![]() |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصفاءالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الثلاثون ) ما معنى كلمة الصفاء؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس التاسع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الصفاء, ومن مِنّا لا يُحبُّ الصفاء؟ الصفاء بمعنى النقاء، شيء صافٍ أي نقي من كُلِّ شائبة، فهُناكَ صفاءٌ في العِلم، وهُناكَ صفاءٌ في الحال، وهُناكَ صفاءٌ في الهِمّة، والصفاءُ هوَ النقاء. المعاني الدقيقة لكلمة الصفاء: وردت هذه الكلمة في قولِهِ تعالى أو ما يُقابِلُها: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [سورة ص الآية: 47] هؤلاءِ الأنبياء مُصطَفون، والمُصطفى مُفتعل على وزن مُفتعل من الصفوة، والصفوة من الشيء خُلاصَتُهُ، الزُبدةُ صفوةُ الحليب، صفوةُ الكلامِ مختَصَرُهُ، وتصفيتهُ مما يشوبُهُ، شيء مُصفّى أي مما يشوبُهُ، واصطفى الشيء لنفسِهِ جعلهُ خالِصاً لهُ من تعلّقِ الشُركاء، اصطفيتُ هذه الدُكانَ لنفسي ليسَ معي فيها شريك، اصطفيتُ هذا البيت، اصطفيت هذه الزوجة ليسَ معها زوجة أُخرى، الاصطفاء: أن تستقِل بالشيء, والاصطفاء: أن تُصفيَّ الشيء مما يشوبُهُ من الأكدار, والاصطفاء من التصفية, وصفوةُ الشيء خُلاصتُهُ. ما معنى فلان علمه صاف؟ : الحقيقة: ما دام الموضوع مُتعلّقاً بالإيمان, فالصفاء لهُ علاقةٌ بالعِلم, ولهُ علاقةٌ بالهِمّةِ والعزيمة, ولهُ علاقةٌ بالحال، فنحنُ في هذا الدرس نَقِفُ وقفاتٍ متأنيةً عِندَ العِلمِ والعزيمةِ والحال, فُلان عِلمُهُ صافٍ؛ أي كُلُ عِلمِهِ حقائق, وكُلُ عِلمِهِ عليهِ أدلّةٌ قطعيّة، عِلمُهُ صحيح، عِلمُهُ يقين، عِلمُهُ مُدعّمٌ بالكتابِ والسُنّة، عِلمُهُ لا شائبةَ فيه, لا خلط، لا شك، لا ريب ، لا ظن، لا وهم، لا خُرافة، لا وهم، عِلمُهُ صافٍ, يعني صحيح ونقيّ من كُلِّ شائبة، والعِلمُ الصافي هوَ: العِلمُ الذي جاءَ بهِ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلّم. عملية جرد : أيها الأخوة الأكارم, كُلُنا يحتاج إلى عمليّة جرد، أنتَ لكَ عُمُرٌ, أمضيتَ وقتاً طويلاً, مرةً في المساجد, وفي المدارس, ومع أصدقاء, وفي نَدَوات, وفي سَهَرات, وقرأتَ كُتباً ومجلات, فتجمّعَ في وِعائِكَ العقليّ رُكام من المعلومات، بعضُ هذه المعلومات حقائق، بعضُ هذه المعلومات شُبُهات، بعضُ هذه المعلومات خُدع وأباطيل، بعضُ هذه المعلومات باطِلة. فنحنُ الآن بحاجة إلى عملية جرد، قد يكون دون أن ندري تسرّبَ إلى عقولِنا خرافات، أوهام، ظنون بالله, لا تليقُ بِذاتِهِ الكريمة, ولا بِحضرَتِهِ المُقدّسة، فالإنسان عليهِ أن يملِكَ العِلمَ الصافي، العِلمَ النقيّ من كُلِّ شائبة، العِلمَ المبني على أدلّةٍ عقليّةٍ ونقليّةٍ وواقعيةٍ وفِطريّة، العِلمَ الذي لا يستطيعُ أحدٌ أن ينقُضَهُ لك, هل معلوماتُك؟ هل قناعاتُك؟ هل أفكارُكَ؟ هل تصوراتُكَ من هذا النوع؟ هل عِلمُكَ صافياً؟. ما معنى هذا القول للجنيد؟ : فالإمام الجُنيد -رَحِمهُ الله تعالى- كانَ يقول: عِلمُنا مُقيّدٌ بالكتابِ والسُنّة. الكتاب كلام الخالق، السُنّة بيانُ رسولِ الله، اللهُ جلَّ وعلا أَمَرَ النبي, وقد عَصَمَهُ, وأراهُ ملكوتَ السمواتِ والأرض, وبيّن لهُ كُلَّ شيء, أمَرَهُ أن يُفصّل. يعني: كبشر أو كمسلمين أو كمؤمنين ليسَ عِندنا مصدر للحقيقة الصحيحة الصِرفة اليقينيّة القطعيّة إلا مصدران: الكتابُ والسُنّة، يمكن أن يكونَ الكِتابُ والسُنّة مقياسين، فأيّةُ قِصّةٍ, أيّةُ كلمةٍ, أيّةُ مقالةٍ تقرؤها, أيّةُ نظريّةٌ تسمعُها, أيُّ تصورٍ تطلِعُ عليه, إن لم يكن موافِقاً للكتابِ والسُنّة فهوَ باطل. يعني تقريباً: مثل إنسان أمام قِطع من القِماش, عليها لُصاقات وأطوال, وأنتَ معك مِتر صحيح، مِتر مضبوط، فأيّةُ قِطعةِ قِماش, وعليها لُصاقة, فيها طولُها, أنتَ بعمليّةٍ بسيطة تقيسُ هذه القِطعة بالمِتر الذي تملِكُهُ, وتعرف ما إذا كانت هذه اللصاقة صحيحة أم كاذِبة. ما الذي ينجينا من هذه الضلالات والنظريات الباطلة في هذا العصر؟ : يا أيها الأخوة الأكارم, يعني شاءت حِكمةُ اللهِ عزّ وجل: أن نأتي في عصرٍ, فيهِ من الضلالات, ومن الخرافات, ومن الأباطيل, ومن الدجل, ومن الكذب, ومن النظريات الباطِلة والفاسِدة والهدّامة، البرّاقة المُزخرَفة التي تبوحُ لبعض الجُهّال بأنها هيَ الحق، نحنُ في عصرِ الضلالات ولا يُنجينا إلا إذا تمسكنا بالكتابِ والسُنّة. ما هو المنهج العملي الذي رسمه النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع للبشرية من النبيُ عليهِ الصلاة والسلام في حجة الوداع, وقبلَ أن يُغادِرَ الدُنيا, وقد رَسَمَ في حجة الوداع منهجَ عملٍ للبشريةِ من بعدِهِ, قال: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِي اللَّهم عَنْه قَال: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي, أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ, وهو كِتَابُ اللَّهِ, حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ, وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي, وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ, فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا؟)) [أخرجه الترمذي في سننه] كلامٌ دقيق، كلامٌ قطعيّ, أيُّ شيء تقرؤهُ، أيُّ خُطبةٍ تسمعُها، أيُّ قِصةٍ تَصِلُ إلى سمعِك، أيُّ فرحٍ تطّلِعُ عليه، أيُّ تعليقٍ تُشاهِدُهُ، أيُّ تحليلٍ تقفُ عليه، أيُّ شيء, عِندَكَ مقياس الكتاب والسُنّة. ما وراء هذه الأمثلة : أخي, هذا قرأتُ مقالةً عن دواءٍ يُطيل العُمر: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 34] انتهى الأمر, المقالة باطِلة, معك مقياس أنت. أخي فلان شاهدَ الجِنّ: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 27] فلان محظوظ, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل الآية: 5-10] التيسير لهُ قانون والتعسير لهُ قانون، ياأخي العالم كُلهُ ظُلم!!! قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 124] ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان الآية: 16] هذا كُلُه كلام فارغ, أيّةُ قِصةٍ، أيُّ تحليلٍ, يؤكّدُ لكَ: أنَّ هُناكَ ظُلماً عظيماً, لا, هذا ظُلمٌ ظاهريّ, لأنَّ: الظالِمَ سَوطُ الله ينتقِمُ بهِ ثمَّ ينتقمُ مِنه. قف عند هذا الكلام : أقول لكم كلاماً دقيقاً: أنتَ إذا قرأتَ القُرآن, وتدبّرتَ آياتِهِ, ووقفتَ على مدلولاتِهِ, وتعمقّتَ في مضامينِهِ واستوعبتَهُ, هذا القرآن مقياس لكَ، نورٌ يهدي الله لكَ السبيل، حبلُ اللهِ المتين، برهانٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل إيماناً قطعيّاً, وآمنتَ بأنَّ هذا الكلام كلامهُ بالدليل القطعيّ، هذا الكلام يُخبِرُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يظلِمُ أحداً. إذاً: الآن نحنُ نبحثُ عن ماذا؟ عن عِلمٍ صافٍ، ادخل إلى مكتبة, فتجدُ فيها مئات ألوف الكُتب, في حقائق, وفي أكاذيب، وفي ضلالات، وفي تُرّهات، وفي نظريات لم تثبُت بعد، وفي خرافات، وفي باطل مُغلّف بالحق، وفي حق مُغلّف بالباطل, أنـتَ بحاجة إلى مقياس. مثلاً, من باب الأمثلة: دخلتَ إلى غُرفةٍ, في هذه الغُرفة قِطع من الذهب كثيرة، قيل لكَ: بعضُ هذه القِطع عيار 24, وبعضُ هذه القِطع 21, وبعضُ هذه القِطع 18, وبعضُ هذه القِطع 16, وبعضُ هذه القِطع 11, وبعضُها نحاسٌ مُغلّفٌ بالذهب, وبعضُها نحاسٌ مُلمّع, وبعضُها معدن رخيص, خذ مِنها مئة قطعة, أنتَ الآن بحاجة ماسّة إلى مقياس يكشِفُ لكَ القِطعَ ذات النِسب العالية, فإذا حصلتَ على هذا المقياس, أخذتَ مئة قِطعةٍ من العيار العالي والغالي, فأنتَ من الفائزين. إذاً: نحن الآن بحاجة إلى مقياس نقيس بِهِ كُلَّ علومِنا، كُلَّ تصوراتِنا، كُلَّ فهمِنا، كُلَّ عقائدِنا، كُلَّ رواسِبِنا الفِكرية، نقيسُ بهِ ونَدَعُ كُلَّ ما ليسَ صحيحاً ونستبقي العِلمَ الصافي. درسنا الصفاء, العِلمُ الذي لا شائِبةَ فيه، أيام الحديد يكون غير صافٍ, فيهِ شوائب, فكميّة هذا الحديد لا قيمةَ لهُ, يحتاج إلى مضاعفة كميّات, لأنهُ كُل قطعة حديد فيها شائبة, هذه مُعرّضة للكسر. قف عند هذا القول للجنيد أيضاً : الجُنيد يقول: عِلمُنا هذا مُقيّدٌ بالكِتابِ والسُنّة, فمن لم يحفظ القُرآن, ومن لم يكتب الحديث, ومن لم يتفقّه لا يُقتدى به, وكانَ يقول: علمُنا هذا مُتَشَبِكٌ بحديث رسولِ الله. يعني هذا الكلام أهوَ تعصّبٌ للنبي أم ماذا؟. أتمنى عليكم ألاّ يُفهمَ هذا الكلام إطلاقاً: أنكَ بما أنكَ مُسلِمٌ وهذا نبيُّك, فأنا مُتعصّبٌ له , لا, الجواب: أنَّ النبيَّ معصوم, عَصَمَهُ اللهُ عن أن يغلَطَ في أفعالِهِ وفي أقوالِهِ، فإذا أردتَ عِلماً صافيّاً لا شائبةَ فيه, فعليكَ بحديثِ رسولِ الله. هل يقبل أبو سليمان الداراني بالنكتة: العلماءُ الآخرون, منهم أبو سُليمان الداراني, كانَ يقول: إنهُ لَتَمُرُّ بقلبي النُكتَةُ من نُكَتِ القول. -النُكتة بالمُصطلح الحديث: الطُرفة, أمّا بالمصطلح القديم: تعني الفِكرة الدقيقة, اللفتة البارعة, الشيء الذي يُلفِتُ النظر. فكانَ يقول الداراني-: إنهُ تمرُّ بي النُكتَةُ من نُكَتِ القول, فلا أقبَلُها إلاّ بشاهديّ عدل, وهما الكتاب والسُنّة، إذا أيدتها السُنةّ وأقرّها الكِتاب فعلى العينِ والرأس. أيام يقول لكَ واحد: أخي فلان لا يُصلّي, لكن أخلاقُهُ عالية, النبي الكريم يقول: ((لا خيرَ في دينٍ لا صلاةَ فيه)) ((الصلاةُ عِمادُ الدين, من أقامَها فقد أقامَ الدين, ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدين)) هل هذا القول لأحد العلماء فيه تعصب؟ : أحد العُلماء يقول: أصلُ مذهَبِنا ملازمةُ الكتابِ والسُنّة, وتَركُ الأهواءِ والبِدع, والاقتداءُ بالسلف, وتَركُ ما أحدثهُ الآخرون, والإقامةُ على ما سَلَكَهُ الأولون. مرةً ثانية: ليسَ هذا من باب التعصّب, لأنَّ اللهَ تكفلَّ لنا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطِقُ عن الهوى, أبداً, قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم الآية: 4] موقف فيه غبطة وحسرة : أنا أغبِط كُل أخ كريم, عقلُهُ ممتلئ بحقائق يؤكدُها القرآنُ والسُنّة، وأتحسّر على إنسان عقلُهُ مليء بأوهام, بظنون, قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 154] حُسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنّة. متى يمتلك العبد علماً صافياً؟ : أولاً: لن يكونَ عِلمُكَ صافيّاً إلا إذا جعلتَ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم لكَ إماماً وقُدوةً وحاكِماً, الدليل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 65] فإن قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إليهِ في حياتِهِ، وإذا قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إلى سُنّتِهِ بعدَ مماتِهِ, فأنتَ مؤمنٌ وربِّ الكعبة، أيضاً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 21] إذاً: من جعلَ النبيَ قدوَتَهُ وإمامَهُ وحاكِمَهُ, يُجيبَهُ إذا دعاه، يقفَ عِندَ أمرِهِ إذا أمَرَه، يسيرُ إذا سارَ بِك، يقولُ لكَ فتسمَعُ قولَهُ، يُنزِلُكَ هذه المنزِلة فتقبَلُها، تغضَبُ لغَضَبِهِ، ترضى لِرِضاه، إذا أخبَرَكَ عن شيء أنزلتَهُ منزِلةَ ما تراهُ بعينِك، وإذا أخبَرَكَ عن اللهِ بِخبر أنزلتَهُ منزِلةَ ما تسمعَهُ من اللهِ بأُذُنِك. هذا ما قالَهُ سيدنا سعد بن أبي وقّاص, قال: واللهِ ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل, وفيما سِوى ذلكَ فأنا واحدٌ من الناس؛ ما سَمِعتُ حديثاً من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم إلا عَلِمتُ أنهُ حقٌ من اللهِ تعالى. كُلّما صدّقتَ النبي بتوجيهاتِهِ وأوامِرهِ ونواهيه, كانَ إيمانُكَ أرقى, يعني: إذا جعلتَ من رسولِ اللهِ مُعلّمِاً لكَ, ومربيّاً لكَ, ومؤدِبّاً لكَ, وأسقطتَ كُلَ الوسائط بينكَ وبينَهُ, إلاّ الوسيلة التي تُنقَلُ بِها سُنّتُهُ إليه, فقد امتلكتَ عِلماً صافيّاً. كلمة نابعة من القلب : أقول لكم كلمة من القلب: إذا اتبعّتَ النبيَ لن تَضِلَّ أبداً، لن تندَمَ أبداً، لن تُخطِئَ أبداً، لأنَّ هذا كلامُ النبي تعليماتُ الصانع ومنهجُ الخالق، قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر الآية: 14] أنتَ حينما تتَبِعُ كلامَ النبي تتَبِعُ كلامَ الخبير, اتّبع سُنّةَ النبي في زواجـِك، اتّبع سُنّةَ النبي في تزويجِ ابنتِك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) اتّبع سُنّةَ النبي في طعامِكَ، في شرابِكَ، في نومِكَ، في استيقاظِكَ، في صلواتِكَ، في عِباداتِكَ، في دُعائِكَ، في علاقاتِكَ، في كسبِ المال، في إنفاقِ المال. لذلك: معرِفةُ سُنّةُ النبي فرضُ عينيّ، كيفَ تتبِعُ النبي دونِ أن تعرِفَ سُنَتَهُ؟ لذلك أقول لكم للمرة الألف: ما من طريقٍ يُفضي بِكم إلى السعادةِ, إلاّ والعِلمُ أولُ مرحلةٍ فيه. إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَهُما معاً فعليكَ بالعِلم. ما هو العلم الحقيقي؟ : الشيء الآخر: هذه كلمة دقيقة وخطيرة: العِلمُ لا يُسمّى عِلماً إلاّ بالشواهِدِ والأدلّة، والعِلمُ الحقيقي هوَ العِلمُ الذي يُدعّمُ بالأدلّةِ والبراهين، فكُلُ عِلمٍ ليسَ لهُ دليلٌ ولا بُرهان, لا وثوقَ بهِ, وليسَ بِعلم, لأنهُ صارَ جهلاً, إيّاكَ أن تقبلَ بِلا دليل، وإيّاكَ أن ترفض بِلا دليل، لا بُدَّ من دليلٍ في القَبول ودليلٍ في الرفض، أمّا دعوى وقوعِ نوعٍ من العِلمِ بغيرِ سبب من الاستدلال فليسَ بصحيح. يعني من يقول: هذا عِلم لَدُنّي, العِلمُ اللدُنّي هوَ العِلم الذي وصلَ إلى الأنبياء عن طريق الوحي, فهوَ فِعلاً من لَدُن عليمٍ خبير، أمّا العِلمُ الذي تأتي بهِ من دونِ دليل, هذا ليَ من لَدُنِ اللهِ عزّ وجل, هذا من لَدُن نفسِك، أنا أُريد عِلماً منقولاً عن حضرةِ اللهِ عزّ وجل، أُريدُ عِلماً منقولاً عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم. فكلمة أقولُها لكم دقيقةٌ جداً: العِلمُ اللدُنّي لا يكونُ لدُنّيّاً إلا إذا كانَ منقولاً عن اللهِ وعن رسولِه, فإن لم يكن كذلك, فهوَ عِلمٌ من لَدُن صاحِبِهِ, وصاحِبُهُ قد يُخطِئُ وقد يُصيب, بل إنَّ العِلمَ الإشراقيّ -إن صحَ التعبير- يُقاسُ بالكِتابِ والسُنّة. واحد قالَ لكَ: أنا شعرت بكذا, إذا كانَ هذا الشعور, وهذه الفِكرة, وهذا الكشف مُطابِقاً للكتابِ والسُنّة فعلى العينِ والرأس, وإن لم يكن كذلك فهوَ مردود. منعطف هام : في كلِمةَ أقرؤها لكم: ربُنا عزّ وجل حينما أرسلَ هذه الرِسالة, وأنزلَ هذا القرآن, وبعثَ بالأنبياءِ والمُرسلين, ألم يُعطِهم الأدلّة؟ أليست المُعجزات على أنهم أنبياؤه ورُسُلُهُ؟ أليست الكُتُبُ أدلّةً على ما جاؤوا بهِ؟ هل في القرآن الكريم فِكرةٌ بِلا دليل؟: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 111] ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 44] ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 50] ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 80] إذاً: الطابَع العام طابَع عِلم، طابَع بُرهان، طابَع دليل، طابَع حُجّة، أمّا دع عقلَكَ واتبعّني, هذه مقولةٌ قالَها النصارى، قالتها أُممٌ أُخرى بعيدةٌ عن روحِ العِلمِ الذي جاءَ بِهِ الدينُ الحنيف. بماذا تتعلق هذه الآيات؟ : بعضُ الآيات المُتعلّقة بهذا الموضوع: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 78] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 75] من الخطورة بمكان : يعني: أخطر شيء أن تأتي بِكلام تدّعي أنهُ من عِندِ الله وليسَ من عِندِ الله، هل هُناكَ وحيٌ بعدَ رسولِ الله؟ هل كانَ الدين ناقِصاً حتى يأتي فُلان ويُتِمّهُ؟: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] معناها التطبيق العملي لهذه الفِكرة, يعني: أنتَ في عملَك بالأسواق، بحفلات، بِعقود قِران، بسهرات، بِنَدوات, تستمع إلى أفكار كثيرة, إيّاكَ أن تقبَلَها كُلَها, لا بُدَ من التمحيص، لا بُدَ من التدقيق، لا بُدَ من التساؤل، لا بُدَ من أن تسألَ المُتكلّم هذا الكلام: من أينَ جِئتَ بهِ؟ وأينَ قرأتَهُ؟ وما الدليلُ على صِحَتِهِ؟ وهل هوَ مُعتمد؟ هل هذا الحديث مُسند؟ هل هوَ حديثٌ صحيح؟. دائماً وأبداً: أُناسٌ كثيرون يُمطِرونني بأسئلةٍ كثيرة, أستاذ فلان قال: هيك, طيب قالَ: كذا, لِمَ لم تسألوه: من أينَ جِئتَ بِهذا؟ أينَ قرأتَ هذا؟ ماالدليلُ على صِحةِ هذا؟. يعني الإنسان: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] الإنسان مُحاسَب، لا بُدَ من تقديم الدليل. كلمة شائعة : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: لا أَدْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ لا, ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ, فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ . الكلمة الشائعة: أخي ضعها في رقبَتي, من أنت حتى أستَمِعَ إليك؟ من أنت حتى أتّبِعَكَ دون دليل؟ النبي عليه الصلاة والسلام الذي يقولُ اللهُ عنهُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 108] يعني في إنسان يُحرّم الحلال بِلا دليل، وفي إنسان يُحلل الحرام بِلا دليل، الحلالُ والحرام من عِندِ اللهِ عزّ وجل، اللهُ وحدهُ هوَ الذي يُشرّع, لذلك: ما جاءنا عن صاحِبِ هذه القُبّةِ الخضراء فعلى العينِ والرأس, وما جاءنا عن سِواه فهم رِجال ونحنُ رِجال. الآية الأولى إذاً: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآيـة الثانية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 79] إياك أن ترتزق بالدين : مرة ذكرت لكم بعض الأمثلة, لِقولِهِ تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ مثل افتراضي: واحد معهُ خمسة ملايين دولار × 47 أو 48, مبلغ ضخم, ممكن أن تشتري بيتاً بأرقى أحياء دِمشق, وبيتاً بأرقى مصايف دِمشق, وبيتاً على الساحل, وسيارة أحدث سيارة, ومتجر بأشهر شارع، بَرَد فأشعَلَها وتدفأَ عليها, إنهُ اشترى بهذا المالِ ثمناً قليلاً، كان مُمكن أن يشتري بِها عِدّة بيوت, وكل البيوت فيها تدفئة مركزية, لكن تدفأَ بِها لساعةٍ أو أقل, وانتهى الأمر, مثل طبعاً افتراضي لكنه دقيق. هذا الذي يتعامل مع الدين تعامُلاً تجاريّاً، يستخدِمُ القيّمَ الدينيةَ لمصالِحهِ, يستخدمُ بهِ حقائِقَ الدين للدُنيا, إنهُ اشترى بهِ ثمناً قليلاً, يقول: هكذا جاءني الإلهام، هكذا رأيت، هذا هوَ الكشف ليبتزَّ أموال الناس، يستخدِم قيّمَ الدين ليُحققَ مكانةً اجتماعيّة، يستخدِمُ قيّمَ الدين ليصرِفَ وجوهَ الناسِ إليه, شيء خطير. إذا أردت الدنيا فاطلبها من مظانها ولا تطلبها من خلال الدين : كلمة أقولها لكم: إذا أردتَ الدُنيا فاطلُبها من مظانِها, واحد يُريد المال، طلبَك معقول, ابحث عن المال في التجارة, في الصناعة, في الزراعة, في الوظائف, تعمّق باختصاص، لكن أن تجعلَ كسبَ المالِ من خِلال الدين شيء خطير جداً، أتلعبُ بدينِ اللهِ عزّ وجل؟ هذا الدين المُقدّس أتُحوّرِهُ كما تُريد؟ أتَجُرُهُ لأهوائِك؟ هذا إنسان يلعب بالنار. لذلك: أيُّ إنسانٍ يستخدِمُ قيّمَ الدين للدُنيا، يستخدِمُ قيّمَ الدين لمصالِحِهِ الشخصيّة، ليجمعَ المالَ، ليعلوَ على الناس، هذا الإنسان يلعب بالنار, ابحث عن المال في مظانِهِ الشريفة، أمّا أن تلعبَ بدينِ الله من أجلِ أن تأخذَ الأموال بِلا جُهد, هذا شيء خطير جدّاً, هذا معنى قولِهِ تعالى ، الإنجيل مثلاً, العهد القديم, تنطَبِقُ عليهِ هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ كُلُكم يعلم في العصور الوسطى, كان بعض رِجال الدين غير الإسلامي طبعاً, يبيعونَ الجنّة بصكوك, هذا أخذ قصبتين, وهذا ثلاث, جاءَ واحد يهودي ذكي جدّاً, واشترى مِنهُم النار بمبلغ لا بأسَ بهِ, وبعد أن اشتراها بوقت لا بأسَ بهِ, بلّغَ الناسَ أنني قد اشتريتُ, وسوفَ أُغلِقها، فبادت تجارتهم فعادوا, واشتروا النار منهُ, خُرافات, أباطيل, تدجيل, هذا دين, دينُ الله عزّ وجل, لذلك: أخطر شيء أن يتغلغلَ في ذهن الإنسان عقائد فاسِدة، عقائد زائغة. من أعظم المعاصي : الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 93] أوهمَ الناس أنهُ يأتيه عِلم لَدُنّيّ، ويأتيه الوحي، ويأتيه الإلهام, وهذا الكلام كُلُهُ فــي مصلحَتِهِ. الحقيقة: مرّ معنا في دروس سابقة, في هذا المسجد: أن المُحرمّات كثيرة؛ في الشِرك, وفي الفِسق, وفي النِفاق, وفي الإثم, وفي العدوان, وفي الفحشاء, وفي المُنكر, لكنَّ أعظم هذه المعاصي, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 169] فنحنُ نبحثُ عن عِلمٍ صافٍ، عن عِلمٍ مُقيدٍ بالكتابِ والسُنّة، عن علم نقيٍ من كُل شائبة، عن عِلمٍ عليهِ أدلّةٍ وبراهين قطعيّة. قف هنا : يقولُ بعضُهم: كُلُّ من يقولُ: إنَّ هذا العِلمَ عِلمٌ لَدُنّي, لِما لا يُعلمُ أنهُ من عِندِ الله, ولا قامَ عليهِ برهانٌ من الله, أنهُ من عِندِهِ, هوَ كاذِبٌ مُفترٍ على الله، وهذا العِلم كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ اللهَ عِندَهُ فوفّاهُ حِسابَه واللهُ سريع الحِساب. واجب في عنقك : الملخص إذاً: أتمنى على كُل أخ كريم أن يُراجِع معلوماتِه, ويُراجع أفكارهُ, ويُراجع معتقداتِهِ, ويُراجع تصوراتِهِ, ويُراجع مفاهيمهِ, ويُراجع مخزونهُ العقائدي, عملية جرد, وأن يعرِضَ كُلَّ فِكرةٍ على الكِتابِ والسُنّة، أن لا يقبل إلا بالدليل, وأن لا يرفض إلا بالدليل، وكُلُ علمٍ يفتقرُ إلى الدليل فليسَ بعِلمِ وهوَ خَطِر، والإنسان أحياناً قد يكونُ ضحيّةَ فِكرةٍ خاطئة. إذا أوهَمَكَ أحدهم أننا نحنُ أُمة محمد مرحومة, الحمد لله يا ربي إذ جعلتنا مُسلمين، والنبي لن يدخُلَ الجنّةَ إلا إذا أدخلَ أُمَتَهُ قبلَهُ, ولو كانوا عُصاةَ, والله شيء عال, والحمدُ لله, هذه العقيدة الزائغة قد تدفعُ سعادتكَ الأبديّةَ ثمناً لها. لا تضح بسعادتك الأبدية من أجل فكرة خاطئة : قُلتُ لكم في درس البارحة: شخص شاهدتُهُ بعيني, شخص أعتقد أنهُ إذا نزع أسنانَهُ كُلَها, يُعفى من الخِدمة الإلزاميّة، مر على أول طبيب فرفض, والثاني كذلك, قالَ لي: مررت بعشرةِ أطباء كُلُهم رفضوا, شاب في الثالثة والعشرين من عُمرِهِ, في طبيب بجلستين قَلَعَ لهُ أسنانَهُ كُلها، ذهب إلى الفحص, فقالوا لهُ: أنتَ مُتهرّب من الخِدمة, وخدم خمس سنوات, وبقي بِلا أسنان، ضحية فِكرة خاطئة أليسَ كذلك؟ طبعاً هذا مَثَل صارخ وقلَّ ما يحدث، لكن إنسان يُضّحي بسعادتِهِ الأبدية, يُضّحي بالأبد من أجل فِكرة خاطئة, سَمِعها من إنسان, ليسَ متأكد مِنها. ما التطبيق العملي لهذا الحديث؟ : إنَّ هذا العِلمَ دين, فانظروا عمن تأخذونَ دينَكم، دينكَ دينَك إنهُ لحمُكَ ودَمُك. أخي هذه تجوز؟ والله ليسَ فيها شيء، ساعة عموم بلوى, وساعة لا تُدقق كثير, الله غفور رحيم، وساعة يا أخي ماذا نعمل؟ فإذا لم يَعُد هُناك شيء في الدين، يا ترى اللهُ يقبل مِنّا هذا الكلام؟ اللهُ جلَّ وعلا هل يقبل مِنّا هذا يوم القيامة؟ أينَ قولُهُ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 92-93] أيام يقول لي واحد: هذه فيها فتوى، أقول لهُ: ماشي الحال, لكن الله يجمعُكَ مع المُفتي يوم القيامة, الذي أفتى لكَ هذه الفتوى طبعاً, مثلاً: مع دوائر الدولة شيء منَعَتهُ الدولة, فقالَ لكَ واحد: لا تسأل, ضعها في رقبَتي, واعمَلها، ففعلَها فأحضروه، فُلان قالَ لي، أينَ هوَ؟ أحضِرهُ لي, من قالَ لكَ هذا؟ أنتَ لا ترضى بهِ مع إنسان, أترضى بهِ مع الواحد الديّان؟ مستحيل. هذا هوَ العِلمُ الصافي، عِلمٌ مُدعّمٌ بالكِتابِ والسُنّة، لا تقبل شياً دون آية قُرآنية أو دون حديث صحيح، وإيّاكَ أن ترفُضَ شيئاً دون آية قُرآينة أو دون حديث صحيح. ما تعريف الهمة وما أعلى هذه الهمم؟ : الآن: الهِمّة، دائماً عندنا قناعات وعنّدنا أهداف، ما الذي يرفعُنا إلى مستوى أهدافِنا؟ لكَ أن تُسميّ هذه الهِمّة أو العزيمة أو الإرادة صِفة نفسية تُعينُكَ على أن تصِلَ إلى هَدَفِك. يعني يقول لكَ واحد: نحن والله نعرف كُلَّ شيء, لكن لسنا مُطبّقين شيئاً، معناها يفتقر إلى ماذا؟ إلى الإرادة القوية, فهذهِ الهِمّةُ العليّا أو الهِمّةُ الصافيّة، قال: أعلى هذه الهِمم: هيَ هِمةٌ اتصلت بالحقِّ سُبحانه طَلَباً وقصداً, وأوصلت الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً, وهذه الهِمةُ هِمّةُ الرُسُلِ وأتباعهم. يعني: أعلى هِمّة أن تَصِلَ إلى اللهِ طلباً وقصداً, وأن توصِلَ الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً، وصلتَ إلى الله وسعيتَ إلى إيصالِ الخلقِ إليه، قال: هذه هِمّةُ الأنبياءِ والمُرسلين وأتباعِهم الصادقين. أتريد أن تعرف مراتب الهمم؟ انظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي: نقول نحنُ أحياناً: اللهمَ صلِ على سيدنا مُحمدٍ, وعلى آلِ سيدِنا مُحمدٍ, وعلى أصحابِهِ الطيبينَ الطاهرين, الهُداة المَهديين, أُمناءِ دعوتهِ, وقادةِ ألويتهِ, وعلى العُلماء العاملين, ومن اتبعهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، معناها: لا بُدَّ أن تكونَ عالِماً عاملاً وليّاً. قال: إذا أردتَ أن تعرِفَ مراتِبِ هذه الهِمم, فانظر إلى هِمّةَ ربيعةَ بن كعبِ الأسلميّ رضيَ اللهُ عنهُ، هوَ خَدَمَ النبيَ أياماً عِدّة، بعدَ أيامٍ عِدّة, قال لهُ النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا ربيعة سلّني حاجَتَك, فقالَ: أمهلني يا رسولَ الله, فلمّا أمهلَهُ, ثمَّ سألَهُ عن حاجتِهِ, قالَ: سلّني أسألُكَ مُرافقتَكَ في الجنة، قالَ: من علّمَكَ هذا؟ قالَ: واللهِ ما علمّنيه أحد. -هُناكَ أشخاصٌ سألوا النبيَ مالاً, أو سألوا النبيَ زوجةً، في إنسان تنتهي آمالُهُ بالزواج، تنتهي آمالهُ بعمل، تنتهي آمالُهُ بِدخل، لكن في إنسان آمالُهُ لا تنتهي إلاّ بالجنّة، لا تنتهي إلاّ بمرافقةِ النبي صلى الله عليه وسلم-, فقالَ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنة, وكانَ غيرَهُ يسألَهُ ما يملأُ بطنَهُ ويُواري جِلدَهُ)) ما هذه الهمة عند سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ : سيدنا ابراهيم, ما هذه الهِمّة؟ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 124] أتمَهُنّ, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 73] الهِمّة العليّة ترفَعُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، يعني موضوع ذبح ابنهِ, شيء فوقَ طاقة البشر: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الصافات الآية: 102] الأمر: أنهُ قُم وصلِّ, وغُض بَصَرَك, وأنفق من مالِك, كُل الأوامر معقولة, لكن هذا النبي العظيم, الذي هوَ عِندَ اللهِ خليل, يُقال عنهُ: خليلُ الرحمن، ما صارَ بهذهِ المرتبة, إلا لأنهُ نفّذَ أمرَ اللهِ عزّ وجل الذي لا يُعقل أن يكونَ أمراً, ومع ذلك نفذّهُ, لكنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى فداهُ بِذِبحٍ عظيم. النبيُ عليه الصلاة والسلام حينما عُرِضت عليه مفاتيحُ كنوزِ الأرض فأباها، يا مُحمـد أتُحِبُ أن تكونَ نبياً ملِكاً أم نبياً عبداً؟ قالَ: ((بل نبياً عبداً, أجوعُ يوماً فأذكُرُهُ, وأشبعُ يوماً فأشكُرُهُ)) نهاية المطاف : نحنُ نُريد عِلماً صافياً، نقياً من كُلِّ شائبة، ونُريد هِمّة عليّة، إخلاص لله عزّ وجل، صُدق في طلب الحق، عدم التبعثر والتشتت، ونُريد في الأخير حالاً صافياً، فالحال ثَمَرِة العِلم الصحيح والعمل الصحيح، الثمرة الطبيعية للعلم الصافي: الهِمّة الصافيّة, الحال الصافي. المُلخّص: أنهُ إذا استطعت أن تَصِلَ إلى عِلمٍ صافٍ, من كُلِّ شائبة، من كُلِّ خُرافة، من كُلِّ زيغ، من كُلِّ خطأ، من كُلِّ ظن، إذا قيّدتَ كُلَّ معلوماتِكَ وأفكارِكَ وعقيدَتَكَ وتصوراتِكَ بالكتاب والسُنّة الصحيحة، هذا العِلم الصحيح الصافي, يبعثُ فيكَ هِمّةً عالية, والهِمّةُ العالية تقودُكَ إلى استقامةٍ وعملٍ صالح, يأتي التاج وهوَ حالٌ صافٍ، هذا الحال الطيب الذي يَشُعُّ على الآخرين, هذا الحال نتيجة: عمل صالح, واستقامة, وهِمّة عالية, وعِلم صافٍ. فالصفاء إلى أن تكونَ من هؤلاءِ الذينَ اصطفاهم اللهُ عزّ وجل: ﴿وَإِنَّهمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفقرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الاربعون ) منزلة اليوم في هذا الدرس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/01.jpg أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرسِ الأربعين من دروسِ مدارِجِ السالِكين, في مراتِبِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاك َنستعين, ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الفقر. كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يستَمِعُ إلى كلمة الفقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو حينما يسمعُ كلمة فقر, أو حينما ينطِقُ بكلمة فقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، مرتبةٌ عاليةٌ جداً من مراتِب الإيمان تُقابِلُ مرتبةَ العبوديّة، حقيقتُكَ أنكَ عبدٌ لله أيّ مُفتقرٌ إليه، فالفقرُ الذي نعنيهِ في هذا الدرس من نوعٍ آخر، قد تكونُ من أغنى الأغنياء وأنتَ في منزِلةِ الفقر، وقد تكونُ من أفقر الفُقراء وأنتَ في منزِلةِ الكِبر. على كُلٍ؛ الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم, وفيها كلمة الفقر آياتٌ عِدّة, من هذه الآيات, قولُهُ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 273] نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله، نفرٌ من المُهاجرين، تركوا أوطانَهم، تركوا أهليهم، تركوا أموالهم, وجاؤوا مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينةِ المنوّرة، كانوا فقراء بِحُكمِ هِجرَتِهم، وكانوا فقراء بِحُكمِ أنهم لو ضربَوا في الأرض لرَبِحوا واكتسبوا المال, ولكنهم مهدورةٌ دِماؤهم, لا يستطيعونَ ضرباً في الأرض، هؤلاءِ الفقراء من خواصِّ المؤمنين، أيضاً لا يعنينا هذا المعنى الذي جاءت بهِ هذه الآية في هذا الدرس. ما المراد بالفقر في هذه الآية؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/02.jpg وقد وردت كلمة الفقر أيضاً في آيةٍ ثانية, وهيَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 60] أيضاً: هؤلاءِ الذينَ يستحقّونَ الزكاةَ ممن لا يجدونَ حاجاتِهم. مرّةً ثانية: حتى الآية هذه ليست معنيّةً في هذا الدرس. درسُنا كُلُهُ حولَ قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر الآية: 15] أنتم مفتقِرونَ إليه في وجودِكم، مفتقِرونَ إليه في إمداداتِكم، مفتقِرونَ إليه في حاجاتِكُم، في قيامِكُم، في سمعِكم، في بصرِكُم، في عقولِكم، في أجهِزَتِكم، في أعضائِكم، في تأمينِ حاجاتِكم, فالمعنى الذي نُريدُهُ اليوم, هوَ معنى يُقابِلُ معنى العبوديةُ, التي هيَ جوهرُ الإنسان. مُرادُ القومِ مِنَ الفقرِ، معنى القوم يعني أهلُ الله، العارِفونَ بالله، السالِكونَ في طريقِ الإيمان، مُرادُ القومِ بالفقرِ شيءٌ أخصُّ من هذا كُلِهِ, وهوَ تحقيقُ العبوديةِ والافتقار إلى الله تعالى في كُلِّ حالة، أن تكونَ عبداً للهِ حقّاً، أن تتحققَ من عبوديّتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ نفسك، وعبوديّتُكَ تعني الافتقار إلى الله تعالى. قال: هذا المعنى معنى العبوديّة: أن تعرِفَ حقيقةَ ذاتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ من أنت، أن تعرِفَ أنكَ عبدٌ ضعيف، أنتَ قويٌ بالله وضعيفٌ في نفسِك، غنيٌ في الله وضعيفٌ في نفسِك، عالِمٌ بالله وجاهِلٌ في نفسِك، حكيمٌ بالله وأخرَقُ في نفسِك، إذا تحققّتَ من حقيقةِ ذاتِك, قال: هذه المرتبةُ هيَ مرتبة العبوديّة. بعض العلماء قال: هذا المعنى معنى العبوديّة والافتقار إلى الله أجلُّ من أن يُسمّى فقراً، لأنهُ كلمة فقر إذا ذُكِرت, تنصرِفُ إلى أنَّ إنساناً لا يجدُ كُلَّ حاجاتِهِ, يمدُّ يَدَهُ للناس, يتكففهُم، يُحِس بالحرمان، هذه المرتبةُ أجلُّ من أن تُسمّى فقراً, إنها في الحقيقةِ: حقيقةُ العبوديّةِ ولُبُّها, وعزلُ النفسِ عن مزاحمةِ الربوبيّة. الإنسان أحياناً لجهلِهِ وحُمقِهِ يتقمّصُ صِفات الربوبيّة، يقول لكَ: أنا أفعل, أنا أُعطي, أنا أمنع, أنا أُعاقب, حينما يقول: أنا, فكأنهُ تقمّص صِفات الربوبيّة، فحقيقةُ الافتقارِ إلى الله هيَ أن تعزِلَ نفسَكَ عن صفات الربوبيّة, وأن تعرِفَ أنكَ عبدٌ للهِ عزّ وجل. متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ : سُئِلَ بعضُهم: متى يستحقُّ الفقير اسمَ الفقير؟ قالَ: إذا لم يبق عليهِ بقيّةٌ مِنه, فقيل لهُ: وكيفَ ذلك؟ قال: إذا كانَ لهُ فليسَ لهُ, وإذا لم يكن لهُ فهوَ لهُ. ما دامَ يشعر أنهُ على جانبٍ من العِلم فليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل، ما دامَ يشعُرُ أنهُ على جانبٍ من القوّة فليسَ مُفتقراً إلى الله عزَ وجل، يُذكّرُنا هذا المعنى بقولِ النبي الكريم يوسُف عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] هوَ في أعلى درجات العِفّة، في أعلى درجات العزيمة والإرادة، ومعَ ذلك ما رأى عِفّتَهُ ذاتيّةً، رأى عِفّتَهُ من الله عزّ وجل. المُفتقر إلى الله عزّ وجل لا يرى لهُ: لا عِلماً, ولا حالاً, ولا عملاً, ولا عزيمةً, ولا شأناً، يرى أنهُ أحدُ أفضالِ اللهِ عزّ وجل، هوَ من فضلِ الله، وجودُهُ من فضلِ الله، ذكاؤهُ من فضلِ الله، إذا أغناهُ اللهُ فهذا من فضلِ الله، هُناكَ من هوَ أذكى مِنه يمدُّ يدَهُ للناس، إذا أتاهُ اللهُ من حِكمة فهذا من فضلِ الله، إذا أعطاهُ اللهُ طلاقة لِسانٍ فهذا من فضلِ الله, هذا معنى الافتقار إلى الله عزّ وجل. هل يمكن أن تتناقض مرتبة الفقر إلى الله مع الغنى أو الملك؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/03.jpg قال: هذه المنزِلة لا تتناقضُ معَ أن تكونَ غنيّاً، ولا أن تكونَ مالِكاً، لأنَّ هذا الغِنى لا يعني ذلك المعنى، قد تكونُ في أعلى درجاتِ الغِنى وأنتَ في أعلى درجاتِ الفقرِ إلى اللهِ عزّ وجل، وكُلما ازددتَ افتقاراً إلى الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ، وكُلما ازددتَ تذللاً إلى اللهِ عزّ وجل زادكَ اللهُ عِزّاً، وكُلما ازددتَ خوفاً من الله عزّ وجل زادكَ اللهُ أمناً, وكُلما ازددتَ حِرصاً على طاعة الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ رِفعَةً، فكُلما خضعت ارتفعت، كُلما علوت وتكبرت خُفِضت، هذا المعنى الذي يُقصَدُ من كلمة الفقر. أمّا هُناكَ أنبياءُ من أُولي العزم كانوا أغنياء، سيدنا إبراهيم كانَ في وصفِ كُتّاب السيّر وكُتّابِ التاريخ أبا الضيفان، كانَ من أكرمِ الكُرماء، وآياتٌ كثيرة وردَت في إكرامِهِ للضيف: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [سورة هود الآية: 69] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/04.jpg كانَ يُطعِمَ الناسَ دائماً فهو غني، وسيدنا سُليمان الذي قالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة ص الآية: 34] كانَ غنيّاً وكانَ في الوقتِ نفسِهِ مفتقراً إلى اللهِ عزّ وجل، ونبينا عليهِ الصلاة والسلام ألم يقُل الله في حقِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [سورة الضحى الآية: 8] رجل دنيوي مُشرِك, رأى واديّاً من الغنم, سألَ النبي عليه الصلاة والسلام: ((لمن هذا الوادي؟ قالَ: هوَ لك، قال: أتهزأُ بي؟ قالَ: لا هوَ لكَ، قالَ: أشهدُ أنكَ رسولُ الله, تعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر)) النبي كان في طور من أطوار حياتِهِ غنيّاً، وسيدنا سُليمان كانَ غنيّاً، وسيدنا إبراهيم كانَ غنيّاً، فهذا لا يتناقض مع مرتبةِ الفقرِ إلى الله عزّ وجل، والبطولة: ألا يُسيّر الإنسان من قِبَلِ حالةٍ هوَ فيها، من السهلِ جداً أن تنزلِقَ إذا كُنتَ غنيّاً إلى الكِبر, لكن البطولة أن تكونَ غنيّاً ومُفتقراً في وقتٍ واحد, وهذا لا يستطيعُهُ إلا مؤمن، أن تجمعَ بينَ الغِنى والافتقار إلى اللهِ عزّ وجل. أعجبتني كلمةٌ في حقِ هؤلاءِ الأنبياءِ العِظام, قال: كانوا أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم، أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم. الفقر الحقيقي : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/05.jpg قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارِ إلى اللهِ في كُلِّ حال. يبدو الإنسان في حالة المرض يفتقر, أمّا إذا شعرَ بصحتهِ جيدة قد يستغني, أقول الإنسان لا أقول المؤمن, قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق الآية: 6-7] من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يؤمن، من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يصقِلَهُ الإيمان، من صِفات الإنسان المُعرِض: أنهُ إذا رأى نفسَهُ قويّاً، غنيّاً، شديداً، صحيحاً، استغنى عن اللهِ عزّ وجل, ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ هذا شأنُ أهلِ الإعراض، هذا شأنُ الجُهلاء، لكنَّ العُلماء، والعارفينَ بالله، وكِبارَ المؤمنين والصادقينَ منَ المؤمنين، يزدادونَ افتقاراً إلى الله وهم في أعلى درجات الغِنى. قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارُ إلى اللهِ في كُلِّ حال, وأن يشهَدَ العبدُ في كُلِّ ذرّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهِرةِ والباطِنة فاقةً تامّةً إلى اللهِ تعالى من كُلِّ وجه. أنت مفتقر الى الله شئت أم أبيت : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/06.jpg أيها الأخوة, كيفَ تغدو حياتُنا لو انحبسَ البول؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ كُليةً تعطلّت أو أنَّ الكُليتين معاً توقفتا عن العمل؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ بعض الأجهزة توقفَ عن العمل؟ تقول: أنا على أي شيء، ما لشيء الذي بيديك, ما الذي يضمنُ للإنسان ألاّ تنمو خلاياهُ نمواً عشوائيّاً, في أعلى درجات الصحةِ والقوةِ والذكاءِ والمناعةِ والحِكمةِ والفهمِ فجأةً ورمٌ خبيث؟ ماذا تملِكُ أيها الإنسان؟ لا تملِكُ شيئاً، أنتَ مُفتقر إلى الله في نمو الخلايا النمو المُنتظم، مُفتقر إلى الله عز وجل في الكُليتين، في الكبد، في الغدّة النُخاميّة، في الكظر، في البنكرياس، في الطُحال، الطُحال عَمِلَ عملاً زائداً عن وضعِهِ الطبيعي فقتلَ صاحِبَهُ, فقر دم مُستمر, الطُحال يأخذُ كريّةَ الدم الحمراء الميتة, فيُحللُها إلى عناصِرِها الأساسيّة, فصارَ هذا الطُحال نشيطاً جِدّاً, يأخذُ الكريّة الحمراء الميتة والجيدة, فإذا هوَ فقرُ دمٍ مُستمر إلى أن ماتَ صاحِبهُ، المرض فرطُ نشاطٍ في الطُحال، فيا ترى: أنا يجبُ أن أخشى الطُحال, أم أخشى الكُليتين, أم أخشى الكبِد, أم البنكرياس, أم الصفراء, أم النُخامية, أم الكظر, أم الأمعاء, أم الشرايين, أم الدسّامات, أم الأوردة, أم الأعصاب؟ تقول: أنا على أيِّ شيء؟. بالمناسبة أيها الأخوة: ما هوَ العِلم؟ أن تقولَ شيئاً مُطابِقاً للواقع, فإذا قُلتَ: أنا, وأنتَ لا تملِكُ شيئاً, فهذا كلامٌ فيهِ جهل كبير، إذا قُلتَ: الله, كلام صحيح، لذلك المؤمن ليسَ من قبيل التأدّب معَ الله، من قبيل الواقعيّة, يقول: هذا من فضِلِ اللهِ عليّ، أكرمني اللهُ بهذا، تفضّلَ اللهُ عليَّ بهذا، أجرى اللهُ على يديَّ هذا الخير، الحمدُ للهِ أولاً وأخيراً، دائماً حال المؤمن أنهُ يعزو كُلَّ فضيلةٍ فيهِ إلى اللهِ عزّ وجل, هذا الافتقار. من هو المفتقر؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/07.jpg هوَ الفقر واقع, لكن من هوَ المُفتقر إلى الله؟ أنتَ فقير فعلاً، المؤمن فقير, والكافر فقير, والمُشرك فقير, والفاجر فقير, والعاصي فقير، الفقرُ صِفةٌ ثابِتة في الإنسان, أيُّ إنسان, لكن من هوَ المُفتقر؟. قال: هوَ الذي يشهدُ افتقارَهُ إلى الله، أنتَ مُفتقر قولاً واحداً, ولكنَّ المُفتقِرَ إلى اللهِ عزّ وجل كمقامٍ من مقاماتِ أهلِ الإيمان, هوَ أن تشهدَ أنكَ مُفتقر, أن تشهَدَ أنكَ مُفتقرٌ إلى اللهِ عزّ وجل. قالَ بعض العارفين: والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازِمٌ أبداً كما الغِنى أبداً وصفُ لهُ ذاتي الله عزّ وجل دائماً غني وأنا دائماً فقير، دائماً قوي وأنا دائماً ضعيف، دائماً يعلم وأنا لا أعلم، لكِنكَ إذا افتقرتَ إلى الله, فأنتَ الذي تعلم, وأنتَ الغني, وأنتَ القوي. ما أركان مرتبة الافتقار إلى الله؟ : قالَ: هذه المرتبة مرتبةُ الافتقار إلى الله عزّ وجل, ليست شيئاً سهلاً تقولُهُ بكَلِمة, مثلاً من باب الأمثلة: تقول لِفُلان: تفضل دكتور، كلمة دكتور تعني أنهُ إنسان يحمل دكتوراه, ومعنى دكتوراه: يعني أنهُ ألّفَ بحثاً في موضوع معيّن, لكن في البحث إبداع وجِدّة، معنى ذلك: أنَّ الإنسان أمضى سبع سنوات في هذه الشهادة, وقبلُها في ماجستير, وقبلها في دبلوم عامة ودبلوم خاصة, وقبلها في ليسانس, وقبلُها في شهادة ثانوية، فكلمة دكتور لا تعني كلمة عادية. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/08.jpg فلان واضع خاتم بيده, الخاتم سهل شراء, الخاتم سهل، أمّا أن تكون دكتور ليسَ هذا من السهل، قياساً على هذا المثل: أن تقول: فُلان في مرتبة الافتقار، مرتبة إيمانية عالية جداً، أقول لكم: من أعلى مراتِبِ الإيمان بل إنها تُقابِلُ مرتَبةَ العبوديّة، فأن تقول: فُلان مُفتقر, هذه المرتبة الإيمانية العالية تحتاج إلى مقوّمات. قالَ بعض العُلماء: أركانُها أربعة؛ عِلمُ يسوسهُ، وورعٌ يحجُزهُ، ويقينٌ يحمِله، وذِكرٌ يؤنِسهُ. المُفتقر عِندَهُ: عِلمُ يسوسهُ، وعِندَهُ ورعٌ يحجُزهُ، وعِندَهُ يقينٌ يحمِله، وعِندَهُ ذِكرٌ يؤنِسهُ, هذا الافتقار, لا افتقارَ بِلا عِلم، يجب أن تعلمَ حقيقةَ نفسِك، يجب أن تعلمَ قُدرةَ اللهِ عزّ وجل، يجب أن تعلمَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ بيدِ الله، يجب أن تعلمَ أنهُ ما من حركةٍ ولا سكنةِ إلا بيدِ الله عزّ وجل، ما من إنسان إلا وفي قبضةِ اللهِ عزّ وجل، عِلمُ يسوسهُ, وورعٌ يحجُزهُ، لا ورع إذن حِجاب عن الله عزّ وجل، فالعِلمُ يحتاج إلى ورع ويقينٌ, لا شيء وأنتَ قوي، لا شيء وأنتَ غني، يقينُ يحِملُ على هذه المرتبة، وذِكرٌ باللهِ يؤنِسهُ على أن يكونَ مُتكبرّاً، حينما يفتقر يأتي الأُنسُ بالله عزّ وجل. مرةً ثانية: كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو ينطِق بكلمة فقر, أو يسمع بكلمة فقر, لا تعنينا في هذا الدرسِ إطلاقاً. هذا الدرس ليسَ لهُ علاقة بحالة الفقر الاجتماعية، هذا الدرس لهُ علاقة بمراتب الإيمان العالية، من أرقى هذه المراتب الافتقار إلى الله, استنباطاً من قولِهِ تعالى: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ متى يستريح الفقير؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/09.jpg سُئِلَ أحدُ العُلماء قال: متى يستريحُ الفقير؟ قالَ: إذا لم ير لِنفسِهِ غيرَ الوقتِ الذي هو فيه. يعني يعيشُ الوقتَ الذي هوَ فيه, لأنَّ الماضي مضى والمُستقبل غيب، ما مضى فات, والمُؤمَلُ غيب, ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها. أقول لكم هذا الكلام: أنتَ لا تملِكُ إلاّ هذه الساعة, لأنَّ الذي بعدَ هذه الساعة لا تملِكه، من يضمنُ: أن نَصِلَ إلى بيوتِنا؟ من يضمنُ لنا: إذا نِمنا أن نستيقظ، وإذا خرجنا أن نعود، وإذا عُدنا أن نخرج، وإذا سافرنا أن نرجِع؟ من يضمن؟. فالمُؤمَلُ غيب وما مضى فات, ما الذي تملِكُهُ؟ الساعةُ التي أنتَ فيها, لذلِك: هَلَكَ المسوِّفون. تقول: إلى أن أنتهي من تأسيسِ هذا المشروع, سوفَ أُصلّي, وسوفَ .. هَلَكت, لأنكَ لا تملِك المُستقبل، إلى أن ينتهي فحص الشهادة الثانوية أُصلّي .. مثلاً ..، إلى أن أتزوّج أُصلّي. هَلَكَ المُسَوِفون. هذا حال الفقير إلى الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/10.jpg لِبعضِ العُلماءِ قولٌ لطيف, قال: أحسنُ ما يتوسّلُ بهِ العبدُ إلى اللهِ عزّ وجل دوامُ الافتقارِ إليهِ على جميعِ الأحوال, ومُلازمةُ السُنّةُ في جميعِ الأفعال, وطلبُ القوتِ من وجهٍ حلال. الحال افتقار، والسلوك تطبيق للسُنّة، وكسب الرِزق من وجهٍ حلال، هذا الذكاء، هذه البطولة، رِزق حلال، الحال فيهِ افتقار، الحركة وفق المنهج. الحركة الظاهرة حركة الجوارح وفق المنهج, السمع والبصر والفؤاد واللسان واليد والرِجل كُلُها وفقَ الشرع, الحال مع الله افتقاراً، والسلوك مع الشرعِ انضباطاً، وكسبُ الرِزقِ من وجهٍ حلال. ((أطب مطعَمَكَ تكُن مُستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] هذه صفة المفتقر إلى الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/11.jpg الفقر لهُ بداية، قال: ولهُ نهاية، ولهُ ظاهر ولهُ باطن، بدايتهُ التذللُ إلى اللهِ عزّ وجل ونهايتُهُ العِزُّ بالله، عِندَ المؤمنِ عِزٌ ومنعةٌ واباءٌ واعتزازٌ باللهِ عزّ وجل, لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ لكفاهُم, هذا المُتكبّر يتكبّر على من هوَ دونَهُ، أمّا لو رأيتَهُ أمامَ من هوَ فوقَهُ, لرأيتَهُ أذلَّ من شاةٍ. من صِفات اللؤماء: أنهم إذا تعاملوا مع من هم دونَهم, كانوا قُساةً، جُفاةً، متعجرفين، متغطرسين، مستعلين، لا يرحمون، أمّا لو تراهم أمامَ من هم فوقَهم, لرأيتَهم أذلَّ من الشاةِ، أذلَّ من يتيمٍ على مائِدةِ اللئيم، أمّا المؤمن لأنهُ افتقرَ إلى الله عزّ وجل, البداية تذلل أمّا النهاية عِزّ, صدق القائل: اجعل لِرَبِكَ كُلَّ عِزِكَ يستقيمُ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ بدايتهُ تذلل أمّا نهايتهُ عِزّ، سُبحانَ الله هذه من المُفارقات, كُلما ازددتَ خضوعاً لله رَفَعَكَ الله. انظر إلى هذه العلاقة التي فيها مفارقة : أنا لا أعتقد أنَّ في الكونِ كُلِهِ إنساناً أشدَّ افتقاراً وخضوعاً وتذلُلاً إلى اللهِ من رسولِ الله، كما أني لا أعتقد أنَّ في الأرضِ كُلِها في تاريخِ البشريةِ كُلِها إنساناً أعزّهُ اللهُ ورَفَعَهُ كرسولِ الله, انظر لهذه العلاقة التي فيها مُفارقة, كُلما ازددتَ تذلُلاً وخضوعاً وانصياعاً وخوفاً وحُباً وعبوديّةً, زادَكَ اللهُ عِزّاً ورِفعةً وإباءً ومكانةً وجاهاً. ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ اللهَ عزّ وجل أقسمَ في كِتابِهِ الكريم بِعُمُرِهِ, قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 72] ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أنهُ قالَ في كِتابِهِ العزيز عن النبي عليه الصـلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أن اللهَ عزّ وجل ما خاطَبَهُ باسمهِ إطلاقاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 64] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 67] قالَ: يا عيسى بن مريم، وقالَ: يا موسى, خاطَبَ الأنبياءَ بأسمائِهم, لكنهُ لم يُخاطِب النبي صلى اللهُ عليه وسلم أبداً باسمِهِ. ما علاقتنا بهذه المعاني؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/12.jpg ما علاقَتُنا بهذه المعاني؟ علاقَتُنا: أنكَ كُلما ازددتَ للهِ خضوعاً وافتقاراً وحُباَ وعبوديّةً رَفَعَكَ الله، رَفَعَ شأنَك، كساكَ ثوبَ هيبةٍ، هابَكَ الناس. من هابَ اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُل شيء. أيام تُقابل شخصاً, قد يكون عِنده مستخدم يخاف مِنهُ, تستغرب أنت, وتقول: هو في مرتبة عالية جداً وخائف من مُستخدم. من اتقى اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء. نحنُ علاقَتُنا بهذا المعنى: أنكَ إذا أردتَ العِز، إذا أردتَ الرَفعة, إذا أردتَ علو الشأن، إذا أردتَ أن يُكسيّكَ اللهُ ثوبَ مهابة, اخضِع لله، هؤلاءِ المُتعجرِفون، المُتكبِرون، المُستعلون، عِلاجُهُم عِندَ اللهِ عذابُ الخِزيِ في الحياة الدنيا، الله عزّ وجل لِحِكمةٍ بالغة, هؤلاء المتَكبِرون الذينَ استنكفوا عن عِبادة الله, وأبَوا أن يخضَعوا للهِ عزّ وجل, يُذيقُهُم الله في الدُنيا ألوانَ الذُل, وقد يُذيقُهم هذا الذُل من أقربِ الناسِ إليه, من زوجاتهِ، من أولادِهِ, يقول لكَ: ابني ضربني البارحة, من أقربِ الناسِ إليه، ممن هم دونه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/13.jpg فيا أيها الأخوة الأكارم, إذا أردتَ عِزَّ الدُنيا ورِفعَتَها وشأنَها، إذا أردتَ أن تكونَ منيعاً مُهاباً, اخضع لله، أطِعهُ، تذلل بينَ يديه، مرّغ جبينكَ في أعتابِه، قُل لهُ: يا رب أنا لا شيء وأنت كُلُ شيء، يا ربي إني توسلت إليك، إني تبرأتُ من حولي وقوَتي, والتجأتُ إلى حولِكَ وقوتِكَ وعِلمِكَ يا ذا القوةِ المتين, حال الافتقار حال مستمر. الطبيب إذا قال قبلَ أن يُعالج: يا رب ألهِمني دِقّةَ التشخيص وصِحّةَ الدواء، المحامي، المُدرّس، التاجر: يا رب ألهمني صفقةً رابِحة. كانَ النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ السوق يقول: ((اللهم إني أعوذُ بِكَ من يمينٍ فاجِرة أو صفقةٍ خاسِرة)) له بداية التذلل، له نهاية العِز، لهُ ظاهر ظاهِرُهُ أنكَ مُفتقر, وباطِنهُ أنكَ غنيّ, أنتَ أغنى الأغنياء. من أرادَ أن يكونَ أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن أرادَ أن يكونَ أغنى الناس فليكُن بِما في يديّ الله أوثَقُ مِنهُ بِما في يديه، ومن أرادَ أن يكونَ أكرَمَ الناس فليتق الله. هل الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟ قال: إذا عَرَفتَ معنى الفقر عَلِمتَ أنهُ عينُ الغِنى، الفقر إلى الله يُساوي غِنى حقيقي. سؤال: أيُّ المعنَيينِ أفضل: أن تقول: الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟ أيُّ الحالينِ أكمل: أن تفتقِرَ إلى الله أم أن تستغني بِهِ؟ . قال: السؤال غلط لأنَّ الافتقار إلى الله عينُ الاستغناءِ بِهِ، والاستغناءُ بِهِ عينُ الافتقارِ إليه، وجهانِ بشيء واحد، أنتَ كُلما افتقرتَ إلى الله استغنيتَ بِهِ, وكُلما استغنيتَ بِهِ افتقرتَ إليه، فإذا شيء لهُ اسمين فرضاً: أيُهما أعظم إنكلترا أم بريطانيا؟ واحد مثلاً اسمان لشيء واحد، فأن تستغني بالله هوَ أن تفتقرَ إليه, وأن تفتقرَ إليه أن تستغني بِهِ، فقير إلى الله أنتَ غني معناها، غني بالله معناها فقير إلى الله. إذاً: لا معنى للسؤال: أيُهُما أفضل؛ أن أكون مستغنيّاً بالله أم مُفتقِراً إليه؟ هذا سؤال في الأصل غلط. أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/14.jpg سؤال آخر طرحُهُ غلط: أيُهُما أفضل؛ الغنيُّ الشاكر أم الفقيرُ الصابر؟ السؤال أصلُهُ غير صحيح, الأفضل أن يكون الإنسان طائعاً ولا عِبرةَ لِغِناه أو لِفقرِه، إذا كان فقيراً وطائعاً فهوَ غني عِندَ الله، وإذا كان غنياً وطائعاً فهوَ غني أيضاً, العِبرةُ أن تكونَ طائِعاً للهِ عزّ وجل, لأنَّ الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] لم يقُل: أغناكُم, ولم يقُل: أفقرُكم، لم يقُل: أغناكُم شاكِراً ولا أفقرَكُم صابِراً, قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ انتهى الأمر, ما دُمتَ في طاعةِ الله, فأنتَ الغني بالله, وأنتَ الفقيرُ إليه، ما دُمتَ في طاعة الله فأنتَ شاكر, وأنتَ صابر في وقتٍ واحد. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/15.jpg قال: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ شرحتُها قبلَ قليل، أمّا الآية التي لها علاقة بالدرس: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] لا هذا ولا ذاك، ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي إهانةً، لا علاقةَ لعطائي بالإكرام ولا بمنعي بالإهانة, لكنَّ العلاقةَ: إذا كُنتَ طائعاً لله عزّ وجل فأنتَ المُكرّم, وإذا كُنتَ عاصيّاً فأنتَ المُهان، أنا أُلحّ على هذا المعنى, لأنَّ الإنسان لا يشعر بالطُمأنينة إلا إذا كانَ في طاعةِ الله غنيّاً كانَ أو فقيراً, لقولِهِ تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 71] قال: المعنى كما قيلَ في تفسيرِ هذه الآية: ليسَ كُلُ من وسّعتُ عليهِ وأعطيتُهُ أكونُ قد أكرمتُهُ, ولا كُلُّ من ضيقّتُ عليهِ وقتّرت أكونُ قد أهنتُهُ، فالإكرامُ أن يُكرم اللهُ العبدَ بطاعتِه, والإيمان بِهِ, ومحبتِهِ, ومعرِفَتِهِ, والإهانةُ أن يسلِبَهُ ذلك. ما هو الحرمان الحقيقي وما هو الإكرام الحقيقي؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/16.jpg في قول: ما استرذلَ اللهُ عبداً, -استرذلَهُ: رآهُ شهوانيّاً، رآهُ دنيويّاً، رآهُ متعلِّقاً بضلالات وأوهام- ما استرذلَ اللهُ عبداً إلا حضرَ عليهِ العِلمَ والأدب. يعني أكبر حِرمان أن يحرِمَكَ اللهُ العِلمَ والأدب، أن يحرِمَكَ معرِفَتَهُ، أن يحرِمَك طاعَتَهُ، أن يحرِمَك القُربَ مِنه، هذا أكبر عِقاب, خُذ المال ما شِئت, المال بحسب ما تُريد وجاه، لكنَّ الإكرامَ الحقيقي: أن يمنَحَكَ اللهُ طاعَتَهُ, ومحبَتَهُ, والشوقَ إليه, ومعرِفَتَهُ, وخِدمةَ عِبادِهِ، أن يؤهلَكَ لجنّتِهِ, هذا هوَ العطاء. قف عند هذا القول لعلي بن أبي طالب : سيدنا علي يقول: الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله. في قول مُشابِه لبعض العُلماء قال: لا يوزَنُ غداً الفقرُ ولا الغِنى, ولكن يوزَنُ الصبرُ والشُكر، يرتفِعُ الصابِرُ والشاكِر غنيّاً كانَ أو فقيراً. من لوازم الافتقار إلى الله : 1- لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر : في موضوع دقيق متعلّق بالفقر إلى الله عزّ وجل: رجل وصَفَهُ بعض الأُدباء, قال: لي صديقٌ, كانَ من أعظم الناس في عيني, وكانَ رأسُ ما عظّمَهُ في عيني: صِغَرُ الدُنيا في عينيه, فكانَ خارِجاً عن سُلطانِ بطنِهِ, لا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثِرُ إذا وجد. المُفتقر إلى الله عزّ وجل, إذا الشيء توافَرَ بينَ يديه حمداً لله, لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر، هذا المقام يَليق بالمُفتقر إلى الله عزّ وجل، ليسَ حريصاً على شيء, ليسَ في يديه, وليسَ منهَمِكاً في شيء بينَ يديه، لا الشيء الذي بينَ يديه يشغَلُهُ عن الله عزّ وجل, ولا إذا افتقدَ هذا الشيء يشغَلُهُ عن الله, يعني وجودُ الشيء وعدمُ وجودُهُ سيان عِندُهُ, هذه من لوازم الافتقار إلى الله عزّ وجل. في معنى دقيق جداً: المُفتقر إلى الله: قبضُ اليدِ عن الدُنيا ضبطاً أو طَلَباً, وإسكاتُ اللسانِ عنها مدحاً, والسلامةُ مِنها طَلَباً أو تركّاً، السلامة مِنها طَلَباً معروفة. الإنسان لا ينهمِك، لا يُكبّ، لا يُقاتِل من أجلِها، لا يُضيّعُ دينُهُ من أجلِهِا، لكن كيفَ يسلَمُ مِنها تركاً, طلباً معروفة؟ أمّا لو تَرَكَها, هذا المعنى الدقيق الآن: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/17.jpg لو فرضنا إنسان حَرَمَ نفسَهُ أشياء أساسية في الحياة مباحة، ينشَغِل بهذا الشيء, ينشَغِل وينشَغِل, هوَ يشتهي هذه الأكلة, لو أكلها وشَكَرَ الله عزّ وجل والتفتَ إلى الأعمال الصالِحة, أفضل من أن يُمضي كُلَّ حياتِهِ في مُجاهدةٍ مع الحِرمان. يعني: تَركُ الدُنيا كُليّاً, لهُ نتائج ليست مُرضية، واحد حرم نفسُهُ الزواج وحرم نفسهُ الطعام حُبّاً بالله, هذا الموقف يجعل حالة حرمان دائمة وحالة توتّر دائمة، فأنتَ في معركةٍ حاميةٍ معَ نفسِك، هذه المعركة الحامية مع النفس قد لا تنتهي بسلام, أعطِ نفسكَ ما أباحَهُ اللهُ لك, عندئذٍ تسكُنُ النفس، أطعِمها الطعام الذي تُحِبهٌ, وأعطِها ما سمحَ اللهُ لها بِهِ, ثمَّ التفت إلى الله عز وجل معرِفةً وتفكيراً ودعوةً وخِدمةً للخلق. يعني أحياناً الشيطان يأتي عن أيمانِهم وعن شمائِلِهم، قد يأتي الشيطان عن أيمانِهم, دعكَ من الزواج إنهُ مشغلَةَ, ليسَ في الإسلام رهبانية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد الآية: 27] فإذا عَزَفَ الإنسان عن شيء مُباح, والإسلام أباحَهُ لَهُ, ينشأ عِندَهُ حالة توتر مستمرّة ، فهؤلاءِ الذينَ حرموا أنفسَهم ما سمحَ اللهُ لهم بِهِ, قد يقعونَ في أكبرِ المعاصي، قد يقعونَ في أكبرِ الانحرافات، فحينما تَدَعُ الدُنيا يجب أن تدعَ الحرامَ مِنها, أمّا الحلال لستَ أورعَ من رسولِ الله ولا من أصحابِهِ، قالَ عليهِ الصلاة والسلام: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) كلمة لطيفة : في كلمة لطيفة قال: إنَّ الإنسان إذا تركَ الدُنيا, هوَ بشرٌ وليسَ ملاكاً, تعلّقَ قلبُهُ بِما يُقِيمُهُ ويُقيِتُهُ ويُعيِشُهُ, وما هوَ محتاجٌ إليه, فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسِهِ, لِتركِ معلومِها, وحظِها من الدُنيا, وهذه قِلّةُ فِقهٍ في الطريق، بل لفقيه العارِف يَرُدُ النفسَ عنها بِلُقمةٍ كما يُردُّ الكلبُ إذا نَبَحَ عليهِ بكسرةٍ، إذا نفسهُ نبحت عليه, وطالبته بشيء معقول ومسموح بهِ يُطعِمها لُقمة ويُسكِتُها, ويقول لها: التفتي لله عزّ وجل, أفضل من أن يُبقيها في صِراع دائم معَ نفسِهِ. قال: هذه طريقُ الرُسُلِ, وهيَ طريقةُ العارفينَ من أربابِ السلوك, وكما قالَ النبيُ عليهُ الصلاة والسلام: عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ, قَالَ: ((آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ, فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ, فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً, فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فقَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا, فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا, فَقَالَ: كُلْ, فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ, فَأَكَلَ, فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ, ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ فَنَامَ, ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ, فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ, قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ, قَالَ: فَصَلَّيَا, فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه] إذاً: تركُ الدُنيا كُليّاً, ليسَ موقِفاً سليماً, وليسَ موقِفاً يُعينُكَ على طاعةِ الله, لأنهُ ينشأ من تركِها كُليّاً توتّر, وشعور بالحرمان, وشعور بالحاجة, وقد تقع في مُشكلة أخطر مما لو أخذتَ المُباحَ مِنها, ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ من هو العارف البصير؟ : من هو العارف البصير؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/18.jpg أيضاً: كلمة اسمعوها حرفيّاً, قال: العارِفُ البصير, يجعلُ عِوَضَ مجاهَدتِهِ لنفسِهِ في تركِ شهوةٍ مُباحة, مجاهَدتِهِ لأعداءِ اللهِ من شياطينِ الإنسِ والجِن، وقُطّاعِ الطريقِ على القلوب, كأهلِ البِدعِ من بني العِلم, ويستفرغُ قُواهُ في حربِهم ومجاهدَتِهم, ويتقوّى على ذلك بِما سمحَ اللهُ له بِهِ من مُباحات. أن يكون لكَ عمل، تتفوق في دِراستِك، تتفوق في تجارتِكَ، تزوّج وأسس بيتاً, وعِندئذٍ فرّغ نفسَكَ للهِ عزّ وجل، أمّا أن تعيش في حالة حِرمان مستمّر, وتوتّر مستمر, وإحساس بالشوق إلى شيء مُباح، هذا يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، هذا من قِلّة الفِقه. النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً واقفاً بالشمس -وشمسُ الحِجاز تعرِفونَها- فسألَ عنهُ, فقال: ((نَذَرَ أن يقِفَ في الشمس, فقالَ عليه الصلاة والسلام: مروهُ فليتحوّل, إنَّ اللهَ غنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسه)) اللهُ غني عن تعذيب نفسِك, كُل باعتِدال، تزوّج واكسب المال، واطلب الحلال، واحضر مجالس العِلم، وتعرّف إلى الله، وادعُ إلى الله، واخدم الناس، هذا الوضع المِثالي الواقِعي، الإسلام واقِعي إنهُ دينُ الفِطرة. من آفاتِ تركِ الدُنيا كُليّاً, قال: التطلُعُ إلى ما في أيدي الناس إذا مسّتهُ الحاجة، ومن آفاتِ ترك الدُنيا كُليّاً: ما يأتيهِ من كِبرٍ وعُجبٍ وزُهُوٍ في زُهدِهِ، قال: الفقرُ الصحيح: السلامة من آفات الأخذِ والترك, وهذا لا يحصُلُ إلا بِفقهٍ في الفقر. 2-أن يتخلى العبد عن رؤيته لأعماله : في شيء آخر: من لوازم الفقر إلى الله عزّ وجل: أن يتخلّى العبدُ عن رؤيَتِهِ لأعمالهُ . أحياناً الإنسان: الله عزّ وجل يُكرِمُهُ بعمل صالح, هذا العمل الصالح إذا أكرَمَهُ بِهِ, رأى نفسَهٌ عظيماً بِهِ، رؤيةُ هذا العمل, والتركيزُ عليه, والحديثُ عنهُ دائماً, هذا مما يجعلُ هذا العملَ حِجاباً بينَكَ وبينَ اللهِ عزّ وجل، رؤيةُ العمل رُبّما كانَ حِجاباً بينَكَ وبينَ الله، المُفتقر إلى الله مُفتقر إليه حتى في الأعمال الصالِحة، فإذا اللهُ عزّ وجل جعل هُدى الناس على يديك, رُبمّا إذا نظرتَ إلى هذا العمل, كانَ هذا العمل العظيم نفسُهُ حِجاباً بينكَ وبينَ الله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/19.jpg إذا اللهُ عزّ وجل أكرَمَكَ ببناء مسجد, رُبمّا كانَ هذا العمل العظيم, إذا نظرتَ إليه, وحدثّتَ الناسَ عنه, وركزّت عليه, وقُلت: أنا فعلت, هذا العمل العظيم رُبمّا كانَ حِجاباً بينكَ وبينَ الله، إذا أمكَنَكَ اللهُ من خِدمةِ إنسانٍ خِدمةً جليلةً, وأنقذتَهُ بِها أو أنقذتَ حياتَهُ, ونظرتَ إلى عَمَلِكَ دائماً, ونسيتَ أنَّ اللهَ تفضّلَ عليكَ بِهِ، نسيتَ أنَّ اللهَ عزّ وجل خَلَقَهُ ونَسَبَهُ إليك، رؤية العملِ الصالِحِ نفسه قد يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فمن لوازِم الافتقارِ إلى الله: ألاّ ترى لكَ عملاً, أن ترى أنّ عَمَلَكَ الصالح الذي أكرَمَكَ اللهُ بِهِ, إنما هوَ محضُ فضلٍ من اللهِ عزّ وجل. أحد العارِفين بالله حَضَرتهُ الوفاة, فمزّقَ ابنُهُ قميصه من شِدّةِ ألَمِهِ، فتحَ أبو عُثمان عينيه, وقالَ: يا بُنيّ خِلافُ السُنّةِ في الظاهر علامةُ رياءِ الباطل. السُنّة ألاّ تُمزّقَ الثوب، إذا الإنسان جاءهُ خبر مؤلم، فخلاف السنة ضرب الخدود، وتمزيق الثياب، والمُناداة بالويل، كُلُ من خالَفَ السُنّةَ في الظاهر ينطوي على رياءٍ في الباطِل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/20.jpg أنا أقول لكم: حتى الأعمال الصالحة يجب أن تنسِبَها إلى الله عزّ وجل, حتى الحُزن المُقدّس يجب أن يكون وُفق السُنّة. آخِرُ فِقرةٍ في الدرس: من افتقرَ إلى اللهِ تعالى اغتنى، والغِنى نوعان: غِنىً بالله وغِنىً عن غيرِ الله, وهُما حقيقةُ الفقر، إذا كُنت فقيراً إلى الله أنتَ مُستغنٍ بالله, ومُستغنٍ عن غيرِ الله. أحدُ الخُلفاء العباسيين كانَ يَحُجُ البيت, فالتقى بعالِمٍ جليل في الحرمِ المكيّ, قالَ لهُ: سلني حاجَتَك، قال لهُ: واللهِ إني لأستحيي أن أسألَ غيرَ الله في بيتِ الله، فلمّا التقى بِهِ خارِجَ الحرَم, قالَ: سلني حاجَتَك، قالَ: واللهِ ما سألتها من يملِكُها, أفأسألُها من لا يملِكُها؟ فقالَ: سلني حاجَتَك, قالَ لهُ: أُريد أن أنجوَ من النار, فقالَ لهُ: هذهِ ليست بيدي, فقالَ لهُ: ليست لي حاجةٌ عِندَك. فمن علامةِ الفقرِ إلى الله: أن تستغني بالله, وأن تستغني عن غيرِ الله، الذي يطمَعُ بِما في أيدي الناس, ليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل. رُبمّا قُلتُم في أنفسِكُم: هذا المستوى مستوى العارِفين بالله, أنا أتمنى أن يكون هذا مستوى المؤمنين، يعني الافتقار إلى الله عزّ وجل, لكَ مظهر فخم ليسَ هُناكَ مانع، أنيق في مظهرك، نظيف، لكَ بيت، لكَ عمل، متفوّق في تِجارَتِكَ، في صِناعَتِكَ، في عملَكَ، في وظيفتك، هذا لا يمنع أن تكون فقيراً إلى الله عزّ وجل, ليسَ هُناك تناقض إطلاقاً بينَ مرتبةِ الافتقارِ إلى الله عزّ وجل, وبينَ مرتبةِ أن تشعُرَ بحقيقةِ عبوديتِكَ للهِ عزّ وجل, وحقيقةِ نفسِكَ المحتاجةِ إلى اللهِ في كُلِّ شيء. قاعدة : اسمعوا مِنّي هذه القاعِدة: الإنسان إمّا أن يتَكِلَ على الله, وإمّا أن يتكِلَ على نفسِه في كُلِّ أطوارِ حياتِه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2608/21.jpg من اتكّلَ على اللهِ كفاهُ اللهُ كُلَّ مُؤنة, ومن اتكلَّ على نفسِهِ أوكَلَهُ اللهُ إياها. في عِلمِكَ، في عَمَلِكَ، في تدبيرِكَ، في تربيةِ أولادِكَ، في تجارَتِكَ، في صناعتِكَ، في علاقاتِكَ الاجتماعية, في لِقاءاتِكَ، في سَفَرِكَ, حينما تتكَلُ على اللهِ, عندئذٍ يكفيكَ كُلَّ مؤنة, وحينما تقول: هذهِ جهزّتُها, وهذهِ راجعتُها, وهذهِ أكدّتُها, حينما تقول: راجَعتُ هذا الشيء وجهزّتُهُ, قد يُفاجِئُكَ بعطبٍ خطير في وقتٍ مُزعجٍ جدّاً؛ فلذلك: دُعاء السفر، دُعاء قبلَ أن تقوم بأي عمل، هذا دليل الافتقار إلى الله عزّ وجل, وما من إنسان مؤمن قبلَ أن يُقدِم على أيّ عمل, يقول: يا رب أعِنّ، يا رب سدد خُطاي، يا رب سدد قولي، ألهِمن الصواب، ألهِمن الحِكمة. اللهم لا سهلَ إلا ما جعلتَهُ سهلاً, وأنتَ تجعلُ الحَزَنَ إذا شِئتَ سهلاً سهلاً. فهذا الدُعاء معناه الافتقار إلى الله عزّ وجل, فالافتقار من لوازِم المؤمنين, بل الافتقار سِمةٌ أساسيّةُ من سِماتِ أهلِ الإيمان, والافتقار يعني أنكَ عرفتَ حقيقَتَكَ, وعرفتَ عبوديتكَ للهِ عزَ وجل, والافتقار من أعلى مراتِبِ الإيمان في الدُنيا. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اصول الدينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الاربعون ) مدخل الدرس : أيها الأخوة الأكارم, من السهل جداً أن تدخُلَ في تفاصيل الدين, والدين بابٌ واسعٌ جداً من أبواب المعرِفة، ولكن من حينٍ إلى آخر: أرى من المُناسب أن نتحدّثَ في الكُلّيات، الجزئيّات: أن تصل إلى دقائق الآيات, إلى دقائق السُنّة, إلى دقائق السيرة، لِئلا ندخُلَ في التفاصيل, ونغفلَ أحياناً عن الأهداف الكُبرى والكُليّات العُظمى, لذلك أجد من المُناسب من حينٍ إلى آخر أن نعودَ إلى الكُليّات. لو دخلتَ إلى مكتبةٍ إسلاميّة, لوجدتَ عشراتِ بل مئات الآلاف من الكُتب إن شِئت: العقائدُ وأُصولُها، والقرآنُ وعلومُهُ، والحديثُ ومُصطلحهُ، والسيرةُ وأعلام الإسلام، والفِقهُ ومذاهِبُه, قد تجدُ عشرات الآلاف من الكُتب, بل مئات الأبواب من الكُتب, في كُلِّ بابٍ من أبواب الدين, ولا يتسّعُ أيُّ عُمر مهما طال لقراءةِ ما أُلّفَ في أحدِ أبواب الدين. إذاً: نحنُ نحتاج أحياناً لا إلى الاستقصاء، لا إلى التفاصيل، لا إلى الجزئيات، نحتاجُ من حينٍ لآخر, أن نبقى في الكُليّات في أُصول الدين، في كُليّات الدين، في الخطوط العريضة، في الأهداف الكُبرى، في الوسائل الناجحة, فأردتُ في هذا الدرس أن يكونَ حولَ كُليّاته. من كليات الدين : 1-طلب العلم : الدين يقوم على دعائم, أُولى هذه الدعائم: دِعامةُ المعرِفة, يعني التديّن دون طلب عِلم, هذا شيء مستحيل, أُولى دِعاماتِ الدين: المعرِفة, لأنهُ ما اتخّذَ اللهُ وليّاً جاهلاً، لو اتخذهُ لعلّمَهُ، لأنكَ إذا تديّنتَ دونِ معرِفة, ما الذي يحصل؟. تُطبّقُ عشرات العِبادات, وقد تخرِقُ الاستقامةَ, لأنكَ لا تعلم, فيكونُ هذا الخرقُ حِجاباً سميكاً بينكَ وبينَ الله، كُلُ هذه العبادات غير مُجديّة، لن تستطيعَ أن تُحكِمَ الاتصالَ بالله عزّ وجل إلا إذا وقفتَ عِندَ حدودهِ، ولن تقِفَ عِندَ حدودهِ إلا إذا عرفتَ حدودَهُ, ولن تعرِفَ حدودَهُ إلا إذا عرفتَهُ قبلَ أن تعرِفَ حدودَهُ. ما الذي ينجي الإنسان في هذا العصر من الانحرافات الفكرية والسلوكية؟: بالإسلام جانب معرِفي، جانب علمي، جانب عقيدي. أُلاحظ أشخاصاً كثيرين, يعنيهم من الدين: الصلاة, والصيام, والحج, والزكاة, ويعنيهم خِدمةُ الناس, هؤلاء ربمّا في عصور غير هذه العصور, ربمّا يصِلونَ إلى الجنّة, لكن في عصرٍ استعّرت فيهِ الفِتن واتقدت, والمزالق, والشُبُهات, والتُرُهات, والأضاليل, والعقائد الزائغة, والباطل المُزيّف, والانحراف المُروّج, والتفلّت من مبادئ الدين تحتَ غِطاءٍ من الحُريّةِ والعصريّةِ والتقدّمِ، هُناك شُبُهات كثيرة وفِتن. أقول لكم وأنا أعني ما أقول: لا يستطيعُ أن ينجوَ الإنسانُ الآن في عصورِ الانحرافات الفكريّةِ والسلوكيّة إلا بعلمٍ صحيح، بعقيدةٍ راسِخة، بعلمٍ متين، بأدلّةٍ قاطعة. متى يفقد العبد كل ثمار الدين؟ : يا أيها الأخوة الأكارم, حينما تنصرِفونَ إلى الدُنيا، حينما تتحركون، حينما تنطلقونَ إلى أعمالِكم، إذا شعرتم أنكم في غِنىً عن طلبِ العِلم, هذا النقصُ في العِلم, لا بُدَ من أن يُترّجمَ إلى انحرافٍ في السلوك، والانحرافُ في السلوك لا بُدَ من أن يُترجمَ إلى حجاب بينكَ وبينَ الله، وحينما يكونُ الحِجابُ بينكَ وبينَ الله, اعلم عِلمَ اليقين: أنكَ فقدتَ كُلَّ ثِمارِ الدين، أساسُ الدين هذه العلاقةُ الطيبةُ بينكَ وبينَ الله, وحينما تُفقدُ هذه العلاقة بانحرافٍ أساسُهُ الجهلُ, فقد خَسِرتَ كُلَّ ثمراتِ الدين، بالاتصال لا يوجد خوف: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المعارج الآية: 19-22] هكذا خُلِق, هذا ضعفٌ خلقيّ، هكذا أرادَ اللهُ عزّ وجل أن يكونَ, ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إلا الْمُصَلِّينَ﴾ يعني كُل نِقاط الضعف البشري الخلقي التي لا سببَ مِنكَ بِها, هذه النقاط الضعف تتلافاها بالاتصال بالله عزّو جل. متى يظهر الخلل في سلوك الإنسان؟ : فلذلك: من لم تُحدّثهُ نفسُهُ بحضورِ مجلسِ علمٍ, يزدادُ معرفةً باللهِ أو بكتابِهِ, درس أسماء الله الحُسنى معرفةٌ بالله، درسُ التفسير معرِفةٌ بكتاب الله، درسُ الحديث الشريف معرِفةٌ بِسُنّةِ رسولِ الله، درسُ السيرةُ النبويّة معرفةُ بالتطبيقات العمليّة، درسُ الفِقهِ معرفةٌ بالأحكام الشرعيّة التي ينبغي أن تدور مع حياتِك، فما لم تُخصص من وقتِكَ وقتاً ثميناً لِطلبِ العِلم, ومتابعةِ مجالس العِلم, وأن تزدادَ ثقافتُكَ الدينيّة, وقناعاتُكَ الفِكريّة, وعقيدَتُكَ الصحيحة, أن تزدادَ وتغتني, عندئذٍ ترى: أنَّ النقصَ في العِلم سيُسببُ خللاً في السلوك, هذا الجانب المعرفي. كيف يتكون الجانب المعرفي عند الإنسان؟ : والحقيقة: الجانب المعرفي بعضٌ منهُ يأتيكَ بالمُدارسة, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالتأمل, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالنظر: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 101] جانبٌ كبير من جوانب المعرفة, يمكن أن تحصلَ عليها من وقوفِكَ عندَ دقائقِ خلقِ السمواتِ والأرض, وأقربُ شيء إليك جِسمُكَ الذي بينَ جوانِحك، أقربُ شيء إليك طعامُكَ الذي تأكُله، من حولَكَ من أهلٍ وأولاد، أقربُ شيء إليك مظاهر الطبيعةِ التي أمامَك، هذه كُلُها آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ الله عزّ وجل. رسالة لك : فأنا أتمنى أن يُفكّرَ الإنسانُ كُلَّ يوم في آيات الله الدالّةِ على عظَمتِهِ, أو أن يشغَلَ نفسَهُ كُلما سنحت لهُ فرصةٌ أن يقفَ عِندَ دقائِقِ خلقِ اللهِ جلَّ وعلا. لا تتأثر إذا سمعت, أنهُ يوجد عشرين مليون خلية عصبية شميّة, كُل خليّة فيها سبعة أهداب مغموسة بمادة دهنية مذيبة, وأنَّ أيّةَ رائحةٍ تصِلُ إلى أنفِك تتفاعلُ مع هذه المادةِ الدُهنيِةِ التي مع هذه الأهداب تفاعُلاً كيماويّاً, يتشكّلُ مِنهُ شكل هندسي, يُنقل على شكلِ إشارةِ إلى مركز المُخ, وفي مركزِ الشم المُخ عشرةُ آلافِ بند من بنودِ المشمومات, وأنَّ هذه الإشارة تُشعِرُكَ برائحة هذا الشيء, ثمَّ تنتقل إلى معرفة رائحة هذا الشيء, وأنَّ المادةَ إذا كانت بمقدار نِصف بالمليون من الميلي غرام في السنتيمتر المُكعّب, فإنها كافيةُ لكي تُحسسُكَ برائحةِ هذا الشيء, ألا تشعرُ أنكَ وقفتَ وجهاً لوجهٍ أمامَ عظَمةِ الله عزّ وجل؟ ألا تشعرُ أنكَ عَرَفتَ دِقّةَ الصنع؟. ما طبيعة صلاة الجمعة؟ : إذاً أيها الأخوة, جانبٌ معرفيّ أحدُ أركانِ الدين، لذلك اللهُ عزّ وجل فَرَضَ على المُسلمين تأكيداً للجانبِ المعرفيّ، تأكيداً لأحدِ أركانِ الدينِ الكُبرى, فرضَ على المُسلمين صلاة الجُمُعة, ما طبيعةُ صلاة الجُمُعة؟ طبيعَتُها تعليميّة, عبادةٌ تعليمية فيها خُطبة، فيها خطيب يتلو على الناسِ آيات القرآن يُفسّرُ هذه الآيات، يتلو عليهم سُنّة النبي يُفسّرُ هذه السُنّة، يتلو عليهم مواقِفَ الصحابة يُفسّرُ لهم هذه المواقِف. إذاً: لأنَّ جانب معرفة اللهِ جانبٌ أساسيٌّ جداً في الدين, كانت صلاةُ الجُمُعة تِلكَ الفريضةُ التعليميّة: عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ تَهَاوُنًا بِهَا, طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ)) ومن تَرَكَ الجُمُعة ثلاثَ مرات من دونِ عُذرٍ, نكتت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه, ثمَّ يكون الران, ثمَّ تلى النبي قولُهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 14] من أركان الدين : إذاً أيها الأخوة, أحد أركان الدين: أن تقتطعَ من وقتِكَ أقول الثمين وقد يكون وقت الناسِ ثميناً, وقد يكونُ الوقتُ ممتلئاً بالمشاغل والمواعيد والإنجازات والخِطط واللقاءات والأعمال وعقد الصفقات وما إلى ذلك، لكن ما قيمةُ هذه الدُنيا لو رَبِحتَ فيها كُلَّ شيء وخسِرتَ نفسَك؟ ما قيمةُ المال إذا جاءَ مَلَك الموت وقد تركتَ كُلَّ المالِ في ثانيةٍ واحدة؟ فالتأمّل في الكون باب، والنظر في الحوادث باب، وقراءةُ القرآنِ وتدبُرُهُ, وقراءةُ السُنّةِ وفهمُها بابٌ ثالث؛ في نظر, وفي تفكّر, وفي مُدارسة. من هو الإنسان الكامل؟ : وأنا أقول لكم: الإنسان الكامل هوَ الذي يجمعُ بينَ كُلِّ مصادر المعرِفة, يتأمّلُ تارةً، وينظرُ تارةً، ويُفكّرُ تارةً، ويدرسُ تارةً، الآن سماعُكَ مُدارسة، تفكُركَ الصباحي بآيات الكون تفكّر، نظرك إلى ما يجري في الكون, من حوادث دالّة على عدالِة الله, وعلى حِكمتِهِ, وعلى رحمتِهِ, وعلى قيوميتِهِ, هذا من بابِ طلبِ العِلم. اسمحوا لي أن أقول لكم: لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ في الأرض, لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ, ولم يكن لكَ عملٌ يدعمُ هذا العِلم, فلا قيمةَ لهذا العِلمِ عِندَ اللهِ إطلاقاً، المُشكلة: أنَّ العِلمَ وسيلة وظنّهُ الناسُ غاية، ما لم تتأكد من أن كُلَّ عِلمٍ تتعلمُهُ إنما هوَ وسيلةٌ كي ينقُلَكَ إلى التطبيق, هذا العِلمُ وبالٌ على صاحِبِهِ. متى يكون العلم على ابن آدم حجة عليه لا له: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ((الْعِلْمُ عِلْمَانِ؛ فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ, وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ)) [أخرجه الدارمي في سننه] حجةٌ عليه لا لهُ, هذا الباب بابُ طلبِ العِلم, بابُ الاستزادةِ بالعِلم, ماذا يؤكدّهُ؟ قولُهُ تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [سورة طه الآية: 114] يؤكدّهُ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى اعتمدَ قيمةَ العِلمِ كقيمةٍ وحيدةٍ مُرجّحةٍ بينَ البشر, قالَ تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزُمر الآية: 9] وقالَ تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف الآية: 76] ((إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم, والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضَهُ إلاّ إذا أعطيتَهُ كُلّكَ, فإذا أعطيتَهُ بعضَكَ لم يُعطكَ شيئاً)) هل تسمحُ لنفسِكَ أن تقول أنا مشغول؟ مشغول بماذا؟ لماذا أنتَ في الدُنيا؟ أيُّ شيء يشغَلُكَ عن طَلَبِ العِلم، سوفَ تَعُدّهُ غبناً كبيراً في يومٍ ما. ماذا نستنتج من هذا المثال؟ : طالب ذهب إلى دولة أجنبية لينال دكتوراه, عليهِ أن يعمل, وأن يدرس, أهلُهُ فُقراء، هوَ يحتاج فرضاً إلى ألف فرنك فرنسي في الشهر، وجدَ عمل ساعتين, هاتان الساعتان تُحققان لهُ ألف فرنك فرنسي، طبعاً: عِندَهُ دِراسة, لو نال الدكتوراه, سيعودُ إلى بلدهِ بأعلى مرتبة، بأعلى منصِب، بأكبر دخل، كُل آمالِهِ معقودة على هذه الشهادة, عَثرَ على عملٍ يُحقق لهُ ألفي فرنك في الشهر, لكن أربع ساعات, ثمَّ عَثَرَ على عملٍ يُحقق لهُ ثلاثة آلاف, ست ساعات, أربعة آلاف ثماني ساعات، خمسة آلاف تسع ساعات، عمل يُحقق لهُ مائة ألف فرنك بالشهر, لكن أربع وعشرون ساعة, فتركَ الدِراسة من أجلِها، هل يقول لكَ: أنا هيأت عملاً عظيماً؟ لا, أنتَ هُنا, إقامتُكَ محدودة, بقاؤكَ بهذا البلد منوط بجرّةِ قلم, فإذا عُدتَ إلى بلدِكَ بِلا شهادة, كُنتَ في خزيٍ شديد. اسمعوا الآن القاعدة: العملُ الذي يستغرِقُ وقتَكَ كُلَهُ خسارةٌ مُحققة, مهما كانَ الدخلُ كبيراً, لأنكَ عندئذٍ خرجتَ عن هدفِكَ الأساسي. أيها الأخوة الأكارم, أنا أعلم الحياة صعبة, والدخل محدود, والمطالب كثيرة, والوقت ضيّق. أنا أعرف أخوةً كثيرين مضطرين إلى عمل مستمر, ولكن أن أغُضَ الطَرفَ عن إنسان, عملُهُ استغرقَ وقتَهُ كُلُهُ, وهوَ ناجح أو رابح, لا والله، لا بُدَّ من وقتٍ تتعرفُ فيهِ إلى الله. الدين لا يعذر الجاهل : مرة خطرَ في بالي مثل: طبيب درس 30 سنة, وجاء إلى بلده, وفتح عيادة, وكتب العيادة بينَ الساعة الخامسة والسابعة, بعد الظهر وهوَ في العيادة, جاءهُ مريض الساعة الخامسة والنصف, فقالَ لهُ: مشغول, لماذا أنتَ هُنا؟ لماذا درست كُل هذه الدراسة إن لم تكُن فارِغاً لأكبرِ عملٍ في حياتِك؟ فأنتَ فارِغ لِماذا؟. إذا قال: ليس عندي وقت أتعرّف على الله عزّ وجل, نقول له: ما الذي يشغَلُك أو ماذا كُنتم تعملون؟ ماذا بعدَ الحقِ إلا الضلال؟ الكلام أقولُهُ لكم: لا بُدَّ من طَلِبِ العِلم, هذا شيء لا بُدَّ مِنهُ, لأنهُ لو لم تكن كذلك لظَهَرَ الانحراف. مثلاً: في الحج سمعنا في اجتماع عٌقِد قبلَ أيام, أن أكثر من 20 - 30 حاج سوري في العام الماضي, لم يطوفوا طواف الإفاضة, وهوَ رُكن أساسي, فلمّا قُلنا لهم: لماذا لم تطوفوا؟ قالوا: لم يقُل لنا أحد, لا نعرف, من عرفات إلى مكة, وجلسوا بعد العيد, ثمَّ سافروا، ما الذي أبطَلَ حَجَهم؟ جهلُهم. أنا أقول لكم: ممكن أن تكون أنتَ سليم النيّة، ممكن أن تأكُل الرِبا وأنتَ لا تدري، ممكن أن تتجاوز الحدود لِعلّةِ الجهلِ فقط، والقانون لا يحمي الجاهل, كما أنَّ الدين لا يعذُر الجاهل. أنا أتمنى من أخواننا الكِرام, أن موضوع مجلس العِلم ليسَ على وقت فراغِهِ, الدنيا شتاء, لا يوجد شيء نتلهى به, تعال لنحضر الدرس, بالصيف الناس في المصايف, وهُنا وهُناك, ليسَ هذا القصد, هذا مِنهاج جامعي, فيجب أن تجعل الأساس الدرس، حياتك متقلبة مع الدرس, وليسَ الأساس حياتك, والدرس على وقت الفراغ, هذا طبعاً من باب المُتابعة والمُثابرة. 2-العمل بشقيه السلبي والإيجابي: ماذا تقترحون البند الثاني في كُليّات الدين؟ العِلم بند أول، طَلب العِلم إمّا بالتفكّر بالكون، أو بالنظر في الحوادث، أو بالمُدارسة, والمُدارسة قراءة واستماع، أنتَ الآن تدرس, تستمع إلى درس, وقد تقرأ, وقد تنظر, وقد تتفكّر, تقترحون كُليّة كُبرى من كُليّات الدين: العمل, كلمة كبيرة جداً, ممكن أن يكون لها بندين أساسيين: في بند سلبي وبند إيجابي، في بند امتناع وفي بند إيجابي فعلي؛ الاستقامة والعمل الصالح. ماذا تعني الاستقامة؟ : الاستقامة: انضباط، غض البصر استقامة، تركُ الغيبةِ والنميمة استقامة، تركُ ركنةٌ من حرام استقامة, لكن العمل الصالح بذل بالضبط, دققوا في هذا المثل: لو تصورّنا أنَّ الطريق إلى الله طريق مادّي. تصوّر افتراض الطريق إلى الله طريق مادّي, أنتَ راكب مركبة, وعلى هذا الطريق عقَبات، كُل عقَبَةَ ارتفاعها مترين, ومترين عرض, ومترين طول, إسمنت مُسلّح, هل بإمكانِكَ أن تسيرَ على هذا الطريق؟ لا, كُلُّ معصيةٍ عقبةٌ على طريقكَ إلى الله. فالاستقامة تعني أن تُزيلَ هذه العقبات، كُل إنسان استقام على أمر الله, نقول لهُ: ما فعلَ شيئاً, لكنّهُ مهّدَ الطريقَ إلى الله, أزالَ كُلَّ العقَبات، أزالَ كُلَّ الموانع، ألغى كُلَّ الحواجز، المعاصي حواجز وموانع وعقبات وحُفر وما إلى ذلك، أنتَ حينما تستقيم على أمرِ الله عزّ وجل, والاستقامةُ طابعُها سلبيّ، أنتَ ما زِدتَ عن أن مهدّتَ الطريقَ إلى الله, وبقيَ الحركة على هذا الطريق، طريق إلى الله فرضاً مادّي, فيه عقبات أزلتَها, فأصبحَ الطريق سالكاً, بقيَ عليكَ أن تسير, أن تتحرك, الحركة هيَ العمل الصالح، والعملُ الصالحُ يرفَعُكَ، اسمع القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 70] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 33] لا بُدَّ من استقامةٍ, ولا بُدَّ من عملٍ صالح. ما الكلمة التي عبر عنها القرآن الكريم عن الاستقامة والعمل الصالح؟ : لكن أحياناً: القرآن الكريم يُعبّرُ عن الاستقامةِ والعمل الصالح بكلمة: ﴿وَعَمِلَوا الصَالِحات﴾ والتفسير: أنَّ العملَ الصالِح لا يثبُت إلا على أرضيّةٍ من استقامة, كيفَ أنَّ الإنسان معهُ قلم حبر والورق عليه دُهن وكتب؟ لا شي, لا يثبُتُ أثرُ الحِبرِ إلا على ورقٍ نظيف، كذلك لن تستطيع أن تشعر أنَّ هذا العمل قَبِلَهُ اللهُ عزّ وجل إلا على أساسٍ من استقامةٍ على أمرِهِ. بشكل آخر: لا تُفكّر أنَّ العمل الصالح يُعينُكَ على الاتصال بالله عزّ وجل إذا كان مبني على عدم استقامة, الاستقامة أساس. ماذا يوضح لنا هذا المثال؟ : من باب الأمثلة, والأمثلة توضّح: المستودع: الاستقامة إملاؤهُ بسائل غالٍ جِدّاً, العمل الصالح, أمّا مستودع بِلا قعر, وصب هذا السائل الزِئبقي الغالي, عمل أحمق لا شيء يحفظَهُ ، أمّا إذا كان المستودع مُحكماً, لو ألقيتَ فيهِ ليتراً واحداً هو محفوظ, ليترين محفوظين, فلذلك : دعوتُنا استقامةٌ تامّة وعملٌ صالحٌ بقدرِ المُستطاع، العمل الصالح بقدرِ المُستطاع: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 286] لكن الاستقامة تامّة، فمن رضيَ بانحرافٍ طفيف, هذا الانحراف كما تعلمون: لا صغيرةَ معَ الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار. الصغيرة تشبه راكباً بمركبتِهِ, وماشي على طريق مستقيم طويل, وعلى جانِبِهِ وادٍ سحيق, حَرَفَ المِقوّد 1سم, هذا الـ 1سم لو ثبت على الوادي, أمّا لِمَ سُميّت صغيرة؟ لأن هذا الـ 1سم تصليحهُ سهل جِدّاً, يحتاج إلى ضغط أقل من غرامين فيعود، أمّا الكبيرة انحراف 90 درجة فجأةً، فالصغيرة إذا ثَبُتت انقلبت إلى كبيرة من حيثُ النتائج, لأنهاَ نقلَتكَ إلى الوادي السحيق مع مسافة قصيرة. لا يوجد في الاستقامة حل وسط، الاستقامة قطعيّة، أمّا العمل الصالح نِسبي, ممكن أن تتصدّق بألف باركَ الله، ألفين باركَ الله، خمسة باركَ الله، 100 ألف باركَ الله، مليون باركَ الله, لكن هذه الصَدَقَة مبنيّة على مستودع مُحكم: وهيَ الاستقامة، أمّا المستودع بِلا قعر, الألف مثل الخمسة آلاف مثل المليون, لأنها لن تظهر. البند الثاني: العمل, العمل بِشقيه السلبي والإيجابي، السلبي: الاستقامة, والإيجابي: العمل الصالح, والعملُ الصالحُ يرفَعه. هذا المطلوب منك : قد يقول لكَ أخ: أنا لست نبي, هذه دعوى مُعظم الناس, ومن قال: أنكَ نبي؟ لا لستَ بنبي فعلاً, أنتَ لستَ بنبياً، ولستَ بصديّق، ولستَ بمؤمن كبير، لكن أنتَ مُسلم, وفي عِندكَ كتاب الله, على أنكَ مُطالَبٌ تماماً تماماً تماماً أن تستقيمَ استقامةً تامّة: ﴿وَإِنَّ كُلّاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة هود الآية: 112] لذلك قالَ عليهِ الصلاة والسلام: شيبتني هود وأخواتُها, وما شيّبَهُ في هذه السورة إلاّ هذه الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ حديث يؤكّدُ هذه الحقيقة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا, وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ, فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ, أَشْعَثَ أَغْبَرَ, يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ, يَا رَبِّ يَا رَبِّ, وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ, فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] يعني: لو فرضنا ملك قاد سيارة, يوجد قواعد للقيادة، هذه القواعد يجب أن يُطبّقَها ملك, وأصغر إنسان يقود سيارة, مبادئ السلامة هذه, أمّا العمل الصالح بحسب الإمكانيات، بحسب الجود، بحسب الشوق إلى الله, هذا نسبي، أكثر الناس يعتقدون بنسبيّة الاستقامة, أطع الله على قدر ما تستطيع, نوعاً ما كلمة بالطاعة نوعاً ما, قدر ما تستطيع, الميسور, اللهُ لم يُكلّفُكَ فوق طاقَتُكَ, الإنسان ما دام راغباً في أن يبقى ثغرات كبيرة بحياتِهِ, هذه الثغرات كُلُها حُجُب تحولُ بينَهُ وبينَ اللهِ جلَّ وعلا. 3-الاتصال بالله : النظريّة الأولى: المعرفة بأبوابِها الثلاثة: بالتأمل, بالكون, بالنظر, بالحوادث, بالمُدارسة, بطابع التلقّي, الاستماع, أو طابَع الإلقاء, أو القراءة, في رُكن ثالث: الاتصالُ بالله كُليّاً, الصلاة اتصال، والصوم اتصال، والاستغفار اتصال، والتسبيح اتصال, والدُعاء اتصال، يجب أن تكشف القاسِم المُشتَرك, تُصلّي من أجلِ أن تتصل، وتصوم من أجلِ أن تتصل، وتحُجَ البيت من أجل أن تتصل, وتدعو اللهَ عزّ وجل من أجلِ أن تتصل، وتُسبحهُ وتوحّدهُ وتُكبرّهُ وتُمجدّهُ وتُنزههُ من أجلِ أن تتصل. إذا كان العِلم نما والعمل جاد والذكر ضعف ماذا يحصل للإنسان؟ : طيب: إذا كان العِلم نما, والعمل جاد والذِكر ضَعف, ماذا يحصل للإنسان؟ دققوا في السؤال: عِلم جيد، أعمال طيبة جيدة، لكن الاتصال بالله ضعيف, الصلاة شكليّة، والذكر قليل، الدُعاء صفر، القلب يتصحّر، القلب يخلو من مشاعر الإيمان, وإذا خلا القلبُ من مشاعر الإيمان, دخلَ السأم والملل والضجر، يعني: القلب مُحرّك, فإذا المُحرّك واقف، المِقود ممتاز؛ لكن لا يوجد مُحرّك!!!. سيدنا سُليمان قال: إني أحببتُ حُبَّ الخيرِ عن ذِكر ربي، سيدنا سُليمان آثرَ العملَ الصالح على اتصالِهِ بالله فعاتَبَهُ الله، سيدنا داوود بالعكس: آثرَ اتصالَهُ بالله على خِدمةِ الخلق فعاتَبَهُ الله, إذاً: ما المطلوب؟ أن توازِنَ بينَهُما، أن تسعى إلى إِقام التوازن, حركة كما يقولون، كُلما خطوتَ خطوةً نحوَ العمل الصالح, يجب أن تُلازِمَها خطوة نحوَ ذِكرِ الله, ذِكر وعمل, الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح الآية: 1-8] ما علاقةُ هذه السورة بهذه الفِكرة؟ أينَ موضِعُ الشاهد؟ إذا فرغتَ من عملٍ صالح, فعليكَ أن تنصَبَ لِذِكرِ الله، يجب أن تتحركَ على خطين متوازيين؛ خط العِلم والعمل, وخط الذِكر. من فروع الذكر : مرةً ثانية: الذِكر من فروعه الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الاستغفار، الدُعاء، التسبيح، التحميد، التمجيد، التهليل، التكبير, كُلُهُ ذِكر: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] فأنتَ عقلُكَ امتلأَ عِلماً بقيَ القلب، القلب مملوء شهوات، فالمؤمن يشحنُ قلبهُ بِذكرِ الله. ((عبدي طهّرتَ منظرَ الخلقِ سنين, أفلا طهّرتَ منظري ساعة؟)) هذه وظيفة الحج : يا أيها الأخوة الأكارم, لا بُدَّ لُكلِّ واحدٍ مِنّا من غارِ حِراء. قالَ لي واحد مُداعِباً ومُعاتِباً: أتتركُنا أسبوعين وتذهب وتَحُج؟ قلتُ لهُ: وأنا أريد أن أُشحن أيضاً, ألا أُعطي؟ فيجب أن أتلّقى أيضاً، الإنسان عطاء, فتفرغ البطارية، يجب أن يُشحن, حتى يشحن الآخرين، فالحج عِبادة, فيها تفرّغ تام لله عزّ وجل، كُل الحج تفرّغ ودعاء وابتهال وطواف وسعي وما إلى ذلك. إذاً: الكُليّة الثالثة: وهي الذِكر, الصلاة, أو اتصال، أعتقد أنَّ الذِكر أشمل، أولاً: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أعني ما أقول: القلق, الخوف، الاضطراب، السأم، الضجر، كُلُ هذه المشاعر المُحزِنة تزول بالذِكر. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة : يا أخوان, لو كان جهاز يقيس معنويات الإنسان العالية, كُلما ازددتَ صِلةً باللهِ عزّ وجل, شعرتَ بمعنوياتٍ عاليةٍ جداً, وكُلما ضَعُفَ الاتصالُ بالله عزّ وجل, تسرّب القلق والخوف، لذلك لو أُتيحَ لكَ أن تطلعَ على قلبِ إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, لوجدت قلبَهُ ممتلئ خوفاً وذُعراً, والدليل: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 26] أمّا المؤمن مطمئن بالله عزّ وجل، طلب عِلم، عمل صالح بِشقيّه السلبي والإيجابي، ذِكر بِكُلِّ ما تعني هذه الكلمة, من صلوات, وصيام, وحج, وزكاة, ودعاء, وما إلى ذلك. 4-التوحيد : في رُكن رابع أو خامس من أركان هذا الدين العظيم: التوحيد يجب أن ينطوي تحت ركن كبير رُكن المعرِفة, هذا السؤال ساقَني إلى موضوع دقيق: أنتَ إمّا أن تعرِفَ أمرهُ وإمّا أن تعرِفَهُ، إذا عَرفتَهُ ولم تعرِف أمرَهُ تفسقت, وإذا عَرَفتَ أمرَهُ ولم تعرِفهُ تزندقت، لا بُدَّ من أن تعرِفَهُ, ولا بُدَّ من أن تعرِفَ أمرَهُ في وقتٍ واحد، فلذلك أكبر خطأ يرتكبهُ بعض المُسلمين: أنهم يُعلّمون طالب العِلم الأحكام الفقهيةَ فقط، طالِبُ العِلم ما عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, يُريد أن يُطيعَ من؟ أن يتصّل بمن؟ أن يخافَ من؟ أن يرجو من؟. في سؤال كبير: هكذا الصلاة، الواجبات، السُنن، تُصلّي لمن؟ نقول لكَ: يا أخي ألا تستقيم؟ أأستقيم لمن؟ لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أمضى مرحلةً رائعةً جداً من مراحِلِ دعوتهِ في التعريفِ باللهِ عزّ وجل، ثمَّ أمضى مرحلةً أُخرى في التعريفِ بأمرِ اللهِ عزّ وجل, وأيّةُ دعوةٍ إلى الله تفتقر إلى أحدِ شرطيها دعوةٌ عرجاء، لا بُدَّ من أن تُعرّفَ بالله, ولا بُدَّ من أن تُعرّفَ بأمرِ الله. ظاهرة مرضية منتشرة في العالم الإسلامي : مثلاً: في عندك ظاهرة مرضية، تجد شخصاً يحمل أعلى شهادة شرعية, تعلّم العقائد, والتوحيد, والفقه, والمواريث, وتعلّمَ أحكام الزواج والطلاق, والعدّة, واللقطة, وأحكام الوديعة, وأحكام القرض, وأحكام المُزارعةَ والمُساقاة, وأحكام الوكالة والحوالة, يقول لكَ: ثماني مجلدات, وتتفاجأ أنهُ يرتكب مخالفات كبيرة جدّاً, أنتَ كمراقب وجدت واحداً يحمل أعلى شهادة شرعية, لكن لهُ انحرافات خطيرة، قد يأكُلُ مالاً حراماً, بماذا تُشخّص مرضَهُ؟ عَرَفَ الأمر ولم يعرف الآمر، عَرَفَ الشريعة ولم يعرف الحقيقة، عَرَفَ الأحكام الفقهيّة ولم يعرف المُشرّع، هكذا..., وإذا رأيتَ إنساناً معلوماتهُ الفقهيّة ضعيفة جداً, يرتكب مخالفات فقهيّة, لا لأنهُ يُحب أن يعصيَ الله, لا, لأنهُ جاهل لا يعرف, ثمَّ رأيتَهُ يُحدّثُكَ عن أسماء الله الحُسنى, وعن صِفاتِهِ, وهذه حالةٌ مرضيّة، عَرَفَ اللهَ من خِلال الكون, ولم يعرف أمرَهُ بالضبط, فوقعَ في المعاصي, لا لأنهُ يُحبُ أن يعصيَ الله عزّ وجل, لا, لأنهُ يجهلُ حُكم الفِقهِ، ومثلُ هؤلاء كُثُر, يرتكب مخالفةً شنيعةً كبيرةً وهوَلا يدري، يقول لكَ: لا أعرف أهذه حرام!!؟؟. التوحيد ينضم إلى قسم المعرفة : فالتوحيد ينضم إلى قسم المعرِفة، وقسم المعرِفة كما قُلنا في كون وحوادث, هذهِ تُمثّلُ معرِفة الله، في قرآن وسُنّة هذه تُمثّلُ أمرَ الله, والدليل: الله عزّ وجل قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 1] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ [سورة الكهف الآية: 1] فكأنَّ هُناكَ رُكنانِ أساسيّان: الكون كتابٌ مفتوح, والقرآن كتابٌ مفتوح، هذا كِتابٌ حروفهُ كبيرة, يقرؤهُ القاصي والداني، العربي والأعجمي، وهذا كِتاب حروفهُ صغيرة, يقرؤهُ أهلُ العربيةِ فقط. يعني: هذا خلقُهُ وهذا أمرُهُ، خلقُهُ يدُلُ على التوحيد, وأمرُهُ يدلُ على التشريع معرفة ، عمل صالح, واستقامة، عمل, اتصال. 5-البيئة : ركن رابع: محبّةُ النبي -عليه الصلاة والسلام- تجديد الإيمان. الحقيقة: الذي قال محبة النبي, معهُ وجهة نظر, في شيء اسمهُ البيئة, الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] نحنُ نتصوّر إنساناً فِكرُهُ نيّر, وعملُهُ مستقيم, ونفسُهُ طاهِرة, ولهُ اتصال بالله، لو أنَّ هذا الإنسان عاشَ في مجتمعٍ منحرف, كُلما مضى بهِ الوقت تضعُفُ مقاومتهُ, إلى أن ينزلق من بابٍ إلى باب, ومن مستوى إلى مستوى, لذلك وردَ أنهُ: ((من أقامَ معَ المُشرِكين فقد بَرِئت مِنهُ ذِمّةُ الله)) وردَ أيضاً: ((من هَويَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهُم ولا ينفعهُ عملهُ شيئاً)) إضافةً إلى معرِفتِكَ بالله, وإلى طاعتِكَ, وإلى عملِكَ الصالح, وإلى ذِكرِكَ, لا بُدَّ من أن تكونَ في بيئةٍ مؤمنة, لأنَّ المؤمنَ يشدُّ أخاه. هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الإنسان أحياناً لا يعرف وليسَ هذا عاراً، ليسَ العار أن لا تعرف, ولكنَّ العار أن تُصرَّ على عدم المعرِفة، ليسَ العار أن تكونَ جاهِلاً, ولكنَّ العار أن تبقى جاهلاً، إذاً: أنتَ يجب أن يكون في حياتِكَ إنسان تثق بِعِلمِهِ، إنسان تسألُهُ هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ إذا قُلت: أنا لا أُريد أيّة جماعة, ولا أيّة جهة, ولا أيّ إنسان, وليسَ لي ثِقة بأحد, فماذا يحدث بالضبط؟ كُن واقعياً, ليسَ لكَ ثِقة بإنسان, ولا بداعية, ولا بعالِم, ولا بجامع, ولا بجماعة, كُلُهم كاذبون, راقب نفسك, تجد نفسك وحيداً مُحاطاً بأُناس بعيدين، مُحاط بأُناس شهوانيين، مُحاط بأُناس دنيويين، من جانس جالس، عندما أنتَ تكون في بيئة منحرِفة أو كافرة أو فاجرة أو فاسقة, تُحِس بحالكَ بعدَ فترة من الزمن صِرتَ مِثلَهم وأنتَ لا تدري, إذاً: لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ طيّبة، لا بُدَّ من بيئةٍ تنبُتُ فيها. وجود رسول أو وجود عالِم أو مُرشد أو مؤمنين, أنا أُعمم, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ صالحة ، لو فرضنا أن إنساناً مؤمناً, وكل أصدقائه فسقه, لا يُصلّون, شاربي خمر, أعتقد لهم تأثير عليه سلبي، أمّا إذا مؤمن جلس مع مؤمنين, الأول صلّى قيام الليل, أنا يجب أن أفعل مِثلَهُ، الثاني تصدّق أمامهُ بصدقة كبيرة, هوَ أفضل منّي, والله أنا أيضاً, تجد المؤمن القوي يأخذُ بيد الضعيف. لذلك: لا تصحب من لا ينهضُ بك إلى اللهِ حالُه, ويَدُلّكَ على اللهِ مقالُه. أنتَ اجلس مع أهل الدُنيا تُحِس بهبوط. أيام الطائرة تكون مُحلّقة في الأجواء, فجأةً تهوي خمسين متراً, فقلوب الرُكّاب تنخلع, ولا سيّما الراكب أول مرّة, ماذا حصل؟ هذه الطائرة دخلت في جيبٍ هوائي فهبطت، وأنتَ أحياناً أيها الأخ الكريم, لكَ أخوانُك, ولكَ مجلس العلِم, وعلاقاتُكَ كُلُها مع مؤمنين, أُناس طاهِرين، مهذّبين، مُحبين، يُصلّون، يذكُرون، يتورّعون، ينصحون، كأنكَ بينَ أهلِكَ في بحبوحة، اجلس فجأةً مع أهلِ الدُنيا, من مُزاحُهم الرخيص، من مُزاحُهم الجِنسي، من قنصهم، من تعليقاتهم اللاذعة، من وقاحتهم أحياناً، من انحرافهم الأخلاقي، من شهوانيتهم, تُحس كأنكَ تلوّثت وهبطت، فأنا أقول لكم الرُكن الرابع: لا يُمكن أن تلتزم وتتنامى وينمو إيمانُك إلا في بيئة طيّبة, هذا معنى قولِهِ تعالى, آية كبيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 1] آيات كثيرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, من خِلال الكون والحوادث والقُرآن، ومن خِلالِ معرِفتهِ ومعرِفةِ أمرِهِ، ومن خِلالِ التلقّي أو الإلقاء, من خِلال الكونِ أو القُرآن، وبعدَ أن تستقيمَ على أمرِ الله, فتُزيلَ كُلَّ العقباتِ من الطريقِ إلى الله, وبعدَ أن تعملَ صالِحاً, فتتحركَ على طريقِ الإيمانِ, وبعدَ أن تتصلَ باللهِ في الصلاةِ, والصيامِ, والحجِ, والزكاةِ, والذِكرِ, والدُعاءِ, والتسبيحِ, وبعدَ أن تفعلَ كُلَّ هذا, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ مؤمنةٍ تعيشُ فيها. عملية مقارنة : لا يعرِفُ ما نقول, كما قالَ ابنُ عطاءِ اللهِ السَكندَريّ: إلا من اقتفى أثرَ الرسول. الذينَ عاشوا في بيئاتٍ كافرة، في مجتمعاتٍ قاسيّة, في مجتمعاتٍ تُرتكبُ فيهِ الفواحِشُ على قارِعة الطريق, كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى معصية الله، كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى الفِسقِ والفجور، هذا المُجتمع لا يُعاشُ فيه، لذلك الإنسان إذا اللهُ أكرَمَهُ ببلدٍ طيّبٍ, فيهِ مساجد، فيهِ ذِكر، فيهِ مجالس عِلم، فيهِ بقيّة حياء, بقيّة ورع, بقيّة تقوى, بقيّة صلاح, بقيّة عمل صالح, هذه أرضٌ مُبارَكة، بلدةٌ طيّبة, على الرغمِ من كُلِّ السلبيّات, لا تعرِفُ قيمتها إلا إذا تركتها. الحنين إلى الوطن : أحد أخواننا الكِرام ذهب إلى بلد أجنبي بعيد جداً, ولهُ منصِب لا بأسَ بهِ, ويعيش في طمأنينة وبحبوحة, حدثّني أنهُ سَمِعَ قرآناً يُتلى من بعض المراكز الإسلامية في هذا البلد الكبير الحضاري المُتقدّم, حنّت نفسهُ إلى بلادِهِ, وشعرَ بأشواقِهِ إلى بلادِهِ الإسلاميّة, وإلى المساجد, ومجالس العِلم, وتلاوة القرآن، المؤمن دائماً يشعر بانتمائهِ إلى إسلامِهِ وإلى بلدِهِ. إذاً: الرُكن الرابع في آيات كثيرة جدّاً, وفي أحاديث كثيرة جدّاً, هذا الرُكن الرابع أن تكونَ بينَ جماعةٍ مؤمنة، سافر الآن مع ثلاثة مؤمنين؛ الصلوات، الذِكر، الفجر، وسافر وحدك, أميل إلى التحلل والتفلّت. ((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب)) ((إنَّ الشيطانَ معَ الواحد, وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيّة)) أحياناً: يجب أن نعودَ إلى كُل الدين، إلى أُصول الدين, هذا هوَ الدين معرِفة. لم خلق الإنسان؟ : أنا أذكر دائماً وكثيراً: أنَّ الإنسانَ خُلِقَ ليعبُدَ اللهَ عزّ وجل, بدليلِ: الآية القطعيّةِ في دلالتِها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] العبادة ثلاث مراحل: طاعة قبلها معرِفة وبعدها سعادة, هذا كُل الدين، سلوك مبني على معرِفة يُفضي إلى سعادة، والسعادةُ هدفُ كُلِّ مخلوقٍ حيّ، يعني في النهاية أنتَ خُلقِتَ للجنة, والجنة كُلُها سعادة، متاعب الدُنيا متاعب مؤقتة, التكليف مؤقت، المشقّة مؤقتة، مصارعة النفسِ مؤقتة، لمّا الإنسان يستحق دخول الجِنان: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 46] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سورة الزُمر الآية: 73] هذا حال المؤمن والكافر حينما يأتيهما ملك الموت : قال: المؤمن حينما يأتيهِ مَلَكُ الموت, ويطّلعُ على مقامِهِ في الجنّة, يقول: لم أر شرّاً قط ، لو أنَّ حياتهُ كُلها مُفعمةُ بالمصائبِ والمتاعب, يقول: لم أر شرّاً قط, لو أنَّ حياتَهُ كُلّها مُفعمةٌ بالمتاعبِ والمصائب, يقول: لم أر شرّاً قط، والكافر حينما يعرِفُ مكانَهُ في النار, يصيحُ صيحةً, لو سمِعَها أهلُ الأرضِ لصُعِقوا, يقول: لم أر خيراً قط، أينَ بيوتُهُ؟ أينَ مسرّاتُهُ؟ حفلاتُهُ؟ رِحلاتُهُ؟ أينَ شأنُهُ؟ أينَ الطعام الذي أكلَهُ؟ أينَ النساء اللواتي التقى بِهنّ؟ أينَ السهرات الناعمة؟ أينَ هيَ؟ كُلُها ذهبت وبقيت تبِعاتُها. خاتمة القول : فنحنُ إذاً: بحاجة إلى مجتمع مؤمن، أنا أشعر عليكم أنهُ لمّا الإنسان يحضُر مجلس عِلم, يقول لكَ: تأثّرت وشعرت بصفاء, وبقي معي يومين ثلاث, يومين أو ثلاث في ذكر, وفي قُرب, وفي طُمأنينة, وفي قوّة نفسيّة, وفي معنويات مرتفعة. أربعة أركان أساسيّة في الدين: رُكن معرِفيّ, طلب عِلم بكُل أنواعُهُ, العِلمُ بالله، العِلمُ بأمرِهِ، الحقيقة، الشريعة، التفكّر، التأمُل، دراسة، سماع، قراءة، طلبُ العِلم على إطلاقِهِ، ثمَّ العمل بشقيّهِ السلبيّ والإيجابي، السلبي الاستقامة والإيجابي التقديم، إنفاق المال، إنفاق الجُهد، إنفاق الخِبرة، ثمَّ الاتصال بالله بِكُلِّ ألوانِهِ؛ من صلاة, إلى صيام, إلى حج, إلى زكاة, إلى ذِكر, إلى دُعاء, إلى إقبال, إلى تلاوة قُرآن، والشيء الرابع: أن تحرصَ على أن تكونَ في مجتمعٍ مُسلم, لأنَّ هذا المُجتمع يُقويّك. ((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب)) ((عليكم بالجماعة, وإياكُم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصية)) والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الرضاالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الاربعون ) من لوازم الإيمان : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ الرِضا. كُلكُم يعلم: أنَّ الإنسانَ بينَ حالتين؛ بينَ حالة رِضى وبينَ حالةِ سُخطٍ، فالرِضا من لوازِمِ الإيمان والسُخطُ من لوازِمِ الكُفر. أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الرِضا مُستحب بل إنهُ مستحبٌ مؤكّد. ربُنا سبحانُهُ وتعالى في بعضِ الأحاديث القُدسيّة يقول: من لم يصبِر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذّ ربّاً سِواي. يعني نحنُ عبيدٌ للهِ عزّ وجل, وليسَ لنا إلا قضاءِ الله وقَدَرُه, والدُعاء الذي تدعونَ بهِ دائماً: اللهمَّ إني عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أَمتِكَ, ماضٍ فيَّ قضاؤك نافذٌ فيَّ حُكمُك. يعني بشكل واقعي: ليسَ لنا إلاّ الله عزّ وجل. ما الفرق بين الحال والمقام؟ : على كُلٍ؛ العُلماء يُفرّقون بينَ الحال وبينَ المقام، المقام كسبيّ والحال وهبيّ، بعضُهم يرى أنَّ الرِضا حال, وما دامَ حالاً فهوَ وهبيٌّ؛ أيّ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُلقي في روعِكَ الرِضا أو السُخط، فإن رآكَ مستقيماً, إن رآكَ مُخلِصاً, إن رآكَ مُنيباً, إن رآكَ مُحِبّاً, ألقى في قلبِكَ الرِضا بقضائِهِ وقَدَرِه. على كُلٍ؛ الرِضا بالقضاء والقدر لهُ جانب كسبيّ, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ عزّ وجل, وعَرفتَ حِكمَتَهُ, وعَرفتَ عدله ورحمتَهُ, تستنبط استنباطاً ثابِتاً: أنَّ الذي أصابَكَ محضُ حِكمةٍ, ومحضُ رحمةٍ, ومحضُ عدلٍ, فجانب من الرِضا كسبيّ وجانب مِنهُ وهبيّ، جانب مِنهُ مقام وجانب مِنهُ حال. على كُلٍ؛ الجمعُ بينَ المعنيين يتمُّ على الشكل التالي: إنكَ إذا بذلتَ ما كُلّفتَ بِهِ من معرِفة اللهِ, ومن فهمِ كتابِهِ, ومن الاستقامةِ على أمرِهِ, جاءكَ الرِضا الوهبيّ, وهوَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يُلقي في قلبِكَ السكينةَ والرِضا. نقطة دقيقة : أقول لكم هذه الكلمة: لو أنَّ إنساناً كانَ في أعلى مستوياتِ الحياة, ولم يكُن راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فهوَ في حالةٍ تعيسةٍ وشقيّةٍ لا توصف، ولو أنكَ في أدنى درجات الحياة, وكُنتَ راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فأنتَ في أسعدِ الحالات, فالعِبرةُ ليست في كميّة المال بل العِبرةُ في الرِضا. يعني النقطة الدقيقة: كميّة المال والصِحة والحظوظ التي يتفضّلُ الله بِها على عِبادِهِ هذهِ ثابتة, ولكن مُنعكسها هوَ المُهم: إذا جاءتكَ الحظوظ من كُلِّ جانب ولم تكُن راضيّاً عن الله عزّ وجل فهذا شقاء، وإن فاتَكَ أشياء وأشياء من الدُنيا وكُنتَ معَ ذلكَ راضياً عن الله عزّ وجل فهذه سعادة, ما الذي يجعَلُكَ ترضى؟. هذا دور العلم : مثلاً: طفل على كُرسي طبيب الأسنان, وفي سِنّهِ ألمٌ شديد, ولا بُدَّ من قلعِ هذا السِن, ولا بُدَّ قبلَ قلعِ هذا السِنِ من مُخدّر, ولا بُدَّ لهذا المُخدّر من حِقنة, حينما يتألمُ الطفلُ, يرفضُ أن يبقى جالساً, وقد يصيح, وقد يتكلّم كلاماً غيرَ لائق, لماذا؟ لأنهُ لا يعرِفُ أنَّ الطبيبَ يعملُ لِصالِحهِ، ولا يعرِفُ أنَّ هذه الإبرة بعدَ قليل سوفَ تُنسيهِ الألمَ الطويل. ماذا يُساوي الرِضا؟ العِلم، كُلما كانَ عِلمُكَ باللهِ أكبر, كانَ رِضاكَ عنهُ أشد, وكُلما كانَ هُناكَ جهلٌ باللهِ عزّ وجل, كانَ معَ الجهلِ سُخط, يُمكن أن نجمعَ بينَ العِلم والرِضا, وبينَ الجهلِ والسُخط، والإنسان حينما تُكشفُ لهُ الحقائق, وحينما يظهرُ لهُ أنَّ كُلَّ أفعالِ اللهِ حكيمةٌ ورحيمةٌ وعادِلةٌ, وأنهُ لم يرضَها في حينِهِ, وأنهُ سَخِطَ على اللهِ مِنها, عندئذٍ يتألّمُ أشدَّ الألم، لذلك: عليكم بالعِلم, لأنَّ العِلمَ وحدَهُ طريقُ الرِضا، وطريقُ المعرِفة، وطريقُ السكينة، وطريقُ كُلِّ ثمراتِ الإيمان التي نصَّ عليها القرآن. ما معنى رب؟ : النبي -عليهِ الصلاة والسلام- يقولُ في حديثٍ صحيح: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] تجد أشخاصاً كثيرين, عِندَهم حالةُ سُخطٍ صعبةٍ جدّاً, هذه الحالة سببها الجهل، قد يرى أنَّ الأرض يَعمُ فيها الظُلم, وأنَّ القوي يأكلُ الضعيف، وأنَّ الأرض مُقبلةٌ على جفافٍ في المياه ونقصٍ في الغذاء, وأنًّ البشرَ سوفَ يذوقونَ الأمرّين, هكذا يقرأ في المقالات، كُل هذه المقالات التي تُسطّر, تُسطّر في غفلةٍ عن اللهِ عزّ وجل, كاتِبُها غافل، كاتِبُها لم يقرأ القرآن، كاتِبُها لا يعرف الله عزّ وجل, لذلك: مرَّ بِنا البارحة في أحاديث درسِ الفجرِ: أنَّ من أكبرِ الكبائر: أن تيأسَ من رَوحِ الله. من أكبر الكبائر: اليأسُ من رُوحِ الله كُفر. بالمناسبة: الإنسان حينما يستمع إلى أهلِ الضلال, إلى أهلِ الدُنيا, إلى المُشككين, إلى السوداويين, حينما يرسمون لكَ مستقبل العالم, على أنهُ مُظلم, وعلى أنَّ القوي سيأكُلُ الضعيف, وعلى أنَّ الفقير سيزدادُ فقراً, وعلى أنَّ الحروبَ القادمة حروبَ مياه, وعلى أنَّ النبات لن يُطعِمَ أهلَ الأرض, هذا كُلُهُ كلام أهل الدُنيا وأهل الكُفر، هذا الكلام يبعثُ في النفسِ السُخط والضيق والقلق, لكنكَ إذا آمنتَ باللهِ ربّاً. ما معنى ربّ؟ ربّ بيدهِ كُلُ شيء، آمنتَ بِهِ إلهاً, هوَ المُسيّر, وهوَ الذي يستحقُ العِبادة, وآمنتَ بهِ ربّاً, هوَ المُمِد, وهوَ الحكيم الذي يُربّي كُلَّ شيء, ومن ضِمنِ تربيتهِ النفوس البشريّة يُربيها. هذه مفاجآت الرب للعباد : في العيد الماضي زارنا في المسجد رجل من أهل العِلم الدنيوي, فقالَ لي كلاماً: أيها الأخوة, إذا استوعبتُهُ كما أراد, ليسَ بإمكاني أن أقف على قدميّ، يتحدّثُ عن الجفاف الذي أصابَ مِنطقة دمشق, وأنَّ منسوبَ المياه قد تدنّى كثيراً, وأننا مُقبِلونَ على جفافٍ عام, وأنَّ حوضَ دِمشق آيلُ إلى اليباس, وجاءني بإحصائيات, وأدلّة, وأرقام, ودراسات, ومتوسط الأمطار, فكيفَ فوجِئنا في العام الماضي بأمطارٍ تزيدُ عن ثلاثمائة وسبعين ميليمتر, مقابل 80 أو 120 ميليمتر في الأعوام الماضية؟ أينَ كانت هذه؟ هذه مُفاجآت ربُنا عزّ وجل، هذا التشاؤم والسوداوية والنظرة غير المُتأنيّة, هذه ربُنا عزّ وجل يُبددُها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة لقمان الآية: 31] وأمطارُ العام من آيات الله الدالّة على عظمَتِهِ، لكنّكَ إذا ظننت أنَّ المطرَ وحدَهُ حلَّ كُلَّ المُشكلات, يأتيكَ مطرٌ في وقتٍ غيرِ مُناسب فيُتلِفُ المحاصيل، لا تعبُدِ المطرَ دونِ الله, اعبُد اللهَ عزّ وجل، فالمطر في غيرِ وقتِهِ يُتلِفُ كُلَّ المحاصيل، فلذلك اسأل اللهَ السلامة والرِزق, فهل رضيتَ باللهِ ربّاً؟ أحياناً تستمع إلى أنَّ هذه الجِهة مَلَكت العالَمَ كُلَهُ, وسوفَ تُذِلّهُ جميعاً, من قال لكَ: أنَّ هذا يدوم؟ هذا خِلاف السُنّة: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 251] وضع استثنائي لا يستمر، إنَّ جِهةً واحدة في الأرض تتحكمُ بالعالمِ كُلّهِ, وتُذِل العالمَ كُلَهُ, هذا شيء لا يستمر, لكن امتحان، كُلُ إناءٍ ينضحُ بما فيه. ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضيَّ باللهِ ربّاً وبالإسلامِ ديناً)) من علامة الإيمان : أحياناً الإنسان يستحيي بإسلامِهِ، هل يرى أنَّ إسلامهُ ناقص؟ في أشياء صعب تطبيقُها, مُحرِجة, لا تُصافح, ماذا أقول لها: أنا موظف؟ لمّا أنتَ تستحي بأوامر ربنا عزّ وجل ، عندما تستحيّ بالنواهي وتستحي بالتشريع, لا تراهُ كامِلاً، لا تراهُ تامّاً، لا تراهُ يتناسبُ معَ هذا العصر, معنى هذا أنكَ لم ترض بالإسلامِ ديناً, يجبُ أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً، يعني هل رضيتَ بسُنتِهِ؟ هل تعتزُّ بسُنتِهِ؟ يعني أمَرَكَ أن تفعلَ كذا, وتفعلَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, هل أنتَ في مستوى سُنتِهِ؟. إذاً: أحدُ علاماتِ إيمانِك: أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً. سؤال : لي عِندكم سؤال: تذوقُ طعمَ الإيمانِ, فترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً, أم ماذا؟ أيُهُما أول؟. انظر: ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولا)) يوجد حديثان: حَدَث الرِضا وحَدَث ذوق طعم الإيمان؛ أيُهُما أول؟ إذا رضيتَ باللهِ رباً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى اللهُ عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً, عندئذٍ تذوقُ طعمَ الإيمان، صار معنى الحديث: أنهُ من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ نبياً ورسولاً, ذاقَ طعمَ الإيمان، فجاءَ النبي بصيغةٍ فيها تقديم وتأخير, وطبعاً التقديم والتأخير في العربيّة وارد, وهوَ من البلاغة التقديم والتأخير. وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام في حديثٍ رواهُ مُسلم: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)) الحقيقة: عندما يرضى بالله رباً يستقيمُ على أمرِهِ، وبالإسلامِ ديناً يتبّعُ أحكامَهُ، وبمحمدٍ نبيّاً يقتدي بِسُنتِهِ، إذاً: ليست لهُ ذنوب, عندئذٍ تُمحى ذنوبُهُ وتُقبَلُ التوبة. من رضي عن ربه فقد عرفه ومن عرف ربه رضي به: في نقطة دقيقة في الموضوع: الرِضا كسبيّ كما قُلت قبلَ قليل, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ رضيتَ عنه. يعني إذا كان طفل صغير, رأى صديقَهُ يتلقّى ضرباتٍ من والِدهِ, يقول هذا الطفل الصغير: هذا الأب ظالم، أمّا إذا كُنتَ أباً, وتعرِفُ مشاعِرَ الأب تجاهَ ابنِهِ, وحِرصَهُ على أخلاق ابنِهِ, وحِرصَهُ على مستقبل ابنهِ, ورأى ابنَهُ منحرِفاً قليلاً فأدّبَهُ, فالأب يُفسّر التأديب لا على أنهُ ظُلم, ُفسّرُهُ على أنهُ رحمة وحِكمة وعدل وحُب وتربية، فكُلما ارتقى مستواكَ الإيمانيّ ارتقى مع مستواكَ الإيمانيّ رِضاكَ عن الله عزّ وجل. لذلك قالوا: من رضي عن ربِهِ فقد عَرَفَهُ, ومن عَرَفَ ربَهُ رضي عن ربِهِ. يعني الرضا عن الله علامة معرِفة, ومعرِفةُ الله عزّ وجل تُثمِرُ الرِضا, علاقة تقابِل. قف هنا : في نقطة دقيقة: هوَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى حينما خلقَ العِباد خلقَهم ليُسعِدَهُم, إذاً: هوَ أحبَّهُم, لكن حينما هُم يستقيمونَ على أمرِهِ, ويعبدونَهُ حقَّ العِبادة, ويُحبونَهُ يُحِبهُم محبةً أُخرى ، واحد كرّمَ ابنَه دليل محبته, أمّا حينما يكونُ هذا الابنُ بارّاً بأبيه, يأتي حُبٌ آخر حُبُ البِرّ, هُناكَ حُبُ النبوة وهُناكَ حُبُ البِرّ. لذلك: أنتَ حينما ترضى عن اللهِ عزّ وجل, يرضى اللهُ عنك, لأنكَ رضيتَ عنه، يعني أجمل موقف أنهُ عبد مؤمن, تأتيهِ مُصيبة, فيُخاطِبُ اللهَ عزّ وجل, يقول: يارب إني راضٍ عنك. قصة مؤمن راض عن الله : حدثني أخ في مستشفى: جاء مريض معهُ ورم خبيث في أمعائه, وقد سمِعتُ أنَّ لهذا المرضِ آلاماً لا تُطاق, لأنهُ آلام الأمعاء آلام ضغط: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 15] آلام الأمعاء لا تُطاق, فإذا كان في الأمعاء ورم خبيث, فإنهُ يُسببُ آلاماً لا يحتملُها أشدُ الرِجالِ جَلَداً، فجاء مريض مؤمن إلى مستشفى, وقد أُصيب بمرضٍ خبيثٍ في أمعائِهِ, والآلامُ التي يُعانيها لا تُطاق, وصفَ أحدهم حالتهُ, كانَ يُمسك بِكِلتا يديه على أطراف السرير, لِئلا يصيح, لأنهُ يرى في الصياحِ تبرّماً بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فكُلما دخلَ عليهِ من يعودُهُ أو الطبيب أو المُمرض, يقول لهُ: اشهد أني راضٍ عن الله. هذا موقف المؤمن إذا جاءه ما يكرهه : يعني أكمل موقف يقفُهُ المؤمن إذا جاءهُ ما يكرهُهُ, يقول: يا رب أنا راضٍ بقضائِك ، يا ربي لكَ الحمدُ والشُكرُ والنِعمةَ والرِضا، فلذلك: الصبرُ عِندَ الصدمةِ الأولى, بينَ الساخط والراضي زمن فقط, لأنَّ الساخط بعدئذٍ سوفَ يرضى شاء أم أبى, لكنَّ البطولة أن ترضى عن اللهِ عزّ وجل عِندَ الصدمةِ الأولى، حينما يتلقّى نبأ الرسوب, وكانَ قد بذلَ جُهدَهُ الجهيد, يا ربي لكَ الحمد, هكذا اخترتَ لي، حينما يتلقى أنَّ اسمهُ لم يُدرج بين الناجحين في هذه المُسابقة لهذهِ الوظيفة, يقول: يا رب رضيتُ بِكَ ربّاً وبِقضائِكَ وبقدرِك. انظر لهذا القول للعلماء : العُلماء قالوا: الرِضا بابُ اللهِ الأعظم. يعني أنتَ بالرِضا تدخُلُ على الله, وبالسُخطِ تحتجبُ عنه, وراقبوا أنفسَكم، إذا الإنسان جاءتهُ قضية مُزعجة, فرأى أنَّ الله قد ظلمهُ بِها, يجب أن يُيسرهُ لها, فلم يُيسرهُ لها, الله حرمهُ إياها، الله أهانهُ، هذا الشعور يحجُبُهُ عن الله عزّ وجل, لهذا الله عزّ وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] يعني: يا عِبادي ليسَ عطائي إكراماً, ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء. اعلم هذا : الذي أرجوهُ من أخوتنا الأكارم, إذا شيء لم يصح لكَ, الله عزّ وجل صَرَفَ عنك شيئاً تبتغيه, لا تُحس أنكَ مُهان عِندَ الله عزّ وجل, هذا شعور شيطاني, الله لا يحبُني، لم يُعطن، حَرَمَني، أعطى فُلان وحَرَمَني، هذا الشعور شعور شيطاني. الحديثَ النبوي الشريف: ((إنَّ اللهَ ليحمي صفيّهُ من الدُنيا, كما يحمي أحدُكم مريضَهُ من الطعام)) وفي رواية: ((إنَّ اللهَ ليحمي عبدَهُ من الدُنيا, كما يحمي الراعي الشفيق غَنَمَهُ من مراتع الهَلَكة)) ولن تعرِف اللهَ عزّ وجل إلا إذا استوى عِندَكَ؛ أن تأتيكَ الدُنيا أو أن تُزوى عنك. ما معنى هذا الدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام؟ : لذلك أجمل دُعاء دعاهُ النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الموطن, يقولُ عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ, اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ, اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ)) [أخرجه الترمذي في سننه] أعطاك مالاً، ليكُن هذا المال مبذولاً في الحق، زوى عنكَ المال, ليكن الفراغ الذي نشأَ من حِرمانِكَ من المال في سبيل الله. أحياناً الإنسان يكون زواجُهُ ناجحاً جداً, طبعاً أكثر وقته مع زوجته، أحياناً يكون زواجُهُ غير ناجح, فيصبحَ عِندَهُ فراغ, يجلس في الغرفة وحده. مثلاً: عِندُهُ فراغ ناتج من زواج غير ناجح, يا ربي اجعل هذا الفراغ في سبيلك، أنتَ مثل المنشار على الحالتين رابح، إن أعطاكَ اللهُ ما تبتغي فهوَ في سبيلِ الله، وإن زوى عنكَ ما تُحب فهوَ في سبيل الله, هذا حال المؤمن. ما هو الحمد المشهور؟ : حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: ((بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ, فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ)) والحمد المشهور: الحمدُ للهِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سِواه, والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ, وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ : قيل لأحد العارفين بالله: متى يبلُغُ العبدُ مقامَ الرِضا؟ قالَ: إذا أقامَ نفسَهُ على أربعةِ أُصول: يا ربي إن أعطيتني قَبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتَني أجبت. هذا مقام العبوديّة, أعطاك راضٍ، زوى عنكَ راضٍ، دعاك تستجيب، تركَكَ تعبُدُهُ. يعني في أشخاص عبيداً لله بل عبيد للأحوال, فإذا كان بالصلاة مسروراً فيُصلي، وإلا تركها, ما فيها شيء الصلاة, هذا جاهل جهلاً كبيراً، أنا أُصلي إن تجلّى اللهُ عليّ أو لم يتجلّ، إن تجلّى فهذهِ نفحة من نفحات الله, الحمدُ لله, وإذا لم يتجلّ أُصلي، أجلس للذكر إن وجدت في الذِكر تجلّ, الحمدُ لله, لم يحدث تجلّ, أنا واجبي جلست، صدق القائل: أخلِق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتِهِ ومُدمن القرعِ للأبوبِ أن يَلِجَا إذا ربُنا عزّ وجل رآكَ جلستَ في الصُبح لتذكُر, أن تقرأ القُرآن, أو تُفكّر, فلم يظهر معكَ شيء, ففي اليوم التالي لا تجلس, يقول لكَ: مُقفلة, أمّا المؤمن يجلس, في نفحة الحمدُ لله ، ما في نفحة أنا أديتُ واجبي, إذا الله رأى إلحاحكَ وثباتك وإصرارك, عندئذٍ يفتحُ لكَ أبوابَ رحمتِه. اللهُ عزّ وجل عزيز، على أول طلب لا يُجيب، من كانَ يرجو لِقاءَ اللهِ فإنَّ أجلَ اللهِ لآت, لآت: هذهِ للمستقبل، أنتَ طلبت، وألحت، واتخذت الأسباب، وفعلتَ موجِبات الرحمة, وعلى اللهِ الباقي, هذا الذي عليّ قد أنجزتُهُ. قف عند هذا الكلام : فأخواننا الكِرام, أقول لكم هذا الكلام إن شاء الله بإخلاص: إذا إنسان ألزم نفسهُ بجلسة صباحية مع الله عزّ وجل, لا يجعل الجلسة متعلّقة بالحال, أخي لم أشعر بشيء, اجلس هذه الجلسة في كُلِّ الأحوال، لكَ جلسة ذِكر ولو ربع ساعة ألفين مرة الله، لكَ جلسة قرآن ولو خمس صفحات أو 10 أو 15 أو 20، لكَ ركعتين قيام الليل قبل الفجر، أنتَ اثبت على هذا أيام وأيام، أسابيع وأسابيع، بعدَ أن يراكَ اللهُ ثابِتاً, وبعدَ أن يراكَ اللهُ صادِقاً ومُتشبثاً ومُصرّاً ومُلحّاً وصابِراً, عندئذٍ يفتحُ عليك، الفتح لا يأتي من أول لحظة، من أول جلسة، وحينما تقبَعُ صباحاً في جلسةٍ معَ اللهِ عزّ وجل. أيها الأخوة الأكارم, لا يعلمُ إلا الله ثِمارَها في أثناء اليوم، أول ثَمَرةَ تُحس أنكَ في حصن, بينكَ وبينَ المُخالفات مسافات بعيدة جداً, أمّا إذا لم يكُن لكَ جلسة مع الله صباحاً, تُحس أنكَ على الحافة, ممكن أن تغلط دائماً بكلامك، بحركاتك, بسكناتِك، كأنكَ على الحافّة, على حرف، أمّا إذا كان لكَ معَ الله جلسة ذِكر، جلسة تِلاوة، جلسة تفكُّر، جلسة صلاة، هذه الجلسة تنعكِسُ على نهارِكَ كُلّهِ، أولاً الحفظ، ثانياً سواد في التفكير، سلامة في القول، حصافة في القرار: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] لذلك: ((لا تعجز ابنَ آدم عن ركعتين قبلَ الفجرِ أكفِكَ النهارَ كُلَهُ, إن أعطيتني قبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت)) علامة الرضا العلم : الإمام الجُنيد يقول: الرِضا هوَ صحةُ العِلمِ. كما قُلت قبلَ قليل: علامة الرِضا العِلم, تعلم, انظر للراشد عِندَ طبيب الأسنان, طبعاً يتألم جداً حينما يتلقى المُخدّر, ومع ذلك يسكت ويشكُر الطبيب ويُعطيهِ الأجر، لأنهُ موقن أنَّ عملَ الطبيب لِصالِحهِ، فكُلما ارتقى عِلمُك ارتقى رِضاك. ماذا يعني هذا القول: الرضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يوم القيامة؟ : الآن: الرِضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يومَ القيامة، الرجاء والخوف يزول يوم القيامة، في رجاء يوم القيامة, واحد دخل الجنة كانَ يرجوها في الدُنيا فدخلَها, انتهى الرجاء، كانَ يخافُ النار فوقاهُ اللهُ مِنها, انتهى الخوف، فالخوف والرجاء حالانِ من أحوالِ أهلِ الدُنيا, لكنَّ الرِضا والمحبّة حالانِ مستمران إلى الآخرة, إلى الجنة. وهم خاطىء : في نقطة مهمة: في وهم كبير: يظُنُ بعض أخواننا أنَّ المؤمن العالي الذي إيمانُهُ كبير لا يتألّم للمصيبة، هذا كلام غير واقعي, هوَ يتألّم لكن لا يسخَطُ على الله، واحد ابنهُ مَرِض, يقال له: أخي أنتَ لو كان إيمانك قوياً تفرح, لا, الكلام غير واقعي, المرض مؤلم، الألم ألم. النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ماتَ ابنُهُ ابراهيم, ذرفت بعضُ دموعِهِ, فقالَ أحدُ أصحابِهِ: ((يا رسولَ الله أتبكي؟ فقالَ عليه الصلاة والسلام –بواقعيّة-: إنَّ العينَ لتدمع, وإنَّ القلبَ ليخشع, ولا نقولُ ما يُسخِطُ الرب, وإنّا عليكَ يا ابراهيم لمحزونون)) فحتى الواحد يتوازن: ليسَ معنى الرِضا أن لا تتألمَ من المصيبة، المُصيبةُ مُصيبة, والمُصيبة مؤلِمة, والذي يتألّم ما فعلَ شيئاً خِلافَ الشرع، لكن هُناك ألم محفوف بالرِضا والتسليم لقضاء الله وقدرِهِ، وهُناك ألم محفوف بالسُخط، فالعالِم يتألّم ويرضى, والجاهل يتألّم ويسخَط, أمّا التألّم شيء واقعي. ليست البطولةُ أن تنجوَ من كُلِّ مصائبِ الدُنيا, لا, لأنَّ اللهَ عزّ وجل شاءت حِكمتَهُ أن تكونَ الدُنيا محفوفةً بالمكاره. ما معنى كلام أهل الجنة في هذه الآية؟ : تكلّمت البارحة في درس الجُمعة: واحد كان في بيت, فيهِ رطوبة كبيرة جداً, تحت الأرض, وشمالي, فاشترى بيتاً في الطابق الثالث وقِبلي, فقال: الحمدُ لله الذي نجانا من الرطوبة والظلام, هوَ هذا الكلام كلام حمد, لكن فيهِ وصف لِما كانَ عليهِ من قبل. عندما قال أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة فاطر الآية: 34] ما معنى كلامِهم هذا؟ أنَّ الدُنيا مُركّبةٌ على الحَزَن، أساسُها الحُزن، لا يوجد مرحلة إلاّ فيها مشكلات، دخل طالب المرحلة الابتدائية, أيام يأخذ عِقابهُ لعدم كتابته الوظيفة، في الإعدادي يزحف، في الجامعة يُرسّبونهُ، في الزواج؛ في متاعب من أيام الخطبة حتى الزواج ، لا ينام حتى الصبح، أنجب أولاداً, ابنهُ حرارتهُ 41, يا ترى: التهاب السحايا, لا ينام الليل, لاحظ حياتنا كُلُها سلسلة متاعب, هكذا شاءَ اللهَ عزّ وجل, لأنَّ هذهِ الدُنيا أساسُها ابتلاء: إنَّ هذهِ الدُنيا دار التواء لا دارُ استواء. هذه طبيعة الحياة الدنيا : لاحظ الناس: أحدهم الله رزقهُ زوجة صالحة, لكن أولاده ليسوا أبراراً، وواحد بالعكس: أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ سيئة، واحد أولادُهُ أبرار وزوجتهُ صالحة لكن دخله قليل، واحد دخلُهُ كثير لكن ليسَ عِندَهُ أولاد، وواحد عِندَهُ أولاد كُثُر لكن فقير، وواحد أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ جيدة وغني وعِندَهُ عِلل في جِسمه، طبيعة الحياة الدُنيا مُركبّةٌ على الابتلاء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 30] هكذا طبيعة الدُنيا، الإنسان متى يسعَدُ في الدُنيا؟ إذا عَرَفَ أنها مُركبّةٌ على الحُزن، صار حُزنُهُ متوقّعاً, هكذا الحياة. ليس من شرط الرضا أن تسعد بالمصائب : مرة جاؤوا بطيّار, وقد قصفَ مدينةً, وأروهُ نتائجَ عملِهِ, فاجأب إجابة ذكيّة جداً, قال: هكذا الحرب، الحرب إلقاء ورود, الحرب إلقاء قنابل، فلمّا قيلَ لهُ هكذا فعلت، انظر إلى جريمتِكَ، انظر إلى هذهِ الأبنية، قال: هكذا الحرب. أحياناً تجد أخاً يعمل في التجارة مهموماً وخسائره كبيرة, نقول لهُ: هكذا التجارة، من قال لكَ: التجارة كُلُها أرباح؟ من قال لكَ؟ هذا كلام ساذج، كلام مُضحك، هكذا التجارة فيها متاعب، بالوظيفة متضايق, هكذا الوظيفة فيها قيود, لكن معها راحة بال إذا كان الدخل كافياً، هذهِ فيها راحة بال مع قيود، هذهِ فيها قلق وهمّ مع دخل غير محدود، كُل شيء لهُ ميزات ولهُ مساوئ. عِندك مركبة 3 طن, وزنُها مريحة جداً في السفر, لكن كُل 50 كيلو تحتاج إلى تنكة، وعند غيرك مركبة وزنُها 500 كيلو تعمل بالتنكة 350, ففكّرت وقلت: أنا أحتاج إلى سيارة وزنُها 3 طن وتعمل بالتنكة 350, هل أنتَ حالم؟ هذا شيء غير موجود بعالم السيارات، إذا أردتَ أن تتمتع بوزنها الشديد, فمصروفها كبير, وتتحمل الوزن الخفيف, فتوفّر بالوقود, هكذا الدُنيا: من أحبَّ دُنياهُ أضرَّ بآخرته, ومن أحبَّ آخرتهُ أضرَّ بدُنياه. إذاً: ليسَ من شرطِ الرِضا أن تسعَد بالمصائب، الإنسان غير عاقل, إذا كان محروماً, أو توفي ابنه, وهو يقول: أخي أنا فرحان, ما هذا الكلام؟ الابن غالٍ لكن أنتَ تتألم, ولا تقل ما يُسخِطُ الرب, هذهِ حال الرِضا. من ثمرات الرضا : بعض ثمرات الرِضا: قيل للحُسين بنِ علي -رضي اللهُ عنهُما-, إنَّ أبا ذرٍ -رضي اللهُ عنهُ- يقول: الفقرُ أحبُّ إليَّ من الغِنى والسَقَمُ, المرض أحبُّ إليَّ من الصِحة، فقالَ: رَحِمَ اللهُ أبا ذر, أمّا أنا فأقول: من اتكلَ على حُسن اختيارِ اللهِ لهُ, لم يتمنّ غيرَ ما اختارَ اللهُ لَهُ. اللهُ أقامَكَ في وظيفة, يا ربي هذا اختيارُك, وأنتَ أعلم وأرحم, وتعلمُ ما يُصلِحُنُي وما لا يُصلِحُنُي. حالة المؤمن مع الله عزّ وجل استسلام، الله اختاركَ في عمل شاق, أخي أنا طبيب أعمل ليلاً نهاراً، أسعى في الساعة 2 والساعة 3 والساعة 4 والساعة 12 ومحروم أهلي وأولادي, اللهُ أقامَكَ طبيب, اختارَ لكَ أن تكونَ طبيباً, فأدِّ هذه المُهمّة كما أرادها الله. كلمة احفظوها أيها الأخوة: من اتكلَ على حُسنِ اختيارِ اللهِ لَهُ, لم يتمن غيرَ ما اختارَ اللهُ لهُ. ما قيل عن الرضا : بعضُهم قال: طريقتي الفرح باللهِ والسرور بهِ بقضائِهِ وقدَرِهِ. قيلَ لِبِشر الحافي: الرِضا أفضلُ من الزُهدَِ في الدُنيا, لأنَّ الراضي لا يتمنى فوقَ منزِلته، الراضي رضي بما قضاهُ اللهُ لَهُ. أبو عثمان سُئل عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهمَّ إني أسألُكَ الرِضا بعدَ القضاء, فقالَ المسؤول: إنَّ الرِضا قبلَ القضاء عزمٌ على الرِضا, لكنهُ بعدَ القضاءِ هوَ الرِضا الحقيقي. من اتكل على ماله ضل, ومن اتكل على قوته ذل, ومن اتكل على الله لا ضل ولا ذل : أيام الإنسان يتوهّم لو أصابني مكروه أنا راضٍ, هذا افتراض, أمّا إذا أصابَكَ المكروهُ فِعلاً هُنا المِحك. قبل أن أحضر للدرس, زارني أخوان من الميدان مهنئين بالحج, قُلت لهم: اللهُ عزّ وجل ضمن الحج, يُعالج الحُجاج، قال: كيف؟ قُلت: أيام يكون في حاج معتمد على ماله, فطلب خيمة مُكيّفة مع ثلاث وجبات ساخنة وباردة, وخدمة ممتازة, وباص مُكيّف, هذا كيفَ يُعالج؟ يتوهُ عن خيمتهِ يومين, يكون في حاج آخر, انطلقَ إلى الحج, وهوَ يرى مكانتَهُ في بلدِهِ، لهُ اسم, اسم علمي، مالي، اقتصادي، رُتبة مثلاً، وظيفة، اللهُ يُلهم موظف صغير جداً في المطار أن يزدريهُ، الله عالج الحاج بهذهِ الطريقة. أيام يكون الحاج مُفتقراً إلى الله عزّ وجل, فتجد الأمور تيسّرت أكرموه, والطريق سهل, والوقوف قليل, والبيت جاهز, والطواف سهل, والله ألهمَهُ بوقت ليسَ فيهِ ازدحام، الله عزّ وجل حتى الحُجاج يُعالِجُهم في الحج. في شخص قال: أنا لا أحُج إلا بأرقى مستوى، واحد معهُ مال, يجب أن تظهر نِعم اللهُ عليه, فاختار بِمِنى فندقاً فخماً, أقسَمَ بالله تاهَ عنهُ ثلاثةَ أيام، كُلُكم يعلم بالحج موضوع التيه بالحج وارد, تاهَ عنهُ ثلاثة أيام. فمن اتكلَ على مالِهِ ضلّ, ومن اتكلَ على قوتهِ ذلّ, ومن اتكلَ على اللهِ لا ضلَّ ولا ذلّ. أن يتكِلَ على غير الله عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل يسحبُ من تحتِ قدمهِ البِساط محبةً لهُ. انظر إلى هذا العلاج الرباني لهذا الشخص : ذهب أحدهم إلى الحج, هوَ في بلدهِ أحوال وإقبال وأوراد وأذكار وقيام الليل وإنفاق وخدمة الناس, متوقّع أنهُ سيجد بالحج تجليّات ونفحات ربانيّة بشكل غير معقول, لكن ذهبَ إلى هُناك, واعتدَّ بأحوالِهِ, فحُجِبَ عن الأحوالِ كُلِها في الحج، طاف، سعى, ما في شيء، عرفات ما في شيء، أينَ أحوالُهُ؟ عالجهُ الله بأن حَجَبَهُ عن الأحوال تأديباً لهُ، فممكن الإنسان أن يتعالج بأن يحجُبَ الله عنهُ الأحوال، إذا كان قد ظنَّ بأنَّ مكانتهُ كبيرة يتعالج عِندَ شخص يزدريهِ أحياناً، إذا كان مُعتمداً على ماله يضعَهُ في مُشكلة المال لا يحُلُها، يوجد في الحياة آلاف المشاكل. كلمة كبيرة : شخص قال كلمة, قُلتُ في نفسي: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها, قال: كُل شيء بالمال يُحلّ, هذهِ كلمة كبيرة جداً، اللهُ في عِندَهُ مليون مصيبة, مليار مصيبة, لو معك ألف مليون لا تساوي شيئاً. أنا كُنت عِند طبيب صديق, جاءهُ هاتف, يقولون بالحرف الواحد: أيّ مكان بالعالم مهما كان الرقم بالملايين, قالَ لي: والله ما في أمل، الورم الخبيث بلغ الدرجة الخامسة, لا تُتعبوا أنفسكم، أيّ مكان بالعالم مهما كان المبلغ كبيراً لن يفيد، فإذا الإنسان قال: كُل شيء يُحل بالمال, هذهِ كلمة كبيرة، أنا أقول: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها، عقابيلها التأديب. فالرِضا الحقيقي متى: قبل أم بعد؟ بعد, قبل توقّع هذا رِضا افتراضي, أمّا الحقيقي بعد. من تعريف الرضا : من تعريفِ الرِضا قال: الرِضا ارتفاعُ الجزعِ في أيِّ حُكمٍ كان، من تعريف الرِضا: رفعُ الاختيار, اللهمَّ خِر لي واختر لي، الراضي يعيش بسعادة كبيرة جداً، يعني يتمثّل قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] أحدهم باع البيت، المشتري أحبَّ أن يُزيل حائطاً، لماذا تُزيل الحائط؟ ألم تبع أنتَ البيت؟ ما دام بِعت فالمشتري حُر، فأنتَ بِعت واللهُ اشترى, أحبَّ أن يُعطيك، أحبَّ أن يمنعك، أحبَّ أن يُسرِّك، إذا أنتَ فعلاً بعت, فالبائع ليسَ لهُ حق أن يتدخّل مع المشتري, الله اشترى. تعاريف الرِضا: استقبالُ الأحكامِ بالفرح، ومن تعاريف الرِضا: سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام. وكتبَ عُمرُ بنُ الخطاب -رضي اللهُ عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي اللهُ عنهُما-: أمّا بعدُ؛ فإنَّ الخيرَ كُلَهُ في الرِضا, فإن استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبر. أقسام الرضا : آخر شيء في الرِضا: الرِضا أقسامٌ ثلاث؛ رِضا العوام بِما قَسَمَهُ اللهُ وأعطى، ورِضا الخواص بِما قدّرَهُ وقضاه، ورِضا خواصّ الخواص بهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه. سيدنا الصِدّيق ما نَدِمَ على شيء فاتَهُ من الدُنيا قط, فينبغي أن ترضى بِما قَسَمَهُ الله لك، وينبغي أن ترضى بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وينبغي أن ترضى باللهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه. إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المعرفةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الاربعون ) ما هي الكلمة التي كانت تدور على ألسنة العلماء دائماً؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثالث والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ المعرفة. ما من كلمةٍ فيما أظن, تدورُ على ألسنة العُلماء والدُعاةِ إلى الله ككلمة: فُلان يعرفُ الله وفُلان لا يعرِفه، بل إنَّ الدُعاةَ إلى اللهِ ألِفوا أن يُعزوا كُلَّ عملٍ سيء إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبهُ لا يعرف الله، وأنَّ كُلَّ عملٍ طيّب يُعزى هذا العمل إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبَهُ يعرف الله، لكن في الأمور الماديّة القضايا ليسَ فيها ا-لتباس, هذه طاولة خشب باديةٌ للعين لا شكَّ فيها, الأشياءُ الماديّة لها علامات تُدرِكُها الحواس بشكلٍ بسيط من دونِ تعقيد، لكنَّ الأشياء الإنسانيّة المعنويّة كامنةٌ في النفس؛ هُناكَ من يدّعيها وهُناكّ من يتحققُ منها، فكلمة عارِفٌ بالله أو فُلان يعرِفُ الله هذه كلمة. الناس رجلان هما : الحقيقة: أنَّ الناسَ رجُلان لا ثالثَ لهُما إطلاقاً؛ رجلٌ يعرِفُ الله، متصلٌ بهِ، منضبطٌ بأمرِهِ، مُحسِنٌ إلى خلقِهِ، سعيدٌ بِهِ، ورجلٌ لا يعرِف الله, إذاً هو مقطوعٌ عنه, متفلتٌ من منهَجِهِ، مسيءٌ إلى خلقِهِ، شقيٌ بإساءتهِ، وأنا أعني ما أقول, وليسَ في الأرض كُلِها رجل ثالث. عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا, فَالنَّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ, وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ, وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ, قَالَ اللَّهُ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾)) [أخرجه الترمذي في سننه] كُل هذه التقسيمات والتفريعات التي تَرونَها وتستمعونَ إليها تفريعاتٌ ليست واقعيّة، الشيء الواقعي: إنسان يعرف وإنسان لا يعرف, الذي يعرف يعبُد والذي يعبُد يسعَد، والذي لا يعرف لا يعبُد والذي لا يعبُد لا يسعَد؛ يعرف: موصول منضبط مُحسن سعيد، لا يعرف: مقطوع متفلت مسيءٌ شقيّ. من علامات معرفة الله : 1-البكاء : فنحنُ الآن درسُنا: هل هُناك علامات أو إشارات أو دلائل أو قواعد أو أدلّة أو براهين تؤكّدُ أنَّ فُلاناً يعرِفُ الله وفُلان لا يعرِفُهُ؟ . يعني مثلاً: لو واحد أمسك كتاب جغرافيا, ونظرَ إلى خارِطة للشرق الأوسط, ورأى دمشق قد رُسِمت دائِرتُها على الساحل السوري, وقال: شيءٌ جيّد، كتاب ممتاز، ليسَ فيهِ أغلاط، هل هذا الإنسان يعرِفُ دمشق؟ مستحيل أن يعرِفَها، لو أنهُ يعرَفَها لقال: هذا غلط, أنا أسكن في الشام, والشام ليست مدينة ساحلية. فُلان يعرِفُ الله كُلٌّ قد يدّعي ذلك، فُلان لا يعرِف الله نحنُ قد نتهم الآخرين بذلك، هل هُناك قواعد، أدلة، براهين، مؤشرات، هذهِ لنا ولغيرنا؟ الله عزّ وجل ماذا قال؟ قالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 83] الله عزّ وجل أعطانا إشارة، الإنسان يبكي دون وجع ولا خوف ولا حُزن، في أعلى درجاتِ راحتهِ النفسية واطمئنانهِ وقوتهِ يبكي شوقاً للهِ عزّ وجل، بُكاؤهُ علامة المعرِفة، ربنا عزّ وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَق﴾ يعني قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] هذهِ علامة قرآنيّة. 2-السكينة : الآن إلى علاماتٍ لمعرفةِ الله عزّ وجل وردت على ألسنة بعض العُلماء الكِبار، قال: المعرِفةُ تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفته ازدادت سكينُته. الذي يعرِفُ الله كالجبل، معنى السكون الاستقرار، معنى السكون السكينة، معنى السكون الهيبة، لأنَّ الذي يعرِف اللهَ عزّ وجل لا يستخّفهُ فرحٌ ولا يسحقهُ ألمٌ. لو فرضنا إنساناً أُصيب بمكروه, فملأ الدُنيا صَخَباً وسُباباً وشتائم, وضرب نفسهُ, ومزّق ثيابه, وصرخَ بويلِهِ, هل هذا يعرِف الله عزّ وجل؟ لا والله, إذاً: معرفة الله جلَّ وعلا توجِبُ السكينة. 3-الوقار : من علامات المؤمن وقارُهُ، من أينَ يأتي الوَقار؟ يأتي الوَقار: من أنَّ هذا الإنسان يرى أنَّ الفِعلَ فِعلَ الله, ويرى أنَّ اللهَ حكيم, وأنَّ اللهَ عليم, وأنَّ اللهَ عادل, وما شاءَ اللهُ كان, وما لم يشأ لم يكُن, وأنَّ ما أرادهُ الله وقع, وأنَّ شيئاً إذا وقع قد أرادَهُ الله عزّ وجل, وأنَّ إرادة اللهِ عزّ وجل متعلقةٌ بالحِكمةِ المُطلقة, وحِكمتُهُ متعلّقةٌ بالخير المُطلق, هذه حقائق تجعلُهُ وقوراً ، تجعلُهُ مُهاباً، تجعلُهُ مطمئناً، تجعلُهُ متوازِناً، تجعلُهُ مستقرّاً، تجعلُهُ متفائلاً، تجعلُهُ واثقاَ, هذه علامة. هذا الحال الذي ينعكس على سلوك الإنسان إذا كان يعرف الله أو لا يعرفه : أيها الأخوة, عندما الإنسان يُصاب بمكروه, ويَسُب, ويضرب, ويشتم, ويكسر, ويضرب نفسه, ويصرخُ بويلِهِ, ويُمزّقُ ثوبهُ, أيُّ معرفةٍ هذه؟ فعلامة المعرفة: المعرفة تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفتَه ازدادت سكينتهُ. الحقيقة: الاطمئنان الداخلي ينعكس على الجوارح سكينة واستقراراً، والخلل الداخلي, والضجر الداخلي, والخوف الداخلي, والقفر الداخلي ينعكس على الجوارح اضطراباً. مرّة وجدت إنساناً مركبتهُ في كراج, رَجَعَت عليها مركبة فضغطتها قليلاً، سبَّ الأديان, وشتم القديسين, كأنهُ قد ماتَ ابنُهُ، وتجد المؤمن مهما كانت المصيبةُ ساحقةً, لا يزيدُ عن أن يقولَ: الحمدُ لله. هذا المؤمن : التقيت مع أخ أُصيب بمرض عُضال, وجدتُهُ صابراً، وجدتُهُ مستقرّاً، وجدتُهُ شاكراً, يا ربي لكَ الحمد، قالَ لي: قضيت كُل حياتي في طاعة الله, مشيئةُ اللهِ أنا أحترمُها، بعد أيام انتقل إلى رحمة الله. أحدهم جاء إلى مستشفى, معهُ ورم خبيث بالأمعاء، وهذا الورم بالأمعاء لهُ آلامٌ لا تحتملُها الجِبال, ومع ذلك ما سُمِعت مِنهُ أنّة، مازادَ عن أن قال: يا ربي لكَ الحمد, وكُلُ من زارهُ, يقول لهُ: اشهد أنني راضٍ عن الله, هذا المؤمن. كُل هذه المعرفة، إله بيدهِ كُلُّ شيء، هوَ الحكيم، هوَ العليم، هوَ العادل، هوَ المُحب، هوَ الربّ، هذهِ مشيئتُهُ، المؤمن يتلو قولَهُ تعالى فيذوب: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 216] لماذا ساق الله لنا هذه القصة القرآنية؟ : يكفينا أيها الأخوة في سورة الكهف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى ساقَ لنا قصةَ أصحاب الكهف، وساقَ لنا قِصّةَ الخَضِر عليهِ السلام مع سيدنا موسى, ومن خلالِ هذه القصة يتضح: أنَّ للهِ أمراً تكليفيّاً وأمراً تكوينيّاً, وأنَّ موسى عليهِ السلام قد عَرَفَ الأمرَ التكليفي, التشريع، بينما الخَضِر عليهِ السلام عَرَفَ الأمر التكويني، فربُنا عزّ وجل ساقَ لنا بعضَ القِصص: أنَّ هؤلاء أصحاب السفينة, رَكِبَ فيها الخَضِر, فما لَبِثَ أن خَرَقَها، سيدنا موسى بحسب التشريع لا يجوز, قالَ: أخرقتها لتُغرِقَ أهلها؟ في قراءة ليغرقَ أهلَها, لم يتحمّل, هذا شيء مُخالف للشرع, أحسنوا إليك, سَمَحَوا لكَ أن تركبَ سفينتهم, أتخرِقُها لهم؟ فلمّا أجاب قال: فأردتُ أن أعيبها وكانَ وراءهم ملِكٌ يأخذُ كُلَّ سفينةٍ غصباً، فبهذه الطريقة نجت تلكَ السفينة من المُصادرة, هذهِ القِصة يجب أن تقيسَ عليها كُلَّ شيء، اللهُ عزّ وجل جعلَهَا نموذج، يعني ياعبادي هذهِ أفعالي. ماذا نستنبط من قصة أصحاب الجنة؟ : في قصة أخرى: أصحابُ الجنة الذين أصرّوا على عدمِ إعطاءِ الفقيرِ حقَهُ: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [سورة القلم الآية: 21-29] أي يا عبادي, سُقتُ لهم هذه المصيبة كي يتوبوا من هذا الذنب، ذنب البُخل، ذنب الشُح، هم أصرّوا أن يمنعوا الفقيرَ حقّهُ, فأتلفتُ لهم كُلَّ المحصول, عندئذٍ تابوا وأنابوا، الله قال: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ يعني هذا نموذج, وكُلُ أنواع العذاب الذي أسوقهُ لعبادي من هذا النوع, من أجلِ أن أردّهُم إليّ، أن أحمِلهم على التوبة، أن أسوقهم إلى باب العبوديّة. إذاً: علامة معرفة اللهِ السكينة, ومن ازدادت معرِفتُهُ ازادت سكينتهُ, هذه علامة. 4-أنس القلب بالله : قالَ: علامة المعرفةِ أُنسُ القلبِ بالله. تجد الذي لا يعرف الله عزّ وجل كأنهُ على بركان, يسمع غِناء، يقرأ قصة، يجلس مع أُناس, لا يخلوَ مع الله، من علاماتِ الإفلاس الاستئناسُ بالناس، أمّا المؤمن إذا خلا معَ ربهِ, ذكرَ اللهَ عزّ وجل، قرأ القرآن، تفكّرَ في الكون، ناجى ربّهُ، استغفرَ اللهَ عزّ وجل، دعاه، علامة الذي يعرف اللهَ عز وجل أنَّ قلبّهُ يأنسُ بالله، يُحسُ أنَهُ قريبٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا شعرتَ بأنك بحاجة ماسّة إلى أن تلتقي مع الناس, ولا تريد أن تجلس ساعةً وحدِك، لا بُدَّ من أن تلتقي مع الناس, ولا بُدَّ من أن تجتمعَ بِهم, ولا بُدَّ من أن تستمع إليهم, ولا بُدَّ من أن تقرأ, ولا تريد إطلاقاً أن تخلوَ بنفسِكَ مع الله عزّ وجل, فهذهِ علامةُ عدمِ معرفةِ اللهِ عزّ وجل. 5-الخوف : قال: من كانَ باللهِ أعرف كانَ لهُ أخوف. أحياناً تُلاحظ عدادين فيهما المؤشران يتحركانِ معاً، لمعرفة اللهِ مؤشّر وللخوفِ منهُ مؤشّر, يجب أن توقن أنَّ مؤشّرَ معرفة الله يتحرّكُ تماماً معَ مؤشّرِ الخوفِ منهُ, فأنتَ تخافُهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، وتعرِفُهُ بقدرِ ما تخافُهُ، فالإنسان العارف بالله وَرِع, لا يحتمل أن يعصي, لا يحتمل أن يُقصّر، فإذا قصّر فهذه علامةُ ضعفِ المعرفة، لذلك قيل: لا تنظر إلى صِغرِ الذنب, ولكن انظر على من اجترأت. هذا الفرق بين المؤمن وبين المنافق : المنافق المعصيّة هينّة عليه, يقول لكَ: ماذا حصل؟ الله غفور رحيم, كلمة: ماذا حصل؟ دليل استخفاف بالمعصيّة، أمّا المؤمن: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج الآية: 32] النبي عليه الصلاة والسلام قالَ لهُ الله: قُل لهم: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 15] كُلما ازدادت معرِفتُك ازدادَ خوفُك، وجدت نفسك فاتك فرض صلاة, تقول: لا بأس الآن نصليّه قضاء, مررتَ بامرأةٍ فنظرتَ إليها, أخي والله لم نعمل شيئاً, هذهِ من اللمم، كُلما شعرت أنهُ أمرُ اللهِ لا توّقرهُ كما ينبغي, فهذهِ علامة أنكَ لا تعرِفُ اللهَ كما ينبغي، إن لم توقّر أمرَ اللهِ عزّ وجل فأنتَ لا تعرِفُهُ, هذهِ علامة, البُكاء علامة, السكينة علامة، الأُنس علامة، الخوف من الله عزّ وجل علامة. 6-الخشية : هذهِ العلامة مُدعّمة بآية قرآنية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر الآية: 28] أنتَ تخشاهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، كُلما ازدادَ عِلمُكَ بهِ ازددتَ خشيةً لهُ. في حديث دقيق: قالَ عليهِ الصلاة والسلام: ((أنا أعرَفُكم بالله وأشدّكُم لهُ خشيّة)) تروي السيدة عائشة رضي الله عنها, أنَّ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم كانَ إذا حضرت الصلاة -يعني دَخَلَ وقتُها-: فكأنَهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ. لهيبة الصلاة. أحياناً الإنسان المؤمن أو المُسلم في هذهِ العصور, في غرفة الجلوس, وزوجتهُ تتكلم, والمذياع يحكي, وأولادهُ يصيحون, وهوَ يُصلي, وجالس وسامع كُلّ شيء, يُتابع زوجته مع أختها بالهاتف, وهوَ يُصلّي، أين كانَ: إذا حضرت الصلاة فكأنهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ؟ غاب عن الواقع المادي، غاب عن أهله. كُلما ازدادت خشيتُك, دلّت هذه الخشية على عِظَمِ معرِفَتِك، وكُلما قلّت خشيتُك, دلّت هذهِ الخشيةُ الضعيفة على ضعفِ معرِفَتِك. هذه علامة. 7- من عرف اللهَ تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها : أمّا في علامة دقيقة قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق. فيبدو في تناقض: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها، ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق، كيفَ نجمعُ بينهُما؟ ضاقت عليه الدُنيا بِما رحُبت من عَرَفَ اللهَ تعالى, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسّعَ عليهِ كُلُ ضيق. يوجد تفسير دقيق: لو أنَّ إنساناً أجلسوهُ في مكان جميل, أمامُهُ مئات الكيلو مترات من الفلا، مقصف جميل في قمة الجبل, أمامهُ الأشجار الخضراء, ثمَّ البحر، لكن المكان فيهِ معصية، هذا المكان الجميل، الطليق، الواسع، يضيقُ عليهِ حتى يختنقُ بِهِ، فإذا دخلَ إلى مسجدٍ صغير, ممتلئ بالمُصلّين, لكنهُ بيت اللهِ عزّ وجل، هذا المكان الضيّق يتسعُ بهِ، قد يكون بيتُهُ صغيراً, غرفتين, لكن لأنهُ بيتهُ لا يوجد معصية، لا يوجد شيء مُحرّم، لا يوجد اختلاط، يدخل إلى بيته. النبي الكريم كانَ إذا أرادَ صلاة الليل, ترفعُ السيدةُ عائشةُ رجليها, لأنَّ غرفتَهُ لِصِغَرِها لا تكفي لصلاتِهِ ونومِها، والنبي ماذا قالَ اللهُ عنهُ؟: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم الآية: 18] وأحياناً تجد شخص يُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم، يُشاهد الدُنيا، وإنسان ركب مركبة فضائية, رأى الأرضَ كلها من القمر، يعني المكان واسع، طليق, فأيُّ مكانٍ جَمَعَك مع معصيةٍ للهِ عزّ وجل يضيقُ عليك حتى تكاد تختنق، وأيُّ مكانٍ ضيّقٍ إذا جَمَعَكَ بمن تُحِب فهوَ مكانٌ واسع, لذلك قالَ الشاعر: رَحبُ الفلاتِ معَ الأعداءِ ضيّقةٌ سمُّ الخِياطِ مع الإخوانِ ميدانُ يعني الفلاتُ على اتساعِها إذا جَمَعتكَ بعدوٍ وهيَ ضيّقة، وسمُّ الخياط على صِغَرِهِ إذا جَمَعَكَ بحبيبٍ فهوَ ميدانٌ واسع, هذه علامة. 7-من عرف الله صفا له العيش : قال: من عَرَفَ الله تعالى صفا لهُ العيش. صدقوني, أنا أحياناً أسأل أخاً, وأنا أظنُهُ مؤمناً: كيف الحال؟ يقول: الحمدُ لله، يقولُها من أعماقِ أعماقه، أنا أشعر أنهُ حينما اصطلحَ مع اللهَ عزّ وجل, أكرَمَهُ الله بسكينة، أكرَمَهُ الله بِوِفاقٍ زوجيّ، أكرَمَهُ اللهُ عزّ وجل بِرِضا عن الله، أكرَمَهُ اللهَ عزّ وجل بِحالٍ طيّب، أكرَمَهُ اللهُ بالشوقِ إليه، أكرَمَهُ بحُبِهِ، بُحِبِّ رسولِهِ، بُحبِّ المؤمنين. تجد بالتعبير الدارج معنوياته عالية جداً, تجد واقِعهُ خَشِن، بيتُهُ بالأُجرة أو لا يملِكُ بيتاً، لِباسُهُ متواضع، وظيفتُهُ صغيرة، دخلُهُ قليل, تجلس معهُ فتجدهُ شيئاً عظيماً، معنويات مرتفعة جدّا، واثِقٌ من اللهِ عزّ وجل، مطمئنٌ بقضائهِ، راضٍ بِما قَسَمَهُ اللهُ لَهُ، لهُ رِسالة بالحياة, همّهُ الأول أن يعرِفَ الله، همّهُ الثاني أن يدعوَ إلى الله, حسناً: من أينَ هذهِ المعنويات؟ من أينَ هذهِ النفس المُنتشيّة، النفس الواثقة، النفس المُطمئنة؟: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [سورة الفجر الآية: 27] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 51] يُطمئنهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾ تجد المؤمن واثقاً من رِضاء الله، واثقاً من نصرِهِ، من تأييدهِ، من حِفظِهِ، من إكرامِهِ، من إسعادِهِ، ليسَ عِندَهُ همّ, لماذا ليسَ عِندَهُ همّ؟ لأنهُ جعلَ الهمومَ همّاً واحداً, فكفاهُ اللهُ الهمومَ كُلّها، لأنهُ عَمِلَ لوجهٍ واحد فكفاهُ الله الوجوهَ كُلّها. فقال: من علامة العارف بالله: أنهُ يصفو لهُ العيش، صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة، وهابَهُ كُلُّ شيء، وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين. نصيحة : يا أخوان, نصيحة لوجه الله: إذا خِفتَ المخلوقين, تُضطر أن تُنافق, وتُضطر أن تتملّق, وأن تكذب, وأن تتناقض, وأن تكونَ صغيراً في أعيُنِهم. يعني أكبر مصيبة يُصاب بِها الإنسان: أن يُلقي اللهُ في قلبِهِ خوفَ المخلوقين، يحتار من سيُرضي, إن أرضى زيد يغضب عُبيد، يتوسل لفُلان، يتذلل لفُلان، يُقبّل رِجل فُلان، يتمسّح بأعتاب فُلان، يبذل ماء وجهه لِفُلان، يتضعضع لِفُلان، هذهِ علامةُ الذي لا يعرِفُ الله, أمّا الذي يعرِفُ الله فاللهُ يُعطيه عِزّة، لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذل نفسَه. ((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ لهُ ذَهَبَ ثُلثا دينه)) ((ابتغوا الحوائج بِعزّة الأنفس, فإنَّ الأمورَ تجري بالمقادير)) ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 8] اجعل لِربِكَ كُلَّ عِزِّكَ يستقّرُ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ يذهبُ عنكَ خوفُ المخلوقين, لا تخف من مخلوق، قد يكون هذا المخلوق كالوحش, لكنهُ مربوط بِزمامٍ مُحكم بيدِ اللهِ عزّ وجل, فأنتَ علاقتُكَ معَ الله، هذا ما قالَهُ سيدنا هود: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 55-56] قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى, صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة, وهابَهُ كُلُ شيء, وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين, وأَنِسَ بالله. أحياناً تدخل مكتب إنسان, لهُ مركز كبير, يقول لكَ: اصرخ على المستخدم ليُحضر القهوة. من هاب الله هابَهُ كلُ شيء, ومن لم يَهَب الله أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء, ذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين وأَنِسَ بالله. 8-من عرف الله قرت عينه بالله : قالَ: من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل قرّت عينُهُ بالله. أنا أدعو دعاء, أحياناً أقول: يا ربي كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم. أيام تجلس مع شخص, يقول لكَ: أنا اشتريت البيت منذ زمن بثمانية عشر ألف, والآن لا أبيعهُ بثمانية ملايين, مئتان وثمانون متر، انظر للواجهة, للشُرف, معهُ السطح, هذا الإنسان قرير العين بهذا البيت، هذا الذي عندَهُ مزرعة، وهذا الذي عِندَهُ معمل، وهذا الذي عِندَهُ سيارة, يقول لكَ: اشتريتها بثلاثة عشر مليون، حرام أن تضعها في الطريق, أقول لهُ: يا ربي, كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم, فأقرر أعيُننا من رِضوانِك. الإنسان يَحُج, يُحس أنهُ مقبول عِندَ الله عز وجل، يُحس أنَّ الله قد غَفَرَ لهُ، الله تاب عليه، الله قَبِلَهُ, تجدهُ قرير العين، في عِندهُ مئة مشكلة في حياتِهِ، ما دامَ اللهُ قد أقرَّ عينَهُ فهوَ بهِ قرير. 9-من عرف الله قرت عينه بالموت : قال: من علامة معِرفةِ الله عزّ وجل: أنهُ من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت. الموت عِندَهُ بداية الإشراق، بداية العطاء، بداية الإكرام، الموت بداية الجنّة، الموت عِندهُ نهاية المتاعب، كُل الحياة تكليف, هذهِ حرام, وهذهِ لا تجوز, المؤمن لا يأخذ حُريّتهُ، إذا أحب أن يمشي بالطريق يوجد ألف قيد يقيده. هذا الإنسان البعيد عن الله : تجد الناس يملؤونَ أعيُنهم من الحرام ...... لي صديق, يسكن في أحد أحياء دمشق, ولَهُ جار، هذا الجار عِندَهُ خمس بنات متزوجات، ولَهُ شباب، لَهُ هِواية بسيطة جدّاً: يركب السيارة العامّة, من المزّة إلى المرجة, وينتقل إلى طريق الصالحية بأيام الصيف قبلَ المغرب بساعة, ويتنقّل فيهِ ذهاباً وإياباً, لا يفعلُ شيئاً إلاّ أنهُ يملأُ عينيهِ مما حرّمَ الله, يستمتع بالنساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، فجارُهُ صديقي, نصَحَهُ, يا أخي أنتَ عُمرُكَ 50 - 45 سنة، عِندك بنات متزوجات، أنتَ أب ستُصبح جداً, هذه لا تُناسب, قالَ لهُ: أنا لا أعمل شيئاً هكذا أُحب، إلى أن أُصيب بمرض ارتخاء الجفون, مرض لا أعرِفُهُ سابقاً ارتخاء الجفون, فالإنسان دائماً مُغمض عينيه, فإذا أراد أن يرى أحداً فيمسك جفنهُ بيدهُ ويرفعهُ, ما دامَ يرفعهُ يرى, فإذا تركَهُ نَزَل من جنس المعصية. قصة : من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, لا يخافُهُ. لي صديق طبيب, يحكي لي قِصصاً, كيفَ يزور مرضى على وشك الموت؟ يقول لي: مثل الطفل، ضعيف، يرتجف، سأموت, طبعاً ستموت, فهوَ ليسَ مستعدّاً لهُ, قالَ لي مرةَ: زارَنا شخص, أنجزَ بيتاً لا يوصف بجماله، التزيينات, والجبصين, والأقواس, والشُرف, يظهر أنَّ مرضَهُ خطير, وهو في ريعان الشباب وزوجتهُ شابّة، فقالَ لصديقهِ: ما أتعسني, أخشى أن أموت, وتتزوج زوجتي, وتأتي به ليسكن معها في هذا البيت, الذي شقيت ببنائه, ويستمتع هو بما لم يتعب بإنجازه. 10-من عرف الله قرت به كل عين : قال: من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, والأغرب من ذلك: قرّت بهِ كُلُّ عين، صار هوَ مصدر سعادة، مصدر إيناس، فتجلس مع شخص يكون عظيماً بمقياس الدُنيا, يقول لكَ: هذا حجمُهُ كذا مليون، هو بمقياس الدُنيا عظيم, ولكنه لا يُحرّك فيك شعرة، وتجلس مع أولياء الله, تجد نفسك مُستغرقاً في مُتعة بالغة، مستأنساً، تتمنى أن تبقى معهُ دائماً. فالعارِفُ بالله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, وقرّت بهِ كُلُّ عين. من علامة أولياء الله تعالى : علامةُ أولياء الله: أنهم إذا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ بِهم. وأنتَ يجب أن تكون مع الله دائماً، تمشي في الطريق, فيلمحُكَ واحد مُقصّر, فيتوب عندما يُشاهِدُكَ, يقول لكَ: ذكرّتني بالله. فالمؤمن كُلما ارتقى, يُصبح وجودُهُ نورانياً، وجودُهُ رحماني، وجودُهُ مُسعِد، وجودُهُ مؤنس، تقرُّ بهِ العيون. كان سيدنا ربيعة, كانَ خادِمَ رسولِ الله, فحينما تنتهي خِدمتهُ بعدَ العِشاء, يصرِفُهُ النبي ، يبقى نائماً على عتبةِ بيت النبي, لِشدّةِ أُنسِهِ بالنبي، فأنتَ يا ترى: هل لكَ عِندَ الله مرتبة الناس يأنسون بِكَ؟ يتمنون أن يبقوا إلى جانِبِكَ؟ يَسعَدون بِلِقائِك؟ أمّا أهل الدُنيا: يُحدّثُكَ عن أمواله, وعن أرباحُهُ, وعن بيتهِ, وعن أولادِهِ, وعن رحلاتِهِ, وعن موائده, ما يهمُني أمرُك. شخص يدعو إلى التقزز في كلامه, أما المؤمن يُحدّثُك عن ربِهِ، إن كان الحديث دنيوياً صار في ضيق، أُخرَوي صار في سرور. هذه علامة الذي لا يعرف الله : قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات. يقول لكَ: محروق قلبي على ماذا؟ هذا البيت لم تنجح بيعتُهُ معي، فُلانة لم يتزوجها بعد أن خَطَبَها رُفِض, هذا الذي رُفِض قتل سبعة, فكم في قلبِهِ من حُرقة وألم؟. 11-من عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه : قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات, ومن عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه. واحد أحب أن يستفزّ سيدنا الصِدّيق, يظهر أنهُ قد سأل سيدنا عُمر في قضية, فأعطاه جواباً قاسياً, وسيدنا الصدّيق أوكل لِعُمر هذهِ المُهمّة, فلما رأى هذا الجواب القاسي, جاءَ إلى سيدنا الصديّق يستفزّهُ, قالَ لهُ: الخليفةُ أنتَ أم هوَ؟ قالَ: هوَ إذا شاء. مثل ما يُريد, أنا معَهُ, أخي هوَ، المؤمن ليسَ عِندَهُ هذا الحِرص على الدُنيا. قف هنا : قال: ومن عَرَفَ اللهَ لم يبق لَهُ رغبةٌ فيما سِواه, ومن ادّعى معرِفةَ اللهِ وهوَ راغِبٌ في غيرِهِ كذّبت رغبتُهُ معرِفَتَهُ. يقولون: أنَّ الحجاج وقف أمام بائع, رآهُ يُصلّي قاعداً, -بائع قدور، دُكانُهُ عالية جداً, كُلُها رفوف إلى السقف, ويوجد سُلّم، فرآهُ يُصلّي قاعِداً, وقد تبيّن أنهُ ليسَ بهِ شيء-، فقالَ لَهُ: أُريد هذا القِدر, فوضع السُلّم وأنزلَهُ، فقالَ لَهُ: ليسَ بهذا بل ذاك, فنزل ووضعهُ وأحضرَهُ لَهُ, لا أُريد ذلك الأكبر، لا الأصغر، فأبقاهُ يصعد وينزل السُلّم حوالي خمس وعشرين مرّة، ثمّ قاَلَ لَهُ: أتُصلي قاعداً وعِندَكَ هَمّة عالية للبيع والشِراء؟. سائل يسأل : من يومين قالَ لي أحدهم, وهوَ قد درسَ في بلد غربي, قالَ لي: أنا في عِندي فِكرة, لم يُجبن أحد عليها, قُلت لَهُ: تفضل، قالَ لي: أتباع الديانات عشرة بالمئة فقط يُبدّلونَ دينَهم, والباقون على دينِ آبائِهم, معناها موضوع الدين ليسَ باختيارك، هذا بوذي ابنُهُ بوذي، هذا نصراني، هذا مُسلم، فالدين ليسَ قضيّة اختيار, فما جوابُك؟ . فأنا أعرف أنَّ لَهُ نمطاً حديثاً بحياتِهِ, والِدهُ جالِس بجانِبهِ، قُلتُ لَهُ: أنتَ غيّرت نمط حياتَك؟ قالَ لي: طبعاً، ها أنتَ قد غيّرت، لأنَّ الدُنيا مهمّة جداً, فغيّرت كُل نمط حياتك، بيت, وعَمِلت أقواس, وألغيت كُل الأبواب من البيت, لماذا لم تتبع أسلوب والِدكَ في الحياة؟ أليسَ كذلك؟ الإنسان يُغير أحياناً، لو أنَّ الآخِرةَ غاليةٌ على الإنسان لَبَحثَ عن الحقيقة, أمّا لأنَّ الدُنيا هيَ الغالية, فكُل ابن لَهُ طريق بالحياة غير طريق والِدِهِ, معناها الإنسان حُر ويُغير. 12-من عرف الله أحبه على قدر معرفته به : قال: ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ. -هذه نقطة مهمّة: ثبّت المعرفة بحجمها خوف، بحجمها خشية، بحجمها حُب، بحجمها إخلاص، بحجمها إقبال، بحجمها ورع-, وخافَهُ, ورجاهُ, وتوكّل عليه, وأنابَ إليه, ولَهَجَ بِذكرِهِ, واشتاقَ إلى لِقائِهِ, واستحيا مِنهُ, وأجلّهُ, وعظّمَهُ على قدرِ معرِفتهِ بِهِ. من عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه، ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ. 13-أن تفنى الشواهد وأن تنحل العلائق وتنقطع العوائق : من علامات المعرِفة: أن تفنى الشواهد، وأن تنحلَّ العلائق, وتنقطِعَ العوائق. أحياناً تجد شخصاً يؤثر استقبال ضيف على مجلس عِلم, علاقاتُهُ مع هذا الضيف متينة جداً, فإذا كان زارهُ هذا الضيف, يُضحّي من أجلِهِ بصلاة، يُضحّي من أجلِهِ بمجلس عِلم، معناها عِندُهُ عوائق وعِندُهُ علائق والعلائق عوائق. أنا أعرف تُجّاراً يُصلّون في المساجد, إذا جاءهم مندوب شركة أو وكلاؤها, وطلبوا مشروباً يُضيّفونهُم مشروباً, هُم لا يشربون, أينَ صلاتُك؟ أعرِف تُجّاراً, لهم مظهر ديني, وعاطفتهم إسلاميّة، من أجل ترويج بِضاعتِهم, يُعلنون عنها بأجهزة اللهوِ من خلالِ نساءٍ كاسيات عاريات, أينَ الدين؟ فلان ممتاز، صاحب دين, وتُروّج بِضاعَتُكَ بمعصية الله عزّ وجل!! العلائق عوائق. أكثر علاقة مع الزوجة, صحابي جليل: سألتُهُ زوجتُهُ شيئاً من الدُنيا, فقالَ: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنّةِ من الحورِ العِين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهِها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهوَنُ من أُضحي بِهنَّ من أجلِكِ. الأُم: قالت لهُ: يا سعد, إمّا أن تكفُر بمُحمد وإمّا أن أضعَ الطعامَ حتى أموت، قالَ: يا أُمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ, فخرجت واحدةً واحدةً ما كفرتُ بمحمد, فكُلي إن شِئتِ أو لا تأكُلي. فأكلت بعدها. سُئِلَ سيدنا النبي -اللهمَّ صل عليه-: أتُحّبُ أن تكونَ أغنانا؟ لكَ ذلك، أن تكون سيدّنا؟ لكَ ذلك، أن تتزوج أجمل فتاة؟ لكَ ذلك، قالَ: ((واللهِ يا عمي! لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي على أن أدعَ هذا الأمرَ, ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ أو أهلِكَ دونَهُ)) هذا المؤمن. الزوجة على العين والرأس ما دامت في طاعة الله, فإذا أمرَتكَ بمعصية فلا كانت ولا كانَ أمرُها، الأُم على العين والرأس, أما إذا أَمرتكَ بمعصية لا غضبَ لها, لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. 14-أن لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب : من علامة العارِفِ بالله: أنَهُ لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب. تُلاحظ بعض الأشخاص إذا لم يزرهُ بالعيد, فيعمل منها قِصّة, ويتكلّمُها مئة مرة، يقول: أنا ذو فضل عليه، وعليه أن يزورني, اهتم بالله عزّ وجل، تجد المؤمن كُلما عَلا إيمانُهُ بَعُدَ عن سفاسف الأمور، وكُلما قلّ إيمانُه يتعلّق بسفاسف الأمور. في عقد قران وضعوه في مكان لا يليق بمكانهُ, يبقى مدة يذكرها، وضعوه في الصف الثاني وهوَ أوجه شخص في الأسرة, كانَ أول مكان ممتلئ, لا يقبل العُذر. اللهمَّ صلِ عليه: دخل عليهِ أعرابي, فلم يعرفهُ من بين أصحابه، فقال: أيّكُم مُحمد؟ -أينَ كانَ يجلسُ سيدنا رسول الله؟ كانَ لهُ مجلس فخر؟ كانَ يجلِسُ بينَ أصحابِهِ وكأنهُ واحدٌ منهم، حتى اضطُر هذا الأعرابي أن يقول: أيُّكم محمد؟- قالَ لهُ: قد أصبت. لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب, ولا يرى على أحدٍ لهُ فضلاً، هذهِ كلمة نسمعها كثيراً: لحمكَ من خيري، أكتافُكَ من خيري، لولا وجودي لم تُصبح رجلاً, هذا كُلُهُ كلام الجهل, الفضل لله عزّ وجل، لي فضل عليك أنا قد ربيّتُك, لا تعرف قيمتي, هذا كُلُهُ كلام فارغ. 15-لا يرى على أحد له فضلاً ولا يرى على أحد له حقاً : قال: لا يرى على أحدٍ لَهُ فضلاً ولا يرى على أحدٍ لهُ حقاً. أحضرَ لَهُ هديّة، ما ثمن هذهِ الهدية بالسوق؟ استفسر عنها, ما لكَ ولثمنُها؟ أحضرَ لكَ هدية وكفى، انظر لهذهِ الساعة أصلية أم صنع تايوان؟ يُريد أن يعرف قيمتها, هذا ليسَ من أخلاق المؤمن. 16-أن الذي يعرف الله لا يأسف على فائت ولا يفرح بآت : ومن علامة معرفة اللهِ: أنَّ الذي يعرِفُ اللهَ لا يأسَفُ على فائت ولا يفرحُ بآتٍ, لأنهُ ينظرُ إلى الأشياءِ بعين الفناءِ والزوال, فهيَ في الحقيقةِ كالظلال. 17-يخرج العارف بالله من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكائه على نفسه وثنائه على ومن علامة معرفة اللهِ كما قال يحيى بن مُعاد: يخرُجُ العارِفُ باللهِ من الدُنيا ولم يقض وَطَرَهُ من شيئين: بُكائهُ على نفسِهِ وثنائهُ على ربهِ. دائماً مُتهم نفسهُ ويُثني على ربه، سِمتانِ أساسيّتان للعارِفِ بالله. 18-أنه يستأنس بربه ويستوحش بمن يقطعه عنه : من علامةِ من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل: أنهُ يستأنِسُ بربّهِ ويستوحِشُ بمن يقطعهُ عنه، كُل واحد يُقرّبُكَ من الله تُحبُهُ، كُل واحد دنيوي زائغ الإيمان عِندَهُ شُبُهات تكرَهُهُ، تكره مجالستهُ وزيارتهُ والعلاقة معهُ, لذلك قيل: العارِفُ من أنِسَ بالله فأوحشَهُ من الخلق، وافتقرَ إلى اللهِ فأغناهُ عنهم، وذلَّ للهِ فأعزهُ فيهم، وتواضعَ للهِ فرَفَعَهُ بينهم، واستغنى باللهِ فأحوجَهم إليه. 19-مجالسة العارف بالله تنقلك من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين, من الرياء إلى الإخلاص آخر شيء: قيل: مجالسة العارف بالله تنقُلُكَ من سِتٍ إلى سِت: من الشكِّ إلى اليقين، من الرياءِ إلى الإخلاص، من الغفلةِ إلى الذِكر، من الرغبةِ في الدُنيا إلى الرغبةِ في الآخرة، من الكِبرِ إلى التواضع، من سوءِ الطويّةِ إلى النصيحة. هذهِ كُلُها علامات معرفة بالله, فالإنسان لا يُغش بنفسِهِ ولا يَغِش غيرُهُ، هذهِ علامات دقيقة جدّاً, فلتكن هذهِ العلامات مؤشرات لنا أو أهدافاً لنا. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحاسبة - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الاربعون ) منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, نستأنف دروس مدارج السالكين, في مراتب إياك نعبد وإياك نستعين ، ومع الدرس الرابع والأربعين من هذه السلسلة, ومع منزلةٍ جديدة من منازل مدارج السالكين, ألا وهي: منزلة المحاسبة. سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطاكم إلى غيركم, وسيتخطى غيركم إليكم, فخذوا حذركم. من حاسبَ نفسه حساباً عسيراً كان حسابهُ يوم القيامة يسيراً. والتاجر حينما لا يُجري محاسبة دقيقة من حين لآخر, يشعر بقلقٍ شديد، وحينما يُجري محاسبة ما له وما عليه, يشعر براحةٍ كبيرة, والإنسان المؤمن الصادق دائم المحاسبة لنفسهِ, يُحاسبها قبل أن يُحاسبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يؤدبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يقتصَّ الله منه، يُحاسبُها ويحلُ مشكلاتها قبل أن يصل إلى طريقٍ مسدود مع الله. التعريف الدقيق للمحاسبة : أيها الأخوة, التعريف الدقيق للمحاسبة: أن تُميّز ما لكَ وما عليك, فتؤدي ما عليك, ولكَ أن تُطالب بما لكَ، مثلاً: الله عزّ وجل أنبأنا من خلال نبيه عليه الصلاة والسلام أنكَ إذا عبدته مخلصاً, لكَ حقٌ عليه ألا يُعذبُك. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُعَاذُ, أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)) أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك. فالمحاسبة: أن تخلو مع نفسك في اليوم دقائق, ماذا فعلت؟ ماذا تركت؟ لِمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ ابتسمت؟ لِمَ عنّفت؟ لِمَ ضربت؟ لِمَ حاسبت؟ لِمَ آذيت؟ هيّئ لله عزّ وجل لكل موقف جواباً فأنت أعقل العقلاء. حاسب نفسك, أنصف الناس من نفسك، والحقيقة: الذي يُحاسب في الدنيا قضيته سهلة, أمّا إذا كنت أباً من يُحاسبُك؟ الابن يُحاسبه أبوه، والزوجة يُحاسبها زوجها، والطالب يُحاسبه المعلم، من هو الذي في أمسِّ الحاجة إلى المحاسبة؟ الذي من طبيعته ألا يُحاسب, أن تكون أباً ولا يجرؤ أحدٌ على أن يُحاسبك، بطولتك أن تُحاسب نفسك وأن تعتذر، قد تكون معلماً في صف, مَنْ مِنَ الطلاب يستطيع أن يُحاسبك؟ بطولتك أن تُحاسب نفسك، أن تعتذر من طالب صغير. هذا المؤمن : حدثني أخ كريم, قال لي: أنا طبيعة مزاجي عصبي, فتناقش مع زوجته, فكلّمته كلمةً قاسية, فصبَّ كُلَّ غضبهِ على ابنه, وضربه ضرباً مُبرّحاً, فلما انتهى من ضربه صحا, ما ذنبُ هذا الصغير؟ خلافه مع زوجته، صبَّ جام غضبه على ابنه وضربه، قال لي: دخلت إلى غرفتي, وبدأت أبكي, ثم أخذت ابني وقبلّته, وقلت له: سامحني يا بني, يعني حاسب نفسك: ضربت, لِمَ ضربت؟ لِمَ عبست؟ لِمَ خاصمت؟ إن حاسبت نفسك فأنت مؤمنٌ وربِّ الكعبة. وقف إنسان ضعيف أمام الحجاج, قال له: أسألُكَ بالذي أنت بين يديه أذلُ مني بين يديك, وهو على عقابِكَ أقدرُ منكَ على عقابي. أخواننا الكرام, قد تكون طفل الأب يُحاسبُكَ، قد تكون زوجة الزوج يُحاسب، قد تكون طالب المعلم يُحاسب، قد تكون موظف رئيس الدائرة يُحاسب, أما إذا كُنتَ أنتَ الأب من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ إذا كُنتَ أنتَ رئيس الدائرة من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ تشتدُ الحاجة إلى المحاسبة حينما تكون في موقعٍ لا تُحاسبُ فيه، لذلك: إن حاسبت نفسك سريعاً رَحِمَكَ الله عزّ وجل. قصة : يعني قصة سمعتموها مني كثيراً, لكن مناسبة في هذا الموضوع: كنت مرة في العمرة, صديق حدثني عن إنسان يملك أرضاً في شمالي جدة, فلما امتد العمران إلى قُرب أرضه, نزل ليبيع هذه الأرض، مكتب عقاري خبيث احتال عليه, وأوهمه أنَّ ثمنها بخس، فاشتروها منه بثمنٍ بخس ريالاتٍ معدودات, وأنشؤوا عليها بناءً شامخاً, وسيربحون الملايين المملينة، قال لي: أول شريك: وقع من سطح البناء فدُكت رقبته في الأرض، والشريك الثاني: دهسته سيارة، الشريك الثالث: انتبه, أراد أن يُحاسب نفسه, فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر, إلى أن عثر عليه, ودفع له ثلاثة أمثال ما أعطاه سابقاً -عن حصته طبعاً-, فقال له هذا البدوي: أنت تداركت الأمر قبل أن يحل بك ما حل بصاحبيك. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. اعتذر، قدّم هدية. موقف بطولي : أنا أعرف رجلاً -والقصة قديمة جداً- يعمل في سلك الدرك, عندما كانت الشرطة في المدن والدرك في القرى، أخطأ, وضرب إنساناً ضرباً مُبرّحاً, وهو بريء, ظنه سارقاً, ثُم اكتشف أنه ليس بسارق، السارق ظهر، أقسم بالله وسّط إنساناً ليدعوه إلى طعام الغذاء, وكان هو أيضاً مدعو, وأمره أن يضربه كما ضربه, لينجو من عذاب الله, حاسب نفسك كلما كنت ذكياً تُحاسب نفسك حساباً شديداً، وعلامة المؤمن أنه يرى ذنبه جبلاً جاثماً على صدره، وعلامة المنافق أنه يرى ذنبه كالذبابة, يقول لك: هذه علامة النِفاق, ماذا حصل؟ هذا منافق، أما حينما لا تنام الليل، حينما تذهب إلى بيته تعتذر منه, تقول له: سامحني، حينما تُقدّم له هديةً ، حينما تطلب العفو منه فأنت قريبٌ من الله. اعلم هذه الحقيقة : أخواننا الكرام, هناك حقيقة دقيقة سأقولها لكم: القوي أحياناً يُريد أتباعاً, فأي إنسان أعلن الولاء يقبل به, واحد ينقصه زبائن, أي إنسان قدّمَ له الولاء يقبل به, إلا أنَّ الله غنيٌ عن العالمين، الله عزّ وجل كامل, لا يقبل مخلوقاً إن لم يكن كاملاً, لأنه غني: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الزُمر الآية: 7] ولا يرضى لعباده الكُفر، لا يُمكن أن تتقرّب إلى الله وأنت ناقص، إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً. يا محمد مثّل بهم كما مثّلوا بعمك الحمزة، قال: ((لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنتُ نبياً)) انظر لهذا الموقف: تعرف عدالة الله، تعرف أنَّ الله لن يتجلّى على قلبك إلا إذا كنت أديباً، كاملاً، متواضعاً, منصفاً، مؤدياً الحقوق، قائماً بالواجبات, هذا هو الدين، يعني إنسان يعمل في عمل معين, عنده موظف يستضعفه, يبخسه حقه, ويُصلي!! هذه الصلاة لا قيمة لها. من هو المسؤول عن هذه المرأة؟ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطُوا الأجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] إنسانة قالت لأهلي: أين الله؟ إنسانة تقول: أين الله؟ يعني على وشك الكُفر, لِمَ؟ قالت: لأنَّ زوجها .. والشهر الثالث من غير راتب، قال له رب العمل: لم يعجبك مع السلامة, لا يوجد نقود, أجرى حفلاً لابنته في أرقى فنادق دمشق يُنفق بغير حساب, أمّا هذا الذي يعمل عنده انتظر، قالت: من أين نأكل؟ وترى: كيف يُنفق؟ ذهبت لتعمل لم يقبلها أحد بحجابِها, اخلعي الحِجاب كي نوظِفَكِ, هذا المجتمع سوف يُحاسب حساباً عسيراً، الإنسان حينما يدفع امرأةً إلى أن تخلع الحِجاب من أجل أن تأكل، أو حينما يدفع رجلاً إلى أن يُتاجر بالأفلام الإباحية من أجل أن يأكل, هذا المجتمع يُحاسب حساباً عسيراً. يقول الله عز وجل: إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي. أبو الشيخ الديلمي عن أبي بكر هناك قول أنا مقتنع به تماماً: كادّ الفقرُ أن يكونَ كُفراً. فإذا ضيّقت على إنسان حتى لا يجد ما يأكل وكفر فأنت الذي كفّرته، أنت الذي جعلته يكفر، وتحمل أنتَ وِزرَ كُفره، قالت: أين الله؟ زوجي بِلا عمل, وأنا ما قبلني أحد إلا بخلع الحِجاب, ما هذا المجتمع؟ يريدون أن يستمتعوا بها وهي في العمل، هكذا بكل وقاحة!!!. هذا وضع المجتمع كما وصفه النبي في زمن التخلف : كيف أنتم إذا طغى نساؤكم, وفسق شبانكم, وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله تعالى: بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران هذا وضع المجتمع، لذلك: انْجُ سَعْدٌ فَقَدْ هَلَكَ سَعيدٌ انجُ بدينك, أنصف الناس من نفسك، حاسب نفسكَ قبل أن تُحاسب، ثم يتبيّن من خلال هذا الدرس: أنَّ المحاسبة مرتبطة بالتوبة، لعلَّ التوبة تحمِلُ على المحاسبة، ولعلَّ المحاسبة من نتائج التوبة, لذلك قالوا: التوبة بين محاسبتين؛ تُحاسب نفسكَ فتتوب, وتتوب فتحاسب الآخرين. أدِّ الذي عليك, يعني إذا كان على شخص في جاهليته ذِمم للناس، ما الذي يمنعه وهو في الدنيا، وهو في موقعٍ يستطيع أن يُسوّي الحسابات، ما الذي يمنعه أن يؤدي ما عليه؟. قصة تائب : حدثني أخ قال لي: عندي معمل ودائماً هناك نقص بضاعة، والنقص: يعني أضع في جيبي مبلغ ألفين أفقدها، أصبح لديه الرغبة في معرفة من هذا السارق؟ قال لي: فرّغت إنساناً للمراقبة، والسارق ذكي جداً, يأخذ الأموال والبضائع ولم نستطع أن نضبطه, ثم انقطعت هذه السرقة، ثم قال لي: بعد عشر سنوات, جاءني شاب وسيم الطلعة بوجهه نور, وقال لي: أنا كنت عندك موظفاً قبل عشر سنوات, وكنت أسرق منك, وجئتُكَ مستسمحاً وسأدفع لكَ كل الذي عليّ، قلتُ له: والله نظير هذه التوبة, ونظير هذا الاعتراف, أنت مُسامح بكل ما أخذته، وإن أردت أن تعمل عندي فلكَ أعلى مكان. موضوع المحاسبة قضية دقيقة جداً، وطّن نفسك أن تُحاسب نفسك، وطّن نفسك أن تعتذر، تقول له: سامحني, أنا أخطأت في حقك، أنا تسرّعت، أنا اتهمتك اتهاماً باطلاً، عندها الله يرضى, أمّا إذا واحد موقعه قوي, أيام رئيس دائرة، مدير ثانوية، مدير مستشفى, يعني في موقع قوي, لا يجرؤ أحد أن يُحاسبهُ, مثلُ هذا الإنسان تشتدُ الحاجة إلى أن يُحاسب نفسه. الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن : قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ)) [أخرجه أبو داود في سننه] يعني المؤمن مُقيّد، الشرع قيّده، الشرع ألزمه، والحقيقة: قد يقول أحدكم: أنَّ الفقير يحتاج إلى أن يكون صابراً, لا, الذي يحتاج إلى أن يكون صابراً هو الغني والقوي, لماذا؟ هذا كلامٌ غريب، ماذا عندَ الفقير من خيارات؟ هذا الدخل المحدود, وهذا البيت، من عمله إلى بيته، لو أراد أن يسهر في فندق فخم, أيقدر؟ لا يوجد معه نقود، لو أراد أن يرتاد أماكن اللهو, أيقدر؟ لا يوجد معه دراهم, أمّا هذا الذي يملك المال, وهو مسافر في بلد أجنبي, وليس هناك رقيب, هو في أشد الحاجة إلى الصبر، هذا الذي يضبط نفسه, يضبط مشاعره, يضبط أعضاءه, يضبط حواسه, يضبط بصره, سمعه, إنفاقه. بماذا تفيدنا هذه الآية؟ : أخواننا الكرام, أنا أعتقد أنَّ الغني والقوي في أمسّ الحاجة إلى الصبر، وصبره بطولي، فالمحاسبة تكون قبل التوبة، حاسب نفسه فاتخذ قراراً بأن يتوب، أو تاب فاتخذ قراراً بأن يؤدي ما عليه للناس، هذه المحاسبة, هناك آية قرآنية تُفيد هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 18] ماذا قدّمت؟ وماذا أخرّت؟: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [سورة الإنفطار الآية: 5] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [سورة التكوير الآية: 14] أنتَ ماذا أعددت لله عزّ وجل؟ . أحياناً تجد شخصاً في السبعين من عمره في القهوة, يلعب الطاولة, ولا يُصلي, أين عقلُ هذا الإنسان؟ ماذا قدّم لآخرته؟ ماذا يقول لله عزّ وجل وهو بين يديه؟ . أما تستحي منا ويكفيك ما جرى؟ أما تختشي من عقِّنا يوم جمعنا؟ أما آن أن تُقلع عن الذنبِ راجعاً وتــنظر ما به جــاء وعدُنا هذه الآية الأولى في هذه المرتبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أخواننا الكرام, حاسب نفسكَ من حين إلى آخر، حاسب نفسكَ يومياً, وحاول أن تسوّي الحسابات مع الناس. لفتة نظر : أود أن ألفت النظر إلى أنك: لو حججت حجاً مبروراً, وسعيت سعياً مشكوراً, لا تخرج من ذنوبك كما ولدتك أمك, هذا وهم, تخرج من الذنوب التي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين العباد هذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، أكبر دليل: هذا الذي قدّم روحه في سبيل الله, هل يُغفر له كُل ذنب؟ نعم إلاّ الديّن لا يُغفر, قدّم روحه, لأنَّ الديّن من حقوق العباد، وحقوق العباد مبنيّةٌ على المُشاححة, بينما حقوق الله عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة. ماذا تستنتج من هذه القصة؟ : مرة إنسان أعطوه عشرين دونم من الفرحة اختلَّ توازنه، فقير جداً وله شيخ, قال له: يا بُني هذه الأرض حرام أن تأخذها, لأنها ليست لك في الأساس, أُخِذت من صاحِبِها غصباً, وأُعطيت لك, هذه الكلمة من الشيخ أطفأت سروره جعلته يقنط, قال له: اذهب وحاول أن تشتريها منه تقسيطاً، ذهب إليه, وقال: يا سيدي أعطوني من أرضِكَ عشرين دونماً, وقال لي شيخي: أنَّ هذه الأرض حرامٌ أن آخذها منك, هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ قال له: يا بني والله ذهب لي أربعمئة دونم, لم يأت لعندي أحد إلا أنت, فهذه هدية مني لك, حررها وأخذها حلالاً, لا يوجد إنسان يتحرّى الحلال إلا الله عزّ وجل, يُكسبه الحلال ورضوانه, الحلال والأرض. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا : قول ذكرته قبل قليل: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, وأعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا, وسيتخطى غيرنا إلينا. لاحظ نفسك: فلان توفي رحمة الله عليه، هنا عميد أسرتهم، هذه الشابة، هذا الشاب، الطبيب الفُلاني، إلخ ... يجب أن توقن أنه في أحد الأيام سيقرأ الناس نعوتنا لا بُدَّ منها. منذ فترة كُنا في سهرة, هناك رجل كآبته صارخة، التفت وسألته: خير إن شاء الله؟ فلم يجبن، بعدها فهمت أنه أصابه سرطان في الجلد, واثنين وثلاث وأربع وخمس, وأجرى خمس عمليات, وكلما أجرى بمكان, ظهر في المكان الآخر, وهو على علم عالٍ في الطب، والتقيت معه مرةً أخرى, فكل توجهه أنَّ موته من السرطان, بعدها توفي باحتشاء القلب, سبب الموت ليس له علاقة بالمرض الذي ظنَّ أنه سيُميتُهُ, جميعاً نحنُ تحت ألطاف الله، لا أحد يضمن منّا حياته ساعة, فلذلك: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, المؤمن البطل جاهز للمغادرة، الآية الدقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سورة الإنفطار الآية: 6] عندما يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر الآية: 5] واضحة, يعني واحد يظن أنَّ العلبة مليئة, وهي لا تحتوي على شيء, وجدها على الأرض, ففرح بها, وحملها, ثم وجدها خاوية, خاب ظنه, نقول: اغترَّ بها ظنها ممتلئة. هذه الدنيا تغر وتضر وتمر : كان هناك شاب عنده دُعابة، كان في محل تجاري, يكنس المحل، يضع الأوساخ في علبة فخمة، يلفها بورق هدايا، يضع له شريط أحمر, ويضعها على الرصيف، يأتي شخص فيرى العلبة, فيظن أنَّ فيها أشياء ثمينة, فيحملها ويركض, وبعد مئتي متر ينزع الشريط، ومئتي أخرى ينزع الورق، ومئتي أخرى يفتح العلبة, فيجد فيها أوساخ المحل, نقول: هذا الإنسان اغترَّ بهذه العلبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ تغرُ وتضرُ وتمر. وأحياناً الإنسان وهو في أوجهِ يُنزعُ منها بعد ما عاش إنسان أربعين, خمسين سنة في منزل تحت الأرض, صغير رطب, وهو يجمع المال حتى اشترى بيتاً في أرقى أحياء دمشق, أنا البيت أعرفهُ, لهُ شرفة تُطِلُ على دمشق بأكملِها، جلس على الشرفة, وأمر زوجته بإحضار القهوة, وقال لها: الآن قد تأمّنَ مستقبلنا, هذا منزل, وبعد جمعة واحدة فقط وافته المنية، هذه الدُنيا تغرُ وتضرُ وتمر. وشخصٌ آخر اشترى في شارع الميسات, صاحب ذوق رفيع, أخذ شقتين في الطابق الثاني عشر، الكسوة لم تعجبه فهدمها، خلع السيراميك، والنوافذ، والبلاط, عمل مدى سنتين في كسوة بأعلى مستوى, أحد أخواننا يسكن تحت, يقول: لم يكن هناك مصعد, فيصعد ماشياً في اليوم مرتين أو ثلاث لمدة سنتين, وقام بترتيب كُلَّ شيء, ثمَّ جاءه ملك الموت, لذلك الإنسان يجب أن يُهيئ نفسه لهذه الساعة التي لا بُدَّ منها. أنا أتمنى من الإنسان أن يتبّع جنازة ولو لم يعرفها، يُلاحظ عندما يوضع النعش، يُفتح غطاء النعش يُحمل الميت, البارحة كان في الفراش, أهله بجانبه, جميع طلباته مجابة, قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [سورة القيامة الآية: 29-35] منعطف خطير : مرة لاحظت إنساناً وهو يُكفّن, أحضروا قطعة قماش طويلة, وغمسوها بالماء, وعندما ربطوها علقت فشدوها: ﴿وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ*َلا صَدَّقَ وََلا صَلَّى* وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى* أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى* ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وُضِعَ في القبر, وأُهيلَ الترابُ عليه، انفضَّ أهلهُ إلى بيتهم, وبقي وحده في البيت: عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معكَ ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت لكن كيف نفهم: يا أيها الذين آمنوا لا تغرّنكم الحياة الدنيا؟ واضحة, لا ترونها بحجمٍ أكبرَ من حجمِها. ما معنى هذه الآية؟ : أمّا كيف نفهمُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ طالب توّهم أنَّ الأستاذ فقير, أُعطيه ألفي ليرة قبل الأمتحان, وآخذ الأسئلة منه وبلا هذا التعب, هكذا كان توهمهُ فارتاح، طرق الباب قبل الفحص بيومين, وعرض على الأستاذ, فطرده الأستاذ, نقول: هذا الطالب اغترَّ بأستاذه, يعني ظنه يبيع الأسئلة، وهذا المُخاصم اغترَّ بالقاضي، ظنه يرتشي فهو ليس كذلك. إذا ظننت بالله ظنَ السوء فأنتَ قد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ أنَّ الله لن يُحاسبكَ فقد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يُعاقب الجاني قد اغتررتَ به، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يأخذَ من القوي للضعيف فقد اغتررتَ بعدالته، هذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كيف نحاسب أنفسنا؟ : 1-الأداة الأولى هي العلم : السؤال الثاني الذي يهمُنا: كيف نُحاسب أنفسنا؟ كان في صُلب الدرس لا بُدَّ أن تُحاسب نفسك. قالوا: الأداة الأولى هي العلم. أنت بالعلم تعلم ما إذا كنتَ على حقٍ أو على باطل، ما إذا كُنتَ مذنباً أو غير مُذنب, العلم أداة المحاسبة، احضر درس علم, تجد أنكَ في نفسِكَ مُخالف للشرع، احضر أحكام البيوع، احضر درساً في العلاقات الزوجية، احضر درساً بالأخوة الإيمانية, في غيبة, وهناك نميمة، احضر درساً بالحوالة والوكالة والكفالة, تجد نفسك مُخالف, لن تُحاسب نفسك إلا إذا كُنت على علم، العلم نور. أوضح من ذلك: لو أحضرنا إنساناً مثلاً في الصف الرابع الابتدائي, وقلنا له: اقرأ هذا النص، إذا كانت والدته لا تقرأ ولا تكتب, فهل تستطيع أن تحاسبه على أغلاطه؟ يمكن أن يرتكب أخطاء كثيرة في الصفحتين, وتقول له: جيد جداً، لا يوجد عندها مقياس, الأم جاهلة، أما لو كان والده يحمل ليسانس في اللغة العربية, وطلب منه القراءة، كل كلمة غلط, يصُحح؛ هذه غلط، هذه مبتدأ, وهذه خبر, وهذه مفعول به, وهذه حال, وهذه تمييز .... إلخ، لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنت عالماً، كذلك لن تُحاسب نفسك إلا إذا كنتَ عالماً، تعرف أنَّ هذا القرض جر دفع فهو رِبا، هذا الإيجار باطل، هذا العقد باطل، هذه السلعة مُحرّمة, إذاً التجارة بها باطلة، هذه النظرة للأب: ((ما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب)) [أخرجه الطبراني في سننه] باطلة, هذه ما برَّ أباه. النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً ورجلاً, قال له: ((من هذا؟ -ويعلم من هذا؟- فأجابه: أبي، فقال له النبي: أبوك؟ لا تمشي أمامه, ولا تجلس قبله, ولا تستبَ له, ولا تناديه باسمه)) إذا كُنتَ تعرف الحديث, وشاهدت إنساناً يمشي أمام والده, وجلس قبله, وناداه باسمه مثلاً, وعملَ عملاً سيئاً, فشتمه الناس، فيكون قد خالف. لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنتَ عالماً، فأول أداة هي العلم, بالعلم تُميّز بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والضار والنافع، والكامل والناقص، والخير والشر, بالعلم تعرف مراتب الأعمال, راجحها ومرجوحها، مقبولها ومردودها، وكلما كان نصيبكَ من العلم أوفر كان التمييز أقوى. العلم نور, أحضر مصباحاً ضئيلاً, يكشف لكَ الطاولة، أما الإبرة فلا تشاهدها، الإبرة لا تُشاهدها على السجاد, أما إذا امتلكت مصباح خمسة آلاف شمعة فتشاهدها، فكُلما اشتد مصباحُكَ تكشف أدق الحاجات، وكلما اشتد النور في قلبك تكشف أدق المخالفات, أيام ابتسامة سخرية تُحاسب عليها، أحياناً كلمة هكذا. عن حذيفة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة)) [أخرجه الطبراني في سننه] أيام يقول لك: واثق ولم تتكلم أنت ولا كلمة، لا تعرفه أنت وقد يكون أفضل منك، فكلما اشتدَّ النور الذي في قلبك كشفتَ أدقَّ المخالفات, هذه أول واحدة. 2-الأداة الثانية سوء الظن بالنفس : الأداة الثانية: سوء الظن بالنفس: كلما أسأت الظن بنفسك تكون أرقى عندَ الله عزّ وجل، وكلما أحسنت الظن بها تكون ساذجاً. نصيحتي: بالغ بإساءة الظن بنفسك وبحُسن الظن بالآخرين، هذا المؤمن, أمّا الشيء المضحك: أنَّ هناك أشخاص يُحسنون الظن بأنفسهم ويُسيئون الظن بالآخرين، هو مُبّرأ من كُل خطأ أما غيره غير مُبرّأ. بالغ بسوء الظن بالنفس وبحسن الظن بالآخرين، فسوء الظن تشتدُ الحاجةُ إليه, لأنَّ حُسنَ الظن بالنفس يمنع محاسبتها، يقول لك: ماذا بي؟ يرتكب أكبر المخالفات, ويقول لك: ماذا فعلت؟! حُسنُ الظن بلاء بالنفس, كلما أحسنت الظن بنفسك منعتها من أن تُحاسب. عين الرِضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أنَّ عين السُخطِ تُبدي المساوئا إذا عَلِمَ المُسيء أنه مُسيء لم يعد هناك مشكلة، لكنَّ المُسيء لا يعلم أنه مُسيء، يتوهم أنه على حق، قال: ولا يُسيء الظن بنفسهِ إلا من عرفها, ومن أحسن الظن بنفسه كان من أجهلِ الناس. 3-الأداة الثالثة أن تميز بين النعمة وبين الفتنة : الأداة الثالثة: أن تُميّز بين النعمة وبين الفتنة: النعمة هي التي تنقُلُكَ إلى الطاعة والشُكر، وأما النعمة التي تنقُلُكَ إلى المعصية والكِبر فهي فتنة وليست نعمة, أكثر الناس تلتبس عليهم الأمور بظن النِعم نِعم وهي قد تكون نِقم، النعمةُ التي تحمِلُكَ على الكِبر هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على معصية هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على أن تزهوَ على الآخرين هذهِ نِقمة، أمّا النعمة التي تقودُكَ إلى الله وإلى طاعتهِ وإلى شُكرِهِ هذهِ نِعمة, وهذا يؤكدهُ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] يعني: يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء. أيها الأخوة, أدواتٌ ثلاث: أن تُميّز بين النِعمةِ والنِقمة، وأن تُسيء الظن بنفسِك، وأن تطلب العلم, هذه أدوات المحاسبة, إن ملكتَ هذهِ الأدوات, حاسبتَ نفسكَ حساباً عسيراً, فكانَ حسابُكَ يوم القيامة يسيراً: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النور الآية: 46] هذه ثِمار المحاسبة، إن أردتَ أن تكون مستقيماً, وحَرِصتَ على ذلك, يهديكَ الله إلى الصراط المستقيم: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصبرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والأربعين من سلسلة دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, ومنزلة اليوم هي: منزلة الصبر. الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: الصبر في القرآن في تسعين موضعاً. لأن الإيمان هو الصبر، ولأن الإنسان مخلوق للجنة, وثمن الجنة الصبر. هذا الفرق بين المؤمن والكافر : الفرق بين الكافر والمؤمن؛ الكافر متفلت يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يجلس مع من يشاء، يذهب لأي مكان يشاء، يأخذ أي مال يشاء، يعتدي على أي مخلوق يشاء، هكذا تفلت، استرخاء، تحرك عشوائي, المؤمن منضبط بمنهج الله، الشهوات واسعة، القنوات النظيفة محددة، أودع في الإنسان حب المرأة, القناة النظيفة المشروعة التي ترضي الله, أن تنظر لزوجتك، وإلى محارمك، وما سوى ذلك تفلت، كسب المال واسع جداً، هناك ألف مصدر لأخذ المال، الكسب المشروع هو الذي يرضي الله عزوجل. فإذاً: عملية الصبر عملية ضبط, عملية انتقاء، عملية اختيار، عملية دفع ثمن الجنة، أحياناً إنسان يدخل جامعة ويأخذ شهادة عليا، ويحمل لقباً علمياً عالياً، يتعين بمنصب رفيع، يأتيه دخل كبير، يعيش في بحبوحة وكرامة، ما ثمن هذه المكانة, وتلك الكرامة, وهذا الدخل الكبير؟ هو أن رفاقه آثروا اللعب، آثروا النزهات، آثروا الجلوس في الأزقة، هو قبع في البيت, وانكب على الكتاب, وصبر على الدراسة، حتى مراتب الدنيا تحتاج للصبر. ما معنى الصبر؟ : فحينما قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: ((الإيمان نصفان؛ نصف صبر، ونصف شكر)) وفي حديث آخر: ((الإيمان هو الصبر)) فعندما آمنت بالله قيدت نفسك بمنهج الله، حينما آمنت بالله قيدت نفسك بما يرضي الله ، وسعيت للجنة، تركت كل طريق واتبعت طريق الجنة, تركت كل مال وأخذت المال الحلال، تركت كل شهوة ومارست كل شهوة ترضي الله عزوجل، هذا كله صبر، الصبر يعني الضبط، فالمؤمن مضبوط، ضابط لسانه, وعينه, ويده, ودخله, وإنفاقه, وحركاته, وسكناته. من مواضع الصبر : 1-أن الله أمر به : الصبر واجب بإجماع الأمة, لأن القرآن الكريم حينمــا يقول لك: اصبر فهذا أمر، وكل أمر بالقرآن الكريم يقتضي الوجوب، كلام الله منهج، وسلسلة أوامر ونواهٍ، وأنت كمؤمن ليس لك خيار, ﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فأول موضع من مواضع الصبر أن الله أمر به. الصبر وسيلة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة الآية: 153] الصبر وسيلة, راقب نفسك إن كنت عند طبيب الأسنان, وقال لك: إن قلبك لا يحتمل المخدر, أنا مضطر لخلع الضرس دون مخدر فتحمل، هذه القناعة تجعلك تتمسك بيد الكرسي, وأن تشد عليه من أجل الصبر، فكلما ازداد علمك ازداد صبرك. أما لو أن الطفل الصغير وضع على كرسي الطبيب, وشعر بوخذة إبرة المخدر, يصيح ويتحرك بقوة, لأن إدراكه غير إدراك الراشد، فكلما ازداد عقلك ازداد صبرك، كلما ضعف إدراكك قل صبرك. ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ هذا المؤمن الصادق : وقال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [سورة آل عمران الآية: 200] اصبر وأعن أخاك على الصبر، أنا أستمع لبعض الكلمات من وسوسة الشيطان، يطرح أخوك عليك مشكلته تجيبه, لو كنت مكانك لانتحرت! هذا كلام الشيطان، قل له: اصبر يا أخي, فالله عزوجل رحيم, بعد الصبر الفرج، الله يمتحنك، والمؤمن يبتلى، والنبي أشد الناس بلاءً، هذا الكلام فيه مصابرة, اصبر وصابر، لكن المؤمن الصادق يصبر ويستعين بالله على الصبر، قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة النحل الآية: 127] فالصبر بقوة الإرادة كلام فارغ، يتماسك أمام الناس، أما فيما بينه وبين ذاته, قد يتكلم كلاماً قبيحاً, قد يتحرك حركة عشوائية مخجلة, لأنه لم يستعن بالصبر بالله عز وجل, أمرنا بالصبر، أمرنا أن نصبر, وأن نصابر، وأن نستعين بالله على الصبر. 2-النهي عن ضده : البند الثاني من موضوع الصبر: النهي عن ضده، إياك ألا تصبر، إياك أن تضجر، إياك أن تقول: أين الله؟ إياك أن تقول: دعوت فلم يستجب لي، إياك أن تقول كلمات تعني أنك لست صابراً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 35] يقال: أماتهم الله, له أقرباء ظلام حرموه الميراث، يتألم, يستعجل لهم الهلاك، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 15] التولي من الزحف دليل عدم الصبر، ولا تبطلوا أعمالكم بعدم الصبر، هناك أشياء في حياتك هي قدرك؛ ابنك، وزوجتك، وأقرباؤك الذين ليس لك خيار في الانتماء إليهم, كل هؤلاء هم قدرك، فإما أن تصبر عليهم، وإما أن يصبروا عليك، لذلك: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ إنسان خدم والدته كما ذكرت من أيام عشر سنوات, ثم ضجر أشد الضجر، فصاح في وجهها فبكت، فجاء أخوه ونقلها لبيته، بعد يومين ماتت عند أخيه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ أبطل كل عمله. أحياناً: تحسن لإنسان إحساناً مستمراً، ثم تفقد الصواب فجأة فتهدم كل الذي بنيته سابقاً ، الإنسان إذا كان مبتلى، قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] فالوهن والحزن من عدم الصبر، الضجر من عمل صالح متعب دليل قلة الصبر، التولي من الزحف دليل قلة الصبر، استعجال العذاب للأعداء دليل قلة الصبر. 3-أن الله عز وجل أثنى على أهله : البند الثالث في موضوع الصبر: الله جل جلاله أثنى على أهله, وثناء الله على أهله شيء كبير! . آية قرآنية حينما أقرأها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص الآية: 44] الله يعرف أنه ساق لك شدة، ويعرف الأمر بالضبط، والظروف الصعبة والمشقة التي تتحملها, والألم الذي يأكل قلبك، والتضحية التي ضحيت بها، وكم هذا يؤلمك؟: ﴿إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب﴾ إذا أثنى الله عليك أليس هذا مكسباً عظيماً؛ أن يثني عليك خالق الأكوان؟ . إنا وجدناه صابراً لوجه الله في صبر القهر، أما في صبر المعرفة: أحياناً يكون إنسان أقوى منه مقهور صبر القهر، أما أحياناً قادر على فعل كل شيء، لكن يلجمه الصبر, يلجمه خوف الموت, يلجمه رضاء الله عزوجل، يلجمه طلب الآخرة، يلجمه خوف العقاب، الصابرين والصادقين، لأنهم صادقون كانوا صابرين: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 177] الله عز وجل يحب العبد الصابر، في إنسان أقل شيء تجده انتهى، انهار, تكلم كلاماً قبيحاً, تطاول, أعلن عن ضجره، أعلن عن عدم صبره، هناك إنسان صابر: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ ماذا نستنتج من هاتين الآيتين؟ ما الذي يكشف عدم الصبر والصدق؟ قلة الصبر، الصادق صابر، الأقل صدقاً أقل صبراً، غير الصادق ضجر، لا يعد صابراً. 4-الله يحب الصابرين : البند الرابع: والله يحب الصابرين, لو حققت كل مكاسب وصلها إنسان, أعظم مكسب أن يحبك الله عز وجل، ﴿والله يحب الصابرين﴾ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ سبحان الله! يقول: إن الحزن خلاق. الإنسان إذا ربي على النعيم, لا مشكلة مالية عنده، لا صحية، ولا أي قضية, السلامة المستمرة والقوة تقسي القلب، كأنه مستغنٍ عن الله، أما الشدة والابتلاء يرققان القلب، وكأن هذا الصابر قريب من الله عز وجل، هذا شيء ملاحظ، عندما يصاب الإنسان بمرض، عندما يكون هناك مشكلة, تجده سريع البكاء، نفسه شفافة، نفسه قريبة من الله عز وجل، لذلك وجد أن الحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون للرحمة، هذا إنسان قريب من الله, لذلك المصائب قد تخلق بطولات بالإنسان، إنسان معه ألف مليون, تبرع بمليون أو مليونين أو خمسة, هذا هامشها صغير جداً، أحياناً يكون المؤمن معه ألف ليرة لآخر الشهر, مدة سبعة أيام, فهو في أمس الحاجة إليها, يأتيه أخ بحاجة لألف ليرة, يقع في صراع, ثم يدفعها له, ينتصر على نفسه. 5-أن الصبر يوجب معية الله لك : البند الخامس في الصبر: أن الصبر يوجب معية الله لك، ومعية الله شيء ثمين جداً، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 46] هذه المعية الخاصة، معية النصر والتأييد والحفظ والتوفيق، أنت بالصبر ضمنت كل هذه الأشياء. 6-الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه : البند السادس: الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه، أنت أمام مشكلة؛ لك أن تصبر ولك أن لا تصبر، أيهما خير؟ أن تصبر، لأنك إن لم تصبر, ماذا تفعل؟ ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ هذا الذي امتلأ قلبه حسداً من رسول الله, هل بإمكانه أن يمنع عنه الوحي؟ لم يؤمن به, بدل أن تغضب منه وتحقد عليه، جاءت مصيبة, أنت أمام خيارين: تصبر أو لا تصبر، إن صبرت لك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر سوف تقهر, إخبار الله عز وجل بأن الصبر خير لأصحابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 126] ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ أحياناً موظف بدائرة, جالس من الساعة الثامنة للساعة الواحدة والربع, بعمل دؤوب, شديد بإخلاص، يضجر فيذهب للمشي، يقف على النافذة دقيقة، يأتي المدير العام, ويقول له: أهذا عملك؟ المدير بشر, ما عرف أنه بعمل دؤوب من الساعة الثامنة حتى الواحدة والربع، رآه في ساعة راحة، نقول: هذا جوزي بأسوأ ما كان يعمل كل الساعات دوام دقيقة راحة شاهده المدير في هذه الدقيقة، ربنا عز وجل كريم, ينتقي لك أجمل عمل ويكافئك عليه، هو دعاء: اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء, إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر. أو: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء, إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه. قف هنا : يوجد نقطة بالفقه الإسلامي, أتمنى أن تتضح لكم: النبي قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب. الآن يوجد ألف محصول تجب فيه الزكاة, لكن النبي ذكر أربعة فقط, العلماء قالوا: تجب الزكاة في علة هذه المحاصيل لا في عينها. رجل يملك عشرين دونماً من التفاح وبدل القمح حمّص عدس، هناك محاصيل غالية وثمينة جداً, فتجب الزكاة في علة هذه العناصر لا في عينها. لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان. العلماء حملوا على الغضب ثلاثاً وثلاثين حالة، إذا ابنه مريض, ومرض مخيف, القاضي ممنوع أن يقضي, فذهنه غير صافٍ، بعض الأيام استخدم عبارة أحياناً أكون أمام أمر صعب أقول: أنا لست معك, فأنا مشغول, عندي موعد, الآن سوء فتوى, هو مرتاح البال, يريد إعطاء التفاصيل, فالقاضي لا يملك الحق بالقضاء, إذا كان غضبان, أو جوعان, أو تعبان, أو يوجد مشكلة في حياته. ماذا نفهم من هذا الحديث؟ : النبي الكريم قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً, إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا, رَضِيَ مِنْهَا خلقاً آخَرَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] جارك, أخوك, أبوك, صديقك, كل له سلبيات وإيجابيات, اجعلها مبدأ، كن منصفاً, كل جهة تبحث عن الإيجابيات والسلبيات، فإن ذكرت الإيجابيات ذكرت السلبيات، فهذا الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 96] 7-إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب : البند السابع في الصبر: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب، ﴿إنما يوفّ الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ الله عز وجل مربٍ، يسير الإنسان في الصحراء, يتعب يجد واحة فيرتاح, الله حكيم, يسوق الشدة ثم بعدها الرخاء، يسوق الشدة ومن بعدها شدة إليه، يسوق المحنة ومن بعدها منحة، يسوق الشيء المتعب ومن بعده شيء مريح. سيدنا رسول الله بالطائف, إذا وجد خط بياني للدعوة بالحضيض، كذب واستهزئ به وبدعوته, وقد ناله الأذى من أبنائهم، قال: يا رب, إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي. ماذا جاء بعد الطائف؟ الإسراء والمعراج، وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى سدرة المنتهى, عندها جنة المأوى، لقد رأى من آيات الله الكبرى، لقد أطلعه الله أنه سيد الخلق ، سيد الأنبياء والمرسلين، متى جاء الإسراء والمعراج؟ بعد الطائف. وكل شخص منا, عنده طائف, وعنده إسراء ومعراج، بالمعنى الرمزي: ساعات شدة ومحنة، وساعات فوز وتكريم، بعد العسر اليسر، وبعد الضيق الفرج، بعد الضعف القوة، بعد الفقر الغنى، هذه حكمة الله عز وجل, وهذه تربيته، أنت عندما تبشر إنساناً بماذا تبشره؟ أتبشره بإتلاف المال؟ هذا مستحيل، تبشره بالقتل؟ مستحيل, وهذه اسمها استعارة تهكمية، على كل؛ البشرى للشيء الطيب. هذه وظيفة المصيبة : قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 155] قد تجد الغني مكرماً عند الله والفقير مهاناً، قد تجد القوي مكرماً ومهاناً، قد تجد الوسيم مكرماً والدميم مهاناً، امرأة على جانب من الجمال معززة مكرمة، امرأة تواجه مشكلة, تجدها غير مرغوبة, فهذه المرأة من الدرجة الثانية تتألم، لكن الله عزوجل يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [سورة الفجر الآية: 15] ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [سورة الفجر الآية: 16] لا ليس ذلك. فليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً. إذا الله عز وجل منعك من شيء لا يعني أنه يهينك، أجمل مثل: الأب الطبيب, شكا له ابنه ألماً في المعدة, قام بالتنظير, فوجد التهاباً حاداً، طهو من الطعام الكوسا, فمنعه من تناولها بقسوة، وإذا فكرت الأم إعطاءه نصف قطعة, يصب عليها جام غضبه, فهذا الطفل عندما حرم هذه الأكلة الطيبة, هل يشعر أن أباه يهينه؟ هذه ليست إهانة بل حفظ، فعندما تفهم أن هذه المصيبة حفظ نجحت. ما معنى هذه الآية: أولئك عليهم صلوات من ربهم؟ : الآية الكريمة: الله عز وجل يخاطب المؤمنين: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ الصلاة هي الدعاء، الدعاء لمن بيده القوة، فإذا صلى الله عليك, الله بيده كل شيء, الصلاة من الله رحمة وعطاء، من العبد دعاء، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 157] إلى ماذا يحتاج النصر؟ : النصر يحتاج للصبر، قال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 125] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: واعلموا أن النصر مع الصبر. إلى ماذا يحتاج الصبر؟ : شيء آخر: الصبر يحتاج لقوة إيمان، أما عدم الصبر دليل ضعف الإيمان، والدليل: قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى الآية: 43] ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة لقمان الآية: 17] الفرق في اللام وفي صبر وغفر، المعنى الذي تعرفونه: هو أن الإنسان إذا جاءه من الله مصاب مباشرة عليه بالصبر، أما إذا جاء هذا المصاب على يد إنسان, عليه أن يصبر ويغفر، يصبر على قضاء الله وقدره، ويغفر لمن ساق الله هذه المصيبة على يديه، أوضح مثل: إنسان وقع ابنه من الشرفة, فنزل ميتاً, عليه بالصبر، لأن هذا قضاء الله وقدره، أو لو أن سائقاً دعس ابنك لا سمح الله ماذا تفعل؟ هنا أنت بحاجة لصبر ومغفرة, وحينما يكون إيمانك قوياً جداً, ترى أن هذا الذي ساق الله المصيبة على يديه, إنسان قدر الله عليه هذه المصيبة، فلا تحقد إذا كنت مؤمناً. قف عند هذه الكلمة : الآن المراتب العالية، المواقف الجليلة، البطولات التاريخية، قمم النجاح، هذا كله يحتاج إلى الصبر، إن أردت أن تكون من عامة الناس فلا تصبر، وإذا كنت من أعلام الأمة والنوابغ والعباقرة وكبار الدعاة والمصلحين، هناك مضائق لا بد أن تمر فيها، ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما﴾ اسمحوا لي بهذه الكلمة أيها الأخوة: لن نشم ريح الجنة إلا إذا مررنا في المضائق التي رسمت لنا ونجحنا فيها، في مضائق الصبر، الصبر عن الشهوة، والصبر على الطاعة, والصبر على قضاء الله وقدره، الحياة مريحة؛ مال، جاه، مكانة، طعام لذيذ، نزهات جميلة، لا متاعب أبداً, هذا شيء مستحيل, لا بد من مضائق تمر فيها، مر فيها النبي, ويمر فيها كل مؤمن صادق: ﴿فاصبر كما صبروا أولو العزم من الرسل﴾ ﴿فاصبر وما صبرك إلا بالله﴾ ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ الصبر دليل العظمة : الوحشي الذي قتل سيدنا حمزة, وأمرته هند بنت عتبة أن يشق صدره, وأن يستخرج كبده, فمضغت كبده تحقيقاً لحقدها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب سيدنا الحمزة حباً لا حدود له، أليس بإمكانه أن يقتله؟ أن يمثل به؟ أن يعذبه؟ أعلن الشهادة انتهى، دخل في الإسلام دخلة تقية كما يبدو, فالصبر دليل العظمة، سهل أن تبطش, لكن البطولة أن تصبر، أن تكظم الغيظ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 134] ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 80] المراتب العليا تحتاج إلى صبر : رجلان قادمان من أوربا بسيارتين, دخلا فندقاً في بعض مدن أوربا الشرقية، في الليل فتاتان طرقتا بابي الغرفتين، رجل فتح الباب والآخر طردها، وتابعا المسير للشام، الذي فتح الباب, أصبحت حياته سلسلة من العذابات, إلى أن طلق زوجته، وأغلق متجره، ولم يجد ما يأكل، والثاني صعد هكذا, هذا العطاء لمن صبر، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 23] سيدنا يوسف أكبر شاهد قدوة للشباب, آثر طاعة الله ورضوانه على شهوته, لذلك ما من شيء أكرم على الله من شاب تائب. إن الله ليباهي الملائكة، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة فصلت الآية: 35] المراتب العليا تحتاج إلى صبر، وما نيل الطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلايا . ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [سورة الإسراء الآية: 19] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 142] نقطة هامة : الآيات الدالة على عظمة الله، العبر لا يستنبطها إلا الصابرون, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 5] ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 19] ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة الشورى الآية: 33] الصبار هو كثير الصبر, وهو الذي يكتشف الآيات، في الآيات الكونية والتكوينية. قد لا تصدق : قد لا تصدقون: هذه الجنة العظمى, ودار الخلد التي وعد بها المتقون, هذا المقام الرفيع عند الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 55] هذا العطاء الأبدي، والنعيم المقيم، وهذا الفوز العظيم، والمقام الرفيع في ظل رضوان الله، هذا النظر لوجه الله يوم القيامة, قال: كل هذا ثمنه الصبر، الدنيا فيها شهوات وقنوات نظيفة، فإذا سلكت الشهوات في هذه القنوات هذه للجنة، إذا أفرغت الشهوات في أي قناة للنار. ((إن عمل الجنة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بثروة)) الآية الكريمة تقول: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [سورة الرعد الآية: 23] ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [سورة الرعد الآية: 24] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 24] فأنتم في سلام, اللهم أوصلنا إلى دار السلام بسلام، فثمن هذه الدار الصبر: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقب الدار﴾ الصبر يورث صاحبه الإمامة : الصبر يورث صاحبه الإمامة: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ الشيء قبل الأخير: أن الصبر يقترن بكل مقامات الإسلام؛ كالإيمان والتقوى والتوكل والشكر والعمل الصالح والرحمة، لذلك كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, ولا إيمان لمن لا صبر له, كما أنه لا جسد لمن لا رأس له. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خير عيش أدركناه بالصبر. الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية : عندما الله عز وجل يسعد إنساناً, هذه السعادة لا علاقة لها بنوع معيشته، قد يسعدك وأنت في الكوخ، وقد يسعدك وأنت أعزب, وقد يسعدك وأنت فقير، وقد يسعدك وأنت مريض ، وقد يسعدك وأنت تأكل أخشن الطعام, يسعدك وأنت ترتدي أخشن الثياب، وقد يشقيك الله عز وجل وأنت في قمة النعيم، الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية، الله عز وجل قد يحجب رحمته عن القوي فقوته بلاء عليه، وعن الوسيم وسامته بلاء عليه، وعن الغني غناه بلاء عليه، عن إنسان عنده أولاد أولاده أعداء له، وقد يفتح رحمته على من حجبت عنه الدنيا, فإذا فراشه الخشن أجمل فراش. في فندق بألمانيا كتبوا على السرير: إن بت أرقاً, فابحث عن ذنوبك, فالعلة ليست في فرشنا, بل في ذنوبك, يتألم الإنسان أحياناً ولا ينام. الأحاديث التي وردت في موضوع الصبر : يقول سيدنا عمر: خير عيش أدركناه بالصبر. والنبي الكريم أخبر في الحديث الصحيح: أن الصبر ضياء، نور في القلب. الصبر -كما قالوا-: الحسنة نور في القلب، والوجه صحة في البدن، محبة في قلوب الخلق، سعة في الرزق. ويقول عليه الصلاة والسلام: ((أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ, سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ قَال: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)) يا رب ارزقني الصبر، افتقر إلى الله بالصبر. وفي الحديث الصحيح: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا)) النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالصبر عند ملاقاة العدو، وعند المصيبة، وعند الصدمة الأولى, وأمر المصاب أن يحتسب مصيبته عند الله عز وجل, فإن هذا يخفف من مصيبته، حسبي الله ونعم الوكيل, ونهانا عن الجزع والتسخط والتشكي, فإن هذا يزيد في الإثم ويذهب الأجر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن الصبر خير كله، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر. ملخص الدرس : ملخص الدرس: إذا كنت مؤمناً فأنت صابر، وإن لم تصبر فهذا ضعف شديد في إيمانك، فإن ضجرت فهذا يدل على عدم الإيمان، ومن لا صبر له لا إيمان له، والحمد لله رب العالمين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحاسبة - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه, وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه, وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أدوات المحاسبة : 1-العلم : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم هي منزلة المحاسبة، وقد سبقَ أن عولِجَت هذه المنزلة قبل درسين، واليوم نأخذ الجزء الثاني منها. بيَّنـتُ في الدرس السابق من المحاسبة, أنَّ أدوات المحاسبة كثيرة, من أبرزها العِلم، فأنت بالعِلم تُحاسبُ نفسكَ، فحينما تقرأ نصًّا باللُّغة العربيَّة، هل تستطيع من دون أن تكون عالمًا باللُّغة أن تعرف أخطاءك؟ مستحيل، إن درسْتَ العربيَّة، ودرستَ قواعد العربيّة، وقرأت نصاً عربياً، حينها تكشف الأخطاء التي تقع بها أثناء القراءة، فالعِلم هو الوسيلة الأولى، والأداة الأولى لِمُحاسبة النَّفس, إن كنتَ تعرف الحلال والحرام، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يجوز وما لا يجوز، إن كنتَ تعرف الفرائض والواجبات والسُّنَن والتَّحسينات, وإن كنت تعرف المحرَّمات وتعرف المكروهات والمندوبات والمباحات, عندها تُحاسب نفسَك، أما هذا الذي لم يطلب العلم، كيف يُحاسب نفسهُ؟ وأكبر دليل: أنَّك لو قرأْتَ نصًّا أمام إنسان غير متعلّم ، لو سألته عن القراءة لقال لك: ممتازة، وقد ترتكب مئة خطأ, فهو لا يستطيع أن يكشف الخطأ, فهذه واحدة. 2-سوء الظن بالنفس : الشيء الثاني: سوء الظنّ بالنّفس أحدُ أدوات المحاسبة، فهذا الذي يمْدحُ نفسهُ ويتملّقها، ويتوهم أنَّه على صوابٍ دائمًا، وأنّ الناس جميعًا مُخطئون, هذا إنسان بعيد عن محاسبة النَّفس، فلا بدّ مِن أن تُحاسب نفسكَ حِسابًا دقيقًا عن طريق سوء الظنّ بها، لذلك المُوَفَّقون في حياتهم يُحسِنون الظنّ بِأخوانهم، ويُسيئون الظنّ بأنفسهم, وغير المُوَفَّقين في حَياتهم يُسيئون الظنّ بِأخوانهم دائمًا، ويُحْسِنون الظنّ بِنُفوسهم. سيّدنا عمر عملاق الأعلام -رضي الله عنه- كان يخْطُب، وفجأةً قطَع الخُطبة، وقال: كنتَ عُمَيراً, فأصبَحْتَ عمر، وأمير المؤمنين، وكنتَ ترعى غُنَيْماتٍ لِبَني مخزوم على دُرَيهمات, -هذا الكلام لا علاقة له بالخطبة- ولما نزل من على المنبر, قال له أصحابهُ: ما علاقة ما قلت بالخطبة؟! فقال رضي الله عنه: جاءَتني نفسي, فقالتْ لي: ليس بينك وبين الله أحد, -أيْ أنتَ قِمَّة المجتمع الإسلامي! فليس المعنى أنَّه قِمّة المجتمع لِقوَّته! لا، قِمّة المجتمع الإسلامي في الدِّين، وفي القُرْب من الله عز وجل. فقال-: أردْتُ أنْ أُعرِّفها أنَّني كنتُ عُمَيْرًا، وأصْبحتُ عمر، وكنتَ أرعى غُنيماتٍ لِبَني مخزوم, أردت أن أعرف نفسي. فالمُوَفَّقون في حياتهم يسيئون الظن بأنفسهم، ويُحاسبون أنفسهم حسابًا عسيرًا، دَعْكَ من التَّمَلُّق لِنَفْسِك، لا تُزَكِّيها. دائمًا: الحقيقة المُرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح، أكثر الناس يقول لك: أنا إيماني أكثر منك وهو لا يُصَلِّي, ويفعل كلّ الموبقات، كلام شيطاني أن تقول: أنا مؤمن وأنت لسْت كذلك. 3-تمييز النعمة من الفتنة : الشيء الثالث: تمييز النِّعمة من الفتنة، كم إنسان ذي نِعمةٍ مُسْتَدْرجٍ بها؟ إذًا هي فتنة، وكم من إنسانٍ متميِّزٍ بِنِعمةٍ مُكَرَّمٍ بها؟ المال قد يكون لإنسان نعمة ولآخر نقمة، إذا جَمَعَك المال على الله فهو نعمة، فإذا جمعَكَ على معْصِيَة فهو فتنة, وكذا القوَّة إنْ أوْصَلتْك إلى الله فهي نعمة، وإن أبْعَدَتْك عنه فهي فتنة. 4-أن تميز بين المنة والحجة : وشيءٌ آخر: لا بدّ من أن تُميِّز بين المِنَّة والحجَّة, فالله سبحانه وتعالى إذا أعطاك فهو مِنَّة، فإن أنْفقْت الذي أعطاكه في معْصِيةٍ, كان هذا الذي أخذْتَهُ من الله تعالى حجَّة عليك، فأنت دائمًا بين أن يكون الشيء حجَّة لك أو حجَّة عليك. الآن: كلُّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها تنفيذٌ لِمَرضاة الله عز وجل وأوامره فهي مِنَّة، وكلّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها بُعْدٌ عن الله عز وجل فَهِي حجَّة، وكلّ مال اقْترَنَ بِطاعة الله تعالى فهو مِنَّة، وكلّ مال أنْفق في معصِية الله عز وجل فهو حجَّة، وكلّ فراغٍ اقْترن بِعملٍ صالح فهو نعمة, وإن اقْترنَ بِعَمل سيِّء فهو فتنة، وكلّ قَبُولٍ من الناس, وتعظيم لهم, ومحبة لهم لك, اتَّصل به خضوع الربّ وذلّ وانْكِسار، ومعرفة بعين النفس والعمل، وبذْل النَّصيحة للخلق فهو مِنَّة، وإلا فهو حجَّة، وكلّ حال مع الله تعالى أو مقامٍ اتَّصل به السَّيْرُ إلى الله فهو مِنَّة, إن صَحِبهُ الوقوف عنده والرِّضا به فهو من لذَّة النَّفس ورعوناتها. 5-أن تميز ما لك وما عليك وأن تعطي كل ذي حق حقه : أيها الأخوة, هذا ملخص الدرس الماضي, أردْتُ أن أجعله بين أيديكم, كي نبني عليه شيئًا جديدًا، فلا بدّ مِن أن تُمَيِّز ما لك وما عليك، وأن تُعْطِيَ كلّ ذي حقّ حقّه, وكثيرٌ من الناس يجعل كثيراً ممَّا عليه من الحق من قِسْم ما له، لا مِن قِسْم ما عليه، فيتحيَّر بين فِعْلِهِ وترْكِهِ، وإن فعلهُ رأى أنَّه فضْلٌ قام به، لا حق أداء عليه أن يؤديه, فما الذي لك؟ وما الذي عليك؟. أُناسٌ كثيرون إزاء هذا التقسيم, يظنّ أن ترْك المباحات حق عليه، لا, تَرْكُ المباح ليس حقًّا عليك، ولكن مسْموحٌ لك أن تدَعَهُ، فلو أنَّ الإنسان تعبَّد الله تعالى بِتَرْك النِّكاح، فهل هذه العبادة صحيحة؟ هذه ليْسَت لك كي تنفقها، هذه حقّ لك، فما لك ليس لك أجرٌ إذا صرفْتَهُ عنك، لك أن تتزوّج, ولك أن تغتسل، وأن ترتدي ثيابًا نظيفة، ولك أن تأكل وتنام, فالذي لك لا يمْكنُ أن يكون عليك أن تؤدِّيَهُ, لذلك: إنَّ نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم سألوا عن عبادته في السرّ، فكأنَّهم تقالُّوها. فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قال: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) فالذي لك ليس لك أجر بإنفاقه، فأنت لك أن تتزوّج، فليس لك أجر بترك الزَّواج، وأن تعمل ولكن ليس لك أجر بِتَرْك العمل، ولك أن تنام ولكن ليس لك أجر بِتَرك المنام، فلو أنّ الإنسان الآن أراد أن يُسافر على الأقدام, هل له أجر؟! لأنَّ المشقة في الإسلام ليْسَت مطلوبةً لِذاتها, فحينما تفرض عليك مرحبًا بها، أما أن تطلبها لِذاتها فهذا ليس من الدِّين في شيء. 6-أن تعرف ما القليل وما الكثير؟ : نقطةٌ في المحاسبة جديدة: الكثير والقليل, قبل كلّ شيء يقول تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ سورة البقرة الآية: 269] ومهما أكثرت من الحكمة فهي تحتاج إلى أكثر من ذلك، أما المال يُعَدُّ قليله كثيرًا وكثيرهُ قليلاً، يُعَدُّ قليله كثيرًا إذا مات الإنسان ذهب ماله, ويُعدُّ قليله كثيرًا إذا أُنْفقَ المال في طاعة الله كان كثيرًا عند الله عز وجل. هذا ما قاله العلماء : يقول العلماء: أرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون اسْتِغفارًا عَقِبَ الطاعات لِشُهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بِحلاله كما يليق بِجَلاله وكِبْريائه، وأنَّه لولا الأمر لما أقْبل أحدهم على مِثل هذه العبوديَّة ولا رضِيَها لسَيِّدِه. يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 198] ما علاقة الاستغفار بِعَرفات؟! فأنت كنتَ في عِبادة، وفي انْقِطاعٍ لله عز وجل، فلِمَ الاسْتِغفار؟! قال العلماء: كلَّما عظُمَ الله عندك, رأيْتَ عِبادتك له لا تليق به، فينبغي أن تستغفر، وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 17] فهم يقومون الليل ثمّ يستغفرون. قال: الاستغفار يَجِبُ أن يأتيَ عَقِبَ عبادة دينِيَّة مديدة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا سلم من الصَّلاة اسْتغفرَ ثلاثًا, ثمَّ قال: ((اللهمّ أنت السلام, ومنك السَّلام, تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام)) وأمرهُ الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرِّسالة، والقيام بها وبأعبائها، وقضاء فرْض الحجّ واقْتراب أجله، فقال في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] عَقِبَ النَّصْر الكبير استغفر، وعَقِب الحجّ اسْتَغْفِر، وكذا عقِبَ الصِّيام استغفر. كان النبي عليه الصلاة والسلام في خاتمة عباداته يقول: ((سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهمّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِّرين)) اعلم هذا : وقال بعض العارفين: متى رضيتَ عن نفسِكَ وعملك, فاعْلَم أنَّه غير راضٍ عنك، ومن عرف أنَّ نفسهُ مأوى كلّ عَيبٍ وشرّ، وعمله عُرضةٌ لِكُلّ آفة ونقْص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!. وأحد العلماء يقول: من تحَقَّق بالعُبوديَّة, نظر في أفعاله بِعَين الرِّياء, وأحواله بِعَين الدَّعوة، وأقواله بِعين الافْتِراء، وكلَّما عَظُم المطلوب في قلبك, صَغُرَت نفسُكَ عندك، وتضاءَلَتْ القيمة التي تبذُلها في تحصيلهِ. قف هنا : أيها الأخوة، يَجِبُ أن تتّهِم نفسَك، وتعرف ما لك وما عليك، ويَجِب أن تعرف ما القليل وما الكثير، ولا يكْمُل هذا المعنى إلا أن تربأ بِنَفسك عن تعْيير المقصِّرين. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الذَّنب شؤْم على غير صاحبه, إن ذكرهُ فقد اغتابَهُ، وإن رضِيَ به فقد شاركهُ في الإثم، وإن عيَّرَهُ ابْتُلِيَ به. فإن كنت مستقيمًا, ولم تقم بِذَنب, وارتكب أخوك ذَنباً، وأنت عيَّرْتَهُ، هنا سَتُبتلى به, وإن ذكرتَهُ فقد اغْتَبتَهُ، وإن أقْررْتَهُ فقد شاركْتهُ في الإثم، لذلك ينبغي أن لا تزدري البطيء، وأن لا تُدِلّ بطاعتك، فلا تحتقرُ من يعصي الله فلعلَّهُ يتوب ويسْبِقُك, وأن لا تمنّ بِعَملك الصالح على الله عز وجل، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] قال: ينبغي أن تربأ بِنَفسك عن تعييرِ المقصِّرين، فلعلّ تَعييرك لأخيك بِذَنبهِ أعظمُ إثمًا من ذنبه، وأشدُّ من معصِيتِهِ، لما فيه من صَولة الطاعة, وتزكِيَة النَّفس وشُكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذَّنب، وأنَّ أخاك باء به، ولعلَّك كسرْتهُ بِذَنبِهِ، وما أحْدثت له شيئًا، فلا تزدري البطيء في طريق الإيمان، ولا تذلّ بالمتفوِّق في طريق الإيمان، أعْطِ كُلاً حقَّه. احذر من ذنب يمقتك الله فيه : هذا الذي يدلّ بِعَمله على الله, قال: ما أمْقتَهُ عند الله, فذَنبٌ تذلّ به لديه أحبّ من طاعة تُدلّ بها عليه, وإنَّك إن تبيتَ تائبًا ونائمًا وتُصبِحَ نادمًا خير لك من أن تبيتَ قائمًا، وتُصبِحَ معجبًا فإنّ المعْجب لا يصعدُ له عمل, وإنَّك إن تضْحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مذلّ، وأنين المُذنبين أحبّ إلى الله تعالى من زجل المسبِّحين المذِلِّين، ولعلّ الله عز وجل أسقاه بِهذا الذَّنب دواءً استخْرج به داء قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر, فازْدِراء البطيء والإذلال فيه إثم. نقطة هامة : أهل البصائر يعرفون منها بِقَدْر ما تناله معارفُ البشر، ووراء ذلك ما لا يطَّلِعُ عليه الكرام الكاتبون. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا زنَت أمة أحدكم, فلْيقم عليها الحدّ ولا يثرِّب، من قول يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)) الميزان بيَدِ الله، والحكم لله، والسَّوط الذي ضُربَ به هذا العاصي بيَدِ مقلِّب القلوب، والقصْد إقامة الحدّ لا التَّعْيير ولا التثريب، فالإسلام حينما يكون في أوّله قد ينشأ في بيئةٍ غير مطبِّقة له, فإقامة الحدّ شيءٌ عظيم, ينبغي أن يكون واضِحاً في أذهاننا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 74] وقال تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] أرأيتم إلى هذا الأدب؟. وقال بعضهم: لا يأمنُ القدَر وسطْوتَهُ إلا أهل الجهل بالله. قصة : وأنا في سفري حينما عُدْت، قالوا لي: أتَدري من تُوُفِّي؟ فقلتُ: لا، قال: فلان, شابٌّ في ريعان الشَّباب, عنده محلّ تِجاري كبير، وله دَخْلٌ وفير، ومن روَّاد المسجد، وفيما أعتقد أنَّه صالح، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، وتوفِّي في حادث هو وزوجتهُ وأُمُّه وأولادهُ, فالإنسان لا يعلم إن كان يعيش إلى الستِّين أم أن يأتيه الموت في الثلاثينات, هذا شيءٌ مُخيفٌ جدًّا، ويا ترى: هل هيَّأ نفسه أم لا؟!. من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 74] وكان عامّة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مقلّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) نهاية المطاف : أيها الأخوة، هذه نِهاية المنزلة التي بدأناها قبل حين؛ منزلة المُحاسبة, فالأداة الأولى فيها: العِلم، والأداة الثانية: أن تُفرِّق بين النِّعمة والنِّقمة, والأداة الثالثة: أن تعرف ما ينبغي فعْلُهُ وما لا ينبغي فعْلُهُ، وأن تعرف أنَّ طلب العِلْم فرضُ عَينٍ على كلّ مسلمٍ ومسلمة. وفي درس آخر إن شاء الله, نُتابِع موضوعًا آخر من موضوعات مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اليقظةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما معنى اليقظة؟: أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والأربعين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، والمرتبة اليوم: اليقظة. اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، إنسان يركب مركبة، مرتاح، اكتشف فجأة أن المِكْبَح معطَّل, ألا ينزعج؟ لكنه اكتشف هذا الاكتشاف, والطريق مستوٍ هكذا ....، والطريق خالية, وبإمكانه أن يقف، فهذا الانزعاج الطارئ، ثم الحركة لنيل السلامة، هذه اليقظة، يقابل هذه اليقظة الغَفلة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2750/01.jpg أخطر مرض يصيب الإنسان في الدنيا: أن يكون غافلاً عن الله، غافلاً عن نهاية الحياة، غافلاً عن الآخرة, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [سورة الكهف الآية: 28] الله عزَّ وجل لا يخلق الغفلة في قلب العبد، ولكن أغفل: معناها وجدناه غافلاً, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] عاشرت القوم فما أجبنتهم؛ أي ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم؛ أي ما وجدتهم بُخلاء, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا﴾ [سورة الكهف الآية: 28] أي من وجدناه غافلاً, قال تعالى: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] باللغة العربيَّة في قواعد، في حالات شاذَّة، والحالة الشاذَّة دائماً تؤكِّد القاعدة، طبعاً وزن أفْعَلَ يفيد التعدية، ولكن هناك حالات لا يفيد التعدية، من أندر الأفعال فعل كادَ، إذا قلت : كِدُّت أقع؛ أي ما وقعت، وإذا قلت: لم أكد أقع حتى وقفت وقعت، الفعل إذا سبقه نفي فهو مثبت، وإن لم يسبقه نفي فهو منفي، كدت أقع وقعت لم تقع، ولم أكد أقع حتى وقفت, معناها وقعت، فوزن أفْعَلَ يعني الوجدان، أغفلته أي وجدته غافلاً، أبخلته وجدته بخيلاً، أجبنته وجدته جباناً, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [سورة الكهف الآية: 28] والآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] عوام الناس واقعون في غفلة، في المستقبل في موت، في غفلةٍ عن الموت، بعد الموت في برزخ، في غفلةٍ عن البرزخ، بعد البرزخ في يوم قيامة، في غفلة عن هذا اليوم، في صراط، في غفلة عن محاسبة الله له، فجأةً يكتشف الحقيقة المُرَّة بعد فوات الأوان، أما المؤمن يعرف الحقيقة المُرَّة قبل فوات الأوان. كيف تمت هذه اليقظة عند هذا الشرطي؟: فاليقظة حال, ومرتبة من مراتب مدارج السالكين, في إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، ولله ما أنفع هذه الروعة، انزعاج القلب أحياناً سبب الصحوة، وسبب اليقظة، وسبب الهداية، وسبب السلامة. رجل بعيد عن الدين كُلياً، من عامَّة الناس، له صديقٌ ثريٌ جداً, يمضي معه أكثر الأوقات، رجل ثري يبحث عن شهوته، سهرات طرب، وولائم، ونُزهات، وبساتين، وخدم وحشم، ونساء، هكذا حياته، توفِّي هذا الإنسان الثري فجأةً، ودُفِنْ. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2750/02.jpg هناك شكوى أنه مات مسموماً من بعض زوجاته، فلا بدَّ من أن يؤخَذ عيِّنة من معدته بعد الدفن، وهناك رجل يعمل في سلك الشرطة، كان هو المسؤول عن فتح القبر وأخذ عينة، إنه يصف هذا الإنسان بعد أيَّام عديدة وصف لا يصَدَّق؛ منفوخ، أزرق، كل عضو في جهة، فلمَّا نُقِرَ بطنه, صدر صوت كبير جداً، ثمَّ أُخِذَتْ عيِّنة، هذا قبل أيَّام كان في نعيم، في بيت فخم، يأكل أطيـب الطعام، يركب أجمل العربات, كان يوجد عربات, لأن القصَّة قديمة جداً, خدم وحشم وجوارٍ ونساء، نُزهات وبساتين، بعد يومين أو ثلاثة من دفنه أصبح بهذه الحال, ثم بعد ذلك حصلت مشكلة حول إنزال إنسان في قبر على إنسان، ما الذي مدفون سابقاً مضى على دفنه أربعون عاماً, هذا الذي سمعته، قصَّة أرويها كما سمعتها, يقسِم بالله هذا الإنسان الذي يعمل في الشرطة, أن هذا الإنسان كفنه كأحسن قميص، جلده طري، هذا كان حافظ كتاب الله, وكان إمام أحد المساجد، فهذا الإنسان من الموازنة بين الشخصين، إنسان مدفون من أربعين سنة وكأنه نائم، أقسم بالله أنه وضع يده على خده, فشمَّ رائحة مسك, وبقيت فترة جمعة معه, هكذا أروي القصَّة كما سمعتها, والثاني مضى على دفنه يومان, وصار بشكل مخيف، فصار لهذا الشرطي يقظة، أين أنا أمشي؟ هذا مصير الانحراف, وهذا مصير التقوى والصلاح. فاليقظة أن تُصْدَم صدمة قاسية، إلى أين أنت ماشٍ؟ وأغلب الظن: أن أكثر المؤمنين بعد أن يصطلحوا مع الله جاؤوا على أثر صدمة. قصة إسلام هذا الملحد: في رجل مُلحد حدَّثتكم عنه في أسابيع عدَّة قبل أشهر، في مكتبه أستاذ رياضيات في جامعة في سان فرانسسكو, مُلحد، دخلت عليه فتاة مسلمة محجَّبة حجاباً كاملاً، والفتيات في الصَيف شِبْهُ عَرايا، لفت نظره هذا الحجاب، وهذه الفتاة تحمل دكتوراه بالرياضيات مهذَّبة جداً ، يقول: شعرت أن فيها قوَّةً خفيَّة، وشعرت بدافعٍ شديد إلى خدمتها، وشعرت أن لها قداسةً بحيث لم أجرؤ على أن أُحَدِّقَ في وجهها، ومنذ ذلك اليوم عكف على قراءة كتب الإسلام، وانتهى مسلماً، والآن هو من أكبر دعاة أمريكا إلى الإسلام، منظر هذه الفتاة أحدث صدمة، يقظة، حالات كثيرة جداً. اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، وما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشدَّ إعانتها على السلوك!. أليس هذا المنظر يحدث يقظة عند الإنسان؟: قال لي أحد الأخوان: إنسان ملك، فُتِحَ النعش، حُمِل، وُضِعَ في القبر، اعلم يا عبد الله أن الجنَّة حق والنار حق, أين المُلك؟ أين القصور؟ أين السفر؟ أين الزوجات؟ مثل هذا المنظر يحدث يقظة، صدمة. قصة تائب: لي صديق يعمل مدير معمل, ليس صاحب معمل بل مدير معمل, صاحب المعمل رجل في رفاه منقطع النظير، حدَّثني عن بيته، بيت ثمنه قريب من مئة مليون، أجنحة، جناح شرقي وجناح غربي، ديكورات، تزيينات، فرش وثير كله مستورد، يعيش في أناقة مذهلة، قال لي: توفي في أيام الشتاء، وفي سبعة أيَّام مطيرة مطر غزير، قال لي: فُتِحَ القبر فإذا فيه مياه سوداء تجري، بعض المجاري اتصلت بالقبر، ابنه مهندس سُئل: ماذا نفعل؟ قال: ادفنوه، يقول لي مدير المعمل: بقيت أسبوعين لم أقدر أن آكل، معلمي هنا وضعوه!! الذي كان يستورد الغطاء من فرنسا، خاص، ذو وزن خفيف جداً، هناك نوع من الصوف اسمه مُهير غالي الثمن، أناقته، أكله، غرفه، وهنا وضعوه!! سبب توبته رؤية صاحب هذا المعمل مدفون في هذا القبر, قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] فالله عزَّ وجل كان من الممكن أن يأتي بنا إلى الدنيا دفعةً واحدة، وأن نغادرها دفعةً واحدة، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً, وأن نغادرها تباعاً, ليتَّعظ بعضنا ببعض. كلمة ألقيت على قبر: مرَّة شَيَّعت جنازة، فُتِح القبر، ووُضِعْ الميِّت في القَبر، البلاطة لا تكفي لسدِّ فتحة القبر، بقي هناك فرجة هكذا .....، فجاء الحفَّار وأهال التراب على هذه البلاطة، ونزل فوق الميِّت حوالي خمسة كيلو تراب، وأنا أعرف هذا الميِّت أنه أنيق جداً، نظيف كثيراً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] فألقيت كلمة على القبر, وقلت: العقلُ كل العقلِ، والذكاءُ كل الذكاءِ، والفلاح كل الفلاحِ ، والفوزُ كل الفوزِ، والتفوَّق كل التفوق في الإعداد لهذه اللحظة التي لا بدَّ منها، لكل مخلوق، هذه اللحظة التي لا بدَّ منها لكل مخلوق، إما أن يكون القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النيران. طبعاً هذه اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، هذه لها أثر طيب جداً، وإلا فصاحبها في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّرّ بهمَّته إلى السفر إلى منازله الأولى. ماذا تفهم من هذه القصة؟: لي قريب خرج من المدرسة من الصف السادس، فوضعه أبوه في محل تجاري في سوق الحمديَّة، طبعاً عمله خدمة ينظِّف المحل، يأتي بطعام لمعلِّمه، يُكَنِّس، يملأ الإبريق، له بنت عم، هو خرج من السادس وهي أكملت سابع، عندما يلتقي معها, تقول له: أنا صرت في السابع، مرَّة ثانية بالثامن، بالتاسع، وصل إلى درجة بلغ به الألم درجة لا تُحْتَمَل، فجاء لي وقال: أريد أن آخذ كفاءة، قلت له: أنت إلى أين وصلت؟ قال لي: أنا خالص من السادس، قلت له: رأساً كفاءة؟ قال لي: نعم رأساً كفاءة، قال لي: أي شيء تريده أنا أفعله, ولكن أريد أن آخذ كفاءة هذه السنة، أنا في عملي بالتعليم, لم أجد إنساناً طالب صادق في طلب العلم كهذا الطالب ، ومتألِّم من ابنة عمه ومن استعلائها عليه، حطَّمته، هو للكنس، وملء الإبريق، ويحضر الطعام، وكنس المحل، وهي سابع، ثامن، تاسع، درس السابع والثامن والتاسع في سنة واحدة, وأخذ الكفاءة، أخذ البكالوريا, ودخل جامعة، هذا الاستفزاز. أحياناً الإنسان يرى مشهداً فينسحق، هذا الانسحاق سبب اليقظة، سحق، أين كنت ماشياً؟. إلى متى أنت باللذَّات مشغولُ وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ ماذا نسمي هذه الحالة؟: أول مراتب هذه الحال الطيِّبة: اليقظة, الانتباه من النوم، والانتباه فيه انزعاج، النوم مريح والاستيقاظ صعب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سورة سبأ الآية: 46] فالقَوْمَةُ لله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2750/03.jpg أحياناً الإنسان يكون مستلقٍ في فراشه، فيتذَّكر أنه باق للدوام ثلث ساعة، فينهض سريعاً من الفراش مثل المجانين، يلبس وينطلق لعمله، أرأيت إلى هذه النطَّة؟ النبي قال: ((شمِّروا فإن الأمر جِدْ، وتأهَّبوا فإن السفر قريب، وتزوُّدوا فإن السفر بعيد، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةً كؤود، يا أبا ذر جدِّد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النيَّة فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد)) فعلى الإنسان أن يشمِّر، أما هكذا على التراخي، لا بدَّ أن يقلع، تلاحظ سيَّارة معطَّلة، تدفعها، تشغِّل فلا تدور، في لحظة يدور المحرِّك، تنطلق وتتركهم، لم يعد يلحق بها, لأن المحرِّك دار. أحياناً الطائرة في المطار, أنا سافرت كثيراً, تمشي ببطء شديد، فسألت مرَّة فقيل لي: إنها تنتظر أمر الإقلاع، هناك أمر إقلاع من البرج، فإنها تمشي ببطء غير معقول، على الخمسة تمشي وتقف، تمشي وتقف بعد هذا تصل إلى أول المدرج، عندما تأخذ أمراً بالإقلاع يعطيها قوة محرِّك كبيرة جداً، تزداد السرعة، وقد لاحظت السرعة بالإقلاع حوالي مئتين وثمانين. نحن نريد مؤمناً يقلع، أولاً يستطلع، يسمع درس علم، يمشي ويقف، يقف ويمشي، يغيب درس، يحضر الدرس، يغيب ثلاثة ويحضر واحد، يأتي آخر الدرس، ماشي هو كالطائرة قبل أن تقلع، وبعد هذا لا بدَّ من أن يستلم المَدْرَج, وأن يعطي الطائرة أقصى سرعة كي يُحَلِّق، هذه الحالة اسمها اليقظة. قف هنا: فأنا لا أذكر الآن القصص، فهناك قصص كثيرة جداً لأخوة كرام حدَّثوني عنها, وهي سبب هدايتهم، أحياناً منظر مخيف، أحياناً مصير إنسان فجأةً، مصير إنسان عاصٍ، مرض مخيف يعمل صحوة، لذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [سورة فاطر الآية: 37] النذير قال العلماء: القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو الشَيْب، أو سنُّ الأربعين، أو سِنُّ الستين، أو المصائب نذير، أو موت الأقارب. ما هي أهم مرحلة يقطعها القلب حينما يصحو؟: أول شيءٍ ينبغي على المريد أن يفعله: أن يستنير قلبه برؤية نور التنبيه، تجد في المطارات ألواناً صفراء فاقعة، اللون الأصفر موجته طويلة جداً، صارخ، إذا كان هناك لوحات تحذيريَّة تجد أن كلها فسفوريَّة، في الطرقات العامة السريعة اللوحات التحذيريَّة كلها فسفوريَّة لها وهج، القلب عندما يصحو فقد قطع أهم مرحلة, وهي اليقظة، استيقظ، من أخطر مرض وهو الغفلة. الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا. قال: الكافر عندما يأتيه مَلَك الموت, ويرى مكانه في النار, يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا. اسمع هذه القصة: كان في رجل غير ملتزم إطلاقاً، لكن بائع من الطراز الأول، صار معه مرض وهو عمره ثمان وثلاثون سنة، تجد أن السوق كله لا يوجد مشترٍ, وعنده خمسة وعشرون مشترياً في محله التجاري، بائع من الطِراز الأول، وله قريب أعرفه، مرض فزاره، أراد أن يقبِّله من باب الود، فقال له: لا تنزع لي طعمة فمي، كانت عنده مغنيَّة قبل أن يأتيه، أي أنه منحرف انحرافاً شديداً, ثم اكتشف أن معه مرض خبيث في الدم، تأتيه نوبات هيستيرية، يبحت ويضطرب, ويقول: لا أريد أن أموت، أحد شركائه روى لي قصَّته, قال لي: والله حينما فارق الحياة, صرخ صرخةً لا يوجد إنسان في البناء ذو الأربع طوابق لم يسمعها من شدَّة الذعر، فإذا الإنسان تيقَّظ قبل فوات الأوان, يكون من نعم الله الكبرى أنه تيقَّظ قبل فوات الأوان. هذه مشكلة الإنسان: المشكلة: أن الإنسان في غفلة، كل ما حوله يدعوه إلى الدنيا، البيت، الطريق، المحلات التجاريَّة، العلاقات، السهرات، الولائم، النُزُهات، إذا دخل إلى المسجد يسمع عن الآخرة ويعرف مصيره، فإذا أنت حرمت نفسك العلم فأنت في غفلة كبيرة، معقول إنسان عمره ثمانون سنة يفكِّر بإنشاء كازينو؟ ثمانون سنة عمره, ومشروعه الأول إنشاء كازينو، ففي أي غفلة هذا!؟ الله قال: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [سورة الكهف الآية: 57] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2750/04.jpg لاحظ بعض الناس: في شأن الدنيا يصغي لك عشر ساعات؛ تجارة، مشروع، معمل، تأسيس، سفر، في شأن الآخرة تجد أنه تثاءب رأساً, ويقول لك: لا تؤاخذني عندي موعد، ملاحظ بشؤون الآخرة في ملل، معنى هذا أنت غافل، تجد أنه يحفظ معلومات كثيرة جداً، أما أنه يتذَّكر آية، ولا آية ولا حديث، أحياناً يتربَّى على سيرة عنترة, ولا يعرف شيئاً عن سيرة الصحابة. حكى لي أخ، له درس ديني, فقال لي: والله أنا كنت أتكلَّم عن فساد المجتمع، قال: يا أخوان عمَّ الفساد، والفساد دخل إلى البيوت، قال: تأتي البنت الساعة العاشرة، أين كانت؟ إنه يتساءل، كانت مع الحبيب، الكل صلوا على النبي، هم ليسوا مع الدرس ولا مع المعلومات، اللهمَّ صلِ على الحبيب، أي حبيب هذا؟ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ولا تكن مع الغافلين, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] من أدعية النبي: منَّ الدعاء النبوي: ((اللهمَّ أنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك, ماضٍ فيَّ قضاؤك، نافذٌ فيَّ حكمك، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, من أن تُحِلَّ عليَّ سخطك، أو تنزل بي غضبك)) ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ, وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ, وَفُجَاءَةِ نَقْمَتِكَ, وَجَمِيعِ سُخْطِكَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] أحياناً تأتي المصيبة فجأةً، فإذا كان الإنسان يقظاً أفضل ما تأتيه وهو غافل . ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ, خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ, وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ, أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ, أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ -أي أعترف- وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ, َمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] نقطة هامة: أيها الأخوة, لذلك النبي -اللهمَّ صلِ عليه-: أمرنا بالتفكُّر بالموت كثيراً حتى تنشأ حالة اليقظة، الآن في صور، في نساء بالطرقات، في محلات تجاريَّة، في سيَّارات فخمة جداً، في بيوت رائعة، في بساتين، في حدائق, وفي عمل للآخرة، في مساجد، وفي تلاوة قرآن، وفي حفظ قرآن، في طلب عِلم، وفي تعليم العلم، فإذا الإنسان غافل, عاش في الدنيا؛ بمتع الدنيا، بشهواتها، بأموالها، بتجاراتها, أما إذا صحا يعيش في أجواء الدين، أجواء القرآن، أجواء السُنَّة، أجواء البطولات، أجواء العمل الصالح. فالإنسان في النهاية وعاء له فتحة علويَّة وله صنبور سفلي، الذي تضعه في الفتحة العلويَّة تأخذه من الصنبور، أبداً، فقل لي: من أين تتغذَّى تغذية ثقافيَّة أم تغذية روحيَّة؟ فإذا الإنسان كان يتغذَّى بالمغذِّيات العامَّة, سيكون كل عالمه كرة قدم، فنَّانون وفنَّانات، هذه هي التغذية العامَّة، أما إذا كانت تغذيته إسلامية, ستكون ثقافته كلها ثقافة؛ قرآن، سُنَّة، نبوَّة، كمال، بطولات، أخلاق، بحسب التغذية يفرز الإنسان، يفرز مما تغذّى، أهم شيء أن يكون هناك تغذية صحيحة. من علامة صحة الاستغفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [سورة فصلت الآية: 30] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2750/05.jpg الإنسان عندما يستيقظ عنده ثلاث حالات؛ عنده التوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات الماحية، والمصائب المُكفِّرة، أربعة أشياء يستغفر, ويتوب، وقد يعمل عملاً صالحاً مكفِّراً، وقد تأتيه مصيبة مكفِّرة، العمل الصالح يمحو والمصيبة مكفِّرة. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ, فَقَالَ: ((مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا, فَقَالَ: لا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] في شيء دقيق، الإنسان أخطأ يستغفر ويتوب، الآن: ربنا عزَّ وجل قد يسوق له مصيبة مكفِّرة أو هو يفعل عملاً صالحاً ماحياً، بالعمل الصالح إن الحسنات يذهبن السيئات، العمل الصالح ماحٍ، والمصيبة مكفِّرة، والتوبة مقبولة، والاستغفار مقبول، أنت بين توبةٍ، واستغفارٍ، وعملٍ صالحٍ، ومصيبةٍ مكفِّرةٍ للذنب الذي سبق. الاستغفار لا يكون صحيحاً إلا إذا رافقه مفارقة الذنب، وإلا استغفار كاذب، تستغفر وأنت مقيم على الذنب هذا مستحيل، من علامة صحَّة الاستغفار: أن تُقْلِع عن الذنب. استنتج: حدَّثني أخ خطيب من خطباء دمشق الكبار, هو من بلد في أوروبا الشرقية, قال لي: ذهبت لبلدي واخترت أكبر جامع في ألبانيا، قال لي: خمسة آلاف عندهم شوق، وعندهم رغبة لسماع الخطبة، والله سمعتها منه, قال لي: كل واحد يحمل معه مسكر, أي زجاجة من المسكر ضمن المسجد، انظر إلى الجهل, ضمن المسجد يسمع الخطيب ويبكي ويشرب، والله من فمه قال لي، ما هذا؟ هل هناك جهل بعد هذا الجهل؟ إنسان في خطبة جمعة، يشرب خمر، ومتأثِّر بكلام الخطيب كثير، فإذا الاستغفار لم يرافقه ترك الذنب, هذا شيء مضحك جداً. ما أكبر إنجاز يحققه الإنسان في حياته؟: الإنسان يستغفر ويتوب، وتأتيه مصيبة أحياناً مكفِّرة، ويعمل عملاً صالحاً ماحياً، إذا الأشياء لم تكن صالحةً لقبول توبته في عذاب بالقبر، فقد كنت أقول كلمة، الحديث القدسي: ((وعزَّتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةًَ في ماله أو ولده, حتَّى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدَّت عليه سكرات الموت حتَّى يلقاني كيوم ولدته أمُّه)) أحدنا إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, يكون حقَّق أكبر إنجاز في حياته، إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له، لأن عذاب القبر والعياذ بالله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر الآية: 46] آل فرعون من ستة آلاف سنة، ستة آلاف سنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ضرب اثنين غدواً وعشياً، هذا عذاب القبر، فإذا اجتهد أحدنا في الحياة الدنيا, ووصل إلى شفير القبر مغفوراً له، مقبولاً عند الله، مقبولةٌ توبته، مغفورٌ ذنبه, فهو من أسعد الناس، لذلك الله عزَّ وجل قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 21] وإذا لم يكفه عذاب القبر يتابع تطهيره في جهنَّم، وقد يمكث فيها ملايين السنين، في معالجة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي النار، نحن بطولتنا العُظمى: أن نصل إلى القبر مقبولين عند الله، العوام لهم كلمة رائعة وهي: الله يجعلها على الإيمان. الغفلة مرض خطير: مرَّة كنا في حفل افتتاح مسجد في منطقة الصبورة، الذي أنشأ المسجد أنشأه على نفقته الخاصَّة، مسجد فخم جداً، دعا علماء دمشق لافتتاحه، وأُلقيت كلمات جميلة جداً، وصار هناك نوع من السرور، خرجت من المسجد فوجدت في الطرف الثاني من الطريق ملهى فيه كل القذارات، بعد أن انتهى بأسبوع فَطِسَ الذي أنشأه، قلت: كيف يلقى الله عزَّ وجل؟ يلقى الله بأسوأ حال، بين أن تلقى الله بأحسن حال وبين أن تلقى الله بأسوأ حال، فالغفلة خطيرة جداً، الغفلة توصل إلى النار، مرض الغفلة أخطر مرض, يقابها اليقظة والصحوة. من هو المقصود في هذه الآية؟: فإذا أرسل الله عزَّ وجل للإنسان مصائب مكفِّرة نعمة، معنى هذا: أنه ضمن العناية المشدَّدة، إذا عمل هو أعمال صالحة ماحية أيضاً نعمة، إذا كان استغفاره صحيحاً، أقلع عن الذنب، صار في استغفار، وتوبة، ومصائب، وأعمال طيِّبة، إذا كل هذا كان عند الله مقبولاً, وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, وإلا يُتَابَع تمحيصُه من الذنوب في البرزخ، فإن لم يفِ البرزخ كلُّه تتابَع معالجته في النار، وقد يمكث ملايين السنين، فالله عزَّ وجل يجعلها في الدنيا ، لأن الدنيا أهون من الآخرة. الآيات الكريمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ [سورة هود الآية: 103] لليَقِظ, أما الغافل لا يخاف. كلمة غريبة جداً: مرَّة طالب قال لي: أنا لا أخاف من الله، كلمة غريبة جداً، فقلت له: أنت بالذات معك حق، قال: لمَ أنا بالذات معي حق!؟ قلت له: أحياناً الفلاح يأخذ ابنه الصغير الذي عمره سنتان إلى الحصيدة، يضعه في مكان، لو سار إلى جانبه ثعبان, طوله عشرة أمتار لا يخاف، لا إدراك, إذاً: لا خوف، الخوف مربوط بالإدراك، فكل إنسان لا يخاف من الله إدراكه مُعَطَّل، فالآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ [سورة هود الآية: 103] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [سورة النازعات الآية: 45] ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [سورة ق الآية: 45] نهاية المطاف: وإن شاء الله في درسٍ آخر نتابع مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، واليوم موضوع الصحوة أو اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من شدَّة الغفلة، فيها صَعْقَة، فيها شدَّة، وهذه سبب كل خير، لذلك: الله عزَّ وجل يسوق المصائب لإحداث هذه الصحوة. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفكرة - التفكرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.لماذا أعطى الله الإنسان الفكر؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الفكرة؛ أي التفكر. أول شيء أيها الأخوة: هل تصدق: أن أعقد شيء في الكون على الإطلاق: دماغ الإنسان, فهو عاجز عن فهم نفسه؟ . يعني أكبر جهاز حاسوب في الأرض لا يرقى إلى واحد بالمليار من طاقات الدماغ البشري، هذا الفكر الذي أودعه الله فينا، هذا الجهاز الاستشاري الذي وضع تحت تصرفنا, لماذا خلقه الله لنا؟ خلقه الله لنا كي نعرفه به, فاستخدمناه لهدف صغير صغير، كأن تشتري حاسوباً لتحليل الدم, يوجد حواسيب تخصصية ثمنها بالملايين، بعشرات الملايين، يمكن أن تشتري حاسوباً لتحليل الدم خمسة وثلاثين مليون, تستخدمه طاولة في البيت, أيفعله عاقل؟ حينما تستخدمه كطاولة تحتقره وتعطل كل ميزاته, أما إذا استخدمته في مخبر تحليل, تأخذ به ملايين مملينة أرباحاً. المشكلة: أن الله سبحانه وتعالى أعطاك فكراً من أجل أن تعرفه, فإن عرفته أطعته, وإن أطعته, سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة. هذا ما يتجه إليه الإنسان اليوم : الآن: الإنسان يستخدم ذكاءه وفكره من أجل كسب المال فقط، أو من أجل تثبيت مركزه في مكان أو آخر، أو من أجل أن يصل إلى أكبر قدر من الدنيا بأقل جهد، لكن الإنسان حينما يستخدم ذكاءه وفكره لغير ما خلق له, يوم القيامة يندم أشد الندم، هل يعقل أن يكون معك شيك بألف مليون دولار, لم تنتبه له, تستخدمه ورقة عادية, جمعت وطرحت عليها, ثم أتلفتها, ثم تكتشف أن هذه الورقة ألف مليون دولار، استخدمتها كورقة مسودة؟ مثل صارخ، ورقة مالية ذات قيمة, قيمتها ألف مليون دولار, أنت استخدمتها كورقة مسودة, كتبت كلمتين ثم مزقتها، ثم اكتشفت بعد حين: أن هذه الورقة كانت ستغنيك إلى نهاية العمر, وتغني كل أفراد أسرتك, هذا الذي يحصل. هذا الدماغ البشري، هذا الفكر البشري, أنت ممكن أن تصل به إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة, لو أعملته في التفكر في خلق السموات والأرض، لكن ذكاء الناس, وفطنة الناس، وحكمة الناس المادية مصبوبة على الدنيا فقط، ففي إنجاز دنيوي كبير لكن لا يوجد سعادة أبداً, لذلك: منزلة التفكر وردت بشكل واضح في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 190-191] لم لم يؤمن هؤلاء العلماء : قد ينشأ سؤال الآن: هؤلاء العلماء الكبار الذين في مخابرهم, يرون من آيات الله الدالة على عظمته الشيء الذي لا يصدق، يعني نحن ما غصنا في البحار، الآن في سفن أبحاث مصفحة معها أضواء كاشفة, ترى بأم عينك في خليج مريانة الذي يبلغ عمقه اثني عشر ألف متر في المحيط الهادي, ترى أنواع الأسماك والكائنات البحرية والنباتات البحرية، ممكن أن ترتاد الفضاء, والذين وصلوا إلى القمر, ورأوا الأرض كرة من القمر وصوروها، وهؤلاء الذين يرون الكائنات الدقيقة في المخابر الجرثومية، وهؤلاء الذين يرون المجرات العملاقة في التلسكوبات الفلكية، وهؤلاء الذين يكبرون النسج البشرية فإذا منظر النسيج البشري شيء لا يصدق، هؤلاء لِمَ لم يؤمنوا؟ لِمَ لم تخشع قلوبهم لذكر الله؟ لِمَ لا يعرفون الله وهم يقفون وجهاً لوجه أمام آيات باهرات؟ أستطيع أن أقول لكم الجواب الشافي: الإنسان لا يرى إلا حاجته. ما وراء هذا المثال : ومرة ضربت مثلاً بسيطاً: إنسان يوجد عنده برميل في المطبخ, وصار في إشكال, والماء سال إلى غرف الضيوف, وأتلف السجاد, ويحتاج إلى جهاز توازن, فخرج من البيت لا يلوي على شيء, يبحث عن هذه الفواشة, هذا لا يرى شيئاً, لو دخل إلى محل تجاري, قال له: يوجد عندي جهاز هاتف جديد, لا يرى شيئاً، لا يرى هاتفاً ولا تحفة ولا قماشاً, يبحث عن هذه الحاجة، فالإنسان عندما يبحث عن حاجةٍ يعد أعمى عن بقية الحاجات، فالذي شهوته هي إلهه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 23] الذي يبحث عن شهوته، يبحث عن مال وفير، جاه عريض، ذكر كبير، هذا لا يرى الحقائق، هذا شأنه شأن آلة تصوير غالية جداً جداً, ولكن لا يوجد فيها فيلم، قد تلتقط أجمل المناظر, ولكن لعدم وجود فيلم, لا ينطبع عليها شيء، فشأن الذكي، شأن العالم الكبير, عالم الفلك، عالم الطب، عالم الجراثيم، عالم الفيزياء، عالم الكيمياء, عالم البحار، عالم الجيولوجيا، شأن هؤلاء الأشخاص أنهم يعيشون مع حقائق مذهلة, ولكن هذه الحقائق لا تنقلهم إلى الله, لأنهم ما أرادوا أن يعرفوا الله، معنى هذا: من أجل أن نخزن الصور, لا نستفيد من آلة غالية الثمن بلا فيلم، ونستفيد من آلة رخيصة جداً مع فيلم، هذا الفكر البشري أعلى جهاز خلق في هذا الكون، الإنسان أعقد مخلوق وأعقد ما فيه الدماغ، والدماغ طاقاته كبيرة جداً, حتى الآن معظم علماء الطب يجهلون حقيقة الدماغ. ما الهدف من هذه المقدمة؟ : هذه المقدمة أردت منها: أن تستخدم فكرك لمعرفة الله, أن تجلس تتفكر في خلق السموات والأرض، أن تجلس تقرأ القرآن متدبراً، أن تنسلخ عن الدنيا لساعة من الساعات وتقول: من أنا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ وماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ هذه أسئلة كبيرة جداً، لكن مشكلة الناس أنهم في زحمة الحياة، من عمل إلى عمل، من صفقة إلى صفقة، من سهرة إلى سهرة، من لقاء إلى لقاء، من مشروع إلى مشروع، من نشاط إلى نشاط، يأكل ويشرب وينام ويعمل، ويأكل ويشرب ويعمل إلى أن يأتيه ملك الموت فجأة دون أن يستعد له, هذه هي الطامة الكبرى, قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات الآية: 34-39] أنواع التفكر : قال بعض العلماء: التفكر تفكران؛ تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالذي يتعلق بالعلم والمعرفة هو تفكر, كي تميز بين الحق والباطل، والثابت والمنفي ، والتفكر المتعلق بالطلب والإرادة كي تميز بين النافع والضار. ما هي الحقيقة؟ : أيها الأخوة, هناك نظرية المعرفة, ما الحقيقة؟ ما قاله الناس تعريف مضحك، ما قرأته في الصحف, تعريف يحتاج إلى ضحك شديد، ما الحقيقة؟ ما تناقلها الناس، ما استقر عليها المجتمع، لا, الحقيقة هي شيء مقدس جداً، إنك إن أردت الحقيقة وصلت إلى كل شيء, والحقيقة من الحق, والحق الشيء المستقر والثابت والهادف، يعني المعادن تتمدد بالحرارة هذه حقيقة، حقيقة فيزيائية, هذه فوق المكان والزمان, والأهواء والنزوات, والقيل والقال, والأخذ والرد, والمناقشة, والرد والطعن، هذه حقيقة فوق كل شيء, طبعاً أنا أردتها مادية، أما في حقائق كبرى حقيقة وجود الله، تسعون بالمائة من الناس يتجاهلون هذه الحقيقة, يتعامل مع كل من حوله, كأن الله غير موجود، الذي يأكل مالاً حراماً, لا يتعامل مع الله على أنه موجود, وعلى أنه سوف يحاسبه، الذي يعتدي على أعراض الناس ولو بالنظر, لا يتعامل في هذا السلوك مع إله سميع بصير محاسب دقيق, فلذلك: التفكر يجب أن يصل بك إلى الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] ما وراء هذا المثال : مثل: يوجد في السيارة مصباح أحمر اللون, يتألق عندما يقل مستوى الزيت في المحرك عن الحد الأدنى، هذا المصباح خطير جداً, إذا تألق المصباح, وأنت ما توقفت فجأة, المحرك احترق, وكلف من ثلاثين إلى أربعين ألف، إذا إنسان ظن أن هذه المصابيح الحمراء في السيارة مصابيح تزيينية يكون في جهل عميق، في جهل مخيف, هذا المصباح إذا تألق, معنى ذلك أنت في خطر, يجب أن تقف فوراً وإلا يحترق المحرك, هذه حقيقة, أما إذا توهم أن هذه المصابيح تزيينية, هو جاهل جهلاً كبيراً, وهذا الجهل مدمر, وسيجعل صاحبه يدفع الثمن باهظاً. الحقائق يجب أن تكون أهدافاً لنا جميعاً، الحقيقة: الله موجود هذه حقيقة، الله واحد هذه حقيقة ثانية، الله كامل حقيقة ثالثة، الدنيا فانية حقيقة رابعة، مخلوق لحياة أبدية حقيقة خامسة، ثمن هذه الحياة التزام بمنهج الله حقيقة سابعة، مما يرفع شأنك في هذه الدار: أن تعمل صالحاً حقيقة ثامنة، فهل عرفت الحقائق الكبرى في الحياة؟ لو عرفت الحقائق الكبرى, كما لو أنك عرفت أن هذا الضوء إذا تألق يجب أن تقف فجأةً، وإن لم تعرف هذه الحقائق, توهمت أن هذا الضوء إذا تألق فهو للتسلية كي يسليك في الطريق, هذا هو الجهل بعينه. مزارع اشترى لتر سماد, قال له البائع: يجب أن تذيبه في برميل من الماء, ثم ترش النبات بهذا السائل، وهو من شدة حرصه على المحصول الوفير, فصب في البرميل لترين من هذا السائل, استيقظ في الصباح أربع بيوت بلاستيكية زراعة محمية اسودت، يعني مئتين أو ثلاث مئة ألف غلة البيوت ذهبت أدراج الرياح بثانية واحدة في ليلة واحدة، هذا جهل الحقيقة؛ أن لتراً واحداً يذاب في برميل، الإنسان إذا عرف الحقيقة انتفع نفعاً كبيراً . ما سبب هذه المشكلات التي يعاني منها الإنسان؟ : الآن كل شيء ترونه أمامكم شراً أساسه الجهل، ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع، مرة اقتنيت مركبة, وما أتيح لي أن أترجم تعليمات الصانع, بعد حين أتيح لي أن أترجم هذه التعليمات، وجدت أن كل متاعبي, وكل النفقات التي لا لزوم لها, وكل المشكلات التي عانيتها, بسبب عدم فهمي, وعدم ترجمتي لتعليمات الصانع مثل حي، وأقول لكم: كل المشكلات التي يعاني منها الإنسان دون استثناء, هي بسبب عدم تطبيق تعليمات الصانع، الصانع هو الله, وتعليماته هي القرآن، وتفسير تعليماته هي السنة، وتطبيق تعليماته هي السنة العملية -السيرة-؛ فإذا قرأت القرآن, وقرأت السنة, وقرأت السيرة, فقد استوعبت تعليمات الصانع, وتفسيرات تعليمات الصانع, وتطبيقات تعليمات الصانع. ما أخطر شيء في حياتنا؟ : أخطر شيء في حياتنا أن نعرف الحقيقة، إنك إن عرفتها ربحت ربحاً كبيراً، أنت دخلت مثلاً إلى غرفة, وفيها ألف قطعة صفراء لامعة، مئة قطعة ذهب أربع وعشرين، مئة قطعة ذهب واحد وعشرين، مئة قطعة ذهب ثمانية عشر، مئة قطعة ذهب ستة عشر، مئة قطعة ذهب إحدى عشر، مئة قطعة ذهب ثمانية، مئة قطعة نحاس مغمس مطلي بالذهب، مئة قطعة نحاس ملمع، مئة قطعة معدن أصفر خسيس لا قيمة له، وهذه القطع مختلطة؛ من هو العاقل, ومن هو الذكي, ومن هو الفالح, ومن هو الناجح, ومن هو الذي سيسعد بهذه القطع؟ الذي عنده جهاز, يكشف له قطعة الذهب ذات الأربع والعشرين قيراطاً يجمعها ويخرج، يكون أخذ أثمن ما في هذه الغرفة, نحن بحاجة إلى هذا الجهاز، والجهاز هو تعليمات الصانع افعل ولا تفعل, جئنا إلى الدنيا. أيام تسمع تاريخ حياة عالم, جاء إلى الدنيا, عرف الحقيقة, فجعل من حياته طاعة، من ماله إنفاقاً، من حواسه انضباطاً, من فهمه معرفةً لله، من تكلمه دعوةً إلى الله، من إنفاق ماله قربى إلى الله، من لقائه بالناس دعوةً إلى الله فسعد بالدنيا والآخرة، وقد يأتي إنسان لا يعرف الحقيقة, يعيش ليأكل، يكسب المال ليتباهى به, يفعل كل الموبقات, وهو يتوهم أنه يفعل ما هو خير له. إذاً: بالتفكر تعرف الحقيقة، وبالتفكر تمتلك الإرادة. قصة : مرة كنا في سهرة, فيها عدة أطباء قلب, قدم حلوى طيبة جداً عليها قشطة, فبعض الأطباء لم يأكل ولا لقمة، سأله أحدهم: لِمَ لم تأكل؟ قال لهذا السائل: أنا أعالج مرضى, شرايين قلوبهم مسدودة بفعل هذا الطعام، فأنا أكرهها كراهةً عقلية لا كراهة ذوقية، طعام طيب, لكن لشدة ما يرى من متاعب يعاني منها الإنسان حينما تسد شرايين قلبه، كره هذه الحلوى لا لأنه لا يحبها؛ ولكن يكرهها كراهةً عقلية, هل ترى التفكر؟ . التفكر أحياناً يبعدك عن شيء محبب ويدفعك إلى شيء غير محبب، ما الذي ينفع الطالب؟ أن يدرس، ما الذي يسره؟ أن لا يدرس، أن يجلس مع صديقه يقرأ مجلة، يتنزه في الطريق، هذا شيء يسرُّه, فمعلوماته سطحية، أما أن يقبع بغرفة يقرأ عشر ساعات, هذا شيء لا يسره، لو استخدم عقله، استخدم تفكره, قال: أنا حينما أتعب هذه السنوات, أرتاح طوال حياتي، وبالفعل الطالب الذي درس ليس الآن، الآن يوجد ترتيب آخر, قديماً هذه بالثلاثينات والأربعينات، عندما كانت الدراسة مهمة جداً. اقرأ ما قال هذا الكاتب المصري : مرة كاتب مصري ألَّف كتاباً, فقال: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس, فكنا استغنينا عن التجارة, وذل البيع والشراء, وترويج السلعة بالأقسام والأيمان, فما العيش إلا عيش الموظفين. هذه قبل ثمانين سنة، كان الموظف يتقاضى راتباً خيالياً، أنا تعينت سنة ست وستين, وكان الراتب ثلاث مئة وخمس وأربعين ليرة, وكانت الليرة الإنكليزي بسبع وعشرين ليرة, قسم ثلاثمئة وخمس وأربعين على سبعة وعشرين واضربها بخمسة آلاف, كان راتبي وقتها اثنين وسبعين ألف، كنت موظفاً, تصور موظفاً الآن راتبه اثنان وسبعون ألفاً ممتاز جداً، فكانت الليرة بسبع وعشرين ليرة سورية، قال هذا الكاتب: وما العيش إلا عيش الموظفين. ببلد عربي أفتى المفتي هناك: أنه يجوز دفع الزكاة للموظف, لشدة حاجته إلى المال في هذه الأيام. على كلٍ؛ العبرة: أن الإنسان هناك حقيقة, هي حقيقة تصل إليها عن طريق التفكر, وحقيقة أخرى تعينك على الإرادة. قف هنا : يقول هنا: التفكر تفكران: تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالتفكر الذي يتعلق بالعلم والمعرفة, تفكر التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي، والتفكر الذي يتعلق بالإرادة والطلب, هو التفكر الذي يميز بين النافع والضار، فأنت حينما تستخدم الفكر البشري لتعرف الحقيقة, وصلت إلى كل شيء, وحينما تستخدم الفكر البشري لتتعامل مع الحقيقة تعاملاً إيجابياً, إذاً وصلت إلى كل شيء، عندك تفكيران؛ أن تعرف الحقيقة وأن تنتفع بها، وكل علم لا يبنى عليه عمل لا قيمة له، وكل علم لا ينتهي إلى العمل الجهل أولى منه. مجالات التفكر : مجالات التفكر: أول مجال مجال التوحيد, استحضار أدلته, شواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته، الألوهية يستحيل ثبوتها لاثنين، وقال الله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل الآية: 51] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [ سورة الأنبياء الآية: 22] فهذا مجال للتفكر، استحضار أدلة التوحيد، استحضار أدلة بطلان الشرك، استحالة إثبات الألوهية لاثنين، استحالة إثبات الربوبية لاثنين، إبطال عبادة اثنين، إنما هو إله واحد، إبطال التوكل على اثنين، العبادة لا تصح إلا لإله واحد, هو إله الحق، ورب الحق, وهو الله الواحد القهار، هذه موضوعات التفكر في التوحيد، يبنى على هذا موضوعات التفكر في البراء والولاء، ما دمت توحد الله, ما دمت تعتقد يقيناً أنه لا موجد بحق إلا الله، الآن ينبغي أن تتبرأ مما سواه، وأن توالي من يواليه, هذا أيضاً موضوع للتفكر الولاء والبراء, قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [ سورة الممتحنة الآية: 4] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [ سورة الزخرف الآية: 26] إذاً: الحقيقة الأولى: التوحيد يبنى عليها البراء مما سوى الله, والولاء لله ورسوله، وأصحاب رسوله، والتابعين، والأولياء، والعلماء العاملين. إليكم هذه الحقائق المتعلقة بالتفكر : قال بعض العلماء: ينتج عن هذا التفكر، التفكر في التوحيد, والتفكر في نتائج التوحيد الولاء والبراء, حقيقة المحو والإثبات. فالمؤمن بعد التفكر بالتوحيد, يمحو محبة ما سوى الله من قلبه علماً وقصداً وعبادةً، ويثبت في قلبه ألوهية الله سبحانه وتعالى, والمؤمن بعد التفكر, هذا التفكر يؤمن بحقيقة الجمع والفرق, فيفرق بين الإله الحق وبين من دعيت له الألوهية بالباطل، ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إله واحد هو: الله لا إله إلا هو. وحقيقة التجريد والتفريد، فيتجرد من عبادة ما سوى الله, ويفرده وحده بالعبادة، والتجريد هو النفي، والتفريد هو الإثبات، يعني يجرد ينفي كل عبادة لغير الله، ويوحد ويثبت العبادة لله وحده, فالولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد هو النافع المثمر والمنجي الذي به تنال سعادة الدنيا. يعني هذا الدرس معناه: يجب أن نفكر، يجب أن نجلس لنفكر، يجب أن نفكر لا في كسب رزقنا, ولا في حل مشكلاتنا, ولا في صعودنا إلى مراتب عليا، يجب أن نفكر بالحقيقة، وأن نفكر كيف ننتفع بالحقيقة؟ يجب أن نفكر في موضوع التوحيد, وما أدلة التوحيد، وما أدلة نفي الشرك, إذا فكرنا بالتوحيد: وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. صار معنا الولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد، هذه بعد الحقائق المتعلقة بالتفكر. هذه قصة إسلام الصحابي الجليل نعيم بن مسعود : أيها الأخوة, الإنسان أحياناً أو في أغلب الأحيان يصل إلى أعلى درجات السعادة بلحظة تفكر صادقة. أروي لكم قصة سيدنا نُعيم بن مسعود: هذا رجل كان في الجاهلية خليل متعة وشراب، غارق في الشراب؛ أي شراب الخمر, وغارق في متعة النساء, وهو من غضفان, رجل زير نساء, يشرب الخمر من الطراز الأول، فلما بلغته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام, شعر أن هذه الدعوة تحد من شهواته, وتحرمه من ملذاته, فحاربها أشد المحاربة، فلما كانت معركة الخندق, لأنه أحد وجهاء غضفان, وغضفان توجهت لمحاربة النبي العدنان, لا يستطيع إلا أن يخرج، فخرج مع قبيلته ليحارب النبي, وطبعاً: غضفان نصبت الخيام حول المدينة في معركة الخندق, يروي قصته بشكل مؤثر. قال: في أحد الليالي، ليالي الحصار, كنت مستلقياً في خيمتي, بدأت أفكر, يقول: يا نعيم لماذا جئت لمحاربة هذا الرجل الصالح؟ هل تحاربه لأنه سفك دماً حراماً؟ هل تحاربه لأنه اغتصب مالاً حلالاً؟ هل تحاربه لأنه فعل ما فعل؟ ما فعل شيئاً, أيعقل يا نعيم: أن تحارب رجلاً صالحاً؟ يا نعيم أين عقلك؟ أين ذكاؤك؟ هؤلاء الذين حول النبي ماذا فعلوا؟ آمنوا به وصدقوه, واتبعوا النور الذي أنزل معه, كيف تحاربهم؟ أيليق بك أن تحاربهم؟. -رجل مستلقٍ في الفراش, أو على أرض الخيمة, وهو يستعد لمحاربة النبي، يجري مع نفسه حواراً ذاتياً، مناقشة رائعة جداً-, هذه المناقشة حملته على أن يقف ويتسلل إلى معسكر المسلمين، ويدخل على النبي صلى الله عليه وسلم, ويقول له: يا رسول الله، قال له النبي: نعيم بن مسعود، قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله. -قصة مؤثرة, إنسان في معسكر العدو, أحد وجهاء غضفان, جاء ليقاتل النبي العدنان, بلحظة حوار ذاتي، لحظة تفكر, هذا محور الدرس، أيام إنسان بحكم تسميها تقاليد, عادات، نمط الحياة, استمرارية الحياة، يؤذي ولا يشعر-. قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ائمرني يا رسول الله بما تريد، قال له: أنت واحد -لأن في الخندق قال تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [ سورة الأحزاب الآية: 10] أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته-. قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت، أنت واحد فينا, -هل تصدقون: شيء لا يصدق: أن هذه المعركة، معركة نكون أو لا نكون، معركة استئصال المسلمين، معركة إبادة المسلمين, معركة إنهاء الإسلام، معركة إطفاء نور الله, هل تصدقون: أن النصر الذي تم في معركة الخندق كان بسبب إسلام نعيم بن مسعود رضي الله عنه؟-. قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت, وهو أسلم سراً, ولم يعلم بإسلامه أحد، ذهب إلى اليهود وقال لهم: أنتم تقطنون حول النبي, هؤلاء قريش وغضفان جاؤوا ليحاربوا النبي, فإذا انتصروا عليه انتصروا عليه, وإن لم ينتصروا عليه عادوا إلى بلادهم وأولادهم ونسائهم, وانفرد بكم النبي, فقتلكم عن آخركم, فلا تقبلوا أن تحاربوا معهم, حتى تأخذوا منهم رهائن, لئلا يدعوكم لمحمد، ذهب إلى قريش, وقال: هؤلاء اليهود كانوا على عهد مع النبي عليه الصلاة والسلام, فلما نقضوا عهدهم ندموا, فاسترضوا محمداً على أن يأخذوا منكم رهائن, ليضرب أعناقهم, فإياكم أن تعطوهم الرهائن. -شخص واحد عمل بلبلة بين معسكر الشرك-, أصبت يا نعيم, ذهب اليهود ليأخذوا الرهائن من قريش, فقالوا: كذبوا والله لا نعطيهم الرهائن، فصار في شرخ بين معسكر المشركين، صار في عداوة, الذي حصل: أن الله أعان على هذا النصر, ساق رياحاً اقتلعت خيامهم, وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، وملأت عيونهم غباراً، وولوا مدبرين, وكفى الله المؤمنين شر القتال. كلما نقول: نعيم بن مسعود, نقول: رضي الله عنه، رجل مشرك, زير نساء، خدين شراب، وهو مستلقٍ على فراشه, حاور نفسه, وناقش نفسه, وسأل نفسه: أيليق بك يا نعيم, وقد أوتيت عقلاً, أن تحارب رجلاً صالحاً؟ ما الذي جاء بك إلى هنا يا نعيم؟ حاور نفسه وصل إلى قناعة, والقناعة إلى قرار، والقرار نفذه وأجرى الله على يديه هذا النصر المؤزر. معنى ذلك: لحظة تفكر صادقة مع الذات, تنقلك من الجحيم إلى النعيم، ومن الضياع إلى الوجدان، ومن الشقاء إلى السعادة. ما سبب توبة هذا الشخص؟ : يا أيها الأخوة, قد لا يحضرني الآن كل القصص, لكن أذكر: أن عشرات الأخوة الكرام سبب إيمانه لحظة تفكر، يوجد إنسان يعمل بعمل, وهذا العمل غير مشروع, يستخدمه لجمع أموال طائلة، ومبني على ظلم, أول ولد جاءه معتوه، والثاني معتوه، والثالث معتوه، والرابع انتبه, استقال من هذا العمل, وعمل عملاً شريفاً, ونال به سلامة الدنيا وسعادة الآخرة ، ممكن إنسان يبني عمله على إيذاء الناس، يبني عمله على الغش والاحتيال، يبني عمله على ابتزاز أموال الناس، لحظة تفكر حاسمة، لحظة تفكر صادقة، لحظة تفكر عميقة، خصص وقت للتفكر, أين تمشي؟. احذر أن تكون نهايتك مثل هذا الرجل : ذكرت البارحة قصة رجل: راكب سيارته, وصل إلى إشارة حمراء, عند محطة الحجاز, انكفأ على المقود, وقد أصيب بأزمة قلبية, من غرائب الصدف: أن زوجته إلى جانبه صرخت, فلما صرخت, ومن غرائب الصدف أيضاً: صديقه وراءه نزل, وحمله, وأخذه إلى المستشفى، طبعاً لما استعاد وعيه قليلاً, طلب مسجلة, واعترف بكل الأموال التي اغتصبها، محلات بيوت، وكلها من حق أخوته, اعترف بالتسجيل: أن هذا المحل لأخي الفلاني، وهذه الأرض لأختي الفلانية، بعد يومين أخذ مميع دم, فوجد صحته لا شيء فيها, أخذ الشريط وكسره, وعاد إلى ما كان عليه, جاءته نوبة بعد ثمانية أشهر, وكانت القاضية، وكانت النوبة الأولى إنذاراً مبكراً من الله. نصيحة : فيا أيها الأخوة, فكروا، لا تمشِ غلط، لا تمشِ بحكم العادات والتقاليد، معظم الناس لِمَ تفعل هكذا؟ يقول: رأيت الناس يفعلون ففعلت، لماذا ركبت صحناً؟ الكل ركبوا وأنا ما ركبت، لا تكونوا إمعة، من هو الإمعة؟ . يقول: أنا مع الناس, إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت. لماذا ترتدي زوجتك هذه الثياب؟ هكذا الموضة يا أخي, ماذا نفعل؟ لا نقدر عليها. هذا حال المسلمين، فكر واتخذ قراراً ولو كان القرار صعباً، إذا يوجد عندك عمل مطعم, مصنف خمس نجوم, يجب أن تبيع فيه الخمر. قال لي أحد شركاء مطعم: برقبة شريكي, وأنا ليس لي علاقة إن شاء الله, برقبة شريكي, أنا علي أن آخذ ربحي آخر السنة، لا سوف تحاسب, مددت يدك إلى الربح, معنى هذا: أنك شريك في بيع الخمر. فكر, لا تمشِ بحكم العادة، هكذا نشأنا، وهكذا ربينا، التقاليد والعادات، هكذا الناس يا أخي، اسمع القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] نهاية المطاف : فدرسنا اليوم: التفكر, فكر، والإنسان يكون ماشياً وحده, يجب أن يفكر، راكباً مركبة يجب أن يفكر، سافر, ما دمت وحدك في حوار ذاتي مستمر، اجعل هذا الحوار هادفاً، أين كنت؟ ماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ ما المهمة التي ينبغي أن أقوم بها؟ ما الرسالة التي ينبغي أن أبلغها؟ ما العمل الذي ينبغي أن أفعله؟ لماذا تزوجت؟ لماذا اخترت هذه الحرفة؟ لا تكن إنساناً يتحرك بحكم الحركة الطبيعية، أنت لك رسالة هل عرفتها؟ أنت مخلوق أول مكرم هل قدرت ذلك؟ أنت أمامك هدف كبير, الوسائل لهذا السبب واضحة, هل سلكت هذا الطريق؟. أيها الأخوة, أختم هذا الدرس بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 190-191] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : البصيرةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الفرق بين البصر والبصيرة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والأربعين من دروس مدارج السالكين، في منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] ومنزلة اليوم: البصيرة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/01.jpg هناك بصر وهناك بصيرة؛ البصر يريك ظاهر الأشياء، والبصيرة تريك حقائق الأشياء، فالمؤمن يملكُ بصيرةً، وأي إنسان يملكُ بصراً، فالمؤمن يرى الحقيقة، أي لو أنك دخلت إلى محل تجاري, في أشهر أسواق المدينة, وفيه بيع وشراء للنساء، ولم يكن هذا المحل منضبطاً بضوابط الشريعة، فيه تفلت وأشياء لا ترضي الله، وذهبت إلى محل آخر، مثل محل فيه تصليح مركبات، المعاملة فيه طيبة ونظيفة بالنسبة للعين، المحل الأول على شبكية العين أجمل، أكثر أناقة, وأكثر جمالاً، وأكثر روعة، وأكثر نعومة، والمحل الثاني أخشن، لكن في الحقيقة: المحل الأول طريق إلى النار، المحل الثاني فيه صدق وأمانة، أما المنظر لا يرضي العين, بحسب البصيرة: العمل النظيف الصادق المخلص الأمين هذا طريق إلى الجنة. إنسان يملك معمل مواد بناء وملهى، على الشبكية أيهما أجمل؟ الملهى, تزيينات, وديكورات، ولوحات فنية، وأرض وفرش، أما المعمل الثاني العمل مشروع، بإنشاء البيوت، وفيه صدق وأمانة واستقامة، فليس كل ما تسر به العين يكون خيِّراً، وليس كل شيء يخدش العين يكون شراً، طبعاً مثل صارخ. القلب له بصيرة، والعين فيها بصر، فالإنسان الشارد عن الله يعيش في ظواهر الأشياء ، يعيش في سطوحها الخارجية. مثل آخر: أب توفي وترك ثروة ضخمة، أحد أولاده الخبثاء استولى على الثروة كلها ، وأنشأ بيتاً فخماً جداً، واسعاً، مُزَيَناً، فرشه بأرقى الأثاث، وجعل فيه أجنحة، على الشبكية البيت جميل جداً، أما بنور البصيرة فهذا فيه اغتصاب، فيه عدوان، ترك أخوته جميعاً بلا مأوى، وبلا دخل، جعلهم يتضورون جوعاً، هو تنعم وحده بهذا البيت الفخم، وحرم أخوته، فالبيت من حيث الشكل، والموقع والتزيينات، والأثاث مريح جداً، لكن من حيث أن صاحبه أكل المال الحرام، وحرم أخوته، وكان سبب شقائهم، هذا البيت بعين البصيرة قطعة من النار. من الخطورة بمكان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/02.jpg مرة دخلت إلى مزرعة، علمت أن صاحبها دخله ليس حلالاً، شعرت كأن هذه الأشجار تشتعل بالنار، فالبطولة: أن يكون دخلك حلالاً، وأن تكون مطيعاً لله، وأن يكون مصيرك إلى الجنة، وأن تستحق وعد الله عز وجل، أخطر شيء هو أن يتأثر الإنسان بظواهر الأشياء، الله عز وجل قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 7] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الروم الآية: 7] لو طالب شرد من المدرسة، وذهب إلى الملاهي والحانات ودور السينما، وصحب رفقاء السوء، بحسب العين هو يستمتع بالطعام والشراب والنوم والضحك، أما هذا الطالب النظامي، الذي يلتزم بالدوام، ويقعد على مقعد الدرس، ويدرس، ويؤدي الواجبات، ويسهر إلى ساعة متأخرة جداً من الليل، هذا سيصبح إنساناً محترماً جداً في المجتمع، فدائماً العين تغش، إياك أن تعتمد على البصر, بل اعتمد على البصيرة، والإنسان كلما هبط مستواه اعتمد على البصر، وكلما علا مستواه يعتمد على البصيرة، لذلك: أخطر شيء في تربية الأولاد: هو أن الطفل يعتمد على الصورة، فإذا أريته إنساناً له زي ديني في حالة لا ترضي يكره الدين، وإذا أريته إنساناً منحرفاً في دينه لكن في حالة ترضي يحب التفلت، لذلك أخطر شيء: حينما تربي الطفل من خلال الصورة، وهذه فرية جاءتنا من الغرب، وهي أن لا تلقي عليه كلاماً أعرض عليه صورة، فالصورة مرَّغِبَة، تجعلك تعيش في ظواهر الأشياء لا بحقائقها. هذه مرتبة البصيرة في الإسلام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/03.jpg أيها الأخوة, البصيرة مرتبة في الإسلام عالية جداً، تعيش مع الحقيقة، تعيش مع بواطن الأمور، تعيش مع مؤدى الأمر، لو أن إنساناً يسرق، ويدخل البيوت، ويجمع الأموال، ويسهر في الحانات, لكن مصير هذا الإنسان إلى الخزي والعار والسجن، إذاً لا تغتر بتفلته، و انغماسه في الملذات، ولعبه بالأموال، يجب أن ترى مصيره، والإنسان المؤمن يبحث دائماً عن العاقبة. والله عز وجل قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 83] تعريف البصيرة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/04.jpg قال: إذا صحَّت فكرة الإنسان قادته إلى البصيرة، والبصيرة في التعريف الدقيق: نور في القلب، يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعَدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم، مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف، واجتمعـت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، ونزل الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظلمة العبور، والنار يحطم بعضها بعضاً تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، انظر إلى المستقبل إلى المصير، فالمؤمن ببصيرته كل تصرف يفعله يتصور وقد وقف بين يدي الله عز وجل، ليجيب عن سؤاله، الكافر يعيش لحظته بعينه، المؤمن يعيش المصير ببصيرته، شيء دقيق جداً، الدنيا محسوسة، الآخرة خبر آيات القرآن، أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت، أمامك طعام نفيس، الدنيا بشهواتها محسوسة، أما الآخرة أخبرك الله عنها فقط، لا ترى منها شيئاً، فإذا الإنسان بنور البصيرة, يرى المصير، يرى العاقبة، لذلك الشيء الذي يرقى بالإنسان عند الله أنه لا يتعامل مع بصره بل مع بصيرته ، الشارد عن الله يعيش لحظته، يعيش وقته، أينما وجد مغنماً اقتنصه، أينما وجد شهوة مارسها ، أينما وجد متعة مارسها، وينسى ما وراء ذلك، وهذا هو مرض العصر، الناس يعيشون لحظتهم، يعيشون وقتهم، ولا يفكرون بالمصير، هل هناك إنسان يستطيع أن يتفلت من الموت ؟ ماذا بعد الموت؟ ترى الإنسان منهمكاً في الدنيا إلى قمة رأسه، يشيد بيتاً فخماً، المسبح، الحديقة، الأبهاء، حسناً: هل تستطيع أن تبقى في هذا البيت إلى أبد الآبدين؟ لا بد من مغادرته إلى القبر، ماذا في القبر؟. أكثر شيء في هذا الدرس أحب أن أعلق عليه الأهمية: تحرك لا وفق البصر بل وفق البصيرة، لا وفق ظواهر الأشياء بل وفق بواطنها. البصيرة كما قلت قبل قليل: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي العين. مثلاً: رجل عرض عليك عملاً في الدنيا, فيه مخالفة للنظام، الواعي والعاقل والعميق يرى أنه فعل هذا العمل، ثم ضبطت هذه المخالفة، ثم اقتيد إلى السجن، ومكث فيه عشر سنوات، فلا يقبل هذا العمل، رفضه ببصيرته، قد يكون فيه إغراء كبير وربح فاحش، هو يرى المصير، فالإنسان إن أراد إنفاذ أمرٍ عليه أن يتدبر عاقبته. درجات البصيرة : 1-البصيرة في الأسماء : العلماء قالوا: البصيرة على ثلاث درجات، من استكملها فقد استكمل البصيرة؛ بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/05.jpg البصيرة في الأسماء: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فقلبك يشهد أن الله سبحانه وتعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه ، بصيراً بحركات العالمين، علويه وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحته بتدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكه بين يديه، تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزهاً عن العيوب والنقائص والمثال، فهو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقه, حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، هذه رؤية القلب، المؤمن الصادق بنور البصيرة الذي يقذفه الله في قلبه يرى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، يراه مستوياً على عرشه، بيده مقاليد السموات والأرض، إليه يرجع الأمر كله، يده فوق أيدي خلقه، أمره نافذ في خلقه، خلق كل شيء فقدره تقديراً، هذه رؤية لا تقدر بثمن، هذه الرؤية تجعلك تسمو، تجعلك تبقى على منهج الله المستقيم، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً، تعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً، وسعت الخليقة أفعاله عدلاً وحكمة ورحمة، وإحساناً وفضلاً، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، وآخِرٌ ليس بعده شيء، ظاهرٌ ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، لهذا كانت حُسْناً، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، أفعاله كلها حكمة ورحمة، ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، مرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه. هذا الفرق بين المؤمن والإنسان الشارد عن الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/06.jpg كمثل أخ كريم يرتاد المساجد، يصلي, يدعو, ويصوم، يحج بيت الله الحرام، ينفق ماله، يطلب العلم، يدعو إلى الله، يصلي الليل، يذكر الله كثيراً، ينفق ماله، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، مع عمر مديد، في هذا الجهاد العظيم، تكون له هذه الرؤية، يوجد بقلبه نور ، إنسان متميز. من باب المفارقات: وازن بين قطعة من اللحم المتفسخ، أحياناً لها رائحة لا تستطيع أن تحتملها ولا دقيقة، تكاد تخرج من جلدك حينما تشم رائحتها، وقطعة من اللحم الطازج المشوي وأنت جائع، هذه قطعة لحم، وهذه قطعة لحم، وشتان بين القطعتين، وهذا إنسان شارد ، تائه، أعمى، أحمق، أرعن، قذر، منحط، دنيء، وصولي، خائن، وهذا مؤمن، صادق، أمين ، وفي، محب، عفيف، يرى حقائق الأشياء. زيادة العمر في طاعة الله ماذا تورث؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/07.jpg العمر المديد في طاعة الله يورث هذه الرؤية، نتابع هذه الرؤية، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق الأرض والسموات وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، كم من الناس يعتقد أن هذه الحياة لا يوجد غيرها ؟ هنالك أقوياء يملكون كل شيء، وهنالك ضعفاء يسحقون كل يوم، ويوجد أغنياء يكادون يموتون من التخمة، ويوجد فقراء يكادون يموتون من الجوع، ويوجد إنسان أوتي من حظوظ الدنيا الشيء الكثير، وإنسان حرم الدنيا كلها، هذا الذي يعتقد أن تنتهي الحياة هكذا، ولا شيء بعد الموت، هذا عبث، هذا العبث لا يليق بكمال الله ولا بجلاله، يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [سورة المؤمنون الآية: 115] أي هل من المعقول أن المستقيم كالمنحرف؟ المحسن كالمسيء؟ الصادق كالكاذب؟ هل يستويان عند الله؟ هذا يتناقض مع وجود الله. هذا ما يتميز به المؤمن : فالمؤمن صاحب رؤيا، يرى المصير، أقرب تقدير: مؤمن يرى شاباً مستقيماً، لا يملك شيئاً، لا درهم ولا دينار، ولا بيت، ولا حرفة، ولا دخل، يقول بنور البصيرة: هذا الشاب المعدم الذي ليس أمامه شيء، سوف يوفقه الله عز وجل، سوف يوفقه في الدنيا والآخرة، وقد يرى إنساناً مرابياً خبيثاً منحرفاً زانياً، يقول: هذا سوف يدمر، بالعين المرابي قوي غني، يملك يتصرف، والشاب المؤمن ضعيف فقير، بعين البصيرة العاقبة لهذا الشاب، وبعين البصيرة الهلاك ينتظر هذا المنحرف، بعين البصر هذا يمشي في طريق مسدود، وهذا يمشي في طريق كله ورود، لذلك لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعريفات، وفرق لهم الآيات، ونوع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 156] وتفاوت الناس بهذه البصيرة، بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. ما أثمن شيء في الإيمان؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/08.jpg أيها الأخوة, هذا أثمن شيء بالإيمان، أن يرى قلبك هذه الرؤيا، أن يقذف الله في قلبك نوراً, ترى به حقيقة الذات الإلهية، تراها معك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] تراها مالكة، متصرفة، إليها يرجع الأمر كله، علاقتك مع الله، حياة المؤمن وأسباب سعادته علاقته مع الله، مستحيل أن يجتمع الحزن مع الإيمان بالله، الله موجود، سميع، غني، قوي، مجيب، محب، لم الحزن؟ لم الخوف؟ لم القلق؟. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/09.jpg فمن كان في قلبه هذه البصيرة, عاش حياة سعيدة، واثقاً بالله، واثقاً بنصر الله، واثقاً برحمة الله، واثقاً بتوفيق الله، واثقاً بعدالة الله، همه أن يطبق أمر الله، همه أن يكون على منهج الله المستقيم، وصراته القويم، هذا همه. لو كان الإنسان شارداً الحياة موحشة، كما قلت قبل قليل: يوجد قوي، ويوجد ضعيف، هو ضائع بينهما، إن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، وإن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [سورة النساء الآية: 143] حياة الشرود عن الله حياة موحشة مخيفة. ما هي محصلة التفكر القويم؟ : فمحصلة التفكر القويم البصيرة، فالبصيرة نور يقذفه الله في قلبك، يريك به حقائق الأشياء، يريك به حقيقة الذات الإلهية، والدليل قوي جداً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [سورة الحديد الآية: 28] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال الآية: 29] قضية بين الناس : أخواننا الكرام, قضية رؤية، القضية بين الناس قضية رؤية، هل آتيكم بمثل صارخ؟: سيدنا يوسف، امرأة زوجة ملك، طبعاً الملوك يختارون أجمل النساء، زوجة ملك، امرأة العزيز، دعته وهي سيدته، وهو بعيد عن أهله، شاب في ريعان الشباب، غير متزوج، غريب، تلقى أمراً منها، ليس من صالحها أن يعلم بأمرها أحد، ماذا رأى؟ رأى أن هذا العمل يبعده عن الله، رأى أن هذا العمل يجعله في أسفل السافلين، فقال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [سورة يوسف الآية: 23] هذا الذي يتربع على أعلى منصب في العالم الآن، وقع في المطب نفسه، ماذا فعل؟ سقط، فصار مضغة الأفواه، أنا ما سمعت عن إنسان بلغ من الذل والإهانة من قبل شعبه ما بلغ هذا الإنسان، بسبب انحرافه، الشهوة نفسها، ماذا رأى؟ رآها مغنماً، وماذا رأى يوسف؟ رآها مغرماً، هذه هي البطولة، كإنسان يأكل مالاً حراماً ويتوهم أنه ذكي، كسب باحتيال شديد ثم يكشف أمره، ويودع في السجن، وتصدر في حقه مذكرة توقيف، ويفضح أمره, ويسقط من عين الناس جميعاً، كل بطولتك أن تملك البصيرة، كل بطولتك أن ترى الأشياء بحقيقتها، بنتائجها، بعواقبها، بنهاياتها لا ببداياتها، اللهم ألهمنا هذه البصيرة. 2-بصيرة في الأمر والنهي : والمرتبة الثانية في البصيرة: مرتبة في الأمر والنهي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/10.jpg فهذا المؤمن الذي ألقي في قلبه نور، فرأى به الحق حقاً والباطل باطلاً، لا يتأثر لا بتقاليد ولا بعادات ولا بأهواء، الناس الآن عباد لأحدث الأزياء، امرأة مسلمة ترتدي ثياباً فاضحة، حجتها أنها هكذا رأت في كتب الأزياء، حسناً أين دينكِ؟ أين مرضاة ربكِ؟ أين سعيكِ إلى الجنة؟ أين التزامكِ بالإسلام؟ لا ترى, فالمؤمن يرى أن طاعة الله هي أثمن شيء، أما غير المؤمن يرى صرعات الأزياء، يرى العادات والتقاليد السائدة، غير المؤمن إمعة, يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، وكل إنسان يقول لك: هكذا الناس، هكذا نشأنا، هكذا جميع الناس، كلهم على خطأ, هذا أعمى البصيرة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج الآية: 46] فليس في حياة المؤمن تقليد أو هوى ولا شبهة, تحول بينه وبين طاعة الله، ولا شهوة تمنع تنفيذ أمر الله، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص، هذه بصيرة الأمر والنهي، الأمر والنهي فوق كل شيء. أكثر كلام يقال: ماذا نفعل نحن مضطرون؟ طيب أين المجاهدة؟ أين مجاهدة النفس والهوى؟ لأتفه سبب يقول لك مضطرين، ليست هذه هي الضرورة، الضرورة التي ذكرها الفقهاء: أن تخشى الهلاك أنت وأهلك ومن تعول, جوعاً وعرياً وتشرداً، هذه الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لأتفه سبب تأكل المال الحرام؟ لأتفه سبب تداهن على حساب دينك؟ لأتفه سبب تنافق؟. 3-البصيرة في الوعد والوعيد : المرتبة الثالثة في البصيرة: البصيرة في الوعد والوعيد. الناس كلهم تقريباً متساوون، كل الناس لهم بيوت، لهم غرف نوم، غرف ضيوف، مطابخ، يأكلون ويشربون، صباحاً وظهراً ومساءاً، ويسهرون على هذه البرامج، ويلتقون، ويختلطون، ويملأ بعضهم عينه من محاسن النساء، والمؤمن بينهم ليس له أي ميزة، واحد من مجموع، لكن حينما يقوم الناس لرب العالمين يقال لهم: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/11.jpg ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس الآية: 59] قفوا هنا على اليسار، أصبح هناك فرزاً، الآن لا يوجد فرز، كالصف أثناء العام الدراسي، كل الطلاب سواء، متساوون كلهم, يرتدي ثياباً موحدة، يأتي الساعة الثامنة ويذهب الساعة الواحدة، ست حصص، الحصة خمسون دقيقة، والفرصة عشر دقائق، الأستاذ موحد، لكن عند الامتحان يفرز الطلاب، ناجحون وراسبون، متفوقون وناجحون وراسبون، متى كان الفرز؟ عند الامتحان. فالمؤمن الصادق يرى مصائب الناس، يرى المرابي لا بد من أن يهلك، يرى الزاني لا بد من أن يهلك، يرى الذي يأكل المال الحرام لا بد من أن يهلك، يرى الذي يعتدي على حقوق الناس لا بد من أن ينتقم الله منه، يرى الذي ينحرف لا بد من أن يدفع الثمن باهظاً، يرى النتائج، يكاد المؤمن يرى ما سيكون، لا عن علم بالغيب، هذا مستحيل، ولكن عن علم بقوانين الله عز وجل. أخ حدثني عن إنسانة ظلمت أخاها ظلماً لا يصدق، فلقد جعلته شريداً هو وأولاده الكثر، واستولت على بيته لأنه باسمها وقد دفع نصف ثمنه، أخذت البيت من أخيها ظلماً وعدواناً وشردته، حدثني ابن أخيها عن فعل عمته مع أخيها، من باب المعرفة بقوانين الله عز وجل قلت: هذه ينتظرها هلاك كبير، ما مضى ثلاثون يوماً إلا وأصيبت بمرض عضال، وبعد ثلاثين يوماً أخرى انتهى المرض بها إلى الموت، وعاد أخوها إلى البيت وارثاً وحيداً، إلى البيت الذي يملك نصفه، هذا ليس علم غيب، لكن علم بالقوانين، أي أنت لو نظرت إلى مركبة تنطلق بسرعة كبيرة جداً في طريق نازلة، وهذا الطريق ينتهي بمنعطف حاد، وليس في هذه المركبة مكبح، فهل من الصعب أن تتوقع الحادث؟ بالمئة مليون، هل أنت تعلم الغيب؟ لا هذا ليس علم بالغيب، بل هو علم بالقوانين، مركبة تنطلق بسرعة مئة وعشرين في طريق مثل هذا ، والمنعطف مثل هذا، وفي وادٍ سحيق، ومكبح غير متوفر, هل أنت تعلم الغيب؟ لا أنا أعلم القوانين، الحادث حتمي، فالمؤمن ببصيرته التي أكرمه الله بها، بهذا النور الذي ألقي في قلبه يرى مصائر الناس، لا عن علم غيب, ولكن عن معرفة بقوانين الله عز وجل. وكم من مرة تتفاءل بمستقبل شاب مؤمن لا يملك من الدنيا شيئاً، ولكن لأنه مستقيم، وتقرأ أنت قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل الآية: 97] نقول: هذا ينتظره حياة طيبة، تعلم الغيب؟ لا، لا أعلم الغيب، ولكن أعلم قوانين الله عز وجل, قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 18] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 21] تتمة ما جاء عن بصيرة الوعد والوعيد : أيها الأخوة, أما البصيرة الثالثة: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت. كل إنسان سيحاسب على عمله، كل إنسان سيدفع ثمن أخطائه، وكل إنسان سيقبض ثمن أعماله الصالحة بأعلى سعر، البصيرة التي تتعلق بالوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب ألوهيته وموجب ربوبيته. أيها الأخوة, حينما نؤمن بعدالة الله، والله ننضبط أشد الانضباط، والله نضبط كلامنا من أن ننطق بكلمة، والله نضبط ابتساماتنا، والله الابتسامة تضبطها، إن وجدت ابتسامة ساخرة تحاسب عليها، تضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أعضائك وحواسك، وكل دخلك وإنفاقك، تضبط بيتك وعملك، إذا آمنت بعدالة الله، وبأن الله قيوم السموات والأرض، وأن الله سيحاسب كل إنسان حساباً دقيقاً. يوجد آيات لو تأملناها تأملاً حقيقياً لكفتنا. هل يوجد في حياة المؤمن مفاجآت؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/12.jpg أنت إذا تحققت من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7-8] إذا تحققت من هذه الآية فأنت فقيه، انتهى الأمر، لا يوجد في حياة مؤمن مفاجأة، ولا يوجد دمار، ولا فضيحة، ولا هلاك، لأنه على منهج الله، لأن كل أبواب الخطر أغلقها، كل الثغرات سدها، كل المزالق ابتعد عنها، كل نقاط الضعف قواها، أضعف نقطة في حياة الإنسان المال والمرأة، المؤمن يغض بصره ويتحرى دخله، فأصبح كالملك، مرفوع الرأس دائماً. فالبصيرة في الوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل، ودار الجزاء، مثل إنسان يمضي حياته في طاعة الله، الله عز وجل لحكمة بالغة، ولكرامة المؤمن عند الله، يجعل موته ملخصاً لكل حياته، يموت وهو يصلي، وهو يقرأ القرآن، يموت في المسجد وهو صائم، والإنسان أمضى حياته في المعاصي والآثام، يموت وهو في المعصية، وهو يمارس المعصية يأتيه ملك الموت، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 18] أن يقوم الله على كل نفسٍ بما كسبت في الدنيا والآخرة، في دار العمل ودار الجزاء، هذا موجب ألوهية الله عز وجل وربوبيته، لماذا هو إله ورب؟ لأنه سيكافئ المحسن ويعاقب المسيء، موجب ألوهيته وربوبيته وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، إذا كان من الممكن أن تشك لثانية واحدة، أنه يمكن للمحسن أن يضيع حقه والمسيء ينجو، تشك أنت بربوبية الله وبألوهيته. إن كان من الممكن أن يأكل إنسان مالاً حراماً، وأن يتمتع فيه طيلة حياته، ويعيش في بحبوحة كبيرة، ثم يموت ويذهب إلى الجنة، ورجل استقام على أمر الله، هذا حرام وهذا حرام، فأصبح وراء الناس فقيراً لا يملك شيئاً، أن تعتقد هكذا، فهذا شك في ألوهية الله وربوبيته، مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل ومستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل أن تطيعه وتذل، مستحيل أن تعصيه وتعز. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا: ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ)) مادياً ومعنوياً، مستحيل أن تطيعه وأن تخسر الدنيا وأن تذل فيها، ومستحيل أن تعصيه وأن تربح الدنيا وأن تعز فيها، الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، بل شك في وجوده، لمجرد أن تعتقد أن القوي الظالم يربح، والضعيف المظلوم يخسر، ليس هذا شك في ألوهيته وربوبيته بل شك في وجوده. من الذي ينتقم من الظالم؟ : قبل أشهر كنت مسافراً في بلد بعيد، قلت: قوة كبيرة في العالم غاشمة ظالمة تقوم على أنقاض الشعوب، أن تنجح في تخطيطها إلى ما لا نهاية، وأن تفعل ما تريد إلى ما لا نهاية، وأن تقوم على أنقاض الشعوب إلى ما لا نهاية، هذا يتناقض مع وجود الله، قلت: مع وجوده، لا مع عدالته فحسب، بل مع وجوده، الله موجود، هو الحق، هو الذي ينتقم من الظالم, قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 42] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/13.jpg ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 196] شعوب تقتل كل يوم، ما لها من ذنب أبداً إلا الجبروت الغربي، الجبروت والقهر والسيطرة على العالم، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة آل عمران الآية: 196-197] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا، أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] هذه سنة الله في خلقه : بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة، وإرسالها هملاً، أي إن كان لم يرسل للخليقة نظاماً فقد عطلها، فمثلاً: أنت كأب ابنك أمامك، والمدفأة أمامك، وابنك إدراكه ضعيف, ويسير باتجاه المدفأة, فهل تبقى ساكتاً وأنت أب؟ هذا مستحيل، ألا توجه ابنك؟ ألا تعطيه التعليمات والنصائح؟ هذا مستحيل، فإذا ترك الله عز وجل عباده دون رسل، دون أنبياء، دون دعوات، دون هدى، دون دعاة، دون كتاب، يكون قد أهملهم، وإن كان لم يحاسب الناس فقد خلقهم سدى دون سبب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2737/14.jpg مثل موظفان في محل تجاري، أحدهما يسرق المحل والثاني أمين، هل يستويان عند صاحب العمل؟ هذا غير معقول، هذا إنسان غير إداري، الذي سرق مقرب لك، والذي كان عفيفاً مبعد عنك. إذاً: لا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة, وإرسالها هملاً, وتركها سدى, وتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة. هل يعقل أن يترك أباً أولاده يعتدي بعضهم على بعض وهو ينظر إليهم؟ تصور أنت أمماً, وشعوباً, وغزواً، وحروباً، وقهراً، وذلاً، ونهب ثروات، الله عز وجل معنا في الأرض، ينظر إلينا فقط ولا يتدخل؟ هذا الكلام مستحيل، هذا الكلام يتنافى مع كماله أساساً، أبداً, لحكمة بالغة وعلم بالغ، وقدرة بالغة، لكن الله له حكمة، يقوي هؤلاء, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 4-6] هذه سنة الله في خلقه، الذي يؤمن به وقد قصر في طاعته، يسلط عليه من لا يعرفه ليتوب، فإذا تاب قواه عليه، هذه هي سياسة الله عز وجل، يسلط الذي لا يعرفه على الذي عرفه وقصر في طاعته، ودائماً وأبداً هذه سنة الله في خلقه، فتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً. ما معنى هذا الكلام: شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية؟ : شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية، كيف أنك تؤمن أنه لا إله إلا الله، يجب أن تؤمن من أنه لا بد من أن يحاسب العباد، إذا كان لا بد من المحاسبة, من هو العاقل المستقيم؟ إذا كان لا بد من أن تحاسَب، من هو الفالح المنضبط؟ شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لذلك المعاد معلوم بالعقل، كيف هذا؟ كلام دقيق، الإيمان بالآخرة إيمان إخباري، الله أخبرنا: أن هناك آخرة وجنة ونار، لكن بعض العلماء يقولون: الإيمان بالآخرة ممكن أن يكون إيماناً عقيماً. هذه الفكرة دقيقة، كيف؟ هذا الكون فيه إعجاز، فيه كمال مطلق في الخلق، فيه حكمة بالغة، فيه علم عظيم، فيه قدرة بالغة، فيه لطف، فيه جمال، فيه رحمة، معنى هذا الكلام: أن خالق الكون رحيم, جميل، لطيف, قوي, غني، هذه كلها صفات كمال، هل يتناسب مع هذه الصفات أن يدع خلقه سدى دون محاسبة؟ لا يتناسب معها, هل يتناسب مع صفات الكمال أن لا يحاسب عباده؟ أن يدعهم هملاً؟ أن يدعهم يأكل قويهم ضعيفهم؟. أنت أب عندك خمسة أولاد، قام أحد أولادك وضرب أخاه ضرباً مبرحاً، وأنت تنظر إليهم, ولا تتكلم أي كلمة, ولا تتدخل, ولا تحاسب, معنى هذا أنك لست بالأب، فإذا فهم الإنسان أن الأمور تجري هكذا، وأن القوي ينتصر، إذاً تنازع البقاء، نحن في مجتمع التجارة مجتمع الحيتان، الحوت الأكبر يأكل الحوت الأصغر، العالم كله هكذا، شركات عالمية تتحد وتحتكر على حساب الشركات الضعيفة، العالم يتحرك كأنه لا يوجد إله، الأقوى يأكل الأضعف، والأغنى يستغل الفقير. شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لهذا المعاد معلوم بالعقل، أما تفاصيله بالوحي، أن هنالك جنة ونار، والجنة فيها حور عين، ويوجد جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهار من لبن الذي لم يتغير طعمه، ويوجد أنهار من العسل المصفى، ويوجد رضوان من الله، ويوجد جهنم، ويوجد زبانية جهنم، ويوجد كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، هذه التفاصيل علمت بالوحي، أما بالمنطق والعقل لا بد من يوم آخر, تسوى فيه الحسابات. ما موضع الشاهد في هذا المثال؟ : أعجبني مرة من أحد الخطباء مثل أنا أرويه عنه: أن أناساً دخلوا مسرحية, في المسرح رفع الستار، تحرك الأبطال، أحد الأبطال قتل البطل، ثم أسدل الستار، لا أحد يقوم, لقد أرخوا الستار، ألم تنتهي المسرحية؟ نريد أن نرى ماذا سيحدث مع هذا القاتل؟ قد تكون المسرحية خمسة فصول، أول فصل لم ينتهِ بعاقبة مريحة، متى تنتهي القصة؟ تنتهي بنهاية مريحة للقارئ، أن المعتدي قد نال جزاءه، والمخلص نال جزاءه، تنتهي القصة، أما المعتدي فاز والمعتدى عليه خسر، والقصة قد انتهت, هذه ليست قصة، لا تتناسب، فالعقل يؤمن لا بد من يوم جزاء، أما التفاصيل تأتي بالوحي، لهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفراً به سبحانه وتعالى، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت عدالته، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت أسماءه الحسنى، لأنه إنكار لقدرته ولألوهيته، وكلاهما مستلزم الكفر به، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة الرعد الآية: 5] بمجرد أن تكفر بعدالة الله فهذا كفر بالله، لأنك نسبت له الظلم وهو ليس كذلك. نهاية المطاف : أيها الأخوة, للموضوع تتمة إن شاء الله في الدرس القادم، لكن أجمل ما في هذا الدرس أنه: إذا أنكرت عدالته فهذا كفر به، وعدالته قائمة، ولكن أسماءه الحسنى كلها محققة في الدنيا، أما اسم العدل فمحقق في الآخرة, قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [سورة الروم الآية: 27] ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الجاثية الآية: 22] فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 185] هنالك دفعات على الحساب في الدنيا، للمحسن دفعات على الحساب، وللمسيء دفعات على الحساب، والخير للأمام، أما الرصيد يوم القيامة، للمؤمن يوجد دفعات على الحساب، وللكافر يوجد ضربات على الحساب، أما رصيد الدفعات والضربات فيوم القيامة، وهذا هو الإيمان بالله عز وجل. دعاء الختام : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : العزيمةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أصناف الخلق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/01.jpg أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] والقرآن كله جمع في الفاتحة، والفاتحة جمعت في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] فالهدف هو العبادة، والوسيلة هي الاستعانة، ومن عبد الله واستعان به فقد حقق المراد من خلقه، والعباد كما تعلمون أصناف أربعة: صنف عبدوا الله واستعانوا به، وهؤلاء هم الخيرة من خلقه، وصنف ما عبدوا وما استعانوا، وهؤلاء شرار الخلق، وصنف عبدوه ولضعف توحيدهم ما رأوا أن يد الله تعمل وحدها، وأن الأمر كله بيد الله، وأن الأقوياء عصي بيد الله، فعبدوه وما استعانوا به، فكل ما أصابهم من ضعف بسبب ضعف توحيدهم، وبالتالي ضعف استعانتهم، والصنف الرابع استعان به ولم يعبده، والله عز وجل يمد كلاً من هؤلاء وهؤلاء من عطائه، وما كان عطاء ربك محظوراً عن أحد. خلاصة ما ذكر سابقاً : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/02.jpg أيها الأخوة, بينت في درس سابق أن أخطر مرض يصيب الإنسان هو الغفلة عن الله ، الغفلة عن مصيره الأبدي، الغفلة عن طاعته، الغفلة عن معرفة أمره ونهيه، الغفلة عن معرفة ما ينتظر الإنسان من عقاب أليم إلى أبد الآبدين، إذا خرج عن منهج الله عز وجل، هذه الغفلة علاجها اليقظة، وقد أمضينا درساً في منزلة اليقظة، فاليقظة دواء الغفلة، وبعد اليقظة تبدأ الفكرة، والتفكر طريق إلى الله: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/03.jpg ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 190-191] وحينما تصح الفكرة ينتقل الإنسان بعدها إلى البصيرة، أفكاره والحقائق التي استقرت، تتجمع في بصيرة، في رؤية، لذلك أهل الخبرة أهل بصيرة، كأنهم يرون الحقائق. أحد أصحاب رسول الله, قال للنبي عليه الصلاة والسلام: كأنني أرى أهل النار يتصايحون، وأهل الجنة يتنعمون. أي أنك لو وجدت إنساناً ينغمس في المعاصي والآثام، وفي أكل المال الحرام، وفي المتع المحرمة، ويأخذ من المخدرات, ويشرب، ويرتكب الفواحش، لرؤية تملكها تقول: هذا له مصير وخيم، هذا سيدمر، أنت لا تعلم الغيب، ولكنك ترى الأسباب، وتعلم أن هذه الأسباب تؤدي إلى نتائج. فالبصيرة كما قلنا في درس سابق: بصيرة في أسماء الله الحسنى، وفي الوعد والوعيد، وفي الجنة والنار. منزلة اليوم : اليوم المقام الذي يلي البصيرة: اليقظة, فالفكرة، فالبصيرة اليوم: العزيمة، كل شيء أصبح واضحاً، كل شيء أصبح جلياً، الأمور واضحة جداً, ما بقي إلا أن تتحرك, أن تقوم, أن تشمر, ففروا إلى الله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/04.jpg إني ذاهب إلى ربي، شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود، يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق ، وأخلص النية فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر طويل. أيها الأخوة, ما من إنسان يدرك أن بيته يحترق ويبقى جالساً، ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، أرأيت إلى هذه الحركة؟ ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، ما من إنسان يكتشف أن ابنه مصاب بمرض يمكن شفاؤه، ولكنه خطير، إلا ويلغي كل مواعيده، يلغي كل أعماله، ويهب من رقدته ليعالج ابنه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/05.jpg رأيت شيئاً في المطار تعلمت منه شيئاً آخر، الطائرة بعد أن يتم ركابها, وتغلق أبوابها ، تتحرك ببطء، ببطء شديد، تسير وتقف، تقف وتسير، إلى أن تقف على أول المدرج، فإذا أخذت الإذن بالطيران, اندفعت بسرعة عجيبة، تزيد عن ثلاثمائة كيلو متر في الساعة، هذا الإقلاع، المؤمن يشبه الطائرة، يسمع، يناقش، يعترض، يقنع أو لا يقنع، يغير المسجد، يقرأ كتاباً، إلى أن تستقر عنده الحقائق، إلى أن تتضح عنده الأمور، إلى أن يرى الطريق واضحاً، إلى أن يرى أن المغنم كبيراً، إلى أن يرى أن الخطر جاثماً، لذلك يقلع، هذا الإقلاع، فإذا أقلع وحلق في الجو, حقق الهدف الأكبر، إلى متى؟ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة الحديد الآية: 16] إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟ متى الإقلاع؟ متى تترجم القناعات إلى سلوك؟ متى تترجم القناعات إلى حركة؟ إلى عطاء؟ . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/06.jpg قال بعضهم: ما إن يستقر الإيمان في قلب الإنسان, حتى يعبر عن ذاته بذاته بحركة نحو الخلق. أي لا يوجد مؤمن سكوني، المؤمن حركي، المؤمن فاعل، حالة الانفعال الدائمة لا تليق بالمؤمن، هو يغير, يبدل، يتدخل، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقنع أهله، يقنع أولاده، يقنع زملاءه، يقنع جيرانه، هذا حال المؤمن، حالة حركة, قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] إني ذاهب إلى ربي، هل قالها أحدنا؟ قال تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [سورة التكوير الآية: 26] هذا يذهب ليحقق مكسباً دنيوياً، وهذا يذهب ليسهر سهرة لا ترضي الله، وهذا يذهب ليقيم دعوة على فلان، وهذا يذهب ليبحث عن رزق، أما هل رأيت إنساناً يذهب إلى الله؟ يرتاد بيوت الله؟ يقرأ القرآن؟ يتفهم كلام الله؟ يبحث عن سنة رسول الله؟ الحركة الجادة، اليقظة، الفكرة، البصيرة، العزيمة، هؤلاء الذين يتسابقون، حينما يصلون إلى المنطلق, كيف ينطلقون ؟ بسرعة مذهلة، فنحن في سباق، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة البقرة الآية: 148] قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133] قصة تائب : أخ قال لي: أمضيت جل عمري شارداً عن الله، ولقد ارتكبت معاصي كبيرة، فجأة أصبت بمرض، والمرض مميت، وأنا في غرفة العمليات, قلت له: يا رب، أتريد أن ألقاك عارياً؟ أتسمح لي أن أبقى أياماً معدودات ألقاك بقميص؛ أي بعمل صالح أستر به عورتي؟ ناجاه وبكى، الله عز وجل أعطاه فرصة، وخرج من المستشفى، أصبح يحضر درس الفجر، والظهر، والمساء، والجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، قال لي: يوجد ثلاثة أيام لا أحتمل من دون دروس, قال لي: في مرة وأنا أناجي ربي، قال: ناجاه, فقال له: يا رب، كل هذه السعادة بالقرب منك، لِمَ لَم ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ هذا المرض هو السبب. ما معنى لبيك؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/07.jpg الآن: الحديث عن الحج، الحاج يقول: لبيك اللهم لبيك، ما معنى لبيك؟ لبيك تعني: أنه قد سبقها نداء أن تعال, تعال إلى بيتي الحرام، تعال إلى بيتي الحرام لتذوق طعم القرب، لتزيح عن كاهلك هموماً كالجبال، واخرج من حياتك الرتيبة المملة، تعال إلى بيتي الحرام لترى عظيم إكرامي إليك، الجواب: لبيك اللهم لبيك. لبيك جواب تعال إلي، تعال إلي حتى أكرمك، هذا الجوهر في الدين، جوهر القرب من الله ضعيف، فيه مظاهر صارخة، جامع رائع جداً، فيه زخرفة رائعة جداً، لكن نحن نريد زخرفة القلوب من الداخل، نريد قلباً مستنيراً، نريد قلباً موصولاً بالله عز وجل، قلباً منيباً، قلباً سليماً، نريد حباً، نريد وداً مع الله، نريد اتصالاً، نريد أن نفتح خطاً ساخناً مع الله، نرفع السماعة إن لم يكن الخط موصولاً, مهما ضغطت الزر فهذا غير مفيد، كتلة لا معنى لها، الهاتف دون خط حامٍ مهما كان أنيقاً يصبح كتلة من البلاستيك لا معنى لها إطلاقاً، لكن قيمة هذا الجهاز: هي أنك لو رفعت السماعة, وسمعت الرنة، فالخط حامٍ، يوجد خط ساخن. هذه لحظات السعادة عند هذا الإنسان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/08.jpg قال لي رجل: بقي لي خمسة وثلاثون عاماً, ولم أسجد لله، ولم أصم يوماً، ولم أؤد طاعة, قال لي: دعتني أختي إلى زيارة كندا حيث هي، دعتني عشر سنوات متتالية, فلبيتها في السنة العاشرة، وأنا في طريقي إلى نياغارا شلالات جميلة جداً، أسمعتني شريط المهيمن من أسماء الله الحسنى، قال لي: سمعته مرات عديدة، وأخذت كل ما عند أختي من أشرطة عن أسماء الله الحسنى، وعرفت أن الدين شيء عظيم, وصار يجمع هذه الأشرطة حتى بلغت ألف شريط، وقد سمعها كلها، ثم قال لي: فتحت مع الله خطاً ساخناً، وقال لي: أسعد لحظات حياتي حينما آتي إلى البيت لأصلي، لأصلي قيام الليل، قال لي: انقلبت حياتي من الجحيم إلى النعيم، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الوجدان، بعد أن اتصل بالله عز وجل، هذا هو الدين، الدين أن تعرف الله، الدين أن تحبه، الدين أن تتصل به، أن يستنير قلبك بنوره. فالذي يعنينا الآن هذه العزيمة، الحركة، ماذا فعلت من أجلي؟ قناعات ممتازة, عاطفة إسلامية، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، اتجاه إسلامي، شعور إسلامي، اهتمامات إسلامية، مكتبة إسلامية، حتى متى إذاً؟ متى سيكون هناك حركة إسلامية؟ متى تستطيع أن تقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] متى تقلع هذه الطائرة؟ حركة بطيئة، نتقدم, ونتأخر، وننتقد، متى تقلع هذه الطائرة؟ هذا درس اليوم: العزيمة. قال: فإذا انتبه وأبصر, أخذ في القصد, وصدق الإرادة، وأجمع القصد والنية على سفر إلى الله، وتيقن أنه لا بد له منه، فأخذ في أهبة السفر، وتعبئة الزاد ليوم المعاد، والتجرد عن عوائق السفر، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/09.jpg الإنسان حينما يشتد عزمه, كل عقبة تحول بينه وبين الله يركلها بقدمه، وكل صارف يصرفه عن الله يسده بقدمه، وكل قضية يمكن أن تبعده عن الله يلغيها من حياته، وكل صديق لا يذكره بالله يقطعه، وكل دخل ليس فيه راحة للنفس يستغني عنه، لأن الله مطلبه وقصده في الحياة كلها، فهذا الذي ملك العزم ينبعث إلى السلوك، يتحرك بلا توقف ولا تردد، ولا علة ولا رغبة في رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا طلب جاه ومنزلة عند الخلق، يستوي عنده المادحون والذامون، يستوي عنده الثناء والتأنيب, صدق القائل: فليتك تحلو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالـمين خراب وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب هكذا حال المؤمن: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] فالذي ملك العزيمة طبعاً بعد اليقظة والتفكر، بعد البصيرة، ما بقي له إلا العزيمة. مثل مقبول : مثل اقبلوه مني ولكنه مضحك: في أيام الشدة التموينية, لا يوجد مواد أولية، ولا يوجد مواد غذائية، فأنت موظف، داومت ثماني ساعات بعمل شاق، ودخلت إلى البيت وأنت منهك القوى، خلعت ثيابك, وارتديت ثياب البيت, واضطجعت على السرير، جاء ابنك قال لك: يوجد في المؤسسة الاستهلاكية زيت، ولا يوجد ازدحام، والسعر رخيص جداً، والنوعية جيدة، ونحن لا يوجد عندنا زيت، وأنت قد قبضت راتبك اليوم، الصفيحة في المؤسسة ثمنها ثمانمائة ليرة، وخارجها ثمنها ألف ومائتان، راتبك محدود، رغم أنك خلعت ثيابك، وارتديت ثياب البيت، وأنت متعب ومنهك، تجد نفسك قفزت من الفراش وارتديت الثياب ثانية، وذهبت إلى المؤسسة، لتشتري هذه الصفيحة، لأنك ستوفر ستمائة ليرة، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا المبلغ ، ولا يوجد ازدحام، ولا يوجد في البيت زيت, وأنت بحاجة إلى الزيت، وقد قبضت راتبك حديثاً، والسعر فيه فرق كبير جداً، انظر: خمس كلمات من ابنه جعلته يتحرك، هل تستطيع أنت أن تقول لنفسك خمس كلمات لتتحرك؟ لتقوم وتمشي وتخرج من البيت إلى الجامع؟ أو تعين إنساناً؟ أو أن تقرأ القرآن؟ هل عندك هذه الحركة؟ . إن لم يكن هناك حركة فمكانك تحمدي أو تستريحي. الصحابة فتحوا البلاد, أنت ماذا قدمت؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/10.jpg مرة في الحج، وقد وضعت سلالم للطابق الثاني في الكعبة المشرفة، وللطابق الثالث السطح، ففي منظر للحجاج يثير انطباعاً معيناً، كل شيء واقف والسلم يسير، متحرك، مرتاح, والدرج متحرك، هكذا وضع المسلمين اليوم، يريد من يحركه، يريد من ينهضه، يريد من يعطيه، محمول، أما الصحابة فقد حملوا، مسلمو اليوم يحبون أن يحملوا، أو يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرق كبير بين أن تَحْمِل وبين أن تُحْمَل، تريد أن تزوجه, وأن تؤمن له البيت، وعمل، وتحل له مشكلته مع زوجته، ومشكلته مع شركائه، وكل يوم سؤال. توفي من الأسرة أحدهم، يقول: ألا تريدون أن تذهبوا للعزاء؟ وعلى هذه الحال عندي كل أسبوع خمسين تعزية، أقول: ولكني لا أعرفه ولا يعرفني، يقول لك: سيستفيدون من كلمة منكم يا سيدي، يريد أن يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً, يريد من يحمله ولا يحمل أحداً، نحن نريد من يحمل، نريد من يساهم، يقدم للمسلمين شيئاً، يقدم بين يدي الله عز وجل شيئاً. ((يا بشر, لا جهاد ولا صدقة, فبم تلق الله إذاً؟)) سؤال محرج: اسأل نفسك إذا وقفت بين يدي الله يوم القيامة، قال لك: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ يا رب آمنت بك، حسناً ماذا فعلت؟ رجل مريض بمرض جلدي, وعلاجه الشمس، هذا الإنسان المريض آمن أن الشمس ساطعة، حسناً وماذا لو آمن بهذا؟ إن قلت: ساطعة, ما فعلت شيئاً، وما قدمت شيئاً، إن قلت: ليست ساطعة تتهم بعقلك، حتى لو آمنت ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً، ماذا قدمت؟ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] ماذا قدمت؟ الصحابة الكرام فتحوا البلاد. هذه الامتحانات التي ابتلي بها نبيكم : النبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلا لِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلالٍ)) بالله عليكم، هل من أحد منكم دخل بيته مرة، وسأل أهله: هل عندكم طعام؟ قالوا: لا، ولا كسرة خبز, ولا كأساً من الشاي، ولا قطعة جبن أبداً, النبي دخل إلى بيته ذات مرة فقال: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لا, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ)) [أخرجه الترمذي في سننه] وصار المال بين يديه، قال له أحدهم: لمن هذا المال؟ قال: هو لك، لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك لرسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر. الله امتحنه بالفقر فصبر، وامتحنه بالغنى فشكر، وامتحنه بالضعف فكُذِّب، وعوقب، وسُخِرَ منه. قال: لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي. عَبْدُ اللَّهِ قال: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمـُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك . انظر: امتحنه بالفقر فصبر، امتحنه بالغنى فشكر، امتحنه بالضعف والفقر فصبر، امتحنه بالقوة ففتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة، تنتظر الأمر من شفتيه، أنقضي عليهم؟ قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: ((أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)) الأمر الذي جعل أبو سفيان يقول: يا بن أخي ما أحكمك، وما أرحمك، وما أعقلك، وما أوصلك!. سؤال محرج : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/11.jpg سؤال محرج: ماذا قدمت لله؟ هل تركت علماً؟ هل تركت عملاً خيِّراً؟ هل ربيت إنساناً ؟ هل دعوت إلى الله؟ هل خدمت أهل الحق؟ هل بذلت من وقتك لتعليم الآخرين؟ اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: ماذا فعلت بين يدي الله عز وجل؟. ((يا عبدي, ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا ربي زهدت في الدنيا من أجلك، قال: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، ولكن ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا رب, وماذا أفعل من أجلك؟ قال: هل واليت فيَّ ولياً؟ هل عاديت فيَّ عدواً؟)) أي لو رأيت إنساناً متفلتاً يتهجم على الدين، ألم تحاول أن تقنعه بالدين؟ أو تقف موقفاً حازماً يرضي الله؟ لا يستطيع، لا خير فيه، ولا رغبة في إعانة إنسان على الحق، تأتي ابنة أخيك إلى المنزل, تلبس الثياب الفاضحة، أهلاً بابنة أخي، كيف حالك؟ لقد اشتقنا لكِ، لم نعد نراك، ألم يخطر في بالك أن تنبهها إلى هذا اللباس الفاضح؟ يقول لك: دع الناس وشأنهم، هذا هو حال المسلمين اليوم. حال المسلمين اليوم: حي فيه بيت قد احترق، كل واحد منهم قال: لا دخل لي، إن لم ينهض كل سكان الحي في إطفاء الحريق، سوف يصل إليهم جميعاً بيتاً بيتاً, قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال الآية: 25] علامة العزيمة : علامة العزيمة: الحركة بلا توقف ولا تردد. قال لهم: أول قائد سيدنا أسامة بن زيد بن حارثة، ثاني قائد سيدنا جعفر، الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة، أول قائد أخذ الراية وقاتل حتى قتل، أخذها سيدنا جعفر فقاتل حتى قتل سريعاً، جاء دور سيدنا ابن رواحة، فأخذ الراية وتردد ثلاثين ثانية, قال: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتِ إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن تولـيت فقد شقيـتِ وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام قال:http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/12.jpg ((أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى له جناحين يطير بهما في الجنة، ثم سكت، فقلق أصحاب النبي على أخيهم عبد الله, قالوا: ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه)) هبط مقامه لأنه تردد، يجب أن لا يكون هناك تردد ولا توقف، ولا رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا جاه ولا منزلة، بل على العكس أي عائق يزيله، وأي صارف يغلقه، وأي موضوع جانبي ينصرف عنه، فهو ينقاد إلى العلم ليتهذب به، ويصلح شأنه، ويقصد إجابة داعي العلم كلما دعاه، يسأل ما الحكم الشرعي في هذا؟ إن كان حراماً تركه فوراً بلا تردد، لا يعلق تطبيق الأمر على معرفة حكمته، لأنه يعتقد أن علة كل أمرٍ أنه أمر، هو يقبل على تنفيذ الأمر إقبال العابد، فإذا أقبل على هذا التنفيذ, كشف الله له حكمته، فجمع بين العلم والعبادة، هذا لما يتحرك وينهض من فراشه، ويتوجه إلى بيت الله، ينهض من فراش وثير ليصلي الفجر في جماعة، يغلق محله ليحضر درس علم، يتعلم به، يذهب لعيادة مريض، حينما يتحرك هذه الحركة، صار قصده عزماً جازماً، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] باللغة الدارجة: قوموا يا شباب، هيا لا يوجد وقت، هذا النهوض، هو الدرس اليوم ، طبعاً: تنطلق إلى البيت, إلى المسجد, إلى عملك، إلى جامعتك، إلى دكانك، من أجل أن تكسب عملاً صالحاً ترضي الله به. تعريف العزم : تعريف العزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل، ولهذا قيل: إنه أول الشروع بالحركة لطلب المقصود. مثلاً: رجل أراد أن يحج، ينهض الساعة الثامنة، يذهب إلى مديرية الحج، مطلوب قيد نفوس، لا حكم عليه، موافقة الجندية، دفع مبلغ، ذهب الساعة الثامنة إلى التجنيد, وأخذ موافقة، هذا الذي ينوي الحج. إنسان أخذ شهادة ثانوية، ويرغب في الجامعة، يتتبع الصحف، علامات القبول، يشتري إضبارة، يقدم الوثائق، يحضر المصدقة ويصدقها، حركة، اليوم درسنا حركة, إذا لم توجد الحركة, لا يوجد شيء، في الحركة بركة، تدعو الرجل فيقول لك: إني مشغول، لا يوجد رغبة، لا تحرجني، أميل إلى الاسترخاء والنوم والاعتذار، أما بموضوع دنيوي للساعة الواحدة يسهر، موضوع متعلق بالدنيا يسهر إلى الساعة الثانية صباحاً، استوقف أحد ما في الطريق, قل له: مشروع, تجده يقف, نسي نفسه واقفاً، مضت ساعة ونصف وهو واقف، إذا موضوع مشروع، تكلمه عن الله تراه يتثاءب، يقول لك: لا تؤاخذني، إني قد سهرت البارحة حتى الساعة الثانية، وعندي موعد, وعندما تكلمه عن الله تجده يريد أن يغير الحديث. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/13.jpg فالعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل، لذلك قالوا: هو أول الشروع في الحركة لطلب المقصود. والشروع في الحركة ناشئ عن العزم، أكثرنا دخل الجامعة، حسناً: كيف درست؟ حتى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة. أنا أذكر عندما دخلت كلية الآداب، وطنت نفسي لأعرب كل يوم صفحة بكاملها، صفحة كان علي أن أعرف كل كلماتها، صرفاً, ونحواً، وبلاغة، وعروضاً، ومعنى، وتقطيعاً ، أحياناً كانت تأخذ الصفحة من وقتي عشر ساعات، كل الكتب أمامي، وكل المراجع، ما من إنسان يصل لشيء بلا ثمن، تجد الطبيب قد درس ثلاثاً وثلاثين سنة، ما من إنسان وصل إلى شيء دون جهد بالغ، هذه الدنيا تجد الإعداد لها أربعين سنة والاستمتاع عشر سنوات. كثير من الناس يموتون في الخمسين، حتى استقر أربعين عاماً، حتى اشترى بيتاً وركب مركبة صغيرة، معترك المنايا بين الستين والسبعين، تجده في الثماني والأربعين، والسبع والأربعين، في الاثنين والخمسين تجده انتهى، انتهت الحياة، معقول أن تعد أربعين سنة لِعشر سنوات؟ والله هذه خسارة كبيرة، أما أن تعد للأبد فهذه سهلة جداً، شيء منطقي أن تعيش خمسين سنة تعد فيها لحياة أبدية تمام، أما لعشر سنوات فهذه مغامرة كبيرة. أنواع العزم : العزم نوعان: عزم على الدخول في طريق الإيمان، وعزم على متابعة السير في طريق الإيمان. كل شيء أوله له بريق، أول شهر وحتى أول شهرين, من الدخول إلى المسجد، حينما يلتقي بأهل الحق, يقول لك المرء: أنا أعيش في جنة، لأنه منقول نقلة مفاجئة، من جو بارد، من صقيع إلى جو دافئ أو بالعكس، من جو حار لا يحتمل إلى جو مكيف، نقلة مفاجئة، هذا الإنسان كان في مكان حرارته 56ْ, ودخل إلى غرفة مكيفة، يقول لك: ما شاء الله، التكييف نعيم, لكن بعد ساعة لم يعد يشعر بالتكييف، لأنه استمر، وإذا دخل أحدهم من صقيع إلى غرفة دافئة، أول الدخول رائع، لكن بعد فترة ألفه، فبالإيمان يوجد في البدايات مرغبات، لكن بعد فترة يألف الحق، يألف المنطق الإسلامي، يألف الاستقامة، فتضعف همته، الآن أنت تريد عزيمة من نوع ثانٍ للمتابعة، تريد عزيمة دخول، وعزيمة متابعة. العزم نوعان؛ عزم في البدايات، وعزم في المتابعة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/14.jpg يوجد نقطة مهمة جداً: أن مقامات الدين ليست كمقامات الطريق، كرجل سافر إلى حلب، انتقل من دمشق إلى القطيفة، ثم غادرها إلى حمص، ثم غادرها إلى حماه، ثم غادرها إلى المعرة، ثم غادرها إلى حلب، أول منزلة ترافقك دائماً، تضاف لها الثانية، تضاف لها الثالثة، تضاف لها الرابعة، منازل ثابتة تتنامى لا تنقطع، هذا حال أهل الجنة، بدأ باليقظة فاليقظة مستمرة معه، انتقل إلى البصيرة فالبصيرة مستمرة، انتقل إلى العزم فالعزم مستمر، الله عز وجل قال: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 117] التوبة مستمرة، واليقظة مستمرة، والبصيرة مستمرة، والفكرة مستمرة. النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَائِشَةَ رَضِـي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: ((مَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) أليس فيها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 3] من لوازم العزيمة : الصبر من مقامات العزم، الإنسان لعمل دنيوي يصبر، يقول لك: عملي شاق. أحياناً الإنسان يضطر أن يصـب سقفاً في أيام الصقيع، يخرج من بيته الساعة السادسة، ويقف في الهواء, يتحمل الرياح الباردة، من أجل أجرة مفترضة، فالإنسان يصبر أحياناً على عمل شاق من أجل الدنيا، فكيف إذا صبر من أجل الله؟ فالصبر من لوازم العزيمة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 72-73] نهاية المطاف : أيها الأخوة, محور هذا الدرس: الأمور واضحة ليس إلا الله، لا إله إلا الله، وأنت مخلوق للجنة، والجنة تحتاج إلى عمل, قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 32] وكل معصية لها عقاب, وكل حسنة لها ثواب، ومستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تطيعه وتذل، ومستحيل أن تعصيه وتعز، هو الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وكلنا إلى الموت سائرون. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البقيع يقول: ((أنتم السابقون ونحن اللاحقون)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2741/15.jpg وكل إنسان كذلك الأمر، أمير البحرين قابل وزير الدفاع الأمريكي، وبعد دقائق مات، الأمير يموت, الملك يموت، الغني يموت، الفقير يموت، القوي يموت، والضعيف يموت، الذكي يموت، والغبي يموت، الصحيح يموت، والمريض يموت، الشاب يموت, والكبير في السن يموت، وكل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لو يعرف الإنسان دقائق جسمه، الموت أقرب إليه من شرك نعليه، يقول لك: سكتة ومات، ما هذا القلب؟ فيه كهرباء ونبض، إذا جاءت خارجة انقباض واحدة أطول مما ينبغي يتوقف القلب، كان شخصاً صار خبراً، ما الإنسان؟ كل حياتك, وفاعليتك، ونشاطك، ومكانتك، وهيمنتك، وشخصيتك، وأموالك كلها المنقولة وغير المنقولة، وأسرتك, وبيتك, ومكتبك, وسيارتك، وكل مكانتك مربوطة بواحد ميلي وربع, هو الشريان التاجي، مربوطة بنمو الخلايا، مربوطة بسيولة الدم، إذا الدم جمد جلطة، وإذا الخلايا تفلتت سرطان، وإذا الشريان ضاق, يقول: لك خناق صدري، وكل واحد منا تحت هذا الخطر، تحت رحمة الله، ما من أحد يعرف متى؟ . شخص بأعلى درجة من النشاط, فجأة فقد حركته وكلامه، صار طريح الفراش، كان له محل تجاري، له حركة، ولكنها انتهت, صار عبئاً، هكذا الدنيا، لذلك: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. اعمل عملاً صالحاً, ثم متى يأتي أجل الله أهلاً وسهلاً, قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 158] ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 32] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يس الآية: 26] دعاء الختام : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : شهود الاسماء والصفاتالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] أيها الأخوة, منزلة جديدة، ولعلها من أدق المنازل، وتحتاج إلى دقة انتباه وإعمال فكر، هذه المنزلة منزلة: شهود الأسماء والصفات. أن ترى حقيقة أسماء الله الحسنى، هذه منزلة عالية جداً، هذه منزلة متعلقة بأصل الإيمان، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وحينما تصح معرفة الله عز وجل يصح كل شيء، تخلص له, توحده، توحد وجهتك إليه، توحد النيّة، توحد الهدف، توحد الوسيلة. انظر ما قاله بعض العلماء عن هذه المنزلة : قال بعض العلماء: هذه المنزلة من أجل المشاهد ومن أعظمها, وهي أعلى منزلة مما قبلها ومما بعدها، أن تشهد حقيقة الأسماء الحسنى وحقيقة الصفات الفضلى، أن تكون على علم بالله، أن تتعرف إليه، وفرق كبير بين أن تعرف أمره ونهيه، وبين أن تعرف خلقه، وبين أن تعرف ذاته، أن تعرف أمره ونهيه، وأن تعرف خلقه، هذا شيء يكون بالمدارسة، وأي إنسان بإمكانه أن يحصل هذا العلم، لأن هذا العلم يحتاج إلى ذكاء، وإلى كتاب، وإلى مدرس بارع، يحتاج إلى مذاكرة, وإلى إعادة، هذا اسمه مدارسة. فمعرفة خلقه ودقائق خلقه، ومعرفة أمره ودقائق أمره، هذا علم مدارسة، لكن أن تعرف ذاته هذا علم مكاشفة، المدارسة تتأتّى بكل إنسان، لكن المكاشفة لا تتأتّى إلا لمن جاهد في سبيل الله، لهذا قال بعضهم: جاهد تشاهد. قاعدة : معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ثمنها باهظ، ثمنها المجاهدة، نتائجها باهرة، وكل شيء ثمنه باهظ نتائجه باهرة، قاعدة، هذه قاعدة بالحياة، من أجل أن تستمتع بالرخام الصقيل الذي لا يتبدل لونه ولا يتغير له ثمن غالٍ، من أجل أن ترتاح بمركبة لا تقطعك هذه ثمنها غالٍ جداً، فكل نتيجة باهرة لها ثمن باهظ، وكل ثمن باهظ له نتيجة باهرة. ماذا تعني كلمة الجهاد؟ : قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع، الله عز وجل يقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ [سورة التوبة الآية: 19] إنسان منعم, كثير المال, بإمكانه أن يوافق على إنشاء مسجد, فله الأجر وعظيم الأجر إن شاء الله، ولكن هذا ما كلفه إلا أن يوافق، أما حينما يجاهد نفسه وهواه، وبالمناسبة: يقع معظم الناس في خطأ لا أقول جسيم، لكن في خطأ، كلما سمعوا كلمة جهاد, انصرف ذهنهم إلى الجهاد القتالي، مع أن كلمة جهاد تعني أشياء كثيرة، من جملة ما تعنيه الجهاد القتالي, لكن لها معان أخرى، فالذي يجاهد نفسه وهواه هذا جهاد, بل إن هذا هو الجهاد الأول، بل إن هذا هو الجهاد الذي ليس قبله جهاد، جهاد النفس والهوى، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً، لا يمكن أن يجاهد العدو، لا يمكن أن ينشر الحق. فكلمة الجهاد تعني جهاد النفس والهوى، وكلمة الجهاد تعني الجهاد الدعوي، قال تعالى: وجاهدهم به جهاداً كبيراً، وسمّى هذا الجهاد جهاداً كبيراً، وجهاد النفس والهوى والجهاد الدعوي متاح لكل مسلم في أي مكان وفي أي زمان، وحينما لا يتاح لنا الجهاد القتالي نمارس الجهاد الدعوي، وقد سماه الله جهاداً كبيراً. هل تعتبر منزلة شهود الأسماء والصفات من أعلى منازل مدارج السالكين؟ : على كل؛ معرفة الأسماء والصفات بل شهود حقيقة الأسماء والصفات, من أعلى منازل مدارج السالكين، من أعلى منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] أن تشهد أسماء الله الحسنى، من هنا كانت موضوعات أسماء الله الحسنى التي تفضل الله بها علينا في هذا المسجد مائة موضوع, مائة اسم، ولكل اسم درس، وقد لاقت قبولاً حسناً والحمد لله، لأن الإنسان من خلال هذه الدروس يتعرف إلى الله، المعرفة التفصيلية, المعرفة اليومية, المعرفة التي تعطيه دافعاً قوياً, كي يتصل بهذا الإله العظيم. بل إن معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، بل إن منزلة شهود الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، من أجل المنازل ومن أعظمها، ومعرفة أسماء الله الحسنى من أجل المعارف ومن أشرفها. قف عند هذا الكلام الدقيق : الآن كلام مكثّف جداً: تعلمنا في الجامعة: أن هناك أسلوب في الكتابة مركز جداً, لا يمكن أن يلخص، لا تستطيع أن تحذف كلمة ولا حرف جر، فمثل هذا الكلام, يجب أن يقرأ كلمة كلمة، كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، اسمه العدل فهو عادل، اسمه القدير فهو قادر، اسمه العليم فهو عالم، علام الغيوب، كل اسم يقتضي صفة، طبعاً في عالم البشر, لا، اسمه كامل وهو ناقص, فاسمه محسن وهو مسيء، اسمه أنور وهو أظلم، في عالم البشر قد يتناقض الاسم مع المسمى. وقال بعضهم كلمة أعجبتني: التصوف كان مسمى بلا اسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، كان مسمى مضمون، كان أصحاب النبي في أعلى درجة من الإخلاص, وفي أعلى درجة من الحب والشوق، وفي أعلى درجة من البذل والعطاء، قمم، كان التصوف مسمى بلا اسم، فانتهى به الأمر إلى اسم بلا مسمى. فكل اسم من أسماء الله الحسنى له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل، فالله عز وجل عدل اسمه العدل، صفته عادل، العادل سوف يبطش بالظالم، الصفة لها مقتضى، الاسم له صفة، والصفة لها مقتضى من فعل لا زم أو متعدٍ، لذلك الفعل تعلق بمفعول وهو من لوازمه، له الخلق وله الأمر، هناك الثواب وهناك العقاب، كل هذا من آثار أسماء الله الحسنى، الله له اسم, والاسم له صفة، والصفة لها مقتضى، عدل عادل ينصف المظلوم ويبطش بالظالم، حتى معنى كلمة منتقم من معانيها: أنه يوقف المنحرف عند حده، ينتقم منه أن يقمعه, ويكف شره عن الناس، والمنتقم هو الذي يحق الحق. انتبه إلى هذه الحقيقة : الآن يوجد حقيقة: من عادتي في بعض الدروس, أن أضع بين أيدي الأخوة الكرام حقيقة مركزة جداً، والحقيقة فهمها سهل، لكن أن تعيشها هذا يحتاج إلى جهد كبير. قلت مرة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. أيها الأخوة, لو عقلنا هذه الجملة وهي من العقيدة الصحيحة، لا يمكن أن يدخل حزن على قلب إنسان, كل شيء وقع أراده الله، الذي وقع أراده الله، والذي لم يقع ما أراده الله، والذي أراده الله وقع، والله عز وجل حكيم رحيم, لطيف قدير, غني عدل، فكل أسمائه داخلة في أفعاله، وهذا تفسير بعض العلماء, حينما يقول الله عز وجل: إنّا تدل على الجمع: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 9] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً﴾ [سورة الإنسان الآية: 23] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ [سورة يس الآية: 12] قال: إذا جاء الحديث عن الله عز وجل بصيغة الجمع, فمعنى ذلك: أن أفعاله كلها داخلة فيها أسماؤه الحسنى. هل يمكن أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها؟ : الآن: من المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها. مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن صفاتها، وأن تعطل الصفات عن مقتضياتها، الله عز وجل عدل, مستحيل ألا يكون في أفعاله عادلاً، مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها، ومستحيل وألف مستحيل أن تعطل الأوصاف عن ما تقتضيه وتستدعيه من أفعال، وتعطيل الفعال عن المفعولات, كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته، الله ذات كاملة، هذه الذات الكاملة لها أسماء، هذه الأسماء لها صفات، هذه الصفات لها أفعال، فمن عطل فعل الله، عطل فعل الله عن صفاته، وعطل صفات الله عن أسمائه، وعطل أسماء الله عن ذاته، وهذا مستحيل. ما وراء هذا المثال : لذلك يمكن أن تستنبط حقائق وأنت مطمئن، أضرب لكم مثلاً: يكون هناك إنسان داخل في القضاء بدعوة عمرها عشر سنوات، والأمر قضية بيت وثمنه ثلاثون مليون، وعليه منازعة على ملكيته بين الورثة، ويوجد وثيقة من الأب, ادعى الخصم أنها مزورة، وجيء بخبراء للخط، وقضية وغم وهم عند الأطراف جميعاً، قد يتصل بك المحامي, ويقول لك: الدعوة ربحت, يقول له: هل صدر القرار؟ يقول له: لا, ولكن وجدت اجتهاداً في محكمة النقض لصالحك، إذا قرأ كلمتين بمجلة تصدرها وزارة العدل، وهاتين الكلمتين اجتهاد لمحكمة النقض، وهي أعلى محكمة لصالح هذا المدعي، يقول لك المحامي: ربحنا الدعوة، تفاؤلاً طبعاً، وإذا كان هناك نص قرآني, قال لك: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 156] وقال لك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] وقال لك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل الآية: 97] ألا تصدق؟ قال لك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه الآية: 124] قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] يوجد ألف آية مطمئنة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [سورة المائدة الآية: 18] معنى ذلك: أن الله لا يعذب أحبابه، فأنت يمتلئ قلبك طمأنينة حينما تقرأ اجتهاداً لمحكمة النقض، ولا يمتلئ قلبك أمناً وسلاماً حينما تقرأ آية يعد الله بها المؤمنين بالسلامة والنصر. حينما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 173] زوال الكون أهون على الله من أن تكون جندياً له ثم لا ينصرك، قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة غافر الآية: 51] قال لك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] قال لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 12] انظر للكفار كم هم متغطرسون؟ جبابرة بطاشون يتحدون الشعوب كلها، قال لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 12] قضية هامة : أخواننا الكرام, حينما تشهد أسماء الله الحسنى, وصفاته الفضلى, وتقرأ كلامه, تشعر بأنك أقوى إنسان، إذا كان معك وعد من الله، وإذا كان وعيد يغطي إنساناً، يشعر هذا الإنسان أن الله مهلكه لا محالة: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [سورة الرعد الآية: 11] أيها الأخوة, من المستحيل تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، أنا أركض لأقبض على فلان هذا فعل، لكن لم أستطع أن أقبض عليه، عطلت الفعل عن مفعوله، هل أنتم منتبهون؟ أحفر بئراً لأصل إلى الماء، لم أصل إلى الماء، عطلت الفعل عن مفعوله، الاسم يقتضي صفة ، والصفة تقتضي فعلاً، والفعل يقتضي مفعولاً، فمن عطل المفعول عن فعله، والفعل عن صفته، والصفة عن اسمه، والاسم عن ذاته، هذا صفر بالإيمان. هذا ما أنكره العلماء : قال: إذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكماً ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، أوصافه مثلى فضلى، أسماؤه حسنى، أفعاله حكيمة، لذلك أي تعطيل لهذه الأسماء والأفعال والصفات هو إنكار لبعض أسماء الله الحسنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [سورة فصلت الآية: 40] لهذا ينكر العلماء على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به، عطله عن أمره: رجل أنجب أولاداً, ولم يتكلم معهم بأي كلمة، أكلوا, حرقوا نفسهم بالمدفأة، تناولوا طعاماً سيئاً، جرح يده، الأب صامت، ضرب بعضهم بعضاً، كسروا الآنية، أكلوا طعاماً مسموماً، أمسكوا بالتيار الكهربائي فصعقوا، الأب صامت، هل هذا أب؟ مستحيل، الأب له أمر وله نهي، فإذا قلت: الله لم يأمر ولم ينه، ممكن أن تكون الآن قضية معقدة، ليست مغطاة بالتشريع، الله عز وجل عطلناه عن أمره ونهيه، الله ماذا قال؟ قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء الآية: 59] معنى ذلك: أنه ما من قضية متنازع فيها إلى يوم القيامة, إلا وفي الكتاب والسنّة ما يغطي حكماً لها، لكن أقول: علمه من علمه وجهله من جهله. إذاً: كل من عطل ذات الله عن أمره ونهيه, أو عطله عن ثوابه وعقابه. هذا سوء الظن بالله : إذا قال لك: إن الله عز وجل يعطي النعم من ليس أهلاً لها، معنى ذلك: أنه ليس عنده حكمة، وليس عنده عدل، معناها أن الإنسان المنحرف يكرمه والمستقيم يعاقبه، يقول لك مثلاً شخص: هذا ملكه نحن ليس لنا علاقة، ممكن أن نعبده طوال حياتنا ويضعنا في جهنم, ما هذا الكلام؟ أهكذا ظنك بالله؟ أنت من الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء, ينصر أعداءه ويقويهم، ويخذل أولياءه ويضعفهم، ويجعل الدائرة تدور على أوليائه, ويضع من استنفذ عمره كله في طاعته في النار، ومن ناصبه العداء في الجنة، وتقول: يفعل ما يشاء, ويفعل ما يريد، الملك ملكه، هكذا ظنك بالله؟ والله من ظن هذا الظن, لا يعرف الله أبداً إطلاقاً، هذا سوء ظن بالله، أساساً الله عز وجل قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 154] هناك أناس كثيرون نحن عبيد بملكه، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا، من غير ضابط. الله قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 56] حيث ما جاءت على مع لفظ الجلالة، فتعني: أن الله ألزم نفسه بالاستقامة، قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 56] قال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] انظر: كم هي دقيقة؟ قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [سورة النساء الآية: 147] قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7-8] قال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر الآية: 17] قال: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] ولا نقير ولا قطمير: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [سورة الروم الآية: 9] ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [سورة لقمان الآية: 16] من هؤلاء الذين لم يقدروا الله حق قدره ولم يعظموه حق تعظيمه؟ : فمن عطله عن أمره ونهيه, هناك بعض القضايا ليس لها حكم شرعي، يا أخي شيء يحيّر، أفيدونا، إذا قال: هناك قضايا ليس لها حكم شرعي, معنى ذلك: أنه ما قرأ القرآن, لم يقرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة الآية: 3] لم يقرأ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 38] لم يقرأ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء الآية: 59] من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، نسبه إلى ما لا يليق به، ونسبه إلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء مما حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، وما عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة. هل من الممكن الله عز وجل يخلق الخلق ويدعهم بلا أمر ولا نهي؟ الآية الكريمة من أدق الآيات: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 91] عطلوا ذات الله عن الأمر والنهي، فمعنى ذلك: أن الله ليس له تعليمات, ليس له توجيهات، خلق الخلق سدى, قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [سورة القيامة الآية: 3] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [سورة المؤمنون الآية: 115] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [سورة القيامة الآية: 36] الجامعة مثلاً: أليس فيها فحص ولا شهادات؟ هذا داوم, هذا لم يداوم، هذا سرق كتاباً من المكتبة، هذا قرأ الكتاب، طالب قرأه وطالب سرقه هل يستويان؟ لا يوجد حساب؟ هذا يتنزه عنه إنسان لا خالق الأكوان: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 91] وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر الآية: 67] يعني ذلك أنه هناك حساب، وتسوية حسابات، وقوف بين يدي الله، إنسان يعيش على أنقاض الناس، وإنسان يعيش الناس على أنقاضه كالأنبياء، هل يستويان؟ إنسان يعيش على أنقاض الناس, والأنبياء عاش الناس على دعوتهم, وعلى جهدهم, وعلى بطولتهم, وعلى بذلهم وعطائهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 21] ما أسباب انقباض الناس؟ : ما أسباب انقباض الناس؟ لأنها بعيدة عن التوحيد، إذا رجل بعيد عن الله, وسمع ما يقوله الأقوياء, وكيف يتحدون الشعوب الضعيفة؟ كيف يعيشون على أنقاض العالم؟ سيختل توازن الإنسان, لكن بالتوحيد يستعيد توازنه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 42] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة آل عمران الآية: 196-197] هذا الذي يجب أن ينتظره الإنسان : أيها الأخوة, لله عز وجل في كل وما قضاه وقدره الحكمة البالغة، حكمة ما بعدها حكمة، ولكن نحن إما أن نكشف طرفاً منها أو أن نعجز عن فهم هذه الحكمة، كمثل هذا الرجل الذي جعل من بيت النبوة دار دعارة سلمان رشدي، كيف سمح الله له بهذا؟ حبيبه سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، كيف سمح لإنسان ساقط حقير من أن يجعل من بيت النبوة بيتاً للدعارة؟ عشرون ألف بريطاني أسلموا بسبب هذا الكتاب، لما قرؤوا هذا الكتاب لم يصدقوه، فبحثوا عن الحقيقة وأسلموا، الله عز وجل له حكمة بالغة, قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 112-113] سمح الله عز وجل أن تنشر كتب, فيها ضلالات، فيها انحرافات، فيها اتهامات، فيها طعن، فيها غمز، فيها لمز، وتطبع طبعات كثيرة جداً لحكمة بالغة، هذه الكتب تعني اللقاحات للمؤمنين، اللقاح جرثوم ولكنه ضعيف، الجسم يهيىء مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فلما تظهر شبهات وضلالات، المؤمن يبحث عن جواب، عن رد، يضاعف جهده، يسأل علماءه، يتحقق يدقق فيقوى إيمانه، لذلك دائماً الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق. هل تصدقون: أن أربعين ألف جندي أمريكي أسلموا في حرب الخليج؟ لأنك أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، الإنسان عليه أن ينتظر حكمة الله عز وجل, لعل الله عز وجل حينما قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 5] من هو أكمل الناس عبودية لله عز وجل؟ : كل اسم له تعبد مختص به، كل اسم من أسماء الله الحسنى له تعبد خاص به، علماً ومعرفةً وحالاً، وأكمل الناس عبودية لله عز وجل هو: المتعبد له في جميع أسمائه وصفاته، أي يعبد اسم الله الحليم فيكون حليماً، ويعبد الحكيم فيكون حكيماً، ويعبد القوي فيكون قوياً في دين الله، ويعبد الرحيم فيرحم الخلق، ويعبد اللطيف فيتلطف في الخلق، ويعبد العدل فينصف في أحكامه، كل مؤمن إذا عبد الله بكل أسمائه حق العبادة فهو في الصف الأول، لا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسم القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، الله قدير، فهو إذا بطش بطش، أعبده باسم القدير، وأعبده باسم الحليم الرحيم. وقد يحجبه اسم المعطي عن اسم المانع، أو اسم المانع عن اسم المعطي، وقد يحجبه اسم الرحيم عن اسم المنتقم، أو المنتقم عن الرحيم، ويحجبه اسم التودد والبر عن اسم العدل والجبروت والعظمة والكبرياء، يجب أن تعبد الله بكل أسمائه، ما دمت قد عرفت طرفاً من كمالاته من خلال أسمائه، ينبغي أن تعبده بكل أسمائه. قال: وهذه طريقة الكمّل من السائرين إلى الله عز وجل، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف الآية: 180] ادع الله باسم الرحيم تارة ليرحم العطشى، ادع الله باسم الجبار المنتقم لينتقم من الظالمين، وادع الله باسم اللطيف ليتلطف بنا، وادع الله باسم المعطي ليعطينا، اعبد الله بكل أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى. والدعاء -كما تعلمون- يكون دعاء مسألة, ودعاء ثناء, ودعاء تعبد، فهو يدعو عباده ، يعرفونه بأسمائه وصفاته، وأن يثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، ادع الله بأسمائه داعياً، وادعوه مثنياً عليه، وخذ حظاً من هذه الأسماء. هذا ما عده العلماء في دعاء يونس عليه الصلاة والسلام : سيدنا يونس عندما وقع في بطن الحوت, نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أثنى على الله، فعدّ العلماء الثناء دعاء، والدليل: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 76] لم يقل: يا ربي أخرجني، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 87] قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 88] هذا ما يحبه الله : آخر نقطة في الدرس: الله عز وجل عليم يحب كل عليم، يحبك أن تكون فهماً حصيفاً عاقلاً محصلاً للعلم، الله يحب العلماء، إن الله عالم يحب كل عالم. الحقيقة: لن تستطيع أن تتقرب إليه إلا بأسمائه، الله رحيم يحب الرحيم. إنسان يشاهد حيواناً دُهِسَ, وما زال على قيد الحياة، يحمل الحيوان, ويركب سيارة خاصة، ويذهب إلى مستشفى بيطري ويعالجه هذه رحمة، ليس له علاقة بالحيوان، لا يوجد أي نفع يأتيه منه، الله عز وجل غفر لبغي سقت كلباً، الله يحب الرحيم, جواد يحب كل جواد، الله لا يحب البخيل، إذا أردت أن يحبك الله تقرب له بأسمائه، هو جواد كن جواداً يحبك الله، هو عليم اطلب العلم يحبك الله، هو رحيم ارحم من في الأرض يرحمك الله، هو عدل كن عادلاً مع أولادك مع من حولك مع موظفيك يحبك الله عز وجل، جميل يحب الجمال، تنظف, رجّل شعرك، تعطر, اجعل ثيابك نظيفة، حاول أن يكون هناك ألواناً منسجمة في ثيابك، لك مظهر مقبول براق، الله يحبك، إن الله جميل يحب الجمال، بعض الناس فهموها فهماً آخر: يملأ عينيه من الحسناوات، ويقول لك: إن الله جميل يحب الجمال! هذا فهم شيطاني. عفو يحب العفو، الله يكره المنتقم بالمعنى الأرضي، أما المنتقم بمعنى كاسم من أسمائه الحسنى، هو الذي يقمع الظالمين يقمعهم ويوقفهم عند حدهم، حيي يحب الحياء وأهله، هذا الوقح المتعالي المتعجرف لا يحبه الله، يحب الحيي. كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءاً من العذراء في خدرها، بر يحب الأبرار، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب الحلماء، لأنه يحب خلقه, يتوب عليهم, ويغفر لهم, ويعفو عنهم, ويصفح عنهم، ويحب من يعفو ويتوب ويصفح من عباده. خلاصة القول : أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وضحت لكم هذه الحقائق: الذات تقتضي أسماء، والأسماء تقتضي صفات، والصفات تقتضي أفعال، والأفعال تقتضي مفاعيل، فمن عطّل فعل الله عن مفعوله, وصفاته عن أفعاله, وأسمائه عن صفاته, وذاته عن أسمائه, فقد ألحد، الله عز وجل لا يمكن أن يصف نفسه بصفة لا معنى لها, ما دام سمّى نفسه العدل، فصفته أنه يعدل، ويعدل له فعل، والفعل هو أنه سينتقم من الظالم وسينصف المظلوم، وهناك شواهد كثيرة جداً: إنسانة تسكن في بيت أبيها، فجاء الأخ من بلد راقٍ جداً, معه ثروة طائلة, احتلّ البيت, غيّر ترتيبه، جدده تجديداً كاملاً، فرشه بالأثاث، ومعه زوجة ومعه أولاد، لا يريد أخته، وأخته لها حصة في البيت، عمل على طردها، قال لها: اذهبي لعند أهلك، عند أخوتك، بيتها تسكن فيه، استولى على البيت وجدده وفرشه، وهيأ كل شيء ليعيش مع زوجته وأولاده حياة ناعمة في هذا البيت, وطرد أخته، بعد أسبوع من سكناه في البيت, دخلت زوجته الحمام، فارقت الحياة، وعنده أولاد، فصار يرجو أخته أن تعود إلى البيت لترعى الأولاد، يرجوها ويخاف ألا تقبل, الله عدل، طبعاً الزوجة ماتت في أجلها، لكن انتقم منه انتقاماً شديداً: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج الآية: 12] تعامل مع الله بهذا الفهم الدقيق، الله له ذات واسم وصفة وفعل ومفعول، فإياك أن تقع تحت طائلة العدل، إياك أن تتعامل مع الله على أنه لا يعلم, أو على أنه لا يرحم, أو على أنه لا يعدل, إياك: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج الآية: 12] أيها الأخوة, هذه المنزلة منزلة شهود الأسماء والصفات. الشيء الدقيق في الدرس: لا تستطيع أن تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً تتقرب به إليه، هو عادل يحب العدل، هو كريم يحب الكرم، هو عليم يحب العالم، هو جميل يحب الجمال، هو رحيم يحب الرحيم، هو حليم يحب الحليم، لا تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً يكون وسيلة لك إليه هكذا, الله لا يقرب إلا الكامل، أما الأقوياء يقربون أي إنسان أعلن الولاء، أما ملك الملوك لا يقرب إلا الكامل؛ بقدر انضباطك يقربك الله، بقدر ورعك. النبي الكريم كان جائعاً, رأى على السرير تمرة فأكلها، -هكذا قرأت-، قُطع الوحي عنه أسبوعين. الله يحب الورع، قال أبو حنيفة النعمان: ما وقف في ظل بيت مرتهن عنده، لئلا ينتفع بالرهن، من شدة الورع، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. دعاء الختام : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفرار الى الله التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفِرار، هذه المنزلة مستنبطة من قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] وحقيقة الفرار: الهروب من شيءٍ إلى شيء، من شيءٍ مخيف إلى شيءٍ آمن، من شيءٍ مزعج إلى شيءٍ مُطَمْئِن. أنواع الفرار : أيها الأخوة, والفرار نوعان؛ فرار السعداء وفرار الأشقياء، فرار السعداء إلى الله عزَّ وجل، وفرار الأشقياء فرارٌ منه لا إليه، فرارٌ منه إلى الدنيا، إلى المعاصي، فرار السُعداء فرارٌ من الدنيا إلى الله، أما فرار السعداء الفرار منه إليه، ففرار أوليائه. هذا ما قاله ابن عباس وآخرون في معنى هذه الآية : قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] أي فروا منه إليه، من عقابه إلى جنَّته، من معصيته إلى طاعته، فروا مما سوى الله إلى الله، فروا من الأغيار إلى الله، فروا من الشُركاء إلى الله. وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، عملية فرار من شيء مخيف إلى شيء مُسْعِد، وحينما قال الله عزَّ وجل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] فالفرار منزلةٌ من منازل السالكين إلى الله عزَّ وجل. من معاني الفرار أيضاً : هناك معنى آخر للفرار: فرارٌ من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، من الجهل إلى العلم، أن تعتقد وأن تسعى، ومن الكسل إلى التشمير جِدَّاً وعزماً، ومن الضيق إلى السَعَةِ ثقةً ورجاءاً، من الجهل إلى العلم اعتقاداً وسعياً، من الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقةً ورجاءاً. يقول عليه الصلاة والسلام: ((شمروا فإن الأمر جد)) شمروا هذه منزلة الفرار. ((تأهبوا فإن السفر قريب)) ((تزودوا فإن السفر بعيد)) ((أخلصوا النية فإن الناقد بصير)) ((أكثروا الزاد فإن المسافة بعيدة)) ((خففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود)) ((جدد السفينة يا أبا ذر فإن البحر عميق)) ((شمروا فإن الأمر جد)) عملية الفرار عملية فيها درجة عالية من الاهتمام والجدية والعزيمة. أنواع الجهل : 1-عدم العلم : أيها الأخوة الكرام, الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع جهلٌ, وعدم العمل بموجبه ومقتضاه جهلٌ، الجاهل هو الذي لا يعلم، والجاهل هو الذي لا يعمل، والدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 67] هذا جهل العلم، أعوذ بالله أن لا أعلم، أن الاستهزاء ليس من شأن الأنبياء، أعوذ بالله أن أكون جاهلاً بهذا الأمر، نقلته لكم بأمانةٍ عن الله عزَّ وجل، فالجهل نوعان: عدم العلم، وعدم العمل. 2-عدم العمل : أما عدم العمل: كقول سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما قال : ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] أن يصبو الإنسان إلى امرأةٍ لا تحل له هذا جهل، ليس جهل علمٍ ولكنه جهل عمل، فالذي لا يعلم جاهل، والذي يخطئ جاهل: ألا لا يجهـلـن أحدٌ علـينـا فنجهل فوق جهل الجاهلينا أي أعوذ بالله أن أرتكب ما هو حرام، هذا معنى جهل العمل، لذلك: كل من يعصي الله عزَّ وجل مدموغٌ بالجهل، كل من يجهل حقيقةً أساسيةً في حياته مدموغ بالجهل، من يعرفها ويخالفها مدموغٌ بجهلٍ مُرَكَّب. ماذا تبين لنا هذه الآية؟ : الله عزَّ وجل في سورة الفاتحة يأمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 6-7] ﴿غير المغضوب عليهم﴾ هؤلاء الذين عرفوا وانحرفوا، جهل عمل، ﴿ولا الضالين﴾ جهل علم، الضالون ما عرفوا وانحرفوا، انحرفوا لأنهم ما عرفوا، أما المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا، فجهلهم جهل عمل، الله عزَّ وجل يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [سورة النساء الآية: 17] هذا الذي لا يعلم, ذنبه سريع الغفران، الذي يعمل السوء بجهالة, هؤلاء توبتهم سريعة وسهلة. هذا ما قاله قتادة : وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كل ما عُصِيَ الله به فهو جهالة، وقال غيره: أجمع الصحابة: أن كل من عصى الله فهو جاهل. ((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ)) [أخرجه الدارمي في سننه] ((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله, وكفى به جهلاً أن يعصيه)) من يعصي الله فهو جاهل. ما المقصود بالفرار من هذه الآية؟: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] الفرار هنا من الجَهْلَين: من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً، فإذا الإنسان رأى مكاناً يحترق وفي مكان لا يحترق، يفر بجديةٍ ما بعدها جدية, من مكان الحريق إلى مكان البرد والثلج. فالفرار فرارٌ من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً. والفرار أيضاً: أن يفر الإنسان من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل. قف هنا : فالإنسان أمام بعض العبادات، أمام بعض الأعمال الطيبة, تحتاج إلى جهد، إلى عزيمة ، تجد من يقول لك: ابق، الله يرزق العباد، في من يدعوك إلى الكسل، من يدعوك إلى أن لا تنفق، إلى أن لا تعمل، إلى أن تخلُد إلى الراحة، إلى أن تسترخي، وفي من يدعوك إلى العمل ، حي على الفلاح، الجد ها هُنا صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور، المنافقون, قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] الجد صدق العمل, وإخلاصه من شوائب الفتور, ووعود التسويف والتهاون، وقد هلك المسوِّفون، كلما هموا أن يتوبوا يقولون: غداً نتوب، بعد انتهاء الدراسة، بعد نيل الشهادة، بعد الزواج، بعد تأسيس عمل، بعد شراء بيت، يمضي كل حياته وهو يسوِّف إلى أن تأتية المَنِيَّة. هذا ما يأمرنا به الله : والله عزَّ وجل يأمرنا أن نتلقَّى أوامره بالعزم والجد، هذا معنى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] قال: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 93] ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 145] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [سورة مريم الآية: 12] أي بجدٍ واجتهادٍ وعزمٍ, لا كمن يأخذ ما أُمِرَ به بترددٍ وفتور. من معاني الفرار إلى الله أيضاً : من معاني الفرار إلى الله: أن تهرب من ضيق الصدر بالهم والغم والحزن والمخاوف التي تعتري الإنسان في هذه الدار, إلى سعة الإيمان وأُفُقِ الإسلام ورحابة طاعة الرحمن. الفرار مما يتعلق بأسباب مصالحه، الإنسان له مصالح متشابكة, في أرض لم تسجَّل، في بيت لم يتم بيعه، في شركة لم يتخالص فيها الشركاء، في إرث لم يوزَّع، هذه كلها هموم ساحقة وضاغطة وماحقة، فالإنسان يهرب من هذه المصالح وما يتعلَّقُ بها من ماله وبدنه وأهله وعدوه، يهرب من ضيق صدره إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وكأن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام, يقول: لبيك اللهم لبيك، استجابةً لك يا رب بعد استجابة، وكأن الله يدعوه, ويقول: تعال إلي يا عبدي، تعالَ اخرج من همومك، ومن ضيق صدرك، ومن ثقل مصالحك، تعال إلي، حُط همومك عندنا. إذاً: المؤمن يفر من ضيقٍ يعتريه، من ضيق الهم، وضيق الغم، وضيق الحزن, إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وصدق التوكل عليه، وحسن الرجاء لجميل صنعه به، وتوقع المرجو من لطفه وبره. ومن أحسن كلام العامة: لا هم مع الله، أي أنه على كل شيء قدير، كل من حولك بيد الله، الأقوياء بيده، والضُعفاء بيده، وأهلك بيده، أعضاؤك بيده، أجهزتك بيده، خلاياك بيده، نمو الخلايا بيده، أعضاؤك النبيلة بيده، لا هم مع الله، من عرف الله ليس له هم، الأمر كله عائدٌ إليه، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق الآية: 2-3] كن عن همـــومك معرضا وكِــل الأمور إلى القــضا وأبشــر بخـيـرٍ عـاجـلٍ تنسـى به مـا قـد مـضـى يـا ربَّ أمــرٍ مـســخطٍ لـك في عـواقــبه رضـى ولربَّمـا ضــاق المضيـــ ــق وربَّمـا اتســع الفضا الـلـه يـفـعــل مـا يشـ ــاء فـلا تكـن مـعتـرضا الـلــه عـوَّدك الجـمـيـل فـقــس على ما قـد مـضى * * * يا رب نازلةٍ ضاق بها الفــتى ذرعا وعنـد الله مـنها المخـرج نزلت فلما استحـكمت حلقاتهـا فرجت وكان يظن أنها لا تــفرج ما تفسير هذه الآية؟ : أحد العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [سورة الطلاق الآية: 2] قال: يجعل له مخرجاً من كل ما ضاق على الناس. وقال بعضهم: مخرجاً من كل شدة، وهذا جامعٌ لشدائد الدنيا والآخرة، ومضائق الدنيا والآخرة، فإن الله جلَّ جلاله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس, واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجاً. وقال بعضهم والإمام الحسن منهم: مخرجاً مما نهاهم عنه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. من معاني هذه الآية : الآن: كلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكُّل عليه، فإن الله لا يخيب أمله فيه البَتَّة، سبحانه لا يخيِّبُ أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل، وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة, فإنه لأشرح للصدر, وأوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله, ورجائه له, وحسن ظنه به، هذا معنى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] من الضيق إلى السَعَة، من الخوف إلى الطمأنينة، من هموم الدنيا إلى التطلع للآخرة. دقق في معنى هذا الكلام : الآن لو تعمقنا قليلاً: هناك فرار من الرسوم إلى الأصول، من مظاهر الدنيا، من قصورها، من بيوتها، من نسائها، من مركباتها، من تجارتها، من أموالها، من حدائقها، من بساتينها، من الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد، أرباب العزائم لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها, بل يعتدون بأرواحها وحقائقها، فلا يرضى أن يصلي صلاة جوفاء، ولا أن يصوم صياماً لا معنى له، ولا أن يحج البيت سائحاً، ولا أن ينفق ماله رئاءاً, الصور لا تعنيه كثيراً تعنيه الحقائق، وهم حينما عملوا بهذه الحقائق جعلوها هي المطلوبة، ولم يجعلوا هذه الصور من مقصدهم ولا منتهى آمالهم, بل جعلوا حقائقها هي المطلوبة. هناك ولا أعتقد أن هذه الفرق الآن موجودة، فرقٌ ضالة قالت: نحن مع الله دائماً فلمَ نصل؟ . نحن نريد الحقائق لا الصور، هذه الفرق في الأعم الأغلب ليس لها وجود الآن، هؤلاء سعوا في الظاهر إلى حقائق الأمور، وألغوا ظواهرها، وإلغاء ظواهرها زندقة، فالذي لا يصلي. هناك من يقول ولكن عن جهل: أنا لا أحقد على أحد، لماذا الصلاة؟ من أجل أن لا أؤذي أحداً، وأنا لا أؤذي أحداً، أظن أنه عندما ترك أمراً إلهياً الله عزَّ وجل أمره به، هو أفلح بذلك، مثل هؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً، وافتروا على الله كذباً, حينما أرادوا أن يبحثوا عن حقائق الأمور, فألغوا صورها كلِّيَةً. ما معنى فروا من حظوظهم؟ : ما معنى أيضاً: فروا من حظوظهم؟ . قال العلماء: كل ما سوى مراد الله الديني منك, كائناً من كان, حظٌ يتناقض مع الإقبال على الله، المطالب الدنيوية، مطالب المادة، هذه الحظوظ تعيق حركتك إلى الله عزَّ وجل، هذا الذي فر من حظوظه إلى حقائق الأشياء، وفر من صورها إلى جوهرها، هؤلاء لا يقنعون من الله بأمر يسكن إليه دون الله، لا يطمئن إلا لرضاء الله عنه، لا يطمئن لعمل وهو ليس مقبلاً على الله عزَّ وجل، لا يفرح بما حَصَلَ له دون الله، لا يأسَ على ما فاته من سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة, وإن عظمت عنده, أو عند الناس، لا يستغني إلا بالله، فهناك مراتب علية حتى في الدين، مناصب عالية جداً، ألفاظ كبيرة، هذه الألقاب الكبيرة، هذه المناصب الرفيعة الدينية، هذه لا تغنيني عن القرب من الله عزَّ وجل، فر من حظوظه، وفر من أشكال الأشياء وصورها إلى حقائقها وجوهرها. قال: هذا لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله. لا يفرح بما حصل له دون الله، لا يأسَ على ما فاته سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة وإن عظمت عند الناس، لا يستغني إلا لله، لا يفتقر إلا لله، لا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، لا يحزن على ما فاته من الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله. انظر إلى هذا القول : قالوا: سقوط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله. الكاذب، الخائن، المنحرف، المؤذي, الذي يكذب ويحتال على الناس, هذا سقط من عين الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجابه عن الله، فكله بالله، وكله لله، وكله مع الله، وسَيْرُهُ دائماً إلى الله، وقد رُفع له علمه فَشَمَّرَ إليه، وتجرَّد له مطلوبه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إلي إلي، وهو يقول: إنما أريد الله عزَّ وجل، ورضوانه، وتجلِّيه، وجنته، وإن فاته الله فاته كل شيء، فهو مع الله مجردٌ عن خلق الله، ومع خلقه مجردٌ عن نفسه، ومع الأمر مجردٌ عن الحظ المزاحم للأمر، ومع الحظ المعين على الأمر، فإنه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته، ولا يسخطه من عين ربه. هذه المرتبة عالية جداً، الفرار إلى الله، فر من الدنيا، فر من حظوظه، فر من شهواته، فر من همومه، فر من مشاغل الدنيا، فر من الأشكال. قارن بين الشكل وبين الحقيقة : الآن: تجد جامع فخم جداً، فهذا شكل، لكن المضمون الصلاة الصحيحة فيه، المضمون أن يرتاده طالب علم، المضمون أن يكون هذا المكان مركز إشعاع، أما في صور جميلة جداً في مساجد ضخمة، وقد دخلت لمسجد في المغرب يعد أضخم مسجد في العالم، تكلف ألف مليون دولار، مئذنته جامعة، وهي أطول مئذنة في العالم، والذي يجلس في حرمه يرى البحر تحته، حينما بني هكذا سمعت عنه، أن الذي أمر ببنائه أراد أن يتمثل قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ أن يكون هذا المسجد فوق البحر، وقد ترى البحر من خلال فتحات في حرم المسجد، فيه من الزخرفة ومن الأناقة والجمال ما لا يصدق, هذا شكل. مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من سَعَفِ النخيل، أرضه من البحص، لا يوجد رخام ، ولا يوجد خشب، ولا يوجد فسيفساء، ولا يوجد سجَّاد إيراني، ولا يوجد شيء من هذا القبيل ، ومع ذلك: خَرَّجَ أبطالاً ملؤوا الأرض بالعدل، والعلم، والفضيلة، والإحسان، والإنصاف، ففي شكل وفي حقيقة. مشكلة : قد زارني أخ, أنشأ في أمريكا أضخم مركز إسلامي، أهداني كُتَيِّباً عنه، شيء لا يصدق ، قاعة المحاضرات تتسع لخمسة آلاف، كلها كراس من أفخر ما صُنِع، قاعات, المكتبات، المعهد، المسجد، على مساحات شاسعة، وتكلف إنشاؤه قريباً من خمسين أو ستين مليون دولار، فقال لي: في مشكلة هي مشكلة المشاكل، لا يوجد دعاة في مستوى هذا البناء، المسجد بالدعاة فيه، الجامعة بأساتذتها، المستشفى بأطبائها، ففي شكل وفي حقيقة. هذا الذي فر إلى الله : هذا الذي فر إلى الله لا تعنيه الأشكال، لا تعنيه المظاهر، لا تعنيه الألقاب، لا تعنيه مرتبة دينية عالية جداً, الناس يعظمونها, وهو ليس مع الله قريباً، يعنيه الاتصال بالله، الإخلاص لله، يعنيه العمل الصالح الذي يرضي الله، يعنيه الشوق إلى الله، فرار داخلي، فر من نفسه إلى الله، من حظوظه إلى الله، من همومه إلى الله، من رغباته إلى الله، من حركاته وسكناته إلى الله. هذا واقع المسلمين اليوم : أيها الأخوة, الفرق بين واقع المسلمين اليوم: أنهم تعلقوا بالصور، وتعلقوا بالمظاهر، وتعلقوا بالألقاب العلمية، وتعلقوا بالكتب، ولكن الإيمان الحقيقي أن تتعلق بالله جل جلاله، وأن تصل إليه، من الممكن أن تقيس إيمانك بقدرتك على الاتصال بالله عزَّ وجل، فالذي لا يقدر أن يتصل بالله, فمعنى ذلك: أن عنده مشكلة، في عقبات، هناك عقبات كأداء تحول بينه وبين أن يتصل بالله عزَّ وجل، هذه العقبات ينبغي أن تُزال، فالمؤمن حكيم نفسه، فإذا صلى ولم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله ولم يشعر بشيء، فهناك مشكلة كبيرة، معنى هذا: أن الطريق إلى الله غير سالك، معناه في سوء ظن بالله، أو في شبهة، أو في معصية، أو في مخالفة، والإنسان حكيم نفسه. هذا المؤمن : فمن يومين زارني أخ، وقال لي: لصوص اقتحموا بناء لي, وأخذوا حاجات بمئة ألف ، أعجبني منه هذا الورع، قال لي: والله لم آسف على ما ضاع مني، ولكنني قلقٌ على مكانتي عند الله، لعل هذا عقابٌ أستحقه بذنبٍ لا أعلمه، فقلقه لا من ضياع هذا المبلغ, ولكن خوف أن تكون مكانته عند الله مهزوزة، قلت له: والله إني أكبرتك، أكبرت فيك هذا الورع، وذاك الحرص. فالمؤمن الصادق يقلقه ألا يكون الله راضياً عنه، ولو رضي عنه كل الناس، الأصل أن يرضى الله عنك، الأصل أن يحبك الله، الأصل أن يقبلك الله، الأصل أن يقبل عملك. رسالة إلى رواد المساجد : فهؤلاء الذين -أنا أقول مما يعمل في الحقل الديني، رواد المساجد، المؤمنون، طلاب العلم-, هؤلاء ينبغي ألا تعنيهم المظاهر، يجب أن تعنيهم الحقائق، ينبغي ألا تعنيهم الرسوم، ينبغي أن تعنيهم الحقائق، هذا الدين على اتساعه فيه كلمات: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ [سورة مريم الآية: 31] السيد المسيح، جاءت آيةٌ كريمة على لسانه في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ [سورة مريم الآية: 31] أوصاني أن أتصل به، وأن أحسن إلى خلقه، هذا الدين، الدين ذكر وشكر، الدين إيمان وعرفان، الدين إقبال على الله، الدين إخلاص له، الدين طاعة تامة، الدين أن تشعر أنك أسعد الناس. هذا ما نطق به الحاج : قال لي أحد الأخوة بعد أن حج بيت الله الحرام، قال كلمةً أعجبتني, ثم ترددت في صوابها، فأتبعها بكلمة فأتمها، قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، صح، أتقى إنسان هو أسعد إنسان، ولا هم مع الله، فالله بيده كل شيء, حاضر ناظر، قوي غني، سميع مجيب، كل من حولك بيده. خاتمة القول : أيها الأخوة, هذه المنزلة، منزلة الفرار إلى الله عزَّ وجل، تنطلق من قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] فِر؛ حركة سريعة، حركة فيها عزيمة، حركة فيها جِد، حركة فيها اهتمام، حركة فيها بطولة، فروا إلى الله، فهل من الممكن: أن تحاسب نفسك قبل عشرين سنة عن شيء أكلته ولم تدفع ثمنه في مطعم؟ ممكن، من الفرار، هل من الممكن: أن تحاسب نفسك حساب عسير عن كلمة قلتها لا ترضي الله؟ عن درهمٍ أنفقته فيما لا يرضي الله؟ فهذا الذي فر إلى الله له اهتمامه الشديد، وعزيمته الصادقة، وإقباله على الله، ولا تعنيه الرسوم. ((رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس, لو أقسم على الله لأبره)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] ((رب درهمٍ سبق ألف درهم درهمٌ أنفق في إخلاص, خيرٌ من مئة ألف درهم أنفقت في رياء)) والعبرة: أن تبتغي الرفعة عند الله، الرفعة عند الناس سهلة، كن غنياً يعظمك الناس، كن قوياً يخافك الناس، كن وسيماً ينظر الناس إليك بكل عيونهم، أعطهم سؤلَهُم يحبك الناس، العبرة أن تبتغي الرفعة عند الله، هذا معنى الفرار إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 50] الفرار فيه سرعة، لا إنسان يفر ببطء، هارب من عدو وماشٍ خطوة خطوة، ليس هذا هو الفرار، الفرار فيه سرعة، والفرار من شيء مخيف إلى شيء مسعد، من مكان مقلق إلى مكان آمن، الفرار من ضيق إلى سَعَة، من خوف إلى طمأنينة، من قهر إلى سيطرة، الذهاب من هَم إلى سعادة، هذا هو الفرار، فروا إلى الله، فروا منه إليه، فروا من معصيته إلى طاعته، فروا من شركائه إليه، من الأغيار إليه، الفرار إلى الله منزلة من منازل السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الادبالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما تفسير هذه الآية في رأي ابن عباس وغيره؟ : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والخمسين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم: منزلة الأدب، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم الآية: 6] قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. قف هنا : إنسان في الستين من عمره, يقول لك: هذا الجهاز انظر من خلاله على كل ما في العالم، وأنا لا أتأثر بسلبياته، فقلت له: ألا تخشى على أولادك؟ قال: بلى, قلت: يكفيه شراً أنه يؤذي أولادك، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ فأنت مكلف أن تقي نفسك، وأن تقي أهلك من النار، فإذا كنت في وضع معين, وفي سن معين، وفي اهتمامات معينة، وسمحت لأولادك أن يطلعوا على شيء يجعلهم كالبركان الثائر، فأنت ربما تمكنت أن تقي نفسك ولكنك لم تقِ أولادك، والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. ماذا تعني كلمة الأدب؟ : أيها الأخوة, كلمة الأدب كلمة جامعة، كما أن الكريم كلمة جامعة, يقابلها اللئيم كلمة جامعة، الكريم كلمة تجمع كل صفات الخير في الإنسان، واللئيم كلمة تجمع كل الصفات الخسيسة، والأدب كلمة جامعة تجمع خصالاً كثيرة، طبعاً الأدب كعلم أو كفن، الجامعة تمنح لسانس في آداب اللغة العربية وعلومها، في الآداب والعلوم، النحو, والصرف، والبلاغة، والعروض، هذه علوم، أما الأدب، التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الصيغة الشعرية، النثر الفني هذا أدب. من تعريفات الأدب: علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه, وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل، وهو شعبة من الأدب العام، فلان أديب، يعني يكتب كلاماً جميلاً. لاحظ الفرق بين هذا القول وبين قول الأديب : واحد قال: تكاثرت علي المصائب، الأديب يقول: رباني الـدهـر بالأرزاء حتـى فـؤادي في غـشــاء مـن نـبالِ فـصرت إذا أصابـتني ســهام تكسرت النصال على النصـــــال وقول آخر: كفى بجســمي نحولاً أنني رجل لولا مخــــاطبتي إيــاك لم ترن نحيل جداً, لولا مخاطبتي إياك لن تراني, تعبير فني. أحد الشعراء أراد أن يهجو مغنياً قال:عواء كلـبٍ على أوتار مندفـة في قبح قــرد وفي اســتكبار هامان وتحســب العين فكـيه إذا اختلفا عـند التنــغم فـكي بغل طــحان هذا أدب, يعني وصف بليغ، الشعر العربي أدب، والنثر أدب. من ديوان الشعر العربي : الحجاج خطب فقال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت -استوت- وحان قطافها, وإني لصاحبها –سأقطعها-. طبعاً ليس الدرس درس أدب, لكن الأدب فرع من فروع الأدب العام، من عنده أسلوب جميل لفظاً أو كتابةً، هذا يقال له: أديب. يعني بالشعر الجاهلي يصف عنترة فرسه قال: فـازور مـن وقـع الـقـنا بلـبانــه وشــكــا إلي بـعـبـرة وتحـمـحمِ لو كان يدري ما المــحاورة اشتــكى ولكــان لــو عــلم الكــلام مكلمي أبو العتاهية يقول: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس وإن تمنعـــت بالحجاب والحـرس فمـا تزال ســـهام الـمــوت نافـذة فـي جـنـب مدرع منها ومتــرس أراك لســـت بـوقـاف ولا حـذر كالحاطب الخــابط الأعواد في الغلس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السـفينة لا تجـري على اليـبـس يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن من البيان لسحر، وإن لمن الشعر لحكمة، والشعر ديوان العرب)) أصغ السمع إلى مديح هذا الشخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وكلمة الشرعي أنه كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن إنساناً مدح رسول الله: فليتـك تحلـو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنــــام غضابُ وليت الذي بيـن وبينك عامـر وبيــني وبين العــالمين خـراب كلام طيب: فلو شـاهدت عيناك مـن حسـننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا ولو ذقت من طعـم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا ولو نسـمت من قربنا لك نسمة لمت غريبـاً واشـتـياقا لقـربنـا ولـو لاح من أنــوارنا لـك لائح تركـت جمـيع الكائـنات لأجـلـنا فمـا حبنا سهل وكـل من ادعى سـهولته قلنـا له: قـد جهـلـتنا انظر إلى هذا الوصف البديع لهذا الشاعر لضيفه الذي كان يزوره في الظلام : أحد الشعراء أصابته حمى, قال: وزائـرتــي كأن بهـا حياء فلـيـ ـس تـزور إلا فـي الـظــلام بذلت لهــا المــطارف والحشـايا فعافتــها وبــاتت في عـظامي أبنت الــدهر عنـــدي كلُ بنـت فكيف وصـــلت أنت من الزحام؟ كل بناته عندي، فكيف وصلت أنت من الزحام؟ . يعني إذا الإنسان قوىّ أسلوبه، ودعا إلى الله، الأسلوب الحسن يحسن المضمون, أنت لو قدمت شراباً نفيساً بكأس نظيف وجميل، جمال الكأس ونظافته تزيد الشراب طيباً، ولو قدمت هذا الشراب النفيس بكأس غير نظيف أو كأس قبيح لأساء لمضمونه. على كلٍ؛ كان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب قاطبةً. علمونا في الجامعة أن أعلى نص بعد القرآن كلام رسول الله، كان أوتي جوامع الكلم، وأعلى نصٍ بعد كلام رسول الله كلام سيدنا علي رَضِي اللَّه عَنْه. من تعاريف الأدب : فإذا الإنسان قرأ نصاً, يجب أن يضع يده على المواطن الجمالية فيه, وجد فيه صورة جميلة، في أحياناً صور رائعة جداً، تعبيرية, تشبيه, استعارة، كناية، صورة متحركة، عبارة رشيقة، حكمة بليغة, ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة, صدق القائل: إذا مـلك لم يكن ذاهبة فـدعـه إن دولته ذاهبة طبعاً: أعطيتكم نماذج من الشعر والنثر هذا هو الأدب، من تعاريفه الدقيقة: التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الأسلوب الجميل، إن من البيان لسحراً، والله عز وجل يقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن الآية: 1 ـ 4] الأدب كأسلوب في الإلقاء، أو في الكتابة، أو في الشعر، فرع من فروع الأدب العام، والذي يملك ذوقاً أدبياً، ويستمع إلى كلمات عامية قبيحة، يتألم أشد الألم، وجمال الرجل فصاحته. انظر إلى هذا الحوار الذي دار بين عبد الملك بن مروان وبين هذا الغلام الصغير : كلكم يعلم: دخل على عبد الملك بن مروان وفد, تقدمهم غلام صغير, فغضب غضباً شديداً، فتوجه إلى حاجبه, وقال: ما شاء أحد أن يدخل علي حتى دخل، حتى الصبيان، فقال هذا الصبي الصغير: أيها الأمير, إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، كهذه السنوات العجاف، قال: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وأصابتنا سنة أكلت اللحم، وأصابتنا سنة دقت العظم, ومعكم فضول مالٍ، فإن كان هذا المال لله فنحن عباده، وإن كان لكم تصدقوا به علينا, وإن كان لنا فعلامَ تحبسوه عنا؟ فقال الملك أمير المؤمنين: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذرا. هكذا يربي الإسلام أبناءه : سيدنا عمر كان يمشي بالطريق, رأى أطفالاً، لما رأوه ولوا هاربين، بقي واحد منهم بأدب، قال: أيها الغلام, لِمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك. هذا ما أوتي به النبي عليه الصلاة والسلام : أجمل ما في الرجل فصاحته وبيانه، وكان عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، كان منطقه كأنه خرزات نظم يتحدرن، كان كلاماً فصلاً لا هذراً ولا نذرا. كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((إن الله تعالى يكره الانْبِعاقَ في الكلام, فرحم الله عبداً أوجز في كلامه)) أنواع الأدب : اليوم درسنا منزلة الأدب بمعناها الواسع؛ أن تكون أديباً مع الله, وأن تكون أديباً مع رسول الله، وأن تكون أديباً مع الخلق. فقال العلماء: الأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله سبحانه وتعالى، وأدب مع رسوله وشرعه، وأدب مع خلقه. أنواع الأدب مع الله : فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أيضاً: أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة: أنت بالصلاة تعامل الله، وفي الصيام تعامل الله، وفي الحج تعامل الله، وفي تنفيذ أوامر الله تعامله، تغض بصرك عن محارم الله، تتحرى الحلال، لا تأخذ ما ليس لك، صيانة معاملته عن أن يشوبها بنقيصة. والثاني: صيانة قلبه عن أن يلتف إلى غيره. والثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يُمقتك عليه: يعني لا تريد إلا رضاه، ولا تنشغل إلا به، ولا يشوب معاملتك له شائبة، هذا هو الأدب مع الله. ما قيل عن الأدب : قال أحد العلماء: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبته. وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. الأدب يعقد صلة مع الله، الأدب يحرك المشاعر، نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. والإمام الحسن البصري سئل عن أنفع الأدب, فقال: التفقه بالدين, والزهد بالدنيا، والمعرفة بما لله عليك. قال بعض العلماء: القوم استعانوا بالله, على الله, على مراد الله, وصبروا لله على آداب الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ كيف الذي يجاهر الله بالمعصية؟. قال بعض العلماء: القوم -يعني أهل الحق- استعانوا بالله على مراد الله، وصبروا لله على آداب الله. قال أبو حفص لما قال له الجنيد: لقد أدبتُ أصحابك أدب السلاطين، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب بالباطن. يعني أنت كيف مع إنسان عظيم تحترمه، ترتدي ثياباً كاملة أمامه, تخاطبه بأدب جم، تجلس أمامه جلسة أديبة، كيف تتصرف مع عظيمٍ من بني البشر، هكذا ينبغي أن تكون مع خالق البشر. وقال بعضهم: والأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة ، على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء, كما لو أنك تجالس ملكاً، يعني إنسان لا ينام، والمصحف نحو قدميه لا ينام، لا يجعل مثلاً في غرفة نومه أشياء مقدسة، لعله يستحي من الله عز وجل، لا يغتسل عرياناً كما خلقه الله. يعني النبي الكريم رأى رجلاً يغتسل عرياناً، طبعاً أمام الناس ليس في الحمام, فقال: ((خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله)) يعني الحياء من الله مطلوب. يلفت نظري بالحج أحياناً: الحاج نصفه العلوي عارٍ كلياً، ونساء ورجال، هذا ليس من الأدب، يعني في إزار وفي رداء، الرداء ضعه على كتفيك، فهناك من يخلع الرداء ويبقى على الإزار فقط، في عرفات وفي أثناء الجلوس في الخيام، وفي نساء في رجال، الإنسان كلما كان أكثر أدباً، كلما كان أكثر قرباً لله عز وجل. عن أنس -رَضِي اللَّه عَنْه- قال: ما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه. وهو سيد الخلق، كان يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد قال: الأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء، كحال مجالسة الملوك ومصاحبتهم. وقال بعض العارفين: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص. ما قيل عن الأدب أيضاً : ويرى بعضهم أن طريق الأدب: أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات. أحياناً الإنسان يتجشأ بصوت عالٍ، يجلس جلسة فيها كبر، يضع رجلاً فوق رجل، يجلس ورجلاه متباعدتان، يتثاءب ويفتح فمه, والله الأدب جميل، اللهم صل عليه كان مثلاً أعلى في الأدب, بالتواضع، دخل مكة خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كانت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أكثر حياء من العذراء في خدرها. يعني امرأة سألته سؤالاً محرجاً، فاحمر وجهه، قالت: كيف أتتبع مواضع الدم في أثناء الحيض؟ قال: يا سبحان الله! تتبعي مواضع الدم, -وما فصَّل أكثر خجلاً-. امرأة تسأل سؤالاً على الهاتف لا أدب فيه، بقضايا نسائية محضة، خاصة جداً, وكأنها لا تقول شيئاً, الإنسان كلما ازداد قربه من الله ازداد أدبه. وقال بعض العارفين: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب، إن صحت محبتك لله كنت أديباً معه. انظر إلى أدب هذا النبي مع ربه : الآن: أضع بين أيديكم طائفة من مواقف الأنبياء مع الله عز وجل, ولعله هو محور درسنا هذا. سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [سورة المائدة الآية: 116] لو أنه قال: لم أقل ذلك، قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [سورة المائدة الآية: 116] طرفة : في خليفة أموي سأل وزيره: لِمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ قال له: والله لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر، عملها سيدنا عمر مرة وانتهى الأمر، إذا ولو عملها سيدنا عثمان لأصبحت سنة. على كلٍ؛ هذا أدب كبير. هذا أدب عمر مع صاحبه الذي سبقه إلى رحمة ربه : سيدنا عمر مع أصحابه, مدحه أحدهم كما هي العادة, قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال: فأحدَّ فيهم النظر، وغضب غضباً شديداً، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيراً منك، قال له: من هو؟ قال: أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً وصدق -عد سكوتهم كذباً-, قال: والله كنت أضل من بعيري, وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك. أرأيتم إلى هذا الأدب مع الخليفة السابق الراحل؟ الناس الآن الحالي يذم السابق دائماً، أما سيدنا عمر كان يثني على سيدنا الصديق. تمعن قليلاً في هذه الآيات : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة الآية:116 ـ 118] هذه الآيات الإنسان إذا قرأها, يشعر بهذا المستوى الرفيع من هذا الأدب، كيف يخاطب رب العزة؟. ورد في الأثر : جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة, اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة النساء الآية: 12] الحمد لله على حلمك بعد علمك، الإنسان قد لا يعرف عن ابنه شيئاً ساكت، أما إذا عرف أنه فعل عملاً قبيحاً يثور ويغضب، فربنا عز وجل يعلم ما يفعل عباده. وقفة تأمل : مرة وقفت على جبل قاسيون, نظرت إلى دمشق، مدينة وادعة، لطيفة، هادئة، لكن يا ترى: في البيوت كم بيت فيه معصية؟ كم بيت فيه دعارة؟ وكم بيت فيه زنا؟ وكم بيت فيه شرب خمر؟: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 17] الحمد لله على حلمك بعد علمك، الله يعلم، نحن كبشر الإنسان أمامك؛ كلامه لطيف، أنيق، نظيف، مرتب، لكن يا ترى له أعمال خسيسة؟ أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، ويعلم ويحلم: الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك. الضعيف إذا عفا لا قيمة لعفوه، لكن القادر إذا عفا، العفو عند المقدرة. هذا ما صنعه نبيكم مع من أساؤوا إليه ولدعوته : النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة ناصبته العداء عشرين عاماً, وقتلت أصحابه، ونكلت بهم، وأخذت أموالهم، وهجّرت النبي، وحاولت قتله وأخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، فلما دخل مكة -يعني بإمكانه أن يلغي وجودهم بكلمة واحدة، عشرة آلاف سيف متوهجة تنظر أمراٌ منه-, فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)) العفو بعد المقدرة. أهل الطائف بالغوا في الإساءة إلى النبي، كذبوه، وسخروا منه, وأغروا صبيانهم بإيذائه، الله عز وجل مكنه أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال: ((يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده)) ما تخلى عن قومه، واعتذر عنهم، ودعا لهم، وتأمل أن يهديهم الله عز وجل. من معاني هذه الآية : ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء الآية: 78 ـ 80] بعض العلماء حملوها على أنه أدباً مع الله، قال: وإذا مرضت, لكن الحقيقة: هناك معنى آخر لهذه الآية، أصل المرض مخالفة لمنهج الله، يعني أنت مصمم تصميماً رائعاً ألا تمرض، فإذا خرجت عن منهج الله، ومنهج رسوله، فالمرض أصله من مخالفة القواعد التي جاء بها الأنبياء، وأحياناً يكون المرض بأسباب من العصر، تلوث عام, مواد مسرطنة عامة، ضغط نفسي، على كل؛ الإنسان مصمم أن يحيا حياة ناعمة هادئة. انظر إلى هذا الأدب عند مؤمني الجن : مؤمنو الجن قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [سورة الجن الآية: 10] لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, ما قال: لا ندري أشرٌ أراد الله بمن في الأرض، قال: لا, لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, هذا من الأدب. انظر إلى أدب الأنبياء مع ربهم : سيدنا موسى قال: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [سورة القصص الآية: 24] سيدنا آدم قال: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 23] سيدنا أيوب قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 83] يعني الله عز وجل سميع بصير: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين, هذا دعاؤه. سيدنا يوسف قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [سورة يوسف الآية: 100] ولم يقل من الجب، لأنه لو قال من الجب لذكر أخوته بعملهم الشنيع، ولم يقل تأمروا عليه، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [سورة يوسف الآية: 100] ما معنى هذا القول؟ : قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً. الإنسان أحياناً الله يحجبه, حجابه أكبر عقاب، إذا كان فيما بينه وبين الله ليس على حال حسن، يحجبه، إذا أساء بالظاهر يهينه، إذا أساء بالباطن يحجبه، فإذا أساء الأدب ظاهراً يعاقبه ظاهراً, وإن أساء الأدب باطناً يعاقبه باطناً، لذلك واحد قال: إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن ولم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، مشكلة كبيرة في علاقتك مع الله، معناها محجوب, والله عز وجل يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] صليت ولم تشعر بالقرب، ذكرت ولم تشعر بالصلة، قرأت القرآن وأنت بارد العاطفة، معناها محجوب, في مشكلة، يجب أن تبحث عنها، في تقصير، في إساءة، في مخالفة، في سوء ظن بالله، في تعلق بالدنيا, في تعلق بشخص منحرف، في إهمال العبادات، الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، أن تسوء علاقتك بالله في حجاب، من عنده حساسية بالغة، ومن عنده حكمة, يراقب نفسه عندما يحجب, إنما يحجب لعلَّة. احذر أن تقع في هذا الحرمان : وقال ابن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن, ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 14] في آداب، في سنن، في فرائض، في معرفة، إن تهاونت بالأدب عوقبت بالحرمان من السنن، إن تهاونت بالسنن عوقبت بالحرمان من الفرائض، إن تهاونت بالفرائض عوقبت بالحرمان من المعرفة، ران على قلب هذا الإنسان الغشاوة التي تحول بينه وبين الحق. من تعريفات الأدب : وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل. قال بعضهم: تاهت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها. حتى العمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر، هذا العمل الطيب تاه صاحبه به فذهبت قيمته. وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخُلق الحسن، وقال بعضهم الآخر: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال من القوة إلى الفعل. يعني أنت مفطور فطرة عالية، هذه الفطرة العالية الخفية تترجم إلى عمل، تترجم إلى ابتسامة, إلى تواضع، إلى كلمة شكر. نهاية المطاف : والشيء الذي يوضح الحقيقة الآن: قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7 ـ 8] يعني فطرها وجبلها على جبلة عالية، فإن فعلت الكمال ارتاحت، وإن فعلت النقص اكتأبت، وكل إنسان عمله السيء عقاب له عقابٌ لفطرته، كل إنسان يخرج عن قواعد فطرته الكاملة, يتألم وينقبض ويشعر بأنه قد أساء، وما يقال اليوم: عن الكآبة، وضيق النفس, والسأم, والضجر، والملل، هذا كله من علامات خروج النفس عن قواعد فطرتها. ملخص الملخص: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9 ـ 10] يعني أعظم عمل على الإطلاق أن تذكي نفسك، لتكون مؤهلةً لدخول الجنة، إلى أبد الآبدين، والله عز وجل يقول: ﴿قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الادب مع رسول الله التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.من أدب النبي عليه الصلاة السلام مع ربه : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد بدأنا في الدرس الماضي بمنزلة الأدب، وكان هذا الموضوع منشعباً إلى ثلاث شعب: الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع الخلق. تحدثنا عن الأدب مع الله عز وجل, وننتقل اليوم إلى الأدب مع رسول الله، الله عز وجل وصف أدب هذا النبي الكريم, فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [سورة النجم الآية: 17] زاغ البصر انحرف، طغى تجاوز، فأدبه يتجلى في نظره، قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [سورة النجم الآية: 17] لم يلتفت جانباً ولم يتجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلال بالأدب أن ينظر المرء عن يمينه وعن شماله، أو أن يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمامَ الأمامِ المنظور طغيان ومجاوزة. شيء آخر: من أدب النبي عليه الصلاة والسلام: التوافق التام بين بصره وبصيرته, قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم الآية: 11] أنت قد تــرى إنساناً بحالة مادية رائعة جداً فتغتر به، وينتقل إلى القلب عظيم اللهو ، فإذا كان خارقاً لحدود الله, فكيف يتوافق تقييم القلب -أي بصيرته- مع تقييم العين المبهورة به؟ فمن كمال أدب الإنسان: أن لا تتناقض بصيرته مع بصره، إن رأيت شيئاً جميلاً, فيه ترف شديد, وعلمت أن صاحب هذا الشيء على انحراف تام, ينبغي أن يدخل إلى القلب استصغار لهو على ما عنده من مظاهر الترف. هذه هي البطولة : ذكرت لكم من قبل: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام مر به رجل, وهو بين أصحابه الكرام، فسألهم عنه، فيبدو أن أصحابه الكرام رأوه غنياً كريماً معطاءاً، فقالوا: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ, قَالَ: ((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ, هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] فالبطولة: أن تصل إلى رؤية تقيّم الشخص, لا وفق مقاييس البشر، بل وفق مقاييس خالق البشر، تقييم الشخص وفق مقاييس البشر, تعظمه لماله، وتعظمه لجماله، وتعظمه لنواله، ولكن تقييم الشخص بمقاييس خالق البشر, تعظمه لعلمه ولورعه, لاستقامته, لدعوته, لإخلاصه. هذه بطولة أيها الأخوة، أن تستخدم المقاييس التي يقيم بها الله عباده المؤمنين، من هنا قيل: ابتغِ الرفعة عند الله. ما معنى هذه الآية؟ : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم الآية: 11] أي ما تناقضت البصيرة مع البصر، لو فرضنا أنك ذهبت لمحل تصليح مركبات في حي شعبي، والمحل بارد, وفيه أدوات, وأطيان, وزيوت, وعمل شاق, وصاحبه مستقيم, ووفي, وصادق, وعمله متقن, وأجره معتدل، ودخلت إلى محل من أجمل أسواق المدينة, يبيع حاجات نسائية، والمحل فيه نظرات, وهمزات, ولمسات, وكلام فاحش, وشباب يتطلعون إلى النساء الغاديات الرائحات، فإذا أُعجبت بهذا المحل التجاري بأناقته وجماله ونعومته, ولم تعجب بذاك المحل القاسي, فبصيرتك تختلف عن بصرك، يجب أن ينبع البصر من البصيرة، ينبغي أن ترى بحسب الحقيقة لا بحسب ما ترى, هذا معنى ما قاله بعض العلماء: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم الآية: 11] الأدب هو الدين كله : أيها الأخوة, الأدب قال: هو الدين كله، الدين كله أدب، ومن قال: لا حياء في الدين, لعله ذكرها على غير ما أرادوها، الدين كله حياء. النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: يا بنيتي, إن هذه الثياب رقيقة, تصف حجم عظامك. اختار كلمة لا يمكن أن تثير شهوة, وأية كلمة أخرى تثير الشهوة، فالنبي يتكلم بأعلى درجات الحياء، وامرأة سألته عن دم الحيض, قال: ((تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا, فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا, حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ, ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ َقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ, فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ، وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِي, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ, وَقَالَ: قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا وَاسْتَتَرَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، والدين كله حياء، وهذا الذي لا يستحي بعيد عن الدين، أنت تستحي بقدر إيمانك، والحياء من الإيمان، وورد في بعض الأحاديث الشريفة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاتَ يَوْمٍ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ, وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ)) فالأدب هو الدين كله، وإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب ، والتطهر من الخبث من الأدب، حتى تقف بين يدي الله طاهراً، فالدين كله أدب. من أركان الدين : لذلك: بعضهم يقسم الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، في الدين أربعة أركان: عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، ولا يغيب عن ذهنكم أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرِّم شيء إلا بالدليل، وأن الأصل في العبادات الحظر ولا تشرَّع عبادة إلا بالدليل، فإذا قلنا: الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، الآداب تاج يتوّج به المؤمن, حتى إن أصحاب النبي عليهم رضوان الله, تعجبوا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام, فقالوا: ((يا رسول الله! ماهذا الأدب؟ فقال: إن الله أدبني فأحسن تأديبي, ثم أمرني بمكارم الأخلاق)) والله عز وجل فيما يبدو يؤدب المؤمنين. قصة : أحد أخواننا عنده معمل ملبوسات, يبيع بالجملة كميات كبيرة، فدخل إليه شخص من رواد المسجد، فطمع أن يبيعه بسعر معتدل, فقال له: أريد خمس قطع لأولادي، فصاحب هذا المعمل, شعر أن هذا البيع فيه إهانة، هو يبيع أربعمئة دزينة، ما هذه الكمية أربع قطع فقط؟ فاعتذر وقال: أنا والله لا أبيع بالمفرق, فهذا انكفأ وخرج من محله التجاري، يقول لي صاحب هذا المعمل: والله ثلاثة وثلاثون يوماً لم يدخل لهذا المعمل مشترٍ, قال: حتى جف دمي, فقلت : يا رب, والله سأبيع قطعة واحدة بالمستقبل، والله أدبه, وعلى هذا فقس، الله يؤدب، تتكلم كلمة فيها تجاوز, يحجبك الله أو يفعل شيئاً يعلمك أن كلمتك خطأ. أحياناً: الإنسان يعتد بنفسه، ويعتمد على ماله، رجل ماله كثير قال: كل شيء ينحل بالمال، قال: الدراهم مراهم، انزلق إلى تأليه المال وهو لا يشعر, وقع بمشكلة بقي بالمنفردة ثلاثة وستين يوماً, ويأتيه كل يوم خمسون خاطراً, هل تحل هذه الأزمة بالمال؟ لا، فربنا أدبه. فأنت كلما ازداد إيمانك ازداد أدبك مع الله، لا تتكلم كلمة فيها تجاوز، الأدب مطلوب والدين كله أدب، وإذا قال: الدين عبادات وعقائد ومعاملات, فالأدب تاج يوضع على رأسك. انظر إلى هذا الأدب عند النبي : قال: النبـي عليه الصلاة والسلام ما رؤي ماداً رجليه قط, من شدة أدبه مع أصحابه, هم أصحابه وأحبابه. كان إذا طرق باباً يعطي ظهره للباب، إذا سأل ابنته على موضوع زواج, يخاف أن تستحي منه يعطيها ظهره، ويقول: ((يا بنيتي إن فلاناً قد ذكرك)) والحقيقة: إذا الإنسان قرأ السيرة, يرى من أدب رسول الله الشيء الكثير، الشيء الذي لا يصدق. من الأدب في الصلاة مع الله عز وجل : 1-ألا ترفع بصرك إلى الأعلى : قال: من الأدب في الصلاة: ألا ترفع بصرك إلى الأعلى، هذا من الأدب، أن ترى مكان سجودك، إلا في حالة أن تكون في بيت الله الحرام, فمستحب أن تنظر إلى الكعبة. ومن كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً خافضاً طرفه إلى الأرض, ولا يرفع بصره إلى فوق. 2-ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته : ومن الأدب مع الله: ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم. وقال بعض العلماء: إن هذا الأدب يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع. إذا بنى الإنسان بيتاً, ليحاول أن لا تكون دورة المياه باتجاه القبلة أو بعكسها, شرقاً أو غرباً، كما ورد هنا. 3-السكون في الصلاة : ومن الأدب مع الله عز وجل: السكون في الصلاة، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، فليس من الخشوع الحركات الكثيرة, والتنحنح, وتغيير المكان, وتعديل وضع الرأس, وإصلاح الثياب. سمعت أن بعضهـم يرى ساعته في الصلاة, وبعضهم الآخر يعد دراهمه, هكذا سمعت، لكن لم أرَ، فكلما كان الأدب مع الله عالياً تقل الحركات في الصلاة. حتى إن بعض علماء التفسير قالوا: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [سورة المعارج الآية: 23] بمعنى أنهم يخشعون في حركاتهم، أطرافهم دائمة على سكونها, وقد فرق العلماء بين أمرين: بين الدوام على الصلاة وبين المداومة عليها، فالدوام على الصلاة سكون الأعضاء أثناء الصلاة، والمداومة على الصلاة هي الحفاظ عليها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [سورة المعارج الآية: 34] 4-استماع القراءة : ومن الأدب مع الله عز وجل: استماع القراءة، أن يلقي السمع وهو شهيد، أن يصغي, قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 204] 5-أن يستوي في الركوع وأن يعظم الله تعالى : ومن الأدب في الصلاة مع الله عز وجل: أن يستوي في الركوع, وأن يعظم الله تعالى، حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، سبحان ربي العظيم، وأن يتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء، كلما تصاغرت وعظمت الله عز وجل فأنت في صلاة. والمقصود من الأدب مع الله تبارك وتعالى: هو القيام بدينه, والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً. ما هي الأشياء الثلاثة التي لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بها؟ : قال بعض العلماء, وهذا شيء مهم جداً: لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء : بمعرفته بأسمائه وصفاته، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فهذا من تمام الأدب مع الله عز وجل، وأن تعرفه بدينه وشرعه، وأن تعرفه فيما يحب وما يكره. فأنت اقرأ القرآن: وأن الله يحب الصادقين, كن صادقاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 222] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 107] هي تقريباً عشر آيات أو أكثــر مع حذف التكرار، عشر صفات يحبك الله بها، وعشر صفات تقريباً لا يحبك الله بها، الطرق إلى الله سالكة، ورضاء الله عز وجل ضمن إمكانك, ومتاح لكل مؤمن أن يرضي الله عز وجل, والإنسان القوي قد لا يتاح لك أن تراه في العمر مرة، أما الله عز وجل قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] ما هما التوحيدان اللذان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؟ : يوجد موضوع دقيق جداً أيها الأخوة, أرجو الله عز وجل أن يمكنني أن أشرحه لكم بدقة, قال: هما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وهو الله، وتوحيد متابعة المرسَل وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحاكم إلى غير الله، ولا يرضى بحكم غيره. مرة جلست مع إنسان يرفض تزويج ابنته, فطُلِب مني أن أقنعه، وابنته في سن الزواج ، ورفض والدها عشرة خاطبين جيدين لنزوة في عقله، فذكرت له: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 36] فأنت ينبغي أن ترضى بحكم رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ)) [أخرجه الترمذي في سننه] فلما أصرّ على ذلك نشأت مشكلة كبيرة جداً، مؤمن يسمع كلام رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ويحيد عنه! ينفى عنه الإيمان كلياً! قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 36] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 65] توحيد المرسل، وتوحيد متابعة المرسل، فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره. دقق في هذا القول : دققوا الآن: ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه. إنسان له شيخ, شيء جيد، سمع آية قرآنية أو حديثاً صحيحاً, يقول: حتى آخذ رأي شيخي في الموضوع، شيخك ليس له دور هنا, مع القرآن والسنة شيخك ليس له دور إطلاقاً، لا تستطيع أن تفكر بإنسان بعد أن جاءك النص الصحيح عن رسول الله، فكل إنسان يوقف تنفيذ أمر الله وتصديق خبره, على عرضه على قول شيخه وإمامه, وذوي مذهبه وطائفته, ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة, أعرض عن أمره وخبره, وفوضه إليهم, أو حرفه عن مواضعه, وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً, فقال: نؤوله ونحمله، هذا منزلق يقع به المريدون في حلقات الشيوخ. قرآن بين يديك، لا حتى أرى رأي شيخي في هذه الآية، حديث صحيح ينهاك عن الغيبة وتغتاب أنت، حديث صحيح يأمرك بصلة الرحم وتقطع أنت رحمك إرضاءً لإنسان، هذه طامة كبرى في العقيدة, أنت أمام نص قرآني واضح جليّ قطعي الدلالة، أمام نص نبوي واضح جلي قطعي الدلالة، لا يمكن أن تأخذ رأي إنسان في هذا الموضوع، وإلا لا تعرف الله ولا تعرف رسوله. رأي شخصي : أنا من عادتي إذا فضل إنسان مناقشتي بقضية, أقول له: إذا كنت تعتقد: أن في الأرض كلها إنساناً أورع من رسول الله وقتي لا يتسع للجلوس معك، طريق مغلق, إذا كان هناك إنسان في الأرض كائناً من كان, مهما كان عظيماً في ذهنك, إذا كان في نظرك أورع من رسول الله، الذي سمح به النبي أنت تحرمه، أو الذي أمر به النبي أنت تقطعه، وتأتمر بأمر شيخك وأمر من تأخذ التوجيه من عنده, فأنت بعيد بعد الأرض عن السماء عن الإيمان. لا اجتهاد في مورد النص : لا يُسأل إنسان عن رأيه في آية قطعية الدلالة, أو حديث صحيح قطعي الدلالة، قال: فلا أن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله, خير له من أن يلقاه بهذا الحال. هذا والله واقع، ولولا أنه واقع ما ذكرته، نص صريح، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [سورة الحجرات الآية: 12] ترى بعض الأشخاص يغتابون بحرية تامة, وهم مرتاحون إرضاءً لزيد أو عبيد، أو ترى أناساً يغتصبون بيتاً, معهم فتوى من شيخهم, الاغتصاب محرم، إذا كان هناك شيء محرم, لا يوجد إنسان له رأي بالموضوع: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 36] أعطيكم أبلغ من ذلك: لو أنك احتكمت إلى رسول الله, وكنت لسناً, أي طليق اللسان، وأدليت بحجة قوية, والنبي حكم لك بناءً على فصاحتك وعلى إقناعك له، ولم تكن محقاً, لا تنجو من عذاب الله, هل هناك أبلغ من هذا؟ لو أن سيد الأنبياء والرسل حكم لك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) مناقشة جرت : أحد العلماء الكبار, أراد أن يقنع شخصاً, يعتقد أنه يجب أن يرجع إلى شيخه, ليأخذ رأيه في كل شيء, وهو أمام نص صريح بيّن واضح, قال: خاطبت يوماً بعض أكابر هؤلاء, فقلت له: سألتك بالله, لو قدر أن النبي عليه الصلاة والسلام حي بين أظهرنا, وقد واجهنا بكلامه وبخطابه، النبي بين لنا وحدثنا وأمرنا ونهانا, أكان فرضاً علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه, أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم؟. لو أن النبي في دمشق, وتكلم لهؤلاء الناس, ورجل قال: أنا لا أعرف حتى آخذ رأي شيخي فيما قاله النبي, هل هذا ممكن؟ مستحيل. طبعاً: الذي يناقشه أُحرج, قال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه. قف هنا : يروى ولا أدري مبلغ هذا من الصحة, أن النبي عليه الصلاة والسلام, طبعاً الحديث واضح: ((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر)) كان هناك صحابي صغير جداً، دعاه للإسلام فقال: سأسأل أبي ثم عاد، قال: الله حينما خلقني لم يسأل أبي, فأنا علي أن أعبده من دون سؤال, قال له: مما الذي نسخ هذا الفرض عنا, وبأي شيء نسخ,؟ فوضع إصبعه على فيه, وبقي باهتاً متحيراً, وما نطق بكلمة. من أدب الخواص مع الله : إذا أنت ممكن إذا أنت رأيت نصاً من النبي الكريم, صحيح في الصحاح, متفقاً عليه, واضحاً, لا يحتاج إلى تفسير, يأمرك أو ينهاك، وعلقت التطبيق, لتأخذ رأي إنسان كائناً من كان، فأنت لا تعرف الله أبداً، هذا أدب الخواص مع الله، لا مخالفة أمره, والشرك به, ورفع الأصوات, وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم, وعزل كلامه عن اليقين, وعن أن يستفاد منه معرفة الله, أو تلقي أحكامه منه، وجعل المعوَّل في باب معرفة الله لا على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة, ولا على تقليد الرجال وآرائها, والقرآن والسنة إنما نقرؤها تبركاً, هذا ما حصل، يقرأ القرآن تبركاً والسنة يقرأها تبركاً. أما الصواب: أن نتلقى أصول الدين من الكتاب والسنة, ومن طلب غير ذلك ورامه, عاديناه, وسعينا في قطع دابره واستئصال شقفته. دقق في هذه الآية الكريمة : دقق في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 63-74] معك القرآن والآيات واضحة، معك السنة الواضحة, ينبغي أن تبادر إلى تطبيق الأمر والنهي, دون أن تعلق هذا التطبيق على أحد. قال: الناصح لنفسه, العامل على نجاتها, يتدبر هذه الآيات حق تدبرها, وتأملها، وينزلها على الواقع, فيرى العجب، ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا، فالحديث لك واسمعي يا جارة والله المستعان. من الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام : 1-ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي : أيها الأخوة, ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، تعرض آراء أمامه في حياته خلاف سنته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة الحجرات الآية: 1] ألا تقدم أمراً لا نهياً ولا تصرفاً ولا ما شاكل ذلك، قد يتوهم بعضهم أن هذا الأمر مقيد بحياة رسول الله. قال بعض العلماء: هذا الأمر باق إلى يوم القيامة ولا ينسخ. فالتقدم بين يديه في حياته كالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته, لا فرق بين التقدم بين يديه في حياته والتقدم بين يدي سنته بعد مماته، قال بعض العلماء: لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإيمان وبين يدي الأب، أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه، وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى. 2-ألا ترفع صوتك فوق صوته : ومن الأدب معه: ألا ترفع صوتك فوق صوته، فإنه سبب لحبوط الأعمال, ثم الظن برفع الآراء, رفع الصوت العادي يحبط العمل، كيف أن تأتي برأي فوق سنته؟. يقول لك: السنة مقيدة بعصره, سنة النبي فهم مرحلي بالقرآن. عندما كان العرب تحت الخيام وفي الصحراء, فهم النبي للقرآن يتناسب مع عقول هؤلاء البسطاء، أما الآن لا بد من فهم عصري لهذا القرآن، أنت لم ترفع صوتك فوق صوته في حياته, رفعت رأيك المخطئ فوق سنته بعد مماته. 3-ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره : قال: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [سورة النور الآية: 63] قال: هذه الآية فيها قولان: الأول: أي لا ينبغي أن تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، لا بد من أن تقول: يا رسول الله, يا نبي الله، أما يا محمد هذا دعاؤكم له كدعاء بعضكم بعضاً. والثاني: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب وإن شاء ترك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته, ولم يسعكم التخلف عنه البتة، فعلى هذا المصدر لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضاً، إذا كان بعضكم دعا بعضاً نجيب أو لا نجيب. إنسان دعاك تعتذر لأنك لست متفرغاً، أما إذا دعاك النبي ولو بعد موته إلى عمل ينبغي أن تلبيه. 4- لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه : ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط, لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته, حتى يستأذنه, كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [سورة النور الآية: 62] فإذا كان هذا مذهباً مقيداً بحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه, فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين؟ في أصوله وفروعه؟ دقيقه وجليله؟. إنسان يتصرف من تلقاء ذاته, دون أن يستأذن رسول الله, الرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى, استئذانه في حياته أن تسأله، واستئذانه بعد مماته أن ترجع إلى سنته، أهكذا فعل النبي ؟ استئذانه بعد موته أن ترجع إلى سنته, وأن تهتدي بها, لا أن تفعل شيئاً دون أن تأخذ رأيه أو إذنه؟. 5-أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله : قال: ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله. أنت قرأت مقالة, فوجدت الحديث يتناقض مع المقالة فانزعجت، يجب عليك إن قرأت مقالة علمية على خلاف حديث نبوي, تنزعج على المقالة, وليس على الحديث. الناس ينزعجون إذا حديث شريف لا يوجد في العلم شيء يؤيده لا، يجب أن لا تستشكل قوله، يجب أن تستشكل الآراء لقوله، لا يعارَض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنفوسه, لا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً, بل ينبغي أن نأخذ قوله على أنه حقيقة، هو الأصل. الإنسان عندما يكون علمانياً, إذا رأى بالعلم شيئاً، إذا رأى بالإسلام شيئاً يطابق العلم يفرح، هذا خطأ، يجب إن رأيت في العلم ما يطابق دينك أن تفرح للعلم، الدين هو الأصل فإذا العلم وافق الدين جيد، وإذا لم يوافقه اركله بقدمك, أما العلم مستحيل أن يناقض الدين, لأن الدين هو وحي الله، والعلم قوانين الله عز وجل, قننها في كونه, لكن يناقض الدين نظرية علمية, وليست حقيقة علمية، يناقض العلم نص موضوع، لا نص صحيح، أو نص صحيح مؤول تأويلاً غير صحيح، فالنص الصحيح المؤول تأويلاً غير صحيح, أو النص الموضوع يناقض العلم، والنظريات التي لم تثبت بعد تناقض الدين، أما العقل الصريح والعلم الصحيح لا يمكن أن يناقصْ النص الصريح. وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى الأدب مع خلق الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الادب مع خلق اللهالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا نستنبط من هذه الآية؟ : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة الأدب, استنباطاً من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم الآية: 6] قال ابن عباس: قوا أنفسكم وأهليكم نارا؛ أي أدبوهم. ما ذكر سابقاً : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/01.jpg وقد ذكرت في مطلع الدرس قبل الماضي: أن الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وأن الآداب بمثابة التاج الذي يتوج الإيمان، وقد حار أصحاب النبي عليهم رضوان الله من أدب النبي العالي, فسُئل من قبل السيدة عائشة: ((يا رسول الله! ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وقد ذكرت قبل درسين: أن الأدب على أقسام ثلاثة؛ أدباً مع الله، وأدباً مع رسول الله، وأدباً مع الخلق. في الدرس الماضي بينت: أن الأدب مع رسول الله يقتضي: أن كل الآيات الكريمة التي وردت بحق النبي عليه الصلاة والسلام, وهي توجه أصحابه الكرام إلى أن يكونوا معه في أعلى درجة من الأدب, إنما هي آيات مستمرة لا ينقطع حكمها بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فكما أنه لا ينبغي أن يعلو صوتك على صوته في حياته, لا ينبغي أن يعلو رأيك على سنته بعد مماته. ما معنى هذه الآية؟ : ومن أجمل الاستنباطات: أن علماء التفسير قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 33] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/02.jpg قال علماء التفسير: طبعاً في حياة النبي, ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم, هم في بحبوحة من عذاب الله، في مأمن من عذاب الله، ولكن ما معنى هذه الآية: بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى؟ معنى هذه الآية: ما دامت سنتك يا محمد في حياتهم، في بيوتهم، في تجارتهم، في كسب أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في شدتهم، في رخائهم، ما دامت سنتك مطبقةً في حياتهم, ما كان الله ليعذبهم, فإن أردت أن تكون في مأمن من عذاب الله, فطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام. شيء آخر: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 33] يعني أنت حينما تندم، وحينما تستغفر، وحينما تراجع نفسك، أنت في مأمن آخر من عذاب الله، أنت في مأمنين؛ في مأمن اتباع المنهج, وفي مأمن الندم على خرق المنهج، إن ندمت فأنت في مأمن, وإن سرت على الحق فأنت في مأمن، وحاجة الإنسان إلى الأمن حاجة كبيرة. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, ننتقل إلى القسم الثالث من منزلة الأدب, ألا وهي الأدب مع الخلق، فالأدب مع الخلق معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، ومع الأب بالذات أدب متميز، مع العالم أدب آخر، مع السلطان أدب يليق به، مع الأقران أدب يليق بهم، مع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، مع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته. قالوا: لك آباء ثلاث؛ أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله. ولكل من هؤلاء الثلاثة أدب خاص يليق به، هذا مع الأشخاص, فماذا مع الأحوال؟ لكل حال أدب, فللأكل آداب: ما كان عليه الصلاة والسلام يأكل متكئاً، كان يجلس جلسة العبد. وللشرب أدب: كان عليه الصلاة والسلام يبعد القدح عن فيه، وهذه السنة تتوافق مع أحدث نظرية في العدوى، زفير الإنسان قد يعدي, فإذا تنفست في أثناء شرب الماء, أبعدت القدح عن فيك, فهذا من الأدب. ((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/03.jpg وكان عليه الصلاة والسلام يشرب ثلاثاً، ويشرب جالساً، هذه كلها آداب للشرب، طبعاً نحن نتحدث بشكل إجمالي، وللركوب, والدخول، والخروج، والسفر، والإقامة، والنوم. آداب نوم: الملوك على ظهورهم، ونوم الشياطين على بطونهم، وهناك نوم الأغنياء على شقهم الأيسر -لأنه أفرط في الطعام-, وهناك نوم الأتقياء على شقهم الأيمن. كان عليه الصلاة والسلام ينام على شقه الأيمن, ويضع يده تحت خده الشريف, ويقرأ دعاء قبل أن ينام. وللسكوت أدب: كان عليه الصلاة والسلام يحسن الاستماع, وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، وهناك أدب للسكوت يسكت عن علم لا عن جهل. قال العلماء: أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. مشاهد من السنة تلفت النظر : والحقيقة أيها الأخوة: أن هناك في السنة مشاهد أو مواقف تلفت النظر. سيدنا العباس سُئل: أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني ولكني ولدت قبله. أرأيت إلى هذا الأدب؟. امرأة عثمان بن مظعون جاءت إلى السيدة عائشة بثياب مبتذلة، فسألتها: مالكِ هكذا؟ فقالت: إن زوجي صوام قوام، لا يلتفت إلي إطلاقاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل في طلبه وعاتبه, فقال: يا عثمان, أليس لك بي أسوة؟ أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر, فيبدو أن عثمان بن مظعون عاد إلى توجيهات النبي, والتفت إلى زوجته، فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت السيدة عائشة بعد حين ورأتها عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: مالك تغير حالك!؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس. كلام لطيف لا يجرح الحياء، والقرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 5-7] أرأيت إلى هذه العبارة التي ينطوي تحتها كل ألوان الشذوذ؟ فمن ابتغى وراء ذلك. ((يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك)) كلمة لا تثير الشهوة, تصف حجم عظامك، فالعظم لا يثير الشهوة، بل إن بعض الشعراء له بيتان في الغزل, يعني كان البيتان فيهما مأخذ عليه, قال: إن سلمى خلقت من قصب قصــب السكر لا عظم الجمل وإذا قـربـت منها بصلاً غلـب المسك على ريح البصل عظم الجمل لا يتناسب مع الغزل، فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام جاء بكلمة تبعدك عن الإثارة كلياً: إن هذه الثياب تصف حجم عظامك. لا أذكر كل المشاهد المفعمة بالأدب من أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله فما أكثرها, لأنهم تربوا في مدرسة رسول الله، وسيأتي ذكر بعضها. ما قصة هذه المقولة: هذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور؟ : أحياناً: هناك امرأة تعمل بفن ساقط, أساسه قلة الأدب, وقد تجدها غنية جداً، كنت في بلد عربي, وأشير إلى بناء في لب المدينة في القاهرة, قال: هذا البناء كل بيت فيه يزيد سعره عن ثلاثمئة مليون, تسكنه راقصة، الذي تعمل بقلة الأدب, تسكن في هذا البيت، والذي يعمل في الأدب, لا يجد قوت يومه، هذا مأخذ على مجتمع يعلو فيه المنحرف ويفتقر فيه المستقيم. سْئلت امرأة, تعمل في الفن في بلد غربي, ولها شهرة واسعة: ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ فقالت: شعور الخذي والعار. وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلقة, وهي صادقة مع نفسها. تأمل في هذا الشأن : قال: فانظر إلى الأدب مع الوالدين, كيف نجا صاحبه من حبس الغار, حينما أطبقت عليهم الصخرة؟ تأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر، كيف تجد قلة أدبه هي التي ساقته إلى الحرمان؟. موقف لا يتسم بالأدب, قد يحرمك شيئاً كثيراً. انظر إلى هذا الأدب عند هذا الصحابي الجليل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/04.jpg أنا لا أنسى هذا الصحابي الجليل -سيدنا زيد الخيل- لما التقى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: ما اسمك؟ قال: أنا اسمي زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، أعجب به النبي، قال له: يا زيد, ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت يا زيد -أراد أن يكرمه, جاء من مكان بعيد, من نجد- فدعاه إلى منزله، في منزل النبي عليه الصلاة والسلام, قدم إليه وسادةً ليتكئ عليها، فقال زيد رضي الله عنه, وهو حديث عهد بالإسلام, مضى على إسلامه أقل من ساعة، قال له: والله يا رسول الله! لا أتكئ بحضرتك. ما هذا الأدب؟ ومتى حصله؟ والعياذ بالله! هناك من يجلس ويضع رجليه على الطاولة قبالةَ الزائر, هذا من سوء أدبهم مع زوارهم. مرة وأنا أمشي في الطريق, وجدت قدمين خارجتين من نافذة, فعلمت أن صاحبها درس في بلاد الغرب, وهو جالس على كرسي, وقد وضع رجليه على النافذة قبالة من يمشي في الطريق. المؤمن كله أدب لا يفعلها. مخالفة شرعية في بيت مسلم!!! : الآن: في بيوت كثيرة, يرتدي الأب ثياباً متبذلة أمام بناته، قد يرتدي الثياب الداخلية فقط، قد ترتدي البنت ثياباً فاضحةً أمام أخيها، ولو درسنا موضوع العورة: لا يجوز للأخت أن ترى من أختها ما فوق ركبتها إلى ما تحت ركبتها, وما يتناهى إلى أسماع الناس من شذوذ ضمن الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ما يتنامى إلى أسماعنا أحياناً من علاقات آثمة محرمة فاضحة بين أفراد الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ومن قال لك: إن محارمك يمكن أن ترى منهن كل شيء؟ من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن على أمهاتنا: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا, أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لا, قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا)) [أخرجه الإمام مالك في الموطأ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/05.jpg والأب المؤمن يستأذن على ابنته غرفتها، يستأذن على أمه, موضوع الزوجة موضوع آخر, ما سوى الزوجة، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، وبنت الأخ، بنت الأخت، هذه محارم, لك أن تراها في ثياب الخدمة، لا أن تراها في ثياب متبذلة، ثياب الخدمة قميص مرتفع الصدر, والكم إلى ما تحت المرفق، والثوب إلى ما تحت الركبة، هذه ثياب الخدمة، ترى أمك بهذه الثياب، أختك بهذه الثياب، ابنتك بهذه الثياب، لا ينبغي أن تراهنَّ إلا بثياب الخدمة، حتى إن بعض علماء التفسير حينما قالوا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور الآية: 30] المرأة التي سمح الشرع لك أن تراها, يجب أن تراها رؤيةً شمولية, دون أن تدقق في تفاصيل خطوط الجسم، المؤمن أديب لا يدقق في خطوط جسم امرأة من محارمه، يستأذن عليها في دخوله عليها، إذا نظر إليها, نظر نظرةً عامةً دون تدقيق يثير الشبهات. هذا أدب الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدب سيدنا الصديق رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، لم يتقدم بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنحى، تأخر قليلاً, ليبقى النبي في مقدمة الصفوف. موقف شنيع : كنت مرةً في العمرة, وفي مصلى النبي عليه الصلاة والسلام, وضع كرسي مصحف, وعليه مصحف كبير, بحيث غطى نصف القوس -محراب النبي الذي صلى به بأصحابه كهذا المحراب تقريباً نصف دائرة وامتداد- هكذا فهمت أنا: أنه لا ينبغي أن تصلي في مكان النبي تماماً, هذا مقام النبي يجب أن تصلي وراءه خطوةً، كنت في هذا المكان جالس, جاء رجل ضعيف الإحساس, فأزاح المصحف, وملأ القوس كله بجسمه وصلى. ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) انظر إلى هذا الأدب بين الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر حينما خطب المسلمين في أول خطبة, تسلم فيها الخلافة, وقف في الدرجة العليا, ثم نزل درجة, وقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، وهناك تصرف حكيم جداً من سيدنا عثمان، سيدنا عثمان ما نزل درجة، فعلها الفاروق, ولم يفعلها سيدنا عثمان, وكان حكيماً جداً، اتضحت هذه الحكمة, حين سُئل أحد خلفاء بني أمية أنه: ِلمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ فقال هذا المسؤول ويبدو عالم، قال: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر. لو سيدنا عثمان نزل درجة، وسيدنا علي درجة, نحفر بئراً ويجلس الخطيب في. ما معنى: الأدب بين الغلو والجفاء؟ : وقال بعض السلف: الأدب بين الغلو والجفاء. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/06.jpg يعني من تفسيرات الأدب مثلاً: إضاعة الأدب بالجفاء, كمن لم يكمل أعضاء الوضوء, ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي قريب من مئة أدب, ما بين واجب ومستحب، فالجفاء أن تهمل هذه الآداب، والغلو أن تقع في وسوسة في هذه الآداب، ترفع يديك، تقول: الله أكبر, لم تصح تعيدها، هذه وسوسة، فالجفاء أن تقصر والوسوسة أن تبالغ والأدب بينهما، رفع الصوت بها أو الصمت الكامل، يعني ترى درساً قائماً بمسجد, يأتي أخ يصلي باثنين بأعلى صوته، يفسد على المتكلم الدرس كله؛ أين الملاحظة؟ أين الأدب؟ أين الذوق؟ مئات يستمعون إلى درس فصل, وأسمع الذي وراءك صوتك, أما أن ترفع الصوت إلى أعلى طبقة, وأن تطيل في الصلاة، وأن تفسد على المتكلم درسه، ليس هذا من الأدب إطلاقاً. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه. بربكم: لو أن امرأة نائمة هل يوقظها صوت حفيف الثوب؟ . يعني: ترى إنساناً لبس ثوباً, له صوت أثناء السير, حفيف الثوب, هل يوقظ امرأةً؟ من شدة أدبه صلى الله عليه وسلم: كان إذا دخل بيته لف ثوبه، أما الجاف يقول لزوجته: قومي واصنعي عشاء وتكون قد غفلت الآن، يقسو عليها في إيقاظها. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه، كان يكنس داره، ويخصف نعله، ويرفو ثوبه، ويصغو الإناء للهرة، وكان في مهنة أهله. في الدعاء مثلاً: إنسان تقول له: ادع لنا، فيدعو ساعة من الزمن يطيل ويطيل, ليس متعدلاً، وآخر يدعو بكلمتين فقط، فالأدب يبدو بين الإفراط والتفريط، بين الجفاء والغلو, هذا هو الأدب؛ في الصلاة، في الدعاء, في الذكر، في كل شيء. من أكبر الفتن : كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاةً في تمام: عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاةً فِي تَمَامٍ. يعني مثلاً: لو أطلت الصلاة أكثر من صلاة رسول الله لست أديباً مع رسول الله، يعني أنت أشد خشوعاً منه؟ أنت أشد ورعاً منه؟. إنسان أراد أن يحرم من مكان أبعد من الميقات, فقال له تابعي جليل: لا تفعل، قال: ولمَ لا أفعل وأنا في عبادة؟ قال: تفتن، قال: كيف أفتن؟ قال: وهل من فتنة أكبر من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟. هذه أكبر فتنة. بالمناسبة: أي إنسان يدعو إلى الله, ويبلغ أخوانه فوق المنهج الذي جاء به النبي, فقد وقع في سوء الأدب مع رسول الله, هل أنت أشد ورعاً من رسول الله؛ تكلف الناس ما لا يطيقون؟ تكلف الناس فوق المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين؟. النبـــي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليأمر بأمر ثم يخالفه وقد صانه الله عن ذلك، كان يأمرهم بالتخفيف في الصلاة، حتى سيدنا معاذ صلى وأطال, فخرج أحد أصحاب رسول الله من صلاة مع هذا الصحابي، فاشتكى إلى النبي, فقال له عليه الصلاة والسلام: أفتان أنت يا معاذ؟. كن متبعاً للسنة هي أكمل شيء، إن السنة هي من وحي الله عز وجل، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. من السنة : عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: ((حَدَّثَنِي قَزْعَةُ, قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ, فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ, قُلْتُ: إِنِّي لا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاءِ عَنْهُ, قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ, فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ, فَقَالَ: كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ, فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ, فَيَقْضِي حَاجَتَهُ, ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ, وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى)) يكتبون على أبواب المساجد: أن الظهر بعد عشرين دقيقة، العصر بعد عشرين دقيقة، المغرب بعد خمس دقائق، الفجر بعد نصف ساعة، هذا من السنة أيضاً, أما الذي يختصر العبادات هذا من سوء الأدب مع رسول الله. قال: هو كمن أكل مضطراً في مخمصة، أكل ما يسد به رمقه فليته شبع, هو كجائع قدَّم له طعام لذيذ, أكل لقمة واحدة أو لقمتين, فماذا يغنيان عنه؟ . قالوا: إن الصلاة غذاء الروح والقلب, فإنه بحاجة إلى غذائه مما يتنزل من رحمات ربه، كما أن الجسم بحاجة إلى الغذاء مما تخرج الأرض من بقلها. ما يتعلق في حقوق الخلق : في حقوق الخلق قال: ينبغي أن لا يفرط في القيام في حقوقهم وألا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله. أحياناً الإنسان ينغمس في خدمة الخلق لدرجة أنه يضيع في عمله حقوقه مع الله سبحانه وتعالى، وأحياناً يستغرق في عباداته حتى ينسى ما عليه من حقوق، ينسى أهله بلا طعام، يهمل أولاده في صلواته وأذكاره، أعطِ كل ذي حق حقه. ((إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل)) قف عند هذه الكلمة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/07.jpg وكنت أقول لكم دائماً: إن العبادة المطلقة أن تعبد الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، وفي الوقت الذي أظلك، عبادة هوية ومكان وزمان، أقامك غنياً أنفقْ المال, أقامك عالماً علم الناس، أقامك قوياً أنصف المظلوم، أقامك امرأةً أحسني تبعل زوجِك وخدمة أولادك ، أقامك طبيباً اعتن بمرضاك، أقامك محامياً لا تغش موكليك، أقامك تاجراً كن صدوقاً. ((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا)) أقامك تاجراً طبق هذه الوصايا، أقامك صاحب حرفة، إنما أهلك الصنعة قول غد وبعد غد، أنجز وعدك بالوقت المناسب، أتقن عملك: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/08.jpg ((إن الله يحب من عبده إذا عمل عملاً أن يتقنه)) أقامك معلماً علم طلابك بإخلاص فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، عندك ضيف أهمل الضيف, لم يُؤمن له الطعام, جعله في مكان غير مريح، لا, عبادتك الأولى أن تعتني بالضيف ، عندك مريض عبادتك الأولى أن تخدم المريض، عندك ابن امتحانه غداً, عبادتك الأولى أن تعتني بابنك قبل الامتحان، هذه العبادة. الآن: وقت سحر, هذا وقت صلاة، وقت ذكر، وقت تلاوة قرآن، ليس وقت حسابات، وقت الفجر ليس وقت عمل وقت ذكر، يعني كل وقت له عبادة. رجل جلس مع خطيبته فحدثها عن الموت، ما كان حكيماً بهذا الحديث، حدثها عن المستقبل، عن عش الزوجية، عن البيت، عبادة الأدب أن تكون معتدلاً، أن تكون وسطياً بين الغلو وبين الجفاء، بين الإفراط وبين التفريط. ما نوع هذا الأدب؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/09.jpg يوجد نوع ثالث: أدب الأحوال، الأدب أن تمنع الخوف من أن يحملك على اليأس، يوجد شيء مخيف, إذا حملك هذا الخوف على اليأس, معنى ذلك أن توحيدك ضعيف. تصور أنت جندي والده قائد الجيش، جاء عريف فهدده, فبكى هذا الجندي, وارتعدت فرائضه من هذا التهديد، معنى هذا أنه لا يعرف قدر والده، أحياناً يوجد شيء مخيف, أما هذا الشيء المخيف إذا حملك على أن تيأس من رحمة الله, فأنت لست أديباً مع الله, كأنك تتهم الله أنه لا يفعل شيئاً، كأنك تتهم الله عز وجل أنه غير قدير على حفظك. بصراحة: أقول لكم كلمة اقبلوها مني: الله عز وجل هو المعبود، لا معبود سواه, لو سلمك إلى أحد من خلقه, لا يستحق العبادة، لا يوكل مصيرك إلى أحد من خلقه، قال تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 54] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الزمر الآية: 62] ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف الآية: 84] ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 59] إذا ورقة يعلمها, فكيف بالأشياء الكبيرة؟!. من سوء الأدب مع الله : فقال: الأدب في الأحوال: أن تمنع الخوف من أن يصل بك إلى اليأس, بالمقابل أن تمنع الرجاء برحمة الله من أن يصل بك إلى أن تأمن عذاب الله. فالإنسان أحياناً براحة الرخاء يتوسع، يتساهل، يطمع بعفو الله ورحمته، هذا سوء أدب مع الله، إذا كنت معافى، صحيحاً، دخلك جيد، بيتك منتظم، زوجتك, أولادك لا يوجد عندك مشكلة، تهمل الصلوات، تهمل الأذكار, لا يوجد شيء تخاف منه، هذا الأمن الذي نعمت به قادك إلى التساهل في العبادة، وإن جاءتك شدة من الله ينبغي أن لا تقودك إلى اليأس من رحمته، يجب أن تمنع الخوف أن يأخذك إلى اليأس, وأن تمنع الرجاء أن يأخذك إلى الأمن، والأمن أن تتوسع في الحركة، أن تبتعد عن الورع. هذا حال الأديب مع الله : فالأديب مع الله لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله, فإن هذا الخوف مذموم، يوجد شخص كأنه متوهم أنه سينسحق، أنت مؤمن غالٍ على الله ، لك عند الله حقوق، الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه. يَا مُعَاذُ, هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ, وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: ((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ: أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)) الإمام الشافعي استنبط استنباطاً رائعاً: إن الله لا يعذب أحبابه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [سورة المائدة الآية: 18] لو أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، فإذا عذبهم كذبهم, أنتم لستم أحبابي، أنا لا أريد إنساناً يخاف، أنت مؤمن, والأمر بيد الله، والله عز وجل يظهر آياته. نقطة هامة : أيها الأخوة, الخوف الذي ينتهي بك إلى اليأس إساءة أدب مع الله عز وجل، والرجاء الذي يفضي بك إلى الأمن من عذاب الله أيضاً إساءة أدب مع الله عز وجل، بل حد الرجاء: ما طيب لك العبادة, وحملك على السير, فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة, فإذا انقطعت وقفت السفينة، وإذا زادت عن حدها ألقتها في المهالك، وإذا كانت بقدر أوصلتها إلى البغية, فالرجاء كالرياح في البحر تماماً, إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده. الآن السرور: الإنسان أحياناً يسر, ضبط السرور لا يقدر عليه إلا الأقوياء, أرباب العزائم, الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم، ولا تضعفهم الضراء فتغلب صبرهم، شخص تأتيه مصيبة يتحطم، غلبته الضراء، أبعدته عن الصبر، وأحياناً يتألق, يأتيه مبلغ كبير, يحقق هدفه, ويتزوج، يتعين بوظيفة راقية جداً, يختل توازنه, ففرحه أبعده عن الشكر، فالأدب مع الله أن لا تحملك السراء إلى أن تبتعد عن الشكر, وأن لا تحملك الضراء إلى أن تبتعد عن الصبر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/2798/10.jpg كنت أقول مرةً: بلوغ القمة صعب جداً, ولكن الأصعب منه أن تبقى في القمة، وأنت في أعلى درجات القوة متواضع لله عز وجل. دخل النبي مكة فاتحاً، دخلها مطأطئ الرأس, حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل. وطن نفسك السراء ينبغي ألا تحملك على ترك الشكر، والضراء ينبغي أن لا تحملك على ترك الصبر، في الرخاء شكور، وفي البلاء صبور. عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا)) قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] الله عز وجل يحب العبد الصابر، يوجد آيات إذا قرأتها يقشعر جلدك, قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾ [سورة ص الآية:43] إنسان تأتيه مصيبة يقول: يا رب لك الحمد. الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها. إنسان تأتيه ميزة لا يختل توازنه، يبقى وقوراً، هادئاً، شكوراً، متواضعاً، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة بل أن تبقى فيها، طريق القمة صعب جداً, وطريق السقوط سهل جداً، الغرور إياك أن تغتر، صحابة رسول الله, وفيهم رسول الله حينما قالوا: لن نغلب من قلة، عشرة آلاف مقاتل بعد أن فتحوا مكة غلبوا في حنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 25] خاتمة الدرس : أختم الدرس بهذا القول: درس بليغ: أنت بين حالين؛ بين أن يتولاك الله وبين أن يتخلى عنك، إذا قلت: الله تولاك, وإذا قلت: أنا تخلى عنك، درس بدر ودرس حنين؛ درس بدر: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 123] مفتقرون إلى الله فنصركم، درس حنين: أعجبتم بقوتكم فتخلى عنكم, وهذا الدرس نحتاجه نحن كل يوم مئة مرة، تنجح أحياناً بعملك فتقول: أنا سقطت، تنجح تقول: يا ربي لك الفضل, تعلو وتسمو. سمعت عن طبيب -جزاه الله خيراً- من أنجح الجراحين, لا يجري عملية جراحية قبل أن يصلي أمام المريض ركعتين؛ يا رب وفقني، يا رب سدد خُطاي، ألهمني الصواب، الإنسان بالافتقار، والمؤمن الصادق إذا أقدم على عمل: اللهم إني تبرأت من حوالي وقوتي وعلمي, والتجأت إلى حولي وعلمك وقوتك يا ذا القوة المتين. درس بدر افتقر يتولاك الله، درس حنين إياك أن تعتد بنفسك فيتخلى الله عنك، ونحن في أمس الحاجة إلى هذين الدرسين، بهذا تنتهي منزلة الأدب مع الله، في الدرس قبل الماضي، والأدب مع رسول الله في الدرس الماضي، والأدب مع الخلق في هذا الدرس, والأدب تاج يتوج به المؤمن، الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب. وقد سُئل النبي الكريم: ((ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي؟)) ولم يرَ ماداً رجليه قط عليه الصلاة والسلام من العظيم أدبه. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الذوق - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الذي يشد الناس إلى الدين, ومتى يدخل العبد في مرحلة الذوق؟ : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الذوق, تنطلق هذه المنزلة من قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات الآية: 14] في الدين حقيقة يدركها العقل، وفي الدين طعم يذوقه القلب, فالذي يشد الناس إلى الدين ليست حقائقه الناصعة فحسب، بل الذي يشد الناس إلى الدين هذا الشعور الذي يغمر القلب حينما يتصل بالله عز وجل، لأن في الإنسان جانباً عقلياً، وجانباً جسمياً، وجانباً نفسياً، فالجانب العقلي غذاؤه العلم، والجانب الجسمي غذاؤه الطعام والشراب، والجانب النفسي غذاؤه الحب، الاتصال بالله، السكينة, التجلي، أن يمتلئ القلب ثقةً بما عند الله، أن يمتلئ غنى، أن يمتلئ طمأنينة، سعادة، سمها سكينةً، سمها قرباً، سمها تجلياً، سمها اتصالاً، سمها أنساً، هذه كلها أسماء لمسمى واحد وهي الذوق. عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) منزلة اليوم: منزلة الذوق، قد تعتقد، قد تفكر، قد تحاكم، قد تتخذ قراراً، هذا كله نشاط عقلي, أما حينما تتصل وينغمر القلب بمشاعر لا توصف, دخلت في مرحلة الذوق. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة : أيها الأخوة مرةً ثانية: الذي يشد الإنسان إلى الدين ليس ما في الدين من حقائق ناصعة، في الدين حقائق ناصعة، في الدين تفسير دقيق للكون وللحياة وللإنسان، الدين أعطاك تفسيراً منطقياً، تفسيراً متكاملاً, تفسيراً متماسكاً، تفسيراً عميقاً، تفسيراً مقبولاً، تفسيراً ينسجم مع معطيات الإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الدين ليس هذا التفسير الناصع، الواضح، العميق، المتناسق، القوي فحسب، بل الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان, هذا الذي عبر عنه بعض الشعراء: فلو شــاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــا وليت عنا لغيـرنا ولو سمعـت أذناك حسن خطابنا خلــعت ثيـــاب العجب عنك وجئتنا ولو ذقــت من طعم المحبة ذرةً عـذرت الـــذي أضحى قتيلاً بـحبنا ولو نسمـت من قربنا لك نسـمة لمــت غريباً واشــتياقاً لقــربنـا ولو لاح مــن أنـوارنا لك لائح تـركـت جـميـع الكائـنات لأجـلـنا أن تشعر بقربك من الله، الله عز وجل مصدر الأنس، مصدر الرضا، مصدر السعادة، مصدر الجمال، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى, فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فمرتبة الذوق أن تذوق من خلال إيمانك حلاوة الإيمان. هذا حال من ذاق طعم الإيمان : الذي ذاق حلاوة الإيمان قيل له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ وكان على وشك أن يقتل صلباً, ذاك خبيب بن عدي رضي الله عنه، ألقى عليه القبض كفار قريش, وأرادوا أن يقتلوه صلباً، سألوه قبل أن يقتلوه: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. التي ذاقت حلاوة الإيمان, بلغها أن النبي قد قتل في أحد، فانطلقت إلى ساحة المعركة, فإذا أبوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا أخوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا ابنها مقتول, قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا زوجها مقتول، أبوها، وأخوها, وابنها، وزوجها، إلى أن وقعت عينها على شخص النبي عليه الصلاة والسلام فاطمأنت، وقالت: يا رسول الله! كل مصيبة بعدك جلل. تهون, هذه ذاقت حلاوة الإيمان. الصحابة الكرام ذاقوا حلاوة الإيمان, فبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، كما قال بعض العاشقين: فليتك تحـلو والحـياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غـضاب وليت الذي بيني وبينـك عامر وبيني وبين العالمين خــراب وليت شرابي من ودادك سـائ غ وشربي من ماء الفرات سراب هذا حال من ذاق طعم الإيمان، الذي يذوق طعم الإيمان لو تقطعه إرباً إرباً لا يتزحزح . وضعوا على صدر سيدنا بلال صخرةً ليكفر, فما زاد عن أن قال: أحد أحد فرد صمد. الإنسان حينما يذوق حلاوة الإيمان يفعل المعجزات، أما إذا بقي في الأفكار، الأفكار لا تقدم ولا تؤخر. متى يتصل العبد بالله؟ : إذا أنت اعتقدت أن لهذا الكون إلهاً، ماذا فعلت؟ ما فعلت شيئاً وهو كذلك، لو اعتقدت العكس لاتهمت في عقلك، أما حينما تبذل، حينما تعطي، حينما توظف طاقاتكم وإمكاناتكم في سبيل الله، عندئذٍ تتصل، وإذا اتصلت ذقت حلاوة الإيمان، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] هذا الفرق بين أهل الدنيا وبين أهل الإيمان : للإيمان طعم، وإن القلب إذا ذاق هذا الطعم فلن يعجبه شيء بعد ذلك. من عرف الله زهد فيما سواه. أهل الدنيا في الوحول يصطرعـون، وأهل الإيمان في جنات القربات يحلقون، والدعاء الذي يدعوه بعضهم: الحمد لله الذي أخرجنا من ظلمات الجهل والوهن إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. هرقل ملك الروم الذي عاصر النبي عليه الصلاة والسلام، سأل أبا سفيان: هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه؟ فقال: لا، كذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب، إذا دخل الإيمان إلى القلب أنت إنسان آخر, يسعدك أن تعطي لا أن تأخذ عكس الناس، يسعدك أن تقدم جهدك للآخرين لا أن تأخذ جهدهم، يسعدك أن تكون أقل الناس شأناً وأحظاهم عند الله عز وجل. متى ينتهي العبد من موضوع الأخذ والرد مع نفسه؟ : أيها الأخوة, حلاوة الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها، وحينما تصل إلى حلاوة الإيمان, كأن موضوع الأخذ والرد مع النفس ينتهي، الإنسان قبل أن يذوق حلاوة الإيمان, تأمره نفسه فيردعها، يصطرع معها، يغلبها وتغلبه، يقودها وتقوده، هذا الصراع المستمر بين الإنسان ونفسه, ينتهي حينما يذوق حلاوة الإيمان. يعني مثلاً: إنسان نزل في البحر في أجمل أوقاته، وفي أجمل حالاته، مياه صافية زرقاء, دافئة الموج, هادئ البحر, كصفحة الظل، المناظر جميلة, وهو مغمور في مياه البحر، والبحر محيط به من كل جانب, هل يحتاج إلى دليل أنه في البحر؟. يا إمام متى كان الله؟ فقال: ومتى لم يكن؟ أحوال العاشقين, أحوال المحبين شيء آخر في الدين، أنت حينما تحب الله عز وجل, لو أردت أن تزيل جبلاً من مكانه لزال. لله رجال إذا أرادوا أراد. يعني مستجابو الدعوة، يعني هم حينما اقتربوا من الله, اقتربوا من مصدر القوة، قوي بالله. قصة : قصة أرويها لكم دائماً: لما الإمام الحسن البصري أدى رسالة العلم, فبين بعض الحقائق في عهد الحجاج, فغضب الحجاج, وقال لجلسائه: والله لأروينكم من دمه يا جبناء، وأمر بقتله ، وجاء بالسياف, ومد النطع, وطلب الحسن البصري ليقتل، دخل الحسن البصري إلى مجلس سيقتل فيه, فإذا به يحرك شفتيه, ويتكلم كلاماً لم يفهمه أحد، يناجي ربه, فإذا بالحجاج يقف له، يقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه إلى أن أجلسه على سريره, وتأدب معه، وسأله، واستفتاه، وتذكر القصة: أنه عطره وضيفه وشيعه إلى باب القصر، والسياف واقف ينظر، -هو جيء به ليقطع رأسه بعد دقائق، والنطع مد-، فلما خرج أبو سعيد تبعه الحاجب, وقال: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل فيك, فماذا قلت لربك؟ قال: قلت لله عز وجل: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم, فما كان من الحجاج, وهو الذي حمله غضبه على أن يقتله إلى أن أصبح موالياً له. كن مع الله تــــرى الله معك واترك الكـــل وحاذر طمعك وإذا أعـطـاك مـن يـمـنعـه ثم مـن يعطي إذا مـا منعك؟ إذا كنت مع الله سخر الله لك عدوك ليخدمك، وإذا ابتعدت عن الله تنكر لك أقرب الناس إليك، لذلك قالوا: حلاوة الإيمان هي التي تشد الإنسان إلى الدين, وبالنهاية يوجد أقوياء وأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس جميعاً تبعاً لقوي أو لنبي، فالذي يتبع القوي يخضع الناس بقوته، والذي يتبع النبي يملك قلوب الناس بكماله. علامات الذي يذوق حلاوة الإيمان : 1-يبتعد عن الآمال ويتجه الى الأعمال : الإنسان إذا ذاق حلاوة الإيمان, يبتعد عن الآمال, ويتجه إلى الأعمال, كل إنسان يعيش في الأمل، يتمنى ويتأمل ولا يعمل, ما ذاق حلاوة الإيمان، إنسان فتح محلاً تجارياً, متوقع ربحاً في اليوم عشرة آلاف, باع بمئتي ألف، من اليوم الثاني لا يغيب أبداً, يأتي باكراً، أول من يفتح المحل، يعتني لما ذاق الغلة الكبيرة، هذا الذي ذاقه من الربح الوفير, حمله على المتابعة، أما إذا فتح المحل ولا يوجد ولا مشترٍ، من اليوم الثاني يقول: أنا متعب، لا يهمه المحل فتح أو ما فتح، يقول: لا يوجد شغل, السوق بارد، إذا إنسان ما ذاق لا يتابع، من علامة الذي يذوق حلاوة الإيمان: أنه يتابع, وكل إنسان يقوم إلى الصلاة كسلان, يؤدي العبادات بتثاقل، كل قضية ينسحب منها يعتذر، لا يرغب هذا, ما ذاق حلاوة الإيمان، ولو ذاق حلاوة الإيمان لكان كالمرجل، حلاوة الإيمان تعطيك قوةً عجيبة، تعطيك قوةً تنسى بها كل شيء. لذلك قالوا: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، بالتمني يقول: جعلنا الله من أهل الإيمان، يقول: آمين، اللهم لا تحاسبنا حساباً عسيراً، اللهم لا تعاملنا على عملنا، اللهم تب علينا, وكل هذا تمنيات، هذا الطالب إذا قال: إن شاء الله ننجح ولكن ما درس، الله كريم, لا ينسى أحد من فضله، ننجح, قل: يا رب، لا ينجح، أما لما يتحرك يدرس، لما انتقل من الأمل إلى العمل, صار الوصول إلى الهدف ممكناً، علامة الذي ذاق حلاوة الإيمان: ينتقل من الآمال إلى الأعمال، من التمني إلى السعي، قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 123] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت الآية: 30] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 19] 2-أن تطلب المزيد : قالوا: الذوق شيء باطني والعمل دليل عليه ومصدق له, الذوق شيء باطني: إذا إنسان أكل طعاماً وإنسان يراقبه، المراقب مهما كان ذكياً, لا يمكن أن يشعر بما يشـعر به من يأكل هذا الطعام، قضية داخلية، ولكن إذا كان الطعام طيباً, يقول لك: هل يوجد صحن آخر؟ كأس آخر، علامة الذوق الراقي: تطلب المزيد، المؤمن حينما يطلب المزيد دليل على أن ذوقه للإيمان بمستوى رفيع، أما إذا ذوقه ضعيف، يوجد تقصير, أو لهمة ضعيفة، أو لمخالفات، أو لأشياء يفعلها لا ترضي الله عز وجل, صار في جفوة، في بعد، لذلك ينصرف من كل شيء ديني، يرجئ, لا يلبي، بينما ذوق الإيمان الصحيح يدفع إلى العمل. 3- أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها : وقالوا أيضاً: من علامات الذوق: أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها. مستحيل أن تقف الدنيا عقبةً أمام الذي ذاق حلاوة الإيمان، أحياناً ترى شخصاً أقبل على المسجد, لكن ما ذاق حلاوة الإيمان، يعني شيء تافه جداً يصرفه عن الدرس, عذر صغير جداً يحمله على ترك متابعة طلب العلم، فكلما صرفك عن الدين صارف صغير, هذا دليل على أن حلاوة الإيمان لم تتمكن في قلبك. من أنواع الشرك : علماء القلوب يقولون: كل ما سوى الله فإرادته أمل قاطع كائناً من كان، كلما أردت غير الله، إذا ابتغيت غير الله، قصدت إلى غير الله، تعلقت بغير الله، عظمت غير الله، خفت من غير الله, هذا كله من أنواع الشرك، هذه تقطعك عن الله عز وجل، أما الموحدون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. 4-ذاق حلاوة الايمان من لم يكن له أمل في غيره: من ذاق حلاوة الإيمان, ومعرفة الله عز وجل، والقرب منه, والأنس به, لم يكن له أمل في غيره، وإن تعلق أمله بسواه, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، فهو يؤمله لأجله ولا يؤمله معه, هذا ينقلنا إلى حقيقة الحب في الله والحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، حقيقة الإيمان أن تحب في الله، والحب مع الله نوع من الشرك, تحب الله فتحب رسول الله, فحبك للنبي حب في الله، تحب الله وتحب رسوله فتحب سنته، تحب الله فتحب العمل الصالح الذي يرضيه، تحب الله فتحب العلم الذي تتقرب به إليه، هذا كله حب في الله، تحب الوسائل التي توصلك إلى غايتك، إذا إنسان متعلق بالعلم يحب الكتاب، يحب القلم، يحب الدفتر، يحب غرفة التدريس, يحب المكتبة، يحب كل شيء, يقربه من هدفه، فأنت إذا أحببت الوسائل التي تقربك من هدفك, فهذا حب في الله مسموح، أما حينما تحب شيئاً يبعدك عن الله, هذا اسمه حب مع الله، الحب في الله عين الإيمان, والحب مع الله عين الشرك، إذا أحببت صديقاً بعيداً عن الدين، فانصرفت بمحبته عن محبة الله, فهذا حب مع الله، إن أحببت تجارةً شغلتك عن أداء عباداتك فهذا حب مع الله، إن أحببت زوجتك محبةً حملتك على أن تقصر في حق الله, هذا حب مع الله، هذا ينقلنا إلى الحب في الله والحب مع الله عز وجل. فكل ما سوى الله إرادته أمل قاطع كائناً ما كان، فمن كان الله أمله ومنتهى طلبه فهو في بحبوحة الإيمان، وفي رعاية الرحمن, ذاق حلاوة ومعرفة الله عز وجل، لم يكن له أمل في غيره، إذا تعلق أمله في غيره, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، هذا حب في الله. 5-ذاق حلاوة الإيمان من كانت رغبته في المطلب الأعلى والذي يقوله العلماء: من كانت رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه، ومعرفته بِخِسة ما يؤمن دونه، وسرعة ذهابه, فيوشك انقطاعه, وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة صيف، فهو ظل زائل ونجم, قد تدلى للغروب، فهو عـن قريب آفل, فقد ذاق حلاوة الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ, قَدْ أَثَّرَ فِي جسمه, فَقَالَ: ((يا رسول الله, لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا, مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ, فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)) [أخرجه أحمد في مسنده] دقق في هذه الكلمة : دققوا في هذه الكلمة: كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى مجلس الخلافة, يتلو هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 205] متعناهم، إنسان يذهب إلى بلاد الغرب, يرجع ممتلئاً إعجاباً، بلاد جميلة، بلاد خضراء، أمطار غزيرة، جبال شاهقة، بحيرات, غنى، مساكن كالقصور، مركبات تحير العقول مثلاً، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 205-207] متعناهم سنين، جاء ملك الموت، الإنسان يختل توازنه أحياناً إذا رأى أموال الكفار والغنى الذي ينعمون فيه، والبلاد التي يعيشون فيها, ليتلو قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة آل عمران الآية: 196-197] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 42] أيضاً أيها الأخوة, يقول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 205-207] سيدنا عمر يقول: لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل, ثم جاءه الموت, لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره, ثم استيقظ, فإذا ليس في يده شيء. رجل فقير جداً في المنام, يشاهد أن معه مئة مليون في المنام يسر, فإذا استيقظ وجد نفسه في غرفته القميئة، وفي فراشه الخشن، وفي طعامه الخشن، وفي ثيابه الرديئة، كل هذه النشوة التي حصلت في المنام تذهب أدراج الرياح. الدنيا ساعة اجعلها طاعة : الدنيا ساعة اجعلها طاعة. قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 112-113] ساعة تمر، إذاً: الدنيا بحذافيرها, لو ملكها رجل لكانت كالحلم. الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا. في بعض الأشخاص يتعاطون المخدرات, هذا المخدر يطير بالصوت العالي، فرجل أخذ مخدراً، جاء رجل بآلة حادة, أصدر صوتاً شديداً, طارت ما تناوله، فالناس مخدرون في الدنيا، مخدر في بيته، في عمله، في المرأة، في المال، في المتع، فإذا جاء ملك الموت يصعق. قف عند هذين القولين : قال الإمام علي: يا بني! ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر, وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية. قال بعضهم: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة, أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا. جبال هيمالايا: ارتفاعها اثنا عشر ألف متر, ما شأن ذرة أمام هذا الجبل؟ حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر)) إذا الإنسان ضمن الدنيا وجدها كبيرة, فإذا خرج منها رأى صغرها وحقارتها. والدنيا جيفة طلابها كلابها. والدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له. في المنطق السديد: كل شيء تحصله في الدنيا تخسره في ثانية واحدة. هل لك في هذه القصة عبرة؟ : يسكن رجل في القيمرية, في أحد أحياء دمشق الشعبية, في بيت صغير, قميء, رطوب, شمالي، أقسم بالله! أربعاً وثلاثين سنة يجمع المال, حتى اشترى بيتاً في المهاجرين, له إطلالة جميلة، له شرفة، اشترى البيت, ورتبه, وجلس في الشرفة, وشرب فنجان قهوة، وقال لزوجته : الآن أمنا مستقبلنا, هذا هو البيت، بعد ثلاثة أيام جاءه ملك الموت. هل معقول أربع وثلاثون سنة جمع، حتى تمتع ثلاثة أيام فقط؟ من وضع كل أمله في الدنيا, فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر. خاتمة الدرس : أيها الأخوة, حقيقة أختم بها هذا الدرس, قالوا: السعادة في الدنيا الحسية تحتاج إلى ثلاثة شروط؛ تحتاج إلى وقت، وإلى صحة، وإلى فراغ. الإنسان يمر في ثلاث مراحل: أول مرحلة: في وقت, وفي صحة, ولا يوجد مال، مقيد، المرحلة الثانية: أسس مشروع؛ عمل، صحة جيدة، ومال وفير، ولكن لا وقت، المرحلة الثالثة: أسس عملاً, وسلم أولاده, وصار دخله كبيرأ، وعنده وقت، مال وفير، ووقت متسع, ولكن صحة رديئة، دائماً ينقصك واحدة، هذه الدنيا؛ يتوافر الوقت والصحة ولا تجد المال، تجد الصحة والمال ولا تجد الوقت، تجد الصحة والمال أو المال والوقت ولا تجد الصحة، أما المؤمن عرف ربه في وقت مبكر, فوظف كل طاقاته لهذا الهدف الكبير فهو مع الله دائماً. هذه الحقيقة التي قلتها قبل قليل تنطبق على أهل الدنيا فقط، لكنها لا تنطبق أبداً على أهل الإيمان, لأن هدفه كبير وهو سـعيد في هذا الهدف. أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان متى يشيخ؟ عندما يختار هدفاً محدوداً ويصل إليه انتهى، يريد المال جمع المال، المال صار مملاً, هدفك الزواج تزوجت، شراء بيت اشتريت، مركبة اشتريت، إذا كان لك هدف محدود, ووصلت إليه, أصبحت شيخاً, يعني طاعناً في السن، الحياة أصبحت مملة، أما إذا كان لك هدف كبير وهو الله عز وجل، أنت في شباب دائم، حينما تختار هدفاً كبيراً, فأنت في شباب دائم، حينما تحمل هم المسلمين، وحينما تنطلق لخدمتهم, ولتحقيق آمالهم وأهدافهم, فأنت في شباب دائم. أيها الأخوة, لهذا الموضوع تتمة نأخذه في درس قادم. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الذوق - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما ذكر سابقاً : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا زلنا في منزلة الذوق، وقد بينت لكم في الدرس السابق: أن حقائق الإيمان شيء, وأن حلاوة الإيمان شـيء آخر, حقائق الإيمان كخارطة لقصر منيف على ورق، أما حلاوة الإيمان أن تسكن القصر نفسه، وشتان بين ورق عليه صورة قصر وبين قصر تسكنه وتستمتع به. وذكرت لكم أيضاً: أن الذي يشد الإنسان إلى الدين ليست حقائق الدين الناصعة الواضحة فحسب، بل حلاوة الإيمان التي جاءت هنا معبراً عنها بكلمة الذوق، الإيمان فكرة تستوعبها وطعم تذوقه، إن ذقت طعم الإيمان أصبحت إنساناً آخر، بذلت الغالي والرخيص, والنفس والنفيس, وكانت راحتك في التعب، وسعادتك في بذل الجهد, وقمة نشوتك في القرب من الله عز وجل, لأنك ذقت حلاوة الإيمان, و: ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا -وبينت عند التعارض-: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) إليكم هذا البيان في هذا الحديث : لا زلنا في مرتبة الذوق, ولكن قمة الذوق في الدار الآخرة، في الدنيا يذيقنا الله حلاوة الإيمان تشجيعاً، في الدنيا يسمح الله لنا بنفحة من عنده فتحركنا، في الدنيا نحن بين القبض والبسط: ما لك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة. عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: ((وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَـلَّمَ- قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ)) ساعة فيها نشوة، وساعة فيها فتور، ويتفاوت المؤمنون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور، ساعة قرب ومئة ساعة فتور, مرتبة متدنية، خمسون ساعة قرب وخمسون ساعة فتور، كل ساعة وساعة، تسعون ساعة قرب وعشر ساعات فتور، أما مئة بالمئة الأنبياء وحدهم، المؤمنون ساعة وساعة يتفاوتون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور. إياكم, ثم إياكم، ثم إياكم أن تتوهموا أنه في ساعة الفتور تقع المخالفة، لا, دائماً وأبداً في طاعة الله, ولكن بين تألق وبين فتور, بين اتقاد وبين خمول، بين إقبال وبين قعود, لا بين طاعة ومعصية, لا، إذا كان بين طاعة ومعصية ليس هذا حال أهل الإيمان. هذا ما أعده الله للمؤمنين في الجنة : أما قمة هذا الذوق في الجنة: جنات تجري من تحتها الأنهار. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [ سورة محمد الآية: 15] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [ سورة الطور الآية: 24] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [ سورة الواقعة الآية: 17] قطوف هذه الأشجار الدانية، قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [ سورة الحاقة الآية: 23] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً﴾ [ سورة الإنسان الآية: 13] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [ سورة الإنسان الآية: 20] إلى أبد الآبدين، قمة الذوق في الجنة، ذوق مستمر، ذوق متنامٍ, وما هم منها بمخرجين، هل تعتقدون أن فوق هذا الذوق ذوق؟ نعم, أنا أجيب عنكم: نعم وألف نعم، أعلى من الجنات التي تجري من تحتهـا الأنهار، وأعلى من الحور العين، ومن الولدان المخلدين, ومن قطوف الجنة الدانية، أعلى من ذلك النظر إلى وجه الله الكريم, قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [ سورة القيامة الآية: 22-23] ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ : سؤال ثانٍ: ورد في بعض النصوص الصحيحة: أن المؤمن يرى وجه ربه الكريم في الجنة كما يرى القمر ليلة البدر، وفي بعض النصوص: أنه يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة، هل بعد هذا الذوق من ذوق؟ الجواب: نعم، ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس الآية: 26] الحسنى هي الجنة, والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. لو دخلت إلى بيت, وكان صاحب البيت على درجة من التألق والجمال, يفوق حد الوصف ، هيبة، وقار، نور، جسم جميل، وجه منير، حركات متألقة، أنت ذهلت بهذا الجمال وهذه النورانية، لكنه لم ينظر إليك, ولم يعبأ بك، ولم يلتفت إليك، أنت مستغرق في كماله, ونورانيته, وجماله، وهو منصرف عنك, ألا تتألم؟ ها أنت تنظر إلى وجهه, وتستمتع بتألقه، وتكتشف نورانيته، ولكنه لا يلتفت إليك, فوق هذه المرتبة، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 15] أكبر شيء في الجنة: أن يشعرك الله أنه راض عنك، وأنه يحبك, وأنك تسير عنده، فصار في جنات تجري من تحتها الأنهار، نظر إلى وجه الله الكريم، رضوان من الله أكبر، هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وهذا النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا الرضوان العظيم, نضحي به كله من أجل سنوات معدودات في الدنيا, مشحونة بالمتاعب، والقلق، والخوف، والمرض، وما إلى ذلك, أليس هذا هو الخسران المبين: أن يبيع الإنسان آخرته دنياه ؟ أن يبيع جنةً عرضها السموات والأرض، أكلها دائم وظلها إلى أبد الآبدين, بسنوات معدودة لا تصفو لإنسان؟ إن جاء المال فقد الولد الصالح, وإن جاء الولد الصالح فقد المال, وإن جاء المال والولد الصالح لم تكن زوجته كما يتمنى، وإن كانت زوجته كما يتمنى يشكو من بعض الأمراض، وإن كان صحيح البدن هناك مشكلة في عمله. ((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي)) أيعقل: أن نضيع هذه الآخرة ويقيننا بحصولها يقين قطعي لسنوات معدودات؟. متى يحرم العبد هذا النعيم في الجنة؟ : قال: من قطعه عن هذه الجنة أمل في الدنيا, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران, والله المستعان, وعليه التكلان, وما شاء الله كان, ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة: ألا ليت الشباب يعود يوماً أمنية، لن تكون هذه الأمنية-. من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران. ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة: ألا ليت الشباب يعود يوماً أمنية، لن تكون هذه الأمنية-. من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران. الأماني الباطلة رؤوس أموال المفاليس، المفلس رأس ماله الأماني، بها يقطعون أوقاتهم, وبها يتلذذون كتلذذ من زال عقله بالمسكر, أو بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع: عنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ, وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] وقال بعض العلماء: ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوي النفوس الدنيئة الساقطة. هذا ما يرجوه العابد من نعيم الجنة : أيها الأخوة الكرام, ثم يذوق العبد بالإرادة طعم الأنس، والإرادة وصف للمريد, فالعبد يعتقد بأحقية وعد الله فينطلق, هناك مرتبة أعلى، أنت حينما تعتقد بأحقية وعد الله تنطلق، أما حينما تأنس بالله حالاً تزداد انطلاقاً، واحد وعد أن يدخل بيتاً جميلاً، هو يسعى, أما إذا دخل يسعى سعياً حثيثاً للبقاء فيه، تضاعفت همته. الأنس بالله تعالى أعلى بما يرجوه العابد من نعيم الجنة، يعني يوجد جنة نسعى إليها، ويوجد جنة في الدنيا نعيشها، الجنة التي نسعى إليها جنة الآخرة، أما الجنة التي نعيشها جنة القرب في الدنيا, ومن لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة، هناك جنة وعدنا الله بها وجنة ينبغي أن نعيشها، لأن الجنة التي وُعدنا بها أجمل ما فيها الاتصال بالله, وبإمكانك في الدنيا أن تتصل بالله, لذلك بعضهم يوجه قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: أبو بكر في الجنة. يعني هو الآن في الجنة، في جنة القرب، جنة القرب في الدنيا. في الدنيا جنة, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. هناك آية تؤكد هذا؟ قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 6] أي أذاقهم بعضها، أذاقهم نموذجاً منها في الدنيا، ويدخلهم الجنة عرفها لهم. الأنس بالله مقام من مقامات أهل القرب, هو على التحقيق مقام الإحسان، هناك مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان, الإسلام أن تنصاع للواحد الديان، والإيمان أن تقبل على الله, والإحسان أن تعبده كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذا ما قاله بعض العارفين : قال بعض العارفين: كل ما سوى الله عارض. شيء طارئ, جاءت موجة حر وانتهت، سحابة صيف عارضة، سخونة انتهت, أما الشيء القائم الدائم هو المعول عليه. فقالوا: الله عز وجل هو الحي الباقي على الدوام، ما سوى الله عارض، من أراد سوى الله وقع في العارض, ولم يهتم بالجوهر. في الحياة حقيقة ليس بعدها حقيقة ولا قبلها حقيقة ولا فوقها حقيقة: أن تسعى إلى مرضاة الله عز وجل، كل شيء يقربك إلى الله أمر به النبي، وكل شيء يبعدك عن الله نهاك النبي عنه، المؤمن همه الأوحد أن يتقرب إلى الله. والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. من معاني اسم الله الودود : 1- الودود يتودد إلى عباده بالإكرام : واسم الله الودود: هو الذي يكرم عباده متودداً لهم، وهو الغفور الودود, أكرمك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك جسماً، في أي صورة ما شاء ركبك، خلقك في أحسن تقويم، أكرمك بمأوى، خلق لك الطعام، خلق لك سائر المخلوقات, سخر لك ما في السموت وما في الأرض جميعاً منه، منحك نعمة الزوجة، نعمة الولد، حدث ولا حرج، كل شيء تتنعم به هو تودد الله إليك، هذا معنى. 2- الودود خلق بين عباده علاقات الود : المعنى الثاني: خلق بين عباده وداً، هناك ود بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] الود بين المؤمنين من خلق الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة الأنفال الآية: 63] الود بين الزوجين، الود بين الأم وأولادها، الود بين الأولاد والأم, الود بين الأولاد والأب، الود بين الأخوة، الود بين الجيران، هذا الود من خلق الله عز وجل، أما المعنى الثالث مهم وخطير. 3- الودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك: المعنى الثالث: لأنه خلقك ليسعدك, خلق لك ألف طريق وطريق إليه, الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، رجل قوي ملك لا تسـتطيع أن تصل إليه، لا أن تقابله ولا أن تزوره، ولا أن تقدم له هديةً، ولا أن تتصل به هاتفياً، لا يوجد طرق سالكة له، لكن الله عز وجل خلق لك ألف طريق وطريق إليه، وأنت في بيتك هناك عشرات الطرق إليه، أن تكون زوجاً صالحاً، أباً رؤوفاً، أن تكون ابناً باراً، أن تكد وتسعى من أجل أن تربي أولادك، في عملك لك ألف طريق إلى الله، أن تنصح المسلمين، أن تكرمهم، أن تخفف عنهم، أن تنصحهم ، في الطريق لك ألف طريق وطريق إلى الله عز وجل، فالودود يتودد إلى عباده بالإكرام، الودود خلق بين عباده علاقات الود، والودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك. ما هي الأشياء الثلاثة التي تقوي حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان؟ : أيها الأخوة الكرام, الأنس بالله حالة من حالات مقامات الإحسـان، قال: هذا الحال؛ حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان, تقويها ثلاثة أشياء: دوام الذكر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] ودليل صدق المحبة: اتباع سنة النبي، لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] ربنا عز وجل ما قبل من أحد من عباده دعوى محبته إلا بالدليل, فالذي يقوي حالة الأنس بالله التي هي فرع من حالة الذوق, الذوق منزلة من منازل السالكين إلى الله عز وجل، ويقوي هذه الحالة حالة الأنس بالله عز وجل إحسان العمل، عمل طيب، محبة صادقة علامتها اتباع سنة النبي, كثرة ذكر الله عز وجل، هذه تقوي حالة الأنس بالله عز وجل. إليكم بعض هذه العوارض التي قد تصرف العبد عن ربه : هناك عوارض كثيرة مفسدة، نحن نعلم أن هناك عوائق وهناك صوارف، والمؤمن البطل هو الذي لا يسمح لعائق أن يعيق حركته إلى الله عز وجل, ولا يسمح لصارف أن يصرفه عن الله عز وجل. يعني: طالب ملتفت إلى أستاذه في الصف, قد يسمع صوتاً, فينظر من النافذة, فينصرف عن أستاذه، فالمؤمن لا ينصرف ولا يعيقه عائق عن الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 9] يعني: يوجد أيام صوارف من حب الشهرة، قال: هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص، هناك إنسان يحب أن يؤكد ذاته, فيتحدث عن أعماله، وعن إنجازاته، وعن أقواله، هذا انصرف إلى حبه لذاته وتأكيد ذاته عن الإقبال عن الله عز وجل. الإنسان له حالان ما هما؟ : أيها الأخوة, هناك موضوع دقيق جداً أوضحه, لأنه في هذا الدرس مكانه الصحيح, الإنسان له حالان: له حالة مع الخلق وله حالة مع الحق، البطولة أن تكون مع الخلق ومع الحق في وقت واحد. يعني كما ذكرت من قبل العبادة المطلقة، يعني أحياناً في وقت السحر أن تكون مع الله مصلياً، ذاكراً، متهجداً، تالياً للقرآن، في وقت جلست إلى أناس يستمعون إليك, يجب أن تكون معهم، وأن تؤثرهم على حظ نفسـك من الله عز وجل، عندك ضيف, إكرام الضيف هو العبادة الأولى، أقامك الله رجلاً غنياً, عبادتك الأولى إنفاق المال، أقامك رجلاً عالماً, عبادتك الأولى تعليم العلم، أقامك رجلاً قوياً, عبادتك الأولى إنصاف الضعيف, فهذا العبادة المطلقة مهمة جداً: أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه, وفي الوقت الذي يظلك، لك هوية، ويوجد أرضية، وفي زمان، فالظرف: لك ابن مريض, العبادة الأولى العناية بهذا الابن، عندك ضيف, العبادة الأولى إكـرام هذا الضيف، هذا ظرف، أما أنت من أنت؟ رجل علم علم العلم, رجل مال أنفق المال، رجل قوي أنصف الضعيف، فبهذه الطريقة تجمع بين حالك مع الله وبين حالك مع الخلق. ما الدرس الذي نستنبطه من هاتين القصتين اللتين ذكرتا في القرآن الكريم؟ : في القرآن الكريم قصتان نموذجيتان عن سيدنا داود وعن سيدنا سليمان، سيدنا داود آثر أن يكون مع الحق على أن يكون مع الخلق فعاتبه الله عز وجل، وسيدنا سليمان آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق فعاتبه الله عز وجل, فلا بد من التوازن، وهذا شأن أكثر المؤمنين. أحياناً يقبل الناس على الإنسان يعيش معهم، يذكرهم, يلقي عليهم المحاضرات، كل وقته معهم على حساب وقته مع الله, فهذا آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق, صار في اختلال توازن، إنسان آخر ليس له عمل صالح, عمله تهجده، صلاته، ذكره, تلاوته ، ولكن ما علم أحداً، وما وجه أحداً، ولا سلك أحداً، ولا أعان إنساناً، ولا ربى أحداً، همه صفاؤه، وهمه ذكره، وهمه إقباله، وهمه حظه من الله، هذا عابد، وذاك عالم، ولكن العالم يحتاج إلى شحنة روحية من شحنات العابد، والعابد يحتاج إلى عمل صالح من أعمال العالم، لا بد من التوازن, الإسلام وسطي، الإسلام متوازن، الفضيلة وسط بين طرفين، الإسلام بين الإفراط والتفريط, بين التطرف والغلو، الإسلام في الوســط، الإسلام اعترف بالإنسان كائناً له جسد. قال عليه الصلاة والسلام: ((لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] الإسلام متوازن : جاءت امرأة إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام رثة الهيئة, وضعها لفت نظر السيدة عائشة، سألتها عن حالتها ولم هي كذلك؟ قالت: إن زوجي صوام قوام، طلب النبي زوجها وهو سيدنا عثمان بن مظعون، قال: يا عثمان, أليست لك بي أسوة؟ إن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً, فأعطِ كل ذي حق حقه، في اليوم التالي جاءت امـرأة عثمان بن مظعون إلى بيت النبي عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: ما لكِ هكذا أصبحتِ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس. فالإسلام متوازن، الإسلام اعترف بالجسم, له حاجات، حاجات بقاء الفرد الطعام والشراب، وحاجات بقاء النوع بالجنس، لكنه أقره قوةً إدراكية فجعل غذاءه العلم, قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر الآية: 9] بل إن الذي يرفع الإنسان عند الله عز وجل هو العلم, لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] بل إن رتبة العلم أعلى الرتب، واعترف به كائناً جمالياً، له نفس غذاؤها الحب, وأعلى درجة في الحب أن تحب الله، يعني أعلى سعادة أن تكون مع أصل الجمال، والإنسـان -كما تعلمون- يحب الجمال والكمال والنوال، فطرته، جبلته، تصميمه، يحب الجمال والكمال والنوال، يحب الذي يعطيه، ويحب الإنسـان الكامل، ويحب الإنسان الجميل، الإسلام أقر في الإنسان جسده وحاجات جسده، وأقر في الإنسان عقله وحاجات عقله، وأقر في الإنسان نفسه وحاجات نفسه، فلذلك الإسلام متوازن, فأي إنسان يسلك طريقاً واحداً، أي إنسان يؤثر جانباً على حساب جانب، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه قلب فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه عقل فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه جسد فقط فقد تطرف، وهذا حال بعض المسلمين, أناس يعتنون بأجسامهم فقط، يأتي الموت ينهي كل هذه المكتسبات، مهما اعتنى الإنسان بجسمه, لا بد من أن يموت. قصة : أنا سمعت عن إنسان في مصر, عنايته في جسمه تفوق حد الخيال, في كل حياته ما تناول عشاءً إلا الفواكه، وما أكل إلا اللحم الأبيض, وكان يعتني بالرياضة عنايةً فائقة، وما ركب طائرةً في حياته ثم مات، ولا بد من أن يموت, لأن: كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت والليل مهما طال فلا بد من طلــــوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد مـــن نــزول القبر فأنت حينما تتعامل مع جسمك, ومع نفسك، ومع عقلك تتوازن, فالإسلام وسطي, والإسلام متوازن. إليكم هذه الحيرة التي وقع بها العلماء : أيها الأخوة, العلماء وقعوا في حيرة: أيؤثر الإنسان حظوظه من إقباله على الله أم أن يؤثر حظوظه من العمل الصالح بأن يكون مع الخلق؟ ماذا يفعل؟ قال: المؤمن الصادق يفعل ما يرضي الله, فإذا كان الذي يرضيه أن تكون مع الخلق, يجب أن تؤثر الخلق على حظك من الله, وإن كان الذي يرضيه أن تكون مع الحق, وجب أن تؤثر حظك من الله على حظك من الخلق، ما المناسب؟ وهذا شيء يعرفه الإنسـان بالفطرة، إنسان لهفان, جاءك من أقصى البلاد, طرق بيتك لتحل مشكلة، ليستفتيك في قضية، لتصلح ذات بينه وبين زوجه, لتعينه على متاعب الدنيا، قل له: ليس هنا، أنا مشغول، هذا وقت ذكر، استقبله, واجلس معه, وحل له مشكلته، فأنت في أعلى درجات الذكر. والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. سيدنا ابن عباس: كان معتكفاً في مسجد رسول الله بعد وفاته، جاءه رجل رآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، فقال ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه -يوجد إنسان استغرب: أنت معتكف!!-, قال له: أما علمت أنك معتكف؟ قال له: بلى، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر, والعهد به قريب, والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. كلامي دقيق: ماذا أؤثر؛ أن أكون مع الخلق أم أن أكون مع الحق؟ هناك من يؤثر أن يكون مع الحق، يعني أكبر همه سـلامة صدره, إقباله، صفاؤه، لا يعكر نفسه أبداً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من خالط الناس وصبر على أذاهم, خير ممن لم يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)) ينسـحب من أي موضوع, من بيته إلى عمله، هذا رجل صالح, وعابد، ومستقيم، ومصلٍ، وذاكر، لكن لا يحب أن يخدم الخلق, يحب أن يكون مع الله دائماً, هذا عابد، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، العابد يعمل لذاته فقط، يؤثر ذاته على الخلق, أما الإنسان الآخر الذي يكون مع الخلق, يعلمهم, يرقى بهم, ويرقون به، ويبدو: ((فَوَ اللَّهِ! لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِـنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] فلا بد من التوازن. قف عند هذه المحطة : أيها الأخوة, القول الفصل في هذا الموضوع: الإنسان الصادق في طلب, يؤثر مرضاة ربه على حظه، فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل وحظه في أن يكون مع الخلق, تخلى عن حظه وقام بما يرضي الله عز وجل، ومتى علم أن الله عز وجل راض عنه فقد حقق أمنيته في الحياة. دائماً وأبداً أنظر: أي الأمرين أحب إلى الله, لا أحب إلى نفسك, إنسان أحياناً يؤاثر, يجلس وحده يقرأ قرآن, أو يتفكر, أو يطالع, أو يذكر الله عز وجل عن أن يجلس مع إنسان عنيد غير منطقي، يحتاج أن يبين له الحق مع أدلته، لكن أنت إذا جلست مع إنسان, وهذه الجلسة انتهت هدايته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة المائدة الآية: 32] ما كل شيء ممتع هو الأنفع، قد يكون الشيء المتعب هو الأنفع. على كلٍ؛ والله أعلم: الإنسان يعلم بفطرته ما الذي يرضي الله عز وجل؟ أحياناً تشعر أو يلقي الله في روعك: أنك إذا جلست مع الناس كنت أقرب إلى الله مما لو جلست مع نفسك, وأحياناً تجد جلسة عادية, لا يوجد به صدق، لا يوجد اهتمام، دع هؤلاء وكن مع الله, يوجد حالات يجب أن تكون مع الخلق بشكل مستمر, إذا أمر جامع, مشكلة كبيرة حلت بالمسلمين, لا بد أن تنهض لخدمتهم، أما أن تنسحب من خدمتهم, وأن تؤثر الصفاء والذكر على هذا، هذا لا يرضي الله, إن كل مؤمن يعلم بفطرته وبحاسته السادسة ما الذي يرضي ربه، ولا تكن مع ذاتك، ولا تكن مع حظك، كـن مع الذي يرضي الله عز وجل ولو خالف هواك. على كلٍ؛ الهوى أنواع، حتى لو كان الهوى أن تكون مع الله, حينما ترى أنه لا بد من خدمة الخلق وأن تكون معهم. سيدنا خالد لما فتح البلاد, ما كان يبكي كثيراً على مصلاه, كما يفعل إنسان يصلي قيام الليل, لكنه فتح هذه البلاد, وجعل أهلها مسلمين، وهذه البلاد تنعم بنعمة الإيمان بفضل هؤلاء الصحابة الكرام الذين خرجوا, وفتحوا البلاد, وبذلوا الغالي والرخيص, والنفس والنفيس . خاتمة القول : الملخص: أن مرتبة الذوق هي من أقرب المراتب إلى النفس البشرية، وهي قمة سعادة الإنسان مع الله عز وجل، ولكن هذا الذوق أحياناً يزداد بأن تكون مع الله, وقد يزداد أحياناً بأن تكون مع الخلق، ورضاء الله عز وجل مقدم على أي رضى، والله بصير بالعباد. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الذوق - 3التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. خلاصة ما ذكر في الدرس السابق : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد مر بنا في درسين سابقين منزلة الذوق, وقد ذكرت: أن حقائق الإيمان شيء وحلاوة الإيمان شيء آخر, فقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا رَسُولاً)) وذكرت لكم أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجـَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) وبينت كيف أن الإنسان ينبغي أن يوازن بين أن يكون مع الخلق وأن يكون مع الحق، لا بد من أن تؤثر ما يرضي الله، فإذا كان رضى الله أن تكون مع الخلق, ينبغي أن تكون مع الخلق، وإذا كان رضى الله عز وجل أن يكون مع الحق, ينبغي أن تكون مع الحق, وهذا محور الدرس الثاني. ما الثمرة التي يجنيها العبد حينما يصطلح مع الله ويتصل به؟ : الدرس الثالث والأخير في منزلة الذوق, وهي في من منازل إياك نعبد وإياك نستعين في مدارج السالكين إلى رب العالمين، الموضوع الثالث: هو أن الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتصل به يفرح الفرح الحقيقي، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 58] ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 32] ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 158] فحينما تفرح برحمة الله التي تنزلت على قلبك، وحينما تفرح بالعلم الذي امتن الله به عليك، وحينما تفرح بالحكمة التي آتاك الله إياها، وحينما تفرح أنك على الصراط المستقيم، وحينما تفرح أنك في اتجاه الجنة، وحينما تفرح أن الله راض عنك، هذا هو الفرح الحقيقي، هذا الفرح الذي لا يأتي بعده حزن. هذه هي البطولة : بعض الأمثلة يذكرها المفكرون الأجانب: من يضحك أولاً يبكي كثيراً، ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 34] ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 109-110] ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [سورة الإنشقاق الآية: 13] ضحك أولاً، قال تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [سورة الإنشقاق الآية: 9] ضحك آخراً، فالبطولة: أن تضحك آخر الناس, لأنك إن ضحكت آخرهم كان الضحك مستمراً، والضحك هنا؛ أي السعادة. مشكلة : الآن: في مشكلة الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتوب إليه، وحينما يشعر أن الله راض عنه لا شك أنه يفرح, ولكن هذا الفرح فيه منزلق، المنزلق أن يأمن به مكر الله، ما مكر الله؟ التدبير، الإنسان حينما يفرح بفضل الله تضعف همته، حينما يأخذ علامات عليا في المذاكرات, تضعف همته في الدراسة، فيميل إلى الراحة، يميل إلى أن يأخذ الوظيفة من صديقه، يميل إلى أن يغيب عن المدرسة لأنه هو حقق علامات عالية. فالفرح بفضل الله وبرحمته معه منزلق: أن تأمن تدبير الله الذي يسوق الإنسان إلى أعلى المراكز. من أعظم مقامات الإيمان : لذلك قال العلماء: من أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله والسرور به: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 26] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 58] قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟ . هل يفرحك أن تجمع مالاً كثيراً؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن ترتقي إلى منصب رفيع؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن تنغمس في الملذات الدنيوية؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن الله علمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً؟ هل يفرحك أن الله آتاك الحكمة؟ هل يفرحك أن الله يستجيب دعاءك دائماً؟ هل يفرحك أن الله استعملك في الخير؟ هل يفرحك أن الله عز وجل أجرى على يدك هداية العباد؟ . قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟ ما الذي يدخل على قلبك السرور؛ أن تكون مع الله أم أن تكون غنياً؟ هل تقول مع الشاعر: فليتك تحلـو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنام غـضـــــاب وليت الـــذي بيني وبيـنك عامر وبيني وبيـــــن العالمين خــراب إذا صح منك الوصل فالـكل هين وكل الـــــذي فوق التـراب تراب؟ متى تساق هذه المصائب للعبد؟ : أخواننا الكرام, مرتبة الفرح بفضل الله عز وجل مرتبة طبيعية, ولكن فيها منزلق أن هذا الفرح قد يقودك إلى التراخي، إلى الاسترخاء، إلى ضعف الهمة، إلى أن تطمئن إلى أن الله يحبك، قد يقودك إلى أن تطمئن إلى أن لك عند الله مقعد صدق عند مليك مقتدر، هذه الراحة, والاستجمام، والاطمئنان، والتساهل، وضعف الهمة، هذه تستوجب المعالجة، يأتي تدبير الله عز وجل ليدفعك من جديد إلى هدفك النبيل, يأتي تدبير الله عز وجل ليرقى بك إلى أعلى مستوى، لذلك المؤمنون لهم مصائب خاصة بهم، المؤمنون مؤمنون، والمؤمنون أطهار، والمؤمنون مستقيمون, ومع ذلك قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 155-157] قاعدة : أيها الأخوة, يقول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق الآية: 6-7] بصراحة: الأنبياء والمرسلون والصديقون وكبار المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الرخاء والشدة، لكن ضعاف المؤمنين أو أوساط المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الشدة أما في الرخاء يميلون إلى الراحة، فلذلك الفرح بفضل الله عز وجل قد يقودك إلى التساهل, إذاً: لا بد من أن تكون حذراً وأنت في قمة فرحك بفضل الله عز وجل. أحياناً: شخص يكون له مكانة كبيرة يقرب موظفاً عنده، يمازحه هذا الموظف إذا كان ذكياً وعاقلاً يتقرب من سيده ويتجاوب معه, ولكن لا يغيب عن ذهنه أبداً أنه موظف صغير, وأن سيده مدير كبير, وأنه إذا قربه ليس معنى ذلك أن يرفع الكلفة بينهما، فالموظف الموفق مهما قربه مديره يبقى في حدود الأدب, والذي هو أحمق إذا قربه مديره يتجاوز حده فيطرد من قربه، هذه قاعدة، فإذا إنسان فرح بفضل الله عز وجل يجب أن يكون مع هذا الفرح يقظة وانتباهاً وحذراً شديداً, أن ينقلك فرحك إلى ضعف الهمة والتساهل في تطبيق الأمر والنهي. متى ينسى العبد المنعم؟ : وهذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق الآية: 6-7] حينما يستغني، الصحيح يتوهم أن صحته طيبة فيستغني، الغني يتوهم أنه غني, والله آتاه المال يستغني عن فضل الله, فإذا استغنى تأتيه مشكلة لا تحلها ألوف الملايين. أنا مرة كنت عند طبيب قلب, فجاء اتصال هاتفي, يبدو أهل مريض، سمعتهم يقولون: أي مكان في العالم نأخذه وأكبر مبلغ ندفعه, قال لهم: لا يوجد أمل, الورم الخبيث بالدرجة الخامسة, لا تجدي معه لا عملية ولا مستشفى ولا أي بلد أجنبي، فالإنسان عندما يعتد بماله له علاج، ولما يعتد بمكانته له علاج, ولما يعتد بعلمه له علاج، لذلك قالوا: الفرح بالنعمة قد ينسي المنعم. إنسان خلع عليك خلعةً، ثوباً جيداً جداً, فهذا انتبه إلى الثوب ولون الثوب، وقياس الثوب، وارتداه, ووقف أمام المرآة, ونسي أن يشكر الذي أهداه هذا الثوب، يقال: هذا اشتغل بالنعمة عن المنعم, اشتغل بالشيء عن الذي قدره له. هل تغيب عن المؤمن هذه الآية؟ : لذلك: المؤمن لا تغيب عن مخيلته الآية الكريمة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 53] حتى لو إنسان ضحك، كان بين أهله وأولاده, وانطرح موضوع طريف وضحك، يجب أن يعلم علم اليقين: أن الله سمح له أن يضحك لأنه عافاه، ليس ملاحقاً بجرم سياسي ، لا يوجد بحقه مذكرة بحث بجرم مدني، ولا يوجد عنده فشل كلوي، ولا تشمع كبد، ولا انسداد شريان، ولا تبديل صمام، ولا ورم خبيث, لا هو ولا زوجته ولا أولاده، ويسكن في بيت, وعنده دخل يكفي لمصروفه, فلما طرح موضوع طريف ضحك, يجب أن لا تنسى فضل الله عز وجل, وأنه هو أضحك وأبكى، الذي يضحك يبكي، وقد ترى رجالاً يبكون. ما واجبك تجاه النعم؟ : دخلت إلى عند إنسان, صار معه خثرة بالدماغ فشُلَّ، ما إن رآني حتى أجهش بالبكاء، صار عاجزاً، كان ملء السمع والبصر؛ شخصية قوية، أموره مضبوطة, فلما شلت أعضاؤه, وانعقد لسانه, كلما يدخل عليه إنسان ليعوده يبكي، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [سورة النجم الآية: 43] فالإنسان إذا ضحك، فليشكر المولى على أنه سمح له أن يضحك, الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [سورة النور الآية: 21] كلنا في هذا المسجد, لولا فضل الله علينا ورحمته ما كنا في هذا المسجد, كنا في ملهى، كنا في مكان يعصى الله فيه، الآن السجون ملأى بشر مثلنا، الزاني، ومتعاطي المخدرات، وشارب الخمر, والسارق، والمحتال، والمهرب، الله عز وجل تفضل علينا، وقد يكون إنسان في أعلى مستوى, فلما يغضب الله عليه يصبح في أسفل سافلين ويعذب، وتؤتى بأمواله كلها، وكان فضل الله عليك عظيماً. هذا هو الفضل العظيم : مرة دخلت إلى عند بعض أخواننا العلماء, بيته متواضع, ولكن في آية قرآنية لما قرأتها اقشعر جلدي، هو اختار هذه الآية: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] هذا هو الفضل العظيم، الفضل العظيم أن تكون زاكي النفس، قال تعالى: ﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [سورة النور الآية: 21] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 86] ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 99] هذا الإنسان الأحمق : أخواننا الكرام, الإنسان في ساعات قوته وجبروته إذا لم يدخل حساب الله عز وجل في خططه فهو أحمق، وربنا عز وجل لحكمة بالغة يرخي له الحبل, وقد يصعد صعوداً حاداً, فإذا بلغ قمة الصعود سقط سقوطاً مريعاً, وهذا ما يسمى ببطش الله عز وجل، ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ أعرف أناساً تهتز لوجودهم الرجال يعذبون وحكموا بالسجن, الله عز وجل منتقم، الإنسان إذا كان قوياً وظلم ينتقم منه الله عز وجل. بعض العلماء الصالحين يقول: اللهم لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه. أحياناً الإنسان: ينسى أن الله سوف يحاسبه فيرتاح, يرى نفسه في بحبوحة وقوي ولا يوجد عنده مشكلة, يتخذ مواقف لا مبالية, وينسى أن الله سوف يؤدبه، لذلك الإنسان حينما يذكر بالحق ولا يستجيب, يقسو قلبه ثم يكون الران عليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 44] كيف نوفق بين هاتين الآيتين؟ : بالمناسبة: أخواننا الكرام، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 58] وفي آية ثانية قال: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] كيف نوفق بين الآيتين؟ الله عز وجل نهانا أن نفرح بالدنيا, لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] لا تفرح بالدنيا لأنها مؤقتة، افرح بفضل الله عز وجل. أنواع أو مستويات الشكر : 1-مستوى فكري : أيها الأخوة, الشيء الذي ينبغي أن يكون: هو أنك حينما تفرح بفضل الله عز وجل, هذا الفرح ينبغي أن يقودك إلى الشكر, والشكر -كما تعلمون- على مستويات ثلاثة؛ المستوى الأول: حينما تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر. يعني أقرب مثل: إذا سمعت في الأخبار, أو قرأت في الصحيفة اليومية: أن منخفضاً متجهاً نحو القطر, هل ترى أنه منخفض أم أنها رحمة الله؟ حينما تفرغ المثانة وأنت مرتاح, لا يوجد انسداد ولا التهاب، ولا يوجد بروستات ولا يوجد مشكلة، هل ترى أن جسمك سليم أم أن الله عز وجل امتن عليك بالصحة؟ حينما تصعد درجاً عالياً دون أن تشعر بضيق في صدرك, هل تشعر أن هذا بفضل ما تمارسه من رياضة أم أن الله عز وجل تكرم عليك وسلم لك هذا القلب؟ لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر، قضية فكرية. 2-3 مستوى نفسي وسلوكي : والشكر في مستوى أعلى منه مستوى نفسي: حينما يمتلئ قلبك امتناناً من الله عز وجل لأنه أنعم عليك, فهذا مستوى آخر أرقى, وحينما تبادر إلى خدمة الخلق إرضاءً للحق فهذا مستوى أرقى وأرقى. يوجد مستوى فكري، مستوى نفسي، مستوى سلوكي، فإذا عزوت لفكرك هذه النعمة إلى الله كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل الآية: 53] فهذا مستوى، وحينما تحمد الله على نعمائه ويمتلئ قلبك حباً لله عز وجل على ما منحك به من خير عميم فهذا مستوى أرقى, وحينما تعمل لخدمة الخلق إرضاء للحق فهذا من المستويات الراقية في الشكر: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 147] ما علاقة الشكر بالعلم؟ : قد يسأل أحدكم: ما علاقة الشكر بالعلم؟ أنت حينما تقول: سمع الله لمن حمده، حينما تقول: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الله جل جلاله سمع هذا الحمد، فأنت إذا شكرت الله فهو يعلم، ولو شكرته في قلبك ولم يتحرك لسانك فهو يعلم, وكان الله شاكراً عليماً: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة فاطر الآية: 34] لك ذنب يغفره لك، لك عمل طيب يشكره لك، يغفر الذنب ويشكر العمل الصالح. لم هذا التفاوت بين العباد في النعم؟ : يقول سيدنا موسى في المناجاة: يا رب هلاَّ ساويت بين عبادك؟ قال: يا موسى إني أحب أن أشكر. يعني تفاوت العباد فيها حكمة بالغة، إنسان يكون لحكمة بالغة ينبغي أن يكون بيته بوضع معين, الذي عنده بيت أكبر, إذا دخل إلى هذا البيت, يقول: يا ربي لك الحمد, بينه وبين نفسه وليس أمام صاحب البيت، يارب أنت أكرمتني ببيت أوسع، إنسان غير متزوج وأنت متزوج، يا رب أنت أكرمتني بزوجة، إنسان يعمل وإنسان لا يعمل, يا رب أنت أكرمتني بعمل, فهذا التفاوت من أجل أن تشكر, لو الناس كلهم في مستوى واحد, معاشي واحد, لا يوجد نعمة ظاهرة تختفي النعم. موضوع دقيق : أيها الأخوة الكرام, الموضوع الذي ينبغي أن يعالج قبل أن ينتهي الدرس موضوع دقيق: كل واحد من الأخوة الكرام في أول بداياته شعر بسعادة لا توصف، ويسأل بعض الأخوة الكرام: يا أخي, أنا الأحوال التي عشتها في بدايات الطريق الآن لا أشعر بها, فما سر ذلك؟ . القضية بسيطة جداً: إنسان كان في منطقة باردة جداً, دخل فجأة إلى مكان مدفأ, خلال ربع ساعة يشعر بنعمة الدفء, وهو في نشوة, حينما شعر بالدفء, وتخلل بين ثنايا جسمه, ولكن بعد ساعتين ألف هذا الدفء، والدفء موجود, أما إحساسه به ضعف، إنسان بحالة معاكسة: كان في حر شديد جداً, دخل إلى غرفة مكيفة, أول عشر دقائق يعني يستمتع بالتكييف استمتاعاً لا حدود له, ولكن بعد ساعة ألف هذا الجو. هذا الذي يحصل في طريق الإيمان: أول انطلاقة إلى الله يوجد سعادة لا توصف، الانتقال المفاجئ من الكفر إلى الإيمان، من المعصية إلى الطاعة، من الشرود إلى اللقية، من الهبوط إلى الصعود, من الوحول إلى الجنات, يوجد سعادة كبيرة جداً, لكن بعد حين تألف طريق الإيمان وتراه طبيعياً، لذلك قد تجد إنساناً يحضر أول درس وثاني درس يقول لك: أنا تألقت تألقاً ليس له حدود، بعد سنة ضبط بيته، وضبط استقامته، وضبط جوارحه، وأعضاءه، حواسه، حرر دخله، ربى أولاده، وحجب زوجته، عاش حياة مريحة، لكن لا يجد هذه السعادة كبيرة والسبب: أنه ألفها. أحياناً الإنسان يركب سيارة, والسيارة واقفة, ولكن المحرك يدور, هذه الدورة موجودة, ولكن أنت لا تشعر بها, لأن السيارة واقفة، أما إذا أطفأت المحرك يوجد فرق واضح, لذلك الإنسان في البدايات يفرح فرحاً لا حدود له, ثم تأتيه حالة فتور, هذا شيء طبيعي جداً، هذا الكلام نقوله لكم ما دام لا يوجد معصية, أما إذا وجد معصية، وجد حجاب، فرق كبير بين الفتور والحجاب، الإنسان بالمعصية يحجب, لكن مع تقدمه في طريق الإيمان يصاب بفتور، الفتور حالة معتدلة من العبادة. سيدنا عمر بن الخطاب يقول: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض. أحياناً الإنسان يكون نشيطاً: يقرأ القرآن, ويقوم الليل, ويذكر الله عز وجل، طليق اللسان، وأحياناً تعبر متاعب, يصلي الفرض والسنة, ويترك النوافل، يأخذ الحد الأدنى من العبادات. فسيدنا عمر قال: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض. والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله، ويلقي نفسه بالباب طريحاً، ذليلاً، مسكيناً، مستهيناً، والإنسان كلما عرف الله أكثر تذلل له أكثر. بالمناسبة: توجد علاقة عكسية: الذي يستكبر عن طاعة الله يذله الله، أما كل إنسان تذلل على أبواب الله يعزه الله عز وجل. ما الفرق بين الفتور وبين الحجاب؟ : أيها الإخوة الكرام, حينما تفتر الهمة قبل كل شيء, يجب أن نفرق بين الفتور وبين الحجاب، المعصية تسبب حجاباً عن الله عز وجل، لكن المؤمن ساعة وساعة، وليس معنى ساعة وساعة: أي ساعة طاعة وساعة معصية أعوذ بالله! ساعة وساعة: أي ساعة تألق وإقبال، وساعة فتور, لأنه ورد في الحديث الشريف: ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات, ألا فتعرضوا لها)) الله لحكمة بالغة له نفحات, فحينما تأتيك نفحة من الله عز وجل تسعد أيما سعادة وتتألق، وإذا غابت عنك هذه النفحة تفتر، الفتور غيرالحجاب، المعصية تسبب حجاباً, أما حينما لا تأتيك نفحة الله عز وجل أنت في حالة الفتور، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] أما إذا النفحة غابت عنك لحكمة أرادها الله فأنت في حالة فتور, حالة الفتور أحياناً طريق إلى الرقي، إذا أردت أن ترفع أسعار مادة ما تختفي من الأسواق ثم تطرح بأسعار جديدة، ولما الإنسان يفقد شيئاً من التألق الروحي, يصبح في حالة اسمها التعطيش, فربنا عز وجل يعطشه؛ أي يبحث عن حل, يبذل, يضاعف جهده, فيقفز قفزة نوعية، إذا أقامك بمقام الفتور, فلعل الله عز وجل سيتفضل عليك بنفحة كبيرة ترقى بها رقياً دقيقاً. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ, فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ, وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)) كل عامل له تألق وبعد التألق يوجد فترة، فالفترة من أجل أن يبقى التالق تألقاً، وهذه الفترة تدفعك إلى تألق جديد. الجنيد -رحمه الله تعالى- كان كثير الذكر لبداية سيره, والله عز وجل قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 5] يعني أيام التألق، أيام الإقبال، أيام البكاء الشديد، أيام التضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، هذه أيام الله. ما هو أرقى أنواع البكاء؟ : أيها الأخوة, قال بعضهم: دخلت على بعض أصحابنا, وهو يبكي بكاء شديداً, فسألته عنه, فقال: -هذا بكاء من أرقى أنواع البكاء: بكاء الشكر- ذكرت ما منّ الله به علي من السنة ومعرفتها, والتخلص من شبه القوم -أي من أهل البدع- وقواعدهم الباطلة, وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة مع النقل الصحيح لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, فسرني ذلك, فلذلك أبكي، هذا أرقى أنواع البكاء؛ بكاء الفرح. ما أكمل حالة للقلب؟ : والذين ذاقوا طعم القرب من الله عز وجل يقولون: ما من حالة يسعد بها الإنسان, كأن يشعر أنه مع الله, وعمله في سبيل الله, ويبتغي مرضاة الله، ويسعى لخدمة خلق الله، ولا يرجو أحداً إلا الله، ولا يرجو من أحد شيئاً إلا أن يرضى الله عنه، هذا الشيء المسعد. بالمناسبة: العلماء يرجحون أن ينطوي القلب على حب وخوف وتعظيم. ورد في الأثر القدسي: ((أن يا عبدي, خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن, أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك علي رزق, فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية, ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد, فإذا سلمت لي فيما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تسلم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد)) ورد أيضاً: ((أن يا ربي, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي: تقي القلب، نقي اليدين, لا يمشي إلى أحد بسوء, أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقه، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي -هنا الشاهد-؛ ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني, وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني، وذكرهم ببلائي من أجل أن يخافوني)) فأكمل حالة للقلب: أن يجتمع فيه الحب والخوف والتعظيم، النعم تدعوك إلى الحب ، والنقم تدعوك إلى الخوف، وعظمة الكون تدعوك إلى التعظيم، فقلب فيه تعظيم لله عز وجل من خلال آلائه, وفيه خوف من الله عز وجل من خلال بلائه, وفيه حب لله عز وجل من خلال نعمائه, هذا قلب سليم موصول, يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وفي درس آخر ننتقل إن شاء الله تعالى إلى منزلة أخرى من منازل مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحياة - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس التاسع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الحياة، استنباطًا من قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] الضالُّ ميِّت, والشارد ميِّت, والعاصي ميِّت، والفاسق ميِّت, والمشرك ميِّت, والكافر ميِّت, والمنحرف ميِّت، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] ما وظيفة الروح في الجسد, ومتى يكون الإنسان حياً ومتى يكون ميتاً؟ : أيها الأخوة الكرام, كيف أن الجسم من دون روحٍ تسري في خلاياه, فالعين بالروح ترى, ودون الروح تُلقى في القمامة، واللسان ينطق، والأذن تسمع, والأنف يشمُّ، والجلد يحسُّ ، وهذا الجسم يقوم بأعقد العمليات بالروح، فلو قُطِعت عنه الروحُ لكان جثَّة هامدةً، لا تساوي شيئاً، ولو عصرنا الجسمَ لكان: سبعين بالمائة منه ماء, فالذي وزنه مثلاً مئة كيلو، سبعون كيلو منه ماء، وثلاثون كيلو من مواد مختلفة من الحديد الذي هو بمقدار مسمارٌ صغير, ومن الكِلس الذي في عظامه يُطلَى كوخ دجاجٍ صغير أبيض، يُصنع من بعض المعادن قلمُ رصاص. مثلاً: الإنسان مادَّة دون روح لا يساوي خمساً وعشرين ليرة سورية، أما بالروح مثلاً: يصير قائداً كبيراً، وعالماً كبيراً, ومصلِحاً كبيراً، فالإنسان بالروح، كما أن الروح حياة الجسم, كذلك معرفة الله, وطاعته, والاتصال به, وذكره, والإقبال عليه, والتوكُّل عليه روحُ النفس، هناك نفس ميِّتة، ميِّتـة بكلِّ معنى الكلمة، يبحث عن طعام وشراب وامرأة فقط, ينام كالدابَّة, ويستيقظ كالدابة، ويتثاءب كالدابة، يبحث عن طعام وشراب من أيِّ طريق، له أو لغيره، يأخذ ما له وما ليس له. أحياناً: لا أجد كلمةً معبِّرة عن إنسان شارد تائهٍ منحرفٍ ضالٍّ مضلٍّ فظٍّ غليظٍ شهوانيٍّ أنانيٍّ, لا أجد لمثل هذا النموذج من وصف يروي الغليل أدنى من كل وصف، هذا هو موت الإنسان، أما حينما ترِقُّ حاشيتُه, تلطف نفسُه, يتواضع لله عز وجل, ويرحم الآخرين, يتعرَّف إلى الله, ويعرِّف بالله عز وجل, صار حيًّا، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] الآية الثانية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] هذا الميت المقبور بشهواته. هذا ما رآه بعض العلماء في معنى هذه الآية : إن بعض العلماء يرى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] هؤلاء المقبورون في شهواتهم، إنسان مقبور بامرأة، إنسان مقبور بالدرهم والدينار، إنسان مقبور بالمخدِّرات، وإنسان مقبور بالخمور، وإنسان مقبور بشهوات الدنيا، إنسان همُّه بطنُه، وإنسان همُّه فرجُه، إنسان همُّه أناقتُه، وإنسان همُّه أن يعيش بملذَّاته السخيفة، هذا مقبور, قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 21] قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] ليس من مات فاستراح بميتٍ إنـمـا الـمـيت مـيـتُ الأحـيـاءِ مسألة فيها مداعبة : يا بنيَّ, مات خزَّانُ المال وهم أحياء, -في أوْج حياتهم, نبضُهم سبعون, ضغطهم 8-12، تحليل دمهم كلُّه طبيعي، ومع ذلك هم عند الله أموات-. مات خزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانُهم مفقودة وأمثالُهم في القلوب موجودة. مرَّةً أردتُ أن أداعب طلابي في مسألة، وقلتُ لهم: من يأتي باسم غنيِّ عاش في دمشق عامَ 1865 وله علامة تامَّة؟ الطلاب فكَّروا فكَّروا فكَّروا، فقلت لهم: وأنا مثلكم لا أعرف، لكن من منكم لا يذكر اسمَ صلاح الدين الأيُّوبي، الشافعيَ, أبا حنيفة، مثلاً عمر بن الخطَّاب، خالد بن الوليد، القادة العِظام، العلماء الأعلام, والمصلحون الكبار، هؤلاء الذين غيَّروا مجرى التاريخ, هؤلاء الذين تركوا بصماتِهم في الحياة، من منَّا لا يذكرهم؟ . مات خزَّانُ المال وهم أحياء. قف عند هذه الأدلة من الكتاب على منزلة اليوم : الآن أدلَّة أقوى، طبعاً أولُ دليل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] ثاني دليل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] ثالث دليل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] الدليل الرابع، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى الآية: 52] هذا الوحيُ فيه حياة القلوب, الروح التي تعارفنا على أنها قوةٌ تمدُّ الإنسانَ بالحياة و الحركة، الروح حياة الأبدان والقرآن حياة القلوب، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى الآية: 52] الوحيُ روح. هذا التقسيم الحقيقي للصنف البشري : والآن يمكن أن نقول: الناسُ رجلان؛ ميِّت وحيٌّ, الذي عرف اللهَ حيٌّ, والذي استقام على أمره حيٌّ، والذي عمل الصالحاتِ تقرُّباً إليه حيٌّ، والذي أقبل عليه حيٌّ، والذي غفل عن الله ميِّت، والذي عصى اللهَ ميِّت، والذي أساء لخلقه ميَّت، حيٌّ وميِّت, موصول ومقطوع، مقبل ومدبِر، محسن ومسيء، منضبط ومتفلِّت، سعيد وشقيٌّ, وهذا هو التقسيم الحقيقي، هذا التقسيم الواقعي. أحياناً يقال لك: بين بلجيكا فرضًا وفرنسا الخطُّ الحدودي, لو أن قريةً يمرُّ خطُّ الحدود في وسطها، ما الفرق بين واحد بيتُه في القسم التابع لفرنسا، وإنسان بيتُه في القسم التابع لبلجيكا؟ التقسيم مصطنع: بلدةٌ واحدة, وعاداتها وتقاليدها, وجوّها الطبيعي وطقسها, وماؤها و أمطارها, وصناعتها وزراعتها, وثقافتها واحدة، ولكن بحسب القوانين: هذا بلجيكي وهذا فرنسي، فهذا التقسيم مفتعَل، أما التقسيم الحقيقي: مؤمن وكافر، مستقيم ومنحرف, وصادق و كاذب، محسن ومسيء, وسعيد وشقيّ، هذا التقسيم الحقيقي، فكما أن الروح حياة الأجسام, كذلك الإيمانُ حياة القلوب. ما موضع الشاهد في هاتين الآيتين؟ : آيةٌ ثانية، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [سورة النحل الآية: 2] الروح مرة ثانية، وآية ثالثة: قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [سورة غافر الآية: 15] فالوحيُ حياة النفس، والروح حياة الجسم، صار الوحيُ روحُ النفس وروح القلب, وطبعاً هناك أدلة كثيرة، انظُر إلى وردة صناعية لا روح لها، انظُر إلى وردة طبيعية، بوْنٌ شاسع وفرق كبير بين وردة طبيعية تفوح منها الرائحة تحسُّ أنك قريب منها، أما الوردة الصناعية لا تحسُّ بهذا الميل إليها، لأنها عديمة الروح. مغالطة قد تسري إلى بعض ضعاف الإيمان : الآن ندخل في آية مهمَّة جدًّا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 97] أولُ مغالطة: قد يفهم بعضُ ضعاف الإيمان: أن الذي يؤمن بالله, ويعمل عملاً صالحاً, يحييه اللهُ حياة طيِّبة؛ أيْ يجعله غنيًّا، ويجعله قويًّا، و يجعله صحيحاً، لا، كلُّ إنسان له ظروف وله معطيات قدَّرها اللهُ بحكمةٍ بالغة، ولكن الحياة الطيِّبة التي وُعد بها المؤمنون حياة الروح المطمئنة. لفتة نظر : والشيء الذي يلفت النظرَ: حينما يخاف الناسُ المؤمن لا يخاف, وحينما يحقد الناسُ المؤمن لا يحقد، وحينما تضعف معنويات الناس المؤمن لا تضعف معنوياتُه، وحينما ييأس الناسُ المؤمن لا ييأس, هذه حياة الروح، وحينما يفتقر الناسُ ويندبون حظَّهم المؤمن يصبر، و حينما يغتني الناسُ ويتغطرسون المؤمن يتواضع، وحينما ينجب الناسُ أولاداً يربُّونهم تربيةً لا ترضي اللهَ، المؤمن ينشِئ ابنه على طاعة الله، فقضية حياة الروح ميِّتٌ وحيٌّ، بأدقِّ ما في هذه الكلمة من معنى ميِّت وحيٌّ: أيْ إنسان متَّصل بالله حيٌّ، ومقطوع ميِّتٌ، أيْ ميِّت تشمئزُّ منه ويشمئزُّ منك، قياسه مادي، فإذا رآك ذا دخلٍ محدود وضَعك خارج الاهتمام، هو بدخله الكبير لا يُحتمَل ولا يحتمِل، يَعاف ويُعاف، هذا المنحرف، أما المؤمن يَألَف ويُؤلَف، يحبُّ ويحَبُّ, ليِّنُ العريكة، متواضع، عنده حياءٌ، واقتبس من كمال الله كمالاً، واشتقَّ من الكمال الإلهي الذي أرادنا اللهُ أن نتخلَّق به كمالاً. ما محور هذا الحديث؟ : يا أخوان، مستحيل في عالَم الأغنام تجد غنمة ثمنُها مليون ضعف عن غنمة ثانية، أغلى غنمة ستَّة آلاف، وأرخص واحدة ألفان، الفرق ثلاثة أضعف، أما في عالم الإنسان: ممكن إنسان تكون مكانتُه تزيد عن إنسان مليار ضعف. عَنْ سَهْلٍ قَالَ: ((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ, وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ, وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ, قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ, فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ, وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ, وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْتَمَعَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)) من مثل هذا الإنسان، الأول يعدل مليار إنسان. إليكم تفسير معنى الحياة الطيبة عند أهل العلم : العلماءُ قالوا: فُسِّرت الحياةُ الطيِّبة: بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك، و الصواب: أنها حياة القلب ونعيمُها، وبهجتُه وسروره, والإيمان بالله ومعرفتُه، ومحبَّتُه والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها, ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيمُ الجنة. بعضُ العارفين يقولون: هذه الحياة الطيِّبة، جنُّةُ القربِ، والكافر في جفوة البُعد، في شقاء البعد، والمؤمن في جنة القرب، يقول: إنه لتمرُّ بيَ أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيِّب. في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة. إنها جنة القرب، قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 6] في الدنيا. وقال بعضُ العلماء: إنه ليمرُّ بالقلب أوقاتٌ يرقص فيها القلبُ طربًا. إنسان صدَق مع الله, وأخلَص له, وأناب إليه, وتاب توبةً نصوحاً، سيمرُّ على قلبه أحوالٌ لا يحلم بها الملوكُ، وقد يكون فقيراً, وقد يكون من عامة الناسِ، وقد يكون في الدرجة الدنيا في السلَّم الاجتماعي، هذه عظمةُ الدين. المعيشة الضَّنكُ لمن أعرض عن ذكر الله، والحياة الطيِّبة لمن أقبل عليه. عملية موازنة : أقسمَ باللهِ أخٌ قال لي: دخلتُ على تاجرٍ في بعض أسواق دمشق الكبرى، قال لي: أنا تاجرٌ أعرف أن حجمه المالي يزيد عن أربعة آلاف مليون، أقسم بالله، قال لي: من كثرةِ ما شكا لي همومَه, ومتاعبَه, وتشاؤمَه, وإحباطاته, وضيقَ نفسه، يكره بيتَه, ويكره أولادَه وزوجته, ولا يوجد بيعٌ، والناسُ لا يتعاملون، قال لي: ما كِدتُ أمشي على قدميَّ بعد أن التقيتُ به، ولحكمةٍ بالغة بالغة أرادها اللهُ عز وجل، قال لي: جاءتني امرأةٌ في محلِّي التجاري, محجَّبة حجاباً كاملاً, تريد مساعدةً -أجرة لبيتٍ-، تريد ألف ليرة، أين أنتِ يا أختي؟ قالت له: في قرية من قرى ريف دمشق, فقال لها: أنا عندي في المساء اجتماعٌ في جمعية خيرية هناك، أعطِي تعليماتٍ لهذه الجمعية أن يساعدوكِ، قال لي: في الاجتماع ذكرتُ لهم أن هناك امرأةً اسمها كذا, وعنوانها كذا تريد مساعدةً، فيُرجى أن تتحقَّقوا من ذلك, وتمدُّوها بهذا المبلغ، فقالوا: قمْ معنا نذهب إليها. قال: فانطلقنا إلى بيتها، المفاجأة الكبيرة أنَّ البيتَ تحت درَجٍ مع فسحةٍ بسيطة، المنطقةُ العالية فيها غرفة، ومنطقة الزاوية الضيِّقة للمطبخ والمنافع، وهناك ساحة ضيِّقة، هذا البيتُ أجرتُه ألفُ ليرة في الشَّهر، في قرية من قرى ريف دمشق غربًا، قال: دخلنا بيتاً نظيفاً، وزوجها مريض مستلقٍ على سرير, والأولاد في وضع جيِّد جدًّا، ثيابهم نظيفة ويضحكون و يلعبون، وجدنا هذا البيت كأنه قطعة من الجنة، قال: لهذه الأخت الكريمة نعطيكم ألفين في الشهر، قالت له: لا ألف فقط، لسنا في حاجة إلى ألفين، معاشُ زوجي يكفي للمصروف، و نحن في حاجة إلى ألف. قال: وازنتُ بين الذي كنتُ عنده الظهر, وله حجمٌ يزيد عن أربعة آلاف مليون، وبين هذه المرأة الفقيرة المُعدَمة التي تسكن مع زوجها في بيت قميء، وكيف أن هذا البيت قطعة من الجنة؟ قال: عرفتُ أن الله على كل شيء قدير؛ أي قادر أن يعطيك ويشقيك، وقادر على حرمانك وإسعادك، فاطلُب ما عند الله. هذه علامة بيعة المؤمن نفسه الله : إذا الواحد دخل عند صائغ، والصائغ صديقُه، صاحب محل أراد أن يقدم هدية لعامل عنده, فقال: نويتُ أن أهديك قطعة من قطع المحلِّ, اِختَر واحدةً، صاحب المحل مخلص وفهيم ، وذوقه مرتفع، قال العامل: أنت اختر لي, الآن مضطر صاحب المحل أن يقدِّم له أنفسَ قطعة، لأنه قال له: أنت اختَر لي. عَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا قَالَ: ((اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي)) [أخرجه الترمذي في سننه] خر لي واختر لي أنت تحبُّني، إذا بِعتَ بيتك, وقبضتَ حقَّه بالتمام والكمال, ووقَّعت العقد, وأفرغتَ في السجل الرسمي، بلغك أن الذي اشترى البيت ألغى حائطاً بين غرفتين، هل تذهب لتختصم معه؟ يقول لك: ما شأنك أنت؟ بعتَ البيت وقبضت ثمنه، يلغي حائطاً, ويلغي غرفة, ويغيِّر مكان الحمَّام, هو حرٌّ، هذا المعنى البسيط اللطيف وسِّعْه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] الثمن هو الجنة، فالله عز وجل أراد أن يبعث لك رزقاً وفيراً، تقول: أنا بعتُ أنا بعت، أراد أن يجعلك بدخل محدود، تقول: أنا بعت، أراد أن يجعل صحَّتك في أعلى مستوى، تقول: أنا بعتُ، أراد أن يسوق إليك مرضًا، تقول: أنا بعت، فإذا أنت بعتَ نفسك لله حقيقةً, فلا تنزعج من شيء ساقه اللهُ إليك, وعلامةُ أنك بِعتَ نفسك بيعةً قطعية لله عزوجل: لا تعترض على حكمه أبداً. إليكم هذا التوضيح لهذا الكلام : هذا الكلام يجب أن يكون له توضيحٌ: أنت فقيرٌ وبإمكانك أن ترفع مستوى دخلك، و بإمكانك أن ترفع مستوى معيشة أولادك، وهناك طرقٌ سالكة، ولم تسلكها فأنت آثم، ابذِل قصارى جهدك وينتهي بك الجهدُ عند هذا الحدِّ، عندئذٍ ارضَ عن الله عز وجل. يا ربي, هل أنت راضٍ عني؟ فوقع في قلبه: أن يا عبدي, هل أنت راضٍ عني حتى أرضى عنك؟ لقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة البينة الآية: 8] أن ترضى عن الله، أن ترضى بجسمك، وشكلك, ولونِك, وبشعرك, وبإمكاناتك, وبحرفتك, وبدخلك, وبزوجتك, وأولادك, وبيتك، هذه أشياء كلُّها معطيات صارت ثابتةً. قف عند هذه المحطة : أيها الأخوة, هناك دورٌ ثلاثة: -دور جمع دار-؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار الآخرة, والعلماء قالوا: الحياة الطيّبة في دار الدنيا وفي دار البرزخ وفي الدار الآخرة، والمعيشة الضنك في الدار الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، دار الدنيا سُمِّيت دنيا لأن الحياة في الآخرة حياةٌ عُليا، دار البرزخ ممرٌّ بين الدنيا والآخرة، دار الآخرة دارُ القرار والأبرار, قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [سورة الانفطار الآية: 13] مطلقاً، أي في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار الآية: 14] في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، والقبر -كما تعلمون- روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس الآية: 26] وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 30] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [سورة البقرة الآية: 201] قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [سورة هود الآية: 3] دقق هنا : دقِّقْ الآن: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [سورة هود الآية: 3] فذكر الله سبحانه وتعالى ومحبَّتُه وطاعته والإقبال عليه ضامنٌ لأطيب الحياة الدنيا والآخرة, والإعراض عنه والغفلة ومعصيته كفيل بالحياة المنغَّصة والمعيشة الضَّنك في الدنيا والآخرة، ومعنى ذلك: أن يكون قلبُك حيًّا بذكر الله, فأنت في حياة طيِّبة في الدنيا والبرزخ والآخرة، وأن تكون غافلاً عن الله, فأنت في معيشة ضنك في الدنيا والبرزخ والآخرة. ما مراتب الحياة وما مراتب الروح؟ : والحياة مراتب: حياة القلب وحياة الروح مراتب؛ المرتبة الأولى: حياة العلم من موت الجهل، الجاهل ميِت والعالِم حيٌّ، فإن الجهل موتٌ لأصحابه، قال بعضُ الشعراء: وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله وأجســامهم قبل القبور قبـورُ وأرواحهم في وحشة من جسومهم فليس لهم حتــى النشور نشورُ الجاهل ميِّتُ القلب وإن كان حيَّ البدن، جسدُه قبرٌ يمشي به على وجه الأرض، قبر متحرِّك، الكون قرآن صامتٌ، والقرآن كون ناطق, والنبيُّ عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، والكافرُ قبرٌ يمشي. دقِّق في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة يس الآية: 69-70] لينذر من كان حيًّا، أما الميِّت دعْه فإنه ميِّت. بماذا تتعلق هاتان القصتان؟ : المؤمن الصادق أحياناً يلتقي بإنسان ميِّت ولو كان في الظاهر حياً. مرَّة دعاني أخٌ إلى تناول طعام الغداء في منطقة خارج دمشق, وهناك واحد من الحاضرين, لا أعتقد أن إنساناً يتحمَّله خمس دقائق, هو ضدّ كلِّ شيء متعلِّق بالدين والقيم والأخلاق, لا شيء عنده, الحياة بالنسبة له مادة مال وشهوات، ما شعرتُ بإنسان ينطبق عليه لفظُ الموت كهذا الإنسان. ومرَّة التقيتُ بمندوب شركة, بعد ما انتهى العملُ, قلت بضع كلمات عن الله عز وجل في الحج، قال لي: هذه المعلومات لا تعنيني, ولا أهتمُّّ بها, ولا ألقي لها بالاً, أنا لا أهتمُّ إلا بامرأةٍ جميلة, وبيت واسع, وسيارة فارهة، وما سوى ذلك وراء ظهري، ميِّت، وكلُّ واحد من أخواننا الكرام، ممكن أن يلتقي بشخصٍ ميت أنيق جدًّا، جميل الصورة. جمال الوجه مع قبح النفوس كقـنديل على قبر المجـوس جميل الصورة, أنيق جدًّا, وحياته في أعلى مستوى, ولكنه ميِّت، رأيت هذا في أمريكا، رأيت الناس بلا هدف؛ استلقاء, وراحة, وشطرنج، وورق، نوم, وأكل, وعمل بلا قيم, وبلا هدف، بلا أدنى درجة من درجات الخجل والحياء أبداً. قد لا تصدق : قال لي أحدهم: إنه ذهب إلى بلد من بلاد أوروبا الشرقية ليزورها، جامعة من أضخم الجامعات, الدورات العامَّة أين؟ في الصالون، لا يوجد جدران أبدا، أي خمسين قطعة لقضاء الحاجة، صالون مكشوف كلُّه, والناسُ يقضون حاجاتهم أمام بعضهم بعضاً كالبهائم تماماً، وقال لي: إن الحمَّامات أصعب، شباب وشابَّات يغتسَّلون أمام بعضهم بعضاً، كذلك الرشَّاشات في السقف إلى جنب بعضها بعضاً، لا توجد حواجز أبداً, أموات غيرُ أحياء. هذه قيمة الإنسان عند الغرب : أرادوا أن يجرِّبوا قياس الدافع الإنساني بفرنسا, جاؤوا بإنسان ووضعوا عليه حبراً أحمرَ, كأنه وقع له حادثٌ، وسيارة مهشَّمة على أكثف طريق في فرنسا، بين ليون وباريس، كثافة الطريق مخيفة، في بعض الجسور في أمريكا, سبعمائة ألف سيارة تقطعه كلَّ يوم, فكلُّ دولة كبرى لها طرقٌ كثيفة جدًّا، فأكثف طريق في فرنسا طريق ليون باريس، وضعوا هذا الإنسان على جانب الطريق, كأنه ميِّت, أو كأنه مجروح، وسيارته مهشَّمة، في شكلٍ تمثيلي متقَن، وانتظروا أن تقف بعـضُ السيارات كي تتفقَّد حالَه أو أن تمدَّ له يدَ المساعدة، ستُّ ساعات لم تقف ولا سيارة، أموات غير أحياء. ولي صديق ذهب إلى بريطانيا, قال لي: قبل مئة متر وجدتُ امرأةً وقعتْ على الأرض, على الرصيف، والمرور كثيف جدًّا، تمنَّيتُ أن يلتفت لهذه المرأة إنسان يُنهضها، إلى أن وصلتُ إليها امرأة متقدِّمة في السِّن, فحاولتُ أن أنهضها، وقفت وانتعشتْ، قالت لي: أنت غريب؟! أول كلمةٍ قالتها: أنت غريب عن هذه البلدة، فما اعتادت أن يساعدها أحدٌ من بلدتها، أموات غير أحياء. يحتمل أن تقتل عشرين مليون غنمةً بالرصاص من أجل أن تحافظ على السعر المرتفع ، وشعوب تموت من الجوع, وأن تتلف مثلاً خمس مئة ألف طن حمضيات من أجل السعر المرتفع، وهناك طبقة فقيرة جداً تموت من الجوع؟ أن يتسلَّى الزنجي, يأكل برتقالةً في العام القادم, وقد تسمَّم المحصولُ تسميماً، لو أكل الواحد برتقالة من هذا المحصول المتلَف يموت، ممكن، وحوشٌ، أموات غير أحياء. مواقف مشرفة في التاريخ الإسلامي : هناك في التاريخ الإسلامي مواقف مشرِّفة, فحياة العلم من موت الجهل, فالجهل موتٌ والعلم حياة، الجاهل ميِّت القلب والروح, وإن كان حيَّ البدن، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة يس الآية: 69-70] قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] الإمام أحمدُ ذكر في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: يا بنيَّ, جالسْ العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوبَ بنور الحكمة كما يحيي الأرضَ بوابل القطر. من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة : أحد أخواننا الكرام توفِّي ابنُه وهو من حلب, وعمل في الدعوة, فذهبنا لتعزيته، عرَّفنا على شيخه، شيخه في التسعين فما فوق، ما رأيتُ إنساناً له هيبة ونورانية ومكانة كهذا الإنسان، حياة العلم, الآن: إنسان في التسعين يقال عنه: خرفان، ويقول لك: أبي من الطراز القديم، يحتقره ابنُه أحياناً, وضعوه في غرفة وحده, إنسان في التسعين مخدوم, محشود, محفود، وحوله أخوانه وطلاَّبُه وأولاده بأدب جمٍّ, ودَّعني لمدخل البيت، إنسان موصول بالله عز وجل, شيء رائع جدًّا. من لم تكن له بداية محرِقة لم تكن له نهاية مشرقة. والبطولة في خريف العمُر، والشباب كلُّهم من حيث النشاط سيَّان، أما خريف العمر تجد شخصًا كأنه ملِك هيبة ووقاراً. غداً إن شاء الله : وفي الدرس القادم ننتقل إلى موضوعين اثنين من موضوعات الحياة والموت، وهي مرتبة من مراتب مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التمكنالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الستِّين من مدارج السالكين في منازل إياك نعبد و إياك نستعين، و المنزلة اليوم؛ منزلة التَّمكُّن، وهي مستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 60] الإنسان إما أن يكون متمكناً من إيمانه، متمكِّناً من هدفه، متمكِّنا من منهجه، أو أن الذين لا يوقنون يستخفُّونهم، يجرُّونه إليهم، يحملونه على المعصية, ويزهِّدونه في الآخرة، يستفزُّونه فيستجيب لهم، فالناس رجلان: متمكِّن وخفيف؛ خفيف يستفزُّه أيُّ إنسان، يصرفه أيُّ إنسان, ويغيِّر وجهتَه أيُّ إنسان، خفيف لا وزن له، ومقاومته هشَّة، صبره قليل, ويقينه ضعيف، وأملُه في الدنيا طويل، التَّمكن شيء والخِّفة شيء. أمر إلهي موجه إلى النبي : فالله عز وجل يصف النبيَّ عليه الصلاة والسلام عن طريق نهيه, فيقول تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 60] أيْ كن متمكِّناً, وإذا وُجِّه الأمر إلى من اتَّصف بهذا الأمر، أيْ ثابر على ذلك، إذا قلتَ للمجتهد: اِجتهِد؛ أي حافظْ على اجتهادك، وإذا قلت للكسول: اجتهِد؛ أي اجتهد، أما إذا قلت للمجتهد: اجتهد؛ أي اِبقَ مجتهداً، وحافظ على اجتهادك. هذا واقع المسلمين اليوم : في الحقيقة: واقعُ المسلمين يجسِّد هذا المعنى، إنسان يلتزم بمسجد، كلمة طائشة خبيثة هادفة إلى قطعه عن الله عز وجل, تفعل فيه فعلَ السِّحر, ينقطع لسبب تافهٍ، هذا الذي ينقطع لسبب تافهٍ أو يلتزم لسبب تافه، هذا خفيف، لا وزن له عند الله، وهناك تؤكِّد ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [سورة الكهف الآية: 105] لا وزن له، يسلك طريقَ الإيمان, ويرى بأمِّ عينه الحقائق, ثم تُغريه فتاةٌ فينصرف عن الدين، يغريه مبلغٌ كبير فينصرف عن الدين، هذا إنسان خفيف, ومقاومتُه هشَّة, وصبرُه قليل, ويقينُه ضعيف، وأملُه في الدنيا طويل، مثلُ هذا الإنسان معرَّضٌ للنكسة في كلِّ آنٍ، فلا تكن خفيفاً، ولا تكن ساذجاً. لم زلزل الله المؤمنين يوم الخندق؟ : مثلاً: اللهُ عز وجل في معركة الخندق زلزل المؤمنين، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 11] هذه الزلزلة من أجل الفرز، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] تشعر أحياناً في أخٍ كالجبل، لا يزعزعه شيءٌ، الفقرُ لا يهزُّه, ومشكلة لا تهزُّه, وعيدٌ لا يهزُّه، تهديد لا يهزُّه، مرَضٌ شديد لا يهزُّه، ماكن متمكِّن، وهناك إنسان إذا قيل له: تحروا عنك وأخذوا اسمك، ينتهي كل شيء بالنسبة له، كلمة، كلُّ اتِّجاهه ثمنه كلمة، وبالمناسبة: هذا الذي تعبده بيده كلُّ شيء، هذا الذي توحِّده بيده مقاليد كلِّ شيء، وهذا الذي تحبُّه بيده كلُّ شيء ، فإذا لم تكن واثقاً أنه سيحميك وأنه سينصرك لا تعبدْه، قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود الآية: 123] هذا التَّمكن، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [سورة الحج الآية: 11] على طرف, قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج الآية: 11] على حرف، المؤمن في الأعماق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] لكن بعد قليل قال اللهُ عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] لا غيَّر ولا بدَّل, ولا ندم ولا ضعُف, ولا استكان ولا خنَع, ولا خضع أبداً، أحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ. قصة قديمة : ذكرتُ البارحة، لا أذكـر أين قرأتُ هذه القصَّة قديماً: هناك ملك بطَّاش أراد أن يقتل إنسانًا قال: ربي اللهُ، وقبل أن يُقتَل -هكذا العادات والتقاليد-, جيء بشيخٍ يلقِّنه الشهادة، فقال هذا الإنسانُ لهذا الشيخ: أنا أموت، قال: قل: لا إله إلا الله، قال له: أنا سأموت من أجلها لكنَّك أنت ترتزق بها، وشتَّان بين من يموت من أجل هذه الكلمة وبين من يرتزق بها، المؤمن متمكِّن، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] هذا التمكُّن، القارِبُ موجةٌ خفيفة تقلبه رأساً على عقِب، أما باخرة كبيرة شامخة راسخة, الأمواج تتلاعب على جدرانها وهي ثابتة، هكذا المؤمن. هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخواننا الكرام, أصحاب النبيِّ عليهم رضوان الله عاهدوا رسولَ الله على الطاعة، والالتزام في المنشط والمكره، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، في الغنى والفقر, وفي الصحة والمرض. أحياناً: تجد زائراً للمسجد شتْويًّا، الدنيا شتاء, ومتغيِّر مزاجه، برد، يأتي إلى الجامع، و في الصيف لا تجده أبداً، لا يجد مكاناً يسهر فيه فيأتي إلى الدرس, جاء الصيفُ عنده بيت في مصيف، وترك المسجد كلِّيًاً، هذا الزائر شتوي, وهناك إنسان يأتي لأنه مرتاح وليس له مشكلة، وعندما يرتبط بزوجة يختفي نهائياً. سيِدنا سعدُ بن أبي وقَّاص كان معه مرضٌ عُضالٌ، كان يقود المعركة وهو منبطحٌ، من شدَّة آلام كانت في ظهره، هكذا كان أصحابُ رسول الله، يعني معقول سيِّدنا جعفر تُقطَع يدُه اليمنى التي يمسك بها الرَّايةَ, فيمسك الرَّايةَ بيده اليسرى، تُقطَع اليسرى فيمسكها بعضديه؟ هكذا كان أصحابُ النبيِّ، هؤلاء الذين فتحوا هذه البلادَ هكذا كانوا. إذاً: التَّمكن أن تكون في الأعماق، تصوَّر إنساناً يقف على الشطِّ والأمواج عاتية، فقد تأتي موجةٌ فتأخذه إلى البحر، تصوَّر إنساناً يقف على قمَّة جبل، والجبل ارتفاعُه ثلاثة آلاف متر، والبحر في سفح هذا الجبل، أيَّة موجة يمكن أن تصل إليه، هذا التَّمكن، لا يغيِّر ولا يبدِّل, ولا يطوِّر ولا يعدِّل, ولا يبتدع, لا يقول لك: هناك فتوى في مصر أفتوا بالربا، يسروا وخلِّصونا, قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] من صفات المتمكن : قال: المتمكِّن لا يبالي بكثرة الشَّواغل، ولا بمخالفة أصحاب الغفلات، ولو أن الناس جميعاً وقفوا في وجهه, ولو أن الناسَ جميعاً كادوا له، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [سورة آل عمران الآية: 173] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 146] هكذا المؤمن، إذًا: المتمكِّن لا يبالي بكثرة الشواغل, ولا بمخالفة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، قد يلتقي مع أناسٍ شاردين تائهين مقصِّرين من أهل الدنيا, أقوياء أغنياء، هدفُه اللهُ: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي في أيِّ مكان يعبد اللهَ. ماذا يفعل أعدائي بي: بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟. هذا سر قوة المتمكن : قال: تمكَّن بصبره ويقينه, نقطتان دقيقتان: يقين بوعد الله وقوَّة صبر على تحمُّل الشدائد ، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة الطور الآية: 48] وقال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر الآية: 7] اصبِر من أجل الله عز وجل، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 127] يعني ممكن سيِّد الخلق يكون في الطَّائف, سيِّد الخلق جميعاً، قمَّة البشرية جميعاً، أكملُ الخلق جميعاً، أقرب الخلق إلى الله جميعاً، وأحبُّ الخلق إلى الله جميعاً، في الطَّائف يُكذَّب، ويُسخَر منه، ويُضرَب, ويقول: يا ربي, إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولك العُتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي. المسلمون المعاصرون ماذا أصابهم؟ آكل وشارب ونائم, وسيارته أمامه, وزوجته أمامه، وبيته وهو مطمئن, في الصيف البيت مبرَّد, وفي الشتاء مدفّأ، تعالَ إلى الجامع، لستُ متفرِّغاً، عندي ضيوف فلا تؤاخذوني، ماذا تقدِّم أنت؟ ماذا قدَّمت؟ الصحابة قدَّموا أرواحهم أنت ماذا قدَّمت للمسلمين؟ حجمُك عند الله بحجم عملك الصالح، لذلك تمكَّن بصبره على الشدائد, وبصبره عن الشهوات, وبصبره على الطاعات, ويقينه بأن الآخرة حقٌّ, وأن الجنة حقٌّ, وأن النار حقٌّ, وأن وعد الله حقٌّ, وأن وعيده حقٌّ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 60] قد لا تصدق : من يصدِّق: أن إنساناً مهدورٌ دمُه، مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا، طريدٌ في الصحارى، والناقة بمئة ألف، مائة ناقة مئة مئة ألف، عشرة ملايين ليرة تقريباً، يتبعه سراقة، فيقول له النبيُّ الكريم: يا سراقة, كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟ معنى ذلك: النبيَّ سيصل سالماً، كلام نبيٍّ, معنى ذلك: أنه سيصل سالماً، وسيؤسِّس دولةً في المدينة، وسيحارب كسرى, وسيأتي بكنوز كسرى, وسيلبسها سراقةُ، وهذا الذي حصل في عهد عمرَ: أين سراقة؟ ألبسه سواري كسرى، فقال: بخٍ بخٍ أُعيْرابيٌّ من بني مدلِج يلبس سواري كسرى، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 60] متى يستفز المتمكن ومتى لا يستفز من قبل المبطلين؟ : قال: فمن وفَّى الصبرَ حقَّه, وتيقَّن أن وعد الله حقٌّ, لم يستفزَّه المبطلون ولم يستخفه الذين لا يوقنون، ومتى ضعُف صبرُه ويقينُه أو كلاهما, استفزَّه هؤلاء واستخفَّه هؤلاء, وجذبوه إليهم بحسب ضعف قوَّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُف ذلك منه قويَ جذبُهم إليه، وكلَّما قويَ صبرُه ويقينه قويَ انجذابُه منهم وجذبُه لهم. هل تعرفون لعبةَ شدِّ الحبل؟ المتمكِّن يشدُّ الآخرين إليه، أما إذا كان ضعيفاً يشدُّه الآخرون، اِجعلْ هذا مقياساً دقيقاً، في أيِّ مكان أنت، هل بإمكانك أن تشدَّهم إليك أم أن يشدُّوك إليهم؟ نصيحة: إذا كنتَ في مجلس ولم تستطع أن تشدَّهم إليك فلا تجلس معهم، أما إن استطاعوا أن يشدُّوك إليهم ابتعِد عنهم. تعريف التمكن : قالوا: التَّمكُّن هو القدرةُ على التَّصرُّف في الفعل والتَّرك. أنت حرٌّ, لك أن تفعل بحسب إيمانك، ولك أن تقول: لا بملء فمك، زوجته يبدو أنها جميلة وضغطت عليه، أريد كذا وكذا. قال: يا فلانة, إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمس والقمر، فلأن أضحِّي بك من أجلهن أهونُ من أضحِّي بهن من أجلك. يا بنيَّ, إما أن تكفر بمحمَّد وإما أن أدعَ الطعامَ حتى أموت -متمكِن سيِّدنا سعد-, قال : يا أمِّي, لو أن لك مئة نفسٍ فخرجت واحدة واحدة ما كفرتُ بمحمَّد، فكُلي إن شئتِ أو لا تأكلي. الآن: بحاجة إلى مسلم قويٍّ، مسلم متمكِّن، مسلم شديد في دين الله، مسلم لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، مسلم لا يبحث عن أنصاف الحلول، لا يبحث عن فتوى ضعيفة يتعلَّق بها، لا يبحث عن فُرجة ينفذ منها. كلام النبيِّ اللهمَ صلِّ عليه: واللهِ يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي, على أن أدع هذا الأمرَ ما تركتُه، حتى يظهره اللهُ أو أهلك دونه. ما قيل عن التمكن : قال: التَّمكن فوق الطمأنينة، لأن الطمأنينة تكون مع نوع المنازعة, فيطمئن القلبُ إلى ما يسكِّنه, وقد يتمكَّن فيه وقد لا يتمكَّن، قانع بالحقِّ, فأنت مطمئن أن الحق حقٌّ، لكن أحياناً نفسُك تغلبك، أما المتمكِّن فوق المطمئن. قالوا: التَّمكن هو غاية الاستقرار، وهو تفعُّل من المكان، تمكُّن من المكان، لأنه قد صار مقامُه مكاناً لقلبه. أضرب مثلاً: عندما كنا صغاراً، كانت هناك حافلات كهربائية، وهناك خطوط هي صعود الخط في مكان مرتفع، فهذه الحافلة تصعد، راكب درَّاجة يحلو له أن يمسك بالحافلة فيستريح, تسحبه، تعلَّق بها فجرَّته، أما الذي معه محرِّك ذاتي ينطلق في الصعود سريعاً بقوَّته الذاتية لا بتعلُّقه بغيره. ما الفرق بين الحال والمقام؟ : علماءُ القلوب قالوا: هذا هو الفرقُ بين الحال والمقام. يعني أنت -لا سمح الله- إنسان مقصِّر, تجلس في مجلس علم تتألَّق، وتقول: سُرِرنا وارتحتُ كثيراً، والجلسة نور على نور، هذا الحالُ ليس حالَك، هذا حالُ المجلس تأثَّرت به، حال هذه الجماعة، حالُ المتكلِّم، كلامٌ واضح، لكن الإنسان الضعيف إذا جلس في مجلس علم, التقى مع مؤمن موصول بالله, يشعر براحة، هذه الراحة ليست منه ذاتيًّا، هذه الراحة من الذي جلس معه واتَّصل به، وهذا معنى قول سيِّدنا حنظلة. عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] مع رسول الله فيه هذه الدرجة من التَّألُّق، يأتي إلى البيت حالُه صار عاديًّا جدًّا كالناس, فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: أما نحن معشر الأنبياء, فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا. اتِّصالٌ دائم. وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً, لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم. فالحالُ يأتيك ممَّن تلازمه، من مجلس علم, ومن أخٍ كريم إيمانه أقوى من إيمانك، من إنسان متألِّق متَّصل بالله عز وجل, فهذا الحال ليس منك، كما أن راكب الدراجة حينما يمسك بالحافلة, تجرُّه هذه السرعة ليست سرعة راكب الدراجة، هذه سرعة الحافلة، لأنك تعلَّقتَ بها فجرَّتك، أما حينما تملك مركبة لها محرِّك ذاتي. وحينما تكون في أيِّ مكان موصول بالله هذا صار مقاماً، والمقام ثابت، المقام ملكك، وأما الحالُ ليس ملكَك، الحال ملك من تجلس معه، الحال ملكُ المجلس, ملك من في المسجد، أما إذا انفردتَ عن هؤلاء, تعود إلى الكآبة, وإلى الضَّيق, وإلى السأم, وإلى الضَّجر، فالحال طارئ, والحال مستعار، والحال ليس حالَك، أما المقام الشيءُ الثابت. فقالوا: التَّمكُّن هو غاية الاستقرار وهو تفعُّل من المكان، فكأنه قد صار مقامُه مكاناً لقلبه، أي قلبُه سكن الحقَّ، قد تبوَّأه منزلاً ومستقرًّا, وصار معتصماً به, كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [سورة النساء الآية: 146] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة آل عمران الآية: 101] وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء الآية: 146] وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران الآية: 103] التمكُّن أساسه الاعتصام. قف عند هذه الخطبة : وذكرت في خطبة سابقة: أن الإنسان في الطريق عنده خطران؛ خطر أن يضلَّ الطريق، يدخل في طريق فرعيٍّ ويضيع عنه الهدفُ الأساسي، فهذا علاجُه أن يعتصم بحبل الله، أي بالقرآن وبالسنة، الاعتصام بحبل الله أن تحافظ على المنهج، أما الاعتصام بالله أن يحافظ اللهُ عليك بحفظه. إنسان يركب مركبةً في الطريق, هو معرَّض لأن ينحرف عن الطريق الأساسي ويضلَّ هدفَه, أو هو معرَّض أن تأتيَه مركبةٌ أخرى فتصدمُه، إذًا هو يعتصم بالله لينجوَ من الهلاك، ويعتصم بحبل الله لينجوَ من الضلال، إن اعتصمتَ بحبل الله نجوتَ من الضلال, وإن اعتصمتَ بالله نجوت من الهلاك. لذلك العلماء قالوا: الاعتصام به نوعان؛ اعتصام توكُّلٍ, واستعانة, وتفويض, وعياذٍ, وإسلام نفسٍ, واستسلام له، والثاني: الاعتصام بوحيه, وهو تحكيمه دون آراء الرجال، و مقاييسهم, ومعقولاتهم, وأذواقهم, وكشوفاتهم, ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو منسلٌّ من هذا الاعتصام, تعتصم بالله لئلاَّ تهلك، وتعتصم بشرعه لئلا تضلَّ. سؤال موجه إلى الشافعي : وحينما سُئل الإمام الشافعي: أندعو اللهَ بالتَّمكن أم بالابتلاء؟ فقال: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى, لن تكون متمكِّنا قبل أن تُبتلى، و يُروى أن شاعراً كتب الشِّعرَ، أو نظم الشِّعر، ثم توُفيت زوجتُه وكان يحبُّها، فقال بعضُهم معلِّقا على الحدث: الآن صار شاعراً، دخل في تجربة عاطفية عميقة، فصار كلامُه معبِّراً عن شعور صحيح، فلذلك التَّمكن تسبقه محنٌ، يسبقه ابتلاء غير البلاء، الامتحان فإذا نجح في الامتحان صار متمكناً. ما وراء هذا المثال : أنا أذكر هذا المثلَ كثيراً: رأيت في متحف في استانبول قطعة ألماس, سمعتُ أن ثمنها مئة وخمسين مليون دولار، بحجم البيضة، هذا حجمٌ نادر جدًّا، قلتُ: الألماس أساسه فحمٌ، لو أتيـت بفحمة بحجم هذه الألماسة، كم ثمنها؟ ليرة أو أقلّ، نصف ليرة سورية، وثمن الألماسة مائة وخمسون مليون دولار، والألماسة أساسها فحمٌ، الألماس فحم, لكن بضغط شديد، هذا الضغط جعله ألماساً، هذا المثل أتفاءل به. يعني إذا أخٌ جاءه ضغطٌ شديد صار ألماساً، كان يساوي نصف ليرة فصار بمئة وخمسين مليون دولار، الضغط يعمل خبراتٍ، والضغط يعمل شعوراً بالتَّفوُّق، والضغط يعمل شعوراً بأن هذا الدين حقٌّ, وأنا عند الله مرضيٍّ. نقطة دقيقة : هنا نقطة دقيقة, قال: التَّمكن أن يجتمع للعبد صحَّةُ قصدٍ تسيِّره, وسَعة طريق تروِّحه، أنا أريد هدفاً وطريقاً، فإذا الإنسان لم يعرف اللهَ ما صحَّ هدفُه، ضائع شارد، إنسان بلا هدف، تائه، قال الشاعر: جِئت لا أعلم من أين ولكني أتيـتُ فرأيتُ أبصرتُ قدَّامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبـصرت طريقي؟ لســـــتُ أدري قصيدة طويلة جداً، عنوانها: لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لست أدري، شارد، تجد الناسَ ساعةً تأخذهم الشهواتُ، وساعة تأخذهم التُّحفُ، وساعة تأخذهم الرحلات، وساعة يأخذهم التَّباهي، ثم يأتيهم الموتُ فجأةً فيحبِط اللهُ عملَهم، أما المؤمن هدفه واضح. إذًا: التَّمكن يحتاج إلى صحَّة قصد، يكون هدفُك واضحاً وصحيحاً، وسعة طريق توصلك إلى هذا الهدف، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [سورة المائدة الآية: 48] شرع عظيم، وهناك منهج لهذا الشرع. هذا شرف المؤمن : قال: فبصحة القصد يصحُّ السيرُ، وبصحَّة العلم تنكشف له معالمُ الطريق، الآن بسعة السير يهون عليه السيرُ، دائماً شرفُ المؤمن قيامُه بالليل وعزُّه استغناؤه عن الناس، فكلما شرُف قصدُك شرُفتَ أنت مع هذا القصد. قل لي ما الذي يهمُّك, أقلْ لك: من أنت؟. من أصبح والدنيا أكبر همِّه, جعل اللهُ فقره بين عينيه، وشتَّت عليه شملَه, ولم يؤتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له، ومن أصبح وأكبر همَّه الآخرة, جعل اللهُ غناه في قلبه، وجمع عليه شملَه, وأتتْه الدنيا وهي راغمة. هذه غفلة الإنسان : أحد أخواننا ساكن في شارع برنية، قال لي: إنسان اشترى طابقين متجاورين في الطابق الثاني عشر، والبيتان جاهزان، لم يعجبه إكساء وزخرفة هذين البيتين، فاقتلع البلاط, وكسَّر السيراميك, ونزع النوافذَ, ولم يبق من البيت إلا الجدران والسقف، وهو يتمتَّع بذوقٍ عالٍ جدًّا، وضع البلاط الرائع, والسيراميك الغالي, والمنجور المدهِش، قال لي: يا أستاذ, سنتين بالتَّمام والكمال, وهو يتمِّم إكساء هذين البيتين، قال: حتى وصل الأمرُ أن أنشأ طاولةً من الرخام الشَّفَّاف، وهذا أغلى نوع من الرخام، ثابتة، وجعل تحتها الإضاءةَ، والبناية لم يكن فيها مصعد، سنتان وهو صاعد نازل, ثم فجأةً وافتْه المنيَّةُ بعد أن انتهى من إكساء البيتين بأيام ثلاثة، الطريق مسدود، هذه حوادث تتكرَّر كثيراً، يتوهَّم أن هذا الشيءَ يسعده، ثم يُفاجأ بعد فوات الأوان أنه لم يسعده. مشكلة أهل الدنيا : مشكلة أهل الدنيا: أنهم كلما وصلوا إلى شيء منها ظهر شيء أجملَ، فاسودَّ هذا في أعينهم، تظنُّ أنك قد فعلتَ شيئاً جميلاً جدًّا، بعد سنة تأتي أشياء أجمل، فالذي هدفُه الدنيا فقط يسودُّ هذا في عينه، أما المؤمن يستعين بالدنيا استعانة على آخرته، فيرضيه منها كلُّ شيء. قال: دخل أحدُ الصحابة إلى غرفة سيِّدنا أبي عبيدة الجرَّاح -هكذا قرأتُ-, وجد قِدرَ ماءٍ مغطًّى برغيف خبز، وسيفاً معلَّقاً, وجلداً يجلس عليه، فقيل: ما هذا يا أمين هذه الأمة؟ قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل؟. أي أنت ما صدفت أن عزَّيتَ في بيت ثمنه حوالي خمسين مليوناً، وهذا الذي دُفن قبل يوم, هو الذي أنشأ هذا البيتَ, وزيَّن البيت, وفرَش البيتَ, واعتنى بهذا البيت، أين هو الآن؟ هذه أكبر موعظة، ترك وذهب. إذا تحقَّق العبدُ بطلب ربِّه وحدَه تعيَّن مطلوبُه، فإذا بذل جهدَه في طلبه صحَّ له طلبُه، و المؤمن الصادق قصدُه اللهُ عز وجل، فلذلك أيُّ شيء يقرِّبه إلى اللهِ يفعله، وأيُّ شيء يبعِده عن الله يبتعد عنه. هذه أعلى درجة العبودية لله عز وجل : قال: تمام العبودية: أن توافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده ومقصوده و طريقه، فمقصوده اللهُ وحدَه، وقصدُه تنفيذُ أوامره في نفسه وخلقه, وطريقه اتِّباع ما أوحيَ إليه ، هذا هو أعلى درجة العبودية، أن يكون قصدُك ومقصودك ومنهجك ما فعله النبيُّ، هو قصد النبيِّ ومقصود النبي ومنهج النبيِّ. قال: خيارُ الناس من وافق النبيَّ عليه الصلاة والسلام في المقصود والطريق، وأبعدُهم عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق. الفكرة دقيقة: أنت الآن في دمشق، هدفُك حمص، من أين الطريق؟ ليس من درعا، طريق النبك، يجب أن يكون الهدفُ واضحاً, وأن تسلك الطريق الموصلَ لهذا الهدف، و الطريق الموصل لهذا الهدف هو اتِّباع السنة، والهدف هو اللهُ، كيف وصل النبيُّ إلى الله؟ يجب أن تسلك الطريق نفسه الذي سلكه النبيُّ. أساس التمكن : فالتَّمكن أساسه: وضوحُ الهدف وصحَّته ووجود الطريق المفضي إليه، والطريق المفضي إليه هو الشرع، والهدف تعرفه من سرِّ وجودك وغاية وجودك، فمن كان مرادُه اللهُ و الدارَ الآخرة فقد وافق النبيَّ عليه الصلاة والسلام في المقصود، فإن عبَد اللهَ بما به أمر, واللهُ عز وجل لا يُعبَد إلا بما أمر، أناسٌ كثيرون ومسلمون كثُرٌ: يعبدون الله بأمزجتهم، لا بما أمرهم الله عز وجل، لذلك يبتدعون, وقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ, إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ, وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ, وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا, وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ, وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ, ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ, وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ, وَعَلا صَوْتُهُ, وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ, يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَالا فَلأَهْلِهِ, وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ, وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ)) إذًا: أن تُعيِّن الهدفَ، وأن يكون هذا الهدفُ واضحاً، وأن تبحث عن الطريق الموصل إليه، هذا يقودك إلى منزلة اسمُها التَّمكُّن، أي أنت ممتنِع، وأنت في حصنٍ حصين، لا يستخفنَّك أحدٌ. من أسباب التمكن : الآن: أحد أسباب التَّمكن، قال: أن تزيل العلائق التي تصرف عن هذا الهدف. فأيَّة علاقة بينك وبين الآخرين إذا حجبتْك عن الله عز وجل يجب أن تخرج منها. لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حالُه ويدلُّك على الله مقالُه. لذلك: قضية الصحبة مهمَّة جدًّا، واللهُ عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] ثم يقول: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] كأن الآية تقول: اتقوا الله ولكنكم لن تستطيعوا هذه التقوى إلا إذا كنتم في بيئة مؤمنة، فأنت بقدر ما؛ اِجعلْ علاقاتك مع المؤمنين، اتِّجاهاتك مع المؤمنين، وجلساتك مع المؤمنين. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ)) [أخرجه ابن حبان في صحيحه] فهذه البيئة الطيِّبة تعينك على أن تكون مثلهم، والإنسان عنده صفة أساسية نسمِّيها الغيرةَ، وهي أصحُّ تسمية، إذا جلست مع المؤمنين تتمنى أن تكون مثلَهم بدافع الغيرة، إذًا هم يشدُّونك إلى الله، وإن جلست مع أهل الدنيا تتمنى أن تكون مثلهم، إذًا هم يشدُّونك إلى الدنيا فلذلك: قل لي من تصاحب, أقُلْ لك من أنت؟ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] خاتمة القول : أيها الأخوة الكرام, هذه المنزلة هي منزلة التمكن مستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 60] المتمكِّن في حرز حريز، وفي حصن حصين، وقد عاهد اللهَ على السير إليه في المنشط والمكره, وفي إقبال الدنيا وإدبارها، والمتمكِّن لا يسمح لأحد أن يغيِّر وجهتَه, ولا أن يحرفه عن سيره، ويقابل هذا المتمكن ضعيفُ الإيمان الذي لم يتَّضِح هدفُه, ولم يكتشف الطريق لهدفه الذي رسمه له. أرجو اللهَ سبحانه وتعالى أن نعالج في درس آخر منزلة من منازل مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الورعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والستين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم الورع, الله جلَّ جلاله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 51] هذه الآية أصلٌ في الورع. من هو المخلط؟ : ورد في الأثر: أن ركعتين من ورع خيرٌ من ألف ركعةٌ من مخلِّط. المخلِّط الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، لأن العمل الصالح قيمته الكُبرى أنه يعينك على الاتصال بالله، فإذا رافق هذا العمل الصالح عملٌ سيء, كان دور العمل السيء مثبطاً وقاطعاً وحجاباً، فالأعمال الصالحة مع الأعمال السيئة المؤدى في قطيعة، إلا أن هذه الأعمال لها عند الله جزاء، لكن لا يستطيع المرء أن يستغلَّها أو أن يعتمد عليها في الاتصال بالله، لأن العمل السيء خالطها فعطَّل قيمتها الإقباليَّة -إن صحَّ التعبير-. هل تتعلق هذه الآية بمنزلة الورع؟ : وهناك آيةٌ أخرى هي أصلٌ في الورع، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر الآية: 4] قال مجاهد: طهِّر نفسك من الذنب, فكنَّى عن النفس بالثوب. وقال ابن عبَّاس: لا تلبسها على معصيةٍ ولا على غدر. لا تلبس ثيابك على معصيةٍ ولا على غدر. وقال الضحَّاك: عملك فأصلح لأن عملك ثوبٌ لك. الإنسان يرتدي ثوباً من عمله؛ فهذا مخلص، وذاك غدَّار، وذلك صالح، وآخر ورع، وفلان تقي، وغيره كاذب، فلان صادق، سلوكه العام يجعله يرتدي ثوباً من عمله. فقال الضحَّاك: عملك فأصلح. والعرب تقول للرجل إذا كان صالحاً: إنه طاهر الثياب, وإذا كان فاجراً: إنه خبيث الثياب. وقال سعيد بن جُبير: وقلبك وبيتك فطهِّر. وقال الإمام الحسن: وخُلُقك فطهِّر؛ فآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر الآية: 4] أصلٌ في الورع، إلا أن المعنى الظاهري المادي يمكن أن يكون وارداً، فالله عزَّ وجل أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز فيها الصلاة، لأن المشركين كانوا لا يتطهَّرون ولا يُطَهِّرون ثيابهم. وقال بعض العلماء: وثيابك فطهر؛ أي وثيابك فقصِّر, لأن تقصير الثياب طهرةٌ لها. ما المقصود من الورع؟ : أيها الأخوة, المقصود من الورع: أن يُطهَّر القلب من الدنس كما يُطهر الماء دنس الثوب، والشيء الغريب: أن بين الثياب والقلوب مناسبةً ظاهرة، فالثياب تدل على قلب الإنسان وحاله، لأن الإنسان يرتدي ثوباً من عمله, فإخلاصه هو ثوبه، وغشُّه ثوب، تواضعه ثوب، كبره ثوب، فهناك مناسبةٌ بين القلب وبين الثياب، فالمقصود بالورع تطهير القلب من الدنس. ما هي الكلمة التي جمع النبي فيها الورع كله؟ : النبي عليه الصلاة والسلام جمع الورع كلَّه في كلمةٍ واحدة: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] المؤمن مشغول، له هدفٌ كبير، ليس في وقته متسعٌ للسفاسف، هدفه أكبر من وقته، وهذه حقيقة, وهي أنك حينما تختار هدفاً كبيراً أنت أسعد الناس، لأن هذا الهدف الكبير يأخذ كل وقتك، فلا تجد وقتاً لسفاسف الأمور، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها)) ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] هذا الترك يعم الكلام، ترك الكلام الذي لا يعنيك، وترك النظر الذي لا يعنيك. إياكم وفضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى. وترك الاستماع الذي لا يعنيك، التنصُّت على الآخرين، تقصي أخبار الآخرين, هذا لا يعنيك. ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] تركه فضول الكلام والنظر والاستماع، والإنسان حينما يعلم ويوقن أن كلامه جزءٌ من عمله يكون ورعاً، العوام يتوهَّمون أن الكلام لا بأس به ويقولون: ما فعلنا شيئاً تكلَّمنا، وغاب عنهم: ((وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا, يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] وكم من كلمةٍ فرَّقت بين زوجين؟ وكم من كلمةٍ فرَّقت بين شريكين؟ وكم من كلمةٍ فرَّقت بين أمٍ وابنها؟ وبين أخٍ وأخيه؟ فالكلمة السيئة وبال على صاحبها وعلى الناس، والطيبة صدقة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ أي التعريف بالله عزَّ وجل: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 24-25] فمِلاك الورع كلِّه: ترك المرء ما لا يعنيه من الكلام، والنظر، والاستماع، والبَطش ، والمشي، والفكر, وغير الورع إنسان ليس له هدف ضائع، كل شيء يشغله، يبحث عن كل شيء، يتقصَّى كل شيء، يهتم بكل شيء، يقف أمام المناظر يتأمَّلها، أمام الرجال يتفحَّصهم، أمام الحاجات يقلِّبها لأنه فارغ، أما حينما يكون لك هدفٌ كبير، فالهدف الكبير هو الذي يسمو بك، ويجعلك إنساناً عند الله كبيراً، ومرَّة ثانية: ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها)) فلذلك: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] هذا في الكلام, والنظر، والاستماع, والبطش، والمشي، والفكر. دقق في هذا الكلام : دقِّق بطالب يؤدي امتحاناً في الجامعة، لا يأتيه ولا خاطر في ثلاث ساعات, لا علاقة له بالسؤال أبداً، موضوع طعامه، وشرابه، وبيته، وأصدقائه، وعلاقاته، ومشكلاته، وطموحاته ، ورغباته كلها مجمَّدة, لأنه أمام ثلاث ساعات مصيريَّة، كل جهده متعلِّق بمادة السؤال، والمعلومات التي يمكن أن تكون إجابةً لهذا السؤال. الحقيقة: الإنسان حينما يُشغل بالله عزَّ وجل, صار في عنده اصطفاء، إنسان عنده فحص بعد أيام، دخل إلى مكتبة فيها آلاف الكُتب، يأخذ الكتاب المقرَّر, وهذا الشيء ملاحظ عند بعض المؤمنين، يقتني مجلَّة فيها مقالة تهمه؛ مقالة علميَّة، مقالة دينيَّة، أما القصَّة والموضوع التاريخي لا يعنيه إطلاقاً، في قضيَّة معلَّقة ببلد بعيد، لفنَّان مثلاً، لشاعر، فنفسه تعزف عن موضوعات لا تعنيه، أنت مع مجلَّة تصطفي منها ما يهمُّك وما يعينك على أداء رسالتك في الحياة. ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ] من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كما قال العلماء عنها: كلمةٌ كافيةٌ شافيةٌ في الورع. ما أول باب من أبواب الزهد؟ : وقال بعض العلماء: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضَّة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضَّة، لأنهما يُبذلان في طلب الرياسة, الورع ثمين جداً والزهد أثمن، وحينما تكون ورعاً وزاهداً فأنت على أول الطريق الصحيح. أيها الأخوة, كما قال بعض العلماء: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضى, الورع أول الزهد، حينما تتورَّع فأنت زاهد، زاهد في الدنيا الفانية، لكنَّك طموح ومتعلِّق بالآخرة الباقية. من تعاريف الورع : وللورع تعاريف كثيرة: الورع: الوقوف على حد العلم من غير تأويل. الملاحظ عند معظم المثقَّفين الذين لم يرتقِ إيمانهم إلى المستوى المقبول يتساءلون: لماذا حُرِّم كذا؟ يناقش التحريم، ويحاول أن يبحث عن علة التحريم, ثم يقول: هذه العلَّة غير موجودة الآن. مثلاً: لماذا حرَّم الله الربا؟ لأنه لم يكن في الجاهليَّة إلا قرض استهلاكي، فيأتي المرابي فيستغل حاجة الفقير إلى المال، فيأخذ منه أضعافاً مضاعفة. يقول لك بعض المثقَّفين: الآن هناك قرض استثماري، أي أن شركة تحتاج إلى أن تضيف لمعملها خطاً، تريد أن تتوسَّع، فتأخذ قرضاً ربوياً بنية التوسُّع لا بنية سد الحاجة، فهذا القرض لا علاقة له بالربا, وإن كان فيه فائدة ربويَّة، هنا يقول أحد العلماء: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل. علماء الأصول حلوا هذه المشكلة: حينما يأتي التحريم مع علَّته, فالتحريم يدور مع العلَّة وجوداً وعدماً، أما حينما يأتي التحريم مطلقاً, فلذلك لا يمكن أن تعلِّل هذا التحريم، ولا أن تبحث في العلل التي اخترعتها أنت وهي موجودة أو غير موجودة. مثلاً يقول لك: ألا لا تسافرن امرأةٌ إلا مع ذي محرم, كان ذلك أيام السفر الطويل على الجِمال، أما الآن في طائرات، هذا التحليل من أجل إلغاء الحكم، وحينما يأتي التحريم من قِبل النبي عليه الصلاة والسلام, الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، حينما يأتي التحريم خالياً من العلَّة، فلذلك لا ينبغي أن نضع عللاً وهمية, وأن نبحث في وجودها وعدمها، أما حينما يأتي التحريم مع العلَّة فالأمر يختلف، لذلك قال بعض العلماء: الورع الوقوف على حد العلم من غير تاويل. وقال بعضهم: الورع على وجهين: ورعٌ في الظاهر وورعٌ في الباطن، فورع الظاهر أن لا يتحرَّك إلا لله. والمؤمن الصادق حركته، ذهابه إيابه، دخوله خروجه، صلته قطيعته، عطاؤه منعه، كل شيءٍ يفعله لله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] فورع الظاهر أن لا يتحرَّك إلا لله، وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سوى الله, القلب له ورع والجوارح لها ورع، الجوارح أن لا تتحرَّك إلا لله، والإنسان أعلم بنيَّته: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [سورة القيامة الآية: 14-15] وقال بعض العلماء: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء. أبو حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- لم يقف في ظلٍ بيتٍ مرهونٍ عنده، لئلا ينتفع بظلِّه، هذا من باب الورع، أما ليس من الفتوى في شيء، أما الورع: أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس. فالحلال بيِّن، -لا أحد يسأل عن الحلال لأنه واضح-، والحرام بيِّن. لا أحد يسأل عنه، لكن كل الأسئلة تنصبُ على الشُبهات، ومعنى الشبهات: شبهها بالحلال من جهة والحرام من جهة، الورع ترك الشبهات استبراءً للدين والعِرْض، لذلك قيل: من لم ينظر في الدقيق من الورع, لم يصل إلى الجليل من العطاء, والإنسان ممتحن: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة الملك الآية: 2] سيدنا عمر بن عبد العزيز -كما يُروى- إذا أراد أن يتكلَّم مع أهله, هناك سراجٌ خاصٌ لأهله، فإذا أراد أن يقضي شؤون الخلافة, هناك سراجٌ خاصٌ لشؤون الخلافة. والإنسان يظهر ورعه من تعامله: قال له: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا, قال: هل جاورته؟ قال: لا, قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا, قال: فأنت لا تعرفه, ائتن بمن يعرفه. وقيل: الورع: الخروج من الشهوات وترك السيئات. متى يسمو العبد إلى أعلى درجة من السعادة؟ : بالمناسبة: الله عزَّ وجل رحيم، الله عزَّ وجل كريم, ما حرمك أية شهوةٍ أودعها فيك, جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، فلذلك الشهوات لها قنوات نظيفة. لي زميل بالعمل صارحني فقال لي: كانت لي جاهليَّةٌ كبيرة، ثم تبت إلى الله عزَّ وجل، واصطلحت معه، وتزوَّجت، فيا سبحان الله! ساعةٌ مع الزوجة تعدل آلاف البغايا, مع الزوجة الطهر، وطمأنينة، والسرور، والحب، والإخلاص، والوفاء، وثمرة لهذا الحب الولد، ساعةٌ مع زوجةٍ مخلصةٍ تعدل آلاف التجارب التي مرَّ بها. فصدِّق أيها الأخ الكريم: أن المؤمن حينما يأتمر بما أمر الله, وينتهي عما نهى الله عنه ، يسمو إلى أعلى درجة من السعادة، وأية سعادةٍ أكبر من أن تشعر أن الله يحبك، وأنك في رضوان الله، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، فأنت في حركتك، وسفرك، وزواجك، وعملك ، ورحلتك، وعملك، وإقامتك، وابتسامتك، وزياراتك، ولقاءاتك، ونشاطاتك كلها تبتغي رضوان الله، رضوان الله واسع جداً، عندما تتقن عملك هذا يرضي الله عزَّ وجل، إذا أدخلت على قلب أهلك السرور هذا يرضيه، فأنت دائماً تبحث عن رضوان الله عزَّ وجل. من تعاريف الورع أيضاً : فقيل: الورع: الخروج من كل شهوة -طبعاً شهوة محرَّمة-, وترك كل سيئة، والورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين. ومن كان حساب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه حساباً يسيراً في الدنيا كان حسابه يوم القيامة حساباً عسيراً. خوفان وأمنان لا يجتمعان؛ من خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة. الإنسان عندما يتحرَّك حركة حرَّة من غير منهج الله يفقد حريَّته, لو إنسان سرق أو قتل انتهت حريته، وحينما ينضبط يكون حراً، فعلى المستوى المدني: مواطن يتقيد بالقوانين والأنظمة، هو حر لأنه مواطن صالح, يسافر إلى أي مكان، يغادر القطر إلى أي مكان، حريَّته جاءت من تقيُّده، فتتقيَّد تكون حراً، تتفلَّت تكون بقيد، وأجمل آية: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [سورة البقرة الآية: 5] على تفيد العلو، الهدى رفعهم: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الزمر الآية: 22] الضلال شيء ضمن شيء، في: تفيد الظرفيَّة، فالإنسان الضال إما في كآبة وإما في سجن، والإنسان المؤمن المستقيم كلَّما ازداد إيماناً ازداد عزَّاً وازداد رفعةً. الورع: الخروج من الشهوات وترك السيئات, والورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين. سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- يقول: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاكَ في نفسك فاتركه. شيء شوَّشك اتركه. ((وما ترك عبدٌ شيءٌ لله, إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) في الدين قضايا يوجد معها أدلَّة ضعيفة، وفي أدلَّة تحرِّمها، وأدلَّة تجيزها، فالشيء المريح أن تترك ما ضعفت أدلته، هذا سمَّاه العلماء الفقهاء: الخروج من الخلاف وسلوك الأحوط, الورع يسلك سلوك الأحوط ويخرج من الخلاف. ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه, وكما قال عليه الصلاة والسلام:((يا وابصة, البر ما اطمأنت إليه النفس, والإثم ما حاكَ في صدرك, وكرهت أن يطلع عليه الناس)) قصة : ذكرت لكم مرَّة: أن أخاً من أخواننا, كان يعمل في تجارة الأبنية، كان يبني البيوت ويبيعها، قال لي: وجدت أرضاً في منطقة مهمة جداً، في مركز استراتيجي في المدينة، وتمكَّنت مع عدة أصدقاء أن ندخـل المزاودة بشكل تمثيلي, -أي أربعة خمسة أطراف يرفعون السعر قليلاً-, فاستقرَّت هذه الأرض على ثمنٍ يعدل ثُلُثي ثمنها الحقيقي، طبعاً أصحاب هذه الأرض مئات من الناس وفيهم أيتام، قال لي: بعد أن استقر على سعرٍ مغرٍ جداً، ورسا علي, وشعرت بغبطةٍ شديدة، ثم تذكَّرت القبر، لو أنني وضعت في القبر، ماذا أقول لله عزَّ وجل؟ كيف حرمت هؤلاء الأيتام حقَّهم من السعر الحقيقي؟ قال لي: خفت, وقال لي: فما رأيك؟ قلت له: أنت أجبت نفسك؛ إما أن تعطي أصحاب هذه الأراضي الحق الكامل، وإما أن تنسحب من هذه المزاودة. ((البر ما اطمأنت إليه النفس, والإثم ما حاك في صدرك)) دائماً يسأل السائل وهو قلق، أينما ذهبت، حتى في بلاد الغرب، اشترى بيتاً بالتقسيط، هو مرتاح فيه، لكنه قلق، يسأل عملي حرام؟ لماذا يسأل؟ لأنه قلق, كل شيء فيه مخالفة النفس تخافه، وذكاء الإنسان وبطولته في خوفه من الله عزَّ وجل، كلَّما ازددت خوفاً منه أمَّنك . ما هو الحلال؟ : وقال بعض العلماء: الحلال هو الذي لا يُعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه. الحلال الذي لا يعصى الله في كسبه: كل شيء فيه ورع، وفيه استقامة فهو حلال، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه: في أشياء مباحة إذا استغرقت فيها نسيت الله عزَّ وجل، هذا معنى ما ورد عنى النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تبلغ مرتبة المتقين حتى تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس)) في أشياء مباحة لو أخذتها وتعمَّقت فيها, ربَّما أبعدتك عن الله عزَّ وجل، لذلك قلت لكم سابقاً: إن الشيطان ذكي جداً، أولاً يأمر الإنسان بالكُفر، فإن لم يستطع أن يحمل هذا الإنسان على الكفر يأمره بالشرك، فإن رآه موحِّداً يأمره أن يبتدع، فإن رآه على السنة يأمره أن يفعل الكبائر، فإن لم يستطع يأمره بفعل الصغائر، فإن لم يستطع يأمره بفعل الشُبهات، فإن لم يستطع يأمره بالمباحات، يغرق في الدنيا إلى درجة أنه ينسى الله فيها, فإن لم يستطع، ماذا بقي؟ بالتحريش بين المؤمنين، يعيش معهم ليلقي البغضاء والعدوان بينهم. الكفر، فالشرك، فالابتداع، فالكبائر، فالصغائر، فالشبهات، فالمباحات، فالتحريش بين المؤمنين بشكل تسلسلي، فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه. ما قيل عن الورع : سأل الحسن غلاماً فقال له: ما مِلاك الدين؟ قال: الورع, قال: فما آفته؟ قال: الطمع, فعجب الحسن منه. ذات مرَّة قرأت: أن أبا حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- رأى غلاماً أمامه حفرة, فقال له: إياك يا غلام أن تسقط, -كان هذا الغلام فطناً-, فقال: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالَم. قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: جلساء الله غداً أهل الورع والزهد. وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى, حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس. هذا قول لبعض السلف. نقطة دقيقة : أيها الأخوة, الآن في الورع موضوع دقيق، قال صاحب المنازل، مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين: الورع: توقٍ مستقص على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم؛ -أي أن يتوَّق الحرام والشُبَه-, وما يخاف أن يضرَّه أقصى ما يمكنه من التوقي. كيف يحافظ العبد على هذا الاتصال؟ : الحقيقة: الإنسان حينما يصل إلى الله عزَّ وجل، ويصطلح معه، ويتصل به, يشعر بسعادةٍ كبيرة، وكل واحد من أخواننا الكرام عندما يتألَّق مع الله عزَّ وجل، أكبر دعاء له: يا رب أدم هذا الحال، يا رب أدم هذا الفضل، أدم هذا الاتصال, فأجمل شيء بالحياة الاتصال، وأصعب شيء الانفصال. أحب رجل فتاة, فاشترط عليه أبوها أن يحضر دروسه، فحضر الدروس فنسي الفتاة ، قالت له مرَّةً: أين الوعد بالزواج؟ فقال: يا وصال كنتِ سبب الاتصال. الإنسان أحياناً يتصل بالله عزَّ وجل، هذه الصلة هي الدين كله، كل السعادة فيها، فالذي وصل إلى ثمار الاتصال كيف يحافظ على هذا الاتصال؟ بالورع يحافظ عليه، أما حينما يتساهل أي تساهل يحجب عن الله عزَّ وجل. الحجاب أكبر عقاب من الله للعبد : والقصَّة التي أرويها لكم كثيراً هي: أن شاباً سمع من شيخه أن لكل سيئةٍ عقاباً، زلَّت قدمه في سيئة, فتوقَّع أن يعاقبه الله عقاباً شديداً، انتظر؛ فإذا صحَّته سليمة، وأولاده جيدون، ومركبته فارهة، وتجارته رائجة، فناجى ربه فقال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبن, فوقع في نفسه: أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي؟. المؤمن له صلة بالله، له حال مع الله، حينما يخطئ يُحجب عن الله، هذا الحجاب أكبر عقاب، والحقيقة: أكبر عقاب الحجاب عن الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] ما معنى هذا التعريف للورع؟ : فالتوقي والحذر متقاربان: التوقي فعل الجوارح، والحذر فعل القلب؛ أي يوقي جوارحه من المعصية، ويوقي قلبه من الطمأنينة الساذجة، لكن هناك أشخاص -وهذه نقطة مهمة جداً- في الخندق الآخر، ليسوا في الدين، في خندقٍ معادٍ للدين، فيحافظوا على شيء من استقامتهم وكرمهم وعفَّتهم, لكي يثبتوا لأهل الدين أننا نحن الصح ولستم أنتم، فالإنسان حينما يكون كاملاً بنية أن يدحض الحق هذا الكمال لا أجر له به. فقال: هناك من يظهر نزاهةً، هناك من يظهر عزة، هناك من يتوقَّى أن يفعل فاحشةً، هناك من يتوقَّى أن يفعل دناءةً تصوُّناً عنها، ورغبةً عن مواقعتها، وطلباً للمحمدة عند الناس. الإنسان يحب أن يكون كبيراً، فإذا ما اتخذ الدين سبباً إلى علوِّه في نظر الناس، قد يتخذ مواقف أخلاقية مصطنعة كي ينتزع إعجاب الناس. فقال: الورع هو التوقي. توقي الجوارح عن معصيةٍ أو شبهة، وحذر القلب أن يلتفت لغير الله. وفي تعريف آخر: تحرُّج عن تعظيم. أي أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه حذر حلول الوعيد، وإما تعظيم الرب جلَّ جلاله. الإمام الحسن له كلمة: لا تنظر إلى صِغر الذنب, ولكن انظر على من اجترأت. كلمة مؤثرة : قال أحدهم لي كلمة, والله تأثَّرت لها، قال لي: كنت في بلاد الغرب, وفي أجهزة لهو، وفي مئات القنوات، وفي مشاهد لا ترضي الله عزَّ وجل، قال لي بالحرف الواحد: والله أستحي من الله عزَّ وجل أن أنظر تعظيماً لله عزَّ وجل. كل منا إذا زاره إنسان عظيم في بيته، قد يكون شخصاً مهماً، عالِماً جليلاً، لا يستطيع أن يقابله بلباس مبتذل مبتذل، يستحي منه, لأنه يعرف قيمته، إذا الإنسان مع إنسان يرتدي أجمل ثيابه، ينمِّق كلماته، في أول اللقاء الأول تجد أموراً كلها منمَّقة، مرتَّبة، مضبوطة, هذا من باب الاستحياء، فإذا الإنسان يعظِّم الله عزَّ وجل, تكون خلوته كجلوته، وسريرته كعلانيَّته، وسرُّه كجهره، وإقامته كسفره، لذلك العلماء قالوا: الورع من المعصية إما عن خوف من العقاب، وإما عن تعظيم لله عزَّ وجل. المرتبة الثانية أرقى. من فوائد الورع : 1-صون النفس عن تجنب القبائح : الورع -أيها الأخوة- يبعث على تجنُّب القبائح لصون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان، فهذه ثلاث فوائد من فوائد تجنُّب القبائح، فصون النفس هو حفظها وحمايتها عما يَشينها ويعيبها، ويذري بها عند الله عزَّ وجل وعباده المؤمنين وسائر خلقه، لأنه: من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده, صانها وحماها، وزكَّاها وعلاها، ووضعها في أعلى محل. كلام دقيق: إذا الإنسان نفسه كريمة، لا يخالف قوانين السير, لماذا؟ لكي لا يقف موقفاً ضعيفاً، حتى لا يتذلَّل، يطبِّق الأنظمة حتى يبقى عزيزاً، إذا الإنسان نفسه كريمة, يطيع الله عزَّ وجل حتى لا يؤدِّبه, الله عزَّ وجل يؤدِّبه بمصيبة مهينة. لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه. الله عزَّ وجل عنده أدوية كثيرة: من عذاب مهين، إلى عذاب عظيم، وإلى عذاب شديد، وله أدويــة لا تعد ولا تحصى، والله عزَّ جل رحيم. ولله المثل الأعلى: كيف أن الأب الطبيب, حينما يعلم أن الزائدة عند ابنه قد التهبت، قد يجري له عملية بيده، قد يفتح بطنه بيده، وقد يقطع الشرايين، وقد يستأصل هذه الزائدة, وهو يعلم أن هذا ابنه, ولا بدَّ من ذلك؟ فعندما يأثم الإنسان يعاقبه الله، وقد يُهان بهذا العقاب، فالإنسان كلَّما كَرُمَت نفسه، كلَّما أراد أن تبقى مصونة من كل سوء، من كل إهانة، من كل إحراج, لذا يستقيم، فالمستقيم دائماً رافع الرأس, لا يستطيع أحدٌ أن يصل إليه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس الآية: 26] ما هذه الزيادة؟ النظر إلى وجه الله الكريم معنى دقيق: من كرمت نفسه عليه صانها بالاستقامة. تسمعون قصصاً كثيرة: فلان سرق ويعذِّب، هذا العذاب جزاءً وفاقاً، لكن لو كانت نفسه كريمة عليه -مثلاً- ما سرق، حفاظاً على كرامته، وعلى سمعته، وعلى راحته، وعلى سلامة نفسه، وعلى مكانته، وعلى تألُّقه. فالورع تخوُّف أو تعظيم، أول شيء: صون النفس وهو حفظها وحمايتها عما يشينها, ويعيبها، ويذري بها عند الله عزَّ وجل وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها، وزكَّاها وعلَّها، ووضعها في أعلى محل، وزاحم بها أهل العزائم والفضل, ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده, ألقاها في الرذائل، وحلَّ ذمامها وأرخاه ودسَّاها ولم يصنها عن قبيح، فأقل ما في تجنُّب القبائج صون النفس. تجد الإنسان يعيش سبعين سنة, يقول لك: ما دخلت إلى مخفر، ما دخلت لقصر العدل، ما أحد أقام عليه دعوى, باستقامته عزيز. 2-توفير الحسنات : الشيء الثاني: توفير الحسنات، لأن السيئات تعطِّل فعل الحسنات, إن أردت أن تستفيد من الحسنات بالإقبال على الله، فالسيئات إن اجتمعت مع الحسنات تُبطل مفعولها, فالسيئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكليَّة أو تنقصها، فلا بدَّ من أن تضعفها قطعاً، السيئات قد تستغرق الحسنات وقد تضعفها، فتجنُّبها يوفِّر ديوان الحسنات، وذلك من فوائد الورع. 3-صيانة الإيمان : أما صيانة الإيمان: فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. بالمناسبة: إذا الإيمان اعتقاد لا يزيد ولا ينقص، أما إذا الإيمان اتصال يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, الإيمان تصديق وإقبال، والكفر تكذيب وإعراض، فالتصديق لا يتغيَّر، إيمانك أن الله موجود ثابت لا يزيد ولا ينقص، ولكن الذي يزيد وينقص الإقبال والفتور والقطيعة، فالإيمان يزيد كإقبال بالحسنات ويضعف بالسيئات. قال الإمام الشافعي: إضعاف المعاصي للإيمان أمرٌ معلومٌ بالذوق والوجود، فقد جاء في الحديث: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً, نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ, فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صقِلَ قَلْبُهُ, وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ, وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 14] فالقبائح تسوِّد القلب، فالوَرِع يصون نفسه عن أن تُذل، ويحفظ حسناته من أن تُرَد، ويصون إيمانه من أن ينقص، هذا هو الورع، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [سورة النساء الآية: 88] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [سورة المائدة الآية: 13] قال: صيانة النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان أرفع باعثٍ على الورع. من مراتب الورع : هناك مراتب للورع، قال: يرتقي الورع بصاحبه حتى يؤدي به إلى حفظ الحدود عندما لا بأس به، إبقاءً على الصيانة والتقوى، وتخلصاً من اقتحام الحدود, أي يدع الورع دائماً بينه وبين الحد هامش أمان، الزنا له حد الرجم أو الجلد، هامش الأمان غض البصر، دائماً الورع بينه وبين الحدود هوامش أمان، وهذا يؤكِّده قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [سورة البقرة الآية: 187] قال: العارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بينه وبين الحرام, في الدين حرام وفيه حلال وفيه مباح برزخٌ بينهما، فإذا انتقل الإنسان من حلال إلى حلال, هو برزخٌ بين الحلال والحرام, يدع هذا البرزخ خوفاً من أن ينتقل إلى الحرام, وأما التخلُّص عن اقتحام الحدود فالحدود هي النهايات، وهي مقاطع الحلال والحرام، فحيث ينقطع وينتهي فذلك حدُّه، فمن اقتحم هذا الحد وقع في معصية. سيدنا عمر كان وقَّافاً عند كتاب الله. بالمناسبة في آية تقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [سورة البقرة الآية: 229] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [سورة البقرة الآية: 187] الورع لا يقرب، أما الأقل ورعاً يقف عند الحد تماماً. ورد في بعض الأحاديث القدسيَّة: أن يا عبادي لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرَّمت عليكم. ما هي الثمار الطيبة اليانعة للورع؟ : الثمار الطيبة اليانعة للورع: الخوف يثمر الورع, هناك معنيان للخوف: الخوف من عقاب الله، والخوف من انقطاع الصلة بالله, الخوف الثاني خوف راقٍ جداً، فإذا وُصِف النبي بأنه يخاف ربه, لا بمعنى أنه يخاف عقابه، بقدر ما هو المعنى بأنه يخاف أن تنقطع صلته بالله، فالخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل وقوة الإيمان، والمعرفة تثمر المحبَّة والخوف والرجاء، والقناعة تثمر الرضى، والذكر يثمر حياة القلب، والإيمان بالقدر يثمر التوكُّل، ودوام التأمُّل بأسماء الله وصفاته يثمر المَعرفة، والورع يثمر الزهد أيضاً، والتوبة تثمر المحبَّة، والرضى يثمر الشُكر، والعزيمة والصبر يثمران جميع أحوال المقامات. أيها الأخوة, تقريباً إذا جئنا بمصفاة لها ثقوب، كلَّما كنت أشد ورعاً كان الثُقب أصغر، في إنسان مصفاته قطرها كبير تمر منه برتقالة، في إنسان قطرها أصغر، أصغر، أصغر إلى أن تصبح هذه المصفاة متصلة، هذا هو الورع، هذا الكلام لي ولكم، ليس لكم وحدكم، كلَّما ازددت ورعاً ازددت قرباً من الله عزَّ وجل. خاتمة القول : وعودٌ على بدء: ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط)) و: ((من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها, لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً)) و: ((لا ألفين أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا, أما إنهم أخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الزهدالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هي الآية التي ورد فيها لفظ الزهد في القرآن الكريم؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم هي منزلة الزهد. آيات كثيرة جداً ورد في مضمونها معنى الزهد، أما الآية التي ورد فيها لفظ الزهد بالحرف الواحد هي آية واحدة، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 20] العلماء قالوا: الزهد: الانصراف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، للاستغناء عنه بخير منه, ولم يجئ في القرآن الكريم في شأن الزهد إلا هذه الآية لفظاً. نقطة مهمة : يوجد نقطة مهمة جداً: أن ترفض نعم الله عز وجل ليس هذا زهداً, أن تستخدم نعم الله فيما سمح لك به، أو أن تستعين بها على الآخرة هذا قمة الزهد، أن تستخدم نعم الله فيما أمر، أن تطبق منهج الله عز وجل, لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ عند علماء الأصول: المعنى المخالف، المعنى المخالف المستنبط من هذه الآية: أنك إذا أتبعت هواك وفق منهج الله فلا شيء عليك, فليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل التي خلقها الله لك، ولكن الزهد أن تجعلها أداةً تستعين بها على أمر آخرتك. مثلاً: أوضح شيء المال، ليس الزهد أن ترفض المال, وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ولكن الزهد أن تكسب المال, وأن تجعله بيديك لا بقلبك, وأن توظفه في الحق. سيدنا الصديق قدم كل ماله لسيدنا رسول الله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ, وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] المال قوة، والعلم قوة، والقوة في تدبير الأمور قوة. الزهد لا أن ترفض الدنيا، أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، أن تكون متعلماً, ومعك أعلى شهادة، ولكن أن توظفها بالحق, الزهد لا أن تكون متسولاً، أن تكون غنياً, ويدك هي العليا, وهذا المال توظفه في الحق، هذا هو الزهد، لأن الآخرة تحتاج إلى عمل, والعمل يحتاج إلى مال. ما فحوى هذه الآية؟ : أيها الأخوة الكرام, إليكم الآيات التي في فحواها معنى الزهد، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 96] الذي تجمعه في حياتك الدنيا لبنةً لبنة, تخسره في ثانية واحدة, أذكر هذا كثيراً: ألم تعزي أهل ميت في بيت رفيع المستوى؟ أين صاحبه؟ تحت أطباق الثرى، فالذي جمعه الإنسان في عمر مديد, يفقده في ثانية واحدة، أما لو أنك بطاعتك لله وإخلاصك له حجزت - بالتعبير التجاري- عند الله مكاناً في الجنة, فأنت زاهد حقيقةً. هذه حقيقة الدنيا : الزاهد: هو الذي يزهد بشيء محتقر, ويطمح إلى شيء, معتبر الآية الثانية، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [سورة الحديد الآية:20] يوجد عمل جاد وعمل عابث, لو إنسان لعب النرد -مع أنه محرم- حتى ساعة متأخرة من الليل, ماذا فعل؟ هل هناك مردود لهذا اللعب؟ أبداً، قد تسهر حتى ساعة متأخرة, وليس هناك أدنى فائدة, اللعب هو الشيء الذي لا جدوى منه، لا مردود له، لا مستقبل له, إنما الحياة الدنيا لهو بمعنى اللهو، يعني يوجد شيء نفيس وشيء خسيس, والذي يلهو هو الذي يلهو بالخسيس عن النفيس. إنسان التحق بجامعة أو بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بوسادة تحته مريحة، اهتم بأشياء يأكلها أثناء الدرس، اهتم بدراجة يركبها إلى البيت، لم يهتم بالدراسة، اهتم بكل شيء إلا الدراسة, هذه أشياء خسيسة ألهته عن الشيء النفيس: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [سورة الحديد الآية: 20] ﴿زينة -يعني مظاهر، هذه المظاهر لا تقدم ولا تؤخر-: وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ هذه حقيقة الحياة الدنيا، إنما أداة قصر، يعني الدنيا فقط لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، أما حقيقة الدنيا مزرعة الآخرة, أئمة عظام, جاؤوا إلى الدنيا وغادروها, وتركوا علماً ينتفع به، تركوا أعمالاً كالجبال، تركوا هدىً قد عم الخافقين، تركوا اتجاهات خيرة في البشرية ، تركوا صلاحاً للأسر، تركوا توجهاً إلى الله عز وجل, فلذلك الحياة الدنيا ظاهرها لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم, وتكاثر في الأموال والأولاد, قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة الحديد الآية: 20] ما معنى متاع الغرور؟ يعني شيء يبدو لك بحجم أكبر من حجمه, فإذا تتبعته أصبت بخيبة أمل. أحياناً الإنسان يظن أن هذه علبة فيها هدية ثمينة, إذا هي علبة فارغة, قد يتألم، أحياناً يمسك فاكهة, هي قشر فاكهة وضعت بإحكام ليس فيها شيء. هذا هو الغرور : مرة ذكرت قصة: رجل توفي -رحمه الله-, كان شاباً يعمل في محل في سوق الحميدية، عنده دعابة، كان يجمع قمامة المحل, ويجعلها في علبة, يلفها لفاً أنيقاً -ورق هدايا- ويضع لها شريطاً على شكل وردة, ويضعها على الرصيف، يأتي إنسان ينظر إليها, فيأخذها ويعدو، يتبعه, هو بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئة متر ثانية يفك الورق، يفتح العلبة, ويظن أن فيها قطعة ذهب، ألماس، شيء ثمين, فإذا فيها قمامة المحل. هذا هو الغرور بالضبط، أن تتوهم أن الشيء نفيس فإذا هو خسيس، الله عز وجل سمى الشيطان الغرور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر الآية: 5] ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 120] الاغترار: أن تتوهم الشيء بحجم أكبر من حجمه. سيدنا علي قال: يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري. من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى. هذه سنة الله في خلقه : أحد أخواننا يعمل في بناء بعض الأبنية في المصايف، شخص اشترى بيتاً, وأعطى توجيهات دقيقة جداً لإتمام البناء وزخرفته، وتابع ذلك بنفسه, إلى أن أصبح البيت جاهزاً لاستقباله, بقي جهاز كهربائي -محول-, قال له: ضعه وسأكون أنا الخميس في هذا البيت, الخميس لم يأتِ، الجمعة لم يأتِ، السبت اتصل بصاحب البيت, قالوا له: مات. إنسان اشتغل سنتين يشرف على زخرفة بيته, لم يتح له أن يسكنه ولا ساعة، هذه الدنيا تغر وتضر وتمر، هذه البيوت سكنها قبلنا بشر كثير، هذه المحلات التجارية في أسواق دمشق القديمة, هناك جيل قبل هذا الجيل, استأجروا هذه المحلات, وباعوا واشتروا وماتوا، هذه البيوت دائماً في بيت توفي صاحبه, الورثة باعوه واقتسموا ثمنه، الله عز وجل جعلنا خلائف يخلف بعضنا بعضاً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر الآية: 5] ما هي المتعة؟ : المتاع ليس له مردود، إذا إنسان جلس في حوض ماء -ماء فاتر- وكان مرتاحاً، لو جلس ساعة، ساعتين، ثلاثة، خمسة، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح عالماً كبيراً؟ لا, هذا المتاع ليس له مردود, إذا إنسان أكل ألف وليمة، في كل وليمة ما لذ وطاب، ثم أصابه ألم في أسنانه لا يحتمل، لو أنه استدعى طعوم الطعام التي أكلها, هل ينسى هذا الألم؟ المتاع شيء آني, ليس له مردود مستقبلي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 12] ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 30] وكلمة تمتعوا دقيقة جداً، المتعة: لذة مادية حسية تتناقص، تتناقص إن كانت مباحة في الشرع، أما يعقبها كآبة إن كانت محرمة، يعني أفضل ما في المتعة أنها تتناقص، وأخطر ما في المتعة: أن كآبة تسحق صاحبها تعقب هذه المتعة. سيدنا عمر أمسك تفاحة قال: أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت. يعني يوجد متعة آنية حسية، ويوجد سعادة أبدية، باستهلاك الشيء متعة آنية حسية، بعمل صالح سعادة متنامية أبدية، متعة محدودة حسية سعادة متنامية أبدية. ما معنى قوله تعالى: -قل متاع الدنيا قليل-؟ : خالقنا، وربنا، ومربينا، وخالق الأكوان، الواحد الديان، الخبير العليم يقول: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] ألا تصدق خالق الكون؟ متاعها قليل, ما معنى هذا القول؟ يعني إذا أعطاها لمن لا يحب, لا يمكن أن تكون الدنيا إكراماً للإنسان, لأنها منقطعة، لا يعقل أن يقول لك: خذ هذه المركبة مدة شهر واحد, هذا لا يليق بعطاء الملك، ملك أحب أن يخدم إنساناً, قدم له خدمة كبيرة, مستحيل أن يعطيه مركبة لشهر ولا لسنة، بل يملكه إياها. أنا أوضح الفكرة: مستحيل أن يكون عطاء الله في الدنيا منقطعاً, والإنسان كلما تأخرت به السن, دخل في متاهات المرض والقلق وما شابه ذلك، والذي أذكره لكم دائماً: أن السعادة الحسية في الدنيا تحتاج إلى ثلاثة عناصر: الوقت، والمال، والصحة، ودائماً يوجد عنصر مفقود؛ ففي أول حياتك: الصحة موفورة والوقت مديد ولكن لا يوجد مال، في منتصف الحياة: الصحة موفورة والمال موجود ولكن لا يوجد وقت، في آخر الحياة: المال موجود والوقت موجود ولكن لا يوجد صحة، فبالنهاية دائماً عناصر السعادة الحسية، المتع الحسية ينقصها عنصر دائماً، أما الإنسان إذا عرف الله, ووظف هذه الحظوظ في الحق, يسعد بها دائماً ولا يأبه لها. من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] إليك هذا المثل الذي يسهل لك الطريق لفهم هذه الآية : في عبارة قرآنية رائعة جداً، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى الآية: 16-17] طبعاً سوف أوضح هذا المثل: إذا خيرناك بين مركبة تركبها ساعة وبين دراجة تتملكها, ماذا تختار؟ الدراجة، لو خيرناك بين مركبتين واحدة تركبها ساعة والثانية تتملكها، ماذا تختار؟ التملك، لو خيرناك بين دراجة تركبها ساعة وأغلى سيارة تتملكها, هل تتردد ثانية؟ للتوضيح: الآخرة خير حجماً، ونوعاً، وأبقى أمداً، والدنيا أقل وأقصر، أقل حجماً وأقصر أمداً: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى الآية: 16-17] ما الشيء الذي كسبه سحرة فرعون حينما آمنوا بإله موسى؟ : سحرة فرعون حينما آمنوا بإله موسى العظيم فرعون صعق, قال تعالى: ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 71] هكذا، قيل: قتلهم ولكنهم كسبوا الآخرة. لذلك: يا بني ما خير بعده النار بخير, وما شر بعده الجنة بشر, وكل نعيم دون الجنة محقور, وكل بلاء دون النار عافية. إليكم هذه الآيات التي تتحدث عن الزهد من حيث المعنى أيضاً : لا زلنا في الآيات التي تتحدث عن الزهد من حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فآية واحدة : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 20] من حيث المعنى آيات كثيرة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 131] لا تمدن عينيك، يعني الإنسان إذا شاهد شيئاً جميلاً، بيتاً جميلاً, مركبة جميلة، لا يقل: صاحبها حظه عظيم, يا ليت لي مثله، إذا قال ذلك: صار عند الله جاهلاً، قارون خرج على قومه بزينته: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة القصص الآية: 79] الإنسان إذا تأوه وتحسر وتمنى وذاب, إذا رأى شيئاً جميلاً, ونسي أن الله أعد له جنةً عرضها السموات والأرض, هذا إنسان هو عند الله جاهل: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 131] ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة الكهف الآية: 7] هذه الأشياء الجميلة هي امتحانات، امرأة جميلة في الطريق هي فتنة للناس، هناك من يغض بصره عنها فيرقى، وهناك من يملأ عينه من محاسنها فيسقط، وقس عليها كل شيء، المرأة أوضح شيء. قد يعرض عليك مبلغ من المال كبير, فيه شبهة, فإذا أخذته سقطت، إن رفضته نجحت عند ربك، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 33] لو أن الله خلق الكافر كافراً, لا يوجد داع أن يعذبه, لكن لأن جميع الخلق مطلوبون لله عز وجل، مخلوقون لجنة عرضها السموات والأرض تكون المعالجة. لو فرضنا مدير مدرسة, قرأ أسماء الراسبين أول يوم في العام الدراسي وأسماء الناجحين دون امتحان، ولا امتحان قبول، وبفعل عشوائي, قال: هؤلاء راسبون وهؤلاء ناجحون, لا يعقل أن يضرب الراسبين، هو جعلهم هكذا، أما إذا كان الطلاب جميعاً مدعوين إلى أداء امتحان, ومؤهلين جميعاً أن يكونوا من الناجحين, وطالب قصر يضرب، يعالج، فالمعالجة تقتضي أن كل الطلاب مؤهلون للنجاح, أما لو كان في اتجاه آخر, لما كان من معنى لمعاقبة الكافر: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 33] أي مدعوون جميعاً إلى الجنة، قال تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ القرآن الكريم مملوء بالتزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها. يعني بعض الآثار: الدنيا جيفة طلابها كلابها. الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له. إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها . القرآن الكريم مملوء بالتزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها. وقائع : مرة كنت في حلب, أخذوني إلى حي من أرقى أحياء حلب، الحقيقة: يوجد قصور ليس في دمشق مثيلاً لها، أحد هذه القصور من أجمل قصور حلب، بني على النمط الصيني، وحدثوني عن تكاليفه أرقام فلكية، بضع عشرات من الملايين, ثمن رخام القصر، ثم أخبرت أن صاحب هذا القصر توفي في الثانية والأربعين, وكان مديد القامة، وحينما أرادوا دفنه, كان القبر أقصر من طوله، ما كان من الحفار إلا أن دفعه بصدره, فجاء رأسه مائلاً, صاحب هذا القصر ينام في هذا القبر. منذ يومين جاء أخ من أمريكا, اتصل بي هاتفياً، قال لي: استأجرت بيتاً، قلت له: مبارك، ولكني سمعت أنك اشتريته, قال: لا, أنا استأجرته حتى الموت، لا يوجد بيت ملك كله أجرة، أراد أن يقول كلاماً لطيفاً. قف عند هذه المحطة : أحد الرعاة معه قطيع إبل، قيل له: لمن هذا القطيع؟ -يقول علماء البلاغة: أجاب أبلغ إجابة في العربية-، قال: لله في يدي. يعني بيتك لله في يدك، الله قال لك: اسكن فيه، والدليل: النعوة وسيشيع إلى مثواه الأخير, معنى هذا مؤقت، راكب مركبة هذه لله في يدك, اركبها إلى حين، كل شيء إلى حين، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 36] لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز: كلما دخل دار الخلافة, يتلو هذه الآية, هذه الآية يقشعر منها الجلد: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 205-207] هذه قضية الموت : أنا أعرف رجلاً في سن مبكر, حصل ثروة كبيرة جداً, وعنده قدرة على البيع عجيبة ، عنده محل في سوق الحميدية، إذا مررت على كل محلاتها لا تجد مشترياً وعنده يوجد الكثير، أذواقه عالية جداً في الشراء, وعنده قدرة على البيع كبيرة جداً, وحقق ثروة طائلة، وهو في الثامنة والثلاثين, أصيب بمرض عضال في دمه -ورم خبيث في الدم-, يقول لي ابن عمه: مضى شهر وشهران لا يعلم بمرضه، وهو عنده دعابة ومزاح, ولكن غير منضبط كلياً، وبعيد عن الالتزام بالدين, حتى إن بعض المغنيات كانت تأتي إلى بيته، فلما عرف أنه مصاب بمرض عضال, انتابته موجات هيستريا، يقول لي ابن عمه: كل ربع ساعة يرتجف ويقول: لا أريد أن أموت، قال لي: حينما فارق الحياة, أنه صاح صيحة, ما من إنسان في البناء الذي يسكنه, إلا وسمع صياحه عندما فارق الحياة. قضية الموت -يا أخوان- تنهد لها الجبال، يغادر من كل شيء إلى لا شيء، عبارتي غير صحيحة، من كل شيء إلى كل شيء من العذاب، الإنسان يدخل إلى بيته أبهاء، غرفة نوم، غرفة ضيوف, غرفة جلوس، براد مثلاً، ثلاجة، أجهزة، بيت مكيف، والقبر: هل يوجد قبر خمس نجوم؟ ولا نجمة، القبر صندوق العمل، روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النار. القرآن مملوء من التزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها, وقلتها, وانقطاعها, وسرعة فنائها، والترغيب بالآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، وإذا أراد الله بعبد خيراً, أقام في قلبه شاهداً, يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة, ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار. ما قيل عن الزهد : أجمل قول في الزهد قاله أحد العلماء، قال: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. الورع ترك، والزهد ترك، لكن الورع ترك ما يؤذي، والزهد ترك ما لا ينفع. قال بعض العلماء: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباءة. قصر الأمل أخطر شيء في حياة الإنسان. مرة زرت رجلاً, حدثني عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، ورأيت نعوته في اليوم نفسه. ما هو الأمل؟ : مرة كنت في مكان دائرة, رجل جالس يحدث رجلاً, وأنا أستمع إليهما، قال له: والله يا أخي, هذا الإنسان حيرنا في كسوة بيته، منذ شهرين ونحن متوقفون عن العمل, نعمل التدفئة المركزية, تجديد داخلي أم خارجي؟ حيرنا ما كان يستقر على حال، يقول بعد هذا: ثم استقر رأيه أن يجعلها تمديداً داخلياً, وبعد عشرين سنة إذا هذا التمديد فسد يقلبها إلى خارجي، وكأنه سيعيش عشرين سنةً قادمةً، هذا هو الأمل، الأمل أن تستبعد الموت. لي صديق له جلسة أسبوعية، جالس مع أصدقائه, قال لهم: أنا لن أموت إلا بعد زمن طويل، قالوا: لماذا؟ قال: أنا أكلي قليل، وجسمي رشيق، وأمشي، ولا أدخن، وألقي بالهموم وراء ظهري, طبعاً: كلامه علمي فعلاً, لكن أجله كان قبل عشرة أيام في السبت القادم, كان مدفوناً تحت الثرى, ما أحد يعلم متى الأجل؟. مرة استقبلني رجل, هنا في مسجد الشيخ محي الدين, كان يوجد احتفال بمناسبة مولد نبوي، استقبلني بترحاب منقطع النظير، جلست على الكرسي، شعرت في اضطراب في المسجد، سألت, قالوا: هذا الذي استقبلك توفي الآن، ذهبنا إلى مستشفى أمية، رأيناه ممدداً في ثيابه، ثانية واحدة، الإنسان ممكن أن يغادر بثانية, وبلا سبب، بلا ألم، بلا مرض. ماذا فهم الجنيد من هذه الآية؟ : الزهد في الدنيا قصر الأمل, ليس بأكل الغليظ ولا لبس الخشن. الإمام الجنيد -رحمه الله تعالى- فهم الزهد من قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة الحديد الآية: 23] الزاهد لا يتألم لما فاته ولا يفرح لما آتاه، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء. قال بعض العلماء: الزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود. قصة صديق : لي صديق كان من أعظم الناس في عيني -هو أحد الكتاب-, وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد, ولا يكثر إن وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة, فلا يتكلم بما لا يعلم, ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً, فإذا تكلم بذ القائلين، وكان يرى ضعيفاً مستضعفاً, فإذا جد الجد فهو الليث عادياً . الزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود. قصة : يوجد إنسانان اشتريا أرضين متجاورتين في منطقة العدوي, الأول: صمم, ورسم خرائط, وحفر, وأشاد بناء, وباعه بأرقام فلكية، الثاني: منع من إنشاء البناء, لأنه سيمر تحت أرضه مجاري، من شدة ألمه لم يعد يحتمل أن جاره أقام البناء, وباعه وربح أرباحاً طائلة، وهو ممنوع أن يشيد عليه بناءً، بعد حين أصيب بأزمة قلبية حادة, بسبب الشدة النفسية التي لزمته من هذا الألم والأسف، ثم إن هذه الأرض التي لم يشد عليها بناءً, ارتفع سعرها خلال سبع سنوات أكثر من خمسين ضعفاً، يعني أرباحه من ثمن الأرض دون أن يشيد عليها بناءً عشرين, ثلاثين ضعفاً عن أرباح جاره, لكن من شدة أسفه أصيب بمرض عضال. فالزهد أن لا تفرح من الدنيا بموجود ولا تأسف منها على مفقود, الزهد يورث السخاء في الملك، والحب يورث السخاء في الروح, الزهد يدفعك أن تعطي. ما قيل عن الزهد أيضاً : وقالوا في الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال, فتصغر في عينيك, فيسهل عليك الإعراض عنها . وقيل: الزهد: عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف. وقال الجنيد: الزهد خلو القلب عن ما خلت منه اليد. شيء ما بيدك يجب أن ينزع من قلبك ما بيدك وأنت تشتهيه, أنت في حالة صراع. هذا ما قاله الإمام أحمد عن الزهد : الإمام أحمد قال: الزهد في الدنيا قصر الأمل. الإنسان يجب أن يوطن نفسه, إذا نام قد لا يستيقظ, وإذا استيقظ قد لا ينام، وإذا خرج قد لا يرجع، وإذا رجع إلى بيته قد لا يخرج إلا أفقياً. وعن الإمام أحمد أيضاً: الزهد عدم الفرح بإقبال الدنيا ولا الحزن على إدبارها، فإنه سئل عن الرجل, يكون معه ألف دينار, هل يكون زاهداً؟ فقال: نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت وأن لا يحزن إذا نقصت. قد يكون معك مال وأنت زاهد، المال أداة بيدك توظفه في الحق، تقيم به أود نفسك، تجعله أداةً للقرب من الله عز وجل, وأنت زاهد وبين يديك ملايين مملينة وأنت زاهد، وإنسان لا يملك من الدنيا شيئاً وهو راغب، مفارقة حادة, لا تملك وأنت راغب وتملك وأنت زاهد. أبو سليمان الداراني يقول: الزهد ترك ما يشغل عن الله عز وجل. والجنيد مرةً ثانية سئل عن الزهد, فقال: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب. ولا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة -يعني عمل خالص لله دون أن يرجو شيئاً-, وقول بلا طمع, وعز بلا رئاسة. الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العـوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال -يعني عندك ما يكفي, تطمح في الحلال إلى أكثر مما يكفيك, أنت راغب ولست بزاهد-, ثاني أنواع الزهد: ترك الفضول من الحلال، قد يأكل ألواناً كثيرة جداً، قد يشتري ثياباً كثيرة جداً، هذا زهد الخواص: ترك الفضول من الحلال. مناقشة جرت بين ملك ووزيره : مرة ملك سأل وزيره, قال له: من الملك؟ الوزير صعق, قال: أنت, قال له: لا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤيه, وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إحراجه. من هو الملك الحقيقي؟ الذي لا يعرفنا ولا نعرفه. زهد العوام ترك الحرام، زهد الخواص ترك الفضول من الحلال, زهد خواص الخواص الفئة العالية جداً: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين. محل إجماع : أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة. أنت جالس مرتاح عادي، تقرر أن تحج البيت, قال لك صديقك: ممكن, وجاءك الجواز, ما الذي يحصل بالضبط؟ نزعت من الشام, وعشت في بيت الله الحرام، قبل أن تسافر، الإنسان عندما يزمع السفر, انتقل نفسياً إلى بلد السفر، أين سأنزل؟ من سأقابل؟ ماذا آخذ معي؟ متى أعود؟ ماذا أشتري من هناك؟ هل ترى الحالة النفسية؟ الإنسان إذا أراد شيئاً عاشه قبل أن يعيشه عملياً. الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة. وقال بعضهم: لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها, وهي: المال, والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما سوى الله عز وجل. هذا هو الزهد : رجل أراد أن يوقع بيـن سيدنا الصديق وسيدنا عمر رضي الله عنهما، يبدو أن سيدنا الصديق أحاله إلى سيدنا عمر, وسيدنا عمر رفض أن يوافق له على ما يصبو إليه، رجع إلى الصديق -رضي الله عنه- ليوقع بينه وبين عمر، قال له: الخليفة أنت أم عمر؟ فقال له: هو إذا شاء. هذا هو الزهد. يجب أن تعلم هذه الحقيقة : الآن حقيقة: ليس الزهد رفض نعم الله عز وجل. قال: كان سليمان وداود -عليهما السلام- من أزهد أهل زمانهما, ولهما من المال والملك ما لا سبيل إلى وصفه، الحقيقة تبدو غريبة، قد تكون راغباً وليس في يدك شيء, وقد تكون زاهداً والدنيا كلها في يديك، البطولة أن تكون بين يديك الدنيا وترجو رحمة الله عز وجل. وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان من الزهاد, مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي -رضي الله عنهما- من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة مالاً. دقق في هذا الكلام : دققوا: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف الآية: 32] ليس الزهد أن تعزف عن الزواج، الزهد أن تطبق السنة في الزواج, وأن تجعل من الزواج زواجاً إسلامياً، ليس الزهد أن تعزف عن كسب المال, ولكن الزهد أن توظف المال في الحق، ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك, وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيما لو لم تصبك, فهذا من أجمع الكلام في الزهد وأحسنه. وقال بعض العلماء: إنما الزهد في الحلال, لأن ترك الحرام فريضة ليس لك فضل فيها. الزهد في الحلال . قال آخرون عكس هذا الكلام: الزهد لا يكون إلا في الحرام, وأما الحلال فنعمة من الله تعالى على عبده, والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. الملخَّص: التحقيق في هذه القضية: إذا شغلتك الدنيا عن الله فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغلك عن الله فكن شاكراً لله فيها, وهذا الحال أفضل، إذاً: إن تشغلك تركها أولى, وإن تعنك في الآخرة فأخذها أولى. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التبتلالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: التبتل، وقبل أن نمضي في شرح هذه المنزلة, لا بد من أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: لكل دولة في نظامها الوظيفي مراتب ودرجات، تبدأ بالمرتبة العاشرة وتنتهي بالمرتبة الأولى، وكل مرتبة ثلاث درجات, فعشرة بثلاثة ثلاثين، وموظفو الدولة ولو بلغوا مليونين, لا بد من أن وجودهم في هذه المراتب الثلاثين حصراً, أما عند الله فعدد المراتب بعدد البشر بلغوا ما بلغوا، كل إنسان له درجة، الإنسان لا يستطيع أن يصنف الناس بأكثر من درجات محدودة، مثلاً: إنسان يحمل أعلى شهادة باختصاص نادر جداً, من أرقى دولة, ومن أرقى جامعة، دكتوراه دولة يوظف بمرتبة تساوي مرتبة إنسان, يحمل شهادة من أسوأ دولة, ومن أقل جامعة مكانةً, وقد تكون دكتوراه شكلية، أما عند الله عز وجل كل إنسان له مرتبة, بحسب معرفته, وبحسب استقامته، وبحسب عمله الصالح، وبحسب تضحياته، وبحسب ميله عن الصوارف، وبحسب تجاوزه العقبات، وبحسب صبره على الملمات، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] فمن السذاجة أن تتوهم أن الدين مرتبة واحدة، الدين مراتب تبدأ ولا تنتهي، طبعاً أنا أمهد لهذا الموضوع التبتل: انقطاع لله عز وجل, إذا نحن ما وصلنا إلى هذه المرتبة, لا يوجد مانع أن نتحدث عنها, حتى تكون من طموحاتنا، أنا حينما أتحدث عن مرتبة رفيعة جداً, قد أقول: إن معظم الناس وقد أكون أنا منهم, هذا لا يمنع أن نتحدث عن مراتب عالية حتى نصعد ميولنا ونصعِّد طموحاتنا. أمر إلهي موجه إليك : فالتبتل ورد في القرآن الكريم: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8] هذه المنازل منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا يمكن أن تكون هناك منزلة, إلا ولها أصل في القرآن الكريم, وكتاب الله عز وجل منهج لنا، الله عز وجل أكبر، وأعظم، ومنزه عن أن يقول كلاماً لا معنى له، لما ربنا عز وجل يأمر: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً﴾ معنى هذا أمر وجوب أنت ليس لك خيار فيه، إن أردت أن تكون محسوباً على الله، إن أردت أن تكون من أهل الإيمان، من أصحاب المراتب العلية عند الله عز وجل, لا بد من أن تنتبه إلى هذه المرتبة, هذه مرتبة التبتل، وما الذي يمنع أن تبذل كل جهدك كي تصل إلى الله؟ ما الذي يمنع أن تصل إلى المراتب العالية؟. قف هنا : ذكرت لكم أن قطعة لحم طازجة وأنت جائع لا تقدر بثمن, وقطعة لحم متفسخة, لو شممت رائحتها تكاد تخرج من جلدك, وكلاهما قطعة لحم، هذا في قطع اللحم، في البشر أبلغ ، قد تجد إنساناً خيراً من ملء الأرض من البشر، أعتقد الأرض نعرف حجمها من محيطها, وحجم الإنسان المتوسط متر مربع مثلاً، قسمنا حجم الأرض على متر، نعرف لو أن الأرض مجوفة كرة مفرغة وملأناها من بني البشر, ممكن نعرف كم إنسان تستوعب الأرض؟. فالنبي -عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى، هو رسول الله- يقول: هناك رجل يساوي ملء الأرض من غيره. البشر متشابهون بأشكالهم المادية, ولكن بمراتبهم عند الله متفاوتون تفاوتاً عجيباً، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] أنت بمعرفتك، واستقامتك، وإخلاصك، ونواياك الطيبة, وتضحياتك، وبذْلك، وانضباطك ، وورعك، ومآثرتك، لك عند الله مرتبة، هذه المرتبة هي أهم شيء في حياتك، لأن هذه المرتبة لها منعكس أبدي إلى يوم القيامة. دقق في هذه الفكرة : دقق في هذه الفكرة: هناك في الدنيا أشياء كثيرة, ولكن تنتهي عند الموت لا قيمة لها. يعني: إنسان توفاه الله عز وجل, لو أردت أن تؤبنه: هل بإمكانك أن تتحدث عن بيته, عن مساحة بيته، عن أناقة بيته، عن تزيينات بيته؟ أبداً, هل بإمكانك أن تتحدث عن مركبته؟ عن حجمه المالي؟ أبداً، لا تستطيع أن تتحدث إلا عن عمله الصالح. حضرت جنازة في أحد مساجد دمشق, وصاحب الجنازة المتوفى صناعي، عنده معمل ، دخلت إلى بيته, وكان هناك زيارات متبادلة، فعلاً شيء مدهش، صناعي من الطراز الأول ، متفوق جداً، أذواقه عالية جداً، رحلاته إلى أوربا وأمريكا سنوية، فلما وضع في النعش في المسجد, قام أحد علماء دمشق لتأبينه, وقال بالحرف الواحد: أخوكم أبو فلان كان مؤذناً ترحموا عليه. أنا صعقت, قلت: يا رب ألا يمكن أن يقال دقيقة واحدة عنه؟ دنيوي من الطراز الأول, وكان صالحاً وما كان سيئاً فيما أظنه, ولا أزكي على الله أحداً، ولكن لا يوجد عمل يلفت النظر، الدنيا تلفت النظر أما الآخرة لا تلفت النظر، فماذا يقول هذا العالم الجليل؟ كان مؤذناً ترحموا عليه، وأنا قلت في نفسي: يا ليت الإنسان يعمل عملاً يؤبن في دقيقة ستين ثانية ، أو في خمس دقائق, أو يتحدث عن عمله في ساعة. أنت لك حجم عند الله عز وجل، حجمك لا بأناقتك، ولا بطعامك, ولا بشرابك، ولا بأثاث بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بمساحة بيتك, ولا بنوع مركبتك، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح فقط، مع الإخلاص, مع الانضباط. فإذا تحدثنا عن مرتبة التبتل, ليس معنى هذا: أن هذه مرتبة مألوفة معظم الناس في مستواها، لا، قد تكون في مرتبة نادرة, وهذا لا يمنع أن نتحدث عن مرتبة عالية, كي ترتفع أهدافنا، هناك من يأكل ويشرب وتنتهي كل همومه عند طعامه وشرابه، هناك من يأكل ويشرب ويتزوج وتنتهي كل همومه عند طعامه وشرابه وزواجه، وهناك من يطمح إلى أن يعمل عملاً يرضي الله عز وجل، قل لي: ماذا يهمك, أقل لك: من أنت؟. هذا المؤمن الصادق : أخواننا الكرام, المؤمن الصادق يحمل هموم المسلمين، المؤمن الصادق له أهداف في الحياة, تسمو عن حاجاته اليومية، وتسمو عن ميوله ورغباته, وتسمو عن مصالحه، المؤمن شخصية فذة, لا يسخر القيم ولا يسخر منها، يقود نفسه ولا تقوده، يسير هواه ولا يسيره، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وارتقى حتى مالت إليه النفوس. بصراحة: المؤمن الصادق يجب أن تحبه لمزاياه الأخلاقية، الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 180] أنت لا تستطيع أن تتصل بالله إلا بكمال مشتق منه، الله عز وجل رحيم، لن يسمح الله لك أن تتصل به, ولن يلقي في قلبك شيئاً من سكينته إلا إذا رحمت خلقه، الله عز وجل عدل, لن تستطيع الإقبال عليه إلا إذا كنت عادلاً، الله عز وجل محسن لعباده, لن تستطيع أن تكشف الحجاب بينك وبينه إلا إذا كنت محسناً، لن تستطيع أن تتصل به إلا بكمال مشتق منه، إذاً: المؤمن على جانب من الكمال، المؤمن صبغة الله. في بعض الشركات الضخمة في العالم, حينما ترى العلامة التجارية لهذه الشركة, تشتري بلا تردد، هذه الشركة الفلانية، الآن يوجد حرب علامات تجارية، ترى الشركة لها اسم كبير, تدقق, تجد مصنوعة في الصين، آخذة اسم لماع براق, ولكنها صنع بلد من الدرجة العاشرة مثلاً، فهذه حرب علامات تجارية, فهو إن صح التعبير: المؤمن علامته التجارية صبغة الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 138] يعني من أعلى درجة، يعني متخلق بالكمال الإلهي، يشتق كمال الله عز وجل، فتحتار برحمته، بعدله، بإنصافه، بتواضعه, بإنكاره لذاته، بخدمة الخلق، هذا التمهيد من أجل أن تعلموا أنَّ هذه المرتبة قد تكون عالية جداً؛ ولكن لا بد من شرحها. ما معنى التبتل في اللغة؟ : التبتل هو الانقطاع, وهو التفعل من البتل, وهو القطع، بتل قطع, تبتل تفعل، ما معنى تفعل؟ العمل المتكرر، العمل المستمر فيه تفعل مثلاً, قد تقول فلان كتب، كتب مرة واحدة، أما اكتتب أصبح كاتباً، اتخذ الكتابة حرفةً له. وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 42] لماذا الاصطفاء مرتين؟ الاصطفاء الأول اصطفاء قرب، معنى ذلك: أن الإنسان مخير، معنى ذلك: أن النبوة اصطفاء، النبوة فيها جانب كسبي وجانب وهبي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 42] هذا الجانب الكسبي، بعد أن اصطفاهم وجعلهم أنبياء ورسلاً أعطاهم الوحي، أعطاهم المعجزات هذا وهبي، يوجد جزء كسبي وجزء وهبي، كذلك مريم البتول، إن الله اصطفاك لمحبتك, لمعرفتك، لإخلاصك، لإقبالك، واصطفاك جعلك تلدين من دون زوج، الاصطفاء الأول اصطفاء قرب, والاصطفاء الثاني اصطفاء معجزة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 42] ففاقت نساء الزمان شرفاً وفضلاً. ومصدر بتل تبتلاً كتعلم تعلماً، يعني بتل تبتلي وتبتل، ما معنى بتل؟ إنسان قطع اللحمة، الفرق بين قَطَعَ وقَطّعَ، الفرق واضح, يوجد مبالغة، قَطَعها قطعةً واحدة، أما إذا قطعها قطعها آلاف القطع، كالفرق بين كَسَّرَ وكَسّرَ، قد يقع هذا الكأس من يدك فينكسر, أما إذا جئت بمطرقة, وضربته عشرات الضربات, حتى أصبح طحيناً, هذا اسمه كَسَّرَ غير كَسَرَ، وغلقت الأبواب، أغلقت الباب أصبح الباب مغلقاً، أما غلَّقت الأبواب أترجتها، هل ترى الفرق بين كَسَرَ وكَسّرَ، وبين غَلَقَ وغَلّقَ، قَطَعَ وقَطّعَ؟ فالتبتل: التفعل من البتل، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 43] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8] فالتبتل المفاعلة من البتل، البتل مبالغة كماً ونوعاً، فالتبتل كالتعلم والتفهم، تفهم تفهماً، تعلم تعلماً. من أسرار البلاغة في القرآن الكريم : الشيء الذي يلفت النظر, قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8] ولم يقل: تبتلاً بل تبتيلاً، يوجد سر التبتيل, يعطي معنى آخر, فربنا عز وجل جاء بالفعل أعطى معنى، وجاء بمصدر آخر أعطى معنىً آخر، فلذلك: هذا من أسرار بلاغة القرآن الكريم، التبتيل فيه تكلف وتعمل وتكثر ومبالغة، فصار في تفعيل من تبتل، وفي تكلف وتعمل وتكثر ومبالغة من تبتيل، وما قال: وتبتل إليه تبتلاً، قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8] فالمصدر أعطى معنى والفعل أعطى معنى، فأتى بالفعل الدال على أحدهما, وبالمصدر الدال على الآخر, فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلاً, وتبتل إليه تبتلاً, ففهم المعنيان من الفعل ومصدره, وهذا كثير في القرآن الكريم, وهذا من أحسن الاختصار. أضرب مثلاً آخر لكم: لو فتحنا المعجم على فعل أحسن, في المعجم أحسن إليه، إلى من لوازم أحسن بالقرآن الكريم, قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [سورة الإسراء الآية: 23] جاء أحسن بـ، الباء تفيد الإلصاق، فمعنى الإحسان أضيف إليه الإلصاق، يعني يجب أن تحسن إليهما مباشرةً دون وسيط, هذا المعنى, أخذنا معنى الإحسان من الفعل, ومعنى الإلصاق من الباء، فجمعنا المعنيين في معنىً واحد. ما معنى التبتل في المصطلح الشرعي؟ : التبتل: الانقطاع إلى الله بالكلية، وقوله عز وجل: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد الآية: 14] أي يجـب أن تكون خالصاً له وحده، لأنه أهل أن تكون له، له دعوة الحق، فالتبتل هو الانقطاع عن ملاحظة الخلق, بحيث لا يكون المتبتل كالأجير, الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة, فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133] هذه مرتبة، أما الآن في واو: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 135] هذه الواو ليست عاطفة، هذه واو استئنافية، يوجد مرتبة أدنى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران الآية: 135] الطبقة الثانيـة عملت لمصلحتها ونعم أجر العاملين، عملت لمصلحتها فنالت الأجر كهذا المعنى هنا تماماً، أحياناً الإنسان يحب الله ولا يسأله شيئاً. من أحبنا أحببناه, ومن طلب منا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عما لنا, كنا له وما لنا. يوجد إنسان يحب الله حتى يوفقه ويعطيه صحة طيبة، ويجعله غنياً، يهيىء له زوجة صالحة، ويجعله محبوباً بين الناس، يحب الله لعلة يريدها, مقبول عند الله على العين والرأس, ولكن الأول أعلى, الذي يحب الله من دون شيء. يعني هكذا يقول بعض العارفين بالله، أو بعض علماء القلوب: هناك من يعبد الله حباً به, وهناك من يعبد الله طمعاً في جنته، وهناك من يعبد الله خوفاً من ناره. فالأجير همه الأجرة فإذا أخذها انتهى الأمر، يعني إنسان رغبان بالصحة, أعطاه الله صحة، يبتغي تجارة وقد حصلها، يتوق بزوجة فنالها، عنده بيت ومركبة، ما له شيء عند الله، أراد الاستقامة ليكسب الدنيا فكسبها، لا يوجد عنده الشوق لله عز وجل, هذه المرتبة مقبولة, ما دام هو يخافه ويرجو رحمته، ولكن ليست راقية هذه المرتبة. صلى الله عليه كان يصلي حتى تتورم قدماه, قالت له السيدة عائشة: ((يا رسول الله! ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال لها: أفلا أكون عبداً شكوراً؟)) نحن نعمل عملاً طيباً, نرتاح، نجتهد في عمل, نستريح فترة, لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- طوال النهار في خدمة الخلق, وفي الليل في الاتصال بالحق. يعني الله تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته، وإن لم يوجب لداعية بها ثواباً فإنه يستحقها لذاته، يعني كماله يجعله أهلاً أن تحبه دون أن تطالبه بشيء. مثلاً: إذا صديق غني, كل ما زرته قدم عشاءً، يكرمك ويصحبك في نزهة، فأنت تحبه, ولكن يا ترى: تحبه لذاته أم لكرمه؟ الله أعلم، لو أنك زرته مرتين ثلاثة, وما قدم لك شيئاً, ولا خدمك أبداً, تنصرف عنه، معنى هذا: أن إقبالك عليه لم يكن من أجل كماله بل من أجل نواله. كيف تصل إلى هذه المرتبة؟ : الإنسان أحياناً يطلب الله عز وجل لمصابه بأمراض مخيفة؛ سرطانات, شلل، جلطات مبكرة، حادث سير مخيف، فقر مدقع، يخاف, يلتجئ إلى الله, فطالب السلامة، طالب الغنى، طالب السعادة، جيد على العين والرأس, ولكن هناك مرتبة أعلى بكثير, أن تحب الله دون أن تعلق محبتك بمنفعة تجرها أو كسب توصله. من أحبنا أحببناه, ومن طلب منا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عما لنا, كنا له وما لنا: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا ليس لي عنهم معدل وإن عدلوا والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا هذا متى يظهر؟ يظهر لما الإنسان يكون متألقاً عند الله ثم تأتيه مصيبة فيصبر، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص الآية: 44] أحياناً: يسوق لك الرب أشياء غير واضحة, فعليك أن تقول: يا رب أنا راض بما قضيت. أحياناً: أب محترم جداً، كامل, عالم، مرب، غني، مقتدر, يعني إذا أعطى أمراً لابنه, غير واضح مثلاً: لا تأكل يا بني، فعلى الابن أن يقول: سمعاً وطاعة، حاضر، فالأب الذي قدم لأولاده كل شيء, يحق له أن يعطيهم أمراً غير واضح, وأن يقبلوه، الله عز وجل أحياناً يمتحننا امتحان عبودية له، وأحدنا مستقيماً متألقاً عند الله, تأتيه مصيبة ليس لها تفسير، المؤمن يقول: يا رب أنا راض بقضائك وقدرك، عندها يكون قد نجح وأخذ درجة تامة. المؤمن إذا استقام الله عز وجل, أحياناً بعد استقامته مباشرةً يعطيه الدنيا, يشجعه, لأنه ضعيفاً، وإنسان آخر يستقيم, ويبقى سنوات وسنوات بوضعه المادي السابق، هذا أرقى, هذا ما علق أهمية، وما اتخذ الاستقامة تجارة, بل إن الله عز وجل لو يعاقب المذنب مباشرةً, ويكافئ المحسن مباشرةً, انتهى الاختيار، كل الناس يخافون العقاب السريع فينضبطون, ويرجون العطاء السريع فينضبطون، أما الله عز وجل سياسته يسمح لك أن تفعل ما تشاء إلى أمد بعيد ثم يحاسبك. هذا التبتل : التبتل: هو الانقطاع إلى الله تعالى, لأنه أهل أن يعبد وحده، ويدعى وحده، ويقصد وحده، ويشكر وحده، ويحمد وحده، ويحب, ويرجى، ويخاف، ويتوكل عليه، ويستعان به، ويستجار به, ويرجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده, قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد الآية: 14] يعني له وحده أن تدعوه كلياً، هذه المعاني إذا قامت بنفس الإنسان, إذا دعا الله وحده، قصده وحده, تلك دعوة الحق. السيدة عائشة لما الله برأها, قالت لها أمها: ((قومي إلى النبي فاشكريه، قالت: والله لا أقوم إلا لله -على مسمع من النبي-, فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: عرفت الحق لأهله)) فحينما تعبده وحده, وتدعوه، وتقصده وحده، وتشكره وحده, وتحمده وحده، وتحبه وحده، وترجوه وحده، وتخافه, وتتوكل عليه وحده, وتستعين به وحده، وتستجير به وحده، وتلجأ إليه وحده، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده، هذا التبتل، ليس لك علاقة بالخلق أبداً؛ تعاملهم، تلاطفهم، تحسن لهم، تكرمهم، أما قلبك معلق بالله لا تعلق عليهم أية أهمية. منعطف هام : بالمناسبة: الله عز وجل من أساليبه العظيمة في تربية خلقه: أنه حينما تعتمد على جهة أرضية, لحكمة بالغة بالغة الله عز وجل يلهم هذه الجهة الأرضية التي اعتمدت عليها, أن تخيب ظنك فيها، لأن الله يغار، حينما تعتمد على جهة أرضية, الله عز وجل يلهم هذا الإنسان أن يتخلى عنك في أحرج وقت، لو قال لك: واحد زرني، ماذا تريد؟ أحققه لك فأنت ارتحت, علقت الأمل كله عليه ونسيت الله عز وجل, تزوره يتجاهلك, يسألك: ما الاسم الكريم؟ قد لا يقول لك: تفضل اجلس، أنت تصعق بهذا الموقف، هذا الموقف مفتعل، حينما تعلق أهمية على جهة أرضية, إذا كان الله يحبك ويغار عليك, يلهم هذه الجهة الأرضية أن تخيب ظنك بها، لا تحزن. قصة : رجل افتقر, وله قريب يعمل مدير مكتب السلطان عبد الحميد، شد إليه الرحال، وعلق عليه الآمال كلها على قريبه مدير مكتب السلطان، كان حاكماً لثلث العالم، فقدم استدعاء مدير المكتب لقريبه بتعيينه بوظيفة, فلم يوقعها السلطان لمدة أسبوع, كل يوم يعرضها عليه فيهملها، ومرَّ أول أسبوع، وثاني أسبوع، وثالث أسبوع ولم يوقعها، فهذا الرجل يبدو على معرفة بالله, أعطى توجيهاً للخادم أن يصرفه، قال له: يا أخي, الضيف ثلاثة أيام, ومضى شهر, كأنه طرده، فهذا خرج هائماً على نفسه يبكي، قال له: اتبعه, وانظر أين يسكن؟ فدخل لخان, وسكن فيه من اليوم الثاني, وضع الاستدعاء للسلطان, فوقعها فوراً, فاستدعاه, قال له: بقيت شهراً بأكمله معتمداً علي, فلما يئست مني, واعتمدت على الله, وقع السلطان، طبعاً قصة لها معنى، لما علقت الأمل على إنسان خيب الله ظنك بهذا الإنسان، فلما علقت الأمل على الله عز وجل, الله عز وجل أكرمك بما كنت تريد. ما هما الأمران اللذان يجمعهما التبتل؟ : أيها الأخوة, ندخل في التفاصيل: التبتل يجمع أمرين؛ اتصالاً وانفصالاً لا يصح إلا بهما ، فالانفصال انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله رغبة فيه أو مبالاة به أو فكراً فيه. يعني يجب أن تقطع نفسك عن كل ميل يزاحم مراد الله منك هذا الانفصال، النفس تميل إلى النوم, ويوجد دعوة إلى الذكر والاستيقاظ والصلاة, فيجب أن تقطع نفسك عن حظها من النوم, لأن هذا الحظ يزاحم مراد الله منك في أن تصلي، والاتصال لا يصح إلا بعد هذا الانفصال, وهو اتصال القلب بالله, وإقباله عليه, وإقامة وجهه له حباً، وخوفاً، ورجاءً، وإنابةً ، وتوكلاً. التبتل انقطاع واتصال، انفصال عن ما سوى الله وعن حظوظ النفس وإقبال على الله، والذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك حينما ترضى بحكم الله عز وجل وقسمته لك، فمن رضي بحكم الله وقسمته, لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع: لا تســــألـن بنيّ آدم حاجة وســـل الذي أبوابه لا تغـلـق الله يغضـــب إن تركت سؤاله وبنـي آدم حيـــن يسأل يغضب يجب أن تحسم مادة رجاء المخلوقين حينما ترضى بقضاء الله وقدره، والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله, فإنه من سلم لله, واستسلم له, وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وعلم أنه لم يصبه إلا ما كتب الله له، لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضاً، حينما تعلم أن الأمر بيد الله, وأن الله لن يسلمك إلى أحد, وأن مصيرك مع الله، وأن الفعل كله بيد الله لا تخاف أحداً، والنبي الكريم بحديث جامع مانع موجز قال: ((لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه)) إذاً: إن بلغت هذه المرتبة لا معنى للخوف من غير الله عز وجل, الانفصال عن الخلق وعن هوى النفس الذي يزاحم مراد الله منك, والاتصال بالإقبال على الله. فائدة لطيفة في التسليم : في التسليم أيضاً فائدة لطيفة: هو أنه إذا سلمها الله, فقد أودعها عنده, وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه, حيث لا تنالها يد عدو عاد, ولا بغي بغي عات، أنت حينما تدع الأمر لله عز وجل, يتولى عنك كل شيء, أما إذا اتكلت على نفسك أوكلك الله إياها، فلما سلمت ضمنت النجاح، وإن لم تسلم أخفقت، هذا هو الانقطاع عن الخلق, ولكن التبتل لا يكتمل حتى يكون انقطاع المتبتل عن النفس لا عن الخلق وحدهم, ولكن عن حظوظ النفس بمجانبة الهوى، وتنسم روح الإنس، فإن في جانبة الهوى ومخالفته ونهي النفس عنه تنسم روح الأنس بالله. يوجد نقطة دقيقة: افرض نفسك وعاء ممتلئاً بالدنيا, لا يوجد مكان لحب الله عز وجل, إذا نزعت حب الدنيا من قلبك, البديل الطبيعي حب الله عز وجل، مثل آخر: نقطتان؛ الآخرة والدنيا، إن اقتربت من الآخرة ابتعدت حكماً عن الدنيا, وإن اقتربت من الدنيا ابتعدت حكماً عن الآخرة، كل فراغ لا بد من أن يشغل، فإذا فرغت نفسك من حب الدنيا, لا بد وأن تملأ محبة الله قلبك: ﴿وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ هذا الروح الذي تشعر به, هو بسبب إعراضك عن الهوى، صار في هوى وروح: من ترك الهوى امتلأ قلبه روحاً وريحاناً، من اتجه إلى الهوى خسر إقبال القلب على الله عز وجل. النفس لا بد لها من التعلق, فلما انقطع تعلقها من هواها, وجدت روح الأنس بالله عز وجل. كلمة مهمة : كنت أقول هذه الكلمة: إما أن تكون عبداً لله, وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، أنت عبد؛ فإما أن تجعل الله إلهك, وإما أن تجعل عبداً لئيماً إلهك، فإذا أنت رفضت أن تكون عبداً لله, أنت عبد لمليون شهوة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهم-, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَة)) فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهواتك، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، إن لم تخضع لله سوف تقبل الأرجل لغير الله، أنت مصمم أن تكون عبداً، فشرفك ومكانتك أن تكون عبداً لله، فالمؤمن الصادق يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه، وقد زهد في مدحهم وثنائهم, يصيح فيهم بالنصائح جهاراً، ويعلن لهم بها ويسر لهم إسراراً. نهاية المطاف : فالتبتل مرتبة عالية جداً, فيها انقطاع عن الخلق, وعن هوى نفسك, واتجاه إلى الحق، وفي تكامل, بقدر ما تنقطع عن الخلق تتجه إلى الحق، وبقدر ما تفرغ نفسك من حب الدنيا, تملأ هذه النفس بحب الله ورسوله، والقضية قضية مرتبة, نرجو الله أن نصل إليها، مرتبة التبتل، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8] التبتل الأول الانقطاع، لكن مع التفعيل، انقطاع مع التفعيل، أما التبتل: التبتيل مصدر آخر فيه معنى التكلف, والتعمل، والتكثر, والمبالغة، فمجموع المعاني خمسة: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [سورة المزمل الآية: 8-10] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التواضعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الستون ) لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من هم عباد الرحمن؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة التواضع، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] أي في سكينة ووقار, متواضعين غير متكبرين, ولا مرحين. قال الإمام الحسن: هم العلماء الحلماء, وقال بعضهم: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم الآخرون. أيها الأخوة, يمشون على الأرض هونا؛ الهَون الرفق واللين، والهُون هو الهوان والذل، فالمفتوح صفة أهل الإيمان، والمضموم صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران، أهل الكبر: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] هذه صفة أهل الإيمان : آية ثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] صفة أهل الإيمان: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، في حال التخلف يصبح المؤمنون أذلاء أمام أعدائهم, متكبرين على أبناء جلدتهم. أيها الأخوة, هذا الذل الذي وصف الله به المؤمنين أذلة على المؤمنين، قالوا: هذا ذل الرحمة، والعطف، والشفقة. كيف أن الأم من شدة عطفها على ابنها, ومن شدة الرحمة التي تملأ قلبها, تضعف أمام ابنها، تستجيب له؟ فهذا ذل العطف والرحمة والشفقة والإخبات، عدي هذا الفعل بعلى, ليشير إلى هذه المعاني، أشفق عليه, أذلة على المؤمنين, يعني مشفقين على المؤمنين، رحماء بالمؤمنين، خاضعين للمؤمنين، قولاً واحداً لم يرد الله بهذا الذل الذي وصف به المؤمنين, أن يكون ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، إنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، أرأيت إلى دقة اللغة؟ أذلة على المؤمنين، مفرد الأذلة ذلول, أما أذلة على المؤمنين مفرد آخر هو الذليل. أذلة على المؤمنين جمع ذلول، فالمؤمن سهل الانقياد، تقول مثلاً: بلابل جمع بلبل، وبلابل جمع بلبلة، وشتان بين المعنيين, البلابل جمع بلبلة, الاضطراب، الفوضى، والبلبل جمعه بلابل، وهذه الصفة أذلة جمع ذلول لا جمع ذَليل، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. بم وصف المؤمن والمنافق في هذا الحديث؟ : ورد في الحديث الصحيح: أن المؤمن كالجمل الذلول، انقياده سهل, لين العريكة، يألف ويؤلف. المؤمن كالجمل الذلول, والمنافق والفاسق ذَليل. طبعاً: يقوي هذا الحديث أن المـؤمن يألف ويؤلف، هين لين وهكذا, من لوازم الكذاب ، والنمام، والبخيل، والجبار: الذل، المؤمن ذلول, لكن الكذاب والبخيل والنمام والجبار, لا بد أن ينتهي به تجبره وكذبه ونقله للأحاديث وبخله إلى الذل. أعزة على الكافرين: هو من عزة القوة والمنعة والغلبة. وقال عطاء -رضي الله عنه-: للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته. إذا أنت احترمت مبتدعاً فقد هدمت الدين، إنسان مبتدع، إنسان فاسق، إنسان كافر، إنسان يستهزئ بالدين, ينبغي أن تكون شديداً عليه. إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق. ومن عظم صاحب بدعة فقد عمل على هدم الدين. صاحب البدعة لا يعظم ولا يبجل ولا يحترم، وقد قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح الآية: 29] ما وراء هذه الأحاديث : وفي صحيح مسلم: عَنْ قَتَادَةَ, وَزَادَ فِيهِ: ((وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا, حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ, وَلا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ)) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)) عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: ((سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ, فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ, مَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ وَقَالَتِ النَّارُ: مَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ, وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ, وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا, فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ, وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا, وَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾, حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا, فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ, وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ)) كيف نجمع بين هذين الحديثين؟ : لا بـد من تعليق حول هذا الحديث: النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أثنى على المؤمن القوي، والنبي أيضاً أثنى على الضعفاء والمساكين، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ؟)) [أخرجه الترمذي في سننه] كيف نجمع بين الحديثين؟ نجمع بينهما في أنه: إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً، وإذا كان طريق أن تكون في منصب رفيع سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون في هذا المنصب الرفيع، لأن المؤمن القوي بماله أو بعلمه أو بمنصبه خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، لأنه أقدر على فعل الخير، ولأن الخيارات أمامه كثيرة جداً، ولأنه يستطيع أن ينقذ الآخرين، فماذا يعني أن يثني النبي -صلى الله عليه وسلم- على الضعيف والمسكين؟. قال علماء الحديث: حينما يكون طريق القوة الوحيد هو المعصية, فالضعف وسام شرف، وحينما يكون طريق الغنى الوحيد أكل أموال الناس بالباطل, فالفقر وسام شرف، وحينما يكون طريق القوة الوحيد: أن تكون منافقاً, أو أن تقول كلاماً لا يرضي الله, فأن تكون ضعيفاً هو وسام شرف لك، فلذلك إذا كان الطريق سالكاً وفق منهج الله كن قوياً, أما إذا كان الطريق ليست سالكةً إلا بمخالفة منهج الله فأنعم بالفقر والضعف. تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث؟ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ سُفْيَانُ أَوَّلَ مَرَّةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ أَعَادَهُ, فَقَالَ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعِزَّةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أُلْقِيهِ فِي النَّارِ)) عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ)) [أخرجه الترمذي في سننه] مرة ذكرت مثلاً طريفاً: إذا جاءك ضيوف كثر, وما عندك شيء تقدمه لهم إلا قليلاً من اللبن, يمكن أن تضيف له خمسة أمثال ماء, وأن تجعله شراباً سائغاً طعمه، لكن هذه الكمية من اللبن يفسدها نقطة من النفط، أما لو أضفت إليها خمسة أمثال من الماء لا تفسدها، فالكبر كنقطة النفط إذا دخلت كيان إنسان حجبته عن الله عز وجل. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حبة مِنْ كِبْرٍ, قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ, الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] و: ((العزة إزاري، والكبرياء ردائي, فمن نازعني واحداً منهما عذَّبته، ولا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين فيصيبه ما أصابهم)) إليكم بعض صفات النبي عليه الصلاة والسلام بالتواضع : وكان عليه الصلاة والسلام من شدة تواضعه يمر على الصبيان فيسلم عليهم. وقد قرأت في السنة أيضاً: أنه كان يسابقهم أحياناً. وقد قرأت أيضاً في السنة: أنه كان يدعو بعض الصبيان لركوب جمله, ليدخل على قلبهم الفرح. وكانت الأمة -أي البنت الصغيرة- تأخذ بيده -صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت من شدة تواضعه. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل, لعق أصابعه الثلاث تواضعاً لله عز وجل. وكان عليه الصلاة والسلام يكون في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم لنفسه قط. وكان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم، ويبدأ من لقيه بالسلام, ويجيب دعوة من دعاه, ولو إلى أيسر شيء إلى خل, قال: نعم الإدام الخل. وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع, جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم. وكان صلى الله عليه وسلَّم يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ, أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] عَنْ جَابِرٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ, كَانَ سَهْلاً إِذَا بَاعَ, سَهْلاً إِذَا اشْتَرَى, سَهْلاً إِذَا اقْتَضَى)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ, وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لأَجَبْتُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] يعني قدم واحد، أرأيت إلى هذا التواضع. وكان صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُ الْمَرِيضَ, وَيَشْهَدُ الْجَنَازَةَ, وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ, وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ, وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ, بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ, عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] هذه بعض صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتواضع. من علامة التواضع : سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق، وينقاد له, ويقبله ممن قاله . سيدنا عمر بن عبد العزيز اختار عالماً جليلاً, ورجاه أن يكون معه, وقال له: إذا رأيتني ضللت, فأمسكني من تلابيبي أمام الناس, وهزني هزاً شديداً, وقل لي: اتق الله يا عمر فإنك ستموت. دخلنا الآن في التفاصيل، علامة التواضع: أن تنقاد للحق, وأن تخضع له، وأن تقبله ممن قاله, ولو كان صغيراً. أبو حنيفة النعمان قال لغلام: يا غلام إياك أن تسقط، فقال الغلام: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي, وإنك إن سقطت سقط معك العالم. ما قيل عن التواضع : وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة, فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب . الجنيد يقول: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب. قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 24] وقال ابن عطاء الله السكندري: هو قبول الحق ممن كان, والعز في التواضع, فمن طلبه في الكبر, فهو كمن طلب الماء من النار. لا يمكن أن يطلب التواضع في الكبر، الكبر مهلكة، الشرف في التواضع, والعز في التقوى، والحرية في القناعة. من صفات عمر بن الخطاب : وقال عروة بن الزبير -رضي الله عنهما-: رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء, فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين, دخلت نفسي نخوة, أردت أن أكسرها. أمير المؤمنين, أعلى إنسان في الجزيرة, خليفة المسلمين, ليس بينه وبين الله أحد، جاءته الوفود من كل جانب, تواضعت له وخضعت, فخاف على نفسـه, فحمل قربة ماء على عاتقه أمـام النـاس. ومرة كان يخطب قطع الخطبة, وقال: يا بن الخطاب! كنت ترعى غنيمات على قراريط لبني مخزوم -ما فهم أصحابه ماذا يعني بهذا الكلام؟ قطع الخطبة كما تقطع الأخبار, وتأتي الإعلانات مثلاً- وجاء بهذا النص، قال له بعض أصحابه بعد انتهاء الخطبة: ماذا قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: جاءتني نفسي, وقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد -يعني أعلى إنسان - أردت أن أعرفها قدرها، يا بن الخطاب كنت ترعى غنيمات على قراريط لبني مخزوم. ومرة قال: كنت عميراً، فصرت عمراً، فأصبحت أمير المؤمنين. ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز, فاستضافوه -سيدنا الحسن مع أطفال خبز يابس- فنزل, وأكل معهم, ثم حملهم إلى منزله, فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم -الفضل لهم-, لأنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني, ونحن نجد أكثر مما أطعمناهم. ما قيل عن أبي ذر الغفاري : ويروى أن أبا ذر -رضي الله عنه- في ساعة من الساعات عير بلالاً, وقال له: يا بن السوداء، ثم ندم, فألقى بنفسه على الأرض, وحلف, لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال. سيدنا أبو ذر الصحابي الجليل القرشي وقع على الأرض ووطئ بلال خده. هذا ما ذكره المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز : وقال بعض من عاصر عمر بن عبد العزيز: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وهو يخطب باثني عشر درهماً, وكانت قباءً، وعمامةً، وقميصاً، وسراويل، ورداءً، وخفين، وقلنسوة. سيدنا عمر بن عبد العزيز, له ابن اشترى خاتماً بألف درهم, فكتب إليه أبوه: بلغني أنك اشتريت فصاً بألف درهم, فإذا أتاك كتابي هذا, فبع الخاتم, وأشبع به ألف بطن. اليوم عقد قران في فندق خمس نجوم, يحتاج أموالاً كثيرة، عقد كلف خمسة وثمانين مليوناً، كم بطن يشبع؟ كم وجبة طعام تقدم؟ الوجبة بمئة ليرة, عد كم شاب يتزوج؟. قال له: فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتماً بدرهمين, واجعل فصه حديداً صينياً, واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه, والله أعلم. روح التواضع : لا زلنا في التواضع، روح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق, بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له, والذل والانقياد, والدخول تحت رقه, بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملكته، فبهذا يحصل العبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي الكبر بضده فقال: ((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي وأبو داود في سننهما] بطر الحق رده وجحده، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم, ومتى احتقرهم وازدراهم, دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها, مجتمع الكفر والفسق والفجور، القوي له صولة, وأنداده لهم صولة، إذاً يصطدمون، قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 14] ما يتعلق بالتواضع : 1-التواضع للدين : يا أيها الأخوة, بدأنا ندخل في أدق التفاصيل، قال: التواضع للدين: وهو أن لا يعارض بمعقول منقولاً. يعني يوجد نص ثابت صحيح عن رسول الله, تقول غير معقول، معنى هذا: أنك متكبر، إذا ثبت لك هذا النص, ثبت عن رسول الله تشمئز, وتقول غير معقول، فالنبي لا يقول هذا الكلام، لا يقبله منطق، لا يقبله عقل, أنت متكبر، التواضع للدين ألا يعارض بمعقول منقولاً، ولا يتهم للدين دليلاً، ولا يرى إلى الخلاف سبيلاً، هذا التواضع. التواضع للدين: الانقياد لما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام-, والاستسلام له, والإذعان له, وذلك بثلاثة أشياء, فقال الأول: ألا يعارض شيئاً مما جاء به بشيء من المعارضات الأربع السارية في العالم المسماة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة. فالأول للمنحرفين من أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة. وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل, -أنا أقول: قدمنا النقل, لأن الدين في الأصل نقل، وقد يقصر عقلي عن فهم النقل، أما هؤلاء العقلانيون، هؤلاء المتكلمون يقولون-: إذا تعارض العقل والنقل, قدمنا العقل وعزلنا النقل. هؤلاء متكبرون يعبدون عقولهم من دون الله، فإذا شيء ما راق لهم رفضوه واعتمدوا عقلهم كأداة معرفة يقينية، الذي يعتمد على عقله ولا يعبأ بالوحي هذا متكبر, وهناك متكبرون من المنتسبين إلى الفقه، فإذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدموا القياس على النص. والفئة الثالثة: المنتسبون إلى علم القلوب والزهد، إذا تعارض عندهم الذوق والأمر, قدموا الذوق والحال, ولم يعبؤوا بالأمر. والفئة الأخيرة: المتكبرون المنحرفون من الولاة والأمراء, إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة, قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة. يوجد متكلمون، متفيقهون، متصوفون، ولاة وأمراء، الأولون يقدمون عقولهم على النص ، والفئــة الثانية تقدم القياس على النص, والفئة الثالثة تقدم الذوق على النص، والفئة الرابعة تقدم السياسة على النص. 2- ألا يتهم دليلاً من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة: أولاً: التواضع للدين، الشيء الثاني: ألا يتهم دليلاً من أدلة الدين, بحيث يظنه فاسد الدلالة، أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غيره كان أولى منه. يقول لك: ليس في الإسلام ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي، لا يوجد ولا قاعدة اقتصادية في الإسلام، يتهم الدين كله, أن الدين يخلو من نظام اقتصادي، مع أن نظام الزكاة، نظام الصدقات، التكافل الاجتماعي، نظام الإنفاق، يكتب مجلدات على النظام الاقتصادي في الإسلام. قال: وما اتهم أحد دليلاً للدين, إلا كان المتهم هو الفاسد, الذهن المأفون في عقله وذهنه ، فالآفة من الذهن العليم لا في الدليل نفسه. قال: إذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك, وينبو فهمك عنه, فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك, وأن تحته كنزاً من كنوز العلم, ولم تؤت مفاتحه بعد هذا في حق نفسك - يعني إذا شيء ما فهمته, قد يكون هذا لقصر في ذهنك لا لضعف في الشيء-والنصيحة: أن تتهم آراء الرجال على نصوص الوحي, وليكن ردها أيسر شيء عليك, فإن لم تفعل ذلك فلست على شيء. الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى وقدس روحه- قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, لم يحل له أن يدعها لقول أحد. الشيء الثاني: أن لا تتهم دليلاً من أدلة الدين. 3- ألا يجد إلى خلاف النص سبيلاً البتة الشيء الثالث: ألا يجد إلى خلاف النص سبيلاً البتة، لا بباطنه, ولا بلسانه، ولا بفعله، ولا بحاله. من علامات التواضع أيضاً : أيها الأخوة, من علامات التواضع: أن تكون متبعاً لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكل من خالف سنة رسول الله لقول متبوعه، أو شيخه, أو مقلده، أو لرأيه، أو لمعقوله، أو لذوقه، أو لسياسته، فهو ممن اتسم بالكبر، الذي يقدم سياسته، أو ذوقه، أو عقله، أو رأيه، أو يقلد شيخاً، أو مقلداً، أو متبوعاً, ويخالف السنة, فهو ليس من التواضع في شيء. التواضـع الانقياد للحق. نهاية المطاف : سيدنا الصديق في أول خطبة خطبها, قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع. قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ سورة الأحقاف الآية: 9] تلك مقولة سيد الخلق وحبيب الحق، فالاتباع هو دليل التواضع، والتأبي وعدم الاتباع، وتحكيم العقل في النقل، وتغليب الذوق والحال, وتغليب قول إنسان دون رسول الله، وتغليب قياس أو فكرةٍ, من يفعل هذا, فقد ابتعد عن التواضع, واتصف بنوع من أنواع الكبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. وأحياناً الله عز وجل لحكمة يريدها: يأمرك بعبادة قد لا تفهم معناها، أو يأمرك بشيء يستعصي فهمه عليك, فهذا امتحان تعبد لله عز وجل، فأي شيء أمرنا الله به نطبقه, ولكن حينما نقبل على تطبيق أمر, دون أن نفقه حكمته, نجحنا في امتحان العبودية لله، فإذا فعلنا هذا, تفضل الله علينا, وكشف الحكمة, فجمعنا بين العبادة والعلم، ونرجو الله تعالى أن نكون ممن تواضع لله عز وجل حتى يرفعنا الله عز وجل، ومن تواضع لله رفعه. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاجتباءالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و الستون ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. متى يبلغ العبد ذروة الإيمان؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والستين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم هي الاجتباء، وقد سمعتم قبل قليل في سورة يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [سورة يوسف الآية: 6] الاجتباء منزلة من منازل مدارج السالكين, في إياك نعبد وإياك نستعين، الحقيقة: هذه المنزلة منزلة خاصة جداً، يبلغها المؤمن متى بلغ ذروة الإيمان، فللإيمان ذروة. كيف أن الطالب أحياناً ينال وثيقة إتمام المرحلة الابتدائية، ثم ينال الشهادة الإعدادية، ثم ينال الشهادة الثانوية، ثم يحصل على إجازة باختصاص معين، ثم هناك دبلوم عامة في هذا الاختصاص، ثم هناك دبلوم خاصة، ثم هناك ماجستير، ثم هناك دكتوراه، وفي أعلى من دكتوراه، دكتوراه دولة، وفي أعلى من دكتوراه دولة, أن يمنح بعض الألقاب العلمية الخاصة جداً. فإذا بلغ المؤمن ذروة الإيمان, يجتبيه الله عز وجل, ويصطفيه, ويجذبه إليه، المقياس عند الله دقيق جداً، يعني لا يمكن أن يجتبي مؤمناً إلا إذا كان كاملاً، إلا إذا كان مخلصاً، إلا إذا كان ورعاً، إلا إذا كان مستقيماً، إلا إذا كان محباً، إلا إذا كان منضبطاً، إلا إذا كان محسناً, إلا إذا كان منصفاً، إلا إذا كان رحيماً، مرتبة عالية جداً, أن يجتبيك الله عز وجل. ورد في بعض الأحاديث أنه: إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اغتناه . هل استبد الأنبياء منزلة الاجتباء؟ : قال صاحب المدارج: وقد استبد الأنبياء عليهم السلام بهذه المنزلة، احتكروها، وكادوا أن يحتكروها، وشغلوا محلها وفناءها, إلا حيزاً قليلاً جداً, أخلاه الله تعالى، ووقفه، وادخره، ليهبه ثلة من المؤمنين، في كل جيل يصدقونه الحب فيحبهم، ويريدونه فيريدهم, من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عن مالنا, كنا له ومالنا. هل محبة الله تحتاج إلى دليل؟ : مراتب محبة الله عز وجل مراتب عالية جداً، وهذا الحب يحتاج إلى دليل, والله سبحانه وتعالى لم يقبل دعوة محبته من دون دليل, قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] دعوة المحبة تحتاج إلى دليل، وأن تحب الله عز وجل هذه أعلى مرتبة تنالها في حياتك. هل تسعى إلى أن تنال هذه المرتبة كما نالها معاذ بن جيل؟ : مرة سمعت أحد الدعاة في عقد قران, يذكر حديث الرسول -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, حينما قال: والله يا معاذ إني لأحبك. ما رأيت في الأرض من آدم إلى يوم القيامة مرتبة أعلى من هذه المرتبة، أن يحبك رسول الله، ومحبة رسول الله عين محبة الله، ومحبة الله تترجم بمحبة رسول الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [سورة التوبة الآية: 62] بضمير المفرد، قال علماء التفسير: إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله. وبالمقابل: محبة رسول الله لك عين محبة الله، ومحبة الله لك عين محبة رسول الله. يجب أن تعلم علم اليقين : كنت أضرب مثلاً: أن الداعية الصادق، أو ولي الله عز وجل, الذين قال الله عنهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 62 ـ 63] هذا الولي يشبه لوحاً من البللور المتقن, لشدة صفائه ونظافته ودقة صنعه، لا تراه أبداً، ترى ما خلفه، إذا اجتزت ممشى, بابه بللور, نظيف نظافة بالغة, تظن الممشى سالكاً, لا باب يحجزه، لشدة صفاء البللور ونقائه واستقامته واستوائه، كأنه غير موجود، و يجب أن نعلم علم اليقين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لشدة اتصاله بالله وإنكاره لذاته، كل أقواله وأفعاله تعبر عن الحقيقة لا عن ذاته، عن الحقيقة: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام الآية: 50] من علامات آخر الزمان : لذلك في آخر الزمان قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [سورة الواقعة الآية: 10 ـ 14] قلة، هذا الذي اختار الله ورسوله ...... سيدنا الصديق خرج من ماله خمس مرات كلياً، قال: ((يا أبا بكر ماذا أبقيت؟ قال: الله ورسوله)) إذا الإنسان وصل إلى محبة الله، وإلى القرب منه، ما فاته من الدنيا شيء: يا رب ماذا فقد من وجدك, وماذا وجد من فقدك؟. نقطة دقيقة : من اجتباء الأنبياء: أن الله تعالى ألقى إلى نبيه محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كتابه، اجتباه بهذا الكتاب، وخصه بكرامته، وأهله لحمل رسالته، وأنعم عليه بنبوته، من غير أن يكون ذلك منه على رجاء. هنا في نقطة دقيقة جداً, يجب أن توضح: النبوة هبة من الله، لكن بلا سبب, بلا مؤهلات, مستحيل، والدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 33] لماذا اصطفاهم؟ في بالنبوة جانب وهبي. يعني لما الدولة تعين سفيراً, تعطيه جواز سفر دبلوماسي، تعطيه حقيبة ممنوع فتحها، تعطيه مبالغ طائلة, ينفقها بمعرفته بحكمته في تلك البلاد، تعطيه كتاب اعتماد، يقدمه لرئيس البلد الذي سيعمل فيه, حتى تعطيه جهاز اتصال ليس له علاقة بشبكة الهواتف هناك، هذه الميزات كلها يأخذها السفير هبة، لكن السؤال: كيف اختير هذا السفير؛ من عامة الناس؟ من صفوف الجهلة؟ من صفوف الأغبياء؟ مستحيل، في اصطفاء لعلم، لثقافة، لخبرة، لحنكة، لتفوق دراسي, لطلاقه في اللسان، لقوة في شخصيته، لوسامة في منظره، لعراقة في نسبه، هذا يمثل أمة. أضرب مثالاً لأوضح لكم توضيحاً فقط: إذا قلنا فلان سفير هذه الدولة، يعني في ملكات خاصة فيه، ذكاؤه الفطري, ذكاؤه التحصيلي، ذكاؤه الاجتماعي، مع طلاقة لسانه، مع إتقانه لعدة لغات، مع أصالته، مع حسن سياسته، مع حكمته, مع أفقه الواسع، مع حسن تخلصه بالمواقف الحرجة، هذه كلها صفات فيه من أجلها اختارته الدولة، ومن بعد أن اختير لهذه المهمة, يعطى جواز السفر الدبلوماسي, يعطى الحقيبة الدبلوماسية، يعطى الاتصال المباشر، يعطى المبالغ الطائلة, ففي جانب كسبي، وفي جانب وهبي، وهذا ما أراه والله أعلم أن في النبوة جانباً كسبياً، وجانباً وهبياً، الرسالة هبة من الله، والنبوة هبة، والكتاب هبة، والمعجزات هبة، والعصمة هبة، أما من النبي الحب والإخلاص، ومجاهدة النفس والهوى، وإنكار الذات، وحب الخلق، وخدمة الخلق، لذلك: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 86] طبعاً: النبي ما أراد أن يكون نبياً، ولكن تفتت كبده واحترق قلبه على ضلال الناس، فلما أرسله الله نبياً، وحمله الرسالة انشرح صدره، لأنه رأى الطريق إلى هداية الخلق: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1 ـ 4] هذا ما اجتبى الله به سيدنا موسى : في آية قرآنية، يقول الله عز وجل مخاطباً سيدنا موسى عليه السلام: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] يجب أن تهتز مشاعرك إذا قرأت هذه الآية، الله عز وجل يختص أناساً لخدمة الخلق، إمكاناته، قدراته، وحركاته، وسكناته, وليله، ونهاره، وماله، وعضلاته، وخبرته، وعلمه في سبيل الله, نذر نفسه ليكون في خدمة الخلق, لعل الله يرضى عنه، فهناك من يعمل هذا, ومنها أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه. يعني حينما قال الله عز وجل لسيدنا موسى, حينما كلمه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 17] سؤال يحير: أيعقل أن الله عز وجل لا يعلم ما بيمينه؟ لماذا يسأله؟ لما سأل الله عز وجل, سيدنا موسى طار فرحاً, أراد أن يطيل الجواب كي ينعم بهذا الكلام مع الله عز وجل, قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه الآية: 18] ثم استحى، قال: ولي فيها مآرب أخرى, يعني يا رب إن سمحت لي أن أتابع سأتابع، وتقول لي: يا موسى, وما هذه المآرب؟ لكن الذي حصل: أن الله أراد أن يلفت نظر هذا النبي الكريم إلى أن هذه التي بيدك عصا، انتبه، دقق، بعد حين سوف تكون حية، حينما كان وحده, جعلها الله حية تسعى، أما حينما كان مع السحرة، وبين جمهور غفير, والإنسان مع الناس يستأنس: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف الآية: 107] ثم يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [سورة طه الآية: 14 ـ 16] يعني الإنسان يخاطب من قبل خالق الأكوان: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ هذا اجتباء, أن يكلمك الله عز وجل طبعاً للأنبياء فقط هذا اجتباء، أن يؤتيك الله المعجزات هذا اجتباء, أن يؤتيك الله ذاكرة لا تنسى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأعلى الآية: 6 ـ 7] هذا اجتباء الأنبياء؛ اجتباهم بالنبوة، واجتباهم بالرسالة, واجتباهم بالمعجزات، واجتباهم بالكتاب، واجتباهم بالدعاء المستجاب, واجتباهم بالنصر. يقين النبي بالنصر كيقينه بوجوده : النبي يقينه بالنصر كيقينه بوجوده، والدليل: حينما وصل كفار قريش إلى غار ثور, قال سيدنا الصديق: يا رسول الله لقد رأونا، قال: يا أبا بكر, ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 198] وحينما كان في الهجرة وأهدر دمه، ووضعت ألف ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وتبعه سراقة ليقتله، قال: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ واثق من النصر عليه الصلاة والسلام، وحينما عاد من مكة إلى الطائف وقد خذله أهلها، وكفروا بدعوته، وسخروا منه, وبالغوا في إيذائه، قال له سيدنا زيد: كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله ناصر نبيه. كيف يجتبي الله أولياءه؟ : أيها الأخوة, هذا الاجتباء، لو أردنا أن ننزل قليلاً؛ اجتباء الأنبياء، النبوة, والرسالة، والمعجزة، والكتاب، والنصر، والفطنة، وما إلى ذلك, اجتباء الأولياء توفق في دعوتك، يجعل الله في قلوب الخلق محبتك: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [سورة طه الآية: 39] إذا أخلصت لله, جعل الله قلوب المؤمنين, تهفو إليك بالمودة والرحمة، وإذا لم تكن على ما ينبغي, ألقى الله في قلب الخلق بغضك. أحياناً تجد إنساناً محبوباً جداً، وآخر غير محبوب، هذه المحبة من خلق الله عز وجل: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ هذا ما أوتي به موسى عليه الصلاة والسلام : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 41 ـ 42] ربنا عز وجل اصطفى سيدنا موسى واستخلصه لنفسه، وجعله خالصاً له من غير سبب, كان لموسى ولا وسيلة، لكن بأهلية حتى تكون دقيقاً، من غير سبب منه، ولا وسيلة، لكن بأهلية، فإنه خرج ليقتبس النار, فخرج يقتبس النار, فرجع وهو كليم الواحد القهار، لذلك قالوا: كن لي ما لا ترجو أرجى لما ترجو. إنسان أصابه البرد الشديد, رأى عن بعد ناراً, فقال: ﴿لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 10 ـ 14] هو ذهب ليأخذ قبساً من النار، فكان كليم الواحد الديان، هذا الشيء بحياة المؤمنين وارد، سافر إلى بلد للتجارة, يهتدي بهذه البلدة على يد أحد العلماء, لينتقل من حال إلى حال، وأحياناً لأسباب صغيرة جداً، فالإنسان ينبغي أن يرجو رحمة الله: كن لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. وسيدنا موسى أكبر شاهد، يعني الله عز وجل جعله كليمه، مع أنه كان ذاهباً ليأخذ قبساً من النار. عرض نفسك لرحمة الله لا تدري متى يفتح الله عليك : بعضهم قال: أيها العبد: أيها العبد كن لما لست ترجو صلاح مـن صـلاح أرجى لما أنت راجٍ إن موســى أتى ليقبـس نــاراً مـن ضياء رآه والليـل داجــن فانـثنى راجــعاً وقـد كلمـه الله ونـاجـاه وهــو خيـر منـاجٍ يعني لا تعلم متى الله عز وجل يفتح عليك، كن ملازماً لأسباب الفتح، عرض نفسك لرحمة الله، لا تدري متى يفتح الله عليك, أخذه من نفسه، واصطنعه لنفسه، واختاره من بين العالمين, وخصه بكلامه. هل يتفاوت الأنبياء في منزلة الاجتباء عند الله؟ : قال: والأنبياء -عليهم السلام- يتفاوتون في ذلك تفاوت أتباعهم, فمن ذلك: قصة موسى حين ألقى الألواح، وجر بلحية أخيه, وهو نبي مثله, ولم يعاتبه الله على ذلك، كما عاتب آدم -عليه السلام- في أكل لقمة من الشجرة. يعني أحياناً يكون الدافع نبيلاً جداً، وقد يرتكب خطأ, ووراءه هذا الدافع النبيل, فالله عز وجل طليق الإرادة قد يعفو، يعني قد يقدر هذا الدافع النبيل، أما لعامة المؤمنين العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. من أنواع الاجتباء لغير الأنبياء : الآن: غير الأنبياء كيف يجتبون؟ قال: من أنواع الاجتباء لهم: أن يعصم الله عبده, وهو مستشرف للجفاء اضطراراً, لتنغيص الشهوات، وتعويق الملاذ، وسد مسالك العطب عليه إكراماً. المؤمنون درجة ثانية سائر بطريق غير صحيح، يريد شيئاً لا يرقى به عند الله, فربنا عز وجل يفسد عليه هدفه، وهذا الإفساد لهدفه من الاجتباء، له عمل بالتعليم، تمنى مثلاً أن يكون مضيفاً بالطائرة، هو يطير، يوم بدمشق، يوم بلندن، يوم بباريس، في جو غير مريح دنياً أحياناً. يعني في تفلت في العواصم الأجنبية بالفنادق, فربنا عز وجل لم يسمح له بذلك, أفسد عليه خطته، هذا اجتباء، خاف عليه من الهبوط، فلم يسمح له أن يصل إلى هدفه، هذا اجتباء، أن يعصم الله عبده, وهو مستشرف للجفاء اضطراراً, لتنغيص الشهوات، وتعويق الملاذ، وسد مسالك العطب عليه، إنسان ماشي بطريق يؤدي به إلى غلط، فعندما أغلق الله عليه هذا الطريق، فقد اجتباه. تفصيل آخر: العبد الصادق إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين الله تعالى، يعني بدأ بعمل يوسع الهوة بينه وبين الله تعالى، بدأ بعمل يبعده عن الله تعالى، بدأ بعمل يحجبه عن الله تعالى، بدأ بعمل لا يرضي الله تعالى. فقال: إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين الله تعالى. كيف؟ بموافقة شهواته في لحظة غفلة, عصمه الله اضطراراً، بأن ينغص عليه بعض الشهوات. هذا ما اجتبى الله به هذا الشخص : حدثني أخ ذاهب إلى مكان ليأخذ قسطاً من المتعة، ليس لديه ورع زائد، فشعر بآلام في ظهره, فسأل الطبيب, قال له: ورم خبيث بالنخاع الشوكي، فارتمى أرضاً، وقطع رحلته، وعاد إلى بلده ليصطلح مع الله, فالله عز وجل نغص عليه هذه الرحلة بهذا الخبر السيء، وبعد أن استقر به المقام في بلده، وبعد أن اصطلح مع الله, تبين أن التشخيص لم يكن صحيحاً, اجتباه وحفظه، عصمه. إذا واحد حرم من شيء, لا يصب نقمته على إنسان، لعل الله عز وجل لا يريد هذا المسعى, ولا هذا المسلك، ولا هذا الطريق، ولا هذه التجارة، ولا هذا السفر، ولا هذه الدراسة ، ولا هذا اللقاء، ولا هذا الاحتفال، طبعاً: اجتباء الأنبياء بالنبوة، والرسالة، والكتاب، والمعجزة، والكرامة، أما اجتباء المؤمنين أحياناً: بتنغيص أهدافهم التي لا تقربهم من الله عز وجل. هذا ما تفوق به النبي عن سائر الأنبياء : أيها الأخوة الكرام, النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل من اجتباه الله عز وجل من الأنبياء، لقد أقسم بعمره الثمين، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 72] سيدنا موسى كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر، وكان من أعظم خلق الله هيبة ووقاراً، وأشدهم بأساً وغضباً لله تعالى، وبطشاً بأعداء الله، وكان سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، فكان لا يقاتل، بل إنه يحرم في دينه القتال، والإنجيل يأمرهم: من لطمك على خدك الأيمن, فأدر له خدك الأيسر، ومن نازعك ثوبك أعطه رداءك، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين. أما نبينا -عليه الصلاة والسلام- فكان في مظهر الكمال، في جلال، وفي جمال والكمال يجمع بينهما: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى الآية: 40] فقد جمع بين قوة العدل وقوة الإحسان، جمع بين اللين والرأفة والرحمة، وبين القوة والبأس والعزة، فهو نبي الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمته أكمل الأمم، أمته إن استجابت لله عز وجل فهي أكمل الأمم، وإن لم تستجب فهي كأي أمة أخرى، لا ميزة لها إطلاقاً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [سورة المائدة الآية: 18] وأحوال أمته ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، لذلك اتصفت شريعته إيجاباً له وفرضاً، وبالفضل ندباً له واستحباباً، العدل قسري والإحسان طوعي، هكذا شريعة الكمال، والشدة في موضع الشدة: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [سورة النور الآية: 2] واللين في موضع اللين: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فصلت الآية: 34] وضع السيف في موضعه، ووضع الندى في موضعه، يذكر هذا الدين العظيم الظلم ويحرمه، ويذكر العدل ويوجبه، ويذكر الفضل ويندب إليه: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ هذا فضل: ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ هذا تحريم للظلم، لكن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 126] هذا إيجاب للعدل، شريعة وسطية، متوازنة، متماسكة, متكاملة: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ ندب إلى الصبر: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 279] لك أن تأخذ رأس مالك إذا كنت قد أخطأت في الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 280] ما تميزت به أمة محمد عليه الصلاة والسلام : أيها الأخوة الكرام, أمة محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمة كاملة في الأصل، وشريعتها كاملة، ونبيها سيد الأنبياء والمرسلين، هذا إن استجابوا لله والرسول, أما إن لم يستجيبوا شأنهم كأية أمة أخرى، حرم عليهم كل خبيث وضار, أباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى من قبلهم, لم يخل من عقوبة: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النساء الآية: 160] الله حرم على اليهود الطيبات لأنهم ظلموا، أما عندنا في شريعتنا: ما حُرم علينا إلا الخبائث وأحلت لنا الطيبات. قال بعض العلماء: كان لهذه الأمة العظيمة من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه بين الأنبياء قبله, وكمل لهم من المحاسن ما فرقها في الكتب قبله، وهذه هي شريعته، ثم في النهاية: أمة محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي استجابت لله اجتباها الله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج الآية: 78] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة الآية: 143] نهاية المطاف : أيها الأخوة, مرتبة الاجتباء مثل ما بدأت الدرس, إذا في شيء اسمه وثيقة تحصيل، إتمام مرحلة ابتدائية، أقل شهادة في بلدنا، بعدها إعدادي, ثانوي، جامعة، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير, دكتوراه, دكتوراه دولة، بعد ذلك في مراتب علمية عالية جداً، جائزة نوبل مثلاً, أو بورد، أو إف آر إس، أكريجه، هذه كلها مراتب تفوق الدكتوراه, لاجتباء مرتبة عالية جداً. يعني لا يصل إليها إلا من بلغ قمة الإيمان، إلا من بلغ ذروة الإيمان، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة, فحدث ولا حرج, عن دعائك المستجاب, وعن توفيق الله لك، وعن إجراء الخير على يديك، وعن القرب من الله عز وجل، هذا الذي وصل إلى الله عز وجل, وصل إلى كل شيء: فليتك تحـلـو والحياة مـريرة وليتك ترضــى والأنام غضاب وليت الذي بيـني وبيـنك عامر وبيني وبـين العالمـين خـراب إذا صح منك الوصل فالكل هين وكل الذي فــوق التراب تراب والإنسان -أيها الأخوة- إذا طلب الاجتباء نجا، أما إذا طلب النجاة لا ينجو، كالطالب تماماً إذا طلب التفوق ينجح، أما إذا طلب النجاح فقط في الأعم الأغلب لا ينجح، يقول: يكفيني خمسين درجة, يكفيني أربعين درجة، يكفيني أخذ مساعدة، هنا يصبح في ترميم للعلامة، هنا في مساعدة عامة لا ينجح، إذا متعلق بالوسط لا ينجح، أما إذا أراد التفوق قد ينجح، فنحن إذا طلبنا الاجتباء, لعلنا ننجو من عذاب الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوبة - 4التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الستون ) العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وهم قد تسرب إلى كثير من الناس : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم استئناف التوبة. قد يتوهَّم الإنسانُ: أن المؤمن يتوب في حياته مرة واحدة، والحقيقة: إن المؤمن كثير التوبة, أي يتوب عند كل ذنب وقع فيه، وفي كل وقت, وفي كل مرحلة من مراحل حياته, حتى في نهاية حياته يتوب إلى الله تعالى، كلُّ هذا استنباطاً من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 117] فالتوبة شيء واستئناف التوبة شيء آخر. لماذا يستغفر المؤمن عقب كل صلاة؟ : الإنسان لماذا يتوب؟ وقد يسأل سائل: لماذا تستغفر اللهَ عقب الصلاة؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- عقب الصلوات الخمس كان يستغفر الله عز وجل. قال بعض العلماء: الإنسان في أثناء الصلاة لعلَّه سها، لعله جاءه خاطرٌ لا علاقة له بالصلاة، لعله قصَّر في الركوع، لعله في السجود لم يكن ساجداً بقلبه قبل جسمه، أيُّ تقصير في الصلاة يُرمَّم بالاستغفار عقب الصلاة. من مبررات استئناف التوبة : أيُّ مؤمن وفَّى ربَّه حقَّه؟ الله عز وجل أثنى على بعض الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم الآية: 37] ولكن أنا كمؤمن هل وفَّيت؟ هل أدَّيت حقوق الله عز وجل كاملة؟ هل قدَّرت اللهَ حق قدره؟ هل كان اتِّصالي به اتصالا محكماً مكثَّفاً مركزاً؟ هل مع كان الاتصال شرود؟ هل كان مع الاستقامة عِوج؟ من هذا الذي أدَّى كلَّ ما عليه؟! من هذا الذي وصل إلى نهاية العبودية لله عز وجل؟ ما دام الإنسان مقصِّر, فعليه أن يتابع التوبة، الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 27] لذلك قالوا: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة استنئناف التوبة, وهو تمكُّنٌ يؤدِّي إلى استئناف التوبة من التقصير, الذي رافق نزول المنازل السابقة, وجمع القلبَ على المعبود وحده، أي المنازل السابقة إذا كان فيها تقصير, فلا بدَّ من استئناف التوبة. قال: من مبرِّرات استئناف التوبة: حضُّ الهمَّة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً و جهاداً، هل أدَّيت الواجب الدعوي تماماً؟ وهل جاهدت في الله حق الجهاد؟. قف عند هذه المحطة : التوبة قال بعضُ العلماء: كما أنها بداية منازل السائرين, وأول مدارج السالكين, فإنها نهايةُ هؤلاء أيضاً. كما أنها بداية منازل السائرين, وأول مدارج السالكين، هي في الحقيقة نهاية هذه المنازل، ولعل الإنسان ينفر من هذا غاية النفور، ويقول: هذا كلام من لم يعرف شيئاً في طريق القوم، ولا نزل في منازل الطريق، ولعمر الله إن كثيراً من الناس ليوافقك على هذا, ويقول: أين كنا؟ أي إذا واحد يحمل دكتوراه, سألته أنت: هل تقرأ وتكتب؟ طبعاً, سؤال غير مقبول, وغير معقول، ومرفوض، ما هذا السؤال؟ أنا أحمل دكتوراه، كيف أقرأ وأكتب؟ شيء بديهي، ولو قلت له: هل تقرأ ما بين السطور؟ اختلف السؤال، هل عندك الإمكان أن تستنبط ما بين السطور: البواعث والخلفيات والملابسات؟ نريد نحن أن تفهم النص فهماً عميقاً جداً. مثلاً: الله عزوجل أنزل سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] النبي -عليه الصلاة و السلام- فهم هذه السورة على أنها نعوتُه، إنها نعوةُ النبي, و الأنبياء هممهم عالية جداً، مقاصدهم نبيلة جداً، أهدافهم كبيرة جداً، فإذا حققوا أهدافهم, فلا معنى لحياتهم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] فالنبي -عليه الصلاة والسلام- رأى في هذه السورة نعوته، وسيدنا ابن عباس كان يحبُّه عمر كثيراً، فكان يدخل على أشياخ الصحابة، شعر أنهم تألَّموا, فسألهم عن هذه السورة, فلم يفهموها كما فهمها ابنُ عباس, قال: إنها نعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت حينما تسأل إنساناً: هل تقرأ؟ أحمل دكتوراه في الآداب، ما هذا السؤال؟ المقصود: هل تقرأ ما بين السطور؟ هل تفهم النص فهماً عميقاً؟ أين كنا؟ أين صرنا؟ نحن قد قطعنا منزلة التوبة، وبيننا وبينها مائة عام، فنرجع من مائة مقام إليها, ونجعلها غاية مدارج السالكين. الحقيقة: نقول لهذا السائل المنكِر: أن تكون التوبة نهاية مدارج السالكين، أن تكون التوبة نهاية آمال المؤمنين, نقول له: لا تعجل بالإنكار, ولا تبادر بالردِّ, وافتح ذهنك لمعرفة نفسك، وحقوق ربِّك، وما ينبغي لك منه، وما له من الحق عليك, ثم انسُب أعمالك وأحوالك, وتلك المنازل التي نزلتها, والمقامات التي كنت فيها لله وبالله إلى عظيم جلاله، أنسب هذه الأعمال إلى عظيم جلاله، وما يستحقه وما هو أهل, فإن رأيتها وافية لذلك مكافئة له, فلا حاجة لك حينئذ إلى التوبة, والرجوع إليها رجوع عن المقامات العليَّة. تعليق : تعليق الآن: أنت وفَّيت اللهَ حقَّه، هل كنت تائباً حقيقة؟ هل كنت مستقيماً حقيقة؟ هل كنت مع الله في صلواتك حقيقة؟ هذه المنازل التي نزلتها وفَّيتها حقَّها؟ هل أدَّيت كل ما عليك؟ إن كنت كذلك, فلا حاجة لك إلى استئناف التوبة. ما معنى هذا الحديث؟ : قال: إذا كان هناك تقصير, وهناك أحياناً إعجاب، مع عظيم جلال الله, أيُّ عمل لا يُعدُّ شيئا أمامه، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!؟ قَالَ: لَا, وَلَا أَنَا, إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ, إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا, وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)) كيف؟ عملك لا يكفي، مثل بسيط للتوضيح: أنت دفعت ثمن مفتاح بيت، البيت ثمنه خمسون مليون، دفعت ثمن مفتاحه، وتوهَّمتَ أنك دفعت ثمنه، لا، كل عملك في الدنيا، وكل طاعتك لله، وكل عطائك للخلق، وكل جهادك واستشهادك لا يساوي ثمن مفتاح هذا البيت، أما البيت فهو فضل من الله عز وجل، أنت قدَّمت السبب ولم تقدِّم الثمن, أنا أستطيع أن أدخل بيتاً بمفتاح، والمفتاح سبب دخول البيت، لكن هذا المفتاح الذي ثمنه عشرون ليرة, لا يُعدُّ ثمناً لدخول البيت, البيت غال جداً، فأعمال الإنسان في الدنيا لا تساوي سبب دخول الجنة, قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 32] أي بسبب من عملكم الصالح دخلتم الجنة، ولكن الجنة لم تدفعوا ثمنها, إنما قدَّمتم سبب دخولها فقط، إنها فضل من الله عز وجل. أخواننا الكرام، لو تعمَّقنا قليلاً: كل إنسان يرى أن عمله كافٍ لدخول الجنة فهو مغترٌّ ، وقد يكون العملُ الصالح حجاباً بينك وبين الله. نصيحة من أحد المتكلمين لهذا الرجل المحسن : هناك أحد أخواننا كان يرأس جمعية خيرية، فرجل من المحسنين قدَّم بيتاً ليكون مقرًّا لنشاط طيِّب، ونشاط فيه نفع للأمة، أي مركز تأهيل الفتيات لحرفة تقيهن الفقر، فقدَّم بيتاً في حيٍّ من أحياء دمشق, ذات السعر المرتفع، أُقيم لهذا المحسن حفل تكريم، لأنه قدَّم هذا البيت، فأحد المتكلِّمين قال كلاماً عميقاً: طبعاً كلُّهم أثنى على هذا المحسن، على كرمه, وعلى جوده, وعلى عمله الطيب، إلا أن هذا الأخ قال لهذا المحسن: أيها الأخ الكريم, كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين من جمعيتنا، كان من الممكن أن تكون فقيراً، وتأتي إلى هذه الجمعية, كي نعطيك مساعدة شهرية، ولكن الله كرَّمك فجعلك غنيًّا, وقدَّمت هذا البيت، فاشكر الله على أنه مكَّنك أن تفعل هذا العمل الطيب. من مراتب الفناء : فالإنسان أحياناً لضعف توحيده, يتوهَّم أن عمله كافٍ لدخول الجنة، لا, هذا العمل سبب، أما الجنة فهي فضل من الله عز وجل، لا تنالها إلا بفضل الله، عملك قد يكون سبباً. مثلاً: لو أن أبًا قال لابنه: انجَح بدرجة عالية, ولك دراجة غالية جداً, أغلى دراجة، فهذا الابن لضيق أفقه, لما نجح بدرجة عالية, أخذ الجلاء, وتوجَّه إلى بائع الدراجات، وانتقى أعلى دراجة, وقال: أعطن هذه الدراجة, وهذا هو الجلاء، هل يعطيه إياها؟ الأب سيدفع الثمن، أما هذا فلا يعطيه إياها، فالإنسان أحيانا: ولو كان مستقيماً, ولو كان له عمل طيِّب, قد يكون هذا العمل الطيب لضعف توحيده حجابا بينه وبين الله، لذلك من مراتب الفناء: أن تغيب عن شهود عملك الصالح، وكل إنسان له عمل صالح ليشكر الله عز وجل، فاللهُ عز وجل سمح لك أن تكون محسناً، ومكَّنك في الدنيا, وأعطاك المال, وأعطاك طلاقة اللسان, وأعطاك علماً تنفقه مما علَّمك اللهُ، لذلك حينما تثني على إنسان, أنت في الحقيقة لا تثني عليه، وإنما تثني على الذي منحه هذه الميزات, ما مدحك من مدحك إلا بما منحك الله فيك، الذي مدحك لولا أن الله منحك لم يمدحك بما منحك، فالفضل لمن أعطاك، وأنت تستقبل العطاء. هذا الذي عليك : أيها الأخوة, إن رأيت أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة، إن أضعاف أَضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة لا يفي بأيِّ حقِّ له عليك, ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وإنما يستحقه لجلاله و عظمته, أعظم وأجلُّ وأكبر مما يقوم به الخلقُ، لذلك أنت ينبغي أن تستأنف التوبة، وأنا ما رأيت إنساناً معجباً بنفسه إلا وهو محجوب عن الله، والأنبياء الصادقون, والأولياء الكبار, هؤلاء كلما تفوَّقوا, ازدادوا شعوراً بفضل الله عز وجل، و كلما ازدادوا تفوُّقاً كلما ازدادوا إحساساً بفضل الله عز وجل، لذلك: إذا أراد ربُّك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك. ما مدحك من مدحك إنما يمدح من منحك، الذي يمدحك لم يكن ليمدحك لولا أن الله قد منحك، منحك شيئاً ومكَّنك من شيء, فاستحققت عند الخلق المديح، أما عند الله فأنت مفتقر إليه، لذلك إذا قرأت قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] ينبغي أن تعلم : اعلم أيها الأخ الكريم: أن التوبة نهاية كل عارف, وغاية كل سالك، وكما أنها لا بداية هي نهاية، والحاجة إليها في النهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، بل هي في النهاية في محلِّ الضرورة، أي في الإنسان لما ينجح ينتظره أخطبوط هو الغرور، والغرور أكبر مرض في الناجحين في الحياة، في كل المجالات، والغرور شعور أنك أنت شيء كبير، شيء عظيم. ما موضع الشاهد في هذه الأمثلة؟ : سيدنا عمر كان على المنبر يخطب، قطع الخطبة, وقال كلاماً لا معنى له، قال: يا عمر, كنت راعي إبل, ترعى إبل بني مخزوم على قراريط في مكة -ما علاقة هذا الكلام بالخطبة؟ لم يفهم المسلمون هذا الكلام-, بعد انتهاء الخطبة, سـأله أبو ذر الغفاري -رحمه الله تعالى ورضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين, ما هذا الذي قلته على المنبر؟ قال: جاءتني نفسي, فقالت: ليس بينك وبين الله أحد, -أي أنت نهاية المجتمع الإسلامي، أمير المؤمنين-, أردت أن أعرفها قدرها. سيدنا عمر بن عبد العزيز, طلب من أحد كبار العلماء أن يلازمه، اسمه عمر بن مزاحم, قال له: يا عمر, إن رأيتني ضللت, فأمسكني من تلابيبي, وهُزَّني هزًّا شديداً, وقل لي : اتقِّ الله يا عمر فإنك ستموت. إذا الواحد من أخواننا الكرام, اللهُ عز وجل وفَّقه في عمل صالح, في دعوة إلى الله, والتفَّ حوله الناسُ واستفادوا منه، إذا كان اغترَّ, ورأى هذا العمل من عمله, وتفوَّق به، فهو بعيد عن مقام التوحيد، ما مدحك من مدحك إلا بسبب من منحك, فالمديح لله عز وجل. سيدنا الشافعي يقول: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي. لا تجد عالماً كبيراً إلا تراه متواضعاً، ولا تجد متكبِّراً إلا تراه جاهلاً, التكبر من صفات الجاهلين, والتواضع من صفات العلماء، فكلما تواضعت لله رفعك، أما إذا ارتفعت وضعك. سيدنا أبو حنيفة رأى طفلاً أمام حفرة, قال له: إياك يا غلام أن تسقط -فكان هذا الطفل نبيهاً-, قال: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطتَ سقط معك العالَم. لم قال الله عز وجل: وقل رب أدخلني...؟ الله عز وجل خاطب رسوله الكريم في آخر حياته، فقال له: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 117] أي الأخطار محدقة بالإنسان طوال حياته، فكلما ازداد علماً يزداد الخطرُ عليه، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 80] قد يقول أحدكم: لِمَ لم يقل الله عز وجل: رب اجعلني صادقاً؟ لكن هناك تفاصيل دقيقة: قد تدخل في عمل طيِّب صادقاً، ولا تخرج منه صادقاً, قد تؤسِّس عملاً صالحاً، عملاً طبِّياً، عملاً إحسانياً، إلى آخره، قد تعمل عملاً طيباً في بدايته, ولا تستطيع أن تتابع ذلك حتى نهايته، فلذلك -أيها الأخوة- العبرة: أن تخرج صادقاً، العبرة: أن تنتهي حياتك بصدق, هناك أعمال كثيرة طيبة تبدؤها صادقاً، ولا تنتهي منها صادقاً. هذه الآيات التي أنزلت بعد غزوة تبوك : الله عز وجل أنزل هذه الآيات بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها صلى الله عليه وسلم بنفسه، فجعل اللهُ سبحانه وتعالى التوبةَ عليهم شكراناً لما تقدَّم من تلك الأعمال وذاك الجهاد، وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] في الصحيح: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنْذُ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا دَعَا أَوْ قَالَ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) كلما قرأ هذه السورة، وكلما صلى صلاة, كان يقول: ((سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) بعض الصحابة الكرام فهموا كسيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا ابن عباس -رضي الله عنهم-, فهموا أن هذه السورة أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, أعلمه الله إيَّاه, فأمره الله سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله, وآخر ما سُمع من كلامه -صلى الله عليه وسلم- عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ, مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ, ثُمَّ قَالَ: أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ, وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي, لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا, فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَثَقُلَ, أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ, فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي, وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى, قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ, فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى)) هذا ما كان يختم به النبي عمله : وكان عليه الصلاة والسلام يختم كل عمل صالح بالاستغفار؛ الصوم والصلاة والحج والجهاد، فإنه كان إذا فرغ منه أشرف على المدينة يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] كل عمل قد يكون فيه شيء، تعليم لنا، لعل في الصلاة تقصير، لعل في الصيام فيه تقصير، ولعل في الحج تقصير، لعل في هذه الصدقة أردتَ بها السمعة، لا يوجد عمل من أعمال البر إلا قد يشوبه شيءٌ. فكان عليه الصلاة والسلام يستغفر الله عقب كل عبادة, وعقب كل عمل صالح, حتى الجهاد، إلى أين يذهب النبيُّ؟ إلى ساحة الجهاد، أعلى عبادة, والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومع ذلك حين العودة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] ما الذي يحتاجه الإنسان حتى يقبل عمله؟ : الإنسان بحاجة إلى أن يُقبل عملُه، فإذا تاب الله عليك، معنى ذلك أنه قبل عملك، فكما أن الإنسان في حاجة إلى التوبة في أول حياته، بل إن التوبة مفتتح عمله ومفتتح علاقته بالله عز وجل، هو بحاجة ماسة إلى توبة في نهاية حياته كي يُقبل عملُه، ما قيمة العمل إذا لم يُقبل ؟ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 23] وقال عليه الصلاة والسلام: عَنْ ثَوْبَانَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي, يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ, وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] هذا الحديث يقسم الظهر، الذي إذا خلا مع نفسه ينتهك حرمات الله، وله سمعة طيبة جداً، هذا كل عمله لا قيمة له عند الله، لعل الله عز وجل يجعله هباء منثورا، فالإخلاصَ الإخلاصَ أيها الأخوة. هذا ما يتحقق به استئناف التوبة : أيها الأخوة, استئناف التوبة فيه تحقيق للعبودية، لا يوجد إنسان أنا وصلت إلى مكان عالٍ واستغنى، أنت عبد لله دائماً في كل أحوالك, أنت في حالة العبودية، فاستئناف التوبة تحقيق العيودية, والقيام بأعبائها, واحتمال فرائضها, وسننها, وأدائها، والجهاد لأعداء الله، والدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وتحمُّل الأذى من أمر الله, معرفة الأسماء والصفات, ومعرفة ما يحبه الله وما يكره, ومعرفة خير الخيرين، وشر الشرين, و العلم بمراتب العبودية ومنازلها، هذا كله مما يتحقَّق باستئناف التوبة. درس اليوم دقيق: أول شيء تفعله: إذا أردت أن تصل إلى الله عليك أن تتوب، لكن هذه التوبة يجب أن تلازمك إلى نهاية حياتك، فالمؤمن كثير التوبة. لماذا استحق النبي التقديم على سائر الخلائق؟ : الله عز وجل شهد لإبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، شهد له بأنه وفَّى، وأما سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فإنه كمَّل مرتبة العبودية، فاستحقَّ التقديم على سائر الخلائق، فكان صاحب الوسيلة، كان عليه الصلاة و السلام يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ, ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ, فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا, ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ, فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ, لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ, فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)) فكان عليه الصلاة والسلام يقول: أنا لها، ولهذا ذكره الله سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته، في أعلى مقام ناله النبيُّ وصفه أنه عبد لله، في أشرف أحواله وُصف بأنه عبد لله, فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 1] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [سورة الجن الآية: 19] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة الآية: 23] وفي قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 1] أيها الأخوة, معنى ذلك: أن الله عز وجل شهد لسيدنا إبراهيم خليل الرحمن أنه وفَّى، وذكر النبيَّ في أشرف أحواله ومقاماته بأنه عبد لله, وأنت لا تكون في حالة هي أرقى حالة على الإطلاق, حينما تكون عبداً لله. الحال الذي حصل لمن قام بذلك, هو حال الأنبياء والرسل وخلفائهم, هو جمع الهمَّة لمن قام بذلك، محبة الله, والإنابة إليه, والتوكل عليه, والخوف منه, ورجاء رحمته, ومراقبته, وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً وجهاداً، فهما حالان؛ جمع القلب على المعبود وحده, وجمع الهمِّ له على محض عبوديته، هذا هو ما يعني استئناف التوبة. أنت مخلوق للعبودية : أيها الأخوة, نحن في مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، فكان القرآن كله جُمع في الفاتحة، والفاتحة جُمعت في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] أي أنت مخلوق للعبودية. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] علَّة وجودك على سطح الأرض أن تعبد الله، والعبادة كما كنت أقول دائماً: هي طاعة طوعية, ممزوجة بمحبَّة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تُفضي إلى سعادة أبدية. العبودية علة وجودك، وسبب وجودك, ونهاية المطاف أن تكون عبداً لله، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك، هذا التركيب لا يفيد التخصيص، ولا القصر و الحصر، نعبد إياك، ونعبد غيرك، أما حينما قال الله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] أي نعبدك وحدك، لذلك ينبغي أن تعبد الله وحده, وأن لا تعبد أحداً معه, أما قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] أنت مفتقر إليه، أنت لك أن تطلب, ولك أن تنبعث إلى العبادة، ولكن الله عز وجل هو الذي يعينك على هذه العبادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5] العبادة الظاهرة؛ عبادة الأعضاء والجوارح، والعبادة الباطنية عبادة القلب، قال تعالى : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 2] القلب عبادته الإخلاص، والجوارح عبادتها أن تنصاع إلى أمر الله تطبيقاً. من لوازم العبودية : وبالمناسبة: ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده, فالتوحيد من لوازم العبودية، لا يمكن أن تعبده إذا توهمت أن في الأرض جهة قوية مصيرك بيدها، وهذا ما يحصل للناس كلهم, الآن بضعف إيمانه, وضعف توحيده, يرى أن هناك جهات قوية جداً بإمكانها أن تعطي أوتمنع، أن ترفع أو أن تخفض، فهذا الوهم يحول بينك وبين أن تعبد الله، لذلك هناك من يعصي الله إرضاءً للخلق. من أرضى الناسَ بسخط الله, سخط اللهُ عنه وأسخط عليه الناسَ، ومن أرضى اللهَ بسخط الناس, رضي اللهُ عنه وأرضى عنه الناسَ. الشيء الثاني: ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده, فالله عز وجل ربط التوحيد مع العبودية، لذلك قال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 313] الشيء الثالث: ما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك, وما أمرك أن تدعوَه إلا ليستجيب لك، و ما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وإلا كلام الله لا معنى له، أمرك أن تتوب من أجل أن يتوب عليك, لذلك قالوا: العبودية غاية الحب مع غاية الخضوع، فمن أحبَّ ولم يخضع ما عبد اللهَ: تعصي الإلهَ و أنت تظهر حبَّه ذلك لعمري في المقال شنيــعُ لو كان حبُّك صادقا لأطــعت إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيـــعُ غاية الخضوع مع غاية الحب. ما يحبه الله : أيها الأخوة الكرام، الله جل جلاله يحبُّ التوابين, ويحب المتطهرين, والمؤمن مذنب توَّاب ، والتوَّاب أي كثير التوبة، وليس لنا إلا التوبة, لو أن الإنسان زلَّت قدمُه, ماذا يفعل؟ ولو أنه فعل الذنبَ االذي تاب منه قبل وقت، ماذا يفعل؟ ليس له إلا التوبة، ولو أن الله أغلق باب التوبة لهلك الخلقُ، ولكن رحمة الله عز وجل تتمثَّل في دعوتنا إلى التوبة إليه, قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر الآية: 53] لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [سورة الحجر الآية: 49-50] فليجعل المؤمنُ همَّه التوبة. هذا ما وصف الله به المؤمنين : ولكن الله عز وجل وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 17] لا يدعون مسافة زمنية طويلة بين الذنب وبين التوبة, الإنسان إذا استمرَّ على الذنب, قسا قلبُه, وقد يصبح منافقاً، قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [سورة التوبة الآية: 77] فالعبرة في الإنسان أن يتوب من قريب, وأن يكثر التوبة إلى الله عز وجل. مشكلة وهذا حلها : آخر مشكلة: إنسان وقع في ذنب وتاب منه، التوبة سهلة، لو وقع فيه ثانية أصعب، ماذا يفعل؟ يضيق إلى التوبة عملاً صالحاً، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [سورة هود الآية: 114] ففي المرة الثانية يُفضَّل أن تدعم التوبة بعمل صالح، بصدقة, أو بصيام, أو بعمل صالح معيَّن، العبرة أن تكون متابعاً لأحوال قلبك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوحيدالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (السابع و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الذي دفع مؤلِّف كتاب مدارج السالكين إلى إدراج هاتين المنزلتين؛ أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم استئناف التوحيد، وفي الدرس الماضي كانت المنزلة استئناف التوبة، واليوم استئناف التوحيد. قد نفهم من هذا العنوان: أن التوحيد مراتب لا تنتهي، فكلما بلغت مرتبة ينبغي أن تطمح إلى مرتبة أعلى، والإنسان حينما يجمد في الدين يُصاب بمرض اسمه السأم، إذا قام إلى الصلاة قام كسلاناً، هذه الفكرة قال: أنا أعرفها، وهذه سمعتها، السبب: أنه بقي في مكانه ثابتاً ، أما لو طوَّر نفسه، وطمح إلى مرتبة أعلى، كلُّ مرتبة هي مرتبة فوقها مرتبة، فلذلك: هذا الذي دفع مؤلِّف كتاب مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، إلى إدراج هاتين المنزلتين: استئناف التوبة، واستئناف التوحيد. ما هي أول دعوة الرسل؟ : أيها الأخوة, التوحيد أولُ دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالكُ إلى الله تعالى، الخطوة الأولى, والحركة الأولى، والدرس الأول، والكتاب الأول، و السنة الأولى, أول حركة تخطو بها إلى طريق الله عزوجل أن توحده، الأدلة: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف الآية: 59] توحيد، وقال هودٌ لقومه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 65] وقال صالح لقومه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف الآية: 73] وقال شعيب لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف الآية: 85] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل الآية: 36] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 25] أول خطوة، أول يوم من العام الدراسي. ماذا استنبط العلماء من هذا الحديث؟ : التوحيد -أيها الأخوة- مفتاح دعوة الرسل، لهذا قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لسيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: ((إِنَّكَ تَقْدمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ, فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ, فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ, فَإِذَا فَعَلُوا, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ, فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا, فَخُذْ مِنْهُمْ, وَتَوق كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)) بين معترضتين؛ وإن كان هذا خروجاً عن خطِّ الدرس، العلماء استنبطوا من هذا الحديث مبدأ الأولويات: فَإِذَا عرفوا الله -شهدوا أن لا إله إلا اللَّهَ-, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ, فَإِذَا فَعَلُوا, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. أي ليس من المعقول أن تدخل بيتاً فترى فيه صورة، تقول لصاحب البيت وهو لا يصلي أساساً: هذه الصورة حرام، هناك تسلسل، إذا آمن بالله, ادعُه إلى أن يصلي، ادعُه إلى غض بصره، ادعه إلى تحرير دخله، فالإنسان قد يتلبَّس بآلاف المعاصي، ينبغي أن تبدأ بتعريفه بالله, بعدئذ تنتقل إلى المنهج فقرة فقرة، أما إذا كان أصلُ العقيدة مهزوزاً عنده، إذا كان إيمانه بالله متضعضعاً، فما قيمة أن تذكر له تفاصيل الشريعة؟. إليكم هذا الخطأ الذي يرتكبه بعض الدعاة إلى الله : بعض الأخوة الكرام, سامحهم الله بنية طيِّبة, قد يجد صديقه وهو لا يصلي, بيده خاتم ذهب، يقول له: هذا حرام، وهو فعلاً حرام. عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لإِنَاثِهِمْ)) [أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما] طبيعي، ولكن هذا بند من بنود الشرع, يجب أن تعرِّفه بصاحب الشرع, يجب أن تعرفه بالآمر، أن تعرِّفه بالله, بعدئذ هو يسألك عن أدقِّ دقائق الشريعة، والقاعدة التي أذكرها كثيراً: إن عرَّفته بالآمر قبل الأمر تفانى في طاعة الآمر، أما إن عرَّفته بالأمر و لم تعرِّفه بالآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر. وقال عليه الصلاة و السلام عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ, وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ, فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ, عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ, إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ, وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلَّف: أن يشهد أنه لا إله إلا الله. ما آخر مرحلة يجب أن يخرج بها الإنسان من الدنيا؟ : شي آخر: درسنا استئناف التوحيد، إذن كما أن التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام, فإنه آخر ما يخرج به من الدنيا، أول خطوة وآخر خطوة، قبل الموت، فقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) [أخرجه أبو داود في سننه] أول مرحلة: لا إله إلا الله, وآخر مرحلة: لا إله إلا الله, فهو أول واجب وآخر واجب. قال العلماء: مجرد تنزيه الله عن الحدث لا يدل على التوحيد, ما معنى الحدث؟ : هناك موضوع دقيق جداً, أرجو الله أن يمكِّنني أن أوضِّحه لكم. قال بعض العلماء: مجرد تنزيه الله عن الحدث لا يدلُّ على التوحيد، وما معنى الحدث؟ الشيء الحادث الذي سبقه عدم، وينتهي إلى عدم, فما سوى الله حدث، كان الله ولم يكن معه شيء، فهذا الكون سبقه عدم، فالكون كلُّه حادث، أي سبقه عدم، وسينتهي إلى عدم، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [سورة التكوير الآية: 1-9] إلى آخر الآيات. هذا الفرق الصارخ بين خالق الكون وبين الكون : الفرق الصارخ بين خالق الكون وبين الكون: أن الله قديم، ليس له بداية، هو الأول ولا شيء قبله، وهو الآخر ولا شيء بعده، أزليٌّ أبدي، فالله عز وجل قديم وما سواه حادث، فإذا أنت قلت: الله قديم، أي هو الذي خلق العالم، هل وحَّدته؟ لا، مجرد تنزيه الله عن الحدث، أنت آمنت أنه قديم، هو الذي خلق الكون، هذا التنزيه لا يدلُّ على التوحيد, الذي بعث الله به رسله, وأنزل به كتبه, وينجو به العبدُ من النار، ويدخل به الجنة، ويخرج من الشرك: أن تؤمن أن الله قديم وليس حادثاً، هذا الإيمان مشترك بين جميع الفِرق, كلُّ من أقرَّ بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، عُبَّاد الأصنام, المجوس, أهل الكتاب, المشركون كلُّهم ينزِّهون الله عن الحدث، يؤمنون أن الله قديم, وهو خالق الكون، يثبتون قِدمه، حتى إن أعظم الطوائف على الإطلاق شركاً وكفراً وإلحاداً, أنهم يقولون: هو الله عز وجل صاحب الوجود المطلق، هو قديم لم يزل منزَّهاً عن الحدث، ولم تزل المحدثاتُ تكتسي من وجوده وتقوم بمدده, أي أيَّة فرقة, وأيَّة طائفة, وأيُّ دين, أيُّ جنس، وأيَّة ملة في الأرض, تؤمن أن لهذا الكون خالقاً عظيماً خلقه، هو قديم، والكون حديث، ليس هذا هو التوحيد، حتى الفلاسفة هم أبعد الخلق عن الشرائع, يثبتون واجب الوجود قديماً وممكن الوجود، هذه عبارة فلسفية، واجب الوجود وممكن الوجود، حتى عُبَّاد الأصنام الذين يعبدون معه آلهةً أخرى يقولون: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر الآية: 3] فالإيمان بالله خالقاً قديماً, كان ولم يكن معه شيء، هذا قدر مشترك بين كل الملل و النِّحل، وليس هذا هو التوحيد. ما هو التوحيد؟ : سُئل أحدُ كبار العلماء عن التوحيد, فقال: إفراد القديم عن المحدث. أي الله عز وجل لا يكمن أن يحلَّ بإنسان كائناً من كان، فإذا حلَّ القديم بالمحدث، اختلطت الأوراقُ وفسدت العقيدة، ليس هناك ما يُسمَّى بوحدة الوجود. ماذا قال الحلاَّج؟ قال: ليس في الجُبة إلا الله فقُتِل. والذي أفتى بقتله عالم كبير، هذا كلام فيه زندقة، ليس هناك وحدة الوجود, ولكن هناك وحدة الشهود، لك أن ترى الله من خلال خلقه، لك أن ترى علمه من خلال خلقه، ولك أن ترى قدرته من خلال خلقه، لك أن ترى حكمته من خلال خلقه، هذه وحدة الشهود، كل ما في الكون ينطق بوحدانية الله، ينطق بجلال الله, وينطق بكمال الله، ينطق برحمة الله, ينطق بعظمة الله، هناك وحدة شهود وليس هناك وحدة وجود، أي أن الله عز وجل لا يمكن أن يحلَّ بإنسان، و قول الحلاج: ليس في الجُبة إلا الله, كلام مرفوض. ما تتوهمه هذه الفرق : أيها الأخوة, فِرق قديمة تتوهَّم أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ في الصورة الجميلة المُستحسنة، وفرقة تزعم أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ في الكُمَّل من الناس، هؤلاء الذين تجرَّدت نفوسهم عن الشهوات, واتَّصفوا بالفضائل, وتنزَّهوا عن الرذائل, وهناك من يزعم أن الله حلَّ في بعض الأنبياء، فهذا كلام مرفوض رفضاً قاطعاً، نحن يمكن أن نرى وحدة في الكون، أن نرى لهذا الكون خالقاً واحداً، ربًّا واحداً, مسيِّراً واحداً, هناك وحدة وهناك تنوُّع، فبرأي بعض العلماء: أن تبعِد القديم عن الحدث, القديم لا يحلُّ في المحدث، العبد عبدٌ والربُّ ربٌّ، فكل من يزعم هناك كلمات قالها بعضُهم, لا أصل لها في الدين، سبحاني ما أعظم ذاتي ، الله حلَّ به فقال: سبحاني ما أعظم ذاتي, هذا كلام مرفوض. ما الموقف الذي ينبغي أن تتخذه : 1- أن هذا الكلام لم يقله هذا العالم، وقد دُسَّ عليه : على كلٍّ؛ نحن لا نتَّهم أحداً, ولكن أمامنا كلام مرفوض، كلام سأقوله لكم, ولكنه دقيق: إذا قرأت كتاباً لبعض العلماء السابقين، كلاماً لا يتَّفق لا مع الكتاب ولا مع السنة، فما الموقف الذي ينبغي أن تقفه, أنت كباحث, وكإنسان موضوعي، طالب علم، قرأت في كتاب قديم لبعض العلماء الكبار أو بعض الصوفيين كلاماً مرفوضاً من خلال الكتاب والسنة، ماذا تقول؟ أنا أقول لكم: هناك أربعة احتمالات: أول احتمـال: أن هذا الكلام ما قاله هذا العالم، وقد دُسَّ عليه، وإن شئتم هناك بحوث كثيرة حول ما دُسَّ على كبار علماء المسلمين، دسُّوا تحت وسادة الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة، ودسُّوا على بعض العارفين بالله كلمات فيها زندقة، ما قالوها أبداً، فأول موقف لعل هذا الإنسان العالم الجليل الذي عرف اللهَ, لا يمكن أن يقول هذا الكلام هذا احتمال، وهناك دليل ورد في كتاب الشعراني: أن أحدهم اطَّلع على بعض كتب الشيخ محيي الدين -رحمه الله تعالى-, فرأى فيه كلاماً لا يُقبل إطلاقاً, فذهب إلى بيت الله الحرام, والتقى بعالم جليل من علماء مكة, -هكذا قرأت أنا، وأنقل لكم ما قرأت-, قال: فدخل هذا العالم إلى غرفته, وأطلعني على كتاب الفتوحات بخط يد الشيخ محيي الدين، فلم يجد فيه شيئا مما أسند إليه، الكتاب بخط الشيخ محيي الدين، إذًا: هناك احتمال أن هذا الكلام ما قاله هذا العالم. 2- قاله ولكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت منه : الاحتمال الثاني: قاله ولكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت منه. على كلٍّ؛ ينبغي أن نراعي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نقل العلم. وَقَالَ عَلِيٌّ: ((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟)) [أخرجه البخاري في الصحيح] الذي يخاطب الناس بما لا يفهمون خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كتبُ بعض الصوفيين الذين شطحوا محرَّمٌ أن تُقرأ، لما فيها من مغالطات، وما فيها من شطحات, فالاحتمال الثاني: أنه قال هذا الكلام وخالف سنة رسول الله, لكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت. بعضهم كان يقول: كان يقف على كـنز من الذهب, فقال: معبودُكم تحت قدمي، هذا الذهب الذي تعبدونه أنتم من دون الله تحت قدمي, هذا كلام ولكن لا ينبغي أن يقال، قد يُفهم فهماً آخر ، وهذا مخالف للسنة, مرة ثانية، وَقَالَ عَلِيٌّ: ((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟)) [أخرجه البخاري في الصحيح] 3- أنه قاله ثم تراجع عنه بعد حين : هناك احتمال ثالث: أنه قاله ثم تراجع عنه بعد حين، لكن بعضهم علَّق تعليقاً رائعاً على كتاب فيه نزعة اعتزاليه في التفسير، فقال: أن المؤلِّف تاب في أواخر حياته، فقال: ولكن كشَّافه لم يتُب، رجل أصدر فتوى بضغوط معيَّنة، أرضى بها من هم أكبر منه، وهو على فراش الموت رفع يديه هكذا, وقال: يا ربي أنا بريء من كل فتوى أفتتيها في المصارف، هذا تُبت إلى الله فيما بينك وبين الله، لكن الفتوى طُبِعت وعُمل بها، هناك إنسان أفتى فتوى، وفي اليوم التالي دخل المصارف ثلاثة وثمانون مليار في بلد عربي على هذه الفتوى, فإذا تاب هذا العالم بينه وبين الله قبل أن يموت، فتواه مسجَّلة ومطبوعة وقد عُمل بها، فالاحتمال الثالث: أنه قال هذا الكلام ثم راجع نفسه, فرأى نفسه مخطئاً فتراجع. 4- أنه قاله وأخطأ ولم يتراجع : والاحتمال الرابع: أنه قاله وأخطأ ولم يتراجع، فنقول: أخطأ, لأن كل إنسان يُؤخذ منه و يُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، ما جاءنا عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن التابعين فعلى العين والرأس، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَة أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ, وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ)) فقد شـهد النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- بالخيرية للقرون الثلاثة، فورد عنه: ((تسمعون ويُسمع منكم ويسمع من يسمع منكم)) فالاحتمال الرابع: أنه أخطأ, ونقول له بملء فمنا: قد أخطأت، نحن عندنا القرآن وعندنا السنة. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ, رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ, وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ, فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي)) أنت مع نص قرآني ليس لك إلا أن تفهم النص، لأنه قطعيُّ الثبوت مع نص نبويٍّ ينبغي أن تتحقَّق من صحَّته, لأن كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي وصلنا بعضه قطعيُّ الثبوت وبعضه ظنيُّ الثبوت، مع النص النبوي لك عملان؛ أن تتحقق من صحته أولاً, ثم أن تفهمه ثانياً, مع أيِّ نص آخر غير نص النبي -عليه الصلاة والسلام- لك ثلاثة أعمال: أن تتحقق من صحة نسبة هذا النص إلى صاحبه، ثم أن تفهمه وفق ما أراد صاحبه, ثم أن تقيسه بالكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس, وإن خالفه لا نقبله، هذا منهج البحث في الإسلام. أنواع الخبر : التوحيد: إفراد القديم عن المحدَث، الربُّ ربٌّ والعبد عبدٌ, تداخل لا يوجد، أن الله حلَ بفلان مستحيل، ليس في ديننا هذا الاعتقاد أبداً، فقال: هذا الإفراد في الاعتقاد, والخبر هو نوعان: إثباتُ مباينة الربِّ تعالى لمخلوقاته، وعلوه فوق سبع سماواته, كما نطقت به الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها، وكما أخبرت به جميعُ الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، أي ليس كمثله شيء، أيُّ شيء خطَر ببالك فاللهُ خلاف ذلك، لا يشبهه أحد. والشيء الثاني: إفراده سبحانه بصفات كماله، وإثباتها على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسله، منزَّهةً عن التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل والتشبيه، واللهُ عزَّ وجل له صفات وله أسماء. قف عند دقة هذا الكلام : أيها الأخوة الكرام, أن يتمايز عندك القديمُ والحديثُ، ما سوى اللهِ محدث، والله وحده قديم ، ولا يوجد أيُّ تداخل بين ذات الله وبين مخلوقاته، لكن هناك وحدة الشُّهود، إنك تتعرَّف إلى الله عز وجل من خلال خلقه، أما أن يحلَّ الله في خلقه، فهذه وحدة الوجود مرفوضة, يجب أن نعتقد مكانها بوحدة الشهود. الشيء الثاني: أن تفرد القديم عن المحدَث بالعبادة، أي يجب أن تحب الله وحده, وأن تخاف منه وحده, وأن ترجوه وحده, وأن تعظِّمه وحده, وأن تتوب إليه وحده، وأن تستعين به وحده، وأن تبتغي له الوسيلة وحده، هذا الإفراد به؛ بُعث الرسلُ, وبه نزلت الكتبُ, وشرعت الشرائع، ولأجل ذلك خُلقت السموات والأرض والجنة والنار، وقام سوقُ الثواب والعقاب، فتفريد القديم عن الحديث, أو عن المحدَث في ذاته, وصفاته, وأفعاله, وفي إرادته وحده, ومحبَّته وحده, والخوف منه ورجائه, والتوكل عليه, والاستعانة به, والحلف به, والنذر له, والتوبة إليه, والسجود له, والتعظيم والإجلال, وتوابع ذلك، أي الله خلق الكون، ولكنه هو فعَّال، بيده كل شيء، هو المعطي وهو المانع, وهو الخافض وهو الرافع, وهو المعزُّ وهو المذلُّ، هو المقرِّب هو المبعِّد، هو المغني هو المفقِر، هو الذي يمنح الأمن، وهو الذي ينزع الأمن من قلب الإنسان، حينما تعلم أن الأمر كله بيده تتَّجه إليه وحده. مثل بسيط جداً: ينبغي أن تسافر إلى بلد, وهذا البلد له ظروف خاصة، إعطاء التأشيرة بيد أعلى إنسان في إدارة الهجرة والجوازات, هو المدير العام، فأنت إذا بلغك أن التأشيرة لا يعطيها إلا المدير العام، هل يمكن أن تقف أمام شرطي, وتتضعضع أمامه، وترجوه أن يوافق على السفر؟ معناه أنك مجنون, وما دام الأمر بيد واحد, العقل يقتضي أن تتَّجه لهذا الواحد, و أن تعرض عن كل هؤلاء، مائة موظف لا يستطيع واحد منهم أن يمنحك هذه التأشيرة، إلا المدير العام، لذلك لا ترجو إلا أعلى إنسان في هذه الدائرة، تدخل عليه, وتقف أمامه, وتقدِّم له الطلب، وتقدم له المبرِّرات، له وحده، ولا ترجو إنساناً لا يملك من أمرك شيئاً. واقعة : يُروى أن أحد كبار العلماء كان في الحرم، ودخل أحد الخلفاء الكبار, فلما التقى به, أراد أن يكرِّمه، قال: سلني حاجتك, قال له: إني واللهِ أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، التقى به خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك, قال له: واللهِ ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟ قال له: ما حاجتك؟ قال له: أدخلني الجنة وأنقذني من النار, قال له: هذه ليست في يدي، فقال له: ليست لي عندك حاجة؛ أي أفرد الله بالرجاء والطلب والدعاء والتوكل. ما هي العلل التي يقع فيها الإنسان: 1-العلة الأولى: ترك الأخذ بالأسباب استغناء بالتوكل : بقي موضوع دقيق جداً: كيف نوفِّق بين التوحيد وبين التوكُّل؟: أولا: الإنسان حينما يترك الأخذ بالأسباب استغناءً بالتوكل هذا توكل, لماذا أذهب إلى الطبيب, إذا الله كتب لي عمراً؟ ليس لي حاجة لطبيب وسأبقى حياً ولو لم أتحكَّم، إذا الله لم يكتب لي عمراً فإني أموت ولو تحكَّمت، هذا كلام مضحك، إذًا أمتنع أن آخذ بالأسباب, هذا الكلام غير صحيح، أن تأخذ بالأسباب لا يتناقض هذا مع التوحيد أبداً، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, وتتوكَّل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في طريق؛ عن يمينه وادٍ سحيق وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه واحدة. 2- العلة الثانية: أن يتوكل على الله في حظوظه وشهوات: العلة الثانية: أن يتوكل على الله في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه، يتوكل على الله في حصول المال، أوالزوجة, أو الرياسة، أما التوكل في نصرة دين الله, وإعلاء كلمته, وإظهار سنة رسوله, وجهاد أعدائه, فليس فيه علة، فلذلك لا تختار التوكل في الأشياء التي تنفعك، والأشياء التي من حق الله عز وجل, تقول: لا أستطيع، كما أنك تتوكل على الله في حظوظك، ينبغي أن تتوكل على الله من حقوق ربك. 3- العلة الثالثة: أن يرى توكله منه و يغيب بذلك عن مطالعة المنَّة: العلة الثالثة: أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنَّة وشهود الفضل. أحياناً الإنسان يعزو الشيء لذاته، وقع في الشرك، هذا التوكل، أو هذا الأخذ بالأسباب على أنها منك وعلى أنها من قدرتك، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [سورة الكهف الآية: 84] إذا الله أراد أن يعطيك يعطيك سبب العطاء، فحتى السبب بفضل الله ومنته، والإنسان إذا طلب أن يأخذ شهادة عليا، الله تعالى يفتَّح له ذهنه, ويقوِّي له ذاكرته, ويجعله على قدرة عالية للفهم، واللهُ أعطاك الأسـباب, فإذا توهَّمت أن هذه الأسباب من عندك فقد أشركت، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 89-90] أي لن تستطيع أن تكون إماماً إلا إذا كنت موحِّداً, أيُّ نوع من أنواع الشرك يُلغي إماماتك، وأنت إمام، والدعوة كلها توحيد، فإذا لم تكن موحِّدا كما أراد الله، لن تستطيع أن تكون إماماً للناس, سيدنا إبراهيم حينما خاطبه الله عزَّ وجل قال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [سورة البقرة الآية: 124] وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 124] خاتمة القول : أيها الأخوة, لهذا الدرس تتمة نتابعه إن شاء الله في درس قادم، واستئناف التوحيد من أدقِّ موضوعات الدين، بل هو الدين كله: وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. والآية التي أذكرها كثيراً، قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213] وأحد أكبر أسباب عذاب الناس الشرك الخفي، الشرك الجلي غير موجود, لكن هناك شرك خفي، حينما تعتمد على غير الله, وحينما ترجو غير الله، وحينما تخاف من غير الله، وحينما تعلِّق الآمال على غير الله, فقد أشركت شركاً خفيًّا، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] نعوذ بالله من الشرك الخفي، وكلما ارتقى الإنسان ارتقى توحيده، وكلما ارتقى توحيدُه زاد إخلاصُه، وكلما زاد إخلاصه ثُمِّن عملُه، ارتقى التوحيد صار معه إخلاص، مع الإخلاص ثُمِّن عمله, فكان من سعداء الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : تعظيم حرمات الله التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والستِّين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم: تعظيم الحرمات، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج الآية: 30] أَيَّة منزلة من منازل مدارج السالكين وردت فيها آية أو حديث، هي منزلة، تعظيم حرمات الله منزلة من منازل مدارج السالكين. لماذا سلط الله الأعداء على المسلمين وجعل بأسهم فيما بينهم؟ : الأصل أيها الأخوة: أن الإنسان إذا تعرَّف إلى الله وعرف طرفاً من جلاله، يجِلُّ أمره، و يجل نهيه، ويجل طاعته, ويجلُّ عباده المؤمنين, ويجل كلَّ شيء يتَّصل به، يجل المسجد ويجل المصحف، أيُّ إنسان, وأيُّ جهة, أو أيُّ كتاب يتَّصل بجلال الله عزَّ وجل يجلُّه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج الآية: 30] لذلك حال المسلمين اليوم: أنه هان أمرُ الله عليهم فهانوا على الله، سلَّط عليهم أعداءهم، جعل بأسهم فيما بينهم، ليست كلمتُهم هي العليا, لأعدائهم عليهم ألف سبيل وسبيل، لأنهم لم يجلوا الله ولم يجلوا أمره. ما هي حرمات الله؟ : قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج الآية: 30] قال الليثُ -أحد العلماء-: حرمات الله ما لا يحل انتهاكُه. وقال عالم آخر: الحرمات هي الأمر والنهي. وقال عالم ثالث: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه. وقال قوم: الحرمات ها هنا المناسك؛ مناسك الحج زماناً ومكاناً. والصواب: أن كل هذه من الحرمات، أي شيء مقدَّس؛ شيء يتَّصل بالدين، يتصل بالإله فالقرآن مقدَّس، وكتب السنة مقدَّسة، وكتب العلم الشرعي مقدسة، ومن يعمل بالعلم الشرعي مقدَّس، وبيوت الله مقدسة، أمر الله مقدس، ونهيه مقدس، فكلما ازددت إيمانا و إجلالا لله عزوجل, تعظِّم حرمات الله, بل إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم .. من تعظيم حرمات الله : عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ, وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ, وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)) مسلم متقدِّم في السن, وأمضى حياته في طاعة الله, يجب أن تجلَّه، يجب أن تحترمه, يجب أن تيسِّر له أمره . عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ, وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ, وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)) إن من إجلال الله توقير الإمام العادل، إنسان في منصب، مستقيم, يعمل للصالح العام يجب أن تحترمه، له صدر المجلس، ما دام أنه مخلص وله نفع عام، ويسهر على راحة الناس وعلى أمنهم وسلامتهم، فأيُّ شيء يتّصل بالله عز وجل المسلم الصادق يجلُّه، الصلاة مقدسة، لا يؤخِّرها عن وقتها، ولا يضيعها، الصيام مقدس، لو كان معذورا في الإفطار لما أفطر علانية، حرمة للشهر. قف عند هذا القول : قال بعضهم: الحرمات تعمُّ هذا كلَّه، وهي جمع حرمة، وهو ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق, والأشخاص, والأزمنة, والأماكن, والحقوق، فتعظيمها توفيتها حقَّها، وحفظها من الإضاعة، والخروج من حرج المخالفة, وجسارة الإقدام عليها, وبتعظيم الأمر والنهي خوفا من العقوبة, وطلبا للمثوبة، إنسان قويٌّ إذا أعطى توجيها يُنفَّذ بحذافيره خوفا من بطشه، وخالق الكون أعطاك أمرا وأعطاك نهيا، فكلما ازددت تمسكا بأمر الله, كان مقامك عند الله أعلى. شيء هام : الآن: مَنْ قدوتنا؟ الأنبياء والمرسلون والصديِّقون؛ في دعائهم, وسؤالهم, والثناء عليهم بخوفهم من النار, ورجائهم للجنة، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 89-90] الأنبياء والمرسلون سألوا اللهَ الجنة واستعاذوا به من النار، و أنا لا أرضى أن يقول قائل: أنا لا أرجو الجنة ولا أخشى النار، و لكن أعبد الله لأنه أهل للعبادة، هل هو فوق مقام الأنبياء؟ الأنبياء رجوا رحمته وخافوا من عذابه، و الأنبياء قمم البشرية، والذي يقع في قمة السُّلم؛ رجا ربَّه, ورجا الجنة, وخاف من النار. لا ينبغي أن يقول إنسان ليس نبيًّا: أنا لا أعبد الله طمعا في جنته, ولا خوفا من ناره، و لكني أعبده لأنه أهل للعبادة، هذه مزايدة، فالأنبياء جميعا يدعون ربَّهم رغبا ورهبا، هذا هو القرآن وهذه هي السنة، والإنسان لا يمكن أن يكون أعبد من رسول الله، ولا أكثر قربا من رسول الله .. هذا هو منهج النبي عليه الصلاة والسلام : عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: فأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ, وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] فالمنهج الذي جاء به النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- كامل وتامٌّ، ولا تحتاج إلى منهج آخر، لذلك لا تفكِّر أن تنتقص من الدين شيئا، ولا أن تضيف عليه شـيئا، أيَّة إضافة وأيَّ إنقاص اتِّهامٌ للدين بالزيادة والنقص. لم أثن الله على خواص خلقه بأحسن أعمالهم؟ : خواص خلقه أثنى الله عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل من أعمالهم الطيبة أنهم استعاذوا به من النار، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63-65] هذا الذي يدعو الله أن يصرف عنه عذاب جهنم: هو يعظِّم حرمات الله. أيضا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 16] سيدنا إبراهيم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 78-88] من الجهل : أيها الأخوة الكرام, ما أدري ما السبب أن الإنسان يقرأ قصص الأنبياء في القرآن, ويقرأ مناجاتهم وأدعيتهم، يظن أنه لا علاقة له بهذا؟ هؤلاء الأنبياء قدوة لنا، كلامهم منهج، ودعاؤهم علم، موقفهم طريق إلى الله عز وجل، فأنا من أنصار أن كل آية فيها ذكر لنبيٍّ ينبغي أن تقف عندها، وأن تجعل هذا الموقف قدوة لك. النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أمَّته أن تسأله في وقت الإجابة عقيب الأذان، هذا الوقت هو وقت الإجابة .. ما وراء هذين الحديثين : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَجُلٍ: ((مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ, ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ, أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ قَالَ حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ)) وكان هناك كلام بين صحابيين لم يفهم منه شيئا، أنا لا أحسن دندنتك, فقال: أنا ومعاذ حولها ندندن. في الصحيح من حديث الملائكة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ, فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ, تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ, قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قال: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ, وَيُكَبِّرُونَكَ, وَيَحْمَدُونَكَ, وَيُمَجِّدُونَكَ, قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ, قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ, كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً, وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا, وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا, قَالَ: فيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُون؟ قَالَ: يقولون: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ, قَالَ: فيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا, قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا, كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا, وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا, وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً, قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنْ النَّارِ, قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا, قَالَ: فيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا, وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً, قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ, قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ, إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ, قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] يعني معقول إنسان ضائع شارد غافل ما سأل الله ولا مرة الجنة، ولا استعاذ به من النار ، أن يُعامل هذا العبد كعبد آخر ليل نهار, يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار؟ . أيها الأخوة؛ هؤلاء الأنبياء والرسل في قصص القرآن التي ذكرت مواقفهم وأحوالهم وأدعيتهم واستعاذتهم ورجاءهم، وما جاء في السنة من وصف العباد المؤمنين ومواقفهم واستعاذتهم، منهجٌ لنا نحن المؤمنين. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة : هناك حقيقة أتمنى أن تكون واضحة لديكم: إذا خلا القلبُ من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه، فترت عزيمتُه وضعفت همَّتُه، ووهى باعثُه، و كلما كان أشدَّ طلبا للجنة وعملا لها, كان الباعثُ أقوى. وأنا أقول لك كلاما صريحا: أكبر باعث للعمل الصالح رجاءُ الجنة، وأكبر رادع عن المعصية خوفُ النار، و ما سوى ذلك كلامٌ لا معنى له. يقولون: فلان عنده ضمير مسلكي يقظ، وفلان يخشى على سمعته، كلام لا طائل فيه، حينما تخلو له الفرصة يقتنصها, فأيُّ رادع غير رادع خوف النار رادعٌ وهميٌّ، وأيُّ باعث غير باعث الجنة باعثٌ خُلَّبي، الباعث الحقيقي أن ترجوَ جنة الله إلى الأبد، والرادع الحقيقي أن تخاف من النار، فلذلك: ما الذي يجعل المؤمن مقيَّدا؟ . الإيمانُ قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن. لأنه يعلم علم اليقين أن الله كبير، وأن بطش الله شديد، وأن عذابه في الدنيا لا يُحتمل، وأن في الآخرة أشدُّ وأبقى، فالإنسان حينما يعلم ما عند الله من العقاب, وما يرجو من رحمته من ثواب, لاستقام على أمره، وإن أردتم, أضعكم مع حقائق تعيشونها جميعا: إنسان أقوى منك إذا قال فعل، هل يمكن أن تقع تحت مخالفة أمره؟ إنسان عادي لكنه أقوى منك, بإمكانه أن يوقع بك الضررَ وهو مطَّلع عليك، فهل يمكن أن تعصيَه جهارا؟ هذا شأنك مع إنسان أقوى منك، فكيف شأنك مع الله جل جلاله؟ لذلك الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول: يا نفس, لو أن طبيبا حذَّركِ من أكلة تحبِّينها، لا شكَّ أنكِ تمتنعين عنها، أيكون الطبيبُ أصدقَ عندكِ من الله؟ طبيب نهاك عن أكل الملح، وحذَّرك من مغبَّة جلطة, وارتفاع ضغط, وتصلُّب شريان، تترك الملح كليًّا، الطبيب تحذيرُه مقبول عندك، والطبيب صادق وتأخذ بتوجيهه، وتنسى أن تأخذ التوجيه من الله عزوجل؟ . هذه الجنة التي أرادها الله : أخواننا الكرام؛ هناك حقيقة أتمنى أن تكون واضحة لديكم: الجنة التي ينبغي أن نسعى إليها ليست اسماً لمجرَّد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب, والحور العين, والأنهار, والقصور، و كثر الناس يتوهَّمون في مسمَّى الجنة: أن الجنة اسم لدار النعيم، أي أن المكان جميل جدا، بساتين، أرض خضراء, وأشجار؛ قطوفها دانية، فيها حور عين, وولدان مخلدون، وفيها نهر من عسل مصفَّى، و فيها نهر من لبن لم يتغيَّر طعمه، وفيها ماء غير آسن، وفيها خمر لذَّة للشاربين، هذه جنة, ولكن ليست هي الجنة التي أطلقها الله على دار النعيم، هذه الجنة هذه المحسوسات، ما بين أنهار وأشجار, وحور عين, وولدان مخلَّدون, لكن الجنة التي أرادها الله فوق هذا؛ نظرٌ إلى وجه الله الكريم. قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا, لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ, فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا, ثُمَّ قَرَأَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)) وقد ورد تفاصيل عن هذه الرؤيا: أن المؤمن إذا نظر إلى وجه الله الكريم, يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام، وهل هناك فوق ذلك؟ طبعا، لو دخلت بيتا وكان صاحب البيت له جمال أخَّاذ، فأنت جلست في مكان, متَّعت عينيك بجمال وجهه، شيء جيِّد، ولكن هناك مرتبة أعلى بكثير، أن يقف لك صاحب البيت, وأن يستقبلك بحرارة بالغة, وأن يدعوَك بأحب الأسماء إليك, وأن يرحِّب بك, وأن يقرِّبك من مجلسه, هذا هو التكريم الحقيقي، لذلك قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة التوبة الآية: 73] صار هناك مستوى محسوس؛ أنهار, وأشجار, وقطوف, وولدان, وحور عين, وأنهار من عسل مصفى, ولبن, وخمر, وماء غير آسن، هذا مستوى، ومستوى آخر: النظر إلى وجه الله الكريم، مستوى أعلى أن يرحِّب اللهُ بك، وأن يرضى عنك, وأن يقرِّبك، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة التوبة الآية: 72] قصة تتكرر كثيراً : أخواننا الكرام؛ قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] اشترى بيتا بأحد شوارع دمشق الغالية جدا، البيت الطابق الثاني عشر، فيه شقَّتان، والبيتان مهيئان للسكن؛ كسَّر البلاط, وأزال النوافذ, وكسَّر المرافق العامة، وأعادها بتؤدَة وإتقان منقطع النظير، واستغرق العمل سنتين بالتمام والكمال، الوصف الذي سمعته لا يُصدَّق، طاولات من الرخام الشَّفاف، والإضاءة مخفية ثابتة, وبعد أن انتهى البيتُ بأيام معدودة جاءته المنيةُ، هذه هي الدنيا، ومثل هذه القصة تتكرَّر كثيرا، بيت لم يُسكَن، وزواج لم يتم، شهادة لم تحضَّر, سفر لم يعُد منه، دخل البيت ولم يخرج، خرج ولم يعُد, وسافر ولم يعد، قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 26] ما خير بعده النارُ بخير، وما شرٌّ بعده الجنة بشر, وكلُّ نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية، وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليتُه بكل سيئة كان عملَها سقما في جسده، أو إقتارا في رزقه, أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذرِّ, فإذا بقي عليه شيء شدَّدتُ عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه. هل تسعى لهذه الجنة؟ : بعض العلماء يتمثَّل هذا البيت، فقال: قلـيل منكَ يكفيني ولكن قليلُك لا يُقال له قـليلُ نظرة لله عز وجل تكفي الإنسان. الآن: في الدنيا -كلامي دقيق- في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة. إنها جنة القُرب، اسعَ إليها، واللهِ الذي لا إله إلا هو, لو سعيتَ إليها, وذقتَ ومضة من ومضاتها ، واللهِ لتحتقرن نعيم الدنيا كلَّه، نعيم الدنيا كلُّه تحتقره أمام هذه الومضة، تجد إنسانا غارقاً في العمل الصالح، والجاهل يشفق عليه, نقول له: أشفِق على نفسك، هو غارق في سعادة لا توصف، المنهمك في عمل طيِّب, وفي عمل صالح, وفي عمل مخلِص لله عز وجل ، هذا سعادته في التعب، و شقاوته في الراحة، لو أرحتَه يتألَّم أشد الألم. ماذا عن النار؟ : أيها الأخوة, هذا عن الجنة، فماذا عن النار؟ . قال: وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله. الحقيقة: أشدُّ أنواع العذاب: أن يُحجَب الإنسانُ عن ربه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] يقابل ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة الآية: 22-23] وجهٌ نضير متألِّق ينظر إلى الله عز وجل، ووجه عليه غبرة محجوب عن الله عز وجل، وجه ابيضَّ لعمله الطيَّب، ووجه اسودَّ لعمله السيّء. قال: الحجاب عن الله, واستحقاق غضب الله, وسخط اللهو, والبلُعد عن الله, والطرد من رحمة الله, أعظم منة التهاب النار في أجساده. ورد هذا الحديث: ((إن العار ليلزم المرءَ يوم القيامة حتى يقول: يا رب, لإرسالُك بي إلى النار أيسر عليَّ مما ألقى، و إنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] العذاب الحسِّي، لهيبُ النار الذي يحرق الجلدَ, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [سورة النساء الآية: 56] ومع ذلك: العذاب النفسي الحاصل من استحقاق النار ليس قليلا، فلذلك: النار اسم لمجوعة من العذابات بربِّكم، نأتي بمثل بسيط: أنت مقدِم على زواج, ومعك فرضا حوالي ثلاثمائة ألف، ووجدت بيتـا بثلاثمائة ألف ضمن دمشق، فرضا؛ موقعه مناسب جدًّا، وأيُّ بيت آخر قيمته مليون، وذهبت إلى صاحب البيت لتشتريَه، وقال لك: واللهِ لقد بِعتُه لا تنام الليلَ، وما أحد ضربك, ولكنه شعور بالندم، أنت قصَّرت, كان لا بدَّ أن تتابعه قبل يومين، وكان لا بدَّ أن تسأل، فندم على فوات شراء بيت ، وندم على فوات الزواج بفتاة, يبقي صاحبه في ألم لا يُحتمَل, فكيف الندم على فوت الجنة و استحقاق النار؟ . ((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب, لإرسالُك بي إلى النار أهونُ عليَّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب)) يا رب .... فلذلك: عذاب النار منوَّع، هناك عذاب حسِّي، قال تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة البروج الآية: 10] هناك عذاب نفسي، والعذاب النفسي بعضُه ندم، وبعضه حسرة، وبعضه خزيٌ, وبعضه عار, وبعضه أن هذا الذي استحقَّ دخول النار, استحقَّ غضب الله, وسخط الله, والبعد عن الله. هذا السعي المشكور : لذلك: مطلوب الأنبياء والمرسلين والصدِّيقين والشهداء والصالحين هو الجنة، ومهربُهم من النار، وخيرُ العباد من يريد اللهَ يريد ثوابه، وهؤلاء خواصُ خلقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] فالدار الآخرة؛ أي الجنة مطلوبة من قِبَل خواص خلقه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] هذا خطابُه لخير النساء، أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 19] فأخبر أن السعيَ المشكور: سعي من أراد الآخرة، وأبلغُ من هذا: قولُه لخواص أوليائه وهم أصحابُ نبيِّه -صلى الله عليه و سلم-: ﴿مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 152] فخواص خلقه أصحاب نبيِّه، يريد الآخرة، فإذًا: لا ضيرَ أن نرجوَ الجنة وأن نتعوَّذ من النار، وهذه مرتبة الأولياء والمرسلين. نقطة دقيقة : أما الذي يقول: هذه الولية الصالحة التي قالت: أنا لا أعبدك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك، وإنما أعبدك لأنك أهل للعبادة. نحن نأخذ ديننا من القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، وأما هذه -رحمها الله وأكرمها الله, ولعله وليَّة حقا, ولعلها موصولة بالله-, ولكن هذه ليست مشرِّعة، نحن لا نعتقد العصمة إلا لرسول الله، هو المشرِّع, ونحسن الظنَّ بالمؤمنين، دون أن نعلِّق كبيرَ أهمِّية على أقوالهم، هم ليسوا مشرِّعين. وهذا الذي ركب ناقته وحمل عليها زاده و شرابه، وجلس ليستريح من وعثاء السفر، أخذته سِنةٌ من النوم فأفاق فلم يجد الناقةَ، فأيقن بالهلاك قطعا، وصار يبكي ويبكي حتى نام مرة ثانية, فلما استيقظ رأى الناقةَ أمامه، من شدة الفرح اختل توازنُه .. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ, مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ, وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا, فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا, قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ, فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ, إِذَا هـُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ, فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا, ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ, أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] خيراً إن شاء الله، ونعذره، هل كلامه صحيح؟ أعوذ بالله، كلامه كفرٌ؛ ولكن قال بعض العلماء: ما كلُّ من وقع في الكفر وقع عليه الكفرُ. من شدة الفرح اختل توازنه، قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. هذا لا نؤاخذه. الآن: إذا إنسان آخر اختل توازنه, فتكلم بكلمات تخالف الكتاب والسنة, نرجو له الرحمة والمغفرة, ولعله أقربُ إلى الله منا, ولكن لا نأخذ بهذا الكلام، بل نأخذ بالقرآن والسنة, القرآن والسنة صرَّحا في آيات كثيرة جدا: أن خواص أوليائه, وخواص أصحاب نبيِّه, وأن أنبياءه وهم قمم البشر, سألوا اللهَ الجنة واستعاذوا به من النار، فهل يُعقل أن ياتيَ إنسان ليس رسولا ولا نبيًّا, ويتأبَّى أن يستعيذ بالله من النار وأن يسأله الجنة؟ بل هو فوق ذلك، يسأله النظر إلى وجهه الكريم، لا يعبده خوفا من ناره, ولا طمعا في جنته، و لكن يعبده لأنه أهل للعبادة، هذا كلام يخالف الكتاب والسنة، ونحن نرجو لصاحبه المغفرة والرحمة, ولعله لم يقُله أيضاً. خاتمة القول : أختم هذا الدرسَ بهذه الحقيقة: لو أنك قرأتَ كلاما لعالم كبير يخالف الكتاب والسنة، ما موقفك؟ أول احتمال: أنه ما قاله، ودُسَّ عليه، وثاني احتمال: أنه قاله وما أراد المعنى الذي أنت فهمته منه، واحتمال ثالث: أنه قاله وأراد المعنى الذي فهمته منه, ولكن ترك هذا المعنى بعد حين، وتراجع عن هذا المعنى، والاحتمال الرابع: أنه قاله وأراد المعنى الذي فهمته ولم يتراجع عنه فهو مخطئ، وانتهى الأمر. نحن عندنا رسول الله هو المعصوم وحده، النبيُّ وحده معصوم، أمَّته معصومة بمجموعها، النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوم وحده، أمتُه بمجموعها، هذه عقيدتُنا: العصمة لرسول الله وحده، أما أمته بمجموعها معصومة، فإذا إنسان في ساعة من الساعات اختلَّ توازنه, وقال كلاما يخالف الكتاب والسنة, لعله ما قاله, ولعله قاله في ساعة غيبوبة، ليس مشرِّعا وليس حجةً, نحن منهجنا كتاب الله، ومنهجنا سنة رسول الله، ولا شيء غيرهما. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الغيرةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من خصائص النفس البشرية : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الغيرة، وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه المنزلة, وعن خصائصها, وعن شروطها, لا بدَّ من مقدِّمة. الإنسان كجسم فيه أعضاء, وفيه أجهزة, وفيه حواس, وفيه نُسُج, وفيه هيكل عظمي، أما كنفس فيه خصائص، واللهُ عز وجل سوَّى هذه النفس وفق خصائص، وهذه الخصائص أولُ صفة فيها: أنها حيادي, يمكن أن تكون سُلَّمًا نرقى بها, أو دركات نهوي بها، هذه الخصائص حيادية, لأن الإنسان مخيَّر. نضرب لذلك مثلاً: من أدقِّ خصائص الإنسان: يتمنى أن يكون كالآخرين الناجحين في الحياة، سمِّها إن شئت غيرةً، سمِّها إن شئت حبَّ التنافس، سمِّها إن شئت حسداً، هذه الخصيصة تتمنى أن تكون كفلان، وتتألَّم إن لم تكن مثلَه، هذه حيادية، فلو وظَفتها في الخير رأيتَ إنساناً طالب علم شرعي، إنساناً يتقن كتاب الله، إنساناً ضبط نفسَه وحزَم أمورَه وله اطِّلاعٌ واسع، أجرى اللهُ على يديه أعمالا طيِبةً، فيه خصيصة تتمنى أن تكون مثلَه، فهذه الخصيصة وظَّفتها في الخير, فبعثتك إلى أن تنافسه، فتفوز بالجنة، هذا توظيفها في الخير, أما توظيفها في الشرِّ: ترى إنساناً معه مالٌ كثير أو له جاهٌ عريض فتنافسه على المال، تريد أن تكون مثله في الغِنى والفجور، الخصيصة نفسها وظَّفتها في الشرِّ، فبينما أن تكون هذه الخصيصةُ سُلَّما نرقى به أو دركاتٍ نهوي بها، فالخصيصة حيادية. ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ : عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) فمعناه: أن الإنسان تمنى أن يكون عالماً, أو تمنى أن يكون غنيًّا منفِقاً, تمنى أن يكون عالماً عاملاً معلِّماً أو غنيًّا منفقاً، هذا شيء طيب، إذًا: باعثُ من البواعث التي تدفعك إلى نيل الخيرات في أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة هذه الخصيصة، هي نفسها لو وجَّهتها إلى الدنيا فتمنَّيتَ أن تكون غنيًّا -لا سمح الله-, تمنى هذا الحاسد أن يكون غنياً فاجراً غارقاً في مُتع حسية أودت به إلى النار، فالخصيصة نفسها والسِّمة نفسها تقوده إلى الجنة أو تقوده إلى النار، إذاً: هي حيادية، وكلُّ سمات النفس، وكل خصائصها, وكلُّ فطرها, وكل جبلِّتها حيادية, تُوظَّف في الخير أو تُوظَّف في الشر. ما الغرض من هذا الكلام؟ : الإنسان يحبُّ أن يكون مهمًّا، مبرِّزا متفوِّقا، سمِّ هذا الميلَ تأكيدَ الشخصية، تأكيد الذات، الشعور بالأهمِّية، هذا الميل يمكن أن يُروى بالخير؛ تطلب العلم وتعلِّم العلم، تعمل الأعمالَ الصالحة فترقى، أو تؤكِّد الذات بإيذاء الآخرين وإرهابهم وإيقاع الأذى بهم كي يهابونك, أكَّدت ذاتك. أحياناً: لك قضية عند إنسان، إما أن يخلق لك العراقيلَ كي يشعرك أنك لا شيء أمامه ، أو أن يعاونك فتشعر أن هذا إنسان عظيم، إنسان طيِّب، في كلا الحالين يريد أن يلفتك إلى خطورته، وإلى أهمِّيته، إما عن طريق خدمتك، وإما عن طريق إيقاع الأذى بك، والميلُ واحد؛ ولكن هذا الميل يُوظَّف في الخير كما يوظَّف في الشرِّ، لأن الإنسان مخيَّر, كلُّ خصائصه ومفردات جبلِّته وتسوية نفسه -إن صحَّ التعبيرُ قال تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7] حيادي. هذه المقدِّمة من أجل أن أصل إلى منزلة الغيرة، هذه المنزلة كما قال مؤلَّف الكتاب: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] تحت أي باب يندرج هذين الحديثين؟ : وفي الصحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ, فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ)) طبعاً: أغير خبر –ما- التي تعمل عمل ليس، وما أحد أحب إليه المدح من الله, ومن أجل ذلك أثنى على نفسه. عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سـَعْدٍ!؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي, وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) فاللهُ يغار. من صفات كمال الإنسان : أضرب مثلاً: أبٌ يمشي في الطريق، رأى ثلاثة شباب، أحدهم ابنُه, والثاني ابنُ أخيه، والثالث لا يعرفه، والثلاثة يدخِّنون، بماذا يشعر هذا الأب؟ يشعر بمِرجلٍ اتجاه من؟ اتِّجاه ابنه؛ قد يضربه، وقد يعنِّفه، من شدَّة محبَّته له, ومن شدَّة حرصه على سلامته، ومن شدَّة غيرته عليه يعنِّفه، التعنيف لابن أخيه ينزل إلى الربع، لماذا يا عمِّي تدخِّن؟ ابنه أدَّبه وضربه، ابن أخيه كلمة، الثالث ولا كلمة، فهذا الانفعال وهذا الألم وهذا الصوت المرتفع وهذا الضرب أحياناً وهذا التعنيف بسبب المحبَّة والحرص، فلذلك الغيرة من صفات كمال الإنسان، فهذا الذي لا يغار ليس من بني البشر. من هو الديوث؟ : ومن هو الدَّيُّوث؟ قال: الذي لا يغار على عرضه ويرضى الفاحشة في أهله. لو برزتْ زوجتُه بأجمل زينة، ولو بدا معظمُ ما في جسمها من فتن، لا غيرة أبداً، لا يغار على أهله ويرضى الفاحشة فيهم، هذا ديوث، والديوث كما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: لا يروح رائحة الجنة. وفي الصحيح أيضاً: من حديث أبي سلمة, عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)) لماذا يضرب الأب مثلاً في كثير من القضايا المتعلقة بالله عز وجل؟ : وبالمناسبة: قد يسأل أحدُكم: لماذا يضرب الأب مثلا في كثير من القضايا المتعلِّقة بالله عز وجل؟ لأن نظام الأبوَّة وحده يدلُّك على الله, أي هناك إنسان واحد يتمنَّى أن تكون خيراً منه هو الأب, هناك إنسان واحد قد يعمل ليلاً نهاراً من أجل ابنه. حدَّثني أخٌ عن إنسان يعمل عملاً شاقًّا جدًّا، نقل أكياس، ينوءُ بحملها، جاء الساعة الثامنة تماماً, وبدأ يعمل حتى الساعة الثامنة مساءً، المبلغ زهيد، فقال له صاحبُ العمل: أتعمل حتى الساعة الحادية عشرة وتأخذ خمساً وعشرين ليرة إضافية؟ قال: نعم، لماذا؟ عنده زوجة وأولاد، عمل يهُدُّ الجبالَ، بأجر زهيد جداً, لأن له زوجة وأولاد، وهذا المبلغ اليسير قد يأتي بخبز، وقد يأتي بفاكهة لأولاده وزوجته، هذا بطل عند الله عز وجل، وهو لماذا يعمل هذا العمل الشاقُّ؟ من شدَّة حبِّه لأهله وأولاده، من أجل أن يفرحهم بفاكهة وبطعام، يجهد هذا الجهدَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)) فإذا وجد ابنَه مثلاً يعمل عملاً يسيء إلى سمعته، أو إلى صحَّته, أو إلى مستقبله، يتألَّم الأب، وهذا الألمُ هو الغيرة، هو الذي يدفعك إلى أن تؤدِّب ابنَك، نظام الأبوَّة يدلُّ على الله رحمة وعلماً. هذه غيرة الله عز وجل : فالعبدُ حينما يعصي اللهَ يغار اللهُ. وبصراحة: وإذا كنت جالساً في غرفة الجلوس مرتاحاً أيام الشِّتاء على مقعد وثير, وقد أتيت البيتَ وأنت في غاية التعب، وما إن استرخيتَ على هذا المقعد الوثير والمدفأةُ مشتعلةٌ حتى استرختْ أعضاؤك, فرأيت ابنك الصغيرَ يقترب نحو المدفأة وهو يجهل ما سيكون، هل هناك أبٌ في الأرض يبقى جالساً؟ لو كان منهكاً من التعب إلا ويقفز من مجلسه ليمنع ابنَه من أن تحترق يدُه بالمدفأة، ما هو التفسير؟ غيرة, وأساس الغيرة الحبُّ والرحمة, إذًا: الغيرة مظهر سلوكي ينطلق من حبٍّ ورحمة، فإن الله يغار، عبدٌ يشرب الخمرَ، اتركه لجهنم، أعوذ بالله، عبد يزني، اترُكه لجهنم، أو شعوب ضالَّة مضلَّة فسق وفجور, وبلد سياحي جميل, وجبال خضراء، وطعام طيِّب, ومناظر جميلة، وتجارة رائجة، وكلُّ شيء ميسور, وكل الموبقات موجودة, وكل الأشياء القذرة موجودة، لا يحدث مع الشعب شيء إلى يوم القيامة إلى جهنم كله، لا؛ هناك زلزال، وهناك شحُّ المياه، هناك قحط, وهناك ضيق في الأرزاق، حتى يعودوا إلى الله عز وجل، وهذه غيرة الله عز وجل. لماذا حرم الله الفواحش؟ : أضرب مثلاً: حفرة عميقة جداً, وترى طفلاً أعمى يمشي باتِّجاه الحفرة، تبقى ساكتاً وهو ليس ابنَك؟ مستحيل، هذه الغيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] ولماذا حرَّم الفواحش؟ لأنه يغار، والفواحش طريقٌ إلى النار، ولو أنه أباحها وانتهت بصاحبها إلى النار, أين غيرةُ الله عز وجل؟ ولأنه يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار يسوق لعباده بعض المصائب، ولأنه يغار يغضب من عبد أتى ما حُرِّم عليه, لأنه حرم نفسَه هذه السعادة. من صفات المؤمنين : وفي الصحيح أيضاً: عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) إنسان لا مبالٍ, كلُّ شيء يراه من أهله لا يأبه له, تخرج زوجتُه إلى الشُّرفة بالثياب الفاضحة لتنشر الغسيل, والشرفة على الطريق العام, تراه مرتاحاً ولا يغار، لا يخجل من الله أن تظهر امرأتُه بهذا الشكل أمام الرجال، فالغيرةُ من صفات المؤمنين. عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) ما الذي يغضبك؟ : أخواننا الكرام, هناك غضب شريف، وهناك غضب يُعدّ نقيصة في الإنسان، المؤمن يغار إذا انتُهكت حرماتُ الله، ولا يثور لأكل, أما قضية الأكل تأخَّر، لآنية كُسِرت، لزوجة غابت عند أهلها فترة أطول، هذا هيِّن ليِّن، يألف ويؤلف، أمور الدنيا لا شأن لها عنده، أما أمور الآخرة، هي الزوجة تشعر ما الذي يغضب زوجها؟ إن أغضبته الدنيا سقط من عينها، وإن أغضبته الآخرة عظُم في عينيها، ولا يوجد إنسان لا يغضب، والغضب ضروري، لكن ما الذي يغضبك؟ يغضبك أن الأولاد ناموا ولم يأكلوا؟ أم يغضبك أنهم ناموا ولم يصلُّوا؟ أول تسأله: كتبوا وظائفهم, قلَّما تجد أبًا يقول: هل صلوا العشاء؟ كتبوا وظائفهم وتعشَّوا, الحمد لله والصلاة!! أين قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه الآية: 132] قد يكون صاحب محلٍّ تجاري وعنده موظَّف، إذا تأخَّر ربعَ ساعة يقيم عليه النكير، الظهر والعصر والمغرب ما صلاها أين الدين؟ مرتاح, ولا يشعر بغيرة الموظف، وأمانة في عنقك، أفلا توجِّهه؟ ولأن الله يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار ساق المصائب، ولأنه يغار أدَّب عبادَه، ولأنه يغار ساق لهم ما يرجعهم إلى الله عز وجل . مما يدخل في الغيرة : قال: ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 45] قال بعضُ العلماء: أتدرون ما هذا الحجاب؟ قال: هذا حجاب الغيرة فلا أحدَ أغيرُ من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفارَ أهلاً لفهم كلامه, ولا أهلاً لمعرفته وتوحيده ومحبَّته، جعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عن العيون، غيرةً عليه أن ينالَه من ليس أهلا له. لا ترض إذا كان عندك سبيكة ذهب -كيلو - قيمتها خمسمائة ألف، أن تجدها في القمامة، تقيم النكيرَ, وقد تجد قطعةً ثمينة في المطبخ مهملة, أو غير منظَّفة, أو غير ملمَّعة، أو ليست في مكانها الصحيح تغار، وإذا الشيء مُهان وهو ثمين تغار، وكلُّ إنسان في بيته أشياء ثمينة، إن رآها مهملةً أو غير معتنى بها يتألَّم، هذه قطعة ثمينة, مكانها في غرفة الضيوف، الأولى أن تكون نظيفةً وملمَّعة وموضوعة بشكل يلفت النظر، لذلك الله عز وجل جعل هذا الحجابَ المستور بين الفجار والكفار وبين أنبيائه ورسله وكتابه وأسمائه. أنواع الغيرة : 1- غيرة من الشيء : قال: والغيرة نوعان: غيرة من الشيء وغيرة على الشيء, فالغيرة من الشيء كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، طفل آخذٌ أعلى مكانة من والديه، فإذا أنجبت أمُّه طفلاً آخر تبدأ الغيرةُ والطفل يريد أن يستأثر بأمِّه، وهناك أزواج يشكون من غيرة زوجاتهم, لو لم تكن زوجاتُهم بهذه الغيرة لتألَّموا ألماً شديداً، من شدَّة محبَّتها لك تسألك: أين كنت؟ طبعاً الغيرة لها حدٌّ طبيعي سوي، ولها حدُّ مَرَضي, الحدُّ المرضي لا يُحتمل. مثلاً: رجل صالح مؤمن مستقيم معروف مكشوف، له أصدقاء صالحون، تسأله: أين كنت؟ عند أصدقائنا، تعيد الكرَّة: معك واحدة؟ هناك مثل هذه الحالات، وهذه الحالات غيرُ معقولة, هذه اسمُها غيرةٌ مرضية، تتوهَّم أن زوجها ينحرف وهو أنقى من ماء السماء، لأنه تأخَّر عن البيت فقط، غيرة بحدِّها المعتدل ممتازة وجيِّدة وضرورية وحيادية، وسُلَّمٌ نرقى به، أو دركات نهوي بها، لأنه يغار جعل هذا الحجاب بينه وبين عباده العصاة، لأن هذا الشيء الثمين ليس لهم، لذلك قالوا: من حدَّث بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلَها فقد ظلمهم. من البلاء : مرة قال لي طالبٌ في التعليم، وهو ضعيف في اللغة: الناس وصلوا إلى القمر، ونحن لا زلنا في الفاعل والمفعول, بعيد جداً أن أجيبه إجابة جادة، قلت له: هذه المادة بلاء من الله، وهو يسخر من هذه المادة، ويسخر من لغة أمته، ويسخر من لغة وطنه، وليس هناك أمة إلا وتفتخر بلغتها، فهو يرى أن هذه المادة لا حاجة لنا بها، يجب أن تُلغى، لأنها صعبة، فقلتُ له : هذه بلاء من الله، تحمَّلْ، لأنه يسخر، فهو ليس أهلاً أن تجيبه إجابة جادَّة. متى يكون القرآن الكريم محجوب عن العبد؟ : يقال: مرة أحد كبار فلاسفة البريطانيين -برنارد شو- في حفل جلست إلى جانبه امرأةٌ حسناء، وهو كان دميماً جدًّا، فقالت: لو تزوَّجتَني فأنجبنا ولداً, يجمع بين ذكائك وجمالي, وكان ذكيًّا جدًّا، قال: وإذا كان العكس، فجمع بين غباءك ودمامتي، فالنقطة دقيقة جداً، فاللهُ عز وجل إذا الإنسان لم يكن مستقيماً, ولم يكن طاهراً, القرآن محجوب عنه, هناك دليل أقوى، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 82] ودليل أقوى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [سورة فصلت الآية: 44] القرآن، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت الآية: 44] تجد إنسان مستواه هابط جداً، هذا ليس أهلاً أن تعطيَه الحق، الحق لأهله، وله أهل. شرح الحديث : وبالمناسبة: إذا وجدتَ إنساناً معدنه طيِّب، كما قال عليه الصلاة والسلام .... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] معدن هذا الإنسان طيِّب, وفيه حياء, وفيه أدب, وفي قلبه رحمة، ولو كان غير ملتزم، احرص على هدايته، أما إنسان وقِح متجهِّم, لا يستحي من الله, تعليقاته لاذعة جداً، هذا انصرِف عنه أشرف لك، لا تضع الحمكةَ في غير أهلها، ومن وضعها في غير أهلها كمن يقلِّد الخنازيرَ عقودَ الماس، عقد الماس قيمته ثمانون أو تسعون ألف ووضعه على خنزير، هذا العقد ليس لهذا الحيوان. واحد قدَّم لحمار زهرة فلَّةً, فأكلها الحمارُ, فكان تعليقُ أحدهم: أن الحمار هو الذي أعطاه إياها ليشُمَّها فأكلها، والفلة ليست له، الفلَّة تُشمُّ من إنسان. تتمة الكلام على الغيرة من الشيء : الغيرةُ نوعان: غيرةٌ من الشيء وغيرة على الشيء، فالغيرة من الشيء: كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، هذه صفة مذمومة, طبعاً الدنيا محدودة، ففيها غيرة، وفيها تنافس، وفيها حسد, وفيها بغضاء، أما الآخرة مفتوحة للكلِّ، ولا يوجد إنسان ينافس إنساناً, والله ذو الفضل العظيم، ورحمة الله تسع كلَّ الناس. عندنا وظيفة واحدة مدير عام، وهناك مئتا موظَّف، هذا المدير العام نُقِل، تنافس على هذه الوظيفة الواحدة مئتا موظَّف, في الدنيا الفانية عند الله عز وجل, لو فرضًا مائة ألف مليار إنسان ارتقى إلى مرتبة الصدِّيقين تسعهم رحمةُ الله عز وجل، لا توجد غيرةٌ، ولا تنافس أخاك، رحمة الله واسعة، وفضله عميم، ورزقه وفير، فالغيرة من الشيء كراهةُ أن يزاحمك أحدٌ في محبوبك، والله للجميع، بل إن من صفات النبيِّ -عليه الصلاة والسلام-: أنه ما من أحد من أصحابه إلا وكان متأكِّداً أنه أقربُ الناس إليه. 2-الغيرة على الشيء : والغيرة على الشيء: هي شدَّة الحرص على المحبوب أن يفوز به غيرُك دونك، أن تغار عليه محبَّة بالغة له، أن تغار منه في أمور الآخرة محبوبة، وفي أمور الدنيا مذمومة، أن تغار من إنسان لأمر من أمور الآخرة غيرة محمودة، وأن تغار من إنسان لأمر دنيوي هذه غيرة مذمومة، أما أن تغار على إنسان فهذه صفةٌ محمودة دائما، حرص شديد. 3- غيرة العبد من نفسه على نفسه : الآن: والغيرة أيضاً نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه، داخلية من إعراضه على إقباله، من صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة, من النفس الدنيَّة على النفس الشريفة، فهناك صفات مذمومة، فيغار من هذه الصفات أن تحتلَّ مكان الصفات العالية، دائماً المؤمن في قلق, يغار من نفسه على نفسه، فصار هناك شخصيتان: نفسٌ مقصِّرة ونفس متفوِّقة، يغار على نفسه المتفوِّقة من نفسه المتخلِّفة. 4- غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه : والغيرة أيضاً نوعان: غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه، أما أن يغار ربُّه جلَّ جلاله على عبده، فهي أن لا يكون للخلق عبداً، أنت لله، فإذا كنتَ لغيره يغار عليك، قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] أنت لله، فإذا كنت لغيره الله عز وجل يغار عليك، لذلك غيرة الله على عبده أن لا تكون للخلق عبداً، أما غيرة العبد لربِّه، هذه نوعان: غيرة من نفسه وغيرة من غيره، فالتي من نفسه أن لا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأوقاته وأنفاسه لغير الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] والتي من غيره يغضب إذا انتُهِكت محارمُ الله عز وجل, والمؤمن يرتجف إذا انتهكت محارم الله عز وجل، امرأة مستورة تُهان أو شيخ وقور يُهان. هذه غيرة الأنبياء على البشرية : أيها الأخوة, الأنبياء والرسل من شدَّة غيرتهم على البشرية, كانوا يتألّمون أشدَّ الألم حينما لا يستجيب الناسُ لهم، قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [سورة طه الآية: 1-2] من شدة غيرته على الخلق كان يتألَّم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1] كان منقبض الصدر، لأن أهل مكة منحرفون، وغارقون في الربا, والخمور, والزنا، ولا يعرفون اللهَ عز وجل، فكان في ضيق, فلما جاءه الوحيُ انشرح صدرُه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1] فالأنبياء يغارون ويتألَمون أشدَّ الألم من أقوامهم حينما لا يستجيبون لهم. مثلاً: أمٌّ هيأتْ طعاماً نفيساً جداً، جاء ابنُها من المدرسة, فأكل أخشن طعام، جائع، تقول له: انتظر ربع ساعة تأكل أطيبَ الطعام لا يستجيب، أحياناً تذمُّه، وهذا حب ورحمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 38] من شدة غيرة الله علينا: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ [سورة التوبة الآية: 39] وما ذلك على الله بعزيز. متى يموت الإنسان على شعبة من النفاق؟ : أخواننا الكرام, ورد عن رسول الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] والجهاد -كما هو مقرَّر عندنا- جهاد النفس والهوى، وهناك الجهاد الدعوي، والجهاد الدعوي مُتاح لكل مسلم، أن تجاهد الناس؛ أي أن تعلِّمهم القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] يخطر ببال أحدهم أن لا يقرب إنساناً ليهديه أو ينصحه، يقول: ادعهم وشأنهم فالناس لا خير فيهم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا قَـالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)) قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ. ما خطر بباله أن يتكلَّم كلمة حق في مجلس, وما خطر بباله أن يسمع شريطاً لإنسان، وما خطر بباله أن يدلَّ إنساناً على مسجد فيه درس علم، هذا الذي لا يحدِّث نفسه في كل حياته أن يدلَّ إنسانا على الله يموت منافقاً. ماذا تعني الغيرة؟ : حقيقة الإيمان -أيها الأخوة-: ما إن تستقر في القلب حتى تعبِّر عن ذاتها بذاتها، بحركة نحو الخلف، لا يوجد إنسانٌ مؤمن منسحِب من الحياة, إنسان مؤمن متقوقِع، إنسان مؤمن سلبي، إنساني مؤمن بعيد عن هدي الآخرين, يقول: الناس ليس فيهم خير، الانسحاب وعدم الاهتمام بالآخرين, هذا يدلُّ على النفاق. من مات ولم يحدث نفسه بالغزو -ولحد الأدنى- ولم يحدث نفسه بالغزو. والجهاد كما ذُكِر: جهاد النفس والهوى أولاً، وثانياً: الجهاد الدعوي، ثالثاً: جهاد قتالي . وإذا الجهاد القتالي اليوم غير متاح الآن, فالجهاد الدعوي ميسر لكل الناس، سمعت خطبةً انقلها للآخرين، سمعت درس علم، سمعت تفسير آية، سمعت قصَّة عن صحابي، سمعت حكماً شرعياً، سمعت طُرفةً عن عالم جليل تهزُّ المشاعر انقلها للآخرين, فهذا الذي لا يغار على عباد الله يموت منافقاً، فالغيرة من صفات الله عز وجل، ومن صفات الأنبياء والرسل، ومن صفات المؤمنين، والغيرة يعني الرحمة, والغيرة يعني الحبَّ، والغيرة يعني الحرص، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 128] هذه غيرة المؤمن على وقته : بقي موضوعٌ في الغيرة: أن المؤمن عنده حرصٌ بالغ على وقته, يغار أن يضيع وقتُه سدى، يغار أن تفوته طاعةٌ، يغار أن يمضي اليومُ دون أن يُرزق عملاً صالحاً يرقى به عند الله، هذه غيرة المؤمن, فلذلك الوقتُ أثمن عنده من كل شيء، لأنه هو وقت، وما الإنسان إلا بضعة أيام, كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفراسةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من أين أخذت منزلة الفراسة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفراسة. لا تنسوا -أيها الأخوة- أن كل هذه المنازل إنما هي مستنبطة من كتاب الله، ومما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفراسة مأخوذةٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 75] فقال مجاهدٌ -رحمه الله-: أي للمتفرسين. وقال ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. المتوسمين، المتفرسين، الناظرين، المعتبرين، المتفكرين، فالتفكر، والاعتبار، والنظر، والفراسة من صفات المؤمن. هذا ما يكافىء الله به المؤمن : وقبل أن نمضي في الحديث عن تفاصيل هذه المنزلة، لا بد من أن أشير إلى أن المؤمن حينما آمن بالله، وحينما اصطلح معه، وحينما استقام على أمره، وحينما عمل الصالحات تقرُّباً إليه، مـاذا يكافئه الله على هذا في الدنيا؟. يكافئه بأن يملأ قلبه أمناً ورضى، يكافئه بأن يملأ قلبه سعادةً وسروراً، يكافئه بأن يُيَسر أموره ويدافع عنه، يكافئه بأن يحفظه ويتولى أمره. آية لعلها في سورة محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] فهل شيء قليل أن يكون الله مولاك؟ كل شيء بيده، علمه مطلق، غناه مطلق، قدرته مطلقة، هو وليُّك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] وازن بين طفلين؛ طفل له أب، عالم، مربٍ، مقتدر، يرعى خلقه، ويرعى جسمه، ويرعى دينه، ويرعى علمه، ويرعى نفسه، ويرعى حياته الاجتماعية، فالطفل مهذب، متفوق، أنيق، نظيف، مضبوط، وبين طفلٍ آخر لا أب له يرشده، فالطفل شريد، كلامه بذيء، ينام في الطرقات، منحرف الأخلاق, هذا الطفل له أب، وله مرجع، وله تربية، وهذا الطفل بلا أب، بلا مرجع، بلا تربية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] فأنت حينما تصطلح مع الله، وحينما تقبل عليه، بماذا يكافئك؟ يكافئك بوعودٍ قطعها على نفسه، يكافئك أن ينصرك، أن يقرِّبك، أن يحفظك، أن يوفِّقك، أن ييسر لك أمورك، يكافئك بأن يملأ قلبك غنىً، يملأ قلبك أمناً، سعادةً، رضىً، هذه النِعَم التي هي في الدنيا يجعلها الله عز وجل متصلةً بنعم الآخرة، هذه مكافأة الله لك، يلهمك رشدك، يسدد خطاك، يعطيك رؤيةً، الآن وصلت إلى محور الدرس، يعطيك فراسةً. إنسان يتدمر برؤية خاطئة بإنسان خدعه، إنسان يتدمر بزوجة تشقيه، بشريك مزعج، يتدمر بورطة كبيرة، يهلك بسوء نظر، فالمؤمن محصَّن من أن يهلك برؤيةٍ ضبابية، أو بموقفٍ مرتجل، أو بورطةٍ لا طاقة له بها، الله عز وجل يكرمه فيعطيه هذه الفراسة, هذا الإدراك العميق الذي يتميز به عن بقية الناس، المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون ، ويسمع ما لا يسمع الآخرون، ويشعر بما لا يشعر الآخرون. هذه هي الفراسة : من فترة قريبة وجد رجل جامع أموال، أرقامه فلكية، وأرباحه خيالية, وثق به الناس, ووضعوا بين يديه أموالهم, إلا أن بعض المؤمنين انقبضت نفوسهم، فسحبوا أموالهم، بعد حين كان هذا الجامع لأموال الناس محتالاً، فضاعت الأموال كلها، إلا لفئةٍ قليلةٍ بالفراسة استرجعت أموالها في الوقت المناسب, هذه مكافأة من الله عز وجل. قصص كثيرة، صفقة تبدو لك وكأنك ستصبح بسببها غنياً، الفراسة قد ترشدك إلى انقباض، هذا الانقباض سبب حفظ مالك أحياناً، في مكافأة من الله للمؤمن هي هذه الفراسة، الفراسة ثابتة بالكتاب والسنة، تعرفها العوام وتقول: الحر قلبه دليله, عندك قدرة على كشف الحقيقة بشكل متميز، هذه القدرة هي الفراسة، إنسان مخادع تحس بانقباض، إنسان طيب تثق به، إنسان بريء تحس ببراءته، إنسان مخادع تقول: ما اطمأننت له, بالرغم من أن كلامه مقنع، كلامه رائع، مؤيد بكل الأدلة ومع هذا لم ترتح له، هذه هي الفراسة. الفراسة كشفت حقيقة هذا المخادع، الفراسة كشفت براءة هذا البريء، فهذه الفراسة جزء من إكرام الله للمؤمن، جزء من ثمرات الإيمان، جزء من الثواب الذي يعود عليك من عملك الصالح: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 75] للمتفرسين، للناظرين، للمعتبرين، للمتفكرين. من الشيء الثابت : في شيء آخر: أيها الأخوة, الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] هذه آية أوضح: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية:30] فكم إنسان خدع إنساناً؟ وكم إنسان احتال على إنسان؟ وكم إنسان دمر إنساناً؟. يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ويروغ منـك كما يروغ الثعلب فالمؤمن محصن من أن يكون ضحية خديعةٍ، أو ضحية مراوغةٍ، أو ضحية احتيال، الله عز وجل يعطيه فراسة، وهذا الشيء ثابت. قف هنا : علماء الحديث أحياناً: يقعون على حديث سنده صحيح، ومتنه متماسك، يقول: هذا الحديث ليس فيه رائحة النبوة، صنَّفه العلماء حديث معلل، أي فيه علة باطنة، المتن صحيح، والسند صحيح، إلا أن عالم الحديث لفراسته, شعر أن هذا الحديث لا تفوح منه رائحة النبوة، قال لك: هذا الحديث ما قبلته, هذه فراسة. الفراسة للمؤمن وحده، وغير المؤمن لا فراسة له؛ له حماقة، وله تورط، وله إيهام، المؤمن له فراسة، والقول الذي يتردد على كل الألسنة: اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله. هذا القول رواه الإمام الترمذي من حديث أبي سعيدٍ الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) [أخرجه الترمذي في سننه] وله زيادة: وينطق بتوفيق الله. إذن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] كيف يكشف الله المنافق؟ : إنسان دخل المسجد, ليبحث عن رجلٍ صالح, يعطيه أمانةً كبيرةً قبل أن يذهب إلى الحج، لفت نظره إنسان يصلي بخشوع، ويغمض عينيه، ويطيل الركوع والسجود، أعجبته صلاته، قال له بعد أن انتهى من الصلاة: والله أنا أريد أن أضع عندك أمانة، أنا ذاهب إلى الحج وقد أعجبتني صلاتك، وتوسمت فيك الخير, قال له: وأنا أيضاً صائم يا سيدي, قال له: والله ما أعجبني صيامك: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] دائماً: الإنسان له فلتات لسان، هذه الفلتات تكشف عن حقيقته، تكشف عن خبثه أحياناً، تكشف عن دناءته دون أن يشعر، المنافق الله عز وجل يكشفه بهذا الكاشف من فلتات اللسان: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 30] لكن الله سترهم، لو نشاء لرأيت النفاق عليهم ظاهراً، ولكن سترناهم لعلهم يعودون إلى الله، لكنك يا محمد لتعرفنَّهم بسيماهم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] تجد وجهه لا ترتاح له، فيه مشكلة، ما في براءة، المؤمن نوره في وجهه، ضوء وجهه بريء، فيه طهر، فيه بساطة، والحقيقة: الوجه مرآة النفس، فنفسك تنعكس على وجهك، لذلك الوجه هي وجه ذات، الخبث يظهر في الوجه، والطيب يظهر في الوجه، والمخادعة تظهر في الوجه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] أنواع اللحن : فالأول: فراسة النظر والعين، والثاني: فراسة الأذن والسمع، واللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، فلحن الصواب نوعان: أحدهما الفطنة ومنه الحديث: ((وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ . -أيضاً: الفصاحة الزائدة، والتشدُّق بالألفاظ والتقعر، وأن تأتي بشواهد، وأن تحفظ الشعر، هذا يبطن شيئاً، قد لا يرضي، فيه تصنُّع وتكلُّف، والنفس تكره التصنع والتكلف، والكلام البسيط أشد تأثيراً ووقعاً في النفس. فقال: اللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، الصواب نوعان: أحدهما الفطنة, ومنه الحديث-: لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. -ذكي ويستخدم ذكاءه شبكةً يوقع بها خصومه، فطنته خبيثة، والثاني التعريض والإشارة وهو قريبٌ من الكناية. بالمناسبة: أناسٌ كثيرون يتكئون على فتوى لعالم، أنا أقول لهم: هل من عالمٍ أعظم من رسول، من سيد الخلق, وحبيب الحق، ومن أوحى الله إليه، ومن أيَّده بالمعجزات، ومن جعله في قمة البشر؟ ومع ذلك: لو استطعت أن تستنبط أو أن تنتزع من فمه الشريف حكماً لصالحك ، ولم تكن محقاً في دعواك، لا تنجو من عذاب الله، وهذا الحديث شاهد-: وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) فأنا أطمئن كل واحد معه فتوى من عالم بأن لا يرتاح لأنها لا تنفعه، لا تجديه فتوى عالم ولا تنفعه يوم القيامة، لا ينفعه إلا أن يكون مخلصاً لله عز وجل. ((وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) فالكياسة والذكاء والفطنة، طلاقة اللسان هذا من لحن القول، وفساد المنطق في الإعراب أيضاً من لحن القول. من فلتات اللسان : وبالمناسبة: اللحن في اللغة هو الخطأ في الإعراب، ولحن أمام النبي -عليه الصلاة والسلام- أحدهم, فقال عيله الصلاة والسلام: ((ارشدوا أخاكم فإنه قد ضل)) ممكن أن يضاف إلى هذا فلتات اللسان، كتعبير أحدهم عن نفسيته بكلمة قد تأتي عرضاً، مدح رجل أحدهم وهو لا يحبه، فقال له بيتاً قاله الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولسـتَ منهم لعلي أن أنـال بهم شـفاعة وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كنا سواء في البضاعة أحب الصالحين ولستَ منهم، هو يقصد أحب الصالحين ولستُ منهم، قال له: ولستَ منهم, فهذه من فلتات اللسان، بغضه ظهر، عبر عن نفسيته. أثناء الحديث بين الناس تسمع كلمات تظن أنها خطأ، هي ليست خطأً، خرجت لتعبِّر عن حالةٍ نفسية. ما قيل عن الفراسة : قال عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله)) العلماء قالوا: لعل حقيقة الفراسة أن الله عز وجل يقذف نوراً في قلب عبده المؤمن، فيرى بهذا النور الحق حقاً والباطل باطلاً، يكشف الخبايا، نور يخترق، فالمنافق مخترَق من قبل المؤمن، مكشوف، وهذه كرامةٌ للمؤمن أن يخترِق الإنسان ظواهر الناس. وكان عليه الصلاة والسلام يحترس من الناس, ويحذرهم من غير أن يطوي بشره عن أحد. وقال بعضهم: الفراسة فوق أنها نور يقذف في القلب، خاطرٌ يهجم على القلب ينفي ما يتراءى للإنسان في ظاهر الأمر. بالظاهر إنسان بريء, لكن يأتي خاطر يهجم على القلب, يثب على القلب كوثب الأسد على فريسته. وقال بعض العلماء وكان حادَّ الفراسة، لا يخطئ من يقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعَمَرَ باطنه بالمراقبة، وظـاهره باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال، لم تخطئ فراسته. وقال بعض العلماء: الفراسة أول خاطرٍ بلا معارض، فإن عارضه معارض آخر من جنسه, فهو حديث نفس وليس فراسةً, بلا معارض. أحد العلماء يقول: الفراسة لا تكون إلا من غرس الإيمان -ليس هناك فراسة دون إيمان أبداً, شبه الإيمان بالغرس, لأنه يزداد وينمو ويزكو على السُقيا، ويأتي أُكُلَه كل حينٍ بإذن ربه، أصله ثابتٌ في الأرض وفرعه في السماء-, فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى تلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره الفراسة. فالفراسة رؤية عميقة، قلما تقع بورطة، قلما تقع ضحية خديعة، عندك فراسة. من أفرس الناس عند ابن مسعود؟ : ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: أفرس الناس ثلاثة؛ العزيز في يوسف، إذ قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [سورة يوسف الآية: 21] وهم لا يشعرون، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص الآية: 26] وسيدنا أبو بكر في عمر -رضي الله عنهما- حينما استخلفه -فراسته- قيل له: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله, أتولي علينا أشدنا، ألا تخاف الله؟ فبكى وقال: لو أن ربي سألني لقلت له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به, فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب. فراسة. أفضل إنسان بعده سيدنا عمر، وامرأة فرعون وهي صديقة كما قال عليه الصلاة والسلام: ((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)) ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 9] هذه أربع فراسات وردت في كتاب الله. وكان الصديق -رضي الله عنه- أعظم الأمة فراسةً، وبعده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيءٍ أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع معروفة, أي أنه له عدة رؤى واجتهادات جاء الوحي بها، حتى هناك كتاب اسمه: موافقات سيدنا عمر، له رؤى واجتهادات الوحي نزل باجتهادات عمر رضي الله عنه، فكان من أعظم أصحاب رسول الله فراسةً. ينبغي أن تعلم : فمن عصى الله من أجل إنسان وأرضاه، هذا الذي أرضيته وأسخطت الله عز وجل، لا بدّ من أن يسخط الله عليك ويُسخط عليك هذا الإنسان، وإذا أغضبت إنساناً في طاعة الله, لا بدَّ من أن يرضى الله عنك وأن يُرضي عنك هذا الإنسان، فهذه الكلمة: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً. ماذا عن موضوع الحفظ؟ : فموضوع الحفظ: الله عز وجل يقول في محكم كتابه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] الإنسان أحياناً يسافر، فأثناء سفره هل يضمن أن ابنه خرج من البيت، وسيارة طائشة أصابته بحادث, أيضمن حدوث خلل بالبيت؟ ارتعب الأهل, دخل غريب الدار, مرض الأهل والولد, أما المؤمن إذا أزمع السفر يدعو بهذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] بهذا الدعاء تحس أعصابك تخدرت، الله خليفتك بالبيت، يحفظ أهلك وأولادك ومالك وكل شيء، وترى أدلة، ترى كيف أن الله عز وجل حفظ لك ولدك من حادث خطير, نجا بأعجوبة، هذا حفظ الله عز وجل. قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] لكن ما عند الله لن تناله إلا إذا اتبعت منهجه، حفظ المال بتأدية الزكاة، حفظ الجوارح بطاعة الله، عينٌ تغض عن محارم الله، عين تبكي من خشية الله، ترثها لا ترثك، في فرق بين أن ترثها وأن ترثك . وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا . فالإنسان المؤمن ما دام لسانه ينطق بالحق، وبصره ينظر إلى آيات الله لا إلى عورات المسلمين، وسمعه يستمع به الحق، ما دام المسلم هكذا, أغلب الظن: أن الله سبحانه وتعالى يحفظ له هذه الجوارح، أي أن في حالة اسمها: حالة الأمن، المؤمن يشعر بأن الله سبحانه وتعالى لن يضيّعه, هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 81-82] إذن: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] أحياناً الأب عنده حرصٌ على ابنه لا حدود له، لكن لو حصل خلل بالخلايا الداخلية، ونمت هذه الخلايا نمواً عشوائياً، الأب ماذا بيده أن يفعل؟ بيده أن يتألم فقط، أما الإله كل شيء بيده: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] فالذي يحفظ هو الله عز وجل. ما الذي يشد العبد إلى الدين؟ : أقسم لي بالله رجل يقود سيارته في طريق طويل، وسرعته عالية، ونام وهو يقود السيارة، ورأى مناماً، واستيقظ في الوقت المناسب قبل أن يقوم بحادث مروع مدمِّر، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟. تلاحظ: أن من حكمة ربنا عز وجل أنه أحياناً من اعتمد على ذاته، من اتكل على نفسه، من اعتمد على ذكائه، على ماله، على معارفه، على أصدقائه، على اتصالاته، مثل هذا الإنسان على أتفه الأسباب يدمر، وربُنا عز وجل حينما يدمره على أتفه الأسـباب يجعله عبرة للناس. ((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها, إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته, إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهوى من تحت قدميه, وما من عبد يطيعني, إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني)) لذلك: أقوى شيء يشدك إلى الدين معاملة الله لك، بعد أن تصطلح معه، تشعر بعنايته، وتوفيقه، وإلهامه، وتسديده، وحفظه, وتأييده, ونصره، في إلهام، فالله عز وجل يلهمك أن لا تسافر، لأن بالسفر هلاك، أحياناً تنشأ حوادث ضخمة، قبل يوم من الاجتياح سحب كل ماله وجاء به إلى بلده، من اليوم الثاني فقد كل ماله، يوم واحد من ألهمك؟ الله عز وجل: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [سورة يوسف الآية: 64] كلمة خير حافظاً: أي إن اعتمدت على ذكائك، أو على عقلك، أو على مالك، أو على أتباعك، أو على جماعتك، أو على صلاتك، أو على أشخاص أقوياء، أو على تخطيطك، أو على تدبيرك لا ينفعك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] هذه عاقبة المؤمن : كفار قريش أليست معارضتهم لرسول الله هدفها الحفاظ على ما هم فيه؟. -فبشكل واقعي ودعك من القيل والقال- زعماء قريش حينما عارضوا النبي، وكفروا به، وكادوا له، وأخرجوه، وحاربوه، واضطهدوا أصحابه، أليس من أجل أن يحافظوا على مكانتهم في مكة، وعلى زعامتهم، وعلى أموالهم، وعلى شأنهم في الجزيرة؟ فما الذي حصل؟. دمروا، وقتلوا، ومزقوا، وشردوا، من الذي انتصر عليهم؟ رسول الله وأصحابه، الذين اتبعوه، هذا شيء متكرر دائماً يؤكده قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] الأمور تدور وتدور وتدور، لا تستقر إلا على تكريم المؤمن وحفظه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] الحقيقة: كلمة حفيظ لها معنيان؛ المعنى الأول: حفيظ بمعنى عليم، الله لا ينسى، حفيظ لا ينسى, كل أعمالك، كل أقوالك، كل مواقفك، كل عطاءاتك، كل منعك، كل الصراعات التي في ذهنك، كل ما أنت فيه محفوظٌ عند الله عز وجل. من أمثلة الفراسة : أيها الأخوة الكرام, من أمثلة الفراسة التي كان سيدنا عمر متفوقاً بها: أنه مر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه، فقال سيدنا عمر: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية -رجل لا يعرفه-, فلما جلس بين يديه, قال له عمر ذلك: هل أنت كاهن أو تعرف الكهانة؟. قال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به - لماذا اخترتني بالذات؟ لماذا قلت لي: هل أنت كاهن؟-. فقال له عمر -رضي الله عنه-: ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عما سألتك عنه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كنت كاهناً في الجاهلية. ثم ذكر القصة. انظر هذا القول للعلماء : العلماء قالوا: أصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور الذين يهبها الله عز وجل لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك، قلبٌ حيّ وفيه نور فلا تكاد فراسته تخطئ، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] آية واضحة، قلبه كان ميتاً فأصبح حياً، وفي هذا القلب نور يمشي به في الناس: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية:122] كان ميتاً بالكفر والجهل، فأحياه الله بالإيمان والعلم، وفي بعض الأدعية التي أفتتح بها بعض الخطب: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. فالآية مصداق ذلك: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] والقرآن هو النور، يستضئ به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظُلَم. ما هي الأشياء الثلاثة التي تتعلق بفراسة المتفرس؟ : العلماء قالوا: فراسة المتفرِّس تتعلق بثلاثة أشياء؛ تتعلق بعينه، وبأذنه، وقلبه، فعينه للسيماء والعلامات، وأذنه للكلام والتصاريح، والتعريض، والمنطوق، والمفهوم، وفحوى الكلام، وإشارات الكلام، ولحن الكلام، وإيماء الكلام، وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه، فيعبر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النقَّاد من ظاهر النقش والسِكَّة إلى باطن النقد والاطلاع عليه هل هو صحيحٌ؟. في فراسة بالعين، في فراسة بالأذن، بالعين سيماء، علامة، حركة، حركة غير معقولة ، بالأذن لحن القول، كلام منمَّق، مديح غير معقول، في وراءه قصد. واقعة : مرة إنسان وسطني أن أقنع جهة أن تقبل تبرُّع أرض لمسجد، ما كان يخطر في بالي على الإطلاق: أن يتبرع إنسان بأرض لمسجد لمصلحة مادية محضة، في أراضي غير منظمة, فإذا تبرع بمسجد تنظم هذه الأراضي، وترتفع أسعارها إلى أرقامٍ عاليةٍ جداً، هو يجني أرباحاً طائلة من تقديم أرضٍ لبناء مسجد، من يعرف ذلك؟ لو ذكرت هذا لآلاف الأشخاص يكبرون هذا العمل, ولكن الله عز وجل يعلم الحقيقة، فالإنسان حينما يكون مع الله عز وجل, أحد ثمرات هذا القرب من الله: أنه يجعل له نوراً يمشي به في الناس. قصة : الإنسان ولا سيما القاضي يميِّز بين الصادق والكاذب، الخبراء أحياناً بكل قضية فيها مشكلة في تحكيم، من عنده فراسة يكشف الحقيقة بشكل سريع. إنسان رافق قافلة في الصحراء, معه مبلغ كبير من الذهب، افتقد المبلغ، فجاء شيخ القافلة وحدثه بالقصة، فجاء شيخ القافلة بخيمة ووضع بها حمار، وأمر أتباعه أن يدخلوا لهذه الخيمة, وأن يمسكوا ذيل الحمار، وأوهمهم أن السارق إذا أمسك ذيل الحمار ينهق الحمار، وأجبرهم، في الحقيقة الحمار ما نهق. ولكن بعد أن دخلوا وخرجوا، قال: مدوا أيديكم, وضع بذيل الحمار نعنع له رائحة عبقة، فشم أيديهم، أحدهم لم يظهر على يده أثر النعنع، قال: أنت الذي أخذت المبلغ، هو خاف، صدق هذا الكلام، فلم يمسك بذيله في الخيمة، فكُشِف. في أيام أشياء معضلة، الله عز وجل يلهم القاضي أو المحقق فيكشفها، هذه من الفطنة. للفراسة سببان هما؟ : فقالوا: للفراسة سببان؛ أحدهما جودة ذهن المتفرِّس، وحدة قلبه, وحسن فطنته. أي أنه قضية ملكات عالية جداً، وفي قصص كثيرة كيف إنسان عرف الحقيقة بسبب تافه؟. امرأتان جاءتا إلى قاضٍ، تدعي كل منهما أن هذا الولد ابنها، فقال: أقسموه نصفين وأعطوا كل امرأة نصف, فالأم الحقيقية قالت: لا هو لها, لأنها شعرت بعطفٍ عليه، فعرف أمه الحقيقية من أمه الكاذبة. فالفراسة تحتاج إلى حدة ذهن، وإلى جودة، وإلى حدة قلب، وحسن فطنة. والشيء الثاني: ظهور علامات خفية، وأدلة على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان؛ حدة ذهنٍ، وعلامات خفية، ظهرت على وجه المتفرَّس به، تكاد الفراسة لا تخطئ، أما إذا كانت واحدة, تخطئ وتصيب، أما إن لم يكن هذا ولا ذاك قلما تصيب الفراسه، أي ذهن محدود وعلامات غير موجودة، فالفراسة ليس لها معنى. قال: إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسةً، وله وقائع مشهورة. والإمام الشافعي أيضاً كان له فراسة رائعة جداً، وإنه له فيها تآليف. نهاية المطاف : أيها الأخوة, عودٌ على بدء: الفراسة أحد ثمار الإيمان، والحياة فيها مطبَّات كثيرة جداً، فيها أشخاص مخادعون، فيها أشخاص خبثاء، في أشخاص لهم مظهر حسن، ومخبر سيِّء، فمن أجل أن تنجو من ورطات، من إشكالات، من احتيالات، الله عز وجل كرَّم المؤمن بفراسةٍ تكاد لا تخطئ: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله)) وهذه الفراسة جزء من النور الذي يقذفه الله في القلب، والآية الكريمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] هذا النور هو الفراسة، فأنت تختار أحسن الناس، وأحسن الأصدقاء، وأفضل الزوجات بهذه الفراسة الصادقة، فتعرف الطرف الآخر إما بعينك من علامات خفية، أو من لحن القول ، أو بحدة ذهنك, تستنبط من هذه العلامات حُكم، أو بنورٍ يقذف في قلبك كما قلت قبل قليل يكشف لك الحقيقة. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الواحد والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم منزلة السر, الله عز وجل يقول: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء الآية: 25] هنــاك أناس أتقياء، أخفياء، أولياء، يعلم الله طيب سرائرهم، ويعلم الله إخلاصهم، ويعلم الله عن همتهم العالية كل شيء، لذلك خصهم بشيء، هؤلاء ليس لهم وجود قوي، ولا سمعة متألقة، إن حضروا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا, هذه منزلة، ولعل هذه المنزلة تغطي كل إنسان في التعتيم، لا أحد ينتبه له، لا أحد يأبه له، لعله في الدرجة الدنيا الاجتماعية ، لعله في وظيفة بسيطة جداً، لعله يعيش على كفاف هؤلاء أصحاب منزلة رفيعة عند الله عز وجل، هذا الدين لكل الخلق قويهم وضعيفهم، من كان تحت الأضواء متألقاً، ومن كان في التعتيم, هذه المنزلة يختص بها ربنا عز وجل من يشاء، الانطلاق من هذه الآية: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء الآية: 25] ولقد قال عنهم بعض العلماء: أصحاب السر هم الأخفياء. بماذا خص أويس القرني؟ : هناك مصطلح نقول: نجـوم المجتمع، يعني بالعلم هناك أشخاص يُشار إليهم بالبنان، في التجارة، في الصناعة، في الزراعة, في القيادة، في العلم الجـامعي، في التأليف، هؤلاء يسمونهم أعلام المجتمع، ميول المجتمع، وهناك أشخاص لا أحد يعـرفهم، يعملون عملاً طيباً فيمـا بينهم وبين ربهم، لهم إخلاصهم، ولهم محبتهم، ولعل أصدق شاهد على ذلك: أويس القرني. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إذا لقيتم أويس فاطلبوا منه الدعاء)) سيدنا عمر عشر سنوات يدعو أهل اليمن, لعل فيهم أويساً، في السنة العاشرة: سأل رئيس وفد اليمن: أبقي أحد من جماعتك؟ قال: لا لم يبق أحد، قال: أبداً؟ قال: راعي إبل وأجير قوم تركناه مع الإبل, فانطلق إليــه سيدنا عمر. رجل فقير, هذا أويس القرني، من يعرفه؟ لضآلة شأنه ترك مع الإبل، وكان تابعياً، وكان من أصحاب المقام الرفيع عند الله عز وجل . قصة ذكرتها مرات عديدة في دروس، وفي خطبة. هذا السر الذي خفي على أعداء الرسل : قال: هؤلاء الذين اتبعوا الرسل في ساعة الشدة، الذين صدقوا الرسل, وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله في قلوبهم سراً من أسرار معرفته ومحتبـه والإيمان به، هذا السر خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم. والآن: هناك شخص غني قوي؛ بيت، مكانة، مركبة، يلتقي صدفةً مع شخص, قد يكون حاجباً، قد يكون آذناً، قد يكون يبيع بضاعة على الطريق, يحتقره، يزدريه، لو علم ما في قلبه من أسرار، ومن إقبال, ومن إخلاص، ومن أشواق, لصغر هذا القوي الغني أمام هذا الفقير الضعيف. ليس كل إنسان فقير عنده سر، ما كل إنسان يبدو أنه أقل من طبيعي عنده سر، يجب أن يكون متصلاً بالله، مقيماً على أمره، مطيعاً له، مقبلاً عليه . ما هي المقاييس التي لم يعترف بها القرآن الكريم؟ : وأكبر شاهد: قال: أعداء الرسل, انظروا إلى أتباع الرسل فازدروهم, فقالوا: اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، قالوا: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] فقال نوح -عليه الصلاة والسلام- لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: 31] المقياس عند الله مقياس الطاعة لا مقياس الغنى، مقياس الإقبال لا مقياس القوة، مقياس الإخلاص لا مقياس الجمال، مقياس التوحيد لا مقياس الأتباع، هذه مقاييس دنيوية لم يعترف القرآن بها إطلاقاً. اجعل مقياسك مقياس القرآن : قال بعض العلماء: كلام سيدنا نوح: إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادئ الرأي وظاهره, فليس علي أن أطلع على ما في أنفسهم, فإذا رأيت من يوحد الله, علمت من ظاهره، ورددت علم باطنه إلى الله عز وجل, أنا لي أن أحكم بالظاهر. هذا الكلام -أيها الأخوة- من أجل أن لا تحتقر أحداً، قد تكون رفيع الشأن في الدنيا وعندك خادم، ومن يدري أن الخادم له عند الله مكانة تعلو على مكانتك؟ وقد تكون غنياً في الدنيا وعندك موظف بسيط يتقاضى أجراً محدوداً, ومن يدري أن يكون هذا الموظف البسيط له عند الله مكانة تسمو على مكانتك؟ لا تزدري أحداً، لا تنظر إلى الناس بمقياس المال، هذا مقياس شيطاني، ولا تنظر إلى الناس بمقياس الجمال, هذا مقياس شيطاني . كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، غائر العينين, ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبيـن، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف, لا يسألونـه لمَ غضـب؟ اجعل مقياسك مقياس القرآن, قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] هذا هو المقياس: العلم والعمل، ولا تعبأ بمقياس آخر. إليك هذا الاستنباط في هذه الآية : هناك استنباط رائع، حينما قال: ﴿الله يعلم ما في أنفسهم﴾ إذ أهلهم لمرتبة عليا في الدين. يعني لماذا أسمع الله زيداً الحق، ولماذا أبقى عبيداً خارج الحق؟ لأن الله يعلم بما في نفوس العباد, في نفس هذا الإنسان طلب للحق، في نفس هذا الإنسان حب لله، في نفس هذا الإنسان شوق إلى الحقيقة، في نفس هذا الإنسان رغبة أن يكون كاملاً، لذلك ييسر الله عز وجل طريق معرفته. نقطة مهمة : يعني نقطة دقيقة جداً: لك موقف، هذا الموقف سبب عطاء الله لك, الله عز وجل يعلم بما في نفس الإنسان, فيعطيه ما يتناسب مع ما في نفسه. إنسان طالب للحقيقة, لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الحق، إنسان طالب للإيمان العالي، لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الإيمان العالي، لذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] ترى أخوين من أب وأم، من بيئة واحدة، من معطيات واحدة, من ظروف واحدة، أخ همه المال، أخ همه معرفة الله، الأخ الذي همه معرفة الله ييسر له الله أن يطلب العلم، وأن يرقى في مدارج السالكين, وأن يجري على يديه أعظم الأعمال، والثاني ييسر له المال الوفير, قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 20] اطلب أنت، أي طلب تطلبه بصدق يحققه لك, يمد هؤلاء إن صدقوا فيما طلبوا من عطائه، ويمد هؤلاء إن صدقوا في طلبهم من عطائه: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ الإنسان إذا أراد الله تراه يبحث عن علم، عن عمل صالح، عن فهم لكتاب الله، عن فهم لسنة رسول الله، يبحث عن طريق للدعوة إلى الله, يبحث عن شيء يقربه إلى الله، يحب المؤمنين، يكره الفسقة والكافرين, ولاؤه للمؤمنين، براءته من أهل الفجور والمعصية, هذا الإنسان تيسر له سبل الإيمان، وسبل التقوى، وسبل الرقي، وسبل العمل الصالح, هؤلاء من أصحاب السر، الذين علم الله ما في قلوبهم, فأهلهم لمرتبة تتناسب مع طلبهم . أنت كأب عندك أولاد عدة، ابن همه مظهره، ابن همه دراسته, الذي يهمه دراسته لا يبالي كثيراً بمظهره، أحياناً يعتذر من سهرة ممتعة عنده مذاكرة في اليوم التالي، يعتذر عن نزهة رائعة عنده فحص، أحياناً يعتذر من صديق عنده مذاكرة، يقرأ الكتاب، يقرأ كتاباً آخر، يسأل, يناقش, يكتب، يلخص, الابن الثاني همه مظهره؛ عطورات، وألبسة، وتنزه في الطرقات، وسهرات, هذا بواد وهذا بواد, فإذا علم الله عز وجل سر الذي يطلب الحقيقة، ويطلب مرضاة الله عز وجل أهله، ورفع مقامه، ودله على طريق الخير، وأجرى على يديه كل خير، هذا هو السر. مشكلة : أيها الأخوة, هناك مشكلة: أهل الدنيا يستنبطون من دنياهم العريضة: أن الله يحبهم لذلك يزدرون كل مـن حرم الدنيا، الآية واضحة: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] هؤلاء هم الأتقياء الأخفياء، أنت لك سر، هذا السر يطلع الله عليه بحسب ما في هذا السر من محبة لله، وإخلاص, ونقاء، وصفاء، وطيب, يؤهلك الله عز وجل إلى مقام يتناسب مع هذا السر، أما من كان له دنيا عريضة، وسره لا يرضي الله عز وجل، هذا محجوب عن الله بدنياه. يُروى أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال له ابنه: يا أبت أنت هاهنا والناس يتنازعون في الإمارة، فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي . هناك إنسان يحب أن يكون تحت الأضواء، يحب الشهـرة، يحب أن يكـون عالياً في الأرض، وهذه مشكلة، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 83] إنسان يُدعى إلى عقد قران، إن لم يكن في الصف الأول ينقم أشد النقمة. فمرةً قلت: ليتنا نبني صالة فيها صف واحد، طولها خمسة كيلو مترات، هذه مشكلة كبيرة، إذا لم يكن في أول صف, معناه مكانته ليست معروفة في هذا المجلس. كلمة دقيقة : كلمة دقيقة أقولها لكم: هل تصدقون: أن سيد الخلق قاطبة دخل أعرابي إلى مجلسه, فقال: أيكم محمد؟. من منكم محمد؟ ماذا نستنبط؟ ليس له مكان معين أبداً، كان واحداً من أخوانه، واحداً من أصحابه, هكذا علمنا النبي. قال: تيامنوا، بكل شيء باليمين. اجلس حيث ينتهي بك المجلس. عالم من علماء الشام الكبار، بل هو سيد علماء الشام، أين كان يجلس؟ في طرف غرفته، أخوانه يجلسون في الصدر، وهو جالس في طرف الغرفة, تواضعاً لله عز وجل. قيم جديدة، هالة كبيرة جداً، وتعظيم، ومراتب, كراسٍ، وهيئة، وأبهة، وعظمة، هذه ليست من الدين في شيء. وقد ورد في صحيح مسلم: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبره)) كم طبقة لفئة الأتقياء؟ : الحقيقة: هؤلاء الأتقياء الأنقياء على طبقتين، قال: الطبقة الأولى: طائفة علت هممهم، وصفت مقاصدهم، وصح سلوكهم، حتى سبقوا السائرين, فلم يوقف لهم على رسم، ولم ينسب إلى اسم، ولم يُشر إليهم بالأصابع, يريد الظل، يريد أن لا يعرفه أحد . الآن: في أشخاص كثيرون يفعلون أجل الأعمال ولا ينطقون بكلمة, يعملون بصمت، ولكن والله قلوبهم مفعمة بمحبة الله، قلوبهم عامرة بذكر الله، هؤلاء أخلصوا. قال: هؤلاء لهم ثلاث صفات إيجاب، وثلاث صفات سلب، ثلاث صفات ثبوتية، وثلاث صفات سلبية، هؤلاء الأتقياء الأنقياء أصحاب السر الذين علم الله ما في قلوبهم . من خصائص الأتقياء الأخفياء : 1-علو هممهم : الصفة الأولى: علو هممهم، أهل الدنيا يميلون إلى الدعة، يخمدون إلى الأرض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 38] هؤلاء الأتقياء الأخفياء, أصحاب همم عالية، لا يفترون عن العمل الصالح، ليلهم ذكر، ونهارهم ذكر، وعملهم خدمة، ومتواضعون, يبذلون من وقتهم، وجهدهم، وأموالهم الشيء الكثير. قال: هؤلاء هممهم عالية، علو همتهم لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه, ولا ترضى بغيره بدلاً، ولا تبيع حظها من الله، وقربه، والأنس به, والفرح, والسرور, والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الدنيوية الفانية، هؤلاء أولى صفاتهم علو هممهم، الله عز وجل يبارك لهم في وقتهم، في وقت قليل يفعلون الشيء الكثير، يبارك لهم في أموالهم ، بمال قليل ينتفعون منه الشيء الكثير، يبارك لهم في زوجاتهم، تأتيهم زوجات على شاكلتهم ، معهم على طريق الإيمان، يبارك لهم في أولادهم، أولادهم عون لهم في الإيمان. أول علامة: علو الهمة، هذا الكسول يميل للاسترخاء، والراحة, والتأجيل، يقول: ما عندي متسع من الوقت، جسمي له حق، أريد إراحته، لا توقظني من النوم، هذا وقت متأخر اعذرني، قولوا: ليس في الدار, الانسحاب من العمل الصالح سهل، ولكن مع الانسحاب من العمل الصالح هناك انسحاب من رحمة الله. 2-صفاء القصد : العلامة الثانية: صفاء القصد، يعني قصدهم خال من الشوائب, قصدهم مجرد من حظوظ الدنيا، والقصد له آفتان؛ الآفة الأولى: أن يشترك في هذا القصد عمل للدنيا وعمل للآخرة، والآفة الثانية: أن يكون لغير الله, أن يكون مع قصده لله قصد آخر، أو أن يكـون لغير الله. يعني خلوص القصد من كل إرادة, تزاحم مراد الله عز وجل، بل يصير القصد مجرداً لمراده الديني الأمري فقط، وعلامته انبذاج حظ العبد في حق الرب تعالى, صار ميلك وفق ما جاء به القرآن، حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به . 3-صحة السلوك : العلامة الثالثة: صحة السلوك، في انضباط، يقف عند الحلال والحرام، تجده حيث أمر الله، تفتقده حيث نهى الله عز وجل، فسلوكه سليم من الآفات والعوائق والقواطع والحجب، وإنما يصح هذا السلوك بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون على الدرب الأعظم درب محمد صلى الله عليه وسلم، عمله وفق السنة, لا بدع، لا خرافات، لا إضافات، لا حذف من السنة، عمله وفق السنة، هذه أول صفة صحة السلوك . الصفـة الثانية: أن لا يجـب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة، وهو في الطريـق إلى الله هناك مغريات، وسماها العلماء صوارف، يعني جلسة، نزهة، دعة، استرخاء، إهمال, العمل الصالح هو على السنة ولا يستجيب لأي صارخ، ودائماً ينظر إلى مقصودة. إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، هذه الأشياء الثلاثة يصح بها السلوك. الأتقياء الأخفياء أول خصائصهم الهمة العالية، وثاني خصائصهم صفاء قصدهم، وثالث خصائصهم صحة سلوكهم، هؤلاء أتقياء أخفياء، ودعك من الأضواء والشهرة وما إلى ذلك, من هو أشهر مخلوق؟ إبليس, ليست الشهرة مقياساً أبداً، المقياس أن تكون على منهج الله. قف هنا : أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته: أن أراه النفس التي كانت حاكمة عليه، قاهراً لها، مقهور مغلوبة. الآن: كل واحد من عامة الناس عبد لنفسه، يفعل ما تشتهيه نفسه، يتحرك بأمر هواه، مقهور لها، يعني أعلى مرتبة لهؤلاء الأتقياء الأخفياء أصحاب السر أنهم قهروا أنفسهم, إن اتبـاع الهوى هـوان: يا خجلتي من عـتاب ربــي إذا قال لي أسرفت يا فلان إلى متى أنت في المعاصــي تسير مرخى لك العنـان؟ عندي لك الصــلح وهو بري وعندك الســيف والسنان ترضى بأن تنقضي الليالــي وما انقـضت حربك العوان فاسـتحي من كتـاب كريـم يُحصى به الـعقل واللسان واسـتحي من شــيبة تراها في النار مـسـجورة تهان أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده لهؤلاء الأتقياء الأصفياء الأخفياء: أن يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه، أو عمله، أو حاله، لو كان حاله متألقاً، ولو كان عمله عظيماً، ولو كانت نفسه طاهرة، لا يركن إلا إلى الله، دائماً يتهم نفسه, في الطـريق مزالق، أحد هذه المزالق: أن تعجبه نفسه بعمل صالح قام به، فتألق فاكتفى به، صار يمدح نفسه، يكيل المديح لنفسه بغير حساب. من إكرام الرب إلى عبده: أن يزيل عن قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنت إلى العلم أنساكه الله، -يغيب عنك العلم-، أو ركنت إلى الحال سلبه منك، أو ركنت إلى المعرفة حُجبت عنك، إن ركنت إلى قلبك أُفسد قلبك، فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله البتة، ومتى وجد في قلبه ركون إلى غير الله عز وجل, فليعلم أنه قد أحيل على مفلس. لا تركن لا إلى قلبك، ولا إلى مالك، ولا إلى معرفتك، ولا إلى حالك، اركن إلى الله وحده . من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل : أيها الأخوة, من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] يعني أكبر مصاب أن يصاب به الإنسان في الدنيا: أن يكون عن الله محجوباً, بيت فخم، مكانة عالية, دخل كبير، أولاد، زوجة، ولكن عن الله محجوب . الصلة بالله واحد، والمال صفر، الزوجة صفر، الأولاد صفر، التجارة صفر، الصحة صفر، الوسامة صفر، الذكاء صفر, اسحب الاتصال بالله، هذا الواحد، أنت أمام أصفار. قال: من أعظم الضر حجاب القلب عن الرب، وهو أعظم عذاباً من الحجيم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] فالعـارف قلبه غير محجوب، بل يعيش في نور ظفره بإقبال قلبه على الله عز وجل، وجمع همه عليه وفنائه بمراده، فصار واجداً لما أكثر الخلق فاقداً له، لقد لبس قلبه نور ذلك الوجود، حتى فاض على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته. غداً إن شاء الله : أيها الأخوة, الدرس القادم إن شاء الله، أتصور أنه درس مهم جداً، هو ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟ . هناك عشرة أشياء تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولأن الحجاب عن الله أكبر عقاب يُعاقب به الإنسان في الدنيا والآخرة، يكون محجوباً عن الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها والتي بدأتها في الدرس الماضي هي منزلة السر؛ أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما تنطوي عليه نفوس عباده, فيحلهم بالمكان الذي يليق بهم، وقد انتهى الدرس الماضي إلى موضوع الحجب التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولا تنسوا أن أشد عقاب يعاقب به الإنسان يوم القيامة أن يحجب عن الله، والذي يحجب عن الله يوم القيامة محجوب عنه في الدنيا, فالمحجوب في الدنيا هو محجوب في الآخرة، ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] ما من مصيبة تصيب الإنسان في الدنيا كأن يكون محجوباً عن الله, لو فقد ماله كله وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد أعز شيء يملكه وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد شيئاً من صحته أو بعض صحته وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، أما إذا ملك الدنيا بحذافيرها وكان محجوباً عن الله هو الخاسر الأكبر، وبشكل موجز إجمالي: المعصية تحجبك عن الله، ومتى حجب الإنسان عن الله, أصبحت التكاليف عبئاً عليه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [سورة النساء الآية: 142] حضور الدرس عبء عليه، العمل الصالح عبء عليه، غض بصره عبء عليه، ضبط لسانه عبء عليه، التكاليف التي كلفنا بها تصبح على المحجوب أثقل من الجبال، أما حينما تكون موصولاً, تصبح الأعمال التي لا يقوى عليها معظم الناس هينة سهلة للمؤمن، الشيء العجيب: تقوى همته، فتخضع له الجبال، يكبر ولا ترى كبره, فيصغر أمامه كل عظيم، وحينما يحجب عن الله يصغر الإنسان ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، الموصول يكبر ولا ترى كبره، فيضؤل أمامه كل عظيم، حتى في التضحيات، حتى في بذل الأموال، حتى في ركوب المخاطر، يصغر أمامه كل عظيم، والإنسان حينما يحجب عن الله يصغر: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 124] ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، واحد يفعل المستحيل، وواحد لا يقوى على بذل القليل, قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان. ما ينبغي أن تحرص عليه : يا أيها الأخوة الكرام, معاناة المؤمن كل يوم من الحجاب، الحج بالعمر مرة، الصيام من عام إلى عام، الجمعة من أسبوع إلى أسبوع، أما الحجاب كل يوم، كل ساعة، كل لحظـة ، في مخالفة محجوب، في طاعة موصول، إذا في طاعة وأنت موصول يصغر أمامك كل عظيم, وإذا في معصية وأنت محجوب يعظم عليك كل حقير، حياة المؤمن عجيبة، فبينما هو يطاول السماء رفعة، هو يداني الحضيض ضعةً، إن كان موصول أو محجوب، يجب أن يكون حرصنا لا حدود له على أن نكون مع الله, ويجب أن نبتعد عن كل مخالفة تحجبنا عن الله, أن نبتعد عنها بعد الأرض عن السماء، ومن ذاق عرف، الإنسان إذا ذاق طعم القرب, يصعب عليه أن يضيع هذا القرب بمخالفة بسيطة. نقطة دقيقة : النقطة الدقيقة التي أحب أن تكون واضحة أمامكم هي: أن الإنسان إذا كان محجوباً لكبيرة ارتكبها، طبعاً الكبيرة تستدعي الحجاب، أما أن يحجب عن الله عز وجل، ويخسر كل ثمار الإيمـان لمخالفة بسيطة مقيم عليها، هذه خسارة كبيرة. لو فرضنا أن إنساناً يشنق لجريمة ارتكبها, هذا منطقي معقول، أما أن يشنق لكلمة قالها، وكان بإمكانه أن لا يقولها، هو خاسر خسارة كبيرة. ما هي الحجب التي تجب العبد عن الله؟ : 1-حجاب التعطيل : هذه مقدمة أيها الأخوة، أما التفصيل: الحجب التي تحجب عن الله عشرة، أخطر حجاب: حجاب التعطيل, ويقصد به المؤلف: حجاب الجهل، الجاهل عدو نفسه, الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، الجهل: إذا حجبت عنك حقائق الذات الإلهية، حقائق الأسماء والصفات، لا تعرف عن الله شيئاً، شيء طبيعي جداً أن ترتكب كل الموبقات وأنت مرتاح، لا تعلم من هو الله؟ ولماذا خلق الله الإنسان؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الموت؟ وماذا في الحياة؟ وما الرسالة؟ وما السر؟ وما الهدف؟ الإنسان يحجبه عن الله جهله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر الآية: 9] إنسان يحمـل دكتوراه بالرياضيات، وإنسان لا يستطيع أن يجمع اثنين واثنين، هل يستويان؟ نأخذ الذي يحمل الدكتوراه بالرياضيات قيمته من قيمة علمه، فإن كان علمه متعلقاً بشيء دنيوي وإنسان يعرف الله، ما بين الذي يعرف الله ويعرف الرياضيات كما بين الله وخلقه، ألم يقل الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية:59] معناه في إنسان خبير بالله عز وجل: ﴿فاسأل به خبيراً﴾ يعلم عن الله شيئاً جيداً جداً، يعلم عن الله صفاته وأسماءه وكمالاته ووحدانيته, ويعلم عن الله عدله ورحمته ولطفه وقدرته وغناه وحكمته، فإذا كان الذي يعلم علماً أرضياً له أعلى مكانة في المجتمع, فكيف الذي يعرف الله عز وجل؟ لذلك هذا أول حجاب، من كان جاهلاً بالله، من كان غافلاً عن الله, لا يمكن أن يصل إليه بتة، أكبر حجاب هو الجهل، وأكبر كرامة هي العلم. من نعم الله العظمى : قرأت آية قرآنية كتبت على لوح ووضعت بصدر بيت فاقشعر جلدي منها: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] يعني إذا الله عــز وجل تفضل علينا: أن عرفنا بذاته، وعرفنا بمنهجه، وعرفنا برسوله، وعرفنا بدينه, فهذه نعمة عظيمة لا تعدلها نعمة على الإطلاق، لقول الله عز وجل: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] الذي لا يعرف الله عز وجل يكون حجابه حرمان الخير الذي يأتيه من الاتصال بالله، إنسان لا يعرف الله يأكل مالاً حراماً، أو يغتصب مالاً ليس له لأيتام، أو يأخذ مال شريكه، أو يغش الناس غشاً يحصل منه أرباحاً طائلة، فحينما يأتي دور العقاب والتأديب، يكون سبب البطش به جهله. الجهل أعدى أعداء الإنسان : يروى أن غلاماً غمز أمير المؤمنين -سيدنا معاوية- وهو يصعد المنبر، كان حليماً، وكان ذكياً، قال: اذهب وخذ الرهن يا غلام، فغمز أميراً آخر فقطع رأسه, فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام. يعني الإنسان جهله أحياناً هو الذي يهلكه: احفظ لســانك أيها الإنســان لا يلدغـنـك إنــــه ثـعبـان كم في المقابر من قتيل لسانــه كانت تهاب لقاءه الشجعـــــان فالجهل أعدا أعداء الإنسان. يعني إنسان أراد أن يظهر براعته بالقيادة, فداس على يدي كلب فقطعهما, -القصة ذكرتها لكم كثيراً- في الأسبوع الثاني قطعت يداه الاثنتان معاً من الرسغ، هذا لو كان يعلم أن الله سينتقم منه، لأنه قطع يدي كلب، ما كان يفعل هذا، ما الذي جعل يداه تقطعان، جهله بالله عز وجل. إنسان قد يأكل المال الحرام، فالحرام يذهب ويذهب معه أهله, ما الذي جعله يهلك؟ أكله المال الحرام، لماذا أكل المال الحرام؟ لأنه يجهل الواحد الديان. القضية دقيقة جداً؛ حينما لا تعرف الله، في الأعم الأغلب تعتدي على حقوق الآخرين، البلاد الإسلامية فيما أعلم طافحة باعتداءات لا حدود لها، اذهب إلى أي وزارة عدل، إلى أي محكمة، تجد آلاف الدعاوى، كلها احتيال، وكلها اغتصاب أموال، واغتصاب محلات, واغتصاب شركات، شيء لا ينتهي، هؤلاء جميعاً يجهلون أن الله سينتقم وسيحاسب، ثم يأتي التأديب فيسحقهم، إذاً: ما الذي جعلهم يدفعون هذا الثمن الباهظ؟ هو جهلهم بالله عز وجل. قصص كثيرة جداً، الجهل حجاب، الجهل يحملك على أن تعتدي, والعدوان له من الواحد الديان عقاب شديد، فالعقاب الشديد الذي ينزل بساحة إنسان اعتدى على أخيه هو عقاب عدوانه، والعدوان سببه الجهل بالله عز وجل، هذا أكبر حجاب.2-حجاب الشرك : قال: الحجاب الثاني: هو حجاب الشرك، يعني أن تعبد الله، وأن تعبد جهة أخرى غير الله، هذا حجاب الشرك، فأنت بين أنك تخاف من الله وتخاف من هذا الإنسان، بين أن ترجو رحمة الله وترجو رحمة الإنسان، فإذا تعارض أمر الله مع أمر هذا الإنسان، الإنسان محسوس الله لطيف، إذا أمرك جبار قوي بمعصية، بيده السلاح، وأشهره عليك, وقال لك: افعل، أنت ماذا ترى؟ ترى إنساناً بيده سلاح يهددك, أما قوة الإيمان تريك الله. سحرة فرعون حينما جاء بهم فرعون ليكيدوا لسيدنا موسى هم سحرة، ما إن رأوا عصى تصبح ثعباناً كبيراً يلتهم كل عصيهم: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 70 – 71] تصـور فرعون، فرعون الآن قصة، الآن فرعون خبر، أما فرعون في عصر فرعون، في حياة فرعون، يهدد بقطع الأيدي والأرجل: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 72 – 73] هي تهديد من طاغية مخيف، يفعل ما يهدد به، ومن الإيمان بالله قوي إيمانهم. سيدنا موسى مع أصحابه، فرعون وراءهم، والبحر أمامهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء الآية:61 – 62] فالحجاب الثاني حجاب الشرك، سحرة فرعون لم يروا إلا الله, سيدنا موسى لم ير إلا الله، سيدنا إبراهيم لم ير إلا الله، سيدنا يوسف: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [سورة يوسف الآية: 23] لم ير إلا الله، سيدنا محمد: ((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) إذاً: الإيمان يعطي قوة كبيرة جداً، الشرك هو حجاب يصرف الإنسان عن وعد الله ووعيده, فيقع ضحية وعد العبيد ووعيدهم، يطمع بوعد عبد، ويخاف من وعيد عبد، وينسى وعد الله ووعيده، هذا الشرك، فالجهل حجاب، والشرك حجاب. 3-حجاب البدع القولية : قال: هناك حجاب البدع القولية. في كلمات يقولها العوام دائماً عند الناس يعني بديهية، مثلاً: نحن عبيد إحسان لا عبيد امتحان، اللهم لا تمتحنا، كلمات، يا رب لا تسألنا عن شيء، هو يقول لك: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 92 - 93] تقول: أنت يا رب لا تسألنا عن شيء، هذه كلها بدع قولية. أحياناً الإنسان دون أن يشعر, يلاقي شخصاً منعماً، وشخصاً محروماً، وقد يكون المنعم فاجراً، وقد يكون المحروم مستقيماً، يقول بدعة قولية، الله عز وجل يطعم الحلاوة لمن ليس له أسنان، يعني الله غير حكيم، وهكذا كلمات لا تنتهي، إذا واحد رأى منكراً أمامه, يقول: دعهم اللهم سلامتي, إذا واحد اضطر أن ينافق مثلاً, يقول لك: من تزوج أمي هو عمي، هذه كلها بدع قولية، لا تعترض بتنطرد، كن حر التفكير، فكر واسأل، تراكمات عصور الانحطاط سببت بدعاً قولية لا أصل لها، أو أن إنساناً غارق بالمعصية ويقولون: قد يكون ولياً، إنسان متلبس بمعصية ولي لله عز وجل؟ أو إنسان يهمل نفسه إهمالاً شديداً، هذا ولي, هذا من أهل الخطوة، هذه كلها بدع قولية، هدفها أن تحدث اختلاف توازن، أو أن تقرأ بكتاب أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- هذا كان أعلم علماء عصره، وترك كتاب الإحياء و و و ......، حينما توفاه الله عز وجل لم يدخل الجنة إلا بسبب: أن دودية وقفت على كلمة كتبها بالحبر, فجعلت تشرب من هذا الحبر, فانتظرها الغزالي حتى ارتوت، فدخل الجنة بهذه، كل أعمال الغزالي مهدورة لا قيمة لها، معقول هذا الكلام، هذه كلها بدع قولية، حجاب. إنسان يشرب الخمر، يقول لك: الله يعلم، كاسات معدودة بأماكن محدودة، مقدر عليه ذلك، أو يقول لك: الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر, وسوف يدخله إلى النار إلى أبد الآبدين, أنت بهذا الكلام تحجب عن الله, ليس له ذنب، الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر قبل أن يخلق، ثم جعل مصيره إلى النار، هذه بدعة قولية، تحجب الإنسان عن الله عز وجل, أو يقول لك مثلاً: ممكن أن تعبده طوال حياتك، ثم يجعلك في النار, ولا تستطيع أن تعترض، يمكن أن تعصيه طوال حياتك, ويكون مصيرك إلى الجنة؟ . في أشياء؛ إنسان أمضى طول حياته بالمعاصي والآثام، وهو على فراش الموت, قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ اقعد وصل واقرأ خمس مرات قل هو الله أحد، يغفر لك كل ذنب؟ أعمال بسيطة، وكلمات تقولها تلغي معاصي عمر، أو إنسان قد يعصي الله، وقد قدر الله له الجنة هكذا, أو يقول لك: الله عز وجل لا يجب عليه الأصلح، يفعل ما يشاء, وقد يتفنون في شرح هذه المعاني، لكن الله قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 56] الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة، قال لك: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7 - 8 ] قال لك: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] يعني في آيات كثيرة جداً واضحة وضوح الشمس، فهذه البدع القولية تشكل حجاباً بين العبد وربه، هي كلمات شيطانية، حتى إن هناك أحاديث موضوعة تيئس الإنسان. كل الناس هلكة إلا العالمون والعالمون هلكة -أعوذ بالله-, قال: إلا العاملون -عالم عامل نفذ، لا-, قال: والعاملون هلكة, -معقول!- إلا المخلصون, -عالم عامل مخلص نفذ, قال: لا-, والمخلصون على خطر عظيم. هذا حديث وضعته الزنادقة من أجل التيئيس، ما في أمل، هذه كلها بدع قولية، إن في القضاء والقدر, وإن في بعض الأحاديث الموضوعة، أو كلمات عامية، أو كلمات أساسها القهر والخنوع الذي عاناه المسلمون في عصور الانحطاط، هذه كلها بدع؛ إما أن تنفي عن الله الحكمة أو: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال الآية: 25] يقول: البلاء يعم والرحمة خاصة، أعوذ بالله! هل الكل سواء؟ هذا كلام غير معقول, لأن الله يقول: ﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾ الآية معروفة: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات الآية:36] الله نجاهم وحدهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 88] فالبدع القولية كثيرة جداً، بعضها تفسير للقرآن غير صحيح: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7 - 8] الله ألهمه الفجور، تفسير ما أنزل الله به من سلطان، الآية الكريمة عن النفس البشرية: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 16] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة الآية: 13] الله لا يريد أن يهدي الناس جميعاً، لكن يريد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين, تأويل خطأ لآيات، أو أحاديث موضوعة، أو كلمات عوام، أو أمثال شعبية، هذه البدع القولية هي حجاب بين العبد وربه. 4-حجاب البدع العملية : أو بدع عملية كالاختلاط، يقول: هذه مثل أختي، لا هي ليست أختك أبداً، هي مثل والدتي إن شاء الله، لا هي ليست والدتك, تقول: أنا لا أنظر بشهوة, يسهر سهرة للساعة الواحدة، ومزح، وغمز, ولمز، وقال: هو بريء, هذه بدع عملية، اختلاط، أو لا يدفع زكاة ماله, يقول: أنا لا أملك أموالاً طائلة، أو أنا قدرت، يضع ربع التقدير الحقيقي. يوجد عندنا بدع قولية، وبدع عملية، إما للتهرب من الزكاة، أو أن إنساناً يموت وهو تارك صلاة، يدفعون سقوط صلاة, مسألة سهلة. إذا كان واحد لا يصلي كل حياته، وغني ومعه مائة مليون, دفع مليوناً وارتاح من الصلاة. العريس يظهر أمام النساء الكاسيات العاريات في العرس، تُصور المدعوات بفيلم, والفيلم يتناقله الرجال من بيت لبيت، وكل رجل يرى مجموع النساء في هذا الحفل، وهن بأبهى زينة، هذه بدعة عملية. 5-حجاب أهل الكبائر الباطنة والظاهرة : ثم هناك حجاب أهل الكبائر الباطنة: الكبر، هذه كبيرة باطنة, الاعتداد بالنفس كبيرة باطنة، حب الذات كبيرة باطنة، التألي على الله كبيرة باطنة، توهم أنك على الحق وحدك كبيرة باطنة، توهم أن الجنة لك وحدك هذه كبيرة باطنة، كبائر باطنة خطيرة جداً، لأن الكبائر الظاهرة يتوب الإنسان منها، أما الباطنة تصبح جزءاً من كيانه، فالكبائر الباطنة كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها، ذلة قدم كبيرة عندما يقول: هذا عندي جائز، من أنت؟ أنت مشرع؟ نبي أنت؟ من أنت؟ ما معنى عندي؟: يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟ يقول: رأيي كذا، لك رأي مع الشرع أنت؟ أنت مشرع، أين الدليل؟ ما في إنسان بعد رسول الله يقول كلمة إلا يجب أن يأتي بالدليل, واحد بحياتنا هو سيدنا رسول الله, كلامه دليل فقط، ما سواه يفتقر كلامه إلى الدليل، فحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة. يعني عامل مسبح مختلط، مسبح يسبح به النساء والرجال, مقيم على الصغائر، اختلاط، وإطلاق بصر، ومصافحة، وغيبة, ونميمة، فهذه حجاب أهل الصغائر. 6-حجاب أهل المباحات : في عندنا حجاب أهل المباحات، التوسع في الدنيا، يمضي من حياته سنوات طويلة لإعداد شيء مريح له، لا يستمتع به سنة أحياناً ولا شهر. لنا أخ بنى بيتاً لرجل، وبقي سنتين يزينه بهدوء، يوم الخميس سيستقر بهذا البيت، الجمعة توفي, هذه المباحات، ما ارتكب صغيرة ولا كبيرة، ولكن المباحات وحدها هي تنهي عن ذكر الله عز وجل. خاتمة القول : هذه حجب كثيفة جداً تحول بين الإنسان وبين أن يقطف ثمار هذا الدين العظيم، إذا دعيت إلى طعام، صحون فخمة جداً، مع ملاعق، أدوات الطعام جيدة جداً، لكن لا طعام بالصحون، أتلبي الدعوة مرة ثانية؟ لا تلبيها، يعني مظاهر فارغة لا شيء فيها، أما إذا في طعام نفيس تلبي الدعوة ثانية، فإذا العبادات لا ثمرة يانعة منها يملها الإنسان, إذا لم يطبق الإنسان يمل من أي شيء. أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على هتك هذه الحجب، حجاب الجهل، حجاب الشرك، حجاب البدع القولية، حجاب البدع العملية, حجاب أهل الكبائر الباطنة، حجاب الكبائر الظاهرة، حجاب أهل الصغائر، حجاب الغارقين في التوسع في المباحات. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -3التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (الثالث و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما سبق ذكره : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة السر، وقد مضى فيها درسان، ونصل إلى الموضوع الثالث في هذه المنزلة. في الدرس الأول بيَّنت: أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية، يعلم سر العبد، فإذا كان سرُّه ينطوي على حبٍّ لله عز وجل, وعلى إخلاص له, وعلى شوق إليه، وضعه في منزلة تليق بسره، فهو من أصحاب السر, وقد يكون من عامة الناس، لا يُشار إليه بالبنان، إذا حضر لم يُعرف وإذا غاب لم يُفتقد، ولعل هذه المنزلة تغطِّي كل هؤلاء الذين أخلصوا لله عز وجل، لكن شاءت حكمة الله أن يكونوا في مرتبة دنيا في السُّلم الاجتماعي. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ, مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] هذه هي العبرة : أيها الأخوة, هنا مكان الإشارة إلى موضوع دقيق، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] فالطائع لله عز وجل هو الكريم عند الله وقد يكون فقيراً، وقد جُعل بعض الأنبياء فقراء، فنبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- أجير راعٍ, كان يرعى شياها على قراريط، وهل في الحياة الاجتماعية مرتبة أدنى من هذه المرتبة؛ وهو سيد الخلق, وحبيب الحق؟ أحد الأنبياء الكرام سجن، فإذا دخل مؤمن السجن مظلوماً, فله في هذا النبي أسوة حسنة. أحد الأنبياء الكرام كان عقيماً -سيدنا زكريا-, فإذا لم ينجب الإنسان, فله في هذا النبي أسوة حسنة. أحد الأنبياء كانت زوجته سيئة -سيدنا نوح وسيدنا لوط-, فمن كانت له زوجة سيئة وصبر عليها, فله بهذين النبيين أسوة حسنة. أحد الأنبياء كان أبوه كافراً، من كان شاباً وله أبٌ منحرف انحرافاً شديداً, ويقسو عليه ويضطهده, لأنه مسلم أو لأنه متديِّن, فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة. نبي كريم كان يعمل بيده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلام- كَانَ لا يَأْكُلُ إِلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] أصحاب الحرف المتعبة الذين يحفرون الطرقات، ويصنعون الحديد, ويشيدون الأبنية، يقول: عَنْ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ, وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَام- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] فإن كنت فقيراً فعلى العين والرأس, وإن كنت ذميماً فعلى العين والرأس، وإن كنت وسيماً، وإن كنت غنياً، وإن كنت ضعيفاً، وإن كان لك أولاد أبرار، وإن كان لك أولاد ليسوا أبراراً، ولم تقصِّر أنت في تربيتهم, فهذا من شأن الله عز وجل، لك زوجة صالحة جيدة، لك زوجة سيئة, العبرة أن تكون مطيعاً لله، العبرة أن تكون محباً لله، ولا تعبأ بأيِّ شيء آخر، و قد تكون فقيراً فقراً مدقعاً. وقد مرَّ على النبي أيامٌ يدخل بيته فيسأل: ((هل عندكم شيء؟ يقولون: لا)) هذا ما امتحن به نبينا : عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا, قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ, قَالَ: هَاتِيهِ, فَجِئْتُ بِهِ, فَأَكَلَ, ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا, قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ, فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ, يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ, فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا)) [أخرجه مسلم في الصحيح] وقد آتاه الله المال, فسأله أحدهم: ((لمن هذا الوادي؟ فقال: لك, قال: أتهزأ بي يا رسول الله؟ قال: والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) وقد انتصر على قريش التي ناصبته العداء عشرين عاماً: ((ما تظنون أني فاعل بكم، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء)) امتُحن بالنصر، وامتحن بالقهر في الطائف: قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس, يا أرحم الراحمين, إلى من تكلني؛ إلى عدو يتجهمني, أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم, الذي أضاءت له السموات والأرض, وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير] امتحن بالفقر وبالغنى, وبالنصر وبالقهر, وبالصحة وبالمرض, وموت الولد، وزوجة متعبة. جاءت هدية طعام إلى النبي الكريم من زوجته صفية، فلما رأتها عائشة -رضي الله عنها- أصابتها الغيرةُ, فكسرت الطبق، فما كان من النبي -عليه الصلاة والسلام- الحديث. عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ, فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ, فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ, فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ, فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِلَقَ الصَّحْفَةِ, ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ, وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ, ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ, حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا, فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا, وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] كان من الممكن أن يكون له زوجات كالدمى، لكن له زوجات متعبات أحياناً ليكون أسوة لنا، هذا الحديث يطول، ولكن أردت منه شيئاً واحداً: كن بأي وضع شئت، بأي مستوى؛ اجتماعي, اقتصادي, علمي, جمالي، كن بأي شكل، العبرة أن تطيع الله عز وجل، وانتهى الأمر, قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] ولا تنسوا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] قف هنا : لا أبالغ -أيها الأخوة-, قد يكون الإنسان له شأن كبير، ولا تستطيع أن تصل إليه إلا بصعوبة بالغة، وعنده حاجب، وقد تكون قلامة ظفر هذا الحاجب أكرم على الله من هذا السيد، فالدنيا لها مقاييس، والله عز وجل عنده مراتب، قال تعالى: ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة يس الآية: 55-60] فالعبرة بمراتب الآخرة، لأنك في الدنيا لا تجد إلا إنساناً يملك ملايين مملينة، هذا بيل قيت يملك تسعين مليار دولار، أو قد تجد إنساناً لا يملك أجرة طريق، يذهب إلى بيته ماشياً في أيام البرد والمطر, وقد تجد إنساناً قوياً ليس فيمن حوله من يحاسبه، وقد تجد إنساناً لو تكلم كلمة واحدة لحوسب عليها، في الدنيا قوي وضعيف، وغني وفقير, وصحيح ومريض، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 21] العبرة بمراتب الآخرة، لأن مراتب الآخرة أبدية، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 48] في مراتب الدنيا هناك قلق عميق، القلق العميق: أن يذهب الذي بين يديك أو أن تذهب أنت عنه، يكون الإنسان في أوج تألقه المالي والاجتماعي والصحي، يأتيه ملك الموت, فيجعله خبراً في طرفة عين, هو ذهب عن هذه النعمة، وقد تذهب عنه، أكبر قلق يصيب الإنسان في الدنيا أنه في نعمة، فإما أن تذهب عنه، وإما أن يذهب عنها، أما إذا كان في الجنة لا يذهب عنها ولا تذهب عنه، في عيشة راضية، راضية عنهم فلا تغادرهم، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 48] لماذا ضرب لنا النبي المثل بأويس القرني؟ : أيها الأخوة, هذه المنزلة: منزلة السر, يتولى اللهُ عز وجل حفظ هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين هم في الدرجات الدنيا الاجتماعية، فالمجتمع فيه إنسان له حجم وله مكانة وله هيمنة وله أتباع، وهناك إنسان لا أحد يعرفه, وقد ضرب النبي -عليه الصلاة والسلام- لنا المثل بأويس القرني. عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ, سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ, فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ, مِنْ مُرَادٍ, ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ, قَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ, حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ, فَوَافَقَ عُمَرَ, فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي, قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ, فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ, فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ, قَالَ: أُسَيْرٌ وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً, فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ, قَالَ: مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟)) [أخرجه مسلم في الصحيح] مرتبته الاجتماعية أجير قوم وراعي إبل، سأل سيدنا عمر أهل اليمن: هل بقي منكم أحد؟ قال: لا كلنا جئنا، أبداً، لا, هناك رجل أجير قوم وراعي إبل لا شأن له، هو من ضعف المكانة: أنه لك يُذكر، وكان من كبار التابعين ولا أحد يدري. قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصله باجتهادك : أيها الأخوة, قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصِّله باجتهادك: كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب إن كنت فقيراً ومستقيماً على أمر الله, فأنت رفيع المقام عند الله, وإن كنت ضعيفاً و كنت على أمر الله مستقيماً, لك عند الله منزلة رفيعة, العبرة بالطاعة، والآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] وكفاك عن عدوك نصراً: أنه في معصية الله، هذا ملخص الدرس الأول. من أين تنشأ هذه الحجب؟ : الدرس الثاني قلت: هناك عشرة حجُب تحجبنا عن الله عز وجل, ذكرت منها: حجاب الجهل، وحجاب الشرك، وحجاب البدع القولية, وحجاب البدع العملية، وحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجاب أهل الصغائر، وحجاب أهل المباحات, وحجاب أهل الغفلة، وحجاب المجتهدين السالكين في السير عن المقصود. وأما اليوم وهو الدرس الأخير: فالحديث عن عناصر هذه الحجب من أين تنشأ؟ أحد العلماء يقول: إنها تنشأ من عنصر النفس وعنصر الشيطان وعنصر الدنيا وعنصر الهوى، النفس والشيطان والدنيا والهوى ورد, هكذا سمعت ولم أقرأ. سمعت هذا من عالم -توفي رحمه الله- قال: لا بد لك من كافر يقاتلك، ومن منافق يحسدك، ومن الشيطان يغويك, ومن نفس ترديك. أربعة أعداء؛ شيطان والنفس والمنافق والكافر. قال: هذه العناصر الأربعة؛ النفس -العوام يقولون: ستة نفوس, الإنسان أحياناً ينتصر لنفسه، ولو جانب الحق، ولو أدلى بشهادة كاذبة, ولو فعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل, قال البوصيري: وخالف النفس والشيطان واعصِهما وإن هما محَّضاك النصحَ فاتَّهمِ والشيطان مهمَّته إغواء الإنسان، وإبعاده عن الرحمن، والتفريق بينه وبين أهله، و تخويفه من أداء الله عز وجل، وتخويفه من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 268] ويخوفهم من أعداء الله، ويفرق بينهم وبين أزواجهم، من الناس من يحب أي امرأة ويبادلها المودة والهوى وزوجته لا يحبها، شيطان يوسوس له, ويزين له الدنيا بشهواتها, و بلذائذها, وبمالها, وبنسائها, وبمكانتها, وبما فيها-. قال: النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول, وتفسد العمل, وتفسد القصد, و تفسد الطريق، هناك قول، والقول عمل، وهناك عمل حقيقي مادي، وهناك قصد, وهناك طريق، فإذا دخلت النفس أو الشيطان أو الدنيا أو الهوى, صار القول فاسداً. هذا ما وصف الله به النبي وهذا ما يصنعه أتباعه : اللهم صلِّ عليه بماذا وُصف قوله؟ بأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم الآية: 3] كثير من الناس لا يتكلمون إلا بالهوى، حتى في بيعهم وشرائهم، هذا كلام غير موضوعي, صادر عن الهوى، إذا كان وكيل شركة, كل البضاعة التي تأتي من هذه الشركة, يمدحها مديحاً غير معقول، فإن سُحبت منه هذه الوكالة تكلم العكس، هذا ميثاق، مديحك لا قيمة له، وذمك لا قيمة له، أحياناً تلاحظ معصية من صديق لا تتكلم, فإذا نشأ خلاف بينك وبينه تتكلم عن معاصيه، لماذا لم تتكلم بها حينما لم يكن بينك وبينه شيء؟ لماذا لم تنصحه؟ هذا موقف شيطاني، لماذا حينما لاحظته لا يصلي لم تعاتبه, فلما اختلفت معه أصبحت الصلاة عنصراً في الخصومة؟ هذا ينطق عن الهوى. أحياناً: تجد إنساناً ينطق ولكنه ينطق بلسان الشيطان، يصغِّر الإنسان ويفرِّّق بين الإنسان وأهله، يطعن في عمله، يضعِّف له همَّته, ويثبَّط عزيمته، شيطان ينطق. حدَّثني أخٌ، قال لي: كنت في مؤتمر، رجل محسوب على المسلمين, سمع الكفر البواح, فلم ينبس ببنت شفة، فلما تكلم مسلم, ودافع عن الدين, واعترض، بدأ يعترض، ماذا تفسِّر هذا؟! شيطان ينطق باسمه، أنا أعتقد أن نسبة كلام الناس في الهوى كثير، والكلام الصحيح قليل، والله عز وجل قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم الآية: 3] فإذا دخل الهوى صار الكلام غير صحيح. قصة : أروي قصة يمكن أني ذكرتها مرة أو مرتين: أريد أن أشتري ستائر، فأقنعني البائع قائلاً: يا أستاذ, إذا أردت ستائر جميلة جداً, يجب أن تقيس عرض الحائط, وتأخذ قماشاً بما يعادل ضعف العرض زائد متر -كلام دقيق-, اخترت القماش الذي أعجبني، قاسه فوجده ضعف العرض ناقص متر، قال لي: يا أستاذ, هذا المطرَّز على الفرد يكون أحلى -عكس الآية-, الآن أقنعني بقاعدة قبل دقيقة وجاء بأدلة، فلما تضرَّرت مصلحته بهذه القاعدة, لا بد أن يبيع القماش، وأنا أعجبني, قال لي: هذا المطرز يا أستاذ على الفرد يأتي أحلى، هو ينطق عن الهوى، لا ينطق عن الحقيقة. لو لاحظت نفسك تجد نصف كلام الناس عن هوى, يأتي الخاطب يصبح ولياً من أولياء الله، وإذا لم تتم الخطبة يصبح شيطاناً، قبل شهر قلتم: لا يوجد مثله، ما الذي حدث؟ لا المديح له قيمة, ولا الذم له قيمة، يكون شريكاً, يقول لك: ملك من السماء بعثه الله لي، اختلف الشريكان أصبح شيطاناً. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ, قَالَ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَـكَ يَوْمًا مَا [أخرجه الترمذي في سننه] دائماً اترك شعرة معاوية. هذا ما يفسد القول : النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول، صار القول غير موضوعي, والمديح غير صحيح، الذم غير صحيح هوى، الأم مع ابنتها، وهي ضد زوجة ابنها, لأنها غريبة، أتى ابنها بغسَّالة أوتوماتيك لزوجته أقامت عليه النكير، فلما جاء صهرها في اليوم نفسه بغسالة أوتوماتيك لزوجته التي هي ابنتها، كانت راضية عنه، في دقيقة واحدة توبِّخين إنساناً وترضين على إنسان بعمل واحد، هي تنطق عن الهوى. معقول: أن يكون للإنسان صانع في المحل, وعنده ابن في سن واحدة, يحمِّل الصانع أول ثوب والثاني والثالث والرابع، لا يستطيع أن يحمل، قال له: أنت شاب، فإذا حمل ابنه ثوباً واحداً, قال له: احذر ظهرك، معقول!! هو ينطق عن الهوى، والإنسان الذي ينطق عن الهوى يسقط عن عين الله، ولئن تسقط من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعُك, أهون من أن تسقط من عين الله. تجد نمدح ونذم وننتقد، أحياناً: ننتقد فقط حسداً, إنسان تفوَّق لا بد أن ننزله، لماذا تفوَّق؟ هو كان يعمل ليلاً ونهاراً وأنت كنت نائماً، هناك شخص تجده نائماً, ليس عنده أي رغبة أن يخدم الناس, هناك إنسان شمَّر وقال: يا رب، الله وفَّقه وتألق، يقال: هذا ادعاء للمعرفة زعبرة، هذا شيطان يتكلم، لِم لم تعمل مثله؟ لِم لمْ تجتهد كما اجتهد؟ لِم لم تشمِّر كما شمَّر؟ لِم لم تفرَّ إلى الله كما فرَّ إلى الله؟ لِم لم تجاهد نفسك وهواك كما جاهد هو؟ لكن أنا أنتقده فقط، وأطعن فيه, وأحطِّمه، حتى انتصر لنفسي، والله الذي لا إله إلا هو, لو برئت نفوسنا من الحسد, لكنا في حال غير هذا الحال، أي ستة أعشار تقييم الناس بعضها بعضاً حسد، حتى في حقل الدعوة إلى الله، حتى في حقل الجماعات الإسلامية حسد، إذا تألَّق إنسان، من أين صعد هذا؟ لا يتحمَّل هؤلاء أصحاب الوجاهة, وأصحاب الاحتكار لا يتحملون. هذه علة الاختلاف بين العلماء : قال: هناك عالم تألق جداً في العصر العباسي, أحد كبار العلماء المحسوبين على أنه من أساطين العلم, ووحيد عصره, وفريد زمانه, وقُدِّس سرُّه, أراد أن يحضر درس هذا الشاب ليصغِّره حسداً فقط، والآية تؤكِّد ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 19] علة الاختلاف هو البغي فقط، قال له أمام الناس: يا هذا، هذا الكلام الذي قلته ما سمعناه، من أين جئت به؟ فقال له الشاب: يا سيدي, هل حصَّلت كل العلم؟ قال: لا، قال: هذا من الذي لم تحصِّله. أيضاً: عالم آخر شاب, تألق نجمه, وذاع صيتُه, وانتشر ذكره في الآفاق, قال: و الله إني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: وهل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال : عليهم فأشفق. هذا ما يفسد العمل : أنت راقب نفسك: تسعة أعشار كلام الناس عن هوى، ليس هناك موضوعية, يمدح بلا سبب, يمدح لمصلحة، ويذم لمصلحة، يظهر العيوب عند الضرورة لمصلحة, ويخفي العيوب لمصلحة، فالنفس والشيطان والدنيا والهوى، هذه تفسد القول كما أنها تفسد العمل، يغش الناس هذا داخل في العمل، يقول لك: أنا عندي أولاد، واللهُ لا يؤاخذني إن شاء الله، فمال الحرام عند الناس ليس مشكلة، فيخترع أدلة ويخترع تعليلات مضحكة شيطانية. حوار جرى : قال له: والله يا أستاذ أنا لي مطعم يقدم الخمر، إن شاء الله في رقبة شريكي, وأنا لا دخل لي، كيف لا دخل لك؟ يصلي في أول صف في المسجد, والمطعم يبيع الخمر، قال: إن شاء الله في رقبته, هو هكذا, ماذا أفعل له؟ أنا عليَّ ان آخذ ربحي فقط، هذا الذي أخذته إثم, لماذا مددت يدك لأخذ الربح؟ فغير الكلام عمل، والعمل فسد، صار هناك كذب, وصار هناك غش، وصار هناك إساءة, وصار هناك حسد, والقصد: كان قصدُه الله عز وجل، فصار قصده الدنيا. متى يكون الطريق إلى الله غير سالك؟ : قال واحد: لزم صلاة الفجر أربعين عاماً, يكبِّر مع الإمام، ففي يوم تغيَّب, تألم ألما غير معقول، قال: ماذا يقول الناس عني اليوم؟ أي أن الأربعين سنة ليست لله, انتبه القصد، صحِّحوا قصدكم، وصحِّحوا نواياكم، ماذا يقول الناس عني اليوم؟ أنت فاتتك هذه الصلاة, ولم تخش من الله شيئاً، لكنك خشيت الناس، والطريق إلى الله عز وجل صار غير سالك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] صار الطريق مغلقاً، هذه الأربعة؛ النفس والشيطان والهوى والدنيا, تفسد القول, و العمل, وتفسد القصد, وتفسد الطريق بحسب غلبتها وقلَّتها، تقطع طريق القول والعمل و القصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق إلى أن يصل إلى الرب، تُقطع الطريق إلى القلب، فإن وصلت إلى القلب قطعت الطريق إلى الرب, قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم الآية: 42] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [سورة فصلت الآية: 6] يجب أن تكون الاستقامة خالصة له، ويجب أن توصلك استقامتك إليه, لا إلى سمعة, ولا إلى مكانة, ولا إلى مديح, ولا إلى ثناء. كيف تحارب الدنيا؟ : يا أخوان، الآن: كيف تُحارب الدنيا؟ قال: بالزهد فيها، ما دام أنه عندنا أربعة عناصر مخيفة؛ الدنيا والنفس والهوى، كيف نحارب هذه العناصر الهدَّامة؟ هذه القواطع التي تقطعنا عن الله, تقطع علينا صوابَ القول والعمل والقصد والطريق. قال: الدنيا تُحارب بالزهد فيها. قال سيدنا عمر لأويس القرني: أآمر لك بصلة؟ قال: معي أربعة دراهم متى تُراني أنفقتها, وعلي إزار وثوب متى تُراني خرقتهما؟. الزهد، فالإنسان حينما يغتني بالله يزهد في الدنيا، ومن عرف الله زهد فيما سواه، إذًا: يجب أن يزهد فيها، والحد الأدنى أن يخرجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يديه. هل تصدق؟ : إنسان غني في يده أموال طائلة، وإنسان فقير هل تصدِّقون: -طبعاً هذه من المفارقات الحادة- أن هذا الفقير الذي لا يملك ثمن طعام, قد يكون متعلقاً بالدنيا أضعافاً مضاعفة عن هذا الغني الذي بيده كل شيء؟ والمؤمنون يبيعون ويشترون, ولكن تجارتهم لا تلهيهم عن ذكر الله؛ صلواته وعباداته ودروسه, إقباله وحرصه وأعماله الصالحة فوق كل شيء، لذلك أنا أتمنى على كل أخ أن ينظِّم وقته. الدنيا ينبغي أن تكون في يديك لا في قلبك : والذي أراه: أن المؤمن القوي كما قال النبي الكريم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] والقوة تحتاج إلى أسباب، من أجل أن تكون حاملاً للدكتوراه لا بد لك من دراسة، أن تكون تاجراً كبيراً لا بد أن تهتمَّ اهتماماً شديداً، فإذا اهتممت أنت وحصَّلت مرتبة عالية ووظَّفتها في الحق، فهذا عمل عظيم, لكن ينبغي أن تكون الدنيا في يديك لا في قلبك، فتُحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من القلب، ولا يضر أن تكون في يديه وبيته ولا يقلِّل ذلك بقوة يقينه بالآخرة. قصة المال عند هذا الصحابي الجليل : سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- كان يقول: ماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟ -هناك إنسان رزقه الله، ويوظِف هذا المال في خدمة هذا الحق-، قال سيدنا عبد الرحمن: واللهِ -من باب التفاؤل والاعتماد على رحمة الله-, لأدخلن الجنة خبباً. وهو غني كبير، ويحارب الشيطان بترك استجابته لداعي الهوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال الآية: 24] الذي يستجيب للهوى, قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة القصص الآية: 50] تُحارب الدنيا بالزهد, ونقلها من القلب إلى اليدين, ويُحارب الشيطان بعدم الاستجابة له. فائدة : حدَّثنا أخٌ بكلام طيِّب، قال: والدي -المتكلم أحد علماء دمشق-, قال لي مرة: يا بني, إذا وسوس لك الشيطان فعاقبه، قال له: كيف؟ قال: إذا أردت أن تدفع ألف ليرة, وجاءك الشيطان, وقال لك: لا تدفعها، أولادك أولى، عاقِبه وادفع ألفي ليرة, ضاعفْ المبلغ، قال لك: لا تصل، صلِّ ضعف، أيُّ وسوسة وسوس لك بها, افعل عكسها وزيادة, هذه معاقبة الشيطان ، لا تستجب له، يقول لك: حارب فلاناً, اذهب إليه, واستسمحه، وصله، الإنسان عليه أن يعاقب الشيطان، والشيطان يستعين بالدوافع الأساسية، أهانك فلان, اذهب إليه, وتجاوز عن إهانته. هذه هي الموانع والقواطع : أتى رجل إلى الرسول قال: ((يا رسول إنني نؤوم، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم أذهِب عليه النوم، فقال سيدنا عمر: ويحك يا رجل, لقد فضحت نفسك! فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: دعهُ يا عمر, فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة)) ويُحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق، كل واحد منا له أهواء وشهوات، والله سمح بشهوة في قناة نظيفة، أنا أسمح لنفسي ما سمح الله لي فقط من النساء زوجة، ومن المال ما كان حلالاً، من النزهات ما خلا من معصية، أنا أمارس الذي سمح الله لي به، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة هود الآية: 86] لذلك ورد: ((لا يؤمن أحدكم, حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) [أخرجه الطبراني في المعجم] ويحارب النفس بقوة الإخلاص، إذا استيقظ الإنسان في الليل وصلى ولم يتحدث بكلمة للآخرين، هل تستطيع نفسه أن تقول له: لقد نافقت في هذه الصلاة؟ ما تكلم، الإنفاق دون الذكر دليل إخلاص، وغض البصر دليل إخلاص، النوافل دليل إخلاص، صلاة الليل دليل إخلاص, فأنت تحارب نفسك بقوة إخلاص، وتحارب الهوى بتحكيم الشرع, وتحارب الشيطان بعدم الاستجابة له، وتحارب الدنيا بالزهد فيها, ونقلها من القلب إلى اليدين، هذه الموانع والقواطع. منزلق قد يقع فيه خاصة المؤمنين : الآن: عندنا منزلق يقال لخاصة المؤمنين، زهِد فلان في الدنيا, وأخلص لله, وحكَّم الشرع, ولم يحكِّم الهوى, ولم يستجب للشيطان، نال مكانة عند الله، فظنَّ أن هذه المكانة حصَّلها بقوة إرادته فاستكبر بها, حتى في الاستقامة، حتى في الإخلاص، هناك منزلق الكِبر والعُجب. أنا قرأت عن عالم في الهند, صار أتباعه قريباً من مائة ألف، يعني ذاع صيتُه و اشتهر وتقلَّب في مراتب الدين العليا ثم ادَّعى الألوهية. أخواننا الكرام, حتى النجاح فيه مخاطر، فيه مخاطر انزلاق بالعُجب والغرور و الكِبر، لذلك ابن عطاء الله السكندري يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاًّ وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكباراً, قال: وانظر إلى الشرِّيد السكِّير، هذا بالمقابل الذي كان كثيراً ما يُلقى به إلى النبي مخموراً، فيحدُّه على الشراب، كيف قامت به قوةُ إيمانه ويقينه ومحبَّته لله و رسوله وتواضعه وانكساره, حتى نهى النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- عن لعنِه، وهو عياض بن حمار -رضي الله عنه- وتاب. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا, وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ, فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تَلْعَنُوهُ, فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] فهذا السكِّير والخمِّير انتهت حياتُه بتوبة نصوح، وهذا الذي أخذه الغرورُ والعجبُ حتى لو نجوتَ من هذه المعوقات: لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر –العجب-. أنا ذكرت مرة مثلاً لطيفاً: أنه جاءك عشرون ضيفاً، ليس عندك شيء، عندك في البيت كيلو لبن، أضفت له خمس أمثاله ماءً, ووضعت ثلجاً وملحاً, وقدَّمته شراباً عيران، تحمل الكيلو خمسة أمثال ماء هذا اللبن، لو وضعت فيه نقطة كاز واحدة لفسد، خمسة أضعافه ماءً يُشرَب, الكبر كنقطة الكاز تفسد العمل، فانتبهوا يا أخوان. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] طبعاً: هذه الفكرة الأخيرة لخاصة الخاصة، هذا الكلام موجَّه لواحد ناجح نجاحاً كبيراً. خذ ابن المبارك قدوة لك : دخل ابن المبارك على طلابه, لقي عشرة آلاف أمامه, قال: يا ربي لا تحجبني عنك بهم، ولا تحجبهم عنك بي, والله قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة الآية: 31] الإخلاص، أنت مع الله، أديب, محبٌّ, متواضع، تخدم، لكن مقصودك هو الله، أحياناً ينسى الإنسانُ اللهَ فيعبد سوى الله وهو لا يشعر، وقع في شرك. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ, وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي)) [أخرجه البخاري في الصحيح] هكذا ..... من صفات أصحاب السر : 1- أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم : هؤلاء أصحاب السر, قال: لهم صفات، صفاته الإجابية أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم، سبقوا بلا ضجيج، هناك إنسان في دهره صلى قيام ليل، يحكي القصة مائة مرة، هذا الإنسان سبق من دون ضجيج، لأنه مخلص, يصوم فلان يوماً، يقول: أنتم لستم صائمين اليوم, يباهي بصيامه. وجد أحد لوزةً أثناء الطواف صاح: من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له سيدنا عمر: كلها يا صاحب الورع الكاذب. كلها وخلِّصنا, هناك عمل مع ضجيج، قال: هذا الإنسان صاحب السر, يعمل بلا ضجيج، ومن دون تبجُّح، ومن دون تعليقات, ومن دون لفت نظر. 2-أنهم لم ينسبوا إلى اسم : العلامة الثانية: أنهم لم يُنسبوا إلى اسم, لم يشتهروا به، هناك إنسان يحبُّ الألقاب، عضو مثلاً المجمع الفلاني, دكتوراه في كذا. قديماً كانوا: الفقير إليه تعالى، ويكون عالماً من كبار علماء الأرض، الفقير إلى الله تعالى، لا يهتمُّون بالأسماء والألقاب والمراتب، احذر أن تقول لدكتور: أستاذ، أخطأت معه، خطأ تكفِّره، دكتور لها رنين خاص, أصحاب السر لا يهتمون بالألقاب ولا بالمراتب. 3-عبادتهم مطلقة وليست مقيدة : أما ألطف شيء في مقام هؤلاء: أن عبادتهم مطلقة وليست مقيَّدة، هناك شخص ليس له عمل غير الفقه فقط، أم هذا صاحب السر يخدم في جامع, وينظِّف, ويمشي مع إنسان، و يتفقَّد أخوانه، ويفعل كلَّ شيء، ليس له عمل واحد، عالم فقط, أو مؤلِّف، أو مفكِّر، يمكن أن يدخل وساطة بين اثنين، ويمكن أن يساعد إنساناً، ويمكن أن ينظِّف مسجداً، تجد نفسه هيِّنةً، هذه العبادة المطلقة أمر كبيرٌ، أن تعبد اللهَ فيما أقامك، أقامك غنيًّا أول عبادة إنفاق المال، أقامك عالماً أول عبادة تعليم العلم، أقامك قويًّا أول عبادة تساعد الضعيف، أقامها امرأة أول عبادة رعاية زوجها وأولادها، هذه فيما أقامك، هناك ظرف وضعك فيه، الأب مريض أول عبادة تمريض الأب، الابن عنده امتحان أول عبادة معاونة الابن، الزوجة مريضة أول عبادة مراعاة الزوجة، عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، في الوقت الذي أذَّن له وقت فجر و قت صلاة، وليس لغسيل سيارات, كل وقت له ترتيبه. فهذا صاحب السر كل الأعمال يفعلها، تريدون دليلاً من السنة؟ هل هناك مقام أعلى من مقام رسول الله؟ مقامه مقام الدعوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 45-46] في بدر, هناك ثلاثمائة راحلة وألف صحابي، قال النبي: كل ثلاثة على راحلة، و أنا وعليٌّ وأبو لبابة على راحلة –النتيجة-: ركب النبي الكريم وانتهت نوبته، جاء دوره في المشي، فصاحباه توسَّلا إليه، قالوا: يا رسول الله! ابقَ راكبا -أي أكرمنا-, ماذا قال؟: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما على الأجر. أنا أريد أجر المشي, هو داع إلى الله كبير، وإن كنت أنت داعية كبيراً ودُعيتَ لفض نزاع، لا تقل: أخي أنا ليس لدي وقت، دعيت إلى وساطة، اذهب معي إلى فلان, أذهب معه. ابن عباس يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم : مرة قرأت: أن سيدنا ابن عباس, كان معتكفاً، فجاء رجل ورآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان, قال سيدنا ابن عباس: أتحبُّ أن أكلِّمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام ليكلِّمه, قالوا: يا بن عباس, أنسيتَ أنك معتكف؟ -أنت لك اعتكافك ومقامك وإقبالك وبكاؤك، أين ذاهب؟-, قال له: سمعت صاحب هذا القبر -والعهد به قريب-, لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. انظر كيف فهم العبادة؟ خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. أحياناً: يقتضي أن تمشي مع أخيك, ويقتضي أن تعينه، وتأخذه إلى مستشفى، و تمرِّضه, وتقرضه, وتشتري له حاجاته من السوق، أنت لك خبرة، وهو ليس له خبرة، لا بد أن تأخذ له غرفة نوم, كيف تشتريها وتساعده؟. زيارة خاصة : عندنا أخٌ من أخواننا، أنا أثق ببراءته ثقةً مطلقة، حصل خطأ إداري, دخل السجن, ذهبت إلى زيارته في السجن، استغرب مدير السجن كثيراً، احتفى احتفاء غير طبيعي لما دخل الأخ، قلت له: نبيٌّ كريم دخل السجن، جبراً لخاطره, أي مؤمن دخل السجن بسبب أو لآخر، هذه الزيارة لن ينساها إلى الموت, كلَّفتني وقتاً وجهداً وإجراءات صعبة للدخول إلى هناك, فالأعمال الصالحة أنواع كثيرة، بالمساعدة وبالنصح، وأن تعود مريضاً، أو تسعف هرة. وجدت هرة مدعوسة, أخذتها إلى مستشفى بيطري, قال: تعال غداً، هذا عمل صالح، هؤلاء أصحاب السر أعمالهم منوَّعة؛ من دعوة, إلى خدمة, إلى تنظيف مسجد, إلى اجتماع, إلى وساطة, إلى مساعدة, إلى كتابة استدعاء أحياناً وشكل. 4- ليس عندهم كهنوت وزي خاص : شيء آخر: في هؤلاء أصحاب السر ليس عندهم كهنوت وزيٌّ خاص, لباس خاص فخم جدًّا, يكلِّف مئات الألوف، لا، ليس لهم رسم خاص, وأختام خاصة, وهيئة خاصة, و جلسة خاصة، لا يوجد شيء من هذه. دخل أعرابيٌّ: ((أيكم محمد؟)) لم يعرفه، أين كان جالساً النبي؟ مع أصحابه على الأرض. قال: هؤلاء لا يتقيَّدون لا بإشارة, و بلا رسم, و بلا اسم, ولا بزيٍّ, ولا بطريق وضعي اصطلاحي. من شيخك؟ قل: رسول الله طريقك، الاتِّباع: اتباع النبي، مَن؟ أنا متَّبع لرسول الله فقط، مذهبك؟ السنة. هناك صفات كثيرة جداً لهؤلاء، اللهم اجعلنا من هؤلاء، واجعلنا من أصحاب السر الذين أخلصوا لله عز وجل، ولو كنا في الدرحة العادية في المجتمع. قال: ((أهلاً بمن خبَّرني جبريلُ بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض علَم في السماء)) والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة المعاينةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أنواع المعاينة : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم منزلة المُعاينة. المُعاينة نوعان: معاينةُ بصرٍ، ومعاينة بصيرة, قد تمسكُ شيئاً بيدك, تقول: هذا الشيء أخضر اللون, عاينته ببصرك، أو عاينته بحسِّك, أو عاينته بجلدك، أو عرفت وزنه، أو عرفت شكله، أو عرفت رائحته, أو عرفت أبعاده، هذه معاينة بصر، الناس جميعا مشتركون بهذه المعاينة إلا من ابتلاه الله بفقد أحد حواسه, وهذه المعاينة هي أقل معاينةٍ تُفيد الإنسان. الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام: ((خضرةٌ حلوة)) [أخرجه الترمذي في سننه] الدنيا تغر وتضر وتمر. قد تجد بيتاً جميلاً، اشتراه صاحبه بمالٍ حرام، الإنسان العادي يقول: هنيئاً له على هذا البيت, أما المؤمن يرى أن هذا البيت سيكون ناراً تحرِقه يوم القيامة, الأشياء الظاهرة جميلة جداً, لو ذهبت إلى بلاد الغرب لوجدت من الجمال الطبيعي، وجمال الأبنية، وجمال الطرق، وجمال الحدائق الشيء الكثير، كل شيء يُمْتِعُ العين، ولكن المصير!!. أضرب لكم مثلاً: هناك قاعة قمار في لبنان, قرأت عنها, ثمنها ثلاثون مليون دولار ، قاعة واحدة، وقد تجد مدرسة مبنية من مائة سنة مُتداعية، هذه تُخَرِّج علماء، وهذه تخرج مقامرين؛ إما إلى السجن، أو إلى الانتحار, مدرسو المدرسة أكْفاء، مخلصون، يقدمون العلم العميق والصحيح، ويؤدبون الطلاب، البناء مُتداع، أما في النهاية هذه المؤسسة تخرِّج أبطالاً أو علماء، بينما هذه القاعة الفخمة جداً التي ثمنها بضْع عشرات ملايين، هذه تخرِّج مقامرين؛ إما إلى سجنٍ، أو إلى كآبةٍ، أو إلى انتحارٍ، أو إلى جريمةٍ، أو إلى انحرافٍ. فالعبرة لا بالظاهر, العبرة بالباطن، فالشيء الذي ينفرد به المؤمن هو البصيرة. فمثلاً: قد تُعرَض عليه وظيفتان؛ وظيفةٌ دخلها كبير ومعها بيت ومركبة، ووظيفة دخلها لا يكفيه نصف شهر، الوظيفة الثانية فيها مرضاة الله عزَّ وجل، فيها نفعٌ للناس، فيها صدقٌ وأمانة، والوظيفة الأولى تُبنى على أنقاض الناس، وعلى عذاباتهم، وعلى فقرهم، وعلى ابتزاز أموالهم، فالمؤمن إذا ملك البصيرة, اختار الوظيفة ذات الدخل القليل. مثل بسيط: إنسانة فقيرة جداً, قد تعمل ثماني ساعات بمبلغٍ بسيط في خدمة المنازل ، وقد تعمل امرأةٌ ثانية لساعةٍ أو أقل, فتأخذ أضعاف ما تأخذه الأولى، ولكن تأكل بثديها، تبيعُ جسدها، هنا تعب، هنا في الظاهر مُتعة، ولكن هنا تنتظرها جنةٌ عرضها السموات والأرض، وهذه تنتظرها نار جهنَّم, فالأمر بحقيقته، والأمر بخاتمته، والأمر بمصيره, فأكثر الناس عندهم معاينة بصر. ما المعنى المراد من هاتين الآيتين؟ : فلما خرج قارون بزينته على قومه, قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة القصص الآية: 79] لكن الذين أوتوا العلم ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سورة القصص الآية: 80 ] إلى آخر الآية ....., معنى هذا: أنك إذا نظرت إلى بناء، إلى بيت فخم, وعلمت أن صاحبه جمَّعه من مالٍ حرام, إذا نظرت إلى مركبةٍ فخمة, وعلمت أن صاحبها جمَّعها من مالٍ حرام, هل تقول: هنيئاً له على هذا البيت أو على هذه المركبة؟ لا، المؤمن لا يضحي بطاعته لله عزَّ وجل ولو قطَّعوه إرباً إرباً، ولو أعطوه أموال الدنيا، المؤمن صامد أمام سياط الجلاَّدين اللاذعة، وأمام سبائك الذهب اللامعة، لا يخضع لتهديد ولا ينهار لإغراء، هو يطبِّق منهج الله عزَّ وجل ويرجو رحمة الله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] هذا الفرق بين معاينة البصر وبين معاينة البصيرة : معاينة البصر: وقوع الشيء على نفس الرائي؛ إما بألوانه، أو بحجمه، أو بشكله، أو بأبعاده، أو برائحته، رؤية الشيء أو رؤية مثاله, لو وقف إنسان في شرفة، وفي هذه الشرفة توجد مغسلة، وأمامها مرآة, ونظر إلى جارته، هو لم يرَ شخصها لكن رأى صورتها، فهؤلاء الذين يقولون: هذه صورة، هذا خيال, هذا كلام مضحك جداً، وقد تكون الصورة أبلغ من الحقيقة، وقد تفعل فعلاً أشد من فعل أصل الشيء، لذلك هناك من يُصِر على أن رؤية المرأة الأجنبيَّة حرام حقيقةً، أو صورةً، أو خيالاً، أو ما إلى ذلك، العبرة بالتأثير, فإذا إنسان خرج إلى الشرفة لبعض شأنه، فرأى امرأةً في المرآة في الطرف الآخر بثياب متبذِّلة، فلو أنه التفت هكذا ونظر إليها، أو لو أنه دقَّق في المرآة الأثر واحد، والشيء واحد لا يتغيَّر، فالبصر وقوع المرئي على ساحة البصر، أو على الحواس الخمس. قال: أما البصيرة: فهي وقوع القوة العاقلة على المِثال العلوي المُطابق للخارجي. هذا الفرق بين الدنيا والآخرة : الآن: لو شخص في أمس الحاجة إلى المال، رآى ملايين أمامه وهو أمين صندوق ، لو نظر إلى هذا المال بشكل ظاهري, وأخذه خلال أيام أو أشهر, يتمتع بسهرات، وبأكل، وبسفر، لكن بعد أن ينكشف أمره قد ينتحر -رُبَّ أكلةٍ منعت أكلات-, فأكثر المنحرفين يعيشون لحظتهم. في علم النفس يُصَنَّفُ المجرم غبياً، أكثر المجرمين بعد حين يُشنقون، ويعدمون, وتنتهي حياتهم، تنتهي نهايةً وضيعةً دنيئةً قاطعةً. أما حينما يكون عقلُ الإنسان راجحاً يقول: هذا الشيء محرَّم لا أفعله, ودائماً الدُنيا محسوسة والآخرة معقولة، وهذا أحد أنواع الامتحانات؛ أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت محسوس، أما بالمصحف تفتح مثلاً على سورة معينة، على آية معينة: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [سورة الضحى الآية: 4] الدنيا محسوسة أمامك، تملأ العين والسمع والأُذن، أما الآخرة معقولة تستنبطها من نص، فما الإيمان بالغيب؟ هذا هو الإيمان بالغيب، تعرض عن شيء محسوس صارخ أمامك ، وتنتظر ما وعد به خالق السموات والأرض: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] ثمن الجنة الإيمان بالغيب، فلو كانت الآخرة محسوسة فلا جنة. مثلاً قل للناس: أي إنسان يدفع مئة ليرة مساعدة لمشروع خيري, نعطه ألف بعد ساعة، ستجد الناس واقفين بالطرقات زُرافات ووحدانا، بالمئات بالألوف، بما يقارب الملايين، منهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم الملحد, ولو قلت للناس: لو نظرت لأُطلق عليك الرصاص, لا أحد ينظر خوفاً من الرصاص، لم يعد هناك اختيار، الله عزَّ وجل قادر أن يحمل عباده جميعاً على الطاعة، ولكن هذه الطاعة القسريَّة لا تسعد صاحبها، و .....: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة الرعد الآية: 31 ] هل الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي تسعد صاحبها؟ : في بعض البلاد الغربية الناس جميعاً مستقيمون استقامةً لا تسعدهم، استقامة إلكترون, ضبط إلكتروني مخيف، فأكبر سوق فيه ما يقارب ألف مليون من البضائع، فيه خمسة موظَّفين على الصندوق، أي سلعة في هذا السوق فيها مادة, إن لم تدفع ثمنها يصدر صوت مخيف, وأنت خارج من السوق، إن دفعت ثمنها تمرَّر على جهاز، يُلغى أثر هذه المادة، يا ترى الكل دفعوا؟ فمن هو الأمين؟ من هو الخائن؟ من هو السارق؟ من هو الصادق؟ من هو الكاذب؟ أُلغيت كل هذه القيم, لأن هناك ضبط شديد جداً. فهذه الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي، القهري، القسري, ليست مسعدةً لصاحبها، الله يريدك أنت، يريد قلبك، يريد اختيارك, يريد محبوبيَّتك، يريد مبادرتك، لا يريد خضوعك. لذلك أنا أقول دائماً: الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب, فيمر على النبي -عليه الصلاة والسلام- ألف عام, كلما ذكرت قصته تبكي, ملك القلب، والقوي ملك الرقبة، وشتَّانَ بين من يملك القلوب بكماله وبين من يملك الرقاب بقوته. ما يحتاج إليه المؤمن : لا بد للمؤمن من بصيرة، هذه البصيرة تخترق ظواهر الأشياء، إنسان قال لي: عنده محل صعب أن يوصف لأنه فخم، لكنه يبدو أنه يوجد فيه معاص كثيرة، فيه موبقات كثيرة، فيه بضاعة محرمة، إلخ .., فقال لي: أنا عملي قذر. تذهب إلى مكان تصليح السيارات, تجد الشحوم، والزيوت, والأطيان، والمَحل لا يحتمل، لكن صاحبه أصلح السيارة بإتقان, وأخذ أجراً معتدلاً، ومساءً اغتسل، ولبس أجمل ثيابه، نقول: هذا العمل الثاني عمل نظيف، أما الأول قذر، بالعين: الأول نظيف والثاني قذر، بالبصيرة: الأول قذر والثاني نظيف. نقطة دقيقة : لكن النقطة الدقيقة: أن البصيرة لا ترى ذات الشيء، ترى مثالها, قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [سورة الأعراف الآية: 143] معنى ذلك: أن الإنسان يدرك مثال الأنوار الإلهية ببصيرته، أما إن أدركها بذاتها احترق, يقول عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا, قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] درس علم بمسجد، لا تجد مقعداً وثيراً, ولا وسادة مريحة، جلسة على الأرض، بينما بمطاعم فخمة جداً، مقاعد وثيرة، وطعام طيِّب ونفيس، واختلاط وموسيقا وغناء، بحسب الحس ذاك المطعم ممتع أكثر, بحسب البصيرة في مجلس العلم هنا السعادة، وهنا التوفيق، وهنا السكينة, وهناك الشقاء. ماذا تعني البصيرة؟ : البصيرة تعني: أنه يجب أن تعتقد جازماً أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح. فدائماً أهل الدنيا يصعدون صعوداً حاداً, ثم يسقطون سقوطاً مُريعاً، كل شيء جَمَّعه في الحياة يخسره في ثانية واحدة، أما المؤمن تراكمي, كلما امتد عمره اقترب من الله عز وجل، ازداد قُربه، فإذا جاءه ملك الموت كانت هذه اللحظة كعرسه تماماً. ((تحفة المؤمن الموت)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] الموت عُرس المؤمن . وظل خَطُّه البياني صاعداً، لذلك من الأدعية التي أُثرت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة . مستمرة، المؤمن يموت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] فهذا الذي قدَّم حياته لله عز وجل، قدم أثمن شيءٍ يملكُه. وقد ورد في بعض الأحاديث: أن الذي يقتل في سبيل الله, يرى مقامه في الجنة, ولا يتألَّم، ولدمه رائحة المِسْك، وأن هناك من يموت بمعصية. لذلك باللغة: في إنسان مُضرَّج بدم الشهادة، وإنسان مُلَطَّخ بدم الجريمة, وشتان بين أن يضرَّج الإنسان بدم الشهادة وبين أن يلطَّخ بدم الجريمة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع؟)) لو غمس إنسان إصبعه في البحر المتوسط ورفعها، بم ترجع؟ هذا الذي علِق على يده من الماء هي الدنيا والبحرُ هو الآخرة. متى يكون الإنسان خاسر؟ : فالكلام الدقيق والصحيح وقد يكون مُراً: إن لم ترَ الدنيا, وحقارتها, وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها، وإن لم ترَ أهلها وعُشَّاقها صرْعى حولها، قد عذَّبتهم بأنواع العذاب، وأذاقتهم أَمَرَّ الشراب، أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً، سقتهُم كؤوس سَمِّها بعد كؤوس خمرها، فسكروا بحبها وماتوا بهجرها, إن لم تر هذه الرؤية فأنت خاسر, إنسان يرى الدنيا فيذوب حباً لها، وإنسان يرى عاقبتها. وإن لم تر بالبصيرة، إن لم ترَ الدنيا بالبصيرة، وإن لم ترَ الآخرة ودوامها، وأنها هي الحياة الحقيقية، أهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها، بل هي دار القرار، ومحطُّ الرحال، ومنتهى السير، وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر)) فأنت أعمى. ماذا يبين لنا هذا المثال؟ : أيها الأخوة, سأوضِّح لكم بمثل أوضح: إنسان يركب مركبة, والطريق شديد الانحدار، والهواء عليل, والمناظر خلاَّبة, والمركبة مريحة، هو يضحك، ويتنعَّم بالمناظر وبالنسيم العليل، لو أنه شعر فجأةً أن مكبحه معطَّل، وأن هذا المنحدر الشديد ينتهي بمنعطفٍ حاد, وبينه وبين هذا المُنعطف تقريباً أربع دقائق، بحسب سرعته العالية, لماذا يصيح؟ ويقول: انتهينا, ومتنا، ورحنا, بقوة بصيرته أدرك المكبح معطل, والسرعة متسارعة، والمنعطف حاد، والوادي سحيق, معناها متنا. المؤمن وهو في الدنيا، يدرك كما أدرك هذا السائق الذي فقد مكبحه في طريق شديد الانحدار، مع منعطفٍ حاد، ووادٍ سحيق، أما الغافل والجاهل هو يضحك ويلعب، متى يبكي؟ حينما يقع في الوادي، أما إذا الإنسان أدرك قبل أن يقع الشيء أنه يوجد خطر، هذا معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] لما الإنسان يقبض مبلغاً ضخماً بالحرام، تجده يضحك لشعوره بالتفوق والنجاح, ما دام المال بالحرام ..: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] لما يعتدي على عِرض إنسانة، يغرر بها، ويقضي شهوته منها, ثم يشعر بلعنة الله له, وإبعاده عنه، يدخل في متاهة وفي آلام نفسية لا تُحتمل، لذلك: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [سورة الكهف الآية: 53] هذه النار التي كنتم بها تكذبون: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 41] سؤال : سؤال: لو إنسان لا يوجد عنده هذه الرؤية، ماذا يفعل؟ متعلِّق بالدنيا، متعلق بمالها، بنسائها، بشهواتها، بطعامها، بشرابها، ببيوتها, بمركباتها, نقول له: اقرأ كلام الله, صدِّق ما قاله الله لك، إما أن تكون مع النص أو مع الرؤية، الرؤية أقوى بكثير، فمثلاً: طبيب قلب عنده كل يوم عملية جراحية، عملية قلب مفتوح، وأكثر عمليات القلب انسداد بالشريان التاجي، وانسداد الشريان التاجي أساسه المواد الدسمة والدهنية, هذا الطبيب نفسه لو جلس إلى مائدة فيها حلويات نفيسة جداً, لكن كلها مواد دهنية؛ قشطة ودسم، تجده لا يأكل مع أنها لذيذة الطعم، هو يرى بعينه كل يوم انسداد الشريان، وكيف أزال قطعة من شريان رجله, ووضعها في قلبه، وأوقف القلب، وعمل للقلب صعقة مع المبالغ الكبيرة التي تدفع، هو رأى مخاطر الدسم، مخاطر الشحوم الثلاثية، مخاطر الأكلات، لذلك لم يأكل لرؤيةٍ رآها، أنا أريد هذه الرؤية. دائماً: الإنسان الشَقي يعيش لحظته. شاهد عيان : رأيت إنساناً في أيام الشتاء الباردة والماطرة، يجري في شارع في دمشق، فكل أبناء دمشق في البيوت, وحول المدافئ, ويأكلون, ويتنعَّمون، ماذا في ذهن هذا الإنسان؛ من قناعات بالرياضة والجري، وصحة القلب, وقوة القلب، والنبض البطيء, وتمرين عضلة القلب على جهد عالٍ، حتى لا يلهث من أدنى جهد, فهؤلاء الذين يجرون عندهم قناعات عالية جداً بجدوى الرياضة وخطر الراحة, وهؤلاء الذين يمتنعون عن التدخين، الذين عندهم معلومات دقيقة عن أخطار التدخين، وقد يكون المدخن متمتعاً بدخينته ومعطلاً عقله. متى يلقي الله في قلب الإنسان من النعيم والسعادة ما لا يوصف؟ : مرة ذكرت قصة مشابهة لهذه القصص، فأحياناً تجد مركبة عامة واقفة باتجاه، عليها أن تدور دورة كاملة كي تتابع سيرها، أنت قد تجلِس في الشمس, لأنك تحسُب أنها بعد أن تدور هذه الدورة تنعكس الآية، فأنت تجلس في مكان غير معقول، الناس جالسون بالظل وأنت جالس بالشمس، أنت فكَّرت فوجدت أن دقيقة شمس أحسن من نصف ساعة شمس، آثرت التعب القليل أوالمشقة القليلة، وطلبت الراحة المديدة. لذلك قال بعض العلماء: في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. إذا الإنسان اصطلح مع الله تماماً, وصدق في توبته, وفي إقباله, يُلقي الله في قلبه من النَعيم والسعادة ما لا يوصف، سعادته في بيت الله عز وجل، سعادته في أداء فريضة، سعادته في أداء واجب، سعادته في خدمة الخَلق، سعادته في تقديم شيء للناس، هذه سعادته، بينما هؤلاء الذين يتمتَّعون بحسِّهم بمباهج الدنيا يشقون بقلوبهم. هذه الرؤية من أين؟ : هذه الرؤية من أين؟ قال: من نورٍ يقذف في قلب المؤمن، يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، الشاهد، الدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [سورة الحديد الآية:28] آية قُرآنية صريحة: ﴿يجعل لكم نوراً تمشون به﴾ كل واحد إذا عرض له شيء يغضب الله, يقول: لا أفعله معاذ الله, عنده رؤية هذا العمل يشقيه، وإذا في طاعة وعمل صالح يفعله، معناها أن كل إنسان يتحرك برؤية، لكن هذا الذي أقدم على قتل إنسان طمعاً بماله، ماذا رأى؟ رأى رؤية معكوسةً، من هنا كان الدُعاء النبوي الشريف: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. عامَّةُ الناس والجهلة يرون الباطل حقاً والحق باطلاً، الذي يغُشُّ المسلمين ماذا يرى ؟ يرى الربح فقط، ولا يرى عقاب الله عز وجل, الذي يعتدي على أعراض الناس، ماذا يرى ؟ المُتعة الآنية, ولا يرى أن الله سيلعنه، وستغدو حياته شقاءً بشقاء، لا يرى، فأنت مبدئيَّا؛ إما أن تكون مع النص، وإما أن تكون مع الرؤية، في نص، وفي رؤية، الحد الأدنى الذي يحميك من أن تقع بمعصيةٍ النص، الله عز وجل حرم هذا الشيء، فانتهى الأمر، أما في مستوى أرقى ، معك النص ولكن معك رؤية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال الآية:29] فرقان، تُفَرِّقُ به الحق من الباطل، لذلك قلما تجد مؤمناً في مخفر أو في قصر عدلي، لأنه يسير على المنهج، الانضباط والاستقامة تنتهي إلى حرية، وعدم الاستقامة تنتهي إلى قَيْد ، إما قيد نفسي كآبة، أو قيد حسي سجن. والله عز وجل أكرمنا بالعقل، والعقل أداة معرفة الله عز وجل, وأداة فعَّالة، فالإنسان إذا استخدم عقله، وفكَّر بأعماله، وفكر بماله, كيف اكتسبه؟ كيف أنفقه؟ فكر بعلمه ماذا عمل به؟ فكر بنهايته. لا أنسى طالباً مرة سألوه, وقد نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: لمَ نلت هذه الدرجة؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تُغادر مخيِّلتي ولا ساعةً في العام الدراسي, يعيش مع الامتحان. فكل واحد منا يعيش يوم القيامة, كيف سيسأله الله عز وجل؟ لمَ فعلت؟ لمَ تركت؟ لِمَ وصلت؟ لمَ قطعت؟ لمَ غضبت؟ لمَ رضيت؟ لمَ طلَّقت؟ لِمَ وافقت؟ لِمَ خُنت؟ لِمَ أكلت مالاً حراماً؟ ألف سؤال وسؤال. نهاية المطاف : هذه الرؤية التي أكرمنا الله بها، أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً, وأنا أعتقد أن كل مؤمن مهما دنت مرتبته على شيءٍ من هذه الرؤية, والدليل يقبل على طاعة الله، يقبل على خدمة الخَلق، يقبل على طلب العلم، يسعى أن يكون بيته إسلامياً، أن يكون عمله إسلامياً، هذه الرؤية تدفعه إلى طاعة الله عز وجل. في مرتبة: بعد أن تحمل نصاً فيه أمر ونهي. في مرتبة ثانية: أن تشعر ذوقاً أن هذا العمل لا يرضي الله. في مرتبة ثالثة: أن ترى حقيقته وما ينطوي عليه. فالإدراك البياني أول مرتبة، والذوق النفسي ثانيها، والرؤية العميقة ثالثها، من وصل إلى هذه الرؤية العميقة، قطع مرحلة عالية جداً في الإيمان. والانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، كما أنك تستمتع بمكيِّف, وأنت لا تدري كيف يعمل، وتستمتع بآلات كثيرة جداً وأنت لا تفقَه كيف تعمل، تستمتع بها وتنتفع بها دون أن تعلم حقيقة بُنْيَتِهَا ووظيفة عملها, كذلك منهح الله عز وجل في دقة بالغة, بحيث لو طبَّقه إنساناً وكفى، ولم يعلم حكمته ولا حقيقته, هذا الإنسان يقطف كل ثماره، لكن هذا يكون عابداً ولا يستطيع أن يكون عالماً، والعابد مرتبة أقل من مرتبة العالم. أمر الله بغض البصر، فغض إنسان بصره، أمر بالصدق، صدق لا يوجد عنده درة على تحليل الأمور، ولكن عنده قدرة على طاعة الله عز وجل، وهذا أيضاً يقطف كل ثمار الطاعة ويوفقه الله عز وجل, ولكن هذا الإنسان مقاومته هشَّة، فقد لا يحتمل إغراء شديداً ولا ضغطاً شديداً. أما العالم الذي عنده رؤية لو قطعته إرباً إرباً لا يلين, لا تؤثِّر فيه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة. يقول سيدنا بلال: أحدٌ أحدٌ. وفي إنسان على قدر ما ضغطت يخرق منهج الله عز وجل, فبقدر هذه الرؤية وبقدر هذه الاستقامة يكون التوفيق والأجر. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة الفتوةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما حقيقة هذه المنزلة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم الفتوَّة. هذه المنزلة كما قال عنها العلماء: حقيقتُها الإحسان، الإحسان نهاية النهاية, لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن الآية: 60] أنت حسنةٌ من حسنات الله، خَلَقَك ليسعدك، ليحسن إليك، خلقك لجنةٍ عرضها السموات والأرض، فإذا كان ردُّ فعلك الإحسان, فقد حقَّقت غايتك من وجودك، لذلك: هذه المنزلة في حقيقتها هي الإحسان إلى الخلق، محبةً بالحق. لو أردنا أن نُبَسِّـط هذا المعنى: قد تحسن إلى طفلٍ من أجل أبيه إكراماً لأبيه، أو وفاءً مع أبيه، أو تكريماً لأبيه. قال بعض العلماء: هي الإحسان إلى الخلق وكفّ الأذى عنهم, بل احتمال الأذى منهم. أول مرتبة الإحسان، أو كف الأذى، أو احتمال الأذى؛ أيْ استعمال حُسن الخُلق معهم، ومن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان, الإيمان حُسن الخُلق، وذهب حُسن الخُلق بالخَير كلِّه, وسوءُ الخُلق يُفسد العَمل كما يُفسد الخَل العسل. ما الفرق بين مرتبة الفتوة وبين المروءة؟ : قال بعض العلماء: والفرق بين هذه المرتبة الفتوَّة وبين المروءَة: أنَّ المروءة أعمُّ منها. فالفتوَّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإن المروءة بمعناها الدقيق: استعمال ما يجمل ويزِين مما هو مختصٌ بالعبد, وتركُ ما يدنِّس ويشينُ مما هو مختصٌ به أيضاً, فالموقف الكامل وترك الموقف الناقص هو مروءة، كأن مكارم الأخلاق كلِّها جُمِعَتْ في المروءة, والفتوَّة فرعٌ من المروءة، المروءة أعَم، أن تقف الموقف الكامل من كل شيء، إن تكلَّمت تتكلَّم بكلامٍ فَصل، إن سكتْ تسكُت عن حلم، إن أعطيت تعطي عن كرم، إن منعت تمنعُ عن حكمة، إن غضِبت تغضب لله، إن رضيت ترضي لله، أن تقف الموقف الكامل في كل شؤون حياتك هذا مروءة. وكأن علماء الأخلاق جمعوا كل خِصال الخَير بكلمة مروءة, وجُمِعَت كل خصال الشر بكلمة لؤْم. هناك إنسان ذو مروءة، وإنسان لئيم. وقيل: ما الذُل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه. من معاني إتمام مكارم الأخلاق : قالوا: هي ثلاثة منازل؛ منزلة التَخلُّق، ومنزلة الفتوَّة، ومنزلة المروءة؛ فالتخلُّق: يتحلَّم الإنسان فيكون في النهاية حليماً، يتكرَّم فيكون في النهاية كريماً، وبعد هذه المَرتبة تأتي مرتبة الفتوَّة، وقد عُبِّر عنها باسم مكارم الأخلاق. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)) وفي روايةٍ أخرى: ((إنما بُعثت معَلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) يا أيها الأخوة, إتمام المَكارم له معنىً دقيق: هو أن النفس جُبلت جبلَّةً عالية, جبلت على حب الكمال، فإذا اتصلت بخالقها اصطبغت بالكمال، فكأن الاصطباغ إتمامٌ للفطرة، الفطرة حب الكمال، والصبغة اصطباغٌ بالكمال، فالإنسان يحب الخير، يحب العدل، يحب الرحمة فطرة, صار خيراً عادلاً رحيماً فطرة, فالحاجة إلى الشيء وإملاء هذه الحاجة، إذاً الإتمام، معنى ذلك: أن النفوس فُطرت فطرةً عالية في الأصل, في أصل الخَلق الإنسان فُطِرَ فطرةً عالية، فإن تديَّن واتصل بخالقه حقَّق هذه الفطرة، الفطرة تَمَن، الفطرة مَيل، الفطرة محبة، أما إذا تخلَّق بهذا الخُلُق أصبح ذا صبغة. قف هنا : الشركات الضخمة التي تُعلِّق أهميةً كبرى على تفوُّقها تعتمد على الشباب، الشباب طاقة كبيرة جداً، طاقة هائلة، فإذا رُشِّـدت ووجِّهت, آتت أُكلها ضعفين، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف الآية: 13] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 60] ريح الجنَّة في الشباب, ولعلَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد بعداً عميقاً جداً, حينما عيَّن قائدَ جيشٍ شاباً لا تزيد سِنُّه عن ثمانيةَ عشر عاماً، وكان تحت إمرة هذا الشاب سيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا عثمان بن عفَّان، وسيدنا عليّ بن أبي طالب، كبار الصحابة تحت إمرة هذا الشاب، بل إن الصديق -رضي الله عنه- مشى في رِكابه، فلمَّا رأى خليفة المسلمين يمشي وهو راكب, قال: والله يا خليفة رسـول الله لتركبن أو لأنزلن, قـال: والله لا ركبت ولا نزلت وما عليَّ أن تغبرَّ قَدَمايا سـاعةً في سبيلِ الله, -أراد الصدِّيق -رضي الله عنه- أن يُبقي عمر, دقِّق في نظام التسلسل: أليس بإمكانه أن يقول له: يا عمر ابقَ معي؟ عمر جندي تحت إمرة قائد اسمه أسامة، فلا بدَّ من أن يستاذن أسامة في أن يسمح له في عمر-. قال: يا أسامة أتأذن لي بعمر أن يبقى معي؟. لماذا عيَّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أسامة بن زيد, وتابع هذا التعيين سيدنا الصديق؟ ليُشْعرنا أن الشابَ إذا عرف الله كان شيئاً كبيراً: ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب. ((إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي)) ورد في الأثر: ((أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد)) هذا الذي بقي لك من هذه الشهوة : فإذا الإنسان كان يغلي بالميول والرغبات وضَبَطها في سبيل الله, فالدين كله ضبط, وتقريباً -للتوضيح-: أي شهوة مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية محدودة مسموح بها، شهوة الجِنس مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية أربعون درجة هي الزواج، من هو المؤمن؟ هو الذي ضبط شهوته في هذه الزاوية المشروعة, شهوة المال مفتوحة مئة وثمانون درجة، مسموح منها أربعون درجة بالكسب المشروع, فالدين كله ضبط هذه الشـهوات من مئة وثمانين درجة إلى أربعين درجة، ثلاثون درجة هذه مسموح بها، هذا الشيء المشروع، هذه القناة النظيفة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة هود الآية: 86 ] الذي بقيَ لك من هذه الشهوة ما سمح الله لك به، هذا هو الخير, الخير في الزوجة، والخير في المال الحَلال، والخيرُ في العمل الطيِّب, والخير في التفوُّق في الدين, الإنسان يحب التفوُّق فإن تفوَّق في الدين, كان هذا التفوق مستمراً. قف عند هذه النقطة : أجمل نقطة في الدرس: أن الخط البياني للمؤمن صاعد صعوداً مستمراً، حتى لو مات، وما الموت إلا نُقطة على هذا الخَط الصاعد، بينما غير المؤمن خطُّه البياني صاعداً صعوداً حاداً، وبعد هذا الصعود الحاد هناك هبوطٌ وسقوطٌ مريع: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف الآية: 13] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 60] تعريف الفتوة في رأي الفضيل بن عياض : قال الفُضَيْل بن عياض: الفتوَّة الصفح عن عثرات الأخوان. هذه فتوة، بطولة، مروءة: إذا خَـلـيـلَـيَّ لــم تـكـثـُر جـنـايـتـه فأيـن موضع إحسـاني وغُفراني؟ ما كنت مُـــذ كنْـــت إلا طـــوْعَ إخواني ليـست مؤاخذة الأخوان مـن شانِ أول صفة من صفات الفتوة: الصَفْحُ عن الزلاَّت، هو يعامل الله عزَّ وجل. سألني أخ: ما موقف مؤمن أحسـن إلى إنسان ثم أساء إليه؟ -أحسن لهذا الإنسان, وهذا الذي تلقَّى الإحسان بالغ بالإساءة إلى المحسن-, قلت: إن كان يحسن إليه فهي خَيْبَةُ أملٍ مُرَّة، وإن كان يعمل لله فإنه لا يتأثَّر أبداً. إن كنت ترجو رحمة الله، رحمة الله واصلة ومحقَّقة، هو شَكَر أو لم يشكر، قدَّر أو لم يقدِّر. ورد في الأثر: أن اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، إن أصبت أهلـه أصبت أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله. إذا كان إخلاصك عالياً لا تتأثَّر بردود الفعل إطلاقاً، إذا إنسان شكرك قل: جزاك الله خيراً, لم يشكرك قل: أنا عاملت الله, حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الفُضَيل: الفتوة الصفح عن عثرات الأخوان. تعريف الفتوة عند أهل العلم : وقال الإمام أحمد: ترك ما تهوى لِما تخشى. الإنسان أحياناً يكون عمله في الطِب, فيترك أكلة لذيذة جداً, خشية أن تسهم في إضعاف قوته, أو إضعاف شرايينه، أو ضيق لَمعة الشريان، يخاف من المواد الدسمة مع أنها لذيذة جداً، يخاف أن تَسْلُك في شرايينه سلوكاً فتضيق لمعتها, فيدخل في متاعب لا حصر لها، إذاً: ترك ما تهوى لما تخشى. وقال بعض العلماء: الفتوَّة حُسْنُ الخُلُق. وقال بعضهم الآخر: الفتوة كفُّ الأذة وبذل النَدَى. وقال بعض الأئمَّة: الفتوة هي اتباع السُنَّة. منهج كامل، اتباع السُنَّة هي الفتوَّة. وقال بعضهم: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها, إن فعلت خيراً يجب أن تنساه وكأنَّك لم تفعله، وإن صُنِعَ معك معروف يجب ألا تنساه مدى الحياة. هذا خُلُق راقٍ جداً، هناك أُناس إذا فَعل معروفاً لا يزال يذكره، ويبالغ فيه, ويمنِّن، إلى درجة أن الطَرف الآخر يكاد يخرج من جلده، وإذا فُعِل إليه معروف, يقول لك: الفضل لله, أنا لا يوجد إنسان له فضل عليّ, ولكن اسمع كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-: من لم يشكر الناس لم يشكر الله . قال: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها. ما قيل عن الفتوة أيضاً : وقيل: الفتوة ألا تَحْتَجِب ممن قَصَدَك. فلا توصد الباب في وجه من أتاك طالباً معونة. لا تسحب مأخذ الهاتف، لست فتىً, لست في هذه المرتبة, إذا حجبت نفسك عمَّن قصدك، هذا الذي قصدك ساقه الله إليك: إذا أحبَّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه. إذا قصدك الناس فهذا فضلٌ من الله عزَّ وجل: ألا تحتَجب ممـن قصدك أو ألا تهرُب إذا أقبل طالبٌ مَعْروف. وقيل: الفتوة إظهار النعمة وإسرار المِحنة. وقيل: الفتوة ألا تدَّخر وألا تعتذِر؛ أي لا تفعل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، وألا تدَّخر وسعاً، بإمكانك أن تقدم خدمة لإنسان، فأنت ادَّخرت وسعاً، لم تبذله في سبيل الله, أو فعلت عملاً تحتاج أن تعتذر منه, مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْه)) الفتى كما عَرَّفه بعضهم: أرضٌ خيِّرة مِعْطاءة، لذلك قالوا: الفتوة استرسال الناس في فضلك. -الكُل يطمع فيك، يطمعون بحلمك, يطمعون بكرمك، يطمعون بقلبك الواسع، يطمعون بحبَّك للخير، يطمعون برحمتك- فإذا استرسل الناس بفضلك فأنت فتىً، -وهذه مرتبة عالية عند الله, طبعاً هم لا يسترسلون بفضلك إلا إذا استرسلت أنت معهم، أعطيتهم وجهاً باشَّاً، أعطيتهم عبارةً لطيفة، يقول له: أنا بخدمتك، أنا سعيد جداً لأنني خدمتك، إذا احتجت شيئاً فارجع إلي، هذا الكلام الطيب استرسلت معهم فاسترسلوا في فضلك-. ولم تجذب عنهُم عنانك: الإنسان أحياناً يُقَطِّب، يكفهر, يتَجهَّم، الضيف لا يعود، لا يبالي، يسوِّف، يُماطل، يتأفَّف، يغضب, فصرف الناس, صرف الناس سهل جداً. ألف تصرُّف ذكي، ومخلص، ورحيم, يشد الناس لك, وتصرُّف واحد لئيم يسْلَخهم عنك. الفتوَّة أن تسع الناس بخلقك، قال عليه الصلاة والسلام: ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)) الله عزَّ وجل أمر النبي الكريم, فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 199] إذاً: أن تَسَعَ الناس، أن يكون لك قلبٌ كبير، أن تَحْلُم عليهم: كاد الحليم أن يكون نبياً. الحلم سيد الأخلاق. الحلم أعلى درجات الضبط، أعلى درجات الضبط هو الحِلم, والإنسان أحياناً يخرب بكلمة واحدة ما بناه في عامٍ بأكمله. بل قال بعضهم: الفتوة أن تَدَع الناس يطَؤوا عليك, من شدة لينك وتواضعك وخَفْض جناحك. أحد العلماء كان يمشي مع أخوانه، يبدو أن بعض جواربه نزل, فأحد الأخوة ابتسم ، فقال له: ما الذي يدعوك إلى التَبَسُّم؟ فاستحى, فنظر الشيخ فرأى جرابه قد نزل, فقال: اللهمَّ أضحكه وأدخل على قلبه السرور, هذا تواضع. مرة سيدنا عمر -هكذا قرأت-, كان يمشي في المسجد في الليل, وكان غير مُضاء، يبدو أنه داس على رجل أحد المُصلين، غضب المصلي، أو هو في حالة غفلة، قال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا لست أعمى, فقال رجل لسيدنا عمر: معقول؟! فقال له سيدنا عمر: سألني فأجبته. صدر واسع، رحمة، وحُب, غلط الرجل، تجاوز حده، يرحمه ولا ينتقم منه. قال: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم. أنت من مستواهم، فإذا أنت رفعت نفسك فوق الناس، وفرضت عليهم مقاماً معيَّناً, وهيمنة معيَّنة، وكهنوتاً معيَّناً، وإذا لم يؤدوا طقوس الاحترام تغضب عليهم، وتوبِّخهم، وتعنِّفهم، هذه مرتبة تتناقض مع الفتوة, الفتوة أن تكون واحداً منهم. إليكم هذا التطبيق العملي لهذا التعريف: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم : دخل أعرابي إلى النبي، وقال: ((أيكم محمد؟)) كم تفهمون من هذا النَص: أيكم محمد؟ . أحياناً ترى رجل دين, يلبس ثياباً بمئتي ألف, هكذا في بعض الدَيانات، أما الرسول فلباسه بسيط، وجلسته عادية, ليس له ولا ميزة, فسأل الرجل: أيكم محمد؟ هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ((عليَّ ذبحها. فقال له الثاني: وعلي سلخها. فقال الثالث: وعليّ طَبخها. فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب. قالوا: نكفيك ذلك. قال: أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه)) هذا هو الدين : هناك تحفُّظ لا بدَّ منه، أنت ليِّن، وكريم، ورحيم، وصدرك واسـع، وترحم الناس، وتتحمَّلهم، وتسعهم بحلمك، ولا تحرجهم، ولا تضيِّق عليهم، لكن هذا الاسترسال في لينك، وذاك الاسترسال في فضلك, أنت استرسلت بلينك، وهم استرسلوا بفضلك، هذا اللين وذاك الفضل, يجب ألا يخرج عن حدود الشَرع وآدابه، بحيث لا تحمِلُهم على تعدي حدود الله. قال رجل: والله لزمت دروس العلم عشرين سنةً، أمضيت ثمانية عشر عاماً في تعلُّم الأدب، وأمضيت عامين في تعلُّم العِلم، أما الآن كنتُ أتمنى أن أُمضي عشرين سنةً في تعلُّم الأدب. الدين كلَّه أدب، الدين كله حياء، الدين كله احترام، تسال بأدب, تَصل إلى كل أهدافك بأدب، بسؤال لطيف، بتعليق لطيف، تستفهم، وقد تعترض، وقد تنتقد، وتناقش لكن بأدب، دون أن تجرِّح، دون أن تطعن, دون أن تؤذي، دون أن تُحْرِج. شيء هام : أيها الأخوة, الفتوَّة: الحِفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، فإن كنتَ كذلك أنت مع الناس, مسترسلٌ برسمك وصورتك، أنت معهم في صورتك وفي جسمك، ولكنك لست مع سقطاتهم ولست مع وحولهم، هذا ينقُلنا إلى تعبيرين لطيفين، يجب أن تكون في برجٍ عاجيٍ أخلاقي، لا أن تكون في برجٍ عاجيٍ فكري، يجب أن تعيش مع الناس, وأن تخالطهم، وأن تصلحهم، وأن ترشدهم، وأن توجِّههم، لكن يجب ألا تكون معهم في سقوطهم، أنت في منأى عن سقطاتهم، منأى عن وحولهم، لكنك معهم لتأخذ بيدهم إلى الله عزَّ وجل، ومنتبه, لا تسمح لأحدٍ أن يجرَّك إليه. ما معنى هوناً؟ : قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] ما معنى هوناً؟ أي في بطء، السنة خلاف ذلك: كان إذا سار أسرع، كان إذا مشى كأنَّه يَنْحَطُّ من صبب. والآية هوناً. قال علماء التفسير: هواناً؛ أي لا يسمحون لمشكلةٍ أن تأخذهم، ولا لشغلٍ أن يأخذهم، ولا لهَمٍ أن يسحَقهم، هدفهم كبير، وطريقهم واضحة, فيمشون هوناً؛ أي يفكرون لماذا خلقوا؟ من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ يفكِّرون في رسالتهم في الحياة. دائماً السائق يراقب الطريق، مرة يراقب الطريق من أمام، مرة على اليمين، مرة على اليسار، ومرة ينظر في المرآة ليرى مَن خلفه, هذه المراقبة الدائمة تجعله على الطريق، وعلى اليمين، وفي سلام, والمؤمن يراقب, هل هناك موقف غَلط؟ أو موقف فيه تقصير؟ أو موقف فيه خيانة؟ أو موقف فيه شُبُهَة؟ إذا لم يراقب نفسه, يتورَّط ويقع في شرِّ عمله. ما معنى هذا القول: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً؟ : قال: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً. -هناك شخص نَصَّب نفسـه فوق الناس, يقول بملء فيه: يجب أن تعرفوا فضلي لي حق عليكم-. الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً, أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك، وتغيبَ بشهادة حقوق الخَلق عليك عن شهادة حقوقِك عليهم. حق الآخرين عليك كبير جداً، وحقُّك عليهم صغير جداً، أن تشهد بفعلهم معك لا بفعلك معهم، أيْ إنكار الذات، الفتى إن أنكر ذاته فالله يعرفه. ماذا تستنتج من هذا المشهد؟ : ذات مرَّة جاء أحد الرُسُل من معركة نهاوند وخاطب سيدنا عمر, قال له: ماذا جرى؟. قال: مات خلقٌ كثير. قال: من هم؟. قال: أنت لا تعرفهم. قال: ما ضَرَّهم أَني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟!. فيجب أن تغيب عن ذاتك، عن شهود عَملك، وأن يكون متفانياً في شهود عملِ الآخرين، أن تكون غائباً عن شهود فضلك عليهم وحقِّك عليهم، وأن تكون مُتَفانياً بشهود حقِّهم عليك وفضْلِهم عليك. هل تصدق؟ : فهل تصدِّقون: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أُمِر أن يحاوِرَ الطرف الآخر وكأنه مثلهم؟: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 24] إذا النبي سيِّد الخلق، قمة المجتمع البشري, يخاطب كافراً، مُشركاً, شارب خمر، عابد صنم، قال له: الحق معي أو معك؟ تعالَ كي نتحاور، الحق معك أو معي, فالنبي جعل الطرف الآخر في مستواه تماماً, هكذا الأدب: إن أردت أن تنقل الحق للآخرين, يجب ألا تسـتعلي عليهم. انظر إلى هذه الكلمة للشافعي : الإمام الشـافعي له كلمة: الحق معي وقد أكون مُخْطِئاً، وخَصمي مُبطل وقد يكون مصيباً. اترك احتمال، أنت على حق, هذا جيد، أحياناً تُخطئ وقد أكون مخطئاً: وخصمي مبطل وقد يكون مصيباً. الناس في هذا مراتب، أشرفُها أهل هذه المرتبة؛ أن تتفانى في رؤية حق الناس علي، وأن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك، وأن تَغيب في رؤية حقِّك عليهم وفضلك عليهم, هذه أعلى مرتبة, أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فَضْلك عليهم وألا ترى فضلهم عليك. ما وراء هذا المثل : هناك مثل وإن كان قاسياً: هذا الذي أعطيته مالاً فأنت ارتقيت إلى الله، ألك فضلٌ عليه؟ هناك من يرى العَكس، لولا أنه قَبِلَ مِنك هذا المال لحرمك هذا العمل الصالح, إنسان عَلَّمته، فالذي قبل أن يتعلَّم منك له فضل عليك، الذي قَبلَ أن يأخذ منك له فضل عليك، كن بهذا المستوى, هكذا يجب أن تكون نفسية الداعية، أنت في خدمة الخلق. كان عليه الصلاة والسلام يشرب آخر أصحابه، وكان في خدمتهم, وكان يصغي الإناء للهرَّة، وكان يرفو ثوبه، وكان يكنس داره، وكان في خدمة أهله -في مهنة أهله-, وتأخذ بيده الجارية, طفلة صغيرة تأْخُذه. هذا ما كان يصنع به نبيكم حينما يدخل بيته : مرة كنت ببلد في الخليج، مدير أضخم شركة في الخليج، فهي شركة بمستوى دولة ، جاءه هاتف، أنا لم أعرف من كان يكلِّم، قال لي: هذا الأفندي أعطاني توجيهات أن أوصله لعند رفيقه وأرجع, كان ذاك ابنه طفل صغير بالحضانة، رجل كبير هو في بيته واحد من أهل البيت, يعاون بكل شيء، يجلِس مع أولاده، وقد يركبون على ظهره، هكـذا فعلوا مع النبي، كانوا يرتحلونه، كان إذا دخل بيته بَسَّاماَ ضَحَّاكاً، كان يقول: ((أكرموا النساء, ما أكرمهنَّ إلا كريم, ولا أهانهنَّ إلا لئيم)) كان يقول: ((فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده] إذا دخل أحدنا بيته فهو واحد من أهل البيت، قد يأكل آخرهم أو يأكل وحيداً، إذا جاء لأهله ضيوف لا مانع أن تأكل منفرداً، ما الذي حصل؟ هناك أشخاص يعمل في البيت هَيْمنة، وعظمة، وسلطنة, وكَهَنوت، لا، الزوجة مريضة اخدمها، ابنك بحاجة إليك قدم له المعونة. ما يتعلق بمرتبة الفتوة : قال: هذه المرتبة أرقاها: أن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك, تتفانى في رؤية حقهم عليك، وأن تغيب عن رؤية حقك عليهم، وفضلك عليهم. أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فضلك عليهم ولا فضل لهم عليك، وأن ترى حقَّك عليهم وألا ترى حقَّهم عليك. هناك مرتبة وسط، أنا أقول: الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، وهناك أقوياء أخذوا ولم يعطوا، وهناك وسط أخذ وأعطى. هناك إنسان أعطى ولم يأخذ، فاللهمَّ صل عليه سيد الخلق، الذي عاش للخَلق، الذي ترك حينما توفَّاه الله عزَّ وجل الفضل، نشر الخير, نشر الإيمان، نشر الهدى, أين سكن؟ ماذا رَكِب؟ إلى أين سافر؟ كان بيته إذا أراد أن يصلي, لا تسمح مساحة غرفته أن يصلي, وأن تبقى زوجته نائمة، بيت صغير جداً. قال: أوسطهم من شهد هذا وذاك, أي عرف حقه على الناس وحق الناس عليه، وفضله على الناس وفضل الناس عليه. رجل قادم من أمريكا : ذات مرَّة قدِم أخ من أمريكا, ليس عنده إلا أن يمدح، يمدح، يمدح, فقلت له: أطلب منك شيئاً, كلَّما ذكرت ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وكلمَّا تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة، ساعة إذٍ أسمع منك، أما كل السلبيات تحكيها عن بلادك والإيجابيات كلها عن الغرب، ألا توجد هناك سلبيات؟ ألا توجد جرائم؟ ألا يوجد تفكُّك أسرة؟ ألا يوجد انهيار مجتمعات؟ ألا يوجد شـيوع جريمة؟ ألا يوجد شذوذ؟ ألا يوجد زنا محارم؟ كل شيء عندهم، إن تكلَّمت عن ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وإن تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة, ألا يوجد تماسك أُسَر؟ ألا توجد بقية أخلاق؟ ألا يوجد بعض الحياء؟. من مظاهر هذه المرتبة : من مظاهر هذه المرتبة: تركُ الخصومة، والتغافُل عن الزَلَّة, ونسيان الأذيَّة, فلا يُخاصم بلسانه، ولا ينوي الخصومة بقلبه، ولا يخطرها على باله, هذا في حق نفسه, وأما في حق ربه: أن يخاصم بالله, وفي الله، ويحتكم إلى الله. كما كان النبي -عليه الصلاة والسـلام- يقول: ((وبك خاصمت وإليك احتكمت)) أيها الأخوة, هناك عمل لعلَّه فَوق طاقة عامَّة المؤمنين، وهي المُعاكسة البنَّاءة؛ أي إذا إنسان أساء لك تحسن له: ((أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونُطقي ذكراً، ونظري عبرةً، وأن أعفوا عمَّن ظلمني، وأُعطي من حرمني، وأن أصل من قطعني)) هذه مرتبة عالية جداً؛ أيْ أن تقرِّب من يُقْصيك، وأن تقرِّب من يؤْذيك، وأن تعتذر إلى من يجني عليك سماحةً لا كَظْماً. هذا ما مدح الله به النبي : أيها الأخوة, آخر فكرة في الدرس: عندما مدح الله عزَّ وجل النبي بماذا مدحه؟ بالخُلُق، ولكن ألم يكن النبي قائداً فذاً؟ فعلاً، ألم يكن قاضياً حكيماً؟ ألم يكن متكلِّماً بارعاً؟ ألم يكن رجلاً سياسياً من الطراز الأول؟ ألم يكن زعيماً سياسياً؟ ألم يكن قائداً عسكرياً؟ ألم يكن ذكياً ذا فطانةٍ عَجيبة؟ ألم يكن ذا ذاكرةٍ مُذْهلة؟ لكن كل هذه الصفات ما مُدِحَ بها, لكنه مُدِحَ بخُلُقه العظيم، قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] لأن كل هذه القُدرات من الله عزَّ وجل أما الخلق مِنْه، الخُلُق عملية معاكسة للميول، فالحلم عملية ضَبْط، والكَرَم معاكسة لحُب المال, والشجاعة مُعاكسة لحب السلامة، والحلم معاكسة للانتقام، فالأخلاقي إنسان ضابط أموره، ضابط مشاعره، ضابط حواسه، ضابط لسانه ....: احـفـظ لســـانك أيـها الإنســانُ لا يـلـدغـنَّـك إنـه ثـُـعـبـانُ كم في المقابر من قتيل لســانــــه كانـت تهاب لقاءه الشجعــــان إذاً: لمَّا مُدِحَ النبي -عليه الصلاة والسلام- بِحُسْن الخُلُق, معنى ذلك: أن الخُلُق من كَسْبِهِ، أما القُدرات العالية جداً التي وهبَه الله إيَّاها من أجل الدعوة هذه مِن الله، ما الذي مِنه؟ حسن الخلق. أب يشتري لابنه سيارة, ويقيم حفل تكريم لابنه, بمناسبة أنه اشترى له سيارة, هذا حفل تكريم مضحك، اشترى بيتاً لابنه, فأقام حفل تكريم لابنه, لأنه تملَّك بيتاً، البيت منك, أما إذا ابنه أخذ الدرجة الأولى في الدراسة, وأقام له حفل تكريم, فهذا صح, لأنه من الابن، الدراسة والتفوق من الابن، أما المركبة والبيت من الأب، فلا معنى لتكريم الابن باقتناء بيت، أو باقتناء مركبة, ومعنى كبير إذا كرَّمت ابنك لأنه تفوَّق في الدراسة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] الخلق العظيم كَسْبي، أما القُدرات الفكريَّة، والذاكرة، وطلاقة اللسان، والفصاحة، والحِكمة، وحُسن السياسة, هذه إمكانات أعطاها الله للأنبياء لينقلوا هذه الدعوة للناس، هذه وسائل نشر الدعوة. خاتمة القول : يروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج امرأة محدودة جداً, فوجِّهت أنه إذا دَخَل عليكِ, قولي: ((أعوذ بالله منك -يبدو أنها محدودة جداً-, فلما قالت له ذلك, قال: الحقي بأهلكِ)) . هذه دعوة، فإذا كانت إنسانة محدودة إلى هذه الدرجة, قد تسيء في نقل الدعوة، فالنبي لم يُبْقِها عنده، فإذاً: الدعوة تحتاج إلى فطانة، تحتاج إلى اهتمام، تحتاج إلى إدراك عميق، تحتاج إلى إحاطة، تحتاج إلى فهم مُرَشَّد، هذه من وسائل الدعوة، لذلك الله عزَّ وجل يهبها للأنبياء. ما الذي يرقى بالأنبياء؟ الخُلُق العظيم, ونحن ما الذي يرقى بنا إلى الله عزَّ وجل؟ الخُلُق الحَسَن: ومَنْ زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان. أرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الحقائق إلى سلوك، وإلى واقعٍ نعيشه، نرقى بهذه الخُلُق. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة التعظيمالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مسألة فيها قياس : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والدرسُ اليوم أو المنزلةُ اليوم: منزلةُ التعظيم. بادئَ ذي بَدء: كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] الأمر يتعلَّق بالذكر الكثير لا بمطلق الذكر, لأن المنافقين يذكرون الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] فالمؤمن الصادق يذكر الله ذكراً كثيراً، الأمر هنا متعلِّق بالذكر الكثير، قياساً على هذه الآية: ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة الآية: 33] آمن بالله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر الآية: 3] إبليس قال: ربي ...: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ [سورة ص الآية: 81 ] آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، وآمن بالآخرة: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 14] ولكن ما آمن بالله العظيم، يبدو أنَّ إيمانك بالله العظيم يحملك على طاعته، فكل إيمانٍ لا يحملك على طاعة الله, معنى هذا: أنه إيمانٌ لا ينفعك ولا يجدي، إن لم تعمل وَفْقَ ما تعلَم فلا قيمة لعلمك، العلم ما عُمِلَ به, فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى. استنباط معاكس في هذه الآية : فإذا قال الله عز وجل: ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة الآية: 33] ضعف إيمانه بالعَظمة الإلهيَّة حملته على المعصية، فهناك آلاف الحالات: موظَّف يخالف تعليمات المدير, وهو يعلم أنه موجود، ويعلم أن هذه التعليمات تعليماتُه، ويعلم أنه يخالفها، يبدو لسببٍ أو لآخر أن هذا المدير غير محترم في نظره، وإذا سأله هو يسأله أيضاً، إذا حاسبه يحاسبه أيضاً, لأنه لم يَرَه عظيماً، فأجاز لنفسه أن يخالفَ تعليماته مثلاً, فيبدو أن الإيمان بالله العظيم لا بدَّ من أن يحملك على طاعة الله. الآن: يوجد لدينا استنباط معاكس: لو أن الإنسان ضعفت همَّته في طاعة الله، أو انتهك حُرُمات الله، أو قصَّر فيما أمره الله به، معنى ذلك: أن إيمانه باللـه العظيم أقل مما ينبغي، ضعف إيمانه حمله على المعصية. من علامة المؤمن : هذه المنزلة -منزلة التَعظيم- التي هي إحدى مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, هذه المَنزلة تابعةٌ للمعرفة، تعظِّمُه بقدر معرفتك به، ولو جدلاً عرفته كما عرفه صدِّيقٌ, لعظَّمته كما عظَّمه صِدِّيق, التعظيم مُتعلِّق بالمعرفة، أذكر لكم بعض الأمثلة: لو أننا دعونا أكبر جرَّاح قلب في العالَم إلى زيارة بَلدنا، وخرج لفيفٌ من كبار أطبَّاء بلدنا لاستقباله، في المطار يوجد ألوف الأشخاص, هذا الذي وصل إلى بلدنا إنسان قد يرتدي ثياباً بسيطة، قد يراه بضعُ مئاتٍ من الناس في أرض المطار ولا يعرفون من هو، أما هذا الذي جاء لاستقباله، ويعرف حجمه العلمي، ويعرف سُمعته العالية، ويعرف براعته في إجراء العمليات الجراحيَّة, يستقبله, ويسلِّم عليه سلاماً حاراً مُفْعَماً بالتعظيم. كنت مرَّة في مسجد أُصلي المغرب، وكان يصلي في المسجد, رجل قصير القامة, مُنحني الظهر، يرتدي ثوباً أبيض، بسيط المظهر، أقبلت عليه, وسلَّمت عليه سلاماً, فيه مُنتهى التكريم، صديقٌ لي كان معي, قال لي: من هذا الذي أقبلت عليه هكذا؟ قلت: هذا كان عميد كُلِّيتنا، وهو من أعلم علماء بلدنا في النحو والصرف, كنت تلميذه، وكان عميد كُليتنا، وأعرف مؤلَّفاته، أعرف باعه الطويل في اللغة العربيَّة وفي علومها، أقبلت عليه -دون أن أشعر- بسلامٍ مُفْعَمٍ بالتعظيم، فأنت تعظِّم بني البشر بقدر ما تعرفهم. أهل الدنيا لو التقوا بإنسان حجمه المالي خمسة آلاف مليون مثلاً, يكادون ينحنون أمامه، الذين يحبون المال يعظِّمون أهل المال، هذا بل جتس معه مئة مليار دولار، هذا أكبر غَني في العالم، هو صاحب شركة ميكروسوفت للكمبيوتر, إنسان يحب المال، يلتقي ببل جتس, يكاد يركع أمامه تعظيماً له، المؤمن يعظِّم الله عزَّ وجل. من علامة المؤمن: أنه يعظم الله، وأنه يعظِّم رسله وأنبياءه, ويعظِّم المؤمنين، ويوالي كلَّ ما يتَّصل بأهل الإيمان، ولا يملأ عينه إلا أهل الحق، ولا يتأثَّرُ إلا بأهل الحق، ولا يعبأُ بإنسان يعصي الله. هذا الفرق بين المؤمن وبين أهل الكفر والعصيان : التقيت مرَّة إنساناً يحمل شهادتي دكتوراه، وشهادتين في حقلين متباعدين؛ واحدة في الفيزياء، والثانية في التربية, قال لي دون أن يشعُر: أنا لا أصلي, سقط من عيني, فهذا الذي خلقك من ترابٍ، ثم من نطفةٍ، ثم سوَّاك رجلاً, ألا ينبغي أن تعبده؟ ألا ينبغي أن تخضع له؟ ألا ينبغي أن تُقِرَّ بنعمه عليك؟ فالمؤمن يعظِّم أهل الإيمان, أما أهل الكفر والعصيان لا يعبأُ بهم، ولا يُلقي لهم بالاً. من سير العلماء الصالحين : يروى أن أحد العلماء الكبار كان في الحَرَم المَكِّي، فجاء أحد الخلفاء. قال له: سلني حاجتك؟ -هذا رأس مجتمع-. قال له: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله, -أنا في هذا المكان لا أسأل إلا الله-, فلما التقاه خارج البيت الحرام. قال له: سلني حاجتك؟. قال: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟! فلما أصرَّ عليه. قال: حاجتي أن تُدخلني الجنة. قال له: هذه ليست بملكي. فقال له: إذاً ليس لي عندك حاجة. يروى أن أبا جعفر المنصور التقى أبا حنيفة بن النعمان. قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا؟ -أيْ تعالَ زرنا-. قال له: ولِمَ أتغشَّاكُم وليس لي عندكم شيئاً أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني,-ليس لي مصلحة-. ذكرت أن أهل الدنيا يعظِّمون الأغنياء، أما المؤمن الصادق قد يُعَظِّم إنساناً فقيراً جداً، في أدنى درجة اجتماعية, ولكن لأنه مؤمن ومستقيم يحتفل به. سيدنا الصديق من أرقى أرومات قُريش، فلما اشترى بلالاً من سيِّده، قال له سيده: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه. قال له: والله إن طلبت مني مئة ألفٍ لأعطيتكها, وضع يده تحت إبط بلال, وقال: هذا أخي حقاً. وأنتم يجب أن تعظَّموا أهل الدين؛ المؤمنون، المستقيمون, الأطْهار، الأَعفَّة، أما إنسان تارك صلاة، إنسان تارك السُنة، إنسان يتحرَّك وفق شهوته، هذا إنسان مسموحٌ لك أن تعامله معاملةً محدودة, مسموحٌ لك أن تقيم معه علاقات عَمل فقط، أما العلاقات الحميمة لا تكون إلا مع المؤمنين الصادقين. ما تفسير هذه الآية؟ : فعلى قَدْرِ المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القَلب: أعرف الناس بالله عزَّ وجل أشدّهم له تعظيماً وإجلالاً. وقد ذمَّ الله تعالى من لمْ يعظِّمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صِفته، وأقوالهم تدور على هذا فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [سورة نوح الآية: 13] ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [سورة نوح الآية: 14] قال ابن عبَّاس ومجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمةً؟. وقال سـعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمةٍ؟. وقال بعضهم: ما لكم لا تخافون الله حقَّ الخوفِ منهُ؟. وقال بعض العلمـاء: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يُثيبكم على توقيركم إيَّاه خيراً؟. قال بعض العلماء: روحُ العبادة الإجلال والمحبَّة، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخر فسدت. تعريف العبادة : فكما أقول لكم دائماً: العبادة غاية الخضوع مع غاية الحُب، إجلال ومحبَّة، إجلال بلا محبة العبادة فاسدة، محبة بلا إجلال كذب والعبادة فاسدة. روح العبادة الإجلال والمحبة, فإذا تخلَّى أحدهما عن الآخر فسدت، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المُعَظَّم, فذلك حقيقة الحمد, والله سبحانه وتعالى أعلم, إجلال ومحبة وثناء. أنواع التعظيم : لو دخلنا في تفاصيل هذا الموضوع، أول التعظيم: تعظيم الأمر والنهي. ليس الوليٌ الذي يمشي على وجه الماء، وليس الوليُّ الذي يطيرُ في الهواء، ولكن الوليَّ كل الولي: الذي تجده عند الحلال والحرام, أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك. إذاً: أول أنواع التعظيم: تعظيم الأمر والنهي، ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: ألا يشوبَهُما تَرَخُّصٌ جافٍ، أو تشددٌ غالٍ، فهناك وضع وسطي، وضع معتدل، وضع سليم، وضع قياسي، فإذا تساهلت هذا التساهل, يعني أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، وإذا غالَيْت معنى ذلك: أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، فالغلوُّ يُقابل التفريط، أو العبادة الحقة بين الإفراط والتفريط. قال: هناك أمران يُنافيان تعظيم الأمر والنَهي، أحدُهما التَرَخُّص الذي يَجْفو بصاحبه عن كمال الامتثال، أيْ يُصلي كنَقر الديك، يصوم ويغتاب، يصوم ويطلق بصره في الحرام، يحجُّ بيت الله الحرام وهو ساهٍ ولاهٍ، ولا يعنيه إقباله على الله بقدر ما يعنيه أداء المَناسك فقط. تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب : حدثني أخ، قال لي: أصلي العصر يوم عرفة بجدَّة, ما هذا الكلام؟ أركب سيارتي من جدة إلى مكة, الطريق خالٍ, لا يوجد فيه إنسان, أدخل الكعبة, أطوف سبعةَ أشواط في أقلَّ من ربع ساعة، لا يوجد أحد فالناس كلهم في عرفات، ثم أتَّجه نحو عرفات وأوقف سيارَتي في أوَّل عرفات، فإذا غابت الشمس عدت أدراجي إلى منى والطريق فارغ، لأنني أول سيارة ، قال لي: أصلي المغرب والعشاء في مزدلفة -جمع- ثم أتجه إلى منى، وأرجم الجمرات أول إنسان، وأنزل وأطوف البيت طواف الإفاضة في الليل، وأوكِّل برجم الجمار في الأيام التالية، وأعود إلى بلدي . قلت له: هذا حج، ثماني ساعات فقط, قلت له: هذا الحج يُشبه من دُعي إلى طعام نفيس، والمضيف واضع سجل زيارات، فجاء ووضع -م - أيْ موجود، ووقع، ورجع, ولكن لم يأكل شيئاً، سجَّل حضور, ولكنه لم ينتفع بالدعوة . فالعبادة إذا تساهلنا بها, فهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج الآية: 32] تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب. رأي الفقهاء في هذه المسألة : إذا شدَّدنا على الناس ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. امرأة جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة, والمسؤول صاحب مَذهب متعصِّب، قال لها: عليكِ بدنة، بركت كالبدنة, امرأة لم تستطع أن تطوف طواف الإفاضة بسبب الدورة، فعند بعض المذاهب عليها بدنة, أيْ مئة ألف ليرة، وهي لا تملك شيئاً منها، شدَّد، لا يوجد عندي غير هذا الحل, ألا يوجد مذهب ثانٍ؟ أبداً. كذلك التشدُّد: تكليف الناس ما لا يستطيعون، وحملهم على ما لا يستطيعون، والتضييق -تضيق المسار- إلى درجة ممر إجباري ضيِّق, هذا ليس من شأن الدين العظيم، طبعاً عند السادة الشافعية: تغدو أميرة الحج، ينتظرُها فوجها، وعند المالكية: تطوف البيت ولا شيء عليها، فإذا كانت موسرة نقول لها: عليكِ بدنة، انفعي الفقراء، وإن كانت مقيمةً، إن كان لها قريب مقيم في جدَّة أو في مكة, نقول لها: اجلسي عند ابنكِ وانتظري سبعة أيام، وطوفي وعودي إلى بلدكِ، هذا عند السادة الشافعيَّة، وإن كانت مُلْحَقَةً بفوجٍ وفقيرةً، وليس لها أحدٌ في هذه البلاد, نقول لها: طوفي البيت ولا شيء عليكِ على مذهب الإمام مالك، ولولا مالك لكان الدين هالك. هذه توسعة، لا تضيِّق، هناك من يضيق إلى درجة الاختناق, فالمتشدِّد يقابل المتساهل، وكلاهما لا يعظِّمان أمر الله عزَّ وجل. ما وراء هذا المثال : آتي بمثل قريب: كنا بالخدمة الإلزاميَّة، ففي نظام بالطعام، إذا كان هناك أمر معين, صدر أثناء الطعام: يجب أن تقف عن الطعام، طالب ضابط يصب شاي، فإذا سمع أمر التوقُّف, لا يغيِّر يده ولا شعرة، هذا الإبريق يفرغه في الكأس, وينساب الشاي، ينفِّذ الأمر، قال الآمر: اسكت, فانتهى، مرة فرَّغ إبريق بأكمله على الطاولة، إنه ينفذ الأمر، أليس هذا مستهزئاً بالآمر؟ تثبيت, يدَّك بصب الـشاي في كأس، حتى يفرغ الإبريق كله، وأنت تنفِّذ التعليمات بدقَّة، قال لك: اسكت، انتهى الأمر، هذا استهزاء، فالمغالي كالمفرِّط، فالذي يبالغ كأن يقول لك: بسورة الفاتحة أربع عشرة شدَّة، إذا نقصوا واحد فكل صلواتك باطلة, هذه مغالاة -غلوّ-, فإذا شخص من غير العرب, وعنده لكنة في كلامه، وعنده حال مع الله رائع جداً, ولكن ضبطه غير صحيح، فهل هذا ذهب لجهنم؟!. من علامة تعظيم أمر الله : ذات مرَّة كنَّا في درس من دروس جامع النابلسي، دخل رجل -توفي رحمه الله- بأعلى صوت, والجامع مُمْتَلئ عن آخره, وقال: كل واحد ليس على رأسه طاقيَّة فصلاته باطلة, قلت: بهذه البساطة؟ فالذي يُغالي كالذي يفرِّط. من علامة تعظيم أمر الله: ألا تغالي وألا تفرِّط. كان عليه الصلاة والسلام أخفَّ الناسِ صلاةً في تمام. حدَّثني أخ ذات مرة كان في تعزية، قال لي: بعد ما انتهى القرآن, دعا الشيخ خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، ثلث ساعة، خمس وعشرون دقيقة، قال لي: غفلت، متعب, فنمت، استيقظت, قال له: أين وصل؟ أيعقل أن يكون الدعاء ساعة مثلاً؟! هذا غلو، عندما تحمِّل الناس فوق طاقتهم يملون الدين. قف هنا : أخ قال لي: لماذا لا يكون درسنا ما بين المغرب والعشاء بالضبط؟ قلت له: في الصيف بين المغرب والعشاء ساعة ونصف بالضبط, فهل أنت تتحمَّل درس مدَّته ساعة ونصف؟! أول ربع ساعة نشيط، ثاني ربع ساعة متحمِّس، ثالث ربع ساعة تضجر، الرابعة يجوز أن تسب المتكلم -مثلاً-, المفروض أن تجلس إلى الدرس, وأنت تشتهي سماع الدرس, وأن ينتهي الدرس وأنت تشتهي متابعة الدرس، أنا درسي خمسون دقيقة, وأحياناً أربعون دقيقة، أنا هكذا قناعتي، فخلال تعليم ثلاثين سنة, وجدت أن الإنسان طاقة استماعه خمسين دقيقة, أعلى شيء وأربعين أفضل, فأجعله يأتي بشوق، وينتهي الدرس, وهو بشوق أفضل. بالمناسبة: مرة في العمرة وفي المسجد النبوي، أنا أحب أن أحضر دروس علم, وأنا في العمرةِ أو الحج، وهناك في المدينة المنورة, رجل أحترمه جداً, له درس فقه، ودرسه عميق، فأنا حريص على حضور درسه، فذات مرة حضرت الدرس, فإذ بي أتعب تعباً شديد جداً، وطال الوقت بشكل غير معقول، قلت: سبحان الله! يجب على كل الدعاة حضور درس علم لغيرهم، كي يعرفوا قيمة الوقت, فالمتكلِّم لا يشعر بالوقت, ولا يتعب، ولا يعطش، ولا يشعر بالحر ولا بالبرد لأنه في نشاط. أقل لك مثلاً أوضح: حينما كنت طالباً في الجامعة، كيف تمضي الساعات الثلاث في الامتحان؟ كانت تمضي كلمح البصر، ثلاث ساعات، من شدة الاهتمام والتفاعل مع الأسئلة والورقة تمضي بسرعة, وبعد هذا علَّمت في الجامعة حوالي خمس وعشرين سنة، قل لي: ما هو أصعب شيء في الجامعة؟ المراقبة، نجلس، يمضى وقت طويل، ثلاث دقائق مضت، أعوذ بالله، فأقلب الساعة بالعكس، اصبر اصبر ثلاث ساعات تمضي وكأنها دهر، الوقت نسبي يثقل ويَخِف، هكذا قال الشاعر: إن يَطُل بعـدك ليلي فلـكم بِتُّ أشكو قصر الليل معك الشاعر مع المحبوب لا يشعر بطول الليل, ويعاني من طوله بعد الفراق. فالمتكلِّم لا يتعب، ولا يشعر بالحر، ولا بالقَر، ولا بالجوع، ولا بالشبع، ولا بالعطش، ولا بالرّي، ولا بالوقت، من الذي يشعر بثقل؟ المستمع. فكان عليه الصلاة والسلام يتخوَّل أصحابه في الموعظة، وأنا أفضِّل أن أُنتقد بقصر الدرس عن أن أنتقد لطول الدرس، وأرجو الله أن أكون على صواب. نقطة هامة : إذاً: التعظيم بين الإفراط والتفريط، فالترخُّص كما هذا الذي حج في ثماني ساعات، فالترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، والغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي. -هناك إنسـان يبقى في الحمَّام أربع ساعات، هذا عنده داء الوسوسة، في إنسان يقضي حاجة بساعة أحياناً-. وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغلو . -أبداً، كل أمر إلهي الشيطان له نَزْغَتان: إما إلى إفراطٍ وغلو, أو إلى تفريطٍ وإضاعة-. ودين الله وسطٌ بين الجافي والغالي؛ كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسطُ بين الطرفين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيعٌ له، فالغالي فيه مضيعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد, وهذا بتجاوزه الحد. هناك كثير من الفتاوى فيها تشدُّد غير معقول، فكلمة خطأً قالها الزوج طلَّقوا له زوجته. أعرف أُناساً إذا لبس نعل زوجته تطلق امرأته، لماذا؟. قال: لعن الله المتشبهين بالرجال مِن النساء. والمتشـبه ملعون، والملعون كافر، والكافر تطلق زوجته، ما هذا الكلام؟ هذا غلو غلوٌ أو تفريط، هذا من عدم تعظيم الآمر. أنواع الغلو : 1-نوع يخرجه عن كونه مطيعاً : أما الغلو، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة الآية: 77] الغلو نوعان: نوعٌ يخرِجه عن كونه مطيعاً، كمن زاد في الصلاة ركعةً، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكِبار، أو سعى بين الصفا والمروة عشراً، أو نحو ذلك عمداً، ففي زيادة تقلب الطاعة معصيةً, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, ولَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] وكل إنسان يزيدُ على منهج رسول الله، فإنه يفعل مزاودةً رخيصة، أنا أسميها مزاودة لا أسميها ورع، لست أورع من النبي، وليس منهجك أقوم من النبي، ومنهج النبي -عليه الصلاة والسلام- كافٍ كي ترقى به إلى أعلى عليين. أحد الناس أراد أن يُحرم قَبل الميقات، نهي عن ذلك, فقال: كيف تنهاني وأنا في عبادة؟ فقال له المنتقد: وهل من فتنةٍ أشد من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟!. الآن يوجد أشخاص -هكذا بلغني-, يمنعون الزوجَ من رؤْية أم زوجته، هكذا أورع، هذا غلو، الله سمح لك أن ترى أم زَوْجتك، هناك أُناس يمنعون زوجاتهم من المُعالجة عند الأطبَّاء, أحياناً يكون مرض ما فيه اختصاص إلا عند طبيب، لا توجد امرأة . 2-غلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار : قال: وهناك غلوٌ يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله, -هذا فوق طاقة الإنسان. الصحابة ما صلوا من الليل إلا ثماني ركعات فقط، طوال الليل ألا ينام أبداً؟ غير معقول هذا الكلام، لو حمل نفسه على قيام الليل كله, هذا الشيء لا بدَّ من أن ينقطع ولا يستمر، إذاً-: هناك غلوٌ يخاف معه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كلِّه، وصيام الدهر جميعاً, بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد, -خمسة آلاف مرة أذكر الله عزَّ وجل، مئتا مرة تحتاج إلى ربع ساعة, الخمس مئة تحتاج ربع ساعة، قد يكون خمس أو ست ساعات- أو أنفق مالك كله. هذا غلو أيضاً، المال قِوام الحياة، عندك زوجة وأولاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ, وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَأَبْشِرُوا, وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] أيْ ارتاح، فإذا الإنسان أقال في رمضان، أقال ظهراً, فالقيلولة كانت له عوناً على قيام الليل، الإنسان ينام، وينام بعد الظهر، ويرتاح ويصلي، لكي يكون نشيطاً. رسالة إلى المعتمرين والحجاج : أنا أنصح أخواننا المعتمرين والحجَّاج: إذا وصلت إلى بيت الله الحرام, إياك أن تدخل بيت الله الحرام مباشـرةً, لماذا؟ أنت منهك من السفر، الطائرة عدة ساعات، وعلى الحدود، وفي المطار ساعتين أو ثلاثة، والتفويج ساعتان، أنت منهك، فالجسم له حق, فإذا دخلت مباشرةً, قد لا تجد نفسك هذا الإقبال، وهذا التألُّق، فتصاب بنكسة، فاذهب إلى البيت وارتح ساعاتٍ طويلة، واغتسل وادخل بيت الله الحرام نشيطاً، كي يكون النشاط عوناً لك على الاتصال بالله عزَّ وجل. وقد قال صلى الله عليه وسلَّم: ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُد)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننه] ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ -أي مادام نشيطاً-, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)) يرتاح. وفي صحيح مسلم: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون . قالها ثلاثاً)) وهم المتشددون؛ أيْ أنَّ النبي قال: من كانت ناقته حرون فلا يذهب معنا . هناك إنسان من الصحابة خالف، وذهب مع النبي في الجهاد بناقة حرون، فوقع من على ظهرها ودُقَّت عنقه, فلم يصل الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم-: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون, فو الله لا يمل الله حتى تملوا)) فترة ربع ساعة, كل يوم اقرأ خمس صفحات قرآن، لو ألزمت نفسـك بجزء قد لا تستطيع، لديك وقت وطاقة اقرأ جزءاً، أما الحد الأدنى خَمس صفحات، اعمل لنفسك برنامجاً معقولاً تستطيع أن تفعله كل يوم، إذا لزمت درس علمٍ حافظ عليه. ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم, ومالك في الموطأ] وفي حديثٍ آخر: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، ولا تبغِضَّن إلى نفسـك عبادة الله)) أشد أنواع التعظيم : وقال بعض العلماء: أشد أنواع التعظيم: تعظيم الحَق سبحانه وتعالى, وهو ألا يجعل دونه سبباً، ولا يرى عليه حقاً. من تعظيم الله عز وجل : 1- أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة : من تعظيم الله عزَّ وجل: أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة، إذا قلت: يا رب, قال لك الله: لبيك يا عبدي, يا رب تبت إليك, يقول لك: يا عبدي وأنا قد قبلت. من البِدَع مثلاً: أن نُكّلِّف إنساناً يعمل لنا استخارة، استخر أنت، ليس بينك وبين الله حجاب, أنت استخر الله في هذا الأمر، الاستخارة بالنيابة لم ترد عن رسول الله أبداً, النبي علَّمنا أن نستخير الله نحن مباشرةً. فلا يوصل إلى الله إلا الله، ولا يقرِّب إليه سواه، ولا يُدني إليه غيره، ولا يتوصَّل إلى رضاه إلا به، فما دل على الله إلا الله, ولا هدى إليه سواه، ولا أدنى إليه غيره، فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سبباً, فالسبب وسببيَّته وإيصاله كله خلقه وفعله . لا يوجد إلا الله عزَّ وجل، أما إنسان له شيخ، عالم جليل، مرشد حكيم, هذا مُسَرِّع، وأقوى دليل، قال: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 27] هذا رفيق من أعلى مستوى: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 27] الشيخ والمرشد هذا يعينك بعلمه أو بحاله، أما أن يكون هو الوسيط الوحيد، لا، ليس بينك وبين الله حجابٌ أبداً. 2- ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله, بل الحق لله على خلقه : والشيء الثاني في تعظيم الله عزَّ وجل: ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله، بل الحق لله على خلقه. إذا أحد من الناس وجد بيتاً، هو إنسان غني, وجد بيتاً بثلاثمئة مليون، أربعمئة متر, له إطلالة جميلة، فيه كل وسائل الراحة، فدفع المبلغ عداً ونقداً، وسجله بالدوائر الرسمية، لو أنه التقى مع صاحب البيت الأول, هل يرى لصاحب البيت عليه فضلاً؟ لا، أخذ حقَّه الكامل، وقد يكون دفع أغلى من ثمنه, يقول له: ليس لك فضل، أخذت حقَّك كاملاً. بيت ثمنه ثلاثون مليوناً، قدَّمه لك صاحبه, وقال لك: ادفع فقط ثمن المفتاح، أنا معي مفتاح واحد, خذه وانسخ منه نسخة, واسكن في البيت، لو التقيت مع صاحب البيت بعد يومين ، كيف تسلِّم عليه؟. حينما تعتقد أنك دخلت الجنة بعملك فأنت لا تعرف الله، أنت دخلت الجنة بسبب لا بثمن، أنت لم تدفع ثمنها بل دفعت سببها، كل عملك الصالح في الدنيا هو سبب لدخول الدنيا، كل العمل الصالح؛ من صلاةٍ, وصيامٍ، وحَجٍ، وزكاةٍ، وغض بصرٍ، وتحري حلالٍ، وخدمة الخلق, كل هذا العمل يساوي ثمن مفتاح الجنة، فأنت دخلتها بسبب لا دخلتها بثمن، فالجنة مَحْضُ فضلٍ، والنار محض عَدلٍ، فأنت حينما ترى أن لك حقاً عند الله، أنت بهذا لا تعرف الله ولا تعظِّمه، ليس لك عنده شيء: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 1] خلقك ولم تكُ شيئاً، هو من كرمه وفضله, أنشأ لك حقاً عليه, إذا عبدته حقَّ العبادة . ما هي حقوق العبيد على الله عز وجل؟ : قال: وأما حقوق العبيد على الله عزَّ وجل: من إثابته لمُطيعهم, وتوبته على تائبهم، وإجابته لسائلهم، فتلك حقوقٌ أحقَّها الله سبحانه على نفسه بحكم وَعْدِهِ وإحسانه، لا أنها حقوقٌ أحقّوها هم عليه. أنت وجدت إنساناً ليس لك عنده شيء أبداً, قال لك: أنا سأعطيك بيتاً, إذا أنت قلت له: أين البيت؟ -بنبرة قاسية-, سيقول لك: أي بيت هذا؟ هل لك عندي شيء؟ يجب أن تطلب منه البيت بلطف, لأنك ليس لك عنده شيء أبداً، فإذا توهم الإنسان أن له حقاً على الله، هذا فيه جهل كبير، وهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، أنت عبدُ إحسان، أنت خُلقت للجنة برحمة الله عزَّ وجل، والجنة مَحْضُ فضلٍ. تعظيمُ الله عزَّ وجل من مدارج السالكين، في منازل إياك نعْبد وإياك نستعين، والتعظيم مقترن بالمعرفة. متى تعظم الناس ومتى لا تعظمهم؟ : أنا التقيت مرة مع إنسـان لا أعـرفه أبداً, -وبيننا عمل علمي-, فقلت له: إذا احتجت لشيء باللغة العربيَّة فأنا مختص, قال لي: أنا معي اختصاص عربي كذلك، وبعد هذا ظهر لي أنه خطَّاط كذلك، ورسَّام, وشاعر, ومخرج للمَقالات، فأنا كلَّما ذكر صفة لي وأراني الأدلَّة والخطوط، والقصائد الشعرية، والاختصاص، كلَّما قدَّم لي ميزة من ميزاته كبر بنظري. أحياناً: إنسان لا تعرفه فإذا جلست معه عرفته، فأنت تعظِّم الناس بقدر معرفتك بهم ، وقد لا تعظِّمهم بقدر جهلك بحقِّهم. من ثمرات التعظيم : على كلٍ؛ تعظيم الله عزَّ وجل مقترنٌ بالمعرفة، فمن عرف الله عظَّمه، والتعظيم من أكبر ثمراته طاعة الله عزَّ وجل، وأيُّ عبدٍ لا يطيع الله, التشخيص المرضي لهذه الحالة: أن تعظيمه لله ضعيف، لأن تعظيمه لله ضعيف حمله على معصيته, ويستوي المُفْرِط والمُفَرِّط، والمُبالغ والمُقصِّر. هذا ما أقره مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقد في جدة : أنت بالمبالغة تكرِّه الناس بدين الله, مثلاً: ورد أن الكحول نجسة، فالكحول خمر، فإذا أحد عطَّرك عطراً كحولياً -استعمال خارجي-, هناك من يَخْرُج من جلده نجس، فهل هو كالغائط؟ لا، مجمع الفِقه أقرَّ أن هذه نجاسة مخفَّفة حُكْمِيَّة، وتذهب بطيرانها، طبعاً الأولى ألا تتعطَّر قبل الصلاة بعطر كحولي، أما لو أحد عطَّرك وهذا اسـتعمال خارجي وليس داخلي ونجاسةٌ حكميةٌ معفوٌ عنها، ومؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جدة أقرَّها. إنسان يكرِّه الناس، يكون إيمانه ضعيفاً، أو حديث عهد بالإسلام إذا معه زجاجة عطر، فيقول له أحدهم: هذه نجسة, هذه مبالغة، أنت ورع لا تستعملها، أما إذا عطَّرك لا توجد مشكلة الآن، فهناك أمامه مراحل طويلة جداً قبل أن يصل إلى هذا الحُكم الشرعي، هناك من يُشَدد, يبالغ. يدخل إلى بيت يجد فيه صورة، صاحب البيت في الأصل لا يصلي، فيقول له منكراً: حرام, كلِّم إنساناً عرف الله عزَّ وجل وبقي عليه الفروع، أما هو أصول الدين مهزولة عنده، فإذا خاطبته بفروع الدين أنكر عليك أشد الإنكار, قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة البرقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الدليل من الكتاب على منزلة البرق؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة البرق، كتقديم لهذه المنزلة: العبد أحياناً يطيع ربه فيكرمه، وفي أحيان أخرى يكرمه فيطيعه، فالله عز وجل خبير بالنفوس، أحياناً يكون سير المؤمن طبيعياً، تبرق له ومضات من أنوار الله عز وجل، فيمتلئ قلبه سعادة، ويشعر أنه يحب الله حباً شديداً، فهذه البوارق التي تلوح أمامه قد تدفعه إلى السير الحثيث في طريق الإيمان، وقد يسأل أحدكم: ما دليل هذه المنزلة في كتاب الله؟ أقول: وهل يغيب عن الوجدان قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [سورة طه الآية: 9 – 10] هذا ما يجذب الله به العبد إليه : كم سمعت من أخ كريم, دخل مسجداً, شعر براحة لا توصف, استمع إلى شريط, وجد أنه اهتدى إلى نفسه فعرفها، هذه معونة من الله, الأمور قد تكون أقل من ذلك، ولكن ربنا عز وجل حينما يعلم صدقك وإخلاصك، وحينما يرى أن لك مطلباً عالياً، يجذبك إليه بطريقة أو بأخرى، الله عز وجل يملأ قلب المؤمن سعادة، يملأ قلبه طمأنينة، يملأ قلبه راحة، يملأ قلبه غنى, يشعره أنه في رعاية الله وحفظه، طريق الإيمان يحتاج إلى جهد كبير، والذي ينسيك هذا الجهد ثمرات هذا الطريق. هذه حقيقة الإيمان : الحقيقة: الإيمان كله قيود، المؤمن مقيد، والإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن، في كل حركة، وفي كل سكنة، في بيتك، في فراشك، مع أهلك, مع أولادك، في أثناء استحمامك، في أثناء سيرك, في بيعك، في شرائك, في سفرك، في إقامتك، في علاقاتك، في أفراحك، في أتراحك، في منازل دقيقة، افعل ولا تفعل، يجوز ولا يجوز, حرام وحلال، ينبغي ولا ينبغي، فحياة المؤمن كلها قيود، والقيود سميتة مجازية، هي في الحقيقة حدود، حدود لسلامتك لا قيود لحريتك. من البروق التي تجلب العبد إلى الله عز وجل : انظر إلى إنسان يطبق منهج الله عز وجل, تراه رافع الرأس دائماً، تراه يعيش في نفسية ملك، لأنه حر, لا مأخذ عليه، لا إنسان يهدده بتهمة مالية، لا إنسان يهدده بتهمة أخلاقية, لا إنسان يهدده بتهمة سياسية، لأنه طبق منهج الله فأصبح حراً: كن للحق عبــــداً فعبد الحق حــــر قد تجد إنساناً درجته متوسطة في الحياة، أو ربما كان في الدرجات الدنيا، ولكنه رافع الرأس، غني بالله، راض عن الله، فهذه البارقة، لولا أن الله يجعل لك من أنواره بروقاً تبرق أمامك، لما أقبلت على هذا الدين، الله جل جلاله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 7] فالإيمان محبب، أنت لما تخطب ود الله، الله يقابلك بأضعاف مضاعفة من الود، قد لا تراه بعينك، ولكن تشعر به في قلبك، تشعر أنك في عين الله، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أن الخلق كلهم ممنوعون أن يصلوا إليك، تشعر أن لك معاملة استثنائية، هذه من البروق التي تجلبك إلى الله عز وجل، كما أنك تخطب ود الله, الله عز وجل يكافئك على هذا الإخلاص, بعطاء من نوع خاص، بعطاء عز على أهل الأرض جميعاً على أهل الأرض الشاردين، قد يعطي الله المال لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الصحة لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الذكاء لمن يحب ولمن لا يحب، وقد يعطي الجمال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن هذه السكينة التي هي تملأ قلب المؤمن، والتي تبرق أنوارها أمام عينيه، لا يعطيها إلا لمن يحب: إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين. من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن : من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن، حينما خاطب الله سيدنا موسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-, قال له: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] الله عز وجل اشترى من هؤلاء السابقين أنفسهم, وباعوها بيعاً صحيحاً، اشترى أنفسهم وأموالهم، الله اشترى وقتهم, اشترى طاقاتهم، اشترى قدراتهم، اشترى اهتماماتهم، اشترى فراغ وقتهم: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] هؤلاء السابقون السابقون، لهم عند الله شأن كبير، لا تشفق لحالهم، أشفق أنت على حالك. قال: مرة عالم شاب أقبل الناس عليه إقبالاً شديداً، فأثار حسد الخبراء، الحسد موجود، يبدو أنهم كادوا له, وطعنوا به، واستسهلوا أن يصغروه أمام الناس, فجاءه أحد الناصحين، قال له: والله يا فلان إنني أشفق عليك مما يقوله عنك الناس، قال: هل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال: عليهم فأشفق، عليهم فأشفق. لا تشفق على المؤمن المطمئن أشفق على نفسك : المؤمن حينما خطب ود الله عز وجل، وملأ الله قلبه سعادة وطمأنينة، لا تشفق عليه أشفق على نفسك، أهل الدنيا بموازين الدنيا السخيفة يقيموا بها أهل الإيمان. فقد تجد إنساناً من أهل الدنيا، من أهل اليسار، يسأل مؤمناً: كم دخلك؟ فإذا ذكر الحقيقة قال له: كيف ترضى به؟ كيف تعيش به؟ أنت الآن تقيسه بمقياس مادي سخيف, لو أنك قست نفسك بميزانه لكنت دون الصفر، هذا يعرف الله، هذا يعرف منهج الله, هذا يسعى لمرضاة الله: اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم, فأقرر أعيننا من رضوانك. إذا تباهى الناس بدنياهم، بقصورهم، بمزارعهم, بمركباتهم، بأرصدتهم المكدسة، بأولادهم النجباء، بزوجاتهم الحسناوات, تباهى أنت برضوان الله، لأن هذا الرضوان هو الذي يبقى بعد الموت، أما هذه الدنيا العريضة تنتهي في ثانية واحدة، الذي جمعه الإنسان في عمر مديد, يخسره في ثانية واحدة. البرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة : إذاً: ﴿وهل أتاك حديث موسى، إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾ فهذه النار التي رآها موسى -عليه السلام- كانت مبدأ في طريق نبوته، والبرق كما قال العلماء: مبدأ طريق الولاية التي هي وراثة الأنبياء. وليست الولاية بالمعنى القرآني: أن يكون الإنسان نصف مجنون شكله رث، هذه معانٍ لا علاقة لها بالولاية القرآنية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 62-63] وعلى كلٍ منا أن يكون ولياً لله، والبرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة. تعريف البرق : يعني قال بعض العلماء الراشدين: البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويهديه له، فيدعوه بهذا البرق إلى دخول طريق الإيمان طريق الصادقين. ما الذي يدفع الإنسان إلى بيت الله؟ إلى إنفاق ماله؟ إلى إنفاق وقته؟ إلى خدمة المؤمنين؟ أحياناً فتاة فيها مسحة جمال تبرق لشاب, فينسى دراسته, وينسى مستقبله، وينسى عمله، وقد ينفق عليها كل ثروته، وهي فتاة من خلق الله، فكيف إذا لاح لك من أنوار الله لائح؟: فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــا ولو سمعت أذناك حسن خطابنــا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا ولو ذقت من طعم المحـبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــا ولو نسمت من قربنا لك نسـمة لمــت غريـباً واشــتـياقاً لقربنا ولو لاح من أنوارنا لك لائــح تــركت جميـع الكائـنات لأجلــنا قف هنا : قد يقول أحدكم: ليس في هذه الأرض كلها أسعد مني, وذلك عندما يكون في ساعة من ساعات الوصال مع الله، بساعة من ساعات القرب, بساعة من ساعات المناجاة، في ساعة من ساعات السكينة، قد تشعر أنك ملكت الدنيا، أنك في أعلى مرتبة في الدنيا, إذا سمح الله لك أن تتصل به, عندما يحفظ الإنسان حدود الله جيداً، يقف ليصلي، فتأخذه الخشية في الصلاة، تصبح الصلاة متعته الوحيدة، وصدق رسول الله: ((أرحنا بها يا بلال)) من صفات العبد الذي برقت له أنوار الحق : 1- تعظم عنده النعمة مهما دقت : هذا الذي اندفع مع بوارق أنوار الله عز وجل، ما صفاته؟ العبد الذي برقت له أنوار الله عز وجل يستكثر القليل من عطاء الله، إذا سلمه يقول: ربي لك الحمد, يشكر الله على أي عطاء إلهي. كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج لقضاء حاجته يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني. كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت. إذا ارتدى ثوباً, إذا نظر إلى المرآة, يقول: يا رب كما حسنت خلقي فحسن خلقي. نعمة السلامة، ونعمة الصحة، ونعمة أمن, لك مأوى, وبيت, وأولاد، هذه نعم كثيرة، فعلامة هذا الذي برقت له أنوار الله عز وجل: أدق النعم سيعظمها، والشارد عن الله عز وجل أجل النعم يستصغرها, أنت من خوف الفقر في فقر، من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها. أول علامة من علامات منزلة البرق: من برقت أمامه أنوار الله عز وجل فهام بها: هذا تعظم عنده النعمة مهما دقت، إذا نظر بعينيه، إذا سمع بأذنيه، إذا ضحك، يتلو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [سورة النجم الآية: 43] أحياناً: وأنت قاعد مع أهلك, طفل صغير يملأ البيت فرحاً وضحكاً, وخبر مؤلم يقلب الحبور والفرح ترحاً، إذا ضحكت اشكر الله، واذكر قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ عشرات وعشرات، بل مئات من الرجال على مكانتهم يبكون، الله يبكي، يبكي الرجال، والرجال قلما يبكون، لكن إذا أصابهم قهراً وضيم, تسألهم عن حالهم فيكون الجواب الدموع، إذا الله عز وجل سمح لك أن تضحك فاشكر الله عز وجل, فهذه من نعم الله الكبرى، وجدت أمامك زوجتك، زوجة تحصنك عن الحرام فهذه من نعم الله. أتألم كثيراً من رجل لا يقدر نعمة الزواج، ومن امرأة لا تقدر نعمة الزوج، وأية امرأة لا تشكر زوجها, وهي لا تستغني عنه, لا تروح رائحة الجنة، نعمة الولد، دائماً يتشكى من أولاده, وقد أنعم الله عليه بهم، وإنسان يدفع كل ما يملك ليأتيه ولد، لذلك: اللهم أرنا نعمك بكثرتها لا بزوالها. إذاً: هذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنها تعظم عنده النعمة مهما دقت. رجل قدم بيتاً ثميناً لعمل خيري، فأقيم لهذا المحسن حفل تكريم، وكل هؤلاء الخطباء أثنوا على إحسانه وكرمه, إلا واحد لفت نظره لشيء، قال له: أيها المحسن الكريم, كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين من جمعيتنا، وكان من الممكن أن تقف في صف طويل ومعك هويتك، من أجل أن تأخذ بضع مئات من الليرات كل شهر، ولكن الله عز وجل جعلك تعطي ولا تأخذ, فمن يعطي يجب أن يذوب لله شكراً. فهذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنه تعظم عنده النعمة مهما دقت. كأس الماء ثمين جداً. مرة إنسان توفي -رحمه الله- أصيب بفشل كلوي، قال لي مرة: الممرضة صرخت صوتاً قالت: لا تشرب ماء كثيراً هذا الأسبوع الآلة معطلة، إذا كانت أجهزتك سليمة، الكليتان تعملان بنظام فاحمد الله، لو كان في فشل كلوي لا تستطيع أن تشرب, لأن الآلة معطلة، ومعك ثماني ساعات مضجع على السرير، مرة باليد اليمين, ومرة باليسار، مرة بالأرجل ثماني ساعات وانتظار، والكلية الصناعية لا تصفي إلا ثمانين بالمئة فقط من عمل الكلية الطبيعية، ويبقى بعض حمض البول, وهذا يسبب ضيق وسرعة تأثر، وردود فعل قاسية جداً هذه واحدة. 2- احتقاره لنفسه : الصفة الثانية ممن برقت أمامه أنوار الحق، فدخل في منزلة البرق: احتقاره لنفسه، فإن المحبة إذا تمكنت من العبد, يعني يزدري نفسه: يا ربي من أنا. مرة نور الدين الشهيد، كان في معركة حاسمة مع الكفار سجد لله, -هكذا سمعت أو قرأت, ما أدري ما صحة هذا الكلام!؟-, قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب. يعني إنسان بهذه المكانة العلية، يواجه قوى البغي والعدوان, بنفسه في تواضع شديد، يا رب لا تنصرني، انصر دينك، أنا لا شيء, فكلما تضخمت الأنا, معناها في بعد عن الله، كلما صغرت النفس, معنى أنت أمام حضرة الله, لا شيء أمام ملكوت الله, لا شيء. علامة التفوق: أن تستصغر نفسك أمام الله عز وجل فهذه الصفة الثانية، لا كبر أبداً، في تواضع, ولنا في رسول الله أسوة حسنة, يوم قام يجمع الحطب, وهو مع صحبه، قال له أحدهم: علي ذبح الشاة, والثاني قال له: علي سلخها، وقال أحدهم: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: علي جمع الحطب -معقول سيد الخلق!-, قالوا: يا رسول الله يكفيك ذلك، قال: لا، أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه. سيد الخلق أنت يا رسول الله, سيد العالمين، لا، أبداً، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع, فعشت واحداً بين الجميع، المقام العالي في الإيمان إذا لاحت لك أنوار الحق، برقت أمامك أنوار الحق, فأنت متواضع إلى درجة مذهلة. 3- محبته لله عز وجل : الشيء الثالث: محبته لله عز وجل، في حب حقيقي، والحب إذا تمكن من القلب فعل المستحيل، فالمحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه، والحب العارم لله من نعم الله عز وجل. مرة جاءت موجة حر شديدة, فشكا رجل لوالده الحر الذي لا يحتمل, وفي الوقت ذاته كان في زلزال بتركيا، قال له: يا بني! اشكر الله, أنت تسكن في بيتك خمسين ألف بالعراء، بلا مأوى. 4- يستقل الكثير من الأعباء : في صفة لهذا الذي برقت أمامه أنوار الحق: يستقل الكثير من الأعباء. مهما كان العمل شاقاً يستقله في جنب الله، قد يمضي ساعات طويلة في خدمة المؤمنين، قد يمضي ساعات طويلة في الدعوة إلى الله، قد يمضي ساعات طويلة في إطعام المساكين, قد يمضي ساعات طويلة لا يستكثر، يستقل كل الأعمال الصالحة يستقلها لا يستكثرها. الرسول الكريم طوال النهار في الدعوة إلى الله, فإذا جاء الليل وقف في صلاته طويلاً، حتى تورمت قدماه, قالت له السيدة عائشة: ((يا رسول الله, لقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟)) أحدنا إذا كان عمل عملاً طيباً بالنهار يرتاح شهراً, ويحدث الناس عما فعل وقدم بكل غرور, بينما اللهم صل عليه كل وقته في خدمة الخلق، وفي الليل في محبة الحق. مرة قال بعض الذين يناجون الله عز وجل: يا رب لا يطيب الليل إلا بحلاوة مناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك. المؤمن يصل إلى درجة: أسعد لحظات حياته وهو في خدمة الخلق، يرأب الصدع، يلم الشمل, يصلح ما فسد، يصلح ذات البين, يطعم فقيراً, يجبر كثيراً، يرعى أرملة, يرعى يتيماً، يتوسط لإنسان, يصلح بين زوجين, الله عز وجل وظفه في خدمة الخلق. إذا لاحت أمامك أنوار الحق فجذبتك إلى الله, فهذه منزلة البرق. من لوازم هذه المرتبة: أنك تستعظم نعم الله عليك، تراها نعماً عظيمةً, ومن لوازمها أنك تستقل عملك أمام هذه النعم، ومن لوازمها أنك تستصغر نفسك، ومن لوازمها أنك تستقل كل الأعباء التي ألقيت عليك. 5-شديد الحذر : أيها الأخوة, هذه الأنوار التي برقت أمام المؤمن, لها نتيجة أخرى تجعله حذراً جداً، إذا مسك الإنسان حبلاً, يكون تمسكه بهذا الحبل شديداً, عندما يدرك أنه لو تركه سقط في وادٍ سحيق ربما دقت عنقه، وكذلك لو أن الله عز وجل منحك نعمة القرب، سمح لك أن تتصل به ، صار عندك حفاظ على هذه الصلة تفوق حد الخيال، أنت بالصلاة خاشع، أنت في رضوان الله ما لا تضحي بهذا الرضوان, من أجل نظرة إلى امرأة حسناء، لا تضحي من أجل كلمة باطلة، أبداً، تتكلم كلمة الحق ولو كانت مرة, تضبط حواسك جميعها، تضبط أعضاءك جميعها ، هذا الحرص على الاستقامة سببه: أنك وصلت إلى جوهرة ثمينة. أضرب مثلاً: إذا أنت موظف، والمدير العام أحبك, وأعطاك سيارة مع الوقود، وعمل لك تعويضات مائة بالمائة، وأعطاك إجازة مفتوحة مثلاً, والمدير العام يكره شخصاً حذرك من محادثته، فلو لمحك تلقي عليه سلاماً لسحب منك كل هذه الميزات، إذا رأيته بالطريق هل تسلم عليه؟ من أجل حفاظك على هذه المكتسبات وثباتها معك، تتحرى كل ما يرضي هذا الذي أعطاك ذلك، وتحذر من كل ما يثير غضبه, أليس كذلك؟. فإذا خالق الكون منحك أن تتصل به، منحك نعمة الإيمان، منحك نعمة الأمن، لاحت لك بوارق أنواره، هل أنت مستعد أن تضحي بكل ما وصلت إليه من أجل نظرة لامرأة حسناء؟ ما ذاق طعم القرب حتى يغض بصره، لو ذاق طعم القرب لبالغ في غض البصر، المؤمن لا يكذب أبداً، ولا يبني رزقه على معصية، أبداً، الله الغني، يركل المال الحرام بقدمه، ذاق طعم القرب، حينما تستطيع أن تتصل بالله, يهون عليك كل شيء، تهون عليك التكاليف مهما بدت لك صعبةً. الآمر ضامن : يقول لك: لا أترك فلاناً حتى ولو كان فلان فاسقاً، لأننا ربينا معاً، ونشأنا معاً، دعه، من أجل الله, دعه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [سورة القصص الآية: 57] أكثر المقصرين يقولون: إذا استقمت لا ربح, وربما أخسر مكانتي, موازناته غير صحيحة، الجواب: الآمر ضامن، الذي أمرك أن تفعل كذا, يضمن لك سلامتك وسعادتك ويحميك، فإذا كنت تتوهم أن الذي خلقك لا يحميك إذا أطعته، لماذا تعبده؟ لا معنى لهذه العبادة ، تعبد القوي، تعبد الغني، تعبد القدير. ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء, لن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء, لم يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)) أمرك متعلق بالله وحده, علاقتك مع الله وحده. 6-متمسك تمسكاً عجيباً : فهذه من صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: شديد الحذر، هذا الورع يحرص على هذه الصلة يتمسك بها. المؤمن روحه هذا الدين. ((ابن عمر دينك دينك, إنه لحمك ودمك, خذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا)) دينه روحه, من أجل دينه يضحي بكل شيء، وبعض الناس لا يضحي بأي شيء من أجل الدين، يقول: هي مصلحتي، لا أتركها، مع أنها كلها معصية، لا يرى الله، يرى المادة فقط. ومن صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: أنه متمسك تمسكاً عجيباً. العوام يقولون: متعصب، كلام غير صحيح، متمسك. هذه جنة الدنيا : في صفة أخيرة: لعلها هي التي ذكرها بعض العلماء، قال: في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. جنة الدنيا هي جنة القرب من الله عز وجل. إنسان كبير في السن, لكن باعه في الإيمان طويل، تشعر يعيش بجنة، في كل الظروف، في كل الأحوال، مهما تكن قاسية، الذي اتصل بالله عز وجل, يعيش في حياة في نوع من الشعور بالتفوق لا يوصف، فهذا ثمرة هذا الطريق، وثمرة هذا الجهد: أن الله يمنح هذا الإنسان سعادة يستصغر أمامها كل الدنيا. هذا الفرق بين من يعرف الله وبين الجاهل : لما النبي الكريم يقول: ((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في شمالي, على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) ربما إنسان لو أعطيته مبلغاً لفسد، والتغت كل مبادئه، التغى كل تشدده، التغى كل كلامه، معناها: هذا الإنسان ثمنه هذا المبلغ، وانتهى عند الله، أما في إنسان: لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في شماله, على أن يترك هذا الأمر, ما تركه حتى يظهره الله أو يهلك دونه، أما إذا إنسان جاهل يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، مثلاً: فرن وضع بالخبز الذي يباع بأعلى سعر مادة مسرطنة، رخيصة جداً, ثمن الكيلو 35 ليرة, حتى الخبز يضخم حجمه, بينما المادة السليمة ثمن الكيلو 3500 ليرة، مادة مؤذية من أجل الربح فقط, طبعاً عوقب أشد العقاب، وإن الله يدع في السلطان ما لا يدعه في القرآن، من أجل الربح يضحي بصحة الناس, فإذا الإنسان عرف الله عز وجل, الناس يعيشون بخير, فهو مستعد أن يقدم ما عنده في سبيل الله، أما الجاهل يأخذ من الناس كل ما عندهم, ولا يعطيهم شيئاً أبداً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 18] ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم الآية: 35 – 36] خاتمة القول : أرجو من الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء الذين برقت أمام أعينهم أنوار الحق ، فاستقلينا كل جهد في سبيله، وعظمت عندنا تكاليفه, وكنا شديدي الحذر من أن نخرج عن منهجه، ثم قطفنا ثمار هذا القرب سعادة في الدنيا وفي الآخرة. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحياة - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذا ما قاله أحد كبار العلماء : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد سبق وأن تحدَّثنا عن منزلة الحياة، وهذا الدرس جزءٌ ثان لِمَنزلة الحياة التي عدَّها مؤلّف الكتاب أحد مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أحدُ كبار العلماء يقول: الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق, زاد عليك في الإيمان. ولعلّه قال: هذا القول استنادًا إلى أنّ الله جلّ جلاله حينما أثْنى على نبيِّه المصطفى -صلى الله عليه وسلّم-, أثْنى عليه بِخُلقِه العظيم، مع أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان قائدًا, وكان زعيمًا، وكان محاربًا، وكان زوْجًا، وكان مجتهدًا, وكان قاضيًا, وكان وكان، كلّ هذه الخصائص الفائقة والمتميّزة أغفلها القرآن الكريم, حينما أثنى على نبيِّه -صلى الله عليه وسلّم-, أثنى عليه بِخُلقه العظيم. لماذا أثنى الله على النبي بخلقه العظيم؟ : ولعلّكم تتساءلون ما السبب؟ السبب: أنّ كلّ هذه القدرات الفائقة التي تحلّى بها النبي, إنّما منَحَهَ الله إياها, لِتَكون أداةً فعّالةً في دعوته، هي ليسَتْ منه, ولكن من الله تعالى، قد يُعطيك الله ذاكرةً دقيقة جدًّا، قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [سورة الأعلى الآية: 6] كان عليه الصلاة والسلام إذا نزلَت عليه السورة حفظها من أوّل مرّة، هذه قدرة عاليَة جدًّا، وهذه القدرة من الله تعالى، آتاه الحكمة, وهي هِبَة من الله، وقوّة في القلب، وآتاه حُسْن القيادة، وآتاه الرحمة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] ولكن بماذا أثنى عليه؟ أثنى عليه بما هو منه، وبما هو من كسْبِهِ, وبما هو نتيجة انتصاره على نفسه، إذًا: لا يُعْقَل أن يمْنَحَ أبٌ ابنه سيارةً, ثمّ يُقيمُ حفلاً تَكريميّا لهذا الابن, لأنّهُ مُنِحَ هذه السيارة, لأنّ الابن لا دوْر له إلا أنَّه أخذ هذه السيارة واستمْتَع بها، أما إذا نجَحَ الابن بِدَرجة عاليَةٍ جدًّا في الامتحان, يُقام له حفل تكريم، لأنّ هذا التفوّق في نجاحه من جهده ، إذًا: اِجْعَل في ذِهْنك أنّ الذي يرفعُكَ عند الله تعالى لا ذكاءٌ فِطري منحهُ الله إياك، ولا شكلٌ وسيم جبلكَ الله عليه، ولا قدّ رشيق، ولا نسبٌ عريق, ولا إمكانات عاليَة، ولا ذكاءٌ عالٍ، ولا عقلٌ راجح، هذه كلّها خصائص خصّ بها بعض عباده، فهذا العبد إذا أراد أن يفتخر, لا ينبغي أن يفتخر بشيءٍ ليس من عنده، ولكن بماذا يفتخر الإنسان؟ بأخلاقه، لذلك الخُلُق هو الإيمان، والإيمان كَسبي، والخُلُق كَسْبي، وهذا الذي أراده الله عز وجل حينما أثْنى على نبيِّه, فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] قاعدة لهذا الخلق العظيم : هناك نماذج مؤلمةٌ حقًّا: يصلّي, ويصوم, ويحجّ, ويؤدّي الزكاة, وطبْعُهُ شرس، وكلماته قاسيَة، وقلبهُ قاسٍ كالصَّخْر؛ لا يلينُ, ولا يرحم, ولا يتساهل، لا يبتسم، ما قيمة هذا الإيمان؟ وما قيمة هذه العبادات إذا كنت أداة تنفير من المجتمع؟ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] هناك قاعدة لهذا الخُلق العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] يا محمّد, بِسَبب رحمةٍ اسْتقرَّتْ في قلبك من الله, من خلال اتِّصالك به كنتَ ليِّنًا لهم . فالرحمة غير مرئِيَّة، أما اللِّينُ فهو شيءٌ مَرئيّ, منعكسُ الرحمة اللِّين، منعكسُ الرحمة التساهل، منعكسُ الرحمة إشفاق, منعكسُ الرحمة الخِدْمة، منعكسُ الرحمة العفو، منعكسُ الرحمة الحلم, منعكسُ الرحمة العطاء، فالرحمة شيءٌ داخلي. إنسانة تنام وقد عملَت عملاً شاقًّا، وإنسانةٌ أخرى تنام جنبها، إذا بكى طفل الواحدة استيقظت أمّه, لماذا؟ لأنَّ الله أوْدَع في قلبها الرحمة، لا يهدأ لها نوم إذا كان ابنها يبكي, فالرحمة شيء لا تظهر إلا منعكساته، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] أعود وأُكرّر: من لا يرْحَمُ لا يُرْحَمُ، صاحب القلب القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل، علامة إيمانك: رحمةٌ في قلبك ترحم بها عباد الله وخلق الله. بماذا تقيم هذا الشخص؟ : مرّة مررْتُ أمام بائع دجاج, يذبحُ الدجاجة, ويضعها فورًا في ماءٍ يغلي, من أجل أن يسهل عليه نتْفُ ريشها، في ماءٍ يغلي! مخلوق لها إحساس, ذبحتها وحرقتها بالماء الذي يغلي: من لا يرْحَم لا يُرْحم. علامة اتِّصالك بالله رحمتك، الله رحيم، كلّ من اتَّصل به اشتقَّ من رحمته, فإن اتَّصلْت به أصبحت رحيمًا، والعكس: إن لم تكن رحيمًا, فهذا دليل أنَّك لسْتَ متصلاً به، وهذا دليل قطعي. ماذا أضاف النبي إلى الدين في هذا الحديث؟ : وعليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة قال, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) [أخرجه الترمذي في سننه] أضاف إلى الدِّين الخلق، قد يصلِّي صلاةً شَكليّة وقلبهُ قاسٍ كالجلمود، وهذا عند الله مَطرود، وقد يصوم صيامًا شَكليًّا، وهو متكبّر عتُلٌّ جبّار، وقد وقد .. إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه. قف هنا : قلتُ مرَّةٍ لأخٍ: لماذا يفحصون من يرغب نَيل إجازة سياقة الشكل التالي: يُكَلِّفونه أن يرجع بالمركبة إلى الوراء، وفي طريقٍ ضيِّق لا يزيد عن عرض عجلات السيارة، والطريق منعطفات، وهناك علامات على طرفيّ الطريق، فلو أخطأ عدّة سنتيمترات، وأبعد هذه الإشارة عن مكانها يرسب -سؤال دقيق-, هذا أصعب شيء في القيادة؛ أن ترجع إلى الوراء في طريق ضيِّقٍ جدًّا، وهناك علامات تظهر واضحةً إذا أخطأت, والطريق متعرِّج, فإن أحسنْتَ الرّجوع، فقد تُحْسنُ أيَّ نوعٍ من القيادة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] الإنسان خارج بيته له قواعد عامّة، إذا تجاوَزَ الإشارة هناك شرطي, وإذا تهجَّم على إنسان هناك محكمة، وإذا استعلى على مدير عملهِ يطردهُ، وإذا تكلّم كلاما بذيئًا يحتقرهُ الناس، وإذا ضرب من دونه يحقد عليه الناس, هناك روادع وضوابط ، أما في البيت لا يوجد من يُحاسبُه فهو ربّ الأسرة، فإذا انضبط الإنسان في بيته, وكان رحيمًا ومتواضعًا، معنى ذلك أنّه في الأعمّ الأغلب: منضبط خارج المنزل، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] من علامة الإيمان : أعجبُ أحيانًا! أستمع إلى قصص لِهَوْلها لا تُصدّق: إنسان يضرب زوجته ضربًا مبرِّحًا وهو يُصَلِّي، يضرب زوجته أمام أولاده وبناته، أو يحقِدُ على أولاده فيطردهم خارج المنزل, ولا يعبأ أين ناموا؟ ومع من أقاموا؟ ويُصلّي!! هذا القلب القاسي ما ذاق طعْم الصلاة ، هذا القلب القاسي ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل، الله رحيم، وكلّ من اتَّصل به اشْتقّ من رحمته، فأنت علامة إيمانك رحمتك، وعلامة إيمانك عدلك, وعلامة إيمانك تواضعك، وعلامة إيمانك بذْلَكَ، وعلامة إيمانك كرمك, وعلامة إيمانك شجاعتك، الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. والذي ذكرتُه قبل قليل: من أنّ الله عز وجل ما أثنى على نبيّه إلا بِخُلقه العظيم، وما سوى ذلك مِنَحٌ من الله عز وجل. الخلق عملية ضبط : مرّةً كنتُ في عقْد قِران، وقد أُثْنِيَ على أحد الحاضرين ثناءً عاطرًا، وكان أحدُ الحاضرين من علماء دمشق، وقف وخطب وقال: نقل كلمة لابن عطاء الله السَّكَندري، ما مدحك من مدحك إلا ومدح من منحك، فإذا آتى الله حكمة لإنسان، فالمانح هو الله تعالى، آتاه رحمة, المانح هو الله, آتاه إدراكاً دقيقاً, المانح هو الله، ما الذي نِلْت؟ الخُلق، الخُلُق عمليّة ضبْط فقط، أن تقول أيّة كلمة, وقلتَ كلمة الحقّ، يمكن أن تنظر إلى أيّ جهةٍ, ونظرت إلى الحقّ، ولم تنظر إلى الباطل، ويمكن أن تستمع إلى كلّ شيءٍ, فاسْتمعت إلى ذِكر الله وحده، عمليّة ضبط اللّسان والسمع والبصر والرّجل، ضبط العلاقات، ضبْط الدّخل، ضبْط الإنفاق, الدِّينُ كلّهُ ضَبْط. هذا الفرق بين الأخلاقي واللا أخلاقي : يحْلُو لي أحيانًا أن أقول عن إنسان: لا دين له، وقاسٍ، ووقِح، مُتَهجِّم, فأقول: هو دابّة بهيمة، المؤمن كائنٌ راقٍ منضبط، يضبطُ لسانه وعينهُ وسمعه وبصرهُ وحركتهُ وإنفاقه ودخله، والإيمان هو ضبط، والضبط خُلُق, كلّ إنسان إذا أخطأ ابنه خطأً شديدًا, بإمكانه أن يضربهُ ضرْبًا مبرِّحًا, ولكن أن ينصحُه أولى، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((علِّموا ولا تُعَنِّفوا، فإنّ المعلّم خير من المعنّف)) فالأخلاقيّ حيّ، وغير الأخلاقيّ ميّت. من هو الإنسان الحي؟ : الشيء الثابت: أنّ حياة الجسد لا قيمة لها إطلاقًا، العبرة حياة القلب, والدليل: الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال الآية: 24] فأنت حيّ إذا اسْتجبْت لله ولرسوله، حياتك بهذه الاستجابة، فإن لم تسْتجب فأنت مع الموتى: ليس من مات فاستراح بميِّتٍ إنما الميّت ميِّتُ الأحياء أحيانًا تجلس مع إنسان ماديّ وشهواني، أيّة قيمةٍ دينيّة أو قيمة أخلاقيَّة تحت قدمِه، مُسْتَعِدّ أن يفعلَ كلّ شيءٍ من أجل مصلحته, مُستعدّ أن يفعل أيّ شيءٍ ولو كان محرَّمًا من أجل الدّرهم والدينار، هذا ميّتٌ ولا نبْضَ له، لأنّه عديم الأخلاق، لا يستحي، ولا يخجل، ولا يشعر بِذَنب، ولا يندم إطلاقًا، ويأخذ ما حلى له، ويضرب ويشتم. من هو المفلس؟ : بالصحاح أحاديث: لو عقَلَهَا الناس لارْتَعَدَت فرائصهم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((أَتَدْرُون مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) إنسانٌ عاتب إنساناً، فقال له: لقد اغْتبتني وبلغني ذلك، فقال له: ومن أنت حتى أغْتابك؟ لو كنتُ مغتابًا أحدًا لاغْتَبْتُ والديّ, لأنهما أحقّ بحسناتي منك, هذا الإنسان مؤمن, وموقِن أنّ المُغتاب سوف يخسر من حسناته، وسوف يأخذها من يغتابه، وهذا بِنَصّ حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يستمع الإنسان للغيبة يصبحُ إنسانًا راقيًا. هذا المؤمن : وقد سمعتُ عن الشيخ بدر الدّين -رحمه الله تعالى-, ما تجرأُ أحدٌ أن يغتابَ أحدًا أمامه, كان يقول: يا أخي اُسكتْ أظلم قلبنا, تجد المجلس فيه راحة، وفي مجالس أخرى يغتاب فيها الناس، يُعَرَّوْن، كلّ مسالبهم تُفْتضح في مجلس، أما المؤمن لا يسمحُ أن يُغتاب في حضرته أحد. النبي الكريم قال: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته، وحرمت غيبته)) كلّ إنسان صحَّتْ عقيدته، وصحَّ عمله، وأدَّى عباداته ممنوع أن تغتابهُ. ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ : الأخلاقي حياته أخلاقه، لو عملَ عملاً فيه خطأً, يتألَّم ألمًا لا حدود له، إنسان وثقَ بك فأسأتَ به الظنّ، إنسان تقرَّب إليك فنَهَرْتهُ، إنسانٌ علَّق عليك الأمل فيأَّسْتهُ، إنسان ما ارتكبَ ذنْبًا وبَّخْتهُ، إنسان يجْهدُ لإرضائك فَغَضَّبْتَهُ، فالإنسان حينما يُسيء ولا يتأثّر, فمعنى ذلك أنَّه ميّت, المؤمن إذا ارتكبَ خطأً لا ينام الليل، هناك حديث يحار الناس في تفسيره. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: ((قَدْ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ, لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ)) الحديث على ظاهره غير مقبول، مع أنّه في الصِّحاح, ولكنّ المعنى هناك: أنَّه لو لم تُحسُّوا بِذُنوبكم, لكنتم هلكى عند الله, لذهَبَ الله بكم. علامة حياة أخوتنا الكرام: إذا أذْنَب يعتذر، يقول لك: سامحني, أخطأتُ, نسيتُ, ما قصدتُ، أتمنَّى أن لا تغضب عليّ، يُقدِّم هديَّة تكفيرًا لِذَنبهِ، أما إن لم يحسّ بما فعل, فمعناه أنّه ميّت، إذا الإنسان ارتكب الذّنب, ولم يعبأ باعتِذارٍ ولا بإصلاح ذات بينٍ, هذا إنسان ميّت. متى يكون الإنسان في حكم الموتى؟ : فلذلك: الفقرة الثانية من منزلة الحياة: هناك حياة الأخلاق؛ فأنت حيّ لأنّك أخلاقي، فإن لم تكن أخلاقيًّا فأنت في حُكْم الموتى، هناك أزواج يتزوّجها, يحملُها على تسجيل بيتها له، وتُسجِّلُهُ ثمّ يُطلّقُها أو يطردها، أسمعُ قِصَصًا أحيانًا لا أصدّقها، طرَدَ زوْجته وتركها بالطريق , الساعة الثانية ليلاً, هذا ميّت، أنت حيّ إذا كنتَ أخلاقيًّا، قد تكون فقيرًا، وقد يكون الفقْر وِسام شرفٍ لك، ولكنَّك تحرصُ على أهلك، هناك إنسانٌ دَخْلُه محدود, وقد يكون في أعلى عِلِيِّين, أساسًا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فقيرًا. لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إنساناً فقيراً وضعيفاً؟ : وقد يسألك أحدكم: لماذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إنسانًا فقيرًا وضعيفًا؟ سؤال وجيه، لو كان غنِيًّا مُتْرفًا لما صدَّقه الناس، ثمّ هناك أمر مهمّ جدًّا: أنت حينما تقول للفقراء: اصْبِروا وأنت غنيّ, هذا الكلام يجرحهم، ماذا يقولون لك؟ لو ذُقْت طعْم الفقْر لما قلتَ هذا الكلام, أما النبي فقد كان فقيرًا، كان إذا دخلَ بيته ولم يجِدْ طعامًا, يقول: اللهمّ إنِّي صائم. الآن: لا يوجد مِنَّا من يدخلُ بيته, ولا يجد شيئًا إطلاقًا يأكلهُ، فالقضيّة الحياة هنا هي حياة الأخلاق، فقد تكون فقيرًا، وصاحب دخْل محدود، وقد يكون الإنسان مريضاً ومعذباً في بيته, وفي عمله، كلّ هذا ممكن، أما إذا كان غير أخلاقيّ, هذا الذي هو وصْمةُ عارٍ في الإنسان. علام تطبع حياة الأخلاق؟ : حياة الأخلاق تطبعُ على الحياء والعِفَّة والجود والسَّخاء والمروءة والصِّدْق والوفاء ونحوها، وهذه الحياة حياة الأخلاق حياةٌ مُسْعِدَة, تجد الإنسان بِحَسب فطرته بالدرجة الدنيا أخلاقيًّا، وتجدُهُ يعيش بسعادة لا توصَف، هو موصول بالله، وقد يكون إنسانًا لا أخلاقياً، وجمع المال بالحرام، ويعيش بِمَظهر فخْم جدًّا، وداخله فارغ منهار، أما الأخلاق فهي الحياة، أضربُ لكم مثلاً دقيقًا: لو أنّ أحدكم دخل بيته الساعة الواحدة ليلاً, قالَتْ له أُمُّه: يا بنيّ, أنا أُعاني من وجَعٍ في الرأس, وأريد حبّة دواء مُسكِّنَة, فيقول لها: كلّ المحلاّت مغلقة الآن، وهو يعلم أنّ في البلد عِدَّة صيدليات مناوبة، لو عنده حسّ أخلاقي سليم لا يرتاح بالنوم، والدتهُ سبب وُجوده وحياته تتألم، لو أنّ هذا الإنسان استيقظ, عنده الحسّ الأخلاقي, لارتدى ثيابه, وخرج يبحث لها عن هذا الدواء، وفعلاً بحث في كلّ الصيدليّات المناوبة ولم يجد هذا الدواء، ورجع وقال لها: لا يوجد، هذه المرّة ينام مرتاحًا، وبالحالتين؛ الأمّ لم تستعمل الدواء، لكنّ أوّل مرّة هناك محاسبة داخليّة، أما المرّة الثانية أصبح معذورًا، خرج من بيته وبحث ولم يجد فاعْتذَر، فالإنسان لا يستطيع تحمّل وِزْر الذّنب، قد لا يستطيع تحمّل وزر العمل السيّء. إذا كان هناك أربعة أو خمسة أولاد لهم أمّ توفيت، الذي يبكي عليها أشدّ البكاء: هو الذي قصَّر في حقّها، يبكي عليها أشدّ البكاء, لأنّه يوجد إحساس داخلي بأنه مذنب، بِقَدْر ما تُحاسب نفسك فأنت عند الله غال. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. حاسِبْ نفسكَ على كلمة، على نظرة، على تعليق في غير محلّه، على إنسانٍ ما رحَّبْتَ به، حاسِبْ نفسكَ على إنسانٍ أهْملتَهُ وقد أقْبَلَ عليك، هذا هو الحِساب. من حاسبَ نفسهُ حِسابًا عسيرًا, كان حسابهُ يوم القيامة يسيرًا. متى يضعف الإنسان؟ : قال: وكلّما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكْمَل, كانتْ حياتُه أقوى وأتمّ. الإنسان المستقيم عنده قوَّة، عندهُ جرأة وشجاعة، يعتمد على الله ويتوكَّل عليه، الإنسان لمَّا ينحرف يضعف، ويصبح خرقة بالِيَة، لأنه لمّا ترك الأخلاق أصبح خائفاً من الله وضعيف النفس، حينما الإنسان يرتكب عملاً لا أخلاقياً، أو حينما يُشْرك يقذف الله في قلبه الخوف، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 151] وقد يكون الذي يخاف أقوى الأقوياء، وقد تكون أمَّةً, ومع ذلك يقذف الله في قلبها الخوف. من أين اشتق خلق الحياء؟ : قال: لذلك كان خُلُق الحياء مشتقًّا من الحياة اسمًا وحقيقةً. الذي عنده حياة عنده حياء، والذي عنده حياء عنده حياة، والحياء من الإيمان. قال له: خُذْ أجارَتَكَ لا حاجةَ لنا بك, فإنِّي أراك لا تستحي من الله. الإنسان يستحي أن يتكلَّم كلمةً بذيئة، يستحي أن يكذب, وأن يخون العهد, ويستحي أن يتجاوَز، يستحي أن يقصّر. قال: أكْمَلُ الناس حياءً أكْملُهم حياةً، ونُقصان حياء المرء من نقصان حياته، ونقصان حياته من نقصان إيمانه، والإنسان إذا مات, لا يحسّ ما يؤلمُه من الجروح. من أدق معاني هذا الحديث : هناك حديث صحيح ورد في الصّحاح: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه] من أدقّ معاني هذا الحديث: أنّك إذا لم تستحِ من الله في عمل, فافْعَلْهُ ولا تعبأ بالناس. أحيانًا الإنسان يتحرّج، أو يتهيَّب الناس وهو على حقّ، فإذا كنت على حقّ, وكان الله راضيًا عنك, فافعل ما تشاء, ولا تعبأ بأحد. بِتَعبير دقيق: من هو أقرب إلى الحياة؛ الشّجاع أم الجبان؟ حياة الشجاع أكْمَلُ من حياة الجبان، حياة السخيّ أكْملُ من حياة البخيل، حياة الفطن الذكيّ أفضل من حياة البليد، فالأنبياء -عليهم صلوات الله- كانوا أكْمل الناس حياةً. بمن تتعلق هذه الأوصاف التي ذكرت في الآية؟ : تجد إنساناً عادياً ولكنه محترم، بيته مضبوط, وأخلاقهُ عظيمة, صادق ولا يكذب، ربى أولاده وضبطهم، قانعٌ بِزَوجته، وزوجته راضِيَة عنه، والبيت صغير جدًّا، والدخْل قليل، ولكن النفسيّة نفسيّة ملِك، وتجد شخصًا آخر دنيء النفْس, خسيس الصفات، قد يكون معه الملايين، وقد يكون بِمَركز جيّد، وقد يكون بيته قصْر، ولكنّه منهارٌ داخليًّا، فأنت تشعر أنّك أحسن منه، وكثير من الأشخاص من الطّبقة الدنيا لهم نفسيّة الطّبقة العليا، وهناك من عندهم نفسيّة الطبقة الدنيا وهم من الطّبقة العليا، لِبُعْدِهِم عن الله تعالى. وصفُ الله تعالى من أدقّ الأوصاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [سورة القلم الآية: 10-16] حلاّف مهين، مهين أمام نفسه، وكثير الحلف، همَّاز مشّاء بِنَميم, ودائماً يطعن ويمنّ بين الناس، ويفسد العلاقات بينهم, منّاع للخير، لا يكتفي أنَّه لا يفعل الخير، بل يمنع فِعْل الخير، معْتَدٍ أثيم, يعتدي ويأثَم, يأثَم بِمَعاصي الشهوات، ويعتدي بِمعاصي العدوان، يأخذ أموال الناس بالباطل، وهذه هي المعصِية، وهي العدوان، وحينما ينتهك الحرمات والأوامر الإلهيَّة عندئذٍ يكون مهينًا. هكذا كان خلق نبينا : قال: والبسْط من أجلّ هذه الأخلاق، وأقواها في صفة الحياة, وهو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلّم- مع أهله وأصحابه، النبي كان لطيفًا, باشّ الوجه, ومتواضعاً، إذا الإنسان عاشرهُ أحبَّه، ومن رآه بديهةً هابهُ, ومن عاملهُ أحبَّه، وكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه, ومع أهله، ومع القريب والبعيد في سَعَة صدْر، ودوام بِشْر، وحُسْن خلقٍ, يُسلِّم على من لقِيَهُ، ويقفُ مع من اسْتَوْقفَهُ، يمْزحُ بالحقّ، مع الصغير والكبير، يُجيبُ دعْوَة الداعي، وليِّنُ الجانب، حتى يظنّ كلّ واحدٍ من أصحابه أنّه أحبّهم إليه، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا يعينُ عليهما، وهذه هي حياة الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض الله﴾ يصف الكفار أنَّهم ما بكتْ عليهم السماء والأرض، معنى ذلك: أنّها تبكي على المؤمن. قال علماء التفسير: مَوْضِعُ سجود المؤمن يبكي عليه عند الموت، وموضعُ رفع عمله إلى السماء يبكي عليه عند الموت، المؤمن خيِّر ومؤنس، ووجُوده مُحبَّب، قد يكون أب بخيل, أقرب الناس إليه يتمنَّونَ موتهُ. حدَّثني مريض اسْتَدْعوه إلى عند مريض على وشك الموت، وكان أولاده قلقين جدًّا أن يكون المرض غير شديد، فلمّا قال لهم: عَرَضِيَّة, انْزَعَجوا كثيرًا, هم أرادوا أن تكون القاضية عليه كي يتخلَّصوا منه, فالمؤمن وُجودهُ مُحَبَّب، وكلّ من حوْلهُ يتمنَّى وُجوده. كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((أعرف حجرًا بِمَكّة كان يُسَلِّم عليّ وأُسلِّم عليه)) دخل مرَّةً بستاناً, فرأى ناقة, فلمّا رآها ذرفَت عيْناها حَنَّتْ إليه, وقال: ((من صاحِبُ هذه الناقة؟ قالوا: فتًى من الأنصار, فقال: آتوني به، فلمّا جاؤوا به, قال: يا صاحب الناقة, ألا تتَّق الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها, فإنّها شكَت إليّ أنك تجيعها ووتتعبُها؟!!)) كان عليه الصلاة والسلام يُصغي الإناء للهِرَّة، وكان أن يرى أن مَن ذَبَحَ شاةً أمام أختها فقد أخطأ، فقال: ((أتُريدُ أن تُميتها مرَّتَين؟ هلاَّ حَجَبْتها على أختها؟)) كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ, وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] هذا هو نبيُّنا، وهو قُدْوتُنا، ونحن كلّما اقتربنا من سنّته كنّا أقرب إليه. ما الذي يرفعنا عند الله؟ : خطر ببالي مثال: أستاذ جامعي كبير جدًّا، له مئات المؤلّفات, ويحمل أعلى الشهادات، وله مكتب فخْم، وله مستخدم لا يقرأ ولا يكتب, فَبِغِياب هذا الدكتور أو البروفسور, يجلس هذا الحاجب على مكتبه, ويأخذ وَضْعِيَّة معيّنة, وهو لا يقرأ ولا يكتب، جلوسُهُ بهذا المكان, هل يرفعُ قدره؟ فنحن لا يرفعنا عند الله مديح النبي فقط، يرفعنا عند الله اتِّباعُ سنَّته. فمن شدَّة أخلاقه العليَّة: كلّ من أصحابه صلى الله عليه وسلّم كان يظنّ أنّه أقربُ الناس إليه. انظر إلى المعادلة الرياضية في هذه الآية : فقال: ومن العبادة من وفَّقه الله, فنال حظًّا من هذا البسْط النَّبَوي الكريم، وجعل انبساطه مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] هذه الآية معادلة رياضيَّة، ولكن فيها بلاغة رائعة، فالباء للسَّببِيَّة, حينما تتّصل بالله تستقرّ في قلبك رحمة تجاه الخلق، وهذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة, هم يلْتفّون حولك، فاللِّين الذي هو انعكاس الرحمة التي هي بسَبب الاتّصال بالله، هذه الرحمة انعَكَسَت لينًا، وهذا اللّين جذب الخلق إليه فالْتَفُّوا حوله. الآن: الطرف الثاني، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] يعني: لو لم تتَّصل بنا, لامتلأ قلبُكَ قَسْوَةً مكان الرحمة، والقَسْوَة انعَكَسَت غِلْظةً وفظاظة ووقاحة، واتِّهام مفاجئ من دون برهان, ومواجهة الناس بما يكرهون، والتَّحطيم والتوبيخ والتعنيف، والموقف القذر، والوقاحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] فالقسْوة منعكسها الفظاظة، والفظاظة من لوازمها: نفور الناس منك, إذًا: اتّصال رحمة لينٌ التفات، انقطاعٌ قسْوةٌ فظاظة انفضاض، وهذه معادلة رياضيّة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] ما هما المهمتان الكبيرتان اللتان بعث بهما النبي؟ : النبي -عليه الصلاة والسلام- له مهمّتان كبيرتان: الأولى هي التبليغ, والثانية هي القدوَة، أما لو سألتموني أن أُوازِنَ بين هاتين المهمَّتين، مهمَّة التبليغ بالنسبة إلى مهمّة القدْوَة صغيرة جدًّا، التبليغ سهل، أما أن تكون أخلاقيًّا فهذه بطولة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان مبلِّغًا وقُدْوةً لنا, لذلك جاع فصَبَرَ، واغْتنى فأعطى، قُهِرَ فاعتذر، سيْطَرَ فعَفَا، في الطائف قُهِر, قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي, ولك العتبى حتى ترضى. ففي فتح مكّة انتصر, فقال: ((اذْهبوا فأنتم الطلقاء)) دخل بيته فلم يجدْ طعامًا, فقال: ((إني صائم)) جاءهُ مالٌ كثير، فقال: ((لِمَن هذا الوادي؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ فقال: هو لك)) ذاق موت الابن: ((إنّ العين لتَدْمع، وإنّ القلب ليَحْزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمَحزونون)) ذاق الهِجرة استِئْصال من الجذور، وذاق زوجةً مشاكسة لِيَكون قدْوةً لنا، ذاق أن يُقال عن زوجته الأقاويل, هذه لا تُحْتَمَل, وصبر، وانتظر تبرئة الله لها، هناك أناسٌ هجَوْهُ، واستطالوا عليه بالهجاء من كفار مكّة فصَبَرَ عليهم، وأنت يمكن أن تكون قُدْوة, وتأثيرك بعد أن تكون قدوة أضعاف تأثيرك, إن لك تكن قدوةً لغيرك, هؤلاء الذين أكرمهم الله, وجعلهم دعاةً إليه, هؤلاء يقتدي بهم السالك, ويهتدي بهم الحَيْران، ويُشْفى بهم العليل، ويُسْتضاء بِنُور هدايتهم ونُصْحهم ومعرفتهم في ظلمات دياج الطّبْع والهوى، هؤلاء الدعاة إلى الله الصادقين هم خلفاء الرّسل حقًّا، وهم أولو البصر واليقين, فجمعوا بين البصر والبصيرة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 24 ] استنباطًا من هذه الحقيقة: العلماء ثلاثة: عالمٌ اسْتنار بِنُوره واسْتنار الناس به، وهذا من خلفاء الرسل، وعالمٌ اسْتنار بِنُوره ولم يسْتنِر به أحدٌ, فهذا من العبّاد، وغيره لا استنار بِنُور ولم يسْتنِر به أحد, فهذا من ضعفاء الناس. فإما أن تسْتنير وتُنير، وإما أن تسْتنير لِنَفسك, أما أن لا تستنير ولا تُنير، فهذا عبءٌ على الناس. نهاية المطاف : أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مُتَرْجمًا لواقع، فأنت بِقَدْر ما أنت أخلاقي أنت مؤمن، أما إذا تخلَّيْت عن أخلاقك بعُدْت عن الإيمان، فحياة النفس حياة الأخلاق. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 05:27 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.