبه فهو بعيله يستحق إحسان الظن به ، وليس له أن يسأله ، أي إذا شك في الأمر يتلطف في الانسحاب من دون أن يسأله ، إذا الأمر فيه شبهة يتلطف في الانسحاب أما السؤال ففيه إحراج ، والسؤال فيه خدش ، إذا كان الوقوع في أكل طعام غير حلال فإن السؤال ربما يزيده نفوراً . على الإنسان أن يكون معتدلاً لا قاسياً : سألني رجل منذ مدة سؤالاً ، رجل تبرع لجامع بمبلغ من المال ، وهذا الشخص له معاص ، فاللجنة اتخذت قراراً برفض المبلغ ، قلت لهم: هذا غلط ، إذا إنسان تقرب إليكم بمبلغ من المال فإذا قبلتموه لعله يزداد إحساناً ولعله يتوب ، ليس هذا المال هو الحرام ، هناك نقطة دقيقة جداً ليس عين المال هو الحرام ، بل طريقة كسبه ، أي إذا تلقينا مبلغاً من المال للمسجد هذا المبلغ حلال ، ليست الحرمة في عين المال ولكن الحرمة في طريقة كسبه ، مثل أوضح من ذلك لو إنسان بائع أقمشة وقفت عليه امرأة مومس مثلاً ، واشترت منه قماشاً ، هذا المال الذي أخذه ثمن هذا القماش أخذه حلالاً ، طريقة كسب المئة ليرة طريقة مشروعة ، قماش جيد ، سعره معتدل ، ما أخفى عليها العيب ، القياس صحيح ، الكيل صحيح ، أي طبق كل الأشياء الصحيحة في بيع هذه المرأة ، أما هي كيف كسبت هذا المال الحرمة عليها لا على البائع . إذاً الحرمة في المال ليست في عين المال بل في طريقة كسبه . يوجد نقطة دقيقة يقول الإمام الغزالي : ليس الإثم المحذور في إيذاء المسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة ، أي إذا سألته عن ماله وشعر أنك تحقق معه وأنك شاك في صلاحه وانجرح منك هذا الإثم أبلغ من إثم أكل الشبهة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((بشروا ولا تنفروا و يسروا ولا تعسروا)) [ مسلم عن أبي موسى الأشعري] فالإنسان يجب أن يكون معتدلاً لا أن يكون قاسياً ، ولا يجوز للمسلم أن يسأل غير هذا الرجل من حيث يدري هو به ، ما سألته سألت ابنه : أبوك ماذا يعمل ؟ أنتم هل يوجد لديكم مال حرام ؟ فالابن قال لوالده ، نفس الشيء ، ولا يجوز أن يسأل من يدري شخصاً آخر إذا سألته علم المضيف أنك تسأله ، أيضاً هذا لا يجوز ، هذه تشبه الغيبة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات : 12] الأكل و إحسان الظن إن لم يكن بد من الأكل : ثم يقول الإمام الغزالي : فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل دون أن تتجسس ، نقطة لطيفة جداً يقول الإمام الغزالي : هذا هو المألوف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع . أصحابي علماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، من زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع ، يوجد رجل أراد أن يطوف في مكان أبعد من المكان الذي طاف منه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له أحدهم : ويلك تفتن ، قال : كيف أفتن وأنا أطوف البيت ؟ قال له وأي فتنة أعظم من أن ترى نفسك سبقت رسول الله ، النبي الكريم وأصحابه الكرام : ((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فإذا توهمت أنك أشد ورعاً منهم فهذا هو الضلال بعينه هكذا يقول الإمام الغزالي ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع . صلى الله عليه مرةً أكل طعام بريرة ، قدم له طعاماً فأكله ، فقيل له : إنه صدقة يا رسول الله ، يروون أنه وضع يده في فمه وتقيأ ، أما انظروا الموقف الكامل : قيل له إنه صدقة : (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ )) [ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] صار التباس ، تمرة أكلها ، قال : هي لها صدقة ولنا هدية ، لأنه تقيأ . . . ليست واردة وهذا الموقف الكامل . من كان أكثر ماله حراماً فلا تُلبّ دعوته : الآن إذا كان مشكوك به ، أحياناً الإنسان يشك بشخص بسبب دلالة أورثت ريبةً فالنذر صورة هذه الريبة ، أما الصور فأن تدله على تحريم ما في يده دلالة إما من خلقته ، أو من زينته ، أو من ثيابه ، أو من فعله ، أو من قوله ، يجوز أن ترى شخصاً وتشعر أن ماله حرام ، يلبس زياً يرتديه أصحاب الملاهي ، دخلت إلى بيته فوجدته كله صوراً عارية مثلاً أشياء واضحة ، البيت ليس طبيعياً معنى هذا أن مصلحته سيئة ولن نفصل في هذه الأشياء وفهمكم كاف . هذا صار مشكوكاً فيه إذا إنسان صار مشكوكاً به أيضاً أنت لك حكم ، أحياناً تجد إنساناً ظفره طويل ، وعلكة في حنكه ، طوق في يده ، ووضعه ليس طبيعياً ، ويلبس أحد الصرعات ، ودعاك إلى طعام لا تقبل بهذه الطعام ، قال لك : تعال لأوصلك بسيارتي ، لا تحتاج إلى هذه الركبة ، وضعه ليس طبيعياً ، وضعه خنثى مثلاً ، أو دخلت إلى بيته مثلاً النساء مع الرجال مختلطون ، أنت انسحب بسرعة لأن هذا البيت ليس لك ، وهذه الجلسة ليس لك ، إذا شككت في الهيئة أو الحركة أو اللباس ، أو حامل مجلة منحطة ودعاك ، هذه المجلة كافية وحدها ، هذه المجلة لا يحملها إلا إنسان غير ورع بعيد عن الدين ، إنسان يحمل مجلة ، كتاباً ، فيلماً يحمله بيده ، هذا إنسان مشكوك فيه غير المجهول . فقالوا: مثل هؤلاء الترك من الورع ، والهجوم على تلبية الدعوة غير جائز ، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك )) [الترمذي عن الحسن بن علي] لكن هنا نقطة إذا كان الدليل على أن أكثر ماله حرام ، له مصلحة واحدة كلها حرام هذا فيه امتناع قطعي ، له مصلحة حلال لكن له دخلاً حراماً ، إذا غلب على ظنك أن أكثر ماله حرام لا ينبغي أن تأكل منه شيئاً ولا أن تلبي دعوته ، أما إذا كان له مصلحة صحيحة إلا أنه مشكوك في بعض الدخل أنه حرام فعندئذٍ الإقدام جائز والترك أورع . إن كانت حالة المالك معلومة حلت المشكلات : الحالة الثالثة أن تكون حالة المالك معلومةً بنوع من الخبرة والممارسة بحيث يوجب ذلك ظناً في حل المال أو تحريمه ، تعرف أن هذا الإنسان صالح وتقي وورع وانتهى الأمر أو تعرفه أنه سيئ وماله حرام انتهى الأمر ، هذه الحالة الثالثة سهلة ، طبعاً لا يجوز أن تأكل طعاماً إلا عند تقي وألا يأكل طعامك إلا تقي كما قال عليه الصلاة والسلام : (( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ )) [ أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ] أي إذا أحدكم عاهد نفسه ألا يصاحب إلا مؤمناً وألا يأكل طعامه إلا تقي حلت مشكلاتنا . حكم اختلاط الحلال بالحرام : الآن ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام إذا اختلطوا ، كان الحديث من قبل عن مالك المال ، الآن على المال نفسه إذا في اختلاف بين الحلال والحرام هذا البحث طويل إلا أن ملخصه كلمات ؛ إذا كان في السوق بضاعة مسروقة واختلطت مع البضاعة المباعة ولم تستطع تمييزها فشراؤك من السوق حلال ، إذا الحلال اختلط بالحرام من دون تمييز وغلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حلال ليس لك أن تسأل ولك أن تشتري ، أما إذا غلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حرام أو أمكنك التمييز بين الحلال والحرام فالأولى أن تسأل وأن تتحقق . * * * آداب النبي العامة : 1 ـ وقاره العظيم : والآن إلى بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم وقاره العظيم ، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً ، وأعظمهم أدباً ، وأرفعهم فخامةً وكرماً ، روى أبو داود مراسيله قال : أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه . ((عن حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَجَلَّلَهُ فَتَحَدَّثُوا ثُمَّ خَرَجُوا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ بِثَوْبِكَ فَقَالَ أَلا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ )) [ الترمذي عن حَفْصَةُ ] هات لي في الشام كلها عالماً من الدرجة العاشرة جالس في المجلس وكاشف عن فخذه هل تليق هذه به ؟ هذه ليست معقولة ، اسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الوقار لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف ، يشمر إلى هذا الحد هذا ليس وارداً ، أي إذا كان الإنسان العادي من بعده بألف وكذا سنة ليس معقولاً إلا وأن يظهر بمظهر كامل هكذا النبي صلى الله عليه وسلم ، فالكلام الحق أنه صلى الله عليه وسلم لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف . (( عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا )) [ ابن ماجة عَنْ إِسْمَعِيلَ] أي إذا إنسان دخل إلى مجلس علم وليس له مكان يجب على أخوانه أن يفسحوا له إكراماً له ، دخل شخص متقدم بالسن إذا شاب جالس على الحائط فأجلسه مكانه هذا إكرام كبير، الشاب يتمكن أن يجلس ساعة من دون أن يسند نفسه أما المتقدم بالسن فيحب أن يستريح. دخل سيدنا أبو بكر وإلى جانبه علي رضي الله عنه فقام علي ليجلس أبا بكر تبسم عليه الصلاة والسلام و قال : لا يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ إلا أهل الفضل . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا )) [ الترمذي عَنْ أَنَسِ] فالنبي الكريم وهو سيد البشر لما جاءه أصحابه رفع رجليه ، حتى أنه قيل ما رئي ماداً رجليه قط في حياته ، طبعاً كان بالفراش مضجعاً ومع ذلك ضم رجليه ، إذا أحد زارك وأنت مريض وأنت على السرير ، أي النبي الكريم وهو مستلق على السرير رفع رجليه تحت الغطاء فقال: (( سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا )) [ابن ماجه عن عبد الله بن عامر ضعيف الجامع ] 2 ـ يقدم كبير القوم في الكلام : وكان عليه الصلاة والسلام يقدم كبير القوم في الكلام وذلك من باب التكريم ، وحفظ المراتب ، وتنويل الناس منازلهم . (( عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلاً فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ )) [مسلم عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ] أي ليتكلم أكبركم ، كان يعرف لكل إنسان مكانته ، إلا أنه مرة دخل على سليمان بن عبد الملك وفد يتقدمهم غلام صغير فغضب هذا الخليفة وقال لحاجبه : ما شاء أحد يدخل علي حتى دخل حتى الصبيان ، فقال هذا الغلام الصغير : أصلح الله الأمير إن دخولي عليك لن يقلل من قيمتك لكنه شرفني ، أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت العظم، ومعكم فضول مال فإن كانت لله فعلامَ تحبسونها عن عباده ؟ وإن كانت لنا فأعطنا إياها ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ؟ معكم أموال زائدة إما هذا لله ونحن عباده ، وإما أنه لنا فأعطوها لنا ، وإما أنه لكم ، فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً . سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد الحجازيين يتقدمهم غلام فغضب ، قال: اجلس أنت أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً ، فقال : أصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس ، سرّ عمر من هذه الإجابة ، فالنبي الكريم وهذه سنته المطهرة كان يعرف لكل إنسان مكانته ، كان يقول: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا )) [ الترمذي عَنْ أَنَسِ] 3 ـ تكريمه لأهل الفضل : وأما تكريمه أهل الفضل فقال عليه الصلاة والسلام : (( البركة مع أكابركم )) [ البخاري عن ابن عباس] أي بالعصر الذي زعزعت مكانة الكبراء ضاع الناس ، الناس بأكابرهم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ )) [ أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ] أدب النبي مع عمه العباس و أدب العباس مع رسول الله : الآن استمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله كيف عامل عمه العباس ، هو رسول الله: (( روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى اله عليه وسلم فلما رآه قام إليه- رسول الله قام إليه - وقبّل ما بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال : هذا عمي فمن شاء فليباهي بعمه )) [الطبراني عن ابن عباس] ويروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس فقال : اللهم هذا عم نبيك نتوجه به إليك فأسقنا ، فما برحوا حتى سقوا ، فخطب عمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده ، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه ، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم . وكان الصحابة الكرام يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه . استمعوا أيها الأخوة ، إنه لم يمر العباس بعمر وعثمان وهما راكبان أبداً ، لو صدف أن التقى سيدنا عمر وهو يركب دابته أو حصانه بسيدنا العباس لابد من أن ينزل عمر عن دابته إجلالاً له . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب )) [ابن النجار عن أبي هريرة] هذا عم النبي ، فكان سيدنا عثمان و سيدنا عمر وهما خليفتان لم يمر بهما العباس وهما راكبان أبداً حتى ينزلا إجلالاً له ويقولان : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا أدب رسول الله مع عمه العباس فكيف أدب العباس مع رسول الله ؟ استمعوا قيل للعباس أنت أكبر أم النبي ؟ ـ أحياناً الإنسان يكون عنده أخ صغير يتزوج وهو أخ أكبر يأتيه ولد أكبر من عمه هذه واردة ، أو أكبر من خاله ـ فقال : " هو أكبر مني وأنا ولدت قبله "، وفي رواية : "هو أكبر مني وأنا أسن منه ". وذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب فقال : تنحى يا بن عم رسول الله ، قال: لا هكذا نفعل بالعلماء الكبراء . ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ] ولكن كم أتمنى على ذي الشيبة المسلم أن يستحي من الله ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : " شاب شعرك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، فاستح مني فأنا أستحي منك ". إذا الإنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين لا يليق به أن يعصي الله أبداً ، لا يليق به أن يمزح مزحاً فاحشاً ، لا يليق به أن يمضي الساعات الطوال على الطاولة ، استحِ مني فأنا أستحي منك . (( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ] أي إذا في قرية كان مدير الناحية شاب مستقيم ما أساء بحياته ، احترامه واجب، مدير منطقة ، محافظ مثلاً ، مستقيم في معاملته ، يقيم الحق ، يبطل الباطل ، واجب أن تحترمه ، إكرام هؤلاء واجب يحتمه النبي عليه الصلاة والسلام . يوجد شيء لفت نظري في السيرة: ((عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ : أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : أَحْسَنْتِ )) [ أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ] الذي ترك في نفسي أثراً هذا الجواب ((كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً )) موقف واحد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، شيء معلن ، شيء غير معلن لا يوجد ، شيء للاستهلاك ، شيء حقيقي ، تمثيل لا يوجد ، تزييف لا يوجد ، دجل لا يوجد ، الشيء الذي يقوله يفعله ، والشيء الذي يفعله يقوله ، وما في نفسه على لسانه وما يقوله في قلبه . قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 159 ] أهمية المشاورة : علمنا النبي الكريم المشاورة أي إذا كان مدير مؤسسة ، مدير مدرسة ، مدير ثانوية، مدير معمل ، موظف مهم تحته عشرة موظفين ، إذا استشارهم هذا أسلوب ذكي جداً ، أسلوب يطيب قلوبهم ، فأولاً العلماء استنبطوا حكمة المشاورة ، أولاً : تطيب نفوس أصحابه حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيه كالحرب وأمثالها يكون هذا عن طيب نفوسهم و اختيارهم ، أي إذا كان الأب عمل سياسة تقشف في البيت ، جمع زوجته وأولاده وقال لهم : سوف نشتري بيتاً ثانياً أو نشتري لأخيكم محلاً وسوف نضيق مصروفكم قليلاً ، إذا أخذ رأيهم هم يندفعون معه للتطبيق ، فإذا فرض عليهم هذا من علٍ يتبرمون ، فمن الحكمة والذكاء أن تشاور أصحابك . نعيد طرحه لأن المشاورة يحتاجها الأب ، المعلم ، كل إنسان له دور قيادي ، لأن المشاورة لها فوائد كبيرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام حثنا عليها ، وأمرنا بها ، وربنا قال : شاورهم في الأمر، وإن شاء الله لنا عودة في موضوع المشاورة في الدرس القادم . حكم تقبيل الضريح والتوسل به : أحياناً أخ يسألني سؤالاً إجابته كلمة واحدة لكن أحب أن أراه ، يسألني شاهدت أحدهم يقبل أسفل الضريح ويتوسل بصاحبه إلى الله فهل هذا مباح ومقبول ؟ أتمنى من هذا الأخ الكريم كاتب هذا السؤال أن أجيبه إجابة خاصة له لأن تقبيل الضريح والتوسل برسول الله مقبول؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة المائدة : 35] أما بالأموات فالميت انتهى دوره ، رسول الله قال : حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، لكل عصر واحد يسمو به ، الشيخ محي الدين قال : وأنا لهذا العصر ذاك الأوحد ، مهمتهم في حياتهم فإذا توفاهم الله عز وجل فالمهمة للأحياء ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فحياته كمماته: (( من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي )) [الطبراني عن ابن عمر] و تعرض عليّ أعمالكم ، الله عز وجل من باب الإكرام أوكل ملائكة ينقلون إلى هذا النبي الكريم أعمال أمته من بعده ، ما سوى النبي عليه الصلاة و السلام لا يجوز التوسل به، لأن هذا الإنسان مهما كان عند الله عز وجل عالي الشأن انتهت وظيفته ، و الناس يتعلقون بالأموات ، لأن هذا الميت لن يحاسبه لكن هذا الحي سوف يحاسب ، أي إذا رجل له مرشد حي يمنعه عن بعض المعاصي ، يسأله ، يستفتيه أما الميت فالتوسل لا يوجد منه شيء ، فالإنسان عليه أن يتيقن من كل عمل يفعله ، طبعاً إكرام الأولياء واجب ، تقديسهم واجب ، لكن أن يبلغ التقديس بنا أن امرأة تمسك مقام محي الدين و تقول : يا شيخ محي الدين أريد ولداً ، قولي : يا الله ، أما يجيب المضطر إذا دعاه ، عندما الإنسان يبالغ بالتوسل لدرجة أن هذا الولي جعله إلهاً يسأله اسأل الله عز وجل ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، أي الموقف المعتدل هناك من يكفر الأولياء ، و هناك من يجعلهم آلهة ، كلاهما غلط ، أن تجعلهم آلهة هذا شرك بالله عز وجل ، و أن تكفرهم أيضاً هذا تجني عليهم ، أناس علماء قدموا خدمات كبيرة ، و إذا رأيت في كتبهم ما ليس في كتاب الله فهذا مدسوس عليهم ، هم بريئون منه ، العالم لا ينطق إلا بالحق ، فإذا وجدت في كتابه باطلاً أغلب الظن أن هذا الباطل مدسوس عليه ، فالموقف المعتدل لا نكفرهم ، و في الوقت نفسه لا نجعلهم آلهة ، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله ، لكن ليكن لك في الدنيا مرشد تتلقى منه العلم ، أي المقولة التي تقول: من لا شيخ له فشيخه الشيطان إلى حد ما مقبولة ، فالذي لا يوجد له انتماء إلى أي مرشد تجده يعيش على هواه يحلل و يحرم ، إذا إنسان له رجل يهتدي على يده ، يسأله ، يستفتيه ، يسمع منه ، يفسر له كتاب الله يكون من السعداء ، أما الإنسان يعيش وحده ، يفتي على هواه ، يقول لك : كل المعاصي هذه لابد منها ، و هذه ضرورية ، وهذه العصر يفرضها علينا ، و هذه من أجل التيار العام . . . فعندما الإنسان يعيش وحده أغلب الظن يقع بمعاص كثيرة ، أي الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 119] كن معهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ [ سورة الكهف: 28] المبالغة و التقليل كلاهما باطل : أنا من يومين وقع تحت يدي كتاب قيم ، الكتاب عن علماء الشام في القرن الرابع عشر ، تأريخ لطيف مختصر لكل علماء الشام ، لكن عند بعض العلماء هناك شطحات ، أحد العلماء زارته امرأة مزينة بالحلي و الأساور ، في البيت ماتت و كره موتها في بيته صارت عبئاً ، قال لها: قومي يا ، قامت مشيت و ماتت ببيتها بعد ذلك ، هذه صارت إحياء الميت ، هذه فقط لسيدنا عيسى ، إحياء الميت ، فكيف الكتاب تورط و ذكر هذه القصة ؟ الإنسان دائماً النبي له حد ، فعندما الإنسان يعطي كل إنسان حجمه الحقيقي يكون منصفاً ، قيل : لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله و يدلك على الله مقاله ، كلام منطقي ، أي يدعوك إلى الله و أحواله طيبة ، أما قومي فقامت و مشت ، كانت ميتة مشت !! هناك أشياء العقل صعب أن يقبلها ، هذه إحياء أموات ، أصبحت هذه معجزة و هذه لسيدنا عيسى ، هذا معناه أنه يوجد سيدنا عيسى ثان على هذا اللون ، فكل شيء له حجم حقيقي ، المبالغة غلط و التقليل غلط ، كلاهما باطل . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : القناعات والمواقف والفرق بينهما - الانتقال من القناعات الى المواقفالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الحادى و الستون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القناعة و الموقف : أيها الأخوة الأكارم ، من حين إلى آخر تتوق نفسي إلى الحديث في موضوع خاص ، فالأحاديث تتجه جهتين إما أن يتجه الحديث إلى إحداث قناعة في الإنسان ، وإما أن يتجه الحديث إلى إحداث موقف في الإنسان ، فرق بين القناعة والموقف ، العلم الشريف ، تفسير القرآن الكريم ، تفسير الحديث الشريف ، أحكام الفقه ، أحكام العبادات ، هذه كلها تحدث في الإنسان قناعةً ، ولكن حديثاً آخر قد يحدث في الإنسان موقفاً فإذا وازنا بين القناعة والموقف فرق بينهما كبير ، قد يقنع الإنسان بشيء ولا يطبقه ، هذه القناعة تكون عليه حسرةً يوم القيامة، لو سألت مسلمي الأرض وهو يزيدون عن ألف مليون مجموعة أسئلة ، أجابوك جميعاً إجابةً صحيحة ، من ربك ؟ الله ربي ، ما دينك ؟ الإسلام ديني ، من نبيك ؟ محمد نبي ، هل تؤمن بالجنة ؟ يقول : نعم وكيف لا أؤمن بها ؟ هل تؤمن بالنار ؟ نعم وكيف لا أؤمن ؟ هذه القناعات ما قيمتها إن لم تنقلب إلى حياة ، إلى سلوك ، إلى تجربة ، هذه القناعات تبقى في الذهن ولكن النفس ما تزال شقيةً بالبعد عن الله ، لا تزال النفس ضائعةً ، لا تزال شاردةً ، لا تزال خائفةً ، لا تزال منافقةً ، لا تزال مستعليةً ، لا تزال تحب ذاتها ، هذه الأمراض الفتاكة يبدأ مفعولها الخطير بعد الموت ، شهوات الدنيا قد تغطي على الإنسان أمراضه النفسية ، منغمس في ملذات الدنيا، في جمع مالها ، والانغماس في ملذاتها هذا مما يغطي على الإنسان خطورة أمراضه النفسية، ولكن إذا جاء الموت وانقطعت الدنيا انقطاعاً تاماً بدأ تأثير هذه الأمراض الفتاكة في النفس ، فذلك لا أعد عملي في الدعوة إلى الله ناجحاً بعدد الحاضرين مهما كثروا . قد تلقي على دار سينما نظرةً فتشاهد جمعاً غفيراً مجتمعاً في هذه الدار في دخولهم وفي خروجهم ، فهل اجتماع عدد غفير من الناس دليل أن هؤلاء الناس جميعاً على حق ؟ لا ، هناك أسباب تجمعهم ، ولكن الذي يدفع الداعية إلى الله إلى مزيد من الحماس ، إلى مزيد من البذل والتضحية ، إلى مزيد من الحرص والعناية ، أن يرى مثلاً ممن يدعون إلى الله في مستوى الدعوة ، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل ، لا تلههم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، هذا الذي يرفع الناس عند الله عز وجل ، فذلك أجد نفسي مدفوعاً من حينٍ إلى آخر في توجيه الحديث إلى إحداث موقفٍ لا قناعة ، القناعة متوفرة والحمد لله ، القناعات متوافرة ولكن البطولة في الذي تنقلب قناعاته إلى سلوك يعيشه في البيت ، ليس يجدي أن تكون قانعاً بالإسلام ، ولا قانعاً بالقرآن ، ولا قانعاً بأحاديث النبي العدنان ، الشيء المجدي أن تكون حياتك ، عملك ، زواجك ، بيتك ، بيعك ، شراؤك ، وظيفتك ، طعامك ، شرابك ، هندامك ، كلامك وفق الشرع ، إن كنت كذلك سمت نفسك ، وإن سمت نفسك كنت قدوةً للناس . الإسلام موقف أخلاقي : الإسلام أيها الأخوة الأكارم لا يحيا بالكتب ، ولا يحيا بالأشرطة ، ولا يحيا بالمؤلفات ، ولا يحيا بالمحاضرات ، ولا يحيا بالخطب ، يحيا فيكم ، أي موقف أخلاقي واحد ، ورع من أحدكم يعدل ألف محاضرةٍ سمعها أو ألقاها ، موقف فيه ورع ، ما الذي يلفت نظر الناس ؟ ما الذي يشدهم ؟ ما الذي يجعلهم يفكرون ؟ أن يروا إنساناً يشتهي ما يشتهون ، ويحب ما يحبون ، ويرغب فيما يرغبون ولكنه عند الشرع الألف والمئة ألف والألف ألف تحت قدمه إذا كان هذا المال فيه شبهة ، والمئة والألف والألف ألف تبذل رخيصة في طاعة الله وابتغاء مرضاته ، لذلك قد تجد أحدنا فاتراً لضعف عمله ، قد تجد أحدنا يستمع ويقول : والله كلام لطيف سمعت مثله كثيراً ، ولكن الذي يضفي عليك حرارة الإيمان كثرة التطبيق ، فلذلك الذي أرجوه أن يأخذ الإنسان هذا الكلام على محمل الجد ، هذا كلام إن صح التعبير مصيري . عطاء الله ابتلاء و حرمانه دواء : خطر في بالي اليوم أن الله سبحانه وتعالى ما جعل الدنيا إكراماً لأوليائه ، ولم يجعلها عقاباً لأعدائه ، قد تجد عدواً لله عنده من الدنيا الشيء الكثير ، وقد تجد ولياً لله لا يملك من الدنيا شيئاً لهوانها على الله سبحانه وتعالى ، لضعف شأنها ، لقلة خطرها ، لزوالها ، لم يشأ الله أن يجعلها مكافأةً لعباده الأتقياء ، ولم يشأ أن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه الفجار ، بل أعطاها لأحبابه وأعطاها لأعدائه ، لا شأن لها عند الله لذلك إذا كانت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا فالطامة كبرى ، المصيبة جليلة ، أردت من هذا الحديث التوجه لا إلى العقول ولكن إلى القلوب ، هذا القلب ربنا سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسية : ((عبدي طهرت منظر العبد سنين . . .)) [ورد في الأثر] سنوات وسنوات وأنت تعتني بهيئتك ، وصحتك ، وهندامك ، وبيتك ، وغرفة الضيوف ، وغرفة الطعام ، وغرفة الجلوس ، وغرفة النوم ، والمكتبة ، والجناح الشرقي من البيت، والأدوات الكهربائية ، والمركبة : ((...... أفلا طهرت منظري ساعة )) هذا القلب على ماذا ينطوي ؟ هل ينطوي على حب لله ؟ تقول : نعم ، ما علامة ذلك ؟ هل يفتقدك الله حيث نهاك ويجدك حيث أمرك ؟ الإنسان إذا ما جلس لنفسه كل يوم جلسة عشر دقائق ، ربع ساعة حاسب نفسه إلى أين أنا ماضٍ أفي طريق صحيح أم في طريق غير صحيح ؟ هل في عملي ما يرضي الله أم في عملي ما يوجب سخط الله عز وجل ؟ لأن الدنيا ساعة اجعلها طاعة ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن ﴾ [ سورة الفجر: 15 ] أي الساذج ضيق الأفق ، الجاهل يظن أن المال إكرامٌ من الله عز وجل ، وأن الزواج إكرامٌ ، وأن الصحة إكرامٌ ، و أن الأولاد إكرامٌ ، وأن القوة إكرامٌ ، هو إكرام وليس بإكرام، هذا أجاب عنه الله سبحانه وتعالى قال : كلا ليس عطائي إكراماً ، وليس حرماني حرماناً ، إنما عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، الإنسان يبتلى بالمال إذا أنفقه في طاعة الله انقلب المال نعمةً ، يعطيه زوجةً إذا وجهها ، وأصلح شانها ، وأخذ بيدها إلى الله حتى عرفت ربها على يديه انقلبت الزوجة نعمةً ، الأولاد ، المركبة ، أي شيء إذا استخدمته في طاعة الله انقلب نعمةً ، قبل أن يستخدم في طاعة الله لا يسمى نعمةً يسمى ابتلاءً ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [ سورة التغابن: 15] كيف أن هذا المحك الذي يستخدمه الصياغ تأتيهم قطعة ذهبية يحكونها بهذا المحك فيظهر خط أبيض يعرفون أنها من المعدن الرخيص ، إذا بقي الخط أصفر اللون براقاً ، يعرفون أنها من المعدن الثمين ، فهذا المحك ، الزوجة ، الأولاد ، المال محك ، فلا تقل لي ماذا تعرف ، قل لي ماذا تعمل ؟ ماذا تعرف كل منا إذا وافته المنية يعرف كل شيء قال تعالى : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ سورة ق : 22] كل منا وكل من الذين أنكروا وجود الله ، الشعوب التي رفعت راية لا إله ، إذا وافتها المنية تعرف كل شيء ، أي إنسان ، كافراً ، فاجراً ، ملحداً ، فاسقاً ، دالاً ، مهتدياً ، عارفاً ، مؤمناً ، منافقاً ، إذا وافته المنية يعرف كل شيء ، ولكن بعد فوات الأوان ، فالبطولة أن تعرف كل شيء قبل فوات الأوان وأنت في الدنيا ، والقلب ينبض وكل شيء ممكن ، التوبة ممكنةٌ ، أداء ما في عنقك من حقوق ممكن ، استرضاء الناس ممكن ، طلب العفو منهم ممكن، إصلاح المعاملة مع الزوجة ممكن ، إصلاح العلاقة مع الأم ممكن ، إصلاح العلاقة مع الزبائن ممكن ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة الحشر : 18-19] الكبائر و الصغائر : أحياناً يصبح حضور مجالس العلم عادة من عوائدنا ، إلى أين ؟ إلى المسجد ، من أين ؟ من المسجد ، والإنسان هو هو ، شيء من الغفلة ، بعض المخالفات ، بعض التقصيرات، بعض الرغبات التي ما أرادها الله عز وجل ، هذه كلها حجاب . الشيء الذي يؤلمني أن أكبر معصية في مساهمتها في قطعك عن الله عز وجل كأصغر معصية ، تيار كهربائي عندك غسالة وبراد ومروحة ومسجلة ، وعندك أدوات كثيرة جداً في البيت ، لو فصلت التيار ميلمتراً واحداً كل شيء يتوقف ، ولو فصلته ثلاثة أمتار كل شيء يتوقف، فهذه الصغائر التي تساهل بها المسلمون هي عند الله كبائر لأنهم أصروا عليها ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار )) [ مسند الشهاب عن ابن عباس ] التفكر بالموت لضبط النفس و الإيمان بالفناء و الزوال : الإنسان إذا جلس صباحاً ، وصلى الصبح ، وقرأ شيئاً من كتاب الله ، وتفكر دقائق في الموت ، هذا الطريق طريق الإيمان له أصول ، لو أنك استيقظت قبل صلاة الفجر وصليت ركعتين لله تعالى ، الله سبحانه وتعالى : (( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ] هذا يريد بيتاً ، هذا يريد زوجة ، هذا طلب من الله أن يجمعه مع أهل الحق ، هذا طلب من الله أن يعينه على إتقان الصلاة ، ألا يوجد لك حاجة عند الله عز وجل ؟ ألست طموحاً ؟ ألا ترغب فيما عنده ؟ ألا تراه أهلاً أن يجيبك ؟ أي إذا أحدكم تمكن أن يصلي ركعتين قبل أذان الفجر ويسأل الله في هاتين الركعتين حاجاته كلها ما كان منها مشروعاً متعلقاً بالدنيا ، وما كان منها متعلقاً بالآخرة ، ثم أذن الفجر ، وصلى السنة ، والنبي عليه الصلاة والسلام من عادته أن يضطجع على شقه اليمن بين السنة والفرض يفكر في الموت ، هذا الموت الذي لابد منه ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت . كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حملت إلى القبور جــــنازةً فاعلم بأنك بعدها محمــــول *** اليوم تصور التغسيل ، غداً مشهد التكفين . ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ [ سورة القيامة: 29-30] اليوم تصور شراء القبر ، هؤلاء الذين يتولون تجهيز الميت يقتسمون الأعمال، بعضهم يذهب إلى إتمام معاملة الدفن ، بعضهم يذهب لتأمين الطعام ظهراً ، بعضهم يذهب لتأمين الكراسي ، بعضهم يذهب لتأمين المشايخ ، بعضهم يذهب لشراء القبر ، فإذا نقر في الناقور إن كنت في مقبرةٍ ورأيت حفار القبور ينقر أحد القبور ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ [ سورة المدثر : 8-10] الويل لمن سينزل في هذه الحفرة ، بين السنة والفرض يوم بالتغسيل ، ويوم بالتكفين ، ويوم بشراء القبر ، ويوم بحالة الأهل من بعدك ، تصور ماذا سيفعل ابنك ؟ ابنتك ؟ زوجتك ؟ هل يبقى البيت على ما هو عليه ؟ هل يباع البيت ؟ هل يقتسم البيت ؟ هل يختلف الأولاد ؟ ماذا سيكون من بعدك ؟ هذه الخواطر لابد منها ، لابد من عشر دقائق في موضوع الموت من أجل أن تنضبط النفس ، من أجل أن تملك زمامها ، من أجل أن تؤمن بالفناء والزوال ، إذا أذن الفجر إذا صليت السنة واضطجعت بين السنة والفرض دقائق معدودات وفكرت بالموت الذي لابد منه تهون عليك المصيبة ، تهون عليك الدنيا ، ترضى بزوجتك ، ترضى بأولادك ، ترضى بدخلك ، تندفع للعمل الصالح ، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ [ سورة المؤمنون: 99-100 ] التفكر أعظم عبادة على الإطلاق : تصلي صلاة الفجر وبعدها تجلس للذكر ، وقبل أن تذكر فكر ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [ سورة عبس : 24] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ [ سورة محمد : 12] فكر بهذا الطعام ، بهذا الطفل الذي رزقك الله إياه ، فكر بهذه المرأة التي جعلها الله سكناً لك ، بهذا الدماغ الذي منحك الله إياه فجعلك تعمل ، عندك خبرات ، إذا فكرت في آيات الله استعظمت الله عز وجل ، خشع قلبك ، تفكر ساعةٍ خير من عبادة ستين عاماً ، والله الذي لا إله إلا هو تفكر ساعة ، نصف ساعة ، ربع ساعة بعد صلاة الفجر خير من عبادة ستين عاماً، ستون عاماً في مكان واحد ، لكنك بالتفكير ترقى كل يوم درجة ، فكر يوماً في العين ، يوماً في الأذن ، يوماً في الشعر ، يوماً في الطفل ، يوماً في الطعام والشراب ، في الشمس ، في القمر ، ليس المهم أن تكثر الموضوعات ، المهم أن تتعمق في موضوع واحد ، ابق في العين شهراً ، ابق في الأذن شهراً ، إذا فكرت كل شيء في أوله صعب ، ولكن مع التدريب والتمرين والمحاولة والخطأ تشعر أن هذا التفكر الذي بدا لك صعباً مرهقاً أصبح سهلاً ، إذا فكرت اذكر الله سبحانه وتعالى ربع ساعة أخرى ، أي امسك مسبحة وقل : الله الله وأنت سابح في الآيات الذي فكرت فيها ، ربع ساعة تفكر وربع ساعة توجه ، وإذا أمكنك أن تقرأ بضع صفحات من كتاب الله وأن تقف عند الأمر ، عند النهي ، عند القانون ، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [ سورة طه : 123] هذه الآية تبث في نفسك طمأنينة وثقة وراحة لا يعرفها إلا من فقدها ، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة يونس : 33] العاقل من عرف الله و تفكر في خلقه : مستحيل أن يكون لك مخالفة وتؤمن ، ترفض الحق ، إنك تحب أن تجر الحق إلى مخالفاتك ، تحب أن تبرر أعمالك ، لذلك الفاسق لا يؤمن ، اقرأ القرآن ، الأوامر اكتبها ، ضع تحتها خطاً أحمر ، النواهي اكتبها ، القواعد العامة اكتبها ، أي إذا أحدكم بدأ نهاره بركعتي قيام ليل ، وركعتي سنة ، واضطجاع دقائق في التفكر في الموت ، ثم أداء صلاة الفجر ، ثم التفكر ربع ساعة في آيات الله ، ثم الذكر ، ثم تلاوة بعض آيات القرآن الكريم ، ومدارستها ، والتأمل فيها ، والتدبر ، واستنباط الأوامر والنواهي ، والأحكام والقواعد العامة ، ثم انطلق إلى عمله كيف يكون هذا اليوم ؟ يقول : أنا أسعد الناس ، لأنك في هذا اليوم بأعيننا كما قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ِ ﴾ [ سورة الطور : 48] لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أنت في هذا اليوم في ذمة الله بمعنى في عنايته المشددة ، في حفظه ، في رعايته ، في تجليه ، إذا انطلقت من البيت لا تنسى أن إطلاق البصر يفسد عليك دينك ، إذا أطلقت البصر لا تقوى قدماك على أن تقف ظهراً لتصلي ، هناك خجل ، وانكماش ، وبعد ، الشيء الذي يمكن أن يبعدك عن الله سبحانه وتعالى في أثناء النهار إطلاق البصر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والسخرية ، والضحك ، والخوض في أحاديث باطلة لا جدوى منها ، وأكل المال الحرام ، أكثر الأشياء كسب المال، والتساهل في موضوع النساء ، المال والنساء بابان كبيران من أبواب جهنم ، وسلاحان فتاكان في يد إبليس ، وشبكتان تغريان كل واحد من المؤمنين أن يقع فيها ، فإذا كانت لك هذه الجلسة الصباحية أمكنك في أثناء النهار أن تكون في حفظ الله ، تجد نفسك شديد التفكير ، كلامك دقيق ، قرارك سليم ، رؤيتك رابحة ، عملك صحيح ، موقفك سليم ، مكانتك رفيعة ، هذا السلوك إذا استمر يحدث شيء اسمه التراكم ، تتراكم هذه الأحوال الطيبة ، تتراكم هذه القناعات ، يتراكم التعظيم لله عز وجل ، يتراكم الورع ، المحبة ، إلى أن تغدو في حالة لا تعهدها من قبل حالة الإقبال على الله ، حالة الرضا ، حالة الوقار ، حالة المحبة ، حالة الحلم ، حالة العفو ، البذل ، الثقة ، الطمأنينة ، تعيش أحوالاً ما كنت تعرفها من قبل ، يجب أن تقول : أنا أسعد الناس لا أقول لك تحتقر ، أقول لك لا يمكن أن يكبر في عينيك إنسان من أهل الدنيا ، تراه ضيق الأفق، تراه تائهاً ، شارداً ، ضالاً ، مغبوناً ، مخفقاً ، شقياً ، مادام هذا الإنسان مهما علا شأنه ، مهما كان غنياً ، تراه أنت صغيراً ، الكبير من عرف الله . لو رجل قال : من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه ، يجب أن تقول في نفسك : الدنيا جنة ، أحياناً ألتقي بإنسان أقول له : كيف حالك ؟ والله الذي لا إله إلا هو أشعر أن السعادة تشع منه ، يقول : الحمد لله ، الحمد لله على نعمة الهدى . سيدنا علي رضي الله عنه قال : " إن من نعم الله الغنى ، وإن أفضل من الغنى صحة البدن ، وإن أفضل من صحة البدن الإيمان " ، معنى هذا أن الإيمان أعلى نعمة يملكها الإنسان ، لما سيدنا عمر كانت تأتيه مصيبة كان يقول : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني - مادامت هذه المصيبة لم تطل ديني الحمد لله - والحمد لله إذا لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذا ألهمت الصبر عليها ". من عرف الله ذاق طعم الإيمان : أبو بكر في الجنة - الآن في الجنة - حينما قال النبي هذه الكلمة كان في الجنة ، أي في جنة ، وأنا أقول لكم : قد يكون دخلك قليلاً ، كثيراً ، محدوداً ، غير محدود ، متعباً ، مريحاً، قد تكون زوجتك وسطاً ، دون الوسط ، سيئة ، قد يكون بيتك ملكك ، أو تسكن بالأجرة ، صغيراً ، كبيراً ، في حي راق ، في حي شعبي ، تحت الأرض ، فوق الأرض ، في الطابق الرابع، ملحق : إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى فأنتم هم الحق لا غيركم فيـــــــا ليت شعري أنا من أنا *** أي من ذاق عرف ، ذاق طعم الإيمان ، الإيمان له طعم إن لم تذقه حاول أن تذقه، حرر دخلك ، كن دقيقاً جداً ، أخ كريم ذكر لي بعض الأغلاط قبل أن يعرف الله عز وجل قلت له : القضية سهلة مادام القلب ينبض فكل شيء له حل ، أخ آخر سألني اليوم ما معنى قوله تعالى ؟ ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ [ سورة ص: 3] أي بدت له هذه الآية غير واضحة ، رجل دخل إلى مدرسة حتى يفتش ، سمع الطلاب جميعاً يقولون : طم بل ك ، ما هذا ؟ دخل إلى الصف وعرفه المدرس أنه مفتش قال له: ما هذا الكلام ؟ قال له : قرآن كريم ، فقال له : أي قرآن هذا ؟ قال له : والله محيط بالكافرين أخذ مقطعاً و أقرأهم إياه ، لكن هذا الوقت ليس وقت خلاص ، أي إذا رجل تورط في قتل إنسان ، وألقي القبض عليه ، وسيق إلى السجن ، وشكلت محكمة لمحاكمته استجوبته وكل محامياً ، والمحامي دفاعه ضعيف ، الأدلة كلها متضافرة في إدانته ، أدين بهذه الجريمة صدر حكم بإعدامه ، استأنف الحكم ، صدر الحكم الثاني بإعدامه نقض الحكم ، صدر أمراً من محكمة النقض بإعدامه ، صدق حكم الإعدام ، سيق إلى المشنقة ، وضع على خشبة المشنقة ، الجنود يحيطون به من كل مكان ، هل هذه الساعة ساعة خلاص ؟ هل يوجد أمل بالمليون واحد ؟ لا يوجد ، كل الإجراءات تمت ، والحكم مصدق ، والمشنقة جاهزة ، والموظف جاهز ، والمنصة جاهزة ، والقرار مكتوب ، ولات حين مناص ، وليست الساعة ساعة خلاص . العاقل من تاب قبل فوات الأوان : البطولة نحن الآن في ساعة خلاص ، نحن الآن في ساعة خلاص قد تخلص من عذاب الآخرة الآن ، قد تتوب ، إذا رجع العبد إلى الله تعالى نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، الصلحة بلمحة ، إذا قال العبد : يا رب قد أذنبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد غفرت ، فإذا قال العبد : يا رب لقد تبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد قبلت. كلمة قل يا رب تبت إليك ، لو جئتني بملء السموات والأرض ذنوباً غفرتها لك ولا أبالي ، أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ، إذا ضاقت عليك الدنيا تذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة الزمر : 53] هناك أشخاص يقفون عند هذا الحد في هذه الآية اسمعوا التتمة : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [ سورة الزمر : 53-56] إياك أن تصل إلى ساعة ولات حين مناص ، هذه أصعب ساعة إذا إنسان صعد به على خشبة المشنقة ، يحب أن يبكي يبكي ، يحب أن يضحك يضحك ، يحب أن يترجى لا يوجد جدوى ، يحب ألا يترجى لا يترجى ، يحب أن يطلب والدته تأتي ولكن الشنق لابد منه، اطلب ما تشاء لابد من تنفيذ الحكم ، هذه الطامة الكبرى . الكلام المفيد هو الكلام الذي يطبق : لذلك الإنسان هذا الدرس يقول أحدهم : والله الدرس جميل ولطيف ، وآيات قرآنية دقيقة ، والمعنى عميق ، والحديث رائع ، وهذا له علاقة بعملنا ، وهذا الحديث من أين جاء به والله ما سمعناه سابقاً ؟ أي هذا الاستمتاع بالأحاديث وأنت على حالك ، واحد كألف وألف كأف. فالذي أرجوه في هذا اللقاء أن يتوجه هذا الكلام لا إلى إحداث قناعات في الدماغ بل إلى إحداث مواقف عملية ، كل واحد له بيت ، له زوجة ، له أولاد ، له بنات ، محل تجاري ، في عملك التجاري هل يوجد علاقة محرمة ؟ هل يوجد علاقة ربوية ؟ بيع بسعرين ، كتمان عيب ؟ هذا في عملك ، ادخل إلى بيتك هل يوجد مخالفة ؟ ابنتك خروجها هل كما يريد الله سبحانه وتعالى ؟ زوجتك هل تصلي ؟ هل تأمرها بالصلاة ؟ هل هناك وليمةٌ انتهكت فيها حرمات الله عز وجل؟ جمعت فيها الأهل والأصحاب على مائدة واحدة ؟ هل تلهو كما يلهو الناس ؟ هل تستمتع كما يستمتعون ؟ هذه البطولة ، امسك دفتراً وسجل التقصيرات ، وحاول أن تتلافاها واحدة واحدة بأقرب وقت ممكن حتى يصبح العلم مباركاً ، يقول لك أحدهم : تباركنا أستاذ ، ما هي البركة ؟ البركة التطبيق ، إذا إنسان كان معه مرض عضال وهناك دواء شاف ، البركة بالدواء ذكره ؟ حفظ اسمه ؟ وضع الوصفة في مكان وجيه في البيت ؟ أم استعمال الدواء ؟ بركة الدواء استعماله ، بركة القرآن الكريم اتباع سنته ، بركة مجلس العلم تنفيذ ما جاء فيه ، لا يوجد بركة أخرى ، تباركنا لا يوجد بركة أخرى ، هذه الكلمة لا معنى لها ، الإنسان عليه أن يكون بالمستوى المطلوب ، واحد اثنان خمسة عشر إذا كانوا في مستوى الدعوة هؤلاء لهم تأثير عجيب ، الأنبياء قلة نبي واحد قلب وجه الأرض بإخلاصه ، وصدقه ، وجهاده ، واستشهاده ، وآلاف المصلحين كلام مزخرف منمق ، نظريات ، شواهد ، كتب مؤلفة ، ما دام الذي يتكلم ليس في مستوى كلامه فكلامه لا يؤثر . نحن من حين إلى آخر ندرس السنة المطهرة ، ما هذا النبي الكريم الذي لفت القلوب بعد ألف وخمسمئة عام ؟ إذا ذكرته يتعطر المجلس ، تحس بالشوق إليه لكماله وأنت أيضاً كن على هديه ، اقتف أثره ، اتبع سنته ، اجعل بيتك إسلامياً ، اجعل عملك إسلامياً ، اجعل محلك إسلامياً ، اجعل لباسك إسلامياً ، كلامك ، نظرتك ، الإنسان عندما يطبق يسعد . العلم وسيلة و ليس هدفاً بذاته : نحن أيها الأخوة الأكارم بالعلم ليس العلم هدفاً بذاته ، العلم وسيلة من جعله هدفاً بذاته فقد ضلّ ، العلم وسيلة ، كل الناس هلكى إلا العالمون ، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم ، أي لابد من أن تكون عالماً ، لابد أن تكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً ، هذا الكلام خطير قال تعالى: ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [ سورة النجم : 59-62] لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، يوجد عندنا موسم لا تحرجني لا يوجد عمل في الأرض ، لا موسم ، ولا زواج ، ولا شراء بيت ، ولا انتقال من بيت إلى بيت ، لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، لذلك من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ، أنت اشتغل بذكر الله ومعرفته واترك الدنيا وأنا مسؤول، والله الذي لا إله إلا هو لتأتيك الدنيا وهي راغمة ، تأتيك الدنيا من أيسر سبلها ، براحة وكرامة ويسر وسعادة . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمكِ فاستخدميه ، الدنيا تضر وتغر وتمر ، الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له ، الدنيا جيفة طلابها كلابها ، خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ، ترى الآن شخصاً يعمل ليلاً نهاراً وصفهم الله عز وجل قال : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ [ سورة المدثر : 50] عمل مرهق يخرج من بيته قبل أن يستيقظ الأهل ويعود بعد أن يناموا ، يقول لك: الحياة جهاد عملي صعب ، ترى فجأةً انضرب القلب ، عشرة أيام النعوة على الباب ، ما دخل المسجد إلا ليصلى عليه ، ما دخل المسجد ليصلي دخل مرة واحدة ليصلى عليه ، أحياناً نصلي على جنازة لا نعرف يا ترى كان يصلي ؟ كان يعرف الله عز وجل ؟ كان ماله حلالاً أم حراماً ؟ كان يخشى الله ؟ عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ، كل واحد منا لابد من أن يلقى الله . ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل *** رجل أنت ، ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، وما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها . بطولة الإنسان ساعة مغادرة الدنيا : الذي أرجوه في هذا اللقاء غير إحداث قناعات في الفكر إحداث مواقف في النفس، أن تفر إلى الله عز وجل ، ففروا إلى الله جميعاً ، أن تقوم إليه ، أن تشمر، أحياناً الإنسان إذا أقدم على عمل مهم جداً يشمر ، أيها الناس شمروا فإن الأمر جد ، وتأهبوا فإن السفر قريب ، وتزودا فإن السفر بعيد ، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون ، وأخلصوا النية فإن الناقد بصير ، ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة . هناك رجل سبب هدايته أنه كان يعمل في سلك الشرطة ، وكان رئيس مخفر ، له صديق من وجهاء الحي كان غنياً ومترفاً فنشأت علاقة بين هذا الصديق وبين هذا الضابط ، سهرات ، وطعام نفيس ، وساعات فيها ضحك وسرور ونزهات وبساتين جميلة ، والخير موفور، والمال كثير ، وهذا الغني له أربع زوجات كلما كبرت زوجة طلقها وتزوج امرأةً شابة في المباحات ، ليس له معاصي وفق الشرع ، توفي هذا الرجل بعد أيام جاؤوا إلى مخفر الشرطة يطلبون من هذا الضابط أن يرافقهم إلى المقبرة ليكشف عن الجثة بصحبة طبيب شرعي ، لأن هناك إخباراً يفيد بأن هذا الرجل مات تسمماً بالسم وليس موته موتاً طبيعياً ، فهذا الضابط نزل إلى القبر بصحبة هذا الطبيب الشرعي فقال : والله شاهدت منظراً بقيت أسبوعاً أو أسبوعين ترتعد فرائصي منه ، بطن منفوخ رجل بالشرق ورجل بالغرب ، وجه أسود أزرق مملوء بالدود ، ولما الطبيب فتح البطن حصل انفجار ، هذا الضابط قضى مع هذا الإنسان سهرات ممتعة ، وأياماً حلوة ، وأكل معه أطيب الطعام ، وشهد منزله الفخم ، ودخل إلى بستانه الجميل ، وعرف خبايا هذا الرجل ، هذا هو المصير ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بقيت أسبوعين أو أكثر لا تشتهي نفسي أن تأكل طعاماً ، هذا هو المصير ، بعد شهر جاءه أناس إلى المخفر يطلبون منه أن يحل منازعةً تمت في المقبرة ، هذه المنازعة عن رجل توفي وأراد أهله أن ينزلوه في قبر مضى على دفن الذي قبله أربعين عاماً فتحوا القبر ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بأم عيني رأيته رجلاً ممدداً كأنه نائم ، ثيابه تشبه قميص اللوكس ، جلده هو هو ، خده ، شعره ، ذقنه ، ابتسامته ، هذا كان يحفظ القرآن الكريم ، وكان إمام مسجد بعد أربعين عاماً هو هو ، أما الآخر فبعد أسبوع ، هذا المنظر المتناقض ، هذه المفارقة الحادة ، هذه الحالة التي تدعو إلى القرف والمقت ، وتلك الحالة التي تدعو إلى الرضا والسرور ، هي التي لفتت نظر هذا الإنسان وكانت سبباً في هدايته . البطولة عند هذه الساعة ، ساعة نزول القبر ، ساعة مفارقة الدنيا ، من الآن اشتغل ، من الآن يجب أن يبقى الموت في ذهنك دائماً ، طبعاً تتزوج وتشتري بيتاً ، تكسب مالاً وتسعد وتسر ، ولكن عندك طمأنينة عميقة لو جاء الأجل أنت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض ، واكربتاه يا أبتي ، قال : لا كربة على أبيك بعد الآن غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، أي ساعة اللقاء عند المؤمن أجمل ساعة ، كل هذه الحياة من أجل هذه الساعة . بعض الأشخاص يتخذون جدولاً فيه أسماء الأيام عرضاً ، وأما طولاً مثلاً قيام الليل، صلاة الفجر حاضراً ، التفكر بالموت ، التفكر بآيات الله ، ذكر الله ، قراءة القرآن ، غض البصر ، الصدق ، تحري الحلال ، بر الوالدين عموداً ، وكل يوم يحاسب نفسه ، يوم السبت هل صليت قيام الليل ؟ هل ذكرت الله عز وجل ؟ هل فكرت بالموت ؟ هل فكرت بآيات الله ؟ هل تلوت بعض آيات الله ؟ هل كان غض بصري جيداً حازماً أم فيه تراخ ؟ إذا كان هذا الشيء تحقق إشارة تحقق ، وإلا إشارة ضرب ، يمتحن نفسه يلقي نظرة على هذا الجدول كل أسبوع إذا في خطأ يتراجع عنه ، يتوب عنه ، المؤمن مذنب تواب ، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة . الاستعداد لشهر رمضان : هذا الدرس له اتجاه آخر وكان من الممكن أن نتابع الموضوع في إحياء علوم الدين ، موضوع الحلال والحرام ، وكان من الممكن أن نتابع ما جاء في كتاب شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن أردت قبيل شهر رمضان المبارك وهذا شهر الطاعة ، شهر الاستنفار ، شهر مضاعفة العبادة ، مضاعفة الجهد ، شهر العمل الصالح ، شهر قراءة القرآن ، لابد من أن تستعد لهذا الشهر قبل مدة ، من أجل أن يكون هذا الوقت استعداداً لهذا الشهر العظيم ، إذا طبقتم سعدتم ، وإن لم تطبقوا يقول أحدكم : والله ما استفدنا شيئاً ، والحقيقة إذا الإنسان ما طبق لا يستفيد شيئاً ، والعلم علمان مطبوع ومنطوق ، المطبوع هو الأساس الذي ينطبع في قلبك ويجري على لسانك ، أما المنقول كالماء المجموعة ، المياه المجموعة قد تكون آسنة ولكن مياه النبع تكون عذبة فراتاً ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى وأن يجعلنا في مستوى شرعه الحنيف . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : خروج التائب من المظالم المادية - شمائل النبى الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثانى و الستون ) كيفية خروج التائب من المظالم المادية : أيها الأخوة المؤمنون : في موضوع الحلال والحرام من كتاب إحياء علوم الدين وصلنا إلى بابٍ رابع عنوانه : كيفية خروج التائب من المظالم المادية أي المالية. إنسانٌ تابَ إلى الله عزّ وجل وفي ذمتهِ حقوقٌ مالية كيف يخرجُ منها ؟ لأنكم تعلمون أنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر ما بينه وبين العبد لمجرّد أن يتوبَ العبد ، أمّا ما بين العبد وبين الناس فلا تُغفر إلا إذا رُدّت الحقوق إلى أهلِها ، لذلك قال الله تعالى : ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [سورة الأحقاف : 31] هذه الـ من للتبعيض ، أي إذا أقبلتم عليه وتُبتُم إليه يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينه وبينكم ، لكنَّ التي بينكم وبين العباد لا تُغفر إلاّ بعدَ الإصلاح ، اعلم أنَّ من تابَ وفي يدهِ مالٌ مُختلط فعليه وظيفةٌ في تمييز الحرامِ وإخراجِهِ من الحلال ، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرجِ فليُنظر فيه. إذاً : له مهمتان ؛ الأولى : معرفة الحرام وتمييزه من الحلال ، والثانية : ردُّ الحرام إلى أصحابِهِ ، ولا تُقبل توبة المُسلم ما لم يفعل هاتين المهمتين. كيفية تصرف من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم القدر أو مجهوله : اعلم أنَّ كل من تاب وفي يده مالٌ حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل ، عنده حاجة ليست له ، متميّزة ، واضحة ، ليست مختلطة ، أي لفُلان وفُلان حيٌّ يُرزق.. قضية سهلة.. تأخذ هذه الحاجة وتردّهُا إلى صاحبها ، عندك كتاب ليس لك ، قلم حبر ثمين نسيه أحد أصدقائِك معك منذ خمس سنوات وتعرفه وتعرف بيته والقلم موجود .. من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل. وإن كانَ ملتبساً مختلطاً.. دخل الحرام في الحلال.. فلا يخلو ، إمّا أن يكون في مالٍ هو من ذوات الأمثال ، المال أنواع : هناك مالٌ من ذوات الأمثال ؛ قمح ، شعير ، عدس..... هذه لها مثيل كالحبوب، والنقود لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة فيها مئة ليرة حرام والألف قد صرفتها كانت قطعتي خمسمئة أصبحت عشر قطع مئة ليرة ، مئة دفعتها ومئة قبضتها هذه المئة دخلت حراماً ، وهذه المئة لها أمثال ، القضية أيضاً سهلة ، وإمّا أن يكون في أعيان كالدورِ والثياب. إما أن يكون في الأمثال وإما أن يكون في الأعيان ، فإن كان في الأمثال وكان شائعاً في المال كلِهِ كمن اكتسب تجارةً يعلمُ أنه قد كَذَبَ في بعضِها في المرابحة مثلاً ، هناك بيع اسمه بيع المرابحة ، يأتي الزبون ويقول للتاجر : بعني القماش مرابحةً وخُذ على سعر المتر ليرتين واكشف رأسُ مالِك... هذا النوع من البيع اسمه بيع المرابحة... أنت عندئذٍ تقول : سعر المتر ثماني عشرة ليرة وكلّف جمارك أربع ليرات ومصاريف ليرة وتخزين و و.... أصبح سعر المتر أربعاً و عشرين ليرة ، وليرتين مرابحة أصبح ستاً و عشرين ، لو أنكَ رفعت رأسَ مالِك في هذا التصريح لكان البيع حراماً هو اشترى منكَ مرابحةً على كل متر ليرتان ، ينبغي أن تكشف رأسَ مالِكَ الحقيقي من دون زيادة ، فلو أنكَ كذبتَ في رأسِ مالِك لكان هذا البيعُ حراماً. فلذلك من له تجارة يعلم أنه قد كذَبَ في بعضِها في المرابحةِ وصَدَقَ في بعضِها الآخر ، باع عشرين بيعة منهم خمس مرابحة كذَبَ في رأس المال وخمس عشرة مرابحة صدق في رأس المال فدخلت الأموال مع بعضها واختلطت وصار المبلغ في الصندوق متنوّعاً ، أو من غَصَبَ دُهناً وخَلَطَهُ بدُهنِهِ ، أو من فعلَ ذلِكَ في الحبوب غَصَبَ حبوباً أو دراهم أو دنانير وخلَطَها بحبوبِهِ أو دراهِمهِ أو دنانيرهِ فلا يخلو ذلك إمّا أن يكون معلومَ القدرِ أو مجهولاً. إذا كان المال متميّزاً فالقضية سهلة جداً ، وإذا كان متداخلاً في الأشياء التي لها أمثال فالقضية سهلة أيضاً . بقي عقبة واحدة : أنكَ هل تعرف مقدار هذا المال الحرام ؟ أو هذا القمح المغصوب؟ أو هذا الدُهن المغصوب ؟ أو هذا العدس المغصوب ؟ إن عرفت الكمية فالقضية أيضاً سهلة لأن لها مثيلاً ، غصبت مقدار " مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر ، لأنَّ العدس متماثل ، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات أخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله ، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة ، لكن العقبة في مقدار هذا الشيء المغصوب ، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة ، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال : له طريقان : طريق اليقين ، وطريق غالب الظن. طريق اليقين : أي تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل.. ، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمئة ليرة حلال مئة في المئة ، ومنها أربعمئة ليرة حرام مئة في المئة ، و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام ، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة ، غالبية الظن : وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة ، فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمها إلى مالِك ، وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها . إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن ، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين ، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن ، لكنَّ الورع إخراجُهُ. حالات عدة تدور حول المظالم المادية و كيفية حلها : الآن عندنا مشكلة العلماء قاموا ببحثها مطوّلاً : معك درهم ولا سمح الله اغتصبت درهماً ، صاروا درهمين ، ولكنك الآن لا تعلم أيُّ الدرهمين هو المغصوب لأنَّ الدرهمين متماثلان تماماً ، لو فرضنا ليرتي حديد لا فرقَ بينهم إطلاقاً فأيُّ الليرتين التي اغتصبت ؟ الموضوع مُطوّل جداً والذي أراه أنه لا جدوى منه لماذا ؟ لأنكَ إذا أعطيت أحد الدرهمين لمن اغتصبت منه الدرهم وكان الذي أعطيته ليس درهمه بل درهمُكَ.. بعض العلماء قالوا : إنه لا يجوز ، وبعضهم قال : إنه يجوز لأنَّ هذا الدرهم له مثيل.. ما الفرق بين هذه الليرة وهذه الليرة؟ مناقشة مطوّلة من غير جدّوى إلا أنه لو أنكَ أعطيته درهمه كان بها ، وإن أعطيته درهمكَ وأبقيتَ درهمه تبادلتُما الدرهمين ، هذا التبادل أحد أنواع البيع بيع المعاوضة أو بيع التسلّم ، على كُلٍّ مادامَ هُناكَ لهذا الدرهم مثيل فالمثيلُ يُغني عن الأصيل فيما لو بقي عندكَ الدرهم الذي اغتصبته وأعطيته الدرهم الذي هو لك. لكن أحياناً عندنا حالات من التعنّت والتزمّت : معك درهمان أحدُهما مُغتصب، والدرهمان اختلطا ، صاحب الدرهم المُغتصب يقول : أنا واللهِ لا آخذُ إلا عينَ درهمي فإن لم تعرف أيهما المُغتصب لا آخذ منكَ شيئاً وتعنّت.. أوقعك في الحرج.. أنت قد تُبتَ إلى الله.. ولا يأخذ إلا عينَ درهمِهِ ، وأنتَ لا تعرف أيُّ الدرهمين درهمُهُ ، قال : في هذه الحالة القاضي ينوب عن هذا الخصم المتعنّت فيأخذ منكَ أحد الدرهمين ويجعل الدرهم الثاني حلالاً لك ، فإن عَجَزَ القاضي عن أن يأخُذ هذا الدرهم يصحُ أن يأخذ هذا الدرهم رجلُ دينٌ - ذو دين - في المجتمع يأخذه نيابةً عن صاحِبِه من أجل أن يجعل بقية الدراهم حلالاً ، وإذا لم تجد هذا الرجل الصالح تُزيحُ درهماً من الدرهمين وتضعه في مكانٍ ما من أجلٍ أن تستهلك الدرهم الثاني ، أنت تنوب عن صاحب الدرهم المغتصب وتفرزه جانباً من أجل أن تستخدم الدرهم الثاني . الآن : أرض مغتصبة وصاحبُها توفي وتركَ ورثة ، المغتصب أعادَ نصف هذه الأرض ، الورثة متنوعون أحدهم له الحق في النصفِ ، فقال : هذه النصفُ لي وانتهى الأمر ، الشرعُ لا يُوافِقهُ على ذلك ، الشيء الذي رُدَّ من الأرض يُوزّع على الورثة جميعِهم.. هذا هو الشرع ، أمّا أن يدّعي من له نصيبُ النصفِ أن هذه الأرض التي رُدّت هي حقُهُ وحقوق بقية الورثة في النصف المُغتصب فهذا مرفوضٌ قطعاً ولا يجوز . شيء آخر : إذا وقعَ مالٌ في يدِ رجلٍ أخذه اغتصاباً من ظالمٍ ثمَّ تاب وكان هذا المالُ عِقاراً ، مُدّة بقاء العِقار في يدك يجبُ أن تدفع لمالِكِهِ الذي اغتصبت منه أجرَ المثلِ ، لو أنكَ اغتصبت سيارةً ليست لكَ ثُمَّ ندمِتَ وتُبتَ وبقيت معكَ سنتين ، فهل تعتقد أنكَ إذا رددت هذه السيارة إلى صاحِبِها نجوتَ من عذاب الله !؟ لابُدَّ من أن تردّها إلى صاحِبِها ، وأن تدفعَ لِصاحِبِها أجرة هذه السيارة عن سنتين ، لأنَّ هذا الشيء له منفعة - كل شيء يُمكن أن يُستفادَ من منفعتِهِ وتبقى رقبته هي هي هذا الشيء يجب أن تدفع لصاحِبِهِ أجرتهُ - ، لو اغتصبت داراً ثُمَّ تُبتَ إلى الله عليكَ أن تُعيدَ الدارَ ، وأن تـُعيد الأجرة التي تستحقُ فيما لو استأجرت هذا العقارَ من مالِكِهِ . انتقال المال : عندنا موضوع دقيق خلافي حول انتقال المال ؛ انتقال المال من الميت إلى ورثتِهِ هل يُغيّرُ صفتَهُ ؟ إذا كان هذا المال حراماً هل يُصبح حلالاً ؟.. هذا الموضوع خِلافي.. من وَرِثَ مالاً ولم يدر من أينَ اكتسبهُ مورّثُهُ ، طفل صغير توفي والده وترك بيت ومحلاً تجارياً ومصنعاً ، لا يعرف عندما كبُرَ الطفل أنَّ هذا المال كيف كان اكتسابُهُ.. هل كان اكتسابُهُ حراماً أم حلالاً ؟.. إن كان لا يدري فهذا المالُ يأخذهُ الوريثُ حلالاً مئةً في المئة.. هذه واضحة باتفاق العلماء ، من وَرِثَ مالاً ولا يدري أكانَ هذا الذي أورثهُ المال قد اكتسبهُ من حلالٍ أو من حرام ، مادُمت لا تدري فهذا المال تأخذهُ من مورِّثِكَ حلالاً طيّباً . بالمناسبة ليسَ هناك علامة.. إذا وجدَ شخص في خزانة والده مثلاً ملعقة من فِضّة مكتوب عليها مثلاً اسم فندق.. هذه علامة على أنها مأخوذة سرقةً.. إذا وجد ملعقة من ذهب ومكتوب عليها اسم فندق في فرنسا مثلاً.. مادامَ هناك علامة فهذه العلامة تؤكدُ لكَ أنَّ هذه الملعقة أُخِذت حراماً ، قال : وإن عَلِمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدرِهِ أخرجَ مِقدارَ الحرام بالتحرّي ، أمّا إذا كان مورّثهُ يعمل مع السلاطين وقد وصلَ إلى علمِهِ أنه لم يأخذ من أموالِهم شيئاً أو أنه أخذَ من مالِهم شيئاً ومضى مدةٌ طويلةٌ وقد أُنفِقَ هذا المال.. أغلب الظن أنَّ هذا الذي ورِثَهُ حلالٌ طيب . وإن عَلِمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ من الظُلمِ فيلزمه إخراجُ ذلِكَ القدر بالاجتهاد.. أي شخص والده موظف ويعرف أنَّ والده كان مستقيماً ، وعندما كان مستقيماً كان عنده دكان وبيت وبعض الأموال ، ثمَّ شعر أنَّ والده انحرف ، مثلاً بعد انحرافه اشترى سيارة ، صار هناك وضوح هذه السيارة اشتريت من مالٍ حرام ، وهذا البيت وهذا الحانوت من مالهِ الحلال ، أصبح من المُمكن أن يتميّز الحلال من الحرام. لكنَّ بعض العلماء قالوا : لا يلزمه شيء من ذلك لأنَّ موت صاحب المال يقلِبُ الحرامَ حلالاً - بعضُهم قال هذا - فأنتَ لكَ أن تأخُذَ بالحد الأدنى ، ولكَ أن تأخذ بالحد الأقصى ، لكَ أن تأخذ بهذا القول ولكَ بالورع فتأخذ بإخراج المال الحرام الذي ثَبَتَ لديك من مورّثِك ، لكن إن كُنت لا تعلم من أين أُكتُسِبَ هذا المال يُصبح المال حلالاً.. هذا عن أنَّ التائِبَ لا تُقبل توبته إلا إذا عرفَ نوعَ الظُلامة المالية وأرادَ ردّها إلى صاحِبِها . كيفية إنفاق المال المغتصب بعد توبة الإنسان : المشكلة الآن أنكَ عرفتَ أن هذا المال مُعلّقٌ في رقبتِك ولابُدَّ من أن تُنفِقَهُ ، الآن كيف أُنفِقَهُ ؟ الإمام الغزالي يقول : إمّا أن يكون لهذا المال مالِكٌ معيّن فيجبُ أن يُدفع إليه أو إلى وارِثِهِ . لكن العلماء قالوا لبعضهم : إذا كنتَ قد اغتصبت مالاً من شخص من دون أن يعلم في زمن الجاهلية ، وحينما تُبتَ إلى الله عزّ وجل أردتَ أن تُعيدَ هذا المال ، بعض العلماء يقول: لستَ مُضطراً أن تُعلِمَهُ أنكَ اغتصبت هذا المالَ من وراء ظهرِهِ وها قد تُعيدَهُ إليه.. لا.. ، لكَ أن تدفع المال على شكل هدية ، ولكَ أن تدفعه على شكل حوالة بريدية ، ولكَ أن تدفعهُ له من دونِ أن يشعُر ، أي كُنت أنت في مكتبه وتركت محفظة فيها المبلغ وضعتها في الدرج عندما ذهب ليُحضر كأس شاي اختلط المبلغ مع مبلغ الدرج ، لكَ أن تضع المبلغ من دون أن يشعر ، ولكَ أن تُرسلهُ حوالةً ، ولكَ أن تُقدّمه على شكل هدية ، لكنّهُ لابُدَّ من أن يصِلَ إليه أمّا الطريقة هُنا فيها مرونة ، لستَ مُكلّفاً أن تكشِفَ نفسَكَ بعد أن تاب الله عليك وبعدَ أن ستَرَكَ. إذاً : إن كان هذا المال له مالِكٌ معيّن يجبُ أن يُدفع إليه ، وإذا كان قد توفي إلى وارِثِهِ ، وإذا كان غائِباً تُنتظر عودتِهِ ، فإن أمكنَ إيصالُهُ إليه معك عنوانه يُمكن أن تُوصِلَهُ إليه هو مسافر مثلاً في جدة ولك صديق مسافر إلى جدة فتضع له المبلغ في ظرف وتقول له : الرجاء ابعث بهذه الرسالة إلى هذا العنوان وقُل له من صديق قديم من دون أن تذكر اسمه.. مثلاً . إذاً : إذا كان حاضراً تدفعه إليه ، مات إلى وارِثِهِ ، غائب تنتظر عودته ، معروف عنوانه توصِلَهُ إليه ، وإن كانت له زيادةٌ ومنفعة أي بيت مؤجّر وأنت كنت قد اغتصبته فتدفع له ثمن البيت أو أوراق الطابو مثلاً أو شيء من القبيل مع الأجرة أو شيء يُمكن أن يُستغل ، أرض استغلّت قدّمت أول سنة ثلاثين ألفاً ، فرضاً للمستأجر النصف أو الربع تدفع له الغلّة أو كل شيء انتفعت بهِ من هذا الشيء المُغتصب ، أمّا إذا كان هذا المال لِمالِكِ غير معيّن وقع اليأسُ من الوقوف على عينِهِ.. لا تعرفه.. ممُكن ، أي إنسان وجد حاجة أمام محل فلو كان ورعاً لسألَ صاحب المحل ووضع إعلاناً لكن أخذها ومضى.. في الجاهلية.. وبعد أن أسلم عَرَفَ أنَّ هذه لقيطة ويجب أن يوضع خبر أو إعلان في أقرب مكان ، هذه اللقيطة لا يُعرف صاحِبُها لها حُكم شرعي يجب أن تُعلن ، وأن تنتظر ، فهو لم يعلم أخذها مباشرةً واستهلكها ، فهذا المال لا يعرف مالِكَهُ ولا يدري أنه مات أو مات عن وارث أم لا ، فهذا لا يُمكن أن يردّهُ إلى مالِكِهِ ، يستطيع أن يتريّث قليلاً حتى يتضح الأمر ، فإذا كان في الإمكان أن يضع إعلاناً متأخراً ، فينتظر شهراً أو شهرين ، ويضع إعلاناً فإذا تعذّرَ الردُّ يُدفع المبلغ صدقةً ، قال : هذا كغلول الغنيمة ، إذا وجد شخص درعاً ثمينة مع الغنائم أخذها وبعدها تاب ، وكان الجيش مثلاً مئة ألف مقاتل ، فهذا الثمن ثمن هذا الدرع يجب أن يُرد إلى مئة ألف إنسان؟!.. مستحيل.. ، في مثل هذه الحالة يُدفع ثمن هذه الدرع التي أُخذت قبل توزيع الغنائم يُدفع صدقةً. بعضُهم قال : إذا كان هذا المال شيئاً ؛ الغنيمة ما أُخذت عن حربٍ والفيءُ ما أُخِذَ من دونِ حرب ، الذي يُؤخذ من دونِ حرب يجبُ أن يُردَّ إلى مشاريع خيريّة تعود على المسلمين كُلِّهم بالنفع كالقناطر ، كالمستشفيات ، والمدارس وما إلى ذلك ، لكن من يتولى إنفاق هذا المبلغ الذي أُخِذَ من دون حرب وأُخِذَ اغتصاباً ؟ قال : القاضي ، وإن لم يكن فرجلٌ يوثقُ بأمانتِهِ وعلمِهِ يُدفعُ المبلغُ إليه ليُنشئ به مرفِقاً عاماً يعود نفعُهُ على المسلمين ، وإذا تعذّر يتولى هذا المغتصب التائب بنفسِهِ إنفاق هذا المبلغ على المسلمين . حكم التصدق بما هو حرام : الآن سؤال مهم جداً : هل يجوز التصدّقُ بما هو حرام ؟ إنسان معه مال مغتصب واستحال عليه معرفة صاحِبِهِ فدفعهُ صدقة ، هل تُقبلُ هذه الصدقة ؟ سؤال مهم : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] من قال لكَ إنها صدقة ؟ إن أسميّناها صدقة فأجرُها ليسَ لكَ ولكن لِصاحِبِها ، لذلك قال : ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلك غير جائز لكنَّ الرأيَ الأصح والأرجح أنَّ هذا جائز ، والدليل ما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ سُئِلَ عن شاةٍ مغتصبة لا يعرفُ صاحِبُها ، فقال : أطعموها للأسرى ، هذا خبرٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أي تُقيس عليه حاجة إذا كان مبلغاً مثلاً لو أبقيته في جهةٍ فلم يكُن هناك فائدة منه فإذا دفعته للفقراء هذا لا يُسمى صدقة ولا زكاة ولا شيئاً من هذا القبيل إنما يُسمّى وساطة . وهناك قول آخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن مالٍ سُحتٍ لا يُدرى صاحِبُهُ ، فقال : هذا سحتٌ تصدّق به ، مال حرام لا يُعرف صاحِبُهُ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أن يتصدّقَ بهِ. أي هناك أخ كان يتيماً فورثَ مبلغاً من والِدِهِ وُضِعَ في بعض المصارف ، فلما بلغ أشدّهُ دُفِعَ له المبلغ والفائدة فسألني عن هذا ، قلتُ له : ادفعها إلى جهةٍ فقيرة ولن تُحسبَ لكَ صدقة ولا زكاةً ولا شيئاً إنما هي وساطة ، لو أخذتها ودفعتها إلى جهةٍ مستحقةٍ لكانَ هذا أولَى. أخذ حاجة ولم يدفع ثمنها ، ولمّا همَّ بدفع ثمنها لم يجد صاحِبَها ، طلبه كثيراً فلم يجده ، فتصدّق بالثمن و قال : اللهمَّ عنه إن رضي وإلا فالأجرُ لي . سيدنا الحسن سُئِلَ عن توبة الغالّ - الغالّ : هو الذي أخذَ من الغنائم قبلَ أن توزّع- فقال : يتصدّقُ بِهِ. الآن : القياس أنَّ هذا المال الحرام الذي عثرنا عليه ماذا نفعل ؟ مثلاً عشر ليرات ذهب.. قال : هناك رأيان أحدهما أن تُلقيها في البحر ، هل إلقاؤها في البحر خير أم التصدّق بِها ؟ الرأي الراجح التصدّق بِها ، وإن كانت لا تُسمى صدقة لكن أنتَ وسيطٌ بينَ صاحِبِها وبينَ هذا الفقير فالأجر لِصاحِبِها إن رضي كما قال سيدنا ابن مسعود . هناك آراء جديدة أنَّ الواحد قد تُحسب له صدقة من دون أن يُريد ، شخص عنده مزرعة وفيها عنب ، والطيور تأكل من هذا العنب من دون أن يُريد ولا يُوافق ولا يشعر ولا يدري، فالنبي الكريم طمأن صاحب هذه المزرعة أنَّ للزارِعِ والغارِسِ أجراً في كُلِّ ما يُصيبُهِ الناس والطيور من ثِمارِهِ وزرعِهِ ، أي حملوا هذا الموضوع على هذا الحديث ، شخص وضع قمحاً على سطح المنزل فالطيور أكلت منه القليل وأنت لا تعلم إطلاقاً ، وأنت تجلس في بيتك فنَقَصَ الوزن حوالي كيلو ، قال : هذا يُحسب لكَ صدقة من دون أن تدري ، طبعاً الحديث يؤكد أن للشخص مالاً مغصوباً ، والذي أخذه تاب ، ولما تاب استحالَ ردّهُ إليه فدفعه صدقة ، فهل يُحسب لصاحب المال الثواب ؟ يُحسب ، قِسناها على هذا الحديث ، إذا كان عنده قمح على السطح وجاءت الطيور وأكلت منها تُحسب له هذه الكمية التي أكلتها الطيور صدقةً . أمّا قول القائل : لا نتصدّق إلا بالطيّب ، قال : فذلك إذا طالبنا بالأجر لأنفسِنا ونحنُ الآن نُطالب بالخلاص ، هناك فرق إن طالبت بالأجر لا أجرَ لكَ فهذا مال مُنتظر وليس لك ، أمّا إن طلبتَ الخلاص فالخلاص من هذا المال أن تدفعهُ إلى الفقير ، شتّان بين طلب الأجرِ وطلبِ الخلاص. وقال بعضُهم : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفُسِنا فهو كذلك ولكنه علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنه ، وللفقير حلالٌ إذّ أحلّهُ دليلُ الشرعِ ، أي هذا المال الحرام المُغتصب علينا حرام - على مغتصبِهِ - أمّا للفقير فحلال لأنه بحاجة إليه . حكم المغتصب الذي اغتصب مالاً من مغتصب آخر ثم تاب : الآن : إذا كان المال مُغتصباً وهذا المال المغتصب أُغتصِبَ مرةً ثانية ، فالمغتصب الثاني هل له أن يُعيدَه إلى المُغتصب الأول ؟ الجواب.. لا.. لأنَّ هذا المُغتصب الأول لم يُعيدّهُ إلى صاحِبِهِ في هذه الحالة تصدّق بِهِ ، أي إذا إنسان مثلاً أخذ مالاً من مُغتصب ثُمَّ تاب عليهِ أن يتصدّقَ بهذا المال لأنَّ المُغتصب لن يُعيدَ هذا المال إلى صاحِبِهِ ، أنتَ كُنْ وسيطاً بينَ صاحِبِهِ الأصلي وبين الفقير ، المُغتصب إذا اغتصبَ مالاً مغتصباً وتابَ من ذنبِهِ عليهِ أن يُعيدَهُ إلى الفقراء ويُحسبُ لِمالِكِهِ الأصلي. هذا بعضُ الموضوع والموضوع دقيق جداً ، وهذا من أهم الموضوعات ، والإنسان إذا كانت له جاهلية وكان مُتساهلاً في الأمور الآن عَرَفَ كيف الطريق ، عَرَفَ كيف يتوب من المظالم المالية. * * * المشاورة : والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال الله تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [سورة آل عمران : 159] الإنسان لا يخلو من أن يكون أباً ، أو موظفاً ، أو أخاً أكبر ، لا يخلو أحدكم من أن تكون له وِصايةٌ أو إشرافٌ أو ولايةٌ على من هم دونه ولو كانوا أولاده. إذاً هذا الموضوع نحنُ جميعاً بحاجة إليه موضوع المشاورة ، فقد أمرَ الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالمشاورة في الأمرِ الذي يحتاج إلى المشاورة ، إذا إنسان أراد أن يشرب كأسَ ماء فهذه لا تحتاج إلى مشاورة ، أمّا إذا أراد شراء محل تجاري يا ترى موقعه مناسب ؟ سعره مناسب ؟ هل عليه مشاكل ؟ هذا الأمر يحتاج إلى مشاورة ، وبالمناسبة ما نَدِمَ من استشار ولا خابَ من استخار ، والمشاورة لأُولي العقولِ من المؤمنين - أُولي الخبرات - والاستخارة لله عزّ وجل . قال : فإذا عَزَمَ قلبه على الفعلِ وعلى إمضائِهِ بعدَ المشاورةِ فليمضِ وليتوكل على الله سبحانه وتعالى . الحكم المستنبطة من مشاورة النبي أصحابه : 1 ـ تطييب لنفوسهم : أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُشاوِرَ أصحابَهُ أهلَ الرأي والتدبير في الأمورِ، مع أنَّ عقلهم بالنسبة إلى عقلِهِ الشريف كالسُهى بالنسبة إلى شمسِ الضُحى ، السُهى : نجم ضئيل جداً يكاد لا يُرى بالنسبة إلى شمس الضُحى ، ومع ذلك صاحب العقلِ الذي كشمس الضُحى أُمِرَ أن يستشير صاحب العقلِ الذي كالسُهى.. لماذا ؟ قال : أولاً لِحكمٍ كثيرة أحدُها : تطييبُ نفوسِهم ، الزوج الحكيم يستشير زوجته وأولاده ، والمدير الحكيم يستشير كِبار الموظفين عنده ، وأي إنسان له ولاية على بعض الأشخاص في بعض الأمور يستشيرهُم ، حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ، ومضوا فيهِ كالحرب وأمثالِها ، يكون ذلك عن طيبِ نفوسِهم واختيارِهم ، النبي الكريم استشار أصحابه الكِرام في بدر قال : أشيروا عليَّ يا معشر الأنصار ما قولُكُم ؟ قال أحدهم- سيدنا سعد- لكأنكَ تعنينا ؟ قال : نعم ، قال : يا رسول الله لقد آمنا بِكَ وصدقّناك وشهدِنا أنَّ ما جِئتَ بهِ هو الحق فامضِ بِما أراكَ الله ، نحنُ معك لن يتخلّف منا رجلٌ واحد ، إنّا لصُبرٌ في الحربِ ، صُدقٌ عندَ اللقاء ، فحارب من شِئت وسالم من شِئت ، وعادِ من شِئت ، وخُذ من أموالِنا ما شِئت ، فو الذي تأخذُهُ أحبُّ إلينا من الذي تُبقيه ، فامضِ على بركة الله... النبي الكريم شاور أصحابه في هذه المعركة ، طيّبَ قلوبهم ، رفع من مكانتهم، أشعرهم بقيمتهم ، عرّفهم بمهمتِهم. 2 ـ الاستظهار برأيهم : ثانياً : الاستظهار برأيهم : بمعنى أنَّ رأيهم الموافق لرأيهِ صلى الله عليه وسلم يزدادُ به النبي الكريم قوةً ، خطَرَ في بالِكَ خاطر فسألت أخاً مُخلصاً فقال لك مِثلَ ما خَطَرَ في بالِك فتتأكد أنت وتتقوى ، تتأكد من صِحة رأيك ، إن كان لكَ رأيٌ سديد واستشرت إنساناً آخر وأشار عليك بما أنتَ قد فكرت فيه فهذا مما يزيدُ رأيكَ صلابةً وقوةً وقناعةً ، إذا أمضيتهُ تُمضيهِ عن ثِقةٍ أشد ، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ وعُمر : لو اجتمعتُما في مشورةٍ ما خالفتُكُما . 3 ـ أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ : الحكمة الثالثة : أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ . فقد عَلِمَ الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ، ولكن أرادَ أن يستنَّ المسلمون من بعدِهِ هذه السُنّة الطيبة ، أن تطلُبَ الاستشارة ، وقد رُويَ : ((عن ابن عباس قال : لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ، ومن تركها لم يعدم غيا)) الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة . 4 ـ في المشاورةِ تقدير للمستشار واعتبار لمنزلِتِهِ : الحِكمة الرابعة : أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتباراً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر، وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً ، وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً ، بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين ، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين ، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين ، فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه : (( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] 5 ـ في المشاورة استعراض للآراء : الحِكمة الخامسة : أنَّ في المشاورة استعراضاً للآراء ، أحياناً تسمع رأي اثنين وثلاثة وأربعة مختلفين وكل رأي يلفت نظرك إلى جِهة لم تكُن في بالِك ، هذا التصرف مُفيد لكن له مضاعفات سيئة من هذه الناحية ، فالمشاورة تُقلّب لكَ الرأي على كُلِّ وجوهِهِ ، تعرض لكَ الوجه الطيب والصورة السيئة ، النواحي الإيجابية والنواحي السلبية ، عن عائشة رضي الله عنها قال : ((عن عائشة بلفظ : إن المشير معان والمستشار مؤتمن فإن استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه )) [رواه القضاعي عن عائشة] إنسان له عقل استعار عشرة عقول من دون مقابل ، عوّد نفسكَ أن تستشير في كُل قضية ، اسأل عقلاء ، اسأل خبراء ، اسأل أُولي خِبرة ، اسألهم سؤالاً ، هل أشتري هذه الحاجة ؟ هل أشتري هذا البيت ؟ أحياناً هناك بيت عليه قص يكون ثمنه خمسمئة ألف فيُباع بـأربعمئة و خمسين فتجده فرصة ، اسأل.... وجدَ عليه قص فتمَّ تسعيره بمئة ألف ذهبت عليك الأربعمئة ألف ، فالإنسان يسأل في شِراء بيت ، أو في زواج ، أو في أي نشاط له مضاعفات ، المستشير مُعانٌ والمُستشار مؤتمن فإذا أُستُشيرَ أحدُكم فليُشر بما هو صانعٌ لِنفسِه ، في بعض الآثار يقولون : " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أُمورِكُم بالمشاورة" صفات المستشار : العلماء بيّنوا أنَّ المستشار يجبُ أن يكونَ أميناً على الاستشارة ، محترماً ، ناصحاً، ثابِتَ الجأشِ ، غيرَ معجبٍ بنفسِهِ ، ولا متلوّناً في رأيِهِ ، ولا كاذباً في مقالِهِ ، متغالياً في محبة الأمرِ المُستشار فيه ، ولا متجرّداً عن الدنيا فإنه لا يُستشار في أمر الدنيا لعدم معرفتِهِ . أردت أن تعمل في التجارة فذهبت وسألت ابن عمٍ لك موظف وهو بعيد عن التجارة بعداً شديداً ، ولا يعرف شيئاً في التجارة ، يجب أن تسأل إنساناً في المصلحة نفسها ، في السوق نفسه ، في الموضوع ذاته ، أمّا إذا سألت إنساناً صاحب دين لكن لا توجد لديه الخِبرة فلن يفيدك إذاً يجب أن تبحث عن الخبير المؤمن ، لو كان خبيراً غير مؤمن ، قال لي أخ أراد أن يعمل بعمل متعلّق بالحلويات : ذهبَ وسأل فأول محل أجابه بأنَّ هذه المصلحة مُفقرة وناشفة وغير طعامك لا تُحصّل ، أقسم بالله أنه سأل أربعة محلات فأعطوه أخباراً سيئة جداً ، أنا أعرف أنَّ هذا الكلام له غرض ، وأنَّ هؤلاء يربحون أرباحاً طائلة ، وأنَّ هذا الكلام لِئلا يدخل أحدٌ جديد على هذه المصلحة ، أرسلته إلى أخ مؤمن في المصلحة نفسِها وقُلتُ له : استشر فُلاناً ، فكان الجواب بالعكس ، قال له : هذه مصلحة جيدة ، وأرباحُها جيدة ، وطلبُها ثابت ، وموادُها الأولية متوافرة ، والعملية بسيطة ، المؤمن أشار بما هو صانِعٌ لنفسِهِ أمّا المُشرِك الذي رأى أنَّ هذا سوف يُخلّصهُ رِزقهُ.. هذا إشراك بالله عزّ وجل.. فأعطى معلومات مغلوطة ، فلذلك إيّاكَ أن تستشير فاسقاً أو منافقاً أو مُشرِكاً ، وإيّاكَ أن تستشيرَ جاهلاً ، لابُدَّ من صفتين تجتمعان في المُستشار : الخِبرةُ والأمانة : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [سورة القصص : 26] وإيّاكَ أن تستشيرَ بخيلاً ، مثلاً تسأله بطبع كروت للمحل يقول لكَ : لا ليسَ هناك حاجة ، فالبخيل يُشير عليك بما لا ينفعُكَ.. هذه قاعدة ، وعن أبي مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( المستشار مؤتمن وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت ، فإن تكلّم فليجتهد رأيه)) [المقاصد الحسنة فيما اشتهر عن الألسنة عن أبي مسعودٍ ] أحياناً تُستشار بشيء لو أنكَ أشرتً بما تعرف للحِقَكَ من هذه الاستشارة ضرر كبير.. حالات نادرة.. سألَكَ هل أفعل هكذا ؟ فلكَ أن تسكُت ، أمّا إذا تكلّمت فيجب أن تنطق بالحق ، ولكَ أن تسكُت ، أحياناً بالتجارة ، والتجارة سِر ، أحياناً تكون أنت تعمل بمصلحة ما و قد اشتريت ما يلزمك وسألكَ إنسان ليشتري مثلما اشتريت ، فإن نصحتهُ بعدم الشراء - لا تشتر أنا اشتريت مثلها - فيُمكن أن يظُن عكس ذلك ، أحياناً الكلام له مضاعفات ، وفي حالات نادرة وقاهرة وحساسة لك أن تسكُت ، لكنكَ إذا تكلمت لا ينبغي أن تقول إلا الحق ، أمّا هُناك أُناس ينصحونكَ بشيء خِلاف مصلحتك ، تاجر ناشئ سوف يُزاحِمُكَ على هذه المصلحة وسألَكَ بنفسٍ رضيّة وطيبة فأشرت عليه بنوع من البضاعة غالية الثمن وليست لها طلب إطلاقاً ، واشترى كميات كبيرة ووضعها في المستودع ، ولم تُباع معه فجعلته يُفلّس ، كُل رأسُ مالِهِ وضعه في هذه المصلحة ولم تُباع معه ، أنت في هذه الطريقة أخرجته من المصلحة.. هذه خيانة.. ، أي إذا كان هُناك حالات قاهرة فيها حرج أباح لكَ الشرع أن تسكُت ، أمّا أن تقول غلطاً فهذه خيانة. قال : شاهد على أنَّ الإنسان أحياناً يحقُ له أن يمتنع عن إعطاء رأي ، طالب سألك على أن يدرس هذا الموضوع وأنت قد وضعت السؤال ، إذا قُلت له : لا تدرسه فهو سيأتي في الفحص فتكون قد ضللته ، وإن قُلت له بأن يدرسه وجاء في الفحص وقال الطالب أنا أخذت من الأستاذ السؤال فسوف يُدمِرُكَ... هذه ليست استشارة... تقول له : لا أعرف ، حيث أنك تمتنع عن إبداء الرأي ، أمّا إن تكلّمت فليس لك الحق أن تُضلله ، فأكثر الناس الآن في الاستشارة إذا كان له مصلحة في الموضوع يُضللهُ ، هذا المنزل مثلاً نفسهُ فيه فيجعله يكره المنطقة كلها ، فكُل إنسان يُشير خِلاف ما هو صانع لِنفسه فقد خانَ صاحِبهُ.. الاستشارة أمانة.. لكن هناك حالات مُعيّنة تستطيع أن تمتنع عن إعطاء الرأي أكثرُ هذه الحالات في التجارة ، وبعضُها في التعليم ، وبعضُها في القضاء. إذاً : المستشار مُؤتمن وله في حالات نادرة أن يمتنع عن إعطاء رأي فيما لو كان في هذا الرأي إضرار بالغ للمستشار. على الإنسان أن يبدأ بالاستشارة ويختم بالاستخارة : آخر حديث : يقول عليه الصلاة والسلام : (( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار)) [ الطبراني عن أنس] إلاّ أنَّ العلماء ارتؤوا أن تـُقدّمَ الاستشارةُ على الاستخارة . ضع في ذهنك أنكَ قبل أن تُقدِمَ على عملٍ ما تبدأ بالاستشارة ، والمستشار يجب أن يجمع بينَ شيئين الخِبرة والأمانة ، الخبرة في الموضوع ، والأمانة بأوسع معانيها الدينية ، بمعنى أنه لن يقول لكَ إلاّ الحق ، إن عثرت على مِثل هذا الإنسان استشره ، فإذا أشارَ عليكَ أن افعل هذا الأمر عُدْ إلى الله عزّ وجل واستخرهُ ، صلِّ ركعتين وقُل : يا ربي إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاقدرهُ لي ويسّرهُ لي ، وإن كان خِلافَ ذلك فاصرفني عنه واصرفهُ عني واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كان ، الإنسان في هذا الدعاء مع التوجّه الصادق ، مع الإقبال ، مع الركعتين المُخلصتين ، لعلَّ الله عزّ وجل يُريه مناماً أو يشرح صدرهُ أو يقبِض صدرَهُ. على كُلٍ تبدأ بالاستشارة وتختم بالاستخارة ، الاستشارة لأصحاب الخِبرةِ من المؤمنين الصادقين الأُمناء ، والاستخارة لله عزّ وجل ، ولكن من أجل أن تعرف الحقيقة لا استشارة ولا استخارة في المحرّمات ، فقط في المباحات ؛ في الزواج ، في التجارة ، في السفر ، في هذه الموضوعات المُباحة هناك استشارة وهناك استخارة ، لكن إنساناً أراد أن يستشير شخصاً في شُرب الخمر مثلاً ليست واردة.. أو بأكل مال حرام ، أو برشوة ، أو باغتصاب منزل مثلاً ، يقول : والله لنأخذ رأي إنسان مؤمن !! هذا كلام مُضحك ، لا استشارة ولا استخارة في المُحرّمات بل في المباحات وليست المباحات مثلاً تناول طعام الغذاء.. أخي هل آكل؟ .. هذه أشياء تافهة.. الاستشارة في المباحات التي لها مضاعفات ، أي لها توابع ، الزواج له توابع ، التجارة لها توابع ، إنشاء معمل صغير له توابع ، كان معك مئة أصبحوا آلة.. تجمدوا.. إذا لم يكن الأمر قد تمّت دراسته بشكل جيد فتكون قد أضعت رأس مالِك في آلة ليس لها ثمن ، أصبحت كتلة حديد ، فالاستشارة في المباحات والاستشارة قبل الاستخارة ، والمستشار يجب أن يكونَ من أصحاب الخِبرةِ ، من عقلاء المؤمنين . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اداب الالفة - المعاشرة الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثالث و الستون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . الألفة : أيها الأخوة الأكارم ، من إحياء علوم الدين بدأنا بمجموعة أبواب في الآداب الإسلامية ، فكنا قد بدأنا بآداب الأكل وأمضينا فيها وقتاً طويلاً ، ثم انتقلنا إلى آداب الكسب والمعاش ، وانتقلنا منه إلى باب الحلال والحرام ، وها نحن نصل إلى آداب الألفة أي المعاشرة ، التعامل اليومي ، والإمام الغزالي رضي الله عنه يعقد باباً مطولاً يتحدث فيه عن آداب الألفة ، التعامل فيقول : " اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق ، أي حسن الخلق ثمرته الألفة ، والتفرق ثمرة سوء الخلق ، أي سوء الخلق يؤدي إلى التفرقة وحسن الخلق يؤدي إلى المودة ، لذلك المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد : (( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) [ مسلم عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ] قال تعالى : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة الأنفال: 63] أي بين المؤمنين علاقات متينة وشيجة لا يعرفها إلا من عاينها ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف ، لأن كل مؤمن بأخلاقه الفاضلة يجذب أخاه، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام في نزهة قال أحدهم :عليّ ذبح الشاة ، قال الثاني : عليّ سلخها ، قال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب. أي كل إنسان يبذل لأخيه الإنسان ما في وسعه ، هذا البذل يسبب ألفة ، ما تفسير الألفة بين المؤمنين ؟ لو حللت هذه المودة تحليلاً علمياً أي إذا جاء عالم نفس أو عالم اجتماع ليحلل أسباب المودة البالغة بين المؤمنين تحليلاً علمياً يجد أن الأخلاق الفاضلة ، الخلق الحسن الذي يتحلى به المؤمن هو سبب المودة ، ربنا عز وجل خلقنا على فطرة سليمة ، وخلقنا على فطرةٍ عالية ، وكل منا يحب مكارم الأخلاق . الفرق بين محبة مكارم الأخلاق و بين التحلي بها : بالمناسبة فرق كبير بين أن تحب مكارم الأخرق وبين أن تكون متحلياً بمكارم الأخلاق ، قد تحبها ولست متحلياً بها ، فكل مخلوق على وجه الأرض يحب مكارم الأخلاق ، إذاً مكارم الأخلاق سبب هذه المودة ، سبب هذه العلاقة الوشيجة ، العلاقة المتينة ، تحس أن بين المؤمنين علاقةً لا يفصمها شيء ، لا يضعفها شيء ، لا يوجد غيبة ، بعض الأخوة الأكارم لهم سهرة أسبوعية مضى عليها سبعة عشر عاماً كل ثلاثاء في بيت واحد ، بعد هذه الأعوام الطويلة طرح أحدهم سؤالاً قال: ما سبب دوام هذه الألفة ؟ وطلبوا الإجابة للجلسة القادمة فقد أجمع الأخوة على أن عدم الغيبة وعدم دخول النساء فيما بينهم سبب هذه الألفة ، المرأة تفرق ، إذا دخلت مجلساً تفرق هذا المجلس ، قد ينظر الزوج إلى زوجة صديقه نظرةً تسبب الحمق لزوجها ، وقد تنظر الزوجة لصديق زوجها نظرةً تسبب الغيرة ، لذلك إذا دخلت المرأة في مجلس تقطع ما بين هؤلاء من صلات . أي المجتمع المسلم مجتمع متماسك ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ، المجتمع الكافر مجتمع مفتت ولو بدا لك أنه مجتمع قال تعالى : ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة الحشر: 14] ثمار الخلق الحسن : من ثمار الخلق الحسن هذه الألفة التي بين المؤمنين ، من ثمار الخلق السيئ هذه التفرقة بين الناس ، هذا ملخص الفصل ، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، أي على مستوى إذا ممكن الخلق الحسن يقاس بوحدات ، الآن يقيسون الضجيج ، يقيسون الزلزال بوحدات ، من أيام قاسوا الإشعاع النووي بوحدات قال : أربعمئة وخمسون وحدة قاتلة هذه الأشعة، وجدوا في ألمانية مئة وخمسين وحدة ، فالإشعاع يقاس بوحدات ، والضجيج يقاس بوحدات ، فإذا أمكن أن نقيس الخلق الحسن بوحدات ، إذا كان مستوى خلق هذا الإنسان الحسن سبعين بالمئة فالمودة بينه وبين الناس سبعون بالمئة ، ثمانون ثمانون ، تسعون تسعون ، مئة بالمئة تكون مئة بالمئة ، أي على قدر ما يتحلى الإنسان بالخلق الحسن على قدر ما يتمتع بعلاقات متينة جداً وحميمة جداً مع بقية الناس ، إذاً محبة الناس لك ثمنها أن تكون ذا خلق حسن ، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ، الكلمة الطيبة أحياناً تثمر عملاً طيباً . حدثني أخ كان صغيراً دخل إلى مسجد ليصلي ، خرج من المسجد فافتقد حذاءه لاحظه رجل وقور ، صالح ، خير ، فاشترى له حذاءً فقال لي : أغلب الظن أن سبب حفاظي على صلاتي منذ الصغر هذا التصرف الأخلاقي من هذا الرجل ، أي الخلق الحسن ، لعل كلمة طيبة تنقذ بها إنساناً ، لعل موقفاً فيه تسامح تجعل إنساناً يتوب إلى الله عز وجل ، لعل موقفاً فيه حلم تجعل إنساناً يتعرف إلى الله يقول : هكذا الإسلام ، هذا الإيمان ، فالإنسان لا يدري كم نتائج الخلق الحسن كم هي باهرة ، أي ما الذي جعل الناس من كل حدب وصوب يذهبون إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وخمسمئة عام ؟ خلقه الحسن ، ما من مسلم إلا وقرأ عن خلقه الحسن ، يتصور تواضعه ، تسامحه ، عدله ، كرمه ، خدمته ، حبه لأصحابه، إخلاصه لهم ، حبه لهم ، ترفعه عن نقائصهم ، يتولد في قلبه محبة لهذا النبي الكريم . مهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، وحسن الخلق لا تخفى فضيلته في الدين ، أي يكاد يكون الدين حسن خلق ، حتى لا يظن إنسان أن الدين صوم وصلاة ، الدين ليس صوماً وصلاة فحسب ولكنه خلق حسن ، إذا قلت لي ما الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ؟ قد تقول الصلاة ، لا من شاء صام ومن شاء صلى ولكن الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن خلقه الحسن ، ورعه ، عفافه ، استقامته ، أمانته ، صدقه ، لا يكذب ، لا يخون ، لا يتعدى ، لا ينظر إلى ما ليس له وما لا يحل له ، وقد مدح الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القلم : 4] تقوى الله وحسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة : من علامات قيام الساعة أن قيمة الرجل متاعه ، أي في آخر الزمان الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من نوع سيارته ، من موقع بيته ، من مساحة بيته ، من حجم محله التجاري، من دخله ، من ضعف القيم الأخلاقية في آخر الزمان أن الذي يرفع الناس فيما بينهم متاعهم، دخلهم ، غناهم ، ومما يرفع الإنسان في المجتمعات المؤمنة خلقه الحسن ، لذلك : ((ذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) [الترمذي والبيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني] قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ [ سورة الأنفال : 73] كلمة وإنك لعلى خلق عظيم وحدها تكفي ، الله سبحانه وتعالى ما وصف النبي بالغنى ، يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره ، ما يقدح من مكانة الإنسان فقره ، ولا يقدح من مكانة الإنسان بيته الصغير، ولا يقدح من مكانته عمله المتواضع ، ضارب آلة كاتبة معه بكالوريا قد يكون عند الله عظيماً بأخلاقه الفاضلة ، قد يكون عند الله أعلى بمئات الألوف من البشر التافهين ، لا يقدح في قيمتك إلا الخلق السيئ ، وإنك لعلى خلق عظيم قالوا : يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ بحياته ما سحب يده من مصافح ، بحياته ما تحرك حركة في بيته ، انصرف يا أخي عندي عمل ، بحياته ما رئي ماداً رجليه قط ، ما عاب طعاماً قط ، قالت : إنها قصيرة ، قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، كلمة قصيرة ، أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، أي لو تخيلنا إنساناً يصلي الضحى والأوابين وقيام الليل والتهجد ويصوم الاثنين والخميس ، ويتصدق فوق الزكاة عشرة أمثال الزكاة ، وقلبه قاس ، وكلامه فظ ، هذا يقدح في إيمانه ، قال تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ سورة آل عمران : 159] لا يرفعك عند الله إلا الخلق الحسن ، لذلك روى الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن : (( إن أحسن الحسن الخلق الحسن )) [ القضاعي عن الحسن بن علي] أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، وقال أسامة : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ الذي عنده فندق دخله باليوم مئة ألف ليرة قال : عنده فندق مؤلف من أربعين طابقاً خمس نجوم طوال العام محجوز ، هذا أوتي مالاً كثيراً ، النبي الكريم يقول : ((عَنْ أُسَامَةَ... قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ ؟ قَالَ : خُلُقٌ حَسَنٌ )) [ الترمزي عَنْ أُسَامَةَ] الذي عنده أرض تضاعفت مئة ضعف ، اشتراها بخمسة آلاف وباعها بخمسمئة ألف ألم يؤتَ هذا الإنسان شيئاً ؟ الخلق الحسن أثقل من هذا . الخلق الحسن أثقل ما يوضع بالميزان : وقال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] وفي رواية أخرى : (( إنما بعثت معلماً )) [ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمرو ] وقال عليه الصلاة والسلام : (( أثقل ما يوضع بالميزان الخلق الحسن )) [ الترمذي عن أبي الدرداء] و ما حسن الله خَلق امرئ وخُلقه فيطعمه النار ، أي إذا إنسان تفضل الله عليه بخلق حسن معنى ذلك أن هذا مقرب منه ، متصل به، ما من إنسان تحلى بخلق حسن إلا وله صلة بالله عز وجل ، فهذا الذي له صلة بالله هل يعقل أن يدخل النار ؟! وقال النبي عليه الصلاة والسلام : (( يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق )) [لبيهقي في الشعب من رواية الحسن عن أبي هريرة ] حدثني أخ اليوم كان بالحج مع رجل من أهل الصلاح والتقى ، و هم جالسان في خيمة نظيفة جداً ، ومرافقها نظيفة جداً ، دخل إنسان طائش بعيد عن الخيمة ، وقضى حاجة بشكل غير لائق فما رأوه ، اتهم بعضهم بعضاً بهذا العمل السيئ ، فكادت تنشب بينهم مشكلة فقام هذا الرجل الصالح وقال : أنا ، وبادر لينظف هذا المكان ، طبعاً ما سمحوا له ، ولكن الإنسان الطيب بخلقه الحسن يؤلف ولا يفرق ، يقول لي هذا الرجل لا أنسى له هذا الموقف ما حييت ، مضى على هذا الموقف أكثر من ستة عشر عاماً ولا ينسى هذا الموقف ، حتى يحل مشكلة فاتهم نفسه بهذا المشكلة ونهض لينظف هذا المكان . النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما كان مع أصحابه الكرام في وليمة ، توضأ أصحابه وصلوا الظهر ، بين الظهر والعصر بدت رائحة كريهة حينما أذن العصر قال عليه الصلاة والسلام :" كل من أكل لحم جزور فليتوضأ ، قالوا : كلنا أكلنا هذا اللحم ، قال : كلكم فليتوضأ " هذا الوضوء ستر لحال هذا الذي انتقض وضوءه . كان إذا دخل بيته عليه الصلاة والسلام لف ثوبه لئلا يزعج أهل البيت ، كان له كلام أحلى من العسل ، أرسل خادماً وغاب غيبةً طويلة فغضب النبي عليه الصلاة والسلام فلما حضر قال عليه الصلاة والسلام : " لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك " هذه أقسى كلمة قالها في حياته صلى الله عليه وسلم قال : ((أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ مَنَعَكَ ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ )) [ أحمد عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيه] أن تصل من وصلك هذا ليس من حسن الخلق ، هذا خلق عامة الناس إذا وصلته يصلك ، لكن حسن الخلق أن تصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك، إذاً ثمرة حسن الخلق الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة ، قال تعالى : ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ سورة الأنفال: 63 ] المودة بين المؤمنين من علامة إيمانهم : الآن من علامة الإيمان بين الأخوة المودة بينهم ، أي إذا رأيت أن هناك مودة كبيرة بين المؤمنين فهذه بشارة طيبة لهم جميعاً ، كأن الله يرضى عنهم ، يد الله مع الجماعة ، يد الله على الجماعة ، وإن كان بينهم خصومات ، وشقاق ، وحسد ، وغيبة ، ونميمة ، فالله سبحانه وتعالى يمقتهم أهكذا أنتم ؟ أهكذا دينكم ؟ أهكذا الاستقامة ؟ قال تعالى : ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [ سورة آل عمران : 103] فالأخوة الصادقة نعمة كبرى يتمتع بها المؤمنون ، ولا يعرفها إلا من فقدها ، لذلك أهل الدنيا إذا ذهبوا إلى نزهة لابد من أن ينشب الخصام بينهم ، إذا ذهبوا إلى رحلة ، إذا تخالطوا في شركة ، إذا تجاوروا دائماً الخصومات والسباب والشتائم والتدابر والتقاطع هو الشيء السائد بينهم ، المؤمنون المودة ، والتعاطف ، والخدمة ، والمحبة ، ومراعاة الشعور ، أسمع أحياناً قصصاً عن سكان بناء بمنتهى المودة ، بمنتهى التعاطف ، والله أشعر بسعادة لا توصف نحن بخير ، إن رأيت أن هناك تعاطفاً بين الناس ، أن هناك مودة بين الناس ، أن هناك أعمالاً طيبة فيما بين الناس أشعر أننا بخير ، وأن الله لن يعذبنا ، قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [ سورة الأنفال: 33] بعضهم فهم هذه الآية فهماً دقيقاً وأنت فيهم ما دمت بين ظهرانيهم لن يعذبهم الله عز وجل ، المعنى الآخر مادامت سنتك فيهم ، في أعمالهم ، مادامت محبتك في قلوبهم ، هذه واحدة ، المعنى الثالث سنتك الطاهرة فيهم أي مطبقة فيهم ، إن كانت سنتك مطبقة فيهم فلن يعذبهم الله عز وجل ، أي إذا كان هناك تعاطف ، أحياناً ترى تعاوناً ، إنسان له ابن يحتاج إلى عملية جراحية طرق باب رجل ميسور الحال قال له : تكلف ستين ألفاً ، قال له : ولتكن امش بالمعاملة ، العملية أجريت في إنكلترا ، وهذا الذي دفع هذا المبلغ أقسم بالله العظيم أن أرباحه في هذا العام تضاعفت ، فدفعهم دفعة واحدة . أعرف أخاً أيضاً حالته المادية ميسورة عنده موظف يتقاضى ألف ليرة أصيب بمرض خطير جداً ، هبوط مفاجئ في عمل الكليتين سأل فقالوا له : تكلف العملية سبعمئة ألف، فأرسله إلى أمريكا وأرسل معه مرافقاً وبقي هناك ثلاثة أشهر وأجريت له العملية ونجحت وبعد عشرة أيام توفي ، لكن هذا الذي دفع هذا المبلغ له عند الله مكانة لا يعلمها إلا الله ، تحقق الهدف أنه كشف على حقيقته ، موظف فقير عنده لا يملك شيئاً ، الأعمال الطيبة تسبب سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها . أحياناً يرى فقيراً يعطيه نصف ليرة ويظن نفسه أنه عمل عملاً جديداً ، العمل الطيب أن تحل مشكلة كبيرة لإنسان ، مشكلة كبيرة تحل حلاً جذرياً ، هذا هو العمل الطيب ، هذه القروش مقبولة قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ [ سورة الزلزلة : 7] وقد تكون هذه النصف ليرة من طفل صغير هي عند الله أكثر من مئة ألف ليرة إذا والده أعطاه ليرة ووجد فقيراً أعطاه نصف ليرة هذه عند الله أكثر من مئة ألف ليرة ، رب درهم سبق مئة ألف درهم ، أما إذا إنسان ميسور الحال أعطى نصف ليرة لفقير يحاسب على قدر ماله لا على قدر هذا المبلغ ، يقول لك : الله شفاني سوف أوزع كيليين خبزاً ثمنهم ليرتان ، كأنه عمل عملاً كبيراً على نية الشكر لله فقط كيليين خبز بليرتين ، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ سورة آل عمران : 103] المؤمن يؤلف ولا يفرق : لذلك ليس منا من فرق ، ما قولكم بهذا الحديث ؟ نفى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الإنسان الانتماء إلى دين الإسلام ، الذي يفرق بين أخوين ، بين شريكين ، بين زوجين، بين أم وابنها ، بين أخ وأخيه ، بين جارين ، بين مؤمنين ، بين صديقين ، بين مسافرين ليس منا ، المؤمن دائماً يؤلف ولا يفرق بكلامه الطيب ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا )) [متفق عليه عنِ الأَعْمَشِ] ألا يطمح أحدنا أن يكون له مكانة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هذا المكان القريب لا تناله إلا بحسن الخلق ، إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً . مرة قال صلى الله عليه وسلم : " أول من يمسك بحلق الجنة أنا - لا يوجد إنسان يدخل الجنة قبل النبي عليه الصلاة والسلام ، أي إن صحّ التعبير هو الذي يقص الشريط الحريري ويدخلها - فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فلم تتزوج من أجلهن " طبعاً هذه كناية لطيفة من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)) [رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ] من تعريفات النبي الكريم الجامعة المانعة للمؤمن أنه يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، يألف ويؤلف أي لين العريكة ، سموح ، سهل ، لا يعقد الأمور ، اعتذر منه ومشي الحال ، وعدك ولم يأت نسيت هون عليك طالما يوجد محبة ، الأكل ما كان جاهزاً لا بأس يصلي ركعتين ريثما يجهز الطعام ، أما الكافر فلا يألف ولا يؤلف : ((إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ وَلا يَقْرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلا هَجْرًا وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا دَبْرًا مُسْتَكْبِرِينَ لا يَأْلَفُونَ وَلا يُؤْلَفُونَ خُشُبٌ بِاللَّيْلِ صُخُبٌ بِالنَّهَارِ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً سُخُبٌ بِالنَّهَارِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أما الكافر ففظ غليظ ، فاحش بذيء ، مستعل ، المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . أثمن عطاء في الدنيا أن يكون للإنسان أخ في الله : من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، أثمن عطاء في الدنيا أن يكون لك أخ في الله ، العصر ما صلينا جزاك الله خيراً ، نريد أن نزور فلاناً لأنه مريض ، ما رأيك أن نأخذ له هدية ؟ إذا نسيت يذكرك ، وإذا ذكرته يعينك ، إذا كان الإنسان مريضاً وأخذت له هدية أجمل ، إنسان جاء من الحج ، من العمرة ، تزوج ، نزوره ونأخذ له هدية أفضل ، فإذا أنت نسيت يذكرك وإذا ذكرته يعينك ، من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، أي إذا إنسان له في الحياة الدنيا أخ مؤمن يحبه لله ولا يحبه إلا لله وليس هناك مصلحة ولا قرابة ولا نسب ، هذا الأخ أكبر ثروة في الدنيا ، قال لي أخ: إنسان له بضاعة في مكان واضطر أن ينقلها نقلاً سريعاً خلال ساعات إلى مكان آخر ، ساكن في بناء وهناك مودة بالغة ، طرق على باب جيرانه بساعة متأخرة من الليل بذلوا له كل جهدهم وساعدوه ، يقول لي : والله لا أنسى هذا العمل ما حييت ، هذا العمل الطيب يمتن العلاقة ، احياناً تعمل مع أخيك عملاً لا ينسى لك هذا العمل ، تعيش أربعين سنة وترى مودة بالغة بينكم بفضل هذا العمل ، تذهب إلى مدينة مثل لندن أو طوكيو فيها ثمانية عشر مليوناً ، القاهرة فيها عشرة ملايين أشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً ، لماذا التدابر ؟ لأن النظرة المادية طاغية . قال لي إنسان : ذهبت إلى لندن وفي أحد شوارعها المزدحمة رأيت عن بعد امرأة قد وقعت ، متقدمة في السن ، أقسم لي أنه مرّ أمامها ما يزيد عن مئتي رجل ولم يلتفت إليها أحد ولما وصل أمسك بيدها ليوقفها أو ليأخذها إلى بيتها قالت لي : أنت لست من هذا البلد ، عرفت أنه غريب . أجروا في فرنسا تجربة لاختبار الدافع الإنساني أحضروا سيارة أجرت حادثاً وضعوها على طريق ليون باريس هذا أكثف طريق ، كثافته شديدة وإنسان اضطجع أمام هذه السيارة ووضعوا عليه حبراً أحمر بعد ست ساعات توقفت سيارة واحدة لإنقاذ هذا الجريح فأشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً . تصور حياة أجدادنا لم يكن هناك كهرباء ، ولا بيوت فخمة ، الثريات الفخمة ، ورق الجدران ، الأرض والسجاد العجمي مثلاً هذه الديكورات ما كانت موجودة ، ولكن كان هناك محبة ، وتعاطف ، وأنس لا يوصف ، الآن فخامة ما بعدها فخامة ، بذخ ما بعده بذخ ، أناقة، نظافة ، ترتيب ، تزيينات لكن هناك تقاطعاً وتدابراً ، عنده غرفة ضيوف ليس لها مثيل لم يدخل إليها ضيف بالسنة ، تدابر ، كل إنسان يعيش لوحده ، أخان متقاطعان من أب وأم ، عديلان ، صديقان ، لا يعرف من ساكن فوقه ، مرة دخلت إلى بناء وأعطاني العنوان مواجه الكوى سألت قال لي : في الطابق الفلاني ، لما صعدت إلى البناء نسيت كم طابقاً قطعت طرقت باباً قالوا : لا نعرفه ، فكان هو يسكن فوقهم من عشرين سنة ، ما خطر ببالهم أن يعرفوا اسم جارهم ، أربعون جاراً على اليمين ، وأربعون جاراً على اليسار ، وأربعون شمالاً ، وأربعون جنوباً ، وأربعون فوق ، وأربعون تحت ، ست جهات ، والله يسأل عن صحبة ساعة . مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، هذا التماسك والتعاطف ، و ما التقى مؤمنين قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً ، إذا التقى مؤمنان لابد من أن أحدهما يستفيد من صاحبه ، يكون الأول ذاكراً الله عز وجل ، حالته طيبة ، يصافحه يوجد حرارة إيمان ، الثاني يغار والله يجب أن أكون مثله ، يبلغه أن الثاني قد صلى قيام الليل يغار منه ، منافسة في طاعة الله ، أحياناً يقول له : سمعت تفسير آية وتكون الآية لها معنى دقيقاً وتحل مشكلة لهذا الإنسان ، فأي لقاء بين مؤمنين قد يكون لقاء نفسياً ، لقاء عرضياً ، لقاء مقصوداً ، لقاء غير مقصود ، لقاء علمياً ، أي لقاء بين مؤمنين لابد من أن أحدهما يستفيد من الآخر . (( من آخى أخاً في الله رفعه الله درجةً في الجنة لا ينالها بشيء من عمله )) [ابن ابي الدنيا في كتاب الاخوان من حديث انس] أنا أتمنى عليكم لا يوجد عندي إمكانية أن أعرف بالضبط من لم يحضر اليوم ، أما إذا كل واحد آخى آخر ، فلان مريض يجب أن نزوره له حق علينا ، فلان مسافر ، فلان يشكو من مشكلة ، فهذا الأخ إذا آخى أخاً وتعاون هو وإياه فهذا شيء جميل ، فكل واحد يختار أخاً في الله يكون هو ولي أمره إذا غاب ، وإذا أراد أن يأتي هل تحب أن نذهب معاً ؟ إذا كان الثاني متكاسلاً لما جاءه هاتف استحيا ، وما كان ينوي أن يأتي ، صار ترابطاً إذا غاب فوراً عن الدرس ذهب وتفقده ، عندما انطرق الباب معنى هذا أنني مهم إذا ما جئت إلى الدرس ، خير إن شاء الله خفت أن تكون مريضاً ، صار الدرس الثاني إذا لم أحضر إلى المسجد يأتون لعندي هذا التعاون ، كل واحد يختار أخاً بالله ويتفقد أموره ، يتفقد دوامه على الدروس ، يتفقد حاجاته، صحته ، أحياناً الإنسان بحق نفسه مقصر يكون بحاجة إلى مساعدة ، إلى حل مشكلة ، يخجل أن يطلبها ، إذا أخوه عرف هذه الحاجة ونقلها إلى إنسان ميسور الحال تكون حللت له مشكلة . من أحبّ أخاً في الله عليه أن يعلمه بذلك : قال أبو أدريس لسيدنا معاذ : " إني أحبك في الله ، فقال له : أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة ، وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقيل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ قال : المتحابون في الله تعالى ". ومن السنة المطهرة أنك إذا أحببت أخاً في الله أن تعلمه بهذا الحب ، قل له : يا أخي والله إني أحبك في الله ، يقول لك : أحبك الذي أحببتني من أجله ، إذا بقلبك محبة لأخ لا تكتمها أظهرها ، حتى أن رجلاً مرّ على النبي الكريم ثم تابع مسيره فقال أحد الحاضرين : والله إني أحبه ، فقال له : قم فأعلمه ، فقام من مجلسه وذهب إليه ليعلمه أنه يحبه : (( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ )) [أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل] ((عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )) [ أبو داود عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زرعة] ((ما تحاب اثنان بالله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه)) [الطبراني عن أنس] هذه دقيقة جداً ، أخوان في الله هذا يحب أخاه ، وذاك يحب أخاه ، إذا أردنا أن نقيس المحبة بوحدات هذا يحب أخاه بدرجة تسعين ، هذا يحبه بدرجة ثمانين ، الذي يحب أخاه بدرجة تسعين هو أحب إلى الله ، الأرقى يحب أكثر والأقل يحب أقل ، ترى الراقي لا يحقد ولو الناس أساؤوا له ترى موقفه فيه عفو ، فيه صفح ، ربنا قال : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [ سورة الحجر: 85] أنا لا أنسى سيدنا أبا بكر كان يبر إنساناً ، يتصدق عليه ، هذا الإنسان تحدث عن أن السيدة عائشة قد زنت ، هذا الإنسان بالذات ما كان من أبي بكر رضي الله عنه من شدة ألمه على سمعة ابنته الطاهرة إلا أن امتنع عن إعطاء المساعدة الدورية لهذا الإنسان فنزلت آية تعاتبه على ذلك : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة النور : 22] قال : بلى وبكى وتابع عمله الطيب ، ويقال : إن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، هذه فكرة دقيقة ؛ أخان الأول أعلى من الثاني ، إذا الثاني أحب الأول لأنه أرقى منه حب الثاني للأول يرفعه إلى مقامه ، وهذه المحبة ولدت ارتباطاً بينهما ، وبهذا الارتباط انتقلت للثاني أحوال الأول ، أحوال المحبة والورع والخوف من الله والطمأنينة ، كل هذه الأحوال انتقلت إلى الثاني بفضل حبه له ، إذاً الثاني جاءته هذه الأحوال عن طريق المحبة إذاً ألحق بالأول ، هذا معنى قول الإمام الغزالي : إن الأخوين بالله إذ كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين . أعمال الابن الصالح في صحيفة أبيه إلى أن يتوفاه الله : و قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [ سورة الطور : 21] هذه آية لها معنى آخر إذا إنسان ربى ابنه تربية صالحة وتوفى ، كل أعمال الابن إلى أن يتوفاه الله في صحيفة الأب ، أعمال الابن ألحقت بأبيه ، ممكن أن يكون الإنسان له حساب في مصرف عشرة آلاف ، مئة ألف ، مليون ، وفي حساب ثان مليون ، ممكن أن ينضاف هذا الحساب إلى حساب الآخر إذا ذهب إلى المصرف وقالوا له : حسابك مليون لكن نفس مبلغك أضيف لحساب فلان تقريباً . أعمال الابن كلها الصالحة تسجل في صحيفة الأب ، هذا معنى ألحقنا بهم ذريتهم وما من عملهم من شيء ، الابن وابن الابن وهذه الذرية الطيبة إلى يوم القيامة . من أنفق لقمة في سبيل الله أصبحت كجبل أحد يوم القيامة : لذلك الإنسان يوم القيامة يكون أطعم لقمة في سبيل الله يراها كجبل أحد ، أنا شاهدتها في المدينة كنت أتصوره جبلاً صغيراً بل هو جبل شامخ ، عال ، والمعركة لم تتم على قمة هذا الجبل بل على أحد فروعه ، أما فهو جبل شامخ . إذا لقمة أنفقتها في سبيل الله أصبحت كجبل أحد . المتحابون في الله : قال تعالى في الحديث القدسي : ((عنَ عَبَسَةَ هَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ أَنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلا كَذِبٌ وَلا تُحَدِّثْنِيهِ عَنْ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ غَيْرِكَ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي)) [ أحمد عنَ عَبَسَةَ] وإن الله تعالى يقول يوم القيامة : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي ؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة : والحديث المعروف عندكم : (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] صلى الله عليه وسلم قال : " العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن : أي ألزم ما يلزم الشاب أن يكون تائباً ، وألزم ما يلزم المرأة أن تكون حييةً ، وألزم ما يلزم الغني أن يكون سخياً ، وألزم ما يلزم الفقير أن يكون صابراً ، وألزم ما يلزم العالم أن يكون ورعاً ، وألزم ما يلزم الإمام أن يكون عادلاً . (( الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) [متفق عليه عن أبي هريرة] إذا كنت أحد هؤلاء أبشر ، إذا دفعت مبلغاً من المال من كسبك الحلال ولم تنبس ببنت شفة ، ما ذكرت لأحد العمل أبشر ، وإذا دعتك امرأة فقلت : إني أخاف الله رب العالمين . قال لي رجل وكان من تجار الغنم الكبار فلاقى الأمرين في البادية مرة فوجئ أن امرأة تدعوه وكان قد غاب عن أهله أكثر من أربعة أشهر فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في الرحلة الثانية أوشك أن يموت هو وقطيع الغنم عطشاً فقال : يا رب إن كنت تعلم أنني امتنعت خوفاً منك عن الفاحشة فيسر لنا الماء ، دعاه بهذا العمل والله استجاب له والتقى برجل دله على ماء قريب ولولا هذا الرجل لماتوا عطشاً . العلاقات الخالصة لوجه الله ثمنها الجنة : وقال صلى الله عليه وسلم : (( ما زار رجل رجلاً في الله شوقاً إليه ورغبةً في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة )) [ابن عدي من حديث أنس دون قوله شوقا] و : (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً )) [ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] و : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أحدنا يركب السيارة حتى يزور أخاً في الله لا مصلحة ، ولا بيعة ، ولا شراء ، ولا شكر ، ولا خوف ، ولا رد شر ، ولا رهبة ، ولا قرابة ، ولا واجب ، إنما يزوره زيارةً خالصةً لوجه الله لأنه يحبه ، هذا وجبت له الجنة ، هذه العلاقات أكثروا منها العلاقات الخالصة لوجه الله . (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ قَائِلٌ : الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ ، وَقَالَ قَائِلٌ : الْجِهَادُ ، قَالَ : إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ)) [ أبو داود عَنْ أَبِي ذَرس ] هذا الحديث دقيق أوثق عرى الإيمان ، العروة معروفة ، العروة فتحة في الثوب تدخل في الزر ، أوثق عرى معنى هذا أن الإيمان مجموعة عرى لكن الحب في الله أوثق هذه العرى . أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله : السؤال الآن : من يفكر في عرى للإيمان غير المحبة ؟ في حديثي الأول أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، والثاني أوثق عرى الإسلام ، فإذا كان من الممكن أن نفكر بهذا الحديث الدرس القادم ممكن أن أصل إلى عروة أخرى للإسلام غير الحب في الله، نريد أن نبحث عن مجموعة عرى للإسلام والإيمان غير الحب في الله ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول : (( أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله )) [ابن أبي شيبة عن البراء] الإسلام له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، الإيمان له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، فأول سؤال اسأله لنفسك : ما الإسلام ؟ والسؤال الثاني : ما الإيمان ؟ ما هي عرى الإيمان ؟ وما هي عرى الإسلام ؟ والنبي يخبرك أن أوثق هذه العرى الحب في الله للإسلام والإيمان . فالسؤال للدرس القادم العروة ما تعريفها ؟ وكم عروة للإسلام ؟ وكم عروة للإيمان ؟ ثم لماذا الحب في الله أوثق هذه العرى ؟ ولماذا البغض في الله أوثق هذه العرى ؟ ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما جهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك ، وأما انقطاعك إلي فقد تعجلت به ، ولكن ماذا صنعت من أجلي ؟ قال: وماذا أصنع من أجلك ؟ قال : هل عاديت فيّ عدواً وهل واليت فيّ ولياً ؟ ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما أغنى عنك ذلك شيئاً . من هذه الأحاديث يتضح أن الحب في الله ركن أساسي في الإسلام والإيمان ، بل إن الحب في الله والبغض في الله من أشد عرى الإسلام والإيمان ، وهذا الذي يرفعنا ، وهذا الذي يسعدنا ، أن يحب بعضنا بعضاً حباً خالصاً لله تعالى ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له . إسلام بلا محبة كجسد بلا روح ، الإسلام جسد روحه المحبة ، أصحاب النبي فتحوا العالم بمحبتهم ، والناس اليوم تخلفوا بافتقارهم لهذه المحبة ، النفس مقفرة ، قام وصلى وصام . رجل ذهب إلى الحج قال : سبحان الله ما رأيت فيه شيئاً ، الإسلام من دون محبة، من دون أشواق ، من دون اتصال بالله عز وجل جسد من دون روح . وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى ، وما زلنا في الحديث عن فضل المحبة لكن الألفة لها آداب وتفصيلات كثيرة جداً نأخذها في دروس قادمة . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : على من تجب الزكاة - بعض الاحكام فى اداء الزكاة الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الرابع و الستون ) لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، و أَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، و أرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الزكاة : أيها الأخوة الكرام، من الموضوعات التي تُناسب هذا الشهر الكريم موضوع الزكاة، وهذا الموضوع بِشَكل تفصيلي سوف نبْحثُه إن شاء الله تعالى بعد العيد، وقد أنْهَينا موضوع الصَّلاة، وموضوع الصّيام، ونبدأ بعد عيد الفِطر إن شاء الله تعالى موضوع الزكاة، ولكن لا بأس في هذا اللِّقاء بِبَعض القضايا الهامة في الزكاة، لأنَّ دَفع الزَّكاة في رمضان شيء مستحبّ كما سنَّه النبي عليه الصلاة والسلام. (( ثلاثة أُقْسِم عليهنّ، وأُحدِّثكم حديثًا فاحْفظوه: عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلَمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عِزًّا وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حَقَّهُ قَالَ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا قَالَ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ هِيَ نِيَّتُهُ فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ )) [الترمذي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه] ثلاثة أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس: ما سَمِعتُ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علِمتُ أنَّه حقٌّ من الله تعالى، فإذا سَمِعنا حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فينبغي أن نعلمَ عِلْم يقين أنَّه حق. (( عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ وَقَالَ وَكِيعٌ فِي حَدِيثِهِ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) وَ ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) )) [أحمد والترمذي عن أبي هريرة] ألا تُحِبّ أنَّ شيئًا مِن مالِكَ يأخذهُ الله بِيَمينه؟ اِدْفَع زكاة مالِكَ. خصال خمسة إذا أصابت المسلمين كانت بلاء عليهم : و: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) [ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر] أي أعوذ بالله أن تَصِلوا إلى زمانٍ فيه هذه الخِصال الخمسة، فالفاحشة الزنا وملحقاتها من الشُّذوذ الجنسي، فهي إن مارسوها سِرًّاً ففي المجتمع بعض الخير، فإذا أعْلنوا بها حدَّثني رجل كان بِفرنسا قال لي: تُقْطع برامج التلفزيون لِتَظْهر إعلانات لِبَعض دور البِغاء، وحينما يفتخر الإنسان بِبَعض المعاصي والفواحش، ويقول: فعلتُ كذا وكذا، فهذه تحت كلمة حتَّى يُعلنوا بها، فاسْتَمِعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال قبل ألف وأربعمئة عام؟ إلا فشا فيهم أوجاع من لم يكن في غيرهم، أليس مرض الإيدز أحد هذه الأوجاع الوبيلة التي لم تكن في أسلافهم؟ هذا الشَّبح وصل إلى أوربا، وأصبَح المجرم إذا لاحَقَتْهُ الشُّرطة يقول: إيدز فتهرب منه!! لِخَوْفِهِم من العَدوى. ثمَّ إنقاص الميزان يوجب القَحط، منذ أربعين عامًا لم تشْهد دِمشق أمطارًا بهذه النِّسبة، ثمانون مليمتراً، ما يهطل في ليلة واحدة نزل في عامٍ بِكامِله، نحن على مشارف الصَّيف والأنهار في الحضيض، وشِدَّة المؤونة، وهي غلاء الحاجات، وجَوْر السُّلطان. ومنْعُ الزكاة يوجب منْع القطر من السماء، فلولا شُيوخٌ رُكَّع وأطفال رُضَّع وبهائم رُتَّع صُبَّ العذاب عليكم من فوقكم صبًّاً. ونقض عهد الله ورسوله يوجب تسليط العدوّ علينا، فالعدوّ ليس من المسلمين كاليهود. وعدم حكم الأئمة بِكِتاب الله، إلا جعل الله البأس بيننا، فالبأس بينهم، وليس على عدوّهم، فهذا الحديث تعنينَا منه فقْرة واحدة؛ ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطر من السماء، يرْخص لَحْمُ البشَر، ويرتفِعُ سِعر لحم الضَّأن، نِساءٌ كاسِيات عاريات في رمضان، ومائلات مُمِيلات، بِهنّ يرتفع سِعر لحم الضَّأن. على من تجب الزكاة ؟ كما قلتُ قبل قليل لن أدْخُل في تفصيلات الزكاة إلا بالقَدر الذي يَعنينا في رمضان ولنا عَودة بعض رمضان إن شاء الله لهذا البحث. على من تَجِبُ الزكاة؟ تجِبُ الزكاة على المسلم الحُرّ، فالعبد لا تجب عليه الزكاة، المالِكِ للنِّصاب، فَعِشرون مثقالاً من الذَّهب، أو عشرون ديناراً من الذَّهَب، أو مئتا دِرهمٍ من الفضَّة، تقييم هذا النِّصاب يتراوح من ثمانية آلاف إلى عشرة، فَمَن ملَكَ هذا المَبلَغ، وحال عليه الحَوْل، وَجَب عليه دَفْعُ الزَّكاة، ويُشْترط في النِّصاب أن يكون فاضِلاً على الحاجات الضروريّة التي لا غِنَى للمرء عنها كالطعام والشراب، فإذا كان بيتك فيه مؤونة تَكفيك للأكل فهذا الطعام ليس عليه زكاة، والمَلْبس، والمَسكن، ولو كان ثمنه غاليًا لأنّه مستهلك، وكذا المركب، أما إن كانت لك مركبة أخرى تنوي بيعها فهذه عليها زكاة، وآلة الحِرفة، فهذه ليس عليها زكاة لأنَّها أموال غير نامِيَة ولكنها مستهلكة، ومعنى نامِيَة أيْ بإمكانك أن تبيعها فتأخذ الرِّبْح لكِنَّ إن كنت تسكُن بيتًا هل بإمكانك أن تبيعهُ؟ لا تستطيع. الشرط الثاني: أن يحول على النِّصاب الحَول الهِجْريّ، فسَنة الزَّكاة ليْسَت شمْسِيَّة ولكن قَمَريّة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدْفعُ زكاة ماله بِرَمضان، لذا انْتقَيْتُ لكم هذا الموضوع في هذه الأيام الفضيلة، وقد يقول أحدكم: أنا لم أقُم بِالجَرد الآن؟ أنا أقول له: اِدْفع دفعةً على الحِساب، موضوع الزكاة موضوع دقيق، ولا أحبّ أن تُلقي المال جُزافًا، ليس لك أجر، ولكن ممكن أن تبدأ من واحد شوال، بِدَفْع زكاة العام القادِم، فَمِن واحد شوال تفتح من حِساباتك حِساب الزكاة، فإذا مضى شوال وما دفعتَ شيئًا، بعد شوال بلغَك أنّ إنسانًا له ابن معه مرض عُضال، ومضطرّ لإجراء عَمَلِيَّة، فأعْطَيْتَهُ خمسة آلاف، أيَّدْت هذا المبلغ على نِيَّة الزكاة، وبعد شَهرين بلغك أنّ امرأة أرملة مقطوعة؛ دَفَعْت لها ألفاً، وسجَّلت ما دَفَعت، فأنت تَدفع طوال العام، فإذا جاء رمضان وجردْت مالك وكان مثلاً عشرة آلاف ترى أنت ما دفَعتهُ خِلال السنة، تنقص مثلاً ما دفعت وتدفع الذي بقي، فلو كان زكاة مالك عشرة آلاف، ودفعت أنت خلال السنة ستّة آلاف لم يبق عليك إلا أربعة آلاف، فالزكاة لا يجوز تأخيرها، ولكن يجوز دَفعُها مُقدَّمًا، فإذا حال الحَول الهِجريّ على المال يجب دَفعُ زكاة المال على الفَور عند معظم العلماء، و الأقربون أولى بالمعروف، لذا أنا أقول لك: اِدْفع زكاة مالك على مدار العام الهجري وبرمضان اِطرح المدفوع من الباقي، هذا ويُعتبر ابتِداؤهُ من يوم مُلْك النِّصاب، ولابدّ من كماله في الحول كلّه، وهناك عدّة آراء سنختار أوْجهها إن شاء الله. هناك رأي، أنَّ عشرة آلاف ليرة سورية يجب أن تكون معك في رمضان إلى رمضان القادم، ويجب أن تبقى عشرة آلاف دائمًا، فلو نقصَت مئة ليرة سقطت الزكاة عن المبلغ فبعض الآراء فيها صعوبة أو فيها عُسْر. هناك رأيٌ ثان وهو أنَّه يُشْترط في المال الذي تجِبُ الزكاة في عَيْنِهِ ويُعتبر فيه الحَول كالذَّهَب والفِضَّة وُجود النِّصاب في جميع الحَول، وهذا الرأي نفسه، فإن نقص النِّصاب في لحظة من الحول انقطع الحول، فإن كمُلَ بعد ذلك اسْتُأنِف الحول من حين يَكْمُل النِّصاب، فلو كانت معي عشرة آلاف في واحِد رمضان، ومضى الشهر والشهرين، وفي الشهر السادس اضْطررتُ أن أدفع ألف ليرة، سقَطَت الزكاة حينها، وهذا الرأي يُتيح التهرّب من الزكاة. هناك رأيٌ أوْجه منه، قال أبو حنيفة رحمه الله: المُعْتبَرُ وُجود النِّصاب في أوَّل الحَول وآخرِه، ولا يضرّ النقص بينهما، فلو كان معي بِرَمضان عشرة آلاف، وبرمضان الثاني عشرة آلاف، هنا تستحقّ عليّ الزكاة، أما ضِمن السَّنة زادوا نقصوا لا يهمّ، والأرْيَح من ذلك إقامة الجَرْد كلّ سنة، معك في هذا اليوم عشرة آلاف، إذًا عليك زكاة، فالأمور باليُسْر أسْهل، فهذا رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا أوْجه الآراء. وهناك رأي آخر يُعدّ حلاًّ وسَطًا، قاله العبدري: أموال الزكاة نوعان أحدهما ما هو نَمَاءٌ في نفسِهِ كالزَّرع، نحن عندنا موسم تفاح واحد، وموسِم شعير واحد، وموسِم عدس واحد، فلا توجد سَّنوات، فالحبوب والثمار تجب الزكاة فيها لِوُجودها فقط، والنوع الثاني ما يُرْصَد للنَّماء كالدراهم والدنانير، وعروض التِّجارة، والماشية، فهذا يُعْتبر فيه الحَول فلا زكاة في نِصابِهِ حتَّى يحول عليه الحَول. الزكاة في مال الصبيّ والمجنون : يجب على ولي الصبيّ والمجنون أن يؤدِّي الزكاة عنهما في مالهما إذا بلغ نِصابًا، سألني أحدهم سؤالاً فقال: لي شريك في أوروبا، وله مزرعة، فشَريكُه دينُهُ ضعيف، فما أعطاهُ تَوجيهًا في دَفْع الزَّكاة، الشريك المُقيم في سوريا يُديرُ له مزرعة، سألني: أأَدْفَعُ زكاة المال من دون علم شريكي؟ فقلتُ له: اِدْفَعْها، وهي حقّ، وهي دَينٌ في ذمَّته، إن كان هو لا يعلم، أو كان جاهلاً، وحُكمهُ كحُكْم المجنون!! كيف؟ النبي عليه الصلاة والسلام رأى في الطريق مجنونًا، فأراد أن يُعطِيَ أصحابَهُ درسًا بليغًا، قال: من هذا؟ قالوا: هذا مجنون! فقال: لا، هذا مُبْتَلى، ومُصاب ولكنّ المجنون من عصى الله، فالذي يقول لك: لا أدْفعُ زكاة مالي، هذا حُكمهُ حُكمُ المَجنون! لذلك أفْتيْتُهُ بهذه الفتيا. ((عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة )) [الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] هذه نَظَرِيَّة اقْتِصادِيَّة مهمّة جدًّاً، فأنت إذا أردت خبئ مالَكَ، فإذا كان أفراد الأُمّة معهم أموال طائلة، وكلّ شيء مخبأ بالصناديق، والأمّة فقيرة لو أخذنا مئة ألف لِمَشروع، أيًّاً كان المشروع، الذي يرخص الأسعار قانون ثابت هو توافر البِضاعة، علِمْتُ من سَنَوات أنَّ سِعر البيض هبط عن التَّسْعيرة القانونيَّة، وأصبح سِعر الكرتونة تِسع ليرات، وهذا كلّه لِوَفْرة الإنتاج، فَوَفْرة الإنتاج هي العامل الوحيد في تنزيل أسعار السِّلَع، فَمِن عامٍ نشأتْ أزمة علَف فَسُمِح للناس جميعًا أن يستوردوا العَلف من دون قيد أو شرط، ففاجأني إعلان في الصحيفة أنّ المزرعة الفلانيّة تبيع العلَف بِكُلفتِهِ فقط، ما الذي أرخص الأسعار؟ توافر البضاعة، لذا إن كان مع شخص مليون ليرة عليه أن يدْفع عليها في كلّ سنة زكاتها، فالزكاة وحدها تَكفل أن تأكلها كلّها بعد أربعين عامًا، فأحد بواعث اسْتِثمار المال أنّ المال إذا بقيَ مُجمَّدًا تأكله الزكاة ويتلاشى، ولا بدّ من اسْتِثماره فإذا اسْتَثْمرتَهُ في أيّ مَشْروع ساهَمْتَ في وَفْرة الإنتاج، فإذا ساهَمْت في وَفرة الإنتاج هبطَت الأسعار، وحينها يعيش الناس في بحبوحة، لذلك قال المفسِّرون في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ [ سورة هود : 48 ] قال المفسِّرون: أيْ وَفْرة المواد، ورخص الأسعار، لماذا يُطالبك النَّجار بِمَبلغ باهظ لِغُرفة النوم؟ لأنّ المصروف غال، فلو هبط المصروف لقَنِعَ بِرِبْحٍ أقلّ، فهذه سلسلة متكاملة، لو أنّك طرحْت كمِّيَة بِضاعة، ساهم هذا الطَّرْح بِخَفض السِّعر، حينها تُساهم هذه البضاعة بِتَخفيض أسعار المواد الغذائيّة، التي تُساهم بِتَخفيض أسعار الخشب، فلمَّا نزل مستوى المعيشة قنع النَّجار بِدَخل أقلّ، فهذه العمليَّة صعود مستمرّ أو نزول مستمرّ وقد قال عليه الصلاة والسلام أيها الأخوة الكرام: ((... أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة )) [الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] لكنّ النبي عليه الصلاة و السلام كأنَّه يعيش معنا في الأسواق، وتاجر عريق، فهو صلى الله عليه وسلم نبيّ مُرْسَل، ولكن لا ينطق عن الهوى، قال: ولا تجعل ماله دون مالك! اُنظر إلى هذا المعنى الدقيق، فلو كنتَ تاجِرًا ووَصِيًّا على أيتام ومعك مئة ألف لِيتيم، وأنت معك خمسمئة ألف رأسمال شَخصي، وعرضوا عليك بِضاعة جديدة لا تعرف هل تُباع أم لا؟! تقول: سوف أضَع مال هذا اليتيم في هذه البضاعة! جرَّبْت فإذا بالبِضاعة لم تُبَع! فتقول: ليس لكم قِسمة، أما مالك فتضَعُهُ بالبِضاعة الرائِجَة وربْحها مضمون، ورأسمالك وضَعته هنا، أما هذا اليتيم المسكين فتمْتَحن البِضاعة بِماله، قال عليه الصلاة والسلام: "ولا تجعل ماله دون مالك" فلا تجعَل ماله كالدريئة تتَّقي به الأخطار! ليس هذا إنصافًا، وليس هذا إخلاصًا، وليس هذا وفاءً، فإذا كان معك مال اليتيم كان عليك أن تنْتقي البِضاعة الرائِجَة، والمعروف بيعُها، والذي يُعَدُّ بيعُها حقيقة ثابتة. وكانت عائشة رضي الله عنها تُخرِجُ زكاة أيْتام كانوا في حِجْرها، أيْ مُلخَّص الموضوع إذا كان تحت إدارتك مال، اِدْفع عنه الزكاة، طبعًا دفع الزكاة للمؤمن أولى وللأقارب أولى وأولى، وإذا كان لا يعرف أو جاهل أو مجنون أو صبيّ فادْفع عنه الزكاة فإنّه حق عليه لا يسقط بالتقادم. حكم المالك المدين : المالك المدين: لو أنّ شخصاً يملك اثني عشر ألف ليرة، ولكن عليه دفع بعد شَهر ستَّة آلاف، أو خمسة آلاف، من كان في يده مالٌ تَجِب فيه الزكاة، وهو مَدينٌ، أخْرَجَ منه ما يفي بِدَيْنِهِ، وزكَّى بالباقي، معه ثمانية عشر ألفاً، وعليه ثمانية آلاف دَين، ويبقى عشرة آلاف فيَدْفع زكاة ماله من العشرة الباقية هذه، وهذا يُسمُّونه تقاص، تطرح ما عليك مِمَّا لك فالتفاضل تدفَعُ عنه الزكاة، فعلى مستوى محلّ تِجاري تجْرُد البضاعة، فمثلاً عندك بِضاعة بِثَمانية آلاف مثلاً، ولك بالصُّندوق ثلاثة آلاف، ولك دُيون مسْتحقَّة ثابتة؛ سِتَّة آلاف، وعليك ضريبة، وذِمم لِمُوَرِّدين فما عليك إلا أن تعمل تقاص؛ مِن وإلى، وهذه اللغة المُحاسبيَّة الموجودات والمطلوبات، فالزكاة على التفاضل والتقاص لا على كلّ المال، والذي يملك اثني عشر ألف ليرة بالصندوق، وعليه عشرة آلاف فلا شيء عليه لأنَّهم دون النِّصاب، قال عليه الصلاة والسلام: (( لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى )) [البخاري عَنْ أبي هريرة ] ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْهم إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ )) [البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا] دَين الله أحقّ بالقضاء : ودَين الله أحقّ بالقضاء كما قال عليه الصلاة والسلام، ومن مات وعليه زكاة فإنَّها تَجِبُ في ماله، وتُقدَّم على الغرماء، والوصيّة، والورثة. نحن عندنا قاعدة؛ إذا ماتَ الميّت أوَّل شيء يُجَهَّز ويُدْفن، فلا بدّ من دَفْع نفَقات الجنازة والدَّفن لكن باعتِدال، ليس أن تقيم غذاءً يُكلّفك عشرين ألف ليرة، هذا لا يجوز، فالنَّفَقات الضروريّة هذه تُحْسم أوَّلاً من المُتَوَفَّى، وبعد ذلك الدَّين الممتاز وهم الغرماء، ومنه مَهر الزَّوجة، وزكاة المال التي لم تُدْفع، ثمّ الدائنون وبعد ذلك تَنفيذ الوَصِيَّة، وبعد ذلك يأخذ الورَثة مِمَّا بقي، فمكان الزَّكاة مع الدَّين الممتاز، الذي يؤْخذ قبل كلّ شيء بعد تَجهيز الميّت: ((عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)) [البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا] نحن نأخذ الفقْرة الأخيرة؛ دَين الله أحق أن يُقْضى، هذه تُسحب على الزكاة. النية من شروط الزكاة : يشترط للزكاة النيّة، وذلك لكي يقصد المزكِّي عند أدائِها وجْه الله تعالى ويطلب بها ثوابه، ويجْزم بِقلبِه أنَّها الزَّكاة المفروضة عليه، واشْترط الإمام الشافعي النيّة عند الأداء، وعند أبي حنيفة أنَّ النيّة تجب عند الأداء أو عند عزل الواجب، ما هو عزل الواجب؟ لو كان لِشَخص مال بالصندوق، فحسَبهم ومسك مبلغ الزكاة ووضَعهم بِجانب، ونوى به الزكاة فهذا عزل مال الزكاة وهو ينتظر المال المناسب. وجوَّز الإمام أحمد تَقديم النيَّة على الأداء زمنًا يسيرًا، فقبل الأداء، وممكن عند الأداء، وممكن عند العزل، فيجب إخراج الزكاة فَوْرًا عند وُجوبها ويحْرُم تأخير أدائِها عن وقت الوجوب إلا إذا لم يتمكَّن من أدائها فيَجوز له التأخير حتَّى يتمكَّن، كأن يكون مسافراً هذه حالة، ولكنَّني أنصحكم قبل كلّ شيء اِدفعوا سلفًا، وافْتح حساب الزكاة من واحد شوال، حينها يصبح الدفع سهلاً عليك، وقد روى أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: ((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)) [البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم] أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُعلِّمهم درسًا عمليًّا، فهو عليه الصلاة والسلام كرِهَ أن يبيتَ عنده، وروى الشافعيّ والبخاري عن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (( ما خالطت الصَّدقة مالاً قطّ إلا أهلكتهُ )) [الشافعيّ والبخاري عن عائشة] حديث مُخيف، فهذا المال مالك، وفي بِضع منه زكاة، أنت ما دفعتها، فهناك خطر أن يتلف المال كلّه، لذا اِعزِل هذا المال، وابحث عن مصْرفٍ له بِأسْرع وقتٍ ممكن قبل أن يأتي التأديب الإلهي، والحُبَيبي شرح هذا الحديث فقال: "يكون قد وجب عليك في مالك صدقة، فلا تُخرجها، فيُهْلك الحرام الحلال" جواز تعجيل الزكاة : يجوز تعجيل الزكاة وأداؤُها قبل الحَول ولو بِعامَين، فلك بَحبوحة، وادْفَع بِمَهلك فهناك نفقات مَوْسِمِيَّة، وأخرى في فتح رمضان، وأخرى عند فتح المدارس، وبعاشوراء، وأخرى طارئة كالعِلاج والمُداواة، فأنت اِدفَع بِمَهلك، لأنَّه قد يصْعب على الإنسان أن يدْفعَ مبلغًا كبيرًا دون اجتهاد، لأنّه يتضايق. سئِل الإمام الحسن عن رجل أخْرج ثلاث سِنين دفعةً واحدة أَيُجزيه ذلك؟ فقال: يُجزيه دفْعُ مال مسبَّقًا، وهناك رأي آخر أنّه لا يجزئ حتَّى يحول الحَول، وهذا الخِلاف سببه أنَّ هذه الزكاة هل هي عبادة أم حق؟ واجب للمساكين، فمن قال إنّها عبادة وشبَّهها بالصلاة لم يَجُز إخراجها قبل الوقت، ومن شبَّهها بالحقوق الواجبة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوّع، وقد احْتجّ الشافعي لِرَأْيِهِ بحَديث علي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم اسْتلف صدقة العباس قبل حُلولها، فلو أن واحدًا دفَعَ زكاة ماله، وله جار فقير مريض، سمع صوته، فطرقَ بابه فوَجَدَه في مرض، أخذه إلى المستشفى، وهذا الجار فقير، وطالبوه بِقيمة ثلاثة آلاف، وأنت بِبَحبوحة، قال عليه الصلاة والسلام: (( في المال حق سوى الزكاة )) [الطبري عن فاطمة بنت قيس] فأنت حرّ إما أن تعدّ هذا المال صدقة وتطوّعاً، وإما أن تحْسِبَها من زكاة المال القادِم، لأنَّه يجوز دَفعُ الزكاة مُقدَّمًا، والأمر سهلٌ جدًّاً. الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه : اِسْمعوا هذا الدعاء، يُسْتحبّ الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه، لِقَول الله عز وجل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة: 103 ] صلّ على هؤلاء المزكِّين: ((عن عبد الله بن أبي أوفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنَّه كان إذا أُتِي بِصَدَقة قال: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى )) [البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى] هل هذه قليلة؟ وأنَّ أُبي أتاه بِصَدقة فقال: ((عَنْ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّه عَنْهمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى )) [البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى] وقال عليه الصلاة والسلام في رجل بعث بِنَاقة حسنة للزكاة: (( عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَاعِيًا فَأَتَى رَجُلًا فَآتَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَلَا فِي إِبِلِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ فَقَالَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ )) [النسائي عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ] الزكاة تدفع الأخطار عن الإنسان : الإنسان عندما يدفع من ماله الحلال يجنّب أخطار السنّة، وقد دعوت لهم فكل جمعة تأتيني لجنة فيأخذوا الكثير، ففي الجمعة الأولى جاءت لجنة فأخذت سبعة عشر ألفًا، وفي الخطبة الثانية جاءت لجنتان، فكان المبلغ ثلاثين ألفًا، وفي الثالثة أربع لِجان فكان المبلغ اثنين وثلاثين ألفًا، والله يشهد أنّي دعوت لهم من أعماق قلبي، لذا الإنسان كما قلت يدفع الأخطار التي تأتيه خلال السنة، فلو أنّ ابنك سقط عليه إبريق شاي كيف النتيجة؟ تحرق داخليًا، ألا تعلم كم يقيك الله تعالى من الصدمات من خلال هذه الصدقة؟ وهل تعلم كم من مليون مرض يُصيب الإنسان؟ وكم مليون مرض يُصيب الزوجة؟ وكم مليون مرض يُصيب الأولاد؟ وكم من خطر على المال؟ وكم مليون مفاجأة بالحياة؟ فالإنسان جالس بِمَجموعة مفاجآت فلمّا الإنسان يدْفع زكاة ماله كأنّ الله سبحانه وتعالى يقبض هذه الزكاة بيَمينه، أقْسم لي بالله أخ قال لي: قبل أن أعرف الله، كان لي دوام رسمي، أنا وزوجتي وأولادي، وكأن التجار لهم معي حِساب دائِم إلى أن بدأ يزكِّي؛ أقْسَم بالله أنَّه مضى عليه أكثر من اثني عشر عامًا ما عرف طبيبًا ولا صيْدليًا، ثمّ إنَّك إن أخطأْت مع الله تعالى في الحساب أثناء أداء الزكاة فالمربَح معك! لأنَّه يُضاعف لك في مالك، وما دام النبي عليه الصلاة والسلام أقْسم، وقال: ثلاثة أقسم عليهنّ، ما نقص مال من صدقة، وثلاث آيات تؤكّد أنَّ الله سبحانه وتعالى يُخلف المبلغ الذي تنفقهُ في سبيله قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [سورة محمد: 38] فإذا الواحد باع بيته، فلا دخل له بعدها في بيته فهذا الكلام كلام الله تعالى، مُصافحة العالم بيْعة لله تعالى، فموضوع زكاة المال بحث، وموضوع زكاة الوقت بحث، لفَتَ نظري بالحاجبيّة أننا نحن ننتهي الساعة العاشرة، وأنا أتعجّب لِمن لا يحضر مجالس العلم، ولا ينتظر ولا خمس دقائق، ومن أجل البنّ يبقى ثلاث ساعات، فهذا كلّه مُحاسب عليه الإنسان، فَمِثْل هذا الإنسان يُتْلفُ وقتُهُ إتلافًا رخيصًا، والله عز وجل يضيّع له وقته، فأنت لو دفَعْت زكاة وقتك يُبارك لك الله تعالى في وقتك ومالك. وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نُتابع هذا الموضوع. |
رد: الفقة الاسلامى 2
جزاك الله كل خير وبارك الله بك لطرح القيم والهادف أخي السعيد
في أمان الله وحفظه |
رد: الفقة الاسلامى 2
بارك الله بك السعيد ع قيم جلبك
طبت بخير |
| الساعة الآن 05:55 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.