منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   التربية الإسلامية -علم القلوب (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9230)

السعيد 07-16-2018 08:06 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع : الحكمة 17 ( أدعية وأقوال في الحكمة - الحكمة دقة فهم القرآن ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحكمة هي العطاء الإلهي للمؤمن :
لا زلنا -أيها الأخوة الكرام- في موضوع الحكمة انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لعل الحكمة هي العطاء الإلهي للمؤمن، وكما قلت سابقاً: بالحكمة تنال كل شيء, ومن غير الحكمة تفقد كل شيء, بالحكمة تعرف الله وتسعد به, ومن غير الحكمة قد تكون هذه العلوم بين يديك دون أن تسعد بها. أربعة أدعية ينخلع القلب لها :
أيها الأخوة الكرام, وقع تحت يدي كتاب, صُدّر بأربعة أدعية, هذه الأدعية دقيقة جداً.
الدعاء الأول:
((اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه))
مصيبة المصائب أن تُعلّم الناس شيئاً, وأن يستفيدوا, وأن يسعدوا بهذا العلم, و أنت لا تطبق هذا العلم فتشقى به.
الدعاء الثاني: ((اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/01.jpg
يمكن أن تتكلم بالحكمة؛ لك ذاكرة قوية, و اطلاع واسع, و ثقافة عميقة, وتتزين بالحكمة أمام الناس, لكن تلتمس بها غير الله.
الدعاء الثالث: ((اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك))
من ضعف الإخلاص تكون في مظهر أمام الناس, ومظهر آخر فيما بينك وبين الله؛ إذا كان هناك ازدواجية, ومسافة بين جلوتك وخلوتك, بين سرك وعلانيتك, بين ما أنت عليه وفيما يبدو للناس, فعليك أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك.
والدعاء الرابع: ((اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك))
ألا أكون قصة، أحياناً الإنسان يخطئ فيؤدبه الله, يصبح قصة يتعظ بها الناس. للإنسان قلب واحد فإذا امتلأ بحب الآخرة أصبحت الدنيا في يده لا في قلبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/02.jpg
فالحكمة فيما أوحي إلى داود: "حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يذوق طعم الحكمة"، ومصداقية هذا في قوله تعالى:

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
[ سورة الأحزاب الآية:4]
الإنسان له قلب واحد, فإذا امتلأ القلب حباً بالآخرة, وحباً بالله ورسوله, أصبحت الدنيا في اليد, وفرق كبير بين أن تكون الدنيا في اليد, وبين أن تكون في القلب, إنها إن كانت في القلب أعمت, وحبك الشيء يعمي ويصم.
كلنا نرى بعض الناس عمياناً, يرتكبون المعصية, يأخذون ما ليس لهم, يرتكبون حماقة كبيرة, وقد يكونون على درجة عالية من التحصيل العلمي؛ ولكن حينما ينقطعون عن الله عز وجل يصبحون عمياناً, قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية:46]
الهدى أكبر نعمة أنعم الله بها على المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/03.jpg
أكاد أقول: أكبر نعمة أنعم الله بها على المؤمن الهدى؛ بصيرته صحيحة, رؤيته صحيحة, هدفه واضح, وسائله مشروعة, يسير على منهج الله, لا تأخذه في الله لومة لائم, رزقه الله الحكمة, هذا أكبر عطاء, يأتي بعد هذا العطاء الصحة, وبعد هذه الصحة الهداية، فمن كان مهتدياً, مقيماً أمر الله عز وجل, لا يشكو من مرض عضال, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها, ويمكن أن تكون من ملوك الدنيا إن عرفت الله, وإن أقبلت عليه, ويمكن أن تكون من سعداء الدنيا, حينما تعمل عملاً صالحاً.
فيما أوحي إلى داود: "حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يذوق طعم الحكمة".
وقال بعض العارفين بالله: "يخرج العارف من الدنيا, ولم يقض وطره من أربعة أشياء: من استماع الحكمة و....".
أخواننا الكرام, لا تستهينوا بسماع تفسير كلام الله, بسماع سيرة رسول الله, بسماع حديث رسول الله, هذه كلها حكم تتراكم, ومع التراكم تجد بعد حين أن سيرك مستقيم, القناعات تترسخ, والأحوال تتألق، فالإنسان حينما يستمر على الشحن الروحي, وسماع الحكمة, في النهاية قلّما يخطئ، وهذه نقطة مهمة، أحياناً الإنسان في البدايات يرتكب كل أسبوع خطأ أو أكثر، كلما نصح, كلما تقرب من الله, كلما حسن صلته بالله عز وجل, يمضي أسبوع, أسبوعان، ثلاثة أسابيع, لم يخطىء, لم يرتكب خطأ؛ لا باللسان, ولا بالحواس, ولا بالأجهزة, فالقناعات تترسخ.
أرقى أنواع البكاء أن تبكي شوقاً إلى الله وخشوعاً له وهذا بكاء المتفوقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/04.jpg
الله عز وجل جعل خطبة الجمعة شحناً أسبوعياً, الإنسان بحاجة إلى شحن يومي في الصلوات, وشحن أسبوعي في خطبة الجمعة, وشحن سنوي في صوم رمضان, وشحن نوبي في الحج؛ فالحج شحنة روحية كبيرة جداً, تفرغ كامل, والصيام شحنة روحية, وخطبة الجمعة, والصلوات الخمس, فهذا الشحن اليومي والشحن الأسبوعي ينتهي بالحكمة.
قيل: "يخرج العارف بالله من الدنيا, ولم يقض وطره من أربعة أشياء: استماع الحكمة, والفرح بالله, والتلذذ بقراءة القرآن, والاستشفاء من البكاء".
البكاء ضروري, الإنسان أحياناً يتأثر تأثراً كبيراً فيبكي, هذا أرقى أنواع البكاء؛ أن تبكي شوقاً إلى الله, أن تبكي خشوعاً لله, هذا بكاء المتفوقين.
يقولون: إذا الإنسان بكى في الصلاة على شيء فاته من الدنيا فقد بطلت صلاته؛ مثلاً احترق محله في الصلاة فبكى, أو طلق زوجته, أو خسر شيئاً, أو خسر مبلغاً ضخماً, أو جعلوا عليه ضريبة عالية, هذا البكاء يبطل صلاته, أما حينما تبكي شوقاً لله, وخشوعاً لله, فهذا البكاء بكاء راق جداً. دقة فهم الآيات من فضل الله عز و جل :
قال بعض المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية:79]
دقة الفهم من فضل الله عز وجل.
أنت أمام نص قرآني أحياناً قد يفهمه الناس فهماً معكوساً فيشقى، مثلاً: إذا فهمت قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:7]
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:8]
إذا فهمت أن الله خلق فيها الفجور, وخلق فيها التقوى, آمنت بالجبر, انشلت حركتك, انتهيت, أما إذا فهمت أن الله جبلك جبلة عالية, بحيث إذا أخطأت شعرت بخطئك, فهذا فهم راق جداً, إذا فهمت أن الشيطان ألقى في أمنية النبي, معنى هذا أن النبي وهو أعلى إنسان, و هو قمة البشر, غير محصن من الشيطان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾
[سورة الحج الآية:52]
إذا فهمت الآية بهذا الشكل, فالمشكلة كبيرة جداً, أما إذا فهمتها أن النبي يريد هداية الخلق, ويتمنى الشيطان في نفسه إضلاله, لا يوجد مشكلة, وضحت الآية. من فهم الآيات فهماً معكوساً شقي بهذا الفهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/05.jpg
أحياناً تفهم بقوله تعالى:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[سورة الأعراف الآية:16]
أي الله عز وجل لا يغوي, لكن هنا معنى الآية: الإنسان إذا أصر على شيء, وتمناه, وصار أعمى, أصماً, لا يرى غير هذا الشيء؛ فلحكمة بالغة بالغة الله عز وجل يطلقه لهذا الشيء, كي ينتهي من بغضه, وبعدئذ يعالجه.
فأكثر الآيات لو فهمها الإنسان فهماً معكوساً لشقي بهذا الفهم, أما لو فهمها فهماً صحيحاً لسعد بهذا الفهم، لذلك:
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية:79]
الله عز وجل قال: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
[سورة يوسف الآية:21]
هذا إكرام من الله كبير جداً, أن تتقن فهم النصوص, فهم النص دقيق جداً, النص بين أيدي الناس جميعاً. ما كل ما يُعلم يُقال وما كل ما يُقال له رجال :
الآن مثلاً:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
[سورة الكهف الآية:28]
إذا كان الإنسان ضعيفاً في اللغة, يفهم أن الله عز وجل خلق فيه الغفلة, ما ذنبه إذا خلق الله فيه الغفلة؟ أما حينما أعلم أن أغفل بمعنى وجده غافلاً, اختلف الوضع.
وقد قيل: عاشرت القوم فما أجبنتهم -ما وجدتهم جبناء-, وعاشرتهم فما أبخلتهم -ما وجدتهم بخلاء-: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا﴾
[سورة الكهف الآية:28]
قال بعض السلف: "سبعة أشياء في سبعة مواضع هن ضائعات: حكيم بين الجهال, لا يستمعون حكمته, ولا يحفظون حرمته, وسراج في ضوء الشمس, وطعام طيب يُقدم إلى سكران, وصاحب صوت حسن, يغني بين أهل المقابر، وكلام لين تُكلم به صاحب حقد وحسد, أشياء ضائعة في أشياء".
قيل لبعض العارفين: "من الحكيم؟ قال: من يضع المرهم على موضع الجرح والألم, ويشد موضع الكسر, ولا يسقي الشربة إلا لمن نظف بطنه واحتمى، وللحكيم نور يمشي بين جنبيه, فإذا ما أجاب عن كل ما يُسأل, ذهب كل نوره".
هناك ندوة أقيمت في محطة فضائية عن العلاقات الزوجية, بلغت الإساءة بها حداً غير معقول, انطلاقاً من هذه الحكمة الرائعة: "ما كل ما يُعلم يُقال"، أشياء دقيقة جداً, تفاصيل دقيقة جداً جداً بثت على الفضاء, وسمعها الناس جميعاً؛ وصار هناك هجوم شديد على الإسلام، و نقد شديد، كل شيء يُقال هكذا؟!
"ما كل ما يُعلم يُقال, وما كل ما يُقال له رجال, ولا إذا وجد الرجال آن الأوان".
أي هناك شيء لا يقال أبداً, و هناك شيء يقال؛ ولكن لغته محدودة. الانضباط هو أكبر نشاط للإنسان :
يأتي الآن سؤال يتعلق بالعلاقة الزوجية, هل يعقل أن تجيب عنه أمام ألفي شخص نصفهم غير متزوج؟ نصفهم صغار؟ نصفهم كبار؟! مستحيل, أما لو سألك سؤالاً: تجيبه: "ما كل ما يُعلم يُقال, وما كل ما يُقال له رجال".
وهذا الذي يقال لفئة محددة لا يقال في كل الأوقات, في وقت معين, وفي ظرف معين، فحينما يلقى كل شيء هكذا على الهواء, فهذه مشكلة كبيرة جداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/06.jpg
هناك مجلة في مصر ذات ميول إلحادية, تناولت هذه الندوة بنقد, وصل النقد إلى الإسلام, والحق معهم, هل يعقل أمور تفصيلية, حماقات, أشياء مستحيل أن تقرأها أنت أساساً, مستحيل أن تسمعها من شخص, بثت هكذا!؟ سمعها ملايين مملينة.
فقضية الحكمة أن تعرف ماذا يُقال, ومع من يقال, وبالقدر الذي ينبغي, وفي الوقت الذي ينبغي, والإنسان أكبر نشاط له هو الانضباط:
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاًً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أي أن تعيش مع مؤمن سنوات, وسنوات, وسنوات, لا تسمع منه كلمة خاطئة, كلمة فاحشة, تعليق ساخر, هذا كله من نتائج الإيمان, صار هناك ضبط.
الآن: تجد المجتمعات كلها مفككة على مستوى الأسر, على مستوى الأحياء, على مستوى الأقارب, هناك كلام غير منضبط على مستوى الأسرة الواحدة؛ خصومات بين الزوجين لا تنتهي من عدم الانضباط, كلمة قاسية, تهكم على أهلها, ردت عليه بكلمتين قاسيتين, صار هناك مشكلة، فالإنسان حينما يضبط لسانه كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه, ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك]
الحكمة عطاء مستمر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6042/07.jpg
لعلنا أطلنا عليكم في موضوع الحكمة, هذا آخر درس في موضوع الحكمة, يجب أن تعتقد أن أثمن عطاء تناله من الله عز وجل أن ترزق الحكمة.
مثلاً: إنسان يقدم لك باقة ورد, بعد يومين ذبلت, وضعتها في سلة المهملات, إنسان يقدم لك قطعة أثاث, يقدم لك شيئاً, أما لو قدم لك شيكاً مفتوحاً بالمال, تشتري كل شيء؛ تشتري بيتاً, وسيارة, وأثاثاً, وطعاماً, وشراباً, وثياباً, وتسافر, هذا المال قيمة مطلقة, والشيك مطلق, مُوقّع, لكن هذا العطاء رأيت قصراً, ثمنه مئتا مليون, معك شيك مفتوح فتشتريه, وجدت سيارة لا يوجد مثلها في العالم, تشتريها رأساً, أنت معك شيك مفتوح, هذه الحكمة.
لعلك تعطيه باقة ورد, بعد يومين تذبل, يضعها في سلة المهملات, تعطيه مثلاً قميصاً يلبسه, فيهترئ بعد فترة من الزمن, فأي عطاء آخر غير الحكمة له أمد, إلا الحكمة عطاء مستمر, هذا عطاء الأنبياء:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة يوسف الآية:22]
فتجد الإنسان سعيداً في أي وضع.
تكلمت البارحة في درس الجمعة: قد تسعد بأخشن طعام, وقد تسعد بأضيق مكان, وقد تسعد ومعك أمراض, وقد تشقى و أنت تأكل أطيب الطعام, وتشقى و أنت ساكن في قصر منيف, و تشقى وأنت يتمتع بكل القوة والشباب، فالشقاء والسعادة متعلق بالقرب من الله عز وجل, هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:09 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 1 ( المنتقون سادة والعلماء قادة ومجالستهم زيادة ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
قادة الناس رجلان عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة :
في حديث ابن مسعود:
((المتقون سادة, والفقهاء قادة, ومجالستهم زيادة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]
المتقون هم الذين اتقوا الله عز وجل فكانوا سادة؛ أي هيمنوا على أنفسهم, وملكوا أمرهم, فسعدوا في دنياهم وأخراهم. ((المتقون سادة, والفقهاء قادة, ومجالستهم زيادة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]
قادة الناس رجلان: عالم رباني, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع أتباع كل ناعق؛ لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق, فاحذر أن تكون منهم.
هناك إنسان عالم رباني, و متعلم يبغي النجاة, ولا خير فيمن سواهما.
الناس رجلان: عالم, ومتعلم, ولا خير فيمن سواهما، فالشيء الذي يؤكد إنسانية الإنسان هو طلب العلم, والعالم والمتعلم في الأجر سواء، أي شأن المتعلم لا يقل عن شأن المعلم أبداً, كلاهما يبغي الخير؛ إنسان يعطي مما أعطاه الله, وإنسان يأخذ مما تفضل الله عليه.
فالناس رجلان: عالم ومتعلم ولا خير فيمن سواهما, وعالم رباني, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع أتباع كل ناعق، ويعبرون عنه الآن بالخط العريض, يقول لك: الشارع العربي مع كل صرعة, مع كل تقليد أعمى, مع كل شيء, يقلد من دون تفكير.
بطولة الإنسان أن يحتل مركزاً مستمراً في الآخرة :
المتقون سادة، والسيادة الحقيقية أن تصل إلى مكان, وأن تحافظ عليه, فالدنيا مراتب؛ لكن يأتي الموت يأخذ منك كل شيء.
فالبطولة أن تحتل مركزاً مستمراً, هذا في الآخرة, في الدنيا مراتب, الدنيا إلى زوال:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية:21]
هناك قصة جرت معي, اضطررت أن أدخل إلى بيت إنسان بعمل, قضية استلام عقد، بيت من أرقى أحياء دمشق, مساحته ألف وأربعمئة متر, بدأ يصف لي: البلاط إيطالي استورده بالطائرة, والأثاث من فرنسا، أي بالغ مبالغة كبيرة في وصف ما في البيت من أثاث, وإطلالة البيت, وكيف اشترى البيت، قلت: والله يجب أن أقدم له نصيحة, قلت له: ما قولك في هذا البيت وبيت مساحته تقدر بستين متراً تحت الأرض في أحد أحياء دمشق الفقيرة في أطراف المدينة؟ وازن بينهما؟ قال لي: لا يوجد نسبة, قلت له: وازن بين رئيس أركان وبين جندي؟ قال لي: لا يوجد نسبة, بين أستاذ جامعة ومعلم ابتدائي في قرية؟ لا يوجد نسبة, بين رئيس غرفة تجارة وبين بائع متجول؟ لا يوجد نسبة, ذكرت مهناً كثيرة, المفارقات حادة, قلت له: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية:21]
لا يتساوى ممرض مع جراح قلب, يأخذ على العملية مئتي ألف في خمس ساعات, وممرض؛ مع القيء, ومع الضمادات, والتنظيف, والتعب, والمعاش الذي لا يكفي ليومين, وازن بين معلم في قرية في آخر الدنيا, يركب من باص لباص, ويحمل طعامه, وينتظر، وبين أستاذ جامعة دوامه خمس ساعات, عنده كرسي، وازن كل هذا.
قلت له: مراتب الدنيا لا تعني شيئاً, بل تعني أحياناً العكس, لكن مراتب الآخرة ثابتة. فحتى تكون سيداً حقيقياً احتل عند الله مرتبة ثابتة. ((المتقون سادة, والعلماء قادة
- إنسان يدلك على الله عز وجل, يدلك على طريق سعادتك, يدلك على منهج الله عز وجل, إذا طبقت فهنيئاً لك, وإذا لم تطبق فالويل لك, و عليك أن تأخذ هذه التوجيهات, وهذه الآيات, وأن تطبقها- ومجالستهم زيادة))
القرآن الكريم يُفهم وفق لغة العرب و قواعدها :
هناك نقطة ثانية: الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/01.jpg
نحن نقرأ القرآن الكريم؛ لكن ليس قراءة تدقيق, قراءة تبرك أحياناً, أخي العلم ضروري, لكن هذه الآية لو وقفت عند دقائقها: العلماء وحدهم, ولا أحد سواهم يخشى الله, هكذا سياق الآية، فاللغة العربية مهمة جداً في فهم القرآن الكريم؛ لأن الله عز وجل جعل هذا القرآن عربياً قال:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
[سورة الشعراء الآية:195]
واللغة اصطلاحاً أي أنا من غير المعقول أن أقول لإنسان: أريد أن أشرب, يأتيني بطعام!! إذا لم تكن كلمة أشرب مصطلحاً بين كل أهل اللغة فليس لها معنى, قيمة اللغة أنها مصطلح. فكل إنسان يحاول أن يفهم اللغة فهماً خاصاً, يعمل تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان, يتناقض هذا مع مهمة اللغة.
الله عز وجل قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
[سورة الشعراء الآية:195]
فالقرآن يُفهم وفق لغة العرب, وفق قواعد هذه اللغة. من أراد أن يكون خاشياً لله فليسلك طريق العلم :
إنما في اللغة أداة قصر وحصر، فإذا قلت: شوقي شاعر, أي شوقي ليس له عمل آخر غير الشعر, إذا قلت: إنما الشاعر شوقي اختلف المعنى, أي لا يوجد شاعر في الأرض إلا شوقي, كل ما سواه ليس بشاعر, هذا مثل يأتون به في كتب البلاغة. فإنما أداة قصر وحصر:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
العلماء وحدهم, ولا أحد سواهم يخشى الله, فإن أردت أن تكون خاشياً لله فاسلك طريق العلم.
أنا أتمنى أن تقول: طالب علم, كلمة عالم كبيرة جداً, لا تليق بإنسان, الإنسان أصغر منها, ويظل المرء عالماً ما طلب العلم, فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل, أنت طالب علم, أي في أعلى مرتبة، والله سمعت كلمات كثيرة من بعض الأخوة الدعاة, يقول لك: أسعد بهذه الكلمة, هي أدب عال, قل: طالب علم لا تقل عالماً.
مرة إنسان ألف كتاباً, أحد علماء دمشق - كلمة كبيرة فوق مستوى الإنسان- قل: أنا طالب علم؛ فطالب العلم هو الذي يخشى الله عز وجل.
فالإنسان منضبط بلسانه, بحركاته, بسكناته, بكسبه للمال, الانضباط دليل علمه, والعلم في النهاية يحمله على طاعة الله, وهو لا يشعر, و قد سمى العلماء هذا الأثر التراكمي.
الإنسان أحياناً يأكل طعاماً فيه هرمونات, فإن أكل هذا الطعام مرة واحدة فلابأس، أما إن أدمن عليه فيصبح عنده أثر تراكمي, ينشأ عنده ورم خبيث, طبعاً هذا مثل سيئ.
أنا أردت من ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يطلب العلم, ينشأ عنده أثر تراكمي, قناعات, قناعات, بعد ذلك أصبح يمشي بشكل صحيح، كلامه مضبوط, حركته مضبوطة, سمعه مضبوط. طلب العلم يعطي الإنسان موقعه الحقيقي بين المؤمنين :
لذلك الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية:13]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/02.jpg
المرتبة العالية تحصّلها بطلب العلم, والآن لا يوجد حل ثان, الإنسان يحب نفسه, يحب وجوده, الذي يجعله يسلك الطريق الصحيح هو العلم.
لذلك يقولون: أول خطوة في حل المشكلة أن تعلم أنها مشكلة.
أول خطوة في التوبة: أن تطلب العلم, أن تعرف نفسك مذنباً.
الآن: مشكلة العوام أن الإنسان منهم يغرق في مليون معصية, يقول لك: إيماني في قلبي, أكثر كلمة يقولها الناس: إيماني في قلبي, لا يطبق شيئاً في الدين, ويدّعي أن إيمانه في قلبه, وكل شيء يفعله طبيعي, ويغرق في المعاصي والآثام, و هذا نتيجة نقص العلم، فلا بد من طلب العلم, لأن طلب العلم يعطي الإنسان موقعه.
نحن كنا نتحدث عن الحكمة في الدروس السابقة, الآن: طلب العلم, طلب العلم يعطيك موقعك الحقيقي بين المؤمنين, لذلك الله عز وجل قال: ﴿سَابِقُوا﴾
[سورة الحديد الآية:21]
وقال: ﴿وَسَارِعُوا﴾
[سورة آل عمران الآية:133]
أمر الهي, وكل أمر في القران يقتضي الوجوب.
هناك إنسان يسارع, أو يسابق لوحده ضمن مجموعة, معنى هذا أن الجماعة رحمة, والفرقة عذاب, عندما تكون مع مجموع؛ تكون في أنس, في منافسة شريفة, في غيرة. المنافسة التي يتمتع بها الإنسان حيادية قد تُستخدم في الخير وقد تستخدم في الشر :
في الإنسان صفة من كل ثقافة العوام, أو ثقافة الناس، ثقافة مادية بالجسم, أما النفس فلها خصيصة, لها طبع, ولها فطرة, أحد خصائص النفس أنها...أنا محتار في التسمية؛ تسميها غيرة, تسميها منافسة, سمِّها ما شئت.
مثلاً إذا رأيت إنساناً أغنى منك, تتمنى أن تكون مثله, إن رأيت إنساناً أعلم منك, تتمنى أن تنافسه, تكون مثله, إن رأيت إنساناً أتقى منك, تتمنى أن تكون مثله, هذه خصيصة بالنفس –غيرة- الله عز وجل فطر النفس هكذا.
الخصيصة هذه حيادية؛ قد تُستخدم في الخير, وقد تستخدم في الشر, إن استخدمت في الشر كانت الحسد, وإن استخدمت في الخير كانت الغبطة, الخصيصة حيادية, أنت مجبول هكذا, لا تتحمل أن يكون أحد أفضل منك, تحب أن تكون أفضل الناس.
الآن ما يجري بين الناس من منافسات, ومن بغي, ومن عدوان, ومن شقاء, ومن بغضاء، سببه الحسد:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:19]
الخصيصة هي خصيصة المنافسة, والغيرة, والتفوق, الخصيصة هذه حيادية خام, ما معنى خام؟ مثلاً السكينة - هذه السكينة حيادية - يمكن أن تقطع بها الطعام, ويمكن أن تذبح بها إنساناً، فالإنسان إذا استخدم الخصيصة في التنافس على الآخرة, هذه أصبحت فضيلة, أحد أسباب سعادته وتفوقه هذه الخصيصة, وإن استخدمها في الدنيا صار حسوداً, وبغى, واعتدى. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية:13]
والآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
الدعاء أن تكون أوليَّاً, ومتفوقاً.
تجد الإنسان في أمور الآخرة زاهداً جداً, في الدنيا طموح؛ يريد أعلى مرتبة, أعلى دخل, أعلى شهادة, وأجمل زوجة, وأكبر بيت, وأفضل سيارة, كل الناس هكذا، ماذا فعلوا؟ طبقوا هذه الخصيصة في الدنيا, فتنافسوا، مثلما قلت سابقاً: السباق في الدنيا مضحك، مثلاً طريق فيه ألف سيارة متسابقة, أنواع متنوعة, في النهاية وقعت أغلى سيارة في المنحدر فنزلت ودمرت, وأرخص سيارة نزلت, وأجمل سيارة نزلت, وأقدم سيارة نزلت, وأبطأ سيارة نزلت, هذا سباق الدنيا, يأتي الموت ينهي كل شيء؛ الغني تجده قد مات, أصبح تراباً, والفقير مات, والمتفوق مات, والذي يحمل أعلى شهادة مات.
فلو كان التنافس في الدنيا فهو حمق؛ المصير لا معنى له, المصير واحد للجميع, لا يوجد حوار, هناك هلاك, المصير واحد لكل المتسابقين. الطرائق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق :
لذلك:
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
ابتغوا الرفعة عند الله, المؤمن دائماً يبحث عن مرتبة في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
[سورة القمر الآية:54]
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية:55]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/03.jpg
سبحان الله! هناك معنى دقيق جداً: إن ملوك الأرض لا يوجد لهم طريق, لا تستطيع أن تقابل ملكاً, ولا بسنة, ولا بخمس سنوات, أما ملك الملوك وهو الله عز وجل, هو من محبته لعباده جعل لهم مليون طريق, الطرائق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق, كيفما تحركت تجد الطريق إلى الله عز وجل؛ إذا غضضت بصرك فهذا طريق إلى الله عز وجل, تنفق مالك طريق، تربي ابنك طريق, تعتني بزوجتك طريق, تخلص بعملك طريق, تتقن عملك طريق, تنصح المسلمين طريق, تدعو إلى الله طريق, تطلب العلم طريق، فلذلك الله عز وجل قال:
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
أكثر الناس يقول لك: أريد وراء الباب, أريد الجنة وراء الباب, لا, اطلب أعلى مرتبة في الجنة, اطلب أن تكون إماماً للمتقين, هذا الطموح, أما الطموح في الدنيا فليس له معنى،
ترى أثرياء العالم, تسمع أحياناً قصصهم؛ مات في اليخت, مات في البحر, تجده مات ميتةً بشعةً, قذرةً, وهو في معصية, وهو في متعة، وانتهى؛ كل الغنى, وكل الثروات الطائلة، انتهت إلى لا شيء, أما الإنسان إذا سلك طريق الإيمان فلا يوجد عنده خط بياني نازل, كله صاعد, حتى لو مات. أصل الدين معرفة الله :
الآن: أصحاب رسول الله، أعلام الأمة الأبطال, لم يموتوا, يُذكرون كل يوم ملايين المرات, ذكرهم مستمر.
قال له: "يا بني! مات خزان المال وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة".
سئل عبد الله بن المبارك: "من الناس؟ قال: العلماء, قيل: فمن الكبراء من الناس؟ قال: الحكماء, قيل: فمن الملوك؟ قال: الجهال, قيل: فمن السفلة؟ قال: من أكل دنياه بآخرته" أي من حقق الدنيا, وخسر الآخرة، وهناك وسائل كثيرة جداً لكسب المال.
وقد كان أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- كثيراً ما يأتي إلى معروف الكرخي, فقال له ابنه ذات يوم: يا أبتاه, إنك تكثر الجلوس مع معروف, -أحمد بن حنبل من كبار العلماء- فهل عنده علم أو وقع إليه إسناد لم يقع إليك؟ قال:" يا بني! عنده أصل الدين, ومخ علوم التقى والحكمة".
السلف الصالح فرّق بين تفاصيل الدين -الأحكام الشرعية- وبين مخ الدين, وأصل الدين أن تعرف الله, وأن تعرف منهجه التفصيلي, هذا من فروع الدين؛ و هناك علماء متفوقون بفروع الدين, و علماء متفوقون بأصول الدين، فكان يقول: "يا بني! عنده أصل الدين, ومخ علوم التقى والحكمة".
و الشافعي -رضي الله عنه- كان إذا اشتبهت عليه مسألة في الفقه, فلم يجد لها دليلاً في الكتاب والسنة, دخل على شيبان الراعي, وقال له: "يا أبا محمد! كيف ترى في هذا؟ ويجلس بين يديه, فيكشف له ما اشتبه عليه من المسالة".
التواضع في العلم :
هناك أشياء لطيفة مؤداها أن العلم بالله شيء ثمين جداً, وهناك درجة أخرى: العلم بمنهجه، أي الدين واسع جداً, لا أحد ينافس أحد, كل إنسان تفوق بشيء.
وأنا أقول كلمة لو طبقها علماء الدين لسعدوا, وسعد الناس, هم متكاملون, كل إنسان: الله عز وجل آتاه شيئاً.
مرة قال لي شخص كلمة أعجبتني، قال لي: كل إنسان ألبسه الله ثوباً, لا يستطيع أن يخلعه, ولا يليق على غيره, هذا تفوق في فهم النص, هذا تفوق في استنباط الأحكام الشرعية, هذا تفوق في علم التجريب, هذا تفوق في علم العقيدة, هذا تفوق في علم الحديث, هذا تفوق في أصول الدعوة, وهكذا.
يُروى أن علي بن دينار -رحمه الله- اشتبهت عليه مسألة, فاتجه إلى قاضي خراسان, فجلس بين يديه, ثم قال: إني أريد أن أسالك عن مسألة, قال له: تركت العلماء من أصحابك وجئت تسألني؟ فأجابه: مثلي ومثلك كمثل ملك ضلّ في البرية, فهل يسأل في الطريق ملكاً مثله أم راعياً!؟.
أحياناً: يكون الإنسان خبيراً في قضية, التواضع في العلم مفيد جداً, يمكن أن يكون هناك شخص أدنى منك مرتبة لكن في موضوع ما أعلم منك, قضية الكبر في العلم, المتكبر والمستحي لا يتعلمان, فلا بد من التواضع.
والله عز وجل أمر سيدنا موسى أن يلزم الخضر, وأن يتعلم منه, فلذلك الإنسان بالعلم لا يوجد أحد أفضل من أحد, يمكن أن يكون هناك قضية أنت لست متفوقاً فيها, وغيرك متفوق.
تجد هذا عند الأطباء، أحياناً الطبيب إذا كان مخلصاً, وجاءته حالة مستعصية, و هو يعرف أن زميله أفضل منه, يحيله إلى زميله, أو يسأله بالهاتف, فتسأل باستمرار, هذا شيء يرفع من قدرك, أما إن استغنيت عن كل الناس و توهمت أنك تعلم كل شيء, فهذا سلوك يتنافى مع العلم الدقيق, العالم يسأل, ويأخذ رأي الآخرين.
يقول الجنيد -رحمه الله تعالى-: "لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لنفذ وانقطع؛ ولكنه من حق بدأ, وإلى حق يعود".






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:12 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 2 ( فاسألوا أهل الذكر - فاسأل به خبيرا - فاعلم أنه لا إله إلا الله ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الناجحون في الحياة يستخيرون الله ويستشيرون أولي الخبرة من المؤمنين :
أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع العلم قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:43]
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
من خلال هاتين الآيتين يتضح أن أهل الذكر هم الخبراء في كل علم من العلوم, كل علم له خبير، فأنت إن أردت النجاح في الحياة, عليك أن تسأل أهل الذكر, وهذه قاعدة أساسية في الحياة، ينبغي أن تستخير الله, وينبغي أن تستشير أولي الخبرة من المؤمنين الناجحين في الحياة, كما إن الله عز وجل أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
الناجحون في الحياة يستخيرون الله, ويستشيرون أولي الخبرة من المؤمنين؛ فكل مصلحة, كل حرفة, كل نشاط, كل قطاع له خبراؤه. من أراد أن يعرف الله فليبحث عن عارف به :
بعد أن تستخير الله, وترتاح إلى أن الله أجابك إلى هذا الطلب, الآن تنكفئ على أهل الخبرة فتسألهم, هناك طائفة من العلماء يعرفون الله عز وجل, إن أردت أن تعرف عن الله شيئاً:
﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
هناك خبراء بالزراعة, خبراء بالصناعة, خبراء بالتجارة, أطباء متخصصون بالأمراض. فأنت في أي جانب من جوانب الحياة بحاجة إلى عالم تستشيره في هذا الجانب, أما إن أردت أن تعرف الله فينبغي أن تستشير الخبراء لله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
العلماء قسمان؛ علماء الدنيا و علماء الآخرة :
وقد دعا الإمام الغزالي إلى تقسيم العلماء إلى قسمين: علماء في الدنيا, وعلماء في الآخرة؛ علماء الدنيا هم الذين يعرفون دقائق الأمور, وعلماء الآخرة هم الذين يعرفون الله عز وجل.
فأنت في كل قضية يجب أن تسأل عنها الخبير, أما إن أردت أن تعرف الله فابحث عن عارف بالله, عن عالم بالله.
والإمام الغزالي أيضاً له توجيه: "العلم حيثما ورد في القرآن الكريم المقصود منه العلم بالله".
قيل لأحمد بن حنبل: "إذا كتب الرجل مئة ألف حديث, أيحل له أن يفتي؟ قال: لا, قيل: بمئتي ألف حديث؟ قال: لا, قيل: بثلاثمئة ألف حديث؟ قال: أرجو".
أي قضية الفتوى أخطر شيء, قضية حلال وحرام, ففي الفتوى لا يوجد حلوى.
نحن في الحقل الديني عندنا مفتي, ومجتهد, وقاض, وداع, هذه اختصاصات, فمن أجل أن تفتي تحتاج إلى أن تتوسع في دقائق الأحكام الشرعية.
فقيل له: "...ثلاثمئة ألف حديث؟"
أي أرجو الله أن يكون أهلاً للفتوى, بعد أن يحفظ ثلاثمئة ألف حديث طبعاً في شؤون الفقه, والأحكام الشرعية.
نظر رجل إلى إسحاق بن راهويه, وقد وضع قلنسوة على رأسه, فقال له إسحاق: "ما هذا المنظر!؟ فو الله! ما وضعتها على رأسي, حتى حفظت أربعين ألف حديث".
قضية العلم عند السلف الصالح شيء خطير جداً.
يروون أن أحد العارفين بالله أخطأ خطأ, فاعتكف سبع سنوات حتى تمكن من العلم, وألقى العلم على الناس.
إذا عرفت الله ازددت معرفة بنفسك :
قال ابن عطاء الله السكندري في معنى قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾
[سورة النمل الآية:15]
قال: علماً بالله عز وجل, وعلماً بالنفس.
وقد قال الإمام علي -كرم الله وجهه-: "من عرف نفسه عرف ربه".
أي إذا عرفت الله, ازددت معرفة بنفسك, وإذا عرفت نفسك, ازددت معرفة بالله.
ويقال: إن يحيى وعيسى -عليهما السلام- كانا يصطحبان, فإذا بلغا باب قرية أو مدينة يقول عيسى: "دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاها, ويقول يحيى: دلوني على أبر رجل وأتقاه, فيقول يحيى لعيسى: يا بن خالة! ما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء؟ فيقول: إنما أنا طبيب؛ أعالج أهل البلوى- أداوي المرضى-.
هذه الكلمة تذكرني بكلمة عالم جليل: يا بني! لا تأتني بأناس من عند العلماء, ائتِ بأناس من الملاهي.
أي بطولتك لا أن تأتي بإنسان له شيخ, تفسده على شيخه, وتقنعه أن شيخه ليس بجيد, وتأتي به إليّ, بطولتك أن تأتي بإنسان من الملهى, إنسان لا يصلي, إنسان شارد, إنسان يغرق في المعاصي, هذه بطولتك.
لذلك هناك رجل قال كلمة: الجيد لا يحتاجك.
الإنسان يجب أن يتجه إلى إنسان شارد؛ إذا كان عنده قوة إقناع, يرى إنساناً بعيداً عن الله عز وجل, يقربه, فهذه بطولة كبيرة جداً, أما إنسان ملتزم, مستقيم, أكثر الأمور محصلها, بقي فقط أن يقنعه أن هذا الشيخ ليس جيداً, تعال إلي؛ هذه ليست دعوة إلى الله عز وجل, هذه عملية إفساد, وعملية فتنة.
العلم أرفع من المعرفة :
وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[سورة فاطر الآية:32]
قال: "السابق: هو العالم, والمقتصد: هو المتعلم, والظالم: هو الجاهل".
سابق, مقتصد, ظالم.
الإمام الجنيد يقول: "العلم أرفع من المعرفة, وأكمل, وأسلم"، لذلك: تسمى الله بالعلم, ولم يتسم بالمعرفة قال:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
[سورة التغابن الآية:18]
قال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة الشورى الآية:24]
ترتيب العلماء و المؤمنين على درجات :
وقد رتب المؤمنون والعلماء على درجات فقال:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة الآية:11]
الاعتقاد بالتوحيد لا يُقبل تقليداً :
وخاطب نبيه بأتم الأوصاف فقال:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾
[سورة محمد الآية:19]
وهذه الآية أيها الأخوة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
تعني أن الاعتقاد بالتوحيد لا يُقبل تقليداً, ولو فرضنا أن الله يقبل من عباده اعتقادهم به تقليداً, لما كانت أية فرقة ضالة محاسبة عند الله عز وجل؛ لأن كل أبناء فرقة ضالة, وكل أبناء طائفة ضالة, حجتها: يا رب, هكذا قال شيخنا, أو هكذا قال من نعتقد أنه عظيمنا, أما لأن قضية العقيدة قضية خطيرة جداً, فلا يمكن أن تكون تقليداً, والدليل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
لم يقل قلد, حتى لو إنك اعتقدت صواباً اعتقاداً عن تقليد غير مقبول, لو اعتقدت صواباً, لا بد من أن يكون معك الدليل, الدليل ينفي عنك التقليد، لذلك قالوا: العلم حكم مقطوع بصحته, مطابق للواقع، عليه دليل.
هذا أدق تعريف للعلم: مقطوع بصحته يقيني ليس ظني, ومطابق للواقع كل شيء خالف الواقع صار عليه دليل, وإلا كان تقليداً؛ لو ألغينا مطابقة الواقع لكان الجهل, لو ألغينا الدليل لكان التقليد, لو ألغينا القطع لكان الظن؛ فالعلم ليس ظناً, وليس مخالفاً للواقع, وليس مفتقراً إلى الدليل, يوجد معه دليل.
الحق لا يخشى البحث أبداً لأن الحق هو الله :
وهناك بعض الكلمات يقولها العلماء: الحق لا يخشى البحث أبداً, لا تخف الحق هو الله.
أي لا تدقق فتضيع؟ لا، لن تضيع, العلم بحر تغرق فيه؟ لا, لن تغرق فيه؛ الحق لا يخشى البحث, والحق لا يحتاج أن تكذب عليه, ولا أن تقلل من خصومه, ولا أن تبالغ به, ولا يُستحيا به, الحق هو الله.
وقيل: إن هارون الرشيد دعا الأوزاعي إلى حضرته فأبى, فجاء إليه, وسأله عن شيء فأجابه, فقال له: ما بالي ملئت منك غضباً وغيظاً فلما رأيتك ملئت فزعاً ورعباً؟! فقال الأوزاعي: سمعت أنساً يقول: قال -عليه الصلاة والسلام-: "من تعلم العلم لله لم يخف من شيء, وخاف منه كل شيء, ومن تعلم العلم لغير الله خاف من كل شيء, ولم يخف منه شيء".

من هاب الله هابه كل شيء :
والشيء الدقيق جداً أن الإنسان إن تعلم لله, الله يكسبه هيبة, فإن تعلم لغير الله, ليس له هيبة إطلاقاً.
والمشكلة لما سئل الإمام الحسن البصري: ما هذا المقام الذي حباك الله به؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس, وحاجتهم إلى علمي.
أي الإنسان إذا تعلم لله, ألبسه الله عز وجل ثوب المهابة.
قلت لكم مرة: الحجاج أمر بقتل الحسن البصري, وهيأ السياف, وكل شيء جاهز لقتله في حضرته, فلما دخل الحسن البصري, ورأى السياف, فهم كل شيء, فتمتم بكلمات لم يسمعه أحد, فإذا بالحجاج يقف له, ويرحب به, ويجلسه جنبه في السرير, ويسأله, ويعطره, ويضيفه, ويستفتيه, ويشيعه إلى باب القصر, فتبعه الحاجب- طبعاً الحاجب صعق, والسياف صعق؛ لأنه جيء به ليقتل, فإذا بالحجاج يرحب به- قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟قال له: قلت: "يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
يقول الظاهر بيبرس: "والله ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام".
هناك قصص كثيرة جداً، قيل للإمام مالك: "أجب أمير المؤمنين, فقال لهم: قولوا لهارون: إن العلم يُؤتى ولا يأتي, فقال: صدق, نحن نأتيه, فلما سمع أنه سيأتيه, قال: قولوا له: ألا يتخطى رقاب الناس, قال: صدق, فلما جاء أجلسوه على كرسي, فقال: من تواضع لله رفعه, ومن تكبر وضعه, فقال: خذوا عني هذا الكرسي, وجلس على الأرض".
فلذلك: الإنسان عندما يكون مخلصاً, يلبسه الله ثوب المهابة، من هاب الله هابه كل شيء, وفي تاريخ المسلمين مواقف للعلماء يشهد لها التاريخ قوة, وجرأة, والإنسان يكون قوياً, وله هيبة، بقدر إخلاصه, وطاعته لله, فإذا ضعف الإخلاص, وضعفت الطاعة لله, لم يعد له هيبة, فصار ألعوبة بيد الآخرين.
سمعت عن رجل -رحمه الله- عالم, له مثل لطيف: إذا الباخرة شربت من ماء البحر شيئاً, ابتلعها البحر كلها – أي إن خرقت ودخل ماء البحر إليها غرقت, ابتلعها البحر- وإذا الإنسان اقترب من الأقوياء, وأخذ منهم شيئاً ابتلعوه.

العلم إظهار الربوبية أما الإسلام فإظهار العبودية :
آخر شيء: قال الإمام الواصفي في معنى قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
قال: "هما دعوتان؛ دعا رسوله محمداً إلى العلم بقوله: (فاعلم), ودعا رسوله إبراهيم إلى الإسلام بقوله: (أسلم)": ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
فالإسلام: هو الانقياد, والانقياد إظهار العبودية لله, وإن الله ابتلى إبراهيم حين قال: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
أما العلم ففي قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ﴾
[سورة محمد الآية:19]
هو إظهار الربوبية, وعلى هذا فالعلم أعلى منزلة في الإسلام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
العلم إظهار الربوبية, أما الإسلام فإظهار العبودية.
فسيدنا إبراهيم قال له: (أسلم), وسيدنا محمد قال له:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:14 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 3 ( اقوال فى العلم ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
من عظمت نعمة الله عنده كثرت حوائج الناس إليه :
لا زلنا -أيها الأخوة الكرام- في موضوع العلم, أنهينا موضوع الحكمة وانتقلنا إلى موضوع العلم، ورد: ((من استغنى بالله أحوج إليه الناس, ومن استحضر خشية الله في قلبه أنطقه الله بالحكمة))
[ورد في الأثر]
وقد ورد أيضاً: ((ما عظمت نعمة الله على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال ))
[ابن حبان عن ابن عباس]
إذا عظمت نعمة الله عند إنسان كثرت حوائج الناس إليه, فإذا مل هذه الحوائج, عرض هذه الحوائج للزوال، أي: إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه.
الناس يقبلون على من عنده شيء, على من يبش لهم, على من يقدم لهم خدمة, على من يقدم لهم علماً, فإذا عظمت نعمة الله عليك كثرت حوائج الناس إليك.
((من استغنى بالله أحوج إليه الناس, ومن استحضر خشية الله في قلبه أنطقه الله بالحكمة))
[ورد في الأثر]
الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده إلا اعتقاداً تحقيقياً :
أحد العلماء قال: الله عز وجل يخاطب نبينا -عليه الصلاة والسلام- يقول له:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾
[سورة محمد الآية:19]
أول استنباط من هذه الآية: أن العقيدة لا تكون تقليداً, لم يقل الله عز وجل: (فقل لا إله إلا الله), قال: (فاعلم), ولو أنه قُبل منا أن نعتقد تقليداً لكانت كل الفرق الضالة ناجية عند الله, حجتها: سمعنا آباءنا, أو مشايخنا يقولون, فقلنا. العقيدة لا تكون إلا تحقيقاً, من هنا يُحاسب الناس.
فالآية الكريمة:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
الله عز وجل أمر سيدنا إبراهيم قال له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
لنبينا الكريم قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
قال بعض العلماء: (فاعلم) تقودنا إلى العبودية, و(أسلم) تقودنا إلى العبودية, والذي يقودنا إلى الربوبية أعلى من الثاني، أي العلم مقدم على كل شيء.
ورد أنه اجتمع العلماء في موضع, فقالوا: "إنا تعلمنا العلم, ولم نزدد منه هيبة, ولا حكمة, ولا ورعاً, فقال بعضهم: ورد في الأثر: " إني أهب الهيبة بالأسحار وأنتم نائمون, وأخرج الحكمة من بطن خال وأنتم تشبعون, وأُقسم التقوى والورع في صحبة الأتقياء وأنتم عنه مفارقون".
حاجة الإنسان إلى الهيبة و الحكمة و الورع :
الإنسان يحتاج إلى أشياء ثلاثة؛ يحتاج إلى أن يصلي بالأسحار:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾
[سورة الإسراء الآية:78]
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾
[سورة الإسراء الآية:79]
لماذا لم يكن هناك هيبة ولا حكمة ولا ورع؟ لأن الله يهب الحكمة بالأسحار وأنتم نائمون, وينطق بالحكمة من بطن خال وأنتم تشبعون, وأقسم التقوى والورع في صحبة الأتقياء وأنتم عنه مفارقون.
الإنسان أحياناً يُؤثر جلسة, سهرة فيها ضيافة على مجلس علم, يؤثر مكاناً فيه متعة على سماع تفسير القرآن, على ارتياد بيوت الله عز وجل, فالجواب كان لا حكمة, ولا هيبة, ولا ورع؛ لأنه لا يوجد تهجد, ولا زهد في الدنيا, ولا صحبة للعارفين بالله.
الذكي و العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها :
يُروى: دخل بهلول على هارون الرشيد فقال له هارون: يا بهلول! أفدنا من حكمتك, فقال: يا أمير المؤمنين! قد أفاد العليم الخبير قبلي, حيث يقول:
﴿فإن خير الزاد التقوى﴾
أما السفر بين يديك -أي كلنا مسافرون- كل واحد منا له أجل, وقد يكون قريباً, وقد يكون بعيداً, لكن في النهاية لا بد من أن يغادر الدنيا كما كان, لم ينقطع منه شيء, وأما الزاد فلا أدري؛ هل تزودت كما أمرت أم توليت؟ ثم أنشد يقول: ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***

هل من الممكن أن تستيقظ كل يوم كالبارحة إلى ما شاء الله؟ مستحيل! هناك يوم من الأيام ستخرج بالعرض لا بالطول.
النبي حدثنا عن مرض الموت, هذا ليس له شفاء, حدثنا عن مرض آخر له شفاء:
((لكل داء دواء إلا السام))
[ لسان العرب عن عائشة]
أي الكبر.
ويوجد مرض الموت. فأنت مهما دعوت, إذا كان مرض الموت انتهى الأمر, لأن المغادرة عن طريقه.
فهل هناك إنسان منا ممكن أن يستيقظ كل يوم كاليوم السابق, لم يصبه شيء؟ لا, مستحيل, كيف الناس يغادرون الدنيا؟ سوف يستيقظ في أحد الأيام على علة بجسمه؛ فالعلة تتفاقم, تتفاقم, تتفاقم, بأسبوع, بثلاثة أيام, بعشر سنوات حتى يأتي الأجل.
فمن هو الذكي كل الذكي؟ العاقل كل العاقل؟ من أعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها العدة.
قال له: يا أمير المؤمنين!
ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***

كل واحد منا له بيت قد رتبه؛ مكان جلوسه, مكان طعامه, حمامه, له مكتبه, مكانته, الأمور كلها مرتبة لكن هذا مؤقت, وهناك شيء سوف يصرفك عنه: ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***

الموازنة بين البيت و القبر :
أنت وازن بين البيت وبين القبر، مسافة كبيرة جداً بين القبر وبين البيت: وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك
***

كل إنسان حتى يسكن في بيت يموت ألف موتة؛ حتى جمع ثمنه, حتى كساه, حتى زينه, حتى فرشه, المغادرة في ثانية, كان شخصاً أصبح خبراً على الجدران: وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك
***

والله كنت مرة في حلب, الذي دعانا أحب أن يريني بعض أحياء حلب, يوجد عندهم حي اسمه الشهباء, والله قصور حي المالكي أكواخ أمامه, اطلعنا على قصر على النمط الصيني, - هذه القصة سنة أربع وسبعين - ثمنه وقتها خمسة وثلاثون مليوناً, كانت الأمور رخيصة, كان الدولار بثلاث ليرات, فيه رخام أونيكس بخمسة ملايين, الوصف لا يصدق مثل الخيال, لأحد أغنياء حلب, مات في الثانية والأربعين, وكان طويل القامة, وشاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله. فلما وضعوه في القبر, جاء الحفار, دفعه بصدره حتى صار رأسه ملامساً لركبتيه صاحب هذا القصر سكن هذا القبر:
وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك
وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
***

لي قريب حصَّل بيتاً في حي السبكي, واعتنى به عناية كبيرة, ورتبه, وزينه, وإذ يصاب بمرض عضال, فزار صديقه فقال له بالضبط: أخاف بنت الحرام – أي زوجته-, بعد أن أموت أن تتزوج, يأتي إنسان, يتمتع بالبيت, وأنا جالس في القبر: وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
***

الإنسان إذا نظر للمرآة, له عين غالية جداً؛ عمل لها ليزر, وضع نظارة, عمل لها عملية, لكن هذه بعد الموت خلال يومين يأكلها الدود؛ عينه, أنفه, جلده, يتغسل, يفرك جسده, متألق, خلال يومين ينتهي.
مرة حضرت دفن أحد أخواننا الكرام, هو إنسان نظيف جداً, على درجة عالية من الذوق, عندما دفن كان هناك فرجة في القبر فأهالوا فوقه الكثير من التراب, عنده وسوسة بالنظافة تفوق حدّ الخيال, أنزله وانتهى الأمر, خلال دقيقة أصبح من أهل القبور:
وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
فبـــادر توبة لتحل داراً تلذ بها وتنــعم مع جوارك
***

العاقل من عمل عملاً طيباً يلقى الله به و لم يعبأ بالناس :
الذكاء والعقل أن تعمل للجنة, كل الناس حولك يبكون, أنت اضحك لوحدك: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[سورة ياسين الآية:26]
هذا الإخلاص؛ اعمل للجنة, واعمل عملاً طيباً لتلقى الله به, ولا تعبأ بالناس.
ثم قال:
إن الطبيب إذا سقى الشــبعان دواء أتعب نفسه وضيع متاعه
***

ثم خرج, وهو يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾
[سورة الدخان الآية:25]
﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
[سورة الدخان الآية:26]
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾
[سورة الدخان الآية:27]
المؤمن الصادق ينظر لآخرته لا لدنياه :
كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل دار الخلافة, هناك آية كان يتلوها كلما دخل, أي إن صح التعبير مثل شعار عملي, الآية الكبيرة:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية:205]
﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية:206]
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية:207]
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
المؤمن الصادق كلما استيقظ يقول: هذا يوم سمح الله لي أن أعيشه, انظر الغلة -غلة الآخرة- الدنيا ليس لها قيمة. الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :
الله عز وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ﴾
[سورة العصر الآية:1]
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
[سورة العصر الآية:2]
الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه فهو خاسر، إنسان له ثلاثة أيام, مضى يوم, يومان، بقي يوم واحد.
أخ من أخواننا حدثني عن قصة -أنا لا أعلم تفسيرها أبداً-: رأى مناماً -الأخ من أخواننا الكرام الصادقين- له أخ عمره تسع عشرة سنة, بعد ثلاثة أيام سيموت, هو اعتبر المنام مزحة, قال له: يا فلان -اسمه أيمن- بقي ثلاثة أيام؛ مضى يوم, بقي يومان, مضى يوم, قال له: بقي يوم.
وفعلاً تشاجر مع صديقه, صديقه معه مسدس, أطلق عليه النار, الساعة الواحدة, اليوم الثالث كان من أهل القبور.
لو يعلم الإنسان متى أجله تجد هذا الشيء مخيفاً، الإنسان يعيش بالأمل, يضع آمالاً لعشرين سنة, وقد يكون غداً من أهل القبور.
لي طالب كان في الحادي عشر, له خال صاحب سينما, جاءه مرض عضال في سن مبكرة, دخل عليه صار يبكي, قال له: أنا جمعت الثروة حتى أتمتع بها في حياتي, هو لم يتمكن أن يتمتع بها, هو جمعها لإفساد أخلاق الشباب أساساً, كلما كان الفيلم فيه إثارة أكثر, كان ربحه أكثر, فجمعها من إفساد أخلاق الشباب:
﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾
[سورة الدخان الآية:25]
﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
[سورة الدخان الآية:26]
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾
[سورة الدخان الآية:27]
وقيل: "الحكيم لا يزداد حكمة إلا ازداد من ربه خوفاً, وإليه قرباً, ومع الخلق تواضعاً, والعالم غير الحكيم, لا يزداد علماً إلا إذا ازداد من الله أمناً, وعن الله بعداً, ومع الخلق تكبراً".
فلابد من العلم, ولابد من الحكمة.
الناس في العلم والحكمة على أربع طبقات :
آخر شيء: قال بعض أهل المعرفة: "الناس في العلم والحكمة على أربع طبقات: رجل عالم لسانه جاهل قلبه, فذلك العالم الفاجر, وهو الذي يقول فيه عمر: كم من عالم فاجر وعابد جاهل؟ -هناك عابد جاهل, وهناك عالم فاجر-, فاتقوا الجاهل من المتعبدين, والفاجر من العلماء".
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

((أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ))
[ أحمد عن عمر بن الخطاب]
"ورجل عالم قلبه جاهل لسانه, فذلك العالم التقي الخائف, ورجل عالم لسانه عالم قلبه, فذلك العالم الرباني", وهو ممن وصفهم علي بن أبي طالب: "إن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة؛ إما ظاهر مكشوف, أو خائف مرغوب, فأولئك الأقلون عدداً, الأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة, صحبوا الدنيا بأبدانهم, وأرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, أولئك العلماء الربانيون".
وقال لقمان الحكيم: "يا بني! كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب, كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل".
الصنف الرابع: رجل جاهل لسانه جاهل قلبه, -وهم ممن حذر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام- حينما قال:
(( كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة ]
قيل: الخامسة هو مبغض العلم. الجهل أعدى أعداء الإنسان و أعظم من الجهل أن تجهل أنك جاهل :
وقال علي بن أبي طالب في صفة أهل الجهل: "همج رعاع, لا عقل لهم, يستفزهم الطمع, ويستخفهم الغضب, أتباع كل ناعق, يميلون مع كل ريح؛ لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق".
وقال بعض العلماء: "خصلة واحدة من نجا منها في الدنيا, نجا في العقبى من النار, ألا وهي الجهل".
قال آخر: "فتشت عن المعاصي كلها, فلم أر فيها معصية أعظم من الجهل- لأن الجهل أعدى أعداء الإنسان، أي أبشع صفة في الإنسان أن يكون جاهلاً- فلم أر فيها معصية أعظم من الجهل, قيل: فهل شيء أعظم من الجهل؟ قال: نعم, أن تكون جاهلاً بالجهل"، وأنشد:
إذا أنت لا تدري ولا أنت عالم بقول الذي يدري فحتى متى تدري
ومن أعظم البلوى بأنك جاهل وأنك لا تدري بأنـــك لا تدري
***

أي أعظم من الجهل أن تجهل أنك جاهل, وكل إنسان يعجبه عقله لكن لا يعجبه رزقه, وهذه من أبشع الصفات يسمونها التكلس العقلي, يقول لك: كل العلماء كذابون وهو ومرتاح, ويجلس طوال وقته أمام التلفاز, متكلس عقلياً, أنا لا أريد أن أدخل إلى الجامع, لا أريد أن أوجع رأسي مثلاً, عنده كم تصور متكلس عليهم, انتهى, هذه أعظم صفة بشعة في الإنسان أن يكون جاهلاً, ولا يوجد عنده إمكانية أن يتعلم.
لسيدنا علي كلام رائع قال: "قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, -لي كلمة: ليس العار أن تكون جاهلاً, العار أن تبقى جاهلاً, ليس العار أن تخطىء, العار أن تبقى مخطئاً, كل بني آدم خطَّاء, لكن بطولة المؤمن كلما أخطأ يصحح رأساً -, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره أو بدنياه, قال: فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم, وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره".








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:21 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 4 ( العلم بخلق الله و بامر الله و بالله ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
علم الإيمان والمعرفة واليقين لا يتأتى إلا لمؤمن موقن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/01.jpg
لا زلنا في موضوع العلم بعد أن كنا قبل شهر في موضوع الحكمة.
يقول مؤلف هذا الكتاب: "إن كل نوع من العلوم يتأتى بذله ونشره بمنافق, أو مبتدع, أو مشرك إذا رغب فيه, إلا علم الإيمان, والمعرفة, واليقين, فإنه لا يتأتى كشف مشاهداته, والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن".
أي إنسان ذكي, ولو كان ملحداً, يتمكن أن يقرأ موضوعاً في الفقه ويفهمه, يمنح فيه الدكتوراه, قضية معلومات؛ تحتاج إلى فهم, وإلى حفظ, وإلى مناقشة. فالقوة الإدراكية في الإنسان تسمح له أن يفهم أي علم, هذا العلم هو العلم بأمر الله, وبخلق الله.
الآن أنشتاين: يكاد يكون أعلم علماء الأرض في الفيزياء, جاء بالنظرية النسبية, يجوز إنسان يتقن الشريعة, وهذا ما يحصل في بلاد الغرب, أستاذ كرسي الشريعة يهودي, بكل جامعات الغرب, في بعض الجامعات منها كليات شرعية تمنح الدكتوراه وأساتذتها غير مسلمين, وقد يكونون كفاراً, معنى هذا أن الإنسان عنده قوة إدراكية, إذا تفوق فيها يمكن أن يحفظ أي موضوع. أنواع العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/02.jpg
لذلك الإمام الغزالي قال: "هناك علم بخلق الله - برع به أذكياء العالم في كل الجامعات؛ طب, هندسة, تاريخ, جغرافيا, علم اجتماع, فيزياء, كيمياء, رياضيات, فلك, هذه كلها علوم؛ فيها حقائق, وفيها قوانين, وفيها علاقات, هذا علم بخلق الله- وهناك علم بأمر الله –الشريعة؛ الحلال, والحرام, والأحوال الشخصية, والطلاق, والزواج, ورأي المذاهب والفقهاء, والفقه المقارن أيضاً-, أما العلم بالله فهذا العلم لا يمكن أن تصل إليه بالمدارسة, -أي بالقراءة-, هذا العلم تصل إليه بالمجاهدة".
المدارسة غير المجاهدة؛ المدارسة انتباه, كتاب, وقراءة, وتلخيص, وحفظ, أما المجاهدة فغض بصر, وضبط لسان, وضبط جوارح, واتصال بالله.
لذلك قالوا: "جاهد تشاهد".
تريد علماً يكون في قلبك نوراً, تريد علماً تشعر نفسك أسعد الناس؛ وقد تكون أقل مالاً, وقد تكون أقل جاهاً, تريد اتصالاً بالله؛ الاتصال ليس ثمنه المعلومات, الاتصال ثمنه الاستقامة والمجاهدة، قالوا: "جاهد تشاهد". من أراد الوصول إلى الله فليطعه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/03.jpg
هناك طرق كثيرة؛ أما إن أردت الطريق إلى الله, إن أردت السلوك إلى الله, فعليك بطاعة الله, والدليل:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية:69]
تريد أن تصل إلى الله, أطعه بينك وبينه, لا تحتاج لإنسان, وأنت بالفطرة تعرف الحق من الباطل, تستطيع أن تكون لطيفاً؛ لا تكذب, لا تخون، إذا قمت بالكمالات البشرية كما أراد الله عز وجل صار الطريق إلى الله سالكاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/04.jpg
أحياناً تسحب الهاتف من الذي قطعه؟ لا يوجد خط, إن كان هناك صوت, معنى هذا أنه يوجد في الخط حرارة.
أحياناً تجد الطريق إلى الله سالكاً فيه حرارة؛ تصلي, تخشع, تقرأ القرآن, تبكي, تناجيه, لا يوجد حجاب بينك وبينه, ليس معنى هذا أنك معه دائماً, هذه حال الأنبياء, أما أنت في لحظة فتستطيع أن تقبل؛ لا يوجد عندك موانع, لا يوجد عقبات, لم تأكل مالاً حراماً, لم تؤذ إنساناً أبداً, تخاف منه دائماً, تجد الطريق سالكاً له, أما عندما تؤذي إنساناً, يغتصب مالاً, يبني مجده على أنقاض الآخرين, تجده يصلي, لا يوجد شيء.
فقال الحسن البصري كلمة خطيرة: "إذا صليت ولم تجد شيئاً في الصلاة, إذا ذكرت الله ولم تجد شيئاً, قرأت ولم تجد شيئاً, فهذه أعراض ضعف الإيمان".
تستطيع أن تقرأ القرآن كله, لكن لا تشعر بشيء, وتستطيع أن تصلي من دون أي إحساس, و تستطيع أن تدعي دعاء شكلياً؛ إذا كنت في الصلاة لا تشعر بشيء إطلاقاً, وفي الذكر لا تشعر بشيء, وفي القرآن لا تشعر بشيء, معنى هذا أن هناك مشكلة كبيرة انتبه؛ إما أنك متلبس بمعصية, أو بمخالفة, أو بمال حرام, أو بسوء ظن بالله, أو متعلق بإنسان بعيد عن الله, فعندك مشكلة كبيرة, أما هكذا إسلام فإسلام فلكلوري. من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم :
سهل جداً أن يصلي الإنسان الجمعة, يتعطر, يضع مسواكاً في جيبه, يمسك مسبحة, يضع آية الكرسي في جيبه, سهلة جداً, النواحي المادية سهلة, أما أن تشعر وأنت تصلي أن هناك خطاً حاراً بينك وبين الله فهذه تحتاج إلى مجاهدة, هذا فحوى الكلام.
قال: "هذا العلم -العلم بالله- هو عهدة عند الأولياء من عباد الله, وديعة عند الخواص منهم, لا يناله الظالمون, وخسر هنالك المبطلون".
وقال بعض العارفين: "الكبر والبدعة إذا كانتا في إنسان لم يُفتح له حرف واحد من هذا العلم".
كنت أقول لأخواننا: كيلو لبن نضربه بخمسة كيلو ماء, يصبح عيراناً, لكن لا يتحمل نقطة كاز, ممكن أن يضاف للبن ماء, أما نقطة كاز واحدة فنضعه في سلة المهملات, انتهى؛ فالكبر يفسد العمل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/05.jpg
واتفق أهل المعرفة على أن: علم الباطن هو علم الصديقين, وأن من كان له نصيب منهم فهو فوق درجة أصحاب اليمين.
وأجمل قول ورد في كتب الأثر: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم".
هناك شرع ظاهر عملت به, ما دام طبقت الشيء الظاهر فهذا ثمن أن الله عز وجل يعلمك علماً لا تعلمه سابقاً.
وقال الثوري: "لا تكونوا جهالاً, وميزوا بين العلم ووعاء العلم, - هناك عالم, وهناك وعاء للعلم".
وقد قيل للإمام الغزالي: "فلان حفظ كتاب الأم للشافعي, فقال لهم: زادت نسخة".
تجد شخصاً حافظاً, إن جلس في جلسة لا يترك دوراً لأحد, عنده نهف كثيرة جداً, لكن ليس هذا المطلوب, هذا مثل دائرة معارف, أصبح كتاباً متنقلاً؛ تريد إنساناً موصولاً بالله عز وجل, موصولاً بخالق السموات والأرض.
إذا هرب العالم من الناس فاطلبوه, وإذا طلب الناس فاهربوا منه, العالم عنده غنى, ليس بحاجة للناس.
قيل للحسن البصري: "بم نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن الناس, وحاجتهم إلى علمي".
العالم موصول بالله عز وجل, غني, متعفف.
العمل الصالح ثمن الاتصال بالله عز وجل :
وقال سهل: "العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله, وهم المؤمنون, وعالم بأيام الله وهم المتفقهون في الحلال والحرام, وعالم بالله, عالم بأيام الله وهم الصديقون, وفي معنى قوله عالم بأيام الله، أي بنعمه الظاهرة والباطنة".
مثلما قلت قبل قليل: هناك عالم بالله, وبخلقه, وبأمره, بخلقه وبأمره تحتاج إلى ذكاء, تحتاج إلى تفرغ, تحتاج إلى جامعة, تحتاج إلى كتاب, تحتاج إلى مطالعة, تحتاج إلى ملخص, هذه كلها مدارسة, أما عالم به فتحتاج إلى مجاهدة, والآية من أوضح ما يكون: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/06.jpg
ثمن اللقاء, ثمن الاتصال هو العمل الصالح, أنا أركز على هذه أن تصل إلى الله؛ إذا وصلت إليه وصلت إلى كل شيء, وإن فاتتك هذه الصلة فاتك كل شيء.
قال الثوري: "كان الناس يطلبون العلم؛ فإذا علموا عملوا, وإذا عملوا أخلصوا, وإذا أخلصوا رهبوا"، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
وقيل لسهل: "من العلماء؟ قال: الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا, ويؤثرون الله على نفوسهم".
وقيل: " العالم هو الذي يخالف أحوال الجاهل والعامي، و ينبغي أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وببكائه إذا الناس يضحكون, وبصمته إذا الناس يخوضون"
أي باستقامته إذا الناس يخوضون.
ويقول أحدهم: "يا أخي, إذا كان كلامك كلام السفهاء, وفعالك فعال الجهال, وسكوتك سكوت أهل الغفلة, فما ينفعك ما جمعت من طرائف العلم وحكمة الحكماء؟". أندم الناس إنسان دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار :
أقول لكم كلمة, -والله! ينقصم لها الظهر-: أندم الناس إنسان دخل الناس بعلمه الجنة, ودخل هو بعلمه النار.
اتخذه مهنة.
"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه".
"اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك, ألتمس به أحداً سواك".
"اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك".
"اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/07.jpg
شيء مؤلم جداً أن تشرح, وتبين, والناس يستفيدون, والذي يتكلم ليس مطبقاً شيئاً, أصبحت حرفة. أخطر شيء أن ينقلب الدين حرفة, لم يعد هناك مضمون أبداً, مصلحة فقط.
تجد حفاري القبور؛ إذا صحّ له شرشف, صحّ له مسبل, يأخذه كله, يدفن في اليوم عشرة نحَّس, لم يعد له أي علاقة بالموضوع.
هناك أشخاص مثلاً عملهم بكليات الطب مع الجثث, يسحب جثة, يبيعها في الليل تهريب, هذا يقول لك: رأسه كبير, يبيعه بسعر أعلى، يغليه بالماء الساخن ليذوب اللحم, يبيع الجمجمة لطالب طب, عمله كله بالأموات, وقلبه مثل الحجر, أكثر مهن الموتى - موتى أصحاب القبور- وهم أحياء موتى, لا يتعظ.
"ليس العالم المتكلم الواصف, إنما العالم الحذر الخائف, ليس العالم من جلس على الكراسي, إنما العالم من اجتنب المعاصي, ليس العالم من صاح في المحافل, إنما العالم من عرف دقائق الشبهات والنواجذ, ليس العالم من يروي, إنما العالم من يرعوي, ليس العالم من جمع ومنع, إنما العالم من رفع ثيابه وفي الخلوة جلس, ليس العالم هو الذي يضحك من غير عجب, إنما العالم من طال حزنه وجدّ في الهرب والطلب". يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/08.jpg
أتمنى على الأخوان شيئاً: كلمة عالم أراها كبيرة, طالب علم, كلنا طلاب علم, لا يوجد أحد أفضل من أحد, ولا يوجد عندنا كهنوت في الإسلام, كلنا مؤمنون, والله عز وجل قال:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية:62]
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية:63]
كلام بسيط واضح: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية:63]
كل إنسان منا مطلوب أن يؤمن, ويتقي الله عز وجل, ليكون ولياً, لا يوجد في الإسلام إنسان رجل دين, بالإسلام هناك مؤمن, وهناك طالب علم.
أحياناً بعقود القران, يقف الخطيب, يقول: طالب علم, يكبر عندي, أجمل كلمة: طالب علم، يظل المرء عالماً ما طلب العلم, فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. المؤمن يؤدي للناس حقوقهم و يعرف ما له عليهم :
كلمة سأقولها لكم -لا تعدوها مبالغة-: لو فرضنا أعلى منصب ديني في أضخم دولة إسلامية, لا أعلم أي دولة تريدها اختر؛ في دولة شيخ الأزهر, -ليس المفتي شيخ الأزهر أكبر-, في دولة مفت, في دولة رئيس رابطة العلماء, في دولة هيئة كبار العلماء, اختر من كل دولة منصب ديني رفيع جداً.
لو اخترنا واحداً في أعلى منصب ديني, وعنده مستخدم لا يقرأ, ولا يكتب, أمي, وجاءت صحفية لتجري مع العالم الكبير حديثاً صحفياً, وهي جميلة, ومتكشفة, إذا المستخدم غض بصره عنها, الذي لا يقرأ ولا يكتب, والذي يحتل المكانة العليّة, ملأ عينيه من محاسنها, عند الله المستخدم هو العالم, وهذا هو الجاهل؛ رغم كل العلوم, وكل الكتب, هذا قد يكون مثلاً حاداً, قد يكون مبالغاً به, أنا هكذا قناعتي: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله, وكفى به جهلاً أن يعجب بنفسه, أو أن يعصيه.
عندما تعصيه لا تعرفه, ولا تطيعه, تعرفه من تكن؟ كن بأي وضع, بأي ثقافة, بأي مستوى, بأي انتماء.
قال له: "بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي, قال له: قل لصاحبها: إنها ماتت, قال له: والله! إنني بأشد الحاجة إلى ثمنها, ولو قلت لصاحبها إنها ماتت لصدقني, فإنني عنده صادق أمين, ولكن أين الله؟".
والله! قال لي أخ: بيت ثمنه سبعة ملايين, استأجره شخص من رواد المساجد, ويقف بأول صف, قال لي هذا الأخ: أنهى هذا الشخص البيت بسبعمئة ألف, بأساليب ملتوية، صاحبته إنسانة تعيش من أجرته, مقيمة في تركيا؛ أوهمها, كذب عليها, خوفها, حتى فوضته بسبعمئة ألف, هذا نموذج.
المؤمن ليس كذلك, المؤمن يؤدي للناس حقوقهم, هذا دينه, دينه بالحقوق, يؤدي ما لهم, إذا أحب أن يصلي, يجد الطريق ساخناً بينه وبين الله.
الكبر علامة الجهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6045/09.jpg
هذه النقطة أريدها: أدِّ الحقوق كلها, لا تحتال على أحد, تجد الخط أصبح ساخناً, كُلْ حقوق الناس لم يبق هناك خط, انقطعت, هذه النقطة ضعها في بالك، يكون الخط بينك وبين الله ساخناً عن طريق الاستقامة.
"ليس العالم طويل اللسان, ولكن العالم هو كثير الإحسان, والعالم هو الذي كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً لله".
يقول الإمام الشافعي: "لما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي".
علامة الجهل الكبر. ((اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة، والحلم، ولينوا لمن تعلمونه ولمن تعلمتم منه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء))
[ الديلمي عن أبي هريرة]
دائماً الله عز وجل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي﴾
[سورة الإسراء الآية:80]
لماذا لم يقل الله: اجعلني صادقاً؟ أحياناً: يكون الدخول-والله- صادقاً, نظيفاً, أما الخروج فليس نظيفاً, نويت أن تعمل مستشفى فيها إحسان, إذا شعرت بالمال تغير رأيك.
الآن: كان عند الطبيب, أخذ الطبيب خمسمئة ليرة, يرجع ليسأله ماذا يأكل؟ يقول له: أريد خمسمئة ثانية, نسي أن يسأل سؤالاً جعل عليه معاينة ثانية.
الإنسان –أحياناً- يقسو, يصبح قلبه مثل الصخر, لا يهمه؛ فقير, غني, يريد مالاً. العالم الحق ينفق ماله على علمه وليس الذي يكتسب المال بعلمه :
((... ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فيغلب جهلكم علمكم ))
[ الديلمي عن أبي هريرة]
العالم الحق ينفق ماله على علمه, وليس الذي يكتسب المال بعلمه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:95]
يا أخواننا الكرام؛ ضمن الدين هناك انزلاق, ضمن الدين هناك دنيا, وأنت منتمٍ لجامع, العبرة أن تصل إلى الله, والوصول له سهل جداً؛ يحتاج إلى إخلاص, وضبط شهوات, وضبط دخل, وضبط لسان, وضبط عين, لا تريد التعقيدات, الدين بسيط كالهواء, سهل جداً, الله عز وجل يريد من الشاب أو المؤمن أن يكون مستقيماً, ملتفتاً له, لكن يعطي كل شيء.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:24 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 5 ( التوحيد ).









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
على الإنسان أن يعبد الله فيما أقامه وفي الظرف الذي وضعه فيه :
قيل: "عشرة أشياء قبيحة, ومن عشرة أصناف من الناس أقبح؛ فالحرص على طلب الدنيا قبيح, ومن العلماء أقبح", لأن سيدنا علي يقول: "قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنياه؛ فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم, وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره, فقوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ منهم العالم المستعمل لعلمه, فإن لم يستعمل علمه, زهد الناس بالعلم, ونفرهم منه".
فالحرص على طلب الدنيا قبيح ومن العلماء أقبح, والكبر قبيح وفي الفقراء أقبح, - إنسان فقير ينبغي أن يكون متواضعاً؛ فقير ومتكبر ويرد الصاع صاعين!, لو إنسان أحب أن يقدم له شيئاً يتراجع فوراً-, والجور قبيح, ومن الأمراء أقبح, -الجور من إنسان قوي, ليس بحاجة لجور-.
هذا يدلنا أن الإنسان يجب أن يعبد الله فيما أقامه, وفي الظرف الذي وضعه فيه, وفي الوقت الذي أظله؛ فأقامك قوياً, أعظم صفة بالقوي أن ينصف الضعيف, أقامك غنياً, أعظم صفة بالغني أن ينفق المال, أقامك عالماً, أعظم صفة أن تعلم الناس العلم, هويتك هكذا, أقامك امرأة, أعظم صفة بالمرأة أن تحسن تبعل زوجها وأودلاها, هذا فيما أقامك, في الظرف الذي وضعك فيه.
عندك ضيف, أول عبادة إكرام الضيف, عندك مريض, أول عبادة معالجة المريض، في الزمن الذي أظلك -وقت الفجر وقت صلاة, يوم العيد يوم إفطار, ليس يوم صيام مثلاً, الساعة الثانية عشرة والنصف يوم الجمعة يجب أن تكون في المسجد, كل وقت له عبادة خاصة, والمؤمن يعبد الله فيما أقامه, وفيما وضعه, وفيما أظله-. المؤمن واضح يبتعد عن كل الصفات القبيحة :
لذلك: الجور قبيح, ومن الأمراء أقبح؛ -لأن الأمير عبادته الإنصاف، إنصاف الضعيف-, والكذب قبيح, وبين الأصدقاء أقبح, -شخص يكذب؛ على قوي, على ظالم خوفاً, الكذب حرام في كل الحالات؛ لكن متى يشتد؟ إذا كان بين من يثق بك وبين من يمحضك الود وتكذب عليه.
"كفى بها خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب".
وقلة الحياء قبيح, ومن ذوي الأحساب أقبح, - إنسان معروف من أسرة كريمة, تربى تربية سليمة, قليل الحياء!, لو أن قلة الحياء من عامة الناس, من دهماء الناس, إنسان سوقي, إنسان ليس معروفاً لا بأسرة, ولا بنسب, مقبول, أما إنسان قليل الحياء, وهو من نسب رفيع!! فهذا يتناقض مع نسبه-.
الشح قبيح, وفي الأغنياء أقبح, - إنسان حجمه المالي ثمانمئة أو تسعمئة مليون, عنده موظف, صار عنده خطأ أثناء العمل, احترق وجهه من الدرجة الثالثة, فأخذوه إسعافاً إلى مستشفى خاصة, كلفه الإسعاف ثلاثة آلاف وثمانمئة ليرة, يعمل درساً, قبيح, نحن ليس عندنا مصاريف عالية, خذه إلى مستشفى عامة, موظف عندك, وأثناء العمل أصيب بحرق من الدرجة الثالثة, وتتكلم و حجمك تسعمئة مليون, استكثرت ثلاثة آلاف على موظف عندك, يخدمك....!!.
أي أبشع من إنسان غني بخيل لا يوجد, فالشح قبيح, وفي الأغنياء أقبح, والضحك قبيح, ولكن من الحكماء أقبح, - أي الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده, الضحك كالملح في الطعام, إذا زاد عن حده, انقلب إلى ضده-, والغدر قبيح, ولكن من أهل الديانة أقبح".
الغدر فوق صفات المؤمنين, حتى الإيماء ليس من صفات الأنبياء.
إنسان النبي أمر بقتله, فقال له أحدهم: "لو أنك أومأت إلينا, قال: ما كان لنبي أن يومئ في غدر".
تغمز عليه! المؤمن واضح.
ورد حديث في الأثر: ((أحب ثلاثاً, وحبي لثلاث أشد؛ أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد,- شاب يغلي غلياناً, يغض بصره, من جامع إلى جامع-, أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد, وأبغض ثلاثاً, وبغضي لثلاث أشد؛ أبغض المتكبرين, وبغضي للفقير المتكبر أشد, أبغض البخلاء, وبغضي للغني البخيل أشد, أبغض العصاة, وبغضي للشيخ العاصي أشد))
التوحيد يجمع القلوب و يطمئن الإنسان :
سئل الجنيد -رحمه الله تعالى-: "أي شيء أحسن في كلام العبد؟ قال: الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين".
التوحيد يجمع القلوب, والتوحيد يطمئن الإنسان, والتوحيد يريح الإنسان إذا علم أن الأمر بيد الله, لو رأيت الأمر بغير يد الله, الإنسان وضعه صعب جداً؛ إنسان لئيم, قوي, معه سلاح.
الآن ما يجري في العالم اليوم, إذا لم تدخل التوحيد في فهمك للأمور, شيء لا يحتمل, جهة معها سلاح قوي جداً, أي نقطة في العالم مكشوفة بالأقمار الصناعية, مكشوفة بدقة؛ هنا معمل, هنا ثكنة, هنا مصفاة نفط, هنا بيت سكني.
والله! هناك أشياء سمعتها مرة: إنسان قدم لي مجلة أجنبية, فيها تحقيق عن تصوير بالأقمار الصناعية, أول رسمة: الأرض بكاملها من القمر, والشكل معروف, أي صارت الرسمة مطروقة, يوجد على أول رسمة مربع صغير, في أحد أطراف الأرض, هذا المربع كبرناه في الرسمة الثانية, فوجدنا أمريكا وقسم من المحيط الهادي, يوجد على المربع الصغير على الشكل الثاني أيضاً مربع صغير, كبرناه في الرسمة الثالثة, ظهرت فلوريدا وما حولها من بحار, يوجد على الرسمة الثالثة أيضاً مربع صغير, كبرناه, ظهر رصيف ميناء في فلوريدا, عليه مربع صغير كبرناه, ظهر رصيف ميناء وإلى جانبه مرج أخضر, ونقطة سوداء على هذا المرج, ضمن مربع صغير كبرناه, ظهر إنسان مستلق على ظهره, يقرأ قصة, وبيده ساعة, وإلى جانبه صحن فيه ثلاث تفاحات, هذا من الفضاء الخارجي.
فإذا كان من الممكن أن نصور إنساناً, يمكن لو دققت أعرف عنوان القصة من فوق. فإذا كان أي منطقة في العالم مغطاة بالأقمار الصناعية, نعرف رقم السيارة أحياناً, وأي مكان في العالم, لا تحتاج إلى شجاعة, تركب الطائرة, عليها شاشة رادار, وهناك محرك كمقود الدراجة, وهناك إشارة ضرب, مرسوم مثلاً معمل كبير, نضع الإشارة فوق المعمل, نضغط على الزر, يتفجر المعمل. فهم الأمور من دون توحيد يؤدي إلى الانتحار :
الإنسان إذا نسي التوحيد نسي أن الله بيده كل شيء, نسي أن الفاعل هو الله, وجد إنساناً أنانياً, خبيثاً, مادياً, لئيماً, قلبه كالصخر, لا يوجد عنده أي معنى من معاني الإنسانية, ومعه قوة مخيفة, فهم الأمور من دون توحيد يؤدي إلى الانتحار. فالتوحيد قضية سهلة جداً:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية:54]
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾
[سورة يونس الآية:24]
بالتوحيد تحل كل مشاكلنا, بالتوحيد ترتاح نفسك, لا يوجد عندك مشكلة, لا يوجد عندك قلق, أنا خلقني الله عز وجل, وأمري بيده فقط, لم يسلمني لغيره. الأقوياء عصي بيد الله :
كلمة أقولها لكم, -لا تأخذوها علي-: إذا سلمك لغيره لا يستحق أن تعبده, أصبح معك حجة: يا رب! أنت سلمتني لإنسان, أنا مضطر أن أعبده, حتى أتخلص من شره, إذا سلمك لغيره, لا يستحق أن تعبده. إنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية:123]
معاني التوحيد ولاسيما في هذه الأزمنة الصعبة نحن في أمس الحاجة إليها, ألا ترى مع الله أحداً؛ لا يوجد غير الله, بيده كل شيء, هؤلاء الأقوياء عصي بيد الله.
سألوا تيمورلنك: "من أنت؟ قال: أنا غضب الرب".
إذا غضب الله على جهة يسلط عليها أحد الأقوياء الذين معهم أشياء تافهة.
التوحيد نحن بحاجة ماسة إليه, لا تفهم شيئاً من دون توحيد, لا تنزل إلى وحل السياسة, التوحيد مريح, ابق مع الله, والأمر بيده: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الشورى الآية:12]
إذا كان: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
الصاروخ ليس داخلاً في الآية, إذا كان: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
طبعاً الصاروخ من باب أولى إذا الشيء مدمر.
أحياناً تسمع أشياء بعيدة عن التوحيد, هذا الصاروخ يدمر تدميراً مخيفاً.
هناك خطة جديدة: القنبلة لا تتفجر أثناء رميها، لو تفجرت لكان الملجأ في مأمن, هي خارقة, بعد ذلك تتفجر؛ خارقة حارقة, تنزل, تخرق مترين إسمنت مسلح, تصل لوسط الملجأ, تنفجر في الداخل, تميت تسعمئة شخص في آن واحد, هذا الذكاء البشري بقي في التدمير. من أدى الذي عليه لله نال السلامة و الحفظ و السعادة :
لذلك: بالتوحيد ترتاح: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية:123]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية:84]
في الأرض يا رب أنا عليّ أن أطيعك, فإذا أطعتك أديت الذي علي, بقي الذي لي؛ بقي لك عنده السلامة, بقي لك عنده أن يسعدك, وأن يسلمك, وأن يحفظك, وأن يكرمك, استقيموا. أحسن شيء في كلام العبد الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين :
الإنسان يتابع الأخبار؛ لكن لا يوجد عنده شيء مدمر, لا يوجد عنده شيء ساحق, المشرك شركاً خفياً يسمع أموراً معزوة إلى البشر اللؤماء, يتحطم, يقول لك: بركت, لم أعد أستطع الوقوف, أما المؤمن فيرى أن الأمر بيد الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾
[سورة آل عمران الآية:146]
معنوياته عالية, بسبب التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
سئل الجنيد -رحمه الله تعالى-:"أي شيء أحسن في كلام العبد, قال: الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين, ونشر آلاء الله في مجالس الذاكرين, وغلبة الثناء عليه عند أهل المحبة من خصوص الخائفين, وتفريج كرب المكروبين, الذين في قلوبهم موضع نظر رب العالمين".
ابن عباس يقول: "علماء هذه الأمة: رجلان؛ رجل أعطاه الله تعالى علماً, فبذله للناس, ولم يأخذ عليه, طمعاً بما عند الله, ولم يشتر به ثمناً قليلاً؛ فذلك يصلي عليه طير السماء, وحيتان الماء, ودواب الأرض, والكرام الكاتبون-أي: أجمل شيء أن تبذل العلم الديني في سبيل الله, ألا تأخذ عليه أجراً- يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيداً شريفاً, حتى يوافق المرسلين, ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباده".
أحياناً يلفت نظري في الكتب, حق النشر لكل مسلم ألّف كتاباً, ولك حق النشر لكل مسلم, مسموح لكل إنسان أن يأخذ هذا النص, وأن يطبعه من دون أن يرجع للمؤلف, علم شرعي؛ من برنامج عن الحديث الشريف, تقريباً هناك ألف كتاب يُوزَّع مجاناً, من دون أن يكون هناك حماية, وأساليب.
العلم الديني إذا بذل بلا ثمن, شيء رائع جداً, "ورجل آتاه الله علماً في الدنيا, فضن به على عباده".





والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:27 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 6 ( علماء الدنيا وعلماء الآخرة - بين الصمت والكلام ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الوحش هو الإنسان البعيد عن الله عز وجل :
هذا الإنسان إذا لم يعرف الله وحش, الوحش أرحم منه, الوحش يفترس, يشبع, يرتاح, لم يعد يقترب من أحد, أما هذا الإنسان فوحش؛ يتعطش إلى الدماء, وإلى القتل.
والله الإنسان أحياناً يخجل أن ينتمي إلى الجنس البشري؛ إن هذا العصر عصر علم, إنه عصر حضارة, إنه عصر قيم, إنه عصر حقوق الإنسان, المجرم له معاملة خاصة, هناك اتفاقيات للمجرمين فكيف إن كان الإنسان ليس له أي ذنب لكن فقط لأنه مسلم!؟ أي هناك أشياء تفوق حدّ الخيال.
هذا الإنسان إذا كان بعيداً عن الله فهو وحش, بأي مكان في العالم إذا كان الإنسان مقطوعاً عن الله فهو وحش، فتعليقي كان: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
المسلم شيء كبير, المسلم يوجد في قلبه رحمة لعدوه, لألد الأعداء, لا يوجد عنده إمكانية أن يعذب إنساناً, لا يتحمل أساساً- ليست قضية تصنع- أن يعذب مخلوقاً.
النبي رأى شخصاً يذبح شاة أمام أختها, غضب, قال له: ((أتريد أن تميتها مرتين؟ هلا حجبتها عن أختها؟ قال: إذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس]
هذا توجيه النبي صلى الله عليه و سلم. على الإنسان ألا يرضى لقلبه إلا بأنظف العلوم :
قال حاتم الأصم: "لا تجلس إلى كل عالم, ولا تستمع من كل متكلم, واعلم أن لجسدك قوتاً, ولقلبك قوتاً, وقد أمرت بطلب القوتين معاً, -تريد طعاماً, تريد علماً-, فكما أنك لا ترضى بجسدك إلا بالطيب من الأقوال, -كل شخص منا لا يتناول طعاماً فاسداً, رائحته كريهة, أو هذه بضاعة من الدرجة العاشرة ليست جيدة, إذاً لماذا أنت لا ترضى غير طعام طيب, وترضى بعلم غير طيب؟-, فكما أنك لا ترضى إلا بالطيب من الأقوال, فكذلك لا ترضى لقلبك إلا أنظف العلوم, وكما أن لك في قوت يومك حلالاً تحاسب عليه, وحراماً تعذب به, وشبهة تعاتب عليها, كذلك في قوت قلبك مثله, فتدبر".
هل هناك درس ليس فيه حق؟! هناك دروس فيها سحبات وخرافات و كلام له مصالح, يمكن أن يأتي بآية يفسرها لمصلحة, يأتي بحديث لمصلحة, يركز على آيات معينة, يغفل آيات معينة, هنا أصبح هناك مصالح.
النبي عليه الصلاة و السلام لما مات ابنه إبراهيم, الصحابة من شدة محبتهم له, والشمس كسفت, توهموا أن كسوف الشمس لموت ابنه إبراهيم –الآن: أي إنسان إذا كان هناك عمل يرفع شأنه, يبقى صامتاً, جيد- النبي قال: "إن الشمس والقمر آيتان, لا ينبغي أن تنكسفا لموت أحد من خلقه".
انظر إلى الطرح العلمي، مستحيل أن يقبلها النبي, هذه أمانة.
إذا شخص أوهمك, تقول: ما شاء الله! على هذه الكرامات, يقول لك: الشيخ يعرف المريد, هذا كلام فيه شطحات, الشيخ عبد لله.
النبي عليه الصلاة و السلام لا يعلم إلا أن يُعلم, جاءه وفد, وطلب منه قرَّاء, والقراء قتلوا جميعاً, لماذا لم يعرف النبي؟ الله عز وجل أرسل له الوحي لمئة قضية صغيرة جداً, هنا لم يبعث الوحي؛ ليعلمنا أن النبي لا يعلم إلا أن يُعلمه الله, لا يعلم إلا أن يُعلم, فمن أنت؟ لا تعلم. كثرة الكلام تدل على قلة صدق الرجل :
قال: "وإن من علامة عالم الآخرة ألا يكون محباً للدنيا, ولا جريئاً على الفتيا, ولا ذا شهوة في كثرة الكلام".
الجرأة على الفتيا، أنا أستغرب, رأساً يقول له: حلال, هذه قضية ربوية, حلال, لا يوجد فيها شيء, ضعها في رقبتي, الذي عنده جرأة على الفتيا, هذه علامة غير طيبة, والجبان في الفتيا علامة طيبة.
قال: "إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت".
الكلام شهوة.
قال الحسن البصري: "يُستدل على قلة صدق الرجل بكثرة كلامه".
وقيل: "الصمت زينٌ للعالم, وستر للجاهل, وكثرة الكلام تفضح الجاهل, وتُذهب بهاء العالم, - إنسان جاهل, وجد كل الدعاة يتحدثون بالعلم, فقال في نفسه: وأنا أيضاً أريد أن أدلي بدلوي, فقال: صعدوا إلى الشمس يا بني! -هم صعدوا إلى القمر-, قال لهم: صعدوا إلى الشمس, عنده تلميذ فهيم, قال له: يا سيدي, لسان الشمس طوله مليون كيلو متر, فكر, قال له: صعدوا في الليل، فالكلام يفضح الجاهل, ويُذهب بهاء العالم, وكان التورع عن جواب المسائل, والسكوت عن كثير من العلوم طلباً للسلامة, معروف في الصحابة, وخيار التابعين, وصالح السلامة لا يحتاج إلى وجاهة, ولا يحتاج إلى قضاء".
الإمام أبو حنيفة ضُرب مئة جلدة, لأنه رفض القضاء.
قال له: يا بني! دفعوا لي ثلاثمئة ألف, وأعلم أن البيت لك, لكن إن كان دفعتهم أحكم لك, دبر حالك, هذا قاض من نوع آخر.
القاضي النزيه طُرق بابه, قدم له طبق من الرطب, فقال له الغلام: "هذا الطبق قدم إليك, قال له: ممن؟ قال له: من رجل في الباب, قال له: صفه لي, وصفه فإذا أحد خصومه في المحكمة, قال له: ردَّه, فرده, في اليوم الثاني حكم, وفي اليوم الثالث طلب إعفائه من القضاء, فقال له الخليفة: لماذا؟ قال له: والله! قدم لي طبق من الرطب, في اليوم الثالث تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم لي هذا الطبق, مع أني لم آخذه, فكيف لو أخذته؟ قال: من أفتى الناس في كل ما يشتهونه, فهو مجنون".
وقال أبو محمد: "العالم هو الذي يقعد فيسكت, ويرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه, ويسأله أن يلهمه الصواب, وأي شيء سئل عنه يتكلم فيه بما فتح له مولاه".
وكان أنس بن مالك إذا سئل عن شيء يقول: "سلوا مولانا الحسن, فإنه حفظ ونسينا". بطولة الإنسان أن يعطي الفتوى بشكل صحيح مع الدليل :
الآن هناك عالم معاصر, يقول لك: غير فهيم, اشتهيت أن أسمع مدحاً من إنسان لإنسان، أبداً, حتى بين الأطباء, يكون هناك مريض عند طبيب يأتي إلى طبيب ثان: من وصف لك هذه الوصفة؟, يقلب خلقته, كأنه جاهل, تجد كل شخص يبني مجده على أنقاض الآخرين, هذا سلوك أهل الدنيا, هذه عداوة الكار.
أما ماذا قال له: "سلوا مولانا, فإنه حفظ ونسينا".
انظر: كيف العالم يحترم زميله و يقدره.
وجاء في الأثر: "كانت المسالة من العلم, يُسأل عنها الرجل من الصحابة, فيردها إلى الآخر, ويردها إلى الآخر, حتى ترجع إلى الذي سئل عنها".
لا تقولوا حرام ببساطة, التحريم سهل أينما كان, البطولة أن تعطي الفتوى الصحيحة مع الدليل, أما إذا كان الإنسان ضعيفاً فيقول لك: حرام, حرام, حرام, وقفت الحياة؛ لأن كل شيء عنده حرام, تريد أن تعطي فتوى مع دليل بجرأة.
قال: سيدنا عمر إذا سئل عن مسألة, جمع الصحابة, فبدأ بأهل بدر, ثم المهاجرين, ثم الأنصار, فإذا لم يجد جواباً عندهم, التفت إلى ابن عباس, وقال له: "غُص يا غوَّاص, -غص في النصوص-, واستنبط الحكم, -أي استنبط من القرآن-, ثم إلى ابن مسعود ثلاثين يوماً, - هناك مسألة ابن مسعود سئل ثلاثين يوماً فلم يجيبهم عن ذلك-, ثم قال بعد ثلاثين أجيب بها في رأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله, وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان من هذا".
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((مَنْ كَانَ يؤمِنُ بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو لِيَصْمُت))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة]
وكان رجل يقول لأبي بكر الصديق: "إذا كان العلم عند من لا يعمل به, والسلاح عند من لا يقاتل به, والمال عند من لا ينفقه, والرأي عند من لا يقبل منه, ضاعت الأمور". الإنسان لا يقطف الثمار إلا بالتطبيق :
أيها الأخوة, مرة ثانية تعقيب على ما بدأت: نحن لا يوجد عندنا طبقة رجال علم في الدين الإسلامي؛ كل شخص منا يكون طالب علم, وأديباً مع الله, ومطبقاً لما يعلم, كل شخص منا يجب أن يكون ولياً لله, يطلب العلم, ويطبقه.
وبصراحة بالمثل العامي: "علم قليل تطبقه أفضل مليون مرة من علم غزير غير مطبق".
علم قليل؛ عشر آيات احفظهم, وطبقهم, أفضل من أن تكون أكبر جامع للقرآن الكريم, عشر قراءات, لكن غير مطبق شيئاً, عشر آيات مطبقة أفضل مليون مرة من كتاب بأكمله غير مطبق.
والإنسان لا يقطف الثمار إلا بالتطبيق, وأعظم إنسان هو إنسان قلبه عامر بذكر الله, موصول, هناك خط مع الله سالك, مفتوح, الذي له خط مع الله هذا من أسعد الناس, من دون ضجيج, ولتكن ما تكن؛ كن من الدرجة العاشرة, كن من المغمورين.
هؤلاء الأتقياء الأخفياء إذا وجدوا لم يعرفوا, وإذا غابوا لم يفتقدوا.
إذا كان موجوداً لا تعرفه, وإذا لم يأت بشهر لا أحد يسأل عنه إطلاقاً, لأنه ليس مشهوراً.







والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-16-2018 08:30 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : طلب العلم 7 ( كما يطلب العلم يطلب الحلم ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
تزكية النفس ثمن جنة الله عز وجل :
أيها الأخوة: كما يُطلب العلم على أهله يُطلب الحلم على أهله.
الإنسان يطلب العلم, ويطلب الحلم؛ أي: لا بد لهذه النفس أن تُزكيها, وتزكيتها ثمن جنة ربها؛ فقد تعلم ولا تكون حليماً, لا تكون ذا حال ترقى بك إلى الله عز وجل.
فالأحنف بن قيس قال: "كنت أطلب العلم عند مالك بن أنس, وأطلب الحلم عند قيس ابن عاصم, ولقد حضرت يوماً عنده, فإذا بجماعة منهم مقتول ومكتوف, فوقفوا بين يدي, وقالوا: هذا ابنك, قتله ابن أخيك -مكتوف ومقتول-, فو الله ما حل حبوته حتى قال لابن له: قم؛ فحلَّ وثاق ابن عمك, ووار أخاك, وسق مئة من الإبل إلى أمه, فإنها غريبة, ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: قتلت قرابتك, وأفرحت عدوك, وأذهبت عزك, وقطعت رحمك, فلا أبعد الله غيرك".
كتعليق على هذه القصة أو على مضمون هذا الدرس: الله عز وجل قال:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[سورة الشمس الآية: -109]
تزكية النفس هي ثمن جنة الله عز وجل, في النهاية, المحصلة: الخلق الكريم هو الذي يؤهلك للجنة. الخلق الحسن ثمنه الجنة :
قد نستنبط من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان قد يكون ديِّناً, لكن أخلاقه غير جيدة؛ يصلي, يصوم, يؤدي ما عليه, لكن فظ, قاس, عنده غلظة: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه, فزوجوه))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]
فأنت كما أنك تطلب العلم, يجب أن تزكي نفسك, وكاد الحليم أن يكون نبياً, والحلم سيد الأخلاق. أي غير مقبول أن تكون طالب علم ولك نفس خشنة, الكلام فيه قسوة, الحديث فيه كبر, هذا يتناقض مع أهل الإيمان.
أكثر من ستة أحاديث صحيحة تؤكد أن أعظم شيء في الدين حسن الخلق, والذي له حسن خلق يسبق من أمضى وقته كله في العبادات, لأن الخلق الحسن ثمنه الجنة؛ فكما أن العلم يطلب من أهله, كذلك ينبغي أن تطلب تزكية النفس من أهلها.
ويقول: " لقد كان فيما مضى مجالس للمتقدمين, يجتمعون عليها, قد اندرست, فكان للصالحين في علم اليقين مقامات, يتذكرها أهلها, ويطلبون أربابها, وقد عفت لقلة الطالبين, وعدم الراغبين بها, وذهاب السالكين طرقها؛ منها طلب علم الحلال, والفرق بين شبه الحلال وشبه الحرام، شبه الحلال: الشيء يغلب عليه الحلال لكن فيه شبهة حرام, أما شبه الحرام فيغلب عليه الحرام, لكن فيه شبهة حلال". الجهل أعدى أعداء الإنسان والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به :
لذلك:
(( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
طبعاً شرب الخمر بديهي, يعرفه كل مسلم؛ القتل حرام, الزنا حرام, أن تتزوج هذا شيء حلال, وأن تشتري بيتاً تسكنه هذا حلال؛ لكن بين هذين الشيئين, الواضحيين, البينين, آلاف بل عشرات الآلاف من الأشياء يغلب عليها الحلال وفيها حرمة, أو يغلب عليها الحرام وفيها بعض الحلال, لا بد من طلب العلم، "إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون علمكم".
المشكلة في النهاية أزمة علم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية:10]
فأنت مهيأ أن تكون مؤمناً كبيراً, وأن تكون من أهل الجنة, لكن العقبة الكأداء الجهل؛ لذلك: الجهل أعدى أعداء الإنسان, والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
فهناك من يطلب علم الحلال والحرام, والفرق بين شبه الحلال وشبه الحرام, وهناك علم الورع في المحاسبات والمعاملات, وهناك علم الإخلاص, وعلم آفات النفوس, وعلم فساد الأعمال, وعلم نفاق العمل ونفاق القول, والفرق بين نفاق القلب, ونفاق النفس, ونفاق الروح, ونفاق العقل, وعلم إخفاء النفس شهوتها, وعلم الفرق بين سكون القلب بالله وسكون النفس بالأسباب. الفرق الكبير بين سكون القلب بالتوكل على الله و سكونه بامتلاك الأسباب :
أحياناً الإنسان يتوكل على الله يرتاح, وهناك إنسان معه عملات من كل الأنواع, أينما سافر له حسابات, يشعر براحة. فرق كبير بين أن تسكن إلى الأسباب, وبين أن تتوكل على الله.
أحياناً الشخص تلتبس عليه الأمور، حينما تأخذ بالأسباب, تتوهم أنها تكفي, وأنها تحميك من كل آفة.
شخص من الأغنياء, في جلسة من الجلسات أخطأ, قال: كل شيء يحل بالمال, والدراهم مراهم, وقع بورطة, اضطر أن يبقى ثلاثة وستين يوماً في المنفردة, وكل يوم تأتيه خواطر: أين مالك؟
الإنسان أحياناً يرتاح إذا أخذ بالأسباب, أو معه مال, أو مركزه قوي, وأحياناً الإنسان يرتاح إذا كان متوكلاً على الله.
فرق كبير بين أن يسكن القلب بالتوكل على الله, وبين أن يسكن القلب بامتلاك الأسباب, لأن ربنا لما يؤدب إنساناً لو معه كل الأسباب:
(( إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))
[ رواه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس]
والفرق بين سكون القلب بالله عز وجل, وسكون النفس بالأسباب, وعلم خواطر النفس, وخواطر الروح, وخواطر اليقين, ولمة الشيطان, ولمة الملك, وغير ذلك.
كشرح لمة الشيطان: ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام الزيدي, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إنَّ للشَّيْطانِ لَمَّة بابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّة؛ فأَمَّا لَمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحق، وأمَّا لَمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخَير وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك، فلْيعْلَم أنَّه من الله))
[أخرجه الترمذي عن ابن مسعود]
من كان منضبطاً بمنهج الله كان الطريق أمامه سالكاً إلى الله :
الحقيقة يمكن أن تطلب العلم الشرعي, أما علم أحوال القلب وأحوال النفس فهذا شيء مهم جداً, هذا هو سبب سعادتك؛ فكلما كنت على منهج الله منضبطاً كلما كان الطريق إلى الله سالكاً, وكلما كان الطريق إلى الله سالكاً كلما كانت التزكية أعلى, التزكية تشعر بالقرب من الله, تشعر بالافتقار إلى الله, دائماً تعتمد لا على مالك بل على الله عز وجل, كن بما في يدي الله أوثق منك في يديك.
وأما أهل العلم فقد اختلفوا في معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ]
بعضهم قال: قال بعض علماء الشام: "إنما عُني به طلب علم الإخلاص, ومعرفة آفات النفوس, -لأنه: إنما الأعمال بالنيات, لو كان لك عمل كالجبال, ولا يوجد إخلاص جعلناه هباء منثوراً". الإخلاص أخطر شيء في الدين :
أخطر شيء في الدين الإخلاص, لو كان لك عمل كالجبال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:23]
حديث الآن -لا أذكره مرة شرحته في درس طويل-: إنسان قد يأتي وله أعمال كالجبال, فيجعلها الله هباء منثوراً, فقيل: ((يا رسول الله! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ– يصلون ويصومون-, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[أخرجه ابن ماجه ثوبان بن بجدد]
أي مظهره رائع جداً, انتزع إعجاب الناس, أما إذا خلا مع نفسه فينتهك حرمات الله, فكل عمله الظاهر لا قيمة له, عمله للناس, معنى هذا أن علم الإخلاص مهم جداً.
قال: "هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص, إنما عني به طلب علم الإخلاص, ومعرفة آفات النفوس, ووسواسها, ومعرفة مكائد الشيطان وغروره, وما يُصلح الأعمال, وما يفسدها".
طبعاً في البدايات تصلي, تتحرى الحلال, لكن إن أردت أن ترقى إلى أعلى من ذلك, يجب أن تعلم ما الذي يفسد العمل؟ الكبر أحياناً يفسد العمل, أحياناً الزهو بما أنت فيه يفسد العمل. العلوم الأساسية التي ينبغي على الإنسان أن يطلبها :
وقال بعض علماء البصرة: "طلب علم القلب, ومعرفة الخواطر, وتفصيلها, وبماذا يُدفع خاطر العدو, وهذه فريضة – أيضاً- يحتاج فيها صاحبها إلى أن يفرق بين وسوسة النفس, وعلم اليقين, وقوادح العقل, وهذا مذهب مالك بن دينار".
علماء قالوا: "علم الإخلاص", وعلماء قالوا: "علم القلب".
سيدنا عمر يقول: "تعاهد قلبك".
لو فيه كبر, الكبر يفسد العمل: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))
[رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وقال بعض السلف: "معناها: طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد, وأصول الأمر والنهي, والفرق بين الحلال والحرام".
بعضهم قال: "الأساسيات علم التوحيد, صحة العقيدة, والحلال والحرام".
هذا مذهب ثالث, أو اتجاه ثالث.
وقال إبراهيم بن أدهم: "معناه: طلب علم الحلال إذ قد أمر الله به".
أي طلب العلم فريضة, هذه كلمة عامة: إذا إنسان أخذ لسانس في الفنون الجميلة مثلاً, دخل في الحديث فرضاً, يمكن أن تدرس في المعهد الموسيقي, معك شهادة من المعهد الموسيقي, أخي, أنا طالب علم؟ أي طالب علم هذا!!
العلم المقصود به: "أول رأي: علم الإخلاص, الرأي الثاني: علم أحوال القلب, الرأي الثالث: طلب الحلال والحرام, الرأي الرابع: طلب علم ما لم يسع جهله, طلب علم الحلال إذ قد أمر الله به".
وقال بعض فقهاء الكوفة: "معناه: طلب علم البيع والشراء, والنكاح والطلاق".
أي في البيت متزوج, وفي النهار له عمل, هناك بيع, وهناك شراء, فإذا كان في عمله وفق منهج الله, وفي بيته وفق منهج الله, معناها هذا رأي آخر.
وقال بعض المتقدمين, ومنهم ابن المبارك: "معناه: أن يكون الرجل في منزله, فيريد أن يعمل شيئاً من أمر الدين, أو تخطر له مسألة لله سبحانه وتعالى, إذا كانت القضية لله وفعلها لغير الله فليتركها".
أي يراقب مقصوده من كل شيء.
يقول مؤلف الكتاب:"والذي عنده: أنه طلب علم الفرائض الخمس, التي بني الإسلام عليها, من حيث لم يُفترض على المسلمين غيرها, وعلم التوحيد داخل في هذا الطلب, لأنه من قول لا إله إلا الله".
طبعاً الفرائض الخمس, وفيها علم التوحيد. من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم :
قال ذو النون المصري: "سافرت ثلاث سفرات؛ فأول سفرة جئت بعلوم يفهمها العام والخاص, وفي السفرة الثانية جئت بعلوم يفهمها الخاص ولا يفقهها العام".
لأنه من عمل بما علم, أورثه الله علم ما لا يعلم؛ أي هناك علم بسيط, وعلم أرقى؛ أن تعرف الله, أن تعرف أسماءه الحسنى, وصفاته الفضلى.
نحن في عصر الفتن يقظى, والدنيا تجذب الناس إليها, وتأخذهم إليها, فلا بد من علم يكافئ هذه الشهوات, وهذه الفتن, حتى يبقى الإنسان مع الله عز وجل.









والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-16-2018 08:33 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : التوحيد والتفريد 1 ( من صفات الله عز وجل ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله فإن كان لغير الله فقد احتقر نفسه :
هناك سبع آيات من الذكر الحكيم في التوحيد والتفريد؛ التوحيد معروف أن توحد الله, والتفريد: أن تنقطع له معرفة وإقبالاً.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة البقرة الآية:163]
الإمام أبو سعيد النيسابوري يقول: "معبودكم الذي يستحق العبادة, ويستحق الطاعة واحد".
أي الكون جهة واحدة هي الله؛ تستحق أن تعبده, وأن تفني عمرك من أجله, وأن تهب له وقتك, ومالك, وقدراتك, وحبك, وإخلاصك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:162]
ولا يليق بك أن تكون لغيره, وإذا كنت لغيره فقد احتقرت نفسك.
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله, فإذا كان لغير الله فقد احتقر نفسه, لا تكن محسوباً على جهة في الأرض, كن محسوباً على الله.
أحد علماء مصر -توفي رحمه الله-, كان يجري عملية جراحية في لندن, وجاءت رسائل بعدد غير معقول, واتصالات, تطمئن عن صحته, فسأله صحفي: ما هذه المكانة الكبيرة التي تتمتع بها؟ اعتذر عن أن يجيب, ثم اعتذر, فلما ضُيِّق عليه, قال: لأنني محسوب على الله.
لا تكن محسوباً على جهة أرضية؛ أية جهة أرضية مهما علا شأنها, لا تستحق أن تكون محسوباً عليه, لأن أهل الأرض لو اجتمعوا لا ينفعونك: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية:188]
وهو سيد الخلق: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾
[سورة الأعراف الآية:188]
السلامة والسعادة غاية كل إنسان :
لذلك: التوحيد ألا ترى مع الله أحداً, التوحيد ألا تتوكل إلا على الله؛ هو الواحد القهار, الفرد الصمد, الرافع الخافض, المعز المذل, المعطي المانع, القابض الباسط؛ حينما توحد ترتاح نفسك, حينما توحد علاقتك مع واحد, وهو سميع بصير, قريب مجيب, حينما تقيم علاقة خالصة, طيبة, بينك وبين الله فقد سرت في طريق الإيمان.
الإسلام كأي شيء آخر, فيه نشاطات كثيرة جداً, إن لم تتصل بالله, كل هذه النشاطات لا تغني ولا تسمن من جوع.
في التجارة كلمة واحدة هي الربح, إن لم يكن هناك ربح؛ و كان هناك مكتب ضخم, ومندوب مبيعات, واسم رنان, وإعلانات في الصحف, كله كلام فارغ إذا لم تربح, أساس التجارة كلمة واحدة: أن تربح, وأساس الدين كله كلمة واحدة: أن تتصل بالله, والاتصال بالله يحتاج إلى طاعة, وإلى عمل صالح, بالطاعة تسلم, وبالعمل الصالح تسعد.
أخوان كثر يشكون لي: صلاتنا لا يوجد فيها حرارة, الجواب: صحيح؛ أنت تغض بصرك, وصادق, وأمين, وما تكذب, وما تغش, وما تغتاب, وما تسرق, أكمل كل شيء قبله يوجد (ما), أي هل هناك استقامة؟ بالاستقامة تسلم لكنك لا تسعد, لكن بالعمل الصالح تسعد, العمل الصالح فيه عطاء, فيه بذل؛ بذل من مالك, من وقتك, من جهدك, من طاقاتك, من إمكاناتك, من وقتك, عندما تبذل تسعد, وحينما تلتزم تسلم, والسلامة والسعادة غاية كل إنسان كائناً من كان على وجه الأرض, غاية خمسة آلاف مليون إنسان, أن تسلم, وأن تسعد بمنهج الله, تسلم بتطبيق تعليمات الصانع, وتسعد بخدمة الخلق.
عدم فزع المؤمن عند الموت لأنه في كل حياته يعمل لله :
حي لا يموت, شخص جلس على قبر يبكي, مرّ به رجل قال له: "علام تبكي؟ قال له: على محبوبي, قال له: لقد أخطأت, لقد أحببت محبوباً يموت, فلو أحببت من لا يموت, لا تبكي".
سبحان الله! الموت مصيبة كبيرة جداً, لا يوجد إنسان عند الموت إلا يفزع إلا المؤمن, لأن كل حياته يعمل لله, فإذا جاءه الموت, فهو عرس له, غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه, لا يوجد مؤمن إيمانه كبير وجاءه الموت إلا وهو مستبشر:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:158]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:32]
حي لا يموت, قيوم لا ينام, أي إنسان لو اعتمدت عليه, في لحظة حرجة قد لا تجده, مثلاً أعطاك رقم هاتفه, أنت نقلته خطأ, زادت عليك مشكلة, أنت في موقف حرج, الهاتف لم يجاوبك, أما إذا كنت مع الله فلا يحتاج إلى تلفون, ولا خلوي, ولا فاكس, ولا يحتاج إلى شيء, الله معك؛ حاضر ناضر, سميع مجيب, قيوم, فرد صمد, هنيئاً لمن كان اعتماده على الله, هنيئاً لمن كان إقباله على الله. كل إنسان مفتقر في وجوده إلى الله عز وجل :
إذاً: حي لا يموت, قيوم لا ينام, صمد لا يأكل, الله عز وجل وصف الأنبياء وصفاً, قال:
﴿إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
[ سور الفرقان الآية: 20 ]
الأنبياء قمم البشر, خلاصة البشر، هؤلاء بشريتهم تعني أنهم مفتقرون في وجودهم إلى أن يأكلوا.
في رمضان, في أيام الصيف الحارة, تجد شخصاً محترماً جداً, يحتل منصباً رفيعاً, له مكانة, أول يوم في رمضان, وإذا كان شهر آب, بعد الساعة الثانية عشرة, تجد كل خواطره؛ كأس عرق سوس, كأس ماء, أين عظمة الإنسان؟ على كاس ماء، أي النعم مألوفة.
حدثني أخ, كان في لبنان بقوات الردع, قال: نأكل الطعام وما يزيد منه نضعه في الحاوية؛ خبز, أكل, بقايا طبخ, جاءت سنة الثلج فيها كان خمسة أمتار, انقطعوا عن العالم الخارجي, تجد رتباً على الحاوية, يريدون أن يأكلوا, فتشوا في الحاوية, طبعاً الأكل, مع البول, ومع النجس, يريدون أن يأكلوا. فالإنسان عندما يمنع عنه الطعام يختل توازنه كله.
فنحن, الحمد لله إذا الإنسان وجد قوت يومه, وبقي في بيته، فهذه من النعم الكبرى. الرابح الأول من أفنى وقته في طاعة الله و بذل جهده في مرضاته :
انظر الإنسان أحياناً عندما يرى المشردين, كل دعاء له نكهة, عندما ترى المشردين, تقول: "اللهم آمنا في أوطاننا".
إنسان يسكن في بيت؛ له سرير, غرفة نوم, حمام, مطبخ, غرفة ضيوف, أما ضع أسرة في طريق درعا, أين تقضي حاجتها؟ كيف تريد أن تأكل إذا كان البرد شديداً و هناك ورياح وثلوج وأمطار وأطفال صغار؟ فلذلك الإنسان يفتقر إلى الله في كل شيء.
قال لها: ((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإنها قلما انكشفت عن أهل بيت فكانت تعود فيهم))
[ الزهري عن عائشة]
حي قيوم، لا يموت, لا ينام, صمد لا يأكل, قائم لا يلهو, قوي لا يغلب, عزيز لا يدركه أحد, باق إلى غير أمد, ليس كمثله شيء, ولا لكلامه كلام, ولا ككلامه كلام في الإحكام والبيان, لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
مهما بالغت في معرفة الله, مهما أفنيت وقتك في طاعته, مهما بذلت جهداً في كسب مرضاته, أنت الرابح الأول, بيده كل شيء. الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولكن البصائر تراه :
الحقيقة: أعظم شيء أن يغادر الإنسان الدنيا والله راض عنه, هذه ساعة المغادرة، لابد من أن يدرك كل إنسان ساعة المغادرة, الإنسان الذي له عمل طيب يكون من أسعد الناس.
قيل لأحد الصحابة: "بم عرفت ربك؟ قال: بما عرفني به نفسه, لا تشبهه صورة, ولا يُدرك بالحواس, ولا يُقاس بالناس, قريب في بعده, بعيد في قربه, فوق كل شيء, لا يقال تحته شيء, لا يقال فوقه شيء, لا يقال أمامه شيء-أمام كل شيء- لا يقال وراءه شيء- وراء كل شيء- علم بما كان, وبما يكون, وبما سيكون, وبما لم يكن لو كان كيف كان يكون"، هذا هو الله عز وجل.
أعرابي جاء إلى سيدنا جعفر الصادق قال له: "هل رأيت ربك؟ قال: ما كنت لأعبد رباً لم أره, قال الأعرابي: كيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان, ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان", أي إذا دخلت إلى بيت أنيق جداً, ولم تر صاحب البيت, ألا تحكم عليه من بيته؟ من هندسة بيته؟ من تزييناته؟ من نظافة البيت؟ تستنبط عشرات الصفات وأنت لم ترَ صاحب البيت, رأيت صاحب البيت بعقلك, ولم تره بعينك. فالله عز وجل ذاته العلية, لا تدركه الأبصار, ولكن البصائر تراه.
والله الذي لا إله إلا هو, المؤمن الصادق يرى الله في كل شيء, حتى لو سمع الأخبار؛ يفهم الأخبار فهماً توحيدياً, إيمانه قوي, لا تخونه نفسه, لا يتزعزع, وقد تكون الأخبار مؤلمة جداً, وقد تكون الأخبار فيها هجمة شرسة, لكنه يرى يد الله تعمل في الخفاء, لا يرى مع الله أحداً, لا يرى إلا الله, لكن لحكمة بالغة لا يعترض على حكم الله, لا يرى أن في الكون إرادة مع إرادته, ولا قدرة مع قدرته, ولا جهة مستقلة عنه في الأمر والنهي, ليس إلا الله. الله تعالى ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن الأمر كله بيده :
التوحيد مريح يا أخوان, ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى التوحيد, إذا الإنسان نظر إلى الأقوياء, ونسي الله, وقع في همٍّ ما بعده هم, أي شيء يدعو إلى الموت؛ قوي, لئيم, جبار, متكبر, قلبه من صخر, بيده سلاح فتاك, ولا يرحم, ولا يقيم قيمة لأي إنسانية إطلاقاً, هذا ما نشاهده, ونسمعه كل يوم, أما التوحيد فمريح, ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[سورة هود الآية:123]
هذا القرآن كلام خالق الأكوان؛ بالتوحيد تفهم كل شيء, وترتاح نفسك, تفسر كل شيء, لا يوجد مع التوحيد قهر, مع الشرك هناك قهر, الإنسان إذا أشرك يشعر بالقهر, مقهور, يقول لك: مسحوقون, كلمة مسحوقين, مقهورين، كله كلام شرك, أما المؤمن فلا يرى مع الله أحداً, له إله خلقه, وأمره بيده, ولو أن الله أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده, لو أسلمك إلى غيره, معك حجة، يا رب أنت سلمت أمري لزيد أو عبيد, وإذا لم أرضه يفرمني, سأعبده, ماذا أفعل؟ أما إذا أنت أيقنت أن الأمر بيد الله وحده: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة هود الآية:26]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
وقد تكتشف أحياناً عدالته, أحياناً تجد أمة طغت واعتدت, تجد أمة أظلم منها تسحقها سحقاً، فالظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه. بالتوحيد يرى الإنسان أن يد الله عز وجل تعمل وحدها :
أحياناً الله عز وجل في الدنيا يعاقب بعض المسيئين, لا كل المسيئين, ردعاً للبقية, ويكافىء بعض المحسنين, لا كل المحسنين, تشجيعاً للبقية, كل ظالم ناله بطش الله؟ لا؛ لكن أحياناً يختار ظالماً- لحكمة أرادها- يبطش فيه عن طريق ظالم أظلم منه.
أي هناك حكمة إلهية عجيبة جداً، بالتوحيد ترى يد الله عز وجل تعمل وحدها, وتقرأ الآية الكريمة:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
طبعاً الآية ضمن سياقها لها معنى، لما أصحاب النبي الكريم بايعوا النبي, ووضعوا يدهم في يده، قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
مباركة, وإكراماً, وعلماً. كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع :
الآن: انزع الكلمتين لوحدهم, قانون ثان؛ أي جهة قوية تدّعي أنها قوية, الله فوقها, لا يسمح لها بتنفيذ خطتها إلا بموافقة خطتها مع خطته, تجد كافراً أعطى أمراً, وغزا دولة مثلاً معهم أسلحة طيران, وحاملات طيران, وأشعة الليزر, و شيخ, هذه كيف أصبحت!؟
لا يسمح لقوي أن يتحرك إلا بإذنه, إن كانت خطة القوي ضمن خطة الله عز وجل يسمح له, ما فعله القوي ضمن خطة الله عز وجل سمح له, أما لو أن الله عز وجل لم يشأ لهذا القوي أن يتحرك, فلا يتحرك, فالذي يحدث قد أراده الله عز وجل, كل شيء وقع أراده الله, وكل شيء أراده الله وقع.
فقيل لهذا الأعرابي: كيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان, ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان, لا يُدرك بالحواس, ولا يقاس بالناس, ولكنه معروف بالآيات, مشهور بالعلامات, لا يجور في قضائه, ولا يحيف في حكمه, هو الواحد الذي لا إله إلا هو, فقال الأعرابي: أعلم أنك من أهل بيت النبوة والشرف. عزة المؤمن تنبع من إيمانه أن أمره بيد الله عز وجل :
أيها الأخوة, التوحيد يُفضي بك إلى الإخلاص, أنت دخلت إلى دائرة, فيها ثلاثة طوابق, وفيها مئتا موظف, وهناك مدير عام, المعاملة التي تخصك لا يجرؤ أي موظف أن يوقع عليها إلا المدير العام, هذه من صلاحيات المدير العام, تريد أن تسافر, تريد تأشيرة خروج لبلد ما, تحتاج إلى توقيع المدير العام حصراً, وأمامك ثلاثة طوابق, وأمامك مئتا موظف, هل ممكن أن تبذل ماء وجهك لموظف وأنت موقن أن هذا من صلاحيات المدير العام؟ توفر وقتك, تحفظ ماء وجهك, تترجى المدير العام, انظر هذا مثل بسيط؛ إذا أيقنت أنه ليس من الممكن لأي إنسان أن يعطيك موافقة إلا المدير العام, في هذا الموضوع بالذات, عندك مئتا موظف, رتب مختلفة, لا تطرق باب إلا المدير العام, إذا أنت أيقنت أن أمرك بيد الله وحده لا تبذل ماء وجهك لإنسان, لن تتضعضع أمام غني, ولا أمام قوي:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
هذا سر عزة المؤمن, يوقن أن أمره بيد الله عز وجل, أن الله لن يسلمه لأحد, هناك خط مفتوح بينه وبين الله, يطلب من الله. الدعاء و الالتجاء إلى الله سلاح الإنسان للوصول إلى ما يريد :
والله يا أخوان, مرّ معي حديث -لا أذكر نصه بالضبط, لكن يحل مليون مشكلة-: إذا الإنسان أصيب ببلاء, أحد أسباب هذا البلاء أنه لم يدعُ الله عز وجل, ادعُ الله, الله معك دائماً, والله يحبنا, نعرفه سميع, مجيب, ادعه, اسأل الله ملح طعامك, ادعه، "من لا يدعني أغضب عليه".
اسأله حاجتك كلها, عود نفسك دائماً على الدعاء.
دخلت لإنسان لا تعلمه, يا رب يسر لي الأمر, تريد أن تقوم بعمل, يا رب أعني.
والله! سمعت عن طبيب جراح أعصاب, سبحان الله! لا يجري عملية قبل أن يصلي ركعتين لله أمام المريض, وفي غرفة العمليات, يقرأ بصوت جهوري: يا رب؛ أنا مفتقر إلى حكمتك, مفتقر إلى علمك, مفتقر إلى توفيقك, ويجري عمليات الدماغ كلها، بهاتين الركعتين هناك التجاء إلى الله.
حاول أن تكون مع الله دائماً, تدخل إلى عملك, تدخل إلى بيتك؛ دخلت إلى بيتك: بسم الله الرحمن الرحيم, يا رب يسر لي أمري, تجد الأمور كلها ميسرة, دخلت إلى البيت, أنت رب البيت, تظهر لك مشكلة, لم تحسب لها, تبقى شهراً لا تتكلم مع زوجتك, من شيء سخيف، فالإنسان عندما يطيع الله عز وجل يجد الأمور كلها تمشي بسهولة.
إن شاء الله غداً نتابع بعض هذه الآيات.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-16-2018 08:35 AM

رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : التوحيد والتفريد 2 ( الفرار إلى الله - قل كل من عند الله).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
منزلة الفرار إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام, يقول الله عز وجل:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
بعض العلماء استنبط من هذه الآية منزلة: هي منزلة الفرار إلى الله.
قد تخشى شيئاً فتفر منه, لكن الله وحده تفر إليه: "لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك".
وفي بعض أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: "أعوذ بك منك".
ومن بعض أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم إنا بك واليك".
دعاء جامع مانع, أنا بك أي قائم بك؛ كل شيء تفوقت فيه بفضلك, كل شيء أتقنته بفضلك, كل ما أنا فيه من خير من فضلك, "أنا بك", وينبغي أن يكون كل شيء إليه.
على هاتين الكلمتين, الموجزتين, البليغتين: "اللهم إنا بك واليك"، "أعوذ بك منك"، "لا ملجأ منك إلا إليك"، قال بعضهم:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
أي: لا تشتغلوا بسياسة أنفسكم, فإن مؤونتها عظيمة, ولا تتفرغوا إلى رضا الخلق, فإن رضاهم غاية لا تُدرك؛ ولكن فروا إلى الله, ليكون الله غايتكم.
هناك قضية الإخلاص, هذه مهمة جداً في الطريق إلى الله عز وجل؛ ضمن العمل الديني, ضمن السعي لمرضاة الله عز وجل, وقد تزل القدم, ويهتم الإنسان بالخلق أكثر من اهتمامه بالحق, هذا أيضاً جزء من التقصير.
بطولة الإنسان أن يتوازن مع كل الجوانب في حياته :
لذلك ربنا عز وجل أعطانا مثلين صارخين؛ مثل سيدنا داود, ومثل سيدنا سليمان, وقصة هذين النبيين العظيمين فيها موعظة كبيرة؛ سيدنا داود آثر أن يكون مع الله عن أن يكون مع الخلق, فعاتبه الله عز وجل, سيدنا سليمان آثر حب الخير أكثر من حبه ليكون مع الله عز وجل فعاتبه الله.
من السهل أن تأخذ موقفاً متطرفاً, ولكن البطولة في التوازن؛ ممكن أن تكون مع الخلق في أعلى درجة من النجاح, على حساب علاقتك بالله, وممكن أن تكون مع الله في أعلى درجة من النجاح, على حساب العمل الصالح الذي خلقت من أجله.
لذلك ورد: "إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل".
وكما قلت قبل قليل: من السهل أن تأخذ موقفاً إلى جانب, أما أن تتوازن مع كل الجوانب فهذه بطولة. فلذلك يجب أن يكون لك مع الله ساعة لا تعمل فيها لغيره, وأن يكون لك مع الخلق ساعة لا تعمل فيها لغيرهم.

على الإنسان أن يفر من المعصية إلى الطاعة ومن الجهل إلى العلم :
الآن: الجلوس مع الخلق أحد أسباب الأعمال الصالحة, أنت بالمجتمع ترقى بعمل صالح؛ بدعوة, بخدمة, ببذل, بتضحية, بنصيحة, بإرشاد مع الخلق, لا بد من أن تشحن.
هناك شيء بالإنسان -إن صحّ التعبير- هو الشحن؛ الصلاة تشحن نفسك شحنة روحية, الصيام كذلك, الحج كذلك؛ فلابد من شحنة, ولا بد من أن تفرَّغ هذه الشحنة, تشحن وتفرغها في العمل الصالح, الذي أدرك سرّ هذا التوازن بين أن تُشحن وأن تفرغ هذه الشحنة بعمل صالح, هذه الحقيقة هي الهدف الكبير من هذا التوازن في هذا الموضوع.
قال بعض العلماء: فروا إِلَى اللَّهِ بمعنى فروا من المعصية إلى الطاعة, ومن مقام الجهل إلى مقام العلم, ومن مجالس الغفلة إلى مجالس الذكر.
الآن أكثر مجالس الناس مجالس غفلة؛ يجلسون, يضحكون, غيبة, نميمة, تطاول أحياناً, مزاح لا يرضي الله, وحديث فيه شرك, وتأليه بعض الجهات دون أن يشعروا.
فقال: هذا المجلس مجلس غفلة, يجب أن تفر منه إلى مجلس الذكر, هناك مجالس كذب, كل ما يقال فيها كذب, فكلهم اصطلحوا بشكل أو بآخر على أن يكذبوا, فالذي يُقال في هذه المجالس لا يصدر عن قناعات المتكلمين بل يصدر عن نفاقهم.
فأن تفر من مجلس كذب إلى مجلس صدق, من مجلس غفلة إلى مجلس ذكر, من مجلس جهل إلى مجلس علم, من مجلس معصية إلى مجلس طاعة, هذا معنى:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
معاني منزلة الفرار إلى الله :
الآن: يجب أن تفر أيضاً من مجالسة المخلطين إلى مجالسة المخلصين, هناك أناس لهم عمل صالح وعمل سيئ, لهم مخالفات ولهم أعمال صالحة, هذا مجلس, وهناك مجلس أرقى منه؛ أن تكون مع المخلصين, مع الذين أخلصوا دينهم لله عز وجل.
فروا من محبة الدنيا إلى محبة المولى, فروا من عذاب الله إلى رحمته, فروا من سخطه إلى رضوانه.
لذلك قال بعض العلماء - وهو ابن القيم-: "منزلة الفرار إلى الله لها معان دقيقة؛ أن تفر من سخطه إلى رضاه, أن تفر من موقف, أو من كلام, أو من تصرف يُسخطه إلى موقف, أو كلام, أو تصرف يُرضيه, من عذابه إلى رحمته, من محبة الدنيا إلى محبة المولى, من مجالسة المخلطين -الذين خلطوا عملاً صالحاً, وآخر سيئاً- إلى مجالسة المخلصين, فروا من مجالسة الغفلة إلى مجالسة الذكر, من مقام الجهل إلى مقام العلم, من المعصية إلى الطاعة".
هذا معنى:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
وقال أبو جعفر النيسابوري: "وا عجباً! كل من خاف من شيء أُمر بالفرار منه, وأنا أخاف من الله, وقد أمرت أن أفر إليه".
أي ما سوى الله, كل شيء مخيف تفر منه, إلا الله عز وجل إذا خفت منه فيجب أن تفر إليه.
الله عز وجل يبين للإنسان عجزه عن الغيب :
آية أخرى متعلقة بالتوحيد وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
هذه العندية في الآية تشتمل على كل شيء, سواء أكان هذا الشيء عرضاً أم جهوراً, ويبين الله تعالى للإنسان عجزه عن الغيب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
ويبين الله عز وجل في آية أخرى صفات ما عند الإنسان وما عند الرحمن, بقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾
[سورة النحل الآية:96]
الحقيقة: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
هو التوحيد. على الإنسان ألا يبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله بل من خلال خلقه ثم كلامه ثم أفعاله :
كنت قد ذكرت ذلك من قبل, يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه, ومن خلال كلامه, ومن خلال أفعاله, لكن النصيحة لا تبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله, يجب أن تبدأ بمعرفة الله من خلال خلقه, طريق سالك وآمن, ثم تعرفه من خلال كلامه وهو القرآن, طريق آمن وسالك؛ إن عرفته أولاً من خلقه, ثم عرفته من كلامه, يمكن أن تعرفه من أفعاله, أما أن تبدأ بأفعاله فقد تفتقر إلى علم, يكشف لك عدله وحكمته.
والناس دائماً يُمتحنون من حالتين, هناك حالات ترى وجود الله صارخاً, هناك حوادث كثيرة حتى البعيد عن الله عز وجل, حتى أهل الغفلة, يرى هذا فعل الله.
مرة جاءت رياح عاتية إلى منطقة زراعية, فأهلكت مئة وثلاثين بيتاً زراعياً, بيت له غلة بمئتي ألف, طبعاً ومزروع, مدفوع عليه نفقات عالية جداً, فهذه الرياح قلعت مئة وثلاثين بيتاً, الشيء الذي لا يصدق أن كل الناس الشريرين اقتُلعت بيوتهم، والذي يلفت النظر هناك بيوت متلاصقة لأخوين, أخ صالح, وأخ سيئ, أحياناً ترى فعل الله صارخاً, وربنا عز وجل أحياناً لحكمة يريدها يري الناس فعل إنسان صارخ, فأهل الدنيا يُفتنون.
لا يوجد جهة في الكون يمكن أن تشرع إلا الله عز وجل :
والآن هناك من يقول: ليس في الأرض إلا دولة قوية واحدة, تفعل ما تريد, هذا نوع من أنواع التأليه والشرك.
فأحياناً فعل الله لا يبدو واضحاً, يبدو فعل الجهة التي يؤلهها الناس واضحاً, هذه فتنة, والفتنة الثانية والموقف الثاني: أن يمتحن الله الناس بشيء واضح جداً, أنه من عند الله عز وجل, هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
أما عامة الناس فهناك حالات معينة يرون هذا من عند الله, وفي حالات أخرى لا يرونه من عند الله, يرونه من عند زيد أو عبيد, لكن المؤمن الصادق الكامل -دائماً وأبداً- يرى أن كل شيء من عند الله.
هناك معنى آخر لهذه الآية: لا يوجد جهة في الكون يمكن أن تشرع إلا الله عز وجل.
بعضهم قال:
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***

أنا لا يوجد في حياتي إنسان يشرع, إنسان لا يعبأ بالوحي, يلغي الوحي, هذا عندنا غير جائز, لا يوجد إنسان يستطيع أن يشرع إلا الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية:36]
لك خيار بالمباحات, أما في شيء بتَّ الله به, أعطى فيه حكماً, فلا يوجد لك خيار كمؤمن.
هذه بعض المعاني التي تنطوي عليها آية كريمة وهي:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
و: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]






والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 05:10 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.