منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 03-04-2018 09:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السادس



أيها الأخوة الكرام، ففي قوله تعالى الآية الواحدة والعشرين من سورة يوسف عليه السلام:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
العِلْمُ مَعْروف ؛ وهو أن تَكْشِفَ العلاقة القَطْعِيَّة بين ظاهِرَتَيْن، وأن تَقْطَعَ بين هذه العلاقة، وأن تُطابِقَ الواقِع، وأن يكون عليها دليل وهذا هو العِلْم.
فلو داخل الشكّ أصْبحَت وَهْمًا، أو شكًّا أو ظنَّا، فالوَهْم ثلاثون بالمائة والشَّك خمسون بالمائة، أما الظنّ سبعون بالمائة، أما العلاقة مَقْطوع بِصِحَّتِها أي مائة بالمائة، وهذه اسمُها اليقينِيَّات، قال تعالى:

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

[ سورة التكاثر ]

فالجَهَلة والعوام دائِمًا يتعاملون بالأوْهام وبالخُرافات، وبالدَّجَل، وبِكُلِّ شيءٍ بعيد عن الواقِع، وعلامة العِلْم مُطابَقَتُهُ للواقِع، وهذه مِن تعاريفِهِ الموجَزَة ؛ وَصْفٌ مُطابِقٌ للواقِع ومعه الدليل، فإذا خلى العِلْم من الدليل أصْبَحَ تَقْليدًا، والتَّقْليد غير مَقْبول في الدِّين، فلو قُبِلَ التَّقْليد في الدِّين لكانتْ كُلّ الفِرَق الضالَّة عند الله مَقْبولة لأنَّها قلَّدَتْ مَن دعاها إلى الله تعالى بِهذه الطريقة ‍! فالأتْباع ما ذَنْبُهُم ؟ دُعُوا إلى هذه الطريقَة فصَدَّقوا !! أما العِلْم ؛ الوَصْفُ المُطابِقُ للواقِع مع الدليل، وإذا خلى العِلْم من مُطابَقَتِهِ للواقِع كان جَهْلاً ويا أيها الأخوة، هناك مَن يتوهَّم أنَّ الجَهْل هو مَن لا يعْلَم ! الجاهل مَن بِحَوْزَتِهِ مَعْلومات ولكنَّها غلَط، فهؤلاء يقولون: الاخْتِلاط يُهَذِّب النُّفوس، والإسْراف في الشَّهْوَة يُعَدِّلُها !!

فلا تَروا بالمعاصي كَسْر شَهْوَتِها إنَّ الطعام يُقَوِّي شَهْوَن النَّهِم
***


واسْتِثْمار المال بِطَريقَة ربَوِيَّة تُنَمِّيه ! فالجاهل هو الذي اعْتَقَد بِمُعْتَقَدات يرفُضها الواقِع، أما الذي لا يَعْلم هو الأمِيّ.
فأصْبَحَ العِلْم علاقة بين مُتَغَيِّرَيْن ؛ مَقْطوعٌ بِصِحَّتِها، فلا مجال أن تقول: لعلَّ، أو بالمائة تسعين..قال تعالى:


﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

[ سورة التكاثر ]
وقال تعالى:
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(15)﴾

[ سورة الحجرات ]
لذا يجب أن تتعامَل مع اليقينِيَّات، هذه أوَّل نُقْطة.
النُّقْطة الثانية ؛ أن تكون مع الأدِلَّة، وإنَّما الطاعة في مَعْروف، فلا تقْبل شيئًا من دون دليل، ولا ترفض شيئًا من دون دليل، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا أرسل سَرِيَّةً وأمَّر عليها أنْصارِيًّا ذا دُعابَة وأمر بإبرام نارٍ وقال: اقْتَحِموها، فقال أصحاب النبي: كيف نَقْتَحِمُها وقد آمَنَّا بالله فرارًا منها ؟! قال بعضهم: بل نَقْتَحِمُها لأنَّ طاعة الأمير هي طاعة رسول الله ! فاخْتَلفوا، فعَرَضوا أمْرهم على النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقال:

((والله لو اقْتَحَمْتُموها لازِلْتُم فيها، إنَّما الطاعة في مَعْروف ! ))
فلا تَقْبَل شيئًا دون دليل، ولا ترفض شيئًا من دون دليل وهناك دليل نَقْلي، وآخر عَقْلي، وآخر واقِعي وفِطْري، فإذا اجْتَمَعت هذه الأدِلَّة كلُّها كان هذا هو الحق.
مَن هو السَّعيد ؟ الذي مَجْموع اعْتِقاداتِه وتَصَوُّراتِه مُطابقة للواقع والفِطْرة والعَقْل والنَّقْل، لذلك أعْظمُ شيءٍ يُعْطيكَهُ الله أن تكون عالِمًا لأنَّ العِلْمَ يُؤَكِّدُ إنْسانِيَّتَك، فأنت إنسان لأنَّك تَعْلَم، فإن لم تكن كذلك فأنت تُشبِه بعض المَخلوقات في الوظائف الحَيَوِيَّة وهي ليْست من بني البشر ! طعام وشراب وإفْراز ودوران ودم وعضلات وأعْصاب ونوم وعمل واسْتِمْتاع وجِماع، فهذا كُلُّه تقوم به الحيوانات، فأنتَ إنْ رَفَضْتَ العِلْمَ رَفَضْتَ إنْسانِيَّتَك ووُجودَك، لذلك رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب قال تعالى

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
العلماء قالوا: الحُكْم هو التَّصرُّف الحكيم، وهو سُلوك، أما العِلْم فَهُوَ حقائق، فالحقائق التي في ذِهْنِكَ يُعَبَّرُ عنها بِسُلوك حكيم، فالحكيم هو الذي يقول القَوْل المناسب في الوقت المناسب مع الشَّخْص المناسب والذي يُعْطي العطاء المناسب في الوقت المناسب، مع الرجل المناسب، أعلى درَجَة تُمْنَحها أن تكون حكيمًا، فالحكيم يُغَيِّر الأمْر من السيئ إلى الأحْسن والحكيم يُجْلب المال، والأَحْمَق يُبَدِّدُهُ، والحكيم يعيشُ سعيدًا في بيتِه ويكْسب رِزْقه الحلال، والحكيم يتعرَّف إلى الله تعالى، ويَحْيى سعيدًا ويموتُ سعيدًا.
فيا أيها الأخوة، قد أعطى الله المال لِمَن لا يُحِب، قال تعالى:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[ سورة القصص ]
فالواحِد إذا أعْطِيَ المال لم يكن هذا دليل الحب من الله، فقد يكون كذلك وقد يكون لا ! فالمال ليس دليلاً، ولا مِقْياسًا إنَّما يعْتبِرُ الدليل أنَّه تعرَّف على الله تعالى، وأعانه على طاعتِهِ، وكذا المُلْم فقد أعْطاه لِفِرْعَون، وأعْطاه لِسُلَيْمان، وكذا ذو القَرْنَيْن فَفِرْعَون قال عنه تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ(38)﴾

[ سورة القصص ]
وقال تعالى عنه:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾

[ سورة النازعات ]
لكنَّ المِقْياس كما قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
لذا هنيئًا لِكُلِّ مؤمن نصيبهُ من الله كنَصيبِ الأنبياء، مِن النَّوْع نفْسِه أما بالدَّرجة فلا ؛ الأنبياء أنبياء، لكنْ أعْطاكَ شيئًا مِن العِلْم والحِكْمَة وساعة الأُفُق، وشيئًا مِن إدراك الحقائق، والبصيرة، والتَّصرُّف الحَسَن ؛ هذا مِن نِعَم الله الكُبرى، فَسَيِّدُنا يوسف امْتَنَّ عليه الله بالعِلْم والحِكمة، فما السَّبب ؟ لِمَ لمْ يُعْط غَيْرَهُ ؟ هل عطاء الله تعالى مُقَنَّن أم غير مُقَنَّن ؟ هل يُعْطي تعالى دون قواعِد ؟ الحقيقة أنَّ العطاء مُقَنَّن والدليل الآية:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
لا تظنّ المسألة تاريخ، وأنَّ هذا نبيٌّ فعل به الله تعالى هكذا ! لا، هذا قانون، هذا القرآن ليس تاريخًا إنَّه قوانين، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
كُلّ واحِد مُحْسِن نُؤتيه حُكْمًا وعِلْمًا، فالشيء إذا عرف ثمنُه انتهى، أما هناك أشياء مُسْتحيل أن تصِلَ إليها، أما هناك أشياء يُمكن أن تصِل إليها، هل يُمكن أن تحْمِل الأرض؟! وأن تصِل إلى الشَّمْس ؟:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

[ سورة الأعراف ]
إنَّ رحمة الله قريب من المحسنين، وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

[ سورة السجدة ]
أكثرُ شيء أُركِّزُ عليه أنَّ الله تعالى لمَّا قصَّ هذا القصص ما أرادهُ تاريخًا، لذلك أحْيانًا تتساءَل: يا رب، لماذا تُغْفل أسماء الشَّخْصِيَّات ؟ وأسماء الأمْكِنَة ؟ والأزمان ؟ القِصص القرآنِيَّة أكثرُها مُجْمَلَة ! مَن هو ذو القرْنَيْن ؟ وبأيِّ زمان ؟ وبأيِّ مكان ؟ إذا أردْتَ أن تصِل إلى لا تفاصيل القصص والجُزئِيَّات، وإلى التواريخ والأمكِنَة والأزْمِنة، أنت بِهذا تُفْسِدُ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، فهو تعالى ما أرادها قِصَصًا، إنَّما أرادها حقائق مُتَجَدِّدَة، فالله تعالى ما أراد ذا القَرنين أن يكون تاريخًا إنَّما نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فلو كُنْتَ رئيس دائرة فقد يكون هذا طريقًا إلى الجنَّة والإنصاف والعَدْل، فإيَّاك أن تتوهَّم أنّ المناصب العالِيَة تتناقض مع الدِّين، المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف لأنَّه كلَّما ازْدادَت القوَّة ازْدادَتْ دائرة الخَدَمات.
إذًا أنت إذا أردْتَ التَّفاصيل بِهذا تُفْسِدُ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، سيِّدُنا يوسف انتقل إلى رحْمة الله، وهو في مرْتبةٍ عالِيَةٍ جدًا، لا يرْفَعُنا مدْحُنا له، ولا يخْدش من قَدْرِهِ إذا لم نفْهم ماذا فَعَل، نحن المُعَوَّلُ علينا ! يا ترى هل همَّ بها ؟ لا، ما همَّ بها، إنَّما همَّ بِدَفْعِها، هَمُّهُ غير همِّها، وهناك رأي آخر، وهو أنَّه لو لم يكن في قلبِهِ نور لَهَمَّ بها فيَجِب عليك أن تُنَزِّه الأنبياء، وأنَّ مقامهم عالٍ جدًا، وأنَّه لو همَّ بها لما كان نَبِيًّا، فالواحِد إذا بدأ أوَّل خطواتِهِ بالمَعْصِيَة سَقَط، ولو ندِمَ.
قال تعالى:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾

[ سورة يوسف ]
الإغْلاق شيء، والتَّغْليق شيء آخر، يُمْكن أن تُغلق كلّ الأبواب لكنَّ باب السَّماء مَفْتوح، الله يراك حينها خشَعَ قلبُه وابْتعد عنها.
ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]
أي هُيِّئْتُ لك قال تعالى:

﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

[ سورة يوسف ]
أيُّها الأخوة الكرام، هناك مَعْنى فاسِد وخطير فَبَعْضُ إخواننا الدُّعاة عن طيبِ قَصْدٍ يتداولونه، ألا وهو قوله تعالى:

﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

[ سورة يوسف ]
ربِّي أي سيِّدي، وهو زَوْجُكي، فهو الذي أحْسَن مَثْواي، فعلى هذا المعنى ما الذي منَعَهُ من الزِّنا ؟ هو إحْسانُ سيِّدِها، فلو لو لم يكن مُحْسِنًا لزنى بِها، وهو معنى فاسِد، ولكن معنى ربِّي هو الله تعالى أحْسن مَثْواي، فالمعنى الأوّل لا يُمْكن أن يُقْبَل، فالزَّوْج سواء كان مُحْسِنًا أو غير مُحْسِن لا يُمْكن أن يُقْدِم يوسف على هذا العمل الخبيث، فلذلك إنَّه ربي أي الله أحْسنَ مَثْواي فكَيْف أحْصيهِ ؟ وقد أكْرمني.
ولمَّا ربُّنا قال:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾

[ سورة النور ]
قدَّم الزانِيَة على الزاني لأنَّها السَّبب في الزنا ؛ لأنَّها هي المُغْرِيَة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))

[ رواه الترمذي ]
لذلك الخلوَة حرام، وهي مُقَدِّمات الزنا.
غير مُتَزَوِّج، والتي دَعَتْهُ إلى الزِّنا ليس من صالِحِها أن يكشف الخبَر عنها، والأمر الآخر أنَّها زوْجة ملِك، وحَتْمًا هي جميلة لأنَّ المُلوك يَنْتَقوا زوْجات جميلات، وهو غريب، والأبواب مُغَلَّقة، وهو رَيْعان شبابه، وهي ذات مَنْصِب وجمال، إلا أنَّهُ اسْتحْضر عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

[ سورة يوسف ]
والإنسان يرْقى بالشَّهْوة مرَّتَين: ترْقى بها مرَّةً صابِرًا، وأخْرى شاكِرًا لا يوجد شَهْوة أوْدَعَها الله فينا ثمّ حرمنَا منها، إنَّما رسَم قناةً نظيفة لهذه الشَّهوات ؛ النِّساء بالزَّواج، والمال بالعَمَل، والعلوّ في الأرض بالعمل الصالح وخِدْمة الناس، وهناك شُهْرَة إيجابِيَّة وأُخرى سلبيَّة فهناك مَن يشْتهر بالجريمة، وهناك من يشْتهر بالعمل الصالح، وإن شاء الله تعالى نُتابع الحديث عن هذا النبي العظيم.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 09:18 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السابع





أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾
[ سورة يوسف ]
أوَّلاً: ما أوْدَعَ الله فينا من شَهوات، ومنها حُبُّ النِّساء ومنها حُبُّ المال، وحُبّ العُلُوّ في الأرض ؛ هذه الشَّهوات بالتّعريف الدقيق: قِوى مُحَرِّكَة، حِيادِيَّة، فإن سلَكْنا فيها المنْهَج الإلهي ارْتَفَعْنا بها إلى أعْلى عِلِيِّين، وإن لم نسْلك بها المنْهَج إلهي هبَطْنا بها إلى أسْفل السافلين، فلا أحَد يتَّهِمُ الشَّهوات بأنَّها أضَلَّتْهُ، إنَّما هي قِوى مُحَرِّكَة، فَسَيِّدُنا يوسف لولا أنَّ الله تعالى أوْدَع فيه حبَّ النِّساء وقال: إنَّي أخاف الله ربَّ العالمين، ثمَّ فيما تَرْوي الكُتب تزوَّج هذه المرأة بالذات، فلو أنَّ الله أوْدَعَ فيه هذه الشَّهَوات ما ارْتقى إلى ربِّ الأرض والسَّماوات.
فالشَّهْوة نرْقى بها مرَّتين: نرْقى بها صابرين، ونرْقى بها شاكِرين نرْقى بها إن غضَضْنا أبْصارَنا عن محارِمِ الله، ونرقى بها إذا متَّعْنا أبْصارَنا فيما أحلَّ الله لنا.
فَسَيِّدُنا يوسف ارْتقى إلى أعلى عِلِيِّين بهذه الشَّهْوَة، وكان بأمس الحاجة لِهذا اللِّقاء إلا أنَّ الله تعالى حرَّمَهُ، لأنَّهُ خِلاف الحُكم الشَّرْعي، حينها قال:

﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
دقِّقوا معي الآن ؛ هناك طَبْع وهي حاجات الجَسَد، والشيء الذي يَلْفت النَّظر أنَّ التَّكْليف دائِمًا يتناقض مع حاجات الجسَد، فالله تعالى أمرَكَ بِغَضِّ البصر ؛ هذا التَّكْليف، وجِسْمُك يتمنَّى أن تتطلَّع ! الله أمرَكَ إلى الاسْتِيْقاظ وأداء الصُّبْح، وجِسْمُك يتطلَّب النَّوم ! والله أمرَكَ بِإنفاق المال وجسْمُك يتطلَّب قبْض المال ! وكذا في الغيبة، وكشْف العوْرات فالتَّكليف يتناقض مع الطَّبْع، ويتوافق مع الفِطْرة، والفِطْرة غير الطَّبْع فالفِطْرة مُتَعَلِّقَة بالنَّفْس، والطَّبْع مُتَعَلِّق بالجَسَد، فالتّكْليف مُحَصِّلَتُه يتوافق مع الفِطْرة، فلمَّا يسْتقيم يرْتاح، وكذا العِفَّة والطَّهارة، والدَّخْل الحلال، والاتِّصال بالله، والاطْمِئنان، فالتَّكليف هو ذو كُلْفة، وهو يُعاكِس الهَوَى.
فَسَيِّدُنا يوسف راوَدَتْهُ التي هو في بيْتِها، وكانت ذا منْصِبٍّ وجمال، وغلَّقَت الأبواب، وليس مِن صالِحِها أن يفْشوَ الخبَر، وكان شابًّا في ريْعان الشَّباب، وشَهَواتُه مُتَّقِدَة، وغريب لا أحد يعْرِفُه، فَكُلّ المُرَجِّحات أن يفْعل أمْرًا كهذا، لكنَّهُ قال: معاذ الله ! لذلك الآن مِن أينَ يؤْخَذُ الشباب ؟ التُّجار يُؤاخذون من المال ؟ أما الشباب فَمِن النِّساء فَكُلّ الشباب المؤمن قُدْوتهم سيِّدُنا يوسف، فالله آتاه صورةً مِن أجْمل الصُّوَر، ومع ذلك عفَّ عن الحرام، ولذلك الدُّعاء: اللهم اكْفنا بحلالك عن حرامك، وبِطاعَتِك عن مَعْصِيتِك، وبِفَضْلِك عمَّن سِواك.
الشيء الثاني ؛ هذا الشاب المؤمن الذي يَعُفُّ قبل الزَّوَاج عن محارِمِ الله، ماذا تَظُنُّون له مِن مُكافأة في الدنيا قبل الآخرة ؟ زوْجَة صالِحَة تَسُرُّهُ إن نظَرَ إليها، وتَحْفظهُ إن غاب عنها، وتُطيعُهُ إن أمرها، وهذا إلى يتفلَّتْ مِن منهَج الله تعالى قبل الزَّواج ؛ لعن الله الذَّواقين والذَّواقات، أوَّل عِقابٍ له ؛ زواجٌ كالجحيم تمامًا، لُؤْمٌ وانْحِراف وفساد وأبوها يُخيف، فالذي له تجارب قبل الزَّواج يُمْنح زوْجة كقِطْعَةٍ من الجحيم !والذي يَعِفّ قبل الزَّواج يُكْرِمُهُ الله تعالى بِزَوْجة كَقِطْعةٍ من النَّعيم، وقال عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
[ رواه مسلم ]
فالذي عفَّ عن محارِم الله تعالى لا يضيعُ عنه شيء، بالعَكْس يتمتَّع بهذه الغريزة التي أوْدعَهُ الله فيها إلى نِهاية عُمُره بِأعلى الدَّرجات.
قال تعالى:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾
[ سورة يوسف ]
الظُّلم هو العُدْوان على الآخرين، ثمَّ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾
[ سورة يوسف ]
طبْعًا هَمُّها غير همِّه، هو نبِيٌّ كريم، هو هَمُّهُ في دَفْعِها، والدليل جاء بعد قليل قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾
(سورة يوسف )
لا كما يقول بعض المُفَسِّرين هداهم الله تعالى ؛ جلس منها مَجْلِسَ الرِّجال !! لا، بل همَّتْ بآرائه، وهمَّ بِدَفْعِها وهنا تفسير آخر جيِّد، وه والوَقف في همَّت به، ثمَّ همَّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه، فلأنَّهُ رأى برهان ربِّه ما همَّ بها، وكلّ مؤمن استنار قلبُه بالطاعة يقف عن المعصيَة.
قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾
[ سورة يوسف ]
ماذا تقرأ بالصلاة كلّ يوم ؟ وبِكُلِّ ركْعة ؟ إياك نعبد وإياك نستعين فالأدَب النَّبوي قال

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾
[ سورة يوسف ]
دعا الله تعالى أن يحْفظهُ، وما كان الله تعالى لِيُعَذِّب قلبًا لِشَهْوَةٍ تركها صاحِبُها في سبيل الله.
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾
[ سورة يوسف ]
وكم من رِجال كان بِحَوْزَتِهم ملِكات جمال، وتعلَّقوا بِفَتيات أدْنى مِن أزْواجِهم بِملايين الدَّرَجات، فالأفضل أن يفتقر الإنسان إلى الله، ولا يقل: عندي إرادة ومناعة قوِيَّة !!.
قال تعالى:

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾
[ سورة يوسف ]
هذه أُصول التَّحقيق، وأُصول اسْتِنباط الأدِلَّة.
ثمَّ قال تعالى:

﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾
[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)﴾
[ سورة النِّساء ]
فإذا كنتَ بريئًا لا تَخْجل، وإنَّما قُل: أنا بريء، وأنا لم أفْعل ! فلا تسْكُت لأنَّ السُّكوت إقْرار.
قال تعالى:

﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾
[ سورة يوسف ]
هنا أقِفُ قليلاً ؛ ماذا قال تعالى الله عن الشَّيْطان ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)﴾
[ سورة النساء ]
ماذا قال عن المرأة ؟

﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾
فالشيطان ضعيف، ذلك لأنَّك إن قلتَ: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم ولَّى الشَّيْطان، أما أمن فلك حاجة بالمرأة، وحاجةٌ كبيرة جدًا، لذلك المرأة كَيْدُها عظيم، لذا اتَّقوا الله في النِّساء، إنَّ إبْليس طلاَّع رصَّاد، وما هو مِن فُخوخِهِ بأوْثَق في صَيْدِه في الرِّجال من النِّساء، فأكْبَر فخٍّ معه والذي لا يخيبُ معه هو النِّساء، ولذلك إن أرَدْتَ أن تُفْسِدَ الإنسان فَعَن طريق المرأة، وإذا أرَدْتَ أن تشْتري الإنسان فَعَن طريق المرأة، وإن أرَدْتَ مِن الإنسان أن يبيع وَطَنَهُ فعَن طريق المرأة ! المؤمن بِغَضِّ بَصَرِهِ، وعدم الخَلْوَة، وعدم الاخْتِلاط يُغْلِقُ على الشَّيْطان منافِذَهُ.
لِكُلّ إنسان نُقطتا ضَعْف ؛ المال والنِّساء، فإذا تَحَرَّيْتَ الحلال، وتجنَّبْتَ النِّساء، لم يعُد هناك مَأخذ عليه، فهذان هما أكبر مأخذين على الرِّجال ؛ المال والنِّساء، فَبِغَضِّ البَصَرِ، وعدم الخَلْوَة، وعدم الاخْتِلاط يُحَصِّنُ الإنسان نفْسَهُ من النِّساء، وبِالمال الحلال يُحَصِّن نفْسَهُ من الحرام، فإذا تحصَّن من هذين أصْبَحَ الطريق سالِكٌ إلى الله تعالى.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾
(سورة يوسف)
بالتَّعْبير العامي: مِن فضْلِك يا يوسف اُسْتُرْنا ثمَّ قال تعالى:
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
إذًا مِن الأصول أن لا تَقْبَل التُّهْمَة إلا بِدَليل، وهو هنا قدُّ القميص.
فالله تعالى علَّمنا كيف نسْتنبط الأدِلَّة بإصْدار الأحكام، أما حُكْمٌ دون دليل فَهُوَ هوى وتجنِّي وجَهْل.
النُّقْطة الثانِيَة: أنَّكَ إن كُنتَ مَظْلومًا عليكَ أن تتكلَّم، فإن لم تَفْعَل كُنْتَ بِهذا مريضًا بالخَجل، والحياء غير الخَجَل، فالحياء أن تسْتحي أن تعْصِيَ الله، أما الخجَل أن تسْكُتَ عن حَقِّك، قال تعالى:

﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)﴾
[ سورة يوسف ]
والله تعالى قال:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)﴾
[سورة النساء]
فالمَظْلوم عليه أن يَحْكي، وإذا الواحِد كان مَظْلومًا فإنَّه لا يدْخُل في الغيبة، فهو يدخُل في الحالات السِّتّ الذي أُبيحَتْ فيها الغيبَة ودائِمًا نحن لا نؤَوِّل إلا وِفْقَ كمال الأنبياء، وهم مَعْصومون، فإذا كان مَعْصومًا عن الخطأ في الفعْل والقَول والحال فَكَيْفَ نُفَسِّر أنّ سيِّدنا يوسف همَّ بِها، فالشَّباب معهم حقّ أنْ يَفْعَلوا ما يشاءون ‍‍!! لكنْ هذا تَفْسير لا يليق بِكَمال النُّبُوَّة، وعظمة الأنبياء، لكِنَّ التَّفْسير الكامِل أنَّهُ همَّ بِدَفْعِها، وهي همَّتْ بِإغْرائِه، والدليل أنَّ قميصَهُ قُدَّ من دبر والأقوى من هذه جميعًا قوله تعالى بعد ذلك:

﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾
[سورة يوسف]
وهذه كُلُّها لا أدِلَّة نَقْلِيَّة، والأدِلَّة العَقْلِيَّة ؛ أنَّهُ لا يُعْقَل للنبي أن يهمّ بالمَعْصِيَة ! فأين يكون مقام النُبُوَّة حينها ؟! وهناك دليل آخر يعيشُهُ كُلّ الشباب، فالشباب المؤمن تَجِدُهم يبْتَعِدون عن النِّساء أشَدَّ البُعْد.
في الدرس القادِم نُتابِع الحديث عن هذه القِصَّة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 09:20 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثامن




أيها الأخوة الكرام، سيِّدُنا يوسُف لمَّا افْتُضِحَ أمْر امرأة العزيز، أرادَتْ أنْ تُبَرِّرَ سُلوكَها أمام صُوَيْحِباتِها، قال تعالى:
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)﴾

[سورة يوسف]
أي ارْتَكَبَتْ حماقة كبيرة، ثمَّ قال تعالى:

﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾

[سورة يوسف]
ومعنى قطَّعْن أيْدِيَهُنّ أي جَرَحْنا أيْدِيَهُنّ من شِدَّة الشَّغَف، فرَبَّما أعْطَتْهُنّ سكاكين حادَّة، فأثناء اسْتِعمال السِكِّين دُهِشْنَ بِهذا الجمال فقَطَّعْنَ أيدِيَهُنّ، ثم قال تعالى:

﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾

[سورة يوسف]
ألَيْسَت هذه شَهادة قَطْعِيَّةَ الدَّلالة من امرأة العزيز أنَّهُ لم يَهُمَّ بها كما توَهَّمَ الناس، قال تعالى: ولقد راودتهُ عن...الصاغرين " معنى ذلك أنَّهُ كان أمام خِيارَيْن إمَّا أن يُسْجَن وإمَّا أن يقْترِف الفاحِشَة ؛ وهذا هو مَوْقِف النبي الكريم، ومَوْقِف كلّ مؤمن يقْتدي بأنبياء الله الصالحين قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
أحْيانًا يُغْرى المؤمن بِمَالٍ وفير من طريق حرام، فهل يقول: ربِّ الفَقْر أحبُّ إليّ من هذا المَبْلَغ الحرام ؟! وأحْيانًا يدْفَعُ الإنسان ثمَن طاعتِهِ لله ؛ حِرْمان مِن وظيفة وحِرْمان مِن شراكة وحِرْمان مِن دَخْل كبير ؛ هذا حال المؤمن، العِلْم حرْف والتَّكْرار ألف، ماذا قال سيِّدُنا يوسف ؟

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
لو أنَّهُ اسْتَجاب لما سُجِن، إضافة إلى قضاء الشَّهْوة والاسْتِمْتاع ؛ هذا حال المؤمن:

فَلَيْتَكَ تَحْلو والحياة مريـــرةٌ وليْتَك ترْضى والأنام غِضاب
وليْتَ الذي بيني وبينك عامِــرٌ وبيني وبين العالمين خراب
إذا صَحَّ منك الوَصْل فالكُلّ هَيِّنٌ وكل الذي فوق التُّراب تُراب
***

أيها الأخوة، هناك حديث أنا أعْتَقِدُهُ شِعار كُلّ مُسلِم:
((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه ))
دِقَّةُ الحديث أنَّ عبْدًا من عباد الله الصالحين عُرِضَ له شيءٌ مِن مَتاع الدنيا إلا أنَّهُ حرام فقال:

﴿مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
ربِّ الحِرمان من هذا المبلَغ أحَبُّ إليه مِن أن أعْصِيَك طيِّب.

((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه ))
وصَدِّقوا أيها الأخوة أنَّ زَوال الكَوْن أهْوَنُ على الله مِن أنْ يُؤْثِرَ عبْدٌ طاعة الله ثمّ يَحْرِمُهُ الدنيا إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه، كيف ؟ قال: في دينِهِ ودُنْياه، ففي دينِهِ ما دام قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
وقال:

﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
وأنِّني لن أفْعَلَ هذا ولو بقيتُ مَحْرومًا أصْبَح الطريق إلى الله تعالى سالك، أما إذا اقْتَرَفَ المَعْصِيَة أصْبح الطريق إلى الله تعالى مَقْطوع، إذا اقْتَرَفَ الشَّهْوة كان الطريق مَقْطوعًا، وإذا قبض المَبْلغ كان الطريق مَقْطوع، وإذا كذب وربِح كان الطريق مَقْطوع، وكذا إذا اغْتَصَبَ مَحَلاًّ وآثَرَ هذا المحلّ على الطاعة الله ؛ وهذا هو مَعنى إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينه، طيِّب وَدُنْياه ؟ تأتيه الدنيا وهي راغِمَة ولكن مِن طريقٍ حلال.
رجلٌ أُمِّيٌ له شَيْخ، وأعْطَوْهُ أرْضًا كبيرة، وقد كان قبلها فقيرًا لا يمْلِكُ شيئًا، فقال هذا الفقير للشَّيْخ: لقد أعْطَوْنَا أرضًا يا شيخ، فقال : هذه أرْضٌ مُغْتَصَبَة ‍! وإذا كان الأمر كذلك فَحَرامٌ أخْذها، فذَهَبَ هذا الأخ يبْحث عن صاحِبِها إلى أنْ وَجَدَهُ فقال له: هل تَسْمَحُ لي أن أُعْطِيَكَ أساوِر زَوْجتي وأشْتري عليك البيت بالتَّقْسيط ! فقال صاحبُها: لقد ذَهَبَ عليَّ أربعة أضْعاف ما أخذْت، ولم يأتِ أحدٌ إلا أنت، وعلى هذا فهذه الأرض هَدِيَّةٌ مِنِّي لك !! ما ترك عبد شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله.
وأحد الشباب قديمًا، كان في مَحَلِّه فجاءت إليه فتاة ودَعَتْهُ للزِّنا، فأغْلَقَ المَحَلّ وتَبِعَها، وهو في الطريق تذَكَّر إلى أين سيَذْهَب فَرَجَع واسْتَغفَر الله، ففي اليوم الثاني جاءَهُ أحدُ كِبار تُجار الزِّيت، وعرض عليه ابنتهُ ! أُكْرِمَ مِن أجل تَرْكِهِ الحرام، حقٌّ على الله إذا تَرَكْتَ الدنيا أن يُكرِمَكَ الله تعالى ؛

((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه.))

دِقَّةُ الآية:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
هذا شِعارُ كُلِّ مؤمن، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؟
((إن لم يكن بِك غضَبٌ عليّ فلا أُبالي، ولك العُتبى حتَّى ترْضى، لكنَّ عافِيَتَكَ أوْسَعُ لي.))

أجْمَلُ شيء في الآية العُبُودِيَّة لله تعالى، لم يقل: أنا إرادتي قَوِيَّة، وأنا سيِّدُ نَفْسي ! هذا شِرْك، أحْيانًا تَجِدُ إنسانًا شَخْصِيَّة في البلد، وله زَوْجة ملِكَة جمال، فإذا به يتعلَّق بامْرأة مثل الممْسحة !! فَسَيِّدُنا يوسف انتَبَهَ لهذه النُّقْطة قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
يا رب أنا مُسْتقيم بِمَعونَتِك، وعفيف بِمَعونتِك، وهذا مُلَخَّص إياك نعبد وإياك نسْتعين، أحدُ العلماء ألَّف كتابًا يَحْوي مُجَلَّدَيْن اسمهُ مدارج السالِكين بين منازل إياك نعْبد وإيَّاك نسْتعين، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)﴾

[سورة النحل]
صَبْرُكَ بالله، وعِفَّتُكَ بالله، ووَرَعُكَ وطاعتُك بالله، وهذا هو معنى لا حول ولا قوَّة إلا بالله، لا حَوْل عن معْصِيَة الله إلا بالله، ولا قوَّة على طاعَتِهِ إلا به، فإذا وفَّق الله عبْده للصَّلوات الخمْس في المَسْجِد فهذه مِن نِعَم الله، إذ هناك مَن يُغازِل النِّساء بِالبَيْع والشِّراء والصَّلوات تمرّ عليه مرور الكرام، فإذا سَمَح لك الله تعالى بِغَضِّ البَصَر، وبِزَوْجة صالِحَة ومالٍ حلال، فلا تَعْزو الطاعة لك ؛ هذا شِرْك، قُل: يا رب سَمَحْت لي أن أُطيعَك، وأن أقْتَرِن بِزَوْجة صالِحَة، وأولاد أبْرار.
قال تعالى:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)﴾

[سورة يوسف]
أي سميع لِقَوْله، عليم بِقَلْبِهِ وحالِهِ وصِدْقِهِ، والله عز وجل سميعٌ عليم أنتَ اُدْعوا الله وإن كان دُعاؤُكَ وِفْقَ السُّنَّة سترى الإجابة إن شاء الله قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))

[رواه البخاري ]
ناجي ربَّك وسَلْهُ وادْعوهُ وترجَّاه، وتذَلَّل بين يَدَيْه ؛ هذا هو المؤمن إلهي أنت مَقْصودي ورِضاك مَطْلوبي، كلمتين: قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)﴾

[سورة يوسف]
رأوا الآيات الدالة على براءَتِهِ وعِفَّتِهِ وطهارَتِهِ، أرادوا أنْ يطفئوا الفِتْنة فَوَضَعوه بالسِّجْن.




والحمد لله رب العالمين






السعيد 03-04-2018 09:21 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء التاسع




أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا مع قِصَّة سيِّدُنا يوسُف عليه الصلاة والسلام قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
أوَّلاً هناك الرؤْيا، وهناك الحُلُم، فالحُلُم اضْطِرابات هَضْمِيَّة، لو أنَّ الإنسان تناوَلَ طعامًا ثقيلاً قبل أن ينام يرى أشْياء غير مَنْطِقِيَّة، وغير مُترابِطَة، ومُتَداخِلَة، ومُضْطَرِبَة، ومُشَوِّشَة، ولا معنى لها ؛ هذا اسْمُهُ أضْغاث أحْلام.
لكِنَّ الرؤيا، والرؤيا الصادِقَة جُزْء مِن ستٍّ وأربعين جزْءً من النُّبُوَّة فالإنسان أحْيانًا يرى رؤْيا واضِحَة ذات مَعْنى، وذات دلالة ؛ مُبَشِّرَة أو مُحَذِّرَة، فهذه رؤْيا صادِقَة ؛ إنَّها جُزْء مِن ستٍّ وأربعين جزْءً من النُّبُوَّة.
فالله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يُعْلِمَ أنبياءَهُ شيئًا يُرْسِلُ إليهم سيِّدنا جبْريل عن طريق الوَحْي، أما إذا أراد أن يُعْلِمَ المؤمن عن شيءٍ وأراد أن يُحَذِّرَهُ، وأن يُنْذِرَهُ، وأن يُخَوِّفَهُ، وأن يلْفِتَ نَظَرَهُ، وإعلامٌ واتِّصالٌ مٌباشِر من الله إلى المؤمن ؛ عن طريق ماذا ؟! لا يوجد جبريل، ولا وَحْي، فهذا يكون عن طريق الرؤيا الصالحة، ويراها الرَّجُل الصالِحُ، أو تُرى لهُ.
الآن، الرؤيا الواضِحَة من الله عز وجل، إن كُنْتَ مُسْتقيمًا، ورأيْتَ رؤْيا مُبَشِّرَة فهذه مِن الرحمن، وإن لم تكُن كذلك لا سَمَحَ الله ورأيْتَ رؤْيا مُخيفة فَهِيَ من الرحمن، فالله جلَّ جلاله يُبَشِّر أو يُنْذِر، أما أن يكون الإنسان غارق بالمعاصي، وتارك للصلاة، ومات على هذه الحال، ثمَّ يقولون لك: رأيناه في المنام لابِسًا رداءً أبْيَضًا، ووَجْهُهُ كالقمر !! هذه مِن الشَّيْطان تَضْليلاً وتَمْويهًا، فالرؤيَة المُبَشِّرَة لإنسانٍ مُنْحرِفٍ هذه من الشَّيْطان، والرؤيَة المُخيفة لإنسان مؤمن هي من الشيطان، عندنا أربع حالات: إنسان مؤمن رأى رؤيا مُبَشِّرة من الرحمن، وآخر مُقَصِّر رأى رؤيا مُخيفة تَحْذيرًا هي من الرحمن لكنَّ غير المستقيم والمنحرف رأى رؤيا مُبَشِّرة فهذه من الشيطان تَضْليلاً.
أيها الأخوة، لي صديق له خالة له علاقة وثيقة بها، ويُحِبُّها كثيرًا فَتُوُفِّيَتْ، أقْسَم لي بالله خِلال ثماني سَنوات وهو يراها بِرُؤْيا مُخيفة وَجْهُهَا أسْوَد، وألْسِنَةُ اللَّهب قريبة منها، بعد ثماني سَنَوات رآها في المنام بِحالٍ جيِّدَة وقالتْ له: الحمد لله يا بنيّ ! كُلُّ هذا العذاب الذي أصابني مِن كأس الحليب !! فقد كان لِهذه المرأة ابن زَوْج، لها ولَدٌ منه وله ولدٌ من غيرها، وكان الولَدَان في بيْتٍ واحِد، فكانت تملأُ كأس الحليب لابنها وتملأ الكأس الآخر نصف حليب والنصف الآخر ماء لابن زوْجِها، فأحْيانًا الرؤيا الصادِقة ذات دلالة كبيرة جدًا.
فالرؤيا يراها الرجل الصالح، وتُرى له، ويراها لنفسه ولِغَيره ويراها غيرهُ له أو لنفسه، فالرؤيا الصادقة ذات الدلالة الواضِحة، وذات إشارة عميقة إلى معنى مُعَيَّن هي الرؤيا الصادقة.
لي صديق له طفل في مُقْتَبَل العمر، سَنَتَيْن، وأُصيب هذا الولد بِمَرَضٍ مُزْمِن جعل البيت في حزنٍ دائِمٍ، فرأى رجُلاً صالحًا في المنام يرتدي عمامة خضْراء وقال له: يا فلان تَصَدَّق لابنك، فقال لي هذا الشخص في اليوم التالي: ذَبَحَ خروفًا ووزَّعَهُ، فأقْسَمَ لي أنَّهُ بعد سبْعة أيَّام شُفِيَ الطِّفل، فالله تعالى قد يُوَجِّهُكَ تَزْجيهًا في المنام.
وعندي صديق ثاني مُقيم بالكُوَيْت مذ سنَوات طويلة، ومُجَمِّع ثروَة كبيرة وضَعَها بِشَرِكة اسْتِثْمارِيَّة، فجاء إلى الشام لِنُزْهة شَهْر، وله قريب طبيب أطْفال، فَجَلسوا جلْسَةً فقال الطبيب عمَلُكَ فيه شُبْهَة بهذه الشَّرِكَة، وبقِيَ يتناقَش معه للساعة الثانية عشر، وبعد الساعة الثانية عشر أقَرَّ أنّ عملهُ فيه شُبْهة، وقال: إن شاء الله سأسْحب مالي، يقول هذا الشَّخْص: فاتَّصل بالهاتف إلى الكويت صباحًا ومساءً فلم يتمكَّن لِرداءة الخطوط، وحاوَل فلم يسْتطع، حينها قال: لمَّا أرْجِع إلى الكويت أضَعُ مالي بِجِهَةٍ شَرْعِيَّة، وبعد شَهْر رجع إلى الكويت فاسْتقْبَلَهُ أخوه وقال له: أما سَمعْتَ يا أخي ما حدَث ؟ فقال: وما الذي حدث ؟ فقال الأخ: فلَّسَتْ الشَّرِكَة !! فَبَرِكَ هذا الشَّخْص من شِدَّة الحادثة، وقال لأخيه: والله لقد رأيْتُكَ بالمنام وأنت تقول لي: بِعْني الأسْهم برأس مالها، ثلاث مرَّات، وفي الثالثة بِعْتُكَها ! لقد رأى في المنام هذا مِن جرَّاء أنَّهُ أراد التوبة النَّصوح، فالله لما رآه يُحاوِل الاتِّصال تاب عنه، وهذه هي الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له.
وأحد العلماء بطرابلس الشام، فقير ومُستقيم، ويَسْكُن بِبَيْت أُجْرة وتمكَّن صاحب البيت يُخْليه، فأحد أغنياء طرابلس رأى النبي عليه الصلاة والسلام بالمنام يقول له: يا فلان، اِشْتري لِفُلان بيْتًا ! فالله أحْيانًا يتدخَّل بِرُؤيا واضِحة كالشَّمْس، أما أن ترى أضْغاث أحلام فهي من الشيطان.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
يُرْوى أنَّ الإمام ابن سيرين وهو كبار العلماء في التفسير، فالإمام مالك دار الهِجْرة رأى في المنام ملك الموت، فقال له الإمام مالك: كم بقِيَ لي مِن حياتي يا ملك الموت ؟ فأشار له بِخَمْسة !! يا تُرى خمْسة أسابيع أم خمْسة أيام أم خمْسة أشْهر أم خمْس ساعات أم...فاضْطرب ثاني يوم، وحكى له ما رأى، فقال الإمام ابن سيرين: يقول لك ملك الموت ؛ هذا من خمْسة أسئلة التي لا يعْلمُها إلا الله ! فإذا الإنسان رأى رؤيا صالِحَة وقصَّها على إخْوانه فلا مانع، إنَّما هي بِشارة، وغن رأى شرًّا بصق عن يساره واسْتعاذ من الشيطان الرجيم.
والإنسان إذا رأى رُؤيا مُخيفة، وكان مُتَلَبِّسًا بِحَرام، فالجواب ؛ إن تاب تعطَّلَتْ الرؤيا، وإذا لم يتُب قُضِيَ الأمر الذي فيه تَسْتفْتِيان، فالرؤيا تَحْذير من الله فإن تاب العبد توقَّفَتْ، وإن لم يتُب وقَعَتْ.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
مرَّةً ثانِيَة لو قال لك رؤيا تأخذ العَقل، فهل أنت مُكَلَّف أن تُصَدِّقهُ ؟ فالرؤيا لا تُصرف إلا لِصاحِبِها، كالشِّيك تمامًا لا يُصْرف إلا لِصاحِبِه فالرؤيا طريقة من طرق إعْلام العَبْد، ودينُنَا ل يُبنى لا على المنامات ولا على الخرافات ولا على الكرامات، دينُنَا دينُ عِلْم، أما أن تتَّخِذ حكاية المنامات كالجرائد فهذا ليس شِعار المؤمن، فلو أنَّ الإنسان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأمَرَهُ بِمُخالفة الشرع ؛ قال العلماء: يثبت الشرع وتُرَدُّ الرؤيا ؛ نحن عندنا كتاب وسنَّة، فأنت ليس عليك تَصْديق الرؤيا البتَّة، وديننا دين حقائق وبراهين وعلم، ومادام ورد موضوع الرؤيا فهذا هو موضوع الرؤيا ؛ إعلام من الله تعالى مُباشر فإذا كان مُخيفاً فَهُوَ تَحْذير، وإذا كان مُريحًا فَهُوَ تَبْشير.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-04-2018 09:22 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء العاشر




أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا أيُّها الأخوة في قِصَّة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾

[سورة يوسف]
لماذا فعَلَ هذا النبي التَّصرف هذا ؟! الإنسان إذا أراد أن يَدْعُوَ إلى الله عز وجل عليه أن يعْتَمِدَ على حاجات الناس الأساسِيَّة، فالإنسان يحْتاج إلى الأَمْن وإلى الرِّزْق الوفير وإلى زَوْجَة صالحة وإلى أولاد أبرار هذه حاجات أساسيَّة، فإذا رَبَطْتَ هذه الحاجات بِمَعْرِفَة الله وطاعة الله اسْتَفَدْتَ من فِطْرة الإنسان الحريصة على ما يُصْلِحُها، وتَخْشى على ما يُفْسِدُها، فهذان الرجلان الفَتَيان رَأَوَا منامًا، فَسَيِّدُنا يوسف ما أراد أن يُفَسِّر لهم هذه الرؤيا فَحَسْب، بل أراد أن يسْتَغِلَّ الْتِفاتهما إليه وسُؤالهما له، وحاجتهما له لِيُعْطِيَهُما فِكْرَةً عن التَّوحيد، فاطْمَئِنُّوا سوف أُفَسِّر لكم هذه الرؤيا، قال تعالى:

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)﴾

[سورة يوسف]
يا ترى أنت لو كان عندك مَحَلّ تِجاري، ومُوَظَّف فقير فإذا أرَدْتَ أن ترفع أُجْرته وأن تُعينَهُ وأن تُكافِئهُ، أليس لك أن تربط إعانتَك له بِطَاعة الله واسْتِقامته ؟ فلِمَ لا يَعْنيك دينهُ وصلاتُهُ واسْتِقامَتُه ؟ المُهِمّ أن يُقَدِّم لك خِدْمة جيِّدة، أما الدِّين لا تعْبأ به ! فلا ينبغي أن تسْتفيد من الخلق دون أن تَهْدِيَهُم إلى طاعَتِه تعالى، فأنت إن جَعَلَك الله أبًا لِهذا الولد فَمَصْروفُهُ عليك، فارْبِط بين الإكرام والجزاء بِطاعة الله وحفظ القرآن الكريم، فَهُناك آباء يُقَدِّموا لأولادهم كلّ شيء ولا يَعْنيهم أمْرُ صلاتِهم وطاعتهم لله تعالى، وآخر مؤمن يرْبط المكافأة والمال والهَدِيَّة بطاعة الله تعالى، وصلاته، وغضِّ البصر وحفظ القرآن فالله إن جعَلَك أبًا فَهُرَ قد ربَطَ أولادك وزَوْجتَك معك وإن جعلكَ صاحب مَتْجَر فأنت لك مجْموعة مُوَظَّفين ؛ هؤلاء الذين أناطهم الله بك وجعل حوائِجَهم عندك، لا ينبغي أن تُهْمِلَ دينهم بل أن تسْتَغِلَّ حاجتهم إليك في تَوْجيههم إلى الله عز وجل، لذلك صاحِبُ المعْمَل مسؤول عن دينِ عُمَّالِهِ، ففي أحد المصانِع التي زُرْتُها بنى صاحبه فيه مسْجِدًا يُؤَذَّن للصلاة فَيُوقَفُ العمل، والكُلّ يأتي لِصَلاة الظُّهْر، فهذا دلَّهم على الله تعالى، وكذا الأمر إذا كنت مُدير مَعْمَل أو مَشْفى، اِسْتَفد من هؤلاء لِتَوْجيههم إلى الله عز وجل، فَسَيِّدُنا يوسف سُئِل، ولكن قال: لا ‍! قال تعالى:

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)﴾

[سورة يوسف]
لَفَتَهُم إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالدار الآخرة، ثمَّ قال:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾

[سورة يوسف]
لمَّا الإنسان يُصبِح يخاف من زيد وعُبَيد، ويرْجو فلان تَمزَّق بِهذا وتَبَعْثَر وتَشَتَّت، أما لو اتَّجهَ الإنسان إلى الله تعالى وَحْدَهُ وأرضاهُ تعالى وَحْدَهُ، وخافهُ تعالى وَحْدَهُ، واعْتَقَد أنَّهُ لا رافِعَ ولا خافض إلا هو تعالى، ولا مُعْطِيَ إلا الله، وأنَّ كلّ أمْرِهِ بيَدِ الله لذا اِعْمَل لِوَجْهٍ واحِدٍ يَكْفيك كُلَّ الوُجوه ! لماذا اسْتَغَلَّ حاجة هذين الرَّجُلَيْن إلى تَفْسير رُؤْياهما؟ لأنَّهُ أراد أن يُوَجِّههما إلى الله عز وجل، وهذا القرآن الذي يُتْلى إلى يوم القِيامة القَصْدُ منه أنْ نتعلَّم من أساليبه فأنت أب ومُعَلِّم وصاحِب مَتْجر أو معْمَل أو شركة أو من يلوذ بك أو أنتَ قيِّم على أيْتام أو لك أولاد أخ أيتام ؛ اِرْبِط بين المُكافأة والدِّين فإذا رَبَطْتَ هذا بِذاك تكون قد اسْتَفَدْتَ من هذا الحاجة في تَوْجيه الناس إلى الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾

[سورة يوسف]
إلهٌ عظيم بِيَدِهِ كُلّ شيء أم أن تَخاف مِن زَيْد أو عُبَيْد، وتَرْجو فلان وتُنافِق لِفُلان وأن تَخْشى فُلان ؛ لن تنام الليل من القلق، والله تعالى قال:
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(88)﴾

[سورة القصص]
أحَدُ أكبر عذابات الإنسان الشِّرْك بالله وقال تعالى:

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾

[سورة يوسف]
تَسْمَع مناصب وأسماء ووظائف هي أسْماء سَمَّيْتُموها أنتم وآباؤُكم ما أنزَلَ الله بها مِن سُلْطان، ويقولون لك: أكبر قُوَّة ضارِبَة نَوَوِيَّة !! هذه أسْماء، قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

[سورة يونس]
لا تَقُل الدَّولة الفُلانِيَّة معها نَوَوي !! لا، كل شيء بِيَدِ الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾

[سورة الزخرف]
وقال تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
بماذا وَجَّهَهُم هذا النبي الكريم ؟ وماذا اخْتار من الدِّين ؟ اخْتار التَّوحيد فالإنسان إذا وحَّد ارْتاحَتْ نفْسُه، ويرْفَع رأسُه، ولا يخاف ولا يُنافِق ولا يسْتَخْزي ولا يَقْنَع، ولا يقْلق، ولا يَحْزَن، ولا يُضَحِّي بِدِينِه مِن أجل دُنياه، لذا سيِّدُنا يوسف لمَّا أراد أن يسْتغِلّ حاجة هذين الشابَّيْن اخْتار لهما التَّوْحيد، ولذا ما تعلَّمَتِ العبيد أفْضَل من التَّوْحيد، وهو نِهايَةُ العِلْم، والتَّقْوَى نِهايَةُ العَمَل.
هناك شيْئَين كبيرين: العَلْم والعَمَل، فالعِلْمُ نِهايَتُهُ التَّوحيد، والعمل نِهايَتُهُ طاعة الله عز وجل، وأعلى أنواع الأعمال أن تُطيعَ الله تعالى وأعلى أنواع العلم أن تُوَحِّدَ، والدليل أنَّ الله تعالى جعَلَ فَحْوى دَعوة الأنبياء التَّوحيد والعِبادة، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[سورة الأنبياء]
فإذا وَحَّدْتَ الله تعالى، وعَبَدْتَهُ فقد حقَّقْت المُراد مِن الدِّين، فأنت بالكَوْنُ تُوَحِّدُهُ، وبالشَّرْعِ تَعْبُدُهُ، فَكِّر بالكَوْن تُوَحِّد، واطْلب العِلْم الشَّرْعي تَعْبُدُهُ، وربُّنا عز وجل أسْماؤُهُ كثيرة إلا أنَّهَا كُلُّها في ثلاث كلمات: الله موجود، وواحِد وكامل.
مُلَخَّصُ درْسِنا اليوم ؛ كُلُّ واحِدٍ جعَلَهُ الله قَيِّمًا على أشْخاص أب أو أم أو صاحب معْمل أو مَتْجَر، رئيس دائرة أو مُدير فما دام هؤلاء تحت يَدِك ومُكافآتُهم منك، اِسْتَغِلّ هذه الحاجة وادْعُهُم إلى الله تعالى، قال تعالى:

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾

[سورة يوسف]
لا تَكُن مع الأكْثَرِيَّة ولكن كُن مع الأقَلِيَّة، فالأكْثَرِيَّة لا تَعْلم وكلَّها فاسِقَة، وهي لا تُؤمِن ولكنَّها تَظُنُّ ظنًّا، قال تعالى:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)﴾

[سورة يونس]
وقال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[سورة يوسف]
فالمَجْموع الآن كُلُّهم غافِل وساهٍ وفاسِق ومُنْحَرِف في كُلّ شؤونِه ولكن كُنْ مع الأقَلِيَّة الواعِيَة والمُسْتنيرة والمُلْتَزِمَة، ولا تَكُن مع الخط العريض الساهي اللاهي، هؤلاء الفتيات اللاتي يمْشينَ بالطريق ألَيْس آباؤُهنّ مؤمنين ؟‍‍! أين آباؤهم وإخوانهم ؟! المؤمن التَّقاليد والمواد تحت قَدَمِه، ولا يعْنيهِ منها شيئًا، إنَّما يَعْنيه الشَّرْع.
وفي الدَّرْس القادِم نشْرح تَفْسير الرؤيا، قال تعالى:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(41)﴾

[سورة يوسف]








والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-04-2018 09:24 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الحادى عشر




أيها الأخوة الكرام، الآن بعد أن اسْتَغَلَّ سيِّدُنا يوسف هذين الفتَيَيْن الذان اسْتَفْتَياهُ في رؤْيا رأوْها، الآن جاء دَوْرُ تَفْسير الرؤيا.
وذَكَرْنا في دَرْسٍ سابق أنَّ المؤمن إذا أناط به الله أُناسًا، وجعَلَهُ قيِّمًا عليهم ؛ أبًا أو رئيس دائِرَةٍ أو مُديرًا، هؤلاء الذين عَهِدَ الله بِهم إليك، وأناطهم بك، عليك أن تُوَجِّههُم إلى الآخرة، وتُصْلِحَ دينهم، ألا ترَوْن الدعاء النبوي الشريف: اللهم أصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمرنا..." فأنت إذا أصْلَحْتَ شأن مَن حَوْلَكَ، وأصْلَحْتَ دُنْياهم عليك أن تُصْلِحَ آخرَتَهم.
قال تعالى:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآَخَرُ﴾

[سورة يوسف]
فالأوّل يُطْلَقُ سراحُهُ، ويَعود إلى عَمَلِهِ في قَصْر المَلِك، ويَخْدِمُهُ ثمَّ قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾

[سورة يوسف]
أي سَوْفَ يُقْتَل، وهناك رأْي لِبَعْض العلماء أنَّ قَوْلَهُ تعالى:

﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

[سورة يوسف]
أنَّ المرء إذا رأى رؤيا مُخيفة، وفيها تَحْذير، لو أنَّهُ تاب إلى الله تعالى فإنَّها لا تَقَع أما إن لم يَتُب وَقَعَت فلَعَلَّ هذا النبيَّ الكريم رأى من أحدهما اسْتِهْزاءً بِهذا التَّفْسير ؛ فقال:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

فالإنسان إذا رأى رؤيا واضِحة كالشَّمْس، ومُخيفة، وكان مُنْحَرِفًا ومُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَة وآكِلاً لِحَقٍّ، فهذه الرؤيا تَقَعُ ولا تَقع ! تقَعُ إن لم يتُب ولا تَقع إذا تاب.
نُريد أن تكون هذه الحقيقة واضِحَةً في أذْهانِنَا، إنسان مُتَلَبِّس بِمَعْصِيَة مالٍ حرامٍ، أو ظالمٍ، أو مُقَصِّر في أداء حُقوق، وهو يعْلَمُ ذلك فرأى رؤْيا مُخيفَة، ورأى أنَّهُ وقَعَ مِن بناءٍ شاهِق فَنَزَل ميِّتًا، وأنَّ حيوانًا نهَشَهُ، وأنَّ محلَّهُ حُرِق، واسْتَيْقظ رْهوبًا، فهذه الرؤيا من الله عز وجل ؛ تَحْذير لما فيه مَعْصِيَة، وهل تقع هذه الرؤيا ؟ الجواب: هذه الرؤيا تَقَعُ ولا تَقع ! تقَعُ إن لم يتُب، ولا تَقع إذا تاب، وبعض المُفسِّرين لعلَّ أحدهما استهزئ فقال يوسف عليه السلام:

﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)﴾

[سورة يوسف]
هناك من يقول: أنَّ يوسف عليه السلام طلب مِن هذا الفتى الذي هو ناجٍ أن يَذْكرَهُ عند ربِّه ولذا أبْقاهُ الله تعالى في السِّجْن بِضْعَ سِنين عِقابًا له !! فهذا الكلام ليس صحيحًا، والعلماء قالوا: يجوز للمؤمن أن يبْتَغِيَ إلى الله الوسيلة، وأن يسْعى لإنقاذ نَفْسِهِ عند إنسان قَوِيّ ؛ فهذا يجوز، ولكن لا يجوز أن تعْتَقِدَ أنَّ هذا الإنسان سَيُنْجيه، ويكون بِهذا قد أشْرَك، أما إذا أخذَ بالأسباب، وتوَكَّل على ربِّ الأرباب فلم يُشْرِك، وهذا من باب الشَّفاعة، قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(85)﴾

[سورة النساء]
هذا مَشْروع، والله عز وجل في حديث دقيق جدًا:
((إنَّ الله يلوم على العَجْز، عليكم بالكَيْس ؛))

فهذا الحديث الشريف لو طبَّقَهُ الناس لكانوا سادَةَ الدنيا أنت اِسْع وتظلَّم واشْتكي، وقابِل، وأقْنِعْهُم بالحُسنى والمعروف فإذا غلبَكَ أمْرٌ وما اسْتَطَعْتَ حينها تقول: حسْبِيَ الله ونِعْمَ الوكيل، وهذا بعد السَّعْي والأخْذ بالأسباب، فلا يجوز قَوْلُها قبل التَّسبُّب.
((إنَّ الله يلوم على العَجْز، عليكم بالكَيْس ؛))
دَبِّر وخَطِّط وفَكِّر وبيِّن ووضِّح وتحرَّك، وعندما يغْلبك الأمْر فقُل: حسْبِيَ الله ونِعْمَ الوكيل إذًا لا يجوز أن تسْتَسْلِم للمَقْضِيّ، والعلماء فرَّقوا بين القضاء والمَقْضِيّ فالقضاء كالزِّلزال والمطر الشَّحيحة، والمرض لكنَّ المَقْضِيّ هو أن يَعْتَدي عليك إنسان، وأن يسْرُقَك، حينها لا تَقُل هذا قضاء عليّ وتتْرُكهُ يسْرق، ولكنْ عليك أن تكْمشَه.
سيِّدُنا عمر كان في طريقِهِ إلى الشام فَعَلِموا أنَّ بها وباءً هو الطاعون فتَحيَّروا في الأمر ؛ بعضهم قالوا: ندْخُل، ولا نَفِرُّ من قضاء الله والآخر قالوا: لا ! فلمَّا عرضوا الأمْر على عمر رضي الله عنه قال: لا نَدْخُل، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، أَتَفِرُّ مِن قَضاء الله ؟ فقال: نعم، أنا أفِرُّ مِن قَضاء الله إلى قضاء الله ! لو أنَّ راعِيًا معه شياه وهناك أرضان إحْداهما مُجْذِبَة والآخرة مخْصبة، أليس لو حوَّل غنَمَهُ من المجذبة إلى المخْصِبَة فرَّ مِن قضاء الله إلى قضاء الله !!
فالقضاء ما يأتي من الله مُباشَرَةً، أما المَقْضِيّ ما يأتي من ظُلْمِ العباد فالمَقْضِيّ يُقاوَم ويُعارَض، لذا لا تَقْبَل أن يُؤْخَذ منك حقُّك وأنت ساكت ليس هذا من خُلق المُسْلِم، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)﴾

[سورة الشورى]
قال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)﴾

[سورة الشورى]
فإذا غلبَ على ظنِّك أنَّ عَفْوَكَ على أخيكَ يُصْلِحُهُ ويُقَرِّبُهُ فيَجِبُ أن تَعْفوا، أما إذا غلَبَ على أمْرِكَ أنَّ عفْوَك يزيدُه عُدْوانًا وبَغْيًا وتطاوُلاً يجب أن تأخذ حقَّك دون اسْتِسلام، ولكن إذا أخَذْت حقَّك ينبغي أن لا تزيد على حَقِّك شيئًا.
لذا سيِّدُنا يوسف لمَّا قال: اُذكرني عند ربِّك ما فعَلَ شيئًا بِهذا ! وما فعَلَ شيئًا خِلاف مَنْهج الله تعالى، فهو لا يعْتَقِد النَّجاة من غير الله تعالى، ففي بعض التَّفاسير كما قلنا قالوا: أبقاه سبع سنوات في السِّجن من أجل ان قال: اُذكرني عند ربِّك ! فهذا الكلام لا أصْل له، ونحن كَمُؤمنين بِإمْكانِنَا أن نصِل إلى أهْدافِنا عن أسباب لا تضُر إيماننا ولا تَقْدَحُ في تَوْحيدِنا.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)﴾

[سورة يوسف]
هذه هي الرؤيا التي رآها المَلِك، قال تعالى:

﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً﴾

[سورة يوسف]
سبْع سنوات تُغِلّ غلاَّت وفيرة ثمَّ قال تعالى:

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)﴾

[سورة يوسف]
وهذه إشارة في عِلْم الزِّراعة أنَّ القَمْح إذا بَقِيَ في سُنْبُلِه يُحْفَظُ سبْع سنواتٍ بالتَّمام والكمال، ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)﴾

[سورة يوسف]
أي البِذار ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
هل هناك إنسان يصْدُر أمْر الإفْراج عنه من السِّجْن، ولا يخْرج ؟ المؤمن كرامتُه عالِيَة، وشرَفُ المؤمن قِيامُهُ باللَّيل، وعِزُّه اسْتِغْناؤُهُ عن الناس فلو أنَّهُ كانَ سجينًا عاديًّا ما إن سَمِع بِإطلاق سراحِهِ حتَّى تراه مُسْرِعًا ولكن قال له قال تعالى:

﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
وهذا نأخُذه في دَرْسٍ قادِمٍ إن شاء الله.
والمُلاحظ أنَّ الله تعالى يَمْتَحِنُ الناس بالرَّخاء والشِّدَّة، تأتعي سبْعة سنوات خير، وأخرى شرّ، فالناس إذا فُتِحَت عليهم الأمور يَفْسُقون وإذا ضُيِّقَت يَكْفرون، والله تعالى قال:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

[سورة المعارج]
فالمؤمن في الرَّخاء شَكور، وفي البَلاء صَبور، وغير المؤمن في الرَّخاء ساهٍ وغافلٍ، وفي الشِدَّة يَيْأس وهي كُفْر، والغَفْلَة أيْضًا بُعْدٌ عن الله تعالى، فالله تعالى عالَجَ هؤلاء بِسَبْعِ سَنوات عِجاف وأخرى خَيِّرات، والمًُلاحظ في البلاد الإسلامِيَّة هذه المَوْجات ؛ انْفِتاح وانْغِلاق أما المؤمن الصادِق فلا ينسى فضْل الله تعالى في الرَّخاء، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((أمرني ربي بِتِسْع: خَشْيَةُ الله في السرّ والعلانِيَة، وكلمة العدل في الغضب والرِّضا، القَصْد في الفقْر والغِنى وان أصِل منْ قطني، وأن أعْفُوَ عمَّن ظلمني، وأُعْطِيَ مَن حرَمَني وأن يكون صَمْتي فِكْرًا، ونُطقي ذِكْرًا، ونَظري عِبْرَةً.))









والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-04-2018 09:26 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثانى عشر




أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
هذه الآية فيها إشارات كثيرة.
الإشارة الأولى: أنَّ الإنسان إذا ظَهَرَ أمام الناس بِمَظْهَر الغِنى أو عرض ما عندَهُ، أو تحدَّث عن أمواله، وعن مَصْروفِهِ، وعن بيْتِهِ وعن رِحْلاتِه، ودَخْلِهِ، وحجْم إنْفاقِه.. إذا ظهر الإنسان بِمَظْهر الغِنى والتَّرَف، ما الذي يَحْصَل ؟ قد يأتي إنسان فقير قد تلبَّس به الشَّيْطان فإذا نظر الفقير إلى هذا الغَنِيّ نَظْرَةَ حسَدٍ، وكان هذا الغنيّ غافلاً عن الله تعالى سرى هذا الشَّيْطان من هذا الفقير الحاسِد إلى هذا الغنِي الغافِل، وهذا ما يُعَبِّرُ عنه العَوام بالعَيْن، وربُّنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ(3)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)﴾

[سورة الناس]
وقال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1)مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(2)وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3)وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(4)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾

[سورة الفلق]
لذلك قالوا كَثْرة الظُّهور تَقْصِم الظُّهور قال تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)﴾

[سورة القصص]
فَهُناك أشْخاص همُّهم الحديث عن أوْلادِهم وذكاء أولادِهم، وعن نجابَةِ أولادهم، أو عن بيْتِهم أو عن موْقِعِ بيْتِهم، أو الأثاث الفاخِر الذي زُيِّنَ به البيت ! فإذا كان هذا الهو الهَدَف دون أن يشْعُر، ففي ساعة الغَفْلَة قد يَحْسُدًُه حاسِد مُتَلَبِّسٌ به الشَّيْطان، ويسْري حينها الشيطان فيه.
يقول لك: به عَيْن، ومرِضَ مرضًا كبيرًا ومات به، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((العين تضع الجمل في القدْر...))
فأنت لا تَضْمَن أنَّ هذه الذي أمامك مَوْصول بالله تعالى فلو أنَّهُ كان مَوْصولاً لما حسَدَك، لأنَّ ربَّنا عزَّ وجل وصَفَ المؤمنين أنَّهم يتنافسون في طاعة الله تعالى، قال تعالى:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

(سورة المطففين)

المؤمن الدنيا خارِج اهْتِمامِه، ولذا علَّمَنا النبي أنَّهُ من رأى بيتًا فخْمًا أو مرْكَبَةً كان يقول:

((اللهم لا عيْش إلا عيش الآخرة..))
فمتاع الدنيا من بيوت ومركبات مُتَوَقِّفَة على نبْض القلب انتهى كل شيء، فلا يوجد قَبْر خمْس نُجوم !! فَكُلّ مَخْلوق يموت ولا يبْقى إلا ذو العِزَّة والجبَروت ؛
الليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجْر
والعُمْر مهما طال فلابدّ من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامتـــه
يــومًا على آلة حَدْباء مَحْمــــول
فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً
فـــاعْلَم بأنَّك بعْدها مَحْمــــول
***


أيها الأخوة، ما ذُكِرَ الموت في كثير إلا قلَّلَهُ، ويُذْكر في قليل إلا كثَّرَهُ فإذا الإنسان مَحْروم وفقير وزواجُهُ غير ناجِح، وبيتُهُ صغير، ودَخْلُهُ أقلّ مِن مَصْروفِه، وكان مؤمنًا ومُسْتقيمًا على أمْر الله فإنَّهُ إن ذَكَر الموت ذَكَر الجنَّة، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[سورة القصص]
فالذي معه أموال لا تأكلُها النِّيران إذا مات لم يبْقَ معه إلا هذا القبر الصغير وسَيُشَيَّع إلى مَثْواه الأخير، أما المَثْوى مُوَقَّت فَهُوَ مُوَقَّت ولن تبْق فيه إلى أبد الآبدين، فإذا الإنسان إذا فكَّر بِبَيْتِه فلا بدّ من يومٍ يخرجُ منه دون أن يرْجِع، فالإنسان لا بدّ مِن أن يخْرج من بيتِه مرَّةً بِشَكْل أُفُقي والإنسان يرى مئات المساجد وآلاف المساجِد ؛ يُصَلي أو لا يُصَلِّي لكنَّه بِأنَّهُ ينتمي إلى أمَّة الإسلام يجب أن يدْخُلَ المَسْجِد ليُصَلَّى عليه ! كنتُ مرَّةً في مدينة المغرب ؛ مدينة فاس الإسلامِيَّة، رأيْتُ سمَّانًا كاتِبًا على محلِّه: صلِّ قبل أن يُصَلَّى عليك!
أيها الأخوة، أرَدتُ من هذه الآية:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
لا تُعَوِّد نفْسك الكلام عن أهْلِك وبيْتِك وزوْجَتِك وعن ترتيبها ونظافتها وأناقَتَها، وعن دَخْلِك ؛ هذا مرض النِّساء ؛ فهذا المديح لا يجْلب الخير، فلعلَّ إنسانًا فقيرًا نظَرَ إليك نظْرة حسدٍ فسَرَى إليك الشيطان، متى يُؤثِّر الحسد ؟ إذا كان المَحْسود غافِلاً عن الله تعالى وكان الحاسِد مُتَلَبِّس بالشَّيْطان، وهذه نصيحة كريمة، قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾

[سورة البقرة]
اُذْكر الله في كل مكان ولن يحْسُدك أحد، بل يغارون منك، وهي مَحْمودة، قال عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في..." فأنت خلال سماعِك للخُطباء والدروس بلِّغ ما سمِعْت، لأنّ الحديث إذا كان عن الدنيا فإنَّك تجْلب به الأعداء دون أن تشْعُر ؛ إنَّ العَين لتَضَع الجمل في القِدْر، والرجل في القبر مأخوذ من قوله تعالى:
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾

[سورة الفلق]
فالإنسان إذا خرج من مصالحِه، ومن بيْتِهِ إلى خِدْمة الخَلْق وتذْكيرهم بالله وتعريفِهم به، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر انتهى من الحسد، لأنّ الناس تعلَّقوا به عن طريق الله تعالى، قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
يروون قِصصًا غريبة أنَّ أحدهم توفَّى فجاءَهُ الملكان لِيَسْألانِه فجاءتهما - الملكان - ضَرْبتان أخْرجتْهما من القبر، وكانت من شيخ المُتَوَفَّى، وقال لهما: أهذا يُسأَلُ ؟!!! هذه قِصص ما أنزل بها من سلطان، يت فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار ! قال تعالى:
﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(46)﴾

[سورة هود]
وقال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5)﴾

[سورة المسد]
فالخَلْط والدَّجل ليس من الدِّين فلا ينقذك إلا التوحيد والاسْتِقامة على الطريق المستقيم
لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يُسرِع به نسبُه.
قال تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
وقال تعالى:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128)﴾

[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(10)﴾

[سورة الفتح]
وقال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
وقال تعالى:
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)﴾

[سورة السجدة]
قال تعالى:
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71)﴾

[سورة الزمر]
فالفِكْرة الشائِعة بين العوام أنَّ أُمَّة مُحمَّد مرْحومة ! الأمَّة المرحومة هي أمَّةُ الاسْتِجابة لا أمَّةُ التَّبْليغ، فَكُلّ من وُلِد بِبِلاد المسلمين، وكان ينتمي إلى أب وأم مسلمان ؛ هو مِن أُمَّة التَّبليغ، أما أُمَّة الاسْتِجابة هم الذين اسْتَجابوا لله وللرسول لما يُحييهم ؛ صام وصلة وغضَّ بصَرَهُ وحرَّرَ دَخْلَهُ ؛ هذا مِن أمَّة الاسْتِجابة، أما الذي يظنّ أنَّ مَن ارْتَكَب الفواحش والمعاصي وأكل الحرام، والنبي سَيَشْفَعُ له فهُوَ مَفْهوم ساذج، إلا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا لِمَن أذِنَ له الرحمن وقال صوابًا، قال تعالى:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)﴾

[سورة الأنبياء]
فالشفاعة تحتاج إلى إذْنٍ من الله تعالى، ومَن مات غير مُشْركٍ أصابَتْهُ شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
فالطالب لو نجَحَ بِكُل العلامات، وفي مادَّةٍ واحِدَة بقي له خمْس علامات كي ينجَح، هنا يُمْكن أن يُساعَد، ولكن ليس أن يرسُب بِكُل المواد ثمّ يُساعد !
نبْقى في هذه الآية إن شاء الله تعالى، وننتقِل في درْس قادِم إلى التي بعْدها، قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]








والحمد لله رب العالمين






السعيد 03-04-2018 01:50 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثالث عشر



أيها الأخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[سورة يوسف]
إنسانُ سجين، ومودَعٌ في غياهب السُّجون يدْعوهُ المَلِكُ إلى قَصْرِهِ ! هل في الأرض إنسانٌ واحد يتردَّد في الخُروج من السِّجْن ؟ قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[سورة يوسف]
أوَّل استِنباط أنَّ المؤمن عزيز، وأغْلى شيءٍ يَمْلِكُهُ كرامَتُهُ وسُمْعَتُهُ وسيِّد المسيح يقول في قَوْلٍ مَشْهور: ليس بالخُبْز يحْيى الإنسان ! كُل واحِدٍ مِنَّا يعيش بِكَرامَتِهِ وسُمْعَتِهِ ومكانتِهِ الاجْتِماعِيَّة، فلو خُدِشَت هذه المكانة والسُّمْعة لم يُصْبِح للمال قيمة !
هذا الإنسان الراقي الذي يَحْمِل مبادئ، والذي له قِيَم ورِسالة، أما مِن دون رسالة ومبادئ وقِيَم فالمال كُلُّ شيء، يعني ألْف جبان ولا رحِمَهُ الله !! كان العرب يقولون في الجاهِلِيَّة: المَنِيَّة ولا الدَّنِيَّة.
فهذا النبي الكريم علَّمنا أنَّ الإنسان يعيش بِكَرامَتِهِ وبِسُمْعَتِهِ ونظافَتِهِ ونزاهَتِهِ، فماذا ينبغي أن يقول هذا النبي لما اسْتُدْعِيَ ؟ اُنْظروا للحِكْمَة لو قال للمَلِك: أنا بريء ! فَكُلّ سجين يدَّعي البراءة، لو قال له: القِصَّة كيْت وكَيْت وكَيْت، وطعَنَ بِزَوْجَتِهِ، فهو عليه السلام ما تحدَّث عن زوْجَتِهِ إطْلاقًا، ولا عن براءتِهِ، إلا أنَّ ألْقى في قلب الملِك سؤالاً كبيرًا ؛ قال له:

﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
ابْتعدَ عن ذِكْر القِصَّة التَّفْصيلِيَّة، وعن براءَتِهِ، وعن الطَّعْن في زَوْجَتِهِ، فلو ذَكَرها تَفْصيلاً أو أباح ما حصَل لما أفْلَح، ماذا فَعَل هذا النبي الكريم ؟ ألْقى تساؤُلاً في نفس المَلِك، وهناك قِصَّة ؛ هل تعْرِفُها ؟ قِصَّةُ النِّسْوَة اللاتي قطَّعْنَ أيْدِيَهُنّ ؛ هل تعْرِفُها ؟ أنا لا أخْرُج حتَّى تعرِفَها، فجعل هذا النبي الكريم المَلِك يتحرَّى الحقائق بِنَفْسِهِ ! فدائِمًا إذا قدَّمْتَ للناس حقيقةً من عندك دون برهان يرفضونها، أما إذا كنتَ ذَكِيًّا وجعلْتَ هذا الإنسان يكْتشِف لِنَفْسِه الحقيقة، فأرْوَع شيء في الدَّعْوَة أن تَجْعَلَ المَدْعو يكْشِفُ الحقائق ويضعُ يده عليها لِوَحْدِهِ، وهذه الطريقة ذَكِيَّة جدًا في الدَّعوة إلى الله تعالى ؛ تَجْعل المُسْتَمِع شريك وتَحْتَرِمُ ذكاءَهُ وعقْلَهُ وإمْكانِيَّاتِه، فإذا وصَل لِوَحْدِهِ تمسَّك بها والقاعِدة مَعْروفَة ؛ مَن أخذَ البلاد بِغَير حرْب يهون عليهِ تَسْليم البلاد، فالذي يُرَبِّي ثَرْوَة مِن كدِّه وعرق جبينِه حِسابُهُ دقيق في إنْفاقِها، أما الذي يأخُذها إرْثًا من والِدِه فهذا يُبَدِّدُها لأتْفَه الأسباب، فهذا الموقف رحْماني وتعليمي، فأنت أيها الإنسان تعيش بِكَرامتك ومبادئِك أكثر مِمَّا تعيش بِجِلْدِك وكرامَتِكَ والطَّعام والشَّراب والمال.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50)﴾

[سورة يوسف]
بالمناسبة ربنا عز وجل قال:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[ سورة التحريم ]
فَكَم هو كَيْدُ النِّساء ؟ هؤلاء كلُّهم في مُقابل النِّساء، وربنا عز وجل قال:

﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)﴾

[ سورة النساء ]
وقال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾

[سورة يوسف]
والنِّساء حبائب الشيطان، فالخَلْوَة والحديث والمُجامَلَة ؛ هذا كُلُّهُ يذْهب بِدينِ الإنسان لذا أنت كَرَجُل لك نقطة ضَعْف واحِدة: المرأة، فحينما يغضّ بصره عن النِّساء، ويرفض الاخْتِلاط، ولا يخْلو بامرأة يحْفظك الشَّرْع وتكون في حِصْن الله، أما إذا خَرَقْتَ هذا الحِصْن بِأن اخْتَلَطْت وأطْلقْتَ البصر تخرج حينها من رحمة الله وحِصْنِه.
تجد إنسان له ثمانية أولاد وزوْجة، وتراه يتكلَّم مع امرأة ويَخلو بها وهي دون زوْجَتِهِ ؛ كل هذا من الاخْتِلاط والحديث.
قال تعالى:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)﴾

[سورة يوسف]
فالمَلِك لما سأل قالوا كما قال تعالى:

﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾

[سورة يوسف]
البطولة لا أن تشْهَدَ لِنَفْسِك بالبراءة والنَّزاهة، البطولة أن يأتي المَدْح مِن خصْمِك، ومن الطرف الآخر فالعدوّ هو الذي شَهِد، وحينها قالت امْرأة العزيز كما قال تعالى:

﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)﴾

[سورة يوسف]
فالله هو الحق، فإذا كُنْتَ مَظلومًا فلا تَخَف، فالله اسْمُهُ الحق، ومِن لوازِم اسمِه أنَّهُ يُظْهِرُ الحق، إلا أنَّه تعالى قد يسْمَح للباطِل بِجَوْلَة إلا أنَّه في النِّهايَة لا يَحِقّ إلا الحق، ولا يصِحُّ إلا الصَّحيح، فهنيئًا لِمَن كان على الحق ولو اتَّهَمهُ الناس.
لماذا اتَّهَمْتيه ؟ وأوْدَعْتِهِ في السِّجْن ؟ قال تعالى:

﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[سورة يوسف]
لِيَعْلَم أي زَوْجي.
أيها الأخوة، هناك قانون وهو منذ خلق الله الأرض وإلى نِهاية العالم قال تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[سورة يوسف]
فهذه الآية لا علاقة لها بهذا الموضوع فقد، بل هي قاعِدة، الخيانة مَفْضوحَة، فقد تكفَّل الله أن يكْشِفَ كلَّ خائِنٍ، وقد يكون الإنسان ذَكِيًّا إلا أنَّ الله يكْشِف خِيانتَهُ بأتْفَه أسلوب، وهذا بِكُل الشُّعوب والمناطق وعلى كل المعمورة، لذا مهما احْتَلْتَ وحَبَكْت الأمور يكْشِفُك الله.
فلا تَخن الله ورسوله، ولا شريكك، ولا المريض ولا الزَّبون، وهناك آلاف القصص تُبرْهِن افْتِضاح الخائِن بِسَقْطة لِسان، فالذي يظنّ أنَّه يخون ولا يُفْتَضَح فَهُوَ أحْمَق.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 01:52 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزءالرابع عشر



أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا في قِصَّة يوسُف عليه السلام، قال تعالى:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[ سورة يوسف ]
هذه الآيات انتَهَيْنا منها في الدرس الماضي، قال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
أيها الأخوة الكرام، النُّفوس ثلاثة ؛ نَفْسٌ أمَّارةٌ بالسُّوء، ونَفْسٌ لوَّامَة ونَفْسٌ مُطْمَئِنَّة، قال تعالى:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾

(سورة القيامة)

وقال تعالى:

﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
وقال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس هي أنت، هي ذاتُك، هي المُخاطَبَة، والمُؤْمِنَة، والمُقَصِّرَة والمُحْسِنَة، والمسيئة، وهذه النَّفْس لا تَموت، ولكن تَذوق المَوْت فما دام الله قد خَلَقَها فقد خَلَقَها لِتَبْقى إلى أبد الآبِدين ؛ إمَّا في جنَّة يدومُ نعيمُها أو في نارٍ لا يَنْفذ عذابها.
أيها الأخوة الكرام، تَصَوَّر تمامًا النَّفْس الأمَّارَة بالسُّوء مَرْكَبة تسير بِلا مِقْوَد، وبلا مصابيح، يقولون فلانٌ فَعَل وأكل حرامًا وزَنى، شيءٌ طبيعِيّ جدًا، وهذا هو الشيء الطبيعِيّ لِإنسانٍ مَقْطوعٍ عن الله تعالى ولإنسانٍ انطفأت أنوارُهُ، ولا يَمْلِكُ المَنْهَج الصحيح، فَكُلّ إنسانٍ لا يَعْرِف المَنْهَج وانْطَفأتْ أنْوارُه فالحادِث صحيحٌ وحَتْمِيّ، وطبيعيّ ومَعْقول، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْسُ أودِع فيها الشَّهوات وحُبَّ النِّساء والمال والعُلُوَ والسَّيْطَرة، أوْدَع فيها هذه الشَّهوات كي تَرْقى إلى الله تعالى، الشَّهوات كما أقول لكم دائِمًا: سُلَّم نرْقى بها إلى الله تعالى، ودَرَكاتٍ نَهْوي بها إلى النار وهي حِيَادِيَّة، فما مِن شَهْوَةٍ أودِعَتْ فينا إلا ويُمكن أن تُوَظَّف في الخير أو في الشرّ، وما مِن قُدْرَةٍ أوْدَعَها الله تعالى فيك، وما مِن مَلَكَةٍ أو غريزَةٍ إلا ويُمْكِنُ أن تُوَظَّفَ في الحق، كما يُمكنُ أن تُوَظَّف في الباطل، لذلك النَّفْس قبل أن تَعْرِفَ الله فهِيَ أمَّارَةٌ بالسُّوء، وهو شيء طبيعيّ جدًا، فَهِيَ أوِدَع فيها حُبَّ المال، والمال أمامها وينبغي أن تأخُذَهُ حقًّا كان أو باطِلاً، لكِنَّ النَّفْس التي تَعَرَّفَتْ إلى الله تعالى واتَّصَلَتْ به رَحِمَها اله عز وجل، ورَحِمَها بِهذا النُّور الذي أُلْقِيَ في قلْبِها، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾

[ سورة الحديد ]
فالإنسان يُرضيه القرار الأحْمَق ! لماذا ؟ لأنَّهُ رأى أنَّ هذا لِصالِحِه، وهذه رؤيةٌ خاطِئَة، إذًا سببُ شَقَاء الإنسان رُؤْيَتُهُ الخاطِئَة، لماذا قال يوسف عليه السلام: معاذ الله إنَّه ربي أحْسن مثواي ؟! لأنَّهُ رأى عواقب الزِّنا ولماذا ينْغَمِس في هذه المَعْصِيَة الآن العَفِنَة القذِرَة ملايين الأشْخاص كُلّ يوم ؟! لأنَّهم رأَوْها مَغْنَمًا، إذًا الذي يُفَرِّق بين الإثْم والطاعة صِحَّةُ الرؤيَة فأنت إما أن ترى بِنُورٍ أوْدَعَهُ الله تعالى فيك، وإما أن ترى بِبَيانٍ بيَّنَهُ الله لك.
أوَّلاً تُصْغي السَّمْع للحق، وتقْرأ القرآن، فإذا فَعَلْتَ هذا قذفَ الله في قلبِكَ النور، فلو أنَّ طالِبًا اخْتِصاص كيمْياء مُبْتَدِأ يعْرِفُ المواد في البِداية باللُّصاقات ؛ هذه صوديوم وهذا بوتاسيوم... لكن بعد الممارسة الطويلة يعْرِفُ المادَّة ليس مِن اسْمِها ولا مِن لُصاقَتِها بل مِن مُعايَنَتِها فأنْتَ تَصْعَد إذا اتَّخَذْتَ قرارًا صحيحًا، وهذا القَرار أساسُهُ إمَّا القناعَة التي أساسُها البيَان، وإمَّا رؤيَة أساسُها الاتِّصال بالله، وإما أن يجْتَمِع هذان معًا ‍، لذلك النَّفْس الأمَّارَة بالسوء مِن الطَّبيعيّ والمَعْقول أن تأمُرَ بالسُّوء أو تتَّجِهَ إليه، كما لو قيل لك: سيارة تمْشي بِطَريق مملوء بالمُنْعَطَفات وليس معها مصباح ‍! فلا بدّ مِن أن تصْطَدِم، وأخرى تمْشي بلا مِقْوَد ! فلا بدّ أن تصْطَدِم، فالحادِث حَتْمي، وطبيعيّ والشيء الغريب أن لا تصْطَدِم، وأن لا تقع بحَواجِز، فَكُلّ إنسانٍ مَقْطوعٌ عن الله تعالى مِن البديهي و الطبيعي أن يواكب الحرام ويعْصِيَ الله تعالى ويزْني لأنَّهُ أعْمى، ومعه شَهَوات تُحَرِّكُهُ، ولا نورَ معه ولا بيان ؛ فالقرآن والسنَّة بيان، والاتِّصال بهما مَعْدوم، وهذا هو معنى الآية: إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء.
أما إذا تعَرَّفَ الإنسان بالله واتَّصَل به، ويذوق طَعْم القُرْب فإذا انْقَطَع من الله تعالى فجْأةً، فهذا دخل بِصِنْفٍ ثاني، هو في قوله تعالى:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾

[ سورة القيامة ]
دائِمًا يلوم نفْسَهُ، لماذا إقبالي على الله ضَعيف ؟ ما الذي فَعَلْتَ ؟ لعلِّي اقْتَرَفْت ! أو تكلَّمْت كلمَةً غير مناسبة، فالنَّفْس اللَّوامَة أقْسَم بها الله تعالى، والإنسان الراقي جدًا مَن أسرَّتْهُ حسَنَتُه وساءَتْهُ سيِّئتُهُ، فالذي يَقْتَرِف السيِّئات ثمّ ينام ويسخر هذا إنسانٌ ميِّت لا يعْبأ الله به أبدًا، وهذا معنى قول النبي الكريم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ رواه مسلم ]
ليس معنى لو لم تذنِبوا أي ترْتَكِبوا الذُّنوب ! لا، ولكن المعنى إذا لم يَكُن لكم حساسِيَّة.
أحْيانًا يضعُ أحدنا يده على قلب المريض فيقول: له نبْض ضعيف ! فإذا لم يكن هناك نَبْض فهذا ميِّت، تضَعُ مرآةً أمامَهُ فلا تَجِدُ البُخار هذا يعني: عظَّم الله أجركم ! فالطبيب إذا وَجَد النَّبض ضعيفًا أو مُقارب للصِّفْر يأتي بِخيْط ويضعُه أمام عين المريض فإذا تحرَّكَت الحدقة كان هذا دليل الحياة، ويأتي بِمرآةٍ ويضعُها أمام أنفِه فإذا وُجِد بُخار ماء كان هذا يعني أنَّه على قيْد الحياة، فإذا ما تغيَّت الحدقة وما ظهر البخار كان هذا يعني أنَّه لا يوجد نَبْض، وهكذا الإنسان إذا ارْتَكَب معْصِيَة ولم يتأثَّر ونام مرتاحًا وأكل الحرام، فهذا إنسان قد انتهى.
وعلى هذا فالنَّفْس اللَّوامة تعْرف الله ؛ يجوز أو لا يجوز، يرْضى أم لا يرْضى، شَرعي أو غير شرْعي، ظلَمْت أم لا، فهذا شُعور دليل الحياة، إلا أنّ الأرْقى منه النَّفس المطمئِنَّة، قال تعالى:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس اللَّوامَة نفْسٌ تعرَّفَتْ إلى الله تعالى مَعْرِفَةً غير كافِيَة، فهي بين أخْذٍ وردّ، وبين طاعة ومعْصِيَة لكِنَّ النفس المطمئنة كما قال تعالى:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
علامة الحياة اللَّوْم، لكنَّ النبي الكريم وصَفَهُ الله تعالى بأنَّهُ مَحْمود عنده وعند الناس، وعند نفْسِهِ، فأحْيانًا تجد أحدهم ذَكِيًّا أمام الناس ويَنْتَزِع إعْجاب الآخرين ولكِنَّه يحْتَقِرُ نفْسِهِ؛ يكون عنده شيء من النِّفاق، وشيء من الازْدِواجِيَّة والدَّجَل، يُظْهِر شيئًا ويُبطِن شيئًا آخر، فالإنسان لا يرْتاح إلا إذا تعرَّفَ إلى الله تعالى، قال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
نرْجو الله سبحانه وتعالى أن نكون مِن أصْحاب النُّفوس المطْمَئِنَّة، اِطْمأنَّتْ حينما عرفَت ربَّها وأطاعَتْهُ وتقَرَّبَتْ إليه.

فلو شاهَدَت عَيْناكَ مِن حسـن ما رأوْهُ لما ولَّيْتَ عنَّا لِغَيْرِنَا
ولو سَمِعَت أُذناك حُسْن خِطابنا خَلَعْتَ عنك ثِياب العُجْب وجئْتَنا
ولو ذُقْتَ مِن طَعْم المحبَّة ذرَّةً عَذَرْتَ الذي أضْحى قتيلاً بِقُرْبِنا
ولو نسمَتْ من قربنا لك نسمة لَمُتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُرْبِـــنا
فما حبُّنا سَهلٌ وكل من ادَّعى سُهولتهُ كُنَّا له قد جَهِلْتَــــنا
***









والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 01:53 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الخامس عشر



أيها الأخوة المؤمنون، لازِلْنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[ سورة يوسف ]
يُسْتَنْبَط من هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى هو الحق، وهو الذي يُظْهِرُ الحق، ويُجازي المُحْسِنَ على إحْسانِهِ، ماذا أراد أخوة يوسف ؟ وماذا أراد الله ؟ أنت تريد وأنا أريد والله تعالى يفْعَل ما يريد.
ابن آدم كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كُن لي كما أريد ولا تُعْلمني بما يُصْلحك، ومَن أحبَّنا أحْبَبْناه، ومَن طلب مِنَّا أعْطَيناه ومن اكتفى بنا عمَّا لنا كنا له وما لنا، وإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُك ما تريد، وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
الإنسان عليه أن يستقيم على أمر الله، وأن يُخلص لله له ويتقرَّب إليه، وعلى الله تعالى الباقي ؛ هو الذي يُدافِعُ عنك وينصُرك ويُكْرمك ويُسْعِدُك ويُقَرِّبك ويُعْلي مكانك ويرفعُ ذِكْرك، اسْتقيموا ولن تُحْصوا قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: أي لن تُحصوا الخَيْرات مادِيَّة ومَعْنوِيَّة، وقريبة وبعيدة، مِن كُلّ النواحي، لذلك الفَوْز والنَّجاح كلّه في طاعة الله، والفلاح كله في طاعة الله، وكذا التَّفوُّق.
وُضِع بالجبّ، واشْتُرِيَ بِثَمَنٍ بخْس، ووُضِع في قَصْر الملك خادِمًا وعَبْدًا، وأُمِر أن يفْعل ما يفْعل بامرأة العزيز، وكان شابًّا غريبًا جميل الصورة، وفي أشدِّ ثوران الشباب، أمَرَتْهُ امرأة ذات منْصب وجمال وقالت: هيْتَ لك، وليس مِن صالِحِها أن يفْشُوَ الأمر، وقد أمرتْهُ فقال معاذ الله إنَّه ربي أحْسنَ مَثْواي، ودخل السِّجن وفي النِّهاية - العِبْرَة في النِّهاية - قال تعالى:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

[ سورة الأعراف ]
نريد أن نرى مَن يضْحك أخيرًا، لأنّه مَن يضْحك أخيرًا يضْحك كثيرًا ومن يضْحك أوّلاً يبكي كثيرًا، المغانِم الآنِيَّة لا تغْتَرّ بها، فهذه تزول إنَّما اهتَمّ بالمغانم البعيدة التي لا تزول، فقارون قال عنه تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)﴾

(سورة القصص)

ونِهاية القصَّة يقول الله عز وجل:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

(سورة القصص)

فسيِّدُنا من طِفْلٍ صغير إلى جب خطير إلى سِجْن إلى خادم في السِّجن إلى إلى..عزيز مصر ! قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
وهنا سؤالٌ دقيق فالمؤمن ليس سلبيًا، وليس انْطِوائِيًّا، وليس منهَزِمًا، ولا يهْرب وإيجابي، ولكن بِشَرْط: إذا أوصِلَ إليك عمل فيه نَفْعٌ للأمة وأُطْلِقَت يدك ينبغي أن تَقْبَلَ به، وأنا أقول: وأطلقت يدك، أما إذا كنت أداةً فينبغي أن لا تَقْبَلَها، إذا أوكِلَت إليك مهمَّة فيها نفْعٌ للمؤمنين وأطلقت يدك، فلا بدّ أن لا تنْزوي وأن تتقَوْقَع، ولا تكن انعزالي، وقيل لك: أنت مخلص عندنا، كما أنَّهُ لا يهمُّك مَن وكَّلَك، فأنت في عملٍ تنفَعُ المسلمين ؛ فهذا الذي فعلَهُ يوسف عليه السلام، قال تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
فالإنسان مثلاً إذا كان مُدَرِّسًا أو طبيبًا، ومدير مستشفى، فإذا كنت مؤمنًا فأنت أفضل من ذاك المدير غير المؤمن ألف مرَّة ! الأمور مَضْبوطة عندك ؛ فلا رَشْوَة ولا انْحِراف، لذلك قال يوسف في قوله تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذا حُكْم شرعي ؛ لك أنْ تعمَلَ عمَلاً فيه نَفْعٌ للمسلمين بِشَرْط أن لا تكون أداةً لِغَيْرِك، وأن تُطلق يدُكَ في هذا العمل، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
والله لَزَوال الكَوْن أهْوَنُ على الله تعالى أن يُضَيِّع عمل مُحْسِنٍ، ومِن أن يُضَيِّعَ على مستقيم اسْتِقامتَهُ، ومِن أن يُضَيِّع على مَن خاف الله تعالى خَوْفهُ، تخاف الله تعالى ولا تنتفِع، ولا يرْفع ذِكْرَكَ، تقول: معاذ اله تعالى ثمَّ تكون آخر الناس ! تخْشى أن تعْصِيَ الله تعالى ولا تُوَفَّقُ في عملِك ؛ مُستحيل.
أيها الأخوة، ما ترَكَ عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينه ودُنياه، فقد كان الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين إذا قرءوا بِقِيام الليل بعض الآيات تهتزّ مشاعرهم، وكان بعض التابعين والعلماء العاملين يقرؤون آيةً يُعيدونها إلى الفَجْر، فهذه الآية:

﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
حاش لله تعالى أن يُضَيِّعَ عليك عملك الصالح واسْتِقامتك وخَوْفك وخشْيتك ومحبَّتَك، لابدّ أن تتفاءَل فأنت مع الله تعالى، وأنت مَحْفظ بِحِفْظ الله ومُكَرَّم بِكَرامة الله ومُقَرَّب إليه تعالى ومَنْصورًا بإذن الله، لذا الإخلاص الإخلاص، يا معاذ، أخْلِص دينَك يكْفِكَ القليل من العمل، أنْفِق يا بلال ولا تخْش من ذي العرش إقلالاً والقِصص المُؤيِّدة لهذه المعاني لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فَكُلُّنا يعْلَم أنَّ مَن يستقيم ومن يخلص لله عز وجل يعرف كيف يحفظه الله ويرفع شأنه قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) ﴾

[ سورة الشرح ]
فالمستقيم يكون في المقدِّمة وليس في المؤخِّرة.
المؤمن يمرّ بِثلاثة أطوار ؛ طَوْر يُعالَج، وفي طَوْر يُمْتَحَن، وفي طَور يُكَرَّم وهو الطَّوْر المديد والأخير، فمرحلة المُعالَجَة تكو هناك أمراض ومُخالفات، فإذا اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ كانت هناك مرحلة ثانية وهي مرحلة الابتِلاء، وقد سُئل الإمام الشافعي أنَدْعو الله تعالى بالتَّمْكين أم بالابْتِلاء ؟ فقال: لن تُمَكَّنَ قبل أن تُبتَلى، قال تعالى:
﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73)﴾

[ سورة الأنبياء ]
تمر بثلاثة مراحل: مرحلة المعالجة ومرحلة الابتلاء، ومرحلة التَّكريم، فسيِّدنا يوسف مرَّ بهذه المراحل ووصل إلى مرحلة التَّمكين قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
ولكن أجْمَل ما في الآية أنَّ الإنسان إذا مكَّنَهُ الله تعالى في الأرض وجعلهُ قَوِيًّا، ومتَّعَهُ بِمالِهِ وأولادِه وصِحَّتِهِ، ومأوى، وكلّ الدنيا مُقْبِلَةٌ عليه، فهذا العَطاء الدُّنْيَوي ليس بِشَيء أمام عطاء الآخرة، اِذْهب إلى الساحل وارْكَب قارِبًا واغْرُسها في مياه البحر، ثمّ ارْفَعْها، فماذا حَمَلَتْ مِن مياه البحر ؟‍‍‍‍! هذا تَمثيل مثَّلَهُ النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ..

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[ رواه مسلم ]
قال تعالى:
﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
أصْبَحَ عزيز مصر، وملِكًا وعظيمًا ويفعل ما يشاء، ومع ذلك هذا العطاء الدنيوي إذا قيس بعَطاء الآخرة فليس بشيء.
مِحْوَر الآية أنَّ المؤمن ليس انعزاليا وليس سلبيًا، ولكنَّهُ إيجابيّ ولكن وِفْق الشرع، يُضَحِّي بالدنيا كلِّها ولا يعصي الله تعالى، أما إن دُعِيَ لِعَمَلٍ صالحٍ، ولِخِدْمة المسلمين وأُطْلقت يده يقبلُهُ.
الفكرة الثانية أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجْر المحسنين، والفكرة الثالثة أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا قياسًا بالآخرة.





والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-04-2018 01:55 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السادس عشر




أيها الأخوة المؤمنون، هم لم يعرفوه ولكنه هو عرفهم، وهذا تفسيرها سهل، أحيانًا يكون مُدَرِّس درَّسَ ثلاثين سنة، وعلَّم الصِّغار، وفَهُوَ شَكْله ثبت بعد الخامسة والعشرين، ولكنهم هم كانوا صِغارًا، فحينما يرى بعدها طالِبًا له لا يعرفُهُ، أما الطالب يعرفُهُ، فسيِّدُنا يوسف كان صغيرًا حينما وضَعوه بالبئر، ويعرفهم تمامًا، وكانت أشْكال أخوته ثابتة، وهو كان صغيرًا، وهم ظنُّوا أنَّه مات، وأنهم حينما وضَعوه بالبئر لقي حتفه وانتهى الأمر.
دخلوا على عزيز مصر الآن، لذلك الآية:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

[ سورة يوسف ]
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله تعالى هي النافذة وهو القاهر، والمُهَيْمِن، وهو الذي إذا قال: كُن فيكون، وزُل فَيَزول فكل إنسان يتعامل مع غير الله فهو مسكين، فهذا يتعامل مع الأصفار فهذا لا يتعامل مع قوَّة وإنَّما شبح وظِلّ ووَهْم، فالله عز وجل يقول:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح)

وقال تعالى:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[ سورة الأنفال ]
فالتعامل مع لا سِوى الله تعالى تعامل مع اللا شيء، وتعامل مع خيال ووهْم وشبَح، وتعامل مع كذب ودَجَل، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[ سورة فاطر ]
قال تعالى:

﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)﴾

[ سورة يوسف ]
علَّق إعطاء حصَّتِهم لهم من الميراث في العام القادم على أن يأتوا بِأخيهم مِن أبيهم.
قال تعالى:

﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)﴾

[ سورة يوسف ]
أي لا نظنّ أنَّه أبانا سيَسْمحُ لنا بأن نأخذ أخًا لنا ! لأنَّهم علموا ما فعلوه، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾

[ سورة يوسف ]
فَحَسب السِّجِلات الأخ غائب، فإذا لم يأت لم يأخذ حِصَّتَهُ، فهو قال لهم: لن تأخذوا حِصَّتَهُ إلا إذا جاء، فهو جعل حِصَّتَهُ في رِحالهم.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾

[ سورة يوسف ]
مُنِعَ منهم كَيْلُ أخيهم قال تعالى:

﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]
هناك مثَل يقول: مَن جَرَّبَ المُجَرَّب كان عَقْلُهُ مُخَرَّب، قال تعالى :

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]
ورَدَ بالأَثَر القُدسي أنَّ الله تعالى يقول لِبَعض عِبادِهِ الأتْقِياء يوم القيامة:
((عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول هذا العبد - ولا كذب هناك -: لم أُنْفِق منه شيئًا مَخافَةَ الفَقْر على أولادي، فيقول الله عز وجل: ألم تعْلَم بِأنِّي أنا الرزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنّ الذي خشيتهُ على أولادك من بعدك قد أنْزَلْتُهُ بهم، ويقول لِعَبْدٍ آخر: قد أعْطَيْتُك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول: يا رب، قد أنْفَقْتُهُ على كُلِّ محتاجٍ ومسْكين، لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافظًا وأنت أرْحَمُ الراحمين، فيقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأوْلادِكَ مِن بعْدِك ))

فالرَّجُل الصالِح، ولو مات فإنَّك هو الذي تكفَّل بِهم، وهو الذي يُكْرمهم، ويُعلي شأْنَهم، فأنت كُنْ صالِحًا مع الله تعالى فقط، أما الذي يقول لك: أنا إن لم أَغُشّ لا أستطيع أنْ أُطْعِمَ أوْلادي ‍! فهذا شِرْك، يكْذِب ويَغُشّ كي يُطْعِمَ أوْلاده.
إذا ترك الإنسان ثرْوَة حرام لأولاده يقول: يا أهلي، يا ولدي لا تلْعَبَنَّ بكم الدنيا كما لعِبَتْ بي، جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ وحَرُم، وأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غير حِلِّهِ، فالهَناء لكم والتَّبِعَةُ علينا.
وورَدَ في الأثر:

(( أنّ أنْدَمَ الناس يوم القيامة رجُلٌ دَخَلَ ورَثَتُهُ بِمالِهِ الجنَّة ودخل هو بِمَالِهِ النار ))

المال نفسُهُ ؛ جُمِعَ بالحرام فدخل النار، ووَرِثَهُ أهْلُهُ بالحلال فأنْفَقوه بالحلال فدخلوا الجنَّة، لذلك دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ في حياتِك خير لك من ألف درهم يُنْفَقُ بعد مماتِك.
بِعُمْرٍ قصير شَهِدْتُ أكثر من مائة وَصِيَّة لم تُنَفَّذ، أحدهم يَضَع وصِيَّة بمائة ألف للفقراء، فيقول الأولاد: إنَّ أبانا لم يكن بِعَقْلِهِ !! لا تكن تحت رحمة أحد، قدِّم مالك وارْتاح، فالورَثَة قد لا يُنَفِّذوا الوصِيَّة، فالآن إذا لم تكن هناك وَصِيَّة عند كاتب العَدْل، ومُصَدَّقة وشُهود فلا تُنَفَّذ.
قال تعالى:

﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)﴾

[ سورة يوسف ]
اسْتَغْربوا أنَّ البِضاعة التي مُنِعوا منها وَجَدوها في رِحالهِم، فقالوا: إن ذَهَبْنا بأخينا نأخذ حِصَّة ثانِيَة أخرى، وفي درس قادِمٍ نُتابِعُ القصَّة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 02:01 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السابع عشر



أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾

[ سورة يوسف ]
الصبر الجميل أيها الأخوة نتيجة لِمَعرفة الله عز وجل، ونتيجة طبيعِيَّة لِمَن يؤمن بأنَّ الله تعالى إذا أراد شيئًا وقَع، وإذا وَقَعَ الشيء أراده الله
الصبر الجميل هي نتيجة طبيعِيَّة لإيمان المؤمن بِهذه الحقيقة التي هي أصْل في العقيدة، وإذا أراد الله شيئًا أن يكون كان، وإذا رأيْتَ شيئًا قد وَقَع فقد أراده الله، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يكون في مُلْكِهِ إلا ما يُريدُهُ، ولا يكون في مُلْكِهِ شيء لا يُريدُهُ، ومن ألوهِيَّتِهِ أن إذا أراد أن يقع شيء وقع، الخيرة فيما اخْتارَهُ الله، ولكنَّ إرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكمة المطلقة، والحكمة المطلقة أيْ أنّ الله تعالى مُنَزَّهُ أن يفْعَلَ فِعْلاً غير حكيم لِعِلَّةِ الجَهْل أو الضَّغْط أو الإغْراء، فالإنسان يرتكب حماقة بِسَبب ضَغْط ؛ يقول لك: جاءني ضَغْط فوق طاقتي، وهو غير قانِعٍ، أو أغْراه شيء أو جذَبَهُ فارْتَكَب حماقَةً، أو كان جاهِلاً في موضوع ما فارْتَكَب حماقة، فالعَمَل المنافي للحكمة أساسه الإغراء أو الضَّغْط أو الجَهْل، وذات الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهة عن كلّ هذا، فأفْعال الله أنَّ كل شيء وَقَع أراده الله، وكل شيء أراده الله وَقَع، وإرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المطلقة، وحِكْمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
أيها الأخوة، حقيقة من أخْطر الحقائق، الشرّ المطلق لا وُجود له بالكون ‍، أي الشرّ لأجْل الشرّ، فيُمْكن لإنسان أن يُخَدِّر إنسانًا ويفتح له بطْنه ويخرجه الزائدة ؛ فهذا شرّ لكنَّهُ نِسْبي، وهدفُهُ نبيل، وهو إزالة الالْتِهاب، إذًا يجب علينا أن نعْتَقِد أنَّ الشر المطلق لا وُجود له بالكون وأيُّ إنسان يعتقد خِلاف هذا، فإنَّه يرتكب الكفر بكمال الله عز وجل ولكن هناك الشر النِّسبي، فهو عندنا نسبي أما عند الله تعالى فهو مُعالجة.
هذا المعنى إذا ترخَّس في نفْس المؤمن، يصبر، وأنّ ما وقع أراده الله، وهذه الإرادة مُقَدَّسة، فهي رحيمة وعادِلَة وخير، تجد إنسانًا لأتْفَه سبب يسبُّ الدِّين، وهذا مِن جهْلِهِ، أما المؤمن إذا جاءَتْهُ أصعب المصائب تجده يقول: حسبِيَ الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، يرى يد الله تعمل في الخفاء، وتعْمل فوق أيدي الناس، فالمؤمن الكامل لا يرى أنَّ أفعال العباد إلا تعْبيرًا عن مشيئة الله عز وجل، فالواحد إذا تلقَّى الضربَة بالعصا، فهل يغضب ويحقد العصاة ؟‍‍‍‍! هذه عصاة، وإذا كان الضارب حكيم وعليم وخبير، هذا يعني أنَّ الغلط منه !! تعالى الله، لذا المؤمن لما يتلقى مشكلة أو ضربة يقول لك: فعل هذا معي بِمَشيئة الله، والله تعالى حكيم وعليم ورحيم، لهذا ورد في الحديث الشريف: ما من عثرة ولا اخْتلاج عرق، ولا خدْش عود إلا بِما قدَّمت أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، والمصائب مصائب قَصْم، فالمصائب رفْع للمؤمنين، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
صَبْرُكَ بِقدْر إيمانك، ومعرفتك بكمال الله، ولا إله إلا الله، فالله هو معطي والقابض، وهو الفعَّال، والمانِع، والمحيي والمُمِيت، وهو المعزّ والمُذِلّ، هناك حديث غريب:
((الصبر هو الإيمان..))
فأنت لا تصْبر إلا إذا علمْت أنّ الإيمان فيه صبر وحكمة ورحمة، أما ضعيف الإيمان، فيرى الواحد جوعان، ويُصلي، وذلك لا يصلي وسينفجر أكلاً ! ما هذا ؟ هذه نَظْرة قاصرة، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
إذًا كلمة فَصَبْر جميل، هذه كلمة ولكنَّها مُحَصِّلَة إيمان كبير جِدًّا وأنت كُلَّما ارْتقى إيمانك تتلقى الأشياء المُزْعِجَة بِصَبْر جميل، وهذا فِعْلُ الحبيب، فهذا الذي تُحِبُّه هذا قرارُهُ، والذي تَعْبُدُه وترْجوه هذه إرادتُهُ.
قال تعالى:

﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)﴾

[ سورة يوسف ]
لذلك قال العلماء: مرض ابْيِضاض العَيْن سببُهُ نفْسي، والآن يكاد يُجْمِع الطب على أنَّ معظم الأمراض تعود في أسبابها الرئيسة إلى الصَّدَمات النَّفْسِيَّة، بل إنّ مرَضَ السَّرطان الذي هو المرض الخبيث المسْتعصي، في أحْدَث التَّحليلات الدقيقة له ؛ أنَّه مادام النُّمو العَشْوائي للخلايا بِسَبب ضْعف جِهاز المناعة، وجهاز المناعة هو الضابط لِنُموّ الخلايا، وهو يضْعف أثناء الصَّدمات النَّفْسِيَّة، معنى ذلك أنَّ التوحيد هو الصِّحة، فإذا أرَدْت الصِحَّة، فما دام جِهاز المناعة سليم ؛ معنى ذلك أنَّ الأجهزة كلَّها سليمة، هناك آلام عَضْمِيَّة أسبابها صَدَمات نَفْسِيَّة وحتَّى عضليَّة، فهذه الصَّدمات وراء القرْحة، والهضْم والْتِهاب المعِدَة والأمعاء، ومرض السُّكَر، وضغط الدم، فلو أحْصَيْتَ الأمراض لرأيْتَ أنَّ معظم الأمراض أسبابها شِدَّة نَفْسِيَّة، والإنسان يرْتاح بالتوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد.
قال تعالى:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾

[ سورة يوسف ]
قال: يُعاب مَن يشْكو الرحيم إلى الذي لا يرْحَم، والعلماء قالوا: مَن شكى إلى مؤمن فكأنَّما شكى إلى الله، ومَن اشْتكى إلى كافر فكأنَّما اشْتكى على الله، فأنت لو شَكَوْتَ همَّك لإنسان غير ملتزم رأْسًا يقول لك: قلنا لك دَعْك من هذا الدِّين السَّميك !! وأنت مُتَزَمِّت، وأنت تعيش بِعَصْر آخر، أما لو شَكَوْتَ لمؤمنٍ يُصَبِّرُك، ويَهْتمُّ لك، فإيَّاك أن تشْكو همَّك لكافر، لأنَّك تُضيف للمُصيبة مصيبَةً أخرى، والدعاء النبوي الشريف: اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، والأفضل أن لا يشْكو الإنسان همَّه لأحد بل يدعه لله تعالى.
قال تعالى:

﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾

[ سورة يوسف ]
فأنت تكبر عند اله تعالى إذا جاءَتْكَ مُصيبَة وما تكَلَّمْتَ لأحدٍ، قال له: يا إبراهيم، هل لك من الله حاجة ؟ سيَحْرَقونه في النار، علمُهُ بِحالي يُغني عن سؤالي، فإذا كان الأمر مع المؤمن لك أن تشتكي له أما مع غيره فلا، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200)﴾

[ سورة آل عمران ]
هناك من يفْضح كل سرّ المُشتكي، فأكْمَل مِن أن تشْكو لِمؤمن أو كافر أن تشكو إلى الله تعالى وعلمه بِحالك يُغني عن سؤالك، وإذا كنت في كل حال معي فعن حمْل زادي أنا في غِنى، وكن لي كما أريد أكن لك كما تريد، ولا تعلمني بِما يُصلِحُك، وإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.





والحمد لله رب العالمين







السعيد 03-04-2018 02:02 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثامن عشر




أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)﴾

[ سورة يوسف ]
الآن وصَلَت العقدة إلى نهايتها، وسوف تُحَلُّ هذه العقدة بكلمة من هذا النبي الكريم، قال تعالى:

﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)﴾

[ سورة يوسف ]
صُعِقوا ! أين يوسف ؟ يوسف ماتَ مِن زمنٍ طويل ! أيُّ يوسف ؟! قال تعالى: قالوا

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
القصَّة كلُّها تكْمُنُ في هذه الآية:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذه الآية يجب أن يقولها كل مؤمن، يتَّق أن يعْصِيَ الله ويصبر عن ثلاثة أشياء: يصْبر عن الشَّهوة، ويصبر على الطاعة، ويصبر على قضاء الله، فعلى الشَّهوة ؛ امرأة جميلة بالطريق فأنت لك أن تنظر ولا قانون في الأرض يمنعُك أن تنظر،و لكنَّه تخشى الله وتقول: يا رب، إنّ أخافك.
والصبر على الطاعة ؛ أن تُصَلِيَ الفجْر في جماعة، وأن تؤدِّي زكاة مالك، وتحجّ، وتصوم رمضان وتُؤدِّي الحقوق، وأن تكون أمينًا وأن تقول كلمة الحق، وتتراجع عن الخطأ، وتقول: أخْطأْتَ أصابَت امرأة وأخطأ عمر، فهناك من يُكابِر، تصْبر عن مَبْلغ ضَخْم يحلُّ كل مشكلاتك لكنَّه من الحرام، يمكن أن تشتري به بيتًا ومركبة.
وأن تصبر على قضاء الله، خالق الكون هذه مشيئتُهُ، شاء لك أن تكون من أصْحاب الدَّخْل المحدود، وشاء لك أن لا تنجب أولاد، أو أن لا تنجب الإناث، أو أن لا تنجب إطْلاقًا، أن يكون في حياتك شيء مزعج، قال تعالى

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
يتَّقِ غضبه بِطاعته، والشِّرْك بالتَّوْحيد، والكُفْر بالإيمان، والمصائب بالانْسِجام، وأجْرك مَحفوظ، والله تعالى قال:
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المزمل ]
كل عصْر له ظروفه ومُغرياتِهِ، وضُغوطِه، فالله عز وجل يعْرف كم بدَلْتَ وكم صَبَرتَ وتجشَّمْتَ، وكم كان هناك خِيارات كثيرة واخْتَرْتَ ما يُرضي الله تعالى، وكيف ترَكْتَ المغريات، والله يُقَدِّر كلّ شيء، إنسان له والدة في البيت مُتَقَدِّمة بالسِنّ، وتحتاج إلى عناية كبيرة، فهو يستطيع أن يصْبر، أو أن لا يصْبر ؛ أثنى عشرة سنة وهو يعامل أمَّه معاملة جيِّدة، أحد الأيام غضب فسبَّ وشَتَم وقال لها: اذْهبي عند أهْلك، فبَكَت وجاء أخوه وأخذَها، ففي اليوم التالي ماتَتْ !
وأعرف رجل محسِن كان يرْعى امرأة مُحْسِنة مُقْعَدة، فانتقل إلى مكان آخر بعيد عما كان عليه، فأهْله انْزعَجوا لهذا، وقد أصْبح عمره ثمانون سنة، فلمَّا ضجروا، قالوا له: آتِ بها إلى عندنا، وأفْردوا له غرفة، وبعد جمعة ماتت.
وأحدهم صاحب مطعم كان يبيع اللحم والخمر، فحجَّ وتاب وألغى المشروب، وبعد ستَّة أشهر رجع إلى المَشروب، وبعد سبعة عشرة يومًا مات ! قال تعالى:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
وذكر لي أخٌ محامي أنا أحْتَرِمُهُ كثيرًا، فجاء رجل وقال له: القضِيَّة الفلانيَّة، فقال المُحامي: هذه لا تحْتاج إلى قضِيَّة إنَّما هي مَشْمولة بِقانون العَفْو، تُقَدِّم اسْتِدْعاء، فرأى مُحامٍ آخر فقال له هذا المحامي: إنَّ المحامي الذي ذَهَبْت إليه لا يفْهم شيء ! فقلتُ له: والله لقد علَّقْت وِسام شرَف، فالمال الحرام يَتْلَفُ ويُتْلِفُ صاحبه.
قصْدُنا من هذه السورة، قوله تعالى:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)﴾

[ سورة يوسف ]
أنت بِحاجة للنتيجة والعاقبة، مَن يضْحَكُ آخِرًا يضْحك كثيرًا، ومن يضْحك أوَّلاً يبكي كثيرًا، قال تعالى:
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وهناك آية ثانية وهي قوله تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾

[ سورة المطففين ]
كل البطولة هي من يضْحكُ آخرًا قال تعالى:
﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ(31)﴾

[ سورة المطففين ]
أما المؤمن ينقلب إلى أهله مسْرورًا، فالقضِيَّة قَضِيَّة تفكير ؛ إما أن تستعجِل طيِّبات الدنيا ويشقى إلى أبد الآبدين، وإما أن يصبر عن الشهوة وعلى الطاعة، وعلى قدر الله، والعاقبة الله، وهذا هو التاريخ أمامكم، فأين أبو جهْل ؟ وأين كُفَّار مكَّة وقريش ؟ قال تعالى:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

[ سورة غافر ]
وأين الصَّحابة ؟ في أعلى عِلِيِّين.
مركز الثِّقل في هذه الآية، قال تعالى:

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
المؤمن يعْفو، سفينة شامخة في البحر بحيث قال لهم كما قال تعالى:

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)﴾

[ سورة يوسف ]
العَفْوُ ؛ تعريفُهُ الدقيق: أن يأتي إنسان ويُبالِغ في إيذائِك، وأنت ضعيف، ثمّ يقعُ في قبْضَتِك، ويمكنُك أن تسْحقَهُ، وأن تُحَطِّمَهُ، أو تُدَمِّر حياته ؛ هذا العَفْو، فلن تكون عَفُوًّا إلا إذا كنتَ ضعيفًا، النبي عليه الصلاة والسلام بفتح مكَّة كان قادِرًا على أن يقضي على كفار قريش، قال: ما تظنُّون أنِّي فاعِلٌ بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء.
منزلة العَفْو لا يعرفهَا إلا من ذاقها ؛ أن تكون مضْطهدًا وأن ينصرك الله على خصْمك وأن تعْفُوَ، والأبلَغ أن تُحْسِنَ إليه وتُقَرِّبَهُ، لذا المسلمون فَتَحوا العالم بِأخلاقِهِم، هذا كلام غير مَعْقول إطْلاقًا، وفي الدرس القادم نصل إلى قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾

[ سورة يوسف ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 02:03 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء التاسع عشر





أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾
حينما كنَّا في الجامعة، وفي كليَّة التربية كان لنا أستاذ من كبار علماء النَّفْس، حدَّثنا عن هذه الحقيقة النَّفْسِيَّة التي اسْمُها التَّخاطر النَّفْسي، امرأة في ميلانو بإيطاليا وهي في المطبخ رأَتْ ابنها الذي في فرنسا أنَّ سيارةً دحستْه رأيَ العَين، وبعد أربعة أيام جاء النَّعْش مع تَقْرير مُفَصَّل يُفَصِّل اللَّحظة التي رأتْ فيها ابنها، وقد سمَّى العلماء هذه الظاهرة التَّخاطر النَّفْسي وهذه حقيقة يصْعُب تفْسيرُها، أحْيانًا الحقيقة نافذة وسارِيَة إلا أنّ تفْسيرها صَعْب، لمَّا سيِّدُنا عمر وهو على المنبر قطع الخُطبة وقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل، سارِيَة أحد قوَّادِهِ في بلاد الفرس، وكان وراء الجبل كمين، فسيِّدُنا عمر رأى رأْيَ العَيْن قائِدَهُ وأمامه الجبل ووراءه الكمين، فقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل ‍! فقيل لِسَارِيَة بعد أن عاد: هل سَمِعْتَ صَوْت أمير المؤمنين ؟ فقال: سمِعْتُ صَوْت أمير المؤمنين يُحذِّرني الجبَل ‍! هذه أرْقى من الفاكس.
فهذه الآية:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس البَشَرِيَّة كَقُرْص الشَّمْس لها إشْعاع، فالأمّ أحياناً من شِدَّة عَطْفِها على أولادِها قبل أن تنام تزورهم واحِدٍ بِنَفْسِها، واحد بالسعودِية والآخر بالخليج العربي فالنَّفْس الإنسانِيَّة إذا أحبَّتْ توسَّعَت، فالجنَّة الأمر واضِحٌ فيها، فأحد المؤمنين بالجنَّة تذَكَّر صديقًا له كان كافِرًا، قال: إنَّه كان لي قريب فاطَّلَع فرآه في سواء الجحيم، فأنت في الجنَّة كلُّكَ أعْيُن، فأيُّ خاطِرٍ يخْطر في بالك تراهُ أمامك، فسيِّدُنا يعقوب كما قال تعالى:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)﴾

[ سورة يوسف ]
قالوا له: هذه كُلّها هواجس، وقوله تعالى تُفَنِّدون أي نقل أقْوالَهُ، فنَّد أقواله أي أظْهر عُيوبها وأخْطاءَها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟..أو هرمًا مُفَنِّدًا ))
فالهرَم يكْشف عُيوب الإنسان، تضْعف ذاكرته وبصره، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(70)﴾

[ سورة النحل ]
ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقْلِهِ حتَّى يموت، ومن أدى الصلوات الخمس وطلب العلم له من الله ضمانة ؛ متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت الْتقَيْت بأحد العلماء بالمغرب حسين مخلوف عاش أبوه مائة وثلاثين عامًا مُتَمَتِّعًا بالصِّحَة، وكان لنا أخٌ من أخوة كذا كان عمر أبيه ! والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((خيركم من طال عمره وحسن عمله...))

تمتُّع الإنسان بِصِحَّتِهِ أسبابها الاسْتِقامة بالشَّباب، قالوا له: يا سيِّدي ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا.
لي أحد الأقرباء مرض ففي أوَّل الأسبوع عِنايَة فائِقَة، ثمَّ في الثاني قلَّت، وهكذا في الثالث إلى أن أصْبحوا يقولون: نسأل الله تعالى أن يُخفِّف عنك ‍! تخَلُّوا عنه، وأحلى موتة ثلاثة أيام كما مات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لذا الاستِقامة بالشباب ضروريَّة حتَّى يُكافئك الله تعالى بِخَريف عمر طيِّب، وبكل المكانة، والملكات العَقْلِيَّة.
قال تعالى :

﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾

[ سورة يوسف ]
قرأتُ مقالَةً علْمِيَّة عن الموضوع أنَّ ابْيِضاض العَيْن مرضٌ يُصيب العَيْن وليس له أسباب عُضْوِيَّة بل نَفْسِيَّة، وأنا أقول لكم مرَّة ثانِيَة لا يوجد مرض إلا وسببُهُ الصَّدْمة النَّفْسِيَّة ؛ القرْحة وضغْط الدم، والاحْتِشاء، فالتَّوْحيد وظيفتُهُ التَّخْفيف صلتُكَ مع السميع البصير القدير الرحيم الرؤوف الغنيّ المُجيب، هذا هو التَّوحيد، وإذا لم تُوَحِّد فَمُشْكِلَتُكَ مُشْكِلَة، والإيمان هو التَّوْحيد وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)﴾

[ سورة يوسف ]
والمؤمن يعْلم من الله ما يعلمون، تجدهم يقولون: إنَّ أمريكا بيَدِها كلّ شيء ونحن انتَهَيْنا، والماسونِيَّة و...حتَّى تَيْأَس، لا فإنَّ الله تعالى مَوجود لذا على الإنسان أن لا يَيْأَس فهذا من الكفر.
قال تعالى:

﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾

[ سورة يوسف ]
لماذا قال: سوف أسْتغفر لكم ؟ العلماء استَنْبَطوا من سوفَ أشياء دقيقة ؛ قال:لأنّ هناك أوقات فضيلة، مثل السَّحر، ويوم الجمعة فلا عَبْد يسأل الله فيها إلا أجابَهُ وكذا حينما تقَعُ عيْنُك على الكعبة، وعند الملتزم، وعرفات هو يوم الإجابة وكذا السعي والطواف ؛ هذه أمْكِنَة، وفي الثلث الأخير، وعند نزول الرب تعالى هل طالب حاجةٍ فأقْضِيَها له ؟ فهو أراد أنَّه ينتظر الوقت المناسب للاستِغفار.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99)﴾

[ سورة يوسف ]
لذلك مطار مصر مَكتوب: اُدْخلوا مصر إن شاء الله آمِنِين، والنبي خرج قال: اللهمّ إنِّي خرجْتُ من أحبِّ البلاد إليك-مكَّة- لذا فيها جمال.
قال تعالى:

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾

[ سورة يوسف ]
هذا ليس سُجود العبادة والمحبَّة، فالكلمة بالقرآن الكريم لها عِدَّة معاني أوْضَح مثل على هذا كلمة أوْحى، قال تعالى:
﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)﴾

[ سورة الزلزلة ]
الوحي إلى الجماد أمْر، وقال تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
الوحي إلى الحيوانات غريزة، وقال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

[ سورة القصص ]
هذا إلْهام وقال تعالى:
﴿َوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾

[ سورة يوسف ]
أي رِسالة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾

[ سورة يوسف ]
الله عز وجل حليم ويسْتوْعِب الناس كلَّهم، فانْظُر ما فعل أخوة يوسف به، ودخل إلى السِّجن، وخرج منه، وكيف كان بِمِصْر غلامًا ؟ رأتْهُ جارِيَة وقد كان عَبْدًا بِقَصر العزيز ثمَّ أصْبح ملِكًا، فقالتْ: سبحان مَن جعل العبيد مُلوكًا بِطاعَتِه، قال تعالى:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذه الآية نُعيدُها إن شاء الله في الدرس القادم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 02:05 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء العشرون




أيها الأخوة الكرام، لازلنا في قصة يوسف عليه السلام، ووصلنا إلى قوله تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
ما معنى كلمة الملك ؟ لو أنَّ أحدنا فَهِمَ المُلك على أنَّهُ الحُكْم، جعلتني عزيز مصر وهذا عطاء يشْترك فيه المؤمن والكافر، ألم يؤتِ الله فرعون المُلك ؟ ألم يؤت الله الجبابرة الملك ؟ فهل هذه نِعْمة ؟ مِن أوْجز هذه الكلمة أنَّ المُلْك الذي أراده هذا النبي الكريم أنَّهُ ملَكَ شَهْوَتَهُ، فالناس رجُلان رجُلٌ ملَكَ شَهْوَتَهُ ورَجُل ملَكَتْهُ شَهْوَتُه، والثاني هلك في الدنيا والآخرة، بِمَ نال هذا المقام الرَّفيع ؟ لأنَّه قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
ولأنَّه قال:
﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾
لأنَّها قالت:
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾
فحينما ملَكَ شَهْوتَهُ وسَيْطَرَ على أهْوائِه اسْتَحَقَّ هذا المقام الرَّفيع، ولن ترقى إلى الله عز وجل إلا إذا ملَكْتَ شَهَواتك ؛ لأنَّ الله تعالى يقول:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾

[ سورة النازعات ]
الهَوى، كما قالوا: مَن هوى فقد هوى، الهَوى مِن الهويّ وهو السُّقوط، فالمُلك هنا أي صار عزيز مصر، والقرآن حمَّال أوْجه ولا تُحَدُّ معانيه، والقرآن ليس ملْكًا لأحد، لكن من المعاني التي تُضاف إلى المُلك أنَّ الله سبحانه وتعالى مكَّن هذا النبي الكريم مِن نفسِه وسَيْطَر على نفسِه، أحدُ زعماء أوروبا الكبار الذين قاد الحرب العالمية الثانية قال كلمَةً دقيقة: قال ملَكْنَا العالم ولم نمْلِك أنفُسَنا فَعَظمة الإسلام تكمن مِن أنَّ المُسلم يمْلك نفسه، ويمْلك شَهوته ويجعلها وفق القنوات النظيفة ؛ رب قد آتيتني من الملك ؛ هذه أكبر نعمة عليك، فإذا الله عز وجل نوَّر لك قلبك، وسيْطَرْتَ على نفسِك وجوارحك، وسَيْطَرت على كسب المال أن جعلته حلالاً، وعلى إنفاقه وسَيطَرت على بيتك أن جعلْتَهُ إسلامي، فأنت هنا آتاك الله المُلك وأنت مُسَيْطِر، وقائِد وليس مَقود، فالكافر مَقود بِشَهَواتِك، والعقل له وظيفتان ؛ إما أن يكون قائِدًا وإما أن يكون مُسَيْطِرًا، فالكافر تَمْلِكُه شَهَواته، وعقْلُهُ يُبَرِّر، أما المؤمن يقودُهُ عقله إلى الله عز وجل، وهذا الفرق واضح، فالكافر جهدهُ العقلي كلّه في تَبْرير أخْطائِهِ وتَبْرير انحيازه لِشَهواتِهِ، أما المؤمن فَعَقْلُهُ يقودُهُ إلى الله، وشَهَواتهُ يضْبطُها وِفْق شَرْع الله، قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾

[ سورة يوسف ]
مِن هنا للتَّبْعيض، وفيها أدَب، ومَن يُفِّق إلى تأويل الأحاديث يسْعد سعادَةً كُبرى، فلو توهَّمْت أنَّ معنى قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

[ سورة الشمس ]
فلو توهَّمْتَ أنّ الفُجور من عن الله، وأنّ الله هو الذي ألْهَمَكَ أن تفْجر فهذه أفْسَد عقيدة، أما لو فهِمْتَ النَّص كما يلي: ألْهَمَها فُجورها ؛ أيْ أنَّ النَّفْس إذا فجَرت تعلم أنَّها فجَرَت بالفِطْرة، أعطاها دليل كاشف من دون تعليم، وبين المعنييْن مسافة كبيرة جدًا، كما بين الإيمان والكفر فالنَّفس فُطِرَت فطرة عالِيَة بحيث لو فجرَتْ تعلم فُجورها، أما لو فهمْتَ الآية أنَّ الله هو الذي أجْبر النَّفْس على فُجورها، وألْهَمَها أن تفْجر فهذا تأويل فاسد، ربنا عز وجل لما قال:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
فلو قال أحدنا أنّ المعنى ؛ الله تعالى ما أراد أن يَهْدِيَهم وهو يريد أن يُدخلهم النار ! فهذا معنى فاسِد، أما المعنى الصحيح أنَّه لو أراد الله تعالى أن يجبركم لأجْبرَكم على الهُدى لكنكم مُخَيَّرون، فَمَوضوع تأويل الأحاديث موضوع هامّ جدًا وخطير جدًا، فقد تفهم الحديث فهْمًا خاطئا فيَحْمِلُكَ على المعْصِيَة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لولا تذنبون...))

ليس المعنى عليك أن تُذْنب ! ولكنَّ المعنى إن لم تشعروا بالذُّنوب فأنتم ميِّتُون، وتَهْلَكون، أما المؤمن إذا ارْتَكَب معْصِيَة يشْعر بِضِيقٍ حينها يُبادر إلى التوبة.
قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]
ثمّ قال تعالى:

﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
أخطر يوم بِحَياة الإنسان هو يوم موتِهِ، والدليل قوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[ سورة الملك ]
بدأ بالموت لأنَّ الموت منْفذ له طريقان ؛ إما إلى الجنَّة وإما إلى النار أما حينما يولَدُ الإنسان فله أمامه ألف خِيار ؛ له أن يتعلَّم أو يجهل أو يؤمن أو يكفر، أما حينما يموت فله خياران، فو الذي نفس محمَّد بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فالإنسان إن لم يكن مؤمنًا فهو كافر، وإن لم يكن مُستقيم فهو ضال، وإن لم يكن مُحسِن فهُوَ سيِّء، لذلك بدأ الله بالموت لأنَّ حَدَث الموت أخطر من حدَث الحياة، وفيه يتحدَّد المصير، ففي الدنيا والحياة لك مجال التوبة والصلح، أما حين الموت فإما إلى جنَّة أو نار، لذلك قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[ سورة الملك ]
لذا ينبغي على الإنسان أنْ يعْلَم أنَّ أخْطَر يوم هو يوم مَوْتِهِ، وهو إما إلى جنَّةٍ يدوم نعيمُها، وفيها ما لا عين رأتْ ولا أذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإما إلى نار لا ينفذ عذابها، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾

[ سورة النساء ]
طيِّب مَن هو العاقل ؟ هو الذي لا يغيب عنه هذا الحَدَث ولا ثانِيَة بِكُل حركاتِهِ وحِساباتِهِ اليَوْمِيَّة، وبِكُلّ نشاطاتِه وقبْضِهِ ودَفْعِهِ، وبِبَيْتِهِ وعَمَلِهِ، كيف سأُسْأَل ؟ وماذا سأُجيب ؟ وما هو موقفي من الله حينما أقف بين يديه ؟ هذه هي البطولة، والذي له حُرِيَّة الحرَكَة، وله عمل حر فيه ؛ عليك أن تهيئ جوابًا لِله على كُل عمل فعلته تراه غير ملائم، جوابًا لله وليس لِمُديرك، وكل منا له عمل يهيئ لربِّه جوابًا لِمَ أعْطَيْت ؟ ولمَ مَنَعْتَ ؟ ولِمَ طلَّقْتَ ؟ لمَ تزوَّجْت ؟ ولِمَ بخِلْتَ ؟ كل تصرُّف منك هيأ له جواب لله تعالى، مَن هو السَّعيد ؟ فكلٌّ منَّا سوف يأتي عليه يوم يخرج من بيته أفقًا، ويُوضَع في نعْش ويُصَلَّى عليه، فهذا اليوم العظيم عليك أن تُدْخِلَهُ بِحِساباتِك اليَوْمِيَّة واللَّحْظِيَّة امرأة جميلة رأيتها ولم تغُضَّ البصر، هذه مُسَجَّلَة، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾
وكذا الابْتِسام ف غير محلِّه، وهذا هو حال المؤمن يُحاسب نفسه أشَدَّ الحساب، كي يكون حسابهُ يسيرًا إن شاء الله يوم القيامة.
قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
أي ملكْتُ نفسي، وعلَّمتني من تأويل الأحاديث ؛ هذا من نِعَم الله الكُبرى أنْ تفْهَمَ النَّص فهْمًا صحيحًا، فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة ؛ فيا رب، اجْعَل حياتي مُنْتَهِيَةً بالاسْتِسلام إليك بِأعمالي ومشاعري، وقوله:

﴿َأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
هذا أدَبٌ من الأنبياء، فالإنسان دائِمًا يتواضع، الكبرياء إزاري فمن نازعني إزاري قصَمْتُهُ ولا أُبالي، فسيِّدنا يوسف عليه السلام كان مُتواضِعًا، قال تعالى: رب إن ليم تصرف عني كيدهن..."، وهو طلب منه عليه السلام أن يُلْحقَهُ بالصالحين.
الآية الأخيرة:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾
هذه القصَّة من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)﴾

[ سورة يوسف ]
من أعلمك هذه القِصَّة ؟ ومن بلَّغك هذه التفاصيل ؟ هل كنت معهم ؟! قضِيَّة لها أربعة آلاف سنة، فهذه من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ومركز الثقل في هاتين الآيتين: أن تَمْلُكَ نفْسَك وتُسَيْطِر على شَهَواتِك ومُيولِك، فإذا سَيْطَرْتَ ملَكْتَ كُلّ شيء، وإن لم تُسَيْطِر فأنت عبْد مَمْلوك، قال عليه الصلاة والسلام:
((تعس عبد الدرهم...))
فهناك من هو عَبْدٌ لِفَرْجِهِ، أو عبْدٌ للدِّرْهم والدِّينار أو عَبْدٌ لِثِيابِهِ أو عبْد لِبَطْنِهِ لكنَّ المؤمن عبدٌ لله عز وجل، والمؤمن عبْدٌ حرّ وليس له قيود.





والحمد لله رب العالمين






السعيد 03-04-2018 02:06 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الحادى والعشرون




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، إلى التعقيبات الشموليَّة في آخر القصَّة، فالقِصَّة انْتَهَت، يقول الله عز وجل في آخر القصَّة:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[سورة يوسف]
تصوَّر ميزَانًا، فالشَّهَوات وزْنُها خمْسة كلغ والإيمان خمسة غرامات، كفَّة الشَّهوات راجحة، فإذا حضر خطبة جمعة أصبحوا عشرة غرامات، إلى أن تكون القيمة الحقيقيَّة الإيمانيَّة تكافئ الشَّهوات، حينها تدخل بالصِّراع ؛ هذه تجوز وتلك لا تجوز، وأفعل ولا أفعل فأنت إذا دَخَلْت في باب الصِّراع كان معنى ذلك أنّ الإيمان قاربَ أن يكون في قوَّة الشهوات، أما إذا كان الإيمان ضعيفًا والشَّهوات كبيرة جدًا فهذا يعني أنَّ الإنسان مُنْحَرِف، وله تبرُّك أجْوَف، وله عقيدة سَطْحِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، وله عبادات شَكْلِيَّة لا تُسْمِنُ ولا تُغني من جوع، وله اعْتِزاز شَكلي بالإسلام، ومشاعر، هذه كُلُّها لا تُقدِّم ولا تؤَخِّر، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُكَ على طاعة الله تعالى، كلامٌ واضِحٌ كالشمس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنَّة ))
قالوا: وما حقها ؟..." فالإنسان حتى لا يقع في الوَهْم ويقول: أنا مؤمن ! عليك أن تُقَيِّم إيمانَك بمُستوى اسْتِقامتك وما دام عندك إمْكانِيَة أن ترتكب معْصِيَة، وأنت تعلم أنَّها مَعْصِيَة وأنَّ الله سَيُحاسِبُ عليها، فهذا إيمان هشّ وضعيف، وهذا الإنسان مِمَّا تُغَطِّيه هذه الآية:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
قد يقول أحدكم: أنا مؤمن ! فإبليس آمنَ، قال تعالى: رب فبعزتك لأغوينهم..." فهو آمَنَ به تعالى ربًا وآمَنَ به عزيزًا، فالإنسان حينما تنفصل عقيدته عن سُلوكهِ فهذا الإيمان يُسَمِّيهِ بعضهم تجاوُزًا إيمان إبليسي ! لأنّ هذا الإنسان آمَنَ وعلم أنَّ هذا حلال وذاك حرام، وانْغَمَسَ في الحرام، ثمّ يقول: نحن عبيد إحْسان وليس عبيد امتحان، وهكذا كل حال الناس، هذا الكلام لا يُقَدِّم ولا يؤَخِّر، قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان يجب أن يظهر في السلوك، وأن يظهر في الحرفة والعمل، طبيب ومهندس ومحامي وتاجر، يجب أن يبْدو الإيمان صارِخًا في مُعاملاتِكَ اليَوْمِيَّة صِدْق وأمانة وتعَفُّف، فالمؤمن لا يكْذِب، يُطبع المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الكذب والخِيانة، فالذي يكذب ثمّ يصلي، فهذه الصلاة لا تنفعُهُ نقول له: صلِّ ولا تكذب ؛ لأنّ الصلاة من شأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تغتَرّ أن ترى بالحرم المكي مليون ونصف حاجّ ؛ شيء جميل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة..." ))
أي أثنى عشر ألف مؤمن حقيقي لن يُغْلَبوا ‍، أما مليار ومائتان مليون ليسَتْ كلمتهم هي العُليا ! وليسَت أمورهم بأيْديهم لأنَّهم كما قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم..." ))
وقال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
بِرَبِّكُم هل يستطيع أحدكم أن يدخل عند طبيب أو محامي ولا يدْفع الأتعاب ؟ أو إلى أيِّ محلّ دون مال ؟ أو أن تتلقَّى خِدْمة من الناس دون مُقابِل ؟ أما بيوت الله تعالى فأنت تدخلها وتتلقى منها العلم دون أجر، قال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
لا تستطيع أن تتحرَّك حركة من دون مال، لو سألتَ مُحَامِيًّا كلمة يقول لك: خمسة مائة ثمَّ السؤال !
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
أمَّا بيوت الله فهِيَ مُفَتَّحَة على مصراعيها ؛ لا بطاقة اشتراك ولا ضريبة ولا أجرة، تسمع التفسير، وسنَّة النبويَّة، والسيرة، وأحكام دينك دون أي شيء، ومِن علامات الدعوة الصادِقَة كما قال تعالى:

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)﴾

[ سورة يس ]
فهذه علامة، هو لا يريد أجْر مادِّي ولا أي شيء، إنما يريد التَّقَرُّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِبادِهِ فقط، والمؤمن لا يبْتغي من الناس أجْرًا، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
أنت تلعق مغرفة من عسَل، فهل تدري ما يَجْري في خلايا النَّحْل، هناك ملِكَة تعيش خمْس سَنَوات تُفْرِز مادَّة تشْعر بِها كل النَّحلات في الخليَّة ؛ شُعور النَّحْل أنّه يوجد ملِكَة والعمل يجْري بانْتِظام، وعامِلات للملِكَة، ويُقَدِّمْن الغِذاء المَلَكي وحارِسات، ولا يسْمحن إلا لِنَحْلةٍ واحِدَة أن تقول كلمة السرّ فإن قالت كلمة السرّ قُتِلَتْ، ومن يُنَظِّف الخليَّة، ومن يقوم بِتَدْفِئَة الخلِيَّة شِتاءً وترطيبها من الجفاف، وعاملات رائدات يخرجن إلى الحُقول يكْشِفْنَ ومواقع الأزهار لِيَرْقُصْنَ رقْصَةً يُحَدِّدْن فيها موقع الأزهار والمسافة بينهما، وتُغادر النَّحْلة الخليَّة إحدى عشرة كيلومتر دون أن يعلم العلماء كيف تعرف الرَّجْعة إلى موطنها، فقد أخذوا نحْلاً وأبْعَدوه مرَّةً غربًا وأخرى شرْقاً، وبعد نصف ساعة عاد النَّحل إلى خليَّتِهِ ‍! طيف ؟! والنحلات التي يصْنَعْن الشَّكْل المُسَدَّس هو الشَّكْل الوحيد الذي ليس فيع فراغات بَيْنِيَّة، ويعْجز عن صُنع هذا الشَّكل كِبار المهندسين، فنحن في عالم البشر لو أردنا أن نبلِّط هذا المسجد فأخذ أحدهم من اليمين والآخر من اليسار ؛ فهل يمكن أن يلتقيان؟! مستحيل ! أما النحل فيبدأ من زوايا مختلفة ويلتقوا في نقطة واحدة وعلى أشكال سُداسِيَّة ونِظامِيَّة، فهذا شيء فوق طاقة البشر، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
طبقة الأوزون، طبقة تمنع الأشِعَّة المؤذِيَة، والآن أكبر سرطانات الجلد أسبابها تخلخل هذه الطبقة، تأتينا أشِعَّة مؤذِيَة تسقط على الجلد تُسَبِّب أوْرام خبيثة، فَمَن جعل السماء سقْفًا محدودًا ؟ لو نقضي أيام وسنوات في الحديث عن الآيات الكَوْنِيَّة لا ننتهي ! مَن جعل الماء يتمَدَّد في الدرجة أربعة، لولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياة على وجه الأرض ‍، كلّ العناصر تنكمش في البرد، وتتمدَّد في التَّسْخين إلا الماء، فهو شأنه شأن العناصر الأخرى حتى الدرجة زائد أربعة، فهو يتمدَّد إذا برَّدْتَهُ، معنى ذلك كلَّما جمدتْ سطوح مياه المُحيطات ازْداد حجْمُها وقلَّتْ كثافتها فطافَتْ على الماء وبَقِيَتْ أعْماق المُحيطات دافئة، أما لو تجمَّدَت فانْكَمَشَت وازْدادت كثافتها وخاصَة في أعْماق البِحار، بعد حين تُصبح البِحار جامِدَة، وينعدِمُ التَّبخر والماء والحيوان والنبات والإنسان ويكون كلّ شيء، فَكُلّ حياتنا منُوطة بأنَّ هذا الماء في الدرجة زائد أربعة يزيد حجمه على عكْس كل العناصر، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
لعْقَة العسَل فيها سبعين مادَّة دوائِيَّة، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)﴾

[ سورة النحل ]
مَن صنَعَ العسل، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
خاطَبَها بِضَمير المؤنَّث لأنَّها مؤنَّثة، فالذُّكور لا تعْمل شيئًا تُلقِّح الملكة وانتهى دَوْرُها، ثمّ تُطرَدُ أو تموت ولكن لمَّا خاطب الله النَّمل قال:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)﴾

[ سورة النمل ]
لأنَّهم ذُكور وإناث ؛ للجِهَتَيْن، والعنكبوت عُلِمَ الآن أنَّ التي تبني البيت هي الأنثى، قال تعالى

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)﴾

[ سورة العنكبوت ]
مَن كان يعْلم أنَّ هذه الحشَرَة التي تبني البيت هي الأُنثى ؟‍ وقال بعض العلماء: إنَّ الإناث في عالم الحشَرات مُتَفَوِّقات على الذُّكور ولهنّ السَّيْطَرة، وربُّنا عز وجل وصَفَ الكفار وأنَّهم أضل سبيلاً، معناها إذا سَيْطَرَتْ أصْبَحْنا كالأنعام، وفي الحديث الصحيح:
((إذا كان أمراؤكم خياركم...".))
قال تعالى :

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان يحتاج إلى جُهْد عقلي، ونفْسي، فالعَقْل يُفَكِّر بالكَون، والقلب يذْكُر، والسُّلوك ينضبط، فإذا ساهَمَ عقلك وقلبكَ وسُلوكك ترتقي في الإيمان وقال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
وقال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
قلتُ لأخٍ البارِحَة: إنَّ الاتِّصالات الخارِجِيَّة أصْبَحت مُريحة جدًا، قال لي: لأنَّه أصْبَحَ هناك خطّ كهربائي ‍! وما هو الخط الكهربائي ؟ ألف خط يمشوا بِشَريط واحد ! فقُلْتُ له أما العصب البصري فيَحوي تسعمائة ألف خط بعرض ميلي وربع، ولكل خط ثلاثة أعمدة ! قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾

[ سورة لقمان ]
وأخ يغسل كلاويه مرَّتين بالأسبوع فقال لي: ستَّة ساعات، وصوت وكهرباء فقلتُ: سبحان الله ! أما الكلية فهي عجيبة ؛ تعمل بِصمت وفيها طريق طوله مائة كيلومتر، والدم يمرّ فيها خمْس مرَّات، ويقطع الدَّم كل يوم خمس مائة كيلومتر دون ضجيج، ومن شِدَّة عظم هذه الكلية فهي له قدْرة تَصْفِيَة عشْر أمثال حاجتك، وإذا توقَّفَتْ الكلية فالحياة لا تُطاق فلذلك:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
يجب أن تمتلئ تعْظيمًا لِخَلق الله، لا لِتَعْظيم البشر، فلا تقل: سوني ولا كونكورد ! قرأتُ كلمة في مجلَّة تقول: أعظم طائرة صُنِعَت حتى الآن لا تُعادل طائِرًا من الطيور الطبيعية، وأكبر معمل و أعْقَدُه لا يرقى لِصُنع ورَقَة:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا هو الشرك الخفيّ، فالجلي أن تعبد بوذا، أما الخفي أن تقول: فلان ! وأنا أمري بيد فلان، وأنا معي مال لا تأكله النِّيران، فالله قد يبعث لك مصيبة لا يحلها المال وكل مَن يعتمِد على ماله أو على علمه أو جاهه أو على زيد أو عُبَيد فهو مُشرك، يقول عليه الصلاة والسلام:
((أخوَف ما أخاف على أمتي...".))









والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-04-2018 02:08 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثانى والعشرون



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام وقد انتَهَينا منها قبل درْسَيْن، وبدأتْ التعقيبات القرآنية على هذه القصَّة، قال تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

[ سورة يوسف ]
أيها الإخوة، الشرك نوعان: شرك جلي، وشِرك خفي، فالجلي أن تعبد صَنَمًا من دون الله، أما الشِّرْك الخفي أن تُعَلِّقَ أمَلاً على إنسان وأن تتوهَّم أنَّ هذا الإنسان بِإمكانِهِ أن ينفَعَكَ أو يضرَّك أو يُقَرِّبَك أو يُبْعِدَكَ، فإذا علَّقْتَ الأَمل على جهَةٍ غير الله عز وجل ولْيَكُن المال أو الجاه أو زوْجة أو ابنًا، فإذا اتَّكَأتْ على غير الله، ووثِقْتَ الآمال على غيره فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، ويقول عليه الصلاة والسلام:
((الشرك الخفي...دبيب النملة السمراء...".))
وأدناه أن تُبغض على عدْل أو أن تُحِبَّ على جَوْرٍ، فلو كنتَ تُحِبُّ شَخْصًا ولم يكن مُسْتقيمًا وليس مُنْصِف، فأنت أشْرَكْتَ، وآخَرَ نصَحَكَ بِإخْلاص فَغَضِبْتَ فقد أشْرَكْتَ نفْسَكَ مع الله، فإذا أبَيْتَ أن تنْصاع إلى الحق فقد أشْرَكْتَ، وقد يكون ابن وزوْجة ولكن ليسوا مستقيمين ومُنحرفين، لذا أدنى أنواع الشِّرْك أن تُحِبَّ على جَوْر، وأن تُبغض على عدْل، والشِّرْك الخفي قلَّما ينجو منه أحد، ولكن عِلاجُهُ أنَّ الله يتولى تأديب من وقعَ في الشِّرْك الخفي، فأنا لا أقول أنَّ هذا الشرك يُخْرِجُكَ من الدِّين ‍! إنَّما ذاك الشرْك الجلي، هو الذي يُخْرجُك من الدِّين، وكذا إن اعْتَزَزْت بِنَفسك، كأن تقول: خبرتي بالشِّراء أعلى خِبْرة، يُعطيك الله تعالى صفْقة تخسر فيها الكثير، فإذا اعْتمَدْت على خبرتك أو مالِك أو جاهك أو شخص، ولكن إن اعتَمَدَ الله وفَّقه الله وكما قلتُ البارحة: صحابة رسول الله ومعهم رسول، وخاضوا بدْر وأحد والخندق، وباعوا أنفسهم، فأعلى مستوى في البشر بعد الأنبياء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومع ذلك حينما قالوا: لن نُغْلَب من قِلَّة ! أدَّبَهُم الله عز وجل وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾

[ سورة التوبة ]
طبْعًا أنا أُعيد هذا الموضوع لِفائِدَتِه وكل يوم أيها الإخوة لكم مائة درس مُتَعَلِّق بِبَدْر وحُنَيْن، فأنت إذا قلت فلان تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاَّك، فإذا أرَدْتَ أن يتولاَّك الله فاعْتَرِف بِضَعْفِكَ وجَهْلِكَ وافْتِقارِك لله، ومن اتَّكل على نفْسِهِ أوْكَلَهُ الله إياها، فأنت دائِمًا بين حالَيْن حالة التَّوَلِّي مع العُبودِيَّة، وحالة التَّخَلِّي مع الشِّرْك الخفيّ، والشرك الخفي قلَّما ينْجو منه مؤمن، ولكنَّ الله يُؤَدِّبُهُ، وهناك مليون قِصَّة على هذا الموضوع، فإذا دعا المرء الله تعالى وقال: يا رب، تولاَّه وليَّنَ له قلبَهُ، وإذا قلتَ فلانًا تجد أنَّ ذاك يُعامِلك بمُنْتَهى الفضاضة، ودائِمًا يُلْهم الله من أشركْتَهُ معه أن يُخَيِّبَ ظنَّك، لذلك العُقَلاء هم الذين اعْتَمَدوا على الله، لهذا قال الله تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[ سورة الشعراء ]
وقال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

[ سورة يوسف ]
ثم قال تعالى:

﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾

[ سورة يوسف ]
آيةٌ آمنة ومطمئنَّة فجأةً ترى نفسها تحْترق، وصاعقة تنزل إلى مستودعات النَّفْط، وكذا الزلازل فهذا الذي يعصي الله تعالى على مَن يعْتَمِد ؟ الإنسان في قبْضة الله عز وجل:

﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾

اسْمعوا الآن:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
كلّ مَن يدْعوك إلى الله تعالى على غير بصيرة فهو على غير سبيل رسول الله عليه الصلاة والسلام، والبصيرة الدليل والتَّعْليم والنَّص القرآني، فأنت لا تكون مُحْتَرَمًا إلا إذا تكَلَّمْتَ بالدليل فهذه حلال لقوله تعالى وهذه حرام لقوله تعالى، لذا:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
فكُلّ من يدعوا على بصيرة فهو على منهج رسول ا لله صلى الله عليه وسلَّم، والإنسان إذا قال: كلامي هو الشَّرْع، وما أقولُهُ هو الحقّ، وما أقول عنه باطلاً فهو باطل، فهذا إشراك نفْسَهُ مع لأنَّه دعا إلى الله بِمَصْلَحَتِهِ، يقول: هذا حرام ويكفي دون أن يأتي بالدليل فهذا مُشْرِك، والمُشَرِّع هو الله، إذًا أيَّةُ دَعْوَة وٍ إلى الله تعالى على غير بصيرة، فهي طريقة على غير ما أراده الله ورسوله ويكون هذا قد أشرك، والدليل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
وما أنا من المشركين، حتى أدْعوكم برأيي الشَّخْصي، فالدَّعوة لا بدّ أن تكون وِفق الشَّرْع وبه منْضبطة فالصحابي الذي أمَّره رسول الله، ثمَّ أمرهم هذا الصحابي أن يقْتَحِموا نارًا فقالوا: كيف نقتحمُها وقد آمَنَّا بالله فِرارًا منها، فقال بعضهم: نُطيع الأمير واخْتَلَفوا، فعرضوا أمْرهم على النبي عليه الصلاة والسلام:
((والله لو اقْتَحَمْتُمونا لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنَّما الطاعة في مَعْروف))
فالعَقْل لا يُعَطَّل أبَدًا، اُدْعوا الله على بصيرة، فَكُل شيء تؤمن به لا بد له من الدليل، ورفْضُك الشيء لا بدّ له من دليل.
قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]








والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-04-2018 02:09 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثالث والعشرون





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام، قبل أن نَمْضي في الحديث عن الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام أُحِبُّ أن أُنَوِّهَ تَعْقيبًا على كلمة البارِحَة حينما قلتُ: أربع كلمات مُهْلِكات ؛ أنا ولي وعندي ونحن، سألني أخٌُ كريم بعد الدرس ؛ لو أنَّ أخٌ سأل: مَن يحْفظ سورة البقرة، فقال أحدهم أنا فقوله: أنا هنا لا علاقة لها بالدرس إطْلاقًا، مَن عنده غرفة تفيض عن حاجته ؟ يقول: أنا، لذا أيُّ أنا المُهْلِكَة ؟! التي فيها إثْبات الفِعْل للذات، تقول: أنا أفْعل كذا، والفاعل هو الله، قال تعالى: ولا تقولنَّ لشيء إنِّي فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإذا قلتَ: أنا وتقْصِد إثبات الفعل لِذاتِك فهذا هو الشِّرْك، وإذا قلنا: نحن نفْعَلُ ما نشاء، وننْسى الله سبحانه وتعالى هو الذي يفْعل ما يشاء، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، مَن هم القوم الذين تواصَوا بالحق ؟ نقول: نحن، فنحن هذه لا علاقة لها بالكبر، وكذا إذا قلت هذا القلم لي، فأنت بهذه الكلمات ما أشْرَكْتَ، الشِّرْك أن تُثْبت الفِعْل لِذاتك أو لِمَجموعة تعيش فيها.
الشيء الثاني ؛ وهو نقطة دقيقة، وأرْجو الله تعالى أن يُوَفِّقَنا إلى تَوْضيحِها، الأخْذ بالأسْباب فرض، لأنَّ الله تعالى خلَقَ هذا الكوْن وِفْق نِظامٍ دقيق، فحينما لا تأخذ بالأسباب فأنت لا تعبأ بِهذا النِّظام بل تسْتخِفُّ به، والاسْتِخْفاف بالنِّظام اسْتِخْفاف بالمُنَظِّم.
لو أنَّ ابنَك أخذتهُ حرارة، ماذا تفعل ؟! تأخذه عند الطبيب وتشتري له الدواء وتتوكَّل في كل هذا على الرب سبحانه وتعالى، فالفرق بين الشِّرْك والتَّوحيد أنَّ الشِّرْك تأخذ بالأسباب لكِنَّك تعتمِدُ عليها، لكنَّ التَّوْحيد تأخذ بالأسباب ولكنَّك تعْتمِدُ على الله تعالى، واسْمَعوا الكلمة الدقيقة: الطريق الصحيح على يمينِهِ وادٍ سحيق، وعلى يساره وادٍ سحيق، فالواد الأوَّل عدم الأخْذ بالأسباب مَعْصِيَة، والوادي الثاني الاعْتِماد على الأسباب شِرْك، ما الصَّواب ؟ أن تأخذ بالأسباب كي لا تعْصي، وأن تعتمِد على الله لكي لا تُشْرِك، فهذه نقطة مُهِمَّة جدًا الأخذ بالأسباب طاعةً لله تعالى، والاعتِماد على الله لا على الأسباب اتِّقاءً للشِّرْك، ولك أن تسأل وتُقَدِّم اعْتِراض، وأن تتوسَّط لدى شَخْص كُلّ هذا مُباح ومِن باب الأخذ بالأسباب، لكن حينما تقول: صديقي فلان ولن يُخَيِّبني، أما إذا قلت: يا رب، الأمر بيدِك، وأنا عبدك وأمرك نافذ فيَّ، وأطلب منك تيْسير هذا العمل، فاللهمَّ وفِّقني ويسِّر لي، لكن إن ظنَنْت أنّ هذه الوسائل تفْعل ما تشاء فقد أشْرَكْت.
الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾

[ سورة يوسف ]
كيف تعرف الله ؟ مِن خلْقِهِ، قال تعالى:
﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[ سورة يونس ]
وكيف تعرفُ الله ؟ مِن أفعالِهِ قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾

[ سورة يوسف ]
وكيف تعرف الله ؟ من كلامه، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

[ سورة محمد ]
طُرقٌ ثلاثة توصِلُكَ إلى الله ؛ خلْقُهُ الكَون، وأفْعالهُ الحوادث، وكلامه القرآن، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾

[ سورة يوسف ]
الآية دقيقة، ليس الرُّسل أكثَرَ الناس يأسًا ! لا، لكنَّهم آخرهم يأسًا، فأحْيانًا يؤخِّر الله النَّصْر، فتَجِدُ ضِعاف الإيمان سَقَطوا ويقولون: أين الله ؟ تأخير النَّصر امْتِحان للعباد، ويكشف منه الصالح من الطالح، وهناك مَوْقف في القرآن دقيق جدًا ؛ فئة صغيرة مُستَضْعفة موسى وأتباعه فرُّوا من فرعَون ؛ أكبر قُوَّة غاشِمة في مصر ! جنود وخدم وأتباع وقَهْر، وكان البحر أمامه، بِرَبِّك هل هناك أمل للنَّجاة واحد بالمليون ؟! قال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا سيِّدنا يونس ؛ هل مِن مُصيبة أعظم مِن أن تكون في بطْن الحوت ؟ ظلام بطن الحوت وظلام الليل، وظلام البحر !! قال تعالى: " فنادى في الظلمات..." الفِعْلُ فِعْلُ الله، ولا تيأس مهما تكن المُصيبة، مرض خبيث، والله أعرف عشرات الأشْخاص مرضهم وصل بالدرجة العاشرة من الخبث، وهذا المرض تراجعَ من ذاتِهِ، والقصَّة من اثنى عشرة سنة وهو حيٌّ يُرْزَق ! لا يأس ولا قنوط مع الإيمان، والقنوط دليل الإيمان الضعيف، وقد يكون كُفْرًا.
قال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)﴾

[ سورة يوسف ]
فالمؤمن لا ييأس، والله تعالى قويّ وعادل وسميع وبصير، لذلك قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾

[ سورة يوسف ]
أما لو جاء النَّصر سريعًا، لكان كلّ شيء مُغَطَّى، لكن بِتَأخير النَّصْر نرى المؤمن من غيره، ففي الخندق عشرة آلاف مُقاتِل حاقِد وأرادوا أن يستأصِلوا شفقة المسلمين، ونقض اليهود العهْد، لذلك أحدهم قال:

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[ سورة الأحزاب ]
وهناك تعبير آخر: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضِيَ حاجته ؛ ما قال رسول فقد ظنَّه دجَّالاًّ ! هكذا قال بعض من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
وقال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾

[ سورة البقرة ]
تأخير النَّصْر امْتِحان للمؤمنين، وكُلَّما كان إيمانك بالله أقْوى كلَّما كان إيمانك بالنَّصر أكثر، وكلَّما كان ضعيفًا ففي بداية المرحلة يُهشّ.
فالواحد يمتحننا ليرى الصادق من الكاذب، وأحيانًا ليضَع المتخوِّل والذي يفتخر، يُحَجِّمُهُ، كي يعود لما هو عليه، حدَّثني أحد الأصدقاء البيْطَريِّين أنَّ داءً يُصيب الدواجن فينتفخ الصغير من هم لِغازات في جلده، والدواء أن يثقب الجلد لِيَعود الديك لِحَجْمِهِ، لذلك قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فأوَّل الإيمان للصُّمود بالامتِحان، ولكي تصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض وسلعة الله غاليَة، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾

[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-04-2018 02:10 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الرابع والعشرون






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فالآية الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام يقول الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾

[سورة يوسف]
أكَّدَتْ هذه الآية أنَّ أُسلوب القِصَّة مِن أنْجع الأساليب التَّرْبَوِيَّة لإحْداث قناعة وتأثيرٍ معًا في وقتٍ، فالأب أو المعلِّم أو الداعِيَةُ إذا أراد أن يُحْدِث تأثيرًا بليغًا في نُفوس السامِعين، أو أن يحملهم على مَوْقف أو أن يحْجزهم عن سُلوكٍ ما، فَعَلَيْهِ أن يستخْدِم أسْلوب القِصَّة ؛ لماذا ؟ لأنّ الإنسان بِطَبيعتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَتَبُّع قِصص بني الإنسان ؛ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وطبيعَةٍ واحِدَة، فالإنسان أحْيانًا إذا قرأ قِصَّةً يرى ذاتَهُ، أو يرى نقيضهُ أو مَثَلَهُ الأعلى،فَهُناك تَعَلُّق فِطْري للإنسان بأحداث أيِّ قِصَّة تتعلَّق بِبَني الإنسان، شَرْط أن تكون القِصَّة واقِعِيَّة، أما إن كانت خيالِيَّة فهذه يُعْنى بِها الصِّغار، أما الراشِدون لا تَعْنيهم إلا القصص الواقِعِيَّة أو التي يُمْكِن أن تَقَع.
القِصَّة مِن شَخصِيات مُصَوَّرةٌ و مُحَلَّلَةٌ، ونَفْهم تصوُّراتِها ودوافِعَها، وأهدافها، والصِّراعات في نُفوسِها ؛ عمليَّة تحليل نفْسي دقيق، فالإنسان أحْيانًا تُحَلُّ مُشْكلاته أو يرى ذاته أو مثلَهُ الأعلى أو نقيضَهُ لذلك قال بعض كُتَّاب القِصَّة: لا بدّ للإنسان مِن شَخْصِيَةٍ يكونُها أو شَخْصِيَّةٍ يتمنَّى أن يكونها أو شَخْصِيَّةٍ يَكْرهُ أن يكونها، فمَثَلاً الشَّباب مَن هو مَثَلُهم الأعلى ؟ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام لِعِفَّتِهِ وطَهارَتِهِ وخَوْفِهِ من الله، فأصْبَحَتْ المبادئ ليسَتْ مُجَرَّدة ولكِنَّها مُجَسَّدَة في واقِعٍ من خلال القِصَّة، وفي شَخْصِيات والحقيقة أيها الإخوة، القُدْوَة هيَ أفْعَلُ شيءٍ في التَّوْجيه ؛ أي ألف مُحاضرة في الصِّدْق لا تُغني عن شَخْصٍ واحِدٍ صادِق، وألف مُحاضرة في الأمانة لا تُغني عن واحِدٍ أمينٍ يعيش بين أظْهُرِنا.
ألْقَيْتُ مرَّةً في جامع العُثمان حول الأمانة، وبيَّنْتُ دقائق هذا الخُلُق الثَّمين، فالإنسان أحْيانًا يكون عليه سَنَد أو ذِمَّة أو دَيْن ويتبَجَّح أنَّهُ أدَّى الأمانة وأدَّيْتُ الدَّيْن، والحقيقة ليْسَت هذه هي الأمانة لأنَّك مُوَقِّع بيَدِك وأنت مُدان، وهذا السَّند تُقام عليه دَعْوى، أو يوضَعُ في التَّنْفيذ وقد يُحْجز على أَمْلاكك وقد يُسيء إليك صاحِبُ الدَّيْن، وقد يُشَهِّر بك بين الناس، فأنت حِفاظًا على سُمْعَتِك ومكانتِك بادَرْتَ إلى دَفْع هذه القيمة وهذا سُلوك مَدَني وذَكيّ، ولكنَّ الأمانة بِتَعْريفِها الدَّقيق أنْ يُعْطيك إنسانٌ مائة ألف ويَموتُ فَوْرًا دون أن يُعْلِمَ أحدًا كائِنًا مَن كان بِهذا المَبْلَغ، وتَذْهب أنت إلى وَرَثَتِهِ وتُعْطي هذا المَبْلَغ، إذًا هو أن تُؤدِّي ما عليك دون أن تكون مُدانًا أمام الخَلْق، بعد سِتَّة أشْهَر جاءَتني ورقة صغيرة، وأنا أثق أنَّ صاحبها صادِق يقول لي: والله الذي لا إله إلا هو أدَّيْتُ لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة دون أن أكون مُدانًا أمام أحد ولكن خَوْفًا من الله عز وجل، لذا أمانة الرجل خير مِن ألف مُحاضرة في الأمانة، وكذا العفيف والصادِق، لذا التَّعْليم النَّظري لا قيمة له فلمَّا أصْبَحَ الإسلام بالكُتب انتَهى، ولكن لمَّا يكون الإسلام في أشْخاص تراهم أمامك يتحرَّكون، ويعيش الظروف نفسها، وكذا المُغرَيات والضُّغوطات نفسها، وعوامل البيئة نفسَها، ومع كل هذه المضائق والاخْتِناقات يبْقى أمينًا صادِقًا عفيفًا، فهذا الإنسان هو الذي يُحْيي ويؤثِّر في الناس، نحن الآن لَسْنا بِحاجَة إلى معلومات، والمكتبة الإسلامِيَّة الآن مُمْتلئة، وأينما ذَهَبْتَ تجد آلاف التفاسير، وآلاف كتب الحديث وآلاف كتب السيرة، وآلاف البحوث والموضوعات التي تردّ على خُصوم الإسلام، وأشرِطَة، ولكن نحن الآن إلى أمَسِّ الحاجة إلى إنسانٍ مُسلِم، ترى في بيتِهِ وعمله ودُكانِهِ الإسلام، وترى في نُزهته وأفراحِهِ الإسلام، ولا يُحْيي هذا الدِّين إلا المَثَل الأعلى، لذلك قد تَسْتغْرِبون ؛ ما مُهِمَّة النبي ؟ الله عز وجل أرْسَلهُ رسولاً، قد يقول أحدكم التَّبْليغ فأقول لك: لا، فالتَّبْليغ مُهِمَّة ثانَوِيَّة وأيُّ إنسانٍ يُمْكن أن يُبلِّغَك، النبي عليه الصلاة والسلام أكبر مُهِمَّتِهِ القُدْوَة ! وأنت كأب وكصاحِبِ محَل، وكَمُعَلِّم ومُربِّي، أنتَ بِإمْكانِكَ أن تكون أكبر داعِيَةٍ وأنت صامِت ؛ إتْقانُ عَمَلِكِ وصِدْقكَ وعَمَلَك، سمَّان جاءهُ زَبون فقال له: هل البيض طازج ؟ فقال السَّمان: لا، ولكن جاري الآن جاء بِبَيْضٍ طازِج ؛ هذا هو المَوقف الصادق، الدنيا كُلُّها لا تستأهل أن تكذب من أجلها لأنَّها فانِيَة، ويأتي ملَكُ الموت ويأخذ مِنَّا كُلَّ شيءٍ في ثانِيَة ويبْقى الإنسان رهينَ عملِهِ، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾

[سورة المدثر]
لذا أيها الإخوة، قِصَّة واحِدَة إذا أطْلَعْتَ أولادَكَ عليها، وكانت النتائِج باهِظَة جدًا، يكون لها أثَر فعَّال، إنسانٌ عاشَ معك فارْتَكَبَ الحرام فدَمَّرهُ الله، أخٌ كريم حدَّثني كان ذاهِبًا إلى المطار مع صديقٍ له انْحَرَفَت السيارة على اليمين فجْأةً، فابتسَمَ السائق ابْتِسامةً استهزائِيَّة والذي حصَل أنَّ كلْبًا كان بالطريق حاجِزًا مكانًا قدرُهُ أربعين سنتمتر، كان نائِمًا تحت واقِيَة مِن شِدَّة البرْد، فهذا السائِق مرَّ على الكلب لِيَقْطَعَ رجليهِ دون أن يقتل الكلب !! يُقْسِمُ هذا الرَّجل وهو حيّ يُرزَق أنَّهُ في الأسبوع الثاني الذي فَعَلَ هذا الفِعْل بالمكان نفسِهِ، تعطَّلَت سيارة ذاك المجرِم فأخَذ الكريك لِيُبَدِّل عجلة السيارة، فإذا بالدولاب يقع فوق رُسْغَيْه، فحين وصل إلى المستشفى اسْوَدَّت يديْه، فقال الطبيب لا حلّ إلا بِقَطْه يَدَيْك !! فَهُو فعل فعلته بالسبت مع الكلب وفي السبت القادِم قُطِعَت يداهُ.
قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾

[سورة يوسف]
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أرادوا وَضعهُ في الجبّ وأراد الله تعالى أن يكون عزيز مصر، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[سورة فاطر]
فيا أيها الإخوة مرَّةً ثانِيَة أقول لكم: يُمْكن أن تعرف الله تعالى مِن الكَون، وهذا باب واسِع ؛ الشَّمس والقمر والنُّجوم والبِحار والطيور والجبال والصَّحارى والخضار والفواكه والأغْوار، كُلّ هذا خَلْق الله، ويُمْكِن أن تعرفهُ بالقدر نفسِهِ مِن أفعالهِ تعالى ؛ زلازل، فيضانات، حروب أهْلِيَّة فسق فُجور ودمار وحريق، ويُمكن لن تعرفَهُ من كلامه تعالى، فأنت لك ثلاثة مصادِر، فَكَلامُهُ يدلّ عليه وهو القرآن وأفعالهُ تدلّ عليه، وخَلْقُهُ يدلّ عليه، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)﴾

[سورة آل عمران]
هذا خلقُه، وقوله تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)﴾

[سورة النمل]
هذه أفعالهُ، وقوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

[سورة محمد]
وهذا كلامُه.
أيها الإخوة، هذه أطْوَل قِصَّة في القرآن على الإطلاق، ومُلَخَّصُها أنَّ الله هو الفعَّال وبِيَدِهِ كلّ شيء، فأنت إذا وحَّدْتَ اسْتَقَمْت، وأيْقَنْتَ أنَّ الأمر كلَّه بيَدِه، فلو كان لك شُغل مع المدير فهل تترجَّى الآذِن ؟! تكون حينها أحْمَقًا، فكذلك إن أيْقَنْتَ أنَّ الأمر بيد الله تعالى لا تبْذل ماء وجْهك لأحَدٍ، شرف المؤمن قيامُهُ بالليل وعِزُّهُ اسْتِغْناؤُهُ عن الناس ولا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفْسهُ، واطْلُبوا الحوائِج بِعِزَّة الأنفس فإنَّ الحوائِج تَجري بالمقادير.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-05-2018 08:17 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الاول




أيها الأخوة الكرام، يقول الله تعالى في سورة الرعد:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
الحقيقة أنَّ الكون كما تعلمون أيها الأخوة مُؤلَّف من ملايين المَجَرَّات بل الرَّقم قد يقترب مِن مليون مليون مجرَّة في حُدود معلومات علماء الفلك، وكل مجرَّة تقترب من مليون مليون نَجم، وهذا الكون كلّه في فلكٍ يسْبح، وكلّ كوْكَبٍ يَجري في مسارٍ مُغْلَق، وإذا أردْنا أن نصِفَ السماء بِوَصْف جامِعٍ مانِعٍ شامِلٍ مطلق: والسماء ذات الرَّجع، فَكُلّ كوكَبٍ ينطلق ويدور ويعود بعد آلاف السِّنين مِن نقطة انْطِلاقه، أي أنَّ المَسَار مُغْلَق، فالأفلاك التي تدور فيها النُّجوم أشْكال بَيْضَوِيَّة مُغْلَقَة وهذا معنى قول الله عز وجل:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[سورة الطارق]
أما أن يقول الله عز وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد]
المعنى المُتبادَر أنَّها بِغَير عمَد، أما المعنى اللُّغوي الدقيق أنَّها بِعَمَد ولكن لا تَرَوْنها، هيَ بِغَير عَمَدٍ مَرْئِيَّة، إذًا هي بِعَمَدٍ غير مَرْئِيَّة، فما هي الأعمدة ؟ وما هو العَمَد غير المرئي ؟ قال علماء الفلَك هي قِوى التَّجاذب ! وقانون التجاذب الذي كشَفَهُ نيوتن: أنَّ كلّ كتلة تَجْذب أو تنجذب إلى كتلة أخرى وهو معروف عند طلاب العلم الكوني ؛ جداء المسافة مضروبة بمُربع الكتلتين، فالكتلة الأكبر تجذب الأصغر، والجذب مُتَعَلِّق بالمسافة وبالكتلة.
أيها الأخوة، لولا حركة الكواكب لأصْبَحَ هذا الكون وِفْق هذا القانون كتلةً واحِدَة ؛ لأنَّ الأكبر يَجْذب الأصغَر، فما الذي يَمْنَعُ مِن تجمُّع الكَون ؟ كلّ كوكب يدور، ومع دَوْرَتِهِ تنشأ قِوى نابِذة، هذه القِوى النابِذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالكون يدور بانتِظام دون أن يتجمَّع في كتلة واحِدَة.
الآن هناك نقطة دقيقة جدًا أُريد أن أضَعها بين أيديكم ؛ الشَّمس مثلاً فالأرض تدور حول الشَّمس في مسار مُغلق، والدَّوْرَة تستغرق ثلاثمائة وخمس وستون يوم وربع، وهي السنة الشَّمْسِيَّة، فلو فرَضْنا أنَّ الأرض تفلَّتَتْ مِن مسارِها حول الشَّمْس، وسارَت في الفضاء الكوني وأرَدْنا أن نُعيدها إلى مسارِها فَكَم نحْتاج إلى قوَّة ؟ قال العلماء: نحتاج إلى مليون مليون كَبْل فولاذي مظفور، وقُطر كلّ كَبْل خمسة أمتار والكَبل الذي قطره خمسة أمتار يُقاوِم مليونين طنّ، فهذه القوَّة التي ترتبط الأرض بها بالشَّمس مِن أجل أن تبقى الأرض فيها تدور حول الشَّمس ثلاثة ميلي في الثانية، إذًا الأرض مربوطة بالشَّمس بِأَعمِدَة أو حِبال لكنّ هذه الحِبال غير مَرْئِيَّة، والله عز وجل قال إنّ هذا الكون يتحرَّك بِنِظام مُبْدِع ومُعْجِز ومن دون حِبال وأعمِدة ودعائم، ثمّ لو أرادنا زرْع هذه الكبلات في الأرض لأعاقَت السَّيْر والزَّرْع وضوء الشمس نفسه، فَكَم هي آيات الله باهرة ؟! كُلُّكم يعلم أنَّ ما بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، ومع ذلك الأرض مَرْبوطة بالشَّمس بِقِوى الجذب، قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد]
والضوء يقطع هذه المسافة في ثمانية دقائق وكلُّكم يعلم أنَّ في بُرج العَقْرب نَجمًا صغيرًا اسمه نجم العقرب يتَّسِع للأرض والشمس والمسافة بينهما ! لذلك الله عز وجل قال:
﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[سورة يونس]
وقال تعالى:

﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)﴾

[سورة الزخرف]
هذا الكون خُلِق مِن أجل أن نعرف الله عز وجل، فربُّنا عز وجل يقول لك:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾

[سورة الرعد]
فهل عَرَفْتَهُ ؟
ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
يُقَدِّر علماء الفلك أنَّ الشمس مضى على تألُّقها خمسة آلاف مليون سنة ويُقَدِّر العلماء أنَّها تعيس خمسة آلاف مليون سنة، فهل عندك أنت مِدفأة تشْتعل دون وَقود ؟ أين وَقودُها ؟ الحديث عن الشمس حديث يَطول ! مليارات الأطنان لا تكفي كي تشتعِلَ بهذه الطريقَة، ستَّة آلاف درجة على سَطْحِها، عشرين مليون درجة في نواتها، ألسِنَة اللَّهَب طولها مِن نِصف إلى مليون كيلومتر، ولو أنَّ الأرض أُلْقِيَت في الشمس لتَبَخَّرَت في ثانِيَة واحِدَة قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾

[سورة لقمان]
فهو تعالى قال:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[سورة الرعد]
والدليل قوله تعالى:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾

[سورة التكوير]
فكل يمشي لأجل مُسَمّى، ثمَّ قال تعالى:

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
أي لعلَّكم تؤمنون أنَّ بعد هذه الحياة حياةٌ، وبعد هذه الحياة يوم يُحاسَب الإنسان فيه على أعْمالِهِ قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾

[سورة الرعد]
تَمشي بِطُرق سهلة ومُمْتَدَّة، وهناك بالهندسة شَكل واحِد الخُطوط عليه مُمْتَدَّة فالمُكعَّب الحرف ينتهي عند حدِّه، والمَوْشور ينتهي عند حَرْفِهِ وكذا متوازي المستطيلات وكل شَكْل هندسي إلا الكرة ! فليس لها حُروف، فالخُطوط على الكُرة تَمْتدُّ إلى ما لا نِهايَة، وهذه إشارة في كتاب الله على أنّ الأرض كُرَة.
قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾

[سورة الرعد]
معنى رواسي ؛ كلُّ مَن عنده مَرْكَبَة يقول لك عدَّلْت الدولاب، وذلك مِن أجل إذا مشى بِسُرعة مائتان لا تضطرب، والأرض في سرعتها الشديدة حول نفسها ومع سَيْرِها حول الشمس قد تضطرب، فما الذي يَجْعلها لا تضطرب ؟ هذه الرَّواسي والجبال، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
وعلاقة الرواسي بالأنهار أنَّ مُستَوْدعات الأنهار بالجبال.
أندونيسيا بها أربعة آلاف جزيرة، ولكل جزيرة نَبْع ماء، وينابيع الماء بالجُزر مُستَودَعاتُها في القارات، فكلَّما جاءتْ كلمة رواسي جاءَت معها كلمة أنهار، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
أربعة آلاف وخمسمائة نوْعًا بالعالم، وثلاثمائة نوعٍ من العِنَب والبن فيها نوع للعصير ونوه للسَّلطة ونوع كبير وآخر مُضَلَّع ونوع ماؤُهُ كثيف، كل نوعٍ من أنواع الفاكهة مُنوَّع، الزَّيتون والتفاح والعنب.
قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
معنى ذلك أنَّ الله يَحُضُّنا على التفكّر في هذا الكون، قال تعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[ سورة الرعد ]
مَن أعطى هذه الفاكِهَة هذا الطَّعم ؟ يقول لك: فيها فوسفور وكالسيوم ومغنيزيوم وفيتامينات، من صَمَّم هذا الغِذاء ؟ قال تعالى:

﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾

[ سورة يوسف ]
وهنا لي سؤال: كُلْ حبَّة توت وكُلْ حبَّة خوخ، وحبَّة مشمش وأجاص ود راق، وحبَّة عِنَب، هل لك أن تصف واحدة من هذه الفواكه دون أن تلجأ لاسمِها، لا يُمكِن وَصْف الطَّعم من دون ذِكْر الفاكِهَة، كلّ فاكِهَةٍ لها طَعْم، قال تعالى:

﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[ سورة الرعد ]
لذلك أيها الأخوة الكرام أعلى عِبادة على الإطلاق التَّفكُّر في السماوات والأرض، أوْسَع باب لِمَعرفَةِ الله هو الكَوْن، وأقْصَر طريق لِمَعرفَة الله هو الكون، وهو أعلى عِبادة لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

[ سورة القدر ]
إذا قدَّرْت الله حقّ القدر يكون هذا أحسن مِن أن تَعْبُدَه ألف شهر أي ثمانين سنة، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)﴾

[ سورة فاطر ]
فالتفكّر عبادة فهذا الكون خُلِقَ من أجل أن تعرفه، فالإنسان لابد أن لا يأكل كما تأكل البهائِم، قال تعالى:
﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾

[ سورة محمد ]
واشكر الله على نِعَم الله، ولا شرْط أن تكون غَنِيًّا، فالعَين نِعْمة كبيرة، وكذا الكِليَة، مَن يبيعُ كِلْيَتَهُ ؟ فأنت غنِيٌّ بِصِحَّتِك وإيمانِك وإخوانك، والله عز وجل قال:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[سورة الرعد ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-05-2018 08:20 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الرعد وما بعدها وهي قوله تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)﴾
(سورة الرعد )
ما الفرق بين أن يقول الله: يعلم الله ما تحمل كل أنثى وبين أن يقول: الله يعلم ؟ الفرق كبير جِدًّا ! كالفرق بين أن تقول: نعبد الله، وبين أن تقول: اللهَ نَعْبُدُ التَّقديم والتأخير يُعطي معنًى جديدًا، إذا قلْتَ: يعلم الله ما تحمل كل أنثى فهذا يعني أنَّ غير الله كذلك يعلم، أما إذا قلتَ: الله يعلم فهذا يعني أنّه وحْده الذي يعْلم، لكن قد يقول لك: لكنَّ الآن قد عرفوا ! تذْهب إلى الطبيب فيقول لها: ذَكَر أم أُنثى ! أين الآية ؟ فالله تعالى لم يقل: يعلم مَن تحمل ! وإنَّما قال: ما تحْمل، فَمَا قال العلماء: البُوَيْضَة والحُوَيْن المنوي يَحْمِلان مِن المُوَرِّثات ما يزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة، وهذا الرَّقَم أذْكُرُهُ بِدِقَّة، عُرِفَ منها حتَّى الآن ثمان مائة ! أسْمع بالمَجَلات والصُّحف ؛ الهَنْدَسة الوِراثِيَّة، فهذه البُوَيْضَة في نواتِها كروموزونات ومُوَرِّثات، هذه المُوَرِّثات تَحْمِل في طيَّاتِها خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجَة تُسْهِم في تَخليق الجنين، هذا الجنين له شامة على خدِّه الأيْسَر، وذاك شعْرُهُ جعد، والآخر سبك وهذا أنفه أفْطَس، وذاك مُنْحَني، خمسة آلاف مليون صِفة كلُّها مُتَوَضِّعَة سَلَفًا على الكروموزونات ومُبَرْمَجَة زَمَنِيًّا، هذه هي التي يعلمُها الله، أما أن تعلم هذا ذَكَر أم أنثى، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
هذا الجنين ما مصيرُهُ ؟ مُصْلِحٌ كبير ؟ أم مُجْرِمُ كبير ؟ لا نعرف ! غنيّ أم فقير ؟ الله يعلم ما تحْمِل كلّ أنثى، أَهُوَ مسلم أم كافر ؟ فاسق أم تقيّ ؟ كلّ هذا لا نعرفهُ ! هل سيكون عنصر إيجابي في الأمَّة ؟ ممْكِن، هل سيَقود أُمَّة ؟ مُمْكِن.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
المرأة إن لم تُنْجِب، وقوله تعالى:
﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾
[ سورة الرعد ]
إذا أنْجَبَت أولادًا كثيرين، قال تعالى
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)﴾
[ سورة الرعد ]
كلّ هذا وِفْق قرارٍ ووِفْق حِكْمَةٍ مطلقة، فالكَون لا يَحْمِل العَبَثِيَّة والصُّدْفَة، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾
[ سورة الشورى ]
كل هذا بِحِكْمَة، وبعضهم عبَّرَ عن الحِكْمَة فقال: إنَّ الشيء إذا وَقَع لو لم يقَع لكان نَقْصًا في حِكْمة الله، ولَكَان الله تعالى مُلامًا على عدم وُقوعِهِ ولِهذا عبَّر الإمام الغزالي عن هذا الموضوع فقال: ليس في الإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان، فالذي هو كائِنٌ أبْدَعُ ما يكون، وليس في إمْكاني أبْدَعُ مِمَّا أعْطاني، فأنسَب شيء لِوَضْعِك أن يكون لك أولاد ذُكور أو إناث أو لك أولاد وإناث، أو دون أولاد.
قال تعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾
[ سورة الرعد ]
فعالِمُ الغيب أيْ عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ‍‍! لذلك كما قال تعالى:
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
همَسَ وأضْمر شيئًا بِقَلْبِهِ أو فكَّر بِشَيء، فالواحد يذهب لأوروبا ويدخل للمركز الإسلامي ويأتي بِواحِدَة فرنسية، والعقْد شرعي مائة بالمائة، ولكنَّه ينوي بها أربعة سنَوَات ولمَّا ينتهي من الدِّراسة يُطَلِّقُها، ويأتي نظيف على بلده ويأخذ واحدة بالشام فالظاهر لا شيء يَكْشِف هذه الحقيقة، أما الله يعلم ما في قلب هذا المجرِم، لذلك مَن تَزَوَّج امْرأةً على صداقٍ وفي نِيَّتِهِ لا يُؤَدِّيه لها لَقِيَ الله وهو زانٍ، فكيف لو تزوَّج الله على نيَّة مُؤَقَّتَة ؟! هل يوجد أب يقبل أن يُزَوِّج ابنتَهُ على أربع سنوات ؟ مَن يعْلم ؟ قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾
[ سورة الرعد ]
تجد له منزل يصنع فيه الموبقات ويقول لزوجته كنت بالمصنع ! يسْتخفي في هذا المنزل، وقال تعالى:
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
أي يتحرَّك بالنَّهار، قال تعالى :
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
مُراقَب أشَدّ المُراقبة، وفي سِرِّكَ وعَلَنِك، وفي سُكونِك وحركتِك، فأنت إن فَهِمْتَ هذه المَقولة تسْتقيم، أدقُّ النوايا والخواطِر والطُّموحات كلّ هذا مَكْشوف عند الله عز وجل، قال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
[ سورة الرعد ]
كل شيء مُسَجَّل، قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)﴾
[ سورة ق ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
فأنت تعيش ضِمْن هذه الدائرة، ولكن حولك دائرة لها قِوى مُخيفَة، فالحاصل أنَّ هناك دائرتين ؛ دائرة أنت فيها ولك عليها سُلطان، ودائرة مُحيطة بك لا سلطان لك عليها، فالدائرة التي أنت فيها، عن هذه الدائرة التي تُحاسَب، فإذا أَقَمْت أمْر الله في هذه الدائرة، الله جل جلاله تولَّى عنك وحفظك مِن القِوى الشِّريرَة في الدائرة التي تُحيط بك، أما إن أهْمَلْتَ ما أنت عليه قادِر في هذه الدائرة أوْكَلَكَ الله إلى القِوى الشِّريرَة المُحيطة بك، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
هذه الآية أيها الإخوة الكرام تَحُلّ مليون مُشكلة، أنت بِبَحْبوحة ومُرْتاح لِهذا الدَّخل، إنَّ هذا الدَّخل لن ينقص إذا أدَّيْتَ زَكَاةَ مالِك، وتتواضَع وتُعين الفقراء والمساكين ؛ فالله أكرم مِن ذلك، وكذا الأمر إن كُنتَ مَزْعوجًا مِن مسألة اِبْحَث عن المعاصي، لن تتغيَّر الحالة إلا بالاسْتِقامة والتَّوبة، فالآية لها معْنيان مُتَعاكِسان: إذا كنت في بَحبوحة إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، وإذا كنتَ في ضيق إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، فكلمة: ما بِقَوم هي الظروف القاهِرَة التي لا تمْلِكُها، فأنت لا تمْلِك أن تكون بِصِحَّةٍ جيِّدَة طول الحياة، وأنَّ القلب يعمل بِشَكل منتَظم وكذا الكلية والكبد، والفيروسات، فأنت لا تملِك لا الصِّحة ولا الدَّخل ولا الخُصوم، ولا الأقوِياء ؛ فهذه أمطار صاعقة حطَّمَت مستودعات النَّقل، وصاعقة أخرى أسالت النَّفط فأحْرَقَ قريَةً كاملة ! وهل تملك بناية خمسون طابق لا تتحطَّم في ثانية من الزمن بِزِلزال ؟ صاعِقَة وزلزال وبركان وفيَضَان، وحروب أهْلِيَّة، فأنت لا تمْلك شيئًا، إنَّما تملك نفسَك وبيْتك وأهلك، فما عليك إلا أن تُغَيِّر هذا والباقي ليس عليك، فهذه الآية أيها الإخوة، تَحُلّ مليون مشكلة.
لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم....المخيط.." آخر فقرة بالحديث والمهمَّة: ((فمن وجَدَ خيرًا فليَحْمد الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه ))
فالمُختصر المفيد ؛ إذا كنت مُرتاحًا لا تُغَيِّر لا يُغَيِّر، وإذا كنت مَزعوج غيِّر يُغَيِّر.


والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-05-2018 08:21 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزءالثالث



أيها الأخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشرة من سورة الرعد وهي قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
الاستِجابة لله عز وجل الانْصِياع لأمْرِهِ، والتوبة له، وطاعته، وفتْحُ صفْحةٍ جديدة معه، والإنابة إليه، والتَّوَكُّل عليه، فالله تعالى دعانا فاسْتَجَبْنا، والله عز وجل يقول:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أمَرَكَ بِغَضِّ البَصَر فغَضَضْتَهُ، معنى هذا أنَّك اسْتَجَبْتَ، اِدْفَعْ زكاة مالِكِ، وانْصِف الناس فزكَّيْتَ وأنْصَفْت ؛ هذه هي الاسْتِجابَة، كُنْ عفيفًا ومُنْصِفًا ومُحْسِنًا ورحيمًا، وأدِّ الصلوات الخمس، وغضّ بصرَك، وحرِّرْ دَخْلَك أنْفِق مالك في الوجه الصحيح ؛ كل هذا يعني أنَّك اسْتَجَبْتَ.
المُطْلَق على إطْلاقِهِ، ماذا يعني الحُسنى ؟ حُسْنى في صِحَّتك وزواجِك وحُسنى في عملك، هناك فندق في ألمانيا خمس نُجوم ذكر لي أخ نام في هذا الفندق مَكتوب على لَوْحَة: إذا تَقلَّبْتَ بالليل، وأصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في السرير ولكن فيك ‍! الحُسنى سلامة مع نفْسِك، يمكن أن تصل إلى أكبر مرتبة اجْتِماعِيَّة، وإلى أكبر دَخْل، ولكنّ هذا الدَّخْل مَبني على إنقاذ الآخرين، وعلى الكذب والغِشّ والاخْتِيال، الذي له حساسِيَّة لا يرْتاح، المؤمن العاقل يطلب السلامة لِنَفْسِه، إذْ يُمكن أن يكون إنسان لا يكذب ودخلهُ حلال، وهو عند الناس بالدَّرجة الدنيا ولكنَّه عند الله تعالى في أعلى عِلِيِّين، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام: ((أهلاً بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه ‍ ! فقال هذا الصحابي: أَوَ مِثْلي ! قال: نعم، أنت خامِل في الأرض علم في السماء...))
يجوز أن يكون ضارب آلة كاتبة، والمدير له ثمانية تلفونات، وسِكْرتارْيا، ومكتب طوله ثمانية أمتار وقد يكون هذا الخادم أفضل منه عند الله، التقوى ترفع الإنسان، لذلك قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
وعظمة القرآن أنّ المطلَق على إطْلاقِهِ، حُسنى في أسْرته، وحُسنى في عملهِ، وحُسنى في صِحَّتِه، وحتى في مماتِه، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وإلى جانبي كان أحد عُلماء دمشق الأكارم ؛ وله دعوة، خرج من بيْت التَّعْزِيَة، وما إن خرَجَ من بيت التَّعْزِيَة حتى رآهُ رجل، فقال له: هل لي أن أوصِلَكَ إلى البيت ؟! وكان هذا الشَّخص بيتُهُ إلى جانب بيت التَّعْزِيَة، فأوْصَلَهُ ونزل هذا العالِم من السيارة، وصَعِد أربعة طوابق نزع ثيابه وتسطَّح على فِراشِهِ، وقُبِضَتْ روحُهُ، فالله سخَّر إنسانًا يوصِلُهُ إلى بيتِه ويموت فيها مرتاحًا، ولا يموت كما يموت البعض شرّ موتة، فأحيانًا يموت الإنسان بالطريق ويبقى بها خمس ساعات حتى يؤخَذ، وهناك من يموت بالمرحاض، كما أنّ هناك من يموت وهو ساجِد، وهناك من يموت في الحج، وكذا الحسنى بالآخرة:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أيْ كيفَما تحرَّكْت يكْرِمُكَ الله، ولهذا قال العلماء: هناك أمَّة الاسْتِجابة، وهناك أمَّة التَّبليغ، فأُمَّة الاسْتِجابة الذين اسْتَجابوا لِرَبِّهم، وأمَّة التَّبليغ هم الذين يولدون مسلمين بِحُكم أنَّ أوْلِياءهم مسلمين، فكلمة مسلم بالهَوِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، أمَّة التبليغ إذا كنت منها لا ميِّزَة لك، ولكنّ الميِّزة أن تكون من الذين استجابوا ؛ اسْمعوا لهذه الآية:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال ]
عندنا بِأصول الفقه قواعِد كُلِيَّة، عندنا المعنى والمعنى المُخالِف العكسي يعني، فإذا الواحِد ما اسْتَجاب فَمَن هو ؟ ميِّت، والله تعالى قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[ سورة فاطر ]
وقال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[ سورة النحل ]
فالطبيب إذا فحص مُصابًا على الأرض ورأى أنَّ النَّبْض معدوم، وكذا التَّنفس والاسْتِجابة منعدمة، معنى هذا أنّ المُصاب مُنْتَه، قال لي فلان: فلانة سافرة ومُتَبَرِّجة ومات زوْجُها، ومُوَظَّفة فكيف العدَّة بالنِّسبة لها ؟! فقلتُ له: هذه لا عُدَّة لها، لا صلاة ولا صوم ؛ هذه مُنعدِمَة، قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
فالاستِجابة حياة، والإنسان إذا بدأ يُصَلِّي، وغضَّ بصره، وينفق ماله فهذا دليل الحياة، وأنَّ فيه نبْض ! أما أن تجعل القرآن للموتى فقط فهذا جَهل، مَن دخل الأربعين فقد دَخَل أسواق الآخرة، تجده لا يدخل المنزل إلا ليلاً، أين كنت ؟!
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يُزَكِّ ماله، ولم ينفق، وما غضَّ بصره، وما عَدَل، وما حرَّر دَخْلَهُ، قال تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾
[ سورة الرعد ]
إذا كان الواحد له محلّ بالحمراء ؛ يقول لك: المتر بمائة وخمسون ألف ! لو أنَّ لك الشام كلّها، وكل شركات الطيران، وكل النَّفط لك، ثمّ قال تعالى:
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
أحيانًا يُكتب بالجريدة ثلاث كلمات: أنَّنا سَنَسْتَوْرِد سيارات، تجد في اليوم التالي أنَّ أسعار السيارات نزَلَت إلى مائتان ألف ليرة ! إذا إنسان صرَّح تتغيَّر كل أسعار البلد، وهذا إله يقول لك: لو تَمْلِك كلّ الدنيا وكل الأسواق والشركات ؛ هناك شركات ضَخمة جدًا كما في اليابان تجد الفائض من الشركات الملايير، الله تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
أي خلِّصوني وخُذوا كلّ شيء، لن يتخلَّص إنسان، هذا كلام إله وخالق الكون، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
فهذه الآية تكفينا:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
فالكافر يستعِد أن يدْفع كلّ شيء ويتدَيَّن من أجل أن ينفذ من سوء الحِساب ! قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[ سورة الحجر ]
لماذا أعْطَيْتَ ؟ ولماذا مَنَعْتَ ؟ ولماذا طلَّقْت ؟ ولماذا صافَحْتَ ؟ والآن نحن في بَحْبوحة، ومادامت هناك حركة بالقلب، فباب التَّوبة مَفتوح، مُشكلة الإيمان أنَّ الخِيار ليس قبول أو رفْض، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾
[ سورة الشعراء ]
ففِرْعَون آمن بعد فوات الأوان.



والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-05-2018 08:23 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الرابع



أيها الإخوة المؤمنون، الآية التاسعة عشرة من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)﴾
[ سورة الرعد ]
وصَفَ الله لنا أولوا الألباب، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، ويُطْبَعُ المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الخِيانَة والكذب، فإذا خانَ أو كذب، إنَّ أطْيَب الكَسب كَسب التُّجار كما ورد في الأثر ؛ الذين إن حدَّثوا لم يكذبوا، وإن وَعَدوا لم يُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنوا لم يخونوا، وإذا اشْتَروا لم يَذُمُّوا، وإذا باعوا لم يُطْروا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُنْقِذوا، فالدِّين صِدْقٌ وأمانة ووفاء بالعَهْد، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له وهؤلاء أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ؛ شخص اشْترى بيت بِمَساكن دُمَر، فقال له صاحبها: البيت بثلاثمائة ألف ليرة الحاصل أنّ البائع جاءه من دفع له أكثر من هذا المبلغ، فلم يرضَ بيْعَهُ مِن أجل أنَّ وعد وسلَّم البيت، فلما جاء هذا الشّخص ؛ قال له: هل جاءك مَن أعطاك أكثر مِنِّي ؟ فقال البائِع: نعم، ولكنَّني لا أبيعُ ديني مِن أجل مبلغٍ بخْس من الدنيا ! فأُعْجِب هذا الشخص بِعَهد هذا البائِع، ولم تمْض أيام حتَّى طلبت الجمعيات السَّكنِيَّة من البائِعين دَفْع مبلغًا ماليًا كبيرًا ؛ فَدَفَعَ المُشتري هذا المبلغ دون أن يُعْلِم البائِع !!
فهذه المُعاملات النادرة تُثلِجُ الصَّدْر، وإذا نظرنا إلى الخيانات التي تكون بين الناس تجعل القلب يضيق، فلو أنّ الإيمان عَشْعش قلوبنا لَعِشْنا في جنَّة، سبعمائة ألف بيت مُغْلَق في دمشق، فلو كان هناك ثقة وعَهْد لما غُلِقَتْ، وحتى قالوا: ليس هناك أزْمَة سَكَن، ولكن أزْمَة إسْكان ! فأزْمة سكَن يعني لا توجَد بُيوت، أما أزْمة إسْكان يعني لا توجَد ثِقَة، إذًا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، والمؤمن يُنْفِذ وعْدهُ ولو على قَطْعِ رأسِهِ، أحد الصحابة قبل الهِجْرة أُلْقِيَ عليه القَبْض من قِبَل الكفار فقال لهم: أطْلِقوا صراحي وأُعاهِدُكم على أن لا أُقاتِلَكُم ! فجاءَت الغزْوَة فلما أراد أن يُقاتِل قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((اِرْجِع ألم تُعاهِدهم أن لا تُقاتِلَهُم ))
لذلك إذا عامَلْتَ مؤْمِنًا تشْعر أنَّ كلمته أثقل شهادة أحد.
قال تعالى :
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه صِفات أولي الألباب، يَصِلون ما أمرَ به الله أن يوصَل، يَصِلُ رحِمَهُ والمؤمنين وإخوانهُ، أما الكفار والفجار والعُصاة، هؤلاء ينبغي أن تبتعِدَ عنهم، ولكنَّ الذي يَحْصَل أنَّ الإنسان يبْحث عن مصالِحِهِ ؛ يَصِلُ أهل الدنيا ويَقْطعُ أهْل الحقّ، ويُؤْثِر مجالس الطَّرَب على مجالس العِلْم، إذًا قُلْ لي مَن تَصِلُ ومَن تَقْطَعُ أقول لك مَن أنت ؟‍ تؤثِر ماذا ؟ أما المؤمن فَيَصِلُ أهْل الحق، ويصِلُ المؤمنين وأهل الحق، وغير المؤمن يَصِل الأقوِياء ومَن عندهم الجاه.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
ساعة الحِساب نافِذة بين يَدَيْه وعَيْنَيْهِ ولا تغيب عنه لَحْظة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كما قلتُ لكم في درسٍ سابِق صَبْرٌ على الطاعة، وصبْر عن المَعْصِيَة وصَبْرٌ على أمر الله وقضاء الله، قد تصبر على إنسانٍ قهَرَكَ، هذا ليس لِوَجْه الله، أما الذي لِوَجه الله أن تكون أنت القويّ والطرف الآخر ضعيف، صَبَرْتَ على زوْجَتِك وأولادِك ؛ هذه هي البُطولة، أما القوي فَكُل الناس يصبرون لأنَّك لا تستطيع أن تتنفَّس معه، فالصَّبر الحقيقي أن تصبر عمَّن هو دونك.
شدَّ أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام من ثوبه...فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك...." هذا هو الصَّبر، قال تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ...علانية " فمثلاً الإنسان يتجبَّر عمَّن هم دونه في الوظيفة، وأمام مُديره تجده كالطِّفل ‍! إذا لم تَقْدِر على القويّ، فارْحَم الضعيف، أما مع الضعيف مُتَجَبِّر ومع القوي كالطِّفل فهذا موقف مُتناقض ولا أخلاقي، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كلمة ومما رزقناهم عامَّة ؛ أعطاك مال أنْفِقِ المال، وأعطاك علم أنْفِقِ العِلْم، فلو وضَعَ أخ عندك ابنه لِيَتَعَلَّم مَصْلحة واسْتَخْدَمْتَهُ لِمَصالِحِك الخاصَّة ولم تُعَلِّمْهُ المَصْحلة، فالله كبير، فالمؤمن يُعْطي من مالهِ وعِلْمِهِ وجاههِ وخِبْرَتِهِ ومن كل شيء، فالآية واضِحَة ينفق سِرًّا وعلانِيَة، فإذا هو أنْفَقَ علانِيَةً لِيُشَجِّعَ الناس، وخاف الرِّياء أنْفَقَ سِرًّا، وكل واحِدٍ حكيم نفسِهِ فالضابِط هو النيَّة.
قال تعالى:
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
الإنسان يغلط لكنَّ الله تعالى مِن كريم رحْمته قال لك: إذا غلطْت اصْنع المعروف فإنَّ الحسنات يُذْهِبن السيِّئات، كلَّما شَعَرْتَ بِعَلاقة سيِّئة مع والدَيك أو أقارِبِك أو إخوانِك قدِّم لهم الهدِيَّة وبادِرْهم بالحسنى واسْتَرْضِهِ، وإذا لم يكن معك اِقرأ القرآن، صُم، اِسْتَغْفِر، قدِّم مَعونتَك.
ثمَّ قال تعالى:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)﴾
[ سورة الرعد ]
مِن كل بابٍ مِن أبواب الخير، هناك المنفقون والدعاة إلى الله والذين أمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر، والذين تركوا عِلْمًا ينتَفَعُ به من بعدهم، والذين أسَّسوا مشاريع خَيْرِيَّة ؛ كل هذه أبواب خَيْرِيَّة، قال تعالى:
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾
[ سورة الرعد ]
هؤلاء هم أولوا الألباب ؛ يوفون بِعَهْد الله، و:
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
فالأمْر واضِح، وهذه صِفات المؤمنين، لا تعيش بالأحلام الدِّين يُسر، ولا تَشْديد في ديننا، ولا يوجد أمر تَعْجيزي، ألا تستطيع أن تفْعَل عوض السيِّئة حسَنَة، إن فَعَلْت كنتَ مِن أهل الألباب.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-05-2018 08:25 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الخامس





أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الخامسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
اللَّعْنُ هو الإبْعاد، أكبر عِقابٍ يُعاقَب به الإنسان أن يطْردَهُ من رحْمتِه تعالى، فَمَعنى أن يلْعَنَهُ أيْ يطْرُدَهُ فاللَّعْنُ هو الطَّرْد.
قد يُعْطيك الله المال كما تشاء، ويُعطيك القوَّة كما يشاء، والجمال والذَّكاء والشَّأن، ولكنْ يطردهُ من رحمتِهِ ! يا رب، ماذا فَقَدَ مَن وَجَدَك ؟ وماذا وَجَدَ مَن فقَدَك ؟ والمصير: لهم سوء الدار، ماذا يَفْعَلُ هؤلاء ؟ قال: ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقِه ! أحدهم قال لِصَديقِهِ وكان تاجِر عَمار: هل عندَكَ بيت ؟ فقال له هذا: أنا لا أُؤجِّر ولكن أبيع، فهذا الطالب قال له: والله، إن أرَدْتَ البيت أُسَلِّمُهُ لك بعد أربعٍ وعِشرين ساعة ! فبعد إلْحاحٍ سلَّمَهُ هذا الأخ البيت، والقِصَّة قديمة سكَنَ هذا فيه ثماني سَنَوات، فجاء زبون بِثَماني مائة ألف ؛ فدَقَّ بابهُ وقال له: أنت وَعَدْتني أنَّك تخرج بعد أرْبَعٍ وعشرين ساعة، وأنا أعْطيك ستَّة أشْهر، فقال هذا الأخ: أنا قلتُ لك أربعًا وعشرين ساعة!
فهذا لم يُصَدِّق كلامهُ، وكذا الجيران، سألوا عنه ؛ أين هو ؟ قالوا بالفندق، باع أثاثهُ !! ذهب إليه وقال له: هذا البيت لك وسأبيعُكهُ بِسِعر يوم سَكَنْتَهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ألا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عهْد له...." ))
أنا قلتُ لكم: أزْمَتُنا أزْمة إسكان وليس سَكَن ! لا يوجد هناك ثِقَة ؛ قال تعالى:
﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
أحْيانًا يطوف الإنسان حول الكعبة ويُعاهِد الله على أن لا يعصِيَهُ فإذا وصل إلى الشام ؛ رَجَعَتْ حليمة إلى عادَتِها القديمة ! غِشّ بالبيع، وأيمان كاذِبَة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
شَخص عادي تائِه شارِد، دخل المَسْجد فإذا بالناس يقولون له: ما لك والمَسْجِد، ولمَ الصلاة ؟!! لماَّ كان تائِهًا لم يسأل عنه أحد فإذا تاب عارَضَتْ شياطين الإنس ؛ هذا موقف لا أخلاقي، المؤمن يصل ولا يقْطع، أما غيره الطَّعْن والحسَد وتَفْنيد، دِقَّة الآية: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
الله أمَرَك بِوَصْل والِدَتِك، تقول لك زوْجتُك: لا تَصِل أمَّك ! لماذا ؟ ألم يأمرني الله بِوَصْلِها ؟! والنبي سُئِل: مَن أعظم الرِّجال حقًّا على المرأة ؟ قال: زوْجُها، فلمَّا سُئِل ؛ مَن أعظم النِّساء حقًّا على الرجل ؟ قال: أمُّه، ولم يقل زوْجتُهُ، فَمَن منَعَك أن تصِل والِدَيك فلا تردّ عليه وأيُّ إنسانٍ أمَرَكَ أن توقِعَ بين الناس فهذا يقْطع ما أمر به أن يوصَل والنبي الكريم قال: ((ليس مِنَّا من فرَّق..." ))
وبالمناسبة أيها الأخوة الدعاة إلى الله صِنفان: دُعاة إلى الله، ودُعاةٌ إلى ذواتِهم بِدَعوة مُغَلَّفَة إلى الله، فَمِن لوازِم الدَّعوة إلى الذات الحسَد والتنافس والطَّعن وعدم الإنصاف، ومِن لوازم الدعوة إلى الله الاتِّباع والتَّعاوُن والإنصاف والاعْتِراف بالفَضْل، فينبغي أن يكون الدعاة يدًا واحِدة مُتَعاوِنين ومُتَفاهمين، أما الطَّعْن والتَّجريح، والتَّقليل مِن أهَمِيَّة الآخرين مِن أجل أن تبْرز وحْدَك، فهذا ليس من الدِّين في شيء، والآية دقيقة جدًا
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
إما أنَّهُ عاهَدَ الله أو أشْهَدَ الله على شيء فإذا أشْهَدْتَهُ على شيء فينبغي أن تُنَفّذ العَهْد، لذلك المؤمن يُنَفِّذ وَعْدَهُ ولو كان مُرًّا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالله أمرَكَ بِوَصْل أقْرِبائِك، وَصْل حِكم، ووصْل العلماء، وحُضور مَجالس العِلْم فَكُلّ مَن نهاك عن شيء أمَرَك الله به فتُطَبَّقُ عليه هذه الآية.
قال تعالى:
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالماء مثلاً لو وَضَعْت فيه قطرة نفط أو غسَلْتَ فيه يدك أو مَحْرَمَة أصبحَ فاسِدًا، فالإفْساد إخْراج الشيء عن طبيعَتِهِ، فالله عز وجل جَعَلَ المَوَدَّة والرحمة بين الزِّوْج وزَوْجته فيكفي أن تقول لأُخْتِك: جاء العيد ولم يُهْدِكِ شيئًا ‍‍! أهذا زَوج ؟! فأنت خَرَبْتَ بيْت أُخْتِك، وأَفْسَدْتَ العلاقة بينها وبين زوْجِها، فكلَّما تريد أن تُنقِص من أزواج أختك أو بنتك، حتى تصبح العلاقة بينهم سيِّئَة فهذا مُفْسِد، فالإفْساد إما علاقات أو إفْساد البيئة، بنْتٌ طاهرة وتقِيَّة تُفْسِدُها قدَّم له ستلايتْ ! أحدهم تزوَّجَت بنته وبعد الزواج قدَّم لها ستلايْت فأصبَحتْ لا تعتني به، وتسْهر للساعة الثانية ليلاً، وكذا الحال في زوجها.
فهذه ثلاث صِفات ؛ ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، ويُفْسِدون في الأرض، فلو كنت تَسكن في بيت ضَخم، فلماذا تقول لِغَيرِك: هل هذا بيت تسْكنهُ ؟! لماذا تَطعن بِبَيْت أخيه ؟! أو تقول لأختك كيف يمكنك أن تعيشي مع زوْجك ؟ فهذا كيفما تحرَّك أفْسَد ! إما أن يُخبِّب امرأةً على زوْجِها، أو عَبْدًا على مَوْلاه، أو يُفْسِد العلاقات والأجوَاء، أو يُلْقي بُذور الحسَد والعَدَاوَة والبَغْضاء، لذا نَعوذ بالله أن نكون من المُفْسِدين.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾
[ سورة البقرة ]
هذا هو الإفساد، والشيء الثاني أن تقطعَ ما أمَرَ به الله أن يوصَل، يجد أخاه الْتَزَم عند داعِيَة فيقول له: لا تلتزِم معه فهذا لا يعْرِف شيئًا ! لقد رأيتَهُ طوال حياته في الشَّهوات فما كلَّمْتَهُ، وحينما رأيْتَهُ أراد الالْتِزام أردْتَ أن تُعَكِّر عليه أجواء الدِّين !! كُنْ أداة جَمْعٍ لا أداة تَفْريق، وأداة إصْلاح لا أداة إفْساد.
فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، اِسْمعِ العِقاب الآن قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾
[ سورة الرعد ]
مَلْعون ومَقطوع عن الله، وقلبهُ مُتَصحِّر وإذا جالَسْتَهُ تضايَقْت، كلُّهُ إساءة ونقذ وكلام قاسي وبذيء.
قال تعالى عن هؤلاء:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
فالقضِيَّة خطيرة جدًا، أحد الصحابة قال: أو نُؤاخذ بما نقول ؟ قال: ويحك..." قبل أن تتكلَّم الكلمة عُدَّ للمليون، ولو بالإشارة فهذه غَْبَتة: ((إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً...".))
وقد قالت عائشة عن أختها صفِيَّة أنَّها قصيرة..." المياه السوداء بالبِحار تمشي خمسين كيلومتر، ومع ذلك البحر ماؤُهُ طويل، هذِّب لِسانَك واضْبُطْهُ وإلا تهوي بِكَلامِك سبعين خريفًا، فهذه ثلاث صِفات فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]










والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-05-2018 08:26 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السادس





أيها الإخوة المؤمنون، فالآية السادسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
لو أنَّ الله تعالى قال: يبسط الله الرزق لِمَن يشاء ويقدِر، وهذا الكلام يعني أنَّ الرزق من عند الله ومن عند غيرِهِ، أما حينما قال الله عز وجل:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
تَقْديم لفْظ الجلالة يُفيد القَصْر والحَصْر فالله وحده الذي يبسط الرِّزْق ويمْنعهُ، والإنسان عنده في حياتِهِ شيئين خطيرين ؛ حياتُهُ ورِزْقُه، فحياتُكَ بِيَدِهِ وموتك بِيَدِهِ، ورِزْقُكَ بِيَدِهِ كثرةً وقِلَّة، فماذا بَقِيَ للبشر ؟ إذا أيْقَنْتَ أنّ حياتَكَ بِيَدِهِ، وأنَّ الرزق بِيَدِهِ وأنَّ كلمة الحق لا تقطعُ رزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً.
الله عز وجل يبسط الرزق لِمَن يشاء، لكن مشيئة الله عز وجل مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المُطْلقَة ؛ فهُوَ تعالى يبْسُطُ الرِّزق لِمَن يستقيم على شرْعِهِ قال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾
(سورة الجن )
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾
[ سورة الأعراف ]
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾
[ سورة المائدة ]
فهذه الآية:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه آية مُجْمَلَة ومُفَصَّلة بآياتٍ كثيرة.
قال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132)﴾
[ سورة طه ]
معنى ذلك أنَّ البيت المُسلِم الذي تُقامُ فيه الصلاة ويأمر الأب أهله بالصلاة هذا البيت مَرْزوق، فهذا عامِلٌ للرِّزق، عامِلٌ آخر ؛ قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأمانة غِنًى...))
فالأمين غَنِيّ، ومعه أكبر رأس مال، وهو الثِّقَة به، والناس يتهافتون عليه، فالاسْتِقامة والأمانة تزيدان في الرِّزق، و يقول عليه الصلاة والسلام:
(( صلة الرحم تزيد في الرزق...))
فالذي له أخوات إناث أو ذُكور، أولاد أخ أو أخت تفقَّدَهم وأعانهم ؛ فهذا إنسان مَرْزوق.
قال تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)﴾
[ سورة نوح ]
معنى ذلك أنّ هذا الذي يسْتغفِر ويتوب ويُحاسِب نفسه، ويُصلي ويقرأ القرآن فهذا يجْلب الرِّزق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اسْتمطِر والرزق بالصدقة...))
فالذي يتصَدَّق يجْلب لِنَفْسِه الرِّزْق، إذًا الاستقامة والأمانة والصدقة وصلة الرحم ؛ هذه كُلُّها تزيد الرزق، فحينما يقول الله: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.." مشيئتُهُ وِفْق حِكْمةٍ مُطْلَقة؛ فالمُستقيم يرْزقُهُ الله، وفي الأثر:
(( قد يُحْرَمُ المرء بعض الرِّزْق بالمَعْصِيَة ‍!))
فالمَحَلاَّت إذا صارَتْ أماكن الغَزَل والمُحادَثَة ومعْصِيَة الله، فهذا المحلّ يُمْحَق الرِّزْق فيه.
المعْصِيَة تقْطع الرِّزق، والاسْتِقامة تجْلبُهُ، صلةُ الرحم تجْلبهُ، وقطيعة الرحم تقطع، وكذا الأمانة والخِيانة ؛ وأحيانًا إتْقان العَمَل يجْلب الرِّزق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنَهُ...))
لكنَّ الله تعالى يعلم ما تخفي الأنفس، فهناك من يسْتقيم في الضيق، ويفلت في الرخاء، هؤلاء بِعِلْم الله يُعطيهِ رِزْق مَحْدود، والدليل قوله تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾
[ سورة الشورى ]
فالرِّزق في بعض عواملِهِ مُتَعَلِّق بِحِكمة الله ؛ إنّ من عبادي من لا يصلحُ له إلا الغِنى فإذا أفْقَرْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينَهُ، وإنَّ مِن عِبادي مَن لا يصلحُ له إلا الفقْر فإذا أغنَيْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينهُ.
نُلَخِّص الموضوع ؛ الاستِقامة والاستِغفار والأمانة وصلة الرحم والصلاة هي عوامل زِيادة الرِّزق، وحينما تتوفَّر كل هذه الحالات ويبقى الرِّزق مَحْدودًا فهُناك حِكْمَةٌ لو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرتم الواقِع، قال تعالى
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101)﴾
[ سورة المائدة ]
وليس بالإمكان أبدعُ مِمَّا كان، فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر، لكن هناك ناحِيَة مهمَّة جدًا ؛ قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
ماذا تعني كلاَّ ؟! هي ليْسَت حرف نَفْي، إنمَّا حرف رَدْع، فلو قلتُ لك: هل أنت جائع ؟ تقول لي: لا، ولكن إن قلتُ لك هل أنت سارق: فتقول لي: كلاَّ ترْدَعُني، فالله عز وجل يقول لنا ردْعًا ليس عطائي لكم إكرامًا وليس مَنْعي لكم حِرْمانًا ! عطائي ابتِلاء وحِرْماني دواء، فإذا كان الرزق قليل لا تشْعر أنَّك مُهان ! هذا غلَط، فلو أنّ الأب كان رحيمًا ومنَعَ ابنه مِن تناوُل أكلةٍ يُحِبُّها مِن أجل أنَّه مريض فهل هذه إهانَة للابن ؟! لا فالله تعالى يَحمي عبدَهُ المؤمن من الدنيا كما يَحمي أحدكم مريضه من الطعام، فالله تعالى: فأما الإنسان إذا فأكرمه: هذا ليس إكرام بل ابتِلاء، ثمّ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
وليس كذلك هذا مَنعًا.
آخر نقطة بالدرس ؛ الله تعالى أعْطاكَ مالاً، فهل يُسَمَّى هذا المال نِعْمَةً ؟ الجواب: لا يُسَمَّى هذا المال نِعْمةً، ولا نِقْمة، فهُوَ حِيادي وهو ابْتِلاء فإذا أنْفَقْتَهُ في طاعة الله انْقَلَبَ إلى نِعْمة، وإذا أنْفَقْتَهُ في مَعْصِيَة الله انْقَلَبَ إلى نِقْمة، فَعَطاء الله ابْتِلاء وليس إكرامًا لكن بعد أن يُعْطِيَكَ المال أو الصِحَّة أو الجمال وتُوَظِّفُ هذا في طاعة الله تنقلبُ هذه النِّعَم إلى إكرام، وكذا لو حرَمَ الله عبدهُ من الدنيا، وكان هذا سبَبًا لإقبال العبد على طاعة الله، هذا الحِرْمان ينقلب إلى عَطاء، فَرُبَّما كان المَنْعُ عَيْن العَطاء، وربَّما كان العطاء عَين الحرمان، فهذا المعنى يرفع معنوِيَّات المؤمنين، فإذا أراد الله أن يجعلَكَ ذا دَخْلٍ مَحدود فهذه حكمة ما بعدها حِكْمة، ولو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرْتُم الواقِع.
أيها الإخوة، يقول سيدنا علي رضي الله عنه: الغِنى والفقْر بعض العَرْض على الله، ولا يُسَمَّى الغنِيّ غنيًا ولا الفقير فقيرًا، إنَّما الغِنى الحقيقي بعد العَرْض على الله، قال تعالى:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران ]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غُمِسَ في مياه البحر ! والمؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، لذلك الآخرة هي الحياة الحقيقيَّة، قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[ سورة الفجر ]
كلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقرِّب أجلاً، وهذا هو التوحيد، والضامِن هو الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[ سورة هود ]
الأمر مُعَرَّف بأل وهي للاسْتِغراق، ولا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق.
الذي أراد أن يزيد رِزْقهُ عليه بالاسْتِغفار والاستِقامة والأمانة والصلاة والإتْقان وهي عوامل زيادة الرزق، فإذا اجْتَمَعَت هذه العوامل ولم يرزق فهناك حكمة ما بعدها حكمة ولو كُشف لك الغطاء لَذُبْت كما تذوب الشَّمْعة، لذلك قال تعالى:
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾
[ سورة يونس ]
فلو ضربك إنسان من أجل مَصْلحَتِك لرُبِّما كان هناك عقرَبًا فأبْعَدَك عُنْفًا كي لا يلْدَغَكَ فهل تغضب منه ؟! لا، بل تشْكرهُ، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-05-2018 08:28 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السابع




أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الواحدة والثلاثون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
(سورة الرعد )
هذه الآية أيها الأخوة بالِغَة الدِّقَّة، وهي مُتَعَلِّقَة بِأصل العقيدة ؛ مَضمون هذه الآية أنَّ هذا الكون بِوَضْعِهِ الراهِن هو مُعْجِزَة وليس خلقُ قوانينِهِ هو المُعْجِزَة، مَن لم يرَ عظمة الله عز وجل في الشمس والقمر، ومن الليل والنهار، ومِن خلق الإنسان، ومِن المطر في السماء، ومن إنبات النبات، والسمك في البِحار، والطيور في الأجْواء، مَن لم يرَ عظمة الخَلْق مِن خِلال الخَلْق فهذا لا يُقْنِعُهُ خرق القوانين، فهذه الأمور لِضِعاف العُقول، فالله تعالى يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾
[سورة الرعد]
قرأْنا آية فَمَشى الجَبَل، قال تعالى:
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾
[سورة الرعد]
وقرأنا آية ثانِيَة فَوصَلْنا إلى الصِّين في دقيقة، قال تعالى:
﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾
[سورة الرعد]
أو اسْتيقَظ الميِّت وجعل يُكَلِّمُنا، كلّ هذا خرْق للقوانين، فلو أنَّ القرآن الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام قُطِّعت به الأرض أو سيِّرَت به الجبال أو كلِّم به الموتى، إذا لم يُرِد الإنسان أن يَهتدي - فالهِداية قرار داخِلي يتَّخِذُهُ الإنسان في أعْماق نفسِهِ، فإذا أراد أن يَهْتدِيَ إلى الله فأَصْغَر شيءٍ يهديه إلى الله ! أما إن أعْرَض عن الهِدايَة فلو عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام كتِفًا بِكَتِف، ورآهُ رأْيَ العَيْن، وقرأ القرآن فمَشَتْ الجِبال، وقطع الأرض، وكُلِّم به الموتى، فخَرْق القوانين لا يمكن أن يُقْنِعَ إنسانًا بالهُدى، الكون بِوَضْعِهِ الراهِن يكْفي، فالإنسان حينما يولد، لو أمْعنَ النَّظر ! يُخَلَّق الإنسان مِن حُوَين مَنَوي ومِن بُوَيْضَة، والعِلْم أثْبَتَ أنَّ اللِّقاء الزَّوْجي يخرج من الذَّكَر خمسمائة مليون حُوَين ! وَحُوَيْنٌ واحِدٌ يَكفي لِتَلْقيح البُوَيْضَة، البُوَيْضَة والحُوَيْن على كلٍّ منهما مَعْلومات مُبَرْمَجَة تزيد عن خمسة آلاف مليون، وحتى الآن اكْتُشِف منها ثمان مائة وأكبر ضَجَّة عِلْمِيَّة الآن حول الهَنْدَسة الوِراثِيَّة ؛ هذه الجينات المُوَرِّثات خمسة آلاف مليون معلومة، فإذا عرفْتَ أنَّ في العَين مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخروط، وأنّ العصب البصري تسعمائة ألف عصب وأنَّ في شَعْر الإنسان ثلاثمائة ألف شَعْرة، وفي كُلّ شَعْرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، وإذا عرفت الخلايا في المعدة، خمسة وثلاثون مليون عُصَارَة، وفي كل نصف سنتمتر مربَّع بالمعِدَة، وإذا رأيْت خصائص الكبِد خمسة آلاف وظيفة، وخصائص السَّمع والبصر، والقلب ماذا يعْمَل ؟ فهل أنت بِحاجة لخرق هذه القوانين ؟! فالقوانين نفسُها ؛ الشمس والقمر، لِسان لَهَب الشمس مليون كيلومتر، عشرين مليون درجة في نواتها، وستَّة آلاف درجة على سطحها، مُتألِّقة من خمسة آلاف مليون عام، وقرأتْ مقالة أنَّهُ بقِيَ من عُمُرِها مائة مليار عام ! قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
الجواب مَحْذوف ! وهو: ما آمنوا، ولن يؤمنوا، ولو فكَّروا في الكون لعرفوا الله من دون خرْق القوانين، قال تعالى:
﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
فرئيس الجامعة هل يعْجز أن يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبة كاملة بالإجابة الصحيحة، وعلى الطالب فقط كتابة اسمِهِ ؟! فهل لِهذا النَّجاح قيمة ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند إدارة الجامعة، ولا عند الطالب نفسِه، فالله تعالى:
﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
لكن هذا الهُدى لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر ولا يرفع عند الله عز وجل، فهذا المؤمن لا بد أن يعرف أنَّ لو القَضِيَّة قضِيَّة إجْبار لأجْبَر الناس على الهُدى، لكنّ هذا الإجبار لا يُسْعِدُهم ولا يجعلهم يَرْقَون، فالذي يجْعلهم يَرْقَون مُبادرتهم إلى الهُدى الذاتِيَّة، والإنسان بالخِيار يُقَيَّم عملُه.
إذًا خَرْقُ القوانين من دون أن تطلب الحقيقة من الداخل لا ينفع، فإذا أراد الإنسان الهُدى يمكن لِكأس الماء أن يوصِلُهُ إلى الله، وابنُهُ في البيت الذي يعلم أنَّه كان نقطة ماء وأصبحَ إنسانًا يتكلَّم ويضْحك وفيه قلب ومرارة وكبد وبنكرياس وكلية، وعضلات وأعصاب وعِظام وجلد وشعر، الكون وَحْدَهُ مُعْجِز، ورَدَ في الأثر: حَسْبكم الكَون مُعْجِزَة، فإذا كان بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، وتكبر الشمس الأرض بِمِلْيون وثلاثمائة ألف مرَّة، ونجم العقرب يتَّسِعُ للشمس والأرض مع المسافة بينهما، فالأرض مثلاً تُسقى بِماء واحِد، وهذا فجل وذاك جزر، قال تعالى:
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾
[سورة الرعد]
تفاح وبصل وموز وخيار، وفلفلة، وذكر لي صديق أنّ حقل بطيخ كان له شهرين وهو يأخذ منه، فقلتُ في نفسي: لو كان البطيخ كالتُّفاح ! ماذا نفعَل به ؟ نَرْميه، فَحِكْمَةُ الله شاءَت أن ينضج كلّ يوم قسمٌ، فسألْتُهُ كيف تختار التي نضَجت من غيرها، فالكل أخضر ؟ قال لي: الله تعالى جعَلَ حلَزون إلى جانب البطيخة تمسِكُه فإذا انْكَسَر كان دليل على أنَّها نضَجَت، وإن لم ينكسِر كان دليل عدم النُّضْج، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾
[سورة النمل]
والله تعالى قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)﴾
[سورة عبس]
ثلاثة آلاف نوع قمْح بالعالم، وهو مادَّة أساسيَّة ينبت بِكُلّ الفُصول والله تعالى رحمةً بنا الأشياء التي هي من القوت تنضج بِيَوم واحِد، أما التفاح والمشمش والكمَّثرى هذه تنضج تِباعًا ؛ هذه كلُّها آيات دالة على عظمة الله عز وجل.
المُلخَّص أنَّ الكون بِوَضْعِهِ الحقيقي، وبِسَمائِهِ وأرْضِهِ، وبِمِياهِهِ وينابيعِه، وخلق الإنسان والحيوان وحْدَهُ يدلّ على الله، ولكنَّ خرْق الكون إذا لم يكن هُدى لا يفيد شيئًا، قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
فلو كان هذا يَحْمِلُهم على الهُدى لفعَلَهُ الله، ولكن لا يفيدهم !
قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة الرعد]
الكفار مطلوبون من قبَلِ الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
كل الخَلْق خلقَهم لِيَرْحمهم ولو كفروا، وحتى الكافر، يسوق له من الشدائد ما يحْملهُ على الهُدى، وأنا أقول: تسعين بالمائة من الذين اهْتَدَوا على أثر تربيَة إلهِيَّة وحكيمة ؛ إما أن يُخيفَهُ أو يُمرِضُه.
آيتُنا فيها ثلاثة نِقاط أساسِيَّة ؛ الكَون بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، ولو انَّ الله تعالى أراد أن يَهْدِيَ الناس جميعًا هُدى قَسْرِيًّا يسْلبهم اخْتِيارهم لَفَعَل ولكن هذا لا يُسْعِدُهم، والشيء الأخير أنَّ الخَلق كلهم مَطْلوبون عند الله عز وجل، لذلك حتى الكفار كما قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
لذا علينا أن نُفَكِّر في الكون كي نَتعرَّف إلى الله، وأن نأتِيَ الله مُخْتارين، وإذا قصَّرْنا يُرَبِّينا الله.



والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-05-2018 01:18 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، يقول الله تعالى في سورة إبراهيم في الآية الخامسة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[سورة إبراهيم]
في هذه الآية كلمتان هما مركزا الثِّقل فيها ! أيام الله ما تفسير أيام الله ؟ وهل في حياة كل مؤمن أيامٌ لله عز وجل ؟ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني بحب الله، وأحبوا آل بيتي بِحُبِّي..." ))
فالإنسان حتى يمتلأَ قلبُهُ بِحُبِّ الله ؛ هناك فِعْلٌ إرادي وهو أن يُذَكِّر نفسه بِأيام الله، فما هي أيام الله؟ اليوم الذي نجاه الله من مُشْكلة مُحَقَّقة، اليوم الذي يسَّر الله له الزواج من تلك المرأة الصالحة، واليوم الذي بنى في البيت، واليوم الذي شفاهُ الله من هذا المرض الخطير، واليوم الذي نجاه الله من هذا العدوّ الشرير.
لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه عشرات بل مئات الأيام التي أكْرَمَهُ الله بها، قد ينجحُ في امْتِحان صعب، قد ينال درجَةً عِلْمِيَّة عالِيَة، قد يُوَفَّقُ في وظيفةٍ جيِّدة، قد يشتري بيْتًا بِسِعْرٍ مُعْتَدِل فإذا به الآن هذا البيت بالمَلايين، قد يُؤَسِّس عمَلاً تِجارِيًّا يتنامى، قد يلوحُ له شبَحُ مُصيبة يُنَجِّيهِ الله منها، قد يَمْكُر به عدُوّ خصِم فَيُدافِعُ الله عنه، لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه أيام، هذه الأيام سمَّاها الله أيام الله، قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
والإنسان تفتر هِمَّتُهُ، ويضعفُ إيمانُهُ وتضْعف صِلَتُهُ بالله عز وجل، عليه أن يذكر أيام الله، فأيام الله بالنِّسْبة إلى قَوْمِ موسى يومَ أنْجاهُم من فِرْعَون، كان يُذَبِّحُ أبناءَهم ويسْتحيي نِساءهم كما قال تعالى، وأيام الله بالنِّسْبة إليك تختلف من كلّ واحِد بالنِّسبة لِحياتِه، فلَعَلَّ زواجَهُ مِن أيام الله، ولعلّ سُكْناهُ في هذا البيت مِن أيام الله، ولعلَّه لما الْتقى بهذا الإنسان في المسجد كان هذا اللِّقاء يومًا من أيام الله، ولعلَّه يوم قرأ هذه الآية يوم من أيام الله وتعرَّف إلى الله معرِفَةً لم يكن يعرفها من قبل، فالإنسان كلَّما ضعُفَت هِمَّتُه وضاقَت نفْسُهُ، وصلته بالله عز وجل بِإمكانِهِ أن يُذَكِّر نفْسَهُ بِأيام الله.
قال تعالى:
﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾
[سورة النساء]
هذه للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي لِكُلّ مؤمن، ألَسْتَ الآن مَوجودًا ؟! فأنت الآن بِنِعْمة قد لا تعرفُها، وهي نِعْمة الإيجاد، أنت كائِن موجود، لماذا أوْجَدَك الله تعالى ؟ لِيَرْحَمَكَ، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
فأنت تتمتَّع بِنِعْمة عُظمى وهي أنَّك مَوجود.
ألم يمدّك الله بالصِّحة ؟ ألم يمدّك بالمال ؟ ألم يُهيِّء لك مأوًى تأوي إليه مساءً ؟ أليْس َلك زوْجة ؟ أليْس لك أولاد ؟ أليس معك قوت يومِك ؟ هذا مِن نِعَم الله عز وجل، لذلك نِعْمة الإيجاد، ونِعْمة الإمْداد ونعمة الهُدى والرَّشاد، بل إنّ نعمة الهُدى والرَّشاد هي أكبر نعمة على الإطلاق، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)﴾
[ سورة الفاتحة ]
إذا كنتَ فِعْلاً على الصراط المستقيم، ويسبق هذا معرِفَة الربّ الكريم، فهذه نِعْمَةٌ لا تعدلها نعمة، لن تعرف قيمة الهُدى إلا إذا رأيْتَ الضلال، والعقيدة الزائِغَة، والسُّلوك المنحَرِف، وشرب الخَمر، والعُدوان على الأعراض، لن تعرفها إلا إذا الْتَقَيْتَ مع أشْخاصٍ تائِهين شاردين مُعَذَّبين وأشْقِياء بِبُعْدِهم عن الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(46)﴾
[ سورة الزخرف ]
سؤال الآن ! لماذا الظلمات جمْع والنور مفرَد ؟! لِمَ لَمْ يُجمع النور ؟ أو أن يأتي لفظ الظلمات مفردًا ؟ قال: لأنّ الباطل يتعدَّد، لكنَّ الحقّ واحِد، هناك ضلالات فِكْرِيَّة وسُلوكِيَّة، وظلمات المعاصي، وظلمات الشِّرْك وظلمات أكْل المال الحرام، فَكُلّ مَعْصِيَةٍ هي ظُلْمَة إن أخْرَجْتَ يَدَكَ لم تَكَد تراها ! ظُلمات ؛ الغَفْلَة ظلمات والظُّلْم، وهدم حُقوق الناس وأن تعْتَقِد عقيدَةً زائِغَة ظُلمات، أما الحق فلا يتعَدَّد وهو واحِد، فلو الْتَقَيْتَ مع أهْل الحق في الأرض كلِّها فلن تجِدَ فرْقًا واحِدًا بينك وبينهم ؛ فالمبادئ والأهداف هِيَ هِيَ، وكذا الانْضِباط والعِفَّة والصِّدْق والأمانة والرَّحمة، وخِدْمَة الآخرين، النور واحِد.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
لذلك قال الشاعِر: كُنْ عَن هُمومِكَ مُعْرِضًا وَكِلِ الأمور إلى القضا
وابْشِر بِخَيْرٍ عاجِـــلٍ تنْسى به ما قدْ مضـى
فَلَرُبَّ أمْرٍ مُسْخِــــطٍ لك في عواقِبِه رِضـا
ولَرُبَّما ضاق المضــيق ولرُبَّما اتَّسَع الفضــا
الله يفْعَلُ ما يشــــاء فلا تكن مُعْتَرِضـــا
الله عَوَّدَكَ الجميــــل فَقِفْ على ما قد مضى
***
المؤمن أيها الإخوة ربَّاني، معنى ربَّاني أي أنَّ علاقته بِرَبِّهِ طيِّبَةٌ جدًا أساسُها طاعَتُهُ وعملُهُ الصالِح، وأساسُها خِدْمَتُهُ للخَلْق، طاعتُهُ لله وعملُهُ الصالِح، تَجعل هذه الأعمال كلُّها علاقة المؤمن بالله تعالى طيِّبَة، يحبُّ الله عز وجل ويُحِبُّ خلْقَهُ، ويحبُّ خِدْمَتَهُم والدَّمْعة مِن على خُدودِهم، ويرسُم البَسْمَةَ على أفْواهِهِم، أساس حياتِه العَطاء وليس الأخْذ، أما الكافر فحياتُهُ يَبْنيها على الأخْذ، يمصّ الناس، ويأخذ الأموال بالحيلة والقَهر، فالمؤمن لا يُسْعِدُهُ إلا العطاء من مالهِ ووقْتِهِ وجُهْدِهِ وصِحَّتِهِ وخبرته ومكانَتِهِ، وكلَّما بالغَ في العَطاء أكْرَمَهُ الله تعالى بالسَّعادة، وألقى على قلبِهِ السَّكينة، لذلك يقول الإنسان أثناء الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهمّ صلِّ على أسْعَدِنا محمّد لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم جاء الحياة فأعْطى ولم يأخذ، والطُّغاة أخَذوا ولم يُعْطوا، والأنبياء أعْطَوا ولم يأخذوا، ونحن نأخذ ونُعْطي، لذلك يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطَيت ولم تأخذ، ويا مَن قدَّسْتَ الوُجود كلَّه ورعَيْت قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادَة العَقْل، ونهنسْت سيادة القطيع، ويا مَن هيَّأك تفَوُّقك كي تكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، دخل عليه عمر وهو صلى الله عليه وسلم مُضطجِع على حصير، وقد أثَّر على خدِّه الشريف فَبَكى عُمَر، فقال: لمَ تبْكي يا عمر ؟ فقال: رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرس ينام على الحرير، فقال:
((يا عمر: إنَّما هيَ نُبُوَّة ولَيْسَت مُلْكًا ))
فكان إذا سقى القوم كان آخرهم شُرْبًا، وإذا جلسَ جلسَ حيث ينتهي به المَجْلِس وكان إذا دَخَلَ عليه مَن لا يعْرِفُهُ ينظر ويقول: أيُّكُم محمّد ؟ لا علامة تدلّ عليه من بين أصْحابِهِ، كان مُتَوَاضِعًا عليه الصلاة والسلام، ولماذا أحَبَّهُ أصْحابُه هذا الحبّ الذي لا يوصَف ؟ يقول: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا ! وقع أحد الصحابة في قبْضة قُريش، وأرادوا صَلْبَهُ وقتْلهُ، اسمُه خبيب ابن عديّ، سأله أبو سفيان: أَتُحِبُّ أن يكون محمّد مكانَكَ ؟! وأنت مُعافًى في بيتِك ؟ اُنظروا ماذا قال هذا الصحابي وهو على وشك الموت: والله ما أُحِبُّ أن أكون في أهلي، وولدي، وعندي عافِيَة الدنيا ونعيمُها، ويُصابُ رسول الله بِشَوْكَة ! هكذا أحبّ أصْحابُ النبي عليه الصلاة والسلام محمَّدًا صلى الله عليه وسلَّم، عندها قال أبو سفيان: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا !
ونحن أيُّها الإخوة، إن لم نتعاوَن، ويحبّ بعضنا بعضًا، خدمنا بعضنا بعضًا، والله في عَون العَبد ما كان العَبْد في عَون أخيه، ومَن نفَّس عن مُؤمنٍ كربَةً نفَّس الله عنه كُربَةً مِن كُرب يوم القيامة، لذلك إذا أردْتَ أن تكون سعيدًا فأسْعِدِ الناس، قرأتُ كلمة في مجلَّة أربع كلمات: إذا أرَدْتَ أن تسْعَدَ فأَسْعِدِ الآخرين تكن أنت أسعدهم، أكْرِمهم وأعْطِهِم من وقتك وصِحَّتك ومالِك.
إذًا قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[ سورة إبراهيم ]
مِحْوَر درسنا اليوم ؛ أيَّام الله، يومٌ نجَّاك الله مِن عَدُوّ، ويوم يُسِّر لك فيه شِراء بيْت، والزواج ورزق أولاد، وأعطاك درجة عِلْمِيَّة، فَكُلَّما ضاقَتْ نفْسُك واضطرب فُؤادُك، وفتُرت عبادك ذَكِّر نفْسَك بِأَيام الله كما أمرَ الله سيِّدنا موسى وقومه بني إسرائيل.


والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-05-2018 01:21 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
سم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، الإنسان يميل إلى أن يُحَمِّل أخطاءَهُ للآخرين فالإنسان يَحْتَجّ أنَّ البيئة سيِّئَة، والمُجْتَمَع فاسِد، والشَّيْطان وَسْوَس وزَوْجَتُهُ ضَغَطَتْ عليه ! فَحينما يتبرَّأ مِن ذَنْبِهِ، ويُلْقي التَّبِعَة على الآخرين، يكون قد ضلَّ ضلالاً بعيدًا، فربُّنا عز وجل في الآية الثانية والعشرين من سورة إبراهيم يُحَدِّثُنا عن الشَّيْطان، وكيف أنَّ هذا الشيطان ليس له على بني آدمَ سُلطان، أما أن يقول الإنسان: لَعَنَ الله الشيطان، والله يخزيه فهو الذي وَسْوَس لي، ودفعَني إلى هذا العَمَل هذا كلام لا معنى له إطلاقًا.
يقول الله عز وجل:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
أي أنَّ الله جلّ جلاله حَكَمَ بين الخلائِق ؛ فريق إلى الجنَّة، وفريق إلى السعير، ففي الدنيا هناك تصانيف كثيرة ؛ أغْنِياء وفقراء، أقْوِياء وضُعَفَاء، وأصِحَّاء ومرْضى، مِن الشرق الذي يُؤمن بالجماعة، وبالغرب الذي يُؤْمِن بالفَرْدِيَّة، وهذا أصلُهُ سامي، وذاك آمي، وبيض وسود وطبقة كادِحَة وطبقة وُسْطى وطبقة أرستقراطِيَّة ؛ هذه التَّصْنيفات تنتهي في النِّهاية إلى صِنْفَيْن مؤمنٍ وكافر، ومُتَّصِل ومُنقَطِع، مُحْسِنٍ ومسيء وصادِق وكاذب، ووفِي وخائِن، رحيم وقاسٍ، فالمؤمن مُصَدِّق بِرَبِّهِ ومُتَعَرِّف إلى منهَج ربِّه، ومُتَّصِف ومُنضَبِط، ورحيم ومُحْسِن ومُنْصِف، أما الكافر فَمُكَذِّب ومَقْطوع ومُتَخَلِّف ومُسيء ؛ فريق إلى الجنَّة وفريق إلى السَّعير، فحين يُقْضى الأمْر ويُساق كلّ الناس إلى مصيرِهم الأبَدِي، ما معنى أبَد؟! قد نقولها ولا نعرف معناها ! معنى اللانِهاية لو تصَوَّرْت أكبر رقم وقسَّمْتَهُ على ما نِهايَة تكون النتيجة صِفْر، ما معنى خالدين فيها أبدًا ؟ معنى ذلك لو أنَّ الإنسان عاشَ سنَةً أو مائتان أو ألف سنة ومليون سنة، ومليار مليار...حتى ينقطِعَ النَّفَس لو قِسْتَ هذا بالآخرة ؛ فما عاش شيئًا ‍! لذا الإنسان لما يكفر بالله عز وجل أتدْرون ماذا خَسِرَ ؟ خسِرَ الأبد، وهذه هي الخَسارة الأبَدِيَّة قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(21(﴾
[ سورة هود ]
قد يحترق محلّ فيَقُول الناس: هذه خَسارة ! لا، هذه ليْسَتْ خَسارة، فقد يكون هذا سبب الهِدايَة، فالخسارة قد تكون سبب الهِدايَة في الدنيا، أما الخَسارة الحقيقيَّة أن تَخْسَر الأبَدَ، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)﴾
[ سورة الكهف ]
لذا يقول الإمام عليّ رضي الله عنه: الغِنَى والفقْر بعد العَرْض على الله فالغِنى أن تدْخل الجنَّة، والفقْر أن تُحْرَمَ منها، والغِنى غِنى العمل الصالِح، والفقْر فقرُكَ من الأعمال الصالِحَة، ألم يقُل سيِّدنا موسى حينما سقى بنتي سيِّدنا شُعَيْب: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
لماذا هو فقير ؟ للأموال الطائلة والأجْنبِيَّة وغير المنْقولة للعقارات... فالعمل الصالح هو الشيء الرابح يوم القيامة.
ربنا عز وجل يقول:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾
[ سورة الحاقة ]
ظنَّ هنا بِمَعنى أيْقَنَ، وحينما كنتُ في الدنيا علمْتُ أنَّ هناك يوم آخر وهناك جنَّة إلى الأبد ونار إلى الأبد، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34)﴾
[ سورة الحاقة ]
هذا اليوم المُخيف، والذي إن غَفَلَ عنه الإنسان فَهُوَ أحْمَق، هو يوم الحِساب والدَّيْنونة والجزاء، اِعْمَلوا ما شئْتُم فكلّ شيء مكتوب، قال تعالى:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾
[ سورة آل عمران ]
ردَّ عليهم الله وقال:
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
فالإنسان إذا أَيْقن أنَّ كلّ ما فعَلَهُ مُسَجَّل شيء مُخيف، ففي أوروبا يضَعون جهاز تَصْوير لِمَن يُخالف قوانين السَّيْر ويعمل ليل نهار، فإذا الواحِد أيقَنَ أنَّه هذا الشارِع مُراقب بالرادار لن يُسْرِع، فالإنسان إذا أيْقَنَ أنَّ الله تعالى رقيب عليه انتهى الأمر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ضَحِكْتُ عليكم قال تعالى:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾
[ سورة آل عمران ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
خالق الكون يؤَكِّد لك في ثمان آيات في كتابه، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
وعدك بالتَّعْويض ووعدَك بالنَّصْر قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾
(سورة آل عمران )
وقال تعالى:
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النّساء ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذه الآية تكفي، وما وَجَدْتُ مثلاً يُوَضِّحُ هذه الآية كالمَثَل التالي: إنسان يلبس بدْلة أنيقة ثمنها ثمان مائة ألف، وإذا به يصطدم بِبِرْكة، فيذْهب للشرطة يشْتكي، فإن قيل له: مَن الذي دَفَعَك ؟ يقول لا أحد، وهل مِن أحد رماك هناك ؟ فيقول: لا، فيقولون له: مَن إذًا ؟ فيقول: قال لي أحدهم اُدخل في هذه البركة ‍‍‍‍!! بِرَبِّكم ألا يُعْتَبَرُ هذا مَجنونًا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لذا لا يقل الإنسان: لعن الله الشيطان فهو الذي أغواني !! فالشيطان لا علاقة له ولا سلطان له عليك، وليس له أن يفعل بك شيئًا، لكنَّه يَمْلِك أن يُوَسْوِسَ لك، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)﴾
[ سورة الحِجر ]
أنت يكفي أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وانتهى الأمر، قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)﴾
[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)﴾
(سورة الأعراف)
قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
مُلَخَّص الآية أنَّ الإنسان مسؤول ولا يتوهَّم أنَّ هذا لا علاقة له فيها ؛ يقول لك: البيئة والمُورِّثات، والضّغوط والأشرة والمُجتمع، لا تستطيع أن تدَّعي هذا الكلام لأنَّك حرّ، ومتى اسْتَعْبَدْتُم الناس وقد وَلَدَتهم أُمَّهاتهم أحْرارًا ورِزْقك وحياتك بيَدِ الله وحْدهُ، وكلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً، ولما الإنسان يُحجِم عن طاعة الله من أجل إنسان قويّ فهذا فهْمٌ سقيم، والأمر كلّ بيَدِ الله، إلهٌ يَدَعُكَ لِخَلْقِهِ ويقول لك: اعْبدني فلو أوْكَلَ أمرَكَ إلى الخلق لما اسْتَحَقَّ العبادة، وما معنى لا إله إلا الله ؟ لا مَعْبود بِحَقٍّ إلا الله، ومَن هو المَعْبود ؟ الذي يخلق ويُميت، ويعطي ويَمْنَع، ويعزّ ويذِلّ، ويرفع ويخفض، فهذه الآية أساسِيَّة في موضوع الشيطان، فلا أحد يَحْتَجّ بالشيطان، لأنّ لا علاقة له، اِلْعَنْهُ وتعوَّذ منه ولكن لا تجْعلْهُ السَّبب، فلو لم تكن هناك رغْبة مُمَاثِلَة لما فعَلْتَ ما أمرَكَ به.


والحمد لله رب العالمين






السعيد 03-05-2018 01:23 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثالث



يها الأخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة إبراهيم وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قبل بِعْثة النبي عليه الصلاة والسلام كيف كانت الجزيرة العَرَبِيَّة ؟ تموج بالفَوْضى والفِتَن والزنا والخمر والربا والإقلال والتَّناحر والبغْضاء ؛ مُجْتَمَعٌ بلَغَ من الجاهِلِيَّة ما يوصَف.
جاء النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لماذا جاء النبي ؟ هل جاء بِصاروخ ؟ هل جاء بِمُخْتَرَع ؟ كلمة طيِّبَة، قال عليه الصلاة والسلام: ((الكلمة الطيِّبة صدقة..." ))
ربنا جل جلاله يقول:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
معنى طيِّبةً أي صادِقَةً وتُعَبِّر عن واقِع وليس خيال والطِّيبُ في الكلام يعني الإخلاص، ويَعْني الصِّدْق، والصِّدْق يعني أن يأتي الكلام مُطابِقًا للواقِع، بِماذا جاء الأنبياء ؟ بِكَلِمَة، لكنَّها طيِّبَة ؛ فيها إخْلاصهم للبَشَرِيَّة جمْعاء، وفيها صِدْقهم الذين يُعبِّرون به عن الواقِع، والله عز وجل شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة، ولنَضْرِب على ذلك شَجَرة التِّين مثلاً ؛ هذه الشَّجرة أصلها بذرة وتحمل آلاف الثِّمار، وفي كلّ ثمرة آلاف البذور، فلو أرَدْتَ أن تأخذ كل ثِمار هذه الشَّجَرة، وان تأخذ كلّ بُذور هذه الثِّمار وأن تُحَوِّلَها إلى أشْجار وأنا أعْتَقِد أنَّ شَجَرَةً واحِدَة يمكن أن تصْنع غابة من الشِّجار، فالله تعالى شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة.
دُعيتُ مرَّةً إلى تَعْزِيَة فألْقَيْتُ كلمَةً، وكان الحُضور عدد كبير، وأحد هؤلاء الحُضور جاءتْ كلمتي مُناسبة تمامًا معه فاصْطَلَحَ مع الله وتاب من فَوْرِهِ، وكان سببًا في هِدايَة بِضْع عَشَرات مِن أصْدِقائِهِ ؛ كلمة واحِدَة، لذا أيها الأخوة لا يبْخَل أحدكم بالكلمة، تتكلَّم كلمةً تقع في موقِعِها الصحيح، وقد يكون المُسْتَمِع تائِه وشارِد، وفي حَيْرَة وشَقاء، فقد تأتي كلمتُكَ بلْسَمًا له، فإذا اهْتَدى أقام الإسلام في بيتِهِ، وإذا أقامَهُ عملِهِ، وإذا اهْتَدَى جدعا إليه، وألَّم شَمْلاً كبيرًا بِهذه الكلمة، ولا ينسى أحدكم قَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجُلاً واحِدًا خير لك من حمر النعم..." ))
ما هي الدنيا ؟ تجد محلاًّ صغيرًا المتر مائة وخمسون متر، إن شاء الله كل المدينة وكل السوق والشركات ؛ الكلمة الطيِّبَة خير لك من الدنيا وما فيها، والأنبياء جاءوا بِكَلِمَة، وكذا النبي عليه الصلاة والسلام جاءوا بِكَلِمَة طيِّبة هي كلام الله، وسُنَّتُه، فَبِهذه الكلمة الطَيِّبَة الخالصة الصادِقَة قلَبَ وَجْهَ الأرض في رُبْع قرن، والإسلام وصَل إلى الصِّين، وإلى إسبانيا وأذربيجان وغطَّ مساحاتٍ شائعة رُفِعَت فيها كلمة الله عز وجل، وأنت كلمة طيِّبة أحْيانًا لِجارِك وأصْدِقائِك ولابنِك ولأخيك ؛ هذه الكلمة قد تأتي في الوقت المناسب وتفعلُ فِعْل السِّحْر في قلبِهِ، ويهْتدي ويهدي آلافًا كلّهم في صحيفَتِك، قال تعالى:
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لكنَّ الكلمة الطيِّبة تستند إلى واقِع وإلى أُسس، فالآن أيّ مذْهب وَضْعي بعد حينٍ يظْهر خطؤُهُ، وبعد حين ينْهار ويُصبح مصْدر سُخرِيّة لأنَّ لا أصل له ثابت، أما هذا القرآن فَهُوَ كلام خالق الكون، ومن أصدق من الله حديثًا.
قال تعالى:
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[ سورة إبراهيم ]
فأنت قد تهدي الواحد، والواحد قد يهْدي عشرة، والعشرة مائة والمائة ألف ويوم القِيامة تُحْشر أمَّة، وما معنى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)﴾
[ سورة النحل ]
فالأب يبقى ذِكْرهُ عشرات السِّنين في قلوب أبنائِه إذا مكَّنَهُ الله تعالى أن يُرَبِّيهِم التَّرْبِيَة الحسَنَة، يموت ويبقى ذِكْرهُ عَشَرات السِّنين تجده يقول: أبي رحمه الله هكذا نصَحَنا، وأبي عوَّدنا هكذا، وعلى الصِّدْق وعلى الصلاة في وقتِها، فالأب توفي وبقِيَ عمله في أولاده عَشَرات السِّنين بل مئات السِّنين، أنا لا أريد أن يبقى الإنسان مُسْتَمِعًا، وأن يبقى مُتَلَقِّيًا ومُسْتَمِعًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((بلِّغوا عنِّي ولو آية..."))
لا يوجد مِنَّا مَن لا أهْل له، ولا جيران له، ولا زملاء، ألا يجْلس مع أولادِهِ ؟ ألا يزور بنْتَهُ ؟ أليس له أصْهار ؟ لا يوجد مَن يعيش لِوَحْدِهِ، هؤلاء الذين معك عمَّا تتحدَّثون ؟ عن الأسْعار والأمور العامَّة، لا تزيدُنا إلا انْقِباضًا ! حدِّثْهم عن ربِّهم وعن أخلاق نَبِيِّهِم وعن معاني كِتابهم، وعن أخلاق صَحابَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلَعَلَّ هذه الكلمة تَصْنَعُ أُمَّةً، فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام جاء بِكَلِمَة طيِّبة، ولكن مرَّة ثانِيَة الكلمة الطَّيِّبَة هي الكلمة الصادِقَة ومعنى صادِقَة: هي الكلمة الواقِعِيَّة المُسْتَنِدَة إلى الواقِع، فَعَظَمَةُ الأنبياء مِن أين أتَتْ ؟ أنَّهم ما تكلَّموا كلِمَةً إلا طبَّقوها في حياتِهم، ولا يمكن أن يرى الإنسان مسافَةً بين أقْوالهم وأفْعالهم ؛ هذه معنى طيِّبَة الصادِقَة المُخْلِصَة تَفْعَل فِعْل السِّحْر في المجتمع، أما الكلمة غير الصادِقَة فَهِيَ تَسْتَدْعي السُّخْرِيَة، والانْتِقاد، أما الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلَها كلّ حين، والله هناك آلاف القِصص عن إنسان تَكَلَّم كلِمَةً واحِدَة، فأنا الْتَقَيْت رجلاً يزيد سِنُّهُ عن السِّتِّين، فقال لي: كنتُ بالابْتِدائي وكان لي معلّم صالح بالابْتِدائي، فغاب يومًا عن المدرسة وذهب إلى السينما فالمُعَلِّم ضيَّقَ عليه، واسْتَدعى أولياءهُ فإذا الولد بالسينما، قال لي: ذكر الأستاذ كلمات والله لا أنساها حتى الآن، وما تركْتُ الصلاة حتَّى الآن، فأنت لا تدع الكلمة الطيِّبة للجار وللصاحب والابن والمُوَظِّف بيِّن له طريق الحق واتْلُ عليه آيةً، الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء، معنى أصلها ثابت أيْ مَبْنِيَّة على الواقِع، والواقِع هو الحق الذي لا يتغَيَّر ولا يتبدَّل، فالحق حق والباطل باطل، تُؤتي أُكلها حين ؛ فَوُكَلاء الشركات أحيانًا وهو جالس في مَكْتبِهِ يأتيه فاكس يقول: ثلاثين ألف دولار بِضاعة اِشْتَراها، فهذا في الدنيا إذا كنتَ وكيلاً فكل بيعة يبيعونها لك فيها حِساب.
قال تعالى:
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
الشيء الغريب أَّن الله تعالى يقول بعد هذا:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلمة تَدعوا إلى المعْصِية، وإلى الإباحِيَّة، والمُتْعَة التي لا تُرضي الله عز وجل، وإلى الفرقَة وعلى إنكار وُجود الله، تُبْنى على العِلْمانِيَّة، الدِّين باطل وخُرافة، ومشاعر في الإنسان الضعيف، هذه الكلمة تجد لها شُعوب بالهِند أربعمائة وخمسون مليون يعبدون بوذا من دون الله، هذا هو شأن الكلمة إن كانت طيِّبَة تنتشِر، وإن كانت خبيثة تنتشر، فالكلمتان اتَّفقتا في سرعة الانْتِشار، لكنَّ الله تعالى قال عن الكلمة الخبيثة:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لا بدّ مِن أن تنْهار وتَسْقط، وكل مبْدَأ وَضْعي قام على الباطل فلابدّ أن يَنْهار ويسقط، والآيات التي نراها كلَّ يوم خير شاهِدٍ على ذلك، انْهارَتْ الدَّعَوات الباطلة كما ينْهار بيت العنكبوت، قال تعالى:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
وهو القرآن، زوال الكون أهْوَنُ على الله أن لا يقَعَ وعيدُهُ، فلما تقرأ قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾
[ سورة النحل ]
هذا وَعْد إلهي، ولما يقول لك الله تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
فلما تُطَبِّق منهج الله قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)﴾
[ سورة الإسراء ]
وقال تعالى:
﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النساء ]
تطمئِنّ للقول قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
درسنا اليوم الكلمة الطَّيِّبَة والمُخْلِصَة والصادِقَة والواقِعِيَّة، فهذه تفْعل كلّ شيء، وقد جاء الأنبياء بهذه الكلمة، ولن نحتاج أكثر من كلمة طيِّبة وناصِعَة، وإخلاص في إلقائِك، وواقِعِيَّة في تَصْديقك، وعلى الله الباقي.



والحمد لله رب العالمين






السعيد 03-05-2018 01:24 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الرابع




أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة السابعة والعشرون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذا هو الفرق بين الحق والباطل، فالحق ثابت والباطل مُتَغَيِّر أو زائِل، والقول إذا كان حقًّا فهو ثابت، والمؤمن أحد أكبر سعادَتِهِ أنَّهُ شكَّل حياته وِفْق الحق، كما قال الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
فلو أسَّس الواحد بُنيانَهُ على الصَّخر، وإنسان أسَّسَهُ على مغارة ؛ أليس هناك فرق كبير؟ نحن نقرأ أحيانًا أنَّ بيتًا هدم، وعند التحقيق نجد أنَّه أُسِّس على مغارة ! قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
القَول الثابت هو القول الحق، والله تعالى حق، لأنَّه قَديم أبَدِيّ، ولا يحول ولا يزول، لم يُسْبَق بِعَدم، مبادئه تعالى، وقوانينُهُ حق، وسُننُهُ وكذا أوامره و نواهِيه، معنى حق أنّه شيء ثابت، تعيش الزَّمَن كلَّه ولا يمكن أن ترى شيئًا يُناقِض الحق، أما أيّ شيء باطل، وأيّ تَشْريع أرضي بعد حينٍ يظهر فساده، ويُلْغى أو يُعَدَّل، الحق جِدار أنْشأتَهُ على شاقول مِن حجَر وأساس قَوِي، فهذا بُنِيَ لِيَبْقى، أما جِدارًا أنشئ على غير أساس ومن دون شاقول ؛ مائِل فهذا بُنِيَ لِيَنْهار فالحق هو الشيء الثابت، والباطل الشيء الزائِل، فالإنسان إذا انْطلَق من عقيدة صحيحة وثابِتَة ولا تتبدَّل، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا نزَل على النبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمائة عام تقريبًا، والعِلْم تقدَّم تقَدُّمًا مُذْهِلاً فهل ظَهَر في العلم حقيقة تُناقض القرآن ؟ مهما امْتَدَّ بك العُمر لن تجد شيئًا يُناقض الحق، ما الذي يجعَل المؤمن ينفِقُ مالهُ ؟ لأنَّ الله عز وجل قال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
هذا قَوْل ثابت، وما الذي يجعل المؤمن يخاف من الربا ؟ قال تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
وما الذي يجعل المؤمن يغضّ بصره ؟ قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
فالمؤمن أحَدُ أكبَر سعادته أنَّهُ ينطلِق في علاقاتِه ؛ في كَسب المال وإنفاقِهِ من الحق، وهو ثابت، قال تعالى لِنَبيِّه فَتَوَكَّل على الله:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾
[ سورة النمل ]
فالإنسان بالتَّعبير الحديث إذا بَرْمَجَ حياته وِفْق الحق فلن تعتريه مُشكِلَة أبدًا، تجدهُ مِن خير لآخر، ومِن تَوفيق لِتَوفيق، ومِن رُقَيّ لآخر حتَّى يَعُدُّهُ الناس أكبر مُصيبَة على الإطلاق وهو الموت، فهو عند المؤمن عرسٌ ! والمَوت بِدايَة السَّعادَة وبِدايَة العَطاء، وبِدايَة الإكرام، لذلك قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لماذا لا يأكل مالاً حرامًا ؟ لأنَّ الله تعالى قال له::
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
ولماذا يتصَدَّق ؟ لأنَّ الله وعدَهُ بالتَّعويض والمُضاعفَة، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾
[ سورة البقرة ]
فأنت اِقْرأ القرآن وبُطولتُكَ أن تكشف فيه القوانين.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33)﴾
[ سورة يونس ]
فإيَّاك أن تفْسق وتَعصِي، فإن لم تفْعَل فأنت أقربُ مَخلوقٍ إلى الإيمان، فالإنسان قد يتردَّد والتَّردُّد صَعْب، ينشأ عندهُ صِراع، ولكنَّ الله إذا وَعَدَهُ ونهاهُ عن كَسب الحرام، فهذا لا نَدَم عندهُ، فالمؤمن لا ينْدَم، فأحَد عوامِل الثبات أنَّك مُسْتَنِد إلى كلام خالق الكون، هذا أمْر وهذا نَهي، وذاك مُباح والآخر مَكروه ومُستَحب وحرام... لذلك طلب الفقه حَتْمٌ لازِم على كل مسلم، فلو فَرَضْنا أنَّك عَرَفْت الله من خلال الكون ومن خلال آياته التَّكْوينِيَّة، ومِن خِلال أفْعالهِ ؛ ما انتهى الأمر ! فأنت عرَفْتَهُ ولكن كيف تتقرَّب إليه ؟ بِطَاعَتِهِ، فأين أمرهُ إذًا ؟ الفقه كلّ واحِد مِن إخواننا الكرام على حسب اخْتِصاصِهِ، فالبائِع عليه أن يعرف أحكام البيع والشراء، وهي فرض عَين عليه، لأنَّه كيف يعبد الله ؟ باجْتِهاد الفقهاء ؛ هذه حرام وهذه حلال وتلك فيها شبْهة وتدليس وكذب إلى آخره، فأنت إذا عرفْت الله من خِلال الكون ومن خِلال آياته التّكوينيَّة، ومن خلال آياته القرآنيَّة ينشأ عندك حاجة مُلِحَّة كي تتقرَّب إليه ؛ كيف؟ بِطَاعَتِهِ، طيِّب أين أمرهُ ؟ الأحكام الفقْهِيَّة أمْرُهُ لذلك معرفة العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة، ومعرفة أحكام القرْض والهِبَة والحوالة والكفالة والمُضاربة والمُساقاة والمُزارَعة ؛ هذه كُلُّها أحكام فِقْهِيّة من خلالها تعبد الله، لذلك قالوا: أنت بالكَون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تَعْبُدُه، لذا هناك خمْس آيات مُتَشابِهات ويُشْبِهُ بعضُها بعْضًا قوله تعالى: أن اعْبُدوا الله ما لكم من إله غيره.." سيِّدنا لوط وشُعَيب وإبراهيم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وآيةٌ مُوَحَّدَة قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه..." الدِّينُ كلّه أن تؤمن أنْ لا إله إلا الله وهذا هو الجانب الفِكْري، وأن تُطيعَهُ، أنْ تَعْرِفَهُ أنَّه موجود وكامِل وواحِد، وأن تُطيعَهُ فيما أمَر ونهى، فأنت إن عَرَفْتَهُ بالكَون وعَبَدْتَهُ بالشَّرْع حَقَّقْتَ الهَدَف مِن وُجودِه، لذلك الإنسان لا يتردَّد فيما حرَّم الله عز وجل، إذا حرَّم الله شيئًا فهذا يعني أنَّه حرام، لا تقل فيه ربْح ملايين !! المُحَرَّم يبقى مُحَرَّم، وما الذي يُثَبِّتُكَ على هذا الشيء ؟ أنَّ الله تعالى حرَّمَهُ، وما الذي يَدْعوك إلى فِعل هذا الشيء مع أنَّه خطِر ؟ أنَّ الله أمرَكَ به، فالله أمَرَكَ أن تُصَلِّي وأن تُقيمَ الشعائِر في بيتِك، أعْجَبَ الناس أم لم يُعْجِبْهُم ؛ ما الذي يَمْنَعُكَ أن تُقيم احْتِفالاً على خِلاف ما يفْعَلُهُ الناس في الأعراس، فالله تعالى حرَّم الاخْتِلاط فأنت لا تَهُمّك العادات والتقاليد فهِيَ تحت قَدَمِك لأنّ هذا خِلاف الشَّرْع، مِن أين تأخذ مَوْقِفَك القويّ ؟ أنّ الله تعالى حرَّمَهُ، فأقْوى حُجَّة أنَّ الله حرَّم هذا وأحلَّ هذا، تَفْعل الحلال وتترك الحرام ولا تأخذك في الله لَوْمَة لائِم، كلمة يثبتُ الله الذين آمنوا ؛ لماذا تغضّ بصَرَك، قد تُتَّهَم أنَّك أجْدب ؛ يقول لك: هل سَتَأْكُلها ؟ أم سَتَأْكُلُك ؟ الله عز وجل قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
وأحيانًا لا تُصافِح، وقد يكون هذا مَوْقِف حَرِج فقد جاءَت وزيرة إلى بلدِنا، وكان هناك مُوَظَّف كبير ما صافَحَها فَتَأَلَّمَتْ أشَدَّ الأَلَم، ومساءً قالتْ: أريد أن ألتقي بِهذا الذي لم يُصافِحني وسألَتْه باخْتِصار لمَ لمْ تُصافِحْني، فأجابها: لأنَّ ديني يَمْنعُني من هذا، وأنت امرأة أجْنَبِيَّة، فقالتْ على مَسْمَع الحاضِرين وقالتْ: لو أنَّ المُسلمين أمْثالَك لَكُنَّا تحت حُكْمِكُم ! هذا هو شأنُ المؤمن، فإذا تساهَلْنا وقلنا هذه بَلْوَة، وهذه ماذا نفعل لها ؟ وتلك وَضْعُها صَعب، وهذه عليَّ ضَغْط، انتهى الدِّين، لذا أنت تثْبت على الدِّين لأنَّ الله أمرك ونهاك ووعَدَكَ، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
ضَرَبْتُ مثلاً غريبًا وقلت: لو أنَّ إنسانًا فقيرًا جدًا معاشُهُ قليل، ومعاشُهُ بالأُجرة، وعليه دَعْوى أخلاق، ماذا تقول في هذا ؟ وله أخ معه خمسين ألف ليرة ولكنَّه بخيل ! وهذا الأخ مات بِحَادِث فجْأةً، وليس له أولاد، فَلِمَن هذا المبلغ ؟ لِهذا الفقير، إلى ان اسْتطاع أن يأخذ أوَّل دَفْعَة سَنَتين، لماذا هو في هاتين السَّنَتين أسْعَد إنسان ؟ لأنَّهُ دَخَل بالوَعْد، يقول: أنا معي خمسمائة مليون ! ثمّ يُصبح يتمنى، ويشعر بِسَعادة وغِبْطة قبل أن يتلَقَّى هذا المبلغ ! وهكذا حال المؤمن فالمؤمن وَعَدَهُ الله بالجنَّة، وهذا الوَعْد يَمْتَصّ كلّ مشَاكِل الحياة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
لذا أيُّها الأخوة اقرؤوا القرآن وآيات الأمر والنَّهي، وطبِّق فالذي يُثَبِّتُكَ على هذا الوَعْد الإلهي، والذي يُسْعِدُكَ أنّ الله وَعَدَك، والذي يُخسفك أنَّ الله أوْعَدَكَ، فإذا صَدَّقْت وَعْدهُ ووعيده، وهذا هو القول الثابت، وهذا الكلام القرآني فيه إعْجاز وهو دليل أنَّه من عند الله، فإذا آمَنْتَ أنَّهُ كلام الله يقينًا أمَرَكَ ونهاكَ، فهذا الإنسان القويّ في زمننا إذا أعطى أمْرًا يُنَفَّذ بِحَذافيره ! لا تعصي مَن إذا قال فَعَل، فإذا كان الأمر مع البشر فما بالك مع رب البشر، لذا أحد عوامل التَّثبيت أنَّك تمشي على منهج إلهي، فهذه هي الآية التي أردْتُ أن تكون مِحْوَر الدرس، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كَمَن وعَدْتَهُ وأنْجَزْتَ وَعْدَكَ يَشكُرك على هذا، لذا أنت بالدنيا مُصَدِّق، وفي الآخرة مُصَدِّق.



والحمد لله رب العالمين





السعيد 03-05-2018 01:48 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الخامس




أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الواحدة والثلاثون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)﴾
[ سورة إبراهيم ]
عباد وعبيد ! ما الفرق بينهما ؟ كِلاهما جَمْع، فالعِباد جَمْع العَبْد الذي أتى الله طائعًا، وأتاهُ تَعَبُّدًا، وأتاهُ مَحَبَّة وطاعةً وشَوْقًا، أما أيّ مَخلوق ولو كان كافِرًا فهذا عَبْدٌ لله بِمَعنى أنّهُ في قَبْضَتِه ؛ يَفْعَل بِهِ ما يشاء، لذا جَمْعُ العَبْد الشارِد عبيد، وجَمْع العَبْد الطائِع عِباد، قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾
[ سورة الفرقان ]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[ سورة فصلت ]
ففَرْقٌ كبير بين العِباد والعبيد، والآية الكريمة:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾
وهذه الياء تَقول أنت: فلان شاميّ، وذاك حلبي ؛ هذه الياء إعرابُها ياء النِّسْبَة، شامي أي أنَّ هذا الإنسان مَنْسوب إلى الشام وعربي مَنسوب إلى العرب، والياء في عبادي هي من هذا النوع، هذا الإنسان نسَبَهُ الله تَشريفًا إلى ذاتِه، قد تَجِد مليون شرطي يحرس الملك لكنّ أحدهم يرافقهُ فَنَقُول عنه: شرطي المَلِك، وهناك بَوْنٌ شاسع بين هذا الشُّرطي المَنسوب، وبين الحراس، طبْعًا ولله المَثَل الأعلى قال تعالى:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هؤلاء الذين نَسَبَهُم الله تعالى إلى ذاتِه تَشْريفًا لهم، لذا أيها الإنسان أنت مُشَرَّف ومُكَرَّم والمخلوق الأوّل إذا كان كلّ مَخلوق على الإطلاق يُسَبِّح الله، قال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾
[ سورة الإسراء ]
وبعضهم تأوَّل هذه الآية تأويلاً ما أرادهُ الله، وهو أنّك إن نظرتَ إلى ورْدَةٍ أعْجَبَتْكَ رائِحتها ومنظرها تقول: سبحان الله! لا، ليس هذا المُراد، أفَيَليق بالإنسان الذي سُخِّرَت له السماوات والأرض، وكرَّمَهُ الله أعظم تَكريم، أيَليق بِهذا الإنسان أن يَغْفَلَ عن الله ؟ فإن كنتَ عَبْدًا لله وقد نسَبَك الله تعالى إلى ذاتِه نِسْبَةَ تَشْريف قال تعالى:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لا خَير في دينٍ لا صلاة فيه والصلاة عماد الدِّين مَن أقامَها أقام الدِّين، ومَن هَدَمها هدَمَ الدِّين، وبين الرجل والكُفر تَرْك الصلاة، والصلاة نورٌ، وطَهور، ومِعراج المؤمن، وميزان فَمَن وفَّى اسْتَوْفى، وهي قرْب، وصِلَةٌ، ووعْيٌ وليس للرجل من صلاته إلا ما عقَلَ منها، وهي ذِكْر قال تعالى:
﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[ سورة طه ]
وهناك خمسة أركان في الإسلام فالحج قد لا يُفْرض على الفقير، والصَّوم يسقط عن المُسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، بقِيَت الشهادة وهي مرَّة واحِدَة، ما هو الفرض المُتَكَرِّر الذي لا يمكن أن يسقط بِحَال ؟ هي الصلاة، وقال بعضهم: الصلاة تأخذ مِن كل أركان الدِّين نَصيبًا، إذا تَوَجَّهْنا إلى الكعبة فهذا من فريضة الحج، وإذا تركنا الطعام والشراب فهذا من الصِّيام، وإذا اقْتَطَعنا من وقتنا وصلَّينا فهذا الوقت زكاة لنا، تأخذ الصلاة من الزكاة أنَّ الوَقْت الذي تصْرفه في الصلاة هو جزءٌ مِن رأس مالِكِ الذي قد تكْسِب به مالاً، وحينما تتَّجِهُ إلى الكعبة المُشَرَّفة لها من الحج نَصيب وحينما تمتَنِع عن الطعام والشراب والكلام في الصلاة فهذا معنى الصيام، لذا فيها معنى الصيام والحج والزكاة، وكأنَّ الصلاة وَحْدَها تَجْمع أركان الإسلام الخمسة، بل إنَّ الحج مِن أجل الصلاة، والصيام من أجل الصلاة، وإنّ الزكاة من أجل الصلاة، وإنّ التَّوحيد من أجل الصلاة، وإنّ الصلاة من أجل الصلاة، ومن هَدَمها فقد هدَمَ الدِّين قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)﴾
[ سورة الحاقة ]
وقال تعالى:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)﴾
[ سورة المدثر ]
قال تعالى :
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لماذا لم يقل الله: قل لعبادي يُصَلُّوا ؟ كلمة يُقيم الصلاة، كالذي يريد أن يُقيم البناء لا بدّ لهُ من رخصة، لِعِظَم الصلاة لا بدّ أن تُقامَ قبل أن تُصَلي ! من الصبح إلى الظهر إذا كان هناك إطلاق بصَر لا تقل صلاة الظهر ! وكذا الكذب والأيْمان الكاذبَة، فإقامَة الصلاة أن تسْتَعِدَّ لها قبل أن تأتي، وتَسْتَعِدَّ لها بالاسْتِقامَة، وتهيئ نفْسَك بالطاعة والإحسان، أما أن تقضي يومك بالكذب والاحْتِيال وخمسين نظْرة باطلة، فالله تعالى ما قال لِيُصَلُّوا ولكن قال:
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
إقامة البناء تحتاج إلى تخطيط وبراءات ذِمَّة.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
[ سورة إبراهيم ]
أتاك العِلم أنْفِق العِلم، إن آتاك المال أَنْفِق المال، وآتاك سُلطة فكُن عادِلاً، والعَدل حسَن ولكن في الأمراء أحْسَن، والسَّخاء حسَن ولكن في الأغنياء أحْسَن، والحياء حَسَن ولكن في النِّساء أحْسَن، والتوبة حسنة ولكن في الشباب أحْسَن لذا عليك أن تُنْفِقَ مِمَّا أعْطاك الله، المال والعِلم والجاه، عَدْلُ ساعة يفضل أن تعبد الله ثمانين سنة !! لا يوجد إنسان على وَجْه الأرض لم يُؤتِهِ الله شيئًا، فإمَّا أن تكون مِمَّن آتاك الله قُدرات كلامِيَّة، وقدرات عِلْمِيَّة، وذاك قدرات مالِيَّة، وذاك قدرات اجْتِماعِيَّة، لا يوجد إنسان ليس له نصيب من حُدود الدنيا، فهذا النَّصيب زكاتُه أن تُنْفقهُ في سبيل الله ماذا قال تعالى لِقَارُون ؟:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾
[ سورة القصص ]
أيها الإخوة حقيقة مهمَّة جدًا، فالمال حظّ مِن حُدود الدنيا، وكذا الذَّكاء والوَسَامَة، والجاه والصِحَّة، والسُّلْطة ؛ فهل تُسَمَّى هذه الحُظوظ نِعَم ؟ لا تُسَمَّى لا نِعَم ولا نِقَم !! هذه مَوْقوفَة على نَوع اسْتِخْدامِها، فالمال لا يُسَمَّى نِعمةً إلا على طريقة إنْفاقِهِ، فإذا أُنْفق في طاعة الله كان نِعْمَةً وإذا أُنْفِقَ في تأسيس مَلْهى انْقلب إلى نقمة، وكذا طلاقَة اللِّسان إذا أيَّدْت بهذه الطلاقَة الحق فالطَّلاقة هذه نِعْمة، أما إن أيَّدْت بها الباطل فَهِيَ نِقْمَة، والمرأة إن تَزَوَّجْتها وِفق شَرْع الله فَهِيَ نعمة، والدنيا كلُّها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، أما إذا خرجْت عن منهج الله تعالى في علاقتك معها صارَتْ المرأة نِقْمة، فالزَّوْجة نعْمة والسكرتيرة نقمة، فَحُظوظ الدنيا ليْسَت نِعَمًا وليسَتْ نِقَمًا إنَّما هي حُظوظ حِيادِيَّة مَوْقوفَة على نَوْع اسْتِخْدامِها ؛ إما أنَّها دَرَجات ترْقى بها، وإما دركات تهوي بها.
قال تعالى :
﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
[ سورة إبراهيم ]
يأتيك الشيطان ويقول لك: أنت تُنفق أمام الناس، لا يستطيع أن يقول لك الشيطان أنت مُرائي أو منافق، وكذا إن أنْفَقْتَ علانِيَةً وشَجَّعْتَ الآخرين فلا مانِع من هذا، قد يكون مشْروع بناء خيري تقول أنت: مِنِّي خمسين ألفًا، فقد يسْتحي الذين معك أو من كان سيُعطي خمسة آلاف، وحينها ينفقون أكثر، فأحيانًا الإنفاق المُعْلَن مُشَجِّع، والإنفاق السِّري مُؤَيِّد للإخلاص وأنت مُخَيَّر بين أن تنفق سرًا أو جهْرًا، لكن ينبغي لِمَن أنفق أن يكون هذا سِرًّا، أما إن كان مَشْروع خَيري أو مُؤسَّسة خَيْرِيَّة.
قال تعالى:
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)﴾
[ سورة إبراهيم ]
الخِلال جَمع خُلَّة ؛ وهي المودَّة، فلا واسِطَة، فأحيانًا الإنسان يكون في أشَدِّ الحاجة إلى المال ويتلوَّى من الجوع، وأحيانًا ليس معه العُمْلة المناسبة للبلد الأجنبي، لكن بالآخرة لا مال ولا بِضاعة تَشْتريها، لذلك حقوق العباد لا تسقط إلى في حالين ؛ بالأداء أو المُسامَحَة.
فالشَّهيد يُغْفَر له كل شيء إلا الدَّيْن ! والوَهْم الشائع أنَّ الإنسان إذا حجَّ كبَّ كلّ ذُنوبِهِ ؛ فهذا فقط الذي بينك وبين الله، أما التي بينك وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء والمُسامَحَة، وتَرْك دانِقٍ من حرام خير من ثمانين حجَّة بعد الإسلام، اتَّق المحارِم تكن أعْبَد الناس، وأدِّ الحُقوق إلى العباد تكن أعْبد الناس، فلو صلَّيت ألف ركعة في اليوم وكنت مِمَّن أكل الحرام فأداء الحقوق لأهلها خير لك من هذه الصلاة، وهذه امرأة تُكثر من صلاتها وقيامها، غير أنَّها تؤذي جيرانها بِلِسَانِها، فهي في كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( ودخَلَت النار امرأة في هِرَّة حَبَسَتْها فلا هي أطْعَمَتْها ولا هي تَرَكَتْها !))
فالأمور مه اله تعالى دقيقة، قال تعالى
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
فالقضايا التي في محاكم من غِشَ وتَزوير ؛هذه في الدنيا أما في الآخرة عَدْل مطلق، ولا يوجَد إعْفاء، إنَّما يوجد العَدْل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-05-2018 01:49 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس السادس





أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون والرابعة والثلاثون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
أوَّلاً: الله جل جلاله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلقَنا، وهي النِّعْمة الأولى نِعْمة الإيجاد، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[ سورة الإنسان ]
الشيء الثاني: أنَّه تعالى أنزل من السماء ماءً، فإذا أنت سَمِعْت بالأخبار أنَّ هناك منخفض جَوِيّ مُتَمَرْكِز فوق قبرص، يجب أن تفْهَمَ أنّ هذا المنخفض نِعْمَةٌ ساقَها، فالإنسان قد ينسى نِعْمَةَ الله عز وجل نتيجة المصطلحات الحديثة ؛ كل هذا كما قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
خِصِّيصًا لكم، أحيانًا يدْعو إنسان شَخْصًا غالٍ عليه إلى وليمة، يَدْعوهُ ويَدْعو بعْضًا من الناس المُقَرَّبين إليه ؛ هذا المَدْعو الأوَّل هو ضَيف الشَّرَف، وقد يُطْرَق الباب والناس يأكلون فيقول له: تفضَّل واجْلِس واحْضَر الزاد، فالوليمة لِوَاحِد، أما الحُضور فكثير، هذا هو المعنى المُستفاد من لكم قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
امْسك التفاحة ترى حجْمها وقِوامَها ورائحتها وطريقة إنباتها ومَوْسِم نضجها، وكل هذه الخصائص متناسبة مع الإنسان معنى ذلك أنَّ التفاحة خُصِّصَت لنا، ونظر مُكَوِّنات الحليب، البقرة ليْسَت عاقلة، وغُدَّتها الثَّدْيِيَّة كالقُبَّة وتجري فوق هذه الغدَّة أوْعِيَة دَمَوِيَّة يجول الدم فيها، وهذه الخليَّة لثَّدْيِيَّة إلى الآن لا أحد يعرف طبيعة عملها إلا أنَّها تأخذ من الدم الذي فوقها مُكَوِّنات الحليب وترشح نقطة حليب من تحت، هذا يجْتمع في ضرع البقرة، وهذا الحليب يحوي كالسيوم ومغنيزيوم وحديد ونُحاس وبروتينات ومواد دسمة ودَهنِيَّة ؛ مَن أعطى هذه النِّسَب، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)﴾
[ سورة النحل ]
ذكري لي أخ مرَّةً كلمة لا أنساها ؛ قال لي: لنا جار له بقرة أصابها مرض التَّوَحُّش، فقَتَلَتْ أوَّل رجل والثاني، وكادَت تقتل الثالث ؛ فما كان مِن صاحِبِها إلا أن أطلق عليها النار فقتَلَها ! لو أنَّ هذه الحيوانات التي نسْتفيد من حليبها كانت مُتَوَحِّشَة ماذا قال الله عز وجل: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(72)﴾
[ سورة يس ]
فلو كان الغنم كالضَّبع، فمَن أعطى هذه الطِّباع ؟ ونحن إذا أردنا أن نُعَبِّر عن إنسان لطيف وسَهل نقول عنه: مثل الغنَمَة ! وزْن البقرة طن ونصف، والجمل أربعة طن فقط ؛ تجد الطفل الصغير يقود الجمل، بينما العقرب الرجل الشجاع يفرّ منه، وكذا الأفعى، فَمَن ركَّب في هذين النَّوعين هذه الطِّباع ؟! إذًا كما قال تعالى
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُم﴾
[ سورة إبراهيم ]
خطر في بالنا أنَّ المحاصيل الزِّراعِيَّة تنضج في يوم واحِد، بينما لا فواكه تنضج تباعًا على ثلاثة أشهر ؛ ألَيْسَت هذه حكمة ؟ أليس هذه برمجة من عند خالقٍ عظيم حكيم.
قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لو لم يكن قانون أرخميدس، والأجسام لا تطفو على الماء، مَن أوْدَع في الماء قوَّة الدَّفع نحو الأعلى.
قال تعالى :
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)﴾
[ سورة إبراهيم ]
أنت سَل بعض الدُّوَل التي تُحلِّي المياه المالِحَة، كل لتر ماء أثنى عشرة ريال، وأنت تأخذ الماء حلوًا عذْبا من الينابيع، مَن حلَّ هذه المياه ؟ ونِظام التَّبخُّر من الذي خلَقَهُ ؟ يكون معك ماء مالح تَغْليه على النار يتبخَّر، ثمَّ ضَعْهُ بِقَارورة باردي يتقطَّر، أين الملح ؟ بالأرض، فهذا نَهر الآمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية، ودمشق خمس ملايين وزيادة يسقيها نَبْع الفيجة ستَّة عشر متر مكعَّب بالثانية، هذا الحَوْض يبدأ من عين الفيجة وإلى حمص وإلى قريب من البادِيَة، فمَن سخَّر هذا ؟ قال تعالى:
﴿ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)﴾
قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لولا الشمس لدخَلَتْ الأرض في برودة مُميتَة.
قوله تعالى:
﴿دَائِبَيْن﴾
العلماء قالوا: مضى على تألُّق الشمس خمسة آلاف مليون سنة، وسوف تبقى خمسة آلاف مليون سنة أخرى.
قال تعالى:
﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)﴾
[ سورة الإسراء ]
ولكن الآية فيها مركز ثِقَل، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ذكرْتُ مرَّةً وقلت لكم: لو أعْطَيت إنسانًا ليرة حديد وقلت له عُدَّها ! هي ليرة واحِدَة فَكَيْف يَعُدُّها ؟ نِعْمة البصر، ونعمة السمع والحركة والعقل وجهاز الهضم، فنِعْمة حَبْس البَول فقط هل تُقَدَّر بِثَمَن ؟ لولا هذه المثانة لكانت حياة الإنسان جحيمًا وجعل الله للمثانة عضلات، وهناك مَن يُصلب بِسَرَطان بالمُستقيم، فيلجئوا إلى فَتْح فتحة على جنبه، وكل كيس ثلاثمائة ليرة، شيء لا يُطاق ! أما المُستقيم و عضلاته، فهذه نِعَم كبيرة لا يعرفها إلا من فقَدَها، فمثلاً نِعْمة القناة الدَّمْعِيَّة لو أنَّها غُلقَت لكلَّفك الأمر إلى أن تحمل دائِمًا منديل وتمسح على عينيك وخدِّك، وهذه هي أدقّ قناة في الإنسان، وكذا صِّيوان الأذن ؛ لولاه لما عرفتَ جِهَة السيارة ! لذا نعمة واحِدَة لو أمْضَيْت الحياة في تِعداد فضائِلَها لما أحْصَيْتَها فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى، فإذا جاء موْلود وجاءَتْهُ مائتان هَدِيَّة وكان مَحْبوبًا، يا ترى هل إحصاء الهدايا هو السهل أم ردُّها ؟ لذلك قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لذا أيها الأخوة مَن ضاقَت نفْسُه فأنت عندَكَ نِعْمة الهُدى، فهناك من يسرق ويزني ويعصي، ونعمة الصِّحة هذه كذلك ليْسَت قليلة، فَهُناك صُوَر من مشفى المجانين لا تُصَدَّق ؛ يموت كل يوم شَخْصِين ثلاثة، يخلعون ثيابهم ويُكَسِّرون الأثاث والمدفآت، وكذا نِعْمة الحَرَكَة ونِعمة السمع والبصر والتَّكلّم والنطق ؛ فهذه نِعَم لا يستطيع الإنسان إحْصاءَها قال تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قد يظلم الإنسان أحيانًا نفسهُ بِكُفْرِهِ، فإذا الواحد ضاقت نفسُه عليه أن يُعَدِّد نِعَم الله عليه، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أحِبُّوا الله لما يغدوكم به من نعمه..." ))
نعمة الهدى والرشاد والإيجاد ؛ فهذه النِّعَم تُحَبِّب بالله، وإذا أحبَّ الله عبده ألْهَمَهُ شُكْرهُ، لذا اُشْكر ما عندك ولا تهتمّ بما ليسس عندك، فالكُفَّار تجدهُ غرقان بالنِّعَم، ومعه مال يعيش به خمسون سنة، فالإنسان عليه أن يشكر، والله تعالى قال:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾
[ سورة إبراهيم ]
الحمد لله الذي أذاقني لذَّته وأبقى فيّ قوَّته.
لذا درسنا اليوم حول النِّعَم وشكرها، وقال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
والإنسان بالشُّكْر يزيدُكَ الله من النِّعَم، وبِشَكل موجَز الشكر ثلاثة مراحِل ؛ أن تعلَم أنّ هذه النِّعْمة من الله تعالى كدَرَجة أولى، وأن يمتلأ قلبك امْتِنانًا، وهي درجة الحَمْد، والدرجة الثالثة خِدْمة العِباد، فَخِدْمة العباد شُكْر لربِّ العِباد.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-05-2018 01:51 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس السابع





أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الثانية والأربعون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾

[سورة إبراهيم]
فالآية فيها نهَي وهي لا، وهذه اللام هي لام النَّهي، فلعلَّ بعض الناس يتوهَّم خطأً أنّ الله غافلٌ عمَّا يعمل الظالمون، حتَّى أنَّ أحدهم يقول لك: أين الله ؟ ولِحِكْمَةٍ أرادها الله، يُمِدُّ الله الظالم بطَريقةٍ تحسب أنَّه لن يضعف، وأحيانًا ترى وُجود الله وعدالتَهُ ظاهِرَةً للعَيان ربُّنا سبحانه وتعالى يَمْتَحِنُ العباد مرَّةً بِإظهار وَحْدانِيَّتِه، ومرَّةً بإمداد الكفار الظالمين، فالمؤمن القويّ وهو في أشَدِّ حالات الضِّيق، ويرى أنَّ الأقوياء الطُّغاة يسيحون ويَمرحون فإيمانُهُ لا يتزَعْزَع، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام ؛ نَبِيٌّ مُرْسَل، وسيِّد الخلق،وحبيب الحق، ودعا إلى الله هاجَر من مَكّة إلى المدينة، وهو في أعلى درجات القرب، ومعه صحابة كِرام مُخلصون عابِدون وتائِبون وساجِدون، ومع ذلك في معركة الأحزاب جاءَت جُموع الكفرة إلى المدينة وأحاطوا بها، وبقيّ الإسلام مُجَرَّد ساعات، فَمَعْركة الخندق جاءَت لا لِتَنْتَصِر على المسلمين بل لِتُبيدَهم وتستأصِل شأفتَهم ؛ حتَّى أنَّ بعضهم قال: أَيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى، وأحدُنا لا يأمَن أن يقضي حاجته، قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله قد يمُدّ القوي بالطغيان والتجبُّر، كما نرى أحيانًا دُوَل عُظْمى يظنّ الناس أنَّها تمْلك رقاب الشُّعوب كلها، فالإنسان بِساعات ضَعف الإيمان يقول: أين الله ؟ فربنا عز وجل قال:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
ولكنَّ الله كذلك قال:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله تعالى لما يمُدُّ القوي هو تعالى بِهذا يَمْتَحِن المؤمنين، فالضعيف يسقط والقوي يثبت ولا تضعف ثِقَتُه، وهذه الآية دقيقة جدًا:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
فلولا أنَّ بعضًا من الناس ظنَّ هذا لما نزل هذا الوحي الإلهي ‍! وهؤلاء لِضَعْف إيمانِهم يظنُّون أنّ الله تعالى غافل عنهم ؛ يقول لك: صُهْيونِيَّة عالمِيَّة، وماسونيَّة، وكأنَّ هذه الحركات بِيَدِها مصير الشُّعوب وهذا كلام فيه ضَعْف إيمان والله تعالى لا يتخلَّى عن دينِهِ والمؤمنين ولكن لِحِكْمَة يُريدُها.
قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)﴾

[سورة القصص]
إذا عصاني من يعرفني سلَّطتُ عليه من لا يعرفُني ؛ إذًا قال تعالى:
ً

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
أوْضَح مثل لهذه الآية ؛ صاحب محل تِجاري عنده مُوَظَّف، ويفتح المحل صاحِبُه، ويجلس أمام صندوق المال، ويُغلق المحلّ بِيَدِهِ ؛ فهل المُوَظَّف الذي معك أمين أم خائِن ؟! لن يظهر معك صِدْق الموظّف أو خِيانتهُ، متى يظهر ؟ إذا خرج صاحب المحل وترك الموظَّف لِوَحْدِه فأمانة المُوظَّف لن تظهر إلا إذا تغافل عنه، فبرُّنا عز وجل حتَّى يمْتَحِن العِباد يرْخي لهم الحبل، فتجِدُه أنت يشرب الخمر ويزني ويسرق ودخله حرام وليس به شيء ! هنا الله تعالى يمُدّ الإنسان ويرخي الحَبل، لكن بأيّ لحظة هذا الإنسان قد يُحاسب حِسابًا عسيرًا، وكذلك المؤمن يغضّ بصرهُ ويستقيم ويُصلي، ويُعاني مِن مَشاكِل كثيرة ؛ كلّ هذا من أجل أن يُرَى هل هذا إخلاصًا أم يريدُ المَنْفَعَة مَن أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومَن طلبَ مِنَّا أعْطَيْناه ومَن اكْتَفى بِنا عمَّا لنا كنَّا له وما لنا، فالمؤمن يُمْتَحن فقد تُحْجَب عنه الدنيا وهو مُستقيم، وقد يُعْطيها الكافر وهو مُنْحَرف، لكنَّ الله تعالى كما قال:
ً

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
فالعِبْرة بالنِّهايَة، ومَن يضحَك آخرًا، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[ سورة القصص ]
الإنسان المَحْدود التَّفْكير يعيشُ وَقْتَهُ ؛ يأكل المال الحرام ويعتدي على الناس وعلى أموالهم وأعراضِهم، ويتحرَّك حركة عَشْوائِيَّة، لكنَّه في قَبْضة واحِدة يكون عند الله، إما بِمَرض عُضال أو قَسْمٍ أو حادِث، وينقلب إلى شرّ عمله، لذلك هذه الآية مُهِمَّة لكلّ إنسان، فلو وَجَدْتَ إنسانًا قوِيًّا ومُلْحِدًا وكافِرًا، فلا تعْبأ فإنَّه في امْتِحان والعِبْرة بالنِّهايَة، قال تعالى:
ً

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
والإنسان إذا أيْقَنَ أنَّ الله يُعْطي كلِّ ذي حقٍّ حقَّه يرْتاح، ففي الدنيا هناك فقير وغني وقوي وضعيف ومُعتدي وغير معتدي والأوراق مُخْتلِطَة ويتفَلْسَف ولكن يوم القِيامة هو يوم الفَصْل والجزاء والعَدل والحِساب، ومالك يوم الدِّين، فالبُطولة ان تنْجو من ذاك اليوم، ولذا قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: الغِنَى والفقْر بعد العرض على الله، قال تعالى:
ً

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
أراد أحد المُتَفَلِّتين أن يقطع يد كلب صغير في يوم شَتْويّ كي يُبرْهِنَ مهارتَهُ بالسِّياقَة، فَمَرَّ عليه وقَطَعَ يَدَيْه، وضحِكَ ‍! فهذا الحادث حصل بالسَّبت، وبالسبْت القادِم أصاب العجلة خلل فخرَج هذا السائق لِيُصْحها وأثناء تصْليحه العجلة انحل الكريك وسقطت الدولاب عليه فأُصيبَت يَدَيْه إلى حدِّ الرسْغَين، وإلى حين أخْذِهِ إلى المستشفى اسْوَدَّتْ يداه واضْطرّ الأطباء إلى قَطْع يدَيْه ! قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
لكن أيها الإخوة هناك نقطة دقيقة، ربنا عز وجل قال:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)﴾

[ سورة النمل ]
وفي آية أخرى فانظروا، وفي أخرى ثمّ انظروا ! آيتين مُتَشابِهَتين، إحداهما بالفاء والأخرى بِثُمَّ، فالفاء تُفيد الترتيب على التعقيب، ولكن حرف ثمّ تفيد الترتيب على التراخي، والله تعالى يُمْهِل ولا يُهْمِل، فالله تعالى يُعطي العبْد فرصة التوبة، وأحيانًا لِعِلْم الله بِعَبْدِهِ يتركُهُ يرتكب معْصِيَة كبيرة يقْصِمُهُ بعدها قَصْمًا، فإذا قُصِمَ بعْدَها سريعًا فالفاء، وإذا قُصِم بعد عَشْر سَنَوات على ثُمَّ فَكِلاهما صحيح، فإما أن يأتي انتقام الله بسرعة فالفاء، وإما أن يأتي انتِقام الله على التراخي، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

[ سورة الأنعام ]
وكلَّما كبُر عقلك كبر خوفك من الله شديد، دَخَلْتُ مرَّةً لِمَصْنَع فإذا بي أجِد صاحِبُهُ في غمٍّ شديد، فقال لي: أرأَيْت ؟‍ فقلتُ: ماذا أرى ؟‍ قال لي: اُنظر إلى الجسر ذاك، وكان فيه شِق وذاك الشق يُسَبِّب انْهِيار، وجاء بِدُكتور طلب منه خمسمائة ألف ليرة وهذه بِسَنة السبعين، فالإنسان كلَّما كبر عقلُهُ يزْداد خَوْفُهُ من الله، ولذلك رأس الحِكْمة مَخافة الله، وأشَدُّكم لله معرفةً أشدُّكم خوْفًا منه.
قال تعالى:

﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) ﴾

[ سورة إبراهيم ]
مُهطعين خاضِعين، ومُقْنعي رؤوسِهم أي مُطَأطِئي رؤوسِهم، فهم في الخوف والهَلَع والجزع والخُضوع قال تعالى:

﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)﴾

[ سورة إبراهيم ]
كل خِطَط الكفار عند الله، ويعلمها، فإذا نسَجُوا منها شيئًا لم تقع، ولأنَّ خطَّة الله تَسْتوْعِب خِطَّة الكافر، ولا يقع شيء في كون الله إلا إذا أراد الله، فلو بدى لك أنَّ الكافر قال لك: سأفْعَل وأفعَل، إذا فعَلَ شيئًا فَفِعْلُه من خُطَّة الله عز وجل، الظالم سوط الله ينتقِمُ به ثمَّ ينتقِمُ منه، قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[ سورة إبراهيم ]
تسمع أنت أعداء الدِّين والكفار والمُلْحِدين يُخَطِّطون لِتَدْمير الإسلام وإطفاء نور الله لكن هذه نواياهم والله يفعل ما يريد، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد أعْطَيْتُكَ ما تُريد، وإذا لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعبتُكَ فيما تُريد قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[ سورة الأنفال ]
فإذا خطَّط هؤلاء فخُطَّتُهم هاوِيَة وإن كانت تهدّ الجبال، قال تعالى:

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

[ سورة إبراهيم ]
وعَدَ الله المؤمن بالجنَّة والحياة الطَّيِّبَة، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

[ سورة إبراهيم ]
هنيئًا لِمَن كان مع الله وعلى منهج الله ولِمَن خافهُ تعالى، إنِّي والإنس والجنّ في نبأ عظيم أخلقُ ويُعبَدُ غيري، وأرزق ويُشْكَر سِوَاي، وخيري إلى العباد نازِل وشرُّهم إليَّ صاعِد، أتَحَبَّبُ إليهم بِنِعَمي وأنا الغني عنهم، ويتبغَّضون إلي بالمعاصي وهم أفقَر شيء إليّ، مَن أقبل إليَّ منهم تلقَّيْتُهُ من بعيد، ومن أعرض عنِّي منهم نادَيْتُهُ من قريب، أهل شُكري أهل زِيادتي، وأهل ذِكري أهل مودَّتي، وأهل معصِيَتي لا أُقَنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا حبيبهم، أبْتَليهم بالمصائِب لأُطهِّرهم مِن الذُّنوب والمعايِب، الحسنَةُ عندي بِعشرة أمْثالها وأزيد، والسيِّئة بِمِثْلها وأعْفو، وأنا أرأف بِعَبدي من الأم بِوَلَدِها، قال تعالى:

﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
وإذا رَجَعَ العبد إلى الله نادى مُنادٍ بالسماء أن هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 03-06-2018 07:27 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثانية والثالثة من سورة الحجر، وهي قوله تعالى:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) ﴾

﴿رُبَمَا﴾
قد نتوهم أنها تفيد التقليل، لكنها في الأعم الأغلب تفيد التكثير، تفيد غلبة اليقين، قد تقول هل أنت راغب في عمل، إذا قلت ربما، معنى ذلك أنك راغب، يغلب على يقينك أنك راغب، لا كما يتوهم العامة أنها تفيد التقليل دائماً، تفيد التقليل قليلاً، وتفيد التكثير كثيراً.

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)﴾
يعني يتمنى الذين كفروا عند اكتشاف الحقيقة لو كانوا مسلمين، الإنسان متى يندم ؟ معناها منه.
لو أن أحدنا قال ليتني درست، معنى الإدراك سابقاً كان غير صحيح، اتخاذ القرار كان غير حكيم، ليتني لم أعقد هذه الصفقة معناها الدراسة لم تكن كافية، ليتني ربيت ابني في سنٍ مبكرة، معناها غابت عنك الحقيقة الأساسية، تأخرت في تربيته، فتفلت من يدك لاحظ نفسك كلما قلت ليتني، ليتني فعلت كذا، معناها حينما اتخذت القرار الخاطئ، لم يكن هذا القرار مدروساً، أو لم تستخدم عقلك استخداماً صحيحاً، أو لم تستشر، أو لم تتبع، في خلل، أما الخلل في الإدراك، أو الخلل في التنفيذ، إذا قلت ليتني معناها ندمان.
إذاً: من هو العاقل ؟ تعريف العاقل، هو الذي لا يندم على شيءٍ فعله، لاحظ الإنسان إذا كان مؤمن، وقضى حياته في معرفة الله وفي طاعته، وفي التقرب إليه، ثم جاءه ملك الموت، تراه في أسعد لحظات حياته، ما ندم على شيءٍ من الدنيا، بالعكس، أمضى حياته في معرفة الله، في طلب العلم، في طاعة الله، في إنفاق المال، في تعليم العلم، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر، ربى أولاده، اعتنى بزوجته، أخذ بيدها إلى الله ورسوله، فإذا جاء الموت، لا يندم لأنه عمل عين العقل لذلك قالوا: "أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ".
الندم يعني عدم استعمال العقل، الندم يعني تعطيل العقل، الندم يعني إساءة استخدام العقل.
أخوانا الكرام:
العقل أثمن ما يملكه الإنسان، لكن هذا الجهاز الخطير، أم أن تستخدمه وفق ما خلق له، وأم تستخدمه عكس ما خلق له، وفق ما خلق له، تجعله القائد، أم أن تستخدمه عكس ما خلق له، تجعله المبرر ترتكب لا سمح الله المشكلة، المعصية، تصر على شهوة، وتستنجد بعقلك، فلسف لي هذه المعصية، فلسف لي هذا الانحراف، برر لي هذا المال الحرام الذي أكلته، العقل إذا استخدم مبرر، ومفلسف، ومغطي للانحراف، فقد يصبح هذا العقل سبب هلاك صاحبه، من دون عقل أريح كان، جهاز خطير جداً.
يعني آلة تصوير ملونة، ممكن تكسب منها ألوف يومياً، ألوف لو زورت فيها عملة، للسجن، وبنفس الآلة إذا استخدمتها في تصوير وثائق ملونة، في تصاميم أوراق مراسلة، إذا استخدمتها فيما صنعت له ترقى بها، أم إذا استخدمتها لغير ما صنعت له، تهلك بها، والعقل كذلك، فأم أن يكون العقل قائداً، وأم أن يكون مبرراً، أنا أفعل كما أشتهي، أنحرف كما أشاء، واستنجد بالعقل، برر عملي، فلسفلي عملي، وهذه هي المبادئ الوضعية بالعالم، إنها فلسفة العدوان، فلسفة الانحراف، فلسفة التفلت، فلسفة اقتناص الشهوات، فلسفة أكل أموال الناس بالباطل، العقل خطير، لأنه كما أنه يقودك إلى الله ورسوله، قد يبعدك عن الله ورسوله، كما أنه يقود إلى الله ورسوله، قد يبرر لك الانحراف كله.
فلذلك: الندم يساوي عدم استخدام العقل، أو استخدامه لغير ما خلق له، أما تعطيله، أو إساءة استخدامه، لذلك " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً "، العقل يتوافق مع النقل مائة بالمائة، حتمية توافق العقل مع النقل لماذا ؟ لأن النقل كلام الله، والعقل مقياس الله أودعه فينا، مقياس نتائج العقل يجب أن تتفق مع نتائج النقل، النقل يعني القرآن والسنة العقل مقياس، والنقل كلام الله عز وجل، وبيان النبي الكرام عليه الصلاة والسلام، مستحيل أن يتناقض العقل مع النقل مستحيل، إلا، أن يتناقض العقل مع النقل غير الصحيح، أو أن يتناقض النقل الصحيح مع النظرية التي لم تثبت بعد، أما هذا الكون خلقه، وهذا القرآن كلامه، وهذا العقل مقياساً أودعه فينا، توافق حتمي.
أقول لكم دائماً، الحق دائرة يمر منها خط العقل، وخط النقل تتقاطع فيها خطوط العقلي، والنقل، والفطرة، والواقع، الواقع ثابت والفطرة مقياس نفسي أودعه الله فينا، والعقل مقياس علمي، والنقل كلامه، هذا الحق، أحياناً يبتدع في الدين شيء، تأباه الفطرة، معناه ليس حق هذا، لو النص شديته ومطيته، ما أحد يزوج ابنته شهر واحد ما أحد يقبل هذا، وإذا طلبت منه قد يغضب، هذا خلاف الفطرة.
إذاً: العقل، والنقل، والفطرة، والواقع.

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾
إذاً يندمون، وآيات الندم في القرآن الكريم كثيرة.

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

( سورة الزمر: 56 )

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾

( سورة الفجر: 24 )

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)﴾

( سورة الحاقة: 25 ـ 26 )

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28)﴾

( سورة الفرقان: 27 ـ 28 )
اجمعوا آيات الندم وحدها، آيات الندم تشير إلى أن الإنسان مخير أبداً، دليل قطعي، لو أن الإنسان كان مقهور لا يندم على خطئه ليس لي علاقة أنا، أنا مقهور، لو واحد قبل الامتحان بساعة، أخذناه وحجزنا حريته، ثم رسب بالامتحان، ما له اختيار مقهور كان، بقلك أنا ما درست، يا للأسف العام، ما لي علاقة أنا، مقهور لأنه، الندم يعني أنك مخير، كل آيات الندم في كتاب الله، تؤكد أنك مخير، لو لم تكن مخير لما ندمت.
الشيء الثاني:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾
الفكرة الأساسية، أخوانا الكرام خيارك مع الإيمان، ليس خيار قبول أو رفض، خيار وقت، فقط، الدليل، هؤلاء الذين كفروا، في ساعة من ساعاتهم تمنوا أن يكونوا مسلمين، معناها، الخيار خيار وقت، أنت مخير خيارين، إما أن تؤمن الآن، وأنت صحيح، شحيح، قوي، معافى، غني، إما أن تؤمن الآن، وبإمكانك أن تنتفع بإيمانك، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾

( سورة الأنعام: 158 )
إما أن تؤمن كما آمن الصحابة، وإما أن تؤمن كما آمن فرعون فرعون آمن، لكن وهو يغرق، قال له الله:

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾

( سورة يونس: 90 ـ 91 )
الخيار الحقيقي، ليس بين أن تؤمن وبين أن لا تؤمن، الخيار متى تؤمن ؟ إما إيمان الصحابة، وإما إيمان فرعون، كلاهما آمنوا الأولون آمنوا، وهم في مقتبل حياتهم، فانتفعوا بإيمانهم، وفرعون آمن بعد فوات الأوان.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾

المؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، المتعة هي ديدنه، المتعة هي هدفه الوحيد يعيش ليتمتع، هناك من يعيش ليأكل، وهناك من يأكل ليعيش، والمؤمن أرقى من هذا وذاك، يعيش ليعرف الله عز وجل.

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾

مرة كنت أنتظر شخص، قاعدين أثنين عما يتكلموا، سمعت حديثهم، قال واحد هلكنا فلان، قال له لماذا ؟ قال له عما يكسي بيت محتار يكون التمديد للشوفاج، داخلي تحت البلاط، لما خارجي، قال له صرنا ست أشهر محتارين بأمرنا، ما كان يعتمد، ساعة يقنعوه الناس داخلي، وساعة يقنعوه أنه خارجي، بعدين اتخذ قرار من جمعة، شو هذا القرار، قال راح يساوي داخلي، وبعد عشرين سنة إذا كان الأنابيب فسدت، عواض ما يكسر البلاط يساوي خارجي، بخلي كل شيء بمحله ويساوي خارجي، بعد عشرين سنة، شوف الناس أكثرها كل واحد في باله طموحات عشر سنوات، خمسة عشر سنة، ثماني سنوات، عشرين سنة، خمس وعشرين سنة، أنا والله جلست مع واحد رحمه الله، جلست معه ساعة، كان مدير ثانوية، بالحرف الواحد قال لي، بدي أطلع إعارة على بلد عربي، مليت من التعليم، قال لي بقعد خمس سنوات بالجزائر، وقتها كان في طلب شديد للجزائر، لأن كان التعليم كله فرنسي، قال لي أقضي أول صيفية بفرنسا، صيفية بكاملها قال لي، بدي أتملى منها، شوف ريفها، شوف مقاصفها، شوف متاحفها، شوف الأشياء الجميلة فيها، قال لي وصيفية بإيطالية وصيفية بإنجلترا، وصيفية بسويسرية، ذكر أربع أماكن، قال لي برجع بكون خمس سنوات إعارة، برجع بتقاعد، بأخذ محل بيع فيه تحف فازات، كريستال، أشياء لطيفة، بكون كبروا أولاد بحطهن بالمحل وأقضي حياتي بهذا الشكل، والله كلام لطيف، واحد متضايق من وضعه الحالي، عم يخطط لمستقبله، فأنا رحت ودعته بعد ساعة ضيفني كأس شاي ورحت، وكملت التدريس، ومساء في عندي مدرسة خاصة ألقيت درس فيها، وأنا طالع، والله الذي لا إله إلا هو رأيت نعوته على الجدران، بنفس اليوم، ثاني يوم، فالإنسان أيام يتأمل، النبي رسم مستطيل، ورسم خط ضمن المستطيل، والخط مدده حتى خرج من المستطيل، قال هذا أجل الإنسان، وهذا أمله، أبداً آلاف الأشخاص يعني عمر البيت ما سكنه، أخذ شهادة ما انتفع بها، آلاف، اليوم عرسه مات قبل عرسه بيوم، هذا الأمل خطير، كل إنسان أمله طويل، يقول سيدنا الصديق، " والله لا أمنُ إن وضعت رجلي في الجنة أن أنقل الثانية إليها "، كل ما قصر أملك تكون راقي عند الله، وكل ما طولت الأمل مشكلة تكون، لأن الأمل بس يمتد، بصير معه الإنسان يتهاون بالطاعات، وينكب على الدنيا، شوف هذه الآية ما أخطرها.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
هذا تهديد هذا أفعل وكثر غداً ترى، بالتعبير العامي.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

فأنت بطل إذا بتعرف الحقيقة قبل فوات الأوان بطل إذا بتقصر أملك، بطل إذا ما بتندم، بتقدر ما بتندم، شغل عقلك، الندم يعني عدم استعمال العقل، أو استعماله على عكس ما خلق له.
فهذه الآية فيها معنيان، معنى الندم، ومعنى الأمل، الندم علاجه استخدام العقل، والأمل علاجه التفكير بالموت، أبداً، أقرأ النعوات كلها وسيشيع إلى مثواه الأخير، ويلي قاعدين في الآن، هذا موقت هذا، لو كان ملكك، بس موقت، ما دام القلب هيك إلك، توقف الورثة، خلص، ما عاد إلك البيت.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
آخر كلمة طالب أخذ الأولى على القطر، أجروا معه مقابلة قرأتها أعجبني فيها كلمة واحدة، قال هذا الطالب: ساعة الامتحان ما غابت عن ذهني طوال العام الدراسي، لهذا طلع الأولي، ونحنا إذا كان بدنا نطلع الأوائل بالامتحان، امتحان ربنا لازم ساعة لقاء الله ما تغيب عن ذهنا أبداً، ولا يوم، كل يوم بفكر فيها، ساعة اللقاء، بتشتغل، وبتزوج، وتأخذ دكتوراه، وتأسس مشروع تجاري، ما علاقة هي بهي هذا كله ضمن المنهج الإلهي، أما التفكر بالموت، يمنعك من المعصية ويدفعك إلى الطاعة، ولطلب العلم، هي مهمة الموت، مو معناها يتناقض مع العمل لا، اشتغل العمل ضروري، اليد العلي خير، قال سيدنا عمر، "إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني "، بكلك اختصاص، ودراسة، وشهادة، وعمل تجاري، ووظيفة، واعتني بأولادك، واشتري بيت ما في مانع، كله وفق المنهج، أما التفكر بالموت يحميك من أن تعصي الله يحميك من أن تتكاسل من طلب الحق يعني التفكر بالموت له هدفين: باعث، دافع، وحصن، بخليك بالمنهج على الطريق.
مركبة على طريق، في عنا مشكلتين، تدهور، أو توقف المحرك، المحرك يمشيها، والمقود بخليها على الطريق، فإذا واحد فكر بالموت مهمة التفكير بالموت، يبقى على المنهج، لا يعصِ الله، بخاف من الموت لأنه، ينطلق، فإذا كان ما انطلق، أو انحرف، معناها الأمل أزداد، الأمل يناقض الموت، الأمل علاجه الموت، الانحراف علاجه العقل، استخدم العقل وفق ما أراد الله، تلتزم بمنهج الله عز وجل، فكر بالموت يضعف الأمل يقصر الأمل، فالموت ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا في كثير إلا قلله، قد ما كانت الثروة طائلة بالموت تنتهي، تتلاشى، وقد ما كنت معذب بالحياة الموت بحل مشاكلنا فالإنسان إذا ضاقت عليه الصدور عليه بزيارة القبور.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-06-2018 07:29 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية التاسعة من سورة الحجر وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

أيها الأخوة:
الدين في الأصل نقل عن الله عز وجل، تعليمات، خبرٌ، وأمرٌ وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾

( سورة الأنعام: 115 )
لو قرأت القرآن الكريم، لا تجد فيه إلا شيئين، إما أن الله يخبرنا عن خلق السماوات والأرض، عن أصل العالم، عن حقيقة الحياة الدنيا، عن حقيقة تكليف الإنسان في الحياة، عن حقيقة الدار الآخرة، عن حال أهل الجنة، عن حال أهل النار، عن الصراط المستقيم، وإما أنه يأمرنا وينهانا، فالقرآن خبرٌ وطلب، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾
خبره صادق، وأمره عادل، لذلك هذا القرآن الكريم، تولى الله حفظه، القرآن الكريم نزل من السماء على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، من أنزله ؟ جبريل الأمين، نزل به الروح الأمين، الحركة من السماء على قلب النبي، نزل به جبريل الأمين، الآن من النبي إلى أمته، هذا الكتاب المعجز، منقول بالتواتر، والتواتر أعلى درجات النقل يعني رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل، فهذا الكتاب الذي انزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام هو هذا نفسه، بسوره، وآياته، وكلماته، وحروفه، حركاته، وسكناته، الله جل جلاله، تولى حفظ هذا القرآن الكريم، ليس معنى ذلك لا تجري محاولة لتحريفه ؛ تجري المحاولة، ولكنها لا تنجح، لذلك قبل مائة عام فيما أذكر طبعت خمسين ألف نسخة من كتاب الله حذفت منها كلمة واحدة.

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾

(سورة آل عمران: 85 )

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
حذفت كلمة غير فقط المصاحف جمعت وحرقت، وانتهى الأمر، لأن الله سبحانه وتعالى تولى حفظه، كيف ؟ لا نعلم، أما الذي يبدو لنا أن هناك رجال بكل معنى الكلمة، نذروا حياتهم، نذروا جهدهم، نذروا وقتهم، نذروا إمكاناتهم لحفظ كتاب الله عز وجل، يعني قبل شهر تقريباً أقيمت مسابقة للقرآن الكريم هنا في بلدنا ولله الحمد، مائة وثلاثون حافظاً لكتاب الله يحفظونه من ألفه إلى يائه، قام طفل عمره تسع سنوات يحفظ كتاب الله كله، لكن الذي يلفت النظر أن الذي قدمه قال يحفظ كتاب الله، لكن ما قال له اقرأ، لا، قال أنتم اسألوه، وتولى الحاضرون وهم يملئون جامع العثمان أن يسألوه، يعطوه آية يذكر رقمها ويتمها، سألوه أكثر من عشرين سؤال، من أول المصحف، من وسطه، من آخره، وعمره تسع سنوات، قام طفل عمره خمس سنوات لا يقرأ ولا يكتب يحفظ ثمانية عشرة جزءاً، هذا من فضل الله مائة وثلاثين حافظ من الصغار من معاهد تحفيظ القرآن.
الذي يبدو أن الله سبحانه وتعالى سخر لهذا الكتاب العظيم رجالاً سخروا طاقاتهم، وإمكاناتهم، وقدراتهم لحفظ هذا الكتاب، فهذا الكتاب محفوظ، لكن الذي يلفت النظر، طبعاً هو نزل به الروح الأمين النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأميته كمال في حقه، لأن كل الذي ذكره.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم: 3 )
وفي مطلع الدعوة الإسلامية نهى النبي عن كتابة الحديث لماذا ؟ لئلا يتداخل القرآن مع الحديث، " لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئاً فليمحه "، بعد أن استقر القرآن في نفوس أصحابه، وبعد أن تمايز أسلوب القرآن عن أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((قيدوا العلم بالكتابة ))
فالقرآن الكريم كتب على رقاقٍ، وكان حول النبي كتبةٌ كتبوا هذا الكتاب، وسيدنا عثمان جمع هذه الكتابات، ووحدها في ستة مصاحف وزعها في الأمصار، ولا يزال مصحف سيدنا عثمان في متحف استنبول حتى الآن هذا شيء ثابت.
فالقرآن محفوظ، محفوظ وحياً، ومحفوظ نقلاً، الخط الشاقولي محفوظ من السماء على قلب النبي، الخط الأفقي محفوظ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بينه بأحاديثه الشريفة، لو أنه صدر قانون معين مؤلف من ثمانية عشر مادة، ثم صدر مرسوم تشريعي يفسر هذا القانون هل يكفي أن نحفظ أصل القانون ؟ لكن لابد من حفظ هذا المرسوم التشريعي الذي يفسره.
لذلك من لوازم حفظ الله لكتابه حفظ سنته، أيضاً توافر على السنة رجالٌ كالإمام البخاري، كالإمام مسلم، كالإمام الترمذي، كالإمام ابن ماجة، رجالٌ أشداء بذلوا وقتهم، وطاقاتهم، كان أحدهم ينتقل من المدينة المنورة إلى البصرة ليتلقى حديثاً واحداً عن رجل، فلما رآه يغش فرسه، ويوهمها أن في ثوبه شعيراً لم يكلمه، الكذب على الفرس يجرح عدالة الراوي وانتهى الأمر، يعني لا أعتقد أن في العالم كله علماً محص، كحديث النبي عليه الصلاة والسلام، روايةً، ودرايةً، ونقلاً، وسنداً، حتى إن هذا العلم مما تنفرد به أمتنا عن بقية الأمم، فصار في حديث صحيح، حديث متواتر، تواتر لفظي، تواتر معنوي، وحديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف، وحديث موضوع، فالعلماء أعطونا كل جهدهم في هذا الموضوع، من لوازم حفظ القرآن الكريم حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي الكريم يقول:
(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً ؛ كتاب الله وسنة رسوله ))
السنة مبينة، الله عز وجل قال:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾

( سورة المزمل: 20 )
طيب زكاة الغنم كم ؟ والبقر ؟ والإبل ؟ الزروع ؟ زكاة الذهب ؟ الفضة ؟ عروض التجارة ؟ من بينها بالتفصيل ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قال:

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾

( سورة النساء: 29 )
طيب في عندنا أربعمائة حديث عن التجارة، عن البيع والشراء، وخيار العيب، وخيار الوقت، وخيار الصحة، وعن تلقي الركبان، وعن بيع المنابذة، وعندنا موضوعات كثيرة عن البيوع، من بينها ؟ النبي بينها، فالسنة مبينة، الله عز وجل ذكر سنة النبي كاتبين قال:

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

( سورة النحل: 44 )
من لوازم حفظ القرآن الكريم، حفظ سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، نحفظ القرآن، ونحفظ السنة، فإذا تمسكنا بهما لن نضل أبداً.
الآن المقولات في الإسلام لا تعد ولا تحصى، يعني مليون مقولة فيه المسلمون فرق، وأحزاب، واتجاهات، ومذاهب، وتيارات وطوائف، وكلٌ يدعي أنه هو على حق، وأن الآخرين على الباطل ما السبيل إلى معرفة الحق من الباطل ؟ هو كتاب الله وسنة رسول الله.
يعني أنت أمام مائة قطعة قماش، على كل قطعة لصاقة فيها طولها، يا ترى القياس صحيح ؟ غلط ؟ مبالغ به ؟ فيه كذب ؟ أنت معك متر ؟ خلص، إذا معك متر، ما عندك مشكلة، أمسك هذه القطعة وقيسها بهذا المتر، ثم امتحن هذه اللصاقة، صدق لما كذب.
فإذا الإنسان فهم كتاب الله، وفهم سنة النبي، صار معه مقياس قال لك شفت الجني، وأمسكته بيدي، الله قال:

﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾

( سورة الأعراف: 37 )

معناها كذاب هذا، أنت بالكتاب والسنة صار معك متر نظامي وأي سحبة، وأي دجل، وأي خرافة مرفوضة، والله مشينا من حلب للشام تقديساً للجامع الأموي، غلط، " لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد " أموي دمشق، مثل أموي حلب، مثل أي جامع بالشام، ما في فرق أبداً فنحن نقيم سلوكنا، نقيم حركاتنا، عباداتنا، أعمالنا، فأنت ينبغي أن تعبد الله، وينبغي أن تعبده وفق ما أمرك، نحنا المشكلة، الآن أكثر أخوانا غايصين بالخلافيات، والأساسيات لا يعرفونها.
تصور إنسان ما أخذ شهادة إطلاقاً، ما درس إطلاقاً، عما يشغل نفسه بالخلافات بين علماء الفيزياء والكيمياء، أنت ما معك ابتدائية.
قبل ما نخوض بالخصومات بين الفرق الإسلامية، دعك من هذا الآن، ادرس كتاب الله أولاً، يعني أهم شيء هذا الكتاب المقرر، كلام ربنا عز وجل، ما في شيء يعلو عليه، أولاً افهم هذا الكتاب، اقرأه تدبره، حاول أن تفهم تفسيره ممن تثق به، ثم افهم سنة النبي، ثم افهم سيرة النبي هذا هو الدين، أن تفهم كتابه، وأن تفهم شرحه بيانياً، وأن تفهم شرحه سلوكياً، والدين هذا هو ديننا، كتاب معه مذكرة إيضاحية للمتصوفين، والسلفيين، قبل أن تخوض في كل هذا افهم كلام الله عز وجل قبل كل شيء،

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)﴾

( سورة الشعراء: من 193 إلى 196 )
الآن الحركة الأفقية، نقل هذا الكتاب بالتواتر، أي نقله جمع غفير عن جمع غفير عن جمع غفير إلى أن وصلنا كما نزل على قلب نبياً، الفكرة الثانية، ليس معنى أن الله حفظه، أنه لا يمكن أن تجري محاولة لتحريفه، يمكن، لكنها لا تنجح، أطلق على هذه السيارة رصاص، لكن السيارة ضد الرصاص، لا تتأثر، محفوظة، لا مانع أن يطلق عليها رصاص، لكن الأصول أن هذه السيارة لا تتأثر بالرصاص، قد تجري محاولات في تحريفه، لكنها لا تنجح.
النقطة الثانية: من لوازم حفظ كلام الله عز وجل، حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا فهمنا هذا القرآن كما يريد الله عز وجل واكتفينا بالأحاديث الصحيحة، وفهمنا كما أرادها النبي، وصلنا إلى أصل الإسلام، وإلى جزعه الواحد الموحد، وما فرقنا إلا تأويل القرآن على غير ما أراد الله عز وجل، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، يلي فرق المسلمين سوء التأويل، ووضع الأحاديث، إذا ألغينا الأحاديث الموضوعة، ولم نعتن بالضعيفة، ولم نفهم هذا القرآن إلا وفق ما أراد الله، وفق علم الأصول، نجتمع كلنا، تغدو أمة الإسلامي أمة واحدة أما الآن فرق، وأحزاب، وطوائف، ومذاهب، لماذا ؟ من الخطأ في التأويل، أو في فرقة تقول أنا لا أصلي الآن، طيب لما لا تصلي ؟ يقول: الله عز وجل يقول:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾

( سورة الحج: 41 )
الله ما مكنا لسع، هي تأويل تفضل، هذا تأويل، عطلوا الصلاة فهناك تأويلات في كتاب الله، ما أنزل الله فيها من سلطان، يكفي أن نفهم كلام الله وفق ما أراد الله، ويكفي أن نبق بالحديث الصحيح حتى نجتمع، الذي يجمعنا الآن أن نتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله الصحيحة، وانتهى الأمر، هذا الذي يعصمنا من الذلل، ويعصمنا من الخطأ، ومن الفرقة، ومن العداوة، ومن البغضاء، والمسلمون لم يمر عليهم في تاريخهم، هم في أمس الحاجة إلى هذه الوحدة، من هذا التاريخ، حرب عالمية كبرى على الإسلام في شتى بقاع الأرض، الآن ماذا ينقذنا ؟ التمسك بكتابنا، وسنة نبينا، وأن نتحد، أن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا، أما هذه العدوات بين الجماعات الإسلامية، لم تعد تحتمل، هذه لا يستفد منها إلا أعدائنا، فقط، نحن نبقى في الكتاب الكريم، مؤولاً وفق ما أراد الله، ونبقى في سنة رسول الله، وفق ما أرادها النبي، وننبذ الضعيف، والموضوع، والتأويلات الباطلة، نجد أنفسنا قد اجتمعنا، وأصبحنا أمة واحدة.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 03-06-2018 07:33 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية التاسعة عشر وما بعدها من سورة الحجر وهي قوله تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)﴾

ماذا تعني كلمة مَعَايِشَ ؟ وهي كلمة دقيقة، والحديث عنها طويل الله سبحانه وتعالى، خلق الإنسان في الأصل، ليسعد في جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن هذه الجنة ؟ لها ثمن، ثمنها أن يأتي الإنسان إلى الدنيا فيعمل عملاً صالحاً، كيف يجعل الله الإنسان يعمل ؟ أودع فيه حاجات أساسية، أودع فيه حاجة إلى الطعام، وحاجة إلى الطرف الآخر ؛ الجنس، وحاجة إلى إثبات الذات، هذه حاجات أساسية الإنسان يأكل ويشرب، ثم يتزوج، ثم يتباهى أنه فعل كذا وكذا.
الحاجة الأولى إلى الطعام والشراب، والحاجة الثانية إلى الجنس والحاجة الثالثة إلى إثبات الذات، كيف يلبي الإنسان هذه الحاجات ؟ لا بد من أن يأكل، في مشكلة ثانية، خيرات الأرض لا يستطيع الإنسان أن يستفيد منها مباشرة، إلا أن يعمل من أجلها.
الإنسان لا يجد خبز جاهز، أما في تربة، وفي ماء، وفي حب قمح، ما في ألبسة جاهزة بالأرض، أما في صوف، وفي قطن، وفي كتان، وفي جز، وفي تنظيف، وفي غزل، وفي صباغ، وفي نسيج وفي تفصيل، خيرات الأرض، كل ما في الأرض من خيرات، معادن أشباه معادن، مزروعات، أنسجة، هذه تحتاج إلى عمل، فلو ألغينا الجوع، لما رأيت هذا المسجد، ولا هذا الكأس، لا ترى في الدنيا شيئاً لو ألغيت الحاجة إلى الطعام، من أجل أن تأكل تعمل، وأن تعمل تمتحن، هل أنت صادق، هل أنت كاذب، هل أنت مخلص، هل أنت خائن، هل أنت مستقيم، هل أنت منحرف، هل أنت منصف، هل أنت ظالم، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة، العمل في الدنيا، من أجل أن تعمل، أودع فيك حاجات إلى الطعام والشراب وحاجات إلى الطرف الآخر، وحاجات إلى تأكيد الذات، وأنت تعمل من أجل أن تأكل تمتحن، وأنت تتحرك من أجل أن تتزوج تمتحن وأنت تريد إثبات ذاتك تمتحن، الدنيا ابتلاء.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

( سورة المؤمنون: 30 )

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

( سورة الملك: 2 )
الآن كيف تعمل ؟ المرحلة الثالثة، كيف تعمل، لو أن الله سبحانه وتعالى جعل حرارة الأرض من 18 إلى 20، في القارات كلها على مدار الفصول، لا نحتاج إلى مدافئ إطلاقاً، ولا إلى مراوح، ولا إلى مكيفات، لو أجريت إحصاء، كم إنسان يعمل في الأرض في التدفئة ؟ وفي التبريد ؟ لو أن الإنسان خلق له شعر على جسده كالحيوانات، كم إنسان يعمل في الألبسة في العالم، يمكن ثلث سكان الأرض يعملون في الألبسة، كم إنسان يعمل في الزراعة ؟ لو كان ما في حاجة للطعام، كم إنسان يعمل في التجارة ؟ لنقل البضاعة، كم إنسان يعمل في الصناعة ؟ كم إنسان يعمل من طول الشعر ؟ كم إنسان يعمل من بعض الأمراض ؟ كم طبيب في بالعالم ؟ هي كلمة مَعَايِشَ ؛ يعني جعل لكم فيها سبل للعيش يشتد الحر بدنا مرطبات، بدنا مروحة، بدنا مكيف، بدنا ألبسة قطنية، بدنا نعمل نزهة، شوبنا، بردنا، بدنا حرامات، بدنا معاطف، بدنا لحشات، بدنا صوبيات، بدنا طعام حار حلويات، كم إنسان يعمل في إصلاح هذا الجسم ؟ كم طبيب بالعالم ؟ كم ممرضة ؟ كم مستشفى ؟ كم معمل أدوية بالعالم ؟ بعض معامل الأدوية في أمريكة، مبيعاتها أربعمائة مليار دولار، شركة واحدة، لو ما في مرض كلهم ماتوا من جوعهم، أيام تأتي ذبابة بيضاء تفسد المحصول، تعمل زعفرة، كم مهندس ؟ كم دواء ؟ كم مرش ؟ كم إنسان اشترى هذا الدواء ؟ حملهم في سيارات، عمل فواتير، ما معنى مَعَايِشَ ؟ يعني أولاً خلقت أيها الإنسان للجنة، ثمن الجنة العمل في الدنيا، من أجل أن تعمل، أودع فيك الحاجة إلى الطعام، وإلى الزواج، وإلى تأكيد الذات، وأنت تعمل طبعاً جعل لك سبل الآن ـ الآن كل واحد منا له مصلحة، أنت تلبي حاجة واحدة في المجتمع، وتحتاج إلى مليون حاجة هذا الكلام يفسر معنى قوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)﴾

بتلاقي واحد قاعد في زقاق الجن، محتار ما في شغل، بيجي ابن يأخذ سيارة أبوه يعمل حادث يرتزق ذاك، هذا الذي صاير، الناس يرزقونا بعضهم بعضا، هذا أكل أكلة خبص، صار معه آلام، راح إلى الطبيب، الطبيب ارتزق، الصيدلي ارتزق، يعني كم واحد يعيش من مشكلة، تنزل أمطار شديدة ناس في عندهم ترميمات في البيوت، هي كلمة مَعَايِشَ ؛ يعني سبل للرزق، أما في سبل أساسها الحر، والبرد، وطول الشعر، والمرض، والألبسة.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾
أي شيء شوف.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾
الأمطار العام الماضي نزل حتى الآن في العام الماضي 28 مم، دمشق البارحة 185 مم، التاريخ الذي يقابل العام الماضي 28 مم، الآن 185 مم، باقي للمعدل السنوي حوالي 20 مم، أمطار السنة كلها نزلت قبل قدوم فصل الشتاء.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

من كم سنة إنتاجنا من القمح ثلاث ملايين طن، حاجة القطر بأكمله مليون طن، ثلاث أمثال حاجتنا، تأتي سنة 235 ألف طن إنتاج القطر كله من القمح، أيام بتلاقي المشمش بخمس ليرات يكون أربع أمثال الإنتاج، ما في قاعدة، بقلك السنة التفاحات ملاح، السنة ما في تفاح، سنة الزيتون كثير، سنة ما في زيتون.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
تقول فقط هذا كلام مالتوس كله كلام باطل، أنه هناك تفجر سكاني، هناك مجاعات، هذا كل كلام نحن نصدقه من جهلنا، حتى نخاف، وتم تابعين لهم، أم الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

( سورة الذاريات: 58 )

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)﴾

( سورة الذاريات: 23 )

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)﴾

( سورة الذاريات: 22 )

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾

يعني الله عز وجل قال:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾

( سورة الشورى: 27 )
في إنسان لا يتحمل الغنى، على الغنى يفسق، على الغنى يفجر على الغنى يعصي، الله عز وجل هو الحكيم.

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾

هذه الآية من الأعجاز العلمي، الآن ثبت أن المطر لا تنعقد إلا بذرة من الهباب، أو من الغبار، فالرياح حينما تثير الغبار، ذرات الغبار تنعقد عليها حبات المطر، لأنه أساس المطر، أن الهواء جعل الله من خصائصه، أنه يحمل بخار ماء، الآن الإنسان في بيته، يأتي بإبريق شاي يضعه على المدفئ، آخر السهرة نشف، وين راحوا، في الهواء إذا خارج الغرفة في برد تشاهد على النافذة صار في بخار ماء، فالهواء يحمل بخار ماء، بس الهواء له ميزة، بكل درجة يحمل كمية، أنت لو سخنت الهواء، وأشبعته بخار ماء، ثم بردت الجو، تشاهد قطرات الماء على النافذة صارت، إذاً هذا أساس المطر، حينما تتحرك رياح تحمل بخار ماء، تواجه جبهة باردة، تنعصر، الهواء يعصر ما زاد على حاجتها من الماء، صار مطر، لكن هذا المطر لا ينعقد إلا بحبات من الغبار، فهذه النظرية هي، طبعاً لولا هذا القرآن كلام خالق الكون هي دليل أن هذا الكلام كلام الله.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾
تلقح الأمطار، نحنا قد نفهم تلقح الأزهار، أما هنا المعنى الأمطار، الدليل:

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾
علاقة الغبار، والدخان وذرات الهواء العالقة، هي التي تنعقد عليها حبة المطر، ولما تسمعوا أنه في مطر صناعي، عما يلقحوا الغيوم بحبات من الغبار لتنعقد عليها حبات المطر، هي معنى:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾
أنت في عندك صنبور بالبيت، هي مياه الفيجة، أما لو كلفناك تخزن ماء سنوي كله، بيتك مائة متر مربع، تحتاج إلى مائة متر مكعب، دراسة دقيقة أجريت كل بيت تقريباً يحتاج إلى الماء بقدر حجم البيت، يلي عنده بيت مائتين وخمسين متر مربع بـ ثلاثة أمتار ونصف، يعني بدو حوالي سبعمائة وخمسين متر مكعب، يحتاج إلى سبعمائة وخمسين متر مكعب من الماء طول السنة يستخدمهم، فلو كلفنا الله بتخزين الماء، شو صار بحالتنا، نحنا بدون شي عندنا أزمة سكن، الله قال:

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

بتلاقي حوض الفيجة، من دمشق إلى حمص إلى قريب من البادية، إلى تحت لبنان نصف لبنان، هذا حوض مياه الفيجة، تسقي خمس ملايين إنسان، بواقع ستة عشر متر مكعب بالثانية، قال:
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

أي نهر هكذا، من جعل الأنهار عذبة ؟ من جعل أربع آلاف نبع بأربع آلاف جزيرة بأندوسيا، من جعل لكل جزيرة ؟ حتى في شيء غريب جداً، بجبال جنب جبل هملايا، في نبع ماء، في وعول تعيش هناك، هي إذا كان بدنا نكلفها تشرب ماء من الوادي، تموت من تعبها الله عز وجل جهز لها نبع في قمم الجبال، ومعنى جبل في قمم الجبال حسب القوانين الفيزياء، والمستطرقة، لازم يكون مستودع هذا النبع بجبل أعلى، لا يمكن يتحرك الماء نحو الأعلى إلا إذا له خزان أعلى منه، هذا شيء بديهي، ألف باء العلم، فإذا رأيت نبع ماء في قمة جبل الآن في مضايا ما في عين ميسة، وين خزانها هي ؟ بجبل أعلى منها ما في نبع ببلودان ؟ وين خزانها بجبل أعلى، قال:
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾
آيات اليوم:

﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾
يعني أسباب للرزق.

﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)﴾









والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-06-2018 07:41 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
بعض المسلمين يذكر آية ولا يذكر تتمتها، فكلما نبهته إلى معصية متلبساً بها، كلما ذكرته بمخالفة للشرع، كلما قلت له أنت على طريقة لا ترضي الله عز وجل، يقول لك:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

( سورة الحجر: 49 )
يقول لك:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

( سورة الزمر: 53 ـ 54 ـ 55 )
إذاً: ما من آية تحدثت عن رحمة الله، وعن مغفرة الله، وعن عفو الله، وعن حلم الله، إلا جاء في تتمتها.

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

( سورة الحجر: 50 )
ما معنى هذه الآيات إذاً ؟ معنى هذه الآيات، أن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، فعلاً الله غفورٌ رحيم، والله سبحانه وتعالى رحيم ودود ينبغي ألا نقطت من رحمته، ولكن متى يرحمنا ؟ دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))
هذا هو الأدب، ما طلب رحمة الله، طلب موجبات الرحمة ما طلب مغفرة الله، طلب عزائم المغفرة، هذا الذي طلب من النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا ربيعة، أن يكون رفيقه في الجنة، ماذا قال له النبي:
(( إذا أعني على نفسك بكثرة السجود ))
الإنسان حينما يطلب شيئاً عظيماً، دون أن يدفع الثمن، هذا يستهزئ، هذا كالمستهزئ بربه، لذلك طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، لو قرأتم بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن المغفرة، شيءٌ يلفت النظر.

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

( سورة النحل: 119 )
بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، لذلك أيها الأخوة الكرام، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

( سورة فاطر: 5 )
أنا مرة قلت لكم، في رجل توفي رحمه الله، كان يشتغل بمحل بسوق الحميدية، يعني عنده دعابة كان، كان يكنس قمامة المحل يضعها في علبة، يلفها بورق ثمين، يربطها بشريط فاخر، يضعها على الرصيف، فيأتي إنسان مغفل يظنها شيئاً ثميناً، مطيف ألماس يظنها، فيأخذها ويسرع، يتبعه، ليرى الإحباط، بعد ثلاثمائة متر، يفك الشريط الحريري، بعد مائتين متر يفك الورق، بعدين يتوقع الألماس، والمطيف، والساعة الذهبية، أقل شيء ستة أزواج جوارب، أقل شيء، يعني يفتحها يلاقي قمامة المحل، يلعن، ويسب، هذا المثل واضح جداً للاغترار بالدنيا، الإنسان يظن الدنيا شيئاً عظيماً، بدو بيت بدو سيارة، بدو زوجة جميلة، بدو بيت بالمصيف، بدو مسبح، بدو يعمل سياحة إلى أوروبا، بدو يساوي عزايم، إذا اقترب الموت، رأى الدنيا شيئاً تافهاً، رآها ليست بشيء، الله عز وجل رحمةً بنا قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

إياكم أن تغتروا بها، إياكم أن تعطوها حجماً فوق حجمها، إنها تافهة، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء، يعني هو أكبر موعظة فيها، أن الذي تجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منك في ثانية واحدة.
أنا مرة كنت بحلب، مضيفي أراد أن يطلعني على بعض أحياء حلب الراقية، في حي الشهباء هناك، كل فيلة مكلف ـ هي قصة عام 1974 م ـ شوفنا فيلة مكلف خمس وثلاثين مليون، كلفتها، كان الدولار ثلاثة وثمانين، فيها رخام أونكس بخمس ملايين، أنا ما دخلتها لكن حدثوني، الشيء الذي لا يصدق، صاحبها توفي بالثانية والأربعين وكان طويل القامة، يعني لحكمة أرادها الله جل جلاله، القبر كان قصير، لما وضع في القبر، لم يتسع القبر لطوله، فجاء الحفار ودفعه من صدره حتى صار هكذا، قلت سبحان الله أين كان وأين صار.

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
الذي نجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منا في ثانية واحدة، ما في واحد، ما عنده درج بالبيت قافل عليه، يعني ساعة ذهب، شغلة ثمينة، قطعة، بس يموت ينفتح الدرج تأخذ القطع، يأخذ مفتاح السيارة كله يصير مستباح لهم، طبعاً ورثة لأنهم، أقسم لي بالله رجل، زار رجل من أهل العلم، في عنده كتاب ثمين طلب أن يستعيره ليلة واحدة ما رضي، قال له والله هذا الكتاب أغلي عندي من أولادي ما فيني عيره، يقسم بالله العظيم بعد وفاته رآه بالحاوية، كتاب نفسه، بالحاوية فهذا الذي أنت عم تجمعه، يأخذه الموت في ثانية واحدة، طوال ما في حركة القلب، والله أنا هذه العمارة لي، المكتب لي، هذا البيت لي، بس يوقف، ما عندك شيء، خلص، عظم الله أجركم، أيام الطبيب يطلب بيل، يفتح يضع المصباح، الحدقة ما تغيرت، يطلب مرايا يضعها على أنفه ما في بخار ماء، يقيس النبض صفر، القلب خطه مستقيم، منتهي، عظم الله أجركم، كل أمواله انتقلت إلى غيره، بثانية وحدة، فلذلك الله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
الغرور الشيطان يعطيك أمل طويل، الشيطان بخوفك.

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾

( سورة آل عمران: 175 )
الشيطان يوقع بينك وبين إخوانك العدواة والبغضاء، مهمته الثانية الشيطان يأمركم بالبخل، ضب قرشك الآن بلا جنان، وأنت ناوي تعطي أختك مبلغ، تعين أولاد أخوك مثلاً، تعمل عمل صالح، تعمل شيء بجامع، بقلك بلا جنان ضب قرشك، هذا الشيطان بقلك هذا الكلام لأن الله عز وجل بثمانية آيات حصراً وعد المنفق بالتعويض، قال:

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

( سورة سبأ: 39 )
أضعاف مضاعفة، والله حدثني أخ قال لي: شفت مسجد يحتاج إلى تدفئة، أقمت تدفئة المسجد، كلفه مليون ليرة، يقسم بالله العظيم، الله عز وجل صرف عنه، مبلغ كان ينبغي أن يدفعه خمس ملايين، الله صرفه عنه.

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾
فنحن إذا قرأنا الآيات الكريمة:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

(سورة الحجر)
كمل الآية:

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
إذا قرأت قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

(سورة الزمر)
كمل الآية:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

لذلك أدب النبي صلى الله عليه وسلم، أدبه حينما قال:
(( اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))
يعني إذا كان ملك عنده ابن غالي عليه، قال له بدي طائرة، تكرم هي طائرة، يخت، هي يخت، قصر هي قصر، قال له ضعني أستاذ جامعة، قال له: لا هي بدك يكون معك دكتوراه، هي ما علي، هي ما بقدر عليها، هذا منصب يحتاج إلى مؤهل، الجنة منصب من هذا النوع، بدو مؤهل، التأهيل معرفة الله، التأهيل الأعمال الصالحة، ما في يا ربي دخلنا الجنة، أدخلوا خلصوا بقى، هي شغل كركوز وعواظ، مو إله وعظيم إذا كان قضية أن يدخلهم الجنة، ما هذا الموضوع ؟ هذا معنى ساذج جداً معنى سخيف، يعني يا ربي دخلنا الجنة، يا رب لا تسألنا عن شيء، شو هذا الدعاء هذا ! خلاف القرآن الكريم.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )
شو هذا الدعاء هذا، يا رب نحنا عبيد إحسان ما لنا عبيد امتحان هذا الكلام لا يلغي الحساب، الواحد لا يكون ساذج ولا يكون عامي، لا يتعامل مع الله بالأماني، شوف الآية ما أدقها، في مسلم على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون من أهل الجنة، طبعاً، بس وين العمل، في طالب على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون الأولي على القطر، بس عما ينام طول الليل، ما عما يقرأ.

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾

( سورة النساء: 123 )
القضية ليست بالتمني، الله يتعامل مع السعي لا مع التمني.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾

(سورة الإسراء: 19 )
بس الغ من بالك التمني، هذا التمني من دون عمل، استهزاء بالجنة، الآن أدخل إلى محل كوكش بسوق الحميدية قول له أريد سجاد تبريزي درجة أولى، طالع أول سجادة، قلت له بدي أثقل، طالع، أثقل، أثقل حتى عاف حياته، قلب لك خمسين سجادة، قال لك هذه أحسن سجادة عندي، كم ثمنها، قال ثماني مائة ألف، تأخذ ثمنها خمس ليرات ؟ ليس هذا بمعقول، لأن هذا استهزاء بالسجادة، استهزاء بصاحب المحل.
لذلك قالوا طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، يا أخوان آخر حديث أقوله لكم:

(( أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك ))
أيام المتاعب والهموم والأمراض تنسيك كل شيء، مدام الواحد شب ويصلي بقدر يعمل عمل صالح، ويحضر مجلس علم، ويقرأ قرآن، استغل شبابك وإلا الإنسان يندم.





والحمد لله رب العالمين


السعيد 03-06-2018 07:43 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثامنة والثمانون من سورة الحجر وهي قوله تعالى:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

هذه ألا أيها الأخوة: لا الناهية، الله سبحانه وتعالى ينهى النبي عن أن يمد عينيه، ما معنى مد عينيه ؟ إذا الإنسان رأى بيتاً فخماً ينظر إليه هكذا، ويتمنى أن يكون عنده مثل هذا البيت، هذا المعنى المألوف بيننا، إنسان نظر إلى مركبة فارهة، نظر إليها فكانت ملئ عينيه، وتمنى أن يكون له مثلها، لكن لو أردنا أن نفهم هذا المعنى بحق النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
إلى ما، هذه إلى ما أيها الأخوة: لغير العاقل، ومن للعاقل، لو أن إنسان قال أنا أنظر إلى ما عندي من بقر، لا يقول أنا أنظر إلى من عندي من بقر، من للعاقل، وما لغير العاقل، تقول جاء من تحبه وهذا ما تحبه، هذا ما تحبه أداة، كأس، طعام، لباس، هذا ما تحبه لكن جاء من تحبه، من للعاقل.
المعنى الثاني:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

الأزواج هنا لا تعني الزوج وزوجته أبداً، يعني هذا الإنسان أحب المال حتى أصبح المال زوجاً له، فلان أحب البيت حتى أصبح البيت زوجاً له فلان أحب السفر حتى أصبح السفر زوجاً له، يعني أعلى درجة من الاندماج، والحب، والولاء، والاهتمام، والاستغراق، والانصراف هو الزوج، قال هؤلاء الذين أحبوا الدنيا، بعضهم أحب مالها، بعضهم أحب نسائها، بعضهم أحب مراكزها، بعضهم أحب طعامها، بعضهم أحب متعها الرخيصة، هذا الذي أحب هذا الشيء، صار الشيء زوجاً له، قال هذا الإنسان وعاء، فإذا أحب الدنيا حباً جما، امتلئ وعائه، فلا يتسع لشيء آخر، لذلك مهما حاولت أن تلقي عليه الموعظة، أن تلفت نظره إلى حقيقة الدنيا.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

( سورة البقرة: 18 )
هذا القلب وعاء امتلئ بحب الدنيا، لا يتسع الآن إلى شيء آخر فكأن الله سبحانه وتعالى يوجه نبيه الكريم، والدعاة من بعده، إلى أنك إذا أردت أن تهدي إنساناً غارقاً في حب الدنيا، غارقاً في شهواتها غارقاً في نسائها، غارقاً في متعها الرخيصة، لا تجد أن هذا الإنسان ممكن أن يستجيب إطلاقاً، ولا أن يلتفت، ولا أن ينتبه، ولا أن يعي ولا أن يفكر.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
لكن أجمل ما في الآية أن الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بأنهم غير عقلاء، من كلمة واحدة، ما قال ولا تمدن عينيك إلى من متعنا به أزواجاً منهم، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
الإنسان قد يصل للدنيا بشيء عالي جداً، يعني أناقة ما بعدها أناقة، نفاسة بالطعام ما بعدها نفاسة، مركبة من أعلى مستوى، بيت بالمصيف بيت بالساحل، بيت هنا، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
بربكم هل يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام أن يمد عينيه إلى ما متع به هؤلاء من الدنيا، كما يمد أحدنا عينيه إلى شيء فخمٍ في الدنيا هذا لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، لا يتناسب مع مقامه إطلاقاً هو الذي قال:

((والله لو الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))
هذا المعنى الذي نقع به أحياناً، قد نرى مركبة فارهة نقول هنيئاً لصاحبها، قد ترى بيتاً جميلاً في موقعٍ ممتاز، له إطلالة جميلة واسع، تقول هنيئاً لصاحبه، قد تجد قطعة أرض فيها مسبح وفيها فيلة، وفيها أشجار مثمرة، بقلك مثل الجنة، هنيئاً لصاحبها، هذا المعنى يليق بنا، لكن لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذاً يمد عينيه إلى ماذا ؟ هنا السؤال، هو ينهاه، لا تمدن عينيك إلى هؤلاء، أي لا تطمع في هدايتهم، هناك معنى يؤكد هذا المعنى، قال:

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
تنفي عن هذا النبي العظيم أن يمد عينيه بالمعنى المألوف عندنا يعني أنت إذا رأيت إنسان غارقاً في حب المال، في حب النساء، في حب المراكز، في حب المتع الرخيصة، غارق في شهوات دنيوية لأنك تحرص على هدايته، وفي الوقت نفسه تحزن عليه، علامة الرحمة أن تحزن عليه، إذا كان لقيت إنسان بعيد، مقطوع، غارق بالمعاصي، لا تحقد عليه، احزن عليه، هو جاهل، لا يعرف الحقيقة.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
أيام بقلك واحد فلان تزوج الشغل كل همه شغله، أيام إنسان يقبر في تجارته، والله عز وجل قال في آية أخرى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

(سورة فاطر: 22)
هذا مقبور ومنته، هذا تجارته قبرته، لا يعي على خير، ما في عنده وقت ليعرف الله عز وجل، ما في عنده وقت يحضر مجلس علم، ما في عنده وقت يقرأ قرآن، ما في عنده وقت يفهم حكم الله عز وجل، ماله فاضي، غرقان بعمله حتى قمة رأسه، قال هذا وعاء تلَ لا تغلب حالك معه، ما فيه محل، كلامك ماله محل عنده، فهذا المعنى يليق بالنبي، النبي عليه الصلاة والسلام كان يمد عينيه إلى هؤلاء الغارقين في الدنيا، إلى هؤلاء التائهين، إلى هؤلاء الشاردين، إلى هؤلاء المقطوعين عن الله عز وجل، إلى الذين أحبوا الدنيا، وانغمسوا بها، وتعلقوا بها، وامتلئ وعائهم منها، فلا يعرفون حقاً، ولا باطلاً قال: يا محمد هؤلاء الأشخاص وفر وقتك، ولا تمدن عينيك إلى هدايتهم، فقد امتلأت قلوبهم بالدنيا، ولا مكان في قلوبهم لمعرفة الله ابحث عن إنسان طالب الحق، هذا المعنى الذي يليق بالنبي.

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾
بعدين.

﴿ إِلَى مَا ﴾
كلمة ما تعني غير عقلاء هؤلاء، لو كانوا عقلاء لفكروا بالفانية.
بربكم أيها الأخوة، واحد ساكن ببيت مستأجر بنظام ببلد أن المالك يطرد المستأجر بثانية، بدون إنذار، هكذا النظام تبع البلد، وله دخل كبير هذا الإنسان المستأجر، يضع دخله في تزيني هذا البيت ؟ وله بيت آخر مهدم، بلا أبواب، بلا جدران، بلا سقف ذاك البيت لك ملكك، إذا وضعت فيه مالك، مالك محفوظ، أما إذا وضعت كل مالك في هذا البيت المستأجر، بأي ثانية، إطلاع لبره صفيت بره، هذا وضع الناس بالدنيا، كل إمكانيته لتزيين حياته، وملك الموت جاهز، أبو ترابة جاهز، شرف شرف خلص، طيب البيت أمشي، شوف أنت لما يطلع النعش من البيت بشكل أفقي، آخر طلع، ما في رجعة، في واحد توفى أحد أقاربه قال عشية لماذا لم يأتِ إلى البيت، خلص ما عاد يرجع، يوزعوا ملابسه، بتحل مشاكلهم، يحزن شي شهر بعدين ما حزن، مثل العادة يصيروا، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾

النبي ما كان يطلع ما كان عندهم من دنيا، هي تحت قدمه صلى الله عليه وسلم، لكن كان يحزن عليهم، إلا كان يمد عينيه إلى هدايتهم يطمع بهدايتهم، لكن الله الخبير العليم، أنبئه أن هؤلاء لا خير فيهم، لا تشغل نفسك بهم، انصرف عنهم، وقتك أثمن من هؤلاء، فإذا أنت رأيت إنسان غرقان في الدنيا إلى قمة رأسه، مقبور فيها، ما في محل لكلمة حق عنده، لا ضيع وقتك معه، ابحث عن واحد راغب بالحق، طالب للحق، ابحث عن واحد عنده فكر هذا ما عنده فكر.
﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
ما في دعوة بالقسوة، من أنت ؟ إذا النبي عليه الصلاة والسلام، النبي، الرسول، المعصوم، الذي يوحى إليه، المؤيد بالمعجزات، سيد الخلق، حبيب الحق، قال له أنت بالذات على كل ما أنت عليه من ميزات.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

( سورة آل عمران: 159 )
ما بدى غلاظ الشغلة، ما بدى عنف، ما بدى قسوة:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
تواضع، الإنسان المتواضع محبوب جداً، المتواضع باب إلى الله عز وجل، ما في شيء يفسد الدين كالكبر، ما في شيء يفسد العالم كالفوقية، الشعور بالعلو، هذا يفسد دعوته إلى الله عز وجل النبي الكريم مأمور بالتواضع، قال له:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

وفي آية ثانية:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

( سورة الشعراء: 215 )
والآية هي:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

ماذا تفهمون من هاتين الآيتين ؟ يعني أنت كمؤمن، لو التقيت بإنسان ليس من جماعتك، ليس من جامعك، مؤمن على العين والرأس، لازم تحبه، تتواضع له وتقدره، أم هذا التعصب الأعمى، النظرة الضيقة، هذا من أخوانا هذا ليس من أخوانا، هذا من جماعة فلان، ما أضعفنا إلا هذه النظرة الضيقة، شوف هاتين الآيتين:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

يعني عامة.
أنت كمؤمن، أي إنسان من أي مكان، بأي زمان عرف الله، استقامة على أمره، خشي الله هذا أخوك بالله، دعك من هذه النظرة الضيقة، ومن هذا التمزق الذي أصاب المسلمين، لا هذا من جماعتنا، لا هذا من جماعتكم، هؤلاء يفكروا هؤلاء، وهؤلاء يفكروا هؤلاء، هذا يلي لا يرضي الله عز وجل، والآيتين دقيقتين جداً.

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

وكل مؤمن من أخوان الكرام، التقى بمؤمن آخر من أي بلد، من أي جهة، من أي جماعة، من أي مكان، على العين والرأس، لازم تحبه وتعتني فيه، تصادقه، تعاون، تخدمه، هي الإيمان، لأن الله عز وجل أمرنا أن ننتمي لا إلى جماعة، ولا إلى فئة، ولا إلى طائفة، أمرنا أن ننتمي إلى مجموع المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

( سورة الحجرات: 10 )
ما لم تشعر بانتمائك إلى مجموع المؤمنين ما لك مؤمن، فهذه الآية تكفي.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾
يعني لا تغلب حالك، ليس عليك هداهم.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

( سورة القصص: 56 )
إنك لا تستطيع أن تهدي من أحببت، ولست مسئول عن عدم هدايتهم، كم آية ؟ آيتين.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة البقرة: 272 )
لست قادراً، ولا مسئولاً.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
أما هؤلاء الغارقون في الدنيا، المنغمسون في شهواتها، ما لهم هم إلا الطعام، والشراب، والنساء، والشهوات، والسفر، واللقاءات، والأكل، هؤلاء دعك منهم وفر وقتك، من تكلم بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلها فقد ظلمها، يعني تعطي دابة فله يأكلها، هذه ليست للأكل، هي للشم، أكلها، طبيب يلي أعطاها له هو الدابة، ليست هي.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-06-2018 02:02 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأولى في سورة النحل، وهي قوله تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)﴾
مما يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
يعني أتى وانتهى، ثم يقول:

﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

إذاً هو لم يأتِ، كلمة:
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
يعني أنه لم يأتي وكلمة:

﴿أَتَى﴾
تعني أنه أتى، فهل هناك تناقض في هذه الآية ؟
القرآن الكريم من أساليبه البلاغية، أنه يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي، تحقيقاً لوقوعه، وكأنه وقع، يعني هذا الذي وعد الله به، كأنه وقع، لذلك لما الله عز وجل يعد المرابي بمحق المال، المحق وقع مع وقف التنفيذ، حينما يعد المؤمن بحياة طيبة، الحياة الطيبة آتية لا محالة، حينما يعد المعرض عن الله عز وجل بمعيشة ضنك، المعيشة الضنك آتية لا محالة، حينما يعدنا ربنا أن نقف بين يديه لنحاسب عن كل أعمالنا، هذا الوقوف وقع لا محالة، فالتعبير عن المستقبل بالفعل الماضي إشارة إلى أنه محقق الوقوع.
لذلك الزمن من خلق الله عز وجل، الله جل جلاله، لا يسأل عنه بما كان، لأنه خالق الزمان، ولا أين هو، لأنه خالق المكان، يعني الذي سيكون يعلمه الله عز وجل، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهذه الآية:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
يشبهها قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

( سورة المائدة: 116 ـ 117 ـ 118 )
يوم القيامة " إذ قال " فعل ماض، هذا الكلام سيكون يوم القيامة ربنا عز وجل يقول:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
ما هو أمر الله عز وجل ؟ أي وعد في القرآن، أو أي وعيد هو أمر الله، مما يفهم من قوله تعالى:
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)﴾

( سورة الفجر: 22 )
الله عز وجل لا يأتي، ليس مكانٌ يحويه حتى يأتي، لكن العلماء أولوا هذه الآية أنه جاء أمر ربك، لما الإنسان يستقيم، الله وعده بالإكرام، فإذا بدأ الإكرام معناه جاء أمر ربك، لما الإنسان ينحرف، الله وعده بالدمار، فإذا جاء الدمار، جاء أمر ربك، فأمر الله عز وجل، وعده ووعيده، والساعة من أمر الله، كل واحد منا له أجل، يعتبر حاله الأجل جاء مع وقف التنفيذ، يعني له أيام معدودة، قد يكون سنوات، قد يكون خمس سنوات، الإمام مالك رأى ملك الموت في المنام قال: " يا ملك الموت كم بقي لي من عمري ؟ فقال له ملك الموت هكذا "، فازداد هذا الإمام الجليل حيرةً، يا ترى خمس سنوات ؟ لما خمس أشهر ؟ لما خمس أسابيع، لما خمس أيام ؟ لما خمس ساعات ؟ لما خمس دقائق، فلما سأل الإمام ابن سيرين، " قال له يا إمام: ما تفسير هذه الرؤية ؟ سألت ملك الموت فقال لي هكذا، قال له: إن ملك الموت يقول لك إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله ".
فكل واحد منا له أجل، هو الأجل وقع، لكن مع وقف التنفيذ.

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

يقول سيدنا علي: " كل متوقع آت وكل آتٍ قريب " لو أحدنا ينتظر الامتحان يبدأ بأيلول فتح غمض جاء حزيران، إذا ينتظر انتهاء الشتاء ينتهي الشتاء، إذا ينتظر قدوم الصيف يأتي الصيف، إذا كان سافر سيبقى أسبوعين، بقلك أسبوعين، بطولهن بمد الأسبوعين، بيمضو، فتح غمض لقى انتهوا الأسبوعين، إذا الإنسان استأجر بيت أجار سياحي بقلك ست أشهر جيدين، بعده ما فكر انتهوا الستة أشهر، هذا معنى:
﴿أَتَى﴾

الزمن يمضي، ومع مضي الزمن يستهلك الإنسان، لذلك قالوا النقطة إذا حركت رسمت خطاً، والخط إذا حرك رسم سطحاً، والسطح إذا حرك رسم حجماً، والحجم إذا حرك شكل زمناً، ما هو الزمن ؟ هو البعد الرابع للأشياء، هذا رأي أنشتاين، في عنا البعد أول، الطول، العرض، العمق أو الارتفاع، الرابع هو الحركة، فنحن نتحرك، وفي نهاية محددة، فكل دقيقة بالساعة، وكل ثانية تقربنا إلى نهايتنا، لذلك قالوا أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل نفس، استنشق الهواء، وزفر الهواء، أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل هذا الكلام من قوله تعالى:
﴿أَتَى﴾

لم يأتِ بعد.
﴿أَتَى﴾

أيام الواحد لا سمح الله ولا قدر، إذا راكب سيارة ونازل بنزلة وهذا النزول ينتهي بمنعطف حاد، وقبل كيلو متر، شعر ما في معه مكابح، ما في مكبح إطلاقاً، والانحدار شديد، والمنعطف حاد، بقلك رحنا، بعدك ما رحت، كثير من الأشخاص يعبروا عن المستقبل بالفعل الماضي، بتحقق الوقوع، بقلك انتهينا.
لو فرضنا واحد بالامتحان ما كتب بشكل جيد، بقلك رسبت بأثناء الامتحان، وباقي للنتائج ثلاثة أشهر، من حزيران لنصف أيلول نتائج، بقلك رسبت، بالفعل الماضي، ربنا عز وجل، هذا أسلوب بلاغي أن يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي.

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
إذا الإنسان يلاقي الدنيا طويلة، غلطان، الدنيا قصيرة، ولا يدري إلا وقد جاء الأجل، إلا وقد جاء الحساب.
أخوانا الكرام:
في نقطة مهمة جداً، اللذائذ مع المعاصي ما الذي يحصل ؟ ينقضي اللذائذ، وتبقى التبعات، لو واحد آكل شي ثلاثين عزيمة درجة أولى، وليلة من الليالي ما نام من وجع ضرسه، إذا حاول أن يستقدم طعوم الأكلات السابقة، تنسيه وجع ضرسه ؟ شوف طعمة الكبة الحميص، الآن شو في بعد الآن ؟ في آلام بالضرس، الصور الماضية ما لها قيمة، لذلك الإنسان الماضي، إذا واحد أمضى حياته بالمعاصي، ومع المعاصي كان في لذائذ، لا شك المعصية محببة لدى الكفار، يقول لك سررنا، تنقضي اللذائذ وتبقى التبعات، وإذا الإنسان جاهد نفسه وهواه، صلى الفجر في المسجد، في جماعة، غض بصره أنفق ماله، طلب العلم، اقتطع من وقته وقت ثمين في طلب العلم، كظم غيظه، عاكس نفسه، هذا الجهد المبذول طبعاً في مشقة، حينما ينتهي الأجل، تنتهي المشقة، ويبقى الأجر، مثل الطلاب تماماً، يلي ما ذهب ولا سيران طوال السنة، ونجح الأولي ينسى كل تعبه، وتبقى المباهج التفوق، والطالب يلي أمضى كل العام الدراسي مع أصدقائه، والسهرات للساعة الواحدة بالليل، وقام رسب صار في وضع الخزي المستمر، لذلك:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾

هذا الدين كله، أن تؤمن أن لا إله إلا هو، وأن تتقي ربك، إذا أمنت أنه لا إله إلا الله، واتقيت أن تعصيه فقد حققت المراد.
أخوانا الكرام:
الأمر أخطر من أنه الدرس لطيف مثلاً، كان الدرس لطيف، والأستاذ مرح مثلاً، درسه محبب، الأمر أخطر من هذا، أخطر بكثير قضية مصير، قضية مصير أبدي، يعني الواحد لا يأخذ الكلام على أنه ممتع، يعني والله واضح، مرتب، دقيق، فيه أمثلة، القضية أخطر بكثير، قضية مصير، الإنسان بحياته في أشياء عادية، لكن في أشياء مصيرية، الواحد إذا كان فقد عمله شغلة مصيرية، إذا كان فقد ساعة، تعوض، أما فقد عمله ؟ يلي عايش منه ؟ دخله منه، فقد العمل قضية مصيرية، طيب إذا كان معه مرض عضال، هذه قضية مصيرية، ففي أشياء بحياة الإنسان كبيرة جداً، يعني أخطر شيء بالحياة هو الدين، " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم "، أخطر شيء بحياة الإنسان عقيدته، إن صحت عقيدته صح عمله، وإن صح عمله سعد في الدنيا والآخرة، وإن فسدت عقيدته، فسد عمله، وإن فسد عمله شقي في الدنيا والآخرة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 03-06-2018 02:04 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثالثة من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) ﴾
أولاً هذه الآية تتكرر كثيراً في القرآن الكريم.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
يقولوا المفسرون: إن خلق السماوات والأرض لابسه الحق، أو إن الحق لابس خلق السماوات والأرض، كلام يحتاج إلى توضيح، كلمة الحق، كلمة كثيراً ما تتكرر في كتاب الله، بل إن هذه الآية بالذات، تتكرر كثيراً.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

أضرب لكم مثلاً:
لو أردنا أن نشيد بناءً، درسنا خصائص الإسمنت، الإسمنت يتحمل أعلى درجة من قوى الضغط، يعني سانتي متر مكعب من الإسمنت يتحمل ثلاثمائة كيلو، لكن على أساس الشد لا يتحمل خمسة كيلو، إذاً يحتاج إلى تسليح بالحديد، لو أننا أنشأنا بناءً وفق مواصفات المهندسين، هذا البناء يبقى، لأنه أنشأ بالحق يبقى، البقاء ما سببه ؟ أنه وفق خصائص الإسمنت والحديد، وفق عوامل الضغط والشد، فكل شيء بني على أساس، فيه عوامل البقاء والاستمرار، الحق الشيء المستقر، الشيء الثابت، يعني إذا أردت أن يستمر هذا الزواج، وأن يبقَ، أقيمه على أسس الحق، أقيمه على منهج الله، إذا أردت أن تدوم هذه الشراكة بينك وبين فلان، أقيمها على الحق، أقيمها على منهج الله كل شيء بني على أصول ثابتة، يبقى، ويستمر، فالبقاء، والاستمرار أساسه أنه بني على أصول، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾

( سورة التوبة: 109 )
معناها الحق الشيء الثابت، وأوضح مثل إذا أقمت بناءً وفق أصول البناء، وفق معايير الإسمنت، وأسس الحديد، هذا البناء يبقى أما إذا لم تضع في المتر المكعب إلا كيسين أسمنت، ولم تسلح هذا البناء هذا البناء في عوامل انهدامه، فالبناء إما أن يكون في عوامل بقائه، إذا بني وفق أسس، أو في عوامل انهدامه، فالكون خلق بالحق ؛ أي خلق ليبقى، وما سوى منهج الله باطل، وكل تشريع باطل، في عوامل إلغائه، وأنتم لاحظوا أي تشريع أصدره إنسان خلافاً لمنهج الله، هذا التشريع بعد حين يُعدل، ثم يُعدل، ثم يلغى، ثم يطوى هذا القانون، إذاً كلمة الحق كلمة كبيرة جداً، يعني الشيء الباقي، الشيء المستقر.
إذا الإنسان اعتنق الحق، آمن بالحق وهو الله عز وجل، نفذ منهج الحق، إذاً هو مع البقاء والاستمرار، أولاً: هناك آيتان، الآية الأولى، ربنا عز وجل عرف الحق بأنه ليس باطلاً قال:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)﴾

( سورة الحجر: 85 )
خلقناهما بالحق إذاً الحق عكس الباطل، وقال:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾

( سورة الدخان: 38 )
إذاً الحق عكس اللعب، اللعب ؛ الشيء العابث، غير الهادف والحق الشيء الثابت، المستقر غير الزائل، فالباطل زائل، والباطل عابث، والحق ثابت، والحق هادف، فالحق الشيء الهادف، والثابت أسباب ثباته أنه مبني على علم، مبني على أصول، مبني على منهج فلذلك أي تشريعٍ يستمد من منهج الله مستمر، أي تشريع يستمد من تشريع أرضي يزول، والله عز وجل قال:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

( سورة الإسراء: 81 )
إذاً خلق السماوات والأرض بالحق ؛ أي خلق هذا الكون ليبقى والإنسان خلق ليبقى، يعني إذا أردت أن تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة فكن على الحق، الحياة فيها نعم، نعمة الأمن نعمة، ونعمة الصحة نعمة، ونعمة السكينة نعمة، هذه النعم العظمة، إذا أردت أن تستمر بعد الموت، فكن على الحق، إذا أردت الزواج اجعلوه وفق الحق، إذا أردت أن تشارك اجعل هذه الشراكة وفق الحق، إذا أردت أن تتاجر، إذا أردت أن تدرس، إذا تحركت في حياتك وفق منهج الله، هذه الحركة ثابتة، ومتنامية، ومستقرة، ومتصلة إلى الدار الآخرة، أما إذا أردت الانهدام، والانهيار، والسقوط، والإحباط، فليكن الباطل في سلوكك، اسمه باطل، فلان، أبطلنا هذه القاعدة، معنى أبطلنا ؛ يعني ألغينا، الباطل في عوامل السقوط، الآن أنت عمر حائط مائل بلا شاقول وضع الإسمنت قليل جداً، هذا الحائط لابد من أن يسقط، هذا هو الباطل، في عوامل سقوطه، عوامل انهياره.
فإذا أردت الحياة أن تزدهر، اجعلها وفق منهج الله، إذا أردت الحياة أن تنهار اجعلها على خلاف منهج الله، إذا أردت بزواجك أن يستمر، نسب الطلاق في أمريكة 62 % يعني كل مائة حالة زواج ينتهي منها 62 % إلى الطلاق، نسبة الطلاق بألمانيا 36 %، نسبة الطلاق في بلاد المسلمين 3 بالألف، هذا كلام القاضي الشرعي، سألته قال لي 3 بالألف، معنى ذلك ؛ أن الزواج الإسلامي مبني على الحق، أما إذا كان واحد رفع النسبة، غض بصره، وما سمح بالاختلاط أبداً، ولا سمح لأجهزة اللهو أن تغزو بيته، وما سمح لنفسه أن يمتع نظره بامرأة لا تحل له، يصبح مو نسب الطلاق، يصبح نسب السعادة الزوجية، في إنسان لا يطلق، لكنه ليس سعيد ببيته، في مخالفة، يجب أن تعلم أنه ما من خروج عن منهج الله إلا يرافقه شقاء، فإذا أردت لكل شيء أن يكون في أرق مستوى اجعله وفق منهج الله عز وجل، فهذه الآية:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
الكون مقهور، الكون خلق بالحق، ما في فساد أبداً، لأنه من فعل الله مباشرةً، أما الإنسان مخير، فهو إما أن يفسد، وإما أن يرقَ يفسد بمخالفته لمنهج الله عز وجل، الفساد أن يخرج الماء عن خصائصه، خصائص الماء ؛ لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، فإذا أضفت إليه مادةً ملوثة عكرة صفائه، وغيرة طعمه، وأفسدت رائحته، أنت الآن أفسدته، فأي نشاط إنساني إذا خرج عن منهج الله نشاط فاسد.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)﴾

( سورة البقرة: 11 ـ 12 )
فالموضوع دقيق ومتداخل، أنت مخير، بإمكانك أن تجعل حياتك مستقرة، ومستمرة، إذا وفرت لها عوامل الاستمرار.
مرة سمعت أن هناك سهرة، استمرت سبعة عشرة عاماً، كل ثلاثاء في لقاء بين بعض الأصدقاء، فسأل أحدهم ما سر هذا الاستمرار قال ليس في هذا المجلس غيبة، ولا فيه امرأةٌ، هذه عوامل الاستمرار.
فأنت إذا أردت لهذا الزواج أن يستمر، أردت لهذه الشركة أن تستمر، أردت لهذه التجارة أن تستمر، أردت لهذه العلاقة أن تتنامى أردت إلى هذه السعادة أن تستمر، أردت إلى هذه السعادة أن تتصل بسعادة الآخرة، أقم حياتك على أسس الحق، كلمة حق الشيء الثابت الباطل الشيء الزائل، وضع ببالك هاذين المثلين، إذا أنشأنا بناء وفق الأصول، وضعنا نسب الإسمنت الكافية، الحديد بشكل دقيق، هذا البناء بني ليبقى، حق، أما إذا أهملنا النسب، وأهملنا الحديد، وأهملنا الشاقول، هذا البناء بني لينهدم، البناء الأول في عوامل بقائه، والبناء الثاني في عوامل انهدامه فأي شيء باطل في عوامل انهياره، هو هو أي شيء باطل في هذا الشيء عوامل انهياره، وأي شيء مبني على الحق في عوامل بقائه، لذلك الإنسان يذوق الموت ولا يموت، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)﴾

( سورة العنكبوت: 57 )
الإنسان خلق ليبقى، أيام نحن ننشئ بناء لرآسة الوزارة، تلاقي الحجر رخام، هذا البناء أنشئ ليبقى، أما أيام ننشئ بالمعرض جناح من القماش أسبوعين فقط، هذا البناء أنشئ ليزول بعد حين.
الحق الشيء الثابت، والدائم، والمستقر، والمستمر، والهادف والباطل الشيء المنهدم، والزائل، والعابث، لازم تعرف ما هو الحق وما هو الباطل، الباطل ليس له هدف.
حفلة انتخاب ملكة جمال، خير إن شاء الله، باطل هذه، يعني أشياء ما لها علاقة بأهداف الإنسان الكبرى، أما نريد أن نجتمع لنفهم كتاب الله، هذا منهجنا إلى طوال حياتنا، وسبب سعادتنا بعد الموت إذاً اجتماعنا حق، إذا اجتمعنا اجتماع فيه اختلاط، وفيه غيبة ونميمة هذا اجتماع باطل، هذا بعد حين ينتهي، يصير فيه عدوات، ويصير فيه أحقاد، ينتهي، إذا اجتمعنا وتدارسنا كتاب الله، هذا الاجتماع يستقر ويستمر، لذلك: " ما جلس قومٌ مجلساً ذكروا الله فيه، أو تدارسوا كتاب الله، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار "، ما في رائحة بالأرض أشد وأقسى من رائحة اللحم المتفسخ، فهذه الآية دقيقة جداً، الحق كتاب الله، وسنة رسول الله، تبني عليه زواجك يستمر، تبني عليه تجارتك تزدهر، تبني عليه علاقاتك يرفع الله لك ذكرك، تبني عليه صحتك تتمتع بصحتك إلى يوم الوفاة، " ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا "، النبي ذكر تعليمات كثيرة بالطعام، والشراب، إذا أردت الاستمرار، والرقي، كلمة حق، شيء مستمر، و يصعد، الثبات من جهة، والرقي من جهة ثانية، الشيء الثابت والهادف هو الحق والشيء الزائل، والعابث هو الباطل، فإيانا جميعاً أن نتعلق بالباطل.

﴿نَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
لو عاش سبعين سنة في النهاية ينهار، وكل شيء مبني على أسس باطلة، مصيره الانهيار، وكل شيء مبني على أسس صحيحة، مصيره الاستمرار والدوام، الكون بالحق، لذلك منتظم ما فيه مشكلة، لأن فعل الله مباشرة، لكن نحن مخيرون، فنحن إما أن نأخذ بالحق فنستقر، ونستمر، ونرقى، ونسعد، وإما أن نأخذ بالباطل فنهوي مع الباطل.
" من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها " ـ بالباطل يعني ـ " أتلفه الله "، يعني إذا ربط مصيرك مع الحق أنت في أمنٍ، ودعةٍ، وسلامٍ، واستقرارٍ، ورقيٍ، وازدهار، وإذا ربطت مصيرك بالباطل، الباطل زائل.
في رئيس وزارة بفرنسا انتحر قبل سنة، كتبت حول انتحاره مائة مقالة، شيء بحير، من أرقى عوائل باريس، غني، له سمعة طيبة، ففي صحفي واحد وفق إلى سر انتحاره، لأنه هذا كان مؤمن بالباطل، مؤمن بمبدأ إلحادي، فبعد سبعين سنة وجد نفسه غلطان، وجد نفسه، وكل حياته، وكل طاقاته، سخرها بمبدأ ما له أساس من الصحة، في مسلم عنده مفاجأة بحياته ؟ خلال آلاف السنوات ظهرت حقيقة علمية نقضت الدين ؟ أبداً، أنت بالدين مع الحق، والحق ثابت، إذا أنت اعتنقت الإسلام، وأمنت به والتزمته، ما في عندك مفاجأة إطلاقاً أما أصحاب النظريات الموضوعة في عندهم مفاجأة قاتلة، يكتشفون بعد فوات الأوان أن مذهبهم باطل، ماله أساس من الصحة، انهار كبيت العنكبوت، هذا شيء يهز أركان الإنسان، إذا أنت اعتقدت بالحق الحق مستمر، وباقي، ومزدهر، وراقي، إذا أمنت بالباطل الباطل زائل، شوف كلمة زهوق، زهوق صيغة مبالغة اسم الفاعل، الله ما قال إن الباطل كان زاهقاً قال:

﴿كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
يعني شديد الزهوق، مهما تعدد الباطل الباطل زاهق، ومهما كبر زاهق، صيغة مبالغة اسم الفاعل تعني الكم أو النوع، مثلاً:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

( سورة فصلت: 46 )
الظلام شديد الظلم، أو متعدد الظلم، صيغة مبالغة اسم الفاعل تعني الكم أو النوع، فربنا عز وجل قال:

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
يعني الباطل مهما كان كبير زاهق، ومهما كان متعدد زاهق.
الحق: الشيء المستقر، والمستمر، والثابت، والمزدهر والهادف، لأنه في عوامل استقراره، وازدهاره، والباطل الشيء الزائل والعابث، لأنه في عوامل انهياره، وعوامل احتقاره، والسعيد من ربط منهجه بالحق، زواجه إسلامي، بيعه شرعي، بيته إسلامي، نزهته إسلامية، ما في اختلاط بالمقاهي، وغناء، نزهته إسلامية، أفراحه إسلامية، أتراحه إسلامية، لذلك يزدهر، الآن نحن في نعمة، إذا أردتم أن تتصل نعم الدنيا بعم الآخرة، فعليكم بطاعة الله، كونوا على الحق، والحق مستمر لأنه.
آخر كلمة: المؤمن خطه البياني صاعد، صعود مستمر والموت نقطة على هذا الخط، لو مات الإنسان صعوده مستمر، لأن الموت خلعت الثوب لترتدي أثواب، فإذا الإنسان آمن، ووفق حياته وفق منهج الله، ضبط بيته، وضبط عمله، ضبط جوارحه، أعضائه حواسه، دخله، إنفاقه، على الحق، إذا في ثبات، واستمرار، أنت في خير، تحب أن الله لا يغير عليك ؟ لا تتغير ما بغير، مزعوج من قضية غير ليغير، قلناها مرة سابقاً، إذا كنت ببحبوحة لا تغير ما بغير مزعوج غير ليغير، الحق هذا معناه الشيء الثابت والمستمر، والباطل الشيء الزائل والعابث.




والحمد لله رب العالمين



الساعة الآن 06:28 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.