![]() |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : ادراك الفريضة الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إدراك الفريضة : أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى باب إدراك الفريضة، فإذا شرع المصلي في فرض منفرداً فأقيمت الجماعة - ومعنى أقيمت أي كبر إمام الجماعة تكبيرة الإحرام- قطع هذا المصلي صلاته واقتدى إن لم يسجد لما شرع فيه. أي إذا شرع بصلاة ثنائية وسجد عليه أن يتم الركعة الثانية فإن لم يسجد سلم تسليمتين قائماً وترك صلاته منفرداً، والتحق بالجماعة، فإذا سجد سجدةً في غير الرباعية أتمها بالركعة الثانية، وإذا سجد في رباعية ضمّ ركعة ثانية - أي إذا صلى صلاة ثنائية أتمها ثنائية، وإن شرع في رباعية صلى ركعتين فقط ثم لحق بإمام الجماعة - فالجماعة كصلاة الجنازة، وإن صلى ثلاثاً هو في الركعة الثالثة، وأقيمت صلاة الجماعة عليه لو أنه يصلي صلاة نفل أربع ركعات في الركعة الثالثة أقيمت صلاة الفريضة أتمّ الرابعة واقتدى بالإمام إلا في صلاتين؛ صلاة العصر وصلاة الفجر لأنه لا تنفل بعد أداء الفريضة، فلم يؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى صلاة نفل بعد أداء الفريضة في صلاتي الفجر والعصر. ما يترتب على المكلف لإدراك الفريضة مع الإمام : إن كان في سنة الجمعة فخرج الخطيب ماذا عليه أن يفعل؟ عليه أن يقطع صلاته لأنه إذا صعد الخطيب إلى المنبر لا صلاة ولا كلام، وإن كان في سنة الظهر فأقيمت صلاة الفريضة سلم على رأس ركعتين، كذلك في الجمعة صلى ركعة يتم الثانية، لو كانت أربع ركعات السنة القبلية يصلي ركعتين فقط ويستمع إلى الخطبة، وإذا دخلت إلى المسجد في صلاة الظهر فرأيت الإمام يرفع يديه ويكبر تكبيرة الإحرام وأنت لم تصلِّ السنة بعد فماذا تفعل؟ تقتدي به وتدع السنة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعات السنة القبلية بعد السنة البعدية، أي إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام يرفع يديه ليكبر تكبيرة الإحرام كبر معه، واقتد به، ودع السنة القبلية، فإذا صليت الفريضة والسنة البعدية لا عليك أن تصلي السنة القبلية قضاءً، لكنك إذا دخلت إلى المسجد لتصلي صلاة الفجر، ومن عادة إمام الفجر أنه يطيل في القراءة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)) [الترمذي عَنْ عَائِشَةَ] ولأن ركعتي الفجر أأكد أنواع السنن على الإطلاق فيستحب أن تشرع في ركعتي السنة إذا كنت واثقاً أنك تدرك مع الإمام الصلاة، فقد يقرأ في الصلاة صفحتين أو أكثر وأنت بهذا تصلي ركعتين خفيفتين قبل الفجر، وإن كنت واثقاً أنك تلحق الإمام في الركعة الأولى، فإن غلب ظنك على أنك لن تلحقه دع السنة واقتد بالإمام، لأن صلاة الجماعة أفضل من إدراك السنة، ثم أداء صلاة الفرض منفرداً. فإذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام على وشك الركوع ولم يبقَ له إلا آية وأنت لم تصلِّ السنة وأتممت بالإمام وصليت الفرض فالسؤال هل تقضى سنة الفجر؟ الجواب: نعم ولا، لا تقضى قبل طلوع الشمس ولا بعد الزوال، بعد زوال الشمس عن كبد السماء، إنما وقت قضائها المحصور بين طلوع الشمس وإلى ما قبل صلاة الظهر تقضى ركعتا سنة الفجر إذا فاتتك، وقد التحقت بالإمام وضيعت ركعتي السنة. من أدرك إمامه راكعاً فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه، فاتتك هذه الركعة فإذا أدركت معه الركوع ولو تسبيحة واحدة فقد أدركت هذه الركعة. كره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة : وكره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة، أي إذا كان هناك جامعان متجاوران فلو فرضنا جامع الحاجبية وجامع النابلسي وأحد مستمعي درس من الدروس الدرس كان يومئذ بين المغرب والعشاء، وهو مؤذن في جامع الحاجبية، أو له درس هناك، أو عليه أن يصلي إماماً هناك، وقال مؤذن هذا المسجد: الله أكبر، له في هذه الحالة الخاصة أن يخرج من المسجد ليلحق صلاة الجماعة هناك، ليصلي إماماً بالجماعة، أو ليؤذن، أو لما شاكل ذلك، لأنه خرج من مسجد إلى مسجد، ومن جماعة إلى جماعة، فليس هناك مكروه، وليس لأحد حق إذا رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن سمع الأذان أن يظن به السوء، ما أدراك أنه ذهب إلى جامع آخر؟؟ فهذا الذي يظن بالناس سوءاً هو سيئ و من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه، وأحياناً الإنسان يخرج من المسجد ليلحق مسجداً آخر له درس هناك، وهو سيصلي إماماً في هذا المسجد، أما من دون أن تكون متوجهاً إلى مسجد آخر فلا يجوز أن تخرج من المسجد بعد سماع الأذان في المسجد نفسه، ولكن لو فرضنا - وهذه حالة خاصة - إنساناً مضطراً أن يغادر المسجد عند أذان العصر، ومن عادة هذا المسجد أن الصلاة تقام فيه بعد نصف ساعة، يستطيع هذا المصلي أن يصلي السنة والفريضة منفرداً، ويخرج من المسجد لأمر قاهر، له مريض في مستشفى، عليه موعد مهم جداً، هو لم يخرج حينما سمع الأذان حينما سمع الأذان صلى الفرض وخرج من المسجد لا شيء عليه. وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلي إلا إذا كان هناك جماعة أخرى، وإن خرج بعد صلاته منفرداً فلا يكره، إلا إذا أقيمت الجماعة أي قام ليخرج فأقيمت الجماعة، فالمغرب بين إقامة الجماعة والأذان خمس دقائق، بينما ينزل فيما مضى المؤذن من المئذنة ليلتحق بالحرم أقيمت الصلاة، صلاة المغرب التي تقام بعد الأذان مباشرةً أو في صلاة العشاء ينبغي له أن يصلي مع الإمام، أما في الصلوات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يؤخرها، أي النبي الكريم كان يؤخر صلاة الفجر حتى تسفر الوجوه أي حتى يعرف المصلي وجوه أخوانه من دون إضاءة، قدروها تقديراً نصف ساعة بعد أذان الفجر، والإمام الشافعي كان يؤثر الصلاة في غلس أي والوقت ظلام، وعلى كلٍّ إذا كنت في مسجد والصلاة تتأخر كثيراً، أي أخ في جامع يوجد عنده سفر، أو التحاق بعمل بوقت مبكر جداً، دخل إلى المسجد فوجد حتى تقام الصلاة نصف ساعة له أن يصلي ويخرج، أما المغرب والعشاء فمادامت الصلاة تقام بعد الأذان مباشرةً يكره له أن يخرج من هذا المسجد حتى يصلي الجماعة مع الإمام. الابتعاد عن الجلبة و الضجيج في المسجد : هذا ما يتعلق في إدراك الفريضة، يوجد شيء فاتني أن أقوله لكم هو أن المرء إذا دخل المسجد ورأى الإمام راكعاً فليس له الحق أن يركض في المسجد، ويحدث جلبةً وضجيجاً، ويشوش على المصلين بحركة عنيفة في الجامع قد تثير حفيظة المصلين جميعاً، فماذا حدث يا ترى هل أحد وقع؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى رجلاً يركض في المسجد ويحدث جلبةً وضجيجياً: ((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ)) [النسائي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ] وذلك منتهى الرقة حتى إن علماء الاجتماع قالوا: "إذا أردت أن تنتقد من هو دونك في العمل فلابد من أن تمهد له بالثناء على خلق موجود فيه ثم توجه النقد كان هذا بذاك وتلك بهذا وخف عليه حدة النقد"، فالنبي الكريم قال لهذا الرجل: زادك الله حرصاً أي أثنى على حرصه ولكن هذا الركض في المسجد لا يجوز فقال: ولا تعد. أداء السنن في البيت شيء مستحب : يستحب أن تؤدى صلاة سنة الفجر في البيت هكذا ورد معي في شرح هذه الكتاب، أي تستيقظ في البيت وقد سمعت أذان الفجر تصلي ركعتي السنة في البيت، ثم تتوجه إلى المسجد فتؤدي ركعتي تحية المسجد، ثم تصلي الفرض فتصلي السنة في البيت والفرض في المسجد، لأن النبي الكريم قال مرةً: ((لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ولو كان المكان للنوم أو للطعام فصلِّ في هذا البيت، صلِّ السنة البعدية في البيت، يوم الجمعة صليت الفرض فيمكن أن تتوجه إلى البيت وتصلي في البيت السنة البعدية، وأن تصلي فرض العشاء في المسجد وتؤخر الوتر إلى ما قبل النوم، وهناك أشخاص يحبون أن يصلوا الوتر قبل أن يناموا، صلى العشاء في وقته وترك الوتر إلى ما قبل النوم، ويحب أن ينام على طهارة. المتنفل لا يؤم المفترض بل يصلي معه : أنت كنت في المسجد وصليت الظهر حاضراً، وأنت مدعو إلى الغداء الساعة الثانية مثلاً وهناك جماعة غير مصلين، أقيمت الجماعة في هذا البيت، وأنت قد صليت الفرض، فيستحب أن تصلي معهم، وتقتدي بهم، تحسب لك هذه الصلاة نفلاً، لكنك إذا كنت قد صليت الظهر فرضاً ثم ذهبت إلى البيت فأقيمت صلاة الظهر فليس لك الحق أن تصلي فيهم إماماً لأن المتنفل لا يؤم المفترض فتصلي معهم. وبعض العلماء حاول أن يستنبط حكمة صلاة السنة القبلية والبعدية فإذا الإنسان حافظ عليهما قطع طمع الشيطان في نهيه عن الصلاة، فماذا يقول الشيطان إذا كان الإنسان محافظاً على السنن فمن باب أولى أنه يحافظ على الفرض، لكن الشيطان يرى إنساناً قد تهاون بالسنن فيطمع أن يحمله على تهاونه في الفرض، ومن لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه. أحياناً الإنسان يدخل إلى المسجد فيرى الإمام قد ركع وقال: سمع الله لمن حمده، فيقول: لماذا أنزل معهم وأسجد؟ ذهبت الركعة، قال: هذا مكروه، فإذا رأيت الإمام ساجداً فاسجد معه فوراً، يقول: أوفر أول نزلة وثاني سجود وسجود ثم وقوف، لا، إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام ساجداً كبر واسجد هكذا السنة. النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت : آخر شيء يقول عليه الصلاة والسلام: ((صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلا الْمَكْتُوبَةَ)) [متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ] غير معقول هذا الكلام، و كأن النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت أمام الزوجة صليت السنة، عدت إلى البيت فصليت الوتر، فالابن شاهدك تصلي، صارت الصلاة سلوكاً مألوفاً في هذا البيت. ((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ )) [أحمد عَنْ جَابِرٍ] ((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةً وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ)) [ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] جميع مساجد الأرض متساوية بالأجر و الثواب عدا المسجد الحرام والنبوي والأقصى : الحقيقة قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه] فأي إنسان يتوجه من حلب إلى دمشق ليؤدي الصلاة في المسجد الأموي الكبير فالمسجد الأموي بحلب كالأموي بدمشق، وجميع مساجد الأرض متساوية عدا المسجد الحرام والنبوي والمسجد الأقصى، وما سوى هذه المساجد كلها متساوية بالثواب والأجر، فكلها مساجد لا فضل لواحد على غيره إلا إذا توجهت إلى الديار المقدسة مع أن الله في كل مكان وهذه حقيقة ثابتة لكنه جعل تجليه على البيت الحرام تجلياً مكثفاً ومركزاً، فمن ذهب إلى هناك وتجشم مشاق السفر، وأنفق ماله، فلابد من أن يشعر بشعور خاص وهو يصلي في هذه المساجد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 69 ] كأن الإنسان حينما يتوجه إلى الله عز وجل فالله ليس له مكان، لكنه جعل هذا البيت بيته، وخصه بتجلٍّ خاص، فكل من ذهب إلى هذا البيت لابد من أن يشعر أن فيه تجلياً ليس في سواه. والنبي صلى الله عليه في طريقه إلى الهجرة قال كلمة تترك أثرها في النفس قال: يا رب إني قد خرجت من أحب البلاد إليّ فأدخلني أحب البلاد إليك، أي خرج من مكة وهي أحب البلاد إليه وتوجه إلى مكان رجا الله عز وجل أن يكون أحب الأمكنة إليه لذلك قالوا: أحب الأمكنة إلى الله عز وجل المسجد النبوي الشريف، إذا الإنسان دخل إلى هذه الروضة فلابد من أن يشعر أنه في روضة، و تقول: إنها أجمل مكان في العالم، وتكون لست مبالغاً، و تجلس الساعات الطويلة لا تمل من الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، والقرآن فيه طعم خاص، والصلاة فيها طعم خاص، و أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قلت إن أنوار النبي صلى الله عليه واصلة إلى أنحاء المسجد، بل إلى أنحاء المدينة المنورة، تحس بالسكينة في هذه المدينة، فهناك هدوء و معاملة لطيفة، و قلّما تشعر صياحاً في الأسواق، وهذه سكينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [ سورة التوبة: 103 ] * * * آداب الطعام و الشراب : والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولازلنا في موضوع آداب الطعام والشراب، طبعاً الطعام والشراب طعام المؤمنين كما قال الإمام: "الطعام من الدين". تحدثنا من قبل عن آداب الطعام والشراب منفرداً في الآداب قبل الطعام، وفي الآداب أثناء الطعام، وفي الآداب بعد الطعام. آداب الطعام المتعلقة بالجماعة : 1 ـ ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه : الآن لو أن جماعة جلسوا على مائدة ليأكلوا فهناك آداب خاصة تتعلق بالجماعة أول هذه الآداب: ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه - جلس وبدأ يأكل ويوجد أعلى منه، فحتى يبدأ الكبير هناك مقامات - وقد يكون هناك إنسان له فضل اجتماعي، وقد يكون إنسان له فضل ديني، فلا يحق للآكل مع جماعة أن يمد يده إلى الطعام قبل أن يمد أوجه الناس على هذه المائدة فهذه من السنة، طبعاً هذا الذي يستحق أن يبدأ الطعام قد يكون لكبر سنه، أو لزيادة فضله، إلا أن يكون هو المتبوع، هو أكبر واحد سناً، أو أرفعهم شأناً يبدأ هو، لكن عليه أن يبدأ - أحياناً يكون الطعام موضوعاً وهو يتكلم والحديث ممتع وهو مسترسل وهناك أناس جائعون - فصار إحراج، وهذا الذي يسمى متبوعاً في الطعام هو أعلى شأناً ليس له الحق أن يتأخر عن الطعام بل يجب أن يبدأ، وأحياناً يحدث العكس تذهب إلى إنسان فيضع لك الضيافة ولا يقول لك: تفضل، وضعت الفاكهة أو أي شيء ربع ساعة، نصف ساعة وليس من المعقول أن يمد الضيف يده ويريد أن يذهب أيضاً هذا خطأ، وضعت الطعام للضيف ادعه إلى تناوله، فليس لك الحق إذا ضيفت إنساناً أن تضع الطعام وتبقى ساكتاً، وليس لكبير القوم الحق في أن يتحدث والطعام موضوع وهناك طفل يشتهي أن يأكل. 2 ـ عدم السكوت على الطعام : الثاني: ألا يسكتوا على الطعام، السكوت ليس من السنة: لقد رأيت عجباً مذ أمسـا عـجائزاً مثل السـعالي خمسا يأكلن ما في رحلهن همسا لا ترك الله لهن ضــــرسا ولا لقين الدهر إلا تعــــــسا *** تناول الطعام مع السكوت ليس من السنة لماذا؟ الإنسان يعمل تسابقاً في الأكل، يمضغ مضغاً سريعاً ويكبر اللقمة، ويتنافس مع أخيه في الأكل، وهذا ليس من السنة، أما إذا وجد حديث ممتع فصار اعتدال في الطعام، ومضغ جيد، وبركة، والمائدة مناسبة للحديث الطيب، وطبيعة حياتنا المعقدة قد لا يلتقي الأب بابنه إطلاقاً، وكل واحد مشغول فصارت المائدة مناسبة بشكل إجباري، لقد جلست مع الأسرة للعشاء فحدثهم، اجعل الحديث هو الأساس ولو امتد الطعام ساعة لا يوجد مانع إنه سنة ولو أطلنا، كُلْ أكل الجمال وقم قبل الرجال، أهذه آية أم حديث؟ لا ليست آية و لا حديثاً، اجلس جلسة مريحة، وكُلْ على مهلك، وتكلم مع ابنك، وزوجتك، واسألهم وداعبهم في الكلام، تحصل بركة أكثر، وليس من السنة السكوت عند الطعام، وهناك أناس جالسون يأكلون أكل الوحوش، فقال له أحدهم: هل يوجد آية قرآنية مناسبة؟ فقال له: وإذا الوحوش حشرت. 3 ـ الرفق برفيقه في القصعة : الأدب الثالث: أن يرفق برفيقه في القصعة، قال لي رجل: ذهبت إلى الخدمة الإلزامية فجلسنا على الطعام ستة على طاولة في كلية ضباط الاحتياط، فكل واحد أخذ قطعة لحم وما تركوا لي شيئاً إطلاقاً، أهؤلاء مسلمون؟ هذا لا يجوز، قال: أن يرفق برفيقه بالقصعة، ينتبه هل أكل اللحم بمفرده؟ هل أخذ زبدة الصحن بمفرده؟ ينتبه، أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادةً على ما يأكل، وأحياناً يكون هناك لحم فيأكلون قطعة قطعة، وهو وضع اثنتين اثنتين، لا مع المجموع قطعة قطعة، وأحياناً يأكلون نصف قطعة بشكل معتدل فيجب أن تأكل بنفس المعدل كزملائك، فإن ذلك حرام، بل يجب أن يقصد الإيثار، أي إذا قدمت قطعة لحم للآكل معك لابنك، لزوجتك، فهذا من السنة، أي إذا دفع قطعة اللحم لزوجته فهذه حسنة يستحق عليها الثواب، وقد تكون تفاحة لها خد أحمر فأعطاها لابنه فيحصل مودة، وأحياناً الابن يؤثر أباه في التفاحة الجيدة، أي بين أن يكون أثرة وبين أن يكون مؤاثرة مسافة كبيرة جداً، أي بين أن يأخذ أطيب شيء له وبين أن يكون الأساس في الأدب الإسلامي كل أخ يقدم لأخيه أفضل الطعام. والنبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في غزوة فيبدو أنهم أطالوا وآلمهم الجوع ولم يكن معهم الزاد الكافي، فجاء بعض الأصحاب للخيمة برغيفين خبز يابسين.... قال: ينبغي أن يقصد الإيثار، ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك، ولكن إذا أحدهم قال لك: كُلْ و دعاك فقد تكون أول مرة مجاملة، والثانية مجاملة، أما الثالثة فليست مجاملة له بل رغبة سابقة، يقدم لك في الثالثة فكل ولا يوجد مانع، وإذا كنت جالساً مع أخيك على الطعام وآثرك بشيء من الطعام، فقد يكون آثرك مرة واحدة فأنت لا تأكلها فوراً أما الثالثة فكلها هكذا النبي علمنا. 4 ـ لا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث : ولا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث فإن في هذا إلحاحاً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وإنسان دعاك ثلاث مرات فمعنى هذا دعوة حقيقية، ويوجد دعوة رفع عتب شكلية، فقد كنت مرة راكباً في سيارة عامة -باص كبير- يظهر وجد صديق لهذا السائق فقال له: تفضل، فقال له: شكراً، فقال له: والله تفضل واشرب فنجان قهوة، و في الباص خمسون راكباً، فهذه ليست دعوة جادة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وكان عليه الصلاة والسلام يكرر الكلام ثلاثاً من الأدب، أي إذا أحبّ أن يدعوك ومن أجل تتأكد أنه صادق في هذه الدعوة أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، إذا خوطب في أمر ثلاث مرات لم يراجع، ولولا التشهد لكانت لاؤه نعم، مما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما طلب إليه شيء فقال: لا. 5 ـ عدم الحلف بالأكل : أما الحلف بالأكل فممنوع، والله العظيم أن تأكل هذه اليقطينة هذه تطرح جملاً، قال: أما الحلف بالأكل فممنوع، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "الطعام أهون من أن يحلف عليه"، لا يحرز أن تحلف يميناً معظماً ليأكل لقمة زيادة، شبع وانتهى أكل عنباً فلن يأكل تفاحاً، و لا يوجد رغبة عنده بهذا، أيمان معظمة على الطعام هذا لا يجوز، رجل قال لي كلمة: إذا إنسان دعاني إلى طعام فهل آكل؟ إذا كان بخيلاً لا يعيدها وإذا كان كريماً يفرح، دعاك ودعاك فالبطن لا يتحمل منيتين تتغذى في البيت مرة ثانية؟ كُلْ، ولكن يوجد أناس يتصنعون فقل: لا أستطيع، ليس بنفسي، ويكون ميتاً من جوعه هذا ليس من السنة. قالت: يا رسول الله إذا قالت إحدانا الطعام لا أشتهيه وهي تشتهيه أيعد هذا كذباً؟ قال: نعم. إذا دعاك إلى أكل قلّما تأكل، لماذا هذا الترفع على الطعام؟ قال أنس بن مالك: "إذا أكرمك أخوك..." أي أحب أن يقدم لك المنشفة، يوجد شخص لا يرضى وأنت ضيف وهو صاحب البيت. 6 ـ عدم استخدام الضيف : و من آداب الضيافة أن يكون المضيف في خدمة ضيفه، ومن اللؤم في الإنسان أن يستخدم ضيفه، حتى إن القصة المشهورة عمرو بن كلثوم الذي دعاه النعمان وقالت أمه لأمه يا ليلى ناوليني هذه الحاجة؟ فصاحت الأم أن يا للعار فقد أهنا. ومن اللؤم بالمرء أن يستخدم ضيفه، وإني لعبد الضيف مازال ثاوياً، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها". أعطاك وسادة خذها لا ترد الوسادة، أحب أن يعطرك اقبل العطر، إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما يكرم الله عز وجل. وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير وكان مؤدب أولاده، فصب الرشيد على يديه الماء، فلما فرغ قال يا أبا معاوية أتدري من صب على يديك؟ قال: لا، قال: صبه أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله. 7 ـ ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم : الأدب الآخر: ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم، فالنظر إلى الآكلين لا يجوز، يتحدث وينظر إلى وجوههم، أما أن ينظر إلى أيديهم فيربكهم، ألا ينظر إلى أصحابه وألا يراقب أهلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يمسك عن الطعام قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، وأحياناً الإنسان يكون له مقام كبير يترك الطعام بوقت مبكر، و له تلاميذ فخجلوا أن يأكلوا بمفردهم، فعليه أن يراعي الجائعين، والضعفاء، فإذا كان من حولك يحتشمون وأنت أيضاً مدعو، لو كنت صاحب البيت لا يجوز أن تترك الطعام ولا يجوز أن ترفع يدك عن الطعام، ولذلك من السنة أن الإنسان في الولائم يأكل ببطء شديد، ويصغر اللقمة كثيراً حتى لا يحرج أحداً، بل يمد يده ويقبضها ويتناول قليلاً قليلاً إلى أن يستوفوا جميعاً الطعام. فإن كان قليل الأكل قد عمل لنفسه نظاماً دقيقاً ولا يريد أن يكثر الأكل فماذا يفعل؟ قال: يدعهم يأكلون في أول الزمن ويبدأ بمنتصف الوقت على مهله، فالوجبة القليلة أكلها بالفترة الأخيرة التي فيها إحراج، حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً، وقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم. أما إذا امتنع لسبب أن هذا الطعام لا يناسبه فاعتذر، فاعتذاره يخفف الحرج عن البقية، مثلاً هذه الأكلة هو ممنوع عنها، ويقول: أنا لا أريد أن أتعشى فلو اعتذر اعتذاراً صريحاً فهذا يخفف عن الباقين. 8 ـ ألا يفعل ما يستقذره غيره : قال: ألا يفعل ما يستقذره غيره، إنسان نفض يده في القصعة ووضع رأسه وهو يشرب المرقة فنزل من فمه شيء إلى القصعة فلا يجوز أن يقدم فمه إلى القصعة المشتركة. 9 ـ ألا يمسك الطعام باليد اليسرى : ولا يمسك الطعام باليد اليسرى فاليد اليمنى لها مهمة وهذه لها مهمة، حتى أن أحد الصحابة رضي الله عنه قد يكون سيدنا عثمان قال: منذ أن صافحت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه اليد ما مست عورتي أبداً، فهذه اليد التي صافحت النبي الكريم صانها أن تمس عورة اليد اليمين وهذا منتهى الأدب. وإذا رجل أخذ خبزة وقطعها بأسنانه و بعد هذا يأكل فولاً يغمسها بمرقة الفول فهذا لا يجوز - لأنه قطعها بأسنانه فمست شيئاً من ريقه، فإذا أحب أن يأكل فول فغمسها بالخل وقال هذا أطيب - فغيرك يراقبك وتتضايق منه وهذه كلها آداب الطعام المشترك. 10 ـ ألا يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام : وبعد هذا ليس له حق أن يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام، كأن يقول: وجدنا جرذاً فصدناه أثناء الطعام فأذهبت له شهوته في الطعام، وأيضاً هذه مذكورة في آداب الطعام. * * * شمائل النبي عليه الصلاة والسلام : 1 ـ تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم : والآن إلى شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم: ((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه يُصَلِّي ويَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ: لِعُمَرَ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ، قَالَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْـوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا )) [ الترمذي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ] وفي رواية لأبي داود: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَلِعُمَرَ اخْفِضْ شَيْئًا زَادَ وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ كَلامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أي أخذ بوجهة نظر أصحابه، فهذا صوته مصيب يسمع من يناجي سيدنا عمر رفع صوته فيوقظ الوسنان، وسيدنا بلال أخذ مقاطع متنوعة يجمع الطيب إلى الطيب، قال: كلكم قد أصاب، أي هذا من عنايته صلى الله عليه وسلم بأصحابه. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلاةِ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] آلمني بالعمرة أنه أثناء الطواف أو أثناء السعي رافع صوته إلى أعلى درجة، لا يدع أحداً يدعو، فصوته طاغ على كل شيء، أنا بين الصفا والمروة رأيت حاجاً مع أربعة من رفاقه معه كتب ومن أعلى طبقة ويدعو فسرت خلفهم ودعوت معهم لا يوجد طريقة ثانية. ليس للإنسان حق أن يشوش على أخيه في الدعاء فيجب أن يخفض صوته مثلاً، دخلنا لنصلي في الجامع والدرس مستمر فهل نصلي جماعة ونرفع صوتنا؟ والله لا يجوز، بل هو خلاف السنة، والمقتدي وراءك يسمع هو فقط، أما بصوت مرتفع فتشوش على الآخرين وأحياناًً إنسان يصلي و يقول: الله أكبر بصوت مرتفع فهذا لا يجوز بل يجب أن يكون سرياً، ولا أدري هل يعدها ورعاً؟ و هذا ليس له علاقة بالدين بل هذا تشويش، تريد أن تصلي بأدب فطالما يوجد أخ معك يصلي فيجب أن تراعي شعوره، وما لاحظت هذا الشيء بالديار المقدسة أبداً، بل كل إنسان يدعو بمفرده بصوت مرتفع حتى النساء يرددن وراء أزواجهم بصوت مرتفع، وصوت المرأة عورة، ولا يوجد فقه، فقد قيل: "تفقهوا قبل أن تحجوا". وهذا الذي يريد أن يزاحم على الحجر الأسود يؤدي إلى إيذاء، وأنا شبهتها أب حوله خمسة أولاد فجاء ابن مسك أول أخ و ضربه فطرحه أرضاً، والثاني ضربه على بطنه، والثالث على وجهه، ومن ثم هات يدك يا والدي كي أقبلها، فما هذه القبلة؟ هذا أيضاً جهل قبيح، وهذا الشيء منهي عنه، قال: ف ((لا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة)) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] 2 ـ التواضع : وكان عليه الصلاة والسلام عظيم التواضع. فانظر إلى الأكحال وهي حجارة لانت فصار مقرها في الأعين *** المتواضع يزداد من الناس رفعةً، والمتكبر يزداد ضعفاً، والبطولة ما يقوله الناس في غيبتك لا في حضرتك، فقد تكون قوياً فيخافونك في حضورك، فيجب أن تمدح في غيبتك، فمن علامة التواضع أن يمدحك الناس في غيبتك. كان من تواضعه صلى الله عليه وسلم بالمناسبة يوجد ثلاثة أحاديث قال عليه الصلاة والسلام: (( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده )) [رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته] تحمل كيس بندورة إلى بيتك فلست متكبراً، و تحمل الخبز، وحقيبة فيها الخضار، و طعاماً لأولادك ومن قال: إنك متكبر فقد أخطأ، لأنه كبر عن الكبر من حمل حاجته بيده. وإنسان أدى زكاة ماله، فمادام قد أدى زكاة ماله فلا يجوز أن ينعت بالبخل، هو حر، رغب أن يؤمن بيتاً لأولاده ولا يرد هذه الألبسة الفارغة، كل ثوب ثمنه ثمانمئة ليرة: (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله )) [أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ] (( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده )) [رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته] (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق )) [ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ] أينما جلس يتكلم عن الله عز وجل أخي هذا منافق، كيف منافق؟ المنافق له صفة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [سورة النساء:142 ] لا يذكر الله إلا قليلاً، أما إذا أكثر حديثه عن الله عز وجل فهو ليس منافقاً. 3 ـ يخدم نفسه بنفسه : وكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أن يخدم نفسه بنفسه، و سيدنا رسول الله وهو قمة في العلم والرفعة والخلق خدم أصحاب النجاشي بنفسه، أصر على خدمتهم بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: (( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ )) [ البخاري عَنْ عَائِشَةَ] فالآن كم مشكلة تقع من أجل خياطة رز؟ قلت لكم مرتين وأنت زوجة مهملة، أنت ... ترى طردها إلى بيت أهلها والأولاد من أجل زر وأدبها بخياطته، إذا أخاطه أمامها تخجل لأن عندها إحساساً، فعوضاً عن أن تعنفها وتطردها إلى بين أهلها من أجل هذا الزر، ابق عندك إبرة وخيطاً فإذا لم يستجيبوا لك فأخطه بمفردك. ويرقع دلوه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، أنا أستكبر من إنسان يقول: تعال واخدمني، فمن أنت؟ لا يوجد أعظم من رسول الله، قال: عليّ ذبح الشاة، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال آخر: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقال الصحابة الكرام: نكفيك ذلك، قال: أعرف أنكم تكفوني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه. وفي الحرب في معركة بدر ثلاثمئة جمل لتسعمئة مقاتل من الصحابة أمر كل ثلاثة على راحلة وقال: أنا وعلي وأبو لبابة على جمل، ركب النبي الكريم وجاء دور أصحابه فخجلوا أن يركبوا وقالوا: ابق راكباً، فقال: ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر، هكذا النبي الكريم. 4 ـ يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل : ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء، إنسان له مكانة رفيعة يريد أن ينقل شيئاً إلى بيته فوجد شاحنة صغيرة و ركب بجانب السائق، فيقول: نقص قدري؟ لا بل قدرك يبقى هو هو، فالإنسان لا يتكبر، اجلس يا أستاذ على الصندوق فجلس، فالكبر لله عز وجل. 5 ـ يعود المرضى ويشهد الجنائز ويجيب دعوة العبد : وكان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة العبد. 6 ـ يردف بعض أصحابه على دابته : ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يردف بعض أصحابه على دابته، وما كان يأنف من إنسان أن يركب معه بمفرده، وكان يردف صبيان أصحابه وراءه، فإذا كان لصحابي ابن كان يركبه والطفل يحب أن يركب الدابة. ((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ )) [ مسلم عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه ] وبما أنهم عبدوه فلا يعذبهم، فإذا كنت مستقيماً استقامة تامة اكتسبت حقاً على الله عز وجل، ألم يقل رجل لأبي الدرداء: احترق حانوتك تعال وانظر، بكل أعصاب باردة قال: ما كان الله ليفعل، فقال له: احترق، فقال: ما كان الله ليفعل، جاء رجل قال له: لا لم يحترق حانوتك بل حانوت جارك الذي احترق، قال: أعرف ذلك. للعبد حق على الله عز وجل، أنت تغض بصرك، وتدفع زكاة مالك، وتحرر دخلك من الحرام، وتخاف من الله عز وجل وليس لك ميزة؟ وحق على الله ألا يعذبك، لي صديق مؤمن استيقظ صباحاً وجد ابنته مشلولة، والزوجة صرخت، قال كلمة مشابهة لهذا الكلام: الله عز وجل لم يفعل هذا إذاً يوجد مرض مشابه جداً للشلل، بعد عدة أيام تشفى، وفعلاً بعد ستة أيام شفيت، إنه واثق أنه لا يستحق هذه المصيبة الكبيرة، بنت في البيت مشلولة وصغيرة لا يستحق هذا، اعرف ذلك، فإذا أنت استقمت على أمر الله تماماً تشعر أنك بعين الله، يمكن لا يوجد آية تثير مشاعر الإنسان كقوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [ سورة الطور: 48 ] إذا طفل محبب وعمره خمس سنوات وهو جالس في الغرفة فراقب أمه كيف تحرسه فلا ترفع عينها عنه أبداً، مهما سار من مكان إلى مكان، وهذا دليل المحبة، إذا إنسان أخلاقه عالية جداً، ومتواضع، و محب لله، ويؤدي الصلاة بإتقان، ويدفع من ماله الحلال للفقراء والمساكين، وهو في خدمة الخلق، إنه جندي من جند الحق، والله عز وجل يحبه كثيراً، فإنك بأعيننا، فأنت جندي من جنود الله، والله يدافع عنك، ولك رعاية خاصة تحت المظلة: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ )) |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سجود السهوالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجود السهو : وصلنا في الفقه إلى موضوع: "سجود السهوِ"، وسجود السهوِ يجبُ لترك واجب، فإذا تُرِك الواجب يجب سجود السهوِ لترميم النقص، فيجب سجدتان بتشهد وتسليم، لترك واجب سهواً وإن تكرر! وإذا ترك المصلي واجباً سهواً، وإن تكرر، و ترك أحد أركان الصلاة، فصلاته باطلة! ويجب أن يعيدها، ولو ترك أحد واجبات الصلاة فعليه أن يسجد للسهو دون أن يعيدها، فإذا ترك بعض السنن والمستحبات فلا شيء عليه، لكنه قد أساء لترك واجب سهواً وإن تكرر و لو ترك واجبين أو ثلاثة يجزئهما سجود سهوٍ واحد في نهاية الصلاة، أما إن كان تركه لهذا الواجب عمداً فوجبت إعادة الصلاة، إن تركه سهواً وجب عليه سجود السهو، فإن تركه عمداً وجب عليه إعادة الصلاة لجبر نقصها، لكن هناك حالات ثلاثة يسجد فيها الرجل لو ترك واجباً عمداً! هذه الحالات الثلاثة من ترك القعود الأول. فلو فرضنا أربع ركعات، القعود الأول واجب، فلو ترك الرجل القعود الأول عمداً يُجزِئه سجود السهو، أو تأخير سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، إذا سجد سجدة واحدة، وما أن يتابع هذه السجدة في آخر الصلاة يجزئه سجود السهو عن هذا السهو، أو العمد، ومن تفكّر عمداً حتى شغل باله عن ركن وجب عليه أن يسجد للسهو فمتى يأتي بسجود السهو؟ العلماء قالوا: بعد السلام، لا بعد التسليمتين، ولكن بعد التسليمة الواحدة، يسلم نحو اليمين ثم يكبر، ويسجد سجدتين ويقعد ويتشهد، ثم يسلم تسليمتين. وإن سجد للسهو قبل أن يسلم كُرِهَ ذلك منه تنزيهاً، وعليه أن يسلم تسليمة واحدة. حالات سقوط سجود السهو : ويسقط سجود السهو في حالات منها: طلوع الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، ولو أن إنساناً يصلي في غرفة مرتفعة تُطِلُّ على المشرق، وهو يصلي برز قرن الشمس سقط عنه سجود السهو! لأنه لا يجوز أن تسجد وقت طلوع الشمس، ولا وقت توسطها في كبد السماء، ولا قُبَيل غروبها، يجب أن تصلي بعد أن ترتفع الشمس في كبد السماء، مقدار رمحين وحتى تزول من كبد السماء، و قُبَيل أن تصفرّ إذا آن أوان غروبها، في هذه الأوقات الثلاثة مكروه أن تصلي، فلو صدف أنك صليت صلاة الفجر، وحينما صليت رأيت قرن الشمس قد طلع سقط عنك سجود السهو، ويسقط أيضاً باحمرارها في العصر، وما يمنع البناء بعد السلام، لو أنه سلّم فسال منه دم غزير انتقص وضوءه، فهذا الدم الغزير يمنعه من متابعة صلاته، إذاً هذا الدم الغزير يسقط عنه سجود السهو. حكم المأموم الذي لم يسهُ لكن الإمام سها : والآن نتحدث عن المأموم الذي لم يسهُ، لكن الإمام سها، والإمام سجد سجدة السهو، والمؤتم ملزم أن يسجد مع إمامه! فالإمام سها في الركعة الأولى، مثلاً سجد سجدة واحدة ونسي، ووقف في الركعة الثانية فجاء مؤتم ائتم به في الركعة الثانية فهذا المؤتم ما سها، ولا رأى إمامه سها، فإذا سجد الإمام للسهو عليه أن يسجد معه متابعة للإمام. فيسجد المسبوق مع إمامه، ثم يقوم لقضاء ما سُبِقَ به، ولو سها المسبوق فيما يقضيه، المسبوق وقف ليصلي فسجد سجدة واحدة، فعليه أن يسجد مرة ثانية لسهوه هو لا لسهو إمامه، وبعضهم اعترض! كيف يجوز أن نسجد مرتين لسهوين في صلاة واحدة؟ فكانت الإجابة: إن هذه الصلاة بحكم الصلاتين، مرة كنت مأموماً، ومرة كنت مفرداً. الإمام لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين : ولا يأتي الإمام بسجود السهو في الجمعة والعيدين، و لو فرضنا تشّهد الإمام أو نسي سجوداً ثم سجد لهذا السهو يحدث بلبلة في الجمعة! بعضهم يقول: يا أخوان أعيدوا الصلاة، وأحدهم يقول: لا هي صحيحة، لئلا تحدث فتنة بين الناس، ولئلا يحصل بلبلة، واضطراب، و زعزعة بالثقة لهذا الإمام، فلا ينبغي للإمام أن يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، هكذا الفقه. الآن من سها عن القعود الأول من الفرض، إذا قال: الله أكبر أعطاها نبرة القيام، وينبغي له أن يقعد، إذا وصل إلى القيام الكامل عليه أن يسجد للسهو، فإذا كان أقرب إلى القعود يقعد ولا شيء عليه، حتى أن بعضهم قال: إذا كان أقرب إلى القيام عليه سجود سهوٍ، وإذا كان أقرب إلى القعود لا شيء عليه! وهناك أحكام دقيقة في سجود السهو نتابعها إن شاء الله في درس قادم. * * * آداب تقديم الطعام إلى الزائرين : والآن إلى بعض فصول علوم إحياء الدين: آداب تقديم الطعام إلى الزائرين. يقول الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس! فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم " فإذا جلس الإنسان إلى أخ مُحِبْ محبة سابقة، هناك صفاء و مودة، فشيء من الإخلاص ووجهة إلى الله عز وجل، فهذه ساعة مباركة أن تجلس إلى أخيك وتأكل معه، فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم. ويقول الإمام الحسن رضي الله عنه: "كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه يحاسب عليها، إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام"، الطعام الذي قدمه الرجل ابتغاء مرضاة الله يقول عليه الصلاة والسلام: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه] وقيل في رواية أخرى: "وَالمُتَبَارِيَانِ لا يُؤْتَىَ طَعَاَمَهُمَا". من هما المتباريان؟ الذي يود أن ينافس أخاه في تقديم الطعام، أن يقدم طعاماً أطيب، أو أنفس، أو مستواه أرقى، فزها به، فهذا طعام لم يُرَدْ به وجه الله سبحانه وتعالى، ومجموعة الأحاديث الواردة في هذا الفصل تعني أولئك الذين يقدمون الطعام كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ [ سورة الإنسان: 9] أحياناً تقديم الطعام لأخ في الله يزيد المودة هذا إن لم يكن فقيراً، فإذا كان فقيراً وأطعمته طعاماً طيباً لم يذق منه من أشهر عديدة فلك أجر كبير، حتى إن بعضهم قال: هذا قول فقط " لقمة في بطن جائع خير من عمارة جامع ". مجتمع فيه تفاوت لا يستحق الحياة : والإمام ابن المبارك رضي الله عنه كان في طريقه إلى الحج فرأى طفلاً ينقّب في القمامة فلاحظه فإذا هو يعثر على طير ميت! فأخذه وانصرف به، فتبعه فعرف أن له أهلاً فقراء فقراً مدقعاً، فأعطاهم نفقة الحج وعاد إلى بلده! وقيل: إن بعض الناس رأوه في الحج يطوف حول الكعبة! وقيل: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهنأه على هذا العمل! لا تستبعدوا هذا، الآن في الشام في هذا البلد الطيب هناك امرأة تشتري لأولادها أيدي الدجاج -الأيدي هذه التي لا تؤكل- ولا يمكن أن تؤكل تسلقها وتقدمها لأولادها اليتامى، فإذا وصل إلى علمك حال مثل هذه الحالات فإن أهل بلد بأكملهم يأثمون، إذا كان فيهم من هو محتاج أو مسكين، وقد تقول أنت: أنا لا علم لي بذلك! أجيبك بقول النبي الكريم: ((من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم )) [ المعجم الأوسط عن حذيفة] أنا بدأت أرى كثيراً أناساً ينقبون في الحاويات ليأخذوا بعض الخضر الفاسدة ينظفونها ويأكلونها! ما رأيكم بإنسان ينفق أموالاً على شهوات مترفة بتبذير وإسراف وأناس ينقّبون في القمامة؟ هؤلاء لا يستحقون الحياة، هذا المجتمع الذي فيه هذا التفاوت لا يستحق الحياة، قال تعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [ سورة الحج: 45] من دواعي إهلاك الأمم أن الحاجات الأساسية مفقودة و الترف موجود : ومن دواعي إهلاك قوم أن الحاجات الأساسية مفقودة، والترف على أوجه: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [ سورة الحج: 45] الإنسان أحياناً يسمع أخباراً كالخيال: أخ ذهب إلى أمريكا، قال لي: عدد الأماكن ومحلات البيع الراقية لبيع ما يحتاجه الكلاب شيء يأخذ بالألباب! يحير العقول، وإن ما يستهلكه كلاب أمريكا من اللحوم يزيد على ما يستهلكه الشعب الهندي بكامله، أربعمئة وخمسين مليون من اللحوم، أماكن لتصفيف شعر الكلاب وأطعمة وألبسة خاصة بالكلاب.. شيء يكاد لا يصدق، شعوب تموت من الجوع، وشعوب تنفق على كلابها ما لو أنفق على هذه الشعوب لكفتهم، لذلك هذه من علامات قيام الساعة، أناس يموتون تخمة، وأناس يموتون جوعاً! ((لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلا تَزَالُ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَتْ مَائِدَتَهُ مَوُضُوعَةٌ بَيِنَ يَدْيِهِ حَتَىَ تُرْفَعْ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فإذا الإنسان وضع مائدة لإخوانه المؤمنين تصلي الملائكة عليه حتى يرفعها. من علامة المؤمن أنه لا يحسد ولا يطعن ولا يغتب : بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ )) [الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] فإذا خالفت هذا الحديث، وتلك السنّة، وقعت في شر عملك، ورجل غير مؤمن تدعوه لطعام نفيس فيحسدك على هذا الطعام، ويتكلم بحقك كلمات لا تليق، الذنب ذنبك، لا يأكل طعامك إلا تقي، من علامة المؤمن وهذا ما أنا متأكد منه أنه يفرح للخير يصيب أخاه! و إذا شعرت أن هذا الأخ المؤمن كريم والذي أصابه خير لا يستحقه، أو كثير عليه، أو ليته يتحول إليك، فأنت لست مؤمناً أبداً! وعلامة أخوتك في الله أنك تفرح له، وأنت لا تملك بيتاً، وأخوك اشترى بيتاً، و من علامة إيمانك أنك تفرح له كما لو أن هذا البيت لك! وأنت معك ليسانس ولم تتعيّن، وأخوك تعيّن فتفرح له، وأنت لم تتزوج، وأخوك تزوج تهنئه وتفرح له، لأنه إذا قوي أخوك فهو قوة لك، فإذا كان أخوك في حاجة فهذا عبء عليك، فالمؤمن لا يحسد، ولا يطعن، ولا يغتب، وهذا كله من علامة المؤمن، ولذلك فالنبي الكريم قال: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ )) [الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] وفي بعض الأقوال لا أدري مبلغها من الصحة أنه: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، ويبدو أن الإنسان مع إخوانه يزداد طعامه، فتأتي القابلية أحياناً، وله عادات دقيقة في بيته لا يتجاوز حدوداً معيّنة، معتدل جداً، لكن إذا كان مع إخوانه المؤمنين الصادقين يمكن أن يأكل زيادة عن الحد فقال بعضهم: هذا مما عفا الله عنه. وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك، ويقلل إذا أكل وحده، ولكن يوجد بعض الناس بالعكس! تفضل كُلْ، يكون نائماً عندك، أو يحرجك، فلا يأكل إلا أكلاً يحرج به الحاضرين، يقوم الناس للنوم ويقوم هو قيام ليل وليس فقط للصلاة وللأكل، يلتهم وحده ما لذّ وطاب، ومع الناس طعامه قليل! لا بالعكس كُل وحدك طعاماً قليلاً، وكل مع الناس أكلاً طبيعياً معقولاً حتى تشجعهم، أما أن تأكل مثل المشمئزين من الطعام، وفي الليل يأكل ما يشاء، و هذا شيء يتنافى مع آداب الطعام. إكثار الأكل مع الجماعة : قال: كان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة، وليس معنى يكثر ألا يبقي شيئاً من الطعام، يأكل أكلاً طبيعياً ليشجع الناس على الأكل، ويقلل الأكل إذا أكل وحده، وفي الخبر أيضاً: ثلاثة لا يحاسب الرجل عليها: أكلة السحور، لأنه من الممكن أن يكون النهار طويلاً في الصيف حوالي اثنتي عشرة ساعة ولديه عمل شاق، وأكل طعاماً يسند جسمه زيادة فقام بقلي البيض، وتناول الجبن، وتناول بعض الطعام الدسم، وبعضهم يقول: إن أكل السحور مما عُفِيَ عنه، لأنه قد يكون عمله شاقاً، و قد يكون الصيام طويلاً سبع عشرة ساعة! انظر للفقه سبحان الله يوجد فيه واقعية، ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: " أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع إخوانه"، إذا أكل مع إخوانه عليه ألا ينفرهم من الطعام بل يشجعهم على الطعام و لكن بشرط أن يكون الطعام كافياً للجميع، وإذا كانت كمية الطعام لا تكفي يقوم بنصف الطعام ويخبرهم هذه سنّة يا أخي! لا هذه ليست سنّة، وإذا كان الطعام كثيراً ولا حرج فتناول طعاماً اعتيادياً. قال الإمام علي رضي الله عنه: "لأن أجمع أخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة" ، وكان ابن عمر يقول رضي الله عنهما: "من كرم المرء طيب زاده في سفره"، أحياناً الإنسان يذهب إلى الحج، أو إلى العمرة، يسافر مع إخوانه فيأخذ معه بعض الطعام، وتجد أحدهم جائعاً والطعام لم يجهز بعد تقدم له شطيرة، هذا مصاب ببعض الدوار فأملك بعض الليمون فأقدمها له، و هناك من يستعد رغم أنه غير مكلف بهذا الشيء، فالطعام على المجموع، لكن لديه بعض الليمون الفائض عن حاجته، ولديه بعض البرتقال، ولديه قطعتان من الحلوى فأخذها معه، وهناك طفل جائع والطعام لم يجهز بعد، فتقدم له بعض الطعام، من كرم المرء طيب زاده بسفره، وبذله لأصحابه. سبحان الله أعرف أناساً أحبهم يحملون بعض السكاكر كلما رأى طفلاً يعطيه واحدة، وهي لا قيمة لها، ولكن لها قيمة كبيرة عند الله عز وجل، الطفل جُبِل على حب من أحسن إليه. الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق : وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: "الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق"، والنبي الكريم كان يقول: (( إنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين و إن طَعَام الاثْنَينِ يَكفِي الِثَلاْثة و الأربعة)) [ ابن ماجه عن عمر بن الخطاب] وكان يذمُّ من أَكل وَحْدهُ، وَمَنَع رفْده، وَضَرَب عَبْدَه، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن طعام، أي دخلت لبيت فأقل شيء قدمه لك فنجان قهوة، وليس لديه سكرة، أو كأس من الشاي، وجِدَ الإكرام، من زار حياً ولم يكرمه فكأنما زار ميتاً! ويقول الله تعالى يوم القيامة: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ:يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] إكرام الضيف عمل طيب : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا جَاءَكُمُ الصَّانِعُ بِطَعَامِكُمْ قَدْ أَغْنَى عَنْكُمْ عَنَاءَ حَرِّهِ، وَدُخَانِهِ، فَادْعُوهُ، فَلْيَأْكُلْ مَعَكُمْ، وَإِلا فَلَقِّمُوهُ فِي يَدِهِ )) [ أحمد عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ] هذا الزائر ضيف الله، وفي بعض الأحاديث: إنه يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم! هذا الضيف، ولكنك تعلم علم اليقين ما إذا كان هذا الإكرام خالصاً لوجه الله عز وجل. أخ في الله مسافر زارك من بلد آخر، وأغلب الظن لم يتناول غداءه قدم له الغداء، أغلب الظن لم يتناول عشاءه قدمه له، دعه ينم عندك و لو على المطرح لا مانع، فإذا أكرم الإنسان أخاً مسافراً غريباً من بلد آخر؛ أطعمه، وسقاه، وأكرمه، وبيّته عنده، فهذا عمل طيب، وكبير جداً، حتى أن النبي الكريم يقول: ((مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلا أَكْرَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ )) [ أحمد عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ] ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) [الترمذي عَنْ عَلِيٍّ] انظر لهذا الكلام ما أجمله: (( لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) [الترمذي عَنْ عَلِيٍّ] ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، أَوِ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ )) [ أحمد عن حمزة بن صهيب عن أبيه] الكرم من علامة الإيمان : سيدنا إبراهيم عندما جاءه ضيوف، قال: فما لبث إلا أن جاء بعجل حنيذ أي مشوي على الحجارة، فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ الكرم من علامة الإيمان، ولا يجتمع بخل مع إيمان، ولا يجتمع شحٌّ مع إيمان، والشح أشد من البخل، ولا يجتمع الجبنُ مع الإيمان، ولذلك في الدعاء الشريف: "اللهم إنا نعوذ بك من الجبن والبخل، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدَين،وقهر الرِجال، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء". ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] وكان السلف الصالح كراماً، لي صديق توفيت والدته فكنت في تعزيته، وكنت في آخر يوم، وفي آخر الوقت، فالذي جذب نظري أن زوج الفقيدة ويزيد عمره عن الثمانين عاماً يبكي بكاءً مرّاً، ويبدو أن الزوجة المتوفاة لا يقل عمرها عن السبعين عاماً، فلما انتهت قراءة القرآن والذكر، بدأ من في المجلس يخفف عنه ألمه، فقال كلمة تأثرت لها، قال: والله بقيت عندي أربعين عاماً ما نمت ليلة وأنا غاضب عليها! وكانت تقوم في أول الليل لتطبخ لضيوفي، كان مضيافاً جداً، وكان يطلب منها يا فلانة رضي الله عنك قد جاءنا ضيوف، قومي بتحضير الطعام من فضلك، أما اليوم فتحصل مشاجرة من أجل وضع مائدة فطور، لماذا الأكل؟ وإذا كان سهلاً قدم له الطعام في المطعم وأرحنا! لذلك هناك شاعر وصف قوماً بخلاء فقال: بيض المطابخ لا تشكو إيماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل *** فهذا البيت دائماً نظيف ومرتب لا يتسخ أبداً، وأشعر أحياناً أن هناك مشكلة من أجل تقديم طعام لضيف مع الأزواج المحدثين، هذا الجيل الجديد، شيء صعب، مشقة، و لا يقدم الطعام إلا بشق الأنفس بعد أن كان هناك حوالي خمس مشاجرات حتى استطاع أن يعزمه على الفطور الصباحي! قال هذا الرجل: أربعون سنة لم ينم ليلة واحدة وهو غضبان منها! وكان أغلب الأيام يوقظها من النوم للطبخ لأنه مضياف. * * * الدخول للطعام : الآن الدخول للطعام: قال تعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [ سورة الحج: 45] فالإنسان لا يملك الحق أن يدخل لبيت في وقت الطعام كي يُطعَمْ، هذا اسمه تطفل ودناءة نفس، وفي الخبر: "من مشى إلى طعام لم يدعَ إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً". والنبي الكريم كان صاحب أدب رفيع، ذات مرة دعي وعنده رجل من أصحابه، وهذا الإنسان غير مدعو، فلما انطلق إلى بيت المضيف، انطلق معه هذا الرجل، أحياناً يكون هناك حرج، طاولة تتسع لخمسة كراسي وكرسي سادس لا يملك، دعوا خمسة، وأحياناً يكون الطعام محدوداً جداً، خصص لكل شخص أوقية لحم، فجاء رجلان غير مدعوين لم يشبع أحد منهم، وكثيراً ما تحصل، فالنبي الكريم عندما فتح الباب المضيف: " قال له: هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ". استأذن من المضيف، وعلّم الذي تبعه من غير إذن، إذا وجدت أناساً متجهين لجهة علّهم مدعوون أما أنا فلست مدعواً، ولا ينقص من قدرك أنك لست مدعواً، قد تكون مكانتك عند الله أعلى من كل هؤلاء المدعوين، المؤمن ثقته بالله، لا أعرفك ولا يوجد بيننا أي علاقة أو وارد، لم يدعني، فلم يحصل شيء، هناك شخص إذا كان لم يُدعَ تجده قد تأثّر وبدأ يقول: ليس لي قيمة، أهملوني، تجاوزوني، نسوني، هذه من الله عز وجل، فالنبي الكريم قال له: "هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ". من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً : إذاً من مشى إلى طعام لم يدع إليه، مشى فاسقاً، وأكل حراماً، وأحياناً الإنسان يدعى لعقد قران يحضر معه ولديه، هدية القران كلفتها ثماني عشرة ليرة، و في هذه الحال سيعطيك واحدة لك، ولكل ابن واحدة، فهذه مشكلة، أحضر الحلوى على عدد الحاضرين، عزم مئة شخص وأحضر مئة وعشراً، فوجد أن هناك خمسين ولداً زيادة لا يوجد شيء يكفي، وهنا إحراج، فالإنسان من المفروض إذا لم يخبرك الداعي بإحضار ابنك بالذات لا تحضره رجاءً! قال لك: أحضر معك ابنك فلاناً، سمّاه بالذات تحضره، وإن لم يسمه لا تحضره، وعوّد ابنك أنه إذا كان غير مدعو ألا يذهب معك، ما هذه خذني معك يا أبي؟ لم يدعك يا بني هذا من أصول الضيافة، الإحراج صعب، لأن الإنسان أحياناً يهيئ نفسه لعدد معين فوجد هناك زيادة بالعدد! لكن إذا دخل إنسان لبيت من دون أن يقصد وقت الطعام ووضِع الطعام، واتفق أن صادفهم على طعام عليه ألا يأكل ما لم يؤذن له! يا الله بسم الله حماتي تحبني، ما هذا الحظ الجيد؟ ما هذا الكلام؟ ألا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له كُل، ماذا يفعل؟ من يجيب؟ قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة فليأكل، وإن قالوا ما قالوا حياء منه فلا يأكل، تفضل كُل، لا شكراً، لكن أحياناً إذا كان هناك دعوة متينة يمسكه من يده ويقول له: تفضل، لا نأكل قبل أن تأكل معنا، إذا رأى أن هناك حرارة بالدعوة وهو جائع يأكل، ولكن كلمة رفع عتب، فجلس على الطعام! قال: فإذا دعي ما لم يؤذن له، فإن قيل له: كُل، قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة أكل، وإن قالوا ما قالوا عن حياء فلا ينبغي له أن يأكل، بل ينبغي له أن يتعلل، لست بجائع، الآن قد تناولت، هذا ليس كذباً، لأنهم دعوك دعوة ظاهرة، فليس فيها حرارة ولو كنت جائعاً. من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس : إذا الإنسان غير كريم أكل البخيل داء، لكن هناك حالة أنه جائع وزوجته في بيت أهلها وله أخ محب وذهب إليه وقت الغداء ليأكل معه، هذه لا يوجد فيها شيء، ومعنى ذلك أن هناك محبة بالغة، فإذا كان لك أخ وعلاقتكم مع بعضكم حميمة، ولا يوجد في بيته شيء من طعام الغداء مثلاً وأخوك قريب منك، والله جئت نتناول الغداء معاً، فهذا الأخ يمكن أن يدخل على قلبه سرور لا يعلمه إلا الله، وهذه نعفو عنها، لكن بشرط أن يكون هناك علاقات متينة جداً، قال: من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. أنا أعرف الكريم فوراً، إذا قال لك أحدهم: سأتناول العشاء عندك، تشعر بسرور لا يعلمه إلا الله، طبعاً من غير تكلف، تقدم له كل ما وجد عندك، والدخول على مثل هذه الحالة إعانةٌ لهذا المسلم على حيازة ثواب الطعام، تكون قد أكسبته هذا الثواب لكن إذا كانت علاقتك معه متينة لدرجة متناهية. الآن آداب تقديم الطعام كثيرة نكتفي بالأدب الأول، نتابعها في درس قادم إن شاء الله. * * * آداب تقديم الطعام : آداب تقديم الطعام، ترك التكلف، وتقديم ما حضر، فإن لم يحضر شيئاً ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك! لا يجب التكلف بل تكتفي بتقديم ما حضر، فليس عنده شيء، ولا يملك المال، نهى الشرع عن أن تستقرض مالاً من أجل تقديم الطعام للضيف! قال بعض السلف: التكلف أن تطعم أخاك طعاماً لا تأكله أنت، فمثلاً: إذا قال لك أخوك: سأتغدى عندك، فأنت بالأحوال الطبيعية هل تحضّر ثلاثين لوناً؟ لا، لونان أو ثلاثة، الأكل الطبيعي، إذا كنت قد أطعمته من الأكل الطبيعي فكان قدومه خفيفاً، ولم تشعر بأي حرج لأنك لو لمحت وجهه في الشارع في اليوم التالي تدِرْ له ظهرك وتتجاوزه، أما لأنك لم تتكلف من أجله فأصبح الكرم سهلاً وليس صعباً، لا يوجد بيت لا يوجد فيه طعام، ولكن الآن يمتنعون لأنهم يدعون بقولهم: لا يوجد شيئاً مقدّر، يريد شيئاً يفتخر به، يعلو على هذا الضيف، أما إذا كنت قدمت له الموجود فهذا هو الحسن. و أحياناً يكون أخ عندك سهران يوجد حسابات بالاجتماع، تعَبٌ ومللٌ من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة، قدم له كعكة أو سندويشة من المطبخ فلا يوجد أي خطأ، إذا كنت لم تتكلف قضية سهلة، و إذا كنت تهيئ المائدة في غرفة الطعام، وكل شخص ثلاثة صحون، وثلاث شوكات، وسكينة، ووضع الطقم الزجاجي، تعمل خمس ساعات، فهذا يسبب الملل والنفور، فبالشرع نهى النبي الكريم عن التكلف. أن تطعم أخاك ما تأكله أنت، بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة، اسمعوا لهذا الكلام و هو للفضيل: قال الفضيل: " إنما تقاطع الناس بالتكلف " كان هناك مجلس قرآن يجتمعون خمسة يقرؤون القرآن، أحدهم قدم محلاية، شيء جميل، والآخر قدم محلاية ومدلوقة، والثالث قدم محلاية ومدلوقة وعصافيري، والرابع أحضر صدر كنافة، وأحدهم درويش لا يستطيع حمل هذه الأشياء فامتنع عن المجلس! ثم التغت الجلسة! فما الذي قطع هذا المجلس الكريم؟ هذا البذل، قال: "إنما تقاطع الناس بالتكلف "، وهذا شيء لا يجوز، إذا كان هناك مجلس طيب، ذكر لله عز وجل، فالحد الأدنى كأس من الشاي فقط! وهذه تستمر، " إنما تقاطع الناس بالتكلف " يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه! وقال بعضهم: ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له، إنما أُقَرِبُ له ما عندي، ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته. معاناة الإنسان أحياناً من عسر وقت لا عسر مادي : أحياناً الإنسان ليس بعسر مادي، بل بعسر وقت، لا يملك الوقت ليتجول على بائعي الفاكهة ويحضر الفاكهة، فترة بعد الظهيرة لم يبق من البضاعة الجيدة شيء، بل كله سيئ، أسعار مرتفعة و سيئة، ولا يوجد من يحضر له، فابنه بالدرس، والابن الثاني بجهة معينة،و ليس هناك من يحضر له حاجته، فعوّدوا أنفسكم وأنتم مؤمنون أن تكونوا طبيعيين، وجِدَ عنك ما تقدمه قدمه، وإن لم يتوفر اكتفِ بكأس من الشاي فقط، أو فنجان قهوة، ولديك بعض البرتقال قدمه و لا مانع، لديك بعض الفاكهة قدمها وإن لم تتوفر فلا مشكلة. أعرف بعض الناس لهم دور استمر سبعة عشر عاماً! مثلاً أخوان طيبون كل يوم ثلاثاء عند أحد منهم، و عادة الدور يستمر سنة أو سنتين ثم يفرط وحده! فسأل أحدهم: هؤلاء ما سر هذه الديمومة؟ فاجتمع رأيهم على أشياء ثلاثة: عدم التكلف، وعدم الغيبة، والعنصر النسائي غير موجود أبداً، فهذا الاجتماع استمر سبعة عشر عاماً! إذا كان هناك بعض الاختلاط يقول لها: لقد دققت النظر فيه زيادة، تجيبه: والله لم أنظر إليه، فيحصل بينهم شِجَار لأن الشكوك تأخذ مكانها فوراً، والمسلم طاهر. من التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده : ومن التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده، فيلحف بعياله ويرضي قلوبهم، مثلاً: أحضر نوعاً من الحلوى إلى البيت، الأطفال يشتهون هذه الحلوى، وضع الصحن كله لاثني عشر شخصاً تناولوه كله، فالطفل ألا يشتهي أن يتناول بعضها؟ فمن التكلف والإجحاف أن تقدم كل ما عندك للضيف! فهناك حقوق برقبتك، أطفال في البيت، والدتك، زوجتك، الطعام يُشتهى. والله سمعت عن شخص عزم أصدقاءه فأحضر طعاماً بالألفات، خروفاً مكتّفاً، وحلويات، ووالدته في الطابق الأسفل، وأخواته البنات، والأب متوفى، فلم يستطع أن يقدم شيئاً لوالدته في الأسفل من هذا الطعام! وهناك أناس أعوذ بالله قلب مثل الصخر، قال: ومن التكلف أن تقدم جميع ما عندك تلحف بعيالك وتؤذي قلوبهم. ورجل دعا سيدنا علياً، فقال رضي الله عنه: أجيبك على ثلاثة شروط: ألا تدخل من السوق شيئاً، قدّم من الذي عندك، وألا تدخر ما في البيت، وألا تجحف بعيالك "وليس كل شيء أتناوله أنا، أبق شيئاً لعيالك، ومن السوق لا تحضر شيئاً، وإذا كان لديك قدّم لي ولا تخبئ عني شيئاً! شروط دقيقة جداً. قال: دخلنا على جابر فقدّم إلينا خبزاً وخلاً، وقال: "لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم"، وقال سلمان رضي الله عنه: "أمرنا النبي الكريم ألا نتكلف بالضيف فيما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا ". وأيضاً رجل زاره أخوانه فقدم لهم طعاماً خشناً، وقال لهم: لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم، قول لطيف جداً. أعظم الناس وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه : يقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر أن يقدم ما عنده؟ لا تعرف مكانتي، نعمة من الله لديه بعض الكعك قدم لك كعكاً وشاياً فماذا بهما؟ ليس لديه غيرها، قطعة بسكويت مع فنجان قهوة، فهذا ما عنده، و إذا احتقرت ما قدم إليك، فلديه بعض البرتقال الصغير، لأن أطفاله كثيرون أحضر من القياس الصغير، وضع أمامك منه، ماذا بها؟ نعمة الله عز وجل، فإذا احتقرت ما قدم لك فأنت أعظم الناس وزراً، وكذلك: أن تحتقر شيئاً تقدمه لضيفك! فلا تستحي من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه، زارك ضيف، ولديك في صحن الشوكولا ثلاث قطع، تقول له: يا أخي الفضلة للفضيل لا شيء فيها، ونحن نقول: هذا عيب إذا لم يكن الصحن ممتلئاً، قال: " لا أدري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر ما يقدمه " وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآداب، فهذه أشياء نعيشها جميعاً لا يوجد أي بيت يخلو من ضيوف. * * * شمائل النبي صلى الله عليه و سلم : 1 ـ النبي الكريم عظيم الحلم لا يقابل السيئة بالسيئة بل يعفو ويغفر : والآن إلى بعض شمائل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أُثِرَ عنه حديث شريف: " كاد الحليم أن يكون نبياً ". صحابي جليل تهجّم عليه رجل، وأقذع له في الكلام، بقي هادئاً ساكناً وادعاً، فلما انتهى من كلامه قال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير ذلك غفر الله لك، فكاد الحليم أن يكون نبياً، "فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين، فاصفح الصفح الجميل. قال تعالى: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 92] سيدنا يوسف لمن ائتمر به وأراد أن يقتله، كان صلى الله عليه وسلم عظيم الحلم، لا يقابل السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، وما انتقم لنفسه في شيء قط! إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله، قال: اتسع حلمه لجميع خلق الله حتى لأعدائه الذين آذوه! استمعوا: قال: لما كانت غزوة أحد، وكُسِرَت رَبَاعيته، وجرحت شفته السفلى، وشُجَّ في جبهته الشريفة حتى سال منه الدم، قال: فجعل يجففه لئلا ينزل على الأرض، لأنه لَو وَقَعَ مِنْهُ شَيء عَلَى الأرْضِ لنزل عليهم العذاب من السماء، لم يدع الدم ينزل على الأرض، ولقد شقَّ ذلك على الصحابة فقالوا: رسول الله، نبي هذه الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، يُشَجُّ رأسه؟ تُكسَرُ رباعيته؟ تجرح شفته السفلى؟ يسيل الدم منه؟ شقَّ هذا على أصحاب النبي، فقالوا يا رسول الله: لو دعوت عليهم دعاؤك مستجاب، هؤلاء أعداء الله، فقال: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (( قَالَ عبد الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ )) [ البخاري عن عبد الله] لو علموا مقامي ما فعلوا ذلك، أحياناً الإنسان له ابن يقع بالساعة، وأثناء هذه النوبة ضرب أباه! فهل يحقد الأب على ابنه؟ لا، أحياناً طفل صغير والده يقوم بقلع ضرسه، فيقوم الطفل بحركة يضرب بها وجه أبيه، أو يجرحه، من ألمه، فالأب قلبه كبير، وقلب رسول الله يتسع للخلق جميعاً، يسع الأعداء. 2 ـ النبي الكريم يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه : أحياناً الإنسان يضيق ذرعاً بصديقه، بأخيه، بزوجته، وكان عليه الصلاة والسلام يغضب لله تعالى، ويرضى لرضاه، فاسمعوا هذا الكلام ما أجمله: ولم يكن تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، الدنيا وكلها إن أقبلت لا يفرح، وإن أدبرت لا يغضب، ولم يكن يغضب لنفسه، بل كان يغضب لربه تعالى! وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره، يصف النبي الكريم: (( لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعرِض للحق لم يعرفه أحد، ولم يكن بغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها)) [ الترمذي عن هند بن أبي هالة] وذات مرة غضب صلى الله عليه و سلم من العمل الذي ينكره المؤمن كما في الصحيحين وغيرهما. ((أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ )) [البخاري عن أبي مسعود] كان يغضب لله عز وجل، ولكن هذا الغضب لا يخرجه عن الحق. (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ )) [أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] انظر لهذه القصة: بين الزوجين تعاهد نفسك إذا غضبت اسكت لا يحدث شيء، تفوهت بكلمة قاسية على والدتك، فاصمت أنت صمتاً رهيباً وعندئذ هي خافت! ولم تتابع في الحديث، فعوّد نفسك إذا غضبت فاصمت، لأنك إذا تكلمت وأنت غضبان سيكون كلامك قاسياً جداً وستجرح وتكسر، فعندما يغضب الإنسان يسكت، ولا يتفوه بأي كلمة، ومن السنة أن يتوضأ! وإذا بقي غضوباً يخرج من البيت، ويعود بعد ساعتين وليس فيه شيء، فعود نفسك أن تصمت إذا غضبت، أما أي كلمة تقولها وأنت غضبان فسوف تهدم بها عمل سنوات! وأحياناً الإنسان يستميل زوجته ويدللها ويكرمها على نية أن يضع لها الحجاب، ويعاملها شهراً شهرين أو ثلاثة أو سنة، ويغلط غلطة بكلمة قاسية، وكل شيء بناه خلال السنتين هدمه، مثلاً شتم والدها، وهذا لا يصح، فإذا غضبت فاسكت، وطّن نفسك أن تطبق هذه القاعدة، إذا غضبت فاسكت، وتوضأ واخرج. (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ )) [الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] 3 ـ غضب النبي لا يخرجه عن الحق : غضبه لا يخرجه عن الحق، انظر إلى الناس بين بعضهم يغضب فيتكلم بالباطل، يتهم ويفتري، أما المؤمن فلا يغضب. قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ قال: والله لا أحبك! سيدنا عمر، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، حقك سيصلك، فعلامة المؤمن أنه إذا غضب لا يخرجه غضبه من الحق. هناك قول آخر: ولا يدخله غضبه في باطل، لا يخرجه من الحق ولا يدخله في باطل، هذا عن غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه لله، وعن حلمه صلى الله عليه وسلم، وكيف أن قلبه الكبير وسع جميع أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاة الاستسقاءالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الحادى و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تقنين الله عز وجل تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز : أيها الأخوة المؤمنون، موضوع عنوانه: "باب الاستسقاء"، ونظراً لأن الناس كلهم متلهفون إلى المطر، وتأخر المطر يؤكد أن الرزق في السماء، قال تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [ سورة الذاريات: 22 ] وأن الله سبحانه وتعالى إذا قنن المطر فتقنينه تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [ سورة الحجر: 21] وأن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي يقول: "عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك"، ولأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ [ سورة هود: 6 ] فهذه الدابة النكرة تعني أنواع الدواب كلها من دون استثناء، وهذه المِن لاستغراق أفراد كل نوع على حدة، أي دواب النمل نملةً نملة، ودواب الدجاج دجاجةً دجاجة، ودواب الخرفان خروفاً خروفاً، ودواب الإنسان إنساناً إنساناً، فما من النفــي والاستثناء، للقصر والحصر، الرزق على الله وحده وليست على جهة سواه، والدواب كلها وأفراد كل نوع من أنواع الدواب استقصاءً وحصراً على الله رزقها، وكلمة على تفيد الاستعلاء وتفيد الإلزام، أي أن الله عز وجل ألزم نفسه برزق العباد، ولكن يؤثر المطر لحكمةٍ يعلمها وللفت نظر البشر ولإيقاظهم من نومهم، ومن غفلتهم. باب الاستسقاء : على كلٍّ في الفقه باب عنوانه باب الاستسقاء، باب الاستسقاء له صلاة، دخل رجل على الإمام الحسن البصري فقال: يا إمام إن السماء لا تمطر؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل رجل آخر فقال: إن زوجتي لا تنجب؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل ثالث فقال: إني أشكو الفقر؟ فقال: استغفر الله، قال أحد الجالسين عجبنا لك يا إمام أكلما دخل عليك رجل يسألك حاجة تقول له استغفر الله، قال له: ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾ [ سورة نوح: 10-12 ] أي سؤال الإنسان إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وللاستسقاء باب ومطلع هذا الباب أن للاستسقاء صلاة من غير جماعةٍ، وله استغفار، ويستحب الخروج له ثلاثة أيام مشياً في ثيابٍ خلقة غسيلة، مرقعةٍ، مبللين، متواضعين، فإذا كان الزمان لا يسمح بلباس ثياب مرقعة، وإذا كان الخروج صعباً لاتصال العمران، فالإنسان لا يمنعه أن يسجد في البيت، ويسأل الله سبحانه وتعالى السقيا، لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا. ما يستحب في صلاة الاستسقاء : خاشعون لله، ناكصو رؤوسهم، مقدمو الصدقة كل يوم قبل خروجهم: ((استمطروا الرزق بالصدقة)) [الجامع الصغير عن جبير بن مطعم] ويستحب إخراج الدواب والشيوخ والكبار والصغار والأطفال، وفي مكة وبيت المقدس يصلى في المسجد الحرام والمسجد الأقصى، أي صلاة الاستسقاء تكون في أحد هذين الحرمين في مكة وبيت المقدس، وينبغي لأهل مدينة النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعلوا ذلك، ويقوم المصلي مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه والناس قعود، يستقبلون القبلة، يؤمنون على دعائه، ويقول: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً - كافياً - غدقاً عاجلاً مجلجلاً - عاماً - سحاً غزيراً، طبقاً أي لا يترك في السماء فرجة من اللون الأزرق وما أشبهه، أي الدعاء الأبسط: " اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، مرة كنت أقف في الطريق أمام شخص قال له آخر: والله بعنا السنة الماضية بيعاً لا يصدق، قال له: ما السبب؟ قال له: كان موسماً طيباً في الجزيرة، وهذا عنده معمل أقمشة ومعمل تطريز فاستغربت ما علاقة بيع هذا القماش المطرز؟ قلت: سبحان الله ورزقكم في السماء وما توعدون، وهذه الأمطار تدير العجلات كلها، و كل شيء يتحرك، و الإنسان عليه أن يتوجه إلى الله بالدعاء الصادق فلعل الله سبحانه وتعالى يغيثنا. الحكمة من حبس المطر : سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان يستسقي ربه هو وقومه، وكان كليم الله عز وجل، فقال الله عز وجل: يا موسى إن فيكم عاصياً، وهو سبب شحّ السماء، فقال موسى عليه السلام: "من كان عاصياً لله فليغادرنا" فما لبثت السماء أن أمطرت ولم يغادر أحد من جماعة موسى، فقال يا ربي لقد أمطرتنا ولم يغادرنا هذا العاصي؟ فقال الله عز وجل: لقد تاب بيني وبينه، فقال: من هو يا ربي؟ قال: عجبت لك يا موسى أأستره وهو عاص وأفضحه وهو تائب؟ مستحيل. فلعل الله عز وجل يستجيب الدعاء، و ربنا أحياناً يحبس السماء حتى يشعر الإنسان بقيمة الماء، أي لا يوجد نبات، ولا مزروعات، ولا لحم، ولا كهرباء، كل شيء متوقف على ماء السماء، فسبحان الله الأرض دورانها ثابت، والشمس دورانها ثابت، و المذنَّب كل ست وسبعين سنة مرة، الحديد خواصه ثابتة، الماء خواصه ثابتة، و ربنا عز وجل ثبت أشياء كثيرة بل إنه ثبت معظم الأشياء فحركة الأفلاك ثابتة، وخواص المواد ثابتة، فلماذا حرك المطر ولم يجعله ثابتاً وكان بالإمكان أن يجعل انهمار المطر في كل بلد بكميات ثابتةٍ لا تزيد ولا تنقص؟ بالشام ألفا ميليمتر ولا تنقص، لكن الناس إذا جاءتهم الأمطار منتظمة استغنوا عن الله عز وجل، واستغنوا عن الاتصال به، وعن الالتجاء إليه، وعن التضرع إليه، فباستغنائهم يشقون، والله عز وجل قال: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [ سورة النساء: 28 ] ما وجدت مثلاً أقرب لهذه الآية من الفيوز في الجهاز الكهربائي، إنه كبير النفع، وهذا الفيوز ثمنه عشرة قروش، ولكنه يوفر عليك حرقاً لجهاز بكامله، هذا الجهاز ثمين، يوجد أجهزة كومبيوتر ثمنها ثلاثون مليوناً، ومعها فيوزات، وتعريف الفيوز نقطة ضعف في مسير التيار الكهربائي، فلو ارتفع التيار لساح هذا الفيوز وانقطع التيار وحفظت الآلة من التلف، فلما ربنا عز وجل خلق في حياة الإنسان نقطة ضعف وهي المطر، خلق الإنسان ضعيفاً، وهذا الضعف الذي خلقه الله عز وجل لمصلحة الإنسان، والله عز وجل يحب أن يسمع تضرع العباد هذا على المستوى الجماعي، وعلى المستوى الفردي الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، فلما الإنسان يكون له حاجة عند الله عز وجل ويستيقظ من الثلث الأخير من الليل ويسجد لله عز وجل ويذكر الحديث القدسي: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ)) [البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ] فليس لنا إلا باب الله عز وجل. ومالي سـوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفـــــع ومالي سـوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقـــــرع؟ ومن ذا الذي أدعو وأهفو باسمه إذا كان فضلك عـن فقيرك يمنـع؟ *** الله عز وجل جعل المخاوف لنلجأ إليه : ليس لنا إلا باب الله عز وجل، والإنسان يعود نفسه إذا كان له عند الله عز وجل حاجة، أو قضية مستعصية، أو مرض ليس له دواء، أو زوجة مشاكسة، أو رزق قليل، أو شريك متعب والإنسان يخافه، والحياة كلها مخاوف، والله عز وجل جعل كل هذه المخاوف كي نلجأ إليه، وكيف أن الجرو في الطريق يدفع الابن إلى أمه، وإلى التعلق بأمه، والالتجاء إليها، والاحتماء بها، والاتصال بها، وكذلك هذه المصائب وهذه المخاوف كلها دوافع إلى الله عز وجل، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، وليس في الإمكان أبدع مما كان، ولو عرفتم حكمة الله عز وجل ما طلبتم تبديل الواقع، وهذا موضوع الاستسقاء، ونحن كل دعاء في خطب الجمعة، وفي درس الأحد في العفيف صباحاً نقول: "يا ربي اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين" و الحديث الوحيد للناس موضوع المطر، هذا شهر كانون والآن الخامس عشر من كانون الأول ولا يوجد مطر إطلاقاً، والأشجار عارية، والأنهار فارغة، والينابيع جفت، والآبار أيضاً جفت، ولا ننتظر إلا رحمة الله عز وجل. * * * آداب الطعام والشراب : والآن إلى متابعة موضوع من إحياء علوم الدين، وهو آداب الطعام والشراب، فأخوان كثيرون تأثروا في الدرس الماضي من هذا الموضوع الذي عالجه الإمام الغزالي، لأن الطعام والشراب سلوك يومي، و من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ و من منا لا يُدعى؟ ومن منا لا يدعو؟ و الطعام والشراب والدعوة وقبول الدعوة لها آداب دقيقة رائعة في الإسلام. آداب تقديم الطعام : 1 ـ عدم التكلف : تحدثنا عن آداب تقديم الطعام، فالأدب الأول عدم التكلف، وقلنا: إن التكلف سبب للقطيعة، وكيف أن أناساً دامت لقاءاتهم سبعة عشر عاماً لعدم التكلف، وعدم الغيبة، وعدم وجود النساء في مجالسهم. 2 ـ للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره : والأدب الثاني وهو للزائر قال: ألا يقترح فإذا طلب الضيف منديلاً ورقياً فما أدراك أنه اليوم انتهت المناديل فلا يوجد عنده أحد يرسله، وابنه صغير وزوجته في البيت، يترك البيت ويذهب إلى مكان بعيد وليست المناديل الورقية متوفرة الآن، وأحياناً فالضيف إذا طلب شيئاً بسيطاً جداً يجعل في البيت ارتباكاً شديداً جداً، ويكون اليوم انتهت القهوة ولا يوجد بن في السوق، والازدحام شديد، هناك طابور كبير في السوق على بائعي البن، فالإنسان إذا كان في بيت لا يقترح أبداً، لا يقترح منديلاً، ولا فنجاناً من القهوة، ويجب أن يكون أديباً. للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره، شيء صعب إما الصعوبة لعدم وجود المال، وإما الصعوبة لعدم وجود من يأتي به من السوق، أو لعدم وجود البضاعة في السوق، وقد ضربت مثالاً بسيطاً طلب فنجان قهوة، ولا يوجد عنده قهوة، اسكت فقد يحضر لك كأس مليسة، قل له: أطيب شيء المليسة، أو كأس نعناع، فالمؤمن أديب جداً لا يقترح شيئاً، قال: فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما، يوجد عندنا الطبخة الفلانية أم تحب أن نحضر فروجاً من السوق؟ لا الطبخة، لا يناسب أن تقول: أحضر فروجاً، إذا أعطاك خياراً بين اثنين فاختر الأيسر الموجود في البيت، ولا تسمح له أن يخرج من البيت. من خيره مضيفه بين شيئين فليختر أيسرهما : وإذا خيرك المضيف بين شيئين فعليك أن تختار أيسرهما عليه، كذلك السنة هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ففي الخبر أنه: "ما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين شيئين إلا اختار أيسرهما"، لقمته خفيفة وظله خفيف، و يوجد من إذا ما قمت بواجبه بالكامل تراه انزعج وكشر ويقول: ما عرفوا قيمتي، ولا عرفوا قدري، وأحد العارفين بالله يقرأ قرآناً إلى جوار سيدنا يحيى في الأموي، مرّ شخص فظنه من الفقراء فأعطاه فرنكاً فهل هذه إهانة؟ هو ليس متسولاً فيقولون: أخذه ووضعه في جيبه، وسيدنا عمر يمشي في المسجد ليلاً ويظهر أنه ما انتبه فداس على قدم أحدهم، فالوجوه ما تعارفت ولم تكن هذه الإضاءة، فهذا الشخص تألم وما عرف من الذي داس على قدمه فقال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا، ثم قال:سألني فأجبته، فعظمة الإنسان بعدم التكلف، بالتواضع، وعظماء البشر الذين قادوا الأمم، والذين غيروا مجرى التاريخ كانوا في الحياة متواضعين، يروون عن قائد كبير في أوربا في الحرب العالمية الثانية، عندما احتل إمبراطور أوربا أوربا كلها، هناك جندي يقف للحراسة ويبدو أنه أخذته سنة من النوم، وهذا أخذ عنه البندقية وتوقف، و عندما استيقظ وجد الإمبراطور، والآن الرقيب أو العريف يقيم قيامته، والإنسان كلما كان عظيماً يبقى متواضعاً، دخل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رجل فأخذته رعدة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه من رآه بديهةً هابه، فله هيبة، وأولياء الله عز وجل يلبسهم الله ثوب الهيبة، فالنبي على بساطته، وتواضعه، وحلمه، وحبه للفقراء والمساكين له هيبة كبيرة، و الله عز وجل يلبس ثوب الهيبة لشخص عادي وينزعها من شخص كبير، و يقول لك: دخلت إليه وما تأثرت، قلت له: ورددت بوجهه؟ وإنسان قد يكون عادياً جداً فالله عز وجل يلبسه ثوب الهيبة، ولكن يوجد عندنا قاعدة من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، وإذا الإنسان قلبه أفرغ من كل حركة، ومن كل سكنة، ومن كل إنسان، ومن كل نظرة، فمعنى هذا اتكاله على الله ضعيف، والتجاؤه قليل، وشعوره بالحماية الإلهية قليل، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [ سورة الحج: 38] ألا يقترح الضيف، قد يتصور الضيف أن القهوة لا صعوبة فيها و قد لا توجد، مهما حاولت أن تطلب شيئاً ليس من السنة أن تقترح على مضيفك شيئاً، وإذا خيرت بين شيئين فعليك أن تختار أيسَرهما. قصة: روى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبزاً وشعيراً وملحاً جرشا، فقال صاحبي لو كان في هذا الملح سعتر - أي زعتر - كان أطيب، فخرج سلمان ورهن حاجة من حاجاته وأخذ سعتراً مكانه، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن حاجتي مرهونة. و عندنا استثناء قال: هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له، فإذا علم أنه يسر باقتراحه، أي تأكل في الغرفة أو في الشرفة، لا في الشرفة هذه ليس فيها كلفة، نقل الطعام من مكان إلى مكان، تأكل على الأرض أم على الطاولة؟ على الأرض أيسر إذا أنت اقترحت شيئاً لا يكلف، لا يكون فيه عبء فلا يوجد مانع. 3 ـ أن يُشهَّى المزور : الأدب الثالث: أن يُشهَّى المزور، أي أن يعرض على الزائر بعض ألوان الطعام، شخص أحياناً لا يتمكن أن يأكل لحماً نيئاً في الكبة النيئة، فأنت تصنع له صحناً وتتكلف بهذا الصحن وتضع فيه لحماً، وجوزاً، وزيتاً بلدياً، وتعتني بهذا الصحن ثم يقول لك: أنا لا آكل، اسأله ماذا تحب أن تأكل؟ إذا أنت عندك مجال الخيار. فمن آداب المضيف أن يشهي الضيف ويلتمس منه الاقتراح، إذا كان النبي الكريم نهى الضيف عن أن يقترح فقد أمر المضيف أن يطلب من ضيفه الاقتراح، قال عليه الصلاة والسلام: (( من صادف من أخيه شهوة غفر له )) [ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء] فإذا كان لك أخ يحب طعاماً معيناً وعملت لها هذه لك عند الله ثواب، أحياناًً يكون طالب جامعي أخ لك في الله، مقيم في الشام، وليس له أهل في الشام، أكل كل يوم فولاً وحمصاً فنشفت معدته، أنت طبخت يقطيناً ادعه إلى الغذاء، هذه أكلة نادرة ويشتهيها، ويوجد طعام من الصعب أن يطبخه العازب أو غير المتزوج فلا يوجد مانع وهذا من السنة. ((من صادف من أخيه شهوة غفر له، ومن سر أخاه المؤمن فقد سره الله تعالى )) [ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء] إذا أنت أدخلت السرور على قلب أخيك المؤمن ولو بطعام يحبه قال عليه الصلاة والسلام: ((من لذذ أخاه بما يشتهي كتب له ألف ألف حسنة )) [ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم عن ابن الزبير عن جابر] إذا أطعمه من طعام يحبه، أمر الضيف ألا يقترح أبداً، وأمر المضيف أن يقترح، أي يحمل الضيف على الاقتراح، فالأصل أن تنشأ علاقات متينة جداً بين المؤمنين، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 4 ـ ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً ؟ الأدب الرابع: ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ لا، لا يوجد حاجة لهذا السؤال خلاف السنة، نام عندك نتعشى أم ننام؟ إذا أنت تريد أن تنام خفيفاً نم وحدك، فالرجل يريد أن يتعشى، ذهبتم نزهة على حسابك ما قولك بدل أن نتغدى نتعشى مرة واحدة؟ هو لا يتحمل أن تقدم اقتراحاً أو تخيره بين شيئين، فالعوام قالوا: الشيء الجيد لا يحتاج إلى سؤال، ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ وكان أحد البخلاء يقول للضيف: هل أكلت؟ إذا قال له: لا، يقول: لو أنك قد أكلت لقدمت لك شراباً لذيذاً لكنك لم تأكل، وإن قال له: أكلت، فيقول له: لو أنك لم تأكل لقدمت إليك طعاماً لذيذاً، فعلى الحالتين لا يوجد شيء كيفما قلت لا أطعمك. ورجل من خراسان زار صديقاً له في بغداد، أكرمه البغدادي إكراماً شديداً وطوال الإقامة في بغداد كان يقول: لو تزورني في خراسان فأكافئك على إكرامك، وهذا البغدادي بعد اثني عشر عاماً ظهرت له حاجة في خراسان ومعه عنوانه وبيته فلما وصل إليه قال: أنا فلان، قال له: والله ما عرفتك نزع القلنسوة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العمامة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العباءة قال له: والله ما عرفتك، ثم قال له: والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك، هذه تقع، يكون هناك أخ في مدينة يكرمك ويأتي إلى عندك إلى الشام فلا يوجد ترحيب منك، وهناك أشخاص ما عندهم لذلك قيمة وهذه منتهى الوقاحة واللؤم، و الإنسان عندما يزوره في بيته يكون جافاً في المعاملة. هنا صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أقول له أقدم لك طعاماً بل ينبغي أن يقدم من الموجود"، قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك فإن أكل أكل، وإلا فارفع الطعام ولاسيما الذي ينام في بيت مضيف، فعليك أن تضع الطعام وهو حر أحب أن ينام خفيفاً أو أن يأكل، فيجب أن يوضع الطعام أمامه، إذا أحب أن ينام خفيفاً ينام، وليس من المعقول أن يقول لك: ضع لي طعاماً، وإنسان في الليل يستيقظ ليأكل تفاحة أما إذا كان ضيفاً فيستحي، فيجب أن ينام متعشياً وهذا شيء لابد منه. وإن كان لا يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو أن يصفه لهم، قال الثوري: "إذا أردت ألا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به، ولا يرونه معك"، وقال بعض الصوفية:" إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ". (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ )) [ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] على الإنسان أن يتفوق في الخلق لأنها الصفة التي يتميز بها عن الحيوان : فالإنسان فيه مجموعة صفات خلقية لابد أن يتفوق بهذه الصفات، لأن الحيوان يتفوق عليه في كل شيء، إن كان في الوزن فالفيل ستة طن، وإن كان في القوة العضلية فالبغل أقوى، وإن كان في التحليق فالنسر، وإن كان في حدة البصر فالنسر أيضاً، وإن كان في رهافة السمع فالقطط والكلاب، وقوة الشم الكلاب أي لا يوجد صفة يتميز بها الإنسان على الحيوان إلا صفة واحدة وهي الخلق، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القلم: 4 ] فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قمة الأخلاق، فكان أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وإن هذه الأوصاف الثلاثة هي من أمهات الكمالات، لا يمكن أن يكون المؤمن جباناً، ولا يمكن أن يكون بخيلاً، لأن الإيمان يتناقض مع البخل والجبن والنبي عليه الصلاة والسلام: ((... قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي )) [أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ] شمائل النبي صلى الله عليه و سلم : 1 ـ النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس صورةً ومعنىً وجمالاً وكمالاً : كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس صورةً ومعنىً، جمالاً وكمالاً، وأحياناً ترى شخص ملء العين لكنه بذيء الكلام، جاهل، مشرك، متكبر، متغطرس، وهذه الصفات الخلقية الذميمة تشوه جماله المادي. وأحياناً ترى إنساناً أخلاقه عالية ولكن شكله دون الوسط، فالأحنف بن قيس كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، أحنف الرجل، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب؟ وكان لو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، كان قمة في الذكاء، والسيادة، والزعامة، والمروءة، والنجدة، والكرم، والرجل لا يقدح في مكانته شكله، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم: وأجمل منـك لم تر قط عيني وأحسن منك لم تـلد النساء خلقت مبرأً من كل عيــب كأنك قد خلقت كما تشــاء *** أي جمع الحسنيين، جمع جمال الصورة مع جمال الخلق، وكان إذا نظر في المرآة يقول: "اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي"، أي إذا إنسان شاهد نفسه كاملاً مكملاً ما أجمل الدنيا والدين إذا اجتمعا، قال: جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر مجوسي *** فإذا وهب الله الإنسان شكلاً حسناً يكمله بالأخلاق الحسنة، وإذا لم يهب الله الإنسان شكلاً حسناً فيكمله بالأخلاق الحسنة يتكاملن معاً، و هذا النقص يزيده خلقاً حسناً، فيعوضه، فالأول يكمله والثاني يعوضه. 2 ـ أشجع الناس قلباً وأنفعهم : وهو أشجع الناس قلباً، وهو أجود الناس، وأنفعهم، للناس مصدر خير، جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، وهذا الجود الذي اتصف به صلى الله عليه وسلم إنما هو لله تعالى، وفي الله تعالى، وابتغاء مرضاة الله تعالى، ويوجد سؤال حيرني: الإنسان قد يكون له عمل طيب لكن تُرى هل يتقبله الله منه؟ الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، والقضية مع الله ليس فيها لعب، ولا مزاح، لأنه علام الغيوب، يعلم السر وأخفى، ولا تغيب عنه غائبة، ولا مثقال ذرة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، ولا تظلمون نقيراً، ولا تظلمون فتيلاً، فالعلاقة مع الإنسان أهون، و الإنسان له الظاهر، ولكن ربنا عز وجل كاشفك أي لا يوجد شيء يخفى عليه. المقياس الصحيح للإخلاص أن يتجلى الله على قلب عبده : قد يكون لك عمل طيب يا ترى هل الله يتقبل مني هذا العمل؟ هل بهذا العمل شائبة؟ هل لي بهذا العمل نية ليست لمرضاة الله عز وجل؟ هذا السؤال حيرني دائماً، قرأت كثيراً عن هذا السؤال، وفي بعض الكتب وجدت أن من علامة الإخلاص أن يستوي عملك في السر كعملك في الجهر، وهذا مقياس لا بأس به، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ بالله بشي من عمله. وجدت مقياساً آخر وهو: الإنسان لو سمع مذمته فلا يبالي إن كانت له عند الله مكانة ثابتة، والمنافقون يحرصون على سمعتهم حرصاً بالغاً لكن المؤمنين حرصهم على سمعتهم معتدل، فرجل تهجم على صحابي هجوماً شديداً بقي هادئاً وقال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير صادق فيما تقول غفر الله لك، وانتهى الأمر، هذا مقياس ثانٍ. ولكن أحد علماء القلوب قال: المقياس الصحيح للإخلاص أنك إذا عملت عملاً ابتغاء مرضاة الله تعالى ينبغي لك أن تقبض ثمنه فوراً، فما هو الثمن؟ تجلي الله على قلبك، فالمخلص سعيد بعمله، قبض الثمن الفوري، لذلك: أخلص دينك يكفك القليل من العمل. قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ [ سورة الفرقان: 23 ] أهل الدنيا قد يكون لهم أعمال كبيرة جداً ولكن ليسوا بهذه الأعمال مخلصين لله عز وجل فيجعلها الله هباءً منثوراً، أو يخلط الله أعمالهم. 3 ـ أكرم الناس : والنبي صلى الله عليه وسلم - والحديث عن كرمه- كان كرمه في سبيل الله، وكثير من الناس يصنعون الولائم ويقول لك: كسرنا عينه، فليست هذه هي الدعوة، وليس هذا هو الكرم الذي تحدث النبي عنه، هذا الكرم هدفه الاستعلاء على الناس، وعرض ما عندك من لذائذ الطعام، وعرض إمكانيات زوجتك، يقول: كله صنع البيت ويشعر بنشوة، وهذا كله عندي من أعلى مستوى، وطبعاً الإنسان عندما يكون هدفه الاستعلاء فالعمل غير مقبول عند الله عز وجل، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما إذا كان تقديم هذا الطعام خالصاً لوجهه أم لا،، ولكن بشكل عام من أحب إكرام أخيه المؤمن فهذا العمل خالص لوجه الله، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه. (( ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه)) [مسلم عن أنس رضي الله عنه] ولولا التشهد كانت لاءَه نعم، وكلمة نعم دقيقة يوجد عندنا في اللغة بلى، نعم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف: 172 ] ألست فيها نفي، فتستخدم بلى في اللغة لنفي النفي، ونفي النفي إثبات، أي إذا قال الله عز وجل: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ولو أنهم قالوا: نعم لكفروا، ولو قال غير الله، لو قال فرعون لأتباعه: ألست بربكم؟ لوجب أن يقولوا: نعم، لأنهم إذا قالوا: نعم أي لست ربنا، نعم إثبات النفي، وبلى نفي النفي، انظروا القرآن ما أدقه، إذا كانوا في الصلاة وقالوا: نعم الصلاة فاسدة أي نعم لست ربنا، وإذا كان بلى فهي إجابة عن سؤال ألست، إذا كان في السؤال ليس مع الاستفهام. التجارة الرابحة هي التجارة مع الله عز وجل : النبي عليه الصلاة والسلام ما سئل شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل وهو صفوان بن أمية فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وفي رواية من لا يخشى الفقر. وأعطى يوم حنين أناساً من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، أعطاهم مئة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة، وقتها الأنصار تألموا لأنهم ما أخذوا شيئاً من الغنيمة، وبعض المؤلفة قلوبهم نالوا عطايا كثيرة، فسيدنا سعد بن عبادة جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله: ((... فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا)) [أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ] (( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ )) [مسلم الترمذي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية] فالإنسان غالٍ على الله عز وجل، وهذا يعرفه النبي فقط، أعطاه وادياً من غنم فإذا أعطاه هذا الوادي كله وآمن فلا شيء، لأن إيمانه أغلى على الله من كل هذا الوادي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، يوجد شخص يهتدي بالمال تكرمه، وتساعده، ويأتي معك، وإذا عرفت قيمة الله عز وجل ترى مهما بذلت من مال فلا قيمة له نظير أن يهتدي هذا الإنسان، فإذا وعدك أن يصلي ويحضر معك دروساً نظير أن تشتري له بيتاً، فالبيت ليس كثيراً عليه، إذا كان في هذا البيت يستقيم ويتدين فالمكسب معك، و هذه أكبر تجارة، و لو أن الإنسان أعطيته ما في الدنيا وآمن فهذا العطاء لا قيمة له نظير إيمانه. وفي مغازي الواقدي أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم يوم حنين إذ مرّ بشعب مملوء إبلاً وغنماً فأعجبه فجعل ينظر إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب، قال: نعم قال: هو لك بما فيه، قال صفوان: أشهد أنك رسول الله، ما طابت لهذا نفس أحد قط إلا نفس نبي. ولا يوجد إنسان في الأرض يعطي هذا العطاء إلا نبي. نية المؤمن خير من عمله : وكان من جوده صلى الله عليه وسلم أنه ما سأله سائل مما عنده إلا أعطاه حتى لا يبقي عنده شيء، ويوجد قصة مشهورة لما وزع الشاة، وزع أول قطعة فالثانية فالخامسة وما بقي شيء، والسيدة عائشة قلقت وقالت: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها، فقال: بل بقيت كلها إلا كتفها. انظر إلى هذا الجواب النبوي بل بقيت كلها إلا كتفها، سيدنا عمر مرة أمسك تفاحة شهية كاد يأكلها فقال: أكلتها ذهبت وأطعمتها بقيت، على مبدأ بل ذهبت كلها إلا كتفها. ((أن النبي عليه الصلاة السلام حمل إليه تسعون ألف درهم وضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما ردّ سائلاً حتى فرغ منها)) [ أبو الحسن بن الضحاك في الشمائل من حديث الحسن] ومرة قال: ليت لي مثل أحد ذهباً حتى يحل مشاكل أصحابه، فكأنه وزعه ونية المؤمن خير من عمله. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم إِنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ )) [ مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم ] فلا يمكن أن أمنع عنكم شيئاً، ولا يمكن أن أبقي عندي شيئاً وأنتم بحاجة إليه، فهذا كرم النبي صلى الله عليه، وكان عليه الصلاة والسلام كريم النفس، يكرم السائل بنفسه، وهذه من كمال الكرم أن تعطي السائل بنفسك، ولا يأنف أن يقوم إلى السائل فيعطيه الصدقة، بل كان لا يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل. وأحياناً الإنسان يقول للصانع: أعطه، لا، فالصدقة يجب أن تعطيها بيدك أنت وهذا هو الأدب مع الله. " وروى ابن سعد عن زياد مولى عياش عن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما النبي عليه الصلاة السلام لأحد، الوضوء من الليل حتى يقوم، والسائل يقوم صلى الله عليه وسلم حتى يعطيه بنفسه ". استدانة النبي إن لم يكن معه ما يكفي لحاجة محتاج : وكان من كرمه صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عنده ما يكفي بحاجة المحتاج أمره أن يستقرض عليه، وهذه في منتهى الكرم، فإذا كان لك أخ التهف لك وقال لك: هل معك مئة ليرة؟ وأنت لا تملك وجارك بائع له ثقة فيك قلت له: خذ على اسمي من فلان، أو اكتب له ورقة، أو اذهب أنت وأحضر له مئة الليرة، وهذا منتهى الكرم فليس معك، عليك أن تستدين وليس هذا القرض بل يوجد أناس عندهم رغبة بالخير عجيبة يقترض ويعطي، وهذا بذل ماء وجهه أمامي لا أحيجه لإنسان ثانٍ: (( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ قَالَ لَقِيتُ بِلالاً مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ فَقُلْتُ ك يَا بِلالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإنْسَانُ مُسْلِمًا فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ )) [أبي داود عن عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ] " وروى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة السلام فسأله أن يعطيه فقال النبي: ما عندي شيء ولكن ابتع فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي عليه الصلاة والسلام قول عمر، فقال رجل من الأنصار يا رسول الله: أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وعرف في وجهه البشر بقول الأنصاري وقال: بهذا أمرت " وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ )) [مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] النبي صلى الله عليه و سلم أجود الناس : ومن كرمه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبذل المال مرةً للفقير المحتاج/ ومرةً في حدود الله والجهاد، وتارةً يتألف بها فيعطي عطاءً تعجز الملوك عنه حتى لا يبقى عنده شيء، وكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس كلهم حقاً كما وصفه ابن عباس بقوله: "كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس". والحقيقة الجود يحتاج إلى إيمان، فإذا آمنت أن الله عز وجل يخلف عليك كل شيء أنفقته والعمل بعشرة أضعافه انتهى الأمر، أما إذا لا يوجد إيمان فالمال غالٍ على الإنسان، وقد تعب حتى حصّله. قال: "يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال يا ربي لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فقال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، وقال لآخر أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين فقال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك". فآمن أن الله هو الرزاق. من أنفق شيئاً أخلفه الله عليه بعشرة أمثاله : وما أنفقتم من شيء فإن الله هو يخلفه، الحسنة بعشرة أمثالها، فشخص له ولد مرض مرضاً عضالاً يحتاج إلى عملية في بريطانيا تكلف حوالي ستين أو سبعين ألفاً، وهذه القصة بالسبعينات قديمة فلجأ إلى متجر في العصرونية قال له: على حسابي قم بالمعاملة، هذا الإنسان أقسم بالله أنه في نهاية العام أرباحه تضاعفت أربع مرات، و في السبعينات إذا كان ربحه خمسين ربح مئتين، ولكن لا أحد يعرف، ولا يمكن أن تنفق نفقة في سبيل الله إلا والله عز وجل يعوض لك عشرة أمثال، ولكن تحتاج إلى قوة إيمان، يقول لك: المال غال أنا أولى، ويقول: العباد لهم الله، صحيح أن لهم الله ولكن الله أحب أن يمتحنك، وأحب أن يمتحنك أنت بالذات، و الله قال لهم ولكن عن طريقك: الأغنياء أوصيائي، الله قال لهم عن طريقك. ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [ سورة الذاريات: 19 ] الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فمن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي، فأقل عملية في دولة أجنبية تحتاج إلى ثمانمئة ألف ليرة، فإذا سلم الله عز وجل للإنسان صحته وكان في صحة طيبة وفي بحبوحة وأنفق من ماله فما الذي خسر؟ هو يقدم الضمان الحقيقي، أخي أنا عملت تأميناً كاملاً للسيارة، إذا صار حادث ضخم وانقطع العمود الفقري وصار شلل دائم وأعطوك ثلاثمئة ألف ليرة فهل أنت الرابح؟ لا يعادل ذلك مليون، ولا مئة مليون، ولا ألف مليون، فالتأمين أنكره العلماء لأنـه لا أحد يملك الأمن إلا الله، فإذا اشتريت الأمن من غير الله فكأنما تشتري بضاعة ممن لا يملكها، فإذا إنسان أمن ضد أخطار الصحة مثلاً أو أمن على السيارة تأميناً كاملاً يمكن أن يعمل حادثاً فيفقد أحد أعضائه الأساسية، فالإنسان يجب أن يؤمن عند الله عز وجل، فقد يخطر في بالي كلمة قبل أن آتي إليكم لا يوجد قاعدة، وهناك إنسان في منتهى الذكاء تأتيه مصيبة كبيرة وهو بمنتهى الغفلة فيتعب طوال حياته، والقاعدة مشيئة الله عز وجل، وعلـيك أن تعلن الصلح مع الله عز وجل، فإذا رجع العبد إلى الله عـز وجل نادى منادٍ في السـماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :سجود التلاوة - 1 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثانى و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجود التلاوة : أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في أبحاث الفقه إلى سجود التلاوة وسببه التلاوة، من إضافته إلى سببه، التلاوة على التالي والسامع في الصحيح، يجب سجود السـهو على التالي أي تالي القرآن إذا مرّ بسجدة أو السامع على الصحيح، وهو واجب على التراخي إن لم تكن في الصلاة، مادمت تقرأ القرآن خارج الصلاة واجب على التراخي، يوجد ظروف لا يناسب أن تسجد كأن تقرأ القرآن في سيارة عامة وأنت مسافر مرّ معك سجدة، فصعب عليك أثناء وجودك في السيارة العامة أن تسجد أمام الناس، وجوب هذه السجدة على التراخي في غير الصلاة، وكره تأخيرها تنزيهاً، تأخير السجود مكروه تنزيهاً لا تحريماً، والكراهة نوعان كراهة تنزيهية و كراهة تحريمية، ويجب على من تلا آية فيها سجدة أن يسجد للسهو، فلو تلوت آية السجدة وحدها عليك أن تسجد للسهو، وبعضهم قال: مع كلمة قبلها وكلمة بعدها أي كلمة السجدة، ولله يسجد، إن تلوت كلمة قبلها وكلمةً بعدها وجبت عليك سجدة التلاوة، وآياتها أربع عشرة آية في الأعراف، و الرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وصاد، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق، هذه هي السور التي فيها مواضع لسجود التلاوة، ويجب السجود على من سمع وإن لم يقصد السمع، أخوك في البيت يقرأ القرآن وأنت تعمل عملاً يجب على من استمع آية السجدة وإن لم يقصد سماع القرآن الكريم إلا الحائض والنفساء فليس عليها سجود التلاوة. ولهذا السجود أحكام نأخذها في درس قادم لأنها طويلة وكثيرة، ونفسح المجال للفصل المختار من إحياء علوم الدين الذي يتعلق بآداب الطعام والشراب، وبعدها تأتي آداب أخرى مذكورة في هذا الكتاب. * * * آداب الضيافة : أنهينا في الدرس الماضي آداب تقديم الطعام وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى آداب الضيافة، وآداب الضيافة ستة آداب، الدعوة أولاً، والإجابة ثانياً، والحضور ثالثاً، يوجد فرق بين الإجابة والحضور فالإجابة قبول الدعوة، أما الحضور فتنفيذها، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل ثم الانصراف، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغض الله سبحانه وتعالى ومن أبغض الله أبغضه الله )) [أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث سلمان] إذا تكلفت للضيف يصبح وجود هذا الضيف عليك ثقيلاً، إن كرهت الضيف كما جاء في الحديث الشريف أبغضت الله عز وجل، ومن أبغض الله أبغضه الله، وقـال صلى الله عليه وسلم: (( لا خير فيمن لا يضيف)) [ أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ] الكرم والشجاعة من صفات المؤمن الثابتة : من صفات المؤمن الثابتة الكرم والشجاعة، وأظن أن البخل والجبن لا يجتمعان بمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من البخل والجبن، والهم والحزن، وغلبة الدين وقهر الرجال. وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إذا أراد أن يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغذى معه، وكان يسمى أبا الضيفان، ولو دققت في الأمر ترى أن الإنسان الكريم سبحانه وتعالى يغدق عليه من خيراته، فإذا أكرمت الضيف على حساب الله سبحانه وتعالى لا على حسابك أحياناً تكون أنت مندوب شركة ويأتي مدير الشركة أحياناً وتدعوه إلى طعام نفيس، وتطلب وتعرف الدفع كله على حساب الشركة وأنت مندوبها، فتكرم كرماً منقطع النظير، والحقيقة هذا مثل ينطبق على المؤمن لأن عنده يقيناً أن هذا المال الذي ينفقه على الضيف هو مال الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى متكفل أن يعوضه عليه فكأنما يضيف أخوانه المؤمنين على حساب الله سبحانه وتعالى. قصة قلتها لكم كثيراً، يوجد بيت عربي قديم فيه ليمونة تحمل خمسمئة ليمونة في الموسم، أهل الحي كلهم تعودوا على هذه الليمونة عندهم صحن سلطة نقصهم ليمون يقرعون الباب لو سمحتم ليمونة، يعطونهم من عشرين إلى ثلاثين سنة وهذه الليمونة تحمل ما يحتاجه أهل الحي كلهم، هذه المرأة الكبيرة توفيت وعندها كنة شابة حمقاء بخيلة فلما طرق الباب من أجل ليمونة نهرتهم وطردتهم فما كان من هذه الليمونة إلا أن يبست في العام التالي. من أكرم الناس فعلى حساب الله عز وجل : يجب أن تعتقد أنك إذا أكرمت الناس فعلى حساب الله، أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، عبدي أَنفق أُنفق عليك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلن الجنة خبباً - أي هرولةً - وماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتيني الله ألفاً في المساء، والله ما حرمت مالي محتاجاً ولا مسكيناً، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [ سورة التوبة: 103 ] وهناك أخ له محل في بعض أسواق دمشق، و في أحد الأيام قالت له أخته: أريد ألفي ليرة منك، وأخته غير متزوجة ساكنة عنده، وطعامها وشرابها وكسوتها وكل حاجاتها عليه، ما قنع صار معه صراع أيعطيها أم يقول لها لا أملك هذا المبلغ؟ تغلب حبه للخير ولم يرد أن يردها فأعطاها الألفين، قال لي: منذ سنة ذهبت إلى السوق الساعة العاشرة فجاءه رجل من قطر عربي يود أن يشتري حاجة ليست عنده قال له: دلني على معملها فأخذه بيده إلى معملها، وهذا الرجل التاجر اشترى كمية كبيرة بسبعين ألف ليرة تقريباً ظهراً فجاء صاحب المعمل في طريق ذهابه إلى الغداء وأعطاه ألفي ليرة مكافأةً له على أنه دلّ الزبون لعنده، قال لي: في اليوم نفسه دفعتها صباحاً فأخذتها الظهر، طبعاً مثل هذه القصة يوجد آلاف القصص، لكن ربنا أحياناً يعلمك أن تكون كريماً، طبعاً الله كريم، ولكن إذا أنفقت يمكن أن يعطيك التعويض سريعاً، فالرجل ضعيف الإيمان يأتيه التعويض سريعاً حتى يوقن أن هذه النفقة قد عوضها الله له أضعافاً كثيرة. تعريف الإيمان : وسئل عليه الصلاة والسلام ما الإيمان؟ قال: إطعام الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور قال: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السلامِ )) [ أحمد عَنْ جَابِرٍ] وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة، وهذه الأحاديث والآثار كلها في الحث على بذل الطعام للضيف. آداب الدعوة : 1 ـ ينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق : أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق وهذا أول أدب، و أكثر الولائم يدعى إليها وجهاء المجتمع بيت فلان، بيت فلان الأغنياء المترفون الذين لا يصلون، وهذه الولائم لا يراد بها وجه الله تعالى، و ليست داخلةً في هذا الموضوع إطلاقاً، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه] وبلغني أن بعض الأمراء أحياناً يقيمون بعض الولائم، الوليمة لأمير ثانٍ يقدم له مثلاً جمل صغير هذا غالي الثمن وله مذاق طيب لا يجرؤ أحد أن يأكل بعد الأمير لقمة، قال: لأن هذا إهانة للأمير، بل يأخذ هذا الطعام النفيس الذي يكفي ألف إنسان ويلقى في القمامة، وهكذا العرف عندهم، أي عرف هذا؟ أن يصنع طعام يكفي ألف إنسان ليأكله إنسان واحد وعلى الضفة الأخرى من البحر أناس يموتون جوعاً، أي عرف هذا؟ وأي تقليد؟ وأي سنة؟ هذه الولائم التي تقام من أجل المباهاة ما أنزل الله بها من سلطان، وليست داخلةً في كل هذا الكلام. يجب أن يعمد الداعي إلى الأتقياء دون الفساق، قال صلى الله عليه وسلم لرجل ضاف عنده: ((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ )) [ أحمد عَنْ أَنَسٍ] وسام كبير أن يأكل طعامك الأبرار، أما إذا أكل طعامك الفساق الفجار الكفار المعرضون فهذا وصمة عار في حقك، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل إلا طعام تَقيٍ ولا يأكل طعامك إلا تَقيٌ"، وشر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء. 2 ـ عدم إهمال الأقارب في الضيافة : وهنا يوجد أدب من الآداب يجب ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإنسان دعا أصدقاءه وله صهر، وهذا الصهر قد يعتب عليه، فالأقربون أولى بالدعوة، وهناك أناس يلوذون بك هؤلاء يجب أن تدعوهم، ولذلك ينبغي ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم قطع رحم، وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه الأكبر فالأكبر، الأقدم فالأقدم، ولابد من قاعدة لكي لا يعتب عليك الباقون، ومن دون قاعدة مشكلة، دعوت أخواتك البنات جميعاً، دعوت أخوانك بحسب قاعدة معينة، أخوانك في الحرفة، جيرانك في الحي، أولاد العم جميعاً، الأخوة لابد من قاعدة تراعي فيها هؤلاء. 3 ـ ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه : ينبغي ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه، والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين. 4 ـ ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة : ويجب ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، إذ يوجد ظروف قاهرة، فإنسان يجوز أن يكون محله بعيداً جداً، فإذا دعوته و أراد تلبية الدعوة يتكلف أن يأخذ سيارة خاصة بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً فقد لا يملك هذا المبلغ، وإذا إنسان في دعوته مشقة كبيرة ينبغي ألا تدعوه. 5 ـ عدم دعوة من يتأذى الحاضرون من كلامه : وإذا حضر أو أن لك ابن عم أو أخ ملحد ودعوت أخوانك المؤمنين فإذا دعوته - له عندي عزيمة ادعه بالجملة- تؤذي الحاضرين، فهذا إنسان منكر، وإذا قال أحدهم كلمة بالدين يرد عليهم، وإن سكت يكهرب الجو كله، وإن كان أخاك، و إذا إنسان دعوته إلى وليمة يتأذى الحاضرون من كلامه، ومن تعليقاته أحياناً، ومن عدم مبالاته، من قواعد الدين أن تدعو الإخوان المؤمنين، دعوت أخاك النسبي فيجب ألا يدعى هذا معهم. 6 ـ ينبغي ألا تدعو إلا من تحب إجابته : قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام..."، فالآن يوجد أدب أخير وينبغي ألا يدعو إلا من يحب إجابته، أحياناً إنسان يدعو شخصاً ويقول: إن شاء الله لا يأتي، إما أن تدعوه أو لا تدعه، أن تدعوه وأنت تتمنى ألا يحضر فهذا مخالف للسنة، قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام وهو يكره منه الإجابة فعليه خطيئة، فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان"، إذاً لا يوجد نفاق، ولا مواقف معلنة ومواقف حقيقية، ولا يوجد مجاملات، ولا يوجد ازدواجية في المواقف، إما أن تحبه فتدعوه، وإن كنت لا تحبه لا تدعه، أما أن تدعوه وتتمنى ألا يحضر فإذا حضر خيب ظنك. وإطعام التقي إعانةً له على الطاعة، وإطعام الفاسق تقويةً له على الفسق، قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب الأمراء فهل أخاف أن أكون من أعوانهم؟ قال: لا أنت منهم لا من أعوانهم، أما الذي يبيعك الخيط والإبرة فهو من أعوانهم. فإذا دعوت الفاسق أعنته على فسقه وفجوره. إجابة الطعام سنة مؤكدة : أما إجابة الطعام فهي سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها في بعض المواقع، فبعضهم يقول: الإجابة واجب كالفرض، وبعضهم يقول: إنها سنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فليس لك عليه شيء، قدم لك ذراعاً فيه قليل من اللحم، فتقول: شكراً له وهذه من آداب النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تحتقر ما يقدم لك فهذا إثم كبير، وهذا كبر، وهذا استعلاء شيطاني. وأحياناً رجل يقدم لك برتقالة صغيرة لا يوجد عنده غيرها، تقول له: شكراً، بارك الله فيك، ألم يستحِ أن يقدمها لك؟ لا لم يستحِ أحب أن يكرمك، فإن الحرمان أقل منه، برتقالة واحدة، لا يوجد عنده غيرها هذه كلها مصطلحات جاهلية. آداب إجابة الدعوة إلى الطعام : 1 ـ ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير : الآن آداب إجابة الدعوة إلى الطعام، الأول: ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه، تدعى أحياناً إلى كتاب،مستوى راقٍ جداً، وتعرف أن القطعة غالية وسوف يقدمونها لك من فوق المئة ليرة، الطعام الذي سوف يقدمونه لك ثمين، تركض فوراً وتلغي جميع مواعيدك، أما دعيت إلى كتاب فقط فيه وملبس والله تعذرني عندي مواعيد، فهذا هو التكبر بعينه، فإذا كنت مؤمناً تلبي جميع الدعوات، أتختار الغني وتقول للفقير اعذرني مشغول لا يوجد عندي وقت!! أتمنى أن آتي ولكن عندي موعد مهم جداً، والله يعرف إذا كان عندك موعد مهم جداً أم لا، وقد تكون نيتك انسحاباً من الدعوة أو كبراً فهذا ليس من أخلاق المؤمن في شيء. النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين : وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، ودعوة المسكين، فامرأة ضعيفة مسنة استوقفته في الطريق فوقف طويلاً يكلمها في حاجتها، قال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملك، ما هذا التواضع؟ أنت مدير دائرة يوجد عندك مستخدم، قال لك: يا سيدي هل تشرفنا إلى البيت؟ تقول له: نعم، تجبر خاطره، ويمكن أن تهديه إلى الله، ومن أنت؟ قد يكون هذا عند الله أفضل منك، لا تعرف قد يكون له عمل طاهر مستقيم، أنت مدير عام وهو مستخدم، قال تعالى: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ [سورة الواقعة: 1-3] ويمكن في الآخرة أن تكون مستخدماً وهو مدير عام، لا تعرف، فعلى الإنسان ألا يتكبر، وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين. ومرّ الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض - خبزاً يابساً - في الرمل وهم يأكلون، فمر عليهم الحسن وسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا بن بنت رسول الله؟ قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم وركب فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم ودعاهم فوعدهم بوقت معلوم فحضروا وقدم لهم فاخر الطعام. أحد العلماء الكبار في الشام قبل أربعين سنة كان يدعو الأمراء كبراء البلد الوجهاء، من لهم الحول والطول، ويضع لهم كشكة، وأولاده يخجلون ما هذا الطعام؟ يقول لهم: هذا الطعام يحبونه لا يأكلونه أبداً، والفقراء يدعوهم ويضع لهم لحماً، إذا دعا الكبراء يضع لهم طعاماً متواضعاً جداً حتى يذوقوا طعام الفقراء، إذاً دعا الأغنياء ليؤدبهم ويعلمهم أن هذا طعام الفقراء. والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم، فكان هذا العالم إذا دعا الكبراء والأمراء من أجل أن يؤدبهم وأن يذيقهم طعام الفقراء، وإذا دعا الفقراء أذاقهم أطيب الطعام وكان يقول: هؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، وهؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، فإذا دعوت شخصاً إلى طعام يأكله كثيراً ما فعلت شيئاً. من دعاه إنسان فاجر فاسق فلا يجبه : أما قول القائل إنما وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي، هذا القول محمول على أن إنساناً متكبراً دعاك، فإذا دعاك إنسان متكبر فاسق فاجر تعلل ولا تجبه، لأنك إذا وضعت يدك في قصعته ذلت له رقبتك وأنت عزيز النفس، أنت للمؤمن ذليل أذل من شاتك أما للكافر فعزيز عليه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحضر طعام من دعاه إن كان هذا في علمه أنه يدخل على قلبه السرور. من ظنّ أن الداعي يستثقل الإطعام وفعل ذلك مباهاةً فليس من السنة إجابته : بالمناسبة إذا إنسان دعاك إلى الطعام ولم يفرح بهذه الدعوة فإياك أن تجيبه، وقبل قليل نهي عن أن إنساناً يدعو إنساناً ويتمنى ألا يحضر، أما إذا دعيت إلى طعام وتعلم أن الداعي قد دعاك متحرجاً أي أنت من مستوى فلان وفلان، وفلان دعاك لكي لا تعتب عليه وهو يتمنى ألا تحضر فإياك أن تحضر، ومن ظن أن الداعي يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفاً فليس من السنة إجابته، بل الأولى التعلل أي الاعتذار، وقد قال بعض الصوفية: لا تجب إلى دعوة من يرى أنك أكلت رزقك، وأنه سلم إليك وديعةً كانت عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه، إذا إنسان يرى في إجابتك الدعوة فضلاً عليه، ويرى أن هذا الطعام وديعة مودعة أمانة عنده، ويرى أنك إذا أكلت من طعامه فقد أكلت رزقك، قال: هذا يجاب وما سوى ذلك لا يجاب، وقال بعضهم: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة، فأحياناً تأكل طعاماً حراماً فهناك تبعة ومسؤولية، فإذا إنسان بيده أموال أيتام وأكل وذهب ليسافر حتى يتاجر لهم وأكل أفخر الطعام ما ترك شيئاً ما أكله ويقول: هذا مصروف على الشركة، فأي مصروف هذا؟ هكذا المصروف في هذا البذخ؟ فلو كان من مالك فهل تأكل هذا الطعام؟ هذا الطعام فيه تـبعة ومسؤولية كبيرة، فقال هذا الرجل: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة. فعلمت أنه عقوبة، الترفع عن طعام المحب، وأحياناً شخص يغيب ويحضر لك عشاء، ويكون قد كلف نفسه فتقول له: ما بنفسي، كل هذا التعب أفلا تأكل؟ فهذا سوء أدب، إذا إنسان محب قدم لك طعاماً وامتنعت فأنت آثم. 2 ـ لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة أو لفقر الداعي : الآن يوجد أدب آخر قال: لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، أي ليس له جاه عظيم فهو من عامة الناس، بل كل مسافة يمكن احتمالها بالعادة لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة إليها، قيل في بعض الكتب: سر ميلاً وعد مريضاً، وسر ميلين وشيع جنازة، وسر ثلاثة أميال وأجب دعوة فقير، وسر أربعة أميال وزر أخاً في الله، والحديث الشريف: (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الغميم من أطراف المدينة مكان بعيد جداً، لو دعي إلى كراع بالغميم قال: لأجبت. 3 ـ ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر : والآن الأدب الثالث ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر فإن كان يسر أخاه بإفطاره فليفطر، وهل يوجد أبلغ من ذلك؟ أنت صائم صيام نفل، ودعاك أخوك إلى الغداء والمكان بعيد، فعليك أن تلبي الدعوة، وأن تفطر في ذلك اليوم إكراماً له، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم، وأفضل الأجر الذي يكتب بإفطاره عند أخيه ليسره أعظم من الأجر الذي يكتب له بصيامه، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن امتنع بعذر الصوم: تكلف لك أخوك وتقول: إني صائم؟ وقالها مغضباً. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار"، فالإفطار عبادة بهذه النية، صائم صيام النفل وهناك أخوان طيبون دعوك إلى طعام يسرون أن تأكل معهم، قال: الإفطار بهذه النية عبادة، وأن تقطع صومك فهذا عبادة وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم. 4 ـ أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ أو كان الداعي ظالماً : الأدب الرابع: أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ، أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يقام في موضع منكر من فرش ديباج، أو إناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو سماع شيء من المزامير والملاهي، أو التشاغل بنوع من اللهو، والعزف، والهزل، واللعب، واستماع الغيبة، والنميمة، والزور، والبهتان، والكذب، وشبه ذلك، أي كل دعوة فيها كذب، وبهتان، وزور، ونميمة، وغيبة، ولعب، وهزل، وعزف، وملاهٍ... فتلبية الدعوة ليست مباحةً، و الأولى أن ترفض هذه الدعوة، وكذلك إذا كان الداعي ظالماً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً، أو شريراً، أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر، وهذا أيضاً من آداب إجابة الدعوة. 5 ـ ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن : الأدب الخامس: ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن، فإذا رجل قال: إنه أخ محب وطعامه طيب فلأذهب وآكل عنده فهذه لا تجوز، فهنا عامل من أبواب الدنيا، بل بحسن نيته، صار إجابة هذه الدعوة أحد عوامل الدخول في أبواب الدنيا، والدخول في أبواب الدنيا مكروه، فما النية؟ إكرام أخيه بإجابة الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( عَنْ عَطِيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ قَالَ فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ وَعَقَلَ قَلْبِي قَالَ فَقِيلَ لِي سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ قَالَ فَاللَّهُ السَّيِّدُ وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي وَالدَّارُ الإِسلامُ وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ)) [الدارمي عَنْ عَطِيَّةَ] ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله سبحانه وتعالى، ومن سرّ مؤمناً فقد سره الله. (( عن مُعَاذٌ فَقَالَ عُبَادَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ )) [ أحمد عن مُعَاذٌ] 6 ـ الإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن : فالآن أحياناً تدعى إلى وليمة إذا امتنعت يفسر هذا بالبخل، فالإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن، وأغلب الظن أن البخيل لا يجيب الدعوة، أي وقع تحت عبء الرد، فإذا لم يجب الدعوة فلا شيء عليه لكن مثل هذا العمل قد يساء به الظن، فيظن أن هذا الذي رفض الدعوة بخيل لا يحب أن يدعو الناس إلى طعامه، وقد يطلق اللسان فيه، وفي عرضه، فهذه ست نيات تلحق إجابة الولائم فكيف إذا اجتمعت كلها في المؤمن، فهذه الآداب الست يجب أن تجتمع في المؤمن حتى يكون عمله كله لله سبحانه وتعالى. كان بعض السلف يقول: أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب، اقتداءً برسول الله وفي مثل هذا قال عليه الصلاة والسلام: ((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ] لكن النية الطيبة لا تعد نيةً طيبة إلا في المباحات، أما في المعاصي فالنية لا قيمة لها أبداً، وينوي أن يسرهم بشرب الخمر وهذه مرفوضة، فالنية الطيبة في المباحات فقط، أما إذا في معصية فهذه النية لا قيمة لها إطلاقاً. * * * شمائل النبي عليه الصلاة والسلام : 1 ـ صبره على أذى المشركين و تحمله للشدائد : والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كان صابراً على أذى المشركين، ومتحملاً للشدائد في سبيل الله: (( عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلالٍ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ )) [ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ] أي ما أوذي أحد مثلما أوذي عليه الصلاة والسلام، وأحياناً يقول إنسان لآخر: لا أريد لك أن تذهب إلى هذا المكان أنصحك، فيترك الجامع نهائياً، فالذي قالها لك إنسان ليس موحداً لله عز وجل، ولا يعرف أن الأمر كله بيد الله، من كلمة واحدة حرم نفسه مجالس العلم، والنبي الكريم خاف بالله أليس لك به أسوة حسنة؟ ((...لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ... )) [ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ] وحينما دعا قومه للإسلام قال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، أو أنت رسول، وقال آخر: والله لا أكلمك بعد في مجلسك هذا كلمة واحدة لأن كنت رسولاً، لأنت أعظم شرفاً من أن أكلمك، استهزاءً أيضاً، وقال آخر: أيعجز الله أن يرسل غيرك، هذا ما ردّ به كفار قريش عليه، ولذلك في الطائف قال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضباناً، أو إن لم تكن ساخطاً، أو إن لم يكن بك سخط، أو إن لم يكن بك غضب - هذه كل الروايات - علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله". هذا سيد الأنبياء، وسيد العالمين كان مستضعفاً، فإذا الإنسان كان مستضعفاً فله برسول الله أسوة حسنة وما بيده شيء. 2 ـ عدله : أما عدله فكان صلى الله عليه وسلم أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قواماً بالقسط، منتصراً للحق مع القوي أو الضعيف، والغني أو الفقير، والكبير أو الصغير، والرجل أو المرأة، ومع الحر أو العبد. ((عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ وقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [مسلم عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ] فالسيدة عائشة كانت وسيطة بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين النساء، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] كان عادلاً، إذا كان هناك رجل مظلوم فدعه يتكلم فإن لصاحب الحق مقالاً وقال عليه الصلاة والسلام: ((....إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وقال عليه الصلاة والسلام: والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، ومرة أعرابي فظ قال له: ((عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْه يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ )) [ البخاري عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ] 3 ـ رحمته بالأهل والعيال : وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى رحمته بالعيال، ورحمته بالصبيان، ورحمته بالمؤمنين، ومن رحمته بالأهل والعيال ما رواه أحمد: ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ )) [ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ )) [ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ] ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ولذلك مرة سيدنا عمر عين والياً لولاية وكان في حضنه ابنه يقبله فأنكر هذا الوالي عليه هذا التقبيل، فقال له: أعطني هذا الكتاب كتاب التعيين ومزقه وقال: إن لم ترحم أهلك هل ترحم الناس؟ يعني كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم أصحابه الرحمة، وقال: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، كان يصغي الإناء للهرة، كان يقول: (( عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)) [ مسلم عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما ] والنبي الكريم وصف رجلاً كان عطشاً عطشاً شديداً نزل بئراً فشرب فلما خرج: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] أطعمت حيواناً، سقيت هرة، أنقذت فراشة، أنقذت نملة، أنقذت عصفوراً من يد طفل عابث، اشتريته منه وأطلقته، هذا لك أجر كبير لا يعلمه إلا الله. ((... قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ )) [ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] فرجل له ابن في حي الميدان ويسكن في المهاجرين، ولا يوجد سيارات مشى مع أصدقائه من الميدان إلى المهاجرين قبّله ورجع، ماذا بقلبه من الرحمة؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...)) [ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ] من لم يكن عنده رحمة متناهية فليس مؤمناً : إن لم يكن عندك رحمة متناهية لأولادك، ولأهلك، ولوالدتك، ولأخيك، ولأختك فلست مؤمناً، وإن صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، و هذا الإسلام الصوم والصلاة والحج والزكاة مظاهر ولكن الحقيقة هذا الكمال الإنساني الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الصلاة، فصلاة من دون رحمة هذه ليست صلاة، ولكن الصلاة طريق الرحمة، و الصلاة الصحيحة طريق الرحمة، والنبي الكريم كان يقول: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهم لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً"، ومرة غضبت السيدة عائشة فقال صلى الله عليه وسلم: " غَضِبَتْ أمُّكم غَضِبَتْ أمُّكم". انظر الكمال النبوي، أي إذا أحدكم زوجته غضبت فلا يغضب معها إذ يجن الاثنان معاً، إذا هو غضب فهي تسكت، وإذا غضبت يسكت هو، فإبريق بلور و إسفنجة تصادما لا يحصل شيء، أما إبريقا بلور تصادما فلن يبقى شيء، وأفضل شيء إسفنجة وإسفنجة، لكن إذا غضب مرة الزوج تسكت الزوجة، وإذا غضبت هي يسكت الزوج، هكذا علمنا صلى الله عليه اترك وامش، بعد ساعة هرب الشيطان فلا يوجد شيء. ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...)) |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :سجود التلاوة - 2 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثالث و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة : أيها الأخوة المؤمنون، كنا نتحدث في الأسبوع الماضي في موضوع الفقه عن سجود التلاوة، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو سجود في الصلاة، غير سجود وركوع الصلاة، فللصلاة ركوع وسجود طبيعي اعتيادي حكمي، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو بسجود غير ركوع الصلاة الأساسي وسجوده، ويجزئ عن هذا السجود، معنى يجزئ أي يغني، ركوع الصلاة الطبيعي، إن نواها، إذا نوى سجود التلاوة في ركوع الصلاة الطبيعي فركوع الصلاة الطبيعي يجزِئ أي يغني عن سجود التلاوة، وإن لم ينوها يجزِئ عنه السجود الطبيعي، فالركوع يجزئ بشرط النيّة، والسجود يجزئ من دون نيّة، فسجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة أي ينقطع استمرار التلاوة، فمثلاً قرأت آية السجدة فرفعت وسجدت فسجودك الطبيعي هو في الوقت نفسه سجود للتلاوة، ولك أن تقرأ آية بعدها ولا ينقطع الاستمرار، و لك أن تقرأ آيتين ولا ينقطع الاستمرار، أما إذا قرأت فوق آيتين فينقطع الاستمرار ويجب عليك عندئذٍ أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً. متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة ؟ متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة؟ إذا كنت تقرأ الآيات فجاءت آية السجدة فقلت: الله أكبر، وركعت ركوع الصلاة، وسجدت سجود الصلاة، فهذا السجود يغني عن سجود التلاوة، أما إذا قرأت آيات كثيرة بعد آية السجدة فلا بد من أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً عن سجود الصلاة. والآن: لو أن مسلماً قرأ آية السجدة، وقرأ آيتين أو ثلاث بعدها، فخرّ ساجداً سجود التلاوة لا سجود الصلاة، ثم وقف فلا ينبغي له أن يركع ويسجد، ينبغي له أن يتم قراءته، إذ كُرِهَ أن يركع ويسجد بعد سجود التلاوة لأنه بنى سجوداً على ركوع، وهذا في الصلاة غير وارد. تقرأ الآية فتسجد للتلاوة تقف تتابع الآيات، أما إذا أنهيت القراءة عند آية السجدة فركوع الصلاة وسجودها يجزئان ويغنيان عن سجود التلاوة، والركوع يغني بنيّة، والسجود يغني من دون نيّة، فهل هذا واضح؟ الآن: لو سمع رجل من إمام لم يأتَّم به آية سجدة، أو ائتم به في ركعة أخرى فسمع آية السجدة من إمام يصلي وهو لم يأتَّم به، في الركعة الثانية ائتم به يجب أن يسجد خارج الصلاة، فالمستمع يسجد خارج الصلاة، والذي ائتم بهذا الإمام بعد أن ينهي الإمام صلاته يسجد هو سجدة التلاوة خارج الصلاة، وإن ائتم به قبل سجود إمامه لها سجد معه، فلو فرضنا قرأ آية السجدة، وقال: الله أكبر للسجود وائتم به في هذه الأثناء يأتَّم به ساجداً مباشرة. وإن اقتدى به بعد سجودها في ركعتها فهذه حالة دقيقة: دخل رجل المسجد يوم الجمعة في الفجر فالإمام قرأ السجدة وسجد ثم وقف وتابع السورة فلما انتهى من السورة ركع فجاء هذا الرجل وائتم بالإمام في آخر تسبيحة من الركوع، هل عليه سجود التلاوة؟ الجواب لا! لأنه أدرك ركعة مع الإمام وإدراك جزء كإدراك الكل، وكأنه وقف واستمع إلى السورة، وسجد للتلاوة ووقف وركع. قراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة: والآن: لو قرأت القرآن خارج الصلاة ومرّت بك آية سجدة وسجدت ثم قمت فصلَّيت وقرأت سورة فيها سجدة يجب أن تسجد مرة ثانية، فقراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة، وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة، ولو قرأ القرآن أولاً وفي قراءته سجدة ولم يسجد قام فصلّى وفي قراءته سجدة تغنيه السجدة الثانية عن الأولى، أما لو قرأت مجموعة آيات فيها سجدات في مجلس واحد تسجد سجدة واحدة. المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة : أما إذا تبدل المجلس مثلاً غيّرت مكانك وغيرت الغرفة، إذا تبدل المجلس فعليك أن تسجد للتلاوة إذا قرأت آية التلاوة مرة أخرى. قيل: إن المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة، فإذا بدلت مكانك من زاوية لأخرى لا يتبدل المجلس، ولو بدلت مكانك من زاوية مسجد مهما كان فسيحاً فالأمر كله مجلس واحد ولو غيرت مكانك من شرقه إلى غربه فهذا مجلس واحد، وأنت في السفينة فتحركت معها فمجلس واحد، اتكأت وجلست وقمت وركبت ونزلت فهذا كله مجلس واحد. تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود : أما السامع إذا كان قارئاً يقرأ القرآن وكان فيها آية سجدة فعليه أن يسجد، خرج من مكانه فالسامع والقارئ مجلسه واحد ورجع وقرأ آية أخرى فيها سجدة فعليه أن يسجد مرة ثانية تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود، أما ثبات مجلس السامع فلا يلزمه بتكرار السجود. قال: كُرِهَ أن يقرأ سورة ويدع آية السجدة فمكروه! ونُدِبَ ضم آية أو أكثر إليها، ونُدِبَ إخفاؤها! مثلاً: أنت كإمام لك إيقاع صوتي خاص بالتكبيرات، وإذا قلت: الله أكبر لسجود التلاوة فينبغي لك أن تغير هذا الإيقاع كي ينتبه الغافل، وهذا يحدث أكثر ما يحدث في صلاة الوتر جماعة في رمضان، إذ يكون المصلي غير منتبه، فيقول الإمام: الله أكبر فيركع نصف المصلين! هو قال: الله أكبر لدعاء القنوت، والأصول أن يكبّر هذه التكبيرة بصوت مختلف عن تكبيراته الاعتيادية، في صلاة العيد أيضاً هناك ثلاث تكبيرات قبل الركوع، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إذا قلت الرابعة مثل المرات الثلاثة يبقى المصلون واقفين، فعليك أن تقول الرابعة بإيقاع صوتي مختلف عن الثلاث كي يركعوا معك وهذه حكمة من الإمام. من يقرأ القرآن و هو جالس فعليه أن يقف ثم يسجد إن مرت معه سجدة : إذا إنسان جالس يقرأ قرآناً، فالسنّة ألا يسجد مباشرة بل أن يكون واقفاً ثم يسجد! لو فرضنا قارئاً يقرأ القرآن وحوله عشرة مستمعين ومرت آية سجدة لا يرفع السامع رأسه من سجود التلاوة حتى يرفع التالي الذي هو الإمام، ولو عشرة يجلسون في المجلس وتالي القرآن سجد للتلاوة، فالتالي إذا قال: الله أكبر يرفع الحاضرون كأنه إمامهم، لكن إذا كان التالي يقرأ القرآن جالساً في مجلس، والناس تجلس جلسات مختلفة، فلا ينبغي للتالي أن يتقدمهم، ولا ينبغي للمستمعين أن يصطَّفوا، لأن هذا السجود ليس صلاة! وكل مصلٍّ على وضعه كما هو طبعاً باتجاه القبلة، ولكن لا داعي للاصطفاف على التأخير. وشُرِط لصحتها شرائط الصلاة من ستر للعورة، واستقبال القبلة، والطهارة من الحدث، وشروط الصلاة نفسها هي شروط سجود التلاوة، إلا التحريم وكيفيتها أن يسجد سجدة واحدة بين تكبيرتين هما سنتان بلا رفع يد ولا تشهد ولا تسليم. * * * آداب الطعام والشراب : والآن إلى الفصل المختار من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في آداب الطعام والشراب، والطعام والشراب سلوك يومي، مادام في الإنسان قلب ينبض فلا بد من أن يأكل، و هذا السلوك اليومي النبي عليه الصلاة والسلام شرّع له آداباً كثيرة، ما رأيت كتاباً يجمع بين دفتيه آداباً متناهية في الدقة كهذا الكتاب، والآن في بعض الدول الأجنبية يدرسون بعض السفراء مواد عن آداب الاستقبال، وعن آداب التوديع، وآداب الحديث مع الضيف، وآداب الطعام، وكيف تمسك الشوكة باليسار وكيف باليمين أو بالعكس لا أعرف، هذه أشياء دقيقة جداً، فهذه هي المعلومات التي يحتاجها المسلم، هذا بروفيسور إسلامي. آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه : 1 ـ أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن : اليوم درسنا: آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه، أما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن، مثلاً: الدعوة الساعة الثانية، جاء أخ الساعة الثانية جلس في صدر المنزل، لعل هذا المضيف داعٍ أشخاصاً أوزن من هذا الذي جاء فترك الصدر لبعض أشخاص من علية القوم، فأنت كضيف ليس لك الحق أن تجلس في أبهى مكان، ولك أن تجلس في مكان ما، فإذا رأى المضيف أن مكانك لا يليق بك فيغير لك المكان الذي انتقيته فهو يدعوك إلى الجلوس في مكان غيره، وهذا أول أدب. 2 ـ ألا يتأخر في الحضور : الأدب الثاني: ألا يتأخر في الحضور، تصور أنك داعٍ عشرة أشخاص ومن تأخر منهم يجب أن يكون موجوداً والساعة أصبحت الثالثة ولم يصل بعد، والطعام سيبرد، والحضور انزعجوا، فكم تشعر بضيق وانزعاج من هذا التأخر؟ 3 ـ ألا يأتي قبل الوقت المحدد : و من آداب حضور المأدبة أو الوليمة أن تأتي في الوقت المحدد. ومن آداب الحضور أيضاً: ألا تأتي قبل الوقت المحدد! مثلاً: أنت دعوت فلاناً من أقربائك وزوجته فجاء منذ الساعة التاسعة مع ست أولاد! فأنت لم تستطع أن تقوم بأي عمل في البيت، و بعض الناس لا تنتبه لهذه النواحي، هذا رتّب البيت، ونظفه، ومسّحه، ويريد أن يلتفت لتحضير الطعام، والحاجات، والأدوات، فجاء هذا الضيف وأولاده قبل الموعد بخمس ساعات هذا أصبح عبئاً، فالحضور في وقت غير مناسب ليس من السنّة، والتأخر ليس من السنّة، والجلوس في مكان أنت اخترته ليس من السنّة، دع صاحب البيت يجلسك في المكان الذي يرتئيه لك. 4 ـ إن أشار له صاحب البيت بمكان لا ينبغي له أن يخالفه فيه : قال: إن أشار لك صاحب البيت بمكان لا ينبغي لك أن تخالفه فيه، قال لك: تفضل إلى هنا، لا لا هنا أنا مرتاح جداً، هنا مواجه الباب، إذا فتح الباب زوجته تناوله الطعام، فالمضيف أمير بيته، قال لك: تفضل إلى هنا، قل له: حاضر، لا، لا مرتاح هنا، أريح لي، تقع مشاحنات عند بعض الناس، قال: فإن أشار صاحب البيت بموضع فلا ينبغي لك أن تخالفه أبداً، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجالس)) [الطبراني عن طلحة] 5 ـ الجلوس حيث ينتهي به المجلس : أنت لك مكانة كبيرة فجلست بطرف الباب فهذا من التواضع لله، ولذلك فالإنسان لا يأخذ على خاطره أنه جلس على كرسي خيزران، والجميع يجلسون على كنبات، ألا يعرفون قيمته؟ لا هذا من السنّة، اجلس حيث ينتهي بك المجلس، يقولون: إن هارون الرشيد كان في الحج فطلب من بعض مرافقيه أحد كبار العلماء وأعتقد أنه مالك، وقديماً قالوا: لا يستوي مالك وعالم آخر في المدينة، فقيل لهذا العالم: لو ذهبت إلى أمير المؤمنين فتعظه، فقال مالك: قولوا له: يا هارون العلم يؤتى ولا يأتي، فقال: هارون الرشيد هذا الذي قاله حق، فلما جاءه قال: قولوا له لا أسمح له بتخطي رقاب الناس، قال: صدقت، فلما جلس أعطوه كرسياً يجلس عليه، طبعاً إذا إنسان جلس على كرسي في مسجد لغرض فهذا لا تثريب عليه إنه مضطر و معه ألم بظهره، أو ألم في مفاصله، و هذا مباح له، و لكن من دون سبب لا ينبغي أن يجلس الرجل في بيت الله على شيء متميز بداعي الكبر، فلما جلس على كرسيه قال له هذا الإمام –مالك-: من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه، قال: خذوا عني هذا الكرسي وجلس في الأرض، و هذا من آداب المجلس حتى أن أعرابياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أيكم محمد؟ لم أعرفه من هو؟ هذا دليل ماذا؟ أنه كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ولم يكن له مكان فخم يجذب النظر. شيء آخر: سيدنا عمر رضي الله عنه قال: أريد أن أعيِّن والياً إن كان مع أصحابه أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم، وإن كان مع أصحابه واحداً منهم بدا وكأنه أمير عليهم، مقياس دقيق جداً فالإنسان إذا دخل لبيت المضيف يجب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس وهذا من التواضع. 6 ـ لا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء : قال: ولا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء وسترهم. 7 ـ لا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام : ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، وضعوا الطاولة حملوا أبناء صاحب البيت مثلاً طبقاً كبيراً، أحضروا الثاني نظر إليه، قال: هذا ليس من السنّة، تأكيد النظر بالطعام، وأن تتابعه بنظرك، وكيف وضعوه، وماذا طبخت لنا اليوم، وماذا فعلت، وهل الطعام دسِم أم أنه خفيف، هذا ليس من السنّة. 8 ـ عدم حدّ النظر في الطعام : وأن تحدّ النظر في الطعام ليس من السنّة، قال: فإنه دليل الشرع. 9 ـ أن يخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس : ويخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس، وأحياناً تدعو أربعة أو خمسة و كأنهم يجلسون في مأتم فجميعهم صامتون وهذا كبر، ليس من السنّة، فمن يجلس أمامك لا تعرفه تسأله: الاسم الكريم؟ عملكم؟ إن شاء الله أنت مرتاح؟ كيف صحتك؟ كم ولد عندك؟ هذا من المؤانسة، دعوته لتكون هناك مؤانسة أما إذا كان الجميع صامتين فهذا سكوت الكبر. 10 ـ أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة : أما إذا كان دخل ضيف إلى البيت ليبيت فيه، فيجب أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة، فالوقت ليل ولم يعرف من أين القبلة فضّل أن يصلي قيام الليل أو العِشاء، فمن السنّة القبلة من هذه الجهة، وأن يعرفه بيت الخلاء، وموضع الماء، دخلت لبيت صاحبه كريم، خصص جناحاً مستقلاً للضيوف، غرفة جلوس، وغرفة نوم، ومرافق عامة كاملة، وأبواب مستقلة، فالضيف يأخذ راحته تماماً، فهنا تنام، وهذا هو الحمام، وهذا بيت الخلاء، وهنا الوضوء و القبلة في هذه الجهة، فهذا من السنّة. 11 ـ أن يغسل صاحب البيت يديه قبل الطعام أمام ضيوفه : قال: من السنّة أيضاً أن تغسل يديك قبل الطعام أمام ضيوفك لكي يقتدوا بك وهذه من سنّة رسول الله، وبركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، ومن السنّة أيضا أن تكون آخر من يغسل يديه من الطعام. 12 ـ إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده : قال: أما إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده، فالمنكر فرش الديباج في استعمال أواني الفضة والذهب، والتصاوير على الجدران، و سماع الملاهي والمزامير، وحضور النسوة المتكشفات الوجوه، فالوجه فتنة، أم فلان أعطنا الطعام، أَحْضَرَت اخرج من البيت فوراً! هذا الإنسان ليس أهلاً أن تلبّى دعوته، أو يطلب ابنته ليعرِّفه عليها، إنها في الصف الرابع الجامعي، ما هذا؟ مثل هذا الإنسان ليس أهلاً أن تجاب دعوته. * * * آداب إحضار الطعام : 1 ـ تعجيل إحضار الطعام : الآن آداب إحضار الطعام: أول أدب تعجيل إحضار الطعام، دعوه الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة لم يجهز الطعام بعد، يردد قول: أهلاً وسهلاً بكم، كفاك تأهيلاً ضع الطعام! أيضاً هذا من سوء الأدب، المدعو قام بترتيب أنه سيتناول الطعام الساعة الثالثة، تناول فطوره منذ الساعة السادسة والنصف ثم ذهب لمدرسته أو لعمله، عليه القدوم في الثالثة حتى الخامسة يأكل هذا خلاف السنّة، قال: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق من تأخر : قال: مهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إذا كنت قد دعوت أربعة من أصهرتك، ودعوت أولاد عمومتك، وأقرباؤك، مجموعهم خمسة عشر، بقي اثنان لم يأتيا، الدعوة الساعة الثالثة حتى الثالثة والنصف لم يأتوا، السنّة أن تضع الطعام ويباشر الجميع بالأكل! فإذا تأخر تقول له: نحن دعوناك الساعة الثالثة، هناك أشخاص يؤخرون الناس كلهم من أجل واحد، يصبح هناك نقمة وانزعاج، قال: حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا في حالة واحدة إذا كان المتأخر فقيراً فيصبح هناك كسر خاطر، ليس له قيمة أبداً؟ هو لا يفسرها تفسيراً نبوياً بل تفسيراً اجتماعياً، لا قيمة له، تناولوا الطعام وتركوه، إذا كان قد استأذنهم في أخ لم يأتِ حتى الآن خاطره غالٍ علينا، قال: إلا إذا كان المتأخر فقيراً ينكسر قلبه بذلك! فتؤخر الطعام مع الاستئذان من الضيوف فلا بأس في التأخير، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [ سورة الذاريات : 24 ] كيف أكرمهم سيدنا إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿ قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [ سورة هود: 69 ] لم يتأخر، إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى تعجيل إطعام الضيف، قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [ سورة الذاريات : 26 ] الروغان الذهاب بسرعة، وهناك معنى آخر قال: الذهاب خُفية، تعال يا بني أحضر لنا فروجاً أمام الضيف، يمكن أن يقول لك: لا والله لا تحضر شيئاً، إذا كنت كريماً أخبر ابنك خارج الغرفة، أما أن تبلغ أوامرك لابنك عن الطعام أمام الضيف، الضيف يخجل ويقول لك: لا والله لست جائعاً، أو يخبرك بأي عذر، قال: راغ إلى أهله من معانيها أسرع خفية من دون أن يشعر الضيف، قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنّة رسول الله، إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، لماذا أنت مستعجل على الدينات؟ العجلة من الشيطان، لا، أداء الدين يجب فيه التعجيل، والتوبة من الذنب، في هذه الأمور الخمس يجب التعجيل على التأخير. قال: الوليمة في اليوم الأول سنّة، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء. 2 ـ ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج ثم اللحم فالثريد : الأدب الثاني في تقديم الطعام: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج، يقول الضيف للمضيف: أنا أرغب أن أمشي على السنّة، قدم لنا الفاكهة أولاً، لا يوجد عنده فواكه، قدمت له الوليمة وكأساً من الشاي.... فإن وجدت الفواكه فضعها أمامه، إذا سمحت أعطنا الفاكهة أولاً لا مانع، لأنه وضعها لتأكلها أنت، لقوله تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [ سورة الواقعة: 20-21] ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد قال عليه الصلاة والسلام: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ )) [ أحمد عَنْ عَائِشَةَ] بعد ذلك قال: إن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات كلها، أي أكمل شيء، الفاكهة فالطعام فالحلوى، و بالنسبة لموضوع اللحم، إذا ارتفع سعر لحم البشر ينقص سعر لحم الغنم دائماً، أما إن انخفض سعر لحم البشر أي أصبحت النساء كاسيات عاريات ارتفع سعر لحم الغنم دائماً، فهناك علاقة عكسية بين لحم البشر ولحم الغنم، إذا كانت النساء مبذولة في الطرقات، ولا يوجد شيء قد سُتِر، فعندئذٍ تصبح أسعار لحم الضأن غير معقولة، فوق طاقة الإنسان، أما إذا ارتفع سعر لحم البشر فهبطت لحوم الغنم، ورجل سأل الإمام الشافعي وهو أبو العلاء المعري قال له: يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟ *** سؤال عجيب، أي أن هذه اليد لو قطعت خطأً ديتها خمسمئة دينار ذهباً، وخمسمئة دينار أي خمسمئة ليرة ذهبية تقريباً، والليرة ثمنها ألف ليرة تقريباً، لأن هذه اليد أداة أولى في الحياة، ما بالها قطعت في ربع دينار؟ إذا سرقت هذه اليد نفسها ربع دينار تقطع عقاباً، فأجابه الإمام الشافعي: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. ربع دينار قطعوها له، جاء مندوب شركة أجنبية إلى قطر عربي مسلم يطبق الشريعة الإسلامية في السرقة، فرأى منظراً كاد يصعق، رأى سيارة شحن وقـد حملت بصندوقها المكشوف أكثر من عشرين كيساً كل كيس فيه مليونا أو ثلاثة ملايين ريال، هذه السيارة متجهة من مكة إلى أبها، الطريق سبعمئة كيلو متر، والسائق وحده مكلف بنقل رواتب هذه المحافظة في بداية الشهر! في سيارة مكشوفة ريالات بأكياس من دون حراسة: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. تقديم الماء البارد من إكرام الضيف : وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر، وعندما يقول لك الضيف: أريد كأساً من الماء فلا تفتح الصنبور على أي فتحة فتملأ له كأساً ساخنة، فمن إكرام الضيف تقديم الماء البارد. و رجل قدم ضيافة لحكماء، قال بعضهم: "لم نكن نحتاج لكل هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً"، -وهذا هو القوام- وقال بعضهم: "الحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان"، والإنسان يشعر بحاجة بعد الطعام أن يأكل شيئاً مذاقه حلو، فأنت قد وضعت ثمانية ألوان من دون حلوى، فالغِ له لونين وأضف الحلوى، مما يؤدي لكمال الضيافة فالحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان. 3 ـ تقديم ألطف الألوان قبل الطعام : و أن يقدِّم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يرد ولا يكثر الأكل بعده، وأحياناً تقدم للإنسان طعاماً وهو جائع يأكل منه كثيراً فإذا شارف على الشبع قدمت له الأطباق اللذيذة، لقد أحرجته، إذا أراد أن يكمل منها أكل خلاف السنة، وإذا لم يأكل منها أحرقت قلبه، فهذه مشكلة، فمن السنة أن تقدم ألطف الألوان قبل الطعام، حتى يأكل الإنسان حاجته من ألطف الأطباق، كأن يأخذوا إنساناً إلى بستان فيطعموه تيناً، ويوجد بين المضيف وابنه حركات سرية، يشير له: هل قشَّرَ؟ فيقول له: نعم، فيقول له: الآن اعزمه على الطعام، لقد انتهى من الطعام. و يحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب ما يستحضره من ألوان ويعرضه على الضيفان، هذا طعامنا، عرف الضيف فينتقي الطعام الذي فيه خضار مثلاً، لا يحب أكلات الرز لأنه متعب وهذا مبالغة بالإكرام. قال بعض المشايخ: قدَّم لي بعض المشايخ لوناً في الشام من الطعام فقلت: عندنا في العراق يقدم هذا اللون مع آخر، قال: وكذا عندنا في الشام، ولم يكن عنده لون آخر فاستحيا مني. التعليق على الطعام حرجٌ جداً، والله هذه الأكلة يناسبها أكلة ثانية، الثانية غير ميسرة فخجل، واحمرّ وجهه. لا تُحَمِّرُوا الوْجُوهَ، هذا هو الكمال، أخي أنا مسلم! مسلم صحيح، ظن نفسه مسلماً بترك الكبائر، والمسلم مطالب بهذه الدقائق ليكون ظله خفيفاً جداً، أي تعليق على الطعام يحرج صاحب البيت. قال: كنا في ضيافة فقُدِّم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً، فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حَمَلاً، فجاءنا صاحب البيت بوعاء التغسيل، ولم يقدم غيرها، فنظر بعضنا إلى بعض وكان بعض الشيوخ مزّاحاً فقال: إن الله سبحانه وتعالى يقدر أن يخلق رؤوساً بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعاً. قصة واقعية، حدثني شخص قال: كنت مسافراً ودعيت لغداءٍ نفيسٍ جداً، فوضعوا نوعاً من أنواع الأوزي لكن حجمها مثل خف الجمل كبير، وضعوا لكل شخص قطعتين، و هناك رجل تناولها بسرعة، فجاء صاحب المنزل وأكد عليه بتناول قطعة ثالثة، وتشديده شيء فوق التصور، وخاف صاحب البيت أن تتكرر هذه القصة، فقال أحدهم: أنا أنهي القطعة الأولى وأبتعد عن الطعام، ويحلف عليّ المضيف أن أتناول الثانية، وأكون بذلك قمت بحل وسط، وقال لي: إنه كان جائعاً جوعاً شديداً ومنذ عدة أيام لم يأكل، تناول القطعة الأولى وابتعد عن المائدة، قال له صاحب الطعام خير؟ قال: والله اكتفيت، فقال له: يا أهلاً وسهلاً! قال: ما ندمت على شيء كندمي على ترك الطعام قبل أن أشبع بهذه الطريقة. 4 ـ ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء : الأدب الرابع: ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء، مثلاً يرفع الطبق ولم يأكل منه كل الحاضرين حتى يرفعوا الأيدي عنها، فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضره ثانياً، أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل، فيتنغص عليه بالمبادرة. 5 ـ ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم : ومن هذا الأدب أيضاً: ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل يجب عليه أن يكون آخرهم أكلاً، بل كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون، فإذا قاربوا من الفراغ جثا على ركبتيه ومدّ يده إلى الطعام وأكل وقال: بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم، وكان السلف يستحسنون هذا. 6 ـ أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة : قال: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنع ومراءاة، وفي الحالتين خلاف السنّة. 7 ـ يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت : والأدب الذي بعده: قال: يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع، وهذا أهم شرط، فعندك زوجة وعندك أولاد ووالدتك بالبيت والقادمون عشرة أو اثنا عشر والطعام لذيذ، والجماعة جياع، أول عملية تنزع حصة الأهل جانباً، فما الذي يحدث؟ إذا لم يأكل الأهل فأنت تتمزق، وإذا كان الضيوف جياعاً وأنت كريم وهم يأكلون وليس عندهم علم بشيء أو ما القصة، أن اعزل نصيب الأهل قبل كل شيء، فهذا من السنّة، قال: فتغوص صدورهم، وتنطلق في الضيفان ألسنتهم، وتسأل زوجتك ألم ينتهوا بعد من الطعام؟ فمعها حق لأنها تريد أن تأكل أيضاً صنعت طعاماً نفيساً لكثير من الناس ولم يبق منه شيء، ويكون قد أطعم الضيفان ما يشبعه كراهية القوم، فيجب أن تحدد طعام أهلك وحده أولاً، قال: وهذا خيانة في حق الضيفان، فالضيفان ليس عندهم علم، يأكلون طعامَ كريمٍ وهم جائعون، فطعام الكريم شفاء، وتناولوا كل الطعام. 8 ـ ما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه إلا بإذن صاحب البيت : قال: وما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه، إلا إذا صرّح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راضٍ، وأحياناً هناك حالات نادرة، يكون المضيف قد دعا أخاً له وأهله قد يشتهون هذا الطعام، وأنت ليس عندك أحد في البيت، فأنت أكلت واكتفيت وفي اليوم الثاني مثلاً أنت مسافر، فإذا أعطيته الطعام المتبقي وقلت له هذا للأهل، لا مانع إذا كان لا يوجد جرح لمشاعره، فإذا كان هناك جرح لمشاعره أو إذا طلب ماذا سنأخذ معنا أيضاً؟ هذا لم يعد ضيفاً، فهذه بعض آداب تقديم الطعام، وبقي علينا إن شاء الله تعالى آداب الانصراف، ثم بعض المتفرقات، وتنتهي آداب الطعام، وننتقل منها إلى آداب الزواج، وبعدها ننتقل إلى آداب الكسب والمعاش، ثلاثة نشاطات أساسية، الطعام والزواج وكسب الرزق، فهذه الآداب الدقيقة، إذا صار للإنسان صلة بالله عز وجل يعرفها من دون أن يقرأها بالتأكيد، حسّه، إحساسه، وشعوره الرقيق، ورهافة حسّه، وذوقه العالي، وكماله المتصل يحجزه عن هذه السخافات، لكن إذا كان الإنسان تعلمها وطبقها ثم أصبح في مستواها نفسياً فهذا أكمل وجه. * * * عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم : والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، وسوف نختار شميلة واحدة، قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدراً، وأشجعهم قلباً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، وقد تقدم هذا الحديث، عنوان الشمائل اليوم: عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم. كان صلى الله عليه وسلم إذا اعترك أصحابه المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها. ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ سَـبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ)) [ البخاري عَنْ أَنَسٍ] وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله"، قال: "وكان أصحابه الكرام إذا ألمَّت بهم المُلِمَّات، وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلم"، وكان علي رضي الله عنه يقول: "كنا إذا حمي البأس، واشتد الوطيس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه". وقد رأيت يوم بدر و نحن نلوذ بالنبي عليه الصلاة والسلام وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً على الأعداء، وعن البراء بن عازب كان يقول: ((قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [سلم عن الْبَرَاءُ] كان النبي صلى الله عليه و سلم أقرب إلى العدو ، وقد ثبت يوم حنين وثبتّ قلوب الصحابة! فهذه قصة شهيرة، المسمون بعد فتح مكة أصبحوا قوة لا يستهان بها، ولم يجتمع في الجزيرة تجمعاً كهذا التجمع، عشرة آلاف مقاتل، قالوا فيما بين أنفسهم وهذه الغلطة: لن نغلب اليوم من قلة نحن أقوياء: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ هؤلاء أصحاب شجعان أصبحت قلوبهم كفؤاد أم موسى معلقة في جناحي طائر تفرقوا وبقي النبي وحده صلى الله عليه وسلم، فقال بكل جرأة وثبات: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عبد المطلب، وقال أيضاً: ((.... لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ )) [ مسلم عن إياس بن سلمة] قصة النبي الكريم مع أُبي بن خلف : روى البيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير أن أُبَي بن خلف المشرك قال يوم أحد: أين محمد ما نجوت إن نجا؟ أثناء المعركة، هذه الكلمة لها ما قبلها، فقد قال للنبي صلى الله عليه و سلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليها، فقال له عليه الصلاة والسلام: أنا أقتلك إن شاء الله، قال: فلما رآه هذا المشرك أُبي بن خلف، أي رأى أُبي النبي يوم أحد شدّ أُبَي على فرسه واتجه نحو رسول الله ليقتله فاعترضه المسلمون، فقال عليه الصلاة والسلام: تنحوا ولا تحولوا بيني وبينه، وتناول النبي عليه الصلاة والسلام حربة من الصحابي الحارث بن سلمة فانتفض النبي بها انتفاضة، تناولها وقفز، أي قام بالحربة قومة سريعة، تطايروا أي أُبي بن خلف ومن معه من الكفار تفرقوا فارين بسرعة كالطيور ثم استقبل النبي أُبي بن خلف بالحربة فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ، أي سقط منها عن فرسه، وقيل: بل كسر ضلع من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، فقالوا له: لا بأس بك، قال لهم: لو كان ما بي من الألم والشدة بجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: أنا أقـتلك؟ والله لو بصق علي لقتلني! موقف، لم يترك الصحابة يدافعون عنه لو تركهم لكان هذا جبناً، قال: دعوني تنحوا عني لا تحولوا بيني وبينه، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً. رجل وصف صديقاً له قال: "لي صاحب كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وَجَد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلم فيما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بذّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً". فقال هذا المشرك: والله لو بصق علي لقتلني، حتى أن رسول الله لم يقتله وكان بإمكانه أن يقتله نهائياً لكن أرقى شيء بالإسلام أن الحرب هدفها هداية العدو لا قتله، وكزه فقط، قال: قتلني من شدة الخوف، إذاً كانت له هيبة كبيرة جداً. ومن صفاته صلى الله عليه وسلم أنه من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، بديهة له هيبة كبيرة، فهذا وكزه وكزة فكان يعوي كالكلاب، ويقول: لقد قتلني، قالوا له: ليس بك شيء، قال: بي من الألم والشدة ما لو كان بالناس جميعاً لقتلهم، والله لو بصق عليّ لقتلني قال: ثم مات أُبي بن خلف في طريق العودة إلى مكة أي فيما رجع الكفار إلى مكة، وهذه نبذة عن شجاعته صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلاً مُشْرِكًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ )) [ أحمد عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ] من قتل حية فيه شجاعة، لم يصرخ ويهرب، كما حصل برجل أمام أولاده فصغر شأنه، فالله عز وجل يحب الشجاعة ولو على قتل حية. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سجدة الشكر الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الرابع و الخمسون ) حمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجدة الشكر : أيها الأخوة المؤمنون، موضوعنا في الفقه اليوم قصير جداً، وهو سجدة الشكر، هذه السجدة تكون حينما يصيب الإنسان خيراً، مثلاً إنسان تزوج امرأةً جمعت بين جمال الخَلق والخُلق فلما رآها أول ما رآها يسجد شكراً لله، فقد كان بعض السلف الصالح يسجد لله سجود الشكر على نعمة الزوجة الصالحة، ولو أن امرأته حامل وأنجبت مولوداً سليماً من كل عيب، حسن الصورة له أو عليه، فالأولى له أن يسجد لله سجود الشكر، أو عقد صفقةً بسعر جيد، ونوعيةٍ ممتازة فعليه أن يسجد بعد عقد الصفقة، أو باع هذه الصفقة بربح معقول فعليه أن يسجد لله بعد بيع الصفقة، أو كان يسكن بيتاً بالإيجار فأكرمه الله عز وجل بمنزل اشتراه، وصار ملكاً له، فإذا دخل البيت أول مرة فعليه أن يسجد لله سجود الشكر. كان يعمل موظفاً في محل تجاري أو صانعاً في محل فأكرمه الله عز وجل واشترى محلاً تجارياً، فإذا دخله فعليه أن يسجد سجود الشكر، كان في مرتبة على أساس الشهادة الثانوية، فلما نال الشهادة العليا صدر مرسوم بترفيعه إلى مستوى هذه الدرجة فعليه أن يسجد سجود الشكر، اشترى مركبة، أو مكّنه الله من أداء الحج أو العمرة، أو أكرمه الله ببر والديه، فالنعم التي أنعم الله بها علينا لا تعد ولا تحصى، فجميل جداً بالإنسان أن يكون حساساً للنعمة. حالة المؤمن حالة شكر دائم : والنبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، فإذا شربت كأس ماء عذب فرات باردٍ صاف بكأس نظيف، فلك أن تقول الحمد لله: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)) [البخاري عن أَنَسٍ] الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه" . إذا ارتدى ثوباً جديداً، وإذا دخل بيته يقول: الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له، وإذا وقعت عينه على أولاده وهم في صحةٍ جيدة الحمد لله على نعمة الولد الصالح، إذا وقعت عينه على امرأته وكانت مطواعةً له فالحمد لله على نعمة الزوجة الصالحة، فكم لك يا رب من نعمة قلَّ لها شكري، حالة المؤمن حالة شكر دائم، أنعم الله عليه بقوة يخدم بها نفسه، فهذه نعمة لا تعد ولا تحصى، أنعم الله عليه بنعمة السمع، والبصر، والفؤاد، والعقل، وأنعم عليه بكمال الخلق، كان إذا نظر إلى المرآة قال: (( اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلقي)) [أحمد في كتاب الزهد عن عائشة] وإذا ارتدى ثوباً جديداً، إذا تناول طعام شهياً، إذا كانت له سمعة طيبة، إذا أحبه الناس: ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا *** المؤمن بين صبر على معالجة الله وبين شكر على نعم الله : والذي أعرفه أن حالة المؤمن نصفها شكر ونصفها صبر، فلو أردت أن تقسم الإيمان قسمين لاحتل الصبر نصفه، ولاحتل الشكر نصفه الآخر، فهو بين صبر على معالجة الله، وبين شكر على نعم الله، ولا تخلو حياة الإنسان من حالة يفرح بها، أو حالة يحزن لها، فإن أصابته حالة يفرح لها فعليه بالشكر، وإن أصابته حالة تحزنه فعليه بالصبر، وهاتان الحالتان- الصبر والشكر - من علامات الإيمان، ففي الرخاء شكور، وفي البلاء صبور، في الفاقة متعفف متجمل، في اليسر سخيّ كريم، فمن لوازم المؤمن أنه كلما أصابته نعمة يبادر إلى السجود لله عز وجل سجود الشكر. الإنسان ليس مكلفاً أن يؤدي سجود الشكر في مكان عام : ولكن لا ينبغي لك أن تسجد في مكان لا يعرف الناس فيه هذا الحكم، فحينما ضعف الدين في النفوس، وصار الناس غافلين بعيدين جاهلين، قد يستهزئون بالدين، فلست مكلفاً ولا ملزماً أن تؤدي هاتين السجدتين في مكان عام. طالب عند الامتحان نجح، أول عملية عليه أن يقوم بها إذا نجح أن يبادر إلى سجود الشكر، اسجد لله، ومرغ جبهتك في أعتابه، وقل: يا رب لك الحمد الذي أنعمت: (( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ سِنِينَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ لَهُ طَعَامٌ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَاجْتَبَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ] قال الإمام أبو يوسف والإمام محمد وهما من كبار تلامذة الإمام أبي حنيفة: " هي قربة يثاب عليها ". سجدة الشكر هيئتها كسجدة التلاوة : وسجدة الشكر وهيئتها مثل سجدة التلاوة، والإنسان لا تخلو حياته من بعض المسرات، فلو فرضنا أنّ إنسانًا يوم التقى بزوجته أول مرة سجد لله سجود الشكر، وأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، فإذا ظن أنه قد حصل هذا الزواج بجهده وبذكائه وبماله فأغلب الظن أن شقاقاً وتعاسة تنشأ بينهما، وأعرف إنسانًا ليس مستقيماً، ولكنه غني، تزوج فتاةً وهو يظن أنه سيسعد بها، فلم يمضِ على هذا الزواج أسابيع حتى كان الفراق بينهما، كانت معه في سيارته خارج دمشق، من كلمة إلى كلمة، وضعها في الطريق ونزل إلى الشام، فلو أن زواجًا بني على الإيمان، وعلى الشكر، وعلى تقوى الله، وعلى محبته فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما على خير، وأخرج منكم الكثير الطيب الصالح، ووفقكما إلى ما يحب ويرضى، فهذا من الدعاء المستحب في عقد النكاح. من عرف أن النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر : يا رب كيف شكرك ابن آدم؟ قال: علم أنه مني، فكان ذلك شكره، أي علم أن هذه النعمة من الله، أو علم أن الشكر نعمة أخرى تضاف إلى النعم فكان ذلك شكره، وإذا عرفت أن هذه النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر، أحيانا امرأة تُخطب لزوج ميسور الحال، يسكنها في بيت مؤسس بكل الأثاث الجيد، والطعام متوافر، والشراب متوافر، والدفء، والجو البارد في الصيف متوافر، وهذه المرأة بحمقها تظن أن هذه النعم وصلتها بذكائها، بينما الله سبحانه وتعالى لولا هذه المسحة من الجمال التي وهبها إياها لما نظر إليها زوجها، ولما خطبها في الأساس، ولما أسكنها في هذا البيت، فلو علمت المرأة أن الله سبحانه وتعالى متفضل عليها بنعمة الجمال والكمال لذابت لله شكراً وتواضعاً، فالمتكبر دائماً لا يرى نعمة الله عليه، وقد يحصل الإنسان على شهادة عليا فيعين في منصب رفيع، فيظن نفسه أنه بذكائه نال هذا المنصب، فلو أن قطرة دم تجمدت في دماغه في بعض شرايين المخ لفقَدَ ذاكرته، ولو أنه تجمدت في مكان آخر لفقد بصره، ولو أنها تجمدت في مكان ثالث لفقد حركته. هناك رجل ذهب إلى فرنسا، وعاد بدكتوراه وبزوجة فرنسية، وعين في أعلى المناصب الحكومية، ورقصت له الدنيا كما يقولون، واللهُ عز وجل لحكمة بالغة سلبه نعمة البصر، فبقي شهراً في مكتبه يوقع المعاملات على وصف المساعد له، إلى أن انتقل إلى البيت، وفي شهر آخر كانت تأتيه المعاملات إلى البيت ليوقعها على وصف من يقرؤها له، ثم سرح من وظيفته، دخل عليه صديق لي وله فقال له: أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، ولا أملك من الدنيا إلا معطفي هذا، وأن يرد الله إليّ بصري. وقد التقيت بإنسان قال لي: أنا مصروفي في السنة ثلاثمئة ألف، ولا يكفيني أقل من هذا، أصيب بمرض شديد، حينما زرته قال لي: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر ليصرفها، فهل تعلمون ماذا يقصد بهذا الكلام؟ لو أنه معافى في جسمه يكفيه ألف ليرة، ألا يكفيه أن يأكل خبزاً وزيتوناً طوال الشهر في ثلاث وجبات؟ تكفيه، هذه النعم التي وهبنا الله إياها تستحق الامتنان من الله عز وجل، وأن تشكره من أعماقك، والحمد على النعمة، ونعوذ بك من زوالها، كيفما تحركت تملك نعمة، أو اثنتين، أو ثلاث، اللسان، والفكر، والشعر، واليد، والمعدة سليمة لا يوجد فيها قرحة، والاثنا عشر لا يوجد فيها قرحة، والأمعاء لا يوجد فيها التهابات مزمنة، والكبد لا يوجد فيه التهاب أو تشمع، والبنكرياس لا يفرز مادة سكرية زائدة، فلا يوجد معه سكر، والصفراء ليست ملتهبة، و لم تستأصل، والكظر يعمل بانتظام، والكليتان تعملان بانتظام، والعضلات لا تؤلمه، والشرايين ليست متوترة ولا ضيقة ولا متصلبة، والقلب يعمل بانتظام، والتخطيط جيد، والحركة ممتازة، والنشاط متوافر، يأكل كل ما لذّ وطاب، فليس هناك طعام محروم منه، ويمشي على قدميه، فهذه نعم لا تعد ولا تحصى. نعمة الإيمان أعلى نعمة على الإطلاق : مرة لفت نظري إعلان في صحيفة كويتية اسمها القبس، الإعلان مرسوم به فيلا ضخمة جداً، والإعلان قديم، أكثر من عشر سنوات، رسم لفيلا ضخمة جداً ورسم لشخص كويتي، والإعلان صفحة، إنني أنا مواطن كويتي أعمل في الدائرة الفلانية، لا أملك من هذه الدنيا إلا هذه الفيلا وقدر سعرها، أنا قدرت سعرها بالسوري ثلاثة ملايين ليرة، والآن تعادل أربعين مليونًا، فيلا كاملة، قال: هذه أقدمها هدية متواضعةً رمزيةً لمن يعطيني إحدى كليتيه، فإذا هذه الفيلا ثمنها ثلاثون مليونًا الآن تقابل الكلية، والكلية الثانية ثلاثون، مجموعهما ستون، والعين كذلك، والعين الثانية، والأذن، واللسان، والنطق، والرئتان، والشرايين، والأوردة، أنا قدرت الإنسان، فإذا كل عضو له يريد أن يعطيه لإنسان بثلاثة ملايين على السعر القديم للدولار، والآن بثلاثين مليونًا، معنى ذلك أنّ الإنسان يساوي ألف مليون. ((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) [الترمذي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ] التقيت بمحاسب في كلية التربية سألته فقال لي: الحمد لله على نعمة الصحة، تذوقت هذه الكلمة تذوقًا، ورأيته شاكرًا لله عز وجل، وأنا متأكد أن المعاش لا يكفيه، ولكن الحمد لله على نعمة العافية، هذه نعمة لا تقدر بثمن، أما إذا تعمقت فتجد أن نعمة الإيمان أعلى من هذه النعمة بكثير، فلو كان في العافية خلل استمر الإيمان معك إلى الأبد، فمن يمُت على الإيمان فقد حقق كل نجاح وتفوق. الإنسان العاقل يفكر في نعم الله عز وجل و يشكره على ذلك : ملخص هذا البحث الصغير أن الإنسان غارق في نعم الله، أَجْرِ إحصاء لها فلا تحصى، قال الله: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [ سورة إبراهيم: 34] إذاً يوجد في جسمك أكثر من مليون، أو مليونين، أو خمسة ملايين مكان، لو اختل أحدها لنغص عليك كل حياتك، ويكفي أن القناة الدمعية تنسد، وتحتاج إلى منديل دائماً، ثم يرسم خطاً أحمر، لأن هذا الدمع قلوي، وهذه القناة الدمعية أرفع قناة في الجسم البشري مثل الشعرة مفرغة من الداخل، فالدمع الفائض ينزل منها إلى الأنف فيرطبه، وأحياناً تنسد، فثمّة نعم لا أحد يعرفها، تناول طعام العشاء، وذهب لينام، فما الذي حدث؟ إذا حرم الله عز وجل الإنسان من النوم فإنه يدفع كل ماله حتى ينام، حدثني أخ منح بعثة إلى بعض البلاد الأجنبية، وحينما وصل إلى هناك غاب عنه النوم، فذهب إلى الطبيب، قال له: لا يوجد بك شيء؟ ذهب إلى المستشفى، فقالوا له: لا يوجد بك شيء؟ أحياناً حالات نفسية، كالقلق، ما ذاق طعم النوم واحدًا وعشرين يوماً، حتى حمله هذا المرض إلى أن يعود لبلده. هناك نعمة ثانية؛ الإنسان ينام ورئتاه تعملان بانتظام، لو أنّ ربنا عز وجل أوكل إلينا أمر التنفس فلن نستطيع أن ننام أبداً، تحتاج دائماً أن تضع ماء باردًا وتفتح النوافذ، فمركز التنبيه النوبي بالبصلة السيسائية يتعطل، والآن اخترعوا دواء غاليًا جداً يجب أن تأخذه كل ساعة، تربط أربعة منبهات على الساعة التاسعة وتأخذ حبة وعلى العاشرة حبة، والحادية عشرة حبة، والثانية عشرة حبة... إذا أحدنا وصف لابنه دواء التهاب كل ست ساعات حبة يشعر بهمّ لاستيقاظه الساعة الواحدة مساءً من أجل حبة واحدة، وهذا الدواء نعمة كبرى، أنقذ حياة أولئك المصابين بهذا المرض، فلو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليك نعمة التنفس فإما أن تنام فتموت، أو أن تحرم النوم كي تبقى حياً، فملخص هذا البحث أن الإنسان العاقل يفكر في هذه النعم. وأنا أقول لكم: واللهِ الذي لا إله إلا هو من جرى تفكيره في هذه النعم، وعرف أنها من الله، حاشا لله أن يسلبه إياها، وأن يحرمه إياها، وبالشكر تدوم النعم، يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلّما تعود. *** آداب الانصراف : 1 ـ أن يخرج الإنسان مع الضيف إلى باب الدار و أن يكون طليق الوجه : والآن إلى الفصل الأخير من إحياء علوم الدين، وعن آداب الطعام والشراب، وننتقل بعدها إلى آداب الزواج، آخر أدب من آداب الضيافة، آداب الانصراف، للانصراف ثلاثة آداب؛ الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، فمن اللياقة والأدب والكمال أن تخرج مع الضيف إلى باب الدار، وإذا كان الضيف غاليًا جداً فإلى مدخل البناء، وإذا كان أغلى من ذلك فإلى أول وسيلة نقل يركبها، وهو سنة، وذلك من إكرام الضيف الذي أمرنا بإكرامه: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (( إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ )) [ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على النبي عليه الصلاة والسلام - استمعوا إلى هذا الخلق الرفيع - فكان يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم. وتمام إكرام الضيف طلاقة الوجه، وأن يضع له طعامًا فخمًا ويجلس، لا باللغة الدارجة - التقي بي ولا تطعمني- يجب أن يكون هذا الوجه طليقاً، وفي الحديث: (( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ َصَدَقَةٌ )) [ الترمذي عن أبي ذر] أن تبش في وجه أخيك صدقة، والترحيب الزائد، أهلاً وسهلاً، لقد جبرت خاطرنا بهذه الزيارة، طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، مثلاً دعوته إلى الغذاء، ما هذه الأسعار؟! يا أخي شيء يجنن، هذه لا تقال، هذا ليس من طيب الحديث، فأنت تمننه بهذا الغذاء، إنْ كان اللحم غاليًا عليك فلا تدعُه، لي ابن سيئ أحتار ماذا أفعل بأمره، سوف تكربه بهمومك، أنت دعوته من أجل أن تسره، ستقول له همومك، وتعكر صفوه، هكذا قال النبي الكريم؛ طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، ويجب أن تختار أجمل الحديث بما يطيب خاطره، ويؤنسه، وما يجعله يرتاح لحديثك، طلاقة الوجه، وطيب الحديث، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( إنكم لا تسعون- وفي رواية- إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق)) [ البزار في مسنده عن أبي هريرة] فقال: طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول وعند الخروج وعلى المائدة، قيل للإمام الأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه وطيب الحديث. وقال يزيد بن أبي زياد: "ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثاً حسناً، وأطعمنا طعاماً حسناً"، هذا أول أدب؛ أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهي سنة، وأن يكون طليق الوجه، طيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة. 2 ـ أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير : وأما الأدب الثاني فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، كما علّم النبي الكريم المضيف أن يكرم ضيفه، علّم الضيف أن يتجاوز عن التقصير، فأحياناً تجلس ولم يُقدَّم لك شيء إطلاقاً، هممت بالذهاب، وقلت له: أستأذنك أريد أن أذهب، قال لك: والله لا تؤاخذنا ما ضيفناك شيئًا، أنتم أهل مرفوعة الكلفة، وأنت تعلم أن في البيت لا يوجد أحد، ولا يوجد عنده قهوة، لا يوجد عنده شيء إطلاقاً، لا سكرة، ولا شكولاته،، والشاي يحتاج إلى وقت حتى يجهز، ولا يوجد عنده غاز، والسخان معطل، فالإنسان لا ينتقد، فإذا كان رسول الله أمر المضيف أن يكرم ضيفه، أمر الضيف أن يتجاوز عن التقصيرات، فمن التمام أن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)) [ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ] وقد يقدم لك كأسًا من الشاي لونه فاتح، اعتقدت أنت أن هذه زهورات، فكانت شايًا قد يكون عنده قليل من الشاي وضعه، ولا يوجد عنده غيره، فماذا تقول له؟ أنا أحب الشاي فاتحاً يروون أن أحد القضاة المشاهير؛ وهو الشيخ عطا الكسم دخلت امرأة صحتها جيدة، وفي أثناء صعودها إلى درج المحكمة صدر منها صوت مخزٍ، ومعها صديقتها، قالت لها: سمعنا القاضي، قالت كلامًا كادت أن تتشقق من الخجل، وصلت إلى القاضي فقال لها: ما اسمك يا أختي؟ فقالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت: إنه ما سمعنا. كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال أكثر : كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال، لماذا الشاي فاتحاَ؟ لا أريد أن أشرب، فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، وهذه قصة قد يكون مبالغ بها، ولكن سوف نستمع إليها لأنها طرفة. دعا بعض السلف رجلاً عن طريق رسول فلم يصادفه، فلما بلغه الخبر حضر، وكان القوم قد تفرقوا وفرغوا من الطعام وخرجوا، فخرج إليه صاحب المنزل وقال: تأخرت قد خرج القوم، قال: هل بقي بقية من طعام؟ قال: لا، قال: أكسرة من خبز؟ قال: لا، قال: فالقدر أمسحه، قال: قد غسلته، قال: فانصرف بحمد الله تعالى، فلما قيل له في ذلك قال: قد أحسن الرجل، ودعانا بنية طيبة، وردّنا بنية طيبة، وهذا من التواضع. فإذا دخل الإنسان إلى الدعوة وكانوا قد بدؤوا في الطعام، يضع العقدة ولا يتكلم معه، أو إذا لم يجد مكانًا على الطاولة، والضيف يتشقق من خجله، فأنت تأخرت، ولا يوجد عنده كرسي فارغ. وإذا الإنسان الموحّد رأى في إكرام الناس له إكرامًا فمن الله عز وجل، وفي تقصيرهم في حقه لفت نظر من الله عز وجل، يكون قد قاس نفسه بمَن يدخل دائرة ويكون المدير العام صاحبه، فلا ينظر إليه، ولا يقول له: اجلس، فالموحد يراها من الله عز وجل، وإذا كان غير موحد أقام النكير على هذا المدير، فالموحد يقول: لعلي أنا اعتمدت عليه، وما التجأت إلى الله، وأشركت مع الله، واللهُ أحبَّ أن يؤدبني، فأين الصحبة؟ سهرت وجلست معه، ويوجد خبز وملح، ودخلت مكتبه، وبقي يوقع معاملات، ولم يقل لك: تفضل واجلس، ويعاملك كإنسان عادي، فالموحد يرتاح ويرى هذا تأديباً من الله عز وجل، فأنت أشركت. فلا ينتصر بما يجري من العباد من تقصير، ولا يستبشر بما يجري منهم من الإكرام، ويرى الكل من الواحد القهار، ولذلك قال بعضهم: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة. 3 ـ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه : الآن الأدب الثالث؛ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، فهذا الإنسان دعاك إلى طعام، وأحب أن يستأنس بك، ومع آخر لقمة " يا الله يسِّر لنا الطريق"، إلى أين أنت ذاهب؟ هل الطعام هو الهدف؟ أكل وغسل واسمح لنا بالذهاب، هذه في حق المؤمن فيها تقصير شديد، هو دعاك ليستأنس بكلامك، ودعاك ليلتقي معك، في أثناء الطعام كان مشغولاً بالأكل، وقبل الطعام بإعداده، وبعده تفرغ لك، وأنت تريد أن تنصرف وقد أكلت فماذا تريد غير هذا؟ هذا أيضاً من سوء الأدب. ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعي قلبه في قدر الإقامة، فإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام، فربما يتبرم صاحب الدار، ويحتاج إلى إخراجه: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ)) [ البخاري عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ] إلا إذا ألحَّ رب البيت عن خلوص قلب ومحبة، فله المقام أكثر من ذلك، فقد يزور الرجل ابنته المتزوجة في بلد عربي، والبنت غالية، والأب غالٍ، والصهر محب، ويوجد بينهما مودة بالغة، وإكرام منقطع النظير، فليس من المعقول أن يقتصر على ثلاثة أيام فقط، يستضيفه أسبوعًا، أو أسبوعين، فلا مانع، يأتي إليك فتكرمه ويكرمك، وتأخذه إلى النزهات، فالضيافة ثلاثة أيام إذا لم يكن ثمة تعامل بين الناس. يستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل : ويستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل، وهذا في القرى والأرياف، فلا تجد فراشًا واحدًا بل في المضافة تجد عشرات مع اللحف والوسادات، وإذا كان للإنسان بيت فليجعل مكانًا للضيف، فلا بد من مكان؛ إما فراش متحرك أو سرير احتياط، فقد يضطر الإنسان فيأتيه ضيف وينام عنده، فمن السنة أن يكون عنده فراش للنازل: (( فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لأهْلِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ )) [مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] هذه غرفة نوم، وتحتاج إلى فراش للضيف، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، يأتي صهرك مسافرًا، يأتي أخوك، تأتي أختك من السفر، فيجب أن تقول لها: نامي عندنا. آداب متفرقة للأكل والشرب : الآن مع آداب متفرقة للأكل والشرب نجملها ببعض الأقوال، حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "الأكل في السوق دناءة "، وكنتم تعلمون مني سابقاً أنه: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته". هناك أشياء تسقط العدالة؛ أن تظلم الناس، أو أن تخلفهم الوعد، أو أن تخونهم الأمانة، فإذا فعلت هذا فقد سقطت عدالتك، والعدالة في الإسلام الحقوق المدنية بالتعبير الحديث، أي تصبح غير مقبول الشهادة، والعلماء فرقوا بين أشياء تسقط العدالة، وأشياء تجرحها، أحيانا الكأس يتحطم وأحيانا يُشعر، إبريق بلور تكسره بالمطرقة، وأحياناً يشعر شعرًا خفيفًا، ولكن هذا الشعر عابر، زبدية صينية ثمنها ثمانية آلاف، ومشعورة، ثمنها مئتا ليرة، لكن لا بأس بها كمنظر، أما كبيع وشراء فلا، وسجادة ثمنها ثمانية وثمانون ألفًا، يوجد أشياء تسقط المروءة، وأشياء تجرحها، فمما يجرح المروءة الأكل في الطريق، والمشي حافياً، والبول في الطريق، والتنزه في الطريق، والجلوس في الطريق، وارتفاع الصوت في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق، والحديث عن النساء، والتطفيف بتمرة في الميزان، وأكل لقمة من الحرام، واللعب بالنرد، واللعب بالشطرنج يجرح المروءة، ومما يجرحها أيضاً من أطلق لفرسه العنان، أو السرعة في قيادة السيارات الآن، ومما يجرح المروءة من قاد برذوناً أو حيوانًا مخيفًا أو كلبًا يمشي أمامه مساء، والأطفال يخافون منه، فهذا مما يجرح المروءة، وأن تصحب الأراذل، وأن تتحدث عن النساء. هذا كله يجرح مروءة المسلم، فتصبح شهادته غير مقبولة، يقولون: إن رجلاً رآه صديقه يأكل في الطريق، فقال: ويحك أتأكل في السوق؟ قال: أجوع في السوق وآكل، قال له: إن جعت في السوق فكل في البيت، فلما قيل له: ادخل المسجد وكل فيه، قال: والله إني أستحي أن أدخل بيته لأكل فيه، قد يدخل الإنسان إلى المسجد من أجل أن يقضي حاجة ويخرج، وقد يجعل المسجد طريقًا، يدخل من أول باب ويخرج من ثانيه، فهذه وصمة عار في حقه، يدخل بيت الله ليجعله طريقاً؟ أو يدخل بيت الله ليقضي حاجةً فيه فقط؟ أو لينام فيه في رمضان؟ كما تجد في الجامع الأموي كثرةَ النائمين . لا يجوز أن يدخل ليأكل فقط، أما في رمضان فمثل بعض الأقطار العربية يفطرون في المساجد على تمرات، أشخاص يحضرون الطعام، قد يكون في المسجد رجل غريب، أو بيته بعيد فيأكل، أما إذا كان الهدف في المسجد الأكل، فالعلماء قالوا: يأكل في المسجد مرقًا فيقع على السجاد، فهذا شيء خفيف، فثمة أكل مكروه أن يكون في المسجد، قال علي رضي الله عنه: "من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء، ومن أكل كل يوم سبع تمرات قتلت كل دابة في بطنه". هناك بعض الأقوال عن بعض الأطعمة بعضها غير ثابت، نحو: "لحم البقر داء ولبنها شفاء"، وربنا عز وجل قال: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [ سورة هود : 69 ] إذا ربنا عز وجل جعل إكرام الضيف لحم العجل، فهذا الكلام غير مقبول؛ أن يقول إنسان: لحم البقر داء، ولبنه شفاء، هذا الشيء غير مقبول. نصائح طبية : يوجد بعض النصائح الطبية؛ قيل لبعض الأطباء: هات لي طعامًا آكله؟ قال : لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعامًا إلا أجدت مضغه، وكُلْ ما أحببت من الطعام، ولا تشرب عليه، فإن شربت فلا تأكل عليه شيئاً، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت في النهار فنم، وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام. وهناك بعض القواعد التي سوف نتم شرحها إن شاء الله تعالى في درس قادم. * * * شمائل النبي صلى الله عليه و سلم : رحمته صلى الله عليه بالصبيان : هناك بعض الأفكار في هذا الفصل تحتاج إلى تحقيق وإلى تقييم، وسوف ننهي الدرس بحديث سريع عن بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام. رحمته صلى الله عليه بالصبيان، فمن رحمته صلى الله عليه بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبلهم، فقد قبَّل عليه الصلاة والسلام الحسن و الحسين: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبْصَرَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الْحُسَيْنَ أَوِ الْحَسَنَ فَقَالَ: إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ )) [ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] ((عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ)) [ متفق عليه عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ] (( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ)) [ الترمذي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ] وكان إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِالْبَاكُورَةِ بِأَوَّلِ الثَّمَرَةِ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي ثَمَرَتِنَا وَفِي مُدِّنَا وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ )) [الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ )) [ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] هناك إنسان توفيت عمته، وتركت له مليوني ليرة، وهو موظف فقير لا يملك شيئًا من الدنيا، طبعاً أطال لحيته، ولبس كرافة، تصنَّع الحزنَ اليوم والأول والثاني والثالث، والكل يقول له: عظَّم الله أجركم، إلا واحدًا قال له: تهانينا، لقد كان واقعيًا. رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه نهى عنه النبي الكريم : الإنسان عندما يبكي على ابنه فهذا شيء طبيعي، وإذا بكى يتهم بعدم الصبر، لا، ليس لها علاقة، فالبكاء رحمة، ولكن رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تمنع أمًّا أن تبكي على ابنها الذي مات فهو أمر مستحيل. ((عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ )) [ متفق عليه عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ] ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَكَانَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ)) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] ذهب جسر البيت، ما هذا الكلام؟ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، رجل توفي أخوه، وترك عشرة أولاد، فجعل يبكي، فلما وصل هذا الخبر إلى شيخه استدعاه وقال له: ما لك تبكي؟ قال له: ترك لي شيئًا يكفي لمدة سنة، فقال له: جيد حتى تمضي السنة وتبقى على قيد الحياة، فكان موت هذا الأخ بعد ستة أشهر. فالإنسان يبكي في الوقت المناسب، أما هؤلاء فليس لهم أحد، فمن يطعمهم؟ هذا كله كلام يعذب الإنسان، أما البكاء فلا شيء عليه. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ، وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ قَالَتْ فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ يَعْنِي عُثْمَانَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ أَوْ قَالَ: وَهُوَ يَبْكِي )) [أحمد عَنْ عَائِشَةَ] ولما مات عثمان بن مظعون كف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه - كشف عنه - وقبّل ما بين عينيه ثم بكى طويلاً، فلما رفع على السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها- كان فقيراً جداً-: ((إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ)) [ أحمد عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ] الإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى و علا شأنه : أحياناً الإنسان ابنته الصغيرة في البيت تريد أن تأكل قطعة شوكولا من غرفة الضيوف، تأخذه من يده، وتشير له أنها تريد أن تأكل من هذه، ترى إنسانًا له قيمته، وفي البلد له شأن كبير، وشهادة عليا جرَّته هذه البنت الصغيرة، وعمرها سنة ونصف، والإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البيت كأنه واحد من أهل البيت. آخر شيء: (( عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ )) [ النسائي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى] ((عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ )) |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاة الجمعة - 1 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : (الخامس و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صلاة الجمعة : أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم صلاة الجمعة، صلاة الجمعة فرض عين، وكما تعلمون الفروض على نوعين؛ فرض عين وفرض كفاية، فصلاة الجمعة فرض عين لا تسقط عن الفرد في كل الأحوال، أما صلاة الجنازة فهي فرض كفاية، إذا قام بها البعض تسقط عن الكل، وطلب العلم بإجماع العلماء فرض عين، وطلب العلم حتم واجب على كل مسلم، فمعنى الفرض الشيء الذي لا تقوم حياتك من دونه، فالطعام فرض لبقاء الجسم، وأكل بعض أنواع الفاكهة ليس فرضاً، أما تناول الخبز والإدام كل يوم فهو فرض لبقاء الجسم، فالفرض فرض عين وجب على كل إنسان أن يفعله، وصلاة الجمعة فرض عين بالكتاب والسنة والإجماع. أدلة من الكتاب و السنة على أن صلاة الجمعة فرض عين : أمّا الكتاب فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجمعة: 9 ] لو كان هناك عقد بيت ثمنه ثلاثة عشر مليونًا تمّ توقيعه في أثناء آذان الظهر، ورفع العقد إلى القاضي فالعقد باطل، أي عقد يوقع مع آذان ظهر يوم الجمعة فالعقد باطل، لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجمعة: 9 ] هذا في الكتاب، أما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَبَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَلا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ أَلا وَلا صَلاةَ لَهُ وَلا زَكَاةَ لَهُ وَلا حَجَّ لَهُ وَلا صَوْمَ لَهُ وَلا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلا لا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً وَلا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ )) [ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] لا شيء يؤذي العين كأن ترى رجلاً يعد العدة لقضاء نزهةٍ في أثناء صلاة الجمعة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ )) [الترمذي أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ] ومن يطبع الله على قلبه يجعله في أسفل درك جهنم، ثلاث جمع من غير عذر، وفي رواية أخرى: "نكتت نكتة سوداء في قلبه"، ثلاث جمع لا تحضرها تصبح قيمك مثل قيم الناس، تشعر بالضيق والملل والسأم، وتحدثك نفسك بأكل المال الحرام، وتحدثك نفسك بالعدوان على أعراض الناس، وتشعر بمشاعر أهل الدنيا، ويصيبك ما يصيبهم هذا هو الران. شروط صلاة الجمعة : 1 ـ الذكورة : وقد قال العلماء: الجمعة فرض مؤكد أكثر من الظهر، أي فرضية الجمعة أشد قدسيةً من الظهر، وهي مؤكدة أكثر منه على كل من اجتمع به سبعة شرائط، فتجب عليه حينئذ صلاة الجمعة، وهي الذكورة، وقد خرج بهذا الشرط النساء فلا صلاة جمعة عليهن. 2 ـ الحرية : الحرية: وخرج بهذا الشرط الأرقاء. 3 ـ الإقامة بمصر : الإقامة: وخرج بهذا الشرط المسافر، والإقامة بمصر، وخرج به المقيم بقرية لا يوجد فيها مسجد ولا إمام، ولا خطيب، فتسقط عنه صلاة الجمعة إلا إذا كانت الشمس تؤويه إلى قريته، هكذا قال رسول الله، معنى ذلك إذا كانت المسافة بين قريته التي لا مسجد فيها ولا إمام فيها وبين مكان فيه صلاة جمعة إن ذهب إليه وصلى الجمعة هناك، وعاد إلى قريته مع المغيب وجبت عليه صلاة الجمعة، تصور من الظهر إلى المغرب سيرًا على الأقدام، فإذا سمحت لك الشمس من بعد صلاة الجمعة إلى غياب الشمس أن تذهب إلى هذه البلدة وتصلي فيها وتعود وجبت عليك صلاة الجمعة، وبحسب المواصلات الحالية اليوم من حمص إلى الشام مسيرة ساعتين، إذا انتهينا من صلاة الظهر مثلاً الساعة الثانية، وركبنا سيارة إلى مركز الانطلاق وصلنا الساعة الثالثة، و يتحمل الطريق ساعتين إلى حمص نصل الساعة الخامسة، فإذا كان الرجل يسكن في حمص مثلاً، ولا يوجد هناك صلاة جمعة، وفي الشام يوجد صلاة جمعة، وما دامت الشمس تؤويه إلى قريته، وإذا تصورنا قرية تبعد عن دمشق كبعد حمص عن دمشق، فسكان هذه القرية عليهم أن يأتوا إلى دمشق ليصلوا الجمعة، لأن الوقت كاف أن يؤويهم إلى قريتهم قبل مغيب الشمس. أنا موجود في قرية لا يوجد فيها مسجد، فيجب أن تذهب مشياً، وأن تعود مشياً إلى قريتك، ولا تضيع عليك صلاة الجمعة، وشرط الإقامة بمصر: ((عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ)) [ أبو داود عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ] ولقولـه عليه الصلاة والسلام: (( لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة )) [رواه ابن أبي شيبة عن علي] فهذا الكلام بالنسبة لنا محلول، نحن في الشام وما أكثر مساجدها، إذاً الذكورة والحرية والإقامة بمصر أو فيما هو داخل في حدّ الإقامة فيها كرجل ساكن مثلاً في داريا، هي تعد من الشام، أو يسكن في بيت مثلاً بين دمشق ودوما، عمّر بيتًا في طريق عام، ولكن لا يوجد حوله بيوت، هذا في حكم الإقامة في الشام، لأنه إذا خرج منه يقصر في الصلاة، وإذا عاد إليه يتم، إذاً هذا في حكم الإقامة بالمدينة. 4 ـ الصحة : والشرط الآخر في صلاة الجمعة الصحة، فخرج به المريض بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيخ الكبير ملحق بالمريض، كشيخ كبير لا تحمله قدماه، أو بصره ضعيف يحتاج إلى قائد، أو يحتاج إلى عكاز، والطريق وعر، وربما وقع فتنكسر بعض أضلاعه. 5 ـ الأمن من ظالم : والخامس الأمن من ظالم، فلو أن هذا المصلي إذا خرج من بيته أصابه ظلم ظالم سقطت عنه صلاة الجمعة، فلا تجب على من اختفى من ظالم، ويلحق به المفلس الخائف من الحبس، وعليه ديون والدائنون يلاحقونه، فلو عثروا عليه في الطريق لألقوا القبض عليه، وساقوه إلى السجن، والشرع ما كلف هذا المفلس بصلاة الجمعة. لكن إذا قتل رجل مؤمنًا خطأ بسيارة واختفى، فلو ظهر للعيان لألقي القبض عليه، وهل إلقاء القبض عليه ظلم؟ لا، هو عدل، إذاً فعليه صلاة الجمعة. 6 ـ سلامة العينين : السادس: سلامة العينين، فلا تجب على أعمى عند أبي حنيفة، إلا إذا وجد قائداً يقوده إلى المسجد فتجب عليه صلاة الجمعة. 7 ـ سلامة الرجلين : السابع: سلامة الرجلين، فلا تجب عن المقعد لعجزه عن السعي اتفاقاً، ومن العذر أيضاً المطر العظيم، والسيول، والانهدامات في الطريق، فهذه أيضاً تسقط عن الرجل صلاة الجمعة. يشترط أيضاً لصلاة الجمعة عدة أشياء : 1 ـ المصر أو فناؤه : ويشترط أيضاً لصلاة الجمعة ستة أشياء ؛ الأول: المصر أو فناؤه، أي أن تكون في بلد فيه مساجد، أو محيط في هذا البلد، تصح إقامة صلاة الجمعة في مواقع كثيرة بالمصر، فالشام فيها ثلاثمئة مسجد، وهذه المساجد كلها تصح فيها صلاة الجمعة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الصلاة لمن سبق، وقد يحب الإنسان أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، كصلاة ظهر، هذا مرفوض عند الأحناف، وضعيف عند الشافعية، لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض. 2 ـ أن يصلي بهم الأمير إماماً : و من شروط الصحة أن يصلي بهم الأمير إماماً، والمفروض أن يصلي الأمير بالناس إماماً، وهذه لها معنى، لأنّ هذا الأمير اختير لصلاحه وتقواه، وهو يستطيع أن يخطب بالناس، ويصلي بهم، وإن لم يكن فنائبه، وقد ينيب الأمير عنه القاضي أو الخطيب، والآن الخطباء نواب الأمير في أداء الصلاة. 3 ـ أن يدخل وقت الظهر : والشرط الثالث أن يدخل وقت الظهر، فلا تصح الجمعة قبل دخول وقت الظهر: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ)) [ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ] وتبطل صلاة الجمعة لخروج وقت الظهر، أي من دخول وقت الظهر إلى خروج وقته، فإذا خرج وقت الظهر بطلت صلاة الجمعة. 4 ـ الخطبة : والشيء الذي لا بد منه وهو الخطبة، وهذه عبادة فيها توجيه، فأي شيء قاله الخطيب ولو كان آية أو حديثًا، ذكر الناس بأمر دينهم، وبكتابهم، وبسنة نبيهم، وحذرهم وزهدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة، فهذه الخطبة تساوي شحن هذه البطارية، وكل أسبوع تشحن، وتخرج متحمسًا راغبًا في أن تصلي قيام الليل، وتعمل الصالحات، وتغض بصرك، فقد يأتي يوم الثلاثاء والأربعاء تشعر أنّ حماسك فتر، فالبطارية فرغت، فتأتي يوم الجمعة وتشحنها مرة أخرى، أما إذا كان الشحن مستمرًا، وهؤلاء عوام الناس يشحنون في الأسبوع مرة، أما المؤمن الصادق فيشحن كل يوم يصلي صلاة متقنة، ويلتقي مع أهل الحق يومياً، ويستمع إلى الحق، ويدعو إلى الله، فهذا مشحون دائماً وهذا شحن أتوماتيكي، فدائماً عنده بطارية من مستوى عالٍ، ولكن عوام الناس كلما ابتعدت المسافة الزمنية بين الخطبة وبين الوقت الذي هو فيه ضعفتْ همتهم. والخطبة تكون قبل صلاة الجمعة، فهكذا السنة، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، فإذا أصاب الخطيب عطاس فعطس، وقال: الحمد لله رب العالمين، فليست هذه خطبة، وليس لها علاقة بالخطبة، هذا حمد بعد العطاس، فيجب أن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، ويجب أن يحضرها واحد، وليس لها معنى ألاّ يكون أحد في المسجد، هذه أشياء بديهية، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، فلا تنعقد الجمعة إلا بخطبة ومستمع، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [ سورة محمد: 16] إنّ الله عز وجل وبّخ المنافقين لأنهم إذا حضروا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ثم خرجوا من عنده لا يعرفون ماذا قال لهم، فهم شاردون غارقون في مشكلاتهم، غارقون في همومهم، غارقون في الدنيا. 5 ـ ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل : ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم، لأنه طويل لا ينتهي في مجلس واحد. * * * نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب : 1 ـ لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشرب دواء إلا من علة : والآن إلى آخر فصل من فصول آداب الطعام والشراب عند الإمام الغزالي رضي الله عنه، وبعدها ننتقل إلى آداب أخرى. نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب قال: لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، فهناك أشخاص مغرمون بالحبوب والفيتامينات، كل شيء كيميائي ضار بالإنسان، فالإنسان يتناول الدواء عند الضرورة، ولو لاحظت الطبيب نفسه لوجدت أنه أبعد الناس عن الدواء، لأن هذا الجسم نباتي، وإكثار المواد الكيميائية فيه يضعفه، وما من دواء كما قال لي بعض الأطباء إلا وله فائدة من ناحية، وضار من ناحية أخرى، وطبيب حدثني قال لي: مثلاً الكورتيزون، الكورتيزون يبيض وجه الطبيب، فيكون في المريض آلام مبرحة؛ آلام في المفاصل، آلام حساسية فيعطيه إبرة كورتيزون، فترى المريض ارتاح، ويثني على الطبيب، لكن هذا الكورتيزون له مضاعفات كبيرة، فلو أخذه الأطفال كثيراً لتوقف نموهم، ولو أخذه الكبار لالتهبت أكبادهم، فهناك مضاعفات خطيرة جداً من استعمال الكورتيزون، ولكن بعض الأطباء الذي يبتغون سمعةً عاجلةً سريعةً يعطون الكورتيزون، حدثني أخ قال لي: يوجد طبيب في بعض الأقبية، عليه ازدحام منقطع النظير، إذْ يكون ثمة آلام مبرحة، بإبرتي كورتيزون تذهب الآلام، فهذا المريض يلهج بالثناء على هذا الطبيب، لكن لا يعلم أنه دمر كليتيه، دمر كبده، ودمر صحته، الكورتيزون خطير، فالإنسان يقلل من استعمال الدواء قدر الاستطاعة، ويجعل الدواء في الغذاء، وفي الحمية، والحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء. تعلق سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه بحجم الطعام في المعدة : وأغرب شيء قرأته في بعض كتب أمراض القلب، أن سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه متعلق بحجم الطعام في المعدة، ونوعية الطعام فيها، فما علاقة القلب بالمعدة؟ لأن هذا الطعام الذي في المعدة مصيره إلى الدم، فإن كان فيه مواد دهنية تزيد عن الحد المطلوب ترسبت في الشرايين، فأصيب صاحبها بما يسمى بتصلب الشرايين، وإذا تصلبت الشرايين تعب القلب، وتضخم تضخماً مرضياً، وانتهت الحياة بمآسٍ كثيرة، ولذلك قال بعض الأطباء كما يزعمون: عمر الإنسان من عمر شرايينه، والشرايين تبقى مرنة ما دام الغذاء صحيحاً وصحياً. وسلامة القلب وحسن عمله وانتظام دقاته منوط بحجم الطعام في المعدة، وبنوعية هذا الطعام، ولذلك فإنّ تناول الأدوية بشكل غير صحيح أو بشكل متسرع هذا مما يتعب الجسم، ولا تشرب دواءً إلا من علة. 2 ـ لا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها : ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، هكذا قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [ سورة الأنعام : 141 ] 3 ـ لا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه : ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، لذلك فالمضغ الجيد من السنة، والحديث على المائدة من السنة، وأن تجلس مع إنسان تحبه من السنة، لأنك إذا جلست مع إنسان تحبه، تحدثه ويحدثك، وتؤنسه ويؤنسك، تأكل قليلاً، أما قول العوام: كُل أكل الجمال، وقم قبل الرجال، فهذا كلام جهل، فكُل أكل العصافير، وليس أكل الجمال. 4 ـ كُلْ ما أحببت من الطعام : ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، وكُل ما أحببت من الطعام، والعلماء أجروا تجارب مثيرة جداً، فأتوا بعشرة أطفال ووضعوهم في مكان، ووضعوا أمامهم كل أنواع الطعام، وسمحوا لهم أن يأكلوا ما يشاؤون، وما يحبون، ثم جاؤوا بعشرة أطفال آخرين، ووضعوهم في مكان، وقدموا لهم طعاماً تحت إشراف التغذية، أن يكون الطعام مملوءً بالفيتامينات والمعادن، وحسب الحريرات والجهد والطاقة والمواد الدسمة والبروتينية والسكريات والمعادن، حسابات دقيقة، فوجدوا في المحصلة أن الأولاد الذين أكلوا ما يشاؤون وعلى رغبتهم كان نموهم أسرع وأنشط، وأما الذين أكلوا أكلاً وفق تعليمات علماء التغذية فلم يكن نموهم كنمو هؤلاء، فاستنبطوا أن شهوة الإنسان إلى الطعام متعلقةٌ بحاجته، فالإنسان أحياناً يشتهي أن يأكل خيارة، أو خسة، فيكون عنده عطش خلوي، أحيانا يشتهي أن يأكل موالح لنقص الملح عنده، حتى إن علماء أمراض النساء أشاروا إلى أن المرأة الحامل قد تشتهي بعض المواد، فتشتهي أحيانا رأس كرنب- يسمونه الوحم - ومن يدري أن هذا الوحم له علاقة بحاجة الجنين في بطن الأم، إذْ ينقص الجنين قليل من البوتاس، وحاجة الجنين إلى البوتاس تنتقل في شهوة أمه إلى هذه الخضار، فإذا طلبت الحامل من زوجها نوعًا من الطعام فلا ينبغي له أن يستخف بها، ولا أن يستهزئ منها، فهذه حاجة الجنين الذي في بطنها، وإذا أحب أن يتجاهل طلباتها فالجنين يعاني ويستهلك من أمه، فإذا لم يسقِ الزوجُ زوجته الحليب الكافي والمواد الكلسية اللازمة رأيت أسنانها تنتخر في أثناء الحمل، والجنين يحتاج إلى كمية ثابتة من الكلس، فإما أن تعطي الأم حليباً ومادةً كلسية ليأخذها الجنين، وإما أن يستهلك الجنين كلس أمه، ولذلك فبعض أمراض العظام تصيب المرأة الحامل، وكذلك تسوس الأسنان يصيب المرأة الحامل إذا قصر عليها في الحليب والمواد الكلسية، فالوحم إذاً له علاقة بحالة الجنين الذي في بطن الأم. والعلماء استنبطوا أن الإنسان يشتهي ما هو بحاجة إليه، مثلاً الناس في الشتاء يميلون إلى الحلو، لأنهم يحتاجون إلى طاقة، والطاقة من السكريات، وفي الصيف يميلون إلى أشياء فيها ماء، كالبطيخ، والخيار، والخس، وهذه أمثال واضحة، أما أحياناً فالإنسان يحب المواد الحامضية فيكون كيمياء دمه حامضي، ويحضر إلى البيت برتقالاً، فترى أن البنت أكلت برتقالة حامضة، والشاب لم يأكلها، لكل إنسان كيمياء في دمه. 5 ـ لا تشرب فوق الأكل : كُل من الطعام ما أحببت، ولا تشرب عليه، لأن الشرب ماذا يفعل؟ يمدد العصارات الهاضمة في حوالي لتر واحد تفرزها المعدة أثر كل طعام، فإذا شرب الإنسان خمسة كؤوس من المياه تكون هذه المادة الهاضمة قد تمددت. والنبي الكريم نهى عن ذلك، حتى إن رجلاً دخل المسجد، وهو جاهل وما كان المسجد يومئذ بهذه الفخامة، أرضه حصى، وبال فيه، فلما قام له الصحابة ليزجروه منعهم النبي: ((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَلا تُزْرِمُوهُ قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ )) [ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ ] فهناك أشخاص جهلة يقول لك أحدهم: أنا قبل أن أنقض وضوئي سوف أصلي العصر، أي صلاة هذه؟! يُكره أن تصلي وأنت حاقن، أساسها لا رأي لحاقن أو حاقد، رأيه في إفراغ المثانة، هذا هو رأيه، فتكره الصلاة إن كان الإنسان حاقناً أو حاقداً. 6 ـ إذا أكلت في النهار فنم : وإذا أكلت في النهار فنم، أي أن ينام الإنسان ساعة بعد الطعام: (( قيلوا فإن الشياطين لا تقيل )) [الطبراني في الأوسط عن أنس] ومن نام في النهار أعانه هذا على قيام الليل. استعينوا على الصيام بالسحور وعلى القيام بالقيلولة. 7 ـ إذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام : وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام، وهذه ملاحظة، فالإنسان يأكل وينام، ولا يوجد حركة، فهذا الطعام إذا لم يستهلكه انقلب إلى مواد دهنية عالقة في الدم، إذا نام الإنسان نوماً طويلاً وقاس نبضه وهو نائم فإنه يكون سبعين أو خمسًا وستين، أو ستين، لأنه لا يوجد حركة، فالدم يسير بطيئًا، وسير الدم البطيء في الشرايين يجعل المواد الدهنية تترسب في جدرانها، فالعلماء قالوا: الذي ينام نومًا متقطعًا من الساعة الحادية عشرة ويستيقظ الساعة الرابعة والنصف على صلاة الفجر وقيام الليل، وينام ويستيقظ الساعة الثامنة صباحاً، فهذا النوم مفيد جداً، أما إذا نام الساعة الحادية عشر حتى الساعة التاسعة ثاني يوم، فالنوم المديد يسبب ترسبات المواد الدهنية في جدران الشرايين، وهذا يسبب أمراض القلب، فالقيام لصلاة الصبح في وقته صحة جسمية قبل أن يكون صحة نفسية. 8 ـ لا تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله : ويوجد عندنا خطأ كبير في الطعام، فمعظم الناس ينطلق من البيت من دون طعام، مع أن وجبة الفطور أهم وجبة في حياة الإنسان، قال بعض الحكماء لابنه يا بني: لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك -أي تتغذى- إذاً به يبقى الحلم ويزول الطيش، فإذا خرج الساعة السابعة وما تناول طعام الفطور، ففي الساعة الحادية عشرة يشعر بجوع شديد، ويصير عصبيًا، فالنصيحة الطبية ألاّ تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله، وطعام الفطور أهم بكثير من طعام العشاء، لأن بعده بذل طاقة، أما إذا لم يأكل صباحاً فيأكل الظهر عنه وعن أهله جميعاً، وهذا لا يناسب، تناول ثلاث وجبات معتدلة أفضل من اثنتين ثقيلتين، وخمس وجبات معتدلات أفضل من ثلاث ثقيلة. والعلماء قالوا: من أكل قبل أن يخرج من بيته هو أقل لشهوته مما يرى في السوق، وكلما لمح بائع - شاورما - اشتهي أن يأكل، فإذا أكل صباحاً انتهى الأمر، أما إذا لم يأكل اشتهى، وإذا أكل في الطريق فهو دناءة، وإذا لم يأكل بقي جائعًا وهو في كل نهاره منزعج، فكُلْ صباحاً وانتهى الأمر، وهذه من نصائح الحكماء. 9 ـ احمل الطعام إلى أهل الميت : أيضاً من النصائح أن يحمل الطعام إلى أهل الميت، ومن السنة إذا مات ميت هؤلاء مشغولون بميتهم، حزينون، فعَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: (( لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا لأهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ)) [ رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ] أما ما يجري الآن فعكس السنة، أهل الميت مهتمون بميتهم، والقبر، والنعوة، وقراءة القرآن، والحاجات الأخرى، ويجب أن يصنعوا طعامًا للذين خرجوا في الجنازة، وهذا خلاف السنة. 10 ـ لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم : وأيضاً لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم، فأنت تعرف أن هذا الإنسان مغتصب للمال الحرام، أو لمال أخوته، فوالده ترك ثروة، فاغتصب أموال أخوته ودعاك إلى بيته الفخم، فلا يجوز لك أن تجيب هذه الدعوة . فإن أكره على أن يأكل من طعام الظالم فليقلل الأكل، ولا يقصد الطعام الأطيب، وبعضهم اعتذر وقال: كنت مكرهاً، فقال له أحدهم: رأيتك تختار الأطيب وتكبر اللقمة أي إكراه هذا؟ ولو كنت مكرهاً لأكلت طعاماً قليلاً و بشكل رمزي. بعض ما قاله الإمام الشافعي : والإمام الشافعي قال: الأكل على أربعة أنحاء؛، الأكل بأصبع واحدة من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث أصابع من السنة، وبأربع أصابع من الشره - يمسك الخبزة ويهبطها على الطعام مثل المظلة - فهذه من الشره، أربعة تقوي البصر؛ الجلوس تجاه القبلة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس، وأربعة توهن البصر؛ منها النظر إلى القذر، والنوم على أربعة أنحاء؛ نوم على القفا، فهذا نوم الأنبياء، دائماً يتفكرون في خلق السموات والأرض، ونوم على اليمين، وهذا نوم العلماء والعباد، ونوم على الشمال، وهذا نوم الملوك والأغنياء، من كثرة أكلهم للطعام، ونوم على الوجه، وهذا نوم الشياطين، وأربعة من العبادة؛ لا يخطو خطوةً إلا على وضوء، خرجت من البيت فتوضأ، فإذا أذن المغرب دخلت لتصلي، وكثرة السجود، ولزوم المساجد، وكثرة قراءة القرآن، فهذه بعض النصائح التي نختم بها فصل آداب الأكل من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الكبير أبي حامد الغزالي رضي الله عنه، وسوف ننتقل بعدها إلى آداب النكاح، وهناك آداب الكسب والمعاش لا أدري بأيهما نبدأ؟ * * * رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم : تحدثنا في الدرس الماضي عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان ورحمته بأصحابه، وبالمساكين والضعفاء، أما اليوم فمع رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ [ سورة الضحى : 9 ] وكان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتامى، ويبرهم، ويوصي بكفالتهم، و الإحسان إليهم، ويبين الفضائل المترتبة على ذلك، فقد روى البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى )) [ البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ] وقد روى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ )) [ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أحيانا يكون الزوج غافلاً وجاهلاً خرج من البيت الساعة الثامنة صباحاً، وعاد الساعة الحادية عشرة مساءً، ويوجد في البيت يتيم؛ ابن أخيه، فهل يا ترى زوجته أكرمته؟ أكل أم لم يأكل؟ أين نام؟ الزوج لا يعفى من المسؤولية، بل يجب أن يتفقد الطفل أين نام؟ هل أكل الظهر وماذا أكل؟ هل غاب عن البيت وأين ذهب؟ أما إذا أهمل وترك الأمر لزوجته فالزوجة أحياناً تكون قاسية جداً، ومن عجيب أمر النساء يرحمن أولادهن رحمةً لا مثيل لها، وقد تقسو إحداهن على ابن غيرها قسوة لا مثيل لها، فالزوج مسؤول، وجاء في الأثر ذكرُ فضل امرأة مات زوجها فحبست نفسها على تربية أولادها ولم تتزوج: (( أول من يمسك حلق الجنة أنا فإذا امرأة تنازعني وتريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت أن تتزوج من أجلهن )) [ مجمع الزوائد : عن أبي هريرة ] طبعاً هذه صورة أدبية بلاغية، فإذا سمعت امرأة هذا الأثر ذابت شوقاً إلى تطبيقه، و عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا )) [رواه أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ] (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان : أما رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان: ((... خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَمَرَّ بِبَعِيرٍ مُنَاخٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخِرَ النَّهَارِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَابْتُغِيَ فَلَمْ يُوجَدْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ ثُمَّ ارْكَبُوهَا صِحَاحًا وَارْكَبُوهَا سِمَانًا كَالْمُتَسَخِّطِ آنِفًا إِنَّهُ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ )) [ أبو داود عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ] (( وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ )) [ رواه أبو داود وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ] (( وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ فَقَالَ لَهُمُ: ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لأحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ )) [ أحمد وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ] و قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يوصيكم بهذه البهائم العجم، فإذا سرتم عليها فأنزلوها منازلها )) [ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن عمرو السلمي] ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَوَاءً وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ)) [ أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)) [ متفق عليه وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ)) [الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] ولما رأى رجلاً يذبح شاةً على مرأى من أختها غضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: هلا حجبتها عن أختها تريد أن تذبحها مرتين؟ ((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ )) [ مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ] وإذا قتلت عقرباً فاقتله بضربة واحدة، أما أن تعذبه أو تحرقه فهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا نَحْنُ قَالَ: إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ )) [ أحمد وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ] الحمرة طائر صغير: ((عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ )) [النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ] الصيد حلال ولكن له شروط : لا تظن أن مطلق الصيد حلال، الصيد حلال ولكن له شروط، أما للتسلية فتفجع البهائم كهواية ليس المطلق حلالاً بل المقيد حلالاً. ((وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا )) [ النسائي وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] يجب أن تصيد لتأكل، وهذا الحيوان قدم لك لحمه غذاءً لك، فتقرب إلى الله بهذا اللحم، أما إذا قتلته ولم تأكله ماذا فعلت؟ ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً أي هدفاً لغني. ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا )) [البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ] الشيء المعروف الآن أن الإنسان إذا قتل حيوانًا فالقانون لا يحاسب عليه، كأنْ يسير في طريق سفر فقتل كلبًا، أو هرة، ولكن لو علمت أن هذا الحيوان الذي دهسته سوف يحاسبك عند الله عز وجل لكنت دقيقاً جداً في قيادة السيارة، طبعاً إذا دهست إنسانًا فهناك مسؤولية جزائية، ومحاكمة، أمّا إذا قتل غنمة فأهل الغنمة يوقفونه؟ أما هناك حيوانات لا يحاسب على قتلها القانون، فمن يحاسب على قتلها؟ الله سبحانه وتعالى، فليكن خوفك من الله أشد من خوفك من قوانين الأرض. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )) |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاة الجمعة - 2 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( السادس و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سنن خطبة الجمعة : أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الفقه إلى: صلاة الجمعة، وسوف نتحدث عن سنن الخطبة، وسنن الخطبة ثمانية عشر شيئاً، أولها الطهارة، بمعنى الوضوء، والخطبة ليست صلاةً، فليس من شروطها الوضوء، ولكن من سننها الوضوء، وستر العورة، والأكمل للخطيب أن يلبس ثياباً فضفاضة كهذا الثوب الذي يلبس، وهذه الجبة أو العباءة، لأن هذه الثياب تستر حجم العورة، وهذه هي الثياب الكاملة. والجلوس على المنبر قبل الشروع بالخطبة، والأذان بين يديه كالإقامة، ثم قيامه واقفاً، والسيف بيساره متكئاً عليه في كل بلدة فتحت عنوةً، العلماء فسروا هذه السنة لأن الخطيب يري أهل هذه البلدة أنها فتحت بالسيف، فإذا رجعتم عن الإسلام فالسيف موجود، فذلك باق بأيدي المسلمين. واستقبال القوم بالوجه، وبدء الخطبة بحمد الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه بما هو أهله، والشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والموعظة، والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وأن تكون الخطبة خطبتين، والجلوس بينهما بمقدار ثلاث آيات، وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالاستغفار لهم، وأن يسمع القوم الخطبة، وأن تخفف الخطبتان بقدر سورةٍ من طوال المفصل، من السور التي بين الطويلة والقصيرة، ويكره التطويل في الخطبة، وترك شيء من السنن، ويجب السعي للجمعة، ولذلك في بعض البلاد الإسلامية يؤذن قبل أذان الظهر بساعة تذكيراً للناس كي يستعدوا ويسعوا إلى صلاة الجمعة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجمعة: 9 ] وفي بلاد الحجاز فيما أعلم في كل مساجد البلاد يؤذن قبل الفجر بساعة لقيام الليل، وبعدها أذان الفجر، وقبل أذان الظهر يوم الجمعة بساعة يؤذن للتذكير، وعندنا في الشام والحمد لله قبل الصلاة بفترة طويلة يذكر المؤذن، وقبل الفجر يسبح ويترحم، والتراحيم والتسابيح هذه كلها من باب التذكير، ولا أنسى مرة سمعت تذكير مؤذن فخشع قلبي: وهو المعطي لا يسأل، وهو الحليم لا يعجل، وهو الكريم لا يبخل. و لما يتعلق الإنسان بالله عز وجل، و بأسمائه الحسنى، إذا كانت له حاجة عند الله عز وجل، أو يخاف شيئاً، أو يخشى مرضاً فيطلب حاجته، أو يسأل تيسير العسير، وليس للإنسان إلا الله عز وجل، فكلمة إلهي ليس لي إلا أنت، هذه الكلمة يجب ألاّ تغادر الإنسان، إلهي رضاك قصدي، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، فهذه الكلمات يجب أن يكون الإنسان في مستواها. ويجب السعي للجمعة، وترك البيع عند الأذان الأول، فهذا هو الأذان الأول الذي قبل أذان الجمعة بساعة، وإذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وكره لحاضر الخطبة الأكل والشرب والعبث ولو بمسبحته ولو بتقليب الحصى، ولو أن يقول لصاحبه: اسكت: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] والالتفات يمنةً ويسرة، فهذا مكروه في صلاة الجمعة، وكُرِه أيضاً أن ترد سلاماً، فإذا دخل إنسان جاهل وقال: السلام عليكم فليس لك أن ترد عليه السلام، ولا تشميت العاطس، فلو أن إنسانًا عطس لم يشمت، لأن في تشميت العاطس تشويشاً على المستمعين، وكره الخروج من المسجد بعد النداء ما لم يصلِّ، إذا سمعت المؤذن يؤذن فقد كُرِه لك السفر قبل أن تؤدي صلاة الجمعة، ومن لا جمعة عليه إن أداها جاز، كرجل مسافر وصل إلى مدينة فليس عليه صلاة الجمعة، ولو كان المسجد قريبًا، وسمع المؤذن يؤذن، سعى وصلى الجمعة، جاز له أن يصلي الجمعة مكان الظهر، وَمن لا عذر له في التخلف عن الجمعة لو صلى الظهر قبلها حرم عليه ذلك، وكره للمعذور والمجنون أداء الظهر في جماعة يوم الجمعة، ويكره أن تصلي صلاة الظهر جماعة، لأنّ فيها فتنة، فأناس يصلون الجمعة وآخرون يصلون الظهر جماعة، فكأنهم انشقوا عن الجماعة، ولا يصلى المعذورُ الظهر مكان الجمعة إلا فرادى، وكره أن يصلى الظهر جماعة يوم الجمعة لمن كانوا معذورين كالمساجين مثلاً، فيجب أن يصلوا الظهر فرادى. ومن أدرك صلاة الجمعة في التشهد الأخير، أو في سجود السهو أتمّ جمعته، والله أعلم، لكن بركة صلاة الجمعة في خطبتها، ولما يأتي الإنسان إلى الجمعة في وقت مبكر فكأنما قدم بدنة –جمل- وإذا جاء في وقت بعده فكأنما قدم بقرة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم شاة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم دجاجةً، ومن جاء في وقت قريب من الأذان فكأنما قدم بيضة فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلس الملائكة يستمعون الخطبة، وأغلقت الدفاتر، فلا تسجيل بعدها، فقد صحّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (( مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ )) [متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فالتسجيل يكون قبل أن يصعد الخطيب المنبر، فإذا جئت في وقت مبكر يسجل لك أجر إنفاق بدنة؛ جمل ثمنه اثنا عشر ألف ليرة، وبعدها بوقت الساعة الثانية بقرة، وفي الثالثة شاة، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، والمقصود بالساعات هنا الوقت، هناك عد تنازلي، فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلست الملائكة تستمع الخطبة. *** آداب الكسب و المعاش : والآن إلى فصل جديد من فصول إحياء الدين، ويتعلق بالكسب والمعاش، وكيف أن الإنسان له نشاط يومي، وأول هذا النشاط الطعام والشراب، وقد تحدثنا عنه في شهور عدة، فآداب تناول الطعام، وآداب الدعوة، وآداب استجابة الدعوة، وآداب حضور الطعام، وآداب الخروج، و آداب الضيف، وآداب المضيف تحدثنا عنها طويلاً والحمد لله. و الشيء الثاني هو آداب النكاح، و لكن آداب النكاح لسنا بعيدي عهد بها، ففي كتاب فقه السنة تحدثنا في آداب النكاح، و في أحكام الزواج أكثر من سنة، و لأن الموضوعات متشابهة آثرت أن أنتقل إلى موضوع ثالث؛ و هو آداب الكسب و المعاش، و هذا فصل مهم جداً، لأنه ما من واحد منا إلا ويكسب قوت يومه، و هناك معلومات و آداب دقيقة ينبغي لنا أن نعرفها حتى يكون كسبنا حلالاً وشرعياً. فضل الكسب والحث عليه : من آداب الكسب والمعاش موضوعان أساسيان؛ الأول فضل الكسب والحث عليه، وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [ سورة النبأ: 11 ] إن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل، النهار للعمل، والليل للصلاة، وللجلوس مع الأهل، وللتفكر، والتهجد، والتذكر، والشكر لله، فعمل في الليل لا يقبله في النهار أي لله علينا عمل في الليل لا يقبله في النهار، وله علينا عمل في النهار لا يقبله في الليل. ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 10 ] الإنسان اجتماعي بطبعه لا تقوم حياته إلا بالجماعة : من حكمة الله عز وجل أن الإنسان لو أحب أن يحصي الأعمال التي هو بحاجة إليها لن ينتهي، فهو مثلاً بحاجة إلى طبيب عيون، وطبيب داخلي، وطبيب جلدي، وطبيب أعصاب، وطبيب نفسي، وطبيب نسائي، وبحاجة إلى من يقدم له الخبز، والمزارع، وصانع المحراث، والذي يبذر، والذي يحصد، والذي يجمع القمح، والذي يبذر القمح، والذي يصول القمح، والذي يطحن القمح، والذي يقدم الطحين للمخابز، فهو بحاجة إلى لحم، تربية الأغنام، وذبحها، وسلخها، وجرمها، وتقديمها، وعلفها، وبحاجة إلى فواكه وخضار، وإلى لباس، فلو جمعنا حاجات الإنسان لكانت بالملايين، بحاجة إلى قماش ينشف به وجهه بعد الوضوء، بحاجة إلى من يقص له شعره، وإلى من يصلح له مركبته، وإلى من يقيم له بيته، وإلى من يقدم له أثاث البيت ولوازمه. فأحدنا بحاجة إلى مليون شيء، ولكن يتقن شيئًا واحدًا، يتقن شيئاً و يحتاج إلى ألوف الأشياء، فمن هنا كانت الجماعة، ومن هنا قال العلماء: الإنسان اجتماعي، فلا تقوم حياته في المجتمع إلا مع الجماعة، وإذا أردتَ تعليم ابنك فهناك مَن هو مختص بذلك، ولن تستطيع أن تقلع ضرس ابنك الذي يؤلمه إلا إذا كان هناك من هو مختص بذلك، فربنا عز وجل قال: ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [ سورة النبأ: 11 ] أنا مرة فكرت كم من إنسان يعيش بسبب ارتفاع الحر؟ تصور ذلك، وكم معملاً في العالم للمكيفات؟ وكم معملاً للمراوح؟ وكم معملاً للمشروبات الغازية؟ وكم معملاً للبوظة بسبب الحر؟ وكم معملاً يقدم ألبسة فضفاضة مريحة حريرية للصيف؟ وكم من إنسان يعيش من وراء البرد؟ المدافئ، والتدفئة المركزية، والألبسة الصوفية، والدثر الصوفية، كم من إنسان يعيش من طول شعر الإنسان؟ ولو فرضنا أنّ حشرة تؤذي النبات فكم من إنسان يعيش بفضل هذه الحشرة؟ و كم مهندس زراعي؟ وكم آلة رش؟ وكم من وسائل النقل والشحن والبيع والشراء والقرطاسية من أجل مكافحة هذه الحشرة؟ فربنا عز وجل جعل الحياة عملاً، فأنت بحاجة إلى الثياب، وكذلك إلى زارع القطن، والمحالج، والمغازل، والأصبغة، وصناعة الخيوط، وطبع القماش، منه المطبوع على الطاولة، والمطبوع بشكل أسطواني، ونسيج، وتطريز... من أجل أن تلبس هذا الشيء، ويوجد خياطون وأزرار، فالأمر ليس له نهاية من أجل هذا اللباس: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 10 ] أساليب وأنواع أخرى للعمل : الشيء الآخر ربنا عز وجل قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [ سورة البقرة: 198 ] فمباح لك أن تعمل، وسيدنا عمر يقول: "إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغِلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية". ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ [ سورة المزمل: 20] الإنسان عندما يسافر إلى مدينة أخرى ويحمل معه بضاعته، أو عينات من بضاعته، ويعرضها في السوق، فيبيع ويشتري، ويسجل ويشحن، ويستقبل بضاعة، ويسلمها ويحوِّل ثمنها، فهذه أيضاً أساليب وأنواع للعمل قال تعالى: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة المزمل: 20] وهذا هو السفر في طلب الرزق. من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً و الحلال صعباً : وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الجمعة: 10] وبعضهم حمل هذه الآية محملاً آخر، فإذا صليت واستمعت إلى الخطبة فانطلق لتحقيق هذا الذي سمعته، وانطلق إلى العمل الصالح، وإلى التزود بهذا الزاد الذي أمرك الله به، وقد جاء في الأثر: "إنّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة"، حدثني أخ ترك وظيفته، وسعى في التجارة، واشترى صفقة بحوالي مئة وثمانين ألفًا، ووضعها في مستودع عند شخص، وهذا الشخص قليل الأمانة، فباع البضاعة، وأخذ ثمنها، وسافر خارج القطر، والمال ليس له، أخذ مالاً من الناس، وتاجر به، واشترى صفقة جيدة، وليس عنده مستودع، فوضعها عند شخص، ثم جاء ليتفقد بضاعته، فإذا بابن صاحب هذا المستودع قد باع البضاعة كلها، وخرج من القطر، فقال لي: صباحاً أستيقظ بالهم، وأنام بالهم، وأقول: يا رب، وعاهدت الله أن أردّ لأصحاب الأموال أموالهم، وقال لهم: هذا الذي حصل، فالتجارة ربح وخسارة، وما كان غارماً، ولكن آثر أن يرد لأصحاب الأموال أموالهم، وأخذ الله بيده، وفتح الله عليه باب الرزق من أوسع أبوابه، وردّ الأموال لأصحابها، وربح واشترى محلاً تجارياً يقتات منه اليوم. إذًا: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً، تحرك القلم حركة تأخذ مئة ألف، تعالَ إلى التجارة وحصلها، تحتاج إلى سنة واثنتين وثلاث حتى تحصل عليها، بمتاعب ومخاطر وخوف وعدم بيع وكساد البضاعة وقبض ثمنها، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً والحلال صعباً، حتى يميز الخبث من الطيب. الحكمة من جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة في وادٍ غير ذي زرع : لماذا جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام في وادٍ غير ذي زرع؟ وهناك أماكن في أوربا كالجنان، جبال خضراء، بحيرات، أجواء مريحة رطبة، نسيم عليل، فلماذا جعل مكة المكرمة حارةً جافةً لا غصن ولا شجرة ولا نسمة بل طبيعة قاسية؟ لماذا؟ الذي خلق الجبال الخضراء لم خلقها في هذه البلاد؟ ليميز السائح من الحاج، فلو أنها بلاد جميلة لاختلط الأمر على الناس، فلا تدري لماذا يذهب إلى هناك سياحةً أم حجاً؟ أما لأنها كذلك فلا يقصدها إلا الحاج؟ ولا يقصدها إلا المحب لله والرسول؟ ويتحمل مشاق السفر رضاءً لله ورسوله، وكذلك الحلال صعب لماذا؟ لأنه لا يحل الحلال إلا المؤمن، ويتحمل كل متاعب الحياة، ولا يأكل المال الحرام، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، تموت جوعاً ولا تأكل بثدييها، فالأدباء غير العلماء، في صف الشهادة الثانوية هناك قصة شعرية، أن امرأة فقيرة لها بنت مرضت، فباعت شرفها من أجل تأمين ثمن الدواء، أعطاها هذا المجرم ريالاً مزيفاً، فلما ذهبت إلى الصيدلي لتشتري الدواء ألقى الريال في وجهها، وقال: هذا مزيف، لقد فقدت ابنتها وفقدت عفتها، وهذه القصة لا ينبغي أن تدرس، فكأن الشاعر يعطي لهذا الانحراف قبولاً من المرأة في سبيل إنقاذ ابنتها بأن تضحي بعفتها، لا، إن الله موجود، وبيده كل شيء، والأمر ضامن، والذي أمر بالاستقامة والعفة يضمن، وهذه حالة غير صحيحة، هذه قصة مشوهة وغير واقعية، فلو أن هذه المرأة عفت عن الحرام هل يعقل أن تموت ابنتها مرضاً؟ مستحيل، هذه فرضية شيطانية، ليس كل قصة يجب سماعها، هناك قصص لها مؤدى سيئ، وكأننا نرضى من الفتاة من أجل تأمين دواء ابنتها أن تضحي بشرفها، أما العرب فيقولون: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، مجمع الأمثال للميداني، بل ربما تموت جوعاً. من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة. صفات التاجر الأمين : (( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] ما كنت فيما مضى أفهم بعد هذا الحديث، تاجر باع واشترى، وجلس في مكتب فهو مع الصديقين والشهداء! ماذا فعل؟ ما الذي فعله حتى يكون في صفوف هؤلاء الصديقين؟ ولكن حينما علمت أن أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا وماليزيا، هؤلاء يزيدون عن مئتين وخمسين مليونًا، هؤلاء كلهم أسلموا عن طريق التجار، إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا - لا يمدح بضاعته كأنما ينزلها من السماء - وإذا اشتروا لم يذموا - يرخص بقيمة البضاعة المشتراة حتى يجعل صاحبها يبيعها برأسمالها - وإذا كان عليهم لم يماطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، فهؤلاء وهؤلاء الآن أندر من الكبريت الأحمر، فلو أن رسول الله قال: إن أطيب الكسب كسب التجار وسكت، فأيّما تاجر له الحق أن يقول: أنا منهم، ولكنه ذكر سبع صفات إذا توافرت في التاجر جميعها كان منهم. (( من طلب الدنيا حلالاً، استعفافًا من المسألة، وسعيًا على أهله، وتعطفاً على جاره، بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ومن طلبها حلالاً مكاثرًا بها مفاخرًا لقى الله وهو عليه غضبان)) [أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة] هل هناك من تشجيع على العمل أعظم مِن هذا الحديث؟ موضوعية النبي صلى الله عليه و سلم : وقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة، مفتول العضلات، عريض المنكبين، ضخم الجثة، نشيط، قد بكر وسعى- انطلق من بيته باكراً -، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هذا فإنه لو كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، يريد أن يشتري بيتًا ليتزوج، ويستقر، ويريد أن يؤسس أسرة، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين، له أب مقعد وأم متقدمة في السن ليس لهما أحد غيره، أحياناً أنا أرى شخصًا شابًا في أول حياته ترك المدرسة، وعمل في مصلحة، عنده أم وأب عاجزان، وعنده أخوات، واللهِ أقدّسه، فهذا الذي يسعى على أبوين ضعيفين، و ذرية ضعاف، عنده ثماني بنات يريدون أن يأكلوا كل يوم، ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان. انظروا النبي صلى الله عليه كم هو موضوعي، الصحابة تسرعوا لو كان جلد هذا الفتى في سبيل الله؟ فقال: لا تقولوا هذا.... التأجيل وعدم الإتقان ليس لهما أجر الأجر لمن نصح : وفي الأثر: "إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم ليتخذه مهنةً"، العلم عمل إضافي، يجب أن تكون لك مهنة تقتات منها، وتكون يدك بها عليا لا سفلى، تسير في الناس رافع الرأس، عزيز النفس، إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني، فقيمة الرجل ما يحسنه، فتعلم كل شيء عن شيء، أن يكون لك اختصاص، وشيء عن كل شيء، وفي الخبر أن الله يحب المؤمن المحترف الذي له مصلحة. (( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ)) [أحمد عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ] وفي خبر آخر: "أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح"، صنع لك إنسان طاولة متقنة، أو بابًا، أو بذلة خياطة متقنة، أو قميصًا، أو ثوبًا للشتاء قياسه مناسب، وألوانه مناسبة ومريح، وخيوطه من درجة جيدة، فالله عز وجل يحب هذا الإنسان إذا نصح، أما إذا غش فثمّة مشكلة، وأحياناً الخياطون يوفرون في بذلة ما خمس ليرات، ويضعون لها أقمشة رخيصة، ترسلها إلى الكي فتعود تالفة، ماذا استفدت؟ تَلعن هذا الذي خاط لك الثياب طوال ما تراه. مرة أحد الشعراء خاط له خياط قباء، لا هو طويل، ولا هو قصير، فانزعج منه، فقال للخياط: والله لأهجونَّك ببيت شعر لا تدري أمدحٌ هو أم ذم، وهذا الخياط كان أعور، والشاعر هو بشار بن برد، وما أدراك ما بشار، فقال: خاط لي زيد قباء ليت عينيه سواء *** فهو أعور العين، يا ترى تمنى له أن تكون العينان مبصرتين أم أن تكون العينان عمياوين؟ فأحياناً إذا كان للإنسان مصلحة يجب أن يكون مضبوطاً، متقِنًا، فإنما أهلك الصنعة قولُ: غد، وبعد غدٍ، فالتأجيل، وعدم الإتقان هذا ليس لهما أجر، فالأجر لمن؟ للذي نصح. على الإنسان ألا يكون عالة على أحد : تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي، وروي أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبد، فقال: من يعولك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، لا تكن عالة على أحد، النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقول: ((أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وانه ليس من شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته)) [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود] أنا أعتبر هذا الحديث أساسًا في الرزق، يوجد شجرة تفاح في سرغايا، التفاحة الرابعة من تحت، هذه لفلان في الشام، منذ خلق هذه التفاحة عليها اسم آكلها، بقي آكلها إذا كانت أخلاقه عالية جداً أنْ يشتريها، أو يأكلها ضيافةً، أو تهدى إليه، وإذا كان غير مؤمن فيسرقها، أو يأخذها تسولاً، أو يقطفها، فطريقة انتقال هذه التفاحة إليك باختيارك، أما هي فلك، وطريقة انتقالها لك باختيارك، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [ سورة الذاريات : 223 ] اللهُ عز وجل كريم جبار : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة الروم: 40 ] لم يستعمل الله سبحانه وتعالى الفعل المضارع " ثم يرزقكم "، لا، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ وانتهى الأمر، ولا يوجد مثل أجمل من سيدنا عبد الرحمن بن عوف، لما هاجر إلى المدينة المنورة قال له أحد الصحابة الأنصار: هذا نصف مالي فخذه، فقال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، لا يوجد أجمل من عرض الخير على المؤمن، والأجمل منه التعفف عنه، ولذلك جاء في المثَل العربي: (( الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ )) [مجمع الأمثال للميداني] قل: يا رب واذهب إلى السوق، ولقد سمعت آلاف القصص، اشترى بضاعة، وقال: يا رب فبيعت، قال لي أخ: من يومين اشترى بضاعة، و لم تباع لمدة أسبوعين و لا لشهرين، اشتراها بمال شخص، فلما شاهد هذا الشخص أن هذه البضاعة ما بيعت، قال له: أرجعها، قال له: إنه من العيب أن نعيدها، واللهُ عز وجل كريم، وهو واقف جاءه مشترٍ فاشتراها كلها، ومنها تعلَّم درسًا لا ينساه، فإن الله جبار. وأحيانا الإنسان يشتري بعين الجبر، واللهُ عز وجل يكرمه أنه يبيع البضاعة بعين الجبر أيضاً، وهناك أناس يبيعون البضاعة وعينهم فيها، وثمة تاجر يبيع البضاعة وتخرج من عينه، والذي يشتريها يربح منها، فعلى الإنسان ألاّ تكون عينه في البضاعة، والمثل العربي يقول: "الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ ، فابتغوا الرزق عند تزاحم الأقدام". كل الأعمال شريفة ولكن العار أن يكسب الإنسان رزقاً حراماً : وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وسقا من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ((إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس)) [رواه الطبراني في المعجم الكبير] وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً: ((لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)) [متفق عليه عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] فلأَنْ تجمع حطبًا، وتبيعه بخمس ليرات خير لك من أن تقف على باب غني فيذهب ماء وجهك، ويذهب ثلثا دينك، وكل الأعمال شريفة، ولكن العار أن تكسب رزقاً حراماً، والعار أن تفعل العار، وأن تعصي الله عز وجل، مثلاً أمام باب الجابية ترى أناساً جالسين معهم أدوات تعزيل المجاري، هل يجوز أن تقول: ما هذه المهنة؟ واللهِ الذي لا إله إلا لهو أشرف مليون مرة من السرقة، ومن كسب المال الحرام، ومن الخداع، ومن الأساليب المعروفة في كسب المال، وهذا العمل الذي لا يطاق أشرف ألف مرة من عمل آخر مظهره فخم، ولكنه مبني على الغش، والدجل، والكذب، والربا، ومبني على أخذ المال بسيف الحياء، ولكن بعض الحرف نهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلمَ أن يحترفها، ألم يقل لكم قبل قليل: واستجملوا مهنكم، وأجملوا في الطلب، أي استجملوا مهنكم: ((... أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته )) [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود] وقد قلت كلامًا قبل قليل: لو أن هناك خيارًا بين هذا العمل وعمل حرام، فهذا العمل خير بلا ريب، ولو خيرت أن تعمل في هذا العمل الشاق الذي يحتقره الناس وبين أن تأخذ رشوةً، أو مالاً حرامًا، أو أن تخدع، أو أن تدلس، واللهِ إنّ هذا العمل أشرف بألف مرة، فاستجملوا مهنكم، وفي الأثر: ((من فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر)) وفي الآثار أن لقمان الحكيم قال لابنه: ((يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه....)) إذا كان الإنسان فقيرًا لم يهتم كثيرًا بالحلال والحرام، يريد مالاً حلالاً، أو حرامًا، أو شبهة، يجوز أو لا يجوز، فالفقر يسبب رقة بالدين. من علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة والشكر في النعمة : واللهِ ثمّة موقف لا أنساه حتى الموت؛ كنت أخطب الجمعة، ولما انتهت الخطبة توقف رجل ملء السمع والبصر، فصيح اللسان، متكلم، يرتدي زياً إسلامياً، وتحدث للناس عن سيدنا عمر، وعن الإسلام، وعن الصلاة، وبعد أن أنهى حديثه طلب من الناس المعونة، فلو كان عاجزًا لجاز له ذلك، ولكنه يمكن أن يشتري خضاراً ويبيعها، لكن كل هذا الحديث الجميل من أجل أن تطلب من الناس؟ فهذا الدين عظيم، فليس لك أنْ تهينه، ولا أنْ تستخدم الآيات والأحاديث والسيرة من أجل أن تطلب من الناس المال، ولا تشكو مرضًا ولا علة، قال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 273 ] تظنه غنيًا، يلبس لباساً أنيقاً، ومن علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة، والشكر في النعمة، أناس أحضروا قراء قرآن لميتهم، وقدّموا لهم موزًا، فوضعها أحد القرّاء إلى جانبه، وعندما ذهب نسيها، فتذكر ورجع وقرع الباب؛ أعطوني الموزة، هذا القرآن يحتاج غير هذا المستوى. استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه، يضعف دينه، يشتهي أن يأكل. إتقان العمل جزء من الدين : لذلك أحد أمراض المسلمين الكسل، ترى أرضًا قاحلة فيها مضافة؛ قهوة وشاي، قمْ و ازرعها، سوِّرها واحفر بئرًا، وتحرك: (( مَنْ أَحْيَى أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ )) [الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ] في هذا الحديث قانونٌ للإصلاح الزراعي، تذهب زوجته تعمل وهو قاعد، ترعى وتحصد، وتطعم البقر والدواب، وتحلب البقر، وتطبخ وهو جالس، الكسل سمة فادحة، هذا الإنسان فيه رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهابٌ لمروءته، وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به، فإذا كان له عمل كانت له مكانة، فلان مختص، أحيانا تقف عند ميكانيكي سيارات، فتراه مثل الطبيب يعتز بنفسه، ومعه الحق، وتحتاج إليه لأنه خبير، تترجاه، وتعامله بأدب لأنه خبير، من أين جاءت مكانته؟ من خبرته، وأحيانا تقف أمام نجار بكل أدب، تريد باباً متقناً، من أين جاء النجار بمكانته؟ من إتقان عمله، وله مصلحة، فأنا أحضكم على العمل، وعلى الإتقان، والشيء المؤسف أن الأجانب أتقنوا عملهم فربحوا أرباحاً طائلة، يقول لك: الين الياباني أسعاره ترتفع، وكذا المارك الألماني، لماذا؟ لأن عندهم بضاعة متقنة جداً، وعليها طلب شديد، يقول لك: لا تستطيع أن تبيع إلاّ بعد شهرين، لأنّ البضاعة محجوزة، وإنتاج المعمل محجوز لسنتين، وهذا من كثرة الإتقان، وهذه أخلاق المسلمين، وإتقان العمل جزء من الدين، فترى الصناعة الأجنبية ثمنها عشرة أضعاف، الثياب مستقيمة، والأزرار في مكانها، والعروة جيدة، والخيط متين، بإتقان بسيط رفع السعر عشرة أضعاف، فإتقان العمل جزء من الدين. "يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال؛ رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم هذه الثلاث استخفاف الناس به". الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة : لكن بالمقابل لا نريد من الإنسان أن ينغمس في التجارة، وينسى دينه، ينسى الصلاة، وأداء واجباته، وينسى حضور مجالس العلم، ويكسب مالاً حرامًا، ويتعامل بالربا ويقول لك: أنا مضطر، لا يوجد اضطرار هنا، وبالمقابل إذا كان النبي الكريم نهى عن الكسل لم يأمر بالانغماس في الدنيا، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [ سورة الملك : 15 ] الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة، فإذا كانت التجارة فيها مواد مشبوهة، أو بضاعة محرمة، أو كذب، ونفاق، ومعاملات ربوية، فوالله لأنْ تضغط مصروفك فيكون قليلاً خيرٌ لك ألف مرة من هذا الكسب الحرام العريض. أقوال في طلب الرزق : سيدنا عمر يقول: "لا يقعدن أحد عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة". رجل قال في الشيخ محي الدين- وكان زاهدًا لا يريد أن يعمل-: أما رزقي فعلى الله، جلس في طرف المسجد، وزعوا خبزًا، وهو ما قال ولا كلمة، فما أعطوه، بقي بلا خبز، في الظهر وزعوا طعاماً وما طلب فما أعطوه، في المساء دخلوا فتنحنح، يريد أنْ يقول: إنني موجود هنا، حتى جاء نصيبه من الأكل، فأنت تحتاج إلى حركة، ومن دون حركة لن يصلك شيءٌ. إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه: أصبت استغن عن الناس يكن أسلم لدينك، وأكرم لك عليهم. وسيدنا ابن مسعود يقول: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته "، ليس عنده شيء، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبّ إليّ لأنه في جهاد يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده. سيدنا عمر يقول: "ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبّ إليّ من موطن أتسوق فيه لأهلي، أبيع وأشتري "، هذا عمل شريف، قال: "ربما يبلغني عن الرجل يقع فيّ، يتكلم عليّ ويذمني، فأذكر استغنائي عنه فيهون عليّ ذلك "، إنسان تكلم عليك وأنت لست بحاجته، أما إذا كنت في حاجة إليه وتكلم عليك فهذه هي النار، واللهِ واللهِ - مرتين - لحفرُ بئرين بإبرتين، وكنسُ أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقلُ بحرين زاخرين بمنخلين، وغسلُ عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهونُ عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين. هذه كلها من المستحيلات، تنقل بحرين بمنخلين، تكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، وتحفر بئرين بإبرتين، وتغسل عبدين أسودين حتى يصيران أبيضين !! هذا كله من المستحيلات، ومع ذلك فهي أهون عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين. احتجْ إلى الرجل تكن أسيرَه، واستغنِ عنه تكن أميرَه، قد لا تملك شيئاً، ولكن استغناؤك عن الناس يجعلك غنياً، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه التقى برجل أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، قال له: ألك حاجة؟ قال له: معي درهمان متى تراني أصرفهما. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ] قال لي رجل: أنا مصروفي ثلاثمئة ألف في السنة، ولا تكفيني، فأصابه مرض عضال فقال: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر، من ثلاثمئة ألف في السنة إلى اثني عشر ألفًا، فما كان يعرف قيمة الصحة، والذي عنده صحة طيبة فليشكر الله عز وجل إلى أكثر الحدود. جاءت ريح عاصفة في البحر، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم - رحمه الله -وهذا العالم الجليل مدفون بمدينة جَبْلَة، في مسجد على البحر تماماً، وكان معهم فيها: أما ترى هذه الشدة؛ رياح عاتية، وأمواج كالجبال، والسفينة على وشك الغرق، فقال إبراهيم بن الأدهم: "ما هذه الشدة، قالوا: وما الشدة إذاً؟! قال: الشدة أن تحتاج إلى الناس، فهذه هي الشدة ". وقال أيوب: قال لي أبو قلابة: "الزم السوق فإن الغنى من العافية ". الاستغناء عن الناس يسبب صحة نفسية و توازناً : إذا افتقر الإنسان أصبحت عنده حساسية كبيرة، ما زارني فلان، احتقرني، فيبني قصورًا من الوهم، وكلها أمراض نفسية، أسبابها التولي الاجتماعي، فإذا كنت متخلفًا عن أقرانك، ومعك أمراض نفسية خاصة، وحساسية مفرطة، فإنك تعاتبهم لأتفه الأسباب، وتعتقد أنهم يحتقرونك، وهم لا ينتبهون إليك إطلاقاً، فلما يستغني الإنسان تنشأ عنده صحة نفسية، ويتوازن، فإذا زاروك فإنه يزورونك وأنت مستغنٍ عنهم. وقد سئل إنسانٌ سؤالاً: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مجلسه وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي)) [ أحمد عن ابن عمر] الله مسبب الأسباب و الإنسان بحاجة إلى سعي و طلب : وقال عليه الصلاة والسلام حينما ذكر الطير: (( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا )) [ الترمذي عن عمر] ولكن لا أحد ينتبه إلى هذا الكلام، دققوا: تَغْدُو وَتَرُوحُ، فهناك سعي، والطير متوكل على الله. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا )) [الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] السر في هذا الحديث أنها تغدو وتروح، فثمّة حركة وسعي، أحد أخواننا ذهب إلى الحجاز في أيام الحج، قال لي: شاهدت نخلة، فأردت أن أهزها كما فعلت السيدة مريم، فما اهتزّت معي ولا سنتمترًا ولا ميليمترًا، فما هذه الآية؟ ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ [ سورة مريم:25] قالوا: هذه كناية عن السعي، وليس بهزها ينزل التمر، فإنها لا تُهزّ، ولكنها كناية عن السعي، تحرك، فكّر بشيء، اشترِ بضاعة وبعها، اسأل، واخرج من بيتك وادخل إلى السوق، فإنّ الله عز وجل يرزقك بالحركة، وكل شيء بقوانين دقيقة في الأرض، والله مسبب الأسباب، وأنت تحتاج إلى طلب. وللحديث بقية، والفصل طويل، ولكن نحن بحاجة ماسة إليه، لأن العمل شيء أساسي. حاجة الإنسان إلى الطعام و إلى كسب ثمنه : انتهينا من الطعام، وانتقلنا إلى كسب الطعام، وأجمل شيء في القرآن الكريم لما ربنا عز وجل وصف الأنبياء فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان:20] فيأكل الطعام ليبقى حياً، ويمشي في السوق ليشتري الطعام، فأنت بحاجة إلى الطعام، وبحاجة إلى كسب ثمنه. *** النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً : وسننهي هذا الدرس بفصل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً . ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] والحياء والإيمان قُرِنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا )) [متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] العذراء العزبة المصونة التي ربيت تربية صالحة، فلو ذكرت أمامها كلمة تخدش الحياء لأصبح وجهها كالتوت، والنبي الكريم كان: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا )) [متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ] إنه الكلام اللطيف الواضح، كان " أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا "، وهذا الوقح الذي يمزح مزاحاً خبيثاً فاحشاً، ويسمي العورات بأسمائها يخجل الناس منها فليس فيه إيمان إطلاقاً، ومن علامات الإيمان الحياء: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ)) [متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] والله تعالى أيضاً حيِيٌّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ)) [ أبو داود عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ] أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك، عن ابن جريج قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا هو بأجير له يغتسل في البر قال: ((أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك)) [كنز العمال عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ] وقال البخاري في صحيحه: بَاب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَذكر حديث بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ )) [البخاري عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ )) [البخاري عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ] وبلغ من حيائه صلى الله عليه وسلم أنه لم يواجه أحدًا بما يكره بل يعرض بذلك، أو يأمر بعض أصحابه أن يصارحه بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه. دخل عليه رجل يومًا وعليه أثر صفرة فلما قام قال لأصحابه: لو أمرتم هذا أن يغفل هذه الصفرة، أما أن يواجه إنساناً بخطئه وجهاً لوجه ما كان ليفعله، وهذا لشدة حيائه وحبه للناس. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاةالجنازة - 1 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( السابع و الخمسون ) صلاة الجنازة : موضوع الفقه اليوم صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، ومعنى أنه فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، ويُقابل فرض الكفاية فرض العين، الذي إذا لم يقم به المسلم لم يسقط عنه. فروض صلاة الجنازة : 1 ـ إسلام الميت : وأركان صلاة الجنازة التكبيرات والقيام، وفروضها ستة: أولاً: إسلام الميت " أن يكون مسلماً "، أي إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نُهي عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [ سورة التوبة: 84 ] شُرِعت صلاة الجنازة وزيارة القبور من هذه الآية: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ [ سورة التوبة: 84 ] والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُصلي على من عليه دَين، فإذا توفي بعض أصحابه الكِرام يسأل هذا السؤال التقليدي: " أعليه دينٌ؟ "، فإن قالوا: نعم يقول: " صلّوا على صاحبكم "، إلى أن يقول أحدهم: يا رسول الله عليَّ دينه؟ فقد روى البخاري في صحيحه: (( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ )) [ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فأركانها التكبيرات، والقيام، وفروضُها ستة؛ إسلام الميت وقد ذكرناه أولاً. 2 ـ طهارته : وطهارته، لا يُصلّى على الميت إلا بعد أن يكون قد غُسِّلَ التغسيل الشرعي. 3 ـ تقدمه أمام القوم : تقدّمه أمام القوم: يجب أن يوضع النعش الذي فيه الميت أمام القوم الذين يصلون عليه. 4 ـ حضوره : حضوره؛ أن يكون الميت في هذا النعش، أو حضور أكثر بدنه، أي نصفه مع رأسه، فنصف المتوفى مع رأسه يدخل في باب حضوره. 5 ـ أن يكون المصلي غير راكبٍ : ويجب أن يكون المصلي غير راكبٍ. 6 ـ أن يكون الميت على الأرض : وأن يكون الميت على الأرض، فلا يجوز أن يُصلي المصلي على ميتٍ وهو راكب، ولا أن يكون الميت محمولاً ويُصلّى عليه، فيجب أن يكون على الأرض، فإن كان على دابةٍ أو على أيدي الناس لم تجُزْ عليه الصلاة، إلا إذا كان هناك عُذر قاهر. سنن صلاة الجنازة : 1 ـ قيام الإمام بِحذاء صدر الميت : وسُنن هذه الصلاة أربعٌ: قيام الإمام بِحذاء صدر الميت.. فيجب أن يقف أمام صدره، أي أمام قلبه.. ذكراً كان أو أنثى. 2 ـ الثناء بعد التكبيرة الأولى : الثناء بعد التكبيرة الأولى: "سبحانك اللهم وبحمدِكَ، وتبارك اسمُكَ، وتعالَى جدُكَ، ولا إله غيرُك، والصلاة على النبي بعد التكبيرة الثانية: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آلِ سيدنا محمد"، بعض الفقهاء ينصُّ أنهُ قد أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة الفاتحة والصلاة على رسول الله ".. فإن صليت على النبي أجزأكَ هذا، وإن قرأت الفاتحة أجزأكَ ذلك. 3 ـ الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة : وأمّا بعد التكبيرة الثالثة فتدعو للميت بما شِئت، وبأي صيغة شِئت، وبأي دُعاءٍ شِئت، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وقد أوتي جوامع الكلم كان يدعو بهذا الدعاء: ((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ )) [مسلم عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ] ثم يُكبّر التكبيرة الرابعة وبعدها يُسلّم، وبعض الفقهاء يقولون: " يدعو لنفسِهِ بعد الرابعة ثم يُسلّم "، فإذا سلّمتَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك، وإن دعوت لنفسِكَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ )) [أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] 4 ـ عدم رفع اليدين في غير التكبيرة الأولى : لا يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى، فقط في التكبيرة الأولى، أمّا الثانية والثالثة والرابعة فلا يرفع المُصلي يديه، ولو كبّرَ الإمام خمساً لم يُتبع. ومن الأدعية المأثورة: " اللهم اجعله لنا خلفاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله شافعاً مُشفّعاً "، هذا الذي جاء في مراقي الفلاح عن صلاة الجنازة: كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حملت إلى القبور جنــازةً فاعلم بأنكَ بعدها محــمولُ *** من استحضر مشاهد الموت صغُرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبِه إلى يده : ولا بُد من أن ندخل المسجد ليُصلّى علينا، فهنيئاً لمن دخله طوالَ حياتِهِ ليُصلي، فإذا أُدخِلَ المسجد ليصلّى عليه يقال: قد كان من قبلُ يُصلي، أما إن كان لا يُصلّي وأُدخِلَ إلى المسجد ليُصلّى عليه فلن يسمع المصلون على الميت الآلام التي تعتلج في صدره، وهو يقول: ليتني كنت أصلي، قال عز وجل: ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [ سورة القلم: 43 ] أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا، أرى أنَّ مشاهد الموت يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، إن الموت شيء لا بُدَّ من أن يقع، وأنت متشائم، لا علاقة لهذا الكلام بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، الموت لا بُدَّ من أن ينزل بنا جميعاً، فإذا حضر الإنسان حضرَ مشاهد الموت، وحالة النِزاع، أين سيتم تغسيله، وأين سيتم دفنه، ومن سيخرج في جنازته، وماذا سيكتب على نعوتهِ، أولاده، أخوته، أصهارُهُ، انظر ماذا سيُكتب: عميد أسرتهم، أو الشاب، أو المحامي، أو الطبيب، أو المربي فلان، فلا بُدَّ من أن يُكتب شيء، فقُم باستحضار مشاهد الموت، فإذا استحضرتها صغُرت الدنيا في عينيك، وانتقلت من قلبِكَ إلى يدِك، ولقد صدَق مَن قال: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول *** من زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز فوزاً عظيماً : تصوّر ما بعد الموت؟ وماذا سيحصل؟ وماذا سيفعل أولادك بالسيارة؟ هل تنتصر أمهم عليهم فيبيعونها أم ينتصرون عليها فيبقونها؟ ماذا سيفعلون؟ ماذا سيفعلون في هذه الخزانة التي فيها محتوياتُكَ الثمينة؟ ومن سيفتح هذه الخِزانة؟ كيف ستوزّع هذه المحتويات؟ هذه مشاهد تهزُّ النفس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إن النور إذا دخل الصدر انفسح قيل هل لذلك من علم يعرف به؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)) [كنز العمال عن ابن مسعود] والبطولة كما قُلنا: ليس من يقطع طرقاً بطلاً، هناك جرائد لمن يحرز أرقامًا قياسية في الجري، أو في السباحة، أو في القفز العالي، أو في هذه اللعبة، أو في تلك... وهؤلاء يُسمّونَ في مصطلح الدفتر أبطالَ العالم، فهذا حاز الميدالية الذهبية، وذاك البرونزية، والثالث على الفضية: ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقِي الله البـــطلُ *** فإذا جاءه مَلَكُ الموت، وزُحزِحَ عن النارِ، وأُدخل الجنة فقد فاز، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [ سورة الحديد: 20 ] أحفظُ حديثاً يقصم الظهر، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت)) [البيهقي في شعب الإيمان عن أنس] أسطوانة الغاز فرغت، فقلت في نفسك: غداً سوف أبدلها، ولم تقل: إن شاء الله، طبعاً غداً سأعيش، عندي خمسون أو ستون موعدًا... ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت)) [البيهقي في شعب الإيمان عن أنس] من نام ليلةً واحدةً من غير وصية وكان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ فقد نام آثماً : حدثني أخ قصة عن رجل اشترى بيتًا، ونصف ثمن البيت من زوجته، وأهمل إفراغ هذا البيت باسمه وباسم زوجتهِ إلى أن أدركته المنية، وزوجته بعد أن توفي زوجها لم يعترف لها أهلهُ بأنها دفعت نصف ثمن هذا البيت، فتألمت ألماً شديداً وأخذت في اجتماعاتٍ مطوّلة بين إخوته وأقربائه، وقدّمت لهم الأدلة على أنها دفعت نصف ثمن البيت، باعت هذا المحل التجاري، وأعطت الثمن لزوجِها، وبعد اجتماعاتٍ دامت أكثر من سنة ونصف اتفقَ أقرباء زوجها على أن يعطوها عشرة أسهم من أربعة وعشرين سهماً فوافقت، والآن التقى الجميع بمالك البيت، هذا البيت تمَّ شراؤه قبل خمس سنوات، والآن ثمنه مليون، هل تفرغ لنا البيت؟ قال: نعم حباً وكرامة، هذا من حقِكم، فأُعطي الأمر إلى بعض الناس لإجراء معاملة الفراغ، وانتهت المعاملة، وبقي أن تنزل إلى دوائر التسجيل العقاري، وينتقل هذا البيت إليها، والموعد يوم السبت، فتوفيت يوم الخميس.. هذا هو الموت.. سنة ونصف من الاجتماعات.. باعت دكانها... ثم ماتت: كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول *** البطولة أن تُكثر من هذه اللذّات، مفرّق الأحباب مُشتت الجماعات. عِش ما شِئت فإنك ميت وأحبب من شِئت فإنك مفارقه، واعمل ما شِئت فإنك مجزيٌ به. بالمناسبة: الفقهاء قالوا: " لا بُدَّ من وصيةٍ واجبة، الوصية أنواع، وأحد أنواع الوصايا الوصية الواجبة "، لمن كان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ، فهذا إذا نام ليلةً واحدةً من غير وصية فقد نام آثماً، لماذا؟ لأنَّ هذا الحق متعلّقٌ بِهِ، وقد لا يعترف الورثة بهذا الحق. * * * من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة : والآن إلى فصلٍ مُختار من إحياء علوم الدين عن الكسبِ والمعاش، يُروى أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن الأدهم رحمهما الله وعلى عُنُقِهِ حزمة حطبٍ فقال له:" يا أبا اسحق إلى متى هذا؟ أخوانُكَ يكفونك؟ فقال: دعني عن هذا يا أبا عمر، إنه بلغني أنّ من وقف موقف مذلّةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ". قد يحمل الإنسان بضاعته، ويدخل إلى محل تجاري، فدخولك لهذا المحل التجاري لعرض هذه البضاعة، وبيان ميزاتها وأسعارها، وصاحب المحل يجلس وراء مكتبه، وقد يعجبه وربما لا يُعجبه، وقد يقول لك: لست بحاجة لهذه البضاعة، وقد يطلب منك أن تبيعه إياها بسعرٍ منخفضٍ جداً.... فمجرّد الدخول على صاحب هذا المحل فيه بعض المهانة، ولكن هذه مهانةٌ يُحبُها الله عزّ وجل، لأنها في طلبِ الحلال، تبيع بضاعةً مشروعة بسعرٍ جيد معقول، وتطلب الربح المشروع كي تستر به عيالك. فقال هذا الرجل للأوزاعي: "إنه من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ".. في طلب الحلال.. وقال أبو سليمان الداراني: ليست العبادة عندنا أن تكفَّ قدميك وغيرُكَ يُطعِمُكَ.. ليست هذه عبادة.. ولكن ابدأ برغيفيكَ فأحرزهُما ثمَّ تعبّد. الإحسان في المعاملة : الآن: مع أحكام مرّت معنا بالتفصيل في فقه السُنّة؛ البيع والمضاربة والقرض وأنواع الشركة... منذ حوالي أشهر أو ستة أشهر كُنا في الحديث عنها بالتفصيل، ننتقل إلى موضوعات لم يسبق لنا أن عالجناها في فقه السُنّة. العنوان: الإحسان في المعاملة، قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً.. فالإنسان يقرأ القرآن الكريم ولا ينتبه إلى هذه الأوامر.. أمر إلهي أنت مأمورٌ بالإحسان كما أنكَ مأمورُ بالعدل سواءً بسواء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ سورة البقرة: 267 ] أطعم وكُلْ، الناس ينسون أمر أطعم، ويتذكرون أمر كُلْ.. لا.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة النحل: 90 ] والعدلُ سبب النجاة، وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال، والإحسانُ سببُ الفوزِ ونيل السعادة، فإذا أخذ الإنسانُ رأسَمالِهِ من بعض الشركات الاستثمارية ونفذ، يكون قد أحرزَ مالُهُ، فإذا أخذ رأسَ المال مع الرِبح فقد فاز. العدل رأسُ المال والإحسانُ هو الربح : أما إذا ذهب رأسُمالِهِ... فكيف الأمر؟! ولا يُعدُّ من العقلاء في الدنيا من قَنِعَ في معاملات الدنيا برأسِمالِهِ، هل يُعدُّ التاجرُ عاقلاً إذا باع بضاعتهُ برأسِمالِهِ!؟ لا بُدَّ من الربح، فالعدل رأسُ المال، والإحسانُ هو الربح، فمن عَدَلَ نجا، ومن أحسَنَ فاز، فلا ينبغي للمتديّنِ أن يقتصر على العدلِ واجتناب الدنيا، ويدع أبواب الإحسانِ، وقد قالَ الله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [ سورة القصص: 77 ] وقال عزّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة النحل: 90 ] وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة الأعراف: 56 ] إذاً حتى في البيع وأنت في محل تجاري أنت مأمور أن تعدل، وأن تُحسن، فإذا عدلتَ نجوت، وإذا أحسنتَ فقد تفوّقت، العدلُ رأسُمالُك، والإحسانُ رِبحُك. رُتبة الإحسان في البيع والشِراء تُنال بواحدٍ من ستة أمور : 1 ـ في المغابنة : تُنال رُتبة الإحسان بواحدٍ من ستة أمور:.. الإحسان في البيع والشِراء.. في المغابنة: فينبغي ألا يغبِنَ صاحِبَهُ، والغبن هُنا الربح الفاحش، والربح الفاحش ليس إحساناً في البيع والشراء، فأما أصلُ المغابنة فمأذونٌ بِهِ، ولا بُدَّ أن تبيعهُ بسعرٍ أعلى من سعر الشراء، وإلا من أين تأكل، هذه المغابنة، أي الزيادة عن رأس المال مشروعةٌ في أصلِها، ولكنها إذا ارتفعت كثيراً صارَ هذا إساءة في البيع والشراء. فإذا بذل المشتري زيادةً على الربح المعتاد، إمّا لشدّةِ رغبتِهِ، أو لشدّةِ حاجتِهِ في الحال إليه، فينبغي له أن يمتنع من قبولِهِ.. فانظر للإحسان في البيع والشراء.. إذا دُفِعَ لكَ في هذهِ السلعة سعرٌ فاحشٌ، وقد رضيَ المشتري أن يشتريّها وقَبِلتَ بهذا البيع، فأنت قد طبقّت العدل، أمّا إذا رفضت أن تأخُذَ ربحاً فاحشاً، فأنتَ قد طبقّت الإحسان، وإذا امتنعت من قبول الربح الفاحش في بيع البضاعة فأنتَ محسنٌ في البيع والشراء، وإذا لم يقع التلبيسُ لم يكن أخذ الزيادةِ ظُلماً. ولو فرضنا لم تُلبِّس وقلت: هذه البضاعة هذه مواصفاتها، ولم تكذب، ولم تُدلّس، ولم تُغيّر، ولم تُبدّل، ولم توهم، وذكرت صفات البضاعة بدقة، ورضي المشتري أن يأخذها منكَ بسعرٍ عالٍ فهذا عدلٌ، أما إن لم ترضَ أنتَ بهذا الربح الفاحش فهذا إحسان، أما إذا كان هناك تدليس أو غش أو تغيير حقائق أو كتمان عيب فهذا ظلم، ولو أنكَ لم تُدلّس، ولم تكتم عيب البضاعة، ولم تكذب إطلاقاً، ورضيَ أن يشتريها المشتري بسعرٍ فاحش، وأنت رفضت ذلك، فهذا من الإحسان، فإذا قبلتَ ذلك فهذا من العدل، وموضوعنا اليوم " الإحسان في البيع والشراء وليس العدل ". الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار : وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار ، ومعنى الخِيار أنَّ المشتري إذا رَفَعَ أمره للقاضي مدعيًّاً الغبن، وتبيّن للقاضي أنَّ هذه السلعة بيعت بربحٍ يزيد عن ثُلُثِ ثمنِها، فللقاضي أن يرَدَّ البيع، وأن يفسخَ عقد البيع، وأن يُعيدَ الشيءَ إلى صاحِبِهِ. يُروى أنهُ كانَ عِندَ يونس بن عُبيد حِلل، أي ثياب مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلّةٍ منها أربعمئة.. نوع..، وضربٌ كل حلةٍ قيمتها مئتان، فمرَّ إلى الصلاة، وكلّفَ ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلبَ حُلةً بأربعمئة فعَرَضَ عليه من حُلَلِ المئتين فاستحسنها، ورضيها فاشتراها، فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فَعَرَفَ حُلتَهُ، فقال يا أعرابي: بكم اشتريتها؟ قال: بأربعمئة، قال: إنها لا تُساوي أكثر من مئتين، فارجع حتى ترُدّها، قال: هذه تُساوي في بلدِنا خمسمئة، وأنا أردتها، قال له يونس: انصرف فإنَّ النُصحَ في الدين خيرٌ من الدُنيا وما فيها، ثمَّ ردّه إلى الدُكان، وردَّ عليه مئتي درهم، وخاصمَ ابن أخيه في ذلك وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟ تربحُ مِثلَ الثمنِ وتترُكُ النُصحَ للمسلمين؟ فقال: واللهِ ما أخذها إلا وهو راضٍ بِها، فقال: هلاّ رضيت له بما ترضاه لنفسِك؟ وهل رضيت بذلك؟ وهذا إن كان فيه إخفاءُ سعرٍ، وتلبيس فهو من باب الضُر، لكن شاهدها ليس هناك كذب، ولا تدليس، ولا إخفاء عيب، وارتضى أن يدفع ثمنها أربعمئة، طبعاً فيها إنصاف، ولكن ليس فيها إحسان، فهذا البائع ورع فردَّ فرقَ ثمن البضاعة. قال عليه الصلاة والسلام: (( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام )) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] المسترسل أي الغشيم، فأحياناً تشعر المشتري أنه لا يعرف السعر، فتُريه بثلاثين، فهذا مثلاً قماش وطني سعر المتر سبع ليرات، وهذا قماش أجنبي سعر المتر خمس عشرة.. يقول لكَ: أي القماش بسعر سبع ليرات؟ وهو لا يعرف أن يُميّز. غبنُ المسترسلِ رِبا : حدثني أشخاص يبيعون، مثلاً يعرِض ثوب قماش فيقال له: عندك أفضل؟ فيجيبه: طبعاً ولكن بسعر أعلى، فيوافق، فيذهب ويُحضر القماش وهو القماش نفسه، والخام نفسه، والمعمل نفسه، فيمدّهُ بأصول، فيُريه أنَّ هذا غير ذاك، ويأخذ زيادة. حدثني شخص: الثوب طرفه على الطاولة، والثوب في الأرض، فسأله المشتري هل عندك أفضل؟ فيقول: نعم.. فمدَّ الثوب نفسه لكن من الجهة الأخرى، فمدّه على الأرض، وأعطاه الطرف الآخر، وقال له: هذا نوع آخر، قال عليه الصلاة والسلام: (( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام )) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] والسريّ الثقفي اشترى حاجةً بستين ديناراً، وكتَبَ في دفترهِ " رِبحُها ثلاثةُ دنانير "، وكأنهُ رأى أن يربح على العشرة نِصفَ دينار، فصارت هذه السلعة بتسعين، فأتاه الدلال، وطَلَبَ الحاجة، فقال: خُذها، قال: بكم؟ قال: بثلاثٍ وستين، فقال الدلال وكان من الصالحين: إنَّ هذهِ الحاجة ثمنُها تسعون!؟ فقال السِرّي: قد عقدتُ عقداً لا أُحلُّهُ، ولستُ أبيعُها إلا بثلاثةٍ وستين، فقال الدلال: وأنا عقدتُ بيني وبينَ اللهِ ألا أغُشَّ مسلماً، ولستُ آخذُ منكَ إلا بتسعين، فقالَ: وأنا لا أقبلُ إلا ثلاثة وستين... فتشاجرا... وهذا محضُ الإحسانِ من الجانبين.. هكذا كان السلف الصالح. وأحد الأشخاص أرسل ابنه ليشتري حاجةً، فقال له: يا ولدي، هذا الذي باعكَ إيّاها لا يعرف السعر، عُدْ وقُلْ له: يقول لكَ والدي: هذه في السوق أصبح ثمنها كذا، فذهب الابن للبائع، وقال له: والدي لم يقبل، قال البائع: لماذا!؟ سعرها معقول، فأجاب الابن: لا، ليس لذلك بل لأنَّ ثمنها مرتفع اليوم، فأرادَ أن يُعطيك فرق الثمن، فسأله البائع: والِدُكَ أمركَ بذلك!؟ فأجابه الولد: نعم، فقال له البائع: باركَ الله بكَ وبهذا الأب، أنا بِعتُكَ بهذا السِعر ولن أرجع. فعندما يطمع الإنسان في أموال الناس يخسر. من قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ : الآن إذا لم يعرف الإنسانُ السعرَ فسوف يُفلّس، وتجد أنَّ الناس قد تهافتت عليه، واشتروا ما عنده، ولم يبقَ شيءٌ، وقاموا بتخزين ما اشتروه، ثم باعوه، ولذلك في الأزمات الشديدة هناك تُجّار مسلمون لا يبيعون إلاّ للمستهلك. تُروى قصص قد تكون رمزية: شخص ترك ثروة طائلة لابنه، وقال له: خذ بمشورة عمك، فاستشار عمه فأشار عليه بأخذ القمح، فاشترى أطنانًا من القمح وحصلت مجاعة، اشترى بعشر ليرات، وقد دفعوا له إحدى عشرة، فأشار عمه بأن لا يبيع، باثنتي عشرة، و لا بثلاث عشرة، و لا بخمس عشرة، و لا بعشرين، لا تبع، فصار هناك ربح مُغرٍ، حيث إنَّ الربح بالمئة مئة، وبعد ارتفاع السعر إلى أقصى حد قال له: كم السعر الآن؟ فقال عشر، فقال: الآن تبيع بإحدى عشرة، وكيلو كيلو،... فهذه قصة رمزية... ليس من المعقول أن يكون عمه نصوحًا لهذه الدرجة!؟ حيثُ دُفِعَ خمسٌ وعشرون فقال له: بِعْ بإحدى عشرة، وكيلو كيلو، لكي تحُل مشاكل الناس ، فأراد ألا يُخالف نصيحة عمه، وباع الكيلو بإحدى عشرة - هذه القصة رمزية - فأحصى النقود مثلاً باع طنين بسعر الكيلو إحدى عشرة ليرة فالسعر معروف، لكن النقود كانت مضاعفة، فعدها مرة ثانية فوجدها ثلاثة أضعاف، والرابعة أربعة أضعاف... فقال له: في كل مرة عددت النقود تزيد، لأنك نويت في هذا البيع قضاء حاجة المسلمين... أين هؤلاء الأشخاص !؟ إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، السلف الصالح كان أحدهم في عمله التجاري في مُتعة بالغة، متعة الإحسان، حيث إنه يجلس في المحل التجاري لخدمة المسلمين، الجالب مرزوق، والمُحتكر ملعون، والآن لا يربح إلاّ إذا احتكر الصنف، حصره في نفسه، وأخفاهُ لفترة، وارتفع الثمن، فباعه بسعرٍ باهظ، حيث إنه يشعر بنشوة إذا اختلس من الناس أموالهم بهذا السعر....وقد كانوا قديماً يشعرون بالنشوة إذا يسّروا للناسِ مصالِحهُم. هناك حديث لا أتصوره: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) [الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] لأنَّ كُل حياتنا لها علاقة مع التُجار، من السمن إلى الرز، وكذا التعامل مع النجار ومع الحداد... فإذا كان هناك إنصاف دون غش وكذب، وكان السعر معقولاً ورحمة، سوف تُحل مشاكل الناس، أمّا الآن فقد أصبح البيع معركة. ومن قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ، واستفاد من تكرارِها رِبحاً كثيراً، وهذه تُسمى في اللغة التجارية رأس المال، قَلَبَ مرتين ثلاثًا، وبه تظهر البركة، وكان عليٌ رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدُرّةِ ويقول: معاشر التجار خذوا الحقَّ تسلموا لا تردّوا قليل الربح فتُحرموا كثيره. وقيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سببُ وثارِكَ - أي غِناك -، قال هن ثلاث: ما رددتُ رِبحاً قط، ولا بِعتُ بنسيئةٍ، ويُقال: إنه باع ألف ناقةٍ فما رَبِحَ إلا عِقالَها، أي الزِمام، فباع كُلَّ عِقال بِدرهم، فَرَبِحَ ألف دِرهم، أي ما بِعتُ ديناً ولا استقللتُ رِبحاً. 2 ـ احتمال الغبن : الشيء الثاني في الإحسان في البيع والشراء احتمال الغبن: تتحمّل أن تكون مغبونًا، لكن مع فقير، والمشتري إن اشترى طعاماً من ضعيفٍ، أو شيئاً من فقيرٍ فلا بأسَ أن يحتملَ الغبنَ، ويتساهل وبهذا يكون مُحسناً، مثلاً شاهدت طفلاً يبيعك أمشاطًا.. طفل يتيم.. قال لك: هذا المشط بليرتين، وهو بربع الليرة! فإذا أعطيته الليرتين، وأخذت المشط ولو كان في ذلك غبن، فليس شراؤك من باب البيع، بل من باب الإحسان، حيث إنَّ هذا الطفل نفسه كريمة، لم يرضَ أن يمد يده للناس، فأراد أن يبيع أمشاطًا في الطريق، فإذا كان الغبن من فقير وضعيف فلا بأسَ أن تحتملَه، وبهذا تكون محسناً، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] فأما إذا اشترى من غنيٍ تاجر يطلب الرِبحَ زيادةً عن حاجتِهِ فاحتمال الغبنِ ليسَ محموداً، بل هو تضييعٌ للمالِ من غير عذرٍ ولا حمدٍ، فإذا اشتريت حاجةً من تاجرٍ غني، ورَفَعَ عليك الثمن، وبقيت ساكتاً، فأنت لستَ مأجورًا، ولستَ محمودًا، فقد وردَ في حديثٍ من طريق أهل البيت: ((المغبون لا محمود ولا مأجور)) [ أخرجه الطبراني عن الحسن ] وكان إياس بن معاوية، وهو من عقلاء التابعين يقول: " لستُ بخبٍ والخبُ لا يغبِنُني ". والكمالُ ألا تغبِنَ ولا تُغبَنْ، كما وصفَ بعضُهم عمر رضي الله عنه فقال: "كان أكرمَ من أن يَخدع وأعقل من أن يُخدع". وكان خيارُ السلفِ يستقصون في الشراء، أي يفاصلون، ثم يَهَبُونَ مع ذلك الجزيل، موقف الشراء من فقير فيه رأيٌ آخر، قال لك: ثمن كيلو العنب بثماني عشرة ليرة وهو باثنتي عشرة، فقلت: لا باثنتي عشرة، طلبت منه أربعة كيلو غرام، ثمنهم ثمان و أربعون ليرة، فأعطيته فوقهم خمساً و عشرين له، وهذا أفضل، لأنَّ السعر قُمتَ بتثبيتهِ، ولأنكَ إذا أعطيته الثمن للأربعة مثلاً ثمانون ليرة استمرأ الغبن، والسلف الصالح هكذا يرى، فأنتَ حاسب البائع، وإذا كنت كريماً فهبْ له الزيادة هِبةً، ولا تُعطِه الزيادة ثمناً، لأنك إن أعطيته إياها ثمناً استمرأً ذلك، ورَفَعَ السعر على الفقراء أيضاً. من حاسب الناس من غير تدقيق كان سبب إفسادهم : وقد جاء في الأثر: "حاككوا البيع"، أي إذا قال لك شخص: هذا الحِساب، فطلبت منه أن تراه، قد يكون أضاف صفرًا في العشرات، فزاد الحساب مئة ليرة، عندما يرى البائع أنكَ حدّقت في الحساب، وبدأت بالجمع والطرح والتقسيم اجتنب أن يتلاعب، أما إذا قلت له: ما الحساب؟ فأجابك: مئتان و خمسون، قلت له: تفضل، وإذا ضاقت بالبائع الدنيا فقد يضيف خمسين ويقول: إنك لا تُدقق. قال لي تاجر يملك معمل موبيليا، يتصلون به فرضاً أنْ أرسل لنا مئة متر من الخام، فيرسل ويضعها في المستودع... أرسل كذا.... والذين يُحضرون البضاعة شعروا أنَّ الذي يستلم لا يقوم بعملية العدّ، فأصبح يأخذ نصف البضاعة إلى بيته، ويُسلّمه على أنَّ البضاعة كاملة، فعدّ البضاعة من الدين، يعدّ البضاعة ويحرر إيصالاً.. هذه من الدين.. هذا الذي أرشد الصانع على أن يسحب نصف البضاعة خلال شهرين، والتاجر أجرى جرداً ووجد هناك تراجعاً حيث يدفع ثمن البضاعة أربعة أضعاف، وهي الربع بالتقريب، فأصبح هناك تراجع في بيعه وشرائه، وكشف الحادثة بعد عام، وبعد أن سرقوا منه مبالغ طائلة، ومن الناحية الشرعية فإنّ التاجر مُحاسب عنهم، حيث إنه أغراهم بهذا العمل.. قُم بعدّ المبلغ، واستلم بالعدد، ووقّع وحرر إيصالاً وسلّم... فهذا هو الشرع، أما من ناحية المباهاة ، ضع " استلمنا فقط " ما هذه!؟ وأيضاً إذا حاسبت الناس من غير تدقيق أمكنهم ذلك أن يتلاعبوا فتكون أنت سبب إفسادهم، وحملِهم على الفساد. بطولة الإنسان في العطاء : قيل لبعضهم: تستقصي في شرائِك على الوثير ثم تهب الكثير، ما هذا التناقض!؟ " ولا تُبالي!!؟ فقال: إنَّ الواهب يُعطي فضله، وأمّا المغبون فيغبن عقله، فإذا قام شخص بغبنك، أي إنه استغفِلك، فالمغبون يغبن عقله أمّا الواهب فيُعطي فضله. تُروى قصة على سبيل المثال أنَّ فقيرًا جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث به إلى أحد الصحابة الميسورين، وذهب إليه فإذا به يأخذ حبَّ البُرِّ من أرضِهِ، فلم يدعُهُ، وفكر في نفسه أنَّ هذا الإنسان ليس من المعقول أن يُعطي، لأنه يأخذ حبَّ القمح من الأرض... فهذا إنسان بخيل.. فلما عاد إلى النبي قال له: رأيته يفعل كذا وكذا، قال له اذهب فاسأله، فذهب إليه فوجده ليس في وضع الذي يُعطي، لأنه حريص على المال حِرصًا بالغًا فلم يسأله، وفي المرة الثالثة قال له: بعثني رسول الله لكي تعطيني مما أعطاك الله شيئاً، فأخذه إلى مكان الإبل، وقال له: انتقِ أحد هذه الإبل وخذها، فانتقى أكبرها، فلما أخذها تبِعَها عشر أخر، فقال خذها كلها، قال: عجبت لأمرك تجمع البُرّ وتُعطي هذا العطاء!؟ فقال له: نجمع هكذا لِننفق هكذا... وإذا كان الإنسان حريصًا في مصروفه فهذا ليس بُخلاً، ولكن البطولة في العطاء، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه )) [ كنز العمال عن علي بن أبي طالب] بقي علينا استيفاء الثمن، وتوفية الدين، وأن يقبل الإقالة من العقد.. وهي ستة آداب تتعلق بالإحسان في البيع والشراء، وقد تحدثنا عن نوعين من هذه الآداب. * * * من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام مهابته العظيمة وفخامته الكريمة : والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام: مهابته العظيمة وفخامته الكريمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم المهابة، وقد توّجه الله تعالى تاج العِزة والكرامة، وكفاه حلّة الفخامة، روى الترمذي وغيره عن أبي هالة يصف النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي وكان وصافا عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وأطول من المربوع وأقصر من المشذب..... )) [رواه الطبراني عن الحسن بن علي] وقال سيدنا علي رضي الله عنه في وصفه للنبي: "من رآه بديهةً هابه ومن خالفه معرفةً أحبه". من أول نظرة تهابه، وعلى التعامل تُحب، وهذه صفة النبي عليه الصلاة والسلام، ويجب أن يكون في أتباع النبي شيءٌ من هاتين الصفتين، له هيبته وله محبته.. له هيبته إذا رأيته، وله محبته إذا عاملته، ومن هابَ الله هابَهُ كُلُ شيء، من خاف الله خوّفَ منه كُلَّ شيء، ومن لم يَخف الله خوّفهُ الله من كُلِّ شيء. وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يستطيعون إمعان النظرِ إليه لقوة مهابتهِ، ومديد وقاره، ومن ثمَّ لم يصفه إلا صغارهُ، فلم يفتهم شكله وعيناه وأذناه ورقبته وخداه.. إلا صغاره.. أما كبار الصحابة لشدة هيبته فكانوا إذا جلسوا في مجلسه كأنَّ على رؤوسهم الطير: يُغضي حياءً ويُغضَى من مهابتِهِ فلا يُكلّم إلا حين يبتســــم *** وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبةً طويلة، وسمعتُ منه أحاديثَ كثيرة، وحَفِظتُ عنه ألفَ مثل، ومع ذلك ما ملأتُ منه عيني قط حياءً منه وتعظيماً له ولو قيلَ لي صِفهُ لما قدرت". قوة مهابتهِ ومديد وقاره : ومن عظيم مهابتِهِ وكمال قدرِهِ أنه من جلس إليه صلى الله عليه وسلم هابَهُ، وربما أخذته رِعدةٌ شديدة من قوة الهيبة المحمدية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُباسِطهم ويُلاطفهم ليُسكّنَ روعهم. ((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ] تجد شخصًا أحاط نفسه بكل مظاهر العظمة، ومع ذلك تدخل عليه فلا ترتعد منه، هذه المهابة من الله عزّ وجل، فلمّا هوّن عليه نَطَقَ هذا الرجل بحاجتهِ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس إني أُوحي إليّ أن تواضعوا ألا فتواضعوا حتى لا يبغِ أحدٌ على أحد ولا يسخر أحدٌ على أحد وكونوا عباد الله إخواناً. ((عن قيلة بنت مخرمة قالت:... فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق فقال له جليسه يا رسول الله أرعدت المسكينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أذهب الله عني ما كان دخل في قلبي من الرعب...)) [رواه الطبراني عن قيلة بنت مخرمة في المعجم الكبير، وهو حديث طويل] ((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي فَقَالَ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا )) [ مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ] وفي رواية أخرى: (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ )) [مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ] ((عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ )) [ البخاري عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] فيجوز أن تدفع المرأة صدقتها لزوجها إن كان فقيرًا، وهي زوجة ميسورة وزوجها دخله محدود، وزكاة مالِها خمسة أو ستة آلاف، فإذا دفعت هذا المبلغ لزوجِها فلها أجرانِ، لأنَّ أقرب الناس لها زوجها، وعنده كِساء الأولاد في فصل الشتاء، ولا يوجد معه، فقالت له: هذه خمسة آلاف... فإذا قدّمت المرأة لزوجها قسطًا من دخلِهِا أو شيئًا من مالها جاز ذلك، وأحياناً ترِث مالاً من والِدها، فتضعه عند أخيها، وزوجها في أشد الحاجة، ويمكن للأخ أن يقول لها: لم نربح شيئًا، أمّا الزوج بهذا المال فأولى. فهذا الحديث دقيق جداً: فإذا ورثت امرأة شيئًا وزوجها في حالة عُسر شديد، ورأته كأنه غريب فما هذا الزواج!؟ وما هذه العلاقة الزوجية المتفككة!؟ من أنتِ ومن زوجِكِ.. سيان.. فأحياناً الأب لا يرضى أن يذهب المال للصهر؛ زوج البنت.. لقد ذهب لابنتكَ، أي إذا كان الصهر يسكن في بيت بأجرة، وأحرزت الزوجة مالاً فوضعته مع مال زوجها فأصبحا يمتلكان بيتًا فمن هو هذا الصهر؟ أليس زوج ابنتك!؟، أليس من الأفضل أن يسكنا في منزل ملك لهم!؟ هناك أناس أُفُقهم ضيّق، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لها أجران أجرُ القرابة وأجرُ الصدقة". لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته : هناك نقطة أخيرة، لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته، أي أن يدفع زكاة ماله لابنه في حجره، فهذا لا يجوز.. عليه زكاة مبلغ خمسة آلاف، وابنه ينقصه ثياب للعيد، فدفعها ثمن ثياب لابنه وجميع أولاده، أصبحت الحالة داخلية، والفقهاء قالوا: " لا يجوز إلا في حالةٍ واحدة إذا الابن حصل على وظيفة وتزوّج وصار مستقلاً عن الأب "، أي لم يبقَ على الأب نفقته، والابن اشترى بيتًا فدفع نصف ثمنه، فهل يجوز أن يُعطي الأبُ زكاة مالِهِ لابنه!؟ نقول: يجوز مع التأكيد، لأنَّ هذا الابن مستقلٌ في النفقةِ عن أبيه، وفي الأصل لا يجوز إلاّ إذا استقل في الإنفاق عن أبيه، فيصبح عندئذٍ جائزًا. والآن حالة مُعاكسة: يجوز أن تُدفع الزكاة للأخت قولاً واحداً، إلا في حالة واحدة؛ إذا كانت الأخت تسكن مع أخيها ويُنفق عليها، فأصبح دفع الزكاة للأخت من توفير النفقات. والشرع دقيق جداً: الأخت يجوز أن تُعطيها إلا إذا كانت في حِجرِكَ وتُنفِقُ عليها فلا يجوز، والابن لا يجوز أن تُعطيه الزكاة، فإذا كان مستقلاً عنك جاز. تروي السيرة أنَّ بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام دفع زكاة مالِهِ لأخٍ له ليدفعها عنه، فأتى هذا الصحابي الموكّل بدفع الزكاة ودفع جزءاً من زكاةِ هذا المال لابن هذا الصحابي الذي أعطاه المال، فلمّا بلغه الأمرُ غَضِبَ غضباً شديداً، وتوجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشكو أخاه، كيف يُعطي زكاة مالِهِ لابنهِ المستقل عنه، فلما سَمِعَ النبيُ ما حدث أجازَ الصحابي " لأنه مستقل "، وهنا القصة أصبحت دقيقة: إذا كان ابنك متزوجًا ومستقلاً عنك في النفقة، وليس لك علاقة به فدفعت جزءًا من زكاة مالك له فأتمَّ به ثمن البيت، أو دفع المهر فهذا يجوز، وأباح الفقهاء أن تدفع الزكاة لأختِكَ إلاّ إنْ كانت تقطن في بيتك فلا يجوز، لأنَّ هذا من باب توفير النفقات. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاةالجنازة - 2 الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثامن و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أحقُّ الناس بالصلاة على الميت : أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع صلاة الجنازة إلى فصل " مَن أحقُّ بالصلاة على الميت؟ " فالسلطان أحق بالصلاة على الميت، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت، هذا هو التسلسل، ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره، ومن له حق التقدم في صلاة الجنازة إماماً أن يأذن لغيره، فإن صلى غيرُه من دون إذنه فلصاحب الحق في التقدم إماماً أن يعيد الصلاة، فلو أن ميتاً أوصى أن يصلي عليه فلان، و بحسب الشرع، السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم الولي، تقدم قواعد الشرع على وصية الميت في صلاة الجنازة، ولو أن ميتاً دفن من غير صلاة جاز أن تصلى صلاة الجنازة على قبره وهو مدفون، أمّا إذا اجتمعت الجنائز فالإفراد بالصلاة لكل منها، أي الأَولى أن يصلى على كل جنازة على حدة، و أما في الترتيب الزمني فيقدم الأفضل فالأفضل، وإن اجتمعت جاز أن يصلى عليها جميعاً مرة واحدة، بشرط أن تُصَفَّ النعوش على شكل رتل أحادي باتجاه المحراب، أي الرؤوس مع الرؤوس، الأول فالثاني فالثالث وهكذا، وجُعلت صفاً طويلاً مما يلي القبلة، حيث يكون صدر كلٍ قدام الإمام، ويقف الإمام تجاه صدر الأول، ووراء الأول صدر الثاني، و هكذا، و يراعى الترتيب؛ فيجعل الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان، ثم النساء، ولو دفنوا في قبر واحد لحاجة ماسة عُكِس الترتيب، فيُبدأ بالنساء، فالصبيان، فالرجال باتجاه القبلة، أي الرجل مما يلي القبلة، ثم الصبي، ثم المرأة، أما في المسجد فمما يلي الإمام بعكس القبلة، وهذا هو الترتيب، ولو فرضنا أنّ رجلاً دخل مسجدًا يُصلى فيه على ميت فلا يجوز أن يقتدي بين تكبيرتين، بل ينتظر حتى يكبر الإمام فيدخل معه في أثناء التكبيرة، وبعد أن يصلي يتابع الذي يصلي متأخراً خلف الإمام، أما من كبَّر مع التكبيرة الرابعة التي بعدها سلام فقد فاتته صلاة الجنازة، أي إذا دخل مع التكبيرة الرابعة فقد فاتته صلاة الجنازة، ومن استهل سُمَّيَ و ُغسل و صلي عليه، فأيّ طفل ولد حديثاً، وبمجرد أن ولد مات، فإذا استهل أي إذا رفع صوته بالبكاء سمِّي وغسل وصلي عليه وورث، فصوت البكاء هذا خلال ثانية غيَّر نظام الإرث كله، يروون حسب القواعد أن السلطان ثم نائبه ثم القاضي ثم إمام الحي ثم الولي هم أحق الناس على الترتيب بصلاة الجنازة إماماً، ويروى أن أحد القضاة وكان سيئاً جداً من حيث الأخلاق، تولى منصب القضاء، وبحكم هذه الأحكام فهو الذي يجب أن يصلي على الجنازة، فكان يسير خلفها في أثناء التشييع، ثم أعطى أمراً أن توضع على الأرض فوضعت، وأعطى أمراً أن يفتح النعش ففتح، فتقدم إلى أُذُن الميت وهمس في أذنه بعض الكلمات، ولشدة قسوته وجبروته وظلمه لم يجرؤ أحد أن يسأله، يا سيدي القاضي ماذا قلت للميت؟ قيل: بعد أيام وكان في انبساط سأله أحد المقربين إليه: يا سيدي ماذا قلت لهذا الميت؟ قال له: قلت له: لو أنك سئلت في الآخرة عن أحوال أهل الدنيا فقل لهم كلمة واحدة، قل لهم: إن فلاناً قد صار قاضياً وانتهى الأمر، أي هذه كلمة موجزة تنبئك عن شيء كثير، إن قيل لك: كيف أحوال أهل الدنيا؟ فقل لهم: إنّ فلاناً قد صار قاضياً، ذكرني هذا أن التسلسل السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت. أما إذا ولد ميتاً غسل في رأي أكثر الأئمة وأدرج في خرقة ودفن من دون أن يصلى عليه، ولا يصلى على باغ، أي على إنسان تجاوز الحدود، ولا على قاطع طريق قُتِل حال المحاربة، أي قتل في أثناء قطع الطريق، ولا على قاتل غيلة، ولا على مقتول عصبية، هؤلاء جميعاً لا يصلى عليهم، لأنهم خرجوا عن قواعد الدين، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع موضوع الجنازة. * * * الإحسان في البيع والشراء : والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، وما زلنا في موضوع الإحسان في البيع والشراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرةً بالمسامحة وحق بعضهم، ومرةً بالإمهال والتأخير، ومرةً بالتساهل في طلب جودة النقد: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى )) [ البخاري عَنْ جَابِرٍ] وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ )) [ مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت] ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذا ذكرناه في الدرس الماضي. البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء أن نمشي إلى صاحب الحق : الآن البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء، وفي توفية الدين؛ ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن نمشي إلى صاحب الحق ولا نكلفه أن يمشي إلينا، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 178] ومن معانيها انتهاء الغائب، فيجب أن يؤدى الدين إلى بيت صاحب الدين، أو إلى محله التجاري، أو إلى المكان الذي أخذ منه، أما أن يقول من عليه الدين: تعال خذ، فهذا ليس من السنة، فإذا كان مسافراً فبعت بيعة لمدينة وأخبرته فقال لك: تعال وخذ بعض الثمن، وأنت حينما اشتريت البضاعة خرجت من مدينتك وسافرت إلى هذه المدينة، أما إذا جاء وقت وقال: دفع الثمن تعال وخذ فهذا ليس من السنة، وأداء إليه، فالأجرة تؤدى إلى صاحب الدين، وإذا استعرت حاجةً، كأنْ يقول رجل لجاره: أعرنا السلم، فقال له جاره: والله ظهري يؤلمني، قال له: ما علاقة ظهرك بالسلم؟ فقال له: من أجل أن أعيده، قال: أنا الذي سوف أعيده، وأداء إليه بإحسان، ودخل في هذا الإعارة، فإذا استعرت شيئاً فأرْجِعْه إلى مكان أخْذِه بإحسان، فالكتاب يجلد، والسلم إذا كان فيه كسر يصلح، وكل شيء استعرته إن كنت مؤمناً حقاً، أو كنت مسلماً تعيده بحالة أجود مما أخذته، وهذا هو الأداء الحسن. إذاً وذلك أن نمشي إلى صاحب الحق، ولا نكلفه أن يمشي إلينا: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ومهما قدر على قضاء الدين فالمبادر إليه ولو قبل وقته، وليسلم أفضل مما شرط عليه وأحسن فإن عجز فلينوِ قضاءه مهما قدر، لأنّ هذا الدين إحسان، وعليك أن ترد الإحسان بإحسان مثله، وهذا هو خلق المسلم، ولذلك لم يكن النبي الكريم يصلي على من عليه دَيْن: ((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ )) [ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وفي الحديث: ((من أدان دينا ينوي قضاءه كان معه عون من الله تعالى على ذلك)) [كنز العمال عن ميمونة] الإعانة للمشتري لأن البائع راغب عن السلعة والمشتري محتاج إليها : لذلك: ((من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها جاء يوم القيامة زانياً، ومن أخذ مالاً من أخيه وهو ينوي ألا يؤديه إليه جاء يوم القيامة سارقاً )) [كنز العمال عن صهيب] ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله، هكذا الأدب؛ دعه فإنّ لصاحب الحق مقالاً، وليقابله باللطف اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض فالإحسان أن يكون الميل الأكثر إلى من عليه الدين، فإن المقرض يقرض عن غنىً، والمستقرض يستقرض عن حاجة، وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر، لأن البائع راغب عن السلعة، ويبتغي ترويجها، والمشتري محتاج إليها، فعندنا المستقرض والمقرض، والمشتري والبائع، المشتري أضعف، والمستقرض أضعف، فينبغي أن يميل الوسطاء مع الأضعف، إلا أن يتعدى من عليه الدين حدَّه، أو حصل عدوان؛ بأن ماطل أو أنكر وجحد، فعندئذ ينبغي أن تعين صاحب الحق على أخذ حقه. ((عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ )) [ البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه] لو فرضنا إنسانًا عليه دين مستحق وماطل، فمضت سنة وسنتان وثلاث، وبلغك أن فلاناً الذي أخذ منك المال منذ سنوات له ذمة عند فلان، فإذا ذهبت إلى فلان ورجوته أن تمهل في أداء ما عليه لفلان لعله يحننه عليك، هذا الذي عليه أن يعطي إذا تريث له أجر، لأنه أعان على إيصال الحق إلى صاحبه. الأدب الخامس أن يقيل من يستقيله : والأدب الخامس أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستنصر بالبيع، كأنْ يشتري إنسان حاجة وندم عليها، فقال لك: هل يمكن أن تلغي لي الصفقة؟ فإذا لم تُلغِها فهذا هو العدل، وإذا ألغيتها فهذا إحسان، وأنت مأمور بالعدل والإحسان معاً. سمعت من رجل عنده محل يبيع مفروشات أنّ امرأة جاءته واشترت طقمًا دفعت ثمنه، ولكن لفت نظره الدفع خمسات وعشرات، بعد ساعتين أو ثلاث جاءته باكيةً ترجوه أن يرجع الطقم إلى محله، لماذا؟ لأن ثمن هذا الطقم كانت قد وفرته من مصروف البيت، وكان زوجها سكيراً، فلما علم أن معها هذا المبلغ قال: أحضريه وإلا طلّقتكِ، فذهبت إلى الذي باعها الطقم ورجته أن يقيلها - أي أن يرجع لها الطقم - قال لي هذا الذي باعها الطقم: أرسلت سيارةً على حسابي وأحضرت الطقم إلى محلي، وأعدت لها المبلغ بشكل أجود وقال: والله الذي لا إله إلا هو وهو على الرصيف بعته وبزيادة ولم يدخل المحل. (( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه)) [ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أحيانًا يريد الإنسان أن يقبض بالعقد عربونًا، والعربون غير شرعي، فلزم هذا البيع، ولا يوجد حالة ثانية، فإما أن ينفذ هذا البيع، وإما أن يقيلك من دون عربون، أما إذا قلت له: العربون عشرة آلاف، وفي العقد بيت بخمسمئة ألف، عربونه عشرة آلاف، إذا نكث أحد الفريقين ضيَّع عليه العربون، ولو فرضنا صاحب البيت جاءه زبون بستمئة ألف، والعربون حسب العقد، وأنا قلبت، وبحسب نص العقد أنا ليس لي مصلحة أن أبيعك، أخذ تسعين عوضًا عنها، لا، أكتب دفعة أولى من ثمن البيت، فالبيع لا يوجد له حل وسط، هو بيع شرعي لوجود إيجاب وقبول، فأنت مع أحد حالين؛ إما أن تقيله، وإما أن ينفذ البيع، أما أنْ نضع لكل عقد عربونًا، فإذا قبِل الشاري خسر العربون، فهذا المبلغ ثمن ماذا؟ لا ثمن له، ولا مقابل، فهذا المبلغ حرام، ففي عقود البيع اكتبوا دفعةً أولى، فالبائع بالخيار، إما أن يلزم المشتري باستلام المبيع وقبض الثمن، وهذا من حقه، وإذا امتنع رفع الأمر للقاضي لإنفاذ البيع، وإما أن يقيله وله عند الله أجٌر كبيرٌ، وليس كل الربح مالاً، فقد تربح أجراً عند الله تعالى، وقد تربح رضا الله عز وجل، وهو أكثر ربحًا من المال، وأثمن من المال بكثير، ولا ينبغي له أن يرضى لنفسه أن يكون سبباً في ضرر أخيه: (( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه)) [ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الأدب السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة : والأدب السادس: أن يقصد في معاملته جماعةً من الفقراء بالنسيئة، وهذا الأدب رائع جداً، فالبائع المسلم لو شعر أن هذا المشتري فقير، وأن هذا المبلغ لا يكفيه، فإذا أمهله في قبض الثمن إن كان المشتري مؤمنًا وصادقًا موثوقًا فيه، وماله لا يكفيه، ويلزمه براد، ويملك خمسمئة، وثمن البراد ألف وخمسمئة، قال له: هاتها وأحضر لي كل شهر مئتين، فبالعقلية التجارية هذه خسارة، فلو قبض ثمنه نقدًا كان أفضل، لكن بعقلية المؤمن هذا ربح كبير، إنك عملت معه عملاً صالحاً لا يعلم غير الله كم يثيبك عليه، ولذلك من الإحسان في البيع والشراء أن يقصد إلى جماعة من الفقراء المؤمنين فيبيعهم بالنسيئة؛ أي إلى أجل بالتقسيط، ولكن بالتقسيط الشرعي الذي لا يوجد فيه زيادة عن الثمن النقدي، وهو في هذا الحال عازم على ألا يطالبهم إلا أن تظهر ميسرتهم. طرق تجارات السلف مع الله عز وجل : فقد كان أحد الصالحين من السلف له دفتران للحساب، يأتي إليه أخ طيب، صادق، مخلص، رقيق الحال، فيشتري منه حاجة، ومعه ربع ثمنها، من أجل مكانته يوجد عنده دفتر خاص للإحسان في البيع والشراء، فيسجل عليه الذمة أمامه، ويقول له: حينما يتيسر لك دفعها ادفعها لي، وهو تركها من باله، ولكن أمام الزبون قيَّدها عليه، إن جاءه أو لم يأتِ حُسبت له عند الله صدقةً أو زكاةً، أو ما شابه ذلك. فكان صالحو السلف لهم دفتران للحساب، أحدهما فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء، والدفتر الثاني لإنسان اضطر أن يستدين دينًا شرعيًا فيطالبه في وقته المناسب، أما الفقير فيسجله عليه ولا يطالبه، وإذا لم يدفعه فهذا محسوب من الزكاة أو من الصدقة، وهو ما أراد أن يعطيه على شكل عطاء لئلا يتحرج هذا الفقير، بل على شكل دين، وحينما يتيسر له المبلغ يدفعه له، فما دام فقيرًا ولم يتيسّر المبلغ لم يطالبه به، فكانوا يتفننون بإرضاء الله عز وجل بخدمة الناس. كان الطبيب إن رأى المريض رقيق الحال يوقِّع توقيعًا خاصًّاً على الوصفة الطبية، ويقول له: خذ هذه الوصفة من الصيدلية الفلانية، وهو على اتفاق مع هذا الصيدلي، إن وجدت هذا التوقيع الفلاني تعطيه دواء من دون ثمن، وأنا أدفع ثمنه، كيف يرضي الله عز وجل؟ يحتاج إلى عمل صالح، أما الآن فيكاد المريض يموت ادفع أوّلاً إلى الموظف، ثم ادخل عليّ، هذا إذا لم يكلِّفه بتحليل ليس له لزوم، متفقًّاً مع المحلل، فهذا عمل آخر، أو إذا لم يكلِّفه بعملية ليس لها لزوم، إذْ معه سرطان ليس له حل، يفتح البطن وينتزع كتلة لحمية ويقول له: كلَّفتك ثمانية آلاف، وهو يعرف أنه لا يوجد أمل، هكذا صار الأمر ونعوذ بالله، إنه طبيب يقترح على مريض إجراء عملية لا لزوم لها ليقبض الثمن، أو طبيب يعطي مريضًا إبرة ماء مقطر ثمنها عشرة قروش، ويقول له: هذه فيتامينات، فيقول المريض: والله انتعشتُ يا أخي بعد أن أخذتها شعرت بنشاط، ولقد كان الطبيب رحيمًا وحكيمًا وناصحًا. يقول له الطبيب الصالح المؤمن: خذ ما تريد، فإن تيسر لك فاقضِ، وإلا فأنت في حل منه، فاطمأن، فهذه طرق تجارات السلف، وقد اندثرت اليوم، ولم يعد لها مثيل، والقائم بها قليل، وبالجملة التجارة محك الرجال، وبها يمتحن دين الرجل وورعه، وقد قيل: "لا يغرنك من المرء قميص فيه رقعة، أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه، أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه، ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه". من أثنى عليه جيرانه و أصحابه و معاملوه فعلى الإنسان ألا يشك في صلاحه : قيل " إذا أثنى على الرجل جيرانُه في الحضر، وأصحابه في السفر، ومعاملوه في السوق فلا تشكُّوا في صلاحه"، إذا هؤلاء جميعاً أثنوا عليه فلا تشكّوا في صلاحه. وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال: "ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار حتى يستبين ورعه؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته في المسجد يصلي ويقرأ القرآن، قال: نعم، قال: أنت لا تعرفه، يا رجل ائتني بمن يعرفك، هذا لا يعرفك، لا جاورك، ولا سافر معك، ولا عاملك بالدرهم والدينار، ولكن لعله رآك في المسجد تصلي وتقرأ القرآن". وإنسان أحبّ أن يذهب إلى الحج، ومعه مبلغ من المال، وهو خائف عليه، فدخل إلى المسجد وتفرس في المصلين، فوجد رجلاً وجهه خاشع، وأعجبته صلاته، وبعد أن انتهى قال له: أنا أحببت صلاتك، ومعي مبلغ من المال أريد أن أضعه عندك وديعة حتى أعود من الحج، فقال له: أنا أيضاً صائم، فقال له: صيامك ما أعجبني، وفي رواية أخرى قال له: فإنك لا تعرفني؟ يا هذا لا يضرك أنه لا يعرفك، وقد تكون صالحًا، فانظر إلى الدقة. شفقة التاجر على دينه : والآن مع فصل جديد في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه، فيكون عمره ضائعاً، وصفقته خاسرة، وما يفوته من الربح بالآخرة لا يفي به ما ينال من الدنيا، البارحة قلنا في درس السبت بعد العشاء: إنه إذا كان عند إنسان فندق خمس نجوم، بثمانين طابقًا، وكل طابق فيه خمسون غرفة، وكل غرفة ثمن حجزها ثمانمئة فرنك فرنسي، أو مارك ألماني، أو دولار، وهو محجوز سنتين بكامله، قال عليه الصلاة والسلام: ((القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه)) [الطبراني في الكبير عن أنس] فالذي فهم القرآن أغنى من هذا، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أعطاه اللّه كتابه فظن أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد غلط، وفي رواية صغر أعظم النعم)) [فيض القدير] لأنه باقٍ، والدنيا زائلة. لا تركنن إلى القصور الفاخرة و انظر عظامك حين تمسي ناخرة وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل يا رب إن العيش عيــش الآخرة *** الإنسان مهما حصّل من ربح الدنيا وفاته ربح الآخرة فهو خاسر : مهما حصّل الإنسان من ربح الدنيا، وفاته ربح الآخرة فهو خاسر، فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل يجب على العاقل أن يشفق على نفسه، وشفقته على نفسه بحفظ رأسماله، وحفظ رأسماله دينه، وقال بعض السلف: "أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليها في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبةً في الآجل"، لأنّ أحوج ما تحتاجه في الدنيا إيمانٌ، أما الآن فأهم شيء البيت والزوجة والمحل، والآخرة عليها السلام، أما أحوج شيء إليك فإيمان بالله تسعد به في الآخرة، واليوم ذكرت لأخ معنى قوله تعالى: ﴿ َولاَ َتْنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ قلت له: ربنا عز وجل قال في قصة قارون: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ سورة القصص : 77 ] فهذا سمع الآية، وهو رجل منعم، قلت له: معنى الآية كأن يذهب طالب في بعثة حكومية إلى بلدةٍ أجنبية؛ إلى باريس مثلاً، حيث فيها الملاهي، والأحياء الساقطة، والمتاحف، والمسارح، والمتنزهات، والأشياء الجميلة الفاتنة، ودور سينما، والسهرات مع الأصدقاء، وفيها جامعة السوربون، فهذا الطالب الذي أوفد في بعثة رسمية ماذا يعنيه من باريس بالذات؟ الدراسة وهذه الجامعة، نقول لهذا الطالب: ولا تنسَ نصيبك في هذه البعثة، فأنت جئت إلى هنا للدراسة، فإذا درست تعود إلى بلدك معززاً، مكرماً، تحتل منصباً مرموقاً، وتنال دخلاً كبيراً، و تسكن بيتاً فخماً، وكل نعيم الدنيا ينتظرك في بلدك، فإذا حصلت الشهادة العليا في هذا البلد فنصيبك من هذه المدينة أن تحصّل الدكتوراه، فإذا حصلتها سعدت بها في بلدك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ سورة القصص : 77 ] على الإنسان أن يبتغي الدار الآخرة بما آتاه الله عز وجل : رجل آتاه الله المال يجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله العلم فيجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله جاهًا، ورجل آتاه الله قوة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ سورة القصص : 77 ] فإياك أن تأتي إلى الدنيا، وترحل عنها، وتنسى المهمة التي جئت من أجلها: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ سورة الذاريات:56] خلقت لمعرفته، وخَلقتُ لك ما في السموات والأرض، وخلقتك من أجلي، وخلقتُ لك ما في السموات والأرض فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك ألاّ تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك. نصيب الإنسان من الآخرة يناله من نصيبه في الدنيا : قال لي أخ كريم: أنا أفهم الآية التالية غير هذا، قلت له: كيف؟ قال: أنْ يتمتع بالحياة، ويأخذ حظه، ويأكل ويشرب ويلبس ويذهب للنزهات، فأنت فهمتها بشكل آخر، وأنت قلبت المعنى، قلت له: السياق العام يقصد هذا المعنى ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ سورة القصص : 77 ] فحدثتْ مناقشة بيني وبينه، فأنا أصر على أن النصيب هو معرفة الله سبحانه و تعالى، أي أنت في الدنيا علاقتك أن تعرف الله، والباقي كله زائف، فإذا عرفته سعدت بقربه، أنت في باريس أيها الطالب لك مهمة واحدة؛ أن تحرز هذه الشهادة، وما سوى ذلك لا قيمة له، وتسعد بهذه الشهادة في بلدك، وأنا أصر، وهو يصر: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا َ﴾ [ سورة القصص : 77 ] ثم قلت له: وأنا أوجه هذه الآية، فالنصيب هو الحظ، وقلت له: صحيح أنّ ما عند الله في الآخرة من سعادة لا يدرك إلا في الدنيا، وما عند الله في الآخرة من عطاء كبير وسعادة أبدية لا تدرك إلا في الدنيا، فكأن الله سبحانه وتعالى وصف المهمة التي هي سبيل سعادتك بما سيكون، والعرب تقول كذلك؛ تقول: رعينا الغيث، أي رعينا كلأً سببه الغيث، فإذا كان الحظ هو العطاء والنصيب، فنصيبك من السعادة في الآخرة لا يتحقق إلا في الدنيا، لقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في صبيحة هذا اليوم وأنا أناقش هذا الأخ الكريم في معنى هذه الآية، واليوم قبل أن آتي إليكم؛ سبحان الله عثرت عند الإمام الغزالي على توجيه مشابه تماماً لهذا التوجيه، فأنا تفاجأت، يقول الإمام الغزالي: وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتأخذه، أي نصيبك من الآخرة تناله من نصيبك في الدنيا، فما عند الله في الآخرة تأخذه من نصيبك في الدنيا، ونصيبك في الدنيا الاختيار، فإذا كنت مختاراً، و عرفت الله مختاراً، وعبدته مختاراً، واستقمت على أمره مختاراً، وعملت الصالحات لأجله مختاراً، فأنت قد حققت الهدف قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾ أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة- وهذا شرح الإمام الغزالي بالضبط- فإنها مزرعة الآخرة، وفيها تكتسب الحسنات. شفقة التاجر على دينه تتم بمراعاة سبعة أمور : وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور، هذا شيء مهم جداً، لأنّ معظم الناس عملهم في التجارة، ومعظم الموظفين عملهم في التجارة، فقد قرأت مرة كتاباً لأديب مصري اسمه المويلحي، يقول في هذا الكتاب: "يا ليت آباءنا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع و الشراء، و ترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين"، أي قبل خمسين عامًا كانت الوظيفة هي أرقى شيء في الحياة، والموظف مستغنٍ، ودخله يزيد عن مصروفه عشرة أمثال، وهو عزيز، ودارت الأيام فصار التاجر دخله يغطي الحاجات، لكن دخل الموظف قد لا يغطي حاجاته، فلذلك هذه أشياء سبع مهمة جداً، أرجو أن تكون في أذهانكم وفي قلوبكم، قال: لا تتم شفقة التاجر على دينه إلا بمراعاة سبعة أمور: أولها: حسن النية في ابتداء التجارة، أي تكون نيته منها طيبة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، هذه أول نية، و كف الطمع عن الناس استغناءً بالحلال عنهم، فإذا كان للرجل دخل كاف لا يشتهي من أحد شيئًا، ولا يشتهي أن يقدم له أحد شيئًا، ولا يشتهي مال الآخرين، و لا عطاءهم، ولا هداياهم، فقد كفاه الله، فأول نية الاستعفاف بها عن السؤال، و النية الثانية الكف عن الطمع بما في أيدي الناس بالحلال، واستعانته بما يكسبه على الدين، هذه الثالثة، فيستطيع أن يحضر مجلس علم، ويستطيع أن يعين الفقراء، ويساهم في بناء مسجد، ويتمكن أن يدعوَ أخًا إلى بيته، وإذا كان مسافرًا يضيفه، فأول هدف الاستعفاف عن السؤال، والهدف الثاني الكف عما في أيدي الناس، والثالث الاستعانة بالتجارة على الدين، والرابع قيامه بكفاية العيال، أي رجل عنده زوجة، وأولاد، وله والدة، وأب، وأخ، وأخت ليست متزوجة، ينفق عليهم طعامًا وشرابًا ولباسًا، وهذا هدف كبير، ليكون من جملة المجاهدين به، فهذه النيات؛ الاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال عما في أيدي الناس، هذه الأهداف لخصها سيدنا أبو ذر الغفاري فقال: "حبذا المال أصون به عرضي و أتقرب به إلى ربي"، و لينوي اتباع طريق العدل و الإحسان في معاملته، و لينوي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق، فإذا أضمر هذه النيات كان عاملاً في طريق الآخرة، فإذا استفاد مالاً فهو مزيد، و إن خسر في الدنيا ربح في الآخرة، والاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السوق، واتباع طريق العدل والإحسان، وإذا أضمر هذه النيات و لم يربح شيئاً فقد ربح الآخرة، و إذا ربح شيئاً فوقها فقد ربح الدنيا و الآخرة، فهذا التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين يوم القيامة. اختلاف المصالح رحمة : الآن سنختار الصنعة - المصلحة - البضاعة، أيْ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات و التجارات لو تركت لهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل، و تكفل كل فريق بعمله، و لو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت باقي الصناعات، و هلكوا، وعلى هذا حمل بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم: (( اختلاف أمتي رحمة )) [البيهقي عن ابن عباس] أي لها فهم عميق جداً، وليس اختلافها في الفكر أو في العقائد، كلاّ، أي هذا يحب أن يعمل في القماش، وهذا بالألبسة الجاهزة، وهذا بالمنجور، وهذا بالحديد، وهذا بتصليح السيارات، وذاك بالكهرباء، والآخر بالألمنيوم، وإنسان بالسجاد، أو بالتنظيف، أو بالكي، أو بالتدريس، وهذا بالتطبيب، وهذا بالمحاماة، فـ: (( اختلاف أمتي رحمة )) [البيهقي عن ابن عباس] لو عملوا جميعهم في مصلحة واحدة ستموت من الجوع، ومن الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما يستغنى عنها، لرجوعها إلى طلب التنعم والتزين، فثمة مصالح مهمة جداً كتأمين أقوات الناس، وتأمين ملبسهم، وتأمين مسكنهم، وحاجاتهم الأساسية، وهناك مصالح إذا جاع الناس استغنوا عنها، عنده عصفور سعره ثلاثة وعشرون ألف ليرة، جميل جداً، والله إذا لم يجد رجل طعاماً فلا حاجة له بهذا العصفور، وهناك مصالح أساسية، وأخرى ثانوية، فإذا أكرم الله رجلاً بمصلحة أساسية بأن يكون عمله حلالاً فنعمَّا هي. ذكر لبعض المصالح من باب الحسن و الأحسن : والمشكلة الآن أريد أن أقرأ نصوصاً لا أريد أن يتحرج أحدٌ، لأن فيها ذكرًا لمصالح عديدة، فهنا حسن، وهناك أحسن، وليس من باب الحرام، هذا الكلام من باب الحسن والأحسن، مثلاً يشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافياً للمسلمين في حاجاتهم، فصناعة النقش وتزيين السقف بالجبس مصلحة رابحة، ولكنها ليست أساسية، وكذا الصياغة و جميع ما تزخرف به الدنيا، أي إذا كان عمله بالزخرفة، فكل ذلك كرهه أهل العلم، أما إذا عمل في الملاهي والآلات فهذا حرام، أو يبيع أشرطة تسجيل فيديو، هذه قضية محرمة لأن فيها إفسادًا للأخلاق، وهناك أشياء كل شيء فيها التعامل به محرم، فأما عمل الملاهي و الآلات التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم، ومثلاً صياغة الصائغ لخواتيم الذهب للرجال فهذه محرمة لأن استعمال الذهب للرجال حرام، والأجرة المأخوذة عليه حرام، ولذلك فكل إنسان يتعامل بحلي الرجال فعليه زكاة على الذهب، أما حلي المرأة فهناك اختلاف، وأرجح الأقوال أنه ليس على حلي المرأة زكاة، وبيع الأكفان مكروه، والآن الناس ارتاحوا منه، فهناك دائرة حكومية لبيع الأكفان، لأن الرجل يسترزق بموت الناس، فإذا خف الموت تضايق، لا أحد يموت، وهذه مكروهة أيضاً، لأنه يجب انتظار موت الناس، وهناك بعض الأعمال متعلقة بإزالة النجاسات، وهذه أيضاً مكروهة، لأنه أصبح جميع عمله مع النجاسات، قال ابن سيرين يكره كسب الدلال، فالدلال كسبه حلال وحرام بآن واحد، لماذا؟، وكره قتادة أجر الدلال، ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال فيه عن الكذب، أي يلزمه أن يكذب كثيراً حتى يسير عمله، دخل دلالٌ بيتًا شماليًا، ويظهر أن المشتري مستعجل، وأعجبه البيت، فقال له: إن شاء الله قبلي؟ قال له: طبعاً، وأحضر سجادة صلاة ليصلي، فصلى باتجاه الشمال، وباع البيت فيلزمه أن يكذب طبعاً، والإفراط في الثناء على السلعة بترويجها، مثلاً دلال أقمشة يقول: هذا قماش لا يوجد منه، و لن يأتي منه إطلاقاً، ويكون هو دون الوسط، وإذا كان الدلال صادقًا فأجره حلال. القضية في بعض المصالح ليست قضية تحريم وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع: أيها الأخوة؛ لا أحد يتوسوس من نفسه، أما إذا بدأ يكذب، ويُلبِس لفة هذا لهذا، و لفة هذا لهذا فلا، مرة قال لي شخص يريد أن يبيع سيارته - والقصة قديمة- قال له: هذه ثلاثون ألفًا، وغاب اليوم الثاني، فقال له: أريد سيارة بهذه الماركة، قال له: هذه سعرها ثمانون ألفًا، يريد أن يبيعها بثلاثين، ويريد أن يشتريها بثمانين، فعندما يكذب الإنسان يصير دخله حراماً، وإن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، و إذا ائتمنوا لم يخونوا، و إذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، و إذا كان لهم لم يعسروا، فهذا شيء دقيق، و لعل السبب في ذلك قلةُ استغناء الدلال عن الكذب، والإفراطُ في الثناء على السلعة بترويجها، ولأن العمل فيه لا يقدر بقدر معين، باع بيتًا بمليونين، وله خمسة وثلاثون ألفًا أخذهم في ساعتين، يقول لك: و الله كثير، مثلاً هذه النسبة عندما كان سعر البيت عشرة آلاف، أو خمسة عشر، فبالمئة اثنان هذا معقول، أما الآن فقد أصبح البيت بمليونين تظل بالمئة اثنان، وقد يكثروا ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب، حتى دلال الأقمشة يقول لك: عندك على البيعة ثمانمئة بالمئة، فتجد أحياناً أن الأجرة تندفع بشعور بالضيق، وكلها عملية ساعتين أو ثلاث، أعطى هذه المسطرة لفلان، وأحضر لك إياها، واتفقتم، يقول لك: اسمح لنا بالأجرة، ليس على قدر الجهد، وإنما على ثمن الصفقة، ومن هنا جاءت كراهية الأجر، فينبغي أن ينظر إلى قدر التعب، وهنا يوجد توجيه دقيق، إذا أمكنك أن تقيِّم قيمة الدلال بقدر التعب فأجره حلال، ونحن لا نحرم ما أحله الله، الدلال إذا لم يكذب، وإذا أخذ أجره على قدر تعبه فهذا حلال، فمثل هذا البيت حتى باعه الدلال أوصل له أكثر من مئة زبون، وقد تعب كثيراً، ثم بيع، فإذا أعطيته أجرة على قدر المحاولات غير الناجحة في بيع البيت صار الأجر حلالاً مئة بالمئة، فالقضية ليست قضية تحريم، وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع، وكرهوا الصرف، الذي هو حديث الناس اليوم، لأن الاحتراز فيه عن دقائق الربا عسير، وقلّما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معاملته بدقائق النقد، وفي هذا الموضوع يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصياغة، وأنا أكره الكسر "، الكسر يعني به الصرف، واستحبوا تجارة البز أي الأقمشة قال سعيد بن المسيب: "ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم يكن فيها أيمان كاذبة"، و قد روي: (( خير تجارتكم البز)) [ذكره العجلوني في كشف الخفاء عن علي] و في حديث آخر: ((لو أذن الله تعالى في التجارة لأهل الجنة لاتجروا في البز والعطر)) [رواه الطبراني عن ابن عمر] الناس في مصالح بعضها : هذا زرع المزرعة قدم لك خياراً أكلته، وذاك نجر لك الباب فحجب عنك البرد، وآخر عمل لك نافذة من الألمنيوم فوقاك من الرياح، وغيره حاك لك هذا الثوب، وهذا خاطه، فالناس في مصالح بعضها، أما هذا الذي يجلس من أجل البيع و الشراء بالعملات الأجنبية حتى رفع السعر لدرجة عالية، ووقع قلقٌ شديدٌ، هذا ماذا قدم للناس؟ لم يقدم شيئاً، الذي زرع الأرض قدم الطعام و الشراب، والذي صنع صناعة فقد أغنانا بها عن الاستيراد إذْ قدم شيئاً ثميناً، والذي قدم لك خدمة فطببك، أو عالجك، أو درسك، أو دافع عنك أمام القضاء، فكل هذه الأعمال طيبة وتقدم خدمات، أما مَن جلس لبيع و شراء حتى ربح أرباحاً طائلة، فلم يقدم شيئًا للمسلمين إطلاقاً، وإنما بهذه المضاربات حدث هناك أزمات، وهذا شيء قديم وليس حديثًا، و السلف الصالح كان يكره هذه المصلحة، سأل الإمام أحمد بن حنبل رجلاً: ما صنعتك؟ قال: الوراقة، فقال: كسب جيد. المصالح التي فيها مخالطة للنساء مصالح مكروهة : كذلك المصالح التي فيها مخالطة النساء فمكروهة، لأنها مظنة فساد وفتنة، عندك صانعون؛ ثلاثة شباب غير متزوجين، والزبائن يدخلون ويخرجون، أشكال و ألوان مائلات مميلات، تلعنهن لأنهن ملعونات، فكل شيء متعلق بالنساء وأغلب الظن أنّ الزبائن رجال فهو مكروه، أمّا أنْ تدخل امرأة فهذا وضع طبيعي، إذا كان العمل قائمًا على النساء مئة في المئة. كراهية أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات : و كره السلف الصالح أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات؛ كغسل الموتى، و دفنهم، والأذان، والصلاة، وتعليم القرآن، وتعليم الفقه فإن هذه الأعمال حقها أن يتجر فيها صاحبها للآخرة، وأخذ الأجرة عليها في الدنيا استبدال الدنيا بالآخرة، وهذا لا يستحب، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله، نحن قلنا: إنّ ثمّة سبعة أشياء مهمة جداً في شفقة التاجر على دينه، والكتاب ألّف في عصر قديم، فأنا لا أريد أن يكون هناك حرج على الحاضرين، لكن مثل مخالطة النساء ثابتة، والاشتغال بأمور تزيينية فيها رفاهية شديدة للناس، فهذه أيضاً إذا استطاع الرجل أن يدخل في أشياء أساسية لمصالح الناس فهذا أولى، والأشياء المتعلقة أيضاً بالنجاسات يجب على المسلم أن يترفع عنها، و الصرف كما قلنا لم يقدم للمجتمع شيئاً، وأيُّ إنسان قد يقدم شيئاً، أمّا هذا فما قدم شيئاً، إنما ساهم في تعسير الأمور على الناس بهذه المضاربات. |
| الساعة الآن 07:12 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.