منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-13-2018 02:01 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السادسة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
أوَّلاً ؛ في بيوتٍ، هذه الكلمة جاءَتْ جمْعًا ونَكِرةً، فالتَّنكير للتَّعظيم والجمْعُ للتَّعَدُّد، ينبغي أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ لله عز وجل، وحاجة الناس إلى الدِّين كَحَاجتِهم إلى الهواء، فلو أنَّنا أنشأنا مُجمَّعًا سَكَنِيًّا فأوَّل شيءٍ ؛ يحتاجُ هؤلاء الذين قَطَنوا هذا المُجَمَّع إلى بائِعٍ يبيعُهم الحاجات الأساسيَّة، وإلى قصَّاب، وإلى بقَّال، وإلى طبيب، وإلى مُسْتَوصَف وإلى مَدرسة..إلخ ؛ هذه حاجات دُنْيَوِيَّة، وإنَّ أشَدَّ حاجةٍ للإنسان وهو في الدنيا مكانٌ يتعرَّفُ فيه إلى الله عز وجل، لذا أوَّلُ شيءٍ فعلهُ النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجَر إلى المدينة أنشأ مسْجِدًا، وقبل بيْتِهِ الشَّخْصي، وكان ضَيْفًا في بيت سيِّدنا أبي أيوبٍ الأنصاري، أقامَ ضيْفًا وأنْشأ مسْجِدًا، لذلك قال تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
يجب أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ من بيوت الله، والمسْجِدُ أيُّها الأخوة له أخْطرُ دَوْرٍ في المُجْتمَعِ الإسلامي، وفي مجْتمع الانْحِطاط والتَّبعْثر والتَّخلُّف والتَّشرْذُم، وضَعف الإيمان بَقِيَ المسْجِد لإقامة الشَّعائِر التَّعَبُّدِيَّة، مع أنَّ مُهِمَّة المسْجِد أخْطر بِكَثير مِن أن يُصَلَّى فيه، وأقلّ مُهِمَّة للمسْجِد أن يُصَلَّى فيه والدليل قوله عليه الصلاة والسلام:
((ما جلسَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله...))
فهذه إشارة إلى أنَّ أخْطر مُهِمَّةٍ هي تعليم كتاب الله، وأن يعْرف الإنسان مُهِمَّتَهُ في الحياة، وسِرَّ وُجودِهِ، وغايَةَ وُجودِهِ، وأن يتعرَّف إلى الله وإلى رسولهِ، وإلى منْهَج ربِّه، وإلى القرآن الكريم، وإلى سيرة أصْحابِهِ، وهذه مُهِمَّةُ المسْجِد، والكلمة جاءَتْ جمْعًا ؛ لتأكيد تعَدُّد بيوت الله تعالى، وثانِيًا تَنكير والتَّنكير للتَّعظيم قال تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

[سورة الحج]
وقد كانت بِعَهْد النبي صلى الله عليه وسلَّم امرأة بأدْنى الدَّرجات الاجْتِماعِيَّة، كانت تَقُمُّ المسْجِد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))

[رواه البخاري]
فالصَّحابة رأَوْا مِن ضآلةِ شأنِها، وقلَّة قيمَتِها لا تستأهِل أن يُخْبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، حينها توجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبْرِها ودعا لها، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم خدْمةً لِبَيت الله يعتبر مِمَّن ساهم في بيوت الله تعالى، كأن يُكَبِّر الصوت والإضاءة، والتَّكييف، فالله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

[سورة التوبة]
مَن يَعْمُرها بِناءً، ومَن يعْمُرها بأداء الصلاة فيها، إقامة الدُّروس فيها، والمُجتمع الإسلامي أُسْرة، فهذا قدَّم مالهُ، وذاك قدَّم عِلْمَهُ، وهذا قدَّم قوَّته، والآخر سَعْيَهُ، قال تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

(سورة النور)
لم يقُل تُبنى ! يجب أن يكون بناء المسْجِدِ عاليًا لِيتناسَب مع عظمة الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾

[سورة الجن]
لا يصْلُحُ المسْجِد لِذِكر أيِّ موضوع غير ذِكْر الله، لا لأشْخاص ولا لأفكارٍ مُعاصِرة، لا للدِّفاع ولا للهُجوم، فهذا مِنْبر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا المنبر له قُدْسيَّة كبيرة، وأيُّ إنسانٍ صَعِدَ المنْبر هو نائبٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في إبلاغ العِلم، فلا ينبغي أن يدْعُوَ مع الله إلهًا آخر، دَعُوا الدنيا لأهْل الدنيا، والمصالِحَ للطُّرُقات أما بيتُ الله ففيه دَعْوَةٌ خالصَةٌ إلى الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)﴾

(سورة النور)
فهل المعنى أن تقول سبحان الله سبحان الله ؟ نعم هذا مُمْكِن، ولكنَّ الأعمق مِن هذا أن تذْكُر فضْل الله تعالى، وأن تتحدَّث عن أسْمائِهِ الحُسْنى، وعن صِفاتِهِ الفُضْلى، وعن رحْمَتِهِ، وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وكلامِهِ وعن كمال رسوله صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته عليه الصلاة والسلام، وعن منْهَجِهِ الدقيق، ومواقف أصحابِهِ البُطوليَّة.
قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

(سورة النور)
هل تعني كلمة رِجال في القرآن أنَّهُ ذَكَر ؟! لا فَكَلِمَة رجل أكبر مِن أن تعني ذَكَرًا، بل البَطَل، ما نوعُ رُجولَتِهِم ؟ أنَّهم لا تُلْهيهِم تِجارَةٌ ولا بيْعٌ عن ذِكْر الله تعالى، وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة، فهذا عرف مُهِمَّتَهُ في الحياة، ولا شيءَ مهما كان عَظيمًا يَشْغَلُهُ عن ذِكْر الله.
وكلمة تُلْهيهِم هِيَ مِن اللَّهْو، واللَّهو أن تنْصَرِفَ إلى الخسيس عن النَّفيس وأن تشْتَغِلَ بالقُشور، وتَدَع اللُّبّ، وأن تشْتَغِلَ بالأصداف وتدع اللآلئ وأن تشْتغل بالدنيا وتَدَعَ الآخرة، فالإنسان يعْمَلُ في الدنيا، ويُؤَسِّسُ عملاً ومحلاًّ تِجارِيًّا، ويُؤَسِّس معملاً ومزْرَعَةً، ويتوظَّف وينال شَهادة عليا، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ مِن دون أن تشْغَلَك هذه النَّشاطات عن ذِكْر الله تعالى، وهذه هِيَ البُطولة، فما لله تعالى لله، وما لِعَبْدِ الله لِعَبْد الله فالصَّلواتُ تُؤدَّى في المسْجِد، ودُروس العِلْم يحْضُرها المؤمن ويُبَرْمِجُ حياتَهُ عليها، فكثير مِن الناس يُبَرْمِجُ حياتَهُ على الدنيا، وإن كان له فائِضٌ من الوقت يحضر مجلسَ عِلمٍ ! الأصْل أن تطْلبَ العِلْم، وأن تتعرَّف إلى الله، وتُؤَدِّي العِبادات، وهذا هو معنى قوله تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

(سورة النور)
فالله تعالى ما قال: ولا شراء، وإنَّما قال: ولا بيْعٌ، فالبيْعُ مُحَبَّب وفيه رِبْحٌ، أما الشِّراء ففيه الدّفْعُ ! عَطَفَ الخاصّ على العام، عن ذِكْر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة يخافون يوْمًا تتقلَّبُ فيه القلوب والأبصار وهذا اليوم الذي وعَدَ الله فيه عبادَهُ، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالإنسان يكون في الأوْج ويصبحُ بالحضيض وبالعكس.
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)﴾

[سورة المنافقون]
لا يُمكِنُ أن تلتهي بالخسيس عن النَّفيس، النَّفيسُ هو معرفةُ الله تعالى ومعرفةُ منهَجِهِ، والتَّقرُّب إليه بالطاعة، والخسيس هي الدنيا، والدنيا جيفةٌ طُلاَّبُها كلابها، والدنيا دارُ مَن لا دارَ له، ولها يسْعى مَن لا عقْلَ له، إنَّ الدنيا عرَضٌ حاضِر، يأكل منه البرّ والفاجِر، والآخرة وعْدٌ صادِق، يحْكُمُ فيهِ ملِكٌ عادِل، وإنَّ الله يُعطي الصِّحة والمال والذّكاء والجمال للكثيرين مِن خلْقِهِ، ولكِنَّهُ يُعطي السَّكينة بِقَدَرٍ لأصْفِيائِهِ المؤمنين.
قال تعالى:

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
هذا الوقْتُ الذي تقْتَطِعُهُ مِن وقْتِكَ الثَّمين لأداء الصَّلوات في المسْجِد، ولِحُضور مجْلسِ العِلم، هذا وقْتٌ سمَّاهُ العلماء ؛ زكاة الوقْت، فكما أنَّ المال تُؤدَّى زكاتُهُ فيَحْفَظُ الله لك بقِيَّة المال من التّلَف، وقْتُكَ إذا أدَّيْتَ زكاتَهُ بِحُضور مجالسِ العِلم يحْفظ الله لك بقيَّة الوقت من التَّلَف، فقد ترتَفِعُ حرارة ابْنِكَ مِن طبيب لآخر إلى مُحَلِّل ومُصَوِّر، وتضعُ أثنى عشر ألفًا، وفي النِّهاية يُقال لك: الأمر على ما يُرام، فَكُلّ إنسان أدَّى زكاة وقْتِهِ بأداء العِبادات بإتْقان، وطلب العِلْم الشَّرعي، فإنَّ الله تعالى يحْفظ له بقيَّة وقْتِهِ، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[سورة الليل]
هذا قانون التَّيْسير والتَّعْسير، لذا كلام العوام مِن أنَّ فلانًا محظوظٌ ذاك يَدُهُ خضْراء، هذا كلام لا أصل له، فالتَّيْسير والتَّعْسير لهما قانون فالذي يُؤَدِّي زكاة وقْتِهِ يطرحُ الله له البرَكَة في وقْتِهِ، ويقوم بأعمال تُكَلِّفُ الساعات الطِّوال بِساعة واحِدَة ! فمن صلَّى الصلاة بِوَقْتِها باركَ الله له بِوَقْتِهِ.
فقوله تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

(سورة النور)
هذه الآية مُتَعَلِّقَة بالوقت فهذا الإمام أبو حنيفة أحَدُ أسباب طلبِهِ العِلم هو اطِّلاعُهُ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مفادُهُ أنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ ! فأنت لن تَجِدَ تحت الوِسادة ألف ليْرة، ولكنَّ الله تعالى يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ جُهْدُهُ قليل ومرْدودُهُ كبير، فهذا هو معنى تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ، فطالبُ العِلْم مرْزوق، ومن سلك طريقًا يلْتَمسُ فيه عِلْمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضَعُ أجْنِحَتها لِطالبِ العِلْم رضًى بِما يصْنَعُ، فالذي يُؤَكِّدُ إنسانِيَّتَكَ طلبُ العِلْم، ولا يوجد إنسانٌ يؤْثر جانب الله إلا ويُعطيه الله الدنيا والآخرة، من آثَرَ دُنياه على آخرتِه خسرهما معًا، ومن آثر آخرتَهُ على دُنياه ربِحَهُما معًا.
فالقصْد أن يغْتَنِمَ الإنسان وقْتَهُ في معرفة ربِّه ومنهجه تعالى، ومعرفة نبيِّهِ صلى الله عليه وسلَّم، وما سرُّ وُجودِهِ ؟ وغايَةُ وُجودِهِ، وكيف يبيع ويشْتري ؟ وكيف يُربِّي أولاده ؟ وكيف يُزَوِّج ؟ فالناس يقعون في الحرام والظُّلم، والمصائب تأتيهم من كلّ جانب مِن جهْلهم بالله تعالى وبالتالي بِخروجِهم عن منهَج الله، وبالتالي تَحَمُّلهم العِقاب الإلهي، لذا لا بدّ مِن طلب العلم على كل مسْلم، وهذا مهما كان اخْتِصاصُك، ووظيفتُك قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

(سورة النور)
أوحى ربُّك إلى الدنيا أنَّهُ مَن خَدَمَني فاخْدُميه ومن خَدَمَكِ فاسْتَخدميه وما أحبَّ عبدٌ الدنيا إلا انفرط منها بِثَلاث ؛ شُغْلٍ عناه، وأملٍ لا يُدْرِكُ مُنتَهاهُ وفقْرٍ لا يبْلُغُ غِناه ! وإنَّ أسْعَدَ الناس في الدنيا أرْغَبُهم عنها، وأشْقاهُم فيها أرغَبُهم فيها ! خُذْ مِن الدنيا ما شئْت وخُذ مِن قَدَرِها همًّا، فَحَجْمُ الهُموم يتناسَب مع حجْم الدنيا، وقد يموت الإنسان بالسَّكْتة القلبيَّة من جرَّاء الدنيا.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-13-2018 02:43 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية التاسعة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
شُعور خَيْبَة الأمَل مِن أشَدِّ المشاعرِ إيلامًا بالنَّفْس ! فالتاجِر يبْذُل الجُهد سَنَواتٍ مُضْنِيَة في البيْعِ والشِّراء، وتَحْصيل الثَّمَن، وتسْليم البِضاعة ثمَّ تكْتَشِفُ أنَّكَ خاسِرٌ فيها ! فهذه الجُهود انْتَهَتْ إلى خسارة.
تشْتري محلاً تِجارِيًّا بِأعلى مبْلَغٍ، لِتُقيمَ فيه مَشْروعًا حَيَوِيًّا، ثمَّ هذا المَشْروع لا ينْجَح، بنَيْتَهًُ على مُعْطَياتٍ أُلْغِيَتْ ! في بعض شركات السِّياحة لها مواقف في حِمص، المحلّ أصْبح ثمنُهُ ثلاثون مليونًا فجْأةً تحوَّل وأصْبَحَ ثَمَنُهُ خمسة ملايين !! خَيْبَةُ الأمل مُؤْلِمَة جِدًّا، تضَعُ ثقَتَكَ بإنسانٍ ثمَّ تَجِدُهُ نصَّابًا ! تُؤَسِّسُ مشْروعا ليس له جَدْوى اقتصادية إطلاقًا تشْتري بيتًا فإذا بِهَنْدَسَتِهِ خاطِئة !! وتشتري أرضًا بأعلى سِعْر فإذا هي مُسْتَمْلَكَة ! أنا الآن أضْرِبُ لكم أمثلةً من خيْبات الأمَل، قد تُعَلِّق أمَلَكَ بابِنِكَ فإذا به يُسافِر ولا يُهاتِفْكَ ! ويتزوَّج أجْنَبِيَّة ويسْتَقِرّ هناك، ولا هاتف ولا رسالة !! وتُعَلِّق آمالا على زوجة فإذا بِكَ تراها مُنْحازَةٌ إلى غيْرِكَ ! مشاعِرُ خَيْبَةِ الأمَل لا توصَف، فالله عز وجل وصَفَ عَمَل الكافِر، وما سَيُصيبُهُ مِن خَيْبة أمَل كسَرابٍ ؛ كإنسانٍ يمْشي في الصَّحراء وهو في حالةِ عطشٍ قاتِلَة، لمَحَ بِرْكة ماء، فأشْرق في نفْسِهِن نورٌ مِن الأمَل، فلمَّا وصل إلى البرْكة لم يَجِدْها ماءً ولكنَّها سرابٌ ! لذلك الإنسان في الدنيا وهو في مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المال هو كلَّ شيء، وبعدَ حينٍ يرى أنَّ المال شيئًا، وليس كلّ شيءٍ، فَقُبَيْلَ الموت لن يراهُ شيئًا، وفي مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المرأة كلَّ شيءٍ، وبعد حينٍ يراها شيئًا وليس كلَّ شيءٍ فَقُبَيْلَ الموت لن يراها شيئًا ! فالله عز وجل يُبَيِّن لنا ؛ أنَّهُ قبل أن نصِلَ إلى هذه التَّجربة المُرَّة، فَمِن العَقل أن تصِلَ إلى الشيء قبل أن تصل إليه ! فالطبيب يقول لك: الدُّخان يُسَبِّبُ جَلْطةً ؛ هذا كلام، فإذا كان هناك عَقْلٌ راجِحٌ أقْبلُ هذا الكلام، وأسْتجيبُ له، وإن لم يكن هناك عقْل راجِح حينما يأتي المرض العُضال أتأكَّدُ مِن كلام الطبيب ولكن قبل فوات الأوان ! من هو العاقِل ؟ هو الذي لا ينْدم، ومن هو الجاهل؟ الذي لا يسْتَخْدمُ عقْلَهُ، هاك مثلٌ بسيطٌ، بعتَ بيتَك بعملة أجنبيةٍ و معك في جيبك جهاز لكشف زيف هذه العملة أو صحتها، قبضتَ الثمنَ كاملًا و عددْتَه بالتمام و ما خطرَ ببالك أن تستخدم الجهازَ فإذا العملة كلُّها مزوَّرة فذهب البيت سدًى و أنت محاسب قانونيًا، ومعك جهاز تستخدمه في ثانية أليس هذا يستدعي أشدَّ الندم، الآية دقيقةٌ جدًّا، قاتل تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
يا ربي أنا أنجزْتُ مشروعًا حضاريًا مثل مُجمَّع سياحيٍّ ـ مسابح و ملاعب و نادي ليلي ـ و يوم القيامة ماذا عملتَ ؟ماذا فعلتَ في الدنيا ؟ كنتَ سببَ الفساد و سبب فساد الأسر و انحراف الشباب و انغماس الفتيات في الملذاتِ المحرمة و ضياع الشرف و الكرامة، مشروع حضاري ‍قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
أيها الأخوة الكرام ؛ ألصقُ شيءٍ فيك هو عملك، كل شيءٍ يزول بعد الموت و يبقى العمل، و القبر صندوق العمل، واسألْ دائمًا ما عملي ؟ يا بشر لا صدقة و لا جهاد فبِمَ تلقى اللهَ إذًا، فإذا كان عملُ الإنسانِ محرَّمًا أو بضاعته محرمةٌ أو طريق التعامل محرم فلْيَصْحَ قبل فوات الأوان، لأن الله قال:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي تركتُ لأولادي الملايين و لكنِّي لم أُربِّيهم، ليس هذا هو العملُ، أنفقوا هذا المالَ في المعاصي فكل ذلك في صحيفة الأب، يا ربي لا أدخل النارَ حتى أُدخِل أبي، هو سببُ شقائنا و ما علَّمنا و لا وجّ‍هنا، سؤالٌ كبيرٌ ؛ ما عملُك؟ هل لك عمل ؟ هل ربَّيْت أولادك ؟ و هل دخلُك حلالٌ ؟ و تجارتك مشروعة؟

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي أنشأنا مستشفى من أعلى مستوى، ولكنَّ الفاتورة مدهشة، فليس عملا خيريًا،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ر بي أنشأنا معهدًا مختلطًا حضاريًا، فكم من علاقة شائكةٍ بين الذكر و الأنثى في هذا المعهد؟! الذي أسَّسه هو السبب،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي أقمتُ تجارةً واسعةً من أجل الترفيه على الناس، استوردَ الأفلامَ و وزَّعها و لاقتْ رواجًا كبيرا،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
هنا ك الآلاف من الأمثلة عمل يبدو للناس عظيما،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
الكافر أنبأنا اللهُ أنه سوف يلقى هذا الجزاءَ، سوف يجد عمله الذي عمله في الدنيا و الذي يبتغي به الرفعةَ عند الناسِ و الثروةَ و الانغماس في الملذَّاتِ المحرمة، هذا العمل قال تعالى:

﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
ما فائدةُ الدينِ ؟ الله الخبيرُ بيَّن لك في أولِ حياتك، هذا الشيءُ هكذا حجمُه، و الدنيا جيفةٌ و طلَّابها كلابٌ، و لو أن الدنيا تعدل عند الله.."
يا دنيا طلَّقتُكِ بالثلاث،غُرِّي غيرِي، شأنُكِ حقيرٌ و أمدُكِ قصيرٌ، هكذا قال سيدُنا عليٌّ، فلذلك الإنسانُ يسأل هذا السؤالَ وهو أخطرُ سؤالٍ ؛ ما العملُ الذي أُقدِّمه للهِ عند الموتِ ؟ الذي ربَّى أولادَه تربيةً دينيةً هذا العملُ يلقى اللهَ به و يستحِقُّ به دخولَ الجنةِ، فالأُبُوَّةُ الصالحةُ تكفي لدخول الجنةِ و البُنُوَّة الصالحةُ تكفي، و أن تختار حرفةً مشروعةً و أن تسلكَ بها الطرقَ المشروعةَ و أن تكفيَ نفسَك بها و أن تعينَ المسلمينَ على دنياهم، هذا العمل تدخل به الجنةَ، وإن طلَبْتَ العِلْم وعَلَّمْتَهُ تدْخل به الجنَّة، ونحن سؤالنا اليوم: ما العَمَل الذي يُؤَهِّلُني لِدُخول الجنَّة ؟ الإنسان لا يكون مُسْتَهْلك، فَيُمكن للإنسان أن يُمْضِيَ الوقت رتيبًا ؛ أكلنا وشَرِبنا، ولبِسنا، وتاجَرنا، وتنزَّهْنا إلى أن يأتي الموت ! لا تَكُن مُسْتَهْلكًا، واجْلِس مع نفْسِكَ جلْسة تتأمَّل كيف ألقى الله، وبأيِّ عملٍ ألقى الله، عبْدي بَعَثْتُكَ إلى الدنيا، وأقَمْت فيها ثلاثًا وثمانين عامًا، الآن جِئْتنا ماذا فَعَلتَ ؟ خمسون سنة وهو يَدْعو إلى الإلْحاد، فجاء ملك الموت ! ماذا فَعَلْتَ في الدنيا ؟ أكَّدْتَ للناس أنَّ الكون دون خالِق، والدِّينُ أفْيون الشُّعوب، فالواحِد عليه أنْ يرى ما العَمَل الذي ينْبغي أن يفْعلَهُ ؟ هناك عمل فِكري هَّدام، وآخر بنَّاء، وعمل مادِّي خيري، وآخر شرِّي وعمل فيه إفساد ذات البيْن، دخل عليَّ رجل فقال لي مُتَفلْسِفًا: أنا عملي اسْمُهُ دَرْسِ ورْك ‍! العمل القَذِر !!
لذلك هذه الآية درسٌ بليغ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
السَّراب ظاهرة فيزيائية معْروفة، فانْعِكاسات الشَّمس على الأرض تُشَكِّل مُسَطَّح مُضيء قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
إذا الواحِد وجد قنبلة أليس من الحِكمة أن يدْعو خبيرًا ؟ أم يتعرَّف لِحالهِ ؟ فالإنسان إذا أخذ كلام الخبير أفضل من أن يُجَرِّب بنفْسِهِ، فالعالم يأخذ كلام الخبير، ويسْتفيدُ منه، وأما الجاهِل فيَخْتبِرُ الأمر بِنَفْسِهِ فيكون هو الضَّحِيَّة.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-13-2018 02:45 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة والأربعون من سورة النور وهي قوله تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
يتولَّى عن طاعة الله ويتولَّى عن قَبول الحق، ويتولَّى عن نُصْرة النبي عليه الصلاة والسلام فهذا الإنسان كلامُهُ مُخالِفٌ لِفِعْلِهِ، لذلك الله جلَّ جلاله يقول:

﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
الآن قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]
هذه الآية مِن أدَقِّ الآيات، وسوف نُوَضِّحُها بِمَثَل ؛ فلانٌ مِن الناس له قَضِيَّة مع شَخْص، وينحلّ عند العلماء حَصْرًا، بيتٌ مُؤَجَّر، فالقانون ليس مِن جانِبهِ، ويقول لك: أريدُ حُكمَ الشَّرْع ! إنسانٌ مُسْلِمٌ وورِعٌ وتقيّ لا يريد إلا حُكم الشَّرْع، لأنَّ له حاسَّة سادِسَة أنَّ هذه القضِيَّة لا تُحَلُّ إلا بالقضاء، ولا بالقانون، فقانون الإيجار ليس بِجانِبِه، والمُستأجِر مُوَظَّف ومَحْمي هو وأولادُهُ، ولا يوجد إلا طريق العلماء، فهذا المُؤَجِّر لمَّا يرى أنَّ القَضِيَّة لا تُحَلّ عند القانون ولا عند القاضي ؛ حينها يأتي عند العلماء لِيَسألهم في حكم الله في هذا الموضوع، وإذا يخصُم على إنسانٍ مائة ألف على إنسانٍ في الجمرك، يقول لك: سوفَ أُبَلِّغ !! لماذا لم تسْأل العلماء بالموضوع الثاني ؟!! فالإنسان له حاسَّة سادِسَة ؛ وهي أين يُحَلُّ موضوعي ؟ إذا القانون بِجانِبِهِ، يلجأ إلى القانون، وإذا الشَّرْع بِجانِبِهِ يلجأ إلى الشَّرْع ! فهذه المواقف المُزْدَوِجَة، وهذه الثنائِيَّة، تارةً حكم قضائي وتارةً حُكمًا شرْعِيًّا، ومرَّةً مُحامي، فهذا الموقف هو موقف المنافقين، وهذا الموقف ليس مِن أخلاق المؤمن، قال تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
فهؤلاء كاذِبون، فمادام تولَّوا عن طاعة الله، وعن نُصْرة الحق، وعن الانْضِواء تحت لِواء الإسلام، قال تعالى:

﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

[سورة النور]
فقوله إلى الله أيْ إلى قرآنِه وإذا رسوله أي سُنَّتِهِ، تجِدُ حُكم الشَّرْع واضِح ؛ للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، يقول لك: لا نُعطي البنات، فهذا المال يصِلُ إلى الأجانب، وإلى الأصْهار، قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]

يعرضون عن الله ورسوله، قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)﴾

[سورة النور]
إن يكن لهم الحق بالدِّين يأتي إلى الله ورسوله مُذْعِنًا إن علِمَ أنَّ قضِيَّتَهُ تُحَلُّ عندهما، أما إن لم تُحلَّ مشْكِلتُهُ بالدِّين يُعرِضُ عن الله ورسوله ! هذه هي الازْدِواجِيَّة بالمقاييس، والله لو مشى الإنسان من دون ثِياب في الطريق - والإنسان بشِع بِهذه الحالة- أفضل من هذه الازْدِواجِيَّة ! وأهْونُ مِن أن يحْتَكِمُ تارَةً إلى الشَّرع وتارةً إلى القانون.
إن كنتَ تُوقِن أنَّك مُسلمًا فما عليك إلا أن تحْتَكِمَ إلى الشَّرْع، وإن كنت عِلْمانِيًّا أو مُلْحِدًا، فهذا هو القانون، وتجِدُهُ يتفلْسَف، فالتَّحَسُّس لِلمواضِع التي تُحلُّ فيه قضِيَّتُهُ هذا موقف المنافقين، فأنت كَمُسْلِم تلجأ إلى الشَّرْع في كلّ القضايا، أما أن تكون مرَّةً للقانون وأخرى للشَّرْع فهذا التَّنقُّل هو سبيل المنافقين، فالمنافقون مُذَبْذَبين بين ذلك.
وتكادُ تكون هذه الآية وحيدة في القرآن، ولا يوجَدُ غيرها، فهي تُبيِّنُ ازْدِواجِيَّة المقاييس، قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)﴾

[سورة النور]
من هم المؤمنون ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
وقال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله عز وجل قضى في القرآن أنَّ للذَّكر مثل حظِّ الأنثييْن، فالذي له رأيٌ آخر بِحِرْمان البنات فهذا ليس مؤمنًا، لأنَّ الله قضى في هذا الموضوع قضاءً واضِحًا فكلّ مَن أبى الشَّرْع، والانْضِواء تحته، فليس مؤمنًا قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

[سورة النور]
فأنت عبْد لله عز وجل، وأنت لك شرْع من عند خالق السماوات والأرض شرعٌ كما قال أحد العلماء: الشريعة عدلٌ كلُّها و رحمةٌ كلُّها و مصلحةٌ كلُّها، فأيَّةُ قضيَّةٍ خرجتْ من العدل إلى الجوْرِ و من المصلحة إلى المفسدةِ و من الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ولو أُدخِلتْ عليها بألف تأويلٍ،
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْجِعْهُ ))

[رواه البخاري]
هذا كلام النبي، فالمؤمن كما قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
فعلامة المؤمن، هذا الشيء ليس لك، هذه الآية وهذا الحديث، وهذا الشيء لك هذه الآية و هذا الحديث، هذا المهر لابنتك و هذا الطلاق غير جائز، المؤمن الصادق ينضوِي تحت الشرع، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

[سورة النور]
فأنت الفوز عندك ما مقياسه ؟ مع مال طائلٌ و لك بيتٌ نزعته من صاحبه قهرًا، لستَ فائزًا، عند القانون فائز ولكنَّك عند الله خاسرٌ.
أحد الأخوة الكرام تاجر، أخذ مَحْضرًا بمركز استراتيجي في المدينة قال لي: أصلحني اللهُ، بأسلوب ذكيٍّ المحضر على الشُّيُوع، خمسةُ أشخاص لصالحِ واحدٍ، رفعنا السعرَ حتى استقرَّ على سعرٍ يساوي نصفَ قيمته، و فيه أيتامٌ و بعد ما فاز بالمحضرِ وصار ملكًا له و شعر بنشوةٍ جاء إليَّ فقال لي: أنا متضايِقٌ، قلتُ لماذا ؟ قال: أخذتُ المحضر بهذه الطريقةِ، فقلتُ له، لا تنس القبرَ و الموتَ و الحسابَ، و أصحاب هذا المحضر أيتامٌ و قُصًّرٌ و أنت أخذتَه بأسلوبٍ غير شرعيٍّ بنصف قيمته قال: ما العمل ؟ قلت: أمامك حلَّانِ، إما أن تنسحب من هذا المحضر أو تدفع لأصحابه القيمةَ الكاملةَ، فقال: انسحبتُ، هذا هو المؤمنُ، فانظُر حكم الله، هناك ألفُ قضيَّة القانون معك فيها، لكن لابد لك من حكم الله لأنك لن تنجوَ من الله، يا أُويسُ، إن لك قرينا يُدفَن معك وهو حيٌّ، و تُدفَن معه و أنت ميِّتٌ فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك، ألا وهو عملُك و القبر صندوق العمل:

الدنيا ساعة فاجعلها طاعةً و النفس طمَّاعةٌ عوِّدْها القناعة
***

أيها الأخوة الكرام، أرجو الله جل جلاله أمام كلّ موقف هيئ جوابًا لله تعالى، وأمام كلّ عطاء، وأمام كلّ ابْتِسامة، وقبل أن تُعطي، وقبل أن تأخذ، وقبل أن ترْضى، وقبل أن تتزوَّج أو تُطَلِّق، وقبل أن تصِلَ أو تقْطع، فالآيات دقيقة جدًّا، ولا تسْتَعمِل مقياسَين، بل مِقياس الشَّرع أقْسَمَ لي واحِد أنَّهُ قدَّم لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة ولا يمْلِكون أيَّ وصْلٍ ولا علم أنَّ هذا المال معي ؛ هذا هو الشَّرْع وهذه هي الأمانة.
هذه الآية تُبيِّنُ مرضًا خطيرًا، وهو مرض الازْدِواجِيَّة، ومرض اسْتِخدام مقاييس مُزْدَوِجَة، ومرض البحث عن المصْلحَة، ثمَّ هؤلاء الأقوياء لمَّا اسْتَخدموا مِقياسَين حقرهم الناس.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-13-2018 02:47 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانية والسِّتون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)﴾

[سورة النور]
ماذا نفْهم من هذه الآية ؟ إنَّما المؤمنون ؛ فالمؤمن الحق هو الذي يفْعَلُ كذا وكذا، وإن لم يفعل كذا وكذا فليس مؤمنًا كامِلَ الإيمان، ونسْتنبط من هذه الآية أنَّ المجتمع الإسلامي مُجتَمَع مُترابِط، فاسْتِماع دون تَقديم أيّ خِدْمة لِجَماعة المؤمنين، ليس هذا هو الإيمان، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
مِن لوَازِم الإيمان بالله ورسوله أنَّهم إذا كانوا معه على أمْرٍ ذو شأنٍ كَغَزْوةٍ أو معركة، سوف يقْتَحِم، ويُعَدُّ لها، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
خُروج الإنسان يحْتاج إلى تنسيق مع رسول الله، ولعلَّ هذا الإنسان لهُ مُهِمَّة خطيرة جدًّا، والنبي عليه الصلاة والسلام سَيُكَلِّفُهُ بِها، فإذا خرَجَ مِن دون أن يستأذِن فقد أفْسَد خِطَطَ النَّبي، هناك معنى، وهناك ما خلْفَ المعنى، أو ما بين السُّطور، أو الروح العامَّة للآية تُشير إلى أنَّ المُجْتمَعَ الإسلامي مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن، وكلّ واحِد يُقَدِّم للمَجْموع مِن اخْتِصاصهِ وقُدُراتِهِ ما يتناسَب مع حاجة المجموع، فليس المقْصود الاسْتِئذان، ولكنَّ المقصود أنَّ المجتَمَع مُتعاوِن، فكلٌّ منهم يُعين أخاه والمجتَمَع الإسلامي إذا كان مُتَرابِطًا، ومُتَعاوِنًا، ومُتبادِل، فالله جلَّ جلاله يقول في الحديث القُدسي:
عن معاذ بن جبل قال:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

[رواه أحمد]
فلو أنَّ إنسانًا مثلاً يُتْقِنُ الكهرباء ووجَدَ أنَّ الجامِع يحْتاج إلى إصْلاح، فعرَضَ خدماتِهِ، أما الذي لا علاقة له بالمسلمين، ولا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فهذا اسْمُهُ تعليم، أما التربيَة ففيها التَّعاوُن، وتعارُف.
هذه الآية خاصَّة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأصْحابِهِ، ولكن ماذا نسْتفيد منها نحن كَمُجْتَمَعٍ مسْلِمٍ ؟ نسْتفيد في التَّعاوُن، فأنت إذا كنت في مجْتَمع المسلمين لا بدَّ أن تهْتَمَّ بِأحوال الناس وبِمُشْكِلاتِهم وحاجاتِهم، فهذا التَّعاوُن، فالواحِد من المجموع، والمجموع من الواحِد، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة المؤمنون]
هذه الأداة أداة قصْر، فما بعدها مَقصورٌ عليها قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
عدمُ الانْتِماء، والتَّحَرُّر مِن كلّ قَيد، وعدم بَذْل أيِّ شيء، ليس هذا هو الإيمان، فالإيمان عطَاء، وبِمُجَرَّد أن يسْتقرَّ الإيمان في النَّفْس يُعَبِّرُ عن ذاتِهِ بِحَرَكَةٍ نحو خِدْمة الآخرين، فالذي يسْتَمِع بإصْغاء، وليس فيه فائِدَة، ومن دون أن يُقَدِّم أو يُؤخِّر فالإنسان إذا كان طبيبًا أو صاحِب مخْبر، لا بدّ أن يُقَدِّم المُساعدة لِهؤلاء الفقراء، تشْعُر بِسَعادة كبيرة وهذا دهَّن المسْجِد، وذاك راعى إخوانَهُ وذاك جرَّاح يُقيم عملِيَّات جِراحِيَّة، أنا الآن أضرب الأمثلة، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
وأكثر ما نحْتاج إليه نحن اليوم تَزْويج الشَّباب، فتاجِر العمار إذا كان عندهُ بيوت لم تُفْتَح بعدُ ؛ لك أن تُخَصِّص بيتًا للفقراء للأجرة، فالعِبرة أن تعْمل شيئًا لله بِحَياتِك، طبّ أو هنْدسة أو مُحاماة أو مُدَرِّس أو تاجِر أو صانع، أنا ضربتُ هذه الأمثلة كي تعلمَ أنَّك مع المؤمنين وأنَّك واحِدٌ منهم، وكلُّنا لك، وأنت لنا، فالأصل إعانة المؤمنين، والعوام لهم لطيفة فيقولون المركب إذا لم يكن فيه شيء لله يغْرق ‍! فالله تعالى قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
فالنبي عليه الصلاة والسلام انْتقل إلى الرفيق الأعلى وأصحابه الآن في البرزخ وفي روضات الجنَّات إن شاء الله تعالى.
أعرف امرأة أُصيبَتْ بِمَرضٍ عُضال ثمَّ شفاها الله سبحانه وتعالى وهي في مرضِها نذَرت أن تخْدم المسلمين، ماذا فعلتْ ؟ لم تكن تملكُ شيئًا فأصْبَحَتْ تطْبُخ للفقراء، والمبْلغ الذي تأخذُهُ تُقَدِّمه لإجْراء عمليَّات جِراحِيَّة، فهذه المرأة لا تمْلُك إلا أن تطْبخ، فالإنسان إذا نوى أن يُقيمَ العمَل الصالِح هناك ألف عمل صالِح، وأجْدادُنا تفنَّنوا في العمل الصالِح. أيها الأخوة، الإنسان الخالي من العمل الصالِح لا يمْلكُ شيئًا، فإن قلتَ الشمس ساطِعة ! فأنت إن قلتَ ساطِعَةً أم لا، فأنت لم تُقَدِّم ولم تُؤخِّر ! أما بالعمل الصالة ترقى وتَجِدُهُ في القبر، والقبر صُندوق العمل.
مِحْور الآية اليوم، إذا كلّ أخ منَحَ من اخْتِصاصِهِ لله تعالى، ومنحه للمؤمنين الفقراء، يكون قد ساهَمَ في تحقيق هذه الآية، و حينها يفْرح المسلمون، وحينها يحْفظنا الله.
آيتنا اليوم لها منْطوق ومَفهوم، فَمَنطوقها مَفهوم، وهو أنَّ الله تعالى وجَّه الصحابة أن لا يُغادِروا مُجْتَمَعهم إلا بإذْن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أما مَفهوم الآية هو التَّعاوُن والتعارف والتبادل، ووجَبَتْ محبَّة الله للمُتحابِّين فيه، وقد حضرتُ عِدَّة عُقود قِران، فما قُدِّمَت الهدايا، وإنَّما جُعِلَت للفقراء، وإنشاء المعاهِد الشَّرْعِيَّة، ونحن نتمنَّى أن تُلْغى الهدايا وتُقَدَّم لِفُقراء المسلمين، وبالمقابِل تجد أعراس ثَمَن الزُّهور فقط يُكَلِّف ما يتزوَّج به عشرون شابًّا ! وكلَّما بخل الأغنياء، وقل التَّدَيُّن كثر النَّهب والاغْتِصاب، لذلك الأغنياء أوْصِيائي، والفقراء عِيالي، فَمَن منَعَ مالي لِعِيالي أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وقِوامُ الدِّين والدنيا أربعة رِجال: عالِمٌ مُستعملٌ علْمهُ، وجاهِل لا يستنكِف أن يتعلَّم، وغَنِيّ لا يبْخل بِمالِهِ وفقير لا يبيعُ آخرته بِدُنياه، فإذا ضيَّع العالم عِلْمَهُ اسْتَنْكَف الجاهِلُ أن يتعلَّم، وإذا بَخِل الغنيُّ بِمالهِ باع الفقير آخرتَهُ بِدُنيا غيْره، فآيتنا فيها مفهوم ومنْطوق، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
والله أيها الأخوة، زارني أخٌ دكتور معه ثلاثة بورْدات، فقال لي: أيُّ عَمَلِيَّة اسْتِئصال لا بدَّ من طبيبَيْن أو ثلاثة، فزارني أخ مهندِس وقال لي: بنتي معها اسْتِئصال كِلْية والطبيب يقول اليوم تُجْرى العَمَلِيَّة ! فقلتُ له: سأُرْشِدُكَ عند طبيب مُختصّ ولا تأخذها عند الطبيب المُقَرَّر، فلما ذَهَب عند الطبيب المختصّ الذي أرْشَدْتُهُ إليه قال له: ابْنَتُكَ لا تحتاج إلى عَمَلِيَّة بل كِليَتُها سَتعْمَل بعد شَهْر ! وبعد بِثمانِيَة عشر يومًا قال لي هذا المهندس: اشْتَغَلَتْ كِليَةُ ابْنتي! فلذلك هذا الطبيب ما فعَلَ إلا أنَّهُ قدَّم نصيحةً، والْتَغَتْ العَمَلِيَّة الجِراحِيَّة، وربِحَت البنت كِلْيَتَها، وفي أحد المرَّات قال لي أخ: إذا اشْتَرَيْتَ برَّادًا فلا تُنَيِّمْهُ إذا أخَذْتَهُ إلى البيت بل اجْعَلْهُ واقفًا، لأنَّ إذا أوْصلتَهُ بالكهرباء في البيت يحْترق المُحَرِّك ! فوجَدتُ أحد الأخوة وقد اشترى برَّادًا فقلتُ له لا تجْعلهُ مائلاً لأنَّ المُحرِّك يحْترق، وإذا أخذْتَهُ للبيت دَعْهُ يرتاح ثماني ساعات، فالحياة للتَّعاوُن، وتقديم نصائِح لِوَجه الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-14-2018 01:00 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: وقالوا:

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (8)﴾

[سورة الفرقان]
ماذا أراد الله تعالى مِن أنَّ النبي من خصائصِه أنَّهُ يأكل الطَّعام، وأنَّهُ يمْشي في الأسواق ؟ قال العلماء: يأكل الطَّعام أيْ أنَّ وُجود الإنسانِ كائِنًا من كان مُفْتَقِرٌ إلى غيرِه، ولكنَّ وُجود الله عز وجل وُجود صَمدانيّ وذاتي، فالله سبحانه وتعالى لا يفْتَقِرُ في وُجودِهِ إلى غيْرِهِ، أما نحن نفْتَقِرُ في وُجودِنا إلى كأس ماء، و إلى الهواء و إلى الطعام و الشراب لذلك النبيُّ بشرٌ وهناك فرق كبير بين مقام الألوهية و مقام النبوَّة، و إذا قال النبيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسِيرٍ فَلَهَوْتُ عَنْهُ فَذَهَبَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَقَالَ مَا فَعَلَ الْأَسِيرُ قَالَتْ لَهَوْتُ عَنْهُ مَعَ النِّسْوَةِ فَخَرَجَ فَقَالَ مَا لَكِ قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ أَوْ يَدَيْكِ فَخَرَجَ فَآذَنَ بِهِ النَّاسَ فَطَلَبُوهُ فَجَاءُوا بِهِ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ فَقَالَ مَا لَكِ أَجُنِنْتِ قُلْتُ دَعَوْتَ عَلَيَّ فَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ أَنْظُرُ أَيُّهُمَا يُقْطَعَانِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَطُهُورًا ))

[رواه أحمد]
معنى ذلك أن كل خصائص البشرِيَّة مُطَبَّقة عليه، وتجْري عليه كلّ خصائص البشر كان سيِّد البشر فنحن جميعًا مِن بني البشر نَجوع ونعْطَش، ونغْضب ونرضى ونكْره ونخاف ونرْجو نشْتهي، ومع هذه الصِّفات بِإمكاننا أن نصِل إلى الله تعالى، وبإمكاننا أن نسْمو بِنُفوسِنا، فلا يتناقض أن تكون ولِيًّا لله تعالى وتأكل وتشْرب وتنام، وتشْتهي ما أودَعَهُ الله فيك، فالآية دقيقة جدًّا فالله أراد أن يقول لنا أنَّ هذا النبي بشَر، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

[سورة الكهف]
ومع ذلك انتَصر على بشَرِيَّتِهِ وصار سيِّد البشر، وأنت على رغم الشَهوات التي أوْدَعها الله فيك ؛ شَهوة الطَّعام والشراب وشَهْوة العلُوّ في الأرض، وشهوة النِّساء، يُمكن أن تكون وليًّا لله تعالى.
المعنى الأوَّل ما لِهذا الرسول يأكل الطَّعام ؛ أي هو مُفْتقِرٌ في وُجودِهِ إلى تناوُل الطَّعام.
أما يَمْشي في الأسواق فما معناها ؟! معناها، وأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى تامين ثَمَنِ الطَّعام للكَسْب في الأسواق، فأنت مُفْتَقِرٌ مرَّتَين ؛ مُفْتَقِرٌ إلى الطَّعام ومُفْتَقِر إلى ثَمَن الطَّعام، فَثَمَنُ الطَّعام يدْفَعُكَ إلى أن تعْمَل، والطَّعام يَحْميك مِن الموت، والله عز وجل كتَبَ عليْكُم السَّعْي، والآخرة أساسها العَطاء، ففي الدنيا قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾

[سورة الإنشقاق]
أما في الآخرة قال تعالى:
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾

[سورة ق]
لذلك أراد الله مِن كلمتين ؛ مِن كلمة أنَّ هذا النبي يأكل الطَّعام، أي أنَّهُ بشر يأكل ويشْرب ويتزوَّج ويغْضَب ويرْضى ويُحبّ ويُغْضب، ويؤْلِمُهُ الهِجاء، ويفْرَحُ بالثَّناء فلأنَّهُ بشَر تجْري عليه جميع خصائص البشر وحينها كان سيِّد البشَر، ونحن على الرَّغْم مِن بشَرِيَّتنا، ومِن حاجتنا إلى الطَّعام والشَّراب، وحاجتنا إلى زوْجة، وحاجتنا إلى أولاد، وأن نسْمُوَ بأنفسنا، يُمكن أن نكون أولياء لله عز وجل، ودَعْكَ مِن تعريفات الوِلاية التي لا طائِلَ منها، ولكن اِقرؤوا تعريف الوِلاية في كتاب الله تعالى، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾

[سورة يونس]
لِمُجَرَّد أن تؤمن بالله تعالى، وتتَّقي أن تعْصِيَهُ فأنت ولِيًّا لله تعالى، ولا يمْنَعُ أن تكون وليًّا أن تأكل وتَجوع وتُؤسِّس عملاً تِجاريًّا، وأن تتمنَّى أن تكون مُتَفَوِّقًا، فالإسلام دينُ الفِطرة ولا تناقض فيه، وهناك أدْيان إن لم تعْتَزِل المُجْتَمَع، وتُلْغي الزَّواج لا تُعَدُّ ولِيًّا !!
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ:
((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[رواه البخاري]
أرَدْتُ من هذه الآية، وأنت بشر تأكل وتشْرب وتتزوَّج وتُنْجِب يُمْكِن أن تكون وليًّا لله تعالى على كلِّ هذه الصِّفات التي أنت فيها، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (8)﴾

[سورة الفرقان]
ثمَّ يقول الله عز وجل في الآية العشرين:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20)﴾

[سورة الفرقان]
هناك أشْخاص يبتعِدُ عن المُجْتَمَع ويعيش في بُرْج عاجي، حتَّى يكتَسِبُ مهابَةً ! فهذا لا يُعْطيكَ مهابَة، فالأنبياء كانوا يتسوَّقون، فهم من أجل أنَّ خصائص البشر كانت تجري عليهم كانوا سادة البشر، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20)﴾

[سورة الفرقان]
إذًا أيها الأخوة، يجب أن نعْلَمَ عِلم يقين أنَّ ديننا الحنيف هو دينُ الفِطرة، ودينُ الواقِع، والإنسان لا يجد نفْسه إلا في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام:
((يولد المولود على الفطرة فإمَّا أبواه..."))
ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام يُسْلِمانِهِ ! لأنَّ الإسلام دينُ الفِطرة، والله جل جلاله يقول:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[سورة الروم]
فأَنْ تُقيم وَجْهك للدِّين حنيفًا ؛ هذه الوِجْهة هي حقيقة الدِّين، لذلك الدِّين يتوافَقُ مع الفِطرة، ويتآلف معها، والإنسان له حاجة لا يملؤُها الغِنى ولا منْصِب الرَّفيع، ولا الزَّوجة التي تروق لك، ولا الأولاد الكِبار، لا يملؤُها إلا القُرْبُ مِن الله تعالى وقد قلتُ لكم قد يُعطي الأب لابنه ما يشْتهي ولكنَّ هذا الأب لا ينظر إلى ابْنِهِ ولا يبْتَسِمُ له، ولا يضَعُ يَدَهُ على كَتِفِهِ، ولا يسألُهُ عن حالهِ أبدًا فمهما كان عطاء الأب غزيرًا وحرم ابنَهُ هذه الصِّفة والصِّلة وتلك المودَّة فالابن في جوعٍ أبَوِي، فالشُّعور الأبوي أغنى عطاء للابن، ونحن جميعًا في قلق، والحياة صَعْبة وفيها مخاطِر وكل يوم قد يلِدُ لك مُشْكِلةً أما الإنسان إذا اتَّصل بالله تعالى وأوى إلى رحْمَتِهِ يُنْزِلُ الله على قلْبِهِ السَّكينة، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

[سورة الفتح]
فلِذلك لا يتناقضُ عملكَ وسعْيُكَ وتِجارَتِكَ وبشَريَّتُك مع أن تكون ولِيًّا لله تعالى هناك منْهَجٌ، ولك أن تأكل وتشْرب مِن دون إسْرافٍ ولا مَخْيَلَة ولك أن تتزوَّج مِن دون معْصِيَة، ولك أن تعْلو في نظر الناس مِن خِلال طاعتِكَ لله عز وجل، فَكُلّ أوامِر الله عز وجل تتوافق مع طبيعة النَّفْس وقد قال الله عز وجل:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[سورة البقرة]
فأيُّ إنسانٍ يقول هذا الأمر فوق طاقتي فهو إنسانٌ جاهِل ! فلذلك كلَّما تقرءون أنَّ هذا النبي يأكل الطَّعام ويَمْشي في الأسواق فهو دليل البشَرِيَّة، وأنت بشر، ومع أنَّه بشر وتجْري عليه كلُّ خصائص البشر كان سيِّد البشَر، ولا ينبغي أن نَجْعَل تناقُضًا بين الدِّين والحياة، والحياة الحقيقيَّة هي الدِّين قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
والإنسان إذا لم يهْتَدي إلى الله تعالى ميِّت، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾

[سورة فاطر]
يا بُنَيّ العِلم خير مِن المال لأنَّ العِلم يحْرُسك، وأنت تحْرُس المال، والمال تُنْقِصُهُ النَّفَقَة، والعِلم يزْكو على الإنفاق، والعلماء ما بقيَ الدَّهْر وأمثالهم في القلوب موجودة.
أيها الأخوة الكرام، الذي أريد أن أقوله لكم أنَّ الدِّين هو الحياة، والحياة الحقيقيَّة هي الدِّين، والدِّين ليس فيه الحِرْمان، وما حرَّم الله علينا الطَّيِّبات، وأمرنا بالطاعات، و وعَدَنا بِسَعادَةٍ في الدنيا والآخرة، ومن أراد أن يتأكَّد فهذا طريق الله أمامكم، فلَحْظة تَفَكُّر حقيقيَّة تُسْعِدُهُ إلى الأبَد، ولمَّا خلق الله العقل قال له: أَقْبِلْ فأقْبَل، ثمَّ قال لله: أدْبِر فأَدْبر فقال تعالى: وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلقًا أحبُّ إليَّ منك، بِكَ أُعْطي وبِكَ آخُذ.
تصوَّر إنسانًا باع بيتَهُ بِعُمْلة أجْنبيَّة، ومعه جِهاز إلكتروني وما اسْتَخْدَمَهُ والعُملَةُ كلّها مُزَوَّرة، هل يستطيع أن يلوم أحدًا على ذلك ؟!
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ:

(( قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]










والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-14-2018 01:03 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السادسة و الأربعون من سورة الفرقان و هي قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
أيها الأخوة، لماذا نجح النبيُّ أعظمَ نجاح في تربية أصحابه وبثِّ الإيمان في قلوبهم و حملهم على أن يكونوا أبطالا بينما الدعوات المعاصرة لم تنجح في ذلك المضمارِ ذلك النجاح الذي حقَّقه النبيُّ.
الذي يبدو أن النبيَّ بدأ بتعريف الناس بربِّهم فلما عرفوه عرِّفهم شريعتَه، و النقطةُ الدقيقةُ أنه ينبغي أن تعرف الآمرَ قبل الأمر، لأنك إذا عرفتَ الآمر قبل الأمر تفانيتَ في طاعته و إذا عرفتَ الأمر و لم تعرف الآمرَ تفنَّنْتَ في التفلُّتِ من طاعته، لذلك ما معنى هذه الآيات الكثيرة التي أشار القرآنُ إليها ؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾

(سورة الفرقان)
أي هل رأيتَ، و يعني أُنظُرْ، فأنت الآن أمام أمر إلهيٍّ الذي يفيد الحضَّ، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾

(سورة الفرقان)
قال تعالى:

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

(سورة يونس)
و قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾

(سورة آل عمران)
قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)﴾

(سورة عبس)
و قال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

(سورة الطارق)
و قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)﴾

(سورة الغاشية)
هذه الآياتُ الكثيرة التي وردتْ في كتاب الله أوامرُ يقتضي أن تُنَفَّذ

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
متى يسكنُ الظلَّ ؟ إذا توقفت الأرضُ في دورتها حول الشمس، الأرض تدور حول الشمس و حول نفسها ً في كلَّ يوم، و حول الشمس ً في كلِّ عام، و من دورتها حول نفسها ينشأ الليل و النهارُ، ولو أنها توقَّفتْ عن الدورانِ لأصبح الوجه المقابلُ للشمس تزيد حرارته عن ثلاثمائة وخمسين درجة، و عندها تتوقفُ الحياةُ، أما الوجه الآخر فتصل حرارتُه إلى مائتين و سبعين تحت الصفر، فمن الأرض حول الشمس ينشأ الليل والنهار، و لكنْ هذه ال على محور ليس موازيًا لدورانها حول الشمس، وإلا كانت الأرضُ واقفةً، وجه ثلاثمائة وخمسون فوق الصفر و وجه أخر مائتان و سبعون تحت الصفر، الحياة منتفيةٌ، إذاً هي في محورٍ ليس موازيا لمحور دورانها حول الشمس، و لو كان المحورُ عموديا لانعدمَت الفصولُ، أما هذا الميلُ فيجعل الشمس عموديةً في القسم الشمالي و في ال التالية يجعل الشمسَ عموديةً في القسم الجنوبي فتنشأ الفصولُ الأربعةُ، الليل والنهار ينشأ من دورانها في محور ليس موازيا لمستوى دورانها حول الشمس، و الفصول الأربعة تنشأ من ميلِ محورها، و الأرضُ في دورتها حول الشمس تقطع ثلاثين كيلومتر في الثانية الواحدة، هذه الحقائق بديهية نسير في درس الطاووسية الذي لا تزيد مدَّتُه عن ربع ساعة نسير سبعًا وعشرين ألف كيلومتر، هذه حركة الأرض حول الشمس، أما الشمس فملتهبةٌ ذوقها لمليون و ثلاثمائة ألف أرض، و طول بعض ألسنة اللهب مليون كيلومتر، و عند الخسوف تبدو الشمسُ قرصًا أسودَ و حولها ألسنةٌ من اللهب، درجة حرارتها في مركزها عشرون مليون درجة، بمعنى أن الأرضَ لو أقِيتْ فيها لتبخَّرتْ في ثانية واحدة،

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
أنت مكلَّفٌ أن ترى، هذه الدماغُ أثمنُ جهاز أودعه الله فيك، ليس من أجل أن توقِع بين الناس العداوةَ و البغضاء و لا من أجل أن تأكلَ أموالَ الناس بالباطل، و لا من أجل أن يُوَظَّفَ الذكاءُ في اغتصاب أموال الناس و الاعتداء عليهم، هذا الدماغ الذي أودعه الله فيك من أجل أن تعرف اللهَ،

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
فحينما يمتدُّ الظِّلُّ، معناه أن الأرض تدور حول نفسِها والشَّمس ثابتة، فَدَليل دوَران الأرض حول نفْسِها، أما لو أنَّها تَدور ونحسُّ أنَّها تدور فهذا شيءٌ غير مَعْقول، لكِنَّها ثابِتَة، تَجِدُ بناءً عُمرهُ ثلاثون سنة، لا يَحوي شَقًّا، فهل للإنسان أن يَخْتَرِعَ مرْكَبَةً تسير في الثانية الواحِدَة ثلاثين كيلو متر، ولا تَهْتزُّ إطلاقًا، فالطائرة تضْطرب والقِطار يضْطرب، وكذا السيارة، فهذا الثبات المطلق، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
امْتِداد الظِّل يعني دَورة الأرض حول نفْسِها.
والقمر يدور حول الأرض دَوْرةً مرةّ في الشَّهْر، ولكن هذه الدَّورة تتميَّز بأنَّهُ ينْزل منازِل؛ مِن هلال إلى بدْر إلى محاق، فالقمر جعلَهُ الله تعالى تَقْويمًا لنا في السَّماء، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)﴾

(سورة يونس)
فنحن عندنا الأرض حول الشَّمس، ودَورة القَمَر قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
لو سَكَنَ الظِلّ لتَوَقَّفَتْ الأرض عن الحركة، والشيء العَجيب أنَّهُ يوجد بالكَون أشياء ثابتة، وأخرى مُتَحَرِّكة، فالثابتة دَوَرانُ الكواكب والنُّجوم، وهذه تُعْطي طمأنينة، وثبات، فلا يوجد يوم خالي من الشَّمس، فالجبَلُ جبل، والسَّهل سهلاً والبحر بحرًا، والقمر قمر، فالمواد لها خصائص ثابتة، فثَبَاتُ حركة الأفلاك، وثباتُ خصائص الأشياء ؛ هذا مِن أجل أن يسْتقرَّ النِّظام في الأرض، ولكن تبدُّل الرِّزق، وتبدُّل هُطول الأمطار، وتبدُّل الطَّقس والرِّياح ؛ هذا مِن أجل التَّرْبِيَة، فربُّنا عز وجل ثبَّتَ أشياء لِيُريحَنا وحرَّك أشياء لِيُرَبِّينا، فالمُتَحَرِّكات أدواتُ ترْبيَةٍ، والثَّوابت أدواتُ طمأنينة.
ثمَّ يقول تعالى:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45)﴾

(سورة الفرقان)
لولا أنَّ هناك شمسٌ تُلقي ضَوْءها على الأرض لما اخْتَلَفَ الظِّلّ، ففي الظلام الدامس لا يوجد ظلّ، مِن أين يأتي الظِّل ؟ مِن مَنْبَعٍ ضَوئي، يقف أمامه جِـسم كتيلٌ ينشأ عنه ظِلّ، و لو كان الجسمُ شفَّافًا فلن يكون له ظلٌّ، فأشار الله عز وجل إلى نعمة الشمس وإلى نعمة حركة الأرض و إلى أن تبدُّل، فلو وُجود الشَّمس لما رأيتَ الظِّل في الأرض إطلاقًا قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)﴾

(سورة الفرقان)
أحيانًا تكون بِغُرْفَة ذي إضاءةٍ جيِّدة، أطفأنا الضَّوء فجْأةً فإذا بِنَا نشْعُر بالضِّيق، أو إذا كُنَّا نائِمين وأشعَلنا الضَّوء فجأةً، ويحدُث ما يُسَمَّى بالانْبِهار أما الله عز وجل مِن لُطْفِهِ الشَّمس تغيب، وتبقى الأرض مُنيرةً إلى ثلث ساعة، وبعد ثلث الساعة يدخل الليل شيئًا فشيئًا، وبعد ساعة وربع ظلامٌ دامِس، هذا اللُّطف من الله عز وجل، وهكذا الفجر، فَغِياب الشَّمس ثمَّ غِياب الشَّفق ثانيًا، ثمَّ مجيء الليل ثالثًا، ثمَّ مجيء الضَّوء أوَّلاً ثمَّ ظُهور قرص الشَّمس ثانيًا ثمَّ انْتِشار الضَّوء ثالثًا، قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)﴾

(سورة الفرقان)
تداخل الليل و النهار تداخلٌ لطيفٌ متدرِّجٌ،قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
فالله عز وجل جعل للإنسانِ أعصابًا و له مستقبِلات، فالعين تستقبل و الأذن تستقبل و اللسان يستقبل و الأنف يستقبل و الجلد يستقبل، هذه الحواس الخمسُ تستقبل المؤثِّراتِ وتنتقل هذه الإشارات الكهربائية عبر الأعصاب، و العصبُ عبارة عن نواةٍ وهيولى و استطالة عصبية، و الخلية العصبية مثل الأخطبوط لها ذنبٌ طويلٌ جدًّا، هذا الذنَب الطويل يتصِّل بطرف خلية عصبية ثانية، فما هو النوم ؟ هو تباعدُ هذه الأعصاب عن بعضها، فإذا جاء المؤثِّرُ يرى المسافةَ واسعةً لا يقفز، هذا هو النوم، فالنائم لا يسمع الأصوات، أما إذا كان الصوتُ مخيفا تتجاوز الفراغ فيفيق النائم ؛ هذه آلِيَّة النوم، وجميع الأدْوِيَة المُهدِّئة تُباعِدُ بين الأعْصاب وجميع الأدْوِيَّة المنشِّطة تُقرِّبُ بين الأعصاب، فالإنسان إذا أخذ دواءً مُنَشِّطًا لا ينام لأن الأعصاب تكون مُتقارِبَة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
فالإنسان ولو نام في النَّهار فلا يسْتريح وكذا الضَّجيج، وأنا أعرف أحدهم لا يستطيع النوم في الليل، لذا نِعمة النَّوم لا تَعدِلُها نِعْمة، ينام الإنسان فترتاح أعصابُه، و تنزل ضرباتُ القلب إلى خمسٍ و خمسين، فإذا أ جهد الإنسان نفسَه فهو معرَّضٌ لجلطةٍ في القلب، و إذا لبا تنام النوم الكافي يتعب قلبُك، و النبيُّ علَّمنا إذا نعس الواحدُ أن ينامَ، و إلا لا يستفيد من العبادة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
ومهما جعلتَ من الإضاءة في الليل فليست كضوء الشمس، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-14-2018 01:06 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة و الخمسون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
أيها الإخوة الكرام، نتابع الحديث الذي بدأناه في اليوم السابق عن آيات الله التي بثَّها في الآفاق و في الأرض و في الأنفس، وهذه آيةٌ بثَّها الله في الأرض، و قبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه الآية أحبُّ أن أضع بين أيديكم أن الأنبياءَ السابقين جاءوا بمعجزات حسِّيةٍ هذه المعجزات وقعت وانتهت و بقيتْ خبرًا، يصدِّقها من يصدِّق و يكذِبها من يكذِب، إلا أن معجزة النبيِّ عليه الصلاة و السلام معجزة مستمرة، بمعنى أن في القرآن الكريم إشارات كثيرةً بينات واضِحات إلى ظواهرَ لم تكن معروفةً في عهد النبيّ، وكلما تقدم العلمُ كشفَ بعضًا منها، فالقرآن الكريم في معجزاته مُتجدِّدٌ و قد أشار إلى هذا المعنى الإمامُ عليٌّ رضيَ الله عنه فقال: في القرآن آيات لما تُفسَّر بعد " و كلما تقدم العلم اكتشف جانبا من هذا الإعجاز العلمي في هذا القرآن، بل إن هذا الإعجاز العلمي هو أحد الأدلة الكبرى أن هذا الكتابَ كلامُ الله، فمثلاً ؛ قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾

(سورة النجم)
وأحدثُ البحوث تقول: إن تشكُّل الجنين ذكرا كان أو أنثى متعلِّق بالحُوَين المنوي لا بالبُويضة، و البويضة لا علاقة لها إطلاقا بنوع الجنين، إن الحوين المنوي فيه موَرِّثات، بعض هذه المورِّثات على شكل (x) و بعضها على شكل (y) و من الحوين وحده يتحدَّد نوع الجنين، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن كل شيء في الكون يدور في فلكٍ، قال تعالى:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

(سورة يس)
و قد أشار القرآن الكريم إلى نظام الزوجية في الكون، فما من شيء ـ طبعا الإنسانُ و الحيوانُ ذكر و أنثى ـ أما النبات فذَكَرٌ و أنثى و أما الجماد فكلُّ ذرَّةٍ يتشكل منها الجمادُ فيها شحناتٌ إيجابيةٌ و شحنات سلبيةٌ، لذلك قال تعالى:

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)﴾

(سورة الذاريات)
حينما قال تعالى:

﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾

(سورة الروم)
المصادر التاريخية تؤكِّد أن هذه المعركة التي هُزم فيها الرومُ كانت في غور فلسطين، و الآن عن طريق أشعة الليزر اكتشف أن أخفض نقطة في القارات الخمس هي غور فلسطين، و حينما أراد الله تعالى أن يصف السماوات كلَّها بصفة واحدة جامعة مانعة قال:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

(سورة الطارق)
و كل كوكب في السماء يدور حول كوكب آخر في مسار مغلَقٍ، أي انه يرجع إلى مكان انطلاقه، و لو توقف الكونُ عن الحركة لأصبح كتلةً واحدةً لأن هذه الحركة تنشِأُ قوَّةً نابذةً تكافئُ القوةَ الجاذبةَ، قال تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

(سورة يس)
وحينما ذكر الله تعالى الإنسانَ لما يصْعد في السماء يضيق صدره، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائرات لكنَّ الآن رُكاب الطائرة يرْكَبونها ويشْعرون أنَّهم في بَحْبوحة ؛ ذلك لأنَّها تُضَخُّ ثمانِيَة أمثال حجْمِها هواءً مَضْغوطًا لِيَكون الضَّغط وأنت على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مُساوِيًا للضَّغْط وأنت على الأرض، فلو تعطَّلت أجْهزة ضَغْط الهواء لوَجَبَ أن ينْزِل الطَّيَّار في أيِّ مكانٍ ولو عرَّض الطائرة للخَلَل، لأنَّ حياة الرُّكاب تكون في خطَر، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾

(سورة الأنعام)
فهذه آية.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

(سورة المرسلات)
هذه الجاذِبيَّة، وقال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

(سورة الرعد)
هذه قِوَى التَّجاذُب فالسَّماء مَبْنِيَّةً بناءً مُحْكمًا، ولكن بِغَير عَمَدٍ تَروْنَها، وإذا ذَهَبنا نتحدَّث عن آيات الله في القرآن الكريم، لوَجَدْنا أنَّ أحدَ أكبر الأدِلَّة على أنَّ هذا الكلام كلامُ الله هو الإشارات العِلْمِيَّة التي لم تكن مَعْروفةً مِن قبلُ.
قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

(سورة الحج)
لم يقل من كل فج بعيد، مع أن الأقرب إلى المنطق "بعيد" لكنَّ الكرة كلما ابتعدتَ عن إحدى نقاطها تشكَّلَ عمقٌ، و العمق أبلغ في التعبير من البعد، قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

(سورة الحج)
فإذا جئتَ من أمريكا إلى مكةَ فالخطُّ منحني يدور مع الأرض فصار هناك عمقٌ، هذه مقدمة.
آية اليوم ؛ آيتان في كتاب الله ؛ الأولى في سورة الرحمان و الثانية في سورة الفرقان، الأولى قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
البحران إذا التقيا عند باب المندب أو عند قناة السُّويس أو عند خليج البسفور أو عند مضيق جبل طارق أو عند قناة بنما، البحار إذا اتقت لا يبغي بعضُها على بعض و لا تمتزج مياهُ بعضها بمياه بعض، و اكتُشِف هذا من مركبة فضائيةٍ صوَّرت الأرضَ فإذا خطٌّ بين البحرين وبقي علماءُ التفسير ألفَ عام في حيرةٍ من تفسير هذه الآية،

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
أين هو البرزخ؟ مياهٌ متَّصلةٌ، فلما ركبوا المراكبَ الفضائية و صوَّروا الأرضَ بالأقمار الصناعية رأوا خطًّا بين البحرين، و الحقيقة ليس خطًّا، بل هو خطٌّ وهميٌّ، خطُّ تباين الألوان، اكتشفوا أن مياه كل بحرٍ لها ملوحةٌ خاصَّة وكثافة خاصة و لها مكوِّنات خاصة و لا يمكن لمياه بحر أن تختلطَ بمياه بحر آخر، كثافة و مكوِّنات و ملوحة خاصة، و الذي بيَّن لهم ذلك خطُّ التباين بين الماءين، فأنت أحيانا لو وقفتَ على ساحل البحر لرأيتَ منطقةً زرقاءَ داكنةً و منطقة ذات زرقة فاتحةٍ، و بينهما خطُّ التباين، و طبيعة هذا البرزخ لا يعلمها أحدٌ، لكن هناك حاجزا يمنع اختلاطَ مياه كل بحر بالبحر الآخر،

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
ثم إن هناك ينابيع كثيرة في بعض البحار يقصدها سكانُ السواحل ليشربوا الماء العذبَ الزُّلالَ وسْطَ الملح الأجاج، وهذه آية من آيات الله الدالَّةُ على عظمته تعالى.
أمَّا آية اليوم فهي قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
و صدِّقوني أيها الإخوة، كلُّ النظريات التي افترضَتْ تفسيرا لملوحة البحر نظريات مُضحكةٌ، لا أحد يعلم لماذا كانت مياهُ البحر مالحةً، ومن وضع الملحَ في المياهِ ؟ ومن جعل هذه البحارَ ذاتَ ملحٍ أجاج ؟ و الذي يلفت النظرَ أن السفينةَ لو غرقتْ و نجا منها بعضُ الركَّابِ و ركبوا القاربَ النجاة، ما الذي يهدِّد حياتهم ؟ قلّةُ الماء، وهم على سطح الماء، ولكن مياه البحر لا تُشرَب، و قد قرأتُ قصَّةً واقعيةً غرقتْ في عرض المحيط الأطلسي، و نجا منها مائة و خمسون راكبا ركبوا في إحدى مراكب النجاة فيها، ومعهم من الماء العذب كمِّية قليلة، فكان أميرُهم يعطي كلَّ واحدٍ منهم ملعقة َشايٍ في اليوم الواحد، وصل منهم ستَّةُ ركَّابٍ، لأن الواحد منهم إذا نام قتل صاحبَه ليشرب ملعقتين، وهم على سطح البحر، وأنت على سطح البحر و العمق اثنا عشر ألف متر، و هوة أربعةُ أخماس اليابسة تموت عطشًا،قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
و لما يشرب الإنسان ماءً عذبًا هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من فقدها، لذلك لترُ الماء في بعض بلاد النفط يكلِّف ضعفَ ثمن البنزين، كلفةُ التحلية أحيانا سبعة ريالات، من أجل أن تشرب ماءً عذبا فراتا، أما الله عز وجل أكرمنا في هذه البلاد الطيِّبة بالماء العذب في البيوت، و قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
تمُجُّه النفسُ.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
هنا آية ثانية البرزخ الذي بين البحرين المالحين و بين البحرين العذبين و بين بحر مالح و بحر عذبٍ، هناك حاجز يمنع اختلاطَ البحارِ، الحِجدْر هو أسماك المياه المالحة لا يُمكن أن تصل إلى المياه العذبة، و أسماك المياه العذبة لا يُمكِن أن تكون في المياه المالحة، لذلك أكبرُ منطقة في العالم لصيد الأسماك، هي مصَبَّاتُ الأنهار، نهر كنهر الأمازون كثافتُه في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف متر مكعَّب، هذا يمشي في البحر ثمانين كيلو، و باعتبار أن الأسماك ممنوع أن تنتقل من المياه العذبة إلى المياه المالحة فيتجمَّع في أواخر هذا النهر قبل أن يصبح ملحا أجاجا، لذلك شركات صيد الأسماك تأتي إلى هذه الأمكنة تصطاد أكبر كمِّيات الأسماك من هذه الأمكنة، وهذه آية دالَّة على عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
النبيُّ في أوَّل دعوته لربه بدأ بتعريف الناس بربهم فلمَّا عرفوه عرَّفهم منهجَ ربِّهم، أما نحن إذا بدأنا بتعريف الناس بمنهج الله قبل أن نُعرِّفهم بربهم تفلَّتوا من هذا المنهج، إن عرفت الآمرَ قبل الأمر تفانيتَ في تطبيق الأمر و إذا عرفت الأمر قبل الآمر تفنَّنت في التفلُّتِ منه.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-14-2018 01:14 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الآية السابعة والخمسون من سورة الفرقان و هي قوله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

(سورة الفرقان)

والآية دقيقة جدًّا، وتتعلق بالدعوة إلى الله، قلْ يا محمد لا أسألكم عليه من أجر، على هذه الدعوة وعلى هذا التعليم و على هذا الجهد، لا أسألكم عليه من أجر، هذا المعنى تؤكده آية أخرى و هي قوله تعالى:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
فعلامة الذي يدعو إلى الله مخلصا أنه لا يبتغي من الدنيا شيئًا، لأن الله تعالى هو الذي يجزيه على عمله الطيِّب، فمن أراد أجرا فما عرف الله تعالى، مثلٌ بسيطٌ ؛ لو قال الملِكٌ للمعلِّم: علِّمْ ابني ولك على كلِّ درس مليون ليرة، فلما انتهى الدرسُ قال له: أعطني خمسين ليرةً، طلب المعلِّم من الابن خمسين ليرة، و الأب وعدك مليونا، معنى ذلك ما صدَّقتَ الوعدَ و لا تعرف من هو الأب و ما عنده من العطاء، فالإنسانُ لمجرَّد أن يطلب أجرا مادي و يرتزِق بالدين و يجعل الدينَ مطِيَّة إلى الدنيا فهو لا يعرف اللهَ أبدا، و تكاد هذه العلامةُ تكون صادقةً في التغبير على صدق الدعوةِ، قال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾

[ سورة يس ]
أجرًا نكرة و تفيد الشمولَ، أيْ لا أجرا ماديا لا قليلا و لا كثيرا، و لا معنويا و لا عاجلا و لا آجلا، و لا خدمةً و لا منحةً و لا خدمةً و لا مبلغا و لا ترقيةً.

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾

[ سورة يس ]
فعلامة الإنسان الصادق أنه لا يبتغي من الدنيا شيئا على دعوته، هذه الآية دقيقة جدًّا، أما هنا فتُوجد مشكلةٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
معناه أريد الأجرَ، وما دامت "إلا "أداة استثناء فمعناه أن هناك أجرا يطلبه النبيُّ عليه الصلاة و السلام.

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا دعوتَ الإنسانَ إلى الله و استجاب و طبَّق المنهج و ضبط نفسه وإنفاقه و دخله تأخذ منه أكبر أجر، هذا هو الأجر الحقيقي، لأن كلَّ أعماله في صحيفتك.
لو فرضْنا أن رجلا دلَّ إنسانًا على جهةٍ لاستثمار المال، لأنك دللْتَه فلك نفس الربح، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول:
((أنا أحري منكم أن تتَّجهوا إلى الله، و أن تخلصوا له وتُقبِلوا عليه و تستقيموا على أمره إن فعلتُم هذا فهو أعظم أجر))
لشدَّة رحمة النبيِّ بالناس عامَّة و بأصحابه لمجرَّد أن يستقيموا على طاعة الله فهو أعظم أجر يقدِّمونه له لما سعدوا بالله سعد هو بهم، أحيانا نجاح الأولاد أكبر مكافأة للآباء، و الأب غنيٌّ عن أولاده، و لكن نجاح الابن في الحياة وعقل الابن و فهمه هو أعظم أجر للأب، لذلك الآية دقيقة جدًّا، قال تعالى :

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا الواحد اتَّخذ إلى الله سبيلا هذا أعظم أجر تقدِّمه للنبيِّ، و أعظم أجر تقشِّمه لمن دعاك إلى الله، أن يكون طالب العلم في مستوى الدعوة أعظم أجر، لو فرضْنا أنَّ شيخًا له تلميذان ؛ واحدهم بهلول ما إن يراه حتَّى ينكبُّ على يده يقبِّلها و يعظِّمها ؛ يا سيدنا يا أشرفنا، هذا المريد لا يطبِّق منهج الله عز وجل، و الثاني كلامه اعتيادي و ترحيبه اعتيادي و علاقاته اعتيادية، ولكنه مستقيم، ف الصادق يحبُّ من ؟ يحبُّ الذي لا يمدح و لا يبهلل، و لكن يستقيم على أمر الله، لأن هذا المستقيم لك منه أجر، أما هذا المُزَعْبِر ما لك منه شيءٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا طبَّقت الأمرَ تكون أعظم هدية لرسول الله.
قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
ومعنى ذلك أن الإنسانَ لا يتوكلَ على من يموت.

اِجعل لربك كلَّ عزِّك يستقر و يثبتُ
فإذا اعتززْتَ بمن يموت فإن عزَّك ميِّتُ
***

إن توكَّلت على من يموت فالموت يأتيك كالصاعقة، و كلُّ الآمال تحطَّمتْ بموت من توكَّلتَ عليه، كلُّ المنى تلاشتْ بموت من توكَّلتَ عليه، و كلُّ الأحلام تبدَّدتْ بموت من توكَّلتَ عليه، أما إذا توكَّلتَ على الله الذي لا يموت الحي القيوم، لذلك الإنسان إذا ربط أحلامه بإنسان أو جهة، لو تحطَّمتْ تحطَّم هو معها، و لو أنها سقطت لسقطَ معها ولو أنها ضعُفتْ لضعفَ معها، أما إذا ربط الإنسان مصيره بالله عز وجل و توكل على الحيِّ الذي لا يموت فإنه لا يخيب أبدا، وأما الإنسان إذا كان محسوبا على الإسلام فلا إسلام كالجبل الشامخ، و قد كاد له الكائدون ما لو كادوا للأرض لدكُّوها و مع ذلك بقيَ شامخا، قال تعالى:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

[ سورة إبراهيم ]
ولولا أنه دين الله لتلاشى من ألف عام، المبادئ الأرضية بالملايين و كلُّها تلاشتْ، لأنها من صنعت البشر، أما دين الله لا تستطيع الأرضُ كلُّها أن تُقَوِّضه، واللهُ هو الحقُّ، ودين الله هو الذي يحفظه و هو الذي يرسِّخ دعائمَه، قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
هل هذه الفقرةُ الأخيرة من الآية لها تطبيقٌ عمليٌّ ؟ لها تطبيق خطير جدًّ ما رأيك في فلان ؟ في جهنَّم، هو كافر، إذًا أنت لم تقرأ الآية، لو قرأتَها لقلتَ الله أعلم، هذا من شأن الله و ليس من شأنك، إياَّك أن تقَيِّم الأشخاصَ، ليس هذا من البشر، تقييمُ الأشخاص من شأن خالق البشر، أما إذا رأيت الإنسان يشرب الخمرَ فقلْ له هذه معصية، لعلَّه يتوب منها و يسبقك، الآن هو عاصٍ، أما أن تحدِّد مصيرَه فليس من شأن الإنسانِ هذا تألِّي على الله، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام كان مرَّةً عند بعض أصحابه الذين توفَّاهم الله عز وجل، و جاء ليُقبِّله قبل أن يُدفَن سمع من وراء الستر امرأةً تقول: هنيئًا لكم أبا السائب، لقد أكرمكَ اللهُ، و لو أن النبيَّ الكريم سكتَ لكان كلامُها صحيحًا، فقال لها:
((و من أدرأكِ أن الله أكرمه؟ هذا تألِّي على الله، قولي أرجو اللهَ أن يكرمَه ))
قال تعالى على لسان نبيِّه:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(9)﴾

[ سورة الأحقاف ]
هذا هو الأدب، فإذا كنتَ أعرفَ الناس بنفسك:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(9)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فكيف بغيره ؟! إذًا لما الله تعالى يقول:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
لا يجوز أن تحدِّد مصير الناس و لا أوزِّع التُهمَ و لستُ قاضيا أنا داعٍ إلى الله، و لستُ وصِيًّا عليهم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ(45)﴾

[ سورة الأحقاف ]
وقال تعالى:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(108)﴾

[ سورة يونس ]
وقال تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾

[ سورة البقرة ]
قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

[ سورة القصص ]
فتقييمُ الأشخاص من شأن خالق البشر، فكنْ متأدِّبًا مع الله، و من أطلعك على الغيب ؟ وهناك شيء آخر هو التعميم، و هو من العمى و كل هؤلاء سيِّئون، و في كل المجتمع هناك أطهار ومستقيمون و منحرفون و منافقين، قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾

[ سورة الطلاق ]
الله جلَّ جلالُه يأمرك أن تسأل خبيرا، فإذا قرأت القرآن مثلا، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

[ سورة الشمس ]
معنى ذلك إذا فجر الواحدُ، الله كتب عليه الفجورَ، اسأل به خبيرا ألهمها فجورها، أي دلَّها على طريق الفجور و على طريق السعادة قال تعالى:
﴿بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾

[ سورة القيامة ]
فشتَّان بين المعنيين، المعنى الأول هو الجبر، و الثاني هو بيان طريق السعادة، فأنت تعرف ذلك كلَّه، و الفرق كبيرٌ، لذلك قال تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

[ سورة الفرقان ]
في هذا الدرس ثلاثُ نقاطٍ، النقطة الأولى إن دعوتَ إلى الله علامة إخلاصك أنك لا تسأل أحدا أجرا مطلقا، لا قليلا و لا كثيرا و لا قريبا و لا بعيدا و لا ماديًّا و لا معنويًّا، هذه علامة الداعية المخلص الصادق،قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(49)﴾

[ سورة يونس ]
فرحمة النبيِّ عليه الصلاة والسلام تقتضي أن يسعد إذا سعد من حول فهذا أجرُه، كالأب الغنيِّ القويِّ يسعده أن يرى ابنَه ناجحا في الدنيا، و المعنى الثاني أن كلَّ أعمال المدعُوّ في صحيفة الداعي فهو حينما يترفَّع عن الأجر المادي يطمع في أجر لا حدود له، هذه أول نقطة قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
وقال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
إذًا هناك آيتان، الأولى:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾

[ سورة النحل ]
في شؤون الدنيا، و في شؤون الآخرة قال تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

[ سورة الفرقان ]
فهناك خبيران ؛ خبير بالدنيا و خبير بالآخرة.





والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-14-2018 01:16 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الخامس






لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان )

أولا، هناك عبيدٌ و هناك عبادٌ، و فرق كبير بينهما، فكلُّ مخلوق بحكم اضطراره إلى إمداد الله مفتقِرٌ إلى الله في وجوده، مفتقر إلى الله في استمرار وجوده، و مفتقر إلى الله في سلامة وجوده، و مفتقر إلى الله في كمال وجوده، قال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾

[ سورة البقرة ]
مصدر حياة الكون، فأيُّ مخلوقٍ قيامُه بالله ووجوده بالله و استمراره بالله، فكلُّ المخلوقات مقهورةٌ بالعبودية لله عز وجل، حتى الملحِد فهو عبدٌ لله، فلو منَعَ الله عنه الهواء لمات، وحتَّى المُلْحِد عبْد لله تعالى فلو أغْلقَ الله له بعض صَمَّاماتِهِ لمات من وقْتِهِ، فما مِن مخلوقٍ إلا وهو في قبْضَة الله تعالى، ودوامُ وُجودِه مِن إمْداد الله عز وجل، هؤلاء هم العبيد ولكنَّ العِباد هم الذين عرفوا الله وأسماءه وقوَّتَهُ ورحْمته وعدْلَهُ وكمالَهُ، وأنَّهُ موجود وواحِد وكامِل فأطاعوه وأَحبُّوه وأخْلَصوا له، فَهُناك عُبودِيَّة القهْر، وهناك عُبودِيَّة المعرفة فَعُبودِيَّة القهْر عبْدٌ يُجْمَعُ على عبيد، أما عُبودِيَّة المعرفة فعَبْدٌ يُجْمَعُ على عِباد، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وكرَّمَهُ حينما أضافَهُ إلى ذاتِه، قال تعالى

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فأنت إذا قلتَ هذا شُرطي الملِك لكان المعنى أقوى من أن تقول هذا شرْطي، فهذا أُضيف إلى الملِك، فهذه إضافة تَشْريف، وعباد الرحمن، فرَبُّنا عز وجل شرَّفنا بالنّسْبة إليه، وقد قالت السيّدة عائشة عن عمر ابن الخطَّاب رضي الله عنهما: رحِم الله عمر ما رأيتُ أزْهَد منه، كان إذا سار أسْرع، وإذا قال أسْمَع، وإذا ضرَبَ أوْجَع وإذا أطْعَمَ أشْبَعَ، فكيف نُوَفِّق بين هذه الآية وقول عائشة رضي الله عنه ؟ ليس المعنى أنَّه يمْشي بطيئًا أما يمْشون على الأرض هوْنًا أيْ لا يسْمَحون للحياة أن تسْتَهْلِكَهم ‍! فَمُعْظَم الناس الآن مُسْتَهْلكون ؛ تَجِدُهم عِبادًا لأعمالهم وعبْد لِزَوْجَتِهِ والمشْكلة أنّ الإنسان الذي يُسْتَهْلَك يَصْحى مرَّةً عند الموت ؛ يَصْحى فَيُصْعَق، قال تعالى
﴿:فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[ سورة الزخرف ]
يُصْعَقُ حينما يَجِدُ أنَّه خَسِر كلّ شيء، ولم يرْبَح شيئًا، وأنَّهُ مُقبِلٌ على حياةٍ لا يمْلِكُ منها شيئًا، قال تعالى:

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

[ سورة الفجر ]
وقال تعالى:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾

[ سورة الفرقان ]
حينما يُصعق يقول اِرْجِعون، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فمعنى يمْشون على الأرض هَوْنًا أي لا يسْمَح لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلِكهُ، ولا يسْمَحُ لِصِحَّتِهِ أن تشْغله عن كلّ شيء فبعضهم تَجِدُهُ رياضة وركض وأثقال وتدْريبات، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

[ سورة الشعراء ]
العاقل يمْشي هوْنًا، وله وقفات يتأمَّلها، لماذا أنا مَوْجود ؟ وسرَّ وجودي، وحقيقة وُجودي ولماذا أنا في الدنيا ؟ وماذا أراد الله مِنِّي ؟ ولماذا هناك موت ؟ فهو لا يسْمح لِمشاريعه وتِجارتِهِ أن تسْتهلكه، فَمِنهم من تَجِدُه يعدّ لِكُلّ شيءٍ عُدَّتَهُ إلا الموت، قال له: تحيَّرنا أنجعل الشوفاج في الداخل أم الخارج ‍‍!! سبحان الله قد تُنسَج أكفان الإنسان وهو لا يدْري، كنت مرَّةً في حفْل عقْد قِران عريس الحَفل مُتألِّق تألُّقًا لا مثيل له، وفصاحة ما بعدها فصاحة، وترحيب، وكان لولب الحفْل، وبعد يومين تُوفِّي في حادِث !! فأنا قلتُ: لو أنَّه كان يعلم أجله أنَّه بعد يومين لصُعق لذلك عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ:

(( إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ))

[رواه ابن ماجه]
القصْد من الآية عميق جدًّا، لا تسْمَح لِعَمَلك أو بيْتَكَ أو زوْجَتَكَ أن يسْتَهْلِكوك، فالمؤمن له وقت للعمل، ووقْت للصلاة، ووقت يجلس مع أولاده وأهلهِ، فلا يسمَحُ لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلكه، فالذي على هذه الشاكلة ينتهي قبل الممات، مثله كمثل الميِّت ! ومَقبور بِعَمَلِهِ وأهله قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فكلمة هونًا لها معنى دقيق ؛ أي لا تسْمح لِشَيء أن يسْتَهْلكك، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
هناك وقت لله تعالى، ولا يسْمح أن يتجاوز هذا الوقت، فهذه الآية هناك من يفْهمها على فهْمٍ آخر، وهو أن يمشي على مهْلِهِ، لا ليس هذا هو المعنى، لا تسْمح لشَيءٍ يُنْهي لك حياتَك، ويُلغي لك دينَكَ أخْطر شيء عندك هو عملك، فأحيانًا الإنسان وهو في قِمَّة النَّجاح في العِناية المُشَدَّدة، لذلك خُذْ مِن الدنيا ما شئت وخُذ بِقَدَرها همًّا، ومن أخذ مِن الدنيا فوق ما يَكفيه أخَذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر هناك أوقات لله عز وجل ؛ خُطبة الجمعة، والصلوات الخمس، وجلسة مع أهلك وأولادك وحُضور مَجْلس ؛ فهذا هو الأصل، وهذا هو معنى قول الله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
وكان سيِّدنا عمر وقَّافًا عند كتاب الله تعالى ؛ ما الأمر ؟ وما النَّهي ؟ وما الشَّرع ؟ هل هو واجب أو مُستَحب أو مندوب، أما مَن يقول: من هنا إلى ذلك اليوم يفرجُها الله تعالى ! فهذا كلام الشَّيطان، قال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[ سورة الحجْر ]
اعْتَنِ بِقلْبِكَ ودينك، وابن عمر دِينَكَ دينَكَ إنَّه لحْمُكَ ودَمُكَ، وخُذ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، وإنَّ هذا العِلم دين فانْظُروا عمَّن تأخذوا دينَكم، هل يوجد إنسان يريد أن يبيع بيته يبيعُه لأَوَّل بائِع أم يسأل عن أسعار البيوت ! لماذا من أجل بيتٍ تبذل الجُهد في السُّؤال فهل البيت أغلى من دينك ؟! فَمِن أجل الدنيا تسْأل الخبراء وهذا الإله العظيم الذي قال لك فاسأل به خبيرًا، ألا تهتمّ لِفَهم دينِك ؟ تجدهُ يُرْسِلُ ابْنه من أجل تعلُّم الإنجليزيَّة في بريطانيا ! عندهم الزِّنا مثل شُرب الماء ! قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
فهذه الآية دقيقة جدًّا:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان )
فالموت يأتي فجأةً والقبر صُندوق العمل، لذا لا تجعل الأعمال تسْتهلكَّ لكي لا تقول عند الموت ربِّ ارجعون، وقال تعالى:

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[ سورة الزخرف ]
فهذه الآية يجب أن تبقى في ذِهن كلّ واحِدٍ مِنَّا، وشرف المؤمن قيامُه بالليل وعِزُّه اسْتِغْناؤه عن الناس.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-14-2018 01:21 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان)

بيَّنتُ في الدرس الماضي أنَّ العباد جمْعٌ لِعَبد لكنَّ هذا العبْد عرف الله تعالى، وعرف أسماءه الحسنى وقام بِواجب العُبودِيَّة اتِّجاهه، أما كلّ مَخلوقٍ مقْهور ٍفي وجوده إلى إمداد الله و باستمرار وجوده إلى إمداد اللهِ، وهو عبدٌ أيضا و لكنها عبودية القهر، هناك عبودية المعرفة و هناك عبودية القهر، فالعبد الذي عرف اللهَ و عبده يُجمع على عباد و العبد الذي يفتقر إلى خالقه في وجوده و إمداده يُجمع على عبيد قال تعالى:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾

[ سورة فصلت ]
أما هنا فقال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

(سورة الفرقان)

وقد نُسِب العباد إلى الله نسبةَ تشريف، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان ]
أي لا يسمح لعمله أن يستهلكه، و لا يسمح لشيء في الدنيا أن يلغيَ غايةَ وجوده، و هذا فصَّلتُه في الدرس الماضي، قاتل تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الحقيقة أن الله تعالى يريد من المؤمن أن يكون متعلِّقًا بكرائم الأمور لا بسفاسفها، و إن الله يحبُّ معاليَ الأمور و يكره سفاسفها، و هذا الإنسانُ الذي هو عبدٌ لله كما أنه لا يسمح لشيء من الدنيا أن يستهلكه و أن يلغيَ سرَّ وجوده و أن يحجبه عن هدفه الذي خُلِق له، أيضًا لا يسمح لإنسانٍ ساقطٍ جاهل غارق في شهوته أن يجُرَّه إلى معركةٍ جانبية،

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
والعظماءُ دائما لا يعتمدون على ردود الفعل و الناس الذين هم في المستوى الأدنى يعتمدون على الفعل و ردِّ الفعل، فأيُّ إنسان يجرُّه إلى معركة جانبية و يشغله بها، و لكنْ الإنسانُ الذي يخطِّط و الذي يعرف هدفَه و يسعى نحوه لا يسمح لكائن من كان أن يجرَّه إلى معركة جانبية، أنت راكب في مركبةٍ متَّجهةٍ نحو حمص، و لك عمل كبير في حمص، هناك طرق كثيرةٌ فرعية لحمص، فالذي له هدف كبير في حمص لا ينحرف يمنةً و لا يسرةً، هذا معنى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الجاهل قد يخاطبك و يريد أن يستفزَّك و يصرفك عن هدفك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ))

[رواه الترمذي]
و قال: إن الله يحب معالي الأمر و يكره سفسافها " قال بعض الأدباء: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني و كان رأسُ ما عظَّمه في عيني صغرُ الدنيا فلي عينيه، فكان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم، و لا يمارِي فيما علم، و كان أكثر دهره صامتا،فإذا تكلم هزَّ القائلين، و كان يُرَى ضعيفا مستضعفًا، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليثُ عاديا فعليك بهذه الأخلاق، فإن لم تستطع فعليك ببعضها فإن اخذ القليل خير من ترك الكثير" فلا يدلي بشهادة إلا إذا رأى قاضيا عدلا، خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم و لا يمارِي فيما علم، و كلام المؤمن دقيق، فإذا وُجِد من هو أقوى منه علماً في حضرته لا يجيب يقول اِسألوا فلانا، و لا يدلي بحجَّة إلا إذا كان متمكِّنا منها، أما أن يخوض مع الخائضين و يجهل مع الجاهلين و أن يُستفَزَّ مع من يستفَز، و أن يُجرَّ إلى معركة جانبية، هذا المؤمن الذي هو عبد لله عز وجل، كما أنه لا يسمح لا لعمله و لا لبيته و لا لزوجته أن تستهلكه و أن تلغيَ وجودَه وأن تلغيَ غاية وجوده، كذلك لا يسمح لإنسان آخر أن يجرَّه إلى معركة تصُدُّه عن هدفه الكبير.
الآن في العالم الإسلامي ؛ كم موضوعا مضى و انقضى و نحن نشتغل به و نتخاصم من أجله و نتحزَّب من أجله و يعن بعضنا في بعض من أجله و قد مضى، فالموضوعاتُ التي مضت خلافاتٌ بين الصحابة الكرام، تغطِّيها آية واحدة، قال تعالى:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
يا تُرى ُ محي الدين رحمه الله تعالى كان سلطانَ العارفين أم كان َ الأكبرَ كما يسمِّيه بعضُهم، ُ محي الدين انتقل إلى رحمة الله، و اللهُ وحده يعلم صِدْقه وعِلْمهُ وإخلاصه، قال تعالى:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)﴾

[ سورة الإسراء ]
ما الفائِدة من أن ندْخل في هذه الخُصومة ؟ والخِلاف بين سيِّدنا عليٍّ ومُعاوِيَة، قال تعالى
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
هذه معارف مضَتْ وانْتَهَت، والله هو الحَكَم بينهم، وهو الذي يعْلم أسْرار النُّفوس، وخبايا القلوب، ويعْلم النَّوايا، والمقاصِد، فنحن لا ينبغي أن نُسْتَهلك بِمَعركة الجاهلين، نحن لنا هَدَف أمامنا، ومنْهجُنا واضِح، فالمؤمن الصادِق لا يسْمَح لِشَيءٍ أن يسْتَهْلِكَهُ، ولا لإنسانٍ أن يصْرفَهُ عن هَدَفه، وهذا هو معنى قوله تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
أحيانًا تجد مَن يسْعى لِنَشْر الحق، وإذا به تَجِدُهُ يتْرك الدَّعوة إلى الله ويرُدّ على المُخالفين، وهم يرُدُّون عليه، وإلى أن تَقَع خُصومات لا يعلمها إلا الله، وهذا لِمَصْلحة أعداء المسلمين، فالإنسان المؤمن ليس له خُصوم، ولا يسْمح بالخُصومات، يتكلَّم في المُتَّفَق عليه، ويبْتَعِدُ عن المُخْتلف فيه، ويُمكن أن تدْعو إلى الله خمْسين سنة، دون أن تحتاج إلى طَرْح قَضِيَّة خِلافِيَّة، فالشَّجرة لها جِذْع وفُروع وأغصان ولها أوراق، فإذا كنتَ بطلاً فابْق في الجِذْع الواحِد المُوَحِّد، فالدَّعوة الناجحة التي تكون في الأصول والمُتَّفق عليه وأنت في الموضوعات التي لا يخْتلف فيها اثْنان، نحن الآن بِحَاجة إلى أن نذْهب إلى الينابيع وينابيع الإسلام كتاب الله وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولْنُنْهي كلَّ مُشْكلةٍ وكلَّ خصومةٍ، فإن كانت سابقة فالأحْرى بِنا أن نُلْغِيَها، ونكْتفي بِهذه الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
عَوِّد نفْسَك أن تُلغي القضايا التي لا طائل من البحث فيها، فنحن أبعَدُ ما يكون عن الخِلافات والطَّعْن، وعن التَّجْريح، وعن إهْدار القيمة، وعن التَّكْفير، ليس عليك إلا أن تذْهب إلى هَدَفِكَ في الطريق الواضِح السَّوِيّ، والمنْهَج واضِح أمامك.
قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
هناك من تجِدُه من عمل لآخر، ومن لقاء إلى لقاء، ومِن سَهْرة إلى سَهْرة إلى أن يفاجئ أنَّهُ في العنايَة المُشَدَّدة، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر، خُذ من الدُّنيا ما شئْت، وخُذ بِقَدَرِها همًّا، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يُنْهيك، ويُلغي وُجودَك، ويُلغي سِرَّ وُجودِكَ، ويُلغي هَدَفك الكبير، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يصْرِفَك عن طلب العِلم، ولا عن طاعة الله ولا تسْمح لإنسانٍ آخر أن يجُرَّك إلى معركةٍ رخيصة، وإلى معركَةٍ جانِبيَّة يسْتهْلِكُ فيها وقْتَكَ وجُهْدكَ فطاقة الإنسان إما أن تُبْذَل لِتَقَدُّمِهِ وإمَّا أن تُبْذَل لِدَفْع تدنِّيه، وأنت بين حالين ؛ حالة مُتابعة التَّرقي وحالة مُتابعة التَّدَنِّي، فالإنسان إذا صَرَفَ نفْسه إلى معارِكَ داخِليَّة، فإنَّ طاقاتهُ تُدْفع في معركة دَفْع التَّدنِّي وعليك أن تكون في مُتابعة التَّرقِّي فَمِن أجل أن تكون في هذا المُسْتوى الرَّفيع، ومن أجل أن شْغَلَ نفْسَكَ بِمَعالي الأمور وأن تَدَع سَفْسافها ودَنِيَّها، ومن أجل أن تقول للجاهِل سلامًا، ذَكَروا أنَّ أحدهم رأى الإمام عليَّ كرَّمَ الله وجْهه، فَكُلَّما خاطَبَهُ قال له الإمام عليّ رضي الله عنه سلامًا سلامًا، ففَرِحَ فرحًا شديدًا، فلمَّا اسْتيْقظ قصَّ هذه القِصَّة على إخوانِهِ فقالوا: مِسْكين ! إنَّك جاهِل لأنَّه يقول لك: سلامًا سلامًا، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فأنت اتَّخذ من هذه الآية منْهَجًا، لك هَدَف ينبغي أن تمْضي إليه ولا تسْمح لأحدٍ أن يصْرف عنه، ومن أجل أن تكون في هذا المستوى، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64)﴾

[ سورة الفرقان ]
ما الذي يرْقى بِكَ ؟ اتِّصالُكَ بالله تعالى، وأشَدُّ حالات الاتِّصال أن تُصَلِّيَ في الليل، وهذه الصلاة ليس فيها رِياء، وليس فيها نِفاق وليس فيها شُعور أنَّكَ صالِح، لذلك قال تعالى:

﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

[ سورة الإسراء ]
درسنا اليوم فيه ثلاث نِقاط ؛ النُّقطة الأولى أنَّ عِباد الرحمن يمْشون على الأرض هَوْنًا، ويقْتَطِعوا مِن وقْتِهِم الثَّمين وقت لله تعالى و وقت لِطَلب العِلم ونشْرِهِ، ووقت للعمل الصالح وترْبيَة الأولاد، ولا يسْمح لأعماله مهما نجَح بها أن تُنْهي وُجوده، لا يسْمَح لِمَخلوق أن يَجُرَّهُ لِمَعركةٍ جانِبيَّة، وأن يَجُرَّهُ عن هَدَفِهِ الكبير، ومن أجل أن يكون كذلك عليه بِقِيام الليل، قال تعالى:

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

[ سورة الإسراء ]
نحن نظنُّ أنَّ الصلاة حركات وأقوال وأفعال تبتدئ بالتَّكبير وتنتهي بالتَّسليم فإذا قام بها الإنسان سَقط الوُجوب وإن لم يحْصل المَطلوب ! الصلاة من أجل أن تتَّصل بالله، وحينما تتَّصِل بالله تعالى تمْلِكُ هذه القُدرة على أن تكون مُتوازِنًا، وعلى أن تكون جادًّا، وعلى أن تكون بعيدًا عن السخافات، وفي درسٍ قادِمٍ نُتابِعُ الآيات.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-14-2018 01:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس السابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

(سورة الفرقان )

الحقيقة أنَّ المال الذي بِيَدِ الإنسان هو قِوام حياتِهِ وآخِرَتِهِ، فقد يتوهَّم الإنسان أنَّ هذا المال هو قِوام حياتِهِ الدنيا ! لا والله بل هو قِوام حياته الدنيا والآخرة بل إنَّ علاقة المال بالآخرة أشَدُّ مِن علاقته بالدنيا لأنّك إن اشْتَرَيْتَ بِمالِكَ طعامًا تأكُلُه لِثَواني معدودات وبعدَها يستوي أطْيبُ الطَّعام مع أسوأ الطَّعام، لكنَّك إذا أنْفقْتَ هذا المال سَعِدْتَ به إلى أبَدِ الآبِدين، فعلاقة المال مع آخِرَتِكَ أقْوى بِكَثير مِن علاقتِهِ مع دُنياه وليس لك إلا ما أكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تصَدَّقْتَ فأبْقَيْتَ إذًا علاقة المال بالآخرة أشَدُّ، ونصِلُ بِهذا إلى أنَّ المال قِوام حياة الإنسان، وقِوام حياة آخرَتِهِ، لذلك أربعة أسئلة يُسألها الإنسان، وقال عليه الصلاة والسلام:

((لا تزول قدمَا..."))
المال فيه سؤالان: أين اكْتسبهُ وفيما أنْفقَهُ.
فالآية اليوم تتحدَّث عن إنفاق المال، قال تعالى

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
العلماء قالوا: الإسراف في المباحات والتَّبْذير في المعاصي، فالذي يشْتري طعامًا أكثر مِن حاجتِهِ، أو يشْتري ثِيابًا أكثر مِن حاجَتِهِ هو مُسْرف، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالله تعالى ما قال: لا تُسرفوا في الأكل والشرب، ولكن قال: ولا تُسرفوا مُطلقةً، مُطلق الإسراف، الإسراف مُتَعلِّق بِكُلّ شيء فالإسراف أن تُنْفقَ مالاً من دون حاجةٍ أساسيَّة، ومن دون أن يكون لك هَدَف من إنفاقِهِ، أما التَّبْذير والعِياذ بالله فهو في المعاصي فالمؤمن مِن خصائِصِه أنَّهُ لا يُسْرف، ولا يُبَذِّر، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾

[ سورة الإسراء ]
بالقياس المنطِقي كافر، لأنَّه أخٌ للشَّيطان، والشَّيْطان كافر، فهو بالقِياس مع الكُفار في إنفاق المال، وفي القرآن الكريم ثمانِي آياتٍ مُتَعَلِّقة بالتَّرَف، والتَّرَفُ في القرآن الكريم اقْتَرَن بالكُفْر، قال تعالى:

﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ(33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فالتَّرَف والتَّبذير من خصائص الكُفر، والإسْراف يَقَعُ فيه المؤمن ولكنَّهُ مَنْهِيٌّ عنه، ولكنَّ السُّؤال: لو كان مَعَكَ مائة ألف ليْرة، فقد تَحتاج إلى شيءٍ أساسيٍّ ثمنهُ خمسون ألف، فالخمسون ألف الباقِيَة هذه يُمكنُ أن تسْعَدَ بها إلى أبَدِ الآبِدين لو أنْفَقتها في سبيل الله، والنبي عليه الصلاة والسلام في إشارةٍ لطيفة رائعة كان يوزِّع شاةً في أحد أيام العيد، قالت له السيِّدةُ عائشةُ: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفُها فتبسِّم عليه الصلاة و السلام و قال:
((بل بقيت كلُّها إلا الكتف))
وسيِّدنا عمرُ أمسك تفاحةً و قال: أكلتُها ذهبتْ، أطعمتُها بقيتْ، فالإنسانُ إذا علم أن قوام آخرته بهذا المال الذي بين يديه يأخذ حاجته من دون إسراف و لا تبذير و ينفق الباقي لآخرته، و من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و لو أن إنسانًا مثلاً أراد أن يترك بلدَه، باع بيتَه وحوَّل كلَّ أمواله إلى بلدٍ آخرَ، و حينما يشتري بطاقةَ الطائرة و يأخذ التأشيرةَ و يأخذ بطاقة الصعود و يدخل إلى الطائرة و تحلِّق الطائرةُ يشعر أنه أسعدُ الناس لأنه ذاهبٌ إلى آماله، لذلك قالوا: من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و لكن إذا ترك الواحدُ ثمانمائة مليون، جاء بها من الحرامِ، و هو على فراش الموت في ساعة قلق شديد و خوف مُريعٍ طلبَ أحدَ العلماء ليُطمْئِنه، فقال له العالمُ وهو صادق فيما قال: و اللهِ لو أنفقتَه كلَّه لا تنجو من عذاب الله، من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و درهمٌ تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهمٍ يُنفَق بعد مماتك، أكثر من عشرة أخوة أودعوا عندي وصيةً لإنفاق المال بعد موتهم، و اللهَّ و لا واحدٌ من أولادهم وافق على تنفيذ وصيةِ آباءهم و مزَّقتُها كلَّها، و درهمٌ تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهمٍ يُنفَق بعد مماتك، و لا يُنفَق و اللهِ، فلا تكن تحت رحمة أولادك، درهمٌ يُنفَق في إخلاصٍ خير من مائة ألف درهم يُنفَق في رياءٍ، دقِّقْ في الحديثين، أنفِقْه في حياتك و أنفقه مخلِصًا، يا معاذ أخلص دينك يكفِك القليل من العمل، المالُ قوام الحياة، وقد وصف اللهُ عز وجل المتقين فقال:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾

[ سورة آل عمران ]
والإنفاقُ باب واسعهٌ، و الآيات الأخرى أن تنفق مما رزقك اللهُ و إنفاق المال مهِمٌّ و إنفاق العلم مهِمٌّ، و إنفاق الوقت و الخبرة و العضلاتِ كلُّه إنفاق، و قال عليه الصلاة و السلام:
((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " ))
سيِّدُنا أبو ذرٍ الغفاري رضي الله عنه له كلمةٌ رائعة يقول: حبَّذا المالُ أصون به عرضي و أتقرِّب به إلى ربي " بكلامٍ بليغٍ موجزٍ بيَّن هذا الصحابي الجليلُ أن المالَ مرغوبٌ فيه، حبَّذا المالُ أصون به عرضي و أتقرِّب به إلى ربي، فالمؤمن يتحرَّك وفق هذين الخطَّين يطعم أولادَه و يكسوهم، و يُلَبِّي حاجاتهم الأساسية من دون إسراف و لا تبذيرٍ و لا مَخيلَةٍ و لا لهوٍ و لا كِبْرٍ و ما تبقَّى يجعله قوامَ آخرته قال تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾

[ سورة البقرة ]
وهناك آية أخرى قال تعالى:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265)﴾

[ سورة البقرة ]
فالإنسانُ إذا أنفق مالَه فقد ثبَّت مركزه عند الله عز وجل، لأن من العبادات ما لا تكلِّف شيئًا، يتوضَّأ ويصلي أما حينما تنفق المئاتِ و أنت في أمسِّ الحاجة إليها و تنفقها ليرضى اللهُ تعالى.
أيها الأخوة الأكارمُ، ثلاثةُ أحاديثَ، قال عليه الصلاة و السلام:
((باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها "))
و قال عليه السلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ ))

[رواه الترمذي]
والحديث الثالث:
((الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد الفقير ))
و شيء آخر أن الله جل جلالُه يُسترْضَى بالصدقة، فإذا لاحَ للإنسان شبحُ مصيبةٍ أو خاف من مرض أو خاف من عدُوٍّ و أراد أن يلوذ بحمى اللهِ تعالى بإِمكانه أن يسترضيه بصدقة خاصَّةٍ مخلِصة لا تعلم شمالُه ما أنفقتْ يمينُه،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ ))

[رواه الترمذي]
باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاه.
((الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد الفقير ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
أحد أكبر القُرُبات إلى الله عز وجل إنفاق المال، لماذا ؟! لأنَّه يتناقض مع طبيعة الإنسان، طَبْعُ الإنسان أساسهُ قبْض المال والأخذ، فإذا أعطى أعطى خالف طَبْعَهُ، ولن يرْقى الإنسان عند الله إلا بِمُخالفة الطَّبْع، فَطَبْعُ الإنسان النَّظر إلى النِّساء، أما الأمر التَّكليفي أن تغضَّ البصر، وطَبع الإنسان أن تبقى نائِمًا في الفراش حتَّى الساعة العاشرة، أما التَّكليف فأنْ تُصَلِّي الفَجْر في جماعة والطَّبْع أن تتحدَّث عن النَّاس وعن قِصَصِهم وفضائِحِهم، وعن مُشْكِلاتهم، وتُمْتِعَ الحاضرين، أما التَّكليف فأن تكُفَّ لِسانَكَ عن غيبة المسلمين فالتَّكليف عَكس الطَّبْع، والطَّبْعُ أخذُ المال، أما التَّكليف إنفاقُهُ.
أيها الأخوة، أحد أكبر القُرُبات إلى الله عز وجل إنفاق المال، وقال يُحْشر الأغنياء يوم القيامة أربعة فِرَقٍ، فريق جمَعَ المال من حرامٍ وأنْفقَهُ في حرام، هذا حِسابُهُ سريعٌ جدًّا ويؤخَذُ إلى النار، وفريق جَمَع المال مِن حلال، وأنْفَقَهُ في حرام ؛ السَّهرات والاخْتِلاط وفريق جمَعَ المال من حرامٍ، وأنفقَهُ في حلال، هذا كذلك حِسابُهُ سريع وبقي فريق جمَعَ المال من حلال وأنفقَهُ في حلال، فهذا يُقال قِفُوهُ فاسْألوه ؛ هل اسْتعلى على عِباد الله ؟ هل قصَّر في حقّ أقربائِهِ وجيرانِهِ ؟ هل فاتَتْهُ الصَّلوات من أجل المال ؟ تِسْعة أعشار المعاصي مِن كَسْب المال وإنفاقِهِ، فلِذَلك حجْمُ المال في الدِّين كبير، فإن كسبْتَهُ في الحرام فأنت مَحْجوب عن الله تعالى، يا سَعْدُ أطِب مطْعَمَك تكن " زُرْتُ أحدهم في السادِسَة والتِّسْعين مِن عُمُره، وهو صديق والِد، قال لي: قُمْتُ بِتَحليلٍ كامِل فما وَجَدوا عندي شيئًا، وقال لي ولكن الحمد لله ما أكَلْتُ ولو قرشَ حرامٍ في حياتي ! القَضِيَّة ليْسَت سَهْلة، لذلك حَفِظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، فَقِوام الحياة وسعادَتِها من كَسْبِكَ المال.
أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
يأكل ويشْرب ويلْبَس ويتزوَّج من دون إسْراف، وأطْعِم مَن يشْتهي هذا الطَّعام، كان أحد المُفتين بالشام بالعَهد العُثماني مِن عادَتِهِ إذا دعى الكُبَراء والوالي يضَعُ لهم أطباقًا عادِيَّة وخالية من اللَّحم، أما إذا دعى الفقراء يُقيم لهم لحْمًا ! لذا شَرُّ الطعام طعام الولائِم يُدعى إليها الأغنياء ويُحْرمُ منها الأولياء.
لذا قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
باعْتِدال ومن دون إسراف ومَخْيَلَة، حضَرْتُ مرةً عَقْد قِران، وكان الأكل أربع أمثال عن حاجة الناس، ولكنَّ الذي بلغني أنَّ الباقي من الطَّعام لم يُرمى ولكن تُصُدِّق به للفقراء.
مُلَخَّص الدَّرس، حبَّذَا المال أصون به عِرضي وأتقرَّبُ به إلى ربِّي وهو قِوام حياتِكَ وآخرتِكَ.






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-14-2018 01:25 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

[ سورة الفرقان ]
لا شِرْكًا جَلِيًّا، ولا شِرْكًا خَفِيًّا، فقد يكون الهَوَى إلهًا، وقد يكون الصَّديق إلهًا، وقد يكون القَوِيُّ إلهًا، وقد يكون الغَنِيُّ إلهًا، لذلك كما قلتُ في دَرْسٍ سابِق، الشِّرْك الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي أخْوَفُ ما أخاف على أُمَّتي الشِّرك الخَفِيّ ! فليس في العالم الإسلامي صَنَمٌُ يُعْبَدُ من دون الله تعالى، وفلا يوجد اللات ولا العُزَّى، ولكنَّ هوى الإنسان أحيانًا إلهًا، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

[ سورة الفرقان ]
لكنَّ شَخْصًا قَوِيًّ تعْتَمِدُ عليه وتعْصي الله لِتُرْضِيَهُ جَعَلْتَهُ كالإله ولكنَّ إنسانًا غَنِيًّا تعْتَمِدُ عليه وتعصي الله مِن أجل أن تُرْضِيَهُ فهذا اِتَّخَذْتَهُ كالإله، قريبًا أم مُحِبّا.
فالشِّرْكُ الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يخْشى على أُمَّتِهِ من الشَّرْك الخَفِيّ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

[ سورة الفرقان ]
المؤمن وقَّافٌ عند كِتاب الله، قَتْلُ نَفْسٍ بِغَير ذَنْبٍ مَعْصِيَةٌ كبيرة جدًّا وهذه تبدأُ مِن قَتْلِ حَشَرَةٍ لا تؤْذيكَ، وقد حرَّم الله قَتْلَها بِغَير حقّ وتنتهي بِقَتل الإنسان، وقد وردَ في الحديث الشَّريف أنَّ الإنسان يظلُّ بِخَيرٍ ما لم يسْفِك دمًا، فالطريق إلى الله سهل المَسْلَك إن لم تكن هناك كبائِر، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)﴾

[ سورة النساء ]
الكبائِر مُهْلِكَة، والصَّغائِر يُسْتَصْغر منها، وبالمناسبة، ذَنْبٌ لا يُغْفر وذَنْبٌ لا يُتْرَك وذَنْبٌ يُغْفر، فالذي يُغْفر ما كان بينك وبين الله، والذي لا يُتْرَك ما كان بينك وبين العِباد لأنَّ حُقوق العِباد مَبْنِيَّة على المُشاحَحة، أما حُقوق الله مَبْنِيَّة على المُسامَحَة، أما الذَّنْبُ الذي لا يُغْفر أن تُشْرِكَ بالله تعالى.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾

[ سورة الفرقان ]
هذه اللام ناهِيَة أم نافِيَة ؟ فرْقٌ كبير بين أن تكون نافِيَةً، وبين أن تكون ناهِيَةً، فالناهِيَة كأن تقول: لا تزْنوا، فالفِعْل المُضارِع مَجْزوم بِلا الناهِيَة، وعلامة جَزْمِهِ حَذْف النون من آخِرِه لأنَّه من الأفعال الخَمْسة، أما مادام الفِعل ؛ لا يَزْنونَ هذه اللام نافِيَة، فأيُّهما أبْلغ ؛ أن يُنهى المؤمن عن الزِّنا أم أن يُنْفى عنه الزِّنا ؟ لا يَجْتَمِعُ الإيمان مع الزِّنا، الإيمان عِفَّة عن المحارِم، وعِفَّة عن المطاهِر، فلا يَجْتَمِعان وقد قلتُ لكم مثلاً كثيرًا ؛ طريق سالِكَ مكتوب على الإشارة ممنوع المُرور، فهذا نَهي، أما إذا رأيت الطريق مَقطوع بالبلوك ؟ فهذا مَنْعٌ فالله عز وجل له أمرٌ تَكويني، وله أمر تَكليفي، فالأمر التَّكويني إذا قال: لا أيْ لا، أما الأمر التَّكويني إذا قال: لا ؛ أي لا تَفْعَل، لذلك أحد الأشخاص قال لِعَلِيّ رضي الله عنه: أَكان مَسيرُنا إلى الشام بِقَضاءٍِ وقَدَر ؟! فقال: وَيْحَكَ! لو كان قدرًا لازِمًا، وقدرًا حاكِمًا إذاً لبطَلَ الوَعْدُ الوعيد، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
وهذا لا يعني أنَّ الأعمال السيِّئة التي ارْتَكَبوها تَغْدو حَسنات، هذا معنًى فاسِد، ولكنَّ المعنى الحقيقيّ أنَّ الصِّفات السيِّئة بعد أن تتَّصِل بالله، فالصَّلاة لها هدفان: تُطَهِّر من الأدْران، وتُحَلِّي بالكَمَال ؛ تَطهير وتَحْليَة وتَعْطير، فلِذَلك، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
أيُّها الإخوة، إن لم تَجِد نفْسَكَ أنَّك تبدَّلْتَ تبدُّلاً جِذْرِيًّا، وقد تَرَكْتَ سفاسِفَ الأمور وتعلَّقْتَ بِمَعالي الأمور، وإن لم تَكُن على حالةٍ يرْضى الناس عنها، وإن لم يُحِبَّكَ الناس، فَمَعنى ذلك أنَّ في الإيمان خلل، يقول عليه الصلاة والسلام:
((بُنِيَ الإسلام على خمس..."))
هل هذه الخمْس هي الإسلام ؟ بُنِيَ الإسلام عليها، فالإسلام بِناءٌ أخلاقي فقد روى اليخاري:

(( أنَّ عَبْد َاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ))

[ رواه البخاري ]
فالإسلام بِناء أخلاقي، وإن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عظيم فلسْتَ مؤمنًا.
أيُّها الإخوة، مركز الثِّقَل في هذا اللِّقاء قوله تعالى:

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
إن لم يتحدَّث الناس عن أخلاقِكَ العالِيَة فمعنى ذلك أنَّ إيمانَكَ مُزَوَّر فالمؤمن الجبان لا يوجَد، والمؤمن البخيل لا يوجَد، والمؤمن مُزْدَوِج أو سفيه أو حقيد أو مُنْحَرِف ؛ هذه لا يمكن أن تكون في المؤمن وربَّ تال للقرآن والقرآن يلْعَنُه، ومَن لم تنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، وربَّ صائِم ليس له من صِيامِهِ إلا الجوع والعَطَش، وقال تعالى:

﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

[ سورة التوبة ]
يقول ": لبَّيْك اللَّهمَّ لبَّيْك، فَيُقال له: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيْك وحجُّكَ مرْدودٌ عليك ! فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمَن لم تنْهَهُ صلاته عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، والزُّور يتنافى مع الصِّيام والزَّكاة قال تعالى:

﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

[ سورة التوبة ]
وكذا الحجّ، فهذه العبادات لا تنْفع إن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عالٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خطيبًا وذا خُلقٍ عظيم وعالمٍ ومُجْتَهِد، وكان قاضِيًا، وكلّ الصِّفات الراقِيَة كانت فيه، ولمَّا مدَحَهُ لم يمْدَحْهُ كَخَطيبٍ ولا كَمُجْتَهِد، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

[ سورة القلم ]






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-14-2018 01:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، تَعْليقًا على درْس البارحَة، مِئات الآيات والأحاديث تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ غَفَرَ الله هذه الذُّنوب، فقد ورَدَ في الحديث الشَّريف أنّ العبد إذا تابَ توْبَةً نصوحًا أنْسى الله حافِظَيْه والملائِكَة وبِقاع الأرض كلَّها خطاياهُ وذُنوبَهُ، عَبدي لو جِئْتني بِمِلىء السماوات والأرض خطايا غَفَرْتُها لك ولا أُبالي، قال تعالى:
﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

(سورة الزمر)

بضْعُ الآيات، أو بضْعُ عشرات الحديث الشريف الصحيح تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ رَجَع كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ:
(( لَمَّا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي قَالَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ))

[ رواه أحمد ]
الإسلام يجُبّ ما قبلهُ، هذه أشياء مِن البديهِيَّات التي لا تَحْتاج إلى ذِكْر، ولَكِنَّني البارِحَة وجَّهْتُ الآية التي يَفْهَمُها بعض الناس خطأً، أنَّ الأعمال السيِّئة تنْقلبُ إلى أعمال صالِحَة، فكُلَّما كَبُرَت السيِّئات انْقَلَبَتْ إلى حَسَناتٍ كبيرة، وهذا المعنى فيه دَعْوى إلى ارْتِكاب السيِّئات، كي تغدوَ في المستقبل حسناتٍ، هذا المعنى وحده الذي ما قبله العلماءُ و لكن ورد في بعض الكتب، إلا أن الأصحَّ أن الإنسانَ حينما يتوب إلى الله توبةً نصوحاً و حينما يصطلحُ مع الله و حينما يسلك الطريق إلى الله و يتصِل به يحصل له أن النور الإلهي يطهِّر قلبه من الأدرانِ ثم هذه النفس تُحلَّى بالكمال، تطهير من الأدران و تحليةٌ بالكمال، يصبح شحُّه كرما و جحوده إنصافا و ضجرُه حِلما، و طيشُه وقارا، و حقدُه تسامحا، و قسوته رحمةً، ذكرتُ هذا المعنى، فالإنسانُ إذا اصطلح مع الله و اتصل به ينبغي أن يغيِّر تغييرا جذرياً، و لا بدَّ أن تقول زوجتُك: ما كنتَ هكذا ؟ أنت الآن حليم رحيم أنت الآن تنكر ذاتَك تحبُّ الآخرين، هذا هوة معنى قوله تعالى:

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
أي صفاتهم السيِّئةَ بالإقبال على الله تُمحَى السيّئاتُ و يحِلُّ محلَّها السيِّئاتُ، أحيانًا كأسٌ مملوءٌ قذرا، و أنت غسلتَه، والغسيل هو التطهيرُ، ثم ملأتَه شرابا طيِّب المذاق حلوَ الطعمِ، فأنت فعلتَ شيئين طهَّرتَ وزكَّيتَ، لذلك العلماءُ يقولون: هناك تخليةٌ وهناك تحليةٌ هناك تطهير و هناك تطهير، هناك شفاءٌ من الأمراض و هناك تحليةٌ بالكمال هذه أولُ ثمرة و أقوى ثمرة من اتصالك بالله عز وجل، الإنسان المتصِّل بالله هل عنده ظلمٌ؟ هل عنده حقد؟ هل عنده شُحٌّ ؟ هل عنده جحود؟ أعوذ بالله من ذلك، المؤمن كلُّه وفاءٌ و تواضعٌ و إحسان و إنصاف و استقامة، فإذا كان الإيمانُ بجانبه الاعتقادي و جانبه العبادي ما طهَّر نفسَك فالإيمان غير صحيح، لذلك لن تجد في صفوف المؤمنين الصادقين حقدا و لا حسدا و لا غيرةً و لا قسوةً و لا جحودا و لا جبنا و لا بخلاً و لا تعنُّت و لا احتيالا و لبا بذاءةً، نحن لا نغترُّ برجل صلى في المسجد ثم يخرج لا يصلي السنةَ، أربع دقائق لا تصبر لها و تتابع مسلسلاً لخمس ساعات و لا تتضايق، أنا أعرف رجلاً إذا قرأ الإمام في المغرب أو العشاء يقيم عليه الدنيا، فإذا خرج من المسجد يقف الساعات الطوالَ في حديث فارغ، و مرَّةً رأى الحجَّاجُ رجلا يصلي قاعدا في دكَّانه فبعد أن انتهى من صلاته قال له: أريد هذا القِدْرَ ـ أعلى واحد ـ صعد البائعُ فأنزله له، ثم قال له: ليس هذا بل ذاك، و راح البائع يصعد و ينزل المرات الكثيرة، عندئذٍ ضربه الحجَّاجُ، تصلِّي قاعدا و أنت بهذا النشاط ؟! إنما أستغرب أنه ممكنٌ ركعتا السُّنة أربع دقائق فقط لا تتحمَّلها، و تقفلا في وجه المصلين غضبان لم يفتحوا لك الطريق، ما هذا الفقه الضعيف ؟ أنت في بيت من بيوت الله و في ضيافة الله، و السُّنة البعديةُ راتبة، و المشكلة أننا قلنا هذا لمن ذهب بعد الصلاة، نحاول في يوم من الأيام أن نعطي هذه الملاحظةَ بعد الصلاة حتى يسمعوا، كان عليه الصلاة و السلام كما تقول السيِّدة عائشةُ: كان يحدِّثنا و نحدثه فإذا حضرت الصلاةُ فكأنما لا نعرفُه و لا يعرفُنا فلاحِظْ أيَّ موظًّفٍ طلبَه الوزيرُ، ينظِّف حذاءه و يلبس أحسنَ اللباس، و انت في الصلاة بين يدي ملك الملوك قال تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

[ سورة الحج ]
وهذا بيته، لذلك الإنسانُ إذا نزع من أرض المسجد وسخًا قال هذه مهرُ حورِ العينِ، قال تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(37)﴾

[سورة النور]
و هناك آية أخرى، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

[ سورة التوبة ]
القرآن الكريم فيه إعجاز كبير ؛ " يعمر" الذي يعمرها بالصلاة و بحضور مجالس العلم و الذي يعمرها بالخطابة و بالإمامة و الذي يشيدها و الذي يهيئ مرافقها، مطلق الأعمار، وأيُّ مساهمة في بناء مسجد و كسوته و تزيينه و تأمين المرافق العامة للمسجد، و يقول النبيُّ الكريم: أَحَبُّ بلاد الله مساجدُه و أبغضُها أسواقُها، و الأسواقُ تنشأ فيها الخصوماتُ أ أما في المساجد فتنشأ فيها المودَّاتُ.
أرجو اللهَ تعالى أن يوفِّقنا أن نكون من عباده الصالحين في بيوته، و لابدَّ للإنسان أن يتفقَّهَ، ومرةً مرَّ شخصٌ بين يدي مصلَّي فمدَ المصلي يدَه فقال له الآخرُ: أهلا و سهلا، لم يفهم لماذا مدَّ يده فصافحه.
أيها الإخوة الأكارم الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

[ سورة الفرقان ]
وألصقُ شيء في حياة الإنسان عملُه و زوجتُه و أهلُه، فإذا وجد الإنسانُ توافقًا بينه و بين أهله و بينه و بين أولاده في اتجاهِ الدين فهذا أكبرُ سعادة الإنسانِ، و الحياة إن لم تبذلْ لها كلَّ شيء لا تأخذُ منها شيئا، و بقدرةِ قادرٍ أو بفعل سحريٍّ تجد الزوجةَ تعرف اللهَ و تنسب إليه و هي تمحضُك الوُدَّ ؛ هذا مستحيل إلا أن تعلِّمها و تأخذ بيدها و تسهم في توجيهها، فالإنسانُ حتى يقطِف ثمارَ الزوجة الصالحةِ و الأولادِ الأبرارِ يحتاج إلى بذل الجهد، و الله سبحانه و تعالى نظرًا لأن هذا العمل عظيمٌ جدًّا جعل مكافأتَه في الدنيا قبل الآخرة، فقط تربية الأهل و الأولاد هناك جزاءٌ له مُعجَّلٌ و جزيل وهو قرةُ العين، و لمَّا خطبَ القاضي شُرَيْحٌ امرأةً قال: وجدْتُ صلاحً و كمالاً- يعني كمالا في هيئتها و خلْقها و صلاحًا في دينها - قال: فصلَّيْتُ ركعتين شكرًا لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلَّمْتُ من صلاتي وجدْتُ زوجتي تصلِّي بصلاتي و تسلِّم بسلامي و تشكر شكري، فإذا صلى الإنسانُ مع زوجته أو جلس في سهرةٍ حدَّثها عن كتاب اللهِ أو عن حديث، هذا من متاع الحياة، فلذلك التعالى يكافئُ الزوج الذي أخذ بيد زوجته إلى الله يكافئه بجزاءٍ عاجل في الدنيا قبل الآخرة، وهو أن يجعلها له قرَّةَ عين و أن يجعل أولادَه الذين ربَّاهم تربيةً صالحةً قرةَ عين، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

[ سورة الفرقان ]
قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً (75)﴾

[ سورة الفرقان ]
أنا أكاد أقول لكم: إن خيرَ كسب الرجُل ولدُه، البذي عنده ابنٌ فله بابٌ للجنة، والذي له بنت له باب للجنة، والذي له زوْجَة له باب إلى الجنَّة ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))

[ رواه الترمذي ]
فَزَوْجَتُكَ وأولادك وحْدَهم يُدْخِلانِكَ الجنَّة وعليك بِخاصَّة نفْسِكَ ودَع عنك أمْر العامَّة، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾

[ سورة الكهف ]
فأنت لك كَهْفين ؛ بيْتُكَ ومسْجِدُكَ ففي هذين المكانين لا يوجد الكذب والنِّفاق.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-14-2018 01:40 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس العاشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والسَّبعون مِن سورة الفرقان، وهي الآية الأخيرة، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الإنسان إذا دعا الله حقيقةً، ماذا يعْني دُعاؤُهُ ؟ يعني أنَّهُ يعرفُهُ ويعرف أنَّه سميعًا بصيرًا وقريبٌ، وعَدْلٌ ورحيم، إنَّكَ لن تَدْعُوَ إنسانًا لا تُؤمِنُ بِوُجودِهِ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يستطيع أن يُجيبُكَ، فَبِمُجَرَّد أن تَدْعُوَ الله تعالى فأنت مؤمنٌ بِوُجودِهِ، وبأنَّهُ يسْمَع وأنَّهُ يُحِبُّك، وبأنَّهُ قادِرٌ على أن يُجيبَكَ إلى طلبِكَ، وُجود وسماع ومحبَّة وقُدْرة، فإذا دَعَوْتُم الله عز وجل يَعْبأُ بكم، ويُحِبُّكم ويرْعاكم، ويتولاَّكم، ويأخذ بِكُم إليه، ويَدُلُّكم إليه فالدُّعاء مُؤَشِّر خطير، أنت لا يُمْكِن أن تَدْعُوَ إنسانًا لا تؤمِنُ بِوُجودِهِ ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولو آمنْتَ بِوُجودِهِ، ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يُحِبُّك، ولا يمكن أن تدْعُوَ إنسانًا يسْمَعُكَ ويُحِبُّك ولكنَّه ضعيف، فأنت لاحِظ نفْسك حينما تدْعو فهذا يعني أنَّك مؤمن بِوُجودِه، وبأنَّه سميع قريب، وبأنَّه رحيم ودود، وأنَّه على كل شيء قدير، فالدُّعاء يعني أنَّك تعرف الله عز وجل.
الشيء الآخر أنَّ الدعاء سِلاح المؤمن، فإذا أردْت أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي:
((أنا ملِكُ الملوك ومالك الملوك، قلوب العباد بِيَدي فإن هم أطاعوني حوَّلت عليهم قلوب ملوك بالرَّحمة والرأفة، وإن هم عَصَوني حوَّلتُ عليهم قلوب مُلوكهم عليهم بالسُّخطة والنِّقْمة، فلا تشْغلوا أنفسكم بِسَبِّ الملوك وادْعو لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحكم بِصَلاحهم !))
أنت حينما تدْعو الله تغْدو أقوى إنسانٍ على وَجْه الأرض، لأنَّ مَن بِيَدِهِ كلّ شيءٍ يسْتَجيبُ لك، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]
سيِّدنا موسى مع شِرذِمَة يتْبَعُهُ قليل ووراءه جيش عرمرَم، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثور قال له الصِّديق رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198)﴾

[ سورة الأعراف ]
وفي معركة الخندق قال أحد أتباع النبي: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمَن أن يقْضِيَ حاجتهُ ! مُعَين ابن مَسْعود فرَّق شَمل اليهود مع قُريش، وجاءَت رِياحٌ عاتِيَة قلَّبت قم، وأطْفأتْ نيرانهم، وخرَّبَت خِيامهم وولُّوا مُدْبِرين، فإذا أردْتَ أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه فإنَّكم تعرِفونه، وما عليك إلا أن تُجَرِّب وسلْهُ بِصِدْق تجِدُ أنَّ الشيء الذي كان سَيَقَعُ لن يَقَع، ولا يمكن أن يكون له أن يقَع السُّؤال الثالث ؛ كيف يسْتجيب لك ؟ قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
ثلاثة شُروط للدُّعاء ؛ أوَّلاً أن تؤْمِنَ به مَوجودًا وقريبًا وسميعًا ومُجيبًا ورحيمًا وفعَّالاًّ، وسميعًا مُجيبًا ورحيمًا وقادِرًا، ثمَّ أن تُطيعَهُ لأنَّك إن آمنْتَ به ولك تُطِعْهُ تستحي أن تسأله، قال تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾

[ سورة الأعراف ]
أي يا عبادي إن اعْتَدَيْتُم على بعضِكم فلن أُحِبَّكم، وبالتالي لا أسْتجيب لكم، إن اعْتَدَيْتَ على أخيك المسلم ؛ على مالهِ أو عِرْضِهِ أو سُمْعَتِهِ أو أخَذْتَ ما ليس لك، ولو كنت أفْصَحَ الناس في الدُّعاء لن يسْتجيب لك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
عليك أن تؤْمِنَ به إيمانًا وُجودِيًّا، وسميعًا بصيرًا، وعليمًا حكيمًا وقديرًا فعَّالاً.
وقوله تعالى دَعاني، أي دعاني حقيقَةً ومُخْلصًا، فالإنسان قد يدْعو تَقْليدًا، لذا يجب أن تؤمن به وأن تطيعَهُ وتخْلِصَ له، وعندئِذٍ لله رِجال إذا أرادوا أراد، قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ قالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ رواه البخاري ]
النقطة الرابعة إذا كان الدُّعاء بين العَبْد وربِّه هناك حال المَدْعو وهناك حال الدَّاعي، فقي الأحوال الطبيعيَّة لا يُسْتَجاب الدُّعاء إلا إذا كان الداعِي مؤْمِنًا مُسْتجيبًا ومُخْلِصًا، إلا في حالتين لا يُنْظَر إلى حال الدَّاعي، ولكن يُنْظَر إلى المَدْعوّ وهو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾

[ سورة النمل ]
المُضْطرّ والمَظْلوم يُسْتَجابُ دُعاؤُهما ولولا كان كافِرَين، اتَّقوا دَعْوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب، واتَّقوا دَعوة المَظلوم ولو كان كافرًا، والظُّلْم ظُلمات يوم القيامة، فلا تقل هذا ليس مُسْلمًا وهذا لا يعرف الله تعالى، اسْمعوا هذه الآية:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(8)﴾

[ سورة المائدة ]
يجْرِمَنَّكم أي يَحْمِلَنَّكم، والشَّنآنُ هو البُغْض، مَن هم القوم الذي يُبْغِضُهم المؤمن ؟‍ الكفار، فالعدُوّ الأساسي هو الكافر، فهذا الكافر ولو كان كافرًا فلا يحْمِلكَ بُغضَكَ إيَّاه أن تظْلِمَهُ، فإنَّك إن ظَلَمْتَهُ لن يرْضى عنك، فالله تعالى كأنَّه يقول: يا عبادي إن توهَّمْتُم أنَّكم إن ظَلَمْتُم الكفَّار أرْضى عنكم فأنتم واهِمون إلا إن أنْصَفْتُموهم، لأنَّكم إن أنْصَفْتُموهم قرَّبْتُموهم إليكم، وتقرَّبتُم إليَّ فلو أنَّ مَجوسِيًّا جاء لِيَشْتري مِن عنْدِكَ، وغلِطَ بالحِساب ؛ يجب أن تُنْصِفَهُ، فأنت لو أسأتَ إلى مسلِمٍ لقال: فلان فعل معي كذا، ولكنَّكَ لو أسأت إلى كافرٍ فإنّه يتَّهِمَ جنس المسلمين ‍! لذلك أنت على ثُغرةٍ مِن ثُغَرِ الإسلام فلا يُؤتينَّ مِن قِبَلِكَ، وكلّ واحِد يُمَثِّل حارسًا مِن حُرَّاس الإسلام، فإذا الإنسان أساء لِغَير المُسْلِم فهذا قد أساء لِدِينِهِ، وأصْبَحَ مُمَثِّلاً أحْمَقًا لِهذا الدِّين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ رواه مسلم ]
وفي حديث آخر:
((من غشَّنا فليس مِنَّا ))
وهو في الترمذي، وهذا أبْلَغ لأنَّه مُطلق، فالذي يغشّ لا ينتمي لِهذه الأمَّة، ويُمكن أن تكون أكبر داعِيَة باسْتِقامَتِكَ وأمانتِكَ ووفائِكَ وحِفاظَكَ على الوَعد والعَهد.
الفِكرة الرابِعَة يسْتجيب دُعاء المُضْطَرّ كائِنًا مَن كان، فالمُضْطرّ لا يُنْظَر إلى حالِهِ، وإنَّما إلى اللخ عز وجل لأنَّ الله تعالى يُجيبُ دُعاء المُضْطَرّ، وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[ رواه البخاري ]

(( اتَّقوا دَعوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب !))

درسُنا أربعة فقراتٍ، فأنت إن دَعَوتَ الله فإنَّك تعلمُ أنَّه مَوجود، وأنَّه سميع عليم ورحيم وَدود، وأنًّه على كل شيء قدير لأنَّك لن تَدْعُو إنسانًا لا يسْمَعُك ولا يُحبُّك، أو لا يَقْدِر على أن لا يُجيبَك، فَدُعاء الله عز وجل نَوْعٌ مِن معرفة الله تعالى، لذلك الدُّعاء مُخّ العبادة، ومن لا يدْعُني أغضب عليه، وإنَّ الله يُحبّ المُلِحِّين في الدُّعاء، وإنَّ الله يُحبّ من العبْد أن يسْأله مِلْحَ طعامِهِ وشِعْثَ نَعْلِهِ إذا انْقَطَع، وأن يسْأله حاجتَهُ كلَّها، وإنَّ الله حيِيّ كريم، ويسْتحي من عبْدِهِ إذا رفع يَدَيْه أن يَرُدَّهما خائِبَتَين، ولا تَرُدُّوا القضَاء إلى الدُّعاء، ولا ينْفَعُ حذَرٌ من قَدَر ولكن يرْفع الدُّعاء، ديننا كلُّه دُعاء، ولكن دُعاءٌ بِعَقْل وليس بِالجُنون ! مُقيمٌ على المعاصي ويقول: يا رب، يا رب !! يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُن مُسْتجاب الدَّعوة.
آخر آية من الفرقان قوله تعالى:


﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه يسْتَجيب لكم، ويُربِّيكم ويرْعاكُم، ويأخذ بكم إليه والدُّعاء معرفة، ويحتاج إلى شُروط ؛ أن تؤمِنَ به وتسْتجيب له وأن تُخْلِصَ في الدُّعاء.
والمَظلوم والمُضْطَرّ مُسْتثنى من شُروط الدُّعاء، ولو كانا كافرين.





والحمد لله رب العالمين





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والسَّبعون مِن سورة الفرقان، وهي الآية الأخيرة، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الإنسان إذا دعا الله حقيقةً، ماذا يعْني دُعاؤُهُ ؟ يعني أنَّهُ يعرفُهُ ويعرف أنَّه سميعًا بصيرًا وقريبٌ، وعَدْلٌ ورحيم، إنَّكَ لن تَدْعُوَ إنسانًا لا تُؤمِنُ بِوُجودِهِ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يستطيع أن يُجيبُكَ، فَبِمُجَرَّد أن تَدْعُوَ الله تعالى فأنت مؤمنٌ بِوُجودِهِ، وبأنَّهُ يسْمَع وأنَّهُ يُحِبُّك، وبأنَّهُ قادِرٌ على أن يُجيبَكَ إلى طلبِكَ، وُجود وسماع ومحبَّة وقُدْرة، فإذا دَعَوْتُم الله عز وجل يَعْبأُ بكم، ويُحِبُّكم ويرْعاكم، ويتولاَّكم، ويأخذ بِكُم إليه، ويَدُلُّكم إليه فالدُّعاء مُؤَشِّر خطير، أنت لا يُمْكِن أن تَدْعُوَ إنسانًا لا تؤمِنُ بِوُجودِهِ ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولو آمنْتَ بِوُجودِهِ، ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يُحِبُّك، ولا يمكن أن تدْعُوَ إنسانًا يسْمَعُكَ ويُحِبُّك ولكنَّه ضعيف، فأنت لاحِظ نفْسك حينما تدْعو فهذا يعني أنَّك مؤمن بِوُجودِه، وبأنَّه سميع قريب، وبأنَّه رحيم ودود، وأنَّه على كل شيء قدير، فالدُّعاء يعني أنَّك تعرف الله عز وجل.
الشيء الآخر أنَّ الدعاء سِلاح المؤمن، فإذا أردْت أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي:
((أنا ملِكُ الملوك ومالك الملوك، قلوب العباد بِيَدي فإن هم أطاعوني حوَّلت عليهم قلوب ملوك بالرَّحمة والرأفة، وإن هم عَصَوني حوَّلتُ عليهم قلوب مُلوكهم عليهم بالسُّخطة والنِّقْمة، فلا تشْغلوا أنفسكم بِسَبِّ الملوك وادْعو لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحكم بِصَلاحهم !))
أنت حينما تدْعو الله تغْدو أقوى إنسانٍ على وَجْه الأرض، لأنَّ مَن بِيَدِهِ كلّ شيءٍ يسْتَجيبُ لك، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]
سيِّدنا موسى مع شِرذِمَة يتْبَعُهُ قليل ووراءه جيش عرمرَم، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثور قال له الصِّديق رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198)﴾

[ سورة الأعراف ]
وفي معركة الخندق قال أحد أتباع النبي: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمَن أن يقْضِيَ حاجتهُ ! مُعَين ابن مَسْعود فرَّق شَمل اليهود مع قُريش، وجاءَت رِياحٌ عاتِيَة قلَّبت قم، وأطْفأتْ نيرانهم، وخرَّبَت خِيامهم وولُّوا مُدْبِرين، فإذا أردْتَ أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه فإنَّكم تعرِفونه، وما عليك إلا أن تُجَرِّب وسلْهُ بِصِدْق تجِدُ أنَّ الشيء الذي كان سَيَقَعُ لن يَقَع، ولا يمكن أن يكون له أن يقَع السُّؤال الثالث ؛ كيف يسْتجيب لك ؟ قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
ثلاثة شُروط للدُّعاء ؛ أوَّلاً أن تؤْمِنَ به مَوجودًا وقريبًا وسميعًا ومُجيبًا ورحيمًا وفعَّالاًّ، وسميعًا مُجيبًا ورحيمًا وقادِرًا، ثمَّ أن تُطيعَهُ لأنَّك إن آمنْتَ به ولك تُطِعْهُ تستحي أن تسأله، قال تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾

[ سورة الأعراف ]
أي يا عبادي إن اعْتَدَيْتُم على بعضِكم فلن أُحِبَّكم، وبالتالي لا أسْتجيب لكم، إن اعْتَدَيْتَ على أخيك المسلم ؛ على مالهِ أو عِرْضِهِ أو سُمْعَتِهِ أو أخَذْتَ ما ليس لك، ولو كنت أفْصَحَ الناس في الدُّعاء لن يسْتجيب لك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
عليك أن تؤْمِنَ به إيمانًا وُجودِيًّا، وسميعًا بصيرًا، وعليمًا حكيمًا وقديرًا فعَّالاً.
وقوله تعالى دَعاني، أي دعاني حقيقَةً ومُخْلصًا، فالإنسان قد يدْعو تَقْليدًا، لذا يجب أن تؤمن به وأن تطيعَهُ وتخْلِصَ له، وعندئِذٍ لله رِجال إذا أرادوا أراد، قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ قالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ رواه البخاري ]
النقطة الرابعة إذا كان الدُّعاء بين العَبْد وربِّه هناك حال المَدْعو وهناك حال الدَّاعي، فقي الأحوال الطبيعيَّة لا يُسْتَجاب الدُّعاء إلا إذا كان الداعِي مؤْمِنًا مُسْتجيبًا ومُخْلِصًا، إلا في حالتين لا يُنْظَر إلى حال الدَّاعي، ولكن يُنْظَر إلى المَدْعوّ وهو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾

[ سورة النمل ]
المُضْطرّ والمَظْلوم يُسْتَجابُ دُعاؤُهما ولولا كان كافِرَين، اتَّقوا دَعْوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب، واتَّقوا دَعوة المَظلوم ولو كان كافرًا، والظُّلْم ظُلمات يوم القيامة، فلا تقل هذا ليس مُسْلمًا وهذا لا يعرف الله تعالى، اسْمعوا هذه الآية:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(8)﴾

[ سورة المائدة ]
يجْرِمَنَّكم أي يَحْمِلَنَّكم، والشَّنآنُ هو البُغْض، مَن هم القوم الذي يُبْغِضُهم المؤمن ؟‍ الكفار، فالعدُوّ الأساسي هو الكافر، فهذا الكافر ولو كان كافرًا فلا يحْمِلكَ بُغضَكَ إيَّاه أن تظْلِمَهُ، فإنَّك إن ظَلَمْتَهُ لن يرْضى عنك، فالله تعالى كأنَّه يقول: يا عبادي إن توهَّمْتُم أنَّكم إن ظَلَمْتُم الكفَّار أرْضى عنكم فأنتم واهِمون إلا إن أنْصَفْتُموهم، لأنَّكم إن أنْصَفْتُموهم قرَّبْتُموهم إليكم، وتقرَّبتُم إليَّ فلو أنَّ مَجوسِيًّا جاء لِيَشْتري مِن عنْدِكَ، وغلِطَ بالحِساب ؛ يجب أن تُنْصِفَهُ، فأنت لو أسأتَ إلى مسلِمٍ لقال: فلان فعل معي كذا، ولكنَّكَ لو أسأت إلى كافرٍ فإنّه يتَّهِمَ جنس المسلمين ‍! لذلك أنت على ثُغرةٍ مِن ثُغَرِ الإسلام فلا يُؤتينَّ مِن قِبَلِكَ، وكلّ واحِد يُمَثِّل حارسًا مِن حُرَّاس الإسلام، فإذا الإنسان أساء لِغَير المُسْلِم فهذا قد أساء لِدِينِهِ، وأصْبَحَ مُمَثِّلاً أحْمَقًا لِهذا الدِّين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ رواه مسلم ]
وفي حديث آخر:
((من غشَّنا فليس مِنَّا ))
وهو في الترمذي، وهذا أبْلَغ لأنَّه مُطلق، فالذي يغشّ لا ينتمي لِهذه الأمَّة، ويُمكن أن تكون أكبر داعِيَة باسْتِقامَتِكَ وأمانتِكَ ووفائِكَ وحِفاظَكَ على الوَعد والعَهد.
الفِكرة الرابِعَة يسْتجيب دُعاء المُضْطَرّ كائِنًا مَن كان، فالمُضْطرّ لا يُنْظَر إلى حالِهِ، وإنَّما إلى اللخ عز وجل لأنَّ الله تعالى يُجيبُ دُعاء المُضْطَرّ، وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[ رواه البخاري ]

(( اتَّقوا دَعوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب !))

درسُنا أربعة فقراتٍ، فأنت إن دَعَوتَ الله فإنَّك تعلمُ أنَّه مَوجود، وأنَّه سميع عليم ورحيم وَدود، وأنًّه على كل شيء قدير لأنَّك لن تَدْعُو إنسانًا لا يسْمَعُك ولا يُحبُّك، أو لا يَقْدِر على أن لا يُجيبَك، فَدُعاء الله عز وجل نَوْعٌ مِن معرفة الله تعالى، لذلك الدُّعاء مُخّ العبادة، ومن لا يدْعُني أغضب عليه، وإنَّ الله يُحبّ المُلِحِّين في الدُّعاء، وإنَّ الله يُحبّ من العبْد أن يسْأله مِلْحَ طعامِهِ وشِعْثَ نَعْلِهِ إذا انْقَطَع، وأن يسْأله حاجتَهُ كلَّها، وإنَّ الله حيِيّ كريم، ويسْتحي من عبْدِهِ إذا رفع يَدَيْه أن يَرُدَّهما خائِبَتَين، ولا تَرُدُّوا القضَاء إلى الدُّعاء، ولا ينْفَعُ حذَرٌ من قَدَر ولكن يرْفع الدُّعاء، ديننا كلُّه دُعاء، ولكن دُعاءٌ بِعَقْل وليس بِالجُنون ! مُقيمٌ على المعاصي ويقول: يا رب، يا رب !! يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُن مُسْتجاب الدَّعوة.
آخر آية من الفرقان قوله تعالى:


﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه يسْتَجيب لكم، ويُربِّيكم ويرْعاكُم، ويأخذ بكم إليه والدُّعاء معرفة، ويحتاج إلى شُروط ؛ أن تؤمِنَ به وتسْتجيب له وأن تُخْلِصَ في الدُّعاء.
والمَظلوم والمُضْطَرّ مُسْتثنى من شُروط الدُّعاء، ولو كانا كافرين.





والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-15-2018 09:00 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشعراء آياتٌ تتَكرَّر، قال تعالى:
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾

(سورة الشعراء)

هذه الآية تتكرَّر عَقِبَ كلّ قِصَّة، قِصَّة سيِّدنا موسى مع فِرْعَون، ففي آخر القِصَّة قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وقِصَّة إبراهيم بعد أن تنتهي قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وكل قِصص هذه السورة تنتهي بِهذه الآية، فما مَغْزى هذه السورة ومن هذه القِصص ؟
أيها الإخوة، الإنسان إذا أراد أن يعرِفَ الحقيقة وأرادَها بِصِدْق ومِن أعْماقِهِ، كُلّ شيءٍ يدُلُّه عليه ؛ بَدْءً مِن خلق السماوات والأرض، ومِن أفعال الله عز وجل، ومِن طعامِهِ وشرابِهِ والقرآن الكريم، والمَوْعِظَة وأيّ شيء قريب أو بعيد، مَلْموسٍ أو مَحْسوسٍ يَدُلّ على الله، أما إذا رفضَ الإنسان الحقيقة، لو رأى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صعِدَ إلى السماء، ولو رأى ميِّتًا قام مِن قبْره وكلَّمَهُ، ولو رأى عصًا قد أصْبحَت ثُعبانًا، ولو رأى أنَّ الجَبَلَ خَرَجَت منه الناقَة ؛ هؤلاء الأقْوام الذين كذَّبوا أنْبِياءَهُم، ومع ذلك لم يُؤْمِنوا، فما المَغْزى من هذه القِصَّة؟ المَغزى أيُّها الإخوة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، فإذا اخْتار الهُدَى كان معه ألف طريق وطريق يوصِلُهُ إلى الله، وكلّ شيءٍ هو آيةٌ على أنَّه الواحِد ؛ طعامُهُ وشرابُهُ و أولادهُ وزَوْجَتُهُ وكَسْبُهُ، وكذا الطيور والأسماك والنبات والجبال والبِحار والسُّهول والزلازل والبراكين والفيضانات، والحُروب ؛ هذه كُلُّها تَدُلُّه على الله إذا أراد الحقيقة، وإن لم يُرِدْها فَقَوْمُ فِرْعَون رأَوْا أنَّ البَحْر أصْبَحَ طريقًا يبَسًا، ورأَوًا عصاةً أصْبَحَتْ ثُعْبانًا مُبينًا، وقَوم إبراهيم أبْرَموا نارًا عظيمة وألقَوا فيها إبراهيم عليه السلام فلمَّا انْتَهَتْ وَجَدُوه قاعِدًا مُسْتَريحًا ! سيِّدنا صالح أخْرَجَ لهم ناقًةً من الجَبَل، فالإنسان إذًا أراد الحقيقة مِن أعْماقِ أعْماقِهِ فَكُلُّ شيء يَدُلُّهُ على الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
فأنت إذا أرَدْتَ الحقيقة وصَلْتَ إليها، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69)﴾

[سورة العنكبوت]
أما إن لم يُرِد الإنسان إلا الحياة الدنيا وأعْرَضَ عن ذِكْر الله، قد يرى الآيات التي تَخِرُّ لها أعْناق الجبابِرَة، ومع ذلك لا يسْتفيد ولا يُؤْمِن والآيات واضِحَة، وأقْرَبُ آيَةٍ إلينا الموت، كَم شَيَّعْتَ مِن إنسان ؟ وكذا التَّعْزِيَة، أين هو الآن ؟! جلَسَ في قبرٍ صغير موحِشٍ، وقد كان يسْكن بيتا فيه مئات المتْرات، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
هؤلاء الذين يُشَيِّعون الجنازَة يقِفُون على باب المسْجِد وكأنَّهم لا يُصَلُّون وكأنَّهم لن يموتوا، سِنُّهُ خمسٌ وسبْعون ولم يسْجد لله تعالى ولو سَجْدَة! المَوت أقرب إلينا من شِرْك نَعْلِنا ؛ ثانِيَة وتكون في عالم آخر، تجِدُهُ بِصِحَّة جيِّدة فإذا به يموت فجْأةً، ترك النساء والمال والتِّجارة.
فيا أيها الإخوة الكرام، ربُّنا يُريدُنا أن نقول: إنَّ الكَوْن بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، وأنّ خرْق نواميسِهِ لا يزيد المُعْرِض إلا إعْراضًا والكافر إلا كُفْرًا، والظالم إلا ظُلْمًا، والمُتَشَكِّك إلا تَشَكُّكًا، والخائِف إلا خَوْفًا، فَمَن لم يُؤمِن بالكَون دون خرْق نواميسِهِ فلن يؤْمِنَ به وقد خُرِقَت نواميسُه، فوَرَقَة الشَّجَر تحوي معْملاً لا يعدِلُهُ أيُّ معْمَل صَنَعَهُ الإنسان، هذه الورقَة يأتيها الماء من الجُذور سالِكًا طريقًا مُعاكِسًا للجاذِبِيَّة، وكل السوائل تسقط إلا ماء التربة يَصْعد إلى ثلاثين متر بِخَاصَّة شَعْرِيَّة بالغَة الدِّقَّة تحتاج إلى شَرْح طويل، ويصْعَد الماء وهو مُذاب به ثمانِيَة عشَرة مَعْدَنًا، في هذه الورَقَة فوتونات وطاقة شمسِيَّة مَخْزونة، وآزوت واليَخْضور ؛ كلُّ هذا بِآيَةٍ عجيبة ودِقَّة بالِغَةٍ وإعْجاز المُعْجِز يُصْنَع في الورَقَة سائِلٌ اسمُهُ النُّسُغ النازِل، وهذا السائِل هو الذي يُسْهِمُ في نُمُوّ النَّبات، وهو الذي يُسْهِم في نُمُوّ الجُذورة والجِذْع طولاً وعَرْضًا، ونُمُوّ الأغصان وظُهور الأوراق والأزهار والبراعِم والثِّمار، فهل نحن في بني البشَر معنا سائل تحْقِنُهُ ويَصْعَد إسْفَنج أو خشَب، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
آيةُ النَّبات آية كبيرة ؛ هذا الماء الذي في الدَّرَجة زائِد أربعة يزْداد حجْمُهُ إذا برَّدْتَهُ، ولولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياةٌ على وَجْه الأرض وهذا الهواء الذي يَحمِلُ بُخار الماء، لولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياةٌ على وَجْهِ الأرض، وخاصَّة التَّرسُّب هذه لولاها لما كُنَّا مَوْجودين فالعَظْم يحْمل خمسمائة كيلو، عظم عُنق الفخِذ يتَحَمَّل ضَغْطًا مائتان وخمسمائة كيلو، أنت تأكل لحم، وحليب، فَكَيف صار الحليب قاسِيًا ؟ بِفَضْل ظاهرَة التَّرسُّب، فأملاح الكالِسْيوم تكون مُذابَة في الحليب، فإذا وَصَلَت إلى المكان المناسب تترسَّب على شَكل عِظام، وكذا الانْصِهار فلو كانتْ العناصِر تنصَهِر بِدَرَجَة واحِدَة لكان الكون كلّه صلبًا أو مائِعًا أو غازِيًّا ؛ كُلُّ عُنْصر له درجة انْصِهار خاصَّة، هناك خَشَب وهناك ماء وهناك هواء، هناك شيء ليِّن وآخر قاسي وآخر لزِج وذاك صلب فالكَونُ إذاً على وَضْعِهِ الراهِن أكبر مُعْجِزَة على الإطلاق، فَمَن لم يؤْمِن بِهذه المُعجِزة من دون خَرْق فلن يؤْمِن ولو خرقت الأمور، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
ولو رأى ميِّتًا اسْتَيْقظ مِن قَبْرِهِ وقال له هناك جنَّة أو نار، لقال: هذه تَخَيُّلات وتخرُّصات ولو رأى كِتابًا نزَلَ مِن السَّماء، إلا إذا آمَنَّا بالآيات الكَوْنِيَّة الدالة على عظَمَة الله عز وجل، فالقَضِيَّة في هذه السورة مِحْوَرِيَّة، وكل قِصَّة وراءَها تَعْقيب، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
سَحَرة فِرْعَون رأَوْا العصا وقد أصْبَحَت ثعبانًا وقد أكلت ما يأفِكون ومع هذا ما آمَنَ فِرْعَون ! متى آمَنَ ؟! حينما أدْرَكَهُ الغَرَق، وكُلّ واحِد لما يأتيهِ ملَكُ المَوت يُؤْمِن لأنَّ أكثر كُفَّار الأرض وهو فرعون قال حينما أدْرَكَهُ الغرَق:

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[سورة يونس]
فالإيمان خِيار وَقْت وليس خِيار قَبول أو رَفْض ؛ فالآن خمسة آلاف مليون نسمة في الأرض ؛ كُلُّهم سوف يؤمِن صاغِرًا عند الموت لَكِنَّ البُطولَة أن تؤمِن قبل الموت، وتنتفِعَ من إيمانِك وأن تؤمن وأنت غَنِيّ وصحيح، وأن تُؤمِن وأنت مُعافى وشاب ؛ مِن أجل أن تنتفِعَ بالإيمان، لذلك الله عز وجل أرانا في هذه السورة أشْياء كثيرة:

﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾

[سورة الشعراء]
وليدًا ؛ يصعبُ على الابن أن يُرَبِّي أباه إن كان عاصِيًا ! يقول له: متى أصْبَحْتَ تنْصحُنا، البارِحَة كنت صغيرًا، والآن تتكلَّم قال بعدها الله تعالى:

﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)﴾

[سورة الشعراء]
اسْتِفهام إنكاري، قال تعالى بعدها:

﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22)﴾

[سورة الشعراء]
جعَلْتَهم عبيدًا لك ؛ وجَعَلْتنا عبيدًا لك وقتَلْتَ أبْناءَها واْسْتَحْيَيْتَ نِساءَنا ؛ أهذه نِعْمَة ؟ حينها قال فرعون:

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)﴾

[سورة الشعراء]
لما الإنسان يكشف الحقيقة، نسأل الله العافِيَة، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)﴾

[سورة الشعراء]

قال هذه الكلمة لِمَن حَوْلَهُ ؛ تعالوا تَسْمعون مِن باب الاسْتِهْزاء، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) ﴾

[سورة الشعراء]

فالناس اليوم إذا رأَوا المُلْتَزِم يقولون: فلان مَجنون لا يعرف إلا الله الله من البيت إلى المَسْجِد ! قال تعالى:
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)﴾

[سورة الشعراء]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-15-2018 09:02 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس االثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، القِصَّة الثانيَة من سورة الشعراء، وهي قِصَّة سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)﴾

[سورة الشعراء]
أوَّلا ينبغي أن يكون الذي تَعْبُدُهُ أن يسْمَعَك إذا سأَلْتَهُ، وينبغي أن يُحِبَّك، وأن يكون قَوِيًّا ينْفَعُكَ، فهذه الأصْنام لا تَسْمَعُ إذا دَعَوْتُموها، ولا تنفَعُ ولا تضرّ، والشيء الآخر هو التَّقليد الأعمى، قال تعالى:

﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)﴾

[سورة الشعراء]
فَمَن الذي ينبغي أن تعْبُدَهُ ؟ إذا كنتَ في الصَّحْراء وقلتَ له: يا رب يسْمَعُكَ، وإذا كنتَ على ظَهْر سفينة والمَوْج على أشَدِّهِ وقلتَ: يا رب يسْمَعُكَ، وكذا إن كنتَ في غوَّاصَة، وقلتَ: يا رب، يسْمَعُكَ، وكذا في الطائرة، فالذي ينبغي أن تعْبُدَهُ، وأن تُقَدِّم حياتَكَ مِن أجْلِهِ هو الله عز وجل، فلا يليق بالإنسان أن يكون لِغَيْر الله، وهذا الذي ينبغي أن تَعْبُدَهُ يجب أن يكون مَوْجودًا، وأن يكون كامِلاً، وأن يكون واحِدا وأن يسْمَع ويُبْصِر ويَعْلَم فإذا تكلَّمْت يسْمَع وإذا تَحَرَّكْتَ يُبْصِر، وإذا سَكَت يعْلَم خواطِرَك، سميع إذا دَعَوْتَهُ وبصير إذا تحرَّكْت وعليم إذا سكت والآية الكريمة:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) ﴾

[سورة الشعراء]
فهذه أوَّل صِفَة.
الصِّفَة الثانِيَة: ينبغي أن يكون رحيمًا وَدُودًا كي يعْطف عليك وينبغي أن يكون قديرًا، وتتعلَّق قُدْرَتُهُ بِكُلّ مُمْكِن، مِن أجل أن تَدْعُوَهُ وتلجأ إليه، قال تعالى:

﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)﴾

[سورة الشعراء]
قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

[ سورة طه ]
هدى إلى ماذا ؟ أربعُ هِدايَات ؛ هِدايَةٌ إلى مصَالِحِك ؛ أعْطاك سَمْعا وبصَرا، وقُوَّة توازُنا وحاسَّة شمّ، فإذا كان الطعام فاسِدًا عافَتْهُ وعَقلا وحواسا خَمْسا وجهاز المناعة والهَضم والإفراز، وأجْهِزَة دقيقة جدًا فهذه هِدايَة المصالِح، ثمّ هداك بالوَحي فإذا اخْتَرْتَهُ هداك بالتَّوفيق قال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

[ سورة الكهف ]
ثمَّ هداك إلى الجنَّة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

[سورة الشعراء]
المطر أنزلَهُ، والنبات أخْرَجَهُ والثِّمار عَقَدَها، والمحاصيل أنْضَجَها وكل أنواع النبات بدْء من المحاصيل إلى الخضار والفواكه والثِّمار والوُرود ؛ كلّ هذه مِن خلْقِهِ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

[سورة الشعراء]
وهنا الدِّقة، فهو ما قال: وإذا أمْرَضَني لأنَّ أصْل المرض خُروج الإنسان عن منهج الله، هناك نقطة مهمَّة وهي مهما كان ثمن السيارة غاليا فلا يمكن أن يصْنع الإنسان سيارة تدوم إلى آخر عمرها دون تَغْيير قِطعٍ فيها، أرْقى أنواع السيارات بعد عشرين سنة تحتاج إلى كذا وكذا، أما الإنسان المُصَمَّم يعيش ثمانين سنة دون أيّ تَغْيير، يَحوي تَجْديدًا ذاتيا، أسْرَع خلايا في التَّجْديد خلايا الأمْعاء الدَّقيقة ؛ تتجدَّد ذاتِيًّا كلّ ثماني وأربعين ساعة، وهذه حقيقة علميَّة، و أطول عُمْر خلِيَّة خمْس سنوات، معنى ذلك أنت كلّ خمْس سنوات إنسان جديد ؛ إلا الدِّماغ فإذا تغيَّر فهذه مُصيبة المصائِب يدْرس خمْس سنوات طبّ فإذا تغيَّر دِماغه نسى كلّ شيء، يقول لك حينها: أنا دَرَسْتُ الطب والهندسة وكذا...أما الآن فلا أفْقَهُ شيئًا !! وكذا الخليَّة العَصَبِيَّة لا تتغيَّر، والقلب كذلك، فكُلّ شيء يتغيَّر في الإنسان إلا القلب والدِّماغ فلا يتغيَّران، فالله تعالى صمَّمَ الإنسان تَصْميمًا دقيقًا.تَلَوُّث الهواء والأطْعِمَة الكيماوِيَّة، تجد شرابات كلَّها كيماوِيَّة، ولا شيء فيها طبيعي ! فهذا خطأ، فالأشياء التي تُخزَّن في الفْرِيزَرْ تُسبِّب أمراضا وبنزوات الصوديوم مَسموح اثنان بالألف وأصحاب المعامل حتى لا ترجع لهم المُعلَّبات وكي لا تفسد يضَعون خمْسة بالألف، وهذه مواد مُسرْطِنَة، أحد الأطِبَّاء قال: مرض السرطان متضاعف عشرين ضِعف بالنِّسبة للسنوات السابقة، هناك خطأ بِحَياتِنا، وخطأ بِأكْلِنا وفي الهواء الذي نسْتنشِقه، والماء الذي نَشْرَبُهُ ؛ فالمِياه السوداء التي بالغوطة الشرقِيَّة جعلتْ كلّ الخُضْراوات والفواكِه فاسِدَة ! فالمِياه السَّوْداء تَدخل في تَرْكيب النِّبات، فهذا خطأ عَصْري وليس فرْديا أصْبِغَة كيماوِيَّة، وقلل على الدَّخْل والتِّجارة لذا أصل المرض خُروج عن منهج الله، يُغَيِّرون منهج الله في الحياة، اللَّحم مَصْعوق كهْربائي .
عُقِدَ مؤتَمر على السَّرطان بألمانيا قبل عشْر سنوات، والذي ناب عن بلدنا دكتور مَشْهور بالسَّرطان قال فيها: البلاستيك إذا اسْتَعْملْتَهُ بالسائل الحار أو الحامِضي يأخذ منه، فالمواد الحامِضِيَّة والحارَّة ممنوع اسْتِعمالها بالبلاستيك، فهذا أحد الأخطاء، لذلك الآن هناك مقاييس ومُواصفات، يأخُذون أيّ عَيِّنَة وخلاف المواصفات مُصادَرة لأنَّ تُجار الطعام لا يَعْنيهم شيْئًا، وفي بعض معامل اللُّحوم الجاهِزَة وَجَدوا لَحم قِطَط ! لذلك الإنسان كما عليه أن يعرِف ما يتكلَّم لا بدّ أن يعرِف ماذا يأكل، دَعْك من الكيماوِيَّات، وتناوَل المواد الطَّبيعِيَّة، والطازج أفضل، وهذا هو معنى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

[سورة الشعراء]
والصِّحة نصف مال الإنسان، فالعِنايَة بالصِّحة جزء من الدِّين، النبي عليه الصلاة والسلام قال عن حبة البركة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ:

(( شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ ))

[ رواه البخاري ]
عُقِد مؤتَمر بِمِصْر لِيَدرس الحبَّة السوداء وكانت النتيجة أنَّ الحبة السوداء تُقَوِّي جِهاز المناعة في الإنسان، فيَشْفى من كُل مرض، والله عز وجل قال عن العَسَل فيه شِفاء للناس، وأحيانًا دواء كيماوي ثمنه ثمان مائة ليرة، والحبَّة ألف ليرة، فأنت اِرْجَع إلى الكتاب والسنَّة، وطَبِّق نصائِح النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي يَحتاجُهُ الإنسان في حياتِهِ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء]
أي اُرْزقني الحِكمة، قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
فأعظم شيء على الإطلاق يُؤتيكهُ الله أن تَكون حكيمًا، حكيما في طعامك وشرابك وزواجِك، وتَزويج أولادك وبناتِك، وحكيما في علاقاتِك مع الآخرين، وحكيما في نزهاتِك وسفرك.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-15-2018 09:03 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، النبي الكريم إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء يَدعو ربَّهُ ويقول:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء ]
ولو درسنا الأدْعِيَة التي جاء بها الأنبياء لَوَجَدْنا فيها عَقْلاً راجِحًا وعِلْمًا نافِعًا.
الله جل جلاله أعْطى القوَّة إلى مَن لم يُحِبّ، ولِمَن يُحِبّ، فَهُوَ أعْطاها لِفِرْعَون وهو لا يُحِبُّهُ، وأعطاها لِسُليمان وهو يُحِبُّه، إذًا ما دامَ الشيء الواحد قد أُعْطِيَ لِمَن يُحَب ولِمَن لم يُحَب فهو حِيادي لا علاقة له بِحُبِّ الله إطْلاقًا، فقد أعطى المال لِقارون وهو لا يُحِبُّه، وأعْطى المال لعبد الرحمن ابن عَوف وهو يُحِبُّه، فما دام الشيء الواحد يُعطى لِمن يحب ولمن لا يحب فهذا لا علاقة له بالحُبّ، لكنَّ الشيء الذي لم يُعْطِهِ تعالى إلا لِمَن يُحِبُّه هو العِلْم والحِكْمة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

[ سورة يوسف ]
لأنَّك بالعِلم تعرف الله وتُطيعُهُ وتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، وبالعِلم تَسْعُد بِحَياتِه، وبه تدخل الجنَّة، فإذا أرَدت الدنيا فعليك بالعِلم لذلك طلب العلم فريضة ولا شأن في الدنيا يَعْلو على العِلْم، وأيُّ عِلْمٍ هذا ؟ العلم بالمنهج القرآني، لو أنَّ الإنسان عنده مكتبة من الأرض إلى السقف على أربعة جدران، وعنده بعد أسبوع امْتِحان التَّخَرُّج، وعلى هذا الامْتِحان يتوقَّف نجاحه وتَعْيينُهُ في أرْقى وظيفة، وزواجُهُ، وكلّ مُسْتَقْبَلِهِ مُتَعَلِّق بهذا الامْتِحان، فهل مِن المَعْقول أن يقرأ كل هذه المكتبة ؟ أم يلجأ إلى المُقَرَّر عليه في الامْتِحان فقط ؟! هناك عِلْمٌ يُنْفِعُ ولا يَنْفَع ؛ فَيُمْكِنُكَ أن تقرأ قصَّة من ألف صفحة، وتستمتِع بها أشَدُّ المُتْعة، ولكنَّك لا تستفيد منها لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهناك عِلمٌ مُمْتِعٌ غير نافِع، وآخر مُمْتِع ونافِع، فقد تدرس عِلْمًا دُنْيَوِيًّا تستفيد منه أرباحًا كبيرة لكنَّ العِلْم الدّيني هو العِلم النافع والمُسْعِد في الدنيا والآخرة لأنَّ أيَّ شيء تقرؤُه في كتاب الله، تجده موجودًا في بيْتِك وعملِك وصِحَّتِك وفي زواجِك وتِجارتِك ومالِك، وفي تربيَةِ أولادك، وفي إقْبالِكَ على الله، فالقرآن الكريم هو مَنْهَجُ الإنسان، لذلك سيِّدنا إبراهيم بعد أن قال:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء ]
بالمناسبة أخْطَر شيءٍ في حياة الناس حياتهم ورِزْقُهُم، والمُسْلِم أعْتقِدُ اعْتِقادًا جازِمًا أنَّ حياتَهُ ليْسَت بِيَدِ أحد إلا الله، فالذي منَحَ الحياة هو الذي يسْلُبها، وأنّ رِزْقهُ ليس بِيَدِ أحدٍ إلا الله، والذي رزَقَ هو الذي يَمْنَع، والذي رفع هو الذي يخْفض، والذي أعزَّ هو الذي يُذِلّ، والذي بسَط هو الذي يقْبض، فلذلك العُمْر والرِّزْق بِيَد الله عز وجل، وهناك قَوْلٌ رائِع ؛ كلمة الحق لا تُقَرِّبُ أَجلاً، ولا تقْطعُ رِزْقًا، والذي تَعْبُدُهُ ضامِنٌ لك، فلو سأل أدهم قبل عَشْر سَنَوات ماذا أفعل بِهذا المال ؟ ثمَّ أشرْتَ عليه أن يشْتري حاجَةً ظَنَنْتَ أنَّها سَيَرْتَفِعُ ثمنها في القادِم، فإذا بالنَّتيجة مُعاكِسَة ! فأنت لا تستطيع أن تضْمَن له نتيجَة، فأيُّ آمِرٍ من بني البشَر ليس آمِنًا إلا الله، فالله وحْدهُ الضامِن، إذا أَمَرَكَ بِشَيءٍ يضْمنُ لك الفَوْز والسَّعادة، فالله عز وجل حينما أمَرَنا بِطاعَتِهِ ضَمِنَ لنا السَّعادة، وضَمِنَ لنا السلامَة، والعَقَبَة هي عَبَقَة عِلْم، والإنسان يُحِبُّ ذاتَهُ ووُجودَه، وسلامة وُجوده وكمال وُجودِه واسْتِمْرار وُجودِه وانْطِلاقًا مِن حُبِّهِ لِوُجودِهِ ؛ إن رأى الخير في هذا الباب دَخَلَهُ، وإن رأى الخير في هذا الطريق سَلَكَهُ، وإن رأى الخير في هذا العمَل فعَلَهُ، وإن رأى الخير في تَرْك هذا الشيء تَرَكَهُ،، ولو أنَّ أشْقى الأشْقِياء رأى ما رآهُ النبي لكان مثل النبي ! فلذلك أعدى أعْداء الإنسان هو الجهْل، مَعرِفة كلام ربِّ العالمين، وسُنَّة رسول ربِّ العالمين، ولا يَعْلو عليها شيء في الأرض، فأنت حينما تجد عِيادة الطبيب مُكْتظة بالزِّبائِن، وكلّ واحِد ألف ليرة ؛ كُلّ هذا الدَّخْل الكبير سبب دِراسَتِهِ بالجامِعَة، فَدِراسَتُهُ هي سببُ هذا الرِّزْق الوفير، فلا شيء يَعْلو على طلب العِلْم، وبِطَلَبِ العِلْم يُصبِح ذا دَخْلٍ عظيم، وهذا بِحَسَبِ قِيَم الأرض، ماذا دعا سيِّدنا إبراهيم ؟ قال تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
الحُكم ؛ العِلْم والحِكْمة والمَعْرفة مِن معرفة الله وكتابِهِ ومنهجِهِ تعالى أنَّى يأتيك وأنت في البيت ؟ وأنَّى يأتيك وأنت مُضْطجعٌ على سريرك ؟ وأنَّى يأتيك وأنت مُسْتَلْقٍ على أريكَةٍ وفيرة في بيتِك ؟ أنى يأتيك وأنت في سَهْرةٍ مُخْتَلَطَة ؟ وأنَّى يأتيك وأنت في مَتْجَر ونُزْهة ؟! لا يأتيك إلا في مكانِهِ ؛ بيتٌ من بيوت الله إنَّ بُيوتي في الأرض المساجِد، وإنَّ زُوَّارَها هُم عُمَّارُها، فَطوبى لِعَبْدٍ تطهَّر في بيتِهِ ثمّ زارَني، وحُقَّ على المَزور أن يُكْرِمَ الزائِر، لو تمنَّى طالب مليون سنة أن يكون طبيبًا ؛ لن يكون طبيبًا إلا إذا انْتَسَبَ إلى كُلِيَّة الطِبّ، وذهَبَ إلى الجامِعَة وجلسَ على مَقْعَدِ الدِّراسَة، واسْتَمَع إلى مُحاضرة الأساتِذَة مكان العِلْم الدِّيني هو المساجِد، والمَسْجَد له أخْطَر دَوْرٍ في حياة المُسْلِمين، لما هاجَرَ النبي عليه الصلاة والسلام مِن مكَّة إلى المدينة ألَيْس من المَعقول والمنطِق أن يبْنِيَ بيْتًا ؟ نزَلَ ظَيْفًا وبنى المَسْجِد فأوَّل عملٍ قام به النبي عليه الصلاة والسلام بعد الِهجْرة أنَّه بنى المَسْجِد مكان العِبادة والعِلْم ومكان حلّ قضليا المُسلمين، فالإنسان الذي لا مسجِد له ينْهَلُ منه هو إنسان ضائِعٌ وشارِد وجاهِل ويَدْفَعُ ثمَنَ جَهْلِهِ باهظا ؛ تَعْليقي على هذه الآية:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
فالإنسان إذا آتاهُ الله الحِكْمة يُصْلِحُ الزَّوْجَة الفاسِدَة والسيِّئة، أما إن لم يَكُن حكيمًا يُفْسِد الجيِّدَة، فبالحِكْمة تجْلب المال، وبالحُمْق تُبَدِّدُهُ وبالحِكمة تكْسِب الأصْدِقاء، وبالحُمق تُنَفِّرُهم، وبالحِكمة تسْعَدُ فيما آتاك الله، وبالحُمْق تَشْقى فيما أوتيتَ، لذلك لمَّا قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269) ﴾

[سورة البقرة ]
إلهٌ عظيم يقول: فقد أوتِيَ خيْرًا كثيرًا، والحِكْمة مَعرِفة كلام الله ومنهج رسول الله، والأحكام الشَّرْعِيَّة، ومعْرفَة ما يكون وما لا يكون هذه المعارف كلُّها مجْموعةٌ في كتاب الله، ومُفَصَّلة في سُنَّة رسول الله، ومُطَبَّقة في سيرتِهِ صلى الله عليه وسلَّم، فإذا قرَأْتَ كتاب الله وتفهَّمْتَ معانيه، وقرأتَ سُنَّة رسول الله، وتفقَّهْتَ أحكامَها وقرأْتَ سيرة رسول الله، واقْتَدَيْتَ به فقد جَمَعْتَ العِلْم من كُلِّ أطْرافِهِ وهذا هو العِلْم النافِع الذي ينْفع ويرفَع، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجُلاً في المسْجِد تحلَّق الناس حوْله، فقال: مَن هذا؟ -وهو يعرف من هو ؛ سؤال العارِف - فقالوا: نسَّابَة يا رسول الله قال: وما نسَّابَة فقالوا: يعْرف أنْساب العرب ! فقال صلى الله عليه وسلم:
((ذاك علْمٌ لا ينفَعُ مَن تعلَّمَهُ ولا يضرُّ مَن جَهِلَ به !))
فلو كان معك بيتٌ فيه أثاث مِقداره خمْسة ملايين ! ولا سمَحَ الله أُمِرْت أن تُغادِر هذا البيت وأن تحْمل معك سِعَة شاحِنَة صغيرة فقط، ما الذي سَتأخذُهُ من أثاثِك ؟ أثْمَن شيءٍ وأقلَّهُ حجْمًا، الذَّهَب، والأجهزة الإلكترونية هاتِف والأشياء الثَّمينة، فالحياة مُعَقَّدة جدًا، وعُمْرنا قصير، وما يُطْبَعُ في اليوم الواحِد مِن الكُتب لا تسْتطيعُ أن تقرأه عبْر مائة عام، وفي شتَّى بِقاع الأرض، وبِكُلّ اللُّغات، عليك أن تصْطفي ماذا تصْطفي ؟ كلام الله، وفضْل كلام الله على كلام خلقِه، كَفَضْل الله على خلْقِهِ والإنسان زائِل ومُنته وحادِث وضعيف، ومضى وقتٌ لم يكن شيئًا مذْكورًا، والله تعالى أزلي وأبدي، والله قويّ وعالم والله تعالى مالِك لذا أعظم كتاب وهو كلام الله، وتختار أعْظم رسول وهو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالذي يتبَّع كلام الله وسيرة رسوله فقد حاز العِلْم كُلَّه، وهذا هو العِلم النافِع، وهذا القرآن الذي لا فقْر بعده ولا غِنًى بعدهُ، وهو روحُ الرُّوح، وهو ربيع القلوب، وغِذاء الروح، وقد قال تعالى أنَّه شِفاء للمؤمنين، قال تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[ سورة الإسراء ]
الشيء الثاني و ألْحقني بالصالحين، فَمِن نِعَم الله الكُبْرى أن تكون مع المؤمنين، وأن تكون مع الصالحين، وفي مُجْتمع المؤمنين والإنسان مهما كان صفاؤُهُ تنْحرف نفْسُهُ إذا خالط المُنْحَرِفين ؛ من نظراتهم وبذاءة لِسانِهم ومُزاحِهم المُنْحَطّ وتعليقاتِهم الساخرة، فالصديق المُنْحرِف يُعَكِّر صَفْوك، ويُشَوِّهُ أخلاقك، قال تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
و باقي الآيات نشْرحها في الدرس القادِم إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-15-2018 09:05 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثمانون التي تمَّ شرحها في الدَّرس الماضي، وقد وَقَفْنا وقْفةً طويلة عند الحُكْم، وكيف أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أحَبَّ عبْدًا منَحَهُ حُكْمًا، والحُكم العِلْم مع الحِكْمة، والحِكْمة الاسْتِفادة من العِلْم، والعِلم من دون تَطبيق لا جَدْوى منه:

وعالمٌ بِعِلْمِهِ لم يعْمَلَــن مُعَذَّبٌ من قبل عُبَّاد الوَثَن
***

والعِلْم بلا عَمَل كالشَّجَر بِلا ثَمَر، وتَعلَّموا ما شِئْتم فو الله لن تُؤجروا حتَّى تعملوا بِما علِمْتُم.
قوله تعالى:

﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[ سورة الشعراء ]
هذا مِن تَواضُعِ الأنبياء، فَهُوَ يَدْعو ربَّهُ أن يكون مُلْحَقًا بالصالحين كما الإمام الشافعي:

أُحِبُّ الصالحين ولسْتُ منهم لعلِّي أن أنال بِهم شفاعـــة
وأكْرهُ مَن بِضاعَتُهُ المعاصي ولو كنا سواءً في البِضاعَــة
***

لا يَدخل الجنَّة مَن كان في قلبِهِ مِثْقال ذرَّة مِن كِبْر ؛ لأنَّ الكِبْرَ يتناقَض مع العُبودِيَّة لله عز وجل، فالعُبودِيَّة لله تعالى قد تَشوبُها أخْطاء كثيرة إلا أنَّ ذَرَّةَ كِبْرٍ تتناقَضُ مع العُبودِيَّة، كما أنَّ اللَّبَن يُمكنُ أن يُضاف إليه خمْسة أمثال حجْمِهِ ماءً، أما نقْطة نفْط واحِدَة تُفْسِدُ هذا اللَّبَن،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه البخاري]
فالمُتَكَبِّر مَحْجوبٌ عن الله عز وجل، لو لم تُذْنِبوا لَخِفْتُ عليكم ما هو أكبر، قال عليه الصلاة والسلام: العُجْب العُجْب. لكن هناك نقطة وهي ؛ كيف يُوَفِّقُ الإنسان بين خِدْمَتِهِ للخَلْق وبين قِيادَتِهِ لهم ؟! للخَليفة عمر بن الخطَّاب قَوْلٌ رائِعٌ في هذا الموضوع، وفي التَّوْفيق بين الوَظيفَتَيْن فقد قال: أُحِبُّ أميرًا إن كان أميرًا بدى وكأنَّهُ واحِدٌ منهم، وإن لم يَكُن أميرًا بدى وكأنَّهُ أمير، إذًا غيرَتُهُ على المَصْلَحَة العامَّة تَجْعَلُهُ يُؤَمِّرُ نفْسَهُ، فهُوَ إن لم يكن أميرًا أخَذَ دَوْر الأمير ! وهذا الخليفة العظيم قال: لسْتُ خيْرًا من أحَدِكم، ولكِنَّني أثْقَلُكُم حِمْلاً، فالإمارة لها وَجاهَة ومَسْؤولِيَّة، وسيِّدُنا عمر يُريد أميراً إن كان حقيقةً بين أصْحابِهِ بدى وكأنَّهُ واحِدٌ منهم، ولم يعبأ بِالمَظْهر ولا الوَجاهَة، وإن لم يَكُن أميرًا بدى وكأنَّهُ أمير، وأخذَ مُهِمَّاتِها ووظائِفَها، وما صُنِعَت له.
قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)﴾

[ سورة الشعراء ]

النبي عليه الصلاة والسلام وصَف المؤمن أنَّه يخطئ ويرْتكِبُ بعض الذُّنوب ولكن لا يَكْذِب، لأنّ الإنسان إذا كذَب فليس هو بِمُؤْمِن، وورَدَ حديث وهو مِن أدَقِّ الأحاديث، والآن عِلْم الطِّباع مِن علم النَّفس يُؤَكِّدُ هذه الحقائِق تَجِدُ أَخَويْن تَوْأمَيْن ومِن بُوَيْضَة واحِدَة ؛ هذا له طَبع وهذا له طَبْع، يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:


(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))

[ رواه أحمد ]
فقد تَجِد مؤمنا مُنْفَتِحا، وآخر مُنْغَلِقا، وقد تجد مؤمنا مرِحا، وآخر عَبوسا، وقد تَجِد مؤمنا اجْتِماعيا، وآخر انْعِزاليا، وذاك أنيق والآخر أقلّ أناقَة، قد تجِدُ مؤمنًا يعتني بِطَعامِهِ عِنايَةً فائِقَة، والآخر لا يعتني هذه كُلُّها طِباع، هذا سريع الغضب وذاك بطيء الغضب وهادىء المزاج وآخر عصبي المزاج، وآخر بينهما، آلاف الطِّباع.
أصل الخِيانة والكَذِب تتناقض مع الإيمان، لذلك حينما يكْذب الإنسان يسْقط مِن عَين الله، ويسقط مِن عَين الناس، فالإنسان يَحْتَمِل من صديقِهِ آلاف الأخْطاء إلا أن يكْذِب عليه ! يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ ))

[ رواه أبو داود ]
أصحاب الحِرَف، ومنهم المُحامون والأطِبَّاء، والمهندسِّون، وكذا المدرسون، يقول لك الطبيب: تحْتاج إلى عَمَلِيَّة فَوْرِيَّة وهو ليس كذلك والمريض مُسْتَسْلِم وواثِق ويُصَدِّقُه، فإذا فَعَل الطبيب هذه الفِعْلة كي يأخذ الثَّمَن فهذه خِيانَة، والمُحامي يعْلم عِلْم اليقين أنَّ هذه الدَّعْوَة خاسِرَة يقول للمُوَكِّل: سوف ترْبَحُها، وهو يعلم أنَّها خاسِرَة، وهذه النتيجة قد يعلمها بعد ثماني سنَوَات، ويكون قد أخَذَ منه الكثير ؛ هذه خِيانَة، وكذا كُل المِهَن، وهذه أساسُها الثِّقة، فالنبي يقول:

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ ))

[ رواه أبو داود ]
والله أيها الإخوة، الإنسان إذا كذَب على الناس، ولو يُسَمِّيه الناس مِلْح الرجال، هذا البيْع المَبني على الكذب، يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي سُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا الرَّجُلُ مَالَ الْمُسْلِمِ تَعْقِمُ الرَّحِمَ ))

(رواه أحمد )

يحْلف بالله أنَّ رأس مالها أكثَر ! ونحن عندنا قاعِدَة: اليَمين على نِيَّة المُسْتَحْلف لا على نِيَّة الحالِف ؛ لذلك كما قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)﴾

[ سورة الشعراء ]
أشْرَف ثَوْب تَرْتديه أن تكون صادِقًا، كُنْ فقيرًا وضعيفًا ولكن لا تَكْذِب لأنَّك إن كذَبْت تسقُط من عَين الله، ووالله أيها الإخوة، لأَنْ يسْقُطَ الإنسان مِن طائرة على ارْتِفاع أربعين ألف قدم أهْوَنُ مِن أن يسْقُطَ مِن عَيْن الله، لأنَّهُ إذا بَقِيَ عند الله مُكَرَّم فالله تعالى يُعَدِّل كُلّ شيء، لذا صِفَةُ المؤمن أنَّهُ صادِق، لما سأل النَّجاشي سيِّدَنا جَعْفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال له أربع صِفات مرْكَزِيَّة قال له: حتَّى بعث الله فينا رجلا نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسَبَه.
قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
والله أيها الإخوَة، لو لم يَكُن في كتاب الله إلا هذه الآية لَكَفَتْنا، أربعة آلاف مليون يموت ويترك كلّ شيء، بيْتُهُ يُوَزَّع، وثِيابُهُ كذلك، أشياؤُهُ الثَّمينة يأخًُذها أولادهُ، ولكن ما الذي ينْفَعُكَ ؟ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ! قلبٌ ليس فيه غِشّ ولا حسَد ولا كِبْر ولا شِرْك ولا كُفْر، رأسُ مالِكَ الذي يُسْعِدُكَ إلى أبد الآبدين هو قلبُكَ السليم، وهذا كلام ربِّ العالمين لذلك قال سيِّدنا عمر: تعاهَد قلْبَكَ، قال تعالى :

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
القلبُ السليم ثَمَن الجنَّة، وهو يحْتاج الاتِّصالٍ بالخالق، والاتِّصال يَحتاج إلى طاعة، والطاعة تحْتاج إلى معْرِفَة، تعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَتَّصِلُ به، فيَسْلَمُ قلبُه، ويكون هذا الأخير ثَمَن الجنَّة، فأنت تعرفُهُ من كَوْنِهِ وآياِتِه الكَوْنِيَّة، ومن آياتِهِ التَّكْوينِيَّة ؛ أفعالهُ، ومن آياتِهِ القرآنِيَّة فالمؤمن قلبهُ سليم، والذي في قلبهِ على لِسانِهِ، وسريرتهُ كَعَلانِيَّتِه وخَلْوتهُ كَجَلْوَتِهِ، وسفرُهُ كَحضرِه، وفي بيتِهِ كما في عملِهِ، لا يوجد عنده مُعْلن وغير مُعْلَن، ومظْهر ومخْبَر ؛ قلبهُ سليم، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
لذلك الله ربُّ النوايا كما يقول العوام، هنيئًا لِمَن كان قلبُهُ سليم، هو المَحْفوظ وهو الذي يُدافِعُ عنه الله، وهو الذي يُعْليه، أما صاحِب القلب الخبيث في أسفل السافلين، ومُلَخَّص الدرس أنَّ الخمسة آلاف مليون إنسان الآن على وجه المعمورة هم رجلان ؛ مَوْصول، وقلبهُ سليم ومُنْضبِط ومُحْسِن وسعيد، وآخر مَقْطوع وذو قلب غير سليم، ومُتَفَلِّت وشَقيّ، ولن تجِدَ إنسانًا آخر، وهذا في الدنيا والآخرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ))

[ رواه الترمذي]
لماذا الصُّعوبات في الحياة ؟ هانَ أمْرُ الله علينا، فَهُنَّا على الله ! المؤمن غالي على الله تعالى، أما لما يسْتهين يخرج من ظل الله، فَيُعامَل مثل مُعامَلة الباقين أما إن أردْت أن تُعامَل مُعامَلة خاصَّة، يجب أن تكون تحت طاعة الله، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

[ رواه البخاري ]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-15-2018 09:06 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة إبراهيم عليه السلام في سورة الشُّعَراء، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)﴾

[سورة الشعراء]
هذا اليوم لا بدّ آتٍ، وكلُّ مُتَوَقَّعٍ آت، وكلّ آتٍ قريب، فالواحِد مِنَّا لِيَسْأل نفْسَهُ: كيف مَضَت الأربعون عامًا ؟ والخمسون عامًا ؟ كَلَمْحِ البصَر، فالأيام تَمْضي سِراعًا، وكذا الزَّمَن والإنسان بين يومٍ مَفْقود، وهو الذي مضى، ويوْمٍ مَشْهود وهو الذي يَحْضُرُه، ويَوْمٍ موْرود وهو ساعةُ الموْت، ويومٍ مَوْعود وهو يوْم القِيامة، ويوم مَمْدودٍ إلى ما شاء الله، فأنت بين خمْسة أيام ؛ وفي قَوْلٍ آخر ثلاثة أيام: ما مَضى فات والمُؤَمَّلُ غَيْب، ولك الساعة التي أنت فيها، أيْ أنَّك لا تَمْلِكُ إلا الساعة التي أنت فيها، فالتي مضَتْ مضَت ولا جَدوى للحديث عنها والتي لم تأت أنت لا تمْلكُها فقد لا نَصِل إليها، ولا يوجَد إنسان تُوُفِّي إلا ومِئات الأفكار وتَخطيط لِعَشْر سنوات أو أكثر، وأقلّ شيء التخطيط خمْس سنوات، فإذا بالموت يأتي ويُلغي كُلّ هذه الآمال فالمُسْتقبل لا تمْلكُهُ، والماضي مضى، وأنت لا تمْلِكُ إلا المُستقبل وهذا اليوم لا بدّ مِن أنَ نصِل إليه،قال تعالى:

﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) ﴾

[سورة الشعراء]
أحيانًا قانون يصْدر مَرْسوما لِتَفْسيرهِ، ويختلف الناس في تَفسيرهِ فتَصْدُر تَعليمات تنْفيذِيَّة، ويختلف الناس في فَهْم هذه التَّعليمات وتَصْدر اجْتِهادات في المَحْكمَةَ الدُّسْتورِيَّة حتى نفْهم كلامًا قالهُ البشَر !! فكيف إذا كُنَّا مع كلام رب البشَر، خالِقُ البشَر الذي يقول في هذا اليوم الذي لا يستطيع أحدٌ أن يتفلَّت منه، ومهما علا شأنُهُ وكَبُرَت قُوَّتُهُ، ومهما ازْداد عِلْمُهُ، قال تعالى:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(27)﴾

[سورة الرحمن]
ففي هذا اليوم، قال تعالى:

﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) ﴾

[سورة الشعراء]
مهما تركتَ مِن المال، ثمان مائة مليون، دعا أحد العلماء، وهو على فِراش المَوت وقال له ماذا أفْعَل فإنَّ هذا المال حصَّلْتُهُ مِن حرام، ومن دور القِمار فقال له هذا العالِم وقد قسى عليه بعض الشيء، وهو الحقّ: والله لو أنْفقْتَهُ كُلَّهُ لا تنْجو مِن عذاب الله، مهما كان حجْمُكَ المالي كبيرا، هناك مُلوك للمال في العالم، أحدُ مُلوك الحديد وُجِدَ ميِّتًا في عرض البحر مع امرأة عارِيَة ! أين مالهُ ؟ الذين يمْلِكون الملايين المُمَلْيَنَة يموتون ولا يأخُذون معهم شيئًا، فرَبُّنا عز وجل يقول لك: إيَّاك أن تأكُلَ مالاً حرامًا، وهذا المال ربَّما دخل به وَرَثَتُكَ الجنَّة ودخلتَ أنت به النار، وهذا هو أنْدَمُ الناس ! فقد حصَّلهُ هو بالحرام وأنْفقَهُ وَرَثَتُه بالحلال، لذلك لا تعْصي الله مِن أجل إنسان ؛ عَبْدي خَلَقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ أَفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُهُ لَكَ كُلَّ حينٍ، لي عليك فريضَة ولكَ عليَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضَتي لم أُخالفْك في رِزْقِك، وعِزَّتي وجلالي إن لم ترْضَ بِما قَسَمْتُهُ لك فَلأُسلِّطَنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوَحْش في البَرِيَّة ثمَّ لا ينالُكَ منها إلا ما قَسَمْتُهُ لك ولا أُبالي، وكنتَ عندي مَذْمومًا أنت تُريد وأنا أريد، فإذا سَلَّمْتَ لي في ما أريد سلَّمْتُ لك فيما أريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمّ لا يكون إلا ما أُريد !
قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

[سورة الشعراء]
اِغْتَصَب بيْتًا، ودخَلَ بالقَضاء ثماني سنوات، ووكَّل أكبر قاضي، واتَّفَق معه وبالنَّتيجة لم يصْدُر حُكم بِإخْلاء البيت ! اضْطَرَّ أصْحابُهُ أن يبيعُوا البيت بِثُلث قيمتِهِ وقَّع العَقْد وشَعَرَ بِنَشْوَة ما بعْدها نَشْوَة، وبعد تِسْعَةٍ وعشرين يومًا جاء أجَلُهُ، وَوُضِعَ في قبْرٍ في الباب الصغير، فأيْنَ البيت ؟ اغْتِصَبَهُ حرامًا وورَثَتُهُ نَعِموا به حلالاً، وهو سَيُعَذَّبُ به، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

[سورة الشعراء]
نازَعْتَ أيْتاما، وأدْخَلت مَن يُمَثِّل ! ورَشَوْت ! وكذا لو كان لك شريك والمحلّ باسْمِك وهو ضعيف، تعلَّمْتَ منه الخِبْرة، وبعدما أتْقَنْتَها أخْرَجْتَهُ مِن المحَلّ بِأُسْلوب ذَكِيّ، ورميت هذا الأخير بالطريق ! الآية دقيقة جدًا، فالمال الذي تُحَصِّلُهُ من طريق غير مَشْروعٍ لا ينْفَعُكَ وسوف تكْوى به في نار جهنَّم، ولذا الميِّت إذا مات رفْرَفَتْ روحُهُ فوق العرْش، وتقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بكم الدنيا كما لَعِبَتْ بي، جَمَعْتُ المال مِمَّا حلّ وحَرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّهِ وفي غير حِلِّه فالهَناء لكم، والتَّبِعَةُ عليّ، فالطبيب أحْيانًا يُكَلِّف المريض بتحليل لا فائِدَة منه، وتَخطيط، وقد يتَّفق المريض مع المُحَلِّل، يُعَمِّر بيْته بمال الناس، وبعدها يأتيه ملَكُ المَوت، وهذا مُحامي لامِع جدًا، وكلَّما أخَذَ قضِيَّة نجَحَ فيها، لا لأنَّه ذكِي وإنَّما بِأساليب لا شرْعِيَّة يسْتخْدِمُها وجمَّع ثرْوَة، وبعدها مات ! أيُّ مالٍ تَجْمعُهُ حرامًا لن ينفعَكَ إضافة أنه يكون سبب شقَاءَك الأبَدِيّ، تواضِع لا ترْتفع، اتَّبِع ولا تبْتَدِع الورِع لا يتَّسِع، لُقْمة مِن حلال أفضَل من بيت من حرام، كُلّ شيء في الدنيا يُحَل بالسُّهولة ؛ دُيون وذِمم والغيبة يُسْتسْمح منها، مادام القلب ينبض فهُناكَ أمَل، وباب التوبة مَفتوح على مِصْراعَيْه، والله أيها الإخوة لا أرى أغْبى إنسان بنى مالاً على معْصِيَة الله، وهو يظنّ أنَّهُ ذَكِيّ، فهذا المال سيُدَمَّر، وسَيَكون سبب الشَّقاء الأبديّ، أربع أولاد دكاتِرة معهم شهادة البورد، ولكن الاسْتِقامة معدومة فيهم، وأتَوا بِزَوْجات أجْنبِيَّات، يسْبحون على البحْر بِأفْضَح ثِياب، لا بدّ لك مِن ولَدٍ صالِحٍ يدْعو لك، ومِن ولدٍ تُعَلِّمُهُ الشرع، وأن يدْعو إلى الله عز وجل، وهناك آية أُخرى بالإسراء، وهي قوله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا(46)﴾

[سورة الكهف]
مال دون أولاد، وقلْبُهُ مَحْروق، وما ترَك بلدًا إلا وزارَهُ من أجل الإنْجاب ! وهذا معه جيش من الأولاد ولكن ليس معه المصاريف ! فالله جمَعَ بين المال والبنون، ولكن يوم القيامة لا يفْتخر الإنسان بهما فالأب قد يفْتخر بِمَرْكزه في المجتمع، ولكن الدِّين يقول لك: أصْلَحُهُ الله !
قال تعالى بعد ذلك:

﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[سورة الشعراء]
هل طهَّرْتَ قلبَك من الحسد والأدْران والكِبر والغشّ والعُجْب وأمراض القلب، فأمْراض الجسَد مهما تفاقَمَتْ تنتهي عند الموت، ولكن أمراض القلب قد لا نشْعر بها في الحياة، كِبْر واعْتِداد بالذات واسْتِعلاء على الناس، وتيه، سمَّاها الغزالي المُهْلِكات، هذه الأمراض مُشْكِلَتُها تبْدأ عند الموت، ولا تنتهي إلى أبَدِ الآبدين، سرطان ! هناك سرَطان بالأمعاء لا يُحْتَمَل، ولكن بعد سَنَتيْن يموت، تشَمُّع كبِد ولكن بعدها يموت، وهذه الآية دقيقة جدًا، أرَدْتُ أن تكون مِحْوَر هذا الدَّرْس ؛ اِتَّق أن تأكل المال الحرام، يا سَعْدُ أطِب مطْعَمَكَ تكُن مُسْتجاب الدَّعْوَة، يقول العبد يا رب يا رب ومَطعمه حرام ومَشْربُهُ حرام، وغُذِّيَ بالحرام فأنَّى يُسْتَجاب له، والبنون عليك أن لا تهْتم بالولد النَّجيب واللاَّمِع ودَخْلُهُ كبير، وتأتى بِزَوْجة أجْنَبِيَّة، وتلْبس أفْضَح ثِياب، هذا لا ينْفعُكَ يوم القيامة، لا ينْفعُكَ إلا ابن عرف الله، ودعا إلى الله، تكون أعمالهُ كُلُّها في صحيفَتِك، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

[سورة الشعراء]
سَلِمَ من الشِّرْك والكِبر والحسد والعُجب والاستِعلاء وحُبّ الذات والذي عنده إحياء عُلوم الدِّين أو منهج القاصِدين، فهذان الكتابان على أمراض القلب، والله لا ينْجَح إلا القلب السليم، فتعاهَد قلْبَكَ، لذا قال عمر بن الخطاب: تَعَاهَد قلْبَكَ، ولا تَجْعل الناس أهْوَنَ الناظِرين إليك عبدي طهَّرْتَ مَنظَر الخلق سِنين، لماذا يعْتني الإنسان بالمنْظر الخارِجي ؟ اِعْتنِ بالمَنظر الداخلي ؛ القلب ! غرفة الضُّيوف يجب أن نُعيدَها، أفلا طهَّرْتَ قلبَكَ ساعَة، قلبٌ مُوَحِّد، ومُسْتسْلِم ومُفْتقِر.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-17-2018 03:20 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في قِصَّة نوح عليه السلام مع قَوْمِهِ التي ورَدَت في سورة الشُّعراء بدْءً مِن الآية الخامِسَة بعد المائة، قال تعالى:

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ﴾

[سورة الشعراء]
بيتُ القصيد: أَنُؤمِنُ لك وقد اتَّبعك الأرْذَلون ! طبْعًا كلمة الأرْذلون ليس مقصودها المعنى الذي نَفْهَمُهُ، فالأرْذَلون معناها أنَّهم فُقَراء، عَدِي بن حاتِم كان مَلِكًا في الجزيرة العَرَبِيَّة، ووقَعت أمُّهُ سفَّانَة أسيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وقد رأَتْ أُخْتُهُ، ومِن كمالهِ، وكيف كان يُطْعِم الجائِع ؟ ويَكسو العريان ؟ ويفكُّ الأسير ؟ ويرحم الصغير ؟ فنَصَحَتْ أخاها أن يذْهَب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالتْ له: إنْ يكن ملِكًا ينالُكَ مِن خَيْرِهِ، وإن يكن نبِيًّا فللسابق فضْله، فجاء عدِيّ بن حاتِم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سألهُ النبي عليه الصلاة والسلام: مَن الرَّجل ؟ فقال: عدِيّ بن حاتِم ! فأخَذَهُ إلى البيْت تَكْريمًا له، وفي بيْت النبي أعطاهُ وِسادَةً مِن أدَمٍ مَحْشُوَّةً به، وقال: اِجْلِس عليها، فقلتُ: أنت فقال: بل أنتَ، قال: فَجَلَسْتُ عليها، وجلسَ رسول الله على الأرض فقال: عليه الصلاة والسلام: إيهِ يا عدِيّ بن حاتِم، ألم تكُ رُكوسِيًّا ؟! دينٌ بين النَّصرانِيَّة والصابِئِيَّة، فقال: بلى، فقال: أوَلم تسِر في قَوْمِكِ بالمِرْباع ؟! قال: قلتُ بلى، قال: فإنَّ ذلك لم يكن يحلّ لك في دينِك ! - دقِّقوا في المناقشَة - أنت تُخالِف مبادىء دينِك، والإنسان ينْسَجِم ما الذي يَعْتَقِد قال: فَعَلِمْتُ أنَّه نبِيٌّ مُرْسَل يعْلم ما يجْهَل، فقال عديّ بن حاتِم: في الطريق اسْتَوْقفَتْهُ امْرأةٌ فقيرةٌ تُكَلِّمُ النبي في حاجَتِها، فَوَقَفَ النبي عليه الصلاة والسلام طويلاً فقُلْتُ في نَفْسي: ما هذا بِأَمْر ملِك، قال: إيهِ يا عديّ بن حاتم، لعلَّه إنَّما يَمنَعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم ! فقد كان أصْحاب النبي فقراء إلى درجة غير مَحْدودة، وكان أهل الفجور والعصْيان، يأكلون أطْيَبَ الطَّعام، وهم أقْوِياء مُتَمَكِّنون فالنبي قال له: لعلَّه إنَّما يَمنَعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم، وَيْمُ الله، لَيوشِكَنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجَدُ مَن يأخُذه ! فلمَّا جاءَت غنائِم كِسْرى سيِّدنا عمر قلَّبها بِقَضيب، وثمّ قال له: ولعلَّه إنَّما ما يمْنعُك مِن خول في هذا الدِّين أنَّك تر المُلْك والسُّلْطان في غيْرِهِم، فو الذي نفس مُحمَّد بِيَدِه لَيوشِكَنّ أن ترى القصور البابِلِيَّة مُفتَّحة للمسلمين، ولعلَّهُ إنَّما يمْنعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى مِن كَثْرة عَدُوِّهم، فو الذي نفس محمَّد بيَدِه ليوشِكَنَّ أن تسْمع بالمرأة البابِلِيَّة تحجّ هذا البيْت على بعيرِها لا تخاف، لذا قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ﴾

[سورة الشعراء]
أن يكون المؤمنون فقراء ؛ هذا مانِع، وأن يكون المؤمنون ضُعفا ء هذا مانِع ثاني، وأن يكون أعداء المؤمنين ؛ هذا مانِع ثالث، لكن أيُّها الإخْوة، الحُظوظ، فالمال والقوة حظّ، فالدَّولة النَّوَوِيَّة مرْهوبة الجانب وقد لا تسْتخدم هذا السِّلاح إطْلاقًا، والذكاء حظ والغِنى حظ والحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوْزيع ابْتِلاء والدنيا مُؤَقَّتة إما أن تنْجح، وإما أن لا تنْجَح، وكلّ إنسان فيما عطاه له، وفيما منَعَه الله منه، هما مادَّة امْتِحان، فأنت مُمْتَحَنٌ مرَّتَين، فيما أوتيتَ وفيما حُرِمْت، فالواحد قد يُوَفَّق إلى زوْجة صالِحَة، فهذا مُمْتَحَن هل يأخذ بها إلى الله أم يسْتمْتِع بها وفقط ! وآخر لم يقدِر على الزَّواج، هذه مادَّة امْتِحانِهِ مع الله ؛ هل يَعُفّ ؟ فالحُظوظ ما أوتِيتَ منها، وما حُرِمْتَ منها هي مادَّة امْتِحانِكَ مع الله، ولأنّ الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[سورة المؤمنون]
لا بدّ مِن أن تُمْتَحَن، والإمام الشافعي سُئل: أنَدْعوا الله بالابْتِلاء أم بالتَّمْكين ؟ فقال هذا الإمام: لن تُمَكَّن قبل أن تُبْتَلى، فالسيارة لا يُتَصَوَّر أن تُمْتَحَن بالهبوط، وكذا المؤمن لا بدّ أن يُمْتَحَن، قال تعالى:

﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(42)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)﴾

[سورة آل عمران]
فالله أعْطاك صِحَّة، إذًا مادَّة امْتِحانِك مع الله هذه الأخيرة، ماذا فَعَلْت بِهذا النَّشاط ؟ غيْرك عاجِز، وأعْطاك مالا، فماذا فَعَلْتَ به ؟ يقول الله عز وجل يوم القيامة: عبْدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا فَعَلْتَ به ؟ فيقول: ما أنْفقْت منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنَّ الذي خَشيتَهُ على أولادِك مِن بعْدِك قد أنْزَلْتُهُ بهم ! ويقول لآخر: عبدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا فَعَلْتَ به ؟ فيقول: يا رب، أنفقته على كُلّ مُحْتاجٍ ومِسْكين، لأنَّك خير حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين فيقول الله له: عبدي أنا الحافظ لأولادِك من بعدِك، فالله يتولى أولاد مَن فعَل الخَيْر، وتجدهم بِمَناصِب رفيعة ولو كانوا في حياة أبيهم لما أمَّنَ لهم ما هم فيه ! دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ في حياتِك خير من ألف دِرْهمٍ بعد مماتِكم، ولقد شَهِدْت أرْبعًا أو خمْسا من الوصايا كُلُّها لم تُنَفَّذ، ومزَّقْتُها، ولم يُوافِقوا على إنفاق مائة ألف على روح والِدهم، وترك لهم عشرين مليون، فلا تَكُن تحت رحْمة إنسان قد لا يرْحمُك.
النقطة الثانِيَة، أنّ الحُظوظ سوف تُوَزَّع في الآخرة تَوْزيع جزاء لا تَوْزيع ابْتِلاء، فلو أنَّ فلانًا غَنِيًّا، ولو معه ألف مليون، فالقُدْرَة على الاسْتِمْتاع مَحْدودة، والسَّنوات مَعْدودة، فإذا نجَحَ في امْتِحان الغِنى وذلك بِإنْفاقِهِ تمتَّع بِنَعيم مُقيم إلى أبد الآبدين، أما إذا أخْفقَ صار في جهنَّم إلى أبد الآبِدين، فالامْتِحان في الدنيا مؤَقَّتَة، وهذا الحظ لا يعْني شيئًا، فقد أعطى الله المال لِمَن لا يُحِبّ ؛ وكذا القوَّة، ولكن العِلم والحِكمة لا يُعطيها إلا لِمن يُحِبّ، فالحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوزيع ابْتِلاء، وفي الآخرة توْزيع جزاء، قال تعالى:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

[سورة الإسراء]
فالجندي مثل رئيس الأركان ! والمُعلِّم الابتِدائي مثل رئيس جامِعَة ! مُمَرِّض مثل جراح القلب ! مرتبَةُ الدنيا لا تعني شيئًا، وقد تعْني العَكس، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))

[ رواه مسلم ]
فالمال وسيلة وليس غايَة، ولكن عند أهل الدنيا غايَة، وإذا مات الإنسان ترك كل شيء، فعن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))

[ رواه ابن ماجه ]
فالحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوزيع ابْتِلاء، وفي الآخرة توْزيع جزاء، قال تعالى:

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

[ سورة الإسراء ]
الآخرة أبَدِيَّة وتعني كُلَّ شيء، أما المرتبة في الدنيا مُؤَقَّتة ولا تعني أنَّ الله يُحِبُّك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-17-2018 03:22 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس السابع




لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في سورة الشعراء، وفي هذه السورة عددٌ مِن قصص الأنبياء، واليوم الحديث عن قَوم عاد التي كذَّبَت المرسلين قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127)﴾

[ سورة الشعراء ]
نَقِفُ عند هذه الآية:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
يا تُرى هل في القرآن الكريم آيات تدلُّنا على من ينبغي أن نتَّبِعَهُ ؟! هل في القرآن الكريم آيات تُعطينا علامات للدُّعاة الصادِقين ؟ هناك عِدَّة آيات، ينبغي أن نهتدي بها، لأنَّ هذا العلْم دين فانْظُروا عَمَّن تأخُذوا دينكم، ويا ابن عُمَر، دينَكَ دينَكَ، إنَّهُ لحْمُكَ ودمُك، خُذ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
الآية الأولى:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
كلمة أجْر نَكِرة، والنَّكرَة تُفيد الشُّمول، أيْ أيُّ أجْرٍ ؛ قليل أو كبير جليل أو حقيرٍ، قريب أو بعيد، مادِّي أو غير مادِي، وما أسْألكم عليه مِن أجر، مِنْ هذه في اللُّغة العربِيَّة تُفيد اسْتِغْراق النَّوع، أي لو عرَضَ عليك أحدهم أن تكون شريكَهُ في مَشْروع، قلتَ له: ما معي مالٌ ‍‍! فأنت نَفَيْتَ المال الكافي لِهذا المَشْروع، مَطلوب منك مليون ومعك خمسمائة ألف، أما إذا قلتَ له: ما معي مِن مالٍ، فهذا يعني ليس عندك ولو ليرة واحِدَة ! مِن تُفيد اسْتِغراق أفراد النَّوع، فالله عز وجل قال:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾

[ سورة الشعراء ]
لا صغيرٍ ولا كبير، ولا سمْعة ومَدْح، ولا مال، إطْلاقًا قال تعالى:

﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
الآية الثانِيَة: قال تعالى:

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)﴾

[ سورة يس ]
أيْنما وُجِدَ المال والجاه، وإحْداث في الدِّين ما ليس فيه، وأينما وُجِدَت المَطامِع ؛ اِبْتَعِد عن هذا ! وكُلَّما وَجَدْتَ نزاهَة خالِيَة مِن كل أجر فاقْتَرِب من هؤلاء،

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾

[ سورة يس ]
فهذه علامَة.
العلامة الثانِيَة: قال تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[ سورة آل عمران ]
علامة أولى العِلْم أنَّهم يشْهَدون لك عدالَةَ الله تعالى، أما لو قال لك أحدهم: الله عز وجل خلَقَهُ كافِرًا قبل أن يخلق، وأجْبَرَهُ على الكُفْر ثمَّ وضَعَهُ في النار إلى أبد الآبِدين، هذا كلامٌ غير مُقْنِع،:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[ سورة آل عمران ]
أين قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[ سورة الزلزلة ]
وأين قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾

[ سورة النِّساء ]
وقوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)﴾

[ سورة غافر ]
وقوله تعالى:

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(9)﴾

[ سورة الروم ]
وقال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ(101)﴾

[ سورة هود ]
أين قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[ سورة هود ]
فلو أنَّ نجارًا صنَعَ من الخشي بابًا للمرحاض، وآخر لغرفة النوم فهل تقول له لماذا ؟! هذا غير مُقْنِع ! لأنّه هو صاحب الملكيَّة، فالعلامة الثانِيَة ؛ ينبغي أنْ يشْهَدَ لك عدالةَ الله عز وجل.
العلامة الثالثة: قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فهذا الذي يُبَلِّغ رِسالاتِ الله فرَضًا لو أنَّهُ خَشِيَ غير الله، مِن لَوَازِم أنَّه يخْشى غير الله أنْ يسْكُتَ عن الحق إرْضاءً له، وأن أن ينطق بالباطل تَقَرُّبًا منه، فإذا سَكَتَ عن الحق، ونطَقَ بالباطِل، ماذا بَقِيَ من رِسالَة الله ؟‍‍! لِذا هذه الصِّفَة سمَّاها علماء اللُّغَة والبلاغة: صِفَة مُترابِطَة مع المَوْصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فأنت قد تقول هذه الطائرة كبيرة، والأرض كبيرة، وكذا الباخِرة كبيرة، وقد تقول هذه الطائرة فَخْمَة، والبيت كذلك فَخْمٌ، فهذه الكلمات صِفات مُشْتَرَكَة أما هناك في الطائرة صِفَة لو أُلْغِيَت لأُلْغِيَت الطائِرَة، نقول: هذه الطائرة تطير فالطَّيَران للطائرة ؛ صِفَة مُترابِطَة مع المَوْصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[ سورة الأحزاب ]
لهم مليون صِفَة لكِنَّ الله سبحانه وتعالى مِن بينِ كُلِّ هذه الصِّفات اخْتار صِفَة واحِدَة، يَخْشَونه ولا يخشَوْن أحدًا سِواه، فَمَن خَشِى غير الله، وسكَتَ عن الحق إرْضاءً لِمَن خَشِيَهُ، وتَكَلَّم بالباطل إرْضاءً لِمَن خَشِيَهُ، ماذا بَقِيَ من التبليغ ؟! فهذه هي الصِّفة الثالثة.
الصِّفة الرابِعَة: قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[ سورة يوسف ]
معه دليل وبُرهان وحُجَّة وتَعْليم، فَدينُ الله أجلُّ وأعْظَم مِن أن تفْرِضَهُ فرْضًا، والحق لا يَخشى البحْث، وليس معي حُجَّة، بيِّن الدليل واسْمَع له وأعْطيهِ الجوَاب، فالذي يتَّبِعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم معه دليل ؛ دليل عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، وإن لم تَجْتَمِعِ الأدِلَّة كلُّها في موضوع واحِد، فهذا دليل على بطولة الموضوع، لا يُمْكِن للحقيقة الصِّرْفة أن يتخلَّى عنها دليل، عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، أربعة أدِلَّة يجب أن تتوافق، قال تعالى:

﴿أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف ]
الدليل الخامِس: قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾

[ سورة هود ]
فالإنسان غير المُستقيم ليس مع رسول الله، وهذا مهما كان فصيح اللِّسان، رَكْعَتان مِن وَرِع خير مِن ألف ركعة مِن مُخَلِّط، ومَن لم يكن له ورَعُ يَصُدُّه عن مَعْصِيَة الله إذا خلا لم يعْبأ الله بِشَيْءٍ من عمَلِه، وتَركُ دانِقٍ من حرام، خير من ثمانين بعد حجَّة الإسلام، والله لأنْ أمْشِيَ مع أخي في حاجَته، خير من صِيامِ شَهْر واعتِكافي في مسْجدي هذا ! فالعلامة الخامِسَة هي الاسْتِقامة، وقبلها الدليل والتَّعْليل والحُجَّة والبرهان، ولا بدّ مِن دليل عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، والذي قبل هذا أن لا يَخْشى إلا الله، فإذا خشيَ غير الله سَقَطَتْ دَعْوَتُهُ والذي قبلها أن يسْألك أجْرًا بِكُلّ أنواعِهِ.
قال تعالى:

﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[ سورة البقرة ]
حينما تُنَفِّذ أمْر الله بالتَّمام والكمال يسْمَحُ الله لك أن تكون إمامًا للناس والآية السابعة:

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73)﴾

[ سورة الأنبياء ]
هناك ابْتِلاء كذلك، الابْتِلاء بالصَّبْر والشُّكْر، والابْتِلاء بالشُّكْر وبِتَطْبيق الحق مائة بالمائة، والاسْتِقامة على أمْر الله، والدليل والتَّعْليل والتَّنَزُّه عن الأغراض الدُّنْيَوِيَّة، هذه العلامات التي أشار القرآن إليها لِتَكون علامة مَن يجب أن تُصْغِيَ له، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
بالمُقابل:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[ سورة لقمان ]
العلماء قالوا: لك آباءٌ ثلاثة ؛ أبٌ أنْجَبَك، وأبٌ زوَّجَك، وأبٌ دلَّك على الله، فالأب الذي أنجَبَك ينتهي فضْلُهُ عند الموت، والأب الذي زوَّجَك ينتهي فضْله عند الطلاق أو الموت، لكنَّ الذي دلَّكَ على الله يسْتَمِرُّ فضْلُهُ إلى الجنَّة إن أكرَمَنا الله بها.
قال تعالى :

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179)﴾

[ سورة الشعراء ]
الإنسان قد يطْلب أجْرا مادِّيا، مثلاً: لو معك شيك بِقيمة ؟ألف مليون دولار، وظَنَنْت أنَّ هذه ورَقَة عادِيَّة، وأجْرَيت على هذه الورَقة عمَلِيَّات حِسابيَّة، ثمّ تبيَّن لك أنَّ هذا شيكًا بقيمة كذا وكذا ! ما الذي تشعر به ؟! تصْطَدِم.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-17-2018 03:24 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قصةٌ أخرى من سورة الشعراء، قال تعالى:

﴿(140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150)﴾

﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
هذه قصَّةٌ من قصَص الأنبياء التي ورَدَتْ في سورة الشعراء نقف عند كلمةٍ واحدة.
قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]
فما هو الفسادُ ؟ هذا الماءُ أيها الإخْوَةُ لا لونَ له و لا طعمَ له و لا رائحةَ له،هكذا خلقَه اللهُ، هذا وضعُه الكاملُ و الصحيحُ، فإذا تلوَّثَ الماءُ بالجراثيم أو اختلطَ بالشوائِبِ أفسدَ طبيعةَ الجسدِ بالأمراض لأن الماء مُلَوَّثٌ أو نقول: ماءٌ فاسدٌ، الهواءُ نقيٌّ ـأوكسجين و آزوت ـ إذا صار مع ذلك ثاني أوكسيد الكربون بنسَبٍ عاليةٍ جدًّا، أعلى نسبِ التلوُّث في المدن 400/100، نقول الهواء فاسد، و إذا العلاقةُ بينَ الزوجيْن غيرُ سليمةٍ نقول العلاقة فاسدة، و إذا الفتاةُ تذهبُ يمينًا و يسارًا نقول عنها أنها فاسدةٌ، و إذا التاجرُ يأكلُ الربا نقول عنه أنه فاسدٌ، فالفسادُ هو خروجُ الشيءِ عن طبيعته التي خلَقَه اللهُ عليها، الله عز وجل أتقنَ كلَّ شيء خلقه، قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل]
والله عز وجل أحكمَ كلَّ شيء خلَقَه قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ(4)﴾

[سورة الملك]
والله عز وجل خلق كلّ شيءٍ بِكَمالٍ مُطْلق، قال تعالى:
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

[سورة الملك]
لا تجِدُ في خلق الله تعالى درجة أولى بالصَّنْعة، ودرجة ثانيَة، فلأنَّ الله تعالى كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا، ولأنّ الله تعالى عليم علْمًا مُطْلقًا، ولأنَّهُ حكيمٌ حِكمةً مُطْلقةً، ولأنَّه قدير قُدْرةً كاملةً فَخَلْقُهُ كامِل، مِن أين جاء الفساد ؟ قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
جاء الفساد مِن صُنْع البشَر.
أيها الإخوة، قَضِيَّة في العقيدة أساسيَّة ؛ أنَّ أصْل الفساد يسْتَحيل أن يكون في أصْل الخلْق، فلو رأيْنا سيارة نزلَتْ بِوادٍ، وتلقَّتْ ألف ضَرْبة بالصُّخور حتَّى أصْبَحَتْ كالعجينة، فهل لك أن تقول: أيُّ مَصْنَعٍ صنَعَها بِهذه الشاكِلَة ؟‍‍! المصْنع صَنَعها بِشَكل مُمْتِع، وسُطوحها مُسْتَوِيَّة، وفيها أناقة، لكنَّ رُكوب السائق فيها وهو في حال الخَمْر جعَلَهُ يسقِطُها في الوادي، مِمَّا جعَلَ شَكْلها غير مألوف ولا معقول، فنحن لا نقول: هذه في أصْل صَنْعَتِها !! لا، وإنَّما هذا وضْعُ طارئ طرأ عليها، لذا هذه قَضِيَّة خطيرة في العقيدة، وهي أنَّه من اعْتَقَدَ أنَّ الفساد في أصْل الخَلْق فهو كافِر، فالخَلْق كامِلٌ كمال مُطْلق، قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

(سورة النمل)

اُنْظر إلى النَّحْل ؛ نِظامٌ اجْتِماعي كامِل، وكذا النَّحل، وأيُّ مَخلوقٍ من الإنس والجنّ، فهذه المَخلوقات ليْسَت مُخيَّرة، وكمالها مُطلق مِن أصْغر مخلوق إلى أكْبر مَخلوق، لذلك الفساد لا يُمْكِن أن يكون من أصل الخَلْق، ولكنَّه طارئ على الخلْق لِسَبَبَ ؛ وهو أنَّ هناك مَخلوق أُعْطِيَ حُرِيَّة الاخْتِيار، وأودِعَتْ فيه الشَّهوات لِيَرْقى بِها مرَّتَين ؛ مرَّة صابِرًا، ومرَّةً شاكِرًا إلى رب الأرض والسماوات، ووُضِعَ له منهَج يسير عليه الشَّهوات التي هي في الأصل وسائِل للرُّقَي جَعَلها أهْدافًا والحُرِيَّة التي مُنِحَها الإنسان لِيُثَمَّن بها عملُهُ جَعَلَها تَفَلُّتًا، والمنهَج الذي أنْزلَهُ الله على أنبيائِه لِيَكون مُرْشِدًا له جَعَلَهُ وراء ظَهْرِهِ، والواقِع أمامكم قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

[سورة الفرقان]
كان الهوى وسيلةً مِن أجْل أن تتزوَّج، وأن تُنجِبَ أولادًا وتُرَبِّيَهم، وتأخذَ بِيَدِهِم، وأن تسْعَدَ بِهِم إلى أبَدِ الآبدين، فهذه الشَّهْوة الجِنْسِيَّة جَعَلها هدفًا فَزَنى، والشيء الآخر أنَّ هذه الحُرِيَّة التي أعطاه الله إيَّاه لِيُثَمَّنَ عملُهُ جَعَلها تَفَلُّتًا، وهذا المنْهَج القويم الذي أنزلَهُ الله على أنبيائِهِ جَعَلهُ وراء ظَهره، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾

[سورة الفرقان]
لذلك لمَّا أساء الإنسان اسْتِخدام حُرِيَّتِهِ، وَجَعَلَ الشَّهْوة هدَفًا وهي وسيلة ولم يعْبأ بِمَنْهج الله، ظَهَر الفساد في البرّ والبَحْر، فهذا الفساد ليس في أصْل الخلْق بل هو طارئ قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
فالفساد مِن اخْتِيارهم، ولكن لماذا شاءَتْ حِكمة الله جلَّ جلاله أن يكون مع الفساد المرض ؟‍ فقد وردَ في الصحيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

[رواه ابن ماجه]
وهذا الحديث الصحيح مِن دلائل نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام والله عز وجل كما تعلمون أوْدَعَ فينا أعْظم جِهاز يُسَمَّى جِهاز المناعة المُكْتَسَب هذا الجِهاز بِكُلّ مليمتر مكُعَّب تحْوي سبْعة آلاف كُرِيَّة بيْضاء فَكَم كُرَيَّة في الجِسْم ؟‍‍! هذا جِسم نِظامي، فَقِسْمٌ مِنه مُسْتَطْلِع يدْخل جرثوم يتَّجِهُ إليه فيأخُذ شِفْرتَهُ كيماوِيَّة، ويعود بها إلى مركز القيادة، ويُسَلِّمُها لِرُؤسائِه و رؤساء هذه المراكز تُعْطي هذه الشِّفْرة إلى خلايا كُرَيات بيْضاء مُصَنِّعة مُحَصِّنة، فَتَدْرُس الرَّمْز وتفُكُّ رُموزهُ، وتصْنعُ مَصْلاً مُضادًّا لِهذا الجرثوم، ومراكز القيادة تُرْسِل مُقاتِلين يَحْمِلون هذا السِّلاح لِيُقاتِلون هذا الجرثوم، ومراكز القيادة تُرْسِل مُنَظِّفين، خلايا لاقِمَة تُنَظِّف أرض المعركة مِمَّا جرى منها ومن الجُثث، قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

[سورة التين]
فلمَّا زنى، وشَرِبَ الخمْر وتناوَل المُخَدِّرات وشذَّ جِنْسِيًّا، قال تعالى:

﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)﴾

[سورة التين]
الآن بالعالم هناك خمس وثلاثون مليون مُصاب بالإيدْز، وهذا الرقَّم فيه زِيادة لا هَنْدَسِيَّة ولكن تِجارِيَّة، بِمُعَدَّل كلّ نِصْف ساعة يموت إنسانٌ في العالم بالإيدْز والله تعالى حمى بلدنا بِسَبب الدِّين والإيمان بالله تعالى فَنَحن عندنا إصابات ولكن لا تُذكر مائة أو مائة وعشرة بِكُلّ القُطْر وأكثر هذه الإصابات جاءَت مِن خارِج القطْر وبلاد الغرْب، لذا أيُّ إنسانٍ يقْدُم إلى بلادِنا لِيُقيمَ بها يجب أن يفْحَصَ دَمَهُ.
أيها الإخوة الكرام، الفساد لا يُمْكن أن يكون في أصْل الخلق بل هو مِن صُنْع الإنسان، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)﴾

[سورة الشعراء]
لم يُعْزَ المرضُ إلى الله، فالخَلْق والهِداية عُزِيَت إلى الله، ولكن المرض لم يُعْزَ إلى الله تعالى وإنَّما عُزِيَ إلى الإنسان لِمُخالفَتِهِ منْهج الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، ما مِن مُصيبة على الإطلاق تُصيبُ الإنسان أفرادًا ومُجْتَمَعات، ومِن آدم إلى يوم القيامة إلا بِسَبب خُروجهم عن منهَج الله فالفساد أن يجْعل الإنسان شَهْوته الهدَف، فالله تعالى رسَمَهَ له وسيلةً فكيف أنَّ بنزين مادَّة انْفِجارِيَّة تمْشي بها السيارة، فلا يُعْقل أن نضَعَ الماء أو اللَّبَن مكان البنزين في السيارة ! فهذا السائل الانْفِجاري لمَّا يوضَع في أنابيب مُحْكمة، ويسْري بِنِظامٍ دقيق، يُوَلِّد حركة نافِعَة فهكذا الشَّهْوة ؛ طاقةٌ وانْدِفاع، فإذا سار بها الواحِد على منهَج الله، لذلك قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
كلّ إنسان يتحرَّك بِشَهواتِهِ دون منْهَج يزْني ويسْرق ويقْتُل مِن أجل دُرَيْهِمات.
أيها الإخوة، على الإنسان أن يسير منْهج الله، وأصْل الفساد مِن مخلوق أعطاه الله شَهْوَةً لِتَكون وسيلة يرْقى بها صابِرًا وشاكِرًا، فالنَّظر في الحرام يذلّك، أما غضّ البصر يرْفعُك، فهذه الشَّهوات ترقى بها أم تهْوي بها، فَحُرِيَّة الاخْتِيار هذه مِن أجل أن يُثَمَّن عملهُ، فهل يُعْقل أن يأخذ الإنسان حاسبَهُ إذا تعطَّل إلى اللَّحام أو الخضَّار ؟!! لذا لا تقل لي: قال فلان وفلان، فالذي يسْترشِد في حياتِهِ بأناس لا يفْهمون يكون أحْمَقًا وجاهِلاً، أما في قضايا حياتِك المصيريَّة لا تسأل إلا الشَّرْع، ولا تعتدي إلا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لذا قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]
أمراض سرطان الجلد بأوروبا وأمريكا يبعن بالمائة، والسَّبب أنَّ ثقْبًا بِطَبقة الأوزون، وهذا الثُّقب سببه ارْتِفاع غاز الفَحْم، وبعض الغازات المُعَيَّنة في الجوّ، فالبحار والأجواء والهواء كلّ هذا مُلَوَّث، فهذا التلوُّث فساد في البرّ والبحْر، ومرض الإيدْز من نتائِج الزنَا واللِّواط والمُخدِّرات قال تعالى:

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
فالإيدز بعض العقاب، أما العقاب الأليم فهو في جهنَّم، فالذي أفلَسَ من أجل الرَّبا فهل هذا هو العقاب الكامل له ؟ لا، هذا بعض العقاب، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[ٌسورة آل عمران]
فهذه الأمراض هي بعض العقاب، وليس كلّ العِقاب، والله عز وجل يُعاقِب بعض المُسيئين عتبًا ردْعِيًّا لِبَقِيَّة المُسيئين، ويُجازي بعض المُحْسنين جزاءً تشْجيعيًّا لبعض المُحْسنين، أما الرَّصيد فَيَوْم القيامة فالفساد كلُّه نتيجة الخروج عن منْهَج الله.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-17-2018 03:25 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا زِلنا مع قصَّة قوم ثمودَ ومع نبيِّهم سيِّدِنا صالحٍ وقفْنا البارحةَ عند قوله تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ(152)﴾

[سورة الشعراء]
اليومَ نقف عند قوله تعالى في هذه القصة، "

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ(151)﴾

[سورة الشعراء]
و التركيزُ في هذا الدرس على قوله:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
أيها الإخوةُ، الإنسانُ إذا خطَّطَ لمستقبلِه على حساب الآخرين خرج عن منهج الله، وبنَى مجدَه على أنقاض الآخرِين و بنى غِناه على إفقارهم و بنى عِزَّه على ذُلِّهم و بنى ثروتَه على اغتصابِ أموال الناس و خطَّطَ لحياةٍ هنيئَةٍ وَديعَةٍ ناعمة فيها تَرَفٌ و نعيمٌ و بهجةٌ، إذا سارَ الأمرُ على ما خطَّط يكون هذا الدين باطلاً، فأين الله ؟ "

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
الإنسانُ إذا أكل مال إخوتِه بعد موت أبيه و لم يعطِهم شيئا و أفقرَهم و تمتَّع وحدَه بالمال وبنى وعمَّر و اشترى وزخرفَ و زيَّن و حاول أن ينغمسَ في نعيم مستمِر، وهو يظنُّ أن الأمرَ يستمِرُّ إلى ما لا نهايةَ الجوابُ ؛ أين الله ؟ هذا الأعرابيَّ البدويُّ الذي سأله عمرُ: بِعنِي هذه الشاةَ و خذْ ثمنَها قال: ليسَتْ لي، قال: قل لصاحبك: ماتت أو أكلها الذئب، قال: واللهِ إني لأشدُّ حاجةً إلى ثمنها، و لو قلتُ لصاحبها ماتتْ أو أكلها الذئبُ لصَدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمينٌ و لكنْ أين الله ؟
و مرَّةٌ قال لي طالبٌ: لي خالٌ صاحبُ دارِ سينما ودخلَ عليه وهو يبكي، أُصيبَ بمرض السرطان في دمِهِ في مُقتبَل العُمُر ـ خمسةٌ و أربعون سنة ـفقال لابن أخيه: جمعتُ هذه الثروةَ منْ أجل أن أعيشَ مُتَمَتِّعًا بها، و إن المرضَ أفسدَ عليَّ خطَّتي، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فمن استقامَ على أمر اللهِ خطُّه البيانيُّ صاعدٌ، لكنْ هذا الذي اعتدى و أخذ ما ليس له و لم يَعْبَأ بالحرام و لا الحلالِ، أكل أموالَ الناس بالباطلِ وحقَّقَ بالغِّشِ أرباحا طائلةً، وفي كلِّ مصلحةٍ له فيها غشٌّ، و ممكنٌ من الغشِّ أن تحقِّق ثروةً كبيرةً جدًّا، فإذا بنى الإنسانُ ثروتَه على الغش و الخداع و الكذبِ و الاغتصابِ و الاحتيالِ ـ بيتٌ و مزرعةٌ و معملٌ و مكتبٌ و مَركباتٌ ـ إذا نجحَتْ خُطَّتُه إلى ما لا نهايةَ معناه أن الدينَ باطلٌ و أن الله ليس موجودًا، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
و قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
فهل في كلِّ يومٍ نستيقظُ فيه هو كسابقِه، لا، هناك مُفاجآتٌ خطيرةٌ جدًّا، فيُؤتَى الحَذِرُ من مأْمنِه، و لا ينفعُ حذرٌ من قدرٍ ولكن ينفع الدعاءُ ممَّا نزلَ و ممَّا لم ينزلْ.
أريدُ أن أقولَ في هذا الدرسِ إذا الإنسان جمَّع أموالَه بطريقٍ غيرِ مشروعةٍ و خطَّط لنفسه حياةً رغيبةً في الدنيا فيها ترفلٌ و نعيمٌ و لم يعبأ بالمال الحرام الذي اكتسَبَه و لم يعبأ بمنهج الله الذي تركه ولم يعبأ بالأمر والنهي الذي عصاه، فإذا نجحَتْ خطَّتُه معنى ذلك أنَّ القرآنَ باطلٌ، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
هناك مُفاجآت كثيرة جدًّا، لذا لا يقيك مِن عذاب الله تعالى إلا أن تكون في طاعته تعالى، ودائِمًا الإنسان مهما كان ذَكِيًّا، ومهما أخذ الاحْتِياطات ومهما أغْلَقَ الاحْتِمالات، ومهما دعَّمَ مَوْقفَهُ، ومهما قوَّى مرْكزهُ وأسكَتَ خُصومَهُ، ومهما جلبَ المنافِع وأنشأ الأعوان، وأكْثر مَن حوله فالله عندهُ مُفاجآت، ويُؤتَى الحَذِر مِن مَأمَنِهِ، أذْكُرُ أنَّني كنتُ مرَّةً عند طبيب، وجاءَهُ هاتِف، والجِهاز قديم وسَمِعْتُ صَوْتَ المُتَكَلِّم، قال له: أيّ مكان بالعالم، وأيُّ مَبْلَغٍ ندْفَعُهُ فهل هناك مِن أمَل ؟! فقال له هذا الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! فَمَن هو الذي يقيك مِن عذاب الله تعالى ؟ أن تكون على مَنْهَجِهِ، ومهما خَطَّطْتَ لا يوجد مع الله تعالى ذَكِيّ وأبْرز هذه المفاجآت تعطُّل جِهاز الصِّحة ! فهذا أحدهم جاء بِشَهادة عُليا وزوْجة فِرنْسِيَّة، ووصَلَ إلى مرتبة عالِيَة ودَخْل كبير، فَفَقَدَ بصَرَهُ ! زارَهُ صديق لي، فقال له هذا الضرير والله يا فلان: أتمنَّى أن أجْلسَ على الطريق أمُدُّ يدي للناس، ولا أمْلِكُ شيئًا مِن الدُّنيا، ويُرَدَّ إليّ بصري !! فالآية دقيقة:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
وتَجِدُ الذي يُطيعُ الله عز وجل عليها قوَّة ونضارة، فهذا شيخٌ بلغ سِتَّة وتِسعين سنة سَمْعُهُ مُرهَق، وبصَرُهُ حادّ، وأسنانُهُ في فَمِهِ، وقامَتُهُ مُنْتَصِبَة، وذاكِرَتُهُ قَوِيَّة، وعلَّم ثلاثة أجْيال، فلمَّا سأل إخوانُهُ: يا سيِّدي ما هذه الصِّحة التي أكْرَمَكَ الله بها ؟! فكان يقول: يا بنَيّ حَفِظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله تعالى لنا في الكِبَر، ومَن عاشَ تَقِيًّا عاشَ قَوِيًّا، وأنا لا أُخَوِّف، ولكن أُبَشِّر، وهو أنَّ الإنسان إذا اسْتَقام على أمْر الله فإنّ خطَّه البياني صاعِد وإذا انتهى بالموت، فالموت تُحْفة المؤمن وعرسُهُ شرْط أن يمْشي على منهَج الله تعالى، أما إذا ألْقى بِهذا المنْهَج وراء ظَهْرِهِ، ولم يعبأ بالحلال والحرام، وبالطاعة والمعْصِيَة، ويقول لك: غدًا أتوب في أداء الحجّ !! وكأنَّ أداء الحجّ عبارة عن مجموعة ذُنوب يُلقيها الإنسان في الحجّ! فالتَّخَلِّي عن الذُّنوب قَضِيَّة ليْسَت بِسَهْلة، فالحجّ الشَّكْلي هذا حجّ ليس فيه تصفية للذُّنوب، فالذُّنوب التي يظنُّ الناس أنَّها تُغْفر في الحج هي التي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين الناس لا تسْقط إلا بِحالتين ؛ الأداء أو المُسامحة، فالإنسان يخَطِّط لِمُسْتقبلِهِ فهذا لا مانِعَ فيه، أما إذا بَنَيْتَ خُطَّةً على أساس معْصِيَة وعُدْوان واغْتِصاب وحِرْمان، فهذه الخِطَّة لن تنْجَح، لأنّ الله تعالى موجود ولأنّ الله تعالى رب، ذَكَر لي أحدهم بعد صلاة الجمعة، وطلب مِنَّي أن ألْتَقِيَ معه،، فقلت له تفضَّل: قال لي عندي محلّ بيْع أفلام مُنْحطَّة جدًّا وقد حقَّقْتُ ثرْوة طائلة، وأنا الآن في بَحْبوحة، وفجْأةً المحلّ أُغْلِقَ والأفلام صُدِّرتْ، وأصْبح الوَضْع خطير جدًّا، وأصبتُ بِأمراض أنا وزوْجتي علمًا أنَّني نشأتُ أُنْكِرُ وُجود الله، وله رئيس المحلّ قال له: اِفْعَل ما تشاء، وأنا قد قمتُ بِكُلّ ما يخْطر على بالِكَ !! وها أنا ذا أدخل المسْجد أوَّل مرَّة بِحَياتي، وقد تُبْتُ !! والله أيُّها الأخوة لمَّا خرج مِن عندي بَكَيْتُ وقلتُ: سبحان الله، لو بقيَ على حاله ومات لكان مصيره النار ! فَمِن رحمة الله أنَّه صحَّاهُ، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فالله رحيم وكريم، ولا يتْرُكُهُ، ويفاجئه بِمُفاجأة تنْزعُ له كلَّ ترْتيبِهِ فعلى الإنسان أن لا يُعَلِّق آماله بالدنيا، والإنسان إذا اسْتقام أعزَّه الله ونصرهُ وحفظهُ، ويُلهِمُهُ الصَّواب، والله تعالى مع المؤمنين بالنَّصر والتأييد والحِفْظ، والرِّعايَة، أما إذا لم تكن هناك اسْتِقامة وأقْبلَت الدنيا عليه وهو على غير منْهَج الله فهو أحمق، وهذا يُسَمَّى اسْتِدراجًا.
بالمناسبة، لا تظنّ أنَّ ما ذُكر في كتاب الله من باب القصَّة أو الرِّوايَة فالقرآن أعظم مِن ذلك ! هذه القِصَص هي قوانين نمشي بها في حياتنا وأوْضَحُ مثلٍ لمَّا دَّثنا ربُّنا عن سيِّدنا يونس، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[سورة الأنبياء]
فأيَّةُ قِصَّة في كتاب الله هي قانون، وقِصَّة سيِّدنا ثمود مع سيِّدنا صالِح قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فالإنسان إذا خطَّطَ وكان عاصِيًا لله، وكان قَوِيًّا وغَنِيًّا، وذَكِيًّا، سيفاجئ أنَّ الله تعالى أفْسَدَ عليه خِطَّتَهُ.
وإذا قال الواحد ؛ أنا عندي شَواهِد لأُناسٍ عُصاة ماتوا من دون أن يحْدث لهم شيء ! نقول له: الموت ذاتهُ إنهاءٌ للحياة، لذا الموت نِهاية كلّ حيّ فالذي لم يكن له نصيب ردْعي في الحياة الدُّنيا، فهذا يكون له عقاب دائِم في الآخرة، والله عز وجل يُعاقب إنسانًا في الدنيا، لا بدّ أن يعْلَم أنَّهُ على خَيْر، وفيه أمَل، أما الذين لا يُعاقبون في الدنيا إطلاقًا ؛ هؤلاء هم شرّ الناس، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[سورة الأنعام]
فهذه الآية عظيمة جدًّا، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-17-2018 03:27 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، هناك حقيقة قد تبْدو لِبَعض الناس غريبةً ؛ وهي أنَّ الإنسان قد يَفْهَمُ القرآن فهْمًا مَعْكوسًا، وقد يزيدُهُ القرآن ظلْمًا، إن لم يَكُن مُسْتقيمًا.
العلم ثلاثة أنواع: عِلْمٌ بِخَلْق الله، وعلْم بِأمْرهِ، وعِلْمٌ به، فالعِلْم بِخَلْقِهِ يَحْتاج إلى مُدارَسَة، وإلى كتبٍ وقِراءة، وذاكِرة وبَحْث وإلى أدِلَّة وتَعليل وإلى وقْت ومراجَعَة، وإلى مُعَلِّم ؛ كُل هذا اسْمُهُ مُدارسَة فالعِلْم بِخَلْق الله يَحتاج إلى مُدارَسَة.
والعِلْم بِأَمْر الله، يحتاج كذلك إلى مُدارَسَة، فلو دَخَلْتَ إلى كُلِيَّة الشريعة ؛ علم الفقه وأصوله، أحكام البيوع وأحكام الفرائض والأحوال الشَّخْصِيَة، هذه تَحتاج إلى دِراسَة وإلى مُعَلِّم وإلى دوام وإلى كتب وامْتِحان ؛ هذا كُلُّه اسْمُهُ مُدارَسَة ولكن أنْ تَعْرِفَ الله، وأن تَعْرِفَ عظَمَتَهُ وأن تسْتقيم على أمْرِهِ فهذا يَحْتاج إلى مُجاهَدَة وإلى طاعة لله تعالى وضَبْط الدَّخل والإنفاق، وضَبط السُّلوك والجوارِح، والبيت، والدليل هذه الآية:

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
كلام و بِلِسانٍ عربيٍّ مُبين ؛ أنَّ أحَدَ أسباب فَهْم كتاب الله إتْقان اللُّغَة العرَبِيَّة لأنَّه نزل بلِسانٍ عربيّ، فلن تستطيع أن تَفْهَمَ كتاب الله إلا إذا أتْقَنْتَ خصائص هذه اللُّغَة وقواعِدَها وفِقْهها ونَحْوَها وصرْفها وبلاغَتَها قال تعالى :

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
فالشاهِد أنَّه لو نزل هذا القرآن على إنسان أعْجَمي وهندي أو فارِسي بِلُغَتِهِ فقَرَأَهُ عليهم ما كانوا به مؤمنين ! سافَرْتُ مرَّةً لِبَلَدٍ وسَمِعْتُ خِطابًا ساعَتَين ونصف فما فَهِمْتُ منه ولا كلمة ؛ باللُّغَة الفارِسِيَّة، فلو أنَّ القرآن نزل باللُّغَة الأعْجَمِيَّة فقرأ النبي هذا القرآن باللُّغة الأعْجَمِيَّة على قومِهِ العرب ؛ هل يفْهمون منه شيئًا ؟! قال تعالى:

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
فالواحد المُنْحَرف في الدَّخل والمعاصي واللاأخلاقِيَّات، فهذا إذا حضَر التَّعْزِيَة ألا يسْمع القرآن ؟! يسْمَعُهُ، ولكن لا يَعْنيهِ إطلاقًا ! قال تعالى :

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
قال تعالى:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[سورة الإسراء]
يقرؤونَهُ فَيَزْدادون بِقِراءَتِهِ خسارة، لذا فهْم القرآن يحْتاج إلى طهارة باطِنِيَّة، ولذا قال العلماء: لا يمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون، ومِن معاني المُطَهَّرين ؛ طاهِر النَّفْس، وقد يقول أحدهم: هذه نَهْي ! ولكن لو كانت اللام ناهِيَة لكان الفِعْل: لا يَمْسَسْهُ، يُفَكُّ التَّضْعيف كأن تقول: مدَّ لم يمْدُد، وشدَّ، لم يَشْدُدْ، فالفِعل المُضَعَّف الآخر إذا سبقه جازِم يُفَكُّ التَّضْعيف، أما إذا سبَقَهُ حرف نفي، فإنَّهُ يبْقى على حالهِ، شدَّ وما شدَّ، فاللام هنا للنَّفي وليْسَت للنَّهْي، فهذا حُكْم تَكْويني وليس حكما تَكْليفيا، أيْ مِن طبيعَة غير المُطَهَّر أنَّه لا يفْهمُ كلام الله، وهذه حقيقة فأنت بِمُجَرَّد أن تسْتقيم على أمْر الله تجد نفْسَك تفْهم كلام الله، وتراه يسيرًا وواضِحًا، لذا فَهْمُ كلام الله وحْدهُ، أما فهم أي نصٍّ آخر يمكن أن يفهمه أيّ واحد، فالمُلْحِد قد يفْهم جلّ الكلام إلا كلام الله تعالى والدليل الثاني:

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44)﴾

[سورة فصلت]
والدليل الرابع:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[سورة الإسراء]
والدليل الرابع:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
لذا الواحِد إذا لم يسْتَوْعِب عليه أن يتَّهِم اسْتِقامَتَهُ أحيانًا لأنَّ الإنسان حتْمًا يتحرَّك بأَحَد باعِثَيْن ؛ باعِث العَقْل أو باعِث الشَّهْوَة باعِث الذات أو إرْضاء الله تعالى، باعِث الآخرة أو الدنيا، وباعث المعْصِية أو الطاعة، باعث الخير أو الشر، باعِث الهَوَى أو القِيَم ولا يوجد باعث ثالث، والدليل قوله تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
إن لم تَكُن على الحق فأنت حتْمًا على الباطِل، وإن لم تتَّبِعِ العَقْل فأنت حتْمًا تتَّبِعُ الهَوى، وإن لم تسْتجب لأمْر الله فأنت حَتْمًا تسْتجيب للشَّيْطان، لا يوجد باعث ثالث بينهما.
والنُّقْطة الثانِيَة ؛ أنَّك بين نُقْطَتَيْن ؛ نقطة الحق ونقطة الباطل، فإن اقْتَرَبْتَ من الحق ابْتَعَدْت حُكْمًا عن الباطِل، وإن اقْتَرَبْت من الباطِل ابْتَعَدْتَ حُكْمًا عن الحق، والدليل قوله تعالى:

﴿ يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة ص]
اِتِّباع الهَوَى ابْتِعادٌ عن الحق، يجب أن تؤمِن بالاثْنَيْنِيَّة ؛ الحق أو الباطِل، المَبْدَأ أو الشَّهْوة، العَقْل أو الغريزة، الدنيا أو الآخرة إرْضاء الذات أو إرْضاء الله عز وجل، لذا على الإنسان أن يعْرِفَ مكانَه فأهمّ شيء مثلاً في البَحْر البوْصلة، لأنَّه بِها يتحرَّك التَّحَرُّك الصحيح، فَكُلّ واحِد مِنَّا يجب أن يعْرِفَ مَوْقِعَهُ، وحجْم إيمانِه، يجب أن تعرف هل أنت معَ القِيَم أو مع الشَّهوات، مع الدنيا أو مع الآخرة مع مَصْلحتِك أم مبْدئِك ؟
قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
لن تفهَمَ ولا أيّ كلمة، ولا أيّ حرف لو تكَلَّم معك إنسان، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾

[سورة الشعراء]
كما لو أنَّك تقرأ عليه قرآنًا بالفارِسِيَّة، أما لمَّا يسْتقيم الإنسان تتفتَّحُ مدارِكُهُ، ويُلْقى في قلْبِهِ النور، والحِكْمَة، وقُدْرة على الفَهْم عجيبة، وهذا ما قالهُ بعض العلماء.
النُّقْطة الأخيرة ؛ أنَّ الذي يتَّبِعُ الهوَى يُضِلُّهُ عن سبيل الله، ويوقِعُهُ في الظلم، لأنَّ مِن شأن اتِّباع الهَوى العُدْوان، فأنت إن اتَّبَعْتَ الهَوَى وِفْقَ منهَجِ الله فلا غبار عليك، أما إن اتَّبَعْتَ الهوَى مِن غير هُدًى من الله فلابدّ مِن أن تَقَعَ في العُدْوان والظُّلْم، وحينها تسْتَوْجِبُ العِقاب، والآية دقيقة جدًا، والدليل الثاني:

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44)﴾

[سورة فصلت]
والدليل الرابع:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

(سورة الإسراء)

والدليل الرابع:

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾

[سورة الواقعة]
هذه اللام نافِيَة، فأنا لمَّا أضَع إشارة ممنوع المُرور فالطريق هنا سالِك أما إذا وَضَعْت الإسمنت وقَطَعْتُ الطريق للمارَّة فأنا منَعْتُ المُرور وهذا فرْق كبير، إنَّ الله أمرَ عباده تخْييرًا، ونهاهُم تَحْذيرًا وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، فأحَدُ أسباب فَهم الكتاب والعلم الدِّيني الاسْتِقامَة على أمْر الله، فأنت مُمْكِن أن تأخذ أعلى شَهادَة بالأرض، ونفْسُكَ أنْجَسُ نفْس ‍‍!! العُلوم الأرْضِيَّة لا تَحْتاج إلى طهارة نفْس، لذا مِن أجل قُدْسِيَّة هذا العِلْم الطَّهارة النَّفْسِيَّة، فقد يكون له أعلى مرتَبَة علْمِيَّة وشهادة دنيوِيَّة، وهو في أحطّ مرتبة أخلاقِيَّة، فقد يقْتُل ! لماذا قتَل ؟! فالله لا يسْمَحُ لك أن تفْهم القرآن إلا إذا كنتَ طاهِرًا، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
فإذا لم يفْهم الواحِد كتاب الله معنى ذلك أنَّ به خللاً، والعقْل له وظيفَتيْن ؛ إما أن يكون قائِدًا له، وهي الوظيفة الطَّبيعِيَّة، أما الوظيفة الخطيرة المُدَمِّرَة أن يكون عقْلُهُ جِهاز تَبْرير ؛ كُلَّما غلَط وتحامَقَ وهبَطَ في مُسْتوى شهواتِهِ يسْتَنْجِ بِعَقْلِهِ كي يُفَلْسِفَ له انْحِطاطَهُ فَكُلُّ المذاهِب الوَضْعِيَّة الهدَّامَة هي فلْسَفَة عَقْلِيَّة لانْحِراف خُلُقي، فلمَّا الإنسان يسْتخدِم عقْلَهُ للتَّبْرير يكون على عَكْس ما خلقه الله عز وجل فالذي يقول مثلاً الاخْتِلاط يُهَذِّب النُّفوس ! هذه فِكْرَة خبيثة مِن عَقْل مُبَرِّر والذي يقول لك أنا إن لم أسْرِق لا يُمْكِنُني أن أعيش، أين توحيد الرازِقِيَّة ؟ الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فأخْطَر شيء ونعوذ بالله أن نسْتَخْدِم عُقولنا لِتَبْرير أخْطائِنَا، فَكُلّ الأعمال المُنْحطَّة تُبَرَّر والحَسَنُ ما حسَّنَهُ الشرع، والقبيح ما قبَّحُ الشَّرْع.





والحمد لله رب العالمين



آفراح 03-18-2018 12:17 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
جوزيت كل خير على روعة الطرح والفائدة الكبيرة
تحية

السعيد 03-18-2018 01:12 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
تسلمين اختى افراح

السعيد 03-18-2018 01:15 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الحادى عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة بعد المائتين في سورة الشعراء، كان الخليفة الراشِد الذي يُعَدُّ حقيقةَ خامِس الخلفاء الراشِدين سيِّدُنا عمر بن عبد العزيز كان كُلَّما دخَلَ إلى مكان تَسْيير الأمور يتْلو هذه الآية التي هي مِن أبْلَغِ الآيات ؛ قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذه الآية تَصْلُحُ أن يقْرأها الإنسان على نفْسِهِ كُلَّ يوم إذا كان مُتَمَتِّعًا في الحياة الدنيا، فهذه المُتْعَة هل لها مَرْدود ؟ الجواب: لا فالإنسان إذا أراد أن يجْلس في حوض سِباحَة وماء فاتِر، لو جلَسَ في هذا الحَوْض عشَراتِ الأيام ؛ هل يُصْبِحُ طبيبًا ؟! هل يُصبِحُ تاجِرًا ؟! هل يُؤلِّفُ كتابًا ؟! الجَلْسَةُ مُمْتِعَة فالماء الفاتِر يُريحُ الأعصاب، والإنسان إذا اسْتَلْقى على فِراشِهِ وأخَذَ حظَّهُ من الدنيا، وإذا نالَ كُلّ حُظوظهِ كامِلَةً ثمَّ جاءَهُ ملك الموت، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
أربعين أو خمْسين سنة، وأحْيانًا تجد الواحِد عمرهُ تِسعين سنة، وذو صِحَّةٍ جيِّدَة ومَسْرور، وله أذْواق في الطعام والنُّزُهات نادِرة، فهذا لو تمتَّع ألْف سنَة ! قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
فسيِّدُنا عمر بن عبد العزيز الذي يُعَدُّ حقًّا خامِس الخلفاء الراشِدين كان يتلو هذه الآية كُلَّ يوم، وكُلَّما دخَلَ إلى مكان عمَلِهِ، وأنا لا أُسَمِّيهِ قَصْرًا، كُلَّما دخَلَ إلى المكان الذي يُسَيِّر فيه أمور راعِيَتِهِ يتْلو هذه الآية:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
أيُّها الإخوة، يجب أن نَعْلَمَ عِلْم اليقين أنَّ الفقْر الحقيقيّ هو الفقْر مِن العَمَل الصالِح، وأنَّ الغِنى الحقيقيّ هو غِنَى العَمَل الصالِح ؛ يُؤَكِّد هذا قَول الله عز وجل على لِسان سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى لهما وتولى إلى الظلّ، قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[ سورة القصص ]
الخَيْر أن تأخذ بِيَدِ إنسانٍ إلى الله تعالى لأنَّ حجْمَكَ عند الله بِقَدْر عملِكَ الصالِح، قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فلو أمْضى الإنسان كُلّ حياتِهِ يسْتَمِع ويتأثَّر، ويقول: والله كلام طيِّب وهذا كلامٌ عميق، وكلامٌ فيه صِدْق، ولو اسْتَمَع ما شاء الله، ولم يخْرُج منه عمَلٌ يُؤَكِّد فهْمَهُ لِهذا الكتاب، ليس عند الله بِشيء.
مرَّةً ثانِيَة أيُّها الإخوة، حجْمُكَ عند الله بِحَجْمِ عمَلِكَ الصالِح، وكُلَّما نمى صِدْقُكَ وحُبُّكَ ينْمو معه عمَلُكَ ؛ لأنَّ الإيمان ما إن يسْتَقِرّ في قلب الإنسان حتَّى يُعَبِّر عن ذاتهِ بِذَاتِهِ مِن خِلال عملٍ صالِحٍ، فدائِمًا هناك سُؤال ينبغي أن يكون في ذِهْنِ كُلٍّ مِنَّا ؛ ماذا قدَّمْتُ للإسلام ؟ أحْيانًا الإنسان يتعلَّم ويُعَلِّم، وأحْيانًا يُساعِد بِمَالِهِ، وبِقُوَّتِه، ينشئ مُستشفى ويُقَدِّم مَعونَة، يُسْهِم في بناء مَسْجِد، وطَبْعِ كِتاب، يرْعى أيْتام، ويُعينُ الضُّعَفاء، وينْتَصِرُ لِمَظْلوم، دائِمًا اسْأل نفْسَكَ هذا السُّؤال: ماذا قدَّمْتُ للإسلام ؟ كيف ألْقى الله
عز َّوجل ؟ وما العَمَل الذي سيَكون بين يديّ لمَّا ألْقى الله ؟ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((يا بشر لا صدقَةَ ولا جِهاد فبِمَ تلْقى الله عز وجل ؟))
لأنَّ الله تعالى قال:

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(54)﴾

[ سورة سبأ ]
كُلّ واحِد له ترْتيب في بيْتِهِ وجَلْسَةٌ مُريحَة، وسرير مُريح، وله كان في غرفة الجلوس، وحوْله زوْجتُهُ وأصْهارُهُ، وله أذْواق، ولكن حينما يأتي ملَكُ الموت حيلَ بينهم وبين ما يشْتَهون، ولو أنَّها مُباحَة ولو أنّها مَشْروعَة ؛ يُحال بينك وبين الشَّهوات فجْأةً، وفي ثانِيَة واحِدة ألا تنظر بين هذه المُفارَقَة العجيبة ؟ مِن بيتٍ مُريحٍ جدًا إلى أحد مقابر دِمَشْق ! أربعة وعشرون سنة، وإكْرام المَيِّت تَرْحيلُهُ، يعودون إلى البيت وقد خلَّفوه تحت التُّراب، هذا مصيرُنا جميعًا، ولا ينْجو منه أحد، فَكُلّ العقْل والحِكْمة في الإعْداد لِهذا القبْر الذي هو صنْدوق العَمَل قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
تمتَّع كما تُريد، سيِّدُنا إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا أفْضل الصلاة والسلام قال:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾

[ سورة إبراهيم ]
فربُّنا عز وجل قال ومَن كفَر، تَمَتُّعُ الإنسان بالحياة هل هو دليل رِضى الله تعالى عليه ؟! لا أبَدًا، فلا علاقة بهذا إطْلاقًا، رِضاء الله تعالى مَنوطٌ بِطَاعَتِهِ، ومِقْياس رِضى الله عنك طاعتُكَ له، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
فالإنسان إذا مال إلى الاسْتِرْخاء، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))

[ رواه أحمد ]
والمقْصود بالتَّنَعُّم هنا أن تَقْصِدَهُ وأن تَجْعَلَهُ دَيْدَنَكَ، والهدف لك، لكن يُمكن لله تعالى أن يجْعَلَ الدنيا كالجنَّة ؛ راحَةَ نَفْسِيَّة وطُمأنينَة وشُعور بالفَوْز والرِّضا، وأنَّ الله تعالى يُحِبُّك، لكنَّ المؤمن في الدنيا يَعْمَل كما قال سيِّدنا عمر: الليل والنَّهار يَعْمَلان فيك، فاعْمَل فيهما، فَكُلّ واحِد فيه بالحاسَّة السادِسَة قُدْرة ؛ فلان عمرهُ ثلاثون، وذاك أربعون مِن أين يأتي بِهذه الأرقام ؟ مِن ملامِحِ الوَجْه والجسَد، هذا فِعْل الليل والنهار.
أيها الإخوة الكرام، ورَدَ في بعض الأدْعِيَة ؛ لا بورِكَ لي في طُلوعِ شَمْس يوم لم أزْدَدْ فيه مِن الله تعالى عِلْمًا، ولا بورِكَ لي في طُلوعِ شَمْسِ يَوْمٍ لم أزْدَدْ فيه من الله قُرْبًا، فَكُلّ يوْمٍ لم تزْدَدْ فيه عِلْمًا وعملاً هو يومٌ خاسِر ولو كان ربِحْت بذاك اليوم خمسمائة ألف، لأنَّ الإمام الحسَن البصْري يقول: ما مِن يوْمٍ ينشقّ فجْرُهُ إلا ومُنادٍ يُنادي: يا ابن آدَم أنا خلْق جديد وعلى عملِكَ شَهيد، فَتَزَوَّد مِنِّي فإنِّي لا أعود إلى يوْمِ القِيامَة ! وكان عليه الصلاة والسلام كُلَّما اسْتَيْقظ صباحًا يدْعو بِهذا الدُّعاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدُ فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ))

[ رواه الترمذي ]
هناك إنسان ينام، ومن النَّوْم إلى الموْت، أحد النِّساء لَمَسَت زوْجَها بالليل فإذا يَدُهُ بارِدَة فلما رأتْهُ فإذا به ميِّت ! أعْطاك يوْمًا جديدًا وعافاك فيه، وسمَحَ لك أن تذْكُرَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ رواه الترمذي ]

مُضي الأيام والشُّهور والسَّنوات والعُقود، فهل الأيام نفْسُها ؟! سألْتُ أحدهم فقال لي: هناك خمسين نعي يوميًا بالشام، لذا اعْلَموا أنَّ مَلَكَ الموت قد تخطَّانا لِغَيْرِنا، وسيَتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلْنَتَخِّذ حِذْرَنا.
الدعاء الشريف: بادِروا بالأعمال الصالِحَة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا..."المؤمن له آية خاصَّة، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
شيءٌ يُمَلَّك، وشيء ثَمين، لها ما كسَبَتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن لِصالِحِ المؤمن، ومُضِيُّ الأيام والليالي لا يزيدُهُ إلا تأَلُّقًا ولا يزيدُهُ إلا قرْبًا وعِلْمًا، ولا يزيدُهُ إلا عملاً صالِحًا، فإذا جاء الموتُ كان تُحْفَتَهُ وعُرْسَهُ، وانْتَقَلَ إلى نعيم مُقيم، قال تعالى:

﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)﴾

[ سورة يس ]
أنا أتحدَّثُ عن إنسانٍ شَرَدَ عن الله، فهذا الشارِد الأيام إلى ما شاء الله لي فيها مُفاجآتْ ‍! هناك فقْر مُنْسي، وكاد أن يكون الفقْر كُفْرًا، أو غِنًى مُطْغِيًا، وهناك غِنى عدَّهُ النبي عليه الصلاة والسلام مُصيبَة الغِنى الذي يَحْمِلُكَ على مَعْصِيَة الله، وعلى الفُجور، أنا أعْرِف أشْخاص كثيرين على الدَّخْل الكبير شَردوا وفجَروا، وتركوا الصلاة وباتوا في النوادي الليليَّة ! أصْبَحَ دَخْلُهُ كبيرا !!! هذه مُصيبَة، سَبْعَةُ أشياء تَقْسِمُ الظَّهْر، وينتظِرُها كلّ إنسانٍ شرَدَ عن الله تعالى، أما المؤمن فالزَّمَن لِصالِحِه، أما غير المؤمن فلهُ المُفاجآت، فقْرٌ مُنْسي وغِنىً مُطْغي، مرض مُفْسِد، هرم مُفَنِّد، وموت مُجْهِز، ودجال والساعة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، فالإنسان كُلَّما كان عاقِلاً ذَكِيًّا يعيشُ مُسْتَقْبَلَهُ، وكلَّما كان أقل عقْلاً يعيشُ حاضِرَهُ، وكُلَّما كان غَبِيًّا يعيشُ ماضيهِ، والبُطولة أن نهيئ أنْفُسَنا لهذه الساعة، وهي شِعار سيِّدنا عبد الله بن عبد العزيز، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
لذلك قال سيِّدُنا علي رضي الله عنه قال: والله لو عَلِمْتُ أنَّ غدًا أجَلي ما قَدَرْتُ أن أزيد في عملي ! المؤمن بهذه السرعة يمْشي إلى الله صلاة وتِلاوَة وإنْفاق وعمل صالِح، وأمْر بالمَعروف، ونَهي عن المُنْكَر، طلب العلم، وتعليم العِلْم، باب الأعمال الصالِحَة مَفْتوح حتَّى أن تضَعَ اللُّقْمَةَ في فيِّ زَوْجَتِكِ لك بها صَدَقَة، وأن تُميط الأذى عن الطريق هو لك صَدَقَة.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-18-2018 01:25 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثانى عشر


12



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في حياة الإنسان مسرَّاتٌ وآلام، فالآلام مادِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّة، والآلام المَعْنَوِيَّة ترْجِعُ في معظمِها ودون مُبالَغَةٍ إلى الشِّرْك والدليل قوله تعالى في الآية الثالثة عشر بعد المائتين من سورة الشعراء:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
قد يقول أحدكم: أنا لا أعْبُدُ إلا الله، وكلامُهُ صحيح، ولكِنَّهُ يدْعو مع الله جِهَةً ؛ إنسانًا أو أخًا أو صديقًا أو ابنًا أو زوْجَةً أو قَوِيًّا، أو مَن هو فوْقَه ! فأنت لا تجْعَلُهُ إلهًا ولكن تُعامِلُهُ كما يُعامَلُ الإله ؛ تَخْشاهُ وتَعْصي الله، وتُرْضيهِ وتَعصي الله، تُعَلِّقُ الأمَل عليه، ولا تعبأُ بِوَعْد الله، وتخافُهُ ولا تخاف الله، وترْجوهُ ولا ترجو الله، وتُرْضيهِ ولا تُرْضي الله، فإذا أرْضَيْتَ جِهَةً غير الله فهذا هو الشِّرْك، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
حينما تعْتَقِدُ أنَّ إنسانًا بِيَدِهِ أمْرُك، ومصيرُكَ، ورِزْقُكَ، وبِيَدِهِ أن يُعْطِيَكَ، وأن يمْنَعَك، وبِيَدِهِ أن يرْفَعَك وبِيَدِهِ أن يخْفِضَك ؛ هذا الإنسان أنت عامَلْتَهُ كما يُعامَلُ الإله، لذلك سوف تأتي للنَّفْس البشَرِيَّة آلامٌ لا توصَف، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
المُعَذَّبون في الأرض ؛ هذه القِصَّة الشَّهيرة، من هم المُعَذَّبون في الأرض ؟ الذي جعلوا مع الله إلهًا آخر لكنَّ هذا الإله الآخر، قد لا يرْضَى عنك، وقد لا يُسْتَرْضى، وقد لا يعْلَم، وقد لا يسْتطيع، وإن اسْتَطاع لا يعْلَم، وإن علِمَ لا يقْدِر، وإن لم تَسْتَرْضِهِ غَضِب، وإن أرْضَيْتَهُ غَضِبَ الآخر، وإن أرْضَيْتَ الآخر غضِب هو! تَمَزُّق، لذا دَعْكَ مِن هؤلاء جميعًا واتَّصِل بالله، وأرْضِهِ وحْدَهُ، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
تصَوَّر شركة مات صاحِبُها، وتركَ أولادًا عِدَّة، وكُلّ واحِدٍ مِن أولادِهِ له طَبْع، ورأْي وأمر ونهْي، وله ما يُغْضِبُهُ وله ما يُرضيهِ ؛ هؤلاء العُمَّال يتمزَّقون ؛ إن أرضَيْتَ زَيْدًا أغضِبَت عُبيْدًا ! وإن خرجَ مِن المَعْمَل لِيُلبِّيَ رغْبة ذاك غضِبَ الأخ الآخر ! لذا أيها الإخوة ؛ التَّوحيد أحد أسباب السعادة، وأيُّها الإخوة ووالله لا أُبالِغ ؛ كُلَّما تقَدَّم العِلم اكْتشَفَ أنَّ الصِحَّة النَّفْسِيَّة أحدُ أكبر أسباب الصِحَّة الجَسَدِيَّة، وأنَّ مُعْظَمَ الأمراض الوبيلة بِسَبَبِ الشِّدَّة النَّفْسِيَّة ؛ وهذه حقيقة يعْرِفُها الأطِبَّاء، أمراض القلب، وجهاز الهضْم، وضَغط الدَّم، والسُّكَر وآلام عضَلِيَّة، يكاد كُلَّما تقدَّم العلم يكْتشف أنَّ لكلّ مرض عُضْوي سببًا نَفْسيًّا، وأنَّ الشِدَّة النَّفْسِيَّة مرْجِعُها إلى الشِّرْك، تخاف الإنسان فهذا الإنسان لايرْحَمُك ولا يُحِبُّك، ويتمنَّى أن يُوقِع بك، وتخافُهُ وتنسى الله، ترْجو إنسانًا فَيُخَيِّبُ ظنَّك، وتضَعُ الثِّقَةَ بِزَوْجَتِك فلا تكون في المُسْتوى المَطلوب، وتُربِّي الطِّفل وتتعب عليه، وبعدها يهْجُر ويذْهب ويتزوَّج امرأة أجْنَبِيَّة ولا يعود، ولا يُراسِلُك تمامًا، لذا أحد أمراض العذاب النَّفسي أن تدْعُوَ مع الله تعالى إلًها آخَر، وأن تُشْرِك، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التَّوْحيد، والقرآن الكريم كُلُّه حول التَّوحيد والدليل قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف]
فالله عز وجل لخَّص لنا القرآن الكريم كُلَّه، وأنا أُؤَكِّد لك أنَّ دعوة الأنبياء جميعًا هي التَّوْحيد، والدليل قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(4)﴾

[ سورة إبراهيم ]
لمَّا تُوَحِّد تُزاحُ عنك كُلّ المُشْكِلات ؛ مُشْكِلات الصِّحة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

[ سورة الشعراء ]
ومُشْكِلات الأُسْرة، قال تعالى:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

[ سورة الأنبياء ]
ومُشْكِلات العَمَل، فإذا الواحِد اصْطَلَح مع الله تعالى وتلى قوله تعالى:

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

[ سورة الشعراء ]
أغْلَقَ أوَّل باب من أبواب القلق، وكذا الرِّزق، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) ﴾

[سورة الطلاق ]
وقد أبى الله عز وجل إلا أن يجْعَلَ رِزْقَ عبْدِهِ مِن حيْثُ لا يحْتَسِب والحوادِث قال عنها تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
فأنت إذا رَجَعْت إلى الله، واصْطَلَحْتَ معه، وطبَّقْتَ أمْرَهُ ولم تعْبأ بِأحد:

فليْتَكَ تَحْلو والحياةُ مريـــرةٌ وليْتَكَ ترْضى والأنام غِضابُ
وليْتَ الذي بيني وبينكَ عــامِرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الوَصْلُ فالكُلّ منك هيِّنٌ وكل الذي فوق التُّراب تُراب
***

فالواحد إذا علِمَ أنَّ كلّ شيء بيَدِ الله، وهو الرَّزاق والمُحيي والمُميت والشافي، والمُمْرِض والمُضْحِك والمُبْكي، تُصْبِحُ علاقتك مع الواحِد الأحد وبالمناسبة هناك أشْخاص لا تسْتطيع أن تسْترْضِهِم، لكنَّ الله تعالى قال:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
فالله تعالى يرْضى بالتَّوْبَة، ويرْضى بالعمل الصالح، وتِلاوَة القرآن ويرْضى بالنَّدَم، وبِمُجَرَّد أن تنْدَمَ على عملٍ فقد رَضِيَ عنك، وهو في مُتَنَاوَلِ كُلِّ مَخْلوق، بل إنّ سُبُل إرْضاء الله عز وجل لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، والطرائِق إلى الخالق بِعَدَدِ أنْفاس الخلائِق، والله عز وجل رحْمَةً بهذا الإنسان ما جَعَلَ الماضي عِبئًا عليه، قال لي أحدهم: لا توجَد معْصِيَة تتصَوُّرها أنت إلا وفَعَلْتُها، فقلْتُ له: نسأل الله أن يتوب عليك، فقال لي: والدليل ؟ فقلتُ له: قال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
فالماضي يُهْدَمُ في ثانِيَة، وهو ليس عبء عليك، والإسلام يجبّ ما قبلَهُ، ولو جئْتني بِملء الَّسماوات والأرض خطايا غفَرْتُها لك، ولا أُبالي، فلو أنَّ امرأة عرَضَت نفْسَها طوال الحياة بالمسارِح والأفلام وهي أحد أكبر فِتَن المُجْتَمَع، فلمَّا اصْطَلَحَت مع الله تعالى و تحجَّبَت وستَرَتْ وجْهها، ورُبَّما لازالتْ أغانيها وأفلامها تُذاع، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
يرْزقك من حيث لا تحْتسب، وصِحَّتُك هو المُعافي لها، وزَوْجَتُكَ هو المُصْلِحُ لها، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

[ سورة الأنبياء ]
وأولادك هو الذي يجعلهم يَخْضعون لك، لذا إذا كان الله معك فَمَن عليك، وإذا كان عليك فَمَن معَك، يا ابن آدَم اُطْلبني تَجِدْني فإذا وجَدْتني وَجَدْتَ كُلّ شيء، وإن فِتُّك فاتَكَ كُلّ شيء، أنت تُريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد سلَّمْتُ لك فيما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، فهذه الآية مِن الآيات الدقيقة جدًا، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
لا تخش إلا الله، ولا تُعَلِّق آمالَك إلا عليه تعالى، ولا ترج إلا الله ولا تتقرَّب من أحدٍ سِواه.
هل تعْتَقِدون في الأرض كُلِّها من آدم إلى يوْمِنَا هذا رجلين أشَدُّ حُبًّا لِبَعْضِهِما من رسول الله تعالى وسيِّدنا الصِّديق ؟ قال:
((ما ساءني قطّ ! وما طَلَعَت شمس على رجل بعد نبِيٍّ أفضل من أبي بكْر ))
وقال:
((تسابَقْتُ أنا وأبو بكر فَكُنَّا كهاتَيْن ‍))
ومع ذلك فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَقَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ))

[رواه البخاري]
ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خليلاً لاتَّخَذْتًُ أبا بكر ! ولكن أخ وصاحب في الله وأنت يُمْكِنُ أن تُحِبَّ في الله، ويُمْكِنُ أن تُحِبَّ مع الله، الحُبُّ في الله كمال الإيمان والحبّ مع الله كمال الشِّرْك، فإذا أحْبَبْتَ الله عز وجل فَمِن لوازِم محبَّتِك له أن تُحِبَّ المؤمنين، ومِن لوازِمِ محبَّتِكَ له أن تُحِبَّ مَن حَوْلَكَ مِن المُسْتقيمين، أما إذا أحْببْتَ إنسانًا وحَمَلَكَ على مَعْصِيَة الله ولم تعبأ بهذا فأنت أحْبَبْتَهُ مع الله، وهذا هو الشِّرْك، وهؤلاء الذين حَوْلَك إن لم تكن أنت لهم فَمَن لهم، فالأقربون أنت الوحيد الذي لهم فإن لم تكن لهم فَمَن لهم، تُهْمِل ابنَك وتَلْحَق الناس، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
والإنسان إذا أكْرَمَ أهْلَهُ فإكْرامُهُ مُضاعَف لأنَّهُ إكْرامٌ وصِلَةٌ، ابنك أخوك وشريكُكَ، والدَّعْوَة إلى الله تعالى لا كما يتوهَّم بعض الناس فرْض كِفايَة، الدَّعْوَة إلى الله فرض عَين، والدليل قوله تعالى:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
والتواصي بالحق ليس كما تظن أنَّهُ يجب أن تكون أحد الأعلام الأفْذاذ ! طالب علم، يَجب أن تُبَلِّغ ما سَمِعْتَ ولِمَن تعْرف، والإسلام إذا توسَّعَت دوائِرُهُ ضاقَتْ دوائِرُ الكفر، والعكس بالعكس فَمِن أجل الحِفاظ على الإسلام وعلى وُجود الحق ينبغي أن نتواصى بالحق، قال تعالى:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ سَهْلٍ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ رواه أبو داود ]
قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
التواضع، فيجب أن تتواضَع لِمَن تُعَلِّم، ولِمَن تتعلَّم منه، والتواضع أحد أبْرز أخلاق المؤمن، قال:

وانْظُر إلى الأكْحال وهي حِجارَةٌ لانَتْ فصارَ مقَرُّها في الأعْيُنِ
***

فالكُحل حَجَر لكنَّهُ ليِّن فَطُحِن فَوُضِعَ في العين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-18-2018 01:27 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثالث عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في الدرس الماضي بيَّنْتُ لكم أنَّ أحَدَ أكبر أسباب الآلام النَّفْسِيَّة هو الشِّرْك بالله لِقَول الله تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
وأعظم الأعمال الصالِحَة أنْ تعْكِفَ على ترْبِيَة أولادِكَ ومَن حوْلَكَ لأنَّك هم أوْلى الناس بِتَرْبِيَتِك وعِنايَتِك، وهم ذُخْركَ يوم القيامة، وأفْضل كَسْب الرَّجُل ولَدُهُ على الإطلاق
قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
أوَّلاً: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه البخاري]
والعُبودِيَّة لله تعالى تتناقض مع الكِبْر، إنَّ ذَرَّةً من كِبر تسْتَوْجِبُ النار، والحديث الشريف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ رواه مسلم ]
والمُتَكَبِّر جاهِل، والإنسان يتكبَّر بِغَير الحق، لأنَّه إن قال: أنا، فهل يضْمَنُ أن يبْقى بعد ساعَةٍ حيًّا ؟ هل يضْمَنُ أن يبْقى عقْلُهُ في رأسِهِ خصرة صغيرة في الدِّماغ تُلْغي عَقْل الإنسان وذاكِرَتَهُ، وبعض حواسِّه وحركتَهُ، وكلّ مُنْجَزاتِك في الحياة مَبْنِيَّة على سُيولَة الدَّم، فلو تجمَّد الدَّم في الإنسان انتهى، لذا إن قال هذا الإنسانُ: أنا ! فَهُوَ جاهِل ووُجود الإنسان مُتَوَقِّف على إمْداد الله له، فالتَّواضُع عِلْم، والتَّكبّر جَهْل، والتَّواضع منْطِقي ومَوْضوعي وواقِعي ويعرف حجْمهُ الحقيقي والله تعالى معه، لذلك قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
قد يسأل سائِل: هل يُعْقَل أن يتكبَّر النبي عليه الصلاة والسلام ؟ لا فما معنى أن يأْمُرَهُ أن يخْفض جناحَهُ ؟ هذا الأمْر في الظاهِر للنبي ولكنَّهُ في الحقيقة للمؤمنين، وربُّنا عز وجل يُعَلِّمُ المؤمنين من خلال أوامِره للنبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿باأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)﴾

[سورة الأحزاب]
فهل يُعْقَل أن لا يتِّقي النبي صلى الله عليه وسلَّم الله تعالى ؟ هذا الأمْر مُوَجَّهٌ للمؤمنين، وفي رأي آخر، أنَّك إذا أمَرْتَ إنسانًا أن يسْتقيم، ولم يكن كذلك فالأمْر بِالاسْتِقامة واضِح، أما إن أمَرْتَ إنسانًا بالاسْتِقامة وهو مُسْتقيم فالمعنى أن تبقى على الاسْتِقامة، وهناك معنى آخر، وهو اِرْفَع جُهودَك في الاسْتِقامَة قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)﴾

[ سورة النساء ]
يا رب تُخاطِبُنا بأنَّا مؤمنون فَكَيْف نُؤْمِنُ بك ؟ المعنى يا أيها الذين آمنوا ارْفعوا مُسْتوى إيمانكم، فإذا كان الإنسان غير مؤمن عليه أن يؤْمِن، وإذا كان مؤمِنًا فلْيَسْتَمِرّ على إيمانِهِ ويبْحث على مُستوى أرْقى إما أن تفْعَلَهُ ابْتِداءً، وإما أن تسْتَمِرَّ عليه، وإما أن ترفع مُستواه وهناك معنى رابِع في قوله: يا أيها النبي اتَّق الله، أي يا أتْباع النبي اتَّقوا الله قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا(1)﴾

[ سورة الطلاق ]
النبي عليه الصلاة والسلام ما طلَّق إلا امرأةً واحِدَة يوم الزَّفاف، قيل لها إذا دَخَل النبي عليك قولي له: أعوذ بالله منك ! فلمَّا دخل عليها قالتْ له: أعوذ بالله منك، فقال: الْحَقي بأهْلِك، لماذا ؟ لأنَّ زوْجَةَ النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن تنقل عنه الأحاديث، وحينما قبِلَتْ أن تنقله كلامًا دون أن تُفَكِّر فيه، فهذا يعني تَفْكيرُها مَحدود جدًا، إذًا هذه الزَّوْجة خطرٌ على الدَّعْوَة، رسول مَعصوم، ونبيٌّ عظيم قالت له هذا، فالآية هذه مُوَجَّه لعامَّة المُسلمين.
وهنا قوله تعالى:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
هناك آيةٌ أُخْرى تُكَمِّل هذه الآية:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
لا يوجد لمَن اتَّبعك ! ولو جَمَعْنا الآيتين لوَجَدْنا أنَّ كُلّ إنسان يُعَمِّق انْتِماءَهُ لِجَماعَة ويُعادي بَقِيَّة الجماعات، فهذا إنسان بعيد عن روح القرآن الكريم، لأنّ الله تعالى أمَرَ النبي مرَّة أن يخْفض جناحهُ لِمَن اتَّبَعَهُ، وأمَرَهُ مرَّةً أن يخْفض جناحَهُ للمؤمنين، فلو أنَّك مثلاً أنت من مسْجد كذا ووجَدْتَ إنسانًا آخر من مسْجِدِ كذا، فهل هذا الذي الْتَقَيْتَ به ليس مؤمنًا ! هذه النَّظْرَة الضَّيِّقَة، تعميق الانْتِماء لِجَماعة مُعَيَّنَة ومُعادات بقِيَّة الجماعات، وأن تعْتَقِد أنَّ الله وحْده، هذا تفْكير يهودي قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)﴾

[ سورة البقرة ]
فالإنسان كُلَّما كان أُفُقُهُ ضيِّقا يُضَيِّق رحْمة الله عز وجل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:َ
((: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))

[رواه البخاري]
رحْمة الله واسِعَة، لذلك الانْتِماء إلى جماعة ومُعادات بَقِيَّة الجماعات هذا مُعاداة للدِّين.
أيُّ مؤمن هو أخٌ لك مهما كانت جماعَتُهُ، والمبادئ واحِدَة والكتاب واحِد، إنَّما الاخْتِلاف في الأسلوب، إلا إذا كان في العقيدة زَيْغ فهذا موضوع ثاني، والأمر كما قال الشافعي، نتعاوَنُ فيما اتَّفَقْنا ويعْذُر بعضُنا بعْضًا فيما اخْتَلَفْنا، وقال الإمام الشافعي: أنا على حق ويُحْتَمَلُ أن أكون على باطِل، والطَّرف الآخر على باطِل، ويُحْتَمَلُ أن يكون على حق ! اِجْعل عقْلك مفْتوحًا، والله تعالى علَّمنا كيف نُناقِش الآخرين، قال تعالى:

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾

[ سورة سبأ ]
فإذا ناقَشْتَ أحدًا لا تجْعَل نفْسَك أعلى منه، وأنَّك أعلمَ منه، فالنبي لم يقل أنا على الحق إنما قال:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾

[ سورة سبأ ]
وهذا أُسلوب تَرْبَوي في المناقشَة، فإذا حاوَرْتَ إنسانًا اجْعَل نفْسَكَ معه سواءً بِسَواء، ولا تسْتعلي، وأنَّك المُصيب وهو المخطئ، وهناك آية أبْلَغ وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25)﴾

[ سورة سبأ ]
فهل النبي مُجْرِم ؟ أي إذا اعْتَقَدْتُم أنَّنا مُجْرمون، فَنَحن لسْنَا مُجْرِمين ولن تُحاسَبوا عنَّا ؛ أرأيْتَ أدَب المناقشَة وأدب الحِوار، لذا هذه الآية دقيقة جدًا ؛ قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
والثانِيَة:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

[ سورة الحجر ]
والمؤمنون اليوم في أمَسِّ الحاجة إلى الوِحدة، والتَّعاوُن، والتَّكاثف والتَّناصح، وإلْغاء الخلافات، والداعِيَة بإمْكانِهِ أن يدْعُوَ إلى الله تعالى خمسين عامًا في المُتَّفَقِ عليه، وإذا دعا إلى الله في المُتَّفَق عليه وحَّدَ الأُمَّة، وجعلها قَوِيَّة مُتماسِكَة، أما إظْهار الخلافات وإبْرازها وجعلها شِعارًا، وقاتَلَ مِن أجْلِها تتمزَّق وحْدة الأُمَّة.
مِحْوَر الدَّرس اليوم ؛ قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
والثانِيَة:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
معنى ذلك الانْتِماء لكلّ المؤمنين، وأقْوى آية بِهذا المعنى قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)﴾

[ سورة الحجرات ]
فلا بد أن تشْعر بانْتِمائِكَ إلى مَجْموع المؤمنين، ونحن بِأمَسِّ الحاجة إلى التَّعاوُن، وإسْقاط الخِلافِيَّات، التي تُمَزِّق شَمْلنا، وتُضْعِفُ قُوَّتَنا قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
والحلّ هو كتاب الله الكريم، وسُنَّة نبيِّه الصحيحة، وأفعال الصحابة المُتَّفق عليها؛ الذين شهِدَ الله لهم بالصلاح، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(18)﴾

[ سورة الفتح ]
إذًا بإمْكاننا أن ندعوا إلى الله سنوات كثيرة دون إثارة مواضِع الخِلاف وكلّ مَن كبَّر الخِلافات وجعلها مِحْوَر درْسِهِ فهذا إنسانٌ وداعِيَةٌ بعيد عن الإخلاص، لِقَول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
يَجُرُّ خِلافًا وقع منذ ألف سنة يجعلُهُ موْضِع الجدَل، فالماضي مضى قال تعالى:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
ليس لنا علاقة بِخِلاف الصحابة إطْلاقًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إذا ذكر أصحابي فأمْسِكوا.))
وأنا لسْتُ بِمُسْتواهم، ولسْنا بِمُسْتوى تَقييم الصَّحابة، وإذا امْتَنَعْنا عن إبْراز نقاط الخلاف واْسْتِحضارَه وأعْلَنَّا انتماءنا لِمَجْموع المؤمنين اتَّحَدْنا واجْتَمَعنا ونحن بأمَسِّ الحاجة لهذا الاجْتِماع، فإذا الإنسان عليه أنْ يُكْبِرَ أخاه، لا أن تُفْسِدَ عليه شَيْخَهُ، ولكن عليك بهِدايَة مَن لا شيْخَ له ولا مسْجِدَ ودَعْكَ مِمَّن كان له مسْجِدٌ أن تُبْعِدَهُ منه ! فهذه الأمور تجْمعُ شمْلنا، قال تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
والأمر كما قلنا في أوَّل الدَّرس إما أن تفْعَلَهُ ابْتِداءً أو أن تسْتَمِرَّ عليه أو أن ترفع مستواه.
قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ﴾

[ سورة الشعراء ]
ما أنت عليهم بِوَكيل، وما أنت عليهم بِجَبَّار، وليس عليك هُداهُم وما أنت عليهم بِحَفيظ، قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

[ سورة القصص ]
فلسْتُ قاضيا، إنَّما أنت داعِيَة قال تعالى:

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾

[ سورة المدثر ]
نحن لسْنَا مُكَلَّفين بإكْراه الناس إنَّما عليك الدَّعْوة والتَّبْليغ، وعلى الله تعالى الباقي، قال تعالى:

﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)﴾

[ سورة الشعراء ]
إذا لم يسْتَجِب فقُل: اللَّهمّ هذا مُنْكر أعوذ منه، والله تعالى هو الذي يُعالِجُهُ.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-18-2018 01:29 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الرابع عشر

14



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة في سورة الشعراء، وهي قوله تعالى:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)﴾



(سورة الشعراء)

قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
مِن لوازِمِ الإيمان التَّوَكُّل، ومن توكَّل فَهُوَ مؤمن،فالَتَوَكَّل علاقة ترابُطِيَّة، فإذا آمَنْتَ ولم تتوَكَّل ففي إيمانِكَ شكّ، أما أن تتوَكَّل وأنت لسْتَ مؤمنا فهذا مُسْتحيل.
أيها الإخوة، التَّوَكُّل مَحَلُّهُ القلب، والعمل محلُّه الجوارح، والمسلمون حينما عَكَسوا الآيَةَ تَخَلَّفوا عن رَكْب الحضارة، وأصْبَحوا في مُؤَخِّرَةِ الأمم، حينما ترَكوا الأسباب وتوكَّلوا على الله ؛ هذا هو التَّواكُل فالتَّوَكُّل في القلب، أما في الجوارِح فيجب أن تأخذ بِكُلِّ الأسباب، ولا تُسامَح في تَرْك الأسباب اتِّكالاً على الله، وأوْضَح مثَل تُفاحَّة لم تُغْسَل فيقول له: كُلْهَا وتوكَّل ! هذا هو الجَهْل بِعَيْنِهِ، فأنت عليك أن تغْسِلَها ثمَّ تتوكَّل على الله، وكذا الابن مرِض يقول لك: سَلِّمْهُ إلى الله ؛ هذا هو التَّخَلُّف، وهذا هو الجَهْل، ولكن خُذْهُ إلى الطبيب، واخْتَر أحْسَنَهم وخُذ الدَّواء بِشَكْل دقيق ثمّ قُلْ: يا رب، اِشْفِهِ وأنت الشافي، وكذا الأمر إن كنتَ تاجِرًا، ورأيْتَ صَفْقَةَ فاشْتَرَيْتَها بِتَسَرُّع ؛ يجب أن تدْرس السوق والأسْعار والنَّوْعِيَّة، وحاجة السوق لهذه البِضاعة والكَمِيَّة التي تُسْتَهْلَك، بعدها قل: يا جبَّار ! وكذا الأمر مع طالبٍ مُنْغَمِسٍ بالسَّهرات، تقول له: اُدْرُس فيقول لك: لن ينْسانَا الله ! نحن مؤمنون ! هذه الأمثِلَة مِن واقِعِ الحياة، فنحن لمَّا ترَكْنا الأخذ بالأسباب أصْبَحْنا في مُؤخِّرَةِ الرَّكْب، وليس هذا هو الإسلام، أوْضَح مثَل سيِّدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لمَّا هاجَر، لماذا لم يتْرُك الأخذ بالأسباب ؟ ولماذا أخَذَ طريقًا مُعاكِسًا للمدينة ؟ لماذا اتَّجَهَ نحو الساحِل؟ ولماذا عيَّن رجُلاً يَمْحو الآثار بعده ؟ لماذا عيَّنَ آخَرَ يتقصَّى الأخبار ؟ واسْتأجر خبيرًا بالطريق وكان مُشْرِكًا ؟ لماذا دَخَل إلى غار ثَوْر ؟ هذا هو النبي، فإذا كان التَّوَكُّل بِتَرْكِ الأسْباب، فالأوْلى أن يتوكَّل النبي على هذا النَّمَط، أين قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا(71)﴾

[ سورة النِّساء ]
لا يوجَد مؤمن يترُك الأخْذ بالأسباب إلا ويُؤاخِذُهُ الله عز وجل، يجب أن تأخذ حِذرَك، والمؤمن كيِّس فَطِن، فهذه النُّقْطة دقيقة جدًا، فالتَّوَكُّل مَحَلُّهُ القلب، والأخذْ بالأسباب مَحَلُّها الجوارِح، فإذا عُكِسَتْ وأصْبَحَ التَّوَكُّل في الجوارِح لا الأخذ بالأسباب كُنَّا في مُؤَخِّرة الرَّكْب، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول:

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ فَقَالَ مَا قُلْتَ قَالَ قُلْتُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ رواه أحمد ]
تسْتَسْلِم، وتتْرُك الأخذ بالأسباب، ونحن عبيد إحْسان وليس عبيد امْتِحان ونحن ضِعاف، وأمورُنا ليْسَت بِيَدِنا، ولا حَوْل ولا قوَّة إلا بالله ؛ هذا كلام مُسْلِم ؟‍‍! فسَدَ ولَدُهُ، يقول لك: ليس بالأمر حيلة، والزَّمَن قدْ فسَدَ هذه أمْراض المُسْلمين ؛ عَكَسوا التَّوَكُّل ونقلوه من القلب إلى الجوارِح:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ رواه أحمد ]
ذَكَرْتُ في خُطْبَتَيْن سابِقَتَيْن أنَّ هناك فَقْر الكسَل ! وفقْر التَّسَيُّب، وفقْر التَّسْويف والاسْتِرخاء، وفقْر نقْض المواعيد، وفقْر عَدَم الإتْقان ؛ هذه كُلُّها تُسَبِّب الفقْر، هذا ليس فقْر القَدَر وإنَّما فقْر الكسَل.
أحْيانًا يكون هناك تيَّار مائتان وعشرون، وهناك مأخَذ كهْربائي مَكْشوف، وعندك أحد الأولاد صُعِق ومات، لا تَقُل: انْتهى أجَلُهُ ! أنت تُحاسَب على هذا التَّقْصير، فما دام التَّيار مائتان وعشرون وكانت أسلاك مَكْشوفَة، وعندك أطفال صِغار ويَمشون دون حذاء، فلا تقل يتوَلاَّنا الله، هذا كلام مَرْفوض، فأنت يجب أن تأخذ بالأسباب كُلِّها الدَّواء والمُعالَجة والدِّراسة والتِّجارة، وبعد كُلِّ هذا تقول: يا رب، تَوَكَّلْتُ عليك، هذا بعد الأخْذ بالأسباب.
أيها الإخوة الكرام، طريق عن يمينِهِ وعن يسارِهِ وادٍ سحيق فالوادي الأوَّل هو وادي تَرْك الأسباب، والوادي الثاني هو وادي الاعْتِماد عليها إن ترَكْتَها عصَيْتَ، وإن اعْتَمَدْتَ عليها أشْرَكْت ! فيَجِب أن تأخذ بها وأن تعتمد على الله تعالى، وهذا هو الإيمان.
ومَن لم يتوَكَّل فليس مؤمنًا، وعلى الإنسان أن يوقِن أنَّ الله تعالى معه قال تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد ]
معِيَّة عامَّة، أما فوله تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)﴾

[ سورة الأنفال ]
فهذه مَعِيَّة الحِفْظ والتَّاييد والنَّصْر والتَّوْفيق، فالعُلَماء قالوا: هناك مَعِيَّتان ؛ عامَّة وخاصَّة، فالمَعِيَّة العامَّة ؛ الله تعالى مع الكافر والمُلْحِد والمُجْرم، لقوله تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد ]
بِعِلْمِهِ، أما المَعِيَّة الخاصَّة قال تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153)﴾

[ سورة البقرة ]
وقوله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(123)﴾

[ سورة التوبة ]
أي معهم بالتأييد والنَّصْر، لكنّ هذه المَعِيَّة لها ثَمَن، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

[ سورة المائدة ]
إذًا التَّوَكُّل من لوازِمِ المؤمن، ومن لم يتوكَّل فليس مؤمنًا، وربُّنا عز وجل لِحِكْمةٍ بالِغَة بالغَةِ خلق الإنسان ضعيفًا، وهلوعًا، وذلك مِن أجل إن جاءَتْهُ الشِّدَّة يخاف فيَتَوَكَّل فإذا توَكَّل شَعَرَ بِوُجود الله، وأنَّ الله تعالى بصير وسميع وعليم ورحيم وقدير، فسَمْعُهُ تعالى ورحْمته وقُدرته وعلمهُ كُلُّها تتحقَّق منها إذا تَوَكَّلْتَ عليه سبحانه وتعالى، تشْعُر وكأنَّ الأمور سارَتْ بِشَكل آخر غير مألوف مِن أجل أن تنْصُرَكَ ومن أجل أن تحْفظك.
أيها الإخوة الكرام، هناك أكبر عِبادة بالإسلام يغْفل عنها الكثير الدُّعاء مليون خطر وشبح مُصيبة تُصْرف بالدُّعاء، وهذا مِن أجل أن تتَّصِل به وتتقرَّب منه، لذلك جعلك شديد الخَوف والجزع، وترْتعد فرائسك لأيّ خطر، أما إذا اتَّصَلْت بالله وتَوَكَّلْت عليه ألقى في قلبك الطمأنينة والثبات، وألقى في قلبك التوازن، فالإنسان ضعيف وجذوع من أجل أن يعرف الله، ومن أجل أن يُحِبَّه، فهو أرادكَ أن تعرِفَهُ، وأن تُحِبَّه لأنّ كُلَّ السعادة معه، وفي القرب منه، فالمُشكِلات خلقها الله من أجل أن تقرب إليه، وأت تلوذ به وتتوكَّل عليه، فيأتي الفِعْل الإلهي لِمَصْلَحَتِك، عند ذلك تزْداد معْرِفَةً وتقرُّبًا، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)﴾

[ سورة الشعراء ]
مَن هو العزيز ؟ الله عز وجل، ومِن معاني العزيز أنَّهُ يُنال جانبُهُ وأنَّه يحْتاجُهُ كُلُّ شيء في كُلِّ شيء، ومن معانيه كذلك أنَّهُ ينْدر وُجودُهُ، وتَشْتَدُّ الحاجة إليه، ويصْعب الوُصول إليه، فالله تعالى تصْعب الإحاطة به، وهو القويّ الغنيّ الذي لا يُنال جانِبُه والذي لا تتوقَّف حياته على شيء آخر، وهو فرْدٌ صَمَد، العزيز صِفَة قُوَّة، أما الرحيم فهي صفة كمال، فهو تعالى بِقَدر ما هو عظيم هو رحيم وبقدْر ما هو قوي هو كريم، وأنت في حياتِك قد ترى إنسانا تُحِبُّه ولا يُعْجِبُكَ، فأحيانًا الإنسان والِدَتُه قد تكون أُمِيَّة ويُحِبُّها حُبًّا لا حُدود له لكن تصَرُّفاتها فيها تَجاوُز، وقد تجد إنسانًا تُعْجَب بِعِلْمِهِ ولكنَّهُ لئيم ولا تُحِبُّه، لكنَّ الله تعالى عظيم، وبقدْر ما هو كذلك فهو رحيم، وبِقَدْر ما تخافهُ فأنت تُحِبُّه.
قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾

[ سورة الشعراء ]
من مقام إلى مقام، ومن منزلة إلى أخرى، ومن حال إلى حال قال تعالى:

﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

[ سورة الشعراء ]
فالله تعالى سميع عليم بصير، إن تكلَّمْتَ سمِعَكَ، وإن تَحَرَّكْتَ رآك، وإن سكَتَّ يعْلم ما في نفْسِك، فأنت توكَّل على هذا الإله العظيم، قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) ﴾

[ سورة الشعراء ]










والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-18-2018 01:31 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الخامس عشر

15




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الشعراء، وهي قوله تعالى:

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾

(سورة الشعراء)

الأفاك هو الكذاب، والأثيم الذي يرْتكب الآثام، ودَقِّقوا في العلاقة بين الكذاب والأثيم، فالكذَّاب كَذِبُهُ يَحْمِلُهُ على الإثْم، والأثيم كذَّاب، قال تعالى:
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾

(سورة الشعراء)

الشِّعْر كما عرَّفَهُ النُّقاد: كلام مَوْزون مُقَطَّع، والشِّعْر تَعْبير فَنِّي وصِياغَة بديعة فلو أنَّ أحدًا قال باللُّغَة العامِيَّة: تضرب هذه الدنيا ! بالفصيح: ضاقَت عليَّ الدنيا، أما الشاعر فقال:
بلاني الدَّهْر بالأرْزاءِ حَتَّـى فُؤادي في غِشاء من نِبـــــالي
فَكُنتُ إذا أصابَتْني سِهـــامٌ تَكَسَّرَتِ النِّصال على النِّصال
***

هذا تعبير فَنِّي وبديع، والله عز وجل قال:

﴿الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)﴾

[ سورة الرحمن ]
مِن تَكْريم الله للإنسان أنَّهُ علَّمَهُ البيان، وعلَّمَهُ أن يُعَبِّرَ عن مشاعِرِهِ وعن أفكارِهِ، أن يُعَبِّر عن أفكارِهِ وبالنَّثْر، عن مشاعرِهِ بالشِّعْر، ثمَّ إنَّ هذا البيَان له جانِب آخر خطير جدًا، والبيان يُكْتَب ويُقْرَأ، وبِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء يُمْكِن أن تنتقل الثَّقافات والعُلوم والمعارف مِن إنسا لآخر، ومن جيل لآخر، ومن عصْر إلى عصْر، فَعُلومُ البشَرِيَّة كُلُّها تتراكَمُ فوق بعضِها البعْض والإنسان يأخذُ النَّتيجة بِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء، لذلك قال الله تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾

[ سورة العلق ]
الإمام الغزالي كما قلتُ لكم: كان يحْضر درْسه أربع مائة عمامة، فلمَّا انتهى الدرس، لكِنَّ كتابه الإحْياء أبْقاهُ ألف سنة وأكثر، والقرطبي من الأندلس ألَّف تفْسيرهُ المَشْهور ومات لكنَّ هذا التَّفسير يقرؤُهُ المسلمون في شتَّى بِقاع العالم، فاللُّغَة حينما تُكْتَب وتُقرأ معناها ثقافة أمَّة بأكْمَلِها يتوارثُها الأجْيال، وكم مِن كِتابٍ قيِّم في اللُّغة الأجْنبيَّة تُرْجِم إلى اللُّغة العربيَّة.
نحن نقطتنا بالدَّرس أنَّ هذا البيان الذي يحوي القدرة على التعبير عن أفكارك ومشاعرك، والقدرة على التَّعبير الفنِّي، قال أحمد شوقي:

آمَنْتُ بالله واسْتَثْنَيْتُ جنَّتَـــــهُ دمشق روح وجنات ورَيْحان
قال الرِّفاق وقد هبَّتْ خمائِلُها الأرض دار لها الفيْحاء بُسْتان
جرى وصفَّق يلْقان بها بردى كما تلقَّاك دون الخلد رِضْوان
***

هذا في القديم طبْعًا، فبين أن تقول: دمشق جميلة، وبين أن تصِفَها بِبَلاغَةٍ فرق كبير، والحقيقة التَّعبير الفنِّي له أثَر كبير جدًا، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ:

(( جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ))

[ رواه البخاري ]
فهُناك تعبير عِلْمي وتعبير أدَبي وتعبير ساذج عامِّي، والقرآن الكريم إعْجازُهُ في صِياغَتِهِ ولعلَّ من أكبر تأثيرات كتاب الله تعالى فينا هذا النَّظم الدقيق، ولكنَّ الشِّعْر كما قال الفقهاء: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فنحن لا نتَّهِمُ الشِّعْر بالذات، ولكن موضوع الشِّعْر، فلو جاء شاعر ومَدَحَ النبي عليه الصلاة والسلام لعلَّ هذا المديح يفْعَلُ فينا فِعْل السِّحْر، إلا أنَّني أوَدُّ أن أضَعَ بين أيْديكم هذه الحقيقة ؛ وهي كما قال بعض الأُدباء الشِّعْر مِصْباح يكْشِفُ لك عن بعض كُنوزِك المَخْبوءَة في أعْماقِك ولكِنَّه ليس بالكيس المملوء الذي يُفْرَغُ في خزائِنِك فأحيانًا الورْد إذا هَزَزْتَهُ تفوحُ رائِحَتَهُ، فالذي عنده مع الله تجارب وأشْواق ومحبَّة لله إذا اسْتَمَع إلى الشِّعر في مُناجاة الله تعالى، أو مديحِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَكُلُّ هذه الكُنوز تظْهر أمامهُ، فالشِّعْر يجْعلك تفتح ما سرَرْتَهُ، ويكْشف لك عن كنوزِك، فالشِّعر لا يُضيف شيئًا ولكن يكْشف عن الخبايا المخبوءة فيك، فلو نشَّد واحد منَّا وناجى ربَّهُ بِصَوْتٍ عذْب، ونَغَمٍ طيِّب، أو يمْدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تجِدُ بعض الحاضِرين يبْكي، وبعضهم الآخر كالصَّخْر لا يتأثَّر أبَدًا فَهُوَ يكْشِفُ لك عن كُنوزِك، إنَّهُ ليس بالكيس المَمْلوء الذي يُلقى في خزائِنِك، فالشِّعْر يُحَرِّك المواجد والمشاعر، ويُحَرِّك الحبّ والشَّوْق أما إن لم يكن هناك حبّ ولا شَوْق فإنَّه لا يَفْعَلُ شيئًا، لذا الفقهاء والعلماء قالوا: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح ! هناك شِعْر هِجائي فأحدهم وصَفَ مُغَنِّي قال:

عِواءُ كلبٍ على أوْتار مِندفةٍ في قُبْحِ قِرْدٍ وفي اسْتِكْبار هامان
وتَحْسبُ العَيْنُ فكَّيْهِ إذا اخْتَلَفا عند التَّنَغُم فكَّيْ بَغْل طَحَّـــانِ
***

فهناك أمور ممنوعة بالإسلام، المديح الكاذِب ممنوع، والنِّفاق والرِّثاء المُبالَغَ به، وهناك كذِب بالشِّعْر، فالحُكْم الشَّرْعي أنَّ الشِّعْر كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فهو لا يحوي قيمة ذاتِيَة ولكن قيمة لغيْرِهِ فَمَن أوتِيَ مَقدرةً على نَظْم الشِّعْر، وعلى صِياغة كلامه، فإن وظَّف هذه القُدْرة على نشْر الحق نقول له: أنْعِم وأكْرم، فهذا سيِّدُنا حسَّان ابن ثابت كان مُدافِعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛

وأجْمَلَ مِنْكَ لم ترَ قطُّ عَيْن وأحْسَنَ منك لم تلِدِ النِّساء
خُلِقْتَ مُبَرَّءً من كُلّ عَيْبٍ كأنَّك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ
***

إذًا هناك بالشِّعْر ما هو جميل، وما يَهُزّ المشاعِر، والإنسان يُغَذِّي قلبَهُ ومشاعِرَهُ، ولكن الشِّعْر مَوْقوف على موضوعِهِ فإن كان في مُناجات الله وفي تَوْضيح الحق فأنْعِمِ به، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ))

[ رواه البخاري ]
فَمَن أوتِيَ قُدْرةً على التَّعبير، ونَظْم الكلام هو مُحاسَبٌ عند الله تعالى حِسابًا خاصًّا إن لم يُوَظِّف هذه القُدْرَة في نَشْرِهِ فَهُوَ آثِم، وهناك شُعَراء يتغزَّلون، وآخرون يَهْجون، وهناك شُعراء منافقون وآخرون يَمْدحون مديحًا كاذِبًا، فلِذلك الحُكم الشَّرعي في الشِّعْر: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، وإنَّ الله لَيَغْضَبُ إذا مُدِحَ الفاسِق، والآية الكريمة كما قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾

(سورة الشعراء)

أَحطّ شيء بالشُّعَراء أن يرْتَزِقوا بِشِعْرِهم، وقد ذكروا طُرفَةً عن أديب عاتَبَهُ زُمَلاؤُهُ على أنَّهُ باع فنَّهُ لِجِهَةٍ ما، فغَضِبَ أشَدَّ الغضَب وقال: أنا لم أبِعْهُ ولكِنَّني أجَّرْتُهُ ! عُذْرٌ أقْبَحُ مِن ذَنْب !! فالإنسان عليه أن لا يُوَظِّف طاقتِهِ التَّعْبيرِيَّة، وقُدراتِهِ الكلامِيَّة، وبلاغتِهِ وشِعْرهِ في الباطِل فهذا يُحاسَب عند الله تعالى حِسابًا عسيرًا لأنَّه لو وظَّفَهُ في الحق لأفاد ونفَعَ كثيرًا، فهذا الإمام البوصيري في قصيدَته البردَة ؛ هذه القصيدَةُ تُعَبَّر عن حُبٍّ صادِق لرَسول اله صلى الله عليه وسلَّم ؛ نُظِمَت في عُصور الدُّوَل المُتتابِعَة ؛ وعُصور الانْحِطاط ومع ذلك تُعَدُّ مِن أرْقى أنواع الشِّعْر، قال في بعض ما قال:
فلا ترم بالمعاصي كثْرة شَهوتها إنَّ الطعام يُقَوِّي شَهْوَة النَّــــهِم
***

ووصف أصحاب رسول الله فقال:

كأنَّهم فوق ظَهْر الخَيْر نَبْتُ ربًى مِن شِدَّة الحزن لا مِن شَدَّة الحُزُم
***

فما قلنا هناك أشياء لطيفة بالشِّعر، ولكن يجب أن تُوَظَّف في الحق قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾

(سورة الشعراء)

هناك شاعر بالعَصْر العباسي مدَحَ ثلاثًا وثلاثين أميرًا وهجاهم في الوقت نفْسِهِ، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾

(سورة الشعراء)

قال المُتَنَبِّي:
أنا الذي نظَر الأعْمى إلى أدبي وأسْمَعَتْ كلِمَاتي مَن به صَمَــــــمُ
أنام ملئ جُفوني عن شوارِدِها ويسْهَرُ الخَلق جرَّاها وَيَخْتَصِــــمُ
الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ
***

فكان في طريقِهِ من البصْرة إلى حلب فهاجَمَهُ أعْداؤُهُ فَوَلَّى هارِبًا !! فقال له غُلامُهُ ألم تقل:

الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ
***

فقال قَتَلْتني قَتَلك الله !!! وعاد فقاتَلَ حتَّى قُتِل، ومات في هذه المعْرَكَة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) ﴾

(سورة الشعراء)

اُنْظر إلى هذا الاسْتِثناء ما أجْمَلَهُ، قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227)﴾

(سورة الشعراء)

القرآن دائِمًا به اسْتِثْناءَات، قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) ﴾

(سورة الشعراء)

فالإنسان إذا أتْقَنَ عِبارَتهُ وقرَأ الأدَب الرَّفيع، إذا قرأتَ قصيدة وشَعَرْتَ أنَّها حرَّكَتْ مشاعِرَكَ السُّفْلى وتَفْكيرَكَ الهابِط، فأنت مع فنِّ رخيص، وهذا كالوباء، وعلى الإنسان أن يختار ما يقرأ لأنَّه يتأثَّر بِما يقرأ، وهو أن تختار الكتاب الجيِّد والشاعِر الجيِّد، فهذا يفْعَلُ فيك فِعْل السِّحْر، أما إن لم تخَتَر ما تقرأ فهذا قد يكون بِمَثابَة أصْدِقاء السُّوء، والصاحِب ساحِب، وهذا الشِّعْر حُكْمُهُ مَوْقوف على موضوعه.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-19-2018 12:18 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والأربعون من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
من الإله ؟ هو الخالق والرازِق، وهو المُحْيي والمُمِيت، والرافِع الخافض، وهو المُعِزّ والمُذِلّ، والقابض الباسِط، فالإله الذي ينبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي ان يكون حيًّا لا يموت، والإله الذي نبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي أن يكون قَوِيًّا، وليس فوقه قويّ، وغنيًّا ليس بعد غنيّ، وبيَدِهِ مقاليد السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
معنى ذلك أنَّ الإنسان أحدُ رَجُلين فإمَّا أن يتَّخِذ الله إلهًا له، يعْبُدُه ويأتَمِرُ بِأمْرِهِ وينْتَهي عمَّا عنه نهى، وإمَّا أن يَجْعل هواهُ إلهًا يُسَيِّرُهُ، ولو لم يقُل هذا بِلِسانِهِ، فالعِبْرة هذه الحركة، وهذا السُّلوك، وهذا العَطاء، وهذا المَنْعُ والأخْذ، وهذه الصِّلة، وهذه القَطيعة، وهذا الرِّضا، والغضَب كلَّ هذا بِدافِعِ الهوى، فإمَّا أن يكون بِدَافِعِ الهَوى وهذا مع الشَّيْطان وإمَّا أن يكون بِدافِعِ طاعة الله تعالى فهذا مع الرحمن، فالإنسانُ أحَدُ رَجُلَيْن، الذي يُحرِّكُهُ الهَوى أو الشَّرْع، وإرْضاءُ شَهْوَتِهِ أو إرْضاءُ ربِّه، والإنسان إمَّا يكون رَحْمانِيًّا، وإمَّا أن يكون شَهْوانِيًّا شَيْطانِيًّا فالناس رجلان برٌّ تقيّ كريم على الله" فإذا تمكَّن الإنسان من مُراقَبَة نفْسِهِ ويسْتبْطِنَ دوافِعَها، فإنْ كانتْ جامِحَةً نحو مُؤاثَرَة الهَوى فَهُوَ مع الشَّيْطان وهو مع الدُّنيا، وهو في طريقٍ مَسْدودة، أما إذا كان الذي يُحَرِّكُهُ هو طاعة الله عز وجل، لذا لا تكون الجنَّة جنَّةً لِمَن يدْخُلُها إلا إذا كان الهوى يُناقِض التَّكليف ؛ دَقِّق ! التَّكليف الذي جاء به الشَّرْعُ الحنيف يُناقِضُ الهوى، فالهَوى أن تنام إلى ساعةٍ مُتأخِّرة والتَّكليف أن تسْتَيْقِظَ لِصلاة الصُّبح، والهَوى أن تنْظُر، والتَّكليف أن تغُضَّ البصر، والهوى أن تُطلِقَ لِسانَكَ بالهوى والفحْشاء، أما التَّكليف أن تسْكُتَ وتصْمُتَ وتبتَعِدَ عن الغيبة، لذا لو لم يكنِ الهَوى مُناقِضًا للتَّكليف لما كانتْ هناكَ جنَّةٌ ولا نار، فالمؤمِنُ يسْتَحِقّ دُخول الجنَّة لأنَّهُ نهى النَّفْس عن الهَوَى، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)﴾

[سورة الليل]
وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)﴾

[سورة النازعات]
لذلك صار عندنا محرِّكين محرِّك طاعة الله، و محرِّك الهوى، فالإنسان العاقل هو الذي يُحلِّل نفسه و دوافعه و تصرُّفاته، هل هذا التصرُّفُ بدافع الهوى إذاً أنا مع الشيطانِ، أنا مع الشهوةِ، و أنا في غضب الله، و أنا في سخطِ الله، و المحرِّك الثاني ؛ طاعة الله و طلبُ رضوانه، فأنا مع الله، فالناسُ رجلانِ ؛ رحمانيٌّ وشيطانيٌّ ملائكيٌّ وشهوانيٌّ، أخْروِيٌّ و دُنيَويٌّ، ربَّانيٌّ و كهْنوتِيٌّ، إما مع الله و إما مع الكهنوتِ و إما مع العدل و إما مع الكهنوت، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
ما قولك في معظمِ الناس الذين يعلنون بألسنتهم، أنهم عَبيدٌ لله عز وجل وهم في الحقيقة عبيدٌ لشهواتهم، إن معظم الذين يظنون أنهم في طاعة الله إن الهوى وحده يحركهم، فالحسدُ يحرِّكُه الهوى، و الغيبة يحركها الهوى، و النميمة يحركها الهوى، و قبض المالِ يحركه الهوى، و إمساكُ المال عن الإنفاق يحركه الهوى، و إطلاق البصر في محاسن النساء يحركه الهوى، وأخذُ المال الحرام يحركه الهوى، فالدينُ أكبرُ بكثير من أن تؤَدِّيَ هذه الصلوات الخمس، لم ينتهِ شيءٌ بعدُ، الدين أن تتحرك بدافع طاعة الله و دافع عبادته و طلب رضوانه وطلب جنَّتِه وما فيها، و الانحرافُ أن تتحرك بدافع الهوى، و أحيانًا يتكلم الإنسانُ بدافع الهوى و يبرزُ العيوبَ بدافع الهوى حتى يستعليَ على الآخرين، و يحتقر أخاه المسلم بدافع الهوى قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
أحيانا يغتصب بيتا بدافع الهوى، و يطمس حقًّا بدافع الهوى فالعبرةُ لا لأداء الصلوات دونَ معنى، العبرةُ أن تتحرك لدافع طاعة الله عز وجل، و العبرةُ أن يكون شرعه و رسوله وسنة نبيه هي التي تحرِّكُكَ، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
لا يستطيع النبي أن يهديَ إنسانًا جعل من هواه إلهًا له، فهو يعبد هواه من دون الله، لذلك أنت أيها المؤمنُ إن رأيتَ إنسانًا يركب هواه أو يركبُه هواه و مُسَيَّرًا من قِبَلِ شهوته و مصلحتُه قبْل كلِّ شيء و لا عبرةَ للحلال و الحرام عنده، فهذا الإنسان لا جدوى من تذكيره، لأن النبيَّ صلى الله عليه و سلم الذي أُوتِيَ جوامعَ الكلِم و الذي أُوتِيَ الوحيَ من السماء لا يستطيع أن يهديَه، أفأنت يا محمد تكون عليه وكيلا، كلُّ كماله صلى الله عليه و سلم ومنطقه و حُجَّتهما استفاد منها عمُّه أبو لهب و لا أبو جهل و كفارُ قريش الذين اتبعوا أهواءهم، لذلك قال تعالى:

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾

[سورة الأعلى]
فمن الذي ينتفع بالذكرى ؟ الذي لا يستخدم الهوى إلها له، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
هذا استفهامٌ إنكاريٌّ، أي أنت لن تستطيع أن تكون عليهم وكيلا فتهديَهم، لأنه يعبد همه من دون الله، فالمؤمن ربَّانيٌ رحمانيٌّ و ملائكِيٌّ، و المؤمن وفق الشرع، و المؤمن يعبد اللهَ و يرجو الله و اليوم الآخرَ، و المؤمن يسعى للجنة، و المؤمن يضع هواه تحت قدمه

وا خجلتي من عتاب ربــي إذا قال لــي: أسرفْتَ يا فلانُ
إلى متى أنت فــي المعاصي تسير مُرخى لك العِــــنـانُ
عندي لك الصلحُ وهو بِــرِّي وعندك السيفُ والــســنـانُ
ترضى بأن تنقضي اللـيالـي وما انقضتْ حربُك العَــــوان
فاستحِ من كتابٍ كريــــم يحصِي به العقلُ و اللـــسـانُ
واستحِ من شيبةٍ تـــراهـا في النار مسجونةً تُـــــهـانُ
***

إن اتباعَ الهوى هوانٌ، ومن اتبع الهوى فقد هوى، و القضيةُ محدودةٌ و السنواتُ معدودةٌ، و الإنسان حينما يطيع الله عز وجل و يضع شهوتَه تحت قدمه ينتهي الامتحانُ و تبقى السعادةُ الأبديةُ، و حينما يتَّبع هوى نفسه و يلقي الشرعَ وراء ظهره، سنواتٌ معدودةٌ و تنقضي و تبقى جهنَّمُ إلا أبد الآبدين.
هذه الآيةُ أيها الأخوة:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
أيْ لا أنت و لا أكبرُ عالِمٍ و لا أكبر داعية و لا أكبرُ مرشد و لا خطيب و لا أكبر متكلِّم متمكِّن يستطيع أن يقنعَ إنسانًا بالطاعة إذا كان هذا الإنسانُ قد أتَّخذ هواه إلها له، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
ثم يقول الله عز وجل عن هؤلاء الذين اتخذوا هواهم لها لهم:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾

(سورة الفرقان)
كالأنعام، قال تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

[سورة الجمعة]
دابة ضعٍ عليها كتاب الفيزياء تأليف "أنشتاين" و كتاب في الفلك تأليف" موريسون" و كتاب في علم النفس و كتاب في علم الاجتماع و كتاب في أصول الفقه، و بعد حين اسألها عن قضية، فهل تجيبك هذه الدابةُ؟! تشبيه رائعٌ جدًّا،

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

[سورة الجمعة]
وأحيانا الإنسانُ يُحمَّل القرآنَ لكنْ لا يحمله، يُلقَى على مسمعه القرآن الكريم و تفسيره لكن هواه حجاب بينه و بين الحقيقة، لا يستفيد شيئًا، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾

[سورة محمد]
كلام سمعناه سابقًا و يُعاد في كل درس، لأنه مع هواه لا يدرك الفرقَ بين الدرسين، و الإنسانُ الذي يتبع هواه أعمى، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾

[سورة طه]
فالذي نستفيده من هذه الآيةِ كتطبيق عمليٍّ ؛ قبل أن تتكلم ؛ ما الدافع ؟ و قبل أن تنتقد، ما الدافع ؟ و قبل أن ترحِّب بإنسانٍ لا يصلي ترحيبًا شديدا، ما الدافع ؟ و قبل أن تعاديَ ما الدافع ؟ الهوى، فإذا كشف الإنسانُ نفسَه وعلَّمها صار حكيما، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

(سورة البقرة)

و قبل أن تمدح ما الدافع ؟ و قبل أن تذُمَّ ما الدافع ؟ و قبل أن تعطيَ ما الدافع ؟ و قبل أن تمنع ما الدافع ؟ و قبل أن تغضب ما الدافع ؟ و قبل أن تبتسم ما الدافع ؟ و قبل أن تزور فلانا ما الدافع؟ و تلبية دعوة الأغنياء و الأقوياء من الدنيا، و تلبية دعوة الفقراء و المساكين من الآخرة
أيها الأخوة، هذه الآية أرجو الله عز وجل أن تُتَرجمَ إلى تحليل نفسي دقيق، فالإنسانُ المؤمن دائما يحلل دوافعه، فإّذا كان الدافع أن تنتزع إعجابَ الآخرين فهو من الهوى، وهي قضية ظهور و افتخار و انتزاع إعجاب الآخرين و إثبات الذات، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
قبل أن تغتصب هذا البيت ما الدافع ؟ فالدين أكبر بكثير من أن تصلِّيَ و أكبر بكثير من أن تصوم رمضان و من أن ترتديَ زيًّا إسلاميًّا، و سواكا، الدين أكبر من ذلك، الدين التزام، و أن تنطلق من طاعة الله و عبادته لا من هوى نفسك، و المؤمن كما أقول لكم دائما يضع هواه و شهوته تحت قدمه إرضاءً لربِّه، هذا هو المؤمن، و أنا لا أعتقد أن هناك بشر أعزَّه اللهُ كما اعزَّ سيدَنا محمدًا، وكلُّ إنسان اتبع سيدَنا محمدًا يُعِزُّه اللهُ و يرفع شأنَه و قدرَه كثيرا، و إيَّاك أن ترفع قدرَك أنت باختيارك، الله تعالى يرفعك إلى ما لا تطمح إليه، اخضَعْ لله و انظُرْ إلى الأكحال وهي حجارةٌ لانَـتْ فصار مقرُّها في الأعينِ
فالكُحلُ حجر مطحونٌ لكنَّه ليِّن و طُحِن فوُضِعتْ في العينِ
الملخَّصُ، إياكَ أن تتبِّع الهوى، وضع نفسَك كأنك محلِّلٌ نفسِيٌّ، و كلُّ حركة و سكنة حلَّلْها، هذه الكلمة ما هدفها ؟ و هذه الابتسامة الساخرة ماذا أردتَ منها ؟





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-19-2018 12:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النَّمل قِصَّة لها دلالات كبيرة، وبادئ ذي بدْء ؛ القِصَّة في القرآن الكريم ليْسَت قِصَّةٌ وقَعَت، وليْسَت قِصَّة لن تقَعَ بعد اليوم، إنَّها تُمَثِّل نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فما لم تسْتنبِط مِن القِصَّة الحقيقة والمَوْعِظَة والقانون فكأنَّنا لم نقرأ قِصَّة في كتاب الله، فربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
هل تُصَدِّق أنَّ أعْظم نِعْمَةٍ على الإطلاق أن يُعَلِّمَكَ الله، ولأنّ رتْبة العِلْم أعلى الرُّتَب، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّل الإنسان على باقي المخلوقات بالعِلْم، وأنَّك إن أرَدْتَ الدنيا فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَ الآخرة فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَهُما معًا فعليم بالعلم ! وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل النبي على أدْنى الناس، وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل القمر ليلة البَدْر على سائر الكواكب، ويَظلُّ المرء عالِمًا ما طلَبَ العِلْم فإذا ظنَّ أنَّهُ قد عَلِم فقد جَهِل، والإنسان دون عِلْم يشْقى في الدنيا والآخرة وأساس الدِّين تَعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، فالسَّعادة هي الهَدَف والطاعة هي الثَّمَن، والعِلْم هو السَّبب.
أبْسَط مثال ؛ إنسانٌ ضَغْطُهُ مُرْتَفِع، والضَّغْط المُرْتفِع أحيانًا ليس له أيّ أعْراض، فقد تَجِدُه في أعلى درجات الحَيَوِيَّة والصِّحَة وضَغْطُهُ ثمانِيَة عشَرة، هل يستطيعُ أن يُعالِجَ هذا الضَّغْط إلا إذا عرَفَ أنَّ معه ضَغْط ؟! فأوَّل خُطْوَة من خطوات مُعالَجَة الضَّغْط المُرْتَفِع أن تقيس ضَغْطَكَ، ولذلك المعرِفَة أساس التَّوْبة، والإمام الغزالي له كلمة رائِعَة قال التَّوبة لها ثلاثة أركان: عِلْمٌ وحالٌ وعَمَل، الحال هو النَّدَم، ولن تنْدَمَ إلا إذا عَلِمْتَ، ولن تتوب إلا إذا نَدِمْتَ، فالإنسان متى يُعالِج نفْسَهُ؟! إذا عَلِمَ أنَّ الشُّحوم مُرتفعَة، والكولسترول نسبتُهُ رفيعة، فمتى يُحَدِّد الإنسان الغِذاء الخاص به ؟ بعد أن يقْرأ التَّحليل، إذًا هل هناك حرَكَة نحو الإصْلاح قبل العِلْم ؟ لا، العِلْمُ مَبْدَئِيًّا، تعْرفُ حجْمَكَ وفي أيِّ طريقٍ أنت، وفي أيِّ اتِّجاه، والمُشْكِلَةُ التي تُعاني منها، فالإنسان كيف يعْلم أنَّهُ على باطِل ؟ إذا لم يَحْضُر مَجْلس عِلْم، وكيف يعْرِف أنَّهُ على انْحِراف ؟ كيف يعْلم أنَّ دَخْلَهُ فيه مُشْكِلَة ؟ إذا لم يحْضُر مجالس العِلم، فَبِهِ تعْرف حجْمَكَ وعمَلَك، ومُطابَقَة عملِكَ للشَّرْع، لذا أكبر نِعْمة على الإطلاق أنْ تتعلَّم، وأن يُؤْتِيَكَ الله عِلْمًا صحيحًا، لذا رُتْبَةُ العلم أعلى الرُّتَب، قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فالإنسان لمَّا يُسْمَحُ له أن يتلقَّى العِلْم مِن مَنْبَعٍ صافٍ وِفْق الكتاب والسنَّة ؛ العِلْمُ الذي أرادهُ الله فهذه أكبر نِعْمةٍ يُنْعَمُ بها الإنسان قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
معنى ذلك أنَّ هناك مؤمن عابِد، وآخرَ عالِمٍ، العابِد مُقاوَمَتُهُ هذه الأشياء مِنَ السَّهْل جدا أن يعْصِيَ الله لأَتْفَه سبب، تنطلي عليه الأمور والخُزَعْبلات والخُرافات، يمْشي في طريق غلَط وهو لا يشْعر، ويأخذ فرْع من فُروع الدِّين، ويجْعَلُهُ هو الدِّين، ويأتي على أحد أصول الدِّين فَيَجْعَلُهُ فرْعًا، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
الآن على ماذا يشْكُر الناس ؟ يقول لك: بيْتي أربعين متْرًا ! والآخر يقول لك: لي بِضاعَة أرْبَعُ مائة ضِعْف ! اِنْتَبِه لِما تقول ! فإذا فضَّل الله عليك بالمال، فالمال زائِل، والبيت زائِل، والمركبة والمزْرعة...كُلُّ هذا زائِل، أما العِلْم هو المُسْتَمِرّ، وهو الذي تَسْعَدُ به في الدنيا والآخرة، لذا الإنسان إذا لم يطْلب العِلْم جهل، وطلب العلم فرض عين على كلّ مُسْلِم، فلا تقل لي أنا مهندس لا علاقة لي بالدِّين !! هذا كلام فارِغ، قال تعالى:

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

(سورة النمل)
الآن نحن أمام إعجاز عِلْمي، الله جل جلاله أثْبَتَ للنَّمْل النِّظام الاجْتِماعي والمعرفة، فالنَّمْلة تُخاطِب، وخِطابُها عن طريق المواد الكيماوِيَّة، فإذا الإنسان سَحَق نمْلة بِيَدِهِ، فإنَّه ينْتشر من هذه النَّمْلة رائِحَة هي اسْتِغاثة لِكُلِّ النَّمْل، وبعد وقتٍ قليل تأتي مئات النَّملات أمامها، فهناك خِطاب، وأحيانًا تكون حبَّة القمْح أو الخبر أكبر من طاقتِها فَتُرْسِل إشارة فتأتي

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

(سورة النمل)
زميلاتُها، وأحْيانًا تُخَزِّن النَّملة حبَّة القمْح في وَكْرِها وتنْزَعُ رُشَيْمَها وتأكلهُ !! وهذا مِن أجل أن لا تنْمو هذه الحبَّة، لأنَّها إن ترَكَتْ الرُّشَيْم نَمَتْ هذه الحبَّة، وهناك بُذور لها رُشَيْمان، وحينها تأكل النَّملة الرُّشَيْمَين مِن اجل أن تكون هذه الحبَّة غِذاءً لا نباتًا، فالله سبحانه وتعالى أثْبَتَ للنَّمْلة النُّطْق والمعرفة.
مرَّةً راقَبْتُ وَكْر نمْل ؛ شيء لا يُصَدَّق ! قطعة خبز تَجُرُّها نمْلة فاسْتَغاثَتْ بِزَميلاتِها فجاءها أربعة نِمال، وكلّ نَمْلة مِن طرَف، والنَّمْلة يمكِنُها أن تَحْمِل عشْرة أمْثال وزْنَها، فإذا الواحِد مِنَّا وزْنُه سبْعين كيلو، فهو لا يُمكنُهُ أن يحْمِل سبعمائة كيلو غرام ! لكنَّ النملة عشْرة أمْثال وزْنَها، وإذا كانت قطْعة الخبز أو الطَّعام ؛ فَمُجْتَمَعُ النَّمْل ومُجْتَمَعُ النَّحْل هو مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن بِأعلى درجات التَّعاوُن، إذْ هناك نِمال يُمَثِّلْن الشُّرْطَة، ويَقِفْنَ على الطريق، ولا يسْمَحْن بأيَّة نمْلة بالخُروج من الطريق، وأُخَر حارِسات، مُجْتَمَعٌ مُنَظَّم ومُتَعاوِن وهناك تنْسيق، وله قِيادة وشرطَة وجِهاز ضَبْط، ومع ذلك هذا المُجْتَمَع يستطيع أن يتواصَل إعلامِيًّا بالنُّطْق، فالله عز وجل تَبْسيطًا لِمَدارِكِنا قال: قالَتْ نمْلة ! قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

(سورة النمل)
أحَدُ شُيوخ الأزْهر كان أُمِيًّا، وبدأ يدْرس العِلْم فَوَجَدَهُ صعبًا فَتَرَكَهُ وحاوَلَ ثانِيًا ثمَّ ترَك، وبعدها يئِسَ، قال: كنت جالسًا مرَّة في مكان فوَجَدْتُ نمْلة تريدُ الصُّعود على الحائط، سَقَطَت فأعادَت الكرَّة، وعدَّ هذا المرات التي حاوَلَت فيها الصُّعود فَوَجَدَها أربعين مرَّة !! فقال: عَلَمَتْني نمْلة أن لا أيْأس، ورَجَع وطلبَ العِلْم، وما مات إلا وهو شيْخَ الأزْهَر ! والذي علَّمَهُ نمْلَةٌ:

أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحْظى بِحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القرْع للأبواب أن يَلِجَ
***

فالله تعالى يَمْتَحِنُ صِدْق الإنسان، فلا يُمْكِنُكَ أن تتعلَّم من أوَّل درْس، ولكن درس مع درس، وصلاة مع صلاة، وإنْفاق مع إنفاق تكون النتيجة، فهذه النَّمْلة علَّمت هذا الإنسان، وأصْبَحَ شيْخ الأزْهر بِفِعْلِها والمؤمن أيها الإخوة لا ييْأس.
قال تعالى:

﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

(سورة النمل)
فهذه النَّمْلة عَرَفَتْ مقام النُّبُوَّة، فهي شَهِدَت أنَّ هؤلاء المارَّة إن قَتَلْنَكم فهم لا يشْعرون وليس عن قصْد، لأنَّها عظَّمَت مقام النُّبُوَّة، قال تعالى:

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾

(سورة النمل)
معنى ذلك أنَّ سيِّدَنا سُلَيْمان أوتِيَ أن يسْمَعَ حديث النَّمْل، والشيء الآخر أنَّ الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾

[ سورة الإسراء ]
وقد كان صلى الله عليه وسلَّم يخْطُب على جذع نخلة فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهممَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ:

(( إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ ))

[ رواه البخاري ]
دخل إلى بستان فرأى فيه جَمَلاً، ولمَّا نَظَر إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ذَرَفَتْ عَيْناهُ، فجاء النَّبي ومسَحَ دُموعَهُ لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها لصافحتكم الملائكة! ))
فالإنسان كُلَّما ارْتَقى تَشِفُّ نفْسُهُ فيرى ما لا يراه الآخرون، ويسْمَعُ ما لا يسْمَعُهُ الآخرون، قال تعالى:

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

(سورة النمل)
أوْزِعْني أيْ ألْهِمْني، نحن عندنا حُكْم، ما العَمَل الذي يرْضاهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي يَقْبَلُهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي ترْقى به عند الله عز وجل ؟ والذي تدخل به إلى الجنَّة ؟ العَمَل كما قال الفُضَيْل: لا يقبل إلا إذا كان صوابًا وخالِصا، فالخالِص ما ابْتُغِيَ به وَجْهُ الله وصَوَابًا ما وافَقَ السنَّة، هذا معنى قول الله تعالى:

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

(سورة النمل)
ترْضاهُ بالمناسبة فِعْلٌ مُضارِع، والجملة في مَحَلّ نَصْب صِفَة، والصِّفة قَيْد، أي أن أعْمَلَ صالِحًا مَرْضِيًّا عنه، فالصالِح لا يُقْبَل إلا إذا كان مَرْضِيًّا عنه، ومتى يُقْبَلُ عنه ؟ إذا كان خالِصًا ومُوافِقًا للسنَّة قال تعالى:

﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾

(سورة النمل)
الحقيقة بعد أن قال الهُدهد، وسوف نأخذ قوله في المرَّة القادِمة، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين ! هذه الآية لِكُل إنسان ولاَّه الله على عشْر أشْخاص فما فوق رئيس دائرة، ومُدير مُستشفى، ومعلِّم بِصَفٍّ، قبل أن تتَّخِذ قرارًا يجب أن تتقصّى الحقائِق، وقبل أن تُنْزِل العِقاب بِزَيْد يجب أن تعرف ماذا فعَل ؟ لذلك هذه الآية يَحتاجُها كُلّ أب، تأتيك ابْنَتُك إلى البيْت تبكي وتتكلَّم عن زَوْجِها، فالأب يغْضب ويزَمْجِر ويتوَعَّد وليْتَهُ اسْتَدْعى زَوْجَها وسألَهُ لماذا أنت غاضِب عليها ؟ فربما حينها تسْكت عن أشياء كثيرة، لذا قال: سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين !





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-19-2018 12:33 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثالث






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قصَّة سيِّدنا سليمان مع ملِكَة بلْقيس وأُحِبُّ أن أُنَوِّهَ إلى أنّ أيَّ قِصَّة في القرآن الكريم لا يُمْكِن أن يكون الهَدَف منها فرْض الوقائِع لا غير !! قرْآننا أعظمُ وأجَلُّ مِن أن يكون كِتاب قِصص، بل إنَّ كُلَّ قِصَّة في القرآن الكريم تُمَثِّل نموذجًا مُتَكَرِّرًا ويُمْكِن أن نسْتنبِطَ من كُلِّ كلمةٍ ومن كُلِّ قَوْل، ومن كُلِّ حِوارٍ، ومِن كُلِّ تَصْوير حقيقةً وقانونًا، ومبْدَأً، وتَوْجيهًا، فَيَجِبُ أن نَعْتَنِيَ بالقِصَّة عِنايَةً بالِغَة ؛ لأنَّ كل فقْرةٍ فيها قانون يُلقي ضَوْءً على حياتنا اليَوْمِيَّة.
نحن وصَلْنا في الدَّرْس الماضي أنَّ الهَدِيَّة يفْرَحُ بها أهْل الدنيا، لكنّ أصْحاب المبادئ لا يعبئون بها.
قال تعالى:

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾

[ سورة النمل ]
النبي عليه الصلاة والسلام عرَضوا عليه أن يكون أغْنى فِتْيان مكَّة وأن يتزوَّج أجْمَلَ فتاةٍ فيهم، وأن لا يُقْطَعَ أمْرٌ دون أن يُرْجَعَ إليه، ومع ذلك قال:
((يا عمّ، والله لو وضَعوا الشَّمي عن يميني والقمر عن يساري على أن أترُكَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتى يُظْهِرهُ الله أو أهلِكَ دونَهُ.))
المبادئ عند أصْحاب المبادئ هي كُلُّ شيء، والمادَّة تحت أقْدامِهِم والمادَّة عند أصْحاب الدنيا هي كُلّ شيء، والمبادئ تحت أقْدامِهِم لذلك مَلِكَة بلْقيس كانت ذَكِيّة حينما علِمَتْ أنَّ الهَدِيَّة وَحْدها تَكْشِفُ نُبُوَّة هذا النبي، فإمَّا أنَّهُ ملِكَ، ومِن شأنِ المَلِك إن دَخَل قرْيَةً أفْسَدَها وجعل أعِزَّة أهْلها أذِلَّة، وإما أنَّهُ نبيٌّ، والنبي يمْتلأُ قلبُهُ بالرَّحْمة والعَدْل وله رسالةٍ يُؤَدِّيها، فالفرق الفاصِل بين النُّبوَّة المُلْك ما إذا فرِحَ بهذه الهَدِيَّة أو لم يفْرَح، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾

[ سورة النمل ]
قال سيِّدنا سليمان كما قال تعالى:

﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾

[ سورة النمل ]
أحيانًا نفْرح لمَّا نجد الاتِّصالات سريعَة جدًّا، وسيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال: يا سارِيَة، الجَبَلَ الجَبَلَ ‍‍! دون تِلكْس وخط هاتفي، كما أنَّنا نفْرح نحن لمَّا ننقل شيئا ضَخما من مكان لآخر، فالقُدُرات التي أعْطاها الله للجِنّ تفوق حدَّ الخيال، والقُدْرات التي أعْطاها الله للملائكة تفوق قدْرات الجنّ، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾

[ سورة النمل ]
عرشٌ ضَخْم يأتي به مِن اليَمَن إلى القُدْس، هل في العالم اليوم شرِكَة نقْل تستطيع أن تنقل عرشًا ضَخْمًا من الإسمنت إلى فلسطين قبل أن تقوم مِن مقامِك ؟!! قال تعالى:

﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾

[ سورة النمل ]
هنا الشاهِد، نحن كَمُؤمنين، كلَّما عايَنْتَ نِعْمَةً حلَّت بك ؛ هل تقول: هذا مِن فضْل ربِّي ؟! أجْهزتُكَ وأعْضاؤُك وحواسُّك، نِعْمَةُ المأوى والزَّوْجَة ونِعمة الأولاد، ونعمة الدَّخْل، ونِعمة الحريَّة ؛ هذه النِّعَم التي أكْرَمَنا الله بها ؛ هل نقول: هذا مِن فضل ربِّي، قال تعالى:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾

[ سورة إبراهيم ]
ويا ابن آدم إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتني كَفَرْتني، وإذا أردْتُم رحْمتي فارْحَموا خلْقي، أتمنَّى عليكم أن تكون كلّ حركاتك أيها الأخ وكل نشاطاتك وسكناتِك لابد أن لا تنْسى فضْل الله عليك، وحينما لا تنْسى فضْل الله عليك فهذه النِّعَم هي في ازْدِياد، ولن تنْقص، وهذا الشيء أكيد لأنَّه الله تعالى قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
فخَطُّك البياني يكون صاعِدًا إن كنت دائِمًا في شُكْر دائِم، والشُّكْر أيها الإخْوَة أنواع، فأدْنى مُسْتَوَياتِهِ أن تعْلمَ أنَّ هذه النِّعْمة من الله، وأوْسَطُ مُسْتَوَياتِهِ أن يمتلأَ قلبُكَ حمْدًا لله تعالى، وأعلى مُسْتَوياتِهِ أن يُتَرْجَمَ إلى عملٍ صالِحٍ يُتَرْجم إلى عمل صالِحٍ يرفع العبادة به وهذا لقَول الله تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

(سورة سبأ )
ولذلك المؤمن يرى كُلَّ الخَلْق عِباد الله، وأيَّة خِدْمَةٍ يُقَدِّمُها لأيِّ إنسانٍ يراها قُرْبَةً إلى الله تعالى، ويراها قرْضًا حسَنًا لله تعالى، وسوف يُضاعِفُها الله له أضْعافًا كثيرة، والله تعالى خاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾

[ سورة النساء ]
وخاطَبَ المؤمنين فقال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21)﴾

[ سورة النور ]
هناك أشْخاص يعْبدون البقر، والحيوانات ويعبدون تماثيل، فأنت حينما أكْرَمَك الله تعالى بِنِعْمة الإيجاد ولم تكن شيئًا مذْكورًا، وأكرمَكَ الله بِنِعْمة الإمداد، وأكْرَمَك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد وهذه أكْبر نعمة عليك، لذلك نقف وقْفَةً قليلة ؛ كُلَّما عايَنْت نعمة من نعَمِ الله عليك قُل: هذا من فضْل الله عليّ، عوِّد لِسانَك أن لا تقول أنا، عوِّد لسانك أن تقول: هذا من فضل الله عليّ، والمؤمن دائِمًا يقول: هذا من فضْل الله عليّ، والله تعالى هو الذي أخَذ بِيَدي والله أكْرمني وأعانني، ولا تقل: هذه خِبْرة، وهذا من علمي.
قال تعالى:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾

[ سورة القصص ]
كُلَّما اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ أمَدَّك الله بِقُوَّةٍ منه، وكنت عند الله قوِيًّا ومُقَرَّبًا:

ما لي سِوى فقْري إليك وسيلة فبالافتِقار إليك فقْري أدْفَعُ
وما لي سوى قرْعي لبابِكَ حيلةٌ فإذا رَدَدْتَ فأيَّ باب أقْرَعُ
***

حالة الافْتِقار هي حالةُ العُبودِيَّة لله عز وجل، وهي صُعودٌ دائِمًا، وأنا أُقْسِمُ بالله العظيم، وغير حانِث أنَّ كُلَّ مؤمنٍ عايَنَ نِعَمَ الله عز وجل وامتلأَ قلبُهُ شُكْرًا لها، فهذه النِّعَم لن تزول عنه أبَدًا، وقد ذكرتُ لكم تفسير آيةٍ بالعامِيَّة مرَّةً ! وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرَّعد ]
لا تُغَيِّر حتى لا يُغَيِّر، وإذا كانت هناك مُشكلة فالأصل غَيّر كي يُغَيِّر فإذا كنت في بَحبوحة وفي إكرام وصِحَّة جيِّدة، ولك مكانة فإذا لم تُغَيِّر لم يُغَيِّر، والعكْس كذلك فلو كنت في مُصيبَةٍ لا سَمَح الله غيِّر كي يُغَيِّر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرَّعد ]
قال تعالى:

﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) ﴾

[ سورة النمل ]

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، ومَن كفر فإنَّ ربِّي غنِيٌّ كريم.
قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
الآن عندنا موضوعَان صغيرَان الإنسان لا يهْتَدي إلا بِحالَيْن ؛ عقْل راجِح، وتواضَع، فالمُسْتَكبر لا يتعلَّم، والمُسْتحي لا يتعلَّم، فهذه مَلِكَة وقَدِمَتْ على سُلَيمان المَلِك، فإنْ عامَلَتْهُ ملِكَة لِمَلِك لن تتعلَّم شيئًا فلا بدّ مِن تحْجيمِها قليلاً، فالإنسان قد يسْتَعْلي ويرى أنَّهُ نِدًّا للآخر فلا يتعلَّم أبَدًا، إذاً لا بدّ من خُضوع المُتَعلِّم للمُعَلِّم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ))

[رواه ابن ماجه]
فهذه مَلِكَة، أراد أن يمْتَحِن ذكاءَها، قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
امْتِحان العَقْل أساس في الدَّعْوَة إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج امْرأةً فقال لها اخْوتها قولي له إن دَخَلْتِ عليه: أعوذ بالله منك، فلمَّا قالتْ له ذلك قال لها: الْحَقي بِأهْلِكِ، فهذا الضَّعْف في التَّفْكير لا يسْمحُ لها أن تُحَدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
فهي أجابَت بِرَجاحة عَقْل وقالتْ: كأنَّهُ هو ! وهذا جواب دِبْلوماسي ! فالامْتِحان انتهى، ولم يبْق إلا التَّحْجيم، قال تعالى:

﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)﴾

[ سورة النمل ]
جعل الأرض بِلَّوْر صافي، وتحته ماء يَجْري، قال تعالى: فالتَّحجيم زائِد امْتِحان الذَّكاء شَرطان أساسِيَّان لِطَلَب العِلْم.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) ﴾

[ سورة النمل ]
فإذا دَعَوْتَ إلى الله عز وجل فأنت تحْتاج إلى ناسٍ عُقَلاء، لهم فِكْر قويم ومُحاكَمَة سليمة، أما الأغْبِياء، وَمحْدود و التَّفكير فهؤلاء عِبْءٌ على الدَّعْوَة، فرق بين مَن يحْمِلُ معك الدَّعْوَة، وبين مَن هو معك وفي الوقت نفْسِه عبء عليها،أعظمُ نِعْمَة على الإطلاق أن يَهَبَك الله تعالى عَقْلاً راجِحًا، والنبي عليه الصلاة والسلام عَجِبَ مِن سيِّدنا خالد لماذا تأخَّر إسْلامُهُ، وقال له:
((عَجِبْتُ لك يا خالد فإنِّي أرى لك فِكْرًا، وإنَّما الدِّين هو العَقْل ومَن لا عَقْل له لا دين له.))
ولا تفْهموا من رفْعِها عن ساقَيْها أنَّها ظهرت عورَتُها كما يفْهَمُهُ بعض الجُهَلاء، فهذه من الإسرائيليات ما أنزل الله من سلطان، والقِصَّة انْتَهت، وإلى قِصَّة أخرى إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-19-2018 12:35 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا لنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام التي ورَدَت في سورة النَّمل، قال تعالى:

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾

(سورة النمل)
ذَهَب الهُدْهُد إلى مملكة سبأ، وجاء سليمان الحكيم بنبأ يقين، قال تعالى:

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)﴾

(سورة النمل)
هنا نقْطة دقيقة جدًّا وهي أنَّ الكافر في النِّعْمة، أما المؤمن ففي المُنْعِم فالشَّمس أساس الحياة والبقر أفْضل حيوان في الإنسان، لأنَّ الحليب منه، والهنود عبَدُوا البقر، وممْلكَةُ سبأ عبَدَتْ الشَّمس، فَكُلّ إنسان يبْقى في النِّعْمة، وقد حُجِبَ عن المُنْعِم فَهُوَ الكافر، أما المؤمن انْتَقل مِن النِّعْمة إلى المُنْعِم ومِن الشَّمْس إلى رب الشَّمس، ومِن البقرة إلى الذي سخَّرها وذلَّلها فالمؤمن مُوَحِّد والكافر مُشْرِك، قال تعالى:

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

(سورة النمل)
النُّقْطة الدقيقة هيأنَّ المؤمن يؤمِن أنَّ السَّماء والأرض كلَّها مُسَخَّرة للإنسان تسْخير تَعريفٍ وتسْخير تَكريم، وأُلِحُّ على هاتَين الكلمتين تَسْخير تعريف وتَكْريم، فهذا الكَون له مُهِمَّتان خطيرتان: الأولى أن ننتَفِعَ به، وننتَفِعُ بالشَّمس والقمر، وبالنبات والماء والهواء فَكُلّ شيءٍ خُلِق لنا، فَنَحْنُ مُسَخَّر له، والكون مُسَخَّر أيُّهما أكْرم على الله عز وجل ؛ المُسَخَّرُ له أم المُسَخَّر ؟! قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)﴾

[سورة الإسراء]
فالكون وظيفتهُ الأولى أن تعرف الله مِن خِلاله، فلو أنَّ واحِدًا دَخْلُهُ لا يكفي لِشِراء العَسَل ولكنَّه قرأ عن العسَل كِتابًا، وعن النَّحْل كِتابًا فانْهَمَرَتْ دُموعُهُ، وخشَعَ قلْبُهُ، وتعرَّف إلى الله مِن خِلال النَّحْل هذا الإنسان ذي الدَّخل المَحْدود حقَّقَ الغايَة القُصْوى مِن خلْق النَّحل والعسَل، والذي جَعَلَ طعامَهُ العسَل ودَخْلُهُ كبير جدًّا، ولم يصِل مِن العسَل إلى رب العسَل فهذا عطَّل أكْبرَ غايَةٍ مِن خلْق النَّحْل، فالمُشْكِلة أن تعرف الله تعالى فالواحد ممكن أن لا يسْمح له دَخْلُهُ أن يشْتري وردًا، لو وقَفَ أمام بائِع الوُرود، بألوانها ورائِحَتها، وتناسب ألوانها، وجمالها، وقال: سبحان الله العظيم، فأنت لو لم تشْتري هذا الورْد فأنت حقَّقْت الهدَف من مُرادِهِ، وهو تسْبيحك ! فالكون له مُهِمَّتان مُهِمَّة تعريف، ومُهِمَّة تكريم، فالتَّكريم حصَل، وبقِيَ التعريف، لذلك قال تعالى:

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾

(سورة النمل)
ثمَّ قال تعالى:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)﴾

(سورة النمل)
شتَّان بين الشَّمس وربِّ الشَّمس، فالشَّمس لا تسْمَعُكَ إذا دَعَوتها وبالتالي لا تسْتجيب لك، ولك لله سبحانه وتعالى يُخرج الخبْأ في السماء والأرض، فالسماء تنْشَقُّ عن المَطَر، والأرض تنْشقّ عن النَّبات، مَن الذي يُنْبِتُ ؟ الله ومن الذي يُنزِل الخبأ من السماء ؟ الله والله يعلم ما نُخفي وما نُعْلن فأنت قُلْ ما شئْتَ فالله يعلمُ ما تُخْفي وأبْلغُ من ذلك يعلمُ السِّر وأخفى فالسِّر ما تُخْفيه، وأخْفى هو ما يَخْفى عنك، يعْلمُ علانِيَّتَك، ويعْلمُ سِرَّك، ويعْلمُ ما يخْفى عنك، فهذا الذي يعْلم، وهذا الذي كرَّمَ، اُعْبُد هذا الإله العظيم، وهذا كلام الهُدْهُد فكيف بِإنسانٍ عاقِل تجدهُ يعبُدُ الشَّمس من دون الله، والقمر من دون الله، أو يعبدُ البقر، وحتَّى الجُرذان، وباليابان يعْبدون ذَكَر الرَّجل ‍‍!! قال تعالى:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾

(سورة النمل)
الأمْرُ كلُّهُ بيَدِهِ تعالى.
الآية الدقيقة الدقيقة، قوله تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
يا أخي الكريم، إن كنتَ أبًا أو أخًا كبيرًا، أو مُعَلِّمًا، أو مُديرًا قبل أن تَحْكُم تَحَقَّق، قال تعالى:

﴿"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

[سورة الحجرات]
كلُّ إنسانٍ ولاَّهُ الله تعالى على عشرة أشْخاص ؛ هذه الآية شِعارُهُ فَقَبْلَ أن تغْضَب وتَحْقِد وتُزَمْجِر وقبل أن تتَّخِذ قرارًا وتُعادي، وقبل أن تقْطَع وتحْسِن، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
هذه آيةُ التَّحَقُّق، قال تعالى بعدها:

﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

(سورة النمل)
فهو لا يتكلَّم باسْمِهِ الشَّخصي، ولكنْ يتكلَّم باسْم خالقِ الكَون، فكما أنَّ القاضي يقول: باسم الشَّعب، فهو لا يحكم بصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّة، ولكنْ يحْكُم نِيابَةً عن الشَّعْب، وهذه البسْملة لها معنى كبير جدًا، فأنت إذا أرَدْتَ أن تشْرب قلتَ بسْم الله، أيْ هذه نِعْمة الله وهذا الماء سخَّرهُ الله لك، فهو الذي جَعَلَهُ عذْبًا فراتًا وسَمَحَ له أن يصِلَ إليك، وهو الذي جَعَلَهُ مَيْسورًا، والمعنى الثانيكما في الحديث:

(( كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا ))

[رواه البخاري]
أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرَكَ أن تشْربَ ثلاثًا، وأنت تشْرب قاعِدًا، وأن تُبْعِدَ الإناء عن فيكَ فيما بين الشَّرْبَتَيْن لأنَّهُ ثبتَ أنَّ زفير الهواء ينقل الأمراض، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يشْرب وينفُخُ في الإناء فقال له كما في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:
((أَبِنِ القَدَحَ عَن فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّس.))

[رواه البيهقي]
وقالوا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((: مُصُّوا المَاءَ مَصًّا وَلَا تَعَبُّوهُ عَبًّا ))

[رواه البيهقي]
وأمرنا أن نُغَطِّي الوِعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتِيَ جوامِعَ الكَلِم، والعلوم كلَّها، فالإنسان يدخل في الصَّيف إلى بيتِه وحرارته أكثر من خمس وثلاثين، يفْتح البرادّ ويأخذ زجاجة من الماء درجتها اثنان ! ويشْربها !! فالكبِد والمعِدَة من سبعٍ وثلاثين إلى الدرجة الثانية، قال:
((فإنّ الكُباد من العَبّ ! ))
وثبتَ أنَّ هناك عصَبًا حائِرًا ومُبْهَمًا بين القلب والرِّئتين والمَعِدَة، فهناك حالات موت مفاجئ نتيجة تنبُّأ زائِد عن الحدّ لِهذا العصَب الحائِر، وهذا العصَب بين القلب والرِّئتين والمعِدَة، لذا أكثر أعراض الذَّبْحة الصَّدْرِيَّة مِن الأكل الثَّقيل، ويحسّ بِضيقٍ في صَدْرِهِ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( مُصُّوا الماء مصًّا ولا تَعُضُّوه عضًّا فإنّ الكُباد من العَبّ))
وكان النبي يُسَمِّي ويُبْعِدُ الإناء عن فِيه ؛ هذه آداب الشُّرب الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شرب الإنسان وقال: بسم الله، فأوَّل قِسْم هذه نِعْمة الله تعالى، وَمِنْ فضْل الله علينا أنَّ بلدنا فيه ماء فيجة وأنا ذَهَبْتُ إلى الحج، وكل قارورة ثمنها ثلاثة ريالات ! فأوَّل قِسْم بالتَّسْمِيَة أن ترى فضْل الله عليك، والقِسْم الثاني أن تُنَفِّذ الأمر وِفْقَ منْهَج الله، وأن ترى نِعمة الماء العَذْب الفُرات، وأن تشْربَهُ وِفْق السنَّة، وبالأكل معنى بِسْم الله فاللَّبَن ؛ مِن أين ؟ مِن البقَر والجبن والزَّيْتون، فأنت إذا اسْتَعْرضْت الأطباق طبقًا طبقًا، وعرفْتَ من مُصَمِّم ومُربِّي والخالق، وأنَّ هذه المائدة مائدة الله، وإذا أكلْتَ فَكُلْ باعْتِدال وامْضَغ جيِّدًا، وكُلْ أَكْلاً مُعْتَدِلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمَنا بِرَمَضان أن نشْرب ونأكل ثلاث ثمرات، ونُصَلِّي المغرب والسنَّة البعْدِيَّة، فهذا السُّكَر الطبيعي ينتقل من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة، ويصل إلى مركز تنبيه الجوع فيَشْبَع، حينها تأكل أكلاً مُعْتَدِلاً والآية الكريمة:

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ(20)﴾

[سورة الواقعة]
تقديم الفاكهة على اللَّحْم تقْديم إشاري، فالفاكهة مادَّة سُكَّرِيَّة لطيفة سريعة هَضْم وتنتقل مِن الفم إلى الدمّ بِعِشْرين دقيقة فالواحد مهما كان جائِعًا، حينما يأكل مادَّة سُكَّريَّة فإنَّها تصل إلى الدَّم وتشْبَع، أما الجُلوس على مائدة الطَّعام، والأكلات كلُّها دُسوم، لُحوم، فهذا كي يصل إلى الدَّم يحتاج إلى مُدَّة كثيرة، لذا نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام أكل شيء حُلوٍ قبل الإفطار، وقال عليه الصلاة والسلام:
((أذيبوا طعامكم بِذِكْر الله" ))
فإذا أكل الإنسان مع أهله، وجعله فرصةً للالْتِقاء، ونحن عندنا عادات سيِّئة.
إذًا معنى بسم الله الرحمن الرحيم شَقَّين ؛ أن تعرف نِعمة الله، وأن تُمارِسَها وِفْق منهَجِ الله.
قال تعالى:

﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

(سورة النمل)








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-19-2018 12:37 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان مع الملكة بلْقيس ملكة سبأ، وقد وصَلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

[سورة النمل]
بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ كلَّ إنسان يتولى أمرَ عشرةٍ فما فوق عليه أن يجعلَ من هذه الآيةِ منهجًا له، لا ينبغِي أن يتخِذ قرارا إلاَّ بعدَ أن يتبَصَّر و يجمعَ المعلوماتِ ويسمعَ من الطرفِ الآخرِ، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

[سورة النمل]
قلتُ لكم البارحةَ أيضًا أن البسملةَ التي أمرنا النبي عليه الصلاةُ و السلامُ أن نبدأ بها طعامنا وشرابنا وأعمالنا، وكلّ أمر لم يُذكر فيه اسم الله فهو أبْتَر، فالبسْمَلة تعني أنَّك إذا شَرِبْتَ الماء ينبغي أن تتذَكَّر أنَّ هذا الماء نِعمة الله عز وجل ساقَها إليك، وأنَّهُ ينبغي أن تشْرب الماء وِفْق منْهَج الله تعالى، فالبسملة فيها معنى تَكْريمي، ومعنى تَوْجيهي فالمعنى التكريمي أنَّ هذه نِعْمة أنْعَمَها الله عليك، والمعنى التَّوجيهي أنَّه ينبغي أن تتحرَّك مع هذه النِّعْمة وِفق منْهج الله ؛ هذا بيَّنتُهُ البارحة.
أما قوله تعالى:

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

[سورة النمل]
المُسْتعلي لا يتعلَّم، وشَخْصان لا يتعلَّمان ؛ المُسْتحيي، والمُسْتعلي لذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام الداعِيَة أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّم تواضَعوا لِمَن تُعَلّمون، فالمُعَلِّم ينبغي أن يكون مُتواضِعًا حتى يُعين المُتَعَلِّم على التواضُع، إذا بدأ المتعلِّم فتواضَعَ فالمُتَعَلِّم من باب أولى يتواضَع، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((تواضعوا لِمَن تُعَلِّمون "))
والتواضع هو تصَنُّعُ الوضاعة ؛ هنا التَّذلُّل وهنا الضَّعف، لذلك فِعْلُ تفاعَل فيه معنى التَّصَنُّع، ومن تمارَضَ مرِضَ، أما التواضُع فلا يعني أنَّكَ وضيع فأنت عند الله كبير، لذلك طالب العِلْم تضَعُ له الملائكة أجْنِحَتَها وهو عند الله كبير، ولكن إذا تواضَع يتواضَعُ لِمَن يتعلَّم منه لأنَّ المُعَلِّم قد أُمِر مُسْبَقًا أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّمُهُ.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾

[سورة النمل]
وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّ أرب كلماتٍ مُهْلِكاتٍ ؛ إذا قالها وقصَدَ بها الاعْتِداد بِنَفْسِهِ أهْلكَهُ الله، قال إبليس أنا خير منه، وقال قوم بلقيس نحن أولوا قوَّة وبأسٍ شديد، وقال قارون: إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي، وقال فرعون أليس لي مُلْكُ مِصْر، فأنا ونحن ولي وعندي أربعُ كلماتٍ مُهلِكاتٍ إذا رافقها الاعْتِداد بالنَّفْس، لو سألْتَ واحِدًا: من الذي حضَرَ قبل قليل ؟ يقول لك: أنا الذي حضَرْتُ، فهذه ليس فيها اعْتِداد بالنَّفس ولكن إخْبار فقط.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)﴾

[سورة النمل]
فيا تُرى سُليمان ملِكٌ أم نبيّ ؟! إن كان ملِكًا ودَخَلَ علينا أذَلَّنا وأكل أموالنا وانْتَهَكَ أعراضَنا، فهذه عادةُ المُلوك، قال تعالى:

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾

[سورة النمل]
هذا ذكاء من ملكة بلقيس، فهي تريد أن تمْتَحِن ما إذا كان هذا الإنسان الذي أرْسَلَ إليها هذا الكتاب نبيًّا أم ملِكًا ؟ فإذا فرِحَ بالهَدِيَّة ورحَّب بها نَسِيَ مبدأهُ ! ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((والله يا عمّ لو وضَعوا الشَّمس في يميني والقمر في شِمالي على أن أدَعَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهْلِكَ دونَهُ ))
معنى ذلك أنَّ الإنسان المؤمن الدنيا كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل مبدئِهِ، ولكنَّ الإنسان الدُّنْيَوي المبادئ كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل الدِّرْهم والدِّينار، رجلٌ ذَهَب إلى بلدٍ غربي فجَلس إلى حديقة، فجلس لِجانِبِهِ إنسان يبْدو أنَّهُ مُثَقَّف، سألهُ عن دينهِ فقال هذا الأخ: أنا مسلِم، فقال ما الإسلام ؟ فهذا الإنسان وكان عالِمًا جليلاً أوتِيَ مَقْدِرَةً على التَّوْضيح، وبيَّن له في خمْسين دقيقة حقيقة الإسلام، فما كان مِن هذا المُسْتَمِع إلا أنْ أخْرَجَ مِن يَدِهِ عُمْلَةً وقال: هذا ربِّي أعْبُدُهُ مِن دون الله، و عن عمر رضي الله عنه قال:
((دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا قُلْتُ بَلَى ))

[رواه البخاري]
إنَّما هي نُبوَّةٌ وليْسَت مُلْكًا، فالنبي يمْلِكُ القلوب أما الملِكُ فيَمْلِكُ الرِّقاب وشتَّان بين أن تمْلِكَ القلوب، وبين أن تمْلِكَ الرِّقاب، وأنت كَمُؤْمِنٍ ينبغي أن تمْلِكَ القلوب وليس الرِّقاب، فَمُلْكُ الرِّقاب زائل أما مُلْك القلوب لا ينتهي ولا في الجنَّة، قال تعالى:

﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(44)﴾

[سورة الصافات]
لذلك هذه المَلِكَة أرادَت أن تمْتَحِنَ مُرْسِلَ هذه الرِّسالة أَهُوَ نبيُّ رحيم مُنْصِفٌ وذو مبدأ ويخاف الله عز وجل، ويَحْكُمُ بالعَدْل ولا يُذِلُّنا ولا يأخُذُ أموالنا، أم هو ملِكٌ كَغَيْرِهِ مِن المُلوك، ولكن ورد في الحديث القدسي أنا ملِكُ المُلوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بِيَدي فإن العباد أطاعوني حوَّلتُ لهم عليهم قلوب الملوك بالرََّأفة والرحمة وإن العباد عَصَوني حوَّلتُ قلوب عبادهم عليهم بالسُّخْطة والنِّقْمة فلا تشْغُلوا أنْفسكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحهم بِصَلاحكم.
سُئِلَ تيْمورلَنْد ؛ مَن أنت ؟ فقال: أنا غضَبُ الربّ ! الإنسان إذا غضِبَ يتكلَّم كلامًا قاسِيًا، قد يخْبط بابًا، ولكنَّ الله جلَّ جلاله إذا غضِبَ يُسَلِّط علينا مَن لا يخافه ولا يرْحَمُنا، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)﴾

[سورة النمل]
هذه قاعِدَة قال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)﴾

[سورة ص]
فأنت تسْلُك طريق الإيمان وتأتَمِر بأَمْر الله عز وجل ؛ هذا أجري فلا تقرُّ عَينُ النبي إلا إذا رأى أُمَّتَهُ مُطَبِّقةً لأمْر الله، وقبل أن يتوفَّاهُ الله عز وجل نَظَرَ إلى أصْحابِهِ نَظْرةً امتلأ قلبُهُ رضًا، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ:

(( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ))

[رواه البخاري]
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾

[سورة النمل]
اتَّضَح لدى بلْقيس أنَّ مُرْسِل هذه الرِّسالة هو نَبِيٌّ وليس ملِكٌ لأنَّه لم يفْرح بِهَدِيَّتِها ولم يفْرح بها، بل كان مبْدؤُهُ فوق كلّ شيءٍ.
أيها الإخوة، ذكرتُ لكم أنَّ كلّ عَمَلٍ يفْعلُهُ الإنسان وراءَهُ باعِثًا، إمَّا باعثًا دُنْيَوِيًّا أو باعِثًا أُخْرَوِيًّا، إمَّا باعث الهوى، أو باعث العَقل، وإما إرْضاء الله وإما إرْضاء الذات، وإما الخير أو الشرّ، أو الجَمْعُ أو التَّفريق، وإما العَطاءُ أو المنْعُ، فإن لم تكن على أحد هذين الباعِثَين فأنت على الباعث الآخر، والدليل قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
هذه القِصَّة تُبيِّن أنَّ مرْتبة الأنبياء مرتبَةٌ عالِيَةٌ جدًّا، وأنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَل بعْضَهم فقراء، لأنَّ الله تعالى قال:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
بل جَعَل بعضهم ضُعَفاء وبإمكانِ بعض الناس أن يقول عنهم تُهَمًا مُفْتَراتٍ، فهؤلاء قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ساحر ومجنون وكاهِن !! وهذا الذي قال عنه هذه المقولات ما أصابَهُ مَكروه لِيَكون الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى المُسْتَوَياتٍ، لأنّ الشيء الذي يأتي بالإكْراه لا قيمة له، لذا أيُّها الإخوة، هذه القِصَّة فيها مراكِز ثِقَل، وهذا هو المركز الثاني ؛ أنَّ صاحِب المبدأ لا يفْرحُ بالهَدِيَّة بينما صاحِب الدنيا تُنْسيهِ الهَدِيَّةُ كلَّ مبادِئِهِ، وهذا هو الفرق بين المؤمن المُنْضَبِط وغيره من عباد الدِّرهم والدِّينار،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ))

(رواه البخاري)
وفي الدرس القادِم إن شاء الله تعالى نتحدَّث عن قَضِيّة نقْل العرْش ونقْلِهِ.






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-20-2018 12:31 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس السادس




لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة النمل وقد انتهينا من قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام مع بلْقيس ملِكَة سبأ، ها نحن ننتقل إلى قِصَّة أخرى وهي قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾

[ سورة النمل ]
في الحقيقة هناك في العالم شيء اسْمُهُ الاثْنَيْنِيَّة، فهُنَاك حق وهناك باطل، وخير وشرّ، وإحْسان وإساءة، وصِدْق وكذب، إخلاص وخِيانَة، دنيا وآخرة، إرْضاء الذات وإرْضاء الله، فالكَون كُلُّهُ مُرَكَّب على الاثْنَيْنِيَّة، وفي كُلّ عصْر وزمان، هناك حق وهناك باطل، وهناك أتْباع للحق، وأتْباعٌ للباطِل، أتْباعٌ للشَّهوة وأتْباعٌ للعَقْل فالعِبْرَة أن تكون مع أهل الحق، وأهل الخير، وأن تكون مع أهل الإحْسان والاسْتِقامة، وأن تعْمل للآخرة، وتسْتقيم على أمْر الله، وأن تكون مُنْصِفًا، وأن تكون شاكِرًا وعادِلاً، فَنحن عندنا دائِمًا نقْطتان أنت بينهما ؛ كُلَّما اقْتَرَبْتَ مِن إحْدى النُّقْطَتَيْن ابْتَعَدْت عن الأُخْرى، وكُلَّما ابْتَعَدْت عن الأخرى اقْتَرَبْت من الأولى، فالحلّ الوسَط لا يوجد، والدليل قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[ سورة القصص ]
وقال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

[ سورة الماعون ]
ذَكَرتُ هذا عند قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾

[ سورة النمل ]
في كُلِّ عصْر فريقان ؛ حق وباطِل، إنسانٌ يقول لك: لا تُدَقِّق والناس كُلّها تغشّ، وأنت لك أولاد، وإنسان اعْمَل لِيَوم لا ينفعُ مال ولا بنون إلا من أتى الله بِقَلب سليم وآخر يقول لك: أرْسِل ابنَكَ إلى أيِّ مكان المُهِمّ أن ياتِيَ بالمال، وآخر يقول لك: لا، العِبْرة دينُهُ وأخلاقُهُ فأنت مسؤول عن ابنك، لذلك قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[ سورة لقمان ]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
يجب أن تعتقد أنّ في كل زمان أهل حق وأهل باطل، وأهل دنيا وأهل آخرة، وأهل إحسان وأهل إساءة، وأُناس يتَّبِعون العقل وأناس يتَّبِعون الشَّهوة، وإن لم تكن مع هؤلاء فأنت حَتْمًا مع هؤلاء، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾

[ سورة النمل ]
الله عز وجل لخَّص القرآن كلَّه بِكَلمتين الكلمة الأولى قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
هذه حقيقة، والآن التَّطبيق، فلو قال أحدهم إنَّ الملح يرْفع الضَّغط وكنت مِمَّن معه هذا المرض، ماذا سَتَفْعَل ؟ أوَّل وَجْبة طعام تُجَرِّدُها من المِلْح، فإن لم تفْعل هذا، فهذا يعني أنَّك لم تفْهَم ما قاله فأيُّ شيء إذا ألقي عليك ولم تأخذ مَوْقفا عمليا كأنَّك ما فَهِمْتَهُ، فأنت كإنْسانٍ عاقِل إذا أُلْقِيَت عليك حقيقة، لا بدّ أن تأخذ مَوْقفا من هذا الذي أُلْقِيَ عليك، فالإنسان إن لم يتَّخِذ مَوْقف يعني هذا أنَّهُ كذَّب أو لم يسمع.
قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
والآية الثانِيَة قوله تعالى:

﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[ سورة فصلت ]
فلو أنَّك سَمِعْتَ الآن حقيقة، ماذا ينبغي أن تفْعَل ؟ أن تأخذ مَوْقِفًا طيِّبا والماضي ؟! قال: الماضي مُغَطَّى بالاسْتِغْفار، قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[ سورة فصلت ]
كلمة فيها نكتَة رائِعَة، فالإنسان قد يسْتقيم أحْيانًا خَوْفًا على سُمْعَتِهِ وخَوْفًا مِن قوانين قاسِيَة جدًّا، أو خوْفًا مِن متاعِب لا يَحْت‍مِلُها فهذه الاسْتِقامة ليْسَت إليه، لأنَّها لا تصِل إليه، هذه اسْتقامة للدنيا وأنت تأخذ ثِمارها كلَّها في الدنيا، فإذا جاء الأجل فلا تجده عنده شيئا لأنَّك اسْتَقَمْتَ لِيُقال عنك مُسْتقيم، وأنت اسْتقمت حِفاظًا عن سمعتك نحن نريد اسْتِقامة توصِل لله تعالى، اسْتِقامة خالصة لله تعالى.
قال تعالى:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾

[ سورة النمل ]
الاسْتِغفار أحد أسباب الرحمة، وأنت حينما تستغفر تعلم أنَّ الذي تسْتغفر له يَغْفِر وأنَّه موجود ورحيم، وأمرَكَ أن تسْتغفرَهُ، وأنَّه علَّق رحْمتهُ على اسْتِغفارك.
قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
أي شيء يتعلَّق بالتّ‍شاؤم لا يؤثِّر، لا يوجد رقم يُخَوِّف، ولا يوم أربعاء يُخَوِّف، ولا اليوم الثالث عشر يُخَوِّف، هذا كُلُّه خلْط بِخَلْط، قال تعالى: قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
تشاءَمْنا منك، لا تقل ليس لي حظّ، الله تعالى قال:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[ سورة الليل ]
وعندنا قانون التَّيْسير وقانون التَّعْسير، آمنْتَ واسْتَقَمْت على التَّيْسير ولم تؤمن ولم تسْتَقِم لا سَمَحَ الله على التَّعْسير، يقول لك: ضربتها بالشَّرق فجاءَت من الغرب ‍! هذا صحيح لأنّك لم تصْطَلح مع الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
قلبَ لي الدَّهر ظهر المِجَنّ ؛ هذا خلْط، وسَخِرَ القَدَر مِنِّي ؛ خلْط فالتَّشاؤُم لا يوجد في ديننا، تَسْتقيم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّيْسير، وإن لم تسْتقِم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّعْسير، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، لذا لا تقل: هذا مِن الشيطان، وحظِّي تعيس، وظروف صَعْبة، لا تعْزُ الخطأ لأيِّ جِهَة، إنَّما اُعزوها لِنَفْسِك.
قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
الله بِيَدِه كُلُّ شيء، وأنتم اعْتَنَقْتُم الباطل وهو غلَط.
قال تعالى:

﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)﴾

[ سورة النمل ]
الإنسان الكافر إذا مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ يُدافِعُ به عن المؤمنين، فَهُوَ سُمِّيَ مَكْرًا مُشاكَلَةً في البلاغة، لأنّ الله عز وجل يُدَبِّر لِصالِحِ الفريقين وهناك آية أخرى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)﴾

[سورة الزخرف]
انْزَعَجَ أحدهم مِن هرَّة فرماها مِن سبْعة طوابِق، بعد يَوْمَين اِخْتَلَّ توازُنُه، وبقي كذلك عَشْر سنوات، فالإنسان قبل أن يُؤذي مَخلوق، وقد دَخَلت امرأة النار في هِرَّة حبسَتْها لا هي أطْعَمَتْها! الإله عظيم وكبير، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[سورة البروج]
قال تعالى:

﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾

[ سورة النمل ]
ألا تكفي هذه الآية ؟! كُلُّ إنسانٍ آمَنَ بالله، واتَّقى أنْ يَعْصِيَهُ فالله جلَّ جلاله يُنَجِّيهِ مِن أيِّ عذاب، وكُلّ إنسان مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ مُحْكَم.
هناك بلْدَة بالمغْرب اسْمُها آغادير ؛ هذه البلْدة ممنوع أن يدْخلها أهل المغرب لأنَّها مدينة للسُّواح، وفيها كل أنواع الموبِقات، أصابَها زلزال بِثَلاثة ثواني جعل عالِيَها سافِلَها، وفيها أضْخم فُندق ثلاثون طابقًا ولم يبْق منه إلا آخرهُ ؛ عليه اسم القبر، قال تعالى:
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145)﴾

[ سورة الأعراف ]
كيف أنَّ الله تعالى قال:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنعام]

فالمغزى قوله تعالى:

﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾

[ سورة النمل ]
فإذا آمَنْت واسْتَقَمْت لن تخاف شيئًا، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[سورة التوبة ]
فهذا النبي دخل في بطْن الحوت ؛ قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[ سورة الأنبياء ]
فنحن الآن أُلْقِيَ علينا كلامًا، والماضي مُغَطَّى بالاسْتِغفار، والحاضِر يجب أن نتَّخِذ موقِفًا حتَّى لا يُصيبنا ما أصاب المُنْحَرِفين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-20-2018 12:33 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في أواخِر السُّوَر عادَةً كلامٌ مُجْمَل فيه تَلْخيص لِفَحْوى السورة ومَضْمونها.
فالله سبحانه وتعالى في أواخر سورة النَّمل يقول:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة النمل ]
كلمة الحمد لله فيها دِقَّة بالِغَة ؛ الحمد للَّه، ليس هناك خِلاف في أنَّ هناك نعم في الكون عُظْمى، ولكِنَّ الخِلاف في عَزْو هذه النِّعَم، ليس هناك حَمْدا وعَدَم حمْدٍ، النِّعَمُ التي أنْعَمَ الله بها علينا تحْت سمْعِنَا وبَصَرِنا نِعْمة الصِّحة والحياة، ونِعْمة الإيجاد والهواء والماء، والطّعام والشَّراب، هذه النِّعَم ليس هناك خِلافٌ في وُجودِها، أو في عَدَمِ وُجودِها ! لكِنَّ الخلاف ؛ إلى مَن تُعْزَى ؟ فَغَيْرُ المؤمن يَعْزوها إلى قُدْرتِهِ، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)﴾

(سورة القصص )

ويَعْزوها إلى الحظّ وإلى ذَكائِهِ، يَعْزوها إلى مالِهِ، يَعْزوها إلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ويَعْزوها إلى الطبيعة، ويَعْزوها إلى ما وراء الطبيعة، لكِنَّ المؤمن يعْزو هذه النِّعَم إلى الله تعالى، فالحَمْد على هذه النِّعَم لله لا لِغَيْرِهِ، لذلك بِمُجَرَّدِ أن تعْلم أنَّ هذه النِّعَم من الله عز وجل فأنت في أحَدِ مراتب الشُّكْر ولِمُجَرَّد أن يمْتلأَ قلبُكَ امْتِنانًا لله عز وجل على هذه النِّعْمة فهذه مرْتبةٌ أعلى من الشُّكْر، ولِمُجَرَّد أن تعملَ عملاً تبْتغي به وَجْهَ الله عز وجل فهذه مرْتَبَةٌ ثالثَة من الشُّكر، قال تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

[ سورة سبأ ]
فالله تعالى:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة النمل ]
كُلُّ النِّعَم الظاهرة والباطِنَة مِن الله عز وجل، ولكنْ أيُّها الإخوة أريد أن أقول لكم كلمة، قال تعالى:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾

[ سورة لقمان ]
فالنِّعَم الظاهِرَة ليس هناك شَكٌّ فيها ؛ نعْمة الزَّوجة والأولاد والمال والراحة، لكن هناك نِعَمٌ باطِنَة الإنسان ينْفِرُ منها، أحْيانًا الفقْر وأحْيانًا القَهْر، وأحْيانًا المرَض، والخوف والقلق والحُزْن، مُشْكِلات في بيتِهِ مع أولادِهِ و زوْجَتِه، وفي عملِهِ ومَعَ مَن هم أقْوى منه، فهذه المُشْكِلات التي تنْفِرُ النَّفْسُ منها هي في الحقيقة نِعَمٌ باطِنَة ! كيف ؟ لماذا صُنِعَتْ السيارة ؟ مِن أجل أن تسير، فهَدَفُها الأوَّل أن تسير ولماذا وُضِعَتْ فيها المكابِح ؟ مِن أجل أن توقِفَها، فهذه المكابِح هي عَكْس ما صُنِعَتْ له السيارة، وعكْس الهدف منها ولكنَّ هذه المكابِح ضرورِيَّة جدًّا لِسَلامتها، فكما أنَّ الأصْل أنْ تنْعُمَ بالنِّعَم، ولكن مِن أجل سلامَة هذه النِّعَم قد تأتي المصائِب، وهذا مِن أجل أن تلْتَفِتَ إلى الله، لذلك لا نُبالِغ إن قلنا أنّ تِسْعينًا بالمائة مِمَّن ساروا إلى الله تعالى على أَثَر نِعْمَةٍ باطِنَة وهي المُصيبة، فالمصائِب تلْفِتُ النَّظر إلى اللهو تَدْفَعُنا إلى بابِهِ تعالى، وتَحْمِلُنا على التَّوْبة وطلب الآخرة وتحْمِلُنا على العمل الصالح ؛ هذه هي النِّعَم الباطِنَة فأَنْ تشْكُرَ الله على النِّعَم الظاهرة هذا شيءٌ بديهي وسَهل، ولكنَّ البُطولَة أن تشْكُرَ الله تعالى على نِعَمٍ باطِنَة، والبُطولة كما قال الإمام الشافعي لِمَن كان يطوفُ حَوْل البيْت وهو يقول: يا رب هل أنت راضٍ عَنِّي، فقال له الإمام الشافِعي: وهل أنت راضٍ عن الله تعالى حتَّى يرْضى عنك ؟! قال: يا سبحان الله ! مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا مُحمّد بن إدْريس، فقال: كيف أرْضى عنه وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّعْمة كَسُرورِكَ بالنِّقْمة فقد رضيتَ عن الله ! فَبُطولَتُكَ كَمُؤْمِن لا أن تقول: الحمد لله على نِعْمة الصِّحَّة، فأحْيانًا تأتي مُصيبَة، وإذا أحَبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاهُ معنى ابْتِلاه أيْ جَعَلَهُ في العِنايَة المُشَدَّد، فإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، وإن شَكَرَ اقْتناهُ، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، وأشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء، وأنا أشَدُّهم بلاءً، ثمَّ الأمْثَل فالأمْثَل، فأنت كلَّما ارْتقى إيمانك تنتقل إلى حمْد الله لا على نِعَمِهِ الظاهرة، ولكن على نِعَمِهِ الباطِنَة، أحْيانًا تكون المُشْكِلَى العَويصة سبب تَوْبتِك، وإقْبالِكَ على الله، وورَعِكَ وسعادَتِك، فلا أُبالِغَ إذا قلتُ: إنَّ مُغْلَبَ الذين ساروا مع الله تعالى واصْطَلَحوا معه وأقْبلوا عليه وأنابوا إليه كان سببُ توْبتهم المشاكِل التي أقْلَقَتْ نُفوسَهُم، وشَغَلَتْ خواطِرَهُم، لذلك الإنسان يسْعَدُ حينما ينْجَحُ في الامْتِحان.
أيها الإخوة، لا تَنْسَوا أنَّ بُطولتكم في شُكْر نِعَم الله الباطنة أعْظَمُ بِكَثير مِن بُطولَتِك في شُكْر النِّعَم الظاهرة، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءَت الأمور على ما يريد يقول: الحمد لله الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصالحات، فإذا جاءَت الأمور على خِلاف ما يريد قال: الحمد لله على كُلّ حال، والصَّبْر في الحقيقة عند الصَّدْمة الأولى، فالإنسان بين أن يكون صابِرًا وناجِيًا وشاكِرًا، وبين أن يكون جحودًا كفورًا ! الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبَة سواءٌ صَبَر أو لم يصْبِر فَهِيَ تَحُلُّ به، ولكنّ المؤمن حينما تَقَع يقول: يا رب لك الحمْد، وأنت الحكيم والعادِل وأنا عبْدُك وابن عَبْدِك وابن أمَتِك عدل فيّ قضاؤك، ماض فيّ حكمك لذا الشُّعور بالعُبودِيَّة لله عز وجل يُعْطيك مرْتبة النَّجاح، والإنسان إذا أُصيب بِمُصيبَة، وحَمِدَ الله عليها أبْدَلَهُ الله خيْرًا منها، فهذه أُمُّ سَلَمَة كانت تُحِبُّ أبا سلَمَة حُبًّا لا حُدود له، وكانت أشَدَّ النِّساء إعْجابًا بِأزْواجِهِنّ، فلمَّا مات قال لها النبي عليه الصلاة والسلام:
((قولي اللَّهم أبْدِلني من مصيبتي خيرًا منها !))
فقالت: ليس هناك من هو أفضل من أبي سلمة !! وبعد ذلك تَزَوَّجَها النبي عليه الصلاة والسلام، فالبُطولة أن تحمد الله تعالى على النِّعَم الباطنة، ولذلك قال الإمام عليّ: الرِّضا بِمَكْروه القَضاء أرْفَعُ درَجَات اليَقين، هذا الإله العظيم لا يُعْقَل أن يُعَذِّبَنا دون سبب، هل يُمكن أن تُحَمِّل شخْصًا كيسًا من الرَّمْل ثقيلاً دون هدف ولا فائِدَة ؟! يقول لك: ماذا أفْعَلُ به ؟ والله عز وجل يقول:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النِّساء]
ماذا يسْتفيد الله تعالى إن أمْرَضَنا وعذَّبَنا وأفقَرنا، وخوَّفنا ؟ لو أنَّ الإنس والجن كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في مُلكي شيئًا، لكنَّ الله عز وجل يُرَبِّينا ويأخذ بِأيْدينا، ويُنَبِّهُنا، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
فالذي يقول الحمد لله حينما تأتيه المُصيبَة فهذا إنسانٌ راضٍ عن الله.
أعْمَقُ من ذلك، لمَّا يرى الطَّبيب في المعِدَة الْتِهابًا حادًّا، وأيُّ غلط بالطَّعام والشَّراب يتفاقَم هذا المرض إلى قرْحة، تجد الطَّبيب يُعطي التَّعْليمات مُشَدَّدة جدًا وبالغة، أما إن وَجَد ورَمًا خبيثاً فإنَّه يقول له: كُل ما شئْت، فالإنسان حينما يكون خارِج العِنايَة الإلهِيَّة يُعْطى ما يشاء، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
المال والصِّحة والجمال والنِّساء والبيوت والمرْكَبات والطائرات والبساتين ؛ أبواب كُلِّ شيء، فإذا فَرِحوا بِما أوتوا أُخِذُوا بَغْتَةً وصَدِّقوني في هذا الكلام أيُّها الإخوة، إذا كان الواحِد مِنَّا ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة عليه أن يشْكر الله عز وجل ويُقَبِّل الأرض من الفرح، فما دام المرض يُعالَج فهناك دِقَّة في العِنايَة وتدريبات ومُعالجات فيزْيائِيَّة، أما إن كان المرض لا يُعالَج فيُقال لك: كُلْ ما تشاء وأنت حُرّ، فعلى الإنسان أن لا ينْكسر شُعورهُ إن بعَثَ الله له مُصيبة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾

[ سورة الفجر ]
ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بَعوضَة ما سَقى منها شرْبَة ماء وقال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾

[ سورة آل عمران ]
لذا يجب أن تشْعُر بِمَعْنَوِيَّاتٍ عالِيَة وأنت في المُصيبَة، وأنت في الحِرْمان والفقر والمرض، وهذا يعني أنَّ الله يحبُّ أن يشْفيك، وإيَّاك أن تَعُدَّ الدنيا مِقْياسًا، والدنيا كُلَّها مُؤقَّتة، ودقِّقوا في عدد الجنازات والإنسان عليه أن لا يُغامِر ويجعل جلَّ إنجازاتِهِ في الدنيا، دَع للآخرة العَمَل الصالِح ؛ اُطْلب العِلْم، وابْحَث عن الحق، واخْدُم الناس، وافْهَم كلام الله وادْعوا إلى الله تعالى، هذه كُلُّها أعمال الآخرة، لذا مُشْكِلَةُ الموت أنَّهُ يُعَدُّ أكبَر مُصيبَة، وهو نفْسُهُ يُعَدُّ أكْبَرُ عطاءٍ، للمؤمن تُحْفَتُهُ وعُرْسُهُ ولِغَيْر المؤمن أكبر مصيبَة ونِهايَة كُلِّ شيء.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-20-2018 12:35 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والخمْسون وهي قوله تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
ذَكَرنا أنَّ نِعْمة الله نِعْمتان ؛ نِعَمٌ ظاهِرَةٌ ونِعَمٌ باطِنَة، وإيمان الإنسان هو السَّبب في أن يشْكُرَهُ على النِّعم الباطِنَة، أما فطْرة الإنسان فهِيَ تَدْعوه على شُكْر النِّعَم الظاهرة، أما شُكْر الله عز وجل على النِّعم الباطِنَة هو إحْدى ثَمَراتِ إيمانِهِ، ومادام مؤمنًا فَهُوَ يرْضى عن الله تعالى في سرَّاء والضَّراء.
قال تعالى:

﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾

[ سورة النمل ]
الذي عرفَ الله وسارَ على منْهَجِهِ وأحَبَّهُ وتقرَّب إليه ؛ هذا سلامٌ عليه وقال علماء الأصول المُطْلق في القرآن على إطْلاقِهِ، فهو تعالى ما قيَّدَ السلام بالدنيا أو الآخرة ! سلامٌ على عباده الذين اصْطفى، فأنت في الدنيا في سلامٍ مع الله، وفي الآخرة في سلام، ونِعَمُ الآخرة تتَّصِل بِنِعَمِ الدنيا فأنت في سلامٍ مع نفْسِك، فالإنسان أحْيانًا تكون له مَكَانَة كبيرة بين الناس إمَّا لِقُوَّتِهِ، وإما لِذَكائِه وأعمالهِ، ولكنْ قد يرْتَكِب أعْمالا خسيسَة فيما بينهُ وبين نفْسِهِ، فهو في نَظَر نفْسِهِ صغير، وعند الناس كبير، فلو أساء الإنسان ولم يوجَد مَن اكْتَشَفَ إساءَتَهُ؛ عندَهُ انْهِيارٌ داخِلِّي، واحْتِرام الإنسان لِنَفْسِهِ داخِلِيًّا ؛ شيءٌ لا يُقَدَّر بِثَمَن فالإنسان لمَّا يكْذِب ؛ كفى بها خِيانَةً أن تُحَدِّث أخاكَ بِحَديثٍ هو لك بِهِ مُصَدِّق وأنت له مُكَذِّب ! ومُعْظَم الكذِب يأتي مِن أجل المصالِح، فقد تَظُنُّ أنَّ الكذِب يأتي بالمال الكثير طبيب يطلب من المريض أن يقوم بِعَمَلِيَّة قدْرها أربعمائة ألف ليرة وعلى الفَوْر، والمريض ليس بِحاجَة لِعَمَلِيَّة، فالإنسان لما يكْذب مِن أجْل كَسْب المال، فهناك يتَوَهَّم أصْحابُها أنّ الكذب يدرّ دخْلاً كبيرًا ؛ هذا هو عَيْنُ الجَهْل، وهذا هو عَيْنُ الحُمْق، وكُلّ إنسانٍ بِحاجَة إلى أن يعْرِفَ الله كحاجَتِهِ إلى الطَّعام والشَّراب، لأنّه إن لم يعْرِفِ الله سوف يَقعُ في أوْهام وهذه الأوْهام لها مُضاعفاتٍ خطيرة فالسَّلام يأتي من عدم الكذب، وعدم الخِيانة والغِشّ، تسير على مَنْهَج الله، وتَحْتَرِمُ نفْسَكَ، وأنت حينما تحْتَرِمُ نفْسَكَ، وحينما تسير على مَنْهَجِ الله فالله تعالى كريم، فلو أنَّ أحدًا دخل عندهُ ألف زبون وما غشَّ أحَدًا، وما كذِب، هل يُعْقَل أن يُسَلِّط الله عليه مَن لا يرْحَمُه ؟ أنتَ ما دُمْتَ مُخْلِصا في تعامُلِكَ مع عِباد الله لنْ تَغُشَّهم وتبْتزَّ أموالهم فالله عز وجل يُلقي عليه هَيْبَةً وتَوْفيقًا ونصْرًا وتأييدًا، فهذا الذي يَغُشّ الناس، ويظن نفْسه ذَكِيّا قد يقف أمام مُوَظَّف صغير ترْتَعِد فرائسُهُ خَوْفًا، وهذا الخَوْف بِسَبب أنَّهُ غشَّهم، وكذَب عليهم فالسَّلام يأتي من طاعة الله عز وجل، فأنت مع نفْسِكَ في سَلام والمُستقيم مع نفْسِهِ كبير، لو أنَّك لا تمْلِكُ مثقالاً من المال وكنت مُسْتقيمًا فإنَّك تَشْعُرُ بقيمةٍ بِذاتِك، وهذه هي قيمة الطاعة، اللَّهم أخْرِجْنا مِن وُحول الشَّهوات إلى جنَّات القُرُبات، مِن ذُلّ المعْصِيَة إلى عِزَّة الطاعة، وقد مشَى سيِّدُنا الحسَن مَشْيَة الخُيَلاء فقالوا: ما هذه المِشْيَة يا سِبْط رسول الله ؟ فقال: عِزَّةُ الطاعَة، فالمُطيع يشْعُر بالعِزَّة لأنّه يُرْضي خالق الكَون، وهو يُرْضي ربَّ العالمين، وشريف ومُسْتقيم، وأمين وصادِق والسَّلام مع الخَلْق، ليس لك مُشْكِلَة مع الناس، فإن تَدَيَّنْتَ وضَعْتَ إيصالاً، وكذا في عَقْد الشَّراكَة، أنت تُحَصِّن شريكَك، فقد يغتَرُّ شريكك بالمال، ويأخُذ مالك ! وتكون أنت الذي أعَنْتَهُ على المال، وأنت السَّبب في أنَّهُ أكَلَ مالَك، أما إن مشيتَ على مَبْدَأ كُلُّ شيءٍ مُوَثَّق ومُسَجَّل وكُلّ شيء واضِح، فهذا نبِيُّنا عليه الصلاة والسلام كان خارِجًا مع زوْجَتِهِ صَفِيَّة فعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا:

(( أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ تَعَالَ هِيَ صَفِيَّةُ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ هَذِهِ صَفِيَّةُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَتَتْهُ لَيْلًا قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ ))

[ رواه البخاري ]
فأوَّل بند من بنود السَّلام أنَّك إن طبَّقْتَ منهجَ الله تعالى تحْتَرِمُ نفْسَكَ وإن طبَّقْتَهُ في العلاقات العامَّة، فالكُلّ يَحْتَرِمُك، فبالطاعة يكون رِضى النفس والناس عنك، بِهذا يرْضى خالق الكون عليك، فَكَلِمَة سَلامٌ لها ثلاثة أنواع ؛ سلامٌ مع النَّفس، وسلامٌ مع المُجتمع، وسلامٌ مع خالق الكون، وأنا أعْتَقِد أنَّه من الصَّعْب أن يدْخل الإنسان إلى قصْر العَدْل ؛ فأُمورُهُ كُلُّها واضِحَة، ولمَّا يسْمَح للخطيب أن يجْلس مع ابْنَتِهِ أشْهُرًا دون عَقْد قِران ثُمَّ يختفي الخطيب، والبنت حامِل ! عندها ينقلب البيْت رأسًا عن عَقِب، أما إن طبَّقْنا شرْع الله تعالى، فله أن يراها مرَّة ومرَّتين وثلاثة وانتهى الأمْر، وإما أن يكون عَقْد قِران أو لا، فإذا عَقَد عليها أصْبَحَت زوْجَتُه وأنت بِسَلام، فالسَّلام يأتي بِطَاعَة الله.
والسَّلام ؛ هذه الكلمة معها طمأنينة وسلامَة، فأنت لك سلامَة مادِيَّة وسلامَة نفْسِيَّة، فقد يكون الإنسان سليمًا مادِيًّا ولكِنَّه مُنْهارٌ نَفْسِيًّا فأنت بِحاجَة إلى السلام المادِّي والمَعْنَوي، والصِّحة النَّفْسِيَّة والجسَدِّيَّة، ولو أنَّ الإنسان طبَّق منهجَ الله في طعامِه وشرابِهِ، وفي زواجِهِ،و في كُلّ شؤون حياته لكان سليمًا، لو طبَّقْت منهج الله تعالى في علاقاتِك الاجْتِماعِيَّة لما كانت هناك خِيانَة زَوْجِيَّة، نزهات وسهرات مُختلطَة ينشأ طلاق، ونشوز، وخِيانَة زَوْجِيَّة.
فأنت إن طبقت منهج الله تعالى مع نفْسِكَ فأنت في سلامة مع نفْسِك إنْ طبَّقْتَ منهَج الله مع الناس فأنت في سلامة، وإن طبَّقْتَ منهَجَ الله وعبَدْت الله وأطَعْتَهُ و امتلأ قلبُكَ بالله فأنت في سلام مع الله، فقوله تعالى:

﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾

[ سورة النمل ]
هذا سلامٌ ثَمَنُهُ طاعتُهُ تعالى، ولذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فالله لمَّا قال فَوْزاٌ عظيما، الله هو الذي يقول هذا ! فما معنى هذا ؟! إذا الواحِد وجَدَ طِفْلاً وقال له: أنا معي مبلغ كبير، فما هو تقْديرُكَ لِهذا المبلغ ؟ خمس و عشرون ليرة فقط ؛ أما لو قال لك شخْص كبير: أنا معي مبلغ كبير، فقد يقصد مائة مليون، فكلمة عظيم وكبير تتناسَب مع القائِل، فهذا خالِقُ الكون، وإلهنا العظيم يقول:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[ سورة الأحزاب ]
لذا الذَّكاء كلّ الذكاء، والعَقل كل العَقل، والنَّجاح كل النَّجاح، والفَوْزُ كُلُّ الفَوْز في طاعة الله تعالى.
الشيء الآخر، أن الله تعالى لمَّا يرى من بعضِ عبادِهِ اسْتِقامةً وإخْلاصًا وورَعًا وصِلَةً يصْطفيهم لأَرْقى المُهِمَّات، أحيانًا نجد شَخصًا يُتْقِن اللُّغَة الفِرَنْسيَّة والإنجليزِيَّة والألمانِيَّة، ومعه حُقوق، وآداب نستفيد نحن منه ونضعُهُ سفيرا، فالله عز وجل لمَّا يرى الاسْتِقامة والطاعة يصْطفيه لِمُهِمَّات كبيرة، وهذا مِن فضْل الله على الإنسان ولا يوجد إنسان يتفوَّق إلا ويصْطفيه، وهذا لِكُلّ الناس، وهذا ليس خاصا وهذا بِحَسب طلبِكَ، فالله ينتظر أن يرى منك أن تطلب منه عملاً صالحًا لأنَّهُ خلَقَكَ في الدنيا للعمل الصالح، والأب لمَّا يكون طُموحه تعلّم ابْنِهِ يبقى ينتظر من ابنه أن يقول له أريد أن أتعلَّم.
لذا أيها الإخوة، الله تعالى خَلَقَنا لِيَرْحَمَنا، ورحْمتهُ لنا بِسَبب العمل الصالِح، والإنسان لمَّا يُغادِر الدُّنيا لا ينْدَمُ إلا على عملٍ صالحٍ فاتَهُ والدليل قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]
عند الموت لا شيء له قيمة، وكل شيء من حُطام الدنيا، الإسلام فيه أوامر عِدَّة في وُضوئِك وصلاتك ويقظتك ونومِك، وعلاقتِك مع زوْجتِك، في تربيَة أولادك، وإنفاق مالِك، وكسْب مالك، فأنت أمام منْهَج كامِل، ومن السَّذاجَة والحُمْق أنْ تظُنّ أنَّ الإسلام خمْس عبادات الإسلام منْهج كامِل لِكُل حركة وسَكَنَة، وهناك الحرام والواجب والمندوب والمكروه والمستحب، وكلّ شيء يدور مع هذه الأحكام، لذا طلب الفقه حَتْمٌ على كُلّ مُسلِم، ومعرفة أحكام الفقه جزء كبير من الدِّين، فأنت بالكون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تعْبُدُه.
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
أحيانًا يُوازن الإنسان بين بيت مائة متر شمالي، ومائة وعشرة قبلي يبقى تُفَكِّر ولكن لو خيِّر الإنسان بين سيارة ودراجة هل يُفَكِّر ؟‍ لو سكت ثانِيَة فهو أحْمق ‍‍‍!!! وهذا إله عظيم يقول الذي أعَدَّ لك جنات عرضها السماوات والأرض وفيها ما لا عينٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلْب بشر، فهل يُعْقَل أن تكون مَحْسوبًا على إنسان ؟ كُن مَحْسوبًا على الله،:

﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
فلا يوجد تناسُب بين أن تكون عَبْدًا لله، وبين أن تكون عبْدًا لِعَبْدٍ من بني البشَر، فالفرق كبير جدًا، وهؤلاء الذين اصْطفاهم الله لم يعبدوا شريكًا من دونه، والآية دقيقة:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾

[ سورة النمل ]
فالحادِث غير الفاني، والمخلوق غير الخالق، والقوي غير الضعيف، والغني غير الجاهل، فلا تحقّ الموازنة هناك ! فأنت لا تستطيع أن تُوازٍن بين الكرة الأرْضِيَّة وبين ذَرَّة من التراب !! هذين الشيئَين غير خاضِعَين للموازَنة إطلاقًا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-20-2018 12:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والسِّتون من سورة النَّمل وهي قوله تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[ سورة النمل ]
نحن بدأنا الصلاة الساعة الثانية عشرة إلا ربع وانتهينا الساعة الثانِيَة عشرة فالأرض في رحْلتها حول الشَّمس تدور حول الشَّمس كلّ عامٍ دوْرَةً، في رحلتِها حول الشمس تقْطع ثلاثين كيلومتر في الثانِيَة الواحِدَة، فكم تقطع بالدَّقيقة ؟ ألف وثمانمائة كيلومتر، وهي تقطع بِعَشْرة دقائق إحدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ؛ رُبْع محيط الأرض فالأرض مُحيطُها أربعون ألفًا كيلومتر، فالسُّؤال: هذا المَسير أليْسَ له اهْتِزاز، فَمَن جعَلَ الأرض قرارًا ؟ الأرض لها حركَتان: حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، فالتي حول الشَّمس سرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة، أما حول نفسِها: ألف وستُّ مائة كيلومتر في الساعة، وهي مُسْتَقِرَّة، أمَّن جعل الأرض قرارًا، نِعْمة الاسْتِقرار مِن أجل أن تبْنِيَ البِناء، ومن أجل أن لا يتصَدَّع البناء، أما الزِّلزال فهو مِن أجل أن تعرِفَ نعْمة الاسْتِقْرار، وقبل يومين اهْتَزَّت دمشق أربعة على سلَّم ريشتر، وفي القاهرة ستَّة، فالإنسان على أيِّ شيءٍ يعْتَمِد ؟ بيْتٌ يُكَلِّف الملايين يقَعُ في عِدَّة ثواني ؛ أمَّن جعل الأرض قرارًا ؟ طبعًا إن كانت ساكِنَة فهي مُستَقِرَّة، وإن كانت مُتَحَرِّكَة فهي مُهْتَزَّة أمَّا أن تكون مُسْتَقِرَّة في حركَتِها فهذا مِن إتقان الله عز وجل، هل يمكن أن يخترع الإنسان سيَّارة لا تهْتَزّ أبَدًا ؟ مُسْتحيل، وكذا الطائرة، أما أن تسير الأرض بهذه السرعة ولا تهتزّ ؛ فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتهِ، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
أي أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركاتِها، ولولا أنَّها مُسْتَقِرَّة لما بَقِيَ بناءٌ قائِم.
الشيء الآخر، أنّ الأرض مسارُها حول الشَّمس ليس مسارًا دائِرِيًّا بل هو مسار إهْليلجي ؛ بَيْضَوي، وهذا المسار لهُ خاصَّة، وهو أنَّ أقْطارَهُ ليْسَت مُتَساوِيَة، فالأرض إذا وصَلَتْ إلى القطْر الأصْغَر تزيدُ سُرْعَتُها زِيادَةً ينشأُ عنها قُوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة الجاذبة الناتِجَة عن اقْتِرابها من الشَّمس، فهي لمَّا اقْترَبَتْ أصْبَحَت الشَّمس أقوى على جَذْبِها، فلكي لا ترْطَمِها بها، فإنَّ الأرض تزيدُ سرعتها لِيَنشأ عن هذه الزِّيادة قوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة النابذة، فإذا ابْتَعَدَتْ لكي لا تتفلَّتَ مِن مَسارِها حول الشَّمْس تقِلُّ سرْعَتُها من أجل أن يتوازن ارْتِباطها بالشَّمس، والنُّقطة الدقيقة أنَّ هناك شيئًا اسْمُهُ التَّسارُع، وهو أن تكون مثلاً مرْكبة مُسْتَقِرَّة، أحيانًا يُكْتب في تعليمات السيارة أنَّ هذه السيارة تصل سرعتها إلى المائة بعد عشرة ثواني ؛ هذا هو التَّسارع، فلو أنَّ الأرض كانت سرعتها فجْأةً لانْهَدَم ما عليها، ولو أبطأت فجْأةً لانْهَدَمَ كُلّ ما عليها، فالأرض فضْلاً عن أنَّها تسير حول الشمس بسُرعة ثلاثون كيلومتر بالثانيَة وحول نفسها، حينما تصل إلى القطر الأصغر في مسارها حول الشمس تزيد سرْعتها كي لا تنجذِب إلى الشمس وينشأ عنها قوَّة نابِذة فإذا ابْتَعَدَتْ وبَقِيَتْ على سرعتها العالِيَة تَخَلَّفَتْ من مدارِها حول الشمس، تقِلُّ سرعتها لِتَنْعَدِم القوَّة النابِذَة وتبقى على اتِّصالِها بالشَّمس، قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) ﴾

[ سورة النمل ]
ولو تسارعَت فجْأةً لا تبقى ولو مدينة على وَجْه الأرض، أوْضَح مثل أن تضَع عُلَب على السيارة وتنطلق بها فجْأةً أو تقف فجْأةً فإنّ العلب كلَّها تضطرب، ويضطرب قانون العطالة، وهذا القانون ؛ الأشياء المُتَحَرِّكة ترْفض السُّكون، والثابتة ترفض الحركة، فإذا كان سائِق السيارة اسْتَعْمَلَ المِكْبح فجْأةً فإنَّ الرُّكاب يتقدَّمون، فلا بدّ مِن حزام أمان، لذلك الأرض إذا رَفَعَتْ سرْعَتَها فجْأةً انْهَدَم كُلُّ ما عليها، ولم يبْقَ بيْتٌ على وَجْه الأرض، ولو أنَّها أبْطأت لانْهَدَم كلّ مَن عليها، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
هذه مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ تعالى.
الآن هذا الكأس أضَعُهُ فيَسْتَقِرّ، ولو رَكِبْتُ مرْكَبَةً ووصَلْتُ إلى منطقة بين الأرض والقمر اسْمُها انْعِدام الجاذِبِيَّة ؛ تمْسِكُ الكأس فَيَهْرُبُ منك إلى الأعلى، وهذا شيء معروف في مركبات الفضاء، ورُوَّاد المركبة ينْزَعِجون، تجده في السَّقْف، لا وَزْنَ له ! مَن جَعَلَ الأشياء كُلَّها تنْجَذِبُ إلى مرْكَزِ الأرض ؟ الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض بِفِعْل الجاذِبِيَّة، كلمة كيلو وخمسة كيلو تعني قُوَّة جَذْب الأرض لِهذا البرتقال مثلاً:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
فلو لم تكن الأرض مُسْتقرَّة لوَجَدْتَ الخزانة في السَّقف، فربُّنا عز وجل يلْفتُ نظَرَنا إلى هاتَين الآيتَين الدالَّتَين على عَظَمَتِهِ

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارا﴾

[ سورة النمل ]
فالمعنى الأوَّل أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركَتِها، والمعنى الثاني أنَّ الأشياء تسْتقرُّ عليها بِفِعْل الجاذِبِيَّة.
قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

[ سورة المرسلات ]
الأشياء تلتفتُ عليها، وتجذِبُها إلى مركزها.
قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

[ سورة النمل ]
لا يُمْكِن أن نَشْرَب ماءً مُحَلَّى، الماء الذي نَشْرَبُهُ فيه معادِن ؛ أثنى عشَر معدَنًا مُذابًا في الماء، لذا حين يُحَلّ الماء بِآلات مُعَقَّدَة جدًا لا بدّ مِن أن يُضاف إليه مِياهُ الآبار، وهذه الينابيع التي فيها الكالسيوم والمغنزيوم واليود كُلُّها مُذابَة في ماء الشُّرب، فَمَن جَعَل هذه المُستَودعات في بُطون الجبال ؟ ومن جعَلَ الصُّخور في الجبال على شَكل إسفنج ينْحَلُّ منها بعضُ معادِنِها بِنِسَبٍ ضئيلةٍ جدًا ؟ من جعل هذه الأنهار ؟ ومن جَعَلَ طبقات الأرض؛ طبقة كتيمة وطبقة نافِذة، فربُّنا عز وجل نقَّى الماء وأذاب فيه بعض المعادِن وخزَّنَهُ، والله تعالى قال:

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

[ سورة الحجر ]
وضعوا إحْصاءً دقيقًا مِن فَتْرة ؛ لو أنَّ الإنسان أراد أن يُخَزِّن الماء لِسَنَة ؛ يحْتاج إلى مساحَة تُعادِلُ مساحَةَ بيْتِهِ تمامًا، عندك بيت أربعمائة متر وارتِفاع ستَّة أمْتار ؛ فهذا الماء يَكفيك سنة، هذا إن لم يَكُن هناك خزانات بالجبال، وقد وضَعوا خزَّانا بِجَبل قاسيون كلَّف أُلوف الملايين، فالله عز وجل يقول:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

[ سورة النمل ]
الأرض تدور بِسُرْعة عالِيَةٍ جدًّا، وبعض الطائِرات التي تزيدُ سرْعَتُها عن سرعة الصَّوت ؛ إذا انْطَلَقَت من الشرق إلى الغرْب تتوقَّف الشَّمس ويتوقَّف الزَّمَن، ينطلق على الساعة السابِعَة ويصل إلى الساعة السابعة نفسها !! لأنَّهُ يدور مع الأرض أما مع العكس فالمسافة تتضاعَف سافَرْتُ مرَّةً إلى المغْرب وضاق الوقت، وبالعَودة تضاعَفَ الوقت لأنَّنا بالذَّهاب إلى الغرب نكون نمشي مع الأرض، وبالعَوْدَة عاكَسْنا جِهَة الأرض.
فيا أيها الإخوة، يقول تعالى:

﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾

[ سورة النمل ]
هذه السرعة العالِيَة تضْطرب الأرض بِسُرْعتها، وتأتي الجبال، ولها هدَف ميكانيكي، فالجبال من أحد وظائِفِها تَحقيق اسْتِقْرار الأرض أثناء دورانِها السريع.
قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾

[ سورة النمل ]
ثبتَ عبْر المركبات الفضائِيَّة والرَّصْد الفَلَكي أنَّ بين البَحْرين حاجِزًا فالبحر الأحمر والبحر الهندي، والبحر الأسوَد والبحر الأبيَض، فبَيْن البَحْريْن حاجِزًا، وهذا الحاجِز حتَّى الآن لم تُعْرَف طبيعَتُهُ إلا أنَّهُ من الثابِت أنَّ مياهَ كُلِّ بَحْرٍ لها مُكَوِّناتُها الخاصَّة، ولها مُلوحَتُها الخاصَّة، ولها كثافتها الخاصَّة، وكذا خصائصها، فَمِياهُ بَحْرٍ لا تَطْغى على مياهٍ أخرى وظَهَرَ لهم هذا بالتَّصْوير الجَوِّي ؛ رأَوْا خطًّا بين البَحْرين وهو خطّ وَهْمي، وخط تفاضل ألوان، وَجَدوا أنَّ مياه البحر الأحْمَر لا يُمْكِن أن تخْتلِط بِمِياه البحر العربي، ولا بالبحر المتوسِّط، والشيء الآخر أنَّ هذا الحاجِز مُضْطرِب أيْ يَتَحَرَّك، قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21)﴾

[ سورة الرحمن ]
فالله عز وجل يقول:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[ سورة النمل ]
هذه الآيات دالَّة على الله، ويا أيها الإخوة الآيات الدالة على الله تعالى أوْسَعُ باب لِمَعْرِفَة الله، وأقْصر طريق إليه، وإنَّك إنْ فكَّرْت فيها واجَهْتَ عظمة الله وجْهًا لِوَجه، وهذه بعض آيات الله في الأرض ؛ دَوْرَتُها حول نفْسِها، وحول الشمس، والمسار بيْضَوي، وتسارع بطيء، وأقطار مختلفة، والتباطؤ بطيء، وإذا لم نلْتَفِت إلى نعْمة الاسْتِقرار فإنَّنا نعرف هذه النِّعْمة بالزِّلْزال، وخلال سبعة درجات على ريشْتر تنهدِم البيوت، ومدينة في الساحل من أكبر المُدن في المغرب جُعِلَ عاليها سافلها خلال ثواني !! لذا اُشْكروا نِعْمة الاسْتقرار.






والحمد لله رب العالمين



الساعة الآن 07:12 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.