![]() |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا ثابت بن قيس الانصارى سيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الحادى و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . من هو الصحابي الذي حظه الله بأن يكون ناطقاً رسمياً للنبي وهل ينبغي على المسلم أن يتعلم اللغة العربية أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سير صحابة رسول الله، وصحابي اليوم سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري . لحكمةٍ بالغة اختار اللهُ سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، هم قِمَمٌ في البطولة، لكن البطولات منوَّعة، وهذا الصحابي الجليل كان الناطق الرسمي باسم النبي عله الصلاة والسلام، كان خطيبه، أي آتاه الله قدرةً بيانية، والإنسان يحتاج إلى أن يكون متمكناً من اللُّغة، لأنها قالب المعاني، والمعاني لا يمكن أن توصلها إلى الناس إلا بقالبٍ مقبول . فإذا اختار أحدكم أن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل، وهي صنعة الأنبياء، وهي أشرف عملٍ على وجه الأرض، لا بدَّ له إضافةً إلى إيمانه، وتوحيده، وإخلاصه، واتصاله، وعباداته، وأوراده، وبذله، وتضحيته، وانضباطه، إضافةً إلى كلِّ ذلك، لا بدَّ له من بيان، لذلك كما قال سيدنا عمر: ((تعلموا العربية فإنها من الدين)) فأحياناً في مَجْمع كبير، مهما كنت متَّقد الإيمان، ومهما كنت شديد الإخلاص، إن لم تكن متمكناً من اللُّغة فلن تستطيع أن تنقل أفكارك الدقيقة، ومشاعرك الإيمانية، ولا أن تؤثِّر في الآخرين، فهذه اللُّغة علم الأدوات، فحينما تريدُ أن تنطق بالحق فلا بدَّ لك من أداة، إنما هي اللُّغة، لذلك فالذي يبذل جهداً في تعلمُّ اللُّغة، وتعلم تلاوة القرآن، فله ثوابه عند الله تعالى، ويجب أن تتلو القرآن تلاوةً صحيحةً، ويجب أن تتكلم بلغةٍ صحيحة، مبدئياً صحيحة، وبعد قليل نقول لك: لا بدَّ من لغةٍ أدبية . قال أحدهم: تكاثرتْ عليَّ المصائبُ، وهذا كلام فصيح، وقال المتنبِّي: رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى فؤادي في غشاءٍ من نبــالِ فصرتُ إذا أصابتني سهـام ُ تكسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ هذه صورة أدبية، والتعبير إما أن يكون تعبيراً مبتذلاً، عامِّياً، سوقياً، وإما أن يكون تعبيراً صحيحاً، وإما أن يكون تعبيراً أدبياً، فنحن قبل كل شيء، نطالب الأخوة الذين يطمحون إلى أن يكونوا دعاةً إلى الله عزَّ وجل، أن يمتلكوا قدرةً بيانية، أن يكون تعبيرهم صحيحاً فصيحاً، إذا أتقنوا هذه الناحية، نطالبهم أن يرقوا بمستوى لغتهم إلى المستوى الأدبي . فسيدنا ثابت بن قيس، هذا الصحابي الجليل كان خطيب النبي عليه الصلاة والسلام، فكلما كانت تأتيه الوفود، ويتبارون أمامه بشِعرهم وخطاباتهم، يدعو النبيُّ الكريمُ سيدَنا ثابت بن قيس ليقف خطيباً ينطق باسم النبي عليه الصلاة والسلام . ولا أزال أعيد وأكرر؛ إنّ كل الحظوظ التي يمكن أن يؤتيك الله إياها، ابتداءً من وسامتك، ومن طول قامتك، ومن نصاعة لونك، ومن رجاحة عقلك، ومن طلاقة لسانك، ومن كثرة مالك، ومن أي حظٍ يؤتيك الله إياه، هذه الحظوظ، إما أنها درجاتٌ ترقى بها إلى أعلى علِّيِّين ، وإما أنها دركاتٌ تهوي بها إلى أسفل سافلين . فلذلك تعلموا العربية فإنها من الدين، وإنّه لشيء عظيم جداً أن تتقن لغة القرآن، ولا تعرف هذه النعمة إلا إذا التقيتَ بمسلمٍ من بلدٍ لا ينطق بالعربية، أنت تستمع إلى اللُّغة العربية، وإلى القرآن الكريم، وإلى الحديث الشريف بيُسْرٍ وراحةٍ، من دون عناءٍ ولا جهدٍ، وغيرك يتلوَّى على أن يفهم معنى هذه العبارة، لذلك هؤلاء العرب الذين جعلهم الله أمةً وسطى، فالذي ولد في بلدٍ عربي، ونشأ على اللُّغة العربية، فهذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، فعليه أن يصقل لغتَه صقلاً، وأن يهذِّبها، وأن يطلب العلم . إذا وَجد أخ مؤمن عنده كتابًا صغيرًا في اللُّغة العربية، في تيسير قواعد الُّلغة العربية، ألا يخطُر في باله أن يَسأل: ما الفرق بين قط، وبين أبداً؟ لن أفعل هذا قط، غير صحيح, ما فعلت هذا أبداً، غير صحيح, قطُّ تستغرق الزمن الماضي، ما فعلته قط، ولن أفعله أبداً، ألم يخطر ببالك أن تعرف الفرق بين (نعم، وبلى)؟ فرقٌ كبير: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 172) إذا قالوا: نعـم، فقد كفـروا، (نعم)أي لست ربنا، أما إذا قالوا: (بلى)، أي أنت ربُنا، (فنعم)تثبت النفي، و(بلى)تنفي النفي، ونفي النفي إثبات، فرقٌ كبير بين نعم وبين بلى, فرقٌ كبير بين (إذا)وبين (إن)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ( سورة الحجرات الآية: 6) (إنَّ)، تفيد احتمال الوقوع، لكن (إذا)تفيد تحقق الوقوع، أي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ( سورة النصر الآية: 1) لا بدَّ أنْ يأتي نصرُ الله، أما: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (سورة الحجرات الآية: 6) فقد يأتي وربما لا يأتي, ألا تشتاق إلى معرفة معاني الأدوات؟ ماذا تعني (أنَّى): ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ( سورة البقرة الآية: 223) ينبني على معرفة معنى (أنى) حكمٌ شرعيٌ دقيقٌ دقيق، خاصٌ خاص، لا بدَّ للزوج أن يعرفه . لذلك فهناك كتب في معاني الأدوات، نحن درسنا في الجامعة ثمانية وأربعين حالة لـ : ما، وهذا الكتاب اسمه (مُغني اللبيب عن كتُب الأعاريب)لابن هشام النحوي، فأحد أجزائه في معاني أدوات اللغة العربية، جزء بكامله منه، أربعمئة صفحة أو أكثر، تتحدَّث عن أدوات اللغة العربية، فالأدوات بعضُها حروف وبعضها أسماء، فهذه لغتكم، ولغة آبائكم وأجدادكم، هذه لغة نبيِّكم عليه الصلاة والسلام، هذه لغة القرآن، فتعلُّم العربية واجبٌ دينيّ، لأن فهم القرآن يحتاج إلى لغة، والنطق في تفسير القرآن يحتاج إلى لغة، فأكثر الناس يقول لك في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ( سورة البقرة الآية: 282) يعنون: إذا تتقي الله يعلِّمك الله, ليس هذا هو المعنى المقصود إطلاقاً، هذا معنى غير صحيح، لو أن الله قال: (واتقـوا الله يعلِّمْكُم الله) لصحَّ المعنى، انظُرْ إلى الفرق بين : يعلِّمُكُم - بضمِّ الكاف - وبين يعلِّمكْـم - بسكون اللام - لأنه لو قال الله: اتقوا الله يعلِّمكْم، لصار اتقوا فعلَ طلب، ويعلِّمكْم جواب الطلب، مجزوم لوقوعه جواباً لطلب، أما: اتقوا الله، ثم استئناف: ويعلِّمُكُمُ الله، أي الله يعلِّمكـم دائماً، علَّمكـم بالكـون، وبالعقـل، وبالقرآن، وبالدعاة، وبالعلماء، وبالأحوال النفسية، وبالأحداث، ما دام الله يعلِّمكم دائماً، فلِمَ لا تتقون الله عزَّ وجل؟ هذا هو المعنى . فالإنسان أحياناً يشعر بأمسِّ الحاجة لفهم خصائص اللغة، ذات مرة أحد المتعهدين استلَم مشروعًا، فلمَّا تسلَّم أصحاب المشروع التعهُّد، خصموا منه خمسمئة ألف ليرة، فأقام عليهم دعوى، واحتجَّ بحرف (من)، ففي دفتر الشروط كتب عليه أن يقدِّم من أجود المواد، فقال: اسألوا مجمع اللغة العربية، هل تعني من أجود المواد أن أقدِّم أجود المواد؟ هذه من: للتبعيض، وربح الدعوى، واسترد المبلغ بشرح حرف (من)الذي كان معناه في النص التبعيض، أيْ بعض . كلُّكم يعلم هذا القرار الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني: على إسرائيل أن تنسحب من أراضٍ احتُلَّت، ترجمت إلى العربية: من الأراضي المحتلَّة، العرب وافقوا على هذا القرار، لأنه ينصُّ على أن إسرائيل عليها أن تنسحب من كل الأراضي المحتلَّة، والترجمة الإنكليزية أن تنسحــب من أراضٍ، فهذا التنكيـر للتبعيض، اختلف المعنى من الأرض إلى السماء، فاللغة العربية دقيقة جداً . وأنا الآن لست في معرض بيان دقائق هذه اللغة، فهو بحثٌ ممتعٌ وطويلُ، فأحياناً حرف واحد يغيِّر المعنى تغييراً جذرياً، ألم يسأل الحَجَّاج شخصًا قائلاً له: من أنا؟ قال له: أنت قاسطٌ عادل، فسأل أصحابه: أتدرون ماذا قال لي؟ قالوا له: مدحك، قال: لا، بل قال لي: أنت ظالمٌ كافر، قالوا: وكيف؟ قال: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ ( سورة الجن الآية: 15) المُقسِط هو العادل، أما القاسط فهو الظالم، أما عادل، فقد قال تعالى : ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 1) أي عدلوا عن الإيمان إلى الكفر، فهو عادلٌ قاسط . على كلٍّ, من علامات إيمان الإنسان، أن يحبَّ اللغة العربية، وأن يحبَّ أهلها، وأن يتعلَّم قواعدها؛ نحوها، وصرفها، وأوزانها، وهذا شيء ممتع، لكني أرى بعض الأخوة، وأشعر أن إيمانهم قوي، وفيهم إخلاص، ولديهم عاطفة جيَّاشة، لكن إذا أرادوا أن يتكلَّموا وجدت كلامهم مضطَّربًا، وعباراتهم غير صحيحة، وجملهم غير متماسكة، لذلك كمن يقدِّم شراباً نفيساً بالتعبير العامي(بكيلة مصدِّية)لا يُشرَب بها، شراب نفيس يُقَدَّم في وعاء قمئ، صدئ، قديم، بشع, لكن هذا الذي يقدِّم أثمن شراب بكأسٍ فضّي مثلاً فهو المناسب، فلا بدَّ أن يتناسب المضمون مع الشكل ، أنت صاحب دعوة، وأنت مؤمن، فلا بدَّ أن يكون كلامك موزوناً، لذلك: تعلَّموا العربية، فإنَّها من الدين . كيف أسلم ثابت بن قيس الأنصاري وما هي الميزة التي كان يتمتع بها قبل إسلامه ؟ أيها الأخوة, ثابت بن قيس الأنصاري، سيدٌ من سادات الخزرج المرموقين، ووجهٌ من وجوه يثرب المعدودين، وكان إلى ذلك ذكيَّ الفؤاد، حاضر البديهة، رائع البيان، جهير الصوت، إذا نطق بزَّ القائلين . هذا ابن المقفَّع يصف صديقه، فقال: (( لي صديقٌ كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظَّمـه في عيني صِغـر الدنيا في عينيـه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه, فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة، فلا يتكلَّم بما لا يعلم، ولا يماري فيما عَلِم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلَّم بزَّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليث عادياً، وكان لا يدلي بحجَّةٍ، إلا إذا رأى قاضياً فَهْماً، وشهوداً عدولاً، فعليك بهذه الأخلاق، فإن لم تستطع، فإن أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير)) بالمناسبة، على كل مؤمن أنْ يعلم أنه سفير هذا الدين، فعلى مستوى سفراء يعمل، فهل لاحظت ذات مرة أن سفيراً اشترى ثوبًا من سوق الألبسة المستعمَلة؟ في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات، تجد أناقة كاملة مئة بالمئة، لماذا؟ هل يمثِّل شخصه؟ لا، فهو يمثِّل دولته، السفير في الأساس سيارته التي يركبها عليها علم، ما معنى ذلك؟ أن في داخلها السفير، إذا وجد العلم يكون السفير موجوداً ضمن السيارة، ولماذا ذكرت هذه الكلمة؟ لأنّ كل مؤمنٍ في الحقيقة سفير هذا الدين، فمظهرك الخارجي مهم جداً، وأنت كمسلم هل تليق الفوضى بدكانك، يعلوها غبار واضطراب وقذارة؟ هذا لا يجوز، أنت تمثِّل هذا الدين، مكتبك، دكانك، سبُّورتك، خطَّك، أُضيف إلى ذلك: أن تحسين الخط من الدين، بعض الأطباء لا تفهم من خطه شيئًا, قال عليه الصلاة والسلام: ((أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتَيَنَّ من قِبلك)) فهذا سيدنا ثابت، أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب، إذ ما كاد يستمع إلى آيات القرآن يرتِّلُها الداعية المكِّي الشاب مصعب بن عمير، بصوته الشجي، وجرْسه الندي، حتى أَسَرَ القرآنُ سمعَه بحلاوة وقعه . فإذا أكرمكم الله، وتعلَّمتم التجويد، يمكنك أنْ تقرأ وترتل، فهو أجمل على قلبك، فالإنسان أحياناً يطرب لنفسه، فأجمل ساعات حياته يمضيها وهو يرتِّل القرآن ترتيلا، فقد كان بعض أصحاب النبي إذا تلا كتاب الله بكى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أقرأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ, قَالَ: نَعَـمْ, فَقـَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ, فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيـدًا؟ قـَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ, فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود] فأحد أكبر مصدر للسعادة أن تتقن قراءة القرآن، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكِبر كالكتابة على الماء، وهذا الكلام للشباب، تعلَّموا تجويد القرآن، فالحمد لله الأمور ميسَّرة، فلا يوجد جامع إلا وفيه معهد لتحفيظ القرآن، وأساتذة، وتحفيظ، وتجويد، وتسميع ، فالآباء والأبناء عليهم أن يبادروا إلى تعلُّم تجويد القرآن وتسميعه . كان هذا سبب إسلامه أنه استمع إلى صوت سيدنا مصعب بن عمير يتلو القرآن الكريم بصوتٍ شجيّ، القرآن له سحر، القرآن له أسْرٌ، أما إذا قُرئ قراءةً غير صحيحة فقد أفقد المسلمُ قوة القرآن في تأثيره، فهل هناك شكّ أن المسلم تأتي عليه ساعةٌ، وهو يستمع إلى كتاب الله فيذوب ذوباناً؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ (سورة الأنفال الآية: 2) هذا كلام الله عزَّ وجل، فأنا أكاد أقول: ما من ساعةٍ أمتع في حياة المؤمن، من ساعةٍ يقرأ فيها كتاب الله، أو يستمع إلى كتاب الله من صوتٍ شجيِّ، فيتفاعل، طبعاً إذا كان مستقيمًا، ومصطلحًا مع الله، وتائبًا، ومنيبًا، فالقرآن يحرِّك أعمق مشاعره . كيف استقبل ثابت ومن معه من قومه رسول الله وصاحبه الصديق حينما قدما إليهم, وهل وظف ثابت لسانه في سبيل الحق ؟ أيها الأخوة, لمَّا قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في كوكبةٍ كبيرة من فرسان قومه أكرمَ استقبال، ورحَّب به وبصاحبه الصديق أجملَ ترحيب ألا تلاحظون هذا الأدب الرفيع الذي يتخلَّق به أصحاب رسول الله؟ . سيدنا زيد الخير، ما مضى على إسلامه إلا دقائق، حتى دفع النبيُّ له وسادةً ليتَّكئ عليها، فقال زيد: ((والله يا رسول الله! ما كان لي أن أتكئ في حضرتك)) الدين كلُّه أدب، في الحركة، في السكون، في الوقوف، فأنا بالأمس في جامع النابلسي، وفي أثناء الدرس رأيت أخًا، لا أعرفه، وقد يكون أول درس يحضره، رأيته قاعدًا ومادًّا رجليه، ومرتاح تماماً، وموسعًا بينهما كثيراً، وكأنه يقعد في بستان، ألم ينتبهْ أنّ هذا مسجد, فالنبي عليه الصلاة والسلام: ما رؤي مادًّا رجليه قط . هذا سيِّد الخلق، طبعاً إذا كان معذورًا، فهذا بحث آخر، فالمعذور على العين والرأس، كيفما أراد فليجلس، ولو أحب أن يجلس على كرسي، أو لو أحب على الأرض، أو على طاولة، فكيفما أحب فليجلسْ، فالمعذور معذور، فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ, فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخـِرِ مِنْ رَمَضَانَ, فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعة, ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا, حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ, مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ, فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ, وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن علي بن الحسن في الصحيح] وهناك ظاهرة أخرى آلمتني؛ لدينا في جامع النابلسي ديوانان، وعدد مِنَ الكراسي، أحياناً أُفاجأ أن شباباً في ريعان شبابهم يجلسون في هذه الأماكن، والأخوة المعذورون الذين تؤلمهم ظهورهم ليس لهم مكان، فإذا أتم الله على أحدكم بنعمة الشباب والحيوية والنشاط، فليس له أي حق في أن يحتل هذه الأمكنة المريحة جداً، أليس كذلك؟ . خطب زيد بن ثابت بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام خطبةً بليغةً، افتتحها بحمـد الله عزَّ وجـل، والثناء عليـه، والصلاة والسلام على نبيِّه، واختتمها بقوله: ((وإنا نُعاهدك يا رسول الله، على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، ونساءنا، فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الجنَّة- الدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ( سورة التوبة الآية: 111) ((فما كادت كلمة الجنَّة تصافح آذان القوم، حتَّى أشرقت وجوههُم بالفرحة، وزَهتْ قسماتهم بالبهجة ، وقالوا: رضينا يا رسول الله، رضينا يا رسول الله)) منذ ذلك اليوم، جعل النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس خطيبه، كما كان حسَّان بن ثابت شاعره . كان له شاعر، وكان له خطيب، فقد كان في الجاهلية قبل الإسلام أعلى منصب رئيس القبيلة، ويليه الشاعر، كمنصب رفيع جداً، فالشاعر وقتها كان وزير إعلام، ينطق باسم القبيلة، يثني عليها، ويردُّ على خصومها، ويهاجم أعداءها، هكذا كان الشعر . فصار إذا جاءت النبي وفود العرب لتفاخره، أو تناظره بألسنةٍ فصيحةٍ، ندب النبي لهم ثابت بن قيس، لمصاولة الخطباء، وحسَّان بن ثابت، لمفاخرة الشعراء, وأشرف عمل أن تكون في خدمة الحق، وأعظم عمل أن توظِّف اختصاصك في الحق، وتقول: أنا أختصّ في هذا العمل، فهل لكم حاجة بعملي؟ . اليوم التقيتُ مع طبيب، قلت له: جزاك الله خيراً، وهذا الطبيب منذ خمس أو ست سنوات اتصل بي, وقال: أي أخ يحب أن يجري عملية، أنا أجريها له مجَّاناً، جزاه الله خيرا، فبعثنا له أول شخص، والعملية تمَّت بنجاح، فلمَّا رأيته واللهِ أكبرته، فقد سخَّر علمه واختصاصه في خدمة الحق، فهو جرَّاح ماهر، وإذا كان الإنسان المؤمن وكل مَن له اختصاص، هذا بالطب، وهذا بالمحاماة، وهذا بالقضاء، فإذا كان الشخصُ محاميًا، وأعطى استشارة قانونية لإنسان فقير، وكتب له عقدًا، فهل يكون خاسرًا بهذا العمل؟ هذا العقد وحده الرابح، والباقي كلُّه خسارة، إذا كنتَ طبيبًا، أو موظَّفًا فساعِدْ ولو مواطنًا من دون أجر، وإذا كنتِ بائعًا فأعطِ شيء من إمكاناتك، ومن بضاعتك للفقراء المحتاجين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون, سيدنا ثابت وظَّف اختصاصه، وطلاقة لسانه، وخطابته في سبيل الحق . ما هي البشارة التي أخبر بها رسول الله ثابت وما هي قصتها ؟ وقد كان ثابت بن قيس، مؤمناً عميق الإيمان، تقياً صادقّ التقوى، شديد الخشية من ربه ، عظيم الحذر من كلِّ ما يغضب الله عزَّ وجل، لقد رآه النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ذات يومٍ هلعاً ، جزعاً، ترتعدُّ فرائصه، خوفاً وخشيةً، فقال: ((ما بِك يا أبا محمد؟ قال: أخشى أن أكون قد هلكتُّ يا رسول الله، قال: ولمَ؟ قال: لقد نهانا الله جلَّ وعز عن محبَّةِ أن نُحْمَدَ لِمَا لم نفعله، وأجدني أحبُّ الحمد، ونهانا عن الخُيلاء، وأجدني أحبُّ الزهو، فما زال النّبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه، حتى قال: يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميداً، وأن تقتل شهيداً، وأن تدخل الجنة؟ فأشرق وجه سيدنا ثابت بهذه البشرى، وقال: بلى يا رسول الله، بلى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ لكَّ ذلك)) مرة بشّر صحابيًّا بالجنة, فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ؛ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ, وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ, ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, فَقَـالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة] لمّا نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 2) تجنَّب ثابت بن قيس، مجالس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على الرغم من شدَّة حبّه له، وفرط تعلّقه به، ولزم بيته، حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة، فافتقده النبي صلّى الله عليه وسلّم, وهذا من السنة، فعلى المسلم أنْ يتفقد أخوانه، ويسأل عنهم . فافتقده النبي صلوات الله عليه، وقال: ((من يأتيني بخبره؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، وذهب إليه، فوجده في منزله محزوناً منكساً، قال: ما شأنك يا أبا محمد؟ قال: شرّ، قال: وما ذاك؟ قال: إنّك تعرف أني رجل جهير الصوت، وأنَّ صوتي كثيراً ما كان يعلو صوت النبي، وقد نزل من القرآن ما تعلم، وما أحسبني إلا أنني قد حبط عملي، وأنني من أهل النّار .)) -الآن تجد الشخص يرتكب الكبائر، وهو مطمئن، لكن ثابت بن قيس لأنّ صوته أعلى من صوت النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعُد قادرًا على النوم، خاف، ما هذه القصة؟ الصحابة كأنهم ليسوا من بني البشر، وكأنهم فوق البشر، أقول لكم: بعضُ الناس يرتكب الكبائر، ويقول: لا تدقق، أهذه معصية؟ أهذا حرام؟ أهذا ربا؟ أهذا زنا؟ أهذا فسق؟ فهو في غفلة، بل في ضياع, فعلامة المنافق أنّ الذنب عنده كالذبابة، وعلامة المؤمن أنّ الذنب عنده كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره ، يكاد يقع عليه، فكلَّما عَظُمَ عندك الذنب، كنت أرقى عند الله، وكلّما صَغُرَ لديك الذنب، كنت أقلَّ عند الله- . ((فرجع هذا الرجل إلى النّبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره بما رأى، وبما سمع، فقال: اذهبْ إليه، وقل له: لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)) فكانت هذه بشارةً عظمى لثابتٍ، وظلَّ يرجو خيرها طوال حياته، لقد كان صوته جهوريًّا، فكان إذا خطب يعلو صوتُه صوتَ رسول الله، بسببِ الخطابة ، فالخطيب يحتاج الخطابة إلى صوت جهير، ونبرات حادَّة، وتلوين بالصوت . إليكم قصة استشهاده : شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المشاهد كلَّها، سوى بدر، وأقحم نفسه في غِمار المعارك، طلباً للشهادة، التي بشَّره النبي بها، فكان يُخْطِئها في كلِّ مرة، وهي قاب قوسين منه أو أدنى، إلى أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذَّاب، على عهد الصديق رضي الله عنه . لقد كان ثابت بن قيس أميراً لجند الأنصار، وسالمٌ مولى أبي حذيفة، أميراً لجند المهاجرين، وخالد بن الوليد قائداً للجيش كلِّه، أنصاره ومهاجريه، ومن فيه من أبناء البوادي، ولقد كانت الغلبَةُ في جُلِّ الجولاتِ لمسيلمة الكذاب، ولرجاله على جيش المسلمين، حتى بلغ بهم الأمر أنْ اقتحموا فسطاط خالد بن الوليد، وهمُّوا بقتل زوجته، وقطعوا حبال الفسطاط، ومزَّقوه شرَّ ممزَّق، والفسطاط الخيمة، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك، مِن تضعضعِ المسلمين، ما شحن قلبه أسىً وكمداً، وسمع من تنابذهم، ما ملأ صدره هماً وغماً، فأبناء المدن، يرمون أهلَّ البوادي، وأهل البوادي يصفون أبناء المدن، بأنهم لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب؟ . عند ذلك تحنط ثابتٌ وتكفن، ووقف على رؤوس الأشهاد, وقال: ((يا معشر المسلمين، ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله صلّى الله عله وسلّم، بئس ما عوَّدتم أعداءكم من الجراءة عليكم، وبئس ما عوَّدتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثمَّ رفع طرفه إلى السماء, وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك، -أي مسيلمة وقومه- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، - أي المسلمين- ثمَّ هبَّ هبة الأسد الضاري، كتفاً لكتف، مع الغُر الميامين، وهم البراء بن مالك الأنصاري، وزيد بن الخطاب، أخ سيدنا عمر بن الخطاب، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وغيرهم، وغيرهم من المؤمنين السابقين، وأبلى بلاءً عظيماً، ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزماً، وشحن أفئدة المشركين وهناً ورعباً، وما زال يجالد في كلِّ اتجاهٍ، ويضارب بكلِّ سلاحٍ، حتى أثخنته الجراح، فخرَّ صريعاً على أرض المعركة، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشَّره به حبيبُه النّبي عليه الصلاة والسلام، مثلوج الصدر، بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر)) وهناك بعض الأحاديث تصف حال الشهيد: لا يحسُّ بألـم الجراح إطلاقاً، وأنَّ الله يطلعه على مقامه في الجنة، في أثناء استشهاده، وأنه تفوحُّ من دمائه رائحة المسك, هذا شيء ثابت، وأعظم مقامٍ يناله الإنسان، أن يموت واللهُ راضٍ عنه . ما هي الرؤيا التي رآها أحد رجال المسلمين عن ثابت وما هو رأي الصديق بهذه الرؤيا ؟ كان على ثابتٍ درعٌ نفيسة، فمرَّ به رجلٌ من المسلمين، فنزعها عنه، وأخذها لنفسه، وفي الليلة التالية لاستشهاده، رآه رجلٌ من المسلمين في منامه، فقال للرجل: ((أنا ثابت بن قيس، فهل عرفتني؟ قال: نعم، قال: إني أوصيك بوصيةٍ، فإياك أن تقول: هذا حلمٌ، فتضيِّعها، إني لمّا قتلت أمس، مرَّ بي رجلٌ من المسلمين، صفته كذا وكذا، فأخذ درعي، ومضى بها نحو خبائه، في أقصى المعسكر، من الجهة الفلانية، ووضعها تحت قدرٍ له، ووضع فوق القدر رَحْلاً، فأتِ خالد بن الوليد، وقل له: أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه، فهي ما تزال في مكانها, وأوصيك بأخرى، إياك أن تقول: هذا حلم نائمٍ، فتضيعها، قل لخالدٍ: إذا قدمت على خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، فقل له: إنَّ على ثابت بن قيس من الدين كذا وكذا، وإن فلاناً وفلاناً من رقيقه عتيقان، فليقضِ ديني، وليحرر غِلماني . -رسالة واضحة وضوح الشمس، معنى ذلك أنَّ الإنسان حينما يموت، يرى ويسمع، يرى كلَّ شيء، ويسمع كلَّ شيء، الميت ترفرف روحه فوق النعش، في أثناء تشييع الجنازة، يقول: ((يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا، كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم، فأنفقته في حلِّه، وفي غير حلِّه، فالهناء لكم، والتبعة علي)) قال عليه الصلاة والسلام ، يخاطب قتلى بدر, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا, ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ, فَقَالَ: ((يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ, يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ, يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ, يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ, أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا, فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ, وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا, ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ)) [أخرجه مسلم في الصحيح عن أنس بن مالك] ((فاستيقظ الرجل، فأتى خالد بن الوليد، فأخبره بما سمع، وما رأى، فبعث سيدنا خالد، من يحضر الدرع من عند آخذها، فوجدها في مكانها، وجاء بها كما هي، ولما عاد سيدنا خالد إلى المدينة، حدَّث أبا بكر الصديق، بخبر ثابت بن قيس، ووصيته، فأجاز الصديق وصيته، وما عُرف أحد قبله ولا بعده، أُجْزِيَتْ وصيته بعد موته سواه)) رضي الله عن سيدنا ثابت بن قيس وأرضاه، وجعل مقامه في أعلى عليين . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا عبدالله بن ام مكتومسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الثانى و الاربعون ) لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . لمحة عن حياة ابن أم مكتوم بما فيها إسلامه والأذى الذي لحقه من إسلامه : أيها الأخوة, مع الدرس الثاني والأربعين من دروس صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم هو الصحابي الذي عُوتب فيه النبي عليه الصلاة والسلام من فوق سبع سموات من قِبَل الله عز وجل، إنه عبد الله بن أم مكتوم، وقصة هذا الصحابي لها ملابسات كثيرة، ولا بد من توضيح بعضها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما هو ثابت في العقيدة معصوم عن الخطأ . فهذا الذي نزل في شأنه قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، نزل به جبريل الأمين على قلب النبي عليه الصلاة والسلام بوحي من عند الله، إنه عبد الله بن أم مكتوم، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن أم مكتوم قرشيٌّ مكيٌّ، من مكة المكرمة، فهو مهاجر، تربطه بالرسول صلى الله عليه وسلم رحم، فهو قريب من أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها، أما أبوه فقيس بن زائد، وأما أمه فعاتكة بنت عبد الله، وقد دُعيت بأم مكتوم، لأنها ولدته أعمى مكتوماً . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/01.jpg شهد عبد الله بن أم مكتوم مطلع النور في مكة، فشرح الله له صدره للإيمان، وكان من السابقين إلى الإسلام، بالمناسبة فالسابق ليس كغير السابق، الإنسان إذا دُعِي إلى الله فاستجاب في وقت مبكِّر، فهذا له نهاية متألقة، أمّا الذي يستجيب لله ورسوله بعد فوات الأوان، أو قبيل الموت، أو بعد سن الشيخوخة، أو بعد أن ينفض يديه من الحياة، وبعد أن يمل الحياة، فهذا له حساب ليس كحساب السابق، والذي يأتي ربه شاباً في عنفوان الشباب، متألقاً قوياً تغلي الشهوات في صدره، هذا له حساب وذاك له حساب، والله سبحانه وتعالى أخبرنا فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (سورة آل عمران الآية: 113) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/02.jpg من أسلم في وقت مبكر فله حساب خاص، الإسلام حينما ينتصر فالذين يعتنقونه هم منتفعون، أما حينما يكون الإسلام في ضعفه الذين يعتنقونه هم أصحاب المبادئ، هم المجاهدون، هذا الصحابي الجليل عاش محنة المسلمين في مكة بكل ما حفلت به من تضحية وثبات وصمود وفداء، وعانى من قريش ما عاناه أصحابه، وبلى من بطشهم وقسوتهم ما بلوه ، فما لانت له قناة, والشيء الغريب أن بعض المحن تزيد المؤمن إيماناً، وتزيده تمسكاً، وتزيده تعلقاً، وتزيده التزاماً، وتزيده إقبالاً، وتزيده صبراً، وتزيده صلابةً، وهكذا فليكن المؤمن . النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة، في أشد أوقات المحن، في أصعب أيام الدعوة، عُرض عليه أن يكون أمير مكة، عُرض عليه أن يكون زوجاً لأجمل فتاة في مكة، عُرض عليه ليكون أغنى شباب أهل مكة، قال: والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه . إذاً: قيمة الإنسان في ثباته على المبدأ، قيمة الإنسان أنه إذا عاهد الله عز وجل فقد حسمَ الأمر، أما هذا الذي يقدِّم ويؤخِّر، يتقدم ويتراجع، ينطلق ويقف، يتردد، فالذي يفعل هذا لن يصل إلى شيء . كيف كان إقبال ابن أم مكتوم على رسول الله ؟ أيها الأخوة, وقد بلغ من إقباله على النبي صلى الله عليه وسلم, وحرصه على حفظ القرآن الكريم، أنه كان لا يترك فرصة إلا اغتنمها، ولا سانحة إلا ابتدرها, يعني حريص على أن يلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام حرصاً لا حدود له http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/03.jpg والحقيقة أنّ الإنسان حينما يحرص على أن يلتقي بأهل الحق، على أن يلتقي بالمؤمنين، على أن يتواجد في بيوت الله، أن يكون معهم في السراء والضراء، أن يكون في مجالسهم، أن يكون في معاونتهم، فهذا الإنسان صادق الإيمان . بل إن هذا الصحابي الجليل، عبد الله بن أم مكتوم بلغ من حرصه على لقاء النبي عليه الصلاة والسلام مبلغاً كبيراً، فكان إلحاحه على أن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام يحمله أحياناً على أن يأخذ نصيبه من النبي عليه الصلاة والسلام ونصيب غيره، عنده رغبة قوية جداً أن يكون مع النبي دائماً، وهذه علامة إيمان . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/04.jpg هناك إنسان لا ترتاح نفسه إلا مع المؤمنين، لا ترتاح نفسه إلا مع أهل الحق، وبالمقابل هناك علامة خطيرة، عندما يجلس الإنسانُ مع أهل الفسق والفجور، أو مع أهل الدنيا، أو مع المقطوعين عن الله عز وجل ويرتاح إليهم، ويقيم معهم علاقات حميمة، وينسى واجباته الدينية ، هذه علامة خطيرة جداً، وتدلُّ على أنّ الإنسان هش المقاومة، ضعيف الإرادة، ولذلك جاء الأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة التوبة الآية: 119) العجيب أننا فهمنا الأوامر خمسة: الصلاة والصوم والحج والزكاة والنطق بالشهادتين ، مع أن الأوامر القرآنية كثيرة جداً، وهذا أحد الأوامر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة التوبة الآية: 119) أنت مع مَن؟ مَن الذي يعجبك؟ من الذي تركن إليه؟ من الذي ترتاح نفسك إليه؟ . ما هي الشبهة التي لصقت بالنبي بحق ابن أم مكتوم وهل هذه الشبهة صحيحة وما الجواب عنها ؟ كان عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة يمر بمحنة عصيبة، فكان عليه الصلاة والسلام كثير التصدي لسادات قريش، الآن بدأ الإيضاحُ التفسير، يبدو أمامي بابان كبيران لهذا المسجد ، لو أن الدرس انتهى وانطلقتم للخروج من هذا المسجد، وأمامكم بابان، وليس هناك أي إعلان يمنعكم من الخروج من أحدهما، فإذا خرج أحدكم من الباب اليميني هل يعد عاصياً؟ وإذا خرج أحدكم من الباب اليساري هل يُعد عاصيًا؟ ماذا أريد أن أقول؟ . أريد أن أقول: إنه لا معصية قبل التكليف، ما دام ثمة مانع فالأمر مباح، لو أنه كُتب على الباب الشمالي ممنوع الخروج من هذا الباب، ثم خرج إنسان منه فيكون متلبساً بمعصية ، لكن البابان متشابهان، وليس هناك أي إعلان، ولا أي توجيه، ولا أي حظر، ولا أي منع، ولا أي إجبار، بابان متشابهان متساويان، انتهى الدرس، وصلينا العشاء، وانتهت الصلاة، وانطلقنا إلى بيوتنا، فهل بإمكان أحد أن يقول لواحد منكم: أنت لماذا خالفت، لماذا عصيت؟ فتجيبه: أنا عصيت مَن؟ ما الأمر الذي عصيته؟ أين الحظر الذي تجاوزته؟ أين المنع الذي اخترقته؟ أجبني، لكن لا جواب لديه, هؤلاء الذين يطعنون في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (سورة عبس الآية: 1-2) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/05.jpg هل هناك حكم إلهي؟ هل هناك تشريع؟ هل هناك توجيه ما؟ هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار أصعب الأمور بدافع حبه لله عز وجل؟ بربكم لو أن أحدكم دُعي إلى سهرة مع بعض أخوانه المحبين جداً، ودُعي إلى سهرة أخرى في اليوم نفسه مع أناس ملحدين منكرين فسقة فجار، الذين يتمنون أن يأكلوا وينهشوا لحم المؤمن، بربك أيها الأخ الكريم أي مجلس ترتاح له، وأي مجلس أهون عليك؟ أن تجلس مع أخوانك المحبين . فالنبي عليه الصلاة والسلام إن جلس مع عبد الله بن أم مكتوم، ذلك الصحابي الجليل المحب العاشق، الذي يتمنى ألاَّ يفارق النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أَحبُّ إليه، وأيهما أهون على النبي، أن يجلس مع عبد الله بن أم مكتوم، أم أن يجلس مع زعماء الكفر والفسق؟ وماذا اختار النبي؟ اختار الأصعب، اختار الأشق حباً بالله عز وجل، لأنه انطلق من أن هؤلاء الزعماء الأقوياء الأشداء إذا أسلموا أسلم معهم أناس كثيرون، لأن الناس دائماً تابعون ومتبوعون، ولكل بلدة كبراء، والكبراء ماذا يفعلون؟ أي شيء يفعلونه يقلدهم الناس فيه، فأنت إذا دعوت إلى الله، وتمكنت أن تقنع كبيراً بطريق الحق، فهذا الزعيم الكبير معه أتباع كثيرون ، فالنبي عليه الصلاة والسلام، ليس هناك تشريع يمنعه، وليس هناك مانع يصدُّه، وليس هناك حظر, وليس هناك شيء يمكن أن يُعد مخالفة لما فعل . جاءه ابن أم مكتوم, وكان النبي مع زعماء قريش، وإنْ صحّ التشبيه أسوق هذا المثَل ، أنت مدرس رياضيات، وابنك في البيت، وأنت في لقاء مهم خطير، وأنت منهمك في إقناع هؤلاء الذين في غرفة الضيوف، فدخل عليك ابنك لتحل له مسألة في الرياضيات، فماذا تقول له؟ انتظر قليلاً، أنا لك اليوم كله، دعني الآن وشأني، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن أم مكتوم . وقد كان عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة كثير التصدي لسادات قريش، شديد الحرص على إسلامهم، فالتقى ذات يوم بعتبة بن ربيعة, وأخيه شيبة بن ربيعة، وعمرو بن هشام المكنى بأبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وطفق يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الإسلام، وهو يطمع أن يستجيبوا له، أو أن يكفوا أذاهم عن أصحابه, إذاً: النبي كان في مهمة مقدسة عظيمة، وهذه الحادثة تزيدنا حباً برسول الله، هذه القصة تزيدنا إكباراً له، تعظيماً لشأنه لمقامه العالي لأنه اختار الأصعب . يعني إذا أب مثلاً رأى ابنه يدرس الساعة التاسعة، فاستلقى الأب في فراشه، واستيقظ الساعة الواحدة ورآه يدرس، ثم عاد إلى النوم الساعة, واستيقظ الساعة الثالثة استيقظ فرآه يدرس، فقد يغضب الأب من ابنه، فهل يعتب عليه أم يعتب له؟ فرق دقيق بين من يعتب على إنسان وبين من يعتب له، يقول له: يا بني لا بد أن تستريح، إن لجسدك عليك حقاً، هذه معاتبة ، ولكن هذه ليست عتابًا عليه، بل عتاب له، وشتان بين العتابين . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/06.jpg طفق النبي يشرح لهم ويبيِّن ويوضح ويتلو عليهم آيات القرآن فلعلهم يسلمون، فإن أسلموا أسلم معهم خلق كثير، وإن اقتنعوا بالإسلام ولم يسلموا فلعلهم يكفون أذاهم عن أصحابه ، وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم، وكان كفيف البصر . أحياناً يدرك الإنسان الموقف بعينيه، ولكن لا يرى مَن عنده، طرق الباب يا رسول الله, علمني مما علمك الله، النبي رأى أن هذا الوقت غير مناسب، وبإمكانه أن يأتي في أي وقت يشاء غير هذا، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام يستقرؤه آية من كتاب الله، ويقول: يا رسول الله علمني مما علمك الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرض عنه ويعبس في وجهه، ثم يتولى نحو أولئك النفر من قريش، وأقبل عليهم أملاً في أن يسلموا، فيكون في إسلامهم عز لدين الله، وتأييد لدعوة رسول الله, وما إن قضى رسول الله حديثه معهم وفرغ من نجواهم، وهمَّ أن ينقلب إلى أهله حتى أمسك الله عليه بعضاً من بصره، وأحس أن شيئاً يخفق برأسه، ثم جاء الوحي، ونزل عليه قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (سورة عبس الآية: 1-2) هذا التركيب, ماذا يسمى في اللغة؟ التركيب نوعان؛ تركيب إنشائي وتركيب خبري، التركيب الإنشائي فيه أمر؛ مثـلاً: مزق، لا تمزق، افعل، لا تفعل, الأمر والنهي، والتمني والترجي، والحض والاستفهام، والنداء، هذه تراكيب إنشائية، ولكن هناك تراكيب خبرية مثال ذلك: الوصف, هذه ورقة تقويم، هل في هذا الكلام تعنيف؟ لا، هل في هذا الكلام لوم؟ لا، هذا وصفُ خبر، والله عز وجل, قال: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ هذا وصفُ وضع النبي، فالإنسان يجب أن يكون دقيق الذهن، حسن الظن، ما استعمل الله عز وجل تركيباً إنشائياً فيه توبيخ, أو فيه تعنيف, أو فيه نهي، أو فيه أمر، تركيب خبري وصفي . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/07.jpg فالله جل جلاله يبيِّن للنبي عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء السادة الكبراء لا خير فيهم، هذا علمُ الله، وهو عليه السلام يتوسم فيهم الخير، ويعلق آمالاً على هدايتهم، لكنّ اللهَ عز وجل لأنه خالقهم وهو الذي يعلم، قال له: يا محمد هؤلاء ليس فيهم خير، فلا تشغل بالك بهم, إنك لا تستطيع أن تهديهم لأنهم مخيرون، فإن الله يهدي من يشاء، هناك آيتان, قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة القصص الآية: 56) أي إنك لا تستطيع هدايتهم, والآية الثانية : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة البقرة الآية: 272) لست مسؤولاً عن هدايتهم, لأنهم مخيرون، هم اختاروا الدنيا، هم اختاروا الإعراض، هم اختاروا الشرك، الله عز وجل وصف وبيّن وصف حال النبي, وبيّن له أنه الإله الذي يعلم . يعني أحياناً يرى الإنسانُ رمادًا، يظن أن في هذا الرماد ناراً، فينفخ ويقول له إنسان آخر: لا تتعب نفسك، إنك تنفخ في رماد, وصدق القائل: لقد أسمعت لو ناديت حيــًّـا ولكن لا حياة لمن تنـــادي ولو نارًا نفخت فيها أضـاءت ولكنك تنفخ في رمـــــادِ الله يعلم، وبعلمه وخبرته أخبر النبيَّ أن هؤلاء الكفار الصناديد زعماء الشرك، رؤوس الفتنة، عباد الأوثان لا خير فيهم، فلا تعلِّقْ أملك عليهم، ولا تلتفت إليهم، فليسوا أهلاً لاهتمامك، بل التفتْ لهذا الأعمى الفقير الذي يصغي لكلامك, بربكم هل في هذا السلوك الذي فعله النبي نقص في حقه؟ هل فيه مخالفة لأمر إلهي؟ هل فيه معصية؟ هل فيه خرق لحظر؟ أبداً، هكذا ينبغي أن نفهم القرآن الكريم، الله عز وجل وصف حال النبي، وبين له أن هؤلاء الذين تحرص عليهم لا حياة لمن تنادي, قال القائل: لقد أسمعت لو ناديت حيــًّـا ولكن لا حياة لمن تنـــادي ولو نارًا نفخت فيها أضـاءت ولكنك تنفخ في رمـــــادِ قال العلماء: ست عشرة آية نزل بها جبريل الأمين على قلب النبي عليه الصلاة والسلام في شأن عبد الله بن أم مكتوم، لا تزال تُتلى منذ نُزلت إلى اليوم، وسوف تظل تتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فالمعنى أنّ هذا درس لنا إلى يوم القيامة, فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه عن أنس بن مالك] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/08.jpg هؤلاء الأقوياء، هؤلاء الأغنياء المنحرفون عن طريق الحق، لا تعجبك أجسامهم ولا أموالهم، إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا, وتزهق أنفسهم وهم كافرون, هكذا وجَّه الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام . ومنذ ذلك اليوم ما فتئ النبي عليه الصلاة والسلام يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوم إذا نزل، ويدني مجلسه إذا أقبل، ويسأل عن شأنه ويقضي حاجته، ولا غرو أليس هو الذي عوتب فيه من فوق سبع سموات من قبل المولى جل وعلا؟ . إليكم هجرة ابن أم مكتوم إلى المدينة وماذا صنع حينما قدم إليها وما هي المهمة التي كان يوكلها الرسول لابن أم مكتوم حينما يكون عنده شؤون خارج المدينة ؟ لما قستْ قريش على النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، واشتد أذاها لهم، أذن الله للمسلمين بالهجرة، فكان عبد الله بن أم مكتوم، أسرع القوم مفارقة لوطنه وفراراً بدينه، فقد كان هو ومصعب بن عمير أول من قدما المدينة من أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم . وما إن بلغ عبد الله بن أم مكتوم يثرب حتى طفق هو وصاحبه مصعب بن عمير يختلفان إلى الناس ويقرئانهم القرآن ويفقهانهم في دين الله، ولما قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة اتخذ عبد الله بن أم مكتوم, وبلال بن رباح مؤذنين للمسلمين يصدعان بكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/09.jpg كان بلال يؤذن, وابن أم مكتوم يقيم الصلاة، وربما أذن ابن أم مكتوم, وأقام بلال الصلاة، ولكن بعد حين وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يؤذن هو الذي يقيم الصلاة, وكان لبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان، فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما, ويمسكون عند أذان الآخر, فقد كان بلال رضي الله عنه يؤذن بالليل ويوقظ الناس، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يُخطئه . وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع عشرة مرة، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة, فكان النبي كلما غادر المدينة غازياً أو فاتحاً استخلف عليها أميراً هو عبد الله بن أم مكتوم، وهذه مرتبة عالية جداً, أن يختار النبي هذا الصحابي الجليل نائباً عنه في إدارة شؤون المدينة في غيابه . ما هي الآية التي نزلت بشأن أصحاب الأعذار عن الجهاد وهل استجاب الله دعاء ابن أم مكتوم وماذا فعل حينما أعذره الله ؟ في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن ما يرفع شأن المجاهدين أيّما رفعة، يفضلهم على القاعدين، لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثّر ذلك في نفس ابن أم مكتوم وعز عليه أن يُحرم من ذلك الفضل, وقال: ((يا رسول الله, لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل القرآن في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، -لقد رأى الجهاد شيئًا عظيمًا، وهو ذروة سنام الإسلام، فهو بحكم عاهته إذْ فَقَدَ بصره محرومٌ من هذه العبادة العظيمة، فكان يتألم وكان يبكي ، وكان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، أن يسأل ربه أن ينزل قرآنًا في شأن ابن أم مكتوم المعذور، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد- وجعل يدعو في ضراعة: ((اللهم أنزل عذري، اللهم أنزل عذري، فما أسرع أن استجاب الله لدعائه)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/10.jpg حدث زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: كنت إلى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم، فغشيته السكينة، ونزل عليه الوحي، فلما سُرِيَ عنه, قال: اكتب يا زيد، فكتبت: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ (سورة النساء الآية: 95) فقام ابن أم مكتوم, وقال: يا رسول الله, فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ قال: فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة، ولما سُري عنه، يعني جاءه الوحي مرة ثانية، قال: اقرأ ما كتبته يا زيد، فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين، قال: اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (سورة النساء الآية: 95) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/11.jpg -فصار في الآية استثناء، هؤلاء أولو الضرر مستثنون بهذه الآية، فكأن هذا الصحابي الجليل بصدقه وإخلاصه وتمنيه، أن ينزل الله به وبأمثاله المعذورين ما يبرر قعودهم، فاستجاب الله له، ونزلت هذه الآية التي جاءت بعد الآية الأولى . الآن دققوا، وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم, وأمثاله من الجهاد، فقد أبت نفسه الطموح أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم أن يكون مع المجاهدين، ذلك بأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بعظام الأمور- ((فحرص منذ ذلك اليوم على ألاَّ تفوته غزوة مع أنه أعمى، مع أنه ضرير، وحدَّد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال فكان يقول: أقيموني بين الصفين، وحمَّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه, فأنا أعمى لا أستطيع الفرار)) كانوا يقيمونه بين الصفين، ويحمِّلونه اللواء ويجاهد . إليكم قصة استشهاده : في السنة الرابعة عشرة للهجرة، عقد عمر بن الخطاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تزيل دولتهم وتزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2971/12.jpg ((لا تَدَعُوا أحداً له سلاح, أو فرس, أو نجدة، أو رأي, إلا وجهتموه إليه، والعَجَلَ العَجَلَ)) , وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق, وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب, وكان في جملة هؤلاء المجاهدين المكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم . فأمَّر الفاروق على الجيش الكبير سعد بن أبي وقاص، ووصاه وودعه، ولما بلغ الجيش القادسية، برز عبد الله بن أم مكتوم لابساً درعه مستكملاً عدته، وندب نفسه لحمل راية المسلمين, والحفاظ عليها أو الموت دونها، والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية عابسة، واحترب الفريقان حرباً لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلاً، حتى انجلى الموقف في اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين، فزالت دولة من أعظم الدول، وزال عرش من أعرق العروش، ورُفعت راية التوحيد في أرض الوثنية، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء، وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعاً مضرجاً بدمائه, وهو يعانق راية المسلمين . دققوا أيها الأخوة، صحابي جليل وهو كفيف البصر، يستشهد في أرض معركة حامية الوطيس، هكذا كان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، هذه القصة سقتها إليكم من أجل أن تقفوا على دقائقها لأن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم في أقواله وأفعاله وأحواله، وما سورة عبس وتولى إلا وصفٌ لشأن النبي، حيث انطلق من رغبته الصادقة في هداية قومه. |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا حكيم بن حزام سيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الثالث و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . لمحة عن حياة حكيم بن حزام : أيها الأخوة, مع الدرس الثالث والأربعين من دروس سير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا حكيم بن حَزَام، هذا الصحابي يبدو أنه الإنسان الوحيد الذي ولد في جوف الكعبة، كانت الكعبة مفتوحة في إحدى المناسبات للزوار, وكانت أمه حاملةً به، فما إن دخلت جوف الكعبة حتى جاءها المخاض, فجيء لها بنطع رداء، وولدت في جوف الكعبة هذا الصحابيَّ الجليل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/01.jpg هذا الصحابي الجليل قريب أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والنبي عليه الصلاة والسلام زوج عمته، فهو من أقرباء النبي، وكان حكيم بن حزام عاقلاً سرياً، معنى السري يعني شريفاً من عليه القوم، كان عاقلاً سرياً فاضلاً . بالمناسبة ؛ ما من نعمة ينعم الله على عبد من عباده كنعمة العقل، فمن أوتي عقلاً وفكراً وحكمةً، فقد أوتي خيراً كثيراً، وسوف ترون بعد قليل أن الإسلام مبني على العقل، فمن كان عاقلاً وأريباً وحكيماً، ولم يبادر إلى الإسلام، فأمْرُه عجيب . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/02.jpg حكيم بن حزام كان عاقلاً سرياً فاضلاً، لذلك سوَّده قومه، وأناطوا به منصباً مهماً، هو منصب الرفادة، فقد كان مُوكَلاً إليه أن يعطي الحجاج المنقطعين ما يحتاجون كي يصلوا إلى بلادهم سالمين، هذا المنصب منصب ديني، وكان حكيم بن حزام موكلاً له هذا المنصب في الجاهلية, كان يُخرِج من ماله الخاص ما يرفد به المنقطعين من حجَّاج بيت الله الحرام . وهو من أعرق أسرة, ومن أشرف نسب، ويتمتع بقدرات ذاتية عالية المستوى نادرة . بالمناسبة؛ تعرفون المخروط، شكل هندسي، كلما ازداد ارتفاع المخروط ازدادت رؤيته من هذا الارتفاع، وكلما ازداد حظك في الدنيا ازدادت مسؤوليتك، فالذي يؤتى عقلاً راجحاً في الدنيا هذا له حساب خاص، والذي يؤتى طلاقة لسان هذا له حساب خاص، والذي يؤتى شكلاً وسيماً فهذا له حساب خاص، والذي يؤتى مالاً وفيراً فهذا له شأنٌ، فكلما ازداد حظك من حظوظ الدنيا ازدادت مسؤوليتك، وازدادت تبعاتك . كان حكيم بن حزام صديقاً حميماً للنبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، فهو صديق وقريب، وكان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، وقد تمتع الصحابة بأدب جمٍّ، كان أحدهم إذا سـأل: ((أيهما أكبر أنت أم النبي؟ فكان يقول: هو أكبر مني، ولكني ولدتُ قبله)) لشدة الأدب الذي كانوا يتمتعون به . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/03.jpg كان حكيم بن حزام أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، ولا تنسوا أن العمر الزمني هو أتفه أعمار الإنسان، فالإمام الشافعي مات في الخمسين، والإمام النووي مات في الثانية والأربعين, وهناك بعض العظماء ماتوا في الثلاثين، ومع ذلك كانت أعمارهم غنية بالأعمال الصالحة، فكلما ازداد عملك الصالح كان عمرك ثميناً، وكلما قَلَّ عملك الصالح كان حياتك تافهةً، وكنتَ إنسانًا هامشيًّا, قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (سورة محمد الآية: 12) ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة البقرة الآية: 126) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/04.jpg حينما دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين، تَقَدَّمه غلام، فقال له: ((اجلس أيها الغلام، وليقمْ مَن هو أكبر منك سناً، فتبسم هذا الغلام، وكان رئيس الوفد، وقال: أصلح الله الأمير, المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، فإذا وهب اللهُ العبدَ لساناً ذاكراً، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة مَن هو أحقُّ منك بهذا المجلس، -كلام بليغ- العالم شيخ, ولو كان حدثاً، والجاهل حدث, ولو كان شيخاً)) . كان يألف النبي عليه الصلاة والسلام، ويأنس به، ويرتاح إلى صحبته ومجالسته، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبادله وداً بود، وصداقة بصداقة، وكذلك المؤمن دمث الخلق، وقد كان النبي قبل البعثة شخصية جذابة، محبَّبة، ليس في الإسلام غطرسة وغلظة، رقيق الحاشية، لطيف المعشر، ليِّن العريكة، يألف ويؤلف، وهكذا المؤمن, ثم جاءت آصرة القربى، فتوثقَّت ما بينهما من علاقة, وذلك حين تزوج النبي عليه الصلاة والسلام من عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. متى أسلم حكيم بن حزام, وما الشيء الذي كان يؤلمه ؟ أما الشيء الذي يدعو للعجب، والشيء الذي لا يُصدق، أنّ هذا الإنسان العاقل الفهِم، الفطن، الذكي، صاحب النسب العريق، صديق النبي الحميم وقريبه، حينما جاء الإسلام، وحينما بُعث نبي الإسلام لم يؤمن به، ولم يصدقه، وبقي على الشرك عشرين عاماً إلى أن فُتحت مكة، فهذا الشيء عجيب حقًّا . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/05.jpg فأنا أيها الأخوة، حين أجد إنسانًا تفكيره محدود، وجاهل، وضائع، ومنحرف، وواقع في المعاصي، فهذا شيء طبيعي جداً، لأنّ ضعف التفكير يقود إلى كل هذه الحماقات، ضعف التفكير ، التخلف العقلي، ضيق الإمكانيات، ضيق الأفق، يقود لكل حماقة، أما والله الذي لا إله إلا هو يشتد عجبي من إنسان ذكي فهيم، يفهم سريعاً، يستوعب كثيراً, ويكون منحرفاً، أتساءل: يا رب كيف يجتمع هذا العقل الراجح مع هذا السلوك المنحرف؟ . إنسان يتمتع بإمكانات عقلية كبيرة، لا يستقيم على أمر الله، ولا يطلب الجنة، بل يجعل الدنيا أكبر همِّه, ومبلغ علمه، ويبقى في حمأتها، وفي وحلها، وهو ذو العقل الحصيف، هذه مفارقة مزعجة . كان المظنونُ برجلٍ مثل حكيم بن حزام حباه الله بذاك العقل الراجح، ويسر له تلك القربى من رسول الله عليه صلوات الله، أن يكون أول من يؤمن به، وأول من يصدقه، وأول من يهتدي بهديه . الإنسان مخير، على الرغم من رجاحة عقله وفطانته، آثر قومه وآثر أن يبقى مع زعماء قريش ومع علية القوم ذوي الضلالة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/06.jpg لكن الشيء الذي يدعو للعجب أيضاً أن هذا الصحابي الجليل أسلم يوم فتح مكة, فما كاد يدخل الإسلام ويتذوق حلاوة الإيمان حتى جعل يعض بنانه ندماً، ذاق حلاوة الإيمان، وذاق أمن الإيمان، وذاق حلاوة القرب من الله، وذاق لذة التوبة إليه، وذاق لذة الإنابة إليه, وذاق حلاوة الصلح معه، وذاق حلاوة الانضباط، وذاق حلاوة الطاعة، كل ذلك شعر به لما ذاق حلاوة الإيمان ، والنبي ذكَر أنّ الإيمان له ذوق وطعم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/07.jpg ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس بن مالك] هذا الصحابي بعد أن أسلم بعد عشرين عامًا، بعد فتح مكة، وبعدما خاض مع المشركين معركة بدر، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، بعد حين طويل، وبعد حقب طويلة أسلم . الإنسانُ أحياناً يتعرف إلى الحقيقة، ولكن في سن متأخرة، أين الشباب؟ لقد أمضاه في اللهو، وأين ذهبت طاقةُ شبابه؟ وأين حيوية الشاب وإقباله والطاقات التي أودعها الله فيه؟ هذه كلها أنفقها في المعاصي . هذا الصحابي جعل يعضّ أصابع الندم على كل لحظة قضاها من عمره, وهو مشرك بالله، مكذب لنبيه . إليكم الحديث الذي دار بين حكيم وولده, وما العبرة منه ؟ أيها الأخوة, فمرة رآه ابنه يبكي، فقال: ((يا أبتاه, ما يبكيك؟ قال: أمور كثيرة، كلها أبكتني يا بني، أولها بُطْءُ إسلامي، ممّا جعلني أُسْبَقُ إلى مواطن كثيرة صالحة، حتى لو أني أنفقت ملء الأرض ذهباً لما بلغت شيئاً منها، http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/08.jpg -متى؟ بعد فوات الأوان، لو أن الشباب بالتعبير العام يغبون غبة كبيرة، يعني أقبلوا على الله، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وطلبوا العلم، وتعرَّفوا إلى الله، وقرؤوا القرآن، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وأنفقوا من أموالهم، فالله يرقيهم درجة درجة . الوقت ثمين، فإذا لم يكن الإنسان متزوجًا فعليه أن يستغل العزوبة في طلب العلم، لأن الزواج مشغلة، فإذا كان للإنسان وقت فراغ فلْيستِغلْه في حفظ القرآن الكريم، وفي طلب العلم، وفي العمل الصالح، وفي خدمة الحق وأهله، وفي الالتزام بالمنهج الديني- . ثم قال له: شيء آخر أبكاني، فإن الله أنجاني يوم بدر وأحد، فقلت يومئذ في نفسي: واللهِ لا أنصر بعد ذلك قريشاً على النبي صلى الله عليه وسلم، -ماذا تستنبطون من هذا الكلام؟ أنه حينما كان يحارب النبيَّ يعرف أنه رسول، ويعرف أنه نبي، ويعرف أنه على حق، ويعرف أنه منصور ، هذه مشكلة كبيرة عويصة، تعادي إنسانًا، وتعلم أنه على حق، وتنتقص من قيمة إنسان، وتعلم أنه على حق، تشوش على إنسان، وتعلم أنه على حق، وتطعن في إنسان، وتعلم أنه على حق، وتحارب إنسان، وتعلم أنه على حق، فالمعنى أنها مصالح ذاتية، ومآرب خاصة، وتجمعات مصلحية، حينما تعرف أن فلانًا على حق وتحاربه، فهذه مصلحة، لم تعُد دعوة إلى الله، بل أصبحت مصلحة مادية، وحفاظًا على مناصب، وحفاظًا على زعامة, وعلى المكاسب، وهذا شيء خطير . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/09.jpg أقول لكم هذه الحقيقة: لو عاديت أهل الحق أشد عداوة, وأنت تعلم أنهم على باطل، أهون ألف مرة أنْ تعاديهم بكلمة، وتعلم أنت علم اليقين أنهم على حق، إذا كان الإنسان لا يعرف فهو معذور، أما الذي يعرف فلا يُعذر . أيها الأخوة الكرام, نصيحة أزجيها لكم من أعماق قلبي، إياكم أن تقفوا في خندق تعادون به أهل الحق، إياكم أن تحاربوا الله ورسوله، لأنكم في النهاية مهزومون، فحين تحارب الله عز وجل، فأنت تحارب دعوة الحق، وهذه محاربة لله عز وجل، تعرف هذا المسجد فيه إخلاص، وفيه دعوة الحق، فلا تحاربه، ولا تدخل في معركة لا قِبَلَ لك بها، وإنّ لحوم العلماء مسمومة, قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة يونس الآية: 62-64) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/10.jpg كلما رأيت عالمًا: هذا لا يفهم، من أنت؟ وهذا ليس لي ثقة في نواياه، أأنت إله لتعلم نواياه؟ ابق في أدبك، ابق ضمن أخلاقك الإسلامية، الدعاة قلة ولو كانوا كثيرين، ترى مدينة فيها خمسة ملايين، الناسُ الذين يُستفاد منهم يُعدُّون على الأصابع، وهؤلاء نريد أن نحطمهم, ونتهمهم ، وننزلهم على الأرض، ونشكك في دعوتهم؟- . قال: فما لبثت أن جُرِرتُ إلى نصرة قريش جراً، سحَبُوه للمرة الثالثة، فسحبوه إلى معركة الخندق، -والله شيء صعب، والإنسان يتمزق أحياناً أنت تحارب شخصًا على حق، تعرفه نبياً ثم تحاربه؟ إذن حُقَّ له أنْ يبكي، وأنْ تفيض عيناه- . قال: ثم إنني كلما هممت بالإسلام, وآتي النبي مسلماً, نظرت إلى بقايا من رجالات قريش، لهم أسنان وأقدار، متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم وأجاريهم . -اليوم ترى شابًا أبوه وعده ببيت، ووعده بسيارة، وأبوه لا دين له، تراه يؤاثر جانب والده، يقول: ليس لي مصلحة في إغضابه، اختلاط، ودخل حرام، وتجارة لا ورعَ فيها، ومع ذلك يسير في ركبِ والده، لقد آثر دنياه على آخرته . في الشام رجل من الغنى بمكان، لو طلبتْ منه ابنتُه خمسة ملايين بكلمة يعطيها هذه الملايين، ولا تأكل من طعامه لقمة واحدة، عنده ملهى، وماله كله حرام، تعمل معلمة في إحدى قرى دمشق، وتأكل من عملها، ولا تأكل من مال أبيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 95) قال: ويا ليتني لم أفعل، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا، فلِمَ لا أبكي يا بنيَّ)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/11.jpg أيها الأخوة, لا تكن خطيئة لأحد، لا تكن ضحية لأحد، لا تكن أداة لأحد، لا تكن أداة رخيصة لأحد، لا تكن منديلاً يُمسح بك أقذر عملية ثم تلقى، انتبه، لا تكن أداة للآخرين، هناك أشخاص، أشبههم بالمنديل الورقي، تُمسح به أقذر عملية، ثم يُلقى بسلة المهملات، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ (سورة طه الآية: 79) وقال عز وجل: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (سورة القصص الآية: 8) وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (سورة الكهف الآية: 28) وقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة لقمان الآية: 15) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (سورة الممتحنة الآية: 13) أمر عجيب ومدهش ! أيها الأخوة, كما عجبنا نحن من تأخُّر إسلام حكيم بن حزام، وكما كان يعجب هو نفسه من ذلك أيضاً، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه، كان يعجب من رجل له مثل حلم حكيم بن حزام وفهمه، كيف يخفى عليه الإسلام؟ وكان يتمنى له وللنفر الذين هم على شاكلته أن يبادروا في الدخول في دين الله . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/12.jpg النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلم سيدنا خالد, قال له: ((عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً، وكنت أرجو ألاّ يهديك إلا إلى خير)) يعني لماذا تأخرت؟ . مرة ثانية، إذا آتى الله عبدًا عقلاً، وفكرًا، فيجب ألاّ يغلط، ويجب أن يعرف الحق في الوقت المناسب، والنبي عليه الصلاة والسلام في الليلة التي سبقت فتح مكة قال لأصحابه: ((إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك، وأرغب لهم في الإسلام . -هناك نقطة دقيقة، إذا كان الإنسان يعصي الله، ولكنه يعصيه وهو متألم، مغلوب على أمره، فهذا عنده حياء وخجل مرضي، ضغطوا عليه لكنه متمزق من داخله، فهذا الذي يعصي الله وهو متألم أشد الألم نرجو له خاتمة طيبة، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام المرويِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ, فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ, وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, فَوَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ, ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ, ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود] قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/13.jpg أربعة مشركين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يتوسم فيهم الخير . بالمناسبة، رأيت رجلاً لا يصلي، وفي الظاهر لا دين فيه، لكن أخلاقه عالية، عنده حياء، وعنده مروءة، وقلبه رقيق، يحب الخير، وفكره ناضج، فإيّاك أن تيأس منه، هذا إنسان فيه خير، احرص عليه، اتصل به، قَدِّمْ له كل خدمة، لأنه قريب جداً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ, قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي, قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة] ومن فضل الله عز وجل أنهم أسلموا جميعاً, وأن النبي كان صائباً في نظرته، وأنه كان صادقاً في فراسته، وأنه أوتي نظرة عميقة . ماذا صنع النبي يوم دخل مكة فاتحاً, وعلام يدل صنعه ؟ أيها الأخوة, وحين دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً, انظروا إلى حكمة النبي ، إنسان له مكانته ومن علية القوم، عاقل تأخر بالإسلام، فكيف استجلبه؟ أمر النبي عليه الصلاة والسلام مناديه أن ينادي؛ من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدًا عبده ورسوله فهو آمن http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/14.jpg ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن, جعل له شأنًا صلى الله عليه وسلم، فأعانه على نفسه، وعلى كبريائه . كانت دار حكيم بن حزام أسفل مكة، ودار أبي سفيان في أعلاها، وكان النبي حكيمًا أيضاً، تقول مثلاً: مَن يدخل بيت في حيِّ المهاجرين من أهل الشام فهو آمن، وأناس آخرون يسكنون في الجهة المقابلة البعيدة، فاجعلْ لهم بيتًا ثانيًا في ذلك الحيِّ أيضًا، بيت بالشمال، وبيت بالجنوب؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام, قال: ((من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) فرحِم الناس أيضاً . ما هو القسم الذي أقسمه حكيم, وهل بر بقسمه ؟ أسلم حكيم بن حزام إسلاماً ملك عليه لبه، وآمن إيماناً خالط دمه ومازج قلبه، وآلى على نفسه أن يكفِّر عن كل موقف . هنا اقتدوا بالعقلاء، فالذي قضى صُيوفًا في المعاصي، وفي هذه الصيفية تاب إلى الله، يخاطب ربه: يا رب، أنا كما أمضيتُ تلك العطل فيما لا يرضيك, واللهِ لأمضينَّ غيرَها فيما يرضيك، وما أنفقتُ كثيرَ الأموال على المعاصي والآثام، والله لأنفقنَّ مثلها على الطاعات، وكما صحبتُ أهل الدنيا من أجل دنياهم، والله لأصحبنّ أهل الإيمان من أجل ديني, فالذي تاب إلى الله عز وجل, وانتقل من طور إلى طور، والذي اصطلح مع الله، يناجي ربه هذه المناجاة . آلى على نفسه أن يكفر عن كل موقف وقفه في الجاهلية، أو نفقة أنفقها في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد برَّ بقسمه، فأول شيء فعَله دار الندوة, أكبر بناء في مكة، وهو مشهور في التاريخ، هي داره الشخصية، وهي دار عريقة ذات تاريخ، ففيها كانت قريش تعقد مؤتمراتها في الجاهلية، وفيها اجتمع ساداتهم وكبراؤهم يأتمرون برسول الله صلى عليه الصلاة والسلام، فأراد حكيم بن حزام أن يتخلص منها، وكأنه أراد أن يرخيَ ستاراً من النسيان على ذلك الماضي البغيض، فباعها بمئة ألف درهم، فقال له قائل من فتيان قريش: ((لقد بعتَ مَكْرُمَةَ قريش يا عمّ، فقال له حكيم: هيهات يا بني، ذهبت المكارم كلها، ولم يبق إلا التقوى، دار اجتمعنا فيها، وقررنا فيها قتْلَ رسول الله، أيُّ مَكْرُمَةٍ هذه؟ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/15.jpg -أحياناً يقول لك إنسان: هذا عملٌ لا يرضي الله عز وجل، عمل مِن أثر أبي، هذا العود من بقايا أعواد أبي، لستَ محتاجًا إلى هذه السمعة، ولو كان من آثار أبيك، دعْك من كل هذا، والتمِسْ ما يقرِّبك من الله سبحانه- . قال: وإني لأشهدكم أنني جعلت ثمنها في سبيل الله عز وجل)) أيؤمن رجلٌ ويسلم ويتوب ولا يغيِّر حالَه؟ يجب أن نغيِّر كل رفاق السوء، إذا كان له رفاق سوء, يجب أن يتخلص منهم جميعاً، هذه اللقاءات الباطلة، هذه الأماكن, هذه الطرقات المزدحمة بالنساء، صار بريئًا منها كلها . إذا لم يحدُثْ تبدلٌّ جذريٌّ، ولم يكن بالمعنى الحديث ثورة في حياتك على كل معصية، وعلى كل مكان سيء، وعلى كل صديق سيء، وعلى كل مخالفة، فليستْ هذه توبةٌ، ولا عودة إلى الله تعالى . حجَّ حكيم بن حزام بعد إسلامه، فساق أمامه مئة ناقة مجلّلة بالأثواب الزاهية، ثم نحرها جميعاً في سبيل الله، وأطعم لحمها للفقراء . وفي حجة أخرى, وقف في عرفات ومعه مئة من عبيده, فقدْ كان غنيًّا، وقد جعل في عنق كل واحد منهم طوقاً من الفضة، نُقِشَ عليه عتقاء لله عز وجل عن حكيم بن حزام . وفي حجة ثالثة، ساق أمامه ألف شاة، وأراق دمها كلها في منى، وأطعم بلحومها فقراء المسلمين تقرباً إلى الله عز وجل, وهذا ليكن الإسلام، ولتكن التوبة إلى الله عز وجل . ما هي النصيحة التي أرشد بها النبي حكيم, وهل استجاب لهذه النصيحة ؟ بعد غزوة حنين سأل حكيم بن حزام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، حتى بلغ ما أخذه مئة بعير، وكان يومئذ حديث عهد بالإسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا حكيم، إن هذه الأموال حلوة خضرة، فمن أخذها بسخاوة نفس -يعني بعفة نفس- بورك له فيها، ومن أخذها بإشراف نفس – بطمع- لم يبارك له فيها، وكان كالذي يأكل ولا يشبع)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/16.jpg عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ, وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن حكيم بن حزام] فلما سمع حكيم بن حزام ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام, قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أسأل أحداً بعدك شيئاً . النبي أعطاه ونصحه، ولكن كانت النصيحة مؤثِّرة جداً، وعلامة إيمانه الصادق أنه استجاب، وبر حكيم بقسمه أصدق البر، ففي عهد أبي بكر رضي الله عنه، دعاه الصديق أكثر من مرة لأخذ عطاء من بيت مال المسلمين فأبى أن يأخذه، ولما آلت الخلافة إلى الفاروق دعاه مرة ثانية إلى أخذ عطاء فأبى أن يأخذه، فقام عمر في الناس وقال: ((أشهدكم يا معشر المسلمين، أني أدعو حكيماً إلى أخذ عطائه فيأبى)) وظل حكيم كذلك لم يأخذ من أحد شيئاً حتى فارق الحياة . ما هو المغزى التي يمكن أن نستنبطها من قصة حكيم بن حزام ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3108/17.jpg هذه قصة حكيم بن حزام فيها نقاط مضيئة، أبرزها أنه إذا آتاك الله عقلاً راجحاً، وفكراً ثاقباً، وإمكانات عالية، ينبغي أن تسرع بك إلى الله، ولا ينبغي أن تبطئ بك، لأن الحسرة عندئذ تكون كبيرة، ولأن الإسلام أساسه العقل، وأساسه الواقع، وأساسه الفطرة، فأي إبطاء في إسلامك، مع رجاحة عقلك فهذا يدعو للعجب العجاب، يعني الذي أنت فيه يتناقض مع العقل الراجح الذي أعطاك الله إياه، فأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً . فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل العقل حاكماً على القلب، يقول أحدُهم: أخي أنا أحبُّ، والحبُّ ليس بيدي، بل الحبُّ بيدك، أعملْ عقلك تحبَّ الله عز وجل، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا زيد بن سهل الانصارى سيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الرابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . ما هي نظرة الإسلام إلى المرأة, وما هي نظرة أهل الكفر إلى المرأة ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3038/01.jpg أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا مع سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولا زلنا مع الدرس الرابع والأربعين من هذه الدروس، وموضوع درس اليوم سيدنا زيد بن سهل، أبو طلحة الأنصاري . قبل أن نقرأ تفاصيل حياة هذا الصحابي، لا بد أن تعلموا أن المرأة في الإسلام لا تقل عن الرجل إطلاقاً، وكلما ازداد الإنسان علماً تبين له أن المرأة من حيث التشريف والتكليف كالرجل تماماً، وربما وهبها الله عز وجل من الأعمال الصالحة التي تفوق بها الرجال، فهذا الصحابي الجليل كان أحد الصحابة الذين كان لهم باع طويل في الدعوة إلى الله، هل تصدقون أن سبب هدايته إلى الله امرأة؟ . لا تعجبوا أن تروا بين رواد المساجد عدداً كبيراً منهم كانت النساء, زوجات، أو أمهات، أو أخوات وراء هداية الرجال، فالمرأة كائن عظيم، والإسلام كرَّمها، والكفر دَنَّسها، وجعلها سلعة، فلو أردتَ أن تبيع طلاء أحذية تحتاج إلى صورة امرأة شبه عارية على العلبة، كي تباع هذه السلعة، والكفار جعلوها سلعة رخيصة، بينما الإسلام جعلها كائناً عظيماً، وعلى كلٍّ من ثنيات هذه القصة تبدو لكم ملامح عظمة المرأة . إليكم قصة إسلام أبي طلحة الأنصاري : عرف زيد بن سهل النجّاري، صحابي اليوم المُكَنَّى بأبي طلحة، أن الرميصاء بنت ملحان النجّارية المكناة بأم سليم قد غدت أيِّماً، أي أصبحت بلا زوج، وربنا عز وجل قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 32] الأيامى كلمة مطلقة، تشمل الذكور والنساء، أي مخلوق من بني البشر ليس له زوج أو زوجة فهو أيِّم، والأمر الإلهي متوجِّهٌ إلى أولي الأمر أولاً، وإلى أولياء الأمور ثانياً، وإلى الأطراف المعنية بالزواج ثالثاً، والزواج سنة . استطار فرحاً بهذا الخبر، وفرح فرحاً لا حدود له، حتى استخفه الفرح، ولا غرو فقد كانت أم سليم سيدة حصاناً رزاناً، راجحة العقل، مكتملة الصفات، وما أجمل أن يجتمع في المرأة كمالُ الخَلق، مع كمال الخُلق، مع رجاحة العقل، يبدو أن أم سليم كانت كذلك، فعزم أن يبادر إلى خطبتها قبل أن يسبقه أحد ممن يطمحون إلى أمثالها من النساء, فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ, وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3038/02.jpg الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، ليس في النساء درجة الوسط إما أنها جنة، وإما أنها نار، فعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ, قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: إني أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ, وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ, أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا, ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ, ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ, فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ)) [أخرجه أبو داود في سننه عن معقل بن يسار] المودة في الزوجة شيء لا يقدَّر بثمن، والولود تنجب لك أولاداً هم ثمرة هذا اللقاء . كان أبو طلحة على ثقة من أن أم سليم لن تؤثر عليه أحداً من طالبيها، يبدو أنه في مستواها، كمال في الخَلق والخُلق وشهامة ومروءة وشجاعة، لكن تعليق بين قوسين لو أن الإنسان جاءته امرأة كأمِّ سُلَيْم ربما قعد عن طلب الحق، لأن المرأة الكاملة مشغلة، فيطمئن إليها، وتطمئن إليه فيكسلان، فالمرأة الوسط أيضاً نعمة، فعلى المسلم ذكرا كان أم أنثى أنْ ينطلق إلى التعليم، وإلى طلب العلم، وإلى العمل الصالح، وكل إنسان له حالة خاصة . كان هو أيضاً رجلاً مكتمَل الرجولة، مرموقَ المنزلة، طائل الثروة، وهو إلى ذلك فارس بني النجار, وأحد رماة يثرب المعدودين . مضى أبو طلحة إلى بيت أم سليم، يبدو أن الحياة كانت بسيطة، وهو في بعض طريقه تذكّر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعية المكيّ مصعب بن عمير، فآمنت بمحمد، واتبعت دينه، لكنه ما لبث أن قال في نفسه: وماذا في ذلك؟ ليس ثمة مشكلة، ألم يكن زوجها قد توفي عنها مشركًا مستمسكاً بدين آبائه، وعلى عبادة الأصنام، نائياً بجانبه عن محمد ودعوته، وهو خارج هذا الاهتمام، وخارج هذا النشاط, بلغ أبو طلحة منزل أم سليم، واستأذن عليها، فأذنتْ له، وكان ابنها أنس حاضراً، فعرض نفسه عليها مباشرة, القرآن علّمنا، كما أن المرأة تُخطَب فالشاب يُخطَب، قال له: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 27] عندنا عادات بعيدة عن جوهر الإسلام، هل يُعقَل أنْ يعرض الأبُ ابنته على رجل للزواج؟ معنى ذلك أنّ فيها علة كبيرة، فإذا وجدت شابًا مؤمنًا لابنتك، يا بني أنا عندي ابنة مناسبة لك، هذه ما فيها غضاضة، ترى الحياء الحياء، وبقيت هذه الفتاة عانساً، شيء صعب أن تتجاوز فتاة سن الثلاثين بلا زوج، مصيرها عند أحد أخوتها تحت سيطرة زوجة أخيها، قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 33] هل يوجد أب على وجه الأرض فيه ذرة إيمان يدفع ابنته للزنا؟ مستحيل، فلمن هذه الآية إذن؟ أليس الله يخاطب بها المؤمنين؟ نعم, القرآن أراد بهذه الآية أن الأب الذي يضع العراقيل أمام الخاطب فقد أكرهتَ ابنتَك على الزنا، وأنت لا تشعر، وأيقظتَ فيها جانب الشهوة، وأنت لا تشعر . أنت مثلاً؛ إذا كان عندك صانع تعطيه ألف ليرة في هذا الزمان، وهو يرى أن دخلك كبير، ومحلك ضخم، وبضاعة، واستيراد وتصدير، وكأنك تدفعه إلى أن يسرق منك مالاً من وراء ظهرك، وتدفعه دفعاً لأنك لم تكفه، فأنت السبب، لا يصحُّ عند أبٍ عاقل أنْ يضع عراقيل أمام زواج ابنته . أيها الأخوة, الأمر صار في زماننا صعبًا عسيرًا، يجب أن تقبل ببيت خارج دمشق، وبيـت مؤلف من غرفة واحدة وإذا كان أبوه وأمه وحدهما في البيت فاقبلْ بغرفة عند أبيه وأمه، وعلِّم ابنتك أن يكون عندها حسن سياسة، لأنّ أي شيء مزعج في الزواج أخف من أن تبقى ابنتـك بلا زواج, واللهِ عشرات بل مئات الفتيات الطاهرات العفيفات المستقيمات نتيجةَ تعنُّت آبائهن ووضع العراقيل أمام الخُطَّاب، ولشموخ أنف آبائهن، ولعرقلة الأمور، ولمظاهر زائفة، فمجتمعنا الإسلامي قتلته المظاهر، حتى صرنا على مشارف فساد أخلاقي شديد، بل حتى السفاح حل محل النكاح، فالآباء عليهم أن يساعدوا خطاب بناتهم في أي شيء، وهذه ابنتك مثل ابنك فلماذا هذه العنصرية؟ كما أمَّنتَ لابنك بيتًا فأَمِّنْ لابنتك بيتًا، وزوجها شاب مؤمن، فليس من الغلط إذا ساعدت زوج ابنتك، هذه أشياء نعيشها جميعاً، الذي عنده بنات لا يضع عراقيل أبداً، ما دام هناك مسكن شرعي، ليس فيه اختلاط، وليس فيه فساد فيجب أن تبادر إلى قبول هذا الزوج، ما دام مؤمنًا مستقيمًا، ولا تجعل من ابنتك سلعة تغتني بها . ماذا قالت هذه الفتاة العاقلة؟ قالت: ((إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرَدُّ، لكنني لن أتزوجك وأنت رجل كافر، فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك, وأنها قد آثرت عليه رجلاً آخر أكثر منه مالاً أو أعز ونفراً، -فقدْ أساء ظنًّا حين اعتقد أنّ خاطبًا أغنى منه قد سبقه إلى أم سليم ، فتعللت بموضوع الكفر كي تنسحب منه، وتتزوج ذلك الأغنى- . فقال: والله، ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم؟ قالت: ما الذي يمنعني إذاً؟ قال: الأصفر والأبيض، الذهب والفضة، -هذا سوء ظن محض- قالت: الذهب والفضة, قال: نعم, قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله أنك إن أسلمتَ رضيتُ بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة، وجعلتُ إسلامك لي مهراً, -هكذا كان الصحابة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3038/03.jpg أنا أقول لكم هذه الكلمات: لو أن الإسلام الذي نحن عليه هو الذي كان على عهد النبي، واللِه الذي لا إله إلا هو ما خرج الإسلام من مكة المكرمة إلى المدينة، ولمَا وصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلا بعدما أظهر الصحابة الكرام من المواقف البطولية ما يعجز عن إدراكه البشر- . وما إن سمع أبو طلحة كلام أم سُليم حتى صرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب, وخص به نفسه كما يفعل السادة من قومه, لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً، فقالت له: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض؟ قال: بلى، قالت: أفلا تشعر بالخجل، وأنت تعبد جذع شجرة جعلت بعضه لك إلهاً، بينما جعـل غيرك بعضه الآخر وقوداً به يصطلي، إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام, قال لها: ومن لي بالإسلام؟ قالت: أنا لك به، قال: وكيف؟ قالت: تنطق بكلمة الحق، فتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم تمضي إلى بيتك، وتحطم صنمك، فانطلقتْ أسارير أبي طلحة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله, ثم تزوج مِن أمّ سليم، فكان المسلمون يقولون: ما سمعنا بمهر قط كان أكرمَ من مهر أم سليم، فقد جعلت صداقها الإسلام . ومنذ ذلك التاريخ انضوى أبو طلحة تحت لواء الإسلام، ووضع طاقاته الفذة كلها في خدمة الإسلام)) خطب شابٌ بنت عالم اسمها وصال، قال: يا بني، هذه مهرها أنْ تلازم دروسنا، قال له: لك ما تشاء، وهو جالس في الدرس كان عقله عند خطيبته، ثم يبدو أنه انتبه للدروس، وفي الدرس الثاني انسجم، وفي الدرس الثالث ذاب، وفي الرابع انطلق، وفي الخامس اصطلح مع الله، وفي السادس بدأ يرقى، ونسي المخطوبة، فأرسلتْ له: يا فلان, أين العهد أن تتزوجني؟ فقال لها: يا وصال كنتِ سببَ الاتصال . أحياناً الإنسان يهتدي على يد زوجته، أو على يد أخته، أو على يد امرأة عظيمة من ذوات قرابته، ليس في هذا عار، الإنسان عليه أن يصل إلى الله من أي طريق، كما قال الإمام الغزالي: ((طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله)) لقدْ جاء لهدف، وانتهى إلى هدف آخر . سيدنا أبو طلحة, قال: ((كان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله وسلم، ومعه زوجه أم سليم، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أمَّرهم النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الليلة على مسلمي يثرب)) إليكم موقفه يوم أحد , علام يدل ؟ أيها الأخوة, ثم إنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازيه كلها، وأبلى فيها أشرف البلاء وأعزه، لكن أعظم أيام أبي طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم أحد . يا أيها الأخوة الكرام، الحقيقة أسعد إنسان هو الذي له مع النبي عليه الصلاة والسلام موقف، فإن لم يكن مع النبي فمع أصحابه، فإنْ لم يكن فمع التابعين، وإنْ لم يكن فمع الدعاة إلى الله، ومع أهل الحق، والمغزى أنْ يكون الإنسان جنديًّا للحق، وألاّ يكون في خندق الباطل معاديًا لأهل الحق، وهذه القصة التي أمامكم شيء لا يصدق . أحب أبو طلحة النبي صلى الله عليه وسلم حباً خالط شغاف قلبه، وجرى مجرى الدم في عروقه، فكان لا يشبع من النظر إليه, ليس من السهل أن تلتقي بنبي عظيم، ليس من السهل أن تقتبس من أنواره، من حكمه، من أحواله، من علمه . كان لا يشبع هذا الصحابي الجليل من النظر إليه، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفذ إليه المشركون من كل جانب فكسروا رباعيته، أيْ سنه التي بين الثنية والناب، وشجُّوا جبينه، وجرحوا شفته، وأسالوا الدم على وجهه، النبي صلى الله عليه وسلم تحمَّل, وقال: ((أوذيت وما أوذي أحد مثلي، وخفت وما خاف أحد مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواري إبطَ بلال)) النبي أسوة لنا، تحمل كل أنواع المتاعب، تحمل الأذى, تحمل الفقر, تحمل الخروج من الوطن، تحمل الخوف، فهو بشر، ولأنه جرت عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر، لولا أنه جرت عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر . فالنبي قدوة لنا، وإذا تحملتَ شيئًا مِنَ المتاعب في الدعوة إلى الله، وتحملت معارضة، ونقد لاذِعًا أحياناً، لك خصوم، هم أعداء لله عز وجل، أرادوا إطفاء نور الله فاستهدفوك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] لما رأى أبو طلحة أن المسلمين انكشفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كُسرت ثنيته، وجرحت وجنته، وسال الدم على جبهته، انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الشامخ، بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به، ثم وَتَرَ أبو طلحة قوسه التي لا تُفل، وركّب عليها سهامه التي لا تخطئ، وجعل يذود بها عن رسول الله، ويرمي جنود المشركين واحداً إثر واحد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة ليرى مواقع سهامه، فكان أبو طلحة رضي الله عنه يردُّه خوفاً عليه، ويقول له: ((بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك، إنّ نحري دون نحرك، وصدري دون صدرك، جُعِلتُ فداك يا رسول الله . -يا أخوان الإسلام حب، فإذا فُقِدَ الحب لم يبق في المرء إسلام، وهذا الدين فيه جانب علمي، وجانب انفعالي، فمن دون حب, كمركبة بلا محرك، هي ممتازة، وطلاؤها جيد، وتلمع ، ولكن لا محرك لها، فالذي يحركك إلى الله عز وجل هو الحبّ، والحب ثمنه الطاعة, وقد صدق أبو العتاهية في قوله: تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محالٌ في القياس بديعُ لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمن يحب يطيعُ بصراحة أقول لكم: إذا لم تحبّ المؤمنين فهذه واللهِ مشكلة مستعصية, المنافقون يحبون أن تشيـع الفاحشة في الذين آمنوا, فيكفي أن يصلك خبر أن فلانًا المؤمن أصابه مكروه، يكفي أن ترتاح نفسُك فتكون منافقًا، ولمجرد أن ترتاح لخبرٍ مفاده أن مؤمناً قد ابتلاه الله بمصيبة, والله الذي لا إله إلا هو ضع نفسك مع المنافقين ولا تخف، لأنّ علامة إيمانك أن تحب المؤمنين، وأن تتمنى لهم كل الحب، تتمنى عزهم، تتمنى أن يكونوا أقوياء، تتمنى أن ينتصروا، فهذا الذي يتمنى أن يكون العكس هو في خندق المنافقين وهو لا يدري- . كان الرجل من جند المسلمين يمر بالنبي عليه الصلاة والسلام هارباً, ومعه الجعبة من السهام، فينادي عليه النبي, ويقول له: انثر سهامك لأبي طلحة . -بالمناسبة قد تسأل: أيعقل أن يخذل الله الصحابة، وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام؟ ممكن، بل لقد حصل ذلك، قال أحكمُ الحاكمين:﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 25] أنا أقول لكم دائماً: في حياتك يومان أيها الأخ؛ يوم كيوم بدر، ويوم كيوم حنين، فإذا كنت مفتقراً إلى الله تولاك الله، ونصرك الله, وأيدك الله، ووفقك، وحفظك, وإن قلت: أنا عندي مال وفير، عندي تجارب كثيرة متراكمة، عندي خبرات واسعة، أنا أجعل خصومي في قبضتي، إذا قلت: أنا, تخلّى الله عنك ووكَّلك إلى نفسك، يوم بدر, قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 123] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 25] بعملك، باختصاصك، بدراستك، بتجارتك، بصناعتك, بزراعتك, بوظيفتك، بعلاقاتك، مع مَن هم أعلى منك، مع مَن هم أدنى منك، تقول: أنا, يتخلى الله عنك, تقول: أنا فقير إلى الله يتولاك، هذه نصيحة أزجيها لكم, قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة البقرة الآية: 257] هناك أربع كلمات مهلكات: ( أنا, ونحن, ولي, وعندي )؛ أمَّا (أنا) فقد قالها إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 12] فأهلكه الله, أمّا (نحن) فقالها قوم بلقيس:﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [سورة النمل الآية: 33] فظفر بهم سليمان مسلمين, وأمّا (عندي) فقالها فرعون:﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 51] فأهلكه الله غرقًا, وقالها قارون:﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ [سورة القصص الآية: 78] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3038/04.jpg فخسَفَ الله عز وجل به وبداره الأرضَ, صدق القائل: مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفعُ مالي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرعُ كان عليه الصلاة والسلام يقول لمن انكشف عنه: انثر سهامك بين يدي أبي طلحة، ولا تمضِ بها هارباً، وما زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاثة أقواس, وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين, ثم انجلت المعركة وسلّم اللهُ نبيه وصانه بصونه، وكما كان أبو طلحة جواداً بنفسه في سبيل الله في ساعات البأس)) ما هي قصة البستان الذي تصدق به أبو طلحة ؟ أيها الأخوة, فقد كان أكثر جوداً بماله في مواقف البذل ، كان له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف يثرب بستاناً أعظم منه شجراً, ولا أطيب ثمراً, ولا أعذب ماءً . ترى شخصًا عنده مزرعة، ولدينا مزارع جميلة جداً، مداخل، أشجار، نباتات زينة، ورود، أشتال، كروم، أشجار مثمرة، مسبح، يعني من هذا القبيل تقريباً . قلت لكم في بداية القصة: إن أبا طلحة كان ثريًا، وعنده مزرعة من أجمل مزارع المدينة، جاء وصفها في كتب السيرة، وفيما كان أبو طلحة يصلي تحت أفيائه الظليلة، أثار انتباهه طائر غريب، أخضر اللون, أحمر المنقار، مخضب الرجلين, نظر إليه, وقد جعل يتواثب على أفنان الأشجار طرباً مغرداً متراقصاً, فأعجبه منظره، وسبّح بفكره معه، وما لبث أن رجع إلى نفسه فإذا هو لا يذكر, كم ركعة صلى؟ قد تجد في أثناء الصلاة شخصًا يرفع إصبعه يقرأ التشهد، وهو واقف، سارح في موضوعات ليس لها علاقة بالصلاة إطلاقًا . حينما شعر أن هذا الطائر الصغير الجميل المغرد الذي يتراقص على أغصان الأشجار شَغَلَه عن صلاته، ما إن فرغ من صلاته حتى غدا على النبي عليه الصلاة والسلام، شكا له نفسه التي صرفها البستان وشجره الوارف، وطيره المغرِّد عن الصلاة، ثم قال: ((اشهدْ يا رسول الله, أني جعلتُ هذا البستان صدقةً لله تعالى)) سيدنا سعد, قال: ((ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها)) هل شارك أبو طلحة المسلمين في غزوتهم في البحر, وفي عهد أي خليفة, وكيف كانت وفاته ؟ عاش أبو طلحة حياته صائماً مجاهداً، ومات كذلك صائماً مجاهداً, فقد أُثِر عنه أنه بقي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين عاماً صائماً لم يفطر، إلا في أيام الأعياد حيث يحرم الصيام, وأنه امتدت به الحياة حتى غدا شيخاً فانياً، لكن شيخوخته لم تحل دونه ودون مواصلة الجهاد في سبيل الله، والضرب في فجاج الأرض إعلاءً لكلمته وإعزازاً لدينه . من ذلك؛ أن المسلمين عزموا على غزوة في البحر في خلافة عثمان, هؤلاء البداوة رعاة الشاة، صاروا قادة للأمم، صار لهم أسطول يغزون به الجزر في عهد عثمان بن عفان . فأخذ أبو طلحة يعدّ نفسه للخروج مع جيش المسلمين المُبْخِر، فقال له أبناؤه، وكان شيخاً فانياً: ((يرحمك الله يا أبانا، لقد صرت شيخاً كبيراً، ولقد غزوتَ مع رسول الله, ومع أبي بكر, ومع عمر كثيراً، فهلاّ ركنت إلى الراحة، وتركتنا نغزو عنك؟ -بماذا أجابهم الشيخ الفاني وهو يطلب الجهاد في البحر؟- قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 41] ما معنى ثقالاً؟ المعنى الدقيق؛ الإنسان وهو صغير خفيف، طفل عمره خمس سنوات تراه يقفز مثل الكرة، يصعد على الدرج خمسة خمسة، ينزل عشرة عشرة، وهو خفيف، لكن في الخمسينات لم يعد خفيفًا، يصعد أربعة طوابق فيلهث، صار ثقيلَ الحركة، فالله بماذا أمرنا؟ قال : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة الآية: 41] أنت شاب, وأنت شيخ, وأنت كبير في السن, إن الله عز وجل يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة الآية: 41] فهو قد استنفرنا جميعاً، شيوخاً وشباناً، لم يحدد سناً، ثم أبى إلا أن يخرج- . ((بينما كان الشيخ المعمر أبو طلحة على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر، مرض مرضاً شديداً فارق على أثره الحياة, فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها، فلم يعثروا على مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام، وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيه شيء كأنه نائم، وفي عرض البحر، بعيداً عن الأهل والوطن، نائياً عن العشير والسكن، دُفن أبو طلحة في إحدى الجزر)) ما هو محور القصة, والعبرة التي يمكن أن نستنبطها منها ؟ أيها الأخوة, هل تصدقون أن هذا البطل العظيم، الذي وقف هذا الموقف العظيم أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وبذل ماله الكثير, وجاهد وهو شيخ فانٍ، كل أعماله في صحيفة امرأته، التي دفعته إلى أن يسلم، فالمرأة لها مكانة عظيمة عند الله, المرأة كالرجل في التشريف والتكليف، وقد تفوقُ الرجل, قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3038/05.jpg ربوا بناتكم على طاعة الله، علموهن القرآن الكريم، علموهن أحكام الفقه، علموهن حب النبي عليه الصلاة والسلام، فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه, فقالت: ((بأبي أنت وأمي, إني وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء, فآمنا بك, وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مرابطا, حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أموالكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله, ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله, ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها, ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من خلفك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله)) [أخرجه البيهقي في سننه] فالذي عنده بنت فهي ثروة كبيرة، هذه الفتاة إذا تزوجت رجلاً مؤمناً, وأسست أسرة مسلمة، كل خيرات هذه الأسرة الإيمانية في صحيفة الأب, والذي عنده فتاة يعلمها القرآن، يعلمها حب النبي عليه الصلاة والسلام، يعلمها أمر دينها، يعرفها بالله عز وجل، حتى إذا كانت زوجة، ولعل هذه المرأة تكون سبباً لرقي زوجها وأولاها، وكل إنسان يحتقر المرأة جاهلي، عنصري، بعيد عن روح الإسلام . النبي الكريم كرم المرأة، قال: ((أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ولا يغلبهن إلاّ لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً)) هذه القصة محورها أن امرأة مسلمة بطلة، كانت وراء زوجها الذي أصبح من أكابر صحابة رسول الله، هذه امرأة، هذه واحدة كألف رجل، أو ألف امرأة، وأحيانًا ترى ألفًا كأفٍّ, ألف امرأة لا يقيم الُله لهن وزناً، لا شأن لهن عند الله عز وجل . كل تفكير في أن المرأة دون الرجل تفكير جاهلي، تفكير غبي، تفكير أساسه العنصرية، المرأة كالرجل في التكليف والتشريف، وربما فاقت الرجل، لا ترَ أنّ ابنتك غير ابنك، فقد تكون ابنتك أرقى من ابنك، فعلِّمها، لأن الزوجة الصالحة لا تُقدر بثمن . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا زيد بن ثابتسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الخامس و الاربعون ) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/01.jpg الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . في أي معركة منع النبي زيد بن ثابت بالمشاركة فيها? أيها الأخوة, مع الدرس الخامس والأربعين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا زيد بن ثابت . لهذا الصحابي قصة، لعلنا في أمس الحاجة إليها، ذلك أنه في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله يموجون فيها موجاً استعداداً لمعركة بدر، والمؤمن دائماً صاحب همةٍ عاليةٍ، المؤمن دائماً ينشط لطاعة الله عز وجل، المؤمن دائماً يسخر كل طاقاته الفكرية والمادية وخبراته في سبيل الله، فحق للصحابة أن يرضى الله عنهم لأن أمر الله عندهم عظيم، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى الجهاد ملأت قلوبهم، لذلك كانت المدينة تموج موجاً استعداداً لمعركة بدر . هذا يقودنا إلى أن الناس إذا تواطؤوا في عصر على تعظيم شيء فكل الناس يتجهون إليه، حتى الصغار يقلدون الكبار، فلو تنافس الناس في الزخرفة والزينة، لرأيت حديث الناس كله عن زخرفة بيوتهم وزينتها، ولو تنافس الناس كلهم في جمع الأموال لرأيت حديثهم كله عن جمع الأموال، ولو تنافس الناس في طلب رضوان الله عز وجل لرأيت الناس جميعاً يتحدثون في هذا المجال، ففي كل عصر بحسب اتجاه الناس موضوع يهمهم جميعاً . فيبدو أن الصحابة الكرام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء يشغلهم إلا الإقبال على الله, وطاعة الله, وخدمة الخلق, والدعوة إلى الله, والجهاد في سبيل الله، لذلك ترى المجتمع المؤمن في المناسبات الدينية يموج موجاً . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/02.jpg الآن ترى مثلاً حياً يسكنه أكثر من نصف مليون إنسان، تدخل إلى المسجد فجراً فتجد سبعة أو ثمانية، ترى أبنية مديدة، طوابق عديدة، أحياء مكتظة كثيفة، فأين الناس؟ منصرفون إلى متابعة برامج اللهو، طبعاً ناموا في الساعة الواحدة، وهذه البرامج كلها موضوعات ساقطة، وأهداف سخيفة تافهة لا تسمو بالإنسان، أردت من هذا التعليق أن أبيِّن ما يشغل الإنسان . أقول: قل لي: ما الذي يشغلك؟ أقل لك: من أنت؟ ساحة نفسك ما الذي يملؤها؟ تملؤها الدنيا، فأنت من أهل الدنيا، تملؤها البطولات, فأنت من أهل البطولات، تملأها الدعوة إلى الله، فأنت من هؤلاء، فالنقطة دقيقة جداً وواضحة، راقب نفسك، تأمل نفسك، ما الذي يشغل ساحة النفس؟ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-3] النبي عليه الصلاة والسلام كان يلقي النظرات الأخيرة على أول جيش، يتحرك تحت قيادته للجهاد في سبيل الله، وتثبيت كلمته في الأرض، بعد أن أسس النبي دولة الإسلام، وبعد أن تجهز أصحابه لمواجهة ألد أعدائهم، قريش المشركة الكافرة، والنبي عليه الصلاة والسلام شأنه شأن كل القادة, كان يستعرض جيشه قبل أن يعطي أمراً بالتقدم، وهنا أقبل على الصفوف غلامٌ صغير، وهذا الكلام للصغار، الصغار عند الله كالكبار، والنساء عند الله كالرجال، أما عند الجهلة ، الصغير صغير والمرأة امرأة، هذا عند الجهلة، أما عند الله الصغير كالكبير، والمرأة كالرجل، مخلوق أراد الله أن يكرمه في الدنيا والآخرة، فبحسب إخلاصه، وبحسب إقباله, وبحسب تضحيته يرقى عند الله عز وجل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/03.jpg أقبل غلام صغير لم يتم الثالثة عشرة من عمره، يتوهج ذكاءً وفطنة ويتألق نجابة وحمية ، وفي يده سيف يساويه في الطول تماماً، أو يزيد عنه قليلاً، ودنا من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((جُعلت فداك يا رسول الله, ائذن لي أن أكون معك, وأجاهد أعداء الله تحت رايتك, فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه نظرة سرور وإعجاب، وربَّت على كتفه بلطف وود، وطيَّب خاطره، وصرفه لصغر سنه . -بالمناسبة، الإنسان كلما ارتقى عند الله يتلطف مع الصغار، والصغار أحباب الله . ذاتَ مرة سيدنا عمر رضي الله عنه, دخل عليه ابنُه الصغير فقبَّله، وعنده أحد الأشخاص الذين رشَّحهم للولاية، فقال: ((يا أمير المؤمنين, أتقَبِّل ابنك؟ واللهِ أنا لا أقبِّل أحداً من أبنائي، فأخذ الكتاب منه ومزِّقه، وقال: انصرف، إن لم يكن بك رحمة على صغارك فلن يكون بك رحمة على أمتك)) , وصرفه ولم يُوَلِّه- . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/04.jpg عاد الغلام الصغير يجرجر سيفه على الأرض حزيناً أسوان؛ -لأنه حرم شرف صحبة رسول الله- وعادت من ورائه أمه النوار بنت مالك, وهي لا تقل عنه أسىً وحزناً)) والنساء كن بطلات، كانت المرأة ترجو أن يكون ابنها في عداد المجاهدين، كانت المرأة تزهو إذا قيل لها: إن ابنها استشهد في سبيل الله . كانت هذه الأم تتمنى أن تكتحل عيناها برؤية غلامها، وهو يمضي مع الرجال مجاهداً تحت راية رسول الله، وكانت تأمل أن يحتل المكانة التي كان من المنتظر أن يحظى بها أبوه لدى النبي صلى الله عليه وسلم لو أنه ظل على قيد الحياة . ما هي الفكرة التي لاحت في ذهن زيد بن ثابت, وما موقف والدته حينما أعلمها بهذه الفكرة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/05.jpg أيها الأخوة, لكن الغلام الأنصاري حين وجد أنه قد أخفق في أن يحظى بالتقرب من رسول الله في هذا المجال لصغر سنه، تفتقت فطنته عن مجال آخر, هنا موطن الشاهد . إذا لم يُتح لك أن تجاهد في عصر من العصور، فهناك جهاد آخر، ربنا عز وجل قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] الصادق لا يعدم حيلة، الصادق إذا سُدَّ بابٌ فَتَحَ أبوابًا، إذا كان الجهاد لا يُتاح للمسلم في بعض العصور والظروف، لملابسات كثيرة هناك جهاد النفس والهوى، هناك جهاد التعلم والتعليم، هناك جهاد الدعوة إلى الله، هناك جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هناك جهاد تهذيب النفس، هناك جهاد البذل، بذل المال وهو شقيق الروح، هناك أنواع منوعة من الجهاد . فهذا الغلام الأنصاري تفتقت فطنته عن مجال آخر لا علاقة له بالسن، يقربه من النبي صلى الله عليه وسلم ويدنيه إليه، فما المجال إذًا؟ هو مجال العلم والحفظ، هذا المجال متاح لكم جميعاً، شيء لا يُقدر بثمن، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) خيركم على الإطلاق، هذه الجلسة التي في المسجد، وهذا الانتظار, وذاك الاستماع، وهذا الاستيعاب، وتلك المراجعة، وهذه المذاكرة بعد الدرس، ثم هذا الحفظ، أو التدوين، ثم الإلقاء والتوجيه، فهذا جهاد لا يقلُّ عن أيّ جهاد، والله سبحانه وتعالى أكّده بالقرآن الكريم, قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/06.jpg انظر إلى هذا الغلام الصغير، حينما لم يسمح له النبي عليه الصلاة والسلام، أن يجاهد بجسمه، تفتق ذهنه عن جهاد آخر، عن العلم وعن الحفظ، فذكر الغلام الفكرة لأمه، فهشت لها وبشت، ونشطت لتحقيقها . هل سر النبي بتلاوة زيد, وما اللغة التي أمره أن يتعلمها, وما هي المنزلة العلمية التي حازها من النبي؟ حدثت النوار أم الغلام رجالاً من قومهم برغبة الغلام, وذكرت لهم فكرته، فمضوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقالوا: ((يا نبي الله, هذا ابننا زيد بن ثابت، يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله, ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة، وهو يريد أن يتقرب إليك, وأن يلزمك, فاسمع منه إذا شئت . -يا أيها الأخوة الكرام, أقول لكم هذا الكلام: لو أن أحدكم اعتنى بابنه عناية بالغة حتى تعلم القرآن، أو حتى تعلم حديث رسول الله، أو تعلم أحكام الفقه، وحمله على طاعة الله, وعلى أداء الصلوات، وعلى التقرب إلى الله بالطاعات، فالأب إذا رأى ابنه على هذا الحال، واللهِ يدخل على قلبه سعادة لا أستطيع وصفها، ولو كانت هذه الأسرة متقشفة، حياتها خشنة، طعامها خشن، بيتها صغير, دخلها قليل, لكانت في غاية السعادة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/07.jpg قبل أسبوع، وفي يوم الجمعة جرى احتفال بمناسبـة تخريج دفعة عند نهاية دورة صيفية لمعهد تحفيظ القرآن، وسمعت كلمات من الصغار، وتلاوات، أثلجتْ قلبي من شدة الفرح، فكيف بالأب الذي رَّبى هذا الابن هذه التربية؟ فالأب الذي علم ابنه القرآن له عند الله يوم القيامة شأن خاص- . سمع النبي الكريم من الغلام زيد بن ثابت بعضاً مما يحفظ، فإذا هو مشرق الأداء مبين النطق، تتلألأ الكلمات على شفتيه كما تتلألأ الكواكب على صفحة السماء، ثم إن تلاوته تَنُمُّ عن تأثر بما يتلو، واسيتعاب, وحسن أداء . -ذات مرة قرأ طالبٌ نصًّا، وهو يحمل رسالة، والنصُّ يصف طيرًا حرًّا، لا يشعر بقيد في ساقه، ولا بِغُلٍ في جناحه، فقرأها ولا بَغْلٍ في جناحه, فهل يُعقَل أنّ الطائر يحمل بغلاً في جناحه؟ يقرأ ولا يستوعب، فيقع في أخطاء غير معقولة، وهذا دليل عدم فهم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/08.jpg فالذي يقرأ القرآن أين يقف؟ موقفه دليل فهمه، أحياناً يعطي الآيات نبرة خاصة، آيات الوعيد لها نبرة، آيات الوعد لها نبرة، آيات الرحمة لها نبرة، آيات العذاب لها نبرة، الآيات الكونية لها نبرة، والآيات المدنية لها لونها، فكلما نوعت في تلاوتك, ونوعت في صوتك, فهذا دليل حِذقٍ في كتاب الله عز وجل, ووقفاته تدل على وعي لما يقرأ, وحسن في فهمه- سُرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام، إذ وجده فوق ما وصفوا- يعني بالمئة تسع وتسعون، الناس يصفون شيئاً أو رجلاً أو طفلاً أو فتاة أو زوجة أو زوجاً وصفاً أكبر من حقيقته بكثير، دائماً تجد مبالغات، وأكثر ضررٍ نقع فيه تلك المبالغات . ترى أناسًا إذا خطب ابنتَهم شابٌ، يصفونه بالوَلاية، صاحب دين تقي، ورع نقي، كل شيء على تمامه وزيادة، فإنْ حصل خلاف يا لطيف، صار الإنسان ساقطًا، جاهلاً، هكذا الناس، ليس عندهم وسطية, مع أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال: ((أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا, وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا)) [أخرجه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في سننه] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/09.jpg فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, قَالَ: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ, قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي, قَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ, قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ, وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ)) [أخرجه الترمذي عَنْ زيد بن ثابت في سننه] -وفي الأثر: ((من تعلم لغة قوم أمن شرهم)) [ ورد في الأثر] مجتمع المسلمين, مجتمع راق, مجتمع حصيف، فلا بد من إنسان يتقن اللغة الأجنبية حتى يكون وسيطًا، أحياناً يأتي شخص أجنبي يريد أن يسلم، فما أروع أن يكون بين الأخوة المؤمنين, إنسان يتقن اللغة الأجنبية . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/10.jpg قد تكون هناك وثائق رسمية، فلا بد من ترجمتها، أو مصحف مترجم، أو نسخة مترجمة للمصحف مُنع إدخالها، فأنا ظننت أن الذي منع إدخاله من باب التعنت، فدفعته إلى أحد الأخوة المختصين باللغة الأجنبية، تبيّن له أن فيه دسائس، وفيه تزويرًا للحقائق، وفيه تحريف لمعاني آيات تحمل تشويهًا للإسلام، فمَن تعلم لغة قوم أمن مكرهم . اليهود ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 24] الصحابة الكرام, ماذا قالوا؟ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قال: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حَيْثُ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ, فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: إِيَّانَا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبِحَارَ لَأَخَضْنَاهَا ,وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا)) [أخرجه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/11.jpg أكب زيد على العبرية حتى حذقها في وقت يسير، وجعل يكتبها للنبي عليه الصلاة والسلام كلها إذا أراد أن يكتب لليهود، ويقرأها له إذا هم كتبوا إليه، فصارتْ له قيمة عند رسول الله، وصار مستشارًا في اللغة العبرية . -ماذا تتقن؟ قيمة الرجل ما يحسن، تتقن المحاسبة، فهذا جيد, ومكانتك جيدة، تتقن اللغة الأجنبية، نعم يتقنها، تتقن الاختصاص الفلاني؟ لا، إذًا فأَتقِنه, فقيمة المرء ما يحسنه, لكن لا يحسن شيئًا فهذا لا ينبغي، ماذا تحسن؟ لا شيء، ما هذا؟ يجب أن تتقن شيئاً، يجب أن تتقن اختصاصاً، تعلَّمْ كل شيء عن شيء ما، وشيئاً ما عن كل شيء، وهذا الذي تتقنه يجب أن يوظَّف في الحق، تتقن اللغة العربية أنْعمْ بها وأكرم، وكذلك اللغة الأجنبية التي تعلَّمتها، الرياضيات والفيزياء, والكيمياء، لتتقِنْ التجارة مثلاً، لتتقن الضرب على الآلة الكاتبة، لتتقن المحاسبة، فلا بد من اختصاص، ومن حرفة تتقنها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يحب هذه اليد)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/12.jpg بالمناسبة لديّ كلام سأوجهه لأخواننا المختصين في اللغة الأجنبية، الآن ملايين إن صح التعبير في العالم الغربي يتشوقون إلى معرفة الإسلام، ولكن لا تستطيع أن تخاطبهم إلا بعقليتهم وبلغتهم فمَن مكَّنه الله مِن لغة أجنبية، واستطاع أن يؤلف كتباً باللغة الإنجليزية بطريقة يفهمها الأجانب، فقد حقّق إنجازاً لا يوصف إطلاقاً، ولا يقدر بثمن . أتمنى على كل أخ يتقن اللغة الإنكليزية أن يوظف اختصاصه في ترجمة بعض الكتب الإسلامية، أو في تأليف بعض الكتب، يعني في العالم الغربي يقال لك: هذا الكتاب مطبوع منه ثمانية ملايين نسخة، وآخر عشرة ملايين، وثالث عشرين مليون نسخة، هناك إقبال على القراءة كبير، وهناك شغف لمعرفة الإسلام شديد، لا سيما بعد أن أفلست كل النظم الوضعية، هناك رغبة ملحة للاطِّلاع على الإسلام، فكل إنسان يحمل لسانس باللغة الأجنبية أتمنى عليه, وأرجو منه أن يوظف اختصاصه في خدمة هذا الدين والدعوة له- . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/13.jpg أصبح سيدنا زيد بن ثابت ترجمان النبي عليه الصلاة والسلام، ولما استوثق النبي صلوات الله وسلامه عليه من رصانة زيد, وأمانته, ودقته, وفهمه, ائتمنه على رسالة السماء, وجعله كاتباً للوحي، شرف عظيم، فكان إذا نزل شيء من كتاب الله على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، بعث إليه يدعوه- . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/14.jpg فإذا أتيح لشخص أن يشتغل بالعلم، أن يقرأ، أن يترجم، أن يؤلف، ولا سيما العلم الشرعي، فهذه رتبة سامية، لأنّ كل علم ممتع, وهناك علم ممتع ونافع في اختصاص نادر، يدر عليك مئات الألوف، أما العلم الشرعي فهو علم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة . تسمع عن عالم جليل آخر, ماذا كان يعلم؟ كان نجاراً، فإن يُذكر اسمه مليون مرة لا يخطر في بال واحد أنه كان نجاراً, لذلك رتبة العلم أعلى الرتب، وعلمياً رؤساء الدول العظمى، كيف يتخذون قراراتهم؟ بناءً على توصية العلماء- . سيدنا زيد بن ثابت أصبح المرجع الأول لكتاب الله, ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان رضي الله عنه رأس من جمعوا كتاب الله في عهد الصديق، وطليعة من وحدوا مصاحفه في زمن عثمان, أفبَعدَ هذه المنزلة منزلة تسمو إليها الهمم, وهل فوق هذا المجد مجد تطمح إليه النفوس؟ . إليكم موقفه يوم السقيفة : لهذا الصحابي الجليل موقف لا يُنسى، والمؤمن بحكمته وفهمه وكياسته قد يوفق، وقد يحقن الدماء، بموقفه الحكيم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/15.jpg ففي يوم السقيفة اختلف المسلمون فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المهاجرون: ((فينا خلافة رسول الله ونحن بها أولى، وقال بعض الأنصار: بل تكون الخلافة فينا ونحن بها أجدر، وقال بعضهم الآخر: بل تكون الخلافة فينا وفيكم معاً، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا استعمل واحدًا منكم على عملٍ قرن معه واحداً منا، وكادت تحدث فتنة ونبي الله صلى الله عليه وسلم ما زال مسجى بين ظهرانيهم، وكان لا بد من كلمة حاسمة حازمة رشيدة مشرقة بهدي القرآن الكريم تئد الفتنة في مهدها، فانطلقت هذه الكلمات من فم زيد بن ثابت، اسمعوا ماذا قال؟ التفت إلى قومه, وقال: يا معشر الأنصار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين فينبغي أن يكون خليفته من المهاجرين, وإنا كنا أنصار رسول الله فنكون أنصاراً لخليفته من بعده، وأعواناً له علـى الحق، ثم بسط يده إلى أبي بكر الصديق, وقال: هذا خليفتكم فبايعوه)) وأنهى الموقف . ما أروع المؤمن إذا حسم الفتنة، ما أروع المؤمن يألف ولا يفرِّق، وما أروع المؤمن إذا وفق، ما أروع المؤمن الذي تهمّه مصلحة المؤمنين، صار همزة وصل، وأداة جمع وتوفيق، وأداة تأليف، لا أداة فرقة، ولا أداة بعد، ولا أداة عداوة . هل عرف الصحابة قدر زيد بالعلم, وهل أنفق علمه في خدمة الإسلام, وهل حزن المسلمون على وفاته ؟ أيها الأخوة, صار سيدنا زيد مع فقهه وعلمه وطول ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام منارة للمسلمين، يستشيره خلفاؤه في المعضلات، ويستفتيه عامتهم في المشكلات، ويرجعون إليه في المواريث خاصة، إذ لم يكن بين المسلمين إذ ذاك من هو أعلم منه بأحكامها، ولا أحذق منه في قسمتها http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/16.jpg فقد خطب عمر رضوان الله عليه في المسلمين يوم الجابية, فقال: ((أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسألَ عنِ المال فليأت إليَّ، فإن الله عز وجل جعلني عليه والياً، ولها قاسماً)) وطلاب العلم من الصحابة والتابعين عرفوا قدر زيد فأجلوه وعظموه لما وقر في صدره من العلم. استمعوا لهذه الوقفة: بحر العلم سيدنا عبد الله بن عباس، يرى زيد بن ثابت قد هم لركوب دابته، فيقف بين يديه ويمسك له بركابه، ويأخذ بزمام دابته، فيقول له زيد بن ثابت: ((دع عنك يا ابن عم رسول الله, فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يدك ، فخرج ابن عباس يده, فمال عليها زيد وقبَّلها، وقال: وهكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/17.jpg أدب ما بعده أدب، تقدير ما بعده تقدير، حب ما بعده حب، إخلاص ما بعده إخلاص، وفاق ما بعده وفاق، علامة إخلاص أحدنا أن يحب أخاه، علامة إخلاص علمائنا أن يحبوا بعضهم بعضاً، علامة إخلاص المؤمنين أن يجتمعوا يداً واحدة، علامة إخلاص الدعوات إلى الله أن تتعاون لا أن تتناقض، علامة إخلاصك أن تؤثر مصلحة المؤمنين على مصلحتك الشخصية، علامة إخلاصك أن تجعل انتماءك وانتماء أخوانك لمجموع المؤمنين، علامة إخلاصك أن تدعو إلى أن يكون المؤمنون يدًا واحدة . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3039/18.jpg لما لحق زيد بن ثابت بجوار ربه, بكى المسلمون بموت العلم الذي ووريَ معه، فقال أبو هريرة: ((اليوم مات حَبرُ هذه الأمة، وعسى أن يجعل الله في ابن عباس خلفًا له)) ورثاه شاعر النبي عليه الصلاة والسلام ورثا نفسه معه, فقال: فمَن للقوافي بعد حسانَ وابنه ومَن للمثاني بعد زيد بن ثابت وكلنا على هذا الطريق سنموت، ولكن البطولة أن تخلف أثراً طيباً، فالبطولة أن تترك عملاً طيباً ، والبطولة أن تجعل ذكرك عطراً بعد موتك, صدق القائل: دقات قلب المرء قائلة لـــه إن الحياة دقائق وثــــوان فاجعل لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثـــان خلاصة القول : أيها الأخوة, سيدنا زيد ما أتيح له أن يجاهد مع النبي، كان صغيراً، كان طوله بطول السيف، رده النبي بلطف، طلب العلم, حفظ القرآن, تلاه أمام النبي، النبي كلفه أن يحذق العبرية، حذقها، كلفه أن يكتب الوحي كتبه، تعلم الفرائض صار حبر هذه الأمة، صار مرجعَ الأمة في القرآن الكريم، لذلك لا يقلُّ مداد العلماء عن دماء الشهداء، ولا يقلُّ الجهاد بالقرآن الكريم عن الجهاد بالسيف، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا ابو الدرداءسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( السادس و الاربعون ) حمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . من هو أبو الدرداء, ومن كان صديقه في الجاهلية, وكيف أسلم ؟ أيها الأخوة, مع الدرس السادس والأربعين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه . اسمه عويمر بن مالك الخزرجي المكنى بأبي الدرداء، كان يمضي هذا الرجل قبل أن يكون صحابياً إلى صنمه الذي نصبه في أشرف مكان في بيته، فيحيِّيه ويضمِّخه بأنفَس أنواع العطر، ثمّ يلقي عليه أفخر الثياب من فاخر الحرير، وكلما استيقظ صباحاً توجه إلى هذا الصنم يعبده من دون الله، وبعد أن يقف أمام صنمه الذي وضعه في أشرف مكان في بيته، ينطلق بعد هذا إلى متجره، انطلق مرةً إلى متجره فإذا شوارع يثرب وطرقاتها تضيق بأتباع محمد، وهم عائدون من بدر، وأمامهم أفواج الأسرى من قريش فازوّر عنهم، لكنه ما لبث أن أقبل على فتىً منهم ينتمي إلى الخزرج, وسأله عن عبد الله بن رواحة، ما شأنه؟. فقال له الفتى الخزرجي: ((لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء, وعاد سالماً غانماً, وطمأنه عليه)) فلِمَ سأل أبو الدرداء عن عبد الله بن رواحة؟ لأنه كان صديقاً له، وكان بينهما من أواصر المودة الشيء الكثير، فأبو الدرداء وعبد الله بن رواحة كانا أخوين متآخيين في الجاهلية، ولما جاء الإسلام اعتنق ابن رواحة الإسلام, ولم يعتنقه أبو الدرداء . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/01.jpg أقف هنا قليلاً، هذه الحادثة تتكرر، يكون في الحيِّ أو القرية صديقان حميمان، أخوان طيبان، على مقعد واحد في الدراسة، في حي واحد، في بيت واحد، في متجر واحد، في مكان واحد، بينهما تقارب في السن، وتقارب في الطباع، يحبان بعضهما، فجأةً أحد الصديقين يتجه نحو الله عز وجل، ويلتحق بمسجد، يتأدب بأدب الإسلام، يعيش أجواء الدين، يقبل على كتاب الله الكريم، والآخر يبقى على ما هو عليه, بربكم هذا الذي اهتدى إلى الله، أليس من واجبه الأول أن يعين صديقه الحميم الذي أمضى معه ردحاً من الزمن؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام: ((إن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة)) أيها الأخوة، أريد من سيرة رسول الله, وأصحابه الكرام أن تكون واقعاً ملموساً بين أيديكم، أن نستفيد من أحداث السيرة، ومن أفعال الصحابة الكرام لنكون على هدًى مثلهم . حينما جاء الإسلام اعتنق عبد الله بن رواحة الإسلام، وأعرض عنه أبو الدرداء، والملاحظ أنّ بعض الأخوان الذين لم ينضجوا بعد، عندما ينضم لمسجد، ويهتدي إلى الله عز وجل ، ويلتحق بجماعة المؤمنين يحتقر أصدقاءه القدامى، ويزور عنهم, ويترفع عنهم، فهم في نظره جهلة فاسقون, أهكذا الصحبة؟ ماذا يمنعك أن تزورهم من حين إلى آخر، وتتفقدهم، وأن تعرض عليهم ما أنت فيه من خير وهدى؟ لذلك فأبو الدرداء لم يسلم، لكن عبد الله بن رواحة لم يقطع العلاقة مع أبي الدرداء، وظل يتعهده بالزيارة، ويدعوه إلى الإسلام, ويرغبه فيه, ويجعله يأسف على كل يوم يمضي من عمره, وهو مشرك . انطلق أبو الدرداء إلى متجره وتربع على كرسيه العالي، وأخذ يأمر غلمانه وينهاهم، وهو لا يعلم شيئاً مما يجري في منزله، ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدرداء, وقد عزم على أمر، فدخل إلى بيته، ووصل إلى مكان الصنم الذي يعبده من دون الله، ماذا فعل بهذا الصنم؟ قطَّعه بالفأس إرباً إرباً . فلما رأت زوجة أبي الدرداء ما حل بالصنم الذي يعبده زوجها من دون الله، توقعت الهلاك، وقالت له: ((يا ابن رواحة, أهلكتَني عند أبي الدرداء, ولم يمض غير قليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله فرأى امرأته جالسة أمام الحجرة, وهي تبكي وتنشج وعلامات الخوف من زوجها بادية على وجهها, قال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك عبد الله بن رواحة، جاءنا في غيبتك وصنع هكذا بصنمك . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/02.jpg -أنا أقول لكم دائماً: إنّ الإنسان أحياناً سرُّ هداه بلحظة تفكير صحيحة، وكان ممكنًا لأبي الدرداء أنْ يغضب ويثور، ويحمل الفأس ليكسر بها رأس الذي كسر صنمه، لكن يبدو أن صديقه يعرفه عاقلاً، يعرفه منطقياً- . نظر إلى الصنم فوجَدهُ حطاماً، ماذا قال؟ ثم قال: لو كان في هذا الصنم خير لدفع الأذى عن نفسه، ثم انطلق من توه إلى عبد الله بن رواحة, ومضيا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه, وأعلن دخوله في الإسلام، فكان آخر أهل حيه إسلاماً)) وبعد؛ أمَا رأيت إنسانًا قويًّا صار ضعيفًا؟ أما رأيت إنسانًا كان في أعلى درجات الجاه فصار وضيعاً؟ أما رأيت غني افتقر؟ أما رأيت طبيبًا مرِض؟ أما رأيت قويًّا أصبح مشلولاً؟ أما رأيت إنسانًا عظيمًا صار في لحظة خبراً على الجدران؟ . فهذا الإنسان الذي تخافه، أو الذي ترجوه، أو الذي تعبده من دون الله, وأنت لا تشعر، هذا الإنسان ألا تشله نقطة دم في بعض شرايين الدماغ, وبمكان آخر يفقد ذاكرته، وبمكان آخر يفقد عقله، وبمكان رابع يفقد بصره؟ ما هذا الإنسان الذي يقول: (أنا) وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شراً؟ . الحقيقة عبادة الأصنام الحجرية انتهت مع مجيء الإسلام، ولكن أحياناً يكون للإنسان ابن خالة بمكان مرموق، دائماً متكئ عليه، ابن خالتي فلان، انتبه فمعي رقم تلفونه؟ خير إن شاء الله، هذا شرك . أنت معتمد على هذا الإنسان وهو بعيد، فنحن لا نخاف على المسلمين مِن الشرك الجلي ، ولكن نخاف عليهم من الشرك الخفي, الشرك الخفي أن تعتقد أن إنساناً بإمكانه أن ينفعك أو أن يضرك، أن تعتقد أن إنساناً بإمكانه أن يعطيك أو أن يمنعك, لا معطيَ، ولا مانعَ، ولا رافعَ، ولا خافضَ إلا الله، هذا هو التوحيد, لذلك كلما وضعت الثقة بالله عز وجل أكرمك الله، وكلما وضعت الثقة بغير الله عز وجل تخلى الله عنك . هل ندم أبو الدرداء على تأخر إسلامه , وماذا صنع حتى يستدرك ما فات منه من الخير ؟ أيها الأخوة, ندم أبو الدرداء ندماً كبيراً على ما فاته من خير، وأدرك إدراكاً عظيماً ما سبقه إليه أصحابه من فقه في الدين, وحفظ لكتاب الله, وعبادة وتقوى ادخروها لأنفسهم عند الله . المشكلة لدينا تسابق، الله عز وجل, قال: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون, والجنة أبدية، مراتب الجنة بحسب أعمال الدنيا، فكل إنسان يحب أن ينافس الناس في الدنيا, ولا يحب أن ينافسهم في الآخرة فهو إنسان غبي، لأن منافسة الدنيا ينتهي شأنها بالموت . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/03.jpg لاحظ أحياناً سيارة تزاحم السيارات، تزاحم وترتكب الأخطار من أجل أن تصل إلى الإشارة الحمراء، والذي قصر يقف جنبه، فهذه المزاحمة حمقاء، ولو كان الطريق سالكًا إلى ما لا نهاية يمكن أنْ تزاحم، ولكن بعد مئتين متر هناك إشارة حمراء، فكل هذا الطيش والمزاحمة والتجاوز والوقوع في الأخطار جعَلَ الناس يسبُّون هذا السائق، وبعد دقيقة يقف عند الإشارة الحمراء مثله مثل الآخرين . إذاً: هذه مزاحمة فيها غباء، هذا مثل بسيط، لو زاحمت الناس في الدنيا وحصلت على أكبر نصيب، فيأتي الموت ويسوِّي بينك وبين أفقر إنسان . لو زاحمت الناس وحصلت أكبر مرتبة اجتماعية، يأتي الموت ويساوي بينك وبين أضعف إنسان، هذا الموت أمرُه عجيب، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، وقوة القوي وضعف الضعيف، وصحة الصحيح ومرض المريض، ينهي كل الميزات وكل السيئات، هذه المنافسة إذاً غير معقولة، إذاً أين المنافسة؟ في الآخرة . فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه ندم أشد الندم على تقصيره, وعلى تأخر إسلامه، فعزم على أن يستدرك ما فات، بالجهد الجاهد، وأن يواصل كلال الليل بكلال النهار، حتى يلحق بالركب, ويتقدم عليه, فانصرف إلى العبادة انصراف المتبتل، وأقبل على العلم إقبال الظمآن, وأكب على كتاب الله يحفظه ويتعمق في فهم آياته، ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة, وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف . هل هذا مِن أبي الدرداء حكم شرعي؟ لا, لكنه موقف شخصي يجب أن نفرق دائماً بين الحكم الشرعي الذي يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله أو أفعاله أو إقراره، وبين الموقف الشخصي الذي يصدر عن غير النبي . فلديه سبب، إنه متأخر، فمثلاً؛ هل يمكن لشخص أن يقرأ عشرين ساعة في النهار؟ الشيء الطبيعي ثماني ساعات، لكن لو فرضنا إنسانًا نام طوال العام الدراسي، وصحا قبل شهر من الفحص، ودرس عشرين ساعة في اليوم، هذا وضع استثنائي، ليس هذا أصلاً، الأصل ثماني ساعات، وتنام ثماني ساعات، ودوام ثماني ساعات, دوام وراحة ودراسة، فسببَ ترك سيدنا أبي الدرداء التجارة، أنه شعر بالتقصير والندم، وشعر أن الصحابة قد سبقوه مراحل فسيحة، وأنه فاته خير كثير . أحياناً يأتي شخصٌ أخر, مثلاً يقول لك: أما عندكم دروس، فتقول له: درس الجمعة, درس تفسير، ودرس الأحد درس فقه، ودرس الاثنين درس سيرة، ودرس للدعاة يوم السبت، ودرس الفجر، والخطبة، يأتي إلى جميع الدروس، ثم يقول: عندكم أشرطة لتلك الدروس, صدقاً بعض الأخوان أعطيه عشرين شريطًا, أقول لنفسي: يحتاج إلى شهر، بعد ثلاثة أيام يأتي بهم، ويقول: سمعتها كلها، لديكم غيرها . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/04.jpg أحياناً في حالات خاصة الإنسان يحس أنه فاته خير كثير، كيف يعوض؟ . سأله سائل عن تركه للتجارة, فقال: ((كنت تاجراً قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلمت أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة، فلم يستقم لي ما أردت، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة)) أنا لا أحب أن يُفهم غيرُ ما ينبغي أن يُفهم، الإنسان أحياناً يكون عمله جزء من عبادته، يكون عنده زوجة وأولاد، وهو يعمل ليكسب المال لينفق على هؤلاء، أما إذا عرف الله عز وجل، واحتسب عمله عند الله انقلب عمله إلى عبادة . يعني الإنسان ينبغي أن يجمع بين الدنيا وبين الآخرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يأخذ منهما معاً, فإن الأولى مطية للثانية . فقد جعل الله قوام الحياة أن تكسب الرزق وتطعم، والأدلة كثيرة من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ألم تسمعوا أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل إلى المسجد فرأى شاباً يصلي فيما بين الصلاتين, سأله قائلاً: مَن يطعمك، قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك . لكن طالب العلم لما جاء شريكه يشكوه للنبي، ماذا قال للشريك؟ لعلك تُرزق به، فطلب العلم عمل، الآن في العالم تُخصَّص منحٌ دراسية، فيأتي الطالب للجامعة أو للثانوية، يدرس ولا يكلَّف بعمل، يكلَّف بالدراسة حصرًا، إذاً: إذَا طلبت العلم فهذا عمل مشرف . أنا أنصح أخواننا الشباب الذين يجدون من ينفق عليهم، ووجد بيتاً يؤويه، أنا أنصحه بطلب العلم، لأن العلم أثمن شيء في الحياة، وكثير مِنَ الأشخاص لا يُتاح لهم أن يدرسوا، ويضطرون أن يعملوا حتى يأكلوا، فإذا هيَّأ الله لشاب أبًا ينفق عليه فليطلب العلم الشرعي، حتى يكون عالمًا، لأن مرتبة العلم هي أعلى الرتب . أحد الخلفاء وهو في الحج طلب أن يلتقي بعالم، وهذا العالم كان عبدًا فالتقى به، فالعالم أعزَّه العلم، لا أقول: كبر، بل أعزّه الله، وكان سيدنا الحسن مرةً يمشي مشية فيها شعور بالثقة، فقال له أحدُهم: ((أَكبَرْتَ؟ قال: لا، ولكنه عز الطاعة، -المطيع يشعر بالعزة، الكبر قبيح مذموم، أما الذي يطيع الله عز وجل فيشعر بالعزة . يبدو أن هذا العالم العبد وقف موقفًا أمام الخليفة في عزة- قال الخليفة لابنه: قم يا بني، وتعلّم العلم، ألا ترى حالنا مع هذا العالم، وقفنا أمامه أذلاء)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/05.jpg إذا كنت مِن الطبقة الرفيعة في المجتمع، وطلبت العلم صرتَ متفوقاً، وإن كنت من الطبقة الوسطى، وطلبتَ العلم صرت سيداً، وإن كنت من الطبقة الدنيا, وطلبت العلم عشت بين الناس حميدَ السيرة . يقول أبو الدرداء: ((والذي نفس أبي الدرداء بيده، ما أحب أن يكون لي اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة, ثم أبيع وأشتري وأربح كل يوم ثلاثمئة دينار، ثم نظر إلى سائله, وقال: إني لا أقول: إن الله عز وجل حرم البيع، ولكني أحبّ أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة, ولا بيع عن ذكر الله)) لذلك هذه نصيحة لي ولكم، من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، وحينما يتفرّغ الإنسان تفرغًا كاملاً للتجارة يربح أكثر بحسب قواعد التجارة، ولكن المؤمن يعقد موازنة، يجمع بين العمل وبين طلب العلم، وبين العمل والعبادة، بين العمل وبين الدعوة إلى الله, وبين العمل وبين حضور حلقات الذكر، بين العمل وبين ما ينبغي أن يفعله . ما هو المنصب الذي اشتغل به أبو الدرداء في دمشق, وما هو المنصب الذي رفضه حينما عرضه عليه الفاروق, وما هي نصيحته لأهل دمشق؟ في خلافة الفاروق رضوان الله عليه، أراد من أبي الدرداء أن يلي له عملاً في الشام فأبى، قال: ((إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت, -المنصب العلمي فيه عطاء، المنصب الإداري فيه أخذ، فمدير ثانوية عملُه محصور في مَن تأخر اليوم, ومَن لم يدفع القسط؟ كل عمله أساسه سلْبُ ما عند الناس، أما المدرس فيعطي، ترى الطالب يميل إلى المدرس أكثر من ميله إلى المدير، فعنده العطاء، فعملُ المدير سلبٌ، يبنـي عملـه على أمور إدارية، ضبط الوقود، وضبط الدوام، كله ضبط، أليس كذلك؟ لذلك من المناصب الرفيعة أن تكون معلماً، في أي مرحلة النبي عليه الصلاة والسلام, يقول: ((إنما بعثت معلماً، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) يعني أعلى وظيفة تشغلها في الحياة أن تكون معلماً، الملائكة في السماء والحيتان في البحار تصلي على معلمي الناس الخير, كلام النبي كلام دقيق صلى الله عليه وسلم، قال: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) [أخرجه البخاري عن عثمان في الصحيح] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/06.jpg لنا أخوان من فضل الله، أساس عملهم بعيد عن التعليم، يدرسون طلابًا صغارا في تحفيظ قرآن وتجويده، يقول عن نفسه: أنا أعيش في عالم آخر، وهذا شيء مسعد حقًّا, مهنة التعليم أرقى حرفة، لأنها حرفة الأنبياء، لكن إذا ضعفت قيمة العلم في المجتمعات ضعفت معها قيمة التعليم . أضرب مثلاً؛ الذي يقف ليبيع هذا اللحم المشوي الذي انتشر في الشام، راتبه الشهري ثمانية عشر ألف ليرة، لكن منصب التدريس دخله ضعيف جداً، ما معنى ذلك؟ أن بطن الناس أغلى عليهم من عقولهم، فإذا كان البطن أغلى من العقل، يصير الذي يقف على منصة اللحم ليبيعه يتقاضى ثمانية عشر ألفًا بالشهر، والذي يقف بين خمسين طالبًا ليعلمهم القيم واللغة يتقاضى أقلَّ دخلٍ في عالم الوظائف، أليس كذلك؟ . لو فرضنا إنسانًا حاز أعلى شهادة، فراتبُه ربما لا يكفيه، لكن تتقاضى المغنية سبعين ألف ليرة في سهرة واحدة، ما معنى ذلك؟ المعنى أنّ الطرب عند الناس أغلى عليهم من العقل, من عدم الحكمة أن تقيس المهنة بدخلها، تقاس المهنة بمدى ارتباطها برسالة الإنسان في الحياة، تقاس المهنة بمدى رضوان الله على صاحبها- . فلما بلغها, أي الشام, قال: وجدتُ الناس قد أولعوا بالترف، وانغمسوا في النعيم، فهاله ذلك، ودعا الناس إلى المسجد، فاجتمعوا عليه، فوقف فيهم, فقال: يا أهل دمشق، أنتم الأخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء، يا أهل دمشق، ما الذي يمنعكم من مودتي، والاستجابة لنصيحتي، وأنا لا أبتغي منكم شيئاً، فنصيحتي لكم ومؤونتي على غيركم, ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله عز وجل, وتركتم ما أمرتم به، ما لي أراكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وتؤملِّون ما لا تبلغون, لقد جمعتِ الأقوامَ التي قبلكم، وأمَّلت فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً . -واللهِ هذه موعظة بليغة، يقول لك: وضعت سبعة أكياس إسمنت في هذه الأساسات، وهذه البناية يسكنها مليون شخص، فهل أنت تعيش مدى الحياة؟ هناك بيوت من اللبِن عمرها أربعمئة سنة في الشام، وهذا يعني أنّ بناء الإسمنت المسلح يقاوم ألف سنة، عمر الإنسان كلُّه ستون سنة، والبناية التي أُقيمت له ربما لا يسكنها- . قال: هذه عاد يا أهل دمشق, قد ملأت الأرض مالاً وولداً، فمن يشتري مني تركة عاد اليوم بدرهمين؟ فجعل الناس يبكون حتى سُمع نشيجهم من خارج المسجد، -لقد كانت كلمة بليغة- ومِن ذلك اليوم طفق أبو الدرداء يؤمُّ مجالس الناس في دمشق، ويطوف بأسواقهم، فيجيب السائل، ويعلّم الجاهل، وينبِّه الغافل، مغتنماً كل فرصة، مستفيداً من كل مناسبة)) هكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله : له مواقف رائعة جداً، مرةً مر على جماعة، قد تجمهروا على رجل, وجعلوا يضربونه ويشتمونه، فأقبل عليهم, وقال: ((ما الخبر؟ . قالوا: رجل وقع في ذنب كبير . قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ . قالوا: بلى . قال: إذاً: لا تسبوه، ولا تضربوه، وإنما عِظُوه وبصِّروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في هذا الذنب . قالوا: أفلا تضربه؟. قال: لا، إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي . -ما قولكم بطريقة الدعوة إلى الله ؟- فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته)) هذه طريقة في الدعوة إلى الله، أنت طبيب، لست خصمًا، إذا جاء الطبيبُ إلى مريض فهل يحقد عليه؟ لا، بل يرثي لحاله، ويحاول إنقاذه، وتطبيبه . شاب أقبل على أبي الدرداء، قال: ((يا صاحب رسول الله, أوصني, قال: يا بني, اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء، يا بني, كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابعة فتهلك, يا بني, ليكن المسجد بيتك، فإن سمعت النبي عليه الصلاة والسلام, يقول: المساجد بيت كل تقي)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3087/07.jpg المؤمن في المسجد كالسمكة في الماء، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص، يكاد يختنق، لأنه يتضجّر, وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم، الرَّوح والرحمة والجواز على الصراط . مر سيدنا أبو الدرداء على جماعة من الشبان جلسوا على الطريق يتحدثون وينظرون إلى المارين, قال: ((يا بني, صومعة الرجل بيته، يكف فيه نفسه وبصره، وإياكم والجلوس في الأسواق فإنه يلهي ويلغي)) الطرقات الآن فيها نساء كاسيات عاريات، البيت أرحم وأولى، إذا فسد الزمان فالبيت صومعة، وصار محرابُ البيت كهفًا، قال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾ [سورة الكهف الآية: 16] لماذا رفض أبو الدرداء زواج ابنته من يزيد بن معاوية, ولمن زوجها ؟ في أثناء إقامة أبي الدرداء في دمشق بعث إليه واليها معاوية بن أبي سفيان يخطب ابنته الدرداء لابنه يزيد, فأبى أن يزوجها ابنه, وأعطاها لشاب من عامة المسلمين، لأنه رضي دينه وخلقه، فسار ذلك في الناس وشاع الخبر . سأله سائل عن السبب، فقال: ((إني تحرَّيتُ فيما صنعتُه صلاح أمر الدرداء، قال: وكيف؟ قال: ما ظنكم بالدرداء إذا قام بين يديها العبيد يخدمونها، ووجدت نفسها في قصور يخطف لألاؤها البصر، أين يكون دينها حينئذ؟)) لذلك أعطاها لشاب من عامة المسلمين . كيف وجد عمر بيت أبي الدرداء حينما زاره, وما هو سبب بكاؤهما ؟ حينما كان أبو الدرداء في الشام قدم سيدنا عمر متفقداً أحواله، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء صوته قام إليه ورحّب به وأجلسه، وأخذ الرجلان يتناوبان الأحاديث، والظلام يحجب كلاً منهما عن صاحبه . قال له عمر: ((رحمك الله، ألم أوسِّعْ عليك؟ ألم أبعث إليك؟ قال له أبو الدرداء: أتذكر يا عمر, حديثاً حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم . قال: وما هو؟. قال: ألم يقل: ((ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)) قال: بلى . قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ فبكى عمر، وبكى أبو الدرداء)) إليكم لحظته الأخيرة من الحياة : ظل أبو الدرداء في دمشق يعظ أهلها، ويعلمهم الكتاب والحكمة، حتى أتاه اليقين، فلما مرِض مرَض الموت، دخل عليه أصحابه: فقالوا: ((ما تشتكي؟ . قال: ذنوبي . قالوا: ما تشتهي؟ . قال: عفو ربي, ثم قال لمَن حوله: لقِّنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله, فما زال يرددها حتى فارق الحياة)) ما هي الرؤيا التي رآها عوف بن مالك الأشجعي ؟ فلما لحق أبو الدرداء بجوار ربه، رأى عوفُ بن مالك الأشجعي فيما يراه النائمُ مرجاً أخضر فسيحَ الأرجاء، وارفَ الأَفْياء، فيه قبة عظيمة من أدم, حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط, قال: ((لمن هذا؟ قيل: هذا لعبد الرحمن بن عوف، فطلع عليه عبد الرحمن بن عوف, وقال له: يا ابن مالك، هذا ما أعطانا الله عز وجل بالقرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك, وسمعت ما لم تسمع أذنك, ووجدت ما لم يخطر على قلبك، قال ابن مالك: ولمَن ذلك كله يا أبا محمد؟ قال: أعده الله عز وجل لأبي الدرداء، لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر)) ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ نستنبط أن أبا الدرداء كان سبب هدايته صديقُه عبدُ الله بنُ رواحة، وأبو الدرداء عرض عليه عمر منصباً راقياً جداً، والي دمشق، فماذا فضل عليه؟ منصب التعليم، لأن منصب التعليم أرقى عند الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) [أخرجه البخاري عَنْ عُثْمَانَ في الصحيح] لا تنسوا أن هذا الصحابي الجليل زوّج ابنته من شاب من عامة المسلمين حفاظاً على دينها، لأن الأب إن لم يزوج ابنته من المؤمن فإن كل أعمالها غير الصحيحة في صحيفته، وقد تقول لله عز وجل يوم القيامة: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي, لا تنتهي مسؤولية الأب عند تزويج ابنته، بل تبدأ، إلا إذا اختار لها الزوج الصالح . هناك أشياء يمكن أن نستنبطها من هذه القصة، أرجو الله تعالى أن ننتفع بسلوك هذا الصحابي الجليل وعلمه . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا عمرو بن الجموحسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( السابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . هل السبل مفتوحة للإنسان حتى يدخل الجنة , كيف ذلك ؟ أيها الأخوة, مع الدرس السابع والأربعين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، وصحابي اليوم هو عمرو بن الجموح . شيخ عزم على أن يطأ بعرجته الجنة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/01.jpg يعني أردت من هذا التعليق أن أبين لكم أن الإنسان مهما يكن حاله، ومهما يكن وضعه الصحي، ومهما يكن سنُّه، ومهما يكن وضعه الاقتصادي، ومهما تكن ظروفه، ومهما تكن مشكلاته، ومهما تكن بيئته، ومهما تكن معطياته، ومهما تكن قدراته, ومهما تكن إمكاناته، بإمكانه أن يدخل الجنة لأنه خُلِقَ لها، وما دام الله سبحانه وتعالى خلقنا للجنة، إذاً: فقد يسَّر لها السبل . مبدئياً، الأبوة الكاملة يمكن أن تدخلك الجنة، أنت أب كامل، حرصت على أولادك، وربَّيتَهـم تربيةً صالحة، ورعيتَ شؤونهم حتى زوَّجتَهم، وحتى نشؤوا على طاعة الله، ثم نامت عيناك راضيًا عنهم، ولقيت الله عز وجل وهو عنك راض، فهنيئًا لك, الأمومة الكاملة تدخل الجنة, البنوة الكاملة، ابن كان باراً بوالديه، يدخل بِبِرِّه الجنة . صنعة حرفتك، أية حرفة أنت فيها بإمكانك من خلالها أن تدخل الجنة، طبعاً يجب أن تكون الحرفة في الأصل مشروعة، فالذي يبيع أفلام الفيديو هذه حرفة غير مشروعة، والذي يبيع لحم خنزير هذه حرفة غير مشروع، فإذا كانت الحرفة في الأصل مشروعة، ومارستها بطريقة مشروعة، وابتغيت بها رضوان الله عز وجل، ولم تشغلك عن فرض صلاة، ولا عن طاعة، ولا عن واجب، ولا عن مجلس علم، وابتغيت بها خدمة المسلمين، وأنت لا تدري تنقلب هذه الحرفة إلى عبادة . إذاً: في أي وضع يمكنك أن تدخل الجنة، فما عليك إلا أن تفكر، وإلا أن تتعلم، وإلا أن تنطلق إلى العمل متوكِّلاً على الله سبحانه . لمحة عن حياة عمرو بن الجموح : فعمرو بن الجموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية، وسيد بني سلمة المسود، وواحد من أجواد المدينة، وذوي المروءات فيها http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/02.jpg وقد كان من شأن الأشراف في الجاهلية، أن يتخذ كل واحد منهم صنماً لنفسه في بيته, صنمًا خاصًّا به، كيف أن بعض الناس له يخت خاص، وطائرة خاصة في العصر الحديث، فأشراف الجاهلية من علائم شرفهم أن له صنماً خاصاً في بيوتهم، ليتبرك به أحدُهم عند الغدو والرواح، وليذبح له في المواسم، وليلجأ له في الملمات؟ . كلما وحَّدتَ الله كبُر عقلك، وكلما أشركت معه صغُر عقلك، ولو اطلعت على بعض الديانات الوضعية في آسيا لرأيت العجب العجاب, فهناك إنسانًا يتطيب ببول البقر، وإنسان يضع روث البقر في غرفة الضيوف، وإنسان يعبد البقر من دون الله . كان صنم عمرو بن الجموح يُدعى مناة، وقد اتخذه من نفيس الخشب، وأرقى أنواعه، ولا تعجبوا، فما يدع الناس شيئاً خرافياً إلا ويقعون في خرافة أشد، ولو تأملت حياتنا المعاصرة لرأيت فيها من الخرافات والأوهام والأضاليل ما لا يقل عن هذه الأوهام، ولكن بشكل آخر، وطريقة أخرى . على يد من أسلم أولاد عمرو, وهل أسلمت زوجه, وممن كان يخشى عمرو, وبماذا كان يحذر زوجته ؟ جاء الإسلام فحرَّر العقول، وأعاد للإنسان إنسانيته، وعرَّفه قدرَه، هذا الصحابي الآن طبعاً, أما قبل إسلامه لم يكن صحابياً, أسلم أولادُه الثلاثة على يدي سيدنا مصعب بن عمير، ، وهم: معوذ ومعاذ وخلاد, وآمنتْ مع أبنائه الثلاثة أمهم هند، وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئاً، كلهم على يد مصعب بن عمير، وقد تحدثنا عنه في درس سابق . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/03.jpg رأت هند زوجة عمرو بن الجموح أن يثرب غلب على أهلها الإسلام، وأنه لم يبق من السادة الأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل، وكانت تحبه وتجله، وتشفق عليه من أن يموت على الكفر، فيصير إلى النار . أيها الأخوة, حينما ألمح أحداً منكم يشفق على أمه وأبيه، ويخاف أن يختم لهما بعمل لا يرضاه لهما، أنا أكبُر هذا الشاب، هناك أخوة كرام عندهم حرص لا حدود له على هداية أهلهم، وهذا من الوفاء, حتى إنه يُقال: إن الابن مهما فعل مع أمه وأبيه فلن يستطيع أن يكافئهما على إحسانهما إلا في حالة واحدة؛ أن يراهما عبدين فيعتقهما، وهذا المعنى موسع، يعني إذا كانا عبدين لشهوتهما فدلّهما على الله، فأعتقهما، فبهذا العمل وحده بإمكانه أن يكافئ أمه وأباه على سبق إحسانهما إليه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/04.jpg كان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدوا عن دين آبائهم وأجدادهم، وأن يتبعوا هذا الداعية؛ مصعب بن عمير الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيراً من الناس عن دينهم، وأن يدخلهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم . هناك في الدعوة شيء اسمه الجذب، كلما كنت أقرب إلى الله، كلما منحك الله قوة جذب أكثر، وكلما كنت أقرب إلى الله، وأكثر صدقاً وإخلاصاً، تجلى الله عليك حتى حوَّل قلوب الناس إليك . مرةً قال لزوجته: ((يا هند، احذري أن يلتقي أولادك بهذا الرجل، -يعني مصعب بن عمير - حتى نرى رأينا فيه، فقالت: سمعاً وطاعة)) أنا أضرب لك هذا المثل دائماً، هل من المعقول أن تصلك رسالة تمزقها قبل أن تفتحها, هل يفعل هذا إنسان عاقل على وجه الأرض؟ جاءتك دعوة, استمع لتفهم، وبعدئذٍ خذ الموقف، هذا الذي يرفض أن يستمع إلى درس علم، هذا الذي يرفض أن يلتقي مع أهل الحق ، هذا الذي يرفض أن يقرأ كتاباً، هذا الذي يرفض أن يستمع إلى شريط، يرفض سلفاً، هو كمثل الذي تأتيه رسالة فيمزقها قبل أن يفتحها . هل أصاخ عمرو لكلام زوجته , وما موقفه حينما سمع القرآن, وبماذا نصحه ابنه, وما الموقف الذي اتخذه؟ أيها الأخوة, فهند بأدب جم قالت لزوجها: ((هل لك أن تستمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل؟ قال: ويحك، هل صبأ معاذ عن دينه، وأنا لا أعلم؟ فأشفقت المرأة الصالحة على هذا الشيخ، وقالت: كلا، ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية، وحفظ شيئاً مما يقوله, فقال: ادعيه لي، فلما حضر بين يديه، قال: أسمِعْني شيئاً مما يقوله هذا الرجل, قال: يقول سبحانه وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 1-7] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/05.jpg فعمرو حينما قرأ ابنه عليه سورة الفاتحة، قال: ما أحسن هذا الكلام, وما أجمله! أوَ كلُّ كلامه مثل هذا؟ فقال معاذ: وأحسن من هذا يا أبتاه، فهل لك أن تبايعه, فإنّ قومك جميعاً بايعوه؟ سكت الشيخ قليلاً، ثم قال: لست فاعلاً حتى أستشير مناة، يعني صنمه، فأنظر ما يقول؟ . -حدثني أخ ذهب إلى الهند، دخل إلى معابدهم؛ معابد السيخ، قال لي: صنم بوذا ارتفاعه ثلاثون مترًا، ضخم جداً، وقال: أنواع الفاكهة موضوعة أمامه، فسأل لمن هذه الفاكهة؟ قال: هي له يأكلها في الليل، والذي يحدثه دكتور في الجامعة، قال: يأكلها بالليل, وهو مِن خشب، فابتسم، وقال: الرهبان يأكلونها، غيَّر التعبير، تُقدم له أشهى أنواع الفواكه وأثمنها- . فقال له الفتى: وما عسى أن يقول مناة يا أبتاه، وهو خشب أصمّ، لا يعقل ولا ينطق؟ فقال الشيخ في حدة: قلت لك: لن أقطع أمر دونه)) إليكم قصة إسلام عمرو : أيها الأخوة, ثم قام عمرو بن الجموح إلى مناة، وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه جعلوا خلفه امرأة عجوزاً، فتجيب عنه بما يلهمها إياه في زعمهم, يأتون بامرأة عجوز تقف خلفه، يسألون مناة, ويسمعون الجواب من العجوز, والعجوز وحدها هي التي تجيب، وليس مناة . ثم وقف أمامه بقامته الممدودة، واعتمد على رجله الصحيحة، فقد كانت الأخرى عرجاء ، شديدة العرج، فأثنى عليه أطيب الثناء، ثم قال: ((يا مناة, لا ريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكة لا يريد أحداً بسوء سواك، وأنه إنما جاء لينهانا عن عبادتك، وقد كرهت أن أبايعه على الرغم مما سمعت من جميل قوله، حتى أستشيرك، فأشر عليَّ، فلم يردّ عليه مناة بشيء، فقال: لعلك قد غضبت، وأنا لم أصنع شيئاً يغضبك بعد، ولكن لا بأس فسأتركك أياماً حتى يسكت عنك الغضب . كان أبناء عمرو يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناة، وكيف أنه غدا مع الزمن قطعةً منه؟ ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه، وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعاً، -فذلك سبيله إلى الإيمان, المؤمن كيس فطن حذر، المؤمن العاقل الكيس لا يصل لأهدافه من دون تفكير، ومن دون حكمة وخطة . سيدنا إبراهيم, ماذا فعل؟ كسر الأصنام، ووضع الفأس في عنق كبيرهم، قال تعالى حكاية عن فعلِه هذا: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 62-63] أوقعهم في مشكلة، أنتم تعبدون هؤلاء الأصنام من دون الله، إنّ كبيرهم فعل هذا, قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 64-67] إذاً: سيدنا إبراهيم ما كذبهم مباشرةً، بل سلك معهم أسلوبًا ذكيًّا، كذلك فعل أبناءُ عمرو بن الجموح- . ذات ليلة أدلج أبناءُ عمرو بن الجموح مع صديقهم معاذ بن جبل إلى مناة، فطرحوه في الدِّمنة، مكان أقذارهم، وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد, فلما أصبح عمرو دلف إلى صنمه لتحيته فلم يجده، فقال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ فلم يجبه أحد بشيء . فطفق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه، وهو يرغي ويزبد، ويتهدد ويتوعد، حتى وجده منكساً على رأسه في الحفرة، فغسله، وطهره، وطيّبه، وأعاده إلى مكانه، وقال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه، فلما كانت الليلة الثانية عاد الفتية على مناة ففعلوا به مثل فعلهم بالأمس، فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخاً بالأقذار، فأخذه، وغسله، وطيّبه, وأعاده إلى مكانه، وما زال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل ليلة، فلما ضاق بهم ذرعاً راح إليه قبل منامه، وأخذ سيفه, وعلقه برأسه، وقال له: يا مناة, إني واللهِ لأعلم من يصنع بك هذا الذي ترى، فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك, -انظروا إلى العقل الصغير، انظروا إلى الجاهلية، هذا كان من أشراف الجاهلية، ومن النخبة, والصفوة ، ومن علية القوم وأنبلهم، بل من أذكاهم، وهذا عقله كما ترون- . ثم أوى إلى فراشه، فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غطّ في نومه، حتى هبوا إلى الصنم، فأخذوا السيف من عنقه، وذهبوا به خارج المنزل، وقرنوه إلى كلب ميت بحبل، وألقوهما في بئر لبني سلمة، تسيل إليها الأقذار، وتتجمع فيها، فلما استيقظ الشيخ، ولم يجد الصنم، خرج يلتمسه، فوجده مكبًّا على وجهه في البئر، مقروناً إلى كلب ميت، وقد سُلب منه السيف، فلم يُخرجه هذه المرة من الحفرة، وإنما تركه حيث ألقوه، وأنشأ يقول: والله لو كنتَ إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن, ثم ما لبث أن دخل في دين الله . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/06.jpg -هذه القصة لها مغزى في دين الله، فالمؤمن إذا استخدم الحكمة والعقل يصل إلى أهدافه بالتدريج، أمّا المجابهة فهي أسلوب الحمقى، فالمجابهة والسباب والشتائم والتقريع كلها أساليب بلهاء، ولكنهم تلطفوا به، وأقنعوه أن هذا الصنم لا يستطيع أن يدفع عنه شيئاً, فاقتنع بالتدريج. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/07.jpg تروي كتب الأدب أن قبيلة وُدٍّ صنعت صنماً لها من التمر، فلما جاعت أكلته، فالعرب قالت: أكلت ودُّ ربَّها, ومرة رأى إنسانٌ ثعلباً يبول على رأس صنماً، فقال: أرْبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ برَأسِهِ لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيهِ الثَّعَالِبُ هكذا كان العرب في الجاهلية، فهؤلاء الذين يريدون أن يعتَدُّوا بالجاهلية، وأن يعظِّموها ، وأن يتجاهلوا الإسلام، فهذه جاهلية العرب- . بعد أن دخل عمرو بن الجموح في دين الله تذوق حلاوة الإيمان، حيث عضَّ أصابعه ندماً على كل لحظة قضاها في الشرك)) فيا أيها الأخ المسلم, علامة إيمانك الصادق؛ أن تكره أن تعود إلى ما كنت عليه كما يكره الرجل أن يُلقى في النار, علامة إيمانك الصادق؛ أن تمقت جاهليتك مقتاً لا حدود له، أما هذا الذي يحنُّ إلى جاهليته، يحنُّ إلى أيامه قبل الهدى، يحن إلى ماضيه، هذا دليل أنه لم يؤمن بعد . إليكم قصة استشهاده : قبيل موقعة أحد, رأى عمرو بن الجموح أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء العدو، ونظر إليهم غادين رائحين كأُسد الشرى، وهم يتوهَّجون شوقاً إلى نيل الشهادة، والفوز بمرضاة الله عز وجل، فأثار هذا الموقف حميته، وعزَم على أن يغدو معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه، فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، وقد عذره الله عز وجل فيمن عذرهم، فقالوا له: ((يا أبانا, إن الله قد عَذرَكَ، فعلامَ تكلف نفسك مما أعفاك الله منه؟ فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب، وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوهم, قال: يا نبي الله، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير، وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة, فقال عليه الصلاة والسلام: دعوه لعل الله يرزقه الشهادة، فخلوا عنه إذعاناً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام . وما إن أَزِفَ وقتُ الخروج حتى ودّع عمرو بن الجموح أهله وداع مفارق لا يعود، ثم اتجه إلى القبلة، ورفع كفيه إلى السماء، وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائباً, http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/08.jpg -فما معنى خائباً؟ يعني حياً, يعني إذا رجع حياً عاد خائباً، فإذا استشهد فقد حقق أمنيته- . ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة وجموع كثيرة من قومه بني سلمة، ولما حمي وطيس المعركة، وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شوهد عمرو بن الجموح يمضي في الرعيل الأول، ويثب على رجله الصحيحة وثباً, وهو يقول: إني لمشتاق إلى الجنة، إني لمشتاق إلى الجنة، وكان وراءه ابنه خلاد, وما زال الشيخ وفتاه يجالدان ويذودان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرا صريعين شهيدين على أرض المعركة، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات . وما إن وضعت المعركة أوزارها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء أحد ليواريهم ترابهم، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: ((خلوهم بدمائهم وجراحهم، فأنا الشهيد عليهم)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ, وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة] قد روى هذه القصة الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, قَالَ: ((أَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ, وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ, فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ, وَابْنُ أَخِيهِ, وَمَوْلًى لَهُمْ, فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا وَبِمَوْلَاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ)) [أخرجه أحمد في مسنده عن أبي قتادة] ملخص الدرس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3109/09.jpg رجل يزيد عمره عن الستين عاماً، أعفاه القرآن من الجهاد وهو معذور، ويصرّ على أن يجاهد في سبيل الله، وأن يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقول الرائع: أن يا رب، لا تردني إلى أهلي خائباً، كأنهم ليسوا بشراً، أو كأننا نحن دون البشر، هكذا كان أصحاب النبي، بمثل هؤلاء فتح النبي عليه الصلاة والسلام البلاد، بمثل هؤلاء انتشر الإسلام في الخافقين, رضي الله عن عمرو بن الجموح, وأصحابه من شهداء أحد، ونوّر الله لهم في قبورهم . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا ابو ذر الغفارىسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . ما هي الشهادة التي حازها أبو ذر الغفاري من رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ أيها الأخوة, مع الدرس الثامن والأربعين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، وصحابي اليوم هو سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ, وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ, وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام, فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَالْحَاسِدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَتَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاعْرِفُوهُ لَهُ)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/01.jpg وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ, فَقَالَ: ((أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام)) [أخرجه الترمذي في سننه عن أبي ذر] بالمناسبة فإن شهادة النبي صلى الله عليه وسلَّم لأصحابه شهادة حق، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولأنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف المحاباة والمديح، ولأنه الإنسان الكامل، فإذا مدح صحابياً يمدحه بما فيه، ولا ينطق عن الهوى أبداً، إن هو إلا وحي يوحى . لذلك هؤلاء الذين سعدوا بوصف النبي عليه الصلاة والسلام هم سعداء حقاً، كيف لا, وقد قال الله عز وجل عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الفتح الآية: 18] من هو السعيد, وهل للنسب أية قيمة إذا لم يكن على صلة بالاستقامة والتقوى, ومتى يعترف بالنسب ؟ يا أيها الأخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو ما في الأرض شيء أثمنُ من أن يرضى الله عنك، ولو كنت معذباً، ولو كنت فقيراً، ولو كنت مضطهداً، ولو كنت ضعيفاً، ولو كنت تعاني ما تعاني، ولو كنت في أدنى درجة السلّم الاجتماعي، فإذا رضي الله عنك فأنت أسعد الناس, لذلك فالذي قال: فليتك تحلو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنام غِضــابُ وليت الذي بيني و بينك عامــر وبيني وبين العالمين خَـــرابُ لقد صدق, لكنه لِمن ذاق طعم الإيمان، وذاق طعم القرب، وذاق طعم الرضى، وذاق طعم أن يشعر الإنسان أن الله يحبه، وأن خالق الكون يرعاه، ويحميه، ويدافع عنه، ويجعل له وُدًّا، قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] الإنسان أحياناً يملأ الدنيا إذا كانت له صلة مع شخص مهمٍّ، وإذا كانت معه صورة له، يضعها في جيبه دائمًا، وكلما التقى بإنسان, يقول: كنا بالأمس معًا في سهرة لعله إنسان لا قيمة له عند الله أبداً، فكيف إذا كانت لك مودة مع خالق الكون؟ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/02.jpg على كل؛ وكما كنت أقول هذا لكم كثيراً: مهما يكن وضعك الصحي، أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو العلمي، أو الطبقي، أو العرقي، فلا شيء يحول بينك وبين أن تكون بطلاً عند الله عز وجل, من أي منبت كنتَ، من أي مشرب، من أي طبقة، من أي عرق، من أي جنس، من أي أمة، من أي لون، من أي شكل، من أي وراثة، من أي أسرة، من أي منطقة، أبداً, لأن هذا الدين دين الله عز وجل، وليس هناك عقبة إلا منك، لذلك ترون مِن الصحابة مَن هم في قمم النسب القريشي؟ ومن الصحابة من هم دخلاء على قريش، فسلمان وبلال وصهيب دخلاء على قريش، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ)) [أخرجه الطبراني في الكبير] النبي عليه الصلاة والسلام ألغى النسب كله، قال: ((أنا جد كل تقي, ولو كان عبداً حبشياً)) هذا هو الإسلام، وما سوى ذلك جاهلية، فأيُّ إنسان يعتد بنسبه إن لم يكن مستقيماً فلا شأن له ، لكن النسب مع الاستقامة فهو على العين والرأس، تاج يُتوَّج الإنسان به، أما نسب بلا استقامة فكلام فارغ، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد الآية: 1] هذا شعار من يفتخرون بالأنساب دون أن يستقيموا على أمر الله، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد الآية: 1] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/03.jpg فأيُّ إنسان يعتد بأسرته، بوسامته، بذكائه، بقومه، بأمته, فهو اعتداد أعمى, إنْ لم يقدم شيئًا يرفعه، فهذا سلوك جاهلي، وتفكير جاهلي، ونمط جاهلي، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن المعرور بن سويد] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/04.jpg كل إنسان عنصري فهو جاهلي، كل إنسان يحابي إنسانًا لا لأخلاقه، ولا لعلمه، ولكن لنسبه، أو لاتصاله بقومه، أو لعشيرته، أو أسرته, فهو إنسان جاهلي عنصري، لذلك في هذا الدرس ترون أن هذا الصحابي الجليل كان من أطراف المدينة، وادٍ من الوديان التي تصل مكة بالعالم الخارجي . تعرفون الوديان ممرات إجبارية، فهناك وادٍ يعد ممراً إجبارياً بين مكة والعالم الخارجي، في هذا الوادي الذي اسمه (ودان) كانت تنزل قبيلة غفار، وقد تسألون لماذا في الوادي؟ لأن الوادي مسيل الماء، وفي قعر الوادي قد تتجمع المياه، وقد ينبت الكلأ، لذلك هذه القبيلة، قبيلة غفار كانت تنزل في قعر الوادي الذي يصل مكة بالعالم الخارجي، يعني على الطريق، وكانت غفار قبيلة فقيرة جداً، تعيش من ذلك النزر اليسير الذي تبذله لها القوافل، أيْ تعيش على فتات القوافل . ربنا سبحانه وتعالى نوَّع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الغني, ومنهم الفقير، فمنهم القريب, ومنهم البعيد، ومنهم الحضري, ومنهم البدوي، ومنهم الذكي, ومنهم الأقل ذكاءً، ومنهم ذو العشيرة, ومنهم من كان دخيلاً على مكة . من هو أبو ذر الغفاري, وما هي الميزات التي كان يتمتع بها, وعلام يبحث ؟ كان جندب بن جنادة المكنى بأبي ذر واحداً من أبناء هذه قبيلة غفار, وكان واحداً من هذه القبيلة التي تعيش في ذلك المكان، وعلى فتات القوافل، أو على قطع الطريق . الإسلام أيها الأخوة, يصبغ الإنسان، وكنت أقول هذه الكلمة: لا يمكن أن يُضاف إلى كلمة مؤمن كلمة أخرى، فأي كلمة تضاف إلى المؤمن كلمة باطلة، لأن الإيمان يصبغ نفسية الإنسان بصبغة الكمال، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 138] لكن هذا الصحابي الجليل كان يمتاز بجرأة القلب، ورجاحة العقل، وبُعْدِ النظر . اليوم زارني إنسان يتمتع بقدرات فكرية عالية جداً، قلت له: إنّ النبي عليه الصلاة والسلام عجب لا من إسلام خالد، ولكن عجب من تأخر إسلام خالد، قال له: ((عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً)) معناها الإسلام متوافق توافقاً تاماً مع العقل، كل من كان له عقل راجح يجب أن يستسلم لله عز وجل، هذا التلازم بين العقل الراجح وبين التدين، هذا تلازم ضروري، وتلازم ثابت وحتمي، فالنبي لما رأى سيدنا خالدًا، وقد أسلم قبل عام الفتح بقليل، قال له: ((عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/05.jpg إذاً: سيدنا أبو ذر كان يمتاز بجرأة القلب، ورجاحة العقل، وبُعْدِ النظر، وفطرته كانت تأبى أن يعبد الأصنام، كان يضيق أشد الضيق بهذه الأوثان التي تُعبد من دون الله، ويستنكر على قومه، يستنكر فساد دينهم، وتفاهة معتقدهم . كان عندنا درس للدعاة يوم السبت، فأحد أخواننا الكرام ألقى محاضرة مِن مقرر تاريخ الأديان، وفي هذه المحاضرة حديث عن الديانات في الهند، وقرأ لنا مقتطفات من قول رجل راجح العقل هناك، وله مكانة كبيرة جداً، يفضل البقرة على أمه، ويرى أن هذه البقرة يجب أن تُعبد من دون الله . فالإنسان حين يرى تفاهة عقل الآخرين، فذاك الرجل له عقل راجح، والدليل وصل إلى قمة المجتمع الهندي، ومع ذلك حين تحدث عن دينه الهندوسي، وتحدث عن البقرة، وكيف أنها أفضل من أمه, وقال: هو يرضع من أمه سنتين فقط ، لكنه يشرب الحليب من البقرة طوال حياته ، إذاً: البقرة أفضل من أمه؟ هذا ما سمعناه منقول بنصه الحرفي . فكان أبو ذر رضي الله عنه يضيق أشد الضيق بقومه، ويتطلع إلى ظهور نبي جديد، يملأ على الناس عقولهم وأفئدتهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور . ما هو الغرض الذي أرسل به أبو ذر أخاه أنيس إلى مكة ؟ أيها الأخوة, الإنسان قد يبحث بهذا المجلس أو بذاك، بهذا المكان أو بغيره، ثم يقول لك: ما ارتويت، عندي فراغ ما مُلِئ، عندي حاجة عقلية ما ارتوت، عندي تطلع ما وجدته، إلى أن يهديه الله إلى جهة يرتاح لها تسد فراغ عقله، وتسد حاجة نفسه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/06.jpg سيدنا أبو ذر كان عنده فراغ، كان عنده بحث دائم، ثم تناهت إلى أبي ذر وهو في باديته أخبارُ النبي عليه الصلاة والسلام الذي ظهر في مكة، وقال لأخيه أنيس: ((انطلق إلى مكة ، وقِفْ على أخبار هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وأنه يأتيه وحي من السماء، واسمع شيئاً من قوله واحمله إلي . ذهب أنيس إلى مكة، والتقى بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وسمع منه، ثم عاد إلى البادية، فتلقاه أبو ذر باللهفة، وسأله عن أخبار النبي الجديد بشغف, فقال: لقد رأيت واللهِ رجلاً يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر, فقال: وماذا يقول الناس عنه؟, قال: يقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر, فقال أبو ذر: والله ما شفيت لي غليلاً، ولا قضيت لي حاجة ، فهل أنت كافٍ عيالي حتى انطلق فأنظر في أمره؟ قال: نعم، ولكن كنْ من أهل مكة على حذر, لأن الرجل مُحارَب هناك، فإذا علموا أنك جئته ربما قتلوك)) إليكم قصة إسلام أبي ذر الغفاري : أيها الأخوة, فتزود أبو ذر لنفسه، وحمل معه قربة ماء صغيرة، واتجه من غده إلى مكة يريد لقاء النبي عليه الصلاة والسلام، والوقوف على خبره بنفسه . بلغ أبو ذر مكة المكرمة، وهو متوجس خيفة من أهلها، فقد تناهت إليه أخبار غضبة قريش لآلهتهم، وتنكيلهم بكل من تحدثه نفسه باتباع محمد، لذا كره أن يسأل أحداً عن محمد، لأنه ما كان يدري أيكون هذا المسؤول من شيعته أم من عدوه؟ لا يعرف . لما أقبل الليل اضطجع في المسجد، فمر به رجل هو سيدنا علي بن أبي طالب، فعرف أنه غريب، فقال: ((هلم إلينا أيها الرجل، فمضى معه، وبات ليلته عنده، وفي الصباح حمل قربته ومزوده، وعاد إلى المسجد دون أن يسأل أحدًا عن شيء . -أحياناً أيها الأخوة, قد يوجه الإنسان أسئلة محرجة، كأنْ يمشي مع شخص، يقول له: أراك هنا، أين ذاهب؟ لا تحرجه، ربما لا يحب أن يقول: أين هو ذاهب؟ فكل إنسان يكثر الأسئلة، يضيق على صاحبه- ثم قضى أبو ذر يومه الثاني دون أن يتعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أمسى أخذ مضجعه من المسجد، فمر به علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ ثم اصطحبه معه فبات عنده ليلته الثانية، ولم يسأل أحدٌ منهما صاحبه عن شيء, فلما كانت الليلة الثالثة، قال علي لصاحبه: ألا تحدثني عما أقدمك إلى مكة؟ فقال أبو ذر: إن أعطيتني ميثاقاً أن ترشدني إلى ما أطلب فعلت، فأعطاه عليٌّ ما أراد من ميثاق, فقال أبو ذر: لقد قصدت مكة من أماكن بعيدة أبتغي لقاء النبي الجديد، وسماع شيء مما يقوله, فانفرجت أسارير سيدنا علي، وقال: والله إنه لرسول الله حقاً,-هذه على حد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 40] هذه اللقاءات العابرة، اللقاءات التي يظن أنها صدفة، فليست هي صدفة، ولكنها بقدر, قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال الآية: 17] ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 40] فالله عز وجل علم صدقه، فجمعه بصاحبي جليل، ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام- قال: والله إنه لرسول الله حقاً, وإنه وإنه وإنه, وحدثه عن النبي، فإذا أصبحنا فاتبعني حيثما سرت, قال له: سر ورائي، فإن رأيت شيئاً أخافه عليك، وقفتُ كأني أريق الماء - اتفقوا على إشارة - فانتبه وارجع، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي، فلم يقر لأبي ذر مضجعه طوال ليلته شوقاً إلى النبي ورؤيته، ولهفة إلى استماع شيء مما يوحى إليه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/07.jpg وفي الصباح مضى عليٌّ بضيفه إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى أبو ذر وراءه يقفو أثره، وهو لا يلوي على شيء، حتى دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم . -يقولون: إنّ أول صحابي سلَّم على النبي بسلام الإسلام هو أبو ذر الغفاري، أما كان راجح العقل؟ بلى- حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم, قال: السلام عليك يا سول الله . -لنا هنا كلام جميل، فحين يتكلم الإنسانُ فإمّا أنْ يعلو أو يسقط، قال زهير بن أبي سلمى في معلقته: وكائِنْ ترَى مِنْ صَامِتٍ لكَ مُعجِبٍ زِيادَتُهُ أوْ نَقصُهُ فِي التّكَلُّـــمِ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/08.jpg سيدنا عمر كان مرةً ماشيًا في الطريق، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء, ولم يَقُلْ: السلام عليكم يا أصحاب النار, يعني اللغة شيء ثمين، مرة منشئ الأخبار صاغ الخبر التالي: يُسمح باستيراد العلف للمواطنين، هذا غير صحيح، يجب أن يقول يُسمح للمواطنين باستيراد العلف- . فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك سلام الله ورحمته وبركاته, -فعندما تقول: السلام عليكم ، يعني أنني إنسان خيَّر فلا تخف مني، الإنسان عليه أن يكثر السلام، حتى إذا دخل على أهل بيته، حتى إذا دخل إلى محل ما فليبدأ بالسلام- . كان أبو ذر أول من حيَّا الرسول بتحية الإسلام، ثم شاعت وعمَّت بعد ذلك . أقبل النبي عليه الصلاة والسلام على أبي ذر يدعوه إلى الإسلام، ويقرأ عليه القرآن، فما لبث أن أعلن كلمة الحق، ودخل في الدين الجديد قبل أن يبرح مكانه، فكان رابع ثلاثة أسلموا أو خامس أربعة)) بعض الصحابة يقولون: كنت في وقت وأنا ثلث الإسلام، الثلث أي سبقه اثنان، الآن أنت كم سبقكم من واحد؟ ألف ومائتا مليون، أنت واحد على ألف مليون ومائتي مليون، سيدنا أبو ذر واحد على أربعة، يعني حينما دخل في الإسلام كان رابع خمسة أو ثالث أربعة . ماذا فعلت قريش حينما علمت بإسلام أبي ذر, وكيف نجى من القتل, وبماذا أمره النبي ؟ قال أبو ذر: ((أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فعلمني الإسلام، وأقرأني شيئاً من القرآن، ثم قال لي: لا تخبر بإسلامك أحداً في مكة، فإني أخاف عليك أن يقتلوك, فقلت: والذي نفسي بيده لا أبرح مكة حتى آتي المسجد، وأصرخ بدعوة الحق بين ظهراني قريش، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/09.jpg -الحقيقة التفسير سهل، من شدة انبهاره بالدعوة، من شدة سعادته بالإسلام، فهل من المعقول أنّ في الناس مَن لا يعرف الإسلام؟ فتطوع أن يخرج إليهم، وأن يصرخ في وجههم بكلمة الحق, مع أنّ النبي نصحه ألاّ يفعل- . قال: فجئت المسجد، وقريش جلوس يتحدثون، فتوسطتهم، وناديت بأعلى صوتي، يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فما كادت كلماتي تلامس آذان القوم حتى ذعروا جميعاً، وهبوا من مجالسهم، وقالوا: عليكم بهذا الصابئ، وقاموا إليَّ، وجعلوا يضربونني لأموت، فأدركني العباس بن عبد المطلب عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وأكب عليَّ ليحميني منهم، ثم أقبل عليهم، وقال: ويلكم, ويلكم، أتقتلون رجلاً من غفار، وممر قوافلكم عليهم؟ انتبهوا . -انظر إلى الذكاء، لو قال: أتقتلون إنسانًا مؤمنًا لقتلوه، فهمْ يريدون قتله، لكنّهم خاطبهم بلغتهم، أحياناً الإنسان يُوفق ويخاطب الآخرين باللغة التي يفهمونها، ليس بحكيم من خاطب أناساً بلغة لا يفهمونها، أحياناً تخاطب إنسانًا قويًا، وتقول: والله يجب أن تفعل هكذا، ألاَ تخاف اللهَ، يظن الإنسان العاقل أنَّ أعظم شيء أن يخاف الإنسانُ من الله، فالمتغطرس لا يخاف الله إطلاقاً، فكل إنسان يجب أن يُخاطَب بلغة يفهمها، وهذه من الحكمة- . قال: ولما أفقت من غيبوبتي بعد أن ضُربت ضرباً مبرحاً، جئت النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى ما بي قال: يا أبا ذر, ألم أنهك عن إعلان إسلامك؟ فقلت: يا رسول الله, كانت حاجة في نفسي فقضيتها, فقال: الحقْ بقومك، وأخبرهم بما رأيت وما سمعت، وادعُهم إلى الله، لعل الله ينفعهم بك، ويأجرك فيهم, قال: فإذا بلغك أني ظهرت فتعال إلي)) ما معنى ظهرت؟ يعني نصرني الله، الآن النبي مستضعف متخف . هل استجابت قبيلة أبي ذر إلى دعوته, ومتى أقام بالمدينة, ومتى فارقها, وأين أقام ؟ قال أبو ذر: ((فانطلقت حتى أتيت منازل قومي، فلقيني أخي أنيس، فقال: ما صنعت؟ قلت: لقد أسلمتُ وصدَّقتُ, فما لبث أن شرح الله صدره، وقال: مالي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت أيضاً, ثم أتينا أمَّنا فدعوناها للإسلام، -والمرأة لها قيمة وشأن، فهي أمٌّ, وزوجة- فقالت: مالي رغبة عن دينكما، وأسلمتْ أيضاً . منذ ذلك اليوم انطلقت الأسرة المؤمنة تدعو إلى الله، لا تكلُّ عن ذلك، ولا تملّ منه، حتى أسلم من غفار خلق كثير، وأقيمت الصلاة فيهم, -ما معنى قوله تعالى؟: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [سورة النحل الآية: 120] أنت ممكن أن تكون أمة، إذا كان عند الإنسان صدق شديد، ودعا إلى الله يصبح وحده أمةً-. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/10.jpg أيها الأخوة, لكنّ فريقًا منهم, قال: نبقى على ديننا، حتى إذا قدم النبيُّ المدينة أسلمنا، فلما قدم النبي المدينة أسلموا- فعَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتْ اللَّهَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح عن ابن عمر] وقبيلة أخرى أسلمتْ . أقام أبو ذر في باديته حتى مضت بدرٌ وأحدٌ والخندقُ، ثم قدم إلى المدينة، وانقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذنه أن يقوم في خدمته، فأذن له، ونَعِمَ بصحبته، وسَعِدَ بخدمته، وظلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثره ويكرمه، فما لقيه مرةً إلا صافحة، وهشَّ في وجهه وبشَّ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/11.jpg لما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى لم يُطِق أبو ذر صبراً على الإقامة في المدينة، بعد أن خلت من سيدها، وأقفرت من هدي مجلسه، فرحل إلى بادية الشام، وأقام فيها مدة خلافة الصديق والفاروق رضي الله عنهم جميعا . وفي خلافة عثمان نزل في دمشق، فرأى من إقبال المسلمين على الدنيا وانغماسهم في الترف ما أذهله، ودفعه إلى استنكار ذلك، فاستدعاه عثمان إلى المدينة، فقدم إليها، لكن ما لبث أن ضاق برغبة الناس في الدنيا، وضاق الناس بشدته عليهم، وتنديده بهم، فأمره عثمان بالانتقال إلى الربذة، وهي قرية صغيرة من قرى المدينة، فرحل إليها، وأقام فيها بعيداً عن الناس، زاهداً بما في أيديهم من عرض الدنيا، مستمسكاً بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من إيثار الباقية على الفانية)) إليكم زهده في الدنيا : دخل عليه رجلٌ ذات مرة، فجعل يقلب الطرف في بيته، فلم يجد فيه متاعاً، فقال: ((يا أبا ذر, أين متاعكم؟ فقال: لنا بيت هناك، نرسل إليه صالح متاعنا، ففهم الرجل مراده، -أنّه يعني الدار الآخرة- وقال: ولكن لا بد لك من متاع ما دمت في هذه الدار، فأجاب: ولكن صاحب المنزل لا يدعنا فيه)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/12.jpg بعث إليه أمير الشام بثلاثمئة دينار، وقال له: ((استعن بها على قضاء حاجتك، فردها إليه ، وقال: أما وجد أمير الشام عبداً لله أهون عليه مني)) وفي السنة الثالثة والثلاثين للهجرة استأثرت يد المنون بالعابد الزاهد، الذي قال فيه النبي صلوات الله عليه: ((مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ, وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ, -الغبراء الأرض، والخضراء السماء - مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ, وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام)) [أخرجه الترمذي في سننه] يعني أصدق مع ربه، وأصدق في طلب الحق، وأصدق في الزهد في الدنيا . مغزى القصة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3110/13.jpg أردت من هذه القصة ذكرَ إنسان يعيش في وادٍ منقطع، وتعيش قبيلته على قطع الطريق أحياناً، وعلى فتات القوافل أحياناً، يصبح سيدنا، ويصبح صحابياً جليلاً، ويصبح في أعلى قمم التقوى والصلاح . مرةً ثانية، أيّ وضع أنت فيه؟ من أي انتماء أنت؟ من أي عرق كنت؟ من أي لون؟ من أي طبيعة؟ من أي مستوى؟ من أي أصل؟ لا شيء في الأرض يمنعك من أن تكون مؤمناً وبطلاً قريباً من الحق . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا عبدالله بن عباسسيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .ما هي المزايا التي كان يتمتع بها ابن عباس ؟ أيها الأخوة, مع الدرس التاسع والأربعين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم علم كبير من أعلام الصحابة إنه عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/01.jpg هذا الصحابي الجليل مَلَكَ المجدَ من كل أطرافه، فقد اجتمع له مجد الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجد القرابة، فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومجد العلم، فهو حبر هذه الأمة، وبحر علمها الزاخر، ومجد التُّقى، فقد كان صوَّاماً بالنهار، قواماً بالليل، مستغفراً بالأسحار، بكاءً من خشية الله، حتى خدَّد الدمع خديه, صار على خديه خدود من شدة بكائه، وبكاءُ الرحمة أعلى أنواع البكاء، والقلب القاسي أبعد القلوب عن البكاء، ومن لم يبكِ، أو لم يتباكَ فعنده خلل خطير، وعلامة إيمان المؤمنين, قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] علامة الإيمان أن جِلْدَ المؤمن يقشعر من خشية الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر الآية: 23] أمَّا الذي لا يبكي، ولا يدعو، ولا يلجأ، ولا يمرِّغ جبهته في أعتاب الله عز وجل فقد اختل إيمانه . الإيمان يشمل غذاء العقل وهو العلم، وغذاء القلب، وهو الذكر، أمّا غذاء الجسد فهو الطعام والشراب . إنه عبد الله بن عباس، ربَّاني هذه الأمة، أعلمُها بكتاب الله، وأفقهُها بتأويله، وأقدرها على النفوذ إلى أغواره، وإدراك مراميه وأسراره . الأدعية التي وردت عن النبي بشأن ابن عباس : أيها الأخوة, يكفيه شرفاً ما قاله فيه عليه الصلاة والسلام، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا, قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن ابن عباس] في حديث آخر, عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: ((ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن ابن عباس] وفي رواية عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: ((ضَمَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ, وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن ابن عباس] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي أَوْ عَلَى مَنْكِبِي, ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) [أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس] معنى التأويل، أي إدراكُ كلام الله عز وجل، وإدراكُ معانيه الدقيقة، ومراميه البعيدة، وإدراك أعماقه، وهذه نعمة كبرى من نعم الله عز وجل, وهذا النص وصف اللهُ به سيدنا يوسف عليه السلام, فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة يوسف الآية: 6] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/02.jpg فأن تفهم النص فهماً عميقاً، فهماً دقيقاً، وتفهم مراميه البعيدة، وتفهم أبعاده كلها، هذه نعمة من نعم الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 79] هذا يعبّر عنه العلماء باليقين الإشراقي، وصفه النبي عليه الصلاة والسلام, بل وصف سببه، قال: ((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْمَلْ)) هذا هو اليقين الإشراقي، لكن اليقين الإشراقي يجب أن يكون منضبطاً بالكتاب والسنة . كم كان عمره حينما توفي النبي, وكم هو العدد الذي وصل إليه في حفظ الحديث, وكيف كانت ملازمته للنبي قبل وفاته ؟ صحابي جليل، حبر هذه الأمة، عَلَم من أعلامها، أعلمُها بكتاب الله، حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ما كان سنه يزيد عن ثلاث عشرة سنة فقط، ومع ذلك فقد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفًا وستمائة وستين حديثًا، أثبتها البخاري ومسلم, وقد سمعها منه مشافهة. لما وضعته أمه حملته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحنكه بريقه الشريف، فكان أول ما دخل جوفه ريقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت معه التقوى والحكمة, قال تعالى: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 269] ما إن حُلت تمائمه - يعني فكت أربطته - حتى لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملازمة العين لأختها، فكان يُعدُّ له ماء الوضوء إذا همَّ أن يتوضأ، ويصلي خلف رسول الله إذا وقف للصلاة، ويكون رديفه على راحلته إذا عزم على السفر، حتى غدا كظله، يسير معه أنَّى سار، ويدور معه أنى دار، ومع ذلك كان هذا الصحابي الفتى الصغير يحمل بين جنبيه قلباً واعياً، وذهناً صافياً، وحافظة دونها كل آلات التسجيل، ذاكرة رائعة قوية جداً . إليكم سر هذا الدعاء : قال مرةً عن نفسه: ((همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم للوضوء ذات مرة، فما أسرع أن أعددتُ له الماء، فَسُرَّ بما صنعت، ولما همَّ بالصلاة أشار إليّ أن أقف بإزائه، فوقفت خلفه ، فلما انتهت الصلاة مال عليَّ، وقال: ما منعك أن تكون بإزائي يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله، أنت أجلُّ في عيني، وأعزّ من أن أوازيك في الصلاة, http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/03.jpg -ما هذا الأدب؟ الآن ترى معلمًا عمره خمسون سنة، وتلميذه الصغير يمشي أمامه بمتر أو بنصف متر . يقولون: مرةً أحد رؤساء الجمهورية في فرنسا كان يمشي, وإلى جانبه رئيس الوزارة ، فقال له: خطوة إلى الوراء يا سيد، ليعرف الناس أن في هذا البلد رجل واحد- . رفع النبي عليه الصلاة والسلام يده إلى السماء, وقال: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح] فهل دعاء النبي قليل؟ نبي هذه الأمة، أقرب الخلق إلى الله عز وجل يدعو لإنسان, قال: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ, وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) [أخرجه أحمد في مسنده] إنّ هذا شرف عظيم, لقد استجاب الله عز وجل دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فآتى الغلام الهاشمي الحكمة، ففاق بها أساطين الحكماء . إليكم أحد مواقفه الذي وضع لسانه عند المحك فصلح الله به الأمة : استمعوا أيها الأخوة إلى موقف من مواقف هذا الصحابي الجليل الفتى الصغير؛ لما اعتزل بعض أصحاب عليٍّ وخذلوه، في نزاعه مع معاوية رضي الله عنهما, فعن عبد الله بن عباس, قال: ((لما اعتزلت الحرورية, وهم الخوارج، وكانوا من أشد الناس عبادة, قلت لعليٍّ: يا أمير المؤمنين, أبرد عن الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم, فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل, فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: ما تعيبون عليَّ, لقد رأيت علَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الحلل، ونزل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف الآية: 32] قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثا, قلت ما هن؟ قالوا: أولُّهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 57] قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنَم، لئن كانوا كفارا لقد حَلَّتْ له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دمائهم، قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا اسمه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين . قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تشكون, أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم أنه حكَّم الرجال في دين الله، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة المائدة الآية: 95] وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء ، الآية 35] أنشدكم الله, أفحكمُ الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحقُّ أم في أرنب فيه ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، قال: أخرجت من هذه, قالوا : اللهم نعم، وأما قولكم: إنه قاتل, ولم يَسْبِ, ولم يغنم، أتَسْبون أمَّكم، أم تستحلُّون منها ما تستحلُّون من غيرها؟ فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله تعالى يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 6] وأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيتهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابا, فقال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله, ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله, فقال: والله إني لرسول الله, وإن كذبتموني، اكتب يا علي, محمد بن عبد الله ورسول الله, كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، فرجع منهم عشرون ألفا ، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا)) وكان من ثمرة هذا اللقاء, وما أظهره به عبد الله بن عباس من حكمة بالغة وحجة دامغة أنْ عاد منهم عشرون ألفاً إلى صفوف الإمام علي . إذًا: ليس ثمة أقوى من الحجَّة، أحياناً تسمع قصصًا لا تنتهي، هذه القصص كلها تنقضها آية واحدة، إنّ فلانًا قرأ في الفنجان، وفلانًا يعلم الغيب، وفلانًا طمأنوه، والله عز وجل قال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 50] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/04.jpg النبي عليه الصلاة والسلام على عظم شأنه وعلو قدره لا يعلم الغيب, هذا مقام النبي, فكيف بِمَن هو دون النبي؟ فما مِن شيءٍ أروع من التوحيد، وأروع من الحجة القوية، والمؤمن كأنه في قلعة، بالأدلة التي يملكها، والحجج التي آتاه الله إياها، والكتاب الذي نوّر الله قلبه به، والسنّة التي سالت مع دمائه، هذا كله يجعله في حصن حصين من كل خرافة، من كل دجل, من كل تزوير، من كل مبالغة، لأنّ أخطر شيء في الدين المبالغات . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/05.jpg يعني هناك أخ لا يُنجب أولادًا، إنه عقيم، التقى مع رجل من أهل العلم، ولكن من غير المنضبطين بالكتاب والسنة، قال له: كُلْ هذه التفاحة، وسوف تنجب إن شاء الله, والذي قّدم له التفاحة عقيم, إذا كنت أنت لا تملك لنفسك أن تنجب ولداً، أفتملك هذا لغيرك؟ قال الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سورة الشورى الآية: 49-50] أيها الأخوة، أتمنى وأرجو من كل واحد أن يعمل جرد حساب لتصوراته، ولمعلوماته الدينية، هناك أشياء غير صحيحة، هناك عقائد فاسدة, عقائد زائغة، كل شيء تعتقده يجب أن يكون لك عليه دليل من كتاب الله وسنة رسوله، وإلا كنتَ ضحية أفكارك الزائغة . أريد أن أقول لكم كلمة: إنّه ما مِن عقيدة تعتقدها إلا وتظهر في سلوكك، ولو أنه جدلاً أو فرضاً اعتقدت شيئاً ولم يظهر في السلوك فعندئذ هذه العقيدة لا قيمة لها، وهي لا تقدِّم ولا تؤخِّر, ولكنّ هذه العقيدة التي تعتقدها لا بد أن تظهر في سلوكك، إذًا: فانتبه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/06.jpg لو أنّ إنسانًا توهَّم أن النبي عليه الصلاة والسلام، يأتي لأهل الكبائر من أمته فيشفع لهم، هكذا توهّم، فهذه العقيدة مؤداها خطير، فهذا الإنسان قد يتساهل، وينتقل من الصغائر إلى أكبر منها، فإذا شارف على الكبائر, قال: ((شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)) [أخرجه الترمذي في سننه] فهو يردِّد هذا الحديث، وقد خدعتهُ نفسُه الأمّارة بالسوء، وهذا الاعتقاد يوقعه في الكبائر, يوجد فهم سقيم جداً، لقوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/07.jpg ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 70] فكلما كانت السيئة كبيرة بُدِّلت بحسنة كبيرة، فهذا الفهم خطير جداً، يدفع الإنسان إلى أن يرتكب أكبر الكبائر متوهِّمًا أنّ الله يبدلها له أكبرَ الحسنات، ليس هذا هو المعنى إطلاقاً، المعنى أن المؤمن إذا تعرف إلى الله، وأشرق في قلبه نور الإيمان، وتجلّى اللهُ على قلبه، عندئذ الصفات السيئة التي كان متمثلاً بها تنقلب إلى صفات حسنة، لقد كان بخيلاً فصار كريماً، كان جبانًا فصار شجاعاً، كان ملحداً فصار منصفًا، كان قاسيًا القلب فصار رقيق القلب, هذا معنى الآية، ليس معنى الآية أنه كلما ارتكبت سيئة كبيرة تنقلب إلى حسنة كبيرة، هذا معنى خطير جداً، وفهمٌ سقيم . فنحن نرجو الله تعالى ألاّ يتسرب إلى عقولنا عقائد زائغة، قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إليكم أدبه مع العلم وأهله : بعد أن توفي النبيُّ عليه الصلاة والسلام, يقول هذا الصحابي الجليل عن نفسه: ((كان إذا بلغني الحديث عند رجل من صحابة رسول الله أتيت باب بيته في وقت قيلولته، وتوّسدتُ ردائي عند عتبة داره، فيسفو عليّ الريح من التراب ما يسفو، ولو شئت أن أستأذن عليه لأذِن لي، وإنما كنت أفعل ذلك لأطيِّب نفسَه، فإذا خرج من بيته، ورآني على هذا الحال, قال: يا ابن عمِّ رسول الله, ما جاء بك؟ هلاَّ أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحَقُّ بالمجيء إليك، فالعلم يؤتَى ولا يأتي)) مرةً أحد خلفاء بني العباس حج البيت، وقال: ((أريد عالماً أستفيد من علمه، فأتباعه توجهوا إلى الإمام مالك، إمام دار الهجرة، وقالوا له: تفضّل فالخليفة يدعوك إليه، قال: قولوا له: يا هارون, العلم يؤتى ولا يأتي . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/08.jpg فلما أبلغوه, قال: حق، أنا آتيه، فلما أبلغوه أنه سيأتيك، قال: قولوا له: لا أسمح لك بتخطي رقاب الناس، قال: صدق, فلما وصل إلى مجلس علمه جلس على كرسي، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه, ومن تكبر وضعه، فقال: خذوا عني هذا الكرسي، وجلس مع الناس)) كان ابن عباس يذل نفسه في طلب العلم، وهو ابن عم رسول الله، ولكن مِن أجل أن يطلب العلم, والحقيقة أنّ النبي الكريم, يقول: ((تواضعوا لمن تعلمون منه، وتواضعوا لمن تعلِّمونَه ، ولا تكونوا جبابرة العلماء)) الطالب الأديب يأخذ كل علم أستاذه عن طيب خاطر، لكن إن كان هناك سؤال فيه جفاء، وتعليق فيه قسوة، وانتقاد لاذع، وسوء أدب بالمعاملة، فهذا ينفر الإنسان, صدق القائل: إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرَما حتى الصحابة الكرام دهشوا لأدب رسول الله، حتى قالوا متسائلين: ما هذا الأدب؟ قال : ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) ما رؤي مادًّا رجليه قط، اللهم صلِّ عليه، كان رقيقًا جداً، وكان يستحي كما تستحي العذراء في خدرها، وما واجه أحداً من أصحابه بما يكره، كان إذا أراد أن يوجه الناس يصعد المنبر، والمقصود عنده واحد, فيقول: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ .....* مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ......* مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ ........* مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا ............* مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ, وَهَذَا لِي ..........* هذا زيد بن ثابت، كاتب الوحي، ورأس أهل المدينة في القضاء والفقه والقراءة والفرائض، كما يروي ذلك عمار بن أبي عمار, أن زيد بن ثابت ركب يوما، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال له: ((تنحَّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك؟ فأخرج يده، فقبَّلها، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/09.jpg يا أيها الأخوة, مجتمع المؤمنين مجتمع راقٍ جداً، واللهِ ينبغي أن نعيش هذه الأخلاق ، احترموا بعضكم، يؤلمني بعض المزاح بين الشباب، احترموا مشاعرَ بعضكم، اعرفوا قدر بعضكم، تكاملوا فيما بينكم، واجعلوا من مجتمعكم مجتمعاً يشبه مجتمع أصحاب رسول الله . من هو المرجع العلمي لسيدنا عمر في حل المعضلات, ولماذا عاتبه الصحابة, وهل كان الحق مع سينا عمر ؟ بلغ هذا الصحابي الجليل من علو القدر على حداثة سنه أن سيدنا عمر بن الخطاب إذا واجهته معضلة دعا جُلَّ الصحابة، ودعا معهم عبد الله بن عباس، فإذا حضر رفع منزلته وأدنى مجلسه، وقال له: لقد أعضل علينا أمراً أنت له ولأمثاله . الصحابة الكرام تألموا، طفل صغير يجلس بينهم, ويُسأل, ويُستفتى, ويؤخذ رأيه من قبل أمير المؤمنين، فمرة عاتبوا سيدنا عمر, وعوتِب مرةً في تقديمه له، وجعله مع الشيوخ، وهو ما زال فتى، فقال: إنه فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول . مرة عرض سيدنا عمر سورة النصر على أصحاب رسول الله, فقال: ماذا فهمتم منها تكلموا؟ فسأل ابن عباس, قال: هي نعيُ النبي، لقد فَهِم منها فهماً عميقاً، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ, فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ, فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ, فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ, قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عباس] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا, قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْذَنُ لِأَهْلِ بَدْرٍ, وَيَأْذَنُ لِي مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْذَنُ لِهَذَا الْفَتَى مَعَنَا, وَمِنْ أَبْنَائِنَا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ, فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَأَذِنَ لَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ, وَأَذِنَ لِي مَعَهُمْ, فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالُوا: أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فُتِحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ وَيَتُوبَ إِلَيْهِ, فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ يَا بْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَتْ كَذَلِكَ, وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ, فَقَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ, وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَذَلِكَ عَلَامَةُ مَوْتِكَ, فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا, فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَلُومُونِي عَلَى مَا تَرَوْنَ؟)) [أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عباس] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] يعني انتهت مهمتك، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وانتهى كل شيء، ونُعِيَتْ له نفسُه . إليكم موعظته لصاحب الذنب : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/10.jpg من مواعظ هذا الصحابي الجليل، أنه كان يقول: ((يا صاحب الذنب, لا تأمن عاقبة ذنبك ، واعلم أن ما يتبع الذنب أعظمُ من الذنب نفسه، إن عدم استحيائك ممن على يمينك وعلى شمالك، وأنت تقترف الذنب لا يقلُّ عن الذنب، وإن ضحكَك عند الذنب، وأنت تدري، أو أنت لا تدري ما الله صانع بك أعظمُ من الذنب، وإن فرحَك بالذنب إذا ظفرت به أعظمُ من الذنب، وإن حزنَك على الذنب إن فاتك أعظمُ من الذنب, وإن خوفك من الريح إذا حركت سترك, وأنت ترتكب الذنب مع كونك لا تضطرب من نظر الله لك أعظم من الذنب, يا صاحب الذنب, استغفر لذنبك, ما كان بعد الذنب أعظم من الذنب نفسه)) كم سنة عمر في الحياة , ومن صلى عليه يوم وفاته ؟ هذا الصحابي الجيل عُمِّر إحدى وسبعين سنة، ملأ فيها الدنيا علماً وفهماً وحكمةً وتقى، فلما أتاه اليقينُ صلى عليه محمد بن الحنفية، والبقية الباقية من أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، وجلَّة التابعين، وفيما كانوا يوارونه التراب سمعوا قارئاً لم يروه يقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر الآية: 27-30] خلاصة الدرس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3122/11.jpg أيها الأخوة الكرام، هذا الصحابي الجليل نموذجٌ للصغار، إن طفلاً صغيراً لا يزيد عمره عن ثلاث عشرة سنة يروي عن رسول الله ألفاً وستمائة وستين حديثًا صحيحًا، هذا الصحابي الجليل كان مرجعًا لسيدنا عمر، وهو عملاق الإسلام . الإنسان قيمته بما يعلم، وقيمته بما يعمل، وأيُّ مقياس آخر لا قيمة له، وكما قيل: ابتغوا العزة عند الله، ابتغوا الرفعة عند الله, أيْ استعمل المقياس الذي يرفعك عند الله . |
رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سيدنا الربيع بن زياد الحارثى سيرة الصحابة رضوان الله عليهم الدرس : ( الخمسون ) لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . ما مضمون هذه الآيات ؟ أيها الأخوة, مع الدرس الخمسين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، وصحابيُّ اليوم هو الربيع بن زياد الحارثي رضي الله عنه . قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الصحابي هناك مقدمة أرجو أن ينتفع بها الأخوة الكرام، وهي أن في القرآن الكريم آيات تزيد عن مئة آية أو أكثر مضمونها: الهدى لمن يطلبه, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 37] من هذه الآيات آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [سورة الرعد الآية: 27] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/01.jpg ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [سورة الشورى الآية: 13] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 10] ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [سورة غافر الآية: 28] ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 6] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر الآية: 3] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 37] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/02.jpg يبدو من هذه الآيات الكثيرة أن هناك شيئاً يسبق سماع الحق، هو الطلب، هذه الآيات ومثيلاتها، لاح لي مثلُ يمكن أن يعبّر أدق التعبير عن فحواها، إنسان بلا مأوى، يبحث عن بيت، بقي ستة أشهر ينام عند فلان، وعند فلان، وهو في أمس الحاجة إلى بيت، هذا الإنسان لو التقى إنساناً آخر، وقال له: أتريد بيتاً؟ ينفعل أشدَّ الانفعال، ويتعلق بهذا الإنسان أشدَّ التعلق ، ويتلهف أشدََّ اللهفة، ويقول له: إِي واللهِ، أين البيت؟ . ترى هذا الإنسان الذي بحاجة ماسة لبيت، ويرى في طريقه من يعرض عليه بيتاً، آيباً، مطيعاً، يصبر، يتابع، يسأل، يستفهم, ينتظر من أجل أن يحقق حاجته التي هو في أمس الحاجة إليها . فالإنسان يسكن بيتًا كما يريد، وإنسان قال له: هل تحتاج إلى بيت؟ إذا كان لا يحتاج إلى بيت, تراه يعرض، ولا يرد عليه، ولا يبالي به . فالإنسان عندما يطلب الهدى، فأيُّ درس علم، أو تفسير آية، أو تفسير حديث، وأيُّ إنسان له صلة بالله، يتعلق به، يسأله، يحضر مجلسه، يصبر عليه، و يتودد له، فالقضية قضية حاجة سابقة، فإذا كان عندك رغبة، عندك طلب للحق، عندك رغبة في معرفة الله، عندك رغبة في طلب مرضاة الله عز وجل، يعنيك درس العلم، يعنيك كتاب الله، يعنيك أهل الحق، يعنيك العمل الصالح . فهذا التفسير يبيِّن لك كيف أن الإنسان يتكلم بالحق؟ فإنسان يصغي, ويتأثر, وينفعل ويستجيب، وإنسان لا يبالي، ولا يهتم، ولا يتأثر، ولا يعلق كبير أهمية على هذا الدرس، فحين يلحظ الإنسان أنه ضعيف الاهتمام بالعلم، ضعيف الاهتمام بمرضاة الله عز وجل، ضعيف الاهتمام بمعرفة الله، فليتَّهمْ نفسه أنه ضعيف الصدق في طلب الحق, الحقيقة أحياناً أنّ العلة ليس في المتكلم، بل في المستمع, فالإنسان إذا نما صدقه, نما اهتمامه، ونمت معرفته، ونمت طاعته واستقامته . الموت موعظة لك أيها المسلم : قيل هذه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تزال تكفكف الدموع لفَقْدِ الصديق, سيدنا الصديق مات، وكل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، وصدق القائل: كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمولُ فإذا حملت إلى القبور جنــازة فاعلم بأنك بعدها محمــولُ أيها الأخوة الكرام، أنا كنت قبل قليل في تعزية، فتكلمت كلمات هدفها: التفكر في الموت ، تصور نفسك أنّك تمشي على طريق، وعلى حافتيه واديان سحيقان؛ وادٍ عن يمينك، ووادٍ عن شمالك، واحتمال الانزلاق في الوادييْن كبير جداً، التفكر في الموت يقيم حول الطريق جداراً استنادياً يحميك من الزلل، ومن السقوط، والتفكر في الموت يبعث فيك دافعاً قوياً يدفعك إلى طاعة الله، فإذا أبطأت بك الهمّة، فالموت يحثك على طلب الحق، وإذا زلّتْ بك القدم فالموت يحميك من الزلل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/03.jpg إذاً: أنتم ولو كنتم شباباً حينما نجعل من الموت عنصراً أساسياً في محاسبة أنفسنا، حينما نُدخِل الموت في حساباتنا اليومية، هذا الموقف، كيف ألقى الله به؟ لو جاءت منيتي بعد ساعة، ووقفت بين يدي الله عز وجل بماذا أجيب؟ لو أن إنسانًا اصطاد عصفوراً لغير مأكلة، جاء يوم القيامة وله دوي تحت العرش، يقول: يا رب, سله لمَ قتلني؟ . مرة نصحت إنسانًا يعمل في وظيفة، وبإمكانه أن يوقع أشد الأذى بالناس، نظرًا لموقعه ، فقال لي: انصحني، قلت له: افعل ما تشاء، ولكنك إذا كنت بطلاً فهيِّئْ لخالق الكون جواباً عن كل تصرف تتصرفه . يا أيها الأخوة، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، من حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابُه يوم القيامة عسيراً, أمّا هذه الكلمات: لا تدقق، حُطَّ بالخرج، من هنا إلى يوم الله يفرجها الله، هذه كلها مِن وساوس الشيطان، كلمات شيطانية لا معنى لها، بل معناها مدمر وخطر . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/04.jpg ماذا كان ينتظر عمر من الوافدين عليه لمبايعته على كرسي الخلافة, ومن هو الصحابي الذي نصح عمر فتوسم فيه الخير ؟ سيدنا الصديق توفي, قيل: وها هي ذا وفود الأنصار، تقدم كل يوم إلى يثرب مبايِعةً خليفته الفاروق عمر بن الخطاب على السمع والطاعة، في المنشط والمكره . المؤمنون لهم قيادة، ولهم رأس، المؤمن منضم إلى مجموع المؤمنين، يأتمر بما يُؤمر ، وينتهي عما يُنهى عنه . ذات صباح قدم على أمير المؤمنين وفدٌ من البحرين مع طائفة أخرى من الوفود، وكان الفاروق رضوان الله تعالى عليه شديد الحرص على أن يسمع كلام الوافدين عليه . فأنا أحياناً، أشعر كما أنتم بحاجة إلى أن تسمعوا، أنا أحياناً أشعر بحاجة إلى أن أسمع، عندما أسمع من أخٍ كلامًا منطقيًّا، كلامًا فيه وعي، ويَنُمُّ عن فهم، وبأدلة، فيه دقة، واللهِ هذا شيء يسعد كل إنسان يدعو إلى الله عز وجل، شيء مسعد حقًّا، شيء لا يُصدق أن ترى إنساناً قد اقتدى، واهتدى، واستفاد، ونفع الناس, وأينع عندهم الثمر, الحق ينبغـي أن ينتشر، ينبغـي أن يتوسع، الحق ينبغي أن يحاصِر الباطل، لا أن يحاصره الباطل . قلت لأخ قبل أن آتي: ما أهدى رجل أخاً في الله، إلا أحدث الله له درجة في الجنة، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح, قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: أنا ماذا قدمت ليوم اللقاء، ماذا قدمت لله عز وجل؟ يقول: عبدي جئتُ بك إلى الدنيا، وبقيت فيها عمراً طويلاً، فماذا قدَّمتَ لنفسك؟ قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [سورة فاطر الآية: 37] الذي عاش أربعين سنة، شاهد أربعين ربيعًا، وأربعين خريفًا، وأربعين صيفا، وأربعين شتاءً، فتناوبتْ عليه الفواكه والخضراوات, والأمطار, والرياح, والحر, والقرّ، ومن الأزهار, ومن الطيور، ومن الأفراح, ومن الأحزان، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [سورة فاطر الآية: 37] فكان الفاروق رضوان الله تعالى عليه شديد الحرص على أن يسمع كلام الوافدين عليه، فلعله يجد فيما يقولونه موعظة بالغة، أو فكرة نافعة، أو نصيحة لله ولكتابه ولعامة المسلمين, هذا يدلّ على أنّ الإنسان كلما ارتقى بالعلم ازداد تواضعاً، والإنسان المؤمن يستفيد من كل إنسان، حتى من الطفل الصغير . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/05.jpg الإمام أبو حنيفة كان يماشي في الطريق، رأى غلاماً أمامه حفرة، فقال له: ((يا غلام إياك أن تسقط, فقال هذا الغلام كلمةً حاسمة مفحمة: بل أنت يا إمام, إياك أن تسقط, أنا إن سقطتُ سقطتُ وحدي، وإنك إن سقطتَ سقطَ معك العالم)) المؤمن لا يتأبى عن نصيحة، ولا عن موعظة، ولا عن كلمة حق، المؤمن يستشير، والمؤمن يستعير عقول الآخرين، والمؤمن يتقبل الملاحظات، صدره رحب . عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: ((اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ, فَأَذِنَ لِي, وَقَالَ: لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ, فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا)) [أخرجه أبو داود في سننه عن عمر] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/06.jpg وفي غزوة بدر, قال له صحابي: ليس هذا المكان بموقع حرب مناسب، قال: دلني على الموقع المناسب، فدلّه، وأمر أصحابه أن ينتقلوا إليه، هكذا المؤمن كن بسيطًا، ولا تتكلف، ولا تتكبر . فندب عمرُ عددًا من الحاضرين للكلام، فلم يقولوا شيئاً ذا بال، قال: ((إذا لم يكن لديك ما تقول فلا غَناء في القول . -تسمع أحيانا كلامًا مدة ساعة، كله لا خير فيه، كلام فارغ، كلام مكرر ومعاد، لا جدوى منه، ولا فائدة، المؤمن كلامه مليء ودقيق، كلامه دسم، وكلامه حق، وكلامه خطير, قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام الآية: 83] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/07.jpg فالتفت إلى رجل توسم فيه الخير، وأومأ إليه, وقال: هات ما عندك، فحمد الرجل الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنك يا أمير المؤمنين، ما وليت أمر هذه الأمة إلا ابتلاء من الله عز وجل ابتلاك به، فاتَّقِ الله فيما وُلِّيتَ، واعلم أنه لو ضلّت شاة بشاطئ الفرات لسئلت عنها يوم القيامة ، فأجهش عمر بالبكاء، وقال: ما صدقني أحد منذ استخلفت كما صدقتني، فمن أنت؟ قال: أنا الربيع بن زياد الحارثي، أخو المهاجر بن زياد, قال: نعم . فلما انفضّ المجلس، دعا عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري، وقال: تحَرَّ أمر الربيع بن زياد، فإن يك صادقاً، فإن فيه خيراً كثيراً، وعوناً لنا على هذا الأمر)) سيدنا عمر يحبّ الناصح، والمؤمن الصادق يستجيب للناصح، ويُسَرُّ به ولو كان في كلامه قسوة، أمّا الإنسان ضعيف الإيمان فإنّه يحب المديح، ويفرح بالمادحين، ويضيق ذرعًا بالناصحين . فالإنسان إذا استمع إلى نصيحة الناصحين، وإلى انتقاد الناقدين، وإلى اعتراض المعترضين، فإنه يرقى سريعاً إلى الله، ويتخلص من أخطاء كثيرة، ومن عيوب وفيرة . سيدنا عمر كان مع أصحابه مرةً، فقال له أحدهم متملقاً: ((والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله, ما كان من هذا الخليفة الراشد إلاّ أن أَحَدَّ النظر فيهم إلى درجة غير معقولة, فقال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خير منك, قال: من هو؟ قال: الصديق, فقال عمر رضي الله عنه: لقد كذبتم جميعاً, وصدق هذا, وعَدَّ سكوتهم كذباً, -كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً- لقد كذبتم جميعاً وصدق، واللهِ كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك)) قرأت منذ أيام أن امرأة تعاني مشكلة، فطلبها ليسألها، ومن شدة هيبته في الطريق أسقطت خوفاً منه، فلما جلس مع أصحابه, قال: أعليَّ شيء؟ نتيجة إسقاطها، فأكثرُ أصحابه قالوا: لا، وأنت أردت أن تؤدِّبها، ثم قال: قل يا أبا الحسن, قال: واللهِ عليك دية الجنين، لأنها خافت منك فأسقطت، فأثنى عليه ثناءً شديداً . إذا أخذ الله بيدك، وجعلك بمنصب قيادي، جعلك داعية، جعلك مدير معمل، رئيسًا في دائرتك، إياك أن تلغي المعارضة، استمع للنقد، استمع للاعتراض، ودليل إيمانك وإخلاصك وصدقك أنْ تصغي للنصيحة وللنقد، ولو كان جارحاً، فهذا الذي يرفعك . فالإنسان إذا انتقدته تحرك، وأصلح من نفسه، وقوَّم اعوجاجه، وَرَأَبَ مِن صدعه، فأنا مؤمن أن النقد ضروري، والمعارضة ضرورية، والنصيحة ضرورية، والأمة تستحق الهلاك إذا كفَّتْ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الفريضة السادسة، إن صحت هذه التسمية، والله سبحانه وتعالى أهلك بني إسرائيل لأنهم قالوا: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 79] وقال في آية كريمة أخرى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [سورة هود الآية: 117] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/08.jpg لم يقل: صالحون، لو أنهم صالحون لأهلكهم الله، يجب أن يكونوا مصلحين، الصالح لذاته، أما المصلح لغيره . قال له: فاتق الله فيما ولِّيت، واعلم أنه لو ضلت شاةٌ بشاطئ الفرات لسُئِلتَ عنها يوم القيامة، فأجهش عمر بالبكاء . أحياناً تبحث عن معين لك مخلص، فطِن، صادق، لبيب، أريب، هذه قمة نجاح القائد، أن يختار معاونين مخلصين, قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص الآية: 26] سيدنا عمر لما وَلَّى رجلاً، قال له: ((خذ عهدك، وانصرف إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأسَ سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك؛ إن وجدناك أميناً ضعيفًا استبدلناك لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً، استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنّا أدبك، وإن جمعت الجرمين جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أميناً وفِيًّا، زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/09.jpg نحن لا تصلح أمورنا إلا إذا كان الأشخاص الذين يعوَّل عليهم يتمتعون في وقت واحد بالكفاءة والإخلاص، الكفاءة قدرات، والإخلاص قيد للمبدأ، خلاص للمبدأ، القرآن سماه: القوي الأمين, قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص الآية:26] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/10.jpg ((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ, فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ, قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ, فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ, فَلَمَّا أَدْرَكَهُ, قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ, قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ, قَالَ: لَا, قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ, قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ, فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ, قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ, قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ, فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ, قَالَ: نَعَمْ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَانْطَلِقْ)) [أخرجه مسلم في الصحيح عن عائشة] هذا مبدأ, المشرك قوي، ولكن ليس أمينًا . إياك أن تستعين بكافر، إياك أن تستعين بمنافق، فلا يزيدك إلا خبالاً، فازهد بكفاءته، وازهد بقدراته، وازهد بكل ما يملك، إن لم يكن مخلصاً, وبالمقابل لا تعتمد على مخلص جاهل، يريد أن ينفعك فيؤذيك، لا على مخلص جاهل، ولا على قوي خائن . البلاد الذي فتحها القائد العظيم الربيع بن زياد الحارثي : 1- مناذر : فلم يمض على ذلك اليوم غير قليل حتى أعدَّ أبو موسى الأشعري جيشاً لفتح (مناذر)، من أرض الأهواز، بناءً على أمر الخليفة، وجعل في الجيش الربيع بن زياد، وأخاه المهاجر. يعني إذا وفَّق الله عز وجل أحدًا فحظِي بإنسان مخلص وكفء, فيجب أنْ تعضّ عليه كما تعضّ على شيء نفيس، فهو أندر كما يقولون من الكبريت الأحمر، إنسان مخلص وكفء، فالواحد منا حتى في اختيار زوجته، حتى في اختيار معاونيه في عمله، حتى في اختيار من يليه في العمل, فعليه أنْ يبجث عن الكفء في العمل . لكنْ ما الذي يحصل؟ إما أن تجد إنسانًا مخلصًا مؤمنًا طيبًا, يُقال: إنه درويش، درويش لا يفهم شيئًا، أو أن تجد إنسانًا حاذقًا في اختصاصه، لكنه خائن، زنديق، لئيم، لا هذا يملأ عينك، ولا ذاك يملأ عينك، لا يملأ عينك، إلا إنسان بقدر ما هو طيب، أنْ يكون أيضًا كفؤًا, ربنا عز وجل لما وصف نفسه, قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن الآية: 78] يعني عظيم، ولا حدود لعظمته، وكريم ولا حدود لكرمه، بقدر ما هو عظيم، هو كريم، بقدر ما هو كريم, فهو عظيم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/11.jpg قد يكون للواحد والدة يحبها حباً لا حدود له، لكنها غير متعلمة، وهو دكتور، يحبها ولكنْ لا يعجب بها، وقد يعجبك عالم في الجامعة، لكنه قاس، أنت لا تحبه، ولكنه يعجبك، فالشخصية المتكاملة هي التي تشد الناس إليها، فالأنبياء أوتوا الفطانة، بقدر ما النبي ذكيًا وعاقلا وفطنًا، بقدر ما هو طيب ورحيم ومتواضع، فالصفات الأخلاقية مع الصفات العلمية إذا اجتمعتا, أعطت نموذجاً مدهشا ونموذجاً فذا . أحياناً يفتقر هذا الأخلاقي إلى علم، فهو صغير في نظر الناس, وأحياناً يفتقر هذا العالم إلى أخلاق، فهو صغير في نظر الناس, فصعب أن تشد الناس إلى الدين إذا كان في علمك ضعف، صعب أن تشد الناس إلى الدين إذا كان في أخلاقك ضعف، فيجب أن تسعى، وأن تحيط بكل جوانب الدين، إن هذا الدين كما ورد في الحديث القدسي عن جابر بن عبد الله, قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال لي جبريل: قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الدِّينَ ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي، وَلاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ السَّخاءُ, وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا مَا صَحِبْتُمُوهُ)) [ورد في الأثر] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/12.jpg حاصر أبو موسى الأشعري (مناذر)، وخاض مع أهلها معارك طاحنة، قلَّما شهدت لها الحروب نظيراً، فقد أبدى المشركون من شدّة البأس، وقوة الشكيمة ما لا يخطر على بال، وكثُر القتل في المسلمين كثرةً فاقتْ كلَّ تقدير، فلما رأى المهاجر بن ربيع بن زياد أن القتل قد كثر في صفوف المسلمين، عزم على أن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتحنط وتكفن وأوصى أخاه . الحقيقة أنّ الحديث عن الصحابة ممتع، والحديث عن الشهادة ممتع كذلك، لكن الحقيقة عندما يتعرَّض الإنسان للخطر يُعرف حجمُه الحقيقي من بين هؤلاء الأبطال، فالكلام سهل، لكن الإنسان عندما يشعر أنَّ أجله قد اقترب يختل توازنه، فهؤلاء الصحابة، باعوا أنفسهم في سبيل الله . سيدنا إبراهيمُ فدى اللهَ بذبح ابنه إسماعيل، بذبح عظيم, فلما فداه بذِبحٍ عظيم ما كان يدري أنه سيفدى بذِبح عظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الصافات الآية: 106] فهذا تحنط، وتكفن، وأوصى أخاه، فمضى الربيع إلى أبي موسى, وقال: إن المهاجر قد أزمع أن يشري نفسه وهو صائم، والمسلمون قد اجتمع عليهم من وطأة الحرب, وشدّة الصوم ما أوهن عزائمهم، وهم يأبون الإفطار، فافعل ما ترى . سمعتم منذ يومين أنني ألقيت خطبة في جامع النابلسي حول صفات النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما لفتَ نظري أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه في غزوة في رمضان، فبعض أصحابه أفطر أخذاً بالرخصة، وبعضهم بقي صائمًا أخذاً بالعزيمة، ولكنَّ الصائمين أرهقهم الصومُ والحرُّ فسقطوا، لقد أصبحوا ضعافًا، جلسوا واستلقوا، والمفطرون أعدوا لهم الطعام، ونصبوا لهم الخيام، وقدموا لهم كل الخدمات، ماذا قال عليه الصلاة و السلام؟ كلام رائع فاسمعوه، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ, وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا, وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ, وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس] رجَّح عليه الصلاة والسلام العمل على العبادة، هذا الإنسان خدم، ونصب الخيام، وذبح الذبائح، وطبخ لأخوانه . كان سيدنا ابن عباس مرةً معتكفًا، بعد وفاة رسول الله، فدخل عليه رجل وطلب منه حاجة، يبدو أن عليه دينًا، والدائن شديد الضغط عليه، قال له: ((أرهقني فلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إن شئت, فخرج ابن عباس من معتكفه، فقال له أحدهم: يا ابن عباس, أنسيت أنك معتكف، قال: لا، ولكن سمعت صاحب هذا القبر، والعهدُ به قريبٌ، فدمعت عيناه، لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر, واعتكافه في مسجدي هذا)) هذا هو الإسلام، الإسلام معاونة، الإسلام عمل، الإسلام خدمة، الإسلام بذل، الإسلام تضحية . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/13.jpg فهنا لما اشتدَّتْ عليهم وطأة المعركة، واشتدت عليهم صعوبة الصيام وقف أبو موسى الأشعري، ونادى في الجيش: ((يا معشر المسلمين, عزمت على كل صائم أن يفطر، أو يكفوا عن القتال، وشرب من إبريق كان معه ليشرب الناس لشربه، فلما سمع المهاجر مقالته جرع جرعة من ماء، وقال: واللهِ ما شربتها من عطش، ولكني أبررت عزمة أميري . -أحياناً نحتـاج إلى فقه، أحياناً خدمة أخيك المؤمن أفضل من صلاة النافلة، وأحياناً حضور مجلس علم أفضل من عبادة نافلة، فأنت بالعلم ترقى، أما بالعبادة فتتألق، يمكن للطاولة أنْ تتألق بالمسح، أما العلم فإنّه يضيف لك منزلةً جديدة، فأنت بالعلم ترقى، أما بالعبادة وحدها فإنّك تصفو . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/14.jpg فالصفاء ليس له مردود، أما العلم له مردود، والأولى أن تجمع بينهما، ولكن لو خُيِّرتُ بين مجلس علم، وبين الصلوات النافلة، فإنّي أحضر مجلس العلم، وأفضِّله على الصلوات النافلة، وهناك في السنة آثار كثيرة تؤكد ذلك- . امتشق حسامه، وطفق يشق الصفوف، ويجندل الرجال، غير وجل ولا هيَّاب، فلما أوغل في جيش الأعداء أطبقوا عليه من كل جانب، وتعاورته سيوفهم من أمامه ومن خلفه، حتى خرَّ صريعاً، ثم إنهم احتزُّوا رأسه، ونصبوه على شرفة مطلة على ساحة القتال، إنّه أخو الربيع، فلما نظر إليه الربيع, قال: طوبى لك وحسن مآب، واللهِ لأنتقمنَّ لك ولِقتلى المسلمين إن شاء الله، فلما رأى أبو موسى ما نزل بالربيع من الجَزَع على أخيه، وأدرك ما ثار من الحفيظة في صدره على أعداء الله تخلَّى له عن قيادة الجيش، ومضى إلى السوس لفتحها . هَبَّ الربيعُ وجندُه على المشركين هبوبَ الإعصار، وانصبوا على معاقلهم انصباب الصخور إذا حطها السيل، فمزقوا صفوفهم، وأوهنوا بأسهم، ففتح الله (مناذر) للربيع بن زياد عُنْوةً، فقتل المقاتلة، وسَبَى الذرية، وغنم ما شاء الله أن يغنم، ومنذ هذا التاريخ لمَع نجمُه، وذاع اسمه، وتألق صيته في كل مكان)) إنّ الله سبحانه وتعالى, قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 4] دققوا؛ هذه الآية كما يتضح لنا هي للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لكل مؤمن منها نصيب، فما من مؤمن يلزم طريق الاستقامة، وما من مؤمن يعاهد الله على طاعته، وما من مؤمن يحضر مجالس العلم، وما من مؤمن يعاهد الله ورسوله على السير في طريق الإيمان، إلا رفع الله ذكره، وأعلى شانه، ويرفعه على أقرانه، ويجعله متألقاً لامعاً، هذا من عطاء الدنيا قبل عطاء الآخرة، هذا من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن الآية: 46] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/15.jpg قال العلماء: جنَّة في الدنيا، وجنَّة في الآخرة . إذا ذهب الإنسان إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام, فمِن المستحيل أنْ يعتقد أنَّ في الأرض كلها إنساناً واحداً ناله العزُّ والرفعةُ كما نالهما النبي صلى الله عليه وسلم, ولو أنك رأيت ملكاً في حرم النبي فإنّك لا تلتفت إليه أبداً . مرةً قرأت لوحة رخامية في الحرم النبوي، أحد السلاطين العثمانيين وسَّع الحرم النبوي، كتب لوحة رخامية وذيلها بالكلمات التالية: الفقير إلى الله تعالى كثير الذنوب, السلطان فلان, غفر الله ذنبه, آمين . ملك، سلطان، يحكم نصف الأرض، ومع ذلك ليس له وجود في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام . النبي عليه الصلاة والسلام رفع الله شأنه رفعة لا توصف، وكل واحد منكم، على قدر استقامته، وعلى قدر إخلاصه، وعلى قدر التزامه، وعلى قدر خوفه من الله، يرفع الله له ذكره ، هذا ليس كبراً، لا، بل هذه مكافأة . المؤمن إنسان عظيم، له هيبته، له شأنه، له مقامه عند الله، مرغوب الجانب، محبوب ، وهذه كلمة أرذل العمر نعوذ بالله منها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سورة النحل الآية: 70] كل واحد منا إذا كان له أقرباء، وضيعوا في شبابهم دينَهم، فلما كبر سنهم، وضعف بصرهم، وانحنى ظهرهم، وشاب شعرهم، رُدُّوا إلى أرذل العمر، فإنْ لم يعتبرْ ويتعظْ فهو ذو عقل سخيف، تدخل حشري، والقصة تُعاد آلاف المرات فأهله يكرهونه، ويهربون منه، ويَدَعُونَه في غرفته وحده, فليعتبرْ كلُّ إنسان . أما إذا رأيت عالماً جليلاً، أمضى حياته في طاعة الله، فانظر إليه، انظر إلى وضاءة وجهه، وانظر إلى فطانته، وانظر هيبته، وانظر إلى التفاف الناس حوله، ففي هذا أيضًا العبرة لمِن أراد أنْ يعتبر . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/16.jpg مرةً أحد اليهود رأى الإمام الجنيد في موكب يركب فرساً، وكان بهي المنظر، أزهر اللون متألقاً، وحولـه من أتباعه وأخوانه العدد الكبير، وكأنه ملك من الملوك، فارتاع اليهودي لهذا المنظر، وأخذته الدهشة، وصار يتساءل . هذا سيدنا ابن عباس كما مرّ معنا في الدرس الماضي ذهب إلى الحج، يرافقه وفدٌ فاق وفدَ الخليفة، وليس هذا هو القصد، وإنّما القصدُ أنّ هذا اليهودي يعمل في المجاري، والمياه المالحة، فقير رثّ الهيئة، جائع مبتذل، لا شأن له، يعني المصائب اصطلحت عليه، كما قال أحد الشعراء: بلاني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبــالِ فكنت إذا أصابتني سهـام تكسرت النصال على النصالِ لم يعد في مجلسه محلات لرفع النصال والنبال, فقال هذا اليهودي لهذا العالم الجليل: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ, وَجَنَّةُ الْكَافِرِ . -فأيُّ سجن أنت فيه, وأية جنة أنا فيها، ما هذا الكلام؟- فقال له الجنيد: يا هذا, إذا قِسْتَ حالك بما ينتظرك من عذاب فأنت في جنة، وإذا قِسْتَ حالي بما وعدني الله من ثواب ونعيم فأنا في سجن)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ, وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ, وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ, فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ, فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة] فإنسانٌ يَعِدُه اللهُ وعداً حسناً، هذا شيء عظيم . 2- سجستان : أصبح سيدنا الربيع أحد القادة المرموقين الذي يُرجَوْن لجلائل الأعمال، فلما عزم المسلمون على فتح سجستان، عهدوا إليه بقيادة الجيش، وأمَّلوا على يديه النصر . تسمعون بأذربيجان، مِن دول الاتحاد السوفيتي سابقًا، هذه البلاد في عهد عمر كانت تابعة لإمارة سيدنا عمر، تُحكم من المدينة المنورة، ألم يأتِه من أذربيجان رسولٌ بهدية ثمينة، وقد دخل هذا الرسولُ المسجدَ خشية أن يوقظه في الليل، فرأى رجلاً يصلي، ويبكي، ويقول : يا رب, هل قبلتَ توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟ . قال له: من أنت يرحمك الله؟ . قال له: أنا عمر . قال: أمير المؤمنين؟ . قال: نعم . قال: يا أمير المؤمنين، ألا تنام الليل، فأنا لم آت بيتك خشية إزعاجك . قال: أنا إن نمت ليلي كلَّه أضعتُ نفسي أمام ربي، وإن نمتُ نهاري أضعت رعيتي . صلى معه الفجر، ثم أخذه إلى البيت، وقال: يا أم كلثوم, هات ما عندك من طعام، فجاءت له بخبز وملح، أكل وشرب، وحمد الله تعالى, وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا . قال له: ما الذي جاء بك إلينا؟ . قال: هدية بعث بها عاملك على أذربيجان, وأذربيجان أصبحتْ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي دولةً مستقلةً، ولكن أين كانت في عهد عمر؟ كانت تابعة للمدينة . قال: أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام؟ . قال: لا. هذا طعام الخاصة . يقولون: إنّ سيدنا عمر كان قد أكل لقمة واحدة، أخرجها من فمه، وقال: هذا حرام على بطن عمر، أن يذوق طعامًا لا يطعمه فقراء المسلمين . مضى الربيع بن زياد بجيشه الغازي في سبيل الله إلى سجستان، عبر مفازة طولها خمسة وسبعون فرسخاً، تعيا عن قطعها الوحوش الكاسرة من بنات الصحراء . كأنّ جنس الإنسان بهذه العصور صار سريع العطب, يركب المرءُ الآن سيارة مكيفة ، سرعتها مئتا كيلو متر في الساعة، من مكة إلى المدينة، فيقول: يا أخي، الطريق طويل، أربع ساعات، شيء يحطم, فكيف بهذا الذي قطع المسافة على جمل في اثني عشر يوماً، من دون تكييف، ليس لدينا جمل مكيف, أليس كذلك؟ ما قوة الاحتمال هذه؟ وما هذا الجَلَد؟. فمضى الربيع بن زياد بهذا الجيش الغازي، فكان أول ما عرض له حصن شامخ، محصن، وافر الخيرات، كثير الثمار، بثَّ القائد الأريب عيونَه قبل أن يصل إليه، فَعلِم أنّ القوم سيحتفلون قريباً بمهرجانٍ لهم، فتربَّص بهم حتى بَغَتَهُمْ في ليلة المهرجان على حين غرة , وفي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)) [متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله] لأنه ليس القصد أن تبيد أعداءك، إنما القصد أن تأسرهم، لأن هذا إنسان، وأنت إنسان أيضاً، وأنت مؤمن أوسعُ منه رحمة، فإذا اتخذتَ الخدعةَ معه, وفَّرتَ عليك مشقَّةَ قتله، فأخذته أسيراً ، وعلَّمتَه حتى يسلم . فتربص بهم حتى بغتهم، فسبى منهم عشرين ألفاً، ووقع دهقانهم بيده - أسير الدهقان زعيم- وكان بين السبي مملوك للدهقان، فوجدوه قد جمع ثلاثمئة ألف ليحملها إلى سيده، قال له الربيع: من أين هذه الأموال؟ قال: من إحدى قرى مولاي . فقال له: وهل تعطيه قرية واحدة مثل هذا المال كل سنة؟ . قال: نعم . قال: وكيف؟ . قال: بفؤوسنا ومناجلنا وعرقنا, نحن بالقوة نجني هذه الأموال, ولما وضعت المعركة أوزارها ، تقدم الدهقان إلى الربيع يعرض عليه افتداء نفسه وأهله . فقال له: أفديك إذا أجزلت للمسلمين العطاء . قال: كم تبغي؟ . قال: أركز هذا الرمح في الأرض، ثم تصب عليه من الذهب والفضة حتى تغمره غمراً بأكوام الذهب . قال: رضيت, واستخرج ما في كنوزه من الأصفر والأبيض, وطفق يصبها على الرمح حتى غطاه . ذات مرة قبض أصحابُ رسول الله بالخطأ على إنسان، فإذا هو ثمامة، أحد زعماء القبائل، وقد وقع أسيراً، وكان قد قتل هذا الرجل عشرةً من أصحاب رسول الله، لكنهم ما عرفوا أنه ثمامة، جاؤوا به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وربطوه بسارية، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام فلما رآه, قال: ((هذا ثمامة, ما وراءك يا ثمامة؟ فقال ثمامة: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تَعْفُ تَعْفُ عن شاكر، وإن تُرِدِ المال فاطلبْ منه ما تشاء, تركه النبي عليه الصلاة والسلام . وفي اليوم التالي مرّ به النبي عليه الصلاة والسلام ثانيةً، وقال: ما وراءك يا ثمامة؟ قال: كما قلت بالأمس: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تَعْفُ تَعْفُ عن شاكر، وإن تُرِدِ المال فخذ منه ما تشاء, تركه ومر به في اليوم الثالث، لكنه أمرهم أن يأتوا له بطعام من بيت النبي، أطعموه وأكرموه . في اليوم الثالث، قال له: ما وراءك يا ثمامة؟ قال: إنْ تَعْفُ تَعْفُ عن شاكر، وإنْ تُرِدِ المال فاطلب منه ما تشاء, قال: أطلقوا سراحه . أطلق أصحاب النبي سراح ثمامة، فخرج بعيداً، وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في جمع من أصحابه، وقال: يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله، واللهِ يا محمد، ما كان وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، والآن ما وجه أحَبّ إليَّ من وجهك, وما كان دين أبغض إليّ من دينك، والآن ما دين أحَبّ إليّ من دينك, وما كان قوم أبغض إليّ من قومك، والآن ما قوم أَحبّ إليّ من قومك، ثم أسلم)) كان عليه الصلاة والسلام عنده قوة تأثير، عنده حبٌّ للناس، حبٌّ للإنسان، حيث لو نظر إلى عدوه اللَّدُود لَقَلَبَهُ إنسانًا آخر محباً . أمّا هذا الذي جاء النبيَّ، وقال له: ائذن لي بالزنا، فقام له الصحابة ليقتلوه، وقاحة ما بعدها وقاحة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ: ((إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)) [أخرجه أحمد في مسنده عن أبي أمامة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/17.jpg فأنت كمؤمن يجب أن تحب الإنسان، فلا تكن حقوديًّا، ولا تكن متجافِيًا، هذا العاصي إنسان زلّتْ قدمُه، وهو الآن بحاجة إليك، كن معه كالطبيب، وأشفق عليه، ولا تحقد عليه . توغل الربيع بن زياد بجيشه المنتصر في أرض سجستان، فطفقت تتساقط الحصون تحت سنابك خيله، كما تتساقط أوراق الشجر تحت رياح الخريف، وهبَّ أهلُ القرى والمدن يستقبلونه مستأمنين خاضعين، قبل أن يشهر في وجوههم السيف، حتى بلغ مدينة زرنج عاصمة سجستان، فإذا بالعدو قد أعد لحربه العدة، وكَتَّبَ للقائه الكتائب، واستقدم لمواجهته النجدات، وعقد العزم على أن يذوده عن المدينة الكبيرة، وأن يوقف زحفه . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3183/18.jpg دارت بين الربيع وأعدائه رحى حرب طحون، لم يضن بها أيٌّ من الفريقين بما تطلبه من ضحايا، فلما بدرت أولُ بادرة من بوادر النصر للمسلمين، رأى مرزبان القوم المدعو (برويز) أن يسعى لمُصالحة الربيع، وهو ما تزال فيه بقية من قوة، فلعله يحظى لنفسه ولقومه بشروط أفضل، فبعث إلى الربيع بن زياد رسولاً من عنده، يسأله أن يضرب له موعداً للقائه ليفاوضه على الصلح، فأجابه إلى طلبه . استطاع هذا الصحابي الجليل بما أوتي من إخلاص وشجاعة أن يفتح بلاد سجستان، فكان فاتحها، وخلَّد التاريخُ اسمَه فاتحًا . لذلك ذاتَ مرةٍ باع مسلمٌ أرضه لإنسان غير مسلم، فسأل عالمًا، قال له: أيجوز أن أبيعها لغير مسلم؟ قال له العالم: اسأل الذي فتحها؟ يعني سيدنا خالدًا، كم بذل من دماء حتى فتحها؟ . فالإنسان يبيع أرضًا، أو يبيع بيتًا لإنسان غير مسلم، فهذا نوع من أنواع الخيانة للمسلمين، وعلى المسلم أنْ يحافظ على هذه الأرض التي فُتحت بدماء المسلمين، وليعلمْ أنه سيقف يومًا بين يدي الله سبحانه، ويُسأَل عن تفريطه . الختام |
| الساعة الآن 04:24 AM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.