منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-10-2018 02:16 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الحادى عشر




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لا زلنا في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون وقبل أن نتابع الحديث عن تفاصيل هذه القصة، وعن فصولها وجزئياتها، أود أن أضع بين أيدكم الحقيقة التالية، الله جل جلاله رحمةً بنا جعل الكون بدأ من الذرة وانتهاء بالمجرة، وفق قانون السببية، ما معنى قانون السببية ؟ أن شيئين لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول، نحن اصطلحنا على أن نسمي الأول سبباً، والثاني نتيجة، هذا من أجل أن نصل إلى الله، كيف ؟
العقل البشري صمم على ثلاث مبادئ.
1ـ مبدأ السببية.
2ـ مبدأ الغائية.
3ـ مبدأ عدم التناقض أو الهوية.
فأنت لا يمكن أن تفهم شيئاً بلا سبب، لو أنك قطعت الكهرباء عن بيتك، وسافرت إلى بلد ما، وعدت وقد أحكمت إقفال الأبواب حينما عدت وجدت المصباح متألقاً، لماذا تضطرب ؟ تقول لا بد من إنسان دخل إلى هذا البيت في غيابي، لأن المصباح لا يتألق من ذاته أنت لا تفهم شيئاً حولك بلا سبب.
هذا هو العقل أساسه مبدأ السببية، ونظام الكون صمم وفق هذا المبدأ، فأنت وأنت لا تشعر من أين هذه البيضة ؟ من الدجاجة ومن أين الدجاجة ؟ من البيضة، ثم تقول أول دجاجة من خلقها ؟ الله جل جلاله.
الأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ألا تدلاني على الحكيم الخبير.
يعني الله عز وجل صمم الكون وفق نظام السببية، وصمم العقل وفق مبدأ السببية، وهذا هو المبدأ الذي يقودك برفق إلى الله عز وجل.
لكن حينما تعتقد أن السبب يخلق النتيجة وقعت في الشرك وحينما لا تعتقد أن لكل شيء سبباً وقعت في المعصية.
التوحيد طريق على يمينه وادي وعلى يساره وادي، على يمينه وادي الشرك، وعلى يساره وادي المعصية، فمن لم يأخذ بالأسباب فقد عصى الله، ولم يوقر نظام الله عز وجل، لم يعبأ بهذا النظام وطمع بغير حق أن يخرق له هذا النظام بلا سبب، هذا من لم يأخذ بالأسباب، من أخذ بالأسباب كالغربيين واعتمدوا عليها وجعلوها إلهاً، ورأوها أنها وحدها تخلق النتائج وقعوا في الشرك أما المؤمن الذي هداه الله إلى الحق يعتقد أن لكل شيء سبب لكن السبب لا يستطيع وحده أن يفعل النتيجة إلا أن يأذن الله.
لذلك علماء التوحيد لخصوا هذه العقيدة بكلمتين، قالوا عندها لا بها، عند مشيئة الله أن تحرق النار تحرق، أما النار وحدها لا تحرق، هذا ملخص الملخص.
معناها الأسباب بيد الله، إذا الإنسان أشرك الله كيف بأدبه ؟ يعطل له الأسباب، لذلك لا ينفع حذر من قدر، لا ينفع ذا الجد منك الجد، يؤتى الحذر من مأمنه، إذا أراد الله إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لباً لبه، كل من يعتمد على الأسباب وقع في الشرك، وكل من لم يأخذ بالأسباب وقع في المعصية.
ماذا تعنينا هذه القاعدة في هذا الدرس ؟ تعنينا أن كل شيء بيد الله، مهما كانت المشكلة كبيرة، مهما كان الضيق شديداً، مهما كان المرض عضالاً، مهما كانت المشكلة مستعصية، مهما كان الإنسان فقيراً، الله عز وجل يخلق من الضعف قوة، ومن الفقر غناً، ومن المرض شفاء، يعني في مصيبة على الإطلاق أن يجد الإنسان نفسه فجأة في بطن الحوت، وهو في البحر في أعماق البحر، وفي ظلمة الليل، والله عز وجل قال:
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )
دائماً قيس مصيبته مع سيدنا يونس، تلاقيها لا شيء، لا شيء إطلاقاً أكبر مصيبة حلت بكلمة، الآن سيدنا موسى قلة مستضعفة.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾
( سورة القصص: 4 ـ 5 )
فبنوا إسرائيل الذين آمنوا بسيدنا موسى كانوا قلة مستضعفين ذبح أولادهم جمعياً، واستحيت نسائهم، ولا يملكون شيئاً، أما فرعون الذي قال:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات: 24 )
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
( سورة القصص: 38 )
هذا الملك الذي بيده فيما يبدو كل شيء، تصور الآن الإنسان سيدنا موسى مع جماعته القلة، المستضعفة، الخائفة، المه الدم تتجه نحو البحر الأحمر، وفرعون بجيشه، وأعوانه، وقواته وجبروته، وكبريائه، وألوهيته المزعومة، وراء سيدنا موسى.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
( سورة الشعراء: 61 )
في أمل ؟ إذا واحد البحر أمامه وشي مائة واحد عزل من السلاح، ورائهم شي خمس ألوية، مع طيران، مثلاً، مائة واحد عزل ورائهم أكبر قوة ضاربة، من كل أنواع الأسلحة، والهدف سحقهم.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
انتهت، معهم نبي، قال:
﴿قَالَ كَلَّا ﴾
بهذه البساطة، قال كلا، طيب وين الأمل ؟ تعتقد لا يمكن إنسان في ذرة عقل يجد بصيص من الأمل ولو واحد بالمليون، قلة مستضعفة، خائفة مه الدم يتبعها فرعون بكل قواته، وكل جبروته وكل حقده، وكل كبريائه، ليسحق هذه الفئة.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
هذه القصص لمن ؟ هل هي تاريخ ؟ لا، لنا، من أجل تعرف من هو الله.
﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء: 62 )
بأمر بسيط أضرب البحر، فأصبح كل فرق كالطود العظيم طرق مشوا اتبعوهم فرعون، خرج سيدنا موسى وقومه، صار فرعون بالوسط، عاد البحر بحراً، انتهى الأمر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾
( سورة الشعراء: 8 )
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
( سورة غافر: 64 )
مشكلتك أمام المشكلة، لا شيء، ليس لها وجود أساساً مرض عضال مشكلة كبيرة، عدو شرس، تحل، الله عز وجل بيده كل شيء، فهذه القصص كل ما أرجوه منكم، ألا تعدو هذه القصص تاريخاً، ما أرادها الله تاريخاً، أرادها حقائق، وقوانين، أراد منك أن تفهمها، وأن تستوعبها، وأن تكون نوراً تضيء لك الطريق.
فلما الإنسان يخاف من عدو، يخاف من جهة، الله فوق كل شيء، لماذا الإنسان في الحج يقول الله أكبر ؟ مهما كان عدوك كبير الله أكبر منه.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء: 61 ـ 62 )
فالقصة اليوم:
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (77)﴾
كلمتين أقولهم لكم: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ما معك حد.
أخوانا الكرام:
إذا كان الله معك بخدمك عدوك، وإذا كان الله عليك أقرب الناس إليك ابنك بغلبك، فالعبرة أن يكون الله معك، هي المعية مشروطة، في شيء غير مشروط في معية غير مشروطة، وهو معكم أينما كنتم، هي معية العلم، الله مع الكافر مع الملحد، مع الفاسق مع العاصي، هذه معية غير مشروطة، لكن المعية المشروطة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
(سورة الأنفال: 19 )
﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
( سورة البقرة: 194 )
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾
( سورة الأنفال: 46 )
هذه المعية تعني النصر، والتأييد، والحفظ، والرعاية والتوفيق، رعاية، وتوفيق، ونصر، وتأييد، وحفظ، العلماء قالوا، إلا أن هذه المعية الخاصة التي أختص بها المؤمنون والمتقون والصابرون، مشروطة.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
( سورة المائدة: 12 )
أدفع الثمن وأخذ البضاعة.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)﴾
يعني الآن في عنا نقطة دقيقة الإنسان لا يكون غلطة إنسان هيك أبي قال لي، أبي علمنا، أبي نشئنا، بدك تتبع المنهج الإلهي.
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
( سورة الكهف: 28 )
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾
( سورة لقمان: 15 )
لا تكون غلطة إنسان، لا تكون فرق حساب كلك، إذا واحد نشئ نشأة ما فكر، ما تأمل، مشي مع البيئة، نشئنا، تربينا بدو فلان أقوى مني، ينقلني أخي ما بقدر، هيك بدها زوجتي لا تكون غلطة، لا تكون فرق حساب.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)﴾
من وقفت ضده وقاومت جبروته ؟ زوجته.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾
( سورة التحريم: 11 )
هي قصة بليغة جداً، امرأة لا يستطيع هذا الفرعون أن يحملها على مبدئه أبداً، وهي صديقة، كمل من الرجال الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربع منهم آسيا امرأة فرعون.
فالإنسان مستقل لا يكون خطأ للإنسان، ما يكون غلط للإنسان.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية وآمر عليها أنصارياً ذا دعابة هذا الأنصاري ذا دعابة، مزوحي يعني، أمر بإضرام ناراً عظيمة وقال اقتحموها ألست أميركم ؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله فقال بعضهم ـ والقصة في البخاري ومسلم وردت ـ قال بعضهم كيف نقتحمها وقد آمن بالله فراراً منها، وقال بعضهم طاعة الأمير طاعة رسول الله، اختلفوا، عرضوا الأمر على النبي فقال:
(( والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف.))
العقل لا يتعطل أبداً إلا مع القرآن، كلام الله عز وجل، ومع الحديث الصحيح، وما سوى ذلك هم رجال ونحن رجال، كل إنسانٍ يأخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾
لا تتجاوز.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)﴾
يا لطيف، والله لأن يسقط الإنسان من طائرة أربعين ألف قدم يكون في الأرض محطماً، أهون من أن يسقط من عين الله، أهون من أن يحل عليه غضب الله، والله إذا غضب على إنسان يمد له الحبل، حتى يظن نفسه ما في إله، ثم يشد الحبل فجأة فإذا هو في شر عمله.
الإنسان لا يغتر، قال إذا كان الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فحذره، الآية الأخيرة، هي آية من أدق الآيات:
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾
الآية يرد بها على كل إنسان جاهل، أخي الله غفور رحيم لا دقق، لا دقق الله غفور رحيم، ما راح يحط عقله بعقلنا ويحاسبنا هيك يقولوا الناس.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾
لمن ؟.
﴿لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾
هذا هو الذي يغفر الله له، لأن الله عز وجل قال:
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾
( سورة لقمان: 33 )
الشيطان، الشيطان بقلك الله غفور رحيم، لا دقق، الله غفور رحيم، الله غفور رحيم لمن ؟
﴿لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-10-2018 02:17 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الثانى عشر




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لازلنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، وقد سألني البارحة أخر كريم سؤالاً، قال لي أليست هذه القصة متكررة في القرآن الكريم ؟ قلت نعم لقد كررت سبعة عشرة مرة، لكن إعجاز القرآن الكريم أنها في كل مرة عولجت من زاوية غير الزاوية الثانية فكلما دق فهم الإنسان في كتاب الله أدرك الحكمة البالغة من نظم هذا القرآن الكريم، وقد يسأل سائل آخر، ما حكمة ورود قصص سيدنا موسى، وبني إسرائيل، وأهل الكتاب في القرآن الكريم، الحكمة أن هذا هو الأسلوب التربوي الرفيع، لأن الأمراض التي يمكن أن يصاب بها المسلمون وهم أهل كتاب سماوي، هي الأمراض نفسها التي أصيب بها أهل الكتاب، معالجة وبيان النقاط الضعيفة والمشكلات التي يعاني منها أهل الكتاب هي أمراض يمكن أن نقع فيها نحن، لكن دائماً المعالجة غير المباشرة أقوى أثراً من المعالجة المباشرة.
لو أنك وضعت أبنك أمامك وألقيت عليه المواعظ والمحاضرات، قد لا يستجيب، وقد لا يقبل، لكن إذا كان يجلس معك وأنت توجه خطاب لإنسان آخر فهو يستمع، وليس هو المخاطب يستفيد أكثر.
فالحكمة البالغة من أن الله سبحانه وتعالى أورد قصص أهل الكتاب وبني إسرائيل مع أنبيائهم لأننا مشرحون أن نقع في الأمراض التي وقعوا فيها نفسها، ألم يقل بنوا إسرائيل.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾
الله عز وجل بماذا أجابهم قال:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾
( سورة البقرة: 111 )
ألم يقول النبي: ((يا فاطمة بنت محمد يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا، لا يأتين الناس بأعمالهم وتأتونني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه.))
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾
( سورة البقرة: 80 )
وهذا الذي يقول مثلاً، أن نحن يشفع لنا النبي، و شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وهذه أيضاً من الأماني، الشفاعة حق فيها أحاديث صحيحة، ولكن ليست إلا لمن مات غير مشرك.
يعني واحد عنده عشر مواد، نجح في التسعة وبقيت له في المادة الأخيرة أربع علامات، طيب يجتمع مجلس الكلية ويقرر إضافة هذه العلامات الأربع، مو أخذ أصفار بالعشر مواد.
هذا الإنسان لا تناله شفاعة النبي من مات غير مشرك، على كلٍ المسلمون في الأعم الأغلب مرشحون لأمراض وقع بها أهل الكتاب وهذا هو الأسلوب التربوي، إياك أعني وأسمعي يا جارة.
أنت الآن أحياناً عما تخاطب إنسان وابنك قاعد، لو فرضنا ابنك يدخن لا سمح الله وأنت عم تخاطب إنسان بشكل موضوعي عن مضار التدخين، ابنك ليس هو المقصود، وليس هو المخاطب، لكنه يصغي، إصغائه لنصائحك تترك في نفسه أبلغ الأثر، فيما لو أجلسته أمامك وبدأت تلقي على رأسه المواعظ، الأسلوب غير المباشر هو الأسلوب المؤثر، فالله عز وجل يعالجنا ونحن لا ندري عن طريق ذكر قصص بني إسرائيل، مثلاً:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
( سورة المائدة: 66 )
طيب ألا يقاس على ذلك، لو أنهم أقاموا القرآن الكريم لأكلنا من فوق أيدين ومن تحت أرجلنا، نعم يقاس على ذلك، الآن في بالقصة نقطتان دقيقتان.
النقطة الأولى:
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾
في عنا قاعدة، هذا القاعدة أن علامة التائب أنه يتوب من قريب، يعني بعد الذنب مباشرة، لا تؤخر، لا تسوف، قيل هلك المسوفون، الشيطان في عنده سلاح خطير، هو غداً، غداً، بعد غدٍ بعد الانتهاء من الفحص، على أول الموسم، لما بسلم المحل، لما بأخذ الدكتوراه، لما بزوج، لأشتري بيت، بمضي الإنسان كل حياته وهو عم يعلق التوبة على حدث قادم، هذه مثل جزرا ماسكها راكب الدابة، هي المسافة ثابتة، الآن سأصل إليه، هو ماسكها بيده ماسكها بيده والمسافة ثابتة بينه وبين الدابة، لن تصل إليها.
لذلك هلك المسوفون، لا تسوف التوبة، من الآن، منذ اللحظة أما على أول الصيف، لأفتح المحل، لأسس الشغل، لأخذ الشهادة لأزوج، واحد قال له متى تتوب قال له غداً، النبي غضب قال: ((ويحك أو ليس الدهر كل غداً ))
غداً مطاطة.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾
طيب واحد استيقظ بعد الشمس، متى يصلي ؟ فوراً، ممكن يصلي بعد ساعة، ساعتين، ثلاثة، وخمسة، لكن الأفضل فوراً.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ﴾
الآن قوم موسى ماذا شاهدوا ؟ شاهدوا بأم أعينهم كيف أن العصا أصبحت ثعبان مبيناً، وشاهدوا بأم أعينهم كيف أم هذا الثعبان المبين أكل كل عصيهم وحبالهم، وشاهدوا بأعينهم كيف أن يد هذا النبي الكريم أصبحت بيضاء للناظرين وشاهدوا بأم أعينهم كيف أم هذا النبي الكريم ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً ودخل فيه بنوا إسرائيل وكيف غرق فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى، كل هذه الآيات لم تنفعهم.
لذلك إن لم تؤمن بالكون وهو على وضعه الراهن لن تؤمن به عندما تخرق سننه وقوانينه، هي قاعدة، الكون بحد ذاته معجزة.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)﴾
أي باختيارنا.
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)﴾
ماذا فعل السامري ؟ من يعطي إنسان سم يقول له هذا سم كله ما أحد يساويها، ماذا يفعل المجرمون ؟ يضعون السم في البئر ثم في الدسم، الباطل دائماً في معه حق حتى يمر، باطل صرف ما في، كل الفرق الضالة لها مظاهر لها أفكار صحيحة، أما السم في الدسم.
الآن الإسلام لا يحارب من خارجه، لا يحارب مواجهة يحارب من داخله، ممكن فرقة ضالة، جماعة منحرفة، ترفع شعار إسلامي ممكن، تتزيا بزي المسلمين وتعمل أعمال إجرامية، من أجل تشوي سمعة المسلمين.
فلذلك دائماً السم لا يقدم على أنه سم، يقدم على أنه غذاء والسم في الدسم، فالإنسان ينبغي ألا يقبل الحق إلا صرفاً، لا ينبغي أن يقبل الحق إلا صرفاً دائماً الباطل في معه حق، الخمر الله عز وجل قال:
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
( سورة البقرة: 219 )
هل الأفكار الضالة لن تنتشر إلا مع أفكار مقبولة، هنا اليقظة يقظة المؤمن لا يقبل فكراً إلا وفق الحق الصرف، وفق الحق النقي فمشى السامري أخرج لهم عجلاً جسداً له خواراً فقال:
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89)﴾
يعني صنم من الذهب عدوه إله، طيب هذا إذا سألت لا يجيبك ولا ينفعك ولا يضرك، معنى من هو الإله الذي ينبغي أن تعبدوه ؟ إذا دعوت أجابك، وهو الذي يملك نفعك وضرك، قاعدة هذه.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)﴾
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)﴾
يعني أخذ شيء من الحق ودخل فيه الباطل وعرضوه على قومه ودعاهم إلى عبادة هذا الصنم الذي من الذهب، هو السؤال الكبير كيف قبل قومه أن يعبدوا هذا الصنم ؟! وقد رأوا المعجزات.
المعجزات الحسية أيها الأخوة:
كعود الثقاب تتألق مرة واحدة ثم تنطفئ تصبح خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، لكن كتاباً الكريم هذا من تكريم الله لنبينا ولأمتنا هذا الكتاب معجزة مستمرة، ليس كالعصا التي أصبحت ثعباناً مبيناً، وليس كاليد التي تألقت بيضاء للناظرين، وليس كشق الطريق في البحر، ولكن هذا القرآن معجزة علمية بيانه مستمرة وكلما تقدم العلم كشف عن جانب من إعجاز هذا القرآن الكريم.
نستفيد من هذه القصة نقطتين:
أن الباطل دائما يقدم مع الحق، فإذا قدم الباطل وحده صرفاً لا أحد يقبله، فنحنا ينبغي أن نكون على حيطة وحذر شديد من أن نقبل حقاً مع الباطل، والإسلام الآن لا يحارب من خارجه، ولا يحارب وجهاً لوجه، إنما يحارب من داخله عن طريق تزيف مبادئه، تزيف قيمه، حمل المسلمين على سلوك أسلوب غير إسلامي، وغير شرعي ما جاء به الأنبياء، ولا جاء به المرسلون، فليحذر كل منا أن يقبل سلوكاً غير إسلامي ضمن إطار إسلامي.
الأهداف النبيلة لا يمكن أن نصل إليها، إلا بوسائل نبيلة الوسيلة من جنس الهدف، أما هدف نبيل وسيلته الجريمة، لا، هذا ليس من الدين، والدين قوي بمبادئه، قوي بأفكاره، قوي بقيمه، قوي بهذا النظام المعجز، فنحنا لا نقبل سلوكاً غير شرعي ضمن دائرة الإسلام، هذا الذي شوه سمعة المسلمين، وهذا الذي يجهدوا أعداء المسلمين لفعله، يجهدوا أعداء المسلمين لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين في العالم كله عن طريق الدس الداخلي.
كما فعل موسى السامري أخذ من سيدنا موسى شيئاً و أضاف إليها أشياء وطرحها على أنها البديل، دعاهم إلى عبادة صنم من ذهب.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89)﴾
طيب كيف قبل هؤلاء أن يعبدوه ؟ لأنهم ما أرادوا الهدى ذاتياً لكن رأوا معجزة حسية، رأوها ولم يبقى لها أثرٌ فيهم.
لذلك الذي لا يهزه الكون بسماواته وأرضه وجباله وأنهاره وبحيراته، في ظاهرة النبات، في ظاهرة الحيوان، بأسماكه، بأطياره بخلق الإنسان، بما فيه من معجزات الذي لا يهزه الكون بوضعه الواقع لا تهزه خرق نواميسه، والدليل:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾
( سورة الشعراء: 8 )
كلما الإنسان مستواه التفكير هبط بدو معجزة، في كثير دعوات مبنية على المنامات والكرامات، دعوات طويلة عريضة كل المحتوى الكرامة الفلانية، يعني دفشة راح على الحج، من دون طائرة، مشي على وجه المي، طار في الهواء، مريد قد ما حب شيخه ذاب صار شوية مي في الأرض وين هدول هنا هل الميات خرافات، وكرامات، ومنامات، الدين أعظم من ذلك، الدين منهج الدين مبادئ، الدين قيم، الدين قواعد جامدة، مو زئبقية، قوانين حتمية النتائج، ما هي ظنية.
فنحنا نريد ألا يختلط الحق بالباطل، واحد من جماعة أحد الشيوخ توفي جاء الملكان ليسألانه فتلقوا رفسة جعلتهم خارج القبر قيل لهما أمثل هذا يسأل هذا من جماعتي، ينبسطوا الأخوان والله شي لطيف، إذا واحد كان مع شيخ أنكر ونكير يرتفسوا، يصفوا برا قصص ما أنزل الله بها من سلطان، لا تمت إلى الحق بصلة فنحنا لا بدنا كرمات، ولا بدنا منامات، ولا بدنا خرافات، ولا بدنا مقاييس زئبقية مطاطة، نريد منهج الله عز وجل، الكتاب والسنة.
ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً.
واحد قال لإخوانه:
لأن يسقط المريد من عين الله أهون من أن يسقط من عين شيخه، قال لأنه سقط من عين الله تلقفه ، أما إذا سقط من عين شيخه من يتلقفه ؟ مسكين كلام غير صحيح، يعني نحنا نريد الكتاب والسنة.
ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً.
لا تقبل شيء من دون دليل، ولا ترد شيء من دون دليل والدليل الكتاب والسنة.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
( سورة يوسف: 108 )
الصحابي الذي أمر بإضرام نار وقال اقتحموها، لما بلغ النبي ذلك قال:
والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها، إنما الطاعة في معروف عقلك لا يعطل، في كتاب، في منهج، طالب بالدليل.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
( سورة يوسف: 108 )
من يكشف لي العلاقة بين أول آية وآخرها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
علامة المتبع للنبي يقول لك هذا الدليل، هذا حرام هي الدليل حلال هي الدليل، أنا ومن اتبعني.
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
طيب ما علاقة الإشراك ؟ يعني إذا ألقيت على الناس أمراً ليس عن رسول الله بلا دليل من عندك، أشركت نفسك مع الله، بالتشريع جعلت نفسك نداً لله عز وجل.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
( سورة يونس: 15 )
هذا مقام النبوة، لذلك الإنسان معه منهج واضح، النقطة الأخيرة والموجزة دائماً الباطل يقدم مع الحق، والسم يقدم دائماً مع الدسم، وأنت بحاجة إلى دقة بالغة وإلى يقظة، لئلا ينطلي الباطل عليك باسم الحق، والآن بالعالم في ممارسات والله الذي لا إله إلا هو آلاف الممارسات غير إسلامية ضمن إطار الإسلام.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-10-2018 02:19 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الثالث عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، بعد أن تحدَّث ربنا عز وجل في سورة طه عن قِصَّة آدم عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
(سورة طه)
لغةً يجب أن تكون الآية فتَشْقَيا، لكنّ الآية فتَشْقى، فكيف نُفسِّر هذه الآية ؟ قال علماء البلاغة هذا إيجاز، لأنّ شقاءَ الرَّجل هو شقاءٌ حُكْمِيٌّ للرَّجُل، والنبي عليه الصلاة والسلام لعلَّه اسْتَنبط من هذا الكلام وقال: ((المرأة على دين خليلها ))
هو قائِدُ المركبَة وهو القيِّم فإن تفلَّتَ مِن منهج الله أفْسَدَها، وإن دلَّها على الله أسْعَدَها، فهذه لَفْتَةٌ لطيفة.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
[سورة طه]
الجنَّة لها نِظام خاصّ فالدُّنيا أساسها الكَدْح، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الإنشقاق]
يقول لك: كي أمَّنْتُ هذا البيت مِتُّ من التَّعب، وحتَّى حصَّلتُ هذه الشَّهادة العليا سَهِرتُ الليالي، وحتَّى تزوَّج يعلم الله ! أما الآخرة فلهم ما يشاءون فيها، لِمُجَرَّد ان يخْطر على بالك شيء تراهُ أمامك، فالدنيا دار سَعي، والآخرة دار تَكريم، والدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء والدنيا دار تَكليف والآخرة دار تَشْريف، نِظام الدنيا غير نِظام الآخرة فَهُنا جئْتَ إلى الدنيا مِن أجْل أن تعمَل، أما في الآخرة فَمِن أجل أن تُكَرَّم، فقديمًا الأوائِل بِكُلّ الشهادات دُعوا إلى ولائِم وإلى زيارات وحَفلات ؛ قَضِيَّة تكريم مَحْض، هدايا، هذا مُؤقَّت، أما الآخرة فَكُلُّها تَكريم، وَمِن أوَّلها إلى آخرها، فالإنسان إذا رأى شَجَرة تُفَّاح يذوق كلّ طُعومها قبل أن يضَعَها في فَمِهِ، وهكذا نِظام الآخرة، فالإنسان يشْعر بِطَعم الفاكهة قبل أن يبْلعَها، يأتي اللِّسان فيضَع اللُّقْمة ممضوغة بِسَقف الحلق ؛ هنا أعْصاب الذَّوْق، فالفرق بين الفجل والبندق فقط في هذه المنطقة، وبعدما يدخل الأكل إلى الجوف فكلّ شيءٍ مثل بعضه فالذي أكل غذاء بِألفين ليرة مثل الذي أكل سندويش بِخَمس ليرات ! فالله عز وجل بالدنيا يُمْتِعُكَ بِطَعْم الطَّعام لِثَواني عديدة، أما في الآخرة فَكُلّ ما في الجنَّة تسْتَمْتِعُ به دون رهق، فالإنسان بالدنيا له خِيارين صَعْبين ؛ إما أن يأكل ما يريد ويتحمَّل متاعب الضَّغط والشرايين والوَزْن، وإما أن يحْرِمَ نفْسه الطَّعام لِيَشْعر بالراحة ورشاقة، أما في الآخرة فَكُلْ ما شئْتَ دون أن يكون لِهذا الطَّعام تأثير، قال تعالى:
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)﴾
[سورة طه]
الدنيا إن أردْتَ أن ترى إنسَانًا للَزِمَكَ الأمْر أن تركب مركبة أو طائرة تسْتغرق الساعات للوُصول إلى صديقك أو أخيك، أما في الآخرة فقال تعالى:
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)﴾
[سورة الصافات]
فأيُّ إنسانٍ يخْطر بِبَالِكَ ترى مصيرهُ ! نِظام الآخرة نِظام رائِعٌ جدًّا، وكلّ هذه الآخرة الأبَدِيَّة تَحْتاج إلى ثمَن وهو طاعة الله تعالى في الدنيا.
قال تعالى:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)﴾
[سورة طه]
لمَّا دخل الطَّعام جِسْمَهُ أصْبَحَ هناك نِظام آخر ؛ الأكل المحدود، والهَضْم والغائِط، والعُريّ، وكانت نفسٌ الجسَدُ مَرْكَزُها، فأصْبَحَ جسدًا والنَّفس بِداخِلِه، فالنِّظام اخْتلف.
قال تعالى:
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾
[سورة طه]
لكن هناك آية قبلها، يقول تعالى فيها:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾
[سورة طه]
فهو لم يَعْصِ اجْتِراءً على الله، ولكن عَصِيَ نِسيانًا، ولم يكن له عَزمٌ على المَعْصِيَة، والأمر كان أمرًا إرْشادِيًّا ولم يكن أمْرًا تَكْليفيًّا، ولم يكن هناك كذب، فالشيطان هو الذي كذب عليه وأغْراهُ أن يأكل من هذه الشَّجرة لِيَبقى في هذه الدنيا، فأوَّلا الأمر إرشادي، وثانيًا غير تَكليفي، وثالثًا لم يكن هناك كذب، ورابِعًا أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون لِهذا النبي الكريم درسٌ لِذُرِيَّتِهِ إلى الأبد، فهذا الشيء مَقصود ؛ لأنَّ الله تعالى قال:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[سورة البقرة]
إنّي جاعل في الأرض خليفة، فأصْل الخلق أنّ الإنسان بالأرض، ولكن وُضِعَ في هذه الجنَّة لِيَكون هذا الحدَث درسًا لِذُرِيَّتِهِ إلى أبد.
قال تعالى:
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾
[سورة طه]
الآن دَقِّقوا في هاتين الآيتين والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هاتان الآيتان لَكَفتنا ! قال تعالى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
[سورة طه]
هذا كلام خالق الكون، وزوال الكون أهْوَنُ على الله مِن أن لا تُحَقَّق هذه الآية، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
فلو كان مع الملايين، أو كنت أقْوى إنسانٍ في الأرض، ولو كنت أغْنى إنسانٍ أو أصَحّ إنسان، أو أجْمل إنسان أو غارق في الملذَّات إلى أقصى درجة، فَكَلام الله هو الصادِق، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
بعض العلماء سأل: يا رب، أَيَّةُ معيشَةٍ ضنْك يعيشُها الأغنياء والمُلوك ؟ فكان الجواب: ضيقُ القلب، فَهُناك ضيقٌ في قلوبهم لو وُزِّع على أهْل الأرض لكفاهم، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
أنا أقول لكم هذه الكلمة: الأرض الآن فيها خمسة مليارات، إذا وَجَدْتُم إنسانًا واحِدًا سعيدًا وهو مُعْرضٌ عن ذِكْر الله فهذه الآية ليْسَتْ مِن كلام الله ! لأنَّه تستحيل السَّعادة مع الإعراض عن ذِكْر الله، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
وإذا أمسَكَ الله عنك شيئًا فهذا مِن رحْمَتِهِ، وهذه الحقيقة إذا عرفناها اختلف الوَضْع، فلا تبْحث عن السَّعادة بامرأة ولو زوْجتك، ولا بِوَلدٍ، ولا بِمَال، ولا بِبَيت فَخْم ولا بِمَرْكبَة، ولا بِمَنْصِب رفيع، ولكن اِبْحَث عن السَّعادة بِمَضانِّها، ومضانُّها طاعة الله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
[سورة طه]
لا يضلّ عقلهُ ولا تشْقى نفْسُه،ُ هذا كلام الذي خلقنا، فالإنسان أحيانًا يبْحث عن السَّعادة بِمَعْصِيَة، ومن ابتغى أمْرًا بِمَعصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجى، وأقْرَبَ مِمَّا اتَّقى، وهل يوجد مَن لا يحبّ السَّعادة ؟ هذا مطْلب ثابِت لِكُلّ البشَر، ولو كان مُلحِدًا، فهذا له مطْلبَان؛ السلامة والسَّعادة، مَنْ الذي يُحِبّ أن يكون معه مرضٌ خبيث ؟! فشَل كَلَوي، أو الْتِهاب كبِد وبائي، فهو يرْضى بالفقْر وغيره ولكن السلامة والسعادة مطْلبان ثابتان لِكُل البشر على اخْتِلاف مِلَلِهِم ونِحَلهم، وهذا المطلبان ثَمَنهما طاعة الله عز وجل، لذا قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
[سورة طه]
لهذا قال بعض العارفين بالله تعالى: لو يعلم المُلوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسُّيوف، والمُجَرِّب يعرف هذا، فالذي يضْبِط إنفاقه وجوارحهُ وضبطَ بيْتَهُ وعملهُ، إن لم تقُل أنا أسْعَدُ الناس فأعمالك هذه ليْسَتْ صحيحة ‍! قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-10-2018 02:20 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الرابع عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
في الآية تقديم وتأخير فأصْل التَّرْكيب: ولولا كلمة سبقَتْ مِن ربِّك وأجلٌ مُسَمَّى لكان لِزامًا، ففي الآية إيجاز، ما هو الشيء الذي كان ينبغي أن يكون ؟ هو إهْلاكُهم، وإهْلاك العُصاة، تجِدُ إنسانًا يعْصي الله، ويأكل المال الحرام، ولا يُؤَدِّي فرائض الله عز وجل، ويتحدَّى ويتكلَّمُ كلامًا يتَجاوَز حُدود العُبودِيَّة، ومع ذلك ترى لهُ صِحَّةً جيِّدَة، ويأكل ويشْر ويُسافر ويتمتَّع، وقد يزْداد قُوَّةً على قُوَّتِهِ، فهذه الظاهرة المُحَيِّرة قد يقول قائِل: لِمَ لمْ يقْصِمْهُ الله عز وجل ؟! يكْفُر ويُلْحِد ويفْجُر ويَعصي ويتحدَّى وصِحَّتُهُ جيِّدَة وقوَّة إلى قوَّة، وغِنًى إلى غِنًى !! هذه الآية هي الجواب، قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
الكلمة هي أنَّ رَحْمتي سبقَتْ غضَبي، خلقَنَا تعالى لِيَرْحَمنا، فمثلاً قد تكون هناك مادَّة بالنِّظام الداخلي في التَّعليم الثانوي أنَّ أيَّ طالبٍ تَجاوَز غِيابُهُ الأسبوع يُفْصَل نِهائِيًّا،المدير الذي امتلأ قلبه رحمة والذي يسعى لنشر العلم قد يجمِّد هذه المادة وقد يتجاوز ويقوا للطالب: آتنا بتقرير طبي، لأن الهدف تعليمه و ليس إنزال العقاب عليه، فرحمتي سبقت غضبي، فكل إنسان يعيش وهو مرتكب للمعاصي تفسير ذلك أن الله سبحانه وتعالى سمح له أن يعيش يوما كي يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة كي يتوب، لذلك أخطر حالة أن الإنسان يقصِّر و لا يؤدي العبادات و يزداد قوة إلى قوته وغنى إلى غناه، معنى ذلك أن الله سبحانه و تعالى سمح له أن يعيش أياما عديدة لعله يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة للتوبة، أما عمله فيستحق به الهلاك، وتحدِّيه يستحق سحقه ومعاصيه تستحق تدميره،
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
أن رحمتي سبقت غضبي لكان لزاما عقابهم وتدميرهم و قصمهم و إهلاكهم، وهناك شيء آخر وهو أن كل إنسان أُعطي أجلاً لابد أن يعيشه، قال عليه الصلاة والسلام:
((إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ))
أنت عندك مدرسة فيها صف وفيها طلاب و عندك طالب كسول جدا، فهل يعقل أن ترسبه أثناء العام الدراسي، لا يمكن حتى ينتهي العام الدراسي و يجري الامتحان و يرسب فيه عندئذ يصدر قرار من عند المدير بترسيبه في هذا العام، فالله عز وجل أعطانا أجلا وقال:
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(40)﴾
[سورة فصلت]
و قال: ﴿:وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف]
فلك أن تصلي ولك أن لا تصلي ولك أن تستقيم ولك أن لا تستقيم، ولك أن تحسن ولك أن تسيء، ولك أن تقسو ولك أن ترحم، ولك أن تظلم و لك أن تعدل، فأنت مخيَّر، قال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، فنحن في بحبوحة ؛ بحبوحة الأجل و بحبوحة أن رحمة الله سبقت غضبه، ولو لا أن كلمة الله أن رحمته سبقت غضبه ولكل إنسان له أجل محدود لا يزيد و لا ينقص لكان لزاما إهلاكهم و تدميرهم و سحقهم، إذا هذه الآية تفسر لك كيف يبقى القوي قويا وهو يعصي اله و كيف يبقى الذي يمكر لدين الله صحيح الجسم قوي المال وقوي الحال.
أيها الأخوة الكرام، نحن في بحبوبة كلمة الله، فحينما سمح الله لنا أن نعيش يوما، فكل إنسان حينما يستيقظ من نومه و ينهض من فراشه و يتحرك معنى ذلك أن الله سمح لك أن تعيش يوما جديدا، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: يا ابن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
وعندنا بحبوحتان أيضا ؛ ٌقال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
الآن النبي عليه الصلاة والسلام قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ما الذي بقي منه بين أيدينا ؟ سنته المطهرة، وما دامت سنته المطهرة مطبقة في حياتنا وفي بيوتنا و في أعمالنا و في علاقاتنا و في إعطائنا و في منعنا في صلتنا و قطعنا و غضبنا و رضانا فنحن في بحبوحة من عذاب الله و الدليل قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[سورة النساء]
أنت تسير على منهج الله فلِمَ العذاب ؟ ليس هناك مصلحة لأحد أن يعذبك الله عز وجل و قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾
[سورة سبإ]
و قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35)﴾
[سورة الأحقاف]
و قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
و البحبوحة الثانية قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
مثلا طالب أخذ صفرا في الرياضيات وأبوه سيقيم عليه القيامة وجده يبكي و يدرس و لا ينام الليل و يحاول أن يؤَمِّن أستاذا خاصا فاهتمامه و بكاءه و سهره يترك أباه لا يفعل شيئا قال النبي الكريم: عن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))
[رواه ابن ماجه]
الندم توبة.."و العبد الندمان الخائف الذي يسترضي الله عز وجل بتوبة أو بصدقة، هذا في بحبوحة ثانية، فنحن في أربع بحبوحات ؛ بحبوحة التوبة وبحبوحة الأجل و بحبوحة الاستقامة على أمر الله و البحبوحة الرابعة إذا كنت مستغفرا.
أختم هذا الدرس بالحديث النبوي الشريف،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))
[رواه الترمذي]
عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتَ لي فيما أريد كفيتُك ما تريد و إن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-10-2018 02:22 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الخامس عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثلاثون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
ما الذي يعينك على الصبر ؟ الاتصال بالله عز وجل، طبيعة النفس أنَّها تَكْره المُعارَضَة، والنَّقْد، والطَّعْن، والتَّكْذيب، والكُفْر، ولكنَّ الإنسان إذا اتَّصل بالله عز وجل وسَعِدَ بِقرْبِهِ ؛ هذا يُعينُهُ على الصَّبْر، فالصَّبْر من دون بديل هذا شيءٌ غير واقِعي، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
أيْ إنْ سبَّحْتَ بِحَمْد ربِّك صَبرْتَ على ما يقولون، فالدُّنيا دار الْتِواء لا دار اِسْتِواء، ودار ترَحٍ لا دار فرحٍ، دار فِتْنة وامْتِحان ودار كدٍّ وعمل وبذْل جهد، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الإنشقاق]
ما الذي يُعينُكَ على تَحَمُّل الشَّدائد ؟ وتحمُّل المعارضَة ؟ وتَجاوُز العقبات ؟ الاتِّصال بالله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
مرَّ إنسانٌ يطوف حول الكعبة، يقول: يا رب، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ وكان وراءَهُ الإمام الشافِعي فقال له: يا هذا وهل أنت راضٍ عن الله حتَّى يرْضى عنك، فقال: يا سبحان الله ومَن أنت يَرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا محمَّد بن إدريس، فقال: كيف أرْضى عن الله وأنا أتمنَّى رِضاه ؟! فقال: إذا كان سُرورُكَ بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيتَ بالله، بُطولة المؤمن أنَّك إن أصابه خير شَكَر فكان خيرًا له، وإن أصابَتْهُ ضرَّاء صبر فكان خيرًا له ! وليس ذلك لِغَير المؤمن، رَوْعة الإيمان أنَّك ترى أنَّ الأمور بِيَدِ الواحِدِ الدَّيان فإن أعْطاك فالحمْدُ لله، وإن منَعَكَ فالحَمْدُ لله، ورُبَّما كان المَنْعُ عَيْن العطاء، إنَّ الله ليَحْمِي صَفِيَّهُ مِن الدنيا كما يَحمي أحدكم مريضهُ من الطعام، وإنَّ الله لَيَحْمِي عبْدَهُ المؤمن من الدنيا كما يَحمي الراعي الشَّفيق والرفيق غنَمَهُ مِن مراتِع الهلَكَة، فالنبي عليه الصلاة والسَّلام كان يقول: ((اللهم ما رَزَقْتني مِمَّا أُحِبّ فاجْعلهُ عَوْنًا لمَا تُحِبّ ))
رزَقتني مالاً، فَليَكُن هذا المال في سبيلِكَ، رزقتني جاهًا فلْتكن هذه القوَّة لِنُصْرة الضَّعيف، رزَقْتني عِلْمًا فلْيَكن هذا العِلْم مَبْذولاً لأحْبابِكَ فأنت بين أمْرين ؛ بين أن تكون قد طلَبْتَ من الله شيئًا فَنِلْتَهُ، وبين أن لا تنالَهُ، وفي الحاليْن أنت راضٍ
هم الأحِبَّةُ إن جاروا وإن عدَلوا فليس لي عنهم مَعْدِلُ وإن عدَلُوا
والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كبِدي باقٍ على وُدِّهم راضٍ بِما فعَلوا
***
مقام الرِّضا في الإيمان لا يعْدِلُهُ مقام، أنت راضٍ عن الله إن أعْطاك وإن منَعَك، وإن زوَّجك أم لم يُزَوِّجك، وإن رزقَكَ أم لم يرْزقك ! ولسَوْف يُعطيك الله فَتَرْضى، فَحِكْمة الله تعالى تَقْتضي أحْيانًا أن يكون مُضَيَّقًا عليه فهذا الإنسان لأنَّه يعرف الله تعالى يرْضى عنه، فالبُطولة لا أن يرْضى الله عنك، ولكن أن ترْضى أنت عنه، رِضاؤُكَ عنه عِلْمٌ، عرَفْتَ أسماءَهُ وصِفاتِهِ، وحِكْمَتِهِ ورَحْمتَهُ، فإذا عرفْتَ أسماءَهُ الحُسنى ترْضى عنه، وإذا رضيتَ عنه رضِيَ عنك، لذا قال تعالى:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(8)﴾
[سورة البينة]
قال تعالى:
﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة المائدة]
فالله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم، والإمام الشافعي رحمه الله اسْتنْبَطَ من هذه الآية أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّبُ أحْبابَهُ لو أنَّه أقرَّهم على أنَّهم أحْبابه لما عذَّبهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة المائدة]
لذا قال العلماء: حياة المؤمن تمرّ بِمَرْحلة تأديب وبِمَرحلة امْتِحان، وبِمَرْحلة إكرام، فإذا كانت هناك أخطاء كان التأديب، وبالامْتِحان كي تعرف مَن أنت، وكي تعرف صِدْقَكَ واسْتِقامَتَك، ومرحلة الأخيرة والمُسْتقرَّة هي الإكرام، لا تستقر حياة المؤمن إلا على الإكرام، لذا الآية الكريمة، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
أي إذا أقبَلْتَ على الله وذًقْتَ طعْم القُرب، وأُنْس المحبَّة رضيتَ عن الله وشَعرْتَ بِسَعادة لا توصَف، هذه السَّعادة تسْتغني بها عن المادَّة، ومَن عرف الله زهِدَ فيما سِواه، وقوله تعالى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾
[سورة الضحى]
هذه آية جَبر خاطِر ‍‍! وتطْمين، أي أنت يا عبدي الآن في العِناية المُشَدَّدة.
ثمَّ يقول اله عز وجل:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
لا يُعْقل إطلاقاً من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتمنَّى متاع الحياة الدنيا فهو فوق ذلك، فهو عليه الصلاة والسلام حينما كان طِفلاً صغيرًا ويُدْعى إلى اللَّهْو يقول: لم أُخْلق لِهذا، لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم اجتهَد أنّ هؤلاء الأغنياء والأقوياء لعلَّهم إذا أنابوا إلى الله عز وجل يهْتدي أتْباعهم ! فجاء الوَحي مُبيِّنًا للنبي عليه الصلاة والسلام أنَّ هؤلاء لا خير فيهم لأنَّهم تزوَّجوا الدنيا، فَقِبْلَتُهُم شَهَواتهم، وأهدافهم أموالهم، قال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
رب أشْعثَ أغبرَ ذي تمْرين مَدْفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه، فأنت قد تتوهَّم أنَّ هذا الإنسان القويّ إذا اهْتدى إلى الله تعالى يهْتدي معه كُلُّ أتْباعِه، ولكنَّ هذا الذي ترجو فيه الخير قلبُهُ مختوم عليه، قال تعالى:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[سورة البقرة]
والله تعالى قال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
ما قال: باب ولكن قال: أبواب، وما قال: شيء، ولكن قال: كلّ شيء ! المال والجمال والقصور والمركبات والجاه، فالإنسان إذا أرْخِيَ له الحَبل قد يظنّ نفسَهُ طليق، ولكن في أيِّ ثانِيَة يُمْكن أن يكون في قبْضَةِ الله عز وجل، ولذلك كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
خير وأبقى، والنبي عليه الصلاة والسلام كلَّما رأى شيئًا مِن متاع الدنيا قال كما في الحديث، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ))
[رواه البخاري]
ذكرتُ لكم مرَّة الفرق بين مُمَرِّض وبين جرَّاح قلب ! وبين الموظِّف ورئيس قسم دائرة، وبين بيتٍ أربعمائة متر وبين خمسين متر تحت الأرض، فالله تعالى يقول بعد هذا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الإسراء]
فمرتبة الدنيا لا تعني شيئًا، ولكن مرتبة الدنيا تعني كلّ شيء، ومرتبة الدنيا مُؤقَّتة، ومرتبة الآخرة أبَدِيَّة، فَمَن هو العاقل ؟ أَهُوَ الذي يسْعى لِمَرتبة عليا أبَدِيَّة أم لِمَرتبةٍ دنيا مُؤَقَّتَة ؟! والآية الكريمة:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الإسراء]
مرتبة الدنيا ربَّما تعني العَكْس قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
أما مرتبة الآخرة فلا تعني العكْس، ولكن تعني أنَّك كلَّما تقرَّبت إلى الله كلمَّا فزتَ بِجَنَّةِ عرضها السماوات والأرض، مرَّةً الملك العباّد وهو من مُلوك الأندلس كان يمْشي في قصْرِهِ، فرأى بِرْكةَ ماءٍ قد أثَّرَت فيها الرِّياح، فقال:
نشَر الرِّيحُ على الماء زرَد، وما تمكَّنَ مِن إكْمال البيْت، فسَمِعَ جارِيَةً تقول: يا له ذِرعًا حصينًا لو جمَد ! فأُعْجِبَ بِهذه الجارِيَة وهذا الشِّعْر فتزوَّجَها، وأكْرَمَها إكرامًا مُنْقَطِعَ النَّظير، فمرَّةً اِشْتَهَت أن تعود إلى حياة الفقْر، فمزَجَ لها المِسك والعنْبر بِماء الزَّهْر وقال: هذا هو الطِّين ! ثمَّ جاء ابن تاشفين فأزاحَ كلَّ المُلوك عن ممتلكاتِهِم وتولَّى الحُكمَ مكانهم جميعًا، وأوْدَعَهُ السِّجْن، وضاقَت بِهِ الدنيا، وأصْبَحت فتياتُهُ مُعَذَّبات وجائِعاتٍ وعارِيات - وهذه قصيدة مُؤثِّرة جدًّا في الأدب الأندلسي تُشير إلى ما حال إليه هذا الملِك - فكانت امرأتُهُ هذه الجارِيَة التي أكْرمَها إكرامًا ما بعدهُ إكرامًا تقول له: لم أرَ مِنك خيرًا قطّ ! فيقول لها: ولا يوم الطِّين !! فالنِّساء يكْفرن العشير.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102)﴾
[سورة هود]
فيا أيها الأخوة الكرام، حتَّى تتصاعد النِّعَم وتتَّصِل نِعَم الدنيا بِنِعَم الآخرة عليْكَ بِطاعة الله، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
[سورة الرعد]
فإذا كنت في بَحبوحةٍ وصِحَّة فإذا لم تُغيِّر لم يُغَيِّر، إذا كنت في ضائِقة فَغَيِّر كي يُغَيِّر.
وآيتنا اليوم، قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-10-2018 02:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس السادس عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

قال تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ...


أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الرابعة الثلاثون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾
[سورة طه الآية : 134 -135]


أسس الدعوة .


فَمِن سُنَن الله جل جلاله في مُعاملة عِبادِهِ أنَّهم يَدْعوهم أوَّلاً دَعْوةً بيانِيَّة ، فالأنبياء والمُرسَلون والدُّعاة والعلماء هؤلاء يُحَقِّقون الدَّعوة البيانِيَّة ، دَعْوةً عن طريق المنطق والوحي والدليل والتَّعليم، والإنسان إما أن يستجيب وإما أن لا يستجيب، فإن لم يسْتَجِب هناك دَعْوةٌ عن طريق التأديب ، فإمَّا أن يتضرَّع وإما أن لا يتضَرَّع، فإن تضرَّع كان بها وإن لم يتضرَّع جاء القصْمُ ! قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾
[سورة طه الآية : 134 -135]
قالوا لو أنّ أهلكناهم بِعذاب دون أن نُبيِّنَ لهم ودون أن نُحذِّرهم، ودون أن نتْلُوَ آياتنا عليهم، فالله تعالى يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
هذه الآية أيها الأخوة فيها أُسُسَ الدَّعوة ؛ يتْلُو عليهم آيات الله الدالة على عَظَمَتِهِ .
والعلماء قالوا : هناك آيات كَوْنِيَّة ، وهناك آيات تَكْوينيَّة ، وهناك آيات قرآنِيَّة .
وكلّ هذه آيات الله .
فالآيات الكَوْنِيَّة خلْقُهُ ، والآيات التَّكْوينيَّة أفْعالهُ ، والآيات القرآنيَّة كلامه .
فَمُهِمَّة أيّ نبيٍّ أو أيِّ داعِيَةٍ أن يتْلُوَ على الناس آيات الله الكوْنِيَّة ، والتَّكْوينِيَّة ، والآيات القرآنِيَّة .
قال : يا رب ، أيُّ العِباد أحبّ إليك حتَّى أُحِبَّهُ بِحُبِّك ؟
قال: أحبُّ العباد إليّ تَقِيُّ القلب ، نَقِيُّ اليَدَيْن لا يمْشي إلى أحَدٍ بِسُوء ، أحبَّني وأحبَّ مَن أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي .
فقال : يا رب إنَّك تعلم أنِّي أُحِبُّك ، وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك ، فكيف أُحَبِّبُكَ إلى خلْقِكَ ؟!
فقال : ذَكِّرْهم بآلائي ونَعْمائي وبلائي !
فالتَّذْكير بالبلاء من أجل أن يخافوني، وبالنَّعْماء من أجل يُحِبُّوني .
وذَكِّرْهم بآلائي .
مِن أجل أن يُعَظِّموني .
معنى ذلك لا بدَّ أن يجْتَمِعَ في قلب المؤمن تعظيم وخوف وحبّ .
فقَلْبُ المؤمن ينْطوي على تَعظيم لله تعالى عن طريق الآلاء ، وحبٍّ لله عن طريق النَّعماء ، وخوفٍ من الله عن طريق البَلاء .
لذا البلاء له مُهِمَّة تَرْبَوِيَّة عاليَة ، ولمَّا الإنسان يسرق تُقْطَعُ يَدُهُ ، فهذه اليَدُ المَقْطوعة أكبر طريق رادِعَة للناس ‍، لذلك سأل أحد الشُّعراء الإمام الشافعي رحمه الله فقال له : يدٌ بِعَشْر مئينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالها قُطِعَتْ في رُبْعِ دينار
***
لو أنَّ يدًا قُطِعت بِحادِث سيارة فإنَّ دِيَّتُها في الإسلام عَشْر مائة من الدنانير الذَّهَبِيَّة ؛ أيْ ألف دينار ذَهَبي، والدِّينار بِخَمسة آلاف الآن ! يا رب إذا قُطِعَت خطأً دِيَّتُها ألف دينار، وإذا سرَقَت ربع دينار، فهذا السائل سأل الإمام الشافِعي .
يجب أن تُعَظِّم الله من خلال آيات الكون ، ويجب أن تُحِبَّهُ مِن خِلال النِّعم ، ويجب أن تخافَهُ مِن خِلال النِّقَم .
يا رب أي عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبك .
قال : أحب العباد إليَّ تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحبَّبني إلى خلقي .
قال : يا رب إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك .
قال : ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي .
وأنت أيها الأخ الكريم إذا دعوت أحدا إلى الله اجمع بين هذه جميعا ، ذكره بنعم الله ، وذكره بالمصائب التي إذا ساقها الله للإنسان جعل حياته جحيما ، وذكِّره بالآيات الكونية الدالة على عظمته ، لذلك الآية الكريمة ، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
يتلو عليهم آياته هذا أول بند ، ويزكيهم هذا الثاني لقوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية : 14]
وقوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية : 9]
فتزكية النفس علة وجودك في هذه الأرض، هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾
[سورة الأحزاب الآية : 72]
أيَّة أمانة هذه ؟ إنها نفسك التي بين جنبيك أوكلك الله بها و أمرك أن تزكيها بالاتصال بالله عز وجل، يعلمهم الكتاب هذا البند الثالث، الكتاب هو القرآن الكريم و الحكمة السنة، فأيَّة دعوة إلى الله لا بد من جانب كوني و جانب نفسي تطهيري و جانب سلوكي انضباطي، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
فإذا اكتفينا بتعليم الأحكام الفقهية دون أن نعرف الناس بخالق الكون قد لا تجدي هذه الدعوة، إذا اكتفينا بتعريف الخالق دون تعليم الأحكام الفقهية كيف نعبد الله عز وجل ؟ أنت بالكون تعرفه و بالشرع تعبده، فالكون و الشرع متكاملان، الأول يعرفك بالله والثاني يقرِّبك إلى الله بطاعته، فأنت عليك أن تتعرف إلى الله كما عليك أن تتعرف إلى منهجه و إلى شرعه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
سيدنا عمر جيء له برجل سارق فقال السارق: يا أمير المؤمنين واللهِ هذه أول مرة فقال: كذبت إن الله لا يفضح لأول مرة، فالله عز وجل قبل أن يعاقب يبيِّن و يحذر و ينذر وينصح، لذلك السعيد من يتعظ بغيره و الشقي لا يتعظ إلا بنفسه.
الآن عندنا سؤال ؛ لو فرضنا من باب الجدل أو مثل افتراضي أن أبا مثقَّفا ثقافة عالية وله ابن، قال الابن لأبيه مرة واحدة في حياته: أنا لا أحب الدراسة، قال له: كما تحب، فلما كبر هذا الشاب ورأى أصدقاءه أصبحوا أطباء و شخصيات مرموقة في المجتمع، وهو يعمل عملا عضليا متعبا، بأجر زهيد و بضغط اجتماعي كبير، ألا يتألم من أبيه، يقول له: يا أبي أنا قلت لك لا أحب الدراسة، لِمَ لمْ تؤدبني ؟ و لم تضربني و لم تنصحني، بكلمة واحدة قلت: افعل ما تشاء، فربنا عز وجل يسوق المصائب و الأمراض و التأديب حتى لا يقول العبد لربه يوم القيامة: يا رب لو ضيَّقتَ عليَّ أنا ما عرفت، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
فأحيانا الشدائد والأنبياء و الرسل هذه كلها لتُقام الحجة على العبد، فلذلك لما الإنسان يسوق له الله عز وجل من الشدائد هذه محض رحمة، و أنا أقول كلمة ؛ كل مؤمن في العناية المشدَّدة، فإذا ساقته الشدة إلى باب الله فهي عين الرحمة و عين العناية المشددة، أما إذا كان مرتكبا للمعاصي و الآثام فالله سبحانه و تعالى يطلق له العنان، هذا ليس رحمة من قِبَل الله الدليل قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية : 147]
يعني تقتضي رحمته الواسعة ألاَّ يرُدَّ بأسه عن القوم المجرمين.
الإنسان أيها الإخوة بمجرد أن يفهم على الله قطع أربعة أخماس إلى الله، لماذا ساق لك هذا ؟ هو غنيٌّ عن تعذيبك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[سورة النساء الآية : 147]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية : 30]
فيجب أن تعلم أنه ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، و حاسبوا أنسكم قبل أن تحاسبوا و زِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنأخذ حذرنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.))
الملخص لهذا الدرس، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[سورة النساء الآية : 147]
فإذا لاقيتَ مضايقات هذه محضا العناية المشددة من الله عز وجل، و قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
فالله عز وجل أرسل الرسل و ساق الشدائد وأعذر من أنذر وعلى الإنسان أن يستجيب لله عز وجل.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-11-2018 08:10 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية السادسة عشرة من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
لو أردنا أن نستكمل الموضوع، هناك آيات أخرى تقول:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾
[سورة الحجر]
هناك آية تثبت، وهاتان الآيتان تنفيان، قال تعالى: ما خلقناهما إلا بالحق فماذا تعني كلمة الحق و كلمة الباطل و كلمة اللعب؟
أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى نفى أن يكون خلق السماوات و الأرض لاعبين، و اللعب أيُّ عمل لا جدوى منه ينتهي بانتهائه، أي عمل غير هادف يُمضَى به الوقت، فالله سبحانه وتعالى أجلُّ و أسمى و أعظم من أن يكون خلقه لعبا، نأتي إلى الدنيا كما تشاهدون ونتعب تعبا شديدا إلى أن نقف على أرجلنا و بعد حين يأتي ملَك الموت، وهناك غنيٌّ و هناك فقير و هناك قويٌّ وهناك ضعيف و هناك صحيح وهناك سقيم و هناك ذكيٌّ وهناك غبيٌّ و هناك ظالم و مظلوم ويأتي الموت و ينتهي كل شيء !! هذا لعب، إذا انتهت الحياة الدنيا و لا شيء بعد الدنيا فهذا عين اللعب، الإنسان يكاد ينفجر من الطعام والشراب و التخمة و إنسان يتمنى أن يأكل لقمة لحم في السنة، إنسان مسحور وإنسان ساحر و تنتهي الحياة و ينتهي كل شيء، هذا لعب، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
فإذا انتهت الدنيا هكذا وليس هناك تسوية حسابات و لا لي هناك إنصافا للمظلوم و لا محاسبة القوي و لا مكافئة المحسن و لا معاقبة المسيء فهذا لعب، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
ثم قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ(27)﴾
[سورة ص]
و قبل أن نصل إلى كلمة الحق، الله سبحانه و تعالى تفى أن يكون خلق السماوات و الأرض بالباطل، و ما هو الشيء الباطل ؟ هو الشيء الزائل، ولو أقمنا جدارا بلا أصول، هذا الجدار سيقع، لأنه بُنِيَ على أسس غير صحيحة، لكن الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات و الأرض وما بينهما باطلا، فخلق الكون ليبقى، أما نهاية العالم فستُحوِّله من حال إلى حال، و خلق الإنسان ليبقى، قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
فالباطل هو الشيء الزائل، فلو فرضنا أنه صدر تشريع غير مدروس لا شك أنه بعد حين يُلغَى، فأي مشروع مرتجَلٍ غير مدروس بعد حين يُلغى لأن الواقع أثبت فساده و بطلانه، إذا من معاني الحق أنه عكس الباطل وهو الشيء الدائم، فأنت أيها الإنسان خُلقت بالحق ومعناه أنه لن تفنى إلى أبد الآبدين، وما الموت؟ هو انفصال النفس عن الجسد، فكنتَ في عالم و دخلتَ في عالم، كنت في نظام و انتقلت إلى نظام، كانت نفسك داخل جسمك فصار جسمك مرتكزا لنفسك، أما لك حياة بعد الموت، قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)﴾
[سورة آل عمران]
القبر أيها الأخوة يتسع للمؤمن حتى يكون مدَّ البصر، و حتى يصبح روضة من رياض الجنة و يضيق بالكافر حتى تختلف أضلاعه و يكون قطعة من النار قال تعالى مؤَكِّدا عذاب البرزخ:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾
[سورة غافر]
إذا كيف نفهم الحق ؟ نفهم الحق بالمعنى الباطل لأن الله عز وجل نفى أن يكون خلق السماوات و الأرض باطلا و اثبت أنهما خُلقتا بالحق، فالحق عكس الباطل، الباطل هو الشيء الزائل، قال تعالى:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾
[سورة الإسراء]
فالباطل الاعتقادي لو عاش سبعين سنة فبعدئذ يتهافت و يندثر و يصبح في الوحل، فالفكر الباطل يزهق و العمل الباطل يزهق، و زهوق اسم مفعول وهو صيغة مبالغة اسم الفاعل، أي كثير الزهوق، فالإنسان وُجد ليبقى، فحينما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
[سورة الأنعام]
أي خلق الكون ليبقى، و لكنه يتطور من حال إلى حال، هذا المعنى الأول، والمعنى الثاني،
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
العب هو الشيء العابث غير الهادف، فالحق عكس اللعب فإذا خُلق الإنسان بالحق فخُلق ليبقى و لهدف كبير، فإذا عرفت أن نفسك لا تموت و لكنها تذوق الموت، وفرق كبير بين أن يقول الله ﴿:كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[سورة آل عمران]
و بين أن يقول كل نفس ميِّتة، قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
فإما جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفد عذابها، هذا بالحق وهو عكس الباطل، أما بالحق عكس اللعب أنت خُلقت لهدف ثمين كبير و جليل قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(33)﴾
[سورة الأحقاف]
أيعييني رغيف أسوقه إليك، لي عليك فريضة و لك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك رزقك، و عزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبتلي، وكنت عندي مذموما، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد و إن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، خلقتُ السماوات و الأرض من أجلك فلا تتعب و خلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، فكلمات وجدت في القرآن خلق السماوات و الأرض بالحق، أي خلق السماوات و الأرض لهدف كبير، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)﴾
[سورة هود]
خلقهم ليرحمهم و ليسعدهم و ليعطيهم، ثم إنه خلقهم ليكونوا إلى أبد الآبدين في جنة نعيم أو في نار الجحيم.
فمعنى الحق، الشيء الثابت والهادف، أحيانا يُنشَأ في المعرض جناح من قماش لأنه أنشأ ليُهدم بعد أسبوعين أما رئاسة الوزارة فمن حجر لأنه بُنيَ ليبقى لا ليُهدم، فالكون خُلق ليبقى، و الكون مخلوق لهدف كبير، قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
[سورة الأحزاب]
فلذلك ما لم تعرف هذا الهدف الكبير الذي خُلقت من أجله فأنت غي ضلال مبين و ضياع و تيه و عمى ما لم يعرف ذلك الهدف الكبير الذي خُلق الإنسان من أجله، والله سبحانه وتعالى خلق التراب للنبات وخلق النبات للحيوان و خلق الحيوان للإنسان و خلق الإنسان لله عز وجل، لذلك أيها الأخ الكريم لا يليق بك أن تكون لغير الله و لا يليق بك أن تزوِّر طاقاتك و فكرك وبيانك و عقلك و خبرتك لغير الله، لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة]
فهو بيع قطعي لا خيار فيه، ولما علم المؤمنون أن الشاري هو الله و أن الثمن هو الجنة باعوا بيعة الرضوان من دون ثبوت خيار، لأنهم رأوا أنهم مغبونون أشد الغبن إذا باعوا أنفسهم و أموالهم لغير الله.
هذه الآية ترد في القرآن عشرات المرات، بل لعلها ترد المئات المرات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ(27)﴾
[سورة ص]
وقال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾
[سورة الحجر]
و قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
فالحق خلاف اللعب و خلاف الباطل، والباطل هو الشيء الزائل و اللعب هو العمل العابث، و الإنسان من هذا الكون خُلق ليبقى و خُلق لهدف كبير، وأحد أركان الهدى أن تعرف الهدف الذي جئت من أجله
آخر شيء في الدرس، إنسان سافر إلى بلد، وهناك سؤال كبير ؛ لماذا أنا في هذا البلد ؟ إن كنت طالبا تتحرك نحو المعاهد و الجامعات و إن كنت تاجرا فنحو المعامل و المؤسسات و إن كنت سائحا فنحو المقاصف و المتنزهات، فلا تصح الحركة إلا إذا عُرف الهدف، دققوا في هذه الكلمة، لا تصح الحركة إلا إذا عُرف الهدف، و أنت في الدنيا لا تصح حركتك ولا نشاطك و لازواجك ولا بيعك ولا شراؤك إلا إذا عرفت لماذا أنت في الدنيا، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾
[سورة الكهف]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-11-2018 08:11 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
بعضهم فهم هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يضع العبد الذي أمضى حياته في طاعة الله في النار، وقد يضع العبد الذي فجر فجورا كبيرا في الجنة، لماذا ؟ لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا المعنى يفهمه العامة من هذه الآية، و ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[سورة الزلزلة]
ماذا نفعل بقوله تعالى:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49)﴾
[سورة النساء]
و قوله تعالى:
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124)﴾
[سورة النساء]
" وقوله تعالى:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر]
و قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾
[سورة العنكبوت]
و قوله تعالى:
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)﴾
[سورة لقمان]
و ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
[سورة هود]
هذه الآيات التي تؤكد عدالة الله و تؤكد رحمته ماذا نفعل بها، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
يفهم العامة من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يظلم لكنَّ ظلمه مغطى بقوله:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
مع أن هذه الآية لها معان أخر.
أول معنى: ليس من شأن الإله أن يُسأل، هذا مقام الألوهية وليس معنى ذلك انه ظالم و لكن ليس من شأن الإله أن يسأل، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: لفرط عدالته، وعدالته تسكت الألسنة، فلا يسأل عما يفعل.
المعنى الثالث: أن أفعال الله سبحانه و تعالى ليست تتصف بالعلة الغائية، الإنسان إذا أراد أن يأكل خبزا لا بد من أن يزرع قمحا فهو مقهور بعلة الزراعة حتى يصل إلى القمح، وإذا أراد أن يشرب ماء لابد من حفر البئر، فالإنسان مقهور بعلة توصله إلى غايته، وهذا من ضعفه، ويكمِّل ضعفه بالوسيلة، ولو أراد أن يصل إلى حلب مقهور بركوب مركبة لكن العلة الغائية لا يمكن أن تتصف بها أفعال الله عز وجل، أفعاله كن فيكون، أنت إذا رأيت من يحفر بئرا في أرض و قلت له لماذا ؟ لقال لك لأصل إلى الماء، و إذا رأيت من يلقي في الأرض بذرة تسأله ماذا تفعل ؟ يقول لك أزرع القمح، لكن الله سبحانه وتعالى أفعاله كن فيكون لذلك لا يسأل عما يفعل، الله لا يحتاج إلى وسيلة ليصل بها إلى غايته و لا يحتاج إلى أداة، ونحن نحتاج إلى قلم، و مركبة و حفر بئر، فكل أفعالنا وسائل لغايات، ولضعفنا مقهورون بالوسائل، إذا أردنا الولد فلا بد من زوجة، تريد أن تشبع لابد من أن تأكل، أفعال العبد معللة و فيها علة غائية، لكن أفعال الله جل جلاله لا يمكن أن تكون محتاجة إلى علة غائية، لذلك لا يسأل عما يفعل لأن أفعاله كن فيكون، الشيء الثاني عدالته المطلقة تسكت الألسنة، لذلك لا يسأل عما يفعل، و المعنى الثالث شأن الله أن لا يسأل، هناك آيات كريمة تحير من ذلك قوله تعالى:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118)﴾
[سورة المائدة]
فما علاقة العزيز الحكيم بالمغفرة ؟ لأنه ما من مخلوق إذا أراد أن يغفر إلا و يحاسَب من غيره، و لكن الله عزيز حكيم لا يُسأل عما يفعل، فإذا غفر فلا أحد يستطيع أن يسأله لماذا غفرت ؟ إذا ليس من شأن الإله أن يسأل و عدالته المطلقة تسكت الألسنة، فلا يسأل عما يفعل و المعنى الثالث حينما يفعل فعلا لا يحتاج إلى وسيلة ولا إلى علة، ولذلك أنت تسأل الإنسان لماذا تحفر الأرض ؟ يقول لك: لأجل بلوغ الماء، لماذا تأكل ؟ لأجل أن أشبع، وأفعال العبد معللة و فيها علة غائية، لكن أفعال الله جل جلاله لا يمكن أن تكون محتاجة إلى علة غائية، لذلك لا يسأل عما يفعل لأن أفعاله كن فيكون، قال تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
هناك موضوع ثاني ؛ وهو أن الله عز وجل قدير و رحيم، بمعنى أن الأب الذي لا ينجب، و بعد عشر سنوات أنجب مولودا هو قطعة من روحه، هذا الأب عضليا ألا يستطيع أن يذبح ابنه ؟ يستطيع، ولكنه مستحيل، فربنا عز وجل قدير ورحيم، فقدرته لا يسأل عما يفعل، لكن أيفعلها، قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
[سورة هود]
رجل راكب في سيارته مع زوجته بينهما تفاهم كبير وفيه محبة وود، ألا يستطيع أن يفعل هكذا على الوادي ؟ يستطيع، لكن يستحيل، فالله على كل شيء قدير و غفور رحيم، لذلك حسن الظن بالله ثمن الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام مرض مرضا شديدا فظن بعض أصحابه أنه أصيب بذات الجنب، أعطوه دواء ذات الجنب فغضب فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك مرض ما كان الله ليصيبني به ))
و يقاس على ذلك أن المؤمن مكرم عند الله، و سيدنا أبو الدرداء قيل له: احترقت دكانك، قال: ما كان الله ليفعل، فلما ذهبوا وجدوا دكان جاره قد احترق، المؤمن المستقيم له ثقة بالله و يحسن بالله الظن و يظن أن الله لا يضيعه و لا يتخلى عنه، لكنه يصلحه و يؤدبه، فالإنسان جزء من سعادته حسن ظنه بربه و الجزء الآخر توكله عليه، قال تعالى:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾
[سورة النمل]
إذا معنى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
لا ينبغي أن نفهمها كما يفهمها عامة الناس، تعني أنه يضع عبده المؤمن الصادق المستقيم في جهنم و لا أحد يسأله، لا يليق هذا بكمال الله عز وجل، الأمر بالعكس فالله عز وجل إذا كان في الإنسان ذرة خير يأتي بها، فإذا انطوى الإنسان على شيء من الخير هذا الشيء ينمو و ينمو حتى يحمله على التوبة، فكل إنسان على شيء من الحياء وعلى شيء من الحب الرحمة هذا مصيره طيب، هذه الخيرات في نفسه تتنامى حتى تحمله على التوبة فارجوا الخير من الذين يستحون و ممن يرحمون وممن يحسنون وممن ينصفون، فهؤلاء يُرجى منهم الخير، فالقصد أن نفهم كلام الله وفق ما أراد الله، لا وفق ما يمليه علينا الجهلة لأن هذه الآية تعني أنه لا أحد يحاسبه، قال تعالى:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾
[سورة الشعراء]
فإذا وصف الله نفسه بالقسط يجب أن يكون معنى القسط كما نفهمه نحن ؛ لأن هذا القرآن بلسان عربي مبين.
قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
(سورة الحجر)
لذلك هذا الدعاء: اللهم لا تسألنا عن شيء" لا أصل له بدليل هذه الآية، فلا بد من أن تسأل، قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾
[سورة العنكبوت]
فلا بد أن تفتن و لابد من أن تسأل وتحاسب وتقف موقف المسؤول، فأحيانا الإنسان إذا استلم منصبا يقول: أنا مسؤول كبير، فلو دقق في معناها لارتعدت فرائسه، معناها سوف تسأل و تقف بين يدي الله و تحاسب عن كل كلمة وعن كل شيء، فالطائر الذي يُقتل لغير مأكلة يأتي يوم القيامة وله دويٌّ كدوي النحل يقول: يا رب سله لِمَ قتلني ؟
إخواننا الكرام الإنسان العاقل الذكي قبل أن يفعل أي شيء يتصور نفسه أمام ربّه لماذا فعَلْتَ ؟ ولماذا أعْطيتَ ؟ ولماذا فَعَلْتَ ؟ ولماذا قسَمت ؟ مَن أعان ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، قال تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
معنى الآية أنَّه ليس مِن شأن الله أن يُسأل، ولكنّ مِن شأن المخلوق أن يُسأل، فالبَطَل الذي يهيئ جوابًا عن كلّ سؤال.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-11-2018 08:14 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
ما إعراب مِنْ ؟ مِنْ تُفيد اسْتِغراق أفراد النَّوْع، رسُول ذُكِر أو لم يُذْكَر.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
" فقوله لا إله إلا أنا هذه العقيدة، وقوله تعالى فاعْبُدون هذا العَمَل، أحْيانًا الإنسان يتوق إلى التَّلْخيص، وأحْيانًا يشْعُر بِحاجة إلى التَّفصيل، فهنا التَّلخيص، ومعنى هذا أنّ فَحْوى دَعْوى الأنبياء في القرآن الذين لم يُذْكروا، وفَحْوى دَعوة الرُّسل جميعًا أنَّه لا إله إلا أنا فاعبُدون.
الإنسان لماذا يعْصي الله ؟ هو يعصي الله لِنَقْصٍ في تَوحيدِهِ ؛ لأنَّه يظنّ أنَّ في هذه المعْصِيَة لذَّةً أو منْفعَةً، ويغيب عنه أنَّ الله بيَدِهِ كلّ شيء، فلماذا يُنافق ؟‍ لِنَقصٍ في تَوحيدِه، ولماذا يَخاف ؟ لِنَقْصٍ في تَوحيدِهِ، ولماذا يَقْلق ؟ لِنَقْصٍ في تَوْحيدِهِ، لماذا يداهن؟ لنقص في توحيده، فما من معصية و لا انحراف و لا تجاوز و لا خوف و لا تنقل ولا قلق و لا وجل إلا لنقص في التوحيد، لذلك الدين كله توحيد، الدين كله أن توقن أنهن لا معطي و لا مانع ولا رافع ولا خافض و لا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي ولا مكرم ولا مهين إلا الله، فعلاقتك مع الله وحده و حبَّذا إذا قرأت القرآن أن تستنبط الآيات الدالة على التوحيد مريحة جدا و سأضيف، إن كل مشكلة أساسها نقص في التوحيد و إن كل شقاء أساسه نقص في التوحيد، و الدليل قوله تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾
[سورة الشعراء]
و الإنسان لا يعلم و إذا علم لا ينصف و إذا أنصف ينسى، وإذا علم ولم ينسَ وأنصف لا يستطيع، لكنَّ الله بيده كل شيء، فكل أجهزتك بيده، قلبك بيده و أعصابك بيده ورزقك بيده و أموالك بيده و خصومك بيده و الأقوياء بيده و الضعفاء بيده، فأنت حينما تبتغي من غيره العطاء وقعتَ في خطأ كبير، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
العقيدة التوحيد و العبادة الطاعة، لذلك قالوا: نهاية العلم يقرأ و يكتب فقط، و التوحيد فوق الشهادات، فوق الليسانس و الماجيستر و الدكتوراه، و نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل ـ أنشأنا معملا أرباحه مائة بالمائة ـ و أعظم عمل " فاعبدون "، فنهاية العلم التوحيد و نهاية العمل الطاعة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
أنت مخلص بقدر ما أنت موحِّد، و تتمتَّع بإرادة قوية بقدر ما أنت موحِّد، تشعر بالطمأنينة بقدر ما لأنت موحِّد و تشعر بالشجاعة بقدر ما أنت موحد، و تشعر بالرضا بقدر ما أنت موحد، ما تعلَّم العبيد أفضل من التوحيد، و أقول لكم مرة ثانية ؛ أتمنى إذا قرأتم القرآن أن تقفوا عند آيات التوحيد، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود]
بعد أن طمأنك برجوع الأمر كله له أمرك بالعبادة.
﴿ فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
قال تعالى:
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾
[سورة الكهف]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)﴾
[سورة الزمر]
قال تعالى:﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾
[سورة الأعراف]
و قال تعالى:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55(﴾
[سورة هود]
و قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾
[سورة الزخرف]
و قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾
[سورة الحج]
كيف نصل إلى التوحيد أساس الإخلاص و الاستقامة و أساس الراحة النفسية و أساس الجرأة و أساس الطمأنينة وأساسا الأمن، فكل الميِّزات المادية و المعنوية موجودة في التوحيد، لذلك شعار الإسلام " لا إله إلا الله " فلا مسيِّر في هذا الكون ولا معطي و لا مانع و لا معز ولا مذل و لا باسط و لا قابض و لا رافع ولا خافض إلا الله، وهناك مثل ردَّدته مئات المرات، أردت أن تسافر لابد من تأشيرة خروج و لا يمنحها إلا موظف واحد، وفي الدائرة ألف موظف فهل تبذل ماء وجهك لواحد لا سلطة عنده، هذا حمق، فأمرك بيد الله، لذلك أيها الأخوة، الصلحَ الصلحَ مع الله، تعامل مع الله مباشرة و أخلص له وتوخَّى الأمر و طبِّقه و ابحث عن المعصية و ابتعد عنها، ومن اتقى الله هابه كل شيء ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء، لذلك التوحيد أساس الإيمان فالإنسان ينافق بقدر نقص توحيده و يعصي بقدر نقص توحيده و يخاف بقدر نقص توحيده، والتوحيد غير الإيمان بوجود الله، هناك فرق كبير، ذاك توحيد الربوبية لا يختلف فيه اثنان في الأرض كلها و حتى الذين يعبدون الأصنام قال تعالى:
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[سورة الزمر]
البطولة ليست في توحيد الربوبية و لكن في توحيد الألوهية، هو المسيِّر.
الحقيقة بعد ما بيَّن ربنا عز وجل أن التوحيد هو كل شيء ساق بعض الآيات فقال تعالى :
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)﴾
[سورة الأنبياء]
من شق السماء فأعطت المطر و منشق الأرض فأنبتت الزرع، هذا موضوع التفكر، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الجبال "
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾
[سورة الأنبياء]
فالجبال موزعة توزيعا بحيث مع الدوران السريع تبقى الأرض مستقرة "
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)﴾
[سورة الأنبياء]
نهر الأمازون كثافته في الثانية ثلاثمائة ألف متر مكعب، ونبع الفيجة ستة وثلاثون ألف أثناء الثوران.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ﴾
[سورة الأنبياء]
هذه طبقة الأوزون التي تخلخلت الآن بسبب تغيير خلق الله، هذه المحركات و هذه المعامل وهذا التلوث وارتفاع غاز الفحم في الهواء مقابل ارتفاع الحرارة و ارتفاع الحرارة أثَّر على نزول المطر.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ﴾
[سورة الأنبياء]
" وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الآيات إذا فكر فيها الإنسان و دقق و تأمل يصل إلى التوحيد وما تعلمت العبيد مثل التوحيد




والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-11-2018 08:15 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، في سورة الأنبياء عدة قصص الأنبياء كرمهم الله عز وجل و ذكر قصصهم في هذه السورة.
بادئ ذي بدء، القصة في القرآن لها هدف كبير، إنها حقيقة مع البرهان عليها، فالمبادئ النظرية وحدها لا تقنع الإنسان فلا بد لهذه المبادئ من تطبيقات عملية و ما القصص التي وردت في القرآن الكريم إلا تطبيقات عملية لهذه المبادئ النظرية، لذلك قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(111)﴾
[سورة يوسف]
و القصة أسلوب تربوي بالغ التأثير لأن الإنسان حينما يقرأ القصة يتفاعل معها لأن أبطالها بشر والله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء من بني البشر لتقوم الحجة على البشر، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾
[سورة التوبة]
و قال تعالى ﴿:قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة فصلت]
فكل الظروف التي تحيط بنا تحيط بالرسل و كل الضغوط يتحملونها، و البيئات يعيشونها و الملابسات يمرون بها فلذلك حينما ينتصرون على أنفسهم يكون الأنبياء حجة علينا، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر و تجري عليه كل خصائص البشر لهذا حينما انتصر على نفسه كان سيد البشر، ولا يقنع الإنسانَ أن يكون النبي ملَكا، فلا بد من أن يكون من بني البشر، يشتهي كما نشْتهي، ويُحِبّ كما نُحِبّ، ويغْضب كما نغْضَب، ولكنَّه انْتصَر على نفْسِهِ وسار على منهَج الله، ودعا إلى الله، لذلك نحن جميعًا حينما نقفُ أمام قبْر النبي عليه الصلاة والسلام نقول: نشْهَد أنَّك أدَّيْتَ الأمانة وبلَّغْتَ الرِّسالة ونصَحْت الأمَّة، وكشَفتَ الغُمَّة، وجاهَدْتَ في الله حقّ الجِهاد، وهَدَيْتَ العِباد إلى سبيل الرَّشاد.
الآن تنشأ عِدَّة أسئلة ؛ طبْعًا هذه الأسئلة تُثيرُها هذه القِصَّة، النبي صلى الله عليه وسلَّم قالوا عنه ساحِر، وقالوا عنه مَجْنون، وقالوا عنه كاهِن ؛ هذه التُّهَم التي ألْصَقَها كُفَّار مكَّة للنبي عليه الصلاة والسلام لماذا أثْبَتَها الله في القرآن الكريم ؟ لِيُتْلى إلى يوم القيامة، والحقيقة أنَّ الله تعالى أثْبَتَها لِيَكون النبي صلى الله عليه وسلَّم أُسْوَةٌ لنا، فهذه القِصَّة التي جَرَت مع سيِّدنا إبراهيم، كانت مِحْنةٌ شديدة أن يؤمر هذا النبي الكريم بِذَبْح ابْنِهِ، ومِحْنةٌ شديدة أن يُلْقى في النار، فما الحِكمة مِن ذِكْر هذه القِصَّة في القرآن الكريم ؟
هؤلاء الأنبياء جَعَلهم الله مُثُلاً عُلْيَا، وجعلهم الله تعالى أبْطالاً كي نقْتَدِيَ بِهِم، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
كلمة آتَيْنا أنَّ الرُّسُل لا يُكْتَسَبوا اكْتِسابًا، ولكن يُؤتى إيتاءً ‍، فَكُلّ مَن اسْتَقام على أمر الله، وأقْبَلَ عليه يُؤتى الرُّشْد ويُؤْتى الحِكْمة، قال تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ(32)﴾
[سورة محمد]
فالكافر لا بدّ أن يفْعَل فِعْلاً أحْمقًا، ولا بدَّ أن يكون تَدْبيرُهُ في تَدْميرِهِ، ولا بدّ مِن أن يرْتَكِبَ عمَلاً جُنونِيًّا، ولا بدّ مِن أن يفْقِدَ الحِكْمة ؛ لأنّ الحِكْمة لا تأتي بالذَّكاء، ولا تأتي بِالخِبْرات ولكن تُؤْتى إيتاءً مِن الله عز وجل، فالله جلَّ جلاله إمَّا أن يُؤْتِيَ الحِكْمة وإما أن يحْجُبَها، وإما أن يأتي رُشْدَ الإنسان وإما أن يحْجُبَ عنه الحُجْب، فإذا أراد ربُّك إنْفاذَ أمْرٍ أخَذَ مِن كلّ ذي لُبٍّ لبَّه، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
لذا كلمات آتيْنَا ووَهَبْنا لا تعني أنَّها تأتي كَسْبًا، فالابن الصالِح لا يأتي كَسْبًا، قال تعالى:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)﴾
[سورة الأنبياء]
." والحِكْمة لا تأتي كَسْبًا وإنَّما إيتاءً وكذا الرُّشْد، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
أيْ أنَّ إيتاء الله عز وجل وِفْق عِلْمٍ وحِكْمة والله جلَّ جلاله لا يُعْطي الأشياء جُزافًا، ولِمَن يسْتَحق ومن لا يسْتَحِق ! هذا ليس مِن شأن الإله، فالعَوام يقولون أحيانًا كلمات هي كُفْر ؛ كأن يقول أحدهم الله تعالى يُعطي الحلاوة للذي ليس له أضْراس !! هذا الكلام يعني أنَّه الحِكمة الإلهيَّة غير موجودة ! أما الله تعالى فيقول:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
قال تعالى :
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)﴾
[سورة الأنبياء]
لذلك ماذا يقول الشيطان ؟ قال تعالى: لأقْعُدَنَّ لك، فهناك سِتَّة جِهات ؛ الأولى نحو الأعلى وجِهَة نحو الأسفل، وجِهة عن اليمين وأخرى عن الشِّمال، وأخرى من الأمام والوراء، فالله عز وجل في هذه الآية أغْفل الجِهَة العُليا وأغْفل الجِهَة السُّفلى ‍! لماذا ؟ لأنّ الطريق الواصِل إلى الله عز وجل لا يمْكن أن يكون فيه شيطان، أما الجِهَة السُفلى فيض جِهة الافْتِقار إلى الله، وجِهة التَّذلُّل والانْكِسار والعبودِيَّة، وهذه الجِهة لا يستطيعُ الشيطان أن يأتِيَ منها، لذا جِهتان مَصونتان عن الشَّيطان وكَيْدِهِ جِهَة العلوّ، وجِهة الانْكِسار والافتِقار إلى الله عز وجل، أما قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[سورة الأعراف]
بِاسْم الحداثة والعَصْرَنَة، وعصْر تقدُّم الإنسان تُرْتَكَب المعاصي والآثام، والفسْق والفُجور، فالشَّيْطان أحَدُ أكْبر مآخِذِهِ على هذا الإنسان بِدَعْوى التَّجْديد والتَّقدُّم والحضارة والعَصْرَنَة، ومِن خلفِهِم إذا كانت هناك عادات وتقاليد تُخالف الدِّين فالتَّمَسُّك بالعادات والتقاليد والتُّراث والأصالة وما إلى ذلك إذا كانت هناك مخالفات في الدِّين ؛ كان هذا أيضًا بابًا من أبواب الشيطان، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[سورة الأعراف]
الشَّمائل هي المعاصي مِن خَمْر والزِّنا والفُجور، أما عن أيمانهم فقد يقول الشيطان للإنسان أنت مَكتوبٌ عليك بالشَّقاوَة مِن الأجَل، وهذه الصلاة التي تُصَلِّيها ليسَت هي الصلاة المطلوبة، إذًا لا تُصَلِّ !! فالشيطان إما أن يأتي عن اليمين أو عن الشِّمال، أو مِن الأمام أو مِن الوراء، لذلك قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)﴾
[سورة الأنبياء]
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
[رواه الترمذي]
فالله عز وجل أعْظَمُ مِن أن تَعْصِيَهُ مِن أجل تقاليد وعادات، أحَدُ كِبار العلماء قال: والله ما مِن رجلٍ أحبُّ إليّ مِن شَيْخي فلان، ولكنَّ الحقَّ أحبَّ إليَّ منه ! فإذا كانت التقاليد وِفْق المنهج فلا مانِع، أما إذا صادَمَت المنهَج الإلهي والتشريع فلا نعبأُ بها، أنت لسْتَ عَبْدَ البيئة، ولا عبْدَ التقاليد ولا عبْدَ العادات ولكنَّك عبْدُ الله عز وجل، فالمؤمن الحرّ لا يستجيب إلا لأمْر الله عز وجل، وهناك قِصَّة شَهيرة جدًا، ولها مغْزى كبير، عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))
(رواه البخاري)
فالإنسان عليه أن يُعْمِلَ عَقْلهُ وقد ورَدَ في الأثَر أنَّ الله تعالى قال: ما خلَقْتُ خلْقًا أحبّ إليّ من العَقل، بِكَ أُعْطي وبِكَ آخذ ! فالإنسان إذا أعْمَل عقْلَهُ سَعِد، وإن عطَّلهُ شَقِي قال تعالى:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) ﴾
[سورة الأنبياء]
لأكيدنَّ أصْنامكم ؛ أيْ سوف أُريكُم بِدَليل قَطعيّ أنَّها أحجار لا تنفعُ ولا تضرّ وسوف أحْمِلُكم على النُّطْق بأنَّها أحْجار، فلمَّا كسَّر هذه الأصْنام ووضَعَ الفأس في عُنُق كبيرِهم، قال تعالى:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) ﴾
[سورة الأنبياء]
فَحَمَلهم على الاعْتِراف بأنَّ هذه الأصنام حِجارة لا تنفعُ ولا تضرّ.
أحد الأعراب كان له صَنَم مِن تَمْر، فلمَّا جاعَ أكلَهُ فقالت العرب: أكلَتْ وُدٌّ ربَّها، وأحدُ الرِّجال في الجاهِلِيَّة رأى صنمهُ قد بال عليه ثعلبان، فقال:
أإلـه يبول الثُّعلبان بِرأسِهِ لقد ضلّ مَن بالتْ عليها الثعالبُ
***
فالإنسان لا حقَّ له أن يؤمن بِشَيء لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يُحيي ولا يُميت.
قال تعالى:
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)﴾
[سورة الأنبياء]
وقرأْتُ تعليقًا لِشَيْخ الأزْهر عن حديث شريف فَحْواه أنَّ هذا النبي الكريم قد كذَب فقال هذا العالم: والله لأنْ أتَّهِم الراوي بالكَذِب أهْوَنُ عليَّ مِن أن أتَّهِمَ نبيًّا بالكذِب.
قال تعالى:
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) ﴾
[سورة الأنبياء]
الله عز وجل سَمَح لهم أن يُلقوا القبْض عليه، وسَمح لهم أن يُبْرِموا نارًا عظيمة، وسمَحَ لهم أن يُلْقوهُ في النار، فالسُّؤال الآن: أليْس الله قادِرًا على أن يُخْفِيَهُ عن الأنظار كما فعَلَ بِسَيِّدنا عيسى، قال تعالى: وما قتلوه وما صلبوه، فَلِمَ مكَّنَهم الله مِن القبْض عليه؟ ومِن إبرام النار ؟ أليْسَ الله قادِرًا على أن يُرْسِلَ أمطارًا غزيرة تطفئ نيرانهم ؟ هذه القصَّة دقيقة جدًّا فالله عز وجل أحْيانًا يُقَرِّبُكَ مِن الخَطَر، لِيَمْتَحِنَ إيمانك، فهذا سيّدنا موسى مع أصْحابِهِ، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62)﴾
[سورة الشعراء]
فرعون وما أدْراكم ما فرعون بِجَيْشِهِ وحِقْدِهِ وجبَروتِهِ واسْتِعلائِهِ وجَيْشِهِ الجرار وراء شِرْذِمَة قليلة وخائفة، تهرب منه والبحر أمامها وفرعون وراءَها ؛ ماذا قال أصْحاب موسى ؟ إنا لَمُدْرَكون ! والنبي عليه الصلاة والسلام في معركة الخندق قال أحدهم: أيزْعم صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحدُنا لا يأمنُ أن يقْضِيَ حاجتَهُ ؟! قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾
[سورة الأحزاب]
فالله تعالى أحيانًا يُقَرِّبُك من الخطَر، وكلمَّا قرَّبَك أكْثر وكنت ثابتًا فمعنى هذا أنَّك نَجَحْتَ ولذا قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾
[سورة العنكبوت]
فالله تعالى سوف يضَعُكَ في امْتِحانٍ دقيق دقيق تُكْشَفُ حقيقة إيمانِك، فكما أنّ المعادن كالإسْمنت تُجَرَّب قُوَّتها بآلات، وكذا كل مؤمن له درجة ينكَسِر فيها، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى المدينة كان مُلاحَقًا ودَمُهُ مَهْدورًا، ومائة ناقةٍ لِمَن يأتي بِهِ حيًّا أو ميِّتًا يتْبَعُهُ سُراقة فيقول له: يا سراقة كيف بِك إذا لبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟! النبي عليه الصلاة والسلام كان واثِقًا من وُصوله المدينة، وسَيُقيم دولة، ويُنشأُ جيشًا، وسيَنْتَصر على أكبر قوَّة في العالم، وستأتي صحابتُهُ بِكُنوزِ كِسرى وتاجهِ وسِواراه وقميصهِ، وهكذا كان الحال فلمَّا جاءت كُنوز كِسرى لِسَيِّدنا عمر قال: أين كُنوز كِسْرى ؟ فألبسَهُ القميص والتاج والسِّوارين، وقال: أُعَرابِيٌّ مِن بني مَدْلَج يلْبِسُ سِواري كِسرى ؛ بَخٍ بخٍ ! فالأنبياء ثِقتهم بالله تعالى كبيرة، فالنبي وهو في هِجْرته يقول هذا الكلام، وبعد الطائِف يقول له سيِّدُنا زيْد: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخْرَجوك ؟! فقال: إنَّ الله ناصِر نبيِّه! هؤلاء هم الأنبياء ؛ واثِقون مِن نَصْر الله، وواثِقون مِن أنَّ الله تعالى لن يتخلَّى عنهم، واله تعالى لا يدَعُ دينَهُ للكُفار، قال تعالى:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[سورة النساء]
فالآن يقول لك ضِعاف المؤمنين: انتهى الإسلام !! والعالم كلّه ضِدّه ! ومن قال لك هذا ؟ إذا كان الله معك فَمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فَمَن معَك ؟ فالله سَمَح للكفار أن يُلْقوا القبْض على سيِّدنا إبراهيم، وسمَحَ للنار أن تشْتعِل، وسمَحَ لهم أن يُلقوه في النار !!! فكانت كلمة مِن الله تعالى، قال تعالى:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
[سورة الأنبياء]
قال العلماء: لو قال الله يا نار كوني برْدًا لمات مِن البرْد.
درس اليوم معناه أنَّ الله تعالى أحْيانًا يمْتَحِنُك، ويُقَرِّبُكَ من الخطر لِيَمْتَحِنَ إيمانك، والمؤمن مهما أحاطت بِهِ المِحضن فَهِيَ مِنَح، والشِّدَّة عنده شدَّةٌ إلى الله عز وجل، ونحن بِحاجة ماسَّة إلى ثِقَةٍ بالله عز وجل، وأنَّ الله لا يتخلَّى عنَّا، وأنَّهُ يُحِبُّنا، ولكن عليكَ أن تُطيعه ونحن إن لم نقْبل بالاسْتِقامة فلْنَسْتَعِدّ للمتاعِب، قال: عظني ولا تُطِل..." وعلى قدْر طاعة لله عز وجل يأتيك النَّصر والتَّطْمين.
قال تعالى:
ً﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) ﴾
[سورة الأنبياء]
والله تعالى يقول:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12(﴾
[سورة آل عمران]
الكفار جميعًا أين هم الآن ؟! في مَزْبلة التاريخ ! أين أبو لهب ؟ وأبو جهْل ؟ ولكن أين أبو بكر ؟ إلى جنب المصطفى عليه الصلاة والسلام.
كن مع الله ترى الله معك واتْرُكِ الكُلّ وحاذِر طمَعَك
وإذا أعْطاكَ مَن يَمْنَعُــهُ ثمّ مَن يُعطي إذا ما منَعَك
***






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-11-2018 08:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة الأنبياء، وقد ورَدَ ذِكْرُ الأنبياء أغْلبِهِم في هذه السورة ولكِنّ الذي يهمُّنا في نِهاية المطاف هذا التَّعقيب الذي شَمَل جميع الأنبياء، قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)﴾
[سورة الأنبياء]
أيها الأخوة الكرام، أنت موْجُود في الدنيا مِن أجل أن تعْمل الخيْر فقط وإذا أردْت الدليل، فهاكَهُ: الإنسان حينما يأتيهِ مَلَكُ الموت ينْدَمُ على ماذا ؟ ينْدم على العمل الصالح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾
[سورة المؤمنون]
فَكُل إنسان غفَل عن المهمَّة الأولى التي جاء مِن أجْلها فهو غافِل وضالّ، فأنت لم تأتِ إلى الدنيا مِن أجل أن تجْمَعَ الدِّرْهم والدِّينار ولم تأت إلى الدنيا مِن أجل أن تنْغَمِسَ في الملذَّات، إنَّك أتَيْتَ إلى الدنيا مِن أجل أن تعبد الله، وعِبادة الله هي تَطبيق منْهَجِهِ، والتَّقرُّب إليه وهذا لن يكون إلا بِمَعرفة الله تعالى، فإذا عرفْتَهُ عبَدْتَهُ، وإذا عبَدْتَهُ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ، وهذا هو الهَدَف، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود]
إذًا كما قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
الله عز وجل قال: سارِعوا وقال: سابِقوا، وهاتان الكلمتان تُشيران إلى مُضِيّ الزَّمَن، والزَّمَنُ مَحْدود والإنسان بِضْعة أيَّام، كلَّما انقضى يومٌ انْقضى بِضْعٌ منه، وما مضى فات والمُؤمَّل غَيْب ولك الساعة التي أنت فيها.
أيها الأخوة، نحن جميعًا لا نمْلِكُ إلا هذه الساعة، لأنّ الذي مضى لن يعُود، والمستقبل لا نعرف إن كنَّا من الذين يبْلُغونه أم لا ! ومن عدَّ غدًا مِن أجَلِهِ فقد أساء صُحْبة الموت، وهَلَك المُسَوِّفون، وسوف مِن جُنود إبليس، لذلك أخْطر مرضَيْن يُصابُ بِهما الإنسان مرض الغفْلة ومرض التَّسْويف.
قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)﴾
[سورة المنافقون]
وقال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ(10)﴾
[سورة المنافقون]
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
فاليأسُ مرض، والانْبِساطُ الشديد مع الله تعالى مرض، فالانْبِساط الشديد عِقابُهُ الحِجاب، واليأس دليل الجهْل بالله عز وجل، ولكنّ المؤمن يدعو ربَّهُ راجِيًا وخائِفًا وسَهل على الإنسان أن يتطرَّف، ولكنّ البُطولة أن تجْمَعَ بين الخَوْف والرَّجاء، وبين الرَّهبة والرَّغْبة، لذلك قال: يا رب، أيُّ العِباد أحبُّ إليك حتَّى أحبَّه بِحُبِّك ؟ قال: أحبُّ العِباد إليّ تَقِيُّ القلب، نقِيُّ اليدَيْن لا يمْشي إلى أحَدٍ بِسُوء، أحبَّني وأحبَّ مَن أحبَّني وحبَّبني إلى خلقي قال: يا رب، إنَّك تعلم أنِّي أُحِبُّك وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك، فكيف أُحَبِّبُكَ إلى خلقِك ؟! قال: ذَكِّرْهم بآلائي ونَعمائي وبلائي، قال شُرَّاح الحديث: الآلاء مِن أجل أن تُعَظِّمَهُ، والنَّعماء مِن أجل أن تُحِبَّهُ، والبلاء مِن اجل أن تخافهُ، ولا بدّ مِن أن يجْتَمِعَ في قلب المؤمن تَعْظيم لله، وخوفٌ منه، ومحبَّة إليه، فالنِّعَمُ سبب المحبَّة، أحِبُّوا الله لِما يغْدوكم به مِن نِعَمِه، والبَلاء سبب الخوف، والآلاء سبب التَّعظيم، فأنت بالآيات الكَوْنِيَّة تُعَظِّمُهُ، وبالنِّعَم السابغة الظاهرة والباطنة تُحِبُّه، وبالمصائب و الابْتِلاءات تخافُهُ فالوضع الصِّحي أن يكون في قلبِكَ تعظيم وحبٌّ وخَوف، فالحُبّ مِن دون خَوف انْبِساط وتمادي وتساهل وخوفٌ من دون رجاء يأسٌ وقنوط وخوف ورجاء من دون تعظيم يضعف الخَشْية، قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
وقال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)﴾
[سورة المؤمنون]
قال العلماء: الخُشوع في الصلاة ليس مِن فضائِلها، ولكن مِن فرائِضِها ! فَهُم ما أفْلحوا لأنَّهم يُصَلُّون، ولكنَّهم في صلاتهم خاشِعون، وفي آياتٍ أخرى قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
[سورة الأحزاب]
فالأمْر ليس على الذِّكْر، ولكنْ على الذِّكْر الكثير ! لأنَّ المنافقون يذْكرون الله تعالى، قال تعالى: ولا يذكرون الله إلا قليلا.." معنى الأمْر على الكثير.
قال تعالى:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)﴾
[سورة الأنبياء]
قد لا يفْهم بعض الناس حِكمة امرأة فِرْعون على أنَّها صِدِّيقة ! فرعون الذي قال كما قص الله تعالى::
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾
[سورة النازعات]
أنا ربكم الأعلى، وقال تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص]
لِحِكْمة بليغة بليغة أراد الله أن تكون زَوْجتهُ صِدِّيقة لِتَكون هذه المرأة الصِّديقة آية لِكُلّ نِساء العالمين، بِمَعنى أنَّ المرأة مُسْتَقِلَّةٌ في عقيدتها، وفي طاعتها لِرَبِّها عن زوْجِها، مُعْظم النِّساء يقلن الآن: هكذا يريد زَوجي ! إن شاء الله في صحيفتِهِ !! لا، بل في صحيفَتِكِ أنت !!! لا طاعة لِمَخلوقٍ في مَعْصِيَة الخالق، فامرأة فِرعَون جابَهَتْ مَن ؟ جابَهَتْ منْ يدَّعي الألوهِيّة، والذي قتَّل بني إسرائيل واسْتَحْيى نِساءَهم، وبَقِيَت مُطيعةً لله عز وجل، وصِدِّيقةً، فأيَّةُ امرأة يُجْبرُها زوْجُها على الاخْتِلاط، أو على أن تتكشَّف أمام أصْدِقائِهِ، أو على أن تُسايِرَهُ في معْصِيَة، وتقول: ماذا أفْعَل هذا زوْجي، وإذا لم أفْعَل يُطَلِّقني !! نقول لها اسْمعي ماذا قال تعالى عن امرأة فِرعون:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾
[سورة التحريم]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15)﴾
[سورة الإسراء]
ولا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق، وقال تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[سورة لقمان]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾
[سورة الكهف]
ولا تُطِع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتَّبع هواه وكان أمره فهذه قالتْ له أُمُّه: يا سعْد، إمَّا أن تكْفر بِمُحَمَّد وإما أن أدَعَ الطَّعام حتَّى أموت ! فقال: يا أُمِّي لو أنَّ لك مائة نفْسٍ فخرجَت واحدَةً واحِدَةً ما كفرْتُ بِمُحَمَّد، فَكُلي أو لا تأكلي !! فالأم أمّ ولكن لا تُطاع في المعْصِيَة، والأب أب ولكن لا يُطاع في معْصِيَة، قال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[سورة الإسراء]
العبادة لله تعالى، والإحْسان للوالدَين، أما أن تعبُدَ الوالدين من دون الله، فَتَرْتَكِب الكبائر إرْضاءً لهما فلا ثمَّ لا.
عندنا باللغة العربيَّة، وفي البلاغة أسلوبًا يُسَمَّى الاسْتِخدام والاسْتِخدام أن تذكُرَ كلمةً وأن تُعيد عليها الضمائر لِمَعانٍ أخرى مِن معانيها ويأتون على ذلك بِشَاهدٍ واضِحٍ، وهو قولهم: أقرَّ الله عَيْنَ الأمير وأجْرى له ماءَها، وكفاه الله شرَّها، فقَوْلُهُ: أقرَّ الله عَين الأمير أي عَيْنَهُ، وأجْرى له ماءَها أيْ ماء البستان، وكفاه الله شرَّها أيْ عَين الحَسود، فنحن أتَينا بِكَلمَة عَين وأعَدْنا عليها الضمائِر لِمعانٍ أخرى فالله تعالى أيضًا قال:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(1)﴾
[سورة التحريم]
الفرج معروف فنفَخنا فيه، أي في فَتْحَةِ الثَّوْب، فَمِن معاني الفرْج فتْحَةُ الثَّوب العليا، ثمَّ قال تعالى:
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12)﴾
[سورة التحريم]
ويأتون بِشاهِدٍ آخر وهو قوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
[سورة البقرة]
فالقَمَر لا يُصام بل يُصام معنى آخر من معاني الشَّهر وهو الثلاثون يومًا ؛ فهذا أُسلوب الاسْتِخدام، فَلكي لا يتوهَّم الواحِد أنّ النَّفْخ كان في فرْجِها المعروف !
المُلخَّص ؛ أنتم يا بني البشَر عليكم أن تفعَلوا ما فعل الأنبياء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[رواه مسلم]
لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنّ الله أمر المسلمين بِما أمر به المرسلين))
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾
[سوة هود]
فَجِنْسُ البشر واحِد، والجِبِلَّة واحِدَة، وكذا الخصائِص، والقوانين واحدة، وكذا الحركات والنُّفوس مَجبولة على حبّ مَن أحسَن إليها وبُغْض مَن أساء إليها، وبالمناسبة لولا أنّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بني البشَر، ولولا أنّه تجري عليه كلّ خصائص البشَر، لما كان سيِّدَ البشَر، فلأنَّه تجري عليه خصائص البشَر أصبح سيِّد البشر ولأنّه انتَصَر على نفسِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[رواه الترمذي]
فهو عليه الصلاة والسلام جاع كما يجوع البشر، وأوذِيَ كما يؤْذى البشَر، وفي الطائف سَخِروا منه، واستهزءوا به وهو يقول: اللهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون، لعلَّ الله يخرج من أصلابهم من يُوَحِّدُهُ !
أيها الأخوة الكرام، المُلَخَّص قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) ﴾
[سورة الأنبياء]
وهناك آية تنْظِمان العلاقة بين الخالق والمخلوق، قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾
[سورة الأنعام]
أي يا عبادي منكم الصِّدْق ومِنِّي العَدل، وتتفاوتون عندي بِمِقْدار صِدقِكم، ومِنِّي العَدل.
بهذا تنتهي سورة الأنبياء ؟، وأنتم كما تعلمون نأخذ مقاطِع منها وننتقل في درسٍ قادِم إلى موضوع له علاقة بهذه السورة نرجئه.



والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-11-2018 08:19 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الدرس الأخير مِن سورة الأنبياء، يتركَّز حول آيةٍ كريمة، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الآية تُذَكِّرنا بِآية أخرى، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
بالآية شيئان ؛ عقيدة وعمل، ومُنْطَلَقات نَظَرِيَّة، وتَطبيقات عَمَلِيَّة، فلو أنَّ إنسانًا معه مرضٌ جِلدي، وهو بأمَسِّ الحاجة إلى الشَّمْس، ليَتَعَرَّض لها، ويشْفى مِن مرضِهِ، لو أنَّه قال: إنَّ الشَّمس ساطِعة، ماذا يُفيدُهُ هذا القَوْل إن لم يتعرَّض إلى الشَّمس ؟! فلو أنَّه أقرَّ أنَّها ساطِعَة فَهِيَ ساطِعَة، وإقْرارُهُ تَحصيلُ حاصِل ! ولو أنَّه قال: ليْسَتْ ساطِعَة، فهُوَ أنْكَرَ شيئًا واقِعًا، وإنْكارُهُ لا معنى له ! فلا إنكارُكَ له معنى، ولا إقرارُكَ له معنى، إن لم تأخذ مَوْقِفًا عَمَلِيًّا، وإن لم تتحرَّك قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال]
مع أنَّ العقيدة الصحيحة ضَرُورِيَّة ومطْلوبة، ولكِنَّك إن اكْتَفَيْتَ بِها لا تُغْني عنكَ شيئًا، لذلك الآية الأولى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
ربُّنا عز وجل يُلَخِّص القرآن كلَّهُ مِن دفَّتِهِ إلى دفَّتِهِ، وآية اليوم:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
لذلك أيُّها الأخُ الكريم طالِبْ نفْسَكَ بعد أن صَحَّتْ عقيدَتُكَ بالتَّطبيق العملي والمَوْقِف الحركي، وبالالتزام، وبالطاعة والبَذْل والإنفاق وبِإقامة الإسلام في بيْتِك، وبإقامَتِهِ في عَمَلِك، ولا تكْتفي بالإقْرار فإبْليس لعنه الله أقرَّ بالرُّبوبيَّة لله تعالى، وبالعِزَّة ومع ذلك قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾
[سورة الحجر]
أيها الأخوة الكرام، هذه آيةٌ تُعَدُّ أصْلاً في تلخيص كِتاب الله كلِّه فالقرآن كلُّه تَوحيدٌ وعِبادة، والدِّين كلُّه تَوحيدٌ وعِبادة، والعقيدة هي التَّوحيد والسُّلوك هو العِبادة.
السؤال الآن ؛ هل هناك مِن علاقة بين التَّوحيد والعِبادة ؟! علاقة خطيرة جدًّا وعلاقة وَظيفِيَّة، فأنت لت تعْبُدَهُ وَحْدَهُ إلا إذا أيْقَنْتَ أنَّ الأمْر كلَّهُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ، لذلك الله عز وجل بِحَسَب عَقْلِكَ، وبِحَسَبِ ما فطَرَك عليه ما أمرَكَ أن تَعْبُدَهُ إلا بعد أن طَمْأنَكَ أنَّ الأمْر كلَّهُ بِيَدِهِ قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[سورة هود]
فالمرحلة الثانية: هل هناك مِن علاقة بين التوحيد والعبادة ؟! لن تَعْبُدَهُ إلا إذا وحَّدْتَهُ، أما إذا توهَّمْتَ أنَّ مصيرَك ورِزْقَكَ وحياتَكَ ومَوْتَكَ بِيَدِ زَيْد، فلا بدّ مِن أن تعْبُدَ زيْدًا ! ولا بدّ مِن أن تُطيعَهُ وتعصي الله تعالى !! وهذا هو شأنُ الإنسان، وحقيقتِهِ، فَمهما اعْتَقد أنَّ أمْرهُ بِيَدِ زَيْد لا بدّ مِن أن يعْبُدَ زيْدًا، ويعْبُدَهُ حقيقةً، ولو قال: أنا أعبُدُ الله لذا علاقة العبادة بالتَّوحيد هي علاقة سبب بِنَتيجَة، فلن تسْتطيع أن تعْبُدَهُ إلا إذا وحَّدْتَهُ فإذا اعْتَقَدْتَ أنَّهُ وحْدَهُ يُعطي ويَمْنَعُ ويرْفع ويخفض ويُعِزّ ويذِلّ ويُحيي ويُميت، ويشْفي ويُمْرِض، يُغْني ويُفقِرٌ، ويُسْعِدُ ويُشْقي ؛ كلّ هذا وحده لا شريك له، عِنْدَئِذٍ تلتَفِتُ إليه وحْدهُ، فتَوحيد الرُّبوبيَّة شيء وتوحيد الألوهِيَّة شيءٌ آخر، تقريبًا كلّ بني البشَر يعْتَقِدون أنّ لِهذا الكون خالقًا واحِدًا، لكنّ القِلَّة القليلة هي التي تعْتَقِدُ أنّ لهذا الكون إلهًا واحِدًا مُسَيِّرًا، فلو جلَسْتَ مع الناس لرأيْتَهُم يعْزون الخَلْق والأمْر والقوَّة والتَّصرُّف للقِوى التي يَرَوْنها في الأرض، يقولون: القوَّة الفلانيَّة، والنِّظام الفلاني، وتارةً يعْزونها إلى جِهاتٍ أرْضِيَّة أو جِهاتٍ خُرافِيَّة، ولكنَّ المؤمن الحق يعْزو هذا إلى الله تعالى، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
[سورة يونس]
قالوا: الاتِّحاد السوفيتي السابق كانت له قنابل ذريَّة تُدَمِّر الأرض خمس مرَّات !! والآن هو يتهاوى كما يتهاوى بيتُ العنكبوت !!!
أيُّها الأخوة الكرام، كلّ بني البشر لا يستطيعون أن يعبدوا الله إلا إذا وحَّدوه، وما تعلَّمَتِ العبيد أفضل من التَّوحيد، والتَّوحيد نِهايَةُ العِلْم والعِبادة نِهاية العَمَل، فإذا وحَّدْتَهُ وعبَدْتَهُ حقَّقْتَ المُراد مِن وُجودِكَ في الدنيا، وحقَّقْتَ الهدف الأمْثل، لذلك الآية الأولى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
يُطيعُهُ في منهَجِهِ، ويعمل الصالحات تَقَرُّبًا إليه والآية الثانية:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
ثمَّ يقول الله عز وجل:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
[سورة الأنبياء]
هناك آية أخرى وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
ماذا يُسْتفاد مِن هاتين الآيتين ؟! أنَّ للباطِل جَوْلة، فمهما رأيتَهُ قَوِيًّا، وجبَّارًا ومُتَمَكِّنًا، الله جلَّ جلاله على أتْفَهِ الأسباب يقلبُ الأمور رأسًا على عَقِب، والآية الكريمة:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
وفي أواخر آل عمران يقول الله عز وجل:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾
[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(55)﴾
[سورة التوبة]
لذلك الآية الكريمة:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
[سورة الأنبياء]
فالأُمور تسْتَقِرّ لِصالِحِ المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾
[سورة آل عمران]
أصْبَحَ على الإنسان أن يتفاءَل، وعليه أن لا يتشاءم، وأن لا ييأس، ولا أن يخْنَع، فالقُنوط واليأس مِن لوازِم الكفْر بالله، أما المؤمن فأمْرُهُ كُلُّه بِيَدِ الله، ولا يرْضى بِطاعة الله بديلاً، وما ترَكَ عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينِهِ، ودُنْياه، ومَن أصْبح وأكبر همِّه الدنيا...راغمة ".
نُنْهي هذه السورة بهاتين الآيتين اللَّتين لخَّصتا الدّين كُلَّه.



والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-11-2018 08:20 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس السابع






أيُّها الأخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الأنبياء، وهي قوله تعالى :
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
هذه الآية شُرِحَت البارحة وتَتِمَّة هذه الآيات، قوله تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
تَوَلَّوا عنْ ماذا ؟ الآية الكريمة:

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
إن لم يقْبَلوا عقيدة التوحيد، وإن لم يَقْبَلوا توْحيد الألوهِيَّة، وإن أصَرُّوا على أنَّ هناك شُركاء بِيَدِهم الأمْر ! أو تَوَلَّوا عن طاعة الله، ؛ لأنّ الآية الكريمة:

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
فإمَّا أن تَوَلَّوا عن قَبول هذه العقيدة، أو أنَّهم تَوَلَّوا عن تَصديق هذا الأمر، فإما أحدهما أو الآخر أو كلاهما، فإن تَوَلَّوا فقُل يا محمَّد آذَنْتُكم على سواء ؛ أي أبْلغتكم جميعًا وانتَهَت مُهِمَّتي، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(18)﴾

[سورة العنكبوت]
وقال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56) ﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾

[سورة المائدة]
والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يقول:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾

[سورة المدثر]
دَعْهُ لي إن لم يسْتَجِب.
أيها الأخوة هناك موضوع دقيق جدًا ورَدَ في سورة الأعراف، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94)ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
هذا الموضوع دقيق جدًا، وهذه الآية تُبيِّن أنَّ سياسة الله مع عبادِهِ أساسُها أربعة مراحل، فأوَّل المراحل الدَّعْوة البيانِيَّة، وهي الكلام فالله جل جلاله يُرسِل الأنبياء، والمرسلين والعلماء والدُّعاة يُبَلِّغون الناس الحق بألْسِنَتِهِم، فإن لم يسْتجيبوا تَوَلَّى الله تأديبهم، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94(﴾

[سورة الأعراف]
المرحلة الثانية ؛ هي الدَّعْوَة التأديبِيَّة عن طريق البأساء والضَّراء ماذا ينبغي أن يفْعَل الإنسان إذا ضيَّق الله عليه وشدَّدَ عليه ؟ عليه أن يضَّرَع إلى الله تعالى، فإن تضرَّع إلى الله تعالى انتهى الأمر.
فإن لم يتضرَّع دخَلَ بِمَرحلة ثالثة ؛ الإكرام الاسْتِدْراجي، قال تعالى:
﴿ثمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
جاءَتهم الدنيا واغْتَنَوا وفُرِّجَ عنهم، وشَعَروا بِحُرِيَّةٍ، فإذا جاء الإكرام الاسْتِدْراجي، لا بدّ أن يكون المَوْقف مَوْقِفَ شُكرٍ لله تعالى، ويتوب إليه، فإن لم يشكُر لم يبْقَ مِن المراحل إلا آخرها، وهي مرحلة القَصْم قال تعالى:

﴿ثمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات، مرحلة بيانيَّة ومرحلة تأديب، وإكرام اسْتِدراجي، وفي الأخير القَصْم.
لذلك الآن كما قال تعالى:

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾

[سورة الأنبياء]
أي لم يؤْمنوا بهذه العقيدة، كما أنَّهم لم يُسْلِموا لله عز وجل، قال تعالى :

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾

[سورة الأنبياء]
أبْلَغْتُكم، وانْتَهَتْ مُهِمَّتي، أما متى يأتي التأديب الإلهي ؟ فهذا لا أعْلَمُهُ ! يأتي بعد شهر أو شهرين أو سنة أو أكثر، فهذا لا أعلمهُ، وهل تقتضي حِكمة الله تقْتضي التأديب السريع أو الإمْهال، فهذا لا يعلمُهُ أحد، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)﴾

[سورة الأنبياء]
يعني لا أدري، وهذا مَتروك لِحِكمة الله، قال تعالى:
﴿طقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾

[سورة الروم]
فالفاء هنا تُفيد الترتيب على التعقيب، وفي آية ثانية قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

[سورة الأنعام]
ثُمّ تُفيد الترتيب على التراخي، فقد يأتي العِلاج باكِرًا وحاسِمًا، وقد يأتي مُتأخِّرًا لِحِكمة يُريدُها الله تعالى، وهذه لا يعلمُها أحد.
ثمَّ يقول الله:

﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) ﴾

[سورة الأنبياء]
أحيانًا يعصي الإنسان، ولكن مَغلوبٌ على أمْرِهِ، وهوة يتمنَّى أن يُطيعُ فالله تعالى يُعطيه مُهلة، وأحْيانًا يعْصي ويتحدَّى ! ويفْتَخِرُ بِمَعْصِيَتِهِ.
قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)﴾

[سورة الأنبياء]
لعلَّ الله تعالى بِهذا الإمهال أراد أن يسْتَدرِجَهُ، أو لعلَّه أجَّل لكم أجلاً لا يتقدَّم ولا يتأخَّر وعلى كُلٍّ هنا بدَتْ عُبودِيَّة الله عز وجل، وأنَّ ما عليه إلا البلاغ، وهناك آية أخرى، وهي قوله تعالى:

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(144)﴾

[سورة الأعراف]
مُهِمَّة النبي التَّبليغ وانتَهتْ مُهمَّتُهُ، ومُهِمَّة العبد التطبيق فالداعي تنتهي مُهِمَّتُهُ بالتبليغ، والمستمِع تنتهي مُهِمَّتُهُ بالتطبيق، والإنسان لا يحْمل السُّلَم بالعَرْض ! والله تعالى لم يُكَلِّفْكَ ما لا تُطيق، وإذا عَبَدْتَ الله تعالى وشَكَرْتَهُ على ما أولاهُ لك مِن نِعَم، فقد حقَّقْتَ العُبودِيَّة الكاملة.
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فالنبي بيَّنَ وبيَّن، ووضَّحَ وبشَّر وحذَّر وأنْذَر، وأعاد وكرَّر حتَّى اسْتَنْفذَ كلّ الأسالي، والكفار كذَّبوا وسَخِروا وأتمروا، وأخرجوا ونكَّلوا وآذَوا، واسْتَنْفذوا كلّ الأساليب وما بَقِيَ إلا أن يتدخَّل الله تعالى، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)﴾

[سورة نوح]
فأنت ما عليك إلا التَّبيِين والتَّوضيح، والاستجابة ليْسَت عليك،قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فهم بالغوا في الإساءة من تَكذيب، وسُخريَة وما تركوا سبيل الشرّ إلا طبَّقوه.
قال تعالى:

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
قال أحدهم كلمة رائِعَة: الحمد لله على وُجود الله تعالى، يعلم السرّ وأخفى، يعلم مَن هو على الباطل، والمُفتري، ومَن هو على الحق، ومَن هو الطيِّب و من هو الحاقد و من هو البريء، الحمد لله على وجود الله، و من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس فيه، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
ملخَّص الدين كله الكتاب كله ؛ لا إله إلا الله، فعليكم أن تعبدوه، قال تعالى:

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾

[سورة الأنبياء]
إما عن التصديق بألوهيته أو عن عبادته أو عن كليهما.

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾

[سورة الأنبياء]
أنا بينت لكم و انتهت مهمتي، أمَّا متى يأتي العلاج فهذا ليس عندي،أمره إلى الله، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) ﴾

[سورة الأنبياء]
ثم لما بالغ الناس في تكذيبه بالغ هو في دعوته، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
إذا قلت إن هذا الماء عكر وهو صافٍ، فكلامك لا يغيِّر من طبيعته القافلة تسير و الكلاب تنبح، و ما ضرَّ السحابَ في السماء نباحُ الكلاب، و ما ضر البحر العظيم أن ألق غلام فيه بحجر، ولو تحوَّل الناس كلهم إلى كنَّاسين لِيُغَبِّروا على الإسلام ما غبَّروا إلا على أنفسِهم، فهذا دينُ الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فلو كان معك كيلو غرا مِن الذَّهب، وقال لك الناس: هذا معْدن خسيس، لما كان لِكلامهم معنى وكذا لو أوْهَمْتَ الناس أنَّ هذا المعدن الذي معك من رصاص أو نحاس هو مِن الذَّهب، واقْتَنَعوا بِما قلتَ فقناعَتُهم لا تجْعلُهُ ذهبًا ! فَخَيْرُكَ مِنك وشرُّكَ مِنك، وأنت وحْدَكَ الرابِح، وأنت وحْدَك الخاسِر، وهنيئًا لِمن عرف ربَّه، وتقرَّب إليه.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-11-2018 08:22 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أخ كريم رجاني البارحة، أن أفسر هذه الآية، فأجبته إلى طلبه هي قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)﴾
لو قرأنا القرآن الكريم، لوجدنا فيه كليات عديدة، كليات، ففي القرآن الكريم، آيات كونية، قد تصل إلى ثلثه.

﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ﴾

( سورة آل عمران: 190، 191)

﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾

( سورة الغاشية: 17، 81، 19، 20 )
هذه الآيات ومثيلاتها، تشكل كلية في القرآن الكريم، الآيات الكونية الدالة على وجود الله، وعظمته، وكماله، ووحدانيته.
كلية ثانية: الأوامر التكليفية.

﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾

( سورة البقرة: 43)

﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ﴾

( سورة البقرة: 183)

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾

( سورة البقرة: 169)
الآيات التي فيها أمر ونهي، هي الآيات التكليفية، افعل ولا تفعل، أمر ونهي، هذه كلية ثانية.
كلية ثالثة: مشاهد يوم القيامة.

﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ﴾

( سورة الحاقة: 18 إلى 33 )
هذه كلية ثالثة مشاهد يوم القيامة.
آيات كونية، آيات تكليفية [أمر ونهيٌ

﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ﴾

( سورة هود: 113)
هي نموذج ثالث.
كونيات، وتكليف، ومشاهد من يوم القيامة، ثم قصص الأمم السابقة،
﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾

( سورة الحاقة: 9 )


﴿ كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ﴾

( سورة القمر: 18 )
حدثنا ربنا عن قوم نوح، وعن قوم إبراهيم، وعن قوم لوط وعن قوم عاد، وعن قوم ثمود، وعن قوم صالح إلى آخره، هي كلية رابعة.
إحدى كليات القرآن الكريم، أنه قدم للمؤمن، نماذج بشرية نماذج بشرية ! فكل إنسان له في القرآن نموذج.
مثلاً

﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ﴾


( سورة آل عمران: 133 )

﴿ الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، هذا نموذج ﴾

( سورة آل عمران: 135 )
نموذج آخر
﴿: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ﴾

( سورة الأنعام: 54 )
هي نموذج آخر.

﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ـ من هم ـ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾

( سورة البقرة: 2 ـ 3 )
هي نموذج رابع.
فأنت إذا قرأت القرآن الكريم، ينبغي أن تعلم أين أنت من هذه الآيات

﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴾

( سورة الكهف: 107)

﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾

( سورة النحل: 97)

﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾

( سورة البقرة: 6 )

﴿ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ﴾

( سورة البقرة: 18 )
فربنا عز وجل وصف الكفار، وصف الفجار، وصف المشركين، وصف المنافقين،

﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك ﴾

( سورة النساء: 142 )

﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾

( سورة البقرة: 13 )
آيات المنافقين،

﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ﴾

( سورة آل عمران: 120 )
فلإنسان إذا قرأ القرآن الكريم، ينبغي أن يعلم أين هو من هذه النماذج،
﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم﴾

( سورة الواقعة: 10ـ 11ـ 12 )
هل أنت مع السابقين ؟ هل أنت مع أصحاب اليمين. لا سمح الله ولا قدر، هل هذا الذي يكفر، مع الفجار المجرمين ؟
قال العلماء

﴿ فيه ذكركم ﴾

( سورة الأنبياء: 10)
يعني ما في إنسان يقرأ القرآن الكريم، إلا ويجد فيه وصفاً له، فهنيئاً لمن انطبقت عليه آيات المؤمنين، ونحن نكبر كثيراً من انطبقت عليه آيات المتقين ونحن نصدغ بمن انطبقت السابقين أليس كذلك ؟ ونحن نتمنى من انطبقت عليه آيات المنافقين أن يتوب من نفاقه، ونحن نخاف أن يمسنا وصف آيات الكفار والمشركين، فربنا وصف المؤمنين، وصف المحسنين،

﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾

( سورة آل عمران: 134)
هذا وصف، وإن كثيرا من الخلطاء ـ الشركاء ـ

﴿ ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾

( سورة ص: 24 )
لك شريك، هل تبغي عليه، أم أنت منصف له إن كنت منصفاً له فأنت في القسم الثاني من الآية،

﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾
فلان يتقن الشعر

﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾

( سورة الشعراء: 224 ـ 225 ـ 226 )
هي نموذج

﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ﴾

( سورة التين: 6 )
هي نموذج، إنه إنسان مفكر ينكر وجود الله،

﴿ إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر ﴾

( سورة المدثر: من 18 إلى 26 )
هي نموذج.
إذا قرأت القرآن الكريم، حدد هذه النماذج، عملوا:

﴿ عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ﴾

( سورة التوبة: 102 )
هذا نموذج رابع، يا ترى أنت مع الذين عملوا عملا صالحاً وآخر سيئاً مع الذين، إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله، مع الذين أخذتهم العزة بالإثم، يفعل الإثم ويتباهى به، مع من، مع المؤمن مع المغتصب، مع،

﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾

( سورة آل عمران: 102 )
أيها الأخوة أتمنى على كل أخ كريم، أن يقرأ القرآن الكريم وأن يتدبره، أين أنا من هذه الآيات، مع المؤمنين، مع المقصرين مع المقتصدين، مع السابقين، مع الأتقياء، مع المحسنين، مع لا سمح الله ! مع المنافقين، في صفات منافقين، حديث الإفك

﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ﴾

( سورة النور: 19 )
يعني إذا مؤمن بلغك عنه قصة سيئة جداً بتفرح، يا لطيف ! إذا فرحت صنف نفسك مع المنافقين، إذا فرحت فقط، ما عملت شي، ما تكلمت ولا نطقت، بس بالداخل ارتحت، منيح يلي انفضح، أنت مع المنافقين، شي بخوف، لأنه الله عز وجل يقول:

﴿الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ﴾
أنت وضعت نفسك مع صف المنافقين، هل هناك أم على وجه الأرض، تتمنى فضيحة ابنتها، لا ! فإذا تمنت ! فهي ليست ابنتها فإذا أنت تمنيت فضيحة المؤمنين فأنت لست منهم، هذا ذنب، أنت مع المنافقين.
مقياس ثاني: أخوك المؤمن اغتنى تحسده، ما لك مؤمن، يجب أن تفرح له، أخوك المؤمن اشترى بيت جيد، تنزعج ؟ ما بيستاهل مع المنافقين، أخوك المؤمن أخذ شهادة دكتورة، تزعل ؟ تتضايق ؟ مع المنافقين، أخوك المؤمن تزوج، لمع اسمه تزعل، المؤمن أخ المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، إنما التقوى ها هنا، إنما التقوى ها هنا، كل المسلم على المسلم حرام، ماله، ودمه، وعرضه،
هذا القرآن الكريم فإذا قرأنا القرآن الكريم، ينبغي أن نعرف أين نحن من هذه الآيات أنت على من، أية آية تنطبق عليك، منهم ظالم لنفسه، منهم مقتصد نص على نص منهم سابق في الخيرات، أنت مع من.
فهذا الأخ الكريم الذي رجاني أن أشرح له هذه الآية، يريد هذا المعنى، أنه كل إنسان لابد له من أن يرى، أو أن يقرأ ذكره في القرآن الكريم، فإذا كان انطبقت عليك الآيات الطيبة، اشكر الله عز وجل واثبت على ذلك، وإن لم تنطبق عليك الآيات الطيبة، انج من هذه الحالة، بالتوبة، غير حتى الله يغير، أما أنا ما دخلني، أقرأ تبركاً.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

((أنه ربى تال للقرآن والقرآن يلعنه، ربى تال للقرآن والقرآن يلعنه ))
طبعاً هذا الذي في ذهني الآن، عن كليات القرآن الكريم، كلية الآيات الكونية، كلية الأمر والنهي، كلية مشاغل يوم القيامة، كلية أخبار المم السابقة كلية النماذج البشرية، بين مؤمن ومنافق، ومشرك، وكافر، وفاجر.
مثلاً: لك صديق غير مسلم ما نوعه ؟ قال تعالى:

﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾

( سورة التوبة: 7)
غير مسلم بس حقاني، يجب أن تسلم عليه، وأن تزوره، وأن تعوده، ما دام قد استقام لك، يجب أن تستقيم له، كي تشده إلي دينك، هذا نموذج.
ربنا عز وجل يقول الآية الدقيقة:

﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ﴾

( سورة المائدة: 8 )
يعني أنت إذا كرهت إنساناً كافراً هل لك أن تظلمه، لا تستطيع،

﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾
اعدل مع هذا العدو الكافر، اعدل معه كي تقربه إلى الله، اعدل معه كي يرى أن إسلامك عظيم.
قال له هل تحبني يا أمير المؤمنين، قال له والله لا أحبك واحد منافق سئل سيدنا عمر، هل تحبني، قال له والله لا أحبك، قال له هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له لا والله، قال له إذاً إنما يأسف على الحب النساء، مو مشكلة، هذا نموذج

﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾

( سورة المائدة: 82 )
أيام يكون لك جار نصراني، يعني أخلاقه عالية، ولطيف، وبيراعي شعورك، راعي شعور أنت، لا تقره على عقيدته، لكن راعي شعوره، يعني عاملك بالإحسان عامل بالإحسان.
الأخ الكريم، الله يجزي الخير، يلي طلب مني أن أفسر هذه الآية، يعني يتمنى، كأنه يتمنى علينا جميعاً أننا إذا قرأنا كتاب الله أن نبحث، نحن مع أي نموذج ينطبق علينا، أي نموذج، فإذا كان نموذج طيب، الحمد لله، وإذا كان نموذج آخر، طيب واحد قام ليصلي، يلله سيدي رايحين نصلي العشاء ونرتاح منه

﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾

( سورة النساء: 142 )
تنطبق علينا معناها الآية معنى في نفاق معناها،

﴿ خذ الكتاب بقوة ﴾

( سورة مريم: 12)
هي نموذج

﴿ لعلكم ترحمون ﴾

( سورة الحجرات: 10)
يعني خذ أمر الله بقوة، نفذه بحزم، نفذه بإصرار، هي نموذج فيمكن أن تشتق من كتاب الله، مئات النماذج البشرية، ودائم ليكن الحوار بينك وبين نفسك، هل أنا مع هؤلاء ؟ هل ينطبق علي هذا الوصف ؟ هل أنا مع هؤلاء ؟ وهذا الذي نرجو من هذه الآية.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-11-2018 02:31 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فمَع الآية الأولى والثانية من سورة الحج، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
مثال تَوْضيحي ؛ لو أنَّ طِفلاً صغيرًا قال لك: معي مبْلَغٌ كبير، فهذا الطِّفْل الصغير إذا قال لك معي مبْلغٌ كبير، فَكَم تظنّ هذا المبلَغ ؟‍ مائة ليرة أو أقلّ، أما إذا قال لك أحد أكْبَر أغْنِياء القُطْر: لي رصيدٌ كبير فَكَم تُقَدِّر هذا الرَّصيد ؟‍ كلمة كبير هي واحِدَة، قالها طِفلٌ، وقالها ثَرِيٌّ كبير، فإذا صَدَرَت عن طِفْل تُقَدِّر المبْلغ بمائة ليرة، أما إذا صَدَرت عن أحد أكبر أغنياء القطْر فَتُقَدِّرُها بألف مليون.
الآن إذا قال خالق الكَون:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
فَكَم هذه الزلزلة ؟ قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

[سورة الحج]
نقِفُ قليلاً لِنُوَضِّح ما تعني كلمة مُرْضِعَة، نحن في اللُّغة العربيَّة الصِّفات الخاصَّة بالإناث لا تُذَكَّر ولا تؤنَّث، فمتى تُذَكِّر وتُؤنِّث ؟ إذا كانت هناك صِفةً مُشْتركةً بين الرِّجال والنِّساء، فتقول: مُدَرِّسٌ ومُدَرِّسَة، أما إذا كانت الصِّفة خاصَّة بالنِّساء فتقول: امرأة طالِقٌ، وثيِّبٌ وبِكْرٌ ومُرْضِعٌ، فَلماذا نُذَكِّر صِفات النِّساء هنا ؟‍! لأنَّ هذه الصِّفات خاصَّة بالمرأة فلا معنى مِن تَذْكيرِها وتأنيثِها، تقول: امرأة مُرضِع، وفي القرآن جاءتْ اللَّفظة مُؤنَّثة بالتاء، مُرْضِعَة، فكيف نُفسِّر هذا ؟ قال: إذا قلتَ امرأةً حامِل، أو قلتَ امرأةٌ حامِلَة، فما الفرق بينهما ؟ أنت إذا قلتَ حامِل، فهذه صِفة خاصَّة بالمرأة، أي في بطْنِها، أما إذا قلتَ: امرأةٌ حامِلَةٌ أي على ظَهْرِها، فما دام هناك حامِلٌ وحامِلَة، فحامِلَة تعني على ظَهْرِها، وحامِلٌ في بطْنِها.
أيُّ إنسان سواء ذكرًا أو أنثى بِإمكانِهِ أن يضَعَ طِفلاً على صَدْرِهِ، فإذا قلنا امرأةٌ مُرْضِع، فيعني أنَّها في طَوْرِ الإرْضاع، فقد تكون في زِيارة وهي امرأة مُرْضِع، وقد تكون في المطْبَخ وهي مُرْضِع، لكن لا تُسَمَّى مُرْضِعَة إلا إذا كان ابنُها على صَدْرِها، فهي الآن تكون مرضِعٌ ومرْضِعَة، وكلُّكم يعلم أنَّ دافِعَ الأمومة هو أشَدُّ دافِعٍ في الجِنس البشَريّ على الإطلاق، نحن عندنا دافِع الجوع، ودافِع الجِنس ودافِع الأمومة هو أشَدُّ دافِعٍ في الجِنس البشَريّ على الإطلاق، فإذا كانت المرأة أمام أكبر دافِعٍ في كِيانها، وهذا الدافِع يفوق ما عند الرِّجال، ومع ذلك حينما ترى الزَّلزلة التي وصَفها الله عز وجل تضَعُ كلّ مرضِعَةٍ، وتذْهَلُ كلّ مرضعة عمَّا أرْضَعَت.
حدَّثني قريبٌ كان في القاهرة يوم وَقَع الزِّلزال، فامرأة مِن شِدَّة هَول الزِّلزال، أمْسَكَتْ كيسًا فيه حِذاءٌ لها، وظنَّتْهُ ابنتها !! لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
هناك قريَة في إيطاليا في سطح جبلٍ اسْمُهُ فيزرف، قبل سنوات تزيد عن الخمسين أثناء بعض الحَفرِيَّات وجَدوا آثارًا، وهذه الآثار غريبة جدًّا، آثار مُجَوَّفة، فحَقَنوها جِبصينًا سائِلاً، ثمَّ كسروا هذه الصُّخور فإذا هم أمام مشاهِد مُذْهِلَة ! هذه القرية كانت في سَفح جبل في عَهْد الرومان، وثار برْكان في قِمَّة الجَبَل، وأطْلق غُبارًا بُرْكانيًّا صارَت سماكَتُهُ فوق أطلال المدينة ثمانية أمتار، وارْتَفَعَت الحرارة إلى ثمان مائة درجة، فَيُمْكِنُ أن نشْهَد مدينةً بأكملها تقريبًا بعد الظُّهر، والطعام على المائدة، لمَّا حقَنوا هذه الصُّخور المُجَوَّفة التي أساسها أشخاص كلاب ونِساء في القصور، وفي الحمامات وفي الطرقات، فلمَّا كُسِرَ الصَّخر فإذا هم أمام صُوَرٍ مِن صُوَر الفزَع البشري، لأنَّ الجثَّة لما انتهَتْ، الغبار البركاني أصبَحَ صَخْرًا، ومُجَوَّف بِحَسَب مَلامِح هذه الجُثَّة تمامًا، فأنا لي صورة لِهذه المدينة والتي اسْمُها بونبي في إيطاليا، وللشاعر أحمد شَوقي قصيدة في هذا البركان !
المهمّ كما قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

[سورة الحج]
لو أُتيح لنا أن نرى أشْخاصًا عاصروا زِلزالاً أو فيَضانًا أو صواعِق، أو فزعًا مِن حروب أهْلِيَّة لرأيْتَ العجب العُجاب، ماذا يقول الله عز وجل ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
لئلاَّ يُصيبكم الفَزع الأكبر، وهذا الهَوْل الكبير، لذلك علَّمنا الله تعالى أن نقول:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

[سورة البقرة]
فالله تعالى يسوق أحيانًا مِن الشدائد ما لا يستطيع أحدٌ أن يصِفَهُ والرَّضيعُ على صَدْر الأم تُلقيهِ جانبًا وتنْجو بِنَفْسِها، قال تعالى:

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة الكرام، لو أنَّ الإنسان ارْتَكَب جريمة القتْل، وسيقَ إلى المحكمة، وأُجْرِيَ معه تَحقيق دقيق، واعْتَرَفَ بِجَريمتِهِ، وأصْدَرَ القاضي اسْتِئناف حُكْمًا بِإدانتِهِ، وحكمَ عليه بالإعْدام، ورُفِعَ الأمر إلى محكمة الأمر، ودُرِسَ الحكْم فصُدِّق، وكذا رُفِعَ الأمر إلى القصْر فصُدِّق، وسيق هذا المُجْرِمض لِيَلْقى جزاءَهُ، الآن وهو على عتبَةِ المَشْنَقة ؛ هل ينْفَعُه البُكاء أو الضَّحِك ؟! هل ينْفَعُهُ التَّوسُّل أو التَّجَشُّم ؟ نقول له: اِبْكِ أو اِضْحَك أو توسَّل، أو أيُّ شيءٍ تفْعلُهُ لا بدّ مِن تنْفيذ الحُكْم، رجل تركَ ثَرْوَةً تزيد على ثمان مئة مليون، مِن مَكْسَبٍ ليس حلالاً، وهو على فِراش الموت شعر بالخَطَر، وشَعَر أنَّهُ سيَلقى عذابًا أبَدِيًّا فطَلَبَ أحد العلماء، فجاءَهُ هذا العالم، ولا أريد أن أُقيِّم ما قالهُ له هذا العالم إلا أنَّهُ كان صريحًا معه، فقال هذا الذي على فراش الموت: ماذا أفْعَل ؟ فقال له: والله لو أنْفقْتَ الثماني مائة مليون لا تنْجو مِن عذاب الله

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
لأنَّ كل هذه الثَّرْوَة بُنِيَت على إفساد الناس، وأخلاقهم وإشاعة المنكر.
أنا قصْدت مِن كلامي، إيَّاك أن تصِلَ مع الله إلى طريق مَسْدود، لي طالبٌ في الحادي عشر، قال لي: لي خال له دار سينما، وفي الثانية والأربعين أصابهُ سرطان بالدَّم، فقال لي: والله رأيْتُهُ يبكي كما تبكي الأطفال ! فقال وهو في بُكائِهِ: جَمَّعْتُ هذه الثَّرْوَة - والقِصَّة سنة الخامسة والسِّتين - خمسة ملايين لأسْعَدَ به بقِيَّة حياتي، فلم يبْق لي بقِيَّة أسعَدُ بها، لذلك إيَّاك أن تصِلَ مع الله إلى طريق مَسْدود، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
أي إن اتَّقَيْتُم نَجَوْتُم، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

[سورة الأنبياء]
وهذا مهما كانت المصيبة كبيرة، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[سورة الأنبياء]
قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36)﴾

[سورة الذاريات]
معنى هذا، كلّ شيء مُسَوَّم، فالبلاء لا يعُمّ إلا بِحالة واحِدَة وهي إذا كان هؤلاء الذي لا يقترفون الإثْم راضون عمَّن يقْترفون الإثم، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)﴾

[سورة هود]
لو أنهم صالحون لما أهْلكم الله، فهم ما أمروا بالمعروف وما نهوا عن المنكر فهذه الآية مُلَخَّصُها ؛ يا عبْد الله كُنْ يَقِظًا، وتُبْ إليه، وتوسَّل إليه ولا تصل مع الله إلى طريق مَسْدود، ولا إلى طريق يستحقّ به الإنسان الزلزلة من الله، فإذا كان خالق الكون يقول: إنَّ زلزلة الساعة شيء عظيم ! فكم هي العظمة !! ومِن صُوَر هذا الزلزال ؛ يوم ترونها تذْهل كل مرضعة عما أرْضَعَت، فهذه السُّوَر مَشْهد مِن مشاهد عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة، وقد قال الله تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾

[سورة السجدة]
وهذا هو العذاب الأدنى، وانظروا ما يجري في العالم من زلازل، وحروب، وجراثيم ؛ فهذا مِن صُنع البشَر فكيف بالذي هو من صُنْع خالق البشَر ؟! هدف هذه الآية أن تأخذ حِذْرك.




والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-11-2018 02:33 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فمَع الآية الخامسة من سورة الحج، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
هذه الآية مُتَعَلِّقة بالإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالله عز وجل لا يُحَقِّق ثِماره إلا إذا اقْتَرَن معه الإيمان باليوم الآخر لأنَّك لن تُطيع الله عز وجل إلا إذا أيْقَنْتَ أنَّ الله تعالى مَوجود، ويعْلم، وسَيُحاسِب لذلك ربنا سبحانه وتعالى أشار في هذه الآية إلى الدليل العقلي على بعْث الخلائق يوم القيامة.
والعادة أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خاطَب عامَّة الناس خاطَبهم بِأُصول الدِّين، أما إذا خاطب المؤمنين خاطَبَهم بِفُروع الدِّين، وهذه طريقة في التَّرْبِيَة، فإيَّاك أن تُحاوِرَ إنسانًا يُنْكِرُ أصل الدِّين، وأن تقول له: هذا الخاتِم حرام ! أو هذه الصورة انْزَعْها مِن بيْتِكَ !! فهذا دليل عدم الحِكْمة في الدَّعوة إلى الله، فهذا الذي تُحاوِرُهُ يُنْكِرُ الدِّين كلَّه، فما الداعي لِقَوْلك له: هذه حرام، وهذه حلال ؟! إذا خاطَبْتَ إنسانًا بعيدًا عن الدِّين خاطِبْهُ بِأصول الدِّين، بل إنَّ كلَّ الغَيْبِيَّات لا ينبغي أن تَجْعلها مدار بحْثٍ بينك وبينهُ ؛ لأنَّه كما تعلمون هناك إيمانٌ بالمَحسوس، وهناك يقين اسْتِدْلالي، وهناك يقين إخباري، أتمنَّى أنَّ كُلَّ مَن يُحاوِر رجلاً بعيدًا عن الدِّين أن لا يخوض معه أبدًا في اليقين الإخباري ؛ لأنَّهُ لو صدَّق الله تعالى لصدَّق خبرَهُ، فاليقين الإخباري أساسُهُ التَّصديق بأنَّ الله تعالى كلامه حقّ، فالعامَّة يُخاطَبون بِأُصول الدِّين مِن إيمانٍ بالله واليوم الآخر، والأدلَّة العَقْلِيَّة والفِطْرِيَّة والواقِعِيَّة فربُّنا عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
الواحِد مِنَّا يقف على الميزان فإذا بِوَزْنِه من السبعين إلى ثمانين، يوم وُلِدَ كان ثلاثة كيلو غرام، سبعة وسبعون كيلو مِن أين جاءَتْ ؟! مِن تُراب، فالذي تأكلهُ وتشْربُهُ أصْلُهُ مِن التُّراب، البيوت البلاستيكِيَّة مساحاتها نصف زُلُم، يُزْرع به خمسة غرامات بذور من البن وبعد خمسةٍ وثمانين ويمًا تجد مجموع خُضري في البيت وزْنُهُ بالأطنان !! فهذا النبات يتسلَّق ويسخن عودُهُ، ويصل إلى متْرين ونصف تقريبًا، لذا خمسة غرامات تُساوي خمسة أطْنان تقريبًا فَمِن أين جاء هذا النبات ؟! مِن التُّراب.
قال تعالى:

﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

[سورة الحج]
هذه النُّطْفة لِوَحدها مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ، فباللِّقاء الزَّوجي يُفْرِزُ الإنسان خمسمائة مليون حُوَين والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَين واحِدٍ فأَقْوى هذه البُوَيْضات يدْخل إلى البُوَيضَة ويدْخُلها بِطَريقَةٍ عجيبة، مُزَوَّد بِمادَّة نبيلة، ومُغَلَّف بِغِشاء ما إن يتمزَّق الغِشاء، حتَّى تخرق هذه المادَّة جِدار البُوَيْضَة، وهذه البُوَيْضة تحمِل خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرمَجَة، وهذا الحُوَيْن يحْمِل خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجة، ويتلقَّح هذا الحُوَين وتِلك البُوَيْضَة وينقسِمان إلى عشْرة آلاف قِسم، وهي في طريقِها مِن المِبيض إلى الرَّحِم، وبعدها في تِسْعة أشْهر ترى طِفلاً يحوي دِماغًا وجمجمة وسمعا و بصرا و يأكل ويهضم..قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
أن يثبت الحمل هذا بيد الله عز وجل قال تعالى:

﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[سورة الحج]
تسعة أشهر، وعندما تحين الولادة يتوسع حوض المرأة ميكانيكيا بفعل هرمون لا يُرى بالعين، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

[سورة عبس]
و عضلة الرحم أقوى عضلة في الجنس البشري، ولو أن الطريق أمامها مفتوح لقذفت الوليد في الطلقة الواحدة إلى اثني عشر مترا، لكن هذا التقلص لطيف و متزامن و متقارب، فإذا خرج الطفل و خرجت المشيمة تقلص الرحم تقلصا كالصخر لرأب صدع الشرايين و قد قال العلماء: لو أن التقلصين انعكسا لمتت الأم ووليدها، لو كان التقلص شديدا و الطفل في الرحم لمات الطفل، ولو كان التقلص لطيفا بعد خروج الطفل لماتت الأم، لذلك طبيب الولادة أول ما يفعل أن يضع يده على الرحم فإذا كان كالصخر يقول: الولادة جيدة، أما إذا كان ليِّنا معناه وجود نزيف يؤدي إلى الموت، قال تعالى:

﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

[سورة عبس]
فربنا الذي خلق هذا الخلق المبدع أيعجز أن يعيد الخلق مرة ثانية؟ هنا الدليل وهو عقلي، قال تعالى:

﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ﴾

[سورة الحج]
في الأربعين ثم قال :

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

[سورة الحج]
ونعوذ بالله من أرذل العمر، ضعف الذاكرة , التدخل في شؤون الغير ثقل على أهله، يتمنى أقرب الناس إليه أن يخفف الله عنه، قال لي شخص: ربطنا الوالدة من يديها إلى رجليها لأنها لو أُطلِقت لأكلت من غائطها، و لخلعت ثيابها أمام الناس، هذا أرذل العمر، لكن أطمئنكم من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت، لأن هناك قاعدة علمية العضو الذي يعمل لا يضمر، فكل إنسان يعمل بعقله لا يخرف هكذا صمم الله العقل، لي قريب أُصيب بضيق بشريين الدماغ فشُلَّت حركته، لفت نظر الطبيب أن من أنواع العلاج أن تحدثه و أن تسأله فإذا سألته فسيجيب ويصير هناك نشاط في دماغه، فكل إنسان يقرأ القرآن و يصلي و يحضر مجلس العلم يفكر في الكون و يطالع موضوع علمي هذا الله جل جلاله يمتعه بعقله حتى يموت قال تعالى:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[سورة الحج]
هناك علماء عاشوا أكثر من تسعين سنة و أكثر من مائة و ثلاثين سنة و كانوا يُسألون: ما هذه الصحة ؟ فيقولون يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقيا عاش قويا، فعين غضَّت عن محارم الله يحفظها الله حتى الموت، أذن لم تستمع إلى الغناء يحفظها الله لك، يدٌ ما بطشت بل خدمت الناس يحفظها لك و رجْل قادتك إلى المساجد يحفظها الله، وهذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
عن ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))

[رواه الترمذي]
لا يوجد إنسان إلا و يتمنى بشكل لا حدود له أن يمتعه الله بصحته، والصحة ثمنها الطاعة، قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)﴾

[سورة الحج]
أنظر إلى البساتين في الشتاء ثم انظر إليها في الربيع شيء لا يُصدق الأشجار ترتدي ثوبا أبيض و الأرض خضراء و الأزهار، أين كان كل هذا الجمال في الشتاء؟ الذي أحياها يحي الموتى، فالإيمان باليوم الأخر أساسي من أجل طاعة الله عز وجل لأنك إذا أيقنت أن الله موجود ويعلم وسيحاسب في اليوم الآخر و أسماء الله كلها محققة في الدنيا، أما اسم العدل فإنه يحقق يوم القيامة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾

[سورة الروم]
فلذلك المؤمن يعِد لهذا اليوم عدَّته و يضبط لسانه و جوارحه و يحرر دخله و يقيم الإسلام في بيته و في عمله من أجل أن يصل إلى اليوم الآخر سليما معافى، و المؤمن يهديه الله سبل السلام، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[رواه الترمذي]
وإنك تبيع دينك ببعض الليرات، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك.
أيها الأخوة الأكارم، طريق السلامة في طاعة الله و طريق السعادة في طاعة الله و طريق النجاح في الأعمال في طاعة الله، طريق السمعة الطيبة في طاعة الله، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ))

[رواه ابن ماجه]
فمهما أردت أن تحصي الخيرات التي تأتي من طاعتك لله لن تستطيع إحصاءها.





والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-11-2018 02:34 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الحادِيَة عشرة من سورة الحج يصِفُ الله فيها نموذَجًا مُتَكَرِّرًا تَجدُهُ في كلّ زمانٍ ومكان، وهذا النَّموذج هو الإنسان الذي لا يُقْبِلُ على الدِّين إلا مِن أجل مكاسِب مادِّيَّة، فإذا انْقَطَعتْ هذه المكاسِب أدار ظَهْره للدِّين، وهذا النَّموذَج خطير، قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)﴾

[سورة الحج]
مِنْ للتَّبعيض أي بعْض وما الذي يُقابِل الحرف ؟ الأعماق، مؤمنٌ في الأعماق، ومؤمن على حرف، ومؤمن على شاطىء البحر، فلو جاءت مَوْجةٌ عاتِيَة لجرَّتْهُ إلى البحْر، ومؤمن في رأس جبل مهما طغى الموْج هو في الأعماق وفي المرتفعات، قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾

[سورة الحج]
ما دام الصِّحة طيِّبة، والمال وفير، والأمور منتظمَة، فأعظم شيء الإسلام، مَدْحُهُ للدِّين مَبنِيٌّ على المصالِح، هل سَمِعْتُم بِرَبِّكم إنسانًا يمتَحِنُ مركبَةً في النزول ؟ كلّ المركبات في النزول تنطلق سريعةً لكنّ المركبات تُمْتَحَنُ في الصُّعود، يُمْتحَنُ قوَّة محرِّكها، وتجاوُبها مع سائِقها، هذا يُمْتحَنُ في الصُّعود، لذلك إذا توهَّم أحدكم، وأنا معكم أنَّه يمكن لِمُؤمنٍ أن يعيش عُمُرَهُ كلَّهُ مِن دون امْتِحانٍ فَهُوَ واهِم، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
هل هناك جامعة في الأرض تمنح أعلى شهادة على طلب يقدمه الطالب يرجى منحي شهادة الدكتوراه بلا امتحان ‍‍‍! قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ومعهم رسول الله يوم حنين الله قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾

[سورة التوبة]
صحابة رسول الله في معركة الخندق قال تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ(61)﴾

[سورة المائدة]
و قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[سورة الأحزاب]
قال أحدهم: أيعدنا صاحبكم ـ ما قال رسول الله ـ أن تفتح..حاجته" قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
و قال تعالى:
﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[سورة الأحزاب]
فإذا كان أصحاب رسول الله برفعة منزلتهم وشدة إخلاصهم و فيهم رسول الله وخضعوا للامتحان و الله نصرهم و أعزهم، ففي حنين لم يبق أحد مع رسول الله قال رجل للبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ * أنا النبي لا كــــــذب أنا ابن عبد المــــــطلب ))

[رواه البخاري]
و مع ذلك الامتحان قائم فهل يعقل أن يُختفَى بنا لنصلي، لا بد من أن تمتحن، فالإنسان يمتحن في صحته و في ماله وفي زوجته وفي غلق الطرق عليه، يفتح بابا حرام ؟ لا، تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها لذلك ما ترك العبد شيئا لله إلا عوَّضه الله خيرا منه في دينه و دنياه ومن ابتغى أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، فهذا النموذج المتكرر، قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ﴾

[سورة الحج]
رجل له والدة خدمها اثنتي عشرة سنة، ثم ضاق بها ذرعا فرفع صوته عليها، فقال لها: أنا لستُ ابنك الوحيد اذهبي إلى فلان أخي فبكت و استدعت أخاه وقالت له: خذني لعندك، وبعد يومين توفاها الله، فهدم عمل اثني عشرة سنة، و أعرف رجلا يرعى أرملة في غرفة في المسجد ثلاثين عاما، وكان ساكنا في المهاجرين ثم انتقل إلى المزة، وعمره سبعين سنة، يوميا يتوجه من المزة إلى المهاجرين ليرعى هذه المرأة العاجزة، أهله أقاموا عليه النكير و طلبوا منه التوقف عن ذلك فأبى وقال: هذا عمل أكرمني الله به، فلما رأوا إصراره و ثباته على رعايتها و أشفقوا عليه قالوا له: ائت بها إلينا، فجاءوا بها إلى البيت بعد يومين توفاها الله، كسب ثلا ثين سنة من عمل خالص، فنحن جميعا نخضع للامتحان، و البطولة أن تقول: إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي .
الحقيقة كلنا في الرخاء و البحبوحة و الصحة ليس هناك مشكلة، أنا أريد أن أعرف الإنسان ماذا يقول إذا ابتلاه الله ببلاء قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157)﴾

[سورة البقرة]
هذه للمؤمنين بدليل أن الله قال قبلها:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾

[سورة البقرة]
فلذلك دققوا ؛ إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن شكر اقتناه و إذا أحب الله عبده عجَّل له بالعقوبة، جعل حوائج الناس إليه، و إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، و إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه منم مراتع الهلاك، فلا بد من أن نمتحن، سُئل الإمام الشافعي:أندعوا الله بالإبتلاء أم بالتمكين ؟ قال: لن تُمكَّنوا حتى تُبتَلَوا، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

[سورة السجدة]

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124(﴾

(سورة البقرة)

و إذا كان من الممكن أن ينجو إنسان واحد من الامتحان لنجا رسول الله عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[رواه الترمذي]
و ابتلاه الله بالطائف، وابتلاه بالقهر و بالتكذيب والسخرية و الضرب، ثم ابتلاه بالنصر في مكة، حينما دخل مكة كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعا لله عز وجل، على خلاف كل القادة الفاتحين في العالم، كلهم تأخذهم نشوة النصر فيتعجرفون و يتغطرسون لكن النبي دخل مكة متواضعا فلما قيل له: ما أنت فاعل بنا ؟ قالوا أخ كريم و ابن أخ كريم،فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أما في الطائف قال: اللهم أشكو إليك ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني على الناس يا رب إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍّ يتجهمني إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع، ثم امتحنه بالهجرة، فتبعه سراقة وامتحنه في حنين، فالنبي امتحن، كان إذا دخل بيته يقول عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ:

(( قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ قَالَتْ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا))

[رواه مسلم]
هل هناك بيت من إخواننا الحاضرين ليس فيه زيتونة واحدة ؟ و قطعة خبز ؟ امتحن بموت الولد، لما مات ولده إبراهيم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

(( دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

[رواه البخاري]
وامتُحن بموت الزوجة، فلما فتح مكة قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وفاء لها، نام ليلة إلى جوار قبر خديجة عليه الصلاة والسلام امتُحِن بقول الناس عن زوجته عائشة حين رموها بالفاحشة، من يحتملها منكم؟ حديث الإفك
قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة السجدة]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[سورة المؤمنون]
و قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[سورة الملك]
آية اليوم هي قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾

[سورة الحج]














والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-11-2018 02:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الخامسة عشْرة من سورة الحج، وهي قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
لهذه الآية معاني عِدَّة وَرَدَتْ في التفاسير.
المعنى الأوّل أنَّ هذا الذي يسْلُكُ أيَّ طريقٍ فَيَرَاهُ مسدُودًا، ويتحرَّك في أيِّ اتِّجاه فيرى عقبةً، ويتَّجِهُ نحو اليمين فلا يُفلح، وكذا مِن جِهَة اليسار، يُسافر فلا ينْجح، ويُقيم فلا يرْتَزِق، ويتزوَّج فَيُطَلِّق، ويعْمل فيُسَرَّح، مَن كان يظنّ أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة.
وردَ في بعض التفاسير، وليس كلّ ما في التفاسير صحيحًا، فَلْيَمْدُدْ بِسَببٍ إلى السماء ؛ لِيُعَلِّق حبلاً في سَقف البيت، ولْيَضَعْهُ على رقبتِهِ فهذا بعض ما ورد في أحد التفاسير، ولكنّ هذا المعنى يُمكن أن يُحسَّن فاليائس من رحمة الله، والقانِط من رحمة الله موْتُهُ كَحَياتِهِ.
وورَدَ معنى آخر لهذه الآية، وهو أنَّ هذا الذي يتمنَّى أن لا ينْصر الله نبيَّهُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويتمنَّى أن يبقى الباطل مُنْتشِرًا ويغيضُهُ أن يبقى الهدى وينتشِر، ويغيضُهُ أن ينتصر النبي عليه الصلاة والسلام على خُصومه، ويغيضُهُ أن يعمَّ الهُدى الخلائق، من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فلْينتقل إلى السماء لِيَقْطع الوَحي عنه إن استطاع، ولينتقل إلى السماء لِيَمْنَعَ نصْر الله عنه فالحق سيَنْتَصِر رغم أنف الكفار، والحق لا بدّ من أن ينتصِر، والحق أبْلج، وراسِخ، والباطل له جَوْلةٌ ثمَّ يضْمَحِلّ؛ هذا المعنى الثاني.
المعنى الثالث ؛ مَن توهَّم أنَّ الله لن ينصُرَهُ، ولن يُوَفِّقَهُ في عملِهِ ولن يشْفِيَهُ في مرضِهِ، ولن يسْمَحَ له أن يسْعَدَ في الدنيا، ولن يُعْطِيَهُ المال الوفير، ولن يرْزُقَهُ زوْجةً صالِحَة، ولن يُوَفِّرَ له المسْكن والمأوى ومن كان يظنّ أنَّ الله ضِدُّهُ، وأنَّ الأقْدار تسْخر منه، وأنَّه غير مُوَفَّق في حياتِهِ، والأسباب كلّها مُقَطَّعة، والعقبات كلُّها كَأْدَاء، كلّ هذا وَهمٌ في وَهْم، وهو ليس إلا في ذِهْن الواهِم، فالخلق كلُّهم عِيال الله، يا سَعْدُ لا يغرنَّك أنَّه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلُّهم عند الله تعالى سواسِيَّة، وليس بينهم قرابَة إلا طاعتهم له، فإذا اعْتَقَدْتَ أنَّ الله كتبَ عليك الشَّقاء قبل أن تُخْلق، ولا سبيل إلى تغيير هذه الكتابة، وأنَّه بلا سبب منك، ولا حيلة ولا ذنبٍ، ولا تبَعِيَّةٍ، كتَبَ عليك الشَّقاء، قال: هذا وَهْمٌ كبير، من كان يظنّ أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فهناك سبيل لِتَغَيُّر الوَضْع، قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
ولْيَقْطَع كلّ مَعْصِيَة ثمَّ ليَنْظُر كيف أنَّ الله تعالى يُوَفِّقُهُ ؟ وكيف أنَّ الله يرْزُقُه ؟ وكيف أنَّ الله يُسْعِدُهُ ؟وكيف أنَّ الله تعالى يرْفَعُ مكانته ؟ هذا هو المعنى الثالث يُعطي الإنسان دَفقٌ كبير، أيْ يا عبْدي إذا ظَنَنْتَ أنِّي لن أوفِّقُكَ، ولن أُعْطِيَكَ ولن أسْعِدَك ولن أُوَفِّقَ لك حاجاتِكَ الأساسيَّة وإذا ظَننْتَ أنِّي ضدَّك وأنَّني لن أُسْعِدَكَ فأنت واهِم ‍ وأنت مُتَلَبِّسٌ في المعاصي كثير، أولاً اسْتَقِم على أمْر الله تمامًا، واقْطَع كلَّ معْصِيَة واعْمَل عملاً صالحًا خالصًا لِوَجْه الله تعالى، ثمَّ انْظُر كيف الأمور تتغيَّر، الأمور تتبدَّل، هذا الوَهْم في عقْلِكَ وَحْدهُ، فالعِباد كلُّهم سَواسِيَّة عند الله، فيا أيُّها الأخوة الكرام، كلّ إنسان عنده يأسٌ وقُنوط وتساؤُل أو شُعور أنَّ الله لا يُحِبُّه، وأنَّه لن يُوَفِّقه، وأنّ الله حرمَهُ ولم يُعْطِهِ شيئًا لذلك كلمة الحظّ قليل كلامٌ لا معنى له ! إذا كان الأمر كذلك فهذا دليل المعْصِيَة يَسُبُّني ابن آدم وما كان له أن يسبَّني، ويسبُّني إذْ يسبُّ الدَّهر وأنا الدَّهْر، فلا تقل: فلان يدهُ طولى، وذاك يدُهُ خضْراء، وفلان أموره تجري على ما يريد، فالله عز وجل وضَعَ للتَّوفيق قانون، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[سورة الليل]
قانون التيْسير والتَّعسير، سؤال دقيق وحرِج: هل مِن مصلحة أن يُعَذِّب الله العِباد، زارني رجل في المسجد قبل خمسة عشر عاما قال لي: أنا مصاب بمرض عضال وهو الصرع قال لي: أنا مهندس معي شهادة من دولة أوروبية ورئيس قسم بمعمل، و أثناء عملي و أنا وراء طاولتي أُصاب بهذا الصرع أمام العمال و مرة في الطريق وأمام السيارات العامة، فقال لي: هل هناك حل ؟ قلت: عند الأطباء، قال أريد حلا دينيا فقلت: أنا أؤمن أن الله سبحانه و تعالى لا يمكن أن يعذب مخلوقا بلا حكمة، لأن الله غني عن تعذيب عباده، قال: ماذا أفعل، قلت: استقم على أمر الله قال: مثل ماذا ؟ فذَكَرتُ له غضَّ البصَر، وتحرير الدَّخل، وإقامة الإسلام في البيت، وعدم الاخْتِلاط وعدم سماع الغناء، فما رأيْتُ إنسانًا أشَدَّ رغْبةً في طاعة الله مِن هذا الإنسان ! أخْرَجَ ورقَةً وبدأ يكْتُب، وقال لي: إذا طبَّقْتُ هذه البُنود هل أُشْفى مِن هذا المرض ؟ فأجبْتُ وقلتُ له: نعم، تُشْفى ! كان درسُنا الأحد، وجاء بالدَّرس الثاني مُشْرق الوَجه: وقال لي هذا أوَّل أسبوع في تَطبيق أمْر الله تعالى، ولم أُصاب بِشَيء، وأذْكر أنَّه جاء سبْعة أسابيع، وهو يُطَمئِنُني، وفي الأسبوع الثامِن غابَ ! فقلْتُ في نفسي: لعلَّه عادَت به هذه النَّوْبة، فجاء بعد أسبوعَين وقال لي: والله لقد عادَتْ، ولكن لا تقْلق على مبدئِكَ فقد ارْتَكَبْتُ معْصِيَة، فقد زرْتُ صديقًا مُتفلِّتًا زُرْتُهُ وجلسْتُ مع أهلِهِ، وتضاحكنا وتمازَحنا، وتغامَزْنا ولمَّا خرجْتُ من المنزل جاءتني نَوْبتي هذه !! قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
فهل لله تعالى مَصْلَحَة ؟ الله عز وجل غَنِيٌّ عن تعذيب عِبادهِ، والله تعالى ليس ضِدَّك ولا يكْرَهُكَ، بل يكْرهُ عَمَلَك، وإذا رجَعَ العبْد العاصي إلى الله تعالى نادى مُنادي في السماوات والأرض أن هنؤا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله تعالى، فَمَن كان يظنّ أنْ لن ينصُرَهُ الله في الدنيا والآخرة، فإمَّا أن يشنق حاله، والمعنى الثاني أنَّه لن يستطيع مَنْعَ الهُدى عن البشَرِيَّة، ولن يستطيعَ إيقاف الوحي عن رسول الله ولن يستطيع منْع الحق، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[سورة الأنفال]
والمعنى الثالث أنَّك إن توهَّمْتَ أنَّ الله تعالى لن يرْحمَك، ولم ينْصُرَكَ وحرَمَك كُلّ شيء، وأبواب السماء مُغْلقة، والناس ممنوعون أن يُساعِدوك ؛ إذا توَهَّمْتَ هذا فعليْكَ بِهذه الوَصْفة ؛ قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
كي ينصُره الله، ويرزُقَهُ، وبِسَبب كي يُغنيه تعالى بِرَحْمَتِهِ، ثمَّ ليَقْطَع كلَّ مُخالفة، ثمَّ ليَنْظر هل يُذْهِبَنَّ كيْدُهُ ما يغيض ؟ لذلك مُعاملة التائب الصادِق أن يقول لك: تغيَّرَتْ مُعامَلة الله معي، المشكلة الخطيرة يقول أحد الناس: الله لا يوفقني، ابحث عن المعاصي، والأمن الجنائي عندهم قاعدة كلما وجدوا جريمة: ابحث عن المرأة، أنا أقول لك كلما واجهت مشكلة وجاءت الأمور على خلاف ما تريد و ضاقت بك الدنيا فتِّش عن المعصية لأنه ما من مشكلة ولا مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل بأمر الله و الجهل أعدى أعداء الإنسان، و يفعل الجاهل في نفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، فلذلك ؛ هذه الآية ؛ المعنى الأول ورد وهناك وجهة نظر وهي أن اليائس من رحمة الله القانط منه هذا حياته كموته ولا جدوى من حياته و المعنى الثاني هو أنه لن تستطيع قوى الأرض أن تمنع وحي السماء و لا أن تمنع نصر الله لعباده للمؤمنين ولن تستطيع أن تمنع الهدى أن ينتشر وهذا الدين هو لله وكلما ضغطت عليه كلنا زاد تألقا و كلما وضعت العقبات أمامه ازداد قوة كمن يطفئ النار بالزيت فيزيدها اشتعالا، و المعنى الثالث لا سمح الله إذا كنت يائسا وموهوما أن الله لن ينصرك ولن يرزقك و لن يسعدك هذا هو العلاج قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
ثم ليقطع كل معصية فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ.
من سابع المستحيلات أن تستقيم على أمر الله ولا تجد من الله معاملة جديدة و لا تسعد في الدنيا ولا تبقى محروما، فالله غني عن تعذيب العباد و أوضح آية قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[سورة الأنعام]
لا يوجد واحد من الحاضرين إلا ويتمنَّى السلامة والسَّعادة والرِّزْق وزواج سعيد، وأولاد أبرار، ومكانة راقِيَة، فهذه كلّها في طاعة الله وحينما ترى الأمور على خِلاف ما تُحِبّ فَفَتِّش عن المعْصِيَة، هل هناك مخالفات من حرام، وإطلاق بصر، وكذب وغِشّ، وتدليس فقد يغشّ الإنسان الناس في البيْع والشِّراء، يسرِق المبالغ ثمّ تدفعها دُفعَةً واحِدَة، فكلَّما وَجَدْت نفسَك مُتضايِق من قَضِيَّة فَتِّش عن المعْصِيَة لذلك أخطر شيء فليس الدِّين أن تعرف الحلال والحرام، ومنهَج اللهَ كَيف تُصَدِّقه إن لم تعرف منهَجَه ؟ وكيف تعْرف منهَجَهُ ؟ فلا بدّ مِن أن تأتِيَ بيوت الله، كي لا تتيهَ، ولذلك طلب العلم فريضة.





والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-11-2018 02:37 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .




تفسير قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين :





أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الكريمة وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج الآية : 38]
لو أنَّ الإنسان اسْتعرض الآيات التي وعَدَ الله بها المؤمنين ، فالله تعالى يُدافع عن الذين آمنوا ، والله سبحانه وتعالى لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، والله سبحانه وتعالى ينْصُر المؤمنين ، لو أنَّ الإنسان اسْتَعرض الآيات التي تتحدَّث عن وَعْد الله للمؤمنين في الدنيا مِن التَّوفيق ، والنَّصْر والتأييد ، والحفظ ، ثمَّ لا يَجِدُ هذه الوُعود مُحَقَّقة ماذا يفْعل ، وكيف يُفَسِّر ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ قال تعالى :
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾

[سورة النساء الآية :87]
وزوال الكون أهون على الله مِن أن لا يُحَقِّقَ وَعْدَهُ ، وإذا رأيْتَ وُعود الله عز وجل للمؤمنين ليسَتْ كما عليه ، قال تعالى :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[سورة النور الآية : 55]
أين الاسْتِخلاف ؟ وأين التَّمكين ؟ وأين التَّطْمين ؟ وقال تعالى :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾

[سورة النساء الآية : 141]
لهم علينا ألف سبيل وسبيل وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

[سورة محمد الآية : 7]
إذا رأينا وُعود الله تعالى التي في القرآن الكريم لم تُحَقَّق ، فكيف نُفَسِّر ذلك ؟! هناك تفْسير واحِد وهو أنَّنا لسْنا في المستوى الذي وُصِفنا به ولسْنا من الإيمان بالمكان الذي نسْتَحِقُّ وَعْد الله عز وجل ، ماذا نعْمَل ؟ نُصْلِحُ نُفوسَنا ، قال تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج الآية : 38]
فالمؤمن الصادِق والمُخْلِص يُيَسِّر له الله أشْخاصًا أقْوِياء يُدافعون عنه وكأنَّ هؤلاء مَدْفوعون مِن قِبَل الله عز وجل كي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعى الله عز وجل قال كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ ولَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ))

[رواه الترمذي]
لذلك أيها الأخوة الكرام ؛ أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله تعالى فيها وعدٌ للمؤمنين بِوَعدٍ أو حِفْظٍ أو تَمْكينٍ أو تَطمين إنْ لم تروا أنَّها مُحَقَّقة ينبغي أن نتَّهِمَ أنفسنا ، ومن أصْدَق من الله حديثًا .
الآية التي بعدها ، آية دقيقة جدًا ، قبل أن أشْرحها أُقَدِّم لها بِهذا التَّقديم النبي عليه الصلاة والسلام يقول : اللَّهم أرِنا نِعَمَك بِكَثْرَتِها لا بِزَوالها فلا بدَّ مِن أن ترى النِّعَم ؛ هناك طريقان ؛ يُمْكن أن تكون هذه النِّعَم مُتوافِرَة بين يَدَيْك ، وأنت بِجُهْدٍ فِكري تنظر إلى هذه النِّعَم ، فتشكر الله عليها ، ويمكن أن تفْقِدها لا سَمَح الله تعالى ، فتَعْرِفَ قيمتها .
فَمِن نِعَم الله التي لا تُحْصى ؛ هذا التوازن بين القِوى الذي جَعَله الله رحْمة للضُّعفاء ، قال تعالى :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
توازن القِوَى لِصالِحِ المؤمنين ، وهذه النِّعْمة العظمى التي كانت بالعالم وكان الضِّعاف يأخذون من الفريقين ما يشاءون حينما أصْبَحَت القوَّة في بيئةٍ واحِدَة رأيْتَ الفرق الواضِح جدًا بين توازن القِوى ، وبين انْفِرادها وتلك النِّعمة مَذْكورة لذلك فُقِدَت ، وصارَتْ قُوَّة في الأرض غاشِمة ، ومُنْحازَةٌ انْحِيازًا أعمى ، وهذا ما كان لِيَكون يوم كان توازن للقِوى قال تعالى :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
لذلك هذا درس ؛ النِّعمة التي أنت فيها ينبغي أن تشْكُرَها ، وإلا سوف تعرِفُها بِفقْدِها ؛ نِعْمة الصِّحة ، ونِعْمة المال والفراغ والأمْن ، هذه النِّعَم التي تنْعُم بها ، حينما لا تُفَكِّر فيها ، ولا تشْكر المولى عز وجل ربَّما أدْرَكَها الإنسان وعرفها حين فقْدِها ، فالإنسان العاقل والمُوَفَّق الذي يسأل الله شُكره تعالى عليها مع وَفْرَتِها لا مع زوالها ، ولكن يقول الله عز وجل :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
إذا أردْتَ نصْر الله عز وجل المطلق ومِن أمْتَع المشاعر التي يشْعر بها الإنسان حينما ينْصره الله عز وجل ، هذا النَّصْر يتنافس في البيع والشِّراء ، وأحيانًا ينتصِر على من في البيت ، وحتَّى على جرثوم دخل إلى جسْمِهِ ، هذا النَّصْر بِمُطْلِقِه أليْسَ له قانون ؟! قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
هل الله تعالى بِحاجة إلى أن ننْصُرَهُ ؟ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :
(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
قال العلماء : المضاف محذوف ، نحن علينا أن ننْصر دين الله حينما تؤدِّي الصلوات الخمْس ولا تأخذك في الله لَومة لائِم ؛ هذا نصْر لِدِين الله تعالى ، وحينما تُقيم الشَّرع في عَمَلِكَ فهذا نصْر لِدِين الله تعالى ، نحن عندنا وقائِع وعندنا شرائِع فالوقائِع ربَّما لو أعْلَنْتَ عن بِضاعَتِك في أجْهزة الإعلام عن طريق نِساءٍ كاسِيات عارِيات ربَّما كان هذا هو المانِع ، أما لو خِفْت الله ولم تفْعَل هذا فأيَّةُ طاعةٍ لله هي في حقيقتِها نصْرٌ لدِين الله ، لأنَّك إذا أنت أطَعْتَ الله وفلانٌ أطاع ، فالحق يتنامى ، وينْكَمِش الباطل ، وبه تكون قد نصرْت دين الله ، أما إذا كان الكلّ يأكل الرِّبا ، فإذا خالف أحدهم اتُّهِمَ ! وكذا المصافحة والاخْتِلاط، فهذه الآية دقيقة جدًّا :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
ونصر الله هو نصْرُ دينِهِ ، وتطبيق أيُّ حكمٍ شرعي هو في الحقيقة نصْر لِدِين الله تعالى ، وبه تتَّسِعُ دوائر الحق ، وتضيق دوائر الباطل ، فإذا كان بالحي بنايات كبيرة جدًا أمام مسْجِدٍ ، ثمَّ في الصُّبْح لا تجِد إلا سبعة من المُصَلِّين ! أين قوله صلى الله عليه وسلَّم :
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))

[رواه مسلم]
وإذا رأيْتَ جماعة كبيرة كلُّهم بالسيارات يوم الجمعة يمْشون وتاركين لِصَلاة الجمعة ، أين نصْر دين الله ؟! قال تعالى :
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الجمعة الآية : 9]
فالذي يَحْصَل أنَّ أمْر الله هان على الناس ، فهانوا هُمْ على الله تعالى ! قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
فأنت أقِمِ الشَّرع ومعنى ذلك أنَّك نصَرْتَ لِدِين الله تعالى ، وحينما تنتصِرُ لِدِين الله ينْصُرُكَ الله مطلقًا وأنت لك باليوم مئات المعارك ؛ تِجارتُكَ معركة ، وبيعُكَ وشِراؤُكَ معركة ، وتزْويج البنات معركة ، فالحياة مُعَقَّدة جدًّا ، قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
فكلّ من أطاع الله يكون قد ساهَمَ في نشْر الحق ، ونصْر دِين الله تعالى ، وكثَّر سواد المسلمين .




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-11-2018 02:39 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة و العشرون من سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

[سورة الحج]
أي يأتون راجلين أو ممتطين ركابهم.
قد يقول الإنسان لِمَ لم يقل الله عز وجل " فج بعيد" ؟ نحن نظن أن الآية تشير إلى بعد المكان، فلمْ يقل الله عز وجل "فج بعيد " العلماء يقولون: إن الأرض كرة و أنت إذا ابتعدت عن إحدى نقاط الأرض ينشأ بعدٌ ثالث هو العمق، فكلما ازداد العمق ازداد البعد، و العمق يشير إلى أن الأرض كرة، قد تكون مكة هنا و دلهي هنا، فالطريق من هنا، وهذا العمق هو إشارة علمية سمَّاها العلماء " السبق العلمي " هناك في القرآن الكريم إشارات علمية دقيقة جدا، مثلا، المعركة التي جرت بين الفرس و الروم والتي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

[سورة الروم]
و المعركة جرت في غور فلسطين ولم يكن أحد يعرف قبل ذلك أن غور فلسطين أعمق نقطة في الأرض و في اليابسة، و أعمق نقطة في البحر في المحيط الهادي في خليج مريانا عمقها اثنا عشر ألف متر، بينما أعمق نقطة في البر هي غور فلسطين، ولم يكن وقتها أشعة ليزر تقاس بها الأعماق و الارتفاعات و الأبعاد، الآن بأشعة الليزر يقيسون المسافة بين الأرض و القمر على مستوى المليمتر، قال تعالى:
﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

(سورة الروم)
أي في أخفض نقطة في الأرض، هذا سبق علمي لم يكن يعلم أحد من قبل أن الجنين ذكرا كان أو أنثى هو من النطفة لا من البويضة، قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾

[سورة النجم]
لم يكن يعلم أحد في عهد رسول الله أنَّ كل كوكب في الكون يتحرك، قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[سورة الطارق]
الصفة الأساسية الثابتة في السماء أن كل كوكب فيها يدور حول كوكب آخر في مسار مغلَق، لذلك كل كوكب سيرجع إلى مكان انطلاقه، قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12) ﴾

[سورة الطارق]
الأرض تنصدع عن النبات و السماء من خصائصها أن كل كوكب فيها ينطلق و يعود إلى مكان انطلاقه، هذه الإشارات العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

[سورة المرسلات]
الجاذبية، فكل شيء على الأرض لو تركته يسقط، ولماذا يسقط؟ بفعل الجاذبية، أما لو خرج رواد الفضاء من الأرض إلى القمر ووصلوا بين الكوكبين إلى منطقة انعدام الجاذبية التي الأشياء فيها لا وزن لها، بإمكان الإنسان أن يسبح في جو المركبة في الوسط و بإمكانه إذا خرج من المركبة أن يبقى معلقا في الفضاء، منطقة انعدام الوزن، الله جل جلاله أشار بقوله:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا(26)﴾

[سورة المرسلات]
فكل شيء في الأرض ينجذب إلى مركزها هذه هي الجاذبية، و التجاذب الحركي عبَّر عنه الله عز وجل بقوله:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ(7)إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ(8)يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ(9)﴾

[سورة الذاريات]
حبَّذا لو جُمعت هذه الإشارات العلمية التي سماها بعض العلماء " السبق العلمي " والتي تؤكد أن هذا الكلام هو كلام الله، قال تعالى:

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾

[سورة النحل]
إلى هذا الحد هذا الكلام يمكن أن يقوله محمد عليه الصلاة و السلام، الخيل موجودة و البغال و الحمير لتركبوها و زينة، أما إذا ركب الإنسان سيارة فخمة أين هي في القرآن ؟ قال تعالى:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[سورة النحل]
كلام خالق الكون، هذا سبق علمي، الله تعالى قال:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾

[سورة يس]
و الذي يحيِّر العقول أن الشجر الأخضر يحترق، لا يحترق، أنا كنت أتمنى أن تكون الآية " الذي جعل لكم من الشجر اليابس لكن قال تعالى:
﴿مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَر﴾

قال العلماء هذه آية البترول لأن كلمة " أخضر" تشير إلى مادة اليخضور التي في الورقة، و الورقة هي أعظم معمل حتى الآن في الكون، قرأتُ كلمة عن الورقة الخضراء: إن أعظم معمل صنعه الإنسان لا يرقى إلى مستوى الورقة الخضراء، تأخذ ثمانية عشر معدنا مذابا في الماء من التربة و يصعد هذا الماء المذاب فيه المعادن بأوعية في الشجرة مدعَّمة بحلزون ليفي، حتى إذا نمت عرضا لا تضيق لمعة هذا الحلزون، فمن سمح للمعادن أن تذوب في الماء عن طريق الأملاح ؟ الله جل جلاله، يصعد هذا الماء إلى الورقة و الورقة تأخذ من أشعة الشمس الطاقة "البوتون" و الورقة دائما في اتجاه الشمس، ومن طباعها أنها في اتجاه الشمس و تأخذ البوتون و تأخذ الآزوت من الهواء و تأخذ النصغ الصاعد وتصنع منه مادة اسمها "النصغ النازل " و المادة الواحدة تشكل الأوراق الجديدة و الأغصان الجديدة و ينمو بها الجذع وتنمو بها الجذور و تنمو بها الأزهار وتنمو بها الصماغ، هل هناك في الأرض سائل ينحقن ويصير حديدا ؟ أو خشبا ؟ هذا مستحيل، هذه الورقة الخضراء لولاها لما كان النبات، ونظرية البترول أن هناك عصور هطلت فيها أمطار غزيرة نبتت نباتات عملاقة دُفنت تحت الأرض فكانت البترول، قال تعالى:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾

[سورة يس]
توقدون من البترول.
القرآن الكريم زاخر بالإشارات الكونية، الآن يقول علماء الذرة: إن كل ذرة فيها نُوَية و فيها كهارب تدور حول هذه النوية بحركة دائمة، قال تعالى:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

[سورة يس]
"كل" تفيد الإطلاق و الإبهام، أي شيء خلقه الله في الكون يسبح في فلك، بدءا من الذرة وانتهاء بالمجرة، فإذا قرأ الإنسان القرآن و تدبر آياته ولاسيما آياته الكونية إن لم يشعر بكل قطرة من دمه أن هذا القرآن كلام الله فأنا مسؤول عن هذا الكلام، الذي يقرأ القرآن يشعر أن كل حرف من هذا القرآن هو كلام الله عز وجل
أيها الأخوة الكرام، الآيات التي تشير إلى السبق العلمي، هناك إعجاز تاريخي و هناك إعجاز إخباري وهناك إعجاز غيبي ؛ غيب الماضي و غيب الحاضر و غيب المستقبل، و هناك إعجاز بلاغي، مثل ذلك قوله تعالى:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
الواو حرف عطف، لِمَ لم يقل الله " و كلمة الله " بنصب كلمة عطفا على" كلمة الذين كفروا" ؟ لو كانت بنصب "كلمة " لفُهم أن كلمة الله صارت عليا بعدما كانت سفلى، و هذه عقيدة فاسدة، قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
الواو استأنافية وكلام جديد، قال تعالى:

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
لذلك في القرآن إعجازي، و إعجاز شرعي و إعجاز تربوي و إعجاز علمي و إعجاز تاريخي و إعجاز إخباري عن غيب الماضي و الحاضر و المستقبل و إذا سألتَ ما الدليل على أن هذا الكلام كلام الله ؟ الجواب إعجازه،و هناك دليل آخر مهم جدا، وهو أن الله يشهد لك أنه كلامه أنت بتفكيرك و تدبرك تعلم أنه كلامه من إعجازه لكن الله وحده يشهد لك أنه كلامه، الله تعالى قال:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[سورة النحل]
يتوب الشاب إلى الله و يستقيم، ماله حلال و إنفاقه حلال، ضبط جوارحه وبيته و إنفاقه، فيرى بعد ذلك أن كل حياته صلحت، نفسيته و معنوياته و علاقاته الداخلية مع زوجته و أولاده و جيرانه، ورفع الله ذكره، هذه الحياة الطيبة التي بدت له و التي لم تكن من قبل شهادة الله لهذا العبد على أن الذي قال:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[سورة النحل]
هو خالق الكون وهو الذي أنزل هذا القرآن، ويأتي إنسان آخر يتفلَّت منكر للآخرة و يأخذ المال الذي يريد و ينفق كما يريد فيعيش حياة ضنكا كلها شقاء وهموم وأمراض وقلق و على خوف، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

[سورة طه]
وهذه شهادة الله لهذا العبد، و الذي أنزل هذا القرآن هو الذي صنع هذه الحياة الضنك، هذا دليل آخر، لذلك قال تعالى:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39)﴾

[سورة يونس]
قال علماء التفسير: التأويل وقوع الوعد والوعيد، قال تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

[سورة البقرة]
يقول أحدهم: أنا معي أموال طائلة من ربا وأين هذه الآية ؟‍‍‍‍!بعد حين يتلف ماله كله، و يصادر ماله كله، و هذه الزلازل و الفيضانات و الإفلاس كلها يمحق الله بها الربا و يربي الصدقات، فأنت عندك طريقان للإيمان بكلام الله ؛ إما طريق التدبر وعندئذ تشعر أن كل كلمة من هذا الكتاب كلام الله، أو طريق أن تنظر إلى أفعال الله و إلى مطابقتها معى كلامه، هذا هو الذي يشعرنا أن القرآن كلامه، وبالمناسبة إذا كان نُشر في الجريدة اليوم مثلا خبر السماح باستيراد خمس سيارات بدون قيد أو شرط، ستنزل كل سيارة إلى خمسمائة ألف، أليس عيبا أن يصدق الإنسانُ إنسانا مثله في تصريح بسيط و تتغير الأسعار كلها ؟! و خالق الكون في ستمائة صفحة يبين لنا فيها الوعد و الوعيد والحلال و الحرام والخير و الشر ولا يصدقه أحد ؟!! الله تعالى قال::

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

[سورة البقرة]
فلا بد من إيمان لذلك.
قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

(سورة الحج)








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-11-2018 02:40 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
الإنسان يركب الطائرة على ارتفاع خمسة و أربعين ألف قدم أدار مقبض الباب فانفتح ولأن الضغط في الطائرة ثمانية أمثال ضغط خارج الطائرة، فالهواء سحبه إلى الخارج ووقع من هذا الارتفاع، فماذا ننتظر مصيره ؟! سينزل جثة هامدة في أرض صحراء مقفرة، فجاءت الطيور لتأكله و تنهش لحمه، هذا المثل الذي ضربه القرآن الكريم يساوي تماما الإشراك بالله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
ذلك أن كل أمراض النفس هي أعراض لمرض واحد،النفاق ليس مرضا بل هو عرض و الخوف ليس مرضا بل هو عرض والاعتماد على الذات عرض وليس بمرض، عدم الإخلاص عرض، هذه الأمراض التي تبدو متفشية في المجتمع الإسلامي إنها أعراض لمرض واحد ألا وهو الشرك، لذلك قال العلماء: الشرك نوعان: شرك جلي و شرك خفي، الشرك الجلي قلما نجده في العالم الإسلامي لأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أنزل الكتاب على عبده وانتشر الهدى يئس الشيطان أن يُعبد غير الله في بلاد المسلمين، أن يكون هناك إلها كاللات و العزى تعبد من دون الله تعالى بعد بعثة المصطفى هذا مستحيل، عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهم ))

[رواه الترمذي]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
الشرك الجلي غير موجود، أما الموجود أن يعتمد الإنسان على زيد أو عبيد، على فلان أو علان، الآية دقيقة جدا والتي ينبغي أن تكون واضحة لديكم قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾

[سورة التوبة]
هناك موضوع دقيق ينبغي أن يكون واضحا وهو يعين على فهم هذه الآية التي توضِّح تلك الآية، هناك حبٌّ في الله و هناك حب مع الله، فمن أحبَّ زوجته حبا حمله على أن يطيعها و يعصي الله فهذا حب مع الله وهو عين الشرك، أما إذا أحب الله فرأى امرأته مستقيمة مؤمنة طاهرة فأحبها لدينها فهذا حب في الله، و الحب في الله من كمال الإيمان والحب مع الله عين الشرك، من أحب بيتا مغتصَبا أحبه و آثر أن يبقى فيه على أن يرده إلى صاحبه.

﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾
رأى البيت مميزاته أفضل عنده من أداء الحقوق و من إرضاء الله عز وجل، تجارة مبنية على الحرام ؛ بضاعة حرام أو التعامل حرام لكن الدخل كبير و فلكي، ويقول: أنا مضطر وعندي أولاد.

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾
أحبها مع الله، و الإنسان قد يحب الدخل الحلال في الله، فالحب مع الله شيء و الحب في الله شيء آخر، الحب في الله من كمال الإيمان، و الحب مع الله عين الشرك، فأن يشرك الناس و أن يعبدوا إلها غير الله فهذا في العالم الإسلامي غير موجود، هذا هو الشرك الجلي، لكن الشرك الخفي كما قال عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
إخواننا الكرام، ضعف الإخلاص من ضعف التوحيد و ضعف المحبة لله من ضعف التوحيد، النفاق من ضعف التوحيد و التملق من ضعف التوحيد و التمزق من ضعف التوحيد، و الخوف من ضعف التوحيد، فأمراض النفس الوبيلة واحدة واحدة لو حلّلتها لوجدتها من ضعف التوحيد، لذلك "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
الآية الكريمة، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
أعتقد أنه لا توجد مصيبة في الدنيا أعظم من أن يسقط الإنسان من الطائرة و أن يأتي إلى الأرض جثة هامدة و أن تأتى الطير فتأكله وتبعثر أشلاءه، هذه مصيبة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
الطريق مسدود، بعت حياتك لإنسان و الإنسان ضعيف وهو ضعيف مثلك قد لا يعلم حجم التضحية و إذا علمها قد لا يكافئ و إذا أراد أن يكافئ قد لا يستطيع، فلما يضبط الإنسان حياته و شبابه ووقته وعمره وذكاءه و لغته لغير الله فقد غُبِن غبنا فاحشا، فقد باع النفيس بالخسيس، لذلك أخطر موضوع في القرآن على الإطلاق الشرك والدين كله توحيد، وفحوى دعوى الأنبياء جميعا هي التوحيد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[سورة الانبياء]
فإذا اعتقدت أن فلانا قويٌّ وبإمكانه أن ينفعك أو يضرك إذًا تطيعه و تعصي الله عز وجل، وفي الحقيقة هو ليس قويا والله هو القوي، و من أرضى الناس بسخط الله سخط عنه الله و أسخط عنه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضيَ الله عنه و أرضى عنه الناس، فالتوحيد هو الدين كله، و لن تجد في العالم الإسلامي شركا جليًّا لكن الذي تجده شرك خفي، الواحد إذا قال: الله أكبر لكنَّه يطيع زوجته ويعصي ربه، و الحيقة التي لا مراء فيها أنه رأى إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله، و الواحد يغش الناس في البيع والشراء و يحقق دخلا كبيرا، إذا قال لك: الله أكبر يوم العيد فلا تصدقه، رأى هذا الدخل الكبير أكبر عنده من طاعة الله، هذه هي الحقيقة، و إنسان أطاع إنسانا أقوى منه و عصى ربه ؛ رأى هذا الإنسان أقوى إرضاءً له، و إرضاؤه أغلى عنده من إرضاء الله، فنحن مشكلتنا في الشرك الخفي، وهو الذي يشل الإنسان و يقعده عن العمل الصالح، و يخيفه قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

[سورة آل عمران]
فالخوف من الشرك و النفاق من الشرك و التملق من الشرك و الانهيار الداخلي من الشرك و الخنوع من الشرك والقلق من الشرك، أما التوحيد فقد قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)﴾

[سورة الأنعام]
لذلك قالوا: نهاية العلم التوحيد و نهاية العمل الطاعة، فهذا مثل في كتاب الله قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
ضربتُ لكم مثلا حديثا، إنسان له مبلغ في حلب مليون ليرة و عليه أن يقبضه على الساعة الثانية عشر من يوم السبت، ركب القطار على الساعة السابعة، فقد يرتكب في هذا القطار عشرات الأخطاء و كلها مغفورة، أما الغلطة التي لا تغتفر أن تركب قطار درعا، فإذا توجه العبد إلى الله و أخطأ يتوب ويغفر الله له، أم أن يعتمد على إنسان فلا و لا يشرك الإنسان بربه إلا و يخيِّب الذي أشركه مع الله ظنه، قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

(( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ))

[رواه مسلم]
و ابن عطاء الله السكندري يقول: إن الله لا يقبل العمل المشترك " لا يحب العمل المشترك و لا القلب المشترك، فكيف نوحِّد؟
بالتفكر في خلق السماوات و الأرض والتفكر في أفعال الله و التفكر في كلامه، هذه المصادر الثلاثة ؛ خلقه و أفعاله وكلامه تدل عليه، فإذا أيقنت أنه لا إله إلا الله سعدت و أسعدت، و إن لم توقن فاسمع قوله تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
أحد أكبر عذاب النفس الشرك بالله، لذلك الآية قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-11-2018 02:41 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام الآية الثانية والخمسون و الثالثة و الخمسون و الرابعة والخمسون من سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة: من خلال هذه الآيات يتضح أن معركة الحق و الباطل قديمة قدم الإنسان، و مستمرة إلى يوم القيامة،فلا ينبغي للمؤمن أن يعجب أو أن يفاجأ أو أن يتألم إذا رأى هناك من يكيد للحق، وهذه الصيغة صيغة شمولية، قال تعالى:

﴿ُوَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾

[سورة الحج]
على الإطلاق.

﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾

[سورة الحج]
ما المفعول به لفعل " تمنى " هذا النبي ماذا يتمنى؟ وما الذي يليق به أن يتمنى ؟ تمنى هداية الخلق، و تمنى تعريفهم بربهم و إسعادهم و الأخذ بيدهم إلى الله و تمنى أن يستقيموا على منهج الله، وأن يعرفوا سر وجودهم، تمنى أن تأتي أعمالهم موافقة للآخرة قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
فهذه الهاء في " أمنيته" على من تعود ؟ الحقيقة إذا أعدناها على النبي وقعنا في معنى فاسد و الأنبياء معصومون ولا يستطيع الشيطان أن يدنو منهم، قال عليه الصلاة والسلام:
((يا عمر ما سلكتَ فجًّا إلا وسلك الشيطان فجًّا غير فجِّك.."))
فإذا كان هذا من عمر أفيعقل أن يصل الشيطان إلى النبي ؟!! و إذا وصل إلى النبي فأين حصانته ؟ و أين إقباله واستعاذته ؟ وأين نوره و أين عصمته ؟ إذا وصل الشيطان إلى النبي صار كل شيء قاله النبي يُظن فيه هل سُحر أم دخل عليه الشيطان ؟ لكن الصواب أن الهاء تعود على الشيطان نفسه كلما تمنى النبي هداية الخلق و إسعادهم ألقى الشيطان في أمنيته هو أن يضلهم و أن يفسدهم و أن يخوفهم و أن يعدهم الفقر هذه مهمة الشيطان إذا خطر ببال الواحد أن يعطي أخته ذات الدخل المحدود مساعدة ثم تردد ثم قال: مالي ولها، هذا خاطر شيطاني،قال تعالى:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)﴾

[سورة البقرة]
و قال تعالى:

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

[سورة آل عمران]
أيها الأخوة الكرام: أي خاطر يرد عليك، نويتَ الإنفاق ثم ترددت فهذا خاطر شيطاني، دخلت مجلس العلم، لعل أخطار تنتظرني، فهذا خاطر شيطاني، لأنك تعبد خالق الأكوان والذي تعبده هم أٌوى الأقوياء وملك الملوك، وقلوب الملوك بيده، فإن أطاعوه العباد حوَّل الله قلوب ملوكهم بالرحمة والرأفة، و إن هم عصوا حوَّل الله قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسد الملوك وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم، لذلك خاطر يخوِّف شيطاني،ى خاطر يدعوك إلى البخل فهو من الشيطان، خاطر يدعوك إلى المعصية خاطر شيطاني، يجب أن تفرز الخواطر، هناك إلهامات ملائكية و هناك خواطر شيطانية، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
تمنيات الأنبياء راقية جدا هداية إسعاد و رحمات وكسب الدنيا و الآخرة قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
عكس ما يتمنى النبي، فهناك معركة من الأزل و إلى الأبد بين الحق و الباطل، الشيطان يدعوك إلى الانحراف والله يدعوك إلى طريق الاستقامة، الشيطان للخيانة والإله العظيم إلى الإخلاص، الشيطان إلى الإساءة والله يدعوك إلى الإحسان، الشيطان إلى الجحود و خالق الأكوان إلى الاعتراف بالفضل، دائما هناك إثنينية في الحياة ؛ حق وباطل، خير وشر، استقامة وانحراف، إحسان و إساءة، صلاح وطلاح، إنصاف وجحود، قال لي أخ: طلبت مني أختي خمسة آلاف ليرة، قال لي: واللهِ لا أملك غيرها، وقعت في صراع شديد بيني وبين نفسي، ثم عزمتُ أن أعطيها المبلغ، و نزلت إلى محلي التجاري جاءني رجل سألني عن بضاعة ليست عندي فقال دلني على من يبيعها ؟ فدللتُه، وفي المساء جاءني صاحب المعمل بعشرة آلاف ليرة، قال لي: هذه مني لك نظير ما اشترى الذي جئتَ به.
عندنا ثمان آيات في القرآن الكريم، وإذا صدَّقنا خالقنا، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39) ﴾

[سورة سبأ]
و قال تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[سورة البقرة]
فالله يعلم و يخلف، وكل إنسان يحجم عن الإنفاق معرفته بالله ضعيفة الله يضاعف إلى سبعمائة ضعف، لذلك الإنسان يطعم اللقمة في الدنيا فيراها يوم القيامة كجبل أحد، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
هو والفعل فعل الله قال تعالى

﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾

[سورة الحج]
التخويف باطل والوعد بالفقر باطل، والوعد بالدنيا المديدة باطل، أمل الشيطان باطل، فكل وساوس الشيطان تتلاشى كفقاعة الصابون، قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ ﴾

[سورة الحج]
وعده يتحقق ووعيده يتحقق وأحلام الشيطان لا قيمة لها إطلاقا وليس لها عند الله وزن، قال تعالى:

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(120)﴾

[سورة الحج]
قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾

[سورة الحج]
أيَّة آيات ؟ مثلا وعد المؤمن بحياة طيبة، فإنه سيجدها وهذه الحياة الطيبة هي شهادة الله لهذا المؤمن على أنَّ هذا الكلام كلام الله والدليل هذه الحياة الطيبة التي وعدتك بها بين يديك، المعيشة الضنك شهادة الله للمعرض أن هذا الكلام كلام الله، والمعيشة الضنك التي أوعدت بها المعرض عني هي بين يديك، قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) ﴾

[سورة الحج]
أمَّا قوله تعالى:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾

[سورة الحج]
الوساوس امتحانات من الله لهذا الإنسان الضعيف، أحيانا الشيطان يوسوس له فيستجيب الإنسان فيسقط من عين الله، فكل بطولتك أن تنجح في الامتحان، فهذه الوساوس كالوعد بالإفقار و التخويف و الإغراء بالمعصية،هذا الذي يفعله الشيطان
هو امتحان للإنسان، فسائق الطاكسي في الشام استوقفتْه امرأة يبدو أنه سائحة من بلاد خليجية، ركبتْ معه، قال: إلى أين يا أختي، قالت له: إلى حيث تريد، فهم الموضوع، ونال وطره منها، أعطته ظرفا فيه خمسة آلاف دولار و رسالة، فتح الرسالة فإذا فيها: "مرحبا بك في نادي الإيدز " هي مصابة، و ذهب ليصرف هذه الدولارات فإذا هي مزورة فأودع في السجن، هذا هو فعل الشيطان، لو كان مؤمنا لفتح الباب وركلها برجله، أليس كذلك ؟! لذلك الشيطان كما قال تعالى:

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(120)﴾
قال تعالى:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)﴾

[سورة الحج]
و الأيام تدور و الأحداث تتطور قال تعالى:

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾

[سورة الحج]
فالذي جاء في كتاب الله هو الحق وكل ما كان خلافه فهو باطل ولا يبقى إلا الحق ولا يثبت، ولو بقي سبعين عاما لتهاوى كبيت العنكبوت ويسقط في الوحل، وما من مجتمع منهار فيه المافيا والجرائم و الفقر كالمجتمع الذي قال: لا إله، أصبح شراذم متفرقا منحرفا مهانا فقيرا، وهذا هو مصير المنحرفين قال تعالى:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

[سورة الإسراء]
شديد الزُّهوق، بحجمه الكبير، أو بأعداده الكثيرة قال تعالى

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)﴾

[سورة الحج]
فمهما تحرك الإنسان فمآله إلى الله و إلى هذا الدين القويم، والشيء المؤلم أن يعود الإنسان إلى الله بخريف العمر وهو كبير بعد ما قضى كل شهواته وشبابه وصحته و ماله، المفروض أن تأتي إلى الله و أنت شاب في ريعان شبابك و قوتك و غناك و صحتك، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) ﴾

[سورة الحج]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-11-2018 02:43 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآيات الأخيرة بدءا من الآية السادسة والسبعين وحتى نهاية سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
ما هو الفلاح ؟ هو النجاح و الفوز و التفوق و الشعور بالسبق، ففي حياتنا الدنيا لو أن الإنسان يعتني بصحته، و أجرى تحليلا لدمه، فوجد أن كل شيء في جسمه نظامي ؛ نسبة السكر طبيعية و الكولسترول وكل شيء جيد ؛ عمل تخطيطا فكل شيء جيد، و نبضات القلب صحيح فحينما يشعر أن صحته جيِّدة يشغر بالتفوق والفلاح، و إذا اشترى بيتا بثلاثين ألف ثم أصبح سعره ثلاثين مليونا يفرح، و إذا عنده مزرعة يقيم فيها وقت طيبا، وتجارته رابحة هذا هو الفلاح في الدنيا، فربنا عز وجل يقول إذا أردتم الفلاح الحقيقي ؛ هذه الدنيا تنتهي عند الموت، فالموت يلغي غنى الغني و يلغي فقر الفقير، يلغي قوة القوي و ضعف الضعيف يلغي وسامة الوسيم و دمامة الدميم، فأين الفلاح إذا ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
العلماء قالوا "اركعوا واسجدوا " أي صلوا لأن الركوع و السجود أبرز أركان الصلاة، فعبَّر عن الكل بالجزء، لأن أبرز ما في الصلاة أن تركع لله خاضعا و تسجد له مستعينا، أنت في الركوع خاضع لأمر الله و في السجود تستمد منه العون كي تطبقه، قال تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾

[سورة الفاتحة]
نعبد في الركوع و نستعين في السجود، فربنا سبحانه تعالى عبَّر عن الصلاة التي هي عماد الدين و التي من أقامها أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ولا خير في دين لا صلاة فيه و ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، والصلاة معراج المؤمن، و لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل و الصلاة طهور و الصلاة نور، و الصلاة ميزان، فمن وفَّى استوفى، قال تعالى:

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)﴾

[سورة مريم]
بل إن الدين كله اتصال بالخالق و إحسان إلى المخلوق، حركة نحو السماء و حركة نحو الأرض، قال تعالى:

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)﴾

[سورة مريم]
أي يا عبادي إنكم تحبون التفوق و الفلاح والنجاح و الفوز، فالإنسان إن شعر أنه متفوق في دراسته أو في عمله أو في تربية أولاده، هذا هو الشعور بالتفوق وينتهي بالموت، فمهما كنت متفوقا فإنه ينتهي مع الموت والذي يجمعه الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
هذه عبادة، وكل أمر في القرآن و في السنة الصحيحة يقتضي الوجوب و أنت أمام منهج واسع جدا، و من السخافة و الغباء و المحدودية في الإنسان أن يتوهم الدين صلاة و صوما و حجا وزكاة فقط، الدين أكثر ما يظهر في الأسواق وفي البيع و الشراء و في إتقان العمل و في صدق الحديث وفي الأمانة و الوفاء بالعهد، الدين معاملة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
أنت مكلف أن تطيع الله في كل شيء في علاقتك الحميمة مع زوجتك وفي علاقتك بمن حولك، قال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾

[سورة الحج]
في كل ما أمر، فلا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئا حتى تحوزه إلى رحلك، فأكثر بيوع التجار فيها شبهات لجهلهم بأمور الفقه، قال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾

[سورة الحج]
هذا الأمر و الفرض و الإلزام، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
التطوع، إنفاق المال، الدعوة إلى الله، عيادة المريض، تشييع الجنازة الإحسان للفقراء، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
و الخير ليس له حدود، قال تعالى :

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
فالفلاح الحقيقي هل تعرفون متى ؟ عندما يأتي ملك الموت و تشعر بأنك من معظم الناس تفوقتَ في معرفة الله و الإعداد لهذه الحياة الأبدية، هذا التفوق، و أحيانا الإنسان يتوهَّم التفوق في زينة الحياة الدنيا في مزرعته و بستانه و بيته و سيارته، هذا التفوق الموهوم الذي يدل على بعد و جهل بالله عز وجل، أما التفوق الحقيقي قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
أحيانا تجد طالبين في الجامعة، أحدهما يقضي كل وقته في النزهات و اللعب و العزومات، و الثاني يجتهد في الدراسة، لكن متى الخزي للأول ؟ عند الفحص، فالتفوق في الدراسة يقتضي السهر للدراسة، فربنا عز وجل يلفت نظرنا أنه إذا أردتم التفوق فهذا هو طريق التفوق، ثم قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[سورة الحج]
النملة تصعد وتنزل، فأحد الأشخاص الأميين رأى نملة صعدت إلى هدفها أربعين مرة، و كان عمره أربعين عاما، علَّمتْه هذه النملة المجاهدة فتعلم القراءة و الكتابة و قرأ القرآن و حفظه و ما مات إلا وهو شيخ الأزهر، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾

[سورة الحج]
بالغ في الطاعة و أنفق من مالك و اجلس على ركبتيك في طلب العلم، و تعرَّف إلى ربك و إلى سنة نبيك، وجاهد نفسك و هواك، فطاعة الهوى هوان.

وا خجلتي من عتاب ربي إذا قال لي أسرفتَ يا فلان
إلى متى أنت في المعاصي تسير مُخَرى لك عن العنان
عندي لك الصلح وهو بِري و عندك السيف و السنان
ترضى بأن تنقضي الليالي وما انقضتْ حربُك العوان
فاستحِ من كتاب كريــم يحصي به العقل و اللسان
واستحِ من شيبة تراهــا في النار مسجونة تُهــان
***

يا عبدي كبرتْ سنُّك وانحنى ظهرك و ضعف بصرك و شاب شعرك فاستحِ مني فأنا أستحي منك

إلى متى أنت باللذات مشغول و أنت عن كل ما قدَّمتَ مسؤول
***

و قال الشاعر:

تعصي الإله و أنت تظهر حبه ذاك لعَمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتـه إن المحِبَّ لمن يحبُّ مطيع
***

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) ﴾

[سورة الحج]
امرأة أُصيبتْ بورم خبيث في دماغها، ولكنَّ الله جل جلاله أكرمها بالشفاء، ماذا تفعل؟ كيف تقربتْ إلى الله ؟ إنها تُجيد الطبخ، فصارت تطبخ طبخات عالية المستوى و تبيعها إلى الأسر الغنية و تأخذ ربحها و تعطيه للفقراء و المساكين، و تعالج به بعض المرضى، و أكثر من اثني عشر عملية قل بتمَّت على نفقة هذه المرأة الفقيرة التي لا تملك إلا إتقانها للطبخ، لأبواب الخير مفتوحة، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾

[سورة الحج]
لا تستطيع أنت أن تعمل درسا أسبوعيا لأولادك و أهلك ؟ آية و حديث و سيرة و فقه، فلما تعيش بقلوب الآخرين فأنت أسعدهم، وإذا أردتَ أن تسعد فأسعد الآخرين، ألا تستطيع أن تزور فقيرا ؟ حينما تلبي دعوة الأقوياء و دعوة الأغنياء فهذه التلبية من الدنيا، أما حينما تلبي دعوة الفقراء و المؤمنين هذه التلبية من الآخرة، أليس لك قريب تزوره، أفلا تستطيع أن تتفقد الأسر الفقيرة، تطعمهم بوجبة شهرية، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
ثم قال تعالى:

﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾

[سورة الحج]
هو اختاركم لهذه الرسالة العالية ثم قال تعالى:

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾

[سورة الحج]
فالدين يسر، "قال تعالى:

﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾

[سورة الحج]
أنتم أيها العرب جعلكم الله أمة وسطا بينه و بين خلقه، هذه الرسالة حمَّلكم الله إياها، فلا تتمُّ الدعوة بكلمة، فلا بد من طول زمن و صبر .

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة: هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة تلخِّص السورة بأكملها فإن أردتم التفوق هذا هو الطريق، أما جمع المال فلا يجعلك متفوقا وكل شيء تجمعه في حياتك الدنيا تخسره في ثانية واحدة، فالفلاح في طاعة الله وفي عبادته و في أداء الصلوات وفي فعل الخير و في مجاهدة النفس و الهوى وفي الدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

[سورة الحج]






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-12-2018 08:36 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الأولى من سورة المؤمنون، والمؤمنون على الحكاية، لأنها في اللغة سورة المؤمنين، لكن المؤمنون اسم سورة يبقى على حاله، و إذا قلنا سورة المؤمنون و حتى لا يُتوهم أننا أخطأنا، نقول على الحكاية، فالآية الأولى قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أوَّلا ؛ نقول: نجح فلان وقد نجح فلان إذا رأيت اسمه بعينك في قائمة الناجحين، ف "قد" حرف تحقيق، و "أفلح " من الفلاح وهو النجاح والتفوق و الفوز، فالله عز وجل يقرر في هذه الآية أن الذي يفلح و ينجح و الذي يتفوق ويسعد هو المصلي، فإذا كان تصورك للتفوق غير ما في كتاب الله فهذه مشكلة كبيرة جدا، فإذا تصور أحدنا أن النجاح في حيازة المال، و الله يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا هو الضلال البعيد، و إذا توهمت أن الفلاح في الانغماس في الملذات فهذا هو الضلال المبين، البطولة أن تأتي مفاهيمك و تصوراتك و مقاييسك عن الفلاح مطابقة لما في كتاب الله عز وجل، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.))
هذه قضية خطيرة، تصوُّرك للفلاح ما هو ؟ أن تمتلك المال الكثير ؟ أم أن تكون في منصب رفيع ؟ أم يكون حولك أتباع كثيرون ؟ أم تكون لك أجمل زوجة في الأرض؟ أو أن تكون ذا مكانة اجتماعية رفيعة ؟ فكيف تفهم التفوق ؟ و كيف تفهم الفوز؟ و كيف تفهم النجاح و الفلاح ؟ عُد إلى كتاب الله خالق الكون هو الخبير، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]
ليس هناك إنسان في الدنيا عنده حاسوب تعطَّل فذهب إلى جاره بائع الخضر ليصلحه، لا لابد لك من خبير في هذا الجهاز، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

(سورة فاطر)

و خبرة الله قديمة، بينما خبرة الإنسان محدثة، و الدليل ؛ انظُر إلى سيارة صُنِعت عام (1912)و إلى أخرى عام (1995) ترى المسافة شاسعة جدا، معنى ذلك أن خبرة الإنسان تنمو، أنا سمعتُ أن أول قطار صُنع في بريطانيا أُمِر صاحب القطار أن يوظِّف شخصا يمشي أمامه ليحذر الناس، كم سرعته ؟ أقل من ثلاثة كيلومتر، هكذا كانت الآلات في أول عهدها، الآن 360كيلو في الساعة للقطار، فما معنى هذا الفارق الكبير ؟ الخبرة تُكتسب و هي محدثة، أما خبرة الله عز وجل فقديمة هل طرأ على الإنسان تغيير ؟ كل البشر من خلق واحد و من كمال واحد معنى ذلك أن خبرة الله قديمة، لم يطرأ على الإنسان أي تعديل في خلق الإنسان، لذلك هناك من ينتقد كلمة " الزائدة الدودية " يعني ان الله خلقها زائدة !! هي جهاز دفاع لذلك الطبيب المسلم يسميها "الذائدة " ذاد بمعنى دافع، فإذا أردت أن تقول: فلان التهبت زائدته الدودية، و إلا تقع في خطأ كبير، فليس ثمة شيء زائد، شركة سيارات هل تضع شيئا زائدا في السيارة ؟ قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
الله عز وجل يقرر وهو الخبير قال تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)﴾

[سورة الملك]
أن الفالح هو المؤمن ولو كان فقيرا ضعيفا مستضعفا، وأن الخاسر هو الكافر و لو كان غنيا قويًّا، و كفى بالمرء علما أن يخشى الله و كفى به جهلا أن يعصيه، الذي معه أعلى شهادة و يعصي الله مدموغ بالجهل وواحد حاجب يصلي الأوقات الخمس و يغض بصره و دخله حلال هذا مدموغ بالذكاء مع أنه أميٌّ، وهناك حديث مُخيف، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ قَالَ و قَالَ مَسْرُوقٌ الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهَا ))

[رواه الدارمي]
عَنْ مَسْرُوقٍ:

(( قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ قَالَ و قَالَ مَسْرُوقٌ الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهَا ))

[رواه الدارمي]
لذلك فرقوا بين العقل و الذكاء، فما كل ذكي عاقل، لكن كل عاقل ذكي فالإنسان لو كانت معه أعلى الشهادات و كان زانيا أو شارب خمر، هذا غير عاقل رغم ذكائه في اختصاصه، فالعقل يتعلق بالكليات و الذكاء يتعلق بالجزئيات.
الله تعالى يقرر أنْ يا عبادي الفلاح كل الفلاح والنجاح كل النجاح و الفوز كل الفوز و التفوق كل التفوق أن تكون مؤمنا، فمتى آمنتَ ؟ هل هناك في عالم الماديات أن رجلا نام ثم استيقظ فوجد معه دكتوراه !! إيمان و جنة عرضها السماوات و الأرض و ما عندك وقت لحضور مجلس العلم، ولا ملتحق بجامع تأخذ العلم منه، و لستَ حريصا على فهم كتاب الله الذي هو منهج الحياة و لا فهم سنة رسول الله التي هي بيان لكتاب الله، متى آمنتَ إذا ؟! هذا إيمان تقليدي لا يقدِّم ولا يؤخِّر، بل هو إيمان إبليسي، لأنَّ الله قال عن إبليس:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

[سورة ص]
فربنا عز وجل قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة: الإيمان مراتب، مرتبة علمية و مرتبة أخلاقية و مرتبة جمالية، فإذا قلتَ أنَ فلانا مؤمن أي معه اختصاص في العلم و اختصاص في الأخلاق و اختصاص في الجمال، أذواقه عالية جدا وعلمه عالٍ وأخلاقه عالية، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
الإيمان يحتاج إلى بذل جهد مثلا ؛ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل "))
أحد العلماء الكبار وهو الجنيد يقول: ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء و ليس الولي الذي يطير في الهواء فالطائر يطير و السمكة تمشي ولكن الولي كل الولي هو الذي تجده عند الحلال و الحرام .
إخواننا الكرام، الدين لا يظهر في المسجد، فكلنا في المسجد، الدين يظهر في الأسواق في البيع و الشراء، في غض البصر وفي تحرير الدخل في صحة الإنفاق، في الأمر بالمعروف وفي تربية الأولاد، وفي ضبط الزوجة وضبط البنات، أن تكون مع المؤمنين لا مع أهل الدنيا، هذا هو الإيمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب و صدقه العمل "))
يقول عليه الصلاة والسلام عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ:

(( يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ يَا مُعَاذُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا ))

[رواه البخاري]
قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)﴾

[سورة محمد]
فكلمة الإيمان كبيرة جدا، وتقريبا لأذهانكم كلمة " دكتور" التي يُرمَز لها حرف "د" التي كلَّفته دراسة خمسة وثلاثين سنة، هذا بمقياس أهل الدنيا بمقياس أهل الإيمان كلمة " "مؤمن" يعني لا يمكن أن يأكل الحرام و لا يمكن أن يكذب لا يخون و لا يعصي الله عن علم، إلا بجهالة ثم يتوب هذا هو المؤمن، فكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ؛ المؤمن لا يغدر و لا يغش ولا يكذب، ومرتبة علمية، فالمؤمن يعرف موقعه من الحياة، ويعرف لماذا خلقه الله، وما مهمته في الدنيا، ما الهدف البعيد الذي يسعى إليه و لماذا يتزوج، ولماذا يعمل، فله فهم عميق للحياة، والكافر سطحي المؤمن مرتبة جمالية، لا يقعد للغناء والنساء كاسيات عاريات والكؤوس تُدار، هذا مكان للمتفلتين، تختار مكانا هادئا و جميلا تسبح الله عز وجل لا يرى الناس أهلك و لا يرى أهلُك الناس، هذا هو الذوق، فالمؤمن مرتبة جمالية و مرتبة علمية و مرتبة أخلاقية، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أنت متى آمنتَ ؟ هل لك مجلس علم تحضره ؟ هل عرفت كتاب الله ؟ و هل وقفت على أحاديث رسول الله ؟ وهل تتبعت أخبار الصحابة ؟ هذا العلم لذلك الله تعالى يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
والذي عنده الملايين لم يفلح لأنه سيتركها، أكبر غني في العالم مات في يخت مع عاهرة في البحر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[سورة القصص]
و قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ(8)وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي(9)وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(10)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[سورة الفجر]
ما أفلحوا، و ما أفلح من ملك الأرض لأنه سيموت، قال تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)﴾

[سورة الرحمن]

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر و العمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول
فإذا حملتَ إلى القبور جــنازة فاعلم بأنك بعدها محــمول
***

فكل ذكائنا و عقلنا يجب أن يتجه إلى ساعة لقائنا مع ربنا .

وا خجلتي من عتاب ربــي ذا قال لي أسرفت يا فـــلان
إلى متى أنت بالمعــاصـي تسير مرخى لك العنـــــان
عندي لك الصلح وهو بـري وعندك السيف والســـــان
ترضى بأن تنقضي الليـالي وما انقضت حربكُ العــوان
فاســتحِ من كتاب كريم يحصي بها العقل و اللسان واسـتـح من شيبة تراهـا فـي النار مسجونة تـهان
***

أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
هذه الآية واردة فيما أعتقد أربع مرات في القرآن كله، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)﴾

[سورة الأعلى]
و قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)﴾

[سورة الشمس]
وقال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
فعند الله تعالى إذا آمن الواحد و اتصل به و زكى نفسه فهو العالم و الذكي و المفلح و الذي رضي الله عنه، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾

[سورة الكهف]
لذلك:

رجـــل يدري بـأنه يــــدري فذاك عـالم فاتــــبـعــوه
ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلمــــــــوه
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهـذا شيــطان فاحــــذروه
***











والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-12-2018 08:40 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾

[سورة المؤمنون]
وقال تعالى بعد ذلك:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة: هناك حقيقة منطقية دقيقة وخطيرة، أضع لكم مثلا تمهيديا لهذه الآيات، الله جل جلاله يقول: الذين، إعراب الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة، وفي علم المنطق الصفة قيد، نقول كلمة إنسان التي تشمل خمسة آلاف مليون، و الآن أصف هذا الإنسان بأنه مسلم، ضاقت الدائرة من خمسة آلاف مليون إلى ألف مائتي مليون ثم أضع صفة ثانية، إنسان مسلم عربي، ضاقت هذه الدائرة إلى مائتي مليون، أضع صفة رابعة، إنسانٌ مسلمٌ عربيٌ مثقّف، ضاقت إلى خمسين مليون، أضعُ صفةُ جديدة، إنسانٌ مسلم عربيٌ طبيب، إلى مائتي ألف، أضع صفة جديدة، إنسان مسلم عربي طبيب سوري، إلى خمسين ألف، وأضع صفة أخرى، اختصاص قلب، إلى خمسة، وصفة جديدة مقيم في دمشق، إلى واحد، الصفة قيد و كلما كثرت الصفات ضاقت الدائرة، لو احتجنا موظفا معه دكتوراه في العلوم و خادم عسكرية و عمره أقل من أربعين سنة، ويتقن اللغة الإنجليزية و الفرنسية، من خمسة عشر مليون لا يُجد خمسة، فكلما كثرت الصفات تضيق الدائرة حتى لا يتوهم الواحد أنه فالح لأنه مؤمن، والله عز وجل قال :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

[سورة المؤمنون]
خرج الذين لا يخشعون في صلاتهم،

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

[سورة المؤمنون]
ضاقت الدائرة، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، وآفات اللسان كثيرة جدا، وهي محبطة للعمل، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ:

(( الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

[رواه ابن ماجه]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[رواه الترمذي]
قد أفلح ليس كل المؤمنين "قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)﴾

[سورة المؤمنون]
فما تلف مال في بّرٍَ أو بحر إلا بحبس الزكاة، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾
تطهر الفقير من الحقد و الغني من الشح و المال من تعلُّق حق الغير به و تزكيهم، أي تنمي مال الفقير لأخذه للزكاة، وتنمي مال الغني بوجود قدرة شرائية بيد الفقير يشتري من الغني مرة ثانية، و تُنمِّي المال بالعِناية الإلهية المُباشرة، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾

[سورة التوبة]
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾

[سورة المؤمنون]
العَيْنُ تزْني و زِناها النَّظر، و الأذن تزني وزناها السمع، و اليد تزني و زناها اللمس، فالزنا له معنى واسع، أيُّ متعة أجنبية لا تحل لك ولو بنظرة في الطريق.

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) ﴾

[سورة المؤمنون]
الآن كل انحرافات الجِنس التي تفيض الكتب في الحديث عن تفاصيلها، أجملها القرآن الكريم في كلمة واحدة، قال تعالى:

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

[سورة المؤمنون]
الدين كله حياء، دقِّق كيف أن الله تعالى عبَّر عن كل انحرافات الجنس ـ لواط وزنا المحارم و سحاق ـ كل هذا الانحراف عبَّر الله تعالى عنه بقوله:

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾

[سورة المؤمنون]
قال عليه الصلاة والسلام:
((مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[رواه أحمد]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))

[رواه البخاري]
وقال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملتْ مروءته وظهرت عدالته و وجبت أخوته و حرمت غيبته"و قال ذاك جعفر بن أبي طالب للنجاشي: حتى بعث الله فينا رجلا نعرف صدقه وأمانته "
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))
الإسلام بناء بُني على هذه الخمس، لما سيدنا جعفر بن أبي طالب بيَّن للنجاشي حقيقة الدين.

(("... فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ..." ))

[رواه أحمد]
سيدنا جعفر الصحابي الجليل أحد أركان الإسلام عرَّف الإسلام بقيم أخلاقية، إذًا بُني الإسلام على خمسة أركان و ليست هي الإسلام.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)﴾

[سورة المؤمنون]
المحافظة على الصلاة ليس أداؤها في وقتها فحسب، بل في الاستقامة قبلها، إن لم تحافظ على استقامتك فأنت محجوب عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
فحتى لا يتوهم الإنسان أنه مؤمن لا ينقصه شيء، الله عز وجل وصف صفات المؤمنين وكل صفة تضيِّق الدائرة إلى أن تصبح الدائرة ضيِّقة جدا، هؤلاء بالذات.

﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)﴾
قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)﴾

[سورة المعارج]
شديد الخوف ترتعد فرائسه لأي خبر و إذا مسه الشر.قال تعالى:

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

[سورة المعارج]
الترتيب نفسه، ليس كل مصَلٍ يصلي، إنَّما أتَقَبَّل الصَّلاة مِمَّن تواضَع لِعَظَمتي، وكفَّ شَهواتِهِ عن مَحَارِمِي، ولم يُصِرَّ على معْصِيَتي وأطْعَمَ الجائِع، وكسَى العريان، ورَحِمَ المُصاب، وآوَى الغريب ؛ كُلّ ذلك لي، وعِزَّتي وجَلالي إنّ نورَ وَجْهِهِ لأضْوَءُ عندي من نور الشَّمس على أنْ أجْعَلَ لهُ الجَهالَةَ حِلْمًا، والظُّلْمة نورًا، يدْعوني فَألَبِّيهِ ويسْألني فأُعْطيه، ويُقْسُمُ عليَّ فأبرّه، أكلأه بِقُرْبي وأسْتَحْفِظُهُ ملائِكَتي، مثَلُهُ عندي كَمَثل الفِرْدَوْس لا يُمَسُّ ثمرُها، ولا يتغيَّرُ حالها، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

[سورة المعارج]
قال تعالى:

﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ(35)﴾

[سورة المعارج]
الصِّفَةُ قَيْدٌ في اللُّغَة، وكلَّما جاءَتْ صِفَة ضاقَت دائرة الشُّمول، فهذه الآية في مَطْلَعِ سورة المؤمنون دقيقة جدًّا، ليس كُلُّ المؤمنين مفلحي بل الذين هم في صلاتهم خاشِعون، ولذلك قالوا: الخُشوع في الصَّلاة ليس مِن فضائِلِها، بل مِن فرائِضِها، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) ﴾

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
نرْجو الله سبحانه وتعالى أن تنطَبِقَ علينا كلّ هذه الصِّفات حتَّى نسْتَحِقَّ هذا الوَعْد الإلهي.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-12-2018 08:41 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآيات الحادِيَة عشْرة والتي بعدها مِن سورة المؤمنون، آياتٌ كَوْنِيَّةٌ دالَّةٌ على عَظَمَةِ الله عز وجل، ويا أيُّها الأخوة الأكارِم مرَّاتٍ ومرَّاتٍ أُذَكِّرُكم بأنَّ الآيات الكَوْنِيَّة في القرآن الكريم هِي موضوعات للتَّفكُّر في خَلْق السَّماوات والأرض ؛ لأنّ الطريقة الوحيدة لِمَعْرِفَة الله تعالى هِي التَّفكُّر في خلْقِهِ، فالحَوَاسُّ البشَرِيَّة عاجِزَةٌ عن إدْراكِ الله تعالى، لِقَوله تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)﴾

[سورة الأنعام]
لكنَّ العُقول تُدْرِكُهُ وتصِلُ إليه مِن خِلال خَلْقِهِ، فالكَون ما هو إلا آياتٌ دالَّة على وُجود الله، وعلى كمالِهِ، وعلى عَظَمَتِهِ، ويغيبُ عن الناس أنَّ كلّ أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتَضي الوُجوب ! فحِينما قال الله عز وجل:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)﴾

[سورة عبس]
هذا أمْرٌ إلهي، وهذا يعني أنَّه ما دُمْتَ أيُّها المؤمن تؤْمِنُ أنَّ هذا الأمْر مُوَجَّهٌ إليك، ينبغي أن تنظُرَ في طعامِكَ وقال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

[سورة الطارق]
ففي اللِّقاء الزَّوْجي خمسمائة حُوَين يخرج مِن الإنسان ؛ أيْن كانَتْ ؟! في الخِصْيَتَيْن ! لماذا الخِصْيتان بعيدتان عن الجِسْم لأنَّ هذا الحُوَيْن في الدَّرجة السابِعَة والثلاثين يموتُ ! يحتاج إلى درَجَتَيْن أقلّ، لذا الذي يُصاب بِضُمورٍ في خِصْيَتَيْهِ لا يُنْجِبُ لأنَّ الحرارة تقتل هذه الحُوَيْنات وهذه الحُوَيْنات تنْضُجُ في ثمانِيَة عشر يوْمًا، وتبْقى غير قادِرَة للتَّفاعُل إلى أن تَخْرُج مِن الرَّجُل، عِنْدها تتحرَّك والله رأيْتُ قبل يَوْمَين صُوَرًا لِحُوَيْنات حقيقيَّة بالمِجْهَر ؛ شيءٌ لا يُصَدَّق !! خمسمائة مليون، ولِكُلّ حُوَيْن رأسٌ مُذَبَّب، وعُنقٌ، وذَيْلٌ يتحرَّك، وهذا الحُوَين في رأسِهِ مادَّة نبيلة، مُغَلَّفَةٌ بِغِشاءٍ رقيق، وما إن يَصِل أقْوى هذه الحُوَيْنات إلى البُوَيْضَة حتَّى يتمزَّق الغِشاء، وتُذيبُ هذه المادَّة جِدار البُوَيْضَة فيَدْخُلُ إليها، وماذا يَحْمِل هذا الحُوَين ؟! خمس آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة ! وماذا تحْمِل هذه البُوَيْضَة ؟! خمْسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة ! وتُلقَّحُ البُوَيْضَة، وتنْقسِمُ إلى قِسْمَين ثلاثة أو أربعة إلى عشرة آلاف قِسْم بِحَجْمِها الصَّغير، وهي في طريقِها إلى الرَّحِمَ، فإذا وصَلَتْ إلى الرَّحِم كيف تنغَرِسُ هذه البُوَيْضَة في جِدار الرَّحِم ؟ وكيف يسْتَقبِلُها الرَّحِم ؟ وكيف يحْضِنُها. وكيف يُمِدُّها بالغِذاء ؟ وكيف تنْمو هذه البُوَيْضَة شيئًا فشيئًا ؟ ويتخلَّق الإنسان ؛ رأسٌ وقلبٌ وأطْراف وجِلدٌ وشَحم وعَظمٌ ولكنَّ الحقيقة التي ذكَّرني بِها أحدُ الأخوة الأطِبَّاء أنَّه كان يدْرُس في بريطانيا وعندهم أستاذ بروفيسور في بريطانيا يُعَدُّ أوَّل عالمٍ في عِلم الجنين، وله كِتابٌ يُسَمَّى تجاوُزًا الإنجيل ! لأنَّه مشْهور جدًّا وهذا الكتاب يُدَرَّسُ في مُعْظم جامِعات العالم، ويُؤَكِّدُ هذا العالِمُ في كتابِهِ أنّ تشَكُّل العَظْم يأتي بعد تشَكُّل اللَّحْم ؛ وهذا خِلاف القرآن الكريم ! وقبل عامَين أو ثلاثة يدْخل هذا الأستاذ على طُلاَّبِهِ ويقول: لقد اكْتَشَفْتُ حقيقةً لا يعْرِفُها أحدٌ في العالَم، وهي أنَّ النَّسيج اللَّحْمي يتشَكَّل بعد تشَكُّل العِظام، على خِلاف ما قلْتُهُ في مُؤَلَّفي الشَّهير، فإذا بِطالِبٍ باكِسْتاني يقول: يا أُستاذ، هذه الحقيقة في القرآن الكريم، صُعِقَ ولم يُصَدِّق، فجاءَهُ بِتَرْجَمَتِهِ، وأطْلَعَهُ عليه، فإذا بِهذا العالِم يُعْلِنُ إسْلامه ! يقول الله عز وجل:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)﴾

[سورة المؤمنون]
الرَّحِم أيُّها الأخوة، يُعَدُّ وسَطًا هَنْدَسِيًّا في عِلْم الهَنْدسة، لو أخذْنا خطًّا مِن نصْف الرَّأس إلى أسفل القَدَميْن، وخطَّا مِن مُنْتصَفِ الجِسم عرضًا لتقاطع هذان الخطَّان في الرَّحِم ؛ في قرارٍ مكين، وحينما يكون الحمْل سريعًا، ودقيق العطَب فالرَّحِم يكون في حَوْض المرأة، وحَوْض المرأة تمامًا كالجُمْجُمَة للدِّماغ كيفَ أنَّها صُنْدوقٌ يَحْميهِ مِن كلِّ الكدمات كذلك حَوْض المرأة غِلاف يَحْوي الرَّحِم، قال تعالى::

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك ثُمَّ، وفاءُ ثمّ فاءٌ أخرى ! العلماء الآن يُؤَكِّدون أنَّ مكان ثمَّ هناك تراخي ومكان الفاء تعْقيب، عِلمُ الجنين الآن يُؤَكِّد أنَّ بيْن النُّطفة إلى العَلَقة تراخٍ ومِن العلقَةِ إلى المُضْغَة تتابُع، فحتَّى حُروف العَطْف في هذه الآية تتطابق مع عِلْم الجنين، قال تعالى:

﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يوجَدُ واحِدٌ مِنَّا بعيدٌ عن هذه الآية، كلُّكم يعْلم عِلْمَ يقين أنَّ أصل هذا المَخلوق نُطْفة، في الدِّماغ مائة وأربعين مليار خَليَّة لم تُعْرف وظيفتها بعْدُ وثلاثمائة ألف شَعْرة بالرَّأْس، ولِكُلّ شَعْرة وريد وشِريان وعصَب وعضَلة وغُدَّة دُهْنِيَّة، وأخرى صَبْغِيَّة، خمسة وثلاثون مليون عُصارة هاظِمَة في المَعِدَة، مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة مَخروط في الشَّبَكِيَّة في العَين، وقلبٌ يَضُخُّ في اليَوم ثمانِيَة أمْتار مُكَعَّبة، فما هذا القلب ؟ وما هذه الشَّرايين ؟ وما هذه الدَّسَّامات التي لا تسْمَحُ للدَّم بِأنْ يرْجِع ! وثمَنُ الدَّسَّام الواحِد مائة وخمسون ألف، وهو دسَّام خِنْزير !!! فهذا الدَّسَّام الذي بين الأُذَيْن وبُطَيْن مَن صَمَّمَهُ ؟! ومن صَمَّم الأوْرِدَة في الخارِج ؟ والشَّرايين في الدَّاخِل ؟ فالإنسان بِعِدَّة ثواني يُمْكِن أن يموت إذا قُطِع شريانُهُ ! لذا وُضِعَ في الداخِل، مَن صمَّم ذلك ؟ ومَن صمَّم العِظام ؟ مئتان وسِتَّةُ عظْمةٍ ! وهناك مفاصِل ثُنائِيَّة، وأُحادِيَّة، وهل تعلمون أنَّه لولا الجُمْجُمة فيها هذه النُّتوءات لكان الطِّفل مِن أوَّل وَقعَةٍ ينْكَسِرُ الطِّفْل ! لكن هذه المفاصِل الثابِتَة على شَكْل خُطوط مُتعاكِسَة تمْتصُّ الصَّدْمة، ومَن جعَلَ وسَطَ الدِّماغِ سائِلاً، لكي تُوَزَّع الصَّدْمة على مَجْموعِ الدِّماغ، ولو كان الدِّماغُ مَوْصولاً بالجُمْجُمَة، لكانَت أوَّل ضرْبة تجعل الطِّفْل يفْقِدُ بصَرهُ ! ومَن جَعَلَ هذه العَين ؟ وهذه المادَّة الشَّفافة ؟ كيف تتغذَّى ؟ ومن صمَّم القُزَحِيَّة ؟ والأنف واللِّسان ؟ والحنْجرة ؟ والبلْعوم ؟ ولِسان المِزْمار ؟ والقصَبَة الهوائِيَّة، إلى يومنا هذا لا يستطيع أحدٌ أن يزْرَعَ الرِّئة ؛ لأنّ الذي تُزْرعُ رئتُهُ لا يسْعُل ! ما هو السُّعال ؟ سرعة الهواء بالسُّعال مائة وخمسين كيلومتر بالساعة، هناك بالقصَبة الهوائِيَّة أشعار تدْفَعُ كلّ شيءٍ نحوَ الأعلى، وكلّ مادَّة غريبة بالقصَبة الهوائِيَّة تدفع نحو الأعلى وأنت لا تشْعر، ولِسان المِزمار يعمل ثمانين عامًا دون كلل ولا مللٍ ! وأنت نائِمٌ يزْدادُ اللُعاب في فَمِكَ، وتُعطى إشارةٌ للدِّماغ فيأمُر الدِّماغ لسان المِزْمار فيُغْلق القصَبة الهوائِيَّة ويفْتح المريء وأنت لا تدْري !! قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

[سورة التين]
المَعِدَة والبِنكرياس، ومن جَعَل الطُّحال مَقْبرَة ؟ الإنسان يموت فيه بِكُلّ ثانِيَة اثنان ونِصْف مليون كُريَّة حَمْراء، ويولَدُ بِكُلّ ثانِيَة اثنان ونصف مليون كريَّة حمراء،، فهذه الكريات الحمراء الميِّتة تذْهب إلى الطُّحال والطُّحال مَعْمَل ؛ يُحَلِّل هذه الكُرَيَّات وتأخُذ الحديد منها وتُرْسِلُهُ إلى نقي العِظام لِيُعادَ تَصْنيعُه، وتأخذ المادَّة الصَّفراء وتُرْسِلها إلى الكَبِد لِتَكون صَفراء، فالصَّفْراء عِبارة عن كُرَيَّات حَمْراء مَيِّتَة، والطُّحال مُسْتَودع للدَّم، ومعمل احْتِياط للدَّم، فلو توقَّفَتْ معامِل الدَّم في نقي العِظام عن صُنْع الكُريَّات الحمراء يعْمل الطُّحال مِن جديد، فلذلك الطُّحال له ثلاثة وظائِف: مَخْزن ومَقْبرة ومَعْمل احْتِياط.
والبنكرياس، والغُدَّة الدَّرقِيَّة، والغُدَّة النُّخامِيَّة التي هي ملكة الغُدَد وتعطي أثنى عشرة أمرًا هرموني، وأحد الأوامر هذه يُحَقِّق توازن السوائِل في الجِسْم، ولو اخْتلّ الأمْر لقضى الإنسان كلّ وقْتِهِ بِجانب الماء يشْرب ويطرحه ! من صمَّم هذا التَّصْميم ؟ ومَن خلقَ ساعة الرَّأس ؟ وجِهاز التَّوازن ؟ وهذه المفاصِل ؟ فالرُّكْبة لا تحْتكُّ بِبَعْضِها، وإنَّما عن بُعْد وَوِفْق أرْبِطَة بالغة الدِّقَّة، وهناك بِمِصْر مستشفة مِن أوَّل طابق إلى عاشِرِه مختصّ بالرُّكْبة ! أعْقَد مَفْصَل هو الرُّكْبة، مَن صمَّم هذا الإنسان ؟ ومن كساهُ لَحْمًا ؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾

[سورة البلد]
فالآيات الكَوْنِيَّة بالجسم لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وهذه مناسبتها، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك احفَظوا هذه القاعِدة: كُلُّ أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتضي الوُجوب قال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

[سورة الطارق]
فالإنسان ينظر إلى ابنِهِ، وهو يعلمُ عِلم يقين أنَّه ماء مهين، خرَجَ مِن عَوْرَةٍ، ودَخَل إلى عَوْرَةٍ، ثمَّ صارَ كائِنًا يتحرَّك ويتنفَّس ويأكل ويضْحك ويُصيبهُ ما يُصيبهُ، وله قلب وأمعاء وبنكرياس وأعضاء أخرى فالكَبِد يقوم بِخَمسة آلاف وظيفة، وهو أسْرع عُضْو يقوم بِبِناء نفْسِهِ فلو أُصيب الإنسان بِتَشَمُّع كَبِد، لكفى الطبيب أن ينزِع المكان المُصاب بالتّشَمُّع ويكفي للكبِد أن يبنيَ نفْسَهُ خِلال سِتَّة عشرة أسبوعًا ! والكبد يستطيع أن يُحَوِّل السُّكَر إلى دسَم ! وهو يُخَزِّن الغِذاء بِشَكل مُفَكَّك، ويُرَكِّبُهُ في الدَّم، فَمَن جعل هذا النِّظام ؟! والله لو جَلَسنا ساعاتٍ وساعات لا تنتهي آيات الله في خلق الإنسان، لماذا عندك عينين وليس عينٌ واحِدَة ؟!! وذاكرة الإنسان شيءٌ مُذْهل !! ذاكرة صَوْتِيَّة، وذاكرة شَمِيَّة، وترتيب المعلومات في الذاكرة، والمُحاكمة والتَّصوُّر، لذلك الآية الكريمة اليوم:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-12-2018 08:43 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآيات في سورة المؤمنون تتحدَّث عن بعض الأنبياء الصالحين، منهم سيّدنا نوح عليه السلام، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة، كلّ الدَّعوات إلى الله، لا تخرج عن دَعوة إلى التوحيد وعن دَعْوة إلى الطاعة والتَّقْوى، فالعقيدة هي التَّوحيد، والسُّلوك الطاعة قال تعالى:

﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن اسْمعوا أقوال الكفار في كلّ زمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((مِلَّة الكفر واحدة ))
دائِمًا أهل الباطل يَطْرحون هذه القضايا، قال تعالى

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يوجد عندهم شيءٌ مُقَدَّس وأنا هذا نبيّ يُوحَى إليه ومَعْصوم، ويأتي بالحق، ومنْهَجٍ قَويم، فالكافر لا يعيش النوايا الطيِّبَة ولا يعيشُها، ولا يُصَدِّقُ شيئًا دون هَدَفٍ مادِّي، ولا يُصَدِّق سَعْيًا دون مَكْسَبٍ شَخصي فَحَتَّى الأنبياء عند الكفار، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك حينما تَجدُ إنسانًا يتَّهِمُ دَعْوَةً والقَصْد جَمْع الناس، والقَصْدُ هذه مِلَّةُ الكُفْر، في كلّ زمانٍ ومكان وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
أوَّ علامة مِن علامات الدُّعاة الصادِقين ؛ لا يُريد شيئًا، لا مادِّيًا ولا مَعْنَوِيًّا ولا مُعَجَّلاً، ولا مُؤَجَّلا، ولا كبيرًا ولا صغيرًا، فهذه أوَّل علامة.
العلامة الثانِيَة ؛ قال تعالى:

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[سورة البقرة]
فلا بدّ لِمَن يَجْعَلُهُ الله إمامًا أن يُمْتَحَن بالشَّدائِد فيَصْبِر، وأن يُمْتَحَن في الرَّخاء فَيُنْفِق وأن يُمْتَحن بالضِّيق النَّفسي فيُكابِر.
الآية الثالثة ؛ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[سورة الأحزاب]
فَلِمجَرَّد أن يَخشى أحدًا إلا الله، سَيَسْكُت عن الحق، وينطِق بالباطل فإذا سكت عن الحق وتكلَّم بالباطل، ماذا بَقِيَ مِنْ تَبْليغ رِسالات الله ؟! لم يبْقَ شيء !
العلامة الرابعة ؛ قوله تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[سورة آل عمران]
العالم الحقيقيّ يشْهد لك بِكَمال الله تعالى، أما الذي ينقل لك النُّصوص التي يضْرب بعضها بعْضًا، ويقول لك: لا أدري، والله قدَّر على الإنسان المَعْصِيَة، ثمّ يجْعلهُ في جهنَّم إلى الأبد دون ذَنْبٍ من هذا الإنسان ! فهذه دَعْوَة غير صحيحة، وفيها نسْبة ظُلم كبيرة، فالله تعالى قال:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[سورة آل عمران]
شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

[سورة السجدة]
فالصَّبْر مِن لوازِم الدَّعْوة إلى الله تعالى.
المِقْياس الخامِس، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[سورة يوسف]
هناك دليل وتعْليل وتَفْسير واضِح، وانْسِجام لكلّ المُعْطَيات والقِيَم فهذه المقاييس التي في الكتاب والسنَّة، والتي تُؤكِّد الدلائل التي يقوم عليها الدُّعاة الصادِقين، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة الكِرام لا تسْتَغْرِبوا ؛ البعيد عن الله والذي لا يرْجو رحْمة الله لا يتصوَّر عملاً بِلا هدَفٍ مادِّي، لكنَّ الذي يعرف الله عز وجل لا يتصوَّر عملاً بِهَدَفٍ مادِيّ، بِمَعنى آخر أنَّ الإنسان له اسْتراتيجيَة ؛ فالمؤمن أساس حياتِهِ العَطاء، ويسْعَدُ بالعَطاء، والكافر أساس حياتِهِ الأخذ، قال بعضهم: إذا أردْتَ أن تعرف ما إذا كنتَ مِن أهل الدنيا أم مِن أهل الآخرة ؛ فانْظر إلى الذي يُسْعِدُكَ، هل تأخذ أم تُعْطي ؟ فالمؤمن يُسْعِدُهُ أن يُعْطي مِن وقْتِهِ و مالهِ وخِبْرَتِهِ، فهذا أخٌ مؤمن له محل بسكويت دخل إليه شَخْص مِن أطراف الجزيرة، فقال له: هل تسْتطيع أن تُعَلِّمَني الكاتو ؟ فأدْخَلَهُ المعمل، فطَبَخَ طبْخةً أمامه، وقال له: اُطْبُخ طبْخةً أمامي، يقول لي هذا الأخ صاحِب المعمل: والله مِن ثلاثين سنة إلى الآن ؛ كلّ سنة يأتيني بالهدايا ويقول لي: أنت لك فضْلٌ عليّ !! فالمؤمن أساس حياتِهِ العطاء، مرةً أراد أخ أن يعمل محلّ حلويات فسأل بالبزوريَّة ؛ هل هذا المَعْمَل مُجدي أم لا ؟ فقال لي: كل المَحَلاَّت خَوَّفوني !! إجْماع منهم، فقلتُ له: سوف أبْعثُكَ عند فلان وسَلْهُ، فلمَّا ذهَب إليه قال له هذا الأخ: إنَّ البِضاعة رائِجَة هنا جدًّا !! ورِبْحُها قليل فهذا خالف إجماع هؤلاء لأنَّه مؤمن، لذلك المؤمن حياتُهُ مَبْنِيَّة على العَطاء، والكافر أساس حياتِهِ الاحْتِكار والأسَرَة، فالمؤمن يُعطي والكافِر يأخذ، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يأخذ مِن الماضي إلا التشبّث بالكُفْر، قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)﴾

[سورة المؤمنون]
ما قال مِن كُلِّ، وإنَّما قال: مِن كُلٍّ زَوْجين اثنين، فَبَعْضُ المُلْحدين يقولون: هذه السَّفينة لو كان فيها مِن كلّ حَيوان زوْجَين يجب أن يكون طولها مِن هنا إلى أمريكا مثلاً ! فالله ما قال مِن كُلِّ، وإنَّما قال: مِن كُلٍّ زَوْجين اثنين، أي مِن كلّ زوجٍ تَحتاجُهُ، فالفرق التَّنوين، قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)﴾

[سورة المؤمنون]
صدَر أمر بإغْراقِهِم قال تعالى:

﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)﴾

[سورة المؤمنون]
يرْوون قِصَّة لا أصل لها، ولكن لها مَغزى، وهي أنّ امرأةً مُسِنَّة جاءَت إلى سيِّدنا نوح، وقالتْ: متى الطُّوفان ؟ قال: بعد حين، فقالتْ: لا تنْسَني ! فسيِّدُنا نوحٌ نَسِيَها، ولمَّا ظَهَر الطُّوفان ورَكِب هو وإخوانهُ في السَّفينة، تذَكَّر هذه المرأة، وبعد أن انتهى الطُّوفان جاءَتْهُ وقالتْ: متى الطوفان يا نوح ؟! فقصَدَت أنَّك إن نسيتني فالله تعالى ما نَسِيَني !! قال تعالى:
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾

[سورة طه]
لا ينْسى نمْلةً سَمْراء، على صَخْرةٍ صمَّاء، في ليلةٍ ظَلماء، فالله تعالى مطلق، ونحن نِسبيُّون.
قال تعالى:

﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)﴾

[سورة المؤمنون]
فالعِبرة بالنِّهاية.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-12-2018 08:44 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الخامس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازِلنا في سورة المؤمنون، وننتقل اليوم إلى قصَّة جديدة مِن قِصص الأنبياء، يقول الله عز وجل :
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
تَحَدَّثتُ البارحة عن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
((مِلَّة الكفر واحِدَة ))
الكفار والفُجَّار والعُصاة، في أيِّ مكانٍ، وفي أيِّ زمانٍ، وفي أيِّ ظرْفٍ قديمًا، وحديثًا، وفي أيِّ جِهَةٍ ينطَلقون مِن مَقولاتٍ واحِدَة ويتَّهِمون اتِّهاماتٍ واحِدَة، ويتصوَّرون تصَوُّراتٍ واحِدَة، ويعْتَقِدون اعْتِقاداتٍ واحِدَة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
دقِّق في أتْرفناهم، التَّرَفُ في القرآن الكريم ورَدَ ثمانِيَة مرَّاتٍ حصْرًا، لو فَتَحْتَ المعْجم المُفهْرس على كلمة سرِف لوجَدْتَ أنَّ هذا الفِعْل وردَ ثماني مرَّاتٍ حصْرًا، وإذا رجَعْتَ إلى الآيات كُلِّها التي وردَت فيها كلمة التَّرف لا تجِدُ كلمة ترف إلا مع الكُفْر ! لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)﴾

[ سورة الأعراف ]
وقال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾

[ سورة الإسراء ]
فالمُتْرف مُسْرِف ومُبذِّر، فهو مُسْرفٌ في المباحات ؛ في طعامه وشرابِهِ وسفرِهِ وسهراتِهِ، ومُبذِّر في المعاصي ؛ في الحفلات المُخْتلطة، ودور اللَّهْو وفي شرب الخمور، والتعامل بالربا والقِمار، لذلك الإنسان منْهي أن يكون مُسرفًا في المباحات، ومنهي أن يكون مُبذِّرًا في المعاصي فالمُتْرف مُسْرِف ومُبذِّر، وقُرِنَ مع الكفْر في ثماني آياتٍ حصْرًا، وهذه أحد الآيات، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
فالإنسان ممكن بمائة ليرة يجلب مليارا، أو هذه المائة يُنفقها على وجْبة طعام واحِدَة يأكلها وتنتهي، فالذي معه المال الفائِض يُمكن أن يصل بِمَالِهِ إلى أعلى درجات الجنَّة، ولكنَّه يُنفقهُ إسْرافًا ويسْتهْلِكُه اسْتِهلاكًا رخيصًا، كُلْ واشْرَب وتزوَّج ولكن إيَّاك أن تسْرف أو تبذِّر لأنَّ الفائِض النَّقدي يُمكن أن تتقرَّب به إلى الله تعالى، فهذا بن عوفٍ رضي الله عنه يقول: حبَّذَا المال، أصونُ بِهِ عِرْضي، وأتقرَّبُ به إلى ربِّي فهذا الصَّحابي حدَّد وظيفتان للمال ؛ صِيانة العِرْض ؛ أُنْفقُهُ على زوْجتي وأولادي، وأشْبِعُهم، وأكْسوهم، وأُقرِّبهم من الله عز وجل، والوظيفة الثانية التَّقرّب به إلى الله تعالى، فهذه هي وظيفة المال، فالذي معه المال الفائض يُمْكن أن يصِل به إلى أعلى الدَّرجات، عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))

[رواه البخاري]
فالذي يتْرف ماله يلتقي مع الكُفَّار، أما إذا وظَّف مالهُ في خِدْمة الخَلق ارْتقى إلى الحقّ، لذلك يوم القيامة يوقِفُ الله رجلين غَنِيَّيْن، يقول لأحدهما: عبدي أعْطيتُكَ مالا فماذا صَنَعتَ فيه ؟ " والله ترك أحدهم مالا لا تحرقه النيران كما يقولون، ثمّ بعد بضعة سنوات أصبح أولاده فقراء وبالمقابل ترى أُناسًا توَفَّاهم الله فأكْرم الله أولادهُ حتَّى جعلهم في أعلى عِلِيِّين، عِلمُ وغنَى، وأدب وتَقوى، فالذي يُنفق ماله في حياتِهِ يتولَّى الله أولاده مِن بعد مماتِهِ، وأنْدَمُ الناسِ رجُل عاشَ فقيرًا لِيَموت غنيًّا وأندَمُ الناس رجل دَخَل ورثَتُهُ بِمَالِه الجنّة، ودخَل هو بِمالِهِ النار، فالمال الحرام ورِثوه حلالاً، فتزوَّجوا، وتصَدَّقوا، ودخلوا الجنَّة بِمالهِ وصاحِب المال الذي جمعه دخل النار بِمالهِ !!
أيُّها الأخوة الكرام، دَقِّقوا لما يقوله: الإسراف في المباحات ؛ في الطعام والشراب واللِّباس، والبيوت، والحفلات في المباحات، وعرس يُكَلِّف عشرين مليونًا !! واللهِ الذي لا إله إلا هو بِمِئتان ألف نُزَوِّج شابًّا، فكم مِن شابٍّ نُزَوِّجُهُ بالعشرين مليون ؟!! كم من شابٍّ يتلوَّى على زوْجة ؟! يُحْصِنُ بها نفْسَهُ، حضَرتُ عقْدَ قِرانٍ أكْبرْتُ أصْحابَهُ، فقد قام صاحب العرس وقال: لقد وضَعتُ لكم هدايا قيمتها سبعة مئة ليرة لكلّ واحدٍ منكم وقد عزمْتُ ألف شخْصٍ، وهذا المبلغ الذي كنت ناوٍ إهْداءكم إياه أعْطيْتُهُ لِعالٍمٍ - قيمة المبلغ سبعمائة ألف ليرة - كي يُزَوِّج به الشَّباب !! فهؤلاء هم المُسرفون، ولو في المباحات.
وإذا كان الأمر في المحرَّمات أصبح تبْذيرًا، فلو كان العرس مُختلَط وهناك راقِصات وخُمور، وعلى البِطاقة الطَّيِّبون للطَّيِّبات، فإذا كان العرس على هذا الشَّكْل أصْبَحَ تبْذيرًا، وكلاهما أخوة الكُفر، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
لو أنَّ الله أرسَلَ ملكًا وأمرهم بِغَضِّ البصَر، ما صدَّقوه، ولقالوا له: أنت ملَكٌ ونحن بشَر !! وكذا لو أمرهم بالصِّدْق، ولكن ينبغي أن يكون الرسول مِن بين البشَر، لولا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بني البشَر تجري عليه كلّ خصائص البشَر لما كان سيِّد البشَر، فجَميع الشَّهوات التي أوْدَعَها الله فينا أوْدَعَها في الأنبياء، وجميع الرَّغبات ومع ذلك ضَبطوا أنفسهم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا مَا وَارَى إِبِطُ بِلَالٍ ))

[رواه ابن ماجه]
فالإنسان إذا كان بشرًا وانْتصَر على بشَرِيَّته يرقى عند الله تعالى، أما إذا انْتصَرَت عليه شَهَواته يسفل إلى أسفل السافلين، قال تعالى:

﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
هيْهات اسم فعل ماض بِمَعنى بَعُدَ، أنا لا أعْتَقِد أنَّ في العالم لإسلامي مَن يجرأ أن يقول: ليس هناك آخرة، فالتَّكذيب اللَّفظي لا يوجَد، ولكن لو دقَّقْتَ في حياة الناس لوَجَدْت باليقين القَطعي أنَّ الآخرة ليسَت داخِلة في حِساباتهم إطلاقًا، فالذي يأكل المال الحرام هل يؤمن بالآخرة ؟ والذي يعْتدي على أعْراض الناس هل يؤْمِن بالآخرة، والذي يبْني مَجْدَهُ على أنقاض الناس ؛ هل يؤمن بالآخرة ؟ والذي يشتري هذا الصحن المقعَّر هل يؤمن بالآخرة لذلك التَّكْذيب العملي أخْطر مِن التَّكذيب القولي والعِبْرة ليس بالكلام ولكن بالأفعال.
لو أنَّك ذَهَبتَ إلى طبيب، ووصَفَ لك وصْفةً فصافَحْتَهُ بِحَرارة ولم تشْتر الوَصْفة لاعْتِقادِكَ أنَّه لا يفْهم بالطِّب، فأنت بهذا الفِعل تُكَذِّبُهُ رغْم أنَّك تحترِمُهُ في الظاهِر، فالتَّحذير الآن لا مِن التَّكذيب اللَّفظي، ولكن مِن التَّكذيب العَمَلي، ومِن أن يكون السُّلوك لا يؤكِّدُ لك إيمانَك بالآخرة يقول أحد العلماء الكِبار: تَرْكُ دانِقٍ مِن حرام خير من ثمانين حجَّة بعد حجَّة الإسلام ! فما بال الذين يغْتَصِبون البيوت والأموال، ويَعِدون الناس بِنَجاح الدَّعْوة وهي خاسِرَة علم يقين، وهم يعلمون أنَّها خاسِرَة ويأخذون الأموال !! وهؤلاء الأطِبَّاء الذين يطْلبون تحاليل ليسَ المريض بِحاجة إليها، وهؤلاء التُّجار الذين يَغُشُّون !! فالدِّين بالأسواق والمحاكِم والمحلاَّت، والمسْجد مناسبة لِقَبض الثَّمَن فقط، أما العمل في الخارج.
أيها الأخوة، ملَّة الكُفْر واحِدَة، قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الآن دقِّقوا، قال تعالى:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الدنيا عند الكافر هي كلّ شيء، أحدهم جلسَ بِحَديقة بأمريكا، وكان من المشايِخ، فجاء رجل وجلس أمامه،وطلب منه أن يُحَدِّثه عن الإسلام ولمَّا أتمَّ هذا الكلام، أخرج ذاك الرَّجل بعض الدولارات وقال له هذا هو رَبِّي !! فالدنيا عندهم كلّ شيء، فقولهم الدَّراهِم مراهم هذا كلام الشَّيْطان، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

[ سورة الحجر ]
قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)﴾

[ سورة المؤمنون ]








والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-12-2018 08:46 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الرابعة والأربعون من سورة المؤمنون وهي قوله تعالى:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾

[ سورة المؤمنون ]
تتْرى أيْ تتابَع نحن جميعًا بعد حينٍ نغْدو أخْبارًا، إما على الجُدْران وإما في الصُّحف وإما في المآذِن، فالإنسان قبل أن يكون حديثًا عليه أن يعْمَل أرْوَعُ كلمةٍ قرأتُها لِسَيِّدنا عمر ابن عبد العزيز: إنَّ الليل والنَّهار يعْملان فيك فاعْمَل فيهما ! اُنْظر إلى سورة لك في العاشِرة مِن عُمُرك، وانْظُر إلى سورةٍ لك في الخمْسين، وضَعْهُما إلى جانب بعضِها بعْضًا، ترى البَون شاسِعًا، وكأنَّ هذا غير هذا !! إنَّ الليل والنَّهار يعْملان فيك فاعْمَل فيهما! فأنت في خسارةٍ مُحَقَّقة، لأنَّ الزَّمَن يسْتَهلكُ الإنسان، شيئًا فشيئًا، أما إذا عَمِلْتَ في هذا الزَّمَن الذي سينْقضي الأعمال الصالِحَة تلافَيْتَ الخَسارة نحن جميعًا في خسارةٍ مُحَقَّقة، إنَّها مُضِيُّ الزَّمَن الذي يسْتَهْلِكُ الإنسان والإنسان بِضْعة أيَّام كُلَّما انْقضى يومٌ انْقضى بِضْعٌ منه !
زُرْتُ القلْعة في القاهرة، وقد تحدَّث الدليل عن تارِيخ إبراهيم باشا، وعن تاريخ المماليك، وكيف قُتِلوا هنا، أين هم الآن ؟! تحت أطباق الثرى، ونحن سوف نكون تحججت أطباق الثَّرى، وسوف يكون لنا أخْبار فإمَّا أن تكون أخبارا طيِّبَة نرقى بها عند الله، وإما أخْبارًا سيِّئة يلْعننا الناس والملائكة، فالقضِيَّة أنَّن سَنَكون خبرًا، قال تعالى:

﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الدنيا ساعة اِجْعلها طاعة والنَّفسُ طمَّاعة عوِّدْها القناعة قال تعالى:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46)﴾

[ سورة المؤمنون ]
أيها الأخوة، الإنسان قد يعْصي الله حينما تغْلبُهُ شَهوْتُهُ، وقد يعْصي الله كِبْرًا وعِنادًا واسْتِكْبارًا، فشتَّان بين المَعْصِيَتَين، المعصِيَة التي يفْعَلُهُا العاصي لأنّ نفْسَهُ قد غلبَتْهُ، والمعْصِيَة التي ارتُكِبَت اسْتِكبارًا، فالله تعالى قال:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فاللَّبَن يتحمَّل الماء باللترات، ولا يتحمَّل نقطة نفْطٍ واحِدَة ! لذلك العُبودِيَّة لله تعالى لا تتحمَّل ولو ذرَّة كِبْرٍ ولا يدخل الجنَّة،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه مسلم]
لذلك أيُّها الأخوة، وأنت في أعلى درجات إيمانِكَ أنت عبْدٌ لله، كلَّما خَضَعْتَ لله تعالى رفَعَك الله، وهل تعتَقِد أنَّ في الأرض كلِّها منذ أن خلق الله آدم وإلى يوم القيامة إنسانًا رفع الله شأنَهُ كَرَسُول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ لو ذَهَبتَ إلى مقام رسول الله لرأيْتَ الملايين واقِفَةً تبْكي فالله تعالى قال:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)﴾

[ سورة الشرح ]
فكلَّما خضَعْتَ لله رفَعَ الله ذِكْرَك، لذا المؤمن بينه وبين الله في أشَدِّ حالات التَّذلُّل يُمَرِّغُ جبْهَتَهُ في أعتاب الله، ولكنَّه في أشَدِّ حالات الإيذاء مع أهل الدنيا، عزيز على أهل الدنيا، وفيما بينه وبين الله تعالى ذليل هذا هو المَوْقف الكامل، بينما البعض الآخر إذا دَعَوْتَهُ إلى صلاة أو إلى ذِكْر أو مجلسِ عِلم أبى واسْتَكْبر، وقال: هذه خرافاتٍ لا أومِنُ بها !! فإذا رأيْتَهُ أمام من هو أقْوى منه تَجِدُهُ كالطِّفْل، وكالحيوان الأليف يتمسَّحُ به !!! أما المؤمن فيتذَلَّلُ لله، ويتأبَّى على خَلْق الله، والتَّكبُّر على المُتَكَبِّر صَدَقة، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: ما تكبَّر عليَّ مُتَكَبِّرٌ مرَّتَين !! لا أسْمَحُ له المرَّة الثانيَة، وقد مشى أحدُ الصَّحابة مِشْيةً مُتَبَخْتِرَة قُبَيل أحد المعارِكَ فقال عليه الصلاة والسلام:
((إنّ الله يكْرهُ هذه المِشْيَة إلا في هذا الموطن !))
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)﴾

[ سورة الشورى ]
فأنا أدْعوكم إلى التَّذلل لا إلى عِباد الله، بل إلى الله، وأدْعوكم إلى أن تكونوا في أعلى درجات العِزَّة مع عِباد الله، فَشَرَفُ المؤمن قِيامُهُ بالليل وعِزُّهُ اسْتِغْناؤُهُ عن الناس، قال تعالى:

﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الأخبار الصحيحة والصادِقة تُخْبر أنَّه لا بدّ مِن أن يظْهر سيِّدُنا عيسى عليه الصلاة والسلام يأتي أخي عيسى ابن مريَم فَيَملأُ الأرض عدْلاً وقِسْطًا، بعد أن مُلئَت جَوْرًا وظُلْمًا، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وأكثر المُفَسِّرين على أنَّه سيَظْهر في دِمَشْق هذه البلْدَة، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)﴾

[ سورة الزخرف ]
وقال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159)﴾

[ سورة النساء ]
وقال تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55)﴾

[ سورة آل عمران ]
وهناك آيات كثيرة وأحاديث تُنبؤ بِمَجيء عيسى عليه وعلى نبِيِّنا أفضَلُ الصلاة والسلام.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)﴾

[ سورة المؤمنون ]
كلّ هؤلاء البشَر أمَّة واحِدَة ولهم خصائِص واحدَة، ولهم فِطَر واحدَة، وأما التَّقْسيمات فَهِيَ مِن صُنْع الإنسان، وهي باطلة ما أنزل الله بِها مِن سُلطان، الإغراق قالوا: هناك النُّبَلاء، وهناك العَبيد، وهناك القُوَّاد ‍! فالله تعالى قال:

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾

[ سورة المؤمنون ]

كلّ يدَّعي وصْلاً بِلَيلى وليلى لا تُقِرّ لهم بِذاك
***

فالبُطولة لا أن تفْرح بِما عندك، ولكن أن تُطابِقَ ما عندك بِما عند الله فإن تطابقا فافْرَح، فَكُلّ إنسان يدَّعي نَظَرِيَّة، ومبدأً، ويأتي بأدِلَّة واهِيَة وبِبِناءٍ لا أصْل له، وينْحازُ انحيازا مُعَيَّنًا، ويفرح فرحًا مُعَيَّنًا، ويؤمن بشيءٍ مُعَيَّن، ولكن ما قيمة هذا الشيء إذا كان مُخالفًا لِمَنْهج الله تعالى لذلك البُطولة لا أن تأتي بمبدأ جديد بل أن تجْعل مِن مبدئِكَ مُطابِقًا لِكِتاب الله، وسنَّة رسوله، والحقّ واحِد، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالباطِل يتعدَّد، والحق واحِد لا يتعدَّد، والباطل كالخُطوط المُنْحَنِيَة والمُنْكسرة، لذلك جاء الصِّراط المستقيم مُفْردًا، وجاء الانْحِرافُ جمْعًا، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]
وقال تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]
النور مُفْرَد، والظلمات جَمْع، فَكُلّ معْصِيَة ظُلمة، وكلّ مبدأ وَضْعي ظُلمَة، وكل باطِل ظلمة، أما النور فَوَاحِدٌ.
قال تعالى:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)﴾

[ سورة المؤمنون ]
عندنا نقطتان: الأولى كلُّ حِزْبٍ بما لديهم فرِحون، والثانِيَة: وتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى ! فهذه الأمَم وهذه الشُّعوب وهذه المِلل لا يُمْكن أن تُوَحَّد إلا بالدِّين الإسلامي، قال تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)﴾

[ سورة الأنفال ]
شيءٌ عقَدَهُ الله بين رَجُلين هيَ المحبّة والأُلْفة، فهل تستطيع جِهةٌ على وَجه الأرض أن تنقض هذا الحبّ؟! مُستحيل، فالحب بين المؤمنين حقيقة والمُجامَلة والمُداهنة بين الكُفَّار غير حقيقة، أما الله عز وجل قال:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)﴾

[ سورة آل عمران ]
فالحَبل واحِد، والشيء العجيب أنَّك تَجِد الواحِد بالشام والآخر بإفريقيا والثالث، بِجَنوب إفريقيا، قِيَمٌ واحِدَة، والقرآن واحِد والنبي واحِد والأساليب، بينما لو دَخَلتَ أُسْرةً وكان لِكُلّ واحِدٍ منهم انْحِرافًا لرأيتَ تشتُّتًا عجيبًا، وعداوَةً، وتباعُدًا ما لا سبيل إلى وَصْفِهِ ! فالدِّين يُشَكِّل نِقاطًا مُوَحَّدَة، وجُلوسُكَ مع المؤمن فيه مُتْعة، وقد تجلس مع غير المؤمن فتجد الخِلافات الكثيرة، لذا الإسلام يتَغَلْغَل إلى أعماق النَّفس فالمؤمن صابِر وعفيف وصادِق، يرْجو الله والدار الآخرة، ويؤثر ما عنده، لذا المؤمنين مُتَّحِدين ومُتَفاهِمين، ومُتعاوِنين، وتجِدُ أهل الدنيا مُتباغِضين، ومُتحاسِدين، ومُتنافِسين ؛ لماذا ؟ الحق يجْمع والباطل يُفَرِّق قال تعالى:

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾

[ سورة الحشر ]
أما الؤمنين قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)﴾

[ سورة آل عمران ]
فإذا أردْتَ وحدةً متينةً لا تنفصِم،ووحْدة قُلوبٍ، ووحْدة هدفٍ ووحْدة مبادئ، فعليك بأهل الإيمان، لذلك الآية الكريمة:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)﴾

[ سورة المؤمنون ]
هذا اسْمُه الاسْتِدراج وإذا رأيْتَ الله تعالى يُمِدُّك بالمال والصِّحة والقوَّة والجاه وأنت تعْصيه فاحْذر فإنَّ هذا اسْتِدراج وليس إكرامًا.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-12-2018 01:34 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآيات التالية من سورة المؤمنون تتحدَّث عن أهل الدنيا، وكيف أنَّهم يتوهَّمون أنَّ دُنياهم دليل رِضاء الله عنهم، فيقول الله عز وجل:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56)﴾

[سورة المؤمنون]
أيُّها الأخ الكريم لا تتَّخِذ مِقياسًا لِمَكانتِكَ عند الله لا ينطبق على القرآن فإذا كنتَ غَنِيًّا فلا يعني أنّ الله تعالى يُحبُّك، وإن كنتَ فقيرًا فلا يعني أنَّ الله تعالى يبْغضك، فالفقْر والغِنى لا علاقة له بالقُرْب من الله تعالى، إذا كنتَ قَوِيًّا فليس معنى هذا أنّ الله يُحِبُّك، وإن كنتَ ضعيفًا ليس معنى هذا أنَّ الله يُحِبُّك، وكذا الأمر إن كنت وسيمًا أو ذَميمًا، فهذه الحُظوظ لا علاقة لها بالقُرْب من الله أو البُعْد عنه، فالعلامة المُمَيِّزة مدى انْطِباق السُّلوك على الشَّرع، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

[سورة الحجرات]
يُمْكن أن تقول: لأنَّني أفعل ما أمر الله، وأنْتَهي عمَّا نهى عنه وزَجَر أرْجو الله أن أكون مُقرَّبًا ؛ فهذا مِقياسٌ صحيح، لذا لا تتَّخِذ مقياسًا لا يُقرّ به القرآن، والله عز وجل ما أقرَّ أهل الحُظوظ على حُظوظهم، وما اعْتَمَد الصِّحة والقوَّة ولا المال ولا الذَّكاء في التَّرْجيح بين خلْقِهِ، اِعْتَمد العِلم والعَمَل، قال تعالى:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

[سورة الزمر]
وقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

[سورة الأنعام]
فدائِمًا اِسْتَخدم المِقْياس القرآني لأنَّ الإنسان يتوَهَّم ويقول: أرى كثيرًا مِن الناس ؛ إما لِقُوَّتِهم وغِناهم، يقولون: لولا أنَّ الله راضٍ عنَّا لما أعْطانا أعطى قارون وهو لا يحبه و أعطى فرعون وهو لا يحبه، ماذا أعطى الأنبياء ؟ قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

[سورة القصص]
اِبْحَث عن شيء يرفعُكَ عند الله إذا قلتَ: هذا مِن فضل الله عليّ قال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57)﴾

[سورة المؤمنون]
فالله عز وجل إذا وصف المؤمنين ما الهدف ؟ هناك هدفان ؛ هذا الوصف هدفٌ و مقياسٌ، هدف تجعله نصبَ عينيك و مقياس تقيسُ به إيمانَك، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)﴾

[سورة المؤمنون]
إذا أردتَ أن تعرف ما لكَ عند الله فانظر ما للهِ عندك، هل أنتَ حريصٌ على إرضائه أم أنَّه لا تُبالي أكان عملُك في رضاه أم في سخَطِه ؟! فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)﴾

[سورة المؤمنون]
يخاف خوفًا حقيقِيًّا لذا قال عليه الصلاة والسلام:
((رأس الحِكمة مخافة الله))
وإذا رَمَزْنا لِمَعرفة الله تعالى بِمُؤشِّر، فَمُؤشِّر الخوف يتحرَّك مع مؤشِّر المعرفة، فكلمَّا زادَتْ معْرفتك بالله ازْداد خَوْفُك، فالطَّبيب الذي يُعالِج الأمراض الهَضْمِيَّة كلّ يوم، ويرى الانتانات والاخْتِلاطات والالْتِهابات والْتِهاب المعِدَة بِسَبب الطَّعام المُلوَّث تَجِدهُ يُبالِغُ في تَنظيف الطَّعام ؛ لأنّه لمَّا ازْداد عِلْمُهُ ازْدادَتْ خَشْيتُهُ، والقضِيَّة تنطلِقُ مِن حُبِّ الإنسان لِذاتِهِ فكُلَّما ازْداد عِلْمُكَ ازْدادَتْ خشْيتك، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك علاقة بينهما، فهو لماذا يخاف الله تعالى ؟ لأنه آمَنَ بالله تعالى متى خافَهُ ؟ بعدما عرفهُ، فلا خَوْف من دون معرفة، فالطِّفْل الصغير قد يمرّ عليه صاحب رتْبة عالِيَة جدًّا، فيتعامَل معه وكأنَّه شخص عاديّ أما لو كان مكان الطِّفل جُندِيّ لرَجَف، فالطِّفل لمْ يعْبأ لِعَدم وُجود الإدراك فكلمَّا ازْداد الإدْراك ازْداد الخوف، وهذه قاعِدة، لذا قالوا: هناك قانون التعامل مع المُحيط ؛ إدْراك وانفعال وسُلوك، فإذا صحَّ الإدْراك كان الانْفِعال، وإذا صحَّ الانْفِعال صحَّ السُّلوك، أوْضَحُ مثلٍ ؛ أن يكون المرء يمْشي في البسْتان فإذا به يَجِدُ أفْعى، فإذا كان راشِدًا يعْلم ما معنى أفْعى ؟ وما معنى لدْغَةُ الأفعى ؟ وما معنى أنَّها غدَّارة ؟! فإذا كان إدْراكُهُ صحيحًا لِخَطر هذا الحَيوان ينْفَعِلُ ويضْطرب ويخاف ويصيحُ، ويتحرَّك، فإمَّا أن يقْتُلها أو يهْرُبَ منها، فالإدْراك الصحيح يعْقِبُهُ الانفِعال الصحيح، والانْفِعال الصَّحيح يعْقِبُهُ السُّلوك الصَّحيح، فإذا أعدم الانْفِعال كان دليل عدم الإدْراك، فلو أنَّك قلتَ لأحَدِهِم: على كَتفِكَ عقْرب ! وبَقِيَ هادِئًا ومُرْتاح !! فهذا يعني أنَّه لم يُدرك ما قلتَ له !! لأنَّه لو فَهمَ الموقف لانْفَعَل وصاح، أردْتُ مِن كلامي هذه العلاقة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)﴾

[سورة المؤمنون]
فلأنَّهم آمنوا بآياتِ ربِّهم أصْبَحوا من خَشْيَة ربِّهم مُشْفِقون.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يرى مع الله تعالى أحدًا، مع أنَّ الله تعالى يقول:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾

[سورة يوسف]
فَهُوَ يؤْمِنُ أنَّ الله تعالى خلق الكَون، ولكنَّه يرى زَيدا وعُبَيدا أقْوِياء في نَظَرِهِ، غضَبُهم مُخيف، ورِضاهُم مُسْعِدٌ، ويُطيعُهم، ويعْصي الله تعالى وهذا هو الشِّرْك.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

[سورة المؤمنون]
ينْفِقُ المال، وهو خائِفٌ، خائِفٌ مِن ماذا ؟! خائِف مِن أن لا يُقْبل ! لأنَّ الناقِدَ بصير، والله عز وجل مُطَّلِعُ على خبايا النّفس وباطِنِها، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾

[سورة الحاقة]
فالنوايا كلُّها عند الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ))

[رواه مسلم]
لذلك المؤمن يخاف أن لا يُقْبَلَ عملُهُ، ولماذا لا يُقْبلُ عملُهُ ؟! إن لم يكن خالِصًا لله عز وجل، لأنّ الله تعالى طيِّبٌ ولا يقبَلُ إلا طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أغْنى الأغنياء عن الشِّرْك، والله سبحانه وتعالى لا يقْبل العمل المُشْترك، والقلبُ المُشترك لا يُقْبِلُ عليه ! القلبُ المُشْتَرَكُ بين حُبِّ اله وبين حُبِّ الدنيا لا يُقْبِلُ عليه الله تعالى، وكذا العمل المشْترك، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)﴾

[سورة المؤمنون]
وإذا قال الواحِد: هذا فوق طاقَتِنا !! فهذا تَزَمُّت، وهذا الكلام فوق طاقة البشر، والحياة مُعَقَّدَة وصَعْبَة، اِسْمَعْ الرَدَّ الإلهي، يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)﴾

[سورة المؤمنون]
يقول لك: فلانٌ هكذا أفْتى ! قلتُ مرَّةً لِوَاحِدٍ: عندَكَ بيت تَوَدُّ أن تبيعَهُ وخرَجْتَ مِن بيتِك، ووجَدْتَ دلاَّلاً، وعرَضْتَ عليه البيت، فقال لك: ثلاثة ملايين، هل تعْمَل معه عقْدًا رأسًا ؟! لا، بل تسأل ثانيًا وثالثًا وحتَّى العاشِر ؛ لماذا مِن أجل الدنيا لا تثِقُ بالواحِدِ، وإذا كان أوَّل إنسان أفْتى لك بِفتوى فيها رُخْصة ترتاح له ؟ وتقول: كلامُهُ حقّ !! إذا مات صاحبُ المبْلغ تؤْخَذُ أعلى ضريبة منه دون النَّظر إلى دُيونِهِ، فالناس سحَبوا أموالهم !! خوفًا مِن الضرائب فلِمَ لمْ تسْحَبوا أموالكم خوفًا من الله ؟!! قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

[سورة المؤمنون]
يتصَّدق ويخاف من الرِّياء والنِّفاق، لأذلك المؤمن يتحرَّى الإخلاص دِرهم تُنفِقُهُ بإخلاص خير مِن مائة درْهمٍ تُنْفقُهُ في الرِّياء.
قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)﴾

[سورة المؤمنون]
معنى هذا أنَّك لسْتَ مرْجِعًا إن كنت تُطيق هذا الشَّرْع أو لا تُطيقُهُ فالمرجِعُ هو الصانِع، تمامًا إذا اشْتَرَيْتَ آلةً فأنت تُصَدِّقُ صانِعَها وليس مُسْتَعْمِلَها ! فالشَّركة هي المرجع في أخْذ رأيِها هل هذه الآلة تُطيق كذا أم لا ؟ لذا لا تقل غضّ البصَر صَعْب وإنفاق المال لا أُطيقه ؛ هذا كلام لا دليل له، فأيُّ إنسان يعُدّ نفسه مرجِعًا في قبول هذا الحق أم لا، فهو جاهِل، فالمرجع هو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

[سورة البقرة]
لكنَّ هؤلاء الذين يدَّعون هذه الدَّعوة قال عنهم تعالى:

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾

[سورة المؤمنون]
لمَّا الإنسان يأكل الرِّبا فهو يُدافِعُ عنه، ولمَّا يحبّ الاخْتِلاط يُهاجِم الحِجاب، ولمَّا يحبّ التَّفلُّت يُهاِجم الانْضِباط، فالإنسان أحْيانًا ينطلق مِن مُناقشَتِهِ لا مِن الحقيقة، ولا يهْدِفُ إليها، ولكن مِن واقِعِهِ ودِفاعًا عنه لذلك هؤلاء الذين يُكابرون قلوبهم مُنْغَمِسَة في الدنيا، قال تعالى:

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾

[سورة المؤمنون]
ثمَّ قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67)﴾

[سورة المؤمنون]
المُلَخَّص إذًا أنَّه إذا كان الإنسان غارِقًا في حُبِّ الدنيا، وله أعمال خسيسة فهذا يُعارِض الحق ويرْفُضُهُ، وحين يُحاسِبُهُ الله يعْرِفُ ما إذا كان على الصَّواب أو الخطأ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-12-2018 01:36 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية التاسعة والستُون من سورة المؤمنون، قال تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
الله جل جلاله يريدنا أن نعرف رسول الله، و لماذا ؟ لأن الله تعالى جعل أحكام القرآن الكريم كُلِّيةً و جعل تفصيلاتِ الأحكامِ عن طريق النبيِّ عليه الصلاة والسَّلام، و لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[سورة الحشر]
فأنت إن لم تأخذ ما أمرك به رسولُ الله وإن لمْ تنتَهِ عما نهاكَ عنهُ الرسولُ فلستَ مطَبِّقًا لكتاب الله عز وجل، مثلًا قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾

[سورة التوبة]
أنصِبَةُ الزكاة، نصابُ عُروضِ التجارة و نصابُ النبات ما أنتجَتْه الأرضُ، ونصابُ الأنعام و نصابُ الرِّكازِ و نصابُ الذهب و الفضة و مصارفُ الزكاة، هناك مئاتُ الأحاديثِ لهذه التفصيلات، ولو أنَّ القرآنَ وهو كلام الله عز وجل تضَمَّن التفصيلاتِ لكان مائة ألفِ صفحةٍ، ولا يُمكِن أن تقرأَهٌ و لا أن تحفظهُ، فالله سبحانه و تعالى جعل كلامه موجزًا وعامًّا و ترك للنبيِّ عليه الصلاة و السلام التبيينَ و التفصيلَ، وعصمَهُ مِنْ أنْ يُخطئَ لأي أقواله و أفعاله، و في أحواله، وجعل كلامَه وحيًا غيرَ مَتلُوٍّ، وعلماءُ العقيدةِ يقولون: هناك وحيٌ متلُوٌّ هو القرآن الكريم وهناك وحيٌ غيرُ متلُوٍّ وهو السنَّةُ و أحاديث الرسول، فلذلك قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

(سورة النجم)

فلماذا يجبُ أنْ نعرفَ رسولَ الله ؟ يجبُ أن نعرفَه منْ سنَّتهِ القوليةَ لأنَّ اللهَ أمرَنا أن نفعل ذلك، مَن حرَّم علينا عدم الجمْع بين الأخ وأختها ؟ وبين الزوجة وعمَّتهَا وخالتها ؟ السنَّة، ومن قال: يحْرُمُ مِن الرَّضاع ما يحْرُمُ مِن النَّسَب ؟ آلاف الأحكام التي تركها الله للنبي عليه الصلاة والسلام إما لِفَهْمِهِ الدَّقيق لِكتاب الله، أو للوَحْي المباشِر الذي أوْحاه الله إليه لِيُبَيِّنَهُ لنا، إذًا معرفة سنَّتِهِ القَوْلِيَّة فرضُ عَين انْطِلاقًا من القاعِدَة الأصوليَّة ؛ ما لا يتِمُّ الواجِب إلا به فَهُوَ واجِب، وما لا يتمُّ الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تَتِمُّ السنَّة إلا به فهو سنَّة، فالوُضوء فرض لماذا ؟ لأنَّ الصلاة التي هي فرْض لا تُؤَدَّى إلا به، فإذا قال الله عز وجل:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[سورة الحشر]
هذه الآية تَطبيقُها فرض، فكيف نأخذ ما آتاه النبي صلى الله عليه وسلَّم إن لم نعْرِف ما آتانا ؟ وكيف نعرف ننتَهِي عمَّا عنه نهانا إن لم نعرف عمَّا نهانا، لذا قال تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
نقْطَةٌ ثانِيَة ؛ حينما قال الله تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾

[سورة الأحزاب]
أي يا عِبادي المؤمنين هذا النبي الكريم أُسْوَةٌ لكم في كلّ حياتِكم ؛ في بيتِكم ومع زوْجاتِكم ومع أولادكم، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ:

(( انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ لَا قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا ))

[رواه البخاري]
فأن تُعْطِيَ ابنًا دون الآخر هذا مِن الجَوْر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أُسْوَةٌ لنا في بيتنا، ومع جيراننا، ومع أهلنا، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[رواه البخاري]
فقد كان له عليه الصلاة والسلام جارٌ يَهودي، كان يُؤذيه فلمَّا انْقَطَعَ عنه الأذى ظنَّه أنَّه مات فعادَهُ ! فالأسْوة هو النبي عليه الصلاة والسلام فَمَعرفَةُ سنَّتِهِ صلى الله عليه وسلَّم فرض عَيْن، وليس لك خِيار، ومَن تركهُ أثِم وعوقِب، لأنَّ هذه الأوامر الإلهيَّة لا تتِمُّ إلا بِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهناك مَن يُنكر أن نقوم بالاحْتِفال بِعيد المولِد النَّبوي الشريف، مِن أين خالَفْتَ السنَّة ؟ كيف أعرف رسول الله ؟ أصْغي إلى كلمة حول شمائله وأخلاقه وعدْله وعَفْوِهِ.
السؤال: هل هناك دليل أقوى من ذلك على وجوب معرفة رسول الله ؟ يقول الله عز وجل:
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99)كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99)﴾

[سورة طه]
إذا كان فؤاد النبي يزداد ثباتا بسماع قصص الأنبياء الذين هم دونه، فما قولك بمؤمن يستمع إلى قصة رسول الله ؟ وهو سيِّد الخلق و حبيب الحقِّ من بابٍ أولى، قلب النبيِّ يزداد ثباتاً على الحق إذا قصَّ اللهُ عليه أنباءَ الرسلِ الذين
من قبله وهم جميعًا دونه، أمَّا إذا استمعنا نحن المؤمنين إلى سيرة النبيِّ كيف قال:
((واللهِ يا عم لو وضعوا الشمسَ في يميني و القمر"))
ثبات على المبدأ، كيف قالت له السيدةُ خديجةُ: خذْ قِسطًا من الراحةِ، بعد أن جاءه الوحيُ قال: انقضَى عهدُ النومِ يا خديجةُ، نحن أمامَ مهِمَّةٍ كبيرة، و أكثرُ الناس يبحث عن الراحة، و الرَّفاهِ و السرورِ و المكانِ الجميل و عن الطَّعام الطّيِّبِ و عن السيَّارةِ الفخمةِ، و عن الزوجة الجميلة، و عن البيت الفخم، يريد أنْ يستمتِعَ، أمَّا النبيُّ ففهِمَ الحياةَ شيئًا آخرَ، فهِمَها رسالة، و فهمها أمانة يجبُ أن تُؤَدّى، قال له لمَّا جاءته الرسالةَ و قال: زمِّلُوني زمِّلُوني، قالت: خذْ قِسطًا من الراحة، قال: انقضَى عهدُ النوم يا خديجةُ، أُسوتُنا، و حينما بلغَ قِمَّةَ النجاح و دانتْ له الجزيرةُ العربيةُ منْ أقصاها إلى أقصَاها و دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا ؛ صعِدَ المنبَرَ باكيًا وقال:

((مَن كنتُ أخذتُ له مالًا فهذا مالي فليأخُذْ منه، ومَنْ كنتُ جلدْتُ له ظهرًا فهذا ظهري فَلْيَقْتَدْ منه، و من كنتُ شتمْتُ له عِرضًا فهذا عِرضِي فلْيَقتَدْ منه ))
وهو لا يخشى الشحْناءَ فهي ليستْ مِن طبيعتِه و لا من شأنِه، ما هذا التوَا ضعُ ؟ و متى قال هذا الكلامَ ؟ في قمَّة نجاحهِ بعدَ أنْ فتحَ مكَّةَ و دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا و دانتْ له الجزيرةُ العربيَّةُ دخل مكَّةَ فاتِحًا و كادَتْ ذُؤَابةُ عمامتِه تُلامِسُ عنقَ بعيرهِ، تواضُعًا لله و ما مِن قائدٍ فاتحٍ يفتحُ بلدةً مُسْتعْصِيةً إلا أخذَه الزُّهُوُّ و الغطرسةَ و الكِبرَ و سفكَ الدِّماءَ، قال: ما تظُنُّون أنِّي فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريمٌ و ابن أخٍ كريمٍ، قال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقاءُ، كان عليه الصلاةُ و السَّلامُ يصلِّي الفجرَ وكان في قمَّة نَشْوتهِ قرأ سورةً قصيرةً و ختم الصلاةَ على عجَلٍ ما فهِم أصحابُه شيئًا، ثم فهموا أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ و السلام سمع بكاءَ طفلٍ صغيرٍ خلفَ الصُّفوف، و علم أنَّ هذا الطفلَ ينادي أمَّه ببكائه فرحم الطفل و رحم أمَّه، فقطّع الصلاة، عَنْ أَنَسٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ ))

[رواه مسلم]
سيِّدنا عمرُ تعلَّم منه فاستأذَنَ السيِّدةَ عائشةَ أن يُدفَن إلى جوار أبيها فأذِنَتْ له وهو على فراش الموت، و لا يزال خليفةَ المسلمينَ، فقال لابنِه: يا عبدَ اللهِ مُرَّ بجنازتي أمام بيتِ عائشةَ و اسْتَأْذِنْها ثانيةً فلعلَّها أذِنتْ لي و أنا أميرُ المؤمنين، فلو نقرأُ سنَّةَ رسول الله واللهِ لَكُنَّا في حالٍ غيرِ هذه الحال، و رسولُ الله يقول:
((عليَّ جمعُ الحطب، إنَّ الله يكره أن يرى عبدَه مُتمَيِّزًا عن أقرانه))
فحتَّى يحبَّك الناسُ اجعلْ نفسك واحدًا منهم، هناك شيء أبلغُ من ذلك يدخل أعرابي على النبيِّ يقول: أيُّكم محمَّدٌ ؟! فيقول الواحدُ: ذلك الوَضِيئُ، فكيف أحبَّه أصحابُه ؟ و كيف فدَوْهُ بأرواحهم ؟
قرأْتُ مقالةً عن الحرب العالميةِ الثانيَةِ، قائد مُعادي يصفُ الجيشَ الآخرَ فقال: هذا الجيشُ لا ينتصِر، و لماذا ؟ لأنَّ هناك مطبخًا للقادةِ و مطبخًا للجُنود، كيف فعَل هذا النبيُّ ؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

(( كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ فَقَالَ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[رواه أحمد]
هذا هو قائدُ الجيش.
أنا أقول لكم من هذه الآيةِ، قال تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
واللهِ يجب أن نقرأَ سيرةَ النبيِّ واحدًا واحدًا، و أن نعكِف عليها و أن نستَنْبِطَ منها الأشياءَ الكثيرةَ، دخل إلى البيت فوجدَ أنَّ عائِشةَ جاءها طبقٌ من طعامٍ من ضرَّتِها، فرَمَته أرضًا و كسرتْه، كان بإمكانه أنْ يُؤَدِّبها ولكنْ قال: غضبتْ أمُّكم غضبتْ أمُّكم، كان إذا دخل بيتَه ضحَّكًا بسَّامًا كان يقول عن النِّساءِ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ ))

[رواه أحمد]
كان يقول:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))

[رواه الترمذي]
فإذا لم يكنِ الإنسانُ في خيرٍ مع أهله فبالأحرَى أن يكون خارج البيت بلا خيرٍ، داخل بيته كالوحش و خارج البيت مداهنة و..و هذا ليس من السُّنة في شيء، كان يقول عليه الصلاة و السلام:
((أكْرموا النساء فو اللَّهِ ما أكرَمهُنَّ إلاَّ كريمٌ و ما أهانَهُنَّ إلاَّ لئيمٌ يغلِبْنَ كلَّ كريم ويغلبهنَّ لئيم، و أنا أحبُّ أنْ أكون كريمًا مغلوبًا من أن أكون كريمًا غالبًا.))
أيُّها الأخوة الكِرامُ، نحن في عيد المولد، وهذه الآية:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
يجبُ أن نعرفَ رسولَ اللهِ، و أنا أتمنَّى أن يجمعَ كلُّ واحدٍ منَّا أقرِباءه المُتَفَلِّتين غيرِ المنضَبطين الذين لا يأتون إلى المساجد، يجمعهم في بيته و يطعمهم ويسمِعهم إمَّا مِنْ قِبَلِه أو مِن قِبَل من يحسن ذلك شيئًا عن أخلاقِ النبيِّ، فالعبرةُ أن تكسبَ الطرفَ الآخرَ، و بطولتُك ليس أن تكسبَ الطرفَ الأوَّلَ، نحن كلُّنا طرفٌ واحدٌ، البطولةُ أن تكسبَ الشاردين المنحرفين و المُشَكِّكين و المنتقِدون، هؤلاء اجْمعْهم و أطْعمهم الطعام و أسمِعْهم من هديِ النبيِّ فلعلَّهم يلتفُّون حولك و لعلَّهم ينْضَوُون تحت لواء الإسلام.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-12-2018 01:37 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، يقول الله جل جلاله في الآية الواحدة والسبعين من سورة المؤمنون:

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة، مِن تعريفات الفساد أن يخرج الشَّيء عن صِفاتِهِ الأصيلة فالماء مِن خصائِصِهِ الأصيلة أنَّه لا لَوْن له، ولا رائِحَة له، فإذا أصْبَحَ له لون أو رائِحَة نقول: فسَدَ الماء، أي خرج عن صِفاتِه الأصيلة والفساد ليس له إلا معنًى واحِدًا.
مَخلوقٌ أَوْدَعَ الله فيه الشَّهوات، ومَنَحه حُرِيَّة الاخْتِيار فَتَحَرَّك بِخِلاف منهَج الله، ماعدا الإنس والجنّ كلٌّ بيدِ الله، يتحرَّكون وِفق منهج قويم، أمّا الإنسان لأنه مُخيَّر ولأنَّ الله سبحانه و تعالى أودعَ فيه الشَّهواتِ و لأنَّه يتحرَّك بخلاف منهجِ اللهِ، يَحْصُل الفسَاد في الأرض، فالفَساد كائِنٌ أودِعَتْ فيه الشَّهوات لِيَرْقى بها في الأصل إلى رب الأرض السماوات ولكنَّه تحرَّك مِن خِلالها بِخِلاف منْهَج الله فَعَمَّ الفسَاد في الأرض، والله عز وجل خلَقَ الذَّكر والأنثى، ومنْهجُهُ يقْتضي الزَّواج، والزَّواج لَبِنَة من لبِنات المُجتمع، والإنسان حينما يتزوَّج فيما يبْدو للناس أنَّهُ يقْضي وطرَهُ ولكنَّهُ في الحقيقة تُبْنى أُمَّةٌ مِن خلال الزَّواج ‍، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(32)﴾

[سورة النور]
أمْرٌ إلهِيٌّ مُوَجَّهٌ لأولي الأمْر، وإلى أوْلِياء الأمور، وهذا الأمْر يرْقى إلى مُسْتوى النبل، أما حينما تخرُجُ المرأة بأبْهى زينة مِن أجل أن تُثير شَهَوات الآخرين في الطريق يحْصُل الفساد، وحينما يكون لِقاء بين رجل وامرأة خارِج نِطاق الزَّوْجِيَّة يكون الفساد، وحينما نشرب شيئًا يُذهب عُقولنا يكون الفساد، وحينما يكون الاخْتِلاط يكون الفساد، وحينما نكْسب المال بِغَير طريق مَشْروع يكون الفَساد، فالفساد يعني إنسانًا مُخَيَّرًا تحرَّكَ بغير منهَج الله تعالى، لو أنَّ الناس اسْتقاموا على أمْر ربِّهم لكانت الحياة بِشَكل آخر، ولكن المُزْعِجات في الحياة أساسها خُروج الإنسان عن منْهَج الله، لذلك ما مِن مُشْكِلةٍ على وَجْه الأرض بالتَّحْديد، والإطلاق إلا بِسَبَبِ خُروج عن منهَج الله، وما من خُروجٍ عن منهَجِ الله إلا بسببِ الجَهْل، والجَهْل أعْدى أعداء الإنسان وطلب العِلْم فرضٌ عَينيّ على كُلّ مُسلِم، وأنت بالعِلم إنسان، ومن دونه تهْبِطُ إلى مُسْتوى أدْنى، وطلب العِلْم الشَّرعي فرضٌ عَيْنيّ، ومِن أجل أن تعرف ما ينبغي أن تفْعَل وما لا ينبغي، ومِن أجل أن تعرف الحق مِن الباطِل، والخير مِن الشر والحلال من الحرام، وما مِن شيءٍ في الأرض إلا ولهه حُكْمٌ شَرعي فإمَّا أن يكون فرْضًا أو مندُوبًا أو مُستَحبّ أو مُباح أو مَكروه أو مُحَرَّم وطلب الفقْه حَتْمٌ لازِمٌ على كلّ مُسلِم، وما مِن موضوعٍ أخْطر بعد الإيمان بالله تعالى مِن موضوع الحلال والحرام،
عن بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ))
أضربُ لكم مثلاً مُنْتزَع من واقِعنا اليومي ؛ إنسان يصَلِّي ويصوم وحاج لِبَيت الله مرات عديدة واعْتَمَر المرات العديدة، كان جالسًا مع أُخْتِه، ويُحَدِّثُها عن زَوْجِها السيِّء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ))

[رواه أبوداود]
و معنى خبَّب أي أفْسَدَ، فهيَ نَفَرَتْ مِن زوْجِها حينما صَغَّرَه أخوها في نظَرها، أنت بِهذا ارْتَكَبْتَ كبيرةً، وهل يُكبُّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائِد ألْسِنَتِهِم !! لا يستقيم إيمان عبْدٍ حتَّى يسْتقيم قلبُهُ ولا يستقيم قلبُهُ حتَّى يستقيم لِسانُهُ، فالإنسان مُمْكِن أن يرْتَكِب أكبر الكبائر بِلِسانِهِ، وهو صائِم ومُصليّ يرْتاد المساجِد ويُزَكِّي ويُخَبّب امرأةً على زوْجِها، ومعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام ليْسَ مِنَّا أي نفى انْتِماءه عن هذا الدِّين وهذه كبيرة، أي ليْسَ مِن أمَّة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم ولا تنْسَوا أنَّ أمَّة محمَّد أمَّتان ؛ أُمَّة التبْليغ وأمَّة الاسْتِجابة، فَأُمَّة الاسْتِجابة هي التي اسْتَجابَتْ لله ولِرَسوله إذا دعاها لِمَا يُحْييها، أما أيُّ إنسانٍ وُلِدَ في العالَم الإسْلامي مِن أبٍ أو أمٍّ مُسْلِمَين فَهُوَ مِن أمَّة التَّبليغ ومَن كان مِن أُمَّة التَّبليغ ليس له أيَّة ميزَةٍ عند الله تعالى مثلك مثل أيّ إنسانٍ في الأرض، أما ميزَتُك قوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ(110)﴾

[سورة آل عمران]
عِلَّة الخَيْرِيَّة الإيمان بالله، والأمْر بالمعروف والنَّهْي عن المنْكَر، فإذا كان الإيمان ضعيف والأمْر بالمعروف غير مَوْجود والنَّهي عن المنْكر غير موجود فأنت مِن عامَّة الناس، ولا شأن لك عند الله تعالى إطْلاقًا، فلذلك الآية الكريمة:

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)﴾

[سورة المؤمنون]
أضْربُ لكم مثلاً دائِمًا أنّ بعض البِحار الكبرى بِبَعْض الدُّوَل العظمى المياه السَّوْداء تمشي في البحر خمسين كيلومتر ! ولونها أسْوَد، ومع ذلك البَحْر طاهِرٌ ماؤُهُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

(( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[رواه الترمذي]
فالغيبة مِن الكبائر، والنَّمام لا يدخل الجنَّة مُجْتَمَعُ المسلمين اليوم فيه النميمة والبغْضاء والحسد، ولذا الحِجاب قائِمٌ بين العَبْدِ وربِّه ما لم يضْبِط لسانَهُ.
الآن عندنا إشارة قرآنِيَّة لطيفة جدًّا، يقول الله عز وجل:

﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)﴾

[سورة المؤمنون]
لماذا لا يُطَبِّقون هذا الصِّراط ؟ ولِمَ لا يمْشون عليه ؟ ألم يخْطُر لكم هذا السُّؤال ؟ الحلال بيِّن والحرام بيِّن، ولماذا الناس مُنْصرِفون عنه ؟ اسْمعوا الجواب، يقول الله عز وجل

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

[سورة المؤمنون]
ما عِلَّة عدم الاسْتِقامة ؟! عدم الإيمان بالآخرة ! فإذا آمَنْتَ أنَّ الدنيا كلّ شيء، وليس بعدها شيء، لا يُمْكِن أن تستقيم على أمْر الله تعالى فَكُلّ إنسان لا يؤْمِن بالآخرة فَفِعْلُهُ للحرام يكون منْطِقِيًّا، أما حينما يؤمن أنَّه يوجد رب سَيُحاسِبُهُ عن كل كلمة وعن كل سكنة، وعن المال كيف اكْتَسَبَهُ وأين أنْفقَهُ ؟ حينما تؤمن بالآخرة تستقيم على أمْر الله فالشيء الذي يُؤْسَفُ له أن تَجِدَ إنسانًا مُسلم يُقِرّ بالله تعالى ربًّا وخالقًا ومُسيِّرًا ويقول لك: الجنَّة حق، والنار حق ولا ترى في عملِهِ ما يُؤَكِّدُ إيمانه بالآخرة، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
قال تعالى:

﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)﴾

[سورة المؤمنون]
فإذا شاق الله تعالى للناس بعض الشَّدائِد، فما حِكْمَتُها ؟ أن يمْنَعَهُم مِن الطُّغْيان، والله تعالى يقول:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾

[سورة الشورى]
فالله تعالى قابض وباسِط، ومُعِزّ ومُذِلّ وضارّ ونافِع، ومانِع ومُعطي وإنَّ أوْجَهَ التفسيرات أنَّهُ يضرّ لِيَنْفَع ويمْنَعُ لِيُعْطي، ويُذِلّ لِيُعِزّ، ويقْبضُ لِيَرْفَه، وكلّ أسمائِهِ تعالى حُسنى قال تعالى:

﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)﴾

[سورة المؤمنون]
وقال أيضا:

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)﴾

[سورة المؤمنون]
ماذا نسْتنبِط من هذه الآية ؟ لمَّا الله تعالى يَسُوق العذاب ماذا ينْتَظِرُ مِنَّا ؟ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)﴾

[سورة المؤمنون]
فالله ينتظِر مِنَّا أن نسْتكينَ إليه، وأن نصطلِحَ معه، ونتوب إليه، وأن نُطَبِّقَ أمْرهُ، ونُطَبِّقَ سُنَّة نبيِّهِ في حياتنا، هذه عِلَّة أيَّة مُصيبة، وهذه عِلَّة أيَّة مِحْنة، وأعلى مراتب العِبادة التَّضرُّع، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؟!
((إن لم يكن بِك غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العُتْبة حتَّى ترْضى ولكنَّ عافِيَتَك أحبّ إليّ.))
أوَّل معنى أنّ الله تعالى إذا ساق لعَبده بعض الشدائد ينتظر منه أن يصطلح معه، وأن يتوجه إليه بالدعاء فإذا ما حصلوا فإن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر، أصبح هو المصيبة من أجل أن تصطلح مع الله وأن تتوجه إليه بالدعاء، الاصطلاح ما حصل، والدعاء ما حصل بل الذي ساق الله له المصيبة هو المصيبة فإن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر.
الشيء الثاني وجدت هناك ضيق وهذا الضيق من عند حكيم إن الله لا يحمي صَفِيّه المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مرضه من الطعام، إن الله لا يحمي عبده من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مرافع الهلكة أصبح المنع كبحا، إنسان لا يستقيم لأنّ إيمانه بالآخرة غير كامل، هناك فساد عَامْ وهو مُقِيم على الفساد هذا كلام الشيطان، عدم الإيمان بالآخرة أنا أذكر أن ستة آلاف تاجر انسحبوا من الاسترداد وقت إصدار قانون العملة لماذا أنت مع إنسان تنسحب وتخاف مع إنسان قوي تخاف، لماذا من خالق الكون إذا حرّم شيئا لا تخاف.
ملخَّصُ الدرس، عدمُ الاستقامة قطعاً كما قال تعالى:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

[سورة المؤمنون]
عدم الاستقامة سببُه عدمُ اليقين بحسابِ الله يومَ القيامة هذه واحدةٌ الشيء الثاني، المنعُ كبْحٌ ورحمةٌ، وحسنُ الظَّنِّ بالله من حسن العبادةِ،

(( قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويِه عن ربِّه:عن وَاثِلَةُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ))

[رواه أحمد]
و الشيء الثالثُ، إذا ساقَ اللهُ بعضَ الشدائِد ينتظِرُ من عبدِه أن يستَكينَ إليْهِ وأن يتوجَّه له بالدعاء، ثلاثُ موضوعاتٍ، موضوعُ الشِّدائدِ وموضوع الحِرمانِ وموضوعُ عدمِ الاستقامةِ.






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-12-2018 01:38 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، الله جل جلاله يخاطِب الناسَ عامَّةً و أهلَ مكَّةَ خاصَّة، حينما أرسل النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم مُبيِّنًا وهاديًا و مُنقِذًا يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)﴾

[سورة المؤمنون]
هي مُلكُ مَنْ؟ الله جلَّ جلالُه مالكُ المُلك، وملكُ الله عز وجل ملكٌ مُطلَق هو الذي خلَق وهو المُتصَرِّف وإليه المصيرُ، الإنسانُ أحيانًا يملكُ بيتًا ولا ينتفِعُ به، وينتفعُ ببيتٍ و لا يملكُه، أو ينتفع به و يملكُه وليس له مصيرُه، فمُلكُ الإنسان دائمًا ناقصٌ، لكنّ َ اللهَ سبحانه وتعالى يقول:

﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾

[سورة آل عمران]
خلقًا و تصرُّفًا و مصيرًا، فهو الذي خلَق وهو المُتصَرِّف وإليه المصيرُ وهذه أعلى مُستوَياتِ الملك، يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)﴾

[سورة المؤمنون]
الواحد إذا اشترى بيتًا و اعتنَى به إلى أَقصَى درجة، هل تملك أن لا تهْتزَّ الأرضُ سبعَ درجاتٍ على مِقيَاس رِيشْتَرْ فيغدُو البيتُ في الأرض ألم يحدُثْ هذا في القاهرة، بناءٌ مِن عشرين طابقًا في ثوانيَ معدودةٍ أصبحَ رُكامًا، مَن مالكُ المُلكِ ؟ اللهُ مالكُ المُلك، لا تملِكُ البيتَ و لا تملكُ مركبةً و لا تجارةً، ولو ملكْتَ كلَّ شيء ولم تملك عقلَك أقربُ الناس إليك يتوسَّل عند أولِي الأمرِ ليجعل أباه في مستشفى المجانين ؛ الذي اشترى البيتَ و أنجبَ الأولاد و أنشأَ هذا المعمل إذا اختلَّ عقلُه أقربُ الناس إليك يتوسَّل عند أولِي الأمرِ ليجعل أباه في مستشفى المجانين ؛ فهل تملكُ عقلَك ؟ و هل تملك ذاكرتك؟ وهل تملك معملك ومتجرَك و أهلك؟ قال تعالى:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)﴾

[سورة المؤمنون]
تذكرون تعني أن الإيمانَ موضوعٌ في الإنسانِ بالفطرةِ ولا يحتاجُ إلا إلى تذكُّرٍ، فربنا قال:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ(11)﴾

[سورة عبس]
أيْ أنَّ نفسَك مفطورةٌ على الإيمان بالله، مُصَمَّمةٌ كي تؤمن بالله والإيمان بالله جزء مِن جِبِلَّتِها، وأنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى، قال تعالى:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)﴾

[سورة المؤمنون]
هذه أوَّل آية، وقال تعالى:

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)﴾

[سورة المؤمنون]
لِمَ لا تُطيعهُ ؟ وماذا تنتظر ؟ وما الذي يمْنَعُكَ أن تُطيعهُ ؟ فأوَّلاً أفلا تتَّقون ؛ الإيمان فِطري وجِبِلِّي، ومُركَّب في جِبلَّتِكَ وأنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى، وبعد أن أقْررْتَ أنَّ الله ربَّ العرش العظيم أفلا تتَّقون ؟! وقال تعالى:

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)﴾

[سورة المؤمنون]
ما الذي لفتكَ عنه ؟ وما الذي سحَرك ؟ وأغراك أن تنسى ربَّك ؟ فالآية الأولى أفلا تذكَّرون، والثانية أفلا تتقون، والآية الثالثة: ما الذي صرَفَكَ عنه ؟ أوَّلاً أنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى لأنَّ الإيمان جزء من جِبلَّتِكَ والشيء الثاني ؛ هل مِن جِهةٍ في الكون تسْتحِقّ أن تُطاع غير الله عز وجل ؟ فإذا انْصرَفْتَ عن الله فما الذي صرَفَك ؟! ينصرِفُ الإنسان عن الجَوْهَر إلى الفَحْم ! وعن اللُّؤلؤ إلى الأصْداء !! وعن التِّبر إلى التَّنَك ! وعن النفيس إلى الخسيس، قال تعالى:

﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)﴾

[سورة المؤمنون]
هم يريدون شَهَواتهم، يزْعمون أنَّهم يبْحثون عن الحق ولا يَجِدونه، هم يبْحثون عن شَهوَاتِهم، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا الكون الذي يعْمل بانْتِظام، وقد ذكرْتُ لكم أنَّك لو أتيْتَ بِكُرة ووضَعتها بين مغناطيسيين فلا يمكنك أن تجْعلها في الوسَط، والكتلتين مُتَساوِيَتَين فكيف إذا كانتا مُختلفين ؟ وكيف إذا كانت هذه الكُتَل في فراغ ؟ فكيف إذا تَحَرَّكَت هذه الكُتَل ؟
كتلٌ لا تعدّ و لا تحصَى بأحجام متفاوِتةٍ و أبعاد متفاوتة و شُحناتٍ متفاوتة تتحرَّك في الفضاء و المحصِّلُ الاستقرار وسمَّى العلماء هذا التوازنَ الحركِي، هذا الكونُ العظيمُ هل رأيتَ مَن يدَّعي خلقَه ؟!! أبدًا هل رأيتَ نزاعًا في السماوات و الأرضِ ؟ هل رأيتَ تنافرًا و تضَادًّا و تناقضًا ؟ أم رأيتَ الانسجام المُطلق والوحدَةَ المُطلقةَ، إذا درسَ الإنسانُ في كندَا و يصفُ دواءً صُنِعَ في أمريكا لمريضٍ في أُستراليا يشعرُ بالراحةِ، البشرُ كلُّهم من بُنيةٍ واحدةٍ؛ إلهٌ واحدٌ و خلق واحدٌ وخصائصُ واحدةٌ و دِقَّة واحدةٌ، وقد يدرسُ الإنسانُ التشريحَ في روسيَا و يطَبِّقه على إنسان في الشام، معنى ذلكَ أنَّ البنيةَ واحدةٌ، و ما أحدٌ ادَّعى الأُلوهيةََ غيرَ الله عز وجلَّ، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك أخَوَانِ ورِثَا معملًا عندهم عشرُ عمَّال، فيضيعُ العمَّالُ بين الأخوين يعصي أمرَ الأوَّلَ فيعتِبُ عليه الثانِي، فالشرِيكانِ يصدِرانِ أوامرَ مستمِرَّةً لمجموعة مِن العمالِ، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾

[سورة المؤمنون]
نفيقُ في أحدِ الأيَّام ونجدُ الأرضَ لا تدورُ هكذا أراد إله السماء، احترقَ الناسُ فماتوا، و الإلهُ الآخرُ لا يريدُ أن تُشرقَ الشمسُ، فإلهُ الشمسِ في نزاعٍ مع إله الأرضِ سبحانَ الله ‍‍‍!! ما دامَ هناكَِ انسجامٌ مطلقٌ معناهُ وجودُ إلهٍ واحدٍ، وشيءٌ بالفطرة، وهو أنَّك إن وجَدْتَ مدرسةً خالِيَة من المشاكل معنى هذا أنَّهُ يوجد مُدير واحِدٌ مُسَيْطِر، وكذا المستشفيات والقطاعات، إذا كان هناك انْسِجام وتعاوُن وتناسب معناه يوجَد مُسيِّر واحِد، وهذا هو معنى الآية:

﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)﴾

[سورة المؤمنون]
اسْمعوا هذا المثَل: الحياة مَسْرَحِيَّة فيها مقاعِد للمُشاهِدين، وخشبَة مسْرح، فإذا اسْتَقام الإنسان كان له مقام مع المُشاهِدين، سوف يرى ويسْمع ويعْجَب لما يجْري على خشبة المسْرح، إلا أنَّه مُشاهِد، فله أنْ يستمْتِع و أن ينظُرَ و أن يراقِب و يتعجَّب، أمَّا إذا لم يكن مستقيمًا فسوف يُجَرُّ إلى خشبة المسرح و سوف يُضرَب ضربًا مُبرِّحًا وسوف يصبح قصَّةً يراه المشاهدون، فإما أن تكون مشاهدًا مستقِيمًا أو سوف تغدُو أنت القصَّةُ، لذلك الدعاءُ الذي يقشَعِرُّ منه الجِلدُ: يا ربِّي لا تجعلني عبرةً لأحدٍ مِن خلْقِك، لا أكون أنا القِصَّة، اللهم إني أعوذ بك أنْ أتزَيَّن للناس بشيء يَشِينُنِي عندك، اللهمَّ إني أعوذ بك أنْ يكونَ أحدٌ أسعدَ بما علَّمتَني مني، اللهمَّ إني أعوذ بك أنْ أقولَ قولاً فيه رِضاكَ ألتمِسُ به أحدًا سِواكَ
فإذا استقامَ الإنسانُ على منهجِ الله فهو في ظِلِّ الله يومَ لا ظلَ إلا ظلُّه و في سِتر الله، ويحفظُه الله و يسترُه و يُؤَيِّده و ينصُره، فلا تخرجْ عن مَظَلَّة الله، و منهجُ الله دستورُك فلا تخرجْ عنه، فأنت في رِعايَته و في ظِلِّه و في إكرامِهِ و في رحمتِه، واللهُ عز وجل يقولُ:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)﴾

[سورة الطور]
قال تعالى:

﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94)﴾

[سورة المؤمنون]
صرفيًّا اسمُ تفضيل، فإذا وُجِد ألفُ أسلوبٍ حسنٍ يجب أن تختارَ أحسنَها لدفع السيِّئةِ، ماذا فعلَ سيِّدُنا الصِّديقُ مع الذي قال عن ابنته زانية ؟ منعَ عنه المساعدةَ، فعاتبَه اللهُ عز وجل فقال:

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(22)﴾

[سورة النور]
الله عاتبَ سيدَنا الصَديق لأنَّه كفَّ عن مساعدة مَن اتَّهمَ ابنته عائشةَ بالزنا فترُدَّ على السيِّئة بالعفو، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾

[ سورة الحجر ]
و قال تعالى:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)﴾

[ سورة المائدة ]
قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾

[ سورة آل عمران ]
ألفُ أسلوبٍ حسنٍ يجب أن تختارَ أحسنَها لدفع السيِّئةِ، لذلك أخلاقُ الأنبياءِ في هذا الحديثِ، قال عليه الصلاةُ و السلامُ:
((عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ صَلَّى بِنَا عَمَّارٌ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالُوا بَلَى قَالَ أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ))

[رواه أحمد]
قال تعالى:

﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)﴾

[سورة المؤمنون]
و غدًا إن شاءَ اللهُ نشرحُ هذه الآياتِ الدقيقَة التي مِحوَرُها:

﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106)﴾

[سورة المؤمنون]










والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-12-2018 01:40 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الحادى عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، فالآية التاسعة والتِّسْعون، وما بعدها من سورة المؤمنون وهي قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة الكرام، أحَدُ تعريفات العَقْل، أنّ الإنسان العاقِل أو الذي يسْتَخْدِمُ عقْلَهُ ؛ هو الذي لا ينْدَم، لأنَّ الإنسان الذي ينْدَم معناه أنَّهُ عطَّل عقْله، ولم يسْتفِد منه، فإذا توهَّم الإنسان أنَّه قد أفْلَحَ، ونجَحَ، وربِحَ وتفوَّق، ثمَّ وصَلَ إلى هذا اليوم، وقال:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
إذًا لم يكنْ عاقِلاً لذلك ليس كلّ ذَكِيٍّ عاقلاً، فالذَّكاء شيء، والعقْل شيء آخر فالذَّكاء مُتَعَلِّق بالجُزْئيَّات، وفيما أنت فيه، والعَقْل مُتَعَلِّق في الكُلِيَّات فَلِمُجَرَّد أن تنْدم فأنت لسْتَ عاقِلاً، أيْ أنَّ هذا الجِهاز الذي أوْدَعَهُ الله فيك لم تسْتَخْدِمْهُ، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)﴾

[سورة المؤمنون]
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((الليل والنهار يُقَرِّبان كلّ بعيد و يُبليانِ كلَّ جديد))
و كلُّ مُتوقَّع آتٍ و كلُّ آتِ قريب، والإنسانُ يظنُّ أن الأمدَ طويلٌ و فجأةً هو على مشارف الدار الآخرة، فلذلك العقلُ كلُّ العقلِ أن نعمل لهذه الساعةِ التي لا بدَّ منها، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن هذا الذي سيقولُه هذا النادِمُ هو أثمَنُ ما في الدنيا، لعلِّي أعمل صالحًا فالإنسان لا يطلب الرُّجوع من أجل أن ينهي بِناءَ بيْتِهِ ! فهذا الكلام لا يقوله أحد، ولكن يقول:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
فالدنيا كلَّها مِن أجل أن تعملَ عملاً صالِحًا يُؤَهِّلُكَ للجنَّة التي وَعَدَك الله بها، وكلمة عمل صالح ؛ أيْ عمل يصْلُحُ للعَرْض على الله، أي عملٌ صالِحٌ، وعمل مُتْقَن، وعمل وِفْق السنَّة، مُطابق للمنْهَج، والإمام الفُضَيْل يقول: إنّ الله عز وجل لا يقْبَلُ مِن الأعمال إلا ما كان خالصًا وصَوابًا ؛ فالخالِصُ ما ابْتُغيَ به وجْه الله، والصواب ما وافَقَ السنَّة فإذا غاصَ الإنسان في البحر، واللآلئ بين يدَيْه ؛ أخذ الأصْداف، فإذا أعْلَمهُ رُفقاؤُهُ يقول: لعلَّي كنتُ آخُذُ اللؤلؤ، وإذا الإنسان ذهَب لِبَلَد لِيأخذ شَهادة عُليا وعاد بخفيّ حُنَين، يقول: يا ليتني نشلْتُ هذه الشَّهادة ولكان شأني في المُجْتمَع شأنٌ آخر، فالشيء الذي تنْدَمُهُ عليه هو أثْمَن شيءٍ على الإطلاق، وأثْمَنُ شيءٍ في الدنيا على الإطلاق هو العمل الصالح قال تعالى:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)﴾

[سورة النحل]
وقال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
بل إنَّ سِرَّ مجيئِكَ إلى الدنيا، وعِلَّة وُجودك فيها العمل الصالح، فالدنيا مزْرعة الآخرة، وتهيئَةٌ وإعداد للآخرة، وإنَّها حياةٌ دُنيا لِتَكون سبب حياة عُليا.
قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[سورة المؤمنون]
فعذاب البرْزخ أُشير فيه إلى هذه الآية، قال تعالى:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

[سورة غافر]
فهُم يُعرضون على النار كلّ يوم غُدوًّا وعَشِيًّا، مِن سِتَّة آلاف عام إلى يوم القيامة، وهذا عذاب البرْزخ، والقبر إمَّا روْضة مِن رياض الجنَّة، أو حُفْرة مِن حُفر النِّيران.
قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
قد تقَعُ عَيْن الابن على أُمِّه، وقد تقعُ عين الأمّ على ابنها، فتقول يا ولدي كان لك صَدْري سِقاءً، وبطْني وِعاءً، وحِجْري وِطاءً، فهل مِن عَمَلٍ يعود عليَّ خيرهُ اليوم ؟! فيقول: ليْتني أسْتطيع ذلك يا أُمَّاه ! إنَّما أشْكو مِمَّا أنت منه تشكين !! قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))

[رواه مسلم]
قال تعالى:

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)﴾

[سورة المؤمنون]
موازين أعماله الصالحة، لذا قال الإمام عليّ رضي الله عنه: الغِنَا والفقْر بعض العرْض على الله، فالغِنَى والفقْر لا يوصَفُ بهما الإنسان إلا بعد العرْض على الله، وهذا سيِّدُنا موسى عليه الصلاة والسلام قال بعد أن سقى الفتاتين بِنْتَي سيِّدنا شُعيب، قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[سورة القصص]
مُمْكن أن تجد شَخْصًا لا يمْلِكُ من الدنيا إلا القليل وهو أغنى الأغنياء بِأعمالِهِ الصالحَة، وقد تجد الآخر له سبعمائة مليون ‍‍‍!! قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
قد يخْسر الإنسان بيتًا أو تِجارَةً أو شرِكَة أو يخْسر أحد أولادِهِ، إلا أنّ أكْبر خسارة على الإطلاق أن تخْسر نفْسَكَ التي خلقها الله لِجَنَّة الأبَد، قال تعالى:

﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)﴾

[سورة المؤمنون]
الآيات الكَوْنِيَّة والتَّكْوينِيَّة والخُطب والآيات القرآنيَّة، وكتب ومُحاضرات وأفعال، كلّ هذا قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106)﴾

[سورة المؤمنون]
غلبتْهم شَهَواتهم، قال تعالى:

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)﴾

[سورة المؤمنون]
تجدهم يسْخرون من أهل الله تعالى، ويقولون لك: هذا لا يفْهم إلا العِبادة ! وهذا غبيّ !! قال تعالى:

﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك آية ثانية تُكَمِّل هذه الآية وهي قوله تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾

[ سورة المطففين]
هذه بِتِلك، وواحِدَة بِوَاحِدَة، والعبْرة لِمَن يضْحك آخرًا، والشَّقي من يضْحك أوَّلاً، لذا الإنسان لا يعبأ من كلام الناس، ولا بالقال والقيل لأنَّ الناس جميعًا لو مَدَحوك ولم يكن الله تعالى راضٍ عنك فلن ينفعُك مديحهم ولا رفْعهم لك.
قال تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا العُمْر الذي قضَيْتُموه في النزهات والفنادق وأكل الحرام، والحفلات المُشْتركة كم مِقدارهُ ؟! قال تعالى:

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)﴾

[سورة المؤمنون]
أذْهبْنا آخرتنا مِن أجل يومٍ أو بعض يوم، فالكافر لا يعتقد يوم القيامة إلا أنَّ حياته لا تزيد إلا عن يومٍ أو بعض يوم، قال تعالى:

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك الدنيا ساعة اِجْعلها طاعة، والنَّفْسُ طمَّاعة عَوِّدْها القناعة، والقبْر صُندوق العَمَل، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾

[سورة المؤمنون]
ثمَّ يقول الله تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

[سورة المؤمنون]
دون هدف، ومن دون حِساب، وتأكل المال الحرام، وتعتدي على أعراض الناس دون حِساب، وتحتال عليهم من دون حساب، خُلقت للأكل والشُّرْب، قال تعالى:

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[سورة المؤمنون]
جلَّ شأنهُ، وسبحانه وتعالى أن يخْلق الخَلْق عبثًا، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(16)﴾

(سورة الأنبياء)

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾

[سورة المؤمنون]
مِن شأن الإله الآخر أنَّ لا برهان له

﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) ﴾
قال تعالى:

﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

[سورة الأعراف]
اقرؤوا الواقعة قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالذي كان في الحضيض يمكن أن يكون في الأخير.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-13-2018 07:52 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، أخٌُ كريم طلب مِنِّي يوم الخميس أن أُعالِجَ هذه الآية في هذا الدَّرْس، الآية الكريمة :

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26)﴾

[سورة النور]
يسأل هذا الأخ الكريم، وهذه آيَةٌ مُحْكمة في كتاب الله، كيف يكون زَوْجٌ طيِّب وزوْجةٌ غير طيِّبَة ؟ وبالعَكس، فكيفَ نُوَفِّق بين الواقِع وبين هذه الآية ؟! فالآية تقول:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

[سورة النور]
أليْسَ هناك امرأة صالحة وصائمة وقائِمَة وتحْفظ كتاب الله وزوْجُها يشْرب الخمْر ؟!! أليْسَ هناك زوْجٌ خائِفٌ ومُنيب وتائب وله امرأة تأبى الحِجاب ولا تُصَلِّي ؟! فكيف نُوَفِّق بين هذه الآية وبين الواقِع ؟! الحقيقة أنَّ هناك باللُّغة العربيَّة خبَر، وهناك إنشاء، أقول: سافر أخي ؛ هذا خَبَر، يُحْتَمَلُ أن يكون هذا الخبرُ صادِقًا أو كاذِبًا، أما إذا قلتُ لأحدهم: سافِر تغْنَم، هل يُمكن أن يقال للذي يقول هذا الكلام كاذِب ؟! هذا إنشاء وهذا أمْر، فالأمر والنَّهْي والاسْتِفهام والطَّلَب والحظ والتَّمَنِّي ؛ هذه أساليب الإنشاء، والخبَرُ كلّ كلامٍ يحْتَمِلُ الكذب والصِّدْق، لذا القرآن الكريم بأكْمَلِهِ إمَّا خبرٌ أو إنشاء، فحينما قال الله جل جلاله:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾

[سورة الأنعام]
أي أنَّ القرآن كلَّه خبرٌ وإنشاء، فَخَبَرُهُ صادِق، وأمْرُهُ عادِل.
أما نوعٌ ثالث يوجد هو أدَقّ من أخَوَيه ؛ هناك كلامٌ صيغَ صيغَةَ خَبَر ويُراد به الإنشاء، وهناك كلام صيغَ صيغة الإنشاء ويُرادُ بالخَبَر، وهذه حالة نادِرة في كتاب الله، وهذه الآية مِن هذه الحالات، فهذه الصِّيغة هي صيغة خبَرِيَّة، وهي أنَّ الله تعالى أخْبرنا أنَّ الخبيثين للخبيثات ولكنَّ هذه الصِّيغة صيغَةُ خَبَر يُراد بها الإنشاء، أي يا عبادي اِحْرصوا أن يكون الطِّيِّبون للطَّيِّبات، إذا تَزَوَّجْتُم وإذا خَطَبْتُم، فيا أيُّها الآباء، ويا أيُّها الأمَّهات هذه فتات صالحة وتحْفظ كتاب الله لا تُزَوِّجْها لِغَنِيٍّ جاهِل تطْمَعُ بِمالِهِ أو مرْكَبَتِهِ أو بيْتِه ؛ إنَّهما يستحيل أن يتعايشَا ؛ هي تُريد وَجْه الله الكريم، وهو يريدُها كَغَيْرِها مِن الفتيات ! فهذه الآية في الحقيقة هي آيةٌ أمْر، والعلماء قالوا: يجب أن نُظيف كلمة ينبغي ؛ أي ينبغي أن يكون الطِّيِّبون للطَّيِّبات، إذا زوَّجْتُم وإذا تَزَوَّجْتُم ؛ إن كنتَ فتاةً أو أبًا أو أُمًّا فهذا الكلام مُوَجَّه للشَّباب والأولياء، لذا في كتب الفقه باب كبير اسْمُهُ الكفاءة الزَّوْجِيَّة، لا ينبغي أن يكون هناك مُفارقة كبيرة بين الزَّوجة وزوْجِها، فالتي نشأَتْ في بيئةٍ طاهِرَة ينبغي أن تبْحَث لها عن زوْجٍ مؤمن فإن لم تفْعل فالحياة لن تسْتَمِرّ، هو في وادٍ وهي في وادٍ.
هناك رجُلٌ خَطَب فتاةً مِن بيتِ عِلْمٍ، وكان غَنِيًّا غناءً فاحِشًا، وله مركبة ومعمل وبيت، فخطب فتاةً تربَّتْ في بيتٍ مُسْلمٍ، فَهُوَ يبْدو أنَّهُ أعْجَبَهُ جمالُها، ولكنَّه ما انْتبَهَ أنَّ هذه الفتاة نشأَتْ في بيتٍ مُسْلمٍ تحْرصُ على طاعة ربِّها، فهو أرادها فتاةً كَغَيرِها مِن الفتيات ؛ تجْلسُ مع أصْدِقائِهِ، وتُقَدِّمُ لهم الضِّيافة، وتذْهب معه إلى الفنادق والنوادي والسَّهرات المختلطة، فلمَّا أبَتْ ورفضَت اسْتحالَتْ الحياة بينهما وكانت له أُمٌّ شِرِّيرة، فَخَطَّطَت على أن تحْمِلها أن تطْلبَ المُخالَعَة، فأمرَتْ ابْنَها أن يأتي إلى منتصَف الليل، وأن يضْربها ويُهينها، ونجَحَتْ الخُطَّة وبعد شَهْرٍ أو شَهْرين طلبَت المُخالعَة، وسامَحَتْهُ بِكُلِّ مُقَدَّمِها، ومُؤخَّرِها وكان المُقَدَّم والمؤخَّر مبْلغًا ضَخْمًا جدًّا ! وخُلِعَت عن عِصْمَتِهِ وتزوَّجَ فتاةً كما يريدُ ؛ مُتَبرِّجَة ومُتَفَلِّتة، وصارَت هذه القِصَّة نادرة، فكل من وقَعَ في ضائقة يقول: نَجَوْنا منها كما نَجَونا من مُتأخِّر فلان، وهذه القِصَّة واقعِيَّة ورواها لي أحد الأخوة، مرَّةً نزل هذا الرُّجل الثرِيّ من مَصْيَفِهِ إلى الشام وقد جَعَلَ زوْجَتَهُ الجديدة إلى جانِبِه، ووالِدُهُ خلْف زوْجَتهِ، وكان الوالِدُ يُنْكِرُ على الأسْرة هذا التَّصرُّف، وأُمُّه خلف ابْنِها فوقعَ في حادِث سيارة شَطَرَهُ هو وأُمُّه إلى شَطْرين، ونجا أبوه لأنَّه لم يكن راضِيًا ! فهذه القِصَّة سببُها أنَّ الاخْتِيار لم يَكُن طيِّبًا، الطَّيِّبون للطَّيِّبات أيْ ينبغي أن ينبغي أن يكون الطَّيِّبون للطَّيِّبات، أي ليس هذا حكمًا تَكْوينيًّا، ولكن أمْر تَكليفي، فلو أنَّك مررْتَ بطريق ورأيتَ مكتوبًا على اللَّوْحة ممنوع المُرور، ولكنَّ الطريق مَفْتوح، نقول: هذا أمْر تَكليفي، أما إذا وَجَدْتَ الطريق مُغلق بِحاجِز ؛ هذا أمْر تَكويني.
سؤالنا الآن ؛ هذه الآية أمْر تكليفي أم تَكويني ؟ تكليفي، لأنَّه لو كان الأمر تَكوينيًّا لتناقَضَت مع الواقِع، فهناك آلاف الأزواج الصالحات مع أزواجٍ فسَقَة، وهناك آلاف الأزواج الصالحين مع فاسِقات، فلو جَعَلنا هذه الآية أمْرًا تَكوينيًّا لخالفَت الواقِع، لكنَّ هذه الآية أمر تكليفي، أيْ يا عبادي مِن أجل صالِحِ بناتِكم وشبابكم احْرَصوا أن يكون الطَّيِّبون للطَّيِّبات، أما حفلة في الشيراتون ونستقبل لها راقصات من أوربا بمليوني ليرة و الخمور من فرنسا و الزهور من هولندا و الحفلة مُختلَطة والنساءُ كما خلقَهن اللهُ عز وجل و تُنشَرُ في الصُحُف اللبنانية، وعلى بطاقةِ الدَّعوةِ: الطَّيِّبون للطَّيِّبات، لا واللهِ ؛ الخبيثون للخبيثات، الطيِّبون للطيِّبات ؛ أيْ ينبغي أن يكونَ الطيِّبون للطيِّبات، هذا أمرٌ تكليفيٌّ و ليس أمرًا تكوينيًّا، وهناك آيةٌ تشبِهُ هذه الآيةَ، لمّا تحدَّث اللهُ عز وجل عن مكةَ المُكرَّمةِ بيت اللهِ الحرام قال تعالى:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

[سورة آل عمران]
صارتْ فتنةٌ قبل عشر سنواتٍ مات فيها خمسةُ آلاف وسطَ الحرَم، فماذا نفعلُ بهذه الآيةِ وهذه الواقعةِ، الشيء نفسه، أيْ يا عبادي ينبغي أنْ يكونَ هذا البيتُ آمنًا، واجْعلوهُ آمنًا، أنتم خلفائي في الأرضِ، فهذه الآيات ليست أمرًا تكوينيًّا إنَّما هي أمرٌ تكليفيٌّ، الله تعالى كلَّفنا أن نجعلَ هذا البيتَ آمنًا، أمّا إذا فهِمْتَها على ظاهرها فلا، لأن علماء التفسير يقولون: هذا أسلوبٌ خبرِيٌّ يُرادُ به الإنشاء، و هناك آيةٌ ثالثةٌ، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[سورة البقرة]
هذا خبرٌ، أيْ يا أيَّتُها الوالداتُ أرضِعْن أولادكُنَّ حولين كاملين، هذا خبرٌ أُريدَ به الإنشاءَ، و هذه بلاغةٌ في القرآن الكريم الأُسلوبُ يأتي خبرِيًّا و يأتي إِنشائِيًّا، و الخبرُ يحتملُ الكذبَ و الصِدقَ و الإنشاءُ لا يحتملُ، و لكنْ في القرآن ظاهرةٌ فريدةٌ، فإذا قال الواحدُ لابنِه:يا بُنَيَّ إيَّاكَ أن تأتيَ بعد الساعة العاشرةِ إني لن أفتحَ لك البابَ، فأنتَ لمَّا أمرتَه أن لا يتأخَّرَ تصَوَّرَ إمكانَ التأخُّر، و ما جاء بباله التأخُّرُ، فلمَّا نبَّهتَه على عدم التأخُّر معنى ذلك أنه ممكنٌ أن يتأخَّر، فمشكلة الأمرِ و النهيِ يحتملُ تصوُّرَ العكس دائمًا، أما إذا قلتَ: ليس عندي من يدخل البيتَ بعد الساعة العاشرة، هذا خبرٌ ؛ و تقصِدُ به أنه لا يوجَد من يدخل بيتك بعد الساعةِ العاشرةِ، وهذا ليس أمرًا و لا نهيًا، هو خبرٌ عن حالك، أنا يا ابني ليس عندي في نظام حياتي إنسانٌ يدخل البيتَ بعد الساعةِ العاشرةِ، هذا خبرٌ أردتَ به الإنشاءَ، ولكنَّ الخبرَ له ميِّزةٌ ينتفِي في ذهنِ السامعِ إمكانَ العكسِ، فكلُّ لأمرٍ و نهيٍ يخلقُ تصوُّرَ العكس أمَّا إذا جاء الخبرُ يُرادُ به الإنشاءَ كآيةِ الإرضاع، أي من شأن الوالدات أن يُرضعْنَ أولادهنَّ، فإذا جاء الخبرُ و قُصِد به الإنشاء فهو من أبلغِ أنواعِ الأمرِ.
الآيةُ الأُولى:

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26)﴾

[سورة النور]
و الآية الثانيةُ:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

[سورة آل عمران]
ومن دخله..آمناو الآية الثالثةُ:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[سورة البقرة]
و قال عليه الصلاة و السلام ؛عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:

(( لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ))

[رواه البخاري]
هذا خبرٌ أيضًا، أيْ ؛ يا أيها القومُ لا تجعلُوا امرأةً على رأسكم، فهذا خبرٌ يُرادُ به الإنشاء، و مرَّةً أحدُ العلماء الصالحين وهو بدر الدين الحسني شيخ الشيوخ في الشام يمشي مع إخوانِه في بستانٍ و الطريقُ فيه وَحَلٌ و جاء إنسانٌ جاهلٌ أرعنُ راكباً بغلةً بدأ يؤذي الأخوة بالوَحَلِ فصاحوا به أنْ إيَّاك أن تؤذيَ َ وقد تضايق ُ منه، وأحدُ الأخوة لم يتحَمَّلْ ضربه ضربةً فماتَ بها، و لم يُقِرَّه ُ على ذلك، فقال: ما أفلح قومٌ لا سفيهَ لهم، هذا خبرٌ يُراد به الإنشاء، وهو أحدُ أساليب اللغةِ العربيةِ، أنْ تستخدِمَ الخبرَ و تريد به الإنشاءَ






والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-13-2018 07:54 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآياتُ الحاديةَ عشرة و التي بعدها من سورة النور آياتٌ تتحدَّث عن موضوعِ الإفكِ الذي كان في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و قبل أنْ نقرأَ الآياتِ و نقف عند أبرزِ معانيها ينبغِي أن نضعَ بينَ أيديكم هذه الحقيقةَ ؛ هناك مَقُولةٌ أنَّ لكلِّ واقعٍ حكمةً، ولو أنه بدَى لك أنَّ الذي وقع مُؤلِمٌ أو شرٌّ و ليتَه لم يقعْ، يجبُ أن تعتقدَ أنَّ كلَّ شيء وقع أراده اللهُ، وأنَّ كلَّ شيء أراده اللهُ يقعُ، و أنَّ إرادةَ اللهِ متعَلِّقةٌ بالحكمة المُطلقةِ، والحكمةُ المطلقة متعلِّقة بالخير المطلق، هذه المقولةُ لو وَعَيْنَاها و استوعبناها لزالتْ من أنفسنا كلُّ الهمومِ و الأحزان ؛ لأن لكلِّ شيء حقيقةً و ما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتَّى يعلمَ أن ما أصابه لم يكن ليُخطِئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبَه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ﴾

[ رواه مسلم]
السَّيِّدةُ عائشةُ زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم و أمُّ المؤمنين و بنتُ سيِّدِنا أبي بكرٍ الصدِّيق رضي اللهُ عنه، و هي العَفافُ الحَصانُ الرَزَانُ الطَّاهرةُ المُطهَّرةُ و مع ذلك هناك من قال عنها أنها وقعتْ في الفاحشةِ
شيء لا يُحتمَلُ، زوجةُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام قالوا عنها بملابسةٍ وقعتْ إنَّها وقعتْ في الزنا، و اللهُ سبحانه وتعالى برَّأها بعدَ ثلاثين يومًا مضَتْ على النبيِّ صلى الله عليه و سلم كأنَّها ثلاثون يومًا ؛ إلى أن جاءتْ براءتُها، وكلكم أزواجٌ و تعرفون أن الإنسانَ يتحمَّل كلَّ شيء الفقرَ و يتحمَّل مصائبَ لا حصرَ لها، أمَّا أن يُتَّهم في عرضه و في شرفِ زوجتِه فسينتقمون بالقتل، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام فكان إذا دخل البيتَ قبلَ هذا الحديث يقول: كيف عُوَيْش؟ تحَبُّبًا فلما انتشر هذا الحديثُ ـ و مقالةُ السوءِ تنتشر بسرعةٍ ـ و المدينةُ كلُّها تتحدَّث عن هذه القصَّةِ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يملِكُ لهذا الوحيِ جلبًا و لا ردًّا وقد ظهر للناسِ أنَّ الوحيَ ليس من عند محمدٍ، وليس افتراءً على اللهِ ولو أن الوحيَ من عنده و كان افتراءً على الله لحاء النبيُّ بعد ساعةٍ بآيةٍ تحسِمُ الموضوعَ، ثلاثون يومًا و النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يدري ماذا يفعل، ليس هناك دليلُ إثباتٍ و لا دليلُ نفيٍ، و لكنَّه غيَّرَ موقفَه من عائشةَ، فكان إذا دخل عليها يقول: كيف آتيكم، اسمُ إشارةٍ ـ ذا و ذي و تا و ته ـ هو يعلم أنّها طاهرةٌ و لكنَّ المدينةَ كلَّها تتحدَّث عن قصَّة لا يحتمِل الإنسانُ أن يسمعها عن إنسان عاديٍّ فكيف عن سيِّد الخلق و حبيبِ الحقِّ، ماذا يقول اللهُ عن هذه القصَّةِ، و أوَّلُ سؤالٍ ؛كيف وقعتْ ؟و كيف سمحَ اللهُ لمسطحَ أن يقول ؟ و الجوابُ أن لكل واقعٍ حكمة، أيُّ شيء وقع في الكونِ، فهذا الكون مُلْك الله تعالى، ولا يقَعُ في مُلك الله إلا ما أرادَهُ الله، حتَّى الشيء الذي يبْدو لكَ شرًّا، فما دام قد وقَع فالله أرادهُ، وما دام الله أرادهُ فهو في حِكْمةٍ مطلقة، وما دام في حِكْمة مُطْلقة فهو في خيرٍ مُطْلق، والله أيها الأخوة هذه المَقولة لو اسْتَوْعَبناها لم يبْق في حياتنا مُشْكلة، ففي الحياة مشاكل مادِّيَّة، ولكن لا يوجد ألَمٌ ولا ضيقٌ ولا شَكّ ولا قلق، فالله بيَدِهِ كلّ شيء، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
بهذا الحديث الكاذِب وهذا الافْتِراء إلى السيِّدة الطاهرة، قذْفُ مُحْصَنَةٍ يهْدِمُ عمَل مائة سنة ! وإنَّك إن اتَّهَمْت مُحْصَنَةً كأنَّكَ قَتَلْتَها، وكأنَّكَ سَحَقْتَها، فقَبْلَ أن تتَّهِم وتُرَوِّج ؟، وقبل أن تنْقل، تحقَّقْ مما سمعتَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))

[رواه مسلم]
أنت إنسان عاقِل، ولا يُعْقَلُ مِنك أنَّ كلّ ما تسْمَعُهُ تقولُهُ، اسْمَع مليار قِصَّة ولا ترْوِها، فهناك قِصص كأنَّها تطْعَنُ بِعَدالة الله، هذه القِصَّة لا ينبغي أن تُروِّجَها، ولكن تحَقَّق واسأَل، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

[سورة الحجرات]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
فالقصَّة التي وقعَت في الإفك مادامَتْ قد وَقَعَتْ فقد أراد الله منها الخير فلا تَحسبوه شرًّا ومهما بَدَتْ مُؤْلِمَة، وهذا درْسٌ لنا، فالشيء المؤْلِم الذي يقع، ففيه الخير المطْلق لأنَّ الله سَمَحَ فيه، فالخير ليس بِنَظَرِكَ ولكن بِمِقياس خالق الكون فالله خلَقَكَ للجنَّة، فيُمْكِنُ أن تُفلِس أو يحْترق المحَلّ فلو أنَّ واحِدًا عمرُهُ خمسٌ وخمسون سنة ولم يُصَلِّ قطّ ! ثمَّ جاءتْهُ مشْكِلة كبيرة حَمَلَتْهُ على الصلاة، فهل هذه مشكلةٌ ؟! لا واللهِ، لولاها ما صلَّى كاد يموت كافرًا فربُّنا عز وجل يُرَبِّي و رحيم، فقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

[سورة النور]
هذه القصَّةُ التي لا تُحتمَل و الذي روَّج لحديث الإفك و نقل الحديثَ و الذي أشاعَه، وهذه القصَّةُ المُزعجةُ المؤلمةُ التي يتفطَّرُ لها القلبُ قال تعالى فيها:

﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ﴾

[سورة النور]
هذه القصةُ كاشفةٌ، أحيانًا الإنسانُ يُعطي الصائغَ سوارات و يحُكُّها الصائغُ بالمِحكِّ فيظهرُ خطٌّ أبيضُ معناه أنه مُزَيَّف فيقول الصائغ: خمس ليرات، و إذا ظهر خطٌّ أصفرُ يقول له: بخمسةٍ و عشرين ألف، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾

[سورة النور]
أي الذي رمى الفتنةَ و روَّجها و أشاعَها و نقلها له عذابٌ عظيمٌ، و الغِيبَةُ أشدُّ من الزنا، لأن الإنسانَ له كرامتُه و له سمعتُه، هذا العِرضُ أثمنُ ما يملكُه الإنسانُ، و بالتعريفِ الدقيقِ هو موطِنُ المديحِ و الذَّمِ قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
يقول الله عز وجل:

﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾

[سورة النور]
المؤمنُ الطاهرُ النقيُّ إذا سمعَ قصَّةً عن مؤمنٍ لا يُصدِّقُها، لأنه يعرف من حاله كما أنَّه وَرِعٌ فالآخَرُ ورِعٌ، و كما أنَّه يخافُ اللهَ الآخرُ يخافُ اللهَ، أنتَ لا تقبلُ أن تأكلَ قِرْشًا حرامًا، فهل تقبلُ عن أخيكَ المؤمنِ يأكلُ مليون ليرة حراما، فالمؤمنُ دائمًا يُحسنُ الظنَّ بأخيه المؤمنِ، و بالمناسبةِ ؛ من أحسنَ الظنّ‍َ بأخيهِ المؤمنِ فكأنَّما أحسنَ الظنَّ بربِّه، فلا بدَّ مكن حسنِ الظنِّ و لا تتسَرَّعْ، كطان عندنا أخٌ تُوُفِّيَ رحمه اللهُ و كان عنده معمل حلويات، فطلبَ من معملِ الزُّبدةِ مائةَ قطعةٍ، فجاءته القطعُ فعدَّهم فوجدَهم تسعةً و تسعينَ قطعةً، اقترب من معطفِ أحدِ مُوَظِّفيه فوجد في جيبِه القطعةَ الناقصةَ، أليس هذا دليلاً قاطعاً على أن هذا الموظَّفَ خان الأمانةَ، فلا يتسرَّع الإنسانُ و العاقلُ لا يندمُ، وهذه قصَّةٌ عابرةٌ، و مثلُها آلافُ القصص، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
النبيُّ كان مع أصحابه في معركةٍ فقال: أين فلانٌ ؟ فتفقَّد أحد أصحابه فقال أحدُهم: يا رسول اللهِ شغَله بستانُه، فوقفَ صحابيٌّ آخر و قال: لا واللهِ يا رسول اللهِ لقد تخلَّفَ عنك أُناسٌ ما نحن بأشدَّ حبًّا لك منهم و لو علموا أنك تلقى عدوًّا ما تخلَّفوا عنك، ابتسم النبيُّ لهذا الدفاعِ الشريفِ فإذا علمتَ من أخيك الخيرَ و الاستقامةَ فلا يقبلْ عنه تُهمةً باطلةً فليتحقَّقْ و ليسألْ عنه، ما الحقيقةُ ؟ أُترُكْ صدرَك سليمًا نحو إخوانك قال تعالى:

﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)﴾

[سورة النور]
فإذا اتَّهمَ إنسانٌ إنسانًا آخرَ بالزنا و لم يأتِ بأربعةِ شهداء جُلِدَ، قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)﴾

[سورة النور]
من السَّهلِ أن تتحدَّث عن رسول اللهِ و عن زوجاته الطاهراتِ، قال تعالى:

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)﴾

[سورة النور]
فاللهُ عز وجل بيَّنَ للصحابةِ أنَّ الوحيَ شيء لا يملكه النبيُّ، وهو خارجٌ عن إرادته، و لو كان يملكه لأنزل بعد دقيقةٍ آيةً، إذًا فهو صادقٌ فيما نقلَ عن ربِّه و الصحابةُ اُمتُحِنوا امتحانًا مُفاجئًا فهناك من نجحَ و رسبَ و السيِّدةُ عائشةُ اُمتحِنتْ و صبرت و كانت قدوةً لكلِّ امرأةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ من بعدها إلى يوم القيامةِ، فإذا الواحدُ اُتُّهم خطأً فله في هذه السيِّدة قُدوة و أُسوةٌ حسنةٌ، فالسيِّدة عائشة كسبتْ أجرًا و صارت قدوةً و الصحابةُ امتُحنُوا و المنافقون ظهروا، و الصحابة أحسنوا الظنَّ برسول الله و بزوجته، و الوحيُ ظهرَ، لذلك قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)﴾

[سورة النور]
ثم قال تعالى:

﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)﴾

[سورة النور]
و قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)﴾

[سورة النور]
فلمَّا نزلتْ براءتُها قال لها أبوها: قومي إلى رسول الله فاشكريه قالت: و اللهِ لا أقوم إلا لله، فتبسَّم النبيُّ وقال:

((عرفت الحقَّ لأهله.))
هذه القصَّةُ أيها الأخوة تُعادُ كلَّ يومٍ مرَّةً، في الأُسرِ و الأحياء و الأقرباءِ فلا تتسرَّعْ، لأن المؤمنَ عفيفٌ طاهرٌ، فإيَّاك أن تُسِيء الظنَّ به، و المنافقًُ عدوٌّ بغيضٌ يُعلِنُ عن فرحِه بهذا الخبر، بل إنَّ الله سبحانه و تعالى في آياتٍ أخرى يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

[سورة النور]
ما تكلَّم بكلمةٍ و لكنَّه ارتاحَ لهذا الخبرِ، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

[سورة النور]
فلمَّا فرِح بهذا الخبرِ وضع نفسَه في خندقِ المنافقين و هو لا يشعرُ، و المنافقون بوصْفِهم الدقيقِ قال تعالى:

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50)﴾

[سورة التوبة]
عندنا الآنَ مقياسٌ ثابتٌ، أخوك المؤمنُ أكرمه اللهُ بشيءٍ إذا غضِبتَ فضعْ نفسَك مع المنافقين وإذا فرحتَ فأنتَ مع المؤمنين، أخذ الدكتوراه أو أسَّسَ شركةً لماذا تنزَعِجُ، معناه أنت منافق، و قِسْ حالتَك بهذا المقياسِ، فإذا آلمَك خيرٌ أصابَ المؤمنَ فهذه علامةُ النِفاق و إذا فرحْتَ حقيقةً فأنتَ مؤمنٌ، فهلْ هناك في الأرضِ أمٌّ تتمنَّى الفضيحةَ لابنتِها ؟‍‍‍! فإذا وُجِدتْ فمعناه أنها ليست ابنتَها، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)﴾

[سورة النور]
لأهْلَكَكُم بهذا الحديثِ.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-13-2018 07:56 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الواحدةُ و العشرون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)﴾

[سورة النور]
أيها الأخوة من خلالِ هذه الآيةِ تتَّضِح حقائقُ كثيرةٌ، و هي أن اللهَ سبحانه و تعالى كلَّفنا حملَ الأمانةِ و أعطانا مُقوِّماتِها، أعطانا كونًا ينطِق بوجود اللهِ و وحدانيتِه و كمالِه، و أعطانا عقلا نستطيع أن نصلَ به إلى الله، من خلالِ مبادِئَ متوافقةٍ مع نظام الكونِ، أعطانا فطرةً لا ترتاحُ إلا إلى الصوابِ و الخير فإذا انحرف الإنسانُ ضاقتْ نفسُه قال تعالى:

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس]
أعطانا شهوةً نرقى بها مرَّتين ؛ مرَّةً إذا سلكنا فيها القنواتِ الشرعيةَ التي سمحَ اللهُ لنا بها، ومرَّةً إذا ضبطْنا أنفسَنا عن قناةٍ غير شرعيةٍ، نرقى إلى الله بإطلاق البصر في من يحلُّ لنا من زوجاتنا و بغضِّ البصرِ عن كلِّ امرأةٍ أجنبيةٍ لا تحلُّ لنا، نرقى بأخذِ المالِ الحلالِ و إنفاقه في الوجوهِ الصحيحةِ و نرقى بالكفِّ عن المال الحرامِ مهما كان كثيرًا، فهذه الشَّهواتُ التي يظُنُّ الناسُ أنها سببُ شقائنا هي في الحقيقةِ لا بدَّ لها من أن تكونَ سببَ سعادتِنا، بالشهوات نرقى إلى الله، حبُّ النساء و حبُّ المال و حبُّ العُلوِّ في الأرضِ، أعطانا كونًا و عقلا و فطرةً و أعطانا شهوةً، و أعطانا حرِّيةَ الاختيار، و أخَّرَ الثوابَ و العقابَ، ولو جاء الثوابُ بعد الإحسان و العقابُ بعد الإساءةِ لانتهى الاختيارُ وحلَّ محلَّه الاضطرار، فإذا دفع الإنسانُ ثمنَ المعصيةِ غاليًا و سريعًا لا يعصي اللهَ لا حبًّا في اللهِ و لا طمعًا في الجنَّةِ و لا ابتغاءَ وجهه، لا يعصي اللهَ خوفًا من الضربةِ القاصمةِ، و إذا أحسنَ الإنسانُ و أنفقَ ألفَ ليرةٍ و جاءه بعد ساعةٍ ألفُ ليرةٍ، ينطلِق الناسُ إلى إنفاق المالِ لا حبًّا في اللهِ و لا حبًّا في الآخرةِ و لا ابتغاءَ وجهه و لكنْ ابتغاءَ الربحِ الجزيلِ، إذاً أعطانا حرِّيةَ الاختيارِ و أخّرَ الثوابَ و العقابَ ليظهرَ الإنسانُ على حقيقتِه و ليأخذَ أبعادَه، ومع ذلك و لئلَّا يطغى العقلُ و تنطلقَ الفطرةُ أعطانا شرعًا، فالحَسَنُ ما حسَّنه الشرعُ و القبيحُ ما قبَّحه الشرعُ، ولو أن الله تعالى اكتفى بهذا ما زكى منَّا من أحدٍ، فضلًا عن الكون و العقل و الفطرة و الشهوة و الاختيارِ و القوَّة و الشرعِ إذا أخطأنا يعاقِبُنا و إذا أحسنَّا يُكافئُنا، هذه هي التربيةُ، فلولا أن الله يربِّينا و يأخذ بأيدينا لِّبنا بين الخوف و الرجاءِ و الرَّخاء و الشِّدَّةِ و الصِّحة و المرض و العلوِّ الانخفاضِ و العزَّة و الذلِّ و الفقر و الغنى ؛ لولا أن الله يقلِّبنا دائمًا ما زكى منَّا من أحد أبدًا، ففضلُ اللهِ علينا بأن خلقَنا و أمدَّنا و هدانا و ربَّانا نعمة الإيجادِ وأمدَّنا بالهواء و الشراب و الزوجةِ و الأولادِ و كلِّ مقوِّماتِ الحياةِ، خلقَنا خالقٌ و أمدَّنا مرَبِّي ثم هدانا إليه فهو الهادي و بعد أن هدانا ربَّانا تربيةً نفسيةً، تربيةُ الإمداد تربية جسميةٌ و تربية التأديبِ و الثوابِ و العقابِ تربيةٌ نفسيةٌ، ومع كلِّ هذا قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾

[سورة النور]
يبدو أن الإنسَ و الجنَّ أعطاهم الله عقلا و الدليلُ أن الشيطانَ ذكيٌّ لا يأتي إلى المؤمنِ و يقول له: إِزْنِ، يقول له: هذه المرأةُ نصف المجتمع و هذه المرأة لها حق الحياة و لها أن تعمل و إذا كانت معك هُذَِبتْ أخلاقُك و إذا نظرتَ إليها هديتَها إلى الله، يدخل عليك من اليمين، لأن الشيطانَ أقسم كما قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
قاعد لك على الطريق، أمَّا الملاهي فالذي يسلكُها هو الشيطانُ ذاتُه، فلا داعي للشيطانِ أن يقفَ على أبواب الملاهي، فالشيطانُ يقعد للمؤمن الصراط المستقيمَ، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
الرجلُ قد يربحُ الملايينَ ثم يقول السوق ميِّتٌ و لا نربحُ، فلماذا تنكر فضل الله عليك، أما عن شمائلهم يأمرهم بالمعاصي و أما من بين أيديهم يدعوهم إلى الحداثة و التقدُّمِ والعلم والرُّقَيِّ و الحضارةِ و أن القديم لا يصلح، و أما من خلفهم ؛ آباءنا و أجدادنا هكذا تربيْنا و نشأنا، فإذا كانت في العادات والتقاليد أشياءُ مخالفةٌ للدينِ الشيطانُ يتمسَّك بها ويقول لك: تراث الآباءِ و الأجداد و التقاليد و الفلكلور، كلُّها مخالفةٌ للدين، و إذا أراد الشيطانُ من الحداثةِ التَّفلُّتَ و الاختلاطَ و الخمورَ و الملاهيَ يقول لك: هو علم و حضارة و تقدُّم، أجهزةُ الاتصال أنت تعيش مع العالم كلِّه بهذه، لماذا تحرم نفسك منها ؟! من بين أيديهم ؛ الأشياءُ الجديدةُ ‍، و من خلفهم الأشياءُ القديمةُ، و عن أيمانهم من طريق الدين إمَّا أن يوسْوِسَ لك في العباداتِ أو في المعاملاتِ، و على كلٍّ فله أربعةُ مداخلَ، أمَّا من فوق فليس له مدخلٌ، العلوُّ لله عز وجل، فمن أقبل على الله هذا الطريق ليس فيه شيطانٌ، وتحت الأرض الانكسار إلى الله عز وجل، فهناك طريقان ليس فيهما شيطان ؛ الطرقُ إلى الله و طريقُ الانكسار إلى الله، من تحت ليس فيه شيطانٌ، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
فالشيطانُ ذكيٌّ يأتيك في الصلاة ؛ أنقصْتَ شدَّةً في الفاتحةِ بطُلت الصلاةُ معقول هذا !! فالأشياءُ الصغيرة يكبِّرها الشيطانُ إلى حدِّ الكبيرةِ، فأهل الضلال الأشياءُ الصغيرة يجعلونها أكبر الكبائر و الكبيرة يتغاضَوْن عنها هكذا يفعل بعضُ الناسِ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

[سورة النور]
فأوَّلُ خطوةٍ معقولةٌ، قاسم أمين قال: هذه المرأةُ مخنوقةٌ بهذا الحجابِ تغطِّي وجهَها فقط، فتوسَّعت الفتحةُ حتَّى مشتْ في الطريق كما خلقها اللهُ، فدائمًا الشيطان يمشي خطوةً خطوةً، و المعاصي التي لها قوَّةُ جذبٍ، اللهُ نهانا عن الاقتراب منها، تيارٌ من ستَّةِ آلاف فولْت إذا تقرَّب منه الإنسانُ ثمانيةَ أمتار يصير فحما، وزير الكهرباء يضع لوحةً "ممنوع الاقتراب " و ليس "ممنوع المسُّ " لأنه يصير فحماً قبل الاقتراب، و كذلك كلُّ شهوةٍ فيها قوَّةُ جذبٍ لا بدَّ أن تتركَ بينك و بينها هامشًا كبيرًا للأمانِ، نهر عميق سيَّالٌ و له على الحافةِ حشيش زَلِقٌ ثم بعده منطقةٌ جافَّةٌ التي هي الأمانُ و المنطقة الزَّلِقةُ هي الشبهاتِ و النهرُ هو الهلاكُ فالإنسانُ يدَعُ بينه و بين المعصيةِ هامش أمانٍ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾

[سورة النور]
و كذلك قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة]
وقوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

[سورة البقرة]
لا تقربوها لأن من الشهواتِ ما لها قوَّةُ جذبٍ ؛ منها النساءُ، و السليم هو الذي يهرب من أسبابِ المعصيةِ، و الإنسانُ إذا أُثِيرَ يفرِزُ الدماغُ مادَّةً تعطِّلُ المحاكمةَ، و الإنسانُ في أعلى درجاتِ الفهم و الثقافةِ كيف تُغوِيه فتاةٌ ساقطةٌ ‍!! فالقاعدةُ أن الإنسانَ إذا أثيرَ تتعطَّلُ محاكمتُه، لذلك
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ:

(( اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))

[رواه الترمذي]
هذه قاعدةٌ، ممنوعٌ الخلوةُ و ممنوع النظرُ و ممنوع الاختلاط و ما حرُمَ فعلُه حرم استماعُه و حرم النظرُ إليه، فصار النظرُ محرَّمًا و الاستماع محرَّمٌ و مخالطةُ الأشرارِ محرَّمٌ، وكلُّكم يعلم أنَّ ممَّا يجرح عدالةَ الإنسانِ أن يصحبَ الأشرارَ كما أن الأكلَ في الطريقِ يجرح العدالةَ و المشيُ حافيا يجرح العدالةَ و البولُ في الطريقِ يجرح العدالةَ و الصِّياحُ في البيتِ و التطفيفُ بتمرةٍ و أكلُ لقمةٍ من حرامٍ و الحديثُ عن النساء و التنزُّهُ في الطرقاتِ و من أطلقَ لفرسِه العِنانَ بالسيَّارةِ يجرح العدالةَ، ومنها صحبةُ الأراذلِ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

[سورة النور]
فالله خلقَنا على حرِّيتِنا و تصيبُنا أحيانًا المصائبُ و الأمراضُ و الضيقُ الماديُّ و الخوفُ و القهر، و القهر مفيدٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[سورة الأنعام]
و لولا المرضُ و الفقرُ و القهرُ والشِّدَّة و الخوفُ و الحزْنُ و الهمُّ لمَا صلُحَ الإنسانُ قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

[سورة النور]
تصوَّرْ طالبًا ذكيًّا لكنَّه متفلِّتٌ و له أبٌ حازمٌ ضبَطَه و ضيَّقَ عليه حتَّى حمله على الدراسة، و توفِيَ الأبُ فصار الابن طبيبًا ذا مكانةٍ اجتماعيةٍ فكلَّما رأى بحبوحتَه و مكانتَه ترحَّمَ على أبيه الذي ضربه و الذي حبسَه و ضيَّقَ عليه حتَّى جعله إنسانًا متمّيِّزًا، لذلك الإنسانُ يوم القيامةِ ـ و اللهِ الذي لا إله إلا هو ـ حينما يُكشَف لك الغطاءُ أنَّ كلَّ شيءٍ ساقه اللهُ إليك ممَّا تكرهه هو محضُ رحمةٍ و محضُ خيرٍ يجب أن تذوب كما تذوب الشمعةُ، ولو كشفَ اللهُ لك الحكمةَ البالغةَ ممَّا ساقه اللهُ إليك من مكروهِ القضاءِ ؛ كشف لك الحكمةَ و النتيجة وَ التي حصَّلْتَ عليها يجب أن تذوبَ كما تذوبُ الشمعةُ إذا أُشعِل فتيلُها، لأن الكفَّارَ و كلَّ الخلقِ أجمعون يقول يوم القيامةِ كما حكى الله عنهم:

﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)﴾

[سورة الزمر]
قال الإمامُ الغزاليُّ رحمه الله مُعَبِّرًا عن هذه الحقيقةِ: " ليس في الإمكانِ أبدعُ ممَّا كان"، هذا الذي أنتَ فيه هو أبدعُ شيءٍ بحسَبِ حالك، فالإنسانُ إذا رأى فعلَ اللهِ فعلًا حكيمًا و عادلاً رحيمًا يرضى عن اللهِ و قد لا يرضى عن نفسه، لذلك الإمامُ الشافعي يطوف حولَ الكعبةِ سمع طائِفًا يقول: يا ربِّي أنتَ راضٍ عنِّي، فقال له الشافعي: هل أنت راضٍ عن الله ؟ فالتفتَ إليه وقال له: من أنتَ يرحمك اللهُ ؟ فقال الشافعي: إذا كان سرورُك بالنقمةِ كسرورِك بالنعمةِ فقد رضيتَ عنه "
فحينما ترضى عن اللهِ لمشكلة ساقها اللهُ لك أو لمرضٍ ألمَّ بك أو لفقرٍ أحوَجَكَ حينما ترضى عن اللهِ بمكروه القضاءِ فأنتَ في أعلى درجات اليقينِ، أمَّا أنت ترضى عن اللهِ في محبوبِ القضاءِ فقط، فهل يمكنُ أن تمتحِنَ السيَّارةَ في النزولِ لتُجرَّبَ المحرِّكَ، جرِّبها في الصعودِ، فالرضا بمكروه القضاءِ كما قال سيدُنا عليٌّ أرفعُ درجات اليقين.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-13-2018 07:58 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة النور و هي قوله تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
قبل أن نشرحَ هذه الآيةَ لا بُدَّ من مقدِمةٍ ؛ كتابُ اللهِ جلَّ جلالُه هو منهجُ الإنسانِ في الحياةِ، فيه أمرٌ وفيه نهيٌ، أمرَ اللهُ بأشياءَ ونهى عن أشياءَ و سكتَ عن أشياءَ، فالذي أمرَ به تتعلَّقُ به سعادتُنا في الدنيا و الآخرةِ كتعلُّقِك بوجود الهواءِ و الماءِ، فتنَفُّسُ الهواءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و شُربُ الماءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و تناولُ الطعامِ شرطٌ لبقائك حياًّ، وهناك أشياءُ تُلغِي الحياةَ، فتناوُلُك السُّمَ يَحْرمُك الحياةَ فهو حرامٌ إذًا، فالحرامُ هو اقض مع سرِّ وجودك، و الأمرُ الفرضُ الذي يتعلَّق وجودُك، إذا ذهبَ الطالبُ للدراسةِ، هناك شيءٌ متعلِّقٌ بالدراسةِ تعلُّقًا إيجابيًّا و شيءٌ يتعلَّق سلبيًّا، أن يقرأ هذا فرضٌ، أن لا يتناولَ المسَكِّناتِ و المُنَوِّماتِ هذا حرامٌ أمّا إذا سكنَ في الطابق الثاني أو الثالث فلا فرقَ، فهناك شيء له علاقة إيجابية بالهدف هو الأمرِ وشيءٌ له علاقة سلبية بالهدف هو النهيُ، وشيء لا علاقة له لا سلبًا و لا إيجابًا، تسكن في الثالث أو تأكل الفاصولياءَ هذه مباحاتٌ لا علاقة لها بسعادتك الدنيوية و الأُخروِية، فأول شيءٍ الله تعالى ـمرَ بأشياء و نهى عن أشياء و سكت عن أشياء، فالذي أمر به هو الفرضُ تتعلَّق به السعادةَ وهو شرطٌ أساسيٌّ لسعادتك، و الذي نهى عنه يحرِمُنا سعادتَنا، والذي سكت عنه حياديٌّ ليس له علاقةٌ إيجابية و لا سلبية بسعادتك ؛ هذه أشياء مباحة.
الآن لِمُجَرَّد أنَّ الله تعالى أمر بأشياء، فهي إذًا أساسيَّة في حياتنا، ولِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن أشياء فهي أساسيَّة في حياتنا، أما الذي سكت عنه فهو حيادي لا إيجابي ولا سلْبي، فهذا تَمْهيد.
التَّمْهيد الآخر، لو أنَّ لك مَحَطَّة وَقود، وكان هناك مكان للإعلان مُمْكن أن تكْتب بِهذا الإعلان ألف عبارة، أيَّةُ عِبارةٍ يجب أن تُكْتب ؟ ممنوع التدخين ‍، لماذا ؟ لأنَّ هذا النَّهْي مُتَعَلِّق بِسَلامة المحطَّة، أما الصَّبْر الجميل لا علاقة له بالسَّلامة، اِصْبر أو لا تصْبِر، فلِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن شيءٍ في كتاب الله يعني أنه شيءٌ خطيرٌ و مصيري، و بمجرَّد أنه أمر بشيء فهو أساسي، هذا منهج خالق الكون، فلمجرد أن جاء في كتاب الله آيةٌ تأمرنا بغضِّ البصرِ معنى ذلك أن إطلاق البصر يحجبُك عن الله، و ليست قضيَّةً ثانويَّةً من اللَّمَمِ، ما دام أن هناك آية تقول:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
لو كانت علاقتُها حياديةً عن السعادة ما ذكرها الله إطلاقًا، و اللهَ لم يذكر أنواعَ الطعامِ في القرآن و لا نوع اللباس و لا نوع الأثاث و لا نوع البناء، هذه أشياء حيادية لا علاقةَ لها بالسعادة و الشقاء، فالذي سكت اللهُ عنه هناك حكمة بالغةٌ لا حدود لها من السكوت عنها، والذي أمرَ به ضرورةٌ و الذي نهى عنه خطورةٌ، فالذي أمرك به لا بدَّ أن تأتيه و الذي نهاك عنه لا بدَّ أن تجتنبه، لأنك إن لم تأتِ الذي أمرَك به تشقى و إن اقترَفْتَ ما نهى عنه تشقى، فعلاقة الأمر بالسعادة علاقةٌ إيجابيةٌ و علاقةُ النهيِ بالسعادة سلبيةٌ و الذي سكتَ عنه كتابُ اللهِ ليس له علاقة لا إيجابية و لا سلبية، فلمجرَّد أنه في كتاب الله أمرٌ معنى ذلك انه شيء خطيرٌ ومتعلِّقٌ بسعادتك، و ليس معقولا أن تطلِقَ بصرَك و تملأ عينيك من الحرامِ و تستمتِع بمنظر النساء الغاديات الرائحات في الطريق و تستطيع أن تتصل بالله عز وجل، النفسُ تُشغَل، هذه لها صفةٌ وهذه لها صفة أخرى، وهذه تفتقدها في زوجتك، فأنت تعيش في عالم الجنس، و أنت تعيش بمهمَّةٍ بسيطةٍ جدًّا، و لوقت قصير، ثم إلى الجنة فيها الحور العين، أحد الصحابة طلبتْ منه زوجتُه شيئًا لم يفعله النبيُّ فقال لها: اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنَّ على الأرض لغلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمس والقمر، فلَئِنْ أُضحي بكِ من أجلهن أهونُ من أُضَحِي بهن من أجلكِ، فالاستمتاع اللا متناهي في الجنة، و اللهُ قادرٌ أن يجعل النساء في مستوى واحدٍ، لكنَّ الدنيا كلَّها امتحانات، يمتحِنُ فلانةً بما أعطاها و فلانةً بما حرمها، و هذه تصبر وهذه ترضى، و الحظوظُ في الدنيا موَزَّعةٌ توزيعَ ابتلاءٍ و سوف تُوزَّع في الآخرة توزيعَ جزاءٍ، فلو نجح الفقيرُ في امتحان الفقر و رسبَ الغنيُّ في امتحان الغِنى لنَعِمَ الفقيرُ إلى أبد الآبدين بالغنى و لشقِيَ الغنيُّ إلى أبد الآبدين بالفقر، و الغِنى و الفقرِ بعد العرض على اللهِ، و لو نجح الضعيفُ في امتحان الضعف و صبر و رسب القويُّ في امتحان القوَّة لصار الضعيف قويًّا إلى أبد الآبدين و القويُّ ضعيفًا إلا أبد الآبدين، و هذا معنى قوله تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
دخل على النبيِّ رجلٌ قليلُ الشأنِ فوقف له النبيُّ وقال له: أهلًا لمن خبرني به جبريل" و قال النبيُّ صلى الله عليه و سلم:
((ابتغوا الرفعةَ عند اللهِ ))
هذه مقاييس البشر، و اللهُ لم يعترِفْ بها، و ما ذكر إلا مقياسين مُرَجِّحَيْن بين البشر ؛ العلم و العمل الصالح، أما الوسامةُ و الذكاءُ و المال و الغِنى و القوةُ، هذه لم يعتمدْها القرآن و لا اعترف بها أما العلم فقال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

[سورة الزمر]
و اعترف بالعمل فقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

[سورة الأنعام]
أحد التابعين كان قصير القامة أسمرَ اللونِ أحنف َالرِّجْلِ ـ أعرج ـ مائلَ الذِّقن ناتئَ الوجنتين غائرَ العينين ضيقَ المنكبين، ليس شيءٌ من قُبحِ المنظرِ إلا وهو آخذٌ منه بنصيبٍ، و كان مع ذلك سيِّد قومه، إذا غضب غضبةً غضِبَ لغضبتِه مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضِب، فعند الله مقياسان ؛ العلمُ و العملُ و لا تعبأ بغيرهما، أنا جدُّ كلِّ تقيٍّ و لو كان عبدا حبشيًّا، قال تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)﴾

[سورة المسد]
إنه عمُّ النبيِّ و قال عليه الصلاة و السلام:
((سلمان منا آل البيت))
ووقف أبو سفيانَ عند باب سيِّدنا عمر ساعةً لم يُؤذَن له و صهيبٌ و بلالٌ يدخلان بلا استئذان، فآلمَه ذلك، فلما دخل عليه قال: سيِّدُ قريش يقف ببابك ساعةً دون أن يُؤذَن له و صهيب و بلال يدخلان بلا استئذان فقال له عمر: أنتَ مثلُهما ؟ كنتَ تعذَّبه، وهو الذي اتبع النبيَّ في ساعة العسرة و لم يرَ في الدين مكاسبَ بل رأى مغارمَ، و الذي عرف الله قبل الفتح و قبل أن يعِزَّ الله الإسلامَ،
فإذا اختار الإنسانُ الإيمانَ في وقت قوَّة الأعداء و ضعفه هو، فقد رحم نفسه من الدنيا لله و اختار ما عند اللهِ، فلذلك لمجرَّد أن ترى في كتاب الله أمرًا أو نهيًا فهو شيءٌ مصيريٌّ متعلِّقٌ بسعادتك الأبدية في الدنيا و الآخرةِ، ولو لم يكن مصيريًّا لمَا ذكره الله في كتابه أصلاً، فلمَّا قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[سورة النور]
حرف " مِنْ " هنا للتبعيضِ، يعني ليغضُّ بعضَ أبصارهم، لك أن تنظر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. " مِنْ " للتبعيض، غُضَّ البصرَ عن بعض النساء غيرِ هؤلاءِ، و هناك تبعيضٌ آخرُ، لو نظرتَ إلى المحارم عدا الزوجةِ لا تُدقِّقْ في التفاصيلِ و في الخطوطِ، و " من" الثانية لو نظرتَ إلى المحارم لا ينبغي أن تنظرَ لشهوةٍ و لا بالتدقيق و لا بالتفاصيل والمعنى الثالثُ لو نظرْتَ إلى امرأةٍ أجنبيةٍ خطأً غُضَّ بصرَك لصار هناك تبعيضٌ وقتيٌّ و تبعيضٌ نوعيٌّ و تبعيضٌ شخصيٌّ، في المنعطَفِ رأيت امرأةً ؛ الأُولى لك و الثانيةُ عليك، نظرتَ إلى محارمِك فبدون تدقيق هذا نوعيٌّ، و للأجنبيةِ خطأً تبعيضٌ وقتيٌّ، أمّا انظُر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. هذا شخصي، هؤلاء محارم لك أن تنظرَ إليهنَّ و ما سواهنَّ غُضَّ عنهنَّ البصرَ.
قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[سورة النور]
و أجمل ما في الآيةِ أنَّ حفظَ الفرجِ جاء بعد غضِّ البصر لأن طريقَ حفظ الفرجِ غضُّ البصرِ، لا يُوجَدُ إنسانٌ لا يغُضُّ بصرَه يتورَّطُ في الزنا، و في الآيةِ إشارةٌ دقيقةٌ، ما قال الله:و يحفظوا من فروجهم" لو كان كذلك لصار هناك حالات من الزنا مُباحة، يغضُّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجَهم كُلِّيَّةً، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك التبعيضُ للبصرِ أمَّا الجزمُ و القطعُ فللفرجِ.
قال تعالى:

﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

[سورة النور]
أقربُ إلى اللهِ و أطهر للقلبِ و أجمعُ للنفس،فإذا يغضَّ الإنسانُ بصرَه و يسلكُ في شهوةٍ أودعَها اللهُ فيه القناةَ النظيفةَ التي سمحَ بها يشعر بطمأنينةٍ و الله يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
هذه الخبرةُ الطبيبُ أمام المريضةِ له أن ينظرَ إلى موضعِ الدَّاءِ، و لو نظر إلى موضعٍ آخرَ فليس في الأرضِ جهةٌ تكشف ذلك إلا اللهُ، لذلك قفال تعالى:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)﴾

[سورة غافر]
العينُ قد تخونُ لذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
و اللهُ يعرف إذا كان النظرُ بريئًا أو بشهوةٍ، نظرْتَ إلى موضع الدَّاءِ و إلى موضع آخرَ الله يعلم ذلك.
فهذه الآيةُ أيها الأخوة من الآيات الدقيقةِ جدًّا، فالإنسانُ يصلِّي خمسَ مرَّاتٍ في اليومِ، أما إذا في الطريقِ مائةُ امرأةٍ فيصلِّي مائة مرَّة بغضِّ البصر:
عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ يَقُولُ:

(( حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[رواه الدارمي]
و ما كان اللهُ ليعذِّب قلبًا بشهوةٍ تركها في سبيل اللهِ، لأن الصراعَ الداخلي مُزعِجٌ وإذا أخذتَ قرارا حازِمًا لا تشعر بضيق، و إذا كان الإنسانُ يُدخِّن في اليوم علبتين من السيجارةِ ؛ في رمضانَ يرتاحُ لأنه قرارٌ حازمٌ، و لماذا لا تتوق نفسُه في نهار رمضانَ، فلمَّا يأخذ الإنسانُ قرارًا حازمًا ليس عنده مشكلةٌ و إذا كان قرارُه غيرَ حازمٍ فإنَّه سيُواجه صراعًا سببُه قرارٌ غيرُ حازمٍ لغضِّ البصرِ، أمَّا لو اتَّخذ قرارًا حازمًا انتهى الأمرُ معه.
الآنَ بقدرة قادرٍ و بحكمةِ حكيمٍ الذي يغُضَّ بصرَه عن محارم اللهِ يخلقُ اللهُ بينه و بين زوجته سعادةً لا تُوصَفُ نضيرَ غضِّ بصرِه، و الذي يطلق بصرَه في محارم الله يدفع الثمنَ غاليًا من سعادته الزوجية فبقدر غضَّ بصرك عن محارم اللهِ بقدرِ سعادتِك الزوجيةِ، و بقدر إطلاق بصرك بقدْرِ شقاوتِك الزوجية، هذه قواعدُ الدينِ وهذه أشياءُ أساسيَّةٌ حتَّى إن بعضهم سمَّى ذلك " مدرسة غضِّ البصرِ" قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

[سورة المؤمنون]










والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-13-2018 07:59 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون والتي بعدها من سورة النور و هي قوله تعالى :

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
أوَّلاً، فعلُ الأمر يقتضي الوجوبَ في القرآن الكريم، و يشبهه الفعل المضارعُ المقترِنُ بلام الأمرِ كقوله تعالى:

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

[سورة الطلاق]
هذه لام الأمرِ، و إن كان الفعلُ مضارعا ولكن معناه الأمرُ، فكلُّ أمرٍ في كتاب الله يقتضي الوجوبَ، و لكنَّ علماءَ الأصول قالوا: هناك أمرُ وجوبِ وهناك أمرُ ندبٍ وهناك أمر إباحةٍ و هناك أمرُ تهديدٍ، أمرُ التهديد كقوله تعالى:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف]
فهل من المعقولِ أن الله عز وجل يأمرُنا بالكفرِ؟! هو يهدِّدُنا إذا كفرنا، و المعنى ؛ إِفعلْ وانظُر ماذا سيكون، فهذا أمر تهديدٍ و هناك أمر إباحةٍ قال تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾

[سورة البقرة]
فإذا الواحدُ استيقظ و ما أكلَ هل يُؤثمُ ؟ لا، لأنه أمر إباحةٍ، و أمر الندبِ هذا الأمر، و أمر الوجوب قال تعالى:

﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[سورة المجادلة]
قال تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

[سورة النور]
أي زوِّجوا، وهذه الواو للجماعة، فالأمر مُوَجَّهٌ لمجموع الأمَّةِ، و أيُّ أمر موَجَّه لمجموع الأمة هو موجَّه حكمًا إلى أولي الأمر و إلى أولياء الأمور، فأيُّ إنسانٍ تولَّى أمرًا من أكبرِ واجباته تزويج الشباب و الشابات لأنه فيما يبدوا لنا تزويج الشاب هي تلبيةٌ لحاجة أودعها الله فيه، أما على مستوى الأمنة فهو بناء أمَّةٍ، و الأمةُ إمَّا إنها تتقدَّم و ترقى عن طريقِ وحْداتٍ أُسريَّةٍ و إمَّا أنها تنهارُ و تتهاوى عن طريق الزنا، فنحن و إن لبّيْنا رغبةَ شابٍ في الزواج لكنْ في الحقيقة نبني أُمةً، و أهدافُ الزواج بعيدةٌ جدًّا، اُنظُرْ إلى شابٍ أخذ هندسةً وكلُّ الطرقِ أمامه مسدودةٌ ووازعُه الديني ضعيفٌ زلَّتْ قدمُه في الزنا فانتهى نهائيًّا، أمَّا إذا كان تعاونٌ و زوَّجناه فصارتْ له زوجةٌ و أنفق عليها و صار عملُه متقَنًا، و صار له دخلٌ وأتى إلى البيتِ بالطعام و الشراب و اللباس أسعدَ زوجتَه و سعد هو و أنجب الأولادَ، فبناء الأمة يبدأ من إنشاء الأسرِ، فلذلك الآنَ أعظم عمل هو تزويجُ الشباب، كنتُ قبل يومين أو ثلاثة أقرأ كتابًا لفت نظري دعوة زواج بُعِثَتْ لابني، و بطاقة الدعوةِ معها إيصالٌ مبلغ من المال مكتوبٌ اسمي عليه: هذا عِوض أن نبعث لك هديةً دفعنا لبناء ثانوية شرعية بدوما هذا الإيصالَ وكتبوا أنه إذا ترغب دفع أكثر، على مدخل مكان الدعوة فيه لجان مع الإيصال و دفعنا و الحمد لله، دخلنا للعرس و انتهت الحفلةُ، جمعوا التبرُّعاتِ أحدهم قال: عليَّ نصف مليون لتزويج الشباب و الثاني مائة ألف، قلتُ: هذا عقد قران مبارك بدأ بإيصالٍ و دفع استثنائي وجمع مليوني ليرة، فإذا كان عقلاءُ الأمة ما فكَّروا في تزويج الشبابِ فسيحِلُّ السفاحَ محلَّ النكاحِ، فإذا ما انتبهنا و عاونَّا، قريةٌ من قرى غوطة دمشق أنا أكبِرُها كثيرًا اجتمع عقلاؤها و قالوا: أعلى مهر هو خاتم وساعة فقط،
سيِّدُنا شعيبٌ قال:
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

[سورة القصص]
هذا توجيه لنا، فنحن الآن أيها الأخوة كما ترون الفتنَ في الطريق مشتعلةً، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ونحن في عصْر الفساد والنِّساء الكاسِيات العارِيات، فلا عَمَلَ أجلّ مِن أن تُؤَمِّن لِشَابٍّ بيْتًا، وإذا كان الواحِدُ مَيْسور المال، وكان عندهُ بنات، وأمَّنَ لِكُلّ بِنت بيتًا صغيرًا بمائة متْر فقد تَجدُ البنْت شابًا بِأعلى مُسْتوى ولا بيْتَ له، فهذا عَمَلٌ عظيم وأنا لا أرى مِن عملٍ أعظم عند الله مِن تَحْصين الشَّباب والشَّابات بالزَّواج الشَّرعي، قلتُ لأحدهم: ألا تسْتطيع أن تُؤَمِّن بنايَةً تبْنيها بأرخَص المستلزَمات، وتُزَوِّج فيها الشَّباب، فالله تعالى قال:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

[سورة النور]
فلمَّا يَجِدُ الشاب غرفةً ومنافِعَها يسْتطيع أن يتزوَّج، فهذا أعظم عمَل فالذي عنده شباب وبنات، فلا بدّ أن يكون عَمَلَهُ الأوَّل تَزْويج الشَّباب والفتيات، لأنّ هناك فِكرة تقول: أنا كنتُ عصامِيًّا، ولا بدَّ أن أجْعَلَ ابني عِصامِيًّا ‍‍!! والله أعرف أُناسًا باعوا بُيوتَهم واشْتروا أربعة بيوت خارِج الشام، لِكي يُزَوِّجوا أبناءهم ؛ أنا هذا أَعُدُّه بطلاً، لأنَّ الشاب إذا زنى وكان الأب مَيْسورًا لَعُوتِبَ الأب، ويوم القيامة يقول: يا رب، لا أدخُل النار حتَّى يدْخل أبي !! أعرفُ رجلاً عنده أثنى عشرة بِنايَة، وابنُهُ يتمنى بيتًا يسْكُنُه لِكَي يتزوَّج ! مُدَّعِيًّا أن يسْلُكَ الابن ما سَلَكَهُ الأب !!! بيت متواضِع وأثاث مُتواضِع،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[رواه الترمذي]
والآية أكبر دليل، أوَّلاً الأمر مُوَجَّه لأولي الأمر فكلّ مسؤول بالوزارة عليه أن يحفظ النَّفقات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، وتيْسير البُيوت، وأنا أعرف واحد بِدَارِيَّا عمَّر عمارات كبيرة ورفض بيعَها ولكن تأجيرها للشَّباب المُسلِم، فنحن نريد بِناء مُجْتَمَع عن طريق تسْهيل الزَّواج، وهذا أعظم عمل.
فالآية الأولى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
الفقْر ليس عَيْبًا ولكن وِسام شرَف للإنسان المُستقيم، وبالجامع الصغير أثنى عشرة حديثًا تبدأ بِحَقّ الأب على ابنهِ، وحق الجار على جارهِ ولكنَّ حديثًا واحِدًا إذا قرأْتَهُ يقْشَعِرُّ جلْدك ؛ حق المسلم على الله أن يُعينهُ إذا طلبَ العفاف، وما شَكَى أحدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ضيقَ ذات يَدهِ إلا قال له: اِذْهَب فتَزَوَّج، وقال عليه الصلاة والسلام:
((مَن تَرَكَ الزواج خيفة العيلة فليس مِنَّا ))
الله تعالى هو الذي يُغْنيه، واحْذَر أن تقول: ليس معه ! فهذا رجلٌ غنيّ تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ رجل مهندس فقال الأب: هذا معاشُهُ لا يكْفي يَوْمَين !! وبقُدْرة القادِر جل وعلا، أفلسَ هذا الغنيّ وتوسَّل لأحد الناس كي يتقدّم ذاك المُهندِس لِخِطبة ابنِهِ، وأغنى الله ذاك المهندس وأصبَحَ العمّ يشْتغل عند زوْج ابنَتِهِ !! والأمر الإلهي:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
ولو رأيتَ كيف أغنى الله أُناسًا كانوا فقراء تَدْهَش فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش، وإذا حاسَب فتَّش، وأذْكُرُ أنَّني زرْتُ واحِدًا في مَحَلِّه بدويلعة فإذا به يأكل علبة سرْدين من دون صَحن، ونائِم على طاولة التَّفصيل، وقال لي: عندي بيت ألف متْر مساحته، وحدائِق وثلاثة سيارات، فالله إذا أعطى أدْهش، فهذا أحدُ الأخوة تبرَّع لِجَمْعِيَّة خيْرِيَّة بِسِتَّة ملايين بيوت فأقام له أهل الجَمْعِيَّة حفلاً تَكْريمِيًّا، وأثنى عليه الجلوس، أما أحدهم فكان نبيهًا وقال: نحن عندنا سبعمائة أُسْرة مُنْتَفِعَة بهذه الجَمْعِيَّة، وكان مِن المُمْكِن أن يكون المُحْسن هذا أحدُ المُنْتَفِعين ولكن شاء الله أن يُعطي ولا يأخذ، فكما أنَّ الله تعالى أعْطاك يُمْكِن أن يترُكَكَ تأخذ، فالذي أعْطاهُ الله وأنفقَ لا بدّ أن يذوبَ خجلاً منه تعالى وهذا مِن فضْل الله عليك.
إحدى الأُسَر كانت تأكل فجاء أحد الطرقاء للباب، فَهَمَّتْ الزَّوْجة أن تُعْطِيَهُ بعض الدَّجاج فَعَنَّفَها وقال لها: اُطرُديهِ ! بعد حينٍ ساءَت العلاقات فطَلَّقها، وتزوَّجَت مع إنسانٍ آخر، وفي أحد الأيام كانت جالسَةً معه وهي تأكل الدَّجاج فطَرَقَ الطارِق الباب: فإذا بها تضْطرب ! فقال لها: لمَ اضْطَرَبْت ؟ فقالتْ: إنَّهُ زوْجي الأوَّل ! فقال لها: أَو َتَدْرين مَن أنا ؟ أنا السائِلُ الأوَّل !!! فالله تعالى كبير، وقد يُفْقرك بِثانِيَة، وقد يُغنيك بِثانِيَة، فالإنسان يكون بحبوحة إذا كان في طاعة الله عز وجل.
المُلَخَّص قوله تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
حاوِل أن تُساهِم أن تُزَوِّج شابًّا ولو بمائة ليرة، ولو بِقليل مِن الأثاث، ولو بِبَرَّاد، كي يُلغى السِّفاح ويَحِلَّ محلَّهُ النِّكاح.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-13-2018 01:40 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون من سورة النور، وهي قوله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
سألني أحدُ الإخوة البارحة بعد نِهايَةِ الدَّرس عن معنى كلمة الأيامى ومِن أدَقِّ معاني هذه الكلمة، وهي أنَّ الأيامى جَمْعُ أيِّم، والأيِّمُ هو الشَّخْص - ذَكَرتُ شَخْصًا لأنَّه يعني ذَكَرًا أو أُنثى - الذي لا طرف آخر له أعْزَبَ كان أو مُتَزَوِّجًا، أي فتاةً غير مُتَزَوِّجة أو فتاةً مُتَزَوِّجة ثمَّ طُلِّقَت، ولا زوْجَ لها، أو شابٌّ أعزبُ غير مُتَزَوِّج أو رجلٌ تزوَّج ثمَّ أصبَحَ دون تلك الزَّوجة، فأيُّ شَخْصٍ ليس له طرفٌ آخر وليس له نِصْف آخر، فهو أيِّم، فهذه الآية شامِلَة جدًّا:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
بعض الأدْيان ابْتَدَعَ رِجالها الرَّهْبَنَة، وترْكَ الزَّواج، قال تعالى:

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا﴾

[سورة الحديد]
هم حينما كَتَبوها على أنفسِهِم أرادوا منها إرْضاء الله عز وجل، فالله هو الخالق، وهو الذي جَعَلَ هذا الدافِعَ مُتَغَلْغِلاً في أعْمَقِ قِيَمِ الإنسان وهذا لا يتناقَض مع أن تكون إنسانًا عظيمًا أو مُخْلِصًا أو مؤمنًا فالحاجة إلى الطَّرَف الآخر أودِعَت في أعْمَق أعماق كِيان الإنسان فالأنبياء تَزَوَّجوا، وكذا الصَّحابة الكِرام وهذا شيءٌ مِن سُنَّة الله تعالى في خلْقهِ، لذلك أشغاله فلابدّ مِن أن ينْصَرِف إلى طريق آخر غير مَشْروع، فدائِمًا إذا اتَّسَعت مساحة الزَّواج المَشْروع تضاءَلَتْ مساحة الزِّنا، وإذا ضاقَتْ مساحة الزواج المَشْروع تواسَعَت مساحة الزِّنا ولا سيما في عصْر الفتنة، والتَّفلُّت، ولا سيَما في زَمَن ضَعْف الإيمان وشَهَوات مُسْتَعِرَة، وكلّ شيءٍ يتحدَّث عن الجِنْس، الأزياء الفاضِحَة التي يُصَمِّمُها اليهود لِكَي يُفْسِدوا بناتِنا، ولذا كان للفقهاء حُكْمٌ في الزَّواج، فقالوا: مَن تاقَتْ نفْسُهُ للزَّواج وخَشِيَ على نفْسِهِ العنت فالزَّواجُ بِحَقِّهِ فرْضٌ كالصلاة، بل هو مُقَدَّم على فريضة الحج، ومن كانتْ حالتُهُ من دون الزَّواج مُتوازِنَة فهو في حقّهِ مُباح ومن لم يكن مُؤمنًا، وكان ممكنًا أن يظلِمَ زوْجتَهُ، أو أن يُفْسِدَها فهو في حقِّهِ مَكروه، أما السفيه فَزَواجُهُ مُحَرَّم لأنَّه سفيهٌ لِوَحْدِهِ فإذا تزوَّجَ أجْرَمَ بِحَقِّ الطَّرف الآخر.
الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]
كنتُ أضْربُ مثلاً في باب الرِّزق، تُفاحةٌ نَمَتْ في غصْنٍ في أحَدِ البساتين، ففي علم الرِّزق هذه التُّفاحة لِفُلان، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾

[سورة الذاريات]
فمادام هذا الفم مَفتوح له عند الله تعالى رِزْق ولكنَّ هذه التُّفاحة طريق الوُصول إليها مُتَعَدِّد بِحَسَب اخْتِيار الإنسان، فلَكَ أن تَصِل إليها شِراءً ولك أن تصِل إليها هَدِيَّةً، أو سرِقَةً، أو ضِيافةً، أو تسوُّلاً، لذلك الدُّعاء الشريف:
عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ قَالَ قُلِ:

(( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ))

[رواه الترمذي]
وما مِن شَهْوةٍ على الإطلاق أوْدَعَها الله في الإنسان إلا وَجَعَلَ لها قناةً نظيفةً ومُريحَة، تفْعَلُها وأنت في أعلى درَجَات القُرْب وتفْعَلُها وأنت في أعلى درجاتِ التَّألُّق ؛ لأنَّها وِفْق المنْهَج، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِي﴾

[سورة المؤمنون]
وقد ورَدَت في بعض الآيات كلمةٌ رائِعَة، قال تعالى:

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86)﴾

[سورة هود]
فما معنى بَقِيَّة الله ؟ هناك نساءٌ على عرْض الطريق، مَن بقِيَ لك منهنّ تَحِلُّ لك ؟ زوْجَتُكَ ؛ هذه بَقِيَّة الله، وهناك أموال لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فأيُّ الأموال المَشْروعَة التي بَقِيَتْ لك ؟ هي الأموال التي تكْسِبُها عن طريق مَشْروع، بَقِيَ لك مِن أنواع المال ؛ المالُ الحلال ومِن النِّساء الزَّوْجة، ومِن العُلُوّ في الأرض أن تكون طائِعا لله، فهو تعالى يرْفَعُ قدْرَكَ وذِكْرَك، فالذي بَقِيَ لك هو الذي شَرَعَهُ لك.
الآن قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]
فالإنسان إذا صَبَر، ولِكُلّ شيءٍ أوان، فَمَن تعجَّل الشيء قبل أوانِهِ جوزِيَ بِحِرْمانِهِ فما أجْمل في الإنسان أن يقْضِيَ حاجاتِهِ التي أوْدَعَها الله فيه وِفْق ما يُرْضي الله، وما أحْمَقَ الإنسان حينما يتعجَّل فيقْضي حاجاتِهِ فيما يُغْضِبُ الله، لذلك قال تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]
سأسْألكم هذا السُّؤال: لو أنَّ بالأرض هناك مليار ومائتان مسلْمٍ، فهل تُصَدِّقون أنَّ مُسْلِمًا واحِدًا يُكْرِهُ فتاتَهُ على البِغاء ويأكُلَ مِن زِناها ؟! فما معنى الآية؟ هذه الآية مُوَجَّه إلى المؤمنين، أَيُعْقل أن تقول لإنسانٍ وعالِمٍ جليل: إيَّاك أن تُكْرِه فتاتَكَ على البِغاء ؟! هذا لا يدْخُل في حِساباتِهِ كَمُسْلِم ! ولكنّ العلماء حَمَلوا هذه الآية على المعنى التالي: حملوا هذه الآية أنَّ الإنسان إذا تقَدَّم لابْنَتِهِ خاطِب، ولم يُوافِق الأب تَعَنُّتًا أو كِبْرًا أو ينتظِرُ مَن هو أفْضَل، أو مَن هو أغْنى، فَمَن فعَلَ هذا فكأنَّهُ قوَّى عُنْصر الشَّهْوة في ابنِهِ، فإذا زلَّتْ قَدَمُها فَهُوَ السَّبب، فَهُوَ ما أراد ذلك ولكنَّه أرْغَمَها على الزِّنا بِطَريقة أخرى، فلو أنَّ لك ابنًا يعْمل في مَحَلِّك، ولا تُعْطيهِ ولا دِرْهَمًا، وتقول له: لا تأخذ شيئًا فأنت تأكل في المنزل ما تريد !! فأنت حينما تحْرِمُهُ أن يسْحَب مِن الصُّندوق دخْلاً مَشْروعًا سوف يُفَكِّر مِن وراءِ ظَهْرِك، فَكُلّ مَن يُحْرم بعد الحِرمان فالذي حرمهُ له إسْهام كبير في ذلك، والآية عميقة جدًّا ولها مَدْلول بعيد، فلا يوجَد أبٌ على وَجْه الأرض يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا ! ونحن نقول: مسْلم والحالات الشاذَّة هذه تخرج عن النِّطاق فالأب المُسْلِم مُسْتحيل أن يُكْرِهَ فتاتَهُ على الزِّنا، أما حينما يتعنَّت الأب ويرْفض عَشَرات الخُطَّاب الصالحين المؤمنين لِغايَةٍ في نفْسِ يعْقوب فإذا زلَّت قدمُ إحْدى فتياتِهِ فهو السَّبَب، فالابن الذي يقول لأهْلِهِ زوِّجوني، ثمَّ يرى إعراض أهلهِ عنه، ويقولون له: لا تزال صغيرًا أو دَعْكَ مِن هذا الأمر الآن !! فهؤلاء إن ارْتَكَب ابنهم شيئًا فهُم السَّبب ! كَمَن يشْتغل عندك وتُعطيه ألف وخمسمائة شهْريًا في هذا العَصر وأنت ترْبح عشرة آلاف باليوم، فإذا سرقَكَ فأنت السَّبب لأنَّك قوَّيْتَ فيه عُنْصر أكل المال الحرام، ففي الآية تَوْجيه للأباء لطيف جدًّا فيَجِبُ أن تشْعُر بِحاجَة ابْنِكَ وابْنَتِكَ.
أعرفُ رجلاً تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ عشرة خُطاب مِن أعلى مُسْتوى فكان الجواب الرَّفض، وفجْأةً هرَبَتْ ابنَتُهُ مِن البيت مع شاب أقلّ مِن هؤلاء الخُطَّاب بمائة مرَّة !! واخْتَفَت، ثمَّ جاءَتْهُ مُخابرة من والدِه ووضَعَهُ تحت الأمر الواقِع ! لماذا هرَبَتْ ؟! لذلك الآية الكريمة:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]
حينما يتعنَّتُ الأب فإنَّهُ يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في البنت أو الابن، فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، والإنسان ليس له الحق أن يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في ابنِهِ ولا في ابْنَتِهِ حينما يقِفُ مُتَعَنِّتًا، ويَضَعُ شرْطًا تَعْجيزيًّا في تزْويج ذُرِيَّتِهِ وطبْعًا هذا المعنى المُوَسَّع.
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)﴾

[سورة النور]








والحمد لله رب العالمين




الساعة الآن 06:50 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.