منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   التربية الاسلامية - مدارج السالكين (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9242)

آفراح 07-18-2018 11:41 AM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية

السعيد 07-18-2018 01:12 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم

السعيد 07-18-2018 01:14 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع : الافتقار







منزلة الفقر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الواحد والعشرين من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الفقر .
تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ من عَرَفَ نفسهُ عَرَفَ ربه ، الإنسانُ أولُ صِفة من صفاتِهِ أنهُ مُفتقرٌ إلى ربهِ ، فإذا استغنى عن ربهِ , فقد وقعَ في شرِّ أعمالِهِ ، لذلك حقيقة العبودية هي الافتقار إلى الله عزّ وجل ، حقيقة الإنسان هي أنهُ فقير ، حقيقة هذا المخلوق الذي سخر الله لهُ الكونَ من أجلهِ , أنهُ مُحتاجٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء , فلذلك حينما يغيبُ الإنسانُ عن هذه الحقيقة ، حينما يغفلُ عنها، حينما يظنُ نفسهُ على خِلافِ ما هوَ عليه , فقد وقعَ في جهلٍ كبير .
الجهل والعلم والفرق بينهما :
يا أخوة الإيمان ؛ تعريف الجهلِ في أبسطِ تعاريفهِ : أنهُ ما خالفَ الواقع .
يعني :
إذا قُلت ؛ هذا إبريق ماء , هذا الكلام فيهِ جهل .
إذا قلت ؛ هذا كأس حليب وهو ماء ، هذا الكلام فيهِ جهل .
ما تعريفُ الجهل ؟ ما كانَ خِلافَ الواقع , فأنتَ لكَ واقع ، لكَ واقع راهن ، حقيقة صارخة ، شِئتَ أم أبيت ، أحببتَ أو كرهت , أن تتوهم أنكَ على خِلاف ما أنتَ عليه , فأنتَ قد وقعتَ في جهلٍ كبير .
بالمناسبة : ما تعريفُ العِلم ؟
العلم هو إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل .
يعني :
إذا رأى الطبيب أنَّ ارتفاع الحرارة وارتفاع الضغط مؤشرانِ لمرضِ كذا , وكانَ ارتفاع الضغطِ وارتفاع الحرارة مؤشران على مرضٍ آخر , فإذا شخصَ مرضاً غيرَ المرض الذي يُعانيه المريض , فهذا التشخيص فيه جهل , يجبُ أن نعلمَ ما الجهل ؟.
في مراتٍ سابقة عرّفتُ العِلمَ :
بأنهُ علاقةٌ ثابتة بينَ شيئين مقطوعُ بصحتها , يؤكدّها الواقع عليها دليل .
علاقةٌ بينَ شيئين يعني قانون .
كلُّ المعادنِ تتمددُ بالحرارة مقطوعٌ بصحتها , لو لم يكن مقطوعاً بصحتها , لكانَ الوهمُ والشكُ والظن ، يؤكدها الواقع , لو لم يؤكدها الواقع لكانت جهلاً ، عليها دليل , لو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً .
ما التقليد ؟
حقيقةٌ تفتقرُ إلى دليل .
ما الجهل ؟
ما خالفَ الواقع .
ما القطع ؟
ما كان بعيداً عن الشكِ والوهمِ والظن , هذا هو العِلم .
فيجب أن نعلم ، يجب أن نعتقد أنَّ العِلم :
إدراكُ الشيء على ما هوَ عليه .
فَهم هذه الآية كما أرادها الله ، حُكمُ هذه القضية كما جاءَ بهِ رسول الله ، حقيقة الكون ، حقيقة الإنسان ، حقيقةُ الحياة الدنيا ، حقيقةُ ما بعد الموت ، ما قبلَ الموت كذا ، حقيقةُ المال لهُ دورٌ معين , يعني إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه فأنتَ عالِم , لكن لو أردتَ أن تُحدّثَ الناسَ بهذا الشيء لطالبوكَ بالدليل .
إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه ومعكَ الدليل فأنتَ عالِم .
ويا حبذّا لو أنَّ دِماغنا أو فِكرنا أو عقلنا , كما يقول الناس : محشوٌ بالحقائق , المشكلة : أن تجد رجلاً دماغهُ محشوٌ بالأباطيل ، بالأوهام ، بالخرافات ، بالجهل , الجهل شيء , قد تفهمُ الجهلَ فهماً بسيطاً ، قد تفهمُ الجهلَ عدمُ المعرفة , لا , الجهل معرفة لكنها مغلوطة ، الجاهل إنسان يعلم , لكن يعلم أفكاراً ومقولات لاعلاقة لها بالواقع , يعني : إذا أردتَ أن تُلقي ماءً معَ مِلح في طريقِ زوجٍ لعلهُ يُحبُ زوجتهُ , هذا جهل , لأنهُ لا علاقة أبداً بينَ هذا وذاك .
في أحد عُلماء دمشق الأكارم , توفي رَحِمهُ الله , له كرامات كثيرة , فجاءهُ أحد طُلاب العِلم , وقال له : يا سيدي , أرجوكَ رجاءً حاراً , أن تأخذني إلى الحج , أن تدفُعني , هو يظنُ هذا الأخ , أن هذا الشيخ لهُ كرامات , فإذا دفعهُِ صارَ في مكة , وفي مكة يوفر نفقات السفر ورسوم الدخول وما إلى ذلك , ثم يجذِبهُ إلى الشام ، فلما طلبَ منهُ هذا الطلب , نظرَ إليه , رآهُ جاهلاً ، قالَ له : غداً تعالَ إليّ ، أخذهُ إلى التكية السليمانية , وأمرهُ أن يحلِفَ يميناً بالطلاق , ألا يقولَ لأحدٍ ما سيجري معهُ , وحلفَ هذا اليمين , وأوقفهُ على حافة البحرة الكبيرة في هذا المسجد , ودفعهُ إلى الماء .
إذا هناكَ إمكان أن تنفي عن ذهنكَ كُلَّ الجهل ، ما معنى الجهل ؟ معلومات غلط ، نحنُ أُمةُ محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة , شيء جميل , إذاً : لنفعل ما نشاء , هذا هو الجهل .
عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ :
((سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ , فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ , وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا , لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي , ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ , قَالَ أَبُو حَازِمٍ : فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ , وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا , فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً , فَقُلْتُ : نَعَمْ , قَالَ : وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ , قَالَ : إِنَّهُمْ مِنِّي , فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ , فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي))
إذا تعلّقتَ بِفكرةِ , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفعُ لكَ , وأنتَ واقعٌ في ذنوبٍ كثيرة , فهذا جهل .
إذاً : هذا الذي أرجوه في هذا الدرس , أن تعلم أنَّ حقيقة العِلم : إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل ، وأنَّ طبيعة الجهل إدراكُ الشيء على خِلافِ ما هوَ عليه .
أبسط مثل ؛ أنتَ عِندكَ مركبة ، قيل لكَ ؛ هذا الضوء الأحمر في علبة السُرعة إذا تألّق , معنى ذلك أنهُ يُسليك , وحقيقةُ هذا الضوءِ الأحمر أنهُ إذا تألّق , فهناكَ خطرٌ كبير , يجب أن تقف فوراً , وأن تضع الزيت في المُحرك , فإذا قُلتُ لأحدِكم ؛ هذا الضوء يتألّق للتسلية , ليكونَ زينةً للسيارة , زينة أثناء الطريق , قد يتألق , هذا الكلام فيهِ جهل ، فإذا أمكنكَ أن تنفي عن معلوماتك , وعن معتقداتك , وعن تصوراتك , وعن أفكارك , وعن مقولاتك , كلَّ ما له علاقةٌ بالجهل , فأنتَ بطل .
لذلك :
إذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم .
هذه المُقدّمة : أردتُ أن أصل إلى أنَّ لكَ طبيعة ، أن ترجو هذه الطبيعة أو أن لا ترجوها ، أن تُحبّها أو أن لا تُحبها ، أن ترضى عنها أو أن لا ترضى عنها , بحثٌ آخر , أمّا أنتَ لكَ واقع , واحد عندهُ بيت ، هذا البيت المتوافر في هذا الوقت , أعجبكَ لم يُعجِبُك ، كبير صغير ، مُشرق مُظلم ، أُجرة مُلك , هذا البيت يجب أن توفّق أغراضكَ وفقَ هذا البيت . حقيقة الإنسان :
الآن : أنتَ لكَ حقيقة أعجبتكَ أم لم تُعجِبك ، رضيتَ عنها لم ترض عنها ، أنتَ عبدٌ لله ، مُفتقرٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء ، لا تملِكُ شيئاً .
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[سورة آل عمران الآية: 26]
دِماغك مُلك الله عزّ وجل ، وأنتَ معك دكتوراه بالفيزياء , من أعلى جامعة في أمريكا , ربنا عزّ وجل يعمل تعديلاً طفيفاً , تُصبح مجنوناً , لستَ مالِكاً لدماغك ، ولستَ مالِكاً لقلبك ، ينبض بإحكام والدسامات مضبوطة ، لستَ مالِكاً لرئتيك ، لستَ مالِكاً لعضلاتك لأعصابك . ﴿قل اللهم مالِكَ المُلك﴾
كلُّ شيءٍ يُملّك , الله سبحانهُ وتعالى مالِكهُ , هذه حقيقة إذا أيقنتَ بها , تجد نفسكَ مُنساقاً إلى الله عزّ وجل , لأنهُ لا وجودَ لغيرهِ .
يعني : يدُ من تعمل في داخل الأعصاب ، لو أنَّ نقطة دم تجمدت في بعض الشرايين في الدِماغ , في هذا المكان شلل ، في هذا المكان ذهاب عقل , في هذا المكان ذهاب ذاكرة ، بيد الله عزّ وجل .
فهناكَ حقيقةٌ صارخةٌ هي موضوع هذا الدرس : ما هذه الحقيقة ؟ هوَ أنكَ مُفتقِرٌ إلى الله في كلِّ شيء , والله عزَّ وجل قادِرٌ على كلِّ شيء .
راكب طائرة , تُحلّقُ بهِ على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق أوروبا , احترقت الطائرة في الجو , وتصدعت , وسقطت , ومات جميع ركابِها , عدا راكباً واحداً , أُيعقل أن تحترق طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق غابات الألب في أوروبا , وأن ينجوَ أحدُ رُكابِها ؟ هذا الراكب كانَ مقعدهُ مكان تصدع الطائرة , عندما تصدعت وقع ، نزلَ على خمسة أمتار من الثلج مكدسّة فوقَ أغصان من السرو , هذه الأغصان مع خمسة أمتار ثلج , كانت كالوسائد التي امتصت هذه الصدمة , فنزلَ واقفاً . ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾
وأعرفُ رجلاً آخر , بعيداً عن الدينِ بُعداً كبيراً , مُسرفاً في المعاصي , لسببٍ تافهٍ جداً , وهو في أوجِ حياته , وأوجِ نشاطهِ , وأوجِ جبروتهِ , قبضهُ الله عزّ وجل , أراد أن يُعدّل مكان جهاز كهربائي على الحائط , فرفعهُ قليلاً , فلما اضطر أن يستعمِلهُ , طلب كرسياً , هذا الكرسي وقف عليه , فدخل في مقعدهِ , أُخذَ إلى مستشفى , فبقي فيها خمسةَ عشرة يوماً , وتوفي في المستشفى .
الله أنقذ إنساناً , وقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم , وهذا لهذا السبب التافه قبضهُ الله عزّ وجل .
يجب أن تعلم أنكَ فقير , الله عزّ وجل لأتفه الأسباب يُعطيكَ كلَّ شيء ، ولأتفه الأسباب يأخذُ مِنكَ كلَّ شيء .
برغي في جهاز في السيارة ما كان مشدوداً , فالزيت نَزل من هذا المكان , الجهاز اضطرب ، اختل ، توقفت السيارة ، خرج صاحِبُها ليتفقد الخلل ، ضربة شمس قضت عليه , يعني هذا الصانع لو أنهُ ضبط هذا البُرغي لما مات , فـ : ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾
مُفتقر إلى الله في كل شيء .
هذا هو التمهيد لهذا الدرس ، يعني في حقيقة واقعة , هكذا أرادها الله , ولكن قبلَ كلِّ شيء , لماذا أرادَ الله أن نكونَ فقراء ؟ هُنا السؤال .
الحقيقة الأولى :
أنتَ فقير , معنى فقير ؛ أي مُفتقر , هُناك الفقر الذي أراده الله في بعض الآيات : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 60]
هذا موضوع آخر ، موضوعٌ آخر بعيد عن درسنا كُلَّ البُعد ، لكن حينما قال الله عزّ وجل : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[سورة فاطر الآية: 15]
الأصحاء والأقوياء والأغنياء والأذكياء , كلُّ الناس ، قويّهم وضعيفهم ، غنيهم وفقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ذكيهم وغبيّهم ، وسيمُهم وذميمُهم . ﴿يا أيها الناسُ أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني﴾
بهذا المعنى أنتَ فقير .
الآن السؤال : لماذا أنتَ فقير ؟
سِرُّ سعادتنا أن نكونَ فقراء , لأننا إذا افتقرنا إلى الله أقبلنا عليه , فإذا أقبلنا عليه سَعِدنا بِقُربِهِ ، أما إذا استغنينا عنهُ شقينا باستغنائِنا عنه .
فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾
[سورة النساء الآية: 28]
يا عبادي , أنا خلقتكم ضعفاء كيّ تحتموا بي ، كي تُقبِلوا علي ، كي تلتجئوا إلي ، كي تستنجدوا بي ، كي تستعينوا بي ، ولو أنيّ خلقتكم أقوياء , لاستغنيتم بقوتكم , فشقيتم باستغنائكم .
أول فكرة : هناكَ حقيقةٌ راهنة : يجبُ أن تقبلها , اقبلها أو لا تقبلها , هي حقيقة لا بدَّ من أن تستوعِبها.
الفكرة الثانية : أنتَ فقير .
الفكرة الثالثة : أنتَ فقير لمصلحتك ، لمصلحة سعادتك ، لمصلحة دينك ، لمصلحة دُنياك ، لمصلحة آخِرتك ، لمصلحة إقبالِك . معنى الفقر :
فقر بمعناها الشائع , ليست مُرادة في هذا الدرس ، إنسان دخلُهُ أقلُّ من مصروفِهِ ، إنسان يُعاني ضيقَ ذاتِ اليد ، إنسان يحتاج إلى مساعدة , هذا هوَ الفقير عِندَ الناس , أما عِندَ علماءِ القلوب وأنتَ في أعلى درجات الغِنى فقير .
ربنا عزّ وجل أحياناً يُرسل للإنسان مُصيبة لا يستطيع دفعها , ولو أنهُ يملك أموالَ الدنيا .
كُنتُ مرة عندَ طبيب قلب , جاءه هاتف أمامي من رجل , يبدو أنهُ من أغنى الأغنياء , بعدَ أن انتهت المكالمة , الطبيب أخبرني عن ذلك ، قالَ المُتكلّم للطبيب : يا أيها الطبيب , إلى أيّ مكان نأخذهُ ؟ لأنه لا يوجد أمل , قال : ندفعُ أيَّ مبلغٍ مهما بلغ , قال : لا يوجد أمل , قال : نأخذهُ إلى أرقى بلدٍ في العالم , قال : لا يوجد أمل , المرض من الدرجة الخامسة , وأيّ إنسان إذا أراد أن يستأصلهُ , لا بدَّ من أن ينمو مباشرةً ، أنا شعرت , والله اقشعرَّ بدني , شعرت أنَّ هُناكَ مصائب لا يحُلها المال ولِتملك ما تملك .
إذاً: أنتَ فقير , فالذي معهُ مال , وظنَّ نفسهُ بالمال يحل كل مشكلة , معناها جاهل , موضوع الورع والتقوى , معناها جاهل ، معلوماته غلط ، هناكَ مصائب لا يَحُلها المال مهما كانَ وفيراً .
أنتَ قوي , ربنا عزّ وجل قادر في حالات يُمرّغُكَ في الوحل ، يُذيقكَ ألوان الهوان وأنتَ قوي .
أحبّ أحدهم أن يعقد قبل يومين مؤتمراً صحفياً , وثاني يوم انتحر , وزير الداخلية , وأنتَ في أعلى درجات القوة ، ثاني يوم في أدنى درجات الضعف , فإذا قلت : أنا قوي فأنتَ جاهل ، القوي هوَ الله عزّ وجل , إذا قلت : أنا لي شكلٌ وسيم ، حادث واحد يشوهك ، هُناك أطباء للتجميل , هُناك زرع جلد , هناك ..... الجمال يذهب فجأةً , والقوة تذهب فجأةً , والمال يذهب فجأةً .
في رجل , له قصة تكاد لا تُصدّق , رجل كرهَ الإقامة في هذا البلد ، ففكر وخطط وصمم ، باع معملهُ ومحله التجاري , وباع بيتهُ , وباع سيارتهُ , وجمّعَ هذه الأموال , وحوّلها إلى بلدٍ , يعني حيثُ البحبوحة والرخاء , ليشتري البيت الفخم , ويعيش بالفوائد ، حيث نوى أن يضع مبلغاً ضخماً في المصرف , فوائدهُ تكفيهِ لأعلى درجات الإنفاق ، لغلطة بسيطة في إيداع المبلغ , أودعهُ باسم مستعار لليوم التالي , هذا الإنسان أدركَ أنَّ هذا المبلغ لهُ صار في اليوم التالي , قال : ليسَ لكَ عِندي شيء , فَقَدَ ثروتهُ كُلَها في تصرفٍ أحمق .
فأنا أُركّز على أنكَ فقير , يعني أنتَ بقوتكَ مُفتقر إلى الله ، وأنتَ قوي مُفتقر ، دعكَ من الضعيف , وأنتَ قوي مُفتقر ، وأنت غني مُفتقر ، وأنتَ صحيح مُفتقر ، ودائماً في حِكمة أرادها الله عزّ وجل أنهُ : إذا الإنسان مُختص بأحد فروع الطب , ويعتدّ باختصاصه , ويعتني بصحتهِ عنايةً بالغة ، اعتدادهُ بعِلمهِ ونسيانهُ أنهُ فقير .
شيء غريب أنَّ بعضَ الأطباء المُتخصصين بأمراض الهضم يُصابون بقرحة في المعدة ، بعض أطباء المتخصصين بأمراض معينة يُصابون بالأمراض نفسها , لماذا ؟ لأنَّ الإنسانَ فقير , فإذا ظنَّ أنهُ غيرُ فقير أدّبهُ الله عزّ وجل , لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام :
((مِنْ مأمَنِهِ يؤتَى الحَذِرُ))
هذا المثل : يُرْوَى عن أكْثَمَ بن صيفي التميمي ، أي أن الحَذَرَ لا يدفع عنه ما لا بد له منه ، وإن جَهِدَ جَهْده ، ومنه الحديث : ((لا ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ))
إذا أردتَ أن تكونَ أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك . الإفتقار :
معنى الفقر العام الشائع بين الناس : إنسان دخلهُ أقل من مصروفه , يحتاج لمساعدة , هذا المعنى لا يعنينا في هذا الدرس إطلاقاً , يعنينا قولهُ تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[سورة فاطر الآية: 15]
الحقيقة ؛ الإنسان متى يشعر بافتقاره ؟
هُناكَ طريقان :
إمّا أن تعرِفَ الله عزّ وجل وإمّا أن تعرِفَ حقيقةَ نفسك .
والمعرفة لها ثلاث طُرق :
إمّا أن تتأمل , وإمّا أن تقرأ , وإمّا أن تنظر .
التأمل في الكون : أخالِقُ هذا الكون ضعيف ؟ لا والله قوي .
الكون يُنبِئُكَ ببعضِ الحقائق وأفعالُ الله عزّ وجل تُنبِئُك .
أفعال الله عزّ وجل دائماً وأبداً يُريكَ الله لأفعالِهِ آياتٍ باهرات ، يُريكَ غنيّاً افتقرَ فجأةً ، ويُريكَ فقيراً اغتنى ، يُريكَ قويّاً أذلّهُ الله ، يُريكَ ضعيفاً أعزّهُ الله ، ألم تقل جاريةٌ في قصر العزيز , حينما رأت يوسفَ عليه السلام , كيفَ كانَ عبداً في قصرِ العزيز , ثمَّ كيفَ صارَ عزيزَ مِصر , حينما رأتهُ في موكِبهِ , قالت : سُبحانَ من جعلَ العبيدَ ملوكاً بطاعتهِ , ومن جعلَ الملوكَ عبيداً بمعصيته .
الحقيقة : في درسٍ سابق بيّنتُ أنَّ الإنسان بإمكانهِ أن يكشِفَ الحقائق من خِلال التجارب , ولكن متى ؟ بعدَ فوات الأوان , إذاً : لا قيمة لها ، في الثمانين أُدرك أنهُ القضية الفولانية هكذا , نحنُ إذا تعلّمنا العِلم ، نحنُ إذا فَهِمنا كلامَ ربّنا ، نحنُ إذا فَهِمنها سُنّة رسول الله ، نعرِفُ الحقائق في وقت مُبكّر ، نستفيدُ منها .
لذلك : دعاني اليوم في صلاة الفجر , أن أبيّن هذه الفِكرة : أنه حينما قالَ فِرعون : آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، حينما أعلنَ فِرعون إسلامهُ في نص القرآن الكريم , وقالَ : وأنا من المُسلمين , فِرعون الذي قالَ : أنا ربكم الأعلى ، فِرعون الذي ذبّحَ أبناء بني إسرائيل ، فِرعون الذي استحيا نِساءهم ، فِرعون الذي قال : ما أرى لكم من إلهٍ غيري ، هذا فرعون , هذا الطاغية , ما الذي دعاهُ إلى أن يؤمن بأنهُ لا إلهَ إلا الله حينما أدركهُ الغرق , وأن يقولَ بالحرف الواحد : وأنا من المسلمين ؟ .
استنبطت من هذه الآية : أنَّ الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن ، ليسَ هذا هو الموضوع ، الموضع أن تؤمن في وقت مناسب أو غير مناسب أو بعدَ فوات الأوان فقط ، هذه كلمة دقيقة جداً أقولُها لكم : الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن , لا والله ما هكذا الموضوع , الموضوع لا بدَّ من أن تؤمن , والدليل : أكفرُ كُفّارِ الأرض آمن , ولكن متى ؟ آمن بعدَ فوات الأوان ، بعد أن لا ينفعهُ إيمانهُ ، آمنَ وقد أمضى حياتهُ في معصية الله .
فأُعيد عليكم هذه المقولة : ليسَ الموضوع أن تؤمن أو أن لا تؤمن , هذه مُعادلة مغلوطة ، الموضوع إمّا أن تؤمن في الوقت المناسب , وإما أن تؤمن في الوقت غير المُناسب ، إمّا أن تؤمن قبلَ فوات الأوان , وإما أن تؤمن بعدَ فوات الأوان , لأنَّ فِرعون آمن وأسلم , لكنَّ الله عاتبهُ قال : ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 91]
أيُّ طالِبٍ إذا دخلَ الامتحان , وأخفقَ في الإجابة , يخرج من الامتحان , يفتح الكتاب , عَرَفَ الجواب ، متى عَرَفَ الجواب ؟ بعدَ فوات الأوان , يأخذ الصِفر وقد عَرَفَ الجواب , قضية زمن , فنحنُ قضية إيماننا بالله قضية زمن فقط , إمّا أن نؤمن ونحنُ أصحاء أشداء أقوياء في مُقتبلِ حياتنا حتى نستفيدَ من إيماننا ، وإمّا أن نؤمن بعدَ فوات الأوان بعدَ أن لا ينفعُ الندم .
فمرة ثانية : عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , وحاول أن تنزع من ذاكِرتكَ ومن ذهنكَ كل خرافة وكل جهل، الجهل معلومة غلط ، الجهل مقولة غلط ، الجهل تصور غلط ، الجهل إدراك غلط ، الجهل فلسفة غلط ، يعني قد تحمل أعلى شهادة في الأرض , وهناك في الذهن آلاف المعلومات المغلوطة .
أول فكرة :
عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , لا مع الخرافات ، لا مع الأوهام ، لا مع الشكوك ، لا مع الظنون ، لا مع التقليد , لا مع فكرةٍ بِلا دليل .
الفكرة الثانية :
أنتَ لكَ حقيقة ، لكَ واقع ، يعني أنتَ معك مركبة , قوتها 5 حصان ، عندك بضاعة 5 طن , متألم ندمان , بحثُ آخر ، هذه المركبة لا تحمل إلا خمسمائة كيلو ، هذا واقع ، فإمّا أن تُحملّها ما لا تُطيق فتُصيبُها بالخلل , وإمّا أن تتعامل معها تعاملاً واقعياً .
أنا ما أرى أنَّ المُسلم إنسان خيالي ، ولا إنسان حالم ، ولا إنسان مُخرّف , ولا إنسان عايش في أوهام ، دائماً أهلُ الدنيا يشمئزون من كل تجاوز للواقع , لستَ واقعيّاً , أنا أقول لكم : المؤمن الحق في أعلى درجات الواقعية , أنت أيها الإنسان فقيرٌ إلى الله .
في إنسان بأحد المصحات العقلية , يعني في مهجع رقم 6 ، هذا المهجع - والعياذُ بالله - بدرجة متطورة جداً , لا يُبقي على جِسمه ثياباً كما خلقهُ الله ، ويأكل من بِرازهِ , شيء لا يتصور , إنسان له أجهزة , ودماغ , وشرايين , وأوردة , وعضلات , وأعصاب , وعضلات قوية , يتحرك , ويأكل , ويتكلّم , لكن في خلل في عقله , فصارَ يأكلُ بِرازهُ , وحدثني أحدُ من أثِقُ بهِ , أنَّ له قريبةً يضعونها على سرير , ويربطونها بأربطة , ليمنعونها من أكلِ بِرازها .
أنتَ فقير إلى الله , فقير في عقلك ، فقير في عضلاتك .
لمّا قالَ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف .
عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : ((قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ , اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا , وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا , وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا , وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا , وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا , ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا , وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا))
يعني : كل عَظَمة الإنسان إن كانَ له عَظَمة متعلقة بعمل أجهزتهِ .
فلو توقفت كليتاه عن العمل , هُنا المُشكلة , انقلبت حياتهُ إلى جحيم .
لو انسدّت قناةُ العين , فسالَ الدمعُ من على خدهِ وخرش خدهُ حياتهُ جحيم .
إذا أُصيب جهاز التوازن في الأذن الوسطى بالعطب يقع لا يقف , جهاز التوازن , أنت لولا هذا الجهاز , تحتاج إلى قاعدة استناد 60 - 70 سم , والدليل : انظر إلى النماذج البشرية في المحلات التجارية , دقق في الأرض , ترى لها قاعدة استناد 70 سم , التمثال الذي يُلبسونه الثياب , بائعو الثياب الجاهزة عِندهم تماثيل , هذه التماثيل من أجل أن تقف , تحتاج إلى قاعدة استناد قطرها 70 سم ، فأنتَ لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل جعلَ لكَ قدمين صغيرتين لطيفتين تتناسبا مع قِوامك بفضل جِهاز التوازن , جهاز التوازن ثلاث قنوات : فيها سائل , فيها أهداب , لمّا الإنسان يميل , فيتحرك السائل , ويبقى مستوى السائل , ولمّا القوس مال , فيمس الأهداب , فيتحسس الإنسان , ويأخذ الاحتياط , هذا سِر ركوب الدراجة , أساساً لولا جهاز التوازن لا يستطيع إنسان ركوب دراجة ، فأنتَ مُفتقر إلى الله ، مُفتقر إلى الله بمادة أودعها الله في عينيك تمنع التجمد , لو ذهبت إلى فلندا إلى الدائرة القطبية , بإمكانكَ أن تضعَ على عينيك كمامات لتحميهما من البرد , مستحيل , لا بد من أن ترى طريقك , وهذا السائل مُلامس للجو الخارجي , أودعَ الله فيكَ هذه المادة .
أخواننا الأطباء - جزاهم الله عنّا كلَّ خير - حينما درسوا الطِب , وجدوا أنَّ حياة الإنسان تقوم على آلاف الشروط , الغدة النُخامية ملكة الغُدد الصماء , لو أصابها خلل ، الغدة الدرقية لو أصابها خلل ، الكظر , الإنسان شاهد أفعى , صورة الأفعى انطبعت على الشبكية , في الشبكية صار في إحساس 130 مليون مخروط , والعصب البصري 900 ألف عصب , نقل الصورة إلى الدماغ , والدماغ أدرك بحسب المفهومات , المفهومات بحث قائم بذاته , الطفل حينما يحبو يرى أفعى لا يخافُ منها , يُخيفهُ أبوه منها , يُنبأ أنها مؤذية , دخل المدرسة من خلال تعامله مع الواقع , ينشأ عندهُ مفهوم الأفعى , فإذا رأى الأفعى استحضرَ هذا المفهوم فخافَ منها ، لمّا خاف الدماغ أبلغ النظام الهرموني , وعلى رأسهِ الملكة , وهي الغدة النُخامية , أبلغها أنَّ هُناك خطراً ، الغدة النُخامية تُبلغ الكظر غُدتان فوق الكُليتين ، الكظر يُرسل أربعة أوامر هرمونية مباشرةً ، أول أمر يُرسِلهُ إلى القلب يُسرع , كان النبض 80 صار 180 – 150 , من أجل أن يسير الدمُ سريعاً إلى العضلات ، هرمون ثان يضيق لمعة الأوعية , لأنَّ الإنسان ليسَ بحاجة إلى شكل وردي , بحاجة إلى دم للعضلات , كي يهرب , أو كي يُقاوم ، هرمون ثالث يُسرّع الرئتين ، هرمون رابع يطرح كميات سُكر في الدم جديدة , وأنتَ لا تدري , فأنتَ مُفتقر في أجهزتك إلى آلاف الأجهزة عشرات الأجهزة والغُدد الصمّاء .
يعني مرض السُكر ما هو ؟ يعني البنكرياس يفرز مادة الأنسولين ، الأنسولين تساعد على احتراق السُكر في درجة 37, إذا قلّت هذه المادة يحتاج إلى حُقن أنسولين .
لا مفر من هذه الحقيقة : المُشكلة : أنَّ هُناك حقيقة لا بدَّ من أن تتعاملَ معها , أعجبتكَ أو لم تُعجِبك ، قَنِعتَ بها أو لم تقنع بِها ، رضيتَ بها أو لم ترض ، إنكَ فقير إلى الله , لهذا قال بعضُ العارفين بالل ه:
وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
وما لي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع ؟
أنتَ بالافتقار إلى الله غني .
من هو الغني ؟
أول فكرة :
أن تتعامل مع الحقائق .
ثاني فكرة :
اعلم عِلمَ اليقين : أنكَ فقير ؛ أيّ مُفتقر , أيّ مُحتاج .
الفكرة الثالثة :
لماذا جعلكَ الله فقيراً ؟ كي تُقبِلَ عليه , كي تستعينَ بهِ , كي تلجأَ إليه , كي تسعدَ بقُربِهِ .
الفكرة الرابعة : أنكَ إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله فأنتَ الغني , إذا كُنتَ مُفتقراً في قوتك إلى الله فأنتَ القوي , هذه أهم فكرة الذي يشعر بالغِنى , من كان له اعتماد على جِهة غنيّة جداً ، يعني طالب في بجيبه ليرة , وطالب ليسَ بجيبهِ ولا قرش , لكنَّ له أب لو طلب منه مليون لأعطاه , أيهما أغنى ؟ حسب الظاهر الأول معه ليرة والثاني لا يملك ولا ليرة , أمّا الأول ليسَ لهُ أب , يتيم , معهُ هذه الليرة فقط , أمّا الثاني ليسَ في جيبهِ ليرة , لكنَّ له أب يملك مئات الملايين , وهو يُحبهُ حُباً جمّاً , يطلُبَ منه يعطيه ما يشاء .
إذا الله عزّ وجل أفقر إنساناً أو حرمهُ شيئاً ، لا يُلقينَّ في روعِهِ أنَّ هذا إهانة لهُ . العطاء والحرمان :
قاعدة :
موضوع دقيق جداً مستنبط من قولهِ تعالى :
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[سورة الفجر الآية: 15-17]
الله قال : كلا , لماذا قال : كلا ؟ كلا أداةُ ردعٍ ونفي , يعني ليسَ إعطائي لكم إكراماً وليسَ حِرماني لكم إهانةً , عطائي ليسَ إكراماً ومنعي ليسَ حِرماناً , عطائي ابتلاء وحرماني دواء .
القاعدة الأساسية الذهبية : أنَّ كلَّ شيء آتاكَ الله إياه , لا يُمكنُ أن يُسمى نِعمةً إلا إذا استخدمتها في طاعة الله .
فالمال تعريفهُ في علم العقيدة : ابتلاء , أنفقتهُ في طاعة الله صارَ نعمة , أنفقتهُ في معصية الله صارَ نقمة .
الزوجة نعمة ؟ لا , تزوجتها حملتها على طاعة الله أصبحت نعمة , تركتها وشأنها تفسد وتُفسد هي نقمة , لذلك :
إيّاك أن تقول لإنسان آتاه الله مالاً ؛ هنيئاً لكَ , لا تقل له : هنيئاً لكَ , إلا إذا رأيتهُ يُنفقُ هذا المالَ في طاعة الله ، لا تقل لإنسان يتمتع بقوة جيدة ؛ هنيئاً لك , لا تقل له : هنيئاً لك إلا إذا استخدمَ هذه القوة في طاعة الله .
هذه قاعدة أساسية : كلُّ حظوظ الدنيا بدءاً بالمال ومروراً بالصحة والذكاء والجمال والقوة , هذه الحظوظ هي في نص القرآن الكريم ابتلاء . ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاهُ ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول - هو هذه مقولته - ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول – هو - ربي أهان كلا ﴾
لا هذا صحيح ولا هذا صحيح .
ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء .
يعني : أيها الإنسان , إذا ابتلاك اللهُ بشيء لا تشعر بالهوان , الله منع عني , وأعطى غيري , الله لا يُحبني , لا , أشعر أنَّ الله يُحبُك ولأنهُ يُحبُكَ ابتلاك .
وفي الحديث الشريف : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه , قيل : وما اقتناه ؟ قال : لم يترك له أهلاً ولا مالاً .
ما قيل عن الفقر والغنى :
وقال بعض العلماء : الفقر والغِنى ابتلاء من الله لعبدِهِ .
كم قال الله تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول ربي أهانن كلا ﴾
أي ليسَ كلُّ من وسّعتُ عليه وأعطيتهُ أكون قد أكرمته , ولا كلُّ من ضيقتُ عليه وقتّرتُ عليه أكونُ قد أهنتهُ , طيب : ما هو الإكرام ؟.
الآن : الله عزّ وجل نفى أن يكونَ إعطاؤهُ المال أو الصحة أو القوة أو الذكاءَ أو أي شيء آخر إكراماً ، ونفى أن يكونَ الحرمان من هذه إهانةً ، ليسَ إكراماً في توافرها وليسَ إهانةً في تقتيرها .
من هو المكرم ؟
إذاً :
ما تعريف الإكرام ؟
من هو المُكرّم ؟
من يذكر آية واضحةً وضوح الشمس جليّةً جلاءَ النهار , تؤكد أنَّ الإكرام هو كذا ؟ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
[ سورة يوسف الآية : 22 ]
الجواب : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 13]
المُكرّم هو الطائعُ للهِ عزّ وجل ، إذا أردت أن تعرف من هوَ المُكرّم حقيقةً ، إذا رأيتهُ مستقيماً على أمر الله .
ليسَ الوليُّ من يطيرُ في الهواء , ولا من يمشي على وجه الماء , ولكنَّ الوليَّ كلَّ الوليّ من تجدهُ عِندَ الأمرِ والنهي . حقيقة الافتقار :
ما حقيقة الافتقار إلى الله ؟
قبلَ أن نختمَ الدرس هُناك حقائق لا بدَّ من ذِكرِها .
أولاً :
الافتقار إلى الله في ظاهِرهِ تذلل , تجد رجلاً متعجرفاً , أنا فعلتُ كذا , أنا قادر أن أُنفق كذا , أنا قادر أن أُمرّغَ به الوحل , ممكن , هذا الموقف فيه استغناء واستعلاء , ومعظم المقطوعين عن الله عزّ وجل , لا بدَّ من أن تلمح في سلوكهم هذا الاعتزاز والغرور والاستعلاء والغطرسة والعُنجهية .
ماذا تستنبط من هذه القصة ؟
القصة التي تعرفونها جميعاً : لمّا أحد الملوك اسمه جَبَلةَ بن الأيهم , جاء سيدنا عمر مُسلماً , في أثناء الطواف داس إزاره أحد الأعراب من فزارة بدوي , فالتفت نحوه وهشمه بضربة أصابت أنفه , فاشتكى إلى عمر رضي الله عنه , فجاء طلب هذا الملك , كان ملك الغساسنة , قال له : أصحيحٌ يا بن أيهم ما ادعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟

قال : لستُ ممن يكتمُ شيئاً أنا أدّبتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ
قال : أرض الفتى لا بدَّ من إرضائه ما زال ظِفرُكَ عالقاً بدمائهِ
أو يُهشـــــمنَّ الآن أنفُك وتنـــال ما فعـلتهُ كفُك
قال : كيــــفَ ذاكَ يا أمـير هو سوقـةٌ وأنا عـرشٌ وتاج
كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً ؟
قال له عمر : نزوات الجاهلية ورياح العُنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً
وتساوى الناسُ أحراراً لدينا وعبيداً
قالَ : كانَ وهمــاً ما جرى في خَلَدي أنني عِنـــدكمَ أقـوى وأعز
أنا مرتدٌ إذا أكرهتني
قال : عُنقُ المُرتـد بالسيفِ تُحزّ عالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى
وأعزُّ الناسِ بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى
هذا موقف , فالإنسان لمّا يأخذ موقفاً فيه استعلاء وتكبّر وغطرسة وعنجهية وعرض عضلات وتجبّر , يبدو للناس أنهُ قوي وعزيز , يأتي المؤمن يأخذ موقفاً آخر , موقف التواضع والاستكانة إلى الله عزّ وجل , موقف الاعتراف بالضعف , موقف الاعتراف بالتقصير , يعني تواضع .
اعلم هذا :
أيُهُما أحبُّ للنفس ؟ هنا سُئِل أحد العلماء , قال : الفقر له بداية وله نهاية وظاهر وباطن ، بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ بالله .
ما في إنسان تواضع لله كرسول الله , دخلَ مكةَ فاتحاً وقد أخرجتهُ وأصحابهُ , وائتمرت على قتلهِ , ونكّلت به وبأصحابهِ ، دخلها فاتحاً , كادت ذؤابة عِمامتهِ تُلامِسُ عُنُقَ بعيرهِ تواضُعاً لله عزّ وجل ، ولا أعلمُ مخلوقاً على وجه الأرض نالَ عِزّاً وشرفاً كرسول الله .
فإذا أنت مُفتقر لله عزّ وجل فيما يبدو للناس , درويش هذا درويش ، متواضع زيادة , إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله عزّ وجل هذه بدايتُك , أمّا نهايتُك أنتَ العزيز ، أنتَ رفيعُ الشأن ، أنتَ مرهوب الجانب ، أنتَ الذي يهابُكَ الناس , فقال : بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ ، ظاهِرهُ العُدم , قد تملك ألوف الملايين وأنتَ فقير ، أنتَ من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وقد لا تملكُ شيئاً وأنتَ غني .
لذلك النبي الكريم قال : ((أنتَ من خوف الفقر في فقر))
يعني : توقّعُ المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها .
إذاً : ظاهِرُ الفقرِ العُدمُ وباطِنهُ الغِنى .
إذا الإنسان افتقر إلى الله , ما الذي يحصل ؟
سؤال :
إذا الإنسان افتقر إلى الله ما الذي يحصل ؟
إنهُ يستغني بهِ ، وإذا استغنى بهِ صارَ أغنى الأغنياء ، من هوَ الغنيُّ الحقيقي ؟ هو المُفتقر , لهذا أروعُ كلمة قالها الإمامُ عليُّ كرّمَ اللهُ وجهه قال :
الغِنى والفقر , وسكت , قال : بعدَ العرضِ على الله .
لا يسمى الغنيُّ غنيّاً الآن ، ولا الفقيرُ فقيراً ، غني غِنى طارئاً لسنواتٍ معدودة ، وفقراً طارئاً ، لكنَّ الغِنى الحقيقي أن تُطيعَ الله , وتأتيهِ يومَ القيامةِ ناجيّاً من عذابه , فقال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله .
قالَ بعضهم : إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله تعالى صحَّ الاستغناء بهِ , لن تستغنيَّ بهِ إلا إذا افتقرتَ إليه ، إن لم تفتقر إليه لا تستغني بهِ ، لا يَصِحُ استغناؤك إلا إذا افتقرتَ إليه , وإذا صحَّ الاستغناءُ بالله عزّ وجل كَمُلَ غِناك .
أعلى درجات الغِنى أن تكونَ في أدنى درجات الفقر , هذه من المُفارقات .
اسمع هذا الجواب لهذا السؤال :
سُئِلَ بعضُهم : أنفتقرُ إلى اللهِ أم نستغني بهِ ؟ فقالَ : كِلاهُما كِلاهُما , يجبُ أن تفتقرَ إليهِ أولاً , حتى تستغني بهِ ثانياً .
إذا كُنتَ في كُلِ حالٍ معي فعن حملِ زادي أنا في غِنى .
كُن مع الله ترى الله معك , واترك الكُلَّ وحاذر طمعك , وإذا أعطاكَ من يمنعهُ , ثمَّ من يُعطي إذا ما منعك .
أحد العلماء قال : غداً لا يوزنُ الفقرُ والغِنى ولكن يوزنُ الصبرُ والشُكر . الخاتمة :
خاتمة القول :
فلذلك حقيقةٌ يجب أن نعترفَ بها في الأساس : تعامل مع الحقائق , وإيّاكَ كمؤمن أن تتعامل مع الأوهام أو الخرافات أو الجهل ، وما الجهل ؟ هو اعتقادٌ مُخالفٌ للواقع ، ما العلم ؟ إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل ، ما الجهل ؟ إدراكُ الشيء على خِلاف ما هو عليه بلا دليل , فالتعامل مع الحقائق .
ثانياً : هناك حقيقةً صارخة , وهيَ أنكَ مُحتاجٌ إلى الله في كلِّ شيء .
الحقيقة الثالثة : أنَّ الافتقارَ لمصلحتك , لو أنَّ الله جعلكَ غنيّاً , لاستغنيتَ بغِناكَ عن الله , فشقيتَ باستغنائك ، جعلكَ مفتقراً إليه , كي تكونَ مفتقراً مُقبِلاً مُلتجئاً مُعتزّاً , حتى تسعدَ بهذا .
الفكرة الأخيرة :
الغِنى الحقيقي طريقهُ الافتقار إلى الله , وهذا هو حجمُكَ الحقيقي ، ورَحِمَ اللهُ عبداً عَرَفَ حدّهُ فوقفَ عِندهُ .








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:17 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : الايثار







منزلة الإيثار .
أيها الأخوة ؛ مع الدرس الثاني والعشرين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الإيثار .
هذه المنزلة مأخوذةٌ من قولهِ تعالى :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
السمة والصفة والفرق بينهما .
يعني إذا قُلت :
إنَّ في المؤمنِ سِمةً , ومعنى السِمة غيرُ الصِفة ، قد تعود عشرات الصفات إلى سِمةٍ واحدة ، فالسِمةُ أعمقُ وأوسعُ شمولاً .
فإذا قُلت :
إنَّ من سِمات المؤمن ، من خصائصهِ ، من كُليّاتهِ ، من الصفات الكبرى التي يتصفُ بها .
يعني بالتعبير الحديث جداً من مواقفهِ الأساسية : الإيثار .
ومن صِفات الكافر والفاسق والفاجر : الأَثَرَةَ , الكافر يؤثِرُ ذاتهُ على كلِّ نفس ، يبني حياتهُ على موت الناس ، وغِناهُ على فقر الناس ، ومجدهُ على أنقاض الناس ، وأَمنهُ على خوف الناس .
بينما المؤمن من خصائصهِ الكُبرى وصِفاتهِ العُظمى وسِماتهِ الأساسية : أنهُ يُؤثِرُ الآخرين على نفسه , والدليل :
هؤلاء الأنصار أثنى الله عليهم , فقال :
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
طبعاً : إذا آثرتَ الآخرين وأنتَ في بحبوحةٍ كبيرة فهذه مؤاثرة ، فهذا كرم ، أما أن تكونَ في خصاصة , هذا يُذكّرُنا بالحديث القُدسيّ : ((أحبُ الأسخياء وحُبي للفقير السخيّ أشد، أُحبُ الكُرماء وحُبي للفقير الكريم أشد))
لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((رُبَّ دِرهمٍ سَبَقَ ألفَ دِرهم))
فالإيثارُ : لاحظ الآية : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
أمّا الخصاصة تُضاعِفُ قيمة إيثارهم .
القسم الثاني من الآية : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
يُقابل الإيثار الشُح .
الإنسانُ بينَ شُحٍ وإيثار ، إن كانَ مؤمناً فهو يؤثر ، وإن كانَ غير مؤمنٍ فهو شحيح .
الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، يُنفق لَلامَهُ لماذا تُنفق يا رجل ؟ هذا المال دعهُ لكَ , ادخره لوقت الشِدة , لماذا تُنفق !!؟ أمجنون أنت ؟
الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، فإذا حصلَ هذا في يدهِ , كانَ بهِ أشح , وبَخِلَ بإخراجه , والبخلُ صِفةٌ ماديّةٌ أساسُها الشُح ، من الداخل شُح ، من الخارج بُخل ، ومن يوقَ مرض الشُح ، هذا مرض عُضال : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
فالبخلَ سلوكُ النفسِ الشحيحة ، والعطاءُ سلوكُ النفسِ المؤاثِرة الكريمة . يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ , فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ , أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا ))
[أخرجه أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
مرة ثانية : السِمةُ الأساسيةُ ، الصِفةُ الثابتة ، الحركة اليومية لغير المؤمن هي الشُح ، والصفة البارزة للمؤمن هي المؤاثرة والإيثار. مراتب العطاء :
قالَ عبد الله بن المبارك : سخاء النفسِ عمّا في أيدي الناسِ أفضلُ من سخاء النفسِ بالبذل .
الإنسان إذا تعففَ عن أموال الناس - هذا أولُ مراتب الإيثار - فإذا أعطاهم كانَ أرقى , العطاء لا يُبنى إلا على التعفف , تتعففُ أولاً وتُعطي ثانياً .
الحقيقة في ثلاث مراتب متعلّقة بالعطاء :
المرتبة الأولى : الإيثار .
أعلى هذه المراتب هي الإيثار ، الإيثار سُمي إيثاراً ؛ لأنهُ يُعطي الكثير ويُبقي القليل .
المرتبة الثانية : السخاء .
أما إذا أعطيتَ القليل وأبقيتَ الكثير , فهذه منزلة هي أقلُّ من منزلة الإيثار بكثير اسمها السخاء , سخت نفسُكَ بهذا العطاء , أعطيت القليل وأبقيتَ الكثير .
المرتبة الثالثة : الجود .
فإذا أعطيتَ بقدرِ ما أبقيت فهذا هو الجود .
فإذا أعطيتَ الكثير وأبقيتَ القليل فهذا هو الإيثار .
الإيثارُ ، الجودُ, السخاءُ ، ثلاثُ صفاتٍ أساسيةٍ للمؤمن .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَلا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا ؟
قَالَ :
(( سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً , فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ]
الأنانية , فالإنسان بينَ الأثرةِ والمؤاثرة ، بينَ أن يُفضّلَ ذاتهُ وبينَ أن يُفضّلَ غيره ، المؤمن دائماً يبتغي رِضوان ربهِ , يُفضّلُ رِضوانَ ربهِ ، هو المؤمن لا يؤثر الآخرين إلا ابتغاءَ مرضاة رب العالمين ، إذاً ماذا يفعل ؟ يتخذُ من إكرام الناسِ ومن إيثارهم على نفسهِ سبيلاً إلى الله عزّ وجل ، فالطريقُ إلى اللهِ أساسه الإيثار ، والقطيعةُ مع الله أساسُها الأثرة , الشُح , فأنتَ بينَ الأثرةِ والإيثار ، بينَ الجودِ وبينَ الشُح ، بينَ أن تُعطي وبينَ أن تأخذ , وقد صدقَ من قال :
إذا أردتَ أن تعرِفَ مقامك أمن أهل الدنيا أنت أم من أهل الآخرة دقق :
ما الذي يُفرِحُك ؟ ما الذي يُسعِدُك ؟ أن تُعطي أم أن تأخذ ؟
إذا كانَ الذي يُفرِحُكَ أن تُعطي , فأنتَ وربِّ الكعبةِ من أهل الآخرة , وإذا كانَ يُفرِحُكَ أن تأخذ فأنتَ قطعاً من أهل الدنيا .
صِفتان أساسيتان ، سلوكان عامّان ، حركتان ثابتتان : إمّا أن تكونَ من أهلِ الأثرة , وإمّا أن تكونَ من أهل المؤاثرة .
سيدنا قيس بن سعد بن عُبادة رضي الله عنهُما كانَ من الأجواد المعروفين , حتى إنه مَرِضَ مرةً , فاستبطأَ أخوانهُ في العيادة , فسألَ عنهم ، فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لكَ عليهم من الدين , الدين الذي عليهم حالَ بينهم وبينَ أن يعودوك ، فقالَ سيدنا سعدُ بن عبادة : أخزى الله مالاً يمنعُ الأخوان من الزيارة ، ثم أمر مناديّاً يُنادي من كانَ لقيسٍ عليهِ مالٌ فهوَ مِنهُ حِلٌ , فما أمسى حتى كُسِرت عتبةُ بابِهِ , لكثرةِ من عاده . مراتب الجود :
1-الجود بالنفس :
عشرة أنواع أو مراتب للجود , سأُفصّلُ فيها إن شاءَ الله تعالى , فلعّلَّ أحدنا يتخلّقُ ببعضها أو بأكثرِها أو بأقلِها ، فقالوا :
أحد هذه المراتب ربما كان أعلاها على الإطلاق : الجودُ بالنفس .
هذا الذي يُقتلُ في ساحة المعركة شهيداً، هذا الذي قدّمَ للهِ ذاتهُ, قدّمَ نفسهُ، والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجود.
النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكرَ للشهيدِ صفاتٍ تكادُ لا تُصدّق, أُولى هذه الصفات: أنَّ الله سبحانه وتعالى يجعلُ طريقةَ قتلِهِ ليست مؤلِمةً أبداً, ويجعلُ دَمَهُ له رائحةُ المِسك، ويرى منزلتهُ بالجنةِ قبلَ أن يُقتل:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 169]
ولكن بقوانين لا علاقةَ لها بقوانين الدنيا، لذلك الجودُ بالنفس وهو أعلى مراتِبهِ، وكم من حفرياتٍ تمت في بلاد الرافدين فعُثِرَ على جُثث الصحابة بعدَ ألفٍ وثلاثمائة عامٍ كما هي؟ وكم من حفريات تمت في اليرموك فعُثِرَ على أجساد الصحابةِ كما هي؟ والشهداءُ الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله, هؤلاء لهم أعلى الدرجات، أعلى درجة في الجود أن تجودَ بنفسك.
2-الجود بالرياسة :
في درجة ثانية عاليةٌ جداً, وهي الجودُ بالرياسة:
لك مكانة رفيعة ضحيّتَ بها في سبيل الله, إنسان يكون لهُ منصب رفيع أو مكانة معينة, فإذا أرادَ أن يستقيمَ على أمر الله, وإذا أراد أن يرضي الله عزّ وجل, لا بدَّ من التخلّي عن هذا المنصب, أو عن هذه المكانة, أو عن هذه المنزلة، المكانة التي يحتلّها الإنسان شقيقةُ الروح, فلذلك كثيرٌ من الذين كفروا واستكبروا وكابروا, وأبَوا أن يؤمنوا أو يُسلِموا, حِفاظاً على مكانتهم, وحفاظاً على مركزهم, وحفاظاً على رياستهم, فإذا ضحى الإنسان بمكانتهِ أو برياستهِ أو بمنصِبهِ أو بمنزِلتهِ في سبيل ربه, فقد آثر الله على مكانتهِ.
أمّا هُنا المُشكلة, المُشكلة وكما أقول دائماً: رُبما تأخذون عليّ أنني أستخدمُ هذه العبارة كثيراً: زوالُ الكونِ أهونُ -هذه العبارة ما رأيت عبارةً تُعبّرُ عمّا في نفسي خيراً منها - على الله من أن يُضيّعَ مؤمناً آثَرَ رِضاه.
آثرتَ رِضاه ويُضيّعُك؟ آثرت رِضاه ويُخزيك؟ آثرتَ رِضاه ويجعلُكَ في مؤخرة الركب؟ آثرتَ رِضاه ويُفقِرُك؟ آثرتَ رِضاه ويُشقيك؟ هذا شيء مستحيل في ذات الله عزّ وجل, لأنهُ الكريم، إنه الشكور، فأكثرُ الناس يقولون: إذا فعلتَ كذا وهو طاعة يُصيبُكَ كذا وكذا، أهكذا؟ لأنكَ أطعتَ الله عزّ وجل دفعتَ هذا الثمن الباهظ؟ لكن ما الذي يحصل؟ قد يتراءى لكَ: أنكَ إذا أطعتَ الله, جاءكَ ضررٌ كبير، وشقاءٌ طويل, لكنكَ لشدةِ حُبِكَ لله عزّ وجل تؤثِرُ ما عِندَ الله من سعادة وتُضحّي، الذي يحصل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُبدّلُ القوانين من أجلك وهي الكرامة، فهذا الذي كانَ من الممكنُ أن يثورَ ويغضب لهذا الموقف الذي وقفته, يعطِفُ ويُقدّرُ ويُبجل هذا الموقف, ويعودُ الموقف الخطير موقِفاً مُسعِداً.
أحد أخواننا الكِرام له عمل مع شركة أجنبية, ودخلهُ كبير جداً منها, وهؤلاء الموظفون يحملون في حقائبهم الخمرة إذا اشتروها من بعض المحلات, فحينما رأى مركبتهُ يوضعُ فيها الخمر, أبى عليه إيمانهُ, وأبت عليه مروءتهُ واستقامتهُ وغيرتهُ وحُبه لله عزّ وجل, فنوى أن يُضحي بكلِّ هذا الراتب الضخم, وبكلِّ هذه الوظيفة ذات الدخل المُرتفع, ويقول: لا أسمحُ أبداً لأحد أن يركب في مركبتي ومعهُ مشروبٌ حرام، فالمفروض أنَّ هؤلاء يستغنون عنهُ, وهناكَ عشراتٌ بل مِئاتٌ يتهافتونَ على أقدامهم, ليعملوا معهم براتبٍ ضخم، وحصل عكس ما متوقّع, تمسّكوا بِهِ, وبالغوا في تكريمهِ, وأغدقوا عليه من العطايا, وأَمِنوهُ على بيوتهم, وعلى أموالهم، على عكسِ ما أنتَ متوقّع.
وأقول لكَ هذا الكلام, وأعني ما أقول: إذا جاءكَ عرضٌ أو جاءكَ موقفٌ بينَ موقفين؛ إمّا أن تُطيعَ الله عزّ وجل, تُضيّع هذا الكسب الكبير, هذه الدنيا العريضة, هذا المركز المرموق, وإمّا أن تقبلهُ على معصية الله، قول جميل ورائع:
إذا آثرتَ الآخرة على الدنيا كَسِبتَ الآخرة والدُنيا، وإذا آثرتَ الدُنيا على الآخرة خَسِرتَ الدنيا والآخرة, فالجودُ بالرياسة هو ثاني مراتب الجود.
3-الجود براحته ورفاهيته :
وأمّا المرتبة الثالثة: فالجود براحتهِ ورفاهيتهِ:
الإنسان يدخل إلى بيتهُ يتناول طعام الغداء، يستلقي على السرير، يستيقظ حولَهُ أهلهُ وأولاده، بإمكانهِ أن يبقى مُستمتعاً في بيتهِ، يطلب من حين لآخر ما لذَّ وطاب، لكنهُ تركَ البيت, وتركَ المقعد الوثير, وتركَ الزوجة الوفيّة, وتركَ الأولاد الذينَ هم كالعصافير، تَرَكَ كُلَّ أؤلئك, وركبَ السيارة الأولى, ورَكِبَ الثانية, وقد يكون فيها ازدحام, ليصلَ إلى بيت الله, ليحضُرَ مجلس عِلم، أنتَ بماذا جُدت؟ جُدتَ براحتك ورفاهيتك، طُرِقَ بابُك في وقتِ راحتك: من الطارق؟ فُلان، هذا وقتُ نومي, أبلِغوه أنني لستُ مستعداً لاستقباله الآن, آثرتَ الراحة, أمّا إذا نهضت، وأجبتَ طلبه، ورددتَ لهفته وأغثتهُ، بماذا جُدتَ أنت؟ جُدتَ أنتَ براحتك ورفاهيتك, الجودُ براحة الإنسان ورفاهيتهِ, هذا أيضاً من الجود.
4-الجود بالعلم :
المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم.
-أول واحدة بالنفس، الثانية بالمكانة والمنزلة، الثالثة بالراحة, في أُناس لا يمكن أن يُضحّوا بأوقاتِ راحتهم, لا يُمكن أن يُضيعوا قيلولتهم كُلَّ يوم, لا يُمكن أن يُضيعوا سهرتهم كُلَّ يوم, لو أنَّ الناسَ تَعِبوا كثيراً هو عليهِ أن يرتاح, هذا أيضاً من ضعفِ الإيمان-.
المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم وبذله:
وهو من أعلى مراتب الجود, لأنهُ من أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً, أنَّ إنساناً كان ضائعاً، تائهاً، شارداً، شقيّاً، بيتهُ جحيم، مُشكلاتهُ كثيرة، دللتهُ على الله, فاستقام على أمرِهِ، فشعرَ بالسعادة والطمأنينة، تيسّرت أعمالهُ، يَسّرَ الله له دخلاً وفيراً، يَسّرَ الله له زواجاً سعيداً، فحينما التقيتَ بهِ, بالَغَ في شُكرِك, وأثنى على دعوتك, وقالَ لكَ: جزاكَ الله عنيّ كُلَّ خير، كُلُّ أعمالي في صحيفتك، أنتَ سببُ هِدايتي, ألا تشعر وأنتَ تستمعُ من هذا الإنسان لهذا الثناء: أنَّ الله يُحِبُك, وأنَّ الله قد رَضي عنك, وأنَّ هؤلاءِ الخلق عيالُ الله, وأنَّ أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله؟ ألا تشعر بالغِبطة أن يستخدِمكَ الله في الخير؟ ألا تشعر بالاعتزاز أن تكونَ موظفاً عِندَ الله عزّ وجل؟ ألا تشعر بالقُرب حيثُ أنَّ الله سبحانهُ وتعالى أجرى على يدكَ الخير؟ هذا شعور -يا أيها الأخوة- لا يعرِفهُ إلا من ذاقهُ.
في مجلة كُنتُ أقرؤها, هي مُترجمة كُلُّها, يعني مرة قرأتُ فيها كلمتين في مؤخرة صفحةٍ فارغة، يعني بعض المجلات يكون باقي نصف صفحة فارغة يضعون فيها حِكمة, قرأتُ هذه الكلمة ولا أنساها حتى الموت: إذا أردتَ أن تسعد فأسعِدِ الآخرين.
إذا أردتَ أن تسعد فأدخل على قلبِ الناس السرور.
مرة جاءني مُنجّد للبيت معهُ صانع، يبدو أنه فقير جداً, وجههُ كالح ومُعذّب، أنا شعرت من ملامح وجهه، من لون وجهه، من جمود نظرته، أنهُ طفل هيّن على الناس كثيراً، فنريد أن نأكل, تعال يا أخي تعال كُل معنا فتمنّعُ وخاف, تعالَ كُل، قال لي: أكلت، ألححتُ عليه أن يأكل ورحّبتُ به وابتسمتُ له, أشرقَ وجههُ، شَعَرَ كأنهُ بينَ أهلِهِ، هكذا المؤمن.
طفل صغير, أجير, مُنجد, خائف، هيّن على الناس, من أسرة فقيرة، وجههُ كالح، أكرمتهُ, ودعوتهُ إلى الطعام, وأثنيتُ عليه, حتى استأنس, أنتَ مؤمن, هذا عبد لله.
مرة قرأت حدثاً لا أنساه: الإنسان بنيانُ الله وملعونٌ من هَدَمَ بُنيانُ الله.
هذا الطفل تجعله يخاف، تُشقيه، تبتزُّ ماله, فكلّما ارتفعت معرفتُكَ بالله عزّ وجل, تشعر بعطف على الخلقِ كُلِهم، تشعر بمودة لكُلِّ المخلوقات:
هؤلاء عيالُ الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
فالرابعة: الجودُ بالعِلم.
يعني أنتَ ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً، لو فرضنا وجدت ابن صديقك ضائع, والأب على نار, قلق عليه, وشوقاً إليه، هذا الابن ابن الصديق, لو أطعمتهُ شطيرة أو ألبستهُ ثوباً وتركتهُ ضائعاً والأب يغلي، لو أنكَ أطعمتهُ وسُقتَهُ إلى أبيه حتى قرّت عينهُ بِهِ, ألا تشعرُ أنَّ سوقَكَ هذا الطفل الضائع إلى أبيه أعظم عملٍ تُقدّمهُ لأبيه؟ يعني أنت قد تُطعم الفقير، لكن هذا الفقير إذا أطعمتهُ, ثم دللتهُ على الله, حتى عَرَفَ الله، حتى أنابَ إليه، حتى رَجَعَ إليه، حتى لاذَ بِحِماه, ألا تشعر أنَّ هذا العمل هو أعظمُ عمل عِندَ الله عزّ وجل؟ أن تَرُدَّ إليهِ عِبادهُ الشاردين التائهين الضالين الذين شَقوا بالبُعدِ عنهُ, لذلك: الله شكور، ما معنى شكور؟ أيّ يشكر لك عَمَلَك, ويجعلُ كُلَّ أعمالِ الذين هديتهم إليه في صحيفتك, كُلُّ أعمالِهم في صحيفة من كانَ سبباً في هدايتهم؛ لذلك نقول نحنُ جميعاً:
اللهم أجزِ عنّا سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- ما هو أهلُه.
كُلُّ أعمالُنا في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام.
من مراتب الجود بالعلم :
أن تبذله لمن يسألك عنه :
أيها الأخوة, الجودُ بالعِلم لهُ مراتب, من الجودِ بالعِلمِ: أن تبذُلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ.
هؤلاء جبابرة العلماء, إذا ما سألت وتذللت وخضعت وانتظرت لا يُجيبُك، أمّا من مراتب الجود بالعِلم: أن تبذِلهُ لمن لا يسألُكَ عنه.
يعني أنتَ راكب في مركبة عامّة من هُنا إلى حلب, وبجانبك صديق, فسألتهُ عن عمله، عن اسمه, أنِستَ لهُ, حَدثّهُ عن الله عزّ وجل ولو لم يسألك، لكَ صديق، لكَ ابن, لكَ جار، لكَ موظف في محلك، هذا لو أنهُ ليسَ طالِباً للعِلم، ليسَ راغباً فيه، بعيداً عن أجوائهِ، حاول أن تُلقي عليه بعضَ العِلم، جُسَّ نبضَهُ بهذا العِلم، قدّم لهُ شيئاً لطيفاً، شيئاً مُحبباً، شيئاً ممتعاً، شيئاً مثيراً، لعلّهُ يتفاعلُ بِهِ، أعِنهُ على دُنياه، دارِهِ، ابذل شيئاً من الدنيا من أجل الآخرة ، فهذه المرتبة أن تبذلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ، بل تطرحهُ عليه طرحاً, هذه مرتبة عالية في تعليم الناس.
أن يقدم للسائل جواباً شافياً تاماً مستقصياً :
في مرتبة أخرى: أنَّ السائلَ إذا سألكَ عن مسألةٍ استقصيتَ لهُ جوانِبها:
شخص تسألهُ فيقول لكَ: لا يجوز, لماذا لا يجوز؟ ما الدليل؟ لا يشرح, لأنه ضيق الصدر, هنُاكَ أطباء يصفون الدواء, يقول للمريض: استعمل الدواء, والمريض يتمنى معرفة مرضه, فيضن الطبيب على المريض بكلمة أو بتفصيل أو ببيان.
مرة زرت طبيباً, على ظهر الوصفة كتب اسم المرض وتشخيصهُ وشرح للمريض, هذا المرض هكذا, وشِفاؤهُ عاجل إن شاء الله, ألقى في قلبهِ الطُمأنينة, ففي عالِم لا يُجيبُكَ إلا إذا سألتهُ, وفي عالِم حتى إذا ساءلته يُعطيكَ جواباً مُقتضباً, أمّا أن يشرح، أن يُبيّن، أن يأتي بالدليل، الغناء حرام؟ حرام طبعاً, لماذا حرام؟ الدليل: أول آية وثاني آية وأول حديث وثاني حديث -بارك الله- الآيات هكذا معناها, هكذا تفسيرها.
فالمرتبة الثانية أن يُقدّمَ له جواباً شافيّاً تامّاً متقصيّاً.
قال بعض العلماء: كان إذا سُئلَ عن مسألةٍ, ذكرَ في جوابِها مذاهِبَ الأئمةِ الأربعة إذا قدر، ومأخذَ الخِلاف، وترجيحَ القول الراجح، وذكرَ متعلقات المسألة التي رُبما تكونُ أنفعَ للسائل, فيكونُ فرحه بتِلكَ المُتعلقات واللوازم أعظمُ من فرحهِ بمسألته.
ألا يقتصر في المسألة على أحد جوانبها :
من جودِ الإنسان بالعِلم: ألاّ يقتصرَ في المسألة على أحدِ جوانِبِها:
مثلاً: النبي الكريم سُئل عن الوضوء بماء البحر, فقالَ عليه الصلاة والسلام:
((هو الطهورُ ماؤهُ -أليس هذا هو الجواب ؟ ألم ينته الجواب ؟- الحِلُّ ميتتهُ))
هذه زيادة, لو أنهُ قال: الطهورُ ماؤهُ, انتهى الجواب, قالَ: الحِلُّ ميتتهُ، أجابكَ وزاد.
مثلاً: سألوه -صلى الله عليه وسلم- عن الحُكمِ في بيع الرُطب بالتمر, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((أينقصُ الرُطبُ إذا جف؟ -التمر جاف والرُطبُ طري, البلح- قالوا: نعم, فالَ: فلا إذاً))
لو قال لهم: لا يجوز, لماذا؟ لو بِعتَ تمراً بِرُطب الوزن واحد, بعد يومين الرُطب جف, صار الكيلو نصف أو ثلاثة أرباع الكيلو, فلا يوجد تكافؤ, فلمّا نهى عن هذا البيع, أرادَ أن يُبيّن العِلة صلى الله عليه وسلم, فقالَ: أيجفُ الرُطبُ؟ قالوا: نعم, قال: إذاً فلا.
أعطاك العِلّة هُنا, هذه العِلّة عقليّة, أنت إذا كان سألكَ إنسان قد تُعطيه العِلة النقليّة، الدليل النقليّ، لكن أكمل جواب: أن تُعطيهُ الدليل العقلي والنقلي، أيجوزُ للمرأة أن تكشِفَ عن وجهها؟ تقول: لا, لماذا؟ الآية الأولى والآية الثانية والآية الثالثة وخمسة أحاديث, الآية الأولى فسّرها ابنُ عباس كذا, وفسّرها القُرطُبي كذا, وفسّرها الإمام مالك كذا, هذا دليل نقلي والعقلي موطن الجمالِ كُلهِ في الوجه, هذا الدليل العقلي، فإذا سُئِلتَ عن شيء قدّم الدليل العقلي والدليلَ النقليّ, فإذا جمعتَ بين العقلي والنقلي, فقد استوفيت المسألة, وأجبتَ إجابةً صحيحة.
هذا من أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- في بذلِ العِلم، واحد ضَمِنَ بستاناً, فجاءت جائحةً أتلفت كُلَّ المحصول في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال عليه الصلاة والسلام: (( لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا, فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ, فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا, بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ]
بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟ يعني بِعتهُ هذه الثِمار على الأشجار, وجاءت جائحةٌ, فأتلفت كُلَّ شيء, الآن تُطالِبهُ بثمانين ألف ثمن, ماذا؟ يعني المفروض أن يبيع المحصول, ويربح, ويعطيك ثمن المحصول، أمّا هذه الجائحة قضت على كُلِّ المحصول, أنتَ الآن تُطالِبهُ بثمن هذا المحصول, لوجود اتفاق، فالنبي الكريم قال: ((إن بِعتَ من أخيكَ ثمرةً, فأصابتها جائحةٌ, فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً))
يُقاس عليها أنه: ومن ينكل يدفع خمسين ألف.
لو نكل فُلان أخذتَ منهُ هذا المبلغ مُقابل ماذا؟ أنتَ عِندكَ خيارين؛ إمّا أن تُقيلهُ ولكَ أجر وإمّا أن تُلزِمهُ بالبيع، إمّا أن أرفعَ الأمرَ إلى القاضي, فيلزِمهُ بالبيع, لأنَّ فيهِ إيجاباً وقبولاً, وخالياً من كلّ تدليس وغش, وإمّا أن أعفو عنهُ, وأٌقيلَ عِثارهُ, لي عِندَ الله الأجر، الأولى عدل والثانية إحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 90]
أما في كثير من الباعة يشتري الإنسان حاجة لا تزال في غِلافِها, أرادَ أن يعيدها, تخسر هذه مائة ليرة, هذه المائة ليرة بِمَ أخذتها؟ لكَ أن تقول له: لا أُقيل عِثارك، البيع تم، ولكَ أن تُقيلَ عِثارهُ، أمّا أن تُقيلَ عِثارهُ بثمن هذا الثمن بِلا عِوض, فقال عليه الصلاة والسلام:
((فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً, بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟))
بيّن العِلة، بيّن أن هذا عقد بيع عقد معاوضة, لا بدَّ من عِوضٍ مكانَ الثمن، كلُّ عقود البيوع عقود معاوضة، لذلك اليانصيب حرام بِلا عِوض. 5-الجود بالنفع بالجاه :
أحياناً: في مرتبة أُخرى من مراتب الجود, هي: الجودُ بالنفعِ بالجاه:
يعني أنتَ لكَ مكانة عِندَ فُلان, وليّ قضيّة عِند فُلان, أتذهبُ معي إليه؟ يقول لكَ: أنا واللهِ لا أبذِلُ ماءَ وجهي لأحد، إذاً بخيل, ما دام أنا على حق، وأنا أُطالب بحق، وهذا الإنسان متعنت لكنهُ يخشاك ويرهبُ غضبك، ولكَ عليه دالّة فاذهب معي إليه، كُن شفيعي له، يقول لكَ: لا أنا لا أبذِلُ ماءَ وجهي أبداً لأحد، إذاً شحيح.
شخص لحاجاتي, لا يمكن أن أذهبَ إليه إطلاقاً, لكن طرقَ بابي أخٌ كريم, ولهُ عِندهُ حاجة, قُلتُ: أذهبُ معكَ إليه، قلتُ: لو أنَّ قضيتي عِندهُ, مهما كَبُرَ حجمُها لا أذهبُ إليه, لكن من أجلكَ أذهب, هكذا ينبغي أن نفعل, وهذا اسمه: الجودُ بالنفعِ بالجاهِ؛ كالشفاعة, والمشي مع الرجلِ إلى ذي سُلطانٍ, ونحوهِ, وهوَ زكاةُ الجاهِ, جميل هذا التفكير, زكاةُ الوقتِ: حضور مجالس العِلم والصلاة أولاً، زكاةُ الجاهِ: أن تشفعَ لمظلومٍ عِندَ من يأتمرُ بأمرك, يعني مثلاً: تحل قضية إنسان، تمسح جِراح إنسان، إذا لبستَ ثيابك, وذهبتَ إلى فُلان, وأمضيتَ من وقتِكَ ساعتين, أشعر أنَّ المؤمن الصادق لا يمكن أن يبخل بوقته إذا ذهبتَ إلى بيتِ هؤلاء يردّونَ لهُ زوجتهُ, تجمعُ بينَ زوجين، تمسحُ الأسى عن أطفالِهما، وهذا لا يُكلّفُكَ إلا أن تذهبَ إلى بيت أهلِ الزوجة, وتُقنعهم بِردِّ ابنتهم إلى زوجها, ولكَ عليهم دالّة ويرهبونك, لذلك:
أفضلُ شفاعةٍ أن يشفعَ الرجلُ بينَ زوجين في نِكاح.
6-الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه :
والمرتبةُ السادسة في الجودِ: الجودُ بنفعِ البدنِ على اختلاف أنواعِهِ: كما قالَ عليه الصلاة والسلام:
(( كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ, كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ, وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ, وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ, وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ, وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
صدقة, مُتفقٌ عليه, إنسان يحمل أغراضاً ينوءُ بِها, وأنتَ شاب, وشخص يستأهل أن تكونَ في خِدمتهِ, فحملتَ عنهُ حاجاتِهِ, بذلت الآن عضلات، بذلت جهداً عضلياً, هذه صدقة, إذا سِرتَ مع إنسان في شدّةِ قدميك هذه صدقة، إذا واحد في الطريق تبعثرت حاجاتهُ, والطريق مزدحم, وعكفتَ على هذه الحاجات, وجمعتها لهُ, هذا عمل طيب. 7-لجود بالعرض :
ومن أغربِ أنواع الجود: الجودُ بالعِرض، والعِرضُ في التعريف الدقيق: موطن المدحِ والذمِّ في الإنسان.
فأبو ضُمضُم من الصحابة الكِرام, كانَ إذا أصبحَ قال: اللهم إني لا مالَ لي -أنا فقير يا رب- أتصدقُ بهِ على الناس, وقد تصدقتُ عليهم بِعِرضي, فمن شتمني أو قذفني فهو في حِلٍ, فقال عليه الصلاة والسلام: من يستطيعُ منكم أن يكونَ كأبي ضمضم فليفعل.
لا يملك شيئاً من حُطام الدنيا, فقال: إذا واحد شتمني, أو تحدّثَ عنيّ بالسوء, فأنا أُسامحهُ, تصدّقتُ على الناس بموطن المدحِ والذمِّ فيَّ, بعرضي, هذا نوع من أنواع الجود.
8-الجود بالصبر :
في نوع آخر: الجود بالصبر:
إنسان لهُ ابن, فسيارة دهست ابنهُ, وصار في كسر، يقدر أن يأخذ تقريراً شرعياً, ويدفع السائق مبالغ طائلة, والسائق مستقيم, والحادث قضاء وقدر, وعن غير قصد, ورآه قدّم وبذل وأسعف وجهد, وليسَ له دخل كبير إطلاقاً, سلّم الولد, فأنتَ عفوتَ عنه, بعد أن اطمأنَّ الأبُ على ابنهِ, وصار في نوع من العناية الفائقة، فإذا عفوت عنهُ، فهذا جود منك, أما إذا كان عفوكَ عنه يدفَعُه إلى أن يتجاوز حدود الآخرين هذا لا يجوز، أما إذا كان في عفوِكَ عنهُ تكريماً لهُ, وتقديراً لشعورِهِ الأخلاقي, فربما في بعض المواطن, يُعدُ العفو عنهُ مكرُمة، الدليل:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 45]
واحد جرح الآخر، له حق المجروح أن يقتصَّ من الجارح, قال: فمن تصدّقَ بهِ فهوَ كفارةٌ له:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الشورى الآية: 40]
واحد خطب وعقد القِران, بعد أيام نَدِمَ ندماً شديداً، عليه نِصفُ المهر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 178]
إذا أهل الفتاة عَفَوا عن هذا الخاطب النادم, وسامحوه بنصف المهر, فهذه صدقةٌ لهم تُعد.
9-الجود بالخلق والبشر والبسطة :
المرتبة التاسعة: الجودُ بالخُلِقِ والبِشرِ والبسطة:
يكون عِندكِ موظفون، عِندكَ صُنّاع، لكَ مكان قيادي, مُعلّم مثلاً، مدير، مدير مستشفى، مدير مؤسسة، يعني أحياناً من حولك يؤنسهم أن تبتسمَ في وجوههم، يَضِنُّ عليهم بابتسامة، يَضِنُّ عليهم بكلمة شُكر، يعطيكم العافية لا يقولها, يدخل والجميع يقفون إجلالاً له وهو معرض عنهم، جلس, أعطوني القهوة، قُل: السلام عليكم, عافاكم الله, دخل الحاجب: كيف صحتك يا بُنيّ؟ كيف أحوالك؟ هل أنت بحاجة لشيء؟ هذا لا يُقلل من قدرك, أنتَ مُدير عام, وهذا حاجب, لا يُقلل من قدرك, ففي جود بطلاقة الوجه، بالسلام، بالسؤال، بالكلمة الطيبة، هذا من الجود, الدليل:
عَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ:
((رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ, لا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ, قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ, قَالَ: لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ, فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ, قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ, قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ, الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ, وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ, وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ أَوْ فَلاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ, قَالَ: لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا, قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلا عَبْدًا وَلا بَعِيرًا وَلا شَاةً, قَالَ: وَلا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ, إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ, وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ, فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ, وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ, فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ, فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ))
[أخرجه أبو داود ]
هذا معروف أن تبتسم لأخيك، طبعاً لأخيك هو مستغنٍ عنك, أمّا أن تبتسم لموظفٍ عِندك، أن تبتسم لصانعٍ صغير، يتمنى أن تبتسم بوجهه، يتمنى أن يسمعَ مِنكَ كلمة مؤنسة. 10-أقل مراتب الجود: أن تترفع عما في أيدي الناس :
أقلُّ مراتب الجود أن تترفعَ عما في أيدي الناس, هذا الجود السلبي, في إنسان يطمع بأموال الناس، يراقبون, إذا تعففتَ عن أموال الناس, فهذا أحد أنواع الجود.
لكن -إن شاء الله- في موضوع دقيق جداً, وأعلّقُ عليه أهميةً كُبرى في موضوع الجود, أرجو الله سبحانهُ وتعالى أن يُتاحَ لي في درسٍ قادم.
هو موضوع المؤاثرة: أن تؤثِرَ مخلوقاً على حظِكَ من الله عزّ وجل, هذا تَزِلُّ بهِ أقدامُ كثيرين وهم لا يشعرون, هذا الموضوع -إن شاء الله- سأوفيهِ حقهُ في الدرس القادم, يعني لا مؤاثرةَ في الخير والخيرُ كُلهُ في المؤاثرة، يعني أن أُوثر إنسان ولا أُصلي وأنا أُحدثهُ عن الله عزّ وجل, لا, آثرتهُ على صلاتك، آثرتهُ على طاعةِ ربك، آثرتهُ على حظِكَ من الله عزّ وجل، هذا موضوعٌ دقيقٌ دقيق, وأكثرُ المؤمنين قد تَزِلُ أقدامهم فيه, فينبغي -إن شاء الله تعالى- في درسٍ قادم أن نوفّيهُ حقهُ.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:19 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : الشكر









منزلة الشكر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم هي منزلة الشُكر .
تمهيد :
أولاً يقول الله عزّ وجل :
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 147]
هذه الآية أصلٌ كبير من أُصول الدين , يعني إذا شكرتم وآمنتم , أو إذا شكرتم بعدَ أن آمنتم , أو إذا آمنتم وشكرتم , ما يفعل الله بعذابكم ؟
معنى ذلك : أنكم حققتم الهدفَ الكبير الذي من أجلهِ خُلقتُم .
يعني : يتوقف العذاب والمعالجة , وأنواع البأساءِ والضرّاء , وأنواع الهموم والأحزان , بمجرّدِ أن تشكروا بعدَ أن تؤمنوا .
لا نُبالغ إذا قُلنا : إنَّ عِلّةَ وجودكَ على الأرض أيها الإنسان , أن تتعرفَ إلى الله , وأن تشكرهُ .
قد يسأل سائل : لِمَ لا يكون الهدفُ أن تتعرفَ إلى الله وتصبِرَ على حُكمهِ ؟ لِمَ اختارَ الله الإيمان مع الشُكر ؟ إليكم التفسير ، لا بدَ من مثل :
إذا قُدّمت لكَ هديةٌ ثمينة , جهاز , أنتَ في أمسِّ الحاجةِ إليه , وهذا الجهاز يُقدّمُ لكَ خدمات كبيرة , قُدّمَ لكَ بلا ثمن , كهديةٍ خالصةٍ لك , ما ردُ الفِعل عِندك ؟ .
ردُ الفِعل أنكَ تتأملُ هذا الجهاز ، تتعرف إلى مُصممهِ ، إلى من اخترعهُ ، إلى دِقةِ أجزائه ، إلى أداءِ وظائفهِ ، إلى تعقيد تركيبهِ ، كُلما تأملّتَ في دقائق الجهاز , ازددتَ إعجاباً بصانعهِ , أو ازددتَ إيماناً بِعلمهِ الرفيع , وفضلاً عن ذلك , قُدِّمَ لكَ هديةً , تشعر أنكَ ممتن .
الآن :
أنتقل من هذا المثل إلى السموات والأرض , الله سبحانهُ وتعالى سخّرَ للإنسانِ ما في السموات وما في الأرض جميعاً , كلُّ هذا الكون مُسخّرٌ لهذا الإنسان تسخيرين :
تسخيرَ تعريف وتسخير تكريم .
أرادَ الله عزّ وجل من خِلالِ خلق السموات والأرض أن يُعرّفكَ بذاتك , وأرادَ من خِلالِ خلق السمواتِ والأرض أن يمتلئَ قلبُكَ امتناناً , أن تؤمن أن تشكر , فقد حققتَ الهدفَ الكبير من وجودكَ على وجه الأرض ، لأنَّ الكون مُسخّر تسخيرَ تعريف , والتعريف يقتضي الإيمان ، وتسخيرَ تكريم , والتكريم يقتضي الشُكر .
إذا عرفتهُ وهو المُنعم , وشكرتهُ وهو المُتفضّل , فقد بلغتَ أقصى درجات الإيمان , لذلك عِندَ هذه المرتبة تتوقف كلُ أنواعِ المُعالجات , لأنَّ الله سبحانهُ وتعالى يقول :
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 21]
يرجعون إلى الهدف الذي من أجلهم خُلِقوا , يرجعونَ إلى مُهمتهم , إلى تكليفهم , إلى سرِّ وجودهم ، إذا رجعتَ إلى اللهِ , وقد عرفتهُ وشكرتهُ , وقد رأيتَ نِعمهُ , فقد حققتَ الهدفَ من وجودك ، لذلك يجبُ أن تَعُدَ الشُكرَ غايةَ وجودكَ على وجه الأرض ، إن شكرت بعد أن آمنت .
بالمناسبة لن تشكرَ قبلَ أن تؤمن :
﴿وكانَ الله شاكراً عليماً﴾
مثلاً :
إنسان زاركَ , وأنتَ مريض , ومعهُ هدية , وضعها في مدخل البيت , ودخلَ على غُرفَتِكَ , وأنتَ لا تعلم , ماذا قدّمَ لكَ من هدية , وجلسَ عِندكَ بعضَ الوقت , ثم انصرف , هل يُعقلُ وأنتَ لا تعلمُ , أنهُ جاءَ بهدية أنت تشكرهُ على الهدية ؟ متى تشكر ؟ إذا عَلِمت ، إذا جاءَ ابنُكَ , وهمسَ في أُذُنك : أنَّ فُلان قد قدّمَ لكَ هديةً , فحينما يودعُكَ , تشكرهُ على هديتهِ .
من لوازم الشُكرِ العِلمُ والإيمان ، تؤمن فتشكر , هذا الذي في ضوئه نفهم قولهُ تعالى : ﴿وكانَ الله شاكراً عليما﴾
ً
لأنهُ يعلم فهو شاكر، فمن لوازم الشُكرِ العِلمُ بالنِعمةٍ , لن تشكُرَ قبلّ أن تؤمن ، إذا آمنتَ , من لوازم الإيمان أنكَ تشكر ، إذا آمنتَ وشكرت فقد حققتَ الهدفَ الكبيرَ الكبير الذي من أجلهِ قد خُلِقت .
لم يبق الشُكرُ موضوعاً جانبيّاً , يجب أن نعرفهُ , لا , أخطرُ موضوعٍ في حياتك ، إن لم تشكر تُعذّب ، بنص الآية الكريمة : ﴿ما يفعلُ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾
المعنى المُخالف : إن لم تؤمنوا عُذبتم ، إن آمنتم ولم تشكروا عُذبتم , أما إن شكرتم ولم تؤمنوا هذا مستحيل , أمّا إن آمنتم ولم تشكروا تُعذّبوا ، إن لم تُؤمنوا تُعذّبوا ، من لوازم الإيمان الشُكر .
بادئ ذي بدء :
الشُكرُ نِصفُ الإيمان , لقولِ النبي عليه الصلاة والسلام :
الإيمان نصف شُكر ونِصفُ صبر .
أنتَ بينَ شيئين :
بينَ نِعمةٍ ظاهرةٍ لا بدَ من أن تشكرَ الله عليها , وبينَ نعمةٍ باطنةٍ هي المصيبة لا بدَ من أن تصبر ، فأنتَ بين سرّاء وضرّاء ، رخاء وشِدّة ، إقبال وإدبار ، بحبوحة وضيق ، صِحة ومرض ، قوة وضعف ، غِنى وفقر .
أساسُ الكون الاثنينية :
فالغِنى والفقر , والصِحةُ والمرض , والشِدّةُ والرخاء , وإقبالُ الدنيا وإدبارها .
فأنتَ بينَ حالين :
بينَ حالِ الصبرِ في حالة المصيبة , وبينَ حالِ الشُكرِ في حالة الرخاء ، والذي يؤكدهُ ، عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا المعنى قولهُ صلى الله عليه وسلم :
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ .
فَقَالَ : (( أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ ؟ ))
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمِمَّ تَضْحَكُ ؟
قَالَ : (( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ , إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ ))
هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( الإيمان نِصفانِ : نصفٌ شُكرٌ ونِصفُ صبرٌ ))
أولاً : الله سبحانه وتعالى أمَرَ بالشُكرِ , ونهى عن ضِدهِ , وأثنى على أهلهِ , ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ , وجعله غاية خلقهِ , ووعدَ أهله بأحسنِ جزائهِ , وجعلهُ سبيلاً لمزيد عطائهِ , وحارساً وحافظاً لنعمتهِ , وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ , واشتقَّ لهم اسماً من أسمائهِ , فإنهُ سبحانه وتعالى هو الشكور ، وهوَ يوصِل الشاكرَ إلى مشكورهِ , وهو الله سبحانهُ وتعالى , بل يُعيد الشاكِرَ مشكوراً , وهو غايةُ الربِ من عبيده , شيء خطير جداً , غايةُ الربِ من عبيده وأهلهُ هم القليل من عِباده . الآيات المتعلقة بالشكر :
والآن مع الآيات :
الآية الأولى : واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 172]
يعني علامةُ صِحةِ عبادتكم شُكرُ الله عزّ وجل . الآية الثانية : واشكروا لي ولا تكفرون .
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 152]
﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾
أُمِرنا بالشُكر ونهينا عن ضِدهِ : ﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾
﴿ وَاشْكُرُوا ﴾
أمر إلهي , وكلُ أمرٍ في القرآن يقتضي الوجوب : ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
وأثنى على أهله . ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة النحل الآية: 120-121]
كانَ عليه الصلاة والسلام تعظُمُ عِندهُ النعمةُ مهما دقّت .
لو شَرِبَ كأسَ ماء: يا ربي لكَ الحمد، لو ارتدى ثوباً جديداً ، لو دخلَ إلى بيته , رأى أهلهُ وأولادهُ في صحةٍ جيدة ، لو كانَ معهُ ثمنُ طعامهِ ، لو خرجَ بأتمِّ عافيةٍ .
كانَ عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ إلى الخلاء وخرجَ منهُ , قال :
((الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني))
وكانَ يقول أيضاً : ((الحمد لله الذي أذاقني لذّتهُ, وأبقى فيَّ قوتهُ, وأذهبَ عنّي أذاه))
إذاً : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ ﴾
وقالَ عن سيدنا نوح :
﴿ إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾
هل أنتَ عبدٌ شكور ؟ .
كانَ يُصلّي قيامَ الليل حتى تتورمَ قدماه , تقول لهُ السيدةُ عائشة : (( أتعبتَ نفسكَ , وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر , فيقول عليه الصلاة والسلام للسيدة عائشة : يا عائشة , أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ ))
الآية الثالثة : لعلكم تشكرون .
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ , سخّرَ لكم كُلَّ شيء لعلكم تشكرون , فغايةُ الخلقِ هو الشُكر .
الآية الرابعة : واشكروا له إليه ترجعون .
وقالَ تعالى :
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 17]
الآية الخامسة : وسنجزي الشاكرين .
هذه بعضُ آيات الشُكر , قال تعالى :
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 145]
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 7]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 5]
تعريف الشكر .
أُعيد على مسامعكم التعريفات الجامعة المانعة للشكر ، لقد أمرَ الله بهِ :
﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾
ونهى عن ضِدهِ : ﴿ولا تكفرون﴾
وأثنى على أهلهِ : ﴿إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾
ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ أبا الأنبياء , سيدنا إبراهيم , وجعلهُ غاية خلقهِ وأمرهِ : ﴿لعلكم تشكرون﴾
ووعدَ أهلهُ بأحسنِ جزائهِ : ﴿وسيجزي الشاكرين﴾
وجعلهُ سبباً لمزيد فضلهِ : ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
وحارساً وحافظاً لنعمتهِ, وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ: ﴿إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ صبّارٍ شكور﴾
واشتقَّ لهُ اسماً من أسمائهِ الشكور، فإنهُ سبحانهُ هو الشكور, وهو يوصِلُ الشاكِرَ إلى مشكورهِ .
يعني من الطُرق السالكة إلى الله عزّ وجل أن تشكرهُ, الشُكرُ طريقٌ إلى الله, بل إنهُ يُعيدُ الشاكِرَ مشكوراً , تشكر فتُشكر , قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 22]
أعادَ الشاكِرَ مشكوراً ، ورضاء الربِّ عزّ وجل عن عبدهِ في الشُكر :
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة الزُمر الآية: 7]
وقِلةُ أهلهِ في العالمين , تدلُ على أنهم هم خواصُّ أهلهِ , قال تعالى :
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
ما أقلَّ الشاكرين .
وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قامَ حتى تورمّت قدماه, فقيلَ له: ((تفعلُ هذا, وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكونُ عبداً شكوراً))
وقالَ عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((واللهِ يا معاذ إني لأُحِبُك -هذه شهادة ، هذه مرتبة عليّةَ نالها هذا الصحابي الجليل- فلا تنسى أن تقولَ في دُبُرِ كُلِ صلاة : اللهم أعنّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادتك))
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه : ((رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ, وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ, وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ, وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي, وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ, رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا, لَكَ ذاكراً, لَكَ رَهَّابًا, لَكَ مِطْوَاعًا, لَكَ مُخْبِتًا, إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا, رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي, وَاغْسِلْ حَوْبَتِي, وَأَجِبْ دَعْوَتِي, وَثَبِّتْ حُجَّتِي, وَسَدِّدْ لِسَانِي, وَاهْدِ قَلْبِي, وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
دعاء جميل جداً .
معنى كلمة الشُكر باللغة, قال: أصلُ الشُكرِ في وضع اللسان: ظهور أثر الغذِاء على الأبدان, أكل فظهرَ أثرُ الطعام على بدنهِ امتلاء وتورُداً وصِحةً وقوةً, فأصلُ الشُكرِ أن يظهرَ أثرُ الغِذاءِ في الأبدان, هذا في المُعجم في القاموس, يُقال: شكرت الدابةُ, تشكرُ شَكراً, على وزنِ سَمِنت, تسمنُ سَمناً, إذا ظهرَ عليها أثرُ العلف, ودابةٌ شكور, إذا ظهرَ عليها من السِمنِ فوقَ ما تأكل, وتُعطى من العلف .
وفي صحيح مُسلم: حتى إنَّ الدوابَّ لتشكرُ من لحومهم, أي لتسمنُ من كثرةِ ما تأكلُ مِنها .
وفي المعنى المجازي: ظهور أثر النعمة على العبدِ، قد تظهرُ ذِكراً, يا ربي لكَ الحمد في لِسانهِ، وقد تظهرُ امتناناً في قلبهِ، وقد تظهرُ عملاً في سلوكهِ .
الحقيقة : الشُكر لهُ درجات ، أثرُ النِعمة على العبد : قد تظهرُ النعمة عِندَ العبدِ تعبيراً بلِسانهِ , وشعوراً بقلبهِ , وسلوكاً في فعلهِ , فهُناكَ شُكرٌ قوليّ وشُكرٌ قلبيّ وشُكرٌ فعليّ .
وفي المناسبة أُولى درجات الشُكر: أن تعرفَ أنَّ هذه النعمةَ من الله .
أُولى درجات الشُكر ذو طبيعةٍ علمية ، وثاني درجات الشُكر ذو طبيعةٍ نفسيّة ، وثالثُ درجاتُ الشُكرِ ذو طبيعةٍ سلوكيّة . تعلم فتمتن فتتحرك , والتحرك كما قالَ الله عزّ وجل : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
قواعد الشكر :
1-خضوع الشاكر للمشكور :
قال: الشُكر أساسهُ خمسُ قواعد, خضوع الشاكر للمشكور: إن لم تخضع لله فلستَ شاكراً، علامة الشُكر الطاعة:
تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حبهُ ذاكَ لعمري في المقال بديعُ
لو كانَ حُبُكَ صـادقاً لأطعتهُ إنَّ المُحبَّ لمن يُـحب يُطيعُ
أُولى علامات الشُكر: أن تخضع للمشكور, أن تخضع لله، فمن فعلَ ما يشتهي, وأطلقَ لشهواتهِ العِنان, وتحرّكَ وفقَ هوى نفسهِ, وقالَ: يا ربي لكَ الحمد, فليس شاكر, وسلوكه وانحرافه وكسب ماله والتدليس في البيع والشراء واليمين الكاذبة ما هذه؟ يا ربي لكَ الحمد .
علامة الشُكرِ: طاعة الله عزَّ وجل إن لم تُطع فلستَ شاكراً .
2-حبه له:
فقال: الشُكرُ مبنيٌّ على خمسِ قواعد: خضوع الشاكرِ للمشكور وحبهُ له, يعني يجبُ أن يمتلئَ قلبُكَ حُباً لله, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
3-4-5 الاعتراف بالنعمة وثناؤه عليه بها وألا يستعملها فيما يكره :
والاعترافُ بالنِعمة: إذا حققتَ نجاحاً, لا ينبغي أن تقول: هذا جُهدي, إنما أُوتيتهُ على علمٍ عندي, هذه خبرات, هذه سنوات طويلة, من الخِبرة تراكمت بعضُها فوقَ بعض, حتى حصلّت هذه المرتبة, هذا كُفر, إذا عَزوتَ النِعمة إلى ذاتك, فهذا نقيضُ الشُكر:
﴿واشكروا لله ولا تكفرون﴾
وثناؤهُ عليهِ بها, وألا يستعملها فيما يكره . كيف تكون شاكراً .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من استعملَ قوتهُ في معصية الله فليسَ شاكراً ، من استعملَ عينهُ في معصية الله , من نظرَ بها إلى حُرُمات المُسلمين ، حينما تستخدمُ الجارحة في معصية الله , فأنتَ لا تشكر الله .
عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ, فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ, وَهُوَ يَقُولُ:
((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا, قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ, أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
يجب أن تعتقد: أنَّ هذه العين إذا غضت عن محارم الله, أغلبُ الظنِّ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذه الأُذن إن لم تسمع بها إلا ما يُرضي الله, أغلبُ الظنِ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذا اللسان إذا كانَ رطباً بذكر الله, أغلبُ الظنِ أنكَ تتمتعُ بهِ إلى آخر الحياة, وأنَّ هذا الفِكر إذا أعملته في آيات الله, أغلب الظنِ أنكَ لا تَخرَف, من تعلّمَ القرآن, متعهُ الله بعقلِهِ حتى يموت.
قيلَ: في الشُكرِ حدهُ الاعتراف بنعمةِ المُنعِمِ على وجهِ الخضوع, في اعتراف على وجه الإقرار, في اعتراف على وجه الخضوع، فإذا اعترفت بنعمة الله وخضعتَ لهُ فأنتَ شاكر, هذا الذي قُلناه قبلَ قليل: من علامة الشُكرِ الطاعة، وقيلَ: الثناءُ على المُحسن بِذكرِ إحسانهِ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[سورة الضحى الآية: 11]
وقيلَ: هو عكوفُ القلب على محبة المُنعِمِ, والجوارح على طاعتهِ, وجريان اللسان بذكرهِ, والثناءِ عليه, معرفةٌ وتعبيرُ وامتنان وسلوك كما قُلنا قبل قليل .
وقيلَ: الشُكرُ مُشاهدةُ المِنّةَ وحِفظُ الحُرمة, وما ألطفَ ما قالَ حمدون القصّار: شُكرُ النِعمةِ أن ترى نفسكَ فيها طُفيليّاً, أن ترى نفسكَ لا شيء, فأنتم هو الحقُ لا غيركم, فيا ليت شِعري أنا من أنا .
يعني: كُلما صَغُرتَ في عينِ نفسك كُلما كَبُرتَ عِندَ الله، وكُلما كَبُرت نفسُك صَغُرتَ عِندَ الله. وقال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكر .
ماذا قالَ الله عزّ وجل؟ قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة النحل الآية: 18]
من معاني هذه الآية: هل يُقال لإنسان خُذ هذه الليرة وعُدّها؟ هذه ليرة واحدة, ماذا أعدُ فيها؟ يقول الله عزّ وجل: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
قالَ بعضُ العُلماء : إنكَ إن أمضيتَ الحياة كُلها, لتُحصيَّ بركاتِ نعمةٍ واحدةٍ, أنعمها الله عليك, نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة النُطق، نعمة الشم، نعمةُ جريان الدمع في القناة الدمعية, لولاها لاضطررت أن تمسحَ الدموعَ من على خدكَ دائماً, إلى أن يحفرَ الدمعُ في خدِك أخدوداً, لأنَ الدمعَ قلوَي, فهذه القناةُ الدمعية بين محجر العين وبين الأنف سالكة, وهي من أدقِّ الأنابيب في الجسم, هذه نعمة, نعمة السمعِ, نعمة البصرِ، نعمة الشعر .
لو أنَّ الله سبحانهُ وتعالى جعلَ في الشعر أعصاباً حسيّة, إلى أينَ أنتَ ذاهب يا أخي؟ إلى المستشفى لأُجري عملية حِلاقة, تحتاج تخديراً كاملاً, لكنَّ الشعرَ فيه أعصاب حركية, ولكن ليسَ فيهِ أعصاب حسيّة, لكلِّ شعرةٍ؛ وريدٌ, وشريانٌ, وعضلةٌ, وعصبٌ مُحركٌ, وغدةٌ دهنيةٌ, وغدة صدغية, وليسَ في الشعرِ عصبُ حِسي, أين يا أخي؟ والله إلى المستشفى لأُجري عملية تقليم أظافر, لم ربنا عزّ وجل لم يجعل في الأظافر أعصاب حِس؟ هذه نِعمةٌ كُبرى.
هذه المثانة التي أكرمَ الله الإنسان بِها, تجعلُكَ تجلس ساعات طويلة، تُسافر، تُلقي محاضرة، تستمع، تدخل إلى مسجد، تجلس مع أهلِكَ ساعات طويلة, وأنتَ لستَ بحاجة إلى إفراغ المثانة, لولا المثانة لكُنتَ مُضطراً أن تُفرِغَ البولَ كُلَ دقيقة, لأنَّ كُلَّ عشرين ثانية بالضبط, تنزِلُ من كلَّ كُليةٍ نُقطةُ بول, كل عشرين ثانية, فهذه المثانة تجمعُ هذا البول بخمس ساعات, وأنتَ نظيفُ مُعطّر, مرتاح مُطمئن, وإذا أردتَ أن تُفرِغَ هذه المثانة, فقد جعلَ الله لها عضلات, لولا هذه العضلات, لا بدَ من تنفيس هواء لها, لا نقدر .
ائت بقارورة, واجعل فوهتها نحو الأسفل, وسُدَّ قعرها بإحكام الماء يبقى فيها, لا بدَ من تنفيس, طيب لولا عضلات المثانة لما أمكنَ إفراغ المثانة, هذه نعمة. التنفس حركتهُ لا إرادية .
يعني: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
أنتم عاجزون عن إحصاء النِعم، أنتم عاجزون عن إحصاء فضائلِ نعمةٍ واحدة، فلأن تكونوا عاجزين عن شُكرِ النِعم من بابِ أولى.
يعني إذا واحد جاءه مولود, وجاءته هدايا كثيرة, أيُهُما أهون: أن يُمسك قلم وورقة ويُسجّل هذه الهدايا أم أن يَرُدَّ هذه الهدايا؟ كتابتها على ورقة عملية سهلة جداً, فالإنسان عاجز عن أن يشكُرَ فضائِلَ نِعمة واحدة، فلأن يكونَ عاجِزاً عن شُكرِها من بابِ أولى, أو لا أن يكونَ عن شُكرها, فهو عن شُكرها أعجز .
قالَ أبو عثمان: الشكرُ معرفةُ العجزِ عن الشُكرِ، هذا كلام سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك .
يعني إذا قُلت: يا ربي لا أُحصي ثناءاً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك, فحينما عجزتَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك .
لو سألنا إنساناً على شط البحر المتوسط, هذا البحر كم ليتر؟ قالَ لكَ: هذا 23مليون و850 ليتر, معناها جاهل, أما إذا قال: واللهِ لا يمكن أن نعرف كم ليتر؟ عدم معرِفتهِ بعدد ليترات ماء البحر, هي معرفة لحجم البحر الكبير، عدم المعرفة معرفة, لو قال لكَ: هذا البحر كذا ليتر، لهذا قالَ بعضُ علماء التوحيد: اللهُ سبحانهُ وتعالى عينُ العٍلمِ بهِ عينُ الجهلِ بهِ، وعينُ الجهلِ بهِ عينُ العِلمِ بهِ .
يعني إذا قلت: يا رب أنا عاجز عن معرفة فضلك, هذا أحدُ أنواع المعرفة, أمّا نحنُ نُصلي له, ماذا علينا أكثرُ من ذلك؟ هذا هو الكُفر, يعني أن ترى أنَّ نعمة الله محدودة, وقد أديتها بالصلاة, وانتهى الأمر .
لذلك قال سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك، إذا اعترفتَ بعجزِكَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك.
قال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكرِ .
وقالَ الجُنيد: الشُكرُ أن لا ترى نفسكَ أهلاً للنِعمة, أن ترى الله سبحانه وتعالى تفضّلَ عليك.
وإذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضلهِ عليك, خلقَ الفضلَ ونسبهُ إليك .
وقالَ أحدُ العلماء: الشُكر استفراغ الطاقة, ويشُكرُ العامةِ على المطعمِ والمشربِ والملبسِ وقوتِ الأبدان .
عوام الناس إذا رأى في بيتهِ مؤونة، معهُ في جيبهِ مال، صحتهُ طيبة، الحمد لله الله مفضلها، لكنَّ خواصَّ المؤمنين يشكرُ على معرفة الله، يشكرُ على العِلم الذي تفضّلَ اللهُ بهِ عليه، يشكر على نعمةِ الإيمان، على نعمةِ الصبر .
سيدنا عمر قال حينما أصابتهُ مصيبةٌ, قالَ: الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمد للهِ إذ لم تكن في ديني، والحمد للهِ إذ لم تكن أكبرَ منها، والحمدُ للهِ إذ أُلهمتُ الصبرَ عليها .
قال: شُكر الخاصّة شكرٌ على التوحيدِ والإيمانِ وقوت القلوب .
الجُنيد كانَ صبيّاً, سألهُ أحدُ العلماء, قال: يا غلام, ما الشكر؟ فقالَ: الشُكرُ أن لا يُستعانَ بشيء من نِعم الله على معاصيه, فقالَ: من أينَ لكَ هذا؟ قالَ: من مُجالستك.
وقيلَ: من قصّرت يداهُ عن المكافآت, فليُطل لِسانهُ بالشُكر .
من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه, فإن لم تجدوا فادعوا لهُ .
كلمة جزاكَ اللهُ عنّي كُلَّ خير, إذا أردتم التحقيقَ الدقيق, هذه الكلمة لا تصح إلا إذا عجزتَ عن أن تُكافئَ النِعمة بنعمةٍ مثلها, إذا عجزتَ عن المُكافئة, قل: جزاكَ الله عني كُلَّ خير, أما أن تكتفي بها دائماً, كُلما قُدمت لكَ خِدمة، أخي الله يجزيك الخير وانتهى الأمر, هذا ليسَ شُكراً .
الشُكرُ معهُ المزيدُ أبداً, كلام دقيق: إذا كُنتَ في نِعمةٍ, وحَرِصتَ على أن تستمر, وعلى أن تبقى, وعلى أن لا تزول, فحصنّها بالشُكر, وإذا أردتَ أن تزيد, فَزِدها بالشُكر, فالشُكر حِصنُ, أو يحولُ بين النِعمةِ وبين زوالِها, ويدفعُ إلى المزيدِ منها, لقولهِ تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
والحديث القُدسي: ((إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم، أخلقُ ويُعبدُ غيري، وأرزقُ ويُشكرُ سِواي, خيري إلى العِبادِ نازل, وشرّهم إليَّ صاعد، أتحببُ إليهم بِنعَمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي, وهم أفقرُ شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم, تلقيتهم من بعيد، ومن أعرضَ عني منهم, ناديته من قريب, أهلُ ذِكري أهلُ مودتي ))
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]
((أهلُ شُكري أهلُ زيادتي، أهلُ معصيتي لا أُقنطّهم من رحمتي, إن تابوا فأنا حبيبهم, وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم, أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من الذنوبِ والمعايب, الحسنةُ عِندي بعشر أمثالها وأزيد, والسيئة بِمثلها وأعفو, وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِ بولدها))
وقيلَ: من كتمَ النِعمةَ فقد كفرها, ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها، وهذا مأخوذٌ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ, قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ))
أمّا هذا الكلام دقيق جداً, هُناك من يُظهر النِعمة على بيتهِ, وعلى جِسمهِ, وأولادهِ, كِبراً واستعلاء, وهُناكَ من يُظهُرها حمداً وشُكراً, شتّانَ بين الحالتين .
على كُلٍ؛ لهذا الموضوع تتمة, أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ آخر أن نتابع هذا الموضوع, الذي كما قلتُ قبلَ قليل: موضوع كبيرٌ جداً, بل هو سِرُّ خلقِ الإنسانِ في الدنيا، ونرجو الله سبحانهُ وتعالى أن ينفعنا بِما علّمنا, وأن يُعلّمنا ما جَهِلنا .







والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:21 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : الوجد







منزلة الوجد .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع والعشرين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ومنزلة اليوم هي منزلة الوجد . تمهيد .
أيها الأخوة الأكارم ؛ في الدين فضلاً عن عقيدتهِ, وعن عباداتهِ, وعن معاملاتهِ, وعن تنفيذ أوامرهِ, وعن اجتناب نواهيه, في الدين الحقيقي مشاعر، مشاعر يتذوقها المؤمن، هذه المشاعر لها شأنٌ كبير في مسيرتهِ إلى الله عزّ وجل .
يعني إذا بقي الدين معلومات، أفكار، قناعات، فلسفات، علم كلام، قيل وقال، الإنسان ينصرفُ عنهُ، وإذا بقي الدين أعمالاً مُجهِدة الإنسان يتعب، في الدين شيء أُسميه الآن : وجد بحسب موضوع الدرس ، هذه مشاعر, هذه المشاعر تغمرُ القلب، ربما كانت هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمُر القلب دافعاً حثيثاً لمتابعة الطريق .
هذه المشاعر ثابتةٌ, في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين, من حديثِ أنسِ بن مالك رضيَّ الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:
(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
الإيمان لهُ حلاوة، الإيمان في أذواق، في مشاعر مُسعدةَ، في أحاسيس طيبة، لكن أُفضّل كلمة مشاعر, لأنَّ الأحاسيس يغلبُ عليها الطابعُ الحسيّ المادي، والمشاعر يغلبُ عليها الطابعُ النفسي .
مثلاً قبلَ أن نمضي في الحديث في هذا الموضوع, الإنسان يتاجر ويشتري بضاعة بسعر، ويبيعها بسعر جيد, ويحقق رِبح يقبِضهُ نقداً خلال ساعة أو ساعات, يشعر بسرور، تجدهُ يتكلّم بمرح، عيونهُ تلمع، وجنتهُ تتورد، يميل إلى المزاح، يحاول أن يستلطف الآخرين, هذه كُلها علامة الفرح, لأنهُ فَرِحَ بِربحِ هذه الصفقة، لو أنهُ درسَ دراسةً عُليا, وأمضى سنةً بُجهدٍ شاق, ثُمَّ قدّمَ امتحانا, وبعدَ شهرٍ قرأَ اسمهُ في لوحة الإعلانات, وقد نالَ هذه الشهادة العُليا بتقدير امتياز, تجدهُ خلال أسبوع في أعلى درجات سعادتهِ, يشعر بسعادة حقيقية .
لو أنَّ إنساناً سافر إلى مكان جميل, وليسَ في قلبهِ هموم, ويملكُ المالَ الكافي, مستمتعاً بالمناظر الجميلة, وبأهلهِ, وأولادهِ, والأمور كُلُها منتظمة, يشعر بسعادة, هذه السعادة كُلُها مؤقتة, لكن إذا اتصلَ بالله عزّ وجل من خِلال استقامتهِ على أمر الله، من خلال أعمالهِ الطيبة، يذوقُ طعمَ الإيمان، يذوق حلاوة الإيمان، يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هوَ أسعدُ منّي، هذا فضلاً عن عقيدتهِ الصحيحة، فضلاً عن طاعتهِ لله، فضلاً عما ينتظره من نعيمٍ مُقيم ، فضلاً عن تنفيذهِ أوامِرَ الله، فضلاً عن تَخلُّقهِ بأخلاقِ رسول الله، فضلاً عن كُلِّ ذلك .
في الدين مشاعر مُسعِدة, هذه المشاعر المُسعِدة بمثابة المُحرك في طريق الإيمان, فإذا ضَعُفت هذه المشاعر أو تلاشت, أصبحَ الدينُ ثقافةً، معلومات، أفكار، مناقشات، قيل وقال ، عِلم ، كلام، كُتب، مقالات، تأليف، مراجع، مصادر، فهارس, انقلبَ الدين إلى معلومات، والمعلومات يعني الإنسان أحياناً يملُّها، أو يسأمُ منها، أو ينصرفُ عنها, وإذا بقي, يعملُ الأعمال الصالحة، ويخدمُ الآخرين، ويعطفُ على المساكين والفقراء، ويغيثُ الملهوفين دون أن يكونَ لهُ اتصالٌ بربِّ العالمين, حتى الأعمال الصالحة تُملّ, يقول لكَ: يا أخي مللتُ حياتي, الناس سيئون, ما الذي يجعَلَكَ تُغِذُ السير في طريق الإيمان؟ أن تذوقَ طعمَ الإيمان؟ هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمر قلبَ المؤمن, إنها موضوع هذا الدرس, مرتبةُ الوجد .
قالَ بعضُ الشُعراء:
هل الوجدُ إلا أنَّ قلبي لو دنا من الجمرِ قيدَ الرُمحِ لاحترقَ الجمرُ
يعني قلبهُ متأجج , أحياناً تجلس مع إنسان منطفئ، يعني يملُّ كُلَّ شيء, ويُملُّ الجلوسَ, معهُ قلب فارغ من أي شعور إنساني، أحياناً تجلس مع إنسان يُعطيكَ من تأججهِ الشيء الكثير. الدافع إلى طريق الإيمان .
درسنا اليوم هذا الباعث النفسي ، هذا التأجج القلبي ، هذه السعادة القلبية ، هذا الحال إن صحَّ التعبير : الذي يُسعِدُ الإنسان ويدفعُه قُدُماً في طريق الإيمان .
هذا الكلام أله أصلٌ في السُنّةِ الثابتة : وردَ في الصحيحين , من حديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
يعني الليرة والمليون تحت قدمهُ, إذا كان الله يُرضيه أن يُقدّمَ هذا المبلغ, يُقدّمُ مالهُ، يُقدمُ روحهُ، يُقدمُ وقته، لا يرضى من زوجتهُ أن تعصي الله ولو أدبرت عنهُ، ولو توتّرَ الجو بينهما، هذا الذي اللهُ ورسولهُ أحبُ إليه مما سِواهما, يذوقُ طعمَ الإيمان, أما كُلما وقعتَ في صِراع آثرتَ جانبَ الدنيا, أخي فيها فتوى هذه, والعلماء أجازوها, الناس, هذا بلاء عام يا أخي, كلما وقع صراع بين ما يُرضي الله وبينَ ما يُحققُ مصالِحُه,و مالَ إلى جانبِ مصالحهِ .
آثرَ الدنيا على الله ورسوله، آثرَ رِضاء زوجتهِ على الله ورسوله، آثرَ رِضاء شريكهِ على الله ورسوله، آثرَ تحقيقَ أرباحٍ فيها شُبُهات على اللهِ ورسوله، حيثُما تُؤثِرُ شيئاً من الدنيا على الله ورسوله, لا تذوقُ طعمَ الإيمان, يُصبِحُ القلبُ متصحّراً، جافاً، جلموداً، صخريّاً .
ولي منه أولياءَ الله عزّ وجل ذُكِرَت الله بِه, لو رأيتَ مؤمناً ذاقَ طعمَ الإيمان, بمجردِ أن تقعَ عينكَ عليه, تذكرُ الله عزّ وجل، تتمنى أن تتوب، تتمنى أن تُصلي، تتمنى أن تعمل الصالحات . ((أولياءُ أُمتي إذا رُؤُا, ذُكِرَ الله بهم))
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
يعني تنشأ في مجتمع المؤمنين علاقات عجيبة جداً؛ لا قرابة, ولا نسب, ولا مصلحة, ولا جِوار, ولا زمالة في العمل, ولا آمال, ولا مُصاهرة, تجدُ أنكَ تُحبُ أخاكَ في الله حُباً لا يوصف, لو جلستَ معهُ ساعاتٍ طويلة, تشعر هل من مزيد؟ إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن دون أن تكون هُناك مصلحة علاقة، نسب، مُصاهرة، زمالة، جِوار، مشروع مستقبلي, أبداً, لا تبتغي منهُ جزاءاً ولا شكوراً، لا تُحبهُ إلا لله، إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن لوجه الله تعالى دونِ مصالح, ذُقتَ طعمَ الإيمان .
هذه علامة ثانية: قال : (( وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
هذا الذي آمن واستقام على أمر الله, إذا نَدِمَ على توبتهِ, يقول لكَ: والله رفاقي مبسوطون, وأنا ذهبت, والتحقت بالجامع, وأصبحت مُقيّداً, وإذا قصّرت يحاسبونني, وإذا ذهبت إلى المكان الفولاني يؤاخذونني, هذا الذي نَدِمَ على أنهُ آمن، أو يتمنى أن يعودَ كما كان ، هذا ماذا قطعَ من الإيمان؟ .
من علامة الإيماني: مثلاً إنسان ساكن في بيت قميء، مُظلم، فيه رطوبة، بحي مزدحم, يعني مُشكلات لا تُعد ولا تُحصى، نُقِلَ إلى بيتٍ واسعٍ, فخمٍ, مشمسٍ, في حيٍ راقٍ, هل يتمنى أن يعود لهذا البيت؟ مستحيل, كان يعمل في وظيفة متواضعة, ودوامها طويل, وحولِهِ ضغط شديد، وشيء من الإذلال، ودخلهُ لا يكفيهِ ثلاثة أيام، اشتغل بالتجارة, وربح أرباحاً طيبة، أصبحَ سيد نفسهُ، دوامهُ بيدهُ، يتمنى أن يعود كما كان موظفاً؟ يكون مجنوناً .
فإذا الإنسان آمن إيماناً حقيقياً، واتصل بالله اتصالاً حقيقياً، وذاق طعمَ الإيمان، وشعرَ كيفَ كان، في أيِّ الوحول كان، كان مع القاذورات، كان مع أشخاص على درجة من الانحطاط، في مِزاحهم، في علاقاتهم، في سفرهم، في شراكتهم، في مُرافقتهم، مُزاح على أنانية, على حقارة, على حبِ الذات, على استعلاء, على مُزاح غليظ, فصاحبَ أُناساً طيبين طاهرين, أخلاقهم طيبة, يتمنى أن يعودَ لهؤلاء المجرمين؟ هذه أمثلة من واقع الحياة .
فلذلك: وأن يكرهَ أن يعود في الكُفرِ بعد إذ أنقذهُ الله منهُ كما يكرهُ أن يُلقى في النار.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
هذا الإنسان ذاقَ طعمَ الإيمان, والأصح: ذاقَ حلاوة الإيمان, الإيمان لهُ حلاوة .
آيةٌ ثانية تؤكِدُ هذه المنزلة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 14]
حقيقة حلاوة الإيمان .
هُنا في سؤال دقيق: سيدنا جعفر مثلاً, ما الذي دعاهُ حينما جاءَ سيفٌ فقطعَ يمينهُ وأصبحت يدهُ على الأرض؟ لماذا لم يترك فرسهُ فجأةً ويقول يدي؟ وا أسفاه على يدي؟ لماذا أمسكَ الراية بيدهِ الثانية, جاءت ضربة سيفِ ثانية قطعت يدهُ اليُسرى, فمسكَ الرايةَ بعُضُدِيه؟ هنا في سؤال دقيق: هو بشر من بني البشر, ما الذي جعلهُ يتحمل هذه الآلام, آلام قطعِ اليد الأولى والثانية ويصبر؟ إنها حلاوة الإيمان .
سيدنا خُبيب: حينما أرادوا أن يصلبوه, فطلبَ أن يُصلي ركعتين قبلَ أن يُصلب, وقد هُيئَ الجدار, وهُيئت السِهام, ليُصلبَ على جِذعِ نخلة, ويُلقى بالسِهام حتى يموت, قيل لهُ: أتحبُ أن يكونَ محمدٌ مكانك وأنتَ في أهلك؟ والله شيء غريب، والله الإنسان يبيع أهلهُ في هذه الحالة, يبيع دينهُ, ويبيع إيمانه, هكذا الناس, ما الذي جعلَ هذا الصحابي الجليل ينتفضُ ويقول: واللهِ ما أُحبُ أن أكون في أهلي وولدي, -جالس في بيتهُ, زوجتهُ أمامه, وأولادهُ أمامهُ, وطعام طيب، بالشتاء البيت دافئ تدفئة مركزية, وبالصيف تكييف, الورود على الطاولة، ألوان الطعام والشراب، كل أجهزة اللهو موجودة, قالَ-: واللهِ ما أحبُّ أن أكونَ في أهلي وولدي, وعِندي عافيةُ الدنيا ونعيمُها, ويُصابُ رسولَ الله بشوكة؟ انظر: ما الذي جعلهَ يموت عن أن يكفر بمحمد، يموت صلباً، السهام تلوشهُ؟ .
طيب هذه المرأة التي فقدت زوجها وأباها وابنها وأخاها, يعني لا يمضي ألف سنة حتى تُصاب امرأة بوقت واحد؛ بزوجها, وابنها, وبأخيها, وبأبيها, وقد عَلِمت بموتهم جميعاً في معركة أُحد, تقول: ما فعلَ رسول الله! تُريد أن تسألَ عن رسول اللهِ فقط, ماذا في قلبِها؟ لو لم يكن في قلبِها حلاوة الإيمان لما فعلت هذا .
يعني ظهر من الصحابة أفعال العقل لا يُصدقُها, لولا ما ذاقوه من حلاوة الإيمان .
أنا مرة سألت طبيب قلب, قُلت له: صِف لي بعضَ حالات الوفاة التي يعانيها بعض المرضى, يعني مريض بالقلب, جاءتهُ الوفاة, والله ذكرَ لي قصصاً غريبة, قال لي: بعض الناس يضرب نفسه، وبعضهم يصفرُّ وجهه, ذكرتُ لهُ قصة سيدنا ربيعة, النبي الكريم تفقّدهُ, وقال: ابحثوا لي عنهُ، ذهب صحابي إلى أرض المعركة, رآهُ بينَ القتلى, لكنهُ يتنفس, قال لهُ: يا ربيعة, أمرني النبي أن أسألَ عنك, هل أنتَ بينَ الأحياء أم بينَ الأموات؟ قالَ لهُ: أنا بينَ الأموات .
قال لهُ: بلّغ رسولَ الله مني السلام, وقُل له: جزاكَ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبياً عن أُمته, وقُل لأصحابِهِ: لا عُذرَ لكم إذا خُلِصَ إلى نبيّكم وفيكم عينٌ تطرُف.
في أيّةِ سعادةٍ هذا الإنسان؟ في أيّةِ سعادة وهو يُفارق الدنيا؟ .
أقول لكم الآن كلمة: ذاقَ حلاوة الإيمان, إذا ذُقتَ حلاوة الإيمان, واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, يستوي عِندكَ التِبرُ بالتُراب, الذهب مثلُ التُراب .
سحرة فرعون لمّا ذاقوا حلاوة الإيمان:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 71]
بماذا شعرَ هؤلاء؟ .
الملكة بلقيس حينما تخلّت عن مُلكِها دفعةً واحدة, قالت: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 44]
الإنسان سهل يتخلى عن مُلكهِ, هكذا بلحظة, ماذا شعرت؟ هذه حلاوة الإيمان .
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, قال:
((أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
سيدنا الصدّيق أعطى كل مالهُ لرسول الله، قالَ: يا أبا بكر! ماذا أبقيتَ لك؟ قالَ: اللهَ ورسولهُ .
سيدنا أبا يحيى وهو في الهجرة, تَبِعهُ كُفارُ قريش, وألقوا القبضَ عليه, ليعيدوه إلى مكة، قالَ: إذا أعطيتكم كُلَّ مالي أتتركوني؟ قالوا: وأينَ مالُك؟ قالَ: في مكة, المكان الفلاني, فخلّوا عن سبيلهِ, وانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام, وحدّثَ النبيَّ بما حصل، قالَ: رَبِحَ البيعُ أبا يحيى, رَبِحَ البيعُ أبا يحيى .
يعني أنا أقول لكم: الذي يجعل المؤمن يُضحّي المال تحت قدمهُ، الدنيا كُلها إذا تعارضت معَ دينهِ لفظها ورفضها, هو حلاوة الإيمان, إذا ذاقَ حلاوة الإيمان، والله إذا ذاقَ حلاوة الإيمان لا يُضحّي بشيء، يجد لكل معصية فتوى, إذا لم يذق حلاوة الإيمان مع مصالحهُ, مع الدنيا, مع شهواتهُ, مع رغباتهُ, يحتاج إلى دين خاص، يُصلي صلاة لا تُكلّف، يُصلي ويصوم ويحج ويُزكي، لكن يريد مصالحهُ وشهواتهُ وتجاراتهُ وحركاتهُ وسكناتهُ، فإذا الإنسان ما ذاقَ حلاوة الإيمان, لن يستقيم على أمر الله .
﴿وربطنا على قلوبهم﴾
يعني وألقينا في قلوبهم من حلاوة الإيمان, ومن مواجد أهلِ الحُب, ألقينا في قلوبهم معاني القُرب، ألقينا في قلوبِهم أنوار الحق، ألقينا في قلوبهم تجليات، ألقينا في قلوبهم السكينة، حتى ظهرت منهم هذه الأعمال البطولية, شيئاً لا يُوصف, لو قرأتم تاريخَ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم, لوجدتم أنهم بشر ولكن ليسوا كالبشر, لا لشيء, إلا أنَّ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم محبته، ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان، ألقى في قلوبهم أنوارهُ، ألقى في قلوبهم تجلياتهُ، ألقى في قلوبهم سكينتهُ .
قال : ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربُنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوَ من دونهِ إلهاً لقد قُلنا إذاً شططاً﴾
أهلُ الكهف كانوا يعيشون في ظِلِ سُلطانٍ كافر, وكانوا في بحبوحةٍ, وفي حياةٍ واسعةٍ ناعمةٍ إلى أقصى الحدود، تركوا حياة البذخ والترف والنعيم والشهوات، ولجؤوا إلى كهفٍ خَشِنٍ مظلِمٍ مُخيفٍ, لكنَ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان .
لذلك: هذا ما قالهُ بعض العارفين بالله: لو يعلمُ الملوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليه بالسيوف.
بقلب المؤمن سكينة، تجلّى أنوار، مشاعر مُسعِدة، شعور بالأمن، شعور بالرِضا، شعور بأنَّ اللهَ راضٍ عنك، الشيء الذي لا يوصف, لذلك من أجلِ هذا يتحمّلُ كلَ شيء, يصبرُ على الطاعات، يصبرُ عن الشهوات .
الإنسان شب في أول حياتهُ، امرأة سافرةٌ متبذلةٌ في ثيابِها, تكشِفُ عن مفاتِنها، ما الذي يجعلهُ يَغضُ طرفهُ عنها؟ والله هيَ جميلة, وقد ركّبَ الله حُبَ النساء, ما الذي يجعلهُ يُديرُ وجههُ عنها؟ أنهُ ذاقَ حلاوة الإيمان, فلو أنهُ نظرَ إليها فقدَ حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان أغلى عِندهُ من النظرِ إليها .
صحابي جليل, لهُ زوجة يُحبها جداً، قالت لهُ: أُريد كذا وكذا، قال لها: إنَّ في الجنة من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نور وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهون من أن أُضحي بِهنَّ من أجلك .
أُم سيدنا سعد قالت لهُ: إمّا أن تكفر وإمّا أن أدعَ الطعام، قالَ: يا أمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً, ما كُنتُ لأكفُرَ بمحمد, فكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي.
هذا درسُنا الوجد .
فإذا أردتَ أن يمتلئَ قلبُكَ بالوجد، بالحُب، بالمشاعر المُسعِدة, أردتَ أن تذوقَ حلاوة الإيمان، أنا أدُلُكَ على الطريق: أولاً: أطع الله عزّ وجل, طاعتُكَ للهِ وحدها, تغمرُ قلبكَ بالمشاعر المُسعِدة, لو الله عزّ وجل لم يُلق على قلبِ هؤلاءِ هذه السعادة؛ لآثروا الدنيا، ولانشغلوا بملذاتها، ولغفلوا عن ذِكرِ الله عزّ وجل، ولاتبعّوا الشهوات . مراتب الوجد :
الآن أربع مراتب للوجد :
1-التواجد :
أول مرتبة : التواجد, هذه الصيغة فيها معنى التصنع، التباكي, التمرض, التواجد, التغابي, وزن تفاعلَ: بمعنى تصنّعَ الشيء: ليسَ الغبيُّ سيداً في قومهِ لكنَ سيدَ قومهِ المتغابي
أحياناً المتغابي: يكون أعلى درجة من أنواع الذكاء، ويكون هو ذكي جداً، لكن الموقف يقتضي ذلك, يتغابى .
التواجد, يتباكى, يعني عملية تصنع الوجد، التواجد: عملية تصنُع الوجد .
قال: هذه أول مرتبة وهي أضعفُ المراتب، اختلفَ العُلماء في هذه المرتبة: مقبولة أم مرفوضة؟ قال: إذا أرادَ بالتواجد أن يكتسبَ ثناءَ الآخرين مرفوضة، أمّا إذا أرادَ بالتواجد أن يصِلَ من خِلالها إلى حقيقة الوجد مقبولة، لقول النبي الكريم: وَقَالَ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .
وَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
أنتَ تعمل نفسكَ متأثراً, وتتباكى, وتُغمض عينكَ, وتحاول أن تبكي, هذا التواجد, عملية تصنُع الوجد, فإن فعلتها لانتزاع إعجاب الناس, هذا نِفاق, والله وهذه المرتبة مرفوضة ، أمّا إن فعلتها لعلكَ تُحصّلُ الوجدَ الحقيقي مقبولة .
في عنّا أثر: عن سيدنا عُمر يؤكدُ ذلك: سيدنا عمر رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر يبكيان في شأنِ أسارى بدر, وما قَبِلوا منهم من الفِداء, فقالَ عُمر رضي اللهُ عنه: أخبراني ما يُبكيكُما, فإن وجدتُ بُكاءاً بكيت, وإلا تباكيت, هذه مرتبة مقبولة من جهة، مرفوضة من جهة، مقبولة إذا أرادَ صاحِبُها أن يصلَ من خلالها, أن يصلَ إلى الوجد الحقيقي, تأسيّاً بالنبي عليه الصلاة والسلام, حينما قال:
((إنما العِلمُ بالتعلُم، إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم))
يعني أنت غضوب بالأصل, لكن النبي أمرنا بالحِلم, وضغط الأعصاب, وأنت من الداخل تغلي غلياناً, لكنك ضابط لأعصابك, وتصك أسنانك, وتعُض على يديك, لم تفعل شيئاً , هذا التحلّم، مرة على مرة، الله عزّ وجل يصبِغُ عليكَ خُلُقَ الحِلم، تُصبح حليم أصلي, الأولى حليم تطليع، تُصبِحُ حليماً أصالةً, وطبعاً هكذا النبي علَمنا: إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم .
زاركَ ضيف من محل بعيد, تُعاكس نفسكَ, وتعمل له عشاء، لكن مرة مع مرة تُصبِحُ كريماً جواداً, إنما الكرمُ بالتكرّم .
فقال: هذا التواجد تصنعُ الوجد, إذا كان صاحِبهُ فعلهُ رياءً وسُمعةً, لينتزعَ إعجابَ الناس، ليبتزَّ أموالهم .
فهذا الخُلق مرفوض، أما إذا فعلهُ ليجلبَ بهِ الوجدَ الحقيقي, هذا الخُلُق مقبول, هذه مرتبة . 2-المواجيد :
المرتبة الثانية: المواجيد, يعني تقرأ القرآن تُحِس بسعادة، تذكُر الله عزّ وجل تُحِس بسعادة، تدعو الله دُعاءً صادِقاً حقيقيّاً في السجود, يا ربي احفظني، يا ربي ألهمن الخير، يا ربي سدد خُطاي، يا ربي أعن على نفسي، يا ربي إني تبرأتُ من حولي وقوتي, دُعاء صادق تُحِس بسعادة, دُعاء صادق تُحِس بسعادة، ذِكر حقيقي تُحس بسعادة، تِلاوة قرآن تُحِس بسعادة.
قال: هذه المواجيد نتائج الأوراد والتلاوات والعبادات والطاعات, الطاعات والعبادات والأذكار والأوراد والتفكرات والأدعية, هذه كُلها تُسبب مواجيد, هذه المرتبة الثانية .
3-الوجد :
المرتبة الثالثة: الوجد, قال: هوَ ثمرة أعمال القلوب, من أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنعَ لله، فقد ذاقَ حلاوة الإيمان, القلب لهُ عمل:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
القلب إذا انصرفَ عن الدنيا, والتفتَ إلى الله عزّ وجل, هذا العمل اسمهُ: عمل القلب ، من ثِمار عملِ القلبِ الحُب, الوجد, هذا الذي قالَ عنهُ النبي صلى الله عليه وسلم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
4-الوجود :
أما المرتبة الرابعة: الوجود, يعني أن تجدَ الله، أن تصلَ إليه، أن تعبدهُ كأنكَ تراه، أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تراهُ من خِلالِ كُلِّ شيء، أن تراهُ فوقَ كُلِّ شيء، أن ترى يدهُ فوق يدِ كُلِّ مخلوق:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
أن تراهُ معكَ حيثُما ذهبت، حيثُما توجهت وصلت إلى الله، هذه نهاية طريق الإيمان ، هذه نهاية المطاف .
التواجد : تصنُع الوجد .
المواجيد : مشاعر مُسعِدة , تعقِبُ الأوراد والأذكار والطاعات وتِلاوة القرآن.
الوجد : ما يشعر بهِ قلبُكَ من حُبٍ للهِ عزّ وجل , هذا الوجد من ثمرةِ أعمال القلوب .
أما الوجود : أن تجدَ الله .
كيفَ أرخميدس حينما وضعَ يدهُ في حوض الماء, فشعرَ بقوةٍ تدفعُها نحوَ الأعلى، فخرجَ من الحمام يقول: وجدُتها وجدُتها .
فلذلك الإنسان يمضي عليه ثلاثون عاماً، عشرون عاماً، عشرة أعوام دروس عِلم، مجالس عِلم، بذل، تضحية، دفع أموال، صدقات، خِدمة الناس، خِدمة أهل الحق, مع تِلاوة قرآن، طلب عِلم, يقول لكَ: تعبان, لم أرتح اليوم, إذا في نهاية المطاف وصلَ إلى الله, وصلَ إلى كُلِّ شيء، إذا في نهاية المطاف وجدَ الله, وجدَ كُلَّ شيء، يا ربي ماذا وجدَ من فقدك؟ وماذا فقدَ من وجدكَ؟ .
هذه أعلى مرتبة في مرتبة الوجد: الوجود, أن تجدَ الله، يعني أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تشعُر منهُ بأنكَ قريبٌ منهُ, وأنهُ قريبٌ منك، أن تشعر بوجودهِ في كُلِّ قِصةٍ تسمعُها, هوَ الفعّال، هو الحكيم، أعطى هذا، منعَ هذا، رفعَ هذا، خفضَ هذا، أعزَّ هذا، أذلَّ هذا، أكرمَ هذا، منعَ هذا، ترى يدَ الله تعملُ في الخفاء، إليهِ يرجُعُ الأمرُ كُلهُ، تفهم الأمور كلها فهماً آخر، تفهم كُل شيء تسمعهُ فهماً من خِلالِ رؤيتِكَ للهِ عزّ وجل، هذه عقيم، هذه جاءت بأولاد ذكور، هذه بأولاد إناث، هذا زوج سعيد بزوجتهِ، في سبب، الله عادل، هُناك أعمال تُبرر لهُ هذه السعادة .
كيف نصل الى مرتبة الوجد؟ :
سؤال كبير جداً :
كيفَ نصِلُ إلى مرتبة الوجد ؟
العُلماء قالوا : هُناك ثلاثة منافذ للوجد : السمع ، والبصر ، والفِكر .
1-عن طريق السمع :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
تسمع الحق في مجلس عِلم, أنتَ بشر ولكَ فِطرةَ عالية, تسمع حديثاً عن كرم الله عزّ وجل، عن عظمة الله فتهتز، منذُ يومين كُنتُ في عقد قِران, فتكلّمتُ نقطة من نقاط عِلم الفلك, شعرت صار في هزّة، لا إله إلا الله معقول!! شعرت كأنها أحدثت صدمة. فإذا واحد استمع, يعني أصغى للحق مرات عديدة, حصلت له هزة .
يعني هو الإنسان التاجر, يُتاجر ثلاثين عاماً، يشتري صفقة واحدة, فيربح مِنها إلى ولد ولده، وأيضاً المؤمن ساعة من ساعات نفحات الله عزّ وجل, لا يعرف بالدرس بأوله أم بآخرهِ أم بنصفه, درسين وثلاث ولم يشعر بشيء، قد يأتي درس, يصل الحديث إلى شِغاف قلبهِ، المُتكلّم أحياناً يضع على جُرحِك, يُعطيكَ الحل, تشعر فتقول: إي والله، لا إله إلا الله وتكون التوبة النصوح, ويكون الصُلحُ معَ الله عزّ وجل, لا تعرف، فالسماع طريق؛ احضر مجالِسَ العِلم، استمع للدروس، يجوز في درس من الدروس تتألق .
يعني كأنهُ في قِوى كامنة بهذا الدرس تفجرّت، في مشاعر جاشت، في مطامح تحققت.
كما قُلتُ لكم مرة: أحد العارفين, أظنهُ ذو النون المصري, حدثتُكم عن هذا في خُطبة الجمعة الأسبوع الماضي, هذا رجل يقول لكَ: أنا في حيرة, قُلتُ: أينَ قلبي؟ يعني في شعور بالضيق, رأى امرأة تفتحُ الباب, وتُلقي ابنها خارِجَ البيت, وهو يبكي، ضربتهُ, وألقتهُ خارِجَ البيت, وأغلقت الباب، هذا الطفل تلّفت يميناً وشِمالاً, فصارَ يبكي، عادَ إلى بيتِ أمهِ, وطرقَ الباب, قالَ: يا أُمي, من يقبلني إن طردتني؟ إلى أينَ أذهب؟ فنظرت إليهِ من خُرمِ الباب, فرأتهُ يبكي، فتحت الباب، وأخذتهُ وقبلّتهُ، ووضعتهُ في حِجرِها، وقالت: يا قُرّةَ عيني, يا عزيز نفسي, أنتَ حملتني على أن أفعلَ بِكَ ما فعلت, لو أطعتني لم تر منّي ما تكره، هذا ذو النون المصري, صاحَ بأعلى صوتهِ, قالَ: وجدتُ قلبي .
يعني أخذَ من هذه القِصة عِبرةً عميقةً جداً: أنَّ الله عزّ وجل لا ملجأَ منهُ إلا إليه، إذا أنتَ خِفتَ من إنسان, تهرب منهُ إلى واحد آخر، أما إذا خِفت من الله عزّ وجل, ما في إلا الله, لا ملجأَ منكَ إلا إليك، فهذا الطفل أدركَ إلى أين يذهب؟ لا يوجد سِوى أُمهُ، هيَ طردتهُ، ليسَ لنا سِوى الله عزّ وجل, والله أنا أجمل كلمة أقولها: يا رب ليسَ لي إلا أنت, ما في غيرك .
كل ما وثِقتَ بإنسان تجدهُ، إذا وضعت ثِقَتُكَ بإنسان, والله هذه الشغلة فوق طاقتي يا أخي، ليست بيدي لا تؤاخذني، طبعاً بنعومة أنسحب, أما إذا كان واحد وضع ثِقتهُ بالله عزّ وجل, يا رب ليسَ لي إلا أنت, فلذلك: السمع طريق, احضر مجالِسَ العِلم لا تزهد فيها، هذه موائد الرحمن، وحينما تحضُرُ مجالِسَ العِلم تدفعُ زكاةَ وقتِك، وحينما تدفعُ زكاةَ وقتِك أنتَ في بيت الله, واللهُ في حاجتك, وحاجةِ أهلِكَ وأولادك, هم في مساجِدهم والله في حوائجهم, وإذا الإنسان ضنّ بوقتهُ الثمين عن أن يحضر مجلس عِلم، الله عزّ وجل يمكن أن يهدِرَ لهُ أربعة أخماس وقته في موضوعات سخيفة وأشياء تافهة .
ركّب المُحرّك خِلال ثماني ساعات, فنسي قشرة, ففكهُ مرةً ثانية, نسيها أثناء تركيب الآلات, يكون في قطعة مكانها, أول حركة فينساها, يُنسيه إياها الله عزّ وجل, يعمل ثماني ساعات, أنا اليوم لن أذهبَ للدرس ثماني ساعات أهدرها لهُ والدرس ساعة, ذهبَ مِنكَ ثماني ساعات .
قال لي أخ: لشدة ضغط الأهل عليّ, تركنّا درس الجمعة, أخ يحضر معنا, وإنسان كريم جداً, وصل إلى بقين لكي يُملئ الماء, شاهدَ شاباً ناعماً, قالَ لهُ: أعطني عم لكي أملؤهُ لكَ, فذهبت محفظتهُ, قالَ لي: فيها الهوية, وفيها ميكانيك السيارة, وفيها إجازة السوق, عملت ثمانية أشهر حتى حصّلتها, فإذا واحد لهُ ترتيب، لهُ مجالس عِلم لا يُغيّر, هذا وقت الله عزّ وجل، هذه مائدةُ الرحمن. السماع .
2-3 عن طريق البصر والفكر :
الآن : البصر, شاهدت كأس الماء، شاهدت ابنك الصغير، شاهدت الكواكب بالليل، القمر، الشمس، الليل، النهار، الرياح، الأمطار، الكواكب، الثِمار، الأزهار، الأطيار, إذا الإنسان مرَّ على الآيات مرور الِلئام, ولا نقول : مرور الكِرام , يكون غافلاً , فالسمع طريق , والبصر طريق , والتفكر طرق ، الآيات :
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 46]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[سورة محمد الآية: 24]
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 8]

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 44]
طريق الوجد : السماع ، والرؤيا ، والتفكّر .
أفعالُ اللهِ تراها بعينك، وكتابهُ تتدبرهُ بِفِكرِك، والحقُ تسمعهُ بأُذُنِك, اسمع الحق بأُذُنِك، وانظر للآيات بعينك، وتدبّر كتاب الله بِفِكرِك , لا تعرف من طريق التدبر, أو من طريق التفكر, أو من طريق النظر, أو من طريق السماع, تنقدحُ في نفسِكَ محبةُ الله عزّ وجل, وإذا انقدحت في نفسِكَ محبةُ الله, وصلتَ إلى كُلِّ شيء.
لكن العُلماء تساءلوا عن هذا الوجد, الذي يتأتى من سماع تفسير آية، من سماع حديث قُدسي، يعني مرة سمعت حديث:
حدثني أبي عن جدي عمر بن الخطاب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: من شغله ذكري عن مسألتي, أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
الإنسان ينقدح عِندهُ هِمة عالية من وراء حديث واحد, يعني يا ربي, ماذا فقدَ من وجدكَ؟ وماذا وجدَ من فقدكَ؟ تُهِز مشاعِركَ هذه الكلمات .
العلماء قالوا: هذه المشاعر المُسعِدة التي تلي سماع حقيقة، أو نظر إلى آية، أو تدبّر القرآن, إمّا أن تستمر وإمّا أن تنتهي, فالسعيد دائماً له مستوى, سمعت تفسير آية, لكن تفسيراً رائعاً جداً فتأثرّت, صار معك كما يقولون صدمة, صدمة عاطفية, هكذا الله عزّ وجل بهذا الكرم, خلقني حتى يُكرمني, خلقني حتى يُسعدني .
توبة فتاة :
قُلتُ لكم مرة: مُدرّسة أُلزِمت أن تُدرّس الفقه والتفسير, هيَ تُعطي الرياضيات، وهيَ مُعارة إلى دولة، أُلزِمت أن تُدرّس هذه المادة، هيَ عادية كغيرها من الفتيات، فتحت كتاب التفسير, أول درس آيات الحِجاب قرأتها, هذه الآيات أحدثت فيها صدمة, صارت تبكي أمام الطالِبات, قالت: معذِرةً اقرؤوا ما شِئتم, دعوني مع نفسي هذه الساعة, وكانت توبتُها عن طريقِ تِلاوةِ آياتِ الحِجاب .
مرة تقرأ صفحة قرآن، تقرأ مقالة عن الله عزّ وجل, عن عظمة الله، تسمع درس عِلم، تُفكّر في قضية، تُخاطب نفسك, منافذ الوجد: السماع والنظر والتفكّر, وقد تأتي النتائج مستمرة أو آنية، يعني أنتَ بهذا المستوى, حضرت مجلس عِلم ارتقيت, فالبطولة: ارتقيت ثمَّ ستُتابع هكذا, لمّا ارتقيت وعُدت إلى مكان ما كُنت وأكملت, هُنا المُشكلة .
بالحج صار سرور كثير، بعد الحج عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه، خسرتَ هذا التأثير، جاءَ رمضان حصل تأثير بالغ، بعدَ رمضان فقدتَ التأثير, عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه, فالبطولة: إذا الإنسان ارتقى درجة؛ إمّا عن طريق السماع, أو عن طريق النظر, أو عن طريق التفكّر, يُحافظ عليها, فالمؤمن حياتهُ هكذا, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, في صعود مستمر ، أمّا المُقصّرِون يرتقي في رمضان, وبعد رمضان, يعود كما كان، يحج ويعود, دائماً بين نزول وصعود, أمّا المؤمن الصادق صاعد باستمرار, كُلّ ما حصّل مكسب يُتابِعهُ، أمّا غير المؤمن أو إيمانهُ ضعيف, كُل ما حصّل مكسب مع شيء من التسيُّب, من أخذ حظ النفس, تجدهُ فقدهُ فعادَ إلى ما كانَ عليه .
هذه المرتبة مرتبة الوجود, تنتصرُ بِها على بشريتك، أنتَ بشر تُحبُ أن تأكل وتشرب، تُحِبُ النساء، تُحِبُ العلّوَ في الأرض, هذه كُلُها شهوات أودعها الله في الإنسان, ما دام الإنسان لم يبلغ مرتبة الوجد, بشريتهُ منتصرةٌ عليه، عبدٌ لشهوتهِ .
أخرج البخاري والبيهقي: عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ))
أنتَ عبدٌ لشهواتِك ، شهواتُكَ منتصرةٌ عليك, شهواتُكَ مُتحكِمةٌ فيك، شهواتِكَ تقودُكَ إلى حيثُ تُريدُ هيَ, أنتَ تابع لها, أمّا إذا وصلتَ مرتبة الوجد انتصرتَ على بشريتك، أصبحت هذه الشهوات في خِدمتك مُسخّرةً لك، يعني نهاية المطاف: أن ينتصرَ الإنسانُ على بشريته, وأن يتحررَ من عبوديتهِ لِذاته, وأن يُصبِحَ عبداً لِربه, وإذا أصبحَ عبداً لله, فقد بلغَ أعلى مرتبةٍ في الأرض: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
لم يعد هُناك أهواء، ولا مصالح، ولا شهوات، ولا في حظوظ نفس، يفعل ما يُرضي الله لا ما يُرضي نفسهُ .
قال :
((يا محمد, أمرني ربي أن أكونَ طوعَ إرادتك, لو شِئتَ لأطبقتُ عليهم الجبلين, قالَ: لا, اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون, لعلَّ الله يُخرِجُ من أصلابهم من يُوحد الله))
هذه الأنوار تجعل الإنسان إذا التقى معك, يذوب محبة لله ولرسولهِ، تجعل الإنسان ينسى حظوظ نفسهِ إذا التقى مع مؤمن .
فنحنُ نريدُ من هذه المرتبة: أن ينتصرَ الإنسانُ على شهواتهِ, والعلماء قالوا: الناسُ في هذا المقام ثلاث: عبدُ محضٌ، وحرٌ محضٌ، وبينَ بين.
البعيد عن الله عبد محض, عبد لشهواته, تفكيرهِ في خِدمة شهواتهِ, إذا قالَ لكَ واحد: انصحني, تُفكّر, خُذ هذه, تنصحهُ ببضاعة كاسدة عِندك, ممكن أن تتحرك دون نقود, أبداً, فحص دفع، عاد في اليوم الثاني ليسأل, ادفع مرة ثانية، غير ممكن أن يُقدّم خِدمة أو نصيحة أو مشورة أو معاونة إلا بِربح, لا يقبل, فهذا عبد محض، وفي إنسان تحرر كُليّاً من شهواتهُ, صارَ حُرّاً محضاً، وفي إنسان طريق الإيمانَ بينَ بين؛ مرة يغلب نفسهُ ومرة تغلِبهُ .
الحرُ من تخلّصَ من رفقِ الماء والطين, وفازَ بعبودية ربِّ العالمين, فاجتمعت لهُ العبودية والحريّة، فعبوديتهُ من كمالِ حريتهِ، وحريتهُ من كمالِ عبوديتهِ، ويظلُّ أبداً في ارتقاء, كُلما نظرَ إلى مواقع لُطفِ اللهِ بهِ, حيثُ أهلّهُ لِما لم يؤهّل لهُ أهلَ البلاء .
من هم أهلُ البلاء؟ إذا واحد سألكَ: من هم أهلُ البلاء؟ يا أخي الحياة كُلها بلاء، كلها مصائب، كلها هموم، في فقر، في مرض، في ذُل، في سجون, هل تعرِفون من هم أهلُ البلاء؟ واللهِ أصحاء غافلون عن الله عزّ وجل, قالوا: أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض.
مثل الحصان جسمهُ، تحليل ممتاز، تخطيط ممتاز، حركات أعضائهُ كُلها ممتازة، دخلهُ كبير، مكانتهُ قوية، مركزهُ كبير، لكن في غفلةٍ عن الله, هذا هوَ من أهلِ البلاء, أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض .
أرجو الله سبحانهُ وتعالى, أن يجعلنا من هؤلاء الذينَ أحبوا اللهَ, وذاقوا حلاوةَ الإيمان, لكن دونَ هذه المرتبة جهدٌ كبير، دونَ هذه المرتبة صبرٌ طويل، دونَ هذه المرتبة جِهادٌ مرير: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:23 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : الثقة







منزلة الثقة .
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الخامس والعشرين من مدارج السالكين ، منزلة اليوم منزلة الثِقة .
النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ طويل يقول :
حديث علي : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته , فقال :
((المعرفة رأس مالي, والعقل أصل ديني, والحب أساسي, والشوق مركبي, وذكر الله أنيسي, والثقة كنزي, والحزن رفيقي, والعلم سلاحي, والصبر ردائي, والرضا غنيمتي, والعجز فخري, والزهد حرفتي, واليقين قوّتي, والصدق شفيعي, والطاعة حبي, والجهاد خلقي, وقرة عيني في الصلاة))
الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن هوَ ثِقَتُكَ باللهِ عزّ وجل، الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن بتقرير النبي عليه الصلاة والسلام, أن تكونَ واثقاً بالله، وقد وردَ في بعض الأحاديث:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ))
أنا أُتابعُ كلمة الثِقة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((الثِقةُ كنزي))
أي الثِقةُ بالله عزّ وجل.
وإذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكُن بِما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك.
والحقيقة: الثِقةُ باللهِ عزّ وجل ثمرةٌ من ثِمارِ الإيمان, أو ثمرةٌ من ثِمارِ المعرفة, إذا عرفتهُ وثقتَ به .
فأُمُ موسى عليه السلام ماذا قال الله لها؟ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 7]
كلام غريب!! إذا خِفتِ عليه فألقيه في اليم: ائتني بامرأة من مليون امرأة, تضعُ ابنها في صندوق, وتُلقيه في النهر، لماذا ألقت أُمُ موسى وليدها الحبيب في النهر؟ لِثِقتها بأنَّ الله عزّ وجل سيحفظهُ.
لذلك:
﴿فإذا خِفتِ عليه فألقيه في اليمِ ولا تخافي ولا تحزني﴾
وأنا في طريقي إلى المسجد, خطرَ على بالي هذا المثل: لو أنكَ في طائرة, وهي تُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم, وجاء إنسان وفتحَ لكَ بابها, وقالَ: انزل وتأكد أنَ في الأرضِ مُسطحاً مرناً, يمتصُ هذه الصدمة, وسوفَ تنزِلُ سالِماً, أتُلقي بنفسك؟ في حالة واحدة: إذا كُنتَ واثِقاً من هذا القول إلى درجة خيالية تُلقي بنفسك، لكن لن تُلقي بنفسِكَ من باب الطائرة إلا إذا كُنتَ واثقاَ من النجاة .
هؤلاء المظليون, كيف يُفتحُ لهم باب الطائرة ويُلقونَ بأنفسهم؟ لا بدَ من أنَ هذه المظلة مدروسة دراسة علمية؛ مساحتها, وطريقة فتحها, ومقاومة الهواء, ووزنُ المظلي, هذا كلهُ مدروس بدقة, فلذلك بِلا وجل ولا خوف يُفتحُ بابُ الطائرة, ويُلقي هذا المظلي بنفسهِ في الهواء، تُفتحُ المِظلة, وينزل رويداً رويداً، موضوع الثِقة .
يعني أنت مثلاً: متى ترفض دخلاً كبيراً فيهِ شُبُهة؟ لِثِقَتِكَ بأنكَ إذا تركتهُ لله عوّضكَ الله خيراً منه، متى ترفضُ عملاً لا يُرضي الله؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا فعلتَ ذلكَ غَضِب الله عليك, وإذا غَضِبً الله عليك خَسِرتَ كُلَّ شيء، متى ترفضُ أن تُعينَ ظالماً؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا أعنتهُ كُنتَ أولَ ضحاياه.
قال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم.
وفي الخبر: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعان ظالماً سلطه الله عليه))
القرآن الكريم حينما تقرؤه, والسُنّةُ المطهّرةُ حينما تقرؤها, إذا كُنتَ واثِقاً أنَّ هذا كلام خالِقُ الكون, وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعدهُ أو وعيدهُ، وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعد النبي ووعيدهُ، عندئذٍ تَثِقُ بأنَّ هذا القرآن كلامهُ, وأنهُ واقعٌ لا محالة, لذلك تخشاهُ.
لا أُبالغ: يُمكن أن يُجمعَ الإيمانُ كُلهُ في كلمة واحدة, أنكَ واثقٌ مما جاء في القرآن الكريم، تضعُ الدنيا تحتَ قدميك، تضعُ كّلَّ مباهج الدنيا تحتَ قدميك, إذا حَمَلتكَ على معصية الله أو إذا حَجَبتكَ عن الله، ولو سألتَ مؤمناً: لماذا أنتَ تُطيع الله عزّ وجل؟ لو سألت مؤمناً صادقاً: ما الذي يحمِلكَ على طاعتهِ؟ يقول لكَ: لأنني مُتصلٌ بهِ, وأخشى على هذه الصِلة أن تنقطع, وهذا أقوى جواب، لماذا تغضُ بصركَ عن محارم الله؟ لأنكَ موصول بالله بهذه الطاعة, فإذا أطلقتَ بصركَ في محارم الله حُجِبتَ عن الله, وما دام الله أغلى ما تملك, أغلى شيء في حياتك, لذلك حريصٌ أنتَ على أن تكونَ متصلاً بهِ, هذا سِرُ الطاعة .
فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كانَ مُبالِغاً حينما قال:
((الثقة كنزي))
وما كان مُبالِغاً حينما قال: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ))
فلذلك: يمكنُ أن يُضغطَ الإيمانُ كلهُ، والمعرفةُ كُلها، واليقينُ كُلهُ في كلمةٍ واحدة: هو أنكَ واثِقٌ بالله، واثِقٌ من أنَّ اللهَ لا يُضيّعُ عبدهُ المؤمن.
زوال الكون أهون على اللهِ من أن يُضيّعَ مؤمناً أطاعه.
سبحانكَ إنهُ لا يَذِلُ من واليت ولا يَعُزُ من عاديت.
سيدنا رسول الله كانَ مع أصحابهِ, وكانوا فقراء، ضعفاء، مقهورين، محتاجين, وكانت ثقتهم بربهم لا حدود لها.
لمّا التقى بهِ عُديِ بن حاتم, قالَ له: لعلكَ يا عُديُ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشِكنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم, حتى لا يوجد من يأخذهُ. واثق.
أنا إن رأيتُ شاباً مستقيماً, ضابطاً لجوارحه، ضابطاً لمشاعره، يصلي آناء الليل وأطرافَ النهار، يغضُ بصرهُ عن محارم الله، يتحرّى الحلال، مستعدٌ أن يُضحي بكلِّ شيء من أجلِ مرضاة الله عزّ وجل, أقول لهُ وأنا واثِقٌ مما أقول لهُ, كثقتي بأنَّ هذه شمسٌ في رابعةِ النهار: الله سبحانهُ وتعالى سيوفِقُك، وسيرفعُك، وسيُعِزُّك، وسيُعطيك, وسيُقرُّ عينَك, أبداً, الإيمان كلهُ أن تكونَ واثقاً بالله.
هناك أسئلة تَرِدُ كثيراً: يا أخي إذا ما فعلت هذا أسرق؟ إن لم أضع المال في المكان الفلاني -مكان الشُبُهة والحرمة وكذا- ينسرق المال؟ هذه ثِقَتُكَ بالله؟ لأنكَ أطعتهُ ضيّعَ اللهُ مالك، إن لم أُعلّم ابنتي في الجامعة وفي المراحل العُليا تُطلق, فإذا طُلِقت لا بُدَ لها من عمل, فكرَ بطلاقِها قبلَ أن يُزوِجُها، تفكيرهُ في الطلاق قبلَ الزواج، هذه ثِقَتُكَ بالله؟ إذا ربيّتَ ابنتكَ تربيةً صالحةً طيبةً على طاعة الله, ظَنُكَ أنَّ الله سيأتيها بزوج, وأولُ ما يفعلهُ معها أنهُ يُطلقُها هكذا, هذه ثِقَتُكَ بالله عزّ وجل؟.
الموضوع واسع جداً، كُلُ المعاصي التي يقترفُها الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ اليأسِ الذي يُصابُ بهِ الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ القنوط حينما يطيعُ مخلوقاً ويعصي خالِقاً ضعيفُ الثِقةِ بوعدِ الله, رأى أنَّ إرضاء هذا المخلوق أثمنُ من رِضاءِ الله عزّ وجل، وأنَّ سخطَ هذا المخلوق أعظمُ عِندهُ من سخطِ الله، ليسَ واثِقاً بكلام الله، ولا واثِقاً بِما عِندَ الله من نعيمٍ مُقيم، ولا ما عِندَ الله من عذابٍ أليم. فلذلك: إذا ضغطنا الإيمانَ كُلَهُ, والمعرفةَ كُلَها, واليقينَ كُلَهُ بكلمة واحدة: إنها الثِقة، ولم يُبالغ النبي الكريم حينما قال: والثِقةُ كنزي. مراتب الثقة :
العلماء قالوا :
التفويضُ لله ، والتسليمُ لقضاء الله ، والتوكل .
مرتبة التفويض ومرتبة التسليم ومرتبة التوكل أساسُ هذه المراتِبِ كُلِها :
الثِقة
مرتبة التفويض :
أنتَ لا تُفوِض إلا من تَثِقُ بهِ ، الواحد مِنّا من يُسطّر لآخر وكالة عامّة ، عامة , يعني بإمكانِ هذا الوكيل أن يبيعَ أملاكِكَ كُلِها ، بإمكانهِ أن يُطلِّقَ مِنكَ امرأتك .
أنتَ لمن تُعطي وكالة عامة ؟
لمن تَثِقُ بهِ .
أساس التعامُل هو الثِقة . فهل في الكونِ كُلِهِ جِهةٌ أجدرُ بثِقَتِكَ من اللهِ عزّ وجل ؟
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾
[سورة النساء الآية: 87]
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
حتى إنَ بعضَ العلماء حينما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
[سورة الفيل الآية: 1]
والله أنا ما رأيت ، أحضر لي واحداً رأى هذا الحادث .
لِمَ لم يقل الرب : ألم تسمع ؟
معقولة , سمعنا , قرأناها في التاريخ .
أما ألم تر ؟
من رأى مِنّا ما فعلهُ أبرهةُ بالكعبة ، العلماء قالوا : لأنَ إخبارَ اللهِ يقينٌ كيقين المُشاهدة ، إخبار الله عزّ وجل يقينٌ كيقين المُشاهدة ، لذلك وردَ قولهُ تعالى :
﴿ألم تر كيفَ فعلَ ربُكَ بأصحاب الفيل﴾
ثِقة . (( ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله , إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))
إذا كُنتَ واثِقاً من قول النبي, تُضحي بِكُلِ شيء, ولا تُضحي بطاعة الله عز وجل, وعِندَئذٍ يأتيكَ كُلُ شيء, ضحّ بِكُلِ شيء إرضاءً للهِ عزّ وجل, يأتيكَ كُلُ شيء.
هل في الأرضِ كُلِها إنسان , يرى في المنام أنهُ يذبحُ ابنهُ , يقول له في اليوم التالي : يا بني إني أرى أني أذبَحُكَ , فانظر ماذا ترى ؟ قالَ : يا أبت افعل ما تؤمر.
لا يوجد بالأرض كُلها إنسان واحد , عِندهُ استعداد لِمنامٍ رآهُ في الليل, أن يذبحَ ابنهُ حبيب قلبِهِ، مُهجة فؤادِهِ، أن يضعَ السكينَ على رقبتهِ, مستحيل, لكن لماذا فعلَ هذا النبي العظيم؟ لأنهُ واثقٌ من رحمة الله، واثِقٌ من أنَّ أمرَ اللهِ فيه حِكمةٌ بالِغة، وأنَ أمرَ الله لا بدَ من أن يُنفّذ، لكن لمّا انطلقَ لتنفيذهِ, كانَ الفِداءُ الذي تعرفونهُ جميعاً.
موضوع الثِقة ممكن , وأنت راكب مركبة , تتطلع على ساعة السُرعة على مؤشر السُرعة ، فهذا المؤشر حركتهُ تتناسب مع السُرعة تماماً ، يعني إذا كان 20- 20، 40 - 40 ، 100 – 100 .
ويجب أن أقول لكَ مرةً ثانية : إنَّ مؤشِرَ الثِقة يتناسب مع إيمانك ، إيمانك 5 % فالثِقة 5 % ، إيمان 50 - 50 الثِقة ، الإيمان 80 - 80 .
كُلما ارتفعَ مستوى الإيمان , ارتفعَ معهُ مؤشر الثِقة , إلى أن تؤمر بشيء , غير معقول , لكنكَ واثِقٌ من أنَّ الله عزّ وجل لن يُضيعك .
أكثر التُجار يتعاملون وفق أعراف وأساليب، يأتي تاجر مؤمن يُخالف هذه الأعراف, هذه شُبُهة لا أفعلُها, يُقال له: أنتَ مجنون، ضيّعتَ عليكَ رِبحاً وفيراً، جمدّتَ هذا المال سنوات طويلة, دون أن تأخذ رِبحاً أو فائدةً, هكذا العاقل؟ هو واثِقٌ أنهُ إذا أطاع الله عزّ وجل لن يُضيعهُ الله أبداً, لن يُضيعهُ أبداً, لذلك أحياناً تتعارض القوانين الأرضية التي تعارفَ الناسُ عليها مع الأوامر الإلهية, هُنا يظهر المؤمن, الناسٌ جميعاً يدعونكَ إلى أن تفعلَ كذا وكذا, هكذا التِجارة, هكذا البيع والشراء, هكذا إخفاء العيب, هكذا ينبغي أن تفعل، والنبي عليه الصلاة والسلام يُعطيكَ أمراً آخر، فإذا كُنتَ واثِقاً من أنَ هذا النبي العظيم لا ينطق عن الهوى, وكلامهُ وحيٌ يوحى, وأنَّ هذا الوحيَ من عِندِ الله, وأنَّ الله هو الصانع, وهذه تعليمات الصانع، تفعل ما يأمرك به نبيك.
إذا عندك آلة معقّدة وغالية, بِربك تُلقيها أمام أي إنسان ليُصلحها لكَ؟ والله قبلَ أن تُعطيها إياه, تسألُ عنهُ, وعن خِبرتهِ, وعن أعمالهِ السابقة, وعن صِدقهِ, وعن أمانتهِ, وعن ذكائه قبلَ أن تُعطيهُ جهازاً, أخي قد يسرق منهُ, لن تُعطيهُ هذه الساعة إلا إذا وثقتَ من عِلمهِ وأمانتهِ، لن تُعطيهُ مبلغاً من المال ليستثمرهُ لك, إلا إذا كُنتَ واثِقاً من أمانتهِ ومن خِبرتهِ في وقتٍ واحد .
الثِقةُ أساس .
فلذلك أنتَ لن تُفَوِضَ للهِ عزّ وجل إلا إذا وثقتَ من حِكمته ورحمته .
اللهم خِر لي واختر لي , هذا تفويض .
اللهم اجعل محبتكَ أحبَّ الأشياء إلي , ورضّني بقضائِك , حتى لا أُحِبَ تعجيلَ ما أخّرت ولا تأخير ما عجلّت .
واثق أنت لكلِ شيء أوان , فإذا تعجلّتَ الشيء قبلَ أوانهِ عوقِبتَ بحرمانهِ , فثِقتُكَ بالله عزّ وجل هي إيمانُك ، مؤشر الثِقة يتناسب طرداً مع مؤشر الإيمان ، كُلما زادَ الإيمان زادت الثِقة ، فأنتَ إذا واجهتَ مُشكِلةً تُفوّض : يا ربي أنا راضٍ ، أنا فوضتُكَ فيما تُريد , افعل بي ما تُريد ، أنا واثِقٌ من رحمتك يا ربي ، واثِقٌ من حِكمتك ، واثِقٌ من تدبيرك ، من عدالتك ، من عِلمِك ، بما ينطوي عليه قلبي من نوايا , تقدمت في الامتحان لم تنجح , بعد ما فوضت لم تنجح , أنتَ الآن أمام حالة أُخرى ما هي ؟
التسليم ، التفويض قبلَ النتائج , والتسليم بعدَ النتائج ، فلا بُدَ من أن تفوض ، ولا بُدَ من أن تُسلّم ، لا بُدَ من أن تُفوض قبلَ النتائج , ولا بُدَ من أن تُسلّم بعد النتائج ، والتفويض والتسليم أساسهُ الثِقة ، والتفويضُ والتسليمُ مع الثِقةِ , هذه كُلُها هيَ التوكل ، والتوكل : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 81]
لذلك: ياربي إذا كُنتَ معي فمن عليّ, وإذا كُنتَ عليَّ فمن معي؟.
يا أبا بكر! ما ظُنُكَ باثنين الله ثالِثُهما؟:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
يقول عليه الصلاة والسلام : ((إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله تعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله, إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وإن الله بحكمته وجلاله: جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط))
يعني كل الأحزان إذا شككتَ برحمة الله، بعدالتهِ، بحِكمتهِ، برحمتهِ, بعطائهِ، بقدرتهِ، بعلمهِ, ما دام هُناك شك, في أحزان لا تنتهي، وفي سُخط, دائماً ساخط، من صفات الكافر أنهُ يتسخّط كُلَ شيء, كُل شيء لا يُعجِبهُ, كُل شيء ينتقدهُ, لا يرى يدَ الله عزّ وجل تفعلُ ما تُريد، لا يرى حِكمة الله عزّ وجل، لكن الرِضا حال قلبي ليسَ عملاً إرادياً.
فالعلماء قالوا: من لم يقدر على الرِضا ظَفِرَ باليقين، لم يرض لكنه موقن أنَّ هذا العمل نتائجهُ لصالِحه، وإن لم يظفر باليقين فعليه بالصبر, إمّا أن ترضى، وإما أن توقن، وإما أن تصبر، إن ظَفِرتَ بالرِضا فهذه مرتبةٌ جيدة, وإن لم تظفر بها فعليكَ باليقين بأنَّ النتائج لِصالِحك لقول الله عزّ وجل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
وإن لم تظفر باليقين فعليكَ بالصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
مرتبة التسليم :
الآن التسليم لله عزّ وجل , قال : هُناكَ تسليمان :
تسليمٌ لأمرِهِ التكليفي ، وتسليمٌ لأمرهِ التكويني .
1-تسليم لأمره التكليفي :
يعني طلّقتها المرة الأولى والثانية والثالثة , بانت مِنكَ بينونةً كُبرى ، فلا تَحِلُ لكَ حتى تَنكِحَ زوجاً غيرك , يا أخي أريد أن أُعيدها , معناها أنت لم تُسلّم أنَّ هذا التشريع من عِندِ خالِق الكون، أول مرة مُمكن لكَ أن تُعيدها, والمرة الثانية مُمكن, أما الثالثة غير معقول، معناها أنتَ لا تُريدُها, فلابُدَ من أن تُجرّب غيرك, فإذا أزعجت غيركَ, فالعِلةُ مِنها عندئذٍ تُطلق, فإذا انزعجت من غيركَ ما لعلة منها وإن رضيت بهِ فالعِلةُ مِنك, هكذا التشريع.
يا أخي, الصيام ثلاثين يوم بالصيف, هذه الطاقة العاملة تضعف، الإنسان يهبط مستوى نشاطهُ بالعمل, لماذا الصيام؟ أنتَ لا تعرفُ الله أبداً، ما دام هُناك اعتراض على أمره التشريعي، الحج: لماذا الطواف؟ لماذا السعي؟ لماذا الوقوف بعرفة؟ لماذا البلاد حارة لهذه الدرجة؟ يا أخي يجعلها كالبلاد المعتدلة؟ ما عرفتَ حِكمة الله عزّ وجل، كُلما اعترضتَ على أمرٍ تكليفي من عِبادةٍ أو معاملة أو خُلُقٍ فأنتَ لا تعرِفُ الله عزّ وجل، فعلامة المؤمن أن يُسلّم لأمر الله التكليفي.
لذلك: ربنا عزّ وجل قال:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
تحكيمُ النبي عليه الصلاة والسلام هو تحكيمُ الشرع, وبعدَ موت النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تحكيمهُ؟ أن تعودَ إلى سُنّتهِ، إذا عُدتَ إلى رأيهِ في حياتهِ فرأيُهُ سُنّة، وإذا عُدتَ إلى سُنتهُ بعدَ مماتهِ فقد حكّمتهُ :
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾
الإنسان حينما يرضى بالتحكيم فقد وثقَ بالمُحكّم، إذا قالَ لكَ فلان: لا, أنا لا أقبله إن لم يكن واثِقاً بالمُحكّم, لا يقبل أن تقبلَ بالتحكيم, أن يُحكّمَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه مرتبة.
المرتبة الثانية : ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾
يعني معقول أنهُ لا يحكم لي؟ غير معقول, لا أرضى إذا لم يحكم لي مثلاً, أنتَ قَبِلت لكن مع القبول قلق، كيفما حكم فأنتَ راضٍ: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾
وبعدَ أن يحكُم: ﴿ويُسلّموا تسليماً﴾
يوجد صحابي جليل احترق, لأنهُ لمّا النبي الكريم نهى عن قتل عمهُ العباس, قالَ في نفسهِ: يأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, -فسّرَ التوجيه تفسيراً آخر, تفسيراً عصبياً, عمهُ لا نقتلهُ, أمّا نحن آباؤنا يقتلون لا بأس, هوَ عمهُ, كان قد أسلمَ من قبل غزوة بدر, والنبي الكريم إذا قال: إن عمي قد أسلم, فَقَدَ مهمتهُ الخطيرة في مكة, كان يُقدّمُ للنبي أخباراً دقيقةً عن ما تُجمِعُ عليه قريش، فلو أعلنَ أنَّ عمهُ قد أسلم انتهى دورهُ، ولو لم يأمر أصحابهُ ألا يقتلوه يقتلونه في الحال، ولو لم يشترك عمهُ في الحرب, لَشُكَ في ولائهِ لقُريش، إذا لم يشترك بالحرب عمه مُشكلة, وإذا قال النبي: أنَّ عمي أسلم مُشكلة، وإذا قال: اقتلوه مشكلة، أليسَ لكَ ثِقة بالنبي؛ أنهُ حكيم وليسَ مُتعصبّاً لا لأهلِهِ ولا لأعمامهِ؟.
هذا الصحابي قال-: أيأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, فسّرها تفسيراً آخر قال: بقيت عشر سنوات وأنا أتصدق وأُصلي لعلَ اللهَ يغفِرُ لي.
هذا الظن السيء : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
يجب أن تستسلم لأمر الله التشريعي، أمركَ بأوامر كثيرة وعليك الطاعة, نحن نقرأ القرآن: قُم واسجد، لم يعجبهُ، نحنُ نقرأ الآن جالسين, هكذا النبي فعل، كُلما مرّت آية فيها سجدة سجدَ للهِ عزّ وجل, ما دام في اعتراض وعدم قبول لأمر الله عزّ وجل التكليفي التشريعي, فهُناك خلل في الإيمان. 2-تسليم لأمره التكويني :
قال النوع الثاني : التسليمُ لأمر الله التكويني, يعني هذا الإنسان لم يأته أولاد, جاءتهُ زوجة سيئة جداً، هكذا شاء القدر, دخلهُ قليلٌ جداً، لهُ ابن فيهِ عاهةٌ منذُ الولادة، هكذا الله يُريد , ألستَ واثِقاً من حِكمته، من رحمته، من عِلمه، من عدالته؟ قال: هذا هو الرِضاءِ بالقضاءِ والقدر.
في نقطة مهمة جداً في القضاء والقدر: قضاء ليسَ لكَ أن ترفضهُ، وقضاء يجبُ أن ترفضهُ, كيف؟ .
ما كُلُ قضاءٍ وقدر يُستسلمُ لهُ، الابن ساخن, حرارته أربعون, قضاء وقدر, ألا تُعالجهُ؟ ليس قضاءً وقدراً، في قضاء يجبُ أن تستسلمَ لهُ, وفي قضاء ثانٍ يجبُ ألا تستسلمَ لهُ, يجبُ أن تبذِلَ جهدكَ في معالجته, ابنك ضعيف في الدراسة, اعتن بهِ، درّسهُ، اجعل لهُ برنامجاً مُكثّفاً.
لي أقرباء عندهم ابن, أربع سنوات أعاد الثانوية العامة, والدتهُ مصممة أن يكونَ طبيباً، أربع سنوات شهادة ثانوية, وسبع سنوات بالجامعة, وصار طبيباً, هذا نتيجة التصميم, هكذا تستسلم مباشرةً, ابني لا يصلح للعلم، ليس بوسعهِ الدراسة, تريث قليلاً, في قضاء يجب أن تستسلم لهُ، وفي قضاء يجب أن تُعالِجهُ.
لذلك قالوا: في قضاء وفي مقضيّ، القضاء من الله مباشرةً, أمّا المقضي عن طريق إنسان, أيام شخص يتجاوز حدوده, أتستسلم لهُ؟ أتُطمِّعهُ؟ لكن إذا وقفت في وجهه, ونيتُكَ أن توقِفهُ عِندَ حدهِ, وأن تردعهُ عن مثلِ هذا العمل, هذا عمل طيب, فما كُل قضاء يُستسلمُ لهُ.
بل إنَّ علماء العقيدة فرقّوا بينَ القضاء والمقضيّ، إنسان تجاوز الحد، هو حينما فعلَ هذا بأمر الله, لكن أنتَ عليكَ أن ترفضَ هذا العمل، أن تؤدبهُ، أن توقِفهُ عِندَ حدهِ، هُنا الفرق بين الفقيه وغير الفقيه, اتركهُ, هكذا يُريد, هكذا الله يُريد، لا, هذا موقف ضعيف.
إنسان مثلاً تجاوز حدهُ بالسرعة, فدهسَ طفلاً, أخي هكذا الله يُريد, لا, هذا يُعاقب الإنسان، يُعاقب ويدفع الدية جزاء تقصيره وجزاء تهوره وطيشه, أخي هذا قضاء وقدر ليسَ لهُ علاقة, هو حينما فعلَ هذا بقضاء الله وقدرهِ، لكن هذا لا يعني أن يُعفى من المسؤولية, وإلا أصبحنا في فوضى.
فلذلك: هُناكَ أحكامٌ يؤمرُ الإنسانُ أن يستسلمَ لها، وأحكام لا بدَ من أن تُعالِجها كما أنَّ الله عزّ وجل أمرَ بذلك.
في نقطة مهمة جداً :
أن الله عزّ وجل وجودهُ بيّن ظاهر, لا يحتاج إلى دليل، بالفِطرة تؤمن بوجودهُ، وكُلُ الكون يدلُّ عليه، أنتَ محتاجٌ لا إلى دليلٍ على وجود الله, ولكنكَ محتاجٌ إلى دليلٍ يوصِلُكَ إلى الله، يعني الله موجود, وأنت آمنت بوجودهُ، أمّا الدليل: كيفَ تَصِلُ إليه؟ كيفَ تبتغي مرضاتهِ؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تنعمُ بقُربِهِ؟ أنتَ بحاجة إلى دليل موصِل إلى الله لا إلى دليل يُثبت لكَ وجودهُ, إبليس قالَ له: ربي فبعزتِكَ, الشيطان الرجيم مؤمن بوجود الله, ومؤمن بعِزتِهِ.
فكل إنسان ظن نفسهُ أنهُ مؤمن بالله عزّ وجل, يعني مؤمن بوجودهُ, يعني أنا مؤمن, لا ليسَ هذا القصد، القصدُ: لا أن تؤمنَ بوجودهِ فحسب, بل أن تتجهَ إليه، بل أن تتصلَ بهِ، بل أن تَصلَ إليه.
كلمة فُلان وصلَ إلى الله, واللهِ لا أستطيع أن أُعبّرَ عنها, يعني إذا وصلَ إلى الله رآهُ في كُلِ شيء، فرآهُ فوقَ كُلِ شيء، رآهُ معَ كُلِ شيء، ما رأى في الأرض جهةً متصرفة إلا الله عزّ وجل, هذه الرؤيا, وإذا رأيتَ هذه الرؤيا, استقمتَ على أمرهِ, وعكفتَ على مرضاتهِ، وأقبلتَ عليه, وسَعِدتَ بِقُربهِ، فرقٌ كبير بينَ أن تؤمن بوجودهُ وبينَ أن تسعى إليه. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
المشكلة: ليست أن تؤمن أو أن لا تؤمن بوجوده, هذه قضية مفروغ منها, لأنَّ ربنا ماذا قال؟ قال:
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
دعاكَ إلى عبادته، دعاكَ إلى طاعته، دعاكَ إلى شُكره، أمّا أنه دعاكَ إلى أن تؤمن بوجودهُ, هذه قضية مفروغ منها.
خطر ببالي مثل: شخص أمامك, وزنهُ 120 كيلو, طويل, ويلبس ثياباً جميلة، ومتعطّر, أخي أنتَ موجود, وقّع لي هُنا، هوَ أكبر من توقيعهُ، يعني وجودهُ أهم من توقيعهُ، توقيعهُ إذا غاب عنكَ.
قالَ: يا إمام متى كانَ الله؟ فقالَ لهُ: ومتى لم يكن؟ .
المشكلة ليست أن تؤمن بوجودهُ, المشكلة كيفَ تصل إليه؟ كيفَ تأنسُ بهِ؟ كيفَ تُقبِلُ عليه؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تسعدُ بِقُربِهِ؟ هُنا المشكلة:
﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إليّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً﴾
نحن في الحقيقة: كُل جهدنا، وكُل عملنا، وكُل مسعانا، وكل التدريس، والتوجيه، والبيان، والتحليل, والأدلة: كيفَ نَصِلُ إليه, وليسَ كيفَ نوقن بوجودهُ؟ هذه قضية مفروغ منها , الطالب مثلاً: يقينهُ بالفحص ثابت, أمّا المُشكلة كيفَ ينجح في هذا الفحص؟ محتار يا أخي, الفحص لا بدّ منهُ, فحص الشهادة الثانوية لا بدَ منهُ، لا أعتقد في المئة ألف طالب يُقدمون شهادة ثانوية كُل سنة, في طالب واحد يشُك أن الامتحان وقع, الشك في نجاحهُ أو عدم نجاحهُ ، أمّا الامتحان قائم, فهذه نقطة مهمة جداً.
أهلُ الكلام المتشدقون يأتونَ بِكُلِ شيء على وجود الله، أمّا أهلُ القُرب يبحثونَ عن دليل يُوصِلُ إلى الله, فرقٌ بينَ من يُقيم لكَ الدليل على وجودهُ, ومن يُقيم لكَ الدليل على الوصول إليه.
الحقيقة: هذا الدرس من مستوى غير دروس ترسيخ الإيمان، هذه الدروس أساسُها كيفَ نصل؟ كيفَ يكون القلب سليماً؟ كيفَ نُقبل؟ كيفَ نستسلم؟ كيفَ نفوّض؟ كيفَ نتوكل؟ كيفَ نثق؟ فنحنُ لا في مقولة نؤمن أو لا نؤمن، نحنُ في مقولةِ نصل, وكيفَ نصل؟ ومتى نصل؟ وإذا وصلنا ماذا نفعل بعدَ الوصول؟.
رجل دعاكَ إلى دارهِ, قُلتَ للرسول: لا آتي معكَ إلا إذا جئتَ بدليل على وجود من أرسلكَ, ودليل على أنهُ مُطاعٌ في أهلهِ, ودليل على أنهُ أهل لاستقبال الضيوف, يقول لكَ: لا تأت, في شخص وجودهُ فوق الشُبُهات، وكرمهُ فوق الشُبُهات، ودعاك فما عليكَ إلا أن تُلبّي الدعوة.
قال: المُتكلّم, المُتفلسف, يبحثُ في المكانِ والزمانِ, والجواهر والأعراض والأكوان، مهمتهُ مقصورةٌ عليها, لا يعدوها ليصلَ منها إلى المُكوّن وعبوديتهِ, أمّا السالِكُ إلى الله, في شخص آمن بوجود الله، في شخص سالك إلى الله.
لذلك العُلماء ثلاثة كما قال بعضُ العارفين :
عالِم بالشريعة .
أخي هذه حُكمها كذا، وهذه حُكمها كذا، وهذه مُباح، وهذه واجب، وهذه فرض، وهذه سُنّة ... إلى آخرهِ. هذا عالِم بالشريعة، وفي عالِم أرقى ؛ عالِم بالطريقة ، عالِم الشريعة : إذا دخلَ الوقت توضأ , والوضوء لهُ فرائض , ولهُ سُنن , ولهُ مستحبات , ولهُ آداب , دخل الوقت ، استقبل القبلة ، طهّر بدنك ، طهّر ثوبك ، طهّر المكان ، كبّر تكبيرة الإحرام ، اقرأ دعاء الثناء ، الفاتحة , هذا عالِم الشريعة .
عالم بالطريقة .
عالِم الطريقة أرقى , يُعطيكَ أحكام الصلاة , ويقول لكَ : غُضَّ بصركَ عن محارم الله ، تقصّى أن يكونَ دخلُكَ حلالاً، لا تنقطع عن اللهِ بينَ الصلاتين، امضِ الوقتَ بالدعاء, فإذا أذّنَ الظُهر, رأيتَ نفسكَ أهلاً للصلاة, إذا كبّرتَ للإحرام, شعرتَ أن نفسكَ قد سرت إلى الله عزّ وجل, هذا عالِم الطريقة .
يعني يُبيّن لكَ الطريقة التي تقعُ فيها العِبادةُ على نحوٍ يُرضي الله، عالِم الشريعة يقول لكَ: الصيام: تركُ الطعام والشراب وسائر المُفطرات, من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس بنيّة, هذا تعريف الصيام, لكن عالِم الطريقة يقول لكَ: لا بدَ من قيام الليل، لا بدَ من الأذكار، لا بدَ من تلاوة القرآن، لا بدَ من الصدقات في رمضان، لا بدَ من الاعتكاف حتى يؤتي الصيام ثِمارهُ.
عالم بالحقيقة .
أمّا عالِم الحقيقة فوقَ عالِم الطريقة، عالِم الحقيقة: هو الذي يُسلِكُكَ إلى الله، وجودهُ مفروغ منهُ، وطاعتهُ بديهية، آمنتَ بوجودهِ, وبأسمائهِ, وبوحدانيتهِ, وبكمالهِ، وعرفتَ منهجهُ، وطبقّتَ منهجهُ، بقي عليك أن تسلُكَ إليه.
مثلاً: أنتَ شاهدت طبيباً, قال لكَ: هذا أستاذ في الجامعة, صباح الخير, لو سلّمتَ عليه مليون مرة, لا تعرف سِوى أنهُ طبيب في الجامعة أستاذ، أمّا لو جلستَ في إحدى محاضراتهِ, أول محاضرة وثاني محاضرة, فرق كبير بينَ من يُسلّمُ عليه من موظفين إداريين في الكليّة, وبينَ من يحضُر محاضراتهِ اليومية، هذا يُسلّمُ عليه ومعرفتهُ بهِ ثابتة لا تزيد، أمّا هذا الذي يحضر محاضراتهُ, كُلما ألقى محاضرةً جديدة كَبُرَ في نظرهِ, يا أخي هذا من فلتات الزمان, هذا عالِم كبير, هذا حُجّة, هذا لهُ سُمعة على مستوى العالم, هذا أحد ثلاثة في العالم, أمّا إذا لم تحضر ولا مُحاضرة لهُ, وكُلما شاهدتهُ سلّمتَ عليه بلفظ طبيب وأستاذ وصباح الخير وكيف الحال؟ لكن معرفتك بهِ ثابتة.
فالقضية لا أن تؤمن بوجود الله فقط, أن تَصِلَ إليه، أن تُنمّي معرِفتكَ بهِ، أن تزدادَ قُرباً منهُ، أن تذوقَ حلاوة قُربهِ، أن تسعى إلى بلوغِ مرضاتهِ, فالعالِمُ الذي يُسلِكُكَ إلى الله عزّ وجل هو عالِمُ الحقيقة، والذي يُعطيكَ القواعد كي تؤدي العبادات كما أراد الله هو عالِمُ الطريقة، والذي يعرِفُ أحكامَ الشريعة بدِقةٍ بالغة هو عالِمُ الشريعة, ولا يكونُ عالِم الطريقةِ عالِماً بالطريقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالشريعة، ولا يكونُ عالِم الحقيقةِ عالِماً بالحقيقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالطريقةِ وعالِماً بالشريعة.
الآن
الشريعة : الهيكل الإسمنتي للدين .
الطريقة : الكسوة .
الحقيقة : الأساس .
فأنتَ لو فرضنا : أطلعكَ على خرائط لبناء بناية , يقول لكَ : انظر حساب الإسمنت وتكعيب الإسمنت ، انظر حساب الحديد ، انظر للطابق الأرض ، ما هذه الخرائط ؟ شيء جميل , لكن أنتَ لا تملكُ بيتاً , يا ترى أيُهما أرقى ؛ أن تُقدّم لكَ خرائط بناء فخم أمّ يُقدم لكَ منزل فخم تسكُنهُ وقد بُنيَ على أُسس علمية ؟.
فلذلك : هُناك عالِم يُلقي درسهُ ، وهُناكَ مُربٍ ، العالِم ألقى الدرس وانتهى الأمر, الذي عرف والذي لم يعرف سواء، أمّا المُربي يتتبع تلاميذهُ, يحاول أن يُفهّم, مدى يقينهُ، مدى استقامتهُ، مدى فهمهُ، مدى استيعابهُ، المتابعة هيَ تربية وإلقاء الدرس تعليم. الخلاصة .
الموضوع الأخير قال :
التسليم الذي أساسهُ الثِقة بالله عزّ وجل هو : أن تتخلص من كُلِ شُبُهةٍ تُعارض الخبرَ الإلهي .
يعني الله أخبر أنَّ آدم أبو البشر, يا أخي والله شيء يُحير, علمونا أنَّ داروين يقول: إنَّ الإنسان أصلهُ قِرد, وقال: في مستحاثات, وفي حلقة مفقودة, فالله أخبرَ بوجود آدم, لا يوجد قرد, أنتَ تقول في قرد مثلاً, والله شيء يُحير, فمعناها: ما في تسليم لله عزّ وجل لم تُسلّم، أنتَ قرأت أنَّ الأرض كوكب في مراحل متأخرة جداً ابترد وصار أرضاً, أما ربنا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾
[سورة فُصلّت الآية: 11]
الأرض مخلوقة قبل السماء, هكذا ربنا عزّ وجل قال، إذا في عِندكَ شُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فالله عزّ وجل قال كلمة واحدة, قال:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾
[سورة الكهف الآية: 51]
إذا أحدنا لهُ ابن عمرهُ عشر سنوات, وكان قد اشترى محلاً تجارياً قبل ثلاثين سنة, جالس في مجلس, يقول: أنا والله المحل الفلاني أخذتهُ من فُلان, يقول الابن: بابا من فلان أخذتهُ, أنتَ كُنت وقتها، أنتَ عندما أخذتهُ أنا أين كُنت؟ فالذي يعترض الكون, كان أصلهُ كذا, يقول الله :
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾
ما كانوا معي: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾
لم تكونوا أنتم وقتها، تتفلسفون على ماذا تتفلسفون؟ ليس أصل الإنسان قرداً، فلما يكون في عندك شُبُهات, هذه الشُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فهذا من عدم التسليم، وعدمُ التسليم من عدمِ الثِقة .
أو في عندك شهوة مُصرّ عليها, هذه الشهوة تُعارض بها أمراً إلهياً، قال لكَ الله: غُض بصركَ, يا أخي هذا الزمان صعب، أين نذهب بأعيننا؟ يُمثلّ لكَ تمثيلاً, أنكَ تمشي هكذا, تجد واحدة أمامك، على اليمين واحدة، على اليسار واحدة، إلى فوق, تجد في النافذة جالسة واحدة, أين أذهب بعيني؟ يعني مستحيل، يعني الله كلفكَ بشيء فوق طاقتكَ؟ الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
فعدم الاستسلام سببهُ: إمّا شُبُهة تُعارِضُ إخبار الله عزّ وجل، وإمّا شهوة تُعارِضٌ أمره، وأنتَ بينَ شهوةٍ وشُبُهة، الشُبُهة تمنعُكَ من أن تستسلم, وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة, والشهوة تمنعُكَ من أن تستسلم.
وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة ، أو إرادة تُعارض الإخلاص , يعني : إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي.
هوَ يُريد أن يعرف الناس, أنه قد حج حجي, واحد دخلَ للجامع, نوى على الحج, ومعهُ مبلغ من المال, يبحث عن شخص أمين, يُعطيه إياه كأمانة, فدخل للمسجد, وتفرّس بالناس, وجد واحداً في خشوع بصلاتهِ زائد, يُغمض عينيه, فقال: هذا بُغيتي, فلما جاء لِعِندهِ قال لهُ: أنا أريد أن أذهب للحج, ومعي مبلغ من المال, وأُريد أن أضعهُ عِندكَ أمانة, فقالَ لهُ: أنا أيضاً صائم سيدي, فقالَ له: لكن صيامكَ لم يُعجبن, فتجد شخصاً أحياناً ليسَ عِندهُ إخلاص لله عزّ وجل, يجعل الدين تجارة، يجعل الدين شيئاً رخيصاً، يبتغي بالدين عَرَضَ الدنيا, فالله عزّ وجل أمرهُ بالإخلاص, وهوَ يُريد الدنيا من خلال الدين, هذا إذاً لا يستسلم.
القلب السليم .
وفي إنسان, الله عزّ وجل يقول مثلاً:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة هود الآية: 119]
يقول لكَ: لا, الله خلقنا لُيعذبنا، يا أخي, لا راحة في الدنيا، يعني الله كلامهُ غير صحيح, أنتَ لكَ رأي غير ما يقولهُ الله عزّ وجل، فإذا نجوتَ من شُبُهةٍ تُعارِضُ إخبارَ الله, أو من شهوةٍ تُعارِضُ أمرَ الله, أو من إرادةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ لله, أو من تفسيرٍ أو فلسفةٍ تُعارضُ ما جاءَ في كتاب الله, إذا نجوتَ من كُلِّ ذلك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, واسمع قولهُ تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
القلبُ السليم: خلا من شُبُهةٍ, وخلا من شهوةٍ, وخلا من إرادةٍ خِلاف الإخلاص لله, وخلا من عقيدةٍ, أو تفسيرٍ, أو رأيٍ خِلاف ما وردَ في كتاب الله, إذ نجوت من كُلِ أُؤلئك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, وأنتَ الناجي بفضل الله عزّ وجل.
العلماء قالوا: إنَّ التسليم يكادُ يرقى بالإنسان إلى مرتبة الصديقيّة، ومرتبةُ الصديقيّة أعلى مرتبةٍ بعدَ النبوة، النبوة, الصديقيّة:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 75]
سيدنا أبو بكر الصدّيق، أعلى مرتبة في الإيمان مرتبةُ الصديّقية, فإذا استسلمت إلى الله عزّ وجل، فوضت واستسلمت ووثقت، لا في شُبُهة, ولا في شهوة, ولا في إرادة غير مُخلِصة, ولا في تفسير خِلاف ما جاء في القرآن، نجا قلبُكَ من هذه الأمور الخمسة, فأنتَ في مرتبة التسليم, والتسليمُ أساسهُ الثِقة, والثِقةُ أساسُها معرفة الله, ومعرفةُ الله هيَ كُلُ شيء, ورضي الله عن سيدنا عليٍّ حينما قال: أصلُ الدينِ معرِفتهُ.
يعني: بينَ الذي يعرف والذي لا يعرف بونٌ شاسع.
مرة كنت حاضراً في مكان, توفي صاحب البيت, فذهبنا إلى مواساة أهله, دخلَ أخوه وسبَّ الدين, لماذا مات أخي؟ هذا لو كان يحضر مجالس عِلم, لو كان يعرف الله عزّ وجل، فيعرف الأجل، يعرف ما عِندَ الله بعدَ الموت, جاهل جهلاً فاضحاً وقذراً, جهلاً بشعاً, قال: لماذا مات أخي؟
واحد توفيت زوجتهُ, عمرها 60 سنة, ولها أُخت عمرها 90سنة, فقال: لو ماتت تلك, هذا جهل.
فلذلك: الإنسان كُلما نما عقلهُ ونما إيمانهُ, قلَّ كلامهُ، لَزِمَ الصمت, وسبّحَ الله وحَمِدَ اللهَ على كُلِ شيء.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:25 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : التوبة







منزلة التوبة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السادس والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، والحقيقة : مرتبة اليوم هي مرتبة التوبة .
ومرتبة التوبة بابها كبيرٌ جداً ، لا يكفيها لا درسٌ ولا درسان ولا أكثرُ من ذلك ، ولكن أردتُ كتقديمٍ لهذه المرتبة :
أن يتعرّفَ الإنسان إلى أنواع المعاصي ، أنواع الجنايات ، كيفَ يتقّي الإنسان الشيء إن كانَ جاهِلاً به .
تمهيد :
كُلكم سمعتم إمّا مباشرةً أو بالوساطة , أنَّ هذه المواد البلاستيكية حينما تترافق مع الحرارة أو مع الدهنيات , تنحلُ في الطعام , وأنَّ هذه المادة المُنحلّةَ في الطعام مهما قلّت , تُسببُ تراكماتٍ في الجسم , تُفضي في أغلب الأحيان إلى أورامٍ سرطانية , وهو حديث البلد اليوم , لا ينبغي أن يقترنَ الحرُ مع هذه المادة ، ولا الدهنيات مع هذه المادة ، لا ينبغي أن يُسخّنَ الخُبزُ على النارِ مباشرةً , إلى آخر ذلكَ الموضوع الخطير .
الناس يتقونَ هذه الأخطار ، متى بدؤوا يتقنونها حينما عرفوها ، لا يمكن أن تتوب قبلَ أن تعرف .
عندما الإمام الغزالي -رضي الله عنهُ- جعلَ من أركان التوبة :
العِلم والندم والسلوك .
ما من توبةٍ إلا وأولها عِلم وأوسطها ندم وآخرها سلوك .
ذو ثلاثِ شُعب :
شُعبةٌ متعلقةٌ بالماضي : الإصلاح .
شُعبةٌ متعلقةٌ بالحاضر : الإقلاع .
شُعبةٌ متعلقةٌ بالمستقبل : العزيمة .
يُصلِحُ ما مضى , ويُقلِعُ من فورِهِ عن الذنب , ويعزِمُ في قلبهِ ألا يعودَ إليه أبداً .
هذه الشُعبُ الثلاثة : شُعبُ السلوك وقبلَ السلوك حالة الندم الشديد وقبلَ الندم الشديد العِلم .
فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))
[ أخرجه البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ]
فسّرَ العُلماء هذا الحديثَ الموجز الجامعَ المانع : بأنهُ لا ندمَ من دونِ عِلم ، لا بدَ للندمِ من عِلمٍ سببهُ ومن سلوكٍ أوجبهُ , النبي كلامهُ موجز عليه الصلاة والسلام ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ, وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ, وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ, أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ, فَوُضِعَتْ فِي يَدِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
قال : ((الندمُ توبة))
الإنسان متى يندم ؟ يندم حينما يعلم ، وإذا نَدِم ماذا يفعل ؟ يُقلع ، ويُصحح ، ويعزم .
أيها الأخوة ؛ هذه الموضوعات موضوعات خطيرة , وكلمة خطيرة في اللغة لها معنيان ، تقول :
القمح مادة خطيرة في حياة الأمة .
يعني : إذا فقد القمح كانت المجاعة ، وإذا وجدت المجاعة وجدت مشكلة كبيرة جداً ، لكن إذا فقدت أزهار تقدّم في الأفراح ، لو مُنِعَ استيرادُ الأزهار ، لو مُنِع استيرادُ العطورات ، الأمة تبقى كما هيَ ، فنقول : القمحُ مادةٌ خطيرة , ليسَ معنى هذا أنها تتفجر , لا , يعني : وجودها مُهمٌ جداً في حياتِنا , فالمؤمن مُذنب تواب ، يعني أكبر شيء في حياة المؤمن التوبة , لأنهُ مُذنِبٌ تواب ، لأنهُ لا يخلو من ضعفٍ , ومن صحوةٍ , ومن علمٍ , ومن ندمٍ .
موضوع التوبة موضوع خطير جداً , ولأنهُ موضوع خطير , يجبُ أن يشغل مِنّا حيّزاً كبيراً ، فباب التوبة كبيرٌ جداً , قد نحتاجُ فيه إلى أربعة دروس , ولكن أردتُ أن أبدأ بالعِلم , لن تتوبَ من الذنب إلا إذا عَلِمتَ أنهُ ذنب ، لن تُقلِعَ عن معصيةٍ إلا إذا عَلِمتَ أنها معصية ، لن تبتعِدَ عن إثمٍ إلا إذا عَلمتَ أنهُ إثم .
لا يمكن أن تتحرك بِلا عِلم ، الحركة بِلا علم حركة طائشة ، حركة غير مُجدية ، حركة قد تكون مؤذية ، حركة قد تكون مُدمرةَ , تماماً كسيارةٍ لها مُحركٌ فعّال , ولكنها بِلا مقود ، المِقودُ هو العِلم ، والحركةُ هيَ المُحرك ، فالحركة بِلا عِلم ؛ حادث , تدهور , سقوط في وادٍ, تصادم , أما العِلم يقود الحركة إلى الوجهة الصحيحة .
فلذلك يمر معنا في القرآن الكريم مثلاً :
كلمة فِسق ، كلمة شِرك ، كلمة كُفر ، كلمة إلحاد ، كلمة إثم ، كلمة عدوان ، كلمة معصية ، كلمة كذب على الله .
لا أرى موضوعاً أخطر في حياتِنا من أن نعرفَ بالضبط ماذا تعني كلمة كُفر ؟
وماذا تعني كلمة شِرك ؟
وماذا تعني كلمة فِسق ؟
وماذا تعني كلمة إلحاد ؟
وماذا تعني كلمة إثم ؟
وماذا تعني كلمة فجور ؟
وماذا تعني كلمة عُدوان ؟
هذه كلماتٌ خطيرة مُهلِكةَ .
إنسان يتعامل مع مواد متفجرّة لا يعرِفُ خواصّها قد تودي بحياتهِ ، يجب أن تعرف ما معنى قنبلة ؟ ما معنى قنبلة ؟ نُزِعَ أمانُها ، ما معنى قُنبُلة ؟ أُشعِلَ فتيلها ، ما معنى قُنبُلة قد انفجرت ؟ لو رأيت بقايا قنبلة قد انفجرت لا خطر فيها ، فما دام تعامل الإنسان في الحياة مع شهوات ، مع علاقات ، فمِثلُ هذه المصطلحات خطيرةٌ جداً جداً . هذه سلسلة المحرمات في الشرع :
خطرَ في بالي والله هو الموفق , أن نبدأَ بأكبرِ معصيةٍ في الدين , أكبر معصية ، أكبر إثم ، أصلُ الآثام ، أصلُ أنواع الشِرك .
أقول : أصل الشِرك ، أصل العدوان ، أصل الفِسق ، أصل الفجور ، أصلُ الكفر .
ما هوَ هذا الذنب ؟
لا هو زِنا , ولا هو خمر , ولا هو قتل ، ذنبٌ كبيرٌ كبير , ويبدو في نظر الناسِ صغيراً صغيراً ، الحكم هو كتاب الله ، لِنَعُد إلى كتاب الله , قال :
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
قال : هذه محرّمات .
قال : ثم انتقلَ إلى ما هو أعظمُ منها بالتسلسل بالقرآن الكريم . ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾
هذه أعلى ، قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ , أعظم من الفواحش والزِنا فاحشة ، من اللِواط واللِواط فاحشة ، من شربِ الخمر وشُربِ الخمر فاحشة . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
أعظمُ من الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن . ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾
وأعظمُ من الشِركِ باللهِ الأكبرُ منهُ والأصغر . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
تطاول على الخلق ، ثم انتقلَ إلى ما هو أعظم . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
لأنكَ إذا قُلتَ على الله ما لا تعلم , حرّمتَ الحلال أو حللتَ الحرام ، وصفتَ اللهَ بِما لا يليقُ بهِ ، نفيتَ عنهُ ما أثبتهُ لنفسهِ ، أثبتَ له ما نفاهُ عن نفسهِ . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
أعظم المحرمات وأشدها إثماً الكذب على الله .
في نظرِ علماء التفسير : أعظمُ المحرمات وأشدُها إثماً فإنهُ يتضمنُ الكذبَ على الله ، وأن تنسِبَ إلى الله ما لا يليقُ به ، وأن تُغيّرَ دينهُ ، وأن تُبدّلَ دينهُ ، وأن تنفي ما أثبتهُ ، وأن تُثبِتَ ما نفاه ، وأن تُحققَ ما أبطلهُ ، وأن تُبطِلَ ما حققهُ ، وأن تُعادي من والاه ، وأن تُوالي من عاداه ، وأن تُحِبَ ما أبغضه ، وأن تُبعِضَ ما أحبه ، وأن تصفهُ بما لا يليقُ به في ذاتِهِ وأفعالِهِ وأقوالِهِ .
أخطرُ شيء في الكتاب الكريم : أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فقبلَ أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فكر وتدبر ، قبلَ أن تقول : هذا حلال ، قبلَ أن تقول : الرِبا لم يُحرّم منهُ إلا النِسب المرتفعة , إذا كُنتَ واقعاً في هذه المعصية , أينبغي أن تجعلها طاعة ؟ إذا كُنتَ مُبتلى بهذه المعصية , أينبغي أن تجعلها تشريعاً ؟ إذا كانت المرأةُ قد ابتُليت بتقصيرٍ في حِجابِها , أينبغي أن تجعلَ هذا التقصيرَ شرعاً , وأن تقول على اللهِ ما لا تعلم ؟
فرقٌ كبير أن تعصي الله وأن تجعلَ هذه المعصية مُباحةً بين الناس ، فرقٌ كبير أن تعصي الله وأنتَ نادم , أن تعصي الله وأنتَ وَجِل , أن تعصي الله وأنتَ مستحيي , وأن تجعلَ من هذه المعصية تشريعاً , تجعلها مباحةً لا شائبةَ فيها ، لأنَّ كُلَ من اتبعّكَ , وصدقّكَ , وسارَ في هذا الطريق , فكُلُ معاصيهِ في ذِمَتِك , وفي رقبتك , وسوف تُحاسُبُ عنها .
لذلك : سُبحانكَ يا ربي , كيفَ تدرجتَ بهذه المعاصي والمحرمات إلى أن وصلتَ إلى أعلاها حُرمةً ؟ قالَ :
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
المشكلة : أنَّ الإنسان إذا عصى ربهُ , وعَرَفَ أنهُ يعصيه , طريق التوبةِ سالك , وبابُ التوبةِ مفتوح , ورحمةُ اللهِ واسعة ، ولكن إذا أقنعتَ الإنسان أنَّ هذه ليست معصية , لو فعلها مائة عام لا يتوبُ منها , يلقى اللهَ عاصياً ، يلقى اللهَ تائهاً ، يلقى اللهَ شارِداً ، يلقى اللهَ آِثماً ، يلقى اللهَ مُعتديّاً .
فلذلك هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , يحرّمون ما أحلهُ الله ، أو يحللون ما حرّمهُ الله ، أو يسمحون ببعض التجاوزات وطبيعة النفس طبيعةٌ دقيقة ، لمجردِ أن تخرج عن فِطرتها وقعت في حِجابها مع الله عزّ وجل ، هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , لهم حِسابٌ عسيرٌ في الدنيا والآخرة .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ جاء الإمامَ أحمدَ ابنَ حنبل وفدٌ من مغرب العالم الإسلامي من الأندلس , والسفر قبلَ مائتي عام أو قبلَ ألف عام ليسَ كاليوم , أربعةُ أشهر في الطريق , وفدٌ جاءَ إلى المشرق , ليسألَ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل , العالِمَ الأول , والفقيه الأول , عن ثلاثين سؤالاً ، ما كانَ من هذا الإمام الجليل إلا أن أجابَ عن سبعة عشرة سؤالاً , فلمّا قيل : وأينَ الإجابات المتبقية ؟ قالَ : لا أدري ، قالوا : الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل لا يدري ؟ جئناكَ من أقاصي الدُنيا وأنتَ العالم الأول , قالَ : قولوا لأهل المغرب : الإمام بنُ حنبل لا يعلم , لأنهُ لو قالَ : وهوَ لا يعلم , وقعَ في إثمٍ كبير .
وهذه نصيحتي لِكُلِ أخ , كل واحد منكم , بينَ أهلهِ ، بينَ جيرانهِ ، بينَ زملائهِ ، في المعمل ، في السكن ، في النزهة ، مظنة صلاح ، أنتَ تحضر مجالس عِلم ، أنتَ من طلاب العِلم ، أنتَ عالِم ، أنتَ شيخنا يا سيدي ، ما حُكمُ هذه القضية ؟ إيّاكَ أن تُفتي , إيّاكَ أن تتسرع , تبصّر ، عُد إلى كتاب الله ، عُد إلى سُنّةِ رسول الله ، عُد إلى فهمِ كتاب الله كما ينبغي ، عُد إلى فهمِ السُنّةِ كما ينبغي ، استأنس ، اسأل , دقق ، تأمّل ، تحقق ، طالع قبلَ أن تقول لهُ : هذه حرام وهذه حلال .
أنا لم أكن أتصور , أنهُ أعظم شيء حرّمهُ الله فوق الزِنا , وفوقَ شرب الخمر , وفوقَ القتل , وفوق الشِرك , وفوقَ الكُفر , لأنهُ أصلُ الشِرك .
يعني : ماذا قالَ عُبّاد الأصنام لمن دعوهم إلى أن يعبدوا الله ؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللهِ زُلفى .
هكذا عُلِموا, عبدوا الأصنام وهُم في ذهنهم أنهم ما فعلوا شيئاً.
أيهُما أخطر: أن تعبُدَ الصنم أو أن تعتقدَ أن عبادة الصنم شيء مُباح ومقبول ؟ الخطأ في العقيدة أخطر بكثير , لأنكَ إذا أخطأتَ في العقيدة لن تتوبَ أبداً مهما امتدَ بِكَ العُمر ، أمّا إذا أخطأتَ في السلوك أغلبُ الظن أنكَ سوفَ تتوب , ما دُمتَ تعلمُ أنهُ ذنب , وأنهُ إثم , وأنهُ عُدوان , وأنهُ معصية , فأنتَ لا بدَ من أن تتوب عاجِلاً أو آجِلاً ، لكنكَ إذا علِمتَ أنها ليست بمعصية .
لذلك : أخطرُ شيء في الدين أن تصلَ إلى ينابيعهِ ، أن تضعَ يدكَ على جوهرهِ ، أن تصلَ إلى أُصولهِ ، أن تصلَ إلى خطهِ الصحيح ، من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : ((ابنَ عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُكَ ودَمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا))
من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
تصوّر : الذين يُروّجونَ المعاصي , أحدكم فتح نادياً ليلياً , تُرتكب فيه كُل الموبِقات ، إنسان آخر كتاباً , أثارَ فيه شُبُهاتٍ على الإسلام , وجعلَ من السلوك المُعاصر تشريعاً , أن تقفَ المرأةُ بثياب السباحة أمامَ أبيها وزوجها وأخيها وابنها , لا شيء عليها .
هذا الذي يفتتح نادياً ليلياً , تُرتكبُ فيه كُلُ المعاصي الكبيرة , لو وُزِنَ هذا العمل مع من تكلّمَ على اللهِ ما لا يعلم , فحللَ حراماً أو حرم حلالاً ، أو أثارَ شُبُهةً ، أو نفى عن اللهِ ما أثبتهُ عن نفسهِ ، أو أثبتَ لهُ ما نفاهُ عن نفسهِ ، أو غيّرَ سُنّة النبي ، أو جاءَ بأحاديثَ موضوعة ليُضللَ الناسَ بها إثمُ , الذي ألّفَ كتاباً , وهو قابِعٌ في بيتهِ , أنيقُ المنظر ، لطيف المعشر ، بيتهُ نظيف ، لهُ زوجة , ولهُ أولاد , ما فعلَ هذا ؟ .
لو كُشِفَ الغطاء , لرأيتم هذا الذي ضللَ الناس ، وأفسدَ عقائدهم ، وحرّمَ عليهم الحلال ، وأحلَّ لهم الحرام ، وسوّغَ لهم انحرافات العصر ، وجعلها مغطاةً بآياتٍ قرآنية ، وافترى على الله الكذب ، وافترى على النبي الكذب ، ووجهَ النصوص توجيهاً شهوانيّاً , هذا إثمهُ عِندَ اللهِ أضعافٌ مضاعفةٌ تصِلُ إلى المليون , عن هذا الذي افتتحَ ناديّاً ليليّاً , تُرتكبُ فيه كلُ الموبقات ، ما الدليل ؟ قالَ تعالى : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 191]
لو أن إنساناً قتلَ فتاةً , هذا قاتل ، يُحاكم بجريمة القتل ، ويُساقُ إلى المِشنقة ، فإذا تابَ قبلَ أن يُقامَ عليه الحد ، كانَ هذا الحدُ كفّارةً له ، أمّا إذا أفسدَ فتاةً , ودلّها على طريق المُنكر ، وجعلها فتاةً بغيّاً ، وأمضت حياتها في البغي والدعارة والانحراف ، وأنجبت فتيات ساروا على نهجِها ، وماتت , وخلفتها ذٌريّةٌ إلى يوم القيامة , تعدُ بمئات الألوف , بل بمئات الملايين ، كُلُهنَّ فاسدات ، واللهِ هذا الذي أفسدَ تِلكَ الفتاة , وسببَ هذا الجيلَ من الفاسِدات , يعني لو أنهُ قتلها لدخل الجنة , هذا معنى قول الله عزّ وجل :
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ﴾
يا أخي العرب في الجاهلية كانوا يئِدونَ البنات , هذه جريمة كبيرة , معك حق , لأنهُ ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
لكنكَ إذا أفسدت ابنتكَ , وقلت للناس : أنا أُحب أن أُربي بناتي تربيةً استقلالية , أنا لا أُعارِضُها أبداً ، لها أن تخرُج كما تشاء ، ولها أن تُصاحب من تشاء ، ولها أن تأتي إلى البيت متى تشاء , هكذا التربية الحُرة , نحنُ في عصر النور ، لو وأدتها لكانَ خيراً لها من هذا العمل ، لو وأدتها ماتت إلى الجنة ، أما حينما أفسدتها فسدت وأفسدت .
لذلك : يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن مشاهد يوم القيامة : أن الفتاة التي فسدت , وكان أبوها سبباً في فسادها , تقول : يا ربي , لا أدخُل النار حتى أُدخِلَ أبي قبلي .
الأُبوة مسؤولية يا أخوان ، مسؤولية خطيرة جداً , هذا الابن أنتَ قدوته , أنتَ القدوة .
فلذلك : لا أُبالغ هذا قرآن كريم ، أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أن تقول للناس : لماذا حرّمَ اللهُ إطلاقَ البصر في النساء , لو أنَّ الوجهَ عورة ؟ هذا الاستنباط غير صحيح ، هذا استنباط فاسد ، أنتَ إذا قُلتَ هذا , ماذا فَهِمَ الناسُ مِنك ؟ وموطن الجمالِ كُلِهِ في الوجه ، والوجهُ أكبرُ فِتنةٍ في المرأة ، فحينما تقول : هذه مسموح , وهذه مُباح , وهذا خيال ليسَ حقيقة , إذا نظرتَ إلى شيء يُثير على هذه الشاشة الصغيرة , هذا ليسَ حقيقة يا أخي , هذا خيال ، وإذا سمعتَ الصوتَ من المذياع فهوَ صدى وليسَ حقيقة ، الغناء صدى ومنظر الإشارة خيال , لم يعد شيء في الدين , ماذا بقي من الدين ؟.
مرة واحد قال في بلد إسلامي , لكن مُقصّر جداً في تطبيق أحكام الشريعة , قال : لم يبقَ في هذا البلد إلا الصلاة , ويعني الصلاة الشكليّة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع .
أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أكبرُ معصيةٍ في الدين , لأنكَ أصبحتَ مُضللاً ، لأنكَ أفسدتَ العقائد ، لأنكَ أفسدتَ السلوك , قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[سورة النجم الآية: 32]
قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام ؛ سأل رجل وهو مظنةُ عِلم , قال له : ما معنى اللمم ؟ قال لهُ : كلُ ذنبٍ ليسَ عليه حد , النميمة ليسَ عليها حد ، والنبي يقول : (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ , قَالَ سُفْيَانُ : وَالْقَتَّاتُ النمامُ ))
معناها: إطلاق البصر، والكذب، والغش, لا بأس بها, الحد يعني القتل والجلد فقط, والآية تقول : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
فإذا فَهِمنا اللمم : كُلُ معصيةٍ ليسَ عليها حد ، لم يعُد شيء في الدين ، انتهى الدين .
طبعاً: لو التقيت مع مليون مسلم, لا تجد فيهم قاتلاً واحداً, القاتل والزاني قلائل جداً, ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟: أنظر في هذا الحديث :
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))
[ أخرجه الترمذي ]
يعني بعدَ أن جاءَ النبي، بعدَ أن جاءَ القرآن، هل ترى صنماً يُعبد من دون الله؟ هذا شيء غير موجود إطلاقاً, ولن يحدث إلى يوم القيامة, لكن:
قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , ولكن رضي مما دونَ ذلك ، مما تحقِرونَ من أعمالِكم ، وهذه مُشكلةُ المسلمين .
يقول لكَ : أخي أنا لا أزني، لا أشرب خمراً، لا أسرق، هذه ليسَ عليها خِلاف, لأنها كبائر، هذه كبائر مُهلِكة، النظر, والمصافحة, وأكل المال الحرام, والغش, والتدليس, والكذب, والاحتكار, والمواقف المزدوجة, والمقاييس المزدوجة, والنِفاق, وموقف مُعلن وموقف مُبطّن , في مليون معصية، مليون معصية كُلُها تحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فهذا الذي لا يسرق أو لا يزني أو لا يكذب, يعني ماذا فعل؟ هذه أشياء بعيدة عن حياة المُسلم بُعداً كبيراً.
ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 116]
يقول: أنا أتحمل وزرها, ضعها في ذمتي, من أنت؟ من حضرتُك حتى تقول: ضعها في ذمتي؟ يقولونَ:
هذا عِندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتم حتى يكون لكم عِندُ؟
من أنتم؟ ما حجمُكَ عِندَ الله؟
النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يأتي بشيء من عِندهِ, لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم، وقال:
﴿ ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
النبي الكريم مُبلّغ, فمن أنت؟ فلذلك: المُسلم وقافٌ عِندَ كتاب الله.
قالَ بعَضُ السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ اللهُ كذا وحرّمَ كذا, فيقول اللهُ: كذبت, لم أُحِلَ كذا ولم أُحرّم هذا.
يعني التحليل والتحريم بالرأي المُجرّد, بِلا بُرهان من اللهِ ورسوله, ذنبٌ كبيرٌ جداً, قد يفوقُ الشِرك، قد يفوقُ الكُفُر، لأنهُ أصلُ الشِرك وأصلُ الكُفر.
عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ, وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
لماذا؟ قال: لأنَّ كُلَ شيء أُضيفَ إلى الرسول فهوَ حُكماً مُضافٌ إلى المُرسل، إذا أضفتَ إلى الرسولِ شيئاً هذا مُضاف إلى المُرسل.
يعني إذا كان وزير خارجية وقف في مؤتمر, وتكلّم بكلام, هذا الكلام ليسَ من عِندهِ, هذا مُكلّفُ بهِ, والذي أرسلهُ مُقِرٌ بهِ، فإذا أضفتَ إلى الرسول شيئاً ما قالهُ, فكأنما أضفتهُ إلى الله عزّ وجل, لذلك ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 21]
من أظلم؟ أظلم اسم تفضيل، أي ليسَ في البشرِ كُلِهم إنسانٌ أشدُ ظُلماً ممن افترى على اللهِ كذباً.
قال: أنّىَ بالتوبةِ لمن لم يعلم أنها بِدعة, كيفَ يتوب الإنسان إذا لم يعلم أنَّ هذا الذي يفعلهُ بِدعة؟.
الافتراء على اللهِ عزّ وجل, يُغلِقُ باب التوبة، فأنتَ قبل أن تسأل, اسأل من تَثِقُ بِعلمهِ، وقبلَ أن تتكلم تكلم عن عِلم، لا تسأل إلا أهلَ العِلم، ولا تنطِق إلا عن عِلم، وإلا الإثمُ كبير, لأنهُ دينُ الله، لأنَّ الدينَ هو الشيء المصيريُّ في حياة الإنسان.
من ألوان المحرمات أيضاً الإثم والعدوان .
من ألوان المُحرمات : الإثمُ والعُدوان .
كُلُكم يعلم أنَّ الإثم والعدوان وردَ في القُرآنِ كثيراً, قالَ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
قالوا: البِرُّ صلاحُ الدنيا, إذا تساعدَ الناس بإنشاء مساكن للشباب هذا بِر، إذا اتفقوا على تخفيف المهور هذا بِر، إذا اتفقوا على تأمين أعمال للعاطلين هذا بِر، وتعاونوا على البِر , صلاحُ الدُنيا, والدُعاء الشهير:
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عِصمةُ أمرِنا, وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا.
فتعاونوا على البِر والتقوى, -البِر: صلاح الدُنيا والتقوى صلاحُ الآخرة، قال-: ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان.
كُلُكم يعلم من قبل: أنَّ في القرآنِ كلمات, تأتي مثنى مثنى, وعُلماء التفسير يقولون: إذا جاءت مثنى مثنى, فلِكُلِّ كلمةٍ معنىً دقيق، أمّا إذا جاءت فُرادى, رٌبما تعني الواحدة معنى الكلمتين معاً, والدليل على ذلك:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 60]
قالَ بعضُ العلماء: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
يعني إذا قُلت للفقراءِ فقط, يعني الفقراء والمساكين، وإذا قُلت : ﴿وآتى المالَ على حُبهِ مسكيناً﴾
يعني الفقراء والمساكين, فإذا افترقا اجتمعا, وإذا اجتمعا صار للمسكين تعريف دقيق, وللفقير تعريف دقيق، المسكين من يعجزُ عن العمل، أمّا الفقير من دخلهُ أقلُّ من حاجتهِ ، فالفقير شيء والمسكين شيء آخر, هذا تمهيد.
الإثم والعدوان, إذا قُلتَ: الإثم فقط, يعني الإثمَ والعدوان، وإذا قُلتَ: العدوانَ فقط, يعني الإثمَ والعدوان, لأنَّ العدوان هوَ في أصلِهِ عدوانٌ على أمر الله, قال لكَ: افعل، لم تفعل ، قال لكَ: لم تفعل فعلت، تركُ الأمرِ أو فِعلُ النهيِ هو العُدوان، أنتَ اعتديت على الشرع، تحديتَ الشرع، خرقتَ حدودَ الشرع، لم تُبال بالأمر ولا بالنهي، فالعدوانُ هو عُدوانُ على أمر الله, وكلُ عدوانٍ على أمرِ الله صاحِبهُ آثم, الإثم عدوان, والعدوان إثم, وإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا.
لكن الإثم قال: تحريمُ جِنس أمّا العدوان تحريم قدر, يعني أنتَ اشتريت أرضاً, فلمّا أردتَ أن تُسوّرها, زِدتَ مِتراً من أرضِ جارِك, هذا عدوان, تملكُ الأرضِ في الأصلِ جائز, أنتَ تملّكتَ الأرضَ التي دفعتَ ثمنها, وأخذتَ من جارِكَ مِتراً ليسَ لكَ، فتحريم الجِنس الزِنا إثم, كُلُ أنواع الزِنا مُحرّمة، الخمر إثم، اللِواط إثم، لكن لو أخذتَ ما ليس لك، لو بِعتَ الحاجة بثمن مرتفع, وراعيتَ فيه الأجل, صار في معصية قدر لا معصية جِنس, فالإثمُ تحريمُ جِنسٍ كالكذب والزِنا والخمر وما إلى ذلك، والعدوان تحريمُ قدرٍ, الزيادة عدوان, مثلاً بالبيع والشراء, بيعُ الغرر، التدليس مثلاً، الغبن الفاحش, هذا عدوان, أصل البيع حلال، فلمّا أخذتَ فوقَ ما ينبغي صارَ عدواناً. العدوان نوعان :
1- نوعٌ في حقِّ الله .
2- ونوعٌ في حقِّ العِباد .
فمن أباحَ الزِنا فقد اعتدى على شرع الله، من أباحَ ممن أُبيحَ لهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-6]
من أتى حائضاً , الزوجة مُباحة , لكنَّ إتيانها في أيام الحيض , هذا عُدوان على شرع الله ، فالعدوان ؛ إمّا على شرع الله , أو على حقوق العِباد .
يعني أُبيحَ للطبيب أن ينظُرَ إلى مريضته , فإذا نظرَ إلى قدرٍ آخر , ليسَ محتاجاً إليه , تجاوزَ الحد , فتحريمُ الجِنسِ إثم ، وتحريمُ القدرِ عُدوان .
الفحشاء والمُنكر ، الإثم والعدوان ، الإثم تحريم جنس , والعدوان تحريم قدر ، إذا اجتمعا افترقا , وإذا افترقا اجتمعا
أمّا الفحشاءُ والمُنكر .
قال : الفحشاءُ صِفةٌ لموصوفٍ قد حُذِفَ تجريداً بقصدِ الصِفة, يعني: الفعلةُ الفحشاء, والخصلةُ الفحشاء, وكُلُ ما ظهرَ قُبحُها لِكُلِ أحد, واستفحشهُ كُلُ ذي عقلٍ سليم, وفِطرةٍ سليمة, كُل شيء الطبع ينفِرُ منه، والعقل السليم ينفِرُ منه، كُل شيء ظَهَرَ قُبحهُ فهو فحشاء، خصلة، سلوك، فعل.
أمّا المُنكر: صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أيضاً؛ أي الفِعلُ المُنكر الذي تستنكِرهُ العقول والفِطر, يعني: الفحشاء عمل قبيح شائن, لا يشُكُ اثنان في أنهُ شائن, أمّا المُنكر: العقل السليم والفِطرة السليمة تستنكر هذا الأمر, فالفحشاء والمُنكر أيضاً كالإثمِ والعدوان, إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
يعني: هذه التسميات, أو هذه التعاريف الدقيقة, فيما يتعلّق بالمحرمات مهمة جداً, مثلاً: الفرق بين المعصية والفجور: الفجور إعلان للمعصية، لو خالفَ أحدهم أمرَ الله في رمضان وأفطر، هذا عاصٍ ومعصية كبيرة جداً، لكن إذا أفطرَ أمامَ الناس فقد فَجر.
على كُلٍ؛ إن شاء الله نحنُ في دروسٍ قادمة, سوف نُحاول أن نُتابع هذه المصطلحات الدقيقة, وأن نقفَ عِندَ التعاريف وعِندَ المدلولات التي أرادها الله سبحانهُ وتعالى من هذه المصطلحات, كلمة تُعدُ خاتمة الدرس.
مرةً ثانية أقول لكم: ((إنَّ هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذونَ دينكم))
الإنسان يميل إلى الرُخص، إلى الفتاوى التي تُيسر الأمر، لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت ، وحينما نصلُ إلى وقت الحساب، قد نُفاجأ أنَّ هؤلاءِ الذينَ أفتوا لنا, وسمحوا لنا ببعض المعاصي على أنها مُباحات, لم يكونوا مُحقين في هذا, والمصيبة كبيرة جداً, ليسَ هُناكَ إصلاح. ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾
وليسَ الحينُ حينَ فِرار، الإنسان في الدنيا قد يتلافى بعض الشر، قد يتلافى العِقاب بطريقةٍ أو بأخرى، ولكنَّ الإنسانَ إذا لَقي اللهَ عزّ وجل, وقد أقامَ على معصيةٍ, وتعلّقَ بحبالٍ من عنكبوت، بفتاوى من أُناسٍ مُغرضين, فقبلَ أن تقول: هذا حلال أو هذا حرام، هذا يجوز، هذا لا يجوز، لا تنطِق بغيرِ عِلم, ولا تسأل إلا أهلَ العِلم، لا تسأل إلا من تَثِقُ بِعلمِهِ، لا تستفت إلا من تَثِقُ بورعهِ، لا تطلب شيئاً إلا بالدليل, لا ترفض شيئاً إلا بالدليل، لأنَّ: ((هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذون دينكم))
نصيحة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ يعني أنا أقول لكم الآن كلمة مُخلصاً لكم بها: ما لم تستقم على أمر الله، ما لم تترك المُنكر كُليّاً، ما لم تترك المعاصي جميعاً، فالطريق إلى الله ليست سالكة, ممكن أن تحضر موالد, وأن تطربَ طرباً شديداً، ممكن أن تقرأ كتاباً, وأن يملأَ الكتابُ عقلَك ، ممكن أن تكون طليق اللسان, وأن تؤثر في الحاضرين, هذا كُلُهُ ممكن؛ ممكن أن تتكلم, وأن تستمع, وأن تقرأ, وأن تؤلف، وممكن أن تطرب بالمديح النبوي, وأن تقوم بِكُل ما يُسمى بالتقاليد الإسلامية، ويُمكن أن تدعو الناسَ إلى البيت, وأن تقيم مولداً, وأن تأتي بأرقى فرقة مُنشِدة, وأن تأتي بأطيب طعام, وأن تدعو وجهاء المجتمع, وأن تدعو كِبارَ العُلماء لإلقاء الخُطب, كُلُهُ ممكن؛ ولكنَّ الشيء الذي لا يُقبلُ تركهُ أن تُقيمَ على معصية، ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, أو على مخالفةٍ, أو على انحرافٍ, أو ما دُمتَ استبحتَ مُنكراً بفتوى معيّنة, أو ما دُمتَ قَبِلتَ تقصيراً وأصررتَ عليه, فالطريق إلى اللهِ ليست سالكة, لا والله, يقول لك: أنا أحضر يوم الجمعة, والسبت, والأحد, والاثنين, والخميس, والخطبة الفولانية، وأقرأ كُتباً، وعِندي مكتبة، ولي لقاءات مع أخوان كِرام، ولي نشاط ديني، ولي مؤلفات, ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, فالطريقُ إلى اللهِ ليست سالكة.
وكُنتُ أذكرُ مثلاً, لعلّهُ شطحة أو لعلّهُ مُبالغة: لكَ مائة مؤلَف إسلامي في السوق، مائة مؤلف، وكُل مؤلف يتحدثُ بهِ الرُكبان، وأنتَ مُقيم على معصية, مُصِر على معصية، وإنسان آخر لا يقرأ ولا يكتب, وقد عافاهُ اللهُ من هذه المعصية, هوَ أعلمُ مِنك, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
أنا أقول لكَ: قد تعرِفُ أمرَ الله، تعرِفُ الحلال، والحرام، والواجب، والمُباح، والمُستحب، والمندوب، والمكروه، والمكروه كراهية تحريمية، وكراهية تنزيهية، والحرام المُطلق، وقد تتحدثُ عنها بطلاقة، ولكن معرِفة الأمرِ شيء، ومعرِفةَ اللهِ شيء آخر، معرِفة الأمرِ علامتها أن تَعرِفَ الأمر.
العالِم بأمر الله اسأله، إذا سألتَ هذا العالِمَ بأمرِ الله مائة سؤال, فأجاب مائة إجابة صحيحة, فهوَ عالِم بأمر الله، لكن إذا رأيتهُ يُخالف أمرَ اللهِ في واحدة, معرفتهُ باللهِ ضعيفة, ونرجو لهُ أن تزداد، فحتى نكسب الوقت, وحتى يكون مجيئنا للمسجد مُثمراً, وذهابنا للبيت مُثمراً، حتى يكون هذا الوقت الثمين، كل واحد منكم تركَ أهلهُ, وزوجتهُ, وأولادهُ, وبيتهُ, مكان جلوسه في غرفة الجلوس، لهُ أولاد، لهُ أصدقاء, تركَ الكل وجلسَ على الأرض, فإذا استمع, وأُعجِب بالدرس, ولم ينطلق إلى التطبيق، إلى الالتزام التام، إلى محاسبة النفس حساباً دقيقاً، إذا لم ينتقل إلى هذا الطور, أقول لهُ: نمت ثقافتكَ الدينية نمواً كبيراً, ولكنَّ معرِفتكَ بالله لم تنمو, لأنَّ معرفة الله عزّ وجل أساسُها طاعتهُ، ولا تعرفُ الله إلا إذا جاهدتَ نفسكَ وهواك.
فنحنُ وأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن تكونوا كذلك, أن نتعاونَ جميعاً على البِرِ والتقوى، وأن نتعاونَ على بلوغِ الهدفِ الكبير من معرفة الله, ومعرفةِ منهجهِ, وتطبيق منهجهِ ، ويُحاسب أحدكم نفسهُ حساباً دقيقاً دقيقاً في كُلِّ شيء.
هُناك دعوات تُعطي الأخ بحبوحة, واحد رأى سيئاتهِ مد البصر, ثمَّ غفرَ الله لهُ بكلمةٍ قالها, القضية سهلة, هذا الحديث لهُ تفسير, لهُ تفسير دقيق, هذا الحديث كما يفعل الفُقهاء, يوضع على الطاولة, وإلى جانبهِ عشراتُ الأحاديث المُشابِهة، من الخطر الكبير أن تفهمَ حديثاً وحدهُ على انفراد.
الحديث الثاني: من قالَ لا إله إلا الله بحقها دخلَ الجنة, قالوا: وما حقُها؟ قالَ: أن تحجزه عن محارم الله.
فأيام الإنسان يتعلّق بخيط من عنكبوت, يقول لك الشيخ, قال: إذا إنسان قال: لا إله إلا الله دخل الجنة, قضية سهلة.
تصوروا أنَّ الجامعة كل واحد يقول جامعة دمشق ثلاث مرات, نُعطيه دكتوراه بالطِب مثلاً, لا تحتاج إلى جهد, لا تحتاج إلى علامات عالية ثلاث مرات, يقولها بصوت مرتفع، ممكن إنسان يصل إلى الجنة بكلمة قالها, الله عزّ وجل قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
وقال: لا إله إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، وقال: لا إلهَ إلا الله لا يسبِقها عمل.
يعني: قبلَ أن تقولها, لا يوجد عمل صالح, في شِرك لأنهُ، وإذا قُلتها ولا تتركُ ذنباً, هذه الأحاديث, اجعل هذا الحديث مع هذه الأحاديث بشكل منظومة.
فأنا أخوفُ ما أخاف على الأخوة الأكارم, أن يتعلّق بحديث سَمِعهُ, ويُعطيه الحرية الكاملة للحركة, ويتساهل بالطاعات شيئاً فشيئاً, إذ الطريقُ إلى اللهِ مسدود، صلاتهُ شكلية، صيامهُ شكلي، حجهُ شكلي، صارت ثقافتهُ إسلامية، وعواطفهُ إسلامية، مِثلُ التُركي عِندهُ كيلو لحمة, وعِندهُ هِر, أكل الكيلو سَرِقةً, وجلسَ القِط يعمل وِرداً لوحده, القِط له وِرد, نظرَ التركي إليه وكان مغتاظاً كثيراً, قالَ له: أوراد كثيرة وأمانة غير موجودة.
تجد ثقافة، عواطف، موالد، مجالس سرور، ثياب فضفاضة، مسواك، مصاحف مُعلّقة، كلهُ مذهّب، لكن ما في استقامة، وما دام لا يوجد استقامة, الطريق إلى الله غير سالك، الصلاة شكلية.
أيام تجد برتقالة يتم تقشيرُها بعناية, ثم يعودون ويطبّقونها ككرة ويضعونها على الطاولة، هيَ برتقالة منظرها, لكن ما فيها شيء هيَ فارغة، لِئلا يُفرّغَ الدينُ من مضمونهِ, حتى ما يُصبح الدين شكلاً بلا مضمون، الاختلاط حاصل، كسب مال حرام مشروع، إطلاق بصر مسموح به، سماع غِناء لا شبعة منه، مشاهدة ما لا يُرضي الله مقبول, كُل شيء موجود ومع ذلك: ثقافة إسلامية, ومكتبة إسلامية, وأناشيد, وتفاسير, ولقاءات, وموالد, أنا أخوفُ ما أخاف أن يُفرّغَ الدينُ من مضمونه، أمّا والله ساعة صِدق مع الله عزّ وجل, ترفعُكَ إلى أعلى عليين, فالاستقامةَ الاستقامة.
((ابن عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُك ودمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا))
أنا أقول: الموالد, وأنا مُغرم بالموالد, وحضرتُ في هذا الشهر, يعني بِضع عشرات إلى خمسين أو سبعين مولد، وتأثرت تأثُراً كبيراً، أنا أقصد أن لا يكون الإنسان شكلياً, احتفلنا وجلسنا وطربنا, بقي شيء, لم تعمل شيئاً بعد، يجب أن نقوم بطاعة اللهِ عزّ وجل، يعني جميل جداً أنَّ المستقيم يعمل مولداً, ويدعو أخوانه, وأقرباءه, وأصحابه, وفرقة إنشاد, ويتوزع المُلبّس, والحلويات, ويُتلى ذِكر اللهِ عزّ وجل, ونستمع إلى شمائل النبي, هذا كُلهُ جيد، لكن نبقى على الموالد فقط, واحتفالات, وأشرطة, وكُتب, وما في استقامة, لا تُدقق, ما هذه؟ لا تدقق؟ هذه حرام.
أكثر المسلمين في الشام، يحدث عُرس, يصعد العريس, ويجلس أمام مائة امرأة كاسية عارية, يقول لكَ: العريس أخلاقي, كيف أخلاقي؟ كلهُ يتفجّر، كُل البارود مع النار ينفجر، ما في عنّدنا بارود بالكيمياء لا ينفجر، فنحنُ نُريد الالتزام, نُريد واحداً كألف ولا نُريد ألفاً كأُف، لا نُريد كثرة كثيرة, نريد قِلة قليلة لكن مستقيمة ملتزمة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:28 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : انواع الفسوق





تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين .
الحقيقةُ :
أنَّ الدرسَ الماضي كانَ حولَ أنواع المعاصي ، وبيّنتُ لكم في وقتهِ :
أنَّ أشدَ المعاصي خطراً , أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تستمعَ ممن لا يعرفُ الله .
أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تُلقي أُذناً صاغيةً لمن لا يعرفُ الله .
لأنَّ الانحرافَ في فهم الحقائق يُسببُ الشِركَ , وهوَ أكبرُ الكبائر ، ويُسببُ الفسوقَ والعصيان ، ويُسببُ كُلَّ معصيةٍ كفرعٍ من فروع الجهل بالله ، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل :
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
أخطر شيء في العقيدة أن تعرفَ الله ، وأخطر شيء على العقيدة أن تظُنَ باللهِ ظنَ الجاهلية ، أن تظنَ اللهَ في صفاتٍ هو مُنزّهٌ عنها ، أن تظنهُ يُعامل عبادهُ معاملةً ، هو عليٌّ كبير : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 43]
أيها الأخُ الكريم ؛ يجبُ أن تعلمَ عِلمَ اليقين أنَّ أيَ خللٍ في فهمِكَ لحقائق التوحيد , يُقابِلهُ خللٌ خطيرٌ في سلوكك ، وبما أنَّ الجنة كما قالَ اللهَ عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32]
فالخلل في العقيدة يُقابلهُ خلل في السلوك .
فالذي أتمنى على كُلِ أخٍ كريم ألاّ يقبلَ شيئاً عن اللهِ إلا بالدليل القطعي من كتابِ اللهِ ومن سُنّةِ رسولهِ ، وألاّ يقبلَ أيَّ تأويل إلا وفقَ الأصول التي اعتُمِدت في فهم كتاب الله , لأنَّ انحراف الدين أساسهُ أن يُضافَ إليه شيء , أو أن يُحذفَ منهُ شيء , أو أن يُؤول على غير ما أرادَ الله ، الإضافةُ تزوير , والحذفُ تزوير , وسوء التأويل تزوير , ونحن كمسلمين يهمُنا أن نستقي الإسلامَ من ينابيعه الصافية ، أن نعودَ إلى أُصولهِ الثابتة , لأنهُ قد أُضيفَ إليه ما ليسَ منهُ , وحُذِفَ منهُ ما هوَ أصيلٌ فيه , وفي أحسن الحالات : أُوِلت آياتهُ على نحوٍ لا يُرضي الله عزّ وجل , هذا مُلخصُ الدرس الماضي . أنواع الفسوق :
الدرس اليوم :
كما أنَّ هُناكَ خطراً كبيراً في أن تظنَ باللهِ غيرَ الحقِ ظنَّ الجاهلية ، هُناكَ خطرٌ كبير في أن تنحرفَ في السلوك ، لذلك هذا الدرس : أنواعُ الفسوق .
وكلمة فِسق وردت في القرآن الكريم بعددٍ كبير , ربما كانت كلمةً خطيرةً جداً في الدين , يعني من باب التقريب :
لو أحدنا كلفتهُ بشراء حاجات معينة , ولم يُنجز لكَ كُلَ هذه الحاجات , وصببتَ عليهِ كُلَ غضبك , فقال : يا سيدي , هُناك عشرةُ أسبابٍ حالت بيني وبينَ شرائي هذه الحاجات , فسألتهُ أنت : ما هذه الأسباب ؟ قال لكَ : أولاً لا أملك ثمن هذه الحاجات , فتُحس بحاجة إلى أن يُتابع التسعة , هذا أخطر سبب .
أقول لكم الآن قياساً على هذا المثل : الإنسان حينما يفسُق , انتهى كُلُ شيء , يعني تُصبِحُ صلاتهُ شكليّةً ، يقوم إلى صلاتهِ متكاسلاً ، تُصبِحُ عبادتهُ صوريّةً ، يصومُ رمضانَ صيامَ البهائم جوع وعطش فقط ، يُصبحُ حجهُ حجاً من نوع الرحلة والسياحة , يعود إلى بلده ويُحدثُكَ عن الطرقاتِ والجسور , أمّا هذه الفريضة التي فرضها اللهُ علينا , لماذا ؟.
فحينما يقعُ الإنسان في الفِسق , فقد فُرِّغَ الدينُ من مضمونه بالضبط , فُرِّغَ الدينُ من مضمونه , يعني برتقالة قشّرتها بإحكام , ثمَ رتبتَ القشرة كما لو أنها لم تُقشّر , لكنها لا لُب فيها , هذا معنى تفريغُ الدينِ من مضمونه .
فدرسنا اليوم عن الفِسق , وهذه كلمة خطيرة , وأقول لكم دائماً أيها الأخوة : نحنُ في حياةٍ قصيرة ، العمرُ ثمين ، والوقتُ قليل ، والمهمةُ كبيرة ، والامتحان صعب ، فما لم نأخذ هذه المصطلحات مأخذاً جِديّاً , ونُترجمُها إلى واقع نعيشهُ , فإنَّ المشكلة تُعدُ مشكلةً لا يُستهانُ بِها .
الفِسقُ في كتاب اللهِ عزّ وجل نوعان : مفردٌ مُطلق ، ومقرونٌ بالعصيان .
الدرس الماضي كما تذكرون , تحدثنا عن الفحشاءِ والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وحينما تقرؤونَ في كتاب الله كلمة إثم وعدوان ، في كتاب الله لا يُمكن أن يكون هُناكَ تكرار , لأنَّ كُلَ كلمةٍ تعني شيئاً دقيقاً .
الإثم : ما كانَ محرّماً لذاتِهِ ، والعدوان : ما كانَ مُحرّماً لقَدرهِ , كيف ؟ .
الزِنا مُحرّمٌ لِذاتهِ ، شُربُ الخمرِ مُحرّمٌ لِذاتهِ ، أما العدوان أن تأخُذَ ثمنَ هذه السِلعة أكثرَ مما ينبغي ، أخذُ الثمنِ مُباح , أمّا أن تزيدَ في الثمن هذا عُدوان , يعني تجاوز الحد , في حد مسموح بهِ ، فمعصيةُ العُدوان معصيةُ قدرٍ لا معصيةُ جِنسٍ ، الإثم معصيةُ جِنس ، أمّا العدوان معصيةُ قدر .
الفحشاء والمُنكر : الفحشاء شيء تأباهُ الفِطرة ، والمُنكر شيء يأباهُ العقل ، العقلُ إذا أنكرَ شيئاً فهو مُنكر ، والنفسُ إذا رفضت شيئاً فهو فحشاء ، فهذه المصطلحات القرآنية يجبُ أن نفهمها فهماً دقيقاً جداً , لأنها أصلٌ في تعامُلِنا مع اللهِ عزّ وجل .
يعني مثلاً : ما الخطر في ذلك ؟ أن تكونَ مُتلبساً في الفسقِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالكُفرِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالشِركِ وأنتَ لا تدري ، أو أن تتهمَ نفسكَ بالفِسقِ وأنتَ ليسَ بفاسق ، عدمُ فهم المصطلحات يُسبب اضطراباً في العلاقة مع النفس , لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : نفسُكَ مطيتُكَ فارفق بِها .
لابدَ إذاً من معرفة المصطلحات بشكلٍ دقيق .
فالفسوقُ في كتاب اللهِ نوعان : مفردٌ مُطلقٌ , وفِسقٌ مقرونٌ بالعِصيان . الفسوق المفرد نوعان :
المُفرد نوعان : فسوق كُفر يُخرِجُ عن الإسلام .
يعني في فِسق من تَلّبسَ بهِ فهوَ كافر , سوف نأتي على الأمثلة بعدَ قليل .
وهُناكَ فسوقٌ لا يُخرِجُ عن الإسلام .
الفسوقُ والفِسقُ المقرون بالمعصية كقولهِ تعالى :
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
1- فسوق الكفر .
الآن فِسقُ الكُفرِ قالَ تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 26-27]
نقضُ عهدِ اللهِ فِسقُ كُفرٍ .
يعني في أعمال إذا عملها الإنسان , شعرَ وكأنهُ سقطَ من السماءِ إلى الأرض ، شعرَ وكأنهُ سقطَ من عين الله , هذا فِسقُ الكُفرِ , نقضُ عهدِ اللهِ ، الارتداد إلى المعاصي ، من علامة الإيمان : أن يكرهَ أن يعودَ في الكُفرِ كما يكرهُ أن يُلقى في النار ، فمن ارتدَّ إلى المعاصي , من ارتدَّ إلى الجحود , من اعتقدَ أنَّ هذا الدينَ خُرافة , ومن سلكَ سلوكاً مُنحرفاً يؤكد ذلك .
الحقيقة : أنَّ هُناكَ لِسانٌ يُكذّب وأنَّ هُناكَ سلوكٌ يُكذّب، وأقول لكم وأنا أعني ما أقول: أنَّ تكذيبَ السلوك أخطرُ من تكذيب اللسان, أنتَ بإمكانكَ أن تزورَ طبيباً, وأن تتعالجَ عِندهُ, وأن يصف لكَ الدواء, وأن تُصافِحهُ, وأن تشكرهُ ممتناً, وأن تعطيهُ أجرهُ, فإذا ذهبتَ إلى البيت, عدمُ شِرائِكَ الدواء اعتقاداً مِنك أنَّ هذا الطبيب لا يفهم, عدمُ شِراء الدواء هوَ التكذيب, كذبّتَ عِلمهُ من حيثُ لا تدري، مُصافحتُكَ لهُ، ثناؤكَ عليه, كلامٌ فارغ، فأن ترى إنساناً في العالم الإسلامي يقول لكَ: ليسَ هُناكَ آخره, هذا قل ما يوجد، لكن أن تجد أُناساً كثيرين همُهم الوحيد هوَ الدُنيا, ولا تجد لهم في الآخرةِ أيَّ مطمح، وليسَ في سلوكهم ما يؤكد ذلك, فهذا نوعٌ من التكذيب بالآخرة.
فلذلك: نقضُ عهد اللهِ، ليسَ شرطاً أن يقول إنسان: أنا نقضتُ عهدَ اللهِ, حينما يرتدُ إلى الفِسقِ والكُفر، حينما يرتدُ إلى المعاصي، حينما يحتال.
مثلاً: مرة حدثني شخص, فقال لي: واحد يبيع خُضار نوعين؛ نوع الكيلو بعشر ليرات ونوع بليرتين، النوع بليرتين سيء جداً, وضعَ في كيس من النوع الممتاز, وعلى وجه الكيس وضع من النوع السيء, وقالَ له: زِن لي, فإذ بهم 6 كيلو × ليرتين = 12 ليرة.
إنسان في وعيهُ يقنِص البائع وهوَ لا يدري، فهذا ليس فِسق عادي، معناها لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما ينحرفُ الإنسان انحرافاً خطيراً, لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما يُلبّسُ إنساناً تهمةً, هو بريءٌ منها, ويقنِصهُ بها, ويبتزُّ مالهُ بِها, هذا فِسق خطير جداً، يتصرّف وكأنَّ اللهَ غير موجود، فِسقُ الكُفرِ إنسان يتصرف, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب.
أنتَ تُحِسُ أحياناً أنَّ الإنسان ينغلب، فيتوب ويبكي ويتأثر، حينما خرجَ عن أمرِ الله فقد فسق، لكن هذا الفِسق, فِسق أساسهُ أنهُ غُلِبَ غلبتهُ نفسهُ، طغت عليهِ شهوتهُ، نَدِمَ ندماً شديداً, هذا فِسق.
ولكن هُناك إنسان يتحرك, ويبني مجدهُ على أنقاض الناس, ويبني غِناهُ على فقرهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ إطلاقاً, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب, هذا فِسق أساسهُ الكُفر، حينما رأى أنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ, وأنَ اللهَ في السماء, مع أنَّ اللهَ يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
يعني مثلاً: لو أنَّ إنساناً مُراقب بجهاز تلفزيوني, وقد رأيتُ هذا في محل تجاري، رأيت جهازاً بجانب صاحب المحل, في الشاشة مُحاسب يُجري الحسابات في الطابق العلوي، هذا صاحب المحل, يُراقب هذا الموظف مراقبةً تامةً، لو أنَّ هذا الموظف أخذَ سِنةً من النوم, وأمسكَ مجلةً, وقرأها في أثناء الدوام الرسمي, ماذا نقول؟ هو مُراقب, لكن هذا الموظف يتصرّف وكأنهُ غير مُراقب.
إذاً: الشيء الخطير أن تتحرك مع الناس، أن تستغِلَ قوتكَ، أو أن تستغِلَ حاجةَ الناسِ إليك، أو أن تستغِلَ حاجتهم إلى سِلعةٍ عِندكَ فتبتزُهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود.
امرأة لها بيت, قالَ لها زوجها: إن لم تكتُبي لي هذا البيت فسوفَ أُطلِقُكِ، هيَ ضعيفة, توفيَ أبوها, وأخوتها مسافرون, وخشيت على مكانتها عِندهُ, فكتبت لهُ البيت, في اليوم التالي طلّقها، بعدَ أن أصبحَ البيتُ بيدهِ, ماذا نقول؟ كيفَ فعلَ هذا وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود؟ وكأنَّ اللهَ لا يقتصُّ مِنهُ؟.
لذلك: من الغباء الشديد الشديد, ومن الحُمقِ الذي لا حدودَ لهُ: أن تتحرك وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, لكنَّ اللهَ كبير.
أنا أذكر إنساناً, شاهد سيارة عليها مفتاحُها, ورآها جيدة جداً من أعلى مستوى, بلدنا والحمدُ لله فيها أمن, فركبها وانطلق بِها، فسَمِعَ أنَّ في المقعد الخلفي طفلاً صغيراً رضيعاً, هذا شيء مزعج, فأمسكهُ من رقبتهِ وخنقهُ ورماهُ في الطريق, وتابعَ سيرهُ, وظنَّ أنهُ ذكيٌ جداً بهذا العمل, ذكيٌ جداً.
سيارة من أعلى مستوى, من أحدث موديل، بعد حين كانَ يركبُها معَ زوجتهِ وأولادهُ في المقعد الخلفي دخلت به سيارةٌ كبيرة, فقتلت ولديه فوراً, وأصابت زوجتهُ بعشرين أو ثلاثين كسراً, وهو في حالة خطيرة، فلما أُخذِت زوجتهُ إلى المستشفى, قالت: الله كبير.
أنا أقول لكم: من أسابيع جاءتني مخابرة هاتفية, قالت لي امرأة: إنَّ ابني ألقى بِهرّةٍ من الطابق السابع, انزعجَ منها فأمسكها وألقاها إلى الأرض، فجاءت ميتة، قُلتُ لها: واللهِ إمّا أن تُسارِعوا إلى صدقةٍ تُطفئ غضبَ اللهِ عزّ وجل, وإمّا أخشى أن يموتَ ابنُكِ بالطريقة نفسها التي قُتِلت بها هذه الهِرة، لأنَّ الله كبير.
هذه نقطة، أنتَ تقول: فُلان فاسق، أيام الإنسان يفوتهُ وقت صلاة, هذه كبيرة, لكن لا يوجد وراءها شعور أنَّ اللهَ غير موجود, أيام الإنسان يتكلّم كلمة يُغلب أحياناً، يتكلّم ويتألم ويدفع صدقة هذه فِسق، لكن في فِسق أساسهُ المغلوبية، أساسهُ أنهُ غُلِب، وفي فِسق أساسهُ أنهُ لا يرى اللهَ عزّ وجل.
﴿يضل بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾
إفساد علاقات، إذا كانَ هذا التلميذ عِندَ هذا العالِم, لا, هذا دجّال، يعني رغبتهُ الجامحة أن يُفسدَ العلاقات بينَ المُعلّم والمُتعلّم، وبين الشريك وشريكه, وبين الزوج وزوجه، وبين الأخِ وأخيه، وبينَ الجارِ وجاره، وبين الأبِ وابنه، وبين الابن وأبيه: ﴿الذين ينقضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقه ويقطعون ما أمرَ اللهَ بهِ أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾
وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 99]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 20]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾
هذا فِسق الكُفر . ﴿فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾
فِسقُ الكُفرِ, والدليل: ﴿فمأواهم النار كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾
2- الفسق الذي لا يخرجك عن ملة الإسلام .
أما الفِسق الذي لا يُخرِجُ عن الإسلام, وهي قولهُ تعالى في سورة البقرة:
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 282]
يعني: تطلب شاهد من المحكمة, لهُ مصلحة, لهُ عمل, بعد أن ضيّعتَ لهُ يوم بِكاملهِ : شُكراً سيدي، الله يعطيك العافية، جاء لمصلحتك وترك عملهُ, بقيَ بلا دخل، فإذا أضررتَ كاتباً أو شهيداً, فهذا فِسق؛ لكنَّ هذا الفِسق لا يُخرِجُكَ عن مِلة الإسلام, يوجد يمين ليسَ لهُ كفّارة, الغموس ليسَ لهُ كفّارة, لماذا؟ لأنها تُخرِجُ صاحِبها من الإسلام, وتغمِسهُ في النارِ غمساً، سماها النبي اليمين الغموس, لأنها تغمِسهُ في النار.
واحد وضع عِندكَ مئة ألف ليرة, ولم يأخذ وصل, هوَ واثق مِنك, توفي, يعلمُ أولادهُ ذلك, جاؤوك بعد وفاة أبيهم, أُمورنا واضحة, معكم إيصال؟ أبوكم كان غلطان, فأقاموا دعوى عليه، القاضي ليسَ معهُ دليل, فيلجأ القاضي إلى ما يُسمّى باليمين الحاسمة، دعاهُ لحلف اليمين , جاء الفرج, فحلَفَ يميناً كاذبةً, أنَّ فُلان ليسَ لهُ عِندهُ شيء، هذه اليمين أُقسم بالله تُلغي عقيدتكَ وصلاتكَ وصيامك وحجك وزكاتك, وانتهى كُل شيء, وتُخرِجُكَ من ملة الإسلام, وتغمِسُكَ في النار.
لذلك: هذه اليمين لا كفّارةَ لها، يوجد لنا أخوان كِرام, يتورعون عن حلفِ اليمين, ولو كانوا صادقين، يقول لكَ: شغلة خَطِرة, خُذ مبلغكَ, والله يُسامحكَ، يعني يتفادى بحلفِ اليمين كُلَّ شيء, لكن:
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾
فسوق المعصية :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
هذا الفاسق سمع إشاعة نقلها، لا يُسمى هذا فِسق كُفر، هذا فِسق معصية:
﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
بالمناسبة: كُلَ حدثٍ وقعَ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, هذا الحدث له دلالةٌ كبيرةٌ جداً، أسوق لكم مثلاً تعرِفونهُ جميعاً:
لمّا النبي عليه الصلاة والسلام صلّى الظُهرَ ركعتين, فقال لهُ بعضُ أصحابهِ, وكانوا مؤدبين ومهذبين, أدبّهم القرآن, قالَ لهُ أحدهم: يا رسول الله! أقَصُرت الصلاة أم نسيت؟ صلّينا ركعتين فقط, فالنبي عليه الصلاة والسلام ما سبقَ أن نسي إطلاقاً، قالَ: كُلُ هذا لم يكن, فقال هذا الصحابي بأدب: يا رسول الله! بعضهُ قد كان, فأتمَّ ركعتين, وسجدَ سجود السهو, وقالَ: إنما نُسيّتُ كي أسُن، أسُن لكم سجود السهو.
لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يسه ولا مرة في حياته, لكانَ هذا الحُكمُ مُعطلاً فقال: إنما نُسيّتُ وليسَ نسيتُ, لقولهِ تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 6-7]
الآن: اسمعوا هذه القصة التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, لتروا أنَّ هذه الآية التي جاءت في قولِهِ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط, أحدُ أصحابِ رسول الله, لمّا بعثهُ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم إلى بني المُستلق بعدَ الوقعةِ مُصدّقاً, وكانَ بينهُ وبينهم عداوةٌ في الجاهلية، فلمّا سَمِعَ القومُ بِمقدمهِ, تلّقوهُ تعظيماً لأمرِ رسولِ الله, رحّبوا به، فحدثّهُ الشيطان أنهم يُريدونَ قتلهُ فهابَهم, ورجعَ من الطريقِ إلى رسول الله, وقالَ: يا رسول الله! إنَّ بني المُستلق منعوا صدقاتِهم, وأرادوا قتلي, فغَضِبَ النبي عليه الصلاة والسلام، فبلغَ القوم رجوعهُ -النبي بعثَ لهم إنساناً لمهمةٍ نبيلةٍ, يُكذبوا النبي, ويمنعوا صدقاتهم, ويهمّوا بقتلهِ, وقتلُ الرسولِ إهانة للمُرسل- فأتوا رسولَ الله, هم رأوهُ مُقدِماً, مُقبِلاً عليهم, ثمَ عاد, خافوا أنهُ جاءهُ خبر من النبي أن عُد، لعلَّ النبي غاضِبٌ عليهم، فأرسلوا وفداً إلى النبي, قالوا: يا رسول الله! سمعنا برسولك, فخرجنا نتلقاهُ ونُكرِمُهُ ونؤدي إليه ما قَبِلنا من حقِ الله, فبدا لهُ بالرجوع, فخشينا أنهُ إنما ردّهُ في الطريق كتابٌ مِنك, لغضبٍ غضبتهُ علينا, وإن نعوذُ باللهِ من غضبهِ وغضبِ رسولهِ.
صار في تناقض, فالنبي عليه الصلاة والسلام رسولهُ قال شيئاً وهؤلاء قالوا شيئاً، رسولهُ قال: منعوني الزكاة وهمّوا بقتلي، وهؤلاء قالوا: نحنُ ننتظرهُ لنُكرِمهُ ونُرحبَ به ونُعطيهُ الزكاة فرجعَ, ما الذي أرجعهُ؟ لعلكَ أنتَ أرسلتَ كتاباً له أن يرجع, أم لعلكَ غاضِبٌ علينا, ونعوذ باللهِ من غضب اللهِ ومن غضبِكَ.
النبي الكريم كما قال الله عزّ وجل, لمّا جاءهُ الهُدهُد, قالَ: وجدتُ امرأة تملكهم وكذا وكذا, قالَ: سننظر أصدقتَ أم كُنتَ من الكاذبين, المؤمن يُحقق .
فالنبي أرسلَ سيدنا خالدَ بن الوليد خفيةً, وأمرهُ أن يُخفي عليهم قدومهُ, وقال له: انظر فإن رأيتَ منهم ما يدلُ على إيمانهم, فخُذ منهم زكاةَ أموالهم, وإن لم تر ذلكَ, فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكُفار، ففعلَ ذلكَ خالدٌ, ووافاهُم, فسَمِعَ منهم أذانَ صلاتي المغرِبَ والعِشاء, الجماعة يُصلون ، وأخذَ منهم صدقاتِهم، ولم ير منهم إلا الطاعةَ والخير, فرجعَ إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم, وأخبرهُ الخبر, فنزلَ قولهُ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
هذا الصحابي لعداوةٍ سابِقةٍ بينهُ وبينهم, ولخوفٍ أصابَ قلبهُ, لكن لم يكفر الصحابي, ليسَ هذا فِسقُ كُفرٍ، هذا فِسق معصية, واللهُ توابٌ رحيم.
بالمناسبة: أيام يكون الفاسِق فِسقهُ ليسَ من نوع الكذب, فاسق مثلاً يُطلق بصرهُ في الحرام, وحدّثكَ بحديث, هو فِسقهُ لا من جهة الكذب بل من جهة إطلاق البصر, فالقرآن الكريم ما ألغى رواية الفاسق, قال: تحققوا منها.
إذا إنسان تحدّثَ لكَ عن إنسان، لا ترضى إلا أن تستمع إلى الطرف الآخر، يتكلّم كيف يشاء، وإذا أردتَ أن توّفر وقتكَ, اجمع الاثنين معاً, ويلتغي أربع أخماس الكلام، ممكن أن يُحدِثُكَ ثلاث ساعات عن الواحد، إذا الواحد أمامهُ يُحدّثُكَ خمس دقائق فقط, لكي تُوِفر وقتك, لا تقبل أن تسمع من زوج, إذا كان طبعاً الزوجة قريبتكَ على زوجتهُ, ولا من الزوجة على زوجها, اجمع الاثنين معاً وليتكلما، ينظر كل واحد للآخر، تنظر هي لن تتكلم, الرجل جالس أمامها, هو حي يُرزق, فقبلَ أن تحكُمَ على إنسان, لا بدَ من أن تستمعَ من الطرفين, والأولى أن تجمعهُما معاً, عندئذٍ تختصر الوقت والجهد.
لكن من كانَ فِسقهُ من طرف الكذب, وقد عُرِفَ بالكذبِ كثيراً وتكراراً, بحيثُ يغلِبُ كذِبهُ على صِدقهِ, فهذا لا يُقبلُ خبرهُ ولا شهادتهُ، كُل مؤمن له بالمجتمع الإسلامي اعتبار, لهُ مكانة، إذا فَسق تُردُّ شهادتهُ، يعني أكبر إهانة توجه للإنسان: أن تُردُّ شهادتهُ.
سمعت في بعض البلاد, إذا بائع غشَّ في البيع لا يُعاقب, لا ضبط ولا سجن, ولكن لوحة توضع على محله التجاري: هذا الإنسان يغشُ في البيع والشراء, ينتهي.
سمعت في حمام معدني ببعض البلاد الأجنبية, طبعاً هذا المثل لهُ معنى, في مائهِ مادة تتفاعل مع البول, ولو واحد كان غير حضاري, أو غير مؤمن فبالَ في هذا الماء, فتخرج بقعة بنفسجية فوقهُ, فيلتقطونهُ كما تُلتقط الفأرة, ويوضع في غرفة زجاجية, على مدخل هذا الحمام مكتوب أنهُ: هذا الإنسان يبولُ في الحمام, هذه أكبر من سجن, الفضيحة وهدر الكرامة شيء خطير جداً، فيكفي أنَّ الفاسق إذا فَسق تُردُ شهادتهُ, وردُ شهادة الفاسق طعنٌ في مكانتهِ.
الإنسان يعيش بكرامته، يعيش بمكانته، قد يكون فقيراً رافعَ الرأس، قد يكون عملهُ شاقاً رافعَ الرأس، أما إذا وقعَ في شيء يصغُرُ من عين الله فهذه المصيبة، الحقيقة: المصيبة أن تكونَ عاصياً لله، المصيبة أن تكذب، المصيبة أن تخون، المصيبة أن تفعلَ شيئاً لا يُرضي الله, ربنا عزّ وجل علّمنا عن طريق النبي, يعني في أشدِ حالاتهِ.
مرة مع السيدة عائشة تسألهُ: يا رسول الله! أيُّ يومٍ صعبٍ مرَ بِكَ؟ أصعب أيام حياتك ، هيَ ظنت يوم أُحد, قالَ: لا, يومَ الطائف.
إنسان متوجه بعد أن يكاد ييأس من قومِهِ قُريش, توفيت زوجتهُ, السند الداخلي, توفيَ عمهُ أبو طالب, السند الخارجي, من الداخل صار في وحشة, ومن الخارج صار في خلل, وكُلُ قُريش ضِدهُ, توجه إلى الطائف مشياً على قدميه, وفي الطائف السخرية والاستهزاء والتكذيب حتى والإيذاء ، قالَ: إنَّ أشدَ يومٍ أتى عليّ يوم الطائف, قالَ: إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي.
هذا درس لنا مهما ضاقت الأمور: يا ربي هذا قدرك, وهذا قضاؤك, وأنا راضٍ به.
إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي.
يعني هناك كلمات لسيدنا عُمر, أنا أقولُها كثيراً, لأنني أشعر أنها بليغة, ما أصابتهُ مصيبةٌ, إلا قالَ الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمدُ للهِ إذ لم تكن في ديني، ما دام الدين سليماً, صائماً ومصلياً, ويغُض بصرهُ, ودخلهُ حلال, وإنفاقهُ حلال, مؤدية لواجباتهُ الدينية والأُسرية, بار بوالديه, ومُحسن لزوجتهِ, وعطوف على أولادهُ, لا يكون في شغل الله يُدبّر, ما دام لا يوجد معصية, القضية سهلة جداً, يعني الدنيا تأتيكَ وهيَ راغمة.
وأوحى ربُكَ إلى الدُنيا, أنهُ من خدمني فاخدميه, ومن خدمكِ فاستخدميه, ومن أصبحَ وأكبرُ همهِ الآخرة, جعلَ اللهُ غِناهُ في قلبِهِ, وجمعَ عليهِ شملهُ, وأتتهُ الدنيا وهيَ راغمة.
توضّحَ لدينا: الفِسقُ الذي يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام, والفِسقُ الذي لا يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام، يعني إذا غُلِبتَ, الصحابي خاف عداوة قديمة وخاف, النبي قَبِلَ عُذره, لكن لم يُخرِجهُ من الإسلام, أمّا هذا الذي يقطعُ ما أمرَ اللهُ بهِ أن يُوصل، هذا الذي يحلف يميناً غموساً ليقتطعَ بها مال امرئ مُسلم بغير حق, هذا يتصرّف وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود إطلاقاً.
قال: والفسوق الذي تجبُ التوبةُ منهُ أعمُّ من الفسوق الذي تُردُ به الروايةُ والشهادة, أيضاً يوجد درجات, لو فرضنا إنساناً, نظرَ إلى امرأة نظرةً لا تَحِلُ لهُ, هذا فُسق, بل هذا يَرُدُ الشهادة, لا, لكن لو أدام النظر، لو كانَ من شأنهِ أن ينظر.
أنا اقول لكم قصة واقعية: رجل يسكن في المزة, عِندهُ خمسُ بنات متزوجات، لهُ هِواية ليست شريفة, يركب السيارة العامة من المزة إلى المرجة, ويمشي في أيام الصيف في طريق الصالحية ذهاباً وإياباً، ذهاباً وإياباً ليُمتعَ عينيه بالنساء الكاسيات العاريات, لا يتكلّم ولا يبتسم, إلا أنهُ ينظر، هذا الرجل يسكن في بيت، جارهُ صديقٌ لي, جارهُ المُلاصق, ابتلاه اللهُ بمرضٍ في عينيه, هذا المرض اسمهُ: ارتخاء الجفون, كُلما أراد أن ينظرَ إليك, أمسكَ جفنيه بِكلتا يديه, ورفعهُما حتى يراك, فإذا تركهُما انحدرا, فربنا عزّ وجل جعلَ جزاءَ هذه المعصية من جِنسِ العمل، مرض ارتخاء الجفون, في أمراض لا نعلمُها نحنُ.
فكُل فِسق لهُ ترتيب عِند الله عزّ وجل، عِنده خمس بنات متزوجات, وهو متزوج, ومُحصن, وله أصهار, ولهُ أولاد, وله أحفاد, المعصية بِسن متأخر قذرة جداً.
أحُبُ الطائعين وحُبي للشاب الطائع أشد, وأُبغض العُصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد.
هناك فِسق يوجِبُ التوبة ولا تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة ولا يُوجِبُ الكُفر.
يعني دائماً أقول لكم كلمة دقيقة: من علامات ضيق الأُفق: رؤيتكَ لونين أبيض وأسود, فإن وجدتَ إنساناً زلّت قدمهُ في معصية صغيرة, هذا كافر, هذا مرض خطير مستشر بين الجماعات الدينية.
مرة النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ زينبَ أن تتزوج أو غير زينب, النتيجة: ما أحبتهُ, قالت لهُ: يا رسول الله! إني أكرهُ الكُفرَ بعدَ الإيمان ، يعني لم أُحبهُ, لذلك القاضي لا يمكن أن يمضي العقدُ سليماً صحيحاً, إلا إذا سَمِعَ بإذنهِ من فم المخطوبة, أنها قَبِلت به، موافقة الأب, لأنهُ يعرف الرِجال, وموافقة البِنت لأنهُ زوجُها, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لو تُراجعيه، لو تقبلي بهِ، قالت: يا رسول الله! أفتأمُرني؟ قالَ: لا, إنما أنا شفيع.
النبي الكريم ما وضعَ مكانتهُ الدينية في أمرٍ شخصي, هذا أمر شخصي, فأنا أردتُ من هذه القصة: أنكَ إذا وجدتَ إنساناً, لهُ معصية مُخالفة, إيّاكَ أن تتهمهُ بالكُفر، لو اتهمتهُ بالكُفر, أصبحت الهُوةُ بينكَ وبينهُ سحيقة، اقبلهُ، ذكّرهُ، يوجد أبيض وأسود, أما عندَ خبراء الألوان في مليون لون بينهُما.
مثلاً: الكمال في الحِجاب: أن يُسترَ الوجه, لكن أتوازي فتاةٌ, تلبِسُ معطفاً فضفاضاً, وقد غطت رأسها, وبقي مساحةٌ صغيرة من وجهها, وترتدي ثياباً سابغةً؟ هذه لا توازى بامرأة فاسِقة تكشِفُ عن مفاتِنُها، أتمنى أن يُسترَ وجهُها لا شك, لكن أنتَ ليسَ لكَ الحق: أن تجعل هذه كهذه, لا, في فرق بينهُما, فأنتَ تُريد معياراً دقيقاً، إنسان نظر، إنسان لمس، إنسان باشر , الثلاثة معاً, لا, النظر زِنا, والمس زِنا, والمباشرة زِنا, لكن هذا الزِنا من نوع, وهذا من نوع, وهذا من نوع, أمّا أبيض أو أسود, فهذا أُفُق ضيق, فربنا عزّ وجل يُقدّر كُل شيء.
يعني: كُل شيء لهُ حجم عِندَ الله عزّ وجل, فأردتُ من هذا: في فِسق يوجِب التوبة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق يُخرِجُ من المِلّة، فأنتَ إذا التقيت مع إنسان, وأردتَ أن تنصحهُ لا تُبالغ، إذا بالغت, نفرتَ منهُ, ونفرَ مِنك.
وقد قالَ بعضُ العُلماء: الفِسقُ أخصُ بارتكابِ النهيِ, ولهذا يُطلقُ عليه كثيراً: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾
يعني: إذا شيء نهى الله عنهُ وارتكبتهُ, يُسمى في القرآنِ فِسقاً, والمعصيةُ تركُ الأمرِ , المعصية ترك الأمر, أمّا الفِسق ارتكاب النهي, الشرع بشكل مُجمل أمر ونهي، افعل ولا تفعل، إذا قال لكَ: لا تفعل, تأكد أنَّ النفسَ البشرية تتمنى أن تفعل, وإذا قال لكَ اللهُ: افعل, النفسُ البشرية تتمنى ألاّ تفعل، لأنكَ لا ترقى عِندَ اللهِ عزّ وجل إلا إذا خالفتَ نفسكَ، لأنَّ للنفسِ طبع والأمرُ الإلهي يُخالفُ هذا الطبع، لذلك سُميَّ الأمرُ تكليفاً لأنهُ ذو كُلفةٍ, غضُ البصر, الإنسان مع سجيتهِ يتمنى أن ينظر، والإنسان مع طبعهِ يتمنى أن لا يستيقظ على صلاة الفجر النوم ألذ، ومع طبيعتهِ يتمنى ألاّ يُنفِقَ المال قبضهُ لهُ شعور آخر، فيوجد أمر ويوجد نهي, فإذا فعلتَ ما نهى اللهُ عنهُ, فهذا بالقرآن يكثُرُ ذِكرهُ بالفِسقِ، وإذا تركتَ ما أُمرتَ بهِ, فهذا يغلِبُ عليه اسمُ المعصية.
والتقوى: تجمعُ الأمرين معاً، التقوى أن تتقي أن تقعَ فيما نُهيتَ عنهُ, وأن تترُكَ ما أُمرتَ بهِ، أن تتقي غضبَ الله, فإذا أمركَ بشيء, فالتقوى أن تفعلهُ, وإذا نهاكَ عن شيء, فالتقوى أن لا تفعلهُ.
الآن دخلنا بموضوع آخر: في فِسق سلوكي, وفِسق اعتقادي, لمّا ربنا عز وجل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
إذا إنسان أنكرَ الإسراء, ماذا يُعدُ في علمِ العقيدة؟ يُعدُ كافراً, لماذا؟ لأنَ دلالةَ الآية قطعي، الدلالة قطعية، إذا أنت أنكرت نصاً قطعي الثبوت والدلالة فقد كفرت، طيب لمّا ربنا قال:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
[سورة النجم الآية: 8-9]
الآيات توحي أنَّ النبي عُرِجَ بهِ إلى السماء, لكن لا دليلاً قطعياً على أنهُ عُرِجَ بهِ إلى السماء:
من أنكرَ المِعراج فقد كفر.
إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ قطعي فقد كفرت، إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ ظنيّ فقد فسقت، فالفِسق الاعتقادي خطير, أن تُنكِرَ شيئاً يعني ينبغي أن تعتقدَ بهِ، أما إذا أنكرتَ شيئاً يجبُ أن تعتقدَ بهِ فقد كفرت.
أمّا فِسقُ الاعتقادِ كفسقِ أهلِ البِدعِ, الذين يؤمنون باللهِ ورسولهِ واليوم الآخر, ويُحرّمون ما حرّمَ اللهُ, ويوجِبونَ ما أوجبَ اللهُ, ولكنهم ينفونَ كثيراً مما أثبتَ اللهُ ورسولهُ جهلاً وتأويلاً وتقليداً لغيرهم.
يعني: إذا أنت نفيتَ عن اللهِ عدالتهُ, أخي سبحان الله, الله يعطي الحلاوة لمن ليسَ له أضراس, هل تعلم أنكَ فسقت فِسقاً اعتقادياً بهذا الكلام؟ نفيتَ عن الله العدالة، نفيتَ عنهُ الحِكمة.
فإذا نفيتَ عن اللهِ ما أوجبهُ لنفسهِ فقد فسقتَ فِسقاً إعتقاديّاً، أمّا التوبة: أن تُعلِنَ على الملأ الذينَ أنكرتَ هذا أمامهم, أن تُعلِنَ عكسَ ذلك, ولم تُقبلَ توبتكَ ما لم تُبين عكسَ الذي قُلتهُ من قبل, ماذا قالَ الله عزّ وجل؟:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 159-160]
لكن الفاسِق فِسقاً, يُخرِجُ من المِلّة, هذا مأواهُ النار, والدليل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 67]
هذا فِسق يُوجِبُ الكفُر. الخلاصة :
اتضح معنا في هذا الدرس: أنَّ كلمة فِسق متدرجة, فِسق يوجِبُ التوبة، فِسق تُردُ بهِ الشهادة، فِسق كما تعلمون موضوع تعرفونهُ جميعاً: إذا الإنسان كذب, فقد وقعَ في النِفاق, لأنَّ آية المنافق ثلاث: إذا حدّثَ كذب.
من عاملَ الناسَ فلم يظلمهم, وحدثّهم فلم يكذبهُم, ووعدهم فلم يُخلِفهُم, فهو ممن كَمُلت مروءته, وظهرت عدالتهُ, ووجبت أُخوته, وحَرُمت غيبتهُ, من كذبهم سقطت عدالتهُ, من ظلمهم سقطت عدالتهُ، من أخلفهم سقطت عدالتهُ؛ لكن في بالشرع دقّةَ بالغة: في سقوط عدالة وفي جرح عدالة.
إبريق زجاجي, إذا جئت بمطرقة وكسّرتهُ قطعاً صغيرة, وقد يُشعرُ هذا الإبريق، فجرحُ العدالةِ شيء, وسقوط العدالة شيء آخر.
عالِم الحديث الشهير, الذي جاء من المدينة المنورة إلى البصرة, ليتلّقى حديثاً عن أحدِ الرواة, لمّا رآهُ يوهِمُ فرسهُ: أنَّ في ثوبهِ شعيراً, لتُقبِلَ عليه, فاقتربَ منهُ, ولم يجد في الثوب شيئاً, فعادَ أدراجهُ إلى المدينة, وعدَّ هذه الحادثة تكفي لِردِ الحديث عنه, جُرِحت عدالتهُ.
لذلك الأكل في الطريق يجرحُ العدالة, يمشي حافياً، أن تُطفف بتمرة، أن تأكل لقمة من حرام، أن تصحبَ الأراذل، أن يعلو صوتُكَ في البيت، أن تتحدثَ عن النساء، أن تُطلِقَ لفرسكَ العِنان، أن تقودَ بِرذوناً، أن تبولَ في الطريق, هذا كُلهُ يجرح العدالة، أنتَ مؤمن، أنتَ سفير هذا الدين، تُمثل هذا الدين، يعني الإنسان حتى ثيابهُ جزء من دينهُ, يعني لا أقول لكَ: يجب أن تكونَ غالية, أبداً, يمكن أن تكونَ الثيابُ متواضعةً جداً, ولكنها نظيفة, نظيفة فقط, الإسلام نظيف ، فدائماً وأبدا ً:
(( عَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ, قَالَ: كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ, وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّدًا, قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَ الرَّجُلُ, خُرَيْمٌ الأَسَدِيُّ, لَوْلا طُولُ جُمَّتِهِ, وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ, فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا, فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً, فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ, وَرَفَعَ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ, ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ: فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى أخْوَانِكُمْ, فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ, وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ, حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ, فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ, قَالَ أَبو دَاود: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
وكانَ إذا مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام: يُعرفُ بريح المِسك.
إذاً: حتى الآن أنواع المعاصي التي نحنُ في صددها: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, أكبر معصية هيَ أساس كُل المعاصي, إذا واحد اعتقد من شخص جاهل, أنهُ مهما فعلت, أنتَ من أُمةِ مُحمد, وأمةِ مُحمدٍ مرحومة, والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخُلَ الجنة قبلَ أن يُدخلَ أُمتهُ كُلها إلى الجنة, وانتهى الأمر, هذا الكلام يخرج منهُ ملايين المعاصي, إذا توهمّتَ هكذا, اسمع الآيات: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
[سورة الزمر الآية: 19]
هل هُناك أوضح من هذه الآية؟
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَ فَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
الشفاعةُ حق, ولكن لها تفسير راقٍ جداً, أرقى من هذا الفهم الساذج للشفاعة, فأخطر شيء في الدين: أن تقولَ على الله ما لا تعلم, طبعاً آتي بمثل واحد, هُناك آلاف الأمثلة, يعني أن تعتقد أنك أُجبِرتَ على كُلِ معاصيك, ولا حيلة لكَ فيها إطلاقاً, ثم ساقكَ اللهُ إلى جهنم, لتبقى فيها أبدَ الآبدين, والقرآن الكريم, عشرات الآيات بل مئات الآيات تؤكدُ ندمَ الفاسقين.
لو أنَّ الأمرَ كذلك, هل هُناك ندم؟ ما ندم، مُجرّدِ الأمرِ والنهيِ فأنتَ مُخيّر، أو ما قالهُ سيدنا عمر, لمّا قالَ له أحدهم: إنَّ الله قدّرَ عليَّ ذلك, قالَ: أقيموا عليه الحَد مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله.
فالإنسان دائماً إذا كانَ مُقصّراً أو كانَ مُتلبساً بمعصيةٍ, يميلُ إلى أن يعزوَ هذا إلى الله, للأقدار, أما إذا صلى قيام الليل لا يقدر, يقول لك: أنا صليت قيام الليل، إذا فعل عملاً صالحاً تصدّق, يعزيها لحالهُ, يقول لكَ: أنا اليوم عملت كذا, أمّا إذا كان وقع في معصية, هكذا قدّرَ اللهُ عليّ, هذا الكلام مُضحك, لماذا الطاعةُ تعزوها إلى نفسك وتعزو المعصية إلى الله عزّ وجل؟: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
فالفِسق الاعتقادي خطير جداً، الكُفر أن تُنكر, أمّا الفِسق أن توجب ما نفاهُ اللهُ عن نفسهِ, أو أن تنفي عنهُ ما أثبتهُ على نفسهِ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-18-2018 01:30 PM

رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : النفاق







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين .
ونحنُ قبلَ درسين أو أكثر : بدأنا في موضوع التوبة , وقبلَ أن ندخُلَ في صُلبِ موضوع التوبة , بدأنا في ذِكرِ المعاصي والذنوب التي ينبغي أن نتوبَ منها ، وتحدثنا من قبلُ عن أنَ أكبرَ المعاصي أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وتحدثنا عن الفحشاء والمُنكر، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يُخرِجُ من المِلّة ؟ وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يوجِبُ التوبة .
منزلة النفاق :
وننتقلُ اليوم , ولستُ أُبالغ إلى أخطرِ موضوعٍ من موضوعات الإيمان , ألا وهو النِفاق , لأنَّ أخطرَ الأمراض في عالم الطِب هي : الأمراضُ التي لا أعراضَ لها .
هُناكَ أمراضٌ لها آلامٌ لا تُحتمل ، ليست خطيرة , لأنها في وقتٍ مُبكر تكشِفُها ،
ولكنَّ أخطرَ الأمراض هي : الأمراض التي لا يُصاحِبُها ارتفاع حرارةٍ ولا آلامُ مُبرّحةٌ , إنما هيَ أمراضٌ تتسلل تسلُلاً بطيئاً إلى أن تستفحلَ فجأةً , وعندئذٍ يستحيلُ الدواء .
ذكرتُ هذا لأنَّ الذي يخافُ أن يكونَ مُنافقاً قولاً واحداً ليسَ مُنافقاً , لكن المنافق لا يدري أنه منافق , يحسبُ أنهُ مؤمن , هذا الذي يُفسّرُ بهِ أن تأتي ثلاث أو أربعُ آيات في مقدمة القرآن الكريم , وفي أولِ سورةٍ منه تتحدثُ عن المؤمنين ، وفي آيتين فقط يتحدثُ القرآن عن الكافرين ، وفي ثلاث عشرة آية يتحدثُ عن المنافقين .
عندما الإنسان يتكلّم كلام الكُفر, هذا الإنسان ليسَ خطراً أبداً، لأنَّ الناسَ يحذرونهُ, لأنَّ كفرهُ بواح, مهما يكن كفرهُ شديداً الناسُ يحذرونهُ، أمّا الذي يُخشى منهُ: هذا الذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, فالذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, هو المنافق لهُ مظهر وله مخبر، لهُ موقفٌ مُعلن ولهُ موقفٌ حقيقي، لهُ سلوك خارجي ولهُ اعتقاد داخلي، المنافق أخطرُ إنسانٍ في المجتمع الإسلامي.
لذلك: هذا الذي تزيا بزيّ المسلمين، وصلى صلاتهم، وصام صيامهم، وحجَّ حجهم، وأدى زكاة مالِهِ كما يؤدون، ولبّسَ على المُسلمين, وهو يكيد لهم, ويحاول أن يُطفئ نور اللهِ عزّ وجل بطريقةٍ أو بأخرى, هذا ليسَ مكانهُ في النارِ كما هو مكان الكُفار, بل مكانهُ في الدركِ الأسفلِ من النار, هذا معنى قولهِ تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
وكُلُكم يعلم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما نزلَ قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 84]
أودعَ سِراً لسيدنا حُذيفة بن اليمان, وأعطاهُ أسماءَ سبعةَ عشرة مُنافقاً, أمرهُ إذا توفاهُ اللهُ عزّ وجل ألا يُصلّى عليهم، أمّا أن يأتي عمر بن الخطاب عِملاق الإسلام، الخليفة الراشد، الذي كان فذّاً عبقريّاً, يسألُ حذيفةَ بن اليمان, ويقول له: أُنشِدكَ الله: هل ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسمي مع المنافقين؟ هذا لِعِظَمِ حقِّ اللهِ عليه.
أيها الأخوة, مهما اتهمتم أنفسكم, فأنتم تعملون ما هي صفات المؤمن؟ المؤمن كثير الاتهام لنفسه، دقيقٌ في حِسابهِ، عسيرٌ في محاسبةِ نفسه، يُراجع نفسهُ كثيراً، يتهمُ نفسهُ كثيراً، يلومُها كثيراً, حتى إن الله سبحانه وتعالى أثنى على تلكَ النفس اللوامة، أمّا هذا الذي يمدحُ نفسهُ, ويظنُ بِها خيراً, ويُحسن الظنَ بها, وهي ليست كذلك, فهذا على شُعبةٍ من شُعبِ النِفاق.
الآن :
النِفاق خطورتهُ أنَّ الإنسانَ يمتلئُ منهُ وهو لا يشعر ، والنِفاقُ خطورتهُ أنهُ يخفى على الناس ، إذا أحدهم قال : ليسَ هُناكَ إله, مع أن هذا الكلام هو الكُفر, لكن أنا أرى: هذا الكلام ليسَ لهُ خطورةٌ على المجتمعِ أبداً, لأنَّ الناسَ لا يصدقونهُ ويحذرونهُ ويبتعدون عنهُ ويتهمونهُ بالكُفر, أمّا هذا الذي يقول كما يقول الناس, ويصلي صلاتهم, ويصوم صيامهم, ويكيدُ للمسلمين, هذا مُنافق.
يعني: إذا الإنسان جاء بالآيات, ووجهها توجيهاً ليوافقَ روحَ العصر، جاء بآيات وفسّرها تفسيراً يُكرّس في انحرافات العصر فرضاً، فرّغَ الإسلام من مضمونهِ, وهو يقول: قال الله جلَّ جلاله, والنبي عليه الصلاة والسلام, هُنا الخطر, لأنَ هذا سُمٌّ في دسم, دسم مع السُم.
أنواع النفاق :
1-النفاق الأكبر :
الحقيقة: النِفاق نوعان: نِفاقٌ أكبر، ونِفاقٌ أصغر, النِفاق الأكبر يوجِبُ الخلودّ في النار, ليسَ دخول النار فقط, يوجب الخلود في النار, لكن نعوذ بالله من هذا النوع, النِفاق الأكبر: أن تُنكرَ كُلَّ شيء في الدين, وأن ترفضَ هذا الدين جملةً وتفصيلاً, وألا تعتقدَ لا بما جاءَ بهِ النبي ولا بما نزلَ بهِ القرآن، لكنكَ بدافعٍ من مصالحكَ وذكائِكَ, ترى أن مصالِحكَ كُلها لا تصونُها إلا إذا أظهرتَ للناس أنكَ منهم, هذا هو النِفاق الأكبر الذي يوجب الخلودَ في النار, بل في دركِها الأسفل, وهو أن يُظهِرَ الإنسان للناسِ إسلامه, إيمانهُ بالله, وملائكتهِ, وكُتبهِ, ورُسلهِ, واليوم الآخر.
إذا كُنت في بلد مُطبّقٌ فيه الدين تطبيقاً كاملاً, وسارعتَ إلى الصلاة كُلما أذّنَ المؤذّن, لأنهُ لو لم تذهب, هُناك سجن, وهُناك عقوبات كبيرة, فإذا غادرتَ بلدكَ إلى بلدٍ غربيّ, انغمست في الملذاتِ والزِنا والخمرِ إلى قِمةِ رأسك, هذا الذي يصلي في بلدهِ كُل وقت بوقته, ويحجُ البيت ويطوف ويسعى, ويدفع زكاة مالهُ, لأنَّ عليه مراقبة شديدة, فإذا لم يفعل عوقب وجُلد و.... إلخ, فإذا خرجَ من بلدهِ إلى بلدٍ أورُبي, انغمسَ في الزِنا والخمر إلى قِمةِ رأسهِ, أليسَ هذا هو النِفاق الأكبر؟ لا يعبأُ بشيء من أوامر الله عزّ وجل, بل هو لا يقبلُها, بل لا يعتقدُ بها.
أردتُ أن أقرأ عليكم في سورة البقرة في مطلعها الصنفين من أصناف المنافقين, فالصِنفُ الأول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 17-18]
هذا النِفاق الأكبر: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
2-النفاق الأصغر :
أما النِفاق الأصغر:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 19-20]
لكنهُ لم يذهب بسمعهم وأبصارهم, لأنهُ ينتظر أن يهتدوا وأن يؤمنوا.
فالمنافق إمّا إنسان مؤمن بالله, لكن إيمانهُ ضعيف, وغَلبتهُ نفسهُ, فانساقَ مع شهواتهِ, فهذا النِفاق الأصغر, الذي نرجو لصاحبهِ أن يؤمن, وأن يهتدي, وأن يتوب، وأمّا النِفاق الأكبر: فهو أن تُنكرَ أصلاً كُلَ ما جاء بهِ النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تُنكرَ هذا الكتاب, لكنكَ تفعلُ أفعال المُسلمين تمشيّاً مع مصالِحك.
لعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, فَوَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, قَالَ آدَمُ: إِلا ذِرَاعٌ))
هذا الذي قصدهُ النبي, إنهُ في الأصلِ يعملُ بعملِ أهلِ الجنة, لكنهُ هو من أهلِ النار, هو كافرٌ كفراً بوُاحاً, ولكن يتظاهر. الآيات القرآنية التي تتحدث عن صفات المنافقين :
الحقيقة: في سورة التوبة وصفٌ دقيقٌ دقيق للمنافقين، وفي سورة المنافقين وصفٌ دقيقٌ لهم، وفي ثنياتِ السور الأخرى وصفٌ لهم, أمّا الذي أتمناهُ على كٌلِ أخٍ مؤمن: أن تكونَ صفات المنافقين واضحةً في ذهنهِ وضوحاً جليّاً, ليعرف أينَ هو من هؤلاء؟ وفي هذا الدرس إن شاء الله تعالى سنقف عِندَ آيات المنافقين آيةً آية, نقفُ عِندها وقفةً متأنية, لنرى الأبعاد التي تعنيها تلكَ الآيات, فلعلها تكونُ مقياساً، يمرض الإنسان أحياناً, فيعطيه الطبيب قائمة مسجّل عليها بعض الأطعمة التي يجب أن يمتنع عنها لا ليأكُلها.
وقفنا عِندَ آيات المنافقين في هذا الدرس من أجلِ هذا, من أجلِ أن نحذرَ أن نكونَ من هؤلاء, وأن نحذرَ أن تنطبِقَ علينا صِفاتِ بعضِ هؤلاء، المنافقون جميعاً متفقون على شيء واحد, وهو تركُ الاهتداء بالوحي, أنت إنسان تحتاج إلى منهج، تحتاج إلى دستور، تحتاج إلى قانون، ما المنهج الذي تسيرُ عليه؟ ما القانون الذي يُقننُ تصرفاتك؟ ما الدستور الذي تهتدي به ؟ المنافقون جميعاً أنكروا الوحي ورفضوه, والدليل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 53]
الوحيُ في واد, ومبادئهم وأفكارُهم وقيمُهم وأساليبُهم وحركاتُهم في وادٍ آخر:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
والشياطين كما تعلمون يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً, يعني مُلخصُ هاتين الآيتين أنهُ : ﴿ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخيرةُ من أمرهِ﴾
أنتَ كمُسلم, هذا حِكمُ اللهِ في الرِبا, وهذا حُكمُ اللهِ في العلاقةِ مع النساء, وهذا حُكمُ اللهِ في الغيبة, وهذا حُكمُ اللهِ في الزواج, فإذا رفضتَ حُكمَ اللهِ, ولو كانَ الرفضُ داخليّاً, فأنتَ شئتَ أم أبيت وقعتَ في خندقِ المنافقين, يعني المنافقون اتخذوا هذا القرآن مهجوراً, يعني كتابٌ لا يصلُحُ لهذا الزمن، كتابٌ نتبرّكُ بهِ ولكن ليسَ هوَ الدستور، ليسَ هوَ القانون، كتابٌ نتلوهُ على الأموات، كتابٌ نقرؤهُ نتقوى, كتابٌ فصيحٌ جداً إذا قرأناهُ استقامت ألسِنتُنا, معناها اتخذتهُ مهجوراً, هذا الكتاب لم تر أنهُ الدستور الكامل. 1-في قلوبهم مرض .
الحقيقة أول صِفة من صِفات المنافقين : في قلوبهم مرضٌ , هذا المرض حُبُ الدنيا، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ))
[أخرجه أبو داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ]
حُبُ الدُنيا هوَ الذي يحمِلُ على معصية الله, هو الذي يحملُ على أن تأخذَ ما ليسَ لك, هوَ الذي يحمِلُ على أن تطغى وعلى أن تبغي, لذلك: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 10]
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
فلمّا أصرّوا على هذه الشهوات وتشبثوا بِها: ﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾
أطلقهم إليها لعلّهم يتخلصونَ منها, ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون على اللهِ عزّ وجل.
إذاً: أساس النِفاق حُبُ الدُنيا، وحُبُ الدنيا عبّرَ الله عنه بكلمة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾
أحياناً المنافق لسببٍ أو لآخر, يستمع إلى خُطبة, أو يجلس في مجلس عِلم, إذا انفض المجلس, لو سألتهُ عن كلمةٍ واحدةٍ, أٌلقيت في هذا المجلس, لا يتذكر, عن آية واحدة، عن تفسيرِ حديثٍ واحد، عن مِحور الدرس، عن عنوان الدرس, لا يتذكر، إذا خرجوا من عِندِ رسولِ الله, قالوا: ما قالَ آنِفاً؟ والله لا أتذكر، لم نفهم شيئاً, فربنا عزّ وجل وصفهم, فقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
يقول الحجاج مرة : رأى شخصاً يُصلي قاعداً في دُكانهِ , وهو يبيعُ بعض الأواني , ودُكانهُ سقفُها مرتفع , وعِندهُ سُلّم , وهُناك رفوف بعضُها فوقَ بعض , فقالَ لهُ : باللهِ عليك هذا الإناء , اختار أعلى واحد , أرِني إياه بنشاط , وضعَ السُلّم , وصعد وجاء بهِ ، قال : لا , ليسَ هذا الذي بجانبهِ , فصعد , وجاءَ بهِ , أرادَ الحجاج أن يمتحنَ صِدقهُ مرتين , وثلاثة , وأربع مرات , وهو يصعد ويهبِط , بعدئذٍ قال : تُصلي قاعداً في دُكانِك وأنتَ في البيع والشِراء نشيطٌ جداً .
أيام الإنسان يقول لكَ: الإمام طوّلها, يعني يكون قد قرأ آية زيادة, توقفهُ على باب الجامع, تُحدِثهُ ساعة على الواقف, وأنتَ مبسوط, استكثر آية يتلوها الإمام في صلاة الفجر زائدة, ووقفَ ساعةً يُحدِثُكَ في حديثٍ سخيف, وهو لا ينزعج.
فلذلك: المؤمن في المسجد كما يقولون كالسمكِ في الماء, والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص, يعني متضايق: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
2-المخادعة.
من علاماتِهم كما تعرفون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ , لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ , فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( يَا بِلالُ, أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))
(( عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ ))
إذاً: الذي يقومُ إلى الصلاةِ كسلاناً: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
هذه صِفةٌ ليست طيبةً في حقِ المُسلم، ذِكرهُ للهِ قليل، يعني إذا خُضتَ معهُ في موضوعٍ دُنيوي, خاضَ فيهِ إلى قِمةِ رأسهِ, فإذا دخلتَ في موضوعٍ ديني ينظر لساعتهِ, ويقول لكَ: تعذرُني عِندي موعد، ساعة ونصف يستمعُ إليك بنهم, ما دام الموضوع في التجارة والمشاريع والاستيراد والتصدير وأسعار العُملات, أمّا إذا دخلتَ في موضوعٍ ديني اعتذر فوراً.
فلذلك :
﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾
المنافق مشكلتهُ أنهُ يجعلُكَ في حيرة لا هو مع المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هو مع المنافقين مع الكُفار فتظنهُ كافراً وتستريحُ منهُ.
يعني أحياناً تجد طالباً لا يدرس, فلو دخل في صنعة كانَ قد تعلمّها, وكان قد أتقن الصنعة, لكان خيراً له, فالطالب ليس بطالب, وقتهُ مُعطّل, ليسَ بطالب ليتعلّم, ويأخذ شهادات عُليا, ويتفوق, ويصبح طبيباً، محامياً، مهندساً، مدرساً، ولا هو إنسان أتقن عملاً, يكسب منهُ رِزقهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 143]
لو كان مؤمناً صادقاً, قطف ثِمار الإيمان, شعر بالراحة, فتيسرت أُمورهُ, وتجلى اللهُ على قلبِهِ, وألقى اللهُ في قلبهِ نوراً, شعر بطمأنينة، حياتهُ سعيدة، بيتهُ سعيد, ولو كان كافراً لانطبق عليه قولهُ تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
يعني: خُذها وخلصني, لا هو من المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هوَ من الكافرين حتى يخرُجَ من العناية المُشددة.
البارحة حضرت مولداً, رجل أُصيب بحادث سير, وقُطعت يدهُ بهذا الحادث, بعدَ أن شُفيَ من الأعراض الجانبية من هذا الحادث, أُقيمَ لهُ مولد جيد, فألقى فيه بعضُ العُلماء كلمات, فأنا خطرَ في بالي هذا المعنى: لو أن شابين, واحد طالب مدرسة, والثاني بِلا دراسة وبِلا عمل, طالب المدرسة إذا تأخر يُحاسب، إذا لم يحفظ الدرس يُحاسب، لم يكتب وظيفة يُحاسب، نسيَ الكتاب يُحاسب، مرة أحضر والدكَ، مرة وقّع تعهد، مرة قف خارج الدرس، فهو يشكو همهُ لهذا العاطل عن العمل, فقالَ له: أنا أعوذ بالله, من يجرؤ على محادثتي, لا أحد, يقول لي: أحضر والدك, أو اعمل تعهد, ولا شيء أبداً, لكن يوجد جواب لطيف كثيراً, أنتَ خارج المدرسة، هذا مستقبلهُ معروف, هذا طبيب آخرتهُ.
فلمّا الله عزّ وجل يُهمِلُ الإنسان, تجده يزداد قوة ومنعة وغِنى, وهو غارق في المعاصي, يفتخر ليسَ فيه مرض, وليسَ عِندهُ مشكلة, وشغلهُ جيد, فهذا الشاب الذي لا في العير ولا في النفير، لا في التعليم ولا في المِهن ولا في الحِرف, سائب.
يعني قد تكون بعض العبارات قاسية لكنها مُعبّرة, دابة سائبة لا قيد يُقيدهُا، ولا قانون يحكمهُا، ولا قيم تُقيّمهُا، ولا شرع يهتدي به، ولا كتاب يُطيعهُ، يفعلُ ما يشاء بِلا حِساب.
فلذلك: الإنسان إذا شعرَ أنَّ اللهَ يُتابِعهُ, وأنَّ اللهَ يُحاسِبهُ على حركاتهِ وسكناتهِ وخطواتهِ, فهذه من نِعم الله الكُبرى, أنتَ في العناية المُشددة.
قالَ له: عِظني ولا تُطل, قالَ له: قُل: آمنت باللهِ ثم استقم، قالَ: أُريد أخفَ من ذلك -هذه ثقيلة- فقالَ لهُ: إذاً فاستعدَ للبلاء.
فالمؤمن مُبتلى.
في قصة غريبة جداً: في صحابية, لها زوج لم يمرض مرة بحياتهِ، لا مرض ولا مُشكلة، والمال بين يديه موفور، وصحتهُ طيبة، فخافت أن يكون منافقاً، فذهبت إلى النبي لتشكُوهُ، لا تُريد هذا الزوج, غير معقول أن يكون مؤمناً!!! المؤمن مُبتلى، يُحاسب، يُعاتب، مرة يمرض، مرض يتألم، مرة يُضيّق اللهُ عليه.
قال يا محمد: أتُحبُ أن تكونَ نبيّاً ملكِاً أم نبيّاً عبداً؟ قال: بل نبيّاً عبداً أجوعُ يوماً فأذكُرهُ, وأشبعُ يوماً فأشكرهُ.
هذا لا يوجد به شيء, لا وجع رأس, ولا ألم, ولا هم, ولا حُزن, فذهبت زوجتهُ إلى النبي لتشكوهُ, ولعلّها تبعدُ عنهُ, وكانَ في رِفقتِها, وقعَ في الطريق, فتعثرت قدمهُ, فقالت: ارجع انتهى الأمر, يعني أصبحتَ مُبتلى, فالمؤمن ضمن العناية المشددة.
الله عزّ وجل لمّا يُحاسِبُك في الدنيا, هكذا ورد في بعض الأحاديث: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكانَ مريضاً، قالَ: يا رسول الله! ادع اللهَ أن يرحمني, فيبدو أنَّ النبي سألَ اللهَ أن يرحمهُ, فقالَ اللهُ عزّ وجل: كيفَ أرحمهُ مما أنا بهِ أرحمُ؟ وعِزتي وجلالي لا أقبِضُ عبدي المؤمن, وأنا أُحبُ أن أرحمهُ, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كانَ قد عَمِلها سُقماً في جسده, أو إقتاراً في رِزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر, فإذا بقي عليه شيء, شددتُ عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيومَ ولدتهُ أُمهُ.
أنا أقول لكم, وأنا صادق في هذا الكلام: إذا أحدكم يتابعه الله عزّ وجل, يُتابِعهُ تماماً, كُلما زلّت قدمهُ, جاء العِقاب, ليفرح, لأنهُ في العناية المُشددة، وإذا رأى نفسهُ يُسيء ولا يُحاسب, معناها ليحزن, لأنهُ خارِجُ العناية المُشددة, تماماً كهذا الذي يقول: أنا لا يتكلم معي أحد ولا كلمة, أنتَ خارج المدرسة، أنتَ فلتان طبعاً, لا يوجد هُناك من يُحاسِبُك، فالمنافقون مُذبذبين بينَ ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 88]
3- يدور مع مصالحه :
المنافق إذا كان لهُ قضية, يعني قضية تجارية, خصومة تجارية، دين، عِندهُ حاسة سادسة, إذا كانت تُحل عِندَ العُلماء, يقول: أنا يا أخي أُريد الشرع, لأنَّ القانون يجوز أن يكون ضِدهُ, أمّا الشرع معهُ، تجده يُريد العُلماء, أخي أنا أُريد حُكم الله، وأحياناً يشعر بالحاسة السادسة, أنَّ الشرع ليسَ معهُ, أمّا القانون معهُ, يقول: أنا أُريد المحكمة, نحنُ في بلد فيه محاكم, فدائماً يُلاحق مصلحتهُ, إذا تُحل قضيتهُ مع الشرع صار مع الشرع، تُحل مع القانون صار مع القانون، هذه أيضاً صِفة من صِفات المنافقين:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
نحنُ معكم, نحنُ منكم وفيكم. 4-المنافق طليق اللسان :
المنافق طليق اللسان، يعني أحياناً عِندهُ قوة إقناع، فصيح أحياناً, قالَ تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
[سورة البقرة الآية: 204]
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
بالمناسبة: وهذه القصة التي أقولها لكم, وأنا أُعدُها من أخطر القِصص: لو كنت طليق اللسان, وعندك بيان، عندك قوة إقناع, واستطعت أن تنتزع حُكماً لا من فُلان أو عِلان, لا من شيخ أو غير شيخ, أن تنتزعَ حُكماً لصالِحِكَ من فمِ رسولِ الله, وهل أعظم من رسول الله؟ من فمِ الصادق المصدوق؟ من فمِ المعصوم؟ من فمِ سيدِ الخلق؟ من فمِ حبيب الحق؟ ولم تُكن على الحق, لا تنجو من عذاب الله, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
ما قولُكم: علاقتكَ مع من؟ مع الله عزّ وجل, لا تنجو, فالذي يريد فتوى من فُلان ففتى لكَ, ولو النبي فتى لكَ, لو لم تكن على الحق, واستصدرتَ من النبي فتوى, لا تنجو من عذاب الله, هذا من ضعف الإيمان، من الشِرك الخفي: الإنسان إذا أخذ فتوى, يقول: أخي إن شاء الله يتحمل وزرها, في هذه الحال لا تنجو أنتَ من عذاب الله، لو استصدرتَ فتوى من زيد, لو استصدرتها من رسول الله لا تنجو, وهذا الدليل القطعي. 5-الفساد في الأرض :
قال:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[سورة البقرة الآية: 205]
المنافق مُفسد, معنى مُفسد: يعني الشيء يُخرجِهُ عن طبيعته, الماء طاهر, لا لونَ له، لا رائحةَ لهُ، لا طعمَ لهُ، هذه صفاتهُ، ما معنى إفساد الماء؟ تلويثهُ, أخرجتهُ عن طبيعتهُ، هذه الفتاة طاهرة، نقية، شريفة، خجولة، صاحبة حياء، إذا أخرجتها من حيائها، أخرجتها من عِفتها، أخرجتها من صونِها, ففسدت, بأي غطاء تحت اسم: مشاركة أو المرأة نصف المجتمع , المنافق مُفسد وهو لا يشعر:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
أحياناً يُفسد فتاة وقد تكون ابنتهُ، يقول لكَ: أُحب أن أُربي ابنتي تربية استقلالية, لها أن تفعل ما تشاء, وأن تُصاحب من تشاء, وأن تأتي متى تشاء, هكذا التربية الحديثة, لمّا أطلقتَ لها العِقال, وانطلقت كما تشاء, وهي ضعيفة الإيمان, فربما أغواها فتى، ربما جرتها فتاة إلى مكانٍ لا يُرضي الله عزّ وجل, أنتَ أفسدتها.
لذلك الجواب يوم القيامة, تقولُ لهُ: يا ربي لا أدخلُ النار حتى أُدخلُ أبي قبلي, هو الذي أفسدني.
يعني إن رأى ابنهُ لا يُصلي ولا يستقيم, لكنهُ متفوق في دراستهُ, يكون مرتاحاً تماماً ، يُريدُ مستقبلهُ الدنيوي فقط, حتى إذا أرسلهُ إلى بلد أجنبي ليتعلّم اللغة, ولا يحفلُ بما يفعلهُ في هذا البلد من موبِقات, المُهم أنهُ عادَ متمكناً من اللغة, هو يُفسد, قد يفسد بين شريكين، بين أخوين، بين جارين, على كُلٍ؛ إفسادُ الشيء أن يخرُجَ عن صلاحهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
6-المنافق لا يرضى بحكم الله :
المنافق لا يرضى بِحُكمِ الله عزّ وجل, والدليل:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾
[سورة النساء الآية: 61]
لا يقبل حُكمَ اللهِ عزّ وجل, لأنَّ شهواتِهِ تغلِبُهُ. 7-اتخاذه الأيمان المغلظة :
والمنافق يشعر أنهُ غير مُصدّق, فأحياناً يُلقي كلامهُ, ويدعمهُ بالأيمان المُغلّظة, لِمَ اليمين؟ لِمَ تحلف؟ من يُكذبُك؟ يشعر أنهُ غير مُصدّق، ليسَ نظيفاً من الداخل، ليسَ صافياً، قال :
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 2]
النبي عليه الصلاة والسلام: كانَ إذا غزا, وعادَ من غزوتهِ, يجلس لسماعِ أعذارِ المؤمنين, في أُناس تخلّفوا, فمرة عادَ من غزوةٍ, واصطفَّ المخلفونَ, وسَمِعَ أعذارهُم, واحِداً واحِداً, كُلُ واحدٍ أقسمَ أيماناً مُغلّظةً, أنهُ كان مشغولاً، أنهُ كان مريضاً، زوجتهُ مريضة, استمعَ إلى سبعين رجل, ثم جاء مؤمن صادق, قالَ: واللهِ يا رسول الله! حينما دعوتنا إلى الجِهاد, ما كُنتُ في وقتٍ أنشطَ من هذا الوقت, ولكنني تخلّفت, فالنبي الكريم تبسّم, وقال: أمّا هذا فقد صدق, معناها السبعين كانوا كاذبين وأمّا هذا فقد صدق، وهذا الذي مع رِفاقهِ الاثنين الذينَ أمرَ اللهُ عزّ وجل بمقاطعتهم خمسينَ يوماً, ثمَ تابَ اللهُ عليهم.
كُن صادقاً مع الله، كُن صادقاً مع نفسك، أمّا الكذب سهل, لكن إذا كذبت سقطت من عين الله, وانتهى الأمر: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
8-ظاهره يختلف عن باطنه :
قال:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 4]
يعني: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 171]
أمّا في أُمور دُنياهم متفوقون.
يعني أيام الإنسان يكون الله قد أعطاه هيئة، طول، فخامة، لون، عيون واسعة، جبهة عريضة مثلاً، طليق اللسان، أنيق جداً, ما قيمةُ هذا؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾
مثقف ثقافة عالية, يتفلسف عليك دائماً, أما عِندَ الله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
الأحنف بن قيس: كان قصير القامة، أسمرَ اللونِ، غائرَ العينين، ناتئَ الوجنتين، مائِلَ الذقن، أحنفَ الرِجلِ، ضيقَ الجبهةِ، ليسَ شيء من قُبحِ المنظر إلا وهوَ آخذٌ منهُ بنصيب, وكانَ مع ذلكَ سيدَ قومِهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب، وكانَ إذا عَلِمَ أنَّ الماءَ يُفسدُ مروءته ما شربهُ.
مرة كان عِند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, يأخذُ لابنهِ يزيد البيعة, فتكلّمَ الناسُ في مدحِ يزيد, وبقيَ الأحنفُ صامتاً, فصمتهُ أحرجَ المجلس, قالَ: تكلّم يا أحنف, قالَ: أخافُ الله إن كذبت, وأخافُكم إن صدقت, فكانَ تلميحاً أبلغَ من تصريح, وكانَ معَ ذلكَ سيدَ قومهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب.
إذاً: الأمور الشكلية الظاهرية لا قيمةَ لها عِندَ اللهِ أبداً.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر, فعلاً عملهُ قذر, لكن غني من أهل اليسار، بعد يوم اضطررت أن أُصلح مركبتي عِند إنسان مؤمن, فهو مرتد لِباساً, لونه أزرق, من الشحم والوحل صارَ أسود, أتقن عمله, وأخذَ سعراً مُعتدلاً, قُلت: والله هذا عملهُ نظيف, وذاك عمله قذر, أحياناً يكون وضعك خَشن جداً مُتعب, لكن يوجد استقامة، يوجد صِدق، في إخلاص، في انضباط، في طاعة لله عزّ وجل، فأنتَ عِندَ اللهِ عظيم. ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على اللهِ لأبرّه))
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
10-يتألم إذا أصاب المؤمن خيراً ويفرح إذا أصابه الشر :
المنافق: إذا كان المؤمن أصابهُ خير يحزن ويتألم جداً, قال تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 50]
المنافق يُحب أن يُحكى على المؤمن، يُحب أن تشيعَ الفاحشة بينَ المؤمنين, يقول: ألم أقل لكَ: كلهُ خلط، كلهُ هراء؟ يتمنى بدعوة إلى الله أن تتحطم، يتمنى إنسان مؤمن في موطن إعجاب الناس يُحكى عليه: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
دائماً يتربص بالمؤمنين, فإذا أصابهم الخير تألمَ جداً, وإذا أصابهم الشر ارتاح, إذاً: هو ليسَ منهم, هو في خندقٍ آخر، ما دام فَرِحَ لما أصابهم, وتألم لِما يُسرُهم, إذاً: هوَ في خندقٍ آخر. 11-المنافق مادي :
قال:
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 46]
المنافق مادي, إذا أنفقت مالاً أمامه, يقول لكَ: بِلا جنون حافظ على المال وأبقيه لكَ ، إذا خدمت إنساناً يقول لكَ: ما بِكَ؟ ما يأتيكَ منه؟ يُثبط عزيمتكَ دائماً, كالجمر يُصب عليه ماء، تكون مُتقداً حماساً, وتُحب أن تعينَ الناس, يقول: اجلس في بيتك واسترح, ما بِكَ؟ والناس ليسَ منهم سِوى وجع الرأس؟ إن أنفقت أمامهُ, اتهمكَ بالجنون, احفظ على قرشك, أبقيه معك:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة يس الآية: 47]
هذا قول الكافرين أيضاً. 12-المنافق يضعف العزيمة ويثبط الهمم :
قال:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 47]
المنافق يُضعّف العزيمة، يُثبّط الهِمم، يجعل المادي أزكى، والمؤمن المندفع لِخدمة الخلق يجعلهُ أحمق، فدائماً تجلس معهُ, ترى نفسكَ صغيراً أمامهُ، هو مادي صاحٍ, يقول: أخي أُريد أن أُديّن, لا تُديّن أحد, العملة تنزل أسعارها فتخسر أكثر, فيمنعُكَ أن تُديّن، يقول لكَ: الآن يوجد تضخم نقدي 17% كل سنة, كيف تُديّن نقودك؟ لسنة ذهبَ خُمس مالكَ, فدائماً ضعيف الهِمة, ويُضعِفُ هِمةَ الآخرين، إذا قال لكَ: أنا أُصلي الصبح حاضر بالمسجد, يقول لكَ: والله يا أخي بالليل لا تخرج من بيتك, أنسبُ لكَ, أنا أنصحك, يُريدُك ألا تُصلي بالمسجد ، إن حضرتَ الدرس, أخذوا اسمك, يعني همهُ أن يُخوّفك، همهُ أن يُضعف لكَ هِمتك، همهُ أن يُبعِدُكَ عن الحق، همهُ أن يمنعكَ من إنفاق المال، لو ساعدت إنساناً فيُحب أن تبتعد عن هذه المساعدة. لذلك: الله عزّ وجل قال:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
13-المنافق يكره حكم الله :
المنافق يكرهُ حُكمَ الله, قال:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 9]
يعني يُحب الاختلاط، أين تعيشون أنتم؟ هل سنأكل زوجتكَ؟ يكرهُ حُكم الله عزّ وجل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
الحقيقة أنَّ سورة التوبة كما قلتُ قبلَ قليل, وسورة المنافقين على الحكاية, هاتان السورتان فيهما وصفٌ دقيقٌ دقيق لأحوال المنافقين, فلذلك نحنُ إذا قرأنا هاتين السورتين, واستنبطنا بعضَ الآيات التي تصفُ المنافقين, كما يسألُ المريض الطبيب: أعطني قائمةً بالممنوعات, حتى لا أتورطَ فيها أبداً, والمؤمن كذلك.
يعني: أدق موقف للمنافقين, أدق موقف يوم القيامة في سورة الحديد الآية 13، المنافق كان مع المؤمن في الدنيا, في جامع واحد، في حجٍ واحد، يعني مظهره كالمؤمن تماماً, فيوم القيامة كما قالَ الله عزّ وجل: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة الحديد الآية: 13-14]
فتنتم أنفسكم في الدنيا، وتربصتم بالمؤمنين، تتمنون أن يأتيهم الشر، وارتبتم بكتاب الله، وغرّتكم الأمانيّ, كانت الدنيا تملأ قلوبكم, حتى جاءَ أمرُ اللهِ, وهو الموت, وغرّكم باللهِ الغرور, فاليومَ لا يؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا: مأواكم النارُ هي مولاكم وبئسَ المصير .
موقف مؤلم جداً.
يعني لمّا النبي عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ))
عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ, فَبَكَتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ, فَبَكَيْتُ, فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ, فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ, وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ﴾, حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ))
يعني في هذه المواقف الثلاث, لو وقعت عينُ الأم على ابنها لا تعرفهُ, لِهولِ الموقف، الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
[سورة الحج الآية: 1-2]
ما قال: كُلُ مُرضعٍ، لو قال: كُلُ مُرضعٍ, يعني امرأة تُرضع ابنها في طورِ الإرضاع, أمّا كُلُّ مُرْضِعَةٍ ابنها على ثدييها تلقيهِ وتهرب.
يوم القيامة,: لو وقعت عينُ الأمِ على ابنها لا تعرفهُ، قال: فإذا وقعت عينُ الأمِ على ابنها في غير هذا الموطن, غير الصِراط والميزان وإذا الصُحفُ نُشِرت, تقول لهُ: يا بني, جعلتُ لكَ صدري سقاءً, وحِجري وِطاءً, وبطني وِعاءً, فهل من حسنةٍ يعودُ عليَّ خيرُها اليوم ؟ يقول لها ابنُها: ليتي أستطيع ذلك يا أُماه, إنما أشكو مما أنتِ منهُ تشكين.
هُنا الموقف مؤلم: ﴿ألم نكن معكم﴾
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾
يعني حسنة لله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾
في الدنيا كُنتم غافلين: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
هُنا وصف المنافقين دقيق: ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾
يتمنونَ أن يأتيهم الشر، وارتبتم بما جاءَ في كتاب الله, كلامُ اللهِ ليسَ مِلء سمعِكَ وبصرِك: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ﴾
في بالك أحلام, بيوت ومراكب ونساء وحدائق غناء وسفر حولَ العالم ورصيد كبير, تنام فيأتي ببالك خواطر من هذا النوع: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾
الموت: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
الشيطان، يقول لكَ: أنتَ لستَ من أُمةِ محمد, هذه أُمتهُ مرحومة, النبي لن يدخُلَ الجنة حتى يُدخِلَ كُلَ أُمتهِ قبلهُ، تطمئن, الشيطان أسماه الله الغَرور, لأنهُ يَغُرُ المنافق ويُمنّيه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 22]
والمنافق الشهير ثعلبة, الذي كانَ حمامةَ المسجد, وكانت لا تفوتهُ تكبيرةُ الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، رآهُ النبي مرةً بثوبٍ بالٍ, قالَ: كيفَ حالُكَ يا ثعلبة؟ قالَ: حالي كما تراني. -ما هذه الحياة؟.
تجد المؤمن: الحمد لله, ويكون عاطلاً عن العمل, ويكون عِندهُ أمراض بجسمهُ, فيقول: الحمدُ لله, تجد شخصاً يقول لكَ: الحياة لا تُعاش, ما هذه الحياة؟ دائماً ناقم, قالَ لهُ: حالي كما تراني-.
قالَ لهُ: يا ثعلبة قليلُ تشكرهُ خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، قليلُ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك فقالَ له: ادع اللهَ أن يجعلني غنيّاً -ألحَّ عليهِ كثيراً-, فتوجهَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهِ عزّ وجل, ودعا له بالغِنى, هذا كثُرت أموالهُ, وملأَ قطيعُ أغنامهِ شِعابَ المدينة, وصارَ غنيّاً, وغابَ عن مجلسِ النبي عليه الصلاة والسلام.
-بصراحة أقولها لكم: أحياناً يكون الإنسان بِلا عمل, لا يغيب عن درس, فإذا وجدَ عملاً صغيراً, لم نعد نُشاهدهُ, أينَ أنت؟ واللهِ مشغول يا أستاذ, لا يجوز هذا، هذا مجلس عِلم, حبذا ولو أنتَ في قِمةِ انهماكِكَ في العمل, أن تُحافظَ على مجالس العِلم، غاب عن المسجد- فالنبي أرسلَ لهُ من يُطالِبهُ بزكاةِ مالِهِ, فقالَ لهُ: قُل لِصاحِبكَ, قالَ: أو ما تراهُ صاحِباً لك؟ ليسَ في الإسلامِ زكاة, قالَ: جمعتَ معَ النِفاق الكفر, نزلَ في حقهِ قولهُ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 75-77]
يا رب إذا أكرمتني فلسوفَ أعمل كذا، هذا المنافق يُريد أنَّ اللهَ يُكرمهُ، يعطيه بيتاً، يجعلهُ تاجراً، ربنا عزّ وجل يعطيه ما يُريد, فإذا هو ينكثُ عهدهُ مع الله عزّ وجل.
هذه الصفات مخيفة, فأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن نستوعِبها, وأن نخافَ من أن تنطبقَ علينا, كما نخافُ مرضاً عُضالاً, لأنَّ المرضَ العُضال ينتهي معَ الموت، ولكنَّ هذا المرض النفسي يبدأُ بعدَ الموت.






والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 02:45 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.