منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   الفقة الاسلامى 2 (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9580)

السعيد 09-10-2018 08:38 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع :مكروهات الصلاة - الاذكار و الدعوات




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مكروهات الصلاة :
1 ـ ترك واجب أو سنة عمداً كعبثه بثوبه وبدنه وهذا يخل بالخشوع :
أيها الأخوة المؤمنون، يكره للمصلي سبعة وسبعون شيئاً أولها ترك واجب أو سنة عمداً كعبثه بثوبه وبدنه هذا يخل بالخشوع، قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون الآيات: 1-2 ]
2 ـ سبق الإمام :
سبق الإمام، ترك الواجب يوجب سجود السهو، ترك السنة لا يوجب شيئاً، أما أن تترك الواجب عمداً وتسجد له أو أن تترك سنة عمداً فهذا من مكروهات الصلاة.
3 ـ قلب الحصى :
قلب الحصى أي إذا أراد أن يسجد الرجل وكان في موضع سجوده حصى مؤذية فأزاحها أو قلبها أو عدلها فهذا مكروه ولكن لمرة واحدة مقبول، أما أن يجعل من قلب الحصى طريقةً لـه في الصلاة دائمة كلما همّ في السجود مهد مكان سجوده، فهذه من مكروهات الصلاة.
و النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا قبل قليل عن العبث بالثوب والبدن رأى رجلاً يعبث بثوبه ولحيته فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".
والنبي عليه الصلاة والسلام في موضوع الحصى قال:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فَقَالَ: وَاحِدَةٌ وَلَئِنْ تُمْسِكْ عَنْهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ كُلِّهَا سُودُ الْحَدَقَةِ ))
[أحمد عن جابر]
فإذا وجدت ضرورة بالغة تزيح الحصى وتقلبها وتعدلها فمرة واحدة ولأن تمسك عنها خير لك. 4 ـ قرقعة الأصابع في الصلاة :
قرقعة الأصابع في الصلاة، أحياناً لمجرد أن يقوم إلى الوقوف يضغط على أصابعه على الأرض فيفرقعها هذا من مكروهات الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام:
((لا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلاةِ))
[ابن ماجة عَنْ عَلِيٍّ]
5 ـ تشبيك الأصابع :
وتشبيك الأصابع أيضاً نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ((عَنْ إسماعيل بْنِ أُمَيَّةَ سَأَلْتُ نَافِعًا عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تِلْكَ صَلاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ))
[ أبي داود عَنْ إسماعيل بْنِ أُمَيَّةَ]
6 ـ التخصر :
أن يضع يديه على خصره وهذا أيضاً من مكروهات الصلاة أيضاً فيها تشبه بالجبابرة.
7 ـ الالتفات بالعنق :
والالتفات بالعنق من مكروهات الصلاة.
8 ـ الالتفات بالجسم :
طبعاً استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة فإذا اختل الشرط فالصلاة باطلة، أما الالتفات بالعنق فمن مكروهـات الصلاة.
((عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أَحَدِكُمْ ))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
((لا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ ))
[النسائي عن أَبي ذَرٍّ ]
والله سبحانه وتعالى مقبل على عبده فإذا التفت انصرف عنه. 9 ـ البصاق في أثناء الصلاة :
وإذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، أي هذا في المسجد مستحيل، أما إذا صلى في فلاة، فالبصاق في أثناء الصلاة مما يكره للمصلي.
10 ـ كره الإقعاء :
وكره الإقعاء، والإقعاء أن يجلس على أليتيه فهذا مكروه في الصلاة لقول أبي هريرة رضي الله عنه:
(( نهاني صلى الله عليه وسلم عن نقر كنقر الديك، وإقعاء كإقعـاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب))
[ أحمد عن أبي هريرة]
فالإقعاء مكروه في الصلاة. 11 ـ افتراش الذراعين :
وافتراش ذراعيه وضع كفه وذراعه على الأرض هذا أيضاً منهي عنه، لقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
((كان النبي صلى الله عليه ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع))
[البخاري عن عائشة]
12 ـ تشمير الكمين :
التشمير فيه سلوك ليس فيه أدب، قميص لـه زر وهو يفتح الثاني.
13 ـ الصلاة في السراويل :
والصلاة في السراويل- في البنطال - وهذه مكروهة لأن البنطال يصف حجم العورة وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( الفخذ عورة ))
[ الترمذي عن ابن عباس]
فالبنطال ولاسيما الضيق قد يصف حجم العورة، سألني أخ يوم الجمعة قال لي: وأنا أصلي ساجداً الذي أمامي ظهره مكشوف.
هذا البنطال صنع خصيصاً لرجل يلبسه وهو واقف، أما إذا سجد وكان ضيقاً وخصره واسع طبعاً فسوف ينكشف ظهره، فالناظر ملعون، والذي كشف عن ظهره ملعون، فالصلاة في البنطال مكروهة طبعاً، فإذا خاط الإنسان بنطالاً فليكن عريضاً، أما متابعة صرعات الأزياء دقيقة بدقيقة فهذا لا يرضي الله عز وجل، والصلاة فيه مكروهة، وإذا الإنسان أحب في بيته أن يصلي بالثوب، فالثوب أكمل، وإن أحب أن يأتي إلى المسجد يوم الجمعة به فهذا أكمل، والصلاة بالثوب أكمل كما أن الثوب يحتاج إلى بنطال أيضاً، إذا جلس وأحب أن يغير جلسته فتبدو عورته كلها. 14 ـ التربع بلا عذر :
والتربع بلا عذر وهي أن يدخل ساقيه في فخذيه تشابكاً.
15 ـ رد السلام بالإشارة :
رد السلام بالإشارة هذا مكروه ولكن أحياناً يكون هناك أمراً هاماً جداً، قال: لو أن المصلي رد عن سؤال مهم في رأسه هكذا يجوز، أي خرجوا من البيت وهم على عجلة من أمرهم، وقالوا: هل معك مفتاح البيت؟ فأشار برأسه نعم قال الفقهاء: هذا جائز لحل مشكلة، ولا بأس أن يسلم الرجل المصلي كيف؟ استنبطوا من قوله تعالى:
﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾
[ سورة آل عمران:39]
طبعاً لأمر قاهر جداً، سؤال مهم، فكان الجواب، هذا الفقهاء تجاوزوا عنه، أما الرد بالإشارة فلا يجوز. 16 ـ عقص الشعر :
عقص شعره أي رفع شعره كله إلى خلف رأسه، لقول عائشة رضي الله عنها:
(( مرّ النبي صلى الله عليه و سلم برجل يصلي وهو معقوص الشعر فقال: دع شعرك يسجد معك))
[ابن أبي شيبة عن عائشة]
17 ـ الاعتجار :
ويكره الاعتجار وهو شد الرأس بالمنديل - قمطــة - فهذه مكروهة، أي تكوير عمامته وترك وسطها مكشوفاً، فالعمامة من دون طاقية عمامة كاملة.
18 ـ كف الثوب :
وكف ثوبه: أي رفع ثوبه ومسكه بيده فهذا مكروه أيضاً في الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام:
((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلا شَعْرًا ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
19 ـ إسدال الثوب :
ويكره سدله، ومعنى سدل الثوب من دون أكمام أن يضعه على كتفه وهو نوع من الكبر، وهذا أيضاً مكروه في الصلاة، فهو تكبرٌ وتهاونٌ بالعذر.
20 ـ تغطية الأنف و الفم في الصلاة :
ويكره أن يغطي الرجل أنفه وفمه في الصلاة متبسماً أيضاً هذا من مكروهات الصلاة.
21 ـ الاندراج بالثوب :
الاندراج بالثوب، فإذا كان الثوب مغلقاً من الأمام والإنسان اندرج به ويداه لم تظهرا أبداً، ومظهره صار عبارة عن أسطوانة، فهذا مكروه في الصلاة.
22 ـ أن تكون حركة اليدين داخلية لا خارجية :
وألا تكون حركة اليدين داخلية بل خارجية.
23 ـ القراءة في غير حال القيام :
والقراءة في غير حال القيام أن يقرأ: قل هو الله أحد لم يلد وأصبح راكعاً، وتابع لم يلد ولم يولد وهو راكع، فمعنى هذا أنه قرأ في غير قيام، فيجب أن يقرأ في حال القيام لا في حال الركوع.
24 ـ إطالة الركعة الأولى في التطوع :
إطالة الركعة الأولى في التطوع، صلاة التطوع الركعتان متساويتان أما في صلاة الفرض فيستحب أن يطيل الأولى عن الثانية، فإذا أطلت الثانية عن الأولى فهذا من مكروهات الصلاة.
25 ـ تكرار السورة في ركعة واحدة :
أي قرأ الإخلاص ثم أعادها مرةً ثانية فهذا مكروه.
26 ـ قراءة سورة فوق التي قرأها :
قرأ الإخلاص ثم تبت يدا أبي لهب، لا، تبت يدا أبي لهب أولاً ثم الإخلاص ثانياً.
27 ـ فصله بسورة بين سورتين قرأهما في ركعتين :
وفصله بسورة بين سورتين قرأهما في ركعتين، فإذا قرأ آيات مختارة فبحث آخر، أما إذا قرأ سورتين قصيرتين فيجب أن يقرأ السورتين متتابعتين فأن يفصل بينهما بسورة فمكروه.
28 ـ شم الطيب :
إذا كان الوقت حراً فوضع أحد له عطراً على كتفه أثناء الصلاة وشم العطر فهذا مكروه.
29 ـ ترويح الثوب :
وترويح الثوب أيضاً مكروه.
30 ـ تحويل أصابع اليدين أو الرجلين عن القبلة :
وتحويل أصابع يديه أو رجليه عن القبلة أي يجب أن تكون أصابع اليدين وأصابع الرجلين متجهتين نحو القبلة، فإذا انحازتا فهذا مكروه أيضاً في الصلاة.
31 ـ ترك وضع اليدين على الركبتين في الركوع :
ركع وترك يديه سائبتين فهذا أيضاً من مكروهات الصلاة.
32 ـ تغميض العينين :
هناك حالات نادرة فالإنسان إذا دخل إلى مسجد ضخم، وأراد أن يصلي على هذه الزخارف والثريات سينشغل عن الصلاة، فهناك حالات نادرة إذا الإنسان أغمض عينيه فمقبول، أما الأصل فأن تنظر إلى موضع سجودك، فتغميض العينين أيضاً من المكروهات قال عليه الصلاة والسلام:
((إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه))
[ الطبراني عن ابن عباس]
33 ـ رفع العينين إلى السماء :
ولا يرفع طرفه إلى السماء أثناء الصلاة. 34 ـ التمطي :
أي شدّ عضلاته كي يستريح، وتطاول في وقوفه.
35 ـ العمل الكثير :
زرزر قميصه، حل الساعة درجة، أو نقطة ماء تضايق منها فإذا أزاحها لا يوجد مانع، أما من دون مبرر فلا يوجد داعٍ.
36 ـ وضع شيء في الفم يمنع القراءة المسنونة :
أي يوجد شيء في فمه حمصة تركها، إذا قرأ تحركت فاختلت قراءته فهذا مكروه.
37 ـ السجود على كور العمامة :
طبعاً إذا جبهته لم تمس الأرض فهناك ترك لواجب، ولكن لو أن جزءاً من عمامته لامست الأرض صار هناك نوعاً من الكراهة والأفضل أن يرفعها كي تسجد جبهته بكاملها على الأرض.
38 ـ السجود على صورة :
طبعاً الفقهاء صورة مقطوعة الرأس لا بأس، صغيرة جداً لا بأس، أما صورة أمامك لإنسان كامل أو حيوان كامل وكبيرة، فهذا مكروه أن تسجد على قماش فيه مثل هذه الصورة.
39 ـ الاقتصار على الجبهة بلا عذر :
وضع يده على الأرض ورفع أنفه فهذا من مكروهات الصلاة.
40 ـ الصلاة في الطريق :
والصلاة في الطريق مكروهة.
41 ـ الصلاة في الحمام :
وفي الحمام، أحياناً تجد في المسجد مؤضئاً ومراحيض ومباول وحصيرة يصلي هنا، بل توضأ وصلِّ في المسجد أنظف وأريح وأكمل.
42 ـ الصلاة في المخرج :
الصلاة في المخرج أيضاً مكروهة.
43 ـ الصلاة في المقبرة :
والصلاة في المقبرة مكروهة.
44 ـ الصلاة في أرض الغير بلا رضاه :
الصلاة في أرض الغير بلا رضاه مكروهة أيضاً.
45 ـ الصلاة بالقرب من نجاسة و مدافعة أحد الأخبثين :
الصلاة قريباً من نجاسة، ومدافعة أحد الأخبثين، أو مدافعة الريح مكروهة.
46 ـ الصلاة في ثياب مبتذلة :
والصلاة في ثياب مبتذلة، لبس لباساً كله شحم وزيوت ويداه سود، هذا شيء منهي عنه.
يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه رأى رجلاً فعل ذلك فقال لهذا الرجل: أرأيت لو كنت أرسلتك إلى بعض الناس أكنت تمر في ثيابك هذه؟ قال: لا، فقال عمر: الله تعالى أحق أن تتزين له.
لكن إنساناً سألني ومعه حق عمله حداد مثلاً يلبس ثياب العمل، وهو لوحده يصلي لا يوجد مانع، أما أن يأتي بهذه الثياب إلى مسجد ففي هذا أذى للمؤمنين، أما أن نقول له: كل وقت صلاة ادخل واغتسل بماء ساخن، وأنه عملك، والبس ثياباً نظيفة، ثم عد إلى العمل، صار مشقة، وفوق طاقته، لا أعتقد أنه يوجد تكليف إلى هذه الدرجة، لكن بعد أن ينهي عمله إذا اغتسل ولبس ثياباً نظيفة وصلى بها أكمل.
47 ـ الصــلاة والرأس مكشوف :
الصــلاة والرأس مكشوف أيضاً مكروهة، أي إذا وضع على رأسه طاقية.
48 ـ الصلاة بحضرة طعام تميل النفس إليه :
يوجد طعام يحبه ونادراً ما يصنعونه، وأذن العشاء، والطعام موضوع لا يعرف أن يصلي دعه يأكل أولاً.
49 ـ ما يشغل البال :
جاءت رسالة افتحها وصلِّ، اشتريت آلة افتحها شغلها ثم صلِّ، أحياناً يوجد أشياء تشغل البال، جاءت مكالمة هاتفية يا ترى ماذا قالوا؟ افهم ثم صلِّ، هل أحد مات؟ ما الذي حدث؟ كل ما يشغل البال يخل بالصلاة.
50 ـ عد الآيات والتسبيح باليد :
بعض التسابيح تحتاج إلى عد إحدى عشرة مرة، يوجد أشخاص يقولون: سبحان الله والحمد لله يعدهم بأصابعه، عد الآيات في الصلاة مكروه.
51 ـ قيام الإمام في المحراب :
يجب أن يقف خارج المحراب، المحراب للسجود فقط أما أن يدخل الإمام كله في المحراب فهذا أيضاً مكروه.
52 ـ القيــام خلف صف فيه فرجة :
تصلي في صف ثانٍ وفي الأول يوجد فرجة، يجب أن تتقصى أن أول صف ملئ.
53 ـ لبس ثوب فيه تصاوير :
يوجد أثواب صينية عليها طاووس.
54 ـ أن يكون فوق الرأس أو خلفه أو بين اليدين أو بحذائه صورة :
أن يكون فوق الرأس أو خلفه أو بين اليدين أو بحذائه صورةٌ إلا أن تكون صغيرةً أو مقطوعة الرأس أو لغير ذي روح.
55 ـ أن يكون بين يدي تنور :
الآن يفعلونها يضع بين يديه مدفأة هذه مظنة أن تعبد النار، أنت لا يجوز أن تضع أمامك مدفأة متوهجة وتصلي، فالنبي الكريم نهى عن الصلاة بين يدي تنور، أو كانون فيه جمر.
56 ـ الصلاة بين يدي قوم نيام :
أو أن تصلي بين يدي قوم نيام لا يجوز، هذا النائم مثل الميت يمكن أن تنكشف عورته أثناء النوم، فإذا كانت ابنته نائمة في غرفة الجلوس يجب ألا يصلي خلفها فقد تنكشف البنت، النائم لا يجوز أن يكون أمامك وأنت في الصلاة يمكن أن يخرج منه صوت، ريح، تنكشف عورته، يتكلم شيئاً يضحك أحياناً، هذا كله منهي عنه، لا تصلِّ وأمامك قوم نيام لا إناث ولا ذكور ولو من محارمك.
57 ـ مسح الجبهة من التراب :
ومكروه مسح الجبهة من التراب.
58 ـ تعيين سورة لا يقرأ غيرها :
تعيين سورة لا يقرأ غيرها إلا في حالتين؛ إذا كان لا يحفظ غيرها، أو النبي الكريم كان يقرأ في الجمعة السجدة "وهل أتى على الإنسان"، يقرأ الجمعة "سبح اسم ربك الأعلى"، إذا قرأ سورة بالذات اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فمقبول، أما أن تقرأ سورة وأنت تحفظ أكثر القرآن فهذا مكروه في الصلاة.
59 ـ عدم اتخاذ سترةٍ في محل يظن المرور فيه :
إذا توقف في محل يظن أنه ممكن أن يمر أحد أمامه فلابد من سترة يضعها أمامه.
هذه مكروهات الصلاة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلها علماً نافعاً نقتدي بها في صلواتنا المفروضة وغير المفروضة.
* * *
الأذكار و الدعوات :
والآن إلى فصل من فصول إحياء علوم الدين عنوانه: "الأذكار والدعوات" قال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
وقال ثابت البناني رحمه الله: "إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ففزعوا منه، وقالوا: وكيف تعلم ذلك؟ قال: إذا ذكرته يذكرني". وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
من عرفات، واذكروه كما هداكم، والفصل ما من عبادة قولية بعد تلاوة كتاب الله أفضل من ذكر الله، فالعبادة الأولى بعد القرآن الكريم أن تذكر الله، لكن كلمة ذكر الله واسعة جداً إذا دعوت إلى الله فأنت ذاكر، إذا وضحت لأخيك المؤمن آية كونية فأنت ذاكر، حدثته عن المجرات هذا ذكر لله، وإذا حدثته عن العين، وعن المعدة، وعن الشعر، و عن الكبد، إذا حدثته عن حيوان نأكله من نعمة الله علينا، وإذا حدثته عن ظاهرة في النبات، و في الحيوان، والبحار، و اليوم قلت لرجل: نهر الأمازون كثافته في الثانية ثلاثمئة ألف متر مكعب، هو ماذا قال لي؟ يوجد دراسات حديثة جداً وجدوا أن نبع الفيجة- وأنا كنت أظن أن هذا النبع حوضه الجيولوجي يمتد من عين الفيجة إلى قارة، ومن طريق دمشق حمص إلى منتصف لبنان، هذا هو الحوض الجيولوجي لنبع الفيجة- يتصل بممرات تحت الأرض تصل إلى حدود إيران والاتحاد السوفيتي سابقاً، ولو أن هذا الحوض كما كنت أظنه سابقاً من دمشق إلى قارة ومن طريق دمشق حمص إلى نصف لبنان لجف من سنوات، هناك طرقات تحت الماء لا يعرفها إلا الله، وكشف بمصر الآن نهر يفوق نهر النيل كثافةً وطولاً تحت الأرض على يسار نهر النيل هذه العام الماضي، في بعض أماكن في الحجاز حفروا متراً واحداً فخرج الماء الكثيف في القصيم، فقلت له: هذا عطاؤنا هكذا قال تعالى، فقلت له: نهر الأمازون كثافته ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية، هذا الماء العذب يمشي في البحر مئة وثمانية وخمسين كيلو متراً ولا يختلط بمياه البحر هذا من ذكر الله، إذا قلت لإنسان: إن في العين يوجد مئة وثلاثين ألف عصية، والعصب البصري فيه أربعمئة ألف عصب، وبرأس الإنسان يوجد ربع مليون شعرة ولكل شعرة وريد وشريان وعصب حسي وعضلة محركة وغدة دهنية وغدة صبغية، شيء لا يعقل هذا من ذكر الله.
وإذا بينت حكماً فقهياً هذا من ذكر الله، وبينت إذا الإنسان أكل في الطريق تجرح عدالته فهذا ذكر لله عز وجل، وإذا مشى حافياً، وإذا أكل لقمة من حرام، وإذا تنزه في الطرقات، إذا صحب الأراذل، وإذا كان حديثه عن النساء، و إذا علا صياحه في البيت، وإذا طفف بتمرة، إذا أطلق لفرسه العنان، و إذا قاد برزوناً، وإذا بال في الطريق، وإذا كانت هيئته رثة، وإذا لعب الشطرنج تجرح عدالته وهذا أيضاً من ذكر الله، وكل شيء يمت إلى القرآن وإلى الله عز وجل بصلة من ذكر لآياته الكونية، ومن ذكر لكتابه الكريم، و لأحاديث رسول الله، لبيان حكم فقهي، لآية دقيقة، كله من ذكر الله لذلك قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
الأمر في كتاب الله يقتضي الوجوب :
﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة البقرة: 198 ]
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[ سورة آل عمران: 191 ]
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
[ سورة النساء : 103 ]
هذه كلها أوامر، والأمر في كتاب الله يقتضي الوجوب، والعامة توهموا أن الأوامر صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، لا يا أخي، أية آية في كتاب الله صيغت صياغة أمر فهي أمر إلهي يقتضي الوجوب، قال لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي في الليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، وفي الغنى والفقر، وفي المرض والصحة، وفي السر والعلانية. صفات المؤمنين و المنافقين :
وذم الله تعالى المنافقين فقال:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 142]
ومن صفات المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، ومن صفات المؤمنين أنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وقال عز وجل: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 205]
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 45]
الإكثار من ذكر الله أعظم عمل في الأرض :
و أعظم عمل في الأرض أن تكثر من ذكر الله، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[ورد في الأثر]
فعندنا قواعد مادام قد أدى زكاة ماله فلا يسمى بخيلاً، ما دام قد حمل حاجته بيده فلا يسمى متكبراً، مادام ذكر الله كثيراً فلا يسمى غافلاً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "له وجهان أحدهما أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكركم إياه هذا معنى، والمعنى الآخر أن ذكر الله أعظم من كل عبادة سواه، وأعظم عبادة أن تذكر الله سبحانه وتعالى لنفسك وللناس لأنك إذا ذكرت الله للناس وأحييت واحداً فكأنك أحييت الناس جميعاً"، والآن إنسان يؤمن ويستقيم ويتوب تجد أن زوجته لحقت به وأولاده، وجيرانه، وأصحابه، وأقرباءه، وأخته، وصهره، كان واحداً فأصبح خمسة عشر، قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 32]
وسيدنا النبي صلى الله عليه قال: ((ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم))
[ أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
العمل الطيب ينهى الإنسان عن أعمال كثيرة لا ترضي الله عز وجل :
الإنسان المؤمن جلس في مجلس، وسمع حديثاً يجده حديث أموات، وكله شرك بالله، وكله حسد، وهذا الحديث كله باطل، والموضوع سخيف دنيء، قذر، ومزاح منحط، وهو عندئذٍ يشعر بطهارته، وبسمو نفسه، كشجرة خضراء نضرة وسط هشيم محترق.
(( وذاكر الله في الغافلين كالمقاتل بين الفارين))
[ شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر]
((أنا مع عبدي ما ذكرني))
[ تفسير ابن كثير عن أبي هريرة]
هنا ما مصدرية ظرفية أي أنا مع عبدي مدة ذكره لي، وتحركت شفتاه بي، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل -هذا اللسان صباحاً ومساءً وظهراً في البيت والعمل، وفي الراحة، و النزهة، يجب أن يكون رطباً بذكر الله- قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله))
[ مالك عن معاذ بن جبل]
(( من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل))
[ الطبراني عن معاذ بن جبل]
((سئل رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل))
[ الطبراني عن الحسن]
((من أصبح وأمسى ولسانه رطب من ذكر الله يمسي ويصبح وليس عليه خطيئة))
[أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث أنس]
هذه لها معنى، أقول الله الله واعمل خطيئة تذهب، لا، إذا ذكرت الله لا تفعل خطيئة بعدها لأنك دخلت في حصن، وإذا ذكرت الله خشيته، وإذا ذكرت الله أحببت طاعته، وتمنيت قربه، وإذا ذكرت الله تباعدت عن المعاصي، و إذا ذكرت الله فليس عليك خطيئة، فإذا الإنسان ذكر الله وفعل خطيئة لا تؤثر، لا، إذا ذكر الله لا يفعل خطيئة، ويوجد أحاديث دقيقة سيدنا رسول الله يقول - لما سيدنا عثمان رضي الله عنه جهز جيش العسرة وحده، هناك إنسان عمل حساباً دقيقاً عن عملة اليوم حوالي ستة ملايين ليرة دفع وحده – "اللهم إني راض عن عثمان فارض عنه"، وقال أيضاً: "ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم"، يوجد أناس أفقهم ضيق أن سيدنا عثمان بعد هذا اليوم لو فعل المعاصي فإنها لن تضره، لا، ليس هذا هو المعنى، بعدما فعل هذا العمل العظيم، وأقبل على الله ذلك الإقبال الكبير، واصطبغت نفسه بكمال الله عز وجل، لم يفعل شيئاً بعد اليوم، جرب اعمل عملاً طيباً فهذا العمل الطيب نهاك عن أعمال كثيرة لا ترضي الله عز وجل: ((لَذِكْرُ اللهِ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوف فِي سَبيل اللهِ ، ومِنْ إعْطَاءِ المَال سحا))
[ابن شاهين في الترغيب عن ابن عمرو ]
و: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أخلاق الله عز وجل :
أنت تكلم عن الله عز وجل وتجاهل نفسك من أنت؟ كلما عرفت الله عز وجل تضاءلت نفسك، وكلما تعرفت إلى الله شعرت بصغرك، و النبي الكريم كان يقول: "اللهم أرني بعين نفسي صغيراً" الأنا كما يسميها علماء النفس عند الكافر متضخمة تضخماً سرطانياً، الأنا عند المؤمن متضائلة، ذاب في معرفة الله، فلذلك الإنسان إذا ذكر الله عز وجل في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، إذا ذكرني بين عشرة من الطبقة الوسطى في المجتمع أنا أذكره بين مئة من الطبقة العليا من المجتمع، وإذا ذكرني بين أناس لا شأن لهم أذكره بين أناس لهم شأن، وإذا ذكرني بين المؤمنين ذكرته عند النبي صلى الله عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترفع له أعمالنا، والله عز وجل يبلغه إياها.
((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أخلاق الله عز وجل، وقال عليه الصلاة والسلام: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً :
والله الذي لا إله إلا هو لأن تسقط من عينيك مثل رأس ذبابة من دمع خير لك من الدنيا وما فيها، لوحدك في البيت فتحت المصحف وقرأت، ونزلت دمعة على خدك، فهذه الدمعة خير لك من الدنيا وما فيها، وهي تعني أشياء كثيرة، تعني أنك تحب الله، وتعني أنك تخافه، و ترجو رحمته وتخشى عذابه، وأنك مؤمن.
((ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه]
خير اسم تفضيل هي أخير لكثرة استعمالها عدلوا عنها إلى خير، كلمة خير تعني أخير، وكلمة شر تعني أشر. هذا الحديث لو ذكرته آلاف المرات لا أرتوي منه: ((يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِه))
[الدارمي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
التفت إلى الله بكليتك، البيت سوف يتأمن و الله كريم، والزوجة صالحة سوف تتأمن، والعمل المريح سوف يتأمن، والدخل الكافي سوف يتأمن، فمن جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، أنت تلتفت إليه فهل يجعلك قلقاً على الدنيا؟ أيكون هذا؟
"أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمكِ فاستخدميه وأما من خدمني فاخدميه"، تلتفت إلى الله عز وجل، وتحضر مجلس علم، وتقرأ كل يوم جزءاً، وتصلي في المسجد الصبح حاضراً، وتسعى إلى الخير، وتدعو إلى الله، وتنفق من مالك، وتبقى في الدنيا وراء الناس؟ حاشا لله أن يجعلك قلقاً على الدنيا.
"كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك فيما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، وإن لم ترضَ بما قسمته لك لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، اطلبني تجدني فإذا وجدتني تجد كل شيء، وإذا فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء". ابن آدم أطع ربك تكون عاقلاً، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً: ((... مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِه))
[الدارمي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
بعض الآثار المتعلقة بالذكر :
وأما الآثار المتعلقة بالذكر فقول الفضيل: "بلغنا أن الله عز وجل قال: عبدي لا تعجز عن ركعتين قبل الفجر أكفك النهار كله".
فإذا افتتحت نهارك بركعتين ذكرت الله فيهما أكفك النهار كله، وقال بعض العلماء "إن الله عز وجل يقول: أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري إلا توليت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وآنسه"، وقال سيدنا الحسن: " الذكر ذكران، ذكر الله بين نفسك وبين الله، ما أعظمه أعظم أجره! وأفضل من ذلك من ذكر الله عندما حرم الله تعالى ".
فإذا واجهتك معصية قلت: إني أخاف الله رب العالمين، وإن كنت جالساً مع أناس فخاضوا في غيبة فذكرت الله فسكتوا، أو قمت من مجلسك، فشاهدت أناس ضالين مضلين فابتعدت عنهم، فأعظم أنواع الذكر أن تذكره عند المعصية، حتى إن جنيداً رضي الله عنه سئل من هو الولي؟ أهو الذي يطير في السماء؟ قال: لا ذلك الطير، قالوا: أهو الذي يمشي على وجه الماء؟ قال: لا، الولي الذي تجده عند الحلال والحرام.
والآن تبين معنا أن أعظم أنواع الذكر أن تذكر الله عز وجل أمام معصية وتقول: إني أخاف الله رب العالمين، وسيدنا يوسف هكذا فعل هم بدفعها، وذكر الله عز وجل وقال إني أخاف الله، فجعله الله عزيز مصر، و رفعه الله في الدنيا والآخرة.
ويروى أن كل نفس تخرج من الدنيا عطشى إلا ذاكر الله سبحانه وتعالى، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا شيئاً واحداً- هو في الجنة جالس في مقام عظيم في مقعد صدق، وفي قصور، وعلى ضفاف الأنهار أمام الحوريات - إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها، هذا ما سيكون فاتعظوا بما يكون قبل أن يأتي ما سيكون".

السعيد 09-10-2018 08:42 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : فيما لا يكرة للمصلى - فضل مجالس الذكر






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما لا يكره للمصلي فعله :
1 ـ شد وسطه بحزام له أهداف عادية :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى ما لا يكره للمصلي فعله، أي هناك أشياء إذا فعلها المصلي لا كراهة فيها مثلاً لا يكره له شد وسطه بحزام له أهداف عادية، إن كان الإنسان في الحج وفي هذا الحزام يضع ماله، وهناك حزام صحي يقي البطن من البرد أحياناً، وهناك نوع من اللباس يتممه الحزام، فالمصلي لا يكره له شد حزام على وسطه.
2 ـ التقلد بسيف :
ولا تقلد بسيف، يتقلد سيفاً ليس مكروهاً ونحوه.
3 ـ التوجه لمصحف :
ولا توجه لمصحف فلو أن أمامه مصحفاً وصلى وراء المصحف لا شيء عليه.
4 ـ الصلاة أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث :
أو سيف معلق في حائط، أما إذا صلى أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث - أنت صليت في المسجد وأمامك إنسان قاعد ولكن لك ظهره ومادام ظهره لك فهو ستر لك - أو ظهر قاعد يتحدث.
5 ـ الصلاة أمام شمع أو سراج :
شمعة تشتعل أمامك لا شيء عليك، أو سراج.
6 ـ السجود على بساط فيه تصاوير يداس عليها :
السجود على بساط فيه تصاوير، و هذه الصور التي على البساط في العادة أنه يداس عليها إذاً هي ممتهنة لا شيء عليك.
7 ـ قتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة :
وقتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة.
8 ـ نفض الثوب كي لا يلتصق بالجسد أثناء الركوع :
ولا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع، فالإنسان إذا لبس ثوباً وكان رقيقاً، و رفع والتصق بظهره، وصار منظره مزعجاً جداً، وهذا الثوب وصف عورته بالكامل، فيجب على الإنسان أن يهتم ينفض ثوبه إذا وقف من الركوع، فلا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع.
9 ـ مسح جبهته من التراب :
إذا صلى على التراب وعلق تراب على جبهته ومسح جبهته فلا شيء عليه، طبعاً إذا كان ببقاء التراب يوجد انزعاج وتشويش.
10 ـ النظر بمؤق العين من غير تحويل الوجه :
ولا بالنظر بمؤق عينه، أي مؤق العين انحرف قليلاً، كأن يكون ابنه على اليمين ويوجد مدفأة فنظر هكذا لا شيء عليه من غير تحويل الوجه.
11 ـ الصلاة على الفرش والبسط والأفضل الصلاة على الأرض :
ولا بأس بالصلاة على الفرش والبسط واللبود، والأفضل الصلاة على الأرض أو ما تنبته، ولكن يجب أن يكون الفراش أو البساط أو اللبد بثخانةٍ معقولة بحيث تحس من خلالها بقساوة الأرض، أما إذا كانت سميكةً ووضعت يدك فيها فغارت فهذه لا يجوز أن تصلي عليها، لكن إسفنجاً سماكته تقدر باثنين سنتمتر - أحياناً في الصيف لا يوجد سجاد في البيت حتى بالركوع والسجود لا يشعر بقسوة الأرض- لا يوجد مانع، إن الله غني عن تعذيبنا.
12 ـ تكرار السورة في الركعتين في النفل :
ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين في النفل، كررتها أو قرأتها في كل ركعة هي نفسها في صلاة النفل لا شيء عليك، هذه التي إذا فعلها المصلي فالأغلب أن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه على شيء.
ما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها :
1 ـ استغاثة ملهوف بالمصلي :
والآن يوجد موضوع دقيق جداً فيما يوجب قطع الصلاة، هناك أناس جاهلون، لي قريب و زوجته تعسرت بالولادة فأخذها إلى المستشفى وليس في المستشفى طبيبة، فاتصلوا بالطبيبة هاتفياً وأخبروها أن الحالة خطيرةٌ جداً، فقالت: سوف أتوضأ وأصلي وآتيكم فوراً، هذه الطبيبة ليست فقيهة ينبغي أن تترك الصلاة وتصلي بعد الولادة ولو فاتها العصر، والآن فصل فيما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها، قال: يجب وليس يجوز يوجد فرق بين يجب ويجوز، يجب قطع الصلاة باستغاثة ملهوف بالمصلي، إنسان وقع في خطر وأصبح على وشك الهلاك فاستغاث بالمصلي والمصلي في خشوع، أي خشوع هذا ولم خلقت أنت في الحياة؟ من أجل العمل الطيب، فالشرع يأمرك أن تقطع الصلاة ولو كنت في الفرض.
قال: الاستغاثة استغاثة ملهوف بالمصلي، مثلاً لو تعلق به ظالم وهذا المصلي بإمكانه أن يخلصه من هذا الظالم طبعاً يجب أن يقطع صلاته، أو وقع في ماء وكان على وشك الغرق تصلي على كتف نهر ورجل وقع في النهر واستغاث بك، تقطع الصلاة فوراً، أو طال عليه حيوان، إذا كان هناك طفلاً في حديقة وهجم عليه حيوان عقور ففزع وأنت تصلي تقطع الصلاة وتنقذ الطفل.
والآن النقطة الدقيقة إذا استغاث هذا المستغيث بالمصلي أو أنه استغاث بغير المصلي وسمعه المصلي فينبغي له أن يقطع صلاته تحرزاً من أن يكون هذا المستغاث لم يسمع، وهذه نقطة إضافية في الموضوع.

قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة :
لكن المصلي لا ينبغي له أن يقطع صلاته إذا ناداه أحد أبويه، هنا يوجد موضوع دقيق سوف أفصله لكم.
ولا يجب قطع الصلاة بنداء أحد الأبوين من غير استغاثة، الأم جالسة في غرفة ثانية وأنت تتم صلاتك يا سعيد وأنت في الفرض لا يجب أن تقطع الصلاة لنداء أحد الأبوين لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.
قال الطحاوي: هذا في الفرض وإن كان في نافلة فيوجد حكم آخر إذا كنت تصلي الفرض وناداك أحد والديك فلا ينبغي لك أن تقطع الصلاة، لكن إذا كنت في نافلة فإن علم أحد أبويك أنك في صلاة وناداك لا بأس بألا تجيبه إذا كنت في الصلاة وهو يعلم أنك في الصلاة وناداك وأنت في الصلاة لا ينبغي لك أن تجيبه، وإذا كنت في نافلة وأنت تصلي النافلة ولا يعلم أبوك أنك في صلاة وناداك أجاز الفقهاء أن تقطع الصلاة لتجيب والديك، فكم للأب من حق كبير على الابن.

2 ـ يجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً :
ويجوز قطعها ولو كانت فرضاً لسرقةٍ، تصلي في المحل بزاوية لا أحد يشاهدك، مرّ شخص وأخذ حاجة وإن كنت في الفرض لك أن تقطع الصلاة لتمنع هذا السارق، الحقيقة هنا الموضوع دقيق قد يقول قائل: ليس له قيمة، الحقيقة ليس الموضوع أن هذا الشيء الذي سرق له قيمة أو عدم قيمة، إلا أن المال الذي يسرق إن كان في موضع غير حرزٍ يأثم صاحب المال إذا سرق لأنه سبب لإنسان أن يقع في جريمة السرقة، وأحياناً الإنسان يتوهم أنه ما عمل شيئاً وضع ماله في مكان، في مصنع، فالذي يُسرق يحاسب على أنه ساعد السارق على السرقة، فصاحب المال آثم، صاحب المال إذا وضعه في مكان غير أمين وسرق هذا المال فهو آثم، لأنه سبب حدوث هذه الجريمة، أحياناً يكون هناك باعة لا يوجد عندهم أمانة، فالشخص إذا لم يدقق فهو آثم أيضاً لأنه سبب أن البائع يأكل مالاً حراماً.
ويجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً، ليس الموضوع موضوع درهم بل موضوع لا ينبغي للإنسان أن يكون سبباً في ارتكاب جريمة السرقة ولو كان درهماً لأنه مال، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرَةِ أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ ))
[ أحمد عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِق عَنْ أَبِيهِ ]
3 ـ المرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف :
والآن درجة أدنى لو أن قدراً على النار فيه حليب وشعر المصلي أو شعرت المصلية برائحة والقدر فيه ثمانية كيلو وعندهم مساءً سهرة، الحليب فار، يجوز أن تقطع صلاتها من أجل إنقاذ هذا المال، لو أنها قالت لزوجها: الحليب فار أحضر غيره، زوجها قد لا يتحمل هذا الكلام، كنت أصلي، يجوز أن يقول: كلمة قاسية، فالمرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف، أو خافت على ولدها وولدها في غرفة فيها سكين، أو مدفأة، أو مروحة وضع يده عليها، والأم إذا قطعت صلاتها لا شيء عليها.
4 ـ يجوز قطع الصلاة لمنع سرقة :
هناك حالة ثانية وهي من مستوى حفظ المال، أنت في محل تجاري تصلي يوجد محل مقابلك وليس محلك، جاء شخص وهم بسرقة شيء من هذا المحل، يجب أن تقطع صلاتك لمنع هذه السرقة، وهذا حكم الشرع.
5 ـ يجوز قطع الصلاة خشية ذئب ونحوه :
يجوز قطعها خشية ذئب ونحوه، إنسان يصلي في البرية فلاح له شبح ذئب، أو كلب، فالصلاة انتهت، ما معنى انتهت؟ تشوش لم يبقَ وجهة خفت، أفعى، أو ذئب، أو عدو، فإذا حصل قلق وخوف لك أن تقطع الصلاة.
أو راعي خشي ذئباً على غنمه، لا على نفسه بل على غنمه من باب حفظ المال.

6 ـ يجب قطع الصلاة لإنقاذ أعمى من خطر ما :
أو أنت تصلي فأعمى أمامه حفرة وليس منتبهاً فطبعاً من البديهي أن تقطع الصلاة لإنقاذ هذا الأعمى، أو يمشي على سطح وغير منتبه، أو على درج ولا يوجد سور فالبناء أول إنشائه يجب أن تقطع الصلاة.
7 ـ القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها :

الآن القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها، قالت لها: أنا سوف أصلي العصر، الطلق تابع في أثناء الصلاة والمرأة لا يوجد عندها أحد، وكاد الجنين أن يخرج منها، فالقابلة عليها أن تقطع الصلاة، والأصح من ذلك ألا تصلي وأن تؤخر الصلاة إلى ما بعد الولادة. 8 ـ المسافر إذا أصابه الخوف :
والآن المسافر إذا أصابه الخوف يجوز له تأخير الصلاة والوقتية، يمشي في فلاة فيها قلق وهو خائف، وكذلك المقاتلون في أثناء الحرب في الجبهة خائفون من كمين، من لغم، أو من استطلاع العدو فيجوز لهم تأخير الوقتية.
9 ـ تأخير قضاء الفوائت لعذر :
ويجوز تأخير قضاء الفوائت لعذر، ويجب أن يصلى فور التذكر فإذا كان في أمر قاهر يجوز له تأخير قضاء الفائتة.
أما تارك الصلاة عمداً، كسلاً، فيضرب ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم، ويحبس، وكذلك تارك الصوم أيضاً كسلاً، أما إذا ترك الصوم أو الصلاة استخفافاً وإنكاراً وجحوداً فهذا هو الكفر إن لم يسبقه إيمان، وهذا هو الارتداد إن سبقه إيمان، انظروا دقة الشرع في قطع الصلاة، الشرع الإسلامي يسع الحالات كلها، فالإنسان إذا اتصل بالله عز وجل صار على مستوى عال جداً من السمو النفسي، صار إنساناً إنسانياً، ولذلك فالعبادات في خدمة إنسانيته، في خدمة سموه، في خدمة أهدافه النبيلة.
* * *

للذكر معنى واسع جداً :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، وصلنا في الدرس الماضي إلى فضيلة الذكر، وبينت لكم كيف أن الذكر له معنى واسع جداً، فتفسير آية ذكر، وتفسير حديث ذكر، وتلاوة القرآن ذكر، وأمر بالمعروف ذكر، ونهي عن المنكر ذكر، وتوضيح آية كونية تظهر تعظيماً لله عز وجل ذكر، وأي حديث هدفه تقريب الناس إلى الله عز وجل ذكر، وقد قال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 43]
فضيلة مجالس الذكر :
اليوم درسنا فضيلة مجالس الذكر، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
[ ابن ماجة عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ]
نصيحة كريمة من النبي عليه الصلاة والسلام، في بيتك، مع أهلك، مع أصحابك، مع جيرانك، إذا كان هناك سهرة أسبوعية، وليمة، نزهة في السوق، وأنت في سيارة عامة إلى جانبك إنسان وجدت فيه الصلاح والحياء حدثه عن الله عز وجل، و اجعل الذكر هدفك الأول، لأن أي حديث آخر يسبب انقباضاً للناس، أما ذكر الله فيسبب راحةً، وقول الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد: 28]
إن القلوب لتصدأ، فالإنسان في عمله التجاري حسابات، وصفقات، ومراسلات، وبضاعة لم تبع، وبضاعة بيعت، حديث ليس له نهاية يقول لك: والله صدأ قلبي، كلام صحيح لأن الدنيا طريق مسدود، في النهاية يوجد كسب للمال، وفي النهاية يوجد إنفاق للمال، تأكل وتشرب، أما إذا ذكرت الله عز وجل: ((إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الله))
[ابن عدي عن ابن عمر]
((مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلا وَجْهَهُ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت :
إنسان يذهب إلى سهرة، يذهب إلى مكان، لكن إذا جاء إلى مسجد ماذا يبتغي من ذلك؟ لا يوجد كرسي مريح تجلس عليه، ولا يوجد ضيافة نفيسة تقدم لك، لا يوجد إلا ذكر الله عز وجل، فعلاقة مادية لا يوجد، بيع شراء لا يوجد، أنت تأتي إلى هنا لا ترجو إلا رضا الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يتكلم لا يرجو إلا رضا الله عز وجل ولذلك قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
سهرنا سهرة وذلك حتى الساعة الواحدة، وتكلمنا بأسعار العملات، وإلى أين ينتهي هذا الارتفاع، سهرنا سهرة تحدثنا عن البيوت، وأيهما أصح نركب الشوفاج مخفياً أو ظاهراً؟ صار نقاش حاد قالوا: أن الظاهر يدفئ أكثر وتصليحه أسهل، وأناس قالوا: المخفي أفضل وأجمل، وهذا الموضوع حتى الساعة الواحدة مساءً، ماذا استفدنا من هذه الموضوعات؟ موضوعات كثيرة جداً وقد تكون استفادة الإنسان منها محدودة جداً، ولذلك يوجد حديث آخر: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
جربوا جلسة فيها ذكر لله عز وجل، وجلسة فيها ذكر للدنيا، طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت ولو أنها مفتحة على مصارعها فإنها تنتهي بالموت، ومهما علا الإنسان لابد من ساعة يفقد كل ما كسبه من الدنيا، في لحظة واحدة. الابتعاد عن مجالس الغافلين و التمسك بمجالس الذاكرين :
هناك نص عثرت عليه وهذا النص منسوب إلى سيدنا داود فيما ترويه الكتب قال: "إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي" - وكل إنسان له مجالس للذكر جالس عند بيت خالته، جهلة، يوجد اختلاط، وحديث عن الدنيا، وهم من أهل الترف والدنيا، وحديثهم عن الدنيا، والطعام، والنزهات، وعن فلان وعلان - فإذا الإنسان ذهب إلى هذا المجلس فهذا مجلس غفلة، ويخرج منه بانقباض، ويخرج منه بأنه أنت فوق هذا المستوى صغرت، أحياناً الإنسان يدخل إلى مجلس فيكبر وأحياناً يصغر، إذا كان مؤمناً ودخل إلى مسجد غافلين يصغر، يقيّمونه من دخله فقط، وإذا كان موظفاً، يقولون له: ما معاشك؟ يقول: ألفان، فيقال له: ألفان فقط لا يكفيان يومين، ما هذه الوظيفة؟ هذا هو الغافل يُقَيم الناس من المال فقط، فإذا الله عز وجل بارك بالألفين أفضل من مليونين، إذا كانت الصحة طيبة، و هناك اقتصاد، وتفاهم زوجي، وأولاد أبرار، ونظافة، وترتيب، فهذان الألفان أفضل من مليونين مع شقاق، مليونان مع مرض عضال، ومع زوجة شرق والزوج غرب، و مع معصية، لا يكفيان شيئاً، فإذا الإنسان دخل إلى الغافلين يصغر، وإذا جلس مع الذاكرين يكبر، ويشعر أنه استفاد، وانتعش قلبه، والنبي صلى الله عليه كان يقول: ((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
الغني المؤمن قوة للمسلمين :
طبعاً إذا كان النبي الكريم ذكر الأغنياء فالمقصود بهم غير المؤمنين، لأن الغني المؤمن يشهيك الغنى، تواضع على سخاء، وعلى اعتدال، و قوة للمؤمن، و الغني المؤمن قوة للمسلمين، وتحتاج أحياناً مساعدة للإنسان يقول لك: تفضل هذه خمسة آلاف، والله هنيئاً لهذا الغني، وإنسان يريد بيتاً يساعده، وإنسان آخر يريد ديناً فيدينه، فالغني المؤمن على العين والرأس، والحديث عن الغني غير المؤمن مجلسه مجلس ظلمة.
قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط"، فعنده بيت مستور، وعنده سجادة وطنية، وثريا صغيرة، فيدخل إلى بيت فينظر أنه ليس عنده شيء أبداً، و الذي عنده لا يذكر، عنده براد ثمنه ألف ليرة فوجد براداً ثمنه يقدر بثلاثة وعشرين ألف ليرة.
"إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي فإنها نعمة تنعم بها علي"، والإنسان يدع وجهته إلى الله عز وجل، و سهراته تكون كلها لله، و إذا كان أقرباؤه من أهل الغفلة لا يزورهم، ليس هذا قطيعة رحم، لا هذا وصله يقطع الصلة بالله عز وجل، من أين يأتيه ألم الرأس؟ من أقربائه.

المؤمن يعظم المؤمن أما الفاسق فيستصغر المؤمن :
إذا وجدك الإنسان صغيراً لا تصاحبه، صاحب إنساناً يراك كبيراً في نظره، فالمؤمن يعظم المؤمن، أما الفاسق فيستصغر المؤمن فلا تصاحبه، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن أهل السماء ليتراءون بيوت أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم))
[ الزهد لابن المبارك عن أبي هريرة]
لو فرضنا إنساناً ركب طائرة وحلق فوق مدينة فماذا يرى؟ هنا ساحة عامة صفراء اللون، وهنا طريق أبيض أوتوستراد، و أثناء الأعياد كل الأبنية الحكومية مزينة، والملائكة إذا نظروا إلى بلدةٍ ليلاً تتراءى بيوت الذكر فيها كما تتراءى النجوم في السماء، بالعكس لو أن الملائكة اطلعوا على بلدة لا يرون تألق الكهرباء بل يرون تألق مجالس الذكر، وأحياناً يضعون على الخارطة بعض المصابيح الكهربائية فتتألق، فلو أن دمشق مثلاً رأتها الملائكة يرون فيها المساجد التي يذكر فيها اسم الله عز وجل متألقة، هذا الحديث لطيف.
وقال سفيان بن عيينة: "إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان الدنيا - ليس له عمل- فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ تقول الدنيا له: دعهم فإنهم إذا تفرقوا أخذت بأعناقهم إليك، وإذا تفرقوا يرجعون إليك عن طريقي أي عن طريق الدنيا"، و هو حوار رمزي بين الدنيا والشيطان.
" عن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى أنه دخل السوق مرةً وقال لمن في السوق: أراكم هاهنا وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد وأنتم هنا؟ فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق ولم يروا ميراثاً، فقالوا: يا أبا هريرة لم نرَ ميراثاً يقسم في المسجد، فقال: ماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً يذكرون الله عز وجل ويقرؤون القرآن فقال: ذلك ميراث رسول الله "، فالإنسان إذا كانت له مصلحة، محل تجاري، وصار وقت الدرس فهذا الوقت ليس له وليس وقت بيع وشراء، هذا وقت لله عز وجل، فإذا آثر ما يبقى على ما يفنى فالله عز وجل يبارك له في عمله، ويأتيه الناس أفواجاً بعد الدرس وقبل الدرس.
((فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ شَكَّ يَعْنِي الأعْمَشَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلاً عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي، فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا فَيَقُولُ فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ فَيَقُولُونَ يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لا، فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا قَالَ فَيَقُولُ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ فَيَقُولُونَ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ وَهـَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا، قَالَ: فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا قَالَ فَيَقُولُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ فَيَقُولُونَ فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ نَحْوَهُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
البقاء في الدنيا محدود أما الآخرة فغير محدودة :
ملخص الحديث أن الإنسان عنده فكرة عن الجنة، وفكرة عن النار، ولكن أؤكد لكم هذه الفكرة لا تعادل واحداً من مليون من الحقيقة، ولا واحداً من مئة مليون، ولا من ألف مليون، ولا ألف مليار، لو أن الإنسان أتيح له جدلاً أن يعرف الجنة على حقيقتها فاستحيا أن يشرب كأس ماء فلا يجد وقتاً لأكل الطعام، ولا للنوم، ولو عرف النار على حقيقتها وكيف العذاب الأبدي فيها لخشي أن يأكل سمسمة من حرام، ولذلك الإنسان إن جاءه ملك الموت يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا بها لهول الموقف، ويوجد أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعنى هذا أن الإنسان كلما اجتهد لمعرفة الحقيقة يكون هذا أعون له عن السعي للجنة والخوف من النار.
والإمام الشبلي رضي الله عنه قال: قرأت حديثاً عن رسول الله استغنيت به عن أربعين ألف حديث، ما هو هذا الحديث؟
"اعمل له بقدر حاجتك إليه، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واتقِ النار بقدر صبرك عليها".
هذا حديث جمع كل شيء، يوجد عندك الجنة والنار، والدنيا والآخرة، الدنيا بقدر مقامك فيها، قد تعيش سبعين أو ثمانين عاماً، يقولون: ما شاء الله، وعندما يموت الإنسان بالثمانين يستغرب الناس، أما الآن فيقولون: شبع من عمره، وإذا وصل الإنسان للأربعين ماذا يقولون له؟ على أقصى تقدير يقولون: له عشرون سنة أخرى، معترك المنايا بين الستين والسبعين هكذا قال صلى الله عليه وسلم، البقاء في الدنيا محدود، أما الآخرة فغير محدودة: "واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واتق النار بقدر صبرك عليها".

العلم والأدب أثمن ما في الدنيا وهذا عطاء الأنبياء :
هذا فضل مجالس العلم أي كلمة من القلب للقلب، إذا الله عز وجل أحب عبداً أسمعه الحق، وما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، ومعنى استرذله أي رآه شهوانياً، سخيفاً، أرضياً، متعلقاً بحطام الدنيا، وإذا رآه كذلك حظر عليه العلم والأدب، قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
[ سورة القصص: 14]
أي العلم والأدب أثمن ما في الدنيا، وهذا عطاء الأنبياء، فكل إنسان ينظر عطاؤه من الله من أي نوع؟ من نوع عطاء قارون أم من نوع عطاء الأنبياء؟ إن كان نصيبه من الله عز وجل من نوع عطاء قارون أو فرعون فهذا لا شأن له عند الله، أما إذا كان من نوع عطاء الأنبياء ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكماً وعلما فهنيئاً له؟ لذلك حافظوا على هذه المجالس؟ ولا تدعوها تفوتكم، والإنسان إذا دخل الجنة لا يتألم إلا لساعة مرت لم يذكر الله فيها.
* * *
الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))
[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
مثلاً ذهبت مع أخ لخدمته، أو ذهبت إلى حضور مجلس علم، رجل جاء من دوما من باص إلى باص، فهذه في سبيل الله، والنبي الكريم يقول لك: "أفضل من الدنيا وما فيها"، من له بيت بعيد عن المسجد لا يتأسف، والله لو علم ماذا ينتظره في الجنة من أجر ومن سعادة لتمنى أن يكون في آخر الدنيا ويأتي لهذا المجلس، والثواب على قدر المشقة، أنا أسكن في زملكا، أو في دوما، أو داريا، أو كفرسوسة، من مكان بعيد نقول: هنيئاً لك لأن أجرك أعظم من أجرنا، على قدر المشاكل، والطريق، والتعب، والمواصلات، فالروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، إن ذهبت لحضور مجلس علم، أو لتعليم الناس شيئاً من كتاب الله، وإن ذهبت لتعاون أخاً في الله، فالنبي الكريم قال: "والله لأن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من الدنيا وما فيها".
تعاون إنساناً، أو تعينه، أو تزور مريضاً، أو تساعد إنساناً، أو تغيث مستغيثاً خير لك من الدنيا وما فيها، فالروحة الواحدة، والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، وبالمناسبة معنى راح أي عاد رجع، أي إذا رجل طرق الباب وقال لك: هنا والدك، تقول له: الآن راح، ما معنى هذا؟ أي أنه في البيت موجود أي الآن جاء، و إذا قال لك: سلم عليه، فهذا اسمه تدليس، هذا كذب شرعاً وصدق لغةً، إذا إنسان لغوي هل أنت كاذب أم صادق؟ الجواب أنت صادق لغةً كاذب شرعاً، فالشرع على المقاصد، فماذا فهم منك هذا الطارق؟ أن أباك ليس في البيت، إذاً هذا كذب لكن النص صحيح إذاً هذا هو التدليس، فالفقهاء قالوا: التدليس أخو الكذب، أخوه تماماً، صنوه، الغدو والرواح، غدوها شهر ورواحها شهر.
((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))
[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
حضور مجلس العلم يحيي القلب و يسعد الإنسان :
تقوم، وتلبس، وتهيئ نفسك، وتتوضأ، وتصلي، وتخرج من بيتك لحضور مجلس علم، فلو اطلعت على الغيب لرأيت أن هذا العمل خير من الدنيا وما فيها قال العلماء: ما فيها من ثروات، إذاً الإنسان له حق النفط لوحده شخصياً، كل برميل ثمنه ثلاثة وثلاثون دولاراً وعنده ستة ملايين برميل مثلاً، فلو كانت هذه الحقول لإنسان وليست لدولة، وهذا لحسابه الخاص، قال: الروحة والغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، لتفسير هذا الحديث في كتاب فتح القدير أشار إلى هذه الناحية، ما فيها من ثروات، ومناجم الذهب والألماس، ومناجم البترول، وحضور مجلس علم خير من الدنيا وما فيها، وحضور مجلس العلم يحيي القلب، وإذا القلب أصبح حياً سعد إلى الأبد.
الرهن :
(( بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ ))
[ البخاري عن إبراهيم]
فإذا وضع إنسان عندك رهناً - مثلاً فرس- لك أن تركبها بنفقتها وتنفق عليها من مالك، مقابل النفقة تركبها، وإذا رهن عندك مثلاً غنمة لك أن تشرب من حليبها مقابل أن تطعمها، فتركب وتحلب من نفقتها، يوجد عدل، تركبها بنفقتها وتحلبها بنفقتها، ويوجد حديث آخر: ((الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الرفق و العنف :
والحديث الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:
(( الرفق يمنٌ والخرق شؤم ))
[ البيهقي عن عائشة]
الرفق يعني اللطف الحسن، والخرق بمعنى العنف، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق. (( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]
((إنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَالْخَرْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ شَانَهُ ))
[ البيهقي عن عائشة]
فالعنف بكل الوجوه شائن، قال عليه الصلاة والسلام: (( علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه البيهقي عن أبي هريرة ]
فالإنسان على قدر ما كانت القضية كبيرة تحل بالحسنى والاجتماع من دون كلام قاس، والقضية مهما تكن كبيرة تصغر، أما كلمة قاسية واحدة، ضرب على الطاولة، أغلق الباب بعنف فالموقف تفجر، بين زوجين، وشريكين، عود نفسك تتكلم كلاماً لطيفاً حتى في المشكلات التي تعانيها.
" قال عليه الصلاة والسلام:
(( الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
أي تجارة فيها حرام، وفيها مادة محرمة، ومواد حرمها الله وأنت تتاجر بها، اضغط مصروفك واقتصد فهذا أفضل لك من بعض هذه التجارة.






11

السعيد 09-10-2018 01:32 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الاربعون )

الموضوع :صلاة الوتر - شرح دعاء القنوت




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة الوتر :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الصلاة إلى موضوع صلاة الوتر، والوتر بالفتح والكسر، لك أن تقول: صلاة الوَتر، ولك أن تقول: صلاة الوِتر، لكن القرآن قال:
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
[ سورة الفجر : 3 ]
الوتر واجب، وكلمة واجب أي أنه بين الفرض والسنة، فهو أقوى من السنة وأقل من الفرض، ولكن المسافر إذا قصر في صلاته يستطيع أن يصلي الظهر ركعتين فقط، ولا يصلي معها السنن، ويصلي العصر ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، ولابد من صلاة الوَتر لأنه واجب، إذاً الوتر صلاة بين الفرض والسنة، وهو ثلاث ركعات بتسليمة، ويقرأ في كل ركعة منها الفاتحة والسورة، ما الفرق بين صلاة المغرب وصلاة الوتر؟ شيئان، الأول: أن صلاة الوتر تقرأ فيها سورة في كل ركعة، في الأولى والثانية والثالثة، في المغرب لا تقرأ سورة بالركعة الثالثة، وفي صلاة الوتر دعاء القنوت، وهذان الشيئان يختلف بهما الوتر عن صلاة المغرب، ويجلس على رأس الأوليين منه، أي يوجد عندنا جلسة أولى وجلسة طويلة، الأولى حتى التشهد والطويلة حتى السلام، ولا يستفتح عند قيامه للثالثة - إذا قام للثالثة لا يقول: سبحانك اللهم، لأن هذه الركعة عبارة عن تتمة لركعتين سابقتين - ولا يستفتح مصلٍّ صلاة الوتر بالركعة الثالثة، وإذا فرغ من قراءة السورة فيها رفع يديه لجانب أذنيه ثم كبر وقنت قائماً قبل الركوع في جميع السنة، أي بعد أن يصلي الركعة الثالثة وينتهي من قراءة الفاتحة وسورةٍ يرفع يديه إلى شحمة أذنيه ويكبر ويدعو دعاء القنوت ولا يقنت في غير الوتر.
والقنوت معناه الدعاء وهو أن يقول: اللهم إنا نستعينك، الاستعانة تعبير عن الافتقار والعبد فقير.
ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع
***
الناس رجلان مؤمن وكافر :
والناس رجلان مؤمن وكافر، وهذا التقسيم الوحيد، المؤمن مفتقر ومتواضع، والكافر متكبر مستغنٍ، المؤمن مفتقر متواضع مصبوغ بالكمال لافتقاره لذي العزة والجلال، بينما الكافر يستغني عن الله عز وجل لكبر في نفسه وباستغنائه يشقى، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
والآن في الأرض مليون تقسيم، فقراء وأغنياء، العرق الآري، السامي، العرق السكسوني، أي تقسيمات عرقية، وتقسيمات إقليمية، و عشائرية، و قبلية، و قومية، و وطنية، وضمن الوطن الواحد يوجد طبقات، وضمن الطبقة الواحدة يوجد فئات، فالمجتمع الحديث مفكك، قال تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[ سورة الحشر: 14]
تحسبهم جميعاً، لو نظرت إلى قلوبهم لرأيت كل واحد من بني البشر المعرضين عن الله عز وجل جزءاً مستقلاً بذاته، لا تعاون، ولا تعاطف، ولا رحمة، ولا شفقة، ولكن المؤمنين كما قال عليه الصلاة والسلام: (( المؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ، وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))
[ الترغيب والترهيب للمنذري، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]
يوجد في قلب المؤمن رحمة، وإنصاف، و حب للخير، و قناعة، فإذا باعك المؤمن يصدقك، ويربح عليك ربحاً معقولاً، لا يستغلك بل يرحمك، وإذا وقعت بين يدي إنسان معرض ورأى أن لك عنده حاجة استغلك أبشع استغلال، فالمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم. الاستعانة بالله دليل الافتقار إليه :
اللهم إنا نستعينك فالاستعانة دليل الافتقار إلى الله عز وجل، يا ربي أنا مفتقر إليك، فالمؤمن إذا دخل لحانوته: "اللهم افتح لي أبواب رزقك"، وإذا الطبيب وضع يده على مريض يقول: "اللهم لا علم لي إلا ما علمتني"، وإذا المحامي تسلم قضية: يا ربي ألهمني أن أكون مدافعاً عن الحق، وألا أكون عوناً للباطل، ترى القاضي، والطبيب، والمحامي، والمهندس، وصاحب المتجر، والتاجر، والصانع، حتى يوجد شيء آخر أذكره لكم الآن أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[سورة المعارج: 23]
وهناك دوام في الصلاة، كيف يداوم الإنسان على الصلاة؟ الصلاة خمسة أوقات يوجد آيات: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 92 ]
هذه واضحة أي يحافظ على صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. الدعاء صلاة :
ولكن الذين هم على صلواتهم دائمون أي دائمو الصلة بالله عز وجل، قال بعضهم: "الدعاء صلاة"، والنبي عليه الصلاة والسلام في كل حركة و سكنة يدعو الله عز وجل، أي وقف أمام المرآة يمشط شعره فقال: "اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلقي"، إنسان كامل لا يوجد فيه نقص ولا عيب مشين دخل إلى الخلاء فقال: "الحمد لله الذي أذاقني لذته - الطعام - وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه".
فتح المفتاح ودخل إلى البيت: "الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له"، سافر: "اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد"، أصبح يقول: "أصبحنا وأصبح الملك لله، إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب".
ركب دابة يقول: "اللهم إني أسألك من خيرها ومن خير ما خلقت له، وأعوذ بك من شرها وشر ما خلقت له"، الآن إذا ركب سيارته يقول: "اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما صنعت له، وأعوذ بك من شرها وشر ما صنعت له"، ترى كتاب الأذكار للنووي يجمع أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في كل أحواله؛ في صحوه و نومه، وفي عمله و سفره، وجهاده، وعلاقته مع زوجه، و مع أولاده، وجيرانه، خرج من المسجد: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"، دخل إلى المسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، في المسجد لابد من رحمة تتنزل على قلب المؤمن، خرج من المسجد: "يا ربي أعني على تطبيق ما سمعت، افتح لي أبواب فضلك وارزقني عملاً صالحاً يقربني إليك".
الغنى والفقر بعد العرض على الله :
اليوم أكرمني الله فالتقيت مع إنسان شعرت أنه على شيء من الغنى، فقلت: الغنى والفقر بعد العرض على الله، قلت له أيضاً: لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، قلت له أيضاً قوله تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء: 21 ]
قلت له: "يقول الله عز وجل أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لآخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت به؟ يقول: أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، يقول: أنا الحافظ لأولادك من بعدك".
قلت له: يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة؛ فريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال هذا يحاسب، هذا يقال له: قفوه فاسألوه عن كل صغيرة وكبيرة، هل ضيع فرض صلاةٍ أم كان منشغلاً بماله؟ وهل تاه على عباد الله؟ وهل قال جيرانه: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا؟ هل؟ هل؟ ومازال يسأل ويسأل، قلت له: يقول الله عز وجل: سبحان الله! اللهم ألهمني كل الأحاديث المتعلقة بالغنى، يقول الله عز وجل: "عبدي خلقت لك السموات والأرض و لم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمت ولا أبالي". من اتكل على نفسه أوكله الله إياها :
ذكرت أحاديث كثيرة وشعرت أنه حصل تطور جذري في نفسه، فهذه الأحاديث شفاء للقلوب، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، استوقفني هذا كله كلمة: اللهم إنا نستعينك، هناك استعانة، من اتكل على نفسه أوكله الله إياها.
قال طالب: يا رب أنت تعرف أني في الهندسة قوي جداً فالجبر عليك يا رب والهندسة علي فأخذ في الهندسة صفراً وبالجبر نجح، وفي العام الثاني قال: يا رب الهندسة والجبر عليك، الاثنان معاً.
سبحان الله الإنسان عندما يعتمد على شيء من قدراته فالله عز وجل يغار على التوحيد، فلابد أن يؤتى الحذر من مأمنه، فطبيب معه بورد بأمراض الجهاز الهضمي هل يوجد معه قرحة؟ نعم معه قرحة، هو واثق أنه سوف يأخذ احتياطات كافية لصيانة جهازه الهضمي وهذه آية، وطبيب مختص بأمراض القلب هل يصير معه جلطة؟ يعرف أمراض القلب ما أسبابها، فالتوترات العصبية والراحة الجسمية أيضاً هذه آية، دائماً وأبداً من أي مكان أنت مطمئن إليه من هنا تأتي المشكلة، قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾
[ سورة الحشر: 2 ]
التوحيد هو الافتقار إلى الله :
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فالتوحيد هو الافتقار إلى الله، فكلما ارتقى الإنسان عند الله يفتقر في نفسه، وكلما هبط في دركات البعد يرتفع في نفسه، إنها علاقة عكسية بين الكبر والجهل، وبين العلم والتواضع، فمن علامات العلماء التواضع، والمتكبر جاهل، قال: يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، الآن صار جاهلاً، عالم كبير دخل إلى مسجد فوجد شاباً ناشئاً يدرّس، والناس متحلقون حوله ومسرورون، و مقبلون، ومعجبون، فرآها كبيرة أن يهمله الناس و يلتفوا حول هذا الشاب، فجلس يستمع في نصف الدرس، قال له: يا هذا ما سمعنا بهذا الكلام؟ فقال الشاب: أحصلت جميع العلم؟ إذا قال له: نعم يكون كاذباً، قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 85]
قال له: لا، قال له: أحصلت شطره؟ قال له: نعم، قال له: هذا من الشطر الذي لا تعرفه، فالإنسان يجب أن يتواضع، و ما من أحد أكبر من أن ينقد، وما من أحد أصغر من أن ينقد، تواضع، أحياناً يدخل مدرس إلى الصف ممتلئاً إعجاباً بشهادته، وذكائه، وشخصيته، فيطرح عليه طالب سؤالاً فيقف حائراً، فيكشفه الله ويفضحه، قال أحد العلماء جلس بمجلس والناس تحلقوا حوله، وشعر أن له مكانة كبيرة، فأراد أن يؤكد لهم اتساع علمه فقال: والله ما سمعت شيئاً إلا حفظته، وما حفظت شيئاً فنسيته، يا غلام هات نعلايَّ، فقال له الغلام هما في رجليك، فنظر فإذا هم في رجليه، ففضحه الله عز وجل في هذا الموقف، الإنسان لا يتكبر قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
الكِبر من الشيطان :
و أعظم إنسان يفتح أكبر بلد يعاديه وليس الشيء سهلاً، فعمر طويل من الحروب، والإخراج، والائتمار من كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما دخل مكة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس، ما وجدت موقفاً يهز مشاعر الإنسان كقوله لسيدنا علي وأبي لبابة:
((كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأجْرِ مِنْكُمَا ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
علي سلخها، علي طبخها، قال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، نكفيك هذا، قال: أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا قمة المجتمع الإسلامي، و قمة البشرية، فهذه أخلاقه فمن أنت؟ الكبر من الشيطان. من اعتمد على نفسه فقد خسر خسراناً مبيناً :
اللهم إنا نستعينك، ألا أنبئكم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله، لا قوة على طاعته إلا به، ولا حول عن معصيته إلا به، إياك نعبد وإياك نستعين، ربي إن لم تصرف عني كيدهن أصبو إليهن، ربي أجنبني وبني أن نعبد الأصنام، أدعية الأنبياء، أحياناً الإنسان يستقيم استقامة تامة، يشعر بنشوة هائلة، شاب في مقتبل حياته يغض بصره، ويتابع دينه، أحياناً يأتيه الشيطان فيقول له: ليس مثلك شاباً، أنت الورع، أنت قوي الشخصية، أنت صاحب الإرادة القوية، ولما صلى نسي قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين، فقد تفتنه امرأة، وأحياناً إذا حصل اعتماد على النفس فهذا هو الخسران المبين.
الهدى خط مستقيم و هو هدى الله عز وجل :
اللهم إنا نستعينك ونستهديك، إن الهدى هدى الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 71]
لا يوجد هدى آخر، كما أنه لا يمر بين نقطتين خطان مستقيمان ولابد من انطباقهما على بعضهما، كذلك ليس في الأرض إلا هدى واحد ما سوى الهدى ضلال، يوجد آية هكذا قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 32]
الهدى خط مستقيم، خط آخر لا ينطبق عليه ما اسمه؟ منحنٍ، منكسر، لا يمكن أن يكون الخط الثاني الذي لا ينطبق على هذا الخط مستقيماً، يوجد آية دقيقة بهذا المعنى، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 153 ]
تصور نقطتين، ويوجد مستقيم بينهما، هذا هو الحق، فممكن أن ترسم مئة خط منحن، ومئة خط منكسر، فالباطل متعدد أما الحق فواحد. الاستقامة قطعية والانحراف نسبي :
هذا الموضوع يقودنا إلى موضوع آخر فالاستقامة قطعية والانحراف نسبي كيف؟ مستودع للوقود له حالتان؛ إما أنه محكم أو أنه غير محكم، والإحكام حالة واحدة ومعنى هذه الحالة أنك إذا أودعت به ألف لتر وتركته خمس سنوات فالألف لتر تبقى ألف لتر، وهذا معنى أنه محكم، وإذا كان غير محكم فهذه الكمية تفرغ بساعة أو ساعتين، أو شهر أو شهرين، هذا كله غير محكم، وعدم الإحكام نسبي، فبالاستقامة لا يوجد حل وسط، أما بالانحراف فيوجد حل وسط، يوجد زنا ويوجد نظر، ومصافحة، ومغازلـــة، وشرب خمر، وبيعه، والإعلان عنه، والخطاطون يدخلون في الموضوع، خطاط ورسام، بالسرقة يوجد سرقة ليرة ويوجد ألف ومليون فالانحراف نسبي، والزنا نسبي، والخمر نسبي، أما الاستقامة فتامة، الاستقامة قطعية ذات حد دقيق ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
ما معنى هذا الكلام، قوم هود شيبوه لا سورة هود؟ لأن فيها آية واحدة قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود: 112 ]
كأن النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هذه الآية قوله الشريف: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
الآن أكثر كلمة على لسان الناس: أنا لست نبياً، شيء جميل، فلو فرضنا كلفنا ممرضاً أن يضرب إبرة ألا يعقمها وحجته أن يقول: أنا ليست طبيباً؟ هذا لا يصح، فلو جئنا بأعلى طبيب في العالم وهو جراح قلب مفتوح وكلفناه بضرب إبرة، وكلفنا ممرضاً متخرجاً حديثاً بضرب إبرة، فعلى الاثنين أن يطبقا التعليمات نفسها في التعقيم، فالأول أعلم بالعلم أما السلوك فواحد، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين حتى لا يدخل الشيطان على الإنسان ويقول لــه: أنت لست نبياً هذه مرتبة الأنبياء، لا المرتبة بالمعرفة، والإقبال، والشفافية، والفتوح، والرؤية، و لكن الاستقامة واحدة: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
توبة الله على العبد أن يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة :
ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، فموضوع التوبة موضوع دقيق جداً، وربنا عز وجل قال:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 118 ]
فبالمنطق أيهما أولى؟ تابوا فتاب عليهم أم تاب عليهم ليتوبوا؟ بالمنطق: تابوا فتاب عليهم، بمعنى أن الله قبل توبتهم، أما هذه الآية فتاب عليهم ليتوبوا، قال بعض العلماء: توبة الله على العبد أن يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، تاب عليهم ضيق عليهم، شح السماء، ارتفعت الأسعار ضاقت المكاسب، ضاقت الدنيا، تاب عليهم ليتوبوا، فدائماً وأبداً أريد أن يبقى هذا المعنى في أذهانكم، إذا شحت الموارد فليس هذا الشح عن عجز ولا عن افتقار ولكنه شح فمعالجة، تضيق فمعالجة، الله الغني كن فيكون، ومرة رأيت بأم عيني سنبلة قمح فيها خمس وثلاثون سنبلة أصلها قمحةٌ واحدة، أخذنا سنبلة وعددناها فكانت خمسين حبة، ضربنا خمسين في خمس وثلاثين فكان ألفاً وسبعمئة حبة من حبة واحدة، ذكرت قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً* لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن: 16-17 ]
كان في الشام قشاشو ثلج في الخمسينات والأربعينات، نهر يزيد كان عمره ثلاثة أمتار، العتيبة بحيرة ملآنة، أمطار غزيرة جداً، خيرات لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة: 66 ]
تضييق الله على العبد ليس عن فقر ولا عن عجز ولكن عن تربيةٍ و حكمةٍ :
ورغم شح الأمطار الشديد في هذا العام فالله عز وجل أذن للأشجار أن تضاعف ثمرها، فضاعفت ثمرها، وقل سعرها، فأكل الناس جميعاً فاكهةً في هذا الصيف، ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟ لا أحد يدري، قال لي شخص: لا يوجد ضمان خسارته أقل من خمسين ألفاً، قلت له: ما السبب؟ فقال: إنه اشترى الكيلو بخمس ليرات وتوقع أن يبيعه بعشر، فباعه بثلاث، إنتاج غزير جداً، إذا أعطى أدهش، فكل شيء يحسبه الناس ضيقاً، هذا ضيق تربوي، ضيق معالجة، ضيق ليس عن فقر ولا عن عجز ولكن عن تربيةٍ، وعن حكمةٍ.
يقول أحدهم: أنا ما علاقتي إذا كان الناس فاسقين؟ أنا مستقيم، والله الذي لا إله إلا هو لو أنك أرضيت الله سبحانه وتعالى تماماً لأرضاك تماماً، ولعشت بين الناس وكأنك لست منهم، لعشت في ظروفهم وكأنها لا تؤثر عليك، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، فالتوبة إلى الله، توبوا إلى الله قبل أن يتوب عليكم، إذا تاب عليكم تضطرون إلى التوبة.
بطولة الإنسان أن يكون في الشدة كما في الرخاء :
ونؤمن بك ونتوكل عليك، فسهل على الإنسان بالرخاء أن يكون مؤمناً أما هذا الإيمان فيهتز أحياناً في الشدة، فربنا عز وجل قال:
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[ سورة آل عمران: 179 ]
بالمنحدر كل أنواع السيارات جيدها وسيئها، الكبيرة والصغيرة، ما كان ذا قوة كبيرة، وما كان ذا قوةٍ ضعيفة، كله ينطلق، ولكن الصعود الشديد يميز، كلهم يدعي حب النبي فلما أحاط المشركون بالمدينة، وجاؤوا قرابة عشرة آلاف، ونقض اليهود عهدهم، وانكشف ظهرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، انكشف المشركون، أما المؤمنون الصادقون فقال تعالى: ﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 23 ]
فالبطولة أن تكون أنت أنت في الرخاء والشدة، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في دخل محدود وفي دخل غير محدود، إن آتاك الله أولاداً أو لم يؤتك، إن كانت زوجتك على ما يرام أو ليست على ما يرام، هذه هي البطولة. الخير كله من الله عز وجل :
ونثني عليك الخير كله، الخير كله من الله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يكفرك، إذا التقيت بإنسان فاجر ليس لك الحق أن تصاحبه، والعلماء قالوا: هناك أشياء كثيرة تجرح عدالة الإنسان منه: صحبة الأراذل، والتنزه في الطرقات، والأكل في الطريق، والسير حافياً، والبول في الطريق، والحديث عن النساء، والتطفيف بتمرة، وأكل لقمة من حرام، والصياح في المنزل، ومن أطلق برزوناً - بغلاً - ومن أطلق لفرسه العنان - والسرعة بالسيارة - هذا كله يجرح العدالة، ومن لعب الشطرنج تجرح عدالته، والتطفيف بتمرة، وأكل لقمة من حرام، هذه الأشياء تجرحها، ولكن من عامل الناس فظلمهم، وحدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم، تسقط عدالته، ويوجد فرق بين سقوط العدالة وبين جرحها، قال عليه الصلاة والسلام:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
(( احثوا التراب في وجوه المداحين ))
[ رواه مسلم عن المقداد بن الأسود ]
وسيدنا الصديق مدح فوقف أرقى موقف، قال: "اللهم أنت أعلم مني من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون - وكان طموحاً - واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تأخذني بما يقولون".
سيدنا عمر مدح فقال له رجل: "ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فنظر فيهم محداً البصر وكأنما يهم بشيء إلى أن قال أحدهم: بلى لقد رأينا من هو خير منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، قال: صدقت وكذبتم جميعاً" عد سكوتهم كذباً قال: "والله لقد كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك"، إنصاف لا يوجد نفاق، كان رضي الله عنه منصفاً. الله عز وجل مالك كل شيء :
ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، لو قال: نعبد إياك لها معنى، لما تقدم المفعول به صار اختصاصاً، وقصر نعبدك وحدك، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى، هذه الجهود، هذا العمل، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 162]
كم الزكاة يا سيدي؟ قال: عندنا أم عندكم؟ قالوا كيف عندنا أم عندكم؟ قال: عندكم واحد في الأربعين، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، هؤلاء السابقون السابقون، لا يوجد عندهم هذا لي وهذا لله، ماذا أبقيت يا أبا بكر؟ قال: الله ورسوله، أعطاه كل ماله وتخلل بالعباءة.
إن عذابك الجد بالكفار ملحق، وصلى الله على النبي وآله وسلم. العبرة في القلب وما وعى من حقائق :
والمؤتم يقرأ القنوت كالإمام، لأن القنوت في الوتر ليس جهرياً، وإذا شرع الإمام بالدعاء بعدما تقدم قال أبو يوسف رحمه الله: يتابعونه ويقرؤونه معه، فلو فرضنا الإمام قرأه لأنه عندنا وتر في التراويح، والوتر في التراويح يصلى جماعةً، فإذا الإمام قرأه جهراً يتابعونه ويقرؤونه معه، وإذا قرأه سراً يقرأه هو سراً، و يفضل أن يصلى الوتر في رمضان في التراويح جماعةً وجهراً.
قال محمد: لا يتابعونه ولكن يُؤَمنون، يقولون: آمين، ويوجد رأيان متنوعان، إذا رجل ما حفظه ماذا يقول؟ يقول: اللهم اغفر لي ثلاثاً؛ اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، أو ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، يا رب يا رب يا رب، أي توجه إلى الله عز وجل، وأنا أقترح على الأخ الحاج والمعتمر ألا يحمل دفتراً ويقرأ، ذهب حالك كله، توجه إلى الله عز وجل ادعُ من عندك، لأن الدعاء لو كان بلغة غير فصيحة يصل إلى الله عز وجل، لأن سيدنا هارون أفصح من سيدنا موسى، من كان النبي؟ إشارة دقيقة في القرآن يوجد إشارات دقيقة جداً، المرسل كان سيدنا موسى، والعبرة في القلب وما وعى من حقائق، أنا قرأت حديثاً تأثرت به كثيراً، قال:
((وَمَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ جَعَلَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تُقَادُ إِلَيْهِ بِالْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ))
[ أحمد عن أبي الدرداء]
المؤمنون الصادقون الورعون الزاهدون ملوك الدار الآخرة :
يمكن أن تتعلم علماً دقيقاً جداً، تحفظ أشياء نادرة، وأن يكون عندك ثقافة واسعة، محفوظات غزيرة، لغة فصيحة، نبرات حادة، لهجة خطابية، قدرات على الإقناع، لكن لا يوجد قلب رغم هذا الضجيج والصياح لا أحد يتأثر بك، لأن النية انتزاع إعجاب الآخرين، وقد حصل هذا، حصل إعجاب ولكن إذا كانت النية هدايتهم، وإنقاذهم، عندئذٍ الله سبحانه وتعالى يلقي في قلوب المؤمنين مودةً ومحبةً لهذا الداعي، فالقضية ليست بالحفظ ولا في الشهرة، أشهر مخلوق من هو؟ الشيطان مشهور جداً في كل لغات العالم، ليست الشهرة مقياس العظمة:
(( رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
و كلما رأيت مؤمناً مستقيماً استقامة تامة، وحريصاً على رضاء الله عز وجل، أقول له: أنت من ملوك الآخرة، فالدنيا لها ملوك والآخرة لها ملوك، والمؤمنون الصادقون الورعون، الزاهدون، ملوك الدار الآخرة.
* * *التهليل :
سوف نأخذ بعض الأحاديث من إحياء علوم الدين من باب الأذكار.
في الدرس الماضي تحدثنا عن مجالس الذكر، وعن فضلها، واليوم في فضيلة التهليل فما معنى التهليل؟ رجل عمل تهليلاً يعتقد الناس عزيمة، التهليل قولك: لا إله إلا الله، فهلل قال: لا إله الله، كبر قال: الله أكبر، دمعز أي: أدام الله عزك، وسبحل قال: سبحان الله، و حوقل قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا اسمه نحت في اللغة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل ما قلت أنا والنبيين من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له))
[ موطأ مالك عن مالك]
هذه الكلمة الأولى في الكون، لا إله إلا الله، والأديان كلها، رسالات الأنبياء كلهم، ودعوات العلماء كلها، وفحوى دعوة الله سبحانه تعالى لعباده لا إله إلا الله، علاقتكم كلها معي إذاً فاعبدوني، من خلال تفسير جزء عم توصلنا إلى أن هناك ثلاث كلمات تعد الأولى في الإسلام؛ أولاها: لا إله إلا الله، وثانيها: الحمد لله، وثالثها: لا نعبد إلا الله، التوحيد والحمد والعبادة، هذا هو الدين كله. لا إله إلا الله كلمة التوحيد :
لكن علماء البلاغة يقولون: إن الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت معناها، والآن الناس في اللغة الدارجة يقولون: سوف أقتلك، ما معنى أقتلك قتل أي أمات، وأخ قتله أي ضربه، كثرة استعمال هذا الفعل أفقده معناه، والآن إذا أراد الإنسان أن يقول: قتله، يقول: أرداه قتيلاً، و أزهق روحه، وألقاه صريعاً، ولقي نحبه، ومات حتف أنفه، ولابد من استعمال عبارات وكلمات تعني أنه مات، أما قتله باللغة الدارجة تعني أنه ضربه، و كلمة لا إله إلا الله هذه كلمة التوحيد، في أول الإسلام إذا قالها الإنسان مرة كفي، والآن يقولها الناس ليلاً ونهاراً وهم يعصون الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ]
فإن لم تحجزك هذه عن محارم الله فأنت لا تقولها ولو قلتها ألف مرة ومرة، تقول في العيد: الله أكبر بصوت مرتفع، وهذا التكبير المشهور والله شيء جميل، هذا شعار الإسلام، ولكن هذا الذي يقول: الله أكبر، لو أنه أطاع مخلوقاً وعصى الله عز وجل ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، فهذا هو الفرق بين مسلمي العصر و الصحابة الكرام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، قَالَ: قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ، قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[سنن أبي داود عَنْ ثَوْبَانَ ]
لا تبلغ ما تريد حتى يستوي عندك التبر والتراب :
الذي يعصي الله ويحب مخلوقاً ماذا يرى؟ يرى أن هذا المخلوق أكبر من إرضاء الله عز وجل، إذا زوجته قالت له: اترك هذا الدرس واجلس أما كنت تتعلم إلى الآن؟ هذه الدروس كلها مثل بعضها، فجلس، هذا معناه أن زوجته أغلى عليه من الله عز وجل، فهذا مجلس علم، و مجلس رحمة، فإذا أطاع شريكه بالربا، يقول لك: فيه ربح مئة ألف في السنة ورزق واسع ماذا أفعل؟ إن شاء الله برقبته، قال لي أحدهم: أنا لا أذهب إلى المطعم أبداً لأنهم يبيعون الخمر، وإن شاء الله برقبة شريكي، والله كثيراً نهيته ولم يرضَ، يقول: الحمد لله يأتيني ربح جيد أثناء السنة، وهو يصلي أول إنسان في الجامع على الأذان، ما قال الله أكبر ولا مرة لأنه شاهد التسعين ألفاً أغلى من الله عز وجل، لا تبلغ ما تريد حتى يستوي عندك التبر والتراب، المليون مثل الليرة.
لمن هذا الوادي؟ وادي غنم ثمنه ملايين، قال عليه الصلاة والسلام: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: هو لك، رأى هداية إنسان أغلى من كل الوادي، وكانوا قديماً إذا حلت مشكلة إنسان بمبلغ يقولون له: خذه ولكن صلِّ واحضر معنا، وإذا معلم عنده صانع و كان هناك درساً عند المغرب رجاه أن يحضر هذا الدرس، هو موظف في محل تجاري هلك أن يأخذ نصف ساعة ويحضر الدرس لم يسمح له أبداً، استغلال، دعه يتعلم كلمتين في صحيفتك، لا يرضى، ولا يوجد فيهم خير أبداً.
((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ فَكَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَكَانَ تُجَاهِي جَالِسًا أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ فَقُلْتُ وَمَا ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَقَالَ عُمَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ))
[ مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف وإكرام :
قل: لا إله إلا الله، لا يوجد أحد غيره، لا أحد يخيفك، الخير كله منه، وحده يرفع، ووحده يخفض، ووحده يعز، ووحده يذل، ووحده يعطي، ووحده يمنع، ووحده يقبض، ولا يوجد أحد غيره، كل علاقتك معه، ترى المؤمن مرتاحاً، جعل همومه كلها هماً واحداً فكفاه الله الهموم كلها، فالمؤمن عجيب لا يرى رزقه مع أحد غير الله، ولا يرى حياته يقوى على إنهائها أحد، ولا ينهيها إلا الله، فقال النبي الكريم: " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً"، قلها، من أين تأتي العزة؟ من التوحيـــد، من أين يأتي الغنى؟ من التوحيد، من أين تأتي الجرأة؟ من التوحيد.
ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.
((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْخَيْرَاتِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ ثُمَّ هُمِ الَّذِينَ تَلَافَاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَهُمِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) إِلَى قَوْلِهِ ( لُغُوبٌ ) ))
[أحمد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
أحياناً الإنسان في الدنيا يشعر بضيق لماذا؟ يذكر أنه سمع خبراً سيئاً، أو يذكر أن ابنه مريض والطبيب متخوف من مرضه، ويشعر بحزن دائم عندما يغلب الحزن على الوعي ويذكر أن ابنه مريض، و أحياناً يكون قد وجد بيتاً مناسباً وبيع البيت يتضايق، وجميع أنواع الحزن في الآخرة معدمة. قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
[ سورة فاطر: 34 ]
لا صغيرة ولا كبيرة، لا على ما فات ولا لما سيكون، الحياة لا تخلو من أحزان مهما جهد الإنسان، لكن الجنة تخلو، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، ودار عطاء، ودار إكرام فقط، ولذلك ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، فالقبر روضة من رياض الجنة. أهل لا إله إلا الله ليس عليهم وحشة في قبورهم :
هناك رجل كان له عمل في الشرطة - والقصة قديمة - فصار منازعة بالمقبرة، رجل متوفى من أربعين سنة ويجب أن ينزلوا عليه إنساناً آخر، فتحوا القبر فالميت مثلما هو، وهذا الإنسان ذهب حتى يفصل الموضوع قال لي: نزلت إلى القبر والله الذي لا إله إلا هو كأنه مات البارحة، هو هو ذقنه طويلة قليلاً، الشعر بعد الموت ينمو قليلاً، قال لي: أسبوع ورائحة المسك في يدي، أربعون سنة كما هو الكفن وجده مثل قميص اللوكس رماد أبيض أزاحه جلده هو هو، هذا الرجل إمام وحافظ القرآن الكريم، وكان ورعاً وصالحاً، وهذه القصة تطورت جداً، في السعودية بلغني أنهم نقلوا رفات بعض الصحابة كان الظن أن عملية شكلية أي عملية رمزية فوجدوا بعض الصحابة هم هم، و أجروا حفريات في القادسية فوجدوا بعض أجسام الصحابة كما هي، وفي اليرموك أيضاً، فهؤلاء الذين عرفوا الله تعالى لا يفنون، وليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، فالقضية قضية هذا القبر وما بعد القبر، والناس كلهم الآن يعيشون لحظتهم، وأهل الهدى يعيشون ماذا سيكون.
سؤال و جواب :
س: وردني سؤال من امرأة تقول: رجل حلف على زوجته ثلاثة أيمان طلاق أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وعندها طفل صغير خرج من البيت إلى بيت الجيران فذهبت إليه لتحضره فهل وقعت هذه الأيمان الثلاث مع العلم أن الزوج سأل شيخاً فقال له: ادفع كفارة تلك الأيمان؟ وقال له: اذهب واعقد عقداً جديداً لترجع زوجتك إليك؟
ج: كما قلت سابقاً: هناك طلاق سني وطلاق بدعي، الطلاق السني أن تطلق زوجتك في طهر لم تمسها فيه، وأن تبقى في بيتك تتزين لك ثلاثة قروء، فإذا راجعتها بلسانك أو لمستها بيدك فهذه مراجعة وتعود لك وتحسب طلقة، وإذا مضت العدة ولم تراجعها تملك نفسها فعليك أن تعقد عليها عقداً جديداً، ومهراً جديداً من دون تعقيدات، هذه الطريقة تعيدها ثلاث مرات، والمرة الثالثة تبين عنك بينونة كبرى وهذا هو الطلاق السني.
أما الطلاق البدعي فتقول لها: طلقتكِ، ابن تيمية رضي الله عنه قال: "إذا كان الرجل لا ينوي الطلاق إلا أنه يريد منع زوجته من عمل ما وكان يكره فراق زوجته كفراق دينه، وحلف يمين طلاق فهذا الطلاق لا يقع لأن أصله نية منعها من هذا الشيء"، هذا رأي تأخذ به المحاكم اليوم، طبعاً إذا المرأة ليس لها علاقة بالموضوع إطلاقاً، خلاف نشأ بين شخصين في محل تجاري وحلف بالطلاق فليست طرفاً في هذا الموضوع، أو لا ينوي الزوج تطليقها ولكن ينوي منعها، وكان يكره فراقها كفراق دينه، وفي هاتين الحالتين تنقلب يمين الطلاق إلى يمين عادية توجب الكفارة، كما قال الشيخ المسؤول في هذه الورقة، وعند الأحناف تطلق، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن إنساناً حلف ثلاثة أيمان طلاق في مجلس واحد فغضب غضباً شديداً وصعد المنبر وقال: "أيلعب بدين الله وأنا بين أظهركم" ربنا قال: "الطلاق مرتان"، والثالثة طبعاً طلاق كلي، فأنت جعلته مرةً واحدة أي أنت لم تعبأ بكلام الله، ولم تعبأ بتشريع الله، فثلاثة طلقات في مرة واحدة، و النبي عليه الصلاة والسلام غضب حينما استخدمها بعض الرجال، وأيضاً ابن تيمية يرى أن هذه المرات الثلاثة في حكم المرة الواحدة، وهذا الموضوع راجع إلى أن هذه الزوجة حينما خرجت من البيت أيضاً إن لم تكن تنوي إطلاقاً أن تحنث بيمين زوجها إلا أن حبها لابنها أعماها، وأنساها المشكلة، وخرجت عفوياً، وأغلب الظن أن هذا اليمين لا يقع، والتي تخرج من البيت كي توقع زوجها في حرج، وكي تلعب في عواطفه، وتخلق له مشكلة، فهذه يقع يمينه عليها، وإن لم تكن طرفاً بالموضوع أساساً وكان يكره فراقها كفراق دينه، وكان ينوي منعها فقط ليس غير فإن هذا الطلاق لا يقع وينقلب إلى يمين عادية، توجب التكفير إطعام عشرة مساكين، هذا الرأي الذي تأخذ به المحاكم اليوم، ولكن أحياناً قد يسأل بعضهم هذا السؤال فيقول له: طلقت المرأة ثلاثاً، اختلاف أمتي رحمة، اختلاف العلماء الكبار توسعة على الدين، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وعندما تسلك سلوكاً مغطى من أحد المذاهب فهو صحيح، أي سلوك عن علم أو عن غير علم مادام عملت هذا العمل وأحد المذاهب مغطى فهذا العمل صحيح، وهذا الشيء يليق بالمؤمنين المعاصرين، أما أن نعطي الحنفية لشافعي فهذه مشكلة، وهذا غلو في الدين، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة: 77 ]
صار مشاحنات، وبغضاء، فهل النبي الكريم كان حنفياً أم شافعياً؟ هذا سؤال مهم كلهم أخذ منه.

السعيد 09-10-2018 01:36 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع :صلاةالضحى وصلاة الحاجة - احياء الليالى








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إحياء العشر الأخير من رمضان :
أيها الأخوة المؤمنون، تابع فصل تحية المسجد، وصلاة الضحى، وإحياء الليالي، وكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى صلاة الحاجة، وتحدثنا عن أن الإنسان إذا واجه مشكلة عويصة وظنها كبيرة قام الليل، وصلى ركعتين صلاة الحاجة، فإن الله قدير على حلّ هذه المشكلة المعضلة! وقال مؤلف الكتاب: ونُدِبَ إحياء العشر الأخير من رمضان، لما روي عن عائشة رضي الله عنها:
((أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
والقصد منه إحياء ليلة القدر، فإن العمل فيها خير من عمل في ألف شهر خالية منها! وروى أحمد عن النبي الكريم أنه: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقد بَسَطْتُ هذا في دروسٍ سابقة من أن ليلة القدر معناها أن معرفة الإنسان بربه بلغت الحدَّ الذي يخشاه منه، فأي إنسان يعصي الله سبحانه وتعالى لا يعرف ربه، فإذا عرفه حق المعرفة فإنه يطيعه، وإذا قدّر الله عز وجل تقديراً صحيحاً فإنه لا يعصيه، فلا عبادة كالتفكر، التفكر يفضي إلى الطاعة! إحياء ليلتي العيدين :
ونُدِبَ إحياء ليلتي العيدين، الفطر والأضحى، لحديث النبي الكريم:
((مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
ويستحب الإكثار من الاستغفار بالأسحار، وسيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعـوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي- أي أعـترف بنعمتك يا رب- وأعترف بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، والدعاء في إحدى ليلتي العيدين مستجاب. إحياء ليلة النصف من شعبان و ليلة الجمعة :
ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان، لأنها تكفَّر ذنوب السنة، ونُدِبَ إحياء ليلة الجمعة.
فمعنى الإحياء إذا أردنا أن نتوسع فيه، إذا جلس الإنسان بعد العشاء بعض الوقت، وقرأ كتاب الله، وذكر الله عز وجل، ودعا إلى الله، وتذاكر مع إخوانه المؤمنين في بعض موضوعات الإيمان، وتفكَّر في بعض الآيات الكونية، وإذا زاد عن العشاء، أو قام قبل الفجر فهذا عند الله إحياء، لا أن تفهموا مني أن الإحياء ألا ينام الإنسان أبداً، هذا جسد وله حاجات.

((عبد الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَا عبد الله أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ، بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))
[البخاري عن عبد الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
فهذه المرأة التي جاءت سيدنا عمر رضي الله عنه قائلة له "، يا أمير المؤمنين إن زوجي قوّامٌ قوّامٌ، سيدنا عمر يبدو أنه مشغول فظن أنها تمدحه، فقال، بارك الله لك فيه! قوّام في النهار، قوّام في الليل، سيدنا علي رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها! فانتبه سيدنا عمر، و قال: يا أبا الحسن إن كنت فهمت هذا فاحكم بينهما، فأخذ الإمام علي كرم الله وجهه أن الإنسان المؤمن المسلم يحق له أن يتزوج أربع نساء، فإذا تزوج أربع نساء نصيب الواحدة منهن ليلة كل أربع ليال، فحكم سيدنا علي لهذه المرأة أن يتفرغ لها ليلة في كل أربع ليالي، فلما بلغ عمر بن الخطاب هذا الحكم أُعجِب به" حكم صحيح. معنى الإحياء :
فإذا قلنا: إحياء الليالي يعني إحياء تام من دون نوم إطلاقاً فهذا لا يتحمله الإنسان، ولكن يتحمله في العام مرات عديدات، أما هنا نُدِبَ إحياء ليلة الجمعة أي طوال ليلة الجمعة لم ينم، وإذا جاء إلى الخطبة ينام في المسجد، فمعنى الإحياء زاد عن الحد المعقول، وزاد عن العشاء جلسة، وإذا الإنسان سَهِرَ مع إخوانه المؤمنين في موضوع ديني فهذا إحياء! قام قبل الفجر، وصلى ركعات، فهذا إحياء!
ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان؟ لأنها تكفّر ذنوب السنة، وليلة الجمعة لأنها تكفر ذنوب الأسبوع، ولكن يوجد هنا نقطة دقيقة: إذا ظن أحدكم أن عنده رصيداً ناجحاً يقوم بفعل الذنوب طوال الجمعة ويكفرها الخميس، يقوم بفعل الذنوب أثناء العام وفي شهر شعبان القادم على الطريق نكفر به عن ذنوبنا، هذا فهم سقيم، ومغلوط، فيما لو صدر من إنسان ذنب من دون قصد، أو تصميم، أو من دون إرادة، أو من دون رغبة، فإن جلسة إحياء هذه الليالي يشفيه من هذا المرض الذي سبب له الوقوع في الذنب. وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((من أحيا الليالي الخمسة، وجبت له الجنة، ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر، وليلة النصف من شعبان))
[ الترغيب و الترهيب عن معاذ بن جبل]
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قَامَ لَيلَةَ النِصْفِ مِنْ شَعْبَانْ، ولَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
نقطة دقيقة، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))
[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
هذا الذي قلته قبل قليل، إذا الإنسان استيقظ الساعة الخامسة أو الرابعة والنصف في هذه الأيام وصلّى قيام الليل، وذهب إلى المسجد فهذا قيام ليل، أي أحيا هذه الليلة، وإذا كان بعد العشاء عنده موعد، في موضوع فيه ذكر، فيه مذاكرة، فيه قرآن، فيه مذاكرة للحديث الشريف.. فهذا المجلس إن ذُكِرَ بعد العشاء فهذا إحياء! فالنبي الكريم كان رؤوفاً بأمته، وهناك أشياء لم يفعلها، كان صائماً في السفر فأفطر، فهل شعر بحاجة ماسة للطعام؟ أنا أظن قد يكون لا، ولكن لماذا أفطر؟ لئلا يشق على أمته، وهناك بعض السنن التي تركها ثم فعلها، ليست مؤكدة، أليس بإمكانه فعلها؟ نعم بإمكانه، لكن عمله تشريع، ومخالفة التشريع معصية، لا أنسى المرأة التي جاءت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو زوجها، فقال النبي الكريم لها: ((أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ أَلا تَعْجَبْ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ، بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ، لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ، فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ أي لو أنك ترضين بما يقول، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي؟ -أمرك منفَّذ- ومعصية أمرك معصية، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، ما رضي النبي الكريم أن يضع مقامه مقام الرسالة مقام النبوة في الضغط على زوجة، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، ولو أنني أمرتك لوجب التنفيذ، ولكانت المخالفة معصية كبيرة، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ. الجماعة رحمة والفرقة عذاب :
((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))
[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
فالإنسان إذا استيقظ قبل الفجر، وتوضأ وذهب إلى المسجد، إلى أين هو ذاهب؟ سؤال؟ إنه ذاهب إلى الله! إني ذاهب إلى ربي، ليس شيئاً سهلاً، لا يوجد طعام ولا شراب ولا دعوة، لا شيء في المسجد إلا الصلة بالله عز وجل، والصلة في بيته أشد، فإذا صليت الفجر في جماعة فكأنما أحييت الليل كله.
سبحان الله عندما يعتاد الإنسان صلاة الفجر في جماعة تنقلب هذه الصلاة إلى عادة ثابتة، فمن عاداته أنه ينام الساعة الواحدة ويستيقظ الرابعة والنصف، وينام الساعة الثانية، ويستيقظ في الرابعة والنصف، يكون مسافراً فيستيقظ بالرابعة والنصف، ويكون متعباً فيستيقظ الرابعة والنصف، الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
((خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا، فَقَالَ، أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ، وَلا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ، وَلا يُسْتَشْهَدُ، أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ))
[الترمذي عَنْ ابن عمر]
رجل يصلي وحده، يقول: أبقى نائماً، الله غفور رحيم، لست مرتاحاً، يأتي لجسدك معلومات من الشيطان معقولة، لو قمت للصلاة لن تفهم شيئاً منها لأنك نعسان، أما إذا عوّدت نفسك على الصلاة في جماعة، لحصل وضع آخر، أصبحت هذه الصلاة راسخة. من اقتطع من وقته الثمين وقتاً لله عز وجل وفّر الله له وقته وبارك له فيه :
أخوة كثيرون يقولون لي: بعد أن صلينا الفجر في جماعة، أصبحت هذه الصلاة جزءاً من حياتنا، فلو أن مرة واحدة فاتتنا هذه الصلاة لتعكّر يومنا كله! وكأنهم فقدوا شيئاً ثميناً، "لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس، أكفك النهار كله".
فإذا الإنسان توضأ وارتدى ثيابه وتوجه إلى المسجد، إلى أين هو ذاهب؟ إلى الله، إذا كان قد جاء من مكان بعيد، من طرف المدينة، إلى المسجد فهذا شيء ثمين! والأجداد قالوا -رحمهم الله - : الثواب على قدر المشقة! أخ يجلس معنا هنا قد قَدِم من دوما، من حرستا، من زملكا، من عربين، من جوبر، ركب الباص الأول والثاني، و الباص لا يوجد فيه محلات، وانتظر، وتحمل الطريق ساعة ونصفاً حتى وصل، وعنده ساعة ونصف للعودة، والله هذا أجره لا يمكن أن يكون مثل الذي يسكن أمام الجامع، رب العالمين والله يقدر الليل والنهار، يقدر المسافات، ويقدر أزمة المواصلات، و الركوب في الباصات، ويقدر دفع المبلغ الكبير للتاكسي مثلاً، وجدت نفسك تأخرت فأخذت تكسي، فطلب منك تسع ليرات، والله يقدر الليل والنهار كله بقدر، يقدر حجم التضحية تماماً، وأحياناً تكون على أحر من الجمر، وأحياناً يكون عندك موسم شديد جداً تقول: وقت الله مقدس، لا أعتدي عليه، توقف العمل وتتوجه إلى المسجد، حق على الله سبحانه وتعالى أن يكرمك، أنا أعتقد وجازم بهذا القول: إذا أغلقت المحل قبل الوقت المعتاد كي تتوجه إلى مجلس العـلم، أنا أعتقد جازماً والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن تفوتك بيعة، هذا الذي يأتـيك ويراك قد أغلقت الدكّان سبحان الله يتعلق بهذا المحل، ويقول: غداً آتيه، و جارك الملاصق يكون عنده نفس البضاعة، فيريد من عندك.
والله عز وجل يلفت نظر الناس إليك، ويجعل قلوب الناس تهوي إلى هذا المحل، إنه مغلق وجاره لديه البضاعة نفسها، لا، لأن هذا أغلق محله ليتوجه إلى المسجد فهو في حفظ الله، وهذا الشاري لن يشتري من عند غيره، أنا أرى محلاً يبيع عصيراً في سوق الحميدية أذّن الظهر فأغلق محله، ينتظر الزبون نصف ساعة ليأتي البائع، اذهب وصلِّ معه، ينتظره حتى يعود من الصلاة ليسقيه كأساً من العصير! فالله عز وجل بيده قلوب العباد، وأنا أقول لكم كلاماً أعني ما أقول تماماً، مثلما ربنا عز وجل أمرنا بـزكاة المال، أيضاً أمرنا بزكاة الوقت.
وأنا قلت اليوم لأخ: أحياناً ينكسر برغي وسط آلة، تنكسر قطعة منه فتجد نفسك لا يوجد حل، حتى تفك هذه الآلة وتأخذ لها سيارة إذا كان حجمها معقولاً أو تأخذ لها ونشاً، أو لمحل ليضعوا عليها ملحمة يلحمون عليها البرغي، وقد تأخذ من وقتك عشر ساعات أو عشرين ساعة، أو ثلاثين ساعة، وأحياناً تنكسر قطعة بآلة تضطر أن تسافر لبلد آخر لتحضر مثلها، الله عز وجل قادر أن يضيع من وقتك مئات الساعات، عدا النفقات، فلو أنك اقتطعت من وقتك الثمين وقتاً لله عز وجل، لا تحيد عنه، لوفّر الله لك وقتك، ولبارك الله في حياتك.

من أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره :
أذكر حديثاً آخر:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَدْرَكْتَ أُمَرَاءَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قُلْتُ، مَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ، صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلْ صَلاتَكَ مَعَهُمْ نَافِلَةً ))
[الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
أنه من أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ! أحياناً يجلس الرجل ليسهر مع أهله فلا يصلي صلاة العشاء، شيء يزعجه، لا يهنأ بقصة، ولا بحديث، ولا بقراءة مقالة، إذا فضّل الجلوس مع أهله وقرأ لا يهنأ لأنه لم يصلِّ العشاء، أصبحت الساعة الحادية عشرة نَعِسَ فقام للصلاة بكل نفس ذائقة الموت! إذا كان الإنسان يريد أن ينام لا يصلِّ فليرقد قليلاً حتى يصحو، إذا كان سيصلي وهو في تعب شديد ليست هذه صلاة، إذا كان صلى الصلاة في المسجد مع أذان الظهر يأتي إلى البيت يأكل وينام وليس عليه شيء، أما إذا كان لم يصلِّ يريد أن يأكل وأكثر من الطعام لا يبقى به قوة للصلاة، وإذا صلى وكان جائعاً جداً فعقله بالطعام، وهذه مشكلة، فصلِّ الظهر في وقته، يبارك لك في وقتك.
من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ! أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها.
كره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المتقدم ذكرها :
وهنا شيء جديد بالكتاب، يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي! لأن قيام الليل من عمل السر، والإخلاص، ولو أنه أُبْدِيَ في جماعة لأصبح ذلك مشوباً بالنفاق! وقيام الليل إحياء الليالي هذا كما قال العلماء، يُكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المتقدم ذكرها في المساجد ! وليس محرّماً، إذا الإنسان لم يحيها وحده إطلاقاً، لماذا الآن يقومون بالإحياء في المساجد؟ لعدم وجود الهمة الفردية بأن تحييها وحدك، وقديماً كان الإنسان عنده رغبة عظيمة جداً للتقرب من الله عز وجل، وهذه صلاة قيام الليل، تبكي، تطوّل، تقصر.. تركع أحياناً ربع ساعة، بالسجود لك عند الله قائمة مطاليب فطلبتها كلها في هذا السجود، أنت حر في بيتك، وأحياناً الإنسان يأتيه الخشوع ويطيل في السجود ويطيل في الركوع فهذه الصلاة خاصة جداً من خصوصيات المؤمن، لذلك النبي الكريم كان يصليها في البيت، ويكره أن تصلى في جماعة في المساجد.
لكن أفسر لكم لماذا الناس الآن يحيون هذه الليالي في المساجد؟ لأن همة الإنسان الآن ضعيفة جداً، فأنا أقول: إحياؤها في المسجد في جماعة خير من عدم إحيائها كلياً، وهذه مكروهة، إذا كانت مكروهة أن تصلى في المسجد في جماعة وأنت لا تصليها فأنا أفتي لك أن تصليها في المسجد في جماعة! ولو بلغك أن هناك جامعاً فيه إحياء ليلة العيد وأنت لم تنوِ إحياءها وحدك اذهب واحضر الإحياء في المسجد، وصلِّ قيام الليل في جماعة! فهو مكروه كراهة، أما لو عندك همة عالية وتحيي الليلة وحدك فأفضل، وأقرب، وأشد إخلاصاً، وتأكيداً لنفسك أنك مخلص، لماذا يُكْرَه؟ ليس هناك نهي إطلاقاً بالمناسبة! ولكن لأن النبي الكريم لم يفعل هذا لا هو ولا أصحابه، فالنبي الكريم وأصحابه الكرام ما فعلوا هذا، ولكن ربنا عز وجل قال:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ﴾
[ سورة المزمل: 20]
و الله عز وجل في القرآن الكريم ثبت قيام الليل للنبي ولأصحابه، ولم يصل النبي هذا القيام في المسجد في جماعة، لكن نحن في عصر متأخر جداً، إذا الإنسان لم يصلّ وحده وسمع أن هناك إحياء ليل لا مانع! أنا أحبذ أن يصلى قيام الليل في جماعة لأن همة الناس قد ضعفت! وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الموضوعات.
* * *
الاتصال بالله جوهر الدين :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين؛ الاتصال بالله جوهر الدين، والدين فيه نصوص، وعلوم، وتجويد، وفقه، وعلم فرائض، وتاريخ، فيه علوم كثيرة، وعندما يتقن الإنسان علوم الدين الظاهرة وقلبه خاوٍ من ذكر الله، و من الصلة بالله، كأنه جسد بلا روح! والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: " إِنَّ لِلإِسْلاَمِ مَنَارَاً وَ ضِيَاءً ".
ما قيمة هذه المنارة إن كان مصباحها منطفئاً؟ لا شأن لها! وما قيمة هذا المصباح إن كان على الأرض؟ لا قيمة له، فالإسلام له جسد، وله روح، روحه الاتصال بالله عز وجل، وهيكله هذه العبادات؛ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وتنفيذ الأوامر، فالإنسان إذا كان قلبه لا يوجد فيه محبة لله عز وجل كان جسداً بلا روح!، " ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ".
لو أن دمعة هطلت على خدك من خشية الله لكان هذا أفضل من عبادة طويلة خالية من الخشوع!

((عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا! أَبُو شُرَيْحٍ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَاكَ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[الدارمي عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ]
ومن باب التصميم، هذه عين لم تنظر إلى عورة ومن عادتها غض البصر تُحرمُ منها؟ لا والله، هذه الأذن ما استمعت إلى غناء إطلاقاً فهل تصاب بالصمم؟ لا والله، حاشا لله هذه اليد لم تفعل إلا الخير فهل تصاب بالشلل؟ لا والله، و هذه الرجل لم تتحرك إلا إلى المساجد و الطاعات و الأعمال الصالحة فهل تصاب بالقعود؟ لا والله ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا وعقولنا ما أحييتنا، هذا الدماغ الذي يحفظ كتاب الله، الذي يفهم ويعي كتاب الله وسنة رسوله يصاب بالخرف؟ لا والله، من قرأ القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، أنت تعامل من؟ تعامل خالقاً، إذا أحدكم عامل بشراً تجد بعض الوفاء، فتقول: هذا أعاننا بزمانه، إنسان لو أعان إنساناً لئيماً لا ينساها لك، فأنت تعامل إلهاً، وتعامل خالق السموات والأرض، وتعامل من له الأسماء الحسنى، تعامل الوفي، وتعامل الكريم والغني القدير..
وتغض بصرك عن محارم الله وتفقد بصرك؟ لا تسمع الغناء بأذنيك، بل تسمع القرآن وتفقد سمعك؟ لا والله، هذه الحواس إذا أطعت الله فيها فطاعة الله عز وجل ضمان من أن تفقدها، في ضمان ذلك: الـحمد على النعمة أمان من زوالها، رجل نظر بالمرآة فرأى أن وجهه كامل، قال: يا رب لك الحمد الذي حسّنت خَلقي، وكما حسّنت خَلقي فحسن خُلُقي، إذا نظرت إلى وردة وقلت: والله إن الحمد لله بصرت، هذا الشكر بنعمة البصر أمان من زوالها.
الحمد على النعمة أمان من زوالها :
أنا أطمئنكم مهما قيل إن الأمور مثلاً أحياناً العالم يتجه نحو مجاعة، نقص في المواد الغذائية، وارتفاع أسعار شديد مثلاً مهما قيل هذا إن كنت شاكراً لنعمة الله عز وجل فلن تفقد هذه النعمة! هذا قرآن قال:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة إبراهيم : 7]
حمدك على نعمة الله أمان من زوالها، كل منكم ينظر لوضعه راض عن وضعه الحمد لله على أحسن وليس على أسوأ كما يقول الناس، هناك أناس متشائمون، يجلس بمجلس يملأ قلوب الناس ضيقاً، هذه سيرتفع سعرها، وهذه ستفقد، وهذه لا توجد، وهذه توجد.. تجد الذي يجلس معه تشاءم، الله عز وجل قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
هذا وعد إلهي، وليس في بعض البلاد فقط، بكل البلاد مطبّق، لكل الأزمان والعصور، أنا أتمنى من كل أخ إذا قرأ آية، فهناك من يقرأ القرآن تبركاً، تجده متضايقاً نفسياً، متشائماً، عنده سوداوية، و المستقبل مظلم بنظره، ويقرأ قرآناً، الله عز وجل خالقك وخالق كل شيء، يقول لك: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
كل هذا الوعد وتقلق وتيئس وتسوَّد الدنيا في عينيك؟ إذاً لا تقبل هذا الكلام! لست مصدقاً له. علامة الإيمان أن الذي يقوله الله يدخل إلى أعماق قلب الإنسان :
الحقيقة علامة الإيمان أن الذي يقوله الله سبحانه وتعالى يدخل إلى أعماق أعماق قلبك! إذا كنت أنت على وشك الزواج، وخطبت فتاتين الواحدة منهن وسط نسبة جمالها، لكنها صاحبة دين، ومن أسرة ديّنة، والثانية جميلة لكن هناك رقة في دينها، وإذا أنت اخترت الذي أمرك به:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221]
هل تكون مخطئاً؟ ممكن أن تتعب مع المؤمنة؟ لا والله، لم تسعدك، تشقى بها، إذا أنت آثرت ما يقوله الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221]
فهل باختيارك الصحيح بما يرضي الله تشقى بها؟ لا والله، هنا يظهر المؤمن، إذا قلت: صدق الله العظيم، إذا قال الله: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
أنت تصدقه؟ يا أخي عصر صعب كل الناس هكذا، ماذا نفعل؟ تجد نفسك تمشي مثل الناس، وتأكلها مثل الناس، أما إذا كنت تقول: أخاف الله رب العالمين، تميزت عنهم، بعملك، وبمعاملة الله لك، رجل قال: والله هو شيء أنا أسمعه آلاف المرات، لكنه اليوم قال لي: البلاء يعم، والرحمة خاصة، قلت له: والله إذا كنت أنت معلماً، وقلت لطلابك افتحوا الوظائف، وفتحوها وكلهم لم يكتبوها، وغضبت، ومسكت العصا، وأمرتهم بفتح يديهم بالدور مقعداً مقعداً! المقعد الثالث أول طالب كاتب الوظيفة، كلمة كلمة مضبوطة وبخط جميل اضربه هيا تفضل! أنا قلت: سأضرب الجميع، لماذا الجميع؟ ماذا فعل هذا الطالب المجد؟ إن ضربته فلست معلماً! تُذَم، أنت لا تضربه. الله عز وجل لا ينسى المؤمن :
أنا قلت كلمة اليوم: لو أن الله عز وجل أراد أن يهلك من في الأرض جميعاً بذنوبهم وكان في الستة آلاف مليون فقط إنسان مستقيم على أمر الله لا يمكن إلا أن ينجيه الله سبحانه وتعالى، هذه قصة أنا أرويها دائماً....قال تعالى:
﴿ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة هود: 43]
وغرق، وسيدنا نوح في قمة الموج، وفي أشد اضطرابه تذكر المرأة التي لم يدعها فظن أنها ماتت، قال: بعدما انتهى الطوفان جاءته هذه المرأة وقالت له: يا نوح متى الطوفان؟ قصة لها معنى، إذا هو نسيها لكن الله لا ينساها، الله لا ينسى! ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ﴾
[ سورة طه: 52]
الله عز وجل رحمته مطلقة :
ما معنى الله مطلق؟ أن رحمته مطلقة، ولا غلطة مع أيٍ كان، فالرحمة خاصة، والبلاء خاص، قال:
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ*قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ*مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ*فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة الذاريات: 31-36]
أول شيء أخرجناهم، ثم أهلكنا الباقي! هكذا القرآن الكريم، أي عقيدة تعتنقها خلاف كتاب الله فهي ضلال كبير. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
تأكد بأي عصر وأي مصر لو جاء بلاء عام، لو جاء زلزال، يجب ألا يضر بيت المؤمن! أو ربنا عز وجل يخلق له حاجة في بلد آخر فيبتعد عن البلد فيأتي الزلزال! والله مشكلة ففي هذه الأيام نسمع قصصاً كثيرة منها إنسان كان بمكان و تركه لو بقي لمات، أنت لماذا غادرت البناء؟ قال: خطر ببالي أن آخذ ربطة من الخبز قبل خمس دقائق غادرت البناء فصارت المشكلة، الله عز وجل يحفظ المؤمن، يخلق له حاجة خارج هذا المكان، يصرفه، أنت ما دخلت بهذا! ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
إذا قال لك: أنا سأعيشك حياة طيبة أو لا تصدق، كن متفائلاً دائماً، أما أحياناً فالإنسان البعيد عن الله سوداوي المزاج، متشائم، ليس عنده إلا خبر السوء دائماً، ويجمعها بكثافة بحيث تجتمع على الإنسان فتهلكه، تجده قد أصيب بالشلل ليس به قدرة ليتحرك. * * *
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الإنسان بدعائه الأوقات الشريفة :
تحدثنا في الدرس الماضي عن فضيلة الدعاء، والآن نتحدث عن آداب الدعاء:
قال الإمام الغزالي: آداب الدعاء عشرة: الأول: أن يترصد بدعائه الأوقات الشريفة، هناك أوقات شريفة للدعاء، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
على مستوى اليوم هذه الأوقات الشريفة التي يستحب أن يدعو بها المؤمن ربه، قال تعالى:

﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الذاريات : 18]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ))
[أبي داوود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
من يحب أنا جاهز، نائم لا أحد لأحد، نام متأخراً لأنه كان يتابع فيلماً، وقيل: إن يعقوب صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة يوسف: 98]
لماذا سوف؟ الآن استغفر ربك، يقصد للوقت الشريف. أي أخّر الدعاء لوقت السحر، هناك إشارات في القرآن دقيقة جداً على كلمة سوف.
2 ـ أن يغتنم الأحوال الشريفة :
الأدب الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه:
(( إن أبواب السماء تُفَتَّح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى- هذه حالة شريفة- وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها))
[ إحياء علوم الدين عن أبي هريرة]
لماذا بعد الصلاة دعاء؟ هذا حال شريف فلو كان الرجل لاهياً يدعو، وصلى صلاة متقنة، نفسه صفت وأشرقت بنور الله، فالآن إذا دعا الدعاء فهو مقبول! أول أدب: الوقت شريف، أما الآن الحال شريف، وقت وحال، وقال مجاهد: إن الصلاة دعيت في خير الساعات، فعليكم بالدعاء خلف الصلوات، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ ))
[أبي داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
فإذا أذّن العشاء، أغمض عينيه ودعا الله عز وجل بين الإقامة والأذان فلا يرد! ((عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّائِمُ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ ))
[ أحمد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ]
والحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات، كأن الأدبين أدب واحد، شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، وشرف الحالات إلى شرف الأوقات، لدينا شرف الأوقات على مستوى اليوم السحر، وعلى مستوى الأسبوع الجمعة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى السنة يوم عرفة. ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا صلّى الإنسان وحده في البيت وسجد وقال: سـبحان ربي الأعلى ثلاثاً، يقول: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً، والله شيء جميل، يا رب زوجة صالحة لأنه على وشك الزواج، لا يعرف من يخطب؟ يا رب مأوى، يا رب الهدى، يا رب اجمعني مع أحبابك، يا رب اجمعني مع أهل الحق، مع الصادقين الذين تحـبهم، هذا دعاء، له ابن مريض يدعو: يا رب اشفه، له ابن ضال: يا رب اهده.
3 ـ أن يدعو مستقبلاً القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
الأدب الثالث: أن يدعو مستقبلاً القبلة، وينتبه باتجاه القبلة، ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه، هناك تذلل.
((رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا يَدْعُو حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ....))
[ابن ماجة عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
وفي غزوة بدر دعا النبي صلى الله عليه و سلم حتى سقط الرداء، سيدنا الصديق أشفق عليه، قال له:" يا رسول الله بعد مناشدتك ربك إن الله سينصرك، لكن هناك قصة لم أكن أفهمها كيف أصيب سيدنا الصديق بذعر شديد في غار ثور، لقد رأونا، قال له: (( عَـنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))
[البخاري عَـنْ أَنَسٍ]
نحن مع الله عز وجل، وإذا كان أحدكم على حق فعليه ألا يخاف. ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
[ سورة النمل: 79]
أنت مستقيم لا تخف، ولا تجعل قلبك يمتلئ ذعراً من أحد، أنت مع الله، الله لن يتخلى عنك، غير معقول أن يتخلى عنك ولا بأي شكل، هذه أولى قواعد الإيمان، أنت في حفظ الله، بأعيننا، فكيف سيدنا أبو بكر في غار ثور النبي الكريم طمأنه، وكيف الصديق رضي الله عنه- الآن الآية معكوسة- يطمئن النبي في بدر؟ قال بعضهم: إن النبي الكريم في غار ثور أخذ كل الأسباب، فلم تبق خطة أفضل من هذه، خرج باتجاه البحر، وأمّن دليلاً، وأمّن رواحل، وأمّن إنساناً يأخذ الأخبار، وأمّن إنساناً يمحو الآثار.. ووضع خطة محكمة مئة بالمئة، ليس فيها أي ثغرة، وبعد أن أدى الأسباب توكل على رب الأرباب، ولكن في بدر خاف أن يكون هناك تقصيراً بالأسباب، ألا يكون هناك إعداداً صحيحاً. الفهم السقيم للتدين الشكلي مرفوض والتوكل أن تأخذ بكل الأسباب :
طالب مؤمن الله ينجحه هذا كلام فارغ، لن تنجح إلا إذا بذلت كل طاقتك، سوء أدب، لا أدرس أنا مؤمن، ما هذا المؤمن؟ هل الله سيغير القوانين لأجلك؟ سيغير قوانين الكون كله، فأنت لا تقرأ وتريد أن تنجح؟ هذا لا يصح، فالفهم السقيم للتدين الشكلي مرفوض، والتوكل أن تأخذ بكل الأسباب.
وسيدنا عمر وجد أناساً فقراء فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم! المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، ازرع الأرض، اليد العليا خير من اليد السفلى، ما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر! عندما ينوي أن يطلب باب فقر، عندما ينوي العمل باب غنى.
يا أخي خذ نصف مالي، خذ تفضل، الأنصاري للمهاجر لدي بيتين خذ واحداً منها، وبستانين خذ واحداً منها، هبة وليس مؤقتاً، لكن الزوجتين ليست واردة إطلاقاً ولا يصدقها أحد، فهذه خلاف الأصول وخلاف الـدين، قال له: خذ واختر واحدة منهن، هذه غير واردة، أما بستانين فخذ واحداً منها صحيحة، اسمعوا الجواب والإيمان: قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق! أنت أعطيت، لا أنا أعمل، إنسان شديد عتيد شاب قوي يطلب؟! عندما يفتح الإنسان باب عمل يفتح الله له الخير، يفتح باب مسألة يسدها في طريقه.

((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ، فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ، فَيَجِئَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ]
وسأقول لكم كلمة أدق من هذه: كن عزيز النفس، واطلب من الله عز وجل، يا رب أنت الرزاق، عطاء ربنا عز وجل لا يوجد أحلى منه، فالإنسان لئيم ممكن ألا يتكلم ولا كلمة بخمس سنوات، ويمر بظرف صعب يقول لك: أنا أعطيتك، ولذلك ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما في يدي الله يحبك الله.
أريد أن أوضح لكم نقطة كيلا يذهب الظن بكم إلى موضوع لا أريده: إذا الإنسان بذل طاقته في كسب المال، وواجه مشكلة فوق طاقته، وطلب معاونة أخوانه، فهذه ليست مسألة، أي إذا بذل كامل طاقته، أما إذا ادخر الطاقة، ولم يبذل، ولم يعمل، وطلب، هذا المقصود، أحياناً الإنسان يقع بأزمة يحتاج لأخيه المؤمن أن يساعده، فهذا إذا قبل المعاونة له أجر، والذي عاون له أجر، أما إذا لم يبذل جهداً، وجلس مستريحاً في البيت لا يعمل، وطلب معاونة، فهذا المقصود، من فتح باب مسألة فتح الله عليه باب فقر، ولكن إذا الإنسان بذل كل ما يستطيع ووقف به الجهد إلى هذا المكان، وهناك مسافة أبعد واحتاج لمعاونة فهذا شيء مشروع وليس فيه مانع.
إذاً أن يدعو مستقبلاً القبلة، ويرفع يديه.
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
ولا يشير بإصبعه، فالدعاء بكامل الأصابع، وسوف نتابع آداب الدعاء في درس قادم إن شاء الله تعالى. خاتمة :
كنت أعددت موضوعاً عن زواجه صلى الله عليه وسلم، وعن خطبة النكاح، و لكن الوقت ما اتسع لهذا الموضوع، إن شاء الله في أسبوع قادم، والآن لدي ورقة من جهة تريد من الأخوة الأكارم الضيوف الأفارقة من كان بحاجة إلى عمل فهنا مجال لعمل جيد وأجر معقول، فكل أخ يحب أن يعمل من الأخوان الأفارقة الضيوف إذا لديهم وقت فراغ غير الدراسة مثلاً بعد الدرس يلتقون معي، وهنا رجل عارض عملاً بمزرعة فمن يحب من الأخوة الأفارقة وبحاجة للعمل ينتظرني بعد الدرس حتى أعطيه مواصفات العمل، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم كما هديتنا للإسلام فثبتنا عليه، اللهم ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً، واهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذة النظر إلى وجهك الكريم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنباه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.








السعيد 09-10-2018 01:49 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع :صلاة النفل





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة النفل :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الصلاة إلى جواز صلاة النفل جالساً، يجوز النفل، وكلمة النفل يعني مطلق السنن المؤكدة وغير المؤكدة، يجوز النفل قاعداً مع القدرة على القيام، والفرض لا يجوز، لكن هذا الذي يصلي قاعداً وهو يقدر على أن يصلي واقفاً فنصف الأجر إلا إذا كان معذوراً، فإذا كان معذوراً فله الأجر كله، فيجوز التنفل قاعداً مع القدرة على القيام، وقد أجمع العلماء أن هناك استثناء واحد وهي سنة الفجر لأنها أشد السنن توكيداً، ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بعض السنن قاعداً إلا أن العلماء يؤكدون على أن صلاة الفجر يجب أن تكون واقفاً، والتراويح فيها خلاف، وطبعاً المعذور لا يوجد فيها خلاف، والمريض، من يشكو ألماً، في أقدامه عروق، وآلام في عظامه، فهذا إنسان آخر لكن الحديث عن إنسان لا يشكو شيئاً وأراد أن يصلي بعض السنن قاعداً نقول له: لا، والتراويح قضية خلافية بعضهم أجازها وبعضهم لم يجزها، ولكن الأصح جوازها قاعداً من غير عذر.
نية المؤمن خير من عمله :
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعض الوتر قاعداً، وكان يجلس في عامة صلاته في الليل تخفيفاً، أي إذا الوقوف سوف يعيقه عن الإقبال على الله عز وجل بدل أن ينام يصلي قاعداً، والإنسان أحياناً يكون سنه متقدماً من فوق الخمسين لا يستطيع أن يقف كثيراً نخيره إما ألا تصلي واقفاً وإما أن تصلي و أنت قاعد، فعليه أن يصلي قاعداً ولكن الأجر أقل.
و للمصلي وهو قاعد كما قلت قبل قليل نصف أجر القائم لقوله صلى الله عليه وسلم:
((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ))
[الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ]
إلا أنهم قالوا هذا في حق القادر أما العاجز من عذر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أجره يفوق الذي يصلي قائماً لأن هذا اسمه جهد المُقِل، أي رغم مرضه، ورغم ضعفه، ورغم آلامه قام وصلى قاعداً، أما العاجز من عذر فصلاته بالإيماء كإنسان مجبصن، وأجري له عملية جراحية، فيصلي بعيونه، فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لأنه جهد المقل، والإجماع منعقدٌ على أن صلاة القاعد بعذر مساويةٌ لصلاة القائم في الأجر، الأجر نفسه. بل قال بعضهم: بل هو أرقى منه لأنه أيضاً جهد المقل، ونية المؤمن خير من عمله. ما كل ما يتمناه المرء يدركه :
مرة قرأت كلمة تركت في نفسي أثراً بليغاً، طبعاً هذا الحديث له تتمة، فالإنسان يتمنى أن يكون له كجبل قاسيون ذهباً، ذهب ليحل مشاكل الناس كلها، هذا تنحل قضيته بثلاثين ألفاً، وهذا يحتاج إلى بيت بأربعين ألفاً، و هذا يريد أن يتزوج، المؤمن يتمنى أن يكون عنده حجم جبل قاسيون ذهباً حتى يحل مشكلات الناس، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، النبي عليه الصلاة والسلام تمنى ذلك و قال:
((مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً تَمْضي عَلَيَّ ثَلاَثَةُ أيّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ، إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ))
[ البخاري عن أبي ذر]
نية المؤمن خير من عمله، وأحياناً يقدم المؤمن صدقة مئة ليرة فيتمنى من أعماقه أن يدفعها ألفاً ولكن هذه إمكانيته، عنده زوجة وأولاد، وأحياناً يقدم إلى المسجد خمس ليرات ويتمنى أن يدفعها مئة ليرة هذه إمكانيته، يقع هذا المبلغ بيد الله قبل أن يقع في يد الفقير و الله عز وجل يتقبله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "رب درهم سبق ألف درهم".
ودرهم أنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أنفق في رياء. فاعل الخير خير من الخير وفاعل الشر شر من الشر :
قرأت مرة كلمة مشابهة لهذا الحديث: فاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر، والإنسان مهما فعل من شر، وكان الشر مستطيراً، فبالنهاية محدود، لكن عذاب فاعل الشر غير محدود، وهذا الذي ألقى على هيروشيما وقتل ثلاثمئة ألف في ثوان وفقد عقله، طبعاً المنفذ له نصيب، والذي أعطى أمراً نصيبه أوفى، و على كلٍّ فهذا العمل محدود بثلاثمئة ألف لكن عذاب هذا الذي قتل هؤلاء بلا سبب قد يكون غير محدود، و الشر مهما كان كبيراً بالنهاية هو صغير، وفي نهاية الحياة قد ينتهي كل شيء، لكن عذاب فاعل الشر عذاب أبدي، وإلى ما شاء الله، وفاعل الخير والخير أيضاً محدود أطعمت مسكيناً، وعدت مريضاً، ودعوت إلى الله، و هديت إنساناً، لكن سعادتك بهذا العمل غير محدودة.
مرة توفي أستاذ لنا في الجامعة تصورت أن هذا الإنسان له مؤلفات ليس لها علاقة بالدين بل بالأدب، هذا الموضوع خارج اهتمام أي إنسان، قلت: لو أن الإنسان وقف بين يدي الله عز وجل وقال له: يا عبدي ماذا فعلت في الدنيا؟ يا رب المؤلف الفلاني، والمؤلف الفلاني ... و كل هذا لا علاقة له بالآخرة لا يتصل بالقرآن، ولا يتصل بالهدى، إنه جهد ضائع، ومتى يندم عليه ندماً شديداً؟ عند الموت وهذه الليالي الطويلة، وهذه الصفحات الكثيرة، والجهد المضني، والذي ألفه في موضوع الغزل كان من الممكن أن يفهم به كتاب الله، كان من الممكن أن يؤلف تفسيراً لكتاب الله يسعد به النفوس، وعلى الإنسان أن ينتبه لعمله أنه يوجد جهد ضائع، والحياة محدودة، وأخطر شيء الوقت، وأحد العارفين بالله مرّ في الطريق فرأى أناساً في المقهى يلعبون النرد قال: آه لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريته منهم، الوقت ثمين جداً، بالوقت تعرف كتاب الله، وتفعل الخير، و تقبل على الله بالوقت، فأثمن ما في حياة المؤمن الوقت، لذلك:
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال له: هل أنت غضبان مني؟ قال له: والله لا أغضب من أحد لأنه لا يوجد عندي وقت لأغضب من أحد، وهذا الموضوع دون اهتمامي وخارج اهتمامي. المعذور كيفما يرتاح يجلس :
العلماء اختلفوا في كيفية القعود قال بعضهم - وكلامه وجيه - : إذا كان الأصل في الصلاة القيام تجاوزناه فلأن نتجاوز شكلاً خاصاً في القعود أولى، المعذور كيفما يرتاح يجلس.
والآن يوجد عندنا حالة يجوز أن تبدأ الصلاة قائماً وتتمها قاعداً، ويجوز أن تبدأها قاعداً وتتمها قاعداً، ويجوز أن تبدأها قاعداً وتتمها واقفاً، فمادام سنة عدا صلاة الفجر والتراويح فموضوع خلافي، والأرجح أنه يجوز، هذا الكلام ليس موجهاً لشاب عمره سبعة عشر عاماً وهو قاعد هكذا الأستاذ قال، والذي شعر في ضعف عام لا يستطيع أن يقف وقفة طويلة، هذا الكلام خاص بمن ليس فيه مرض، ولكن أي إنسان سبحان الله عمره ثمانون سنة والله كالشباب، قال لي: سبحان الله يا أستاذ أنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن، قلت له: شيء طبيعي عامل الزمن وحده له قيمة، انظر إلى الشاب كيف يمشي، وفي الأربعين والخمسين يمشي بهدوء، فإذا الإنسان شعر بتعب عادي فله أن يصلي قاعداً، ألم أقل لكم من قبل إن أفضل أنواع تلاوة كتاب الله أن تتلوه مصلياً قائماً في مسجد أعلى درجة في الأجر.
الصلاة على دابة :
يوجد عندنا موضوع الصلاة على دابة، ولا أعتقد أن أحداً عنده دابة يصلي عليها، يحل محلها موضوع السيارة أي إذا كان أحدكم راكباً سيارة وأحب أن يصلي ركعتين نفلاً فممكن أن يصلي باتجاه حلب مثلاً، والقبلة نحو الجنوب، وقبلة المسافر جهة دابته، وقبلة الخائف جهة أمنه أي صلاة النفل ممكن أن تصلى بالسيارة وهذا الكلام ليس للسائق بل للراكب، لأنه يوجـد مرة سائق صلى فما هذه الصلاة؟ قال: يجوز، من أين جئت بهذا؟ هذا تزيدٌ في الدين.
* * *
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة :
والآن إلى متابعة فصل من إحياء علوم الدين، آداب الدعاء، تحدثنا عن الأدب الأول وهو أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة، وذكرنا أنه على مستوى السنة يوم عرفة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى الأسبوع الجمعة، وعلى مستوى ساعات الليل والنهار وقت السحر: (( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ حتى يطلع الفجر))
[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة]
وكلما قال لي أخ أنه مضطر إلى بيت أقول له: عليك بقيام الليل، قل: يا رب آوني برحمتك، إنه سميع مجيب، وكل شيء بيده، وأريد زوجة صالحة، قم وصلِّ قيام الليل يا رب زوجة صالحة تطيعني إذا أمرتها، وتسرني إذا نظرت إليها، وتحفظ نفسها إذا غبت عنها. 2 ـ أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة :
والأدب الثاني أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة:
(( إن أبواب السماء تُفَتَّح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى- هذه حالة شريفة- وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها))
[ إحياء علوم الدين عن أبي هريرة]
وهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات، الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه:" اللهم أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم" هذه دبر الصلوات المكتوبات. ((لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الصَّائِمُ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ))
[أحمد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أشرف الأحوال؛ حالة الصيام، وحالة الصلاة، وحالة السجود: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ))
[النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا قال لك أحدهم: كم الساعة لو سمحت؟ على قدر ما كان الإنسان عديم إحساس يبقى يسيراً، طفل أحياناً يسألك كم الساعة؟ وعمره ثلاث سنوات تجد نفسك مضطراً أن تجيبه، وأنت تسأل الله عز وجل خالق الكون وهو معك السميع البصير ألا يوجد استجابة منه؟ ليس معقولاً. ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ))
[الترمذي عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
فاتقوا الله عباد الله فيما تدعون، أي اطلب طلباً معقولاً، إذا قال ابن لأبيه: أريد شفرة لأذبحك بها لا يرد عليه، وإذا قال له: أريد قراءة مصحف، أريد أن أدرس، فالطلب معقول وينفذ فوراً، أما إذا الطلب غير المعقول فلا ينفذ، ولذلك: فاتقوا الله عباد الله فيما تدعون، هناك شيء مهم جداً في الدعاء، استحيوا من الله: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ]
لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل :
بالرأس يوجد عين هل تنظر إلى عورات الناس؟ هناك أذن هل تستمع هذه إلى الغناء؟ بالرأس يوجد لسان هل ينطق بالباطل؟ بالرأس دماغ بماذا يفكر؟ بالدنيا أو بالآخرة:
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
يوجد عندنا موضوع لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل فادعوا الله عباد الرحمن، تصور أن الدعاء وحده يمنع القضاء والقدر، ويمنع ما هو مقدر، والتشبيه المناسب لهذا الموضوع أن طبيباً جراحاً جاءه مريض يشكو توقف كليته عن العمل، فصور فوجدها واقفة فلابد من استئصالها، فلو أنه أعاد الصورة مرة ثانية قبل العملية بساعة ورآها تعمل فالطبيب قرر استئصالها، وأخذ توقيعه، وانتهى الأمر على أساس أنها واقفة فإذا عملت يلغى هذا القرار، وربنا عز وجل قرر إرسال هذه المصيبة لزيد من الناس لأنه منحرف فإذا سار إلى الله ودعا ربه وشفيت نفسه توقف القدر. ((لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلا الدُّعَاءُ وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ]
الدعاء وحده يرد القضاء، ما معنى لا ينفع حذر من قضاء؟ أي لو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، يقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))
[ أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الأمر بيد الله عز وجل أما على الرغم من أن الناس كلهم لو اجتمعوا على نفعك لا يستطيعون، ولكن الدعاء وحده يوقف القضاء، إذا أحدكم لاح له شبح مصيبة عليه بالدعاء، فالدعاء فيه صلة، والصلة في شفاء، والشفاء وقف تنفيذ العملية الجراحية، هذا كل الأمر. 3 ـ أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
الأدب الثالث: أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه:
((عن جابر بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس))
[مسلم عَنِ جابر]
الدعاء عبودية لله، والاستغناء عن الدعاء ادعاء الألوهية، من هو الذي لا يدعو؟ القوي، هل أنت قوي؟ من منا يضمن أنه يعيش إلى غد؟ رأيت محلاً لاحظت أنهم يعملون ديكوراً له أكثر من ثمانية أشهر ومن أعلى مستوى، ما وقعت عيني على تزيينات رخامية معقدة جداً كهذا العمل، فتح المحل و من فوق الخمسين باكيت ورد، ومضى على فتحه شهران رأيت منذ أسبوعين نعوة على المحل التجاري، توفي صاحب المحل، سبحان الله والله الدنيا لا تستحق هذا، إنه شيء مؤقت وماضٍ، الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له.
زرت شخصاً عنده مزرعة فخمة جداً واسعة، وفيها من كل الأشجار المثمرة، وقيل لي: إن صاحبها توفي وهو فيها فدفن في طرفها، أنا أتأمل هذه المزرعة أين هو؟ تحت التراب، هل يستمتع بها؟ لا انتهى، فالإنسان قيمته بعمله، إن لك يا كييس قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وأنت حي، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو ملك.
أحد العارفين بالله قبل أن يكون عارفاً بالله كان شقياً، شاهد في المنام ثعباناً كبيراً يلحقه وهو يكاد يصعق من الخوف منه، إلى أن رأى ابنته الصغيرة على رأس تلة ففعلت هكذا فكف هذا الثعبان عن اللحاق به، قال لها: يا بنيتي ما هذا؟ قالت: يا أبتِ هذا عملك، قال: من أنتِ؟ قالت: أنا عملك الصالح. الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له :
القضية ليست سهلة، أنا أنصح الأخوان نصيحة أن موضوع الموت لا يغادر أذهانكم أبداً، اعمل، وتاجر، وبع، واشتر، وادرس، وافتح بيتاً، و لكن موضوع الموت لا يغادر ذهنكم، ترك الدنيا، يدخل ويخرج هناك دخول لا خروج منه مرة واحدة، جنازة نازلة من المهاجرين إلى باب الصغير، هل سيعود إلى البيت مساءً؟ لا، لا يوجد عودة، أحب ألا يصلي فلابد من الدخول إلى المسجد لا ليصلي ولكن ليصلى عليه، فالموت يهز النفس ويضبط الأمور والله عز وجل جعل الموت رحمة.
شاب مهندس ذهب مع أهله إلى البحر وفي باله ألف مشروع، نزل إلى البحر ليسبح فمات في البحر، إذ صار معه جلطة أثناء السباحة، وعمره سبع وعشرون سنة، يقول الشاب: أنا شاب لا يمسني شيء، وهذا الكلام ليس لي بل للشيوخ الكبار في السن، فالموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً.
إنسان ذهب إلى فرنسا ليدرس وعاد معه دكتوراه، وعاد بالتابوت أخذها ومات في المطار، وأحدهم عاد وأثناء نقل أمتعته إلى البيت دهسته سيارة، لم يقل له أحد: دكتور ولا مرة، وقد يموت قبل الزواج، ويوجد مهندس يطل من بناء يشرف عليه، العامل من فوق رمى بلوكة فجاءت فوق رأسه فقتلته، بعد أسبوعين عرسه، وأهله قد جهزوا ثلاثمئة كيلو من الحلويات كي توزع في عرسه، فوزعوها على المعزين من شدة الألم، والموت يصل إلى الشباب أيضاً.
فأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وإذا أحببت شيئاً دائماً أبدياً تكون عاقلاً، وإذا أحببت شيئاً فانياً تكون أحمقاً، زوجته فانية لابد من أن يتركها أو أن تتركه، إن تركها وهي طيبة يا ترى هل تتزوج أم لا تتزوج؟ هل هي وفية إلى هذه الدرجة؟ وإن ماتت قبله يجوز بعد أسبوع أن يذهب ويخطب، يقول لك: لا يجوز أن يبقى الإنسان أعزباً يديرها دينية و النبي نهى عن هذا الشيء.
(( كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فبالركوع لا يوجد قرآن، بل بالركوع سبحان ربي العظيم، وبالسجود سبحان ربي الأعلى، قال: ثم ينبغي له أن يمسح بيديه وجهه في آخر الدعاء، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا مد يديه بالدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ))
[ الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه]
وإذا دعا عليه الصلاة والسلام ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال صلى الله عليه وسلم: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ ))
[النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
4 ـ خفض الصوت بين المخافتة والجهر:
الأدب الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما روي عن أبي موسى الأشعري:
((عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا أَشْرَفْنَا عَـلَى الْمَدِينَةِ فَكَبَّرَ النَّاسُ تَكْبِيرَةً وَرَفَعُوا بِهَـا أَصْوَاتَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَصَمَّ وَلا غَائِبٍ هُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رُءُوسِ رِحَالِكُمْ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلا أُعَلِّمُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ]
خير الذكر الخفي، قال تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾
[ سورة مريم : 3 ]
وأفضل الزهد إخفاء الزهد، لا نحتاج إلى مسبحة بالطريق سبح بقلبك، يوجد أناس مسبحة بيده، ومسواك، وقبقاب، أي أنه مسلم وصاحب دين والشيء في القلب.
قالت عائشة: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بدعائك، وبعضهم حمل هذه الآية على الدعاء، ولقد أثنى الله عز وجل على زكريا حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 63 ]
فمن السنة والأدب أن تدعو وأنت خافض الصوت. 5 ـ ألا يتكلف السجع بالدعاء :
الأدب الخامس ألا يتكلف السجع بالدعاء، يوجد أشخاص حفظوا أدعية جميلة جداً مسجوعة، ولها جرس موسيقي، الواحد ينسى مضمون الدعاء وينسى التوجه إلى الله عز وجل، ينهى عن التكلف في الدعاء، وينبغي له أن يكون متضرعاً والتكلف لا يناسبه، وإذا أحدكم آلامه شيء يقول لك: إنني في أشد حالات الألم والضياع والضيق و إنني واثق من الله، كثرة الصياغة المتقنة والسجع برفع الطلب صار شيئاً مضحكاً ينافي أدب الدعاء، والسجع والعناية البالغة بنظم الدعاء ينافي أدب الدعاء، وقال تعالى:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 63 ]
قيل: معناه التكلف بالأسجاع، والأولى ترك أدعية مأثورة لا يستطيع أحد أن يقلدها، والأولى ألا تتجاوز الأدعية المأثورة ولا تدعُ من عندك، ماذا تريد أي دعاء؟ كل أدعيته جامعة مانعة، "اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة".
"اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم أنا بك وإليك، أنا قائم بك ومقصدي رضاك".
"اللهم ما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب".
هل يوجد إنسان من الحاضرين لا يوجد شيء في حياته ما حصل عليه؟ أعتقد لا يوجد إنسان إلا و حصل على أشياء كثيرة ولكن هناك شيء لم يحصل عليه كنت متمنياً هذا و لم يحدث، وهناك دعاء خاص بهذه الحالة، "اللهم ما زويت عني ما أحب فاجعل هذا الذي زويته عني وأنا أحبه اجعله فراغاً لي فيما تحب، وما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب"
تحب المال آتاك الله المال، اللهم اجعل هذا المال عوناً لي على طاعتك، تحب التجارة زويت عنك فبقيت موظفاً، اللهم اجعل هذا الفراغ لمرضاتك، وهكذا فالله اختار لك من الساعة الثانية بعد الظهر إلى ثاني يوم الساعة الثامنة وأنت لست تاجراً بل موظفاً، وهذا الوقت الطويل اللهم اجعلني أقضيه في طاعتك، و الإنسان يقرأ أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الإنسان حفظ أدعية النبي الكريم وأدعية القرآن تكفي، أدعية مانعة جامعة، بليغة دقيقة.
"اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية".
قال عليه الصلاة والسلام: ((إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار ))
[ ابن ماجه عن عائشة]
(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
فالإنسان يكتفي بأدعية النبي عليه الصلاة والسلام، قال: مر بعض السلف بقاص يدعو بالسجع - دعاء مرتب - فقال له: أعلى الله تبالغ؟ - تتفاصح على الله - فأنت بحال تضرع، وبحال خشية، وترجي، المترجي لا يليق به أن يتفاصح على الآخرين.
قيل: أحد العارفين بالله كان دعاؤه مستجاباً، والناس إذا أمنوا على دعائه كان يستجاب لهم ماذا كان يقول؟ كان يقول: اللهم اجعلنا جيدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يؤمنون على هذا الدعاء ويستجاب لهم، وقال بعضهم: أدعو بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله تعالى. * * *
زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة بنت خويلد بنت أسـد :
و الفقرة الثالثة من الدرس شيء عن السيرة النبوية موضوع اليوم زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة بنت خويلد بنت أسـد.
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تدعى في الجاهلية قبل الإسلام بالطـاهرة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، و خديجة بنت خويلد:
((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ))
[البخاري عَن أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ]
فإحدى أربع نساء كملت لشدة عفافها وصيانتها، وكانت برةً وتقيةً، وذات عقل واسع، وذكاء لامع، وجمال وكمال وحسب ومال، وقد عرضت السيدة خديجة رضي الله عنها نفسها على النبي صلى اله عليه وسلم، وله من العمر خمسة وعشرون عاماً عند أكثر العلماء، ولها من العمر أربعون عاماً، إذا إنسان زوجته أكبر منه بسنة يبقى طول عمره محروقاً قلبه، أخي أخذتها كبيرة ونصحوني وما انتصحت، انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة أكبر منه، أي بقدر والدته، والإنسان لا يعقدها كثيراً، قال سيدنا عمر لرجل متضايق، قال له يا أخي: إما أن نموت فتستريح منا وإما أن نموت فنستريح منها.
فأرسلت إليه نفيسة بنت منية كما روى ابن سعد من طريق الواقدي أنها تقول للنبي عليه الصلاة والسلام كانت خديجة امرأة حازنةً، جلدةً، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذٍ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم نسباً، وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على الزواج منها لو قدر على ذلك، وقد طلبوها وبذلوا لها الأموال.
والحقيقة أن النبي الكريم أول شركة في الإسلام شركة مضاربة تمت بينه وبين السيدة خديجة هي بمالها وهو بجهده، وبالفقه هذه الشركة أول شركة، شاب ناشئ، متقد، متحمس، مختص بفرع من فروع المهمة، خبير ولا يملك مالاً، وشخص متقدم بالسن معه مال أشرف طريقة لاستثمار هذا المال أن تقيم شركةً بينك وبين إنسـان مؤمن مستقيم، مندفع، خبير، مخلص، تنفعه وتنفع نفسك، أما طرق استثمار المال الأخرى فمشبوهة.
والسيدة خديجة عرضت نفسها على النبي وقالت: يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك، ووساطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، و النبي صلى الله عليه وسلم قبل، وإذا أحدكم جاءه عرض لا يرده، هذا هو، أي إذا رجل فتح له باب رزق فليلزمه، بلغه أنه يوجد امرأة تود الزواج وتقبل به يرسل والدته لتراها فلا يستنكف، ولا يستعلِ، وأجمل ما في الموضوع كيف تمت خطبتها. خطبة النبي الكريم لخديجة رضي الله عنها :
خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعمه أبو طالب وعمه حمزة، حتى دخلوا على أبي خديجة خويلد بن أسد، وحضر المجلس رؤساء مضر، وخطب فيهم أبو طالب وقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً - هذه قبل البعثة - وفضلاً وعقلاً فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائد أو حائل وعارية مسترجعة.
قيمة الشاب أخلاقه، وعلمه، وأدبه، وأعماله، والآن الناس يقولون: ماذا تملك؟ أين بيتك؟ ماذا تعمل؟ فقط النواحي المادية، أما الإنسان المؤمن الطيب فلا يوزن بالذهب.
ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائد أو حائل، وعارية مسترجعة، ومحمد بين قد عرفتم قرابته، وقد خطب إليكم راغباً كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وأجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونصفاً، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل - يوجد دلائل الأخلاق العالية - هذه خطبة النكاح التي خطبها عمه أبو طالب حينما أجمع الزواج من السيدة خديجة رضي الله عنها، فزوّجها أبوها وقيل: زوجها عمها، وقيل: أخوها، فولدت له صلى الله عليه وسلم جميع أولاده الكرام إلا إبراهيم فإنه من ماريا القبطية، وأولاده الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام قد اختلف في عددهم، والأصح أنهم سبعة، ثلاثة ذكور القاسم وعبد الله والطاهر، عبد الله كان يلقب بالطيب، ثلاثة ذكور وأربع بنات، السيدة زينب وهي أكبرهن، والسيدة رقية، والسيدة أم كلثوم، والسيدة فاطمة الزهراء البتول، على أبيهن وعليهن الصلاة والسلام. العلاقة بين النبي صلى الله عليه و سلم و ابنته فاطمة الزهراء :
و كان يقول صلى الله عليه و سلم:
((فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني))
[ المعجم الكبير عن المسور بن مخرمة]
لما دنت منية النبي عليه الصلاة والسلام دخلت عليه تبكي فهمس في أذنها فإذا هي تضحك، قال: أنت أول أهلي لحوقاً بي، فضحكت، لشدة تعلقها بالله عز وجل وبأبيها، وقد قالت السيدة عائشة: ((مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ...))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
أشبه بناته فيه، وقالت عائشة رضي الله عنها: ((وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
هل تعرفون أن البنت لا تهان أبداً، لأن كل كرامتها وعفتها من كرامتها، فالإنسان عندما يضرب ابنته يكون قد ارتكب خطأ كبيراً جداً، لأن هذه البنت إذا كان أبوها يكرمها ويحترمها تكون رافعة رأسها، حريصة على سمعتها، فإذا أهينت في بيتها يصبح الانحراف خطيراً، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت عليه قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه -طبعاً مجلسه الخاص - وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل عليها قامت له فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي عليه الصلاة والسلام أتت فاطمة فأكبت عليه فقبلته ثم: (( عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا فَلَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَبَكَتْ ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ إِنْ كُنْتُ لأظُنُّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْقَلِ نِسَائِنَا فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ حِينَ أَكْبَبْتِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَبَكَيْتِ ثُمَّ أَكْبَبْتِ عَلَيْهِ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَضَحِكْتِ مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ قَالَتْ: إِنِّي إِذًا لَبَذِرَةٌ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ فَذَاكَ حِينَ ضَحِكْتُ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء :
كان النبي عليه الصلاة السلام إذا سافر كان آخر عهده إتيان فاطمة - آخر من يودعها فاطمة - وأول من يدخل عليها إذا جاء من سفره فاطمة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، أو من غزو، بدأ في المسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم أتى فاطمة، ثم أتى أزواجه، البنت أحياناً تكون سبباً لدخول الجنة، إنهن المؤنسات الغاليات، أحياناً البنت تجلب صهراً أغلى من الابن بكثير، الابن يجوز ألا يكون كما تريد أما الصهر فقد يكون مؤمناً فتشعر أنه أغلى من ابنك، وهؤلاء جالبات الأصهار المؤنسات الغاليات ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، كان إذا حمل فاطمة وهي صغيرة يضمها ويقبلها ويقول: ريحانة أشمها ورزقها على الله.
ترى الآن الإنسان عابساً إن جاءته بنت يطلق امرأته، هذا أحمق، لي صديق جاءته السابعة كل مرة يقدم لزوجته هدية ثمينة جداً، وهذه المرة قدم لها هديتين، وأرسل لكل أخت من أخواتها الصغار باقة ورد يقدمنها للأم، وهكذا يفعل المؤمن، السابعة لا يوجد عنده ولا صبي هذه هدية من الله عز وجل.
بشرها النبي عليه الصلاة والسلام أنها سيدة نساء أهل الجنة - السيدة فاطمة -.
آخر شيء عن السيدة فاطمة رضي الله عنها: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وفي روايةٍ:
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلا أُرَاهُ إِلا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ ))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
((فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))
[ الحاكم عن أبي سعيد ]
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم علي، وبشرني أن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة ))
[ الطبراني عن حذيفة]
هكذا النبي الكريم عامل ابنته، وكل واحد منا يجب أن يكرم ابنته، ويجبر بخاطرها، ويعلمها، ويهذبها، ويجعلها زوجة صالحة، ربما دخل عن طريقها الجنة: " من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة قالوا: واحدة؟ قال: واحدة".

السعيد 09-10-2018 01:51 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع :صلاة المسافر - 1








حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة المسافر :
أيها الأخوة المؤمنون، درسنا اليوم صلاة المسافر، وقبل الحديث عن صلاة المسافر لابد من الحديث عن السفر، فالسفر يسبب تغيراً في بعض الأحكام الشرعية، من هذه الأحكام التي يطرأ عليها تغير في السفر أولاً: قصر الصلوات الرباعية، هذا أول تغيير، وإباحة الفطر في رمضان، وامتداد مدة المسح إلى ثلاثة أيام، وسقوط وجوب الجمعة والعيدين، وسقوط الأضحية، وحرمة الخروج على الحرة بغير زوج أو محرم - إذا كان المسافر امرأة يضاف إلى هذه الشروط أنه لا يجوز أن تسافر إلا مع زوج أو محرم- ويباح للمسافر التنفل على الدابة دون المقيم، المقيم لا يحق له ذلك.
هذا كله مما يطرأ عليه تعديل بسبب السفر.

ما يطرأ على الصلاة في السفر :
اليوم الموضوع ما يطرأ على الصلاة فقط، أقل سفر تتغير فيه الأحكام مسيرة ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة بسير وسط مع الاستراحة، ومع الحسابات الطويلة قدرها العلماء بواحد وثمانين كيلو متراً، أي أقصر أيام العام مسير ثلاثة أيام مع الاستراحة سهلاً أو صعوداً أو هبوطاً المعدل واحد وثمانون ألف متر، لكن المذهب الحنفي يقيد هذه المسافة بالمدة، الآن بعد النبك واحد وثمانون كيلو متراً أي ساعة بالسيارة، ولكن يوجد شرطان هما شرط قطع هذه المسافة، وشرط أن يدوم السفر ثلاثة أيام، إذا قطعت هذه المسافة بثلاثة أيام لك الحق أن تقصر الصلاة، فيقصر الفرض الرباعي من نوى السفر، إلا أنه بالفقه يوجد أشياء يتوقف عندها الإنسان أحياناً، قال: ولو كان عاصياً أي إذا خرج الإنسان ليقطع الطريق على الحجاج له أن يقصر الصلاة، أية صلاة هذه؟ قال: قاطع الطريق له أن يقصر الصلاة لأنه مسلم، وهل الذي يقطع الطريق ويخيف الناس ويسلبهم أموالهم هو مسلم، نحن يهمنا أمره إذا صلى أو لم يصلِّ.
على كلٍّ يقصر الفرض الرباعي من نوى السفر إذا جاوز بيوت مقامه، وجاوز أيضاً ما اتصل به من ثنائه، فلا يكفي أن يغادر بيته بل يجب أن يغادر المدينة بعد بيته يوجد بيوت، وبعد البيوت مقابر و فلوات، فيجب أن يتجاوز فناء المدينة.

شروط صحة نية السفر :
يشترط لصحة نية السفر ثلاثة أشياء؛ الاستقلال بالحكم، أي لا يكون جندياً في جيش، وأحياناًً يسافر المعلم مع صانع، وهذا الصانع ليس له خيار في السفر، فالذي أمره بيد غيره لا يحق له قصر السفر، لكن من كان مستقلاً بالحكم، ومن كان بالغاً، وعدم نقصان مدة السفر عن ثلاثة أيام، فهذه هي الشروط الثلاثة، زوجة من زوجها لا يحق لها أن تقصر السفر وحدها، فلا يقصر الصلاة من لا يجاوز عمران قيامه، أي خرج من الشام ووصل إلى القدم فما تجاوز العمران، والآن يقول لك: ضموا برزة إلى دمشق، ويوجد قرار أن يضموا حرستا ودوما إلى دمشق، والمعضمية سوف يضمونها مع دمشق، وكفرسوسة مع دمشق، وداريا مع دمشق، وهذه كلها ملحقة بالشام، وعليه أن يجاوز عمران مقامه، فإذا كان صبياً بعد فلا يقصر، أو كان تابعاً لم ينوِ متبوعه السفر كالمرأة مع زوجها، والعبد مع مولاه، والجندي مع أميره، أو نوى السفر ولكن لم يدم سفره ثلاثة أيام فما فوق ودون الثلاثة أيام، على كلٍّ هذه بعض الشروط التي يمـكن أن يقصر الإنسان صلاته.
فالرباعية تصبح ثنائية، أما صلاة الفجر فتبقى ثنائية هي هي، والمغرب هو هو، والوتر يصلى لأنه فرض عملي، أي أقرب إلى الفرض منه إلى السنة، أما السنن فالعلماء قالوا: لو رجل أثناء السفر يوم السفر يوجد مشقة وتعب فالفرض فقط، لكن وصل إلى مكان، ونزل بفندق واستراح، إذا كان مرتاحاً نفسياً وجسدياً يصلي السنن مع الفرض مقصوراً، أما إذا كان عليه مشقة وفي عجلة من وقته ويوجد تعب فالفرض فقط، والرباعي يصبح ثنائياً، وللسفر أحكام أخرى نتابع بها الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وعلى كلٍّ بالمذهب الحنفي يكره أن تتم في السفر، المتمم بالسفر كالمقصر في الحضر.

* * *
موضوع الدعاء :
والآن إلى بعض فصول إحياء علوم الدين، وكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الدعاء، وبقينا في الدعاء أسبوعين كما أذكر، قلت لكم في الدرس الماضي: إن الدعاء مخ العبادة وإن الدعاء يرد القضاء، فبالدعاء يحصل صلة، ومع الصلة يحصل شفاء، وإذا شفي العبد ألغي العلاج، ومن بديهيات الطب إذا الكلية عملت بانتظام يلغى قرار استئصالها، وقرار استئصالها قائم مادامت واقفة عن العم،ل فإذا عملت يلغى قرار استئصالها، وكذلك الدعاء إذا حصل بإخلاص وصلة وشفاء يرد القضاء، وينفع الدعاء مما نزل ومما لا ينزل، فادع الله عباد الله.
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة :
تحدثنا عن آداب الدعاء وقلنا هي عشرة آداب؛ الأول: اغتنام الأوقات الشريفة على مستوى السنة يوم عرفة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى الأسابيع يوم الجمعة، وعلى مستوى اليوم الواحد وقت السحر.
2 ـ أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة :
و على الإنسان أن تغتنم الأحوال الشريفة في السجود، وعند نزول المطر، ودبر الصلوات المكتوبة.
3 ـ أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
ينبغي أن ندعو ونحن مستقبلو القبلة تأدباً مع الله عز وجل.
4 ـ خفض الصوت بين المخافتة والجهر :
أن نخفض أصواتنا بالدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى.
5 ـ عدم التكلف :
وتحدثنا عن أدب خامس: عدم التكلف، فالإنسان ليس له أن يتفاصح على الله عز وجل، وكأن التفاصح على الله عز وجل لا يتناسب مع الإخلاص في الدعاء، ومع التضرع، ومع الخفية، فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
وفسر بعضهم العدوان في الدعاء: أن يتفاصح الإنسان على ربه، أن يرفع صوته، وأن يحكم السجع، وأن ينتقي الكلمات، وأن يلتفت إلى الصياغة، و أن يجعل همه في الدعاء انتزاع إعجاب الآخرين، فإذا كان هذا هو الهدف فالدعاء لا يقبله الله سبحانه وتعالى وينتظر التفات القلب، فسيدنا عمر قال: " تعاهد قلبك ". القلب منظر الرب :
والله تعالى قال:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الأنفال: 1 ]
ذات البين هي النفس، فكل واحد منا يصلح هندامه، فإذا كان زره مقطوعاً يصلحه، وإذا كان على معطفه وسخ ينظف، ويصلح منظره، وبيته، و غرفة الاستقبال، وغرفة الطعام، و يصلح مطبخه، و مركبته، لكن المؤمن يصلح نفسه لأن أخطار النفس تبقى مع الإنسان إلى الأبد، وكل متاعب الجسد تنتهي بالموت ولو اعتنى بجسده، فمصيره إلى الدود، والشيء اللطيف أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليفنى، وخلق الإنسان ضعيفاً، ولكن الإنسان يوم القيامة خلق ليبقى إذاً لا يوجد مرض. والإنسان قد يكون مظهره حسناً، ولكن من داخله خرباً، واستعلاء، وخداعاً، وغشاً، و هذه كلها أمراض مهلكة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
[سورة الشعراء:88]
أنا أتحير أن هذا الإنسان يرتب وضعه، ويحسن بيته من داخله، ويعتني بمدخل البناء و ينظفه، يحتاج إلى باب، و أنترفون، يهتم بالمظهر، وهذا القلب، قال: "يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين فهلا طهرت منظري ساعة".
القلب منظر الرب، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فالإنسان عندما ينام وهو غاش لأخيه المسلم يأتي لك زبون ويقول لك: انصحني؟ فما تنصحه، وتحاول أن تضع الأعباء كلها على الآخرين وأنت ترتاح، وتحب أن تحمد بما لا تفعل، فهذا الإنسان لا يستحق أن يكون عند الله مقرباً.
علامة المؤمن أنه يتأثر تأثراً شديداً :
يوجد شيء دقيق جداً لك مكانة عند الله عز وجل أم أنك ساقط من عين الله عز وجل؟ قد يكون له مكانة كبيرة في المجتمع، وقد يعظمونه لماله، فأهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، وقد يكون عند الله لا شأن له:
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي، ابن ماجه عن سهل بن سعد]
وعلامة المؤمن يشعر، عنده إحساس، فإذا قال لك أحدهم: أنا لا أتأثر، أنا أنظر ولا أتأثر، فهو معقد وليس طبيعياً، ماذا ترد على هذا الإنسان؟ هذه المعاصي نسبية بحسب المجتمعات، فكيف ترد على هذا الرجل؟ أنا أرد عليه وأقول له: إن الثوب الأسود القذر لا يتأثر، أحضر إنساناً وألبسه لباساً أزرق اللون، وصار بالشحم أسود، أمسك قلم حبر من ظهره وأعطه نقطة حبر لا يشعر ولا يشاهد، يقول لك: ماذا حدث؟ لا شيء، ولكن تعال إلى إنسان يلبس ثوباً أبيض، فبقدر رأس الدبوس يشعر، فإذا قال لك: أنا لا أتأثر فمعنى هذا أنه ليس عنده إحساس إطلاقاً، ومعنى هذا أنه لا يعي على خير، فالمؤمن يتأثر تأثراً شديداً، و المؤمن إذا اغتاب لا ينام الليل، سقط من عين الله، وإذا غش لا ينام الليل يقول لك: لم أستطع أن أنام الليل وهذه علامة إيمانه، أما اغتاب، وغش، وآذى، وفرق بين اثنين، وافترى على إنسان شيئاً ما قاله، وذهب ينام نوماً عميقاً، فهذا لباسه أسود اللون، وكثرة المعاصي لا تؤثر به، أما علامة المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومعنى يذنبون أي يشعرون إذا أذنبوا، فالعناية بالقلب أي اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. على الإنسان أن يصلح علاقاته مع الناس :
هناك معنى آخر لهذه الآية أي أصلح علاقتك مع الناس إذا قصرت فاعتذر، وإذا كان لك أخ بحاجة إلى مساعدة ساعده، وإذا قدم لك هدية فهذه دين عليك فرد هذا الدين، وإذا أخوك بلغه عنك كلام غير صحيح فاذهب إليه وقل له الحقيقة، فالبيان يطرد الشيطان، وإذا كان لك علاقة سيئة مع شريكك فاجلس جلسة معه واشرح له كل شيء، وإذا كان التقصير منك فتلافى هذا التقصير، فمن علامة الإيمان أن علاقة الإنسان مع الناس كلها طيبة، ومن علامات النفاق يقول لك: اطرده فهذا أخرجنا له ورقة صفراء لا نريده، وإذا كان الإنسان لا تهمه مكانته عند الناس لأنه يقطع علاقات، ويؤذي، ويسبب فساد ذات البين، فليس مؤمناً، فأصلح علاقتك مع زوجتك فهذا الشيء يعكرها فلا تعمله، يحزنها الحديث عن أهلها فلا تفعل هذا، ابق علاقتك مع زوجتك عامرة بالصدق، والاحترام المتبادل، وابق صادقاً أمامها، وورعاً، ترى المؤمن علاقته مع زوجته طيبة جداً له قوامته، وعلاقته مع جيرانه كذلك، والنبي الكريم أحد الأعداء نال منه بلسانه فقال: من يقطع لسانه؟ يوجد فهم أن يقطع له لسانه بالمقص، أما علية أصحابه فهموا أن يقطعوا لسانه بالإحسان.
قال لي شخص: لي جار مزعج جداً، يفتح الإذاعة و نريد أن ننام، أو أن ندرس، يرمي علينا الوسخ، قال لي: لم أستطع عليه إلا بهدية، أرسلت له هدية بعد هدية فصار ألطف ما يكون، قطع لسانه بالهدية.

((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان عليه أن يتعاهد قلبه، كما لو أنه شاهد شيئاً أسود يتحرك بعينه يسير مع نظره، يقول لك: إلى الطبيب لا يوجد معها لعب، هذه عين، يأخذ موعداً بعد شهر يخاف أن ينسى الموعد فيسجله معه على المفكرة، يكتبه على الحائط، فكيف الإنسان يخاف على عينه يجب أن يخاف على قلبه، و لذلك طوبى لمن كان قلبه سليماً. 6 ـ التضرع والخشوع والرغبة والرهبة :
إذاً الأدب السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
[سورة الأنبياء:90]
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
قال عليه الصلاة السلام: (( إذا أحب الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه ))
[الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس]
أي الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، يصلي شكلاً، و يصوم و لم تدمع عينه، وما قال: يا رب، إنه غارق بعمله، فالله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، يرسل له مشكلة، أي يستفزه، يدعوه إلى مناجاته، فالعبرة أن يسجد هذا الإنسان ويقول: يا رب ما لي سواك، الله عز وجل يحب من العبد أن يتضرع له، ويحب من العبد أن يمرغ وجهه بأعتابه، و يحب منه أن يترجاه، وأن يسأله حاجته كلها ولو شسع نعله إذا انقطع، إذا إنسان أضاع مفاتيح البيت يبحث ويبحث، قل: يا جامع الناس، الله يعلم أين هي، تكون تحت الوسادة، وبين أن يبحث ساعتين وبين أن يقول: يا رب يا جامع الناس اجمع بيني وبين حاجتي، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها. (( من لا يدعوني أغضب عليه ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
لأنه مستعلٍ، على قدر ما تستطيع كن عزيز النفس مع الناس، ولكن مع الله سبحانه وتعالى على قدر ما تستطيع تضرع، أنت عبد، والأدب السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، يا رب ارحمني إذا شئت، لا لماذا إذا شئت؟ يا رب ارحمني، إذا دعا أحدكم فليجزم في دعائه ولا يقل إذا شئت، يا رب ارحمني، يا رب وفقني يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً مباركاً، يا رب زوجة صالحة تعينني على أمر ديني، اطلب من الله، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة. 7 ـ أن يجزم الدعاء ويوقن بالاستجابة :
نحن استبقنا الأمور؛ الأدب السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالاستجابة، فالله عز وجل لا يشارط ولا يجرب، هاتان نقطتان دقيقتان، أنا أكره النذر، لي قريب يظهر أنه سبح في مسبح ملوث فصارت وشة في أذنه، فلم يبال فيها على يومين أو ثلاثة تفاقمت، فذهب إلى الطبيب فقال له: هذه حالة نادرة جداً بالمئة ألف، هذا جرثوم يلتهم العصب السمعي رأساً، حالته المادية موفورة خرج خارج القطر نفس الكلام، رجع إلى البلد منهاراً نفسياً، وهو شاب أول حياته سوف يفقد حياته، فقال يا رب إذا شفيتني سوف أدفع خمسين ألفاً، والآن الله عز وجل أكرمه و شفي واستعاد سمعه، و الإنسان عندما يصاب بمصيبة ليس إذا شفيت لي ابني أدفع، لا، الله لا يجرب، أنت ادفع حباً بالله عز وجل إذا شفاه يكون خيراً وإذا لم يشفه خير.
أعرف رجلاً و هو بعيد عن الدين بعداً كبيراً، رأيته يصلي، حضر هنا في المسجد قال لي: أنا أحضر عندك من ستة أشهر، قلت له: أهلاً وسهلاً، قال لي: ابنتي أصابها مرض خبيث وما تركت طبيباً ولا بلداً، بعت بيتي وأخذتها إلى انكلترا، و بعد ذلك خطر في بالي خاطر أنه إذا أنا تبت وأمها إلى الله لعل الله عز وجل يكرمنا بشفائها، وبدأنا نصلي، لقد صلى وحجب امرأته، قال لي: فصار عندي محبة لله عز وجل، ونسيت ابنتي قلت: يا رب هذه ابنتي عبدة لك إن شئت شفيتها وإن شئت أمرضتها، ونسي الموضوع كله، مثل إنسان أحب فتاة وخطبها فكان أبوها عالماً فقال له: هذه مهرها أن تحضر عندي دروساً ولا يوجد عندي مهر آخر، وهذا لما حضر الدروس نسي وصالاً، فقالت له: أنت كنت قد خطبتني، فقال لها: يا وصال كنت سبب الاتصال فلا تكوني سبب الانفصال.
فأحياناً الإنسان ينسى الموضوع كله، إذا صار لك معرفة بالله فهو الحكيم والرحيم، وهو أرحم منك ومن نفسك، يا رب اشفني، وبعد هذا تجد الشفاء به، إذا شفاك فهذه الحكمة، وإذا لم يشفك فهذه أيضاً الحكمة، والإنسان إذا عرف الله عز وجل يستسلم، فهذا التشنج والإلحاح ينتهي، أي خر لي واختر لي، قرأت دعاء يوم الجمعة على المنبر فهذا الدعاء عن النبي قال: "يا ربي اجعلني أخشاك حتى كأني أراك".
ففسرته هل من الممكن أن يخالف الإنسان إذا كانت الإشارة حمراء وشرطي السير واقف أمام الإشارة، ويعرف أنه يوجد حجز، وسجن، وسحب إجازة؟ ليس معقولاً، وإذا أحد شعر أن الله يطلع عليه، "يا رب اجعلني أخشاك حتى كأني أراك"، بعد هذا يقول: "يا رب أسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك"، ومعنى هذا أن المتقي سعيد والعاصي شقي، "وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت".
يقول لك أحدهم: أنا إلى الآن ما تزوجت وهذا ترتيب الله عز وجل، لا يحب تعجيل ما أخّر الله سبحانه وتعالى، يمكن هذه الفرص قبل الزواج - إذا كان الإنسان مؤمناً - للتعمق في الدين، فالزوجة لها طلباتها وتجلس معها، أين كنت إلى الآن؟ أما إذا كان عازباً فيجلس مع إخوانه في سهرة دينية يذوب ذوباناً، أما المتزوج فأنا لا أستطيع، تأخرت بعد هذا يصبح علي مسؤولية.

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ ))
[ أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]
فلذلك: "حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، خر لي في قضائك وبارك لي في قدرك". البطل من يتضرع إلى الله وهو في الرخاء :
من آداب الدعاء حتى يسمع الله تضرعك، أنا أقول: البطل الذي يتضرع إلى الله وهو في الرخاء، لا يوجد بجسمك شيء من دون أن يكون التحليل فيه نسبة عالية بالأسيد أوريك، قبل النسب صلِّ صلاة محب، صلِّ صلاة مودع، ارجُ الله عز وجل أن يهديك ويجمعك مع أهل الحق، ويجعلك خادماً للحق، ارجُ الله وأنت في صحتك.
أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه في الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام:

((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أكثر من الأسئلة مع الله عز وجل، اللهم ارزقني في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، اللهم ارزقني العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، أي لا يطلب من الله شيئاً قليلاً.
قرأت قصة مرة تأثرت بها عن رجل كريم طرقت بابه امرأة، وعنده صديق له فأعطاها عطاءً كبيراً، فقال هذا الصديق: يا رجل كان يكفيها القليل، شيء آخر: إنها لا تعرفك، فأجابه إجابةً أسكتته، قال: إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
إذاً ولله المثل الأعلى اطلب من الله طلباً عظيماً، اطلب الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
على الإنسان أن يطلب الدنيا في سبيل الآخرة :
الدنيا ليس لها قيمة يعطيها من يحب، اطلب الدنيا في سبيل الآخرة، اطلب رزقاً وفيراً، اجعل لك وقت فراغ تتعرف إلى الله عز وجل، يوجد إنسان من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة العاشرة ليلاً يعمل ويصل إلى البيت على آخر نفس، اطلب من الله عملاً يفسح لك من الوقت ما تتعرف به إلى الله عز وجل.
إذا الإنسان دعا الله عز وجل يجب أن يعظم، هل من المعقول تدخل على ملك وتقول له: أريد قلم رصاص؟ تقول له: أريد بيتاً، ولاية الشام، كان يذهب إلى استنبول يريد ولاية الشام، فإذا الإنسان وقف في باب ملك لا يطلب طلباً متواضعاً، بالمناسبة استغن على الناس يحبك الناس، ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، أما عند الله عز وجل فارغب بما عند الله عز وجل يحبك الله، والنبي الكريم علمنا:

((... لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحياناً تطلب من أخيك شيئاً يقول لك: لا يوجد عندي إمكانية هذا الطلب صعب، والإنسان محدود، و لك صاحب بمنصب ذهبت إليه يقول لك: أنا لا أستطيع أنا أيضاً مسؤول، الإنسان محدود أما الله عز وجل فمن يحد عطاءه؟ كن فيكون. (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أنا أضرب مثلين؛ أول مثل: أنت عندما تقول: سمع الله لمن حمده، أحياناً الإنسان يقرؤها وهو غافل، سمع الله لمن حمده، فالآن الله عز وجل يستمع إليك، والله إذا الإنسان له شأن في المجتمع قال لك: تكلم تذوب خجلاً منه، وأحياناً تقابل شخصاً يرن الهاتف أول مرة والثانية والثالثة فلا يفهم منك قصتك، أما إذا دخلت إلى رجل مهم فقال لأمين سره: اقطع جميع الهواتف الآن، وقال لك: تفضل وتكلم، ألا تذوب خجلاً من هذا الإنسان؟ قطع عنه كل المراجعين، وكل مخابرة حتى يسمع منك، فكلمة سمع الله لمن حمده في الصلاة، الله عز وجل خالق الكون يستمع إليك ماذا تقول له، ربنا لك الحمد والشكر، والنعمة والرضا، ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً، وأحياناً ترى هذه الكلمات لا تريح قلبك، سبحانك لا نثني ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أي يا رب كيف أشكرك؟ قال يا عبد هذا شكرك.
الشيء الثاني الذي يؤثر فيّ إذا قال لك طفل كم الساعة؟ تستحي ألا تجيبه وتكون الساعة في جيبك وتلبس معطفاً، تفك المعطف، وتخرج الساعة وتقول له: الساعة السادسة والربع، تخجل من طفل ألا ترد عليه فالله تقول له: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً ألا يرد عليك؟ تطلب بيتاً، و العفاف و زوجة صالحة، ورزقاً حلالاً، ومعرفته، وأن يجمعك مع أهل الحق الصادقين ألا يرد عليك؟ فهل يجمعك مع الكاذبين؟ هذا ليس معقولاً، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69 ]
من شروط استجابة الدعاء الإيمان بالله والاستقامة على أمره والشعور بقربه :
الإنسان عندما يدعو الله عز وجل يتصور أن الله يسمعه وسوف يستجيب له، إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما خائبتين، فالله يستحي منك، وأنت اطلب طلباً معقولاً، ادعوا الله عباد الله واتقوا الله فيما تدعون، واطلبوا طلباً معقولاً، وإذا كان الطلب غير معقول فلا يستجيب لك.
قال سفيان بن عيينة: "لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمن من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله"، المعنى هنا أن الإنسان ولو كان مقصراً يوجد آية:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 186 ]
والعلماء استنبطوا من هذه الآية لابد من الإيمان بالله، والاستقامة على أمره والشعور بقربه، والإخلاص في الدعاء، يجب أن تحس أنه قريب، وأقرب إليك من حبل الوريد، أي من روحك، يحول بين المرء وقلبه، وإذا خطر في بالك خاطر فهذا الخاطر يقع في علم الله قبل أن تعلمه أنت، أي يحول بين المرء وقلبه، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني حقيقةً، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فليستجيبوا لي، ويطبقوا كلامي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون، فالعلماء استنبطوا: لابد من الإيمان بالله، ولابد من الاستجابة إلى أمره، ولابد من الإخلاص في الدعاء، ولابد من الشعور بقرب الله عز وجل، وهو معكم أينما كنتم، وإذا توافرت هذه الشروط استجاب الله الدعاء. المضطر يسمع الله دعاءه من دون شروط :
يوجد آية ثانية:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
أيضاً استنبطوا من هذه الآية يريد تضرعاً أي تذللاً، وخفية من دون ضجيج، وخوفاً وطمعاً، ولا تكن معتدياً، وكن محسناً ثلاثة شروط، لكن العلماء قالوا: إلا إذا كان العبد مضطراً فإن الله سبحانه وتعالى يسمع دعاءه من دون كل هذه الشروط، لقوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النمل: 62]
فلو كان الإنسان مقصراً وقال: يا رب ليس لي غيرك، اعترف بذنبي، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى.
إذا قال العبد: يا رب وهو راكع قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، وإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاص قال الله عز وجل: لبيك ثم لبيك ثم لبيك.
إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أي إذا رجع العبد إلى الله عز وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، والله الذي لا إله إلا هو - ولا يعرف هذا الكلام إلا من ذاقه - ينغمر قلب التائب برحمة لو عرفها الناس جميعاً لتابوا إلى الله جميعاً، يا رب أعاهدك على الاستقامة التامة، وأعاهدك ألا آكل مالاً حراماً، وأعاهدك ألا أكذب، وألا أغش أحداً، وألا أنظر إلى امرأة في الحرام، وإذا الإنسان عاهد ربه عز وجل يتجلى الله على قلبه ولا يعرفه إلا من ذاقه، قال أحد العارفين بالله: "لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول".
أخي ما طعم العسل؟ اكتب لي بورقة، العسل حلو الطعم، هل هو مثل الدبس؟ لا ليس مثل الدبس، وهل هو مثل القطر؟ لا، وهل مثل العنب؟ لا، اشرح لنا، لا شرح عندي هذا عسل لا يعرفه إلا من ذاقه، كذلك الله عز وجل، كيف الإقبال على الله عز وجل لا يعرفه إلا من ذاقه فلو أنك ذقت الإقبال على الله عز وجل لذبت شوقاً و محبة له.
فلو شاهدت عيناك من حسـننا الذي رأوه لـما ولـيت عنــا لغيرنا
ولـو سـمعت أذنـاك حسن خطاب نا خلعت ثياب العجب عنك وجئتنـا
ولـو ذقـت من طعم المـحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قـربنا لك نسـمة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
ولـو لاح من أنوارنـا لك لائــحٌ تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
***

والرجل أحياناً يخطب فتاة فتجده ساح وناح أين؟ والله يوجد عندنا سهرة عند الخطيبة، مسحة جمال زحل عقله كيف لو كان الإنسان له صلة بمصدر الجمال؟ هذا سهل، الله عز وجل تجلى على التفاحة وأعطاها شيئاً من جماله، وتجلى على البحر فأعطاه شيئاً من جماله، وتجلى على البحر ساعة أو ساعتين فشيء جميل، والجبل الأخضر تجد منظره يسحر، فهذه المناظر التي في الكون أخذت مسحة من جمال الله، فما هي الصلاة؟ هي اتصال بمنبع الجمال، ولذلك أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، لي مع ربي ساعة لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب لمثل هذا فليعمل العاملون. الإنسان العاقل يمتن علاقاته مع الله عز وجل :
متن علاقاتك مع الله عز وجل لأنهم رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، متن علاقتك مع الله عز وجل، إذا الإنسان متن علاقته مع زوجته فقط إما أن يتركها وإما أن تتركه، فإذا متن علاقته مع أولاده فيمكن أن يسافر ابنه، ويتزوج أجنبية، ويأخذ جنسية، ولا يهمه، ولا يرسل له رسالة وقد غاب سنة، وقد تعب وهلك من أجله، وأحياناً امرأة يتوفى عنها زوجها، ويترك لها ولداً ويتركها في سن الشباب، فلا تتزوج، وتعمل في البيوت من أجل ابنها، تخدم وتموت ألـف موتة، صـار طبيباً، و شاهد فتاة فأعجبته في الجامعة وتزوجها، وقالت له: لا أريد أمك فيتخلى عن أمه، ويقول لها: الآن اتركينا، فالإنسان لئيم، وإذا الإنسان وضع أمله بابن، أو بزوجة، أو بشريك، أو بمال يملكه، يأتيه مرض لا يحله المال، فهو الآن أمام طبيب قال له: ماذا نفعل؟ قال له الطبيب: لا يوجد حل، قال له: ندفع ملايين، قال له: لا يوجد حل، إن المرض الخبيث في الأمعاء منتشر ويستأصل الآن وينمو بعد أسبوعين وتدفع مئة مليون فتذهب سدى فلا تغلب نفسك.
لي طالب خاله صاحب سينما، دخل عليه فوجده يبكي، لأنه أصيب بسرطان في الدم، هذه القصة من ثلاثين سنة، صار يبكي لأنه جمع خمسة ملايين من أجل أن يعيش بها في آخر حياتي ولم يهنأ بها، طبعاً جمعها من إفساد أخلاق الشباب، الإنسان لو معه مال قد يأتي مرض لا يحل بالمال، قال لي رجل: لا يوجد عمل ولا بيع، قلت له: إذا توقفت الكلية ماذا تشتهي ساعتها؟
والله الذي لا إله إلا هو أعرف رجلاً معه مبالغ من الصعب أن نحصيها، فصار معه مرض عضال زرناه قال كلمة تركت بنفسي أثراً عميقاً، قال لي: سابقاً أنا مصروفي في السنة أربعمئة ألف و كان هذا لا يكفيني، أتعرفون ماذا قال لي أيضاً؟ قال لي: يكفي الإنسان ألف ليرة في الشهر، ما قصده؟ إذا كان الإنسان معافى يكفيه ألف ليرة، كليته تعمل، وقلبه، و أمعاؤه، و أعصابه، وعضلاته، وقوته به، والإنسان عندما يعرف فضل الله عز وجل ويشكر نعمة الصحة فلن تزول هذه النعمة، ويشكر نعمة الزوجة الصالحة يزداد صلاحها.

8 ـ أن يلح في الدعاء :
والآن الأدب الثامن: أن يلح في الدعاء، ويقول لك: مثل الشحاذ اللحوح، يجب أن تلح بالدعاء، يا رب برحمتك أستغيث، يا رب إني ضعيف فوق ضعفي، لا تدعُ مرة واحدة، عندما تذهب إلى عملك طول الطريق ادعُ إلى الله، والإنسان إذا حفظ أدعية النبي يكون موفقاً جداً، فيقضي بها كل أوقات فراغه، عندما يركب سيارة مثلاً يغمض عينيه ويدعو الله عز وجل، فيشعر بنفسه أنه قريب من الله عز وجل، فالدعاء يعين على التوجه إلى الله عز وجل والإلحاح، يكرره ثلاثاً.
قال ابن مسعود:

((كان عليه الصلاة والسلام إذا دعا دعا ثلاثاً ))
[ مسلم عن ابن مسعود]
و الإنسان يدعو: "اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك".
تكرار الدعاء من نوع الإلحاح فيه، ويجب ألا يستبطئ الإجابة، إذا كان الإنسان حريصاً جداً على مقابلة شخص، يطرق الباب ممكن أن يكون هذا الثاني يصلي فينتظر، ثم يطرق الباب مرةً ثانية لا أحد يرد، ممكن ألا يكون هناك أحد، أما بالعيد إذا عندك زيارات فتقرع الباب مرة واحدة وتضع بطاقة، أنت لا تريد أن تدخل، هذه رفع عتب، أما إذا كنت حريصاً على لقاء شخص فتنتظر ربع ساعة أو تذهب وتعود.
فإذا أنت حريص على شيء تلح به، ومن علائم إخلاصك بالدعاء وإلحاحك أن تكرر الدعاء مرات عديدة، ويجب ألا يستبطئ بالإجابة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا دعوت فاسأل الله كثيراً لأنك تدعو كريماً، وقال بعضهم: إني أسأل الله منذ عشرين سنةً حاجةً وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، والله عز وجل يحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام: (( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ))
[ أخرجه البيهقي عن حذيفة ]
طالب منه شيئاً أنت قانع به ولكن لا يناسبك، وهو ليس من مقامك، أي يعلم عنك أكثر مما تعلم عن نفسك، سلم له.
قال لي: زوجتي وسط، فقلت له: إذا كانت كما تريد فقد بركـت أنت وإياها، وسط تأتي إلى المسجد، وإن كانت كما تريد لا تأتي إلى المسجد، كله خير.
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))
[ ابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ]
إذا أنت مع إنسان من وجهاء قومك قال لك: هذه المسألة لا يوجد إمكان، تقول له: خير إن شاء الله، وأنا شاكر فضلك، مع إنسان عادي، أما إذا كان للإنسان قيمته فتقول له: شكراً أنا لا أنسى فضلك، أما إذا كان الإنسان يعامل ربه ولم يستجب له فهذا لمصلحته. 9 ـ أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل :
الأدب التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل، فلا يبدأ بالسؤال، ادخل إلى نجار وقل له مباشرةً: انتهت المكتبة؟ يقول لك: قل السلام عليكم، صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، أنت مع الله عز وجل قبل أن تسأله أثنِ عليه واذكره، لأن الأدب النبوي أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل فلا يبدأ بالسؤال.
قال سلمة بن الأكوع: "ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الدعاء إلا استفتحه بقول: سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب".
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "من أراد أن يسأل ربه حاجةً فليبدأ بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يسأله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي".
وقال الله عز وجل: "إن الله عز وجل يقبل الصلاتين وما بينهما، ابدأ بالصلاة على النبي الكريم، واختم بالصلاة على النبي الكريم، فإن الله يقبل الصلاتين وما بينهما وهو أكرم من أن يدع ما بينهما".
وروي بالخـبر عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا سألتم الله عز وجل حاجة فابتدئوا بالصلاة علي، فإن الله تعالى أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى"، فابدأ بالصلاة على النبي الكريم واسأل حاجتك، فإن الله عز وجل أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى.
والأدب العاشر يحتاج إلى تفصيل كبير وسوف نفصله في درس قادم إن شاء الله تعالى.


السعيد 09-10-2018 01:53 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع :صلاة المسافر - 2








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط قصر الصلاة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي في موضوع صلاة المسافر إلى أن قصر الصلاة لا يصح إلا إذا غادر المصلي تخوم المدينة، أي غادر أبنية قريته، فإن خرج من بيته وبقي في حدود مدينته، أو في حدود قريته، فلا يصح أن يقصر الصلاة، بل يجب أن يغادر أبنية القرية، ويجب أن يكون السفر ثلاثة أيام، أي ثمانون كيلو متراً في ثلاثة أيام، ويجب أن يكون مستقلاً بالحكم أي مسافراً أمره بيده لا جندياً مع أميره، ولا زوجةً مع زوجها، ولا عبداً مع سيده، الأمر للسيد والأمير والزوج، وأن يكون بالغاً، فمغادرة تخوم المدينة، واستمرار السفر ثلاثة أيام، وبعد هذا أن يكون مستقلاً بالحكم، وأن يكون بالغاً، هذه إذا توافرت كلها صحّ قصر الصلاة.
قصر الصلاة في المذهب الحنفي :
أما قصر الصلاة في المذهب الحنفي فهو عزيمة وليس رخصة، فأبو حنيفة رضي الله عنه رأى أن قصر الصلاة عزيمة فإذا أتمّ الصلاة فقد قام بعمل مكروه، فالقصر عزيمة، لكن إذا أتمّ الرباعية أي الظهر أربع ركعات صلى ركعتين وقعد وقام للثالثة قال: صحت صلاته مع الكراهة لماذا؟ لأن الركعتين الأوليين تعدان فرضاً وأما الركعتان الأخريان فتعدان نفلاً، فلا تصح إلا إذا نوى الإقامة لمن قام للثالثة، لكن لو فرضنا إنساناً وهو في الصلاة نوى الإقامة يقوم للثالثة فتصح عندئذ صلاته، ولا يزال يقصر حتى يدخل مصره- والمصر يعني بلده - وإنسان وصل إلى النبك يصلي قصراً، وصل إلى الشام يصلي تماماً.
القصر عند الإمام أبي حنيفة عزيمة، فإذا صلى الثنائية أربع ركعات عدت الركعتان الأوليان فرضاً، والأخريان نفلاً هذا من جهة، ومن جهة ثانية إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة عندئذ يقوم للركعة الثالثة على أنها من الفرض، ولا يزال يقصر حتى يدخل مصره أو ينوي إقامته نصف شهر، أي لا يوجد إقامة أقل من أسبوعين، و إذا أراد أن يقيم في بلد سافر إليه أكثر من أسبوعين يصلي صلاةً عادية وقصراً إذا نوى أقل منه، أو لم ينوِ وبقي سنين أي لم ينوِ الإقامة وبقي سنين يقصر في الصلاة، فإذا كان الجنود في أثناء الحرب مثلاً حاصر المسلمون أذربيجان ستة أشهر وهم يقصرون الصلاة طول هذه المدة لأنهم لم ينووا الإقامة.
فالقصر عزيمة، ومن أتمّ الصلاة في السفر فقد جاء بعمل مكروه، ولو صلى الثنائية أربع ركعات لعدت الركعتان الأوليان فرضاً والأخريان نفلاً، والقصر يستمر إلى ما شاء الله مادام المصلي لم ينوِ الإقامة فإذا نوى الإقامة أكثر من أسبوعين يصلي صلاةً تامةً كما لو كان مقيماً في بلده، ولا تصح نية الإقامة ببلدتين لم يعين المبيت بأحدهما، ولو فرضنا ذهب إلى بلد أجنبي مثلاً بين مدينتين يجب أن يعين أنه مقيم بإحداهما حتى يصح أن يقيم الصلاة، لو سافر شهراً وهو يتنقل من مكان إلى آخر يجب أن يعين أن هذه المدينة بلدة إقامتي عندئذٍ تصح الصلاة التامة، ولا يصح أن يقصر في مفازةٍ أي في الصحراء، ولا تصح نية الإقامة في مفازةٍ لغير أهل الأقبية، أي البدو فقط يصح أن يصلوا في الصحراء صلاةً تامةً، أما المسافر في الصحراء فيجب أن يقصر في صلاته، ولا في عسكر بدار الحرب، أيضاً الجنود إذا كانوا في حالة حرب مع العدو لا تصح منهم نية الإقامة، بل يبقى مسافراً ويبقى يصلي صلاة قصر، ولا بدار محاصرةٍ من قبل أهل البغي، أي إذا كان المسلمون محاصرين من قبل أهل البغي لا يصح أن ينووا الإقامة في هذه المواطن الثلاث فلا تصح نية الإقامة إلا إذا كان المقيم بدوياً وأساس إقامته في الصحراء.
يحق للمسافر أن يقتدي بمقيم إذا كانت صلاة الوقت :
والآن إذا الإنسان سافر ودخل إلى مسجد، واقتدى مسافر بمقيم صحّ منه ذلك، صحت صلاته ولو صلاها أربع ركعات، دخلت إلى مسجد بحلب تقام صلاة الظهر وأنت مسافر، تصلي خلف الإمام أربع ركعات لأنه لا يجوز لمصلٍّ أن يخرج من الصلاة من دون إمامه، هكذا النظام العام، ولو قلنا لمصلٍّ أنت صلِّ ركعتين وسلم فأنت مسافر صار فوضى في الصلاة، إذا كنت مسافراً ودخلت إلى المسجد وقت إقامة الصلاة فصلِّ مع الإمام أربع ركعات وهي مقبولة منك ولو أنها تامة.
لكن بعد صلاة الفرض لا يجوز لمسافر أن يقتدي بمقيم، أذن الظهر وصلى الناس صلاة الجماعة وانتهت الصلاة ودخلت بعد ربع ساعة وجدت أربعة يصلون ليس لك الحق أن تصلي معهم، كمسافر تصلي وحدك، أي يحق للمسافر أن يقتدي بمقيم إذا كانت صلاة الوقت، في الأموي دائماً يوجد صلاة جماعة، أما في صلاة وقت فواحدة تصلى من قبل الإمام الأساسي، وبعدها كلما اجتمع أربعة أو خمسة يصلون جماعة، والمسافر ليس له حق أن يصلي بإمام ثانٍ إلا مع الإمام الأول وهذه الصلاة صحيحة.
حكم المسافر الذي اتُّخذ إماماً :
والآن بالعكس أنت مسافر أقمت الصلاة وأردت أن تنوي فإذا خلفك جمع تقول لهم: إني مسافر، تعلمهم مسبقاً وتصلي ركعتين وتسلم، وتقول: أتموا صلاتكم فإني مسافر، والمصلون يقرؤون في الركعتين الأخريين الفاتحة فقط لأنهم قرؤوا مع إمامهم فاتحة وسورة.
مرة كنت مسافراً دخلت إلى المسجد وصليت وصلى ورائي أربعة، شعرت أن المصلين من عامة الناس، وأنا أثناء التحيات خفت أن أسلم وأقول لهم: إني مسافر، خفت ألا يفهموا علي فأتممت أربع ركعات وأنا في شك من أمري، هل يا ترى أنا اخترت هذا الموقف أن أصلي أربع ركعات هل هذا صحيح؟ عدت إلى أوسع كتاب في الفقه حاشية ابن عابدين وجدت هذا صحيحاً، إذا خشيت على المصلين خلفك ألا يفهموا مرادك وهم ليسوا فاهمين وضع صلاة السفر صلِّ أربع ركعات كما لو كنت مقيماً لأنك تخلق مشكلة، أما إذا بعصر العلم والناس كلهم متعلمون تقول: أتموا صلاتكم فإني مسافر.
كيفية قضاء الصلاة في الحضر لمن فاتته في السفر :
إذا فاتتك ركعتان في السفر كيف تقضيهما في الحضر؟ ركعات السفر تقضيها قصراً وإن فاتتك ركعات الإقامة تقضيها أربعاً تماماً بحسب الذي فاتك، والوطن الأصلي الذي تؤدى فيه الصلاة تامةً هو الوطن الذي ولد فيه الإنسان، ولد في الشام فإذا عاد إلى الشام يجب أن يصلي متماً، أو تزوج فيه، تزوج في حمص فحمص أصبحت بلد إقامته، أو لم يتزوج ولكن قصد التعيش فيه، له وظيفته بحمص صارت حمص بلد الإقامة، فإذا جاء إلى الشام له أن يقصر الصلاة، هو شامي من مواليد دمشق ولكن عمله الدائم في حمص جاء ليزور أهله خلال ثلاثة أيام فرضاً، فله أن يقصر الصلاة، فبلد الإقامة إما البلد الذي ولد فيه، أو البلد الذي تزوج فيه، أو البلد الذي يعمل فيه.
ووطن الإقامة هو أي بلد نويت أن تقيم فيه أكثر من أسبوعين فهذه حالة رابعة، هذا كل ما يتعلق بصلاة المسافر فإذا كنت حنفياً فالقصر في الصلاة على المذهب الحنفي عزيمةٌ وليس رخصةً، فما معنى رخصة؟ الرخصة أنت مخير أن تفعلها أو ألا تفعلها ولكن العزيمة أنت ملزم أن تفعلها.
* * *
الشرط الأخير من شروط الدعاء هو الأدب الباطن :
والآن إلى آخر شرط من شروط الدعاء في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رضي الله عنه وأرضاه.
الحقيقة تأثرت من هذا الشرح، في الدروس الماضية تحدثنا بفضل الله عز وجل عن تسعة شروط للدعاء المستجاب، ولكن الذي يجذب النظر أن الشرط العاشر يعدل كل هذه الشروط مجتمعةً، تحدثنا سابقاً أن شرط الدعاء الصحيح التضرع، والخشوع، واليقين بالإجابة، والإلحاح بالدعاء، والافتتاح بالذكر، وعدم تكلف السجع، وانخفاض الصوت، والأحوال الشريفة، واستقبال القبلة، والأوقات الشريفة.
فهذه الشروط كلها في كفة، وهذا الشرط الأخير في كفة أخرى، قال الإمام الغزالي الشرط العاشر: هو الأدب الباطن، وكل هذه الآداب ظاهرة في وقت شريف، وفي حالة شريفة، رفعت اليدين وخفضت الصوت، و تضرعت، وخشعت، شيء جميل، هذه كلها آداب ظاهرة، لكن الأدب الباطن في الدعاء يعدلها كلها، هو التوبة، ورد المظالم، والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة.
يروي التاريخ أن سيدنا صلاح الدين الأيوبي له شيخ نقشبندي فقبل أن يجمع على محاربة الصليبين جاء إلى شيخه وسأله الدعاء، فقال له شيخه: يا بني أزل المظالم، وأزل المنكرات، فقال له صلاح الدين: ليس معنا وقت لهذا العدو الذي على الأبواب وهذا يحتاج إلى وقت طويل-هكذا تروي القصة أن هذا الشيخ غضب من صلاح الدين ودفعه، وقال له: قم لا نصرك الله- يروي التاريخ أن سيدنا صلاح الدين أول عمل قام به أغلق أماكن المنكر، وردّ المظالم، بقدر الإمكان أزال المظالم والمنكرات ثم توجه بأهل الشام وحدهم ليحارب الصليبيين جميعاً، سبعة ملوك وسبعة جيوش، وقد أقاموا في فلسطين سبعين عاماً، وانتصر عليهم، فلما انتصر عليهم جمع قادته الكبار ودعا شيخه وقال لهم: لا تظنوا أنني انتصرت على العدو بفضلكم ولكن بفضل هذا التوجيه من شيخي.
وآخر شرط لا يمكن أن يستجاب لك دعاء وأنت مقيم على معصية، وأنت مغتصب شيئاً ليس لك، وأنت معتدٍ، وأنت باغٍ، تختار دعاء لرسول الله، وتعتني بالدعاء، وتغمض عيونك، وتعصر نفسك، وترفع يديك، وتدعوه بقيام الليل، وبالسحر، ويوم الجمعة، و بعد الصلاة، ولو طبقت كل هذه الشروط مجتمعةً فالدعاء لا يستجاب ما لم تكن تائباً ولست معتدياً، ومقيماً على الحق.
الأدب الباطن هو الأصل في الإجابة :
الشرط العاشر هو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة؛ التوبة ورد المظالم والإقبال على الله، حدثني أخ في بلد اسمها خان الشيح هناك مزرعة فيها محرك للماء، جاء بدوي معه غنم طلب أن يسقي الغنم، فصاحب المزرعة رده رداً قبيحاً، وهدده إذا دخل مرة ثانية يكسر رجله، له جار محسن فتحول إلى عند جاره، قال له: اشرب أنت ومن تريد، وإذا كان هناك رعيان أرسلهم ليشربوا، عنده محرك ماء ستة إنش، فرأى صاحب هذه المزرعة أن شرب الغنم صعب - الذي حدثني القصة هو الذي باعه- ويوجد في السوق مشارب للإبل، فدفع ستة عشر ألف ليرة ثمن مشارب من ماله الخاص ووضعها في مكان طويل، ودعا كل الرعيان ليشربوا غنمهم، فهذه المنطقة فيها أكثر من ثلاثين أو أربعين مزرعة، المحركات ليس فيها ولا نقطة ماء وإلى الآن عنده ستة إنش لم ينقصوا ولا سنتمتراً سبحان الله! لا أحد يعرف الله عز وجل، كل شيء بيده، بئر ماء، وهذا جاره الذي طرد الراعي غرز اثني عشر مكاناً في الأرض إلى العمق الأساسي و لم يخرج الماء، والذي دفع من ماله الخاص بقي الماء عنده، والذي كلمني القصة هو الذي باعه المشارب.
الله عز وجل كريم ويحب الكريم، إذا أنت ما دعوت، وما ظلمت أحداً، ولست مقيماً على معصية، وتائباً و لو لم تدعُ، عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، ولا تتكلم ولا كلمة أعرف كل حاجتك، وأعرف كل مطالبك، ورغباتك، وأعرف ما يسرك، وما يرضيك، كله أعرفه، وأنت كن لي كما أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد سلمتك وكفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
التوبة وردّ المظالم والاتجاه إلى الله هو السبب القريب للإجابة :
الشيء الذي أرجوه أن يتعلق الإنسان بالله عز وجل، يقيم علاقة حميمة معه، بدءاً من الإخلاص إلى خدمة الخلق، وإلى الاتصال به، وإلى خدمة عباده، عامل ربك عز وجل، إذا قلت له: ليس لي إلا أنت، وبيدك الأمر كله، وأنا تبت إليك يا رب، والله يوجد كل دعاء يأخذ العقل من كثرة التنميق وتجد لا يوجد إجابة، الله موجود وسميع.
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ذلك هو السبب القريب للإجابة، التوبة، وردّ المظالم، والاتجاه إلى الله، هو السبب القريب للإجابة، فيروى عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد في عهد موسى عليه وعلى نبينا أتم الصلاة والسلام، فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقي بهم، فلم يُسقوا والذي دعا هو سيدنا موسى، وهو كليم الله، و لم تنزل قطرة مطر، أحياناً لا يوجد خطيب يقول: يا رب أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، مطر لا يوجد، والجو صاح وتشرين، والقضية ليست قضية دعاء الخطيب بل قضية توبة العباد، إذا تابوا ولم يدعوا فالأمطار تأتيهم من فوقهم ومن تحتهم، فسيدنا موسى دعا ربه واستسقى ولا من مجيب، فقال يا موسى إن فيكم رجلاً عاصياً - وهذه القصة فيها موعظة - فقال موسى عليه الصلاة والسلام: "من كان عاصياً لله فليغادرنا" ثم إن السماء أمطرت، فقال: يا ربي أمطرتنا ولم يغادرنا هذا العاصي فمن هو قال: عجبت لك يا موسى لقد تاب أأستره وهو عاصٍ وأفضحه وهو تائب؟
فأنا أقول: إذا أحدكم له معصية لا يقولها لأحد، خلاف ما تقوله بعض الأديان، إذا اعترفت أمام الخوري بكل شيء ذهبت المعصية عنك، لا، إن الله ستير، إذا الإنسان له جاهلية فلا يقلها لأحد لأن الله عز وجل أسبل ستره عليه، فهل يفضح نفسه؟ فالإنسان عندما يتوب بينه وبين الله، الله عز وجل يقبله ويعفو عنه ويغير معاملته له.
وفي رواية أخرى: " فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يسقوا فأوحى الله عز وجل إلى موسى أني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب و من هو حتى نخرجه من بيننا؟ فأوحى الله عز جل يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً، فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة، فتابوا، فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. الله عز وجل لن يغير قوانين الأرض من أجلك فادعه و أنت تائب مطيع عادل :
وقال مالك بن دينار: "أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مراراً، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكفاً سفكت بها الدماء، وملأتم بطونكم بالحرام، والآن قد اشتد غضبي عليكم ولم تزدادوا مني إلا بعداً".
فالمسلمون اليوم يأكلون أموال بعضهم، وينتهكون حرمات الله، ويفعلون كل المنكرات، وإذا جلس بمجلس يا رب ارحمنا فإنك بنا راحم، مهما عملت دعاء منمقاً لا يوجد إجابة، بل يوجد حقائق، الله عز وجل لن يغير قوانين الأرض من أجلك، اعمل قوانين إذا كنت تائباً، مطيعاً، عادلاً، منصفاً، وإذا دعوته يستجيب لك وإلا فلا.
وقال أبو الصديق الناجي: "خرج سليمان عليه السلام يستسقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعةً قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، ولا غنى عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان: ارجعوا قد سقيتم بدعوة غيركم"، وكان يسمع النمل إذ علمه الله لغة الحيوان، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة النمل : 18 ]
وقال الأوزاعي: "خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا قد سمعناك تقول: ما على المحسنين من سبيل، وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ اللهم اغفر لنا، وارحمنا، واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا".
قيل لمالك بن دينار: "ادع لنا ربك، فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة عليكم"، و معنى ذلك إذا وجدت معاصٍ شديدة فالإنسان ينتظر العقاب.
وروي أن عيسى صلوات الله عليه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى عليه السلام: "من أصاب منكم ذنباً فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبقَ معه في المفازة إلا واحد، فقال له: أمالك من ذنب؟ فقال: والله ما علمت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه، فلما جاوزتني أدخلت أصبعي فانتزعتها، وأتبعت المرأة بها" - هذه القصة قد تكون رمزية - ولكن إذا عصى الإنسان الله عز وجل بعينه وقلعها وكان في قلعها تكفير لذنبه فهو الرابح، أما الذي يملأ عينيه من الحرام، يملأهما الله عز وجل من جمر جهنم، أنا سمعت كثيراً عن العارفين بالله، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
وقال يحيى الغساني: "أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم، فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا، اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا، اللهم إنا أرقاؤك فاعتقنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك ألا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا، اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا".
وهذا مغزاها؛ إذا الإنسان له ذنب، وتاب منه كأنه ليس له ذنب، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، يا ربي أنا أخطأت وأستغفرك من هذا الذنب ولن أعود إليه، ادعُ الله عز وجل، أنا أقول: من يقيم على الذنب ويصر عليه هذا لن يستجاب له، ولو فرضنا إنساناً تاب من ذنبه لتوه، وأخلص في توبته، وندم عليه، فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يعفو عنه ويستجيب له.
وقال عطاء السلمي: "منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون في المقابر فنظر إلينا فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أم بعثر ما في القبور؟ قال: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال يا عطاء: بقلوب أرضيةٍ أم بقلوب سماوية؟ لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير - البهرجة إظهار المحاسن وإخفاء المعايب –". سلعة الله غالية :
قال له: يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النية فإن الناقد بصير، وخفف الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، حياة أبدية لا يكفيها ركعتان تصليهما ولا ليرة تتصدق بها.
إذا أردت سجادة إيرانية يدوية تدفع ثمنها ثمانية وسبعين ألف ليرة وتقول: تساوي، تريد جنة عرضها السموات والأرض بليرة سورية فقط أو بركعتين؟ ألا إن سلعة الله غالية: فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***
ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، حتى يقال لفلان دكتور يجب أن يدرس خمس سنوات أو سبع سنوات لا ينام الليل، بين تأليف أطروحة، وحضور مناقشتها، وأخذ التوجيهات من أستاذه المشرف، ويقول له: اقرأ هذا الكتاب، ويكون أربعمئة صفحة، يعطيه قائمة مصادر ثلاثمئة مصدر، وهذه اقرأها في المكتبة، ولخص عشرة منها وتعال إلى عندي، ولا يأخذ الدكتوراه حتى تخرج عيونه، تريد جنة عرضها السموات والأرض لذلك قال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 92 ]
الشيء الغالي عليك، وقتك فابذله ومكانتك، ولك شخص فلان صاحبك، تذهب معي إليه؟ نعم على عيني، وأنت بمفردك لا تعمل عندك عزة لكن لله تعملها، فالإنسان يجب أن يبذل ماله، زهوة ماله، وزهوة وقته، وزهوة صحته وشبابه لله عز وجل حتى يستحق عطاءه.
قال له: "يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النية فإن الناقد بصير وخفف الأثقال فإن في الطريقة عقبةً كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون- أول الحديث: شمروا فإن الأمر جد.
قال لي شخص: بني إلى جانب بيتنا بناء، حفروا الأساسات، وما وضعوا جداراً استنادياً، شعر أنه يوجد تنسيمات في الجدران فأحضر مهندساً فقال له: إخلاء فوري للبناء، لقد رتب في بيته غرفة ضيوف، وغرفة جلوس، قال له: إخلاء فوري فإن الأمر جد، هذا الذي يقال في مجالس العلم جد مصيري خطير، إذا رجل سمعه ومشى وقال: والله الدرس ممتع، هذا ما أخذه مأخذ الجد، أخذه مأخذ الهزل، أخذه كمتعة، ما أخذه كفكرة خطيرة جداً يتعلق بها مصيره، قال: "أيها الناس شمروا" فكيف إذا إنسان مُقدِم على عمل كبير؟ تجده شمر ورفع سرواله، وبدأ الإنسان المؤمن في حالة نفسية، حالة التشمير يجب أن يشمر، أما من بعيد إلى بعيد إذا أراد إنسان أن ينظف بيته فهل من المعقول أن يلبس ثيابه الفخمة؟ يلبس لباساً قديماً ويشمر ويبدأ: "أيها الناس شمروا فإن الأمر جد وتأهبوا فإن السفر قريب". على الإنسان ألا يكون مقيماً على معصية وأن يكون تائباً منيباً ليستجاب له :
والإنسان رجل بين عشية وضحاها يصبح من أهل القبور، ولا يعرف متى، فقال: "قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك، ولكن بالسر المكنون في أسمائك، وما وارت الحجب من آلائك إلا سقيتنا ماءً غدقاً فراتاً، تحيي به العباد، وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير، قال عطاء: فما أتم كلامه حتى أرعدت السماء، وأبرقت، وجاءت بمطر كأفواه القرب"، إذن استجيب له.
هذه لنا كلنا، تريد استجابة اعمل دفتراً أحص أخطاءك و المظالم و المخالفات في البيت ثم أصلحها واحدة واحدة وعندما تنتهي قل: يا رب، يقول لك: لبيك يا عبدي.
هذا هو الأدب الأخير في الدعاء ألا تكون مقيماً على معصية، وألا تكون مغتصباً حقاً، وأن تكون تائباً منيباً، وعندئذٍ ادعً كيف شئت فالله سبحانه وتعالى سيستجيب لك، و هذا الشرط الأخير في كفة وكل هذه الشروط السابقة في كفة ثانية.
المصائب تأديب الله لعباده :
الله عز و جل يريدك أنت لا يريد مالك، ولا فصاحتك، ولا منظرك، ولا مكانتك، ويريد أن تلتفت إليه، ولن تستطيع أن تلتفت إليه إلا إذا استقمت على أمره، وأخلصت له، وخدمت خلقه، فالخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هذا المراد.
قال ابن المبارك: "قدمنا المدينة في عام القحط، فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذا أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي وسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب، ومساوئ الأعمال، وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بهذا"، هذا الفقه، وهذا ملخص العلم، كل مصيبة حبس مطر، ومرض، وفقر، و ذل، و هم، وحزن، ونقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ومتاعب، وأحزان مقلقات، كل هذه المصائب يؤدب الله بها عباده، طبعاً الله عز وجل قال:
﴿ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ*أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ*وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ*فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ*بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ*قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ*قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ*فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ*قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ*عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾
[ سورة القلم: 23-32 ]
هذا ليس بستاننا، الطريق نفسه، كذلك العذاب، أي يا عبادي كيف أن إتلاف هذه المحاصيل كلها نتج عنه توبةٌ لهؤلاء، وعودة إلى الله، كذلك عذابي كله، والآية دقيقة جداً، كيف هؤلاء رجعوا إلي بعد مصيبة قاهرة، إتلاف محاصيلهم، كذلك العذاب، وإذا ما عادوا إلي بهذا العذاب، يقول تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[ سورة القلم: 33 ]
و يقول: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 21]
هذا عذاب أدنى، قال سيدنا علي لابنه الحسن: "يا بني ما خير بعده النار بخير- لو جاءتك الدنيا كلها، لو ملكنا أطراف الدنيا كلها، لو كان دخلك في اليوم عشرة ملايين دولار- فما خير بعده النار بخير وما شر بعده الجنة بشر- فقر مع مرض مع مـوت زوجة مع أولاد عاقين، ومنزل فيه إخلاء، وعمل واقف، و محل احترق، كله معاً والمصير إلى الجنة هذا خير-".
"ما خير بعده النار بخير وما شر بعده بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية"، وهكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا الإنسان مرّ على بستان فخم في وسطه مزرعة، ومسبح، وفيلا حجر، سقف قرميد، وأشجار مثمرة، وأزهار رياحين، وممرات مداخل فخمة، فماذا يقول؟ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، هذه مؤقتة. الإسلام يمتن العلاقات الاجتماعية ولا يفتتها :
إياكم وفلول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى، وإذا تأملت كثيراً بهذه الحاجات تحبها، وبعد هذا أعرض عنها، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، أنت تسكن في بيت مستوراً، وعندك مدفأة، وتلبس كنزة، وعندك طعام في البيت، وعندك أولاد وزوجة، طبعاً إذا دخل أحد على الأغنياء غير المؤمنين خرج من عندهم وهو على الله ساخط. قال:
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
فإذا رجل عنده جوارب وثقبت فأتلفها فوراً فهذا إسراف: ((... وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
والمقصود بالأغنياء في هذا الحديث الأغنياء غير المؤمنين، لأن الأغنياء المؤمنين على العين والرأس، ويزيدك الاتصال بهم حباً لله، لسماحتهم، وتواضعهم، وإكرامهم، وقد حدثني أخ هنا في الجامع ليس معنا الآن كان طفلاً صغيراً أرسلته والدته وكان يتيماً إلى معمل ليعمل، مدير العمال ومشرف العمال شاهده ولداً صغيراً، يوجد عنده حراق فيه شحار قال له: ادخل إلى الداخل ونظفه، جاء مدير المعمل وجد خربشة في هذا الحراق، فسأل ما هذا؟ وجد طفلاً ألبسته أمه لباساً أبيض ونظيفاً وفرحت بعمله، فقير ويتيم، أخرجه فوجده أسود اللون، فأرسل إلى مدير العمال وبخه وقال له: افرضه أخاك، أو ابنك، فأهله أرسلوه إلينا، ثم قال لي: خذوه إلى الحمام، ونظفه، ورتبه، وله في المعمل عم، فقال هذا المدير لعمه: خذه إلى الحمام، وخذ له طقم ملابس جديداً كاملاً، ومعهم بذلة جديدة إنكليزية من إنتاج المعمل، وهذه أجرة خياطتها، فهذا الطفل عندما عاد مساءً إلى البيت، فهذه الملابس غير الملابس التي ذهب بها، ومعه بذلة، ومعه أجرة خياطة، ففرح الأهل كثيراً، ما هذا الإكرام؟ قال لي الأخ وهو نفسه الطفل: في اليوم الثاني أحضرت معي طعاماً، فقال لي المدير: يا فلان ما معك من طعام اليوم؟ فقال: بطاطا مسلوقة، والمدير معه طعام ما لذ وطاب، المدير أكل من طعام الطفل حتى يشجعه أن يأكل من طعامه، فصار يأكل كل يوم معه.
فكان يشعر العامل أن رب العمل مثل الأب، وهناك تواضع ورحمة، سمعت عن معمل أول النهار يجري وجبة غذاء للعمال على حسابه، والظهر يوجد غذاء، وفي الظهر تتوقف الآلات والكل يصلي، أذن العصر صلوا، أخذ من العامل خمسة آلاف وضعها في الشركة استثماراً، وأخذ أرض عمرها بيوتاً للعمال، ورأيت العمال عنده كيف يحبون صاحب المعمل أكثر من أبيهم، فهذا العامل مثل ابنك، يجب أن تزوجه، وتشتري له بيتاً، هكذا الإسلام، فالإسلام جعل العلاقات متينة جداً، فالغني المؤمن على العين والرأس لتواضعه وسخائه، والمال ليس له قيمة عند الله، ولماذا المال؟ ليتقرب به إلى الله عز وجل، فالآن تجد الوضع اختلف كلما ازداد غنى الإنسان ازداد بخلاً، واستعلاء، وكبراً، إنه يحاسب على القرش، وينفق بالملايين على شهواته المنحرفة، وهذا العامل يحل مشكلته بخمسة آلاف، أما هو فيقول لك: ذهبت إلى أوربا وصرفت ثلاثمئة ألف، وأعطى العامل خمسة آلاف وحل له مشكلته.
فيوجد أخوان مؤمنون عندنا هنا من فضل الله، وعندهم عمال، والله سمعت عدداً من القصص عنهم مشرفة، بتواضعهم وبإكرامهم العمال، وهكذا الإسلام يمتن العلاقات الاجتماعية ولا يفتتها. ((... وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
"إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساوئ الأعمال، وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك فأسألك يا حليم، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول السـاعة الساعة حتى اكتفت السماء بالغمام، وأقبل المطر من كل جانب، فجئت إلى الفضيل فقال لي: "مالي أراك كئيباً، فقلت: أمراً سبقنا إليه غيرنا وتولاه عنا، فقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخر مغشياً عليه". المشكلات من نعم الله عز وجل لأنها سبب التوجه إليه :
آخر قصة يروى أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس رضي الله عنه، فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس: "اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب - مثل القوانين - ولم يكشف إلا بتوبة، قد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليك وسلم، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، وأنت الراعي لا تهمل الضال، ولا تدع الكثير بدار المضيعة، فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الأصوات بالشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغيثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال: فما أتمّ كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال".
ها نحن أولاء، وليس القصد القصص بل القصد نحن، لا يوجد واحد منا ليس له مشكلة مع الله عز وجل، إما بصحته، أو بماله، أو ببيته، أو بأولاده، أو بابنه المريض، أو بزوجته، لا يوجد إنسان، وهذه المشكلات من نعم الله عز وجل، وهذه المشكلات سبب التوجه إلى الله عز وجل، إن الله يحب أن يسمع تضرع عبده، إن الله يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، وبدون مشكلة تقول: يا رب من قلبك، وتدعو دعاء بارداً، وحتى يكون الدعاء ساخناً يكون وراءه مشكلة، إذا خاف أما أنت فلست بخائف يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، ولكن إذا وجد خوف حقيقي فمن أعماقك تدعو، والله يريد دعاء من الأعماق، ويريد دعاء حميماً، ودعاء فيه إخلاص، وترج، وإلحاح، وطلب، وثقة، وتوكل، و يقين، فهذا الدرس لنا وهذه القصص مضت قال تعالى:
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 134]
* * *
رحمة النبي صلى الله عليه و سلم :
وآخر فقرة قصيرة في الدرس سيدنا النبي صلى الله عليه:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ... ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
أنت مؤمن فيجب أن يكون عندك عطف على الأولاد منقطع النظير، مثلاً رسول الله في المهاجرين، وإبراهيم مسترضع في الميدان، في عوالي المدينة في الطرف الآخر. ((... فَـكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّـهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ ... ))
تصور إنساناً خرج من المهاجرين ومشى إلى الميدان وقرع الباب أين إبراهيم؟ أخذه وقبله وعاد، هكذا كان صلى الله عليه وسلم.
وسيدنا عمر عين والياً وأعطاه كتاب التعيين، وكان عمر يحب ابنه ويقبله، فهذا الوالي نظر إلى هذا الموقف نظر المستنكف، فقال له: ما بك؟ قال: والله إني لا أُقبّل أحداً من أولادي، فقال له: هات الكتاب فأخذه ومزقه، وقال له: كيف ترحم الناس إن لم ترحم أولادك فأنت لست أهلاً.
أنا أقول: إذا الإنسان كان معلماً فيجب أن يحب الأولاد، وأحياناً ترى المعلم له ضرب مبرح فأين رحمتك؟ إن لم تكن تحب هؤلاء الطلاب فكيف تعلمهم؟ اترك التعليم، فالتعليم يحتاج إلى رحمة، تعامله مثل ابنك، يمسكه من سوالفه ويرفعه فيخرج الشعر بيديه، لو أن معلماً فعل هذا مع ابنك فماذا تفعل معه؟ هذا له أب أيضاً.
ومن رحمته روى الشيخان: ((عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]
يظهر أن امرأة تصلي خلف الصفوف، و لها ابن يبكي، والنبي الكريم في الصباح كان يقرأ السور الطويلة، فقرأ في الفجر قل أعوذ برب الناس، لأنه سمع طفلاً يبكي وقلبه رقيق ما تحمل فاختصر الصلاة.
امرأة في المستشفى على وشك الولادة ولا يوجد ولا قابلة في المستشفى فقالت الطبيبة: سوف أتوضأ وأصلي العصر وأحضر إليكم و يكون الأمر قد انتهى ولا يوجد فقه. رحمة النبي بالصبيان :
وكان من رحمته بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبلهم كما جاء في الصحيحين، قالت عائشة رضي الله عنها: قبّل النبي عليه الصلاة والسلام الحسن والحسين ابني علي.
((وحَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ ))
[ مسلم عن أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ]
وفي الصحيحين عن عائشة: ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
أي أنت لا يوجد فيك رحمة، ومن رحمته بالصبيان وحبه إدخال السرور عليهم، كان عليه الصلاة والسلام إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان كما روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان إذا أوتي بباكورة الثمرة - أي أولها - وضعها على عينيه ثم على شفتيه وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره ثم يعطيه من يكون من الصبيان ))
[روى الطبراني عن ابن عباس]
قدموا له أول تمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه ثم أعطاها الطفل في المجلس، ومعنى هذا أن الطفل يشتهي الفاكهة أكثر من الكبير، وأحياناً الأب يتجاهل طلب الطفل، ويكون معه ولا يحب الأب الفاكهة والابن يحبها مثلاً. ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
البكاء رحمة أما رفع الصوت بالبكاء فمن الشيطان. ((... فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))
[مسلم عَنْ أسامة بن زيد ]
اللطم و ضرب النفس عذاب أما البكاء فرحمة :
و:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ فَقَالَ أَقَدْ قَضَى قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ ))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]
فإذا صرخ الإنسان، ولطم، وضرب نفسه فبهذا يعذب، أما البكاء فرحمة، والنبي الكريم صلى الله عليه قبّل عثمان بن مظعون وهو ميت، له صاحب توفي فجاءه و قبّله وهو ميت وهو يبكي: (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى دُمُوعِهِ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ ))
[الترمزي عَنْ عَائِشَةَ]
وعند ابن الجوزي في كتاب الوفاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لما مات عثمان بن مظعون كف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه، وقبّل ما بين عينيه، ثم بكى طويلاً، فلما رفع عن السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها، كان فقيراً جداً".
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويقول: "اللهم أحشرني مسكيناً - أي متواضعاً لله عز وجل- مؤمناً، لا متكبراً ولا مستعلياً" . ((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

السعيد 09-10-2018 01:56 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع :صلاة المريض




لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صلاة المريض :
أيها الأخوة المؤمنون، درسنا اليوم: "صلاة المريض"، والمرض شيء يطرأ على الإنسان، والشرع الحكيم لم يدع قضيةً أو ظرفاً صعباً إلا وشرع له، ولكن لابد من تفصيلات.
يجوز أن يصلي المؤمن قاعداً، وأن يصلي جالساً، وأن يصلي مضطجعاً، وأن يصلي مستلقياً، وأن يومئ برأسه، ففي كل الأحوال يجوز أن يصلي، و هناك استنباط بسيط من هذا الإجمال، فما هذا الاستنباط؟ يجب أن تصلي واقفاً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فمضطجعاً، فإن لم تستطع فمستلقياً، فإن لم تستطع فمومياً برأسك، فإن لم تستطع فمومياً بعينيك، ماذا تستنبطون من هذا الإجمال؟ الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
لا يجوز لرجل مؤمن أن يدع الصلاة بأي حال من الأحوال، يحارب عدوه فهناك صلاة الحرب، إذ يقف النبي عليه الصلاة والسلام ويأتم نصف الجنود وراءه، ويصلون ركعةً واحدة، والنصف الآخر يحرسه، فمادامت الصلاة يجب أن تكون حتى في ساعة اللقاء مع العدو فالصلاة هي الدين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((من ترك الصلاة فقد كفر جهاراً))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
و: ((بين الرجل والكفر ترك الصلاة))
[ مسلم عن جابر]
((عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))
[أحمد عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ]
الحالات التي يجوز فيها للمصلي أن يصلي قاعداً :
قال العلماء: إذا تعذر على المريض كل القيام، كان يصلي واقفاً فوجد نفسه تضايق فيتابع جالساً، طبعاً القيام الحقيقي أن تقف على قدميك أو تعثر، ما الفرق بين التعذر والتعثر؟ التعذر الاستحالة لكن التعثر الصعوبة، كما هو الفرق بين التعذر في الإعراب منع من ظهورها التعذر، ومنع من ظهورها الثقل، إذا قلت: منع من ظهورها التعذر يستحيل على اللسان أن يحرك الألف، لكن الحركات على الواو لا تظهر للثقل، لأنه يثقل على اللسان أن يلفظ الواو مضمومةً أو مكسورةً.
إذا تعذر أو تعثر كل القيام لوجود ألم شديد فهذه أول حالة، أو خاف زيادة المرض، أو بطء الشفاء، أي وجود ألم حقيقي، هناك حالة لا يوجد ألم حقيقي، ولكن يتوقع إذا وقف أن يزداد المرض، ويتوقع أيضاً أنه إذا وقف مصلياً يتأخر الشفاء، هنا يوجد سؤال دقيق جداً فمن الذي يقول إنه إذا صليت واقفاً يتأخر الشفاء أو يزداد المرض؟ قال العلماء: إذا غلب على ظنه، فعندنا ظن، وإذا غلب على ظنه، أو أخبره طبيب مسلم حاذق، أو ظهر الحال في أثناء الوقوف، فعندنا ثلاث حالات تجعلك إذا وقفت يزداد المرض، أو يتأخر الشفاء، أو تحس بألم شديد، بشرط أن يغلب هذا على ظنك بتجربةٍ سابقة، أو أن يخبرك طبيب، أو أن يظهر الألم فجأةً، ففي هذه الحالات السابقة يجوز أن تصلي قاعداً لعدم وجود ألم حقيقي، أو ألم متوقع، أو تأخير شفاء، أو زيادة الداء.
إذا تعذر أو تعثر كل القيام بوجود ألم شديد فهذه أول حالة، أو خاف زيادة المرض، أو بطء الشفاء صلى قاعداً بركوع وسجود، قاعداً كما يقعد للجلوس الأخير، وقد مرّ معنا سابقاً أن الإنسان المتعب له الحق أن يصلي النوافل قاعداً، ولا يقبل منه الفرض قاعداً إذا كان متعباً، فالفرض يجب أن تؤديه قائماً، أما إذا كان هناك مرض فبحث آخر، لك أن تصلي الفرض والسنن قاعداً بركوع وسجود.
ورجل لا يستطيع أن يقعد على الطريقة التي نألفها في القعود النظامي لألم بعظام رجليه، له أن يقعد كيف يشاء، وله أن يقعد متربعاً، أو على طرفين، أو على ساقيه بأي شكل يريحه، و له أن يجلس، و بقدر ما يستطيع أن يجلس أيضاً يصح ذلك كما قلت قبل قليل.

من تعذر عليه الركوع و السجود يصلي قاعداً :
قال: وإذا تعذر عليه الركوع والسجود - إذا كان معه انزلاق غضروفي بفقراته وآلام لا تحتمل فإذا فعل هكذا شعر بألم شديد نقول له: صلّ قاعداً واركع واسجد برأسك، لكنه يجب أن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، فإن لم يخفضه عنه لا تصح صلاته، أما أن يضع شيئاً عالياً يسجد عليه فهذا مما نهى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كان يضع كرسياً عالياً يسجد عليه فهذا مما نهى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ))
[الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
وزاد النسائي: " فإن لم تستطع فمستلقياً لا يكلف الله نفساً إلا وسعها "
و
((عَنْ جَابِرٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَادَ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا ، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ ، فَقَالَ : صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ ، وَإِلا فَأَوْمِئ إِيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ))
[ البيهقي عن جابر]
يوجد عندنا إيماء بالرأس والسجود والركوع العاديين، وهو قاعد الركوع زاوية متوسطة بين القيام والسجود العادي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من استطاع منكم أن يسجد على الأرض فليسجد ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه بركوعه وسجوده يومئ برأسه ))
[الطبراني في الأوسط عن ابن عمر]
من تعثر عليه القعود في الصلاة أومأ مستلقياً أو على جنبه :
وإذا تعثر القعود أومأ مستلقياً أو على جنبه، عمليات جراحية تكون في طرفه اليمين مضمد ومجبصن، فاستلقاؤه على جنبه، يجوز أن يصلي مستلقياً على جنبه الأيمن، أو الأيسر، أو على ظهره، أو قاعداً بأية صورة يرتاح معها، أو قائماً، لكن العلماء نهوا عن أن يستلقي الرجل على ظهره تماماً ويصلي ورأسه إلى السماء، أي النظر إلى السماء في الصلاة مكروه، ولذلك قالوا: يجب أن يوضع تحت رأسه وسادة تجعل نظره نحو الأمام لا نحو السماء.
ويجعل تحت رأسه وسادةً ليصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء.
الآن إذا كان مستلقياً باتجاه القبلة أي رجلاه نحو القبلة قالوا: الأدب أن ينصل ركبتيه لئلا يجعل ركبتيه نحو القبلة، وأحياناً الإنسان يستلقي على ظهره ويرفع ركبتيه نحو الأعلى، فهذا وضع فيه أدب أكبر مما جعل رجليه ممدودتين باتجاه القبلة وهذا من باب الأدب إذا قدر، وإذا كان المرض في عموده الفقري، أما كان المرض في ركبتيه فيجعلهما على طبيعتهما.
إذا تمكن الإنسان أن يكون سريره في غرفة نومه من الشرق إلى الغرب فرأسه نحو الغرب ووجهه نحو القبلة فليفعل أكمل نومة، أي السرير شرق غرب، ومكان الوسادة نحو الغرب، فإذا استلقى الإنسان على شقه الأيمن فيصير وجهه نحو القبلة وقدماه نحو الشرق ورأسه نحو الغرب ووجهه نحو القبلة، والإنسان بغرفة النوم ينتبه إلى هذا.

من عجز عن الإيماء و فهم الخطاب عليه أن يصلي ما فاته فإذا لم يفهم رفعت عنه :
وإذا تعذر الإيماء قال: أخرت عليه الصلاة مادام يفهم الخطاب، فإذا لم يفهم الخطاب رفعت عنه الصلاة، لا يوجد وعي بل غيبة مطلقة مستلقياً على فراش في المستشفى غيبوبة تامة، ارتفع ضغطه وفقد وعيه، إذا كان يعجز عن الإيماء و يفهم الخطاب عليه أن يصلي ما فاته من صلوات عندما يستعيد قدرته، فإذا غاب عن الوعي سقطت عنه الصلاة فإذا كانت الصلوات خمسة أوقات فما فوق، و إذا كانت أقل من خمسة أوقات لا تسقط ولو غاب عن الوعي فعليه أن يقضيها. سقوط القضاء إذا دام عجزه عن الإيماء أكثر من خمس صلوات فبعض العلماء قال: إن استطاع أن يومئ بجفنيه تقبل صلاته لعظم شأن الصلاة، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى بحث آخر عن قضاء الفوائت.
* * *
الدعاء هو العبادة :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين متعلق بالدعاء، طبعاً بعد أن انتهينا من موضوع آداب الدعاء، ننتقل إلى بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا أدري إذا كان الأمر واضحاً لديكم، فالدعاء هو العبادة، والصلاة هي الدعاء، والصلاة الدائمة هي الدعاء، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[ سورة المعارج: 23]
يدعون الله إذا خرجوا من بيوتهم، وإذا دخلوا مساجدهم، وإذا دخلوا إلى السوق، وإذا استلقوا على فرشهم، وإذا واجهوا صعوبةً، وإذا لبسوا ثوباً جديداً، وإذا تناولوا طعاماً، وإذا دعوا إلى وليمة، وإذا جاءهم مولود، أي في كل حركة وسكنة ذكر لله عز وجل، أي إذا الإنسان أحبّ أن يعرف هذه الأشياء الدقيقة الدقيقة يقتني كتاب الأذكار للنووي، وهذا الكتاب فيه كل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، ونومه ويقظته، وصحوه، ومع أصحابه، وكل حركة وسكنة ماذا كان يفعل. بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام :
هناك بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، من هذه الأدعية دعاء كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو به بعد ركعتي الفجر، قال ابن عباس رضي الله عنهما بعثني العباس إلى النبي صلى الله علية وسلم فأتيته ممسياً، فقام يصلي من الليل فلما صلى ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح قال:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ ....))
فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، ورحمته لا يعرفها إلا من ذاقها، فإذا ذقت رحمة الله عز وجل تصغر الدنيا في عينيك، وتنتقل من قلبك إلى يديك، وإذا ذاق قلب المؤمن رحمة الله عز وجل زهد في الدنيا، فمن عرف الله زهد فيما سواه، ولا يعرف هذه الرحمة إلا من ذاقها.
فالعسل صف لي إياه، أحلو هو مثل الدبس؟ لا، أمثل القطر؟ صفه لنا، أمثل العنب الحلواني؟ كيف أصفه لك؟ يجب أن تذوقه، ومن ذاق عرف، ولا يعرف مـا نقول إلا من اقتفى أثر الرسول.
الإنسان مفطور على السلامة و السعادة :
إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ ....))
قلت لكم في الدرس الماضي الأزمة أزمة معرفة، فلو أن الضال عرف ما عرفه النبي عليه الصلاة والسلام لأحب الله حبه، ولأقبل عليه إقباله، ولانضبط انضباطه، ولفعل الصالحات فعله، فالأزمة أزمة معرفة، لأن كل إنسان مفطور على حب السلامة والسعادة، و لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويرجو السلامة والسعادة، لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويتوخى السعادة، فلماذا يشقى الناس؟ لأن بعضهم يتوهمها في شيء ليس أهلاً لها، ويتوهمونها في جمع المال، قال تعالى:
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[ سورة يونس : 58]
يتوهمونها في الملذات الرقيقة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124 ]
((عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْعَطَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُنْزِلُ بِكَ حَاجَتِي وَإِنْ قَصُرَ رَأْيِي وَضَعُفَ عَمَلِي افْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ فَأَسْأَلُكَ يَا قَاضِيَ الْأُمُورِ وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ الْبُحُورِ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبُورِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ اللَّهُمَّ مَا قَصُرَ عَنْهُ رَأْيِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَّتِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ وَالْأَمْرِ الرَّشِيدِ أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوًّا لِأَعْدَائِكَ نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الْإِجَابَةُ وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي وَنُورًا فِي قَبْرِي وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَنُورًا مِنْ خَلْفِي وَنُورًا عَنْ يَمِينِي وَنُورًا عَنْ شِمَالِي وَنُورًا مِنْ فَوْقِي وَنُورًا مِنْ تَحْتِي وَنُورًا فِي سَمْعِي وَنُورًا فِي بَصَرِي وَنُورًا فِي شَعْرِي وَنُورًا فِي بَشَرِي وَنُورًا فِي لَحْمِي وَنُورًا فِي دَمِي وَنُورًا فِي عِظَامِي اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ سُبْحَانَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بِطُولِهِ))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
المؤمن بجهد قليل يحقق نتائج باهرة و الكافر يجعل الله أمره فرطًا :
انظر الآن إلى الكافر وكان أمره فرطاً، بيته غير منضبط، زوجته غير منضبطة، و مواعيده غير مضبوطة، وعلاقاته غير صحيحة، وبيعه وشراؤه فاسد، وكلامه فيه ظنون، ومعتقداته فيها انحرافات، قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
((... وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
لذلك قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (( من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة...))
[الترمذي عن أنس]
أي بجهد قليل يحقق نتائج باهرة، فالله عز وجل جمع له شمله، و إذا أراد الله عز وجل أن يؤدبه يبذل جهوداً جبارة تعجز عنها الرجال، ومع ذلك لا يحقق شيئاً، ويشغله بصفقة ثلاث سنوات ثم يخسره بها مئة ألف، و يقول لك: يا ليتني أغلقت المحل وذهبت نزهات، أو نمت، إذ يشغله بطريق مسدود، وبطرق كلها متاهات، ولذلك: (( من أصبح وأكبر همه الآخرة ...))
أي: (( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))
[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]
(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ))
[ الجامع لأحكام القرآن ]
(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))
[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]
"عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد." امتحان الإنسان من قِبل الله كشف لمعدنه :
نقرأ قصة سيدنا يوسف لماذا نقرأها؟ هل هي تسلية أم للمتعة؟ قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 21 ]
عشرة أخوة أشداء ائتمروا على أخيهم الصغير، وأرادوا أن يقتلوه، قال قائل منهم: اجعلوه في غيابت الجب، وضعوه في بئر جاءت سيارةً فأرسلوا واردهم قال: يا بشرى، أسروه بضاعة، اشتروه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين، دخل قصر العزيز وكان خادماً عبداً و لكنه كان مخلصاً لله عز وجل وعفيفاً، عف عن المحارم، دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، وفي النهاية صار عزيز مصر، قالوا: أ إنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. هذه القصة ما معناها؟ ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 21 ]
ربنا عز وجل يخلق لك ظروفاً صعبة تضيق عليك الدنيا، ويفتحها من طريق فيه حرام، فهذا هو الامتحان الصعب، إذ لا يوجد أعمال إطلاقاً، ومفتوح عمل لا يرضي الله عز وجل، فالمؤمن الصادق الصابر يقول: أنا لو مت جوعاً لن أفعل هذا؟ والأقل صدقاً يقول: ماذا أفعل أنا مضطر وليس لي خيار في الأمر؟ لقد رسب في الامتحان، ولكن إذا كان إيمانك بالله قوياً فهذا الآمر العظيم خالق الكون هل يدعك بلا شيء إذا اخترت رضاه؟ وإذا آثرت رضاه هل يدعك خلف الناس؟ حاشا لله ،وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الوفاء، وأنت تؤثر رضاه ثم يتركك!! محال أن تطلب رضاه ولا يرضيك، لكن يؤخر لك العطاء قليلاً حتى ينكشف المعدن و هذه على موضوع ((....وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ...))
فالمؤمن مجموع الشمل و أموره ميسرة. المؤمن لا يصدق إلا ما جاء به القرآن الكريم :
يا أخوان: التيسير له قانون لا تسموه حظاً، لا يوجد حظ، لا تقولوا: فلان يده خضراء، لا يوجد يد خضراء، لا تسموا فلاناً مرزوقاً، لا يوجد مرزوق يوجد الله هو الرازق، لا تقولوا: فلان القدر تبسم له، فهذا كلام فارغ، لا تقولوا: إن الأيام رفعته، فلا يوجد أيام، ولا يوجد إلا الله، لا تقولوا: الدهر كان له بالمرصاد، لا يوجد إلا الله، فهذه كلها كلمات الشرك، وكلمات الكفر، هذا قدمه نحس، ما هذا الكلام؟ فالله يؤدبه، دخل فلان البيعة فضت، ما هذا الكلام؟ يقول: أخي قدمه نحس، هذا الشيء توهم من الشيطان، لا إله إلا الله، لا خيرة ولا كهانة ولا سحر فالمؤمن لا يصدق إلا ما جاء به القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*مَلِكِ النَّاسِ*إِلَهِ النَّاسِ*مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ*الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ*مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[ سورة الناس: 1-6 ]
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
[ سورة الفلق: 1-2 ]
((... وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
كل هذا من رحمة الله. الابتعاد عن الفتن :
هذه الرحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي المتفرق، وترد بها الفتن عني، وأحياناً الإنسان ينتكس، ويحضر جهاز لهو إلى البيت، يفسد له حياته المنزلية، وقعت جريمتان في دوما وفي الزبداني بسـبب جهـاز الفيديو، إنسان وجد ابنه فوق ابنته بسبب جهاز اللهو، وترد بها الفتن هذه فتنة طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: أَفْشِ السَّلامَ وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ وَصِلِ الأرْحَامَ وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ترد بها الفتن عني، يا رسول الله بم أنجو من عذاب الله؟ قال: (( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ))
[الترمذي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]
فهذه الفتن ولاسيما في هذه الأيام الفتن يقظى، الفتنة نائمةٌ لعن الله من أيقظها، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[سورة يونس: 24]
كل شيء مزين، الأسواق مزينة جداً، البضاعة معروضة عرضاً يسير لها اللعاب، و في الأسواق إضاءة، وعرض جميل، والأسواق كلها تضج بحاجات الإنسان، قال رسول الله: "شر البلاد أسواقها وخيرها مساجدها"، فهنا يوجد رحمة، وتذكير بالآخرة، وبساعة اللقاء، وبساعة الفراق. ((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
طريق الإيمان طريق مصيري :
أحياناً الإنسان له فورة يأتي إلى الجامع ويسمع الحق ويتأثر، ويثور و يحب الحق، وأنا يبلغني هذا الأمر، أقول لهذا الرجل: ثبتك الله يا أخي، لأن البطولة بالثبات وليست البطولة بالفورة ثم ينتكس نكسة شديدة، إذا الإنسان بنى إيمانه على علم لا ينتكس، أما إذا بناه على انفعالات وعلى عواطف فهذه خطرة، وهذه لها فورة، وعندما تنتهي الفورة يعود إلى ما كان عليه، وربما انتكس نكسةً خطيرة، فيفجر فجوراً لا يفجره أهل الفجور، والثبات نبات كما يقولون، أنت سلكت طريق الإيمان وهذا طريق مصيري، قال تعالى:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب: 23]
أي ليس مؤقتاً، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[سورة الحج: 11]
فإذا عمله قلَّ في المحل يقول: بعد أن آمنا هكذا صار معنا، والله كنت لا أهدأ من البيع، والآن بعدما لحقنا الدين نضب موردي.
يجب أن توطن نفسك أن تحب الله، وأن تستقيم على أمره في السراء والضراء، وفي الغنى والفقر، وفي إقبال الدنيا و إدبارها، إن كنت متزوجاً أو عازباً، جاءك أولاد أم لم يأتك، جاءك بنات أو ذكور، دخلك محدود أو غير محدود، الصحة طيبة أم غير ذلك، أنت آمنت بالله عز وجل؟ هكذا الصحابة كانوا.
المصائب محك الرجال :
سيدنا علي يقول: "الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين"، والله الذي لا إله إلا هو إذا الإنسان أصابته مصيبة وتوجه إلى الله وقال: يا ربي لك الحمد على هذه المصيبة، لاشك أن فيها حكمةً ورحمةً وعلماً، أنا فقير إليها، هل تعلمون أن هذا نجاح باهر عند الله، ابتلاه ونجح، ويوجد أشخاص على المصائب يتغير إيمانهم، وهناك أشخاص على المصائب الثقيلة يقول لك: أين الله؟ ينكر وجوده، فالإنسان يطلب من الله السلامة، ولكن إذا جاء البلاء فالمصائب محك الرجال.
وسيدنا رسول الله كان من الممكن ألا يواجه أعداء إطلاقاً، وكان من الممكن أن يضعه الله في بيئة كلها مؤمنة، مثلاً نشأ في مكة و لا يوجد فيها أي كافر وكلها مؤمنون، فلما جاءت الرسالة آمنوا به جميعاً، لا يوجد حروب، ولا أعداء، ولا شيء إطلاقاً، فالدعوة تنتشر بسرعة، والناس مقبلون عليها، وأصحابه محبون له، وإكرامهم شديد له، كان من الممكن، ولكن معدنه الثمين لا ينكشف في هذا، له معدن ثمين صلى الله عليه وسلم فلا ينكشف إلا في غار ثور، قال: "يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، قال له: لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، قال له: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قال له: لقد رأوني، قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف: 198]
يجب أن يمر بموقف صعب، وأن يذهب إلى الطائف ثمانية كيلو مترات مشياً، فأنت اذهب إلى دوما مشياً فهل تستطيع؟ سبعة عشر كيلو حتى تصل والطائف ثمانون وليس الطريق سهلاً، شق طرقات إلى الطائف شيء لا يصدقه العقل، جبال وعرة كأنها جدر، وصل النبي الكريم مشياً على قدميه إلى الطائف ليدعوهم إلى الله ورسوله، فأبوا، وأنكروا، واستهزؤوا، وكفروا، وعاد إلى مكة مخذولاً، وقال له أحدهم استهزاءً: ألم يجد الله أحداً غيرك يبعثه إلينا؟ وقال له آخر: والله لو أنك نبي حقاً لمزقت أثواب الكعبة، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: "إن الله ناصر نبيه".
توفيت زوجته، وتوفي عمه، وضيق عليه المشركون، ألجؤوهم إلى الشعاب، ونصح أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وتبعه سراقة ليأخذ الجائزة، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، قال: يا ربي اكفنا إياه كما شئت وكيف شئت، فغاصت قدما الفرس في الرمل فوقع من على فرسه المرة الثانية والثالثة فعرف أنه ممنوع منه، وأنه نبي قال له: مرني قال: خذل عنا، فعاد سراقة ورد الناس عن النبي، قال: هذا الوجه ليس فيه أحد كفيتكموه.
يجب أن يمر في ظرف صعب، فإذا الإنسان خاف لا يحزن فالأنبياء مروا في ظروف صعبة، فيجب أن تخاف مرة، و أن يقل دخلك مرة، وأن تشعر بشبح مصيبة كبيرة فلا تقل نفسك: ما هذا الدين؟ يا رب إني راض.
الحيان امتحان وكل شِدّة وراءها شَدّة إلى الله عز وجل :
الإمام الشافعي رضي الله عنه أثناء الطواف سمع رجلاً يقول: يا رب ارض عني، إنه رجل عادي، فقال له: يا هذا لو رضيت عن الله لرضي الله عنك، قال: من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا محمد بن إدريس الشافعي، قال له: وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ ما هذا الكلام ما قنع به، فقال الإمام الشافعي: يوم تسر بالنقمة سرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، وهذا المقياس الدقيق، شيء لا تحبه فعليك أن تقول من أعمق أعماقك: يا رب لك الحمد، أنا راض.
قال لي طبيب بمستشفى: جاءنا مريض معه سرطان في الأمعاء وآلام هذا المرض لا تحتمل، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد يا أخي أنني راض عن الله، يا ربي لك الحمد، شيء غريب كلما دخل زائر يقول له: اشهد أنني راض عن الله.
هكذا المؤمن فإذا الله بعث بمشكلة - وهذه نصيحة لوجه الله - لا يفتر لسانه عن الحمد لله، يا ربي لك الحمد، فلابد من حكمة وراء هذه المشكلة، ولابد من رحمة وراءها، ولابد من قفزة، كل شِدّة وراءها شَدّة إلى الله.
الحياة امتحانات من الذي قال لك: إنه ممكن أن تعيش حياة هادئة لا يوجد فيها ولا مشكلة؟ أين الامتحان؟ قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 2]
تريد حياة على تصميمك لا يوجد فيها مرض، ولا انزعاج، ولا مشكلة مع الزوجة أبداً، ولا مشكلة مع الأولاد، ولا يظهر حلمك، ولا علمك، ولا رحمتك، و لا تظهر حكمتك، إن لم يكن هناك مشاكل أين حكمتك؟ لا تظهر، أحضر أغبى إنسان ضعه في موقف ميسور تجده بشكل جيد، ضع إنساناً في منصب ولا يوجد مشكلة في المعمل، ولكن المشكلة إذا الآلة تعطلت، أو العامل شذّ، أو مادة فقدت، فهنا تبدو حكمة المدير العام كيف يوفر المادة. موقف النبي من الأنصار و حكمته العظيمة :
النبي صلى الله عليه وسلم جاءه صحابي جليل يقول له: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
انظروا إلى هذا الموقف، طبعاً هو موقف نبوي لكن علماء السياسة اعتبروه أذكى موقف سياسي. ((... قَالَ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ: أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
أنا واثق من إيمانكم، أحياناً يأتيك ضيف ويكون عندك ثلاث برتقالات، تضعهم للضيف فيأكلهم، و ابنك لم يأكل برتقالاً لكنه يتحملك لأنه من أهل البيت، ويقول: أنا ما أكلت برتقالاً يا والدي، هذا طفل أحمق، نعم تأكل أما الآن فنريد أن نبيض وجهنا أمام الضيف. ((... أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
بأنفسهم أشياء كثيرة، نحن استقبلنا رسول الله، ونحن نصرناه، فهذه خواطر داخلية، ونحن منعناه، و جاهدنا معه، و لنا ميزة. ((... أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ...))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
قال لهم يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بينكم؟ ما بدأ بنعم رسول الله، بدأ بما يفكرون هم: ((... أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأنْصَارِ قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
ألا ترضون أن هذا أخذ غنمة، وهذا شاة، وهذا أخذ بعيراً فرح به، ألا ترضون، طمأن بين قلوبهم، وطمأنهم، وجبر خاطرهم، وسلاهم، واعتذر لهم تقريباً، وذكر ما يدور في خواطرهم، وبيّن له فضله عليهم، فهذا الموقف النبوي. تواضع النبي صلى الله عليه و سلم :
صلى الله عليه جاءه صحابي وقال له:
(( عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى... ))
[ مسلم عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان متواضعاً جداً: ((... فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ))
[عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
ومن علامة النية أنه لا يوجد عنده كبر أبداً، ما دعاك، إجابة الدعوة فرض، شأنه قليل و قال له النبي: على العين والرأس: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
لا تعرف قد يكون أعلى منك هذا الرجل. ((... سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ... ))
انظر لو قال له غداً آتيك صار هناك إحراج، وسوف يغديه، انظر إلى الكمال النبوي ما حدد له موعداً معيناً لئلا يتكلف قال له: ((.. سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ... ))
جاء إلى مهمة محددة. ((.. قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ قَالَ فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا... ))
سيدنا النبي صلى الله عليه يمكن كل واحد من الصحابة في ذاكرته يعرف مشكلته، هذا متقدم وهذا متأخر، وهذا غاب وهذا جاء. (( فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيَّ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ))
[ مسلم عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
ما هذه لا، البلاغة بكلمة لا فقط، لو أضاف لها كلمة ثانية ما عدّ نبياً، ولو أنه سكت لعدّ سكوت النبي عليه الصلاة والسلام إقراراً، و لو قال قائل منهم: لقد نافق مالك بن الدخشن وسكت النبي فهو منافق، ولو قال الثاني: إنه بغيض الله ورسوله وسكت النبي لكان كذلك، ولو قال الثالث: إن حديثه في المنافقين وسكت النبي لكان كذلك، ولو أن أحدهم قال: نافق مالك يا رسول الله، فقال: لا ليس منافقاً وهو منافق لطعن بهذه الشهادة، إنسان منافق فعلاً، قال: هذا ليس منافقاً أي هؤلاء الأصحاب القلة شكوا في حكمه منافق، ولم يعد نبياً في نظرهم، أما كلمة لا فتحتمل معنيين، تحتمل ليس كذلك وتحتمل لا تقولوا كذلك، فإذا نقلت هذه القصة إلى مالك بن الدخشن، يا رجل قال عنك فلان إنك منافق فقال عنك النبي: لا، كيف يفهمها مالك؟ ليس كذلك إنه نفى عني النفاق يميل قلبه نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سمعها واحد في المجلس أنه منافق وقال: لا، يفهمها ألا تقولوا هذا أمامي، أحب أن أخرج وأنا سليم الصدر، لا تحدثوني عن أصحابي بما أكره. الابتعاد عما يجرح شعور الآخرين :
أحياناً يكون أخ يمشي مع رجل بعلمه يحبه، فيأتي منافق ويقول له: هذا منافق، و هذا عنده الجهاز الفلاني، وزوجته سافرة، و ماله حرام، فلماذا تقول هذا الكلام دعه يمشي معنا، من المحتمل بعد شهرين أن يبيع هذا الجهاز، وبعد شهرين يحجب امرأته، وهذه المصلحة يتركها، لماذا أنت تقول هذا؟ إذا أنت غرت عليه فانصحه ولا تدريني، إذا ما دريتني فالأفضل أن يبقى بيني وبينه مودة، وهذه المودة تتصاعد ثم تجده ترك كل هذا، أما إذا أوغرت صدر هذا الإنسان على هذا الأخ فصار فساد بالعلاقة فقد وقعت بإثم، فكلمة لا تحير، هذه الكلمة لها معنيان أي لا تقولوا كذلك، وإذا سمعها مالك ليس كذلك.
((.... لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ....))
هذا الكلام لا ينطبق عليه، انظروا إلى الذكاء، هذا كلام منطقي وليس له علاقة بالماضي، انتهت القصة.
وعندما انتهت القصة تصورت أن هذا منافق، ولكن رسول الله ما أحب أن يجرح شعوره، ولا أحب أن يفضحه، وما أحب أن يسكت، لأنه لو سكت صار إقراراً، وقعت تحت يدي مجلة فيها مقالة عن تبوك، قرأت المقالة فإذا في نصفها الآخر إشارة كدت أذوب لما فيها فرحاً، المنافقون بنوا مسجد ضرار، وهذا المسجد مذكور في القرآن، فبعث النبي عليه الصلاة السلام صحابيين جليلين هما مالك بن الدخشن وآخر ليهدما هذا المسجد، ومعنى هذا أن سيدنا مالك لما بلغته القصة أنه قال عنك: فلان منافق، وقال عنك: إن حديثك في المنافقين، وقال عنك فلان: تبغض الله ورسوله، وكل مرة يقول رسول الله لا، فصار له ميل لرسول الله وبهذا الميل عاد وأسلم، وحسن إسلامه، وصار مجاهداً، وبعثه النبي بمهمة، هذه نتائج كلمة لا، هذه النبوة، لا تقل كلمة فيها جرح لشعور إنسان.
النبي الكريم أشد حياء من العذراء في خدرها :
صلى الله عليه شاهد ابنته فيما أذكر تلبس ثوباً شفافاً فقال: "لا تلبسي هذا الثوب إنه يصف- ماذا يقول ضع أي كلمة مشكلة- قال لها: إنه يصف حجم عظامك"، وهذه روعة الحديث هل من الممكن أن يخطر في بالك شيء بهذه الكلمة.
وأحدنا أحياناً يقول كلمة لا تليق وهو يريد أن ينصح ابنته فيقول كلمة لا تليق، كان النبي لا ينطق بكلمة واحدة فيها إثارة، فالآن تفتح كتاب فقه، والله تستحي بحالك، كل شيء باسمه الحقيقي، كتاب في البيت ممكن أن يقرأه طفل، وكبير، و لا يوجد شيء مستور في الفقه، وليس من المعقول أن تقرأ كتاب فقه في مسجد، أخي لا حياء في الدين، لا فالدين كله حياء، تعلم من الله عز وجل الكنايات الرائعة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 5-7 ]
هذه ينطوي تحتها مليون انحراف أخلاقي، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾
[ سورة النساء: 43 ]
فيوجد أشياء لطيفة جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم له كنايات رائعة جداً، يظهر أن امرأة سألته: (( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
فكان أشد حياء من العذراء في خدرها، كيف يفصل أكثر من هذا التفصيل؟ مجلسه مجلس علم، وحياء، ووقارٍ، ولطف. أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم العالية :
مرة كانوا مدعوين على غذاء، وكان اللحم لحم جمل، ويظهر أنهم صلوا الظهر، وجلسوا، ثم خرجت رائحة كريهة، يوجد واحد انتقض وضوءه هذه تفسيرها، أكلوا وأذن العصر وعليهم أن يصلوا العصر، وكل أصحابه متوضئون إلا هذا الذي انتقض وضوءه، طبعاً إذا أراد أن يتوضأ انكشف، فقال عليه الصلاة والسلام وهو سيد الأذكياء: "كل من أكل لحم جزور فليتوضأ قالوا كلنا أكلنا قال: كلكم فليتوضأ".
ستره، قال بعض الفقهاء هذا اللحم نجس، لا ليس نجساً، هذا صلى الله عليه وسلم لدقته العالية قال: "لا تحمروا الوجوه"، لا تحرج أحداً، هناك أناس عندهم رغبة ألست أنت قلت غير هذا الكلام البارحة؟ أنت البارحة ذممته ولم تمدحه، هذه ليست من أخلاق المؤمن.
من جاءه أخوه متنصلاً فليقبل منه محقاً كان أم مبطلاً، تصور مبطلاً أي وعدك ولم يأتِ وقال لك: السيارة تعطلت، فالمؤمن يقول: لا بأس وأنت عندك يقين أن القصة كلها كذب.
ألم يأت المنافقون يعتذرون له وتخلفوا عن بعض المعارك؟ هذا قال له: بيتي سوف يسقط وهذا قال له... كلها أسباب منطقية، حتى جاء صحابي سيدنا مالك قال له: والله يا رسول الله أوتيت لساناً ذرباً - أي عندي إقناع قوي - ولو شئت أن أسترضيك لاسترضيتك، ولكنني لو استرضيتك الآن لأوشك الله أن يسخطك علي، والله يا رسول الله لم أكن بوقت من الأوقات بأقوى ولا أنشط حين دعوتني ولكنني تخلفت، قال صلى الله عليه أما هذا فقد صدق، إشارة لطيفة جداً.
تعلموا من أخلاقه العالية، إنسان دخل إلى المسجد راكضاً أحدث جلبة وضجيجاً:

(( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))
[النسائي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ]
البلاغة والروعة بكلمة زادك الله حرصاً، لو أنه لامه أو وبخه ينزعج فأثنى عليه وقال له: لا تعد.
بدوي أثناء الصلاة عطس صحابي فقال له: يرحمك الله، فالصحابة ضربوا على أرجلهم أن اسكت، فلما شاهد هذا خاف أن يضربوه بعد الصلاة، فلما انتهت الصلاة قال له النبي صلى الله عليه: يا عبد الله إن هذا الكلام لا يصلح في الصلاة، فقال: والله ما رأيت معلماً أحكم منه ولا أرحم منه، فوالله ما نهرني ولا قهرني، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، قال له: يا أخي لقد حجّرت واسعاً.
(( وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ))
[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
صلى الله عليه حكيم، الفقهاء فهموا أن إذا رجل بدأ في التبول وتوقف يصبح معه مضاعفات كثيرة جداً، هذا خطأ كبير أن يحصر الإنسان نفسه، فلماذا سحر الصحابة؟ سحروا برسول الله، من كماله صلى الله عليه وسلم. رقة النبي صلى الله عليه و سلم و تواضعه :
إنه متواضع إلى أقصى الحدود، فيه رقة، وكان إذا دخل بيته لف ثوبه، كان يقول للسيدة عائشة يا عويش تحبباً لها، ومرة تسابقا فسبقته وكانت صغيرة جداً، ومن ثم سبقها، قالت: لما ركبني اللحم فسبقني فما زاد وزنه صلى الله عليه، هي زاد وزنها، قال لها: هذه بتلك. وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، ألين الناس، وكان يقول: أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم.
أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات، وكان يرفو ثوبه، ويخسف نعله، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، رقيقاً، كانت تقول له السيدة عائشة كيف حبك لي؟ يقول لها: كعقدة الحبل، فكانت تقول له كيف العقدة؟ يقول: على حالها.
وهكذا يجب أن يكون البيت جنة يا أيها الأخوة، إذا كنت أنت مؤمناً صحيحاً ورسول الله قدوتك فيجب أن يكون بيتك جنة، لطف، ومودة، وسلام، السلام عليكم، فتح الباب وقال: الطعام جاهز، قل: السلام عليكم، تعلم الرقة مع زوجتك، مع أخوانك، ومع أصدقائك، والله يوجد أشياء في السيرة النبوية من العجائب.
إنسان قدم له خلاً فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم الإدام الخل"، فرجل غني قال: الخل أطيب شيء عند رسول الله دعاه إلى الخل فقال له: "بئس الإدام الخل"، قلناها لإنسان رقيق الحال فهل تليق به؟ فيجب على الإنسان أن يكون دقيقاً.




السعيد 09-10-2018 01:59 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : سقوط الصلاة ( و الصيام )







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إسقاط الصلاة والصوم :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم: "إسقاط الصلاة والصوم"، إذا مات المريض ولم يقدر على الصلاة بالإيماء تسقط عنه، فليست هناك فترة عفي فيها إلا أنه مرض وانتهى، ومرضه بالموت، وفي مرضه لم يقدر على الصلاة بالإيماء، وفي هذه الحالة تسقط عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيفاء بها وإن قلت، وكذلك الصوم إن أفطر فيه المسافر ومات في سفره، أو أفطر المريض ومات قبل الإقامة، ومات قبل الصحة، لا يلزمه شيء فيسقط عنه الصيام، وتسقط عنه الصلاة، لكن ورد في النص الثابت عن الصوم من أفطر بعذر فالفدية تسقطه، قال تعالى:
﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
وبعض العلماء وجه هذه الآية إلى أن الذي يستطيع أن يصوم ولكنه مسافر له أن يفطر ويستطيع أن يصوم في سفره، و المريض له أن يفطر ويستطيع الصيام في أثناء المرض، فهذا إذا أفطر أفطر بعذر، ولكن قد يكون هذا العذر غير مقبول أمام نفسه، فعليه الفدية، فقال بعض العلماء: إن الصيام بنص القرآن الكريم يسقط بالفدية، ولكن لم يرد في الصلاة نص يشبه ذلك، إلا أن السادة الأحناف قاسوا الصلاة على الصيام، ولكن السادة الشافعية قالوا: لا، فالصلاة لا يمكن أن تسقط بالفدية، ولو فرضنا إنساناً ما صلى وكان معذوراً عليه أن يدفع مقابل كل صلاة مد قمح فالشافعية لم ترضَ بهذا، فمن مات وعليه صلوات لا يكفي في إسقاطها الإطعام لحديث أنس:
((مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ قَالَ مُوسَى قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ وَأَقِمِ الصَّلاةَ للذِّكْرَى))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
قضاؤها هو كفارتها، نتابع الموضوع، الآن لو فرضنا أن إنساناً صام في رمضان ثم مرض فعليه قضاء الأيام التي أفطر فيها خلال مرضه، ثم شفي من هذا المرض ولم يقض ما عليه و مات الآن وليه عليه أن يخرج من ميراثه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره خلال المرض ولم يؤده في أثناء الصحة، وهذا النوع من الكفارة يسقط ما على هذا المريض الذي شفي من مرضه ولم يصم في أثناء الصحة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد))
[رواه عبد الرزاق في " مصنفه - في كتاب الوصايا " عن ابن عمر]
فإنسان معه قرحة في المعدة وصفنا له دواء فقال له أخوه: أنت متعب سوف آخذ الدواء عنك، هذا مستحيل، وسوف ننتقل في درس قادم إلى باب قضاء الفوائت.

* * *
العلم و العمل طريقا الوصول إلى الله عز وجل :
من كتاب إحياء علوم الدين انتقلنا إلى الجزء الثاني بعد أن تمت بعض الفصول المختارة بفضل الله عز وجل وتوفيقه، وها نحن أولاء ننتقل إلى الجزء الثاني، والشيء الذي يثلج الصدر أن الجزء الثاني كله متعلق بالآداب، فهناك مقدمة في موضوع الآداب، و أول هذه الآداب آداب الطعام والشراب، وآداب النكاح، وآداب الفقه فقه المعيشة، وآداب الاختلاط، وآداب الاعتزال، وموضوعات ثمينة جداً، من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ إذا عرف هذا الموضوع طبقه من توه، المقدمة التي أردت أن أذكرها لكم كلمة كلمة.
يقول الإمام الغزالي: أما بعد فإن قصد ذوو الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب - هذا الهدف الأكبر أن تلتقي بالله تعالى في دار الثواب ووجهك أبيض وعملك طيب - ولا طريقة إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل، وحضور هذا المجلس هو العلم والتطبيق في البيت هو العمل، ولا تمكن المواظبة على العلم والعمل إلا بسلامة البدن، تسلسل منطقي، هل تستطيع حضور هذا المجلس وأنت مريض؟ وهل تستطيع مباشرة هذه الآداب وهذه الأوامر وأنت مريض؟ مستحيل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوال، والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: الأكل من الدين، أي العناية بهذا الجسد إطعامه، وتأمين حاجته، فهذا من الدين، لأن هذا الجسد مطيتك إلى الله، و إلى الجنة، ووسيلتك للعمل الصالح، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين:

﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة المؤمنون : 51 ]
أمر إلهي، أما الدقة البالغة الآن: فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوى به على التقوى فهذا هو من الدين، فلا ينبغي له أن يترك نفسه هملاً سدى، يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين، ووسيلة إليه، ينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه، مادام الطعام والشراب كما قال بعض السلف الصالح من الدين، وسيلة الرجل إلى العلم والعمل فينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه.
التزام الإنسان بسنن الطعم و الشراب مدفعة للوزر ومجلبة للخير وللأجر :
ما هي أنوار الدين على الطعام والشراب؟ الآن تأتي التفصيلات، وإنما أنوار الدين وآدابه وسننه، فإذا كان الإنسان يأكل ليتقوى على طاعة الله عز وجل، حتى يتقوى على العلم والعمل اللذين بهما يلقى الله عز وجل في الجنة ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه، وأنوار الدين آدابه، و عندنا طائفة كبيرة جداً من الأحاديث الشريفة والسنن النبوية الطيبة متعلقة بالطعام والشراب بالذات، فما هذه السنن؟ العبد يجب أن يلتزم بها وأن يلتزم بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع فيصبح بسببها مدفعةً للوزر، ومجلبةً للخير وللأجر، طبعاً كل هذا الكلام مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عَجِبْتُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ، الْمُسْلِمُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ))
[ أحمد عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ]
تقول: فم، فوه بالرفع، وفيهِ بالكسر، وفاهُ بالنصب، تقول: لا فض الله فاكَ، ولا فُض فوكَ، ووضعه في فيه أي في فمه. وإنما ذلك إذ رفعها بالدين وإلى الدين مراعياً فيها آدابه ووظائفه.
هذه المقدمة يعني الطعام والشراب إذا كان وفق آداب الإسلام صار عملاً صالحاً ومن الدين، وإذا خالفت آداب الطعام والشراب صار الطعام والشراب هدفاً لذاته وصار ليس للدين بل للدنيا، وصار استمتاعاً بالطعام والشراب، ويأكل هذا الكافر كما تأكل البهيمة، وهكذا قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد: 12 ]
الآداب الواجب اتباعها قبل الطعام :
1 ـ أن يكون الطعام حلالاً :
والآن يوجد ثلاثة آداب، آداب قبل الطعام، وآداب أثناء الطعام، وآداب بعده، فأما الآداب التي قبل الطعام فسبعة.
الأول: أن يكون الطعام حلالاً، التأدب في لحم الخنزير ليس وارداً، أو اللحم المذبوح ذبحاً غير شرعي، أو لحم دمه فيه، والدم من المحرمات إذ يجب أن يكون الطعام حلالاً، وربنا عز وجل قال:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
[ سورة البقرة: 168 ]
الحلال و الطيب :
ما الفرق بين الحلال والطيب؟ العلماء بينوا الفرق، الحلال ما كان حلالاً في ذاته، والطيب ما كان الوصول إليه من طريق مشروع، فالتفاح حلال أكله، أما أن تأكل تفاحةً اغتصاباً أو سرقةً هذه حلال وليست طيباً، فالحلال الطيب أن يكون الطعام ذاته مباحاً أكله سمح به الشرع، والطيب أن يكون طريق وصول هذا الطعام إليه من طريق مشروع، فكل ما أخذ بسيف الحياء حرام، ولذلك أنا أقول دائماً: هذه التفاحة خلقها الله لك، وطريق وصولها إليك باختيارك، هي لك قد تصل إليك شراءً بمال حلال، وقد تصل إليك هديةً، وقد تأكلها ضيافةً، وقد تأخذها غصباً، وقد يسرقها بعض الناس، وقد يأخذها بعض الناس تسولاً، كل هذه طرق، وهذه الطرق اختيار الإنسان أما هي فلك، فلذلك أول أدب من آداب الطعام أن يكون الطعام حلالاً، أي مباحاً أكله كالليمون، أما طيباً فأن يكون طريق وصوله إليك من طريق مشروع موافق للسنة، والورع لم يغتصب بسبب مكروه في الشرع، و الآن يوجد مكاسب للرزق محرمة والإمام الغزالي رضي الله عنه يقول: يجب أن تكون هذه الأطعمة قد وصلت إليك من طريق مكروه، أي حلفت يميناً كاذبة وبعت هذه البيعة وربحت ثمانين ليرة فاشتريت بها فاكهة ولحماً وطعاماً فهذه اليمين كاذبة، واليمين كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ]
ومن أكل لقمةً واحدة من حرام لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، الشطيرة كم لقمة؟ إذا الإنسان أخذ مبلغاً يطعمه خمسين سنة بالحرام فهذا المبلغ ما وضعه؟
المداهنة و المداراة :
إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه بالشرع، ولا بحكم هوى، ولا مداهنة في الدين، أحياناً الإنسان يداهن، فما المداهنة؟ المداهنة يوجد شيئان قوله تعالى:
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾
[ سورة القلم : 9 ]
والمداراة، قال عليه الصلاة والسلام: "بعثت لمداراة الناس".
المداهنة محرمة، أما المداراة فمستحبة، ما هي المداراة؟ بذل الدنيا من أجل الدين، أي ساعدت صديقاً لك مساعدة ثمينة أحبك فجاء معك إلى المسجد فجاريته، بعته بيعة وما ربحت منه شيئاً استجلبت قلبه، خدمته خدمة كبيرة، وعلمته شيئاً يجهله.
حدثني أخ عنده محل حلويات، جاءه شخص من مكان بعيد قال له: علمني هذه المصلحة؟ قال له: نعم، قال لي: من ثلاثين سنة يأتي كل سنة أقرب لي من أخي من المودة، فتح محلاً في آخر الدنيا واشتغل، فالمداراة بذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة فبذل الدين من أجل الدنيا، أي لك شريك وله مخالفات شرعية ويوجد منه ربح جيد فغضضت البصر عن هذه المخالفات، وعن الشبهات في كسب المال بغية الربح، فضيعت شيئاً من دينك من أجل الربح، هذه هي المداهنة، ولذلك ليس من شيمة المؤمن المداهنة بل من شيمته المداراة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " بعثت لمداراة الناس "
إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه في الشرع، ولا بحكم هوىً أو مداهنة في دين، وسيأتي هذا في التفصيل في موضوع آداب الكسب والمعاش، وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة: 188 ]
نهانا عن أكل الطعام بالباطل، وحثنا على أكل الطعام الطيب الحلال،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
ثم قال:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾
أول أدب واضح جداً أن يكون الطعام حلالاً طيباً، الحلال ذاته، والطيب طريقه واضحة.
2 ـ غسل اليد :
والآن الأدب الثاني: غسل اليد، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم ))
[ مسند الشهاب عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده]
أي بركة الطعام، و في حديث آخر:
((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))
[الترمذي عن عن سلمان رضي الله عنه ]
والعلماء قالوا: الوضوء هذا وضوء الطعام أي غسل اليدين فقط والفم، والإنسان أثناء عمله صافح إنساناً، أو مسك حذاءه، أو أمسك حاجة فيها جراثيم، أو هبت عاصفة شديدة وهناك غبار دخل إلى فمه، فغسل فمه وغسل يديه من الآداب قبل الطعام. قال: لأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل بقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة، ومادام الطعام للمؤمن عبادة، والصلاة يسبقها وضوء، كذلك الطعام فيه وضوء وهو غسل اليدين والفم قبل الطعام.
3 ـ أن يوضع الطعام على الأرض :
والأدب الثالث أن يوضع الطعام على الأرض، لكن هنا الإمام الغزالي ملخص الصفحة الطويلة قال: هناك بدع وهناك سنن، فالبدعة التي لا تلغي سنة ليست مكروهة، فإذا الإنسان ألِف أن يأكل هو وأولاده على الطاولة ويوجد كراسي ليست هذه بدعةً مكروهةً، فالنبي الكريم في عصره كانت الأرض هي أساس الحياة، فكان يأكل على الأرض كما يأكل العبد، يوجد وصف دقيق لطعامه وشرابه، ولكن حتى لا يكون هناك حرج فهنا توضيح طفيف، إذا كان هناك بدعة تلغي سنة فهي مكروهة باطلة، و لكن هناك بدع لا تلغي السنة ولا شيء عليها، مثلاً رسول الله كان يشعل سراجاً، فنسمي الآن الضوء بدعة؟ لا ليس بدعة لأنه ما غير شيئاً بمعايير الدين، وليس كل شيء ظهر جديداً يسمى بدعة.
4 ـ أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها :
والآن أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها، يوجد جلسات لا تليق قال عليه الصلاة والسلام:
((أما أنا فلا آكل متكئاً))
[ البخاري عن أبي حجيفة]
الاتكاء فيه كبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه، وربما جلس على ظهر قدميه، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى، وكان يقول:
((أما أنا فلا آكل متكئاً))
[ البخاري عن أبي حجيفة]
(( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد))
[ أحمد عن عطاء بن أبي رباح]
والشرب متكئاً مكروه أيضاً ويكره الأكل نائماً ومتكئاً إلا لضرورة.
5 ـ أن ينوي بأكله التقوي على طاعة الله ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل :
الأدب الخامس: أن ينوي بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل، قال إبراهيم بن شيبان: "منذ ثمانين سنةً ما أكلت شيئاً بشهوتي"، قال: "ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا لأكله دون الشبع"، أي أنت قل ما شئت، قل أنا نويت التقوي على طاعة الله بهذا الطعام، إذا أكلت دون الحد النبوي فهذا الفعل يتناقض مع هذه النية، لأن العبادة تحتاج إلى خفة، اللقمة تذهب الفطنة:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 142 ]
الخير كله مجموع في خزائن الجوع.
من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب أن يأكل دون الشبع :
إذاً الإمام الغزالي يبين مقياساً دقيقاً أنه إذا شئت من هذا الطعام التقوي على طاعة الله كُلْ ما شئت، لكنك إذا أكلت أكثر مما ينبغي لك وفوق السنة المطهرة فإن أكلك هذا ينفي نيتك تلك، فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوي عليها، فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة، وإيثار القناعة على الاتساع، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ))
[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ]
ومن ضرورة هذه النية، أول شيء إذا كانت النية صادقة من أجل التقوي على طاعة الله يجب أن تأكل دون الشبع، فالسيدة عائشة تقول: "أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله الشبع"، وأول مخالفة للسنة بعد وفاته كانت الشبع، فمن أكل حتى الشبع فقد نقض نيته التي بدأها في أول الطعام وهي التقوي على طاعة الله، وطبعاً الحديث معروف ويعده العلماء قمة الطب الوقائي: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع".
وإنه من الإسراف أن تأكل كلّ ما اشتهيت:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب ألا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع
ومن ضرورة هذه النية ومما يؤكدها ألا تمد يدك إلى الطعام إلا وأنت جائع، و قد قيل: " نعم الإدام الجوع".
أطيب طعام أن تكون جائعاً، فيكون الجوع أساساً لصدق النية، ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، هذا هو الطب الوقائي ألا يأكل حتى يجوع وإذا أكل لا يشبع، وفي ألمانيا مستشفى مكتوب عليها هذا الحديث: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" محمد بن عبد الله.
قالوا: الطب الوقائي كله في هذه الحكمة، أي في هذا الحديث، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، وسيأتي في فصول قادمة ممتعة عن فائدة قلة الأكل، والغزالي لخصها في كلمة: "الخير كله مجموع في خزائن الجوع، وطريقة التدريج في التقليل منه" وهناك كتاب "كسر شهوة الطعام من الأربعة المهلكات".

6 ـ أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام :
الأدب السادس: أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام، ولا يجتهد بالتنعم وطلب الزيادة وانتظار الإدام، بل من كرامة الخبز ألا ينتظر الإنسان به الإدام، فالخبز إدام، وقد ورد الأمر بإكرام الخبز، قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]
وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه، ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة، أما إذا حضر الطعام فالأولى تقديم الطعام، دخلوا طبعاً في متسع كبير من الوقت والطعام حضر، والعلماء أجمعوا على أن الأكل أولى من الصلاة، لأنه يحصل انشغال بالطعام، فإذا الطعام خارج الغرفة فالصلاة أولى، حان وقت العشاء وقد استعدوا للعشاء نبدأ بالعشاء ولكن أدخلوا الطعام نبدأ بالعَشاء ثم العِشاء.
7 ـ أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده :
الأدب السابع أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، قال عليه الصلاة والسلام:
((حَدَّثَنَا وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَحْشِيٍّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ))
[ أحمد وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ]
و:
((كان عليه الصلاة والسلام لا يأكل وحده أبداً))
[ الخرائطي عن أنس]
وكان عليه الصلاة والسلام يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، فإنّ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي.
كم حديث؟ ثلاثة، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ آداب حالة الأكل وآداب ما بعد الطعام.


* * *
من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم :
1 ـ شدة اهتمام النبي الكريم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء :
والآن إلى بعض شمائله صلى الله عليه وسلم، كل هذه الحقائق والمعلومات والتوجيهات والأحاديث قابلة للتطبيق الفوري في أول وجبة طعام.
(( عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَجَبْتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ أَاللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ))
[ النسائي عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ]
المغزى هذا الرجل جاء نيابةً عن قومه كلهم، وشدد في السؤال، واستيقن من النبي عليه الصلاة والسلام فإذا آمن هو آمن معه قومه جميعاً، فهذه القصة وردت هنا تحت عنوان شدة اهتمامه بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.
" وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: - كانت من ذوات العقل والدين- وروي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وكلهن على مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات في البيوت - قواعد في البيوت - وإن الرجال فضلوا بالجمعات، وشهود الجنائز والجهاد، فإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا لهم أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه وقال: هل سمعتم مقالة هذه المرأة؟ إنها أحسنت السؤال عن دينها، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من ورائكِ من النساء أن حسن تبع إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرتِ للرجال، قال: فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشاراً لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لها "
هذا الحديث مروي ثلاث روايات:
" قال: جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله أنا واثبة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك وقليل منكن من تفعله "
كأن النبي عليه الصلاة والسلام عرف ما سيكون وقليل منكن من تفعله.
الرواية الثالثة: " أن امرأةً جاءت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إني رسول النساء إليك ما منهن امرأة علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوى مخرجي إليك، الله رب الرجال والنساء وإلههم وأنت رسول الله إلى الرجال وإلى النساء، كتب الله الجهاد على الرجال فإن أصابوا أجروا، وإن استشهدوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: طاعة أزواجهن ومعرفة حقوقهن وقليل منكن يفعله "
إذاً هذ الروايات الثلاث والأولى تحت عنوان شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.

2 ـ مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام :
مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام، روى البيهقي في الدلائل وابن إسحاق عن أبي قتادة أنه قال: " وفدَ وفدٌ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافأهم على ذلك "
نبي هذه الأمة كان يخدمهم بنفسه.

3 ـ مقابلة الإحسان بأجمل منه :
ومقابلة الإحسان بأجمل منه من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام.
فعن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: "استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بقدح فيه ماء فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال عليه الصلاة والسلام مقابلاً هذا الصنيع الجميل: اللهم جمله ".
ماذا فعل هذا الصحابي؟ قدم كأس ماء وجد فيه شعرة أزالها فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجمله، قال الراوي: "فرأيت عمراً وهو ابن تسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء لأنه قال له: اللهم جمله.
" وعن أبي أيوب الأنصاري قال:

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة فسقطت على لحيته ريشة فابتدر أبو أيوب فأخذها- أحياناً يكون على كتف أخيه شعرة، أو قشة، أو نملة- فقال عليه الصلاة والسلام: نزع الله عنك ما تكره ))
[الطبراني عن أبى أيوب]
ما نسيها، سيدنا أبو أيوب أزال ريشةً عن لحيته صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:
((...نزع الله عنك ما تكره ))
ما هذه الدقة في ملاقاة الجميل؟ مسلم راوي الحديث الشهير روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال:
((حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ؟ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))
[ مسلم رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ ]
ملك قال لابنه: ماذا تريد أن تكون يا بني؟ قال له: أريد أن أكون رئيس الجامعة، فقال له: هذه تحتاج إلى دراسة، أنا أعطيك بيتاً فوراً، وطائرة، و يختاً، أما أعينك مدير الجامعة هذه تحتاج إلى دكتوراه، يجب أن تعينني، إذا أنت ما عملت لن تنال هذا المنصب، فهذا سيدنا ربيعة طلب طلباً عالياً جداً أن يكون رفيق رسول الله في الجنة، هذا المقام لا ينال إلا بالتعب الشديد.
قال ربيعة: فكنت أخدم النبي عليه الصلاة والسلام نهاري فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله فبت عنده فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله حتى أمل أو تغلبني عيني والنبي لا ينام، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
يا ترى إذا الناس كلهم ناموا، وكل حبيب أوى إلى حبيبه، فأنت من حبيبك؟ هل تقوم في الليل تصلي؟
(( عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ]
هل لك ركعتان قبل الفجر بينك وبين الله عز وجل؟ في رواية ثانية قال:
" يا ربيعة سلني فأعطيك، قال: أنظرني حتى أنظر - مادام لي عندك هذه الحاجة أنظرني- وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقال يا رسول الله: أسألك أن تدعو الله لي أن ينجيني الله من النار ويدخلني الجنة، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: من علمك هذا؟ قلت: والله ما علمنيه أحد ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه فأحببت أن تدعو الله لي قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود ".


4 ـ تفقد أصحابه و السؤال عنهم :
النبي صلى الله عليه من شمائله الكريمة أنه كان يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، فإذا الناس في ضائقة يسألهم عن هذه الضائقة، فليس يعيش في برجه العاجي، يسألهم عما يعانونه، فأبو يعلى روى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأله عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
عندما يغيب الرجل عن الجامع ثلاثة أيام كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده، أما إذا كان مقيماً وما جاء إلى المسجد فمعنى هذا أنه يوجد مشكلة، قد يكون عنده مشكلة، مثل ضـائقة نفسـية، أو قضية مادية حبسته عن المجيء، وإذا كان مسافراً دعا له، ولكن إذا الإنسان سافر وما أعلم النبي عليه الصلاة والسلام فهذا مخالف للسنة.

5 ـ حفظه للود :
حفظه للود صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
إكراماً لخديجة، وحفظاً لودها، وحسناً لعهده معها بعد وفاتها، وروت عائشة أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: " أنه جاءت عجوز إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف أنتم بعدنا؟ فقالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقدم على هذه العجوز هذا الإقبال؟ قال: يا عائشة إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان ".
ابن طفيل قال:" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة وأنا يومئذٍ غلام أحمل عدو البعير، فأتته امرأة فبسط لها رداءه، قلت من هذه؟ قال: هذه أمه الذي أرضعته ":

(( حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ))
[أبي داود عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ]
هكذا الوفاء تعيش مع الإنسان سنوات تكرمه وتدلله ثم يؤذيك‍! آخر قصة في الصحيحين:
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
وهناك أعرابي آخر جاء النبي عليه الصلاة والسلام يستعينه في شيء ثم قال له: أحسنت إليك، قال: لا ولا أجملت، قال: فغضب المسلمون وهموا أن يقتلوه ما هذا الكلام؟ فقام عليه الصلاة والسلام وبلغ إلى منزله ودعا الأعرابي إلى البيت - انتقل إلى البيت وطلبه لوحده - فقال: إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت - هكذا تقول أمام أصحابي؟ - فزاده النبي وقال له: أحسنت إليك، قال: نعم، جزاك الله من أهل عشيرةٍ خيراً -القصة لم تنتهِ - فقال عليه الصلاة والسلام: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، ولم يقل ماذا قال وفي نفس أصحابي عليك من هذا شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي- سوف أجمعك معهم قل لهم ما قلت إلي حتى يذهب عن صدورهم ما هم فيه- قال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال عليه الصلاة والسلام: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وما أعاد مقالته، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي، فقال الأعرابي: نعم جزاك الله من أهل عشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورها، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها صاحبها وأخذ لها من خشان الأرض طعاماً، ودعاها حتى جاءت، واستجابت فشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار". الإنسان يجب ألا يكون عون الشيطان على أخيه، يجب أن يكون عون أخيه على الشيطان.
النبي أسوة لنا :
هذه بعض شمائله صلى الله عليه وسلم ونحن اقتربنا من عيد المولد، إن شاء الله في هذه الأيام المباركات سوف أكثر من الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم هو قدوة لنا، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب: 21]
إن كنت ترجو الله واليوم الآخر فالنبي لك أسوة، وإن لم يكن لك أسوة فهذا الرجل الذي لم يكن النبي له أسوة قطعاً لا يرجو الله ولا اليوم الآخر، ومن علامة أنك ترجو الله واليوم الآخر أن تتخذه أسوة لك في معاملاتك اليومية، انظروا كيف وفاء العهد، والتحمل، والرقة، والوداعة، واللطف، والحلم، والشكر، والمودة، وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم.








السعيد 09-10-2018 02:02 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع :قضاء الفوائت



لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
قضاء الفوائت :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم: "باب قضاء الفوائت"، والقضاء لغةً الحكم، ولكن شرعاً إسقاط الواجب بمثل ما عنده، أي عليك فرض صلاة فاتتك إذا صليتها بعد أن تذكرتها فقد قضيتها، فالعبادات تؤدى أداءً وقضاءً، إن صمت رمضان في رمضان فهذه عبادة أديتها أداءً، وإن كنت مريضاً، أو على سفر، وصمت أياماً أخر في وقت آخر، فهذه العبادة أديتها قضاءً، إما أن تؤدى العبادة أداءً أي في وقتها، وإما أن تؤدى قضاءً لعذر في غير وقتها.
فالترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق، أي فاتتك صلاة الظهر وأذن العصر الترتيب بين الفائتة والوقتية مستحق أي عليك أن تصلي الظهر أولاً ثم العصر ثانياً، وبين الفوائت لو أنه فاتك عدة صلوات لأمر قاهر تصلي الصلوات التي فاتتك وفق ترتيبها الطبيعي الظهر فالعصر فالمغرب فالعشاء، وليس لك أن تصلي العشاء أولاً وهو أحدثها فالمغرب فالعصر، بل يجب أن ترتب الفائتة والوقتية وأن تراعي الترتيب فيما بين الفوائت.

شروط إسقاط الترتيب :
ولكن متى يسقط الترتيب؟ في ثلاث حالات؛ في ضيق الوقت المستحب، أي لو أنه بقي لاصفرار الشمس وقت قليل لا يتسع لصلاة الظهر الفائت والعصر الوقتي يجب أن تبدأ بالعصر، لأن صلاة العصر فيها وقت مستحب، وفيها وقت مكروه، وإذا بقي لدخول الوقت المكروه أمد قصير لا يسمح لك لصلاة الظهر أولاً ثم صلاة العصر ثانياً، يجب أن تبدأ بالعصر لأن العلماء قالوا كلاماً لطيفاً: ليس من الحكمة إضاعة الموجود في طلب المفقود، و الآن معك وقت صحيح لأداء صلاة العصر، أضعت الوقت الصحيح المستحب لصلاة فائتة فاتتك، فلما جاء الوقت المستحب انتهى الوقت المستحب ودخل الوقت المكروه، إذاً ليس من الحكمة إضاعة الموجود في طلب المفقود، ومن نام عن صلاة فنسيها فلم يذكرها إلا وهو يصلي مع الإمام فليصل التي هو فيها ثم ليقض التي تذكرها.
فأول سبب يوجب إسقاط الترتيب ضيق الوقت المستحب، ودخولك في وقت مكروه، فابدأ في الوقتية ثم صلِّ الفائتة.
والنسيان؛ لو أن صلاة الظهر فاتتك ولم تذكر أنها فاتتك وشرعت في صلاة العصر فأنت بهذا لم تراعِ الترتيب، ولكن صلاة العصر صحيحة لأنك لم تتذكر الصلاة التي فاتتك، فنسيان الصلاة الفائتة يسقط مراعاة الترتيب بين الفائتة والوقتية، أما العبرة في موضوع ضيق الوقت فعند الشروع لا عند الانتهاء، فيجب أن تحسب إذا بدأت في صلاة العصر يجوز ألا يبقى وقت لنهاية العصر، فيجب أن تراعي إذا صليت الظهر ودخل الوقت المكروه أن العبرة في نهاية الصلاة لا في بدئها.

شرط سقوط مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائقة :
ولكن العلماء قالوا: إذا صارت الفوائت ستاً فما فوق فعندئذٍ يسقط مراعاة الترتيب، وهذا في الفوائد القليلة، أي لأمر قاهر مثل عملية جراحية، أو حريق نشب، أو شيء فوق طاقة الإنسان، فاته مجموعة صلوات، فيجب أن تكون هذه الصلوات دون الست حتى تراعي ترتيبها مع الوقتية، فإذا تجاوزت الفرائض الست فعندئذ يسقط مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائقة، ولكن الشيء العجيب أن الإنسان ينسى أنه صلى أم لم يصلِّ، وقد رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، ولكن إذا نسي أنه صلى أم لم يصلِّ فهذه إشارة خطيرة إلى أن الصلاة عنده لا شأن لها، و نسيان أنك صليت أم لم تصلِّ هو نسيان ولن تحاسب علي،ه لكنه يعلن عن شيء، يعلن عن أن الصلاة في هامش حياتك وليست في صلب حياتك، والمؤمن الصادق ينتظر الصلاة إذا نادى المنادي يلبي النداء، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، ومن علامات المؤمن الصادق أنه لا تفوته الصلاة ولا ينساها، ولكن إذا نسيها فهذا هو الحكم، وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله تعالى إلى باب إدراك الفريضة.
* * *
آداب المؤمن المسلم في أثناء الطعام والشراب :
1 ـ أن يبدأ بالتسمية :
والآن إلى متابعة آداب الطعام والشراب كما وردت في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وسوف ترون كيف أن الطعام من الدين، فإذا كان الطعام بنية التقوي على العلم والعمل اللذين هما قِوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة فسوف تعلمون كيف أن الطعام من الدين بشرط الأخذ بهذه الآداب، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الآداب التي ينبغي لها أن تسبق الطعام والشراب واليوم نتحدث عن آداب المؤمن المسلم في أثناء الطعام والشراب.
قال الإمام الغزالي: ينبغي أن يبدأ باسم الله في أوله، فاسم الله قبل الطعام ماذا يعني؟ يعني شيئين، الأول: أن هذا الذي تأكله من نعم الله، والثاني يجب أن تأكله وفق سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي تفصيل لشرع الله، فإذا بسمل العبد قبل كل عمل فمعنى ذلك أنه انتبه إلى أمر الله، وراعى أمر الله في هذا العمل، وانتبه إلى أن هذه النعم هي نعم الله عز وجل، ثلاث كلمات مهلكات: لي، وعندي وأنا، قال قارون، قال تعالى:

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾
[ سورة القصص : 78]
فأهلكه الله عز وجل، وقال الشيطان، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة ص : 76]
أهلكه الله عز وجل، وقال فرعون، قال تعالى: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 51]
فإذا الإنسان جاءته خواطر وهو يأكل أن هذا الطعام هو اشتراه، وهو حصل خبرةً عالية، درس الطب وأخذ بورد، وهو الآن طبيب كبير، وله دخل كبير، أتاح له هذا الانصراف للعلم، وتحصيل هذه الشهادات، أن يشتري ما لذّ وطاب من الطعام والشراب، إذا تصور هذا لم يقل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم فهذا يعني أنه يرى نعمة الله عز وجل في هذا الطعام، وأنه يذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام في تناول الطعام. 2 ـ يأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به :
أن يبدأ بسم الله في أوله، والحمد لله في آخره، ولو قال مع كل لقمة بسم الله فهو حسن، أي إذا الإنسان قالها مرتين أو ثلاثاً أثناء الطعام فهو حسن، لماذا؟ حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى، وأحياناً تأكل أمام إنسان يُكَرهك في الطعام فهو شره وما سمّى، وإذا الإنسان دخل إلى بيته ولم يسلم قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت، ترى طوال الليل مشاكل لأسباب تافهة لا قيمة لها، وإذا جلس إلى الطعام وما سمى يقول الشيطان: أدركتم العشاء، لا يوجد بركة، وأول صحن ملئ وما شبعوا، ثلاثة صحون، وإذا جلس الإنسان ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أدركتم العشاء، وإذا دخل البيت ولم يسلم قال الشيطان: أدركتم المبيت، طوال الليل مشاكل، فإذا دخل الرجل إلى البيت ولم يسلم وجلس إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء.
ولو قال الإنسان مع كل لقمة مرتين أو ثلاثاً بسم الله لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى، ويقول مع اللقمة الأولى بسم الله، ومع اللقمة الثانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، ويجهر بذلك ليذكر غيره، فالإنسان يبسمل بينه وبين نفسه، ولكن إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم أمام زوجته وأولاده فكأنه يقول لهم: بسملوا، ويأكل باليمنى، ويبدأ بالملح ويختم به، و لا يعلم إلا الله كم تنطوي هذه النصيحة النبوية على فوائد، ولو أن هناك متسعاً من الوقت لشرحت هذه الفوائد التي تنتج عن تناول شيء قليل من الملح قبل الطعام وبعده.

3 ـ تصغير اللقمة و إجادة مضغها :
ويصغر اللقمة، ويجيد مضغها وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى - لقمة بفمه ولقمة بيده وعينه على الثالثة، لا ليس هكذا - فإن ذلك عجلة بالأكل.
4 ـ ألا يذم مأكولاً :
ألا يذم مأكولاً صلى الله عليه ما عاب طعاماً قط، ما رئي ماداً رجليه قط وما عاب طعاماً قط في كل حياته.
لكن النفس لها رغبات، فمن آدابه النبوية المطهرة لا يعيب مأكولاً، كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه، وأحياناً تدعو إنساناً من أهل الدنيا إلى طعام فيقول لك: الملح قليل، وأما السمن فقد غشوك به، والزيت كذلك، تراه يخجلك، وهذه من صفات المنافقين أن يعيب الطعام، فالنبي الكريم قال: نعم الإدام الجوع، جوع وانظر ترى أي طعام كأنه الدنيا، نعم الإدام الجوع، تحدثنا في الدرس الماضي أنه لا يجوز لإنسان أن يأكل إلا وهو جائع، ولا أن يرفع يده عن الطعام إلا وهو جائع، أي قبيل الشبع.
لا يعيب مأكولاً كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه.

5 ـ يأكل مما يليه و لا تجول يده على الطعام إلا الفاكهة :
وأن يأكل مما يليه، وألا أن تجول يده على الطعام مما يليه إلا الفاكهة، فإن له أن يجيل يده فيها، قال صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ))
[مسلم عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ]
فأحياناً إنسان متقدم في السن وأسنانه لا تساعده ويحتاج إلى مشمشة ناضجة، وهذا شاب يحبها حامضة، تعال وقل له: كُلْ مما يليك، فهذا يحب التفاحة أن تكون هشة، و يريدها حمراء، وهذا يحبها قاسية، النفس لها رغبات متباينة، والفاكهة منوعة، فهذا يحب الخيارة صغيرة وهذا أكبر، و هذه الأشياء يختلف فيها الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام سمح للإنسان أن يختار من الفاكهة، قال تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة : 20]
حتى السنة أن تأكل الفاكهة قبل الطعام، لأن هذه الفاكهة فيها مواد سكرية بسيطة تنتقل إلى الدم في عشرين دقيقة، فلو أنك دخلت إلى البيت، وتناولت هذه البرتقالة التي مقرر أن تأكلها بعد الطعام أكلتها قبل الطعام وصليت الظهر، فحدة الجوع خفت، وكسرت، هذا الماء السكري الذي في الفاكهة سهل الهضم، وملأ المعدة وتمثلته بسهولة، إذاً حدة الجوع خفيفة،عندئذ نجلس ونأكل الطعام، والأفضل أن يكون بين تناول الفاكهة قبل الطعام وبين الطعام ما يزيد على عشرين دقيقة، و لذلك فالنبي الكريم في رمضان كان يأكل ثلاث تمرات وكأس ماء ثم يصلي المغرب قبل أن يأكل الطعام، وإذا جلس ليأكل يأكل كما يأكل وجبته العادية، ويكون الصيام سبع عشرة ساعة في أيام الصيف الحارة، فلو تناول ثلاث تمرات أو كأس عصير أو شيئاً من الفاكهة برتقالة أو تفاحة وتناول كأس ماء وقام وصلى المغرب والسنة ثم جلس ليأكل فإذا هو يتناول وجبةً عادية.
ومرة قيل له: يا رسول الله وكأن أحد الصحابة وجّه نظره أن يده الشريفة كانت تجول على طبق الفاكهة، فقال عليه الصلاة والسلام ليس هو نوعاً واحداً.
6 ـ لا يأكل من منتصف القصعة بل يأكل من الطرف الذي يليه :
وألا يأكل من منتصف القصعة بل يأكل من الطرف الذي يليه وهذا من السنة، و مرة كنت في دعوة طعام هناك أخ وضع قطعة خبز تحت القصعة لئلا تؤذي الخوان - المشمع - والقصعة ساخنة ويوجد أخ آخر نهاه عنها، فاختلفوا لكن وجدت أن من آداب الطعام ألا تضع قصعة الطعام على الخبز لأنك قد استخدمت الخبز استخداماً رخيصاً، فنعمة كبرى أنعم الله بها عليك لتأكلها لا لتجعلها عازلاً بين الخوان وبين القصعة، قال صلى الله عليه وسلم:
((أَكْرِمُوا الْخُبْزَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ))
[ البزار والطبراني عن عبد الله بن أم حرام ]
الله مرة شاهدت إنساناً يمسح حذاءه بالخبز، وإنساناً آخر يليف الصحن بلب الخبز، يرغو عليه الصابون ويليف الصحن، فإذا كان مما ينافي الآداب النبوية المطهرة أن تضع رغيف الخبز تحت قصعة الطعام، كأنك جعلت هذا الخبز عازلاً، فكيف إذا مسحت يدك بالخبز؟
و عليك ألا تمسح يدك بالخبز، أي إذا أكلت أكلة فيها مرق فالعق أصبعك بفمك ولا تمسح بها الخبز.
7 ـ غسل اليدين قبل الطعام :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ))
[ ابن ماجة عَنْ جَابِرٍ]
مثلاً وقعت عنبة خذها واغسلها وتناولها، أو وقعت قطعة خبز أزل عنها ما أصابها، أما أن ترميها بالقمامة فهذا ليس من آداب المسلم في طعامه وشرابه، وبعض العلماء وجه لعق الأصابع بأنه إجراء احترازي ضماناً لنظافة الأصابع قبل الطعام، فانتبه أيها المسلم يجب أن تلعق أصابعك بعد الطعام إذاً عليك أن تغسل يديك قبل الطعام كي تستسيغ نفسك لعق الأصابع بعد الطعام. 8 ـ الوضوء قبل الطعام و بعده و عدم النفخ بالطعام الحار :
بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، ولا ينفخ بالطعام الحار وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إنه أعظم للبركة))
[البيهقي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ]
بل يصبر إلى أن يسهل أكله. 9 ـ يأكل من التمر وتراً قبل الطعام :
يأكل من التمر وتراً، سبعاً أو إحدى عشرة أو ما اتفق، ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق واحد، وأكثر الناس يضع في صحنه العظام المأكولة، أو بعض فضلات الطعام على طرف الصحن، ويعد هذا نوعاً من النظام الجديد، لا، النبي الكريم نهى أن يجتمع في طبق واحد التمر والنوى، لأن هذا النوى كان في فم الإنسان فإذا مست نواة تمرةً، فكأن سؤر هذا الذي أكلها قد انتقل إلى هذا التمر، وهذا قد يدعو إنساناً آخر إلى الاشمئزاز، فلا ينبغي لنا أن يكون النوى والتمر في طبق واحد، ولا يجمع في كفه، أي إذا أكل تمرة أخرج النواة أمسكها بيده وضعها في الصحن، أو وضعها على المائدة، وأمسك التمرة فوجدها قاسية وأخذ تلك، فهذا السؤر الذي خرج من فمه مع النواة - أمسك النواة بإصبعيه فوضعها على الخوان، ثم تناول تمرةً لن تعجبه وأخذ الأخرى- وصل إلى هذه التمرة، ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان يأكل التمرة ويضع أصابعه الثلاث هكذا ويلفظها على ظهر أصابعه، ويضعها في طرف الخوان، ويتناول التمرة التي يجمع أكلها بإصبعيه من الداخل، هل يوجد أنعم و أنظف من هذا؟ وأحياناً الإنسان يأكل بطيخاً ينحت الحز ويضع على ظهره أي آثار أسنانه ظاهرة عليه، ويوجد إنسان يشمئز، فإذا الإنسان متبع للسنة يأكل الحز ويضعه على بطنه لكي لا تبدو آثار أسنانه عليه.
والخلاصة أن للإنسان في طعامه وشرابه آداباً كثيرة يجب عليه أن يتأدب بها.

10 ـ ألا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة :
ألا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة فأثناء تناوله للطعام وجد شيئاً من اللحم لا يؤكل كوتر العضلة لا يضعها على الصحن نفسه، بل بطرف الصحن، ويوجد آثار قطع لحم لم تؤكل معه فلفظها من فمه، وفي الطرف الآخر يوجد رز أو طعام لا يجوز هذا، فهذا الذي لا يعجبه ما استرذله من الطعام لا ينبغي له أن يبقى في الطبق، قال: حتى لا يلتبس على غيره فيأكله، ترك صحنه وقام جاء إنسان جائع وجد لحمة وأكلها وما أكلت معه لأنها مأكولة سابقاً فهذه مشكلة، والنبي الكريم نهى عن هذا.
11 ـ عدم الإكثار من الشرب أثناء الطعام :
وألا يكثر الشرب في أثناء الطعام، فالأطباء قالوا: كثرة الشرب في أثناء الطعام تمدد العصارة المعوية، ومع تمدد هذه العصارة تضعف فاعلية الهضم، إذاً أحد أسباب عسر الهضم كثرة شرب الماء في أثناء الطعام، إلا إذا غص في لقمةٍ، أو كان يأكل سفرجلاً، أو كان ذا عطش شديد، فقد قيل: إن ذلك مستحب في الطب.
آداب الشراب :
1 ـ أخذ الكوز باليمين :
وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه، ويقول: بسم الله.
2 ـ الشرب مصاً لا عباً :
ويشربه مصاً لا عباً، كان يفتح البراد ويأخذ الماء ويكرع فيها، فشاربون شرب الهيم، أما المؤمن فيمص الماء مصاً ولا يعبه عباً، وفي حديث آخر: ((إن الكباد من العب ))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس]
أي أمراض الكبد، وهذا العضو ثمين جداً فالذي لا يعيش الإنسان من دونه أكثر من ثلاث ساعات هو الكبد وهو ملاصق للمعدة، وحرارته سبع وثلاثون، فإذا أدخلت إلى جوفك ماءً مثلجاً بكميات كبيرة عببته عباً فإن هذا قد يؤذي الكبد وقد يصيبه بعطبٍ شديد لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( مصوا الماء مصاً، ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث انس بالشطر الأول، ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح "إذا شربتم فاشربوا مصا]
3 ـ عدم الشرب و أنت قائم أو مضطجع :
ولا يشرب قائماً ولا مضطجعاً فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً إلا في شرب ماء زمزم، وكان حكيماً حكمةً بالغة لو أنه شرب ماء زمزم قاعداً لمات نصف الحجاج، حينما كان الازدحام الشديد أكثر من حجي قال لي: إذا سقط الإنسان مات من شدة الازدحام، ولذلك قال بعض السلف الصالح: لو أن إنساناً سقاك ماء زمزم في الشام فالسنة أن تشربه قائماً، لأنه من بيت الله الحرام.
ويوجد حالات قاهرة رجل أصابه عطش ويريد أن يأخذ حبة في الطريق ولا يوجد مكان أن يجلس، فيوجد استثناءات حتى لا يصبح مضحكة للناس، وفي هذه الحالة نقول له: اشرب الماء قائماً، فالنبي الكريم في بعض الحالات شرب الماء قائماً لسبب قاهر، وفي بيتك اجلس واشرب، وفي المسجد اجث على ركبتيك واشرب، و لكن في الطريق، أو في مكان لا يقدرون السنة النبوية إذا شربت قائماً فلعلة قاهرة، وكأن النبي الكريم أدرك ذلك، ونهى عن الشرب قائماً وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام شرب قائماً، إذ يوجد حالات ضرورية يسمح لك أن تشرب الماء قائماً.
4 ـ ألا تشرب و عينك على الناس :
وألا تشرب الماء وعينك على الناس، فهذا الشرب لا يوجد فيه أدب فيجب أن يكون النظر إلى الماء أثناء الشرب، فالنظر في كأس الماء وفي الكوز ولا يتجشأ، كفّ عنا تجشؤك، وأحياناً يأتي رجل في مجلس العلم فيتثاءب بصوت عالٍ وكأنه يسبح هذا سوء أدب، التثاؤب من الشيطان، رجل سأل: إذا تثاءب النبي ماذا كان يفعل؟ أيضع يده اليمنى أم اليسرى؟ فكان الجواب لم يتثاءب قط، لكن نحن إذا تثاءبنا فالإنسان لا يفتح فمه، وإذا فتح فمه يضع يده أو كمه أو منديلاً من دون صوت، أما كأنه جالس في بيته وأخرج صوتاً عالياً وكأنه في بيته فهذا ليس من آداب المسلمين.
5 ـ عدم التنفس في الكوز أو التجشؤ فيه :
ولا يتنفس في الكوز ولا يتجشأ، يجوز أن يكون معه أمراض تنتقل عبر التنفس فإذا تنفس في الكوز اختلط هذا الجرثوم في الماء، ولما رأى رجلاً يتنفس في الماء قال:
(( أبن القدح عن فيك ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي أبعده، ثم ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد الشرب: (( الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا))
[ ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي جعفر]
6 ـ أن يدور الماء بدءاً من اليمين :
يجب أن يدور الماء بدءاً من اليمين وقد شرب النبي عليه الصلاة والسلام لبناً وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه، وعمر ناحياً في طرف المجلس فقال عمر رضي الله عنه للساقي أعط أبا بكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الأيمن فالأيمن.
فالنبي الكريم أمر أن يدار الماء عن يمينه، و مرة غلام عن يمينه وعن يساره سيدنا الصديق قال له: أتأذن لي يا غلام لأنه حقه، ما أحب أن يعطي الغلام قبل سيدنا الصديق إلا عن رضا منه.

7 ـ شرب الماء في ثلاثة أنفاس :
ويشرب في ثلاثة أنفاس، ويحمد الله في أواخرها، ويسمي الله في أوائلها، ويقول في آخر النفس الأول: الحمد لله، وفي الثاني يزيد رب العالمين، وفي الثالث يزيد الرحمن الرحيم، قال: هذا قريب من عشرين أدباً في حالة الأكل والشرب دلت عليها الأخبار والآثار وقد أثرت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
ما يستحب بعد الطعام :
1 ـ الإمساك عن الطعام قبل الشبع :
وأما ما يستحب بعد الطعام فإلى درس آخر إن شاء الله تعالى.
وهو أن يمسك عن الطعام قبل الشبع، قال لي طبيب: الإحساس بالشبع يحتاج إلى خمس عشرة دقيقة بدءاً من انتهاء الطعام، فإذا الإنسان أمسك عن الطعام قبل أن يشبع يعير الساعة بعد مضي هذه المدة يحس بالشبع، كيف تصير؟ إذا الإنسان تناول شطيرة وكان مضطراً فأكلها في الطريق، وهذا العمل يجرح العدالة تناول الطعام في الطريق أو صحبة الأراذل، وهي ثلاثة وثلاثون بنداً، صحبة الأراذل، الأكل في الطريق، المشي حافياً، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق، الحديث عن النساء، التنزه في الطرقات، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، من اتخذ برزوناً فأخاف به الأطفال، من أطلق لفرسه العنان، من بال في الطريق، من لعب النرد، هذه الأشياء إذا وقعت تسقط عدالة الإنسان ومن بينها الأكل في الطريق، أنا قصدت إذا الإنسان دخل إلى بائع شطائر وأكل شطيرة مضطراً، انتهى عمله الساعة الثانية وعنده موعد الساعة الثانية والنصف وفطر الساعة السابعة، و لكن إذا تناول الطعام في الطريق يقول لك: أستطيع أن آكل عشراً، وبعد ربع ساعة يشعر بحالة عجيبة لا هي شبع مع الثقل ولا هي جوع، بل حالة خفة وراحة وارتياح، لأن الشعور بالشبع وصل إلى منطقة الجوع في الدماغ، وهذا الشعور يحتاج إلى خمس عشرة دقيقة، فالإنسان يجرب إذا قام عن الطعام قبل أن يشبع فهذه الإرادة كلها نصف ساعة، و بعد هذا يشعر أنه اكتفى، وأحياناً الإنسان يسكت جوعته ويقول: بعد قليل سوف آكل، بعد أن تسكت جوعته شبع، أما بعدما ترك الطعام فما كان شبعاناً.
2 ـ التقاط فتات الطعام :
و النبي الكريم من آدابه أنه يمسك عن الطعام قبل الشبع، ويلعق أصابعه ثم يغسلها، ويلتقط فتات الطعام، من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده.
3 ـ تنظيف الأسنان و التمضمض :
ويتخلل، فالله عز وجل خلق لنا الخلة خصيصاً لاستخدامها في تنظيف الأسنان، وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن أهل البيت عليهم السلام، وأن يلعق القصعة، أكل صحن بيض وقلاه بالسمن البلدي، وثمن الكيلو ثمانون ليرة، وبقي أثر من السمن إذا بلقمة صغيرة مسح السمن مسحاً جيداً فهذه من السنة، وهذا شيء ثمين.
ومن لعق القصعة كان له عتق رقبة، وإن التقاط الفتات مهور الحور العين.

4 ـ ذكر الله :
وأن يذكر الله في قلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمةً منه، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[ سورة البقرة: 172]
والحمد على النعمة أمان من زوالها، ومهما أكل حلالاً يقول: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيباً واستعملنا صالحاً"، هذا دعاء نهاية الطعام.
وإذا إنسان أكل من شبهة، أو أكل من طعام ليس متأكداً من كونه من مال حلال أو غير حلال فليقل: "الحمد لله على كل حال، اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك"، ويقرأ بعد الطعام: قل هو الله أحد و لإيلاف قريش.
سمعت قصة أن رجلاً عنده ملهى له بنت لا تأكل من طعام أبيها لقمةً واحدة لأنها ترى مال أبيها حراماً بحرام وإذ تناولت لقمة من مال أبيها يفسد عليها حياتها.
آداب المضيف :
وأنت مدعو إلى وليمة، ولك طبيعة خاصة، أكلت لقمتين وشبعت، لك محل على المائدة تركته، وجلست في مكان آخر هذا خلاف السنة، ما عملت شيئاً فأنت لست مضيفاً، المضيف يجب أن يبقى على المائدة طوال الوقت، مادام هناك ممن يدعوهم يأكل، فيجب أن يبقى المضيف على المائدة يأكل معهم ببطء، لأنه إذا أكل بشكل سريع لآخر واحد يضر نفسه، و من آداب الضيافة أن الذي دعوته إلى الطعام تأكل معه لقمة خفيفة، قطعة بندورة، حتى تشعر أنه ما بقي أحد على الطاولة فهذه آداب المضيف.
آداب الآكل :
والآن آداب الآكل أي أنت آكل، و دُعيت لطعام، ويوجد كرسي على المائدة ووراء الكراسي يوجد أرائك مريحة، فانتهيت من الطعام وانسحبت وجلست على الأريكة فهذا خلاف السنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولاً، ابق في مكانك جالساً، توقف عن الطعام حتى ينتهي الجميع، و يرفعوا الطعام تقوم، لأنك أنت تأكل أكلاً قليلاً لسبب معين، وإلى جانبك إنسان جائع عندما أنت انسحبت أخجلته، فابق في مكانك، وليس للإنسان الحق أن يغادر الطاولة حتى يرفع الطعام كله، أما أن يأخذ مكاناً آخر فلا يجوز هذه من السنة النبوية المطهرة.
إن أكل طعام الغير هذا الدعاء الذي قلناه قبل قليل: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيباً، واستعملنا صالحاً" فهذا إذا أكل من طعامه في بيته، أما إذا كان مدعواً إلى طعام فماذا يجب أن يقول؟ يقول: الله أكثر خيره، وبارك له فيما رزقته، ويسر له أن يفعل فيه خيراً، أقنعه بما أعطيته، واجعلنا وإياه من الشاكرين"، وإذا أفطر عند قوم والدنيا صيام فليقل: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأخيار"، فإن أكل من طعام غيره يقول: "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وارزقنا خيراً منه" كذلك الدعاء مما خصّ به النبي عليه الصلاة والسلام.
أما اللبن فلم يقل وارزقنا خيراً منه، لأنه أنفس شراب كان يقول: "وزدنا منه"، أكلت زيتاً و زعتراً قل: يا رب وارزقنا خيراً منه، الجبن قد تكون أطيب، أما إذا أكلت لبناً فقل: زدنا منه، وإذا قلت: ارزقنا خيراً منه فخلاف السنة.

ما يقال بعد الطعام :
ويستحب أن يقول بعد الطعام: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، سيدنا ومولانا يا كافي من كل شيء ويكفي منه شيء، أطعمت من جوع، وآمنت من خوف، فلك الحمد آويت من يتم، وهديت من ضلالة، وأغنيت من عيلة، فلك الحمد حمداً كثيراً، دائماً، طيباً، نافعاً، مباركاً فيه كما أنت أهله ومستحقه، اللهم أطعمنا طيباً، واستعملنا صالحاً، واجعلنا عوناً لك على طاعتك، ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك"، ثم غسل اليدين بعد نهاية الطعام، فهذه السنن التي يجب أن تراعى قبل الطعام، وفي أثناء الطعام وبعده إذا كنت مؤمناً حقاً هكذا تفعل.
لكن لا تفعل معصية كبيرة وتأكل ملحاً قبل الطعام، مقبول لكن هذه معصية كبيرة، فالمسلم كل السنن السهلة الخفيفة التي لا تكلف شيئاً يطبقها بحذافيرها وينتقد الآخرين فيها، و هناك أشياء كبيرة جداً في حياته هو واقع بها، وهذه الدقائق لمن أتمّ الفرائض، ولمن استقام على أمر الله استقامةً تامة، لكن إذا كان تاركاً أمر الله شاهدنا مسلسلاً ثم نقول: الملح سنة، فهذا التناقض صفةٌ بشعة في شخصية المسلم الحالي، بلع الثور وغص في الذنب.

* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ صادق الوعد و وفي :
والآن إلى بعض شمائله صلى الله عليه وسلم ونحن في عيده الشريف، كان النبي عليه الصلاة والسلام صادق الوعد يفي بوعده وإن شق ذلك عليه:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ... ))
[أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ]
وأصعب موعد أن يكون في الطريق في مكان، في البيت مقبول التأخر وإن كان المسلم يفي بوعده، لكن في الطريق!!! ((.... فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ: يَا فَتًى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنْتَظِرُكَ ))
[أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ]
2 ـ مكرم لأصحابه :
وكان عليه الصلاة والسلام يزور أصحابه ليكرمهم بذلك، وليدخل السرور على قلوبهم، ولينفعهم بإرشاداته وتعاليمه.
(( حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ زِيَارَةَ الأَنْصَارِ خَاصَّةً وَعَامَّةً فَكَانَ إِذَا زَارَ خَاصَّةً أَتَى الرَّجُلَ فِي مَنْزِلِهِ وَإِذَا زَارَ عَامَّةً أَتَى الْمَسْجِدَ ))
[ أحمد عن أَبَي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ]
وروى الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان عليه الصلاة والسلام يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم))
[الترمذي والنسائي عن أنس]
و : ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ فَنُضِحَ لَهُ عَلَى بِسَاطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُمْ))
[ أبي داود أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
عن جبير بن مطعم قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام له صاحب من أصحابه كان كفيف البصر فأراد أن يزوره في البيت فماذا قال لأصحابه؟ قال: انطلقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير ماذا سماه؟ البصير إكراماً له ما لفظ كلمة أعمى ولا كلمة كفيف: ((عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلامِ قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ أَوْ قَالَ نَاوَلُوهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ ثُمَّ أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ))
[أبي داود عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ]
ويوجد رواية أخرى للقصة قال: "والله كلما سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم كنا نحس أن رحمةً تنزلت علينا"، لهذا السبب أخفى الجواب رد عليه رداً خفياً حتى يعيد السلام عليه. ((... ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ))
ويوجد رواية ثانية: (( فأرسل سعد ابنه قيساً مع رسول الله ليرد الحمار فقال عليه الصلاة والسلام: احمله بين يدي، فقال سعد: سبحان الله أتحمله بين يديك يا رسول الله - ليس معقولاً - فقال: نعم هو أحق بدابته، فقال: هو لك يا رسول الله، قال: إذاً فاحمله خلفي، الرجل أحق بصدر دابته))
أحياناً يدخل إنسان لعند موظف ويجلس خلف الطاولة هذا ليس مكانك، هذا مكانه، هو الرجل أحق بصدر دابته، وهذه أيضاً لها معنى ثانٍ أحياناً الإنسان لا يحب أحداً أن يسوق له سيارته لعلك إذا جلست مكانه وحركتها ينزعج، الرجل أحق بصدر دابته فصدر السيارة مكان القيادة. 3 ـ يزور ضعاف المسلمين وعامة أهل الصفة :
وكان عليه الصلاة والسلام يزور ضعاف المسلمين وعامة أهل الصفة، فكان يزور هؤلاء، ويلاطفهم، ويؤنسهم، ويعود مرضاهم، ويحضر جنائزهم، وفي هذا تكريم لهم، وتبريك عليهم، ومواساة وإحسان إليهم، ليشعروا بعزتهم وكرامتهم وسعادتهم:
عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي ضعفاء المسلمين، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم"، معنى عصابة بالمعنى القديم أي جماعة، الكلمة لها معنى تاريخي ومعنى مستحدث، فمرة الشاعر أبو تمام مدح المعتصم فقال له: أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب، فالجرثومة في اللغة أي أصل الشيء فإذا قال أبو تمام يمدح المعتصم أنت جرثومة الدين يا أيها الخليفة، أي أنت أصل الدين، والعلماء المحدثون بحثوا عن أسباب الأمراض، فإذا هي كائنات صغيرة هي الفيروسات فسموها جراثيم، فإذا قلنا لطالب: أنت جرثومة الصف لها معنى آخر، فالكلمات تأخذ معنى آخر، كلمة استعمار مثلاً تعني إعمار الأرض ومعناها الاصطلاحي الآن قبيح جداً.
قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ))
[ البيهقي عن ابن عباس]
أي هذه الجماعة ومأخوذة من العصبة التجمع. ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْنَا فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ الْقَارِئُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ … ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
((... قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا...))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
هؤلاء فقراء المسلمين أهل الصفة، الآن في الحرم النبوي بعد الحجرة النبوية المشرفة، بعد أن تسلم على النبي تنطلق شمالاً ثم تنحرف نحو اليسار فإذا بمكان في طرف المسجد النبوي هذا مكان أهل الصفة وهو موجود إلى الآن. ((... قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَاكَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
الاحتفال الصحيح بعيد المولد أن تجعل النبي أسوةً لك في حياتك :
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه النبذة عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وعن شمائل هذا النبي الكريم الذي شرفنا الله به، واليوم عيد مولده الشريف، والاحتفال الصحيح بعيد المولد أن تجعل النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً لك في كل حركاتك، وسكناتك، وفي تواضعك، و محبتك للناس، و عطفك عليهم، و رحمتك بهم، و لطفك، و إنفاقك، ومودتك، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾



السعيد 09-10-2018 02:04 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : ادراك الفريضة








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إدراك الفريضة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى باب إدراك الفريضة، فإذا شرع المصلي في فرض منفرداً فأقيمت الجماعة - ومعنى أقيمت أي كبر إمام الجماعة تكبيرة الإحرام- قطع هذا المصلي صلاته واقتدى إن لم يسجد لما شرع فيه.
أي إذا شرع بصلاة ثنائية وسجد عليه أن يتم الركعة الثانية فإن لم يسجد سلم تسليمتين قائماً وترك صلاته منفرداً، والتحق بالجماعة، فإذا سجد سجدةً في غير الرباعية أتمها بالركعة الثانية، وإذا سجد في رباعية ضمّ ركعة ثانية - أي إذا صلى صلاة ثنائية أتمها ثنائية، وإن شرع في رباعية صلى ركعتين فقط ثم لحق بإمام الجماعة - فالجماعة كصلاة الجنازة، وإن صلى ثلاثاً هو في الركعة الثالثة، وأقيمت صلاة الجماعة عليه لو أنه يصلي صلاة نفل أربع ركعات في الركعة الثالثة أقيمت صلاة الفريضة أتمّ الرابعة واقتدى بالإمام إلا في صلاتين؛ صلاة العصر وصلاة الفجر لأنه لا تنفل بعد أداء الفريضة، فلم يؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى صلاة نفل بعد أداء الفريضة في صلاتي الفجر والعصر.
ما يترتب على المكلف لإدراك الفريضة مع الإمام :
إن كان في سنة الجمعة فخرج الخطيب ماذا عليه أن يفعل؟ عليه أن يقطع صلاته لأنه إذا صعد الخطيب إلى المنبر لا صلاة ولا كلام، وإن كان في سنة الظهر فأقيمت صلاة الفريضة سلم على رأس ركعتين، كذلك في الجمعة صلى ركعة يتم الثانية، لو كانت أربع ركعات السنة القبلية يصلي ركعتين فقط ويستمع إلى الخطبة، وإذا دخلت إلى المسجد في صلاة الظهر فرأيت الإمام يرفع يديه ويكبر تكبيرة الإحرام وأنت لم تصلِّ السنة بعد فماذا تفعل؟ تقتدي به وتدع السنة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعات السنة القبلية بعد السنة البعدية، أي إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام يرفع يديه ليكبر تكبيرة الإحرام كبر معه، واقتد به، ودع السنة القبلية، فإذا صليت الفريضة والسنة البعدية لا عليك أن تصلي السنة القبلية قضاءً، لكنك إذا دخلت إلى المسجد لتصلي صلاة الفجر، ومن عادة إمام الفجر أنه يطيل في القراءة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
ولأن ركعتي الفجر أأكد أنواع السنن على الإطلاق فيستحب أن تشرع في ركعتي السنة إذا كنت واثقاً أنك تدرك مع الإمام الصلاة، فقد يقرأ في الصلاة صفحتين أو أكثر وأنت بهذا تصلي ركعتين خفيفتين قبل الفجر، وإن كنت واثقاً أنك تلحق الإمام في الركعة الأولى، فإن غلب ظنك على أنك لن تلحقه دع السنة واقتد بالإمام، لأن صلاة الجماعة أفضل من إدراك السنة، ثم أداء صلاة الفرض منفرداً.
فإذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام على وشك الركوع ولم يبقَ له إلا آية وأنت لم تصلِّ السنة وأتممت بالإمام وصليت الفرض فالسؤال هل تقضى سنة الفجر؟ الجواب: نعم ولا، لا تقضى قبل طلوع الشمس ولا بعد الزوال، بعد زوال الشمس عن كبد السماء، إنما وقت قضائها المحصور بين طلوع الشمس وإلى ما قبل صلاة الظهر تقضى ركعتا سنة الفجر إذا فاتتك، وقد التحقت بالإمام وضيعت ركعتي السنة.
من أدرك إمامه راكعاً فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه، فاتتك هذه الركعة فإذا أدركت معه الركوع ولو تسبيحة واحدة فقد أدركت هذه الركعة. كره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة :
وكره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة، أي إذا كان هناك جامعان متجاوران فلو فرضنا جامع الحاجبية وجامع النابلسي وأحد مستمعي درس من الدروس الدرس كان يومئذ بين المغرب والعشاء، وهو مؤذن في جامع الحاجبية، أو له درس هناك، أو عليه أن يصلي إماماً هناك، وقال مؤذن هذا المسجد: الله أكبر، له في هذه الحالة الخاصة أن يخرج من المسجد ليلحق صلاة الجماعة هناك، ليصلي إماماً بالجماعة، أو ليؤذن، أو لما شاكل ذلك، لأنه خرج من مسجد إلى مسجد، ومن جماعة إلى جماعة، فليس هناك مكروه، وليس لأحد حق إذا رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن سمع الأذان أن يظن به السوء، ما أدراك أنه ذهب إلى جامع آخر؟؟ فهذا الذي يظن بالناس سوءاً هو سيئ و من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه، وأحياناً الإنسان يخرج من المسجد ليلحق مسجداً آخر له درس هناك، وهو سيصلي إماماً في هذا المسجد، أما من دون أن تكون متوجهاً إلى مسجد آخر فلا يجوز أن تخرج من المسجد بعد سماع الأذان في المسجد نفسه، ولكن لو فرضنا - وهذه حالة خاصة - إنساناً مضطراً أن يغادر المسجد عند أذان العصر، ومن عادة هذا المسجد أن الصلاة تقام فيه بعد نصف ساعة، يستطيع هذا المصلي أن يصلي السنة والفريضة منفرداً، ويخرج من المسجد لأمر قاهر، له مريض في مستشفى، عليه موعد مهم جداً، هو لم يخرج حينما سمع الأذان حينما سمع الأذان صلى الفرض وخرج من المسجد لا شيء عليه.
وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلي إلا إذا كان هناك جماعة أخرى، وإن خرج بعد صلاته منفرداً فلا يكره، إلا إذا أقيمت الجماعة أي قام ليخرج فأقيمت الجماعة، فالمغرب بين إقامة الجماعة والأذان خمس دقائق، بينما ينزل فيما مضى المؤذن من المئذنة ليلتحق بالحرم أقيمت الصلاة، صلاة المغرب التي تقام بعد الأذان مباشرةً أو في صلاة العشاء ينبغي له أن يصلي مع الإمام، أما في الصلوات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يؤخرها، أي النبي الكريم كان يؤخر صلاة الفجر حتى تسفر الوجوه أي حتى يعرف المصلي وجوه أخوانه من دون إضاءة، قدروها تقديراً نصف ساعة بعد أذان الفجر، والإمام الشافعي كان يؤثر الصلاة في غلس أي والوقت ظلام، وعلى كلٍّ إذا كنت في مسجد والصلاة تتأخر كثيراً، أي أخ في جامع يوجد عنده سفر، أو التحاق بعمل بوقت مبكر جداً، دخل إلى المسجد فوجد حتى تقام الصلاة نصف ساعة له أن يصلي ويخرج، أما المغرب والعشاء فمادامت الصلاة تقام بعد الأذان مباشرةً يكره له أن يخرج من هذا المسجد حتى يصلي الجماعة مع الإمام.
الابتعاد عن الجلبة و الضجيج في المسجد :
هذا ما يتعلق في إدراك الفريضة، يوجد شيء فاتني أن أقوله لكم هو أن المرء إذا دخل المسجد ورأى الإمام راكعاً فليس له الحق أن يركض في المسجد، ويحدث جلبةً وضجيجاً، ويشوش على المصلين بحركة عنيفة في الجامع قد تثير حفيظة المصلين جميعاً، فماذا حدث يا ترى هل أحد وقع؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى رجلاً يركض في المسجد ويحدث جلبةً وضجيجياً:
((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
[النسائي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ]
وذلك منتهى الرقة حتى إن علماء الاجتماع قالوا: "إذا أردت أن تنتقد من هو دونك في العمل فلابد من أن تمهد له بالثناء على خلق موجود فيه ثم توجه النقد كان هذا بذاك وتلك بهذا وخف عليه حدة النقد"، فالنبي الكريم قال لهذا الرجل: زادك الله حرصاً أي أثنى على حرصه ولكن هذا الركض في المسجد لا يجوز فقال: ولا تعد. أداء السنن في البيت شيء مستحب :
يستحب أن تؤدى صلاة سنة الفجر في البيت هكذا ورد معي في شرح هذه الكتاب، أي تستيقظ في البيت وقد سمعت أذان الفجر تصلي ركعتي السنة في البيت، ثم تتوجه إلى المسجد فتؤدي ركعتي تحية المسجد، ثم تصلي الفرض فتصلي السنة في البيت والفرض في المسجد، لأن النبي الكريم قال مرةً:
((لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ولو كان المكان للنوم أو للطعام فصلِّ في هذا البيت، صلِّ السنة البعدية في البيت، يوم الجمعة صليت الفرض فيمكن أن تتوجه إلى البيت وتصلي في البيت السنة البعدية، وأن تصلي فرض العشاء في المسجد وتؤخر الوتر إلى ما قبل النوم، وهناك أشخاص يحبون أن يصلوا الوتر قبل أن يناموا، صلى العشاء في وقته وترك الوتر إلى ما قبل النوم، ويحب أن ينام على طهارة. المتنفل لا يؤم المفترض بل يصلي معه :
أنت كنت في المسجد وصليت الظهر حاضراً، وأنت مدعو إلى الغداء الساعة الثانية مثلاً وهناك جماعة غير مصلين، أقيمت الجماعة في هذا البيت، وأنت قد صليت الفرض، فيستحب أن تصلي معهم، وتقتدي بهم، تحسب لك هذه الصلاة نفلاً، لكنك إذا كنت قد صليت الظهر فرضاً ثم ذهبت إلى البيت فأقيمت صلاة الظهر فليس لك الحق أن تصلي فيهم إماماً لأن المتنفل لا يؤم المفترض فتصلي معهم.
وبعض العلماء حاول أن يستنبط حكمة صلاة السنة القبلية والبعدية فإذا الإنسان حافظ عليهما قطع طمع الشيطان في نهيه عن الصلاة، فماذا يقول الشيطان إذا كان الإنسان محافظاً على السنن فمن باب أولى أنه يحافظ على الفرض، لكن الشيطان يرى إنساناً قد تهاون بالسنن فيطمع أن يحمله على تهاونه في الفرض، ومن لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه.
أحياناً الإنسان يدخل إلى المسجد فيرى الإمام قد ركع وقال: سمع الله لمن حمده، فيقول: لماذا أنزل معهم وأسجد؟ ذهبت الركعة، قال: هذا مكروه، فإذا رأيت الإمام ساجداً فاسجد معه فوراً، يقول: أوفر أول نزلة وثاني سجود وسجود ثم وقوف، لا، إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام ساجداً كبر واسجد هكذا السنة.
النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت :
آخر شيء يقول عليه الصلاة والسلام:
((صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلا الْمَكْتُوبَةَ))
[متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ]
غير معقول هذا الكلام، و كأن النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت أمام الزوجة صليت السنة، عدت إلى البيت فصليت الوتر، فالابن شاهدك تصلي، صارت الصلاة سلوكاً مألوفاً في هذا البيت. ((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ))
[أحمد عَنْ جَابِرٍ]
((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةً وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
جميع مساجد الأرض متساوية بالأجر و الثواب عدا المسجد الحرام والنبوي والأقصى :
الحقيقة قال عليه الصلاة والسلام:
((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
فأي إنسان يتوجه من حلب إلى دمشق ليؤدي الصلاة في المسجد الأموي الكبير فالمسجد الأموي بحلب كالأموي بدمشق، وجميع مساجد الأرض متساوية عدا المسجد الحرام والنبوي والمسجد الأقصى، وما سوى هذه المساجد كلها متساوية بالثواب والأجر، فكلها مساجد لا فضل لواحد على غيره إلا إذا توجهت إلى الديار المقدسة مع أن الله في كل مكان وهذه حقيقة ثابتة لكنه جعل تجليه على البيت الحرام تجلياً مكثفاً ومركزاً، فمن ذهب إلى هناك وتجشم مشاق السفر، وأنفق ماله، فلابد من أن يشعر بشعور خاص وهو يصلي في هذه المساجد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 69 ]
كأن الإنسان حينما يتوجه إلى الله عز وجل فالله ليس له مكان، لكنه جعل هذا البيت بيته، وخصه بتجلٍّ خاص، فكل من ذهب إلى هذا البيت لابد من أن يشعر أن فيه تجلياً ليس في سواه.
والنبي صلى الله عليه في طريقه إلى الهجرة قال كلمة تترك أثرها في النفس قال: يا رب إني قد خرجت من أحب البلاد إليّ فأدخلني أحب البلاد إليك، أي خرج من مكة وهي أحب البلاد إليه وتوجه إلى مكان رجا الله عز وجل أن يكون أحب الأمكنة إليه لذلك قالوا: أحب الأمكنة إلى الله عز وجل المسجد النبوي الشريف، إذا الإنسان دخل إلى هذه الروضة فلابد من أن يشعر أنه في روضة، و تقول: إنها أجمل مكان في العالم، وتكون لست مبالغاً، و تجلس الساعات الطويلة لا تمل من الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، والقرآن فيه طعم خاص، والصلاة فيها طعم خاص، و أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قلت إن أنوار النبي صلى الله عليه واصلة إلى أنحاء المسجد، بل إلى أنحاء المدينة المنورة، تحس بالسكينة في هذه المدينة، فهناك هدوء و معاملة لطيفة، و قلّما تشعر صياحاً في الأسواق، وهذه سكينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
* * *
آداب الطعام و الشراب :
والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولازلنا في موضوع آداب الطعام والشراب، طبعاً الطعام والشراب طعام المؤمنين كما قال الإمام: "الطعام من الدين".
تحدثنا من قبل عن آداب الطعام والشراب منفرداً في الآداب قبل الطعام، وفي الآداب أثناء الطعام، وفي الآداب بعد الطعام.
آداب الطعام المتعلقة بالجماعة :
1 ـ ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه :
الآن لو أن جماعة جلسوا على مائدة ليأكلوا فهناك آداب خاصة تتعلق بالجماعة أول هذه الآداب: ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه - جلس وبدأ يأكل ويوجد أعلى منه، فحتى يبدأ الكبير هناك مقامات - وقد يكون هناك إنسان له فضل اجتماعي، وقد يكون إنسان له فضل ديني، فلا يحق للآكل مع جماعة أن يمد يده إلى الطعام قبل أن يمد أوجه الناس على هذه المائدة فهذه من السنة، طبعاً هذا الذي يستحق أن يبدأ الطعام قد يكون لكبر سنه، أو لزيادة فضله، إلا أن يكون هو المتبوع، هو أكبر واحد سناً، أو أرفعهم شأناً يبدأ هو، لكن عليه أن يبدأ - أحياناً يكون الطعام موضوعاً وهو يتكلم والحديث ممتع وهو مسترسل وهناك أناس جائعون - فصار إحراج، وهذا الذي يسمى متبوعاً في الطعام هو أعلى شأناً ليس له الحق أن يتأخر عن الطعام بل يجب أن يبدأ، وأحياناً يحدث العكس تذهب إلى إنسان فيضع لك الضيافة ولا يقول لك: تفضل، وضعت الفاكهة أو أي شيء ربع ساعة، نصف ساعة وليس من المعقول أن يمد الضيف يده ويريد أن يذهب أيضاً هذا خطأ، وضعت الطعام للضيف ادعه إلى تناوله، فليس لك الحق إذا ضيفت إنساناً أن تضع الطعام وتبقى ساكتاً، وليس لكبير القوم الحق في أن يتحدث والطعام موضوع وهناك طفل يشتهي أن يأكل.
2 ـ عدم السكوت على الطعام :
الثاني: ألا يسكتوا على الطعام، السكوت ليس من السنة:
لقد رأيت عجباً مذ أمسـا عـجائزاً مثل السـعالي خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا لا ترك الله لهن ضــــرسا
ولا لقين الدهر إلا تعــــــسا
***
تناول الطعام مع السكوت ليس من السنة لماذا؟ الإنسان يعمل تسابقاً في الأكل، يمضغ مضغاً سريعاً ويكبر اللقمة، ويتنافس مع أخيه في الأكل، وهذا ليس من السنة، أما إذا وجد حديث ممتع فصار اعتدال في الطعام، ومضغ جيد، وبركة، والمائدة مناسبة للحديث الطيب، وطبيعة حياتنا المعقدة قد لا يلتقي الأب بابنه إطلاقاً، وكل واحد مشغول فصارت المائدة مناسبة بشكل إجباري، لقد جلست مع الأسرة للعشاء فحدثهم، اجعل الحديث هو الأساس ولو امتد الطعام ساعة لا يوجد مانع إنه سنة ولو أطلنا، كُلْ أكل الجمال وقم قبل الرجال، أهذه آية أم حديث؟ لا ليست آية و لا حديثاً، اجلس جلسة مريحة، وكُلْ على مهلك، وتكلم مع ابنك، وزوجتك، واسألهم وداعبهم في الكلام، تحصل بركة أكثر، وليس من السنة السكوت عند الطعام، وهناك أناس جالسون يأكلون أكل الوحوش، فقال له أحدهم: هل يوجد آية قرآنية مناسبة؟ فقال له: وإذا الوحوش حشرت. 3 ـ الرفق برفيقه في القصعة :
الأدب الثالث: أن يرفق برفيقه في القصعة، قال لي رجل: ذهبت إلى الخدمة الإلزامية فجلسنا على الطعام ستة على طاولة في كلية ضباط الاحتياط، فكل واحد أخذ قطعة لحم وما تركوا لي شيئاً إطلاقاً، أهؤلاء مسلمون؟ هذا لا يجوز، قال: أن يرفق برفيقه بالقصعة، ينتبه هل أكل اللحم بمفرده؟ هل أخذ زبدة الصحن بمفرده؟ ينتبه، أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادةً على ما يأكل، وأحياناً يكون هناك لحم فيأكلون قطعة قطعة، وهو وضع اثنتين اثنتين، لا مع المجموع قطعة قطعة، وأحياناً يأكلون نصف قطعة بشكل معتدل فيجب أن تأكل بنفس المعدل كزملائك، فإن ذلك حرام، بل يجب أن يقصد الإيثار، أي إذا قدمت قطعة لحم للآكل معك لابنك، لزوجتك، فهذا من السنة، أي إذا دفع قطعة اللحم لزوجته فهذه حسنة يستحق عليها الثواب، وقد تكون تفاحة لها خد أحمر فأعطاها لابنه فيحصل مودة، وأحياناً الابن يؤثر أباه في التفاحة الجيدة، أي بين أن يكون أثرة وبين أن يكون مؤاثرة مسافة كبيرة جداً، أي بين أن يأخذ أطيب شيء له وبين أن يكون الأساس في الأدب الإسلامي كل أخ يقدم لأخيه أفضل الطعام.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في غزوة فيبدو أنهم أطالوا وآلمهم الجوع ولم يكن معهم الزاد الكافي، فجاء بعض الأصحاب للخيمة برغيفين خبز يابسين....
قال: ينبغي أن يقصد الإيثار، ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك، ولكن إذا أحدهم قال لك: كُلْ و دعاك فقد تكون أول مرة مجاملة، والثانية مجاملة، أما الثالثة فليست مجاملة له بل رغبة سابقة، يقدم لك في الثالثة فكل ولا يوجد مانع، وإذا كنت جالساً مع أخيك على الطعام وآثرك بشيء من الطعام، فقد يكون آثرك مرة واحدة فأنت لا تأكلها فوراً أما الثالثة فكلها هكذا النبي علمنا.
4 ـ لا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث :
ولا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث فإن في هذا إلحاحاً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وإنسان دعاك ثلاث مرات فمعنى هذا دعوة حقيقية، ويوجد دعوة رفع عتب شكلية، فقد كنت مرة راكباً في سيارة عامة -باص كبير- يظهر وجد صديق لهذا السائق فقال له: تفضل، فقال له: شكراً، فقال له: والله تفضل واشرب فنجان قهوة، و في الباص خمسون راكباً، فهذه ليست دعوة جادة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وكان عليه الصلاة والسلام يكرر الكلام ثلاثاً من الأدب، أي إذا أحبّ أن يدعوك ومن أجل تتأكد أنه صادق في هذه الدعوة أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، إذا خوطب في أمر ثلاث مرات لم يراجع، ولولا التشهد لكانت لاؤه نعم، مما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما طلب إليه شيء فقال: لا.
5 ـ عدم الحلف بالأكل :
أما الحلف بالأكل فممنوع، والله العظيم أن تأكل هذه اليقطينة هذه تطرح جملاً، قال: أما الحلف بالأكل فممنوع، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "الطعام أهون من أن يحلف عليه"، لا يحرز أن تحلف يميناً معظماً ليأكل لقمة زيادة، شبع وانتهى أكل عنباً فلن يأكل تفاحاً، و لا يوجد رغبة عنده بهذا، أيمان معظمة على الطعام هذا لا يجوز، رجل قال لي كلمة: إذا إنسان دعاني إلى طعام فهل آكل؟ إذا كان بخيلاً لا يعيدها وإذا كان كريماً يفرح، دعاك ودعاك فالبطن لا يتحمل منيتين تتغذى في البيت مرة ثانية؟ كُلْ، ولكن يوجد أناس يتصنعون فقل: لا أستطيع، ليس بنفسي، ويكون ميتاً من جوعه هذا ليس من السنة.
قالت: يا رسول الله إذا قالت إحدانا الطعام لا أشتهيه وهي تشتهيه أيعد هذا كذباً؟ قال: نعم.
إذا دعاك إلى أكل قلّما تأكل، لماذا هذا الترفع على الطعام؟ قال أنس بن مالك: "إذا أكرمك أخوك..." أي أحب أن يقدم لك المنشفة، يوجد شخص لا يرضى وأنت ضيف وهو صاحب البيت.
6 ـ عدم استخدام الضيف :
و من آداب الضيافة أن يكون المضيف في خدمة ضيفه، ومن اللؤم في الإنسان أن يستخدم ضيفه، حتى إن القصة المشهورة عمرو بن كلثوم الذي دعاه النعمان وقالت أمه لأمه يا ليلى ناوليني هذه الحاجة؟ فصاحت الأم أن يا للعار فقد أهنا.
ومن اللؤم بالمرء أن يستخدم ضيفه، وإني لعبد الضيف مازال ثاوياً، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها".
أعطاك وسادة خذها لا ترد الوسادة، أحب أن يعطرك اقبل العطر، إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما يكرم الله عز وجل.
وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير وكان مؤدب أولاده، فصب الرشيد على يديه الماء، فلما فرغ قال يا أبا معاوية أتدري من صب على يديك؟ قال: لا، قال: صبه أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله.
7 ـ ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم :
الأدب الآخر: ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم، فالنظر إلى الآكلين لا يجوز، يتحدث وينظر إلى وجوههم، أما أن ينظر إلى أيديهم فيربكهم، ألا ينظر إلى أصحابه وألا يراقب أهلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يمسك عن الطعام قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، وأحياناً الإنسان يكون له مقام كبير يترك الطعام بوقت مبكر، و له تلاميذ فخجلوا أن يأكلوا بمفردهم، فعليه أن يراعي الجائعين، والضعفاء، فإذا كان من حولك يحتشمون وأنت أيضاً مدعو، لو كنت صاحب البيت لا يجوز أن تترك الطعام ولا يجوز أن ترفع يدك عن الطعام، ولذلك من السنة أن الإنسان في الولائم يأكل ببطء شديد، ويصغر اللقمة كثيراً حتى لا يحرج أحداً، بل يمد يده ويقبضها ويتناول قليلاً قليلاً إلى أن يستوفوا جميعاً الطعام.
فإن كان قليل الأكل قد عمل لنفسه نظاماً دقيقاً ولا يريد أن يكثر الأكل فماذا يفعل؟ قال: يدعهم يأكلون في أول الزمن ويبدأ بمنتصف الوقت على مهله، فالوجبة القليلة أكلها بالفترة الأخيرة التي فيها إحراج، حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً، وقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم.
أما إذا امتنع لسبب أن هذا الطعام لا يناسبه فاعتذر، فاعتذاره يخفف الحرج عن البقية، مثلاً هذه الأكلة هو ممنوع عنها، ويقول: أنا لا أريد أن أتعشى فلو اعتذر اعتذاراً صريحاً فهذا يخفف عن الباقين.
8 ـ ألا يفعل ما يستقذره غيره :
قال: ألا يفعل ما يستقذره غيره، إنسان نفض يده في القصعة ووضع رأسه وهو يشرب المرقة فنزل من فمه شيء إلى القصعة فلا يجوز أن يقدم فمه إلى القصعة المشتركة.
9 ـ ألا يمسك الطعام باليد اليسرى :
ولا يمسك الطعام باليد اليسرى فاليد اليمنى لها مهمة وهذه لها مهمة، حتى أن أحد الصحابة رضي الله عنه قد يكون سيدنا عثمان قال: منذ أن صافحت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه اليد ما مست عورتي أبداً، فهذه اليد التي صافحت النبي الكريم صانها أن تمس عورة اليد اليمين وهذا منتهى الأدب.
وإذا رجل أخذ خبزة وقطعها بأسنانه و بعد هذا يأكل فولاً يغمسها بمرقة الفول فهذا لا يجوز - لأنه قطعها بأسنانه فمست شيئاً من ريقه، فإذا أحب أن يأكل فول فغمسها بالخل وقال هذا أطيب - فغيرك يراقبك وتتضايق منه وهذه كلها آداب الطعام المشترك.
10 ـ ألا يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام :
وبعد هذا ليس له حق أن يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام، كأن يقول: وجدنا جرذاً فصدناه أثناء الطعام فأذهبت له شهوته في الطعام، وأيضاً هذه مذكورة في آداب الطعام.
* * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم :
والآن إلى شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم:
((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه يُصَلِّي ويَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ: لِعُمَرَ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ، قَالَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْـوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]
وفي رواية لأبي داود: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَلِعُمَرَ اخْفِضْ شَيْئًا زَادَ وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ كَلامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي أخذ بوجهة نظر أصحابه، فهذا صوته مصيب يسمع من يناجي سيدنا عمر رفع صوته فيوقظ الوسنان، وسيدنا بلال أخذ مقاطع متنوعة يجمع الطيب إلى الطيب، قال: كلكم قد أصاب، أي هذا من عنايته صلى الله عليه وسلم بأصحابه. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلاةِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
آلمني بالعمرة أنه أثناء الطواف أو أثناء السعي رافع صوته إلى أعلى درجة، لا يدع أحداً يدعو، فصوته طاغ على كل شيء، أنا بين الصفا والمروة رأيت حاجاً مع أربعة من رفاقه معه كتب ومن أعلى طبقة ويدعو فسرت خلفهم ودعوت معهم لا يوجد طريقة ثانية.
ليس للإنسان حق أن يشوش على أخيه في الدعاء فيجب أن يخفض صوته مثلاً، دخلنا لنصلي في الجامع والدرس مستمر فهل نصلي جماعة ونرفع صوتنا؟ والله لا يجوز، بل هو خلاف السنة، والمقتدي وراءك يسمع هو فقط، أما بصوت مرتفع فتشوش على الآخرين وأحياناًً إنسان يصلي و يقول: الله أكبر بصوت مرتفع فهذا لا يجوز بل يجب أن يكون سرياً، ولا أدري هل يعدها ورعاً؟ و هذا ليس له علاقة بالدين بل هذا تشويش، تريد أن تصلي بأدب فطالما يوجد أخ معك يصلي فيجب أن تراعي شعوره، وما لاحظت هذا الشيء بالديار المقدسة أبداً، بل كل إنسان يدعو بمفرده بصوت مرتفع حتى النساء يرددن وراء أزواجهم بصوت مرتفع، وصوت المرأة عورة، ولا يوجد فقه، فقد قيل: "تفقهوا قبل أن تحجوا".
وهذا الذي يريد أن يزاحم على الحجر الأسود يؤدي إلى إيذاء، وأنا شبهتها أب حوله خمسة أولاد فجاء ابن مسك أول أخ و ضربه فطرحه أرضاً، والثاني ضربه على بطنه، والثالث على وجهه، ومن ثم هات يدك يا والدي كي أقبلها، فما هذه القبلة؟ هذا أيضاً جهل قبيح، وهذا الشيء منهي عنه، قال: ف ((لا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
2 ـ التواضع :
وكان عليه الصلاة والسلام عظيم التواضع.
فانظر إلى الأكحال وهي حجارة لانت فصار مقرها في الأعين
***
المتواضع يزداد من الناس رفعةً، والمتكبر يزداد ضعفاً، والبطولة ما يقوله الناس في غيبتك لا في حضرتك، فقد تكون قوياً فيخافونك في حضورك، فيجب أن تمدح في غيبتك، فمن علامة التواضع أن يمدحك الناس في غيبتك.
كان من تواضعه صلى الله عليه وسلم بالمناسبة يوجد ثلاثة أحاديث قال عليه الصلاة والسلام: (( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
تحمل كيس بندورة إلى بيتك فلست متكبراً، و تحمل الخبز، وحقيبة فيها الخضار، و طعاماً لأولادك ومن قال: إنك متكبر فقد أخطأ، لأنه كبر عن الكبر من حمل حاجته بيده.
وإنسان أدى زكاة ماله، فمادام قد أدى زكاة ماله فلا يجوز أن ينعت بالبخل، هو حر، رغب أن يؤمن بيتاً لأولاده ولا يرد هذه الألبسة الفارغة، كل ثوب ثمنه ثمانمئة ليرة: (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
أينما جلس يتكلم عن الله عز وجل أخي هذا منافق، كيف منافق؟ المنافق له صفة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء:142 ]
لا يذكر الله إلا قليلاً، أما إذا أكثر حديثه عن الله عز وجل فهو ليس منافقاً. 3 ـ يخدم نفسه بنفسه :
وكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أن يخدم نفسه بنفسه، و سيدنا رسول الله وهو قمة في العلم والرفعة والخلق خدم أصحاب النجاشي بنفسه، أصر على خدمتهم بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها:
(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
فالآن كم مشكلة تقع من أجل خياطة رز؟ قلت لكم مرتين وأنت زوجة مهملة، أنت ... ترى طردها إلى بيت أهلها والأولاد من أجل زر وأدبها بخياطته، إذا أخاطه أمامها تخجل لأن عندها إحساساً، فعوضاً عن أن تعنفها وتطردها إلى بين أهلها من أجل هذا الزر، ابق عندك إبرة وخيطاً فإذا لم يستجيبوا لك فأخطه بمفردك.
ويرقع دلوه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، أنا أستكبر من إنسان يقول: تعال واخدمني، فمن أنت؟ لا يوجد أعظم من رسول الله، قال: عليّ ذبح الشاة، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال آخر: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقال الصحابة الكرام: نكفيك ذلك، قال: أعرف أنكم تكفوني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
وفي الحرب في معركة بدر ثلاثمئة جمل لتسعمئة مقاتل من الصحابة أمر كل ثلاثة على راحلة وقال: أنا وعلي وأبو لبابة على جمل، ركب النبي الكريم وجاء دور أصحابه فخجلوا أن يركبوا وقالوا: ابق راكباً، فقال: ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر، هكذا النبي الكريم. 4 ـ يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل :
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء، إنسان له مكانة رفيعة يريد أن ينقل شيئاً إلى بيته فوجد شاحنة صغيرة و ركب بجانب السائق، فيقول: نقص قدري؟ لا بل قدرك يبقى هو هو، فالإنسان لا يتكبر، اجلس يا أستاذ على الصندوق فجلس، فالكبر لله عز وجل.
5 ـ يعود المرضى ويشهد الجنائز ويجيب دعوة العبد :
وكان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة العبد.
6 ـ يردف بعض أصحابه على دابته :
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يردف بعض أصحابه على دابته، وما كان يأنف من إنسان أن يركب معه بمفرده، وكان يردف صبيان أصحابه وراءه، فإذا كان لصحابي ابن كان يركبه والطفل يحب أن يركب الدابة.
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ ))
[ مسلم عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه ]
وبما أنهم عبدوه فلا يعذبهم، فإذا كنت مستقيماً استقامة تامة اكتسبت حقاً على الله عز وجل، ألم يقل رجل لأبي الدرداء: احترق حانوتك تعال وانظر، بكل أعصاب باردة قال: ما كان الله ليفعل، فقال له: احترق، فقال: ما كان الله ليفعل، جاء رجل قال له: لا لم يحترق حانوتك بل حانوت جارك الذي احترق، قال: أعرف ذلك.
للعبد حق على الله عز وجل، أنت تغض بصرك، وتدفع زكاة مالك، وتحرر دخلك من الحرام، وتخاف من الله عز وجل وليس لك ميزة؟ وحق على الله ألا يعذبك، لي صديق مؤمن استيقظ صباحاً وجد ابنته مشلولة، والزوجة صرخت، قال كلمة مشابهة لهذا الكلام: الله عز وجل لم يفعل هذا إذاً يوجد مرض مشابه جداً للشلل، بعد عدة أيام تشفى، وفعلاً بعد ستة أيام شفيت، إنه واثق أنه لا يستحق هذه المصيبة الكبيرة، بنت في البيت مشلولة وصغيرة لا يستحق هذا، اعرف ذلك، فإذا أنت استقمت على أمر الله تماماً تشعر أنك بعين الله، يمكن لا يوجد آية تثير مشاعر الإنسان كقوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور: 48 ]
إذا طفل محبب وعمره خمس سنوات وهو جالس في الغرفة فراقب أمه كيف تحرسه فلا ترفع عينها عنه أبداً، مهما سار من مكان إلى مكان، وهذا دليل المحبة، إذا إنسان أخلاقه عالية جداً، ومتواضع، و محب لله، ويؤدي الصلاة بإتقان، ويدفع من ماله الحلال للفقراء والمساكين، وهو في خدمة الخلق، إنه جندي من جند الحق، والله عز وجل يحبه كثيراً، فإنك بأعيننا، فأنت جندي من جنود الله، والله يدافع عنك، ولك رعاية خاصة تحت المظلة: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

السعيد 09-10-2018 02:07 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : سجود السهو







الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سجود السهو :
وصلنا في الفقه إلى موضوع: "سجود السهوِ"، وسجود السهوِ يجبُ لترك واجب، فإذا تُرِك الواجب يجب سجود السهوِ لترميم النقص، فيجب سجدتان بتشهد وتسليم، لترك واجب سهواً وإن تكرر! وإذا ترك المصلي واجباً سهواً، وإن تكرر، و ترك أحد أركان الصلاة، فصلاته باطلة! ويجب أن يعيدها، ولو ترك أحد واجبات الصلاة فعليه أن يسجد للسهو دون أن يعيدها، فإذا ترك بعض السنن والمستحبات فلا شيء عليه، لكنه قد أساء لترك واجب سهواً وإن تكرر و لو ترك واجبين أو ثلاثة يجزئهما سجود سهوٍ واحد في نهاية الصلاة، أما إن كان تركه لهذا الواجب عمداً فوجبت إعادة الصلاة، إن تركه سهواً وجب عليه سجود السهو، فإن تركه عمداً وجب عليه إعادة الصلاة لجبر نقصها، لكن هناك حالات ثلاثة يسجد فيها الرجل لو ترك واجباً عمداً! هذه الحالات الثلاثة من ترك القعود الأول.
فلو فرضنا أربع ركعات، القعود الأول واجب، فلو ترك الرجل القعود الأول عمداً يُجزِئه سجود السهو، أو تأخير سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، إذا سجد سجدة واحدة، وما أن يتابع هذه السجدة في آخر الصلاة يجزئه سجود السهو عن هذا السهو، أو العمد، ومن تفكّر عمداً حتى شغل باله عن ركن وجب عليه أن يسجد للسهو فمتى يأتي بسجود السهو؟ العلماء قالوا: بعد السلام، لا بعد التسليمتين، ولكن بعد التسليمة الواحدة، يسلم نحو اليمين ثم يكبر، ويسجد سجدتين ويقعد ويتشهد، ثم يسلم تسليمتين.
وإن سجد للسهو قبل أن يسلم كُرِهَ ذلك منه تنزيهاً، وعليه أن يسلم تسليمة واحدة.

حالات سقوط سجود السهو :
ويسقط سجود السهو في حالات منها: طلوع الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، ولو أن إنساناً يصلي في غرفة مرتفعة تُطِلُّ على المشرق، وهو يصلي برز قرن الشمس سقط عنه سجود السهو! لأنه لا يجوز أن تسجد وقت طلوع الشمس، ولا وقت توسطها في كبد السماء، ولا قُبَيل غروبها، يجب أن تصلي بعد أن ترتفع الشمس في كبد السماء، مقدار رمحين وحتى تزول من كبد السماء، و قُبَيل أن تصفرّ إذا آن أوان غروبها، في هذه الأوقات الثلاثة مكروه أن تصلي، فلو صدف أنك صليت صلاة الفجر، وحينما صليت رأيت قرن الشمس قد طلع سقط عنك سجود السهو، ويسقط أيضاً باحمرارها في العصر، وما يمنع البناء بعد السلام، لو أنه سلّم فسال منه دم غزير انتقص وضوءه، فهذا الدم الغزير يمنعه من متابعة صلاته، إذاً هذا الدم الغزير يسقط عنه سجود السهو.
حكم المأموم الذي لم يسهُ لكن الإمام سها :
والآن نتحدث عن المأموم الذي لم يسهُ، لكن الإمام سها، والإمام سجد سجدة السهو، والمؤتم ملزم أن يسجد مع إمامه! فالإمام سها في الركعة الأولى، مثلاً سجد سجدة واحدة ونسي، ووقف في الركعة الثانية فجاء مؤتم ائتم به في الركعة الثانية فهذا المؤتم ما سها، ولا رأى إمامه سها، فإذا سجد الإمام للسهو عليه أن يسجد معه متابعة للإمام.
فيسجد المسبوق مع إمامه، ثم يقوم لقضاء ما سُبِقَ به، ولو سها المسبوق فيما يقضيه، المسبوق وقف ليصلي فسجد سجدة واحدة، فعليه أن يسجد مرة ثانية لسهوه هو لا لسهو إمامه، وبعضهم اعترض! كيف يجوز أن نسجد مرتين لسهوين في صلاة واحدة؟ فكانت الإجابة: إن هذه الصلاة بحكم الصلاتين، مرة كنت مأموماً، ومرة كنت مفرداً.

الإمام لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين :
ولا يأتي الإمام بسجود السهو في الجمعة والعيدين، و لو فرضنا تشّهد الإمام أو نسي سجوداً ثم سجد لهذا السهو يحدث بلبلة في الجمعة! بعضهم يقول: يا أخوان أعيدوا الصلاة، وأحدهم يقول: لا هي صحيحة، لئلا تحدث فتنة بين الناس، ولئلا يحصل بلبلة، واضطراب، و زعزعة بالثقة لهذا الإمام، فلا ينبغي للإمام أن يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، هكذا الفقه.
الآن من سها عن القعود الأول من الفرض، إذا قال: الله أكبر أعطاها نبرة القيام، وينبغي له أن يقعد، إذا وصل إلى القيام الكامل عليه أن يسجد للسهو، فإذا كان أقرب إلى القعود يقعد ولا شيء عليه، حتى أن بعضهم قال: إذا كان أقرب إلى القيام عليه سجود سهوٍ، وإذا كان أقرب إلى القعود لا شيء عليه! وهناك أحكام دقيقة في سجود السهو نتابعها إن شاء الله في درس قادم.

* * *
آداب تقديم الطعام إلى الزائرين :
والآن إلى بعض فصول علوم إحياء الدين: آداب تقديم الطعام إلى الزائرين.
يقول الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس! فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم " فإذا جلس الإنسان إلى أخ مُحِبْ محبة سابقة، هناك صفاء و مودة، فشيء من الإخلاص ووجهة إلى الله عز وجل، فهذه ساعة مباركة أن تجلس إلى أخيك وتأكل معه، فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم.
ويقول الإمام الحسن رضي الله عنه: "كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه يحاسب عليها، إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام"، الطعام الذي قدمه الرجل ابتغاء مرضاة الله يقول عليه الصلاة والسلام:

((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
وقيل في رواية أخرى: "وَالمُتَبَارِيَانِ لا يُؤْتَىَ طَعَاَمَهُمَا".
من هما المتباريان؟ الذي يود أن ينافس أخاه في تقديم الطعام، أن يقدم طعاماً أطيب، أو أنفس، أو مستواه أرقى، فزها به، فهذا طعام لم يُرَدْ به وجه الله سبحانه وتعالى، ومجموعة الأحاديث الواردة في هذا الفصل تعني أولئك الذين يقدمون الطعام كما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 9]
أحياناً تقديم الطعام لأخ في الله يزيد المودة هذا إن لم يكن فقيراً، فإذا كان فقيراً وأطعمته طعاماً طيباً لم يذق منه من أشهر عديدة فلك أجر كبير، حتى إن بعضهم قال: هذا قول فقط " لقمة في بطن جائع خير من عمارة جامع ". مجتمع فيه تفاوت لا يستحق الحياة :
والإمام ابن المبارك رضي الله عنه كان في طريقه إلى الحج فرأى طفلاً ينقّب في القمامة فلاحظه فإذا هو يعثر على طير ميت! فأخذه وانصرف به، فتبعه فعرف أن له أهلاً فقراء فقراً مدقعاً، فأعطاهم نفقة الحج وعاد إلى بلده! وقيل: إن بعض الناس رأوه في الحج يطوف حول الكعبة! وقيل: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهنأه على هذا العمل! لا تستبعدوا هذا، الآن في الشام في هذا البلد الطيب هناك امرأة تشتري لأولادها أيدي الدجاج -الأيدي هذه التي لا تؤكل- ولا يمكن أن تؤكل تسلقها وتقدمها لأولادها اليتامى، فإذا وصل إلى علمك حال مثل هذه الحالات فإن أهل بلد بأكملهم يأثمون، إذا كان فيهم من هو محتاج أو مسكين، وقد تقول أنت: أنا لا علم لي بذلك! أجيبك بقول النبي الكريم:
((من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))
[ المعجم الأوسط عن حذيفة]
أنا بدأت أرى كثيراً أناساً ينقبون في الحاويات ليأخذوا بعض الخضر الفاسدة ينظفونها ويأكلونها! ما رأيكم بإنسان ينفق أموالاً على شهوات مترفة بتبذير وإسراف وأناس ينقّبون في القمامة؟ هؤلاء لا يستحقون الحياة، هذا المجتمع الذي فيه هذا التفاوت لا يستحق الحياة، قال تعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
من دواعي إهلاك الأمم أن الحاجات الأساسية مفقودة و الترف موجود :
ومن دواعي إهلاك قوم أن الحاجات الأساسية مفقودة، والترف على أوجه:
﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
الإنسان أحياناً يسمع أخباراً كالخيال: أخ ذهب إلى أمريكا، قال لي: عدد الأماكن ومحلات البيع الراقية لبيع ما يحتاجه الكلاب شيء يأخذ بالألباب! يحير العقول، وإن ما يستهلكه كلاب أمريكا من اللحوم يزيد على ما يستهلكه الشعب الهندي بكامله، أربعمئة وخمسين مليون من اللحوم، أماكن لتصفيف شعر الكلاب وأطعمة وألبسة خاصة بالكلاب..
شيء يكاد لا يصدق، شعوب تموت من الجوع، وشعوب تنفق على كلابها ما لو أنفق على هذه الشعوب لكفتهم، لذلك هذه من علامات قيام الساعة، أناس يموتون تخمة، وأناس يموتون جوعاً!
((لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلا تَزَالُ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَتْ مَائِدَتَهُ مَوُضُوعَةٌ بَيِنَ يَدْيِهِ حَتَىَ تُرْفَعْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا الإنسان وضع مائدة لإخوانه المؤمنين تصلي الملائكة عليه حتى يرفعها. من علامة المؤمن أنه لا يحسد ولا يطعن ولا يغتب :
بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
فإذا خالفت هذا الحديث، وتلك السنّة، وقعت في شر عملك، ورجل غير مؤمن تدعوه لطعام نفيس فيحسدك على هذا الطعام، ويتكلم بحقك كلمات لا تليق، الذنب ذنبك، لا يأكل طعامك إلا تقي، من علامة المؤمن وهذا ما أنا متأكد منه أنه يفرح للخير يصيب أخاه!
و إذا شعرت أن هذا الأخ المؤمن كريم والذي أصابه خير لا يستحقه، أو كثير عليه، أو ليته يتحول إليك، فأنت لست مؤمناً أبداً! وعلامة أخوتك في الله أنك تفرح له، وأنت لا تملك بيتاً، وأخوك اشترى بيتاً، و من علامة إيمانك أنك تفرح له كما لو أن هذا البيت لك! وأنت معك ليسانس ولم تتعيّن، وأخوك تعيّن فتفرح له، وأنت لم تتزوج، وأخوك تزوج تهنئه وتفرح له، لأنه إذا قوي أخوك فهو قوة لك، فإذا كان أخوك في حاجة فهذا عبء عليك، فالمؤمن لا يحسد، ولا يطعن، ولا يغتب، وهذا كله من علامة المؤمن، ولذلك فالنبي الكريم قال:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
وفي بعض الأقوال لا أدري مبلغها من الصحة أنه: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، ويبدو أن الإنسان مع إخوانه يزداد طعامه، فتأتي القابلية أحياناً، وله عادات دقيقة في بيته لا يتجاوز حدوداً معيّنة، معتدل جداً، لكن إذا كان مع إخوانه المؤمنين الصادقين يمكن أن يأكل زيادة عن الحد فقال بعضهم: هذا مما عفا الله عنه.
وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك، ويقلل إذا أكل وحده، ولكن يوجد بعض الناس بالعكس! تفضل كُلْ، يكون نائماً عندك، أو يحرجك، فلا يأكل إلا أكلاً يحرج به الحاضرين، يقوم الناس للنوم ويقوم هو قيام ليل وليس فقط للصلاة وللأكل، يلتهم وحده ما لذّ وطاب، ومع الناس طعامه قليل! لا بالعكس كُل وحدك طعاماً قليلاً، وكل مع الناس أكلاً طبيعياً معقولاً حتى تشجعهم، أما أن تأكل مثل المشمئزين من الطعام، وفي الليل يأكل ما يشاء، و هذا شيء يتنافى مع آداب الطعام.
إكثار الأكل مع الجماعة :
قال: كان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة، وليس معنى يكثر ألا يبقي شيئاً من الطعام، يأكل أكلاً طبيعياً ليشجع الناس على الأكل، ويقلل الأكل إذا أكل وحده، وفي الخبر أيضاً: ثلاثة لا يحاسب الرجل عليها: أكلة السحور، لأنه من الممكن أن يكون النهار طويلاً في الصيف حوالي اثنتي عشرة ساعة ولديه عمل شاق، وأكل طعاماً يسند جسمه زيادة فقام بقلي البيض، وتناول الجبن، وتناول بعض الطعام الدسم، وبعضهم يقول: إن أكل السحور مما عُفِيَ عنه، لأنه قد يكون عمله شاقاً، و قد يكون الصيام طويلاً سبع عشرة ساعة! انظر للفقه سبحان الله يوجد فيه واقعية، ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: " أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع إخوانه"، إذا أكل مع إخوانه عليه ألا ينفرهم من الطعام بل يشجعهم على الطعام و لكن بشرط أن يكون الطعام كافياً للجميع، وإذا كانت كمية الطعام لا تكفي يقوم بنصف الطعام ويخبرهم هذه سنّة يا أخي! لا هذه ليست سنّة، وإذا كان الطعام كثيراً ولا حرج فتناول طعاماً اعتيادياً.
قال الإمام علي رضي الله عنه: "لأن أجمع أخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة" ، وكان ابن عمر يقول رضي الله عنهما: "من كرم المرء طيب زاده في سفره"، أحياناً الإنسان يذهب إلى الحج، أو إلى العمرة، يسافر مع إخوانه فيأخذ معه بعض الطعام، وتجد أحدهم جائعاً والطعام لم يجهز بعد تقدم له شطيرة، هذا مصاب ببعض الدوار فأملك بعض الليمون فأقدمها له، و هناك من يستعد رغم أنه غير مكلف بهذا الشيء، فالطعام على المجموع، لكن لديه بعض الليمون الفائض عن حاجته، ولديه بعض البرتقال، ولديه قطعتان من الحلوى فأخذها معه، وهناك طفل جائع والطعام لم يجهز بعد، فتقدم له بعض الطعام، من كرم المرء طيب زاده بسفره، وبذله لأصحابه.
سبحان الله أعرف أناساً أحبهم يحملون بعض السكاكر كلما رأى طفلاً يعطيه واحدة، وهي لا قيمة لها، ولكن لها قيمة كبيرة عند الله عز وجل، الطفل جُبِل على حب من أحسن إليه.

الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق :
وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: "الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق"، والنبي الكريم كان يقول:
(( إنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين و إن طَعَام الاثْنَينِ يَكفِي الِثَلاْثة و الأربعة))
[ ابن ماجه عن عمر بن الخطاب]
وكان يذمُّ من أَكل وَحْدهُ، وَمَنَع رفْده، وَضَرَب عَبْدَه، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن طعام، أي دخلت لبيت فأقل شيء قدمه لك فنجان قهوة، وليس لديه سكرة، أو كأس من الشاي، وجِدَ الإكرام، من زار حياً ولم يكرمه فكأنما زار ميتاً! ويقول الله تعالى يوم القيامة: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ:يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إكرام الضيف عمل طيب :
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِذَا جَاءَكُمُ الصَّانِعُ بِطَعَامِكُمْ قَدْ أَغْنَى عَنْكُمْ عَنَاءَ حَرِّهِ، وَدُخَانِهِ، فَادْعُوهُ، فَلْيَأْكُلْ مَعَكُمْ، وَإِلا فَلَقِّمُوهُ فِي يَدِهِ ))
[ أحمد عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ]
هذا الزائر ضيف الله، وفي بعض الأحاديث: إنه يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم! هذا الضيف، ولكنك تعلم علم اليقين ما إذا كان هذا الإكرام خالصاً لوجه الله عز وجل.
أخ في الله مسافر زارك من بلد آخر، وأغلب الظن لم يتناول غداءه قدم له الغداء، أغلب الظن لم يتناول عشاءه قدمه له، دعه ينم عندك و لو على المطرح لا مانع، فإذا أكرم الإنسان أخاً مسافراً غريباً من بلد آخر؛ أطعمه، وسقاه، وأكرمه، وبيّته عنده، فهذا عمل طيب، وكبير جداً، حتى أن النبي الكريم يقول:
((مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلا أَكْرَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ أحمد عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
انظر لهذا الكلام ما أجمله: (( لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، أَوِ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ))
[ أحمد عن حمزة بن صهيب عن أبيه]
الكرم من علامة الإيمان :
سيدنا إبراهيم عندما جاءه ضيوف، قال: فما لبث إلا أن جاء بعجل حنيذ أي مشوي على الحجارة، فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ الكرم من علامة الإيمان، ولا يجتمع بخل مع إيمان، ولا يجتمع شحٌّ مع إيمان، والشح أشد من البخل، ولا يجتمع الجبنُ مع الإيمان، ولذلك في الدعاء الشريف: "اللهم إنا نعوذ بك من الجبن والبخل، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدَين،وقهر الرِجال، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء".
((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وكان السلف الصالح كراماً، لي صديق توفيت والدته فكنت في تعزيته، وكنت في آخر يوم، وفي آخر الوقت، فالذي جذب نظري أن زوج الفقيدة ويزيد عمره عن الثمانين عاماً يبكي بكاءً مرّاً، ويبدو أن الزوجة المتوفاة لا يقل عمرها عن السبعين عاماً، فلما انتهت قراءة القرآن والذكر، بدأ من في المجلس يخفف عنه ألمه، فقال كلمة تأثرت لها، قال: والله بقيت عندي أربعين عاماً ما نمت ليلة وأنا غاضب عليها! وكانت تقوم في أول الليل لتطبخ لضيوفي، كان مضيافاً جداً، وكان يطلب منها يا فلانة رضي الله عنك قد جاءنا ضيوف، قومي بتحضير الطعام من فضلك، أما اليوم فتحصل مشاجرة من أجل وضع مائدة فطور، لماذا الأكل؟ وإذا كان سهلاً قدم له الطعام في المطعم وأرحنا! لذلك هناك شاعر وصف قوماً بخلاء فقال: بيض المطابخ لا تشكو إيماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
***

فهذا البيت دائماً نظيف ومرتب لا يتسخ أبداً، وأشعر أحياناً أن هناك مشكلة من أجل تقديم طعام لضيف مع الأزواج المحدثين، هذا الجيل الجديد، شيء صعب، مشقة، و لا يقدم الطعام إلا بشق الأنفس بعد أن كان هناك حوالي خمس مشاجرات حتى استطاع أن يعزمه على الفطور الصباحي! قال هذا الرجل: أربعون سنة لم ينم ليلة واحدة وهو غضبان منها! وكان أغلب الأيام يوقظها من النوم للطبخ لأنه مضياف. * * *
الدخول للطعام :
الآن الدخول للطعام: قال تعالى:
﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
فالإنسان لا يملك الحق أن يدخل لبيت في وقت الطعام كي يُطعَمْ، هذا اسمه تطفل ودناءة نفس، وفي الخبر: "من مشى إلى طعام لم يدعَ إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً".
والنبي الكريم كان صاحب أدب رفيع، ذات مرة دعي وعنده رجل من أصحابه، وهذا الإنسان غير مدعو، فلما انطلق إلى بيت المضيف، انطلق معه هذا الرجل، أحياناً يكون هناك حرج، طاولة تتسع لخمسة كراسي وكرسي سادس لا يملك، دعوا خمسة، وأحياناً يكون الطعام محدوداً جداً، خصص لكل شخص أوقية لحم، فجاء رجلان غير مدعوين لم يشبع أحد منهم، وكثيراً ما تحصل، فالنبي الكريم عندما فتح الباب المضيف: " قال له: هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ".
استأذن من المضيف، وعلّم الذي تبعه من غير إذن، إذا وجدت أناساً متجهين لجهة علّهم مدعوون أما أنا فلست مدعواً، ولا ينقص من قدرك أنك لست مدعواً، قد تكون مكانتك عند الله أعلى من كل هؤلاء المدعوين، المؤمن ثقته بالله، لا أعرفك ولا يوجد بيننا أي علاقة أو وارد، لم يدعني، فلم يحصل شيء، هناك شخص إذا كان لم يُدعَ تجده قد تأثّر وبدأ يقول: ليس لي قيمة، أهملوني، تجاوزوني، نسوني، هذه من الله عز وجل، فالنبي الكريم قال له: "هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ".
من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً :
إذاً من مشى إلى طعام لم يدع إليه، مشى فاسقاً، وأكل حراماً، وأحياناً الإنسان يدعى لعقد قران يحضر معه ولديه، هدية القران كلفتها ثماني عشرة ليرة، و في هذه الحال سيعطيك واحدة لك، ولكل ابن واحدة، فهذه مشكلة، أحضر الحلوى على عدد الحاضرين، عزم مئة شخص وأحضر مئة وعشراً، فوجد أن هناك خمسين ولداً زيادة لا يوجد شيء يكفي، وهنا إحراج، فالإنسان من المفروض إذا لم يخبرك الداعي بإحضار ابنك بالذات لا تحضره رجاءً! قال لك: أحضر معك ابنك فلاناً، سمّاه بالذات تحضره، وإن لم يسمه لا تحضره، وعوّد ابنك أنه إذا كان غير مدعو ألا يذهب معك، ما هذه خذني معك يا أبي؟ لم يدعك يا بني هذا من أصول الضيافة، الإحراج صعب، لأن الإنسان أحياناً يهيئ نفسه لعدد معين فوجد هناك زيادة بالعدد! لكن إذا دخل إنسان لبيت من دون أن يقصد وقت الطعام ووضِع الطعام، واتفق أن صادفهم على طعام عليه ألا يأكل ما لم يؤذن له! يا الله بسم الله حماتي تحبني، ما هذا الحظ الجيد؟ ما هذا الكلام؟ ألا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له كُل، ماذا يفعل؟ من يجيب؟ قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة فليأكل، وإن قالوا ما قالوا حياء منه فلا يأكل، تفضل كُل، لا شكراً، لكن أحياناً إذا كان هناك دعوة متينة يمسكه من يده ويقول له: تفضل، لا نأكل قبل أن تأكل معنا، إذا رأى أن هناك حرارة بالدعوة وهو جائع يأكل، ولكن كلمة رفع عتب، فجلس على الطعام! قال: فإذا دعي ما لم يؤذن له، فإن قيل له: كُل، قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة أكل، وإن قالوا ما قالوا عن حياء فلا ينبغي له أن يأكل، بل ينبغي له أن يتعلل، لست بجائع، الآن قد تناولت، هذا ليس كذباً، لأنهم دعوك دعوة ظاهرة، فليس فيها حرارة ولو كنت جائعاً.
من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس :
إذا الإنسان غير كريم أكل البخيل داء، لكن هناك حالة أنه جائع وزوجته في بيت أهلها وله أخ محب وذهب إليه وقت الغداء ليأكل معه، هذه لا يوجد فيها شيء، ومعنى ذلك أن هناك محبة بالغة، فإذا كان لك أخ وعلاقتكم مع بعضكم حميمة، ولا يوجد في بيته شيء من طعام الغداء مثلاً وأخوك قريب منك، والله جئت نتناول الغداء معاً، فهذا الأخ يمكن أن يدخل على قلبه سرور لا يعلمه إلا الله، وهذه نعفو عنها، لكن بشرط أن يكون هناك علاقات متينة جداً، قال: من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
أنا أعرف الكريم فوراً، إذا قال لك أحدهم: سأتناول العشاء عندك، تشعر بسرور لا يعلمه إلا الله، طبعاً من غير تكلف، تقدم له كل ما وجد عندك، والدخول على مثل هذه الحالة إعانةٌ لهذا المسلم على حيازة ثواب الطعام، تكون قد أكسبته هذا الثواب لكن إذا كانت علاقتك معه متينة لدرجة متناهية.
الآن آداب تقديم الطعام كثيرة نكتفي بالأدب الأول، نتابعها في درس قادم إن شاء الله.
* * *
آداب تقديم الطعام :
آداب تقديم الطعام، ترك التكلف، وتقديم ما حضر، فإن لم يحضر شيئاً ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك! لا يجب التكلف بل تكتفي بتقديم ما حضر، فليس عنده شيء، ولا يملك المال، نهى الشرع عن أن تستقرض مالاً من أجل تقديم الطعام للضيف!
قال بعض السلف: التكلف أن تطعم أخاك طعاماً لا تأكله أنت، فمثلاً: إذا قال لك أخوك: سأتغدى عندك، فأنت بالأحوال الطبيعية هل تحضّر ثلاثين لوناً؟ لا، لونان أو ثلاثة، الأكل الطبيعي، إذا كنت قد أطعمته من الأكل الطبيعي فكان قدومه خفيفاً، ولم تشعر بأي حرج لأنك لو لمحت وجهه في الشارع في اليوم التالي تدِرْ له ظهرك وتتجاوزه، أما لأنك لم تتكلف من أجله فأصبح الكرم سهلاً وليس صعباً، لا يوجد بيت لا يوجد فيه طعام، ولكن الآن يمتنعون لأنهم يدعون بقولهم: لا يوجد شيئاً مقدّر، يريد شيئاً يفتخر به، يعلو على هذا الضيف، أما إذا كنت قدمت له الموجود فهذا هو الحسن.
و أحياناً يكون أخ عندك سهران يوجد حسابات بالاجتماع، تعَبٌ ومللٌ من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة، قدم له كعكة أو سندويشة من المطبخ فلا يوجد أي خطأ، إذا كنت لم تتكلف قضية سهلة، و إذا كنت تهيئ المائدة في غرفة الطعام، وكل شخص ثلاثة صحون، وثلاث شوكات، وسكينة، ووضع الطقم الزجاجي، تعمل خمس ساعات، فهذا يسبب الملل والنفور، فبالشرع نهى النبي الكريم عن التكلف.
أن تطعم أخاك ما تأكله أنت، بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة، اسمعوا لهذا الكلام و هو للفضيل: قال الفضيل: " إنما تقاطع الناس بالتكلف " كان هناك مجلس قرآن يجتمعون خمسة يقرؤون القرآن، أحدهم قدم محلاية، شيء جميل، والآخر قدم محلاية ومدلوقة، والثالث قدم محلاية ومدلوقة وعصافيري، والرابع أحضر صدر كنافة، وأحدهم درويش لا يستطيع حمل هذه الأشياء فامتنع عن المجلس! ثم التغت الجلسة! فما الذي قطع هذا المجلس الكريم؟ هذا البذل، قال: "إنما تقاطع الناس بالتكلف "، وهذا شيء لا يجوز، إذا كان هناك مجلس طيب، ذكر لله عز وجل، فالحد الأدنى كأس من الشاي فقط! وهذه تستمر، " إنما تقاطع الناس بالتكلف " يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه! وقال بعضهم: ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له، إنما أُقَرِبُ له ما عندي، ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته.

معاناة الإنسان أحياناً من عسر وقت لا عسر مادي :
أحياناً الإنسان ليس بعسر مادي، بل بعسر وقت، لا يملك الوقت ليتجول على بائعي الفاكهة ويحضر الفاكهة، فترة بعد الظهيرة لم يبق من البضاعة الجيدة شيء، بل كله سيئ، أسعار مرتفعة و سيئة، ولا يوجد من يحضر له، فابنه بالدرس، والابن الثاني بجهة معينة،و ليس هناك من يحضر له حاجته، فعوّدوا أنفسكم وأنتم مؤمنون أن تكونوا طبيعيين، وجِدَ عنك ما تقدمه قدمه، وإن لم يتوفر اكتفِ بكأس من الشاي فقط، أو فنجان قهوة، ولديك بعض البرتقال قدمه و لا مانع، لديك بعض الفاكهة قدمها وإن لم تتوفر فلا مشكلة.
أعرف بعض الناس لهم دور استمر سبعة عشر عاماً! مثلاً أخوان طيبون كل يوم ثلاثاء عند أحد منهم، و عادة الدور يستمر سنة أو سنتين ثم يفرط وحده! فسأل أحدهم: هؤلاء ما سر هذه الديمومة؟ فاجتمع رأيهم على أشياء ثلاثة: عدم التكلف، وعدم الغيبة، والعنصر النسائي غير موجود أبداً، فهذا الاجتماع استمر سبعة عشر عاماً!
إذا كان هناك بعض الاختلاط يقول لها: لقد دققت النظر فيه زيادة، تجيبه: والله لم أنظر إليه، فيحصل بينهم شِجَار لأن الشكوك تأخذ مكانها فوراً، والمسلم طاهر.

من التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده :
ومن التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده، فيلحف بعياله ويرضي قلوبهم، مثلاً: أحضر نوعاً من الحلوى إلى البيت، الأطفال يشتهون هذه الحلوى، وضع الصحن كله لاثني عشر شخصاً تناولوه كله، فالطفل ألا يشتهي أن يتناول بعضها؟ فمن التكلف والإجحاف أن تقدم كل ما عندك للضيف! فهناك حقوق برقبتك، أطفال في البيت، والدتك، زوجتك، الطعام يُشتهى.
والله سمعت عن شخص عزم أصدقاءه فأحضر طعاماً بالألفات، خروفاً مكتّفاً، وحلويات، ووالدته في الطابق الأسفل، وأخواته البنات، والأب متوفى، فلم يستطع أن يقدم شيئاً لوالدته في الأسفل من هذا الطعام! وهناك أناس أعوذ بالله قلب مثل الصخر، قال: ومن التكلف أن تقدم جميع ما عندك تلحف بعيالك وتؤذي قلوبهم.
ورجل دعا سيدنا علياً، فقال رضي الله عنه: أجيبك على ثلاثة شروط: ألا تدخل من السوق شيئاً، قدّم من الذي عندك، وألا تدخر ما في البيت، وألا تجحف بعيالك "وليس كل شيء أتناوله أنا، أبق شيئاً لعيالك، ومن السوق لا تحضر شيئاً، وإذا كان لديك قدّم لي ولا تخبئ عني شيئاً! شروط دقيقة جداً.
قال: دخلنا على جابر فقدّم إلينا خبزاً وخلاً، وقال: "لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم"، وقال سلمان رضي الله عنه: "أمرنا النبي الكريم ألا نتكلف بالضيف فيما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا ".
وأيضاً رجل زاره أخوانه فقدم لهم طعاماً خشناً، وقال لهم: لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم، قول لطيف جداً.

أعظم الناس وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه :
يقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر أن يقدم ما عنده؟ لا تعرف مكانتي، نعمة من الله لديه بعض الكعك قدم لك كعكاً وشاياً فماذا بهما؟ ليس لديه غيرها، قطعة بسكويت مع فنجان قهوة، فهذا ما عنده، و إذا احتقرت ما قدم إليك، فلديه بعض البرتقال الصغير، لأن أطفاله كثيرون أحضر من القياس الصغير، وضع أمامك منه، ماذا بها؟ نعمة الله عز وجل، فإذا احتقرت ما قدم لك فأنت أعظم الناس وزراً، وكذلك: أن تحتقر شيئاً تقدمه لضيفك! فلا تستحي من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه، زارك ضيف، ولديك في صحن الشوكولا ثلاث قطع، تقول له: يا أخي الفضلة للفضيل لا شيء فيها، ونحن نقول: هذا عيب إذا لم يكن الصحن ممتلئاً، قال: " لا أدري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر ما يقدمه " وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآداب، فهذه أشياء نعيشها جميعاً لا يوجد أي بيت يخلو من ضيوف.
* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ النبي الكريم عظيم الحلم لا يقابل السيئة بالسيئة بل يعفو ويغفر :
والآن إلى بعض شمائل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أُثِرَ عنه حديث شريف: " كاد الحليم أن يكون نبياً ".
صحابي جليل تهجّم عليه رجل، وأقذع له في الكلام، بقي هادئاً ساكناً وادعاً، فلما انتهى من كلامه قال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير ذلك غفر الله لك، فكاد الحليم أن يكون نبياً، "فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين، فاصفح الصفح الجميل.
قال تعالى:

﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 92]
سيدنا يوسف لمن ائتمر به وأراد أن يقتله، كان صلى الله عليه وسلم عظيم الحلم، لا يقابل السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، وما انتقم لنفسه في شيء قط! إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله، قال: اتسع حلمه لجميع خلق الله حتى لأعدائه الذين آذوه! استمعوا: قال: لما كانت غزوة أحد، وكُسِرَت رَبَاعيته، وجرحت شفته السفلى، وشُجَّ في جبهته الشريفة حتى سال منه الدم، قال: فجعل يجففه لئلا ينزل على الأرض، لأنه لَو وَقَعَ مِنْهُ شَيء عَلَى الأرْضِ لنزل عليهم العذاب من السماء، لم يدع الدم ينزل على الأرض، ولقد شقَّ ذلك على الصحابة فقالوا: رسول الله، نبي هذه الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، يُشَجُّ رأسه؟ تُكسَرُ رباعيته؟ تجرح شفته السفلى؟ يسيل الدم منه؟ شقَّ هذا على أصحاب النبي، فقالوا يا رسول الله: لو دعوت عليهم دعاؤك مستجاب، هؤلاء أعداء الله، فقال: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( قَالَ عبد الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ))
[ البخاري عن عبد الله]
لو علموا مقامي ما فعلوا ذلك، أحياناً الإنسان له ابن يقع بالساعة، وأثناء هذه النوبة ضرب أباه! فهل يحقد الأب على ابنه؟ لا، أحياناً طفل صغير والده يقوم بقلع ضرسه، فيقوم الطفل بحركة يضرب بها وجه أبيه، أو يجرحه، من ألمه، فالأب قلبه كبير، وقلب رسول الله يتسع للخلق جميعاً، يسع الأعداء.
2 ـ النبي الكريم يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه :
أحياناً الإنسان يضيق ذرعاً بصديقه، بأخيه، بزوجته، وكان عليه الصلاة والسلام يغضب لله تعالى، ويرضى لرضاه، فاسمعوا هذا الكلام ما أجمله: ولم يكن تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، الدنيا وكلها إن أقبلت لا يفرح، وإن أدبرت لا يغضب، ولم يكن يغضب لنفسه، بل كان يغضب لربه تعالى! وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره، يصف النبي الكريم:
(( لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعرِض للحق لم يعرفه أحد، ولم يكن بغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها))
[ الترمذي عن هند بن أبي هالة]
وذات مرة غضب صلى الله عليه و سلم من العمل الذي ينكره المؤمن كما في الصحيحين وغيرهما. ((أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ ))
[البخاري عن أبي مسعود]
كان يغضب لله عز وجل، ولكن هذا الغضب لا يخرجه عن الحق. (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
انظر لهذه القصة: بين الزوجين تعاهد نفسك إذا غضبت اسكت لا يحدث شيء، تفوهت بكلمة قاسية على والدتك، فاصمت أنت صمتاً رهيباً وعندئذ هي خافت! ولم تتابع في الحديث، فعوّد نفسك إذا غضبت فاصمت، لأنك إذا تكلمت وأنت غضبان سيكون كلامك قاسياً جداً وستجرح وتكسر، فعندما يغضب الإنسان يسكت، ولا يتفوه بأي كلمة، ومن السنة أن يتوضأ! وإذا بقي غضوباً يخرج من البيت، ويعود بعد ساعتين وليس فيه شيء، فعود نفسك أن تصمت إذا غضبت، أما أي كلمة تقولها وأنت غضبان فسوف تهدم بها عمل سنوات! وأحياناً الإنسان يستميل زوجته ويدللها ويكرمها على نية أن يضع لها الحجاب، ويعاملها شهراً شهرين أو ثلاثة أو سنة، ويغلط غلطة بكلمة قاسية، وكل شيء بناه خلال السنتين هدمه، مثلاً شتم والدها، وهذا لا يصح، فإذا غضبت فاسكت، وطّن نفسك أن تطبق هذه القاعدة، إذا غضبت فاسكت، وتوضأ واخرج. (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ))
[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
3 ـ غضب النبي لا يخرجه عن الحق :
غضبه لا يخرجه عن الحق، انظر إلى الناس بين بعضهم يغضب فيتكلم بالباطل، يتهم ويفتري، أما المؤمن فلا يغضب.
قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ قال: والله لا أحبك! سيدنا عمر، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، حقك سيصلك، فعلامة المؤمن أنه إذا غضب لا يخرجه غضبه من الحق.
هناك قول آخر: ولا يدخله غضبه في باطل، لا يخرجه من الحق ولا يدخله في باطل، هذا عن غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه لله، وعن حلمه صلى الله عليه وسلم، وكيف أن قلبه الكبير وسع جميع أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين.









السعيد 09-10-2018 04:58 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الخمسون )

الموضوع : صلاة الاستسقاء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تقنين الله عز وجل تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع عنوانه: "باب الاستسقاء"، ونظراً لأن الناس كلهم متلهفون إلى المطر، وتأخر المطر يؤكد أن الرزق في السماء، قال تعالى:
﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾
[ سورة الذاريات: 22 ]
وأن الله سبحانه وتعالى إذا قنن المطر فتقنينه تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
[ سورة الحجر: 21]
وأن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي يقول: "عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك"، ولأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
فهذه الدابة النكرة تعني أنواع الدواب كلها من دون استثناء، وهذه المِن لاستغراق أفراد كل نوع على حدة، أي دواب النمل نملةً نملة، ودواب الدجاج دجاجةً دجاجة، ودواب الخرفان خروفاً خروفاً، ودواب الإنسان إنساناً إنساناً، فما من النفــي والاستثناء، للقصر والحصر، الرزق على الله وحده وليست على جهة سواه، والدواب كلها وأفراد كل نوع من أنواع الدواب استقصاءً وحصراً على الله رزقها، وكلمة على تفيد الاستعلاء وتفيد الإلزام، أي أن الله عز وجل ألزم نفسه برزق العباد، ولكن يؤثر المطر لحكمةٍ يعلمها وللفت نظر البشر ولإيقاظهم من نومهم، ومن غفلتهم. باب الاستسقاء :
على كلٍّ في الفقه باب عنوانه باب الاستسقاء، باب الاستسقاء له صلاة، دخل رجل على الإمام الحسن البصري فقال: يا إمام إن السماء لا تمطر؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل رجل آخر فقال: إن زوجتي لا تنجب؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل ثالث فقال: إني أشكو الفقر؟ فقال: استغفر الله، قال أحد الجالسين عجبنا لك يا إمام أكلما دخل عليك رجل يسألك حاجة تقول له استغفر الله، قال له: ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
[ سورة نوح: 10-12 ]
أي سؤال الإنسان إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وللاستسقاء باب ومطلع هذا الباب أن للاستسقاء صلاة من غير جماعةٍ، وله استغفار، ويستحب الخروج له ثلاثة أيام مشياً في ثيابٍ خلقة غسيلة، مرقعةٍ، مبللين، متواضعين، فإذا كان الزمان لا يسمح بلباس ثياب مرقعة، وإذا كان الخروج صعباً لاتصال العمران، فالإنسان لا يمنعه أن يسجد في البيت، ويسأل الله سبحانه وتعالى السقيا، لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا. ما يستحب في صلاة الاستسقاء :
خاشعون لله، ناكصو رؤوسهم، مقدمو الصدقة كل يوم قبل خروجهم:
((استمطروا الرزق بالصدقة))
[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]
ويستحب إخراج الدواب والشيوخ والكبار والصغار والأطفال، وفي مكة وبيت المقدس يصلى في المسجد الحرام والمسجد الأقصى، أي صلاة الاستسقاء تكون في أحد هذين الحرمين في مكة وبيت المقدس، وينبغي لأهل مدينة النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعلوا ذلك، ويقوم المصلي مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه والناس قعود، يستقبلون القبلة، يؤمنون على دعائه، ويقول: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً - كافياً - غدقاً عاجلاً مجلجلاً - عاماً - سحاً غزيراً، طبقاً أي لا يترك في السماء فرجة من اللون الأزرق وما أشبهه، أي الدعاء الأبسط: " اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، مرة كنت أقف في الطريق أمام شخص قال له آخر: والله بعنا السنة الماضية بيعاً لا يصدق، قال له: ما السبب؟ قال له: كان موسماً طيباً في الجزيرة، وهذا عنده معمل أقمشة ومعمل تطريز فاستغربت ما علاقة بيع هذا القماش المطرز؟ قلت: سبحان الله ورزقكم في السماء وما توعدون، وهذه الأمطار تدير العجلات كلها، و كل شيء يتحرك، و الإنسان عليه أن يتوجه إلى الله بالدعاء الصادق فلعل الله سبحانه وتعالى يغيثنا. الحكمة من حبس المطر :
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان يستسقي ربه هو وقومه، وكان كليم الله عز وجل، فقال الله عز وجل: يا موسى إن فيكم عاصياً، وهو سبب شحّ السماء، فقال موسى عليه السلام: "من كان عاصياً لله فليغادرنا" فما لبثت السماء أن أمطرت ولم يغادر أحد من جماعة موسى، فقال يا ربي لقد أمطرتنا ولم يغادرنا هذا العاصي؟ فقال الله عز وجل: لقد تاب بيني وبينه، فقال: من هو يا ربي؟ قال: عجبت لك يا موسى أأستره وهو عاص وأفضحه وهو تائب؟ مستحيل.
فلعل الله عز وجل يستجيب الدعاء، و ربنا أحياناً يحبس السماء حتى يشعر الإنسان بقيمة الماء، أي لا يوجد نبات، ولا مزروعات، ولا لحم، ولا كهرباء، كل شيء متوقف على ماء السماء، فسبحان الله الأرض دورانها ثابت، والشمس دورانها ثابت، و المذنَّب كل ست وسبعين سنة مرة، الحديد خواصه ثابتة، الماء خواصه ثابتة، و ربنا عز وجل ثبت أشياء كثيرة بل إنه ثبت معظم الأشياء فحركة الأفلاك ثابتة، وخواص المواد ثابتة، فلماذا حرك المطر ولم يجعله ثابتاً وكان بالإمكان أن يجعل انهمار المطر في كل بلد بكميات ثابتةٍ لا تزيد ولا تنقص؟ بالشام ألفا ميليمتر ولا تنقص، لكن الناس إذا جاءتهم الأمطار منتظمة استغنوا عن الله عز وجل، واستغنوا عن الاتصال به، وعن الالتجاء إليه، وعن التضرع إليه، فباستغنائهم يشقون، والله عز وجل قال:
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾
[ سورة النساء: 28 ]
ما وجدت مثلاً أقرب لهذه الآية من الفيوز في الجهاز الكهربائي، إنه كبير النفع، وهذا الفيوز ثمنه عشرة قروش، ولكنه يوفر عليك حرقاً لجهاز بكامله، هذا الجهاز ثمين، يوجد أجهزة كومبيوتر ثمنها ثلاثون مليوناً، ومعها فيوزات، وتعريف الفيوز نقطة ضعف في مسير التيار الكهربائي، فلو ارتفع التيار لساح هذا الفيوز وانقطع التيار وحفظت الآلة من التلف، فلما ربنا عز وجل خلق في حياة الإنسان نقطة ضعف وهي المطر، خلق الإنسان ضعيفاً، وهذا الضعف الذي خلقه الله عز وجل لمصلحة الإنسان، والله عز وجل يحب أن يسمع تضرع العباد هذا على المستوى الجماعي، وعلى المستوى الفردي الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، فلما الإنسان يكون له حاجة عند الله عز وجل ويستيقظ من الثلث الأخير من الليل ويسجد لله عز وجل ويذكر الحديث القدسي: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
فليس لنا إلا باب الله عز وجل. ومالي سـوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفـــــع
ومالي سـوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقـــــرع؟
ومن ذا الذي أدعو وأهفو باسمه إذا كان فضلك عـن فقيرك يمنـع؟
***
الله عز وجل جعل المخاوف لنلجأ إليه :
ليس لنا إلا باب الله عز وجل، والإنسان يعود نفسه إذا كان له عند الله عز وجل حاجة، أو قضية مستعصية، أو مرض ليس له دواء، أو زوجة مشاكسة، أو رزق قليل، أو شريك متعب والإنسان يخافه، والحياة كلها مخاوف، والله عز وجل جعل كل هذه المخاوف كي نلجأ إليه، وكيف أن الجرو في الطريق يدفع الابن إلى أمه، وإلى التعلق بأمه، والالتجاء إليها، والاحتماء بها، والاتصال بها، وكذلك هذه المصائب وهذه المخاوف كلها دوافع إلى الله عز وجل، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، وليس في الإمكان أبدع مما كان، ولو عرفتم حكمة الله عز وجل ما طلبتم تبديل الواقع، وهذا موضوع الاستسقاء، ونحن كل دعاء في خطب الجمعة، وفي درس الأحد في العفيف صباحاً نقول: "يا ربي اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين" و الحديث الوحيد للناس موضوع المطر، هذا شهر كانون والآن الخامس عشر من كانون الأول ولا يوجد مطر إطلاقاً، والأشجار عارية، والأنهار فارغة، والينابيع جفت، والآبار أيضاً جفت، ولا ننتظر إلا رحمة الله عز وجل.
* * *
آداب الطعام والشراب :
والآن إلى متابعة موضوع من إحياء علوم الدين، وهو آداب الطعام والشراب، فأخوان كثيرون تأثروا في الدرس الماضي من هذا الموضوع الذي عالجه الإمام الغزالي، لأن الطعام والشراب سلوك يومي، و من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ و من منا لا يُدعى؟ ومن منا لا يدعو؟ و الطعام والشراب والدعوة وقبول الدعوة لها آداب دقيقة رائعة في الإسلام.
آداب تقديم الطعام :
1 ـ عدم التكلف :
تحدثنا عن آداب تقديم الطعام، فالأدب الأول عدم التكلف، وقلنا: إن التكلف سبب للقطيعة، وكيف أن أناساً دامت لقاءاتهم سبعة عشر عاماً لعدم التكلف، وعدم الغيبة، وعدم وجود النساء في مجالسهم.
2 ـ للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره :
والأدب الثاني وهو للزائر قال: ألا يقترح فإذا طلب الضيف منديلاً ورقياً فما أدراك أنه اليوم انتهت المناديل فلا يوجد عنده أحد يرسله، وابنه صغير وزوجته في البيت، يترك البيت ويذهب إلى مكان بعيد وليست المناديل الورقية متوفرة الآن، وأحياناً فالضيف إذا طلب شيئاً بسيطاً جداً يجعل في البيت ارتباكاً شديداً جداً، ويكون اليوم انتهت القهوة ولا يوجد بن في السوق، والازدحام شديد، هناك طابور كبير في السوق على بائعي البن، فالإنسان إذا كان في بيت لا يقترح أبداً، لا يقترح منديلاً، ولا فنجاناً من القهوة، ويجب أن يكون أديباً.
للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره، شيء صعب إما الصعوبة لعدم وجود المال، وإما الصعوبة لعدم وجود من يأتي به من السوق، أو لعدم وجود البضاعة في السوق، وقد ضربت مثالاً بسيطاً طلب فنجان قهوة، ولا يوجد عنده قهوة، اسكت فقد يحضر لك كأس مليسة، قل له: أطيب شيء المليسة، أو كأس نعناع، فالمؤمن أديب جداً لا يقترح شيئاً، قال: فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما، يوجد عندنا الطبخة الفلانية أم تحب أن نحضر فروجاً من السوق؟ لا الطبخة، لا يناسب أن تقول: أحضر فروجاً، إذا أعطاك خياراً بين اثنين فاختر الأيسر الموجود في البيت، ولا تسمح له أن يخرج من البيت.
من خيره مضيفه بين شيئين فليختر أيسرهما :
وإذا خيرك المضيف بين شيئين فعليك أن تختار أيسرهما عليه، كذلك السنة هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ففي الخبر أنه: "ما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين شيئين إلا اختار أيسرهما"، لقمته خفيفة وظله خفيف، و يوجد من إذا ما قمت بواجبه بالكامل تراه انزعج وكشر ويقول: ما عرفوا قيمتي، ولا عرفوا قدري، وأحد العارفين بالله يقرأ قرآناً إلى جوار سيدنا يحيى في الأموي، مرّ شخص فظنه من الفقراء فأعطاه فرنكاً فهل هذه إهانة؟ هو ليس متسولاً فيقولون: أخذه ووضعه في جيبه، وسيدنا عمر يمشي في المسجد ليلاً ويظهر أنه ما انتبه فداس على قدم أحدهم، فالوجوه ما تعارفت ولم تكن هذه الإضاءة، فهذا الشخص تألم وما عرف من الذي داس على قدمه فقال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا، ثم قال:سألني فأجبته، فعظمة الإنسان بعدم التكلف، بالتواضع، وعظماء البشر الذين قادوا الأمم، والذين غيروا مجرى التاريخ كانوا في الحياة متواضعين، يروون عن قائد كبير في أوربا في الحرب العالمية الثانية، عندما احتل إمبراطور أوربا أوربا كلها، هناك جندي يقف للحراسة ويبدو أنه أخذته سنة من النوم، وهذا أخذ عنه البندقية وتوقف، و عندما استيقظ وجد الإمبراطور، والآن الرقيب أو العريف يقيم قيامته، والإنسان كلما كان عظيماً يبقى متواضعاً، دخل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رجل فأخذته رعدة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه من رآه بديهةً هابه، فله هيبة، وأولياء الله عز وجل يلبسهم الله ثوب الهيبة، فالنبي على بساطته، وتواضعه، وحلمه، وحبه للفقراء والمساكين له هيبة كبيرة، و الله عز وجل يلبس ثوب الهيبة لشخص عادي وينزعها من شخص كبير، و يقول لك: دخلت إليه وما تأثرت، قلت له: ورددت بوجهه؟ وإنسان قد يكون عادياً جداً فالله عز وجل يلبسه ثوب الهيبة، ولكن يوجد عندنا قاعدة من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، وإذا الإنسان قلبه أفرغ من كل حركة، ومن كل سكنة، ومن كل إنسان، ومن كل نظرة، فمعنى هذا اتكاله على الله ضعيف، والتجاؤه قليل، وشعوره بالحماية الإلهية قليل، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[ سورة الحج: 38]
ألا يقترح الضيف، قد يتصور الضيف أن القهوة لا صعوبة فيها و قد لا توجد، مهما حاولت أن تطلب شيئاً ليس من السنة أن تقترح على مضيفك شيئاً، وإذا خيرت بين شيئين فعليك أن تختار أيسَرهما.
قصة: روى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبزاً وشعيراً وملحاً جرشا، فقال صاحبي لو كان في هذا الملح سعتر - أي زعتر - كان أطيب، فخرج سلمان ورهن حاجة من حاجاته وأخذ سعتراً مكانه، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن حاجتي مرهونة.
و عندنا استثناء قال: هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له، فإذا علم أنه يسر باقتراحه، أي تأكل في الغرفة أو في الشرفة، لا في الشرفة هذه ليس فيها كلفة، نقل الطعام من مكان إلى مكان، تأكل على الأرض أم على الطاولة؟ على الأرض أيسر إذا أنت اقترحت شيئاً لا يكلف، لا يكون فيه عبء فلا يوجد مانع. 3 ـ أن يُشهَّى المزور :
الأدب الثالث: أن يُشهَّى المزور، أي أن يعرض على الزائر بعض ألوان الطعام، شخص أحياناً لا يتمكن أن يأكل لحماً نيئاً في الكبة النيئة، فأنت تصنع له صحناً وتتكلف بهذا الصحن وتضع فيه لحماً، وجوزاً، وزيتاً بلدياً، وتعتني بهذا الصحن ثم يقول لك: أنا لا آكل، اسأله ماذا تحب أن تأكل؟ إذا أنت عندك مجال الخيار.
فمن آداب المضيف أن يشهي الضيف ويلتمس منه الاقتراح، إذا كان النبي الكريم نهى الضيف عن أن يقترح فقد أمر المضيف أن يطلب من ضيفه الاقتراح، قال عليه الصلاة والسلام:
(( من صادف من أخيه شهوة غفر له ))
[ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء]
فإذا كان لك أخ يحب طعاماً معيناً وعملت لها هذه لك عند الله ثواب، أحياناًً يكون طالب جامعي أخ لك في الله، مقيم في الشام، وليس له أهل في الشام، أكل كل يوم فولاً وحمصاً فنشفت معدته، أنت طبخت يقطيناً ادعه إلى الغذاء، هذه أكلة نادرة ويشتهيها، ويوجد طعام من الصعب أن يطبخه العازب أو غير المتزوج فلا يوجد مانع وهذا من السنة. ((من صادف من أخيه شهوة غفر له، ومن سر أخاه المؤمن فقد سره الله تعالى ))
[ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء]
إذا أنت أدخلت السرور على قلب أخيك المؤمن ولو بطعام يحبه قال عليه الصلاة والسلام: ((من لذذ أخاه بما يشتهي كتب له ألف ألف حسنة ))
[ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم عن ابن الزبير عن جابر]
إذا أطعمه من طعام يحبه، أمر الضيف ألا يقترح أبداً، وأمر المضيف أن يقترح، أي يحمل الضيف على الاقتراح، فالأصل أن تنشأ علاقات متينة جداً بين المؤمنين، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 4 ـ ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً ؟
الأدب الرابع: ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ لا، لا يوجد حاجة لهذا السؤال خلاف السنة، نام عندك نتعشى أم ننام؟ إذا أنت تريد أن تنام خفيفاً نم وحدك، فالرجل يريد أن يتعشى، ذهبتم نزهة على حسابك ما قولك بدل أن نتغدى نتعشى مرة واحدة؟ هو لا يتحمل أن تقدم اقتراحاً أو تخيره بين شيئين، فالعوام قالوا: الشيء الجيد لا يحتاج إلى سؤال، ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ وكان أحد البخلاء يقول للضيف: هل أكلت؟ إذا قال له: لا، يقول: لو أنك قد أكلت لقدمت لك شراباً لذيذاً لكنك لم تأكل، وإن قال له: أكلت، فيقول له: لو أنك لم تأكل لقدمت إليك طعاماً لذيذاً، فعلى الحالتين لا يوجد شيء كيفما قلت لا أطعمك.
ورجل من خراسان زار صديقاً له في بغداد، أكرمه البغدادي إكراماً شديداً وطوال الإقامة في بغداد كان يقول: لو تزورني في خراسان فأكافئك على إكرامك، وهذا البغدادي بعد اثني عشر عاماً ظهرت له حاجة في خراسان ومعه عنوانه وبيته فلما وصل إليه قال: أنا فلان، قال له: والله ما عرفتك نزع القلنسوة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العمامة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العباءة قال له: والله ما عرفتك، ثم قال له: والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك، هذه تقع، يكون هناك أخ في مدينة يكرمك ويأتي إلى عندك إلى الشام فلا يوجد ترحيب منك، وهناك أشخاص ما عندهم لذلك قيمة وهذه منتهى الوقاحة واللؤم، و الإنسان عندما يزوره في بيته يكون جافاً في المعاملة.
هنا صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أقول له أقدم لك طعاماً بل ينبغي أن يقدم من الموجود"، قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك فإن أكل أكل، وإلا فارفع الطعام ولاسيما الذي ينام في بيت مضيف، فعليك أن تضع الطعام وهو حر أحب أن ينام خفيفاً أو أن يأكل، فيجب أن يوضع الطعام أمامه، إذا أحب أن ينام خفيفاً ينام، وليس من المعقول أن يقول لك: ضع لي طعاماً، وإنسان في الليل يستيقظ ليأكل تفاحة أما إذا كان ضيفاً فيستحي، فيجب أن ينام متعشياً وهذا شيء لابد منه.
وإن كان لا يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو أن يصفه لهم، قال الثوري: "إذا أردت ألا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به، ولا يرونه معك"، وقال بعض الصوفية:" إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ".
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ ))
[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
على الإنسان أن يتفوق في الخلق لأنها الصفة التي يتميز بها عن الحيوان :
فالإنسان فيه مجموعة صفات خلقية لابد أن يتفوق بهذه الصفات، لأن الحيوان يتفوق عليه في كل شيء، إن كان في الوزن فالفيل ستة طن، وإن كان في القوة العضلية فالبغل أقوى، وإن كان في التحليق فالنسر، وإن كان في حدة البصر فالنسر أيضاً، وإن كان في رهافة السمع فالقطط والكلاب، وقوة الشم الكلاب أي لا يوجد صفة يتميز بها الإنسان على الحيوان إلا صفة واحدة وهي الخلق، ولذلك قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4 ]
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قمة الأخلاق، فكان أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وإن هذه الأوصاف الثلاثة هي من أمهات الكمالات، لا يمكن أن يكون المؤمن جباناً، ولا يمكن أن يكون بخيلاً، لأن الإيمان يتناقض مع البخل والجبن والنبي عليه الصلاة والسلام: ((... قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ))
[أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس صورةً ومعنىً وجمالاً وكمالاً :
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس صورةً ومعنىً، جمالاً وكمالاً، وأحياناً ترى شخص ملء العين لكنه بذيء الكلام، جاهل، مشرك، متكبر، متغطرس، وهذه الصفات الخلقية الذميمة تشوه جماله المادي.
وأحياناً ترى إنساناً أخلاقه عالية ولكن شكله دون الوسط، فالأحنف بن قيس كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، أحنف الرجل، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب؟ وكان لو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، كان قمة في الذكاء، والسيادة، والزعامة، والمروءة، والنجدة، والكرم، والرجل لا يقدح في مكانته شكله، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم:
وأجمل منـك لم تر قط عيني وأحسن منك لم تـلد النساء
خلقت مبرأً من كل عيــب كأنك قد خلقت كما تشــاء
***
أي جمع الحسنيين، جمع جمال الصورة مع جمال الخلق، وكان إذا نظر في المرآة يقول: "اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي"، أي إذا إنسان شاهد نفسه كاملاً مكملاً ما أجمل الدنيا والدين إذا اجتمعا، قال: جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر مجوسي
***
فإذا وهب الله الإنسان شكلاً حسناً يكمله بالأخلاق الحسنة، وإذا لم يهب الله الإنسان شكلاً حسناً فيكمله بالأخلاق الحسنة يتكاملن معاً، و هذا النقص يزيده خلقاً حسناً، فيعوضه، فالأول يكمله والثاني يعوضه. 2 ـ أشجع الناس قلباً وأنفعهم :
وهو أشجع الناس قلباً، وهو أجود الناس، وأنفعهم، للناس مصدر خير، جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، وهذا الجود الذي اتصف به صلى الله عليه وسلم إنما هو لله تعالى، وفي الله تعالى، وابتغاء مرضاة الله تعالى، ويوجد سؤال حيرني: الإنسان قد يكون له عمل طيب لكن تُرى هل يتقبله الله منه؟ الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، والقضية مع الله ليس فيها لعب، ولا مزاح، لأنه علام الغيوب، يعلم السر وأخفى، ولا تغيب عنه غائبة، ولا مثقال ذرة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، ولا تظلمون نقيراً، ولا تظلمون فتيلاً، فالعلاقة مع الإنسان أهون، و الإنسان له الظاهر، ولكن ربنا عز وجل كاشفك أي لا يوجد شيء يخفى عليه.
المقياس الصحيح للإخلاص أن يتجلى الله على قلب عبده :
قد يكون لك عمل طيب يا ترى هل الله يتقبل مني هذا العمل؟ هل بهذا العمل شائبة؟ هل لي بهذا العمل نية ليست لمرضاة الله عز وجل؟ هذا السؤال حيرني دائماً، قرأت كثيراً عن هذا السؤال، وفي بعض الكتب وجدت أن من علامة الإخلاص أن يستوي عملك في السر كعملك في الجهر، وهذا مقياس لا بأس به، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ بالله بشي من عمله.
وجدت مقياساً آخر وهو: الإنسان لو سمع مذمته فلا يبالي إن كانت له عند الله مكانة ثابتة، والمنافقون يحرصون على سمعتهم حرصاً بالغاً لكن المؤمنين حرصهم على سمعتهم معتدل، فرجل تهجم على صحابي هجوماً شديداً بقي هادئاً وقال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير صادق فيما تقول غفر الله لك، وانتهى الأمر، هذا مقياس ثانٍ.
ولكن أحد علماء القلوب قال: المقياس الصحيح للإخلاص أنك إذا عملت عملاً ابتغاء مرضاة الله تعالى ينبغي لك أن تقبض ثمنه فوراً، فما هو الثمن؟ تجلي الله على قلبك، فالمخلص سعيد بعمله، قبض الثمن الفوري، لذلك: أخلص دينك يكفك القليل من العمل. قال تعالى:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾
[ سورة الفرقان: 23 ]
أهل الدنيا قد يكون لهم أعمال كبيرة جداً ولكن ليسوا بهذه الأعمال مخلصين لله عز وجل فيجعلها الله هباءً منثوراً، أو يخلط الله أعمالهم. 3 ـ أكرم الناس :
والنبي صلى الله عليه وسلم - والحديث عن كرمه- كان كرمه في سبيل الله، وكثير من الناس يصنعون الولائم ويقول لك: كسرنا عينه، فليست هذه هي الدعوة، وليس هذا هو الكرم الذي تحدث النبي عنه، هذا الكرم هدفه الاستعلاء على الناس، وعرض ما عندك من لذائذ الطعام، وعرض إمكانيات زوجتك، يقول: كله صنع البيت ويشعر بنشوة، وهذا كله عندي من أعلى مستوى، وطبعاً الإنسان عندما يكون هدفه الاستعلاء فالعمل غير مقبول عند الله عز وجل، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما إذا كان تقديم هذا الطعام خالصاً لوجهه أم لا،، ولكن بشكل عام من أحب إكرام أخيه المؤمن فهذا العمل خالص لوجه الله، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه.
(( ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه))
[مسلم عن أنس رضي الله عنه]
ولولا التشهد كانت لاءَه نعم، وكلمة نعم دقيقة يوجد عندنا في اللغة بلى، نعم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 172 ]
ألست فيها نفي، فتستخدم بلى في اللغة لنفي النفي، ونفي النفي إثبات، أي إذا قال الله عز وجل: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ولو أنهم قالوا: نعم لكفروا، ولو قال غير الله، لو قال فرعون لأتباعه: ألست بربكم؟ لوجب أن يقولوا: نعم، لأنهم إذا قالوا: نعم أي لست ربنا، نعم إثبات النفي، وبلى نفي النفي، انظروا القرآن ما أدقه، إذا كانوا في الصلاة وقالوا: نعم الصلاة فاسدة أي نعم لست ربنا، وإذا كان بلى فهي إجابة عن سؤال ألست، إذا كان في السؤال ليس مع الاستفهام. التجارة الرابحة هي التجارة مع الله عز وجل :
النبي عليه الصلاة والسلام ما سئل شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل وهو صفوان بن أمية فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وفي رواية من لا يخشى الفقر.
وأعطى يوم حنين أناساً من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، أعطاهم مئة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة، وقتها الأنصار تألموا لأنهم ما أخذوا شيئاً من الغنيمة، وبعض المؤلفة قلوبهم نالوا عطايا كثيرة، فسيدنا سعد بن عبادة جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله: ((... فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
(( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ))
[مسلم الترمذي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية]
فالإنسان غالٍ على الله عز وجل، وهذا يعرفه النبي فقط، أعطاه وادياً من غنم فإذا أعطاه هذا الوادي كله وآمن فلا شيء، لأن إيمانه أغلى على الله من كل هذا الوادي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، يوجد شخص يهتدي بالمال تكرمه، وتساعده، ويأتي معك، وإذا عرفت قيمة الله عز وجل ترى مهما بذلت من مال فلا قيمة له نظير أن يهتدي هذا الإنسان، فإذا وعدك أن يصلي ويحضر معك دروساً نظير أن تشتري له بيتاً، فالبيت ليس كثيراً عليه، إذا كان في هذا البيت يستقيم ويتدين فالمكسب معك، و هذه أكبر تجارة، و لو أن الإنسان أعطيته ما في الدنيا وآمن فهذا العطاء لا قيمة له نظير إيمانه.
وفي مغازي الواقدي أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم يوم حنين إذ مرّ بشعب مملوء إبلاً وغنماً فأعجبه فجعل ينظر إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب، قال: نعم قال: هو لك بما فيه، قال صفوان: أشهد أنك رسول الله، ما طابت لهذا نفس أحد قط إلا نفس نبي.
ولا يوجد إنسان في الأرض يعطي هذا العطاء إلا نبي. نية المؤمن خير من عمله :
وكان من جوده صلى الله عليه وسلم أنه ما سأله سائل مما عنده إلا أعطاه حتى لا يبقي عنده شيء، ويوجد قصة مشهورة لما وزع الشاة، وزع أول قطعة فالثانية فالخامسة وما بقي شيء، والسيدة عائشة قلقت وقالت: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها، فقال: بل بقيت كلها إلا كتفها.
انظر إلى هذا الجواب النبوي بل بقيت كلها إلا كتفها، سيدنا عمر مرة أمسك تفاحة شهية كاد يأكلها فقال: أكلتها ذهبت وأطعمتها بقيت، على مبدأ بل ذهبت كلها إلا كتفها.
((أن النبي عليه الصلاة السلام حمل إليه تسعون ألف درهم وضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما ردّ سائلاً حتى فرغ منها))
[ أبو الحسن بن الضحاك في الشمائل من حديث الحسن]
ومرة قال: ليت لي مثل أحد ذهباً حتى يحل مشاكل أصحابه، فكأنه وزعه ونية المؤمن خير من عمله. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم إِنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
فلا يمكن أن أمنع عنكم شيئاً، ولا يمكن أن أبقي عندي شيئاً وأنتم بحاجة إليه، فهذا كرم النبي صلى الله عليه، وكان عليه الصلاة والسلام كريم النفس، يكرم السائل بنفسه، وهذه من كمال الكرم أن تعطي السائل بنفسك، ولا يأنف أن يقوم إلى السائل فيعطيه الصدقة، بل كان لا يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل.
وأحياناً الإنسان يقول للصانع: أعطه، لا، فالصدقة يجب أن تعطيها بيدك أنت وهذا هو الأدب مع الله.
" وروى ابن سعد عن زياد مولى عياش عن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما النبي عليه الصلاة السلام لأحد، الوضوء من الليل حتى يقوم، والسائل يقوم صلى الله عليه وسلم حتى يعطيه بنفسه ".
استدانة النبي إن لم يكن معه ما يكفي لحاجة محتاج :
وكان من كرمه صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عنده ما يكفي بحاجة المحتاج أمره أن يستقرض عليه، وهذه في منتهى الكرم، فإذا كان لك أخ التهف لك وقال لك: هل معك مئة ليرة؟ وأنت لا تملك وجارك بائع له ثقة فيك قلت له: خذ على اسمي من فلان، أو اكتب له ورقة، أو اذهب أنت وأحضر له مئة الليرة، وهذا منتهى الكرم فليس معك، عليك أن تستدين وليس هذا القرض بل يوجد أناس عندهم رغبة بالخير عجيبة يقترض ويعطي، وهذا بذل ماء وجهه أمامي لا أحيجه لإنسان ثانٍ:
(( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ قَالَ لَقِيتُ بِلالاً مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ فَقُلْتُ ك يَا بِلالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإنْسَانُ مُسْلِمًا فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ ))
[أبي داود عن عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ]
" وروى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة السلام فسأله أن يعطيه فقال النبي: ما عندي شيء ولكن ابتع فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي عليه الصلاة والسلام قول عمر، فقال رجل من الأنصار يا رسول الله: أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وعرف في وجهه البشر بقول الأنصاري وقال: بهذا أمرت "
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
النبي صلى الله عليه و سلم أجود الناس :
ومن كرمه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبذل المال مرةً للفقير المحتاج/ ومرةً في حدود الله والجهاد، وتارةً يتألف بها فيعطي عطاءً تعجز الملوك عنه حتى لا يبقى عنده شيء، وكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس كلهم حقاً كما وصفه ابن عباس بقوله: "كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس".
والحقيقة الجود يحتاج إلى إيمان، فإذا آمنت أن الله عز وجل يخلف عليك كل شيء أنفقته والعمل بعشرة أضعافه انتهى الأمر، أما إذا لا يوجد إيمان فالمال غالٍ على الإنسان، وقد تعب حتى حصّله.
قال: "يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال يا ربي لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فقال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، وقال لآخر أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين فقال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك".
فآمن أن الله هو الرزاق.
من أنفق شيئاً أخلفه الله عليه بعشرة أمثاله :
وما أنفقتم من شيء فإن الله هو يخلفه، الحسنة بعشرة أمثالها، فشخص له ولد مرض مرضاً عضالاً يحتاج إلى عملية في بريطانيا تكلف حوالي ستين أو سبعين ألفاً، وهذه القصة بالسبعينات قديمة فلجأ إلى متجر في العصرونية قال له: على حسابي قم بالمعاملة، هذا الإنسان أقسم بالله أنه في نهاية العام أرباحه تضاعفت أربع مرات، و في السبعينات إذا كان ربحه خمسين ربح مئتين، ولكن لا أحد يعرف، ولا يمكن أن تنفق نفقة في سبيل الله إلا والله عز وجل يعوض لك عشرة أمثال، ولكن تحتاج إلى قوة إيمان، يقول لك: المال غال أنا أولى، ويقول: العباد لهم الله، صحيح أن لهم الله ولكن الله أحب أن يمتحنك، وأحب أن يمتحنك أنت بالذات، و الله قال لهم ولكن عن طريقك: الأغنياء أوصيائي، الله قال لهم عن طريقك.
﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة الذاريات: 19 ]
الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فمن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي، فأقل عملية في دولة أجنبية تحتاج إلى ثمانمئة ألف ليرة، فإذا سلم الله عز وجل للإنسان صحته وكان في صحة طيبة وفي بحبوحة وأنفق من ماله فما الذي خسر؟ هو يقدم الضمان الحقيقي، أخي أنا عملت تأميناً كاملاً للسيارة، إذا صار حادث ضخم وانقطع العمود الفقري وصار شلل دائم وأعطوك ثلاثمئة ألف ليرة فهل أنت الرابح؟ لا يعادل ذلك مليون، ولا مئة مليون، ولا ألف مليون، فالتأمين أنكره العلماء لأنـه لا أحد يملك الأمن إلا الله، فإذا اشتريت الأمن من غير الله فكأنما تشتري بضاعة ممن لا يملكها، فإذا إنسان أمن ضد أخطار الصحة مثلاً أو أمن على السيارة تأميناً كاملاً يمكن أن يعمل حادثاً فيفقد أحد أعضائه الأساسية، فالإنسان يجب أن يؤمن عند الله عز وجل، فقد يخطر في بالي كلمة قبل أن آتي إليكم لا يوجد قاعدة، وهناك إنسان في منتهى الذكاء تأتيه مصيبة كبيرة وهو بمنتهى الغفلة فيتعب طوال حياته، والقاعدة مشيئة الله عز وجل، وعلـيك أن تعلن الصلح مع الله عز وجل، فإذا رجع العبد إلى الله عـز وجل نادى منادٍ في السـماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

السعيد 09-10-2018 04:59 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع :سجود التلاوة - 1





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجود التلاوة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في أبحاث الفقه إلى سجود التلاوة وسببه التلاوة، من إضافته إلى سببه، التلاوة على التالي والسامع في الصحيح، يجب سجود السـهو على التالي أي تالي القرآن إذا مرّ بسجدة أو السامع على الصحيح، وهو واجب على التراخي إن لم تكن في الصلاة، مادمت تقرأ القرآن خارج الصلاة واجب على التراخي، يوجد ظروف لا يناسب أن تسجد كأن تقرأ القرآن في سيارة عامة وأنت مسافر مرّ معك سجدة، فصعب عليك أثناء وجودك في السيارة العامة أن تسجد أمام الناس، وجوب هذه السجدة على التراخي في غير الصلاة، وكره تأخيرها تنزيهاً، تأخير السجود مكروه تنزيهاً لا تحريماً، والكراهة نوعان كراهة تنزيهية و كراهة تحريمية، ويجب على من تلا آية فيها سجدة أن يسجد للسهو، فلو تلوت آية السجدة وحدها عليك أن تسجد للسهو، وبعضهم قال: مع كلمة قبلها وكلمة بعدها أي كلمة السجدة، ولله يسجد، إن تلوت كلمة قبلها وكلمةً بعدها وجبت عليك سجدة التلاوة، وآياتها أربع عشرة آية في الأعراف، و الرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وصاد، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق، هذه هي السور التي فيها مواضع لسجود التلاوة، ويجب السجود على من سمع وإن لم يقصد السمع، أخوك في البيت يقرأ القرآن وأنت تعمل عملاً يجب على من استمع آية السجدة وإن لم يقصد سماع القرآن الكريم إلا الحائض والنفساء فليس عليها سجود التلاوة.
ولهذا السجود أحكام نأخذها في درس قادم لأنها طويلة وكثيرة، ونفسح المجال للفصل المختار من إحياء علوم الدين الذي يتعلق بآداب الطعام والشراب، وبعدها تأتي آداب أخرى مذكورة في هذا الكتاب.
* * *
آداب الضيافة :
أنهينا في الدرس الماضي آداب تقديم الطعام وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى آداب الضيافة، وآداب الضيافة ستة آداب، الدعوة أولاً، والإجابة ثانياً، والحضور ثالثاً، يوجد فرق بين الإجابة والحضور فالإجابة قبول الدعوة، أما الحضور فتنفيذها، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل ثم الانصراف، قال صلى الله عليه وسلم:
(( لا تكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغض الله سبحانه وتعالى ومن أبغض الله أبغضه الله ))
[أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث سلمان]
إذا تكلفت للضيف يصبح وجود هذا الضيف عليك ثقيلاً، إن كرهت الضيف كما جاء في الحديث الشريف أبغضت الله عز وجل، ومن أبغض الله أبغضه الله، وقـال صلى الله عليه وسلم: (( لا خير فيمن لا يضيف))
[ أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
الكرم والشجاعة من صفات المؤمن الثابتة :
من صفات المؤمن الثابتة الكرم والشجاعة، وأظن أن البخل والجبن لا يجتمعان بمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من البخل والجبن، والهم والحزن، وغلبة الدين وقهر الرجال.
وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إذا أراد أن يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغذى معه، وكان يسمى أبا الضيفان، ولو دققت في الأمر ترى أن الإنسان الكريم سبحانه وتعالى يغدق عليه من خيراته، فإذا أكرمت الضيف على حساب الله سبحانه وتعالى لا على حسابك أحياناً تكون أنت مندوب شركة ويأتي مدير الشركة أحياناً وتدعوه إلى طعام نفيس، وتطلب وتعرف الدفع كله على حساب الشركة وأنت مندوبها، فتكرم كرماً منقطع النظير، والحقيقة هذا مثل ينطبق على المؤمن لأن عنده يقيناً أن هذا المال الذي ينفقه على الضيف هو مال الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى متكفل أن يعوضه عليه فكأنما يضيف أخوانه المؤمنين على حساب الله سبحانه وتعالى.
قصة قلتها لكم كثيراً، يوجد بيت عربي قديم فيه ليمونة تحمل خمسمئة ليمونة في الموسم، أهل الحي كلهم تعودوا على هذه الليمونة عندهم صحن سلطة نقصهم ليمون يقرعون الباب لو سمحتم ليمونة، يعطونهم من عشرين إلى ثلاثين سنة وهذه الليمونة تحمل ما يحتاجه أهل الحي كلهم، هذه المرأة الكبيرة توفيت وعندها كنة شابة حمقاء بخيلة فلما طرق الباب من أجل ليمونة نهرتهم وطردتهم فما كان من هذه الليمونة إلا أن يبست في العام التالي.
من أكرم الناس فعلى حساب الله عز وجل :
يجب أن تعتقد أنك إذا أكرمت الناس فعلى حساب الله، أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، عبدي أَنفق أُنفق عليك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلن الجنة خبباً - أي هرولةً - وماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتيني الله ألفاً في المساء، والله ما حرمت مالي محتاجاً ولا مسكيناً، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
وهناك أخ له محل في بعض أسواق دمشق، و في أحد الأيام قالت له أخته: أريد ألفي ليرة منك، وأخته غير متزوجة ساكنة عنده، وطعامها وشرابها وكسوتها وكل حاجاتها عليه، ما قنع صار معه صراع أيعطيها أم يقول لها لا أملك هذا المبلغ؟ تغلب حبه للخير ولم يرد أن يردها فأعطاها الألفين، قال لي: منذ سنة ذهبت إلى السوق الساعة العاشرة فجاءه رجل من قطر عربي يود أن يشتري حاجة ليست عنده قال له: دلني على معملها فأخذه بيده إلى معملها، وهذا الرجل التاجر اشترى كمية كبيرة بسبعين ألف ليرة تقريباً ظهراً فجاء صاحب المعمل في طريق ذهابه إلى الغداء وأعطاه ألفي ليرة مكافأةً له على أنه دلّ الزبون لعنده، قال لي: في اليوم نفسه دفعتها صباحاً فأخذتها الظهر، طبعاً مثل هذه القصة يوجد آلاف القصص، لكن ربنا أحياناً يعلمك أن تكون كريماً، طبعاً الله كريم، ولكن إذا أنفقت يمكن أن يعطيك التعويض سريعاً، فالرجل ضعيف الإيمان يأتيه التعويض سريعاً حتى يوقن أن هذه النفقة قد عوضها الله له أضعافاً كثيرة. تعريف الإيمان :
وسئل عليه الصلاة والسلام ما الإيمان؟ قال: إطعام الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور قال:
((حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السلامِ ))
[ أحمد عَنْ جَابِرٍ]
وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة، وهذه الأحاديث والآثار كلها في الحث على بذل الطعام للضيف. آداب الدعوة :
1 ـ ينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق :
أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق وهذا أول أدب، و أكثر الولائم يدعى إليها وجهاء المجتمع بيت فلان، بيت فلان الأغنياء المترفون الذين لا يصلون، وهذه الولائم لا يراد بها وجه الله تعالى، و ليست داخلةً في هذا الموضوع إطلاقاً، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
وبلغني أن بعض الأمراء أحياناً يقيمون بعض الولائم، الوليمة لأمير ثانٍ يقدم له مثلاً جمل صغير هذا غالي الثمن وله مذاق طيب لا يجرؤ أحد أن يأكل بعد الأمير لقمة، قال: لأن هذا إهانة للأمير، بل يأخذ هذا الطعام النفيس الذي يكفي ألف إنسان ويلقى في القمامة، وهكذا العرف عندهم، أي عرف هذا؟ أن يصنع طعام يكفي ألف إنسان ليأكله إنسان واحد وعلى الضفة الأخرى من البحر أناس يموتون جوعاً، أي عرف هذا؟ وأي تقليد؟ وأي سنة؟ هذه الولائم التي تقام من أجل المباهاة ما أنزل الله بها من سلطان، وليست داخلةً في كل هذا الكلام.
يجب أن يعمد الداعي إلى الأتقياء دون الفساق، قال صلى الله عليه وسلم لرجل ضاف عنده: ((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسٍ]
وسام كبير أن يأكل طعامك الأبرار، أما إذا أكل طعامك الفساق الفجار الكفار المعرضون فهذا وصمة عار في حقك، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل إلا طعام تَقيٍ ولا يأكل طعامك إلا تَقيٌ"، وشر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء. 2 ـ عدم إهمال الأقارب في الضيافة :
وهنا يوجد أدب من الآداب يجب ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإنسان دعا أصدقاءه وله صهر، وهذا الصهر قد يعتب عليه، فالأقربون أولى بالدعوة، وهناك أناس يلوذون بك هؤلاء يجب أن تدعوهم، ولذلك ينبغي ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم قطع رحم، وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه الأكبر فالأكبر، الأقدم فالأقدم، ولابد من قاعدة لكي لا يعتب عليك الباقون، ومن دون قاعدة مشكلة، دعوت أخواتك البنات جميعاً، دعوت أخوانك بحسب قاعدة معينة، أخوانك في الحرفة، جيرانك في الحي، أولاد العم جميعاً، الأخوة لابد من قاعدة تراعي فيها هؤلاء.
3 ـ ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه :
ينبغي ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه، والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين.
4 ـ ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة :
ويجب ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، إذ يوجد ظروف قاهرة، فإنسان يجوز أن يكون محله بعيداً جداً، فإذا دعوته و أراد تلبية الدعوة يتكلف أن يأخذ سيارة خاصة بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً فقد لا يملك هذا المبلغ، وإذا إنسان في دعوته مشقة كبيرة ينبغي ألا تدعوه.
5 ـ عدم دعوة من يتأذى الحاضرون من كلامه :
وإذا حضر أو أن لك ابن عم أو أخ ملحد ودعوت أخوانك المؤمنين فإذا دعوته - له عندي عزيمة ادعه بالجملة- تؤذي الحاضرين، فهذا إنسان منكر، وإذا قال أحدهم كلمة بالدين يرد عليهم، وإن سكت يكهرب الجو كله، وإن كان أخاك، و إذا إنسان دعوته إلى وليمة يتأذى الحاضرون من كلامه، ومن تعليقاته أحياناً، ومن عدم مبالاته، من قواعد الدين أن تدعو الإخوان المؤمنين، دعوت أخاك النسبي فيجب ألا يدعى هذا معهم.
6 ـ ينبغي ألا تدعو إلا من تحب إجابته :
قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام..."، فالآن يوجد أدب أخير وينبغي ألا يدعو إلا من يحب إجابته، أحياناً إنسان يدعو شخصاً ويقول: إن شاء الله لا يأتي، إما أن تدعوه أو لا تدعه، أن تدعوه وأنت تتمنى ألا يحضر فهذا مخالف للسنة، قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام وهو يكره منه الإجابة فعليه خطيئة، فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان"، إذاً لا يوجد نفاق، ولا مواقف معلنة ومواقف حقيقية، ولا يوجد مجاملات، ولا يوجد ازدواجية في المواقف، إما أن تحبه فتدعوه، وإن كنت لا تحبه لا تدعه، أما أن تدعوه وتتمنى ألا يحضر فإذا حضر خيب ظنك.
وإطعام التقي إعانةً له على الطاعة، وإطعام الفاسق تقويةً له على الفسق، قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب الأمراء فهل أخاف أن أكون من أعوانهم؟ قال: لا أنت منهم لا من أعوانهم، أما الذي يبيعك الخيط والإبرة فهو من أعوانهم.
فإذا دعوت الفاسق أعنته على فسقه وفجوره.
إجابة الطعام سنة مؤكدة :
أما إجابة الطعام فهي سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها في بعض المواقع، فبعضهم يقول: الإجابة واجب كالفرض، وبعضهم يقول: إنها سنة، قال صلى الله عليه وسلم:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فليس لك عليه شيء، قدم لك ذراعاً فيه قليل من اللحم، فتقول: شكراً له وهذه من آداب النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تحتقر ما يقدم لك فهذا إثم كبير، وهذا كبر، وهذا استعلاء شيطاني.
وأحياناً رجل يقدم لك برتقالة صغيرة لا يوجد عنده غيرها، تقول له: شكراً، بارك الله فيك، ألم يستحِ أن يقدمها لك؟ لا لم يستحِ أحب أن يكرمك، فإن الحرمان أقل منه، برتقالة واحدة، لا يوجد عنده غيرها هذه كلها مصطلحات جاهلية. آداب إجابة الدعوة إلى الطعام :
1 ـ ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير :
الآن آداب إجابة الدعوة إلى الطعام، الأول: ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه، تدعى أحياناً إلى كتاب،مستوى راقٍ جداً، وتعرف أن القطعة غالية وسوف يقدمونها لك من فوق المئة ليرة، الطعام الذي سوف يقدمونه لك ثمين، تركض فوراً وتلغي جميع مواعيدك، أما دعيت إلى كتاب فقط فيه وملبس والله تعذرني عندي مواعيد، فهذا هو التكبر بعينه، فإذا كنت مؤمناً تلبي جميع الدعوات، أتختار الغني وتقول للفقير اعذرني مشغول لا يوجد عندي وقت!! أتمنى أن آتي ولكن عندي موعد مهم جداً، والله يعرف إذا كان عندك موعد مهم جداً أم لا، وقد تكون نيتك انسحاباً من الدعوة أو كبراً فهذا ليس من أخلاق المؤمن في شيء.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين :
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، ودعوة المسكين، فامرأة ضعيفة مسنة استوقفته في الطريق فوقف طويلاً يكلمها في حاجتها، قال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملك، ما هذا التواضع؟ أنت مدير دائرة يوجد عندك مستخدم، قال لك: يا سيدي هل تشرفنا إلى البيت؟ تقول له: نعم، تجبر خاطره، ويمكن أن تهديه إلى الله، ومن أنت؟ قد يكون هذا عند الله أفضل منك، لا تعرف قد يكون له عمل طاهر مستقيم، أنت مدير عام وهو مستخدم، قال تعالى:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾
[سورة الواقعة: 1-3]
ويمكن في الآخرة أن تكون مستخدماً وهو مدير عام، لا تعرف، فعلى الإنسان ألا يتكبر، وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين.
ومرّ الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض - خبزاً يابساً - في الرمل وهم يأكلون، فمر عليهم الحسن وسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا بن بنت رسول الله؟ قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم وركب فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم ودعاهم فوعدهم بوقت معلوم فحضروا وقدم لهم فاخر الطعام.
أحد العلماء الكبار في الشام قبل أربعين سنة كان يدعو الأمراء كبراء البلد الوجهاء، من لهم الحول والطول، ويضع لهم كشكة، وأولاده يخجلون ما هذا الطعام؟ يقول لهم: هذا الطعام يحبونه لا يأكلونه أبداً، والفقراء يدعوهم ويضع لهم لحماً، إذا دعا الكبراء يضع لهم طعاماً متواضعاً جداً حتى يذوقوا طعام الفقراء، إذاً دعا الأغنياء ليؤدبهم ويعلمهم أن هذا طعام الفقراء.
والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم، فكان هذا العالم إذا دعا الكبراء والأمراء من أجل أن يؤدبهم وأن يذيقهم طعام الفقراء، وإذا دعا الفقراء أذاقهم أطيب الطعام وكان يقول: هؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، وهؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، فإذا دعوت شخصاً إلى طعام يأكله كثيراً ما فعلت شيئاً. من دعاه إنسان فاجر فاسق فلا يجبه :
أما قول القائل إنما وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي، هذا القول محمول على أن إنساناً متكبراً دعاك، فإذا دعاك إنسان متكبر فاسق فاجر تعلل ولا تجبه، لأنك إذا وضعت يدك في قصعته ذلت له رقبتك وأنت عزيز النفس، أنت للمؤمن ذليل أذل من شاتك أما للكافر فعزيز عليه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحضر طعام من دعاه إن كان هذا في علمه أنه يدخل على قلبه السرور.
من ظنّ أن الداعي يستثقل الإطعام وفعل ذلك مباهاةً فليس من السنة إجابته :
بالمناسبة إذا إنسان دعاك إلى الطعام ولم يفرح بهذه الدعوة فإياك أن تجيبه، وقبل قليل نهي عن أن إنساناً يدعو إنساناً ويتمنى ألا يحضر، أما إذا دعيت إلى طعام وتعلم أن الداعي قد دعاك متحرجاً أي أنت من مستوى فلان وفلان، وفلان دعاك لكي لا تعتب عليه وهو يتمنى ألا تحضر فإياك أن تحضر، ومن ظن أن الداعي يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفاً فليس من السنة إجابته، بل الأولى التعلل أي الاعتذار، وقد قال بعض الصوفية: لا تجب إلى دعوة من يرى أنك أكلت رزقك، وأنه سلم إليك وديعةً كانت عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه، إذا إنسان يرى في إجابتك الدعوة فضلاً عليه، ويرى أن هذا الطعام وديعة مودعة أمانة عنده، ويرى أنك إذا أكلت من طعامه فقد أكلت رزقك، قال: هذا يجاب وما سوى ذلك لا يجاب، وقال بعضهم: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة، فأحياناً تأكل طعاماً حراماً فهناك تبعة ومسؤولية، فإذا إنسان بيده أموال أيتام وأكل وذهب ليسافر حتى يتاجر لهم وأكل أفخر الطعام ما ترك شيئاً ما أكله ويقول: هذا مصروف على الشركة، فأي مصروف هذا؟ هكذا المصروف في هذا البذخ؟ فلو كان من مالك فهل تأكل هذا الطعام؟ هذا الطعام فيه تـبعة ومسؤولية كبيرة، فقال هذا الرجل: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة.
فعلمت أنه عقوبة، الترفع عن طعام المحب، وأحياناً شخص يغيب ويحضر لك عشاء، ويكون قد كلف نفسه فتقول له: ما بنفسي، كل هذا التعب أفلا تأكل؟ فهذا سوء أدب، إذا إنسان محب قدم لك طعاماً وامتنعت فأنت آثم.
2 ـ لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة أو لفقر الداعي :
الآن يوجد أدب آخر قال: لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، أي ليس له جاه عظيم فهو من عامة الناس، بل كل مسافة يمكن احتمالها بالعادة لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة إليها، قيل في بعض الكتب: سر ميلاً وعد مريضاً، وسر ميلين وشيع جنازة، وسر ثلاثة أميال وأجب دعوة فقير، وسر أربعة أميال وزر أخاً في الله، والحديث الشريف:
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الغميم من أطراف المدينة مكان بعيد جداً، لو دعي إلى كراع بالغميم قال: لأجبت. 3 ـ ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر :
والآن الأدب الثالث ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر فإن كان يسر أخاه بإفطاره فليفطر، وهل يوجد أبلغ من ذلك؟ أنت صائم صيام نفل، ودعاك أخوك إلى الغداء والمكان بعيد، فعليك أن تلبي الدعوة، وأن تفطر في ذلك اليوم إكراماً له، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم، وأفضل الأجر الذي يكتب بإفطاره عند أخيه ليسره أعظم من الأجر الذي يكتب له بصيامه، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن امتنع بعذر الصوم: تكلف لك أخوك وتقول: إني صائم؟ وقالها مغضباً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار"، فالإفطار عبادة بهذه النية، صائم صيام النفل وهناك أخوان طيبون دعوك إلى طعام يسرون أن تأكل معهم، قال: الإفطار بهذه النية عبادة، وأن تقطع صومك فهذا عبادة وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم.
4 ـ أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ أو كان الداعي ظالماً :
الأدب الرابع: أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ، أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يقام في موضع منكر من فرش ديباج، أو إناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو سماع شيء من المزامير والملاهي، أو التشاغل بنوع من اللهو، والعزف، والهزل، واللعب، واستماع الغيبة، والنميمة، والزور، والبهتان، والكذب، وشبه ذلك، أي كل دعوة فيها كذب، وبهتان، وزور، ونميمة، وغيبة، ولعب، وهزل، وعزف، وملاهٍ...
فتلبية الدعوة ليست مباحةً، و الأولى أن ترفض هذه الدعوة، وكذلك إذا كان الداعي ظالماً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً، أو شريراً، أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر، وهذا أيضاً من آداب إجابة الدعوة.
5 ـ ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن :
الأدب الخامس: ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن، فإذا رجل قال: إنه أخ محب وطعامه طيب فلأذهب وآكل عنده فهذه لا تجوز، فهنا عامل من أبواب الدنيا، بل بحسن نيته، صار إجابة هذه الدعوة أحد عوامل الدخول في أبواب الدنيا، والدخول في أبواب الدنيا مكروه، فما النية؟ إكرام أخيه بإجابة الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عَنْ عَطِيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ قَالَ فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ وَعَقَلَ قَلْبِي قَالَ فَقِيلَ لِي سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ قَالَ فَاللَّهُ السَّيِّدُ وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي وَالدَّارُ الإِسلامُ وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ))
[الدارمي عَنْ عَطِيَّةَ]
ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله سبحانه وتعالى، ومن سرّ مؤمناً فقد سره الله. (( عن مُعَاذٌ فَقَالَ عُبَادَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ ))
[ أحمد عن مُعَاذٌ]
6 ـ الإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن :
فالآن أحياناً تدعى إلى وليمة إذا امتنعت يفسر هذا بالبخل، فالإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن، وأغلب الظن أن البخيل لا يجيب الدعوة، أي وقع تحت عبء الرد، فإذا لم يجب الدعوة فلا شيء عليه لكن مثل هذا العمل قد يساء به الظن، فيظن أن هذا الذي رفض الدعوة بخيل لا يحب أن يدعو الناس إلى طعامه، وقد يطلق اللسان فيه، وفي عرضه، فهذه ست نيات تلحق إجابة الولائم فكيف إذا اجتمعت كلها في المؤمن، فهذه الآداب الست يجب أن تجتمع في المؤمن حتى يكون عمله كله لله سبحانه وتعالى.
كان بعض السلف يقول: أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب، اقتداءً برسول الله وفي مثل هذا قال عليه الصلاة والسلام:
((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ]
لكن النية الطيبة لا تعد نيةً طيبة إلا في المباحات، أما في المعاصي فالنية لا قيمة لها أبداً، وينوي أن يسرهم بشرب الخمر وهذه مرفوضة، فالنية الطيبة في المباحات فقط، أما إذا في معصية فهذه النية لا قيمة لها إطلاقاً. * * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ صبره على أذى المشركين و تحمله للشدائد :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كان صابراً على أذى المشركين، ومتحملاً للشدائد في سبيل الله:
(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلالٍ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]
أي ما أوذي أحد مثلما أوذي عليه الصلاة والسلام، وأحياناً يقول إنسان لآخر: لا أريد لك أن تذهب إلى هذا المكان أنصحك، فيترك الجامع نهائياً، فالذي قالها لك إنسان ليس موحداً لله عز وجل، ولا يعرف أن الأمر كله بيد الله، من كلمة واحدة حرم نفسه مجالس العلم، والنبي الكريم خاف بالله أليس لك به أسوة حسنة؟ ((...لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ... ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]
وحينما دعا قومه للإسلام قال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، أو أنت رسول، وقال آخر: والله لا أكلمك بعد في مجلسك هذا كلمة واحدة لأن كنت رسولاً، لأنت أعظم شرفاً من أن أكلمك، استهزاءً أيضاً، وقال آخر: أيعجز الله أن يرسل غيرك، هذا ما ردّ به كفار قريش عليه، ولذلك في الطائف قال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضباناً، أو إن لم تكن ساخطاً، أو إن لم يكن بك سخط، أو إن لم يكن بك غضب - هذه كل الروايات - علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
هذا سيد الأنبياء، وسيد العالمين كان مستضعفاً، فإذا الإنسان كان مستضعفاً فله برسول الله أسوة حسنة وما بيده شيء. 2 ـ عدله :
أما عدله فكان صلى الله عليه وسلم أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قواماً بالقسط، منتصراً للحق مع القوي أو الضعيف، والغني أو الفقير، والكبير أو الصغير، والرجل أو المرأة، ومع الحر أو العبد.
((عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ وقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[مسلم عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ]
فالسيدة عائشة كانت وسيطة بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين النساء، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كان عادلاً، إذا كان هناك رجل مظلوم فدعه يتكلم فإن لصاحب الحق مقالاً وقال عليه الصلاة والسلام: ((....إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وقال عليه الصلاة والسلام: والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، ومرة أعرابي فظ قال له: ((عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْه يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ ))
[ البخاري عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ]
3 ـ رحمته بالأهل والعيال :
وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى رحمته بالعيال، ورحمته بالصبيان، ورحمته بالمؤمنين، ومن رحمته بالأهل والعيال ما رواه أحمد:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ولذلك مرة سيدنا عمر عين والياً لولاية وكان في حضنه ابنه يقبله فأنكر هذا الوالي عليه هذا التقبيل، فقال له: أعطني هذا الكتاب كتاب التعيين ومزقه وقال: إن لم ترحم أهلك هل ترحم الناس؟ يعني كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم أصحابه الرحمة، وقال: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، كان يصغي الإناء للهرة، كان يقول: (( عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ مسلم عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما ]
والنبي الكريم وصف رجلاً كان عطشاً عطشاً شديداً نزل بئراً فشرب فلما خرج: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أطعمت حيواناً، سقيت هرة، أنقذت فراشة، أنقذت نملة، أنقذت عصفوراً من يد طفل عابث، اشتريته منه وأطلقته، هذا لك أجر كبير لا يعلمه إلا الله. ((... قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
فرجل له ابن في حي الميدان ويسكن في المهاجرين، ولا يوجد سيارات مشى مع أصدقائه من الميدان إلى المهاجرين قبّله ورجع، ماذا بقلبه من الرحمة؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
من لم يكن عنده رحمة متناهية فليس مؤمناً :
إن لم يكن عندك رحمة متناهية لأولادك، ولأهلك، ولوالدتك، ولأخيك، ولأختك فلست مؤمناً، وإن صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، و هذا الإسلام الصوم والصلاة والحج والزكاة مظاهر ولكن الحقيقة هذا الكمال الإنساني الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الصلاة، فصلاة من دون رحمة هذه ليست صلاة، ولكن الصلاة طريق الرحمة، و الصلاة الصحيحة طريق الرحمة، والنبي الكريم كان يقول: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهم لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً"، ومرة غضبت السيدة عائشة فقال صلى الله عليه وسلم: " غَضِبَتْ أمُّكم غَضِبَتْ أمُّكم".
انظر الكمال النبوي، أي إذا أحدكم زوجته غضبت فلا يغضب معها إذ يجن الاثنان معاً، إذا هو غضب فهي تسكت، وإذا غضبت يسكت هو، فإبريق بلور و إسفنجة تصادما لا يحصل شيء، أما إبريقا بلور تصادما فلن يبقى شيء، وأفضل شيء إسفنجة وإسفنجة، لكن إذا غضب مرة الزوج تسكت الزوجة، وإذا غضبت هي يسكت الزوج، هكذا علمنا صلى الله عليه اترك وامش، بعد ساعة هرب الشيطان فلا يوجد شيء.
((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))

السعيد 09-10-2018 05:01 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع :سجود التلاوة - 2








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة :
أيها الأخوة المؤمنون، كنا نتحدث في الأسبوع الماضي في موضوع الفقه عن سجود التلاوة، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو سجود في الصلاة، غير سجود وركوع الصلاة، فللصلاة ركوع وسجود طبيعي اعتيادي حكمي، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو بسجود غير ركوع الصلاة الأساسي وسجوده، ويجزئ عن هذا السجود، معنى يجزئ أي يغني، ركوع الصلاة الطبيعي، إن نواها، إذا نوى سجود التلاوة في ركوع الصلاة الطبيعي فركوع الصلاة الطبيعي يجزِئ أي يغني عن سجود التلاوة، وإن لم ينوها يجزِئ عنه السجود الطبيعي، فالركوع يجزئ بشرط النيّة، والسجود يجزئ من دون نيّة، فسجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة أي ينقطع استمرار التلاوة، فمثلاً قرأت آية السجدة فرفعت وسجدت فسجودك الطبيعي هو في الوقت نفسه سجود للتلاوة، ولك أن تقرأ آية بعدها ولا ينقطع الاستمرار، و لك أن تقرأ آيتين ولا ينقطع الاستمرار، أما إذا قرأت فوق آيتين فينقطع الاستمرار ويجب عليك عندئذٍ أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً.
متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة ؟
متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة؟ إذا كنت تقرأ الآيات فجاءت آية السجدة فقلت: الله أكبر، وركعت ركوع الصلاة، وسجدت سجود الصلاة، فهذا السجود يغني عن سجود التلاوة، أما إذا قرأت آيات كثيرة بعد آية السجدة فلا بد من أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً عن سجود الصلاة.
والآن: لو أن مسلماً قرأ آية السجدة، وقرأ آيتين أو ثلاث بعدها، فخرّ ساجداً سجود التلاوة لا سجود الصلاة، ثم وقف فلا ينبغي له أن يركع ويسجد، ينبغي له أن يتم قراءته، إذ كُرِهَ أن يركع ويسجد بعد سجود التلاوة لأنه بنى سجوداً على ركوع، وهذا في الصلاة غير وارد.
تقرأ الآية فتسجد للتلاوة تقف تتابع الآيات، أما إذا أنهيت القراءة عند آية السجدة فركوع الصلاة وسجودها يجزئان ويغنيان عن سجود التلاوة، والركوع يغني بنيّة، والسجود يغني من دون نيّة، فهل هذا واضح؟
الآن: لو سمع رجل من إمام لم يأتَّم به آية سجدة، أو ائتم به في ركعة أخرى فسمع آية السجدة من إمام يصلي وهو لم يأتَّم به، في الركعة الثانية ائتم به يجب أن يسجد خارج الصلاة، فالمستمع يسجد خارج الصلاة، والذي ائتم بهذا الإمام بعد أن ينهي الإمام صلاته يسجد هو سجدة التلاوة خارج الصلاة، وإن ائتم به قبل سجود إمامه لها سجد معه، فلو فرضنا قرأ آية السجدة، وقال: الله أكبر للسجود وائتم به في هذه الأثناء يأتَّم به ساجداً مباشرة.
وإن اقتدى به بعد سجودها في ركعتها فهذه حالة دقيقة: دخل رجل المسجد يوم الجمعة في الفجر فالإمام قرأ السجدة وسجد ثم وقف وتابع السورة فلما انتهى من السورة ركع فجاء هذا الرجل وائتم بالإمام في آخر تسبيحة من الركوع، هل عليه سجود التلاوة؟ الجواب لا! لأنه أدرك ركعة مع الإمام وإدراك جزء كإدراك الكل، وكأنه وقف واستمع إلى السورة، وسجد للتلاوة ووقف وركع.
قراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة:
والآن: لو قرأت القرآن خارج الصلاة ومرّت بك آية سجدة وسجدت ثم قمت فصلَّيت وقرأت سورة فيها سجدة يجب أن تسجد مرة ثانية، فقراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة، وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة، ولو قرأ القرآن أولاً وفي قراءته سجدة ولم يسجد قام فصلّى وفي قراءته سجدة تغنيه السجدة الثانية عن الأولى، أما لو قرأت مجموعة آيات فيها سجدات في مجلس واحد تسجد سجدة واحدة.
المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة :
أما إذا تبدل المجلس مثلاً غيّرت مكانك وغيرت الغرفة، إذا تبدل المجلس فعليك أن تسجد للتلاوة إذا قرأت آية التلاوة مرة أخرى.
قيل: إن المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة، فإذا بدلت مكانك من زاوية لأخرى لا يتبدل المجلس، ولو بدلت مكانك من زاوية مسجد مهما كان فسيحاً فالأمر كله مجلس واحد ولو غيرت مكانك من شرقه إلى غربه فهذا مجلس واحد، وأنت في السفينة فتحركت معها فمجلس واحد، اتكأت وجلست وقمت وركبت ونزلت فهذا كله مجلس واحد.
تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود :
أما السامع إذا كان قارئاً يقرأ القرآن وكان فيها آية سجدة فعليه أن يسجد، خرج من مكانه فالسامع والقارئ مجلسه واحد ورجع وقرأ آية أخرى فيها سجدة فعليه أن يسجد مرة ثانية تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود، أما ثبات مجلس السامع فلا يلزمه بتكرار السجود.
قال: كُرِهَ أن يقرأ سورة ويدع آية السجدة فمكروه! ونُدِبَ ضم آية أو أكثر إليها، ونُدِبَ إخفاؤها! مثلاً: أنت كإمام لك إيقاع صوتي خاص بالتكبيرات، وإذا قلت: الله أكبر لسجود التلاوة فينبغي لك أن تغير هذا الإيقاع كي ينتبه الغافل، وهذا يحدث أكثر ما يحدث في صلاة الوتر جماعة في رمضان، إذ يكون المصلي غير منتبه، فيقول الإمام: الله أكبر فيركع نصف المصلين! هو قال: الله أكبر لدعاء القنوت، والأصول أن يكبّر هذه التكبيرة بصوت مختلف عن تكبيراته الاعتيادية، في صلاة العيد أيضاً هناك ثلاث تكبيرات قبل الركوع، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إذا قلت الرابعة مثل المرات الثلاثة يبقى المصلون واقفين، فعليك أن تقول الرابعة بإيقاع صوتي مختلف عن الثلاث كي يركعوا معك وهذه حكمة من الإمام.
من يقرأ القرآن و هو جالس فعليه أن يقف ثم يسجد إن مرت معه سجدة :
إذا إنسان جالس يقرأ قرآناً، فالسنّة ألا يسجد مباشرة بل أن يكون واقفاً ثم يسجد! لو فرضنا قارئاً يقرأ القرآن وحوله عشرة مستمعين ومرت آية سجدة لا يرفع السامع رأسه من سجود التلاوة حتى يرفع التالي الذي هو الإمام، ولو عشرة يجلسون في المجلس وتالي القرآن سجد للتلاوة، فالتالي إذا قال: الله أكبر يرفع الحاضرون كأنه إمامهم، لكن إذا كان التالي يقرأ القرآن جالساً في مجلس، والناس تجلس جلسات مختلفة، فلا ينبغي للتالي أن يتقدمهم، ولا ينبغي للمستمعين أن يصطَّفوا، لأن هذا السجود ليس صلاة! وكل مصلٍّ على وضعه كما هو طبعاً باتجاه القبلة، ولكن لا داعي للاصطفاف على التأخير.
وشُرِط لصحتها شرائط الصلاة من ستر للعورة، واستقبال القبلة، والطهارة من الحدث، وشروط الصلاة نفسها هي شروط سجود التلاوة، إلا التحريم وكيفيتها أن يسجد سجدة واحدة بين تكبيرتين هما سنتان بلا رفع يد ولا تشهد ولا تسليم.
* * *
آداب الطعام والشراب :
والآن إلى الفصل المختار من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في آداب الطعام والشراب، والطعام والشراب سلوك يومي، مادام في الإنسان قلب ينبض فلا بد من أن يأكل، و هذا السلوك اليومي النبي عليه الصلاة والسلام شرّع له آداباً كثيرة، ما رأيت كتاباً يجمع بين دفتيه آداباً متناهية في الدقة كهذا الكتاب، والآن في بعض الدول الأجنبية يدرسون بعض السفراء مواد عن آداب الاستقبال، وعن آداب التوديع، وآداب الحديث مع الضيف، وآداب الطعام، وكيف تمسك الشوكة باليسار وكيف باليمين أو بالعكس لا أعرف، هذه أشياء دقيقة جداً، فهذه هي المعلومات التي يحتاجها المسلم، هذا بروفيسور إسلامي.
آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه :
1 ـ أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن :
اليوم درسنا: آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه، أما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن، مثلاً: الدعوة الساعة الثانية، جاء أخ الساعة الثانية جلس في صدر المنزل، لعل هذا المضيف داعٍ أشخاصاً أوزن من هذا الذي جاء فترك الصدر لبعض أشخاص من علية القوم، فأنت كضيف ليس لك الحق أن تجلس في أبهى مكان، ولك أن تجلس في مكان ما، فإذا رأى المضيف أن مكانك لا يليق بك فيغير لك المكان الذي انتقيته فهو يدعوك إلى الجلوس في مكان غيره، وهذا أول أدب.
2 ـ ألا يتأخر في الحضور :
الأدب الثاني: ألا يتأخر في الحضور، تصور أنك داعٍ عشرة أشخاص ومن تأخر منهم يجب أن يكون موجوداً والساعة أصبحت الثالثة ولم يصل بعد، والطعام سيبرد، والحضور انزعجوا، فكم تشعر بضيق وانزعاج من هذا التأخر؟
3 ـ ألا يأتي قبل الوقت المحدد :
و من آداب حضور المأدبة أو الوليمة أن تأتي في الوقت المحدد.
ومن آداب الحضور أيضاً: ألا تأتي قبل الوقت المحدد! مثلاً: أنت دعوت فلاناً من أقربائك وزوجته فجاء منذ الساعة التاسعة مع ست أولاد! فأنت لم تستطع أن تقوم بأي عمل في البيت، و بعض الناس لا تنتبه لهذه النواحي، هذا رتّب البيت، ونظفه، ومسّحه، ويريد أن يلتفت لتحضير الطعام، والحاجات، والأدوات، فجاء هذا الضيف وأولاده قبل الموعد بخمس ساعات هذا أصبح عبئاً، فالحضور في وقت غير مناسب ليس من السنّة، والتأخر ليس من السنّة، والجلوس في مكان أنت اخترته ليس من السنّة، دع صاحب البيت يجلسك في المكان الذي يرتئيه لك.
4 ـ إن أشار له صاحب البيت بمكان لا ينبغي له أن يخالفه فيه :
قال: إن أشار لك صاحب البيت بمكان لا ينبغي لك أن تخالفه فيه، قال لك: تفضل إلى هنا، لا لا هنا أنا مرتاح جداً، هنا مواجه الباب، إذا فتح الباب زوجته تناوله الطعام، فالمضيف أمير بيته، قال لك: تفضل إلى هنا، قل له: حاضر، لا، لا مرتاح هنا، أريح لي، تقع مشاحنات عند بعض الناس، قال: فإن أشار صاحب البيت بموضع فلا ينبغي لك أن تخالفه أبداً، قال صلى الله عليه وسلم:
(( إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجالس))
[الطبراني عن طلحة]
5 ـ الجلوس حيث ينتهي به المجلس :
أنت لك مكانة كبيرة فجلست بطرف الباب فهذا من التواضع لله، ولذلك فالإنسان لا يأخذ على خاطره أنه جلس على كرسي خيزران، والجميع يجلسون على كنبات، ألا يعرفون قيمته؟ لا هذا من السنّة، اجلس حيث ينتهي بك المجلس، يقولون: إن هارون الرشيد كان في الحج فطلب من بعض مرافقيه أحد كبار العلماء وأعتقد أنه مالك، وقديماً قالوا: لا يستوي مالك وعالم آخر في المدينة، فقيل لهذا العالم: لو ذهبت إلى أمير المؤمنين فتعظه، فقال مالك: قولوا له: يا هارون العلم يؤتى ولا يأتي، فقال: هارون الرشيد هذا الذي قاله حق، فلما جاءه قال: قولوا له لا أسمح له بتخطي رقاب الناس، قال: صدقت، فلما جلس أعطوه كرسياً يجلس عليه، طبعاً إذا إنسان جلس على كرسي في مسجد لغرض فهذا لا تثريب عليه إنه مضطر و معه ألم بظهره، أو ألم في مفاصله، و هذا مباح له، و لكن من دون سبب لا ينبغي أن يجلس الرجل في بيت الله على شيء متميز بداعي الكبر، فلما جلس على كرسيه قال له هذا الإمام –مالك-: من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه، قال: خذوا عني هذا الكرسي وجلس في الأرض، و هذا من آداب المجلس حتى أن أعرابياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أيكم محمد؟ لم أعرفه من هو؟ هذا دليل ماذا؟ أنه كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ولم يكن له مكان فخم يجذب النظر.
شيء آخر: سيدنا عمر رضي الله عنه قال: أريد أن أعيِّن والياً إن كان مع أصحابه أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم، وإن كان مع أصحابه واحداً منهم بدا وكأنه أمير عليهم، مقياس دقيق جداً فالإنسان إذا دخل لبيت المضيف يجب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس وهذا من التواضع.
6 ـ لا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء :
قال: ولا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء وسترهم.
7 ـ لا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام :
ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، وضعوا الطاولة حملوا أبناء صاحب البيت مثلاً طبقاً كبيراً، أحضروا الثاني نظر إليه، قال: هذا ليس من السنّة، تأكيد النظر بالطعام، وأن تتابعه بنظرك، وكيف وضعوه، وماذا طبخت لنا اليوم، وماذا فعلت، وهل الطعام دسِم أم أنه خفيف، هذا ليس من السنّة.
8 ـ عدم حدّ النظر في الطعام :
وأن تحدّ النظر في الطعام ليس من السنّة، قال: فإنه دليل الشرع.
9 ـ أن يخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس :
ويخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس، وأحياناً تدعو أربعة أو خمسة و كأنهم يجلسون في مأتم فجميعهم صامتون وهذا كبر، ليس من السنّة، فمن يجلس أمامك لا تعرفه تسأله: الاسم الكريم؟ عملكم؟ إن شاء الله أنت مرتاح؟ كيف صحتك؟ كم ولد عندك؟ هذا من المؤانسة، دعوته لتكون هناك مؤانسة أما إذا كان الجميع صامتين فهذا سكوت الكبر.
10 ـ أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة :
أما إذا كان دخل ضيف إلى البيت ليبيت فيه، فيجب أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة، فالوقت ليل ولم يعرف من أين القبلة فضّل أن يصلي قيام الليل أو العِشاء، فمن السنّة القبلة من هذه الجهة، وأن يعرفه بيت الخلاء، وموضع الماء، دخلت لبيت صاحبه كريم، خصص جناحاً مستقلاً للضيوف، غرفة جلوس، وغرفة نوم، ومرافق عامة كاملة، وأبواب مستقلة، فالضيف يأخذ راحته تماماً، فهنا تنام، وهذا هو الحمام، وهذا بيت الخلاء، وهنا الوضوء و القبلة في هذه الجهة، فهذا من السنّة.
11 ـ أن يغسل صاحب البيت يديه قبل الطعام أمام ضيوفه :
قال: من السنّة أيضاً أن تغسل يديك قبل الطعام أمام ضيوفك لكي يقتدوا بك وهذه من سنّة رسول الله، وبركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، ومن السنّة أيضا أن تكون آخر من يغسل يديه من الطعام. 12 ـ إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده :
قال: أما إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده، فالمنكر فرش الديباج في استعمال أواني الفضة والذهب، والتصاوير على الجدران، و سماع الملاهي والمزامير، وحضور النسوة المتكشفات الوجوه، فالوجه فتنة، أم فلان أعطنا الطعام، أَحْضَرَت اخرج من البيت فوراً!
هذا الإنسان ليس أهلاً أن تلبّى دعوته، أو يطلب ابنته ليعرِّفه عليها، إنها في الصف الرابع الجامعي، ما هذا؟ مثل هذا الإنسان ليس أهلاً أن تجاب دعوته.
* * *
آداب إحضار الطعام :
1 ـ تعجيل إحضار الطعام :
الآن آداب إحضار الطعام: أول أدب تعجيل إحضار الطعام، دعوه الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة لم يجهز الطعام بعد، يردد قول: أهلاً وسهلاً بكم، كفاك تأهيلاً ضع الطعام! أيضاً هذا من سوء الأدب، المدعو قام بترتيب أنه سيتناول الطعام الساعة الثالثة، تناول فطوره منذ الساعة السادسة والنصف ثم ذهب لمدرسته أو لعمله، عليه القدوم في الثالثة حتى الخامسة يأكل هذا خلاف السنّة، قال: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق من تأخر :
قال: مهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إذا كنت قد دعوت أربعة من أصهرتك، ودعوت أولاد عمومتك، وأقرباؤك، مجموعهم خمسة عشر، بقي اثنان لم يأتيا، الدعوة الساعة الثالثة حتى الثالثة والنصف لم يأتوا، السنّة أن تضع الطعام ويباشر الجميع بالأكل! فإذا تأخر تقول له: نحن دعوناك الساعة الثالثة، هناك أشخاص يؤخرون الناس كلهم من أجل واحد، يصبح هناك نقمة وانزعاج، قال: حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا في حالة واحدة إذا كان المتأخر فقيراً فيصبح هناك كسر خاطر، ليس له قيمة أبداً؟ هو لا يفسرها تفسيراً نبوياً بل تفسيراً اجتماعياً، لا قيمة له، تناولوا الطعام وتركوه، إذا كان قد استأذنهم في أخ لم يأتِ حتى الآن خاطره غالٍ علينا، قال: إلا إذا كان المتأخر فقيراً ينكسر قلبه بذلك! فتؤخر الطعام مع الاستئذان من الضيوف فلا بأس في التأخير، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾
[ سورة الذاريات : 24 ]
كيف أكرمهم سيدنا إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿ قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[ سورة هود: 69 ]
لم يتأخر، إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى تعجيل إطعام الضيف، قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾
[ سورة الذاريات : 26 ]
الروغان الذهاب بسرعة، وهناك معنى آخر قال: الذهاب خُفية، تعال يا بني أحضر لنا فروجاً أمام الضيف، يمكن أن يقول لك: لا والله لا تحضر شيئاً، إذا كنت كريماً أخبر ابنك خارج الغرفة، أما أن تبلغ أوامرك لابنك عن الطعام أمام الضيف، الضيف يخجل ويقول لك: لا والله لست جائعاً، أو يخبرك بأي عذر، قال: راغ إلى أهله من معانيها أسرع خفية من دون أن يشعر الضيف، قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنّة رسول الله، إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، لماذا أنت مستعجل على الدينات؟ العجلة من الشيطان، لا، أداء الدين يجب فيه التعجيل، والتوبة من الذنب، في هذه الأمور الخمس يجب التعجيل على التأخير. قال: الوليمة في اليوم الأول سنّة، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء. 2 ـ ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج ثم اللحم فالثريد :
الأدب الثاني في تقديم الطعام: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج، يقول الضيف للمضيف: أنا أرغب أن أمشي على السنّة، قدم لنا الفاكهة أولاً، لا يوجد عنده فواكه، قدمت له الوليمة وكأساً من الشاي.... فإن وجدت الفواكه فضعها أمامه، إذا سمحت أعطنا الفاكهة أولاً لا مانع، لأنه وضعها لتأكلها أنت، لقوله تعالى:
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 20-21]
ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد قال عليه الصلاة والسلام: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ ))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
بعد ذلك قال: إن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات كلها، أي أكمل شيء، الفاكهة فالطعام فالحلوى، و بالنسبة لموضوع اللحم، إذا ارتفع سعر لحم البشر ينقص سعر لحم الغنم دائماً، أما إن انخفض سعر لحم البشر أي أصبحت النساء كاسيات عاريات ارتفع سعر لحم الغنم دائماً، فهناك علاقة عكسية بين لحم البشر ولحم الغنم، إذا كانت النساء مبذولة في الطرقات، ولا يوجد شيء قد سُتِر، فعندئذٍ تصبح أسعار لحم الضأن غير معقولة، فوق طاقة الإنسان، أما إذا ارتفع سعر لحم البشر فهبطت لحوم الغنم، ورجل سأل الإمام الشافعي وهو أبو العلاء المعري قال له: يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟
***
سؤال عجيب، أي أن هذه اليد لو قطعت خطأً ديتها خمسمئة دينار ذهباً، وخمسمئة دينار أي خمسمئة ليرة ذهبية تقريباً، والليرة ثمنها ألف ليرة تقريباً، لأن هذه اليد أداة أولى في الحياة، ما بالها قطعت في ربع دينار؟ إذا سرقت هذه اليد نفسها ربع دينار تقطع عقاباً، فأجابه الإمام الشافعي: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت.
ربع دينار قطعوها له، جاء مندوب شركة أجنبية إلى قطر عربي مسلم يطبق الشريعة الإسلامية في السرقة، فرأى منظراً كاد يصعق، رأى سيارة شحن وقـد حملت بصندوقها المكشوف أكثر من عشرين كيساً كل كيس فيه مليونا أو ثلاثة ملايين ريال، هذه السيارة متجهة من مكة إلى أبها، الطريق سبعمئة كيلو متر، والسائق وحده مكلف بنقل رواتب هذه المحافظة في بداية الشهر! في سيارة مكشوفة ريالات بأكياس من دون حراسة: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. تقديم الماء البارد من إكرام الضيف :
وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر، وعندما يقول لك الضيف: أريد كأساً من الماء فلا تفتح الصنبور على أي فتحة فتملأ له كأساً ساخنة، فمن إكرام الضيف تقديم الماء البارد.
و رجل قدم ضيافة لحكماء، قال بعضهم: "لم نكن نحتاج لكل هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً"، -وهذا هو القوام- وقال بعضهم: "الحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان"، والإنسان يشعر بحاجة بعد الطعام أن يأكل شيئاً مذاقه حلو، فأنت قد وضعت ثمانية ألوان من دون حلوى، فالغِ له لونين وأضف الحلوى، مما يؤدي لكمال الضيافة فالحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان.
3 ـ تقديم ألطف الألوان قبل الطعام :
و أن يقدِّم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يرد ولا يكثر الأكل بعده، وأحياناً تقدم للإنسان طعاماً وهو جائع يأكل منه كثيراً فإذا شارف على الشبع قدمت له الأطباق اللذيذة، لقد أحرجته، إذا أراد أن يكمل منها أكل خلاف السنة، وإذا لم يأكل منها أحرقت قلبه، فهذه مشكلة، فمن السنة أن تقدم ألطف الألوان قبل الطعام، حتى يأكل الإنسان حاجته من ألطف الأطباق، كأن يأخذوا إنساناً إلى بستان فيطعموه تيناً، ويوجد بين المضيف وابنه حركات سرية، يشير له: هل قشَّرَ؟ فيقول له: نعم، فيقول له: الآن اعزمه على الطعام، لقد انتهى من الطعام.
و يحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب ما يستحضره من ألوان ويعرضه على الضيفان، هذا طعامنا، عرف الضيف فينتقي الطعام الذي فيه خضار مثلاً، لا يحب أكلات الرز لأنه متعب وهذا مبالغة بالإكرام.
قال بعض المشايخ: قدَّم لي بعض المشايخ لوناً في الشام من الطعام فقلت: عندنا في العراق يقدم هذا اللون مع آخر، قال: وكذا عندنا في الشام، ولم يكن عنده لون آخر فاستحيا مني.
التعليق على الطعام حرجٌ جداً، والله هذه الأكلة يناسبها أكلة ثانية، الثانية غير ميسرة فخجل، واحمرّ وجهه. لا تُحَمِّرُوا الوْجُوهَ، هذا هو الكمال، أخي أنا مسلم! مسلم صحيح، ظن نفسه مسلماً بترك الكبائر، والمسلم مطالب بهذه الدقائق ليكون ظله خفيفاً جداً، أي تعليق على الطعام يحرج صاحب البيت.
قال: كنا في ضيافة فقُدِّم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً، فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حَمَلاً، فجاءنا صاحب البيت بوعاء التغسيل، ولم يقدم غيرها، فنظر بعضنا إلى بعض وكان بعض الشيوخ مزّاحاً فقال: إن الله سبحانه وتعالى يقدر أن يخلق رؤوساً بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعاً.
قصة واقعية، حدثني شخص قال: كنت مسافراً ودعيت لغداءٍ نفيسٍ جداً، فوضعوا نوعاً من أنواع الأوزي لكن حجمها مثل خف الجمل كبير، وضعوا لكل شخص قطعتين، و هناك رجل تناولها بسرعة، فجاء صاحب المنزل وأكد عليه بتناول قطعة ثالثة، وتشديده شيء فوق التصور، وخاف صاحب البيت أن تتكرر هذه القصة، فقال أحدهم: أنا أنهي القطعة الأولى وأبتعد عن الطعام، ويحلف عليّ المضيف أن أتناول الثانية، وأكون بذلك قمت بحل وسط، وقال لي: إنه كان جائعاً جوعاً شديداً ومنذ عدة أيام لم يأكل، تناول القطعة الأولى وابتعد عن المائدة، قال له صاحب الطعام خير؟ قال: والله اكتفيت، فقال له: يا أهلاً وسهلاً! قال: ما ندمت على شيء كندمي على ترك الطعام قبل أن أشبع بهذه الطريقة.
4 ـ ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء :
الأدب الرابع: ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء، مثلاً يرفع الطبق ولم يأكل منه كل الحاضرين حتى يرفعوا الأيدي عنها، فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضره ثانياً، أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل، فيتنغص عليه بالمبادرة.
5 ـ ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم :
ومن هذا الأدب أيضاً: ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل يجب عليه أن يكون آخرهم أكلاً، بل كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون، فإذا قاربوا من الفراغ جثا على ركبتيه ومدّ يده إلى الطعام وأكل وقال: بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم، وكان السلف يستحسنون هذا.
6 ـ أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة :
قال: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنع ومراءاة، وفي الحالتين خلاف السنّة.
7 ـ يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت :
والأدب الذي بعده: قال: يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع، وهذا أهم شرط، فعندك زوجة وعندك أولاد ووالدتك بالبيت والقادمون عشرة أو اثنا عشر والطعام لذيذ، والجماعة جياع، أول عملية تنزع حصة الأهل جانباً، فما الذي يحدث؟ إذا لم يأكل الأهل فأنت تتمزق، وإذا كان الضيوف جياعاً وأنت كريم وهم يأكلون وليس عندهم علم بشيء أو ما القصة، أن اعزل نصيب الأهل قبل كل شيء، فهذا من السنّة، قال: فتغوص صدورهم، وتنطلق في الضيفان ألسنتهم، وتسأل زوجتك ألم ينتهوا بعد من الطعام؟ فمعها حق لأنها تريد أن تأكل أيضاً صنعت طعاماً نفيساً لكثير من الناس ولم يبق منه شيء، ويكون قد أطعم الضيفان ما يشبعه كراهية القوم، فيجب أن تحدد طعام أهلك وحده أولاً، قال: وهذا خيانة في حق الضيفان، فالضيفان ليس عندهم علم، يأكلون طعامَ كريمٍ وهم جائعون، فطعام الكريم شفاء، وتناولوا كل الطعام.
8 ـ ما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه إلا بإذن صاحب البيت :
قال: وما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه، إلا إذا صرّح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راضٍ، وأحياناً هناك حالات نادرة، يكون المضيف قد دعا أخاً له وأهله قد يشتهون هذا الطعام، وأنت ليس عندك أحد في البيت، فأنت أكلت واكتفيت وفي اليوم الثاني مثلاً أنت مسافر، فإذا أعطيته الطعام المتبقي وقلت له هذا للأهل، لا مانع إذا كان لا يوجد جرح لمشاعره، فإذا كان هناك جرح لمشاعره أو إذا طلب ماذا سنأخذ معنا أيضاً؟ هذا لم يعد ضيفاً، فهذه بعض آداب تقديم الطعام، وبقي علينا إن شاء الله تعالى آداب الانصراف، ثم بعض المتفرقات، وتنتهي آداب الطعام، وننتقل منها إلى آداب الزواج، وبعدها ننتقل إلى آداب الكسب والمعاش، ثلاثة نشاطات أساسية، الطعام والزواج وكسب الرزق، فهذه الآداب الدقيقة، إذا صار للإنسان صلة بالله عز وجل يعرفها من دون أن يقرأها بالتأكيد، حسّه، إحساسه، وشعوره الرقيق، ورهافة حسّه، وذوقه العالي، وكماله المتصل يحجزه عن هذه السخافات، لكن إذا كان الإنسان تعلمها وطبقها ثم أصبح في مستواها نفسياً فهذا أكمل وجه.
* * *
عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، وسوف نختار شميلة واحدة، قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدراً، وأشجعهم قلباً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، وقد تقدم هذا الحديث، عنوان الشمائل اليوم: عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم.
كان صلى الله عليه وسلم إذا اعترك أصحابه المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها.
((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ سَـبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ))
[ البخاري عَنْ أَنَسٍ]
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله"، قال: "وكان أصحابه الكرام إذا ألمَّت بهم المُلِمَّات، وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلم"، وكان علي رضي الله عنه يقول: "كنا إذا حمي البأس، واشتد الوطيس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه".
وقد رأيت يوم بدر و نحن نلوذ بالنبي عليه الصلاة والسلام وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً على الأعداء، وعن البراء بن عازب كان يقول: ((قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[سلم عن الْبَرَاءُ]
كان النبي صلى الله عليه و سلم أقرب إلى العدو ، وقد ثبت يوم حنين وثبتّ قلوب الصحابة! فهذه قصة شهيرة، المسمون بعد فتح مكة أصبحوا قوة لا يستهان بها، ولم يجتمع في الجزيرة تجمعاً كهذا التجمع، عشرة آلاف مقاتل، قالوا فيما بين أنفسهم وهذه الغلطة: لن نغلب اليوم من قلة نحن أقوياء: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
هؤلاء أصحاب شجعان أصبحت قلوبهم كفؤاد أم موسى معلقة في جناحي طائر تفرقوا وبقي النبي وحده صلى الله عليه وسلم، فقال بكل جرأة وثبات: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عبد المطلب، وقال أيضاً: ((.... لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ))
[ مسلم عن إياس بن سلمة]
قصة النبي الكريم مع أُبي بن خلف :
روى البيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير أن أُبَي بن خلف المشرك قال يوم أحد: أين محمد ما نجوت إن نجا؟ أثناء المعركة، هذه الكلمة لها ما قبلها، فقد قال للنبي صلى الله عليه و سلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليها، فقال له عليه الصلاة والسلام: أنا أقتلك إن شاء الله، قال: فلما رآه هذا المشرك أُبي بن خلف، أي رأى أُبي النبي يوم أحد شدّ أُبَي على فرسه واتجه نحو رسول الله ليقتله فاعترضه المسلمون، فقال عليه الصلاة والسلام: تنحوا ولا تحولوا بيني وبينه، وتناول النبي عليه الصلاة والسلام حربة من الصحابي الحارث بن سلمة فانتفض النبي بها انتفاضة، تناولها وقفز، أي قام بالحربة قومة سريعة، تطايروا أي أُبي بن خلف ومن معه من الكفار تفرقوا فارين بسرعة كالطيور ثم استقبل النبي أُبي بن خلف بالحربة فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ، أي سقط منها عن فرسه، وقيل: بل كسر ضلع من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، فقالوا له: لا بأس بك، قال لهم: لو كان ما بي من الألم والشدة بجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: أنا أقـتلك؟ والله لو بصق علي لقتلني! موقف، لم يترك الصحابة يدافعون عنه لو تركهم لكان هذا جبناً، قال: دعوني تنحوا عني لا تحولوا بيني وبينه، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً.
رجل وصف صديقاً له قال: "لي صاحب كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وَجَد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلم فيما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بذّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً".
فقال هذا المشرك: والله لو بصق علي لقتلني، حتى أن رسول الله لم يقتله وكان بإمكانه أن يقتله نهائياً لكن أرقى شيء بالإسلام أن الحرب هدفها هداية العدو لا قتله، وكزه فقط، قال: قتلني من شدة الخوف، إذاً كانت له هيبة كبيرة جداً.
ومن صفاته صلى الله عليه وسلم أنه من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، بديهة له هيبة كبيرة، فهذا وكزه وكزة فكان يعوي كالكلاب، ويقول: لقد قتلني، قالوا له: ليس بك شيء، قال: بي من الألم والشدة ما لو كان بالناس جميعاً لقتلهم، والله لو بصق عليّ لقتلني قال: ثم مات أُبي بن خلف في طريق العودة إلى مكة أي فيما رجع الكفار إلى مكة، وهذه نبذة عن شجاعته صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلاً مُشْرِكًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ]
من قتل حية فيه شجاعة، لم يصرخ ويهرب، كما حصل برجل أمام أولاده فصغر شأنه، فالله عز وجل يحب الشجاعة ولو على قتل حية.

السعيد 09-10-2018 05:03 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : سجدة الشكر








حمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سجدة الشكر :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوعنا في الفقه اليوم قصير جداً، وهو سجدة الشكر، هذه السجدة تكون حينما يصيب الإنسان خيراً، مثلاً إنسان تزوج امرأةً جمعت بين جمال الخَلق والخُلق فلما رآها أول ما رآها يسجد شكراً لله، فقد كان بعض السلف الصالح يسجد لله سجود الشكر على نعمة الزوجة الصالحة، ولو أن امرأته حامل وأنجبت مولوداً سليماً من كل عيب، حسن الصورة له أو عليه، فالأولى له أن يسجد لله سجود الشكر، أو عقد صفقةً بسعر جيد، ونوعيةٍ ممتازة فعليه أن يسجد بعد عقد الصفقة، أو باع هذه الصفقة بربح معقول فعليه أن يسجد لله بعد بيع الصفقة، أو كان يسكن بيتاً بالإيجار فأكرمه الله عز وجل بمنزل اشتراه، وصار ملكاً له، فإذا دخل البيت أول مرة فعليه أن يسجد لله سجود الشكر.
كان يعمل موظفاً في محل تجاري أو صانعاً في محل فأكرمه الله عز وجل واشترى محلاً تجارياً، فإذا دخله فعليه أن يسجد سجود الشكر، كان في مرتبة على أساس الشهادة الثانوية، فلما نال الشهادة العليا صدر مرسوم بترفيعه إلى مستوى هذه الدرجة فعليه أن يسجد سجود الشكر، اشترى مركبة، أو مكّنه الله من أداء الحج أو العمرة، أو أكرمه الله ببر والديه، فالنعم التي أنعم الله بها علينا لا تعد ولا تحصى، فجميل جداً بالإنسان أن يكون حساساً للنعمة.

حالة المؤمن حالة شكر دائم :
والنبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، فإذا شربت كأس ماء عذب فرات باردٍ صاف بكأس نظيف، فلك أن تقول الحمد لله:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))
[البخاري عن أَنَسٍ]
الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه" .
إذا ارتدى ثوباً جديداً، وإذا دخل بيته يقول: الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له، وإذا وقعت عينه على أولاده وهم في صحةٍ جيدة الحمد لله على نعمة الولد الصالح، إذا وقعت عينه على امرأته وكانت مطواعةً له فالحمد لله على نعمة الزوجة الصالحة، فكم لك يا رب من نعمة قلَّ لها شكري، حالة المؤمن حالة شكر دائم، أنعم الله عليه بقوة يخدم بها نفسه، فهذه نعمة لا تعد ولا تحصى، أنعم الله عليه بنعمة السمع، والبصر، والفؤاد، والعقل، وأنعم عليه بكمال الخلق، كان إذا نظر إلى المرآة قال:
(( اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلقي))
[أحمد في كتاب الزهد عن عائشة]
وإذا ارتدى ثوباً جديداً، إذا تناول طعام شهياً، إذا كانت له سمعة طيبة، إذا أحبه الناس: ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
***

المؤمن بين صبر على معالجة الله وبين شكر على نعم الله :
والذي أعرفه أن حالة المؤمن نصفها شكر ونصفها صبر، فلو أردت أن تقسم الإيمان قسمين لاحتل الصبر نصفه، ولاحتل الشكر نصفه الآخر، فهو بين صبر على معالجة الله، وبين شكر على نعم الله، ولا تخلو حياة الإنسان من حالة يفرح بها، أو حالة يحزن لها، فإن أصابته حالة يفرح لها فعليه بالشكر، وإن أصابته حالة تحزنه فعليه بالصبر، وهاتان الحالتان- الصبر والشكر - من علامات الإيمان، ففي الرخاء شكور، وفي البلاء صبور، في الفاقة متعفف متجمل، في اليسر سخيّ كريم، فمن لوازم المؤمن أنه كلما أصابته نعمة يبادر إلى السجود لله عز وجل سجود الشكر.
الإنسان ليس مكلفاً أن يؤدي سجود الشكر في مكان عام :
ولكن لا ينبغي لك أن تسجد في مكان لا يعرف الناس فيه هذا الحكم، فحينما ضعف الدين في النفوس، وصار الناس غافلين بعيدين جاهلين، قد يستهزئون بالدين، فلست مكلفاً ولا ملزماً أن تؤدي هاتين السجدتين في مكان عام.
طالب عند الامتحان نجح، أول عملية عليه أن يقوم بها إذا نجح أن يبادر إلى سجود الشكر، اسجد لله، ومرغ جبهتك في أعتابه، وقل: يا رب لك الحمد الذي أنعمت:

(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ سِنِينَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ لَهُ طَعَامٌ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَاجْتَبَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ]
قال الإمام أبو يوسف والإمام محمد وهما من كبار تلامذة الإمام أبي حنيفة: " هي قربة يثاب عليها ". سجدة الشكر هيئتها كسجدة التلاوة :
وسجدة الشكر وهيئتها مثل سجدة التلاوة، والإنسان لا تخلو حياته من بعض المسرات، فلو فرضنا أنّ إنسانًا يوم التقى بزوجته أول مرة سجد لله سجود الشكر، وأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، فإذا ظن أنه قد حصل هذا الزواج بجهده وبذكائه وبماله فأغلب الظن أن شقاقاً وتعاسة تنشأ بينهما، وأعرف إنسانًا ليس مستقيماً، ولكنه غني، تزوج فتاةً وهو يظن أنه سيسعد بها، فلم يمضِ على هذا الزواج أسابيع حتى كان الفراق بينهما، كانت معه في سيارته خارج دمشق، من كلمة إلى كلمة، وضعها في الطريق ونزل إلى الشام، فلو أن زواجًا بني على الإيمان، وعلى الشكر، وعلى تقوى الله، وعلى محبته فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما على خير، وأخرج منكم الكثير الطيب الصالح، ووفقكما إلى ما يحب ويرضى، فهذا من الدعاء المستحب في عقد النكاح.
من عرف أن النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر :
يا رب كيف شكرك ابن آدم؟ قال: علم أنه مني، فكان ذلك شكره، أي علم أن هذه النعمة من الله، أو علم أن الشكر نعمة أخرى تضاف إلى النعم فكان ذلك شكره، وإذا عرفت أن هذه النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر، أحيانا امرأة تُخطب لزوج ميسور الحال، يسكنها في بيت مؤسس بكل الأثاث الجيد، والطعام متوافر، والشراب متوافر، والدفء، والجو البارد في الصيف متوافر، وهذه المرأة بحمقها تظن أن هذه النعم وصلتها بذكائها، بينما الله سبحانه وتعالى لولا هذه المسحة من الجمال التي وهبها إياها لما نظر إليها زوجها، ولما خطبها في الأساس، ولما أسكنها في هذا البيت، فلو علمت المرأة أن الله سبحانه وتعالى متفضل عليها بنعمة الجمال والكمال لذابت لله شكراً وتواضعاً، فالمتكبر دائماً لا يرى نعمة الله عليه، وقد يحصل الإنسان على شهادة عليا فيعين في منصب رفيع، فيظن نفسه أنه بذكائه نال هذا المنصب، فلو أن قطرة دم تجمدت في دماغه في بعض شرايين المخ لفقَدَ ذاكرته، ولو أنه تجمدت في مكان آخر لفقد بصره، ولو أنها تجمدت في مكان ثالث لفقد حركته.
هناك رجل ذهب إلى فرنسا، وعاد بدكتوراه وبزوجة فرنسية، وعين في أعلى المناصب الحكومية، ورقصت له الدنيا كما يقولون، واللهُ عز وجل لحكمة بالغة سلبه نعمة البصر، فبقي شهراً في مكتبه يوقع المعاملات على وصف المساعد له، إلى أن انتقل إلى البيت، وفي شهر آخر كانت تأتيه المعاملات إلى البيت ليوقعها على وصف من يقرؤها له، ثم سرح من وظيفته، دخل عليه صديق لي وله فقال له: أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، ولا أملك من الدنيا إلا معطفي هذا، وأن يرد الله إليّ بصري.
وقد التقيت بإنسان قال لي: أنا مصروفي في السنة ثلاثمئة ألف، ولا يكفيني أقل من هذا، أصيب بمرض شديد، حينما زرته قال لي: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر ليصرفها، فهل تعلمون ماذا يقصد بهذا الكلام؟ لو أنه معافى في جسمه يكفيه ألف ليرة، ألا يكفيه أن يأكل خبزاً وزيتوناً طوال الشهر في ثلاث وجبات؟ تكفيه، هذه النعم التي وهبنا الله إياها تستحق الامتنان من الله عز وجل، وأن تشكره من أعماقك، والحمد على النعمة، ونعوذ بك من زوالها، كيفما تحركت تملك نعمة، أو اثنتين، أو ثلاث، اللسان، والفكر، والشعر، واليد، والمعدة سليمة لا يوجد فيها قرحة، والاثنا عشر لا يوجد فيها قرحة، والأمعاء لا يوجد فيها التهابات مزمنة، والكبد لا يوجد فيه التهاب أو تشمع، والبنكرياس لا يفرز مادة سكرية زائدة، فلا يوجد معه سكر، والصفراء ليست ملتهبة، و لم تستأصل، والكظر يعمل بانتظام، والكليتان تعملان بانتظام، والعضلات لا تؤلمه، والشرايين ليست متوترة ولا ضيقة ولا متصلبة، والقلب يعمل بانتظام، والتخطيط جيد، والحركة ممتازة، والنشاط متوافر، يأكل كل ما لذّ وطاب، فليس هناك طعام محروم منه، ويمشي على قدميه، فهذه نعم لا تعد ولا تحصى.

نعمة الإيمان أعلى نعمة على الإطلاق :
مرة لفت نظري إعلان في صحيفة كويتية اسمها القبس، الإعلان مرسوم به فيلا ضخمة جداً، والإعلان قديم، أكثر من عشر سنوات، رسم لفيلا ضخمة جداً ورسم لشخص كويتي، والإعلان صفحة، إنني أنا مواطن كويتي أعمل في الدائرة الفلانية، لا أملك من هذه الدنيا إلا هذه الفيلا وقدر سعرها، أنا قدرت سعرها بالسوري ثلاثة ملايين ليرة، والآن تعادل أربعين مليونًا، فيلا كاملة، قال: هذه أقدمها هدية متواضعةً رمزيةً لمن يعطيني إحدى كليتيه، فإذا هذه الفيلا ثمنها ثلاثون مليونًا الآن تقابل الكلية، والكلية الثانية ثلاثون، مجموعهما ستون، والعين كذلك، والعين الثانية، والأذن، واللسان، والنطق، والرئتان، والشرايين، والأوردة، أنا قدرت الإنسان، فإذا كل عضو له يريد أن يعطيه لإنسان بثلاثة ملايين على السعر القديم للدولار، والآن بثلاثين مليونًا، معنى ذلك أنّ الإنسان يساوي ألف مليون.
((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[الترمذي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ]
التقيت بمحاسب في كلية التربية سألته فقال لي: الحمد لله على نعمة الصحة، تذوقت هذه الكلمة تذوقًا، ورأيته شاكرًا لله عز وجل، وأنا متأكد أن المعاش لا يكفيه، ولكن الحمد لله على نعمة العافية، هذه نعمة لا تقدر بثمن، أما إذا تعمقت فتجد أن نعمة الإيمان أعلى من هذه النعمة بكثير، فلو كان في العافية خلل استمر الإيمان معك إلى الأبد، فمن يمُت على الإيمان فقد حقق كل نجاح وتفوق. الإنسان العاقل يفكر في نعم الله عز وجل و يشكره على ذلك :
ملخص هذا البحث الصغير أن الإنسان غارق في نعم الله، أَجْرِ إحصاء لها فلا تحصى، قال الله:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
[ سورة إبراهيم: 34]
إذاً يوجد في جسمك أكثر من مليون، أو مليونين، أو خمسة ملايين مكان، لو اختل أحدها لنغص عليك كل حياتك، ويكفي أن القناة الدمعية تنسد، وتحتاج إلى منديل دائماً، ثم يرسم خطاً أحمر، لأن هذا الدمع قلوي، وهذه القناة الدمعية أرفع قناة في الجسم البشري مثل الشعرة مفرغة من الداخل، فالدمع الفائض ينزل منها إلى الأنف فيرطبه، وأحياناً تنسد، فثمّة نعم لا أحد يعرفها، تناول طعام العشاء، وذهب لينام، فما الذي حدث؟ إذا حرم الله عز وجل الإنسان من النوم فإنه يدفع كل ماله حتى ينام، حدثني أخ منح بعثة إلى بعض البلاد الأجنبية، وحينما وصل إلى هناك غاب عنه النوم، فذهب إلى الطبيب، قال له: لا يوجد بك شيء؟ ذهب إلى المستشفى، فقالوا له: لا يوجد بك شيء؟ أحياناً حالات نفسية، كالقلق، ما ذاق طعم النوم واحدًا وعشرين يوماً، حتى حمله هذا المرض إلى أن يعود لبلده.
هناك نعمة ثانية؛ الإنسان ينام ورئتاه تعملان بانتظام، لو أنّ ربنا عز وجل أوكل إلينا أمر التنفس فلن نستطيع أن ننام أبداً، تحتاج دائماً أن تضع ماء باردًا وتفتح النوافذ، فمركز التنبيه النوبي بالبصلة السيسائية يتعطل، والآن اخترعوا دواء غاليًا جداً يجب أن تأخذه كل ساعة، تربط أربعة منبهات على الساعة التاسعة وتأخذ حبة وعلى العاشرة حبة، والحادية عشرة حبة، والثانية عشرة حبة... إذا أحدنا وصف لابنه دواء التهاب كل ست ساعات حبة يشعر بهمّ لاستيقاظه الساعة الواحدة مساءً من أجل حبة واحدة، وهذا الدواء نعمة كبرى، أنقذ حياة أولئك المصابين بهذا المرض، فلو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليك نعمة التنفس فإما أن تنام فتموت، أو أن تحرم النوم كي تبقى حياً، فملخص هذا البحث أن الإنسان العاقل يفكر في هذه النعم.
وأنا أقول لكم: واللهِ الذي لا إله إلا هو من جرى تفكيره في هذه النعم، وعرف أنها من الله، حاشا لله أن يسلبه إياها، وأن يحرمه إياها، وبالشكر تدوم النعم، يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
***
آداب الانصراف :
1 ـ أن يخرج الإنسان مع الضيف إلى باب الدار و أن يكون طليق الوجه :
والآن إلى الفصل الأخير من إحياء علوم الدين، وعن آداب الطعام والشراب، وننتقل بعدها إلى آداب الزواج، آخر أدب من آداب الضيافة، آداب الانصراف، للانصراف ثلاثة آداب؛ الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، فمن اللياقة والأدب والكمال أن تخرج مع الضيف إلى باب الدار، وإذا كان الضيف غاليًا جداً فإلى مدخل البناء، وإذا كان أغلى من ذلك فإلى أول وسيلة نقل يركبها، وهو سنة، وذلك من إكرام الضيف الذي أمرنا بإكرامه:
(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على النبي عليه الصلاة والسلام - استمعوا إلى هذا الخلق الرفيع - فكان يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم.
وتمام إكرام الضيف طلاقة الوجه، وأن يضع له طعامًا فخمًا ويجلس، لا باللغة الدارجة - التقي بي ولا تطعمني- يجب أن يكون هذا الوجه طليقاً، وفي الحديث:
(( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ َصَدَقَةٌ ))
[ الترمذي عن أبي ذر]
أن تبش في وجه أخيك صدقة، والترحيب الزائد، أهلاً وسهلاً، لقد جبرت خاطرنا بهذه الزيارة، طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، مثلاً دعوته إلى الغذاء، ما هذه الأسعار؟! يا أخي شيء يجنن، هذه لا تقال، هذا ليس من طيب الحديث، فأنت تمننه بهذا الغذاء، إنْ كان اللحم غاليًا عليك فلا تدعُه، لي ابن سيئ أحتار ماذا أفعل بأمره، سوف تكربه بهمومك، أنت دعوته من أجل أن تسره، ستقول له همومك، وتعكر صفوه، هكذا قال النبي الكريم؛ طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، ويجب أن تختار أجمل الحديث بما يطيب خاطره، ويؤنسه، وما يجعله يرتاح لحديثك، طلاقة الوجه، وطيب الحديث، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( إنكم لا تسعون- وفي رواية- إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))
[ البزار في مسنده عن أبي هريرة]
فقال: طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول وعند الخروج وعلى المائدة، قيل للإمام الأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه وطيب الحديث.
وقال يزيد بن أبي زياد: "ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثاً حسناً، وأطعمنا طعاماً حسناً"، هذا أول أدب؛ أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهي سنة، وأن يكون طليق الوجه، طيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة.
2 ـ أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير :
وأما الأدب الثاني فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، كما علّم النبي الكريم المضيف أن يكرم ضيفه، علّم الضيف أن يتجاوز عن التقصير، فأحياناً تجلس ولم يُقدَّم لك شيء إطلاقاً، هممت بالذهاب، وقلت له: أستأذنك أريد أن أذهب، قال لك: والله لا تؤاخذنا ما ضيفناك شيئًا، أنتم أهل مرفوعة الكلفة، وأنت تعلم أن في البيت لا يوجد أحد، ولا يوجد عنده قهوة، لا يوجد عنده شيء إطلاقاً، لا سكرة، ولا شكولاته،، والشاي يحتاج إلى وقت حتى يجهز، ولا يوجد عنده غاز، والسخان معطل، فالإنسان لا ينتقد، فإذا كان رسول الله أمر المضيف أن يكرم ضيفه، أمر الضيف أن يتجاوز عن التقصيرات، فمن التمام أن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير:
((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
وقد يقدم لك كأسًا من الشاي لونه فاتح، اعتقدت أنت أن هذه زهورات، فكانت شايًا قد يكون عنده قليل من الشاي وضعه، ولا يوجد عنده غيره، فماذا تقول له؟ أنا أحب الشاي فاتحاً
يروون أن أحد القضاة المشاهير؛ وهو الشيخ عطا الكسم دخلت امرأة صحتها جيدة، وفي أثناء صعودها إلى درج المحكمة صدر منها صوت مخزٍ، ومعها صديقتها، قالت لها: سمعنا القاضي، قالت كلامًا كادت أن تتشقق من الخجل، وصلت إلى القاضي فقال لها: ما اسمك يا أختي؟ فقالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت: إنه ما سمعنا.
كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال أكثر :
كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال، لماذا الشاي فاتحاَ؟ لا أريد أن أشرب، فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، وهذه قصة قد يكون مبالغ بها، ولكن سوف نستمع إليها لأنها طرفة.
دعا بعض السلف رجلاً عن طريق رسول فلم يصادفه، فلما بلغه الخبر حضر، وكان القوم قد تفرقوا وفرغوا من الطعام وخرجوا، فخرج إليه صاحب المنزل وقال: تأخرت قد خرج القوم، قال: هل بقي بقية من طعام؟ قال: لا، قال: أكسرة من خبز؟ قال: لا، قال: فالقدر أمسحه، قال: قد غسلته، قال: فانصرف بحمد الله تعالى، فلما قيل له في ذلك قال: قد أحسن الرجل، ودعانا بنية طيبة، وردّنا بنية طيبة، وهذا من التواضع.
فإذا دخل الإنسان إلى الدعوة وكانوا قد بدؤوا في الطعام، يضع العقدة ولا يتكلم معه، أو إذا لم يجد مكانًا على الطاولة، والضيف يتشقق من خجله، فأنت تأخرت، ولا يوجد عنده كرسي فارغ.
وإذا الإنسان الموحّد رأى في إكرام الناس له إكرامًا فمن الله عز وجل، وفي تقصيرهم في حقه لفت نظر من الله عز وجل، يكون قد قاس نفسه بمَن يدخل دائرة ويكون المدير العام صاحبه، فلا ينظر إليه، ولا يقول له: اجلس، فالموحد يراها من الله عز وجل، وإذا كان غير موحد أقام النكير على هذا المدير، فالموحد يقول: لعلي أنا اعتمدت عليه، وما التجأت إلى الله، وأشركت مع الله، واللهُ أحبَّ أن يؤدبني، فأين الصحبة؟ سهرت وجلست معه، ويوجد خبز وملح، ودخلت مكتبه، وبقي يوقع معاملات، ولم يقل لك: تفضل واجلس، ويعاملك كإنسان عادي، فالموحد يرتاح ويرى هذا تأديباً من الله عز وجل، فأنت أشركت.
فلا ينتصر بما يجري من العباد من تقصير، ولا يستبشر بما يجري منهم من الإكرام، ويرى الكل من الواحد القهار، ولذلك قال بعضهم: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة.

3 ـ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه :
الآن الأدب الثالث؛ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، فهذا الإنسان دعاك إلى طعام، وأحب أن يستأنس بك، ومع آخر لقمة " يا الله يسِّر لنا الطريق"، إلى أين أنت ذاهب؟ هل الطعام هو الهدف؟ أكل وغسل واسمح لنا بالذهاب، هذه في حق المؤمن فيها تقصير شديد، هو دعاك ليستأنس بكلامك، ودعاك ليلتقي معك، في أثناء الطعام كان مشغولاً بالأكل، وقبل الطعام بإعداده، وبعده تفرغ لك، وأنت تريد أن تنصرف وقد أكلت فماذا تريد غير هذا؟ هذا أيضاً من سوء الأدب.
ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعي قلبه في قدر الإقامة، فإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام، فربما يتبرم صاحب الدار، ويحتاج إلى إخراجه:

((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ))
[ البخاري عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ]
إلا إذا ألحَّ رب البيت عن خلوص قلب ومحبة، فله المقام أكثر من ذلك، فقد يزور الرجل ابنته المتزوجة في بلد عربي، والبنت غالية، والأب غالٍ، والصهر محب، ويوجد بينهما مودة بالغة، وإكرام منقطع النظير، فليس من المعقول أن يقتصر على ثلاثة أيام فقط، يستضيفه أسبوعًا، أو أسبوعين، فلا مانع، يأتي إليك فتكرمه ويكرمك، وتأخذه إلى النزهات، فالضيافة ثلاثة أيام إذا لم يكن ثمة تعامل بين الناس. يستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل :
ويستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل، وهذا في القرى والأرياف، فلا تجد فراشًا واحدًا بل في المضافة تجد عشرات مع اللحف والوسادات، وإذا كان للإنسان بيت فليجعل مكانًا للضيف، فلا بد من مكان؛ إما فراش متحرك أو سرير احتياط، فقد يضطر الإنسان فيأتيه ضيف وينام عنده، فمن السنة أن يكون عنده فراش للنازل:
(( فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لأهْلِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ ))
[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
هذه غرفة نوم، وتحتاج إلى فراش للضيف، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، يأتي صهرك مسافرًا، يأتي أخوك، تأتي أختك من السفر، فيجب أن تقول لها: نامي عندنا. آداب متفرقة للأكل والشرب :
الآن مع آداب متفرقة للأكل والشرب نجملها ببعض الأقوال، حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "الأكل في السوق دناءة "، وكنتم تعلمون مني سابقاً أنه: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته".
هناك أشياء تسقط العدالة؛ أن تظلم الناس، أو أن تخلفهم الوعد، أو أن تخونهم الأمانة، فإذا فعلت هذا فقد سقطت عدالتك، والعدالة في الإسلام الحقوق المدنية بالتعبير الحديث، أي تصبح غير مقبول الشهادة، والعلماء فرقوا بين أشياء تسقط العدالة، وأشياء تجرحها، أحيانا الكأس يتحطم وأحيانا يُشعر، إبريق بلور تكسره بالمطرقة، وأحياناً يشعر شعرًا خفيفًا، ولكن هذا الشعر عابر، زبدية صينية ثمنها ثمانية آلاف، ومشعورة، ثمنها مئتا ليرة، لكن لا بأس بها كمنظر، أما كبيع وشراء فلا، وسجادة ثمنها ثمانية وثمانون ألفًا، يوجد أشياء تسقط المروءة، وأشياء تجرحها، فمما يجرح المروءة الأكل في الطريق، والمشي حافياً، والبول في الطريق، والتنزه في الطريق، والجلوس في الطريق، وارتفاع الصوت في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق، والحديث عن النساء، والتطفيف بتمرة في الميزان، وأكل لقمة من الحرام، واللعب بالنرد، واللعب بالشطرنج يجرح المروءة، ومما يجرحها أيضاً من أطلق لفرسه العنان، أو السرعة في قيادة السيارات الآن، ومما يجرح المروءة من قاد برذوناً أو حيوانًا مخيفًا أو كلبًا يمشي أمامه مساء، والأطفال يخافون منه، فهذا مما يجرح المروءة، وأن تصحب الأراذل، وأن تتحدث عن النساء.
هذا كله يجرح مروءة المسلم، فتصبح شهادته غير مقبولة، يقولون: إن رجلاً رآه صديقه يأكل في الطريق، فقال: ويحك أتأكل في السوق؟ قال: أجوع في السوق وآكل، قال له: إن جعت في السوق فكل في البيت، فلما قيل له: ادخل المسجد وكل فيه، قال: والله إني أستحي أن أدخل بيته لأكل فيه، قد يدخل الإنسان إلى المسجد من أجل أن يقضي حاجة ويخرج، وقد يجعل المسجد طريقًا، يدخل من أول باب ويخرج من ثانيه، فهذه وصمة عار في حقه، يدخل بيت الله ليجعله طريقاً؟ أو يدخل بيت الله ليقضي حاجةً فيه فقط؟ أو لينام فيه في رمضان؟ كما تجد في الجامع الأموي كثرةَ النائمين .
لا يجوز أن يدخل ليأكل فقط، أما في رمضان فمثل بعض الأقطار العربية يفطرون في المساجد على تمرات، أشخاص يحضرون الطعام، قد يكون في المسجد رجل غريب، أو بيته بعيد فيأكل، أما إذا كان الهدف في المسجد الأكل، فالعلماء قالوا: يأكل في المسجد مرقًا فيقع على السجاد، فهذا شيء خفيف، فثمة أكل مكروه أن يكون في المسجد، قال علي رضي الله عنه: "من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء، ومن أكل كل يوم سبع تمرات قتلت كل دابة في بطنه".
هناك بعض الأقوال عن بعض الأطعمة بعضها غير ثابت، نحو: "لحم البقر داء ولبنها شفاء"، وربنا عز وجل قال:

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[ سورة هود : 69 ]
إذا ربنا عز وجل جعل إكرام الضيف لحم العجل، فهذا الكلام غير مقبول؛ أن يقول إنسان: لحم البقر داء، ولبنه شفاء، هذا الشيء غير مقبول. نصائح طبية :
يوجد بعض النصائح الطبية؛ قيل لبعض الأطباء: هات لي طعامًا آكله؟ قال : لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعامًا إلا أجدت مضغه، وكُلْ ما أحببت من الطعام، ولا تشرب عليه، فإن شربت فلا تأكل عليه شيئاً، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت في النهار فنم، وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام.
وهناك بعض القواعد التي سوف نتم شرحها إن شاء الله تعالى في درس قادم.

* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
رحمته صلى الله عليه بالصبيان :
هناك بعض الأفكار في هذا الفصل تحتاج إلى تحقيق وإلى تقييم، وسوف ننهي الدرس بحديث سريع عن بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام.
رحمته صلى الله عليه بالصبيان، فمن رحمته صلى الله عليه بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبلهم، فقد قبَّل عليه الصلاة والسلام الحسن و الحسين:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبْصَرَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الْحُسَيْنَ أَوِ الْحَسَنَ فَقَالَ: إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
((عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ))
[ متفق عليه عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ]
(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ))
[ الترمذي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ]
وكان إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِالْبَاكُورَةِ بِأَوَّلِ الثَّمَرَةِ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي ثَمَرَتِنَا وَفِي مُدِّنَا وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ ))
[الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
هناك إنسان توفيت عمته، وتركت له مليوني ليرة، وهو موظف فقير لا يملك شيئًا من الدنيا، طبعاً أطال لحيته، ولبس كرافة، تصنَّع الحزنَ اليوم والأول والثاني والثالث، والكل يقول له: عظَّم الله أجركم، إلا واحدًا قال له: تهانينا، لقد كان واقعيًا. رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه نهى عنه النبي الكريم :
الإنسان عندما يبكي على ابنه فهذا شيء طبيعي، وإذا بكى يتهم بعدم الصبر، لا، ليس لها علاقة، فالبكاء رحمة، ولكن رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تمنع أمًّا أن تبكي على ابنها الذي مات فهو أمر مستحيل.
((عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))
[ متفق عليه عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَكَانَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
ذهب جسر البيت، ما هذا الكلام؟ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، رجل توفي أخوه، وترك عشرة أولاد، فجعل يبكي، فلما وصل هذا الخبر إلى شيخه استدعاه وقال له: ما لك تبكي؟ قال له: ترك لي شيئًا يكفي لمدة سنة، فقال له: جيد حتى تمضي السنة وتبقى على قيد الحياة، فكان موت هذا الأخ بعد ستة أشهر.
فالإنسان يبكي في الوقت المناسب، أما هؤلاء فليس لهم أحد، فمن يطعمهم؟ هذا كله كلام يعذب الإنسان، أما البكاء فلا شيء عليه.
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ، وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ قَالَتْ فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ يَعْنِي عُثْمَانَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ أَوْ قَالَ: وَهُوَ يَبْكِي ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
ولما مات عثمان بن مظعون كف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه - كشف عنه - وقبّل ما بين عينيه ثم بكى طويلاً، فلما رفع على السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها- كان فقيراً جداً-: ((إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ))
[ أحمد عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ]
الإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى و علا شأنه :
أحياناً الإنسان ابنته الصغيرة في البيت تريد أن تأكل قطعة شوكولا من غرفة الضيوف، تأخذه من يده، وتشير له أنها تريد أن تأكل من هذه، ترى إنسانًا له قيمته، وفي البلد له شأن كبير، وشهادة عليا جرَّته هذه البنت الصغيرة، وعمرها سنة ونصف، والإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البيت كأنه واحد من أهل البيت.
آخر شيء:

(( عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ ))
[ النسائي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى]
((عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ ))

السعيد 09-10-2018 05:05 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : (الخامس و الخمسون )

الموضوع : صلاة الجمعة - 1





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة الجمعة :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم صلاة الجمعة، صلاة الجمعة فرض عين، وكما تعلمون الفروض على نوعين؛ فرض عين وفرض كفاية، فصلاة الجمعة فرض عين لا تسقط عن الفرد في كل الأحوال، أما صلاة الجنازة فهي فرض كفاية، إذا قام بها البعض تسقط عن الكل، وطلب العلم بإجماع العلماء فرض عين، وطلب العلم حتم واجب على كل مسلم، فمعنى الفرض الشيء الذي لا تقوم حياتك من دونه، فالطعام فرض لبقاء الجسم، وأكل بعض أنواع الفاكهة ليس فرضاً، أما تناول الخبز والإدام كل يوم فهو فرض لبقاء الجسم، فالفرض فرض عين وجب على كل إنسان أن يفعله، وصلاة الجمعة فرض عين بالكتاب والسنة والإجماع.
أدلة من الكتاب و السنة على أن صلاة الجمعة فرض عين :
أمّا الكتاب فقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
لو كان هناك عقد بيت ثمنه ثلاثة عشر مليونًا تمّ توقيعه في أثناء آذان الظهر، ورفع العقد إلى القاضي فالعقد باطل، أي عقد يوقع مع آذان ظهر يوم الجمعة فالعقد باطل، لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
هذا في الكتاب، أما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَبَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَلا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ أَلا وَلا صَلاةَ لَهُ وَلا زَكَاةَ لَهُ وَلا حَجَّ لَهُ وَلا صَوْمَ لَهُ وَلا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلا لا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً وَلا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ ))
[ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
لا شيء يؤذي العين كأن ترى رجلاً يعد العدة لقضاء نزهةٍ في أثناء صلاة الجمعة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))
[الترمذي أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ]
ومن يطبع الله على قلبه يجعله في أسفل درك جهنم، ثلاث جمع من غير عذر، وفي رواية أخرى: "نكتت نكتة سوداء في قلبه"، ثلاث جمع لا تحضرها تصبح قيمك مثل قيم الناس، تشعر بالضيق والملل والسأم، وتحدثك نفسك بأكل المال الحرام، وتحدثك نفسك بالعدوان على أعراض الناس، وتشعر بمشاعر أهل الدنيا، ويصيبك ما يصيبهم هذا هو الران. شروط صلاة الجمعة :
1 ـ الذكورة :
وقد قال العلماء: الجمعة فرض مؤكد أكثر من الظهر، أي فرضية الجمعة أشد قدسيةً من الظهر، وهي مؤكدة أكثر منه على كل من اجتمع به سبعة شرائط، فتجب عليه حينئذ صلاة الجمعة، وهي الذكورة، وقد خرج بهذا الشرط النساء فلا صلاة جمعة عليهن.
2 ـ الحرية :
الحرية: وخرج بهذا الشرط الأرقاء.
3 ـ الإقامة بمصر :
الإقامة: وخرج بهذا الشرط المسافر، والإقامة بمصر، وخرج به المقيم بقرية لا يوجد فيها مسجد ولا إمام، ولا خطيب، فتسقط عنه صلاة الجمعة إلا إذا كانت الشمس تؤويه إلى قريته، هكذا قال رسول الله، معنى ذلك إذا كانت المسافة بين قريته التي لا مسجد فيها ولا إمام فيها وبين مكان فيه صلاة جمعة إن ذهب إليه وصلى الجمعة هناك، وعاد إلى قريته مع المغيب وجبت عليه صلاة الجمعة، تصور من الظهر إلى المغرب سيرًا على الأقدام، فإذا سمحت لك الشمس من بعد صلاة الجمعة إلى غياب الشمس أن تذهب إلى هذه البلدة وتصلي فيها وتعود وجبت عليك صلاة الجمعة، وبحسب المواصلات الحالية اليوم من حمص إلى الشام مسيرة ساعتين، إذا انتهينا من صلاة الظهر مثلاً الساعة الثانية، وركبنا سيارة إلى مركز الانطلاق وصلنا الساعة الثالثة، و يتحمل الطريق ساعتين إلى حمص نصل الساعة الخامسة، فإذا كان الرجل يسكن في حمص مثلاً، ولا يوجد هناك صلاة جمعة، وفي الشام يوجد صلاة جمعة، وما دامت الشمس تؤويه إلى قريته، وإذا تصورنا قرية تبعد عن دمشق كبعد حمص عن دمشق، فسكان هذه القرية عليهم أن يأتوا إلى دمشق ليصلوا الجمعة، لأن الوقت كاف أن يؤويهم إلى قريتهم قبل مغيب الشمس.
أنا موجود في قرية لا يوجد فيها مسجد، فيجب أن تذهب مشياً، وأن تعود مشياً إلى قريتك، ولا تضيع عليك صلاة الجمعة، وشرط الإقامة بمصر:
((عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ))
[ أبو داود عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ]
ولقولـه عليه الصلاة والسلام: (( لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة ))
[رواه ابن أبي شيبة عن علي]
فهذا الكلام بالنسبة لنا محلول، نحن في الشام وما أكثر مساجدها، إذاً الذكورة والحرية والإقامة بمصر أو فيما هو داخل في حدّ الإقامة فيها كرجل ساكن مثلاً في داريا، هي تعد من الشام، أو يسكن في بيت مثلاً بين دمشق ودوما، عمّر بيتًا في طريق عام، ولكن لا يوجد حوله بيوت، هذا في حكم الإقامة في الشام، لأنه إذا خرج منه يقصر في الصلاة، وإذا عاد إليه يتم، إذاً هذا في حكم الإقامة بالمدينة. 4 ـ الصحة :
والشرط الآخر في صلاة الجمعة الصحة، فخرج به المريض بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيخ الكبير ملحق بالمريض، كشيخ كبير لا تحمله قدماه، أو بصره ضعيف يحتاج إلى قائد، أو يحتاج إلى عكاز، والطريق وعر، وربما وقع فتنكسر بعض أضلاعه.
5 ـ الأمن من ظالم :
والخامس الأمن من ظالم، فلو أن هذا المصلي إذا خرج من بيته أصابه ظلم ظالم سقطت عنه صلاة الجمعة، فلا تجب على من اختفى من ظالم، ويلحق به المفلس الخائف من الحبس، وعليه ديون والدائنون يلاحقونه، فلو عثروا عليه في الطريق لألقوا القبض عليه، وساقوه إلى السجن، والشرع ما كلف هذا المفلس بصلاة الجمعة.
لكن إذا قتل رجل مؤمنًا خطأ بسيارة واختفى، فلو ظهر للعيان لألقي القبض عليه، وهل إلقاء القبض عليه ظلم؟ لا، هو عدل، إذاً فعليه صلاة الجمعة.
6 ـ سلامة العينين :
السادس: سلامة العينين، فلا تجب على أعمى عند أبي حنيفة، إلا إذا وجد قائداً يقوده إلى المسجد فتجب عليه صلاة الجمعة.
7 ـ سلامة الرجلين :
السابع: سلامة الرجلين، فلا تجب عن المقعد لعجزه عن السعي اتفاقاً، ومن العذر أيضاً المطر العظيم، والسيول، والانهدامات في الطريق، فهذه أيضاً تسقط عن الرجل صلاة الجمعة.
يشترط أيضاً لصلاة الجمعة عدة أشياء :
1 ـ المصر أو فناؤه :
ويشترط أيضاً لصلاة الجمعة ستة أشياء ؛ الأول: المصر أو فناؤه، أي أن تكون في بلد فيه مساجد، أو محيط في هذا البلد، تصح إقامة صلاة الجمعة في مواقع كثيرة بالمصر، فالشام فيها ثلاثمئة مسجد، وهذه المساجد كلها تصح فيها صلاة الجمعة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الصلاة لمن سبق، وقد يحب الإنسان أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، كصلاة ظهر، هذا مرفوض عند الأحناف، وضعيف عند الشافعية، لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض.
2 ـ أن يصلي بهم الأمير إماماً :
و من شروط الصحة أن يصلي بهم الأمير إماماً، والمفروض أن يصلي الأمير بالناس إماماً، وهذه لها معنى، لأنّ هذا الأمير اختير لصلاحه وتقواه، وهو يستطيع أن يخطب بالناس، ويصلي بهم، وإن لم يكن فنائبه، وقد ينيب الأمير عنه القاضي أو الخطيب، والآن الخطباء نواب الأمير في أداء الصلاة. 3 ـ أن يدخل وقت الظهر :
والشرط الثالث أن يدخل وقت الظهر، فلا تصح الجمعة قبل دخول وقت الظهر:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ))
[ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]
وتبطل صلاة الجمعة لخروج وقت الظهر، أي من دخول وقت الظهر إلى خروج وقته، فإذا خرج وقت الظهر بطلت صلاة الجمعة. 4 ـ الخطبة :
والشيء الذي لا بد منه وهو الخطبة، وهذه عبادة فيها توجيه، فأي شيء قاله الخطيب ولو كان آية أو حديثًا، ذكر الناس بأمر دينهم، وبكتابهم، وبسنة نبيهم، وحذرهم وزهدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة، فهذه الخطبة تساوي شحن هذه البطارية، وكل أسبوع تشحن، وتخرج متحمسًا راغبًا في أن تصلي قيام الليل، وتعمل الصالحات، وتغض بصرك، فقد يأتي يوم الثلاثاء والأربعاء تشعر أنّ حماسك فتر، فالبطارية فرغت، فتأتي يوم الجمعة وتشحنها مرة أخرى، أما إذا كان الشحن مستمرًا، وهؤلاء عوام الناس يشحنون في الأسبوع مرة، أما المؤمن الصادق فيشحن كل يوم يصلي صلاة متقنة، ويلتقي مع أهل الحق يومياً، ويستمع إلى الحق، ويدعو إلى الله، فهذا مشحون دائماً وهذا شحن أتوماتيكي، فدائماً عنده بطارية من مستوى عالٍ، ولكن عوام الناس كلما ابتعدت المسافة الزمنية بين الخطبة وبين الوقت الذي هو فيه ضعفتْ همتهم.
والخطبة تكون قبل صلاة الجمعة، فهكذا السنة، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، فإذا أصاب الخطيب عطاس فعطس، وقال: الحمد لله رب العالمين، فليست هذه خطبة، وليس لها علاقة بالخطبة، هذا حمد بعد العطاس، فيجب أن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، ويجب أن يحضرها واحد، وليس لها معنى ألاّ يكون أحد في المسجد، هذه أشياء بديهية، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، فلا تنعقد الجمعة إلا بخطبة ومستمع، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، وقد قال الله عز وجل:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
[ سورة محمد: 16]
إنّ الله عز وجل وبّخ المنافقين لأنهم إذا حضروا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ثم خرجوا من عنده لا يعرفون ماذا قال لهم، فهم شاردون غارقون في مشكلاتهم، غارقون في همومهم، غارقون في الدنيا. 5 ـ ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل :
ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم، لأنه طويل لا ينتهي في مجلس واحد.
* * *
نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب :
1 ـ لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشرب دواء إلا من علة :
والآن إلى آخر فصل من فصول آداب الطعام والشراب عند الإمام الغزالي رضي الله عنه، وبعدها ننتقل إلى آداب أخرى.
نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب قال: لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، فهناك أشخاص مغرمون بالحبوب والفيتامينات، كل شيء كيميائي ضار بالإنسان، فالإنسان يتناول الدواء عند الضرورة، ولو لاحظت الطبيب نفسه لوجدت أنه أبعد الناس عن الدواء، لأن هذا الجسم نباتي، وإكثار المواد الكيميائية فيه يضعفه، وما من دواء كما قال لي بعض الأطباء إلا وله فائدة من ناحية، وضار من ناحية أخرى، وطبيب حدثني قال لي: مثلاً الكورتيزون، الكورتيزون يبيض وجه الطبيب، فيكون في المريض آلام مبرحة؛ آلام في المفاصل، آلام حساسية فيعطيه إبرة كورتيزون، فترى المريض ارتاح، ويثني على الطبيب، لكن هذا الكورتيزون له مضاعفات كبيرة، فلو أخذه الأطفال كثيراً لتوقف نموهم، ولو أخذه الكبار لالتهبت أكبادهم، فهناك مضاعفات خطيرة جداً من استعمال الكورتيزون، ولكن بعض الأطباء الذي يبتغون سمعةً عاجلةً سريعةً يعطون الكورتيزون، حدثني أخ قال لي: يوجد طبيب في بعض الأقبية، عليه ازدحام منقطع النظير، إذْ يكون ثمة آلام مبرحة، بإبرتي كورتيزون تذهب الآلام، فهذا المريض يلهج بالثناء على هذا الطبيب، لكن لا يعلم أنه دمر كليتيه، دمر كبده، ودمر صحته، الكورتيزون خطير، فالإنسان يقلل من استعمال الدواء قدر الاستطاعة، ويجعل الدواء في الغذاء، وفي الحمية، والحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء.
تعلق سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه بحجم الطعام في المعدة :
وأغرب شيء قرأته في بعض كتب أمراض القلب، أن سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه متعلق بحجم الطعام في المعدة، ونوعية الطعام فيها، فما علاقة القلب بالمعدة؟ لأن هذا الطعام الذي في المعدة مصيره إلى الدم، فإن كان فيه مواد دهنية تزيد عن الحد المطلوب ترسبت في الشرايين، فأصيب صاحبها بما يسمى بتصلب الشرايين، وإذا تصلبت الشرايين تعب القلب، وتضخم تضخماً مرضياً، وانتهت الحياة بمآسٍ كثيرة، ولذلك قال بعض الأطباء كما يزعمون: عمر الإنسان من عمر شرايينه، والشرايين تبقى مرنة ما دام الغذاء صحيحاً وصحياً.
وسلامة القلب وحسن عمله وانتظام دقاته منوط بحجم الطعام في المعدة، وبنوعية هذا الطعام، ولذلك فإنّ تناول الأدوية بشكل غير صحيح أو بشكل متسرع هذا مما يتعب الجسم، ولا تشرب دواءً إلا من علة.
2 ـ لا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها :
ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، هكذا قال الله عز وجل:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
[ سورة الأنعام : 141 ]
3 ـ لا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه :
ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، لذلك فالمضغ الجيد من السنة، والحديث على المائدة من السنة، وأن تجلس مع إنسان تحبه من السنة، لأنك إذا جلست مع إنسان تحبه، تحدثه ويحدثك، وتؤنسه ويؤنسك، تأكل قليلاً، أما قول العوام: كُل أكل الجمال، وقم قبل الرجال، فهذا كلام جهل، فكُل أكل العصافير، وليس أكل الجمال.
4 ـ كُلْ ما أحببت من الطعام :
ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، وكُل ما أحببت من الطعام، والعلماء أجروا تجارب مثيرة جداً، فأتوا بعشرة أطفال ووضعوهم في مكان، ووضعوا أمامهم كل أنواع الطعام، وسمحوا لهم أن يأكلوا ما يشاؤون، وما يحبون، ثم جاؤوا بعشرة أطفال آخرين، ووضعوهم في مكان، وقدموا لهم طعاماً تحت إشراف التغذية، أن يكون الطعام مملوءً بالفيتامينات والمعادن، وحسب الحريرات والجهد والطاقة والمواد الدسمة والبروتينية والسكريات والمعادن، حسابات دقيقة، فوجدوا في المحصلة أن الأولاد الذين أكلوا ما يشاؤون وعلى رغبتهم كان نموهم أسرع وأنشط، وأما الذين أكلوا أكلاً وفق تعليمات علماء التغذية فلم يكن نموهم كنمو هؤلاء، فاستنبطوا أن شهوة الإنسان إلى الطعام متعلقةٌ بحاجته، فالإنسان أحياناً يشتهي أن يأكل خيارة، أو خسة، فيكون عنده عطش خلوي، أحيانا يشتهي أن يأكل موالح لنقص الملح عنده، حتى إن علماء أمراض النساء أشاروا إلى أن المرأة الحامل قد تشتهي بعض المواد، فتشتهي أحيانا رأس كرنب- يسمونه الوحم - ومن يدري أن هذا الوحم له علاقة بحاجة الجنين في بطن الأم، إذْ ينقص الجنين قليل من البوتاس، وحاجة الجنين إلى البوتاس تنتقل في شهوة أمه إلى هذه الخضار، فإذا طلبت الحامل من زوجها نوعًا من الطعام فلا ينبغي له أن يستخف بها، ولا أن يستهزئ منها، فهذه حاجة الجنين الذي في بطنها، وإذا أحب أن يتجاهل طلباتها فالجنين يعاني ويستهلك من أمه، فإذا لم يسقِ الزوجُ زوجته الحليب الكافي والمواد الكلسية اللازمة رأيت أسنانها تنتخر في أثناء الحمل، والجنين يحتاج إلى كمية ثابتة من الكلس، فإما أن تعطي الأم حليباً ومادةً كلسية ليأخذها الجنين، وإما أن يستهلك الجنين كلس أمه، ولذلك فبعض أمراض العظام تصيب المرأة الحامل، وكذلك تسوس الأسنان يصيب المرأة الحامل إذا قصر عليها في الحليب والمواد الكلسية، فالوحم إذاً له علاقة بحالة الجنين الذي في بطن الأم.
والعلماء استنبطوا أن الإنسان يشتهي ما هو بحاجة إليه، مثلاً الناس في الشتاء يميلون إلى الحلو، لأنهم يحتاجون إلى طاقة، والطاقة من السكريات، وفي الصيف يميلون إلى أشياء فيها ماء، كالبطيخ، والخيار، والخس، وهذه أمثال واضحة، أما أحياناً فالإنسان يحب المواد الحامضية فيكون كيمياء دمه حامضي، ويحضر إلى البيت برتقالاً، فترى أن البنت أكلت برتقالة حامضة، والشاب لم يأكلها، لكل إنسان كيمياء في دمه.
5 ـ لا تشرب فوق الأكل :
كُل من الطعام ما أحببت، ولا تشرب عليه، لأن الشرب ماذا يفعل؟ يمدد العصارات الهاضمة في حوالي لتر واحد تفرزها المعدة أثر كل طعام، فإذا شرب الإنسان خمسة كؤوس من المياه تكون هذه المادة الهاضمة قد تمددت.
والنبي الكريم نهى عن ذلك، حتى إن رجلاً دخل المسجد، وهو جاهل وما كان المسجد يومئذ بهذه الفخامة، أرضه حصى، وبال فيه، فلما قام له الصحابة ليزجروه منعهم النبي:
((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَلا تُزْرِمُوهُ قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ ]
فهناك أشخاص جهلة يقول لك أحدهم: أنا قبل أن أنقض وضوئي سوف أصلي العصر، أي صلاة هذه؟! يُكره أن تصلي وأنت حاقن، أساسها لا رأي لحاقن أو حاقد، رأيه في إفراغ المثانة، هذا هو رأيه، فتكره الصلاة إن كان الإنسان حاقناً أو حاقداً. 6 ـ إذا أكلت في النهار فنم :
وإذا أكلت في النهار فنم، أي أن ينام الإنسان ساعة بعد الطعام:
(( قيلوا فإن الشياطين لا تقيل ))
[الطبراني في الأوسط عن أنس]
ومن نام في النهار أعانه هذا على قيام الليل.
استعينوا على الصيام بالسحور وعلى القيام بالقيلولة. 7 ـ إذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام :
وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام، وهذه ملاحظة، فالإنسان يأكل وينام، ولا يوجد حركة، فهذا الطعام إذا لم يستهلكه انقلب إلى مواد دهنية عالقة في الدم، إذا نام الإنسان نوماً طويلاً وقاس نبضه وهو نائم فإنه يكون سبعين أو خمسًا وستين، أو ستين، لأنه لا يوجد حركة، فالدم يسير بطيئًا، وسير الدم البطيء في الشرايين يجعل المواد الدهنية تترسب في جدرانها، فالعلماء قالوا: الذي ينام نومًا متقطعًا من الساعة الحادية عشرة ويستيقظ الساعة الرابعة والنصف على صلاة الفجر وقيام الليل، وينام ويستيقظ الساعة الثامنة صباحاً، فهذا النوم مفيد جداً، أما إذا نام الساعة الحادية عشر حتى الساعة التاسعة ثاني يوم، فالنوم المديد يسبب ترسبات المواد الدهنية في جدران الشرايين، وهذا يسبب أمراض القلب، فالقيام لصلاة الصبح في وقته صحة جسمية قبل أن يكون صحة نفسية.
8 ـ لا تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله :
ويوجد عندنا خطأ كبير في الطعام، فمعظم الناس ينطلق من البيت من دون طعام، مع أن وجبة الفطور أهم وجبة في حياة الإنسان، قال بعض الحكماء لابنه يا بني: لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك -أي تتغذى- إذاً به يبقى الحلم ويزول الطيش، فإذا خرج الساعة السابعة وما تناول طعام الفطور، ففي الساعة الحادية عشرة يشعر بجوع شديد، ويصير عصبيًا، فالنصيحة الطبية ألاّ تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله، وطعام الفطور أهم بكثير من طعام العشاء، لأن بعده بذل طاقة، أما إذا لم يأكل صباحاً فيأكل الظهر عنه وعن أهله جميعاً، وهذا لا يناسب، تناول ثلاث وجبات معتدلة أفضل من اثنتين ثقيلتين، وخمس وجبات معتدلات أفضل من ثلاث ثقيلة.
والعلماء قالوا: من أكل قبل أن يخرج من بيته هو أقل لشهوته مما يرى في السوق، وكلما لمح بائع - شاورما - اشتهي أن يأكل، فإذا أكل صباحاً انتهى الأمر، أما إذا لم يأكل اشتهى، وإذا أكل في الطريق فهو دناءة، وإذا لم يأكل بقي جائعًا وهو في كل نهاره منزعج، فكُلْ صباحاً وانتهى الأمر، وهذه من نصائح الحكماء.
9 ـ احمل الطعام إلى أهل الميت :
أيضاً من النصائح أن يحمل الطعام إلى أهل الميت، ومن السنة إذا مات ميت هؤلاء مشغولون بميتهم، حزينون، فعَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
(( لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا لأهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ))
[ رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
أما ما يجري الآن فعكس السنة، أهل الميت مهتمون بميتهم، والقبر، والنعوة، وقراءة القرآن، والحاجات الأخرى، ويجب أن يصنعوا طعامًا للذين خرجوا في الجنازة، وهذا خلاف السنة. 10 ـ لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم :
وأيضاً لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم، فأنت تعرف أن هذا الإنسان مغتصب للمال الحرام، أو لمال أخوته، فوالده ترك ثروة، فاغتصب أموال أخوته ودعاك إلى بيته الفخم، فلا يجوز لك أن تجيب هذه الدعوة .
فإن أكره على أن يأكل من طعام الظالم فليقلل الأكل، ولا يقصد الطعام الأطيب، وبعضهم اعتذر وقال: كنت مكرهاً، فقال له أحدهم: رأيتك تختار الأطيب وتكبر اللقمة أي إكراه هذا؟ ولو كنت مكرهاً لأكلت طعاماً قليلاً و بشكل رمزي.
بعض ما قاله الإمام الشافعي :
والإمام الشافعي قال: الأكل على أربعة أنحاء؛، الأكل بأصبع واحدة من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث أصابع من السنة، وبأربع أصابع من الشره - يمسك الخبزة ويهبطها على الطعام مثل المظلة - فهذه من الشره، أربعة تقوي البصر؛ الجلوس تجاه القبلة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس، وأربعة توهن البصر؛ منها النظر إلى القذر، والنوم على أربعة أنحاء؛ نوم على القفا، فهذا نوم الأنبياء، دائماً يتفكرون في خلق السموات والأرض، ونوم على اليمين، وهذا نوم العلماء والعباد، ونوم على الشمال، وهذا نوم الملوك والأغنياء، من كثرة أكلهم للطعام، ونوم على الوجه، وهذا نوم الشياطين، وأربعة من العبادة؛ لا يخطو خطوةً إلا على وضوء، خرجت من البيت فتوضأ، فإذا أذن المغرب دخلت لتصلي، وكثرة السجود، ولزوم المساجد، وكثرة قراءة القرآن، فهذه بعض النصائح التي نختم بها فصل آداب الأكل من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الكبير أبي حامد الغزالي رضي الله عنه، وسوف ننتقل بعدها إلى آداب النكاح، وهناك آداب الكسب والمعاش لا أدري بأيهما نبدأ؟
* * *
رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم :
تحدثنا في الدرس الماضي عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان ورحمته بأصحابه، وبالمساكين والضعفاء، أما اليوم فمع رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾
[ سورة الضحى : 9 ]
وكان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتامى، ويبرهم، ويوصي بكفالتهم، و الإحسان إليهم، ويبين الفضائل المترتبة على ذلك، فقد روى البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ))
[ البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ]
وقد روى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحيانا يكون الزوج غافلاً وجاهلاً خرج من البيت الساعة الثامنة صباحاً، وعاد الساعة الحادية عشرة مساءً، ويوجد في البيت يتيم؛ ابن أخيه، فهل يا ترى زوجته أكرمته؟ أكل أم لم يأكل؟ أين نام؟ الزوج لا يعفى من المسؤولية، بل يجب أن يتفقد الطفل أين نام؟ هل أكل الظهر وماذا أكل؟ هل غاب عن البيت وأين ذهب؟ أما إذا أهمل وترك الأمر لزوجته فالزوجة أحياناً تكون قاسية جداً، ومن عجيب أمر النساء يرحمن أولادهن رحمةً لا مثيل لها، وقد تقسو إحداهن على ابن غيرها قسوة لا مثيل لها، فالزوج مسؤول، وجاء في الأثر ذكرُ فضل امرأة مات زوجها فحبست نفسها على تربية أولادها ولم تتزوج: (( أول من يمسك حلق الجنة أنا فإذا امرأة تنازعني وتريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت أن تتزوج من أجلهن ))
[ مجمع الزوائد : عن أبي هريرة ]
طبعاً هذه صورة أدبية بلاغية، فإذا سمعت امرأة هذا الأثر ذابت شوقاً إلى تطبيقه، و عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا ))
[رواه أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ]
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان :
أما رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان:
((... خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَمَرَّ بِبَعِيرٍ مُنَاخٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخِرَ النَّهَارِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَابْتُغِيَ فَلَمْ يُوجَدْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ ثُمَّ ارْكَبُوهَا صِحَاحًا وَارْكَبُوهَا سِمَانًا كَالْمُتَسَخِّطِ آنِفًا إِنَّهُ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ ))
[ أبو داود عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ]
(( وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))
[ رواه أبو داود وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
(( وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ فَقَالَ لَهُمُ: ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لأحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ ))
[ أحمد وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ]
و قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يوصيكم بهذه البهائم العجم، فإذا سرتم عليها فأنزلوها منازلها ))
[ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن عمرو السلمي]
((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَوَاءً وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ متفق عليه وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
ولما رأى رجلاً يذبح شاةً على مرأى من أختها غضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: هلا حجبتها عن أختها تريد أن تذبحها مرتين؟ ((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))
[ مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
وإذا قتلت عقرباً فاقتله بضربة واحدة، أما أن تعذبه أو تحرقه فهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا نَحْنُ قَالَ: إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ ))
[ أحمد وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ]
الحمرة طائر صغير: ((عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ ))
[النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ]
الصيد حلال ولكن له شروط :
لا تظن أن مطلق الصيد حلال، الصيد حلال ولكن له شروط، أما للتسلية فتفجع البهائم كهواية ليس المطلق حلالاً بل المقيد حلالاً.
((وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا ))
[ النسائي وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
يجب أن تصيد لتأكل، وهذا الحيوان قدم لك لحمه غذاءً لك، فتقرب إلى الله بهذا اللحم، أما إذا قتلته ولم تأكله ماذا فعلت؟ ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً أي هدفاً لغني. ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا ))
[البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ]
الشيء المعروف الآن أن الإنسان إذا قتل حيوانًا فالقانون لا يحاسب عليه، كأنْ يسير في طريق سفر فقتل كلبًا، أو هرة، ولكن لو علمت أن هذا الحيوان الذي دهسته سوف يحاسبك عند الله عز وجل لكنت دقيقاً جداً في قيادة السيارة، طبعاً إذا دهست إنسانًا فهناك مسؤولية جزائية، ومحاكمة، أمّا إذا قتل غنمة فأهل الغنمة يوقفونه؟ أما هناك حيوانات لا يحاسب على قتلها القانون، فمن يحاسب على قتلها؟ الله سبحانه وتعالى، فليكن خوفك من الله أشد من خوفك من قوانين الأرض. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))







السعيد 09-10-2018 05:12 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : صلاة الجمعة - 2






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سنن خطبة الجمعة :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الفقه إلى: صلاة الجمعة، وسوف نتحدث عن سنن الخطبة، وسنن الخطبة ثمانية عشر شيئاً، أولها الطهارة، بمعنى الوضوء، والخطبة ليست صلاةً، فليس من شروطها الوضوء، ولكن من سننها الوضوء، وستر العورة، والأكمل للخطيب أن يلبس ثياباً فضفاضة كهذا الثوب الذي يلبس، وهذه الجبة أو العباءة، لأن هذه الثياب تستر حجم العورة، وهذه هي الثياب الكاملة.
والجلوس على المنبر قبل الشروع بالخطبة، والأذان بين يديه كالإقامة، ثم قيامه واقفاً، والسيف بيساره متكئاً عليه في كل بلدة فتحت عنوةً، العلماء فسروا هذه السنة لأن الخطيب يري أهل هذه البلدة أنها فتحت بالسيف، فإذا رجعتم عن الإسلام فالسيف موجود، فذلك باق بأيدي المسلمين.
واستقبال القوم بالوجه، وبدء الخطبة بحمد الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه بما هو أهله، والشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والموعظة، والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وأن تكون الخطبة خطبتين، والجلوس بينهما بمقدار ثلاث آيات، وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالاستغفار لهم، وأن يسمع القوم الخطبة، وأن تخفف الخطبتان بقدر سورةٍ من طوال المفصل، من السور التي بين الطويلة والقصيرة، ويكره التطويل في الخطبة، وترك شيء من السنن، ويجب السعي للجمعة، ولذلك في بعض البلاد الإسلامية يؤذن قبل أذان الظهر بساعة تذكيراً للناس كي يستعدوا ويسعوا إلى صلاة الجمعة، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
وفي بلاد الحجاز فيما أعلم في كل مساجد البلاد يؤذن قبل الفجر بساعة لقيام الليل، وبعدها أذان الفجر، وقبل أذان الظهر يوم الجمعة بساعة يؤذن للتذكير، وعندنا في الشام والحمد لله قبل الصلاة بفترة طويلة يذكر المؤذن، وقبل الفجر يسبح ويترحم، والتراحيم والتسابيح هذه كلها من باب التذكير، ولا أنسى مرة سمعت تذكير مؤذن فخشع قلبي: وهو المعطي لا يسأل، وهو الحليم لا يعجل، وهو الكريم لا يبخل.
و لما يتعلق الإنسان بالله عز وجل، و بأسمائه الحسنى، إذا كانت له حاجة عند الله عز وجل، أو يخاف شيئاً، أو يخشى مرضاً فيطلب حاجته، أو يسأل تيسير العسير، وليس للإنسان إلا الله عز وجل، فكلمة إلهي ليس لي إلا أنت، هذه الكلمة يجب ألاّ تغادر الإنسان، إلهي رضاك قصدي، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، فهذه الكلمات يجب أن يكون الإنسان في مستواها.
ويجب السعي للجمعة، وترك البيع عند الأذان الأول، فهذا هو الأذان الأول الذي قبل أذان الجمعة بساعة، وإذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وكره لحاضر الخطبة الأكل والشرب والعبث ولو بمسبحته ولو بتقليب الحصى، ولو أن يقول لصاحبه: اسكت: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والالتفات يمنةً ويسرة، فهذا مكروه في صلاة الجمعة، وكُرِه أيضاً أن ترد سلاماً، فإذا دخل إنسان جاهل وقال: السلام عليكم فليس لك أن ترد عليه السلام، ولا تشميت العاطس، فلو أن إنسانًا عطس لم يشمت، لأن في تشميت العاطس تشويشاً على المستمعين، وكره الخروج من المسجد بعد النداء ما لم يصلِّ، إذا سمعت المؤذن يؤذن فقد كُرِه لك السفر قبل أن تؤدي صلاة الجمعة، ومن لا جمعة عليه إن أداها جاز، كرجل مسافر وصل إلى مدينة فليس عليه صلاة الجمعة، ولو كان المسجد قريبًا، وسمع المؤذن يؤذن، سعى وصلى الجمعة، جاز له أن يصلي الجمعة مكان الظهر، وَمن لا عذر له في التخلف عن الجمعة لو صلى الظهر قبلها حرم عليه ذلك، وكره للمعذور والمجنون أداء الظهر في جماعة يوم الجمعة، ويكره أن تصلي صلاة الظهر جماعة، لأنّ فيها فتنة، فأناس يصلون الجمعة وآخرون يصلون الظهر جماعة، فكأنهم انشقوا عن الجماعة، ولا يصلى المعذورُ الظهر مكان الجمعة إلا فرادى، وكره أن يصلى الظهر جماعة يوم الجمعة لمن كانوا معذورين كالمساجين مثلاً، فيجب أن يصلوا الظهر فرادى.
ومن أدرك صلاة الجمعة في التشهد الأخير، أو في سجود السهو أتمّ جمعته، والله أعلم، لكن بركة صلاة الجمعة في خطبتها، ولما يأتي الإنسان إلى الجمعة في وقت مبكر فكأنما قدم بدنة –جمل- وإذا جاء في وقت بعده فكأنما قدم بقرة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم شاة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم دجاجةً، ومن جاء في وقت قريب من الأذان فكأنما قدم بيضة فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلس الملائكة يستمعون الخطبة، وأغلقت الدفاتر، فلا تسجيل بعدها، فقد صحّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (( مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ))
[متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فالتسجيل يكون قبل أن يصعد الخطيب المنبر، فإذا جئت في وقت مبكر يسجل لك أجر إنفاق بدنة؛ جمل ثمنه اثنا عشر ألف ليرة، وبعدها بوقت الساعة الثانية بقرة، وفي الثالثة شاة، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، والمقصود بالساعات هنا الوقت، هناك عد تنازلي، فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلست الملائكة تستمع الخطبة. ***
آداب الكسب و المعاش :
والآن إلى فصل جديد من فصول إحياء الدين، ويتعلق بالكسب والمعاش، وكيف أن الإنسان له نشاط يومي، وأول هذا النشاط الطعام والشراب، وقد تحدثنا عنه في شهور عدة، فآداب تناول الطعام، وآداب الدعوة، وآداب استجابة الدعوة، وآداب حضور الطعام، وآداب الخروج، و آداب الضيف، وآداب المضيف تحدثنا عنها طويلاً والحمد لله.
و الشيء الثاني هو آداب النكاح، و لكن آداب النكاح لسنا بعيدي عهد بها، ففي كتاب فقه السنة تحدثنا في آداب النكاح، و في أحكام الزواج أكثر من سنة، و لأن الموضوعات متشابهة آثرت أن أنتقل إلى موضوع ثالث؛ و هو آداب الكسب و المعاش، و هذا فصل مهم جداً، لأنه ما من واحد منا إلا ويكسب قوت يومه، و هناك معلومات و آداب دقيقة ينبغي لنا أن نعرفها حتى يكون كسبنا حلالاً وشرعياً.
فضل الكسب والحث عليه :
من آداب الكسب والمعاش موضوعان أساسيان؛ الأول فضل الكسب والحث عليه، وربنا عز وجل يقول:
﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾
[ سورة النبأ: 11 ]
إن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل، النهار للعمل، والليل للصلاة، وللجلوس مع الأهل، وللتفكر، والتهجد، والتذكر، والشكر لله، فعمل في الليل لا يقبله في النهار أي لله علينا عمل في الليل لا يقبله في النهار، وله علينا عمل في النهار لا يقبله في الليل. ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 10 ]
الإنسان اجتماعي بطبعه لا تقوم حياته إلا بالجماعة :
من حكمة الله عز وجل أن الإنسان لو أحب أن يحصي الأعمال التي هو بحاجة إليها لن ينتهي، فهو مثلاً بحاجة إلى طبيب عيون، وطبيب داخلي، وطبيب جلدي، وطبيب أعصاب، وطبيب نفسي، وطبيب نسائي، وبحاجة إلى من يقدم له الخبز، والمزارع، وصانع المحراث، والذي يبذر، والذي يحصد، والذي يجمع القمح، والذي يبذر القمح، والذي يصول القمح، والذي يطحن القمح، والذي يقدم الطحين للمخابز، فهو بحاجة إلى لحم، تربية الأغنام، وذبحها، وسلخها، وجرمها، وتقديمها، وعلفها، وبحاجة إلى فواكه وخضار، وإلى لباس، فلو جمعنا حاجات الإنسان لكانت بالملايين، بحاجة إلى قماش ينشف به وجهه بعد الوضوء، بحاجة إلى من يقص له شعره، وإلى من يصلح له مركبته، وإلى من يقيم له بيته، وإلى من يقدم له أثاث البيت ولوازمه.
فأحدنا بحاجة إلى مليون شيء، ولكن يتقن شيئًا واحدًا، يتقن شيئاً و يحتاج إلى ألوف الأشياء، فمن هنا كانت الجماعة، ومن هنا قال العلماء: الإنسان اجتماعي، فلا تقوم حياته في المجتمع إلا مع الجماعة، وإذا أردتَ تعليم ابنك فهناك مَن هو مختص بذلك، ولن تستطيع أن تقلع ضرس ابنك الذي يؤلمه إلا إذا كان هناك من هو مختص بذلك، فربنا عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾
[ سورة النبأ: 11 ]
أنا مرة فكرت كم من إنسان يعيش بسبب ارتفاع الحر؟ تصور ذلك، وكم معملاً في العالم للمكيفات؟ وكم معملاً للمراوح؟ وكم معملاً للمشروبات الغازية؟ وكم معملاً للبوظة بسبب الحر؟ وكم معملاً يقدم ألبسة فضفاضة مريحة حريرية للصيف؟ وكم من إنسان يعيش من وراء البرد؟ المدافئ، والتدفئة المركزية، والألبسة الصوفية، والدثر الصوفية، كم من إنسان يعيش من طول شعر الإنسان؟ ولو فرضنا أنّ حشرة تؤذي النبات فكم من إنسان يعيش بفضل هذه الحشرة؟ و كم مهندس زراعي؟ وكم آلة رش؟ وكم من وسائل النقل والشحن والبيع والشراء والقرطاسية من أجل مكافحة هذه الحشرة؟ فربنا عز وجل جعل الحياة عملاً، فأنت بحاجة إلى الثياب، وكذلك إلى زارع القطن، والمحالج، والمغازل، والأصبغة، وصناعة الخيوط، وطبع القماش، منه المطبوع على الطاولة، والمطبوع بشكل أسطواني، ونسيج، وتطريز... من أجل أن تلبس هذا الشيء، ويوجد خياطون وأزرار، فالأمر ليس له نهاية من أجل هذا اللباس: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 10 ]
أساليب وأنواع أخرى للعمل :
الشيء الآخر ربنا عز وجل قال:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة البقرة: 198 ]
فمباح لك أن تعمل، وسيدنا عمر يقول: "إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغِلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية". ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
[ سورة المزمل: 20]
الإنسان عندما يسافر إلى مدينة أخرى ويحمل معه بضاعته، أو عينات من بضاعته، ويعرضها في السوق، فيبيع ويشتري، ويسجل ويشحن، ويستقبل بضاعة، ويسلمها ويحوِّل ثمنها، فهذه أيضاً أساليب وأنواع للعمل قال تعالى: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
وهذا هو السفر في طلب الرزق. من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً و الحلال صعباً :
وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 10]
وبعضهم حمل هذه الآية محملاً آخر، فإذا صليت واستمعت إلى الخطبة فانطلق لتحقيق هذا الذي سمعته، وانطلق إلى العمل الصالح، وإلى التزود بهذا الزاد الذي أمرك الله به، وقد جاء في الأثر: "إنّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة"، حدثني أخ ترك وظيفته، وسعى في التجارة، واشترى صفقة بحوالي مئة وثمانين ألفًا، ووضعها في مستودع عند شخص، وهذا الشخص قليل الأمانة، فباع البضاعة، وأخذ ثمنها، وسافر خارج القطر، والمال ليس له، أخذ مالاً من الناس، وتاجر به، واشترى صفقة جيدة، وليس عنده مستودع، فوضعها عند شخص، ثم جاء ليتفقد بضاعته، فإذا بابن صاحب هذا المستودع قد باع البضاعة كلها، وخرج من القطر، فقال لي: صباحاً أستيقظ بالهم، وأنام بالهم، وأقول: يا رب، وعاهدت الله أن أردّ لأصحاب الأموال أموالهم، وقال لهم: هذا الذي حصل، فالتجارة ربح وخسارة، وما كان غارماً، ولكن آثر أن يرد لأصحاب الأموال أموالهم، وأخذ الله بيده، وفتح الله عليه باب الرزق من أوسع أبوابه، وردّ الأموال لأصحابها، وربح واشترى محلاً تجارياً يقتات منه اليوم.
إذًا: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً، تحرك القلم حركة تأخذ مئة ألف، تعالَ إلى التجارة وحصلها، تحتاج إلى سنة واثنتين وثلاث حتى تحصل عليها، بمتاعب ومخاطر وخوف وعدم بيع وكساد البضاعة وقبض ثمنها، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً والحلال صعباً، حتى يميز الخبث من الطيب. الحكمة من جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة في وادٍ غير ذي زرع :
لماذا جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام في وادٍ غير ذي زرع؟ وهناك أماكن في أوربا كالجنان، جبال خضراء، بحيرات، أجواء مريحة رطبة، نسيم عليل، فلماذا جعل مكة المكرمة حارةً جافةً لا غصن ولا شجرة ولا نسمة بل طبيعة قاسية؟ لماذا؟ الذي خلق الجبال الخضراء لم خلقها في هذه البلاد؟ ليميز السائح من الحاج، فلو أنها بلاد جميلة لاختلط الأمر على الناس، فلا تدري لماذا يذهب إلى هناك سياحةً أم حجاً؟ أما لأنها كذلك فلا يقصدها إلا الحاج؟ ولا يقصدها إلا المحب لله والرسول؟ ويتحمل مشاق السفر رضاءً لله ورسوله، وكذلك الحلال صعب لماذا؟ لأنه لا يحل الحلال إلا المؤمن، ويتحمل كل متاعب الحياة، ولا يأكل المال الحرام، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، تموت جوعاً ولا تأكل بثدييها، فالأدباء غير العلماء، في صف الشهادة الثانوية هناك قصة شعرية، أن امرأة فقيرة لها بنت مرضت، فباعت شرفها من أجل تأمين ثمن الدواء، أعطاها هذا المجرم ريالاً مزيفاً، فلما ذهبت إلى الصيدلي لتشتري الدواء ألقى الريال في وجهها، وقال: هذا مزيف، لقد فقدت ابنتها وفقدت عفتها، وهذه القصة لا ينبغي أن تدرس، فكأن الشاعر يعطي لهذا الانحراف قبولاً من المرأة في سبيل إنقاذ ابنتها بأن تضحي بعفتها، لا، إن الله موجود، وبيده كل شيء، والأمر ضامن، والذي أمر بالاستقامة والعفة يضمن، وهذه حالة غير صحيحة، هذه قصة مشوهة وغير واقعية، فلو أن هذه المرأة عفت عن الحرام هل يعقل أن تموت ابنتها مرضاً؟ مستحيل، هذه فرضية شيطانية، ليس كل قصة يجب سماعها، هناك قصص لها مؤدى سيئ، وكأننا نرضى من الفتاة من أجل تأمين دواء ابنتها أن تضحي بشرفها، أما العرب فيقولون: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، مجمع الأمثال للميداني، بل ربما تموت جوعاً. من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة.
صفات التاجر الأمين :
(( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
ما كنت فيما مضى أفهم بعد هذا الحديث، تاجر باع واشترى، وجلس في مكتب فهو مع الصديقين والشهداء‍! ماذا فعل؟ ما الذي فعله حتى يكون في صفوف هؤلاء الصديقين؟ ولكن حينما علمت أن أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا وماليزيا، هؤلاء يزيدون عن مئتين وخمسين مليونًا، هؤلاء كلهم أسلموا عن طريق التجار، إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا - لا يمدح بضاعته كأنما ينزلها من السماء - وإذا اشتروا لم يذموا - يرخص بقيمة البضاعة المشتراة حتى يجعل صاحبها يبيعها برأسمالها - وإذا كان عليهم لم يماطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، فهؤلاء وهؤلاء الآن أندر من الكبريت الأحمر، فلو أن رسول الله قال: إن أطيب الكسب كسب التجار وسكت، فأيّما تاجر له الحق أن يقول: أنا منهم، ولكنه ذكر سبع صفات إذا توافرت في التاجر جميعها كان منهم. (( من طلب الدنيا حلالاً، استعفافًا من المسألة، وسعيًا على أهله، وتعطفاً على جاره، بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ومن طلبها حلالاً مكاثرًا بها مفاخرًا لقى الله وهو عليه غضبان))
[أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة]
هل هناك من تشجيع على العمل أعظم مِن هذا الحديث؟ موضوعية النبي صلى الله عليه و سلم :
وقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة، مفتول العضلات، عريض المنكبين، ضخم الجثة، نشيط، قد بكر وسعى- انطلق من بيته باكراً -، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هذا فإنه لو كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، يريد أن يشتري بيتًا ليتزوج، ويستقر، ويريد أن يؤسس أسرة، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين، له أب مقعد وأم متقدمة في السن ليس لهما أحد غيره، أحياناً أنا أرى شخصًا شابًا في أول حياته ترك المدرسة، وعمل في مصلحة، عنده أم وأب عاجزان، وعنده أخوات، واللهِ أقدّسه، فهذا الذي يسعى على أبوين ضعيفين، و ذرية ضعاف، عنده ثماني بنات يريدون أن يأكلوا كل يوم، ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان.
انظروا النبي صلى الله عليه كم هو موضوعي، الصحابة تسرعوا لو كان جلد هذا الفتى في سبيل الله؟ فقال: لا تقولوا هذا.... التأجيل وعدم الإتقان ليس لهما أجر الأجر لمن نصح :
وفي الأثر: "إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم ليتخذه مهنةً"، العلم عمل إضافي، يجب أن تكون لك مهنة تقتات منها، وتكون يدك بها عليا لا سفلى، تسير في الناس رافع الرأس، عزيز النفس، إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني، فقيمة الرجل ما يحسنه، فتعلم كل شيء عن شيء، أن يكون لك اختصاص، وشيء عن كل شيء، وفي الخبر أن الله يحب المؤمن المحترف الذي له مصلحة.
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ))
[أحمد عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ]
وفي خبر آخر: "أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح"، صنع لك إنسان طاولة متقنة، أو بابًا، أو بذلة خياطة متقنة، أو قميصًا، أو ثوبًا للشتاء قياسه مناسب، وألوانه مناسبة ومريح، وخيوطه من درجة جيدة، فالله عز وجل يحب هذا الإنسان إذا نصح، أما إذا غش فثمّة مشكلة، وأحياناً الخياطون يوفرون في بذلة ما خمس ليرات، ويضعون لها أقمشة رخيصة، ترسلها إلى الكي فتعود تالفة، ماذا استفدت؟ تَلعن هذا الذي خاط لك الثياب طوال ما تراه.
مرة أحد الشعراء خاط له خياط قباء، لا هو طويل، ولا هو قصير، فانزعج منه، فقال للخياط: والله لأهجونَّك ببيت شعر لا تدري أمدحٌ هو أم ذم، وهذا الخياط كان أعور، والشاعر هو بشار بن برد، وما أدراك ما بشار، فقال: خاط لي زيد قباء ليت عينيه سواء
***
فهو أعور العين، يا ترى تمنى له أن تكون العينان مبصرتين أم أن تكون العينان عمياوين؟ فأحياناً إذا كان للإنسان مصلحة يجب أن يكون مضبوطاً، متقِنًا، فإنما أهلك الصنعة قولُ: غد، وبعد غدٍ، فالتأجيل، وعدم الإتقان هذا ليس لهما أجر، فالأجر لمن؟ للذي نصح. على الإنسان ألا يكون عالة على أحد :
تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي، وروي أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبد، فقال: من يعولك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، لا تكن عالة على أحد، النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقول:
((أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وانه ليس من شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته))
[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود]
أنا أعتبر هذا الحديث أساسًا في الرزق، يوجد شجرة تفاح في سرغايا، التفاحة الرابعة من تحت، هذه لفلان في الشام، منذ خلق هذه التفاحة عليها اسم آكلها، بقي آكلها إذا كانت أخلاقه عالية جداً أنْ يشتريها، أو يأكلها ضيافةً، أو تهدى إليه، وإذا كان غير مؤمن فيسرقها، أو يأخذها تسولاً، أو يقطفها، فطريقة انتقال هذه التفاحة إليك باختيارك، أما هي فلك، وطريقة انتقالها لك باختيارك، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾
[ سورة الذاريات : 223 ]
اللهُ عز وجل كريم جبار :
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الروم: 40 ]
لم يستعمل الله سبحانه وتعالى الفعل المضارع " ثم يرزقكم "، لا، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
وانتهى الأمر، ولا يوجد مثل أجمل من سيدنا عبد الرحمن بن عوف، لما هاجر إلى المدينة المنورة قال له أحد الصحابة الأنصار: هذا نصف مالي فخذه، فقال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، لا يوجد أجمل من عرض الخير على المؤمن، والأجمل منه التعفف عنه، ولذلك جاء في المثَل العربي: (( الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ ))
[مجمع الأمثال للميداني]
قل: يا رب واذهب إلى السوق، ولقد سمعت آلاف القصص، اشترى بضاعة، وقال: يا رب فبيعت، قال لي أخ: من يومين اشترى بضاعة، و لم تباع لمدة أسبوعين و لا لشهرين، اشتراها بمال شخص، فلما شاهد هذا الشخص أن هذه البضاعة ما بيعت، قال له: أرجعها، قال له: إنه من العيب أن نعيدها، واللهُ عز وجل كريم، وهو واقف جاءه مشترٍ فاشتراها كلها، ومنها تعلَّم درسًا لا ينساه، فإن الله جبار.
وأحيانا الإنسان يشتري بعين الجبر، واللهُ عز وجل يكرمه أنه يبيع البضاعة بعين الجبر أيضاً، وهناك أناس يبيعون البضاعة وعينهم فيها، وثمة تاجر يبيع البضاعة وتخرج من عينه، والذي يشتريها يربح منها، فعلى الإنسان ألاّ تكون عينه في البضاعة، والمثل العربي يقول: "الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ ، فابتغوا الرزق عند تزاحم الأقدام". كل الأعمال شريفة ولكن العار أن يكسب الإنسان رزقاً حراماً :
وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وسقا من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:
((إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس))
[رواه الطبراني في المعجم الكبير]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً: ((لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ))
[متفق عليه عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
فلأَنْ تجمع حطبًا، وتبيعه بخمس ليرات خير لك من أن تقف على باب غني فيذهب ماء وجهك، ويذهب ثلثا دينك، وكل الأعمال شريفة، ولكن العار أن تكسب رزقاً حراماً، والعار أن تفعل العار، وأن تعصي الله عز وجل، مثلاً أمام باب الجابية ترى أناساً جالسين معهم أدوات تعزيل المجاري، هل يجوز أن تقول: ما هذه المهنة؟ واللهِ الذي لا إله إلا لهو أشرف مليون مرة من السرقة، ومن كسب المال الحرام، ومن الخداع، ومن الأساليب المعروفة في كسب المال، وهذا العمل الذي لا يطاق أشرف ألف مرة من عمل آخر مظهره فخم، ولكنه مبني على الغش، والدجل، والكذب، والربا، ومبني على أخذ المال بسيف الحياء، ولكن بعض الحرف نهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلمَ أن يحترفها، ألم يقل لكم قبل قليل: واستجملوا مهنكم، وأجملوا في الطلب، أي استجملوا مهنكم: ((... أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته ))
[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود]
وقد قلت كلامًا قبل قليل: لو أن هناك خيارًا بين هذا العمل وعمل حرام، فهذا العمل خير بلا ريب، ولو خيرت أن تعمل في هذا العمل الشاق الذي يحتقره الناس وبين أن تأخذ رشوةً، أو مالاً حرامًا، أو أن تخدع، أو أن تدلس، واللهِ إنّ هذا العمل أشرف بألف مرة، فاستجملوا مهنكم، وفي الأثر: ((من فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر))
وفي الآثار أن لقمان الحكيم قال لابنه: ((يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه....))
إذا كان الإنسان فقيرًا لم يهتم كثيرًا بالحلال والحرام، يريد مالاً حلالاً، أو حرامًا، أو شبهة، يجوز أو لا يجوز، فالفقر يسبب رقة بالدين. من علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة والشكر في النعمة :
واللهِ ثمّة موقف لا أنساه حتى الموت؛ كنت أخطب الجمعة، ولما انتهت الخطبة توقف رجل ملء السمع والبصر، فصيح اللسان، متكلم، يرتدي زياً إسلامياً، وتحدث للناس عن سيدنا عمر، وعن الإسلام، وعن الصلاة، وبعد أن أنهى حديثه طلب من الناس المعونة، فلو كان عاجزًا لجاز له ذلك، ولكنه يمكن أن يشتري خضاراً ويبيعها، لكن كل هذا الحديث الجميل من أجل أن تطلب من الناس؟ فهذا الدين عظيم، فليس لك أنْ تهينه، ولا أنْ تستخدم الآيات والأحاديث والسيرة من أجل أن تطلب من الناس المال، ولا تشكو مرضًا ولا علة، قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 273 ]
تظنه غنيًا، يلبس لباساً أنيقاً، ومن علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة، والشكر في النعمة، أناس أحضروا قراء قرآن لميتهم، وقدّموا لهم موزًا، فوضعها أحد القرّاء إلى جانبه، وعندما ذهب نسيها، فتذكر ورجع وقرع الباب؛ أعطوني الموزة، هذا القرآن يحتاج غير هذا المستوى.
استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه، يضعف دينه، يشتهي أن يأكل. إتقان العمل جزء من الدين :
لذلك أحد أمراض المسلمين الكسل، ترى أرضًا قاحلة فيها مضافة؛ قهوة وشاي، قمْ و ازرعها، سوِّرها واحفر بئرًا، وتحرك:
(( مَنْ أَحْيَى أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ ))
[الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ]
في هذا الحديث قانونٌ للإصلاح الزراعي، تذهب زوجته تعمل وهو قاعد، ترعى وتحصد، وتطعم البقر والدواب، وتحلب البقر، وتطبخ وهو جالس، الكسل سمة فادحة، هذا الإنسان فيه رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهابٌ لمروءته، وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به، فإذا كان له عمل كانت له مكانة، فلان مختص، أحيانا تقف عند ميكانيكي سيارات، فتراه مثل الطبيب يعتز بنفسه، ومعه الحق، وتحتاج إليه لأنه خبير، تترجاه، وتعامله بأدب لأنه خبير، من أين جاءت مكانته؟ من خبرته، وأحيانا تقف أمام نجار بكل أدب، تريد باباً متقناً، من أين جاء النجار بمكانته؟ من إتقان عمله، وله مصلحة، فأنا أحضكم على العمل، وعلى الإتقان، والشيء المؤسف أن الأجانب أتقنوا عملهم فربحوا أرباحاً طائلة، يقول لك: الين الياباني أسعاره ترتفع، وكذا المارك الألماني، لماذا؟ لأن عندهم بضاعة متقنة جداً، وعليها طلب شديد، يقول لك: لا تستطيع أن تبيع إلاّ بعد شهرين، لأنّ البضاعة محجوزة، وإنتاج المعمل محجوز لسنتين، وهذا من كثرة الإتقان، وهذه أخلاق المسلمين، وإتقان العمل جزء من الدين، فترى الصناعة الأجنبية ثمنها عشرة أضعاف، الثياب مستقيمة، والأزرار في مكانها، والعروة جيدة، والخيط متين، بإتقان بسيط رفع السعر عشرة أضعاف، فإتقان العمل جزء من الدين.
"يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال؛ رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم هذه الثلاث استخفاف الناس به". الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة :
لكن بالمقابل لا نريد من الإنسان أن ينغمس في التجارة، وينسى دينه، ينسى الصلاة، وأداء واجباته، وينسى حضور مجالس العلم، ويكسب مالاً حرامًا، ويتعامل بالربا ويقول لك: أنا مضطر، لا يوجد اضطرار هنا، وبالمقابل إذا كان النبي الكريم نهى عن الكسل لم يأمر بالانغماس في الدنيا، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾
[ سورة الملك : 15 ]
الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة، فإذا كانت التجارة فيها مواد مشبوهة، أو بضاعة محرمة، أو كذب، ونفاق، ومعاملات ربوية، فوالله لأنْ تضغط مصروفك فيكون قليلاً خيرٌ لك ألف مرة من هذا الكسب الحرام العريض. أقوال في طلب الرزق :
سيدنا عمر يقول: "لا يقعدن أحد عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".
رجل قال في الشيخ محي الدين- وكان زاهدًا لا يريد أن يعمل-: أما رزقي فعلى الله، جلس في طرف المسجد، وزعوا خبزًا، وهو ما قال ولا كلمة، فما أعطوه، بقي بلا خبز، في الظهر وزعوا طعاماً وما طلب فما أعطوه، في المساء دخلوا فتنحنح، يريد أنْ يقول: إنني موجود هنا، حتى جاء نصيبه من الأكل، فأنت تحتاج إلى حركة، ومن دون حركة لن يصلك شيءٌ.
إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه: أصبت استغن عن الناس يكن أسلم لدينك، وأكرم لك عليهم.
وسيدنا ابن مسعود يقول: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته "، ليس عنده شيء، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبّ إليّ لأنه في جهاد يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده.
سيدنا عمر يقول: "ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبّ إليّ من موطن أتسوق فيه لأهلي، أبيع وأشتري "، هذا عمل شريف، قال: "ربما يبلغني عن الرجل يقع فيّ، يتكلم عليّ ويذمني، فأذكر استغنائي عنه فيهون عليّ ذلك "، إنسان تكلم عليك وأنت لست بحاجته، أما إذا كنت في حاجة إليه وتكلم عليك فهذه هي النار، واللهِ واللهِ - مرتين - لحفرُ بئرين بإبرتين، وكنسُ أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقلُ بحرين زاخرين بمنخلين، وغسلُ عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهونُ عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
هذه كلها من المستحيلات، تنقل بحرين بمنخلين، تكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، وتحفر بئرين بإبرتين، وتغسل عبدين أسودين حتى يصيران أبيضين !! هذا كله من المستحيلات، ومع ذلك فهي أهون عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
احتجْ إلى الرجل تكن أسيرَه، واستغنِ عنه تكن أميرَه، قد لا تملك شيئاً، ولكن استغناؤك عن الناس يجعلك غنياً، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه التقى برجل أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، قال له: ألك حاجة؟ قال له: معي درهمان متى تراني أصرفهما.
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ]
قال لي رجل: أنا مصروفي ثلاثمئة ألف في السنة، ولا تكفيني، فأصابه مرض عضال فقال: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر، من ثلاثمئة ألف في السنة إلى اثني عشر ألفًا، فما كان يعرف قيمة الصحة، والذي عنده صحة طيبة فليشكر الله عز وجل إلى أكثر الحدود.
جاءت ريح عاصفة في البحر، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم - رحمه الله -وهذا العالم الجليل مدفون بمدينة جَبْلَة، في مسجد على البحر تماماً، وكان معهم فيها: أما ترى هذه الشدة؛ رياح عاتية، وأمواج كالجبال، والسفينة على وشك الغرق، فقال إبراهيم بن الأدهم: "ما هذه الشدة، قالوا: وما الشدة إذاً؟! قال: الشدة أن تحتاج إلى الناس، فهذه هي الشدة ".
وقال أيوب: قال لي أبو قلابة: "الزم السوق فإن الغنى من العافية ". الاستغناء عن الناس يسبب صحة نفسية و توازناً :
إذا افتقر الإنسان أصبحت عنده حساسية كبيرة، ما زارني فلان، احتقرني، فيبني قصورًا من الوهم، وكلها أمراض نفسية، أسبابها التولي الاجتماعي، فإذا كنت متخلفًا عن أقرانك، ومعك أمراض نفسية خاصة، وحساسية مفرطة، فإنك تعاتبهم لأتفه الأسباب، وتعتقد أنهم يحتقرونك، وهم لا ينتبهون إليك إطلاقاً، فلما يستغني الإنسان تنشأ عنده صحة نفسية، ويتوازن، فإذا زاروك فإنه يزورونك وأنت مستغنٍ عنهم.
وقد سئل إنسانٌ سؤالاً: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مجلسه وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي))
[ أحمد عن ابن عمر]
الله مسبب الأسباب و الإنسان بحاجة إلى سعي و طلب :
وقال عليه الصلاة والسلام حينما ذكر الطير:
(( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))
[ الترمذي عن عمر]
ولكن لا أحد ينتبه إلى هذا الكلام، دققوا: تَغْدُو وَتَرُوحُ، فهناك سعي، والطير متوكل على الله.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))
[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
السر في هذا الحديث أنها تغدو وتروح، فثمّة حركة وسعي، أحد أخواننا ذهب إلى الحجاز في أيام الحج، قال لي: شاهدت نخلة، فأردت أن أهزها كما فعلت السيدة مريم، فما اهتزّت معي ولا سنتمترًا ولا ميليمترًا، فما هذه الآية؟ ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾
[ سورة مريم:25]
قالوا: هذه كناية عن السعي، وليس بهزها ينزل التمر، فإنها لا تُهزّ، ولكنها كناية عن السعي، تحرك، فكّر بشيء، اشترِ بضاعة وبعها، اسأل، واخرج من بيتك وادخل إلى السوق، فإنّ الله عز وجل يرزقك بالحركة، وكل شيء بقوانين دقيقة في الأرض، والله مسبب الأسباب، وأنت تحتاج إلى طلب.
وللحديث بقية، والفصل طويل، ولكن نحن بحاجة ماسة إليه، لأن العمل شيء أساسي. حاجة الإنسان إلى الطعام و إلى كسب ثمنه :
انتهينا من الطعام، وانتقلنا إلى كسب الطعام، وأجمل شيء في القرآن الكريم لما ربنا عز وجل وصف الأنبياء فقال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان:20]
فيأكل الطعام ليبقى حياً، ويمشي في السوق ليشتري الطعام، فأنت بحاجة إلى الطعام، وبحاجة إلى كسب ثمنه. ***
النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً :
وسننهي هذا الدرس بفصل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً .
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]
والحياء والإيمان قُرِنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
العذراء العزبة المصونة التي ربيت تربية صالحة، فلو ذكرت أمامها كلمة تخدش الحياء لأصبح وجهها كالتوت، والنبي الكريم كان: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]
إنه الكلام اللطيف الواضح، كان " أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا "، وهذا الوقح الذي يمزح مزاحاً خبيثاً فاحشاً، ويسمي العورات بأسمائها يخجل الناس منها فليس فيه إيمان إطلاقاً، ومن علامات الإيمان الحياء: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
والله تعالى أيضاً حيِيٌّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))
[ أبو داود عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ]
أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك، عن ابن جريج قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا هو بأجير له يغتسل في البر قال: ((أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك))
[كنز العمال عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
وقال البخاري في صحيحه: بَاب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَذكر حديث بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ ))
[البخاري عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ ))
[البخاري عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ]
وبلغ من حيائه صلى الله عليه وسلم أنه لم يواجه أحدًا بما يكره بل يعرض بذلك، أو يأمر بعض أصحابه أن يصارحه بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه.
دخل عليه رجل يومًا وعليه أثر صفرة فلما قام قال لأصحابه: لو أمرتم هذا أن يغفل هذه الصفرة، أما أن يواجه إنساناً بخطئه وجهاً لوجه ما كان ليفعله، وهذا لشدة حيائه وحبه للناس.

السعيد 09-10-2018 05:14 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : صلاةالجنازة - 1





صلاة الجنازة :
موضوع الفقه اليوم صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، ومعنى أنه فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، ويُقابل فرض الكفاية فرض العين، الذي إذا لم يقم به المسلم لم يسقط عنه.
فروض صلاة الجنازة :
1 ـ إسلام الميت :
وأركان صلاة الجنازة التكبيرات والقيام، وفروضها ستة:
أولاً: إسلام الميت " أن يكون مسلماً "، أي إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نُهي عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى:
﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة التوبة: 84 ]
شُرِعت صلاة الجنازة وزيارة القبور من هذه الآية: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾
[ سورة التوبة: 84 ]
والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُصلي على من عليه دَين، فإذا توفي بعض أصحابه الكِرام يسأل هذا السؤال التقليدي: " أعليه دينٌ؟ "، فإن قالوا: نعم يقول: " صلّوا على صاحبكم "، إلى أن يقول أحدهم: يا رسول الله عليَّ دينه؟ فقد روى البخاري في صحيحه: (( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
فأركانها التكبيرات، والقيام، وفروضُها ستة؛ إسلام الميت وقد ذكرناه أولاً. 2 ـ طهارته :
وطهارته، لا يُصلّى على الميت إلا بعد أن يكون قد غُسِّلَ التغسيل الشرعي.
3 ـ تقدمه أمام القوم :
تقدّمه أمام القوم: يجب أن يوضع النعش الذي فيه الميت أمام القوم الذين يصلون عليه.
4 ـ حضوره :
حضوره؛ أن يكون الميت في هذا النعش، أو حضور أكثر بدنه، أي نصفه مع رأسه، فنصف المتوفى مع رأسه يدخل في باب حضوره.
5 ـ أن يكون المصلي غير راكبٍ :
ويجب أن يكون المصلي غير راكبٍ.
6 ـ أن يكون الميت على الأرض :
وأن يكون الميت على الأرض، فلا يجوز أن يُصلي المصلي على ميتٍ وهو راكب، ولا أن يكون الميت محمولاً ويُصلّى عليه، فيجب أن يكون على الأرض، فإن كان على دابةٍ أو على أيدي الناس لم تجُزْ عليه الصلاة، إلا إذا كان هناك عُذر قاهر.
سنن صلاة الجنازة :
1 ـ قيام الإمام بِحذاء صدر الميت :
وسُنن هذه الصلاة أربعٌ: قيام الإمام بِحذاء صدر الميت.. فيجب أن يقف أمام صدره، أي أمام قلبه.. ذكراً كان أو أنثى.
2 ـ الثناء بعد التكبيرة الأولى :
الثناء بعد التكبيرة الأولى: "سبحانك اللهم وبحمدِكَ، وتبارك اسمُكَ، وتعالَى جدُكَ، ولا إله غيرُك، والصلاة على النبي بعد التكبيرة الثانية: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آلِ سيدنا محمد"، بعض الفقهاء ينصُّ أنهُ قد أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة الفاتحة والصلاة على رسول الله ".. فإن صليت على النبي أجزأكَ هذا، وإن قرأت الفاتحة أجزأكَ ذلك.
3 ـ الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة :
وأمّا بعد التكبيرة الثالثة فتدعو للميت بما شِئت، وبأي صيغة شِئت، وبأي دُعاءٍ شِئت، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وقد أوتي جوامع الكلم كان يدعو بهذا الدعاء:
((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ ))
[مسلم عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]
ثم يُكبّر التكبيرة الرابعة وبعدها يُسلّم، وبعض الفقهاء يقولون: " يدعو لنفسِهِ بعد الرابعة ثم يُسلّم "، فإذا سلّمتَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك، وإن دعوت لنفسِكَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
4 ـ عدم رفع اليدين في غير التكبيرة الأولى :
لا يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى، فقط في التكبيرة الأولى، أمّا الثانية والثالثة والرابعة فلا يرفع المُصلي يديه، ولو كبّرَ الإمام خمساً لم يُتبع.
ومن الأدعية المأثورة: " اللهم اجعله لنا خلفاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله شافعاً مُشفّعاً "، هذا الذي جاء في مراقي الفلاح عن صلاة الجنازة:
كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنــازةً فاعلم بأنكَ بعدها محــمولُ
***
من استحضر مشاهد الموت صغُرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبِه إلى يده :
ولا بُد من أن ندخل المسجد ليُصلّى علينا، فهنيئاً لمن دخله طوالَ حياتِهِ ليُصلي، فإذا أُدخِلَ المسجد ليصلّى عليه يقال: قد كان من قبلُ يُصلي، أما إن كان لا يُصلّي وأُدخِلَ إلى المسجد ليُصلّى عليه فلن يسمع المصلون على الميت الآلام التي تعتلج في صدره، وهو يقول: ليتني كنت أصلي، قال عز وجل:
﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾
[ سورة القلم: 43 ]
أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا، أرى أنَّ مشاهد الموت يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، إن الموت شيء لا بُدَّ من أن يقع، وأنت متشائم، لا علاقة لهذا الكلام بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، الموت لا بُدَّ من أن ينزل بنا جميعاً، فإذا حضر الإنسان حضرَ مشاهد الموت، وحالة النِزاع، أين سيتم تغسيله، وأين سيتم دفنه، ومن سيخرج في جنازته، وماذا سيكتب على نعوتهِ، أولاده، أخوته، أصهارُهُ، انظر ماذا سيُكتب: عميد أسرتهم، أو الشاب، أو المحامي، أو الطبيب، أو المربي فلان، فلا بُدَّ من أن يُكتب شيء، فقُم باستحضار مشاهد الموت، فإذا استحضرتها صغُرت الدنيا في عينيك، وانتقلت من قلبِكَ إلى يدِك، ولقد صدَق مَن قال: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
***
من زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز فوزاً عظيماً :
تصوّر ما بعد الموت؟ وماذا سيحصل؟ وماذا سيفعل أولادك بالسيارة؟ هل تنتصر أمهم عليهم فيبيعونها أم ينتصرون عليها فيبقونها؟ ماذا سيفعلون؟ ماذا سيفعلون في هذه الخزانة التي فيها محتوياتُكَ الثمينة؟ ومن سيفتح هذه الخِزانة؟ كيف ستوزّع هذه المحتويات؟ هذه مشاهد تهزُّ النفس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((إن النور إذا دخل الصدر انفسح قيل هل لذلك من علم يعرف به؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله))
[كنز العمال عن ابن مسعود]
والبطولة كما قُلنا: ليس من يقطع طرقاً بطلاً، هناك جرائد لمن يحرز أرقامًا قياسية في الجري، أو في السباحة، أو في القفز العالي، أو في هذه اللعبة، أو في تلك... وهؤلاء يُسمّونَ في مصطلح الدفتر أبطالَ العالم، فهذا حاز الميدالية الذهبية، وذاك البرونزية، والثالث على الفضية: ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقِي الله البـــطلُ
***
فإذا جاءه مَلَكُ الموت، وزُحزِحَ عن النارِ، وأُدخل الجنة فقد فاز، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة الحديد: 20 ]
أحفظُ حديثاً يقصم الظهر، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت))
[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]
أسطوانة الغاز فرغت، فقلت في نفسك: غداً سوف أبدلها، ولم تقل: إن شاء الله، طبعاً غداً سأعيش، عندي خمسون أو ستون موعدًا... ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت))
[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]
من نام ليلةً واحدةً من غير وصية وكان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ فقد نام آثماً :
حدثني أخ قصة عن رجل اشترى بيتًا، ونصف ثمن البيت من زوجته، وأهمل إفراغ هذا البيت باسمه وباسم زوجتهِ إلى أن أدركته المنية، وزوجته بعد أن توفي زوجها لم يعترف لها أهلهُ بأنها دفعت نصف ثمن هذا البيت، فتألمت ألماً شديداً وأخذت في اجتماعاتٍ مطوّلة بين إخوته وأقربائه، وقدّمت لهم الأدلة على أنها دفعت نصف ثمن البيت، باعت هذا المحل التجاري، وأعطت الثمن لزوجِها، وبعد اجتماعاتٍ دامت أكثر من سنة ونصف اتفقَ أقرباء زوجها على أن يعطوها عشرة أسهم من أربعة وعشرين سهماً فوافقت، والآن التقى الجميع بمالك البيت، هذا البيت تمَّ شراؤه قبل خمس سنوات، والآن ثمنه مليون، هل تفرغ لنا البيت؟ قال: نعم حباً وكرامة، هذا من حقِكم، فأُعطي الأمر إلى بعض الناس لإجراء معاملة الفراغ، وانتهت المعاملة، وبقي أن تنزل إلى دوائر التسجيل العقاري، وينتقل هذا البيت إليها، والموعد يوم السبت، فتوفيت يوم الخميس.. هذا هو الموت.. سنة ونصف من الاجتماعات.. باعت دكانها... ثم ماتت:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
***
البطولة أن تُكثر من هذه اللذّات، مفرّق الأحباب مُشتت الجماعات.
عِش ما شِئت فإنك ميت وأحبب من شِئت فإنك مفارقه، واعمل ما شِئت فإنك مجزيٌ به.
بالمناسبة: الفقهاء قالوا: " لا بُدَّ من وصيةٍ واجبة، الوصية أنواع، وأحد أنواع الوصايا الوصية الواجبة "، لمن كان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ، فهذا إذا نام ليلةً واحدةً من غير وصية فقد نام آثماً، لماذا؟ لأنَّ هذا الحق متعلّقٌ بِهِ، وقد لا يعترف الورثة بهذا الحق. * * *
من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة :
والآن إلى فصلٍ مُختار من إحياء علوم الدين عن الكسبِ والمعاش، يُروى أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن الأدهم رحمهما الله وعلى عُنُقِهِ حزمة حطبٍ فقال له:" يا أبا اسحق إلى متى هذا؟ أخوانُكَ يكفونك؟ فقال: دعني عن هذا يا أبا عمر، إنه بلغني أنّ من وقف موقف مذلّةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ".
قد يحمل الإنسان بضاعته، ويدخل إلى محل تجاري، فدخولك لهذا المحل التجاري لعرض هذه البضاعة، وبيان ميزاتها وأسعارها، وصاحب المحل يجلس وراء مكتبه، وقد يعجبه وربما لا يُعجبه، وقد يقول لك: لست بحاجة لهذه البضاعة، وقد يطلب منك أن تبيعه إياها بسعرٍ منخفضٍ جداً.... فمجرّد الدخول على صاحب هذا المحل فيه بعض المهانة، ولكن هذه مهانةٌ يُحبُها الله عزّ وجل، لأنها في طلبِ الحلال، تبيع بضاعةً مشروعة بسعرٍ جيد معقول، وتطلب الربح المشروع كي تستر به عيالك.
فقال هذا الرجل للأوزاعي: "إنه من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ".. في طلب الحلال..
وقال أبو سليمان الداراني: ليست العبادة عندنا أن تكفَّ قدميك وغيرُكَ يُطعِمُكَ.. ليست هذه عبادة.. ولكن ابدأ برغيفيكَ فأحرزهُما ثمَّ تعبّد.
الإحسان في المعاملة :
الآن: مع أحكام مرّت معنا بالتفصيل في فقه السُنّة؛ البيع والمضاربة والقرض وأنواع الشركة... منذ حوالي أشهر أو ستة أشهر كُنا في الحديث عنها بالتفصيل، ننتقل إلى موضوعات لم يسبق لنا أن عالجناها في فقه السُنّة.
العنوان: الإحسان في المعاملة، قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً.. فالإنسان يقرأ القرآن الكريم ولا ينتبه إلى هذه الأوامر.. أمر إلهي أنت مأمورٌ بالإحسان كما أنكَ مأمورُ بالعدل سواءً بسواء:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
أطعم وكُلْ، الناس ينسون أمر أطعم، ويتذكرون أمر كُلْ.. لا.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
والعدلُ سبب النجاة، وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال، والإحسانُ سببُ الفوزِ ونيل السعادة، فإذا أخذ الإنسانُ رأسَمالِهِ من بعض الشركات الاستثمارية ونفذ، يكون قد أحرزَ مالُهُ، فإذا أخذ رأسَ المال مع الرِبح فقد فاز. العدل رأسُ المال والإحسانُ هو الربح :
أما إذا ذهب رأسُمالِهِ... فكيف الأمر؟‍‍‍! ولا يُعدُّ من العقلاء في الدنيا من قَنِعَ في معاملات الدنيا برأسِمالِهِ، هل يُعدُّ التاجرُ عاقلاً إذا باع بضاعتهُ برأسِمالِهِ!؟ لا بُدَّ من الربح، فالعدل رأسُ المال، والإحسانُ هو الربح، فمن عَدَلَ نجا، ومن أحسَنَ فاز، فلا ينبغي للمتديّنِ أن يقتصر على العدلِ واجتناب الدنيا، ويدع أبواب الإحسانِ، وقد قالَ الله تعالى:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 77 ]
وقال عزّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
إذاً حتى في البيع وأنت في محل تجاري أنت مأمور أن تعدل، وأن تُحسن، فإذا عدلتَ نجوت، وإذا أحسنتَ فقد تفوّقت، العدلُ رأسُمالُك، والإحسانُ رِبحُك. رُتبة الإحسان في البيع والشِراء تُنال بواحدٍ من ستة أمور :
1 ـ في المغابنة :
تُنال رُتبة الإحسان بواحدٍ من ستة أمور:.. الإحسان في البيع والشِراء..
في المغابنة: فينبغي ألا يغبِنَ صاحِبَهُ، والغبن هُنا الربح الفاحش، والربح الفاحش ليس إحساناً في البيع والشراء، فأما أصلُ المغابنة فمأذونٌ بِهِ، ولا بُدَّ أن تبيعهُ بسعرٍ أعلى من سعر الشراء، وإلا من أين تأكل، هذه المغابنة، أي الزيادة عن رأس المال مشروعةٌ في أصلِها، ولكنها إذا ارتفعت كثيراً صارَ هذا إساءة في البيع والشراء.
فإذا بذل المشتري زيادةً على الربح المعتاد، إمّا لشدّةِ رغبتِهِ، أو لشدّةِ حاجتِهِ في الحال إليه، فينبغي له أن يمتنع من قبولِهِ.. فانظر للإحسان في البيع والشراء.. إذا دُفِعَ لكَ في هذهِ السلعة سعرٌ فاحشٌ، وقد رضيَ المشتري أن يشتريّها وقَبِلتَ بهذا البيع، فأنت قد طبقّت العدل، أمّا إذا رفضت أن تأخُذَ ربحاً فاحشاً، فأنتَ قد طبقّت الإحسان، وإذا امتنعت من قبول الربح الفاحش في بيع البضاعة فأنتَ محسنٌ في البيع والشراء، وإذا لم يقع التلبيسُ لم يكن أخذ الزيادةِ ظُلماً.
ولو فرضنا لم تُلبِّس وقلت: هذه البضاعة هذه مواصفاتها، ولم تكذب، ولم تُدلّس، ولم تُغيّر، ولم تُبدّل، ولم توهم، وذكرت صفات البضاعة بدقة، ورضي المشتري أن يأخذها منكَ بسعرٍ عالٍ فهذا عدلٌ، أما إن لم ترضَ أنتَ بهذا الربح الفاحش فهذا إحسان، أما إذا كان هناك تدليس أو غش أو تغيير حقائق أو كتمان عيب فهذا ظلم، ولو أنكَ لم تُدلّس، ولم تكتم عيب البضاعة، ولم تكذب إطلاقاً، ورضيَ أن يشتريها المشتري بسعرٍ فاحش، وأنت رفضت ذلك، فهذا من الإحسان، فإذا قبلتَ ذلك فهذا من العدل، وموضوعنا اليوم " الإحسان في البيع والشراء وليس العدل ".
الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار :
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار ، ومعنى الخِيار أنَّ المشتري إذا رَفَعَ أمره للقاضي مدعيًّاً الغبن، وتبيّن للقاضي أنَّ هذه السلعة بيعت بربحٍ يزيد عن ثُلُثِ ثمنِها، فللقاضي أن يرَدَّ البيع، وأن يفسخَ عقد البيع، وأن يُعيدَ الشيءَ إلى صاحِبِهِ.
يُروى أنهُ كانَ عِندَ يونس بن عُبيد حِلل، أي ثياب مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلّةٍ منها أربعمئة.. نوع..، وضربٌ كل حلةٍ قيمتها مئتان، فمرَّ إلى الصلاة، وكلّفَ ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلبَ حُلةً بأربعمئة فعَرَضَ عليه من حُلَلِ المئتين فاستحسنها، ورضيها فاشتراها، فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فَعَرَفَ حُلتَهُ، فقال يا أعرابي: بكم اشتريتها؟ قال: بأربعمئة، قال: إنها لا تُساوي أكثر من مئتين، فارجع حتى ترُدّها، قال: هذه تُساوي في بلدِنا خمسمئة، وأنا أردتها، قال له يونس: انصرف فإنَّ النُصحَ في الدين خيرٌ من الدُنيا وما فيها، ثمَّ ردّه إلى الدُكان، وردَّ عليه مئتي درهم، وخاصمَ ابن أخيه في ذلك وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟ تربحُ مِثلَ الثمنِ وتترُكُ النُصحَ للمسلمين؟ فقال: واللهِ ما أخذها إلا وهو راضٍ بِها، فقال: هلاّ رضيت له بما ترضاه لنفسِك؟ وهل رضيت بذلك؟ وهذا إن كان فيه إخفاءُ سعرٍ، وتلبيس فهو من باب الضُر، لكن شاهدها ليس هناك كذب، ولا تدليس، ولا إخفاء عيب، وارتضى أن يدفع ثمنها أربعمئة، طبعاً فيها إنصاف، ولكن ليس فيها إحسان، فهذا البائع ورع فردَّ فرقَ ثمن البضاعة.
قال عليه الصلاة والسلام:
(( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
المسترسل أي الغشيم، فأحياناً تشعر المشتري أنه لا يعرف السعر، فتُريه بثلاثين، فهذا مثلاً قماش وطني سعر المتر سبع ليرات، وهذا قماش أجنبي سعر المتر خمس عشرة.. يقول لكَ: أي القماش بسعر سبع ليرات؟ وهو لا يعرف أن يُميّز. غبنُ المسترسلِ رِبا :
حدثني أشخاص يبيعون، مثلاً يعرِض ثوب قماش فيقال له: عندك أفضل؟ فيجيبه: طبعاً ولكن بسعر أعلى، فيوافق، فيذهب ويُحضر القماش وهو القماش نفسه، والخام نفسه، والمعمل نفسه، فيمدّهُ بأصول، فيُريه أنَّ هذا غير ذاك، ويأخذ زيادة.
حدثني شخص: الثوب طرفه على الطاولة، والثوب في الأرض، فسأله المشتري هل عندك أفضل؟ فيقول: نعم.. فمدَّ الثوب نفسه لكن من الجهة الأخرى، فمدّه على الأرض، وأعطاه الطرف الآخر، وقال له: هذا نوع آخر، قال عليه الصلاة والسلام:
(( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
والسريّ الثقفي اشترى حاجةً بستين ديناراً، وكتَبَ في دفترهِ " رِبحُها ثلاثةُ دنانير "، وكأنهُ رأى أن يربح على العشرة نِصفَ دينار، فصارت هذه السلعة بتسعين، فأتاه الدلال، وطَلَبَ الحاجة، فقال: خُذها، قال: بكم؟ قال: بثلاثٍ وستين، فقال الدلال وكان من الصالحين: إنَّ هذهِ الحاجة ثمنُها تسعون!؟ فقال السِرّي: قد عقدتُ عقداً لا أُحلُّهُ، ولستُ أبيعُها إلا بثلاثةٍ وستين، فقال الدلال: وأنا عقدتُ بيني وبينَ اللهِ ألا أغُشَّ مسلماً، ولستُ آخذُ منكَ إلا بتسعين، فقالَ: وأنا لا أقبلُ إلا ثلاثة وستين... فتشاجرا... وهذا محضُ الإحسانِ من الجانبين.. هكذا كان السلف الصالح.
وأحد الأشخاص أرسل ابنه ليشتري حاجةً، فقال له: يا ولدي، هذا الذي باعكَ إيّاها لا يعرف السعر، عُدْ وقُلْ له: يقول لكَ والدي: هذه في السوق أصبح ثمنها كذا، فذهب الابن للبائع، وقال له: والدي لم يقبل، قال البائع: لماذا!؟ سعرها معقول، فأجاب الابن: لا، ليس لذلك بل لأنَّ ثمنها مرتفع اليوم، فأرادَ أن يُعطيك فرق الثمن، فسأله البائع: والِدُكَ أمركَ بذلك!؟ فأجابه الولد: نعم، فقال له البائع: باركَ الله بكَ وبهذا الأب، أنا بِعتُكَ بهذا السِعر ولن أرجع.
فعندما يطمع الإنسان في أموال الناس يخسر. من قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ :
الآن إذا لم يعرف الإنسانُ السعرَ فسوف يُفلّس، وتجد أنَّ الناس قد تهافتت عليه، واشتروا ما عنده، ولم يبقَ شيءٌ، وقاموا بتخزين ما اشتروه، ثم باعوه، ولذلك في الأزمات الشديدة هناك تُجّار مسلمون لا يبيعون إلاّ للمستهلك.
تُروى قصص قد تكون رمزية: شخص ترك ثروة طائلة لابنه، وقال له: خذ بمشورة عمك، فاستشار عمه فأشار عليه بأخذ القمح، فاشترى أطنانًا من القمح وحصلت مجاعة، اشترى بعشر ليرات، وقد دفعوا له إحدى عشرة، فأشار عمه بأن لا يبيع، باثنتي عشرة، و لا بثلاث عشرة، و لا بخمس عشرة، و لا بعشرين، لا تبع، فصار هناك ربح مُغرٍ، حيث إنَّ الربح بالمئة مئة، وبعد ارتفاع السعر إلى أقصى حد قال له: كم السعر الآن؟ فقال عشر، فقال: الآن تبيع بإحدى عشرة، وكيلو كيلو،... فهذه قصة رمزية... ليس من المعقول أن يكون عمه نصوحًا لهذه الدرجة!؟ حيثُ دُفِعَ خمسٌ وعشرون فقال له: بِعْ بإحدى عشرة، وكيلو كيلو، لكي تحُل مشاكل الناس ، فأراد ألا يُخالف نصيحة عمه، وباع الكيلو بإحدى عشرة - هذه القصة رمزية - فأحصى النقود مثلاً باع طنين بسعر الكيلو إحدى عشرة ليرة فالسعر معروف، لكن النقود كانت مضاعفة، فعدها مرة ثانية فوجدها ثلاثة أضعاف، والرابعة أربعة أضعاف... فقال له: في كل مرة عددت النقود تزيد، لأنك نويت في هذا البيع قضاء حاجة المسلمين... أين هؤلاء الأشخاص !؟
إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، السلف الصالح كان أحدهم في عمله التجاري في مُتعة بالغة، متعة الإحسان، حيث إنه يجلس في المحل التجاري لخدمة المسلمين، الجالب مرزوق، والمُحتكر ملعون، والآن لا يربح إلاّ إذا احتكر الصنف، حصره في نفسه، وأخفاهُ لفترة، وارتفع الثمن، فباعه بسعرٍ باهظ، حيث إنه يشعر بنشوة إذا اختلس من الناس أموالهم بهذا السعر....وقد كانوا قديماً يشعرون بالنشوة إذا يسّروا للناسِ مصالِحهُم.
هناك حديث لا أتصوره:
((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
لأنَّ كُل حياتنا لها علاقة مع التُجار، من السمن إلى الرز، وكذا التعامل مع النجار ومع الحداد... فإذا كان هناك إنصاف دون غش وكذب، وكان السعر معقولاً ورحمة، سوف تُحل مشاكل الناس، أمّا الآن فقد أصبح البيع معركة.
ومن قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ، واستفاد من تكرارِها رِبحاً كثيراً، وهذه تُسمى في اللغة التجارية رأس المال، قَلَبَ مرتين ثلاثًا، وبه تظهر البركة، وكان عليٌ رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدُرّةِ ويقول: معاشر التجار خذوا الحقَّ تسلموا لا تردّوا قليل الربح فتُحرموا كثيره.
وقيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سببُ وثارِكَ - أي غِناك -، قال هن ثلاث: ما رددتُ رِبحاً قط، ولا بِعتُ بنسيئةٍ، ويُقال: إنه باع ألف ناقةٍ فما رَبِحَ إلا عِقالَها، أي الزِمام، فباع كُلَّ عِقال بِدرهم، فَرَبِحَ ألف دِرهم، أي ما بِعتُ ديناً ولا استقللتُ رِبحاً. 2 ـ احتمال الغبن :
الشيء الثاني في الإحسان في البيع والشراء احتمال الغبن: تتحمّل أن تكون مغبونًا، لكن مع فقير، والمشتري إن اشترى طعاماً من ضعيفٍ، أو شيئاً من فقيرٍ فلا بأسَ أن يحتملَ الغبنَ، ويتساهل وبهذا يكون مُحسناً، مثلاً شاهدت طفلاً يبيعك أمشاطًا.. طفل يتيم.. قال لك: هذا المشط بليرتين، وهو بربع الليرة! فإذا أعطيته الليرتين، وأخذت المشط ولو كان في ذلك غبن، فليس شراؤك من باب البيع، بل من باب الإحسان، حيث إنَّ هذا الطفل نفسه كريمة، لم يرضَ أن يمد يده للناس، فأراد أن يبيع أمشاطًا في الطريق، فإذا كان الغبن من فقير وضعيف فلا بأسَ أن تحتملَه، وبهذا تكون محسناً، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
فأما إذا اشترى من غنيٍ تاجر يطلب الرِبحَ زيادةً عن حاجتِهِ فاحتمال الغبنِ ليسَ محموداً، بل هو تضييعٌ للمالِ من غير عذرٍ ولا حمدٍ، فإذا اشتريت حاجةً من تاجرٍ غني، ورَفَعَ عليك الثمن، وبقيت ساكتاً، فأنت لستَ مأجورًا، ولستَ محمودًا، فقد وردَ في حديثٍ من طريق أهل البيت: ((المغبون لا محمود ولا مأجور))
[ أخرجه الطبراني عن الحسن ]
وكان إياس بن معاوية، وهو من عقلاء التابعين يقول: " لستُ بخبٍ والخبُ لا يغبِنُني ". والكمالُ ألا تغبِنَ ولا تُغبَنْ، كما وصفَ بعضُهم عمر رضي الله عنه فقال: "كان أكرمَ من أن يَخدع وأعقل من أن يُخدع".
وكان خيارُ السلفِ يستقصون في الشراء، أي يفاصلون، ثم يَهَبُونَ مع ذلك الجزيل، موقف الشراء من فقير فيه رأيٌ آخر، قال لك: ثمن كيلو العنب بثماني عشرة ليرة وهو باثنتي عشرة، فقلت: لا باثنتي عشرة، طلبت منه أربعة كيلو غرام، ثمنهم ثمان و أربعون ليرة، فأعطيته فوقهم خمساً و عشرين له، وهذا أفضل، لأنَّ السعر قُمتَ بتثبيتهِ، ولأنكَ إذا أعطيته الثمن للأربعة مثلاً ثمانون ليرة استمرأ الغبن، والسلف الصالح هكذا يرى، فأنتَ حاسب البائع، وإذا كنت كريماً فهبْ له الزيادة هِبةً، ولا تُعطِه الزيادة ثمناً، لأنك إن أعطيته إياها ثمناً استمرأً ذلك، ورَفَعَ السعر على الفقراء أيضاً. من حاسب الناس من غير تدقيق كان سبب إفسادهم :
وقد جاء في الأثر: "حاككوا البيع"، أي إذا قال لك شخص: هذا الحِساب، فطلبت منه أن تراه، قد يكون أضاف صفرًا في العشرات، فزاد الحساب مئة ليرة، عندما يرى البائع أنكَ حدّقت في الحساب، وبدأت بالجمع والطرح والتقسيم اجتنب أن يتلاعب، أما إذا قلت له: ما الحساب؟ فأجابك: مئتان و خمسون، قلت له: تفضل، وإذا ضاقت بالبائع الدنيا فقد يضيف خمسين ويقول: إنك لا تُدقق.
قال لي تاجر يملك معمل موبيليا، يتصلون به فرضاً أنْ أرسل لنا مئة متر من الخام، فيرسل ويضعها في المستودع... أرسل كذا.... والذين يُحضرون البضاعة شعروا أنَّ الذي يستلم لا يقوم بعملية العدّ، فأصبح يأخذ نصف البضاعة إلى بيته، ويُسلّمه على أنَّ البضاعة كاملة، فعدّ البضاعة من الدين، يعدّ البضاعة ويحرر إيصالاً.. هذه من الدين.. هذا الذي أرشد الصانع على أن يسحب نصف البضاعة خلال شهرين، والتاجر أجرى جرداً ووجد هناك تراجعاً حيث يدفع ثمن البضاعة أربعة أضعاف، وهي الربع بالتقريب، فأصبح هناك تراجع في بيعه وشرائه، وكشف الحادثة بعد عام، وبعد أن سرقوا منه مبالغ طائلة، ومن الناحية الشرعية فإنّ التاجر مُحاسب عنهم، حيث إنه أغراهم بهذا العمل.. قُم بعدّ المبلغ، واستلم بالعدد، ووقّع وحرر إيصالاً وسلّم... فهذا هو الشرع، أما من ناحية المباهاة ، ضع " استلمنا فقط " ما هذه!؟ وأيضاً إذا حاسبت الناس من غير تدقيق أمكنهم ذلك أن يتلاعبوا فتكون أنت سبب إفسادهم، وحملِهم على الفساد.
بطولة الإنسان في العطاء :
قيل لبعضهم: تستقصي في شرائِك على الوثير ثم تهب الكثير، ما هذا التناقض!؟ " ولا تُبالي!!؟ فقال: إنَّ الواهب يُعطي فضله، وأمّا المغبون فيغبن عقله، فإذا قام شخص بغبنك، أي إنه استغفِلك، فالمغبون يغبن عقله أمّا الواهب فيُعطي فضله.
تُروى قصة على سبيل المثال أنَّ فقيرًا جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث به إلى أحد الصحابة الميسورين، وذهب إليه فإذا به يأخذ حبَّ البُرِّ من أرضِهِ، فلم يدعُهُ، وفكر في نفسه أنَّ هذا الإنسان ليس من المعقول أن يُعطي، لأنه يأخذ حبَّ القمح من الأرض... فهذا إنسان بخيل.. فلما عاد إلى النبي قال له: رأيته يفعل كذا وكذا، قال له اذهب فاسأله، فذهب إليه فوجده ليس في وضع الذي يُعطي، لأنه حريص على المال حِرصًا بالغًا فلم يسأله، وفي المرة الثالثة قال له: بعثني رسول الله لكي تعطيني مما أعطاك الله شيئاً، فأخذه إلى مكان الإبل، وقال له: انتقِ أحد هذه الإبل وخذها، فانتقى أكبرها، فلما أخذها تبِعَها عشر أخر، فقال خذها كلها، قال: عجبت لأمرك تجمع البُرّ وتُعطي هذا العطاء!؟ فقال له: نجمع هكذا لِننفق هكذا... وإذا كان الإنسان حريصًا في مصروفه فهذا ليس بُخلاً، ولكن البطولة في العطاء، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه ))
[ كنز العمال عن علي بن أبي طالب]
بقي علينا استيفاء الثمن، وتوفية الدين، وأن يقبل الإقالة من العقد.. وهي ستة آداب تتعلق بالإحسان في البيع والشراء، وقد تحدثنا عن نوعين من هذه الآداب. * * *
من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام مهابته العظيمة وفخامته الكريمة :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام: مهابته العظيمة وفخامته الكريمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم المهابة، وقد توّجه الله تعالى تاج العِزة والكرامة، وكفاه حلّة الفخامة، روى الترمذي وغيره عن أبي هالة يصف النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي وكان وصافا عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وأطول من المربوع وأقصر من المشذب..... ))
[رواه الطبراني عن الحسن بن علي]
وقال سيدنا علي رضي الله عنه في وصفه للنبي: "من رآه بديهةً هابه ومن خالفه معرفةً أحبه".
من أول نظرة تهابه، وعلى التعامل تُحب، وهذه صفة النبي عليه الصلاة والسلام، ويجب أن يكون في أتباع النبي شيءٌ من هاتين الصفتين، له هيبته وله محبته.. له هيبته إذا رأيته، وله محبته إذا عاملته، ومن هابَ الله هابَهُ كُلُ شيء، من خاف الله خوّفَ منه كُلَّ شيء، ومن لم يَخف الله خوّفهُ الله من كُلِّ شيء.
وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يستطيعون إمعان النظرِ إليه لقوة مهابتهِ، ومديد وقاره، ومن ثمَّ لم يصفه إلا صغارهُ، فلم يفتهم شكله وعيناه وأذناه ورقبته وخداه.. إلا صغاره.. أما كبار الصحابة لشدة هيبته فكانوا إذا جلسوا في مجلسه كأنَّ على رؤوسهم الطير: يُغضي حياءً ويُغضَى من مهابتِهِ فلا يُكلّم إلا حين يبتســــم
***
وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبةً طويلة، وسمعتُ منه أحاديثَ كثيرة، وحَفِظتُ عنه ألفَ مثل، ومع ذلك ما ملأتُ منه عيني قط حياءً منه وتعظيماً له ولو قيلَ لي صِفهُ لما قدرت". قوة مهابتهِ ومديد وقاره :
ومن عظيم مهابتِهِ وكمال قدرِهِ أنه من جلس إليه صلى الله عليه وسلم هابَهُ، وربما أخذته رِعدةٌ شديدة من قوة الهيبة المحمدية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُباسِطهم ويُلاطفهم ليُسكّنَ روعهم.
((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]
تجد شخصًا أحاط نفسه بكل مظاهر العظمة، ومع ذلك تدخل عليه فلا ترتعد منه، هذه المهابة من الله عزّ وجل، فلمّا هوّن عليه نَطَقَ هذا الرجل بحاجتهِ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس إني أُوحي إليّ أن تواضعوا ألا فتواضعوا حتى لا يبغِ أحدٌ على أحد ولا يسخر أحدٌ على أحد وكونوا عباد الله إخواناً. ((عن قيلة بنت مخرمة قالت:... فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق فقال له جليسه يا رسول الله أرعدت المسكينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أذهب الله عني ما كان دخل في قلبي من الرعب...))
[رواه الطبراني عن قيلة بنت مخرمة في المعجم الكبير، وهو حديث طويل]
((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي فَقَالَ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا ))
[ مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ]
وفي رواية أخرى: (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ]
((عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ ))
[ البخاري عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
فيجوز أن تدفع المرأة صدقتها لزوجها إن كان فقيرًا، وهي زوجة ميسورة وزوجها دخله محدود، وزكاة مالِها خمسة أو ستة آلاف، فإذا دفعت هذا المبلغ لزوجِها فلها أجرانِ، لأنَّ أقرب الناس لها زوجها، وعنده كِساء الأولاد في فصل الشتاء، ولا يوجد معه، فقالت له: هذه خمسة آلاف... فإذا قدّمت المرأة لزوجها قسطًا من دخلِهِا أو شيئًا من مالها جاز ذلك، وأحياناً ترِث مالاً من والِدها، فتضعه عند أخيها، وزوجها في أشد الحاجة، ويمكن للأخ أن يقول لها: لم نربح شيئًا، أمّا الزوج بهذا المال فأولى.
فهذا الحديث دقيق جداً: فإذا ورثت امرأة شيئًا وزوجها في حالة عُسر شديد، ورأته كأنه غريب فما هذا الزواج!؟ وما هذه العلاقة الزوجية المتفككة!؟ من أنتِ ومن زوجِكِ.. سيان.. فأحياناً الأب لا يرضى أن يذهب المال للصهر؛ زوج البنت.. لقد ذهب لابنتكَ، أي إذا كان الصهر يسكن في بيت بأجرة، وأحرزت الزوجة مالاً فوضعته مع مال زوجها فأصبحا يمتلكان بيتًا فمن هو هذا الصهر؟ أليس زوج ابنتك!؟، أليس من الأفضل أن يسكنا في منزل ملك لهم!؟ هناك أناس أُفُقهم ضيّق، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لها أجران أجرُ القرابة وأجرُ الصدقة". لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته :
هناك نقطة أخيرة، لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته، أي أن يدفع زكاة ماله لابنه في حجره، فهذا لا يجوز.. عليه زكاة مبلغ خمسة آلاف، وابنه ينقصه ثياب للعيد، فدفعها ثمن ثياب لابنه وجميع أولاده، أصبحت الحالة داخلية، والفقهاء قالوا: " لا يجوز إلا في حالةٍ واحدة إذا الابن حصل على وظيفة وتزوّج وصار مستقلاً عن الأب "، أي لم يبقَ على الأب نفقته، والابن اشترى بيتًا فدفع نصف ثمنه، فهل يجوز أن يُعطي الأبُ زكاة مالِهِ لابنه!؟ نقول: يجوز مع التأكيد، لأنَّ هذا الابن مستقلٌ في النفقةِ عن أبيه، وفي الأصل لا يجوز إلاّ إذا استقل في الإنفاق عن أبيه، فيصبح عندئذٍ جائزًا.
والآن حالة مُعاكسة: يجوز أن تُدفع الزكاة للأخت قولاً واحداً، إلا في حالة واحدة؛ إذا كانت الأخت تسكن مع أخيها ويُنفق عليها، فأصبح دفع الزكاة للأخت من توفير النفقات.
والشرع دقيق جداً: الأخت يجوز أن تُعطيها إلا إذا كانت في حِجرِكَ وتُنفِقُ عليها فلا يجوز، والابن لا يجوز أن تُعطيه الزكاة، فإذا كان مستقلاً عنك جاز.
تروي السيرة أنَّ بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام دفع زكاة مالِهِ لأخٍ له ليدفعها عنه، فأتى هذا الصحابي الموكّل بدفع الزكاة ودفع جزءاً من زكاةِ هذا المال لابن هذا الصحابي الذي أعطاه المال، فلمّا بلغه الأمرُ غَضِبَ غضباً شديداً، وتوجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشكو أخاه، كيف يُعطي زكاة مالِهِ لابنهِ المستقل عنه، فلما سَمِعَ النبيُ ما حدث أجازَ الصحابي " لأنه مستقل "، وهنا القصة أصبحت دقيقة: إذا كان ابنك متزوجًا ومستقلاً عنك في النفقة، وليس لك علاقة به فدفعت جزءًا من زكاة مالك له فأتمَّ به ثمن البيت، أو دفع المهر فهذا يجوز، وأباح الفقهاء أن تدفع الزكاة لأختِكَ إلاّ إنْ كانت تقطن في بيتك فلا يجوز، لأنَّ هذا من باب توفير النفقات.

السعيد 09-10-2018 05:16 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : صلاةالجنازة - 2








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أحقُّ الناس بالصلاة على الميت :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع صلاة الجنازة إلى فصل " مَن أحقُّ بالصلاة على الميت؟ " فالسلطان أحق بالصلاة على الميت، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت، هذا هو التسلسل، ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره، ومن له حق التقدم في صلاة الجنازة إماماً أن يأذن لغيره، فإن صلى غيرُه من دون إذنه فلصاحب الحق في التقدم إماماً أن يعيد الصلاة، فلو أن ميتاً أوصى أن يصلي عليه فلان، و بحسب الشرع، السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم الولي، تقدم قواعد الشرع على وصية الميت في صلاة الجنازة، ولو أن ميتاً دفن من غير صلاة جاز أن تصلى صلاة الجنازة على قبره وهو مدفون، أمّا إذا اجتمعت الجنائز فالإفراد بالصلاة لكل منها، أي الأَولى أن يصلى على كل جنازة على حدة، و أما في الترتيب الزمني فيقدم الأفضل فالأفضل، وإن اجتمعت جاز أن يصلى عليها جميعاً مرة واحدة، بشرط أن تُصَفَّ النعوش على شكل رتل أحادي باتجاه المحراب، أي الرؤوس مع الرؤوس، الأول فالثاني فالثالث وهكذا، وجُعلت صفاً طويلاً مما يلي القبلة، حيث يكون صدر كلٍ قدام الإمام، ويقف الإمام تجاه صدر الأول، ووراء الأول صدر الثاني، و هكذا، و يراعى الترتيب؛ فيجعل الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان، ثم النساء، ولو دفنوا في قبر واحد لحاجة ماسة عُكِس الترتيب، فيُبدأ بالنساء، فالصبيان، فالرجال باتجاه القبلة، أي الرجل مما يلي القبلة، ثم الصبي، ثم المرأة، أما في المسجد فمما يلي الإمام بعكس القبلة، وهذا هو الترتيب، ولو فرضنا أنّ رجلاً دخل مسجدًا يُصلى فيه على ميت فلا يجوز أن يقتدي بين تكبيرتين، بل ينتظر حتى يكبر الإمام فيدخل معه في أثناء التكبيرة، وبعد أن يصلي يتابع الذي يصلي متأخراً خلف الإمام، أما من كبَّر مع التكبيرة الرابعة التي بعدها سلام فقد فاتته صلاة الجنازة، أي إذا دخل مع التكبيرة الرابعة فقد فاتته صلاة الجنازة، ومن استهل سُمَّيَ و ُغسل و صلي عليه، فأيّ طفل ولد حديثاً، وبمجرد أن ولد مات، فإذا استهل أي إذا رفع صوته بالبكاء سمِّي وغسل وصلي عليه وورث، فصوت البكاء هذا خلال ثانية غيَّر نظام الإرث كله، يروون حسب القواعد أن السلطان ثم نائبه ثم القاضي ثم إمام الحي ثم الولي هم أحق الناس على الترتيب بصلاة الجنازة إماماً، ويروى أن أحد القضاة وكان سيئاً جداً من حيث الأخلاق، تولى منصب القضاء، وبحكم هذه الأحكام فهو الذي يجب أن يصلي على الجنازة، فكان يسير خلفها في أثناء التشييع، ثم أعطى أمراً أن توضع على الأرض فوضعت، وأعطى أمراً أن يفتح النعش ففتح، فتقدم إلى أُذُن الميت وهمس في أذنه بعض الكلمات، ولشدة قسوته وجبروته وظلمه لم يجرؤ أحد أن يسأله، يا سيدي القاضي ماذا قلت للميت؟ قيل: بعد أيام وكان في انبساط سأله أحد المقربين إليه: يا سيدي ماذا قلت لهذا الميت؟ قال له: قلت له: لو أنك سئلت في الآخرة عن أحوال أهل الدنيا فقل لهم كلمة واحدة، قل لهم: إن فلاناً قد صار قاضياً وانتهى الأمر، أي هذه كلمة موجزة تنبئك عن شيء كثير، إن قيل لك: كيف أحوال أهل الدنيا؟ فقل لهم: إنّ فلاناً قد صار قاضياً، ذكرني هذا أن التسلسل السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت.
أما إذا ولد ميتاً غسل في رأي أكثر الأئمة وأدرج في خرقة ودفن من دون أن يصلى عليه، ولا يصلى على باغ، أي على إنسان تجاوز الحدود، ولا على قاطع طريق قُتِل حال المحاربة، أي قتل في أثناء قطع الطريق، ولا على قاتل غيلة، ولا على مقتول عصبية، هؤلاء جميعاً لا يصلى عليهم، لأنهم خرجوا عن قواعد الدين، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع موضوع الجنازة.
* * *
الإحسان في البيع والشراء :
والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، وما زلنا في موضوع الإحسان في البيع والشراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرةً بالمسامحة وحق بعضهم، ومرةً بالإمهال والتأخير، ومرةً بالتساهل في طلب جودة النقد:
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى ))
[ البخاري عَنْ جَابِرٍ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ))
[ مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا ذكرناه في الدرس الماضي. البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء أن نمشي إلى صاحب الحق :
الآن البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء، وفي توفية الدين؛ ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن نمشي إلى صاحب الحق ولا نكلفه أن يمشي إلينا، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 178]
ومن معانيها انتهاء الغائب، فيجب أن يؤدى الدين إلى بيت صاحب الدين، أو إلى محله التجاري، أو إلى المكان الذي أخذ منه، أما أن يقول من عليه الدين: تعال خذ، فهذا ليس من السنة، فإذا كان مسافراً فبعت بيعة لمدينة وأخبرته فقال لك: تعال وخذ بعض الثمن، وأنت حينما اشتريت البضاعة خرجت من مدينتك وسافرت إلى هذه المدينة، أما إذا جاء وقت وقال: دفع الثمن تعال وخذ فهذا ليس من السنة، وأداء إليه، فالأجرة تؤدى إلى صاحب الدين، وإذا استعرت حاجةً، كأنْ يقول رجل لجاره: أعرنا السلم، فقال له جاره: والله ظهري يؤلمني، قال له: ما علاقة ظهرك بالسلم؟ فقال له: من أجل أن أعيده، قال: أنا الذي سوف أعيده، وأداء إليه بإحسان، ودخل في هذا الإعارة، فإذا استعرت شيئاً فأرْجِعْه إلى مكان أخْذِه بإحسان، فالكتاب يجلد، والسلم إذا كان فيه كسر يصلح، وكل شيء استعرته إن كنت مؤمناً حقاً، أو كنت مسلماً تعيده بحالة أجود مما أخذته، وهذا هو الأداء الحسن.
إذاً وذلك أن نمشي إلى صاحب الحق، ولا نكلفه أن يمشي إلينا: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومهما قدر على قضاء الدين فالمبادر إليه ولو قبل وقته، وليسلم أفضل مما شرط عليه وأحسن فإن عجز فلينوِ قضاءه مهما قدر، لأنّ هذا الدين إحسان، وعليك أن ترد الإحسان بإحسان مثله، وهذا هو خلق المسلم، ولذلك لم يكن النبي الكريم يصلي على من عليه دَيْن: ((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وفي الحديث: ((من أدان دينا ينوي قضاءه كان معه عون من الله تعالى على ذلك))
[كنز العمال عن ميمونة]
الإعانة للمشتري لأن البائع راغب عن السلعة والمشتري محتاج إليها :
لذلك:
((من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها جاء يوم القيامة زانياً، ومن أخذ مالاً من أخيه وهو ينوي ألا يؤديه إليه جاء يوم القيامة سارقاً ))
[كنز العمال عن صهيب]
ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله، هكذا الأدب؛ دعه فإنّ لصاحب الحق مقالاً، وليقابله باللطف اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض فالإحسان أن يكون الميل الأكثر إلى من عليه الدين، فإن المقرض يقرض عن غنىً، والمستقرض يستقرض عن حاجة، وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر، لأن البائع راغب عن السلعة، ويبتغي ترويجها، والمشتري محتاج إليها، فعندنا المستقرض والمقرض، والمشتري والبائع، المشتري أضعف، والمستقرض أضعف، فينبغي أن يميل الوسطاء مع الأضعف، إلا أن يتعدى من عليه الدين حدَّه، أو حصل عدوان؛ بأن ماطل أو أنكر وجحد، فعندئذ ينبغي أن تعين صاحب الحق على أخذ حقه. ((عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ))
[ البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه]
لو فرضنا إنسانًا عليه دين مستحق وماطل، فمضت سنة وسنتان وثلاث، وبلغك أن فلاناً الذي أخذ منك المال منذ سنوات له ذمة عند فلان، فإذا ذهبت إلى فلان ورجوته أن تمهل في أداء ما عليه لفلان لعله يحننه عليك، هذا الذي عليه أن يعطي إذا تريث له أجر، لأنه أعان على إيصال الحق إلى صاحبه. الأدب الخامس أن يقيل من يستقيله :
والأدب الخامس أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستنصر بالبيع، كأنْ يشتري إنسان حاجة وندم عليها، فقال لك: هل يمكن أن تلغي لي الصفقة؟ فإذا لم تُلغِها فهذا هو العدل، وإذا ألغيتها فهذا إحسان، وأنت مأمور بالعدل والإحسان معاً.
سمعت من رجل عنده محل يبيع مفروشات أنّ امرأة جاءته واشترت طقمًا دفعت ثمنه، ولكن لفت نظره الدفع خمسات وعشرات، بعد ساعتين أو ثلاث جاءته باكيةً ترجوه أن يرجع الطقم إلى محله، لماذا؟ لأن ثمن هذا الطقم كانت قد وفرته من مصروف البيت، وكان زوجها سكيراً، فلما علم أن معها هذا المبلغ قال: أحضريه وإلا طلّقتكِ، فذهبت إلى الذي باعها الطقم ورجته أن يقيلها - أي أن يرجع لها الطقم - قال لي هذا الذي باعها الطقم: أرسلت سيارةً على حسابي وأحضرت الطقم إلى محلي، وأعدت لها المبلغ بشكل أجود وقال: والله الذي لا إله إلا هو وهو على الرصيف بعته وبزيادة ولم يدخل المحل.
(( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه))
[ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحيانًا يريد الإنسان أن يقبض بالعقد عربونًا، والعربون غير شرعي، فلزم هذا البيع، ولا يوجد حالة ثانية، فإما أن ينفذ هذا البيع، وإما أن يقيلك من دون عربون، أما إذا قلت له: العربون عشرة آلاف، وفي العقد بيت بخمسمئة ألف، عربونه عشرة آلاف، إذا نكث أحد الفريقين ضيَّع عليه العربون، ولو فرضنا صاحب البيت جاءه زبون بستمئة ألف، والعربون حسب العقد، وأنا قلبت، وبحسب نص العقد أنا ليس لي مصلحة أن أبيعك، أخذ تسعين عوضًا عنها، لا، أكتب دفعة أولى من ثمن البيت، فالبيع لا يوجد له حل وسط، هو بيع شرعي لوجود إيجاب وقبول، فأنت مع أحد حالين؛ إما أن تقيله، وإما أن ينفذ البيع، أما أنْ نضع لكل عقد عربونًا، فإذا قبِل الشاري خسر العربون، فهذا المبلغ ثمن ماذا؟ لا ثمن له، ولا مقابل، فهذا المبلغ حرام، ففي عقود البيع اكتبوا دفعةً أولى، فالبائع بالخيار، إما أن يلزم المشتري باستلام المبيع وقبض الثمن، وهذا من حقه، وإذا امتنع رفع الأمر للقاضي لإنفاذ البيع، وإما أن يقيله وله عند الله أجٌر كبيرٌ، وليس كل الربح مالاً، فقد تربح أجراً عند الله تعالى، وقد تربح رضا الله عز وجل، وهو أكثر ربحًا من المال، وأثمن من المال بكثير، ولا ينبغي له أن يرضى لنفسه أن يكون سبباً في ضرر أخيه: (( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه))
[ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الأدب السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة :
والأدب السادس: أن يقصد في معاملته جماعةً من الفقراء بالنسيئة، وهذا الأدب رائع جداً، فالبائع المسلم لو شعر أن هذا المشتري فقير، وأن هذا المبلغ لا يكفيه، فإذا أمهله في قبض الثمن إن كان المشتري مؤمنًا وصادقًا موثوقًا فيه، وماله لا يكفيه، ويلزمه براد، ويملك خمسمئة، وثمن البراد ألف وخمسمئة، قال له: هاتها وأحضر لي كل شهر مئتين، فبالعقلية التجارية هذه خسارة، فلو قبض ثمنه نقدًا كان أفضل، لكن بعقلية المؤمن هذا ربح كبير، إنك عملت معه عملاً صالحاً لا يعلم غير الله كم يثيبك عليه، ولذلك من الإحسان في البيع والشراء أن يقصد إلى جماعة من الفقراء المؤمنين فيبيعهم بالنسيئة؛ أي إلى أجل بالتقسيط، ولكن بالتقسيط الشرعي الذي لا يوجد فيه زيادة عن الثمن النقدي، وهو في هذا الحال عازم على ألا يطالبهم إلا أن تظهر ميسرتهم.
طرق تجارات السلف مع الله عز وجل :
فقد كان أحد الصالحين من السلف له دفتران للحساب، يأتي إليه أخ طيب، صادق، مخلص، رقيق الحال، فيشتري منه حاجة، ومعه ربع ثمنها، من أجل مكانته يوجد عنده دفتر خاص للإحسان في البيع والشراء، فيسجل عليه الذمة أمامه، ويقول له: حينما يتيسر لك دفعها ادفعها لي، وهو تركها من باله، ولكن أمام الزبون قيَّدها عليه، إن جاءه أو لم يأتِ حُسبت له عند الله صدقةً أو زكاةً، أو ما شابه ذلك.
فكان صالحو السلف لهم دفتران للحساب، أحدهما فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء، والدفتر الثاني لإنسان اضطر أن يستدين دينًا شرعيًا فيطالبه في وقته المناسب، أما الفقير فيسجله عليه ولا يطالبه، وإذا لم يدفعه فهذا محسوب من الزكاة أو من الصدقة، وهو ما أراد أن يعطيه على شكل عطاء لئلا يتحرج هذا الفقير، بل على شكل دين، وحينما يتيسر له المبلغ يدفعه له، فما دام فقيرًا ولم يتيسّر المبلغ لم يطالبه به، فكانوا يتفننون بإرضاء الله عز وجل بخدمة الناس.
كان الطبيب إن رأى المريض رقيق الحال يوقِّع توقيعًا خاصًّاً على الوصفة الطبية، ويقول له: خذ هذه الوصفة من الصيدلية الفلانية، وهو على اتفاق مع هذا الصيدلي، إن وجدت هذا التوقيع الفلاني تعطيه دواء من دون ثمن، وأنا أدفع ثمنه، كيف يرضي الله عز وجل؟ يحتاج إلى عمل صالح، أما الآن فيكاد المريض يموت ادفع أوّلاً إلى الموظف، ثم ادخل عليّ، هذا إذا لم يكلِّفه بتحليل ليس له لزوم، متفقًّاً مع المحلل، فهذا عمل آخر، أو إذا لم يكلِّفه بعملية ليس لها لزوم، إذْ معه سرطان ليس له حل، يفتح البطن وينتزع كتلة لحمية ويقول له: كلَّفتك ثمانية آلاف، وهو يعرف أنه لا يوجد أمل، هكذا صار الأمر ونعوذ بالله، إنه طبيب يقترح على مريض إجراء عملية لا لزوم لها ليقبض الثمن، أو طبيب يعطي مريضًا إبرة ماء مقطر ثمنها عشرة قروش، ويقول له: هذه فيتامينات، فيقول المريض: والله انتعشتُ يا أخي بعد أن أخذتها شعرت بنشاط، ولقد كان الطبيب رحيمًا وحكيمًا وناصحًا.
يقول له الطبيب الصالح المؤمن: خذ ما تريد، فإن تيسر لك فاقضِ، وإلا فأنت في حل منه، فاطمأن، فهذه طرق تجارات السلف، وقد اندثرت اليوم، ولم يعد لها مثيل، والقائم بها قليل، وبالجملة التجارة محك الرجال، وبها يمتحن دين الرجل وورعه، وقد قيل: "لا يغرنك من المرء قميص فيه رقعة، أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه، أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه، ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه".
من أثنى عليه جيرانه و أصحابه و معاملوه فعلى الإنسان ألا يشك في صلاحه :
قيل " إذا أثنى على الرجل جيرانُه في الحضر، وأصحابه في السفر، ومعاملوه في السوق فلا تشكُّوا في صلاحه"، إذا هؤلاء جميعاً أثنوا عليه فلا تشكّوا في صلاحه.
وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال: "ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار حتى يستبين ورعه؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته في المسجد يصلي ويقرأ القرآن، قال: نعم، قال: أنت لا تعرفه، يا رجل ائتني بمن يعرفك، هذا لا يعرفك، لا جاورك، ولا سافر معك، ولا عاملك بالدرهم والدينار، ولكن لعله رآك في المسجد تصلي وتقرأ القرآن".
وإنسان أحبّ أن يذهب إلى الحج، ومعه مبلغ من المال، وهو خائف عليه، فدخل إلى المسجد وتفرس في المصلين، فوجد رجلاً وجهه خاشع، وأعجبته صلاته، وبعد أن انتهى قال له: أنا أحببت صلاتك، ومعي مبلغ من المال أريد أن أضعه عندك وديعة حتى أعود من الحج، فقال له: أنا أيضاً صائم، فقال له: صيامك ما أعجبني، وفي رواية أخرى قال له: فإنك لا تعرفني؟ يا هذا لا يضرك أنه لا يعرفك، وقد تكون صالحًا، فانظر إلى الدقة.
شفقة التاجر على دينه :
والآن مع فصل جديد في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه، فيكون عمره ضائعاً، وصفقته خاسرة، وما يفوته من الربح بالآخرة لا يفي به ما ينال من الدنيا، البارحة قلنا في درس السبت بعد العشاء: إنه إذا كان عند إنسان فندق خمس نجوم، بثمانين طابقًا، وكل طابق فيه خمسون غرفة، وكل غرفة ثمن حجزها ثمانمئة فرنك فرنسي، أو مارك ألماني، أو دولار، وهو محجوز سنتين بكامله، قال عليه الصلاة والسلام:
((القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه))
[الطبراني في الكبير عن أنس]
فالذي فهم القرآن أغنى من هذا، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أعطاه اللّه كتابه فظن أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد غلط، وفي رواية صغر أعظم النعم))
[فيض القدير]
لأنه باقٍ، والدنيا زائلة. لا تركنن إلى القصور الفاخرة و انظر عظامك حين تمسي ناخرة
وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل يا رب إن العيش عيــش الآخرة
***
الإنسان مهما حصّل من ربح الدنيا وفاته ربح الآخرة فهو خاسر :
مهما حصّل الإنسان من ربح الدنيا، وفاته ربح الآخرة فهو خاسر، فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل يجب على العاقل أن يشفق على نفسه، وشفقته على نفسه بحفظ رأسماله، وحفظ رأسماله دينه، وقال بعض السلف: "أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليها في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبةً في الآجل"، لأنّ أحوج ما تحتاجه في الدنيا إيمانٌ، أما الآن فأهم شيء البيت والزوجة والمحل، والآخرة عليها السلام، أما أحوج شيء إليك فإيمان بالله تسعد به في الآخرة، واليوم ذكرت لأخ معنى قوله تعالى: ﴿ َولاَ َتْنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
قلت له: ربنا عز وجل قال في قصة قارون: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فهذا سمع الآية، وهو رجل منعم، قلت له: معنى الآية كأن يذهب طالب في بعثة حكومية إلى بلدةٍ أجنبية؛ إلى باريس مثلاً، حيث فيها الملاهي، والأحياء الساقطة، والمتاحف، والمسارح، والمتنزهات، والأشياء الجميلة الفاتنة، ودور سينما، والسهرات مع الأصدقاء، وفيها جامعة السوربون، فهذا الطالب الذي أوفد في بعثة رسمية ماذا يعنيه من باريس بالذات؟ الدراسة وهذه الجامعة، نقول لهذا الطالب: ولا تنسَ نصيبك في هذه البعثة، فأنت جئت إلى هنا للدراسة، فإذا درست تعود إلى بلدك معززاً، مكرماً، تحتل منصباً مرموقاً، وتنال دخلاً كبيراً، و تسكن بيتاً فخماً، وكل نعيم الدنيا ينتظرك في بلدك، فإذا حصلت الشهادة العليا في هذا البلد فنصيبك من هذه المدينة أن تحصّل الدكتوراه، فإذا حصلتها سعدت بها في بلدك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
على الإنسان أن يبتغي الدار الآخرة بما آتاه الله عز وجل :
رجل آتاه الله المال يجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله العلم فيجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله جاهًا، ورجل آتاه الله قوة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فإياك أن تأتي إلى الدنيا، وترحل عنها، وتنسى المهمة التي جئت من أجلها: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات:56]
خلقت لمعرفته، وخَلقتُ لك ما في السموات والأرض، وخلقتك من أجلي، وخلقتُ لك ما في السموات والأرض فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك ألاّ تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك. نصيب الإنسان من الآخرة يناله من نصيبه في الدنيا :
قال لي أخ كريم: أنا أفهم الآية التالية غير هذا، قلت له: كيف؟ قال: أنْ يتمتع بالحياة، ويأخذ حظه، ويأكل ويشرب ويلبس ويذهب للنزهات، فأنت فهمتها بشكل آخر، وأنت قلبت المعنى، قلت له: السياق العام يقصد هذا المعنى
﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾
قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فحدثتْ مناقشة بيني وبينه، فأنا أصر على أن النصيب هو معرفة الله سبحانه و تعالى، أي أنت في الدنيا علاقتك أن تعرف الله، والباقي كله زائف، فإذا عرفته سعدت بقربه، أنت في باريس أيها الطالب لك مهمة واحدة؛ أن تحرز هذه الشهادة، وما سوى ذلك لا قيمة له، وتسعد بهذه الشهادة في بلدك، وأنا أصر، وهو يصر: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا َ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
ثم قلت له: وأنا أوجه هذه الآية، فالنصيب هو الحظ، وقلت له: صحيح أنّ ما عند الله في الآخرة من سعادة لا يدرك إلا في الدنيا، وما عند الله في الآخرة من عطاء كبير وسعادة أبدية لا تدرك إلا في الدنيا، فكأن الله سبحانه وتعالى وصف المهمة التي هي سبيل سعادتك بما سيكون، والعرب تقول كذلك؛ تقول: رعينا الغيث، أي رعينا كلأً سببه الغيث، فإذا كان الحظ هو العطاء والنصيب، فنصيبك من السعادة في الآخرة لا يتحقق إلا في الدنيا، لقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في صبيحة هذا اليوم وأنا أناقش هذا الأخ الكريم في معنى هذه الآية، واليوم قبل أن آتي إليكم؛ سبحان الله عثرت عند الإمام الغزالي على توجيه مشابه تماماً لهذا التوجيه، فأنا تفاجأت، يقول الإمام الغزالي: وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتأخذه، أي نصيبك من الآخرة تناله من نصيبك في الدنيا، فما عند الله في الآخرة تأخذه من نصيبك في الدنيا، ونصيبك في الدنيا الاختيار، فإذا كنت مختاراً، و عرفت الله مختاراً، وعبدته مختاراً، واستقمت على أمره مختاراً، وعملت الصالحات لأجله مختاراً، فأنت قد حققت الهدف قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾
أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة- وهذا شرح الإمام الغزالي بالضبط- فإنها مزرعة الآخرة، وفيها تكتسب الحسنات. شفقة التاجر على دينه تتم بمراعاة سبعة أمور :
وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور، هذا شيء مهم جداً، لأنّ معظم الناس عملهم في التجارة، ومعظم الموظفين عملهم في التجارة، فقد قرأت مرة كتاباً لأديب مصري اسمه المويلحي، يقول في هذا الكتاب: "يا ليت آباءنا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع و الشراء، و ترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين"، أي قبل خمسين عامًا كانت الوظيفة هي أرقى شيء في الحياة، والموظف مستغنٍ، ودخله يزيد عن مصروفه عشرة أمثال، وهو عزيز، ودارت الأيام فصار التاجر دخله يغطي الحاجات، لكن دخل الموظف قد لا يغطي حاجاته، فلذلك هذه أشياء سبع مهمة جداً، أرجو أن تكون في أذهانكم وفي قلوبكم، قال: لا تتم شفقة التاجر على دينه إلا بمراعاة سبعة أمور:
أولها: حسن النية في ابتداء التجارة، أي تكون نيته منها طيبة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، هذه أول نية، و كف الطمع عن الناس استغناءً بالحلال عنهم، فإذا كان للرجل دخل كاف لا يشتهي من أحد شيئًا، ولا يشتهي أن يقدم له أحد شيئًا، ولا يشتهي مال الآخرين، و لا عطاءهم، ولا هداياهم، فقد كفاه الله، فأول نية الاستعفاف بها عن السؤال، و النية الثانية الكف عن الطمع بما في أيدي الناس بالحلال، واستعانته بما يكسبه على الدين، هذه الثالثة، فيستطيع أن يحضر مجلس علم، ويستطيع أن يعين الفقراء، ويساهم في بناء مسجد، ويتمكن أن يدعوَ أخًا إلى بيته، وإذا كان مسافرًا يضيفه، فأول هدف الاستعفاف عن السؤال، والهدف الثاني الكف عما في أيدي الناس، والثالث الاستعانة بالتجارة على الدين، والرابع قيامه بكفاية العيال، أي رجل عنده زوجة، وأولاد، وله والدة، وأب، وأخ، وأخت ليست متزوجة، ينفق عليهم طعامًا وشرابًا ولباسًا، وهذا هدف كبير، ليكون من جملة المجاهدين به، فهذه النيات؛ الاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال عما في أيدي الناس، هذه الأهداف لخصها سيدنا أبو ذر الغفاري فقال: "حبذا المال أصون به عرضي و أتقرب به إلى ربي"، و لينوي اتباع طريق العدل و الإحسان في معاملته، و لينوي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق، فإذا أضمر هذه النيات كان عاملاً في طريق الآخرة، فإذا استفاد مالاً فهو مزيد، و إن خسر في الدنيا ربح في الآخرة، والاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السوق، واتباع طريق العدل والإحسان، وإذا أضمر هذه النيات و لم يربح شيئاً فقد ربح الآخرة، و إذا ربح شيئاً فوقها فقد ربح الدنيا و الآخرة، فهذا التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين يوم القيامة.
اختلاف المصالح رحمة :
الآن سنختار الصنعة - المصلحة - البضاعة، أيْ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات و التجارات لو تركت لهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل، و تكفل كل فريق بعمله، و لو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت باقي الصناعات، و هلكوا، وعلى هذا حمل بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم:
(( اختلاف أمتي رحمة ))
[البيهقي عن ابن عباس]
أي لها فهم عميق جداً، وليس اختلافها في الفكر أو في العقائد، كلاّ، أي هذا يحب أن يعمل في القماش، وهذا بالألبسة الجاهزة، وهذا بالمنجور، وهذا بالحديد، وهذا بتصليح السيارات، وذاك بالكهرباء، والآخر بالألمنيوم، وإنسان بالسجاد، أو بالتنظيف، أو بالكي، أو بالتدريس، وهذا بالتطبيب، وهذا بالمحاماة، فـ: (( اختلاف أمتي رحمة ))
[البيهقي عن ابن عباس]
لو عملوا جميعهم في مصلحة واحدة ستموت من الجوع، ومن الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما يستغنى عنها، لرجوعها إلى طلب التنعم والتزين، فثمة مصالح مهمة جداً كتأمين أقوات الناس، وتأمين ملبسهم، وتأمين مسكنهم، وحاجاتهم الأساسية، وهناك مصالح إذا جاع الناس استغنوا عنها، عنده عصفور سعره ثلاثة وعشرون ألف ليرة، جميل جداً، والله إذا لم يجد رجل طعاماً فلا حاجة له بهذا العصفور، وهناك مصالح أساسية، وأخرى ثانوية، فإذا أكرم الله رجلاً بمصلحة أساسية بأن يكون عمله حلالاً فنعمَّا هي. ذكر لبعض المصالح من باب الحسن و الأحسن :
والمشكلة الآن أريد أن أقرأ نصوصاً لا أريد أن يتحرج أحدٌ، لأن فيها ذكرًا لمصالح عديدة، فهنا حسن، وهناك أحسن، وليس من باب الحرام، هذا الكلام من باب الحسن والأحسن، مثلاً يشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافياً للمسلمين في حاجاتهم، فصناعة النقش وتزيين السقف بالجبس مصلحة رابحة، ولكنها ليست أساسية، وكذا الصياغة و جميع ما تزخرف به الدنيا، أي إذا كان عمله بالزخرفة، فكل ذلك كرهه أهل العلم، أما إذا عمل في الملاهي والآلات فهذا حرام، أو يبيع أشرطة تسجيل فيديو، هذه قضية محرمة لأن فيها إفسادًا للأخلاق، وهناك أشياء كل شيء فيها التعامل به محرم، فأما عمل الملاهي و الآلات التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم، ومثلاً صياغة الصائغ لخواتيم الذهب للرجال فهذه محرمة لأن استعمال الذهب للرجال حرام، والأجرة المأخوذة عليه حرام، ولذلك فكل إنسان يتعامل بحلي الرجال فعليه زكاة على الذهب، أما حلي المرأة فهناك اختلاف، وأرجح الأقوال أنه ليس على حلي المرأة زكاة، وبيع الأكفان مكروه، والآن الناس ارتاحوا منه، فهناك دائرة حكومية لبيع الأكفان، لأن الرجل يسترزق بموت الناس، فإذا خف الموت تضايق، لا أحد يموت، وهذه مكروهة أيضاً، لأنه يجب انتظار موت الناس، وهناك بعض الأعمال متعلقة بإزالة النجاسات، وهذه أيضاً مكروهة، لأنه أصبح جميع عمله مع النجاسات، قال ابن سيرين يكره كسب الدلال، فالدلال كسبه حلال وحرام بآن واحد، لماذا؟، وكره قتادة أجر الدلال، ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال فيه عن الكذب، أي يلزمه أن يكذب كثيراً حتى يسير عمله، دخل دلالٌ بيتًا شماليًا، ويظهر أن المشتري مستعجل، وأعجبه البيت، فقال له: إن شاء الله قبلي؟ قال له: طبعاً، وأحضر سجادة صلاة ليصلي، فصلى باتجاه الشمال، وباع البيت فيلزمه أن يكذب طبعاً، والإفراط في الثناء على السلعة بترويجها، مثلاً دلال أقمشة يقول: هذا قماش لا يوجد منه، و لن يأتي منه إطلاقاً، ويكون هو دون الوسط، وإذا كان الدلال صادقًا فأجره حلال.
القضية في بعض المصالح ليست قضية تحريم وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع:
أيها الأخوة؛ لا أحد يتوسوس من نفسه، أما إذا بدأ يكذب، ويُلبِس لفة هذا لهذا، و لفة هذا لهذا فلا، مرة قال لي شخص يريد أن يبيع سيارته - والقصة قديمة- قال له: هذه ثلاثون ألفًا، وغاب اليوم الثاني، فقال له: أريد سيارة بهذه الماركة، قال له: هذه سعرها ثمانون ألفًا، يريد أن يبيعها بثلاثين، ويريد أن يشتريها بثمانين، فعندما يكذب الإنسان يصير دخله حراماً، وإن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، و إذا ائتمنوا لم يخونوا، و إذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، و إذا كان لهم لم يعسروا، فهذا شيء دقيق، و لعل السبب في ذلك قلةُ استغناء الدلال عن الكذب، والإفراطُ في الثناء على السلعة بترويجها، ولأن العمل فيه لا يقدر بقدر معين، باع بيتًا بمليونين، وله خمسة وثلاثون ألفًا أخذهم في ساعتين، يقول لك: و الله كثير، مثلاً هذه النسبة عندما كان سعر البيت عشرة آلاف، أو خمسة عشر، فبالمئة اثنان هذا معقول، أما الآن فقد أصبح البيت بمليونين تظل بالمئة اثنان، وقد يكثروا ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب، حتى دلال الأقمشة يقول لك: عندك على البيعة ثمانمئة بالمئة، فتجد أحياناً أن الأجرة تندفع بشعور بالضيق، وكلها عملية ساعتين أو ثلاث، أعطى هذه المسطرة لفلان، وأحضر لك إياها، واتفقتم، يقول لك: اسمح لنا بالأجرة، ليس على قدر الجهد، وإنما على ثمن الصفقة، ومن هنا جاءت كراهية الأجر، فينبغي أن ينظر إلى قدر التعب، وهنا يوجد توجيه دقيق، إذا أمكنك أن تقيِّم قيمة الدلال بقدر التعب فأجره حلال، ونحن لا نحرم ما أحله الله، الدلال إذا لم يكذب، وإذا أخذ أجره على قدر تعبه فهذا حلال، فمثل هذا البيت حتى باعه الدلال أوصل له أكثر من مئة زبون، وقد تعب كثيراً، ثم بيع، فإذا أعطيته أجرة على قدر المحاولات غير الناجحة في بيع البيت صار الأجر حلالاً مئة بالمئة، فالقضية ليست قضية تحريم، وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع، وكرهوا الصرف، الذي هو حديث الناس اليوم، لأن الاحتراز فيه عن دقائق الربا عسير، وقلّما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معاملته بدقائق النقد، وفي هذا الموضوع يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصياغة، وأنا أكره الكسر "، الكسر يعني به الصرف، واستحبوا تجارة البز أي الأقمشة قال سعيد بن المسيب: "ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم يكن فيها أيمان كاذبة"، و قد روي:
(( خير تجارتكم البز))
[ذكره العجلوني في كشف الخفاء عن علي]
و في حديث آخر: ((لو أذن الله تعالى في التجارة لأهل الجنة لاتجروا في البز والعطر))
[رواه الطبراني عن ابن عمر]
الناس في مصالح بعضها :
هذا زرع المزرعة قدم لك خياراً أكلته، وذاك نجر لك الباب فحجب عنك البرد، وآخر عمل لك نافذة من الألمنيوم فوقاك من الرياح، وغيره حاك لك هذا الثوب، وهذا خاطه، فالناس في مصالح بعضها، أما هذا الذي يجلس من أجل البيع و الشراء بالعملات الأجنبية حتى رفع السعر لدرجة عالية، ووقع قلقٌ شديدٌ، هذا ماذا قدم للناس؟ لم يقدم شيئاً، الذي زرع الأرض قدم الطعام و الشراب، والذي صنع صناعة فقد أغنانا بها عن الاستيراد إذْ قدم شيئاً ثميناً، والذي قدم لك خدمة فطببك، أو عالجك، أو درسك، أو دافع عنك أمام القضاء، فكل هذه الأعمال طيبة وتقدم خدمات، أما مَن جلس لبيع و شراء حتى ربح أرباحاً طائلة، فلم يقدم شيئًا للمسلمين إطلاقاً، وإنما بهذه المضاربات حدث هناك أزمات، وهذا شيء قديم وليس حديثًا، و السلف الصالح كان يكره هذه المصلحة، سأل الإمام أحمد بن حنبل رجلاً: ما صنعتك؟ قال: الوراقة، فقال: كسب جيد.
المصالح التي فيها مخالطة للنساء مصالح مكروهة :
كذلك المصالح التي فيها مخالطة النساء فمكروهة، لأنها مظنة فساد وفتنة، عندك صانعون؛ ثلاثة شباب غير متزوجين، والزبائن يدخلون ويخرجون، أشكال و ألوان مائلات مميلات، تلعنهن لأنهن ملعونات، فكل شيء متعلق بالنساء وأغلب الظن أنّ الزبائن رجال فهو مكروه، أمّا أنْ تدخل امرأة فهذا وضع طبيعي، إذا كان العمل قائمًا على النساء مئة في المئة.
كراهية أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات :
و كره السلف الصالح أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات؛ كغسل الموتى، و دفنهم، والأذان، والصلاة، وتعليم القرآن، وتعليم الفقه فإن هذه الأعمال حقها أن يتجر فيها صاحبها للآخرة، وأخذ الأجرة عليها في الدنيا استبدال الدنيا بالآخرة، وهذا لا يستحب، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله، نحن قلنا: إنّ ثمّة سبعة أشياء مهمة جداً في شفقة التاجر على دينه، والكتاب ألّف في عصر قديم، فأنا لا أريد أن يكون هناك حرج على الحاضرين، لكن مثل مخالطة النساء ثابتة، والاشتغال بأمور تزيينية فيها رفاهية شديدة للناس، فهذه أيضاً إذا استطاع الرجل أن يدخل في أشياء أساسية لمصالح الناس فهذا أولى، والأشياء المتعلقة أيضاً بالنجاسات يجب على المسلم أن يترفع عنها، و الصرف كما قلنا لم يقدم للمجتمع شيئاً، وأيُّ إنسان قد يقدم شيئاً، أمّا هذا فما قدم شيئاً، إنما ساهم في تعسير الأمور على الناس بهذه المضاربات.

السعيد 09-10-2018 05:18 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الخمسون )

الموضوع : اداب الكسب والمعاش - اداب التعامل فى الاسواق







حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
آداب الكسب و المعاش :
1 ـ على التاجر أن يبدأ تجارته بنوايا طيبة :
أيها الأخوة الأكارم . . . في الدرس الماضي بيَّنت لكم بعض فقرات من آداب الكسب والمعاش للإمام أبي حامد الغزالي ، وكيف أن التاجر يجب أن يبدأ تجارته بنوايا طيِّبة ، من هذه النوايا أن يقصد الكَفَّ عن السؤال - عن سؤال الناس - من هذه النوايا أن يكفَّ عن التطلٌّع لما عند الناس ، من هذه النوايا أن يقصد خدمة المسلمين ، من هذه النوايا أن يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و أن يبني علاقاته مع الناس على الإحسان وعلى العدل ، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى في تجارته ، إذا فعل ذلك كانت هذه التجارة جُزءاً من عمله الصالح .
2 ـ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات :
البند الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات لأن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق .
3 ـ ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة :
وصلنا إلى البند الثالث وهو ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، شيءٌ مهم جداً ، عليه إقبال شديد ، عليه ضغط ، بضاعته رائجة ، محلِّه في مكان حسَّاس ، انشغاله في البيع والشراء ، أو انشغاله في المكاسب الدنيويَّة أخَّرته عن المكاسب الأخرويَّة ، إذا فعل ذلك فقد وقع في فخِّ الشيطان . .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
[ سورة المنافقون : 9]
فألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، للآخرة سوق وللدنيا سوق ، وأسواق الآخرة المساجد ، المساجد أسواق الآخرة ، بها تتعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى ، وبها يزداد علمك ، وتزداد رؤيتك وضوحاً ، ويزداد قربك ، لذلك من علامات المؤمن أنه لا تشغله الدنيا عن الآخرة ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ﴾
[ سورة النور: 37 ]
كلمة رجالٌ لا تعني ذكراً بل تعني بطلاً ، ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس : " ما سمعت حديثاً من رسول إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى ، ولا صلَّيت صلاةً فشغلّت نفسي بغيرها حتَّى أقضيها ، ولا سرت في جنازةٍ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتَّى انصرف منها " ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾
[ سورة النور: 37 ]
لا تلهيهم ، للتجارة وقتٌ وللعبادة وقتٌ ، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . . ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾
[ سورة النور: 36 ]
على الإنسان أن يجعل الفترة الأولى صباحاً للآخرة :
يقول الإمام الغزالي : ينبغي أن يجعل الرجلُ أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته . . الفترة الأولى صباحاً هذه للآخرة . . فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد . وكان عمر رضي الله عنه يقول للتجَّار: " اجعلوا أوَّل نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم "
و كان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة ، أوله وآخره للآخرة ، وما بين الأول والآخر للدنيا ، وفي الخبر أن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذِكْر الله كفَّر الله عنه ما بينهما ، أول النهار وآخره فيه ذِكْرُ الله كفَّر الله عنه ما بينهما . . " يا بن آدم لا تعجز عن ركعتين أول النهار أكفِك النهار كلَّه " أنت في النهار كلُّه في حفظ الله ، أنت في ذمَّة الله ، أنت تحت مظلَّة الله ، أنت في توفيق الله ما دمت قد بدأت نهارك بذِكْرِ الله .
ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر ، للظهر والعصر فينبغي ألا يعرج على شغلٍ ، وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه ، فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا وما فيها ، هكذا قال أحد التابعين : مضى عليه أربعون عاماً ما فاتته التكبيرة الأولى في المسجد مع الإمام:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 37 ]
وكان السلف الصالح يبتدرون عند الأذان ، ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمَّة ، وقت الصلاة السوق فارغ ، لا أحد في متجره ، وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات ، إنهم كانوا حدَّادين وخرازين ، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة وأذَّن المؤذِّن لا يهوي بها ، وإذا أدخل الإبرة في الثوب وأذَّن المؤذِّن لا يخرجُها ، هكذا كان السلف الصالح . هذه من باب التأكيد عن ألا يتلهَّى الإنسان بالدنيا عن الآخرة . 4 ـ أن يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق :
الشيء الرابع : ألا يقتصر على هذا بل يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق ، فإذا الإنسان كان في السوق في محلِّه التجاري ، في عمله ، في وظيفته وذكر الله عزَّ وجل ، ذكر آية لشخص ، شرح له حديثاً ، ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى ، قال : سبحان الله ، سمع قصَّة فيها موعظة قال : لا حول ولا قوَّة إلا بالله ، فالإنسان ما دام وهو في مكان عمله يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى :
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[ سورة المعارج: 23 ]
كيف يداوم على صلاته ؟ هناك خمس صلوات ، هذه الآية حُمِلَت على أن قلبهم ملتفتٌ إلى الله سبحانه وتعالى طوال نهارهم ، فهذا المؤمن وهو في السوق يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى . ذكر الله أوسع عبادة على الإطلاق :
بالمناسبة : أوسع عبادة كلمة ذِكْرُ الله ، فإذا ذكرت آيةً كونيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت آيةٌ قرآنيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حديثاً شريفاً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حكماً فقهياً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت دقَّة خلق ربك فقد ذكرت الله ، إذا أمرت بالمعروف فقد ذكرت الله ، إذا نهيت عن المنكر فقد ذكرت الله ، إذا رويت قصَّةً فيها موعظةٌ فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت نعمةً فقد ذكرت الله ، إذا قلت : الحمد لله الأمطار بدأت تنهمر ، هذا ذكر لله ، إذا قلت : الله سبحانه وتعالى وفَّقني إلى كذا وكذا ذكرت الله . .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب : 41]
برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله : ((ذاكر اللهِ في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وكالحي بين الأموات ))
[ إحياء علوم الدين عن ابن مسعود]
فأحياناً تجد تجَّاراً في السوق حديثهم فقط متعلِّق بحرفتهم ، بمصلحتهم ، بالأسعار ، فلان ربح ، فلان باع ، فلان خسر ، فلان حمل حملاً فوق طاقته ، فلان نفض من حمله ، فلان جاء لعنده موظَّفو التموين ، فلان سلَّم محلَّه ، فلان اشترى محلاً ، هذا حديث التجَّار ، أما حديث النساء فلانة تزوجت ، فلانة تطلقت ، فلانة اشترت بيتاً ، فلانة طلَّقها زوجها ، فلانة في خصومة ، جاءها ولد متوف ، هذا كلَّه حديث النساء ، أما المؤمن فهذه كلُّها سفاسف . (( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وما والاه ، الصامت في سلام ، والمتكلِّم إمَّا له أوعليه ، فهذا اللسان فيه بابٌ كبير للعمل الصالح وللعمل السيِّئ . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
يمكن أن تشرح آية لأخ ، صديق ، جار ، يتأثَّر فيها ، على شهر شهرين ثلاثة كلَّما التقيت معه حدِّثه شيئاً عن آيات الله ، شيئاً عن آيات القرآن الكريم ، شيئاً عن الصحابة ، شيئاً عن رسول الله ، وبعد هذا حمله الشوق أن يقول لك : أين تذهب أنت ؟ دلَّني على شيخك ، خذني معك إلى مجلس العلم ، تأتي به إلى مجلس العلم ، ما هي إلا أشهر حتَّى يصبح من المؤمنين الصادقين الصالحين ، هذا إنسان ، الآن تزوج امرأة مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، ساهم في هداية إخوته ، وأخواته ، وجيرانه ، أنت في زمانك تكلمت بكلمة ، الله سبحانه وتعالى يطلعك على نتائجها يوم القيامة فإذا أمَّةٌ قد اهتدت بهذه الكلمة ، يوم القيامة أمَّة . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
معنى أصلها ثابتٌ أي أنها مبنيَّةٌ على حقائق وليس على أباطيل ، مبنيَّة على وقائع لا على أوهام ، مبنية على مبادئ ثابتة لا على نظريات متبدِّلة ، الباطل من صفاته أنه زاهق . . ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
[ سورة الإسراء : 81]
الحق من صفاته أنه ثابت ، الحق هو هو لا يتبدَّل ولا يتغيَّر ، فالحق كالسحاب يسير في السماء ، وما ضرَّ السحاب نبح الكلاب ، الذين يقاتلون الحق كنبح الكلاب والسحاب سحاب وهو هو في عليائه ، وهو هو في حركته وفي تقدُّمه ، لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجه الحق لأن الله هو الحق ، هو الحق المبين .
فوائد ذكر الله عز وجل في السوق :
أحدهم رأى الآخر يصلي فقال له : لمن تصلي ألا تكف عن ذلك ؟ هل أنت متأكد ومصدِّق أن هناك إلهاً موجوداً ؟ هذا المصلي عابد وليس عارفاً لم يستطع أن يرد عليه ، قال له: شكوتك إلى الله ، فقال له : إذا الله موجود فأنا أتحدَّاه ، وإذا كان موجوداً يثبت وجوده ، فما مضى ساعة حتى فقد هذا المتكلِّم بصره ، الله أثبت له وجوده وأعطاه مهلة أن يتوب ، المؤمن مسددٌ رشيد ، مثل الفريقين كالأعمى والأصم ، والسميع والبصير هل يستويان ؟ أعمى وأصم ، سميع وبصير ، المؤمن سميع وبصير ، الكافر أعمى وأصم :
(( ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم ))
[ أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
حشائش يابسة ، وشجرة نضرة وارفة الظلال ، متألِّقة ، صدقاً أحياناً تصافح مؤمناً تشعر أنه كتلة حياة ، كتلة وفاء ، كتلة إخلاص ، كتلة اندفاع ، كتلة محبَّة لله عزَّ وجل ، جاهز للعمل الصالح ، جاهز للنصيحة وخدمة الناس ، عنده غنى بقلبه ، لو لم يكن في يديه إلا دُرَيْهِمَات لملأ الناس غنىً ، إن الغنى غنى النفس ، عنده توكُّل . . قال الإمام الشافعي : " لو أن السماء من نحاس ، والأرض من رصاص ، وأهل مِصْرَ كلُّهم عيالي ما شكوت همَّاً لأحد ، لأن الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين " وقال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ))
[ الترمذي عن عمر بن الخطاب ]
لا إله إلا الله أي لا رازق إلا الله ، لا ينبغي أن تحلف كذباً ، لا ينبغي أن تُدَلِّس ، لا ينبغي أن تَغُش ، لا ينبغي أن تكتم عيباً ، لا ينبغي ألا تنصح المسلمين ، لا إله إلا الله ، لا رازق إلا الله .
وقال الحسن رضي الله عنه: " ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوءٌ كضوء القمر ، وبرهانٌ كبرهان الشمس ، ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله "
إذا كان محلِّه في مكان مزدحم له مغفرة كبيرة ، سيدنا عمر كان إذا دخل السوق قال: " اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ، ومن شرِّ ما أحاطت به السوقُ ، اللهمَّ إني أعوذ بك من يمينٍ فاجرة وصفقةٍ خاسرة "
إذا إنسان غير موفَّق الله سبحانه وتعالى يريه أن هذه البضاعة ممتازة ، وسوف يربح منها أرباحاً طائلة ، فإذا اشتراها نفر الناس منها ، وبقيت في مستودعه لا تباع ولا تشترى، عندئذٍ ربنا عزَّ وجل قال :
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
[ سورة التوبة: 24 ]
فأصعب شيءٍ في حياة التاجر أن يدخل إلى دكَّانه أو إلى مستودعه فيرى البضاعة قد مضى عليها سنوات ولا يسأله عنها أحد . . ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
[ سورة التوبة: 24 ]
المؤمن الله عزَّ وجل يلهمه البضاعة الرائجة ، والبضاعة غير الرائجة يصرفها عنه، لا يوجد هنا ذكاء بينهما ، تجد تاجراً عريقاً بالتجارة ، له أربعون سنة بالتجارة ، يشتري صفقة فيفلِّس منها ، فسيدنا عمر كان يقول : " اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة " تجارة السلف الصالح لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا :
قال : كنّا يوماً عند الجُنَيْد رضي الله عنه ، فجرى ذكر أناسٍ يجلسون في المساجد يتشبَّهون بالصوفيَّة ، ويُقَصِّرون عما يجب عليهم من حقِّ الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق . جالس في المسجد لأنه ولي ، هذا الذي ذهب إلى السوق محباً للدنيا ، هكذا يقولون . . سمع ذلك الجنيد رضي الله عنه فقال: كم ممن هو في السوق حُكْمُهُ أن يدخل المسجد ويأخذ بأذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه ، وإني لأعرف رجلاً يدخل السوق ورده كل يومٍ ثلاثمئة ركعة .
أي له أوراد ، وله أحوال ، وله مواجد ، وله حالات قرب ، فما كل من دخل السوق يسمَّى محبَّاً للدنيا ، إذا كانت نواياه السبع أن يكفُّ عن السؤال ، أن يكفي أهله ، أن يكفّ عن التطلُّع لما عند الناس ، أن يستعين بالمال على أمر دينه ، أن يذكر الله في السوق ، أن يتعامل مع الناس بالعدل والإحسان ، أن يأمر بالمعروف ، أن ينهى عن المنكر ، أن يخدم المسلمين ، هذه هي النوايا على ما أظن سبع أو ثماني ، إذا كانت هذه نواياه من دخول السوق فأنعم وأكرم، وربَّما سبق العُبَّاد لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء ))
[الدارمي عن أبي سعيد ]
أنا أقول لكم هذا الكلام : التاجر الذي يخشى الله سبحانه وتعالى ، يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله ، عنده هذه البضاعة اشتراها بعشرة ربحه فيها ليرتان صارت اثني عشر ، جاءه شخص بحاجة ماسَّة لها ، لو طلب خمسين سيدفع له ثمنها ، قال له : اثنا عشر ، هذا التاجر لا يمكن أن يخوِّفه الله من جهة ثانية ، لا يمكن أن يخوِّفه الله عزَّ وجل من جهة أرضيَّة، تجده لا يخاف ، أما إذا جاءه شخص بحاجة فاستغلَّ حاجته أبشع استغلال وضاعف السعر ، في اليوم الثاني له حساب ، يأتي له شخص يجعله يرجف ، طبعاً أنت لم تخف الله عزَّ وجل بينك وبينه فخوَّفك من عباده ، من خاف الله خافه كل شيء ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء .
قال لي أحدهم : أنا أرجف رجفاً ما هذه الحياة ؟ عند جاري أتى الموظفون وأنا كلي أرجف ، والله أنا لم أفعل شيئاً ، وكلها بضاعتي ، قلت له : عند الله حساب جار ، يجمع الله البيت والمحل ، البيت هل فيه معاص ؟ فسكت ، من وإلى ، في البيت يوجد حساب وهنا يوجد حساب ، هو عنده البضاعة صحيحة ، وسعرها قانوني ، ووفق الأصول ، لكن الله عنده حساب في البيت ، فإذا لم يكن في البيت غلط وهنا لا يوجد غلط لا تخف . .
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء : 147]
هو عندما كان فيه خشية من الله عزَّ وجل ما كان فيه شيء ، عندما فجر الناس ، سأقول لكم كلمات : المؤمن إذا قرأ كلام الله عزَّ وجل وأخذه مأخذاً جديَّاً ، ربنا عزَّ وجل قال: ولن هذه لن لنفي المستقبل ، أداة التحدي . . ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
[ سورة النساء: 141 ]
هذا كلام رب ، خالق الكون ، أنت كن مع الله وانظر ، كن مع الله تر الله معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟! ما معك أحد ، يخيفك من أحقر خلقه ، وإذا كنت معه خافك كل شيء .
هكذا كانت تجارة السلف الصالح ، يتَّجرون لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا ، فإن من طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يخزيه الله سبحانه وتعالى ؟ طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة .
5 ـ ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة :
الآن البند الخامس : فيما يدعو لشفقة التاجر على دينه وهو في السوق ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة ، وذلك بأن يكون أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، الآن من نعم الله أنه يوجد تحديد للدوام ، لكن قبل التحديد تجد السوق للساعة الحادية عشرة ، الثانية عشرة ، والنساء في البيت وحدهن ، كل زوجة لها حق ، لا يجعل واحداً يتأخَّر عنه ، يظل بالسوق لآخر الوقت ، أول إنسان يفتح ، قال : هذا مكروه ، عن عمرو بن العاص يقول: " لا تكن أول داخلٍ في السوق ولا آخر خارجٍ منها ، فإن بها باض الشيطان وفرَّخ "
الذي يدخل أول واحد ويخرج آخر واحد ، إبليس يقول لزبانيَّته : سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق ، زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة ، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، وفي الخبر: شرُّ البقاع الأسواق ، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً .

6 ـ ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات :
البند السادس : ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات ، عندنا حرام وعندنا شبهات ، إذا الإنسان ترك الحرام لابأس به ، لكن هناك شيئاً آخر وهو ترك الشبهات ، ومظان الريب ، ولا ينظر إلى الفتاوى ، يا أخي توجد فتوى أن البيع ولو مع الدين لا شيء عليه ، فلان وفلان أنت أفهم منهم ؟ لا ، لست أفهم منهم ، قال : المؤمن الصادق لا يقبل الفتاوى التي نُقِلَت إليه التي فيها إباحة لبعض المنهيات ، فأنا كلَّما سألني إنسان شيئاً أقول له: تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجودة ، أي معصية لها فتوى ، إنسان ضيع خمسين ليرة ذهباً ، فدعا الله : يا رب أدعو ألا يجدها شيخ ، قال له : لماذا ؟ قال له : سيؤول فتوى ويأخذها ، الفتوى موجودة أما التقوى فهذه غير سهلة ، فأي معصية تريد أن تقترفها توجد لها فتوى ، لكن إذا كنت تريد التقوى ، تريد مرضاة الله ، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك .
قال لي رجل : إذا الإنسان باع بالتقسيط ورفع الثمن لا شيء عليه ، قلت له : كيف ذلك ؟ قال: أتريد أن نأخذ الثمن متأخِّراً بلا فائدة ؟ قلت : حينما يبيع الشيء لأجل يكتبه ديناً ، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا ، ولا بيع بعقدين ، ومن باع بعقدين فله أوكسهما أو يكون الربا ، قال : لا بشرط ألا تبيع نقداً أو تقسيطاً ، إذا بعت تقسيطاً فقط ، يجوز أن تبيع بالتقسيط وبسعر مرتفع ، قلت له : محلان تجاريان إلى جانب بعضهما بعضاً ، يبيعان أدوات كهربائيَّة ، البضاعة واحدة ، الأول يبيع نقداً والثاني يبيع تقسيطاً ، حسب رأي هذا الإنسان العمل شرعي ، هذا يبيع تقسيطاً فقط ، هذا البرَّاد ثمنه ألف ومئتان لستة أشهر ، كل شهر مئتا ليرة ، المحل الثاني يبيع البرَّاد بألف ليرة نقداً ، حسب توجيه هذا الرجل البيع في الحالتين شرعي ، قلت له:
لو جاء إنسان إلى الذي يبيع تقسيطاً وأخذ ثلاجةً ، وسُجِّل في الدفتر ديناً لستة أشهر على أن يُسدَّد كل شهرين مئتي ليرة ، إنسان آخر ذهب إلى البنك ، واستقرض ألف ليرة بفائدة مئتين لستة أشهر ، وذهب إلى المحل الثاني الذي يبيع نقداً واشترى هذه الثلاجة ، أي فرقٍ بين الرجلين ؟ أبداً لا فرق بينهما إطلاقاً ، إلا أن الثاني ذهب إلى المصرف وأخذ الألف بفائدة ، ودفع الألف للبائع الذي يبيع نقداً ، وسجَّل المصرف عليه مئتي ليرة لستَّة أشهر ، والأول دفع الزيادة لصاحب المَتْجَر ، فبقي شخص يقول لك : توجد فتوى ؟ أنا سمعت فتوى من رجل له مكانته وعالِم جليل فانتهى الأمر ، لكن ما هو دليله على شرعية هذا العمل ؟ لأنه إذا سيق الإنسان للحساب يجب أن يبيِّن له الدليل ، كل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا .

(( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإمام الغزالي يقول: ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات، ومظان الرِيَب ، ولا ينظر إلى الفتاوى . من يعرف الله لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله :
مرَّة أحدهم أحضر لي فتوى وقال لي : تفضل هذه الفتوى بتوقيع رجل مكانته كبيرة جداً ، ومأخوذة عن حاشية ابن عابدين ، أن الإنسان يستطيع أن يضع أمواله في دولة أجنبيَّة ويأخذ فائدتها ، قلت له : هذا الذي ينقل ماله من بلد المسلمين إلى بلد الكافرين ليقوِّيهم ويضعف المسلمين أليس له عند الله حساب ؟ ابن عابدين حينما قال في حاشيته : لك أن تأخذ أموال الكفَّار يعني بهذا أن تأخذها في حالة الحرب ، دون أن تضع مالك عندهم وتأخذ عليها الفائدة ، القضيَّة أعقد من هذا ، الفتوى صحيحة ولكن لها ظروفاً معيَّنة ، لها ملابسات ، في حالة الحرب لا في حالة السلم ، هناك تمثيل دبلوماسي وهناك سفارات أين حالة الحرب هذه ؟ وكذلك نقل الأموال من بلد مسلم إلى بلد غير مسلم هذا يضعف المسلمين ، يفقدهم السيولة النقديَّة ، إذاً كل فتوى لها ملابسات ولها ظروف ، أنا لا أكذِّب الفتوى لا والله حاشا لله ولكن أقول : هذه الفتوى التي تأخذها أنت لها ملابسات ولها ظروف قد لا تنطبق عليكَ أنت ، فإذا أردت الفتوى فالفتوى موجودة ، لكنك يجب أن تأخذ التقوى ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك))
[أحمد عن وابصة بن معبد]
إنسان قال لي : إذا طالب ذهب إلى أوروبا ومضطر أن يتزوَّج ، له أن يتزوَّج زواجاً مؤقَّتاً ستَّة سنوات فترة الدراسة ، وقبل سنتين يطلِّق ، قلت له : من أين جئت بهذا ؟ قال : في المذهب الفلاني . . سمَّى لي اسم الكتاب . . موجود ، قلت له : ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
[ سورة النساء : 21 ]
أغلظ ميثاق بين الزوجين ، من منكم يرضى أن يزوِّج ابنته زواجاً لأجل ؟ لا أحد يرضى ولو كان موجوداً في كتاب معتمد من الأئمَّة الأربعة ، يمكن المذهب المالكي ، المهم التقوى لا الفتوى ، قد تكون الفتوى لها ملابسات ، لها ظروف ، مدسوسة عن الإمام المالكي رضي الله عنه لا تعرف ، لأن الشيخ محي الدين في الفتوحات المكيَّة قالوا عنه أشياء غير مقبولة ، فالإمام الشعراني أنكرها قلبه ، هذا كلام خِلاف القرآن ، وفي الفتوحات ، والشيخ محي الدين الشيخ الأكبر سلطان العارفين ، ذهب إلى مكَّة المكرَّمة وعرض الأمر على أحد علمائها الكبار ، قال : دخل إلى غرفته فعاد ومعه نسخةٌ من الفتوحات بخطِّ يدِّ الشيخ محي الدين رضي الله عنه ، ففتح الكتاب فلم يجد فيها شيئاً مما أنكره قلبه ، إذاً مدسوسةٌ عليه ، قال : وقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة دسُّوها تحت وسادته قُبَيْل وفاته ، ولقد دسوا على الإمام الغزالي في الإحياء . . والنص عندي . . ولقد دسوا على الفيروزبادي ونسبوا له كتاباً في التهجُّم على أبي حنيفة ، قال: ودسوا عليَّ أنا كتاباً راج في مصر وقد نُسِبَ إليّ وأنا بريء منه ، النص هذا خطير جداً ، بمعنى أنه لو بَلَغَك عن عالمٍ جليل كلامٌ لا يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى ، ولا مع كمال أنبيائه ورسله ، القضيَّة سهلة ، ما أسهل الدسَّ على العلماء .
فهناك تفسير شهير جداً وجدت في سطرين كلاماً يلفت النظر ، أن هذا الذي كُتِبَ عليه أن يكون شقياً من الأزل قال : هذا محض العدل لأن الله سبحانه وتعالى يتصرَّف في ملكه ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل ، قلت : لو تزوَّج الإنسان امرأةً ليس لها أب ، وليس لها أخ ، ولا أخت ، ولا قريب ، ولا أحد ، مقطوعة ، وظلمها ظلماً شديداً ، لم يطعمها ، وسَخَّرها لخدمة أُناسٍ كثيرين ، وأهانها ، وضربها ، فهل نقول : هذا محض العدل والإحسان وأنه لا أحد يحاسب الزوج عنها ؟ هل ينقلب الظُلم إلى عدلٍ لمجرَّد أن أحداً لن يحاسبك على هذا الشيء ؟ لا ، هذا السطر لابدَّ أنه مدسوسٌ على هذا المُفَسِّر الجليل .
النبي عليه الصلاة والسلام يمشي في الطريق يرى باباً مفتوحاً ، ينظر في الباب ، فيرى امرأةً تغتسل غايةً في الجمال ، وقع حُسنها في قلبه يقول : سبحان الله ، تسمعه فتقول لزوجها ، تأتي الآيات تأمر زوجها أن يطلِّقها ليأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا إذا وجدته في الكتاب لا أتهم صاحب الكتاب بل أقول : هذا مدسوسٌ عليه ، الأنبياء فوق هذا المستوى ، فوق هذا بكثير .
سيدنا سليمان بَلَغَهُ أن للسيدة بلقيس أرجلاً كأرجل الحمار ، وأن شعراً كثيفاً في أرجلها فبدافع حبِّ الفضول صنع لها بهواً فخماً من زجاجٍ صافٍ ، وأجرى تحته الماء . .
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾
[ سورة النمل: 44 ]
هكذا التفسير ؟! معاذ الله أن يكون سليمان عليه السلام بهذا المستوى ، لا ، لكن الهداية لا تكون إلا بشيئين : بوجود تفكيرٍ سليم ووجود خضوع ، فهذه ملكة وهو ملك ، كيف تخضع له ؟ لابدَّ من أن يُحَجِّمها ، امتحن ذكاءها بنقل عرشها ، فلما طرح عليها السؤال : أهكذا عرشك ؟ كانت ذكيَّةً جداً ، أجابت إجابةً دُبلوماسية قالت : كأنه هو ، فلو أنه هو ، قالت : كأنه هو ، ولو لم يكن هو ، قالت : كأنه هو أي ليس هو ، فالجواب دقيق جداً ، شرطان : أول شرط أن تكون مفكِّرةً وها هي تثبت أنها مفكِّرة ، بقي خضوعها ، ملكة وهو ملك ، ندٌ لند ، حينما دخلت قصره المنيف ، وظنَّت الماء يجري في بهو القصر كشفت عن ساقيها فقيل لها: لا إنه صرٌ ممرَّدٌ من قوارير ، فإذا واحد له مكانة كبيرة جلس ليأكل فأوقع الصحن على ثيابه ، يخجل، يتحجَّم ، فسيدنا سليمان أراد أن يخضعها ، أن يجعل بينه وبينها مسافةً ، فإذا وجدت في بعض الكتب أنه أراد أن يكتشف ما إذا كان في ساقيها شعرٌ أو لا ، لا ، فهذا لا يليق بالأنبياء أن يفعلوه ، إذا أراد أن يكتشف ما إذا كان ساقاها ساقي حمار ، لا الملكة لا تكون كذلك .
على كل أضرب لكم مثلاً : أحد سكَّان دمشق دخل إلى مكتبةٍ فإذا فيها كتابٌ عن دمشق قَلَّبَ صفحاته فأعجبه فاشتراه ، جاء للبيت قرأ عن سكَّان دمشق ، عن تضاريس دمشق ، عن غوطتها ، عن بردى ، عن نشاط أهلها ، عن تاريخهم ، كيف أنها أقدم مدينة ، عن آثارها، عن قصورها ، عن بساتينها ، عن عادات أهلها ، عن تقاليدها كلُّه صحيح ، وهو من الشام ، في نهاية الكتاب قرأ كلمتين : وتقع دمشق على البحر المتوسِّط شمال بيروت ، هو من دمشق ويسكن الشام فهل عنده إمكانيَّة أن يصدِّق هذا الكلام ؟ هذا كتاب مهم ، معناها نحن نعيش على البحر ، لا ليس هكذا ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب بكثير ، راكب سيَّارة وهي واقفة ، و عندك على وقوفها مليون دليل ، نظرت فرأيت الإبرة على الثمانين فقلت : معنى هذا أننا نسير ، لا هذه لها تفسير ثان ، معنى هذا أن العدَّاد معطَّل، الكبل مقطوع وواقف على الثمانين ، وقوفك أقوى من العدَّاد ، فعندما يعرف الإنسان الله سبحانه وتعالى لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله . .
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[ سورة الأعراف: 180 ]
فمن يصدِّق أن الشام تقع على البحر ؟ إنسان ما رأى الشام ، إنسان يقرأ كتاباً مترجماً عن الشام وهو يسكن في ألاسكا ، بأستراليا ، يقول لك : معنى هذا أن الشام بين طرابلس وبين بيروت ، هنا الشام ، باعتبار هو قرأ هكذا في الكتاب ، أما ابن الشام فلا يقول هذا الكلام و لا يقبله .
فيجب أن تبلغ معرفتك بالله عزَّ وجل درجة أن لا ترضى عنه النقص ، لا ترضى لأسمائه إلا أن تكون حسنى ، فاسم القابض من أسمائه الحسنى ، الضار من أسمائه الحسنى لكنه يضرُّ لينفع ، ويقبض ليبسط ، ويمنع ليعطي . .
إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي وييبتلي ليجزي ، هكذا ، فالإنسان إذا أقبل على الله سبحانه وتعالى وذاق من رحمته لا يقبل تفسيراً يتنافى مع رحمته ، لا يُسأل عما يفعل لفرط عدالته لأن عدله يسكت الألسنة .
على الإنسان أن يستفتي قلبه و يسأل عن كل سلعة رابه أمرها :
قال : ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه ، فإذا وجد فيه حزازةً اجتنبه ، نفسه ضاقت فتركه ، وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها ، أخي أنا قال لي اشتر فاشتريت ، هو قال لك : اشتر هذه الكأس وثمنها ليرتان قال لك : تأخذها بنصف ليرة ، أين أنت جالس ؟ معنى هذا أن هذه الكأس مسروقة ، أخي أنا بعتها بيعاً حلالاً ، عرض عليّ كأساً بنصف وأنا لي مصلحة أن آخذها بنصف ، لا معنى هذا أنك لست ورعاً ، سعرها ليرتان ، إن باعك إياها بليرتين إلا ربع فلابأس ، مئة وتسعون معقول ، مئة وثمانون معقول ، ليرتان وربع معقولة ، لكن نصف ليرة غير معقولة . قال : وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها حتَّى يعرف وإلا أكل شبهةً ، وقد حُمِلَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام لبنٌ فقال : من أين لكم هذا ؟ قالوا: من الشاة ؟ قال: ومن أين لكم هذه الشاة ؟ قيل: من موضع كذا ، فشرب منه ، حلال ، وقال : إنَّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا ألا نأكل إلا طيِّباً ولا نعمل إلا صالحاً ، وقال عليه الصلاة والسلام :
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾
[ سورة البقرة: 172 ]
قال : النبي الكريم سأل عن أصل الشيء وأصل أصله ، فقط ، أما عن أصل أصل أصله فما سأل لأن هذا الشيء متعذَّر . التاجر عليه أن ينظر إلى من يعامله فإن كان منسوباً إلى ظلمٍ ، أو خيانةٍ ، أو سرقةٍ ، أو ربا فلا يعامله .
قال : دخل سفيان على المهدي فقال : يا سفيان أعطني الدواة حتَّى أكتب ، فقال: أخبرني عن أي شيءٍ تكتب ؟ . . إذا ناوله الدواة صار مسؤولاً فصار شريكه في الإثم . . عن أي شيءٍ تكتب ؟ فإن كان حقَّاً أعطيتك ، بعض الأمراء طلب من بعض العلماء أن يناوله شيئاً ليختم به الكتاب فقال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه ، الختم فقط قال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه .
الناس قسمان :
قال : وبالجملة ينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يُعَامَل ومن لا يُعَامَل ، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمن ، قال بعضهم : أتى على الناس زمانٌ كان الرجل يدخل في السوق ويقول: من ترون أعامل من الناس ؟ فيقال له : عامل من شئت ، كلُّه طيِّب، كلُّه فالح ، كله ورع ، كله مستقيم ، كله محسن ، عامل من شئت ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر كانوا يقولون : عامل من شئت في هذا السوق كلِّه إلا فلاناً وفلاناً ، هذان مشكوك في أمرهما ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر فكان يقال : لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلاناً ، لا يتعاملوا ، قال: ونخشى أن يقال لا تعامل أحداً أبداً .
أول أمر عامل من شئت ، رقم اثنين عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً ، رقم ثلاثة لا تعامل إلا فلاناً وفلاناً ، وقد يأتي زمان يقال للرجل : لا تعامل أحداً ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَن))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
إنه في آخر الزمان من لم يأكل الربا أصابه غباره ، العلاقات كلُّها ربويَّة ، مهمَّا احتاط الإنسان يصيبه غبار الربا . 7 ـ أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه :
البند السابع والأخير في الأشياء التي يحترز بها التاجر على دينه أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه ، قال : فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليعدَّ الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلةٍ وقولةٍ لماذا قالها ؟ ولماذا فعلها ؟ ولأجل ماذا ؟ قال : فإنه يقال: إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه في الدنيا ، إذا عندك بيع في اليوم حوالي خمسين أو ستين زبوناً على أربعين سنة أعانك الله ، واحد واحد ، قلت له : هذه البضاعة لا يوجد منها وهي يوجد منها لكي يشتري على الفور ، إذا قلت له : هذه البضاعة أصليَّة و كانت ليست كذلك تعال إلى الحساب ، وبعدها أتى الزبون الرابع أنت قلت له : إن هذه البضاعة تصنيع محلي وهي فيها عيب وأنت لم تظهره ، أبداً ، كم زبون بعت في حياتك ؟ يُحْشَر الأغنيار أربع فرقٍ يوم القيامة : فريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام ، أهون حساب حسابه . . يقال : خذوه إلى النار ، لا يوجد ازدحام ، ولا طوابير ، على الفور خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرامٍ . . عنده ملهى . . وأنفقه في حلال فيقال : خذوه إلى النار . . حسابه سريع . . وفريقٌ جمع المال من حلالٍ . . تجارة شرعيَّة . . وأنفقه في حرام . . على المعاصي . . فيقال: خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال فيقال : قفوه فاسألوه ، هذا سيحاسب ، حلال بحلال قفوه فاسألوه ؛ هل قصَّر في حقِّ جيرانه ؟ هل قصَّر في حق من حوله؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته من بيننا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ترك فرض صلاةٍ ؟ هل سها على عباد الله ؟ عنده ملايين الأسئلة ، النبي الكريم من بلاغته المعجزة قال: فتركته يُسْأل ويُسْأل .
عمله طويل لا ينتهي بيومين أو ثلاثة .
يروون قصّة وهي كطرفة أن أحد الأثرياء ترك أموالاً طائلة ، على فراش الموت طلب أن ينزلوا معه واحداً على القبر لعله يستأنس به عند الحساب ، فرأوا إنساناً فقيراً إلى درجة متناهية يعمل حَطَّاباً ليس عليه إلا خرقتين . .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
قميصان داخليان لا يوجد غيرهم ، فأغروه بمبلغ كبير ، هذا لم يسمع بهذا المبلغ في حياته فرضي ، طبعاً اتفقوا مع الحفَّار أن هناك شيئاً خاصاً هو أن ننزل إنساناً وغداً صباحاً تخرجه من القبر ، قال لهم: موافق ، كذلك أعطوا للحفار مبلغاً لكي يرضى ، لأن هذه فيها مسؤوليَّة ، أنزَّله ، بعدما نزل هذا الحطَّاب جاء الملكان ، قال أحدهما للآخر : هنا في القبر اثنان ، فلمَّا جاء الملكان اضطرب هذا الحي فحرَّك رجله ، فقال : أحدهم حي ، هيا نبدأ به ، أجلسوه وسألوه : من أين هذا الثوب ؟ قال لهم هذا دفعه إليَّ فلان ، من أين هذا البنطال ؟ من فلان ، هذا الحَبل الذي تحزم به خصرك من أين جئت به ؟ قال: هذا وجدته في بستان مُعَلَّقاً على شجرة فأخذته ، قال: هل أخذته من صاحبه ؟ قال: لا ، قال: هل أعلمت صاحبه ؟ قال: لا ، قال : هل دخلت إلى البستان بإذن صاحبه ؟ قال : لا ، فقال : اضربوه على هذا الحبل الذي أخذه من دون إذن صاحبه ودخل البستان من غير إذن صاحبه ، ففي اليوم الثاني صار يصيح من شدَّة الألم ويقول : أعان الله والدكم ، أي على حبل واحد ، القضيَّة ليست سهلة ، إذا الإنسان عرف دقَّة الحساب خشي الله سبحانه وتعالى . . (( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجةِ الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
دانقٍ من حرام ، فآخر شيء أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحدٍ من معامليه فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليُعدَّ الجواب ليوم الحساب ، يقول لك : الآن لبسناها له ، بعد أن عملت حادثاً وقلبت قلبتين ودهَّناها لم يعرفها ، بعناها ليلاً ، ألبسته إياها ؟‍ أعانك الله في كل فعلةٍ وقولةٍ .
قال لي أحدهم : والله يا أستاذ أخذنا مئتي بيضة فكانوا فاسدين فبعناهم في سوق الجمعة يوم الجمعة و لحقَّنا حالنا ، ما هذا الكلام ؟ هو خضري اشترى بيضاً ليتاجر به فوجد أن البيض كله فاسد ، قال لي: لحَّقنا حالنا وبعناهم في سوق الجمعة ، أنت مسلم ، فأرة وقعت في الزيت ما أحد رآها ، الزيت صار نجساً ، هناك أخطاء كبيرة جداً .
إذاً لأجل هذا يقال : يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه شيئاً وقفةً ، ويحاسب عن كل واحدٍ محاسبةً ، على عدد من عامله ، قال بعضهم : " رأيت بعض التُجَّار في النوم فقلت : ماذا فعل الله بك ؟ قال: نشر عليَّ خمسين ألف صحيفة ، عنده مجلَّد ضخم ، عدد صفحاته خمسون ألفاً ، هذا دفتر حسابه ، فقال: هذه كلُّها ذنوب ؟ قال : لا هذه كلُّها معاملات الناس بعدد كل إنسانٍ عاملته في الدنيا ، لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه . لذلك ما على المكتسب في عمله إلا العدل والإحسان والشفقة على الدين ، فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين ، وإن أضاف إليه الإحسان كان من المُقَرَّبين ، وإن راعى في ذلك وظائف الدين كان من الصديقين والله أعلم . فالقضيَّة ليست سلهة . .
فما حبُّنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له : قد جهلتنا
***

الدين يبدو في المعاملات ، أتعرفه ؟ قال : نعم ، قال : هل جاورته؟ قال : لا ، هل سافرت معه ؟ قال : لا ، هل عاملته بالدرهم والدينار ؟ قال : لا ، قال : أنت لا تعرفه ائتني بمن يعرفه .

السعيد 09-10-2018 05:21 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )

الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الشبهات :
أيها الأخوة الأكارم ، لازلنا في موضوع الشبهات ، بينت لكم في درس سابق قول النبي عليه الصلاة و السلام الحلال بين كالأبيض الناصع و الحرام بين كالأسود الداكن و بينهما أمور مشتبهات ملايين الحالات التي يختلط بها السواد بالبياض ، يختلط الحرام بالحلال، هذه الحالات بين الأبيض الناصع و الأسود الداكن لا يعلمها كثير من الناس و هي التي أهلكت الناس ، قبل المضي في الحديث عن هذا الموضوع يقول عليه الصلاة و السلام :
((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أي يقول المسلم اليوم : أنا لا أزني ، أنا لا أسرق ، أنا لا أشرب الخمر ، هذه كبائر و يتهاون بالصغائر ، الحقيقة الكبائر كبائر و إذا تركت الكبائر الإنسان قد يهلك بالصغائر : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
و : (( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]
و الصغيرة في النهاية كالكبيرة أي حرف المقود سنتمتر واحد على مسافة مئة متر يؤدي بالإنسان إلى الوادي ، و حرف المقود تسعون درجة فجأة يؤدي به في الوادي ، القضية قضية وقت أما في النهاية فالصغيرة إذا استمر عليها ، و ثبت عليها ، و أصرّ عليها في المؤدى كالكبيرة ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أي شبهات ، هذه التي لا يعبأ بها الناس ، هذه التي لا يعلمها كثير من الناس ، الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين أفرد لها فصولاً طويلة ، لازلنا في أول الطريق . من مسارات الشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية :
تذكرون في أول درس تحدثت عن الشبهات بينت أن مسار بعض الشبهات في أسبقية السبب المحلل و السبب المحرر ، الصيد في الأسلحة حلال و لكن إذا صدت غزالاً ووقع في الماء فرأيته ميتاً هل مات بسبب جرحه فهو حلال أم مات بسبب غرقه فهو حرام ؟ هذه شبهة و تحدثنا عنها ملياً ، ثم تحدثنا عن اختلاط الحلال بالحرام ، حلال محدود مع حرام محدود ، حرام محدود مع حلال غير محدود ، حرام غير محدود مع حلال غير محدود ، و تحدثنا في درس آخر عن طرح السؤال ، إذا سألت إنساناً ما : هل هذا المال حرام أم حلال ؟ هذا له تفصيلات بيناها في وقتها .
اليوم موضوع جديد حول الحلال و الحرام ، أو حول الشبهات المسار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية ، الآن العمل حلال لكن يتصل بهذا العمل الذي أحله الله شيء حرام قال : إما في قرائنه - أي ما يقترن به - وإما في لواحقه ، وإما في سوابقه ، وإما في عوضه .
يجوز أن يقترن بالسبب المحلل شيء حرام ، أو أن يسبقه شيء حرام ، أو أن يلحقه شيء حرام ، أو أن يكون عوضه شيئاً حراماً ، وكانت هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل ، مثلاً لو أنك عقدت قراناً على امرأة تبينت أنها أختك من الرضاع ، هذا الذي تبين لك يبطل السبب المحلل وهو الزواج ، هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد باطلاً ، لا يسمى هذا العقد فاسداً ، لأن شيئاً أبطل السبب المحلل ، لكن إذا عقدت قراناً على امرأةٍ من دون مهر هذا عقد فاسد ، العقد الفاسد يصحح أما العقد الباطل فلا يصحح يبطل ، هنا موضوع دقيق جداً ، أي هذا الشيء الذي اقترن بالحلال أو سبقه أو لحقه أو كان بدلاً منه ، هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض ، هذه كانت من المعاصي لكنها لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل .
مثال المعصية في القرائن ، البيع وقت نداء الجمعة ، قال تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة : 9]
البيع حلال وأحلّ الله البيع لكنه اقترن بوقت النداء ، هذا السبب لا يوجب بطلان العقد في رأي بعض العلماء ، ولكن معصية لله عز وجل ، والذبح بالسكين المغصوبة ، الذبح حلال لكن هذه السكين مغصوبة ، والاحتطاب بقدوم مغصوب ، والبيع على بيع الغير فيه معصية ، والصوم على صومه ، كل هذا ورد نهي فيه ، ولكن من يدل على فساد العقد هو معصية يجب أن تترك ولكنها لا تجعل هذا العقد باطلاً ولا تجعله فاسداً فإن الامتناع من جميع ذلك ورع ، وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوماً بتحريمه ، ليس هذا من باب التحريم القطعي ولكن من باب الكراهية الشديدة ، إذاً هذه شبهة بمعنى أنها من النوع المكروه . أنواع الكراهة :
وقالوا : إن الكراهة لها ثلاث درجات ، كراهة تقترب من الحرام ، الطلاق شيء مكروه ، أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، هذه كراهة تقترب من الحرام والورع عنه مهم ، والأخيرة تنتهي إلى ورع من نوع المبالغة ، والوسطى تلحق بإحدى الطرفين ، يوجد عندنا كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم ، وكراهة تقترب إلى درجة المبالغة أو الوسوسة ، وعندنا كراهة بينهما، فهناك مستويات ثلاثة للكراهة ، إذاً الكراهة درجات ، كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم، وكراهة تلحق بكراهة الوسوسة والمبالغة ، وكراهة بينهما .
المسروق أن تأخذ السكين من حرز من دون أن يشعر بك صاحبها هذه سرقة أما الاغتصاب فقد تأخذها أمامه ولكن بقوة ما ، قد تأخذها بقوة السلاح ، وقد تأخذها بقوة أدبية معنوية هذا اسمه غصب .
والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ، لازلت أقول لكم :
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
والفرق الجوهري بين المؤمن الصادق وبين المنافق الورع ؛ هذا ورع يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا لا يبالي أكان ماله حلالاً أم حراماً ، لكن أحب أن أبين لكم أن هناك حالات مرضية ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]
المتنطعون الذين يقعون في وساوس ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان ، تراه معطلاً وقته ، وطاقته ، وجهده ، في البحث في تفصيلات لا تقدم ولا تؤخر ، هذا مرض يصيب بعض المؤمنين ، كيف أن هناك أمراضاً نفسية كثيرة وشائعة متعلقة بالوسوسة سماها العلماء الوساوس المتسلطة ، هناك أمراض نفسية تصيب بعض ضعاف المؤمنين من داء الحلال والحرام والشبهات وما شاكل ذلك ، أي يوجد إنسان عنده كرم عنب أحرقه جميعاً لماذا ؟ قال : يخشى أن يصل بالنهاية إلى خمار فيصنعه خمراً ، قياساً على هذه القاعدة يجب أن تدمر كل شيء ، هذا يحتاج إلى طبيب نفسي ، شيء مضحك ولكنه شيء واقعي ، أنا أحياناً تصلني حالات من هذا القبيل ، هذا شيء ما أنزل الله به من سلطان أنت بحاجة إلى من يسدد خطاك وإلى من يقول لك هذا حلال وهذا حرام . المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال :
أما هنا فهناك فكرة دقيقة إلى أقصى الحدود :
((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا))
[رواه مسلم عن ابن مسعود ]
هؤلاء المبالغون الذين يصلون بتفكيرهم إلى مناطق موحشة ، إلى مستحيلات ، إلى افتراضات باطلة يتنحلون ، يبالغون ، يتصنعون إلى درجة أنهم يمقتهم الناس ويمقتون أنفسهم ، قال : هذه المبالغات وإن كانت لا تضر صاحبها لكنها ربما توهم الغير أن مثل هذا مهم ، أي إذا رجل قدم لك سؤالاً باهتمام بالغ أنه ليس متأكداً بعد أن نوى الصلاة وقرأ الفاتحة أن الماء تجاوز عقبيه أم لا يتجاوز ، فانشغل وأمضى صلاته كلها في هذه الوسوسة ، إذا إنسان غريب عن الدين وسمع هذا السؤال يرى الدين معقداً إلى درجة غير معقولة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
الإنسان إذا شعر أن الدين معقد جداً تنشأ عنه حالة غريبة يقول لك : هذا شيء غير واقعي ، مستحيل أن يطبق ، يتركه كله ، سألني رجل وقال : جاءتني كنزة من إنكلترا هل يجوز أن ألبسها ؟ قلت له : لماذا لا تلبسها ؟ قال : هذه الكفار صنعوها ، قلت له : معقول هذا الكلام ؟ رأيته يبالغ هذه المبالغة فقلت : شدْ عليه لا تلبسها معك حق ، هذا التفكير مرضي ، على هذا القياس لا نجوز أن نشرب بهذا الكأس ، هذا مصنوع في فرنسا وأيدي كفار صنعته .
الإمام الغزالي يقول : من وصل إلى هذا التحمل وهذه المبالغة وهذه الوسوسة إلى درجة أنه أوهم الناس أن الدين قيود لا حدود لها ، مبالغات لا نهاية لها ، تعقيدات لا حل لها ، ما الذي ينشئ في نفس الذي يستمع إلى هذا الكلام ؟ ينفر من الدين ، يرى أن هذا الشيء غير واقعي ولا سبيل إلى تطبيقه والأولى تركه كلياً ، أي إذا طالب دخل المدرسة - وهذا من باب التبسيط - يكتب الطالب كلمة الاجتماع يضع لها همزة وهذا خطأ ، الاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، يأتي أستاذ عربي ويقول : الهمزة في أمر الثلاثي وماضي وأمر ومصدر الخماسي وماضي وأمر ومصدر السداسي همزة وصل فهذه القاعدة معقدة ، يأتي أستاذ ثان يقول للطالب : أضف لهذه الكلمة واواً فإن بقيت الهمزة فاكتبها وإن سقطت فأسقطها ، الاستقلال والاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، اجتماع والاجتماع لا تحتاج إلى همزة ، أكل وأكل هذه تحتاج إلى همزة ، أكرم وأكرم هذه قاعدة مبسطة ، فالإنسان عندما يعقد الأمور على الناس ينفرون ، هذا المستشرق الذي جاء يريد أن يسلم في مصر وأوقعه حظه العاثر بعالم متحجر فجعله في مجلسة ستة أشهر في أنواع المياه ، هذا متشوق إلى الله عز وجل يريد أن يعرف شيئاً عن الله ، عن كتاب الله ، أنواع المياه ، مياه الآبار ، الآثار حكم الوضوء بماء العدس ، حكم الوضوء بالبن ، إلى أن ترك الإسلام والتقى بالإمام محمد عبدو قال له هذه قصتي أهكذا الدين ؟ قال له : الماء الذي تشرب منه توضأ منه.
أحياناً هناك موضوعات ليست واقعية ، موضوعات افتراضية ، موضوعات لدرجة الإنسان ينفر منها ، يقول لك : إذا وقعت هذه الفأرة في البئر وكان يلحقها هر وخافت منه وبالت في الطريق فالماء حلال ، من الذي يراقب الفأرة والقط يلحقها هل بلت نفسها ؟ هكذا الفقه أعوذ بالله أشياء في غاية التعقيد لذلك : أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ خاطبوا الناس بما تفهمون ، المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال . ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ]
الملخص هنا : إذا بالغت في هذه الشبهات لدرجة أصبح الدين شيئاً عقيماً ، معقداً جداً ، متاهات ، اضطرابات ، أشياء خيالية غير واقعية ، إنسان يقول : هذا ليس ديناً ، يتركه كلياً ، أما إذا كان العرض مبسطاً واضحاً وضعت يدك على النقاط الجوهرية في الدين تحبب الناس بالدين ، هذا مثل القرائن ، القرائن البيع أثناء النداء ، أو ذبح الحيوان الذي أحل الله ذبحه بسكين مغصوبة ، أو ما شاكل ذلك . أمثلة اللواحق :
الآن من أمثلة اللواحق قال : فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية ، أي رجل باع العنب إلى خمار ، العنب حلال ، فاكهة من خلق الله سبحانه و تعالى ، أحلّ زراعة العنب و جنيه و أكله و بيعه ، كل شيء في العنب حلال إلا أن تبيعه لخمار لأنه سوف يصنعه خمراً و يؤذي به عباد الله ، الإنسان ينتبه إذا أراد أن يبيع شيئاً وهذا الشيء ينتهي بمعصية يكون عمله به شبهة ، قال لي رجل : كلفوني بتمديد كهرباء لملهى ، لا تفعل ذلك ، إذا أردت أن تساهم بتأمين راحة العصاة ، و تساهم بتأمين سرور الفجار ، تمديد الكهرباء شيء سليم جداً ، عمل شريف لكن يستفيد من الكهرباء العصاة وحدهم ،و تنقلب التمديدات إلى معاصي ، هذا من اللواحق .
بيع السيف لقطاع الطريق ، بيع السيف لا شيء عليه طبعاً إذا صرح السلطان ببيعه ، فإذا منع السلطان بيع السيف لا ينبغي أن يباع السيف لأن الله سبحانه و تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾
[ سورة النساء : 59]
إذا كان السلطان قد أباح بيع السيف ، لا ينبغي أن تبيع السيف لمن ؟ لقطاع الطريق ، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع السلاح في الفتنة ، أي هذه الدول الكبرى الآن بالإحصاءات الكبرى أربح صناعة في العالم صناعة السلاح ، وعقود السلاح دائماً عقود إذعان لا عقود بالتراضي ، أنت تريد أن تأخذ قماشاً ، قال لك : ثمن اليرد ثمانمئة ليرة هذا عقد بالتراضي ، إن وجدت اليرد بمئة وثمانين ليرة والبضاعة ممتازة تشتري أما إن قال لك : بألف ليرة اليرد فلا تشتري ، أما الذي يشتري السلاح هذا يعقد عقد إذعان ، الطائرة ثمنها ثمانية ملايين ليرة ، فهذه الدول العظمى التي تعيش على مشكلات الناس تبيع هؤلاء وهؤلاء فأربح صناعة في العالم الآن السلاح ثم الدواء ، أروج صناعتين السلاح والدواء ، أي يجرحون ويداوون فيربحون في الحالتين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ]
أي المسافة بين العابد والعالم كالمسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، بيع السيف بالفتنة ، بيع السيف لقاطع الطريق هذه من اللواحق ، يقول الإمام الغزالي : وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن، فإنه إذا جاوز مع رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، كما أن تحليل الحرام شيء كبير كذلك تحريم الحلال شيء كبير لذلك العلماء السابقون جبناء في الفتوى ، أهون شيء أن تقول : حرام ، وقد يكون حلالاً ، قد تكون هذه العلاقة حلالاً ، تقول له حلال وتأخذ الأحوط وترتاح ، أنت ارتحت ولكن أهلكته ، فلذلك الإنسان في الفتوى يجب ألا يتسرع ويتأمل وأن يراجع الكتب ، يراجع العلماء أما أن يفتي ويسرع بالفتوى فقد يهلك نفسه ويهلك غيره . أمثلة عن المقدمات :
يوجد عندنا قرائن ولواحق ، ويوجد عندنا مقدمات ، أي بيع العنب ، تبيعه لخمار هذه طاعة لحقتها معصية ، بيع البيت وقت أذان الظهر يوم الجمعة ، هذه طاعة اقترنت بها معصية ، الآن طاعة سبقتها معصية ، قال : ما بقي أثره في المتناول كالأكل ، شاة علفت بعلف مغصوب ، هذه الشاة جائعة جارنا غافل حششنا من أرضه سرقةً وأطعمنا هذه الشاة ثم أكلنا من هذه الشاة ، أكل لحم هذه الشاة طاعة لكنه سبقها معصية لازال أثر هذه المعصية في لحمها ، وفي لبنها ، وفي دهنها ، أو شاة رعت في مرعى حرام ، فإن ذلك معصية وبما أن هذه المعصية استمرت في الشاة فهذه مكروهة أشد أنواع الكراهية .
يروى عن أبي عبد الله الطوسي أن له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي ، وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعةً فتناولت من ورق كرم على طرف بستان ، فتركها في البستان ولم يستحل أكلها لأنها أكلت من مال حرام ، ودخل هذا الحرام إليها وأصبح لحماً فيها ، فإذا أكلتها فقد أكلت شيئاً محرماً ، لكن هذا من باب الشبهات لا من باب المحرمات القطعية ، تركه ورع .
هذه المرتبة الأولى شاة أكلت علفاً مغصوباً الكراهة فيها شديدة ، ويوجد درجة أقل امتناعه عن ماء يجري في نهر حفره الظلمة غصباً أو قهراً ، ماء يجري في نهر والنهر محفور غصباً أو قهراً أو عدواناً ، الدرجة الثالثة وهي قريبة من الوسواس أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله ، مثل موضوع الكنزة الإنكيزية ، قال : هذا قريب من الوسوسة .
النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( . .اسْتَفْتِ قَلْبَكَ . . . . ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ]
لأنك لو أخذت فتوى ممهورة بخاتم رسمي وكانت لا ترضي الله عز وجل علاقتك مع الله عز وجل ، هل تنجيك هذه الورقة من عذاب الله عز وجل ؟ استفت قلبك وإن أفتوك .
ترى شخصاً يقول لك : ضميري غير مرتاح ، ليس مطمئناً متضايقاً هل هذه حلال ؟ أنا أؤكد لكم لو قلت له : حلال ، يقول لك : هذا الشيء ليس سهلاً أنت تسرعت وقلت لي : حلال . (( عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلا الْمَسْأَلَةُ ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
تراه تارك أثراً في القلب ، فعندما الإنسان يأكل مالاً حراماً لو تلقى فتوى أن هذا المال حلال لا يرتاح ، هناك شيء داخلي ، أي ربنا عز وجل أعطانا مقياساً دقيقاً جداً لا يخيب.
العلماء قالوا : القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حرجاً في الحلال ويجد حرجاً في الحرام ، أي كأن القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق للحلال والحرام ، قال تعالى : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 61 ]
أي القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق ، لا لغيره بل لصاحبه .
بقي علينا موضوع جديد وهو إذا اشتريت شاةً ديناً وذبحتها وأكلتها هذا عمل حلال مئة بالمئة ، إذا دفعت ثمنها بعد حين من مال مغصوب انقلبت حراماً ، اشتريتها حلالاً ذبحتها وأكلتها ، أديت ثمنها بعد حين من مال فيه شبهة فأصبح هذا الذي أكلته مشبوهاً .
شيء حلال اقترن به حرام كالبيع في أثناء النداء ، أو ذبح شاةً بسكين مغصوبة ، أو لحقها حرام كبيع العنب للخمار ، أو سبقه حرام كإطعام شاة علفاً مغصوباً ، أو كان عوضه حراماً كشراء شاة ديناً وأكلها ثم نقد ثمنها بعد حين من مال مشبوه ، هذه أربع حالات تصبح فيه القضية محللة ذات شبهةً الأولى تركها ، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى المسار الرابع وهو الاختلاف في الأدلة . * * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ يحجم لسانه إلا فيما يعنيه :
والآن إلى نبذة عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، تحدثنا في درس ماض عن سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى منزله ، وكيف أنه يقسم وقته ثلاثة أقسام ؛ قسم لربه يمضيه في التعبد والتهجد وتلاوة القرآن والذكر ، وقسم لنفسه يشطره شطرين ؛ شطر لأخذ قسط من النوم ، وشطر لقضاء حوائج الناس قضاءً خاصاً ، وشطر لأهله يقسمه قسمين قسم يؤنسهم فيه ، وقسم آخر يلبي بعض حوائجهم فيه .
الآن إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته ، قال الحسين رضي الله عنه : سألت أبي - يعني علياً كرم الله وجهه - عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجم لسانه إلا فيما يعنيه ، راقب نفسك الحديث الذي تتحدث فيه هل هو مما يعنيك ؟ قال عليه الصلاة والسلام :
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ما معنى يعنيه ؟ أي تتعلق عنايته به ، أي يكون قصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء ، عناه الأمر أي أهمه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع و الإسلام ، كيف ؟ أي مثلاً ماذا يعني المؤمن أن يعرف الله سبحانه و تعالى ؟ ماذا يعني المؤمن أن يتقرب إليه ؟ ماذا يعني المؤمن أن يستقيم على أمره ؟ فكل شيء يعنيه من هذه الموضوعات يسأل عنه ، يبحث فيه ، يتقصاه ، يدقق ، يتأمل ، يسأل، أما إن كان من أمر الدنيا فهو قد يعنيه من باب هوى النفس و لكن لا يعنيه من هوى الشرع ، مثلاً شاري بيتاً يريد أن يعمل له تزيينات هذا يعنيه فأصبح يسأل و يبحث و يدقق و يمضي الساعات الطويلة و أذهب عنه صلوات كثيرة ، أخي هذا الشيء يعنيني ، هذا يعنيك بحسب الهوى لا بحسب الشرع : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الذي يعنيه في مقياس الشرع ، لا يعني الإنسان الصادق إلا أن يعرف الله عز وجل، إلا أن يستقيم على أمره ، إلا أن يتقرب إليه ، هذا الذي يعنيه ، فكان عليه الصلاة و السلام يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، أي أحد ما سأل عن آية قرآنية ، سمع تفسيرها يصغي بإذنه، ما توضيح التفسير ؟ يسأل ، حكم شرعي ، قضية متعلقة بالصلاة ، متعلقة بالزكاة ، قضية متعلقة بطاعة من الطاعات ، قضية متعلقة بأداء عبادة ، قضية متعلقة بحديث يتعارض مع آية، يا ترى ما وجه التوفيق بينهما ؟ قضية متعلقة بما يبدو له شبهة يحب أن يعرف وجه الحق فيه ، هذا كله يعنيك لكن هناك غوصاً في أمور تعنيك لكن لا ترضيك . 2 ـ يؤلف و لا ينفر :
وكان عليه الصلاة و السلام يؤلفهم و لا ينفرهم ، أي كلما التقى بإنسان يحدثه بحديث يجمعه مع إخوانه ، أي اشترى بيتاً من أخيه قال : والله أخي باعني هذا البيت بمئتي ألف ، قد يكون سعر البيت ثلاثمئة ألف، من دون مبالاة البيت يساوي مئة ألف قالها ومشى ، مئتان على ماذا ؟ هذا الكلام يساوي شقاقاً، يساوي خلافاً ، يساوي عداء ، يساوي تقاطعاً ، يساوي تدابراً ، صلى الله عليه كان يؤلفهم ولا ينفرهم .
دخل إلى عند أخته قالت له : زوجي ما أحضر لي شيئاً ، يقول لها : زوجك كله هدية ، أخلاق عالية وورع ، وجهده كله لكم ، لماذا هذه الهدية ؟ أما إنسان آخر فيقول : ما أحضر لك شيئاً هو لا يستحقك ، في المساء يوجد مشكلة ، من الممكن أن يرسلها إلى بيت أهلها ، ممكن أن ينتهي الأمر بالطلاق من أجل كلمة لا يستحقك ، صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، دائماً يوفق بين الناس ، بين شريكين ، بين أخوين ، بين أب وابنه ، بين بنت وأمها، أي هذا الأب يشكو ابنه ، يقول له : معك حق انظر إلى غيره من الأولاد ، شيء لا يحتمل، ترى الأب ارتاح ، يا أخي لا يدرس ، لا أحد يدرس صار هناك عطف من الأب على ابنه ، جاء أب واشتكى لك على ابنه ، تقول له : لا والله أنا ابني مميز، لا يوجد منه ، حرقت له قلبه هو يشتكي على ابنه وأنت مدحت ابنك فتنشئ نفوراً بين الأب وابنه .
أحياناً إنسان يمدح لك ابنك وأنت تعرفه ليس كذلك تقول له : جبر الله خاطرك ، هذا ليس مديحاً هذا جبران خاطر .
فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، خطيب أحضر لخطيبته أسوارة من الذهب فقالت أمها : من الآن تقدم ذهباً ، نريد ألماساً ، فإن قال أحدهم : أنت مخطئة الألماس يخيس نصف ثمنه ، والذهب هو هو ، بالعكس انطربت هذه الخطيبة ، لما قدم لها أسوارة ذهب انزعجت ، متوقعة ألماس يقدم لها ، جاء أخوها قالت له : ذهب أحضر لي خطيبي ، فقال : لابأس هذا الذهب لا يخيس وثمنه معه ، ومن ثم خيره إلى الأمام ، إذا كان معاملته لطيفة لك فهي أكبر هدية ، هناك أخوة يوقعون الشقاق بين الخطيب وخطيبته ، دائماً كلامه مؤذ ، شيطان داخل فيه ، أساساً كل إنسان كلامه يفرق هو شيطان ، ليس منا من فرق .
3 ـ يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم :
يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، قال : " أكرموا عزيز قوم ذلّ ، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال "
هذه سفانة بنت حاتم طي وقعت أسيرةً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، مرّ عليه الصلاة والسلام وكانت ذكيةً جداً ، فوقفت وقالت : يا رسول الله إن أبي كان يقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر ، أكرمني أكرمك الله ، قال : أطلق سراحها وأطلق سراح قومها إكراماً لها ، ثم قال : أكرموا أباها فإنه كان يحب مكارم الأخلاق .
هكذا النبي دخل عليه عدي بن حاتم ، رحب به ، إذا شخص دخل إلى عندك وأنت خلف الطاولة جالس تعرفه له مكانة اجتماعية تتجاهله هذا سوء أدب ، احتل وظيفة سابقة رفيعة ، الآن هو رجل متقاعد دخل إلى عندك أهلاً وسهلاً ، رحب به ، أكرموا كريم كل قوم .
كان يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليه ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منه بشره وخلقه .
4 ـ يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد :
قال لك إنسان : أريد أن أستدين منك عشرة آلاف ليرة وأنت لا تعرفه وليس لك ثقة بأمانته ، أخي أنا لا أعرفك أخاف أن تأكلهم عليّ ، لا ليس كذلك ، إذا أنت اعتذرت منه اعتذاراً لطيفاً ، وبششت في وجهه ، كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد .
احذروا الناس ، المؤمن كيس فطن حذر ، المؤمن يحترس ، يفكر بالعواقب ، يتبصر لكن كان يحذر الناس ويحترس منهم ، أي بشاشته للجميع ، يبش للجميع لكنه يحذر بعض الناس ، شخص لا تعرفه كيف تحدثه مثلاً عن أسرارك ؟ شخص لا تعرفه كيف تعطيه مالك بلا إيصال ؟ شخص لا تعرفه كيف تدخله لبيتك في غيبتك ؟ هذه بلاهة ، سذاجة ، كان يحذر الناس ، أي وجهه باش للجميع وأحياناً في حذر وفي احتراس من بعض الناس مما لا يثق بهم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
5 ـ يتفقد أصحابه :
يتفقد أصحابه يسأل عنهم ، فلان ما شأنه ؟ ما صنع فلان ؟ أين فلان لم نره ؟ غاب عنا طويلاً اسألوا عنه ؟ ولكن من الأصول إذا كان الإنسان يحضر مجلس علم واضطر أن يسافر ، أو اضطر أن يعمل عمرة ، أن يعطي للآخرين علماً بهذا ، أحياناً نفتقده شهراً ، فلان لم أشاهده ، ممكن أن يكون مريضاً أين كنت ؟ كنت في العمرة ، أعطنا خبراً نفرح لك ونبلغك رسالة أن تدعو لنا عند رسول الله ، فقط أعطنا علماً ، الإنسان بالإعلام يزيد المودة .
يتفقد أصحابه ويسأل الإنسان عما في الناس ، جلست مع مزارع فوراً الآية الكريمة، الحديث ، الآخرة ، اسأله عن أحواله كيف المطر ؟ كيف الموسم ؟ أمنت بذاراً إن شاء الله ؟ هل يوجد عندك مشكلات ؟ إن شاء الله عملك جيد ؟ عندما تسأله عن أحواله يفرح ، هذا مهتم بمزرعته ، ببستانه ، بالمطر ، بالأتربة ، بالبذور ، تكلم عن موضوعاته ، جلست مع تاجر إن شاء الله العمل جيد ؟ هل تؤمن موادك ؟ بضاعتك ؟ كيف البيع ؟ إن شاء الله النتيجة جيدة هذه السنة ؟
النبي صلى الله عليه إن جلس مع تاجر يسأله عن تجارته ، مع مزارع عن زراعته، مع موظف عن وظيفته ، إن شاء الله لا تعاني من المشاكل في وظيفتك ؟ كم ساعة دوامك ؟ يوجد وظائف مريحة ووظائف متعبة الحياة كلها جهاد وتعب :
(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ ابن عساكر عن أنس]
اسأل الموظف عن وظيفته ، والتاجر عن تجارته ، والمزارع عن زراعته ، والعامل عن معمله ، والله عز وجل يبعث لك محلاً ويكرمك وهو يعمل صانعاً ، الله كريم كلنا بدأنا من الصفر والله أكرمنا ، لما أنت تكلم شخصاً بموضوعات تهمه يحبك ، لكن هو مهموم والمطر لا تهطل تأتي تقول : الله عز وجل قال الآية الفلانية ، والحديث الفلاني ، والآخرة ، والموت ، يقول لك : لا أريد أن أموت الآن . 6 ـ يسأل الناس عما في الناس :
يسأل الناس عما في الناس ، هذا له قضية تهمه أي عنده أولاد أنا ألاحظها ، إذا التقيت بإنسان اسأله عن ابنه فيسر ، كيف حال ابنك إن شاء الله بخير ؟ كيف دراسته ؟ كيف صحته ؟ عندما تسأل إنساناً عن ابنه يطمئن ، معنى ذلك أنك مهتم به ، ثم توجهه ليس في الحال اترك التوجيه لمرحلة ثانية ، اسأله عن أحواله ، بحاجة إلى مساعدة ؟ يريد قضية أن تعاونه فيها ؟ أحياناً تساعده باسم طبيب ، و الله يوجد اسم طبيب مختص بهذا المرض ، أحياناً تساعده باسم محامي ، باسم مهندس ، بموظف تعرفه اذهب إليه و قل له : فلان بعثني لعندك، عندما تحل له قضيته الدنيوية يميل قلبه نحوك و في ذلك الوقت توجهه ، يسأل الناس عما في الناس .
7 ـ يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه :
يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه ، و الله أخي جاءنا خطيب لكن ، و الله أخي عملت عين العقل ، أنت بطل ، رسول الله قال :
(( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ابن ماجة عن أبي هريرة ]
يأتي إنسان كافر يقول لك : و الله خطب ابنتي فلان عنده بيت ؟ لا و الله لا يوجد عنده ، ماذا تريد بهذا العمل ، ماذا يعمل ؟ موظف ، موظف لا تريده ، يكرهك بالناس الطيبين، مقياسه مادي فقط ، إذا كان هذا الخطيب لا يوجد معه مال وفير ، لا يوجد عنده معمل ، لا يوجد عنده بيت ، ينفروك منه ، هذا فسق و فجور ، صلى الله عليه وسلم يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه . 8 ـ معتدل الأمر :
معتدل الأمر ، أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما .
أحياناً يخطب هذه البنت خاطب يدخل إلى الأعماق ، ما أكلوا من دونه ولم يذهبوا إلا معه ، فكشف كل مشاكلهم ، بعد هذا اختفى هذا الخاطب ، أحياناً يهجمون على الرجل هجمة ينسون أحوالهم ، وإذا عادوا عداء شديداً ، صلى الله عليه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا ، أي لا يغفل عن نصح أصحابه ، لا يغفل عن تذكيرهم ، لا يغفل عن إرشادهم ، لا يغفل عن تعليمهم ، لا يغفلوا عن توجيههم ، مخافة أن يغفلوا عن الله ، فإذا غفلوا مالوا إلى الدنيا ، وإذا مالوا لها هلكوا .
9 ـ لكل حال عنده عتاد :
لكل حال عنده عتاد ، قال له رجل : انظر هذه الفرس أعلفها كل يوم صاع من بر لأقتلك عليها ، قال له : إني قاتلك ، هكذا كلام لا يحتاج إلى لطف ، هذا الكلام يحتاج إلى كلام من وزنه ، في أحد قال أحدهم : أين محمد ما نجوت إن نجا ؟ دعوني ، خلوا بيني وبينه ، وكزه بالرمح فولى هارباً يعوي كالكلاب ، قال : قتلني قتلني ، فقال له : ما قتلك ، قال : والله لو بسق عليّ لقتلني .
لأن لكل حال عنده عتاد ، الكريم معه كريم ، واللطيف معه لطيف ، قال : التكبر على المتكبر صدقة ، قال سيدنا الشافعي : " ما تكبر علي متكبر مرتين" لا أسمح أن يتكبر عليّ إنسان مرتين .
10 ـ لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه :
لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه ، أي لا إفراط ولا تفريط ، أحياناً الزوج يشدد تشديداً غير طبيعي ، ليس معقولاً طلبت منه أن تزور أهلها لا يسمح لها ، وآخر مسيبها ، واحد قصر عن الحق وواحد تجاوزه ، صلى الله عليه وسلم لا يقصر عن الحق و لا يجاوزه .
11 ـ الذين يلونه من الناس خيارهم :
الذين يلونه من الناس خيارهم ، أي من السنة الأوائل المتفوقين يكونوا أقرب الناس له ، لو أن بعض الناس من دهمائهم ، من سوقتهم كانوا إلى جانبه أي يسيؤون أحياناً ، رجل جلس و صار يتجشأ تضايق منه رسول الله و قال له : كف عنا جشأك يا أخي ، اجلس أنت ببيتك ، آكل كثيراً ، مد أقدامه و أخذ راحته ، هذا ليس طالب علم ، اذهب و اجلس ببيتك يا أخي ، قال له : كف عنا جشأك ، النبي الكريم يتمنى أن يجلس حوله المتفوقون الصادقون المحبون العاشقون المتيمون ، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة ، هذا إن كان خرج من منزله .
الاستقامة عين الكرامة :
الدرس الماضي عندما دخل بيته صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
انتبه لكلامك يا أخي ، قد تكون كلمة تفرق بين زوجين ، قد تكون كلمة تنزع بيعة بيت ، نظر إلى البيت وجده مناسباً ، معه ثلاثمئة ألف عمل عقداً ، تأتي و تقول : أي بيت مناسب بثلاثمئة ألف ؟ نظرت إليه ، ما هذا البيت كالعلب هذا بيت هذا ؟ هذا يسكن ؟ قال : أنا لا أريده صار سعره خمسمئة و هو معه ثلاثمئة أصبح بلا بيت ، فهل صنعت معه جيداً أنت ؟ أنت عندك بيت ، سعره مليونا ليرة ، طبعاً أمام هذا لا يسكن ، هذا بالنسبة لك ، أما هو فيسكن فيه لأنه لا يوجد عنده بيت ، من كلمة تخلق مشكلة ، تفرق بين زوجين ، تنزع بيعة ، تُكره إنساناً بمجلس علم أحياناً ، قال تعالى : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة : 269]
هذا الكلام لا للاستهلاك و إنما للتطبيق ، و ليس للمتعة ، هذا كلام خطير هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
لا يلقي لها بالاً : ((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
و قال : (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
أي في الأعم الأغلب لا يسرقون ، و في الأعم الأغلب لا يزنون ، و في الأعم الأغلب لا يشربون الخمر ، و لكنهم يغتابون و يجتمعون للغيبة ، و يتكلمون بما لا يعرفون ، و يوقعون بين الناس ، و يحسدون ، و ينقلون الكلام من شخص لشخص ، هذا كله عند الله محرم، أي من علامة ورع المؤمن استقامة لسانه ، أحد العلماء الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يستطيع رجل أن يتكلم عن أحد بمجلسه كلمة ، إذا رجل تكلم يقول له : اسكت يا با ، أظلم قلبنا ، يكن لك هيبة ، إذا رجل تكلم كلمة اسكت أظلم قلبي ، لا يدع أحداً يتكلم ، الآن تجد الناس ينهشون بأعراض بعضهم و يضحكون على بعض ، أين جالس أنت ؟ أنت مؤمن ؟ أنت مسلم ؟ قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات : 12]
أي الاستقامة هي عين الكرامة ، و هذه المجالس قيمتها بتطبيقها .

السعيد 09-10-2018 05:22 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )

الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم- 2






أنواع الشبهات :
أيها الأخوة المؤمنون ، منذ عدة أسابيع بدأنا في موضوع الشبهات ، والشبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس وهي بين الحلال والحرام ، بين الحلال المُطلق و الحرام المُطلق ، وبيّنا في الدروس الماضية أنَّ مسارَ الشُبهات عديد ومن هذه المسارات مثلاً : اختلاف الأدلة المُبيحة أو المُحرّمة ، اختلاف الأدلة ، أو اختلاف الحلال والحرام ، أو ترجيح السبب المُحلل على السبب المُحرّم ، فالدرس اليوم اختلاف الأدلة .
هناكَ نوعٌ من الشُبهات يتأكّدُ التورّعُ عنهُ لأنَّ الدليلَ الذي يُحرّمه أو الذي يُوجِبُ الابتعاد عنه أقوى من الدليل الذي يُبيحُهُ ، هناكَ دليلٌ مُبيح ودليلٌ غيرُ مُبيح ، الدليل الغير مُبيح أقوى من الدليل المُبيح .
درسنا اليوم : تعارض الأدلة ، أي أنّ هناك دليلاً على إباحته ، وهناك دليلاً على تحريمه ، دليلانِ متعارِضان أيُهما أقوى ؟ إذا كان الدليل الذي لا يُبيحُ أقوى يجبُ أن نتركُهُ تورُعاً . مثلاً : التورُعُ عن فريسةٍ كلبٍ مُعلّم " أي عُلِّمَ كيف يأتي بالفريسة " إذا أكلَ منها الكلبُ فالتورّعُ عن أكلِ هذه الفريسةِ التي أتى بِها كلبُ مُعلّم واجبُ ، التورّعُ عنها واجبٌ لأنَّ دليلَ التحريمِ أقوى من دليل الإباحة عِندَ الفقهاء .
هناك مثل أوضح : لو أنَّ إنساناً أكَلَ لحماً لم يُسمّ على ذبحِهِ فهُناكَ دليلانِ متعارِضان : الآيات الكريمة التي تأمر أن نأكُلَ مما ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ ، وعندنا بعض الأحاديث كقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( المسلم يذبح على اسم اللّه تعالى ، سمى أو لم يسم))
[أخرجه الدار قطني عن ابن عباس]
أحياناً يأتي دليلٌ موجِب ويأتي دليلٌ آخر فيه تساهُل أيُهما أقوى يجب أن أبحث عن الدليل الأقوى ، طبعاً هذا ليس من اختصاص عامّة المسلمين هذا من اختصاص الفقهاء ، من اختصاص المُفتين ، وللمفتين جمعٌ آخر هو المفاتي ، من اختصاص المُفتين أو المفاتي أي أن يبحثَ عن الدليل المُبيح والدليل غير المُبيح ويرى أيُهما أقوى ، فيُرجّحُ الدليلَ المُبيحَ أحياناً والدليلَ غير المُبيح أحياناً أخرى .
الآن : أحياناً هناك رأي لبعض العلماء أنكَ إذا ذبحتَ ذبيحةً ووجدتَ في رَحِمِها جنيناً هل يُباح أن تأكُلَ الجنين ؟ في المذهب الحنفي لا يُباح ، (( قاله قطرب وقال ابن سيده في
[المحكم]
والعرب تقول : ذكاة الجنين ذكاة أمه ؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث . وذكى الحيوان ذبحه )) مادامت الأم قد ذُبِحت ذبحاً شرعيّاً فزكاة جنينها مشتقٌ من زكاتِها ، قال بعض العلماء أن أبا حنيفة لم يبلُغهُ هذا الحديث ، ولو بلَغَهُ لأجازَ أكلَ جنين الذبيحة من دونِ أن يتورّع الإنسانُ عن تركِ الجنين .
على كُلٍّ هذا اسمه مزاحمةٌ بمعنى أنَّ آراء الفقهاء تُرجِّحُ عدمَ أكلِ الجنين ، لكن هناكَ حديثاً وَرَدَ عندَ بعض العلماء يُبيحُ أو يُؤكِدُ أنَّ ذكاة الجنين ذكاةُ أمِهِ ، إذاً لا ينبغي أن نَقِفَ عِندَ رأي بعض العلماء مادامَ هُناكَ رأي آخر نُرجّح . على كُلٍّ الشيء الذي أحبُ أن أقوله لكم : إنَّ أيّ عملٍ وافقَ أيّ مذهبٍ عن علمٍ أو عن غير علمٍ فهو صحيح ، لو أنَّ الإنسان صلى الوتر ركعتين بركعة صلى ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّى ركعة ، لو صلّى الوتر بِلا دعاء القنوت ، لو قرأ دعاء القنوت بعد أن يقول : سَمِعَ الله لِمن حَمِدَ هناكَ مذاهب متعددة تُبيحُ كُلَّ هذا . . إذاً أيُّ صلاةٍ وافقت أيَّ مذهبٍ فهي صحيحة . تعارض الأدلة :
مازِلنا في تعارض الأدلة أي دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح ، لاشكَّ أنَّ الفِكرة تقوم على أيُهُما أقوى ، إن كانَ الدليل المُبيح أقوى أخذنا بهِ ، وإن كان الدليل المُحرّمُ أقوى أخذنا بهِ ، إذاً من أين تأتي الشُبُهة ؟ أنَّ هناك دليلاً مُبيحاً ودليلاً غير مُبيح متعارضان . . . هذا من عمل الفقهاء ، من عمل المجتهدين ، من عمل المُفتين . .
أحياناً في بعض المسائل لا يُشتهرُ خِلافٌ إطلاقاً . . أي عندنا تعارض دليلين ، عندنا رأي لفقيه لو بلَغَهُ الحديث الشريف لَقَالَ بإباحته ، أمّا الصنف الثالث فألاّ يكون في المسألة خِلافٌ إطلاقاً ولكنَّ الدليل المُبيحَ ضعيف أي دليل آحاد .
ماذا يقول الإمام الغزالي ؟ يقول : وقد اختلف الناسُ في خبر الواحد . . أي إنسان روى خبراً . . فمنهم من لا يقبله لأنَّ النَقَلَةَ الذين نقلوا هذا الخبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلط جائز عليهم . . وتعرفون من هو العدلُ ، العدلُ صِفةٌ تلحقُ المُسلم تُقبلُ شهادتُهُ ، تُقبلُ روايتُهُ ، له مكانة تُبيحُ له أن يُؤخذَ منه . . هذا هو الإنسان العدلُ :
((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، و وعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
لكن لو أنَّ إنساناً أكلَ لقمةً من حرام ، أو طففَّ في الوزن بتمرة ، أو مشى في الطريق حافياً ، أو أطلقَ لبرذونه العنان . . أي أسرع في قيادة السيارة . . أطلقَ لفرسهِ العِنان ، أو قادَ برذوناً . . أي حيواناً مُخيفاً أفزعَ بِهِ المارة ، أو تحدث عن النساء ، أو تنزّه في الطرقات ، أو بالَ في الطريق ، أو لعِبَ الشطرنج ، أو علا صياحهُ في البيت حتى سمعهُ من في الطريق ، أو كان حديثه عن النساء ، أو صَحِبَ الأراذل ، إنَّ كُلَّ هذه الصفات إذا وُجِدَ أحدُها في الإنسان المُسلم جُرِحت عدالته ، فإذا عاملَ الناسَ وظلمهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وكذبَ عليهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وأخلفهم سقطت عدالته ، إذا عاهدهم فخانهم سقطت عدالته ، ويتضحُ لكم الفرق بين سقوط العدالة وبين جرح العدالة ، أن تأتي بإناء زجاجي فتُكسّرهُ بالمطرقة . . هذا سقوط العدالة . . أمّا أن يظهرَ شقٌّ في هذا الكأسِ نقول: العدالةُ جُرِحت ، الإنسان ليسَ له أن يأكُلَ في الطريق لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يرتدي ثياباً مبتذلة لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يكون حديثه عن النساء لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يصحب الأراذل لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يعلو صياحُهُ في البيت ، ليسَ له أن يأكُلَ لقمةً من حرام ، أن يُطفِفَّ بتمرة ، أن يُسرِعَ في قيادة السيارة ، أن يقودَ برذوناً ، أن يتنزّه في الطُرقات، أن يجلِسَ على مقهىً على الرصيف . . هذه الآن منتشرة جداً . . مقاهي الرصيف يجلسُ يتناول كوبَ شايٍ أو يحتسي كوباً من القهوة لينظر إلى المارة ، هذا مما يُسقط العدالة .
إذاً : هؤلاء الذين ينقلون خبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلطُ جائزٌ عليهم . . . . والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم . . لغرضٍ خفيٍّ عنهم . . أحياناً يتلقى الإنسان خبراً مؤلماً، انظر إليه ماذا يفعل ، أول شيء يفعلُهُ أنهُ يُكذّبُ الخبر بشكلٍ عفوي . من أنواع الشُبُهات أيضاً أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد :
قال علماء النفس : إنَّ الإنسان يُدافع عن نفسِهِ بادئَ ذي بدءٍ بتكذيب الخبر ، لو مثلاً أرسل تحليلاً فكانت النسبة مرتفعة جداً ، لاحظ إنساناً حلّلَ دمه فتلّقى النتيجة أنَّ هناك ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول . . لاحظهُ ماذا يقول : لابُدَّ أنَّ هذا المُحلل لم يُحسن التحليل أو أنَّ المواد الكاشفة ليست فعّالة . . هذا كذب أمّا هو فكذب غير مقصود ، كذب خفيّ عن صاحبه ، أحياناً الإنسان يأتيه خبرٌ عن ابنه يُكذبُهُ ، أي لا يستطيع تحمل هذا الخبر أنه مُنحرف مثلاً ، أو أنه أخذَ شيئاً ليسَ له ، يميل إلى التكذيب ، هذا التكذيب أو هذا الكذب غير مقصود ، خفيٌّ عن صاحِبِهِ ، أي لو فرضنا أنَّ شخصاً قام بتنبيه شخص إلى سلوك لا يُرضي من زوجتِهِ أول شيء ينفجر عليه . . هذا غير صحيح ، يُدافع عن نفسِهِ تِجاهَ هذا الخبر المؤلم بتكذيبه .
إذاً هل هو موضوعيٌّ في تكذيبِهِ ؟ الجواب لا ، لكنَّ السبب الذي كذّبَ من أجلِهِ خَفِيَ عليه ، العلماء فسروه دفاع النفس عن ذاتِها ، دفاع داخلي ، فقال : وإن كان هؤلاء عدولاً فالغلط عليهم جائز ، أي مثلاً ممكن أن تفهم النص فهماً مغلوطاً ، ممكن أن تسمع كلمة لم يقلها القائل ، ممكن التوهم أنهُ قالَ كذا ، مادامَ الراوي واحداً .
لماذا العلماء يُرحّبون كثيراً بالخبر المتواتر ؟؟ أحياناً تسمع الخبر من هذه الإذاعة وهذه الإذاعة وهذه الإذاعة ومن وكالات أنباء متعددة . . . كُلُّ هذه الأخبار تقاطعت على هذه الواقعة ، تُحِس أنَّ هذه الواقعة وقعت فعلاً لماذا ؟ لأنها متواترة ، أمّا أحياناً فيأتيكَ خبرٌ من مصدرٍ لستَ واثقاً منه ، خبر يُسمونه الفقهاء " آحاد " تقول : لعلَّ هناك غرضاً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناكَ مصلحةً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناك نفعاً ماديّاً ، لعلَّ هناكَ خطةً . . . . . إذا جاء الخبر من واحد أنتَ عندئذٍ تشُكُ في الأمر .
لذلك هؤلاء العدول ، هؤلاء النَقَلةَ وإن كانوا عدولاً فالغلطُ عليهم جائز ، وجلَّ من لا يسهى ، والكذبُ بغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم ، كأني أخاف أن يُساءَ فهم هذه الكلمة ؛ الكذبُ بغرضٍ خفيٍّ عنهم جائزٌ عليهم ، هو لا يشعر إطلاقاً أنه يكذب ، أحياناً الأم عاطفتها التي ترتبطُ بابنها تجعلُها تذكُرُ محاسنهُ وتنسى عيوبهُ ، هذا أحد أنواع الكذب لكنَّ هذا غير مقصودٍ وخفيٌّ عن صاحبِهِ ، فالعدلُ جائز ٌعليه الكذبُ لغرضٍ خفيّ .
والعدلٌ يُجيز عليه الوهمُ أو يتوهّمَ ، الآن في حياتنا اليومية كم التباس حصل بينكَ وبين إنسان ؟ أضرب لكم مثلاً قضية بلاغية في فقه اللغة : قالوا : كلمة مشجب " علاّقة " كُل إنسان يُعلّقُ عليها حاجةً في نفسِهِ ، لو فرضنا هناك غرفة فيها مشجب ، إنسان يُعلّق مظلة ، إنسان آخر يُعلّق معطفاً ، إنسان ثالث يُعلّق قميصاً ، إنسان رابع يُعلّق كنزة ، هذه الكلمة مشجب ، نُحضر مثلاً شخصاً يمشي في الطريق أستاذ جامعة لكن بِلا كُرسي أي أنَّ هناكَ شخصاً تنافسَ معه على هذا المنصب وناله ، لم يتسنّ له أن يُصبح أستاذاً بكُرسي ، أستاذ بكرسي نصابه ثماني ساعات ، له مكتب فخم ، رئيس مادة مثلاً كُرسي البلاغة ، كُرسي العروض ، كُرسي الأدب الحديث ، قواعد اللغة العربية . . . هذا كُرسي يكون في هذه المادة ثمانية مدرسين في الكُلية لهم رئيس ، رئيسهم هو صاحب هذا الكُرسي ، هو الذي يُقرر المنهج، نِصابه قليل ، وعمله في شيء من العمل الإداري ، فلو أنَّ هذا الأستاذ الجامعي الذي لم يُتح له أن يكون أستاذاً بكرسي سَمِعَ كلمة كرسي من إنسان في الطريق يبقى يسير ساعةً أو أكثر وهو يُفكر لِمَ لم أنل هذا المنصب ؟ لماذا نافسني عليه فلان وشهادته أقلُّ من شهادتي وخبرته أقلُّ من خبرتي ؟ لماذا أنا كذلك ؟ كيف أحتال حتى أصِلَ إلى هذا المنصب ؟ لماذا يُهضمَ حقي؟ ماذا علّقَ على هذا المِشجب ؟ يسمع كلمة كرسي حلاق ، عنده كرسيان في المحل وعليه ضغط، فإن أحضر كرسياً ثالثاً يخاف من المالية أن تُكلّفه بتكليف أكثر ، والكرسي الثالث يحتاج إلى صانع ، والصانع يحتاج إلى تأمينات إجتماعية . . . . ساعة يُفكّر في مجال آخر ، يمشي إنسان ثالث يسمع كلمة كرسي وهو تعب يتمنى كرسياً لكي يجلس عليه ، إنسان رابع يسمع كلمة كرسي وهو محتاج إلى كرسي للحمام يُفكر كيف سيأخذه ؟ هل يأخذه من الخشب أم من البلاستيك يحتار ماذا يفعل .
انظروا للفهم ، الكلمة واحدة كلمة كُرسي . . حتى الصوفيين يقولون : أحدهم سمع بائعاً يقول : زعتر برّي . . يبيع زعتراً برّياً . . ، فهناك أحد العاشقين سمع هذا البائع يقول : ما أعظم بِرّي ، وهناك إنسان مرتبته أقل سمعه يقول : انظر ترَ بِرّي ، وهناك آخر غافل سمعه يقول : زعتر برّي . . الكلمة كلمة لذلك قالوا : نحنُ نفهم الأشياء كما نحنُ عليها لا كما هي علينا ، فالإنسان يفهم القرآن بحسب حُسن ظنه بالله عزّ وجل ، يفهم القرآن بحسب معرفته بالله ، لذلك أصحاب النبي الكريم قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن "
إذا كان عَرَفَ الله ، عَرَفَ عدالته ، عَرَفَ رحمته ، يُفسّر الآيات تفسيراً يليقُ بكمالِهِ ورحمتِهِ وعدالتِهِ ، وأنَّ الله على صِراطٍ مستقيم . . هكذا . .
موضوع العدول موضوع دقيق جداً ، لو أنَ هذا الحديث المُفرد نقله عدول يجوز عليهم الكذبُ لغرضٍ خفيٍّ عنهم ، ويجوز عليهم الغلطُ ، ويجوز عليهم التوّهمُ ، وقد يسبِقُ إلى سمعهم خِلافُ ما يقولُهُ القائل . . ألم يحدث معكم أنَّ إنساناً قالَ شيئاً ففهِمتُم خِلاَفَهُ . . نعوذ بالله أن نسمَعَ غيرَ ما يُقال لنا ، وأن نفهمَ غير ما سمِعنا ، وأن نقول غيرَ ما فهِمنا . .
إذاً : أحد أنواع الشُبُهات أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد . . هذا أيضاً شُبُهة يجبُ تركُها .
تناقض العلامات :
من أنواع الشُبُهات تناقُض العلامات ، قُلنا قبل قليل اختلاف الأدلة ، الآن : تناقُض العلامات ، مثلاً قد يُنهبُ نوعٌ من المتاعِ في وقتٍ ويندرُ وقوعُ مثلِهِ من غيرِ نهبٍ . . أي نوع من أنواع البضاعة نُهِبت حصراً في كل الشام لا يوجد إلا صندوق من بضاعة معينة، سُرِقَ هذا الصندوق ، تجدُ قطعةً من هذه البضاعة بيد رجلٍ صالح ورعٍ تقي ، ما دامت هذه القطعة بيده فهذا دليل أنها حلال ، ومادامت هذه البضاعة لم تنتقل إلى أيدي الناسِ إلا سرقةً فهذا دليلٌ آخر على أنها حرام . . هنا دليلان متعارضان متعاكسان . . قال : هذا الأولَىَ تركُهُ ، قد تصل هذه البضاعة إلى يدِ هذا الرجل الصالح وهو لا يعلم أنها حرام ، وإذا سَبَقَ لِعلمِكَ أنَّ هذهِ البضاعة لم توجد في الأسواق إلا بشكلٍ غير مشروع . . الأولَىَ تركُ هذا الشيء . . هذا أحد أنواع اختلاف الأدلة . عندنا حالة ثالثة : إنسانانِ عدلانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين كلاهُما عدلٌ ، أو فاسقانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين أيضاً الأولَىَ تركُ هذا الشيء .
تعارض الأشباه في الصفات :
عندنا موضع آخر في الشُبهات : تعارض الأشباه في الصفات ، مثلاً : إنسان أوصى بمالٍ له لطلبة العلمِ ، هنا عندنا خِلاف : الجاهل معروف أنه جاهل متفق على جهله ، والعالم معروف أنه عالم متفق على علمه ، لكن بين العالِم والجاهل آلاف الأشخاص بعضهم أقرب إلى العلمِ ، وبعضهم أقربُ إلى الجهلِ ، المُشكلة في هذه الدرجات بينَ الحالتين . . يا ترى هذا طالب علم ؟؟ ، طبعاً المشكلة تُصبح أوضح في المثل التالي ، مثلاً : الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، فإنه من لا شيء له معلومٌ أنه محتاج لا يملك شيئاً ، واقف في الطريق لا يوجد بيت ولا زوجة ولا أولاد ومريض ومقطوع . . هذا مُحتاج . . لا شيء عنده، ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ، أمّا المشكلة ففي هؤلاء الآلاف المؤلفة الذين هم بين الغِنى الثابت وبين الفقر الثابت ، هُنا تكمنُ الحيرة . .
الموضوع النبي الكريم حلّه ، كلمة الفقراء والمساكين العلماء لهم رأيٌ دقيقٌ فيهما قال: "إذا اجتمعا تفرّقا وإذا افترقا اجتمعا " حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا ، أي إذا قال الله عزّ وجل الفقراء والمساكين الفقراء أُناسٌ والمساكين أُناسٌ :
(( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ أَوِ التَّمْرَتَانِ أَوِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي على افتتاح المدارس بحاجة إلى مصروف لأولاده ، دخله يكفيه طعاماً وشراباً فقط أمّا على موسم الشتاء فهو بحاجة إلى ألبسة ، لا يملك ثمن الألبسة ، منزله ملكٌ له قد اشتراه بستة آلاف وثمانمئة ليرة عام خمسة وستين الآن ثمنه مئة وعشرون ألفاً . . أخي يجوز أن نُعطيه وثمن منزله مئة وعشرون ألفاً !؟ ، إذا كان ثمنه مئة وعشرين ألفاً وإذا كان مليوني ليرة أو خمسة ملايين . . هذا المنزل مُستهلك ، فهُنا موضوع الخِلاف ، النبي الكريم فرّق بين المسكين والفقير ، الفقيرُ هو الذي لا يجدُ حاجتهُ أمّا المسكين فهو الذي ليسَ عنده شيء ، فإذا قال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[سورة البقرة : 273]
الفقراء شيء والمساكين شيء آخر ، الفقير لا تعرفه . . مرتد ملابسه : ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾
[سورة البقرة : 273]
محتاج إلى دواء ، محتاج إلى عملية جراحية لا يملك ثمنها سوف يستقرض . . أصبح هذا القرض عِبئاً كبيراً عليه ، وسوف يقتطعُ من طعام أولادِهِ ما يفي لهذا القرض . . هذا الفقير . . منزله يملكه ، أمّا وإذا افترقا اجتمعا ، إذا قال الله : الفقراء فقط فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، وإذا قال الله المساكين فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، إذا اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا .
قال : وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، من لا شيء عنده معلومٌ أنه محتاج ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ويتصدى بينهما رسائل غامضة ، كمن له دارٌ وأثاثٌ وثيابٌ وكُتب فإنَّ قدرَ الحاجةِ منهُ لا يمنع من الصرفِ إليه والفاضل يمنع ، هناك أُناس يقولون لك : هذا الإنسان لا يستحق ، أُناس يقولون : يستحق . . هنا القضية خِلافية ، هذا مسار الشُبُهات أحياناً .
ينتهي موضوع الشُبهات ، المسار الرابع : الاختلاف في الأدلة : إمّا أن يكون الدليل المُبيح قوياً وإمّا أن يكون الدليل المُحرِّمُ قوياً ، وإمّا أن يُنقلَ الدليلُ الذي يُحِلُ من رجل واحد وهو خبرُ الآحاد ، وإمّا أن تختلف انطباق الصفات على الأشباه . وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله إلى موضوعات أخرى في الحلال والحرام . * * *
سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم :
الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، أنا في كتاب إحياء علوم الدين لا أتكلم كُلَّ شيء لأنه شيء دقيق جداً ، أي هناك أشياء دقيقة لدرجة يصعُب متابعتُها من قِبل المستمعين ، تحتاج إلى قراءة متأنية مع استيعاب ، مع مراجعة ، مع بحث ، مع تمحيص ، مع إعادة ، مع سؤال ، مع جواب ، لكنَّ الشيء المهم جداً نقوله بشكلٍ مباشر .
الآن : الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم . 1 ـ دائم البِشر :
قال الحُسين رضي الله عنه : سألت أبي علي رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائِهِ فقال : كان عليه الصلاة والسلام دائِمَ البِشرِ أي طلق الوجه ، المؤمن طلقُ الوجه ، لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طلق ، أحياناً ربُّ العمل إذا كان طليقَ الوجهِ يبعث الطمأنينة والحماس فيمن حوله ، وإذا كان عبوساً قمطريراً يبعثُ الخوفَ والقلقَ والخوفَ والحُزنَ والتشاؤم فيمن حوله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ دائِمَ البِشرِ أي أنَّ الابتسامة اللطيفة لا تُفارق مُحيّاه ، والابتسامة عملٌ صالح ، تبسُمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة ، وهناكَ أُناسٌ يضنونَ بالبسمة ، يضنونَ بالكلمة الطيبة ، يضنونَ بشيء لا يُكلفُهم شيئاً ولكن نفوسُهم الشيحة . .
2 ـ سهل الخلق :
دائِمَ البِشرِ سهلَ الخُلُقِ ، أي لا يُحبُ المشاحنة :
(( غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلا إِذَا بَاعَ ، سَهْلا إِذَا اشْتَرَى ، سَهْلا إِذَا اقْتَضَى ))
[البيهقي عَنْ جَابِرٍ]
ليسَ عنيداً ، ليس مشاحناً ، ليسَ قاسياً ، أميل إلى اللين . ليّنَ الجانب أي من عامله أحبه ، قيلَ في النبي عليه الصلاة والسلام : " من رآه بديهةً هابَهُ ومن عامله أحبَهُ " 3 ـ متواضع :
متواضع ؛ قد يأنس به الصغير ، ويسعد به الكبير ، ويستعظمه العظيم ، ويُحبه القريب ، ويشتاق له البعيد .
4 ـ ليس بفظ :
ليس بفظٍّ . . هناك إنسان فظ . .
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 159 ]
كلمته قاسية يقول له : أنت لاتفهم . . . أعتقد أنَّ الأمر على خِلاف ما ذكرت . . . كاذب . . هذه فظاظة . . ، ألا ترى معي أنَّ هذه الرواية عليها مآخذ ؟ سيدنا عمر كان يمشي في الطريق فرآى أُناساً يوقِدون ناراً فقال : السلام عليكم يا أهلَ الضوء ولم يُقل : السلام عليكم يا أهلَ النار . . هناك لُطف . . ، ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون : 5-7 ]
هل هذه العبارة تخدشُ حياء الإنسان ؟ هل هذه العبارة مما تُحرج المُتكلّم ؟ يقول : لا حياء في الدين !! من قال لك ذلك ؟ الدين كُلُهُ حياء ، كُلُه أدب ، كُلُه خجل . . لا حياء في الدين . . لا . . من لا حياءَ له لا إيمانَ له ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخر . 5 ـ ليس بغليظ :
ولا غليظ . . أحياناً يلتقي شخص في الطريق بشخص آخر يسأله أين ذاهب ؟ فيقول له : مشوار ، فيُريد هذا الشخص أن يُحقق معه ماذا يعمل ؟ أين يسكن ؟ ما اسمه ؟ وكلما سكت يسأله ويُضيّق عليه ، قد يكون له وضع خاص . . هذه غلاظة . . ، ليسَ بفظٍ ولا غليظ .
6 ـ ليس بصخّاب :
ولا صخّابٍ ، أي هناك أُناس صوتهم مرتفع يُسمى عِندَ العوام على الموجة العالية، الصوت المنخفض سُنّة نبوية :
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾
[سورة لقمان : 19]
7 ـ ليس بفحّاش :
ولا فحّاشٍ ، أي مزاحه كلُهُ مغشوش ، وكل مزاحه متدن ، أي في مجلس إذا كان الوالد مع ولده تجد الابن قد ذابَ خجلاً من والده ، واحمرَّ وجهه لأنه يتكلّم عن العورات ، وبالعلاقات الشائنة بين الجنسين ، ويقوم ويُمثّل . . هذا فحّاش . . ، اللهمَّ صلِّ عليه ليسَ بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ ولا فحّاشٍ .
النبي الكريم رأى أحد بناته أو أحد نسائه ترتدي ثوباً رقيقاً فقال : لا تلبسي هذا الثوب إنه يصفُ - ماذا يتكلّم عليه الصلاة والسلام ؟ أي شيء يذكره عن المرأة يُثير- إنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، انظر لكلمة عظام هل تُحرَك شيئاً ، شاعر تغزّل بفتاة اسمُها سلمى فأخذَ عليه النُقّاد مآخذ كثيرة ، قال : إنَّ سلمـى خُلِقت من قصبِ السُـــــــــكر لا عظم الجمل
وإذا قدّمت منها بصلا ً غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل
***
ما هذا الغزل الذي فيه بصل وعظم جمل ؟ أي يتنافر ، قال : لا تلبسي هذا الثوب فإنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، لم يكُن فحّاشاً أبداً ، وربنا عزّ وجل قال : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء : 43]
انظر لكلمة لامستم النساء : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾
[سورة النور : 24]
الجلود كنّى بها الله سبحانه وتعالى عن شيء ينبغي ألا يُذكر : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[سورة فُصلّت : 21]
دقة القرآن الكريم ، روعة بيانه ، صياغته اللطيفة ، أحياناً الإنسان . . . . مجلة مثلاً يستفيد منها الأهل للخياطة فيها صور شائنة تُسبب حرجاً في البيت لابُدَّ من مقص للرقابة يقص هذه الصور أحياناً ، أمّا كلام ربنا عزّ وجل كائناً من كان يقرأه فليسَ فيه شيء يخدش الحياء ، فالإسلام ليسَ فيه حياء !!؟ الإسلام كله حياء ، هذا الذي يذكر العورات تحت ستار لا حياء في الدين فهذا يجهل الدين ، يجهل حقيقة الدين . 8 ـ ليس بعيّاب :
ولا عيّابٍ ، شخص اشترى طقماً غالياً ، إذاً القماشة غالية والخياطة ممتازة ، يقول له شخص آخر : الخياطة غير جيدة ، الساعد لم يُخيّط بشكل جيد ، فخجل بنفسه ، فلا همَّ له إلا أن ينتقد ، أينما وقع بصره ينتقد ، هذا الإنسان لا يوجد عنده لباقة .
9 ـ ليس بمشاحن :
ولا مُشاحن وفي رواية ولا مدّاحٍ ، أحياناً الإنسان يمدح الحاجة أكثر من الحد الطبيعي ، فماذا يحدث ؟ يبدو أنَّ هذا الإنسان مُحبٌ للدنيا ، أي إذا مدحت شيئاً فكُن مُعتدلاً في مدحِك ، إذا مدحت الشيئء فوقَ الحد المعقول شكَّ الناس في توازِنك .
10 ـ ليس بمزّاح :
ولا مزّاحٍ ، هناك شخص أربعة أخماس كلامه مُزاح لا تعرفه جاداً أو أنه يمزح ، طبعاً هذا مما يُسببُ حرجاً . " من كثر مزاحُهُ قلّت هيبته " ليس معنى ذلك أنَّ المُزاح حرام ، كان عليه الصلاة والسلام يمزحُ ولا يمزحُ إلا حقاً ، مرةً أمسكَ بأحد أصحابِهِ من وراء ظهره ، وقال : من يشتري هذا العبد ؟ فقال هذا الصحابي : إذا تجدني كاسداً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أنت عندَ الله لستَ بكاسد ، مرةً قال لصحابي : أبشر بدخول الجنة ، فقال الثاني : وأنا ؟ الثاني أحرجه ، الأول في مستوى الجنة ، فقال له : سَبَقَكَ بِها عُكاشة ، جواب بمنتهى اللُطف .
11 ـ يتغافل عما لا يشتهي :
يتغافل عمّا لا يشتهي ، في مجلسه صحابي تكلّم كلمة كان يجبُ ألاّ يقولها فلا يُعلّقُ عليها ، يتغافل عنها كأنه لم يسمعها ، إنسان تجشأ فعل ذلك كثيراً فقال له : كُفَّ عنّا جشأكَ . . . يتغافل عمّا لا يشتهي ، لا تحمروا الوجوه ، لا تُحرج الناس ، غلط وندم على الغلط فكأنه لم يقلها .
12 ـ لا ييئس منه راجيه :
ولا ييئس منه راجيه ، أي إذا رجاه إنسان كان موطن راجيه ، ولا يخيبُ فيه راجيه .
13 ـ يترك المراء و الإكثار و ما لا يعنيه :
قد تركَ نفسه من ثلاث : من المِراء : قال : سمعت هذا بركان كولومبيا قتل خمسة وثلاثين ألف شخص خلال يومين ، يقول الآخر : غير معقول أنا سمعت خمسة عشر ألف فقام الخِلاف بينهما . . . . . هذا المِراء ، فهذه ليسَ لها علاقة بالدين ، مررها له ، خمسُة وثلاثون ، هناك شخص عنيد يبقى على نِقاش حتى يقوم بتفشيل صاحبه . . هذا مِراء . . ، أما لو كانت القضية خِلافية في الدين فالسكوت عنها لا يجوز ، أمّا القضية فإخبارية .
والإكثار : هناك شخص نفسه محور العالم أو محور الحاضرين . . سافرت وعدت وبعت واشتريت وسكنت ، وكأنهُ فقط هو الذي يجلس في المجلس ، فهذا الذي يجلس بجانبك ليس بتاجر ، أنت تتكلم عن رحلاتك وصفقاتك وفي أي فندق نزلت و . . . . . . فهذا لا يهم الحاضرين بل يتضايقون منه ، فهو يجب أن تكون حركاته وسكناته محور الحديث كله . . هذا الإكثار . . ، كان عليه الصلاة والسلام لا يتحدث عن نفسهِ إطلاقاً ، وما لا يعنيه .
14 ـ لا يذمُّ أحداً ولا يعيبُهُ ولا يطلبُ عورته :
وتركَ الناسَ من ثلاث : كان لا يذمُّ أحداً ، ولا يعيبُهُ ، ولا يطلبُ عورته . . سمعنا البارحة الجار الفلاني قد تشاجر مع زوجته ما السبب يا تُرى ؟
الشخص الفلاني لم يُنجب أولاداً فيا ترى منه أم من الزوجة ؟ . . ليس لكَ علاقة بكل هذه الموضوعات .
15 ـ لا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ :
ولا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ ، والدارُ لهوٌ ، والذين هم عن اللهو معرضون ، وقال العلماء : كل ما سِوى الله لهوٌ .
16 ـ إذا تكلم أطرق جلساؤه :
وإذا تكلّم أطرقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، كان له هيبةً شديدة ومحبة فإذا سكتَ تكلّموا ، حيث أنه يتكلم فالكل له مستمعون ، غير ممكن أن يُقاطعه إنسان إلى أن يسكت ويقول : يافُلان تكلم فيتكلّم ، أمّا الشخص فيُقاطعُك أول مرة والثانية والثالثة ويقول لك "من غير قطع لحديثك " ، فإذا سكت تكلّموا لا يتنازعون عنده الحديث ، من مكانته العليّة عند أصحابِهِ لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّمَ عِنده أنصتوا له حتى يفرغ ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له ، حديثهم عنده حديث أولهم ، دائماً التفوق والسبق والفوز . . حديث أولهم . . وليس حديث الضِعاف وحديث الكُسالى بل حديث المتفوقين السابقين السابقين .
17 ـ يضحك مما يضحك منه أصحابه :
يضحك مما يضحكون منه ، أحياناً وهذه تحدث مع المدرس ، الطالب تصرّف تصرفاً مضحكاً فالطلاب ضحكوا . . المدرس لا . . ، اضحك معهم حيث أنَّ الموقف مُضحك والطلاب ضحكوا ضحكة بريئة فكُن أنت طبيعياً واضحك معهم ، إذا المدرس ضحك مع طلابه صار هناك شيء من الأُلفة ، أمّا الشيء مُضحك فعلاً والمدرس بقي ساكتاً ، عبوساً قمطريراً ، فصار هناك تفلُت ، كان عليه الصلاة والسلام يضحكُ مما يضحكون منه . . جُبران خاطر أحياناً ، شخص روى لكَ نكتة فلم تضحك فشعر بنفسه بالخجل ، أي أنها ليست مضحكة ، لو لم تكُن مُضحكة اضحك ضحكة خفيفة كي لا يخجل بنفسه .
18 ـ يتعجّب مما يتعجب منه أصحابه ويصبر للغريب على الجفوة :
ويتعجّب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة ، قال : اعدل يا مُحمد، قال : ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ أي عليه الصلاة والسلام تحمله ، أحدهم قال له: أعطني مما أعطاكَ الله فأعطاه وسأله هل أحسنت إليك ؟ فأجاب لا أحسنت ولا أجمِلت ، فأصحابه الكِرام كادوا يثبون عليه فقال لهم النبي : دعوه لي ، أخذه إلى البيت وزاده عطاءً وسأله هل أحسنتَ إليك ؟ فأجاب نعم أحسنتَ وأجملت ، فقال له النبي : لقد سألتنا فأعطيناك فقُلت ما قُلت وفي نفسِ أصحابي شيء فإذا خرجت لعندهم الآن فقُل لهم مِثلَ ما قُلتَ لي ، خرجَ النبي مع هذا الأعرابي وقال : إنَّ هذا الرجل جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقالَ الذي قال فلمّا زِدناه رضي، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم أحسنتَ وأجملت وانصرف ، قال : مَثَلَي ومَثَلُ هذا الأعرابي كمَثَلِ رجل له ناقةٌ شردت منه فجعَلَ أصحابَهُ يتبعونها حتى زادوها شروداً فقال : خلّوا بيني وبينها ، فطلبها وأعطاها بعض خشاش الأرض إلى أن لانت ، فقال لو تركتكم وشأنكم لهلكتُم وهَلَكت . . انظر للرِقة . . كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب ، أحياناً يدخل أخ جديد ويقول : السلام عليكم ، هذه خِلاف الأصول الإسلامية حيث أنه في مجلس العِلم لا يوجد سلام ، فإذا قال له أحدهم بصوت خفيف : وعليكم السلام يكون قد خففَ من خجلِهِ . . هذا غريب لا يعرف . . ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة عطس فقال له الآخر : يرحمكم الله ، فأصحاب رسول الله ضربوا على أرجلِهم فخاف هذا الرجل وبقي بخوف شديد حتى انتهت الصلاة طلبه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له : إنَّ هذا الكلام لا يصحُ في الصلاة، فقال هذا الأعرابي فوالله ما رأيت معلماً أحكمَ منه والله ما كهرني ولا نهرني . . إنه لا يعرف .
أحياناً يأتي طفل ليُصلي أول مرة في الجامع فلا يعرف أن يقف ، فيُقال له : عُد للخلف يبقى مُعقّداً ، قال لي شخص : أنا الدين كله أحببته حيث دخلت إلى الجامع منذ صَغري وكنت قد اشتريت حذاء جديداً وعندما خرجت لم أجده فبكيت " الجامع في سوق الحميدية " فشاهده تاجر وسأله فقال له ما جرى ، فقال التاجر له : تعال واشترى له حذاء بدلاً منه ، هذا الموقف مع هذا الطفل الصغير طيلة حياته يُحب الصلاة ، طفل دخل إلى الجامع قُم بتدليله وإكرامه وإذا صلّى في الصف الأول ما المانع ؟؟ أحياناً يجلس على قدميه فينهره شخص ويقول له : اجلس جيداً . . ليست هذه في الأساس الدعوة إلى الله . . هذه فظاظة . . من أمرَ بمعروف فليكن أمره بمعروف ، هذا الطفل عبد الإحسان ، عليه الصلاة والسلام كان يتصابى للصبيان قال : من كان له صبيٌ فليتصاب له ، إذا مرَّ في الطريق وكان فيه صبيان يقول : السلام عليكم يا صبيان .
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب على الجفوة في منطقِهِ ومسألتِهِ حتى إن كان أصحابهُ ليستجلبونهم ويقول : إن رأيتم طالِبَ حاجةٍ فأرسلوه . 19 ـ لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ :
لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ ، إنسان سفيه يمدحه لا يرضَ ذلك ، يقبل الثناء من إنسان بمستواه راق ، لأنَّ مدح السفيه سفاهة ، ومدحُ السفيه إهانة .
20 ـ لا يقطع على أحدٍ حديثه :
ولا يقطع على أحدٍ حديثه ، قال : وتراه يُصغي للحديثِ بسمعِهِ وقلبِهِ ولعلّه أدرى بِهِ حتى يجوز – أي يجاوز الحق - فيقطعه بنهيٍ أو قيام .

السعيد 09-10-2018 05:25 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )

الموضوع : حكم السؤال عن الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم






لحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟
أيها الأخوة الأكارم ، حدثتكم من قبل عن موضوع الشبهات ، وكيف أن الحلال المطلق كالأبيض الناصع ، والحرام المطلق كالأسود الداكن ، وبين الحلال والحرام حالات كثيرة جداً اشتبهت على الناس ، لا يعلمها كثير من الناس ، وأن هذه الشبهات كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
بينت لكم من قبل أن هناك مسارات للشبهات ، ترجيح السبب المحلل والسبب المحرم ، اختلاط الحلال بالحرام ، هذه المسارات أنهيناها .
درسنا اليوم متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟ هل يباح له أن يسأل ؟ هل محرم عليه أن يسأل ؟ هل يجوز أن يسأل ؟ هل مندوب أن يسأل ؟ مثلاً يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : اعلم أن كل من قدم إليك طعاماً ، أو هديةٍ ، أو أردت أن تشتري منه ، فليس لك أن تفتش عنه ، وتقول هذا مما لا أتحقق حله ، فلا آخذه ، وليس لك أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا يتيقن تحريمه ، بل السؤال واجب مرةً ، وحرام مرةً ، ومندوب مرةً ، ومكروه مرةً ، فلابد من تفصيل ذلك ، أي متى يجب أن تسأل ؟ متى يحرم أن تسأل ؟ متى يندب أن تسأل ؟ متى يستحب أن تسأل ؟ متى يكره أن تسأل ؟ السؤال أولاً هذا المال قدمه إليك فلان هناك بحثان ، هناك موضوع متعلق بالمالك ، وموضوع متعلق بالمال نفسه ، فالمالك لا يمكن إلا أن يكون إحدى أشخاص ثلاثة ، أولاً : أن يكون مجهولاً ، ثانياً : أن يكون معلوماً ، ثالثاً : أن يكون مشكوكاً فيه ، ما معنى مجهول ؟ أي لا تعرف صلاحه من فساده ، شخص يركب سيارة عامة معه كيس من العنب قدم لك عنباً ، شخص عادي لا تعرف عن صلاحه شيئاً ولا عن فساده شيئاً ، هذا الشخص غير مشكوك فيه اسمه مجهول ، وشخص تشك في أن ماله حرام ، هناك دلائل ، إذا كان هناك دلائل فهذا بحث مستقل ، وشخص متيقنٌ أنت أن ماله حرام ، مالك هذا المال إما أن يكون مجهولاً ، أو أن يكون معلوماً ، أو أن يكون مشككاً فيه ، فما موقفي إن كان مجهولاً ؟ المجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه ، إنسان عادي ليس في عمله ، أو حرفته ، أو تصرفاته ، أو حركاته ، أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، أو أن ماله حرام ، هذا اسمه مجهول ، فإذا دخلت قريةً لا تعرفها فرأيت رجلاً لا تعرف من حاله شيئاً ، وليس عليه علامةٌ تنسبه إلى أهل الصلاح أو إلى أهل الفساد فهو مجهول ، وإذا دخلت بلدة غريباً ودخلت سوقاً ووجدت خبازاً أو قصاباً أو غيره وليس هناك علامة تدل على كونه ذي مال حرام هذا أيضاً مجهول ، لكن أحد العلماء قال : منذ ثلاثين سنةً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، العلماء بعضهم لا يفرق بين المجهول وبين المشكوك فيه إذا كان هناك شك اترك ، وإذا ما كان هناك إطلاقاً شيء مباح لأن العلماء قالوا : الأصل في الأشياء الإباحة أما التحريم فيحتاج إلى دليل .
فقال هذا : منذ ثلاثين عاماً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا : هو الورع ، قال لهم حسان بن أبي سنان : ما شيء عندي أسهل من الورع إذا حاك في صدري شيء تركته ، أي إذا شيء مشكوك فيه تركه سهل ، أما إذا كان الشيء مجهولاً العلماء قالوا : ليس هناك حرج في أن تأخذ ، أو أن تشتري ، أو أن تعامل شخصاً لا تعرفه ، وليس في حاله أو مقاله أو هيئته أو حركاته أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، هذا اسمه مجهول .
فالمجهول إذا قدم لك طعاماً ، أو حمل لك هديةً ، أو أردت أن تشتري من دكانه شيئاً ، فلا يلزمك أن تسأله ، السؤال غير مطلوب أخي مالك حلال ، مجهول لا يوجد أي علامة يسمونه علامة ، لا يوجد علامة تؤكد أنه فاسد وذو مال حرام ، ولا يوجد علامة تؤكد أنه صالح، إنسان حيادي ، بل يده - كونه مسلماً - على الشيء ، معنى يده على الشيء أي له دكان أعطاك شيئاً من دكانه قال لك : تفضل ، يده عليه يد الملك ، وهو مسلم ، بل يده وكونه مسلماً دليلان كافيان في الهجوم على أخذه ، مادام هذا الشيء تحت يده إذاً في ملكه وهو مسلم إذاً يعرف الحق من الباطل ، وليس هناك ما يشير إلى فساده أو إلى أن ماله حرام ، إذاً ليس لك أن تسأله إطلاقاً ، ولك أن تهجم على ما في يده بمعنى أن تأخذه وأنت مطمئن من دون تريث ، من دون تردد ، من دون شك ، من دون وجل ، من دون قلق ، وليس لك أن تقول : الفساد والظلم غالب على الناس ، فهذه وسوسة وسوء ظن لهذا المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم ، أخي الناس كلهم أموالهم حرام ، هذا كلام باطل لا يوجد معك دليل ، والرجل مسلم ، وهذا الشيء تحت يده ، وقدّمه لك وضيفك ، وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك ألا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فساداً في غيره فقد جنيت عليه ، إذا أسأت الظن بعينه لأنك رأيت الفساد بغيره فقد جنيت عليه ، إذا أكثر الناس فسدوا أكثر الناس مالهم حرام ، هل عندك دليل على أن هذا الإنسان بالذات ماله حرام ؟ هذه جناية عليه ، وأتيت به في الحال نقداً من غير شك ، أي انتقدته وأنت لست شاكاً في ماله .
الابتعاد عن الغلو في الدين :
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى ، القُرى غير القِرى ، القِرى الإكرام هذا جناس ناقص ، رجل قال : يقيني بالله يقيني هذا جناس تام ، أي يقيني بالله يحفظني ، المرء تحت طي لسانه لا تحت طيلتانه ، الطيلتان هو الثوب ، وكم من ملك رفعت له علامات فلما علا مات ، هذا كله من الجناس التام .
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى - أشخاص عاديون قدموا لهم طعاماً - ويدخلون البلاد لا يحترزون من الأسواق ، هناك شيء منطقي المسلم طبيعي ، التكلف والتعنت والتشدد بغير مكانه هذا غلو في الدين قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة : 77]
غلو في الدين ، تزمت ، وكان الحرام أيضاً موجوداً في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا من ريبة ، سيأتي بعد قليل متى يجب أن تسأل في حالات يجب أن تسأل أهذا المال حلال أم حرام ؟ أي شخص مجهول ، لا يوجد دليل على فساده ولا دليل على صلاحه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يسأل عن كل ما يحمل إليه ، بل سأل في أول قدومه المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية ؟ وهذا السؤال مهم جداً إذا قلت له : صدقة لها وجوه ، الصدقات لها أصحابها، لها مستحقوها ، هناك فقراء ، هناك مساكين ، هناك ابن السبيل ، هناك غارمون ، هناك مرضى، هناك طلبة علم ، هناك أبواب محدودة وواضحة جداً لإنفاق الصدقة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قُدم له طبق من تمر فقال : أصدقة هو أم هدية ؟ فإن قيل : صدقة لم يأكل ولا تمرة ، وإن قيل هدية قال : بسم الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة سأل أول مرةٍ عن شيء حمل إليه أصدقة هو أم هدية ؟ هناك سبب لأن أصحابه الكرام المهاجرين كانوا فقراء جداً فصار الأنصار يقدمون لهم ما يعينهم على حياتهم ، لعل هذا الذي قدم هذا المال على نية الصدقة هنا صار التباس ، فالنبي الكريم سأل فغلب على الظن أنه ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعى إلى الضيافات فيجيب ، ولا يسأل هذا الطعام صدقة أم لا ، لأن العادة جرت أن الطعام الذي يقدم للناس ضيافةً وليس صدقةً .
لكن سيدنا الصديق سأل أحد غلمانه عن هذا الطعام من أين أتيت به ويبدو أنه شك ، وسيدنا عمر أيضاً سأل عن الذي سقاه من لبن الإبل : هل هذا من إبل الصدقة ؟ أيضاً سأل غلاماً عنده قدّم له كوباً من الحليب ، وهذا الغلام مشرف على إبل الصدقة ، هنا في موضوع سؤال من أين أتيت بهذا الحليب ؟ أمن إبل الصدقة معه حق أن يسأل صار هناك شك.
وكل من وجد ضيافةً عند رجل مجهول لم يكن عاصياً بإجابته من غير تفتيش ، أنت في بلد وإنسان رآك عربياً وأنت في بلد أجنبي ، وهذا الشخص عربي أيضاً ، دخلت إلى بيته ولا يوجد شيء يدل على فساده ، دعاك إلى الغداء ، طبيعي جداً لا يوجد خطأ ولا فساد ، قال : حتى لو رأى في داره تجملاً ومالاً كثيراً فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فهذا حرام ، هنا نقطة لطيفة إذا الإنسان اشتغل بتقوى الله عز وجل يعيش حياة كريمة ، لكن لا يوجد ثراء فاحش ، الثراء الفاحش أن تنتقل بين عشية وضحاها من إنسان فقير إلى إنسان غني جداً هذه النقلة المفاجئة هذه مشكوك فيها ، لأن الطريق المشروع يجعلك تكسب المال بشكل معقول أما النقلة الهائلة من الصفر إلى كل شيء فهذه نقلة مشكوك بها ، ومع ذلك لو دعيت إلى طعام ورأيت في البيت تجملاً ومالاً كثيراً ليس لك أن تقول : الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين اجتمع له هذا الحلال ؟ قد يكون هذا الشخص قد ورث هذا المال أو اكتسبه فهو بعيله يستحق إحسان الظن به ، وليس له أن يسأله ، أي إذا شك في الأمر يتلطف في الانسحاب من دون أن يسأله ، إذا الأمر فيه شبهة يتلطف في الانسحاب أما السؤال ففيه إحراج ، والسؤال فيه خدش ، إذا كان الوقوع في أكل طعام غير حلال فإن السؤال ربما يزيده نفوراً .
على الإنسان أن يكون معتدلاً لا قاسياً :
سألني رجل منذ مدة سؤالاً ، رجل تبرع لجامع بمبلغ من المال ، وهذا الشخص له معاص ، فاللجنة اتخذت قراراً برفض المبلغ ، قلت لهم: هذا غلط ، إذا إنسان تقرب إليكم بمبلغ من المال فإذا قبلتموه لعله يزداد إحساناً ولعله يتوب ، ليس هذا المال هو الحرام ، هناك نقطة دقيقة جداً ليس عين المال هو الحرام ، بل طريقة كسبه ، أي إذا تلقينا مبلغاً من المال للمسجد هذا المبلغ حلال ، ليست الحرمة في عين المال ولكن الحرمة في طريقة كسبه ، مثل أوضح من ذلك لو إنسان بائع أقمشة وقفت عليه امرأة مومس مثلاً ، واشترت منه قماشاً ، هذا المال الذي أخذه ثمن هذا القماش أخذه حلالاً ، طريقة كسب المئة ليرة طريقة مشروعة ، قماش جيد ، سعره معتدل ، ما أخفى عليها العيب ، القياس صحيح ، الكيل صحيح ، أي طبق كل الأشياء الصحيحة في بيع هذه المرأة ، أما هي كيف كسبت هذا المال الحرمة عليها لا على البائع .
إذاً الحرمة في المال ليست في عين المال بل في طريقة كسبه .
يوجد نقطة دقيقة يقول الإمام الغزالي : ليس الإثم المحذور في إيذاء المسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة ، أي إذا سألته عن ماله وشعر أنك تحقق معه وأنك شاك في صلاحه وانجرح منك هذا الإثم أبلغ من إثم أكل الشبهة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((بشروا ولا تنفروا و يسروا ولا تعسروا))
[ مسلم عن أبي موسى الأشعري]
فالإنسان يجب أن يكون معتدلاً لا أن يكون قاسياً ، ولا يجوز للمسلم أن يسأل غير هذا الرجل من حيث يدري هو به ، ما سألته سألت ابنه : أبوك ماذا يعمل ؟ أنتم هل يوجد لديكم مال حرام ؟ فالابن قال لوالده ، نفس الشيء ، ولا يجوز أن يسأل من يدري شخصاً آخر إذا سألته علم المضيف أنك تسأله ، أيضاً هذا لا يجوز ، هذه تشبه الغيبة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات : 12]
الأكل و إحسان الظن إن لم يكن بد من الأكل :
ثم يقول الإمام الغزالي : فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل دون أن تتجسس ، نقطة لطيفة جداً يقول الإمام الغزالي : هذا هو المألوف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع .
أصحابي علماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، من زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع ، يوجد رجل أراد أن يطوف في مكان أبعد من المكان الذي طاف منه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له أحدهم : ويلك تفتن ، قال : كيف أفتن وأنا أطوف البيت ؟ قال له وأي فتنة أعظم من أن ترى نفسك سبقت رسول الله ، النبي الكريم وأصحابه الكرام :

((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا توهمت أنك أشد ورعاً منهم فهذا هو الضلال بعينه هكذا يقول الإمام الغزالي ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع .
صلى الله عليه مرةً أكل طعام بريرة ، قدم له طعاماً فأكله ، فقيل له : إنه صدقة يا رسول الله ، يروون أنه وضع يده في فمه وتقيأ ، أما انظروا الموقف الكامل : قيل له إنه صدقة :
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ))
[ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
صار التباس ، تمرة أكلها ، قال : هي لها صدقة ولنا هدية ، لأنه تقيأ . . . ليست واردة وهذا الموقف الكامل . من كان أكثر ماله حراماً فلا تُلبّ دعوته :
الآن إذا كان مشكوك به ، أحياناً الإنسان يشك بشخص بسبب دلالة أورثت ريبةً فالنذر صورة هذه الريبة ، أما الصور فأن تدله على تحريم ما في يده دلالة إما من خلقته ، أو من زينته ، أو من ثيابه ، أو من فعله ، أو من قوله ، يجوز أن ترى شخصاً وتشعر أن ماله حرام ، يلبس زياً يرتديه أصحاب الملاهي ، دخلت إلى بيته فوجدته كله صوراً عارية مثلاً أشياء واضحة ، البيت ليس طبيعياً معنى هذا أن مصلحته سيئة ولن نفصل في هذه الأشياء وفهمكم كاف .
هذا صار مشكوكاً فيه إذا إنسان صار مشكوكاً به أيضاً أنت لك حكم ، أحياناً تجد إنساناً ظفره طويل ، وعلكة في حنكه ، طوق في يده ، ووضعه ليس طبيعياً ، ويلبس أحد الصرعات ، ودعاك إلى طعام لا تقبل بهذه الطعام ، قال لك : تعال لأوصلك بسيارتي ، لا تحتاج إلى هذه الركبة ، وضعه ليس طبيعياً ، وضعه خنثى مثلاً ، أو دخلت إلى بيته مثلاً النساء مع الرجال مختلطون ، أنت انسحب بسرعة لأن هذا البيت ليس لك ، وهذه الجلسة ليس لك ، إذا شككت في الهيئة أو الحركة أو اللباس ، أو حامل مجلة منحطة ودعاك ، هذه المجلة كافية وحدها ، هذه المجلة لا يحملها إلا إنسان غير ورع بعيد عن الدين ، إنسان يحمل مجلة ، كتاباً ، فيلماً يحمله بيده ، هذا إنسان مشكوك فيه غير المجهول .
فقالوا: مثل هؤلاء الترك من الورع ، والهجوم على تلبية الدعوة غير جائز ، لقوله عليه الصلاة والسلام:

(( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
لكن هنا نقطة إذا كان الدليل على أن أكثر ماله حرام ، له مصلحة واحدة كلها حرام هذا فيه امتناع قطعي ، له مصلحة حلال لكن له دخلاً حراماً ، إذا غلب على ظنك أن أكثر ماله حرام لا ينبغي أن تأكل منه شيئاً ولا أن تلبي دعوته ، أما إذا كان له مصلحة صحيحة إلا أنه مشكوك في بعض الدخل أنه حرام فعندئذٍ الإقدام جائز والترك أورع . إن كانت حالة المالك معلومة حلت المشكلات :
الحالة الثالثة أن تكون حالة المالك معلومةً بنوع من الخبرة والممارسة بحيث يوجب ذلك ظناً في حل المال أو تحريمه ، تعرف أن هذا الإنسان صالح وتقي وورع وانتهى الأمر أو تعرفه أنه سيئ وماله حرام انتهى الأمر ، هذه الحالة الثالثة سهلة ، طبعاً لا يجوز أن تأكل طعاماً إلا عند تقي وألا يأكل طعامك إلا تقي كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[ أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي إذا أحدكم عاهد نفسه ألا يصاحب إلا مؤمناً وألا يأكل طعامه إلا تقي حلت مشكلاتنا . حكم اختلاط الحلال بالحرام :
الآن ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام إذا اختلطوا ، كان الحديث من قبل عن مالك المال ، الآن على المال نفسه إذا في اختلاف بين الحلال والحرام هذا البحث طويل إلا أن ملخصه كلمات ؛ إذا كان في السوق بضاعة مسروقة واختلطت مع البضاعة المباعة ولم تستطع تمييزها فشراؤك من السوق حلال ، إذا الحلال اختلط بالحرام من دون تمييز وغلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حلال ليس لك أن تسأل ولك أن تشتري ، أما إذا غلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حرام أو أمكنك التمييز بين الحلال والحرام فالأولى أن تسأل وأن تتحقق .
* * *
آداب النبي العامة :
1 ـ وقاره العظيم :
والآن إلى بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم وقاره العظيم ، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً ، وأعظمهم أدباً ، وأرفعهم فخامةً وكرماً ، روى أبو داود مراسيله قال : أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه .
((عن حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَجَلَّلَهُ فَتَحَدَّثُوا ثُمَّ خَرَجُوا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ بِثَوْبِكَ فَقَالَ أَلا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ ))
[ الترمذي عن حَفْصَةُ ]
هات لي في الشام كلها عالماً من الدرجة العاشرة جالس في المجلس وكاشف عن فخذه هل تليق هذه به ؟ هذه ليست معقولة ، اسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الوقار لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف ، يشمر إلى هذا الحد هذا ليس وارداً ، أي إذا كان الإنسان العادي من بعده بألف وكذا سنة ليس معقولاً إلا وأن يظهر بمظهر كامل هكذا النبي صلى الله عليه وسلم ، فالكلام الحق أنه صلى الله عليه وسلم لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف . (( عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
[ ابن ماجة عَنْ إِسْمَعِيلَ]
أي إذا إنسان دخل إلى مجلس علم وليس له مكان يجب على أخوانه أن يفسحوا له إكراماً له ، دخل شخص متقدم بالسن إذا شاب جالس على الحائط فأجلسه مكانه هذا إكرام كبير، الشاب يتمكن أن يجلس ساعة من دون أن يسند نفسه أما المتقدم بالسن فيحب أن يستريح.
دخل سيدنا أبو بكر وإلى جانبه علي رضي الله عنه فقام علي ليجلس أبا بكر تبسم عليه الصلاة والسلام و قال : لا يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ إلا أهل الفضل .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ]
فالنبي الكريم وهو سيد البشر لما جاءه أصحابه رفع رجليه ، حتى أنه قيل ما رئي ماداً رجليه قط في حياته ، طبعاً كان بالفراش مضجعاً ومع ذلك ضم رجليه ، إذا أحد زارك وأنت مريض وأنت على السرير ، أي النبي الكريم وهو مستلق على السرير رفع رجليه تحت الغطاء فقال: (( سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
[ابن ماجه عن عبد الله بن عامر ضعيف الجامع ]
2 ـ يقدم كبير القوم في الكلام :
وكان عليه الصلاة والسلام يقدم كبير القوم في الكلام وذلك من باب التكريم ، وحفظ المراتب ، وتنويل الناس منازلهم .
(( عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلاً فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ))
[مسلم عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ]
أي ليتكلم أكبركم ، كان يعرف لكل إنسان مكانته ، إلا أنه مرة دخل على سليمان بن عبد الملك وفد يتقدمهم غلام صغير فغضب هذا الخليفة وقال لحاجبه : ما شاء أحد يدخل علي حتى دخل حتى الصبيان ، فقال هذا الغلام الصغير : أصلح الله الأمير إن دخولي عليك لن يقلل من قيمتك لكنه شرفني ، أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت العظم، ومعكم فضول مال فإن كانت لله فعلامَ تحبسونها عن عباده ؟ وإن كانت لنا فأعطنا إياها ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ؟ معكم أموال زائدة إما هذا لله ونحن عباده ، وإما أنه لنا فأعطوها لنا ، وإما أنه لكم ، فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً .
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد الحجازيين يتقدمهم غلام فغضب ، قال: اجلس أنت أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً ، فقال : أصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس ، سرّ عمر من هذه الإجابة ، فالنبي الكريم وهذه سنته المطهرة كان يعرف لكل إنسان مكانته ، كان يقول:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ]
3 ـ تكريمه لأهل الفضل :
وأما تكريمه أهل الفضل فقال عليه الصلاة والسلام :
(( البركة مع أكابركم ))
[ البخاري عن ابن عباس]
أي بالعصر الذي زعزعت مكانة الكبراء ضاع الناس ، الناس بأكابرهم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))
[ أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]
أدب النبي مع عمه العباس و أدب العباس مع رسول الله :
الآن استمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله كيف عامل عمه العباس ، هو رسول الله:
(( روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى اله عليه وسلم فلما رآه قام إليه- رسول الله قام إليه - وقبّل ما بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال : هذا عمي فمن شاء فليباهي بعمه ))
[الطبراني عن ابن عباس]
ويروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس فقال : اللهم هذا عم نبيك نتوجه به إليك فأسقنا ، فما برحوا حتى سقوا ، فخطب عمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده ، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه ، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم .
وكان الصحابة الكرام يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه .
استمعوا أيها الأخوة ، إنه لم يمر العباس بعمر وعثمان وهما راكبان أبداً ، لو صدف أن التقى سيدنا عمر وهو يركب دابته أو حصانه بسيدنا العباس لابد من أن ينزل عمر عن دابته إجلالاً له .
(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب ))
[ابن النجار عن أبي هريرة]
هذا عم النبي ، فكان سيدنا عثمان و سيدنا عمر وهما خليفتان لم يمر بهما العباس وهما راكبان أبداً حتى ينزلا إجلالاً له ويقولان : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا أدب رسول الله مع عمه العباس فكيف أدب العباس مع رسول الله ؟ استمعوا قيل للعباس أنت أكبر أم النبي ؟ ـ أحياناً الإنسان يكون عنده أخ صغير يتزوج وهو أخ أكبر يأتيه ولد أكبر من عمه هذه واردة ، أو أكبر من خاله ـ فقال : " هو أكبر مني وأنا ولدت قبله "، وفي رواية : "هو أكبر مني وأنا أسن منه ". وذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب فقال : تنحى يا بن عم رسول الله ، قال: لا هكذا نفعل بالعلماء الكبراء .
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]
ولكن كم أتمنى على ذي الشيبة المسلم أن يستحي من الله ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : " شاب شعرك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، فاستح مني فأنا أستحي منك ". إذا الإنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين لا يليق به أن يعصي الله أبداً ، لا يليق به أن يمزح مزحاً فاحشاً ، لا يليق به أن يمضي الساعات الطوال على الطاولة ، استحِ مني فأنا أستحي منك . (( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]
أي إذا في قرية كان مدير الناحية شاب مستقيم ما أساء بحياته ، احترامه واجب، مدير منطقة ، محافظ مثلاً ، مستقيم في معاملته ، يقيم الحق ، يبطل الباطل ، واجب أن تحترمه ، إكرام هؤلاء واجب يحتمه النبي عليه الصلاة والسلام .
يوجد شيء لفت نظري في السيرة:
((عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ : أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : أَحْسَنْتِ ))
[ أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ]
الذي ترك في نفسي أثراً هذا الجواب ((كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ))
موقف واحد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، شيء معلن ، شيء غير معلن لا يوجد ، شيء للاستهلاك ، شيء حقيقي ، تمثيل لا يوجد ، تزييف لا يوجد ، دجل لا يوجد ، الشيء الذي يقوله يفعله ، والشيء الذي يفعله يقوله ، وما في نفسه على لسانه وما يقوله في قلبه .
قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
أهمية المشاورة :
علمنا النبي الكريم المشاورة أي إذا كان مدير مؤسسة ، مدير مدرسة ، مدير ثانوية، مدير معمل ، موظف مهم تحته عشرة موظفين ، إذا استشارهم هذا أسلوب ذكي جداً ، أسلوب يطيب قلوبهم ، فأولاً العلماء استنبطوا حكمة المشاورة ، أولاً : تطيب نفوس أصحابه حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيه كالحرب وأمثالها يكون هذا عن طيب نفوسهم و اختيارهم ، أي إذا كان الأب عمل سياسة تقشف في البيت ، جمع زوجته وأولاده وقال لهم : سوف نشتري بيتاً ثانياً أو نشتري لأخيكم محلاً وسوف نضيق مصروفكم قليلاً ، إذا أخذ رأيهم هم يندفعون معه للتطبيق ، فإذا فرض عليهم هذا من علٍ يتبرمون ، فمن الحكمة والذكاء أن تشاور أصحابك .
نعيد طرحه لأن المشاورة يحتاجها الأب ، المعلم ، كل إنسان له دور قيادي ، لأن المشاورة لها فوائد كبيرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام حثنا عليها ، وأمرنا بها ، وربنا قال : شاورهم في الأمر، وإن شاء الله لنا عودة في موضوع المشاورة في الدرس القادم .

حكم تقبيل الضريح والتوسل به :
أحياناً أخ يسألني سؤالاً إجابته كلمة واحدة لكن أحب أن أراه ، يسألني شاهدت أحدهم يقبل أسفل الضريح ويتوسل بصاحبه إلى الله فهل هذا مباح ومقبول ؟ أتمنى من هذا الأخ الكريم كاتب هذا السؤال أن أجيبه إجابة خاصة له لأن تقبيل الضريح والتوسل برسول الله مقبول؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة المائدة : 35]
أما بالأموات فالميت انتهى دوره ، رسول الله قال : حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، لكل عصر واحد يسمو به ، الشيخ محي الدين قال : وأنا لهذا العصر ذاك الأوحد ، مهمتهم في حياتهم فإذا توفاهم الله عز وجل فالمهمة للأحياء ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فحياته كمماته: (( من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي ))
[الطبراني عن ابن عمر]
و تعرض عليّ أعمالكم ، الله عز وجل من باب الإكرام أوكل ملائكة ينقلون إلى هذا النبي الكريم أعمال أمته من بعده ، ما سوى النبي عليه الصلاة و السلام لا يجوز التوسل به، لأن هذا الإنسان مهما كان عند الله عز وجل عالي الشأن انتهت وظيفته ، و الناس يتعلقون بالأموات ، لأن هذا الميت لن يحاسبه لكن هذا الحي سوف يحاسب ، أي إذا رجل له مرشد حي يمنعه عن بعض المعاصي ، يسأله ، يستفتيه أما الميت فالتوسل لا يوجد منه شيء ، فالإنسان عليه أن يتيقن من كل عمل يفعله ، طبعاً إكرام الأولياء واجب ، تقديسهم واجب ، لكن أن يبلغ التقديس بنا أن امرأة تمسك مقام محي الدين و تقول : يا شيخ محي الدين أريد ولداً ، قولي : يا الله ، أما يجيب المضطر إذا دعاه ، عندما الإنسان يبالغ بالتوسل لدرجة أن هذا الولي جعله إلهاً يسأله اسأل الله عز وجل ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، أي الموقف المعتدل هناك من يكفر الأولياء ، و هناك من يجعلهم آلهة ، كلاهما غلط ، أن تجعلهم آلهة هذا شرك بالله عز وجل ، و أن تكفرهم أيضاً هذا تجني عليهم ، أناس علماء قدموا خدمات كبيرة ، و إذا رأيت في كتبهم ما ليس في كتاب الله فهذا مدسوس عليهم ، هم بريئون منه ، العالم لا ينطق إلا بالحق ، فإذا وجدت في كتابه باطلاً أغلب الظن أن هذا الباطل مدسوس عليه ، فالموقف المعتدل لا نكفرهم ، و في الوقت نفسه لا نجعلهم آلهة ، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله ، لكن ليكن لك في الدنيا مرشد تتلقى منه العلم ، أي المقولة التي تقول: من لا شيخ له فشيخه الشيطان إلى حد ما مقبولة ، فالذي لا يوجد له انتماء إلى أي مرشد تجده يعيش على هواه يحلل و يحرم ، إذا إنسان له رجل يهتدي على يده ، يسأله ، يستفتيه ، يسمع منه ، يفسر له كتاب الله يكون من السعداء ، أما الإنسان يعيش وحده ، يفتي على هواه ، يقول لك : كل المعاصي هذه لابد منها ، و هذه ضرورية ، وهذه العصر يفرضها علينا ، و هذه من أجل التيار العام . . . فعندما الإنسان يعيش وحده أغلب الظن يقع بمعاص كثيرة ، أي الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 119]
كن معهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28]
المبالغة و التقليل كلاهما باطل :
أنا من يومين وقع تحت يدي كتاب قيم ، الكتاب عن علماء الشام في القرن الرابع عشر ، تأريخ لطيف مختصر لكل علماء الشام ، لكن عند بعض العلماء هناك شطحات ، أحد العلماء زارته امرأة مزينة بالحلي و الأساور ، في البيت ماتت و كره موتها في بيته صارت عبئاً ، قال لها: قومي يا ، قامت مشيت و ماتت ببيتها بعد ذلك ، هذه صارت إحياء الميت ، هذه فقط لسيدنا عيسى ، إحياء الميت ، فكيف الكتاب تورط و ذكر هذه القصة ؟ الإنسان دائماً النبي له حد ، فعندما الإنسان يعطي كل إنسان حجمه الحقيقي يكون منصفاً ، قيل : لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله و يدلك على الله مقاله ، كلام منطقي ، أي يدعوك إلى الله و أحواله طيبة ، أما قومي فقامت و مشت ، كانت ميتة مشت !! هناك أشياء العقل صعب أن يقبلها ، هذه إحياء أموات ، أصبحت هذه معجزة و هذه لسيدنا عيسى ، هذا معناه أنه يوجد سيدنا عيسى ثان على هذا اللون ، فكل شيء له حجم حقيقي ، المبالغة غلط و التقليل غلط ، كلاهما باطل .

السعيد 09-10-2018 05:27 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الستون )

الموضوع : القناعات والمواقف والفرق بينهما - الانتقال من القناعات الى المواقف





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القناعة و الموقف :
أيها الأخوة الأكارم ، من حين إلى آخر تتوق نفسي إلى الحديث في موضوع خاص ، فالأحاديث تتجه جهتين إما أن يتجه الحديث إلى إحداث قناعة في الإنسان ، وإما أن يتجه الحديث إلى إحداث موقف في الإنسان ، فرق بين القناعة والموقف ، العلم الشريف ، تفسير القرآن الكريم ، تفسير الحديث الشريف ، أحكام الفقه ، أحكام العبادات ، هذه كلها تحدث في الإنسان قناعةً ، ولكن حديثاً آخر قد يحدث في الإنسان موقفاً فإذا وازنا بين القناعة والموقف فرق بينهما كبير ، قد يقنع الإنسان بشيء ولا يطبقه ، هذه القناعة تكون عليه حسرةً يوم القيامة، لو سألت مسلمي الأرض وهو يزيدون عن ألف مليون مجموعة أسئلة ، أجابوك جميعاً إجابةً صحيحة ، من ربك ؟ الله ربي ، ما دينك ؟ الإسلام ديني ، من نبيك ؟ محمد نبي ، هل تؤمن بالجنة ؟ يقول : نعم وكيف لا أؤمن بها ؟ هل تؤمن بالنار ؟ نعم وكيف لا أؤمن ؟ هذه القناعات ما قيمتها إن لم تنقلب إلى حياة ، إلى سلوك ، إلى تجربة ، هذه القناعات تبقى في الذهن ولكن النفس ما تزال شقيةً بالبعد عن الله ، لا تزال النفس ضائعةً ، لا تزال شاردةً ، لا تزال خائفةً ، لا تزال منافقةً ، لا تزال مستعليةً ، لا تزال تحب ذاتها ، هذه الأمراض الفتاكة يبدأ مفعولها الخطير بعد الموت ، شهوات الدنيا قد تغطي على الإنسان أمراضه النفسية ، منغمس في ملذات الدنيا، في جمع مالها ، والانغماس في ملذاتها هذا مما يغطي على الإنسان خطورة أمراضه النفسية، ولكن إذا جاء الموت وانقطعت الدنيا انقطاعاً تاماً بدأ تأثير هذه الأمراض الفتاكة في النفس ، فذلك لا أعد عملي في الدعوة إلى الله ناجحاً بعدد الحاضرين مهما كثروا .
قد تلقي على دار سينما نظرةً فتشاهد جمعاً غفيراً مجتمعاً في هذه الدار في دخولهم وفي خروجهم ، فهل اجتماع عدد غفير من الناس دليل أن هؤلاء الناس جميعاً على حق ؟ لا ، هناك أسباب تجمعهم ، ولكن الذي يدفع الداعية إلى الله إلى مزيد من الحماس ، إلى مزيد من البذل والتضحية ، إلى مزيد من الحرص والعناية ، أن يرى مثلاً ممن يدعون إلى الله في مستوى الدعوة ، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل ، لا تلههم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، هذا الذي يرفع الناس عند الله عز وجل ، فذلك أجد نفسي مدفوعاً من حينٍ إلى آخر في توجيه الحديث إلى إحداث موقفٍ لا قناعة ، القناعة متوفرة والحمد لله ، القناعات متوافرة ولكن البطولة في الذي تنقلب قناعاته إلى سلوك يعيشه في البيت ، ليس يجدي أن تكون قانعاً بالإسلام ، ولا قانعاً بالقرآن ، ولا قانعاً بأحاديث النبي العدنان ، الشيء المجدي أن تكون حياتك ، عملك ، زواجك ، بيتك ، بيعك ، شراؤك ، وظيفتك ، طعامك ، شرابك ، هندامك ، كلامك وفق الشرع ، إن كنت كذلك سمت نفسك ، وإن سمت نفسك كنت قدوةً للناس .
الإسلام موقف أخلاقي :
الإسلام أيها الأخوة الأكارم لا يحيا بالكتب ، ولا يحيا بالأشرطة ، ولا يحيا بالمؤلفات ، ولا يحيا بالمحاضرات ، ولا يحيا بالخطب ، يحيا فيكم ، أي موقف أخلاقي واحد ، ورع من أحدكم يعدل ألف محاضرةٍ سمعها أو ألقاها ، موقف فيه ورع ، ما الذي يلفت نظر الناس ؟ ما الذي يشدهم ؟ ما الذي يجعلهم يفكرون ؟ أن يروا إنساناً يشتهي ما يشتهون ، ويحب ما يحبون ، ويرغب فيما يرغبون ولكنه عند الشرع الألف والمئة ألف والألف ألف تحت قدمه إذا كان هذا المال فيه شبهة ، والمئة والألف والألف ألف تبذل رخيصة في طاعة الله وابتغاء مرضاته ، لذلك قد تجد أحدنا فاتراً لضعف عمله ، قد تجد أحدنا يستمع ويقول : والله كلام لطيف سمعت مثله كثيراً ، ولكن الذي يضفي عليك حرارة الإيمان كثرة التطبيق ، فلذلك الذي أرجوه أن يأخذ الإنسان هذا الكلام على محمل الجد ، هذا كلام إن صح التعبير مصيري .
عطاء الله ابتلاء و حرمانه دواء :
خطر في بالي اليوم أن الله سبحانه وتعالى ما جعل الدنيا إكراماً لأوليائه ، ولم يجعلها عقاباً لأعدائه ، قد تجد عدواً لله عنده من الدنيا الشيء الكثير ، وقد تجد ولياً لله لا يملك من الدنيا شيئاً لهوانها على الله سبحانه وتعالى ، لضعف شأنها ، لقلة خطرها ، لزوالها ، لم يشأ الله أن يجعلها مكافأةً لعباده الأتقياء ، ولم يشأ أن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه الفجار ، بل أعطاها لأحبابه وأعطاها لأعدائه ، لا شأن لها عند الله لذلك إذا كانت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا فالطامة كبرى ، المصيبة جليلة ، أردت من هذا الحديث التوجه لا إلى العقول ولكن إلى القلوب ، هذا القلب ربنا سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسية :
((عبدي طهرت منظر العبد سنين . . .))
[ورد في الأثر]
سنوات وسنوات وأنت تعتني بهيئتك ، وصحتك ، وهندامك ، وبيتك ، وغرفة الضيوف ، وغرفة الطعام ، وغرفة الجلوس ، وغرفة النوم ، والمكتبة ، والجناح الشرقي من البيت، والأدوات الكهربائية ، والمركبة : ((...... أفلا طهرت منظري ساعة ))
هذا القلب على ماذا ينطوي ؟ هل ينطوي على حب لله ؟ تقول : نعم ، ما علامة ذلك ؟ هل يفتقدك الله حيث نهاك ويجدك حيث أمرك ؟ الإنسان إذا ما جلس لنفسه كل يوم جلسة عشر دقائق ، ربع ساعة حاسب نفسه إلى أين أنا ماضٍ أفي طريق صحيح أم في طريق غير صحيح ؟ هل في عملي ما يرضي الله أم في عملي ما يوجب سخط الله عز وجل ؟ لأن الدنيا ساعة اجعلها طاعة ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن ﴾
[ سورة الفجر: 15 ]
أي الساذج ضيق الأفق ، الجاهل يظن أن المال إكرامٌ من الله عز وجل ، وأن الزواج إكرامٌ ، وأن الصحة إكرامٌ ، و أن الأولاد إكرامٌ ، وأن القوة إكرامٌ ، هو إكرام وليس بإكرام، هذا أجاب عنه الله سبحانه وتعالى قال : كلا ليس عطائي إكراماً ، وليس حرماني حرماناً ، إنما عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، الإنسان يبتلى بالمال إذا أنفقه في طاعة الله انقلب المال نعمةً ، يعطيه زوجةً إذا وجهها ، وأصلح شانها ، وأخذ بيدها إلى الله حتى عرفت ربها على يديه انقلبت الزوجة نعمةً ، الأولاد ، المركبة ، أي شيء إذا استخدمته في طاعة الله انقلب نعمةً ، قبل أن يستخدم في طاعة الله لا يسمى نعمةً يسمى ابتلاءً ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[ سورة التغابن: 15]
كيف أن هذا المحك الذي يستخدمه الصياغ تأتيهم قطعة ذهبية يحكونها بهذا المحك فيظهر خط أبيض يعرفون أنها من المعدن الرخيص ، إذا بقي الخط أصفر اللون براقاً ، يعرفون أنها من المعدن الثمين ، فهذا المحك ، الزوجة ، الأولاد ، المال محك ، فلا تقل لي ماذا تعرف ، قل لي ماذا تعمل ؟ ماذا تعرف كل منا إذا وافته المنية يعرف كل شيء قال تعالى : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 22]
كل منا وكل من الذين أنكروا وجود الله ، الشعوب التي رفعت راية لا إله ، إذا وافتها المنية تعرف كل شيء ، أي إنسان ، كافراً ، فاجراً ، ملحداً ، فاسقاً ، دالاً ، مهتدياً ، عارفاً ، مؤمناً ، منافقاً ، إذا وافته المنية يعرف كل شيء ، ولكن بعد فوات الأوان ، فالبطولة أن تعرف كل شيء قبل فوات الأوان وأنت في الدنيا ، والقلب ينبض وكل شيء ممكن ، التوبة ممكنةٌ ، أداء ما في عنقك من حقوق ممكن ، استرضاء الناس ممكن ، طلب العفو منهم ممكن، إصلاح المعاملة مع الزوجة ممكن ، إصلاح العلاقة مع الأم ممكن ، إصلاح العلاقة مع الزبائن ممكن ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحشر : 18-19]
الكبائر و الصغائر :
أحياناً يصبح حضور مجالس العلم عادة من عوائدنا ، إلى أين ؟ إلى المسجد ، من أين ؟ من المسجد ، والإنسان هو هو ، شيء من الغفلة ، بعض المخالفات ، بعض التقصيرات، بعض الرغبات التي ما أرادها الله عز وجل ، هذه كلها حجاب .
الشيء الذي يؤلمني أن أكبر معصية في مساهمتها في قطعك عن الله عز وجل كأصغر معصية ، تيار كهربائي عندك غسالة وبراد ومروحة ومسجلة ، وعندك أدوات كثيرة جداً في البيت ، لو فصلت التيار ميلمتراً واحداً كل شيء يتوقف ، ولو فصلته ثلاثة أمتار كل شيء يتوقف، فهذه الصغائر التي تساهل بها المسلمون هي عند الله كبائر لأنهم أصروا عليها ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]
التفكر بالموت لضبط النفس و الإيمان بالفناء و الزوال :
الإنسان إذا جلس صباحاً ، وصلى الصبح ، وقرأ شيئاً من كتاب الله ، وتفكر دقائق في الموت ، هذا الطريق طريق الإيمان له أصول ، لو أنك استيقظت قبل صلاة الفجر وصليت ركعتين لله تعالى ، الله سبحانه وتعالى :
(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]
هذا يريد بيتاً ، هذا يريد زوجة ، هذا طلب من الله أن يجمعه مع أهل الحق ، هذا طلب من الله أن يعينه على إتقان الصلاة ، ألا يوجد لك حاجة عند الله عز وجل ؟ ألست طموحاً ؟ ألا ترغب فيما عنده ؟ ألا تراه أهلاً أن يجيبك ؟ أي إذا أحدكم تمكن أن يصلي ركعتين قبل أذان الفجر ويسأل الله في هاتين الركعتين حاجاته كلها ما كان منها مشروعاً متعلقاً بالدنيا ، وما كان منها متعلقاً بالآخرة ، ثم أذن الفجر ، وصلى السنة ، والنبي عليه الصلاة والسلام من عادته أن يضطجع على شقه اليمن بين السنة والفرض يفكر في الموت ، هذا الموت الذي لابد منه ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت . كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جــــنازةً فاعلم بأنك بعدها محمــــول
***
اليوم تصور التغسيل ، غداً مشهد التكفين . ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾
[ سورة القيامة: 29-30]
اليوم تصور شراء القبر ، هؤلاء الذين يتولون تجهيز الميت يقتسمون الأعمال، بعضهم يذهب إلى إتمام معاملة الدفن ، بعضهم يذهب لتأمين الطعام ظهراً ، بعضهم يذهب لتأمين الكراسي ، بعضهم يذهب لتأمين المشايخ ، بعضهم يذهب لشراء القبر ، فإذا نقر في الناقور إن كنت في مقبرةٍ ورأيت حفار القبور ينقر أحد القبور ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾
[ سورة المدثر : 8-10]
الويل لمن سينزل في هذه الحفرة ، بين السنة والفرض يوم بالتغسيل ، ويوم بالتكفين ، ويوم بشراء القبر ، ويوم بحالة الأهل من بعدك ، تصور ماذا سيفعل ابنك ؟ ابنتك ؟ زوجتك ؟ هل يبقى البيت على ما هو عليه ؟ هل يباع البيت ؟ هل يقتسم البيت ؟ هل يختلف الأولاد ؟ ماذا سيكون من بعدك ؟ هذه الخواطر لابد منها ، لابد من عشر دقائق في موضوع الموت من أجل أن تنضبط النفس ، من أجل أن تملك زمامها ، من أجل أن تؤمن بالفناء والزوال ، إذا أذن الفجر إذا صليت السنة واضطجعت بين السنة والفرض دقائق معدودات وفكرت بالموت الذي لابد منه تهون عليك المصيبة ، تهون عليك الدنيا ، ترضى بزوجتك ، ترضى بأولادك ، ترضى بدخلك ، تندفع للعمل الصالح ، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100 ]
التفكر أعظم عبادة على الإطلاق :
تصلي صلاة الفجر وبعدها تجلس للذكر ، وقبل أن تذكر فكر ، قال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس : 24]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد : 12]
فكر بهذا الطعام ، بهذا الطفل الذي رزقك الله إياه ، فكر بهذه المرأة التي جعلها الله سكناً لك ، بهذا الدماغ الذي منحك الله إياه فجعلك تعمل ، عندك خبرات ، إذا فكرت في آيات الله استعظمت الله عز وجل ، خشع قلبك ، تفكر ساعةٍ خير من عبادة ستين عاماً ، والله الذي لا إله إلا هو تفكر ساعة ، نصف ساعة ، ربع ساعة بعد صلاة الفجر خير من عبادة ستين عاماً، ستون عاماً في مكان واحد ، لكنك بالتفكير ترقى كل يوم درجة ، فكر يوماً في العين ، يوماً في الأذن ، يوماً في الشعر ، يوماً في الطفل ، يوماً في الطعام والشراب ، في الشمس ، في القمر ، ليس المهم أن تكثر الموضوعات ، المهم أن تتعمق في موضوع واحد ، ابق في العين شهراً ، ابق في الأذن شهراً ، إذا فكرت كل شيء في أوله صعب ، ولكن مع التدريب والتمرين والمحاولة والخطأ تشعر أن هذا التفكر الذي بدا لك صعباً مرهقاً أصبح سهلاً ، إذا فكرت اذكر الله سبحانه وتعالى ربع ساعة أخرى ، أي امسك مسبحة وقل : الله الله وأنت سابح في الآيات الذي فكرت فيها ، ربع ساعة تفكر وربع ساعة توجه ، وإذا أمكنك أن تقرأ بضع صفحات من كتاب الله وأن تقف عند الأمر ، عند النهي ، عند القانون ، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه : 123]
هذه الآية تبث في نفسك طمأنينة وثقة وراحة لا يعرفها إلا من فقدها ، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة يونس : 33]
العاقل من عرف الله و تفكر في خلقه :
مستحيل أن يكون لك مخالفة وتؤمن ، ترفض الحق ، إنك تحب أن تجر الحق إلى مخالفاتك ، تحب أن تبرر أعمالك ، لذلك الفاسق لا يؤمن ، اقرأ القرآن ، الأوامر اكتبها ، ضع تحتها خطاً أحمر ، النواهي اكتبها ، القواعد العامة اكتبها ، أي إذا أحدكم بدأ نهاره بركعتي قيام ليل ، وركعتي سنة ، واضطجاع دقائق في التفكر في الموت ، ثم أداء صلاة الفجر ، ثم التفكر ربع ساعة في آيات الله ، ثم الذكر ، ثم تلاوة بعض آيات القرآن الكريم ، ومدارستها ، والتأمل فيها ، والتدبر ، واستنباط الأوامر والنواهي ، والأحكام والقواعد العامة ، ثم انطلق إلى عمله كيف يكون هذا اليوم ؟ يقول : أنا أسعد الناس ، لأنك في هذا اليوم بأعيننا كما قال تعالى :
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ِ ﴾
[ سورة الطور : 48]
لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أنت في هذا اليوم في ذمة الله بمعنى في عنايته المشددة ، في حفظه ، في رعايته ، في تجليه ، إذا انطلقت من البيت لا تنسى أن إطلاق البصر يفسد عليك دينك ، إذا أطلقت البصر لا تقوى قدماك على أن تقف ظهراً لتصلي ، هناك خجل ، وانكماش ، وبعد ، الشيء الذي يمكن أن يبعدك عن الله سبحانه وتعالى في أثناء النهار إطلاق البصر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والسخرية ، والضحك ، والخوض في أحاديث باطلة لا جدوى منها ، وأكل المال الحرام ، أكثر الأشياء كسب المال، والتساهل في موضوع النساء ، المال والنساء بابان كبيران من أبواب جهنم ، وسلاحان فتاكان في يد إبليس ، وشبكتان تغريان كل واحد من المؤمنين أن يقع فيها ، فإذا كانت لك هذه الجلسة الصباحية أمكنك في أثناء النهار أن تكون في حفظ الله ، تجد نفسك شديد التفكير ، كلامك دقيق ، قرارك سليم ، رؤيتك رابحة ، عملك صحيح ، موقفك سليم ، مكانتك رفيعة ، هذا السلوك إذا استمر يحدث شيء اسمه التراكم ، تتراكم هذه الأحوال الطيبة ، تتراكم هذه القناعات ، يتراكم التعظيم لله عز وجل ، يتراكم الورع ، المحبة ، إلى أن تغدو في حالة لا تعهدها من قبل حالة الإقبال على الله ، حالة الرضا ، حالة الوقار ، حالة المحبة ، حالة الحلم ، حالة العفو ، البذل ، الثقة ، الطمأنينة ، تعيش أحوالاً ما كنت تعرفها من قبل ، يجب أن تقول : أنا أسعد الناس لا أقول لك تحتقر ، أقول لك لا يمكن أن يكبر في عينيك إنسان من أهل الدنيا ، تراه ضيق الأفق، تراه تائهاً ، شارداً ، ضالاً ، مغبوناً ، مخفقاً ، شقياً ، مادام هذا الإنسان مهما علا شأنه ، مهما كان غنياً ، تراه أنت صغيراً ، الكبير من عرف الله .
لو رجل قال : من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه ، يجب أن تقول في نفسك : الدنيا جنة ، أحياناً ألتقي بإنسان أقول له : كيف حالك ؟ والله الذي لا إله إلا هو أشعر أن السعادة تشع منه ، يقول : الحمد لله ، الحمد لله على نعمة الهدى .
سيدنا علي رضي الله عنه قال : " إن من نعم الله الغنى ، وإن أفضل من الغنى صحة البدن ، وإن أفضل من صحة البدن الإيمان " ، معنى هذا أن الإيمان أعلى نعمة يملكها الإنسان ، لما سيدنا عمر كانت تأتيه مصيبة كان يقول : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني - مادامت هذه المصيبة لم تطل ديني الحمد لله - والحمد لله إذا لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذا ألهمت الصبر عليها ". من عرف الله ذاق طعم الإيمان :
أبو بكر في الجنة - الآن في الجنة - حينما قال النبي هذه الكلمة كان في الجنة ، أي في جنة ، وأنا أقول لكم : قد يكون دخلك قليلاً ، كثيراً ، محدوداً ، غير محدود ، متعباً ، مريحاً، قد تكون زوجتك وسطاً ، دون الوسط ، سيئة ، قد يكون بيتك ملكك ، أو تسكن بالأجرة ، صغيراً ، كبيراً ، في حي راق ، في حي شعبي ، تحت الأرض ، فوق الأرض ، في الطابق الرابع، ملحق :
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هم الحق لا غيركم فيـــــــا ليت شعري أنا من أنا
***
أي من ذاق عرف ، ذاق طعم الإيمان ، الإيمان له طعم إن لم تذقه حاول أن تذقه، حرر دخلك ، كن دقيقاً جداً ، أخ كريم ذكر لي بعض الأغلاط قبل أن يعرف الله عز وجل قلت له : القضية سهلة مادام القلب ينبض فكل شيء له حل ، أخ آخر سألني اليوم ما معنى قوله تعالى ؟ ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾
[ سورة ص: 3]
أي بدت له هذه الآية غير واضحة ، رجل دخل إلى مدرسة حتى يفتش ، سمع الطلاب جميعاً يقولون : طم بل ك ، ما هذا ؟ دخل إلى الصف وعرفه المدرس أنه مفتش قال له: ما هذا الكلام ؟ قال له : قرآن كريم ، فقال له : أي قرآن هذا ؟ قال له : والله محيط بالكافرين أخذ مقطعاً و أقرأهم إياه ، لكن هذا الوقت ليس وقت خلاص ، أي إذا رجل تورط في قتل إنسان ، وألقي القبض عليه ، وسيق إلى السجن ، وشكلت محكمة لمحاكمته استجوبته وكل محامياً ، والمحامي دفاعه ضعيف ، الأدلة كلها متضافرة في إدانته ، أدين بهذه الجريمة صدر حكم بإعدامه ، استأنف الحكم ، صدر الحكم الثاني بإعدامه نقض الحكم ، صدر أمراً من محكمة النقض بإعدامه ، صدق حكم الإعدام ، سيق إلى المشنقة ، وضع على خشبة المشنقة ، الجنود يحيطون به من كل مكان ، هل هذه الساعة ساعة خلاص ؟ هل يوجد أمل بالمليون واحد ؟ لا يوجد ، كل الإجراءات تمت ، والحكم مصدق ، والمشنقة جاهزة ، والموظف جاهز ، والمنصة جاهزة ، والقرار مكتوب ، ولات حين مناص ، وليست الساعة ساعة خلاص . العاقل من تاب قبل فوات الأوان :
البطولة نحن الآن في ساعة خلاص ، نحن الآن في ساعة خلاص قد تخلص من عذاب الآخرة الآن ، قد تتوب ، إذا رجع العبد إلى الله تعالى نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، الصلحة بلمحة ، إذا قال العبد : يا رب قد أذنبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد غفرت ، فإذا قال العبد : يا رب لقد تبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد قبلت.
كلمة قل يا رب تبت إليك ، لو جئتني بملء السموات والأرض ذنوباً غفرتها لك ولا أبالي ، أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ، إذا ضاقت عليك الدنيا تذكر قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر : 53]
هناك أشخاص يقفون عند هذا الحد في هذه الآية اسمعوا التتمة : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
[ سورة الزمر : 53-56]
إياك أن تصل إلى ساعة ولات حين مناص ، هذه أصعب ساعة إذا إنسان صعد به على خشبة المشنقة ، يحب أن يبكي يبكي ، يحب أن يضحك يضحك ، يحب أن يترجى لا يوجد جدوى ، يحب ألا يترجى لا يترجى ، يحب أن يطلب والدته تأتي ولكن الشنق لابد منه، اطلب ما تشاء لابد من تنفيذ الحكم ، هذه الطامة الكبرى . الكلام المفيد هو الكلام الذي يطبق :
لذلك الإنسان هذا الدرس يقول أحدهم : والله الدرس جميل ولطيف ، وآيات قرآنية دقيقة ، والمعنى عميق ، والحديث رائع ، وهذا له علاقة بعملنا ، وهذا الحديث من أين جاء به والله ما سمعناه سابقاً ؟ أي هذا الاستمتاع بالأحاديث وأنت على حالك ، واحد كألف وألف كأف. فالذي أرجوه في هذا اللقاء أن يتوجه هذا الكلام لا إلى إحداث قناعات في الدماغ بل إلى إحداث مواقف عملية ، كل واحد له بيت ، له زوجة ، له أولاد ، له بنات ، محل تجاري ، في عملك التجاري هل يوجد علاقة محرمة ؟ هل يوجد علاقة ربوية ؟ بيع بسعرين ، كتمان عيب ؟ هذا في عملك ، ادخل إلى بيتك هل يوجد مخالفة ؟ ابنتك خروجها هل كما يريد الله سبحانه وتعالى ؟ زوجتك هل تصلي ؟ هل تأمرها بالصلاة ؟ هل هناك وليمةٌ انتهكت فيها حرمات الله عز وجل؟ جمعت فيها الأهل والأصحاب على مائدة واحدة ؟ هل تلهو كما يلهو الناس ؟ هل تستمتع كما يستمتعون ؟ هذه البطولة ، امسك دفتراً وسجل التقصيرات ، وحاول أن تتلافاها واحدة واحدة بأقرب وقت ممكن حتى يصبح العلم مباركاً ، يقول لك أحدهم : تباركنا أستاذ ، ما هي البركة ؟ البركة التطبيق ، إذا إنسان كان معه مرض عضال وهناك دواء شاف ، البركة بالدواء ذكره ؟ حفظ اسمه ؟ وضع الوصفة في مكان وجيه في البيت ؟ أم استعمال الدواء ؟ بركة الدواء استعماله ، بركة القرآن الكريم اتباع سنته ، بركة مجلس العلم تنفيذ ما جاء فيه ، لا يوجد بركة أخرى ، تباركنا لا يوجد بركة أخرى ، هذه الكلمة لا معنى لها ، الإنسان عليه أن يكون بالمستوى المطلوب ، واحد اثنان خمسة عشر إذا كانوا في مستوى الدعوة هؤلاء لهم تأثير عجيب ، الأنبياء قلة نبي واحد قلب وجه الأرض بإخلاصه ، وصدقه ، وجهاده ، واستشهاده ، وآلاف المصلحين كلام مزخرف منمق ، نظريات ، شواهد ، كتب مؤلفة ، ما دام الذي يتكلم ليس في مستوى كلامه فكلامه لا يؤثر .
نحن من حين إلى آخر ندرس السنة المطهرة ، ما هذا النبي الكريم الذي لفت القلوب بعد ألف وخمسمئة عام ؟ إذا ذكرته يتعطر المجلس ، تحس بالشوق إليه لكماله وأنت أيضاً كن على هديه ، اقتف أثره ، اتبع سنته ، اجعل بيتك إسلامياً ، اجعل عملك إسلامياً ، اجعل محلك إسلامياً ، اجعل لباسك إسلامياً ، كلامك ، نظرتك ، الإنسان عندما يطبق يسعد .
العلم وسيلة و ليس هدفاً بذاته :
نحن أيها الأخوة الأكارم بالعلم ليس العلم هدفاً بذاته ، العلم وسيلة من جعله هدفاً بذاته فقد ضلّ ، العلم وسيلة ، كل الناس هلكى إلا العالمون ، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم ، أي لابد من أن تكون عالماً ، لابد أن تكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً ، هذا الكلام خطير قال تعالى:
﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
[ سورة النجم : 59-62]
لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، يوجد عندنا موسم لا تحرجني لا يوجد عمل في الأرض ، لا موسم ، ولا زواج ، ولا شراء بيت ، ولا انتقال من بيت إلى بيت ، لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، لذلك من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ، أنت اشتغل بذكر الله ومعرفته واترك الدنيا وأنا مسؤول، والله الذي لا إله إلا هو لتأتيك الدنيا وهي راغمة ، تأتيك الدنيا من أيسر سبلها ، براحة وكرامة ويسر وسعادة .
أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمكِ فاستخدميه ، الدنيا تضر وتغر وتمر ، الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له ، الدنيا جيفة طلابها كلابها ، خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ، ترى الآن شخصاً يعمل ليلاً نهاراً وصفهم الله عز وجل قال : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾
[ سورة المدثر : 50]
عمل مرهق يخرج من بيته قبل أن يستيقظ الأهل ويعود بعد أن يناموا ، يقول لك: الحياة جهاد عملي صعب ، ترى فجأةً انضرب القلب ، عشرة أيام النعوة على الباب ، ما دخل المسجد إلا ليصلى عليه ، ما دخل المسجد ليصلي دخل مرة واحدة ليصلى عليه ، أحياناً نصلي على جنازة لا نعرف يا ترى كان يصلي ؟ كان يعرف الله عز وجل ؟ كان ماله حلالاً أم حراماً ؟ كان يخشى الله ؟ عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ، كل واحد منا لابد من أن يلقى الله . ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
***
رجل أنت ، ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، وما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها . بطولة الإنسان ساعة مغادرة الدنيا :
الذي أرجوه في هذا اللقاء غير إحداث قناعات في الفكر إحداث مواقف في النفس، أن تفر إلى الله عز وجل ، ففروا إلى الله جميعاً ، أن تقوم إليه ، أن تشمر، أحياناً الإنسان إذا أقدم على عمل مهم جداً يشمر ، أيها الناس شمروا فإن الأمر جد ، وتأهبوا فإن السفر قريب ، وتزودا فإن السفر بعيد ، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون ، وأخلصوا النية فإن الناقد بصير ، ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة .
هناك رجل سبب هدايته أنه كان يعمل في سلك الشرطة ، وكان رئيس مخفر ، له صديق من وجهاء الحي كان غنياً ومترفاً فنشأت علاقة بين هذا الصديق وبين هذا الضابط ، سهرات ، وطعام نفيس ، وساعات فيها ضحك وسرور ونزهات وبساتين جميلة ، والخير موفور، والمال كثير ، وهذا الغني له أربع زوجات كلما كبرت زوجة طلقها وتزوج امرأةً شابة في المباحات ، ليس له معاصي وفق الشرع ، توفي هذا الرجل بعد أيام جاؤوا إلى مخفر الشرطة يطلبون من هذا الضابط أن يرافقهم إلى المقبرة ليكشف عن الجثة بصحبة طبيب شرعي ، لأن هناك إخباراً يفيد بأن هذا الرجل مات تسمماً بالسم وليس موته موتاً طبيعياً ، فهذا الضابط نزل إلى القبر بصحبة هذا الطبيب الشرعي فقال : والله شاهدت منظراً بقيت أسبوعاً أو أسبوعين ترتعد فرائصي منه ، بطن منفوخ رجل بالشرق ورجل بالغرب ، وجه أسود أزرق مملوء بالدود ، ولما الطبيب فتح البطن حصل انفجار ، هذا الضابط قضى مع هذا الإنسان سهرات ممتعة ، وأياماً حلوة ، وأكل معه أطيب الطعام ، وشهد منزله الفخم ، ودخل إلى بستانه الجميل ، وعرف خبايا هذا الرجل ، هذا هو المصير ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بقيت أسبوعين أو أكثر لا تشتهي نفسي أن تأكل طعاماً ، هذا هو المصير ، بعد شهر جاءه أناس إلى المخفر يطلبون منه أن يحل منازعةً تمت في المقبرة ، هذه المنازعة عن رجل توفي وأراد أهله أن ينزلوه في قبر مضى على دفن الذي قبله أربعين عاماً فتحوا القبر ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بأم عيني رأيته رجلاً ممدداً كأنه نائم ، ثيابه تشبه قميص اللوكس ، جلده هو هو ، خده ، شعره ، ذقنه ، ابتسامته ، هذا كان يحفظ القرآن الكريم ، وكان إمام مسجد بعد أربعين عاماً هو هو ، أما الآخر فبعد أسبوع ، هذا المنظر المتناقض ، هذه المفارقة الحادة ، هذه الحالة التي تدعو إلى القرف والمقت ، وتلك الحالة التي تدعو إلى الرضا والسرور ، هي التي لفتت نظر هذا الإنسان وكانت سبباً في هدايته .
البطولة عند هذه الساعة ، ساعة نزول القبر ، ساعة مفارقة الدنيا ، من الآن اشتغل ، من الآن يجب أن يبقى الموت في ذهنك دائماً ، طبعاً تتزوج وتشتري بيتاً ، تكسب مالاً وتسعد وتسر ، ولكن عندك طمأنينة عميقة لو جاء الأجل أنت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض ، واكربتاه يا أبتي ، قال : لا كربة على أبيك بعد الآن غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، أي ساعة اللقاء عند المؤمن أجمل ساعة ، كل هذه الحياة من أجل هذه الساعة .
بعض الأشخاص يتخذون جدولاً فيه أسماء الأيام عرضاً ، وأما طولاً مثلاً قيام الليل، صلاة الفجر حاضراً ، التفكر بالموت ، التفكر بآيات الله ، ذكر الله ، قراءة القرآن ، غض البصر ، الصدق ، تحري الحلال ، بر الوالدين عموداً ، وكل يوم يحاسب نفسه ، يوم السبت هل صليت قيام الليل ؟ هل ذكرت الله عز وجل ؟ هل فكرت بالموت ؟ هل فكرت بآيات الله ؟ هل تلوت بعض آيات الله ؟ هل كان غض بصري جيداً حازماً أم فيه تراخ ؟ إذا كان هذا الشيء تحقق إشارة تحقق ، وإلا إشارة ضرب ، يمتحن نفسه يلقي نظرة على هذا الجدول كل أسبوع إذا في خطأ يتراجع عنه ، يتوب عنه ، المؤمن مذنب تواب ، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة .
الاستعداد لشهر رمضان :
هذا الدرس له اتجاه آخر وكان من الممكن أن نتابع الموضوع في إحياء علوم الدين ، موضوع الحلال والحرام ، وكان من الممكن أن نتابع ما جاء في كتاب شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن أردت قبيل شهر رمضان المبارك وهذا شهر الطاعة ، شهر الاستنفار ، شهر مضاعفة العبادة ، مضاعفة الجهد ، شهر العمل الصالح ، شهر قراءة القرآن ، لابد من أن تستعد لهذا الشهر قبل مدة ، من أجل أن يكون هذا الوقت استعداداً لهذا الشهر العظيم ، إذا طبقتم سعدتم ، وإن لم تطبقوا يقول أحدكم : والله ما استفدنا شيئاً ، والحقيقة إذا الإنسان ما طبق لا يستفيد شيئاً ، والعلم علمان مطبوع ومنطوق ، المطبوع هو الأساس الذي ينطبع في قلبك ويجري على لسانك ، أما المنقول كالماء المجموعة ، المياه المجموعة قد تكون آسنة ولكن مياه النبع تكون عذبة فراتاً ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى وأن يجعلنا في مستوى شرعه الحنيف .

السعيد 09-10-2018 05:30 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الستون )

الموضوع : خروج التائب من المظالم المادية - شمائل النبى








كيفية خروج التائب من المظالم المادية :
أيها الأخوة المؤمنون : في موضوع الحلال والحرام من كتاب إحياء علوم الدين وصلنا إلى بابٍ رابع عنوانه : كيفية خروج التائب من المظالم المادية أي المالية.
إنسانٌ تابَ إلى الله عزّ وجل وفي ذمتهِ حقوقٌ مالية كيف يخرجُ منها ؟ لأنكم تعلمون أنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر ما بينه وبين العبد لمجرّد أن يتوبَ العبد ، أمّا ما بين العبد وبين الناس فلا تُغفر إلا إذا رُدّت الحقوق إلى أهلِها ، لذلك قال الله تعالى :
﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[سورة الأحقاف : 31]
هذه الـ من للتبعيض ، أي إذا أقبلتم عليه وتُبتُم إليه يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينه وبينكم ، لكنَّ التي بينكم وبين العباد لا تُغفر إلاّ بعدَ الإصلاح ، اعلم أنَّ من تابَ وفي يدهِ مالٌ مُختلط فعليه وظيفةٌ في تمييز الحرامِ وإخراجِهِ من الحلال ، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرجِ فليُنظر فيه.
إذاً : له مهمتان ؛ الأولى : معرفة الحرام وتمييزه من الحلال ، والثانية : ردُّ الحرام إلى أصحابِهِ ، ولا تُقبل توبة المُسلم ما لم يفعل هاتين المهمتين. كيفية تصرف من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم القدر أو مجهوله :
اعلم أنَّ كل من تاب وفي يده مالٌ حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل ، عنده حاجة ليست له ، متميّزة ، واضحة ، ليست مختلطة ، أي لفُلان وفُلان حيٌّ يُرزق.. قضية سهلة.. تأخذ هذه الحاجة وتردّهُا إلى صاحبها ، عندك كتاب ليس لك ، قلم حبر ثمين نسيه أحد أصدقائِك معك منذ خمس سنوات وتعرفه وتعرف بيته والقلم موجود .. من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل. وإن كانَ ملتبساً مختلطاً.. دخل الحرام في الحلال.. فلا يخلو ، إمّا أن يكون في مالٍ هو من ذوات الأمثال ، المال أنواع : هناك مالٌ من ذوات الأمثال ؛ قمح ، شعير ، عدس..... هذه لها مثيل كالحبوب، والنقود لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة فيها مئة ليرة حرام والألف قد صرفتها كانت قطعتي خمسمئة أصبحت عشر قطع مئة ليرة ، مئة دفعتها ومئة قبضتها هذه المئة دخلت حراماً ، وهذه المئة لها أمثال ، القضية أيضاً سهلة ، وإمّا أن يكون في أعيان كالدورِ والثياب.
إما أن يكون في الأمثال وإما أن يكون في الأعيان ، فإن كان في الأمثال وكان شائعاً في المال كلِهِ كمن اكتسب تجارةً يعلمُ أنه قد كَذَبَ في بعضِها في المرابحة مثلاً ، هناك بيع اسمه بيع المرابحة ، يأتي الزبون ويقول للتاجر : بعني القماش مرابحةً وخُذ على سعر المتر ليرتين واكشف رأسُ مالِك... هذا النوع من البيع اسمه بيع المرابحة... أنت عندئذٍ تقول : سعر المتر ثماني عشرة ليرة وكلّف جمارك أربع ليرات ومصاريف ليرة وتخزين و و.... أصبح سعر المتر أربعاً و عشرين ليرة ، وليرتين مرابحة أصبح ستاً و عشرين ، لو أنكَ رفعت رأسَ مالِك في هذا التصريح لكان البيع حراماً هو اشترى منكَ مرابحةً على كل متر ليرتان ، ينبغي أن تكشف رأسَ مالِكَ الحقيقي من دون زيادة ، فلو أنكَ كذبتَ في رأسِ مالِك لكان هذا البيعُ حراماً.
فلذلك من له تجارة يعلم أنه قد كذَبَ في بعضِها في المرابحةِ وصَدَقَ في بعضِها الآخر ، باع عشرين بيعة منهم خمس مرابحة كذَبَ في رأس المال وخمس عشرة مرابحة صدق في رأس المال فدخلت الأموال مع بعضها واختلطت وصار المبلغ في الصندوق متنوّعاً ، أو من غَصَبَ دُهناً وخَلَطَهُ بدُهنِهِ ، أو من فعلَ ذلِكَ في الحبوب غَصَبَ حبوباً أو دراهم أو دنانير وخلَطَها بحبوبِهِ أو دراهِمهِ أو دنانيرهِ فلا يخلو ذلك إمّا أن يكون معلومَ القدرِ أو مجهولاً.
إذا كان المال متميّزاً فالقضية سهلة جداً ، وإذا كان متداخلاً في الأشياء التي لها أمثال فالقضية سهلة أيضاً .
بقي عقبة واحدة : أنكَ هل تعرف مقدار هذا المال الحرام ؟ أو هذا القمح المغصوب؟ أو هذا الدُهن المغصوب ؟ أو هذا العدس المغصوب ؟ إن عرفت الكمية فالقضية أيضاً سهلة لأن لها مثيلاً ، غصبت مقدار " مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر ، لأنَّ العدس متماثل ، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات أخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله ، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة ، لكن العقبة في مقدار هذا الشيء المغصوب ، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة ، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال : له طريقان : طريق اليقين ، وطريق غالب الظن.
طريق اليقين : أي تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل.. ، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمئة ليرة حلال مئة في المئة ، ومنها أربعمئة ليرة حرام مئة في المئة ، و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام ، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة ،
غالبية الظن : وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة ، فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمها إلى مالِك ، وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها .
إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن ، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين ، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن ، لكنَّ الورع إخراجُهُ.
حالات عدة تدور حول المظالم المادية و كيفية حلها :
الآن عندنا مشكلة العلماء قاموا ببحثها مطوّلاً : معك درهم ولا سمح الله اغتصبت درهماً ، صاروا درهمين ، ولكنك الآن لا تعلم أيُّ الدرهمين هو المغصوب لأنَّ الدرهمين متماثلان تماماً ، لو فرضنا ليرتي حديد لا فرقَ بينهم إطلاقاً فأيُّ الليرتين التي اغتصبت ؟ الموضوع مُطوّل جداً والذي أراه أنه لا جدوى منه لماذا ؟ لأنكَ إذا أعطيت أحد الدرهمين لمن اغتصبت منه الدرهم وكان الذي أعطيته ليس درهمه بل درهمُكَ.. بعض العلماء قالوا : إنه لا يجوز ، وبعضهم قال : إنه يجوز لأنَّ هذا الدرهم له مثيل.. ما الفرق بين هذه الليرة وهذه الليرة؟ مناقشة مطوّلة من غير جدّوى إلا أنه لو أنكَ أعطيته درهمه كان بها ، وإن أعطيته درهمكَ وأبقيتَ درهمه تبادلتُما الدرهمين ، هذا التبادل أحد أنواع البيع بيع المعاوضة أو بيع التسلّم ، على كُلٍّ مادامَ هُناكَ لهذا الدرهم مثيل فالمثيلُ يُغني عن الأصيل فيما لو بقي عندكَ الدرهم الذي اغتصبته وأعطيته الدرهم الذي هو لك.
لكن أحياناً عندنا حالات من التعنّت والتزمّت : معك درهمان أحدُهما مُغتصب، والدرهمان اختلطا ، صاحب الدرهم المُغتصب يقول : أنا واللهِ لا آخذُ إلا عينَ درهمي فإن لم تعرف أيهما المُغتصب لا آخذ منكَ شيئاً وتعنّت.. أوقعك في الحرج.. أنت قد تُبتَ إلى الله.. ولا يأخذ إلا عينَ درهمِهِ ، وأنتَ لا تعرف أيُّ الدرهمين درهمُهُ ، قال : في هذه الحالة القاضي ينوب عن هذا الخصم المتعنّت فيأخذ منكَ أحد الدرهمين ويجعل الدرهم الثاني حلالاً لك ، فإن عَجَزَ القاضي عن أن يأخُذ هذا الدرهم يصحُ أن يأخذ هذا الدرهم رجلُ دينٌ - ذو دين - في المجتمع يأخذه نيابةً عن صاحِبِه من أجل أن يجعل بقية الدراهم حلالاً ، وإذا لم تجد هذا الرجل الصالح تُزيحُ درهماً من الدرهمين وتضعه في مكانٍ ما من أجلٍ أن تستهلك الدرهم الثاني ، أنت تنوب عن صاحب الدرهم المغتصب وتفرزه جانباً من أجل أن تستخدم الدرهم الثاني .
الآن : أرض مغتصبة وصاحبُها توفي وتركَ ورثة ، المغتصب أعادَ نصف هذه الأرض ، الورثة متنوعون أحدهم له الحق في النصفِ ، فقال : هذه النصفُ لي وانتهى الأمر ، الشرعُ لا يُوافِقهُ على ذلك ، الشيء الذي رُدَّ من الأرض يُوزّع على الورثة جميعِهم.. هذا هو الشرع ، أمّا أن يدّعي من له نصيبُ النصفِ أن هذه الأرض التي رُدّت هي حقُهُ وحقوق بقية الورثة في النصف المُغتصب فهذا مرفوضٌ قطعاً ولا يجوز .
شيء آخر : إذا وقعَ مالٌ في يدِ رجلٍ أخذه اغتصاباً من ظالمٍ ثمَّ تاب وكان هذا المالُ عِقاراً ، مُدّة بقاء العِقار في يدك يجبُ أن تدفع لمالِكِهِ الذي اغتصبت منه أجرَ المثلِ ، لو أنكَ اغتصبت سيارةً ليست لكَ ثُمَّ ندمِتَ وتُبتَ وبقيت معكَ سنتين ، فهل تعتقد أنكَ إذا رددت هذه السيارة إلى صاحِبِها نجوتَ من عذاب الله !؟ لابُدَّ من أن تردّها إلى صاحِبِها ، وأن تدفعَ لِصاحِبِها أجرة هذه السيارة عن سنتين ، لأنَّ هذا الشيء له منفعة - كل شيء يُمكن أن يُستفادَ من منفعتِهِ وتبقى رقبته هي هي هذا الشيء يجب أن تدفع لصاحِبِهِ أجرتهُ - ، لو اغتصبت داراً ثُمَّ تُبتَ إلى الله عليكَ أن تُعيدَ الدارَ ، وأن تـُعيد الأجرة التي تستحقُ فيما لو استأجرت هذا العقارَ من مالِكِهِ .
انتقال المال :
عندنا موضوع دقيق خلافي حول انتقال المال ؛ انتقال المال من الميت إلى ورثتِهِ هل يُغيّرُ صفتَهُ ؟ إذا كان هذا المال حراماً هل يُصبح حلالاً ؟.. هذا الموضوع خِلافي.. من وَرِثَ مالاً ولم يدر من أينَ اكتسبهُ مورّثُهُ ، طفل صغير توفي والده وترك بيت ومحلاً تجارياً ومصنعاً ، لا يعرف عندما كبُرَ الطفل أنَّ هذا المال كيف كان اكتسابُهُ.. هل كان اكتسابُهُ حراماً أم حلالاً ؟.. إن كان لا يدري فهذا المالُ يأخذهُ الوريثُ حلالاً مئةً في المئة.. هذه واضحة باتفاق العلماء ، من وَرِثَ مالاً ولا يدري أكانَ هذا الذي أورثهُ المال قد اكتسبهُ من حلالٍ أو من حرام ، مادُمت لا تدري فهذا المال تأخذهُ من مورِّثِكَ حلالاً طيّباً .
بالمناسبة ليسَ هناك علامة.. إذا وجدَ شخص في خزانة والده مثلاً ملعقة من فِضّة مكتوب عليها مثلاً اسم فندق.. هذه علامة على أنها مأخوذة سرقةً.. إذا وجد ملعقة من ذهب ومكتوب عليها اسم فندق في فرنسا مثلاً.. مادامَ هناك علامة فهذه العلامة تؤكدُ لكَ أنَّ هذه الملعقة أُخِذت حراماً ، قال : وإن عَلِمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدرِهِ أخرجَ مِقدارَ الحرام بالتحرّي ، أمّا إذا كان مورّثهُ يعمل مع السلاطين وقد وصلَ إلى علمِهِ أنه لم يأخذ من أموالِهم شيئاً أو أنه أخذَ من مالِهم شيئاً ومضى مدةٌ طويلةٌ وقد أُنفِقَ هذا المال.. أغلب الظن أنَّ هذا الذي ورِثَهُ حلالٌ طيب .
وإن عَلِمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ من الظُلمِ فيلزمه إخراجُ ذلِكَ القدر بالاجتهاد.. أي شخص والده موظف ويعرف أنَّ والده كان مستقيماً ، وعندما كان مستقيماً كان عنده دكان وبيت وبعض الأموال ، ثمَّ شعر أنَّ والده انحرف ، مثلاً بعد انحرافه اشترى سيارة ، صار هناك وضوح هذه السيارة اشتريت من مالٍ حرام ، وهذا البيت وهذا الحانوت من مالهِ الحلال ، أصبح من المُمكن أن يتميّز الحلال من الحرام.
لكنَّ بعض العلماء قالوا : لا يلزمه شيء من ذلك لأنَّ موت صاحب المال يقلِبُ الحرامَ حلالاً - بعضُهم قال هذا - فأنتَ لكَ أن تأخُذَ بالحد الأدنى ، ولكَ أن تأخذ بالحد الأقصى ، لكَ أن تأخذ بهذا القول ولكَ بالورع فتأخذ بإخراج المال الحرام الذي ثَبَتَ لديك من مورّثِك ، لكن إن كُنت لا تعلم من أين أُكتُسِبَ هذا المال يُصبح المال حلالاً.. هذا عن أنَّ التائِبَ لا تُقبل توبته إلا إذا عرفَ نوعَ الظُلامة المالية وأرادَ ردّها إلى صاحِبِها .
كيفية إنفاق المال المغتصب بعد توبة الإنسان :
المشكلة الآن أنكَ عرفتَ أن هذا المال مُعلّقٌ في رقبتِك ولابُدَّ من أن تُنفِقَهُ ، الآن كيف أُنفِقَهُ ؟ الإمام الغزالي يقول : إمّا أن يكون لهذا المال مالِكٌ معيّن فيجبُ أن يُدفع إليه أو إلى وارِثِهِ . لكن العلماء قالوا لبعضهم : إذا كنتَ قد اغتصبت مالاً من شخص من دون أن يعلم في زمن الجاهلية ، وحينما تُبتَ إلى الله عزّ وجل أردتَ أن تُعيدَ هذا المال ، بعض العلماء يقول: لستَ مُضطراً أن تُعلِمَهُ أنكَ اغتصبت هذا المالَ من وراء ظهرِهِ وها قد تُعيدَهُ إليه.. لا.. ، لكَ أن تدفع المال على شكل هدية ، ولكَ أن تدفعه على شكل حوالة بريدية ، ولكَ أن تدفعهُ له من دونِ أن يشعُر ، أي كُنت أنت في مكتبه وتركت محفظة فيها المبلغ وضعتها في الدرج عندما ذهب ليُحضر كأس شاي اختلط المبلغ مع مبلغ الدرج ، لكَ أن تضع المبلغ من دون أن يشعر ، ولكَ أن تُرسلهُ حوالةً ، ولكَ أن تُقدّمه على شكل هدية ، لكنّهُ لابُدَّ من أن يصِلَ إليه أمّا الطريقة هُنا فيها مرونة ، لستَ مُكلّفاً أن تكشِفَ نفسَكَ بعد أن تاب الله عليك وبعدَ أن ستَرَكَ.
إذاً : إن كان هذا المال له مالِكٌ معيّن يجبُ أن يُدفع إليه ، وإذا كان قد توفي إلى وارِثِهِ ، وإذا كان غائِباً تُنتظر عودتِهِ ، فإن أمكنَ إيصالُهُ إليه معك عنوانه يُمكن أن تُوصِلَهُ إليه هو مسافر مثلاً في جدة ولك صديق مسافر إلى جدة فتضع له المبلغ في ظرف وتقول له : الرجاء ابعث بهذه الرسالة إلى هذا العنوان وقُل له من صديق قديم من دون أن تذكر اسمه.. مثلاً .
إذاً : إذا كان حاضراً تدفعه إليه ، مات إلى وارِثِهِ ، غائب تنتظر عودته ، معروف عنوانه توصِلَهُ إليه ، وإن كانت له زيادةٌ ومنفعة أي بيت مؤجّر وأنت كنت قد اغتصبته فتدفع له ثمن البيت أو أوراق الطابو مثلاً أو شيء من القبيل مع الأجرة أو شيء يُمكن أن يُستغل ، أرض استغلّت قدّمت أول سنة ثلاثين ألفاً ، فرضاً للمستأجر النصف أو الربع تدفع له الغلّة أو كل شيء انتفعت بهِ من هذا الشيء المُغتصب ، أمّا إذا كان هذا المال لِمالِكِ غير معيّن وقع اليأسُ من الوقوف على عينِهِ.. لا تعرفه.. ممُكن ، أي إنسان وجد حاجة أمام محل فلو كان ورعاً لسألَ صاحب المحل ووضع إعلاناً لكن أخذها ومضى.. في الجاهلية.. وبعد أن أسلم عَرَفَ أنَّ هذه لقيطة ويجب أن يوضع خبر أو إعلان في أقرب مكان ، هذه اللقيطة لا يُعرف صاحِبُها لها حُكم شرعي يجب أن تُعلن ، وأن تنتظر ، فهو لم يعلم أخذها مباشرةً واستهلكها ، فهذا المال لا يعرف مالِكَهُ ولا يدري أنه مات أو مات عن وارث أم لا ، فهذا لا يُمكن أن يردّهُ إلى مالِكِهِ ، يستطيع أن يتريّث قليلاً حتى يتضح الأمر ، فإذا كان في الإمكان أن يضع إعلاناً متأخراً ، فينتظر شهراً أو شهرين ، ويضع إعلاناً فإذا تعذّرَ الردُّ يُدفع المبلغ صدقةً ، قال : هذا كغلول الغنيمة ، إذا وجد شخص درعاً ثمينة مع الغنائم أخذها وبعدها تاب ، وكان الجيش مثلاً مئة ألف مقاتل ، فهذا الثمن ثمن هذا الدرع يجب أن يُرد إلى مئة ألف إنسان؟!.. مستحيل.. ، في مثل هذه الحالة يُدفع ثمن هذه الدرع التي أُخذت قبل توزيع الغنائم يُدفع صدقةً.
بعضُهم قال : إذا كان هذا المال شيئاً ؛ الغنيمة ما أُخذت عن حربٍ والفيءُ ما أُخِذَ من دونِ حرب ، الذي يُؤخذ من دونِ حرب يجبُ أن يُردَّ إلى مشاريع خيريّة تعود على المسلمين كُلِّهم بالنفع كالقناطر ، كالمستشفيات ، والمدارس وما إلى ذلك ، لكن من يتولى إنفاق هذا المبلغ الذي أُخِذَ من دون حرب وأُخِذَ اغتصاباً ؟ قال : القاضي ، وإن لم يكن فرجلٌ يوثقُ بأمانتِهِ وعلمِهِ يُدفعُ المبلغُ إليه ليُنشئ به مرفِقاً عاماً يعود نفعُهُ على المسلمين ، وإذا تعذّر يتولى هذا المغتصب التائب بنفسِهِ إنفاق هذا المبلغ على المسلمين .
حكم التصدق بما هو حرام :
الآن سؤال مهم جداً : هل يجوز التصدّقُ بما هو حرام ؟ إنسان معه مال مغتصب واستحال عليه معرفة صاحِبِهِ فدفعهُ صدقة ، هل تُقبلُ هذه الصدقة ؟ سؤال مهم :
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
من قال لكَ إنها صدقة ؟ إن أسميّناها صدقة فأجرُها ليسَ لكَ ولكن لِصاحِبِها ، لذلك قال : ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلك غير جائز لكنَّ الرأيَ الأصح والأرجح أنَّ هذا جائز ، والدليل ما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ سُئِلَ عن شاةٍ مغتصبة لا يعرفُ صاحِبُها ، فقال : أطعموها للأسرى ، هذا خبرٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أي تُقيس عليه حاجة إذا كان مبلغاً مثلاً لو أبقيته في جهةٍ فلم يكُن هناك فائدة منه فإذا دفعته للفقراء هذا لا يُسمى صدقة ولا زكاة ولا شيئاً من هذا القبيل إنما يُسمّى وساطة .
وهناك قول آخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن مالٍ سُحتٍ لا يُدرى صاحِبُهُ ، فقال : هذا سحتٌ تصدّق به ، مال حرام لا يُعرف صاحِبُهُ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أن يتصدّقَ بهِ. أي هناك أخ كان يتيماً فورثَ مبلغاً من والِدِهِ وُضِعَ في بعض المصارف ، فلما بلغ أشدّهُ دُفِعَ له المبلغ والفائدة فسألني عن هذا ، قلتُ له : ادفعها إلى جهةٍ فقيرة ولن تُحسبَ لكَ صدقة ولا زكاةً ولا شيئاً إنما هي وساطة ، لو أخذتها ودفعتها إلى جهةٍ مستحقةٍ لكانَ هذا أولَى.
أخذ حاجة ولم يدفع ثمنها ، ولمّا همَّ بدفع ثمنها لم يجد صاحِبَها ، طلبه كثيراً فلم يجده ، فتصدّق بالثمن و قال : اللهمَّ عنه إن رضي وإلا فالأجرُ لي .
سيدنا الحسن سُئِلَ عن توبة الغالّ - الغالّ : هو الذي أخذَ من الغنائم قبلَ أن توزّع- فقال : يتصدّقُ بِهِ.
الآن : القياس أنَّ هذا المال الحرام الذي عثرنا عليه ماذا نفعل ؟ مثلاً عشر ليرات ذهب.. قال : هناك رأيان أحدهما أن تُلقيها في البحر ، هل إلقاؤها في البحر خير أم التصدّق بِها ؟ الرأي الراجح التصدّق بِها ، وإن كانت لا تُسمى صدقة لكن أنتَ وسيطٌ بينَ صاحِبِها وبينَ هذا الفقير فالأجر لِصاحِبِها إن رضي كما قال سيدنا ابن مسعود .
هناك آراء جديدة أنَّ الواحد قد تُحسب له صدقة من دون أن يُريد ، شخص عنده مزرعة وفيها عنب ، والطيور تأكل من هذا العنب من دون أن يُريد ولا يُوافق ولا يشعر ولا يدري، فالنبي الكريم طمأن صاحب هذه المزرعة أنَّ للزارِعِ والغارِسِ أجراً في كُلِّ ما يُصيبُهِ الناس والطيور من ثِمارِهِ وزرعِهِ ، أي حملوا هذا الموضوع على هذا الحديث ، شخص وضع قمحاً على سطح المنزل فالطيور أكلت منه القليل وأنت لا تعلم إطلاقاً ، وأنت تجلس في بيتك فنَقَصَ الوزن حوالي كيلو ، قال : هذا يُحسب لكَ صدقة من دون أن تدري ، طبعاً الحديث يؤكد أن للشخص مالاً مغصوباً ، والذي أخذه تاب ، ولما تاب استحالَ ردّهُ إليه فدفعه صدقة ، فهل يُحسب لصاحب المال الثواب ؟ يُحسب ، قِسناها على هذا الحديث ، إذا كان عنده قمح على السطح وجاءت الطيور وأكلت منها تُحسب له هذه الكمية التي أكلتها الطيور صدقةً .
أمّا قول القائل : لا نتصدّق إلا بالطيّب ، قال : فذلك إذا طالبنا بالأجر لأنفسِنا ونحنُ الآن نُطالب بالخلاص ، هناك فرق إن طالبت بالأجر لا أجرَ لكَ فهذا مال مُنتظر وليس لك ، أمّا إن طلبتَ الخلاص فالخلاص من هذا المال أن تدفعهُ إلى الفقير ، شتّان بين طلب الأجرِ وطلبِ الخلاص.
وقال بعضُهم : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفُسِنا فهو كذلك ولكنه علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنه ، وللفقير حلالٌ إذّ أحلّهُ دليلُ الشرعِ ، أي هذا المال الحرام المُغتصب علينا حرام - على مغتصبِهِ - أمّا للفقير فحلال لأنه بحاجة إليه . حكم المغتصب الذي اغتصب مالاً من مغتصب آخر ثم تاب :
الآن : إذا كان المال مُغتصباً وهذا المال المغتصب أُغتصِبَ مرةً ثانية ، فالمغتصب الثاني هل له أن يُعيدَه إلى المُغتصب الأول ؟ الجواب.. لا.. لأنَّ هذا المُغتصب الأول لم يُعيدّهُ إلى صاحِبِهِ في هذه الحالة تصدّق بِهِ ، أي إذا إنسان مثلاً أخذ مالاً من مُغتصب ثُمَّ تاب عليهِ أن يتصدّقَ بهذا المال لأنَّ المُغتصب لن يُعيدَ هذا المال إلى صاحِبِهِ ، أنتَ كُنْ وسيطاً بينَ صاحِبِهِ الأصلي وبين الفقير ، المُغتصب إذا اغتصبَ مالاً مغتصباً وتابَ من ذنبِهِ عليهِ أن يُعيدَهُ إلى الفقراء ويُحسبُ لِمالِكِهِ الأصلي.
هذا بعضُ الموضوع والموضوع دقيق جداً ، وهذا من أهم الموضوعات ، والإنسان إذا كانت له جاهلية وكان مُتساهلاً في الأمور الآن عَرَفَ كيف الطريق ، عَرَفَ كيف يتوب من المظالم المالية.
* * *
المشاورة :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال الله تعالى :
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[سورة آل عمران : 159]
الإنسان لا يخلو من أن يكون أباً ، أو موظفاً ، أو أخاً أكبر ، لا يخلو أحدكم من أن تكون له وِصايةٌ أو إشرافٌ أو ولايةٌ على من هم دونه ولو كانوا أولاده.
إذاً هذا الموضوع نحنُ جميعاً بحاجة إليه موضوع المشاورة ، فقد أمرَ الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالمشاورة في الأمرِ الذي يحتاج إلى المشاورة ، إذا إنسان أراد أن يشرب كأسَ ماء فهذه لا تحتاج إلى مشاورة ، أمّا إذا أراد شراء محل تجاري يا ترى موقعه مناسب ؟ سعره مناسب ؟ هل عليه مشاكل ؟ هذا الأمر يحتاج إلى مشاورة ، وبالمناسبة ما نَدِمَ من استشار ولا خابَ من استخار ، والمشاورة لأُولي العقولِ من المؤمنين - أُولي الخبرات - والاستخارة لله عزّ وجل .
قال : فإذا عَزَمَ قلبه على الفعلِ وعلى إمضائِهِ بعدَ المشاورةِ فليمضِ وليتوكل على الله سبحانه وتعالى . الحكم المستنبطة من مشاورة النبي أصحابه :
1 ـ تطييب لنفوسهم :
أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُشاوِرَ أصحابَهُ أهلَ الرأي والتدبير في الأمورِ، مع أنَّ عقلهم بالنسبة إلى عقلِهِ الشريف كالسُهى بالنسبة إلى شمسِ الضُحى ، السُهى : نجم ضئيل جداً يكاد لا يُرى بالنسبة إلى شمس الضُحى ، ومع ذلك صاحب العقلِ الذي كشمس الضُحى أُمِرَ أن يستشير صاحب العقلِ الذي كالسُهى.. لماذا ؟ قال : أولاً لِحكمٍ كثيرة أحدُها : تطييبُ نفوسِهم ، الزوج الحكيم يستشير زوجته وأولاده ، والمدير الحكيم يستشير كِبار الموظفين عنده ، وأي إنسان له ولاية على بعض الأشخاص في بعض الأمور يستشيرهُم ، حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ، ومضوا فيهِ كالحرب وأمثالِها ، يكون ذلك عن طيبِ نفوسِهم واختيارِهم ، النبي الكريم استشار أصحابه الكِرام في بدر قال : أشيروا عليَّ يا معشر الأنصار ما قولُكُم ؟ قال أحدهم- سيدنا سعد- لكأنكَ تعنينا ؟ قال : نعم ، قال : يا رسول الله لقد آمنا بِكَ وصدقّناك وشهدِنا أنَّ ما جِئتَ بهِ هو الحق فامضِ بِما أراكَ الله ، نحنُ معك لن يتخلّف منا رجلٌ واحد ، إنّا لصُبرٌ في الحربِ ، صُدقٌ عندَ اللقاء ، فحارب من شِئت وسالم من شِئت ، وعادِ من شِئت ، وخُذ من أموالِنا ما شِئت ، فو الذي تأخذُهُ أحبُّ إلينا من الذي تُبقيه ، فامضِ على بركة الله... النبي الكريم شاور أصحابه في هذه المعركة ، طيّبَ قلوبهم ، رفع من مكانتهم، أشعرهم بقيمتهم ، عرّفهم بمهمتِهم.
2 ـ الاستظهار برأيهم :
ثانياً : الاستظهار برأيهم : بمعنى أنَّ رأيهم الموافق لرأيهِ صلى الله عليه وسلم يزدادُ به النبي الكريم قوةً ، خطَرَ في بالِكَ خاطر فسألت أخاً مُخلصاً فقال لك مِثلَ ما خَطَرَ في بالِك فتتأكد أنت وتتقوى ، تتأكد من صِحة رأيك ، إن كان لكَ رأيٌ سديد واستشرت إنساناً آخر وأشار عليك بما أنتَ قد فكرت فيه فهذا مما يزيدُ رأيكَ صلابةً وقوةً وقناعةً ، إذا أمضيتهُ تُمضيهِ عن ثِقةٍ أشد ، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ وعُمر : لو اجتمعتُما في مشورةٍ ما خالفتُكُما .
3 ـ أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ :
الحكمة الثالثة : أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ .
فقد عَلِمَ الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ، ولكن أرادَ أن يستنَّ المسلمون من بعدِهِ هذه السُنّة الطيبة ، أن تطلُبَ الاستشارة ، وقد رُويَ :
((عن ابن عباس قال : لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ، ومن تركها لم يعدم غيا))
الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة . 4 ـ في المشاورةِ تقدير للمستشار واعتبار لمنزلِتِهِ :
الحِكمة الرابعة : أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتباراً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر، وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً ، وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً ، بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين ، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين ، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين ، فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه :
(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
5 ـ في المشاورة استعراض للآراء :
الحِكمة الخامسة : أنَّ في المشاورة استعراضاً للآراء ، أحياناً تسمع رأي اثنين وثلاثة وأربعة مختلفين وكل رأي يلفت نظرك إلى جِهة لم تكُن في بالِك ، هذا التصرف مُفيد لكن له مضاعفات سيئة من هذه الناحية ، فالمشاورة تُقلّب لكَ الرأي على كُلِّ وجوهِهِ ، تعرض لكَ الوجه الطيب والصورة السيئة ، النواحي الإيجابية والنواحي السلبية ، عن عائشة رضي الله عنها قال :
((عن عائشة بلفظ : إن المشير معان والمستشار مؤتمن فإن استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه ))
[رواه القضاعي عن عائشة]
إنسان له عقل استعار عشرة عقول من دون مقابل ، عوّد نفسكَ أن تستشير في كُل قضية ، اسأل عقلاء ، اسأل خبراء ، اسأل أُولي خِبرة ، اسألهم سؤالاً ، هل أشتري هذه الحاجة ؟ هل أشتري هذا البيت ؟ أحياناً هناك بيت عليه قص يكون ثمنه خمسمئة ألف فيُباع بـأربعمئة و خمسين فتجده فرصة ، اسأل.... وجدَ عليه قص فتمَّ تسعيره بمئة ألف ذهبت عليك الأربعمئة ألف ، فالإنسان يسأل في شِراء بيت ، أو في زواج ، أو في أي نشاط له مضاعفات ، المستشير مُعانٌ والمُستشار مؤتمن فإذا أُستُشيرَ أحدُكم فليُشر بما هو صانعٌ لِنفسِه ، في بعض الآثار يقولون : " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أُمورِكُم بالمشاورة" صفات المستشار :
العلماء بيّنوا أنَّ المستشار يجبُ أن يكونَ أميناً على الاستشارة ، محترماً ، ناصحاً، ثابِتَ الجأشِ ، غيرَ معجبٍ بنفسِهِ ، ولا متلوّناً في رأيِهِ ، ولا كاذباً في مقالِهِ ، متغالياً في محبة الأمرِ المُستشار فيه ، ولا متجرّداً عن الدنيا فإنه لا يُستشار في أمر الدنيا لعدم معرفتِهِ .
أردت أن تعمل في التجارة فذهبت وسألت ابن عمٍ لك موظف وهو بعيد عن التجارة بعداً شديداً ، ولا يعرف شيئاً في التجارة ، يجب أن تسأل إنساناً في المصلحة نفسها ، في السوق نفسه ، في الموضوع ذاته ، أمّا إذا سألت إنساناً صاحب دين لكن لا توجد لديه الخِبرة فلن يفيدك إذاً يجب أن تبحث عن الخبير المؤمن ، لو كان خبيراً غير مؤمن ، قال لي أخ أراد أن يعمل بعمل متعلّق بالحلويات : ذهبَ وسأل فأول محل أجابه بأنَّ هذه المصلحة مُفقرة وناشفة وغير طعامك لا تُحصّل ، أقسم بالله أنه سأل أربعة محلات فأعطوه أخباراً سيئة جداً ، أنا أعرف أنَّ هذا الكلام له غرض ، وأنَّ هؤلاء يربحون أرباحاً طائلة ، وأنَّ هذا الكلام لِئلا يدخل أحدٌ جديد على هذه المصلحة ، أرسلته إلى أخ مؤمن في المصلحة نفسِها وقُلتُ له : استشر فُلاناً ، فكان الجواب بالعكس ، قال له : هذه مصلحة جيدة ، وأرباحُها جيدة ، وطلبُها ثابت ، وموادُها الأولية متوافرة ، والعملية بسيطة ، المؤمن أشار بما هو صانِعٌ لنفسِهِ أمّا المُشرِك الذي رأى أنَّ هذا سوف يُخلّصهُ رِزقهُ.. هذا إشراك بالله عزّ وجل.. فأعطى معلومات مغلوطة ، فلذلك إيّاكَ أن تستشير فاسقاً أو منافقاً أو مُشرِكاً ، وإيّاكَ أن تستشيرَ جاهلاً ، لابُدَّ من صفتين تجتمعان في المُستشار : الخِبرةُ والأمانة :
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[سورة القصص : 26]
وإيّاكَ أن تستشيرَ بخيلاً ، مثلاً تسأله بطبع كروت للمحل يقول لكَ : لا ليسَ هناك حاجة ، فالبخيل يُشير عليك بما لا ينفعُكَ.. هذه قاعدة ، وعن أبي مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( المستشار مؤتمن وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت ، فإن تكلّم فليجتهد رأيه))
[المقاصد الحسنة فيما اشتهر عن الألسنة عن أبي مسعودٍ ]
أحياناً تُستشار بشيء لو أنكَ أشرتً بما تعرف للحِقَكَ من هذه الاستشارة ضرر كبير.. حالات نادرة.. سألَكَ هل أفعل هكذا ؟ فلكَ أن تسكُت ، أمّا إذا تكلّمت فيجب أن تنطق بالحق ، ولكَ أن تسكُت ، أحياناً بالتجارة ، والتجارة سِر ، أحياناً تكون أنت تعمل بمصلحة ما و قد اشتريت ما يلزمك وسألكَ إنسان ليشتري مثلما اشتريت ، فإن نصحتهُ بعدم الشراء - لا تشتر أنا اشتريت مثلها - فيُمكن أن يظُن عكس ذلك ، أحياناً الكلام له مضاعفات ، وفي حالات نادرة وقاهرة وحساسة لك أن تسكُت ، لكنكَ إذا تكلمت لا ينبغي أن تقول إلا الحق ، أمّا هُناك أُناس ينصحونكَ بشيء خِلاف مصلحتك ، تاجر ناشئ سوف يُزاحِمُكَ على هذه المصلحة وسألَكَ بنفسٍ رضيّة وطيبة فأشرت عليه بنوع من البضاعة غالية الثمن وليست لها طلب إطلاقاً ، واشترى كميات كبيرة ووضعها في المستودع ، ولم تُباع معه فجعلته يُفلّس ، كُل رأسُ مالِهِ وضعه في هذه المصلحة ولم تُباع معه ، أنت في هذه الطريقة أخرجته من المصلحة.. هذه خيانة.. ، أي إذا كان هُناك حالات قاهرة فيها حرج أباح لكَ الشرع أن تسكُت ، أمّا أن تقول غلطاً فهذه خيانة.
قال : شاهد على أنَّ الإنسان أحياناً يحقُ له أن يمتنع عن إعطاء رأي ، طالب سألك على أن يدرس هذا الموضوع وأنت قد وضعت السؤال ، إذا قُلت له : لا تدرسه فهو سيأتي في الفحص فتكون قد ضللته ، وإن قُلت له بأن يدرسه وجاء في الفحص وقال الطالب أنا أخذت من الأستاذ السؤال فسوف يُدمِرُكَ... هذه ليست استشارة... تقول له : لا أعرف ، حيث أنك تمتنع عن إبداء الرأي ، أمّا إن تكلّمت فليس لك الحق أن تُضلله ، فأكثر الناس الآن في الاستشارة إذا كان له مصلحة في الموضوع يُضللهُ ، هذا المنزل مثلاً نفسهُ فيه فيجعله يكره المنطقة كلها ، فكُل إنسان يُشير خِلاف ما هو صانع لِنفسه فقد خانَ صاحِبهُ.. الاستشارة أمانة.. لكن هناك حالات مُعيّنة تستطيع أن تمتنع عن إعطاء الرأي أكثرُ هذه الحالات في التجارة ، وبعضُها في التعليم ، وبعضُها في القضاء.
إذاً : المستشار مُؤتمن وله في حالات نادرة أن يمتنع عن إعطاء رأي فيما لو كان في هذا الرأي إضرار بالغ للمستشار. على الإنسان أن يبدأ بالاستشارة ويختم بالاستخارة :
آخر حديث : يقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار))
[ الطبراني عن أنس]
إلاّ أنَّ العلماء ارتؤوا أن تـُقدّمَ الاستشارةُ على الاستخارة . ضع في ذهنك أنكَ قبل أن تُقدِمَ على عملٍ ما تبدأ بالاستشارة ، والمستشار يجب أن يجمع بينَ شيئين الخِبرة والأمانة ، الخبرة في الموضوع ، والأمانة بأوسع معانيها الدينية ، بمعنى أنه لن يقول لكَ إلاّ الحق ، إن عثرت على مِثل هذا الإنسان استشره ، فإذا أشارَ عليكَ أن افعل هذا الأمر عُدْ إلى الله عزّ وجل واستخرهُ ، صلِّ ركعتين وقُل : يا ربي إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاقدرهُ لي ويسّرهُ لي ، وإن كان خِلافَ ذلك فاصرفني عنه واصرفهُ عني واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كان ، الإنسان في هذا الدعاء مع التوجّه الصادق ، مع الإقبال ، مع الركعتين المُخلصتين ، لعلَّ الله عزّ وجل يُريه مناماً أو يشرح صدرهُ أو يقبِض صدرَهُ.
على كُلٍ تبدأ بالاستشارة وتختم بالاستخارة ، الاستشارة لأصحاب الخِبرةِ من المؤمنين الصادقين الأُمناء ، والاستخارة لله عزّ وجل ، ولكن من أجل أن تعرف الحقيقة لا استشارة ولا استخارة في المحرّمات ، فقط في المباحات ؛ في الزواج ، في التجارة ، في السفر ، في هذه الموضوعات المُباحة هناك استشارة وهناك استخارة ، لكن إنساناً أراد أن يستشير شخصاً في شُرب الخمر مثلاً ليست واردة.. أو بأكل مال حرام ، أو برشوة ، أو باغتصاب منزل مثلاً ، يقول : والله لنأخذ رأي إنسان مؤمن !! هذا كلام مُضحك ، لا استشارة ولا استخارة في المُحرّمات بل في المباحات وليست المباحات مثلاً تناول طعام الغذاء.. أخي هل آكل؟ .. هذه أشياء تافهة.. الاستشارة في المباحات التي لها مضاعفات ، أي لها توابع ، الزواج له توابع ، التجارة لها توابع ، إنشاء معمل صغير له توابع ، كان معك مئة أصبحوا آلة.. تجمدوا.. إذا لم يكن الأمر قد تمّت دراسته بشكل جيد فتكون قد أضعت رأس مالِك في آلة ليس لها ثمن ، أصبحت كتلة حديد ، فالاستشارة في المباحات والاستشارة قبل الاستخارة ، والمستشار يجب أن يكونَ من أصحاب الخِبرةِ ، من عقلاء المؤمنين .

السعيد 09-10-2018 05:32 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الستون )

الموضوع : اداب الالفة - المعاشرة








الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الألفة :
أيها الأخوة الأكارم ، من إحياء علوم الدين بدأنا بمجموعة أبواب في الآداب الإسلامية ، فكنا قد بدأنا بآداب الأكل وأمضينا فيها وقتاً طويلاً ، ثم انتقلنا إلى آداب الكسب والمعاش ، وانتقلنا منه إلى باب الحلال والحرام ، وها نحن نصل إلى آداب الألفة أي المعاشرة ، التعامل اليومي ، والإمام الغزالي رضي الله عنه يعقد باباً مطولاً يتحدث فيه عن آداب الألفة ، التعامل فيقول : " اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق ، أي حسن الخلق ثمرته الألفة ، والتفرق ثمرة سوء الخلق ، أي سوء الخلق يؤدي إلى التفرقة وحسن الخلق يؤدي إلى المودة ، لذلك المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد :
(( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[ مسلم عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ]
قال تعالى : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 63]
أي بين المؤمنين علاقات متينة وشيجة لا يعرفها إلا من عاينها ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف ، لأن كل مؤمن بأخلاقه الفاضلة يجذب أخاه، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام في نزهة قال أحدهم :عليّ ذبح الشاة ، قال الثاني : عليّ سلخها ، قال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب.
أي كل إنسان يبذل لأخيه الإنسان ما في وسعه ، هذا البذل يسبب ألفة ، ما تفسير الألفة بين المؤمنين ؟ لو حللت هذه المودة تحليلاً علمياً أي إذا جاء عالم نفس أو عالم اجتماع ليحلل أسباب المودة البالغة بين المؤمنين تحليلاً علمياً يجد أن الأخلاق الفاضلة ، الخلق الحسن الذي يتحلى به المؤمن هو سبب المودة ، ربنا عز وجل خلقنا على فطرة سليمة ، وخلقنا على فطرةٍ عالية ، وكل منا يحب مكارم الأخلاق . الفرق بين محبة مكارم الأخلاق و بين التحلي بها :
بالمناسبة فرق كبير بين أن تحب مكارم الأخرق وبين أن تكون متحلياً بمكارم الأخلاق ، قد تحبها ولست متحلياً بها ، فكل مخلوق على وجه الأرض يحب مكارم الأخلاق ، إذاً مكارم الأخلاق سبب هذه المودة ، سبب هذه العلاقة الوشيجة ، العلاقة المتينة ، تحس أن بين المؤمنين علاقةً لا يفصمها شيء ، لا يضعفها شيء ، لا يوجد غيبة ، بعض الأخوة الأكارم لهم سهرة أسبوعية مضى عليها سبعة عشر عاماً كل ثلاثاء في بيت واحد ، بعد هذه الأعوام الطويلة طرح أحدهم سؤالاً قال: ما سبب دوام هذه الألفة ؟ وطلبوا الإجابة للجلسة القادمة فقد أجمع الأخوة على أن عدم الغيبة وعدم دخول النساء فيما بينهم سبب هذه الألفة ، المرأة تفرق ، إذا دخلت مجلساً تفرق هذا المجلس ، قد ينظر الزوج إلى زوجة صديقه نظرةً تسبب الحمق لزوجها ، وقد تنظر الزوجة لصديق زوجها نظرةً تسبب الغيرة ، لذلك إذا دخلت المرأة في مجلس تقطع ما بين هؤلاء من صلات .
أي المجتمع المسلم مجتمع متماسك ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ، المجتمع الكافر مجتمع مفتت ولو بدا لك أنه مجتمع قال تعالى :
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة الحشر: 14]
ثمار الخلق الحسن :
من ثمار الخلق الحسن هذه الألفة التي بين المؤمنين ، من ثمار الخلق السيئ هذه التفرقة بين الناس ، هذا ملخص الفصل ، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، أي على مستوى إذا ممكن الخلق الحسن يقاس بوحدات ، الآن يقيسون الضجيج ، يقيسون الزلزال بوحدات ، من أيام قاسوا الإشعاع النووي بوحدات قال : أربعمئة وخمسون وحدة قاتلة هذه الأشعة، وجدوا في ألمانية مئة وخمسين وحدة ، فالإشعاع يقاس بوحدات ، والضجيج يقاس بوحدات ، فإذا أمكن أن نقيس الخلق الحسن بوحدات ، إذا كان مستوى خلق هذا الإنسان الحسن سبعين بالمئة فالمودة بينه وبين الناس سبعون بالمئة ، ثمانون ثمانون ، تسعون تسعون ، مئة بالمئة تكون مئة بالمئة ، أي على قدر ما يتحلى الإنسان بالخلق الحسن على قدر ما يتمتع بعلاقات متينة جداً وحميمة جداً مع بقية الناس ، إذاً محبة الناس لك ثمنها أن تكون ذا خلق حسن ، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ، الكلمة الطيبة أحياناً تثمر عملاً طيباً .
حدثني أخ كان صغيراً دخل إلى مسجد ليصلي ، خرج من المسجد فافتقد حذاءه لاحظه رجل وقور ، صالح ، خير ، فاشترى له حذاءً فقال لي : أغلب الظن أن سبب حفاظي على صلاتي منذ الصغر هذا التصرف الأخلاقي من هذا الرجل ، أي الخلق الحسن ، لعل كلمة طيبة تنقذ بها إنساناً ، لعل موقفاً فيه تسامح تجعل إنساناً يتوب إلى الله عز وجل ، لعل موقفاً فيه حلم تجعل إنساناً يتعرف إلى الله يقول : هكذا الإسلام ، هذا الإيمان ، فالإنسان لا يدري كم نتائج الخلق الحسن كم هي باهرة ، أي ما الذي جعل الناس من كل حدب وصوب يذهبون إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وخمسمئة عام ؟ خلقه الحسن ، ما من مسلم إلا وقرأ عن خلقه الحسن ، يتصور تواضعه ، تسامحه ، عدله ، كرمه ، خدمته ، حبه لأصحابه، إخلاصه لهم ، حبه لهم ، ترفعه عن نقائصهم ، يتولد في قلبه محبة لهذا النبي الكريم .
مهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، وحسن الخلق لا تخفى فضيلته في الدين ، أي يكاد يكون الدين حسن خلق ، حتى لا يظن إنسان أن الدين صوم وصلاة ، الدين ليس صوماً وصلاة فحسب ولكنه خلق حسن ، إذا قلت لي ما الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ؟ قد تقول الصلاة ، لا من شاء صام ومن شاء صلى ولكن الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن خلقه الحسن ، ورعه ، عفافه ، استقامته ، أمانته ، صدقه ، لا يكذب ، لا يخون ، لا يتعدى ، لا ينظر إلى ما ليس له وما لا يحل له ، وقد مدح الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام فقال :
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم : 4]
تقوى الله وحسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة :
من علامات قيام الساعة أن قيمة الرجل متاعه ، أي في آخر الزمان الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من نوع سيارته ، من موقع بيته ، من مساحة بيته ، من حجم محله التجاري، من دخله ، من ضعف القيم الأخلاقية في آخر الزمان أن الذي يرفع الناس فيما بينهم متاعهم، دخلهم ، غناهم ، ومما يرفع الإنسان في المجتمعات المؤمنة خلقه الحسن ، لذلك : ((ذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))
[الترمذي والبيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني]
قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال : 73]
كلمة وإنك لعلى خلق عظيم وحدها تكفي ، الله سبحانه وتعالى ما وصف النبي بالغنى ، يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره ، ما يقدح من مكانة الإنسان فقره ، ولا يقدح من مكانة الإنسان بيته الصغير، ولا يقدح من مكانته عمله المتواضع ، ضارب آلة كاتبة معه بكالوريا قد يكون عند الله عظيماً بأخلاقه الفاضلة ، قد يكون عند الله أعلى بمئات الألوف من البشر التافهين ، لا يقدح في قيمتك إلا الخلق السيئ ، وإنك لعلى خلق عظيم قالوا : يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ بحياته ما سحب يده من مصافح ، بحياته ما تحرك حركة في بيته ، انصرف يا أخي عندي عمل ، بحياته ما رئي ماداً رجليه قط ، ما عاب طعاماً قط ، قالت : إنها قصيرة ، قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، كلمة قصيرة ، أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، أي لو تخيلنا إنساناً يصلي الضحى والأوابين وقيام الليل والتهجد ويصوم الاثنين والخميس ، ويتصدق فوق الزكاة عشرة أمثال الزكاة ، وقلبه قاس ، وكلامه فظ ، هذا يقدح في إيمانه ، قال تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[ سورة آل عمران : 159]
لا يرفعك عند الله إلا الخلق الحسن ، لذلك روى الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن : (( إن أحسن الحسن الخلق الحسن ))
[ القضاعي عن الحسن بن علي]
أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، وقال أسامة : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ الذي عنده فندق دخله باليوم مئة ألف ليرة قال : عنده فندق مؤلف من أربعين طابقاً خمس نجوم طوال العام محجوز ، هذا أوتي مالاً كثيراً ، النبي الكريم يقول : ((عَنْ أُسَامَةَ... قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ ؟ قَالَ : خُلُقٌ حَسَنٌ ))
[ الترمزي عَنْ أُسَامَةَ]
الذي عنده أرض تضاعفت مئة ضعف ، اشتراها بخمسة آلاف وباعها بخمسمئة ألف ألم يؤتَ هذا الإنسان شيئاً ؟ الخلق الحسن أثقل من هذا . الخلق الحسن أثقل ما يوضع بالميزان :
وقال صلى الله عليه وسلم :
(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وفي رواية أخرى : (( إنما بعثت معلماً ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمرو ]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( أثقل ما يوضع بالميزان الخلق الحسن ))
[ الترمذي عن أبي الدرداء]
و ما حسن الله خَلق امرئ وخُلقه فيطعمه النار ، أي إذا إنسان تفضل الله عليه بخلق حسن معنى ذلك أن هذا مقرب منه ، متصل به، ما من إنسان تحلى بخلق حسن إلا وله صلة بالله عز وجل ، فهذا الذي له صلة بالله هل يعقل أن يدخل النار ؟!
وقال النبي عليه الصلاة والسلام : (( يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق ))
[لبيهقي في الشعب من رواية الحسن عن أبي هريرة ]
حدثني أخ اليوم كان بالحج مع رجل من أهل الصلاح والتقى ، و هم جالسان في خيمة نظيفة جداً ، ومرافقها نظيفة جداً ، دخل إنسان طائش بعيد عن الخيمة ، وقضى حاجة بشكل غير لائق فما رأوه ، اتهم بعضهم بعضاً بهذا العمل السيئ ، فكادت تنشب بينهم مشكلة فقام هذا الرجل الصالح وقال : أنا ، وبادر لينظف هذا المكان ، طبعاً ما سمحوا له ، ولكن الإنسان الطيب بخلقه الحسن يؤلف ولا يفرق ، يقول لي هذا الرجل لا أنسى له هذا الموقف ما حييت ، مضى على هذا الموقف أكثر من ستة عشر عاماً ولا ينسى هذا الموقف ، حتى يحل مشكلة فاتهم نفسه بهذا المشكلة ونهض لينظف هذا المكان .
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما كان مع أصحابه الكرام في وليمة ، توضأ أصحابه وصلوا الظهر ، بين الظهر والعصر بدت رائحة كريهة حينما أذن العصر قال عليه الصلاة والسلام :" كل من أكل لحم جزور فليتوضأ ، قالوا : كلنا أكلنا هذا اللحم ، قال : كلكم فليتوضأ " هذا الوضوء ستر لحال هذا الذي انتقض وضوءه .
كان إذا دخل بيته عليه الصلاة والسلام لف ثوبه لئلا يزعج أهل البيت ، كان له كلام أحلى من العسل ، أرسل خادماً وغاب غيبةً طويلة فغضب النبي عليه الصلاة والسلام فلما حضر قال عليه الصلاة والسلام : " لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك " هذه أقسى كلمة قالها في حياته صلى الله عليه وسلم قال : ((أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ مَنَعَكَ ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ ))
[ أحمد عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيه]
أن تصل من وصلك هذا ليس من حسن الخلق ، هذا خلق عامة الناس إذا وصلته يصلك ، لكن حسن الخلق أن تصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك، إذاً ثمرة حسن الخلق الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة ، قال تعالى : ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 63 ]
المودة بين المؤمنين من علامة إيمانهم :
الآن من علامة الإيمان بين الأخوة المودة بينهم ، أي إذا رأيت أن هناك مودة كبيرة بين المؤمنين فهذه بشارة طيبة لهم جميعاً ، كأن الله يرضى عنهم ، يد الله مع الجماعة ، يد الله على الجماعة ، وإن كان بينهم خصومات ، وشقاق ، وحسد ، وغيبة ، ونميمة ، فالله سبحانه وتعالى يمقتهم أهكذا أنتم ؟ أهكذا دينكم ؟ أهكذا الاستقامة ؟ قال تعالى :
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
[ سورة آل عمران : 103]
فالأخوة الصادقة نعمة كبرى يتمتع بها المؤمنون ، ولا يعرفها إلا من فقدها ، لذلك أهل الدنيا إذا ذهبوا إلى نزهة لابد من أن ينشب الخصام بينهم ، إذا ذهبوا إلى رحلة ، إذا تخالطوا في شركة ، إذا تجاوروا دائماً الخصومات والسباب والشتائم والتدابر والتقاطع هو الشيء السائد بينهم ، المؤمنون المودة ، والتعاطف ، والخدمة ، والمحبة ، ومراعاة الشعور ، أسمع أحياناً قصصاً عن سكان بناء بمنتهى المودة ، بمنتهى التعاطف ، والله أشعر بسعادة لا توصف نحن بخير ، إن رأيت أن هناك تعاطفاً بين الناس ، أن هناك مودة بين الناس ، أن هناك أعمالاً طيبة فيما بين الناس أشعر أننا بخير ، وأن الله لن يعذبنا ، قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 33]
بعضهم فهم هذه الآية فهماً دقيقاً وأنت فيهم ما دمت بين ظهرانيهم لن يعذبهم الله عز وجل ، المعنى الآخر مادامت سنتك فيهم ، في أعمالهم ، مادامت محبتك في قلوبهم ، هذه واحدة ، المعنى الثالث سنتك الطاهرة فيهم أي مطبقة فيهم ، إن كانت سنتك مطبقة فيهم فلن يعذبهم الله عز وجل ، أي إذا كان هناك تعاطف ، أحياناً ترى تعاوناً ، إنسان له ابن يحتاج إلى عملية جراحية طرق باب رجل ميسور الحال قال له : تكلف ستين ألفاً ، قال له : ولتكن امش بالمعاملة ، العملية أجريت في إنكلترا ، وهذا الذي دفع هذا المبلغ أقسم بالله العظيم أن أرباحه في هذا العام تضاعفت ، فدفعهم دفعة واحدة .
أعرف أخاً أيضاً حالته المادية ميسورة عنده موظف يتقاضى ألف ليرة أصيب بمرض خطير جداً ، هبوط مفاجئ في عمل الكليتين سأل فقالوا له : تكلف العملية سبعمئة ألف، فأرسله إلى أمريكا وأرسل معه مرافقاً وبقي هناك ثلاثة أشهر وأجريت له العملية ونجحت وبعد عشرة أيام توفي ، لكن هذا الذي دفع هذا المبلغ له عند الله مكانة لا يعلمها إلا الله ، تحقق الهدف أنه كشف على حقيقته ، موظف فقير عنده لا يملك شيئاً ، الأعمال الطيبة تسبب سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .
أحياناً يرى فقيراً يعطيه نصف ليرة ويظن نفسه أنه عمل عملاً جديداً ، العمل الطيب أن تحل مشكلة كبيرة لإنسان ، مشكلة كبيرة تحل حلاً جذرياً ، هذا هو العمل الطيب ، هذه القروش مقبولة قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة : 7]
وقد تكون هذه النصف ليرة من طفل صغير هي عند الله أكثر من مئة ألف ليرة إذا والده أعطاه ليرة ووجد فقيراً أعطاه نصف ليرة هذه عند الله أكثر من مئة ألف ليرة ، رب درهم سبق مئة ألف درهم ، أما إذا إنسان ميسور الحال أعطى نصف ليرة لفقير يحاسب على قدر ماله لا على قدر هذا المبلغ ، يقول لك : الله شفاني سوف أوزع كيليين خبزاً ثمنهم ليرتان ، كأنه عمل عملاً كبيراً على نية الشكر لله فقط كيليين خبز بليرتين ، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة آل عمران : 103]
المؤمن يؤلف ولا يفرق :
لذلك ليس منا من فرق ، ما قولكم بهذا الحديث ؟ نفى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الإنسان الانتماء إلى دين الإسلام ، الذي يفرق بين أخوين ، بين شريكين ، بين زوجين، بين أم وابنها ، بين أخ وأخيه ، بين جارين ، بين مؤمنين ، بين صديقين ، بين مسافرين ليس منا ، المؤمن دائماً يؤلف ولا يفرق بكلامه الطيب ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا ))
[متفق عليه عنِ الأَعْمَشِ]
ألا يطمح أحدنا أن يكون له مكانة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هذا المكان القريب لا تناله إلا بحسن الخلق ، إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً .
مرة قال صلى الله عليه وسلم : " أول من يمسك بحلق الجنة أنا - لا يوجد إنسان يدخل الجنة قبل النبي عليه الصلاة والسلام ، أي إن صحّ التعبير هو الذي يقص الشريط الحريري ويدخلها - فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فلم تتزوج من أجلهن "
طبعاً هذه كناية لطيفة من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون))
[رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
من تعريفات النبي الكريم الجامعة المانعة للمؤمن أنه يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، يألف ويؤلف أي لين العريكة ، سموح ، سهل ، لا يعقد الأمور ، اعتذر منه ومشي الحال ، وعدك ولم يأت نسيت هون عليك طالما يوجد محبة ، الأكل ما كان جاهزاً لا بأس يصلي ركعتين ريثما يجهز الطعام ، أما الكافر فلا يألف ولا يؤلف : ((إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ وَلا يَقْرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلا هَجْرًا وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا دَبْرًا مُسْتَكْبِرِينَ لا يَأْلَفُونَ وَلا يُؤْلَفُونَ خُشُبٌ بِاللَّيْلِ صُخُبٌ بِالنَّهَارِ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً سُخُبٌ بِالنَّهَارِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أما الكافر ففظ غليظ ، فاحش بذيء ، مستعل ، المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . أثمن عطاء في الدنيا أن يكون للإنسان أخ في الله :
من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، أثمن عطاء في الدنيا أن يكون لك أخ في الله ، العصر ما صلينا جزاك الله خيراً ، نريد أن نزور فلاناً لأنه مريض ، ما رأيك أن نأخذ له هدية ؟ إذا نسيت يذكرك ، وإذا ذكرته يعينك ، إذا كان الإنسان مريضاً وأخذت له هدية أجمل ، إنسان جاء من الحج ، من العمرة ، تزوج ، نزوره ونأخذ له هدية أفضل ، فإذا أنت نسيت يذكرك وإذا ذكرته يعينك ، من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، أي إذا إنسان له في الحياة الدنيا أخ مؤمن يحبه لله ولا يحبه إلا لله وليس هناك مصلحة ولا قرابة ولا نسب ، هذا الأخ أكبر ثروة في الدنيا ، قال لي أخ: إنسان له بضاعة في مكان واضطر أن ينقلها نقلاً سريعاً خلال ساعات إلى مكان آخر ، ساكن في بناء وهناك مودة بالغة ، طرق على باب جيرانه بساعة متأخرة من الليل بذلوا له كل جهدهم وساعدوه ، يقول لي : والله لا أنسى هذا العمل ما حييت ، هذا العمل الطيب يمتن العلاقة ، احياناً تعمل مع أخيك عملاً لا ينسى لك هذا العمل ، تعيش أربعين سنة وترى مودة بالغة بينكم بفضل هذا العمل ، تذهب إلى مدينة مثل لندن أو طوكيو فيها ثمانية عشر مليوناً ، القاهرة فيها عشرة ملايين أشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً ، لماذا التدابر ؟ لأن النظرة المادية طاغية .
قال لي إنسان : ذهبت إلى لندن وفي أحد شوارعها المزدحمة رأيت عن بعد امرأة قد وقعت ، متقدمة في السن ، أقسم لي أنه مرّ أمامها ما يزيد عن مئتي رجل ولم يلتفت إليها أحد ولما وصل أمسك بيدها ليوقفها أو ليأخذها إلى بيتها قالت لي : أنت لست من هذا البلد ، عرفت أنه غريب .
أجروا في فرنسا تجربة لاختبار الدافع الإنساني أحضروا سيارة أجرت حادثاً وضعوها على طريق ليون باريس هذا أكثف طريق ، كثافته شديدة وإنسان اضطجع أمام هذه السيارة ووضعوا عليه حبراً أحمر بعد ست ساعات توقفت سيارة واحدة لإنقاذ هذا الجريح فأشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً .
تصور حياة أجدادنا لم يكن هناك كهرباء ، ولا بيوت فخمة ، الثريات الفخمة ، ورق الجدران ، الأرض والسجاد العجمي مثلاً هذه الديكورات ما كانت موجودة ، ولكن كان هناك محبة ، وتعاطف ، وأنس لا يوصف ، الآن فخامة ما بعدها فخامة ، بذخ ما بعده بذخ ، أناقة، نظافة ، ترتيب ، تزيينات لكن هناك تقاطعاً وتدابراً ، عنده غرفة ضيوف ليس لها مثيل لم يدخل إليها ضيف بالسنة ، تدابر ، كل إنسان يعيش لوحده ، أخان متقاطعان من أب وأم ، عديلان ، صديقان ، لا يعرف من ساكن فوقه ، مرة دخلت إلى بناء وأعطاني العنوان مواجه الكوى سألت قال لي : في الطابق الفلاني ، لما صعدت إلى البناء نسيت كم طابقاً قطعت طرقت باباً قالوا : لا نعرفه ، فكان هو يسكن فوقهم من عشرين سنة ، ما خطر ببالهم أن يعرفوا اسم جارهم ، أربعون جاراً على اليمين ، وأربعون جاراً على اليسار ، وأربعون شمالاً ، وأربعون جنوباً ، وأربعون فوق ، وأربعون تحت ، ست جهات ، والله يسأل عن صحبة ساعة .
مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، هذا التماسك والتعاطف ، و ما التقى مؤمنين قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً ، إذا التقى مؤمنان لابد من أن أحدهما يستفيد من صاحبه ، يكون الأول ذاكراً الله عز وجل ، حالته طيبة ، يصافحه يوجد حرارة إيمان ، الثاني يغار والله يجب أن أكون مثله ، يبلغه أن الثاني قد صلى قيام الليل يغار منه ، منافسة في طاعة الله ، أحياناً يقول له : سمعت تفسير آية وتكون الآية لها معنى دقيقاً وتحل مشكلة لهذا الإنسان ، فأي لقاء بين مؤمنين قد يكون لقاء نفسياً ، لقاء عرضياً ، لقاء مقصوداً ، لقاء غير مقصود ، لقاء علمياً ، أي لقاء بين مؤمنين لابد من أن أحدهما يستفيد من الآخر .
(( من آخى أخاً في الله رفعه الله درجةً في الجنة لا ينالها بشيء من عمله ))
[ابن ابي الدنيا في كتاب الاخوان من حديث انس]
أنا أتمنى عليكم لا يوجد عندي إمكانية أن أعرف بالضبط من لم يحضر اليوم ، أما إذا كل واحد آخى آخر ، فلان مريض يجب أن نزوره له حق علينا ، فلان مسافر ، فلان يشكو من مشكلة ، فهذا الأخ إذا آخى أخاً وتعاون هو وإياه فهذا شيء جميل ، فكل واحد يختار أخاً في الله يكون هو ولي أمره إذا غاب ، وإذا أراد أن يأتي هل تحب أن نذهب معاً ؟ إذا كان الثاني متكاسلاً لما جاءه هاتف استحيا ، وما كان ينوي أن يأتي ، صار ترابطاً إذا غاب فوراً عن الدرس ذهب وتفقده ، عندما انطرق الباب معنى هذا أنني مهم إذا ما جئت إلى الدرس ، خير إن شاء الله خفت أن تكون مريضاً ، صار الدرس الثاني إذا لم أحضر إلى المسجد يأتون لعندي هذا التعاون ، كل واحد يختار أخاً بالله ويتفقد أموره ، يتفقد دوامه على الدروس ، يتفقد حاجاته، صحته ، أحياناً الإنسان بحق نفسه مقصر يكون بحاجة إلى مساعدة ، إلى حل مشكلة ، يخجل أن يطلبها ، إذا أخوه عرف هذه الحاجة ونقلها إلى إنسان ميسور الحال تكون حللت له مشكلة . من أحبّ أخاً في الله عليه أن يعلمه بذلك :
قال أبو أدريس لسيدنا معاذ : " إني أحبك في الله ، فقال له : أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة ، وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقيل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ قال : المتحابون في الله تعالى ".
ومن السنة المطهرة أنك إذا أحببت أخاً في الله أن تعلمه بهذا الحب ، قل له : يا أخي والله إني أحبك في الله ، يقول لك : أحبك الذي أحببتني من أجله ، إذا بقلبك محبة لأخ لا تكتمها أظهرها ، حتى أن رجلاً مرّ على النبي الكريم ثم تابع مسيره فقال أحد الحاضرين : والله إني أحبه ، فقال له : قم فأعلمه ، فقام من مجلسه وذهب إليه ليعلمه أنه يحبه :
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
((عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ))
[ أبو داود عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زرعة]
((ما تحاب اثنان بالله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه))
[الطبراني عن أنس]
هذه دقيقة جداً ، أخوان في الله هذا يحب أخاه ، وذاك يحب أخاه ، إذا أردنا أن نقيس المحبة بوحدات هذا يحب أخاه بدرجة تسعين ، هذا يحبه بدرجة ثمانين ، الذي يحب أخاه بدرجة تسعين هو أحب إلى الله ، الأرقى يحب أكثر والأقل يحب أقل ، ترى الراقي لا يحقد ولو الناس أساؤوا له ترى موقفه فيه عفو ، فيه صفح ، ربنا قال : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾
[ سورة الحجر: 85]
أنا لا أنسى سيدنا أبا بكر كان يبر إنساناً ، يتصدق عليه ، هذا الإنسان تحدث عن أن السيدة عائشة قد زنت ، هذا الإنسان بالذات ما كان من أبي بكر رضي الله عنه من شدة ألمه على سمعة ابنته الطاهرة إلا أن امتنع عن إعطاء المساعدة الدورية لهذا الإنسان فنزلت آية تعاتبه على ذلك : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 22]
قال : بلى وبكى وتابع عمله الطيب ، ويقال : إن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، هذه فكرة دقيقة ؛ أخان الأول أعلى من الثاني ، إذا الثاني أحب الأول لأنه أرقى منه حب الثاني للأول يرفعه إلى مقامه ، وهذه المحبة ولدت ارتباطاً بينهما ، وبهذا الارتباط انتقلت للثاني أحوال الأول ، أحوال المحبة والورع والخوف من الله والطمأنينة ، كل هذه الأحوال انتقلت إلى الثاني بفضل حبه له ، إذاً الثاني جاءته هذه الأحوال عن طريق المحبة إذاً ألحق بالأول ، هذا معنى قول الإمام الغزالي : إن الأخوين بالله إذ كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين . أعمال الابن الصالح في صحيفة أبيه إلى أن يتوفاه الله :
و قال تعالى :
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
[ سورة الطور : 21]
هذه آية لها معنى آخر إذا إنسان ربى ابنه تربية صالحة وتوفى ، كل أعمال الابن إلى أن يتوفاه الله في صحيفة الأب ، أعمال الابن ألحقت بأبيه ، ممكن أن يكون الإنسان له حساب في مصرف عشرة آلاف ، مئة ألف ، مليون ، وفي حساب ثان مليون ، ممكن أن ينضاف هذا الحساب إلى حساب الآخر إذا ذهب إلى المصرف وقالوا له : حسابك مليون لكن نفس مبلغك أضيف لحساب فلان تقريباً .
أعمال الابن كلها الصالحة تسجل في صحيفة الأب ، هذا معنى ألحقنا بهم ذريتهم وما من عملهم من شيء ، الابن وابن الابن وهذه الذرية الطيبة إلى يوم القيامة . من أنفق لقمة في سبيل الله أصبحت كجبل أحد يوم القيامة :
لذلك الإنسان يوم القيامة يكون أطعم لقمة في سبيل الله يراها كجبل أحد ، أنا شاهدتها في المدينة كنت أتصوره جبلاً صغيراً بل هو جبل شامخ ، عال ، والمعركة لم تتم على قمة هذا الجبل بل على أحد فروعه ، أما فهو جبل شامخ .
إذا لقمة أنفقتها في سبيل الله أصبحت كجبل أحد .
المتحابون في الله :
قال تعالى في الحديث القدسي :
((عنَ عَبَسَةَ هَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ أَنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلا كَذِبٌ وَلا تُحَدِّثْنِيهِ عَنْ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ غَيْرِكَ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي))
[ أحمد عنَ عَبَسَةَ]
وإن الله تعالى يقول يوم القيامة : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي ؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة :
والحديث المعروف عندكم :
(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
صلى الله عليه وسلم قال : " العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن : أي ألزم ما يلزم الشاب أن يكون تائباً ، وألزم ما يلزم المرأة أن تكون حييةً ، وألزم ما يلزم الغني أن يكون سخياً ، وألزم ما يلزم الفقير أن يكون صابراً ، وألزم ما يلزم العالم أن يكون ورعاً ، وألزم ما يلزم الإمام أن يكون عادلاً . (( الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
[متفق عليه عن أبي هريرة]
إذا كنت أحد هؤلاء أبشر ، إذا دفعت مبلغاً من المال من كسبك الحلال ولم تنبس ببنت شفة ، ما ذكرت لأحد العمل أبشر ، وإذا دعتك امرأة فقلت : إني أخاف الله رب العالمين .
قال لي رجل وكان من تجار الغنم الكبار فلاقى الأمرين في البادية مرة فوجئ أن امرأة تدعوه وكان قد غاب عن أهله أكثر من أربعة أشهر فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في الرحلة الثانية أوشك أن يموت هو وقطيع الغنم عطشاً فقال : يا رب إن كنت تعلم أنني امتنعت خوفاً منك عن الفاحشة فيسر لنا الماء ، دعاه بهذا العمل والله استجاب له والتقى برجل دله على ماء قريب ولولا هذا الرجل لماتوا عطشاً . العلاقات الخالصة لوجه الله ثمنها الجنة :
وقال صلى الله عليه وسلم :
(( ما زار رجل رجلاً في الله شوقاً إليه ورغبةً في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة ))
[ابن عدي من حديث أنس دون قوله شوقا]
و : (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
و : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحدنا يركب السيارة حتى يزور أخاً في الله لا مصلحة ، ولا بيعة ، ولا شراء ، ولا شكر ، ولا خوف ، ولا رد شر ، ولا رهبة ، ولا قرابة ، ولا واجب ، إنما يزوره زيارةً خالصةً لوجه الله لأنه يحبه ، هذا وجبت له الجنة ، هذه العلاقات أكثروا منها العلاقات الخالصة لوجه الله . (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ قَائِلٌ : الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ ، وَقَالَ قَائِلٌ : الْجِهَادُ ، قَالَ : إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي ذَرس ]
هذا الحديث دقيق أوثق عرى الإيمان ، العروة معروفة ، العروة فتحة في الثوب تدخل في الزر ، أوثق عرى معنى هذا أن الإيمان مجموعة عرى لكن الحب في الله أوثق هذه العرى . أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله :
السؤال الآن : من يفكر في عرى للإيمان غير المحبة ؟ في حديثي الأول أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، والثاني أوثق عرى الإسلام ، فإذا كان من الممكن أن نفكر بهذا الحديث الدرس القادم ممكن أن أصل إلى عروة أخرى للإسلام غير الحب في الله، نريد أن نبحث عن مجموعة عرى للإسلام والإيمان غير الحب في الله ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول :
(( أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله ))
[ابن أبي شيبة عن البراء]
الإسلام له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، الإيمان له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، فأول سؤال اسأله لنفسك : ما الإسلام ؟ والسؤال الثاني : ما الإيمان ؟ ما هي عرى الإيمان ؟ وما هي عرى الإسلام ؟ والنبي يخبرك أن أوثق هذه العرى الحب في الله للإسلام والإيمان .
فالسؤال للدرس القادم العروة ما تعريفها ؟ وكم عروة للإسلام ؟ وكم عروة للإيمان ؟ ثم لماذا الحب في الله أوثق هذه العرى ؟ ولماذا البغض في الله أوثق هذه العرى ؟
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما جهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك ، وأما انقطاعك إلي فقد تعجلت به ، ولكن ماذا صنعت من أجلي ؟ قال: وماذا أصنع من أجلك ؟ قال : هل عاديت فيّ عدواً وهل واليت فيّ ولياً ؟ ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما أغنى عنك ذلك شيئاً .
من هذه الأحاديث يتضح أن الحب في الله ركن أساسي في الإسلام والإيمان ، بل إن الحب في الله والبغض في الله من أشد عرى الإسلام والإيمان ، وهذا الذي يرفعنا ، وهذا الذي يسعدنا ، أن يحب بعضنا بعضاً حباً خالصاً لله تعالى ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له .
إسلام بلا محبة كجسد بلا روح ، الإسلام جسد روحه المحبة ، أصحاب النبي فتحوا العالم بمحبتهم ، والناس اليوم تخلفوا بافتقارهم لهذه المحبة ، النفس مقفرة ، قام وصلى وصام .
رجل ذهب إلى الحج قال : سبحان الله ما رأيت فيه شيئاً ، الإسلام من دون محبة، من دون أشواق ، من دون اتصال بالله عز وجل جسد من دون روح .
وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى ، وما زلنا في الحديث عن فضل المحبة لكن الألفة لها آداب وتفصيلات كثيرة جداً نأخذها في دروس قادمة .

السعيد 09-10-2018 05:34 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الستون )

الموضوع : على من تجب الزكاة - بعض الاحكام فى اداء الزكاة






لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، و أَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، و أرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الزكاة :
أيها الأخوة الكرام، من الموضوعات التي تُناسب هذا الشهر الكريم موضوع الزكاة، وهذا الموضوع بِشَكل تفصيلي سوف نبْحثُه إن شاء الله تعالى بعد العيد، وقد أنْهَينا موضوع الصَّلاة، وموضوع الصّيام، ونبدأ بعد عيد الفِطر إن شاء الله تعالى موضوع الزكاة، ولكن لا بأس في هذا اللِّقاء بِبَعض القضايا الهامة في الزكاة، لأنَّ دَفع الزَّكاة في رمضان شيء مستحبّ كما سنَّه النبي عليه الصلاة والسلام.
(( ثلاثة أُقْسِم عليهنّ، وأُحدِّثكم حديثًا فاحْفظوه: عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلَمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عِزًّا وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حَقَّهُ قَالَ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا قَالَ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ هِيَ نِيَّتُهُ فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ ))
[الترمذي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه]
ثلاثة أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس: ما سَمِعتُ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علِمتُ أنَّه حقٌّ من الله تعالى، فإذا سَمِعنا حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فينبغي أن نعلمَ عِلْم يقين أنَّه حق. (( عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ وَقَالَ وَكِيعٌ فِي حَدِيثِهِ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) وَ ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ))
[أحمد والترمذي عن أبي هريرة]
ألا تُحِبّ أنَّ شيئًا مِن مالِكَ يأخذهُ الله بِيَمينه؟ اِدْفَع زكاة مالِكَ. خصال خمسة إذا أصابت المسلمين كانت بلاء عليهم :
و:
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))
[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر]
أي أعوذ بالله أن تَصِلوا إلى زمانٍ فيه هذه الخِصال الخمسة، فالفاحشة الزنا وملحقاتها من الشُّذوذ الجنسي، فهي إن مارسوها سِرًّاً ففي المجتمع بعض الخير، فإذا أعْلنوا بها حدَّثني رجل كان بِفرنسا قال لي: تُقْطع برامج التلفزيون لِتَظْهر إعلانات لِبَعض دور البِغاء، وحينما يفتخر الإنسان بِبَعض المعاصي والفواحش، ويقول: فعلتُ كذا وكذا، فهذه تحت كلمة حتَّى يُعلنوا بها، فاسْتَمِعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال قبل ألف وأربعمئة عام؟ إلا فشا فيهم أوجاع من لم يكن في غيرهم، أليس مرض الإيدز أحد هذه الأوجاع الوبيلة التي لم تكن في أسلافهم؟ هذا الشَّبح وصل إلى أوربا، وأصبَح المجرم إذا لاحَقَتْهُ الشُّرطة يقول: إيدز فتهرب منه!! لِخَوْفِهِم من العَدوى.
ثمَّ إنقاص الميزان يوجب القَحط، منذ أربعين عامًا لم تشْهد دِمشق أمطارًا بهذه النِّسبة، ثمانون مليمتراً، ما يهطل في ليلة واحدة نزل في عامٍ بِكامِله، نحن على مشارف الصَّيف والأنهار في الحضيض، وشِدَّة المؤونة، وهي غلاء الحاجات، وجَوْر السُّلطان.
ومنْعُ الزكاة يوجب منْع القطر من السماء، فلولا شُيوخٌ رُكَّع وأطفال رُضَّع وبهائم رُتَّع صُبَّ العذاب عليكم من فوقكم صبًّاً.
ونقض عهد الله ورسوله يوجب تسليط العدوّ علينا، فالعدوّ ليس من المسلمين كاليهود.
وعدم حكم الأئمة بِكِتاب الله، إلا جعل الله البأس بيننا، فالبأس بينهم، وليس على عدوّهم، فهذا الحديث تعنينَا منه فقْرة واحدة؛ ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطر من السماء، يرْخص لَحْمُ البشَر، ويرتفِعُ سِعر لحم الضَّأن، نِساءٌ كاسِيات عاريات في رمضان، ومائلات مُمِيلات، بِهنّ يرتفع سِعر لحم الضَّأن.
على من تجب الزكاة ؟
كما قلتُ قبل قليل لن أدْخُل في تفصيلات الزكاة إلا بالقَدر الذي يَعنينا في رمضان ولنا عَودة بعض رمضان إن شاء الله لهذا البحث.
على من تَجِبُ الزكاة؟ تجِبُ الزكاة على المسلم الحُرّ، فالعبد لا تجب عليه الزكاة، المالِكِ للنِّصاب، فَعِشرون مثقالاً من الذَّهب، أو عشرون ديناراً من الذَّهَب، أو مئتا دِرهمٍ من الفضَّة، تقييم هذا النِّصاب يتراوح من ثمانية آلاف إلى عشرة، فَمَن ملَكَ هذا المَبلَغ، وحال عليه الحَوْل، وَجَب عليه دَفْعُ الزَّكاة، ويُشْترط في النِّصاب أن يكون فاضِلاً على الحاجات الضروريّة التي لا غِنَى للمرء عنها كالطعام والشراب، فإذا كان بيتك فيه مؤونة تَكفيك للأكل فهذا الطعام ليس عليه زكاة، والمَلْبس، والمَسكن، ولو كان ثمنه غاليًا لأنّه مستهلك، وكذا المركب، أما إن كانت لك مركبة أخرى تنوي بيعها فهذه عليها زكاة، وآلة الحِرفة، فهذه ليس عليها زكاة لأنَّها أموال غير نامِيَة ولكنها مستهلكة، ومعنى نامِيَة أيْ بإمكانك أن تبيعها فتأخذ الرِّبْح لكِنَّ إن كنت تسكُن بيتًا هل بإمكانك أن تبيعهُ؟ لا تستطيع.
الشرط الثاني: أن يحول على النِّصاب الحَول الهِجْريّ، فسَنة الزَّكاة ليْسَت شمْسِيَّة ولكن قَمَريّة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدْفعُ زكاة ماله بِرَمضان، لذا انْتقَيْتُ لكم هذا الموضوع في هذه الأيام الفضيلة، وقد يقول أحدكم: أنا لم أقُم بِالجَرد الآن؟ أنا أقول له: اِدْفع دفعةً على الحِساب، موضوع الزكاة موضوع دقيق، ولا أحبّ أن تُلقي المال جُزافًا، ليس لك أجر، ولكن ممكن أن تبدأ من واحد شوال، بِدَفْع زكاة العام القادِم، فَمِن واحد شوال تفتح من حِساباتك حِساب الزكاة، فإذا مضى شوال وما دفعتَ شيئًا، بعد شوال بلغَك أنّ إنسانًا له ابن معه مرض عُضال، ومضطرّ لإجراء عَمَلِيَّة، فأعْطَيْتَهُ خمسة آلاف، أيَّدْت هذا المبلغ على نِيَّة الزكاة، وبعد شَهرين بلغك أنّ امرأة أرملة مقطوعة؛ دَفَعْت لها ألفاً، وسجَّلت ما دَفَعت، فأنت تَدفع طوال العام، فإذا جاء رمضان وجردْت مالك وكان مثلاً عشرة آلاف ترى أنت ما دفَعتهُ خِلال السنة، تنقص مثلاً ما دفعت وتدفع الذي بقي، فلو كان زكاة مالك عشرة آلاف، ودفعت أنت خلال السنة ستّة آلاف لم يبق عليك إلا أربعة آلاف، فالزكاة لا يجوز تأخيرها، ولكن يجوز دَفعُها مُقدَّمًا، فإذا حال الحَول الهِجريّ على المال يجب دَفعُ زكاة المال على الفَور عند معظم العلماء، و الأقربون أولى بالمعروف، لذا أنا أقول لك: اِدْفع زكاة مالك على مدار العام الهجري وبرمضان اِطرح المدفوع من الباقي، هذا ويُعتبر ابتِداؤهُ من يوم مُلْك النِّصاب، ولابدّ من كماله في الحول كلّه، وهناك عدّة آراء سنختار أوْجهها إن شاء الله.
هناك رأي، أنَّ عشرة آلاف ليرة سورية يجب أن تكون معك في رمضان إلى رمضان القادم، ويجب أن تبقى عشرة آلاف دائمًا، فلو نقصَت مئة ليرة سقطت الزكاة عن المبلغ فبعض الآراء فيها صعوبة أو فيها عُسْر.
هناك رأيٌ ثان وهو أنَّه يُشْترط في المال الذي تجِبُ الزكاة في عَيْنِهِ ويُعتبر فيه الحَول كالذَّهَب والفِضَّة وُجود النِّصاب في جميع الحَول، وهذا الرأي نفسه، فإن نقص النِّصاب في لحظة من الحول انقطع الحول، فإن كمُلَ بعد ذلك اسْتُأنِف الحول من حين يَكْمُل النِّصاب، فلو كانت معي عشرة آلاف في واحِد رمضان، ومضى الشهر والشهرين، وفي الشهر السادس اضْطررتُ أن أدفع ألف ليرة، سقَطَت الزكاة حينها، وهذا الرأي يُتيح التهرّب من الزكاة.
هناك رأيٌ أوْجه منه، قال أبو حنيفة رحمه الله: المُعْتبَرُ وُجود النِّصاب في أوَّل الحَول وآخرِه، ولا يضرّ النقص بينهما، فلو كان معي بِرَمضان عشرة آلاف، وبرمضان الثاني عشرة آلاف، هنا تستحقّ عليّ الزكاة، أما ضِمن السَّنة زادوا نقصوا لا يهمّ، والأرْيَح من ذلك إقامة الجَرْد كلّ سنة، معك في هذا اليوم عشرة آلاف، إذًا عليك زكاة، فالأمور باليُسْر أسْهل، فهذا رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا أوْجه الآراء.
وهناك رأي آخر يُعدّ حلاًّ وسَطًا، قاله العبدري: أموال الزكاة نوعان أحدهما ما هو نَمَاءٌ في نفسِهِ كالزَّرع، نحن عندنا موسم تفاح واحد، وموسِم شعير واحد، وموسِم عدس واحد، فلا توجد سَّنوات، فالحبوب والثمار تجب الزكاة فيها لِوُجودها فقط، والنوع الثاني ما يُرْصَد للنَّماء كالدراهم والدنانير، وعروض التِّجارة، والماشية، فهذا يُعْتبر فيه الحَول فلا زكاة في نِصابِهِ حتَّى يحول عليه الحَول.

الزكاة في مال الصبيّ والمجنون :
يجب على ولي الصبيّ والمجنون أن يؤدِّي الزكاة عنهما في مالهما إذا بلغ نِصابًا، سألني أحدهم سؤالاً فقال: لي شريك في أوروبا، وله مزرعة، فشَريكُه دينُهُ ضعيف، فما أعطاهُ تَوجيهًا في دَفْع الزَّكاة، الشريك المُقيم في سوريا يُديرُ له مزرعة، سألني: أأَدْفَعُ زكاة المال من دون علم شريكي؟ فقلتُ له: اِدْفَعْها، وهي حقّ، وهي دَينٌ في ذمَّته، إن كان هو لا يعلم، أو كان جاهلاً، وحُكمهُ كحُكْم المجنون!! كيف؟ النبي عليه الصلاة والسلام رأى في الطريق مجنونًا، فأراد أن يُعطِيَ أصحابَهُ درسًا بليغًا، قال: من هذا؟ قالوا: هذا مجنون! فقال: لا، هذا مُبْتَلى، ومُصاب ولكنّ المجنون من عصى الله، فالذي يقول لك: لا أدْفعُ زكاة مالي، هذا حُكمهُ حُكمُ المَجنون! لذلك أفْتيْتُهُ بهذه الفتيا.
((عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
هذه نَظَرِيَّة اقْتِصادِيَّة مهمّة جدًّاً، فأنت إذا أردت خبئ مالَكَ، فإذا كان أفراد الأُمّة معهم أموال طائلة، وكلّ شيء مخبأ بالصناديق، والأمّة فقيرة لو أخذنا مئة ألف لِمَشروع، أيًّاً كان المشروع، الذي يرخص الأسعار قانون ثابت هو توافر البِضاعة، علِمْتُ من سَنَوات أنَّ سِعر البيض هبط عن التَّسْعيرة القانونيَّة، وأصبح سِعر الكرتونة تِسع ليرات، وهذا كلّه لِوَفْرة الإنتاج، فَوَفْرة الإنتاج هي العامل الوحيد في تنزيل أسعار السِّلَع، فَمِن عامٍ نشأتْ أزمة علَف فَسُمِح للناس جميعًا أن يستوردوا العَلف من دون قيد أو شرط، ففاجأني إعلان في الصحيفة أنّ المزرعة الفلانيّة تبيع العلَف بِكُلفتِهِ فقط، ما الذي أرخص الأسعار؟ توافر البضاعة، لذا إن كان مع شخص مليون ليرة عليه أن يدْفع عليها في كلّ سنة زكاتها، فالزكاة وحدها تَكفل أن تأكلها كلّها بعد أربعين عامًا، فأحد بواعث اسْتِثمار المال أنّ المال إذا بقيَ مُجمَّدًا تأكله الزكاة ويتلاشى، ولا بدّ من اسْتِثماره فإذا اسْتَثْمرتَهُ في أيّ مَشْروع ساهَمْتَ في وَفْرة الإنتاج، فإذا ساهَمْت في وَفرة الإنتاج هبطَت الأسعار، وحينها يعيش الناس في بحبوحة، لذلك قال المفسِّرون في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾
[ سورة هود : 48 ]
قال المفسِّرون: أيْ وَفْرة المواد، ورخص الأسعار، لماذا يُطالبك النَّجار بِمَبلغ باهظ لِغُرفة النوم؟ لأنّ المصروف غال، فلو هبط المصروف لقَنِعَ بِرِبْحٍ أقلّ، فهذه سلسلة متكاملة، لو أنّك طرحْت كمِّيَة بِضاعة، ساهم هذا الطَّرْح بِخَفض السِّعر، حينها تُساهم هذه البضاعة بِتَخفيض أسعار المواد الغذائيّة، التي تُساهم بِتَخفيض أسعار الخشب، فلمَّا نزل مستوى المعيشة قنع النَّجار بِدَخل أقلّ، فهذه العمليَّة صعود مستمرّ أو نزول مستمرّ وقد قال عليه الصلاة والسلام أيها الأخوة الكرام: ((... أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
لكنّ النبي عليه الصلاة و السلام كأنَّه يعيش معنا في الأسواق، وتاجر عريق، فهو صلى الله عليه وسلم نبيّ مُرْسَل، ولكن لا ينطق عن الهوى، قال: ولا تجعل ماله دون مالك! اُنظر إلى هذا المعنى الدقيق، فلو كنتَ تاجِرًا ووَصِيًّا على أيتام ومعك مئة ألف لِيتيم، وأنت معك خمسمئة ألف رأسمال شَخصي، وعرضوا عليك بِضاعة جديدة لا تعرف هل تُباع أم لا؟! تقول: سوف أضَع مال هذا اليتيم في هذه البضاعة! جرَّبْت فإذا بالبِضاعة لم تُبَع! فتقول: ليس لكم قِسمة، أما مالك فتضَعُهُ بالبِضاعة الرائِجَة وربْحها مضمون، ورأسمالك وضَعته هنا، أما هذا اليتيم المسكين فتمْتَحن البِضاعة بِماله، قال عليه الصلاة والسلام: "ولا تجعل ماله دون مالك" فلا تجعَل ماله كالدريئة تتَّقي به الأخطار! ليس هذا إنصافًا، وليس هذا إخلاصًا، وليس هذا وفاءً، فإذا كان معك مال اليتيم كان عليك أن تنْتقي البِضاعة الرائِجَة، والمعروف بيعُها، والذي يُعَدُّ بيعُها حقيقة ثابتة.
وكانت عائشة رضي الله عنها تُخرِجُ زكاة أيْتام كانوا في حِجْرها، أيْ مُلخَّص الموضوع إذا كان تحت إدارتك مال، اِدْفع عنه الزكاة، طبعًا دفع الزكاة للمؤمن أولى وللأقارب أولى وأولى، وإذا كان لا يعرف أو جاهل أو مجنون أو صبيّ فادْفع عنه الزكاة فإنّه حق عليه لا يسقط بالتقادم.
حكم المالك المدين :
المالك المدين: لو أنّ شخصاً يملك اثني عشر ألف ليرة، ولكن عليه دفع بعد شَهر ستَّة آلاف، أو خمسة آلاف، من كان في يده مالٌ تَجِب فيه الزكاة، وهو مَدينٌ، أخْرَجَ منه ما يفي بِدَيْنِهِ، وزكَّى بالباقي، معه ثمانية عشر ألفاً، وعليه ثمانية آلاف دَين، ويبقى عشرة آلاف فيَدْفع زكاة ماله من العشرة الباقية هذه، وهذا يُسمُّونه تقاص، تطرح ما عليك مِمَّا لك فالتفاضل تدفَعُ عنه الزكاة، فعلى مستوى محلّ تِجاري تجْرُد البضاعة، فمثلاً عندك بِضاعة بِثَمانية آلاف مثلاً، ولك بالصُّندوق ثلاثة آلاف، ولك دُيون مسْتحقَّة ثابتة؛ سِتَّة آلاف، وعليك ضريبة، وذِمم لِمُوَرِّدين فما عليك إلا أن تعمل تقاص؛ مِن وإلى، وهذه اللغة المُحاسبيَّة الموجودات والمطلوبات، فالزكاة على التفاضل والتقاص لا على كلّ المال، والذي يملك اثني عشر ألف ليرة بالصندوق، وعليه عشرة آلاف فلا شيء عليه لأنَّهم دون النِّصاب، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ))
[البخاري عَنْ أبي هريرة ]
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْهم إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
دَين الله أحقّ بالقضاء :
ودَين الله أحقّ بالقضاء كما قال عليه الصلاة والسلام، ومن مات وعليه زكاة فإنَّها تَجِبُ في ماله، وتُقدَّم على الغرماء، والوصيّة، والورثة.
نحن عندنا قاعدة؛ إذا ماتَ الميّت أوَّل شيء يُجَهَّز ويُدْفن، فلا بدّ من دَفْع نفَقات الجنازة والدَّفن لكن باعتِدال، ليس أن تقيم غذاءً يُكلّفك عشرين ألف ليرة، هذا لا يجوز، فالنَّفَقات الضروريّة هذه تُحْسم أوَّلاً من المُتَوَفَّى، وبعد ذلك الدَّين الممتاز وهم الغرماء، ومنه مَهر الزَّوجة، وزكاة المال التي لم تُدْفع، ثمّ الدائنون وبعد ذلك تَنفيذ الوَصِيَّة، وبعد ذلك يأخذ الورَثة مِمَّا بقي، فمكان الزَّكاة مع الدَّين الممتاز، الذي يؤْخذ قبل كلّ شيء بعد تَجهيز الميّت:

((عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
نحن نأخذ الفقْرة الأخيرة؛ دَين الله أحق أن يُقْضى، هذه تُسحب على الزكاة. النية من شروط الزكاة :
يشترط للزكاة النيّة، وذلك لكي يقصد المزكِّي عند أدائِها وجْه الله تعالى ويطلب بها ثوابه، ويجْزم بِقلبِه أنَّها الزَّكاة المفروضة عليه، واشْترط الإمام الشافعي النيّة عند الأداء، وعند أبي حنيفة أنَّ النيّة تجب عند الأداء أو عند عزل الواجب، ما هو عزل الواجب؟ لو كان لِشَخص مال بالصندوق، فحسَبهم ومسك مبلغ الزكاة ووضَعهم بِجانب، ونوى به الزكاة فهذا عزل مال الزكاة وهو ينتظر المال المناسب.
وجوَّز الإمام أحمد تَقديم النيَّة على الأداء زمنًا يسيرًا، فقبل الأداء، وممكن عند الأداء، وممكن عند العزل، فيجب إخراج الزكاة فَوْرًا عند وُجوبها ويحْرُم تأخير أدائِها عن وقت الوجوب إلا إذا لم يتمكَّن من أدائها فيَجوز له التأخير حتَّى يتمكَّن، كأن يكون مسافراً هذه حالة، ولكنَّني أنصحكم قبل كلّ شيء اِدفعوا سلفًا، وافْتح حساب الزكاة من واحد شوال، حينها يصبح الدفع سهلاً عليك، وقد روى أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال:

((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ))
[البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم]
أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُعلِّمهم درسًا عمليًّا، فهو عليه الصلاة والسلام كرِهَ أن يبيتَ عنده، وروى الشافعيّ والبخاري عن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (( ما خالطت الصَّدقة مالاً قطّ إلا أهلكتهُ ))
[الشافعيّ والبخاري عن عائشة]
حديث مُخيف، فهذا المال مالك، وفي بِضع منه زكاة، أنت ما دفعتها، فهناك خطر أن يتلف المال كلّه، لذا اِعزِل هذا المال، وابحث عن مصْرفٍ له بِأسْرع وقتٍ ممكن قبل أن يأتي التأديب الإلهي، والحُبَيبي شرح هذا الحديث فقال: "يكون قد وجب عليك في مالك صدقة، فلا تُخرجها، فيُهْلك الحرام الحلال" جواز تعجيل الزكاة :
يجوز تعجيل الزكاة وأداؤُها قبل الحَول ولو بِعامَين، فلك بَحبوحة، وادْفَع بِمَهلك فهناك نفقات مَوْسِمِيَّة، وأخرى في فتح رمضان، وأخرى عند فتح المدارس، وبعاشوراء، وأخرى طارئة كالعِلاج والمُداواة، فأنت اِدفَع بِمَهلك، لأنَّه قد يصْعب على الإنسان أن يدْفعَ مبلغًا كبيرًا دون اجتهاد، لأنّه يتضايق.
سئِل الإمام الحسن عن رجل أخْرج ثلاث سِنين دفعةً واحدة أَيُجزيه ذلك؟ فقال: يُجزيه دفْعُ مال مسبَّقًا، وهناك رأي آخر أنّه لا يجزئ حتَّى يحول الحَول، وهذا الخِلاف سببه أنَّ هذه الزكاة هل هي عبادة أم حق؟ واجب للمساكين، فمن قال إنّها عبادة وشبَّهها بالصلاة لم يَجُز إخراجها قبل الوقت، ومن شبَّهها بالحقوق الواجبة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوّع، وقد احْتجّ الشافعي لِرَأْيِهِ بحَديث علي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم اسْتلف صدقة العباس قبل حُلولها، فلو أن واحدًا دفَعَ زكاة ماله، وله جار فقير مريض، سمع صوته، فطرقَ بابه فوَجَدَه في مرض، أخذه إلى المستشفى، وهذا الجار فقير، وطالبوه بِقيمة ثلاثة آلاف، وأنت بِبَحبوحة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( في المال حق سوى الزكاة ))
[الطبري عن فاطمة بنت قيس]
فأنت حرّ إما أن تعدّ هذا المال صدقة وتطوّعاً، وإما أن تحْسِبَها من زكاة المال القادِم، لأنَّه يجوز دَفعُ الزكاة مُقدَّمًا، والأمر سهلٌ جدًّاً. الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه :
اِسْمعوا هذا الدعاء، يُسْتحبّ الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه، لِقَول الله عز وجل:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
صلّ على هؤلاء المزكِّين: ((عن عبد الله بن أبي أوفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنَّه كان إذا أُتِي بِصَدَقة قال: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ))
[البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى]
هل هذه قليلة؟ وأنَّ أُبي أتاه بِصَدقة فقال: ((عَنْ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّه عَنْهمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ))
[البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى]
وقال عليه الصلاة والسلام في رجل بعث بِنَاقة حسنة للزكاة: (( عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَاعِيًا فَأَتَى رَجُلًا فَآتَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَلَا فِي إِبِلِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ فَقَالَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ ))
[النسائي عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ]
الزكاة تدفع الأخطار عن الإنسان :
الإنسان عندما يدفع من ماله الحلال يجنّب أخطار السنّة، وقد دعوت لهم فكل جمعة تأتيني لجنة فيأخذوا الكثير، ففي الجمعة الأولى جاءت لجنة فأخذت سبعة عشر ألفًا، وفي الخطبة الثانية جاءت لجنتان، فكان المبلغ ثلاثين ألفًا، وفي الثالثة أربع لِجان فكان المبلغ اثنين وثلاثين ألفًا، والله يشهد أنّي دعوت لهم من أعماق قلبي، لذا الإنسان كما قلت يدفع الأخطار التي تأتيه خلال السنة، فلو أنّ ابنك سقط عليه إبريق شاي كيف النتيجة؟ تحرق داخليًا، ألا تعلم كم يقيك الله تعالى من الصدمات من خلال هذه الصدقة؟ وهل تعلم كم من مليون مرض يُصيب الإنسان؟ وكم مليون مرض يُصيب الزوجة؟ وكم مليون مرض يُصيب الأولاد؟ وكم من خطر على المال؟ وكم مليون مفاجأة بالحياة؟ فالإنسان جالس بِمَجموعة مفاجآت فلمّا الإنسان يدْفع زكاة ماله كأنّ الله سبحانه وتعالى يقبض هذه الزكاة بيَمينه، أقْسم لي بالله أخ قال لي: قبل أن أعرف الله، كان لي دوام رسمي، أنا وزوجتي وأولادي، وكأن التجار لهم معي حِساب دائِم إلى أن بدأ يزكِّي؛ أقْسَم بالله أنَّه مضى عليه أكثر من اثني عشر عامًا ما عرف طبيبًا ولا صيْدليًا، ثمّ إنَّك إن أخطأْت مع الله تعالى في الحساب أثناء أداء الزكاة فالمربَح معك! لأنَّه يُضاعف لك في مالك، وما دام النبي عليه الصلاة والسلام أقْسم، وقال: ثلاثة أقسم عليهنّ، ما نقص مال من صدقة، وثلاث آيات تؤكّد أنَّ الله سبحانه وتعالى يُخلف المبلغ الذي تنفقهُ في سبيله قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
[سورة محمد: 38]
فإذا الواحد باع بيته، فلا دخل له بعدها في بيته فهذا الكلام كلام الله تعالى، مُصافحة العالم بيْعة لله تعالى، فموضوع زكاة المال بحث، وموضوع زكاة الوقت بحث، لفَتَ نظري بالحاجبيّة أننا نحن ننتهي الساعة العاشرة، وأنا أتعجّب لِمن لا يحضر مجالس العلم، ولا ينتظر ولا خمس دقائق، ومن أجل البنّ يبقى ثلاث ساعات، فهذا كلّه مُحاسب عليه الإنسان، فَمِثْل هذا الإنسان يُتْلفُ وقتُهُ إتلافًا رخيصًا، والله عز وجل يضيّع له وقته، فأنت لو دفَعْت زكاة وقتك يُبارك لك الله تعالى في وقتك ومالك.
وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نُتابع هذا الموضوع.





منال نور الهدى 09-10-2018 07:21 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
جزاك الله كل خير وبارك الله بك لطرح القيم والهادف أخي السعيد
في أمان الله وحفظه

سوالف احساس 09-10-2018 08:20 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بارك الله بك السعيد ع قيم جلبك
طبت بخير

السعيد 09-11-2018 08:41 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الستون )

الموضوع : من لا يجوز دفع الزكاة اليهم - مصاريف الزكاة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تحرم الزكاة على :
1 ـ الكفار و الملاحدة :
أيها الأخوة الكرام، الحديث عن مصارف الزكاة هو الذي وعدتكم به في الأسبوع الماضي، ولكِنَّني آثرتُ إضافة إلى هذا الموضوع أنْ أبدأ بِمَن تحرُم عليهم الزكاة.
أوَّلاً: تحرمُ الزكاة على الكافرة والملاحدة، أيْ إنسان لا يُحَرِّم ولا يُحَلِّل، ولا يصلِّي، ومتفلِّت من الدِّين، وهمُّه شَهوتُهُ، وإن أعْطَيْتُهُ من مالك فسوف يستعين به على معْصِيَة الله تعالى، أو على محاربة الله تعالى ورسوله، فلا ينبغي أن تُعطى الزكاة له إطلاقًا، ولا الصَّدقة، وفي الحديث الشريف:
((بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْهم إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
لو قال النبي عليه الصلاة والسلام: وتردّ على الفقراء، فهذه مطلقة، أما ضمير هم يؤكّد من المقصود بالخطاب، وهم المسلمون، فالفقير الملحد أو الكافر أو الفاجر لا يجوز أن ندفع له زكاة أموالنا، ولا صدقاتنا، ولا زكاة فطرنا. استثناء من الذين تحجر عليهم الزكاة :
لكن هناك استِثناء طفيفاً، إنسانٌ ليس مستقيمًا، ولكنَّه لا يناصبك العِداء لو أعْطَيتَهُ زكاة مالِكَ ربّما مال إليك، وربَّما حمله هذا الميل على التوبة وأن يُسْلِمَ، ويحسن إسلامه، فإن كان الأمر كذلك، وأنت وحدَكَ تُقدِّر ذلك فافْعَل، فهذا استثناء من الذين تحجر عليهم الزكاة، لأنَّه ينضوي تحت والمؤلَّفة قلوبهم، لذلك رجَّح بعض الفقهاء أنَّ هؤلاء إن كانت قلوبهم مؤلَّفة وإن كانوا بإعطاء الزكاة تجْلبهم إلى الإسلام لك أن تُعطيهم من زكاة التطوّع لا من زكاة الفرض، لأنّ زكاة الفرض نصَّ عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم؛ تؤخذ من أغنيائهم وترَدُّ إلى فقرائهم، وهناك الكثير من الأخوة المؤمنين لهم في حساباتهم الجارية باب الزكاة، وباب الصدقة أي باب زكاة التطوّع، ويجوز أن يُعْطَوا من صدقة التطوّع، هؤلاء غير المستقيمين إن غلب على ظنِّك أنَّك بإعطائهم تستجْلبهم للإيمان يجوز أن تعطيهم من زكاة التطوّع لا من زكاة الفرض لأنّ زكاة الفرض تؤخذ من الأغنياء وتردّ على الفقراء، من أين أخذنا ذلك؟ قال تعالى:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾
[ سورة الإنسان: 8 ]
الأسير مشرك يُطْعم من الزكاة، ولكنَّها زكاة تطوّع. 2 ـ بنو هاشم :
لكن البحث مُدْهش وهو أنَّ الكفَرة والملاحدة لا تحلّ لهم الزكاة، وبنو هاشم، فكيف جمع المؤلّف بين هذين الصِّنْفين؟! لأنّ بني هاشم من آل بيت النبي، ولا تجوز الصَّدقة لا على النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا على آل بيته، لذلك لمَّا كان يُقدَّم للنبي طبق تمْرٍ صدقةً، لا يأكل منها أبدًا، وهذه كرامة من الله للنبي ولآله، ولذلك هناك أشخاص منسوبون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب ألا تُقدَّم إليهم الصَّدقة ولكن الهديَّة، والمراد بِبني هاشم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، وآل حارث، ويقول عليه الصلاة والسلام قَالَ:
(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ ))
[مسلم عن الزهري]
أخذ الحسَنُ تمرةً من تمْرة الصَّدَقة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما شَعَرت أنَّا لا نأكل الصَّدَقة! وقال له: كَخْ وهي كلمة نبَويّة، فلا يحِلّ للنبي صلى الله عليه وسلّم، ولا لأهل بيته الطيِّبين الطاهرين. 3 ـ الأصول و الفروع :
لا تجوز الصّدقة عامّة، والزكاة خاصّة، وبالأصحّ لا تجوز صدقة الفرض للآباء مهما علَوا، وللأبناء مهما نزلوا، أي الأصول والفروع، فالذي ينفق على هؤلاء كأنّه تهرَّب من دَفع الزكاة، لأنّ هذه النفقَة واجبة على ذِمَّته في حقِّه، ولكن هناك موضوعاً مهمّاً جدًّا، وهي أنَّه أحيانًا يكون الابن مستقلّاً عن الأب، الابن متزوّج، وله بيت، وعليه دَين، والأب معه نِصاب الزكاة، فلو دفعهم لابنه لجاز، لأنَّ المقصود بالابن من كان في حِجره، ومن كان في كفالته، ونفقته على الأب، أما إن كان الابن مستقلاً في نفقته، ففي مثل هذه الحالة يجوز أن تُدفع الزكاة إلى الابن، وهناك حالة ثانية، قلنا إنّ الذين تحرم عليهم الزكاة الأصول والفروع، أما الأخَوات فلم ينصّ الفقهاء على ذلك، فَمن كان في بيته أُختٌ له ينفق عليها لا يجوز أن يدفع لها الزكاة، ولو دفع لها الزكاة لكان دفعُهُ تهرُّبًا من دفع الزكاة، فالأُخت له أن يُعْطِيَها الزكاة إن كانت مستقلَّة عنه، أما إن كانت في حجره وهو ينفق عليها فدَفعُ الزكاة لها تهرّب من دفع الزكاة، فهاتان حالتان استثنائيَّتان.
يروى أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم رُفِعَت إليه شَكوى في أنَّ صحابيًّاً دفَعَ زكاة ماله لِصحابيٍّ آخر لِيُنفقَها بمعرفته، فما كان من هذا الصحابي المُوَكَّل إلا أن جزأً من زكاة مال الصحابي الأول إلى ابن الأوّل! فاحْتجَّ الصحابي كيف تُعطي ابني من مال الزكاة؟! فرفع أمرهما إلى النبي فأقرَّ فعلهما، قال: لك ما أعْطيتَ، وله ما أخذ! فيبْدو أنّ ابن هذا الصحابي ليس في حِجره، وهو مستقلّ عنه، وهو بِحاجة.
4 ـ الزوجة :
الزوجة أيضًا لا يحلّ لك أن تُعْطِيَها شيئًا من زكاة مالك، فلو طلبتْ منك أونصة ذهبًا وكان معك عشرة آلاف ونصابها مثلاً ألفًا، فأعطيتها لِزَوجتك كي تشتري هذه الأونصة فهذا لا يجوز، وهو احتِيال، لا يجوز أن تُدْفع الزكاة للزوجة.
الآن عندنا حالة أخرى، لو كان هناك زوج فقير ودَخله مَحدود، وزوْجة ورِثَت عن أبيها مبلغًا طائلاً، واستحقّ أداء المبلغ زكاة، فهل يجوز أن تعطي الزوجة زوجها؟ نقول لها: يجبُ أن تعطي زكاة مالك إلى زوجك لأنَّه أقرب الناس إليك، والعكس غير صحيح.
نهي النبي أن يشْتري الإنسان زكاة ماله :
نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يشْتري أحدٌ زكاة ماله، كأن يعطي أحدهم فقيرًا خبزًا، ويضعُ فيه زكاة ماله، ثمّ يقول للفقير: أتَبيعُني هذا الخبز بعشر ليرات؟! فالفقير يبيعه لأنّ ليس معه مال، ولا يعرف ماذا يوجد بِداخله، هذا احْتِيال سخيف جدًّاً، كما أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم نهى المهاجرين عن العودة إلى مكّة، معنى ذلك أنَّ الإنسان إذا فعَل الخير فلا يتراجَع، والعائد في هِبَتِهِ كالعائِد في قيْئِهِ، استحباب إعطاء الزكاة للزوج والأقارب، كما قلنا قبل قليل.
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد :
استحباب إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد، فالذي يطلب العلم يستحقّ الزكاة قبل العابد، لأنّ هذا خيرهُ محدود، يعبد الله، أما طالب فسوف ينشر علمه، ولا بدّ من طلب العلم إلى التفرّغ، والإمام أبو حنيفة يقول: والله لو كُلِّفْتُ شِراء بصلة ما تعلَّمتُ مسألة! فالعِلم يحتاج إلى تفرّغ، وهذا الذي يطلب العلم لِيَنشرَهُ هو أولى من أن يأخذ من زكاة الأموال، أما من أقْبل على نوافل العبادات، والكَسْبُ يمنَعُهُ منها، أو استغراق الوقت بها، فلا تحلّ له الزكاة بالاتِّفاق، فالذي يترك أهله يتكفَّفون، ويذهب إلى العبادة، تمنع عنه الزكاة، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا تسأل الناس شيئًا، لكنّ المشتغل بالعلم يجوز أن يأخذ من أموال الزكاة.
نقل الزكاة :
هناك رأي دقيق في موضوع نَقل الزكاة، فالمال الذي جُمِعَ في دمشق ينبغي مبدئيًّا أن يُعطى لِفُقراء دمشق، لأنّ هذه المكاسب التِّجاريَّة تحقَّقَت في دمشق، ففُقراء دمشق أولى بها من غيرهم، ونقل الزكاة مكروه ولكن سألني أخ سؤالاً دقيقًا، فلو كان للواحد أقارب في تركيا فقراء جدًّاً، ولا أحد يقدِّم لهم المعونة، قلتُ له: اِدْفعها لهم، ولا إشكال في ذلك، فهذه حالات اسْتِثنائيَّة، لأنّ لا أحد يعرفهم، ولا يعينهم، وأنت أدرى بهم، ولكن بِشَكلٍ عام نَقلُ الزكاة من بلد إلى آخر ليْس مستحبًّا لأنَّ بعض الخلفاء نهى عن ذلك استِنباطًا لأنَّ هذا البلد أغنياؤُه يجب أن تردّ أموالهم إلى فقرائهم.
ولكن هناك رأي دقيق، لا تجوز أن تُنْقل أموال زكاة بلد إلى بلد آخر إلا إذا اكتفى فقراء البلد الأوّل، فإذا اكتفوا يجوز نَقل الزكاة إلى البلد الثاني و إلا فلا.
مصارف الزكاة التي شرعها النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ للفقراء و المساكين :
أولاً: قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60]
بعضهم قال: الفقراء والمساكين إن اجتمعا تفرَّقَا، وإن تفرَّقا اجتمعا، فإذا قال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273]
أي الفقراء والمساكين، وإذا قال المساكين أيْ الفقراء والمساكين، أما إن قال للفقراء والمساكين فمعناه الفقراء شيء، والمساكين شيء آخر، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما يُرْوى عنه يقول: (( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف))
[ البخاري عن أبي هريرة]
الحاجة هي المسكن، والمتْجر، وأدوات العمل، ودابة للنَّقل، فمن قلَّت عنه هذه الحاجات تجوز فيه الزكاة، فلو أنّ واحدًا يملِكُ بيتًا، ولكن عنده أولاداً، ودَخْلهُ قليل، فالشيء الذي أنت بِحاجة إليه هو ثمن مستهلك، ولا قيمة له، فبعض الجماعات يتشدَّدون، وهو أنّ الذي يملك بيتًا لا تجوز فيه الزكاة هل يبيعُ بيته؟ (( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف))
أحيانًا يكون ابنه مريضًا، وأحيانًا نفقات استثنائيّة، لذلك للفقراء والمسكين، والفقير أو المسكين الذي أمرنا الله بإعطائه يحْسبُه الجاهل غنيًّاً من التَّعفّف، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273]
هناك نوع دقيق يقول سيّدنا عمر: إذا أعْطَيتُم فأغنوا! أيْ في الصَّدقة، إذا وزَّعتَ لحمًا مثلاً، فلابدّ أن تكثر من إعطاء، إذا أطْعمْت فأشْبِع، ورحم الله عمراً، ما رأيتُ أزْهد منه إذا أطْعم أشْبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوْجع، وإذا مشى أسْرع، هكذا قالت السيّدة عائشة فهل يُعقل أن تعطي من يريد إكساء أولاده في العيد خمسين ليرة؟! فالعَطاء لا بدّ أن يكون معقولاً، وكافيًا. العمل مهما كان قليلاً فهو عند الله شريف :
النبي عليه الصلاة والسلام بالمقابل يقول:
((يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً))
[ مسلم عن قبيصة]
لو فرضنا خطأ دهس إنساناً فحكموا عليه بِخمسين ألف ديّة! ولم يكن معه، وهذا فوق طاقته، فهذا الإنسان يحقّ له أن يسأل الناس: (( ..... فحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ
حريق أذهب له كلّ ماله:
((....فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ))
فلا بدّ أن يشهد أناسٌ أنَّه فقير، لأنّ هناك كثيراً من الناس عندهم دجل، وخبرة في الكذب، فقد جاءني أحدهم يطلب ستَّة آلاف لإجراء عمليّة في عَيْنِهِ، فجمعنا له المال، وإذا بأخٍ يهمس أُذني أنَّ هذا دجَّالاً، وكلّ يوم يذهب إلى مسجِد، فقلتُ له: ابْحَث عن مشفى لإجراء هذه العمليّة ونحن ندفع للطبيب، فقال: العمليّة في بلد أجنبي، فقلتُ له: هناك أطِبَّاء جيِّدون هنا، فأبى!! الشحاتة أصبحت عند بعضهم عادة، قال لي شخص: هل ترى هذا المحل؟ فقلتُ: نعم، فقال لي: هذا لا يرضى خمسمئة ليرة باليوم! كلّ واحد يأخذ منه ليرة ليرة! نسأل الله أن يُغنينا عن السؤال، قال عليه الصلاة والسلام: (( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))
[البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْهم ]
فالعمل مهما كان قليلاً فهو عند الله شريف، سيّدنا الصدِّيق كان راكبًا ناقة، فوقع منه زِمام الناقة، وحوله الصحابة الكرام، فنزل ليأخذ زِمام ناقته، فلما انتبَه الصحابة انْزعَجوا فقالوا: يا خليفة رسول الله نَكفيك ذلك؟ فقال: أمرني حبيبي ألا أسأل الناس شيئًا! فما دام هناك قوّة فما عليك إلا أن تشتغل وتتعب ثمّ تنفق مالك وإياك وسؤال الناس، لأنَّك إن فعلت فتح الله عليك باب الفقر، فالإنسان عندما يفكِّر بطلب الناس تتعقَّد الأمور.
قال عليه الصلاة والسلام: ((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فأجْملوا في الطلب))
[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
نحن نتكلّم عن الصدقة والإنفاق ولكن كلّما ترفَّع الإنسان كان إيمانه أقوى، فيُمكن أن تأخذ كيس باذنجان وتضعهُ على الرصيف وتبيعُهُ، وتشتري ما يمكن شراؤه، وأنت مرفوع الرأس وملِك، ولا تتذلّل الناس، قال: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألنّ عن السبب
الله يعطي من يشـاء فقِف على حـدّ الأدب
***
كان النبي عليه الصلاة والسلام يوزّع الزكاة فشاهد رجلين شابّين قويّين كأنهما يطلبان منه العَطاء، قال: فرفع فينا بصره وخفضه، فرآنا جَلْدَين فقال: إن شئتما أعْطيْتكما ولا حظّ فيهما لِغنيّ، ولا لِقَويّ مُكْتَسِب، فلو أنّ الإنسان حمل أغراض الناس أشرف مليون مرّة من أن يمدّ يده. 2 ـ العاملون عليها :
العاملون على الزكاة، هؤلاء الذين يجمعون الزكاة وينفقونها لهم أن يأخذوا منها، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[أبو داود عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ]
فالعاملون عليها، عمله جمْع الأموال وتوزيعها، ولم يشتغل شيئًا، فهناك جمعيات تعاونيّة خيريّة توكِّل إنساناً متفرِّغاً ليلاً نهاراً، فهذا له الحق في أخذ الزكاة لأنّه عامل عليها. 3 ـ المؤلفة قلوبهم :
المؤلّفة قلوبهم إما أنَّهم مسلمون أو غير مسلمين، فإن كانوا مسلمين قال: قوم من سواد المسلمين لهم نظراء من الكفار إذا أُعطوا رجي الإسلام من ورائهم، فأنت إن أعْطيته نظيره يغار فيُسْلِم، فهذا يمكن أن تعطيه، أو الضعفاء من المسلمين يُعْطَوا لِتَثبيت إيمانهم، أما الكفار إن كان يُرْجى إيمانهم فيُعْطون من الزكاة، تأليفًا لِقلوبهم، وإن كان بهذا المال يُتَّقى شرّهم يُعْطَون من هذا المال اتِّقاءً لِشَرِّهم، فنحن عندنا أربعة أصناف من المسلمين وصنفان من الكفار، فهؤلاء يُعْطَون الزكاة إما تثبيتًا لهم، أو جَلبًا لهم، أو جلبًا لنظرائهم، أو رِعايةً لأعمالهم الشاقة، أو جَلباً للخير، أو اتِّقاءً للشرّ وهذه أهداف.
4 ـ في الرقاب :
في الرِّقاب، وهو من يشتري العبد المؤمن ويُعْتِقَهُ في سبيل الله، وهذا الآن منتف.
5 ـ الغارمون :
الغارمون من كانت عليهم دُيون تعذَّرَت عليهم أداؤُها، فهذا يُعْطى من الزكاة، قال لي أحدهم: باع شخص بيعةً، وهذا الشخص ضعف، وله محلّ تِجاري، وأصبح المحل يبيع ولا يشتري، وأنت لك معه ألفين أو ثلاثة، والوضع مؤلِم، وهو على فراش الموت والمحل أفْلس، فيُمكن هذا الدَّيْن الثابت لك عنده تُسامحُهُ فيه، وتحسبُهُ من الزكاة، لأنَّه غارِم له ديون ولا يستطيعُ أداءها.
6 ـ في سبيل الله :
في سبيل الله وهذه أوْسع، فبعضهم قال: الطريق الموصِل إلى مرضاته من العلم والعمل، كلّ ما يتعلّق بالعلم؛ من طلبة العلم، وبإنشاء مدرسة، وبإنشاء مَيْتم، وبعضهم الغزو في سبيل الله، وبعضهم قال: توفير طريق الحج، فهذا الحاج في سبيل الله تعالى يحتاج إلى رعاية، وبعضهم قال وهو رأي نادِر: إنَّه إن كان هناك قرية ليس فيها مسجد، ولا يجد أهلها مكانًا يُصَلُّون فيه، في هذه الحالة النادرة يجوز أن يُنْفقَ من أموال الزكاة لِبِناء المسجد، لأنَّ المسجد مركز إشعاع.
7 ـ ابن السبيل :
ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدقة ما يستعين به على تحقيق مقصده.
هناك سؤال دقيق، لو أنّ أحدًا زكاة ماله تقدر بخمسة وعشرين ألف ليرة مثلاً هل يُعطي زكاته على هؤلاء الأصناف؟ نقول له: اِفْعل هذا، وإن أعطيتها لِصِنف واحد.

السعيد 09-11-2018 08:45 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الستون )

الموضوع : زكاة الدين - الحلى - صداق المرأة - اجرة البيت





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، و أَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، و أرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الزكاة، و قد بيَّنا في رمضان على من تجب الزكاة.
تجب الزكاة على المؤمن الحُرِّ المالك للنصاب، من أيِّ نوع من أنواع المال، و بيَّنا أيضاً أنَّ في مال الصبيِّ و المجنون زكاةً يخرجها ولِيُّه، و بيَّنا أن المالك المدين يطرح دينَه من أصل ماله، و الفضل بينهما تجب فيه الزكاة، و بيَّنا أنه من مات و عليه زكاة فعلى الوارث أن يؤدِّيَ حقَّ الله عز وجل، لأن حق الله عز وجل يجب أن يُؤدّى، و بيَّنا أيضًا أن النية شرطٌ أساسيٌّ في الزكاة، و أن وقت وجوبها حلول الحول، و أنه يُفضّل تعجيلُ إخراج الزكاة، و تُقبَل الزكاة مقدَّمًا ولو بِثَلاث سنين دُفْعَةً واحِدَة سلفًا، وكيف أنَّ المُزكِّي يجب أن يُدْعى له، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ ))
[النسائي عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ]
الأموال التي تجب فيها الزكاة :
1 ـ زكاة النَّقدين الذهب والفضَّة :
أما اليوم فالحديث عن الأموال، ففي آخر رمضان تحدَّثنا عن هذا الموضوع المهمّ في الزكاة، واليوم: الأموال التي تجب فيها الزكاة.
أوَّلاً: زكاة النَّقدين الذهب والفضَّة، وقد بيَّنا هذا أيضًا، وسوف نصل إلى أنّ بعض العلماء يجعل في هذه الأيام بِحِساب دقيق لِمِئتي درهم فِضَّة أي بِعِشرين مثقال من الذَّهب؛ هذا المبلغ يُعادِل من اثني عشر ألفاً إلى أربعة عشر ألفاً، والاحتياط على عشرة آلاف أفضل فعشرة آلاف فما فوق هذا هو الحدّ الأدنى؛ ذهبًا كان أو فِضَّة أو نقْدًا ورقِيًّاً، أو مجموع الذَّهب والفضَّة والنقد الورقي، فلو معه نقد ثلاثة آلاف، وثلاثة آلاف ذهباً، وأربعة آلاف فِضّة لوجَبَتْ فيها الزكاة؛ هذا كلّه تحدّثنا عنه في رمضان بزكاة الدَّين.
زكاة الدّين :
أما زكاة الدَّيْن فالعلماء قالوا: للدَّيْن حالتان؛ الحالة الأولى أن يكون الدَّيْن على مُعْترفٍ به، أيْ حقُّك ثابت، وللعلماء في ذلك عِدَّة آراء؛ هذا الدَّين الذي يعترف لك المدين فيه وينوي أن يُعْطِيَك إيَّاه، هذا الدَّين له حُكم.
الرَّأي الأوّل أنّ على صاحبه زكاته، إلا أنَّه لا يُلْزمُ بِإخراجها حتَّى يقبض دَيْنهُ، فلو كان لأحدهم مئة ألف وديَّنهم لِوَجه الله تعالى قرضًا حسنًا، نقول له: هذا المبلغ تجب فيه الزكاة لأنَّه مال، وثابت، وسوف يُؤدَّى لك، ولكن متى؟ متى قبضْتَ المال تُخْرِجُ الزكاة، أما على الرأي الأوّل فلا يلْزم بإخراجها حتى يقبض هذا المال، وعليه أن يؤدِّي الزكاة لما مضى فلو بَقِيَ سنتين مع المَدين تدفع حينما تقبض المبلغ سنتين، وهذا مذهب عليّ بن أبي طالب، والثوري والأحناف والحنابلة، والإنسان قد يرى في هذا الرأي تشدُّدًا! لكنّ هذا الرأي له حالة، فلو أنّ هذا الإنسان يملك مليوني ليرة أو أكثر وديَّن مئة ألف، نقول له: إذا قبضْت المبلغ اِدْفع زكاة هذا المال عن السَّنَوات السابقة لأنَّك في بَحْبوحة، وهناك رأي آخر وهو أنَّه يلْزمُهُ إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقْبضهُ، وهذا الرأي أشدّ، دفع مئتي ألف وما قبضها، ولكن معه مئات الآلاف الأخرى، فما دام هناك أموال طائلة يملكها فضْلاً عن هذا الدَّين الذي دفَعَهُ، فهناك رأي آخر وهو أنَّه يلْزمُهُ إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقْبِضهُ لأنَّه قادر على أخذه والتصرف فيه، فيَلْزَمُه إخراج الزكاة فيه كالوديعة، وهذا مذهب عثمان وابن عمر والثوري وطاوس والشافعي.
الرأي الثالث أنَّه لا زكاة فيه، لو أنّ واحدًا يملك ثلاثين ألفاً ولا يملك سِواهم، قدَّم هذا المبلغ لإنسانٍ فقير، هذا الإنسان لو وضَع هذا المال في مشروع تِجاري مع تاجر، وكان الربح قليلاً، وخسرت التجارة، فهل نحمِّله أن يدفع من زكاة هذا المال؟ فالرأي الثالث أنّ هذا المال لا زكاة فيه ما دُمْت أقْرضْتَهُ لِوَجه الله تعالى قرضًا حسنًا، ولم تسْتفِد منه فلا زكاة فيه.
الرأي الرابع أنَّه يُزكِّي عن هذا المال لِسَنةٍ واحدة حين يقْبضُه، فهذه أربعة آراء والحقيقة تبدو هذه الآراء متناقضة، أو تبْدو متبايِنة، ولكنّ المفتي هو الذي يعرف حال كلّ سائل، فلو أخذنا إنساناً يملك مليوني ليرة، مبلغ نقدي في صندوقه الحديدي، وديَّن مئة ألف، وهذا الإنسان في بَحبوحة، والمبلغ المالي الذي أقرضهُ هو جزء يسير من أمواله الطائلة، نقول له: اِدْفَع زكاة هذا المبلغ أقبضْتهُ أم لم تقْبضْهُ! لأنَّه دَين ثابت، وسيُؤدَّى لك وأنت في بَحبوحة، وفي أموالهم حق معلوم هكذا الإفتاء، وهذا أشدّ الآراء.
والرأي الأقلّ أنَّ هذا المبلغ، حينما تسْتعيدُهُ، لما رجع بعد أربع سنوات كان عليك دفْع زكاة أربع سنوات، قد يُقال: إنَّ هذا المبلغ قد قلَّت قيمته، أنت تقرضُ الله قرضًا حسنًا، والله عز وجل يضْمن لك فرْق السّعر، فأهل الآخرة هكذا يفكِّرون، أما أهل الدنيا فيفكِّرون في زيادة العملة أو نقصها، والله يُضاعف لك أضعافًا كثيرة.
الرأي الثالث؛ أنَّك إذا أقرضْت هذا المبلغ ورُجِّعَ إليك عليك أن تدفع زكاة سنة واحدة حين القبض.
والرأي الرابع لا زكاة فيه إطلاقًا، فلو أنَّ واحدًا يملك عشرة آلاف وقدَّمها لِشَخص فقير لِيستعين بها على شؤونه، وبعد أربع سنوات قال له: تفضَّل! نقول لهذا الإنسان الذي أقرض هذا المال لله عز وجل ولا يملك سواه لا زكاة فيه، فالاختلاف في هذه الأمور رحمة، ومعنى الاختلاف التَّبَايُن في الآراء، وهذا من رحمة الله عز وجل، أربع حالات تسَع كلّ حالات الدَّيْن، فلو كان له مبلغ كبير، وتملّك سواه نقول له: ادفَعْ زكاة هذا المبلغ قبل أن تقبضه و تدفع مبلغاً كبيراً ولا تملك سواه"، نقول لك: حينما يُرَدُّ إليك تدفع زكاته عن الأعوام السابقة، وآخر له مبلغ مُعْتَدِل رُدّ إليه؛ هذا يدفع زكاته حينما يُردُّ إليه عن عامٍ واحد، ومبلغٌ صغير أقْرضْتهُ؛ هذا لا تدفع زكاته إطلاقًا، فكلّ إنسان يَزِن حالته بِبَعض هذه الحالات، والرأي المعتدل أنّ كلّ حالة تُعرض على المفتي، والمفتي يجد لها حكمًا يُقابلها.
الدَّين على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ أو مُماطِل :
قال: أما إذا كان الدَّيْنُ على مُعْسِر، أي جاحد أو مُماطِل، قال لي أحدهم: لي مبلغ مع فلان، لا أحسِن أن أُطالبهُ، والمُماطِل يُحِلّ عِرْضَهُ، فإذا ذَكَرْت أنَّ فلانًا لا يدْفع ما عليه هذا مباح، من أجل تحذير الناس منه قال: فقيل إنَّ هذا المبلغ الذي أقرضته لِمُعسِرٍ أو مماطِلٍ أو جاحِدٍ لا تجِبُ فيه الزكاة، ورأيٌ آخر أنَّه يُزَكِّي عنه إذا قبضَهُ، فما دام في حَوْزَة المُعْسِر أو المُماطِل أو الجاحد فلا زكاة فيه فإذا قبضْتَهُ وَجَبَتْ فيه الزكاة لما مضى أو لِعامٍ واحد، وهذا بحَسب الحال، إنسان مُنْدفِعٌ في الدِّين اندِفاعًا شديدًا، واسْتَفتاك، قُل له: اِدْفَع زكاة ما مضى،‍‍ وآخر دينه رقيق وضعيف واستفتاك فقلْ له: لك أن تدفع زكاة عامٍ واحد، فالخلاصة أنَّ هذا الدَّيْن على نوعين؛ دَيْنٌ مُعْترفٌ به مَبْذولٍ وفيه أربعة آراء فالرَّأي الأوَّل: دَفعُ الزكاة قبل القبض عن كلّ عام، والرأي الثاني: دفع الزكاة حين القبض عن عامٍ، والرأي الثالث: دَفع الزكاة حين القبض عن كل الأعوام، والرأي الأخير: دفع الزكاة حين القبض عن عام وهذا لا زكاة فيه، وأما الدَّين الذي على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ أو مُماطِل فلا تجِبُ فيه الزكاة مادام في حَوزَة المدين، فإذا أصبح في حوزة الدائن وجب دَفْعُ الزكاة عما مضى، أو عن عامٍ واحدٍ.
الآن عندنا شيء مُسْتحدَث؛ تاجر معه سَنَدات، باعَ بِضاعته في بعض المصالح، طبيعة بيعها أي هذه المصلحة يتعاملُ أصحابها بالدَّين، يأخذ القماش، ويُوَقِّع فيه سَنَدات لِسِتَّة أشهر، أو جمعيَّة، كلّ جمعة مبلغ، وعلى كذا شهر مبلغ كذا، مثل هذه المصالح تجد في صندوق التاجر سنَدات، أي وثيقة في الدَّين، ومعتمدة في القضاء، طبعًا العلماء قالوا: أوراق السَّنَدات، أو الشِّيكات، هذه تُعامَلُ معاملة الدُّيون التي اعْتُرِفَ بها لأشخاصٍ باذلين إياها كالدَّيْن تمامًا، أثناء الجَرْد تُحْسبُ هذه الأوراق الماليّة أو السَّنَدات كَدُيون مستحقّة.
2 ـ زكاة الحليّ :
أما زكاة الحليّ، الذَّهب غال كثيرًا، اتَّفَقَ العلماء على أنَّه لا زكاة في الماس، والدرّ، والياقوت، واللؤلؤ، والمرجان، والزَّبرجد، ونحو ذلك من الأحجار الكريمة، إلا إذا اتُّخِذَتْ للتِّجارة ففيها زكاة، فالتِّجارة في هذه الأحجار تجب فيها الزكاة لأنَّه مال نام، يُجْرَدُ ويُقيَّمُ وتُؤَدَّى زكاتُهُ، أما اتِّخاذها للزِّينة فلا زكاة فيها، واختلف العلماء في حِلِيّ المرأة من الذَّهَب والفضَّة، فالأحجار الكريمة اتَّفقوا على أنَّه لا زكاة فيها، أما حليّ المرأة فللعلماء مذاهب، ولكن قبل أن نقرأ المذاهب، لو فرضنا امرأة متزوِّجة معها من الذَّهب ما يقدر باثني عشر ألف ليرة، هل يُعْقَل من الشَّرع الحنيف أن يأمرها أن تبيع إحدى هذه الأساوِر من أجل أن تُؤدِّيَ زكاتها؟ مستحيل فالشَّرْع رحيم، فالذَّهَب في عالم المرأة شيء ثمين، والتفريط فيه يُزْعِجُها جدًّاً، لذلك العلماء اختلفوا في زكاة الحليّ، فأبو حنيفة رحمه الله ذهب إلى وُجوب الزكاة في الحليّ، وكذلك ابن حزم، إذا بلغَتْ نِصابًا، واستدلوا من حديث لِرَسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( فقد روى عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه قال: أتَتْ النبي عليه الصلاة والسلام امرأتان في أيديهما أساوِر من ذهب فقال لهما: أتُحِبَّان أن يُسَوِّركما الله يوم القيامة أساوِر من نار؟ قَالَتَا: لَا، قَالَ: فَأَدِّيَا حَقَّ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا))
[أحمد عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه]
هذا الحديث اعتمد عليه الإمام أبو حنيفة، وجعل زكاة الحلي كَزَكاة نِصاب الذهب والفضة.
وذهب الأئمة الثلاث إلى أنه لا زكاة في حليّ المرأة بلَغَتْ ما بلغَت وتجدر الإشارة إلى أنّ الذي يبحث عن الرّخص في المذاهب هذا لا يجوز! روى البيهقي أنّ جابر بن عبد الله سُئِل عن الحلي أفيه زكاة؟ فقال: لا، فقيل: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال: أكثر من ذلك؛ لا، فالحليّ عند ثلاثة علماء أفذاذ من المذاهب لا زكاة فيه، وهذا الكلام مُجمل، ولكن في كتب الفروع هناك كلام أوسَع، لو فرضنا شخصًا عنده أساوِر مُكَسَّرة وتركها وقال: هذا ذهَب؛ هو حينما تركها جعلها مالاً الآن، مادام إسْوارة صالحة للزِّينة فهي إسْوارة أما حينما انكسَرت وتُرِكَت صارَت ذهبًا، فكَسْر هذه الأساوِر فيه زكاة، وهناك ناحِيَة ثانيَة، وهو أنَّنا لو فرضنا امرأة عندها بالخِزانة ذهبًا بِمِئة ألف ليرة، نِيَّتُها اسْتِخدامها للزِّينة فقط، فليس شرطًا أن تضَعها في يدها، فما دامت الحِليّ مستخدمة للزِّينة فقط فلا زكاة فيها، وهذا رأي في ثلاثة مذاهب، ولكن أحيانًا ينتفي عن هذه المرأة نيَّة الزينة، كأن يأتيها الذهب وراثةً، فهي نيَّتها من هذا الشيء تَطوير المال فهذه ليس في نيَّتها الزينة إطلاقًا، فما دامت نيَّتها تَطوير المال ووضعه في مكان يُحافظ على سِعره فهذه نيَّة التثمير، فالقضيَّة قضِيَّة نيّة: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
فإذا اتُّخِذَت هذه الأساوِر تطورًا للمال وحِسابًا عليه ففيها زكاة، فالحليّ المكسور فيه زكاة، لأنَّك تُحافظ عليه كأنّهُ مال فقط، لأنّ هذه الإسوارة المكسورة ليسَتْ صالحة للزِّينة وإنما هي صالحة لوقت ارتِفاع الذَّهب، ومرّة ثانية: (( اختلاف أُمَّتي رحمة ))
[ البيهقي عن ابن عباس]
الآن، لو أنّ رجلاً اتَّخَذ حِلْيةً من الذَّهَب، هذا تجِبُ فيه الزكاة، فالرجل ليس مباحًا له أنْ يتَّخذ الذَّهب للتَّزيُّن، فلو كان له سيف من ذهب مُخبَّأ فهذا السيف يَجِبُ أن يدفع زكاة ماله، لأنَّه محرّم على الرجل استخدام الذهب واستخدامه، وليس محرَّمًا عليه اقْتِناء الذَّهب، فإذا كان للمرء أشياء فيها ذهب فهذا الذَّهب عليه زكاة، أما المرأة فمُباح لها التَّزيُّن بالذَّهب. 3 ـ صداق المرأة :
مهر المرأة يُعَدُّ في الشَّرع دَينًا ممتازًا، وعليه زكاة، فإذا كان الزوج ينوي أن يُعطي زوجته صداقها، فهذا دَين مِن مُعترفٍ به باذلٍ له، فإن كان لا ينوي كأن يكون جاحِدًا أو مُعْسرًا فلا زكاة فيه، لذلك مهر المرأة يُعدُّ كَحُكم الدَّين والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
أحيانًا هناك من يفكِّر أن يكتب هذا على ورق، فقط! لا إذا كتبت المؤخّر مئة ألف يعني مئة ألف، هذا دَيْنٌ ممتاز، وما دام دَينًا ممتازًا تَجبُ فيه الزكاة، فلو كانت المرأة بِبَحبوحة وتأخذ كلّ شهر ألف ورقة من زوجها مثلاً، وزوجها مَيْسور الحال، ومهرها ثابت في ذِمَّته، فهذه المرأة عليها أن تؤدِّي زكاة مهرها، لأنَّ مهْرها دَيْنٌ ممتاز، أما إن كان زوجها لا ينوي أن يؤدِّيه لها؛ جاحِد أو مُعْسِر أو مماطل، فهنا لا تجب عليها الزكاة، أما إن دفعه لها وكان فوق النّصاب، فتجبُ فيه الزكاة، فأحكام زكاة الدَّين تُطَبَّق على صداق المرأة لأنَّه دَينٌ ممتاز، هناك نساء غَنِيَّات ومعهن أموال، نقول لها: أدِّ عن هذا المهر زكاته، فأحكام الصَّداق تنطبق على أحكام الدَّين لأنَّه دَينٌ ممتاز. 4 ـ زكاة البيوت المؤجّرة :
هنا عندنا حكم آخر، وهو زكاة البيوت المؤجَّرة، فالمعلوم أنّ البيوت لا زكاة فيها، فالبيت المسكون لا زكاة فيه، إلا أنَّني سَمِعتُ مرّة قصّةً لا أنساها، طبعًا ليس هذا فرضًا ولكن تطوّعًا، يجمع كلّ شيء في بيته سواء كان مستهلكًا أو غير مستهلك، آلات حرفة، سيارة، أثاث، يجْمع أملاكه حصرًا، ويدفَعُ عنها الزكاة، فهذا أحد الأخوة كان له مصنع بِلُبنان وقريب من منطقة الاشتِباكات، المهمّ المعمل شكله مربَّع، ومقسَّم إلى نصفين، لكلّ نصف رئيس يرأسُهُ، يقول هذا الأخ: بعد أن انتهَت الاشتباكات ذهَبت أرى مصنعي، الذي رآه شيء لا يُصَدَّق، وجد النصف الذي أصحابه يؤدّون الزكاة لم يمسّهم أيّ شيء، والنّصف الآخر هُدِمَت جُدرانه! وهذا على قول بعض العارفين: عندنا أم عنكم؟ لما سئل عن مقدار الزكاة، فقال: أما عندكم فاثنان ونصف أما عندنا فالعبد وماله لِسَيِّده.
البيت المؤجّر نأخذ الزكاة عن الأجرة كلّ سنة، وبعضهم قال غير ذلك بِمُجرّد توقيع العَقد تستحقّ الزكاة عن الأُجرة، قال: نعم، والآخر قال: لا، فالموضوع خِلافي، بل إلى أن يَمْضي عامٌ على تأجير هذا المنزل فالأولون يرَون أنّ استحقاق الزكاة يكون وقت توقيع العقد، وبعضهم الآخر يرى بعد مُضِيّ المدَّة، على كُلٍّ: البيت المؤجَّر زكاته زكاة أُجْرتِهِ إذا كانت فوق النِّصاب، أما هناك بيوت أجرتها مئة ورقة، وضريبتها مئتان وسبعون ليرة! وسوف نستعرض زكاة التِّجارة في درس قادِمٍ إن شاء الله تعالى.

السعيد 09-11-2018 08:47 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الستون )

الموضوع : زكاة التجارة - الاخوة فى الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
زكاة الزروع والثمار :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الزكاة إلى موضوع الزكاة والثمار، فقد أوْجبَ الله سبحانه وتعالى زكاة الزروع والثمار فقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة:267 ]
هذه عروض التِّجارة، أيْ مِن كسْبِكم الحلال، وكلمة مِن طيّبات لا تعني أنّ الطعام طيِّب، وإنما طريقة تَحْصيلِهِ طيِّبَة، وبِطريق مَشروع، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 141 ]
هذه آية دقيقة فلولا هذه الآية لو أكلْتَ تُفاحةً واحدة يجب أن تُسَجِّلها، وفي نِهاية المحْصول لابدّ مِن حِساب مُجْمل المحصول من أجل أن تُؤدِّيَ زكاة مالك، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى بالناس لرؤوف رحيم، كُلْ وأطْعِم وضيِّف، أما حين حصاد هذه الثِّمار فاُحْسُب الكميَّة وأدِّ زكاتها عند الحصاد لا عند القطف أو النُّضْج، قال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 141 ]
قال ابن عباس: حَقُّه الزكاة المفروضة، وقال: العُشْر ونصف العُشْر. زكاة المال تحفظ الإنسان و ماله :
سَمِعتُ قِصَّة؛ فقبل أربعين أو خمسين عامًا جاءت إلى الشام جائحة من الجراد والجراد اسمٌ على مُسمَّى، لا يُبْقي ولا يذر، فهذه القصَّة تروي أنَّ أوراق الشَّجر أُكِلتْ، وقشور الجذور أُكلت، ولحاء الشَّجر أُكِل، حتَّى أنَّ الحكومة العثمانيّة ألْزَمَتْ كلّ فلاحٍ أن يجْمع عدداً من الجراد تحت طائلة الغرامة!! وفي أثناء تفْتيش المزارع والبساتين لَمَحَ أحد المسؤولين عن تنفيذ هذا الإجراء؛ لمَحَ بستانًا كالجنّة، أشجاره باسقة، وأوراقه نضرة، وثمارهُ يانعة، وكأنّ هذا البستان لا علاقة له بالشام، وكأنّ لا شأن له بالجراد، فالبساتين كلّها جرداء، لا يرق، ولا لِحاء، ولا نبات أخضر ولا يابس! أما هذا البستان فأخضر نضِر، فلما دخل هذا المسؤول إلى البستان والتقى بِصَاحبِه قال له: ما سرّ هذا البستان؟! فقال صاحبهُ: أستَعْمِلُ دواءً مُعيَّنًا فيبْدو أنّ هذا المسؤول غضب، ورأى في صاحب البستان أنانِيَّةً، تستعمل دواءً مُعيَّنًا ولا تُخْبرُ عنه الحكومة، فقال صاحب البستان: الدواء الذي أسْتعملُهُ أنا لا يستعملُه أحدٌ من الناس ولا يرْضون استعماله! فقال: وما هو؟ فقال: أنا أُؤدي زكاة مالي!!
لذا أيها الأخوة الأكارم، أصحاب البساتين، وأصحاب الزروع، إذا أدَّيْتَ زكاة مالك ذهَب عنك شرُّ مالك، فالذي أسمعُهُ من قبل أنَّ الحليب يوم الجمعة يُوزَّعُ على الفقراء، وكذا بيضُ الدجاج، وما كُنَّا نسمعُ بهذه الأمراض الوبيلة؛ يقول لك: مرض أصاب الدجاج فماتَتْ مئة دجاجة في ساعة!! هذه الأمراض التي تُصيب الدجاج والبقر؛ هي كلُّها من منْعِ الزكاة، لي صديق كانت له مزرعة، وكان أبوه شديداً جدًّا، وليس ديِّنًا، ففي أحد السَّنوات مرض الأب، وعجزَ عن إدارة هذه المزرعة، فجاء الابن ونوى في قلبِهِ أن يدْفَعَ زكاة ثمار هذه المزرعة، فحينما نوى ضمَّنها هذا الابن ضِعف ما كان أبوه يُضَمِّنها في السنوات الماضية، والقصص التي تؤكِّد وجود تَأدِيَة الزكاة في الزروع والثِّمار لا تعَدُّ ولا تُحْصى، وهذه القصص لا على سبيل الحصْر، بل على سبيل المِثال.
الأصناف التي تؤخذ منها الزكاة و التي لا تؤخذ منها :
وقد كانت الزكاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُؤْخَذُ من الحِنطة والشعير والتمر والزبيب، فهل هذه الأصناف على سبيل الحصر أم أنَّها على سبيل المثال؟! هذا موضوع خِلافي، فعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يُعلِّمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصّدَقة إلا من هذه الأربعة، الحِنطة والشعير والتمر والزبيب، وأجمع العلماء على أنَّ الصدَقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
أما الأصناف التي لم تكن تؤخذ منها الزكاة، فلم تكن تؤخذ الزكاة من العنب والرُّطَب، فعن عطاء بن السائب أنَّ عبد الله بن المغيرة أراد أن يأخذ صدقة من أرض موسى ابن طلحة...: ليس في ذلك صدقة " صار عندنا معنيان: القمح والشعير والزبيب والحنطة؛ هذه أصناف تُخزَّن، وهي أصناف أساسيَّة وقِوام الحياة، أما الذي يزرع الفريز، فهذه فيها خلاف، بعض العلماء قال: الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾
[ سورة البقرة:267 ]
هذه الآية مطلقة، والمطلق على إطلاقه، فأيّ شيء ينبتُ يجب أن تؤدِّي زكاة ماله إن كانت الأرض مَرْوِيَّةً، فعليها نصف العُشْر، وإن كانت بَعلاً فعليها العُشر، مَرْوِيَّةً أيْ فيها نفقات، ويحْملُ هذا على العسل والحليب والبيض، كل الإنتاج الحيَواني، فالنبي عليه الصلاة والسلام حدَّدَ القمح والشعير والتمر والزبيب وبعضهم اعْتَمَدَ على حديث يقول:(( ليس في الخضراوات صدقة))
[الدار قطني عن علي بن أبي طالب]
آراء أخرى حول زكاة الزروع :
سوف نرى بعض الآراء الأخرى.
جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنَّه قال:
"في خمسة أشياء الشعير والقمح والحنطة والزبيب والتمر، وما سوى ذلك مِمَّا أخرجت الأرض فلا عُشْر فيه"
وبعض العلماء يقول: إنَّ الزكاة تتعلَّق بالمُقتات دون القوت، فالمُقْتات هو الغذاء المخزَّن، والذي يُعَدُّ أساسيًّاً في حياة الإنسان، وهذا الغذاء المخزّن عليه الزكاة.
الحسن البصري، والشَّعبي قال: "لا زكاة إلا في المَنصوص عليه، وهي الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب"، لأنَّ ما عداه لا نصَّ فيه، وأبو حنيفة يقول: "إنَّ الزكاة واجبة في كلّ ما أنْبَتَت الأرض، ولا فرق بين الخضراوات وغيرها، واشْترط أن يُقْصَدَ بِزراعته استغلال الأرض ونماءَها عادةً"، وأما أبو يوسف فقال: "الزكاة واجبة في الخارج من الأرض بِشَرط أن يبقى سنة من غير عِلاج كثير، سواء أكان مكيلاً كالحبوب أو موزونًا كالقطن والسكّر"، فأصبح عندنا ثلاثة آراء، فرأْيُ أبي حنيفة رضي الله عنه أنَّ الزكاة واجبة في كلّ شيء، فأيّ شيءٍ أنْبتَتْهُ الأرض فالزكاة فيه واجبة، ورأي الحسن البصري والشعبي أنَّه لا زكاة إلا في المَنْصوص عليه، ورأي أبي يوسف أنَّ الزكاة واجبة في كلّ قوتٍ يمكن أن يُخَزَّن سنةً من دون عِلاجٍ كثير.
الإمام مالك يقول: "يُشترط فيما يخرج من الأرض أن يكون مِمَّا يبقى وييْبَس ويسْتنبِتُه بنو آدم، سواء أكان مُقْتاتًا كالقمح والشَّعير، أو غير مُقتاتٍ كالسُّمْسم، ولا زكاة عنده في الخضراوات والفواكه كالتين والرمان والتُّفاح".
أما الإمام الشافعي فيذهب إلى وجوب الزكاة فيما تُخْرِجُهُ الأرض بشَرط أن يكون مِمَّا يُقتات ويُدّخر، ولا تنسَوا يا أخوة الإيمان أنَّ اختِلاف العلماء رحمة، وأنَّ الشَّرع الحنيف يسَعُ الناس كلَّهم، ويسَعُ الحالات كلَّها، ويسَعُ اختلاف الحالات، واختلاف الأحوال، شَخصٌ مُتشَدِّد يقول: أنا لا أدفع إلا في الشعير والقمح والزبيب والتمر كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، نقول له: هناك مذهب يؤكِّد هذا القولَ، إنسان مندفع إلى العمل الصالح اندفاعاً عجيباً أيُّ شيء أنبتته الأرض يقول: سأدفع زكاته، فالشرع يسَعُ الناس كلَّهم على اختلاف حالاتهم وأحوالهم، والناس أصناف متهيِّب ومنْدفِع ومقصِّر.
وعند الإمام أحمد تَجِبُ أيضًا في جميع الأصناف التي تُخزَّن من العام إلى العام فالعنب يصبح زبيبًا، وأيّ شيءٍ يُخَزَّن أو يُجفَّف يصبح محصولاً أساسيًّاً.
أسباب الخلاف بين العلماء :
يا ترى ما هي أسباب الخِلاف؟ الحقيقة أنّ الخِلاف سببه بسيط ذلك أنَّ من قصَر الزكاة على الأصناف المُجْمَعِ عليها وبين عدَّها من المُدَّخَرات، اختِلافهم في تعلّق الزكاة لهذه الأصناف أَهُوَ تَعَلُّقٌ لِعَينها أو لِعِلَّةٍ فيها؟! فكلّ هذه الأقوال المختلف عليها، وفي هذا الخِلاف رحمة سبَبُهُ أنَّ هذه الأصناف التي ذَكَرها النبي عليه الصلاة والسلام هي واجبةٌ فيها الزكاة لِعَينها أو لِعِلَّة فيها! فإن كان لِعَينها لا تجِبُ الزكاة في الخضراوات وما سِوى هذه الأصناف، وإن كان لِعِلّة فيها، كأن تكون محصولاً أساسياً في البلد، إذا ذهبنا إلى بلاد شرقي آسيا وجدنا أنَّ الشاي المحصول الأساسي للبلد، فهل نقول: هذا الشاي لا تجب فيه الزكاة؟! وإذا ذهبنا إلى البرازيل وجدنا قِيام المحصول هو البنّ، إذا ذهبنا إلى العراق فقيام المحصول هو التمر، فكلّ بلد لها محصول أساسي، فَخِلاف الفقهاء رحمة، فليس الوجوب في ذات هذه الأشياء بل لِعِلّة فيها، فَمَحصول رئيس يعتمد عليه الناس في تحصيل قوتهم، فقال: سبب الخلاف هو أنَّ هذه الأصناف التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام إما أنَّه أوْجَبَ الزكاة فيها لِعَينها أو أوْجَبَ الزكاة فيها لِعلَّة فيها، فمن قال لِعَينها قصر الوجوب على القمح والشعير والزبيب والتمر، ومن قال لِعِلَّة فيها أدْخَل جميع الأصناف الأساسيَّة، فإذا كان الواحد عنده مزرعة عنَب كلفتها خمسة آلاف ليرة! فهل نقول: هذه ليس عليها زكاة! وما ضمَّنها في الحديث! فإذا رأيْت الزكاة في عَين هذا الصِّنف فأنت مُعْفى، أما إن رأيْت الزكاة في عِلَّة فيه فإذا كان لك مزرعة عِنب فهذه عليها زكاة، وإذا كان لك مزرعة فريز هذه عليها زكاة، وإذا كان لك مزرعة تفاح فهذه عليها زكاة، فالزكاة اختلافهم فيها رحمة، واختلافهم يسَعُ حالات المسلمين وأحوالهم.
مقدار الزكاة :
أما مِقدار الزكاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((فيما سقَتْ السماء العُشْر، وفيما سُقِي بالنّضح نصف العُشر))
[ السنن الكبرى عن أبي هريرة]
الآن مثلاً يُشْترى الماء، ففي أزمات الماء، يقول لك الواحد: كلَّفني الماء عشرة آلاف! فهذا نقول له: نصف العُشْر، وأخٌ سألني عن العسل: فإذا كان كويرات طبيعيّة في الأشجار أو من الطِّين فهذا العُشْر، وإذا أتَيْتَ بِمَناحِل اصطناعِيَّة وكلَّفتْك نفقات طائلة نقول لك: نصف العُشر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن نصيحةٌ لِوَجه الله تعالى، أثناء حِساب الزكاة، إذا احْتَرْت، ولم تعرف الوَجه الصحيح، أو لم تَجِد جوابًا شافيًا في الأنصبة والنِّسَب فالتوجيه أنّك إن غلطْتَ لِصالح الزكاة فلا مانِع، أما لِصالحك ففيه مانع لأنَّه نقص في العبادة.
في بلاد الزيتون مثلاً، هذا النوع قد يكون المحصول الأوّل في بعض المناطق، إذًا نحن يجبُ أن نحمِلَ الزكاة على عِلَّة الأشياء التي ورَدَت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الإنسان الذي يزرع خضراً وفواكه في مزرعة داره، هذه لا زكاة عليها، والعلماء قالوا: خمسة أوْسُق وهي تُساوي ألف وستمئة رطل عراقي، والرِّطل العراقي يُساوي مئة وثلاثين درهمًا تقريبًا، أي هناك حدّ وهو المُعبَّر عنه بالكميَّة التِّجاريّة، لأنّ هناك كميَّة اسْتِهلاكيَّة، فلو أنّ إنسانًا له شيءٌ يسْتهلِكُهُ، وله دجاجة تبيض له بيضة واحدة في اليوم! فهل نُلْزم هذا بالزكاة؟! الزكاة واجبة و من ينسى حق الله فلله جنود تعمل في الخفاء :
لما المزارع يعلم أنّ عليه زكاة واجبة، فلا بدّ عليه من تأدِيَة الزكاة، مرَّة كنتُ بِمَنطقة فيها صفة التَّدَيُّن الزائد، كنت أمشي بالطريق في قطر عربي قال لي: تفضّل، وضيَّفني ثلاثة كيلو درّاق! فقلتُ له: واحدة! قال: لا وكانت هذه عادة هذا القطر، فقلت: ما أعظم هذه العادة التي تدلّ على الإسلام، لذا إن كنت تملكُ مزرعةً، عليك أن تضيّف الناس، لأنّه قد يشتهي أحد المارة ما يراه في بستانك، ولا يستطيع أن يشتريه، وقد قال لي أحدهم: أُضَمِّن مزرعتي بالسنة بمئتي ألف، وخلال أربع أو خمس دقائق في أوقات الليل، هناك برد شديد، كما قال تعالى:
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
[ سورة القلم : 19 ]
الذي حدث جاءه الصقيع، وصار كلّ التفاح أسوَد! فالذي يبْخل، الله تعالى عنده جنود في الخفاء، تجده يجمع ويطرح، وفي الأخير ينسى حقّ الله تعالى، فهذه حشرت جاءت في أحد الأعوام أكلت أجنحة النحل، فصار العسل غاليًا! سبحان الله، الله يبارك في الذي يُزَكِّي ماله، قال تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾
[ سورة القلم : 17 ]
وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درسٍ آخر.




السعيد 09-11-2018 08:49 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الستون )

الموضوع : زكاة الزروع والثمار







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
زكاة التجارة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة التجارة، وكُنّا قد تحدَّثنا عن زكاة النّقدَين الذَّهب والفضّة، وعن زكاة الدَّيْن، وزكاة الحليّ، وزكاة صَدَاق المرأة، وزكاة أُجور الدور المؤجَّرة، واليوم إلى زكاة التِّجارة.
فقد ذَهَب جماهير العلماء من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء إلى وُجوب الزكاة في عروض التِّجارة، أي البِضاعة، وهذا في أيّة بِضاعةٍ كانت، مواد معْدَنِيَّة، أو خشَب، أو ملبوسات وأقمشة، أو مواد غِذائيَّة، فأيّة تجارة لا بدّ لها من بِضاعة، هذه البِضاعة عليها زكاة لما رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب أنَّه قال أنَّ:
((النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرنا أن نُخْرج الصَّدقة من الذي نُعِدُّه للبيع...))
[رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب]
فالبِضاعة التي تُعِدُّها للبيع يجب أن تُخرج عليها الزكاة، وكما قلتُ قبل قليل؛ أيَّةُ مادَّة مُعَدَّة للبيع، كالمواد الغذائية، أو ملبوسات جاهزة، أو مواد تزيينيَّة؛ حديد أو إسمنت: (( في الإبل صدقتها، وفي الغنم صَدَقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البذّ صَدَقَتُهُ...))
[البيهقي عن أبي ذر]
البذّ بعضهم قال: القِماش، وبعضهم قال: متاع البيت، وعن أبي عمرو عن أبيه أنَّه قال: "كنتُ أبيعُ الأُدُم و الجِعاب فمرَّ بي عمر بن الخطاب فقال: أدِّ صدقة مالك، فقلتُ: يا أمير المؤمنين إنما هو الأُدم؟ فقال رضي الله عنه: قَوِّمْهُ ثمّ أخْرِج صدقته" الإدام هو الجلد، والجِعاب الجِفان والأواني المستخدمة في الطبخ، وفي المنار أنَّ جمهور العلماء يقولون بِوُجوب زكاة عروض التِّجارة، وليس فيها نصّ قَطعي من الكتاب أو السنَّة، وإنَّما وردَ فيها روايات يُقَوِّي بعضها بعضًا، فَعُروض التِّجارة المتداولة للاستغلال نُقود، ألم يمرّ معنا في قصَّة سيّدنا يوسف، قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 62 ]
بِضاعتهم أي نقودهم فالبِضاعة نَقْد، لماذا هي نقد؟ لأنّه يُمكن تَحويلها إلى نقْد تبيعها فتأخذ ثمنها نقْدًا، ولا فرق بينها وبين الدنانير التي هي أثمانها، فإذا كان للواحد مئة متر خشَب والمتر ثمنه يقدر بسبعة وعشرين ألفاً، فهذا يستطيع أن يبيع هذا الخشب، ويأخذ محلّه نقداً، ولو كانت عنده مواد غِذائيَّة مخزَّنة في البراد ممكن أن يبيعها ويقْبض ثمنها، فلا فرق عند جمهور العلماء بين البِضاعة وبين النَّقد إلا في كَون النِّصاب يتقلَّب ويتردَّد بين الثَّمَن وهو النَّقْد، وبين المُثَمَّن وهو البِضاعة، فلو كان لشَخص عشرة آلاف ليرة، فإما أن تكون مواد أوَّليَّة كالخشب أو النحاس أو الحديد أو الخيوط أو قماش، وإما أن تكون دراهم، وعمليَّات التِّجارة هي عمليات تحويل الدراهم إلى بضاعة، والبضاعة إلى دراهم، فلو لاحظْت نشاط التاجر، تجد له بِضاعة قبض ثمنها، واشترى أخرى، فنشاط التاجر تَحويل الأثمان إلى عروض، والعروض إلى أثمان، فالعروض والأثمان في النِّهاية في تَقويم إمكانات التاجر هي شيء واحد، فَحَجم الإنسان المالي لا فرْق بين أن يكون ماله بِضاعةً، وبين أن يكون نقْدًا، ففي الزكاة علينا أن نأخذ حجْم الإنسان المالي، وكلهم من زاوية واحدة، ولكن لو كان للإنسان مثلاً قماشاً انتهى رواجُهُ، فإذا أراد تَقويم هذا القماش عليه أن يُقوِّمه بالسِّعر الذي يستهلّه فإذا اشتراه بِثلاثين، ولم يُحصِّل فيه أثناء بيعه إلا عشرين، عليه أن يُقوِّمه بالعشرين، فالتَّقويم لا بشِرائِهِ، ولكن بِثَمن بيْعِهِ الحالي، فما دام التقويم صحيحًا فقلْبُهُ إلى المال سَهلٌ، فلو أنَّني اشتريْتُ هذه القِطعة بِثلاثمئة وثمنها الآن مئة، ولي منها عشر قِطع، عشر ضرْب مئة، فَعَمليَّة التقويم لا بدّ أن تكون حقيقيّة وليْسَت مُفْتعلة. الزكاة في أموال الأغنياء لِمُواساة الفقراء :
هناك نقطة دقيقة، قال: لو لم تَجِب الزكاة في التِّجارة لأمْكَنَ لجَميع الأغنياء أن يتَّجِروا بِنُقودِهم، ويتَحَرَّوا ألا يحولَ عليها الحَوْل، وهي نَقدٌ، فلو أنَّ تاجِر خيوط مثلاً، دائمًا عملته خيوط، ولا يملك النَّقد، فهل نقول: لا زكاة عليه؟! فلو أنَّه قيل: لا تَجِبُ في العروض الزكاة لأسقطنا الزكاة! ومن علامات نجاح التجار تَجِدُ صندوقه فارغاً، ومستودعُه مملوءاً لأنّه إذا الصندوق مملوء، والمستودع فارغ، هذا لا يُنمِّي مال التاجر، فدائمًا التاجر له مصلحة أن يكون حجمه المالي بِضاعة، لأنَّ البِضاعة مطلوبة، وقد يرتفعُ ثمنها، إذًا لو قلنا: لا زكاة في عُروض التِّجارة لأسقطنا فرْض الزكاة، لأنَّه من السَّهل جدًّاً أن يُحَوِّل الإنسان ماله إلى بضاعة، والمسألة أنّ الله تعالى فرَضَ في أموال الأغنياء صدَقةً لِمُواساة الفقراء، ومن في معناهم، لإقامة المصالح العامة، وأنّ الفائدة في ذلك للأغنياء، تَطهير أنفسهم من رذيلة البُخل، وتَزْكيتها بِفَضائل الرحمة للفقراء، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الحشر : 7]
أعداء الإسلام يقولون: إنَّ الإسلام بِفرْض الزكاة رسَّخ الفقْر في المجتمع! وهذا كلام شيطاني، فلا بدّ أن يكون في المجتمعات طبقات فقيرة، وهذا واقِع، ولكنّ الفقير ليس مأمورًا أن يبقى فقيرًا، فَتَحْسين المعيشة فرْض على المسلم، فقد قال عمر بن الخطاب لأُناسٍ فقراء: من أنتم؟ فقالوا: نحن مُتَوَكِّلون! فقال: كذَبْتُم، المُتَوَكِّل من ألقى حَبلاً في الأرض ثمَّ توكَّل على الله تعالى، أما الذي يتجاوَز سِنّ العمل، وليس له ولد، وضَعُف جِسمهُ، وأُصيبَ بِمَرضٍ عُضال، تأتي الزكاة لِتَحُلّ له المشكلة، أما أن نسْمحَ للفقير الشاب النشيط أن يبقى فقيرًا هذا ما قال به أحد. متى تصير العروض للتِّجارة ؟
الآن، متى تصير العروض للتِّجارة، فلو وجد إنسانٌ سجادًّا مُناسبًا جدًّاً، وهو تاجِر سجَّاد، فوضَع هذه السجاد الفخمة في غرفة الضُّيوف، وكان ثمنها غالٍ جدًّا، أفعَليها زكاة؟ قال العلماء: تصير العروض للتِّجارة لما:
أوَّلاً: أن يمْلك المسلم هذا المال، فقبل أن يملِكَهُ لا زكاة فيه، يملكُه بالبيع أو الشراء وفي النِّكاح مُلْك، فقد تملك المرأة مهرها بالنِّكاح، وفي الخلع يملك بعض ما أعطاه الرجل للمرأة، والهِبة، والوصيَّة، والغنيمة، والتجارة، والصناعة، والزراعة، فإذا تملَّكْت المال وَجَبت فيه الزكاة.
الشرط الثاني: أن يَنْوي عند تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارة، فلو أنّ تاجِر سجَّاد اشترى سجادًا بنِيَّة بيْعِهِ بِثَمن أغلى، هذه عليها زكاة، ولكن لو اشتراها لغُرفة الضيوف عنده كي يُزيّن بها بيته فهذه لا زكاة عليها.
من ملكَ قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول فزكاته نهاية الحول :
ومن ملكَ مِن عُروض التِّجارة قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول قوَّمَهُ آخر الحَول، نحن اتَّفقنا كرَقم تقريبي عشرة آلاف، فالذي عنده بِضاعة بِعَشرة آلاف، كأن يكون عنده قماش، هذه عليها زكاة، يُقوِّمها آخر الحَول ويُخرج زكاته، وهو رُبْعُ عُشر قيمته، أي اثنان ونصف بالمئة، وهكذا يفعل التاجر في تِجارته كلّ حَول، وقد أصبح للتاجر أساليب معيَّنة، فأوَّلاً يُقيمُ جردًا لِبِضاعته، وثانياً يُقوِّمها بِسِعر السوق، بالسِّعر الحالي، فقد يكون السِّعر الحالي أغلى من ثمن شِرائِها، أي هناك شيء اسمُه القيمة، وشيء اسمُهُ الثَّمَن، فأحيانًا تبيع هذا الكأس بِليرة، نقول اللَّيرة ثمنها، أما قيمتها فخمس ليرات، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن كأن تبيعها لإنسان ولم تُرِد أخذ ثمنها، فحلَف يمينًا مُعظَّمًا فقلتُ ليرة، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن فالمبلغ الذي دُفِع عِوضًا عنها، فالإنسان يعمل جردًا دقيقًا، وإن لم يُدقّق فإنّه مُؤاخَذ، إلا أن يكون اشترى بِضاعة بِمئة ألف وثمنها الآن مئتا ألف، وقد تكون هذه القيمة أعلى من ثمن الشراء أو أقلّ منها، ويُضيف إلى ثمن البضاعة موجوداته النَّقديَّة الموجودة في الصندوق، ويُضيف إليها أوراقه الماليّة من الشيكات والسندات وديونه الدَّفتريَّة، وثَمَن البِضاعة التي لا تزال في الطريق ونبحث فيما علينا، وفي النهاية يكون هناك رقم نضربه باثنين ونصف بالمئة، وهذا هو مِقدار الزكاة.
جواز دفع الزكاة قبل وقتها :
قلتُ لكم في رمضان أنَّ الإنسان الأولى له أن يدفعَ من أوَّل شوَّال دفعات على حِساب الزكاة، كأن يسمع عن امرأة أرملة فَيُساعدها، أو طالب مسافر، أو طالب لا يستطيع أن يُتابِع دراسته الجامعيَّة، فكلَّما يسمع بِجِهةٍ يدفع، وفي آخر السَّنة يَجمع المدفوعات على حِساب الزكاة مقدَّمًا، ويُجري الجرد والرقم النهائي يضربه باثنين ونصف بالمئة، فلو فرضنا أنَّ المبيع ثمانية وعشرون ألفًا، وهو دَفَع خِلال السنَّة خمسة وعشرين ألفًا، باقي للدَّفع ثلاثة آلاف، لذا الفقهاء أوْجَبوا دفعَ الزكاة في وقتها، لكنَّهم سَمَحوا أن تُدْفَعَ الزكاة قبل وقتها فهذه خِطَّة مُحْكمة يُطبِّقها أُناسٌ كثيرون مِمَّن هداهم الله إلى طريق الحق.
وفي درسٍ قادم إن شاء نتحدَّث عن زكاة الزروع والثمار، وبعدها عن زكاة الحيوانات، وبعدها نتحدَّث عن زكاة الرِّكاز أي الثَّروات الباطنيَّة في الأرض، وهذه زكاتها عشرون بالمئة، فآبار البترول في العالم الإسلامي هذه بِحَسب الشَّرع هي مِن حقِّ المسلمين جميعًا، فالمسلمون يستحِقُّون عشرين بالمئة من أثمان البترول في حقول البترول في البلاد الإسلاميَّة فالمساعدات التي تأتي هي من الحقوق وليس من الصَّدَقات، وهذا موضوع متعلِّق بِزَكاة الرِّكاز.

السعيد 09-11-2018 08:51 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الستون )

الموضوع : زكاة الزروع والثمار و الحيونات






الأكل من الزرع :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة الزروع والثمار والآن إلى موضوع فرعي عنوانه الأكل من الزَّرْع...
يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ قبل حِساب الزكاة، وقبل جني المَحصول، وقبل حساب حق الفقير، يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ، ولا يُحْسبُ عليه ما أكل منه قبل حصاده، لأنَّ العادة جارِيَةٌ به وما يؤكَلُ منه في نظر الفقهاء شيءٌ يسير، فمهما أكل صاحب البستان ومهما أكل أولادهُ أو ضيوفه بالقياس إلى مجموع المحصول شيء يسير، لذلك ربُّنا سبحانه وتعالى تَجاوَزَ لنا عن هذا اليسير، فإذا حُصِد الزَّرع وصُفِّيَ الزَّرْع أخرجَ صاحب الأرض زكاة الموجود وقْت الحصاد لِقوله تعالى:
﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 141]
سُئِلَ أحمد عمَّا يأكل أرباب الزُّروع من الفريك، فقال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه، وكذلك قال الشافعي.
فالذي عنده بستان أو حقل قمح، إذا أخذ جزءاً من القمح وجعلهُ فريكًا لِحاجته الشَّخصيَّة، هذا مَعْفُوٌّ عنه قبل حِساب نصيب الفقير وقت الحصاد.
تجبُ الزكاة في الزروع والثِّمار إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تَزْهُوَ وَعَنِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ))
[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
النهي عن بيع السنين :
ونهى عن بيع السِّنين، تضمن بستانًا لِخمس سنوات، فقد تأتي جائحة في السَّنة الثانية فلا تُبقي منه شيئًا، ونهى عن بيع الثِّمار حتَّى يبْدُوَ صلاحها، وهذا الكلام موجَّه لِمَن يعمل في ضمان الثّمار، فأحيانًا يقع صاحب البستان في الغَبن الشديد، يقول لك: أنا أضمنُ لك هذا البستان بِثَلاثين ألفاً، لم تبدُ بعد صلاح الثِّمار، فلو بدا صلاحها لا تبيعه أكثر من سبعين ألفاً فالنبي عليه الصلاة والسلام لكي لا تكون المنازعة بيننا ونحن عندنا قاعدة فقهية تقول: الجهالة تُفضي إلى المنازعة، وَطِّن نفْسَكَ في كلّ علاقاتك أن تكون واضحًا، فأيّ نقطة غامضة في الصّفقة، وفي عقد شراكة، قد تؤدِّي إلى المنازعة، والمنازعة فيها فساد ذات البَيْن، وفساد ذات البَيْن هي الحالقة، لا أقول حالقة تحلق الرؤوس، ولكن حالقة الدِّين، لذا مِن نجاح الإنسان في الحياة لا يعْقِدُ عقدًا، ولا يُبْرمُ صفْقة، إلا بعد أن تتَّضِح كلّ الأمور، وعادةً الطَّرَف الأضعف لا يُحِبّ أن يُفَكِّر في الأشياء والطَّرف الأقوى يسكُت لِيَستغلّ السُّكوت، والجهالة في جرِّ الرِّبْح إلى طرفِهِ، فالأقوى يسْكتُ، والأقوى يخاف أن يتكلَّم، وهذا الخوف من الأضعف، والسُّكوت من الأقوى يُسَبِّبُ منازعةً، والمنازعة تؤدِّي إلى فساد ذات البَيْن، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
توضيح كل شيء لأن الجهالة تُفضي إلى المنازعة :

رُفِعَتْ لي قضِيَّة أنَّ إنسانًا له جار يبيعُ غُرفَ نوم، فرأى غرفةً أعْجَبتْه قال له كم ثمنها يا جاري؟ فقال: كما تريد! فقال له: اِبْعَث لي إياها، أوَّل أسبوع أعطاه ألفي ليرة، وثاني أسبوع ألفين، إلى السابع من الأسابيع فوجد هذا الشَّخص أنَّ هذا هو ثمنها، ذاك الجار سكتَ أسبوعَين ثمّ قال للمشتري: لم تعُد تدفعُ لي يا جار؟ فقال له المشتري: أعطيتك ما يكفي لها، فقال له جاره: هذه ثمنها ثمانية وعشرون ألف ليرة!! فوقَعت منازعة بينهما، لذا الجهالة تُفضي إلى المنازعة، فأحيانًا حتَّى الابن عند أبيه لا يعرف نفسَهُ أَهُوَ شريك أم أجير أم صانِع أم مُوظَّف؟! فالبيان يطرد الشَّيطان، وضِّح له، ولا تستأجِر أجيرًا حتى تُعْلِمَهُ بأُجرته، فالذي يريد أن يعقِدَ شراكات أو يُبْرم عقودًا عليه أن يُوضِّح كلّ شيء كي تنتهي الأمور بالحسنى، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((كفى بها نعمة أن يتجاور المتجاوران أو يتخالطا أو يصطحبا فيفترقا وكل واحد منهما يقول لصاحبه : جزاك الله خيرا))
[ كنز العمال عن عائشة]
فأنت إن اسْتَطَعتَ أن تُعامِل، وتنتهي المعاملة جَزاك الله عَنِّي كلّ خير، إن اسْتَطَعت أن تُسافر مع إنسان وينتهي السفر بِجَزاك الله عني كلّ خير، حتَّى قال بعض الفقهاء إذا طلَّقْت الزَّوجة يجِبُ أن يكون الطلاق بالإحسان، ويَجِبُ أن تقول لك: جزاك الله عَنِّي كلّ خير، معنى ذلك أنَّها طُلّقَت لِسَبب قاهِر، ولأنَّها ظالمة، وحتى أنَّ بعض المُحسنين يُمسِكُ زوجته جَبرًا لِخاطِرها، وقد قيل لِبعض الذين عندهم زوجة سيِّئة طلِّقْها، فقال: والله لا أُطلِّقها فأَغُشَّ بها المسلمين! على كلٍّ الذي أُريدهُ من هذا أنَّ الإنسان عليه أن يُوضِّح كلّ شيء، فَكُلّ المنازعات التي في التِّجارة مِن الجَهالة، فلا تقل لِمَن قال لك: متى أسْتلِم البِضاعة؟ لن تطول، هذه الكلمة لها عِدّة مدلولات! وبعد ذلك تنشأ المشاكل، والأفضل أن تعمل عقدًا، فهذا الذي تقوله بِلِسانك يجِبُ أن يُثبَّت بالورق، لأنّه إن ثُبِّت أصبح هناك ضَبط، ومنَعْت بِذَلك الشيطان أن يدخل على خَصْمك، ومنَعتَ الشيطان أن يدخل عليك، وحديث النبي لصاحبيه...هذه صفية " من القائل؟ رسول الله عليه الصلاة والسلام! متى تجب الزكاة في الزروع والثِّمار ؟
تَجِبُ الزكاة في الزروع إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، وتَجِبُ الثِّمار إذا بدا صلاحها، ويُعْرف هذا باحْمِرار البلَح، وجرَيان الحلاوة في العِنب سبحان الله! يقول تعالى:
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة النحل: 16 ]
العلامات من آيات الله الدالة، فالتِّين ترى في أسفلِهِ نُقطة عسَل، والعِنب البلدي يصْفرّ والحلواني يحمرّ، والباذنجان يسْودّ، والكوسا تصفرّ، والتفاح يصفرّ بعد اخضراره، فما من فاكهة أو خضار إلا ولها علامات يبدو بها صلاحها فالله تعالى قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة النحل: 16 ]
وإذا باع الزارعُ زرْعه بعد اشتداد الحبّ، وبُدوّ صلاح الثمر، فزكاة زرعه وثمره على البائع، فزكاة الزرع والثمر عليه دون المشتري لأنّ سبب الوجود العقد وهو في مُلكه. إخراج الطيِّب في الزكاة :
أمرَ الله سبحانه وتعالى المُزَكِّي بإخراج الطيِّب من ماله، ونهاه عن التَّصدّق بالرديء، فقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
متى يأكل الإنسان أكلةً لا يُحبّها؟ عندما يكون جائعًا جَوعًا شديدًا وفي الحالات القاهرة، وفي حالات الفقر المدقع، حينها يأكل طعامًا لا يروق له، ولكن كما قال تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
العمل الصالح هَدِيَّة إلى الله عز وجل، فلْيَنظُر أحدكم ما يقدِّم من هديَّة إلى الله عز وجل.
بعض الناس كانوا يتيمَّمون شِرار ثِمارهم فَيُخرجونها في الصدقة! فالمشمش مثلاً قد يسقط على الأرض، وكذا التِّين، أو تفاح مضروب فهذا الذي يفعله أنّه يُوزِّع هذه البقايا، هذا لا يجوز، لا يجوز أن تُقدِّم عملاً لله تعالى فيه خلل، يمكن أن تبيعه ولكن أن تُقدِّم هذا لله تالفًا أو فيه عيبٌ كبير هذا لا يجوز، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
زكاة العسل :
هذا موضوع خِلافي، فبعضهم قال: ليس في زكاة العسل شيء يصِحّ فليس في الآثار الدِّينيَّة شيءٌ يؤكِّد الزكاة في العسل، ولكنّ المذهب الحنفي يقول إنَّ في العسل زكاة لأنَّه ولو لم يصحّ في إيجاده حديث إلا أنَّه جاءت فيه آثار يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولأنَّه يتولَّد مِن نَور الشَّجر، أي زهرها، فهو أساسه إنتاج حيواني مَبْعثُهُ النبات، وشيء آخر يُكال، وشيء آخر يدَّخَر وله قيمة كُبرى، فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وإن لم يَجِد في الأحاديث ما يوجِبُ زكاة العسل إلا أنَّ العسَل حملهُ على قرائن كثيرة، ذلك لأنَّ منشأهُ نباتي، ويُدَّخر، ويُكال، فقال: في العسَل زكاة كالحبّ والثَّمر، ولأنَّ الكُلفة فيه دون الكلفة في الزروع والثِّمار، واشْترطَ أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في العسل أن يكون في أرضٍ عُشْريَّة أي أرضًا بَعْلِيَّة، أما الأرض التي تُسقى بالماء فهذه عليها نصف العُشر، فإذا كانت المناحل في أرضٍ عُشريَّة فزكاة العسل عُشْر الإنتاج، ولم يشترط الإمام أبو حنيفة نِصابًا له فَيُؤخَذُ العُشر من قليله وكثيره، وبعض الأئمَّة اشترطوا أن يبلغَ نصابًا وهو عَشرةُ أفراقٍ والفَرَقُ سِتَّةَ عشرة رِطلاً عِراقيًّا.
زكاة الحيوان :
زكاة الحيوان موضوع دقيق، وقد لا يعني مُعظم الحاضرين، كزكاة الإبل كلّ ستة وثلاثين رأسًا من الإبل لها بنت لبون، وفي السِتّ والأربعين حقَّة، وفي الإحدى والستُّين جذْعة، وفي الستّ والسبعين جذعًا لبونًا، هذه مصطلحات مُتَعَلِّقة بالإبل بِحَسب سِنِّها، وإمكانيَّتها، وبحسب العدد، ولكن هناك شيئاً يعنينا في الغنم، فزكاة الغنم لا زكاة فيها حتَّى تبلغ أربعين، فزكاة المال اثنا عشر ألفاً، فالغنمة الواحدة ثمنها ألف ليرة، فالأربعون ثمنها أربعون ألفًا، ولكن جاء لا زكاة في الغنم حتى تباع أربعين، فإذا بلغَتْ أربعين سائمة وحال عليها الحَوْل، ففيها شاةٌ إلى مئة وعشرين، فإذا بلغَتْ مئةً وعِشرين ففيها شاتان، إلى مئتين، فإذا بلغَت مئتين ففيها ثلاثة شِياه، فإذا زادَت على الثلاثمئة ففي كلّ مئةٍ شاة.
زكاة الخارج من البحر :
أمرٌ آخر يتعلّق بالزكاة وهو زكاة الخارج من البحر، فقال الجمهور: لا تَجِبُ الزكاة على كلّ ما يخرج من البحر من لؤلؤٍ ومرجانٍ وزبرجد وعنبر وسمك إلا في إحدى الرِّوايتين عن أحمد إذا بلغَ ما يخرج من ذلك نِصابًا ففيه زكاة، وليس في العنبر زكاة إنما هو غنيمة لِمَن أخذَهُ، فهذه الأشياء المُستخرجة من البحر، والتي يُقْصَد بها الانتفاع الشَّخصي ليس فيها زكاة إلا أن يكون مالاً يُتاجَر به، فحينئذٍ تدخل في حكم عروض التِّجارة، فبعض الأحجار الكريمة إذا دخلت في المال المتَّجر به تدخل في عروض التِّجارة وتُقيَّم أثمانها، وتُحسب الزكاة.
من أكبر الكبائر الفرار من الزكاة :
مَن مضى عليه سِنون، ولم يؤدِّ ما عليه من زكاة، لَزِمَهُ إخراج الزكاة عن جميعها سواءً علِمَ وُجوب الزكاة أو لم يعلم، وسواءٌ أكان في دار الإسلام أم دار الحرب، لأنَّ هذا حقّ الله تعالى، فالذي تاب إلى الله تعالى توبةً نصوحة، وعلِمَ أنَّ سنواتٍ عِدَّة ما أدَّى الزكاة، كَوْنُهُ تاب الآن لا يُعفيه مِن أداء الزكاة عن السَّنوات السابقة.
شيءٌ آخر في الزكاة وهو أنَّه يوجد من يَفِرُّ من الزَّكاة، وهذا من الكبائر، كأن يعمل حِيلةً شرْعيَّة، فقد سَمِعتُ أنَّه كان هناك من يضَعُ زكاة ماله في رغيف خُبز و يعطيه لإنسانٍ فقير، ثمَّ يعود إلى الفقير في نفس اللَّحظة ويطلب منه أن يشتريه منه بِمبلغ أكثر من الخبز!! فهذه الحِيَل لا يفعلها إنسان فيه ذرَّة من عَقل.
إذا كان المال مشتركًا بين شريكين أو أكثر، لا تَجِبُ الزكاة على واحدٍ منهم حتَّى يكون لكلّ واحِدٍ منهم نِصابٌ كامِل، فلو كان لاثنين عشرة آلاف ليرة فليس عليهما زكاة، مع أنَّ المبلغ في حُدود الزكاة، ولكن لأنَّ نصيبَ كُلِّ منهما خمسة آلاف، والخمسة آلاف دون النِّصاب المُقرَّر فلا تجِبُ فيهما الزكاة، أما لو جَمعْت مال الشّريكين، وبلغ نِصاب الزكاة، وكان نصيب كلّ منهما لا يرقى إلى مستوى نِصاب الزكاة فليس عليهما زكاة.
من ضاع منه مبلغ الزكاة لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته :
لو عدَّ الإنسان ماله فوَجَد مثلاً زكاة ماله عشرة آلاف، وهذه الحالة وقَعَت فأحدهم كانت له زكاة عشرة آلاف فضاعَتْ منه في الطريق، فقال العلماء: لو عزل الزكاة لِيَدْفعَها لِمُستحقِّيها فضاعتْ كلّها أو بعضها فعليه إعادتها، فلو كان على إنسان ما دَفْعُ سَنَدٍ، وتوجَّه إلى محلّ تِجاري، وبالطريق سُرِقَ منه هذا المبلغ فهل يُعفيه صاحبُ المبلغ من دفعِهِ؟! أما لو ضاع في يد الدافع فالمبلغ يجب أن يُعاد دَفْعُهُ مرَّةً ثانيَة، فهو لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته حتى يوصلها إلى من أمره الله بإيصالها إليه.
هلاك المال بعد وُجوب الزكاة وقبل الأداء :
فلو أنَّ لإنسان ما محلاً، جرد بِضاعته، وحَسِب رأس ماله، وعليه ألف وخمسمئة زكاةً، فاحْترَقَ المحلّ، إذا استقرّ وجود الزكاة بِأن حال عليه الحَول، أو حان حصادُهُ، وتلِفَ المال قبل أداء زكاته أو تلِفَ بعضهُ فالزكاة كلُّها واجبة في ذِمَّة صاحب المال سواءٌ أكان التَّلَف بِتَفريطٍ منه أو بِغَير تفريط، ومعنى هذا أنَّ الزكاة واجِبةٌ في الذِمّة، وهو رأي ابن حزم والإمام أحمد، ويرى أبو حنيفة أنَّه إذا تلف المال كلّه من دون تعدٍّ من صاحبه سقطَت الزكاة وإن سقط بعضهُ سَقَطت حِصّتُهُ بناءً على تعلّق الزكاة بِعَين المال، وإن حصل بِتَعَدٍّ منه فالزكاة لا تسقط، فإذا كان احتراق المحلّ ناتِجٌ عن الإهمال فالزكاة لا تسقط، أما إن كان الحريق عن قضاء وقدر فالزكاة تسقط، وهذا موضوع دقيق، وهو يُعيننا بِمَوضوعات كثيرة، فلو أنَّ واحدًا أعطاكَ أمانةً، وأنت وضعتها في صندوقك الحديديّ مع مالك، سمَّاهُ الفقهاء في حِرْز مثله، وجاء لِصٌّ وسرق الصندوق بِكامِلِه أنت لسْتَ ضامِنًا، فإذا وضَعْتَ هذا المال على الطاولة ومالك في الصندوق الحديدي، وجاء لصّ فسرق ما في الدُّرج يَجِبُ أن تردّ هذه الأمانة، وهي دَينٌ عليك، وهذا ينطبق على الاستثمار، فمثلاً لو أنَّ شَخصًا دفَعَ لك مبلغ استِثمار، فحصلَ خسارة، فإن كانت هذه الخسارة بِعُدوانٍ أو تقصير فأنت ضامِن، أما إن لم تكن بِعُدوانٍ أو تقصير فلسْتَ بِضامِن، وأحيانًا يكون مع الاستثمار شَرط، فهذا الموضوع مهمّ جدًّا إن كان في الأمانة أو العارية أو الاستثمار أو المضاربة، إذا كان هناك تقصير أو عُدوان فالمُقصِّر والمعتدي يضْمن، وإن لم يكن هناك تقصير فلا ضمان في ذلك.
الآن عندنا رأي دقيق جدًّاً، قال: إذا تلِفَ المال بعد أن تسْتحِقَّ الزكاة وقبل أدائِها فالزكاة تسقط بِتلف المال، وهو رأي آخر، وهذا إذا لم يُفرَّط في الأداء، ومعنى التفريط في الأداء التأخير في الدَّفع، أنت عَزَلتَ مبلغًا للزكاة، وتماهلْتَ بِدَفعِهِ إلى أن تلِفَ المال، ولكنَّك لو دفعْتهُ في الوقت المناسب لما اضطررْت إلى دفعِهِ مرَّة ثانية، فإذا كان هناك تقصير أو تفريط في نقل الزكاة إلى مُستحِقِّيها يَجِبُ عليك أن تَدفَعَ الزكاة مرَّةً ثانيَة وهناك موضوعات أخرى سوف نُعالجها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد 09-11-2018 08:53 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السبعون )

الموضوع : متفرقات فى الزكاة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الزكاة ليْسَت في عَيْن المال بل في الذِمَّة :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الزكاة إلى مجموعة من الموضوعات التي تُكَمِّلُ هذا الموضوع؛ من هذه الموضوعات وُجوب الزكاة في الذِمَّة لا في عين المال! مثلاً؛ لو أنَّ إنسانًا يملِكُ مالاً يَعْدِلُ النِّصاب، ولم يدفع زكاة ماله لِسَنتين، ثمَّ أراد أن يدْفع الزكاة، فلو دَفَع زكاة عامٍ واحِدٍ لقلَّ المال عن النِّصاب، وبهذا لا يَجِبُ عليه أن يدْفع زكاة العام الذي قبل الماضي، فما الحلّ؟ الحلّ عند العلماء أنَّ الزكاة ليْسَت في عَيْن المال بل في الذِمَّة، أي تَجِب الزكاة في ذِمَّة الرجل لا في عَين ماله، فلو أنَّه لم يدْفعَ زكاة عامَين، وكان مالهُ قدْر النِّصاب تمامًا لوَجَب أن يَدْفع الزكاة عن عامَين سابِقَين، ولو قلَّ النِّصاب.
الشيء الآخر أنَّه لو كان لإنسان عشرة آلاف ليرة، لا تَجِبُ الزكاة في هذه العشرة آلاف بالذات، هذه العشرة آلاف عليها زكاة تقدر بألفين وخمسمئة، فالمبلغ لو دفعهُ من مكان آخر لصحَّ، فلو أنَّ واحدًا جاءَهُ مبلغٌ هِبَةً، فَدَفَعَ من الهِبة زكاة هذا النِّصاب لصحّ، لأنَّ الزكاة ليْسَت في عَين المال بل في ذِمَّة الرَّجل، ولو أبقاها كما هي ودفع المال من مال آخر لَصَحَّ ذلك، فالموضوع أنَّ الزكاة ليْسَت في عَين المال بل في ذِمَّة الرَّجل.
تأخير الزكاة لا يُسْقِطها :
شيءٌ آخر هو أنَّ تأخير الزكاة لا يُسْقِطها، من مضى عليه سنون ولم يُؤدِّ زكاة ماله لَزِمهُ إخراج الزكاة عن جميع السَّنوات السابقة سواءٌ عَلِمَ وجوب الزكاة أو لم يعلم، وسواءٌ كان في دار الإسلام أو دار الحرْب، فَحَقُّ الله تعالى أَحَقُّ أن يُقضى، ومن كان عليه زكاة عن أعوامٍ سابقة يجِبُ أن تؤدَّى بالعَدل والتَّمام.
لو أنّ أحدهم كانت له أربعون شاةً، وزكاة هذه الأربعين شاةٌ واحدة، الأولى أن يدْفعَ أحد هذه الشِّياه زكاة ماله، فإذا تعذَّر كأن حال الحول عليها، وقد بعثها إلى البادية، فَدَفع ثمن هذه الشاه لَجَازَ ذلك، فالأولى أن تُدْفع الزكاة مِن عين البضاعة، ومن عَين المال، فإن تعذَّر ذلك يجزئه أن يَدْفَعَ قيمة هذا الشيء، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ:
((خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ))
[ابن ماجه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
الزكاة واجِبةٌ في العَيْن ولا يُعْدَلُ عنها إلى القيمة إلا في العُذْر :
وقال الشَّوكاني: الحقّ أنَّ الزكاة واجِبةٌ في العَيْن، أيْ عَينُ البِضاعة ولا يُعْدَلُ عنها إلى القيمة إلا في العُذْر، هذا في الأرياف، فالقمح لو أعطيتهُ إلى فلاَّح لكنت قد أعطَيتَهُ شيئًا ثمينًا، فإذا أديت زكاة مالك من القمح قمحًا لكان هذا عَوْنًا للفقير، ولو أعْطَيْتَ الفلاَّح مئة ليرة وألف ليرة قد تكون الأمور صعبة في الريف، لذا الأولى أن تُدْفَعَ الزكاة مِن عَين المال فإن تَعَذَّر ذلك يُعْدل عن المال إلى قيمته، وهذا موضوع آخر، غير موضوع الذّمة والعَين، فلو أنّ واحدًا معه عشرة آلاف ليرة، ووضَعها في صندوق حديدي، واسْتَحَقَّت الزكاة، جاءَهُ مبلغ آخر، وقد أقرضَهُ لإنسانٍ فردَّ له القرْض فدَفَع زكاة العشرة آلاف من القرض لَصَحَّ ذلك، لأنَّ الزكاة لا تجِبُ في عَين المال بل في الذمة، أما موضوعنا هنا فبالنِّسبة للمحاصيل والثِّمار والشِّياه، فهذا الأولى أن يُدْفَعَ من عَين المال، فإن تعذَّر تُدْفَعُ قيمة الشيء ويصِحُّ هذا من المسلم.
روى البخاري أنَّ معاذًا قال لأهل اليمن:
(( قَالَ مُعَاذٌ رَضِي اللَّه عَنْه لِأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوضِ))
[البخاري عَنْ ابن عمر ]
الفِرار من الزكاة هو الاحتيال بالهروب منها :
هناك أشخاص يَفِرُّون من الزكاة، فإذا الواحد كان معه نِصاب الزكاة، وقبل حُلول رمضان اشترى حاجةً، كان يشتري ثُريَّا، فهذه الثريَّا حينما اشْتراها نقصَ المال عن النِّصاب فهربَ من الزَّكاة، وأنا لا أنسى قِصَّةً سَمِعتها، وهي أنَّ شابًّا توهَّم أنَّه إذا قلعَ أسنانه كلَّها يُعْفى من الخِدمة الإلزامِيَّة، فذهب لأوَّل طبيب فأبى، وإلى الثاني، إلا أن وجدَ طبيبًا نزَعَ له كل أسنانه!! فلما ذهب لِيُقدِّم أوراقه علموا تهرُّبَهُ من الخِدمة فَعُوقِبَ بِمُضاعفة الخدمة العسكريَّة فخسِر أسنانه، وضوعفَت له الخدمة!! وقد رأيْتُهُ بأُمِّ عيني، فإذا الواحِد فرَّ من الزكاة فالله تعالى يُعاقبُهُ عِقابًا شديدًا لأنّ هذا احْتِيالٌ على الله تعالى، لذا أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما قالا: تسقط عنه الزكاة، ولكنَّ هذا يُعدُّ إساءةً ومعصِيَةً يستحِقُّ عِقاب الله من جهة أخرى، فأنت نفَذت من هنا، وعلِقْت من طرفٍ ثان، فالإنسان مع الله عز وجل مشكلته صَعبة، فأنت إن نفذْت من الزكاة فوجِئْت بِصِحَّتك، وقفت الكلية، ضاقت شرايين القلب، تلف المال، فالزكاة مع الله أن تُطبعَهُ لا أن تحتال على شرْعِهِ، والاحتِيال على شرعه أشدّ أنواع الغباء، فالفِرار من الزكاة هو الاحتيال بالهروب منها بِإنقاص المبلغ عن الحدّ الأدنى للنِّصاب، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
[ سورة القلم]
هذه القصَّة رائعة جدًّاً، فأصحاب البساتين عندهم محاصيل وأشجار مُثْمِرة مِمَّا لذَّ وطاب، فهم صمَّموا ألا يدْفعوا زكاة هذه المحاصيل، فطاف عليها طائف من ربِّك وهم نائمون! جاءها صقيع في الليل فأصْبحت كالصريم! فأنت بَخِلْتَ باثنين ونصف بالمئة من مالك فإذا بالمال يذهب كليًّاً، وهذه هي الخسارة الكبرى، وعلى كلٍّ للفقهاء آراء دقيقة في هذا الموضوع، فلو أنَّ إنسانًا أراد أن يَحْرم زوجته من الميراث ففي مرض الموت طلَّقها، فالطلاق هنا لا يقع، فالزَّواج يثبت وتأخذ المرأة نصيبها من الميراث، وهذا طلاق الفارّ، فهو يريدُ أن يفِرَّ من ميراث زوجته، ومن قتل مُورّثه اسْتِعجالاً بالإرث عاقبَهُ الشَّرْع بِحِرمانه من الإرث، فالقاتل لا ميراث له. مصارف الزكاة :
ننتقل الآن إلى موضوع هامّ جدًّاً، ولا يوجد واحدٌ من الحاضرين لا يَعنيه ألا وهو مصارف الزكاة، كيف يدْفعُ زكاة ماله؟ مصارف الزكاة ثمانية أصناف حصرها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60 ]
إنّما تُفيد الحصْر، عن زيادة بن الحارث قال: أتَيْتُ النبي عليه الصلاة والسلام فبايَعْتُهُ فأتى رجل فقال: أعطِني من الصَّدقة، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله عز وجل لم يرْض بِحُكم نبيّ ولا غيره في الصَّدقات حتَّى حكم فيها هو بِنفسه، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتُك..." ثمانية مصارف للزكاة، إذا انْطبقَت أحد هذه المصارف على رجل اسْتَحَقَّ الزكاة أما إن لم تنطبق فلم يستحقها. 1 ـ للفقراء و المساكين :
أوَّلاً: للفقراء والمساكين، وهم المحتاجون والمساكين الذين لا يجدون كِفايتهم فعلى هذا المبدأ الذي له بيت ثمنه يقدر بمليوني ليرة، ولكن لا يجد ما يكفيه للقوت هو من المساكين، لأنَّ بيته هذا مستهلك، وقد اشتراه في الستِّينات، فالزكاة لا تقصر على المُتسَوِّلين، وتدَع المؤمنين الذين هم قِمَّة في العِفَّة في صَون ماءِ وُجوههم؛ هذا ليس من الحِكمة في شيء، وقد تقدَّم أنَّ القَدْر الذي يصير به الإنسان غَنِيًّا قَدْرُ النِّصاب، متى لا يجوز أن يدفعَ رجلٌ زكاة ماله آخر؟ إذا ملَكَ النِّصاب، ما هو النِّصاب؟ تحدَّثنا عنه وهو مئتا درهم من الفضَّة، أو ثلاثة وثمانون غراماً من الذهب، مجموعهم تقريبًا عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً على قدر سِعر الذَّهب، فإذا الواحد فوق مسكنه ومطعمه ومشربه ومركبه وحرفته وآلات حرفته كان يملك فائضًا عشرة آلاف ليرة عليه أن يدفع الزكاة، لذا من لم يكن له فائض على هذه الأشياء هذا لا تجب عليه الزكاة، فهذا معاذ روى عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْه إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
فالذي تُؤخَذ منه هو الغني، والذي تُردّ إليه هو الفقير، الذي لا يملكُ القدْر الذي يملكه الغني، فَتَعريف الفقير هو الذي لا يملكُ قدْر النِّصاب، وليس هناك فرق بين الفقراء والمساكين، طبعًا هناك توجيه قرآني وهي أنَّ الله تعالى ذكر مرَّة الفقراء والمساكين، وذكر مرَّةً الفقراء، وذكر مرَّةً المساكين، فكيف نجْمع بينهم؟‍ إذا تفرَّقا اجتمعا، وإذا اجتمعا اختلفا، ‍ فإذا الله تعالى قال: الفقراء والمساكين فالفقراء نوع والمساكين نوع، وإذا تفرَّقا اجتمعا، والنبي عليه الصلاة والسلام عرَّف بِدِقَّة من هم الفقراء والمساكين فقال عليه الصلاة والسلام: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) ))
[البخاري عَنِ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه]
فالمُتسوِّل في الطريق هذا ليس مِسكينًا، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 273 ]
فالمسكين هو المتعفِّف، والذي لا يملك إلا قوت يومه، فإن جاءتْهُ عمليّة جراحيّة لم يكن قد وضع حسابها! قال لي شخص: أدخل إنسان زوجته إلى المستشفى، واتَّفق مع الطبيب على اثني عشر ألف ليرة، فطالَتْ العمليَّة ثلاث ساعات فقال له: ثمانية وعشرون ألفًا!! فهذا له عِزَّة وكرامة، ولا يسأل الناس، وله بيت، ومركبة، ولكن لا يتوفَّر له هذا المبلغ! لذلك بعض العلماء أَفْتَوا أنَّه يَجِبُ أن تقول لِمن يأخذ زكاة مالك: هذه زكاة مالي، لكنَّ الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه قال: يجوز أن تُدْفَعَ الزكاة على شَكل هَدِيَّة، فلو كان لك قريب رقيق الحال، ومبلغ الزكاة ثمانمئة ليرة، فإذا ذهب إلى هذا القريب وأعطاه المبلغ قد يرفضُهُ، ولكن لو ذهَب بالعيد وأعطى كلّ واحِدٍ من أولاده مئة مئة على أنَّها هدِيَّة، فلا أحدَ يشعر بشيء!! وكذا لو كان على وشك زواج، لذا ليس من الأدب الإسلامي أن تقول له: هذه زكاة مالي، خُذها!! فالإنسان يجِبُ أن يدفعَ زكاة المال مُتلطِّفاً، أقْسم لي رجل أنّ واحدًا دَفع زكاة ماله لأحدٍ وقال له: هذه زكاة مالي فرفض ذاك الشَّخص أن يُكلِّمَهُ عامين!! فالعلماء قالوا: إذا رضي الفقير أن يأخذ منك فله فضْل عليك. مِقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة :
الآن عندنا نقطة دقيقة، وهي مِقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة، لو أنَّ واحدًا زكاة ماله ألف ليرة، يُقسِّمهم خمسينات، ويعطيهم لِعِدَّد من الناس!! ماذا تفعل هذه؟ اللحم سعرهُ سبعون ليرة! فالعلماء يقولون: يَجِبُ أن تُعْطِيَ عطاءً يكفي، فإما أن تُعْطِيَ مبلغًا مقبولاً أو لا تعطي.
مِن مقاصِد الفقير كفاية الفقير، وسدّ حاجته، فَيُعطى من الصَّدقة بالقَدر الذي يُخرجِهُ من الفقر إلى الغنى، قال عمر رضي الله عنه: "إذا أعْطَيتُم فأغنوا"، والإمام مالك لم يجعل للمِقدار الذي يُدفع للفقير حدًّاً، قال: يُعطى من له المسكن والخادم والدابة الذي لا غِنى له عنه، فالذي له مسكن أو دابة يستعين بهما على متاعب الحياة هذا لا يُعَدُّ غَنِيًّاً، فالفقهاء قالوا: يُعطى من له خادم ومسكن ودابَّة!!
هل يَحِلّ للفقير أن يسأل ؟
الآن السؤال: هل يَحِلّ للفقير أن يسأل؟ هناك فَتوى، وهناك تقوى!
((عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ قَالَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَى هَذَا مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ))
[النسائي عن قبيصة بن مخارق الهلالي]
الحمالة أن ينشب خلاف أو قضيّة قتل أحيانًا فأهل القرى كانوا يدفعون دِيَّة، فإذا الواحد دخل في قضيَّة لِيَحُلّ الخلاف، وكلَّفه ثمنًا باهظًا، فقُبيْصَة رضي الله عنه قال: تحمَّلتُ حمالة، فالذي يدخل في صلح بين الناس، ويكلّفه أن يدفع بعدها له أن يسأل الناس، والجائحة مصيبة تُتْلف المال كأن يحترق المحلّ، فهذا كذلك له أن يسأل الناس حتى ينتهي من مشكلته، ورجل أصابته فاقة يحلّ له السؤال حتى يصيب قِوامًا من عَيش، ففي مثل هذه الحالات الثلاثة يجوز لك بِنَصّ الحديث الشريف أن تسأل الناس فإن سألت وأخذْت ما تحتاج كان عليك أن تكفّ عن السؤال، وعليك أن تتجنَّب السؤال إلا للضرورة، لذا المحتالون هم مسؤولون عن تهرّب الناس من العمل الصالح، أذكر مرَّة إنساناً سألني مبلغاً لعمليّة جراحيّة للعين، فرقَّ قلبي له، وجمَّعنا له مالاً لا بأس به، فهمسَ أحدهم في أُذُني أنَّه محتال! فقلتُ له لما جاءني: أين تُريد أن تُجري العمليَّة؟ فقال: خارج القطر! فقلتُ له: نحن جاهزون لِدَفع تكلفة العمليَّة فقط داخل القطر، حينها ولَّى هاربًا!! فالجمعيات الخيريّة الآن لها خبرات واسعة في مجال احتِيال هؤلاء، والإنسان المُحتال هو الذي يمنع الماعون.
أحدهم كان يركبُ فرسًا فرأى رجلاً ينْتَعِلُ رمال الصحراء المحرقة في أشهر الصيف الحارة، فرقَّ له وقال: ارْكب ورائي، وما إن ركب وراءهُ حتَّى دفعهُ نحو الأرض، فقال له صاحب الفرس و هو يهرب بالخيل عن بُعْد: لقد وَهَبْتُ لك هذا الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إيَّاك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا شاع تذهب المروءة، وبِذاهب المروءة يذهب أجمل ما في الصحراء، فَكُلّ الذين يسيئون لأصحاب المعروف هؤلاء يمنعون الماعون. ((عن عُبيد الله بن عديّ قال أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي عليه الصلاة والسلام في حجَّة الوداع وهو يقسم الصَّدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفَّضَهُ، فرآنا جَلْدَين، وقال: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَسْأَلَانِهِ الصَّدَقَةَ قَالَ فَرَفَعَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآهُمَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ ))
[أحمد عن قبيصة بن مخارق الهلالي]
لذا سئل الإمام الغزالي عن القويّ من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالتَّكَسُّب بالبَدَن هل له أخذ الزكاة من سَهم الفقراء؟ فقال: نعم! فالذي من عائلة غنيّة يصعب عليه اقتناء عمل دون مستواه، وإن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث.

السعيد 09-11-2018 08:54 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و السبعون )

الموضوع : مصاريف الزكاة - 1






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
مصارف الزكاة :
1 ـ للفقراء و المساكين :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الزكاة إلى باب من أبواب الزكاة وهو مصارف الزكاة، وتحدَّثنا في الدرس الماضي عن أنَّ مِن مصارف الزكاة الفقراء والمساكين، ثمّ قلنا إنَّ الغزالي سئل عن القويّ من أهل البيوتات الذين لم تَجر عادتهم بالتَّكَسُّب بالبَدَن هل له أخذ الزكاة من سَهم الفقراء؟ فقال: نعم، وهذا صحيح جار على أنَّ المُعتبَر حِرْفةٌ تليق به لِقَوله عليه الصلاة والسلام:
(( ارْحَموا عزيز قَومٍ ذلّ، وغنيّ افْتقر، وعالم ضاع بين الجهال...))
[ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه ]
فلا نُكلِّف هذا الذي كان غَنِيًّاً فافتقر أن نُجْبِرَهُ على عملٍ لا يليق به. من يملك النصاب يصِحُّ أن يأخذ من مال الزكاة:َ
شيءٌ آخر، وهذه نقطة دقيقة جدًّاً في الزكاة، قد يكون في بيتك مبلغٌ من المال قد يزيدُ عن النِّصاب، كأن يكون لك أربعون ألف ليرة، وأنت مُقْدِمٌ على زواج، وعليك أن تشتري بيتًا ثمنه مئتا ألف ليرة مثلاً، نقول لك: هذا المبلغ عليه زكاة، ولكنَّك بِحُكم مواجهتك مصاريف كبيرة جدًّاً من شِراء بيتٍ، هذا الذي يملكُ نِصابًا وعليه تَبِعات خطيرة يجوز أن يأخُذ من مال الزكاة، نأمرُهُ أن يؤدِّي زكاة المال الذي بحَوْزتِهِ ثمَّ نُعطيه من مال الزكاة بِقَدر حاجته، ولكن إذا كتبَ عقْدَ شِراء بيت، ومعه مئتا ألف ليرة في البيت، وفي العقد عليه أن يدفع أربعمئة ألف بعد شهر، فهذا المبلغ الذي بِحَوزته في البيت ليس عليه زكاة، أما قبل كتابة العقد فالمبلغ هذا تَجِبُ فيه الزكاة، وإن كان هذا الإنسان مالك النِّصاب يصِحُّ أن يأخذ من مال الزكاة إن كانت عليه تَبِعاتٌ لا قِبَل له بِتَحَمُّلها.
قال النووي رحمه الله تعالى: "ومن كان له عقار أي بيت، ينقصُ دَخلُهُ عن كِفايَتِهِ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفايته، ولا يُكلَّفُ بيعه، فهذا الإنسان على الرَّغم من أنَّ له بيتًا غاليَ الثَّمَن يسكنه يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة، ماذا نقول له: بِعِ البيت!!
أشرنا في الدرس الماضي أنّ إعطاء الزكاة يكون بِلُطف، وأنّ عبارة خُذْ فهذه زكاة مالي!! هذه لا يقبلها إنسان عنده كرامة، ولكن المُتَسَوِّلون يقبلونها، أما المؤمنون فلا يرضونها إلا إذا جاءتْ على شَكل مَقبول.
2 ـ العاملون على الزكاة :
البند الثالث من مصارف الزكاة، وهم العاملون على الزكاة، وهم الذين يُولِّيهم الإمام أو نائبُهُ العملَ على جمعها من الأغنياء وهم الجباة، ويدخل فيهم الحفظة لها، والكَتَبة لِدَواوينها، ويجب أن يكونوا من المسلمين لكي لا يكونوا مِمَّن تحرم عليهم الصّدقة، فإن كانوا من غير المسلمين لا يستحِقُّون هذا المبلغ، وإن كانوا مِمّن تحرم عليهم الصَّدَقة لا يجوز أن يُعْطَوا مِن مال الزكاة، من هم الذين تحرم عليهم الصَّدَقة؟ آل النبي عليه الصلاة والسلام، وهم بنو عبد المطَّلب.
(( فعن المطَّلب بن ربيعة والفضل ابن العباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: ثمَّ تكلَّم أحدنا فقال: عن عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا وَاللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَاهُ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ ))
[مسلم عن عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ]
من علامات نبوَّته أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهَدِيّة، ولا يقبل الصَّدَقة، إلا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[أبو داود عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ]
فهؤلاء هم العاملون عليها وهم الموظّفون، يؤدِّي عملاً يأخذ نصيبهُ مُقابل عمله، أو رجل اشتراها بِماله، فلو أنَّ الزكاة هي شاته، يجوز أن يأخذ هذه الشاة، فهو أخذها شراءً، ولم يأخذها هِبةً، أو غارماً، فقد يملك الإنسان أملاكًا غير منقولة ولكن عليه ديوناً، والدَّيان ألحَّ عليه فهذا الغارِم، ولو كان بِحُكم الشّرع غنِيًّا يملكُ أموال غير منقولة، كالأراضي والبيوت، إلا أنَّ عليه دَينًا نَقْدِيًّاً يجوز لِهذا الغارم أن يأخذ من مال الزكاة، أو غازٍ في سبيل الله، أو مِسكينٍ تصدّق عليه منها فأهدى منها لِغنيّ، فهذا الغني الذي قُدِّمَت له هديَّةٌ بعضٌ من الزكاة، وهذا لا غاز في سبيل الله، وهذا الغارم المديون، وهذا الذي اشتراها بِماله، والعامل عليها، هؤلاء الأغنياء الخمس يجوز لهم أن يأكلوا من الزكاة.
عن عبد الله أنَّه قَدِم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الشام فقال: ألَمْ أُخْبَرُ أنَّك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فَتُعطَى عليه عمالةً فلا تقبلها، فقال: أجل، إنَّ لي أفراسًا، وأعْبدًا، وأنا بِخَير، وأُريد أن يكون عملي صدقةً على المسلمين، فقال عمر: إنَّي أردْتُ الذي أردْتَ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعطيني المال فأقول: يا رسول، أعْطِهِ من هو أفقر إليه مِنِّي، وإنَّه أعطاني مرَّةً مالاً فقلتُ: أعْطِهِ من هو أحوج إليه مِنِّي، فقال عليه الصلاة والسلام: ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألةٍ ولا إشرافٍ فَخُذْهُ أو تموَّلْهُ أو تصدَّق به، فإذا عَمل الواحد على أموال الزكاة، هذا الرجل عبد الله بن السَّعدي حينما عُرِض عليه نصيبُهُ من الزكاة لأنَّه عمل عليها رفض أن يأخذ شيئًا، فإذا ألحَّ عليك إنسان أن تأخذ حاجةً وأنت لسْتَ بِحاجة، فإن علمتَ أقرباءً لك بِحاجته فَخُذْه لهم فالخِيار لك؛ إما أن تكون بِحاجة فتموَّل هذا المال، وإن لم تكن بِحاجة فأعْطِهِ من هو أحْوجُ منك، ولا بدّ أن يعلم المؤمن أنَّ التمنُّع فوق الحدّ المقبول ليس من أخلاق المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ ))
[أحمد عن الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ]
الآن تغيَّر الزمان والحديث هذا له وضْع خاص! ولا يُنْكر تبدُّل الأحكام بِتَغَيُّر الأزمان، وكما قلتُ قبل قليل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام إنَّما أباح اكتِساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، فمجموع ثمن هذه يجب ألا يزيد على أجْر مثله، وليس له أن يرتفق بِشَيءٍ سِواهما. 3 ـ المؤلفة قلوبهم :
البند الرابع من مصارف الزكاة هم المؤلَّفة قلوبهم، هذا البند دقيق جدًّاً وهم الجماعة الذين يُرادُ تأليف قلوبهم، وجمعها على الإسلام، أو تثبيتها عليه، فإما لِضَعف إسلامهم، أو كفّ شرِّهم عن المسلمين، أو جلب نفعٍ في الدِّفاع عنهم، والعلماء قسَّموا المؤلفة قلوبهم إلى قسمين: مسلمون وكفار.
المؤلفة قلوبهم قسمان :
1 ـ المسلمون :
أما المسلمون فقَوْم من سادة المسلمين وزعمائهم، لهم نظراء من الكفار إذا أُعْطُوا رُجِيَ إسلام نظرائهم، فلعلَّ هذا الكافر الذي هو نظير المسلم يطمعُ إذا أسْلم أن يأخذ كما أخذ المسلم، فهذا مباح في رأي الفقهاء، كما أعطى أبو بكر رضي الله عنه عديّ بن أبي حاتم مع حُسْن إسلامه لِمَكانته من قومه، وهذا تأليفًا لِقَلبه، وتشجيعًا لِمَن هم نُظراؤُهُ أن يُسلموا مثله.
وضُعفاء الإيمان من المسلمين، مُطاعون في أقوامهم، كأن يكون زعيم قبيلة وكلمته نافذة، وله سيطرة، لكنَّه ضعيف الإيمان، فإذا أعْطيتَهُ شيئًا من مال الزكاة لعلَّه يثبتُ في إيمانه، ويزداد قربًا من الدِّين، فَيُرْجى من إعطائهم تثبيتهم، وقوَّة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد وغيره كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم هوازن، فإما أن يكون زعيمًا مسلمًا، وإما أن يكون ضعيف الإيمان له مكانة في قومه من أجل ثبات إيمانه.
وقوم من المسلمين في الثُّغور، وحدود البلاد، يُعطَون لما يُرجى مِن دِفاعهم عمَّا وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدوّ، هذا تعويض جبهة فهذا الصِّنف له أن يأخذ شيئًا إضافيًّا من مال الزكاة تثبيتًا له وتشجيعًا له ومكافأةً له على يقظتِهِ.
الفقهاء المعاصرون قالوا: على حدود الدُّوَل الإسلاميَّة، إذا كان هناك جاليات أو فئات من الناس قد تميل إلى الكفار، وقد تنضمّ إليهم، فينبغي أن نُعْطِيَهم العطايا من أجل أن نزيد ارتِباطهم بالمسلمين، فهذه المساعدات يجب أن تُعطى للدُّول الضَّعيفة التي على الحدود كي لا تنضمّ إلى دُوَل كافرة، أو لكي لا تدخل تحت حِمايتها.
البند الرابع الآن هم قَومٌ من المسلمين يُحتاج إليهم لِجِباية الزكاة، وأخذها مِمَّن لا يُعطيها بِنُفوذهم وتأثيرهم، هؤلاء إذا استخدمناهم، وجبَيْنا عن طريقهم الزكاة كُفينا مؤونة الحرب، فلو لم نستخدِمهم لَوَجَب أن نُحارب هؤلاء الذين منعوا الزكاة، فهؤلاء الذين يتوسَّطون لِجَبي الزكاة مِمَّن لهم نفوذ على من عليه دفعها هؤلاء يستحِقُّون شيئًا من مال الزكاة، فأشياء قد تكون صالحة لهذا الزمان، وأخرى قد لا تكون صالحة.
2 ـ الكفار :
أما الكفار فهم قِسْمان، من يُرْجى إيمانهُ بِتأليفه، كافرٌ تُعطيه مالاً وترجو بهذا المال أن يؤمن، كصَفْوان بن أُميَّة الذي وهب له النبي عليه الصلاة والسلام الأمان يوم فتح مكَّة، وأمهله أربعة أشهر لِيَنظر في أمره، ويختار في نفسه، وكان غائبًا، فحضر، وشَهِد مع المسلمين غزوة حُنين قبل إسلامه، وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد استعار سِلاحه يوم خرج إلى حنين وقد أعطاه النبي إبِلاً كثيرة مُحَمّلة، كانت في وادٍ، فقال: يا محمّد، هذا عطاءُ من لا يخشى الفقر، وقال: والله لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلَّم وإنَّه لأبغضُ الناس إليّ! فما زال يُعطيني حتَّى إنَّه لأحبُّ الناس إليّ، فالإنسان بالعَطاء يمكن أن يميل قلبه، أعرفُ شخصًا يُعادي الدِّين عِداءً شديدًا، وفي أيِّ مجلسٍ يجلسه يتهجَّم على الدِّين وينتقص منه، ويُبيِّن عيوب المؤمنين، إلى أن أُصيب بِمَرضٍ عُضال لا يملكُ ثمن الشِّفاء والعمليَّة، فدخل إلى بعض المساجد، وجمَّعوا له مالاً يستطيع به أن يُقيم العمليَّة في دولةٍ أجنبيَّة، وعاد لِيُلازِمَ هذا المسجد، ويدافِع عن الدِّين!! فالإنسان يميل قلبه بالإحسان، وبه تتغيَّر قناعاته، وتتبدّل عقائده، والإنسان عبد الإحسان، عَجِبتُ لِمَن يشتري العبيد لِيُعتقَهُم بِماله، كيف لا يشتري الأحرار بِإحسانه؟! لذلك أربعة أخماس الدَّعوة إلى الله إحسانٌ للخَلْق، إذا أحْسَنْتَ إليه مال قلبهُ إليك، وتعلَّق بك وبِمَبدئِكَ، وتعلَّق بِعقيدتك، وبِقِيَمِكَ، وتعلَّق بدينك، لذلك الكلام ليس وراءه إلا الكلام، ولكنَّ الأعمال الطيِّبة هي التي تبثّ المواقع في النفوس.
النبي عليه الصلاة والسلام قال: "بُعِثْتُ بِمُداراة الناس"، فأعظم شيءٍ بعد الإيمان بالله التودُّد إلى الناس، والعربُ فتَحوا القلوب بإحسانهم قبل أن يفتحوا البلاد بِسُيوفهم، وهذا الدَّرس لنا، قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
إذا أردْت أن تهدي زوجتك لا تَكُن قاسيًا معها، فقَسْوَتُك معها تزيدها منك نفورًا، وكذا مع أولادك، يا داود ذَكِّر عبادي بإنعامي عليهم فإنَّ النفوس جُبِلَت على حبّ مَن أحْسنَ إليها، وبغض من أساء إليها، وأنت لن تستميل هذه القلوب إلا بالمودَّة، والإحسان، والعَطْف، والحِلم، والصَّبر، وعلِّموا ولا تُعنِّفوا فإنَّ المعلِّم خير من المعنّف، قال لي أخ: كنتُ طفلاً صغيرًا فدَخَلتُ إلى بعض المساجد لأُصلِّي، فخرج من الصلاة فلم يجِد حِذاءهُ! تألَّم وصار يبكي، فكان هناك رجل يصلي، له دكان أمام الجامع رقَّ لي وأخذني إلى دُكانه، واشترى لي حذاءً جديدًا، فقال: والله الذي لا إله إلا هو منذ ذلك الوقت ما تركتُ الصَّلاة، ثَمَنُ هذا الحِذاء فعَلَ في قلبهِ فِعْل السِّحْر.
البند الآخر في الكفار هو مَن يُخْشى شرّه فَيُرْجى بإعطائِهِ كفَّ شرِّه، النبي عليه الصلاة والسلام قال: من يقطع لسان فلان؟ فهناك من فهم القطع الحقيقي! أما صحابي آخر فكان فهمه أرقى، فذهب إلى ذاك الأخ وأحْسن إليه، فكان إحسانه لهذا الرجل البذيء والمتهجِّم قطْعٌ لِلِسانِهِ، قال لي شخص: لي جارٌ سيّئ، يعلو عليّ بالصِّياح، ويرمي عليّ الأوساخ، ويتهجّم على أولاده، فأرْسَلَ له هدِيَّة، وثاني أسبوع هديّة ثانية، وكذا في الثالث، فأصبح هذا الجار كالملائكة!! فطريق الإحسان أسْرع وأجْدى وأكثر فعاليَّة من طريق العُدوان، فأنت بإحسانك للشرير تكفّ شرّه عنك.
قال ابن عباس: "إنَّ قومًا كانوا يأتون النبي عليه الصلاة والسلام فإن أعطاهم مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دينٌ حسن، وإن منعَهم ذَمُّوا وعابوا! فكان يقطعُ ألسنتهم بالإحسان إليهم، فأصبح الحاصل أنّ الكفار نوعان نوعٌ يُرْتجى إيمانهم كصَفوان بن أُميَّة، ونوعٌ يُتَّقى بالعطاء شرُّهم، كهؤلاء الذين إن أُعْطوا رَضُوا، وإن منِعُوا سَخِطوا! انتهاء نصيب المؤلَّفة قلوبهم لأنَّ الله عز وجل أعزَّ دينه :
الأحناف وحدهم ذهبوا إلى أنَّ فهْم المؤلَّفة قلوبهم قد سقط وانتهى بِإعزاز الله لِدينه، فقد جاء عُيَيْنة بن حُصَين والأقرع بن الحارث وعباس بن مرداس وطلبوا من أبي بكر نصيبهم فكتب لهم به، ونصحهم أن يذْهبوا إلى عمر لِيَأخذوا موافقته، فقد كان وزيره، فجاؤوا عمر فأبى أن يُعْطِيَهم ومزَّق الرُّقْعة! وقال: هذا شيءٌ كان النبي صلى الله عليه وسلّم يُعطيكم إيَّاهُ تأليفًا لكم على الإسلام، وقد أعزَّه الله الآن، وأغناه عنكم، فإن ثبتُّم على الإسلام فلكم، و إلا فبيننا وبينكم السَّيف، فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟! بذلْت لنا الخط فمزَّقَهُ عمر، وأرادوا أن يوقعوا بينهما، فقال رضي الله عنه: هو إذا شاء، فوافق أبو بكر عمر، ولم ينكر أحد من الصحابة، كما أنَّه وافق عثمان وعلي رضي الله عنهما، فهناك من قال: هذا اجتهاد من عمر بن الخطاب، ورأى أنَّه ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبَّت الله الإسلام، ولا ضرر من ارتِدادهم فهذا جبلة بن الأيْهم جاءَ مسلمًا فرحَّب به عمر بن الخطاب، وفرِحَ بإسلامه، وأثناء الطواف بدوِي داس طرف ثوبِهِ فانخلَعَ إزاره عن كتفه فالتَفت جبلة إلى هذا البدَوي وضربهُ ضربةً هشَّمَتْ أنفه، فاشتكى هذا البدَوي إلى عمر، فاستدعى عمر بن الخطاب جبلة وقال: أصحيح ما اشتكى هذا الفزاري الجريح؟ فقال جبلة: لسْتُ مِمَّن يُنكِر شيَّا أنا أدَّبتُ الفتى أدْركتُ حقِّي بيَدَيّ، فقال عمر: أرْضِ الفتى، لابدّ مِن إرضائه، ما زال ظفرك عالقًا بِدِمائه أو يُهْشمنَّ الآن أنفُك وتنال ما فعلتْهُ كفُّك، فقال: كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يَخِرَّ النَّجم أرضًا، فقال عمر: نزَوات الجاهليَّة، ورياح العنجهيّة قد دفنَّاها، أقمنا فوقها صرْحًا جديدًا، وتساوى الناس لدينا أحرارًا وعبيدًا، فقال جبلة: كان وهمًا ما جرى في خَلَدي، عالم نبنيه كلّ صدع فيه بشبا السيف يُداوى، وأعزّ الناس بالعبد بالصُّعلوك تساوى، فالأحناف ذهبوا إلى أنّ نصيب المؤلَّفة قلوبهم قد انتهى لأنَّ الله عز وجل أعزَّ دينه.
جواز إعادة سهم التَّأليف عند الحاجة إليه :
لكن هناك مناقشة لطيفة جدًّاً، قال: ولكن هذا اجتهاد من عمر، أنَّه رأى ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبَّت الله الإسلام، وأنَّه لا ضر يُخشى من ارتِدادهم، وكون علي وعثمان لم يعطِيا أحدًا من هذا الصِّنف لا يدلّ على ما ذهبوا إليه من سقوط سهم المؤلَّفة قلوبهم، فقد يكون ذلك لِعَدم وجود الحاجة إلى أحدٍ من الكفار، وهذا لا يُنافي ثبوته لِمَن احتاج إليه من الأئمَّة على أنّ العمدة في الاستدلال هو الكتاب والسنة، وقد روى أحمد ومسلم عن أنس أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه:
((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ قَالَ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
إذًا لو صار الإسلام ضعيفًا وأصبحت الحاجة ماسّة إلى رجل يُدْفعُ شرُّه، أو يجلبُ خيره، أو يُرجى إيمانه، أو يُستعانُ به رجَعَ الحكم كما كان من قبل فهذه مناقشة لطيفة.
الشافعي له رأي وسط، فقال: لا يجوز أن تتألَّف كافرًا، أما الفاسق فَيعطى من سَهم التأليف رجاء أن يستقيم.
والظاهر أنّه يجوز أن يبقى هذا السَّهم عند الحاجة إليه، وهو أدقّ رأي فإذا كان في زمن الإمام قومٌ لا يُطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدِرُ على إدخالهم تحت طاعته إلى بالقسر والغلب فله أن يتألَّفهم، ولا يكون لانتشار الإسلام تأثيرٌ لأنَّه لم ينتفع في خصوص هذه الواقعة، فالحلّ الوسط انَّه يجوز أن يُعاد سهم التَّأليف عند الحاجة إليه، ورأي الشافعي أنَّ الكافر لا يُتَأَلَّف قلبه أما أبو حنيفة فرأيهُ أنَّ التأليف سقط بإعزاز الله للإسلام. 4 ـ في الرقاب :
البند الآخر، وفي الرِّقاب، فهؤلاء الذين هم في حيِّز العبوديَّة، يجوز أن نُعْطِيَهم من مال الزكاة شيئًا يشترون بها حُريَّتهم، فعن البراء قال: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
((عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ قَالَ لَا إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ وَاسْقِ الظَّمْآنَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنَ الْخَيْرِ ))
[أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]
و: (( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ قَالَ أَبمو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
أيُّها الشباب، الناكح المتعفِّف الذي يرجو بالنِّكاح العفاف حقٌّ على الله عَونُهُ، لذا النبي عليه الصلاة والسلام ما شكا إليه رجلٌ ضيقَ ذات يدِه إلا قال له: اِذْهب فتزوَّج!! 5 ـ الغارمون :
والغارمون هم الذي تحمَّلوا الدُّيون، وتعذَّر عليهم أداؤُها، وهم أقسامٌ فَمِنهم من تحمَّل حمَّالةً، أو ضَمِن دَينًا فَلَزِمَهُ، فهؤلاء يجوز أخذهم من مال الزكاة، أو المستدين لِحاجة ماسَّة، أو في معصِيَةٍ تاب منها، فهؤلاء جميعًا يأخذون من مال الزكاة ما يفي ديونهم فقط، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثٍ ذِي دَمٍ مُوجِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
الأوّل التصق بالتراب، والثاني عليه دَين كبير، والثالث عليه أداء الديَّة.
وروى مسلم عن أبي سعيد: (( أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
اشترى ثمارًا بمئة ألف، فإذا هي كاسدة، فصار عليه أن يدفع الثمن لِصاحب البستان، ولم يدفع ثمن هذه البضاعة، هذا يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة، وقد ساقني هذا الموضوع إلى موضوع التأمين، فقد سألني اليوم شخص، فقلتُ له: التَّأمين حرامٌ قَولاً واحدًا لأنَّ الأمن لا يُباع ولا يُشْترى، والأمْنُ بيَدِ الله، ومن باعك الأمْن فقد باعك شيئًا لا يملِكُهُ أما التأمين الإجباري فهذا سقط اختيارُكَ فيه، ولكنَّ الإسلام أباح التأمين التعاوني، لو فرضنا أنَّ بأحد أسواق المدينة مصلحة من المصالح إذا اتَّفق تجار مؤمنون وقرَّروا أن يدفعوا واحداً بالمئة من ثمن بضائعهم باستمرار ويضعونها في صندوق، فإذا تلف مال أحدٍ منهم، أو احترق دكانه، أو فلَّس، يأخذ هذا الإنسان من هذا الصُّندوق، وهذا جائز في الإسلام، وهو عمل طيب فالتأمين محرّم لأنَّهم يأخذون الشيء من دون عِوَض.
ذكر لي أحدهم أن بعض التجار متَّفِقون فيما بينهم أن إذا أُصيب أحدهم بِنَكبة يقدِّمون له المساعدة الكافية، هكذا الأصول، وهذا هو الإسلام، إلا إذا كان الشيء احتيالياً، كما يجري الآن، وفي درس قادم إن شاء الله نتابع مصارف الزكاة.

السعيد 09-11-2018 08:56 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و السبعون )

الموضوع : مصاريف الزكاة -2








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
مصارف الزكاة :
1 ـ ابن السبيل :
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في مصارف الزكاة، أي الوجوه التي حدَّدها ربنا سبحانه وتعالى في صرْف الزكاة، وصلنا إلى المصرف السابع وهو في سبيل الله.
الحقيقة، هذا المصرف واسِعٌ جدُّاً في سبيل الله أي الطريق الموصل إليه، ومعنى إلى الله تعالى أيْ إلى مرضاته من العلم والعمل، فهو سبحانه لا يرضى عنك إلا إذا كنتَ عالمًا، ولا يرضى إلا إذا عملتَ بما تعمل، وما اتَّخذ الله وليًّاً جاهلاً، ولو اتَّخَذهُ لعلَّمَهُ، ولو تعمَّقتَ في أسرار الحياة لوَجَدت أنّأ أثمنَ شيءٍ في الكون أن تنال مرضاة الله عز وجل، فقد تُرضي إنسانًا له شأنٌ في الدنيا، وقد يرضى عنك إنسان له منصِبُهُ فلا يسعُكَ عقلك، فكيف لو أنَّ الله سبحانه وتعالى رضِيَ عنك؟ وكيف أنّ الذي خلق السموات والأرض رضي عنك؟ وكيف لو أنَّ الذي لا شيء قبله ولا شيء بعده رضي عنك؟ قال تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 3 ]
لا حدود لقدرته، ولا حدود لغِناه، ولا حدود لرحمته ورأفته، هذه الذات الكاملة ما أعظمها وما أصغرك، إنَّكَ تنال رضا الله عز وجل. العلم والعمل الصالح يقربان الإنسان من الله عز وجل :
لذلك قد أقرأ في الكتب: فلان يحمل الشهادة الفلانيّة دكتوراه، وبورد، وقد أقرأ اسم صحابيّ كُتبَ بِجانبه رضي الله عنه، لو تعمَّقْت لوَجَدْت أنَّ أعلى رتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يرضى الله عنك، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أشدّ مِحنةٍ واجهها، لما ذهب إلى الطائف، وحينما ردَّهُ أهلها وسَخِروا منه، وأبَوا أن يستجيبوا له، وبالغوا في إيذائه الْتَفَتَ إلى الله تعالى وقال: إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكنَّ عافيتك أوسع لي، فليس لك سبيل إلى أن تصل إليه، ولكن سبيلك إلى أن تصِلَ إلى مرضاته مِن العلم والعمل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "لا بوركَ لي في يوم لم أزْدد فيه من الله علماً"، العلم والعمل الصالح يُقرِّبانك، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف: 19]
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾
[ سورة الإسراء: 79]
ما منَّا واحد إلا وله مقامٌ معلوم، هذه المرتبة تُحصِّلها بِعِلمك وعملك، ولا تنس أيها الأخ الكريم أنَّ رتبة العِلْم أعلى الرُّتَب، والله الذي لا إله إلا هو شَعَرتُ قبل يومين أنَّ ليس في الأرض شيئاً؛ لا مالها، ولا جاهها، ولا سلطانها، ولا زينتها، ولا قصورها، ولا ما فيها من مباهج يعْدِلُ أن تكون عالمًا بالله تعالى، فرُتْبة العلم بالله تعالى أعلى الرُّتَب، فسبيل الله هو الطريق الموصِلُ إلى مرضاته من العلم والعمل، وجمهور العلماء قالوا على أنَّ المراد به هنا الغزو في سبيل الله، فلماذا تجدون مسلمين في بقاع الأرض مستضعفين؟! لأنَّ هذه الفريضة تركوها، ولمَّا تركوها قَوِيَ أعداؤُهم، وحملوهم على الكفر، وترك دينهم، وشرَّدوهم، فأخبار المسلمين في بعض الدول شيء يتفطَّر له القلب، بِسبب أنَّ هذا المصرف من مصارف الزكاة قد عُطِّل، وأنَّ سهم سبيل الله يعطى للمتطوِّعين من الغزاة الذين ليس لهم مرتَّب من الدَّولة، فهذا يُغطِّي نفقات الدَّعوة إلى الله تعالى، فالدَّعوة إلى الله تعالى قد تأخذ شكلاً بيانيًّاً، فطبعُ الكتب الثمينة وتوزيعها، وإنشاء الجامعات الإسلاميّة، وإرسال دعاة إلى هذه البلاد الجاهلة التي سيْطَر عليها الاستعمار، وإنشاء المراكز الإسلاميّة؛ هذا كلّه في سبيل الله تعالى، ويوم كان النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام يفتحون البلاد عن طريق الجيوش أيضًا في سبيل الله، فالقصْد أن توصِلَ الحق لأهله، وأن تنشر الدِّين.
هؤلاء لهم سهم من الزكاة يُعْطَونَهُ، سواءٌ كانوا من الأغنياء أو الفقراء فهذا الذي ينشر الإسلام له أجره، وهذا الأجر يستحقّه، سواءٌ أكان غنيًّا أم فقيرًا، وقد تقدَّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[ أبو داود عن عطاء بن يسار]
منهم الغازي في سبيل الله. عدم جواز صرف أموال الزكاة ليحج بها بعض المسلمين :
ولكنَّ الحجّ بهذه المناسبة ليس في سبيل الله فإياكم أن تسيئوا فهم هذه العبارة، أي لا يجوز صرف أموال الزكاة لِيَحُجَّ بها بعض المسلمين، لأنَّ الحجّ فريضة على المستطيع، وغير المستطيع لا حجّ عليه، فلو دُفِعَ لهذا الفقير مبلغ من المال لِيَحُجَّ به فهذا ليس في سبيل الله تعالى.
حدَّثني أخٌ أنَّ رجلاً ميسورًا أقسَمَ لي أنَّه ما ذهب إليه أحد طالبًا مبلغًا من المال، أي لأسرة فقيرة، أو عمليَّة جراحيّة، أو ترميم مسجد، أو تفقّد أسرة على وشك الانهيار، إلا وقال لي: خُذْ المبلغ الذي تريده، ولكن قلْ لي: أَأُسَجِّله من الزكاة أم من الصَّدَقة؟! فَبِناء المسجد مثلاً يكون بأموال الصَّدقات، ولكن قال العلماء: يجوز أن يُبنى المسجد بأموال الزكاة في حالات نادرة؛ ما هي هذه الحالات؟ لو أنَّ بلدةً ليس فيها مسجدٌ والصلاة معطَّلة، وصلاة الجمعة معطَّلة في هذه البلدة لا بدَّ من أن يُنشأ فيها مسجدٌ ولو كانت نفقاته من أموال الزكاة، فأحيانًا تُلقى خطبة فيهْتزُّ لها السامعون فلعلَّ بعضهم يتوب، ويُقْلع عن هذا الذَّنب، ويندفع إلى العمل الصالح، فلا بدّ من عمل صالح.
قلتُ لأحدهم قبل يومين: الإنسان كالبطاريَّة، تحتاج من حينٍ لآخر إلى شَحن فإذا كان الشَّحن منظَّماً في كلّ أسبوع، هذا يكون دائمًا بِحالة جيِّدة، أما إذا كان الشَّحن متقِّطعاً أو غير منتظم أو منعدماً يكون الإنسان بحاجة ماسّة إلى شحنات، فإذا ترك الإنسان الجمعة ثلاث مرات من غير عذر نكَتَتْ نكتة سوداء في قلبه، ثمّ يكون الران، فالمؤمن متميِّز، قال أحدهم: كثير من المشايخ لا يرضون الناس، وهذا الشخص طبيب ومعه بورد، فقلتُ له: كم سنة درسْت حتى أخذت هذه الشهادة؟ فقال: سنوات وسنوات، ومظهرك لباس أبيض وواضِع نظارات، فلو جاء أُمِّيٌ وتشبَّه بك، هل يصبحُ طبيبًا؟! الطبّ عِلْم، وكذا المَشْيَخة ليست زيّاً ولكن عِلم وعمل، فالشيخ لا بدّ أن يكون له قلب يسَع الناس، ويحتمل الأذى، ويعطف عليهم، وقلب لا يسأل لنفسه أبدًا، فالدعوة إلى الله علم وقلب، فالعلم وحده لا يكفي، فقد يغترّ الإنسان بعلمه، ويستغني عن الله تعالى والحديث الشريف يقول: "خفت عليكم ما هو أكبر من الذنب العجب" لذا أحد العارفين يقول: "ربّ معصيّة أوْرثت ذلاً وافتقارًا خير من طاعة أورثت عِزًّاً واستكبارًا"، ففي سبيل الله إذًا أيْ في سبيل الوصول إلى الله عز وجل.
أهم ما ينفق في سبيل الله :
في بعض التفاسير: يزيد الصرف من هذا السَّهم على تأمين طرق الحجّ لا يجوز أن تُدْفعَ الزكاة لِفقير يحجّ بهذا المال، ولكن تأمين طرق الحجّ واستراحات على الطريق، وحِراسة على الحجاج، وتأمين المياه على الطريق، وأسباب الأمن للحجاج، فإنشاء المستوصفات على طرق الحج هو في سبيل الله، وإرسال بعثة تُرافق الحجاج، وتقوم بِخِدمات حقيقيَّة من معالجة وإسعاف هو في سبيل الله، وأماكن الاستراحة هذه كلّها في سبيل الله، ويجوز أخذها من مال الزكاة.
وفي سبيل الله تعني كلّ المصالح الشرعيَّة العامة التي تتعلق بأمر الدين، فلو فرضنا أنشأنا مرصداً لِرَصد القمر فرضًا، هذا في سبيل الله، من أجل ضبط التوقيت، فأيّ شيء يُعينُ على إقامة الشعائر من صلاة وصيام وحج وزكاة هو من باب سبيل الله.
وأولاها الاستعداد للحرب لِنَشر الإسلام، ونشر الحق في الآفاق، وتعميم الفضيلة، وتنوير العقول، وتحرير الأذهان من الوثنيّة والشِّرك، هذا كلّه في سبيل الله، وأعدى أعداء الإنسان الجهل، فشَعب الهند يعبدون البقر، ويضعون في غرف البيوت روث البقر تبرّكًا به، والشعب في فقْر مدقع، حدَّثني رجلٌ زار الهند فقال لي: يضعون فواكه لإلههم بوذا كمِّيات منقطعة النظير، ويظنون أنّه يأكلها ليلاً، ولكنّ الكهنة هم الذين يأكلونها! لذا الحمد لله على دين الإسلام، ومن لا عقل له لا دين له، ومن لا دين له لا عقل له، قال لي أحدهم شاهد عيان دخل إلى مطعم بآسيا الشرقيّة فإذا بهم يأكلون القرْد!! وبعض الشعوب تأكل لحم الكلاب! وهناك نقطة دقيقة جدًّاً وهي أنَّ الإسلام منَعَ العقل من إحداث تغيير أو تبديل أو إضافة في شأني العقيدة والعبادات، ولكن أمرهُ أن يبْحث عن سرّ العبادات، أما أن تبحث عمَّا يروق لك فهذا ليس من الدِّين، ولو حكَّمنا العقل في الدِّين لأُلْغِيَت الزكاة، والصلاة، فالعقل ليس مسموحًا له أن يضيف أو يبدّل في العقيدة والعبادات، فالأصول لا مجال للعقل أن يحدث فيها، وهو ما قاله علماء الأصول.
ومن أهمّ ما يُنفقُ في سبيل الله إعداد الدُّعاة إلى الإسلام، وإرسالهم إلى بلاد الكفار مِن قِبَل جمعيَّات منظَّمة تُمِدُّهم بالمال الكافي، كما يفعل الكفار في نشر دينهم، ويدخل في هذه النفقة المدارس، وتعليم العلوم الشرعيّة وغيرها ممَّا تقوم به مصلحة المسلمين، ويُعْطَى مُعَلِّمو هذه المدارس الذين ينقطعون عن الكسب من أجل التدريس، ولا يعطى العالم الغني، فالتعليم في سبيل الله تعالى.
المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدق:
ابنُ السَّبيل هو الباب الثامن من أبواب الزكاة، اتَّفق العلماء على أنَّ المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من مال الصدقة، فأحيانًا يكون المسافر غنيّاً، وله شأن، وله قيمته، ولكنَّه فقدَ محفظة نقوده، حدَّثني أخ أنَّه في مطار لندن يستعمل بعضهم طرقاً خبيثة لاغتصاب أموال الناس، فَحُسن الظنّ بالغرب أحد أنواع الغباء، فلا شكّ أنَّ هناك اختلافاً بيننا وبينهم ولكن لا ينبغي أن تنزِّههم كُليّاً عن السرقة والجريمة، ففي أمريكا تُرْتَكَبُ في كلّ ثلاثين ثانية جريمة سرقة أو قتل أو اغْتِصاب، فابن السبيل هو المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدقة ما يستعين به على تحقيق مقصده، فإن كانت لك نيَّة في دفع ثمن التذكرة لطالب فَخُذْه وادْفع عنه التذكرة هذا إن كان صادقاً، أما إن كان كاذبًا فقد يرفض الذهاب معك.
اشترط بعض العلماء أن يكون هذا السفر في طاعة، أو في غير معْصيَة ففي بعض بلاد النَّفط تعوّد أهلها أن يقضوا آخر الأسبوع في لندن في سهرات ساخطة، هذا إن سُرِقَ ماله هناك، فلا حقّ لإعطاء أمثال هؤلاء من مال الزكاة، لأنّ هذه السَّفرة في سبيل الشيطان، وأما في السفر المباح فقد اختلفوا، وابن السبيل عند الشافعيّة قسمان: من يُنشىءُ سفرًا من بلدٍ مقيم به، ولو كان وطنه، فلو أنّ واحدًا جاءتهُ برقيَّة أنَّ ابنه في مستشفى، ولا تسمح حالته بالذهاب، حُمِلت هذه الحالة على أنَّها من حالات ابن السبيل، فلو كنتَ مقيمًا في دمشق، واضْطررتَ أن تذهب إلى بلد لِتَرعى ابنك المصاب بِحادِث، ولا تملك ثمن التذكرة، يمكن أن يكون هذا السفر الذي أُنشأ من بلد الإقامة تحت عنوان ابن السبيل.
أو غريبٍ مسافر يجتاز بلاد المسلمين، هذا كذلك ابن السبيل، وكلاهما له الحق في الأخذ من الزكاة، ولو وجدَ من يقرضُه كِفايتَهُ، له الحق أن يأخذ من مال الزكاة ما يوصلهُ إلى بلده.
أما عند الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى ابن السبيل هو المستحقّ للزكاة ويختصّ بالمجتاز دون المنشئ، أما الذي ينطلق من بلده فهذا الفقير، وله باب آخر، ولا يُعْطى من الزكاة من إذا وَجَد مقرضًا يقرضُهُ، وكان له من المال ببلَدِهِ ما يفي بِقَرْضِهِ، فهذا رأي الإمام مالك وأحمد على عدم جواز من وجد من يقرضه أن يأخذ من مال الزكاة.
اختلاف الفقهاء في توزيع الصدقة على المستحقِّين :
سؤال دقيق الآن: توزيع الزكاة على المستحقِّين كلِّهم أم بعضهم؟ الأصناف الثماني المستحِقُّون في الزكاة المذكورون في الآية:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60]
وقد اختلف الفقهاء في توزيع الصدقة عليهم، فقال الشافعي وأصحابه: إن كان مُفَرِّق الزكاة هو المالك أو وكيلهُ سقطَ نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الأصناف السبع الباقين إن وُجدوا، و إلا فللموجود منهم، ولا يجوز ترْك صِنفٍ منهم.
لكنَّ أحد العلماء قيَّد هذا الرأي بأن يكون المال كثيرًا، يحتمِل الأجزاء كلَّها فلو فرضنا أنّ الدولة جمعت الزكاة، ومعها حوالي ثلاثمئة مليون، ممكن أن توزّع هذه الأموال على كل الأصناف لأنَّه يسعهم، أما إن كان قليلاً فجاز أن يودَعَ في صِنفٍ واحدٍ، كان تُدفع الزكاة للتعليم الشرعي، والإنفاق على طلبة العلم، فالإنفاق عليهم في سبيل الله، وقال الإمام مالك: تفريقها أولى ويجتهد ويتحرَّى موضع الحاجة منهم، ويُقدَّم الأولى فالأولى.
وقال الأحناف: الإنسان مخيَّر أن يضعها في أيّ صنفٍ شاء، وهذا مرويّ عن حذيفة بن اليمان وابن عباس وعطاء، لو كان أحدهم معه عشرة آلاف، وله قريب ينام أولاده وبناته في غرفةٍ واحدة، وفي سنّ الشباب، فهذا شيءٌ مزعِج ومخالف للشَّرع، فدَفَعَ زكاة ماله لإنشاء غرفة إضافِيَّة لِيُفرِّق بها بينهم، فهذا العمل أولى، وهي لِشَخصٍ واحدٍ.
وسوف نأخذ في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى من تحرم عليهم الصدقة وهم الكفرة والملاحدة، وبنو هاشم، لماذا بنو هاشم؟ لأنَّ الصَّدَقة لا تحلّ لا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولا لأهل بيته، كما أنَّها لا تحل للآباء والأبناء، ولا للزوجة، لأنَّ هذا احتيال على الشرع وسوف نفصِّل هذا في درسٍ قادم.




السعيد 09-11-2018 08:58 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و السبعون )

الموضوع : من هم اولى بالزكاة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
استحباب إعطاء الزكاة للصالحين :
أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الزكاة، وربما ينتهي معنا في هذا الدرس استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين.
حينما يُعطى غير الصالح المال ينفق هذا المال في غير الوجه الذي أمر الله به، أيْ إذا كان الفقير مُحتاجًا إلى هذا المال مرَّة، فالفقير المؤمن مُحتاج إلى هذا المال مئة مرَّة! فالفقير المؤمن مستقيم، وعنده حياء وعِزّة وكرامة، هذا ينفق المال في القربة من الله تعالى ، ينفق المال على عياله، فأن تبحث على الفقير فقط هذا ليس من الصَّلاح في شيء، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَتْقِيَاءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
وإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فأحيانًا تلتقي مع إنسان تشعر أنَّه متألّم ألمًا لا حدود له، والسَّبب أنَّه قدّم خِدمة كبيرة لإنسان وكان هذا الإنسان لا يستحقّها، وكفر بها، وجحد هذا الفضْل، وتنكَّر له، فإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فهؤلاء الذين لا ينْسَون المعروف، وعلامة المؤمن أنَّه إذا فعل معروفًا لا يذكرُهُ أبدًا، وكلَّما ارتقى إيمانهُ لا يذكرُ ولا مرَّةً واحدة هذا المعروف، وعلامة المؤمن أيضًا أنَّه إذا فُعِل معه معروف لا ينساه أبدًا ما كان على قيْد الحياة، فإذا قال لك أحدهم: لك فضل عليّ، ولا أنساه لك، فهذه علامة إيمانه، وإذا أراد أن يُنكرَ هذا الفضْل فهذه علامة الفِسْق والفجور، لذلك الإنسان إذا كان عمله الطيِّب وضعه عند المؤمنين فأغلب الظنّ أنَّ هؤلاء المؤمنين تزداد محبَّتهم له، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، والمؤمنون بعضهم لبعض نصَحَةٌ مُتَوادُّون، ولو ابتَعَدَت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غَشَشَة متحاسدون، ولو اقتربَتْ منازلهم، أما أن يُلقي الإنسان ماله جزافًا هكذا، وانتهى الأمر، كهذا الحاج الذي يذبحُ الهَديَ ويُلقيه في الطريق، أهكذا أمر الله عز وجل؟! خالق السموات والأرض، وخالق هذه النِّعَم أهكذا أمرَك؟ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[ سورة الحج: 36]
أمر إلهي واضِح كالشمس. ما من حكم إلا و له حكمة :
الإنسان عليه أن يبحث عن حِكمة الأحكام، فالأصوليُّون قالوا: ما مِن حكمٍ فقهي إلا ووراءهُ حكمة، فإذا تعطَّلَت الحِكمة تعطَّل الحكم! فالنبي عليه الصلاة والسلام أوقفَ حدَّ قطع اليد في غَزْو، والله عز وجل يقول في القرآن الكريم:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة: 38]
أمر صريح وواضح، ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيُعَطِّل هذا الأمر في الغَزْو ما حِكمة ذلك؟! لأنَّ هذا الذي يسرق في الحرب لو أردتَ أن تقطَعَ يدهُ ينضمّ إلى صفّ الأعداء فَوْرًا حتَّى ينْجُو من قطْع اليد فإذا انضمّ إلى صفِّهم نقل أخبار الطَّرف الثاني، فكان قَطْعُ اليد في الحرب وبالاً على المسلمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام لِما أراه الله من حِكمة قَطع اليد رأى أنَّ هذا الحدّ لا يُطبق أثناء الحرب، فهو في السِّلم حياة قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 179]
لكنّ قطع اليد في أثناء الغزو يعود على المسلمين بالضَّرر، فما من حكم إلا وله حكمة، هكذا تشتري الهَدي بأربعة آلاف ليرة، وتذبحها في الطريق، ثمّ ترميها كي تملأ الجوّ بريحها النَّتِن! أهذا هو الدِّين؟! قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾
[ سورة الحج: 36]
على المزكي أن يجتهد قبل أن يعطي زكاته :
عنوان فصلنا استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين، فحينما لا يبقى صالح محتاج أعْطِ غير الصالحين، أما إنسان مؤمن ومستقيم، ويُقيم الشَّرع في بيته، وهو محتاج إلى مبلغ من المال، تتركه وتعطي المال لآخر يمضي سهراته وراء أجهزة اللَّهو، و لا ينضبط بالشّرع، فهذا الذي قاله العلماء: الزكاة تعطى للمسلم إذا كان من أهل السِّهام، وذوي الاستحقاق إلا إذا عُلِم أنّ سيَسْتعين بها على ارتِكاب ما حرَّم الله تعالى: فإنَّه يُمْنعُ منها سدًّا للذَّريعة، فإذا عُلِم أنَّه سينْتَفِعُ بها فإنَّه يُعطى منها، وإن لم تعرف المحسنين فاسأل الذين يعرفون، فاجْتهِد قبل أن تعطيّ هذا المال أن يكون لِمَن يسْتَحِقَّه، ولك الأجر الكامل، أما لم تجتهد فليس لك شيء!
على المزكي أن يخصّ بزكاته أهل الصلاح و العلم :
وينبغي أن يخصّ المزكِّي بِزَكاته أهل الصَّلاح، والعلم، وأرباب المروءة، قال ابن تيميَّة: فمن لم يُصَلِّ من أهل الحاجات لم يُعْط شيئًا حتى يتوب ويلْتزِمَ أداء الصَّلاة! بين الرجل والكفر ترك الصلاة، من تركها فقد كفر جهارًا، كحال الذي يُدَخِّن، ويُدَخِّن ماركة مشهورة، تعطيه مالك الذي حصَّلْتَهُ بِكَدِّك وعرقِ جَبينك لِيَشْتري الدُّخان!! ولِيَشتري ما يؤذيه ويؤذي غيره!! هذا رأي ابن تَيْمِيَّة رحمه الله تعالى، وهذا حقّ، فإنَّ ترك الصَّلاة إثم كبير، ولا يصحّ أن يُعانى مُقْترفها حتى يُحْدِث لله تعالى توبةً، ويُلْحقُ بِتارِك الصلاة العابِثُون والمستهترون الذي لا يتورَّعون عن منكر ولا ينتهون عن الغيبة، والذين فسَدَت ضمائرهم، وانطمست فطرهم، وتعطَّلت حاسَّة الخير فيهم، فهؤلاء حالهم الاستهزاء بالدِّين، وعدم المبالاة به، ومفرِّط، هذا الصِّنف لا يُعْطَون من الزكاة إلا إذا كان العطاء قِياسًا على المؤلَّفة قلوبهم، أو أنَّ هذا العطاء يُوَجِّهُهم الوِجهة الصالحة، ويُعينهم على صلاح أنفسهم بإيقاظ باعث الخير، إلا إن غلَبَ على ظنّك أنَّ هذا المقصِّر في الدِّين إذا أعْطَيتَهُ جلبْتَهُ، وألَّفْت قلبه، وحملتَهُ على التَّوبة فإذا غلب على ظنّك ذلك فأعطِه، فإنَّ إعطاءك إيّاه ينضوي تحت المؤلَّفة قلوبهم.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل هذا السَّهم، حينما رأى أنَّ هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم انتهى دوْرهم، كانوا عندما كان الإسلام ضعيفًا، فلما استغنى الإسلام وأصبح دولة قويَّة استغنى عن هؤلاء، فإذا ضعف الإسلام وأصبح أعداء الدِّين هم الأغنياء، وصار بإمكانهم أن يجلبوا الناس بالمال كأنّ سهم المؤلّفة قلوبهم في مثل هذه الحالة ينبغي أن يعود اسْتِجلابًا لقلبه.
جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها إن كان فقيراً :
إذا كان للزّوجة مال تَجِبُ فيه الزكاة فلها أن تُعطيَ زوجها المستحقّ للمال من زكاتها لأنَّه لا يجبُ عليها الإنفاق عليه، وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطت الأجنبي لأنَّه أقرب الناس إليها، فلو ورِثَت الزوجة من أبيها ثلاثمئة ألف ليرة، فهذا عليه زكاة، وزوجها موظّف ودخله محدود، فأعْطَت هذا المبلغ لِزَوجها، هذه أجرها مُضاعف.
((عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ))
[البخاري عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه]
هناك بعض النِّساء من معهنّ مال، وعليه زكاة، وترى رأي العَين زوجها في المِقلاة، ولا تُبالي، فهذه الزَّوجة ليْسَتْ وَفِيَّة، والإمام مالك له رأي بهذا الموضوع فإذا كان الزَّوج يستعين بما أخذهُ منها على نفقتها فلا يجوز، فلو استحقّت سواراً من ذهب، فلم يستطع أن يشتريها لها، فدَفَعَتْ له زكاة مالها كي يشتري لها هذا السوار فهذا احْتِيال على الشّرع، أما إذا أنفقهُ على أولاده، ولِتأمين غرفة إضافيّة للأولاد، ولِفَصْل الذُّكور على الإناث فعندها يجوز.
أبو حنيفة رحمه الله له رأي ثان، أنها لا يجوز لها أن تدفع له من زكاتها وإنّ حديث زينب وردَ في صدقة التطوّع، لذا اختلاف أمَّتي رحمة. جواز دفع الزكاة للأقارب :
أما سائر الأقارب كالأخوة والأخوات والأعمام والأخوال والخالات فإنَّه يجوز دَفعُ الزكاة إليهم إن كانوا مُسْتحقِّين في قول أكثر أهل العلم، لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ ))
[النسائي عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ]
قبل أن تُعطي مالك للآخرين انظر في أقاربك من الأخوال والأعمام وأبناء الأخ أو الأعمام، فقبل أن تُعطي الغريب أعْطِ القريب، فهذا الذي يخجل أن يسأل وتعرف أنت حاله فالذي يتفقَّد أقاربه وأحوالهم ومعيشتهم وأمراضهم وأفراحهم؛ صلة الرَّحِم أمر إلهي، وسنَّة نبَوِيَّة. إعطاء زكاة العلم لطلبة العلم دون العبّاد :
قال الإمام النَّووي رحمه الله: لو قَدَر إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد، العابد المعتكف في المسجد للعبادة والصلاة، فهذا لا ينبغي أن يُعطى من الزكاة، ورضي الله عن إمامنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان جريئًا، فقد رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار فقال رضي الله عنه: إنَّما أُنزل هذا القرآن لِيُعْمَلَ به أفاتَّخَذْتَ قراءته عملاً؟! إنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً بالنَّهار لا يقبله إلا بالليل، أنت شاب ولك زوجة وأولاد وهم جِياع، ماذا تعمل في المسجد؟ أنت عابد والعابد لا يستحقّ من أموال الزكاة! ولكنَّ طالب العلم يُحصِّل العلم من أجل تعليمه، فهذا إنسانٌ مُنْتِج، فكَلِمَةٌ من العالم تنقذ أمَّة، ومن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعًا، لذلك يُعطَى طالب العلم من أموال الزكاة دون العُبّاد! فطلبة المدارس الشرعيَّة، وكليَّات الشريعة في الجامعة، الذين جاؤوا من بلاد أخرى، يتعلَّمون الشريعة الإسلاميَّة لِيَعودوا إلى أقوامهم مُبلِّغين ومنذرين، هؤلاء يستحقُّون من أموال الزكاة، وهو حقُّهم، وكذا الذي يتفرَّغ لِطَلب العلم من دون مدرسة شرعيّة، فهذا جلس لِيَعرف الله عز وجل، ويُرْوى أنَّ الإمام أبا حنيفة قال: "سَمِعتُ حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام وأنا في الحج، وهذا الحديث يقول: من طلب العلم تكفَّل الله له بِرِزْقه!" أنا أفهم هذا الحديث فهمًا خاصًّا، فليس المعنى أن يدرس الإنسان الشريعة، أو يلازم مجالس العلم، ثمّ ينتظر الباب كي تأتيه النقود، ليس هذا هو المعنى، ولكنّ المعنى أنَّه من طلب العلم يسّر الله له عملاً، فَتَجِد أنَّ وقته قليل، ودخله كثير، لأنّه ابْتغوا الحوائج بِعِزَّة الأنفس، فإنَّ الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذِلّ نفسه، فليس معنى الحديث أن يجلس الإنسان بِبَيْتِه، وينتظر كي تأتيه الأموال، ولكنّ الحديث أن تقوم وتعمل، فالإمام أبو حنيفة تاجر، فالعمل شرف في الإنسان، ولكن هناك أعمالاً مرهِقة، وتستغرق وقتًا طويلاً.
قال الإمام النووي: لو قدر طالب العلم على كسبٍ يليق بِحاله لفعل، إلا أنَّه مشتغل بِبَعض العلوم الشرعيّة، بِحيث لو أقبل على الكسب لانْقطَع عن التَّحصيل، حلَّت له الزكاة، ولأنّ تحصيل العلم فرض كفاية، أليس من العار أنْ يكون الكفار الأجانب بِمُعظم الجامعات طالب العلم يُعطونه عملاً بسيطًا في الجامعة وله أجر كبير؟ إذاً نحن أولى من الأجانب والكفار.
حكم دفع المعسر دينه كزكاة :
الإمام النووي يقول: لو كان على رجلٍ معسِر دينًا فأراد أن يجعله على زكاته وقال: جعلتهُ عن زكاتي فوجهان؛ أصحُّهما أنَّه لا يجزئه، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، لأنَّ الزكاة في ذِمَّته، والثاني يجزئه، وهذا مذهب الحسن البصري، حدَّثني شخصٌ قال: لنا مع شخص مبلغ بعناه بضاعةً وهذا الشَّخص تُوُفِّي، ترك طفلين صغيرين في السنة العاشرة، ولا يقوَيان على كسب القوت، فسامحناهما بهذا المبلغ، وأسقطناهما من الزكاة وهذا يجوز على رأي بعض الأئمة، فإذا كان هناك دينٌ ثابت، وأنت حينما وضَعتَ هذا الدَّين عن المدين، وكان هذا المدين مستحِقًّاً فلك أن تُسْقط هذا المبلغ من حساب الزكاة، والله سبحانه وتعالى يقبل ذلك إن شاء الله على رأي بعض الأئمة.
هنا نقطة أخرى، إنسان له مع الثاني خمسة آلاف ليرة، ولم يعْطِهِا له، ومعه مئتا ألف زكاتها خمسة آلاف، فأعطاه خمسة آلاف زكاة، وقال له هذا دَيني، فهذه حيلة شرعيّة، دفع الزكاة بِشَرط أن يردّها إليه عن دينه فلا يصحّ الدَّفع ولا تسقط الزكاة بالاتِّفاق، تبقى الزكاة في ذِمَّته، ولا يُقبل هذا العمل منه.
نقل الزكاة من بلد لآخر :
الأصل أنَّ هذه الزكاة التي جُمِعَت من مال نما في الشام، يجبُ أن تُعْطَى لِفُقراء الشام، فأسواق دمشق نمَّت أموال الناس، زكاة هذه الأموال يجبُ أن ترَدّ إلى فقراء دمشق، لأنّ الذين اشْتروا وباعوا اسْتَهلكوا أسواق دمشق، وجهود أبنائها، فَفُقَراء دمشق أولى من غيرهم، لذا قال العلماء رحمهم الله: أجمع الفقهاء على جواز نقل الزكاة إلى من يستحقّها من بلد إلى آخر بِشَرط أن يستغني أهل البلد المزكَّى عنها، فلو لم يبق في الشام ولا فقير عندئذٍ يجوز نقل الزكاة إلى فقراء حمص مثلاً، أما أبناؤكم فأولى بِزَكاة أموالكم من الفقراء.
أما إن لم يستغن قوم المزكّي عنها فقد جاءت الأحاديث مصرِّحةً لأنَّ زكاة كلّ بلدٍ تُصرفُ على فقراء أهله، ولا تُنقلُ إلى بلد آخر، لأنَّ المقصود من الزكاة إغناء الفقراء من كلّ بلد، فإذا أُبيحَ نقلها إلى بلد مع وُجود فقراء بها أفضى إلى إبقاء فقراء ذلك البلد محتاجين، ففي حديث معاذ المتقدّم أنَّ عليهم صدقَةً تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم.
وسوف نتابع هذا الموضوع وننْهيه في درس قادم، وقد تمنَّيتُ أن ينتهي ولكنَّه لم ينته.

السعيد 09-11-2018 09:00 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و السبعون )

الموضوع : الخطأ فى مصرف الزكاة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الخطأ في مصرف الزكاة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الفقه وفي موضوع الزكاة إلى الفقرتين الأخيرتين، وهما الخطأ في مصرف الزكاة، وإظهار الصّدَقة.
أولاً: الخطأ في مصرف الزكاة، ملخَّص الموضوع لو أنَّ المسلم أعطى زكاة ماله لِمَن لا يستحقُّها، هل سقطَتْ عنه أم عليه أن يدفعها مرَّةً ثانية؟! هذا الموضوع خلافيّ، أيْ أنَّ للسادة العلماء الأجِلاَّء آراء متداولة فقد تقدَّم الكلام على من تَحِلُّ لهم الصَّدَقة، ومن تحرُمُ عليهم، ثمَّ إنَّه لو أخطأ المُزَكِّي، وأعطى من تحرمُ عليه، وتركَ من تَحِلُّ له دون عِلْمِهِ، ثمَّ تبيَّن له خطؤُهُ، فهل يجزئه ذلك؟! أم أنّ الزكاة لا تزال دَينًا في ذِمَّتِهِ حتى يضعها موضعها؟ سؤال مهمّ جدًّاً، فلو أخطأت ودفعْتَ الزكاة إلى من لا يستحقّها، فهل سقطَتْ عنك أم تبقى ذِمَّة في رقبتك؟ وهل يجزئك ذلك أم أنّها تبقى واجبة عليك؟ هذا هو السؤال!
اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة، فقال أبو حنيفة ومحمد والحسن وأبو عبيدة: يجزئه ما دفعهُ، ولا يُطالب بِدَفع زكاةٍ مرَّة أخرى، فاختلاف أئمةّ المسلمين رحمة واسعة، فلو أنّ أحدهم دفع الزكاة بِشِقّ الأنفس، لو طالبتهُ أن يدفعها مرَّةً ثانية، لأنَّه أخطأ في مصرفها لرفض، وربما ارتدّ، نقول له: الإمام أبو حنيفة يقول: إن أخطأتَ في دَفْع الزكاة إلى من لا يستحقّها سقطَت عنك، وللعلماء عبارة مشهورة: سقط الوُجوب وإن لم يحصل المطلوب.
(( عن معن بن يزيد قال: كان أبي أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتها وأتيْتُهُ بها، فقال: والله ما إيَّاك أردتُ فخاصمْتُهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: عَن مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ رَضِي اللَّه عَنْه حَدَّثَهُ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ ))
[البخاري عن معن بن يزيد]
وبعض العلماء وجَّه هذا الحديث على أنّ الاحتمال في أن تكون هذه الصَّدَقة نفلاً، إلا أنَّ لفظ ما في قوله: لك ما أخذْت، ولك ما نوَيْت، قال علماء الأصول: يفيد العموم. كلّ شيءٍ وقعَ على وجه الأرض أرادهُ الله :
هناك قِصَّة رُوِيت عن أبي هريرة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام روى قصَّة عن رجل من بني إسرائيل قال رجل من بني إسرائيل لأتصدَّقنّ الليلة بصدقة فخرج بِصَدقته فوضعها في يد سارق فأصبح الناس يتحدَّثون:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ: رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
تعليقي على هذه القصَّة، أنَّ الخطأ الذي يرتكبهُ الإنسان، عند الإنسان خطأ، ولكن عند الله ليس بِخَطأ، إنّما يوظَّف الخطأ لِحِكمة بالغة، وأنا لا أنسى قِصَّة في هذا الموضوع؛ لي قريبة ليْسَت ملتزمة بالدِّين أخَذَت شهادة وأرادَت أن تتوظَّف بِمُوجبِها، فَطُلِبَ منها شهادة صِحِيَّة، فذَهَبت إلى المستشفى، وصوَّرَت صدرها، وبعد أيَّام جاءَت النتيجة أنَّ هناك مرضًا ساريًا في صدرها، علم أهلها بذلك فابتَعَدوا عنها، وجعلوا لها أدواتٍ خاصَّة، هذه العُزْلة في البيت، وهذا الخوف من الاقتِراب منها، سبَّب لها أزمة نفْسِيَّة، فجعَلَتْ تبكي بكاءً مرًّاً، واعْتَزَلت الناس إلى أن صلَّت، ثمَّ تحجَّبَت، ثمّ ظهر أنَّ هناك خطأٌ في النتيجة!! فهي ليْسَت لها، وهي سليمة مُعافاة وليس بها أيّ شيء، فهذا الخطأ الذي ارْتكبهُ الموظَّف لا شكّ أنّه خطأ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى وظَّفهُ لِتَوبتها، ولكي تتوب، فإذا أخطأ الإنسان فالله تعالى لا يخطئ، والذي وقعَ أرداهُ الله قولاً واحدًا، فكلّ شيءٍ وقعَ على وجه الأرض أرادهُ الله، ولا يُعفي هذا أن يُحاسَبَ المخطئ على خطئِه، إياكم أن تخلطوا بين التوحيد وبين الشُّعور بالمسؤوليَّة! إذا أخطأ إنسان وتسبَّب بِمَوت إنسان آخر يُحاسَب، ويدفع الديّة، هذا موضوع، ولكن بالنِّهاية أنَّ الشيء الذي وقع أراده الله سبحانه وتعالى.
رجلٌ آخر كان بِجَولة سِياحِيَّة وصَل بها إلى أمريكا، شَعَر بآلام بِعَموده الفقري اتّصل بِكِبار الأطباء هناك، فأنبؤوهُ مباشرةً أنَّ بِعَموده الفقري سرطانًا!! خارَتْ قِواه، ولم تقو رِجلاهُ على حَملِهِ، وقَطَع رِحلتَهُ السِّياحِيّة الممتِعة، وعاد إلى بلده لِيُصَلِّي ويصوم ويحضر مجالس العلم، وبعد شَهرين أو ثلاثة أكَّد له الأطباء أنَّ هذا الكلام لا أصل له، وأنَّ هذه الآلام طارئة وقد زالت، لكنّ هذا الكلام الذي أنبؤوه به سبَّبَ توبتهُ، فالذي وقَعَ أراده الله عز وجل قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة الحديد : 22 ]
فلو لا توجد بالدِّين، وهي تفتحُ عمَلَ الشّيْطان، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل فإنَّ كلمة لو تفتحُ عمَلَ الشَّيطان. الحكمة من التشدد في الخطأ في مصرف الزكاة :
الآن رأيٌ ثان، فالرأي الأوّل هو رأي أبو حنيفة، هل يجوز أن أقول: رأيُ أبو حنيفة أم رأيُ أبي حنيفة؟! هناك من يُجيز ذلك، فأنت لك أن تقول: سورة المؤمنون على الحكاية من دون جرِّها، أما الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وابن المنذر فيذهب هؤلاء جميعًا إلى أنَّه لا يجزئه دفْعُ الزكاة إلى من لا يستحقُّها، أي لا تسقط عنه إلا إذا دُفِعَت إلى من يستحقُّها، فقد يقول لك أحدهم: عليَّ ضريبة، ولكن هذه الضريبة في نهايتها للمدارس أو الطرقات، ويحسِبُ الضريبة من الزكاة، نقول له: لا، هذا لا يجزئ، فالإمام مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وابن المنذر يذهب هؤلاء جميعًا إلى أنَّه لا يجزئه دفْعُ الزكاة إلى من لا يستحقُّها أما إذا تبيَّن له خطؤُهُ، وأنَّ عليه أن يدفعها مرَّةً أخرى إلى أهلها لماذا هذا التَّشدُّد؟ الإمام مالك والشافعي قالوا: لا تسقط عنه إلا إذا دُفِعَت إلى من يستحقّها، فهم اتَّجهوا هذا الاتِّجاه من أجل أن يُفكِّر المسلم ألف مرَّة إلى من يدفعُ الزكاة، من أجل أن تذهب إلى من يستحقّها، وشُعور المسلم حينما يدفع الزكاة إلى من يستحقّها شعور لا يعادله شعور، فهو يحسّ بنَشوة وسعادة لا حدود لها، أسرة مستورة مؤمنة مستقيمة تعيش أزمة فجاء هذا المبلغ فحلَّ هذه المشكلة، كأن تُبنى غرفة لِفَصل الذُّكور عن الإناث، وكإجراء عمليَّة جِراحِيَّة، ودُفِعَ قِسط المدرسة من دون إرهاق الأب، فأحيانًا تأتي الصَّدَقة في مكانها الصحيح، لذلك حينما تشدَّد الإمام الشافعي رحمه الله والإمام مالك رحمه الله من أجل أن نجْتَهِد اجْتِهادًا دقيقًا في دَفْعِ الزكاة إلى من يستحقُّها، ولكنَّك إذا وثَقْت بإنسانٍ، نُقِلَتْ المسؤوليَّة منك إليه، كأن تقول لِمَن تثق فيه: خُذْ هذا المبلغ، وادْفَعْهُ إلى من يستحقّه فأنت بهذا لك براءة ذِمَّة، وأصبح هو مسؤولاً عن الاجتهاد في دفع هذا المبلغ.
الزكاة دين الله :
الإمام الشافعي قاس على موضوع الدَّيْن، فالزكاة دَين الله، فلو أنَّ لك مع إنسان ألف ليرة، ذهبتَ أنت إلى بيته مثلاً، فدققت الباب، خرج إنسان وقلت له: خذْ ألف ليرة و أعطها لفلان؟ هل يمكن هذا؟ لا بدّ أن تتأكّد فقد يكون هذا مستأجر، ويذهب في اليوم نفسه، فقضاءً وقانونًا هل يسقط عنك هذا الدَّين؟ أين توقيعي؟ وأين السَّنَد؟ وأين الشُّهود؟ كيف أنَّ دَين البشر لا يسقط عنك إلا إذا أدَّيتَهُ إلى صاحبه تمامًا، فكذلك دَين الله! فالأصل أن تسأل الدائن: إذا جئتُ ولم أجدك، ماذا أفعل؟! إذا قال لك: أعْطِ المبلغ لِزوجتي، انتهى الأمر، أما إن أكَّد عليك عدم إعطاء المبلغ إلا في يدي فعندها اتَّضَح الأمر.
رأي الإمام أحمد في الخطأ في مصرف الزكاة :
عندنا مذهب وسط، فالإمام أبي حنيفة له رأي، والإمام مالك والشافعي لهما رأي، بقي الإمام أحمد، هذا الإمام يقول: إذا أعطى الزكاة من يظنُّه فقيرًا فبان غنِيًّاً، ففيه روايتان رِوايةٌ بالإجزاء، ورِوايةٌ بعدَمِهِ، فأما إن بان الآخذُ عبدًا، أو كافرًا، أو هاشِمِيًّا، أو ذا قرابةٍ للمعطي مِمَّن لا يجوز الدَّفعُ إليه لم يُجزِئْهُ الدفع إليه، هذا موقف آخر، فيمكن أن يكون الغنى مخفيّاً، وأذكرُ أنَّني دفعت لأحدهم مبلغًا فقيل لي: هذا دخله ثمانية آلاف ليرة، منظرهُ يوحي أنَّه لا يجد ما يأكلهُ، فموضوع الغِنى والفقر لا يعلمهُ إلا الله تعالى، فهناك أشخاص لهم مهارة بالغة في إظهار الفقر، أما المؤمن فَيُظْهر التَّعَفُّف، ومن علامة الإيمان أنَّك تحْسبُهُ غنيًّاً، قال تعالى:
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273 ]
من جلس إلى غنيّ فَتَضَعْضَع له ذَهَب ثلثا دينه، ففي موضوع الغنى أو الفقر قال تُجزئهُ، أما في موضوع أنَّه كافر أو عبدٌ أو هاشِمِيّ أو ذا قرابة فقال: لا تجزئهُ، وهذا هو الحلّ الوسط. إظهار الصدقة :
الموضوع الأخير في الزكاة هو: إظهار الصَّدَقة، يجوز للمُتَصَدِّق أن يُظهر صدقته، سواءٌ أكانت الصَّدقة صدَقَةَ فرضٍ أم نافلةٍ دون أن يُرائي بِصَدقته وإخفاؤُها أفضل، وهذا كلامٌ واضِحٌ كالشَّمس، ولكن لو سألتني: متى ينبغي أن نُخفيَها؟ ومتى ينبغي أن نُظْهرها؟ إذا كانت هذه الصَّدَقة اسْتقرَّتْ بِيَد إنسان وأظهرتها فضَحْتَهُ، أما إذا كانت الصَّدَقة لِمَشروعٍ عام كَبِناءِ مسجدٍ، و أحدهم فكّر بِدفع خمسين، فإذا بالذي أمامه دفع خمسمئة، فَخَجِل ودفع مئتين، ففي هذه الحالات إذا أظهرت الصَّدَقة كنتَ قُدوةً حسنة، وحمَّسْت الآخرين، وشجَّعتهم، أما إن تعلَّقَت الصَّدَقة بإنسان، وذَكَرتها، فقد أبْطَلت أجركَ، فهذه نصيحة لِوَجه الله إنْسَ كلّ عملٍ طيِّب فعلتهُ مع الآخرين، وتذكَّر إلى الأبد كلّ عملٍ طيِّبٍ عمله الناس معك، أما اللَّئيم فلا يذْكرُ إلا عمله الطَّيِّب، ولا يزال يمْتنُّ به على من أعطاهُ إلى أن يكفرُ هذا المُعْطى بالمال، وبهذه النِّعمة، أما أعمال الناس الطَّيِّبة إليه فيَنْساها، وكأنَّها لم تكن، قال تعالى:
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 271 ]
روى الشيخان - البخاري ومسلم- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
هؤلاء السَّبعة يُظِلُّهم الله تحت ظِلِّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، فهل هناك صِفةٌ من هذه الصفات تنطبق عليك؟ نرجو الله سبحانه وتعالى أن تنطبق علينا ولو صفة أو صفتان أو ثلاث، وإذا كنَّا طموحين فنرجو أن تنطبق علينا هذه الصِّفات السَّبعة.
إلى هنا ينتهي موضوع الزكاة، وقد شُرِح من خلال كتاب فقه السنَّة، وهذا الكتاب فيه ميِّزة، وهي أنَّ فيه الحُكم وتعْليلهُ ومستندُهُ النَّصي، والميِّزة الثانية أنَّ فيه وجهات نظر متبايِنة مع ترجيح بعضها على بعض، وأُسلوبهُ واضِحٌ يسير.








الساعة الآن 04:30 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.