منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=47)
-   -   سيرة الصحابة رضوان الله عليهم (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9431)

السعيد 08-21-2018 12:48 PM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الحادى و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا ابو هريرة الدوسى



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ما هي الحكمة الربانية في توزيع القدرات بين البشر وهل خصصت الجنة للدعاة فقط ؟
أيها الأخوة الأكارم, مع بداية الدرس الواحد والثلاثين من دروس سير أصحاب رسول الله رضي الله عنهم تعالى أجمعين، وصحابيّ اليوم تعرفونه جميعاً، فما من مسلم إلا ويطرق سمعَه اسمُ هذا الصحابي الجليل في كل خطبة تُلقَى، وفي كل درس يُعطَى، وفي كل كتاب يُقْرأ، إنه الصحابي الجليل أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/01.jpg
وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الصحابي الجليل نذكر سببَ اختيار هذا الصحابي، في فكرة أساسية مؤَدَّاها أن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان حرية الاختيار، وجعل للجنة أبوابًا عدة، فكل إنسان بإمكانه أن يصل إلى الجنة من أيِّ باب من هذه الأبواب، هناك من يطلب العلم فقط ليتعلَّم ويعلِّم، وهناك من يتعلّم ويقدِّم خدمات للناس، وهناك من يبني المساجد، وهناك من يرعى الأيتام، وهناك من يعين الضعفاء، وهناك من ينصر المظلومين، فالطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فمِنَ السذاجة وضيق الأفق والجهل أن تظّن أن الجنة للدعاة إلى الله فقط، لا، فهي أيضًا لأصحاب الحرف، ولمن أتقنوا حرفهم، ولمن خدموا المسلمين، ولأصحاب الأموال الذين أنفقوا أموالهم رخيصة في سبيل الله، ولأصحاب الجاه الذين وضعوا جاههم في خدمة الضعفاء، ولمن أنشؤوا المساجد، ولمن أسّسوا دور الأيتام، أبواب الجنة مفتحة لكل هؤلاء، فأنتم ترون كيف أنّ صحابياً جليلاً باعُه طويل في الجهاد، كسيدنا خالد؟ وأن صحابياً جليلاً آخر باعه طويل في الإنفاق، وأن صحابياً جليلاً آخر باعه طويل في تعلُّم العلم وتعليمه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/02.jpg
فهذا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه نمطٌ فريد، فما من صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد عن خمسة آلاف وستمئة حديث كأبي هريرة، لذلك بعض العلماء لهم تعبير مهني يقولون: هذا مريد علم، هذا مريد خدمة، ترى طالب علم همُّه الأول أن يخدم المسجد، ويحسِّنه، وينظفه، فهذا على العين والرأس، وتجد إنسانًا آخر همه حفظُ الآيات والأحاديث والتفاسير، وهو على العين والرأس، وهناك إنسان ثالث همه الإنفاق ومساعدة الفقراء ، فهو كذلك على العين والرأس، فكل إنسان يعمل في حقله، والشيء العجيب أنّ الإنسان مخيَّر، ومع أن الحياة تحتاج إلى آلاف آلاف الأعمال فقد نسق الله عز وجل بين اختيار الإنسان وبين إعمار الكون على مستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فكل إنسان يحقق اختياره ويستمتع بعمله، ومجموع الأعمال يحقق إعمار للأرض، لكنْ كيف تمّ هذا التنسيق بين اختيار الناس وبين تحقيق حاجات البشر جميعاً؟ لقد تمّ هذا بترتيب وتدبير الله سبحانه على مستوى مدينة واحدة, فيها خطاطون، وفيها منشدون، وفيها قراء قرآن، وفيها تجار، وكل إنسان اختار مهنة أحبّها، وبرع فيها، لكن كيف تنسق اختيار هؤلاء جميعاً؟ حيث إن هذه المدينة فيها كل الحِرَف، وفيها كل الفعاليات .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/03.jpg
على كُلٍّ مقدمتي هذه هدفُها أن أحدناً لا يتوقف عمله، فأي قطر إسلامي يعدّ من أكبر الأقطار الإسلامية تعداداً من حيث سكانه, إندونيسيا، فيها مئة وخمسون مليون مسلم، والأمة العربية من خليجها إلى محيطها مائتا مليون، أكبر قطر إسلامي أسلم أبناؤه عن طريق التجار والبيع والشراء, لذلك ففي الحديث الشريف عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ))
[أخرجه الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري]
لماذا؟ لأنه داعية كبير، وهو لا يدري، ولأنه حقق للناس حاجات أساسية باعهم بضاعة جيدة بسعر معتدل، وكان لطيفًا معهم، رحيمًا بهم، سَمْحًا في التعامل معهم، فهذا التاجر الصدوق يمكن أن يكون داعية إلى الله وهو ساكت .
ما هو الاسم الذي سماه رسول الله لأبي هريرة ولماذا كان يكنى بأبي هريرة
والآن إلى الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، لقد كان الناس يدعون هذا الصحابي الجليل في الجاهلية عبد شمس, الناس بأسمائهم، فرعون، قارون، سيدنا زيد، ولا تجد إلا كنية واحدة في القرآن كله، وهي أبو لهب، لأن اسمه الأساسي عبد العزى، والقرآن لا يصح أن يذكر اسمًا أساسه الشرك لذلك قال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
(سورة المسد الآية: 1-2)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/04.jpg
أحيانا يتألم الإنسان إذا نودي باسمه، لا تتألم يا أخي، فقد نادى الله الأنبياء بأسمائهم، فقال:

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
(سورة آل عمران الآية: 55)
ناداه باسمه, قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾
(سورة مريم الآية: 12)
أما أصحاب الكنى:﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
(سورة المسد الآية: 1)
القرآن الكريم لم يذكر من أسماء الكنى إلا أبا لهب قياساً على هذا, فاسم هذا الصحابي الجليل عبد شمس، فلما أكرمه الله بالإسلام، وشرّفه بلقاء النبي عليه الصلاة والسلام, قال له:
((ما اسمك؟ قال: عبد شمس، فقال عليه الصلاة والسلام: عبد الرحمن، فقال: نعم، عبد الرحمن))
بأبي أنتَ وأمي يا رسول الله، ومِن السنة أن تُغَيِّر أسماءَ مَن تحب إنْ كانت قبيحة منفِّرة، أو كانت من أسماء ترمز إلى الشرك، ولا تليق بالمؤمن الموحِّد، ما اسمك يا زيد؟ فقال: اسمي زيد الخيل، قال : بل أنت زيد الخير، هناك أسماء لا تليق، مثل عدوان، لماذا؟ ينبغي أن نغيِّرها، أعتقد أنّ من حق الإنسان أن يغيّر اسمه إلى اسم يروق له، لكن دائماً من حق الولد على والده أن يحسن تسميته كي يزهو باسمه .
أمّا لماذا كان يكنى بأبي هريرة؟ فإنّ سبب ذلك كانت له هرة وهو صغير، يلعب بها، فجعل لدّاته أي أصدقاؤه ينادونه أبا هريرة، وشاع ذلك، وذاع حتى غلب على اسمه، ونحن عندنا في تاريخ الأدب أسماء، مثل الجاحظ لجحوظ عينيه، المتنبي، أبو تمام، أسماء كثيرة غلبت على أسماء أصحابها الحقيقية الكنى والألقاب .
بالمناسبة سيدنا عمر سُمِّي الفاروق، وهذا لقبه، وكنيته أبو حفص، وابن الخطاب، والكنية أبو فلان أو ابن فلان، والصديق لقب، القرشي نسب، فلان الحداد شهرة، والشهرة شيء, واللقب شيء، والنسب شيء، والاسم شيء، وأكثر أسماء الأُسَرِ أساسُها الصنعة، السمّان، الحدّاد، وغير ذلك . لماذا كان ينادي رسول الله أبا هريرة بهذه الكنية ؟
فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه كثيراً بأبي هِرّ، إيناساً له وتحبباً، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق لطيفًا، ومثل هذا ما رواه الشيخان وغيرُهما عَنْ أَنَسٍ, قَالَ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا, وَكَانَ لِي أَخٌ, يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ, قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا, وَكَانَ إِذَا جَاءَ, قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ, مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَرٌ, كَانَ يَلْعَبُ بِهِ, فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهـُوَ فِي بَيْتِنَـا, فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ, ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس]
وكان يتحبب للسيدة عائشة, ويقول لها: يا عويش, فعَن مسلم بن يسار, قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة, فقال:
((يا عويش, مالي أراك أشرق وجهك))
[ ورد في الأثر]
وفي اللغة العربية الاسم يصغَّر تعظيماً، ويصغَّر تحقيراً، ويصغَّر تحبُّباً، فمِن تصغير التعظيم قولُ لبيد بن ربيعة:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ
الدويهية تصغير داهية، وهذا تصغير تعظيم، يعني هذا الأمر داهية كبير، وتصغير التحقير تقول هذا شويعر، تصغير شاعر، عويلم، هذا تصغير التحقير، أما تصغير التحبّب يا عويش، فصار يُؤْثر أبا هر على أبي هريرة، ويقول: ناداني بها حبيبي رسول الله، والهرّ ذَكَرُ، والهريرة أنثى، والذكرُ خير من الأنثى، هكذا عُلِّلَتْ . ما هي الحرفة التي اتخذها أبو هريرة بعد إسلامه وعلى يد من أسلم ؟
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين، حيث وفد مع جموع من قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الصحابي الجليل انقطع لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتخذ المسجد مقاماً، واتخذ النبي معلماً وإماماً، إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد، وتعرفون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يَعْلَى الْعَامِرِيِّ: أَنـَّهُ جَاءَ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْتَبِقَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ, وَقَالَ:
((إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/05.jpg
أحيانًا التفرغ له معنى، فمع طلب العلم رائع جداً، والكلام موَجّه إلى أخواننا الشباب، وأنتم الآن في طور اليفاع، وأنتم الآن متفرغون، لا زوجة ولا ولد، والزواج مسؤولية ومتاعب، فريثما تتزوج أحدكم فعليكم بمضاعفة الجهد، لأن هذا الوقت الذي تعيشونه الآن لا تعرفون قيمته إلا بعد الزواج، فالزواج مشغلة، فاستغلوا وقتكم، وضاعفوا جهدكم، واطلبوا العلم حثيثاً، ومَن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، ما المانع أن تحفظ القرآن الكريم؟ ما الذي يمنعك أن تطلب العلم طلباً حثيثاً؟ ما الذي يمنعك أن تضاعف من إنتاجك العلمي والتحصيلي وأنت شاب؟ والشيء المؤلم أنّ الإنسان حينما تتقدم به السن يتحرّق ألمًا على الوقت الذي مضى في شبابه على غير ما يتمنى، وقد قال الشاعر أبو العتاهية في هذا المعنى:

فَيَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخْبِرَهُ بِمَا صَنَعَ الْمَشِيبُ
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/06.jpg
فإذا سمح اللهُ لشابٍّ أنْ يستفيد من خبرات الآخرين، أو أكرمه بخبرات الشيوخ مقدَّمةً له على طبق من ذهب، فعليه أن يستفيد منها، ومِن علامات ذكاء الإنسان وتوفيقه أنه يستفيد من خبرات الآخرين دون أن يدفع الثمن الباهظ لها، تجلس مع إنسان كبير في السن, يقول لك: آه، فتخرج من أعماق أعماق أعماقه، لقد ضيَّعتُ الوقت الثمين في شبابي، ترى الآن الشباب يقفز نشيطًا خمس درجات معاً على سُلَّم البناء، لكنّه بعد الأربعين والخمسين يميل للراحة والسكون والنوم، ويميل إلى إلغاء هذه الزيارة، وهذا اللقاء، فقد بدأت متاعبُه، أما وهو شاب يغلي غلياناً، ويتوقد نشاطاً، فالإنسان الشاب يستغل نشاطه، وأروع شاب هو الذي يمضي شبابه في تجارب الشيوخ، وحضور مجالس العلم، فيعطيك خبرات الشيوخ، وأنت شاب، فاستغِلَّ هذه الفرصة قبل أن تُشغَل، والحديث الشريف تعرفونه جميعاً:
((اغتنم خمساً قبل خمس, فراغك قبل شغلك، حياتك قبل موتك، صحتك قبل سقمك، شبابك قبل هرمك، غناك قبل فقرك))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/07.jpg
وفي القرآن الكريم آية تحضنا على التسابق؟ قال تعالى:
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
(سورة الحديد الآية: 21)
وقال سبحانه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
(سورة الصافات الآية: 61)
وقال عزوجل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
(سورة المطففين الآية: 26)
إليك قصة إسلام أم أبي هريرة والفرحة التي غمرت قلب ولدها :
أيها الأخوة, إلا أن هذا الصحابي كانت له أم عجوز أَصَرَّتْ على الشرك، فكان لا يفتأ أن يدعوها إلى الإسلام إشفاقًا عليها، وبراً بها، فتنفر منه, وتصده فيتركها, والحزن عليها يفري فؤاده فرياً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/08.jpg
والله أيها الأخوة, قد ألتقي بأخ شاب فتراه يتحرّق على هداية أمِّه وأبيه وهداية أخوته وأخواته، واللهِ أُكْبِرُه، فالإنسان إذا لم يكن فيه خيرٌ لأقرب الناس إليه فلا خير فيه لأحد، فالشاب المؤمن بأساليب ذكية جداً يُسمِع والدَه الحقَّ، وُيسمع والدته الحق، وينصح بأدب، ولا يدخر وسعاً لهداية أقرب الناس إليه، وكلكم يعلم أن الابنَ لن يستطيع أن يردَّ جميل أبويه إلا في حالة واحدة, أن يكونا ضالَّين فيتم هدايدهما على يديه، فإذا فعل ذلك فقد ردّ الجميل كلّه، لأنّه أعتقهما من النار.
وفي ذات يومٍ دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله، فقالت في النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه، فمضى إلى النبي يبكي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:
((ما يبكيك يا أبا هريرة؟ فقال: إني كنت لا أفتر عن دعوة أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ, وقد دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره, وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: فادعُ الله جل وعز كي يميل قلبَ أم أبي هريرة للإسلام، فدعا لها النبي صلوات الله وسلامه عليه .
قال أبو هريرة: فمضيتُ إلى البيت، فإذا بالباب قد ردّ، وسمعت خضخضة الماء، فلما هممتُ بالدخول قالت أمي: مكانك يا أبا هريرة، ثم لبستْ ثوبها، وقالت: ادْخُل، فدخلتُ، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فعدتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي من شدة الفرح .
-فالشاب المؤمن إذا كانت هذه رغبتُه، وهذا رجاؤه، وقد سمعتُ عن إنسان له أب ملحد ، ولهذا الأب أصدقاء كثر، فما زال هذا الشاب يقنع أباه بأدب ومنطق وحُجة، وكذلك أسمعه أشرطة، وخدمه، إلى أنْ مال قلبُ هذا الأب، ولعله صلى من أجل ابنه، فانتهزها الابنُ مناسبة، وأقام في البيت مولداً، دعا إليه كبار العلماء في هذه البلدة، ودعا إكرامًا لأبيه أصدقاء الأب كلهم، الذين هم على شاكلته، وقال لي: إنّ بعض العلماء تحدّث, وقال: إن هذا المولد نتج عنه خير كبير ، وهذا شيء رائع جداً، أنْ يمكِّنك الله عز وجل ويسمح لك أن تهدي الطرف الآخر .
ذات مرة قال لي شخص: إنه جاءه مولود بعد سبع بنات، فأراد أنْ يقيم حفلاً لتقبُّل التهاني، وهو يعمل مدرسًا في معهد متوسط، وكل مَن حوله بعيدون عن الدين بعداً شديداً، وبعضهم لا يصلي إطلاقاً، وهو قريب لي، فاقترحتُ عليه بدل هذا اليوم الذي أعده لاستقبال أصدقائه أن يقيم مولداً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتبرّعت أنا بإلقاء كلمة في هذا المولد، وجاء أولئك العلمانيون، وجلسوا، وفوجئوا أنّ الحفل مولد، طلبتُ مِنَ المنشد وأرشدتُه إلى أن ينتقي القصائد الجيدة، ثم ألقيتُ كلمة فيها توفيق إلهي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/09.jpg
أيها الأخوة, ثلاثة من ثلاثة وعشرين مدعوًّا لزموا هذه الدروس، وهم أبْعدُ الناس، فإذا أقمْتَ احتفالاً فلا تجعله احتفالاً عاديًّا، ولكنْ لِيَكُنْ احتفالك هادفاً, جاءك مولود، أو تزوجت فأقِمْ احتفالاً وادعُ علماء يتكلمون كلامًا طيبًا، واستغل هذا الاحتفال لتسميع الناس الحقَّ، فنحن هنا نتمنى على أخواننا أن يسمعوا الطرف الآخر، إذا وجد شخصٌ مجتهد ومتفوق جداً وأخلاقي، وقلت له: انتبه لوالدك، فهذا تحصيل حاصل، أو قلت له: اجتهد، فهذا تحصيل حاصل أيضًا، فأنت ما فعلت شيئًا مع هذا المجتهد، أما الإنسان الشارد الشقي إذا تلطفتَ معه، وأقنعته حتى مال لقبُه إليك فهذه البطولة، فبطولتك في إقناع الطرف الآخر، وبطولتك في إقناع البعيدين عن الدين، في إقناع أهل الدنيا، في إقناع العلمانيين، في إقناع الذين رأوا أن الدين ليس لهذا العصر، وأنه سلوك أساسه الضعف والخوف، هذه رؤيتُهم- .
قلت: أبشِرْ يا رسول الله، فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أمّ أبي هريرة إلى الإسلام))

فهل عندك يا أخي هذه الرحمة تجاه والديك؟ وإذا كان أبوك لا يصلي فهل أنت مرتاح، إذْ تعتقد أنه لا مشكلة نهائياً، أمَا خطر في بالك أنْ تنصحَه، وتتلطف معه، وتسمعه شريطًا، وتعينه على نفسه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/10.jpg
أنا أردت من هذا أنّ كل أخ مِن أخواننا الكرام له أب، وله أم، وله أخوات، وأصهار، وجيران، وأولاد عم، فلا بد أنْ يغار عليهم, ألست مسلماً؟ ألا تحب للناس ما تحب لنفسك؟ مَن منكم يصدِّق قول النبي عليه الصلاة والسلام في بيان المعنى الدقيق اللغوي للأخوة؟ فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس]
من أخوه؟ أخوه في الإنسانية، لأن المطلق على إطلاقه، وهو أوسع دائرة، لم يقل(لأخيه المؤمن)لأن الصفة قيدٌ، ولو قال: (أخيه المؤمن)لقيَّدها، ولو قال: (أخيه المسلم)لقيّدها، (أخيه النَسَبي)لقيّدهـا، فما قيدها النبيّ، بل قال: ((حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ))
وما دام مطلقًا فهو ينطبق على أوسع دائرة الأخوة في الإنسانية، فأنت لن تكون مؤمناً إلا إذا أحببت لأي إنسان ما تحبه لنفسك، فلا تيأس، الدرس الماضي أو قبل الماضي تحدّثنا عن عمير بن وهب، بماذا وصفه سيدنا عمر؟ بأنه كلب أو خنزير, ثم قال بعد أن أسلم: ((وخرج من عند رسول الله وهو أَحبُّ إليَّ من بعض أولادي))
إليك حبه لرسول الله :
أحبَّ أبو هريرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبًّا خالط لحمَه ودمه، فكان لا يشبع من النظر إليه، ويقول: ((ما رأيت شيئاً أملح ولا أصلح من رسول الله، حتى ولكأن الشمس تجري في وجهه))
وللهِ دَرُّ سيّدنا حسان بن ثابت حين قال واصفا كمالَ خَلْقِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وَأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــب ٍ كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشاءُ

هذا الجمال الذي كان يتمتع به النبي، وأخواننا الحجاج الذين أكرمهم الله بالحج والعمرة والزيارة، إذا وصلوا إلى المدينة المنورة سيَرَوْن آثار هذا الجمال، فالقبة الخضراء لها منظر لا يُنْسِى, وكذا الحرم النبوي, ومقامه الشريف, والروضة, وآثار جماله في مقامه, وفي قبره .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/11.jpg
كان هذا الصحابي الجليل يحمد الله تبارك وتعالى على أن مَنَّ عليه بصحبة النبي، واتِّباع دينه، بينما تسأل بعض الناس: كيف حالك يا أخي؟ يقول لك: واللهِ السوق مسموم، لا عمل، ولا حركة .
كيف صحتك؟ يقول: والله الحياة كلها مشاكل، نعمة الهدى ألا تنتبه لها؟ أنت مستقيم، أليس هذه أعظم نعمة؟ انظروا إلى أبي هريرة، لقد كان فقيرًا معدَما، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام، هذه أول نعمة، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي مَنَّ على أبي هريرة بصحبة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
كان سيدنا عمر إذا أصابته مصيبة, يقول: ((الحمد لله ثلاثًا؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، -الدين سليم كله، والأمر سهل، السيارة حديد تنحل أعطالها ومشاكلُها- والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهِمتُ الصبرَ عليها))
هكذا كان يقول سيدنا عمر عند أيّة مصيبة تقع له.
يا أيها الأخوة، كلما سُئِلْتُمْ: كيف الحال؟ فقولوا: الحمد لله الذي هداني إليه، والحمد لله الذي علمني دينه، والذي علمني القرآن، والذي أعانني على طاعته، والذي رزقني ذرية صالحة، والذي آواني في بيت، والذي زوَّجني، والذي أكرمني بأولاد أطهار، هذه هي النعم، أمّا السوق مسموم، لا بيع ولا شراء، هذا كلام أهل الدنيا المنقطعين عن الله . إليك حبه للعلم وملازمته له :
سيدنا أبو هريرة أولع بالعلم، وجعله ديدنه، وغاية ما يتمناه، وحدث زيد بن ثابت, فقال :
((بينما أنا وأبو هريرة وصاحب لي في المسجد ندعو الله تعالى، ونذكره في المسجد، إذْ طلع علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقبل نحونا حتى جلس بيننا، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متواضعًا، فسكتنا إجلالاً له، فقال: عودوا إلى ما كنتم فيه، فدعوتُ اللهَ أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل النبي يقول: آمين، ثم دعا أبو هريرة .
-إنه موقف رهيب، يريد أن يدعوَ أمام رسول الله، إذا تكلّم الطالب أمام أستاذه فإنه يرتبك، ولا يستطِع الحديث- فقال: اللهم أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علماً لا يُنسى، فقال عليه الصلاة والسلام: آمين، يا أبا هريرة، فقلنا: ونحن نسأل الله علماً لا يُنسى، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سبقكم بها الغلام الدوسي))

وكأن الله عز وجل أكرم أبا هريرة بعلم لا يُنسى، لذلك روى عن رسول الله خمسة آلاف حديث وستمئة، وأكثر الخطب والدروس والكتب, يقال فيها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/12.jpg
وذات يوم مرَّ بسوق المدينة فهاله انشغالُ الناس بالدنيا، واستغراقهم بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، فوقف عليهم، وقال:
((يا أهل المدينة ما أعجزكمّ! قالوا: وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة؟ قال: ميراث رسول الله يقسم، وأنتم هاهنا, قالوا: وأين هو؟ قال: هو في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فلما رأوه قالوا: يا أبا هريرة، لقد أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نرَ شيئًا يُقسَم، قال لهم: أوَ مَا رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقومًا يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام، قال: ويحكم هذا ميراث رسول الله))
وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ, إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ, قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ, وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
مر معي في درس الفجر بجامع النابلسي حديثان، أوّلهما عَنْ مُعَاوِيَةَ, يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:
((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ, وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ, وَاللَّهُ يُعْطِي, وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/13.jpg
أمّا الحديث الثاني فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فقد جمعتُ في ذهني معنى هذين الحديثين، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً علَّمه وأدّبه، إذا علَّمك وأدَّبك فأنت محبوب، وإذا كان المرءُ بلا علم ولا تأديب فهو مهمل .
قال لي شخص: عنده معمل، عَلِمَ شخص أنّ عندي معملَ ألبسة، فقال لنفسه: إنه أخونا، فنشتري منه قطعتين أو ثلاثة، انزعج صاحبُ المعمل، وقال: أنا أبيع قطعة أو قطعتين؟‍ إنما أبيع ثلاثمئة قطعة ونحوها، فاستحيا القادمُ بنفسه، وفي اليوم التالي لم يأتِه زبائن، وهكذا مرّ عشرون يومًا ولم يدخل أحد معملَه، لقد أدّبه الله عز وجل، وهذا خير، إذا كان الله يعلمك ويؤدبك فمعنى هذا أنك محبوب، معنى هذا أنّ الله أراد بك خيراً، يعلمك، ويؤدبك، والحديثان صحيحان .
إليك رحمة رسول الله بأصحابه :
قال أبو هريرة:
((مرَّ بي رسول الله يوما، وكنتُ جائعًا، منقطعًا للعلم، فمرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف ما بي من الجوع، فقال أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: اتبعني، فدخلتُ معه، فرأى قدحًا فيه لبن، فقال لأهله: من أين لكم هذا؟ قالوا: أرسل به فلان إليك ، قال: يا أبا هريرة, انطلق إلى أهل الصفة فادعُهم، وأطعمهم جميعاً من هذا اللبن))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/14.jpg
اللهم صلِّ عليه، كان مثل الأب، فإذا دَعَوتَ إلى الله عز وجل فاشعُرْ بعواطف مقدسة سامية تجاه أخوانك .
أنا أقول كلمة: إنْ لم تكن مشكلتهم مشكلتك فلست أهلاً أن تدعو إلى الله، مسرّاتهم مسرّاتك، وأحزانهم أحزانُك، وبالمقابل متاعبك متاعبهم، هذه هي المشاركةُ الوجدانيةُ، هذه المشاركةُ تنسي همومَ الحياة، فإذا كنتَ تعيش بين أخوة طيبين يتعاطفون معك، يألمون لألمك، ويفرحون لفرحك، ويهبُّون لنجدتك، ويسرعون لإغاثتك، فهذا مجتمع مؤمن وربِّ الكعبة، واللهُ عز وجل لا يحبّنا إلا إذا تعاونّا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي . خطابه لنفسه :
سيدنا أبو هريرة بعد أن فُتحتْ البلاد، وجاءت الغنائم، أكرمه الله عز وجل بمال وفير، فتزوج ، وأنجب أولاداً، وسكن بيتًا، وبقيت تلك المرحلة الماضية ذكرى، وكل إنسان له عند الله ترتيب، فقد يفرِّغك في أول حياتك، وبحسب ظنك أنت معذَّب، ولستَ متزوجًا، وما عندك بيت، لكن في الحقيقة فرَّغك تفريغًا خاصًّا، وقد قال أحد العلماء: أنا سجني خلوة، وإبعادي سياحة، ومرضي مناجاة، هل عندك إمكانية أن تتلقى كل المتاعب بنفسٍ طيِّبة؟ إنْ أبعدوك فتلك سياحة، وإنْ وضعوك في السجن فتلك خلوة مع الله، أَلَمَّ بك مرض فهذا شفافية وقربٌ من الله عز وجل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/15.jpg
مرة خاطب نفسه فقال:

((يا أبا هريرة، هاجرتَ مسكيناً، وكنتَ أجيراً لبثرة بنت غزوان ، بطعام بطني، فكنتُ أخدمُ القومَ إذا نزلوا، وأَحْدُو لهم إذا ركبوا، فزوَّجَنِيها الله، تزوج هذه المرأة ، والحمد لله الذي جعل الدين قياماً، وصيّر أبا هريرة إماماً))
سيدنا عمر فعلها، فقال مخاطبًا نفسه: ((كنتَ عميرًا، وأصبحت عمر، ثم أصبحت أمير المؤمنين))
إذا كان لأحدٍ ماضٍ متعب، ماضٍ فيه فقر، فلا ينسَ ماضيه، دخل ورأى بيتًا مرتبًا، فيه خمس أو ستُّ غرف، وسيارته على الباب واقفة، ودخلُه كبير، وكان سابقاً في وضع صعب جداً، فلا ينسَ الماضي، ويرفع رأسه ويتكبر، فإنّ الله كبير، وإذا أعطاك فازْدَدْ تواضعًا له، وازددْ خدمة للناس، واجعل هذا المال خدمة للناس يزدْك الله عطاءً . هل غيرت الولاية طبعه وما هي المشكلة التي تعرضت ابنته لها ؟
أصبحَ أبو هريرة واليًا على المدينة مِن قِبَل معاوية بن أبي سفيان أكثر من مرة، فلم تبدِّل الولايةُ من سماحة طبعه, وخفة ظلّه شيئًا, ولقد مرّ يومًا بأحد أسواق المدينة وهو والٍ عليها ، وكان يحمل الحطب لأهل بيته، فمرّ بثعلبة بن مالك، فقال له:
((أَوْسِعِ الطريق للأمير يا ابن مالك، فقال له ابن مالك: يرحمك الله، أما يكفيك هذا المجال كله، فقال له: أَوْسِع الطريق للأمير، وللحزمة التي على ظهر الأمير، أنا حجمي واسع، ومعي حزمةٌ، ولست منتبهاً، فقال له: أَوْسِعِ الطريق للأمير, قال له: يا سبحان الله !! ألا يكفيك هذا الطريق؟ قال له: أَوْسِعْ الطريق للأمير، وللحزمة التي على ظهر الأمير, ثم وسّع له))
فهكذا يكون التواضع، كان مع سماحة نفسه، ومع شدة علمه تقياً ورعاً، يصوم النهار، ويقوم ثلث الليل، ثم يوقظ زوجته، فتقوم ثلثه الثاني، ثم يوقظ ابنته فتقوم ثلثه الأخير، فهذا البيت فيه قيام ليل بشكل دائم .
تقول ابنته له: ((يا أبتِ إن البنات يعيِّرْنَني, فيقلن: لمَ لا يحلِّيك أبوك بالذهب؟ فيقول أبو هريرة لابنته: قولي لهنّ يا بنيتي: إن أبي يخشى عليَّ حرَّ اللهب))
ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته ضنًّا بالمال، أو حرصاً عليه، إذ كان جواداً سخي اليد في سبيل الله .
فبعث إليه مروان بن الحكم مئة دينار ذهباً، فلما كان الغد أرسل إليه يقول: ((إنّ خادمي غلط فأعطاك الدنانير، وأنا لم أردك بها، إنما أردتُ غيرك فسَقُط في يدي أبي هريرة، وقال: أخرجتها في سبيل الله، ولم يَبِتْ عندي منها دينار، فإذا خرج عطائي فخذها منه، لقد فعل مروانُ بن الحكم هذا ليختبره، فوجده صادقًا، وما ترك شيئًا من تلك الدنانير عنده))
إليك بره لوالدته :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2566/16.jpg
كان هذا الصحابي الجليل برًّا بأمِّه، وكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها, وقال:

((السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته، ويقول: رحمك الله كما ربّيتني صغيراً، تقول: ورحمك الله كما بررتني كبيراً، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك))
شيء جميل .
رأى مرة سيدنا أبو هريرة رجلين, أحدهما أسنُّ من الآخر، يمشيان معًا، فقال لصغيرهما: ((ما يكون هذا الرجل منك؟ قال: أبي, قال له: لا تسمِّه باسمه، ولا تمشِ أمامه ، ولا تجلس قبله))
[ ورد في الأثر]
ما هو سبب بكاء أبي هريرة وما هو دعاؤه عند موته ؟
لما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى، فقيل له:
((لِمَ تبكي يا أبا هريرة؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي لبعد السفر، وقلة الزاد، لقد وقفتُ في نهاية طريق يفضي إلى الجنة أو إلى النار، ولا أدري في أيّهما أكون .))
وقد عاده بنفسه مروان بن الحكم، وكان خليفة، فقال له: (( شفاك الله يا أبا هريرة، فقال: اللهم إني أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي، وعجِّل لي فيه، فما كاد مروان يغادر داره حتى فارق الحياة))
رحم الله أبا هريرة رحمة واسعة، فقد حفظ للمسلمين ما يزيد عن خمسة آلاف وستمئة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحوها، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، هذا صحابيُّ علمٍ حفِظَ عن النبي أقواله، ونقلها لمَن بعده، وأنت اختر لنفسك أنْ تتحرى العلم النافع والعمل الصالح، وتتحرى الدعوة إلى الله، وكلها طرق مفضية إلى الله عز وجل .

السعيد 08-21-2018 12:51 PM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : السيدة صفية بنت عبدالمطلب



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
هل حقوق المرأة في الإسلام نفس حقوق الرجل وهل هناك فرق بين خصائص الرجال عن النساء
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثاني والثلاثين من سيرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، وصحابية اليوم السيدة صفية بنت عبد المطلب http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/01.jpg
ومن حين لآخر نريد أن نبيِّن لأخواننا الكرام أن دور المرأة في الحياة لا يقلُّ أبداً عن دور الرجل، لكنْ لكلِّ من المرأة والرجل موقعٌ خاصٌ به، وبها، وما الفساد إلا في تبادل المواقع .
موقع الطيار، في غرفة القيادة، هل يعدُّ الطيار ضيِّق الأفق، حبيساً في غرفة ضيقة، إذا كان وراء المقود، وأمام الأجهزة الكثيرة, وبرقبته أرواح ثلاثمئة إنسان من الركاب؟ هذا موقعه الصحيح، فإذا شعر أنه حبيس هذه الغرفة الصغيرة، ولا بدَّ من أن يخرج ليجلس مع الركاب، ويتسامر معهم، وينطلق، ربما سقطت الطائرة، لأنه تخلَّى عن مركز القيادة .
هل يقال للطبيب الجراح: أنت هنا حبيسُ هذه الغرفة الضيقة؟ لا، بل هنا موقعه الصحيح، هنا يُجرِي أخطر عملية جراحية, فحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 33)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/02.jpg
ليس معنى هذا أن المرأة حبيسة المنزل، ولكن معنى هذا أنها تربِّي أجيالاً، وأن هذا البيت موقعها الصحيح، وأن بإمكان المرأة أن تهزَّ العالم بتربيتها لأولادها، أليس المجتمع محصلة تربيةٍ بيتية؟ فإن كانت التربية البيتية صالحةً، صلح المجتمع، وإن كانت التربية البيتية سيئةً ساء المجتمع .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/03.jpg
أيها الأخوة, أنه كلما تقدمتَ في طريق العلم، وكلما ارتقيتَ في سلم الأيمان، اكتشفتَ أن المرأة كالرجل تماماً في التكليف، وفي التشريف، ثم اكتشفتَ أيضاً، أن للمرأة خصائص متعلقة بها ، ومتعلقة بمهمتها، وتتناسب مع مهمتها، وأن للرجل خصائص جسمية، وعقلية، ونفسية، واجتماعية، تتعلَّق بدوره في الحياة، وبمهمته، وربما ظهرت بطولاتٌ من النساء، أين منها بطولات الرجال؟ وربما ارتقت المرأة في معرفة الله، وفي الإقبال عليه، وفي الشوق إليه, وفي العمل الصالح، الذي يقرِّبها إليه، وربما فاقت الرجال في ذلك، هذا هو المنطلق السليم، واللهُ جل جلاله يقول:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل الآية: 97)
لذلك المرأة قد تزيد عاطفتها على إدراكها، والرجل قد يزيد إدراكه على عاطفته، لكن مجموع الإدراك والعاطفة في الرجل واحد، ومجموع الإدراك والعاطفة في المرأة واحدٌ، فهي عملية توزيع فقط .
إليكم نسب السيدة صفية بنت عبد المطلب :
صحابية اليوم امرأةٌ نادرة، ليست كمعظم النساء، امرأة تمثِّل نموذجاً خاصاً من بين النساء، إنها السيدة صفية بنت عبد المطلب، صحابيةٌ باسلة، امرأة حازمة، قدَّمتْ للمسلمين أول فارسٍ سلَّ سيفاً في سبيل الله بعد أن أنشأته تنشئةً سليمة .
إنها صفية بنت عبد المطلب، الهاشمية، القرشية، عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخت أبيه، هذه المرأة العظيمة، اكتنفها المجد من كل جانب، أبوها عبد المطلب بن هاشم، جد النبي عليه الصلاة والسلام، وزعيم قريش، وسيِّدها المطاع، وأمُّها هالة بنت وهبٍ، أخت آمنة بنت وهبٍ، والدة النبي عليه الصلاة والسلام .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/04.jpg
بالمناسبة، إذا تحدثنا عن النسب فهو حديث مقبول بشرطٍ واحد؛ أن يكون الإنسان مؤمناً ، فإذا تحدثنا عن نسبه، فنسبه تاجٌ يضاف إلى إيمانه، أما إذا تحدثنا عن النسب، وليس صاحبه مؤمناً، فهذا النسب لا يقدِّم ولا يؤخِّر, هل من قرابة أشد من قرابة العمومة؟ أبو لهبٍ كان عم النبي عليه الصلاة والسلام، لا قيمة للنسب مع الكفر، لا قيمة للنسب مع المعصية، أما مع الإيمان فالنسبُ تاجٌ يتوِّج الإيمان .
أما زوجها الأول الحارث بن حرب، أخو أبو سفيان زعيم قريش، وزوجها الثاني العوَّام بن خويلد، أخ خديجة بنت خويلد، سيدة نساء العرب في الجاهلية، وأولى أمهات المؤمنين في الإسلام, جمعت المجد من كلِّ أطرافه .
توفي زوجها العوَّام بن خويلد، يعني النبي عليه الصلاة والسلام وصف الزبير بن العوام بأنه حواري رسول الله, والقصة المعروفة، أن عبد الله بن الزبير، حينما أرسل كتاباً إلى معاويةَ ببن أبي سفيان، وقال:
((أما بعد, كان عبد الله بن الزبير مجرد مسلم، وكان معاوية بن أبى سفيان خليفة المسلمين أرسل له كتاباً قال فيه: أما بعد, فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان ليَ ولك شأنٌ، والسلام .
أمسك معاويةُ الكتابَ، ثم دفعه إلى ابنه يزيد، وقال: يا يزيد, ما قولك في هذا الكتاب؟ فقال يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده، وآخره عندك، ليأتوك برأسه, تبسَّم هذا الخليفة الحليم، وقال: يا بني غير ذلك أفضل، أمر الكاتب أن يكتب:
أما بعد, فقد وقفت على كتابِ ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينةٌ جنب رضاه، لقد نزلتُ له عن الأرض ومن فيها .
فجاء الجواب: أما بعد, فيا أمير المؤمنين، اختلف الأسلوب، لا أعدمك الله الرأيَ الذي أحلَّك من قومك هذا المحل, فدفع الجواب إلى ابنه يزيد, وقال: يا بني, من عف ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب))

فكان الزبير بن العوام ابن هذه المرأة البطلة، كان حواري رسول الله، وقد وصفه معاوية في رسالته لابن الزبير بحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم . انظر إلى تربية السيدة صفية لولدها الزبير بن العوام :
فهذه الصحابية ربَّت ابنها على الخشونة والبأس، ربَّته على الفروسية والحرب، وجعلت لعِبه في بَرْيِ السهام، ودأَبتْ على أن تقذفه في كلِّ مخوفةٍ، وتقحمه في كل خطر إقحامًا، فإذا رأته أحجم، أو ترّدد ضربته ضرباً مبرِّحاً، حتى إنها عوتِبتْ في ذلك مِن قِبَل أحد أعمامه، حيث قال لها: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/05.jpg

((ما هكذا يُضرَب الولد، إنَّك تضربينه ضرب مبغضةٍ، لا ضرب أمٍّ, فقالت شعراً:
من قال: قد.... أبغضته فقد كذب
و إنما أضربه......... لكي يلب
و يهزم الجيش.... ويأتي بالسلب
يلب: يصبح لبيباً))

هذه الصفة مهمة جداً، نشَّأت ابنها نشأة خشونةٍ، ونشأة بأسٍ، ونشأة حزمٍ، ودفعته إلى اقتحام الأخطار، وإلى التعامل مع المصاعب، كي يصلب عوده, والطفل اليوم إنْ رأى حشرة صغيرة يصيح خوفاً، ولا يقوى على فعل شيء، بل لا يتحمَّل شيئًا، وإذا اختلفت مواقيتُ طعامه تراه يضْطَرِب، ويصيح, ويغضب، ويفعل ما لا يصح أنْ يفعل . ما الذي يفسد الناشئة وكيف يمكن أن تربى ؟
الحقيقة، يبدو أنّ النعيم الزائد للصغار يفسدهم http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/06.jpg
وتربية الصغار على الخشونة والبأس يقوِّيهم، ويجعل عودهم صُلباً، وتجربتهم في الحياة عميقة، وأخطر ما في حياتنا تربية أولادنا، فإن نَجَحْنا في تربية أولادنا، نجح المجتمع، وإن أخفقنا أخفق المجتمع، وواللهِ لا أرى على وجه الأرض عملاً أعظم مِن أن تعتني بأولادك، وأن تربيهم تربيةً إسلامية، وأن تنشِّئهم نشأةً مستقيمة ، وأن تحملهم على طاعة الله، وأن تجعلهم علماء، وأن تعلِّمهم كتاب الله وسنة رسول الله، وأن تعلِّمهم مكارم الأخلاق، وأن تحملهم على الطاعات، واللهِ ما من عملٍ أجلُّ مِن هذا العمل، وهذا الكلام موجه إلى الآباء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/07.jpg
أيها الآباء, بين يديك كنز، ألا تدري ما هو؟ ابنك كنزٌ بين يديك، إنْ نشَّأته تنشئةً فاضلة كان ذخراً لك في الدنيا والآخرة، وكان امتداداً لك إلى أبد الآبدين، فالأب الذي ربَّى أولاده تربيةً قويمة ثم مات، فإنّه لم يمت ذكرُه، ولو أنه فارق الحياة .
مرة حضرنا حفلاً لأحد العلماء الأجلاء، والدعاة إلى الله عزَّ وجل، وفي نهاية الحفل سمعنا أن وزارة الأوقاف عيَّنت ابنه خطيباً لهذا المسجد الكبير، فقلت: يا سبحان الله، لولا أن هذا الأب ربَّى ابنه تربيةً علميةً إسلاميةً لمَا احتلّ مكان أبيه، ثم قام وخطب فينا خطاباً أكَّد أهليته لهذا المنصب، فقلت: واللهِ لم يمُتْ أبوه، فما دام غاب عن أنظارنا، كان ابنه مكانه، وقد علمه، ورباه وهذبه، وهو الآن من الدعاة إلى الله عزَّ وجل .
إذا كان لك ابن فربَّيتَه تربيةً إسلاميةً، وفقَّهته في الدين، وعلَّمته كتاب الله، وسنة رسول الله، وقوَّمت اعوجاجه، وهذَّبت مشاعره، وحملته على طاعة الله، فأنت لا تموت ولو غادرتَ الدنيا، ولو أن جسمك غاب تحت الثرى، هذا ابنك خليفةٌ لك، ابنك استمرارٌ لك، ابنك صدقةٌ جاريةٌ لك، لا ينقطع خيرها إطلاقاً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/08.jpg
أيها الأخوة, لا يصلح مجتمعنا إلا بتربية أولادنا، ولا حلَّ للمسلمين إلا أن يؤسِّسوا أُسَراً إسلامية، مسالكها إسلامية، ونشاطاتها إسلامية، تقول لي: أنا مسلم, أتعاطف مع المسلمين، يا أخي إن المسلمين يُذَبَّحون في العالم، فماذا نفعل؟ أنت اضمَن لي بيتك فقط أنْ يكون إسلامياً، اضمن لي عملك أن يكون إسلامياً، تجد في العمل مخالفات، وفي التعامل مخالفات، وفي البيت مخالفات، ونحن يا ربِّ عبيد إحسان، وما نحن عبيد امتحان، ما هذا؟ مثل هؤلاء المسلمين، لا يستحقون النصر، ولا يستحقون الحفظ .
مرة التقيت مع رجلٍ يريد أنْ يؤدّيَ زكاة ماله لبعض الجمعيات الخيرية، فقال لي: أنا أحب أن أجعل ابني يدفع هذا المبلغ لأعلِّمه على الإنفاق وأدَرِّبه عليه، فقدَّم المبلغ لابنه، وكلَّفه أن يذهب إلى الجمعية الخيرية ليدفع لها المبلغ، حتى يتعوَّد الابن على الإنفاق، وليس على القبض، فالابن لا بدَّ أن يربَّى، والنبي عليه الصلاة والسلام, قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/09.jpg
((اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم))
[ورد في الأثر]
هل تعرف مَن هو الذي يخفق في تزويج بناته؟ هو الأب الذي أغرقهم في النعم، فهذه الفتاة التي تشتهي كلَّ شيء، ثم تراه بين يديها، مِن أطيب الطعام، وأفخر اللباس، هذه الفتاة لا تصلح أن تكون زوجةً، وقد يأتيها زوجٌ مؤمنٌ عظيم، لكن دخله محدود، فلا تستطيع العيش معه، النبي الكريم قال:
((اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم))
[ورد في الأثر]
يعني عوِّد أولادك على الطعام الطيب والخشن، فالإنسان الغارق في النعيم لا يصلح أن يكون إنساناً منتجاً .
هل استجابت صفية لرسالة الإسلام حينما دعاها رسول الله وهل عانت ما عانى المسلمون من أذى قريش ؟
وحين بُعث النبي عليه الصلاة والسلام بدين الهدى والحق، وأرسله الله للناس نذيراً وبشيراً، أمره أن يبدأ بذوي القربى، فقال تعالى:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
( سورة الشعراء الآية: 214)
يقاس عليها، هل بيننا شخصٌ ليس له أقرباء؟ فلماذا أنت ساكت إذًا؟ لمِ لا تنقل هذا العلم إلى أقربائك، إلى أهلك، إلى أولادك، إلى من حولك، إلى جيرانك، إلى أصدقائك؟ قال تعالى:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
( سورة الشعراء الآية: 214)
قد يكون الواحدُ منا طليق الِّلسان، فانشط وتكلّمْ، أمَّا إنْ لم تكن عندك إمكانية، فسمِّعه شريطًا، لا يوجد معك ثمن شريط، أحضِرْه إلى المسجِد، اسمعه الحق، اعتنِ به، احرِصْ على هدايته، عاونه، أكرمه، اخدمه حتى يميل قلبه إليك، والدعوة إلى الله تحتاج إلى أن تفتح القلوب بالإحسان، قبل أن تفتح الآذان باللسان, فلما بُعث النبيُّ، وأمره الله أن يبدأ بذوي قرابته، جمعهم صغاراً وكباراً, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ:
((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عـَزَّ وَجَلَّ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ, قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكـُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ:
((لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ, فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ, فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا))
(أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة)
هذا التوجيه الصحيح، هذا أعظم توجيه، كل إنسان يطرح أفكارًا خلاف هذا التوجيه فهو مخطئ،
ربِّ أخوانك على تمتين علاقتهم بالله فقط .
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَـا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أم سلمة)
إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، لا يستطيع أن ينقذك من عذاب الله، أفيستطيع إنسانٌ آخر؟ انظر إلى هذا الكلام ما أجمله وما أصوبَه:
((يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أم سلمة)
دعاهم إلى الإيمان، وحضَّهم على التصديق برسالته، أقبل على هذا النور العظيم مَن أقبل، وأعرض عنه مَن أعرض، موطن الشاهد أن صفية بنت عبد المطلب، موضوع درسنا اليوم، كانت مع من أقبل على هذا الدين الجديد، ومع من أسلم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم، ومع من قبل هذه الدعوة الجديدة, انضمتْ صفية بنت عبد المطلب عمَّة النبي إلى ركب المؤمنين، هي وفتاها الصغير الزبير بن العوام، وعانت مع ابنها ما عاناه المسلمون .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/10.jpg
أيها الأخوة, هناك أشخاص حملوا الإسلام، فأنت مِمَّن؟ عندما تديَّنت أكرمك الناس، والإسلام حملك، ولما تديَّنت احترمك الناس وقدّروك، لستَ مثل الذي هو جالس على المنصة، يحمله مَن يحمله، ويهرولون به، هكذا بعض المسلمين، فأنت مطلوب منك أن تحمل الإسلام، فماذا بذلت؟ وماذا فعلت؟ لستَ مكلفًا في شيء، إلا أن تأتي إلى المسجد، ولكن احذرْ أنْ تقول: أنا اليوم مشغول، عندي وعندي، ويتقاعس ويتخاذل, الصحابة الكرام بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وتحملوا المقاطعة والجوع، وتحملوا الاضطهاد والتنكيل، وأُخرجوا من ديارهم .
تصوَّروا رجلا يسكن في بلده، وله بيت، ومحل، وسيارة، ومكانة اجتماعية، ثم أُخرج من بلده، وأقام في بلد بعيد، يفترش الأرض، ويلتحف السماء، وليس معه ثمن أدنى طعام، فالهجرة ليست سهلة، فالنبي هاجر، والهجرة حقيقة، وهي اقتلاع من الجذور، هذه هي حقيقة الهجرة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/11.jpg
أقول لكم بصراحة وبساطة: كان من الممكن أن يخلق الله النبي وأصحابه من دون كفار ، فلما جاء الوحيُ للنبيِّ آمنوا جميعاً، وسلكوا درب السلامة، وعاشوا حياة سعيدة، وانتهى الأمر، لا فتوحات، ولا حروب، ولا مضايقات، ولا خصومات، ولا تنكيل، ولا إخراج من الديار، كان ذلك ممكنًا، ولكن متى يرقى الإنسان؟ لا ترقى إلا بالمعاناة، لا ترقى إلا بالمعارضة، ولا ترقى إلا بتحمُّل المشقات .
لذلك والنبي عليه الصلاة والسلام يجري عليه كلُّ ما يجري على البشر، ولولا ذلك لما كان سيد البشر، لقد جاع وخاف، قال:
((أوذيت في الله ولم يُؤذَ أحدٌ مثلى، وخفت ولم يخف أحدٌ مثلـي, ومضـى علي ثلاثـون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/12.jpg
فهل الهجرة سهلة؟ وهو في غار حراء، وفي غار ثور، وهو في معركة الخندق, حيث قال بعضهم لبعض: أيعدنا صاحبكم، أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته, لم يقل: نبي، لم يقل: رسول الله، قال: صاحبكم، وفي نظره أنّ الإسلام قضية بضع ساعات ، ثم ينتهي الإسلام كلياً، ويندثر، هكذا ظن المنافقين .
فأنت لا ترقى إلا بالمجاهدة، ولا ترقى إلا بالمعارضة، ولا ترقى إلا بالمكابدة، ولا ترقى إلا بالمقاومة، فإذا عارضَك في البيت أهلُك بعض المعارضة، لأنك أخذتَ لنفسك هذا المسلك، فلتصبرْ ولتحتسبْ, وقد أحْسنَ المتنبي في قوله: إِذَا اعْتَادَ الفَتَى خَوْضَ المَنَايَا فَأَهْوَنُ مَا يَمُرُّ بِهِ الوُحُولُ
إليكم بيان هجرتها إلى المدينة تاركة وراء الستار الذكريات التي عاشتها في مكة :
أيها الأخوة, السيدة صفية بنت عبد المطَّلب، عمَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم، وابنها الزبير بن العوام تحملا في مكة الشدائد، والمضايقات، والتنكيل، والمعارضات، والعزلة، والمقاطعة، والفقر, قال تعالى:﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾
( سورة محمد الآية :4 )
ليبلوكم حتى يرقيكم، فلما أذِن اللهُ لنبيِّه صلى الله عليه وسلَّم، وللمؤمنين بالهجرة إلى المدينة، خلَّفت السيدة الهاشمية وراءها مكة، بكلِّ ما لها فيها من طيوب الذكريات، ودروب المفاخر والمآثر، ويمَّمَتْ وجهها شطر المدينة مهاجرة بدينها إلى الله ورسوله .
هاجرت مع من هاجر، لكنّ الآن الهجرة معاكسة، يقول لك: أخذت البطاقة الخضراء، والسفر لأمريكا، حيث الزنا على قارعة الطريق، هاجر وفوجئ بابنته مع صديق لها، في خلوة في البيت، أعوذُّ بالله، فثارت نخوته، وعنَّف ابنته، بعد دقائق جاءت الشرطة لتأخذه إلى المخفر، لأنه قسا على إنسان مدعو من قبل ابنته، هذه الهجرة إنما هي في سبيل الشيطان, َرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/13.jpg

((لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ, فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه عن سمرة بن جندب]
أنت يجـب أن تبقى في بلد يُعبد الله فيه، فيه مساجد، ومجالس علم، وانضباط، وفيه بقية شرف، وبقية مروءة، أقول: بقية، بقية حياء، هكذا المؤمن، قال تعالى:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
(سورة هود الآية: 86)
هاجرتْ، كم تقدِّرون عمر هذه السيدة الجليلة التي ربَّت ابنها تربيةً خشنة، تربيةً على البأس، وعلى الشجاعة, وعلى اقتحام المخاطر، وآمنتْ مع النبي عليه الصلاة والسلام، وتحمَّلتْ كلَّ الصعاب، وهاجرتْ معه، كم تقدرون عمرها؟ كان عمرها ستين عاماً، امرأةٌ لا كالنساء .
إليكم بعض مواقفها التي خدمت به الإسلام والمسلمين :
1- يوم أحد :
في معركة أحد خرجتْ مع جند المسلمين، في ثُلّةٍ من النساء جهاداً في سبيل الله، فجعلتْ تنقل الماء، وتروي العطاش، وتبري السهام، وتصلح القسي، كلّه عمل خاص بالنساء، لكن حمزة بن عبد المطلب، من هو؟ أخوها، أخوها وقد قتل في معركة أحد، وبُقِر بطنه، وانتزعت كبده، ومضغتْ، وثُلِمت أذناه، وقطع أنفه، ومثِّل به، وابنها الزبير بن العوام حواري النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأت المسلمين ينكشفون عن رسول الله إلا قليلا منهم، ووجدتْ المشركين يوشكون أن يصِلوا إلى النبي ويقضوا عليه، طرحتْ سقاءها أرضاً .
طبعاً هذا موقف شخصي، المرأة ليست مكلفة بالجهاد، لطبيعتها الأنثوية، لكن هذا موقف شخصي، عمرها ستون عاماً، وعملها في المعركة عمل إنساني, لكن لما رأت النبي عليه الصلاة والسلام، ابن أخيها قد انكشف، واضطرب المسلمون, ألقت السقاء، وهبَّت كاللبؤة التي هوجم أشبالها، وانتزعت من يد أحد المنهزمين رمحه، ومضت تشقُّ به الصفوف، وتضرب بسنانه الوجوه، وتزأر في المسلمين قائلةً:
((وَيْحكم انهزمتم عن رسول الله، فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام، مقبلة خشي عليها أن ترى أخاها حمزة، وهو صريع، خاف عليها، -خاف على مشاعرها .
لكن والله أيها الأخوة، بين نساء الصحابة نساء ولكنّهن في عظمة عظماء الرجال، أنا أقرأ عنهن، ولا أصدِّق أن امرأةً في أحد، قُتِل زوجها، وقُتِل أبوها، وقُتل أخوها، وقُتِل ابنها، ورأتهم صرعى في أرض المعركة، واحداً جانب الآخر, وهي تقول:

((ما فعل رسول الله، ولم تسكن مشاعرها، إلا بعد أن رأت النبي عليه الصلاة والسلام سليماً معافى, قالت: يا رسول الله، كل مصيبةً بعدك تهون))
ما هذه المرأة؟ واللهِ إنها مِن نوع خاص- فالنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى ابنها الزبير قائلاً: ((المـرأةَ يا زبيـر, المرأةَ يا زبير، أمَّك يا زبير، أبعِدْها عن ساحة المعركة، فأقبل عليها الزبير، وقال: يا أمـي إليك، يا أمي إليك، فقالت له: تنحَّ عني لا أمَّ لك، قال: إن رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولمَ؟ إنه قد بلغني أنه مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فقال له النبي الكريم: خلِّ سبيلها يا زبير، فخلَّى سبيلها))
-وهذه الخنساء، مات أخوها صخر، فملأت الشعر العربي بكاءً عليه، بكت وأبكت، فليس مِن ديوان شعر مفعم بالحزن والرثاء كديوان الخنساء، وكانت ممّا قالت فيه: حَمَّالُ أَلْوِيَةٍ هَبَّاطُ أَوْدِيَــةٍ شَهَّادُ أَنْدِيَةٍ لِلْجَيْشِ جَرَّارُ
نَحَّارُ رَاغِيَةٍ مِلْجَاءُ طَاغِيَةٍ فَكَّاكُ عَانِيَةٍ لِلْعَظْمِ جَبَّـارُ

والأبيات طويلة مشهورة- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/14.jpg
فلما وضعت المعركة أوزارها، وقفت صفية وهي في السَّتِّين من عمرها على أخيها حمزة، فوجدته قد بُقِر بطنُه، وأُخرِجتُ كبدُه، وجُدِع أنفه، وثُلِمتْ أذناه، وشُوِّه وجهه، فاستغفرت له وجعلت تقول: إن ذلك في الله، ولقد رضيتُ بقضاء الله، واللهِ لأصبرنّ، ولأحتسبنّ إن شاء الله, -هنا عظمة المؤمن، فهو كالجبل رسوخاً، وليس أقل مصاب يقلبه ويهز أعماقه، فمِنَ الناس اليوم مَن يشك في القضاء والقدر، ولأَقَلِّ مصاب يقول لك: واللهِ أنا محتار، إيماني تزلزل، ما هذا الإيمان الذي عندك؟ هذا ليس إيمانًا، هذا مِن ضعف الإيمان، قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 169)
إذا كان الشخص يرتدي ثيابًا جميلة، وبعد قليل جاءه رجلٌ بمقص وقصّ ثيابه، وقطعها ، ورمى الثياب، وكان في أجمل حالة، ثم غدا عاديًّا، وقد سلِم جسمُه, فهذا الجسد عبارة عن ثياب للنفس، فإذا استشهد المؤمن في ساحة المعركة، فجسده هو ثوبه القديم، ولو ذبح، وقتل، والنبي الكريم أبلغنا أن الشهيد لا يشعر أبداً بألم الجراح، وهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، والشهيد لكرامته على الله عزَّ وجل يرى مقامه في الجنة وقت استشهاده، وتفوح من دمائه رائحة المسك، لأنه قدَّم حياته الله عزَّ وجل، فَقَبِلَهَا اللهُ منه، وأكرمه بها، فكل ما تراه عينك على جسد الشهيد، لا قيمة له إطلاقاً، هو في:
﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾
( سورة البروج الآية: 11)
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
( سورة يس الآية: 26)
بقيَ الإنسانُ بكامل صحته، وكامل قوته، وكامل شبابه، وكامل تألُّقه، وثيابُه ممزَّقة ملقاة على الأرض، هو في الجنة, قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 169)
فهذه ثيابُه التي خلعها، وألقاها جانباً، وأبدله الله خيراً منها- .
وقد قيل: لقد دُعِيَ النبي عليه الصلاة والسلام إلي التمثيل بالكفار، نظير تمثيلهم بعمِّه حمزة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا أمثل بهم، فيمثل الله بي، لو كنت نبياً))
[ورد في الأثر]
لقد نُهِيَ عن التمثيل، والنبي يخاف الله، وهو وقَّاف عند كلام الله . 2- يوم الخندق :
أيها الأخوة, لكن موقف هذه السيدة الجليلة يوم الخندق موقفٌ غريب عجيب بطوليّ، فكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا عزم على غزوة من الغزوات أن يضع النساء والذراري في الحصون، خشية أن يغدر بالمدينة غادرٌ في غيبة حُماتِها، فلما كان يوم الخندق جعل نساءَه وعمّته معهم، وطائفة من نساء المسلمين، في حصنٍ لحسان بن ثابت، ورِثه عن آبائه، وكان من أكثر حصون المدينة مناعةً، وأبعدها منالاً، وبينما كان المسلمون يرابطون على حوافِّ الخندق، في مواجهة قريش، وأحلافها، وقد شغلوا عن النساء والذراري بمنازلة العدو، فأبصرتْ صفيةُ بنت عبد المطلب شبحاً يتحرَّك في عتمة الفجر، فأرهفتْ له السمع، وأحدَّتْ إليه البصر، فإذا هو يهوديٌ أقبل على الحصن، وجعل يَطوف به، متحسساً أخباره، متجسساً على مَن فيه، فأدركتْ أنه عينٌ لبني قومه، جاء ليَعلم أفي الحصن رجالٌ يدافعون عمن فيه، أم أنه لا يضمّ بين جدرانه إلا النساء والأطفال ؟ فإذا علم هذا اليهودي المتجسس أنّ هذا الحصن لا يضمّ إلا نساءً وأطفالاً، داهموا هذا الحصن، وسبَوْا النساء والذراري، فقد نقضوا عهدهم مع النبي، وانتهى الأمر ، وصاروا في صف الأعداء من قريش وأحلافها .
فقالت في نفسها:
((إن يهود بني قريظة قد نقضوا ما بينهم وما بين رسول الله من عهدٍ، وظاهروا قريشاً وأحلافها على المسلمين، وليس بيننا وبينهم أحدٌ من المسلمين يدفعون عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن معه مرابطون في نحور العدو، فإن استطاع عدو الله، هذا اليهودي أن ينقل إلى قومه حقيقة أمرنا سبَى اليهودُ النساءَ، واسترقُّوا الذراري، -وكانت الطامَّة على المسلمين، هذه أخت الرجال حقًّا- عند ذلك بادرت إلى خمارها، فلفَّته على رأسها، وعمدت إلى ثيابها فشدَّتها على وسطها، وأخذت عموداً على عاتقها، ونزلت إلى باب الحصن، فشقَّته في أناةٍ وحذقٍ، وجعلت ترقب من خلاله عدو الله في يقظةٍ وحذر، حتى إذا أيقنت أنه غدا في موقفٍ يُمَكِّنها منه، حملت عليه حملةً حازمةً صارمةً، وضربته بالعمود على رأسه، فطرحته أرضاً، ثم عززتْ الضربة الأولى بثانيةٍ وثالثة، حتى أجهزت عليه، وأخمدتْ أنفاسه بين جنبيه، وبادرتْ إليه ، فاحتزّتْ رأسه بسكين كانت معها، وقذفت بالرأس من أعلى الحصن، فطفق يتدحرج على سفوحه، حتى استقر بين أيدي اليهود، الذين كانوا يتربَّصون في أسفله، فلما رأى اليهود رأس صاحبهم، قال بعضهم لبعضٍ: قد علمنا أن محمدًا لم يكن ليترك النساء والأطفال وحدهم، من غير حماةٍ، ثم عادوا أدراجهم))
لقد أجرى اللهُ على يديها حفظَ نساء المسلمين وسلامتهنّ بهذه الشجاعة النادرة, رضي الله عن صفية بنت عبد المطلب، كانت مثلاً فذَّةً للمرأة المسلمة، ربَّت وحيدها فأحكمت تربيته، أصيبت بشقيقها، فأحسنت الصبر عليه، اختبرها اللهُ في الشدائد، فوجد فيها المرأة الحازمة، العاقلة ، الباسلة، إن صفية بنت عبد المطلب، كانت أول امرأةٍ قتلت مشركاً في الإسلام, هذه بطولة، وهذه حالة خاصة بالطبع، فلا نُكلِّف النساء أن يكنّ كذلك، هذه حالة خاصة، وهذا موقف شخصي ، لكن وهي في الستين من عمرها كانت في أعلى درجات إيمانها، وأعلى درجات محبَّتها لدين الله ، ولرسول الله، وأعلى درجات دفاعها عن هذا الدين العظيم . محور هذا الدرس :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2620/15.jpg
أيها الأخوة, تذكروا أن محور هذا الدرس؛ إمّا أن تحمل الإسلام، وإمّا أن يحملك الإسلام، فإذا حملك الإسلام فلا تزيد عن هؤلاء الذين يُحْمَلون في الحج، ويُطافُ بهم حول الكعبة ، أمّا المطلوب فأنْ تحمل أنت الإسلام، وأن تكون شامخاً كالطوْد، قاسياً كالعود، صُلباً كالصخر، وأن تبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وأقل ما في الأمرِ أنْ تطلب العلم، وأنْ تحافظ على مجالس العلم، وأقلُّ أحوالك أنْ تستقيم على أمر الله، وأن تقيم الإسلام في بيتك، وفي عملك، وفي دكانك، وفي مكتبك، وفي متجرك، أقل شيء أن تكون مسؤولاً عن بيتك، وعن أولادك، وبصلاح بيتك وبتربية أولادك على الإسلام فقد فعلتَ الكثير في خدمة الإسلام وعزته .

السعيد 08-21-2018 12:54 PM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا النعمان بن مقرن المزنى


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . إليكم قصة إسلام النعمان بن مقرن المزني مع جمع غفير من قبيلته :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين, وصحابي اليوم، سيدنا النعمان بن مقرِّنٍ المُزني، فقد كانت قبيلة مزينة، تتخذ منازلها قريبةً من يثرب، والتي أضحتْ بعد ذلك المدينة المنورة، مدينة رسول الله صلى الله علية وسلَّم، على الطريق الممتدة بين المدينة ومكة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد هاجر إلى المدينة، وجعلت أخباره تصل تباعاً إلى مزينة مع الغادين والرائحين، لأن مزينة كانت على الطريق، بين مكة والمدينة .
لكن هذه القبيلة، لا تسمع إلا خيراً عن رسول الله وأصحابه, لقد كانتْ منصفة، والمؤمن من صفاته أنه منصف، ينصف الناس من نفسه، وحينما يكابر الإنسان، ويجحد، ويبالغ، ويمدح مَن كان قريباً منه، ويحابي، ويذمُّ بلا سبب، إذا فعل ذلك فقد ابتعد عن إيمانه، وعن إسلامه، بُعْدَ الأرض عن السماء http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/01.jpg
فهذا إنسان بعيد عن مرضاة الله عزَّ وجل، هناك أمهات يمدحن بناتهن مدحاً غير معقول، فإذا جاءت الكنّةُ إلى بيتهم حوسبت حساباً عسيراً، وسُلِبت كلُّ إمكانياتها، وأُبْرزت أخطاؤها، فهذا جحود، وهذا ليس إسلاماً ولا إيماناً، فهذا ابني أمدحه، وابن الآخرين أذمُّه، فلست حينئذٍ منصفاً، ولست مؤمناً، وإنّ الله يحب المنصف العادل، ويحب الذي يقول الحق، ولو كان مراً, هؤلاء سرُّ إسلامهم، وسرّ قربهم من الله عزَّ وجل، وسبب سرعة إسلامهم، وسبب دخول الإيمان إلى قلوبهم، وسبب إقبالهم على هذا الدين الجديد، أنهم أنصفوا .
وفي ذات عشيةٍ، جلس سيِّد القوم، الصحابي الجليل الذي ندرس عظمة موقفه في الإسلام في ناديه مع أخوته، ومشيخة قبيلته، فقال: ((يا قوم, واللهِ ما علِمنا عن محمدٍ إلا خيراً، ولا سمعنا من دعوته إلا مرحمةً، وإحساناً، وعدلاً، فما بالنا نبطئ عنه، والناس يسرعون إليه؟ .))
-إنسان أقبل على هذا الدين، أقبل على ربه، انضوى تحت لواء المؤمنين، استقام على منهج الله، بذل كلِّ شيءٍ في سبيل الله، تألَّقت روحه، أشرقت نفسه، اطمأن قلبه، وأنت جاره، صديقه، أخوه، زميله، ألا تغار منه؟ فما بالنا نبطئ عنه، والناس يسرعون إليه؟ وهكذا قال بعض العلماء: الشريعة رحمةٌ كلُّها، عدلٌ كلُّها، مصلحةٌ كلُّها، فأية قضيةٍ خرجت من الرحمة إلى القسوة، من العدل إلى الجور، من المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أُدخلت علّيها بألف تأويلٍ وتأويل، هذا هو الشرع- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/02.jpg
ثم قال النعمان: أمّا أنا فقد عزمتُ على أن أغدوَّ عليه إذا أصبحت، فمَن شاء منكم أن يكون معي فليتجهَّز .
-يا أخوان, إذا الشخص معلم، طبيب، مدير مستشفى، مدير معمل، وقام ويصلي أمام عمَّاله، فهو قدوة بصدق، وإذا جاءت امرأةٌ فغضَّ بصره عنها أمام عماله، هل تعلم أن كلَّ هؤلاء يكبرون هذا السلوك؟ فكلما علا شأنك، وكبرت، وكلما كان حجمك أكبر، وقيادتك أكبر، فأعمالك الصالحة مضاعفة بالثواب بحسب كلِّ مَن اتبعك فيها- .
قال لقومه: أمّا أنا فقد عزمت على أن أغدوَ عليه إذا أصبحت، فمن شاء منكم أن يكون معي فليتجهَّز، وكأنما مسَّت هذه الكلمات وتراً مرهفاً في نفوس القوم، فما إن طلع الصباح حتى وجد أخوته العشرة، وأربعمئة فارسٍ من فرسان مُزينة قد جهَّزوا أنفسهم للمضي معه إلى يثرب، للقاء النبي صلوات الله وسلامه عليه، والدخول في دين الله، -انظر إلى القدوة، لذلك في القرآن آية تشير إلى القدوة، فهل تعرفوها؟ قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 30)
وفي آية ثانية, يقول تعالى:
﴿ نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 31)
نساء النبي، إن أحسنَّ، يُؤْتَيْنَ أجورهن مرتين، وإن أسأن يعاقبن مرتين، لذلك سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصَّته، وقال:
((إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطيـر، إن رأوكـم وقعتم وقعوا، وايم الله لا أوتينَّ بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة، لمكانه مني))
-فصارت القرابة من عمر مصيبة، وحينما ترقى إلى مستوى قيادي فلك حساب مضاعف، فإن أطعتَ الله عزَّ وجل فلك أجرُّ طاعته، ولك أجرُ مَن اقتدى بك، ولك أجرُ مَن قلَّدك ، ولك أجرُّ من رأى هذا العمل عظيمًا، واقتدى به- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/03.jpg
لكن النعمان بن المقرِّن المزني فقد استحيا أن يَفِدَ مع هذا الجمع الحاشد على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يحمل له وللمسلمين شيئاً يقدِّمه، وفي المسلمين فقراء، وذو حاجة، فأراد أن يقدِّم للنبي بعض الهدايا، لكن السنة العجفاء المجدبة التي مرَّت بها مزينة لم تترك لها ضرعاً ولا زرعاً، فطاف النعمان ببيته، وبيوت أخوته، وجمع كلما أبقاه القحط من غنيمات، وساقها أمامه، وقدم بها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلن هو ومن معه إسلامهم بين يديه .
-هذا إسلام جماعي- النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى ذلك سُرَّ أشدَّ السرور، واهتزت يثربُ من أقصاها إلى أقصاها، فرحاً بالنعمان بن مقرِّن وصحبه، إذْ لم يسبق لبيتٍ من بيوت العرب أنْ أسلم منهم هذا الجمع الغفير، وتقبَّل الله عزَّ وجل غُنيماته، وأنزل فيه قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
( سورة التوبة الآية: 99)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/04.jpg
أخوك فقير قدَّمت له شيئًا، فالله يتقبّله، وإذا قدّم إنسان إلى أخيه هدية بِنِية تمتين العلاقات ، وبِنِية إكرامه، وبِنِية مسح شيء من الضغينة، هذه الهدية يتقبلها الله عزَّ وجل، وهكذا فلْيَكُن المؤمن, قال تعالى:
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾
( سورة التوبة الآية: 99)
أحياناً يقدِّم أخٌ خدمةً إلى المسجد، قد يساهم في حلِّ قضيةٍ، أو يقضي حاجة أخيه، أو يحل مشكلة عويصة، أو يسدّ نقصًا، أو يقوِّي ضعفًا، أو يطفئ فتنةً، أو يزيل نفورًا، فتجد هذا الذي يدعو إلى الله يمتلأ قلوبَ الآخرين امتناناً له .
لماذا أرسل سعد بن أبي وقاص وفداً برئاسة النعمان إلى كسرى وما هو الحوار الذي جرى بين النعمان وكسرى ؟
انضوى النعمان بن مقرن المزني تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه غزواته كلها، غير وانٍ ولا مقصِّر, ولما آلت الخلافة إلى سيدنا الصديق وقف معه هو وقومه من بني مزينة وقفةً حازمةً، كان لها أثرٌ كبير في القضاء على فتنة الردة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/05.jpg
كانت الأضواء مسلطة على موقف سيدنا النعمان في موقعة القادسية، وفيما تلاها من وقعات، ومنها وقعة نهاوند، فكل إنسان له مجال تفوَّق فيه يُذكَر به، فلمَّا صارت الأمور إلى الفاروق رضي الله عنه، وقد صار للنعمان بن مقرِّن في عهده شأنٌ ما يزال التاريخ يذكره بلسانٍ نديٍ بالحمد، رطبٍ بالثناء، فقُبَيْل القادسية أرسل سعدُ بن أبي وقَّاص قائد جيوش المسلمين وفداً إلى كسرى يزدجرد، برئاسة النعمان بن مقرن، ليدعوه إلى الإسلام، وهنا وقفة لا بدَّ منها .
أيها الأخوة الأكارم, كما تقول العامَّة: الإسلام ليس دين السيف، الإسلام دين العقل، بل الإسلام دين المنطق، الإسلام دين الدعوة السلمية، فلا يمكن أن يشهر السيف من قبل المسلمين، قبل أن يُدعَى الكفَّار إلى الإسلام دعوةً هادئةً مبنيةً على التبيين، والتوضيح، والتبليغ، فإذا رفض هذا الكافر أن يسلم، وأن ينضوي تحت لواء المسلمين، وأن يحميه المسلمون، لأنّ عقيدتهم لا تسمح له أن يقاتل مع المسلمين، لذلك تؤخذ منه الجزية، وإذا رفض أن يسلم، ورفض أن يدفع الجزية، فعندئذٍ يقاتل، لتكون كلمة الله هي العليا .
لذلك أهل سمرقند فتحت بلادهم فتحاً عسكرياً، ثم علموا أن فتحهم ليس شرعياً، فأرسلوا وفداً خفيةً إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز، وأطلعوه على ما جرى, وعلى طريقة فتح بلادهم، فما كان مِن سيدنا عمر، كما يروي التاريخُ، إلاّ أن أرسل قصاصة ورق، كتب فيها ما يلي:
((إلى فلان الفلاني، قائد جيوش المسلمين في سمرقند، ما إن يصلك كتابي هذا، فاخرجْ من سمرقند، وادعُ أهلها إلى الإسلام، فإن أبَوْا فادعُهم لدفع الجزية، فإن أبَوْا فقاتلهم، وافتح بلادهم مرةً ثانية .
-هذا الوفد الذي عاد ومعه تلك قصاصة، فيها أمرٌ إلى قائد جيش أن ينسحب من بلدٍ احتلها ، وانتصر على أهلها، ودانتْ للمسلمين، لم يصدِّق- فلما قُدِّمت هذه القصاصة إلى قائد الجيش قبَّلها ، وأمر جيشه بالانسحاب، فلما رأوا ذلك, قالوا: نحن أسلمنا، وابقَوْا على ما أنتم عليه))
فسيدنا سعد بن أبي وقاص، قائد جيوش المسلمين، قبل أن يحارب كسرى يزدجرد، لا بدَّ أن يدعوه إلى الإسلام، فإن أبى، دعاه إلى دفع الجزية، فإن أبى، يقاتله، فإذا قاتله، فليس المقصود أن يبيده، المقصود أن يأسره، فلعله يسلم بطريقة المعاملة إنْ لم تفلحْ بطريقة الحوار، هذا هو منهج الإسلام في نشر الدعوة .
ولما بلغ الوفد عاصمة كسرى في المدائن، استأذنوا بالدخول عليه، فأذن لهم، ثم دعا الترجمان فقال له: ((سَلْهُمْ ما الذي جاء بكم إلى ديارنا، وأغراكم بغزونا, لعلكم طمعتم بنا، واجترأتم علينا، لأننا تشاغلنا عنكم، ولم نشأ أن نبطش بكم؟))
-هذا كلام كسرى للمترجم، ليوجِّهه لسيدنا النعمان بن مقرن المُزني- .
فالتفت النعمان بن مقرن إلى من معه، -انظروا إلى أدبه، وإلى تواضعه- وقال: ((إن شئتم أجبته عنكم، وإن شاء أحدكم أن يتكلم آثرتُه عليَّ بالكلام، فماذا تروْن؟ قالوا جميعاً: بل تكلَّم أنت، -لأنه رئيس وفد، وما اختاره سيدنا سعد إلا على علم، والقاعدة: إذا عزَّ أخوك فهن أنت، فهي ليست قضية منافسة- ثم التفتوا إلى كسرى، وقالوا: هذا الرجل يتكلَّم بلساننا، فاستمع إلى ما يقول:
فحِمَد النعمانُ الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله رحمـنا، فأرسل إلينـا رسولاً يدلُّنـا على الخير، ويأمُرنا به، ويعرِّفنا الشرَّ، وينهانا عنه، ووعدنا من يجبه فيما دعانا إليه بخيري الدنيا والآخرة, -إنّه وصف رائع للنبي عليه الصلاة والسلام, إنه كلام مختصر مفيد، جامع مانع- .
ثم قال: فما هو إلا قليل، حتى بدَّل الله ضيقنا سَعَةً، وذلَّتنا عزةً، وعداواتنا إخاءً ومرحمة))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/06.jpg
والله كلامٌ بليغٌ بليغ، وهو موجزُ فحوى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، توضيح الخير ، والأمر به، توضيح الشر، والنهي عنه .
أليس المسلمون في أمسِّ الحاجة، وهم في ضيقٍ شديد اليوم، وهم في ذلةٍ ما بعدها ذلة، وهم في عدواةٍ فيما بينهم ما بعدها عداوة، لأن يهتدوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام؟ فما هو إلا قليل، حتى بدَّل الله ضيقنا سَعَةً، وذلَّتنا عزةً، وعداواتنا إخاءً ومرحمةً .
إذًا: المؤمنون متراحمون، أمّا مجتمع الضغينة، والحقد، والحسد، والغيرة، والبغضاء، والطعن، فهذا مجتمعٌ نتن، وهذا مجتمعٌ ليس مجتمعاً مسلماً، هذا مجتمعٌ لا نزهو به، ولا نفتخر به أمام أعداء الإسلام, وقد أمرنا أن ندعوَ الناس إلى ما فيه خيرهم، وأن نبدأ بمن يجاورنا .
سبب مجيئي إليكم، أن الإسلام أمرنا أن ندعوَ إليه، وأن نبدأ بمَن هو في جوارنا، إنسان ما تعلَّم في جامعة، ولا في مدرسة، ابن الصحراء، لكن الإيمان أطلق لسانه، لكنّ حبَّ الله عزَّ وجل جعل كلامه موزوناً، دقيقاً، فاسمعوها مرة ثانية:
قال: ((إن الله رحمنـا، فأرسل إلينـا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به، ويعرِّفنا الشرَّ ، وينهانا عنه، ووعـدنا إن أجبناه إلى ما دعانا إليه أن يعطينا الله خيري الدنيا والآخرة، فما هو إلا قليل حتى بدّل الله ضيقنا سعةً، وذلتنا عزةً، وعداواتنا إخاءً ومرحمةً، وقد أمرنا أن ندعوَ الناس إلى ما فيه خيرهم، وأن نبدأ بمن يجاورنا، فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دينٌ حَسَّنَ الحسَنَ كلَّه، وحضَّ عليه، وقبَّح القبيح كلَّه، وحذَّر منه، وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجوره، إلى نور الإيمان وعدله, فإن أجبتمونا إلى الإسلام، خلَّفنا فيكم، كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ورجعنا عنكم، وتركناكم، وشأنكم, فإن أبيتـم الدخول في دين الله، أخذنا منكم الجزية، وحميناكم, فإن أبيتم إعطاء الجزية حاربناكم))
هذا منهج .
هل تقبل كسرى كلام النعمان وما هو موقفه إزاء ذلك وما هو الخير الذي حصل عليه المسلمون من خلال هذا الموقف؟
فاستشاط يزدجرد غضباً، وغيظاً مما سمع, وقال: ((إني لا أعلم أمةً في الأرض كانت أشقى منكم، ولا أقلَّ عدداً، ولا أشدَّ فرقةً، ولا أسوأ حالاً .))
-من أنتم؟ هذه هي الحقيقة، كنا في الجاهلية كذلك، مثلاً: مدَّ رجلٌ شريف رجله في قومه، فقال: من كان أشرف مني فليضربها، فضربها رجل، ونشبت حربٌ دامت عشر سنين، أكلت الأخضر واليابس، كان الرجلُ منهم يضع ابنته في التراب، وهي حية، هذا ما كانوا عليه قبل الإسلام, قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
( سورة التكوير الآية: 8-9)
كان الرجال العشرة يشتركون على امرأة واحدة، فيتزوجوها بالتناوب، وإذا جاءها مولود، اختارتْ منهم واحدًا فنسبَتْه إليه، وصار له أبًا، إنها جاهلية بأتمّ معنى الكلمة, لكن الإسلام رفع هذه الأمة، قال الله عزَّ وجل:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾
( سورة آل عمران الآية: 103)
قال: وقد كنا نكِل أمركم إلى ولاة الضواحي، فيأخذون لنا الطاعة منكم، ثم خفف شيئاً من حدته، وقال: فإن كانت بكم الحاجة، أي الفقر، هي التي دفعتكم إلى المجيء إلينا، أمرْنا لكم بقوتٍ إلى أن تخصِب دياركم، وكسونا سادتكم، ووجوه قومكم، وملَّكنا عليكم ملكاً من قبلنا، يرفق بكم .
فردَّ عليه رجل من الوفد رداً أشعل النار من جديد، فغضب يزدجرد، قال: لولا أن الرسل لا تُقْتَل لقتلتكم، يبدو أنه استفزّه، قوموا فليس لكم شيءٌ عندي، وأخبِروا قائدكم أني مرسِلٌ إليه رستم، حتى يدفنه، ويدفنكم معاً في خندق القادسية، لقد غضب، وأنتم مصيركم القتل في خندق القادسية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/07.jpg
ثم أمر فأتي له بحِملٍ من التراب، وقال لرجاله: حمِّلوه على أشرف هؤلاء، وسوقوه أمامكم، على مرأى من الناس، حتى يخرج من أبواب عاصمة ملكنا، فقالوا للوفد: من أشرفكم؟ يريدون أنْ يحملوه ترابًا، ويمشوا به في الطريق، كي يذلَّونه لأنهم في نظره أسرى عنده، انظر إلى التضحية، فبادر إليه عاصم بن عمر، أحد صغار الوفد، فقال له: أنا أشرفهم، فحمَّلوه عليه، حتى خرج من المدائن، ثم حمل الترابَ على ناقته، وأخذه معه، لسعد بن أبي وقَّاص، وبشّره بأن الله سيفتح على المسلمين ديار الفرس، ويملِّكهم تراب أرضهم، ثم وقعت وقعة القادسية، واكتظ خندقها بجثث آلاف القتلى، ولكنهم لم يكونوا من جند المسلمين، إنما كانوا من جنود كسرى)) انظر إلى هذه المواقف ما أجلَّها، أحد أعضاء الوفد الصغار، توقيراً لرئيسه، ولبقية الوفد، قال: أنا أشرفهم، احمله عليّ، وكان هذا الحملُ وسامَ شرفٍ علَّقه على صدره . إليكم بطل نهاوند الذي أحسن عمر في اختياره وكان النصر حليفه وختمت له الشهادة فيها :
حينما هُزِم الفرس في معركة القادسية شرَّ هزيمة، جمعوا جموعهم، وجيَّشوا جيوشهم، حتى اكتمل لهم، مئةٌ وخمسون ألفاً من أشدَّاء المقاتلين، للمعركة الثانية، معركة نهاوند، وتفاصيل القادسية تعرفونها، فلما وقف الفاروق على أخبار هذا الحشد العظيم، عزم أن يمضي إلى مواجهة هذا الخطر الكبير بنفسه، لكن وجوه المسلمين، ثنوه عن ذلك، وأشاروا عليه، أن يُرسل قائداً يعتمد عليه، في مثل هذا الأمر الجلل، فقال عمر: ((أشيروا عليّ برجلٍ، لأولِّيَه ذلك الثغر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بجندك، فقال: واللهِ لأولِّيَنّ على جند المسلمين رجلاً يكون إذا التقى الجمعان أسبقَ من الأسنة، إنه النعمان بن مقرن المزني، -صار سيدنا النعمان قائد معركة نهاوند- فقالوا: هو لها، أي واللهِ أصبتَ، -قد كان النعمانُ رجلاً كألْف- فكتب إليه يقول:
مِن عبد الله عمر بن الخطاب، إلى النعمان بن مقرن، أما بعد, فإنه قد بلغني أن جموعاً من الأعاجم كثيرةً، قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا، فسِرْ بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله، بمَن معك مِن المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيهم .))
-هناك أسلوب في قيادة الجيش، إنْ أُتعِب الجندي فهذا غلط، يجب أن تريحه، وأن تعلي مكانته، وأن ترفع معنوياته، وأن توفِّر كلَّ طاقته للمعركة، لا أن تجهده قبل المعركة- قال له: فإن رجلاً واحداً من المسلمين، أحبُّ إلي من مئة ألف دينارٍ، والسلام عليك)) -رجل واحد من المسلمين أحبُّ إليَّ من مئة ألف دينار، تفرح بالجزية، تضحِّي لي بمسلم، والقائد لا ينجح في الحرب إلا إذا شعر الجندي أن حياته غالية جداً على قيادة الجيش، أما نحن, فنقول: إنّ عندنا أعدادًا كبيرة لا يهمنا الأمر http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/08.jpg
هذه بعض المجتمعات التي رفعت شعارَ لا إله ، من عقيدتها في الحرب أنها تكسح الألغام بالقوى البشرية، أي إنْ وُجِد حقل ألغام أُرسِلت سرية، فيتفجَّر الألغام بها، فيتمّ كسحها، فإذا شعر الجندي أنه رخيص على قيادته، وليس له قيمة فلن يحارب على الإطلاق، أما إذا شعر أنه غالٍ جداً على قيادته، والقيادة مستعدة لبذل كل شيء لإنقاذ حياته، فحينئذٍ يكون شجاعاً، هذه أسرار قوة الجيش- .
هبّ النعمان بجيشه للقاء العدو، وأرسل أمامه طلائع من فرسانه، لتكتشف له الطريق، فلما اقترب الفرسان من نهاوند توقَّفت خيولهم، فدفعوها فلم تندفع، فنزلوا عن ظهورها، ليعرفوا ما الخبر؟ فوجدوا حوافر الخيل، فيها شظايا من الحديد، تشبه رؤوس المسامير، فنظروا إلى الأرض ، فإذا العجم قد نثروا في الدروب المؤدية إلى نهاوند حسكَ الحديد، ليعوِّقوا الفرسان والمشاة عن الوصول إليهم .
أخبرَ الفرسانُ النعمان بما رأوا، وطلبوا منه أن يمدَّهم برأيه, فأمرَهم أن يقفوا في أمكنتهم، وأن يوقدوا النيران في الليل، ليراهم العدو، عند ذلك يتظاهرون بالخوف منه، والهزيمة أمامه، ليغروه باللحاق بهم، وإزالة ما زرعه من حسك الحديد، فنجحت الخطةُ، وجازت الحيلة على الفرس، فما إن رأوا طليعة جيش المسلمين تمضي منهزمةً أمامهم، حتى أرسلوا عمَّالهم، فكنسوا الطرق من الحسك، فكرَّ عليهم المسلمون، واحتلوا تلك الدروب http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/09.jpg
وعسكرَ النعمانُ بن المقرن المزني بجيشه على مشارف نهاوند، وعزم على أن يباغت عدوه بالهجوم، فقال لجنوده: إني مكبرٌ ثلاثاً, المباغتة من علامات نجاح المعركة، فإن كبَّرتُ الأولى فليتهيَّأْ مَن لم يكن قد تهيَّأ ، وإن كبَّرت الثانية، فليشددْ كلُّ رجلٍ منكم سلاحه على نفسه، وإن كبرتُ الثالثةَ فإني حاملٌ على أعداء الله فاحملوا معي .
كبرَّ النعمان بن مقرنٍ تكبيراته الثلاث، واندفع في صفوف العدو، كأنه الليث عادياً، وتدفق وراءه جنود المسلمين تدفُّقَ السيل، ودارت بين الفريقين رحى معركةٍ ضروس، قلَّما شهد التاريخُ لها نظيراً، كانت من أشهر معارك المسلمين في فتح بلاد الفرس، تمزَّق جيش الفرس شرَّ ممزق، وملأت قتلاه السهل والجبل، وسالت دماؤهم في الممرات والدروب، فزلق جواد النعمان بن مقرن بالدماء فصُرع، وأصيب النعمان نفسه إصابةً قاتلة، فأخذ أخوه اللواء من يده، وسجَّاه ببردةٍ كانت معه، وكتم أمره على المسلمين، وما أخبر أحدًا، ولما تمَّ النصر الكبير الذي سمَّاه المسلمون فتح الفتوح، سأل الجنودُ المنتصرون عن قائدهم الباسل، فرفع أخوه البردة عنه، وقال: هذا أميركم، قد أقرَّ اللهُ عينه بالفتح، وختم له بالشهادة . خلاصة القول :
أيها الأخوة, ملخص الملخص, نحن ماذا فعلنا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/10.jpg
لا جنة من دون عمل، ومن دون تضحية، ومن دون بذل، وأقل شيء أنْ تطلب العلم، وأنْ تعلِّم، وأقل شيء يمكن أن تقدمه للمسلمين أنْ تتعلم القرآن، وأن تعلِّمه، وأن تفعل الخير، وأن تطعم الفقراء، وأن تنصر الضعفاء، وأن تزيل البأساء عن البائسين، وأن تسهم في خدمة مجتمعك المسلم، فمِن دون عمل أنتَ تستهلك جهود الآخرين، وتأخذ ما عندهم، لكنْ أنْ تصلي وتصوم، وتظن أن هذا هو الإسلام؟ لا والله، الإسلام عمل، ولو فَهِم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه اليوم، واللهِ لما خرج الإسلام من مكة إطلاقاً، ولبقي في مكة، فانظرْ إلى أين وصلوا، وأين هذه نهاوند؟ هذه في شرق المدائن، وفي أعماق بلاد الفرس، لقد وصل الإسلامُ إلى الصين .
يا أيها الأخ الكريم, إن لم تكن الأمور واضحةً في ذهنك وضوح الشمس، وإنْ لم تكن حياتك مفعمةً بما تعتقد، وبما تنطلق، فالطريق إلى الله لا يزال طويلاً، لكنّ الحقيقة أن الصحابة الكرام على اختلاف مشاربهم، وانتماءاتهم، وعلى اختلاف أصولهم، وقبائلهم، صبَغَهُم الإسلام جميعاً بصبغةٍ واحدة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2630/11.jpg
الإيمان رفع شأنهم، ويجب أن تعلموا أن الله هو هو، إلههم إلهنا، ربهم ربنا، إذًا: فينا تقصير، وهذا بسببنا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي, اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي, فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ, وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهـُمْ ,وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي, وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ, وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه عن عبد الله بن مغفل]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري]
فأنا أرى أن قدوتنا أصحاب رسول الله، في ورعهم، في عباداتهم، في إقبالهم، في بذلهم، في تضحياتهم .

السعيد 08-21-2018 12:56 PM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا ثمامة بن اثال



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لماذا أراد النبي أن يوسع نطاق دعوته وهل استجاب ثمامة بن أثال لذلك وكيف تلقى ثمامة رسالة النبي ؟
أيها الأخوة الأكارم, مع دروس صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومع الدرس الرابع والثلاثين، وصحابي اليوم سيدنا ثمامة بن أثال، ولهذا الصحابي قصةٌ فريدة، يبدو أنَّ كل صحابي يمثلُّ نموذجاً فذًّا، يمكن أن يكون قدوةً لشريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع، ففي السنة السادسة للهجرة، عزم النّبي صلّى الله عليه وسلّم، على أن يوسِّع نطاق دعوته .
فالمؤمن لو أنّه اهتدَى إلى الله عزَّ وجل، واهتدى معه أهلُه، لكنه طموح، ولا يرضى أن يهتدي معه فقط ثلةٌ قليلةٌ من بني عشيرته، ويبقى النّاسُ في جهالةٍ جهلاء، ليس هذا من شأن المؤمن، لكنّ المؤمن يهمه أن يعمَّ الهدى الأرضَ كلّها، وأن ينتشرَّ الهدى في الخافقين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/01.jpg
فلذلك أراد النّبي عليه الصلاة والسلام في السنة السادسة للهجرة أنْ يوسِّع نطاق دعوته إلى الله، لأنَّ دعوة النّبي عليه الصلاة والسلام موجهةٌ إلى الأممِ كلِّها، وإلى كلِّ الشعوب, قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾
( سورة سبأ الآية: 28)
الأنبياء السابقون كلُّ نبيٌ منهم كان مرسلاً إلى قومٍ بالذات، لكن النبي عليه صلوات الله وسلامه أرسله الله إلى أمم الأرض كلها، لذلك كان خاتم النبيِّين، فكتب ثمانية كتبٍ إلى ملوك العرب والعجم، وبالمناسبة الرسائل لها دور كبير، فبعضُ الناس قد يتوب إلى الله من خلال رسالة صادقة, سيدنا عمر أرسل إلى صديقه الذي ذهب إلى الشام ووقع على الخمرة، وأدمن عليها، فلما بلغه النبأ تألم أشد الألم، وكتب له:
((من عبد الله عمر بن الخطاب إلى فلان، أما بعد, أحمد الله إليك :
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
( سورة غافر الآية: 3 )
فجعل هذا الصديق يقرأ كتاب عمر بن الخطاب ويبكي، إلى أن حملته هذه الرسالة على التوبة)) المؤمن الصادق يدعو تارةً بلسانه، تارةً بقلبه، تارةً بمعروفه، تارةً بزيارته، تارةً ببذله، تارة بالإقناع، تارة بالمنطق، همه كبير وهدفه نبيل، وشرفه من شرف دعوته، ويمثُّل هذا الدين، ((أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام، فلا يؤتين من قِبَلك))
كلُّ مسلم يشعر أنه سفير المسلمين ويمثِّلهم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/02.jpg
بعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان مِن جملة مَن كاتبهم ثمامة بن أثال الحنفي، أحد ملوك العرب، سيدٌ من سادات بني حنيفة المرموقين، وملكٌ من ملوك اليمامة الذين لا يُعصَى لهم أمر، تلقَّى ثمامة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالزراية والإعراض، وأخذته العزة بالإثم، فأصمَّ أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير، قال تعالى:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
( سورة التحريم الآية: 4)
صحَّة السماع تعني المبادرة إلى التطبيق، وصحة السماع تعني أن تتوب إلى الله عزَّ وجل، قال عز وجل:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
( سورة التحريم الآية: 4)
ماذا قرر ثمامة بعد أن تلقى رسالة النبي وهل نجا الصحابة من شر ثمامة ؟
أيها الأخوة, ركبه شيطانه، فأغراه بقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الملك هكذا عنَّت له نزوة طارئة، أن يقتل النبي ويريح الناس منه، وقد قال الله عز وجل:
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾
( سورة الحج الآية: 15)
فمَن توهَّم أن الله عزَّ وجل لا ينصر النبي عليه الصلاة والسلام، فليفعلْ ما يشاء، ولن تتحقّق رغبته وأمنيته، لأن أمنيته سرابٌ بِقِيعَةٍ، واللهُ عزَّ وجل ناصر نبيه, رسول رب العالمين، أيعقل أن يسلمه؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
لا يستطيع أحدٌ أن يقتل النبي، أبداً، هذا معنى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/03.jpg
يعصمك مِن أن تُقْتَل، فإذا قُتِلتَ فقد انتهت الدعوة مع قتلك, قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
هذه عصمة النبي، معصوم عن الخطأ، والله عصمه مِن أن يُقتَل .
فدأب يتحيَّن الفرص للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصاب منه غرة غفلةً، وكادت تتم الجريمة الشنعاء لولا أن أحد أعمام ثمامة ثناه عن عزمه في آخر لحظة، فنجَّى الله النبي من شرِّه, فإلى هذه الدرجة بلغت عداوته للنبي عليه الصلاة والسلام, لكن ثمامة إذا كان قد كفَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكفَّ عن أصحابه، حيثُ جعل يتربَّصُ بهم، حتى ظفر بعددٍ منهم، وقتلهم شرَّ قتلة، لذلك أهدرَ النبي عليه الصلاة والسلام دمه، وأعلن هذا في أصحابه، أنّ هذا الرجل دمه مهدور .
كيف أسر ثمامة بين أيدي المسلمين وكيف عامله النبي ؟
أذكِّركم كلمة كنت أرددها: هكذا تدار الأمم, لا بالانتقام, ولكن بالعقل والغفران، هذا الإنسان, ما جزاؤه؟ القتل والتنكيل، ولم يمض على ذلك طويل وقتٍ حتى عزم ثمامة بن أُثال على أداء العمرة، على النمط الجاهلي، فانطلق من أرض اليمامة، مولياً وجهه شطر مكة، وهو يمنِّي نفسه بالطواف حول بالكعبة، والذبح لأصنامها، وبينما كان ثمامة في بعض طريقه، قريباً من المدينة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/04.jpg
نزلت به نازلة، لم تقع له في الحسبان، ذلك أن سريةً من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تجوس خلال الديار، خوفاً من أن يطرق المدينة طارق، أو يريدها معتدٍ بشر، فأسرت السريةُ ثمامةَ بن أثال، وهي لا تعرفه، فألقت عليه القبض وأسرَتْه، وأتت به إلى المدينة، وشدّته إلى ساريةٍ من سواري المسجد، وهذه طريقة سجنه, وهي تنتظر أمر النبي عليه الصلاة والسلام في شأن هذا الأسير، ولما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد، وهمَّ بالدخول فيه، رأى ثمامة مربوطاً في السارية، فقال لأصحابه:
((أتدرون من أخذتم؟ قالوا: لا, يا رسول الله! قال: هذا ثمامة بن أثال الحنفي .
-ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام لهذا الملك الحاقد الذي أراد قتله، والذي جمع أصحاباً له، ونكَّل بهم وقتلهم شر قتله؟ هنا الوقفة، وهنا الحقيقة، فأيّ إنسان على وجه الأرض تمكَّن مِن عدوٍّ لدودٍ، وخصمٍ عنيدٍ، ومبغضٍ حاقدٍ، وألقى القبض عليه، فلا بدَّ أن يقتله، وربما كان قتله لا يشفي غليل الأول، فماذا يفعل به إذًا؟ يأمر بتعذيبه، والتمثيل به، ثم قتله- قال عليه الصلاة السلام، حينما رأى ثمامة بن أثال مربوطاً إلى ساريةٍ من سواري المسجد، قال: أحسنوا إسارَه, -لماذا؟ إنه خلاف المألوف، الجواب هو أن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يبغض إنساناً لذاته، لكن يبغضه لعمله، فإذا كان هناك أملٌ في هدايته، ونقله من الضلالة إلى الهدى، ومِن الضياع إلى الرُشد، ومن الخطأ إلى الصواب، فمرحباً بذلك، فالنبيّ عليه الصلاة والسلام، قال: أحسنوا إسارَه, أيْ أحسٍنوا إلى هذا الأسير- ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام، وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال, -ليطعمه من طعام بيته، فجمع من طعام أهله شيئًا، وأرسله إلى ثمامة بن أثال- ثم أمر بناقته أن تُحلب له في الغُدو والرواح، وأن يُقدَّم لبنها إلى ثمامة بن أُثال))

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/05.jpg
ما هذا يا رسول الله؟! هذا الذي أراد أن يقتلك، أراد أن ينكِّل بأصحابك، وبل نكَّل بهم، وجمع عدداً منهم، وقتلهم شر قتلة، ثم تجمع له من طعام بيتك، وتأمر بحلب ناقتك، وترسلها إلى ثمامة، ليأكل وليشرب، وتمَّ ذلك كلُّه قبل أن يلقاه النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يكلمه, بعد أن أكل وشرب وشبع، وشعر أن هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام أقبلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ثمامة، يريد أن يستدرجه إلى الإسلام .
فإذا كان لك عدو لدود، وخصم عنيد، وإنسان أوقع فيك أشدَّ أنواع الأذى، ثم وقع في قبضتك، فأنت بين أمرين؛ إمّا أن تنتقم منه، وتشفي غليلك، وإمّا أن تسعى كي يُسلم، وكي يهتدي ، وقد ملكتَ أمره، ووقع في قبضتك، فإذا اخترت الانتقام، فما أبعدك عن الإيمان، وإن اخترت له الهداية، وصفحت عنه، وعفوت عنه، فقد أفلحتَ وأنجَحتَ، وربنا عزَّ وجل يأمرنا بالصفح فيقول : ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾
( سورة الحجر الآية: 85)
هذه أخلاق الأنبياء . إليكم قصة إسلام ثمامة بن أثال :
أيها الأخوة, أقبل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: ((ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم, -يعني إن قتلتني فأنت محق، والحق معك، وأنا أستحق أن أُقتل لأنني قاتل- وإن تنعم علي بالعفو، تنعم على شاكر- أنا لا أنسى لك هذا المعروف- وإن كنت تريد المال، فسَلْ تُعطَ منه ما شئت))
وإن أردت المال فاطلبْ منه ما تشاء، وسل منه تُعطَ ما تشاء، فالنبي ما قال شيئًا، فتركه وعاد .
تركه النبيّ عليه الصلاة والسلام يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة، ثم جاءه ثانيةً، قال: ((ما عندك يا ثمامة؟ -مرة ثانية، خطة حكيمة- قال: ليس عندي إلا ما قُلت لك من قبل))
فتركه النبيّ عليه الصلاة والسلام، حتى إذا كان في اليوم التالي، جاءه فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟ قال: عنـدي ما قلت لك: إن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، أعطيتك منه ما تشاء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/06.jpg
فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه، وقال: أطلِقوا ثمامة، وفكُّوا وثاقه، وأطلقوه))

يعني عفا عنه، لكن هذا من شأن النبيّ عليه الصلاة والسلام، فالله عزَّ وجل فتح بصيرته، ولا شك أن النبيّ عليه الصلاة والسلام توسَّم فيه الخير، وهذا موقف غريب جداً، وموقف غير معقول، قاتل نكَّل بأصحابه، عفا عنه، وأكرمه هذا الإكرام، وأطعمه الطعام، وسقاه هذا اللبن! .
غادر ثمامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى حتى إذا بلغ نخلاً من حواشي المدينة، قريباً من البقيع، فيه ماءٌ، أناخ راحلته عنده، وتطهَّر من مائه، فأحسن طهوره، ثم عاد أدراجه إلى المسجد، فما إن بلغه، حتى وقف على ملأٍ من المسلمين, وقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
-فهذا الإنسان على جانب عالٍ من الذكاء، ما أراد أن يسلم وهو مقيَّد، وما أحب أن يُسلم تحت ضغط الأسر، لكن حينمـا عفا عنه النبي، أعلن إسلامه- وقال: يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك, -العرب كانوا صرحاء، وما تسمع الآن إلا مديح كاذب ، وزورٌ وبهتان- وقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلُّها إليّ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/07.jpg
-هذا بالإحسان، وأنت أيها المؤمن, بإمكانك تنقل إنسان من أشد أنواع العداوة والبغضاء إلى أشد أنواع الحب والولاء, بإحسانك، افتح القلوب بإحسانك، قبل أن تفتح الآذان لبيانك، وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن سعيد بن المسيب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس))
ويتابع ثمامة- فيقول: ووالله يا محمد، ما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك اليوم أحبَّ الدين كله إليّ، ووالله يا محمـد، ما كان بلدٌ أبغض إلـيّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ, ثم قال: يا محمد، لقد كنت أصبت في أصحابك دماً، فما الذي توجبه عليّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجُبُّ ما قبله.
-أنت حينما تتوب فكل شيءٍ سبق هذه التوبة عفا الله عنه، وبشَّره بالخير، الذي كتبه الله له بإسلامه، فانطلقت أسارير ثمامة، وانفرجتْ- وقال: والله يا محمد، لأُصيبن من المشركين أضعافَ ما أصبت من أصحابك، ولأضعن نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك، ونصرة دينك)) وهنا وقفة أُخرى، إذَا أقنعتَ إنسانًا له شأن، فاعتقد اعتقاداً جازماً صحيحًا، فإنّ كل أتباع هذا الإنسان يصيرون إلى دينه، وإذا أقنعتَ مثلاً رب أُسرة بالإيمان، إذا أقنعت الابن قناعة كافيةً فهذا أجود، لكن يبقى موقفُه ضعيفًا في الأُسرة، أمّا لو أقنعت الأب لوجَّه أولاده جميعاً، لو أقنعتَ مدير مؤسسة، أو أقنعت مدير مستشفى مثلاً، فكلما رفعت مستوى الدعوة، هؤلاء لهم أتباع، هؤلاء لهم مراكز قِوى، هؤلاء بإمكانهم أن يؤثروا في الآخرين، ولقد دعا النبي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربَّه أن يعز الإسلام برجلين، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ))
[أخرجه الترمذي في سننه عن ابن عمر]
ثمامة يؤدي العمرة على شرع الله ورسوله :
كان ثمامة أصلاً متوجِّهًا للعمرة، وبالمناسبة في بعض مواسم الحج السابقة، أُلقيتْ بعض الندوات والمحاضرات، وكان في المجلس رجل من العالم الغربي، أسلم وحسُن إسلامه، وامتلأ قلبه بالإيمان، وهو على مستوى رفيع جداً من الثقافة، فألقى محاضرة في مكة المكرمة، قال فيها: نحن أقوى أُمم الأرض، فإذا أقنعتمونا بالإسلام، فكل قوتنا تتحوّل لكم، يعني نحن أقوى أُمة، بأيدينا السلاح المدمِّر، السلاح الفتَّاك، التكنولوجيا، الأقمار الصناعية، الكمبيوتر، فإذا أقنعتمونا بالإسلام، وهديتمونا إليه، فكل قوتنا تصبح بين أيديكم, يعني أنت همَّك الأول هداية الناس، فإذا اهتدى إنسان قوي، فكل قوته تصبح للإسلام، لذلك يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة :
((لو أن ليّ دعوةً مستجابةً، لادَّخرتها لأُولي الأمر))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/08.jpg
لأن في صلاحهم، صلاح الأُمة, القوة لها شأن كبير، إذا كان الإنسان قويًّا فأقنعته بالدين، فإنّ كل قوته، وكل ذكائه، وكل أتباعه، وكل إمكاناته، تصبح في خدمة هذا الدين .
قال: ((يا رسول الله! إن خيلك أخذتني، وأنا أُريد العمرة، فماذا ترى أن أفعل؟, فقال عليه الصلاة والسلام: امضِ لأداء عمرتك، ولكن على شِرعة الله ورسوله .
مضى ثمامة إلى غايته، حتى إذا بلغ بطن مكة وقف يجلجل بصوته العالي، قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمـد, والنعمة, لك والملك، لا شريك لك، لا شريك لك))

فكان أول مسلمٍ على ظهر الأرض يدخل مكة ملبِّياً، ولا تزال مكة بيد الكفار، ولا يزال فيها الأصنام .
ما هو موقف قريش حينما سمعت ثمامة يلبي نداء الإسلام, ولماذا فرض ثمامة الحصار على قريش, وبمن استنجدوا ؟
سمعت قريشٌ صوتَ التلبية، فهبَّت غاضبةً مذعورة، واستلت سيوفها مِن أغمادها، واتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها، ولما أقبل القوم على ثمامة، رفع صوته بالتلبية رفع العيار، وهو ينظر إليهم بكبرياء، فهمَّ فتىً من فتيان قريش أن يرديه بسهمٍ، فأخذوا على يديه، وقالوا: ويحك أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال، ملك اليمامة، فقتْلُه يشعل علينا نارَ حربٍ كبيرةٍ، أخذوا على يديه، ومنعوه أن يناله بسهم، وقال الناصح: والله إن أصبتموه بسوءٍ لقطع قومه عنا الميرة، وأماتونا جوعاً, ثم أقبل القوم على ثمامة، بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها، وقالوا: ما بك يا ثمامة، أصَبَوْتَ؟ يعني أسلمت، وتركتَ دينك ودين آبائك, قال: ما صبوت، ولكني اتبعتُ خير دينٍ، اتبعت دين محمد, ثم أردف يقول: أُقسم بربِّ هذا البيت إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبةٌ من قمحها، أو شيءٌ من خيراتها، حتى تتبعوا محمداً عن آخركم .
ثم اعتمر ثمامة بن أُثال على مرأى من قريش كما أمره النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يعتمر، وذبح تقرباً إلى الله، لا للأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده، فأمر قومه أن يحبِسوا الميرة عن قريش، فصدعوا لأمره، واستجابوا له، وحبسوا خيراتهم عن أهل مكة, لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما أكرمه، وحينما عفا عنه، أراد من خلال ذلك أن يهتدي، ويهتدي معه قومه ، وهذا بالتعبيّر العام ضربة معلم، رحمة، عفو، حنكة، سياسة، عفو عند المقدرة، دعوة إلى الله عميقة، لأن هذا إنسان قوي، إذا أسلم فكلُّ أتباعه، يصبحون مسلِمين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/09.jpg
أخذ الحصار الذي فرضه ثمامة على قريش، يشتدُّ شيئاً فشيئاً، فارتفعت الأسعار، والآن النظام العالمي الجديد يتخذُّ الحصار علاجًا، لكن بغير الحقّ، بل بالباطل، فارتفعت الأسعار وفشا الجوع في الناس، واشتد عليهم الكرب، حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم أن يهلكوا جوعاً، عند ذلك كتبوا إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، صار النًبي ندًّا لهم، كان ضعيفاً مستضعفاً، ائتمروا على قتله، أخرجوه من بلاده، نكَّلوا بأصحابه، وهم أشداء أقوياء، ولكن الله لهم بالمرصاد ثم أرادوا أن يتوسَّلوا إلى النّبي عليه الصلاة والسلام ليأكلّوا، فكتبوا إلى النّبي عليه الصلاة والسلام قائلين: إن عهدنا بك أنك تصل الرحم، وتحضُّ على ذلك، وها أنت قد قطعتَ أرحامنا، فقتلتَ الآباء بالسَّيف، وأمتَّ الأبناء بالجوع، وإنَّ ثمامة بن أُثال، قد قطعَ عنا ميرتنا، وأضرَّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث إلينا بما نحتاج إليه فافعل .
عرفوا أنّ مفتاحه عند رسول الله، فكتب النّبي عليه الصلاة والسلام إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم، فأطلَقها، وهذا انضباط . إليكم موقفه وهو ينصح بني حنيفة من دعوة مسيلمة الكذاب مع الأدلة التي استخدمها لبيان الحق
ظلَّ ثمامة بن أُثال ما امتدّت به الحياة وفياً لدينه، حافظاً لعهد نبيه، فلّما التحق النبي صلّى الله عليه وسلّم بالرفيق الأعلى، طفق العرب يخرجون من دين الله زرافاتٍ ووحدانًا, الذي دخل بسهولة، يخرج بسهولة، أمّا الذي دخل بعد قناعة عميقة، وبعد محاكمة فكرية، فعزيزٌ عليه الارتداد، ولن يكون .
فإذا جاء معك إلى المسجد مِن أول دعوة دعوته بها، فاستجاب، وقعد في مجلس العلم بهذه البساطة، فهذا الإنسان الذي جاء بهذه البساطة يمكن أن يترك لأتفه الأسباب، أما الذي عنده محاكمة، فكَّر، وتأمل، واستمع، وناقش، وسأل، واعترض، وقال: عندي شبهة فاكشفوها لي، وما استسلم إلا بعد محاكمة طويلة، وبعد سؤالٍ وجواب، وبعد حوارٍ مديد، وبعد تبصُّر، وبعد تأمُّل، فهذا الإنسان دخل ساحةَ الدين بقناعةٍ، وبحثٍ، ودرسٍ، ومِن رابع المستحيلات أن يتركه بسببٍ تافه، أنت مع مَن؟ مع خالق الكون، ومَن عاهدت؟ عاهدت الله عزَّ وجل، واللهُ عظيم، فاثبتْ واذكرْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباتهم، وعاقبة أمرهم .
من علامات قيام الساعة أن يصبح المرء مؤمناً، ويمسي كافراً، يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، تجده ترك الصلاة لأتفه الأسباب، ترك الاستقامة بعدما كان مستقيمًا، قَبِلَ مالاً حراماً، يقول لك: عندي أولاد، ماذا أفعل؟ أهذا هو السبب؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/10.jpg
لما قام مسيلمة الكذاب، في بني حنيفة، يدعوهم إلى الإيمان به، وقف ثمامة في وجهه، وقال لقومه:

((يا بني حنيفة، إياكم وهذا الأمر المظلم، الذي لا نور فيه, -كم فرقة إسلامية ظهرت في التاريخ الإسلامي؟ ظهرت وتلاشت، لكن هذا الدين دين الله عزَّ وجل، هذا الدين العظيم، لأنّه دين الله بقي شامخاً، كالطود الأشم، فالمؤامرات التي حيكت ضدَّ الإسلام، أكثر مِن أن تحصى، ومع ذلك فالإسلام هو الإسلام، والدين هو الدين، والإسلام كالطود الشامخ، وكالسفينة العملاقة التي لا تهتز بأتفه الأمواج- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/11.jpg
قال: يا بني حنيفة، إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه، إنه واللهِ لشقاءٌ كتبه الله عزَّ وجل على مَن أخذ به منكم، وبلاءٌ على من لم يأخذ به، ثم قال: يا بني حنيفة، إنه لا يجتمع نبيَّان في وقتٍ واحد، وإن محمداً رسول الله لا نبي بعده، ولا نبي يُشْرَك معه، ثم قرأ عليهم:

﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
( سورة غافر الآية: 1-3)
ثم قال: أين كلام الله هذا من قول مسيلمة؟ يا ضفدع نِقِّي ما تَنِقِّين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدَّرين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/12.jpg
-هذا كلام مسيلمة، ولما كذَّب مسيلمة الكذاب بالفطرة، فقد تنكر الفطرة القائمة في نفسه، والإيمان بالقرآن يتمّ بالفطرة، من دون دليل، تقرأ القرآن، تشعر أنه كلام خالق الكون، تقرأ كلامًا منحولاً، مفترى، تشعر أنه سخيف، تافه، كلامٌ لا يقف على قدمين، وهناك الأدلة علمية، والأدلة الإعجازية، ولدينا أدلة نقلية وعقلية، مع دليل بسيط، هو دليل الفطرة، مثلاً لما قال ربنا عزَّ وجل :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 190-191)
تشعر أنَّ هذا كلام الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس الآية: 12)
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً﴾
( سورة الإنسان الآية: 23-24)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2698/13.jpg
تشعر بالفطرة، بلا دليل، بلا تعليل، بلا محاكمة، أنَّ هذا كلام الله، أمًّا: يا ضفدع نِقِّي ما تنقِّين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين، فهذا هراءٌ وجزاف- .
ثم انحاز لِمَن بقي على الإسلام من قومه، ومضى يقاتل المرتدين، جهاداً في سبيل الله وإعلاءً لكلمة الله في الأرض، فقد أدرك الحقَّ، واستجاب له, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 24)
الإنسان قبل الإيمان ميت، قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
( سورة الأنعام الآية: 122)
والكافر في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، لكنّ المؤمن استنار عقلُه، وطهُرت نفسه، وامتلأ قلبه سعادةً، وضبط سلوكه، وسددَّ خطاه، وامتلك رؤيةً صادقة، وعزماً متيناً، وإرادةً صلبةً، هذا هو الإيمان .
إليكم مواقف ثمامة قبل الإسلام وبعده :
فهذا ثمامة بن أُثال، فكم كان البَوْنُ شاسعًا بين حياته قبل الإسلام، يوم كان ملِكًا، غاشمًا، حقودًا، قاتلاً، وأراد أن يقتل النّبي، ثمَّ صُرِف عن قتله، وجَمَع نفرًا من الصحابة وقتلهم شرَّ قتله، فلمّا عرف الله عزَّ وجل، أصبح إنسانًا آخر، كلُّ طاقاته، وكلُّ إمكاناته موظفةٌ في خدمة الحق؟ .
هذا هو المؤمن بذكائه، بلسانه، بعضلاته، بوقته، باختصاصه، بخبراته، بأولاده، بأسرته ، كلُّ إمكاناته سخَّرها في سبيل الله مضحِّيًّا صادقًا، أما قبل ذلك فكانت كلُّ إمكاناته في سبيل الشيطان، في سبيـل المصالح الدنيوية، لذلك فالحياة لا تستقيم إلا بالإيمان، ولا يسعد الإنسان إلا بالإيمان، مِن هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا, وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))
[أخرجه الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ في سننه]
إنْ صاحبتَ المؤمن فالمؤمن منصف، والمؤمن وفي، والمؤمن صادق، وقَّاف عند حدود الله عزَّ وجل، يحب لكَّ ما يحبُّ لنفسه، ويكره لك ما يكره لنفسك.
هذا ثمامة بن أُثال، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأكرمه بالجنة التي وعِد المتقون .

السعيد 08-21-2018 01:00 PM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا سلمان الفارسى




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيهما الصواب أن الإنسان منفعل أم فاعل ؟
أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا سلمان الفارسي، وقد قال عليه الصلاة والسلام، في الحديث الصحيح:
((سلمان منا آل البيت، وأنا جدُّ كل تقي, ولو كان عبداً حبشياً))
[ورد في الأثر]
هذه القصة، لعل بعضكم أو أكثركم يعرف خطوطها العريضة، ولكن لا بدَّ من مقدمةٍ حتّى نعرف أبعاد هذه القصة .
أحياناً هناك مَن يقول: إن الإنسان ابن بيئته، ابن الظروف المحيطةِ به، ابن أمه وأبيه، ابن وراثته، ابن مستوى ذكائه، وكأن الإنسان منفعلٌ، وليس فاعلاً، تؤثِّر فيه الظروف، والبيئة، وتؤثر فيه وراثته، ونوع التعليم الذي تلَّقَّاه يؤثِّر فيه، وكأن الإنسان والحالة هذه كرة، إن رأت منحدراً، انطلقت، فإن رأت صعوداً وقفت، لكن الحقيقة خلاف ذلك .
الإنسان ليس منفعلاً، بل هو فاعل، فإذا أراد الإنسان شيئاً تخطَّى كل العقبات، وإذا صمم على شيء تجاوز كل المشكلات، والحقيقة أنّ الكسالى والمقصِّرين، والعصاة يتمسكون بنظرية أن الإنسان منفعل، يقول لك: ظروفي صعبة، وبيئتي سيئة، وما تلقيت تربية جيدة، وما تعلمت، فكل أخطائه يعزوها إلى جهاتٍ خارجةٍ عنه ويستريح .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/01.jpg
لكن الحقيقة عكس ذلك، الإنسان فاعل وليس منفعلاً ، فهذا الماء منفعل، فإنْ سفحته في منحدر سال نحو الأسفل، وإن سفحته في أرضٍ مستوية تجمَّع بشكلٍ أفقي، وإن أصابته شمسٌ تبخَّر، وهناك قوانين تحكم هذا الماء، فالماء مُنفعل، لكن الإنسان ربما يتحرك بخلاف راحته، وربما يتجاوز كل المثبِّطات في بيئته، وربما يحطم كل عقبةٍ تقف أمامه، ولولا أن الإنسان بهذه الصفة لما كان مكرماً، لو كان الإنسان منفعلاً كما يتوهَّم بعض الناس لمَا كان له قيمة، فحكُمه عندئذٍ حكمُ الأشياء المادِّية، تتحرك بحسب القوانين، وبحسب المعطيات، لكن الإنسان إذا أراد شيئاً ، وصل إليه، ولذلك قال بعض الأدباء: إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره، قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادةٍ وإيمان .
أيُعقَل لإنسان في الخامسة والخمسين أنْ يتعلم القراءة والكتابة؟ نعم، إذا كان ذا عزم وبصيرة، أو أنْ يحفظ القرآن الكريم بكامله, أو أنْ يطلب العلم, أو يبدأ بتعلم القراءة والكتاب, وما يموت إلا وهو شيخ الأزهر، أحد شيوخ الأزهر الكبار بدأ تعلُّمه للقراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وحفظ القرآن، وطلب العلم، ومات في السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، وشيخ الأزهر بمصر، أعلى مرتبة في سُلّم المناصب الدينية في مصر .
فالإنسان إذا أراد شيئاً لا تستطيع قوةُ في الأرض أن تقف أمامه، لأن الله جهّزه تجهيزًا أساسه الصدق، ولأن ربنا عزَّ وجل حينما خلقه في الدنيا, قال له:
((عبدي، اطلُبْ تُعطَ))
قال تعالى:﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾
( سورة الإسراء الآية: 20)
لكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل مع التمنيات، بل يتعامل مع الصادقين، اصْدُقْ يصدقْك الله سبحانه وتعالى، أي يحقق نواياك .
يوجد عندنا شيء آخر، مثلٌ منتزعٌ من عالم الزراعة، لو جئنا بكمية بذور، ولتكن مئة بذرة، ووزَّعناها على الفلاحين، وراقبنا نبات هذه البذور، فإذا وجدنا عند تسعين فلاحا أنّ هذه البذرة لم تنبت نباتاً جيداً، ولم تثمر الثمر المطلوب، والأوراق صفراء، والبُنية ضعيفة، ورأينا عند عشرة فلاحين، البذرة في أعلى درجات عطائها وإنتاجها، فالعلَّة في الفلاح أم في البذرة؟ في الفلاح, هل تستطيع أن تتهم البذرة؟ ما دام عشرة أشخاص اعتنوا بها عناية فائقة، أعطت محصولاً كبيراً، والنبات تألَّق، فلذلك هؤلاء العشرة حجةٌ على التسعين، ولو قلت: البذرة سيئة، فلماذا نبت هذا النبات الجيد عند الآخرين؟ معناها البذرة جيدة، لكن معظم الَّذين زرعوها أهملوها ، ولم يعتنوا بها، ولم يكونوا في المستوى المطلوب، فإذا رأيت الأكثرية مقصّرة، فهل المعنى أن الإنسان منفعل؟ لا .
ما اسم قرية سلمان الفارسي وهل كان أبوه من الطبقة العليا في قريته وكيف كانت علاقة أبيه معه ؟
موضوعنا اليوم سيدنا سلمان الفارسي، فلا يوجد إنسان أبعد عن الهدى من هذا الإنسان ، إليكم الأسباب، لكن أنا كما عوَّدْتُكم أبحث عن قصةٍ لصحابيٍ جليل يرويها هو، فروايته أشفى للغليل، فسيدنا سليمان كان فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها: جيَّان، يقول سلمان الفارسي عن نفسه: ((كنت فتىً فارسياً، من أهل أصبهان,))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/02.jpg
-واسمحوا لي بالخروج عن رواية سلمان قليلا .
ذات مرةٍ كنا في إيران، وركبنا طائرةً حلَّقتْ على ارتفاع ألف كيلو متر، حتى وصلنا إلى مدينة اسمها مشهد، ثم زرنا قريةً في طـرف المدينة، اسمها طوس، هي بلدة الإمام الغزالي، فكيف قدم الإمام الغزالي من طوس إلى الشام؟ طوس تبعد عن طهران ألف كيلو متر، من طوس إلى طهران، إلى عربستان، إلى بغداد، إلى الشام، فتشعر أن الإنسان الصادق، لا يوجد عقبات أمامه- وكان أبي دهقان القرية، معنى دهقان القرية، أي رئيسها- غالباً أبناء الملوك، أبناء الزعماء ، أبناء الأغنياء، لشدة المال، والرخاء، والجاه، يعزفون عن الهدى، مشغولون في دنياهم، في نُزهاتهم، في مقاصفهم، في ألعابهم، في الأموال التي بين أيديهم، في المركبات التي يركبونها، فأبعدُ الناسِ عن طلبِ الحق هم أبناء الأغنياء، وأبناء الأثرياء، وأبناء الأقوياء، هؤلاء الدنيا العريضة التي بين أيديهم تشغلهم عن الله عزَّ وجل، فمن كان أبو سيدنا سلمان؟ الله عزَّ وجل جعل هذا الصحابي الجليل حجَّةً على كل الناس، كان أبو سيدنا سلمان دهقانَ القرية، وكان أغنى أهلها ، وأعلاهم منزلةً، فشيء مألوف أنْ ترى إنسانًا من الطبقة الوسطى أو الفقيرة يريد الله عزَّ وجل، ويريد الآخرة، يقول لك أهل الدنيا: هذه عملية تعويض، لأنه فَقَدَ الدنيا فالتفت للآخرة، هذا كلام غير صحيح، غير صحيح إطلاقاً، فسيدنا سلمان حجة على هذا الكلام، وقد كان أهل الكهف مِن أبناء النخبة الثرية أيضًا، قال تعالى:﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾
( سورة الكهف الآية: 16)
أين كانوا يسكنون؟ في القصور، تركوا القصور إلى الكهوف، أرادوا الله عزَّ وجل، فإذا كان موضعَ الهدى، إنسانٌ فقير, قالوا: أراد التعويض عن خسارة الدنيا فالتجأ إلى الآخرة .
مرة قرأت مقالة في مجلة جاء فيها أن هؤلاء المتدينين فشلوا في الحياة، وذهبت الدنيا من بين أيديهم، فلم يبقَ لهم إلا الآخرة، فانكبِّوا عليها، هذا ظن الذين كفروا، لكن المؤمن، وهو في أعلى درجات القوَّة، وفي أعلى درجات الغنى، وفي أعلى درجات الشباب، يُقبِل على الله عزَّ وجل ، ويضع الدنيا تحت قدميه -.
قال:
(( وكنت أحبَّ الخلق إليه, ثم ما زال حبه بي يشتد، ويزداد على الأيام، حتى حبسني في البيت، خشيةً علي، كما تحبس الفتيات))
ما هي الديانة التي كان يعتنقها سلمان, وما الذي لفت نظره في كنيسة النصارى, وما هو موقف والده حينما أثنى سلمان على دين النصارى ؟
قال: ((وقد اجتهدت في المجوسية, كان مجوسيًّا،))
-وحتى هذا التاريخ أحد أخواننا زار بعض البلاد شمال باكستان، فهناك من يعبدون النار حتى الآن، وأطلعني على تقويم كيف تُنشأ الأبنية، وتوقد فيها النيران ليلاً ونهاراً؟ وهذا الذي يوقد النار ليلاً ونهاراً ذو مستوى عالٍ في دين المجوس ، وقال: وقد اجتهدت في المجوسية، حتى غدوت قيمَّ النار, فالذي يوقد النار هو في مرتبة دينية عالية جداً، كان مجوسيًّا، على غني، على وجاهة، على حب، وكل هذه العوامل مثبطاتٌ للهدى- حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها، وأنيط بي أمرُّ إضرامها، حتى لا تخبو ساعةً في ليلٍ أو نهار، وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمةٌ تدرُّ علينا غلةً كبيرة، وكان أبي يقوم عليها، ويجني غلَّتها، وفي ذات مرةٍ شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني، إني قد شُغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها، وتولَّ اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا، وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسةٍ من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، وهم يصلُّون، فلفت ذلك انتباهي, قال: فلما تأملتهم، أعجبتني صلاتهم، ورغبت في دينهم، وقلت: واللهِ هذا خيرٌ مِن الذي نحن فيه .
-بالمناسبة، ما مِن إنسان إلى حدٍ ما في الأعم الأغلب يغدو مؤمناً صادقاً إلا وله طلبٌ قديم منذ نعومة أظفاره يتمنَّى أن يكون مؤمناً، ويتمنَّى أن يكون طائعاً لله عزَّ وجل، يبحث عن الحق بحثًا مستمرًا، وعنده رغبة جامحة، وصدق في طلب الحقيقة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/03.jpg
فالإنسان منطقي، لكن يحتاج إلى لحظة صدقٍ مع نفسه، سيدنا نعيم بن مسعود، جاء إلى المدينة، ليحارب رسول الله، جاء مع الأحزاب، الذين حاصروا النبيَّ عشرين يوماً، وفي إحدى الليالي فكرَّ هذا الصحابي تفكيراً صافياً، فقال: لماذا أنا مع هؤلاء؟ لماذا أحارب هذا الرجل الصالح، إلامَ يدعو؟ يدعو إلى عبادة الله خالق الأكوان، وأصحابه أناسٌ طيبون، منصفون، عادلون ، لماذا أحاربهم؟ فعلى الإنسان أن يفكر، لماذا أنا أفعل هذا؟ لماذا ابتعد عن هذا؟ لما لا أستجيب؟ وفي الحديث عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً, تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا, وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا, وَلَكِنْ وَطِّنُـوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا, وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))
[أخرجه الترمذي في سننه عن حذيفة]
تأمل سلمانُ، وأدار فكره- ثم قال: فو اللهِ ما تركتهم، حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى ضيعة أبي، ثم إني سألتهم، أين أصل هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام، وسلمان يعيش في أصبهان، في بلاد الفرس، ولما أقبل الليل، عُدت إلى بيتنا، فتلقاني أبي يسألني عما صنعت؟ فقلت : يا أبتِ, إني مررت بأناسٍ يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، وما زلت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت، وقال: أيْ بني، ليس في ذلك الدين خير, -وهذا شأن الآباء، وشأن الذين عطَّلوا عقولهم، فقد أَلِف ما هو مقيمٌ عليه، ويرفض كلَّ تجديد، والإنسان العاقل لا تنطبق عليه الآية الكريمة:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾
( سورة الزخرف الآية: 22)
العاقلُ يقيِّم الأمور، ويتفحَّص، ويتأمَّل، ويزن بميزان العقل، وبميزان المنطق، وبميزان الفطرة .
بالمناسبة, هل تدرون من هو الجاهل؟ لعل أكثركم, يقول: الذي لا يعلم، لا، الذي لا يعلم اسمه أمّيّ، أمّا الجاهل فممتلئ معلومات، لكن كلّها غلط، والذي لا يعلم, يقال له: أمِّيّ، أما الذي يعلم مقولات كلها غير صحيحة، فهذا هو الجاهل، فتعريف الجهل: هو عدم مطابقة الكلام للواقع- .
قال:
((دينك يا بني، ودين آبائك خيرٌ منه، قلت: كلا والله، إن دينهم لخيرٌ من ديننا، فخاف أبي مما أقول، وخشي أن أرتد عن ديني، وحبسني بالبيت، ووضع قيداً في رجلي، -قيد الغنى، وقيد الوجاهة، وقيد التفوق في المجوسية، وقيد المحبة، والقيد الخامس قيدٌ حديديُّ وضعه في رجله- خشية أن يرتد عن دينه))
سلمان من أولئك الباحثين عن الحقيقة :
قال:
((لما أتيحت لي الفرصة، بعثت إلى النصارى, أقول لهم: إذا قدم عليكم ركبٌ يريد الذهاب إلى بلاد الشام، فأعلموني، فما هو إلا قليلٌ حتى قدم عليهم ركبٌ متجهٌ إلى الشام، فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته، وخرجت معهم متخفياً، حتى بلغنا الشام .))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/04.jpg
-لذلك قالوا: هناك أبٌ أنجبك، وهناك أبٌ زوَّجك، وهناك أبٌ دلّك على الله، فالأب الذي أنجبك، ينتهي فضله عند الموت، أي هو ساهم بإيجادك، ساهم بأنه جعلك إنساناً، فلما جاء ملك الموت انتهى فضله، والأب الذي زوَّجك ينتهي فضله عليك بفراق زوجتك، أما الأب الذي دلَّك على الله، فهذا يمتد فضله إلى أبد الآبدين، لأنه كان سبباً في إدخالك الجنة، فلذلك هو يبحث عن رجل يدلُّه على الله- .
قال: ((فلما نزلنا في الشام، قلت: من أفضل رجلٍ من أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة فجئته, فقلت: إني قد رغبت في النصرانية، وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلَّم منك وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت عليه، وجعلت أخدمه، ثم ما لبثت أن عرفت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة، ويرغِّبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلالٍ من الذهب، -القلال جمع قُلِّة، والقلة الجرة الكبيرة- قال: فأبغضْتُه بغضاً شديداً لِمَا رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمعت النصارى لدفنه, وتعظيمه، وتأبينه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغِّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: مِن أين عرفت ذلك؟ قلت لهم: أنا أدلُّكم على كنزه، قالوا: نعم دُلنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلالٍ مملوءةٍ ذهباً وفضةً، فلما رأوْها، قالوا: واللهِ لا ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة,))
-أعظم الأعمال إجراماً أن ترفع مبادئ وشعارات، وأن تفعل خلافها، أن تدعو إلى شيء وألاَّ تأتمر به، ماذا قال أحد الأنبياء؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾
(سورة هود الآية: 88)
مِنَ الممكن أنْ يكون لإنسان مظهر، لكن مخبره غير مظهره، هذه أول تجربة من تجارب سيدنا سلمان الفارسي- .
ثم إنه لم يمضِ غير قليل حتى نصّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، قال: فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه في الآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً ونهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي إلى من توصي بي، ومع مَن تنصحني أن أكون من بعدك، -لأن الله عزَّ وجل يصف أهل الدنيا، وقد فاتهم الإيمان, قال تعالى:
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾
( سورة الفرقان الآية: 27)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/05.jpg
مع الرسول، أيْ أنت بحاجة إلى رفيق، إلى إنسان يعينك على أمر دينك، أنت بحاجة إلى جماعة، إلى مجتمع مسلم، يقوِّي فيك عزيمة الإيمان، يبعدك عن مزالق الشيطان، يرغِّبك في الآخرة، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله- .
قال: أيْ بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه، إلا رجلاً بالموصل، هو فلان، لم يحرِّف، ولم يبدِّل, -المعنى: مَن هم أهلُ الضلال؟ الذين حرفوا وبدلوا- هو بالموصل فالحق به، فلما مات صاحبي، لحقت بالرجل، فلما قدمت عليه، قصصت عليه خبري, وقلت له: إن فلاناً، أوصاني عند موته، أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسكٌ بما كان عليه من الحق، فقال: أقم عندي ، فأقمت عنده، فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي، لقد جاءك من أمر الله ما ترى، وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي، ومن تأمرني باللحاق به؟ فقال: أي بني، والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين هو فلان فالحق به, -معناها أهل الحق قلة، قال تعالى:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾
(سورة يونس الآية: 36)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/06.jpg
فلما غُيِّب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي, فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير, فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة, قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت، فإلى من توصي بي؟ قال: يا بني, والله إني لا أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعموريا، هو فلان، فالحق به، فلحقت به، وأخبرته خبري، فقال سلمان: كنتُ أصِل إليهم في أواخر حياتهم كلهم، فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجلٍ، كان واللهِ على هدي أصحابه، وقد اقتنيتُ عنده بقراتٍ وغنيمة ، ثم ما لبث أنْ نزل به ما نزل من أصحابه من أمر الله، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم فإلى مَن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل؟ فقال: يا بني، والله ما أعلم أن هناك أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض، مستمسكاً بما كنا عليه، ولكنه قد أظلَّ واقترب زمانٌ يخرج فيه بأرض العرب نبيٌ يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرضٍ ذات نخل بين حرتين، وله علاماتٌ لا تخفى، هو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعتَ أن تلحق بتلك البلاد فافعلْ -فصارت تنقلاتُه كلها رحلةٌ في البحث عن الحقيقة .
المكان الفلاني، مكان جميل جداً، الفندق الفلاني، المسبح الفلاني، الملعب الفلاني، المقصف الفلاني، هؤلاء أهل الدنيا, أما أهل الآخرة، العالم الفلاني، المُربي الفلاني، المُرشد الفلاني، ينتقل من عالمٍ إلى عالم، ومن رجل إلى رجل، فلعله يتعلَّم منه أمر الدين- قال: ثم وافاه الأجل))
ما هو الظرف الذي عاشه سلمان حتى وصل إلى يثرب ؟
قال: ((فمكثتُ بعده بعموريا زمناً، إلى أن مر بنا نفرٌ من تجَّار العرب، من قبيلة كلب، فقلتُ لهم: إن حملتُموني معكم إلى أرض العرب، أعطيتكم بقراتي كلها، وغُنيمتي هذه، فقالوا: نعم نحمِلك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم، حتى إذا بلغنا وادي القُرى غدروا بي، وباعوني لِرجلٍ يهودي، عبدًا رقيقًا، وأخذوا بقراتي وغُنيمتي، وباعوني بيع الأرقاء، وأصبحتُ عبداً عند هذا اليهودي . ))
-يستوقفنا هنا موقف، يعني أنّ الإنسان أحيانًا قد يضعه الله عزَّ وجل في ظروف صعبة ، يشتغل بمحلٍّ صاحبُه قاسٍ جداً، أو يكون موظفًا، يتعيَّن في قرية نائية، خشونة في العيش، وشدَّة ، فالله عزَّ وجل هو الذي يعلم، وربما كان هذا التعيين بهذه القرية النائية خلوةً لا يمكن أن تحققها في المدينة، وربما كان صاحب هذا المحل القاسي دافعاً لك إلى الله، لا تعرف, قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 216)
سيدنا سلمان الفارسي صحابي جليل، يباع بيع الأرقَّاء، لرجل يهودي, وكان قاسياً جداً، وسوف تروْن معي بعد قليل، من قسوته الشيءَ الكثير، هو يُريد الله عزَّ وجل، لكن العبرة في النهاية، العبرة في خريف العمر، العبرة في النتائج- .
قال: فالتحقتُ بخدمته، ثم ما لبث أن زاره ابن عمٍ له من بني قُريظة، فاشتراني منه، بيع ليهودي آخر، -وسلمان يبحث عن ماذا؟ عن الحقيقة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2699/07.jpg
أيها الأخوة، تلك الحقيقة تستحق كل هذا البحث، وتستحق كل هذا الجهد، تستحق كل هذه التنقلات، لأنك إن وصلت إليها وصلت إلى كل شيء، وإن فُزت بها، فُزت بكل شيء، وإن نقلتك الحقيقة إلى الله عزَّ وجل، ما فقدت شيئاً، ولا خسِرت شيئاً، وأن أكبر خسارةً تخسرُها، أن تخسر نفسك التي بين جنبيك، وأنّ أكبر نجاحٍ تنجحه، أن تُزكِّيها وأن تعرفُها بربها، فهو يبحثُ عن الحقيقة، ويطلبُ الله عزَّ وجل، واللهُ لا يخطئ، بل هو حكيم في ذلك، وهذا قدر الله عزَّ وجل- ، قال: فاشتراني منه، ونقلني معه إلى يثرب، فرأيتُ النخل .
-بالمناسبة, النخل الذي في المدينة الآن هو النخل نفسه الذي كان على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن النخلةَ من الأشجار المُعمِرة، التي تُعمٍرُ أكثر من ستة آلاف عام، فالتمر الذي أكله النبيّ من نخلات المدينة هي النخلاتُ نفسُها الموجودة الآن، إذا أكلت الآن تمرًا من نخل المدينة، فاعتقدْ جازماً أنه النخل نفسه الذي أكل منه النبيّ عليه الصلاة والسلام، ولمّا كنتُ في الحج السابق تألمتُ أشد الألم، لأن هذا النخل أُهمل إهمالاً شديداً، وأكثره يبس، طبعاً العمارات والأسواق، والمحلات التجارية والطُرقات، فهذه المنشآت قضت على بساتين النخل، وهذه البساتين كان ينبغي أن تبقى كما كانت إلى الآن، فترى حُقولاً من النخل كلها يابسة، قد أُهمِلت- .
قال: رأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي بعموريا، وعرفت المدينة بالوصف الذي نعتها به، فأقمتُ بها معه)) اُطلبْ من الله أنْ يهديك فقط، وسلِّمْ له يجمعك مع فلان، وينقلك إلى فلان، يمكن أن يكون الإنسان ساكنًا ومُقيم بحلب فرضاً، وجاءت خدمته الإلزامية في الشام، فاستعمل الوسائط حتى يبقى في حلب ما أمكن، فإذا به في الشام يلتقي مع أهل الحق، فانخرط بينهم، وأكرمه الله بالهُدى، إذًا: هذا التعسير وقتها كان لصالحك .
حدثني رجُل, فقال: كنت في أمريكا، ودخلتُ أحد مراكِزها الإسلامية، فرأيت رجلاً من هيئته, ومن شكله, يُعد من الطبقة الأولى في المجتمع، وهو يغسِلُ المسجد بهمّةٍ ما بعدها همّة، فلما سألتُ عنه, قالوا: هذا رجل يحتل مركزًا رفيع جداً في بلده، لكن كُلِّف بمهمةٍ في الخليج، فنزل في الخليج في مدينة مع رجُلٍ مسلمٍ حقاً، ومؤمنٍ حقاً، فدلَّه على الله، وأسلم على يديه، فلما عاد إلى بلده، وقد أسلم، فلزِم المسجد، فهذه المهمة التي كُلِف بها في الخليج، هذه بعلم الله عزوجل خيرٌ له، والدليل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 23)
ربنا عزَّ وجل قد يجمعك مع شخص يومًا من الدهر، أو تذهب إلى مكان، فتلتقي مع إنسان مؤمن، وينشأ بينكما حديث، فتتعلَّق به، وتكون هدايتُك على يديه، وأنت لا تدري، فاطلبْ من الله الهداية وانتظر، كلام دقيق أقوله لكم: ادعُ اللهَ واضرع إليه، فما دمت صادقاً في طلب الحقيقة يجمعك مع الأشخاص الذين يُؤهِّلونك للحق، هذا سيدنا سلمان نقله الله من يهوديّ إلى يهوديّ، حتى بلغوا الخمسة، والسادس يهودي اشتراه، والسابع باعه إلى ابن عمه، والسابع من بني قُريظة، ساكن بالمدينة، والأحداث تجري بقدر . ما الخبر الذي سمعه سلمان من خلال حديث سيده في العمل مع ابن عم له ؟
قال:
((كان النبيّ حينئذٍ يدعو قومه في مكة، لكني لم أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه عليَّ الرقُّ، -فهو عبدٌ رقيق، كل وقته ملكُ سيِّده- ثم ما لبِث أن هاجر النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى يثرب، وهو لا يدري، فو اللِه إني في رأس نخلةٍ لسيدي، أعمل فيها بعض العمل، وسيدي جالسٌ تحتها، إذ أقبل عليه ابن عمٍ له, وقال له: قاتل الله بني قيْلة، قيلة الأوس والخزرج، واللهِ إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجُلٍ قدم عليهم اليوم من مكة، يزعُم أنه نبيّ، فما إن سمعتُ مقالته حتى مسني ما يشبه الحمَّى، واضطربتُ اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي من شدة الفرح، وبادرتُ إلى النُزول مَن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول؟ أعد عليّ الخبر ، فغضب سيدي، ولكمني لكمةً شديدةً، وقال لي: مالك ولهذا؟ عُد إلى ما كنتَ عليه من عملك))
قد تقرؤون في السيرة أن النبيّ عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، وهو سيد الأنبياء، وسيد الرسُل، المعصوم، ذهب إلى الطائف يدعو قومه، وقد ورد في بعض الروايات أنهم كذبوه، وأنهم سخِروا منه، وفي رواية أنهم ضربوه، فقد يسألُ سائل: لماذا ضُرِب النبيّ عليه الصلاة والسلام؟ لولا أن النبيّ بشر، يجري عليه ما يجري على البشر، لمَا كان سيد البشر .
وهناك معنىً آخر، هو أن النبيّ عليه الصلاة والسلام ضُرب في الطائف من أجل أن المؤمن إذا تلقَّى لكمةً لأنه آمن بالله عزَّ وجل، ينبغي أن يكون له في رسول الله أُسوةٌ حسنة، والإنسان بسبب اتجاهه الديني قد يتحمل متاعب كثيرة جداً، يتحمَّل لكمات وضربات، ويُحاصر أحياناً، ويُقاطع، ويُضيَّق عليه في رزقه، وفي بيته، هذا جهاد في سبيل الله، فالنبيّ قدوة لنا، تحمَّل ما تحمل من أجلنا، حتى إذا مررت بظرفٍ صعبٍ يكون لك في النبيّ أُسوةٌ حسنة .
إليكم قصة إسلام سلمان الفارسي :
قال: ((ولما كان في المساء أخذت شيئاً من تمرٍ كنت جمعته، وتوجهت به حيث ينزل الرسول، فدخلت عليه، وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح, ومعك أصحابٌ لك غرباء ذو حاجة، وهذا شيءٌ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، ثم قربته إليه، -أيْ ليأكل- فقال لأصحابه: كلوا، وأمسك يده، فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة، ما أكل من الصدقة، -ويُروى أن سيدنا رسول الله تأخر عليه الوحيّ مرةً، فقال تعليمٌ لنا:
((لعلها يا عائشة، تمرةٌ أكلتها من تمر الصدقة))
لبيان شدة ورعه صلى الله عليه وسلم- .
((قلت في نفسي: واللهِ هذه واحدة، ثم انصرفت، وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول النبي من قباء إلى المدينة جئته, فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هديةٌ لك، أكرمتك بها ، فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: وهذه الثانية, ثم جئتُ رسول الله وهو ببقيعِ الغرقد، -وهو البقيع نفسه، ولم يكن يومئذٍ مدفنًا، اسمه بقيعُ الغرقد، إلى جوار الحرم النبوي- قال: حيث كان يواري أحد أصحابه، فرأيته جالساً وعليه شملتان، فسلَّمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره لعلي أرى الخاتم، الذي وصفه لي صاحبي في عمورية، فلما رآني النبيّ أنظر إلى ظهره، عرف غرضي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت فرأيت الخاتم، هكذا يروى، فعرفته فانكببت عليه أُقبِّله وأبكي .))
-فالقصد أنّه وصل إلى بيت القصيد- فقال عليه الصلاة والسلام: ما خبرك؟ -ما هي قصتك يا ابني؟- فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها سُرَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سروراً بالغاً .
-أيها الأخوة، وهذه علامة إيمان فيكم، إذا كان لك قريب، أو صاحب، أو أخ، أو ابن أخ ، ورأيتَه اهتدى، وصلى، وأقبل معك، ولزم مجالس العلم، فإذا لم تفرح فرحً لا يعدله فرح ففي إيمانك خلل، فيجب أن تفرح، لأنّ النبيّ فرح فرحًا كبيراً بسلمان، والدليل أنّه سَرَّه أن يسمع أصحابه هذه القصة- ثم قال: ((فأمرني أن أُسمعهم إياها، فقصَّها على مسامعهم، فأُعجبوا منه أشد العجب، وسُروا بها أشد السرور))
ما هي العبرة من قصة سلمان الفارسي ؟
أيها الأخوة, ولسيدنا سلمان الفارسي قصص طويلة جداً، لكن هذه بدايته، فنحن لا نقول لكم: اذهبوا إلى أصبهان، ولا إلى تركيا، ولا إلى نصيبين، ولا إلى عمورية، ابقَ في بلدك، والزم مجالس العلم، واعمل أعمالاً صالحة، والقرآن بين أيديكم، والسنة بين أيديكم، والأعمال الصالحة مُتاحة أمامكم، ومجالس العلم موفورة عندكم، فكم بذل سلمانُ من الجهد، وكم تحمل من المشاق حتى توصل إلى الحقيقة؟ .
هذه قصة سيدنا سلمان الفارسي، في البحث عن الحقيقة، يعني كل ظروفه كانت تحول بينه وبين الهدى، ومع ذلك تجاوز كل العقبات، ووصل إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، وهذه القصة، يجب أن تكون نبراساً لنا في حياتنا، ابحثْ عن الحقيقة، فإن أدركْتَها ووصلت إليها فقد وصلتَ إلى كل شيء، وسعدت إلى الأبد، وإن غابت عنك الحقيقة، فما وصلت إلى شيء، وما فُزتَ بشيء، وكان الخسار والبوار، والعياذ بالله .

السعيد 08-22-2018 08:06 AM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا عقبة بن عامر الجهنى


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . الحد البياني في سلم الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والثلاثين من دروس سيرة أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا عقبة بن عامر الجهني .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/01.jpg
هذا الصحابي الجليل يمثِّل نموذجاً إنسانياً فذًّا، أراد الحدَّ الأدنى في سلّم الإيمان، ثم عدل عنه إلى الحدَّ الأقصى، وسوف ترون كم هي المسافة كبيرةٌ بين الحد الأدنى والحد الأقصى؟ وفي سورة الواقعة إشارةٌ في آخرها إلى هذا المعنى, قال تعالى:
﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 8-11)
يوجد عندنا سابق مقرَّب، وهناك أصحاب اليمين، فالمؤمن مِن بيته إلى دكانه، من بيته إلى وظيفته، صائم مصَلٍّ مستقيم، يدفع زكاة ماله، نفسيته طيبة، فهنيئًا له، أنعم وأكرم بهذا المؤمن، لكن هناك مستويات أعلى، هذا الذي يجنِّد كل إمكاناته، وطاقاته، وعلمه، وحجَّته، ووقته، وعضلاته في سبيل الحق، هذا من السابقين السابقين، هذا يرفعه الله سبحانه وتعالى إلى أعلى عليِّين .
والإنسان أيها الأخوة, مطلوبٌ منه أن يكون طموحاً، فبإمكانك أن تأخذ الحد الأدنى فلا تؤذي أحداً، وتبتعد عن أن تعتدي على أحد، من بيتك إلى عملك، تؤدِّي صلاتك، وتدفع زكاة مالك ، تغض بصرك، تحسن إلى جيرانك، هذا مستوى, لكن هناك مستوى أعلى وأرقى؛ أن تساهم في نشر هذا الدين، أن تسخِّر كل إمكاناتك، في الدعوة إلى الله، أن تجعل من شخصك مثلاً أعلى للناس، أن تنفق المال في سبيل الله، لا أن تنفقه في المباحات، أن تجعل من وقتك كلِّه وقتاً مستغلاًّ في سبيل الله, وقتًا مكرَّسًا للدعوة في سبيل الله .
إليكم قصة عامر بن عقبة الجهني وهو يبايع النبي بيعة الهجرة :
سيدنا عقبة بن عامر الجُهني، صحابيٌ جليل، له غنيمات، يحرص عليها حرصاً بالغاً، كان يرعاها خارج المدينة، ثم خطر في باله، أن يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلَّم, فالنبي عليه الصلاة والسلام، يبلغ مشارف المدينة، في الهجرة، ونحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام ، وها هم أولاء أهل المدينة الطيبة يتزاحمون على الدروب، وفوق السطوح، مهلِّلين مكبِّرين فرحاً بلقاء النبي صلى الله عليه وسلَّم، نبي الرحمة، وصاحبُه الصدِّيقُ، وها هن الفتيات الصغيرات، ينشدن:
طلَعَ الْبَدرُ عَلَيـن َا منْ ثَنِياتِ الوَداع
وَجَبَ الشُكُرُ عَلَيِن َا مَا دَعَـا للّهِ دَاع
وهذا موكب النبي الكريم، يتهادى بين الصفوف، تحفُّه المهج المشتاقة، وتحيطه الأفئدة التوَّاقة، وتنثر حواليه دموع الفرح، وبسمات السرور .
لكن عقبة بن عامر الجهني لم يشهد موكب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولم يسعد باستقبالِهِ مع المستقبلين، ذلك أنه كان قد خرج إلى البوادي بغنيماتٍ له ليرعاها هناك، بعد أن اشتد عليها السغب، وخاف عليها الهلاك، وهي كل ما يملك من حطام الدنيا .
فلو أردنا، أن نسقط هذا الكلام على حياتنا اليومية، إنسان مشغول بدكانه، يقول لك: نحن هذه الأيام عندنا موسم، فهو إنسان مشغول بتجارته، وآخر مشغول بمعمله، وثالث اشترى أرضًا، وهو يزرعها، أين أنت؟ فيجيب: واللهِ في المزرعة، فمَن شغلته الدنيا فهذا مباح، والمباح مِن الحلال، ولا يعنينا هنا الحرام إطلاقاً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/02.jpg
لكنَّ الفرحة التي غمرت المدينة المنورة، ما لبثت أن عمَّت بواديها القريبة والبعيدة، وأشرقت في كل بقعةٍ من بقاعها الطيبة، وبلغت تباشيرها عقبة بن عامر الجهني، وهو مع غنيماته بعيداً في الفلوات، أخبار مجيء النبي وصلت إلى البوادي، كما أنّ أخبار استقباله وصلت إلى البوادي والحواضر .
لاحظْ الآن شعور سيدنا عقبة، فقد كان بعيدًا عن رسول الله، بعيدًا عن استقباله، مشغولاً بغنيماته، لكن لا تنسَ أيها الأخ الحديث القدسي, ((مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ, وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري في سننه]
شيء كبير بالتعبير العامي، لمَّا تطلب العلم، ولمَّا تنتزع من وقتك الثمين وقتًا لحضور مجالس العلم، ولمَّا تنتزع من وقتك وقتًا لمعرفة الله، ولمَّا تنتزع وقتًا من وقتك الثمين لإصلاح ذات البين ، فهذا عمل عظيم، كله مسجل .
يقول أصحاب السِّيَر: فلنترك الكلام لعقبة بن عامر ليروي لنا قصته مع رسول الله صلى الله علية وسلَّم، قال عقبة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المدينة، وأنا في غنيمات لي أرعاها فما إن تناهى إليَّ خبر قدومه صلّى الله عليه وسلّم، حتى تركتُها، ومضيت إليه، لا ألوي على شيء، إيمان جيد، فلّما لقيته, قلّت:
((يا رسول الله, تبايعني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فمن أنت؟ قلتُ: أنا عقبة بن عامر الجهني .))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/03.jpg
-انظرْ إلى الأدب، أخ يداوم معه منذ ثماني سنوات، لا يعرف اسمه، ولا عمله، ولا كم مرة التقيت معه؟ ألا يجب أن يكون بينكم تعارف؟ أحياناً هذه المعرفة تثمر خيراً كبيراً، من ثمراتها التواصل، والتوادد والتعاون، يرقى عند الله عزَّ وجل، أحياناً يُعاوَن معاونة طيبة، يرقى عند الله عزَّ وجل، والتعارف من سنة رسول الله، أمّا الفوضى، ليس لي علاقةٌ مع أحد، هناك جامعات فيها نظام الاستماع، وأيّ إنسان يتمكن أنْ يدخل هذه الجامعة حاليًّا، يحضر ويدخل في شعبة الطب، ويأخذ شهادة, أما إذا كان اسمه موجودًا في السجلات، يُعدُّ طالبًا نظاميًا، ويصبح دكتورًا بعد ذلك .
الأخ المتفوق الذي له أعمال طيبة يحفظ اسمه مباشرةً، أمّا الذي ليس له أي سيئة، ولا حسنة، وهو على الحياد، فهذا قلما يذكره الأخوة الكرام إذا غاب، أما بعضُ الأخوة إذا غاب درسًا واحدًا أحدث فراغًا، فكنْ من هذا النوع، فلان لم يأتِ اليوم، فنحن أسرة متآخية، فلِمَ؟ اسألوا عنه-
قال عليه الصلاة والسلام:(( أيُّما أحبُّ إليك، تبايعني بيعةً أعرابيةً، أو بيعة هجرةٍ؟ قلت: بل بيعة هجرةٍ، -وهذه أعلى رتبةً ومنزلة وقربًا- فبايعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما بايع عليه المهاجرين))
ماذا فعل عقبة بعد بيعة الهجرة ؟
قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/04.jpg

((أقمتُ معه ليلةً، ثم مضيت إلى غنمي، ليلة واحدة، وكنا اثنا عشر رجلاً مِمَّن أسلموا، نقيم بعيداً عن المدينة، لنرعى أغنامها في بوادينا، فقال بعضنا لبعض: والله لا خير فينا، إذا نحن لم نقدُم على رسول الله صلّى الله عليه وسلًم، يوماً بعد يوم، ليفقِّهنا في ديننا، وليسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء، فليمض كلَّ يومٍ واحدٌ منا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا، فنرعاها له, هذا اتِّفاقٌ جميل، فقلت لهم: اذهبوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم واحداً بعد آخر، وليترك لي الذاهب غنمه، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي مِن أن أتركها لأحد .))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/05.jpg
-حينما أخبر النّبيُّ عليه الصلاة والسلام سيدَنا الصديق أنه مهاجر، سمح له أن يكون رفيقه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, قَالَتْ: (( لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينـَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ, قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْـدَكَ, قـَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّمـَا هُمـَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ, قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ, قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الصُّحْبَةَ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَخُذْ إِحْدَاهُمَا, قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ*))
[أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/06.jpg
فالإنسان في بعض أطوار إيمانه لا يستطيع أن يدع أخوانه المؤمنين أبداً، حياته معهم، المسجد بيته، فهو في المسجد كالسمك في الماء، فإذا خرج منه شعر بالضياع- ثم طفق أصحابي يغدون الواحد تلوَّ الآخر إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ويترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء أخذت منه ما سمع، وتلقيِّت عنه ما فقه، لكنني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي، وقلت: ويحك، أمن أجلُّ غنيماتٍ لا تسمن ولا تغني، تفوِّت على نفسك صحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, والأخذ عنه مشافهةً، من غير واسطة, ثم تخلّيت عن غنيماتي، ومضيت إلى المدينة، لأقيم في المسجد، بجوار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم)) فالملازمة جزء أساسي من دين الإنسان، والمتابعة، والثبات، والدوام، أن تكون دوماً مع المؤمنين، دوماً معهم في مهماتهم، في دروسهم، في أعيادهم، في مسراتهم، في مناشطهم، أنت معهم دائماً، أما أن يغيب الإنسان لمصالحه الشخصية، ويؤثرها على الله ورسوله، فهذا لا يغني ولا يشفي . المراتب العلمية التي حصل عليها عقبة بفضل الإسلام :
سيدنا عقبة بن عامر الجهني إنسان يرعى غنيمات في البادية، ما مرتبته الاجتماعية؟ راعي غنم، وأعتقد أن أقل وظيفة في الأرض أن تكون راعي غنم، اذهب إلى أطراف البادية فستجد راعي الغنم إنسانًا لا يملكُّ شيئاً من الدنيا، لا ثقافة، ولا علّم، ولا إمكانيات، لكن سيدنا عقبة بن عامر الجهني، لما لازم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولعلكم لا تصدقون، لم يكن يخطر على بال عقبة بن عامر الجهني حين اتخذ هذا القرار الحاسم الحازم، الذي آثر غنيماته في البادية على مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه سيغدو بعد عقدٍ من الزمان, والعَقْد عشرُ سنوات عالماً:
1ـ عالماً من أكابر علماء الصحابة .
2ـ قارئاً من شيوخ القرَّاء .
3ـ قائداً من قوَّاد الفتح .
4ـ والياً من ولاة الإسلام المعدودين .
ولم يخطر على باله مجرَّد التخيُّل وهو يتخلّى عن غنيماته، ويمضي إلى الله ورسوله، أنه سيكون في طليعة الجيش الذي يفتح دمشق، هو الذي ساهم مع قيادة الجيش في فتح دمشق، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما، ولم يكن يتصور أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون مصر، وأنه سيغدو والياً عليها، ويتخذ لنفسه داراً في سفح جبلها المقطم، كلُّ هذا كان بعد أن تخلّى عن غنيماته .
لذلك هذا الحديث القدسي يجب أن يبقى في أذهانكم:
((مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ, وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/07.jpg
الله عزَّ وجل أكرم الأكرمين، إذا شغلك شيءٌ عن طلب العلم فدعْه، ولا تقبلْ عملاً يحرمك من طلب العلم، شرطوا عليك دوامًا إلى الساعة العاشرة ليلاً كلَّ يوم، إذًا: فلن تحضر أي درس، يقولون لك: أما أعجبك هذا الدوام؟ لا، إذًا: مع السلامة، الله الرازق، ومَن بيده الخير، لا أحد يقبل عملاً يحرمه من كل دروس العلم، فليس معقولاً ذلك .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/08.jpg
لا تسمح لزوجة، أو لأيّ عمل مهما كان نوعه؛ دكان، معمل صغير، مزرعة، مدجنة، أن يستهلكك نهائيًّا، فالعمر قصير مهما طال، والأجل قريب، وملّك الموت بالمرصاد، فماذا قدَّمت ؟ واللهِ لا شيء، هذه قاصمة الظهر .
أيها الأخوة, موقف لا أنساه أبداً، أخ كان يحضر بعض الأحيان، بلَّغني ابنه أنه توفي، رحمه الله، فحضرتُ جنازته، وقام أحد الدعاة فأبَّنه، قال: أخوكم أبو فلان، كان مؤذنًا، ترحموا عليه، كلمة واحدة، لم يتمكن أن يتكلمَّ كلمة ثانية، ولا كلمة ثالثة، فلعله لم يجد إيجابيات أخرى لتأبينه، فالإنسان يعمل عملاً في الدنيا ويتكلمون عند تأبينه عشر دقائق فقط، أو عشرين دقيقة، أو نصف ساعة، فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فماذا فعلت أنت؟ حينما يوقفك ربنا عزَّ وجل بين يديه، يقول لك: يا عبدي, ماذا فعلت؟ أين عملك؟ أين جهادك؟ أين طاعتك؟ أين بذلُك؟ أين تضحيتك؟ فتجد ما قدَّمت .
انظر إلى ملازمته لرسول الله وما هي السورتان اللتان لازمتا عقبة طوال عمره ؟
لزم عقبةُ بن عامر الجهني رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لزوم الظل لصاحبه، فكان يأخذ له بزمام بغلته أينما سار, فأنا قصدي أن هناك أعمالاً صالحة كثيرة، فالزمْ عملاً صالحًا لوجه الله، خدمة مسجد، تأمين حاجة مؤمنين، دعوة إلى الله، رعاية أيتام، رعاية فقراء، تأسيس جمعيات خيرية، تأليف كتب، أن ترفع الإسلام على كتفيك، أن تُسهم في نشر هذا الدين، أن توقظ إنسانًا غافلاً عن الله، إذا أردت أن تسعد فَأسعِد الآخرين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/09.jpg
قال لي صديق: شاهد امرأة تحمل طفلاً صغيراً، وإلى جانبها رجل، وكأن هذه المرأة مضطربة، فوقف، وقال: ما المشكلة؟ طفل صغير حرارته 41 درجة، على مشارف الموت، وهي امرأةٌ غريبة، جاءت من لبنان مع زوجها، لا تدري ماذا تفعل؟ قال لي: واللهِ أركبتها هي وزوجها في السيارة، وأخذتها إلى الطبيب، ثم إلى المستشفى للحقن، ثم إلى صيدليات مناوبة، وعدتُ بها إلى المكان الذي أخذتُها منه الساعة الرابعة فجراً، أقسمَ لي بالله أنه بقي عشرة أيام مغموساً في سعادةٍ لا توصف، فالمسلم يحتاج إلى عمل لوجه الله، انطلِقْ ساعةً من نهار لله عزَّ وجل، لا تبتغي بها إلا وجه الله عزَّ وجل، وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلبك؟ أحياناً يتعب الإنسانُ كثيراً، فينام ساعة من الزمن فيرتاح، لكن عندما يؤدّي عملاً لوجه الله، يشعر أن الله راضٍ عنه، أن الله يحبه، فيرتاح راحةً نفسيةً تعوِّضه ما بذل من جهدٍ جسدي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/10.jpg
بعض أخواننا الذين يعملون في خدمة الفقراء، يخرج من بيت ويدخل بيتًا في رأس الجبل، حتى يتفقد أحوال أسرة، ليس له مصلحة شخصية، بيته فخم، وسيارته حديثة، لكنه يتقصى أحوال الناس حتى يصل إلى رضاء الله عزَّ وجل، الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله، أنفعهم لعياله .
أين أنتَ موظف؟ توظَّفتُ عند الله، الوظائف عند الله عزَّ وجل كثيرة، ليس له مِن ورائها مصلحة خاصة، إما في الدعوة إلى الله، أو في خدمة الخلق .
دُعيتُ منذ فترة لإلقاء محاضرات على طلاب جيء بهم من أطراف الدنيا، من الدول الإسلامية التي ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، من بلاد داغستان، ومن يوغوسلافيا، خطباء مساجد، يحتاجون لمعارف كثيرة، لإلقاء محاضرات، شعرتُ بسعادةٍ لا توصف، كانت لوجه الله، ولم أبتغِ درهماً ولا دينارًا، اسأل نفسك هذا السؤال مساءً: ما عملك؟ ما العمل الذي تلقى الله به؟ خدمة، دعوة، تعليم، معاونة، تمريض مريض، تأمين دواء لمريض، زيارة فقير، عيادة مريض، رعاية أرملة، رعاية يتيم، إنقاذ حيوان .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/11.jpg
فهذا سيدنا عقبة، لزم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان كظله، يمضي بين يديه, وكثيراً ما أردفه النبي وراء ظهره، حتى دُعي برَدِيفِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وربما نزل له النبي الكريم عن بغلته، ليكون هو الذي يركب، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يمشي .
تحدَّث عقبة, فقال:
((كنت آخذًا بزمام بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض طرق المدينة، فقال لي النبي: اركب، وهو يمسك بزمام البغلة، فهممتُ أن أقول: لا، لكني أشفقت أن يكون في هذا معصيةٌ لرسول الله, ثم ما لبثت أن نزلتُ عنها، وركب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لي: يا عقبة، ألا أعلِّمك سورتين لم يُرَ مثلهما قط؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني, قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
( سورة الفلق الآية: 1)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/12.jpg
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
( سورة الناس الآية: 1)
ثم أُقيمت الصلاة، وتقدَّم وصلّى بهما، وقال: اقرأْهما كلّما نِمْتَ، وكلّما قمتَ، -هذا توجيه النبي- قال عقبة: فما زلت أقرأهما ما امتدت بي الحياة))
قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
( سورة الناس الآية: 1-6)
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾
( سورة الفلق الآية: 1-5)
ما هما الأمران اللذان تشربهما عقبة من الإسلام ؟
1- العلم :
فهذا الصحابي الجليل، جعل همه في أمرين اثنين: العلم، والجهاد، وانصرف إليهما بروحه وجسده، وبذل لهما من ذاته أسخى البذل وأكرمه, أما في مجال العلم فقد جعل يعبُّ من مناهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الثرَّة العذبة، حتى غدا مقرئًا .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/13.jpg
فكلّ أخ يحضر مجلس علم، فلا بد أنْ يتعلم، فاكتسِبْ لقب طالب علم، عندنا وهْمٌ مؤلم جداً، أنّ فلانًا ليس معه شهادة، مَن قال لك ذلك؟ هذا الذي حضر أكثر مِن عشر سنوات، كل أسبوع أربعة دروس أو خمسة، درس تفسير، ودرس فقه، درس حديث، ودرس سيرة، هذا صار عالم، لأنه يتعلم، ثم هذه المعلومات، تتراكم، ثم تتراكم، ثم تتراكم، والدليل سلوكه، أديب، أخلاقي ، وفيّ، صادق، مستقيم، عنده حياء، منصف، هذه الأخلاق كلُّها من هذا العلم, وعَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ:
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
يجب ألاّ تقللوا من قيمة حضور الدروس في المساجد، هذه المساجد جامعات، لكن من نوع آخر، لا تحتاج لرسم دخول، ولا في نهايتها امتحانات كتابية، الامتحان في المسجد التطبيق، إذا طبَّقت نجحت، وإذا لم تطبق لم تنجح، ما هي الجامعة؟ مقعد، وأستاذ، وسبورة، وحديث، وكتاب، هذه هي الجامعة، والجامع يؤدِّي الدورَ نفسه، دينٌ، وعلمٌ، لكن المسجد يرقى بنفسه ويهذبها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/14.jpg
حينما يطلب مني أخٌ أن يتعلّم التجويد، صدقوني يكبر في عيني كثيرًا، لأنك أنت مسلم إنْ قدموك إلى الصلاة، فأسقطتَ حكمين أو ثلاثة، أسقطْتَ إدغامًا أو غنة، ينتقدك المصلون، فتعلّم ، وكلما كان السن أصغر كان أثرَ العلم أكبر، وكلما كبر الإنسان فتعلُّمه كالكتابة على الماء، لأنّ إمكانية التلقِّي والتعلم تتناقض مع تقدُّم السنّ، ماذا يشغلك؟ احفظ من كتاب الله بعض السور، وقمْ بعدد من المذاكرات مع أخوانك في القرآن الكريم، قراءة، وتجويدًا، وحفظًا، هذا تجده في ساعاتٍ عصيبة، ويصبح القرآن مؤنسًا لك .
ترك الغنيمات, وتبع النبي عليه الصلاة والسلام، فصار مقرئًا، محدثاً، فقيهاً، فرضياً، ومعنى فرضي، أي عالماً بالفرائض، أي علْم المواريث، أديباً، فصيحاً، شاعراً، وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم، وكان إذا ما سجى الليل، وهدأ الكون، انصرف إلى كتاب الله تعالى ، يقرأ من آياته البيِّنات، فتصغي إلى ترتيله أفئدةُ الصحابة الكرام، وتخشع له قلوبهم، وتفيض عيونهم بالدمع من خشية الله .
سيدنا عمر دعاه يوماً، وقال له:
((اعرضْ عليَّ شيئاً من كتاب الله يا عقبة، فقال: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين، وجعل يقرأ له ما تيسر، وعمر يبكي، حتى بللت دموعُه لحيتَه، وقد ترك عقبة مصحفاً، مكتوباً بخط يده))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/15.jpg
كان كاتبًا، لكن إياكم أن تدعوا أعمالكم، لا، لا أقول هذا، لكن أنا أخاف أن يستهلك العملُ صاحبَه، لكن لا تسمح لعملك أنْ يستهلك كل وقتك، أنت إنسان، أنت مخلوق لعبادة الله عزَّ وجل، لمعرفة الله، لا تفهم مني مرةً ثالثة، أن تدع العمل، ولكن افهمْ مني ألاّ تسمح لمهنتك أنْ تقضيَ عليك، ألاّ تسمح لبيتك أن يلهيك، البيت له وقت، والعمل له وقت، وهناك وقت لله عزَّ وجل ، وهذا الوقت مقدَّس، لا أعتدي عليه أبداً، وحينما تمضي وقتاً في طلب العلْم فقد أدَّيت زكاة الوقت، لأن الله عزَّ وجل قادر أنْ يتلف لك عشر ساعات بأتفه الأسباب، إذا ضَنَنْتَ بساعة عن مجلس علم، أتلف لك الله عزَّ وجل عشرَ ساعات بشيء تافه جدا, لكن حينما تبذل وقتك في سبيل الله يبارك لك ربنا عزَّ وجل في وقتك، ويطرح فيه البركة .
سيدنا عقبة، ترك مصحفاً مكتوباً بخط يده، وبقي مصحفه هذا، إلى عهدٍ غير بعيدٍ، موجوداً في مصر، في الجامع المعروف بجامع عقبة بن عامر، وقد جاء في آخره، كتبه عقبة بن عامر الجهني، ومصحف عقبة هذا، من أقدم المصاحف التي وجدت على ظهر الأرض، لكنه فُقد من جملة ما فقد من تراثنا الثمين، ونحن عنه غافلون . 2- الجهاد :
أما في مجال الجهاد، فحسبنا أن نعلَم أنّ عقبة بن عامر الجهني شهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم أُحُداً، وما بعدها من المغازي، وأنه كان أحد الكماة الأشاوس المغاوير، الذين أبلوا يوم فتح دمشق، أعزَّ البلاء وأعظمه، فكافأه أبو عبيدة بن الجراح على حسن بلائه، بأن بعثه بشيراً إلى عمر بن الخطاب في المدينة، ليبشِّره بالفتح، فظلَّ ثمانية أيامٍ بلياليها، من الجمعة إلى الجمعة، يغِذّ السير دون انقطاعٍ حتى بشَّر الفاروق بالفتح العظيم http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/16.jpg
ثم إنه كان أحد قادة جيوش المسلمين التي فتحت مصر، فكافأه أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان، بأن جعله والياً عليها ثلاثة سنين, ثم وجَّهَهُ سيدنا معاوية بن أبي سفيان لغزو جزيرة رودس، تصوَّروا هذه المهمة، أعرابيٌّ لم يعرف البحر، ولكنّ الله يسدِّده ويساعده, أخيرًا صار قائدًا بحريًّا .
وقد بلغ مِن ولعِ عقبة بن عامر الجهني بالجهاد أنه وعى أحاديث الجهاد في صدره، واختَّص بروايتها للمسلمين، وأنه دأب على حذق الرماية، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى المنبر يقول:
((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هذا الحديث من دلائل نبوة النبي صلّى الله عليه وسلم، الآن أحدث سلاح، قيمته في دقة الإصابة، من البحر الأحمر، إلى بناء معين، في مدينة معيّنة .
ما هي الوصية التي تركها عقبة أمانة في عنق أولاده وأين دفن ؟
مرِض سيدنا عقبة بن عامر الجهني مرضَ الموتِ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2724/17.jpg
وهو في مصر، فجمع بنيه وأوصاهم, فقال: يا بني، أنهاكم عن ثلاث، فاحتفظوا بهن، لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا من ثقةٍ، ولا تستدينوا، ولو لبستُم العباءة، ولا تكتبوا شعراً، فتشغلوا به قلوبكم عن القرآن, ولما أدركته الوفاة دفنوه في سفح المقطم، ثم انقلبوا إلى تركته يفتشونها, ماذا ترك؟ فإذا هو قد خلَّف بضعًا وسبعينً قوساً، مع كلِّ قوسٍ قرنٌ ونبال، وقد أوصى بهن أن يُجعلن في سبيل الله .
نضَّر الله وجه القارئ العالم، الغازي، عقبة بن عامر الجهني، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، فهذا سيدنا عقبة بن عامر الجهني، بفضل مؤاثرته رسول الله، على دنياه المحدودة، وصل إلى هذه المراتب، وأختم بقول الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

السعيد 08-22-2018 08:09 AM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع : السيدة رملة بنت ابى سفيان





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
علام يدل موقف رملة بنت أبي سفيان وزوجها حينما خرجا من دين آبائهما ودخلا في الإسلام ؟
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثلاثين من دروس سيَر صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابيّة اليوم السيدة رملة بنت أبي سفيان, أبو سفيان زعيم قريش، ناصَبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم العداءَ عشرين عاماً، وابنته بضعةٌ منه، مِن صُلبه، آمنتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت في الإسلام، ودخل معها زوجها، وآمنت بالله ورسوله، وكان إسلامها طعنةً في قلب أبي سفيان، ماذا يقول لوجوه قريش، وقد خرجت ابنته عن سلطانه، وعن دينه، ودين آبائه؟ إنها حكمٌ بالغةٌ تجري في الحياة البشرية، قال تعالى:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾

( سورة الروم الآية: 19)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/01.jpg
لو أن القضية قضية بيئة، أو قضية وراثة، أو قضية محيط، أو قضية ظروف وتفاعلات ، ما كان ينبغي أن تخرج رملة بنت أبي سفيان عن دين أبيها، و أبوها زعيم قريش، ومن أغنى أغنياء قريش, ومن سادات قريش، في بيت العز، وبيت المال، وبيت الغنى, لكن يجب أن تعلموا دائماً أن الإنسان مخيَّر، وأن الإنسان إذا اختار شيئاً يلغي كل العوامل الخارجية، ولأنه أكبر من كل الظروف المحيطة به، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره، قلما تنقضه الأيام، إن كان صادراً حقاً عن إرادةٍ وإيمان .
سيدنا إبراهيم في أية بيئة نشأ؟ دعاة البيئة، دعاة المحيط، دعاة المورثات، دعاة المؤثِّرات، دعاة المعطيات، هؤلاء الذين يؤَلِّهون هذه العوامل نردُّ عليهم, فنقول: سيدنا إبراهيم في أية بيئة نشأ؟ في بيئة تعبد الأصنام .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/02.jpg
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في أية بيئة نشأ؟ بلغت الجاهلية في مكة درجةً عاليةً جداً من الخطورة، الربا، الفواحش، الزنا، الخمور، القهر، الاستبداد، الطبقية، جاهلية أولى .
فرملة بنت أبي سفيان إسلامها أيةٌ من آيات الله، ودليلٌ على أن الإنسان مخيَّر، وإسلامها حجةٌ على مَن يعتقد أن البيئة تؤثِّر أبلغ الأثر، والبيئة لها تأثير لا شكّ فيه، لكن ليس لها كل التأثير، فما كان يخطر في بال أبي سفيان أنّ في وسع أحدٍ من قريش أن يخرج عن سلطانه، فهو الزعيم الأوحد، والشخصية الأولى، والسيد المطاع، ذو الحسب والنسب، ذو القوة والسلطان، وابنته بضع منه، تخرج عن دين آبائه، وهو سيد مكة المطاع، وزعيمها الذي تدين له بالولاء، لكن ابنته رملة المكنَّاة بأم حبيبة قد بددت هذا الزعم، وذلك حين كفرتْ بآلهة أبيها، وآمنتْ هي وزوجها عبيد الله بن جحش بالله وحده لا شريك له وبرسوله، ودخلا في الإسلام، وانضما إلى النبي عليه الصلاة والسلام . ما هو موقف أبي سفيان من رملة وزوجها حينما اعتناقا الإسلام ؟
حاول أبو سفيان بكل ما أوتي من سطوة وبأس، ولم يدرِ أنّ المسلم كلما ضغط عليه، ازداد تمسكاً بإسلامه، وأنّ هذا الدين كلما أردت أن تقضي عليه فكأنَّك تصبُّ على النار الزيتَ، والأذكياء يهادنون الدين، والحمقى يواجهونه، فإنْ واجهته ازداد قوة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/03.jpg
فالمسلم لا تجدي معه كلَّ الضغوط، فلا سياط الجلادين اللاذعة، ولا سبائك الذهب اللامعة، تثنيه عن عزمه، وتقوِّض إيمانه ، وهذا هو الإيمان .
قال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم:
((يا بن أخي, هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم قد سألوك النصف، أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدَعوك وإلهك، فقال: أي عم أَوَلاَ أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهـم إلى أن يتكلموا بكلمة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم، فقال أبو جهـل مِن بين القوم: ما هي وأبيك لنُعطِينَّكها وعشرَ أمثالها؟ قال: تقول: لا إله إلا الله، فنفروا، وقالوا: سلنا غير هذه، قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، فغضبوا، وقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذي يأمرك بهذا))
[ورد في الأثر]
فقضية الإسلام ليست خاضعة للمساومة، ولا للمبادلة، قضية الإسلام قضية مبدأ، وقضية مصير.
أحياناً في المؤتمرات، ولقد مكثوا مرةً عشر دورات، ولم تنجح هذه الدورات في المفاوضات، للاتفاق على جدول الأعمال فقط، عشر جولات انتهت بالفشل الذريع، ولم يتفقوا على جدول الأعمال، يقولون: هذا الموضوع غير قابل للمناقشة، وإيّاكم أن تطرحوه، فإن طرحتموه معنى ذلك أنكم لا تريدون الصلح، كذلك في حياة المسلم هناك قائمة موضوعات غير قابلة للمناقشة، ولا يمكن أن تُعرَض على بساط البحث، هذه مِنَ المسلَّمات، قضية عقيدة، قضية مبدأ، قضية مصير .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/04.jpg
حاول أبو سفيان بكل ما أوتي من قوةٍ، ومن سطوةٍ، ومن بأسٍ، أن يردَّ ابنته وزوجها إلى دينه، ودين آبائه، فلم يفلح, والكافر أحياناً يتوهم بسذاجة أنّ فلانًا مِنَ الممكن أنْ نغريه بالمال ، وأنْ نغريه بالنساء، هذا ظن الكافر، وهو ظنٌ غبي، بل هذه سذاجة محضة، والمسلم لا يخضع، ولا يتأثر لا بالضغوط، ولا بالإغراءات، لأنه عرف الله عزَّ وجل .
قال بعضهم: إن الإيمان الذي رسخ في قلب ابنة أبي سفيان كان أعمق مِن أن تقتلعه أعاصيرُ أبي سفيان وأثبت من أن يزعزعه غضبه .
قالت أم سعد بن أبي وقاص لابنها:
((يا سعدُ, إمّا أن تكفر بمحمد، وإلا سأدع الطعام حتى أموت، فقال: يا أمِّي، لو أن لكِ مئة نفسٍ، فخرجت واحدةً واحدةً لمَا كفرتُ بمحمد، فكلِي إن شئتِ، أو لا تأكلِي))
سيدنا عبد الله بن عمر فيما تروي الكتب أغرى بدوياً راعياً، على أن يبيعه شاة، ويعطيه ثمنَهَا، فقال له البدوي: ((ليست لي، فقال له: قل لصاحبها ماتت، قال له: ليست لي، قال له : خذ ثمنها، قال له: ليست لي، قال: واللهِ إنني لفي أشِّد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلتُ له ضاعت، أو أكَلها الذئب، لصدقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟))
هؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، هؤلاء الذين يغشّون الناس، ويتجاوزون الحدود، ويعتدُون على أعراض الناس، واللهِ ما عرفوا ربَّهم، ولو عرفوا الله عزَّ وجل لتهيَّبوا أن يعصوه في أدق المخالفات وأدناها .
أبو سفيان ركبه الهمُّ بسبب إسلام رملة، فما كان يعرف بأي وجهٍ يقابل قريشاً، سيقولون له: عليك بابنتك التي من صلبك، فقد أسلمتْ، أين أنت؟ أغافلٌ عنها؟ كيف أقنعوها؟ أين قوتك؟ . هل هاجرت رملة وزوجها إلى الحبشة وما هي ردة فعل قريش حينما علمت بهجرة المسلمين إلى الحبشة ؟
لما وجدت قريشٌ أن أبا سفيان ساخطٌ على رملة وزوجها، اجترأتْ عليها، وطفقتْ تضيِّق عليهما الخناق، وجعلتْ ترهقهما أشدَّ الإرهاق، حتى باتا لا يطيقان الحياة بمكة, ولقد ضغطت قريشٌ على المسلمين بشكلٍ لا يوصف http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/05.jpg
ونحن نشأنا في بلاد المسلمين، والحمد لله، ونحضر مجالس العلم، ولا نشعر بهذا الضغط، لكن الضغط الذي مارستْه قريشٌ كان شديدًا مؤلِمًا ، تعذيب حتى الموت، ومقاطعة حتى الجوع، ولما أذِنَ النبيّ عليه الصلاة والسلام للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة، كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصغيرة حبيبة، وزوجها عبيد الله بن جحش في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم، الفارِّين إلى حِمى النجاشي بإيمانهم .
لكن أبا سفيان بن حرب ومن معه من زعماء قريش عزّ عليهم أن يفلت من بين أيديهم أُولئك النفر من المسلمين، وأن يذوقوا طعم الراحة في بلاد الحبشة، فأرسلوا رسلَهم إلى النجاشي، يحرِّضونه عليهم، ويطلبون منه، أن يسلِّمهم إليهم .
الإنسان هو الإنسان، سلمونا فلانًا وفلانًا، دائماً مطاردة، هذا يجب أن تسلِّمونا إياه، وهذا ما فعله أبو سفيان وزعماء قريش، لقد أرسلوا إلى النجاشي رسلاً معهم الهدايا الثمينة، للبطارقة حتى يشكلوا رأيًا عامًّا ضاغِطًا على النجاشي، وكان عمرو بن العاص وهو أحد دُهاة العرب رئيسَ وفدِ قريش إلى النجاشي، كي يقنع النجاشي بتسليم هؤلاء الذين هاجروا إلى الحبشة ، وفرُّوا بدينهم، ورأوا في بلاد النجاشي الراحة والأمان .
ومن دهاء عمرو بن العاص أنه أراد أن يثير حفيظة النجاشي، وهو النصراني، أثاره بموضوعٍ خطير، فقدْ ذكَّره أن هؤلاء الذين لجؤوا إلى بلاده يقولون في المسيح وأُمِّه مريم قولاً يسوءه، فبعث النجاشي إلى زعماء المهاجرين، وسألهم عن حقيقة دينهم، والنص معروف عندكم أنا أُلقيه عليكم كثيراً، قال له:
فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَتْ: ((لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنـَا بِهَــا خَيْرَ جَارٍ, النَّجَاشِيَّ أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا, وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ, فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمــَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ, وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ, قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ, فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, وَنُسِيءُ الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجــَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ, وَنَهَانــَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ, وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ, قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحـــْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا, وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا, وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا, فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّه,ِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ, فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالـُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ, وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهـَا الْمَلِكُ, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ, قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ, إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ, قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ, قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ وَمَا جَاءَ بـِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ, فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالـِبٍ: نَقـُولُ فِيهِ الَّذِي جـَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ, قَالَتْ: فَضـَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَـدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخـَذَ مِنْهـَا عُودًا, ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ, فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي، وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/06.jpg
إنه كلام بليغ، فلما اقتنع النجاشي بهذا الكلام ذكروه أنهم يقولون في عيسى بن مريم ، قولاً يسوءُه، لا يعدونه ابنَ الله، هو نبيٌ من الأنبياء، طلب النجاشي إليهم، أن يسمعوه شيئاً من القرآن الكريم الذي ينزل على قلب نبيِّهم، فلما أخبروه بحقيقة الإسلام، وتلوا عليه بعضاً من آيات القرآن، بكى النجاشي، حتى اخضلَّت لحيته، وقال لهم: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ ، ثم أعلن النجاشي إيمانه بالله وحده لا شريك له، وتصديقه لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأسلم .
والنجاشي ملِك، لذلك لما جاءت رسل النجاشي، أراد النبي عليه الصلاة والسلام، أن يخدمهم بنفسه، إكراماً له، ولما توفِّي النجاشي صلى عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب ، على أنه مسلم، وفي بعض الكتب يعدُّ من الصحابة، لكن لم يلتقِ بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل التقى به عن بُعْد، وأسلم وغدا المهاجرون بعد ذلك في بحبوحة، وفي رعاية، وفي طُمأنينة، وتحت ظل النجاشي .
ما هي الرؤيا التي رأتها أم حبيبة في المنام وهل تحققت هذه الرؤيا ؟
حسبت أم حبيبة بعد ذلك أنّ الأيام صفت لها بعد طول عبوس، وأن رحلتها الشاقة في طريق الآلام قد انتهتْ إلى واحة الآمان، إذ لم تكن تعلم ما خبَّأتها لها المقادير، فيما سيحدث لها في حياتها من أخطر الأحداث, شاء الله تبارك وتعالى، ولحكمةٍ بالغةٍ أرادها أن يمتحن أمَّ حبيبة امتحاناً قاسياً، تطيش فيه عقول الرجال .
قبل أن نتابع القصة، ماذا يعني أن يؤمن النجاشي؟ معنى ذلك أنّ الإيمان مكلَّف به جميع الناس، والملوك كذلك، والملِك إذا آمن وأسلم، فأَنْعِمْ وأكرم به من ملك، يؤيِّده الله، ويثبِّت ملكه، ويزيد قوةً ومضاءً، والإنسان كلما اتسعت سلطته يزداد عمله الصالح .
أضرب لكم مثلاً بسيطًا؛ معلم في صف يضمُّ ثلاثين طالبًا، أقصى ما عنده أنه يوجِّه هؤلاء الطلاب توجيهاً صحيحاً، لكن المدير تحت سلطته سبعمئة وثمانين طالبًا، فإذا كان مديرًا حازمًا أخلاقيًّا فإنّه ينتقى مدرسين ممتازين، لضبطِ المدرسة، أمّا مدير التربية فعنده محافظة بأكملها، ووزير التربية أعلى مِن ذلك، فكلما عَلَت السلطة ازدادَ العملُ الصالح، فأنت بإمكانك أن تعمل بقدر سلطتك، فحينما يكون الإنسان في مرتبة عالية فقد أتيح له أنْ يعمل من الأعمال الصالحة ما لا حدود له, فمن الممكن أنّ الملك إذا نوَّر اللهُ عزَّ وجل قلبَه أنْ يعملَ أعمالاً لا تأتي بها الجبال الراسيات .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/07.jpg
وبالمناسبة، هناك شيئان يتوازنان، كلما ازداد حظُّك من الدنيا؛ حظ العلم، أو حظ المال ، أو حظ السلطان، أو الذكاء، أو الوسامة، أو الغنى، ازداد معها شيئان؛ مسؤوليتك، وفرص العمل الصالح التي تتاح لك، وإذا ضيَّع هذه الفرصة، صارت مسؤوليته أمام الله كبيرةً عسيرة، لذلك صدقوا حينما قالوا: فلان مسؤول كبير، بالمعنى اللغوي، أي مسؤول مسؤولية كبيرة، بهذا المعنى بالضبط, فالنجاشي آمن بالله ورسوله، ازداد قوةً، وازداد حكمةً، وازداد قرباً من الله عزَّ وجل .
نعود إلى امتحان أم حبيبة القاسي، لقد كان هذا الامتحان تطيش له عقول الرجال، ذوي الأحلام، وتتضعضع أمامه أفهامُ ذوي الأفهام، وهذا الابتلاء ربما أخرجها من عقلانيتها، فما هذا الابتلاء؟ ذات ليلةٍ، أَوَتْ أم حبيبة إلى مضجعها، فرأت فيما يراه النائم أنّ زوجها عبيد الله يتخبَّط في بحرٍ لُجيٍّ، غشيته ظلماتٌ بعضها فوق بعض، وهو في أسوأ حال http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/08.jpg
والرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو تُرى له، فهبَّتْ من نومها مذعورةً مضطربة، ولم تشأ أن تذكر له أو لأحدٍ غيره شيئاً مما رأت، لأن الرؤيا مزعجة جداً، لكن ما لبثت أن تحققت رؤياها، فزوجها المؤمن، المهاجر، الذي صحبها إلى الحبشة، فلم ينقضِ يوم تلك الليلة المشؤومة، حتى كان عبيد الله بن جحشٍ قد ارتد عن دينه وتنصَّر، ثم أكبَّ على حانات الخمَّارين، يعاقر الخمرة أمَّ الخبائث ، فلا يرتوي منها، ولا يشبع .
ما هما الخياران اللذان اقترحما زوج أم حبيبة عليها وما هو الخيار الذي ظلت عليه وهل أصابها حيرة وألم من جراء ذلك ؟
أيها الأخوة, قد خيَّرها بين أمرين أحلاهما مرُّ؛ إما أن أطلقك، وإما أن تتنصَّري, هذه مصيبة، أبوها مشرك، فهل تعود إلى أبيها ذليلةً, وزوجها نصراني، وهي في بلاد الحبشة غريبة ؟ هذه القصة تعطيكم الدليل العظيم على حكمة النبي في زواجه مِن أمّ حبيبة .
فوجدت أمُّ حبيبة نفسها فجأةً بين ثلاث: إما أن تستجيب لزوجها، الذي جعل يلحُّ عليها في دعوته إليها إلى التنصُّر، والعياذ بالله، وتبوء بخزي الدنيا، وعذاب الآخرة، وهذا أمرٌ لا تفعله ، ولو مُشِّط لحمُها عن عظمها بأمشاطٍ من حديد، هذا مستحيل، هذا أول احتمال، وقد ألغيناه .
وإمّا أن تعود إلى بيت أبيها في مكة، وهو ما زال قلعةً للشرك، فتعيش فيه مقهورةً، مغلوبةً، ذليلةً، وّإما أن تبقى في بلاد الحبشة وحيدةً شريدةً لا أهل لها، ولا وطن، ولا معين، فآثرت ما فيه رضاء الله عزَّ وجل، وأزمعت على البقاء في الحبشة، حتى يأتي اللهُ بفرجٍ من عنده.
ما هي البشرى التي دخلت على قلب أم حبيبة بعد ألم تلك الأيام التي فارقتها بشرك زوجها, وكيف تم عقد زواجها ؟
لم يَطُل انتظارُ أمِّ حبيبة كثيراً، فما إن انقضت عدَّتُها من زوجها الذي لم يعش بعد تنصره إلا قليلاً حتى جاءها الفرَجُ .
خدم رجلٌ والدته اثنتي عشرة سنة، وفي أحد الأيام ضاقت نفسه بخدمته لها، وغضب ، وأسمعها كلماتٍ قاسيةً جداً، وقال لها: لستُ أنا ابنك الوحيد، اذهبي إلى غيري، اخرُجي من بيتي، فبكت، وقهرها بهذه الكلمة، فاستدعتْ أحدَ أبنائها، وأخذها معه إلى البيت، وما هي إلا أيام حتى توفّاها الله عزَّ وجل، فهَدَرَ عملَ اثنتي عشرة سنة، وهذا بعد أشهر قليلة من ارتداده عن الإسلام مات .
لقد خُتِم عملُه بالكفر، ومعاقرة الخمرة، لذلك فعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلـَّمَ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ:
((اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ, قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَوَ إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتَقَلّـَبُ, قَالَ: نَعَمْ, مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ, فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَقَامَهُ, وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَزَاغَهُ, فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا, وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّــهُ هُوَ الْوَهَّابُ, قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي, قَالَ: بَلَى, قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي, وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي, وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا أَحْيَيْتَنَا))
[أخرجه أحمد في مسنده]
لقد جاءها السعد يرفرف بأجنحةٍ خضراء فوق بيتها المحزون، على غير ميعاد، في ذات ضحىً طَرَق بابَها طارقٌ، فلما فتحته، فوجِئت بأبرهة، مَن هي أبرهة؟ اسم مؤنث بالطبع, وهي وصيفة النجاشي، ملك الحبشة، فحيَّتها بأدبٍ وبِشْر، واستأذنتْ بالدخول عليها، وقالت:
((إن الملك يحيِّيكِ، ويقول لك: إن محمداً رسول الله، قد خطبك لنفسه .))
-هل تعرفون لماذا يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذه المرأة؟ لقد تنصَّر زوجها، وعاقر الخمرة، وأبوها أبو سفيان، بيته قلعةٌ من قلاع الشرك، وهي في الحبشة طريدةٌ، شريدة، لا معين لها- فالنبي عليه الصلاة والسلام خطبها لنفسه، عن طريق الملك النجاشي، وقد بعث إليه كتاباً وكَّله فيه أن يعقد له عليكِ، فوكِّلي عندك من تشائين، هذه هي الوكالة في الزواج, فاستطارت أمُّ حبيبة فرحاً، وهتفت: بشَّركِ اللهُ بالخير، بشَّرك الله بالخير، وطفقت تخلع ما عليها من الحلي، فنزعت سواريها، وأعطتهما لأبرهة المبشرة، ثم ألحقتهما بخلخالها، ثم أتبعت ذلك بقرطيها، وخواتمها، ولم تُبْقِ شيئًا، -هذه بشارة عظيمة, لقد أَعْطَتْ كلَّ شيءٍ تملكه من الحلي إكراماً لها .
ولو كانت تملك كنوز الدنيا كلها لأعطتها لها في تلك اللحظة- ثم قالت لها: لقد وكَّلت عني خالد بن سعيد بن العاص، فهو أقرب الناس إلي)) وفي قصر النجاشي الرابض على رابية خضراء، وعلى تلّة خضراء، مطلةٍ على روضةٍ من رياض الحبشة النضرة، وفي أحد أبهائه الفسيحة، المزدانة بالنقوش الزاهية، المضاءة بالسُرج النحاسية الوضاءة، المفروشة بفاخر الرياش اجتمع وجوهُ الصحابة، المقيمين في الحبشة، وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن حذافة السهمي، وغيرهم، ليشهدوا عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/09.jpg
أيها الأخوة، قد تضيق الدنيا، وتضيق، والطرق كلها مغلقة، فاصبر، فقد تأتي الدنيا وهي راغمة، ويأتي الفرج بعد اليأس، ويخلق اللهُ جلَّ جلاله مِنَ الضعف قوة، ومن الضيق فرجاً ، ومن الفقر غنىً، ومن الذل عزاً، فبطولتك أن تكون مع الله في طاعته، وعلى الله الباقي .
فلما اكتمل الجمع، تصدَّر النجاشي المجلس، وخطبهم، فقال: ((أحمد الله، القدوس، المؤمن، الجبَّار، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه هو الذي بشَّر به عيسى بن مريم، أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب مني أن أزوِّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبته إلى ما طلب، وأمهرتها نيابةً عنه أربعمئة دينارٍ ذهباً, وأدّى النجاشي عنه المهر على سنة الله ورسوله, ثم سكب الدنانير بين يدي خالد بن سعيد بن العاص .
قام خالد بن سعيدٍ, وقال: الحمد لله أحمده, واستعينه، وأستغفره، وأتوب إليه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بدِين الهدى والحق ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون، أما بعد: فقد أجبتُ طلبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته موكِّلتي، أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله بزوجته، وهنيئاً لأم حبيبة بما كتب اللهُ لها من الخير, ثم حمل المال، وهمَّ أن يمضي به إليها، فقام أصحابه بقيامه، وهمُّوا بالانصراف أيضاً، وهنا قال لهم النجاشي: اجلسوا ، فإن سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يطعموا الطعام، ودعا لهم بطعامٍ، فأكل القوم، ثم انفضوا))

قالت أم حبيبة: ((فلما وصل المالُ إليَّ، أرسلتُ إلى أبرهة التي بشَّرَتْني خمسين مثقالاً من الذهب، وقلت لها: إني كنت أعطيتكِ ما أعطيت حينما بشَّرتني، ولم يكن عندي يومئذٍ مال، فما هو إلا قليلٌ حتى جاءت أبرهة إليها، وردَّت الذهبَ، وأخرجتْ حُقًّا فيه الحَلْيُ الذي أعطيتها إيَّاه، فردّته إليّ أيضاً، وقالت: إن الملك قد عزم عليّ، ألا آخذ منك شيئاً، وقد أمر نساءه أن يبعثنً لك بكل ما عندهن من الطيب، فلما كان الغد، جاءتني بورسٍ وعودٍ وعنبرٍ, ثم قالت الوصيفة أبرهةُ: إن لي عندك حاجة؟ فقلت: وما هي؟ فقالت: لقد أسلمتُ، واتبعتُ دين محمد، فاقرئي على النبي مني السلام، وأعلميه، أني آمنت بالله ورسوله، ولا تنسيْ ذلك))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/10.jpg
أرأيتم الإحسان, الإنسان أحياناً يملك قلب إنسان بالمال، بالإكرام، لا تظن أنّ الناس تنقصهم معلومات، وفلسفات، وكلام منمَّق، إنما ينقصهم إحسان، فإنْ أحسنت فتحت قلوب الناس بإحسانك، قبل أن تفتح عقولهم ببيانك .
يا أيها الأخوة الكرام, أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه, قال: لما نزلت سورة براءة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُعِثْتُ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ))
[أخرجه البيهقي عن جابر بن عبد الله]
المـداراة كما تعلمون بذْلُ الدنيا من أجل الدين، والمداهنة بذلُ الدين من أجل الدنيا، فإذا كنتَ مِمَّن يطمح أن يصير داعيةً إلى الله عزَّ وجل، وممَّن يطمح أن يهتدي الناس على يديه، أو بسببه، فليس أمامك إلا طريق واحد، وهذا الطريق أنْ تحسن إلى الناس، لأن الناس هل يتعلَّمون بعيونهم أم بآذانهم؟ بعيونهم، ثم بآذانهم، فإذا التقى الإنسانُ بشخص، فأول لقاء لا يعرفه، فينظر إلى طوله ، ولونه، وأناقته، ونظافته، وثيابه، وإلى ألوان ثيابه، وإلى الانسجام بين الألوان، وإلى طريقة مشيته، وطريقة جِلسته، وحركاته، ونظراته، فيتفحصه، فأنت التقيتُ مع شخص لا تعرفه، زرت أخاك في العيد، وقال لك: انتظرْني دقيقة، ووجدتَ عنده ضيوفًا، وقال لك: أنا مشغول، فاجلِسْ معه دقائق، تأمله، تأمَّل شكله، طوله، لونه، حذاءه، قميصه، ألوان ثيابه، طريقة جلسته، فإذا تكلَّم نسيتَ شكله، وجدت فيه علمًا، وفهمًا، ودقةً في التعبير، أو هو ذو كلام فارغ، وحديثُه خرافات، أو عنده آراء غير صحيحة، أو تصورات مضحكة، فإن تكلّم؛ إمّا أن يرقى، وإمّا أن يسقط، فإن تكلم نسيت شكله، فإذا سافرت معه، وعاملته بالدرهم والدينار، نسيتَ كلامه، الشكل يُسقِط، والكلام يُسقِط، ولا تبقى إلا المعاملة، والمعاملة هي الأساس . ما موقف المؤمن إذا امتحن بالبلاء وهل بعد الصبر فرج ؟
أيها الأخوة, فالإنسان إذا ضاقت به الأمور، فعليه بالدعاء ، وعليه بالالتجاء إلى الله، وعليه بالصبر، والصبر مفتاح الفرج، وربنا عزَّ وجل يمتحنك، ويضعك في ظروف صعبة، والطرق كلّها مغلّقة، وفيما يبدُو لك أن الأمر صار فوق التحمل فاصْبِرْ، فإنّ الله يحبُّ العبد الصابر، قال عز وجل:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/11.jpg
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
( سورة ص الآية: 43)
هذه الآية مؤثرة جداً, قال تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
( سورة ص الآية: 43)
والصبر متى يكون؟ عند الصدمة الأولى، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2799/12.jpg

((مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ, فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي, قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ, فَقِيلَ لَهَا: إِنَّـهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ, فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ, فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس بن مالك]
كلّ إنسان إنْ لجَّ وكفر سوف يصبر مقهوراً، يقول لك: ما بعد الصبر إلا المجرفة والقبر، أي إن لم تصبر, فماذا تفعل؟ نحن عبيدٌ لله عزَّ وجل، فبين الصابر وغير الصابر مرتبةُ الرضا، وهي عند الصدمة الأولى، لكن بعـد حين تصبر، لكنك فقدتَ الأجر، لذلك فالمؤمن إذا جاءه ما يكرهه، فأوّلُ كلمة, يقولها: الحمد لله على كل حال، فعوِّد لسانك على الحمد، يا ربِّ لك الحمد على كل حال .
هل مر رسول الله بظروف صعبة كما يمر بها الناس إليكم بيان ذلك ؟
النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا، فكيف جعلـه الله قدوة؟ لأنه لو جعله غنياً فقط، ونصح الفقراء بالصبر، فهذه النصيحة غير مقبولة، ماذا يقولون له؟ لم تذق الفقرَ يا سيدي، هذا كلام نظري، لكنه ذاق الفقر المدقع، قال: ((أُوذيتُ وما أُوذي أحدٌ مثلي، وخفت وما خاف أحدٌ مثلي، ومضى علي ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))
ذاق الفقر، وذاق الغنى، فلما ذاق الفقر، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, قَالَتْ: (( قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّـَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاتَ يَوْمٍ يَا عَائِشَةُ, هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَـتْ: فَخـَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْـهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا, قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ, قَالَ: هَاتِيهِ, فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ, ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَاِئِمًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح عن عائشة]
أنا أستحلفكم بالله عزَّ وجل، هل منكم رجلٌ إذا دخل بيته لم يجد شيئاً يأكله إطلاقاً؟ مستحيل، فليس مِن بيت إلاّ وفيه زيتون، جبن، لبن مصفى، كأس من الشاي، معكرونة، برغل، أرز, المسلم، إذا تأخّر الأكل، يخبط خبط عشواء، ويسبُّ، ويقيم، ويُقعِد، لكنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد شيئاً يأكله، ويقول: فَإِنِّي صَائِمٌ .
دخل عليه عدي بن حاتم، قال:
((فقذف إليَّ وسادةً من أدمٍ، محشوةً ليفاً، قال: اجلسْ عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلست عليها، وجلس رسول الله على الأرض))
ماذا يوجد في بيته؟ هل كان عنده طقم فاخر، وسجاد صيني؟ لا، بل وسادة واحدة، من أدمٍ محشوةٍ ليفاً ، دفعها إلى عدي بن حاتم .
دخل عليه أعرابيٌّ يومًا فلم يعرفه، وهو صلى الله عليه وسلم جالس بين أصحابه، وصار يتأملهم ملياً، ثم قال: ((أيُّكم محمّد؟))
قيل له: ((لمن هذا الوادي يا محمد؟ قال: هو لكَّ ، قال: أتهزأ بي؟‍‍ قال: لا والله، قال : أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر))
فقد ذاق النبيُّ طعمَ القهر، ففي الطائف مشى على قدميه ثمانين كيلو مترًا، كذَّبوه، وسخروا منه، وضربوه، فذاق طعم القهر, وذاق طعم النصر في مكة، وقد أحاط به عشرةُ آلاف سيف متوهِّج، بعد أنْ أُخرِج منها شريداً، طريداً، خائفاً، مهدوراً دمه، فعاد إليها سيداً، فاتحاً، منتصراً، ومصير هؤلاء جميعاً منوطٌ بكلمةٍ مِن فمه، لو قال: اقتلوهم لقتلوهم، لكنه ماذا قال؟ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال: ((الحمـد لله الذي صدق وعده, ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده, ثم قال: ماذا تظنــون يا معشر قريش؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، ابن أخ كريم, وقد قدرت, قال: وأنا أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريــب عليكم اليوم, فقال عمر رضي الله عنه: ففضت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلــك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال, استحييت من قولي))
.
ذاق موت الولد، والولد غالٍ جدًّا، مات ابنه إبراهيم فبكى عليه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: ((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ, وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام, فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّـى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ, وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ, فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ, إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى, فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أنس بن مالك]
ذاق الهجرة، وهي اقتلاع من الجذور، أرأيتَ إلى رجلٍ يسكن بيتًا مرتِّبًا، وله محله، ومصيفه، وسيارته، ثم غادرها خلال خمس دقائق، أين؟ إلى اليمن، فقد يقعد على الرصيف، فهذه هي الهجرة .
فالنبي عليه الصلاة والسلام، لولا أنه جرت عليه كلُّ خصائص البشر لمَا كان سيِّد البشر، لقد كذّبوه، واتّهموه ظلماً بأنه مجنون، وساحر، وكاهن، وضيِّقوا عليه، وأخرجوه، وتآمروا على قتله، وذاق الفقر، وذاق الغنى، وذاق النصر، وذاق الهزيمة، لقد ذاق كلُّ هذا, لهذا قال تعالى :
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾







السعيد 08-22-2018 08:12 AM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا عبدالله بن حذافة السهمى





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ما هما الفائدتان اللتان يجنيهما المسلم إذا درس سير الصحابة ؟
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والثلاثين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابيُّ اليوم سيدُنا عبد الله بن حذافة السهمي .
أول ملاحظة، وهي أن ثمَّة دعاءً يدعو به بعض خطباء دمشق، يقولون:
((اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/01.jpg
القول له فتنة، وفتنة القول، أن ينطلق لسانك، ويقصِّر عملك، هذه فتنة، وفتنة العمل، أن تعجب به، فالدعاء:
((اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك أن نتكلَّف ما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب فيما نحسن))
سقتُ هذا الدعاء تمهيداً لهذه الملاحظة؛ أن كلَّ مؤمنٍ إذا قرأ سيرة أصحاب رسول الله يصغر، ويصغر، حتى يرى أنه لم يقدِّم شيئاً للإسلام .
صحابيُّ اليوم، سيدنا عبد الله بن حذافة السهمي، كأن هؤلاء الصحابة من طينةٍ غير طينتنا، كأنهم يحبُّون الله حباً يفوق حدَّ التصوُّر، وقد تحملوا من المشاق ما لا يحتمله بشر، فالإنسان أيها الأخوة، إذا اطّلع على سير الصادقين، وعلى سير المخلصين، فهناك فائدتان كبيرتان:
الفائدة الأولى: فإنه يصغر عوضَ أن يكبر، والجاهل كبير بنظر نفسه، أما العالم فصغير، يقول: ماذا قدُّمت أنا؟ بعد قليل سوف ترون أن الذي فعله هذا الصحابي يفوق حدَّ الخيال، والتاريخ صادق .
الفائدة الثانية: إذا قرأ الإنسان سير صحابة رسول الله، فقراءته لها تجعله ينطلق أكثر وأكثر إلى طاعة الله ، وإلى التضحية، وإلى البذل . من هو الصحابي الذي قدر له بأن يلتقي مع كسرى ملك الفرس بمهمة من رسول الله ؟
بطل هذه القصة رجل من الصحابة الكرام، يُدعى عبد الله بن حذافة السهمي، هذا الرجل له قصة مذهلة، والإسلام أتاح له أن يلتقي مع أسياد الدنيا في زمانه، وفي كل عصر هناك دول، منها دول صغرى، ودول وسطى، ودول عظمى، ودول متخلفة، ودول متقدمة، وعلى كلٍّ بين الدول الكبرى تجد دولة هي أكبر دولة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/02.jpg
لقد كان في زمان النبي عليه الصلاة والسلام دولتان عظيمتان، وعلى رأس هاتين الدولتين رجلان عظيمان؛ كسرى عظيم الفرس، وقيصر عظيم الروم، وهذا الصحابي الجليل أتيح له أو أرسل بمهمةٍ ليلقى كسرى وقيصر في وقتين مختلفين، كِسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وأن تكون له مع كلٍّ منهما قصة، ما تزال ذاكرة الدهر تعيدها، ولسانُ التاريخ يرويها .
في أي سنة من بعد الهجرة أرسل عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى وما هي المدة التي استغرقها للوصول إليه وهذا الموقف من عبد الله علام يدل ؟
أما قصته مع كسرى ملك الفرس فكانت في السنة السادسة للهجرة، حين عزم النبي صلّى الله عليه وسلم أنْ يبعث طائفةً من أصحابه، بكتبٍ إلى ملوك الأعاجم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدِّر خطورة هذه المهمة، فهؤلاء الرسل سيذهبون إلى بلادٍ نائية .
في زماننا طيران، وطائرة أسرع من الصوت، وأنت على ارتفاع ستين ألف قدم، يقدَّم لكَّ الطعام الساخن، والفواكه، والمشروبات، والشاي، والقهوة، ويمكن أن تنام، وأن تشاهد فيلمًا، وأن تقرأ المجلات، وكلّ حين تقدم لكَّ الوجبات الشهيّة، في المطارات، قاعات الاستقبال مكيفة، فالسفر في زماننا هذا سهلٌ ميسور .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/03.jpg
لكن تصور السفر في عهد النّبي عليه الصلاة والسلام، تصور إنساناً يركب حصاناً، أو يركب ناقةً، وينطلقُ بها من المدينة إلى القسطنطينية وحده، لا مؤنس معه، في ليالي الصحراء، أمّا في هذه الأيام فالإنسان أحياناً لو ذهب إلى مكتبه في قلب المدينة في الليل يشعر بالوحشة، ولو سارَّ في طريقٍ وحده بعد الساعة الثانية عشرة لشعر بالوحشة .
فهذا الصحابي، انطلق ليقطع الصحارى وحيداً، دون مؤنسٍ، ودون معينٍ، ليصل إلى ملك من ملُوك الأرض، لا يفهم لغته، ملكٌ متربعٌ على عرشٍ عظيم، يدعو هذا الصحابي ذاك الملك لترك دينه، والاحتمال أن يقتله احتمالٌ كبير .
أجمل شيء يا أيها الأخوة, أن يكون الإنسانُ واقعيًّا، وكلّ إنسان يبتعد عن الواقع لا يصدَّق، فالنّبي عليه الصلاة والسلام يعلم تماماً خطورة هذه المهمة، وهؤلاء الصحابة الكرام عاشوا في البادية، ولم يتعلَّموا، بل هم أُمِّيُّون، سينطلق أحدُهم إلى كسرى، الذي يمثِّل قمَّة الحضارة، قصور، وخدم، وحشم، وحجَّاب، وفرسان، وأسلحة، وأموال، وأرائك، وهم يجهلون لغات تلك البلاد، ولا يعرفون شيئاً عن أمزجة ملوكها .
بينما الآن فهناك إعلام، والأعمال كلُّها يتناقلها الإعلام، فأحياناً الملوك يحسبون حسابًا لتناقل الوكالات لما يفعلُون، أما قديمًا فلم يكن هناك إعلام، فلو قال الملك: اقتلوه، لقتلوه، وانتهى الأمر، ولنْ تسمع وقتها ضجة إعلامية، إذ لم يكن بين الشعوب تواصل، إنهم سيدعُون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/04.jpg
تصوَّر مثلاً أنَّ يا فلانًا الفلاني، في القرية الفلانية، ومن البلد المتخلِّف الفلاني، يقال له : اذهب إلى صاحب البيت الأبيض، وقل له: إنَّك كافر، وإنَّك على باطل، فعُدْ إلى ديننا، إنه أمرٌ صعب، ومهمةٌ فوق الخيال .
سيدعون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم، والدخول في دينِ قومٍ كانوا إلى الأمسِ القريب، إنها رحلةٌ خطيرة، الذاهب فيها مفقود، والعائد منها مولود .
إنها رحلة بالتعبير المعاصر، انتحارية، فإما أن يعود، وإما ألاّ يعود، هذه هي طبيعة هذه المهمة .
الإنسان أيها الأخوة, على قدر تضحيته، وعلى قدر بذله، وعلى قدر تجشُّمه للأخطار ، وعلى قدر عطائه يرقى عند الله عزَّ وجل، لذلك جمع النبي صلّى الله عليه وسلَّم أصحابه، وقام فيهم خطيباً، وقال:
((أما بعد، فإني أريد أن أبعثُّ بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليّ، كما اختلفت بني إسرائيل على عيسى بن مريم:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾
( سورة المائدة الآية: 24)
-لقد كان الصحابة يتنافسون على الأعمال البطولية، تصور لو أُلْغِيَ التجنيدُ الإجباري، وصار اختيارياً، فكم عددُ مَن يذهبون طواعيةً؟ كان أصحاب رسول الله حينما يردُّهم النّبي لعدم وجود الرواحل يبكون، وفي هؤلاء قال سبحانه:
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾
(سورة التوبة الآية: 92)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/05.jpg
يبكون لأنه ما أتيح لهم أن يضَحُّوا بأرواحهم في سبيل الله، فَأَرِنِي لي مِنَ المسلمين بهذا المستوى، وخذ فتحاً يشمل العالم كلَّه، وخذ نصراً مؤزراً، الواحد منهم بألف، والألف من غيرهم كأُف, سأتلّو على مسامعكم آيتين، الأولى قوله سبحانه:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
( سورة النور الآية: 55)
وهو شيء تحقق في عهد سيدنا عمر، قال:
((أين سراقة ؟ ائتوني به، فجاء سراقة، أين تاج كسرى؟ ضعوه على رأسه، ألبسوه سوارَيْه، قال عمر: بخٍ بخٍ ، أّعرابيٌ من بني مدلج، على رأسه تاج كسرى))
‍‍‍ أمّا الآية الثانية فهي قوله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم الآية: 59)
وقعوا في خطيئتين هما: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾
( سورة مريم الآية: 59)
فقال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم: نحن يا رسول الله نؤدِّي عنك ما تريد، فابعثنا حيث شئت .
-أيها الأخوة، لسيدنا سعد موقف، لو لم يكن له إلاّ هذا الموقف لكفاه لدخول الجنة، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَ:
((فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْـهُ, ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ, فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا, وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/06.jpg
هذا النصر، إذا نصرت رسول الله، أو نصرت نوَّابه من بعده فقد نصرتَ الحق، فكنْ أنت دعامةً للحق، وجندياً من جنود الحق، ولا تقل كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام:

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾
( سورة المائدة الآية: 24)
انتدَب النّبيُّ عليه الصلاة و السلام ستّةً من أصحابه الكرام، ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم، وكان أحد هؤلاء الستة عبد الله بن حذافة السهمي)) فقد اخْتِيرَ لحمل رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى كِسرى ملك الفرس، على حصان، من المدينة إلى المدائن عاصمة الفرس .
ما المدة التي تستغرقها سفرُه؟ أكثر من شهر، وحده في الصحراء، فيها وحوش، وفيها قطَّاع طرُق، وفيها أخطار مجهولة .
جهَّز عبد الله بن حذافة راحلته، وودَّع صاحبته وولده، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد ، وتحطه الوهاد، وحيداً، فريداً، ليس معه إلا الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/07.jpg
أحيانًا العوام يقولون كلمات: الله معك، إنها كلمة عظيمة، ودلالتها بعيدة، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله يحرسك, ويحفظك، ويرعاك، ويوفِّقك، وينصرك، ويؤيِّدك فلا بأسَ عليك, صدق القائل:
وإذا العنايةُ لاحظتًك جفوّنها نم فالمخاوف كلُّهن أمان
إذا بلغت هذه المرتبة، أن يكون الله معك، وأن تشعر أنَّك في حمايته، وفي رعايته، وحفظه، فأنت في مرضاته، وأنت في خدمة عباده، وأنت جنديٌ من جنود الحق، فإذا بلغت هذه المرتبة، وهو المؤنس في كلِّ وحشة فقد سمَوْتَ عاليًا .
ما مضمون الكتاب الذي أرسله النبي إلى كسرى وما موقف كسرى منه وهل استجاب الله دعوة نبيه بتمزيق ملك كسرى ؟
أيها الأخوة, بلغ ديار فارس، فاستأذن بالدخول على ملكها، وأخطرَ الحاشية بالرسالة التي يحملها له، عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزُيِّن، ودعَا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا، ثم أذِنَ لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه .
هناك في قصور في العالم، قصور في باريس، في لندن، في واشنطن، أبهاء، رخام، زينة، إضاءة، لوحات، مداخل، ثم يدخل هذه القصور أعرابي عليه رداءه وعمامته، إنها قضية ليست بالسهلة، بل هي مِنَ الصعوبة بمكان .
دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس، مشتملاً شملته الرقيقة، مرتدياً عباءته الصفيقة ، عليه بساطة الأعراب، لكنه كان عاليَ الهمَّة، مشدود القامة، تتأجج بين جوانحه عزَّةُ الإسلام، وتتوقَّد في فؤاده كبرياءُ الإيمان, فما إن رآه كسرى مقبلاً، حتى أومأ إلى أحدِ رجاله أن يأخذ الكتاب من يده، فقال: ((لا ، إنما أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أدفعه إليك يداً بيد، وأنا لا أخالف أمر رسول الله، فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده، ثم دعا كسرى كاتباً عربياً مِن أهل الحيرة، وأمَرَه أن يفضَّ الكتاب بين يديه، وأن يقرأه عليه، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمدٍ رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس: -ماذا تفهمون من قوله عظيم فارس؟ إنّه حكم شرعي, فإذا كان لأحدٍ رتبة معينة، وله لقب معيَّن، فإذا خاطبته بهذا اللقب فلست آثماً، يا ترى هل كسرى عظيمٌ في مقياس الإيمان؟ وهل الذي يعبد النار عظيم, والذي يقهر الناس عظيم؟ لا والله، ليس عظيماً، لكن هذا لقب، ومن الحكمة أن تخاطب الناس بألقابهم، هذا له اسم، هذا دكتور، هذا أستاذ، هذا مقدَّم، فإذا خاطبت الناس بمراتبهم، فليس في الخطاب غضاضة، والمؤمن لبق حصيف حكيم- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/08.jpg
فقال عليه الصلاة والسلام في الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمدٍ رسول الله، إلى كسرى عظيم الفرس، سلامٌ على من اتّبع الهدى، -ولم يقل له : سلامٌ عليك، سلامٌ على من اتبع الهدى، أي إن اتبعتَ الهدى فسلامٌ عليك، وإن لم تتبع الهدى، فالسلام ليس عليك- أسلِم تسلَم، فإن أبيت، فإنما عليك إثمُ الأرِيسيِّين، -أي هؤلاء الذي يتبعونك، إن لم تسلم، فهم في رقبتك، وعليك إثمهم- فما إن سمع كسرى من هذه الرسالة هذا المقدار، حتى اشتعلت نار الغضب في صدره، فاحمر وجهه، وانتفخت أوداجه، -لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، بدأ بنفسه، وبدأه بقوله: من محمدٍ رسول الله إلى كسرى، فكان تفكير كسرى تفكيرًا شكليًّا، ولم يقرأ المضمون، ولم يهتمَّ له، فغضِبَ للشكل- .
فجلب الرسالة من يد كاتبه، وجعل يمزِّقها دون أن يعلم ما فيها، وهو يصيح: أيُكتبُ لي بهذا، وهو عبدي؟ -لأنه من أتباعه، ولأن باذان عامله على اليمن، تابع لكسرى، والمناذرة وعاصمتهم الحيرة يتبعون كسرى- ثم أمر بعبد الله بن حذافة، أن يُخًرَج من مجلسه، فخرج .
خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى، وهو لا يدري ماذا يفعل؟ أيُقتَل أم يترك حراً طليقاً، لكنه ما لبث أن قال: واللهِ ما أُبالي على أيَّةِ حالٍ أكون بعد أن أدّيتُ كتاب رسول الله, وركب راحلته وانطلق، ولما سكت عن كسرى الغضب، أمر بأن يُدخل عليه عبد الله فلم يجدوه، فالتمسوه، فلم يقفوا له على أثر، فطلبوه في الطريق إلى الجزيرة، فوجدوه قد سبق، فلما قدم عبد الله على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أخبره بما كان من أمر كسرى، وتمزيقه الكتاب، فما زاد عليه الصلاة والسلام، على أن قال:

((مزَّق الله ملكه))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/09.jpg
وفي قصةٍ أخرى، ثار عليه ابنه فقتله، ومزِّق ملكه شرَّ ممزَّق، ولقد أعجبني من كاتب معاصر لفتةٌ حيث قال: وأيُّ إنسانٍ يريد أن يعيد مجد ملوك فارس، يمزِّق الله ملكه، والذي كان في فارس ، وكان اسمه ملك الملوك، ألم يمزِّق الله ملكه؟ كل من يريد أن يعيد مجد فارس، يمزِّق الله ملكه، هذه دعوة النبي .
وقد مُزِّق ملكه، وأيُّ ملكٍ يدعو النبي على ملكه سيمزّق، والإنسان يتجنَّب دعوة الصالحين، طبعاً دعوة الأنبياء، إذا دعا نبيٍ على إنسان فقد هلك، ودعوة الصالحين أيضاً مخيفة، فإذا دعا عليك إنسان صالح أردت أن تؤذيه، فأَعِدَّ لهذا العُدَّة، لأنَّك تحارب الله ورسوله . كيف أسلم باذان نائب كسرى في اليمن إليكم بيان ذلك ؟
أما كسرى فقد كتب إلى باذان نائبه على اليمن: ((أن ابعث إلى هذا الرجل، الذي ظهر بالحجاز، رجلين جَلْدين من عندك، ومُرهما أن يأتياني به .
فبعث باذان رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وحمَّلهما رسالةً له، يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كِسرى، دون إبطاء، وطلب إلى الرجلين أن يقفا على خبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن يستقصيا أمره، وأن يأتياه بما يقفان عليه من معلومات .
فخرج الرجلان يُغِذَّان السير، حتى بلغا الطائف، فوجدا رجالاً من تجَّار قريش، فسألاهم عن محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، فقالوا: هو في يثرب، ثم مضى التجَّار إلى مكة، فرحين مستبشرين، وجعلوا يهنِّئون قريشاً، أنْ قَرّوا عيناً، فإنّ كسرى تصدَّى لمحمَّد، وكفاكم شرَّه .
-الكفار دائماً يتفاءلون بأحلامٍ مضحكة، فمنهم مَن يحلم بأن الله عزَّ وجلَّ أنه سينهي هذا الدين، ويبيد أهله، فالآن يقول لك: لن تقوم للإسلام قائمةٌ بعد اليوم، وما علِم أنّ الإسلام شامخٌ كالطود، ولن تقوم في المستقبل قائمةٌ لأعدائه، وهذه هي الحقيقة- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/10.jpg
أما الرجلان، فَيَمَّمَا وجهيهما شطر المدينة، حتى إذا بلغاها لقيا النبي عليه الصلاة والسلام، ودفعا إليه رسالة باذان، وقالا له: إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا باذان، أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه، فإن أجبتنا، كلَّمنا كسرى بما ينفعك، ويكفُّ أذاه عنك، وإن أبيت، فهو مَن قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك، وإهلاك قومك، لم يغضب النبي، بل تبسَّم عليه الصلاة والسلام، وقال لهما: ارجعا إلى رحالكما اليوم، وائتيا غداً .
فلما غدوا على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم التالي، قالا له: هل أعددتَ نفسك للمُضِيِّ معنا إلى لقاء كسرى؟ فقال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: لن تلقيا كسرى بعد اليوم، فلقد قتله الله ، حيث سلَّط عليه ابنه شيرويه في ليلة كذا من شهر كذا وقتَله, إنه خبرُ الوحي, فحدَّقا في وجه النبي، وبدت الدهشة على وجهيهما، وقالا: أتدري ما تقول! أنكتب بذلك لباذان؟ قال: نعم، وقولا له: إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى، وإنَّك إن أسلمتَ، أعطيتكَ ما تحت يديك، وملَّكتكَ على قومك .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/11.jpg
خرج الرجلان من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقدما على باذان، وأخبراه الخبر، فقال لهما: لئن كان ما قال محمّدٌ حقاً فهو نبيّ, -لم يكن وقتها أقمار صناعية، أو محطات بث مباشر، أو محطات وكالات أنباء عالمية، الخبر ينتقل خلال دقائق في العالم، لم يكن لها وجود، الخبر حتى ينتقل يحتاج لأشهر- .
فلم يلبث أن قدم على باذان كتابٌ من شيرويه، وفيه يقول: أما بعد فقد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا انتقاماً لقومنا، فقد استحلَّ قتلَ أشرافهم، وسبيَ نسائهم، وانتهابَ أموالهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن عندك .
فما إن قرأ باذان كتاب شيرويه، حتى طرحه جانباً، وأعلن دخوله في الإسلام، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن, قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾
( سورة الطارق الآية: 15-16)
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 46)
ما هي المهمة التي كلف عمر بن الخطاب بها عبد الله وما هي قصة قول عمر حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله ؟
أيها الأخوة, لقد كان لقاؤه لقيصر عظيم الروم، في خلافة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وكانت له معه قصَّة، من روائع القصص .
ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة، بعث عمر بن الخطاب جيشاً لحرب الروم، فيهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان قيصر عظيم الروم قد تناهت إليه أخبار جند المسلمين، وما يتحلَّون به من صدق الإيمان، ورسوخ العقيدة، واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله، فأمَرَ رجاله إن ظفروا بأسيرٍ من أسرى المسلمين أن يبقوا عليه، وأن يأتوه به حياً، وشاء الله أن يقع عبد الله بن حذافة السهمي أسيراً في أيدي الروم، فحملوه إلى مليكهم, وقالوا:
((إنَّ هذا من أصحاب محمد السابقين إلى دينه، قد وقع أسيراً في أيدينا، فأتيناك به .
نظر ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة طويلاً، ثم بادره قائلاً: إني أعرض عليك أمراً ، قال: وما هو؟ قال: أعرض عليك أن تتنصَّر، فإنْ فعلتَ خلَّيت سبيلك، وأكرمت مثواك، فقال الأسير في أنفةٍ وحزم: هيهات, إن الموت لأحبُّ إليَّ ألف مرة ممّا تدعوني إليه .
قال قيصر: إني لأراك رجلاً شهماً، فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك، أشركتك في أمري، وقاسمتك سلطاني .))

-فخلاصة قضية قيصر أنّ سمعةَ أصحاب رسول الله ملأت الآفاق، أشخاص أشدَّاء، أقوياء، متعففون، إيمانهم قوي، الدنيا عندهم صغيرة، فلهم سمعة كبيرة، وهو أراد أن يرى من هم هؤلاء؟ فأخذَ يعرض عليه كلَّ إغراءٍ- .
فتبسَّم الأسير المكبَّل بقيوده، وقال: واللهِ لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمدٍ طرفة عينٍ ما فعلت .
-هذا هو الإيمان، الآن من أجل أن يظل رئيس دائرة يبيع دينه، ويترك الصلاة كلها، لا أريد أن يعرفوا عني شيئًا، إذا وضعوه رئيس دائرة مثلاً، لأتفه المكاسب يتخلَّى عن دينه- قال : إذًا: أقتلك, قال: أنت وما تريد, ثم أمر به فصُلِب، وقال لقنَّاصته بالرومية: ((ارموه قريباً من يديه، وهو يعرض عليه التنصُّر فأبى, قال: ارموه قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه التنصُّر فأبى .
عند ذلك أمرهم أن يكفّوا عنه، وطلب إليهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب، ثم دعا بقدرٍ عظيمة، فصُبَّ فيها الزيت، ورُفعت عن النار حتى غلت، ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين، فأمر بأحدهما أن يُلقى فيها فأُلقي، فإذا لحمه يتفتت، وإن عظامه لتبدو عارية بعد إلقاه، ثم التفت إلى عبد الله، ودعاه إلى النصرانية، فكان أشدَّ إباءً من قبل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/12.jpg
فلما يئس منه، أمر به أن يُلقى في القدر التي أُلقي فيها صاحباه، فلما ذُهِب به دمعت عيناه، فقال رجال قيصر لملكهم: يا سيِّدي إنه قد بكى، فظَنَّ أنه قد جزع، فقال: ردّوه إلي, فلما مثُل بين يديه، عرض عليه النصرانية فأباها، قال: ويحك فما الذي أبكاك إذًا, ألم تكن خائفاً؟ قال: واللهِ ما أبكاني إلا أني قلت في نفسي: تُلْقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعرٍ أنفُسٌ، فتُلقى كلُّها في هذه القدر في سبيل الله, فقال الطاغية: هل لك أن تقبِّل رأسي وأُخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وهل تُخلّي عن جميع أُسارى المسلمين؟ فقال الطاغية: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً, قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدوٌ من أعداء الله، أُقبِّل رأسه، فيُخلّي عني وعن أُسارى المسلمين جميعاً، لا ضيرَ في ذلك, ثم دنا منه، وقبَّل رأسه، فأمر ملك الروم، أن يجمعوا له أسارى المسلمين، وأن يدفعوهم إليه، فدُفِعوا له، وانطلق بهم إلى المدينة .
قدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخبره خبره، فسُرَّ به الفاروق أعظم السرور، ولما نظر إلى الأسرى, قال: حقٌ على كل مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك، ثم قام وقبَّل رأسه))

هل يضيع الله أجر من أحسن عملاً ؟
يجب أن تعلموا أيها الأخوة، أن الله سبحانه وتعالى، لا يُضيع أجر من أحسن عملا، اسمعوا هذه الكلمة وصدِّقوها: واللهِ الذي لا إله إلا هو لزوال الكون أهْوَنُ على الله مِن أنْ يضيَّع عمل مؤمن، بل عملك كلُّه محفوظ، تضحيتك، غض بصرك، إنفاق مالك، قيام الليل، صلاة الفجر، دعوتك إلى الله، نصحك لأخوانك، أمرك بالمعروف، نهيك عن المنكر، تحمُّلكَ المشاق، سهرك في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾
( سورة محمد الآية: 35)
أبداً، فإذا آمنت هذا الإيمان تجد نفسك منطلقاً إلى خدمة الخلق، وإلى بذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، فترى أن الأعمال الصالحة مغنمٌ كبيرٌ، وترى أن إنفاق المال مغنم كبير، فالذي يرى أن إنفاق المال مغرمٌ فهو لا يعرف الله، والذي يرى أن الراحة مغنم، وبذل الجهد مغرم، فلا يعرف الله، إلى أن ترى أن عملك الصالح في سبيل الله، وهو الذي يرقى بك، وعندئذٍ يمكن أن تكون من المؤمنين .
يجب أن تعلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2800/13.jpg
أيها الأخوة الأكارم, الإنسان إذا قرأ سير الصالحين، إذا قرأ سير أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، إذا قرأ عن ورعهم، قرأ عن جهادهم، قرأ عن تضحياتهم، قرأ عن حبهم، عن شوقهم إلى الله عزَّ وجل، عن التزامهم، فربنا واحد، فليس لنا عذر إن لم نبذل، والله موجود، وثوابُه يفيض والله عزَّ وجل هو هو، والأعمال الصالحة متاحة لكل إنسان، في أي زمانٍ، وفي أي مكان .
إذا جئت في أيِّ عصر، فمِنَ الممكن أن تطلب العلم، وأنْ تنفق مالك، وأنْ تعلِّم، وأنْ تلتزم التزامًا قويًّا، فيجب أن نعلم علم اليقين، أن أبواب الجنة مفتحةٌ في كل عصر، وفرص البطولة متاحةٌ لكل مؤمن، والله سبحانه وتعالى هو هو، في أي زمانٍ وفي أي مكان، لكن أعظم شيء أن يعملَ الإنسان عملاً خالصًا لله وحده .

السعيد 08-22-2018 08:15 AM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : سيدنا زيد الخير






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
هل ينفع مع الإخلاص لله العمل القليل وهل ينفع مع عدم الإخلاص العمل الكثير ؟
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابيُّ اليوم اسمه الذي سماه به أهله زيد الخيل http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/01.jpg
فلما سأله النبيّ صلى الله عليه وسلم عن اسمه، قال: أنا زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، فسميّ بعد ذلك بهذا الاسم، (زيد الخير)اخترتُ لكم هذه القصة، كي تستنبطوا منها في نهاية المطاف العبرة، فعن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني، قال:

((أخلص دينك يكفك القليل من العمل))
[أخرجه الحاكم في المستدرك عن معاذ بن جبل]
فمع الإخلاص لله عزَّ وجل ينفعُ كثيرُ العمل وقليله، ومن دون إخلاصٍ لا ينفع لا كثيرُ العمل ولا قليلُه، قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 23)
قال بعض المفسرين: العمل الذي لا إخلاص فيه، لا خير فيه، ومردود على صاحبه .
أيها الأخوة الأكارم, تقْدُمون إلى المسجد، وتغادِرون المسجد، وتصلون الصلوات الخمس، فرقٌ كبيرٌ جداً، بين من هو مخلصٌ لله عزوجل، وهو يرقى، وبين من يرائي الناسَ بصلاته، ودروسه، وسائِرِ عباداته .
بماذا لقب زيد الخير في الجاهلية؟ واليكم قصته مع ذلك الشيخ الذي يبحث عن الطعام لأهل بيته :

أيها الأخوة, لكن هذا الصحابيّ الجليل، له في الجاهلية اسمٌ كبير، وكان علَماً من أعلام الجاهلية، وقصته تؤكِّد لكم ثانيةً صحة قول النبيّ عليه الصلاة والسلام في حديثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة]
الناسُ معادن، فزيد الخير، أو زيد الخيل، كما كان اسمه سابقاً، يدعُوه الناس في جاهليته زيد الخيل، فقد حكى الشيبانيّ، وهذه القصة منتزعة من كتب الأدب، كيف كانت حياة هذا الإنسان قبل أن يُسلم؟ عن شيخٍ من بني عامر، قال:
((أصابتنا سنةٌ مجدبةٌ، هلك فيها الزرع والضرع .))
-العرب في الجاهلية، مَن هم؟ لا شيء، لقد كانوا فقراء، وعاشوا في الصحراء، كانوا يقتاتون على ما يغنمون في الغزو، وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب، فكان يغزو بعضُهم بعضاً، فسمىَّ الله حياتَهم هذه جاهلية، لأن أساسها الجهل- .
قال: فأصابتنا سنةٌ مجدبةٌ، هلك فيها الزرع والضرع، فخرج رجلٌ منا بعياله إلى الحيرة، وتركهم فيهـا, وقـال لهـم: انتظِروني هنا حتى أعود إليكم، ثم أقسم ألا يرجع إليهم، إلا إذا كسب لهم مالاً أو يموت .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/02.jpg
-نحن، والحمد لله لم نذق الفقر الذي لا يحتمل، ألا تجد شيئاً تأكله؟ كلُّنا يجد، أمّا أن ترى أهلك وأولادك يتضوَّرون جوعاً، ولا تملك درهماً تشتري لهم به طعامًا فهذه مصيبة الدهر، وقاصمة الظهر، فقد أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ))
هذا كلامٌ بليغ، ومن بليغ الكلام أيضًا ما ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه حيث قال: (( قِوام الديـن والدنيا أربعة رجال، عالمٌ مستعملٌ علمه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم، وغنيٌ لا يبخل بماله، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه, فإذا ضيَّع العالم علمه، استنكف الجاهلُ أنْ يتعلَّم))
إذا رأيت الناس مُعرضين عن الدين، فهل تعلم مَن السبب؟ إنهم الدعاة إلى الله، إن قصَّروا، أو دعوا إلى شيء ولم يطبِّقوه، فهذا تضييع العالم لعلمه، وقد ذكرتُ لكم مرةً أن أبا حنيفة النعمان كان يمشي في الطريق، فرأى غلاماً صغيراً، وأمامه حفرة، فأراد أن ينصحه، فقال: ((يا غلام إياك أن تسقط، كان الغلام على درجةٍ من الذكاء والفطنة, أجابه الغلام: بل أنت يا إمام، إياك أن تسقط، أنا إن سقطتُ، سقطتُ وحدي، وأنتَ إن سقطتَ سقط العالَمُ معك))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/03.jpg
لذلك قالوا:
((الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن، لكـن في الأغنيـاء أحسن، والعـدل حسن، لكـن في الأُمراءِ أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والصبر حسن، لكن عند الفقراء أحسن، والتوبة أمر حسن، لكن في الشباب أحسن))
أجملُ شيءٍ شابٌ تائب، وأجملُ شيءٍ عالمٌ ورع، وحاكمٌ عدل، وغنيٌ سخي، وفقيرٌ صابر، وامرأةٌ صاحبة حياء، وهكذا، فإذا ضيَّع العالمُ علمَه، استنكف الجاهلُ أن يتعلم، لذلك نحن نخشى على الدين لا من أعدائه، فإنّ أعداءه مكشُوفون، ولكن نخشى عليه من أدعيائه، لأن الناس يغترُّون بهم، ويظنونهم على حق، وهم على باطل، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ابن عمر، دينك دينك، إنه لحمُك ودمُك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/04.jpg
فهذا الرجل الذي ذكره الشيباني، والذي أقسم بالله ألاّ يعود إلى أهله إلا برزقٍ أو يموت جوعاً، فإذا أكرم اللهُ الإنسان بأن يسّر حاجته، كلما شكا ليّ أحدٌ أنّ دخله وسط، أقول له: واللهِ إنّ الله يحبك، لأن دعوة النبيّ أصابتك، النبيُّ عليه الصلاة والسلام, قال:
((اللهم من أحبني، فاجعل رزقه كفافاً))
الإنسان إن كان رزقه يكفي حاجاته، وهو متفرغ لمعرفة الله، فهذا هو الملك، مرة سأل ملِكٌ وزيرَه, فقال: مَنِ الملك؟ فتحرّج الوزير، ما هذا السؤال؟ ملِك يسأله: مَنِ الملك؟ فما فهم الوزيرُ مقصدَ الملك، ثم قال له: أنت الِملك، قال له: لا، يا أخي، الِملك رجلٌ لا يعرِفُنا، ولا نعرِفه ، رزَقَه اللهُ زوجةً ترضيه، وبيتاً يُؤويه، لأنه إنْ عَرَفَنا جَهِدَ في الخضوع لنا، وإنْ عرفْناه جَهِدْنا في إذلاله، فلا يعرفنا ولا نعرفه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/05.jpg
فإذا كان عقلُ الإنسان كبيرًا، فإنّه يبتعد عن الأضواء، ويبتعد عن الأماكن التي فيها محاسبة شديدة، أحياناً الإنسان يستخدم الكلمة ولا يفقه معناها، يقول لك: فلان مسؤول كبير، ومعناها اللغوي، أنه مسؤول مسؤوليةً كبيرة، وسَيُسْأَل عنها- .
فهذا الشيخ بلغ من الفقر حداً لا يُحتمل، تزوّدَ زاداً، ومشى يومه كله، حتى إذا أقبل الليل وجد أمامه خِباءً، وبالقرب من الخِباء مُهرٌ مُقيدٌ، يعني فرسًا أصيلة، فقال: هذا أول الغنيمة، وتوجه إليه، وجعل يحُلُّ قيده، فما إن همَّ بِركوبه, حتى سمع صوتاً يناديه: خلِّ عنه، واغنمْ نفسك ، فتركه ومضى، فما نجحتْ معه المغامرة، ثم مشى سبعة أيام، حتى إذا بلغ مكاناً فيه مراحٌ للإبل ، وبجانبه خِباءٌ عظيم، فيه قبةٌ من أدمٍ، تشير إلى الثراء والنعمة .
فقال هذا الرجل الشيخ في نفسه: لا بدَّ لهذا المراح مِن إبل، ولا بد لهذا الخِباء من أهل، ثم نظر في الخِباء، وكانت الشمس تدنو من المغيب، فوجد شيخاً فانياً في وسطه، فجلس خلفه، وهو لا يشعر به، وما هو إلا قليل حتى غابت الشمس، وأقبل فارِسٌ لم يُرَ قطُّ فارس أعظم منه، ولا أجسم منه، قد امتطى صهوةً، وحوله عبدان يمشيان عن يمينه وشماله، ومعه نحو مئةٍ من الإبل، أمامها فحلٌ كبير، فبرك الفحلُ، فبركت حوله النُوقُ .
وهنا قال الفارِس لأحد عبديه: احلبْ هذه، وأشار إلى ناقةٍ سمينة، واسقِ الشيخ، فحلب منها حتى ملأ الإناء، ووضعه بين يدي الشيخ، وتنحىَّ عنه، فجرع الشيخ منه جُرعةً أو جُرعتين، وتركه، قال الرجل: فدببت نحوه متخفياً، وأخذت الإناء وشربتُ كلَّ ما فيه، فرجع العبد، وأخذ الإناء، وقال: يا مولاي, لقد شربه كله، -يعني والده- فقال الفارس: احلب هذه، وأشار إلى ناقةٍ أخرى، ووضع الإناء بين يدي الشيخ، ففعل العبد ما أمر به، فجرع منه الشيخ جرعةً واحدة وتركه .
قال الرجل: فأخذته وشربت نصفه، وكرهت أن آتي عليه كلِّه، حتى لا أثير الشكَّ في نفس الفارس، ثم أمر الفارسُ عبدَه الثاني، بأن يذبح شاةً، فذبحها، فقام إليها الفارس، وشوى للشيخ منها، وأطعمه بيديه، حتى إذا شبع، جعل يأكل هو وعبداه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/06.jpg
وما هو إلا قليلٌ حتى أخذ الجميعُ مضاجعَهم، وناموا نوماً عميقاً له غطيط، ومعروف الغطيط، عند ذلك توجَّهتُ إلى الفحل، والفحلُ إذا تحرّك تحرّكتْ معه النوقُ كلها، فحللتُ عقاله، وركبتُه فاندفع، وتبعته الإبل، ومشيتُ ليلتي، فلما أسفر النهار نظرتُ في كل جهةٍ فلم أرَ أحداً يتبعني، فاندفعت في السير، حتى تعالى النهار، ثم التفتُ التفاتةً، فإذا أنا بشيءٍ كأنه نسرٌ أو طائر كبير، ما زال يدنو مني حتى تبيَّنتُه، فإذا هو فارسٌ على فرس، ثم ما زال يقبل عليَّ حتى عرفت أنه صاحبي جاء ينشد إبله، عند ذلك عقلتُ الفحل، وأخرجتُ سهماً من كنانتي، ووضعتُه على قوسي، وجعلتُ الإبلَ خلفي، فوقف الفارس بعيداً، وقال لي: احْلُلْ عقالَ الفحل، فقلت: كلا، لقد تركت ورائي نسوةً جائِعات بالحيرة، وأقسمتُ ألاّ أرجع إليهن إلاّ ومعي مالٌ أو أموت، قال: إنك ميِّت، احْلُلْ عقال الفحل، لا أبا لك، فقلت: لن أحلَّه، فقال: ويحك إنك لمغرور، ثم قال: دلِّ زمام الفحل، أي أَرْخِ زمام الناقة، وكان فيه ثلاث عقد، ثم سألني في أية عقدةٍ منها تحبُّ أن أضع لك السهم- وفي الحديث عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ, يَقُولُ:
((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح عن عقبة بن عامر]
قال له: فأشرت إلى الوسطى، فرمى السهم فأدخله فيها, حتى لكأنما وضعه بيده، أي إنه رامٍ من الطراز الأول، ثم أصاب الثانية والثالثة، عند ذلك عرفتُ قوته، فأعدتُ سهمي إلى الكنانة ، ووقفتُ مستسلماً، فدنا مني، وأخذ سيفي وقوسي، وقال: اركَبْ خلفي، فركبت خلفه، فقال: كيف تظن أني فاعلٌ بك؟ قلت: أسوأ الظن، قال: ولِمَ؟ قلت: لما فعلته بك، وما أنزلتُ بك من عناءٍ، وقد أظفرك الله بي، فقال: أو تظن أني أفعل بك سوءًا، وقد شاركتَ مُهلْهِلاً في شرابه وطعامه، ونادمته تلك الليلة، فلما سمعت اسم المهلهل، قلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، قلت: كن خير آسر ، قال: لا بأس عليك، ومضى بي إلى موضعه، وقال: واللهِ لو كانت هذه الإبل لي لسلَّمتها إِليك، ولكنها لأُختٍ من أخواتي، فأقِمْ عندنا أياماً، فإني على وشك غارةٍ، قد أغنم منها، -هكذا كان العرب في الجاهلية يعيشون- .
((وما هي إلا أيامٌ ثلاثة حتى أغار على بني نمير، فغنم قريباً من مئة ناقة، فأعطاني إياها كلَّها، وبعث معي رجالاً من عنده يحمونني، حتى وصلت الحيرة))
هذه قصَّته في الجاهلية، فارس من أكابر فرسان العرب، ذو مروءة، شهم، شجاع، رامٍ ممتاز، هذا لا يعنينا، لكن ذكرتُ هذه القصة تمهيداً للقصة الثانية، تلك كانت صورة زيد الخيل في الجاهلية . لماذا جمع زيد الخير السادة من قومه لزيارة يثرب؟ وماذا صنع النبي حينما رأى هذا الجمع ؟
فقد كتب كتَّاب السيرة, يقولون: ((لمَّا بلغت أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، سمع زيد الخيل، ووقف على شيءٍ مما يدعو إليه .))
-فالإنسان أيها الأخوة، إذا بلغه الحق، ولم يستجب له، يعدُّ أحمقَ، لأن هذه الفرصة ربما لا تتكرر، فإذا دُعيتَ إلى الحق فاستجِبْ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:24)
الإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت، قال تعالى:﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
( سورة النحل الآية: 21)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/07.jpg
أما إذا عرف الله عزَّ وجل، فقد أصبح حياً، مثل المؤمن وغير المؤمن كمثل الحيِّ والميِّت .
سأسألكم سؤالاً: لو أن أحداً فتح صندوقَ بريده، فإذا فيه رسالة، فهل مِنَ الممكن أنْ يمزِّقها قبل أن يقرأها؟ هل تجدون في الأرض كلِّها إنساناً واحداً يتلقَّى رسالةً، فيمزُّقها قبل أن يقرأها؟ .
أنا أتعجَّب مِن هذا الذي يرفض الإسلام قبل أن يتعلَّمه، يرفض الدين قبل أن يطَّلع عليه ، يرفض القرآن قبل أن يفهم تفسيره، هذا الذي يرفضُ الدين، أو يرفض القرآن، أو يرفض الإسلام، أو يتَّهم الدين بتُهمٍ ما أنزل الله بها من سلطان، قبل أن يتعلَّم، قبل أن يتمكن، قبل أن يعلم ، قبل أن يقف على حقيقته، هذا إنسان مجنون، يشبه تماماً ذلك الذي مزَّق الرسالة قبل أن يقرأها-
أعدَّ راحلته، ودعا السادة الكبراء من قومه إلى زيارة يثرب .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/08.jpg
-أيها الأخوة، كل واحد له دور اجتماعي، الأب غير الابن، والمعلّم غير الطالب، والمدير العام غير الموظف، ورئيس الدائرة غير الكاتب، والإنسان كلما علا منصبه، أو علت مرتبته، إن أساء يضاعفْ له العذاب، وإن أحسن يضاعفْ له الثواب .
حتى إنني أقول: هناك حِسابٌ خاص لمن كانوا قادة، الأب إذا أخطأ تبعه أولاده، الأم إذا أخطأتْ، فلم تنضبط بشريعة الإسلام تتبعها بناتها، لذلك فحساب القدوة حسابٌ خاص، يؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 30)
سيدنا زيد الخيل، جمع سادة قومه، ودعاهم إلى زيارة يثرب، ولقاء النبيّ عليه الصلاة والسلام، بالمناسبة في القرآن آية كريمة دقيقة جداً ، قال تعالى :
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
( سورة القصص الآية: 50)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/09.jpg
صدقني أيها الأخ الكريم، إذا استقمت على أمر الله استقامةً تامةً، تلتقي مع أهل الحق لقاءً عفوياً، فتُحبهم، وتثق بهم، وتُصدِّق دعوتهم، تعينهم وأنت لا تدري، إنه تطابق عفوي، أما كل مَنْ يُقيم على معصية، يُعادِيهم من زاوية هذه المعصية، فكلما اتسعت دائرة المعاصي، اتسعت معها دائرة بغضاء أهل الحق، فلو أنّ إنسانًا يأكل الرِبا، وجلس مع مؤمن، وتحدَّثا في هذا الموضوع، وآكلُ الربا مُصر على عمله، ويقول: أنت لا تفهم في هذا، وأنت مُتزمِّت، واتّهمه بالجهل، وعدم الفهم، إذًا: من أين جاءت هذه العداوة، وهذا التكذيب، وهذا الإنكار؟ من اقتراف المعصية، فإذا أردتَ أن تتعرف إلى أهل الحق فاستقم على أمر الله، فتلتقي معهم لقاءً عفوياً، وتحبهم من أعماق قلبك، لأن المنافق دائماً يكره المؤمن، وكل إنسان يرتكب المعاصي سراً، ويُظهر الطاعة علانيةً، فهذا إنسان مُنافق، والمنافق دائماً يُبغضُ أهل الإيمان http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/10.jpg
فإذا تغيَّر قلبك، فاعلم أنه لمعصيةٍ وقعت منك، ما تحابَّ اثنان، ثم افترقا، إلا كان أشدهما حباً لصاحبه أقربهما لله عزَّ وجل، الأقل محبة، هو الأكثر معصية، والأكثر محبة هو الأكثر استقامة- .
ركب زيد الخيل، ومعه وفدٌ كبيرٌ من طيِّئ، فيهم زر بن سدوس، ومالك بن جُبير، وعامر بن جوين، وغيرهم، وغيرهم، فلما بلغوا المدينة، توجَّهوا إلى المسجد النبويّ الشريف، وأناخوا ركائبهم ببابه، وصادف عند دخولهم أن كان عليه الصلاة والسلام، يخطبُ المسلمين على المنبر، من فوق المنبر، -يعني جاؤوا وقت خطبة الجمعة، فراعهم كلامه، وأدهشهم تعلُّق المسلمين به .
أقول لكم بصراحة: أنتم في هذه المجموعة إذا كنتم في محبة شديدة، في مؤاثرة، في تضحية، في مسامحة، كلٌ منكم يلتمس لأخيه العذر، كلٌ منكم يحب أن يرقى أخوه، فالحب بين المؤمنين علامة الإيمان, أما البغضاء، والتحاسد، والطعن، والتشكيك، وإيقاع المشكلات بين المؤمنين، فهذا المجتمع لا يرضى الله عنه، ولا يرضيه، ولا قيمة له عند الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/11.jpg
يا أيها الأخوة، نحن أُسرة، أُسرة بكل معنى الكلمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا تَحَاسَدُوا, وَلَا تَنَاجَشُوا, وَلَا تَبَاغَضُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَـةً مِنْ كـُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِـمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة]
فما أبصرهم النبيّ عليه الصلاة والسلام، -لقد كان النبيُّ فطنًا، والأنبياء كلهم فطِنون- ورأى وفدًا يدخل المسجدَ أول مرة، حتى أدار بعض الكلام وخاطبهم به، فقال:
((إني خيرٌ لكم من العُزَّى، ومن كل ما تعبِدون، إني خيرٌ لكم من الجمل الأسود، الذي تعبِدونه من دون الله))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/12.jpg
-فما الجمل الأسود؟ كل عصر فيه شيء ثمين، الآن يقولون لك: ما ثمن الأخضر اليوم ؟ الناس الآن يعبِدون الأخضر من دون الله، أو هذه الخمسمئة, يقول لك: ثمنها اليوم ثمانية ملايين ، هذه يعبُدها الناس من دون الله، الشيء الثمين الغالي، الذي يزهو به الإنسان، هذا شيءٌ يعبده أهل الدنيا من دون الله، ويبدو أن الجمل الأسود، كان أغلى أنواع الجمال- فالنبيّ عليه الصلاة والسلام -تحدّاهم بالشيء الذي تعلقوا به- قال:
((إني خيرٌ لكم من الجمل الأسود، الذي تعبُدونه من دون الله))
وفي زماننا هذا يقول لك قائلٌ: هذه فيلا رائقة، هنيئاً لصاحبها، ثمنها ثلاثون مليونًا، يا أخي مثل الجنة، وإذا كانت مركَبة موديل 2000، هذه كم ( $ )، يقول لك: يا أخي هذه حقًّا سيارة، أقسم بالله رجلٌ قال: يتمنى أن تدوسَه، واللهِ سمعتها بِأُذني، من شدّة تعلقه بها، يتمنى أن تمشي فوقه .
فأنت أيها المؤمن, إنْ كنتَ في جلسة, ودخل شخص فلا تهمله، انتبه له، خاطبه، إن رأيته مثقفاً ثقافةً عاليةً، وأنت داعية، حدِّثه بالعلم، بالعلم يخضع، لا تقصَّ عليه منامًا، ولا كرامة، فإنْ يكنْ بقيَ عنده قليلُ اعتقاد بالدين أذْهبْتَه، فلا يجوز أن تُخاطب المُتعلم بأشياء ربما تُبعده عن الدين، كل إنسان خاطبه بلغةٍ يفهمها، فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو يخطب على المنبر, قال ما قاله للقادمين؛ زيد وصحبه .
مرة وهذا فضل الله عزَّ وجل، كنت أخطبُ فدخل أحد المُصلين، أنا حينما أخطب انتبه للحاضرين، فدخل مُصلٍّ وهو أخٌ كريم، مصاب بمرضٍ عُضال، وأنا أعلم أنه على وشك الموت، صدِّقوني لقد أشفقت عليه إشفاقاً كبيراً، وخصصته بحديثٍ خاص، وذكرتُ وقتها حديثاً شريفاً، حينما زار النبيّ أحد أصحابه وكان مريضاً، وقال: ((يا رسول الله, ادعُ الله أن يرحمني، فقال: يا ربّ ارحمه, فحدثنا النبيّ أن الله عزَّ وجل يقول: كيف أرحمه ممّا هو به أرحمه؟ هذه رحمتي، وعزتي، وجلالي، لا أقبِض عبدي المؤمنَ، وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مُصيبةً في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أُمه))
هذا الحديث يُطيب قلب المرضى، ويجبر قلوبهم، ويطمئنهم أن الله يحبهم، وما فعل معهم ما فعل إلا ليطهِّرهم، واللهِ ما إن أتممتُ هذا الحديث، حتى بكى بكاءً شديداً، بكى حباً لله عزَّ وجل، وبعد يومين توفاه الله عزَّ وجل .
هل أثر كلام النبي في قلب زيد وهل شهد شهادة الحق وما هو موقف زر بن سدوس من النبي وماذا حصل بشأن الآخرين ؟
أيها الأخوة, لقد وقع كلام الرسول عليه الصلاة والسلام في نفس زيد الخيل ومَن معه موقعين مختلفين، بعضهم استجاب للحق، وأقبل عليه، وبعضهم تولَّى عنه، واستكبر عليه، قال تعالى:﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾
(سورة الشورى الآية: 7)
أما زر بن سدوس فما كاد يرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في موقفه الرائع، تحُفُّه القُلوب، وتحوطه العيون، حتى دبَّ الحسدُ في قلبه، وملأ الخوف فؤاده، ثم قال لمن معه: إني لأرى رجلاً ليملِكن رِقابَ العرب، واللهِ لا أجعلُه يملك رقبتي أبداً، ثم توجَّه إلى بلاد الشام، وحلق رأسه وتنصَّر:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
( سورة الإنسان الآية: 3)
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/13.jpg
وأما زيدٌ والآخرون، فقد كان لهم شأنٌ آخر، الآن بدأت القصة، فما إن انتهى النبيّ عليه الصلاة والسلام من خطبته، حتى وقف زيد الخيل بين جُموع المسلمين، وكان من أجمل الرجال، وأتمِّهم خلقةً، وأطولهم قامةً، حتى إنه كان يركب الفرس، فتمَسُّ رجلاه الأرض، كما لو كان راكباً حماراً، وقف بقامته الممشوقة، وأطلق صوته الجهير، وقال:

((يا محمد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فأقبل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: مَن أنت؟ قال: أنا زيد الخيل بن مُهلهل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، لا زيد الخيل، الحمد لله الذي جاء بك من سهلِكَ وجبلك، ورقق قلبك للإسلام))
ثم أسلم مع زيد جميعُ مَن صحِبَه مِن قومه . بماذا شهد رسول الله لزيد في خلقه وبماذا وصفه ؟
فعُرِف بعد ذلك بزيد الخير، يقولون كتاب السيرة:
((ثم مضى به النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى منزله، -والنبي علمنا هذا الأدب، فعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً, وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ, فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ: فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ))
[أخرجه أبو داود في سننه عن ميمون بن شبيب]
فالقادم عليك أول مرة لا بد أنْ تعرفه، وعليك أنْ تدعوَه إلى بيتك، وأنْ تحترمه، وهذه من حكمة المؤمن- .
مضى به النبي عليه الصلاة والسلام إلى منزله، ومعه عمر بن الخطَّاب، ولفيفٌ من الصحابة، فلما بلغوا البيت طرح النبي عليه الصلاة والسلام لزيدٍ متَّكأً .
-أيها الأخوة، أكثر ما أدهشني في هذه القصة هذا الموقف، كم مضى على إسلامه؟ نصف ساعة، أو ربع ساعة، والنبيّ إكراماً له طرح له مُتكأً، وسادة- فعظُم عليه أن يتكئ في حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقال: واللهِ يا رسول الله، ما كنتُ لأتكئ في حضرتك, -هذا هو الأدب، لكنْ متى تعلمه؟ لم يمضِ على إسلامه ربعُ ساعة، المسلم كلُّه أدب .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/14.jpg
أحد العلماء قال لأحد تلاميذه: يا بنيّ نحن إلى أدبك، أحوجُ منا إلى علمك، علامة رُقي الإنسان أدبه- وردّ المُتَّكأ وما زال يُعيده إلى النبيّ، وهو يرُدّه، ولما استقر بهم المجلس، قال عليه الصلاة والسلام لزيد الخير: يا زيد ما وصِف لي رجلٌ قط، ثم رأيته، إلا كان دون ما وصف، إلا أنت .
-يقول لك أحدهم: لقد أقمنا في مكان لا مثيل له، هل لكَ أنْ ترافقنا إليه فنرتع ونسعد؟ يقول لك: فلان قمَّة، تلتقي معه فلا تجد شيئًا مِنَ القمة، فهو أقل دون ما وُصِف بكثير، والإنسان دائماً يبالغ، وهذه طبيعة بشرية، فإذا عاينتَ ما وُصِفَ لك رأيته صغيراً- قال له: يا زيد، إنّ فيك خصلتين، يحبهما الله ورسوله، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2813/15.jpg
-هذه صفاتٌ يحبها الله، أمّا هذا الطائش، والعجول، والغليظ، والمتكبِّر، فلا يرتاح إليه الناسُ ، بل مَن كان فيه أناة وحلم فهو المقبول عندهم- فقال زيد الخير وكله أدب: الحمد لله الـذي جعلنـي على ما يُحب الله ورسولـه، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، أعطني ثلاثمئة فارس، وأنا كفيلٌ لك، بأن أُغير بهم على بلاد الروم، وأنال منهم, فأكبر النبيّ عليه الصلاة والسلام، همته هذه، وقال له: لله درُك يا زيد، أيّ رجُلٍ أنت؟! .
-شيء عظيم جدا، أن يحبك رسول الله، وأن يُعجب بك، ولمّا همّ زيدٌ بالرجوع إلى بلاده في نجد ودَّعه النبيّ عليه الصلاة والسلام- وقال بعد أن ودَّعه: أيّ رجُلٍ هذا؟ كم سيكون له من الشأن، لو سلم من وباء المدينة؟))
هل أصاب زيد الخير من المرض الذي كان منتشر في المدينة وأين جاءته المنية وماذا كان همه ؟
أيها الأخوة, كان في المدينة أوبئة، وكانت المدينة المُنورة موبوءةً بالحمى، فما إن برحها زيد الخير حتى أصابته، فقال لمن معه: جنِّبوني بلاد قيس، فقد كانت بيننا وبينهم حماقاتٌ من حماقات الجاهلية، ولا واللهِ لا أُقاتل مسلماً حتى ألقى الله عزوجل، وتابع زيد الخير سيره نحو ديار أهله في نجد، على الرغم من أن وطأة الحمَّى كانت تشتد عليه ساعةً بعد أُخرى، فقد كان يتمنَّى أن يلقى قومه، وأن يكتب اللهُ لهم الإسلامَ على يديه، وطفِق يسابق المنية، والمنية تُسابقه، لكنها ما لبِثت أن سبقته، فلفَظَ أنفاسه الأخيرة في بعض الطريق، ولم يكن بين إسلامه وموته مُتسعٌ.
عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني ، قال:
((أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ))
[أخرجه الحاكم في المستدرك عن معاذ بن جبل]
هذا سيدنا زيد، لقد كان مُخلصًا، وما عاش بعد إسلامه طويلاً، قد مات في الطريق إلى أهله، فالإنسان عليه أن يُخلص، والمُخلٍص في أعلى مقام عند الله عزَّ وجل، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون مُخلصين، وأن يبعدنا عن الرياء والنفاق .

السعيد 08-22-2018 08:17 AM

رد: سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابة رضوان الله عليهم

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : سيدنا سلمة بن قيس الاشجعى





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
من هو القائد الذي اختاره سيدنا عمر لفتح الأهواز ؟
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الأربعين من دروس سير صحابة رسول الله صلى الله علية وسلم، ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا سلمةُ بن قيسٍ الأشجعي .
سيدنا الفاروق، عمر رضي الله عنه، الخليفة الراشد الذي قال عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فهذا الصحابي الجليل عملاق الإسلام، قضى ليلةً من الليالي سهران، يعسُّ في أحياء المدينة، يتجوَّل، لينام الناس ملء جفونهم آمنين مطمئنين، وكان خلال تطوافه بين الدور والأسواق يستعرض في ذهنه الأمجاد، الأمجاد من صحابة رسول الله، ليعقد لواحدٍ منهم الراية على الجيش الذاهب لفتح الأهواز .
الأهواز الآن تقع في غرب إيران، هذه بلادٌ شاسعة، لكنها جبلية وعرة المسالك، أزمع سيدنا عمر رضوان الله تعالى عليه أن يفتح هذه البلاد، وجهَّز الجيش، وبقي عليه أن يختار له القائد .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/01.jpg
ويا أيها الأخوة, من أسباب نجاح أي قائدٍ حُسْنُ اختياره لقوَّاده، ولأعوانه، لأن البطانة إذا كانت صالحة صلح القائد، ومن الأدعية المأثورة، دعاءٌ بصلاح البطانة:

((اللَّهم هيّئ له بطانة خير، تأمره بالخير, وتدلُّه عليه))
فسيدنا عمر رضي الله عنه كان حريصاً حرصاً بالغاً، على أن يختار قوَّاد الجيوش وولاة الأمصار من بين الأبطال الورعين، الأكْفاء، المستقيمين، المخلصين .
وأنت أيها الإنسان، لو عيَّنوك مدير مدرسة، فبطولتك في حسن اختيار المعلمين، إن أحسنتَ اختيارهم، وكانوا مخلصين، أكْفاء، انطلقتْ هذه المدرسة، في أي مجال، وفي أي عمل، في أعمال الحروب، في أعمال العلوم، في أعمال التجارات، في أي مجال، لن تفلح إلا إذا كان حولك أعوانٌ يجمعون بين الكفاءة والإخلاص .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/02.jpg
ومن عادة سيدنا عمر، رضي الله عنه أنه إذا عيَّن والياً يكتب له هذا الكتاب:
((خذ عهدك، وانصرف إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سنتك, وأنك تصير إلى أربع خلال؛ إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك، وَسَلَّمَتكَ مِنْ مَعَرَّتِنَا أَمانَتُكْ، وإن وجدناك خائناً قوياً، اسْتَهَنَّا بقوَّتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنَّا أدبك، وإن جمعتَ الجُرمين، جمعنا عليك المضرَّتين، وإن وجدناك أميناً قوياً، زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك))
استنبط هذا الخليفة الراشد، هذين المقياسين، الإخلاص والكفاءة، بالتعبير الحديث، أو الأمانة والقوة، بالتعبير القديم، من قول الله عزَّ وجل: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
( سورة القصص الآية: 26)
سيدنا عمر من أسباب نجاحه في الخلافة، أنّه كان يختار ولاة الأمصار، وقوَّاد الجيوش من القمم، فلذلك قال:
((أريدُّ رجلاً، إن كان أميراً، بدا وكأنه واحدٌ من أصحابه, وإن كان واحداً من أصحابه بدا وكأنه أمير))
لشدة حرصه وغيرته على مصالح المسلمين .
فالآن سيدنا عمر يريد أن يعيِّن قائداً لجيشٍ يذهب لفتح بلاد الأهواز، ثم ما لبثَّ، أن هتف قائلاً: ((ظفرتُ به، نعم ظفرتُ به إن شاء الله, ولما طلع عليه الصباح، دعا هذا الخليفة العظيم، سيدنا سلمة بن قيسٍ الأشجعي، وقال له: إني وليتك على الجيش المتوجه إلى الأهواز، فَسِرْ بسم الله ))
ما هي الوصية التي أوصى عمر بها هذا القائد ؟
أيها الأخوة، دققوا في الوصية التي تكتب بماء الذهب، والتي أوصى بها عمرُ هذا القائدَ العظيم، قال له :
((إني وليتك على الجيش المتوجه إلى الأهواز، فسِرْ بسم الله، وقاتلْ في سبيل الله مَن كفر بالله، وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا، فإمّا أن يختاروا البقاء في ديارهم، ولا يشتركوا معكم في حرب غيرهم، فليس عليهم إلا الزكاة، وليس لهم في الفيء نصيب، وإمّا أن يختاروا أن يقاتلوا معكم، فلهم مثل الذي لكم، وعليهم مثلُّ الذي عليكم, فإن أبوا الإسلام، فادعوهم إلى إعطاء الجزية، ودعوهم وشأنهم، واحموهم من عدوهم، ولا تكلِّفوهم فوق ما يطيقون، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن اللهَ ناصرُكم عليهم, وإذا تحصَّنوا بحصنٍ، ثم طلبوا منكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله، فلا تقبلوا منهم ذلك، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله، وإذا طلبوا منكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله، فلا تعطوهم ذمة الله ورسوله، وإنما أعطوهم ذممكم أنتم، فإن ظفرتم في القتال، فلا تسرفوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا .
-هذا الدرس ينبغي أن يوضع بين أيدي الذين يحاربون المسلمين، ويمثِّلون في صبيانهم، ويغتصبون نساءهم، ويذبحون رجالهم، ولا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمة- قال سلمة: سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين, فودَّعه عمر بحرارةٍ بالغة، وشدَّ على يديه بقوة، ودعا له بضراعة))

لأنَّ عمر كان يقدِّر ضخامة المهمة التي ألقاها على عاتقه، وعاتق جنوده .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/03.jpg
ما هي الحرب؟ الحرب أن تضع روحك على كفِّك، فإما أن تعود غانماً، وإما أن تموت شهيداً، كلمة موت عند الجبناء شيء مخيف، لكن المؤمنين، لهم شأنٌ آخر، جادوا بأنفسهم، ولله در القائل:
تجُود بالنفسِ إذْ أنتَ الضَّنينُ بها والجودُ بالنفسِ أقصَى غايةِ الجودِ
ما هي المشكلات التي عانى بها القائد وجيشه من منطقة الأهواز وهل تخلف عن أمر الخليفة عمر وما هي نتائج هذه المعركة ؟
أيها الأخوة, مضى الجيش، وانطلق إلى الأهواز، والذي لا يعرف بلاد الحجاز في الصيف، لا يقدِّر قيمة الجهاد في هذه البلاد، وانظُرْ في تعليمات الحجاج عند وجودهم في الديار المقدسة: إياك أن تغادر مقرَّ سكنك إلى البيت الحرام في النهار، لأن الإنسان قد يصاب بضربة شمسٍ قاتلة، وهناك حجاجٌ كثيرون يصابون بضربة شمسٍ مع استعمال المظلة، فكيف إذا انطلق جيش من المدينة ليتجه نحو الشمال، في هذا الحر الشديد؟ .
مضى سلمة بن قيس، على رأس الجيش الغازي في سبيل الله، غير أنهم ما كادوا يتوغَّلون قليلاً في أرض الأهواز حتى دخلوا في صراعٍ مرير مع طبيعتها القاسية، فقد طفق الجيش يعاني من جبالها الوعرة، وهو مُصْعِد، ويكابد من مستنقعاتها الموبوءة، وهو مسهل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/04.jpg
لقد وجدوا أفاعي وعقارب، وجبالاً وعرة، وسهولاً فيها مستنقعاتٌ آسنة، وفيها حشرات ، وأوبئة وأمراض، وأرضًا لا يعرفونها، وعدوًّا يخشون بأسه، وهم خرجوا من الصحراء، من أرضٍ حارةٍ، إلى أرضٍ باردة، هؤلاء هم الصحابة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي, اللَّهَ اللـَّهَ فِي أَصْحَابـِي, لَا تَتَّخِذُوهُـمْ غَرَضًا بَعْدِي, فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ, وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ, وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي, وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مغفل المزني]
أي دعوني وأصحابي .
المؤمن الكامل، لا يستطيع أن يتكلَّم كلمةً واحدةً في حق الصحابة، من أنا؟ متى كان الجنديُّ يقيِّم رؤساء الأركان؟ متى كان الممرضُ يقيم الأطباء الكبار؟ متى كان البائعُ المتجول يقَيِّم رؤساء غرف التجارة؟ ومَن نحن حتى نقيِّمهم؟ ومن نحن حتى نوازن بينهم، وبين غيرهم؟ ومن نحن حتى نتقصى أخطاءهم؟ .
كان الصحابة عندما يحاصِرون مدينةً محصنةً لها سور مرتفع، يرجو أحدُهم أخوانه أن يرفعوه إلى قمة الحصن، ويلقي بنفسه إلى داخله، ومَن بداخله؟ أعداءٌ ألدَّاء، معهم السيوف والرماح، ينتظرونه، كي ينهشوا لحمه بسيوفهم، ويقع هذا الصحابي خلف السور، ويضربه الكفار ، ستةً وثمانين طعنةً في جسمه، ويفتح باب الحصن، ويستشهد، ماذا فعلنا؟ لا نفعل شيئاً، يقولون هذه الأيام: لا نرى مراوح في المسجد، لا يُطاق الدرس بلا مروحة، وفي الشتاء يشكون البرد، ولا تشتغل المدفئات، والمواصلات صعبة، هذا درس فقط، ونزلت كلُّ هذه الشكاوى,‍ مرة المواصلات، مرة المراوح، ومرة التدفئة، ماذا نفعل نحن؟ لا يتحمل الإنسان شيئًا من المشقة .
لذلك هؤلاء الصحابة، رضي الله عنهم، ورضوا عنه، يكفيهم شرفاً أن الله عزَّ وجل اختارهم لصحبة نبيه، اختارهم لصحبة سيِّد الخلق، وحبيب الحق، وشُرِّفوا بأنهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام، وآمنوا به، وعاونوه، وفدوه بأرواحهم .
يا أيها الأخوة، الإيمان يفعل المعجزات، مهما اشتدت المحن، ومهما ضاقت الأمور وتعسَّرتْ، ومهما اكفهرَّت الليالي، واشتدَّت الخطب، إيمان المؤمن أقوى من كلِّ شيء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/05.jpg
فقد كان هذا الصحابي الجليل، والقائد العظيم، يتخوَّل أصحابه بالموعظة، التي تهزُّ نفوسهم هزاً، ويملأ لياليهم بأرج القرآن، فإذا هم مغمورون بضيائه، سابحون في لآلائه، ناسون ما مسَّهم من عناءٍ ونصب .
من يقدر منا الآن أنْ يركب فرسًا، ويمشي في هذه الليالي، من دمشق إلى المدينة وحيداً؟ هكذا كان الصحابة .
النبي عليه الصلاة والسلام، يرسل الصحابي الجليل رسولاً إلى كسرى وحده، الآن تجد الوفد ثلاثين شخصًا، معهم مهمات، طائرات، قاعات شرف، فنادق خمس نجوم، أجنحة، سيارات مع سائقيها، مع مترجمين، الآن هذه المهمة متعة، فيها كلّ شيء، الإكرام شديد، والتعويضات باهظة، واستقبال، وولائم، يقول لك: غداء عمل، أي عمل هذا؟ فلذلك: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري]
امْتَثَل سلمة بن قيس لأمر خليفة المسلمين، فما إن التقى بأهل الأهواز حتى عرض عليهم الدخول في دين الله، فأعرضوا ونفروا، دعاهم إلى إعطاء الجزية فأبوا واستكبروا، فلم يبق أمام المسلمين غير ركوب الأسنة، فركبوها مجاهدين في سبيل الله، راغبين بما عنده من حسن الثواب، ودارت المعاركُ حاميةَ الوطيس، مستطيرة الشرر، وأبدى فيها الفريقان مِن ضروب البسالة ما لم تشهد له الحروب نظيراً، إلا في القليل النادر, ثم ما لبثت أن انجلت المعارك عن نصرٍ مؤزَّر للمؤمنين المجاهدين، وهزيمةٍ منكرةٍ للمشركين أعداء الله .
ما الهدية التي أرسلها سلمة بن قيس الأشجعي إلى خليفة الإسلام عمر بن الخطاب ؟
أيها الأخوة, ولما وضعت الحرب أوزارها، بادر سلمة بن قيس إلى قسمة الغنائم بين جنوده، ومن بين هذه الغنائم حِليةٌ نفيسةٌ جداً، فهذا الصحابي، هذا القائد المخلص، المحب، المؤمن ، الورع، لما رأى هذه الحلية النفيسة، أحبَّ أن يُتْحِف بها أمير المؤمنين، وأن يقدِّمها هدية من الجنود جميعاً لأمير المؤمنين، فما دامت هذه الحلية من حق الجنود، فلا بدَّ أن يستأذنهم، فقال للجنود:
((إن هذه الحلية، لو قسِّمت بينكم، لما فعلتْ معكم شيئاً، فهل تطيبُ أنفسكم إذا بعثنا بها إلى أمير المؤمنين؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/06.jpg
-ماذا فعل هذا الصحابي؟ هل ارتكب جريمة؟ لقد قدَّم للخليفة هديةً من حقه، ما دامت من حقِّ الجنود جميعاً، وقد استأذنهم- فقالوا مِن دون تردد جميعا: نعم .
فجعل الحليَةَ في سفطٍ، ما هو السَّفط؟ -صندوق- وندب رجلاً من قومه، من بني أشجع، وقال له: امضِ إلى المدينة، -مِن أين؟ من الأهواز إلى المدينة- اذهبْ وحدك, أنت وغلامك، وبشِّر أمير المؤمنين بالفتح، وأطرِفْهُ بهذه الحلية))

أي قدم له هذه الهدية .
ماذا وجد رسول سلمة عمر يفعل حينما وصل إليه, وكيف استقبله, وما هي الأسئلة التي طرحها عمر على الرسول ؟
أيها الأخوة, فكان للرجل مع عمر بن الخطاب خبرٌ فيه عبرٌ وعظات، مضيتُ أنا وغلامي إلى البصرة، فاشترينا راحلتين، مما أعطانا سلمة بن قيس، وأوقرناهما زاداً، ثمَّ يمَّمنا وجوهنا شطر المدينة، فلما بلغناها نشدتُ أمير المؤمنين، أي طلبته، بحثت عنه، فوجدته واقفاً يغدِّي المسلمين، طبعاً فقراء المسلمين، وهو متكّئ على عصاه كما يصنع الراعي، وكان يدور على القِصاع، وهو يقول لغلامه يرفأ: ((يا يرفأ, زِدْ هؤلاء لحماً، يا يرفأ, زد هؤلاء خبزاً، يا يرفأ, زد هؤلاء مرقةً .))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/07.jpg
-سيدنا الصديق رضي الله عنه، كانت له جارة عجوز عندها شاة، فكان يحلبها لها، فلما صار خليفةً، حزنتْ لأن هذه الخدمات لن تستمر، لقد أصبح خليفة، وفي اليوم التالي طرق باب الجارة، وقالت لابنتها: يا بنيَّتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب، قالت: مَن الطارق يا بنيتي؟ قالت : جاء حالب الشاة يا أمّاه، وهو خليفة المسلمين- .

((فلما أقبلتُ عليه، قال: اجلس، فجلست في أدنى الناس، وقدَّم لي الطعام، فأكلّتُ لحمًا، وسيد الطعام اللحمُ, فلما فرغ الناس من طعامهم، قال: يا يرفأ ارفع قِصاعك، ثم مضى فتبعته، فلما دخل داره استأذنتُ عليه بالدخول، فأذن لي، فإذا هو جالسٌ على رقعةٍ من شعر، أي جلد شعر، نصفه قد قُطِع، ونصفه ما زال موجودًا، متكئٌ على وسادتين من جلدٍ محشوَّتينِ ليفاً، فطرح إلي إحداهما، فجلست عليها, وإذا خلْفه سترٌ، فالتفتَ نحو الستر، وقال: يا أم كلثوم، ائتنا بغدائنا، فقلت في نفسي: ما عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خصَّ به نفسه؟ .
قال: فناولته خبزةً بزيتٍ، عليها ملحٌ لم يدق، ملح خشن، فالتفتَ إليَّ، وقال: كُلْ، فامتثلت، وأكلت قليلاً، وأكل هو، قال: فما رأيت أحداً أحسن منه أكلاً، ثم قال: اسقونا، فجاءوه بقدحٍ فيه شرابٌ من سويق الشعير، نقيع الشعير، فقال: أعطوا الرجل أولاً، فأعطوني، فأخذت القدح، فشربت منه قليلاً، ثم أخذه وشرب حتى روي، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا .
عند ذلك، التفت إليه، وقلت: يا أمير المؤمنين، جئتك برسالةٍ من عاملك سلمة, قال: مِن أين؟ قلت: من عند سلمة بن قيس، قال: مرحباً بسلمة بن قيس، ومرحباً برسوله، حدِّثني عن جيش المسلمين، فقلت: كما تحب يا أمير المؤمنين، السلامة والظَّفَرُ على عدوهم، وبشَّرته بالنصر، وأخبرته خبر الجيش جملةً وتفصيلاً، هذه هي المهمة الأولى .
فقال: الحمد لله أعطى فتفضَّل، وأنعم فأجزى، ثم قال: هل مررت بالبصرة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: كيف المسلمون؟ قلت: بخيرٍ من الله، قال: كيف الأسعار؟ قلت: بخير، قال : وكيف اللحم؟ قلت: اللحم شجرة العرب، واللحم كثيرٌ وفير))

ما هو موقف الخليفة عمر حينما رأى هذه الهدية, وبماذا أمر الرسول أن يفعل بالهدية, وعلام يدل موقف الخليفة ؟
أيها الأخوة, قال: ((ما هذا الذي بيديك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، لما نصرنا الله على عدونا، جمعنا الغنائم، فرأى سلمة فيها حليةً، فقال للجند: إن هذه لو قسِّمت عليكم لما بلغت منكم شيئاً، فهل تطيب نفوسكم، إذا بعثت بها لأمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم، ثم دفعت إليه بالسفط .
فلما فتحه، ونظر إلى ما فيه، من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب من مجلسه، وجعل يده في خاصرته، وألقى بالسفط على الأرض، فانتثر ما فيه، ذات اليمين، وذات الشمال، فظنَّ النساء، أنني أريد قتله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/08.jpg
ثم قال: قم غير محمودٍ لا أنت ولا صاحبك، قلت: ائذن لي بمركبٍ يحملني أنا وغلامي إلى الأهواز، فقد أخذ غلامك راحلتي، قال: يا يرفأ، أعطني راحلتين من إبل الصدقة، له ولغلامه، ثم قال لي: إذا قضيت حاجتك منهما، ووجدتَ مَن هو أحوج لهما منك فادفعهما إليه، -يعني الراحلتين- قلت: أفعل هذا يا أمير المؤمنين، ثم التفت إليَّ، وقال: أمَا واللهِ، لئنْ تفرَّق الجند قبل أن يقسم فيه هذا الحلي، لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة .
فمضيتُ من توئي حتى أتيت سلمة، وقلت له: ما بارك الله لي فيما خصصتني به، أقسم هذا الحلي في الجند قبل أن تحلَّ بي وبك داهية، وأخبرته الخبر، فما غادر مجلسه إلا بعد أن قسمه فيهم))

طبعاً سيدنا عمر، لولا أن يكون بهذا الورع، وهذه الشدة، وذلك الحزم، لما أكرمه الله ذلك الإكرام، قال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان عفَّةٌ عن المطامع، عفَّةٌ عن المحارم))
متى نستحق النصر من عند الله ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-2880/09.jpg
أيها الأخوة, لا تنسوا أنّ ركعتين من ورع، خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط، والإيمان عفةٌ عن المطامع عفةُ عن المحارم، والإنسان لا يرقى عند الله بعلمه، بل يرقى باستقامته، ولا يرقى بعباداته، بل يرقى بورعه، وهؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كانوا من الورع والخوف مِنَ الله في مكانٍ عليّ، ولولا أنهم كانوا كذلك لما قدَّر الله على أيديهم النصر .
فإذا أردتم أن ترقوا عند الله عزَّ وجل، وأن تستحقوا نصر الله وتأييده، وأن يكون الدين مسعداً لكم، وأن يجري الخير على أيديكم، فعليكم بالورع والعفة، فهما أساس هذا الدين .
الدين له مظاهر، وله جوهر، جوهر الدين الاستقامة والعمل الصالح، والاستقامة والعمل الصالح، لا يمكن أن يُبْنَيَا إلا على معرفة الله عزَّ وجل .


الساعة الآن 04:22 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.