منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   الفقة الاسلامى 2 (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9580)

السعيد 09-09-2018 08:29 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : الحضانة -2






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، تحدثنا في درس سابق عن معنى الحضانة، وعن أن الحضانة حق مشترك، وعن أن الأم أحق من الأب في الحضانة، وعن ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، وأكدت لكم أنه لابد من أن يكون لهذا الطفل رجل أو امرأة مسؤول عنه.
واليوم نتحدث عن شروط الحضانة، يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شؤونه الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق الكفاءة والقدرة، بتوافر ـ نقول بتوافر ولا نقول بتوفر، فهذا خطأ شائع ـ بتوافر شروط معينة وهذه الشروط: أولاً - العقل:
فلا حضانة لمعتوه، فالمعتوه قد يقتل الطفل، ولا لمجنون، وكلاهما لا يستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له تدبير غيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ثانياً - البلوغ:
لأن الصغير ولو كان مميزاً في حاجةٍ إلى من يتولى أمره، ويحضنه فلا يتولى هو أمر غيره، الصغير لا يعقل أن يكون حاضناً لصغير مثله.
ثالثاً - القدرة على التربية:
فلا حضانة لكفيفةٍ، والكفيفة ـ هي فاقدة البصر ـ لا تستطيع أن تحضن طفلاً، لأنها لا تستطيع أن ترى الخطر المحدق به أحياناً، ولا ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضاً معدياً، أو مرضاً يعجزها عن القيام بشؤونه، ولا لمتقدمةٍ بالسن تقدماً يحوجها إلى رعاية غيرها لها، ولا لمهملةٍ شؤون بيتها، كثيرة المغادرة له، يوجد بعض النساء تهمل شؤون بيتها، البيت غير نظيف، فيه فوضى، تقول: الأطفال لا يوجد عندهم أحذية، ويكون في الخزانة اثنان حالتهما جيدة، فلا تعرف ماذا يوجد عندها، تقول:لا يوجد عندنا سكر، ويكون السكر في المطبخ موجوداً، هذه امرأة متسيبة، فوضوية، مهملة، وغالباً تكون المهملة كثيرة المغادرة لبيتها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب، آية 33 )
فالقرار في البيت ـ أي البقاء فيه ـ أمر إلهي، على النساء أن يتقيدن به، إذاً: ولا حضانة لمهملةٍ لشؤون بيتها، أحياناً، يوجد أدوية سامة، إن كانت في متناول الأطفال تؤذيهم، فالمرأة المهملة لا تبالي كثيراً بهذا الموضوع، لو أن الطفل يحتاج إلى معالجة وإعطاء الأدوية في مواعيدها ومواقيتها، وكمياتها الدقيقة، هذا يحتاج إلى امرأة منتظمة، دقيقة، الطبخ كذلك، المؤنة كذلك، فالتي تهمل شؤون بيتها، وكثيراً ما تغادره، هذه لا تصلح لأن تكون حاضنةً لصغير، بحيث يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل والضرر عليه، أو اجتماعه مع مريضٍ مرضاً معدياً، أو مع من يبغض الطفل، فلا يجوز أن تكون الحاضنة مع من يبغض هذا الطفل، ولو كان قريباً له حيث لا تتوافر الرعاية الكافية له، ولا الجو الصالح، هذا كله تحت عنوان القدرة على تربية الطفل.
رابعاً – الأمانة والخلق:
لأن الفاسقةَ غير مأمونة على الصغير، ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، فمثلاً إذا كلفناها أن تغلي الحليب وتبرده من أجل إرضاع الصغير، تفتح صنبور الماء الساخن، غير الصالح للشرب، وتستخدم ماءً مشوباً، وترضعه للصغير، لذلك تعاقب هذه الحاضنة عقاباً شديداً على هذا العمل، لأنها فاسقة، والفاسقة لا تخاف من الله عز وجل، لا يهمها أن الطفل إذا شرب هذا الحليب مع الماء السيئ فسيؤذي صحته، هذه نصيحة عامة، إياك أن تتعامل مع فاسق أو تارك صلاة، قد ترى هذا تشديداً، لا، هذا منتهى الاحتياط، لأن تارك الصلاة لا يخاف من الله، يفعل كل ما يحلو له.
مناقشة العلماء لهذا الشرط:
لكن هذا الشرط ناقشه بعض العلماء، مناقشةً دقيقة، وسأقرأ على مسامعكم هذه المناقشة:
قال: " الصواب أن لا تشترط العدالة ـ وهي الأمانة والخلق ـ في الحاضنة قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتدَّ العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم "
فكيف التوفيق بين هذين الرأيين ؟
الرأي الأول: أن على الحاضنة أن تكون ذات عقل راجح، وبالغةٍ، وذات قدرةً على التربية، وأن تكون أمينةً، أو ذات خلق رفيع، هذا كله صحيح، نحن أمام خيار إذا كان أمامنا عدة حاضنات، فنختار الأعقل، نختار الأكبر سناً، نختار الأكثر قدرةً، أما إذا كنا أمام حاضنة واحدة، لا غير، هي أمه، فهل يعقل أن نطبق على هذه الأم هذه الشروط ؟ مستحيل، أطفال العالم كلهم تربيهم أمهاتهم، وقد لا تتوافر هذه الشروط في أمهاتهم، فهذا الاعتراض وجيه، ولكن له وجهة نظر من زاوية واحدة، أنك إذا كنت أمام عدة حاضنات اختر هذه الشروط، أما إذا كنت أمام امرأة واحدة ليس لها بديل، إذاً، في مثل هذه الحالة لا تشترط هذه الشروط في الحاضنة.
ثم متى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما ؟ متى انتزع الطفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقهما ؟ ما سمعنا بهذا، لأن الله عز وجل أعطى الأم والأب حداً أدنى من الرحمة ولو كانا فاسقين، ولو كانا كافرين، أو مشركين، يوجد جزء من الرحمة لا أجر لهما عليه، لأن الله عز وجل وضعه في قلبيهما ابتداءً، هذه رحمة خاصة، لكن الرحمة التي تؤجر عليها ـ أيها الأخ الكريم ـ هي رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً، لذلك قال لي شخص: صاحب العمل يرهق العامل بما هو فوق طاقته، فأحضر مرةً ابنه، وخاف عليه من النسيم، هنا انكشف الذي في قلب صاحب العمل، الرحمة تجاه ابنه فقط، الله سبحانه وتعالى وضعها في قلبه، لكنه كشف حينما قسى على الغريب قسوة بالغة، إذاً: ليس في قلبه رحمة عامة، في قلبه رحمة خاصة، وهذه الرحمة الخاصة قد وضعها الله عز وجل في قلب كل أم وأب، من أجل أن ينشأ الأطفال في رعايةٍ حسنة، لكن في حالات نادرة جداً نجد خلاف ذلك: حالات نادرة لفقدان الرحمة من قلب الوالدين:
لي صديق طبيب، كان يحضّر ( بورد ) في شيكاغو، وكلمة ( بورد ) تعني هيئة تمتحن الطبيب خلال سنتين من ممارسة الطب، وتمنحه هذه الشهادة، ففي كل ولاية يوجد ( بورد )، هذا الصديق الطبيب بعث برسالة إلى خال له، اطلعت عليها، يقول: يا خالي في ليلة الأحد جاءنا إلى المستشفى خمس عشرة حالة، إحداها: إصابة بآلة حادة لأطفال دون السنتين، وأخرى: طفل، عمره سنة ونصف، ضرب بسكين من قبل والديه، أو أحد والديه ليلة الأحد.. يظهر أنه يوجد انحراف، الطفل بكى فترة من الزمن فلم يتحمله أبوه فطعنه، هذه قصة سمعتها من عشر سنوات في أمريكا، ثم إن أخاً كريماً زار أمريكا قبل ستة أشهر، وحضر قبل شهر، فلما ذهبت لتهنئته بسلامة العودة، سألته عن هذه الظاهرة، وفوجئت أن قانوناً صدر في أمريكا يدعو الجيران إلى مراقبة بعضهم بعضاً، فإذا أخبر جار عن جاره أنه ضرب ابنه الصغير، فلهذا الجار مكافأة كبيرة، حسب القانون الجديد.
يوجد درجة من الفسق والفجور تفقد الإنسان هذا الحد الذي وضعه الله في قلب كل أب وأم، اطلعت مرةً في الصحف على خبر.. امرأة فرنسية أغلقت بيتها وفيه ولدان من أولادها وغادرته، وغابت عن البيت أسبوعين كاملين حتى تأكدت من موتهما، طفلان صغيران عمرهما سنة ونصف وسنتان، انتقاماً من زوجها الذي طلقها، هذا الحد الذي وضعه الله في قلب المرأة أو قلب الأب من الرحمة، والذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم، رحمة خاصة يبدو أن الفجور والكفر يبلغان حداً يبطل تأثير هذا الحد الأدنى من الرحمة، هذا هو المجتمع العصري، مجتمع العلم، لذلك، إذا حقق هذا المجتمع تقدماً علمياً، أو تكنولوجياً كما يقولون، فقد حقق تخلفاً اجتماعياً وأخلاقياً منقطع النظير، دائماً الصحة النفسية تحتاج إلى تكامل، أحياناً ينمو العقل على حساب القيم، فهذا إنسان مرفوض، قال أحد الأدباء: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، لا رحمة في قلبها، فمن أجل حفاظها على معيشة أبنائها تبيع شعوباً بأكملها، فمثلاً: ما تأكله الكلاب في أمريكا من اللحوم، أكثر مما يأكله الشعب الهندي من اللحوم، الشعب الهندي سبع مائة وخمسين مليون نفس، هكذا ذكر لي، وبالمناسبة، الشعب الهندوسي يعيش في عقيدةٍ فاسدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، البقر يدفن هناك دفناً، أما الإنسان فيحرق، وفي بعض الديانات الهندية يجب أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها وهي حية، يموت زوجها فيحرق، فيجب أن تلقي نفسها في النار معه، وفاءً له، وأما الأولاد فيتركون للطريق، هكذا هذه الديانات.. بقرة تدخل إلى محل تجاري يبيع الفاكهة، وتأكل ما لذ وطاب، وأبناء الشعب محرومون من هذه الفاكهة، وصاحب المحل مغتبط أشد الاغتباط بهذا الحظ، وروث البقر يوضع على الأثاث الفاخر في البيوت تقديساً له، وقد يعطر الإنسان ببول هذا البقر، سبحان الله، الحمد لله على دين الإسلام.
نتيجة التوفيق بين الآراء المختلفة:
الخلاصة: ليس من الصواب أن تشترط على الحاضنة هذه الشروط، ولكن في بعض الحالات التي يكون لك خيار، فلك أن تختار هذه أو تلك بحسب العقل والبلوغ والكفاءة والقدرة على التربية، والأمانة، والخلق، والعادة شاهدة أن الرجل لو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، سبحان الله، هذه من المفارقات، ترى رجلاً له جاهلية كبيرة، له ليالي حمراء، حينما يريد الزواج يبحث عن الشريفة، ولا ترضيه إلا الشريفة، أحياناً يكون للرجل انحرافات خطيرة، ثم يريد أن يكون ابنه أخلاقياً، والذي أعجب منه أحياناً، أن أشخاصاً أعرفهم حريصين على تربية أبنائهم تربيةً دينية، وهم ـ سبحان الله ـ لا يصلّون، ولا يتورعون عن المعصية، لماذا هذا الحرص الشديد على أن يكون أبناؤكم أولي تربيةٍ دينية ؟ هذه من المفارقات، لذلك، التربية من القدوة هي أرقى أنواع التربية، لو كان الأب مستقيماً، وكان أخلاقياً، وكان الأب في بيته متديناً، ولو لم ينطق بكلمة واحدة، لكان عمله خير درس لأولاده، لذلك الإمام الغزالي قال: " الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم "، ولذلك قيل: " لغة العمل أبلغ من لغة القول ". خامساً - الإسلام:
فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لأنه يوجد حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، يوجد حق وباطل، الحاضنة الكافرة لا تعرف هذا من ذاك، لأن الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولايةً للكافر على المؤمن، طبعاً هذا نوع من مفهوم الآية، أما الآية فمطلقة، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء، آية 141 )
هنا، إذا كنت مؤمناً بأن هذا كلام الله، وأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن هذا الكلام قطعي الثبوت وقطعي التطبيق، إذا كنت كذلك يجب أن تؤمن بهذه الآية، وأنه لا يمكن أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، فإذا كان عليه سبيل، نقول: الآية صحيحة، ولكن هذا المؤمن يحتاج إلى معالجة، لم يكمل إيمان هذا المؤمن، لو كمل إيمان هذا المؤمن لما كان للكافر سبيل عليه، هذا الكلام ينطبق على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وفي الأثر: [ إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني ].
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام، آية 129)
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
( سورة النور، آية 55 )
ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بهذا، بثلاثة أمور، على أن يلتزموا شرطاً واحداً، وهو: ( يعبدونني، لا يشركون بي شيئاً )، فإذا أخلَّ الناس بما عليهم من شرط واحد، كان الله عز وجل في حل من هذا الوعد بهذه الأمور الثلاثة.
إذاً: فالحضانة كولاية الزواج والمال، ولأنه يخشى على دين الطفل من الحاضنة، لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل.
الحقيقة، أخطر سن ـ هذا كلام دقيق جداً ـ أخطر سن في حياة الإنسان، من واحد إلى ستة، قبل المرحلة الإبتدائية، لأن جميع العادات والتقاليد والمعتقدات تنغرس في الصغير عن طريق المربية، أو المعلمة، أو الحاضنة، لذلك، في بعض الدول، كبار المعلمين يشرفون على تنشئة الأطفال في هذا السن الخطير، عندما يسلم الإنسان ابنه إلى حاضنة غير مسلمة، أو إلى مدرّسة غير مسلمة، فسوف يزرع في أعماق أعماقه عادات وتقاليد يصعب محوها حتى الموت، لأن الذي يتلقاه الإنسان في صغره يصعب تغييره ومحوه، فالطفل صفحة بيضاء.
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
هذا الذي يحدث.. لاحظ، إذا علم ابنك بقضية، فإنه يطبقها بحذافيرها عن قناعة، ويصعب أن تمحوها منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجون الإبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
لماذا لم يقل النبي الكريم ( أو يسلمانه ) ؟
ابن النصراني نصراني، وابن اليهودي يهودي، وابن المجوسي مجوسي، أو ليس ابن المسلم مسلماً ؟، بعضهم استنبط أن النبي عليه الصلاة والسلام أغفل ذكر ( أو يسلمانه ) لأن الإسلام الحقيقي لا يكون بالتقليد، لا يسمى المسلم مسلماً إذا قلد أبويه، الإسلام استسلام لله عن قناعة وتفكير، من الممكن أن يطبق عادات، ولكن لا يسمى مسلماً.
الأحناف وبعض العلماء، ذهبوا إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد، لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل وخدمته، رضاعة وتنظيف، فالأحناف أقروا أن يكون للطفل المسلم حاضنة كافرة، وحينما ارتأى الأحناف ذلك اشترطوا أن لا تكون مرتدةً، أي ليست مسلمة مرتدة، أن تكون من الأساس كافرة، لأن المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة.
سادساً – عدم زواج الأم الحاضنة:
من الشروط الأخيرة للحاضنة، أن لا تكون متزوجة فإذا تزوجت سقط حقها بالحضانة لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
يعني إذا تزوجتِ سقط حقك به، إلا أن هناك استثناءين، هذه القاعدة لمتزوجة بأجنبي، فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، أحياناً الأخ يتزوج امرأة أخيه، ويأخذ الأولاد، فتبقى الحضانة لزوجته على أولادها، لأن العم صاحب حق في الحضانة، وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه، فيكون بينهما التعاون على كفالته، بخلاف الأجنبي فإنها إن تزوجته، فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به، فلا يجد الجو الرحيم، ولا الظرف الطبيعي، ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.
سابعاً - الحرية:
آخر شيء الحرية، إذ أن المملوك مشغول بحق سيده، فلا يتفرغ لحضانة الطفل. إذاً: صارت شروط الحضانة، سبعة:
العقل، والبلوغ، والقدرة على التربية، والأمانة والخلق، والإسلام، وأن لا تكون الحاضنة متزوجةً، والحرية، هذه الشروط، وذكرت لكم بعض من عارضها، ووجهة نظره بالمعارضة، ثم وفقت بين الرأيين الذين قد يبدوان متناقضين، ثم نتابع الموضوع في درس آخر عن أجرة الحضانة، والتبرع بالحضانة، وانتهاء الحضانة، إن شاء الله.
شرح بعض الآثار:
وهي ثلاثة آثار: 1 – قوم سوء:
( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان )
يعني إذا أصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، إذا أصبحت الأمانة خيانة والخيانة أمانة، إذا عقَّ الرجل أباه وبرَّ صديقه، إذا ركبت ذوات الفروج السروج، إذا ولدت الأمة ربتها، أحياناً تلد المرأة بنتاً وتعلمها، فإذا بها ترى لأمها عقلية قديمة.. تحتقر أمها.
النبي الكريم وصف لنا من أوصاف الساعة الشيء الكثير، في مثل هذه الأحوال: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير ( لكم ) من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة
من علامات قيام الساعة: أن ينتزع الحياء من وجوه النساء، تصير المرأة وقحة، أنت تغض بصرك عنها وهي تنظر إليك بحدة نظر، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
جاء في بعض الآثار: ( العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ).
يعني حينما تنقلب الأمور، وتنعكس المقاييس ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والأمانة خيانةً والخيانة أمانةً، عندئذ، نفهم قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة المائدة، آية 105 )
عن أبي أمية الشعباني، رحمه الله، قال:
(( سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، رضي الله عنه، قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [ المائدة: 105 ] ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعاً، وهوىً مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم "، وزاد أبو داود في حديثه: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال: " بل أجرُ خَمْسينَ رجلاً منكم " ))
حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي
هذه من أشراطها الصغرى.
2 – ذم المحتكر:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( بِئسَ العبدُ الْمُحْتَكِرُ، إن أرخَصَ الله الأسْعارَ حَزِنَ، وإنْ أغْلاها فَرِحَ ))
من حديث أخرجه الطبراني، وفي سنده رجل متروك
مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، إذا هطلت الأمطار، والخيرات ظهرت، وقد احتكر الجبن مثلاً، ويطمع أن يبيع كيلو الجبن بخمسة وثلاثين، ينزعج جداً بهذه الأمطار، هذا العبد المحتكر، مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، أما المؤمن فيحب الخير للناس جميعاً، لا يمنع بيع بضاعة لكي يرتفع ثمنها، دائماً البضاعة معروضة للبيع، سمعت بفيضانات في بعض المدن السورية، أخرجت بضائع فاسدة من السمن والجبن، تكفي حاجة الناس إلى أشهر طويلة، كله خرج فاسداً، فالنبي الكريم قال:
(( بئس العبد المحتكر، إن أرخص الله الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح ))
سبق تخريجه
علامة المؤمن أنه يتعاطف مع الناس، ويرى مصلحته في مصلحتهم، ومن لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، يجب أن تفرح فرحاً حقيقياً بنزول الأمطار، ورخص الأسعار، وتوافر الحاجات، لكن يوجد أشخاص يقولون: " ليكن من بعدي الطوفان "، أنا ممكن في هذه البضاعة أن أحقق أموالاً طائلة، وليس علي إن عاش الناس بمجاعة أو بضيق.
3 – صفات مذمومة:
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
تخيل واختال: تخيل نفسه إنساناً عظيماً، وهو عند الله ليس عظيماً، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم كان يدعو ويقول:
(( اللهم اجعلني شكوراً، واجعلني صبوراً، واجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً ))
حديث أخرجه البزار عن بريدة بن الحصيب، وفيه رجل ضعيف
انظر إلى هذا الأدب العالي، أن يكون في عين نفسه صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً، الكافر بالعكس، هو في عين الناس صغير جداً، لكنه في عين نفسه كبير، معه مرض تضخم الذات، يكاد يخرج من جلده من شدة الكبر، والناس لا يعبؤون به، وإن احترموه يحترموه احتراماً ظاهراً، اتقاءً لشره.
تخيل: يعني توهم أنه إنسان عظيم.
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة الانفطار، آية 6 )
يعني عندما الإنسان يغتر بنفسه، كأنه أعطى لنفسه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي سمعت بشخص متخصص ببرامج إذاعية، يقابل فيها أدباء كبار، أو علماء، أو أصحاب شأن، لكنه في هذه المقابلات يحرجهم دائماً، ويضغط عليهم، يظن هذا الأديب أو هذا العالم أنه عندما يجرون معه مقابلة، سوف يزداد حجمه ويشتهر أكثر، فتنتهي المقابلة ويكون منزعجاً كثيراً، فهذا الشخص المتخصص بإجراء هذه المقابلات، ماذا يفعل ؟ قبل أشهر كثيرة يقرأ الإنتاج العلمي أو الأدبي للشخص الذي سيقابله، ويوجه له أسئلة محرجة جداً، يكشف بها تناقضات كثيرة في الكتاب، فلما يدعى الأديب مثلاً إلى إجراء هذه المقابلة، يظن أنه سوف يكسب منها كسب كبير، ويفرح أنه سيتكلم عن إنجازاته العلمية، وأعماله الأدبية، وتاريخه الأدبي، وعن مؤلفاته، فيطرح عليه المذيع سؤالاً دقيقاً، فيجيب إجابةً غير صحيحة، ويكون نقاد نقدوه نقداً لاذعاً، فيذكره بنقد النقاد، فيخرج أمام الناس بشكل متناقض، فلما سألوا هذا الشخص: أنت لماذا تحرج الناس ؟ لماذا تضغط عليهم في هذه المقابلات ؟ قال كلمةً أعجبتني، قال: أحب أن أعيدهم إلى حجمهم الحقيقي.
كل إنسان له حجم حقيقي، عندما الإنسان يظن نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فهذا هو الغرور، في الإنسان نقطة الدم التي لا يزيد حجمها عن رأس دبوس، إذا تجمدت في أي مكان من الدماغ، أدت إلى شلل، عمى، فقدان ذاكرة، فالمتكبر أحمق، نراه في الناس ليس بحجمه الحقيقي، فالنبي الكريم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ))
أي دائماً، حسب حجم الجهل يكون الكبر، كلما كبر الجهل يحصل مع الجهل الكبير كبر كبير، وكلما وجد العلم وجد التواضع، لذلك.. العلماء الحقيقيون متواضعون في كل فروع المعرفة، أما المتعالمون:
قل لمن يدعي في العلم فلسفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
هؤلاء متكبرون.
(( بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ))
النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، مرَّ على شخص يضرب غلاماً له، فقال له عليه الصلاة و السلام:
(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))
من حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري
عندما الإنسان يتجبر بحكم مكانته، أو بحكم قوته، مثلاً: له رتبة في الجيش، وتحته عريف، أو مجند، وهو مساعد مثلاً، عليه أن لا ينسى أنه يوجد رتب أعلى منه، والله فوق الجميع، صاحب المال يجب أن لا ينسى أن الله هو أغنى الأغنياء، والذي وهبه هذا المال قادر على أن يسلبه منه في ثانية.
(( بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى ))
سيدنا عمر يقول: عجبت لثلاث، لغافل وليس بمغفول عنه، ومؤمن والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه وما يدري أساخط عنه الله أم راضٍ. (( بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ))
كيف كان نقطة ماء خرج من عورة ودخل في عورة، فخرجت من عورة ـ أيها الإنسان ـ وهذا الماء مهين تستحي به.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يعني يدخل الدين بالدنيا، أهدافه دنيوية عن طريق الدين، يريد مكاسب دنيوية من طريق الدين، أنا أقول لمثل هؤلاء: دع الدين في نقائه وصفائه، ولا تمرغه في الوحل، بوحل الدنيا، وعندما تصاب مصالحه في الدنيا يقول لك: " أهكذا الدين "، يجعلها قضية دينية، إذا استطاع أن يأخذ حكم في المحكمة، لا يرضى إلا بحكم المحكمة، وعندما ييأس من المحكمة يأتي إلى رجال الدين، هذا يختل الدنيا بالدين.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يأتي بآيات، ويقول لك: الله عز وجل قال: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) معنى هذا أنه لا يوجد نهي عن الضعف اليسير، التحريم للأضعاف المضاعفة !!
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة البقرة، آية 278 )
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 279 )
يوجد آيات كثيرة واضحة، هذا يختل الدين بالشبهات، لماذا لا تصلي ؟ يقول لك:
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الحج، آية 41 )
حين يمكنه الله في الأرض يصلي، هكذا يقول.
أنت كنت تصلي، فلماذا توقفت عن الصلاة ؟ يقول لك: قال تعالى:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر، آية 99)
وإذا أتاك اليقين لا يوجد عبادة ؟!، يختل الدين بالشبهات، يختل الدين بالدنيا، أو الدين بالشبهات.
(( بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ))
يقول: السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها، يأكل مالاً حراماً ويتصدق بعشرة، ويخرج لا له ولا عليه، يقول لك: هذه العشرة ضرب عشرة.. الناتج تعادل.
(( بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ))
(( بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
فالحديث بأكمله:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
قصة ترك الإمام الغزالي للجاه والمال:
والآن إلى قصة من قصص العلماء العاملين، اليوم مع الإمام الغزالي رضي الله عنه:
له كتاب عنوانه ( المنقذ من الضلال )، في هذا الكتاب تحدث عن تاريخ حياته، وهذه القصة غريبة جداً، وهي مختارة من تاريخ حياته.
قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:
" ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين وإلى الآن وأنا أنوف على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوضاً الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مغلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص كل عقيدة، لا أجد باطنياً إلا وأحب أن أتطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأحب أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد بالاطلاع على غاية كلامه، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لسبب جرأته في تعطيله وزندقته ".
يعني عنده حب إطلاع منقطع النظير، لم يترك أهل الظاهر إلا واتبع أسرارهم، ولا أهل الباطن، ولا الصوفيين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الزنادقة، ولا المعطلة، ما ترك فئة ـ ليس من شره ـ بل من إطلاعه.
" وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وضعتا في جبلتي، حتى انحلت عني رابغة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة عن قرب عهدٍ بسن الصبا ".
لم يعد مقلداً، وهذا شيء حسن ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ لو أن سيدنا سلمان الفارسي قلد والده، لم يكن سيدنا سلمان الفارسي، لكان بقي مجوسياً، الإنسان يجب أن يفكر، قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الزخرف، آية 22 )
هنا الغزالي يصل إلى أنه حطم كل التقاليد، لم يعد مقلداً وصار متحرراً، وهذه كلمة راقية جداً، فلان حر، يتبنى أمره بعد مناقشة ولا يقبله على عواهنه.
ثم يذكر لنا كيف أخذ يجد في طلب حقيقة العلم، وكيف التمس ذلك أولاً عن طريق العلم اليقيني، فلم ير أمام طالب الحق إلا فرق أربع، هي أهل الكلام، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية، وأن الحق لا يعدو عن هذه الأصناف، فإن شذ عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع بالرجوع إلى التقليد بعد مفارقته.
قال: " فابتدرت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هذه الفرق ".
وبعد أن جرب الثلاثة الأولى، علماء الكلام والباطنية والفلاسفة، وخاض بابها غير هياب من العواقب يقول: " خبرناها فنفدنا اليد منها " ـ خرجت اليد فارغة ـ فلا خير فيها عنده لطالب الحقيقة، الساعي إلى معرفة كنه الأمور، ولما فرغ منها أقبل على طريق الصوفية، فوجد فيها ضالته المنشودة، وكان إذ ذاك يدرّس في بغداد، وهاهو يصف حاله إذ صمم على الإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل الدنيوية، الإمام الغزالي وصل إلى أعلى منصب ديني في العراق، والعراق كانت أم الدول، وبغداد عاصمتها.
قال: " ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق ـ العلاقات الاجتماعية ـ وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة ".
متبحر في علوم هامة جداً، لكنه وجدها غير مهمة، ثانوية، ولا تنفعه في طريق الآخرة، الإمام الجنيد كان أعظم العلماء، عندما توفي رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا جنيد، ما فعل الله بك ؟ وقد ترك مؤلفات، وكان له دروس.. قال له: " يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم تنفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل "، فالإمام الغزالي شعر أن هذه العلوم غير مفيدة، وغير نافعة.
قال: " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هارٍ، وإني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بإتلاف الأحوال "
يعني كان في قمة مجده الديني، شعر أنه على شفا جرف هارٍ، لأنه فحص النية، فوجد قصده الصيت والسمعة.
" فلم أزل أتفكر فيه مدةً، وأنا بعد في مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال، لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرةً، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملةً فيعكرها عشيةً "
هو صباحاً متحمس لطلب الآخرة، ومساءً وهو في قمة المجد، تفتر همته.
" فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟ فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار من بغداد، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ألفت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فما أزال أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ".ربنا أعانه قليلاً.
" إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب الناس، وكان لا ينطلق لساني بكلمة، ولا أستطيع، ثم أورثت هذه العقدة باللسان "
صار معه حبسة في لسانه، لا يستطيع أن يتكلم.
" ثم أورثت هذه العقدة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم فكان لا تنساغ إليّ شربة، ولا تنهضم لقمة "
وصار معه آلام في معدته وأوجاع.
" وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت العزم إلى الخروج إلى مكة وأنا أورث نفسي سفر الشام " قال للناس سوف أذهب إلى مكة وهو إلى الشام.
" حذراً أن يطلع الخليفة "
لأن الخليفة هو الذي عينه، وكان هناك مدرسة راقية اسمها المستنصرية، وهو كان رئيسها، مثل شيخ الأزهر اليوم.
" حذراً أن يطلع الخليفة، وجملة الأصحاب على مقامي في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، وعزمي أن لا أعاودها أبداً ".
" ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستثمار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي "
بعضهم ظن أنه أخرج إخراجاً من بغداد، إذا كان الإنسان بعيد، هكذا يظن، وإن كان قريباً فهو:
" يشاهد إلحاحهم بالتعلق بي، والانكباب علي، والإعراض عنهم مع الالتفاف إلى أمرهم، ويقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب، إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم ".
يوجد امرأة بلغها عن أحداث لبنان وحربه الأهلية، فقالت: ( أصابتها عين )، هذا تفسير نسائي لأحداث لبنان، وهذا أيضاً، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام.
" ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين، ثم دخلت الشام وأقمت فيها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة، والمجاهدة اشتغالاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق "
قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
( سورة الشمس، آية 9 )
" وتصفية القلب بذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدةً في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد الأموي طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها على بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه فسرت إلى الحجاز "
هو في قمة مجده، مدير المستنصرية، أعلى رتبة دينية في بغداد، فحص نفسه فوجد النية ليست جيدة كثيراً، النية للشهرة، وحب الجاه، وجد علومه غير نافعة جداً، ترك كل شيء، واتجه إلى الخلوة، وذكر الله عز وجل، وأنا أنصح لكم دائماً، لا بد لك من خلوة مع الله، لا نكلفك أن تترك مناصبك كلها، وتترك تجارتك وتذهب لغير بلد، لا، ابق في بلدك، ولكن اعمل خلوة كل يوم مع الله عز وجل.. ذكر، اذكر الله، اقرأ القرآن، تفكر في آياته، سيدنا رسول الله، كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، ماذا كان يعمل ؟ كان يختلي بربه، ورد في الأثر:
" يا موسى أتحب أن أجلس معك ؟ قال: كيف ذلك يا رب و أنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني و حيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ".
" ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضاً "
الحرص على الخلوة و تصفية القلب للذكر
" وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش علي صفو الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة "
طبعاً، ترك زوجته وأولاده، غاب عنهم عشر سنوات.
" لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها " هذا الفتح الإلهي:
(( مَنْ أَخْلَصَ لله أربعين صباحاً، ظَهَرَتْ ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))

السعيد 09-09-2018 08:35 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : اهمية تطبيق ما يتعلم الانسان من علم وتبليغة






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الاستقامة التامة :
أيها الأخوة... انتهينا من موضوعات الصلاة والصيام والحج والزكاة ، ثم أخذنا موضوعاتٍ كثيرة في المعاملات ؛ كالوكالة ، والمزارعة ، والمساقاة ، وأشياء كثيرة . واليوم ننتقل إلى بعض الموضوعات في التوحيد ..
ولكن قبل الخوض في هذه الموضوعات ، لي كلمةٍ أجد نفسي مضطراً أن أقولها من حينٍ إلى آخر :
قد يشبَّه الرجل الذي يكثر حضور مجالس العلم ، والذي يتَّبعها من مكانٍ إلى آخر، ومن مسجدٍ إلى آخر ، وينتقل من خطيبٍ إلى آخر ، ومن مدرسٍ إلى آخر ، ويستمع ، ويطرب، ويستمتع ، ويعجب ، ويثني ، ويدعو ، لكنه إن لم يطبِّق مثله كمثل تاجرٍ اشترى بضاعةً ، وجهد في شرائها ، ثم جهد في نقلها ، ثم جهد في عرضها ، ثم جهد في بيعها ، ثم جهد في شحنها ، ثم جهد في جمع مالها ، وبعد مضي سنتين أو ثلاث أجرى حساباته الدقيقة فإذا هو لم يربح شيئاً ، ألا يتألَّم ألماً شديداً على هذا الجهد المضن الذي بذله بلا ربح ؟ .
لم أقل هذا الكلام من دون سبب ، أناسٌ كثيرون يحضرون معنا ولكنهم لا يلتزمون، نساؤهم على الشرفات ليسوا محجبات ، أجهزة اللهو في البيوت ، الاختلاط من عاداتهم ، بعض تعاملهم التجاري ليس صحيحاً ، بضاعتهم أحياناً محرَّمة ، أي إذا جئت إلى عندنا نحن والله نرحِّب بك ، وأتمنى أن تأتي ، ولكن هناك حقائق مرة ، حقائق صارخة إن لم تطبِّق فلن تكسب شيئاً في الدين ، تداوم شهراً وشهرين وثلاثة ، وسنة وسنتين وثلاث ، بعد هذا تقول : كله كلام بكلام. لأن الطريق مسدود ، الإنسان إن لم يطبق لا يوجد أمامه حل .
فأنا والله أشفق على أوقاتكم من أن تضيع سدى ، أشفق والله على عمركم الثمين ، والله لو تعرفون حق المعرفة أن كل دقيقةٍ تمر في الدنيا تعدل الملايين ، كل دقيقة ، لأنها فرصةٌ لسعادة أبديَّة ، والله حضور مجالس العلم لا يجدي ، كانوا قديماً شيوخ الطريق يقولون للمريد غير الصادق ، يعطونه امتحاناً قاسياً إن لم ينجح فيه يقولون له : يا ولدي فتوحك على غير يدنا . أي إنه أسلوب لطيف من أساليب الرفض ، بعض الشيوخ يقول : إذا الواحد ما استقام ، ما فكَّر ، ما كان له عمل صالح ، ما كان مصلياً صلاة متقنة لا يأتي إلينا ، لأنه إذا بقي الصادقون نتفاهم مع بعضنا أحسن . فهذا الذي والله يحيك في قلبي . فأنا أخ يعطيني دفعاً إلى غير حدود ، وأخ يثبِّط لي عزائمي ، المطبق أنا أقدم كل ما أملك في سبيل هذه الدعوة أجد نفسي مقصراً ، وغير المطبق أشعر بنداء داخلي : انظر كيف هؤلاء التلاميذ ، كيف هذه المستويات ؟ لا يوجد صدق ، لا يوجد التزام ، لا يوجد تطبيق .
فهذا الكلام من القلب للقلب ، لا أستطيع أن أتكلَّمه باستمرار فتملوا، لكن من حين إلى آخر أتكلَّم فيه ، الإنسان يراجع حساباته ، لابدَّ من نزول القبر ، لابدَّ من الحساب ، لابدَّ من دفع ثمن كل معصية ، لابدَّ من أن يقال لك : لمَ فعلت هذا ؟ لمَ ظلمت فلان ؟ لمَ خالفت أمر الله ؟ لمَ عصيت ؟ هذا حساب دقيق .
فكيف النبي الكريم وأصحابه الكرام فتحوا العالَم ؟ كيف كان الواحد كألف ؟ بهذه الاستقامة التامة .
التلازم بين الإيمان و الاستقامة :
يوم الجمعة أثناء الخطبة ، أنا أقرأ آية بالصلاة كثيراً لأنني أحبها ، لكن سبحان الله القرآن لا يبلى على كثرة الترداد ، قلت :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
لمَ هذا التلازم ؟ أي أنه من علامة إيمانك الصحيح استقامتك، ولا قيمة للإيمان بلا استقامة .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
صار الإيمان له علامة ، أو له نتيجة ، علامته أو نتيجته الاستقامة ، ماذا بعد الإيمان ؟ ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
فهل توجد حالة بالأرض تعادل هذه الطمأنينة ؟ أشد الناس الآن طمأنينةً يطمئنون بماضيهم وفي لحظتهم الراهنة ، ولكن لا يدري أحدهم ماذا سيكون في المستقبل ، لكن هذا الذي آمن بالله واستقام على أمره .. ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
هذه تغطية شاملة للماضي والمستقبل ، لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فات .. ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30-32]
هذه مرتبة ، هذه مرتبة النجاة ، هذه مرتبة الاستقامة ، هذه مرتبة الإيمان مع الاستقامة ، هذا الإنسان لا يغش يصل إلى الجنة ، لكن هناك مرتبة أعلى منها .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
إن لم يكن مع الدعوة استقامة فالاستقامة بديهية ، و إن كان مع الدعوة عمل صالح.. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فالنظم رائع جداً ، كما أنه لا يجدي إيمانٌ بلا استقامة ، لا تجدي دعوةٌ بلا عملٍ صالح .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33-34 ]
أي أن عملاً يقود الإنسان إلى النار ، وعملاً آخر يقوده إلى الجنة ، وشتَّان بين الحالتين .. الحد الأدنى من المعرفة أن تعرف الله و تستقيم على أمره :
سبحان الله ! والله قرأت هذه الآية آلاف المرات وما كنت أنتبه لهذا السياق ، لم يقل الله عزَّ وجل : ادفع السيئة بالحسنة . بل قال :
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 34 ]
أي إذا كان رد الجميل بمئة طريقة حسنة ؛ فعليك أن تختار أحسنها ، فأين نحن من هذه الآيات في سورة فصِّلت ؟ هل أنت في مقام الإيمان والاستقامة أم في مقام الدعوة والعمل الصالح ؟ لابدَّ من أحد هذين المقامين ، الحد الأدنى الاستقامة ، الحد الأدنى أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره ، والأرقى من ذلك أن تدعو إلى الله وأن يكون عملك صالحاً .
هناك أناس كثر يغبطونا على هذا المجلس ، مجلس يكون عليه إقبال ، و كثافة ، هناك أشخاص كثيرون يأتون من أطراف دمشق يحضرون هذا المجلس ، والله أنا أفرح بهذا ، وصدري ينشرح لهذا ، لكن حينما أرى أن هذا الحضور فقط حضور من دون التزام هذه ظاهرة لا تبشَّر بخير ، حتى الإنسان لا يقول : أخي والله حضرنا خمس سنوات ولم نستفد شيئاً ، فأحياناً الإنسان يترك المجلس لسبب تافه ، تافه جداً ، فإذا إنسان ما تمكَّنت أن أعزيه بوفاة والدته لم يعد يأتي أبداً إلى الدرس ، هل الله رخيص عليك ؟ من أجل سبب تافه لم يعد يأتي ؟ أنا ما عندي علم أصلاً ، أو ما بلغني خبر ، أو كان عندي أعمال فوق طاقتي ، لا يأتي إلى الدرس .
أنا شبَّهت هذا بإنسان يعطيك سيارة ثمنها نصف مليون ليرة ، نظرت فوجدت المرآة تخض قليلاً ، تقول : لا أنا لا آخذها ، بلا مقابل خذها ، غيّر لي هذه المرآة ، إنسان يرفض الحق لسبب تافه ؟ فمن يدعي العصمة ؟ العصمة للأنبياء ، ما سوى الأنبياء يخطئ ويصيب ، لا يكون ارتباطك بالمجلس ارتباطاً على شعرة ، على كلمة ، على كلمة خرجت عن المنطق ، لا نريد هذا ، هذا ارتباط ضعيف ليس له قيمة ، شرعاً لا يجوز .
فنحن نقوم بالتدريس تقريباً حوالي عشر سنوات ، أمضينا عشر سنوات بالفقه ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والبيوع ، والمعاملات بأكملها ، بالمعاملات أخذنا حوالي ستمئة صفحة ، بحث النكاح فقط ثلاثمئة وثلاثين صفحة ، الكلمات الرئيسة ، أخذنا موضوعات كثيرة، يا ترى أين التطبيق؟ رغم كل هذه الموضوعات تجد هناك مخالفات . فهذه الكلمة والله أقولها لكم من القلب إلى القلب توفيراً لوقتكم ، وإشفاقاً على جهدكم ، وعلى هذه المسافة الطويلة التي تتجشمون الوصول إليها .
فالقصة المبسطة سيدنا عمر التقى ببدوي ..
ـ قال له : بعني هذه الشاة .
ـ قال له : ليست لي .
ـ قال : خذ ثمنها وقل لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب .
ـ قال له : والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟
فكل القصة المبسطة على الحقيقة ثلاث مراتب ، لو كان هناك علوم شرعية ، إن لم تتقنها لكنك أتقنت هذا الموقف أن تقول : أين الله ؟ فأنت جيد .
الإمام الغزالي قال : " أنا تعلَّمت علوماً غير نافعة ، أو قد لا تجديني نفعاً في الآخرة " . الثقافة و الهدى :
لو الإنسان أتقن علماً من العلوم الشرعية فماذا صار ؟ هناك أذكى منه ، الآن جامعة السوربون تمنح دكتوراه في الشريعة الإسلاميّة ، الأستاذ نصراني ، يعطيك دكتوراه في الحديث الشريف ، هناك دكتوراه بأصول الفقه من السوربون ، وهناك كلية شريعة تمنح دكتوراه في العلوم الإسلامية ، هذا الذي منحك دكتوراه صار مؤمناً ؟ هذه ثقافة ، دراسة ، فإذا الإنسان درس شيئاً ، وأتقن شيئاً ، وتعلَّم شيئاً ، وعلَّم شيئاً ، وما اهتدى ، وما استقام ، وما عرف الله عزَّ وجل ، وما سلك إليه سبيلاً ، ماذا قدم للآخرة ؟ الواحد يراجع نفسه ، ينظر إلى حساباته، يحاسب نفسه حساباً دقيقاً ، أما الحركة فيقول بعض العلماء : " هناك حركة وهناك تقدم ، أحياناً هناك إنسان يتحرك ، يقول لك : مكانك راوح . حركة لكن لا يوجد تقدم ، أسمع زعزعةً ولا أرى خشماً ، مثل المثل الذي قلته قبل قليل تماماً : بعنا ، اشترينا ، وشحنا ، وأفرغنا الطرود ، أخذنا متراجاً جاهزاً ، ووضعنا البضاعة في مستودع ، وعرضنا مساطرها ، وأمَّنا البائع ، ثم جمعنا ثمنها ، وبعد سنتين لا يوجد ربح أبداً ، تقول : يا خسارة هذا التعب ، لو لم أعمل و جلست في البيت لكان أريح لي .
لكي لا يؤدي الإنسان عمره سُدى ، العمر ثمين ، تلاحظوا كيف أن الناس تتساقط تساقطاً ، فلان مات . والله عندي علبة فيها كروت زيارات كنت أتفحصها من يومين ، والله هناك ستة أشخاص ميتين ، أين هم؟ من يعرف أين هم ؟
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
لذلك لابد أن نفرق بين الثقافة والهُدى ، الثقافة هذه المعلومات تبقى في الدماغ ، لكن الهدى استنارة القلب بنور الله ، هذه تحتاج إلى استقامة ، إلى مجاهدة ، أنا مثلي الأعلى ذلك البدوي الذي قال : أين الله ؟ لو ما أتقن بعض العلوم الشرعية وقال : أين الله . هذا عندي على العين والرأس ، سيدنا هارون ماذا كان ؟ من أرسل الله ؟ سيدنا موسى ، قال : ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ﴾
[ سورة القصص: 34]
فهذه القضيَّة ليست بالفصاحة ، أبو جهل كان فصيحاً .. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
أما بلال فيقول : أسهد أن لا إله إلا الله ، ما عنده إمكان أن يخرجها ، سين بلال عند الله تعالى شين ، أي أن سيدنا بلال لا تخرج معه الشين ، حاول حاول ولم يستطع ، قال : أسهد أن لا إله إلا الله . سين بلال عند الله تعالى شين ، إنما التقوى هاهنا ، العبرة بهذا القلب ، يعرف الله عزَّ وجل ؟ يخشى الله ؟ أم إذا انفرد بحرمات الله انتهكها ؟ إذا انفرد الإنسان بحرمات الله فانتهكها فلا قيمة له عند الله إطلاقاً ، لا شأن له عند الله ..
من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .
البطولة أن تكون عند الأمر والنهي ، هذه البطولة .. و مــــا مقصود جنـات عدنٍ ولا الحور الحسان ولا الخيام
سوى نظر الحبيب فذا مناهم و هذا مطلب القوم الكـــــــــرام
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنــــا منحنا بالرضا من أحبنا
و لذ بحمانا و احتم بجنـابــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
الابتعاد عن النفاق عند التعامل مع الله :
أنت تتعامل مع الله ، غش معه لا يوجد إطلاقاً ، كثير من كلمات التلبسة في الدعوة كلمات مضحكة ، أما الإنسان فيكون له مظهر معلن جيد ، ومخبر سيئ هذه زعبرة يا أخي هذا ليس بدين ، الدين أن تخشى الله وأنت وحدك كما تخشاه وأنت في ملأ من الناس، الدين ؛ لابدَّ للمؤمن من أن يصلي ، ولكن الصلاة وحدها ليست من الدين .. من شاء صام ومن شاء صلى .
في التعامل المالي ، في التعامل التجاري ، في الأسواق أين بصرك ؟ صار الدين غناء ، إذا كان الإنسان فناناً ، ما معنى فنان ؟ أي يطرب إلى المغنيات والمغنين الأحياء منهم والأموات ، له مجالس طرب ، أنا قلت مرة كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لا يجتمع في بيت بني آدم قرآن وغناء ، وإذا اجتمعا ففي الغناء صادق ، وفي القرآن كاذب ، الغناء ينبت النفاق ، أنت مؤمن ، أنت من فئة مختارة ..
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال : 23 ]
أسمعك الحق الله عزَّ وجل ، فأين أنت من هذا الكلام الذي تسمعه ؟ هل أنت مقتنعٌ به ؟ إذا مقتنع فأنت مقتنع ، غير مقتنع ، أخي أنا لست مقتنعاً بكلامكم ، فإما اترك المجالس ، أو اطلب استماع الحق ، خذ مواقف واضحة ، هذه المواقف الضبابية ، هذه المواقف الاستسلامية ، أي وأتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، معظم المسلمين هكذا ، يقول لك: نحن عبيد ضعفاء ، شهواتنا غلبتنا ، ماذا نفعل ؟ نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، نرجو الله أن يعفو عنا ، نرجوه أن يغفر لنا ، ربنا غفور رحيم ، إن شاء الله لن يحاسبنا على أعمالنا ـ كلام : اللهمَّ لا تسألنا عن شيء . فكيف ذلك وربنا قال : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93]
فهل نعطل هذه الآية أم نصحح الآية ؟ لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء ورب كل شيء ، لا تسألنا عن شيء ، ما هذا الكلام ؟ هذا خلاف الدين ، هذا دعاء خلاف الدين . من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :
المقصود من هذه الكلمة التمهيديَّة أن الإنسان يعمل حساباً ، حتى إذا استقام استقامة تامة ، وسلم وجهه إلى الله عزَّ وجل ، يقول للذي يعلمه : جزاك الله خيراً ، والله استفدنا، والله دخلنا الجنة ، والله توفقنا في الدنيا ، وشعرنا بسعادة ، واطمأن قلبنا ، والله نحن سعداء بذلك، ونحن لا نريد الدنيا نريد الآخرة ، ففي الدنيا ملوك يأكلون ما لذَّ وطاب ، لكن المؤمن والله ملك من ملوك الآخرة ، أنت موعود من رب العالمين ..
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾
[ سورة القصص: 61]
إذا إنسان سلك الطريق السيئ ثم قال : غداً أتوب . فهل غداً بيدك ؟ .. " من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت " .
غداً بيدك ؟ لا هو ليس بيدك ، فهذا الكلام يدعو إلى التفكر ، هذا الكلام يبعث الهم أحياناً في النفس ، لأنني أضعك أمام مسؤوليات ، وإذا إنسان مثلاً معه مرض عُضال قال له الطبيب : هذا البيت العالي لا يصلح لك . تجده مستغرقاً في التأمل ، كيف أبيعه وهل سأجد بيتاً أرضياً بنفس السعر ؟ وربما لن يباع معنا ، والله الأسعار غالية ، يا ترى أبيع بيتي وبعدها أشتري ؟ فرضاً رُفعت الأسعار بعد ذلك سيضيع بيتي بنصف سعره ؟ نفتح فيها اعتمادات ، وأجلب بضاعة أبيعها ، وأربح فيها عشرة ملايين ، هذه خطر ، فلو باع بيتاً أو باع جزءاً منه ، وقع بخسارة ، عنده بيتان بالميسات باعهم ، باع سيارته ، باع الآلات ومازال عليه أربعة ملايين ليرة ، أنت ألا تؤمن بالقرآن ؟ .. ﴿ فَإِن ْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
إنسان آخر كذلك باع بيته ، وباع سيارته ، وباع محله ، ووضعه بالمصرف ، باسم إنسان آخر ليومين أو ثلاثة ، هذا الإنسان خلال يوم فقد كل ثروته ، لأنه قال : أضعهم بالمصرف وآخذ أرباحهم وفائدة الربح ثمانية عشرة بالمئة ، إذا كان يحضر مجالس علم هذا العمل فيه بركة ؟؟ ((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ تاريخ دمشق لابن عساكر عن عائشة ]
إذا الإنسان كان متعباً بالعمل الحلال بات مغفوراً له . فوالله الذي لا إله إلا هو حضور مجالس العلم أضرّ من الطعام والشراب ، فالإنسان إذا لم يأكل ، أو أكل بشكل قليل يكون هو الرابح ، أحياناً يأكل تفاحة ، يأكل طعاماً خفيفاً ، لكن إذا الإنسان لم حضر مجلس علم فمعنى ذلك أنه معرض لأن يتورَّط ورطة كبيرة .
إذا تورط الإنسان بالزواج أحياناً ، أو بالطلاق ، أو بتزويج ابنته ، أو بتجارته ، أنا أقول : كل شيء فيه لغم ، و الإنسان إذا لم يكن مهتدياً ، لم يكن معه بصيرة ، كل شيء فيه لغم يمكن أن ينفجر فيه . فأحياناً الإنسان يغلط غلطة فيُذهب كل ثروته ، يغلط غلطة يخسر زوجته الصالحة ، يغلط غلطة فيأتيك صهر يحرق قلبك ، غلطة واحدة ، عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحق والباطل . الصهر خطب البنت ، شيء جميل ، يريد أن يراها ، لابأس رآها ، يريد أن يمتحن أخلاقها ، استقبلناه ، أحب أن يأخذها نزهة ، ذهبت معه ، فالقضية عدة أيام ، وبعد ذلك تركها فإذا هي حامل منه ، تعال ودبر حالك ، هذا جهل ، أحياناً الإنسان يحضر صهره إلى بيته ويقول : هذا صار منا وفينا ، هذا صار من أهل البيت ، هذا كله كلام فارغ ، كل هذا خلاف الشرع ، هذا ليس في الشرع ، تقع فجائع أخلاقية مثل انفجار لكن بطريقة أخرى .
لذلك الإنسان إذا كان مخيراً يأكل أو لا يأكل ، أنا أعتقد ليس بمخير يحضر مجلس علم أو لا يحضره ، يعرف شيئاً من كتاب الله ، يعرف حديث رسول الله ، يعرف أحكام الفقه، يعرف آيات الله الكونية ، يعرف لمَ خُلِقَ في الدنيا ؟ يعرف هدفه ، يعرف طريقه ، يعرف وسائله، أي أن الإنسان .. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر:9 ]
والله لا يستوون .
إنسان قال لك : الأرض مسطحة غير كروية ، فأنت لا تصدقه ، فأفقه ضيِّق ، آيات كثيرة في القرآن الكريم تقول : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾
[ سورة النازعات: 30-31]
الدحية هي الكرة ، الجهل بشع ، الجهل يسبب لصاحبه خسارة ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، فالإنسان يقول : أنا لن أحضر مجلس علم ، أنا عندي مشكلة ، حتى أنجح ، حتى أفتح المحل ، حتى أتزوج . هناك أناس تزوجوا و لم يدخلوا ، و أناس اشتروا محلات وما دخلوها ، و أناس اشتروا بيتاً و ما سكنوه ، شخص جاء معه دكتوراه وصل إلى بيته ، وضع الحقائب على الرصيف، ظن السائق أنه طلع فأراد أن يرجع للوراء ، فدهسه ، اثنتا عشرة سنة وهو يدرس ، وصل إلى بلده معه الحقائب ، هناك شخص بالطائرة مات ومعه دكتوراه ، الموت قريب منا ، أما المؤمن عندما يعرف الله عزَّ وجل وأخذ احتياطه ، واستقام ، وعلاقاته كلها جعلها نظيفة ، فمرحباً بالموت ، هو ينتظره ، أنا لا أخاف الموت بل هو غايتي ، فانظر الفرق بين إنسان يكون الموت شيئاً مرعباً له ، وبين إنسان يكون غايته . الدين علمي و كل سبب له نتيجة :
إذاً الشيء الذي أردت أن أقوله لكم : إن الإنسان يأخذ الكلام على مأخذ الجد ، ولا يظن الإنسان أنه إذا حضر مجلساً يتبارك ، والله من جهة البركة لا يوجد ، هذه المعاني ليس لها معنى ، فماذا تعني كلمة نتبارك ؟!
الآن إذا إنسان معه مرض عضال ؛ وهذا الوصفة له ، معه التهاب معدة وأخذ دواء فوراً يشفي الالتهاب ، أما إن أحضر الدواء ، وتركه ، ووضعه في مكان ظريف على الرف ، قرأه ، ترنَّم باسمه ، فهل يشفى ؟ هذا كله كلام فارغ .
مثلما ربنا خلق الكون وفق أنظمة علمية دقيقة ، كذلك الدين علمي ، لا يوجد شطحات في الدين ، و لا خرافات ، و لا نتائج بلا أسباب ، هذا السبب له نتيجة ، وهذه النتيجة لها سبب .
الإنسان يسمع قصصاً بحكم مثلاً من أقربائه ، من أصدقائه، من زملائه ، من جيرانه ، ولكن سبحان الله كل قصة أسمعها ، كأن هذه الحالة تجعلنا نفهم الدين فهماً صحيحاً فهذا الذي أخذ قرضاً دفع الثمن غالياً ، باع بيتين ثمن كل بيت مليون ، باع سيارته ، باع معمله ، وبقي عليه أربعة ملايين ليرة ، لأن العملية غير مشروعة أصلاً ، فالإنسان يجب أن يكون على علم ؛ " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " .
والله زرت أخاً كريماً يحضر معنا قال لي : والله مرّ عليه سنة وشهر ولا فاتني الصبح ولا قيام الليل ، ولكن زلت قدمه بمخالفة بسيطة ، استيقظ متأخراً ، طبعاً هو ما فقد شيئاً ولكنه يحلل الأمور ؛ لماذا لم يستيقظ اليوم على صلاة الصبح ؟ لأنه وقع بمخالفة بسيطة ..
عبدي لا تعصني في النهار أوقظك في الليل ، إياك أن تعصني في النهار ، إذا الإنسان نام على طهارة يستيقظ على طهارة في الوقت المناسب ، أما إذا نام على غير طهارة فلن يستيقظ ، وانتهى الأمر .
فلذلك الذي نرجوه والله لا نريد حمداً ولا شكورا ولا ثناء ، ولكن حقائق ، قوانين، فهذا المفتاح لهذا الباب ، فهل يفتح قفل الباب بمفتاح آخر ؟ لا ، الطريق مسدود ، فكل باب له مفتاح توفيراً للوقت والجهد ، وكل واحد منا له هذا السؤال الدقيق : كيف مضت السنوات السابقة من حياته ؟ طبعاً في أربعين ، في ثلاثين ، في خمس وعشرين ، في خمس وأربعين ، في خمس وخمسين ، في ستين ، ولكن بالستين يكبرون ، فهل هناك ستون سنة أخريات ؟ هذه بعيدة جداً هذه الستين ، خمسين سنة أيضاً بعيدة ، فهؤلاء الناس الذين نزلوا في قبر واحد ، اسأل : أخي كم عمره ؟ يقول لك : خمسة وستون ، اثنتان وسبعون ، سبعة وستون ، ثمانية وستون ، أربعة وخمسون ، تسعة وأربعون ، ثمانية وثلاثون . معنى هذا إذا أخذنا أحسن احتمال، لا مرض ، ولا حادث ، ولا شيء ؛ لكن فقط للستين معنى ذلك وأغلب الظن أقل من مرض ، ولو كان هذا الكلام يبعث في القلب القشعريرة ، ما بقي أقل مما مضى ، هناك قبر، البارحة عزينا شخصاً ، طبعاً بيته ، غرفة نومه ، غرفة ضيوفه ، حاجاته ، أين هو الآن ؟ تحت التراب ، و ليس هناك أحد أحسن من أحد ، اقرأ تاريخ الملوك ، الجبابرة ، الوزراء ، الأغنياء ، الحكَّام ، المحكومين ، العلماء ، الجهَّال ، الأنبياء كلهم تحت الثرى .
الآن نحن في سنة ألف وتسعمئة وأربع وثمانين ، سنة ألفين وخمسمئة لا يوجد إنسان على وجه الأرض منا كلنا سيعيش ، كلنا سنموت ، يمكن أن يكون هناك مصلون جدد ، وأجيال آخرى ، أما فنحن تحت التراب ، كل شيء دنيوي لا يفيد يفيد ، مرة أخ يحضر معنا والله وتوفي ، وحضرت جنازته ، وقام رجل وأبَّنه ، فقال : إن هذا الرجل كان مؤذِّناً فهل كان يقول : إن بيته فخم ؟ لا يقولها ، أو كان بيته مزيَّناً بالجبصين ؟ كان يملك سيارتين ، واحدة للسفر وواحدة للحريقة ؟ لم يتكلم بهذا ، ولا سافر لأسبانيا وقعد في فندق خمس نجوم ، لا لم يقل شيئاً من ذلك ، ذهب إلى هولندا ، ذهب إلى أوروبا ، زوج خمس بنات ، عمل كتاب ابنته في أفخر فندق ، ليس لكل هذا الكلام طعم ، فما يدريك بهذا الإنسان إذا وزناه بالميزان ؟ قال : كان يؤذِّن، وهذه الكلمة تركت في نفسي أثراً كبيراً جداً ، أنه اعمل عملاً يحكى به عند الموت واعرف أن أربعة أخماس أعمالنا ، تسعة أعشار أعمالنا، تسعة وتسعين بالمئة من أعمالنا ليس لها ذكر إطلاقاً ، إذا كنت بطلاً اعمل عملاً يحكى عند القبر ساعة عن أعمالك الصالحة ، عن الذين اهتدوا على يديك .
تعريف الناس بالله عز وجل :
الإنسان أحياناً يكون أمة ..
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النحل: 120 ]
أمة ، هو لوحده أمة ، أي إذا الواحد خرج لمستوى .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
إلى مستوى .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فوالله الذي لا إله إلا هو أحياناً أجد أخاً عنده رغبة جامحة أن يدعو إلى الله فيقول: إن هذا الأخ أحضرته لك ، وهذا أقنعته بالحضور ، وهذا كان يحضر وغاب ، ونحن سألنا عنه فكان مقصراً فعاوناه . والله أنا أغبط هذا الأخ ، بالإسلام لا توجد مراتب دينية ، ولا يوجد تهميش ، أقل إنسان هو داعية ، ألا يوجد حولك أقارب ؟ ألا يوجد جيران ؟ أليس لك أصحاب ؟ أليس لك أصهار ؟ أليس لك إخوان في الله ؟ أليس لك أبناء ؟
ماذا تفعل ؟ أقنعهم . ماذا أقول لهم ؟ يا عيني ثماني سنوات حضور مجالس علم وما عندك إمكان أن تتكلم ساعة عن الله !! قالوا في التدريس : المدرس الناجح يجب أن يتكلم ساعات طويلة كلاماً ممتعاً جداً من دون تحريف . أي هناك أشياء يعقلها ، الآن قل لنفسك : كم آية يمكن أن أتكلم بها وأشرحها للناس ؟ هذا القرآن ، اعمل امتحاناً ، النبي الكريم كان يمشي على رؤوس أصابعه لما توفي سيدنا سعد ، قال : (( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ ))
[أبي داود عن عثمان بن عفان ]
ماذا يظن الناس ؟ يقولون : كلها خمس كلمات .. من ربك ؟ الله ، حافظها عن غيب ، من نبيك ؟ محمد ، ما دينك ؟ الإسلام . لا ، القرآن كتابك ، ماذا تحفظ منه ؟ الآن اعمل فحصاً لنفسك ، أنت إذا أردت أن تجلس مع إنسان ، وامتحنته بكتاب الله ، كم آية تقدر أن تتكلم في الصلاة ؟ تفضل ، والله ليسوا في بالي ، كم حديث شريف تحفظ ويمكنك أن تفسره للناس ؟ امتحن نفسك ، اجلس مع إنسان وادعه إلى الله فماذا تحكي له ؟
الآن يقول لك : صلِّ ، أي إنسان ممكن أن يقول لك : صلِّ ، ممكن أن تقول لإنسان : يا بني صلّ . فيقول لك : لا أريد أن أصلي . هذه أليست دعوة إلى الله ؟ الصلاة من حق الله ، لكن عرفه بالذي يصلي له أولاً ، تقول له : صلِّ ، ولكن لمن ؟ لله .
حكى لي أخ بالمحكمة ، دخل شخص دعا عليه دعوى وهي كيدية ، قال له : وكِّل الله . فقال له : أين الله لأوكِّله ؟ ألم يمل مني ويعذبني ؟ وهو يصلي ، فهذه الصلاة لا تفيده ، لكن عرف الناس بالله . لكل شي حكمة :
يجب أن تعرف الإنسان بالله بحيث يرى رحمته ، يرى حكمته ، يرى حكمته بالفيضانات، بالكوارث ، وبنزول القحط ، يقول لك : كيلو اللحم يباع على طريق حماة أو حمص بأربع ورقات. انظر إلى عين الرحمة ، أناس غافلون هزهم ربنا هزة قوية ، لم يعد هناك كهرباء ، فكل شيء أصبح لا يدور ، ألا تريد ماء لدوران الآلات ؟ لا يوجد ماء .
الإنسان عندما يريد أن يرى حكمة ربنا ورحمته يراها بالقحط والخير ، بالشدة والرخاء ، بالصحة والمرض ، أحياناً ترى آلة لكن الإله لم نره ، قال لي شخص : هذه الآلة لا تفنى أبداً ، وربنا عز وجل ما كان قادراً على أن يعمل لنا قلباً لا يمرض أبداً !! لا ذبحة ولا جلطة ولا احتشاء عضلي ، أليس قادراً على أن يصنع قلباً لا يصاب بالمرض ، المرض فيه حكمة ، يجب أن أن تكشف حكمة ربنا بالمرض ، هذه آية الشمس جعلها الله تدور ولا تظل ثابتة ، من الذي قال هناك دعاء للدوران ؟ لا يوجد دعاء دوران ، لا يوجد دعاء لشروق الشمس، الشمس تشرق كل يوم ، هناك أشياء ثبتها الله و لم يحركها ، مثلما ثبت الدوران ، وثبت الشروق ، كان ممكن أن يثبت هطول الأمطار تماماً ، الشام فيها ألف وخمسمئة مليمتر إلى أبد الآبدين ، هل بقي هناك دعاء استسقاء ؟ لا حاجة للدعاء ، صار هناك استغناء عن الله عز وجل .
معنى هذا أن المرض فيه حكمة ، القحط له حكمة ، الفقر له حكمة ، الفقر ليس تقنين عجز ؛ تقنين معالجة ، إذا كان هناك إنسان والده ملك ، وصار معه التهاب أمعاء قال له الطبيب : فقط يجب أن يأكل الكوسا مسلوقاً . فهل أبوه ليس عنده إمكانات أن يطعمه كوسا محشي باللحم والسمن ؟! يقدر ، لكن هذا معالجة ، هذا تقنين معالجة وليس تقنين عجز أو فقر.
مرة خطر في بالي خاطر : لماذا يوجد غنى وفقر في الأرض ؟ لو لم يكن هناك غنى وفقر أليس هذا أفضل ؟ لا يمكن ، قلت : لو كان هناك أب عنده خمسة أولاد أحضر لهم كيسين برتقال ، كل كيس ثمنه خمسة وعشرون ليرة ، أصبح ثمنهم خمسين ليرة ، ووضعهم بالغرفة ، هل تعرف الأمين من الذي يأخذ كل شي لنفسه ؟ هل تعرف المنصف من غير المنصف ؟ تضيع الطاسة ، أما إذا أحضر الأب لهم عشر برتقالات ، إذا أكل الابن ثلاث برتقالات ، يحصل أخوه على واحدة ، إذا أكل الأخ أربع برتقالات جعل أخاه لا يأكل ولا برتقالة ، يأتي يأخذ الكبيرة ، وآخر يأخذ الصغيرة ، فالله إذا جعل البرتقال كله حجمه متساو ، لم يكن هناك نزاع، اختلاف القياسات صار فيه إظهار للفضائل .
حتى اختلاف الفاكهة كبيرة وصغيرة ، هذه تفاحة خدها أحمر ، الكل يحب التفاحة الحمراء هذه خدها أحمر أريد أن آخذها ، لا ، يأتي أخ يأخذها لوحده ، يأتي أخ ثان تفضل أنت كلها ، بابا تفضل أنت كلها ، هذه لها معنى ، نشأت محبة بين الأب وابنه ، اختار له أحسن تفاحة ، وجد واحدة خدها أحمر فلم يأخذها وأعطاني إياها ، لو كان كلهم خدهم أحمر ما بقي هناك شيء .
حتى الاختلاف بين الفاكهة له معنى ، المرض له معنى ، الصحة لها معنى ، إذا كان هناك شيء لم يذكره الله فهذا منتهى الحكمة ، صار يمشي في ذهني موضوعات جديدة أن الشيء الذي لم يقل عنه الله إطلاقاً فيه حكمة بالغة ، لو حكاه كان مثل الناس ، لو قال : نسبة الربح ثلاثة عشر ونصف بالمئة على الفاتورة ، هناك آية قرآنية بذلك ؟ وقال مثلاً : أخذت بضاعة كتب نصفها . هذا الصنف لم يبع معك ، فأنت تخسر ، ومعناها لا تستطيع أن تعيش ، هذه الله سكت عنها ، يجوز أنت عندك ستوكات ، وهناك شيء فاخر ، سعر يرخص ، وسعر يعلو ، هذا كله من حكمة الله عز وجل ، فلذلك الإنسان يجب أن يتحرك في موضوعات معينة، و عليه معرفة الله عز وجل لأنك أنت مصيرك معه .
هناك إنسان جالس مع زوجته ، هذا الزواج مؤقت ، كيف مؤقت ؟ هذه زيجة مواتية ، كيف مواتية ؟ هناك موت بعد ذلك ، فعلى قدر ما كانت هذه زيجة جيدة لابد من أن يفرق الموت بينكما ، قدر ما كان بيته جميلاً منتقى ، والله دخلت إلى بيت ، زاوية الشام كل جهاتها مفتوح ، آخذ شرقاً غرباً قبلياً ، كيف هذا المحضر لا أحد أمامه ولا خلفه ولا جانبه ورابع طابق ، دخلت إلى البيت ، لكن أين لا يوجد موت ؟ أريد أن أرى واحداً كهذا ، إن بنى له بيتاً يكون بمحل آخرته ، بباب الصغير ، بمقابر الدحداح ، ما ثمنه ؟ أما ترتيبه فرائع ، السجاد لونه خمري ، الثريات ، الشام مكشوفة كلها ، تريد أن ترى الشمس ؟ هناك واجهة شرقية ، تريد أن تراها بعد الظهر ؟ هناك واجهة غربية ، تريد أن ترى الشام كلها ؟ لكن آخر شيء لا بد من أن يموت ، يشيَّع إلى مثواه الأخير إلى الدحداح ، فالبطولة مع الأخير وليس مع المؤقَّت .
من فكر بالموت نقل اهتماماته من الدنيا للآخرة :
لذلك إذا فكر الإنسان بالموت ينضبط ، وتنتقل اهتماماته من الدنيا للآخرة ، بعد ما كان دنيوياً صار أخروياً ، يجب أن يكون الموت ماثلاً في أذهاننا كل يوم ..
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له...))
[ الترمذي عن أنس]
الذي أرجوه من الأخوة الحاضرين أن يعمل كل شخص جرداً لحساباته ؛ فهل هناك مخالفات في بيته ؟ بناته ؟ زوجته ؟ هل عنده عدد من الأجهزة الكهربائية ؟
الآن كلنا نعرف هذا جهاز كهربائي مباح ، كأن يكون من نوع حماصة الخبز فلا مانع ، أما هل هناك أجهزة عنده من نوع آخر مثلاً ؟ من نوع يسبب فساداً أخلاقياً بالأسرة ؟ هذا الذي نريده منكم أن يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ، ولا يبقى مقتنعاً ، قال : اللغة من وضاءتها ... أخي هل آتي لك بكأس من الماء ؟ من وضاءة اللغة إحداث الاستجابة .. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾
[ سورة الأنفال : 24]
هذه الكلمة استغرقت موضوع الفقه وموضوع الحديث ، بقي القصة. * * *
ربيعة الرأي :
قصة اليوم لأحد التابعين ، ظهرت على ربيعة الرأي علامات النجابة منذ نعومة أظفاره ، وظهرت أمارة الذكاء في أفعاله وأقواله ، فأسلمته أمه إلى المعلمين ، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه ، واستدعت له المؤدبين وحضتهم على أن يحسنوا تأديبه ، فما لبث كثيراً حتى أتقن الكتابة والقراءة ، ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، الآن يقرأ أحدهم القرآن يكون معه ليسانس يقول لك : (يس) ما هذه يس ؟ يا و سين لا يعرف أن يقول : يا سين . يكون معه ليسانس ، أما طفل فيحفظ كتاب الله .
ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، وجعل يرتله ندياً طرياً كما أنزل عل فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ، وروى عما تيسَّر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستظهر من كلام العرب ما يحسن بمثله أن يستظهر ـ ليست كهذه الألغاز كلها حفظها ، لا يوجد فيها شيء، قصص بوليسية تهيج المشاعر كلها ، يجب أن يكون للإنسان برنامج يقرأه ، هناك كتابات مثل السيف ـ
وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف ، وقد أغدقت أم ربيعة على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقاً ..
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
أحياناً الأب يتكلم على معلم ابنه كلاماً بالبيت : هذا لا يفهم ؟ لا ، مثل أعلى لابنك ولو كان مخطئاً ، يجب ألا تتكلم بهذا الكلام أمام ابنك ، بعد ذلك يقل شأنه عنده ، انتبه، فإذا أكرمت المعلم ، بعثت له ببطاقة : نشكر اهتمامكم ورعايتكم ، ونتمنى له التوفيق في توجيهكم ، التوقيع الولي . المعلم بالنسبة له يجد أن هناك أهلاً يقدرون جهوده ، فيضاعف جهوده ، أما لماذا لم تعطه الوظيفة ؟ أريد أن أعمل للمعلم مشاجرة بالمدرسة ، ما هذا الأب !! إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
فكانت كلما رأته يزداد علماً تزيدهم براً وإكراماً ، وكانت تترقب عودة أبيه الغائب وتجتهد في أن تجعله قرة عينٍ لها وله ، لكن فروخاً طالت غيبته ، ثم تضاربت الأقوال فيه ، فقال بعضهم : أنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء . وقال آخرون : إنه ما زال طليقاً يواصل الجهاد. وقال فريقٌ ثالث عائدٌ من ساحات القتال : إنه نال الشهادة التي تمناها . فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره ، فحزنت عليه حزناً أمض فؤادها ، ثم احتسبته عند الله . الحرفة التي اختارها ربيعة لنفسه :
كان ربيعة يومئذٍ قد أيفع وكاد يدخل في مداخل الشباب ، فقال الناصحون لأمه : ها هو ذا ربيعة قد استكمل ما ينبغي لفتىً مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة ، وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث ، فلو تخيرت له حرفةً من الحرف فإنه لا يلبث أن يتقنها وينفق عليكِ وعلى نفسهِ مما تدره من خيرٍ . فقالت : أسأل الله أن يصير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده ، إن ربيعة قد اختار العلم النافع .
الآن الآباء ... يكون الابن ليس له حب بالعلم ، يتعب و يتعب أهله ، إذا كان عندك ابن لا يوجد فيه أمل إطلاقاً ، اكسب عمره وضعه في مصلحة ، يكبر على المصلحة ، وهناك آباء بالعكس يكون ابنه عنده رغبة عالية بالدراسة ، يضعه عنده بالمحل ، هذا لا يجوز هذا الإنسان أين يحب ينبغ ، هناك أشخاص ينبغون نبوغاً هائلاً ، اتركه ماشي ، ادعمه، يبنغ بالدراسة ، اتركه ، ادعمه ، لمَ أنت تعاكس اتجاهه ؟ تعذب نفسك وتعذبه ، تريد أن تمشي سفينة على الأرض ، لا تمشي هذه تمشي على البحر .
ترجو النجاة ولا تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
* * *
وعزم على أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدَّت فيه الحياة ، مضى ربيعة في طريق اختطها لنفسه غير وانٍ ولا مقصرٍ ، وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقبل الظمآن - جمع ظامئ - على الموارد العجاف ، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين ، وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب ، ومكحول الشامي ، وسلمة بن دينار ، وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد ، فإذا كلمه أحدٌ في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه قال ربيعة : سمعنا أشياخنا يقولون : العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
الآن بالتجارة إذا كنت فتحت محلاً تجارياً في منطقة نائيَّة لن تربح شيئاً ، إذا كنت حسنته أكثر تربح أكثر ، نقلته وعملته بالمدينة تربح أكثر، إذا كان هناك بضاعة نادرة تربح أكثر ، أكثرت البضاعة تربح أكثر ، العلم بالعكس ، تريد أن تبذل كل شيء لتنال شيئاً ، وإذا بذلت شي قليلاً لن تنال شيئاً أبداً ، هذه مشكلة العلم .
ثم ما لبث حتى ارتفع اسمه ، وبزغ نجمه ، وكثر إخوانه ، وأولع به تلاميذه ، وسوَّده قومه ، ولقد صارت حياة عالم المدينة هادئةً وادعةً ، فشطرٌ من يومه في داره لأهله وإخوانه ، وآخر في مسجد رسول الله لمجالس العلم وحلقاته ، ولقد مضت حياته متشابهةً حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان . البشرى التي زفت لأم ربيعة و الفزع الذي دخل قلبها :
في ذات عشيةٍ من عشيات الصيف المقمرة ، بلغ المدينة المنورة فارسٌ في أواخر العقد السادس من عمره ، ومضى في أزقتها راكباً جواداً قاصداً داره ، وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده ، أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها ، مضى على غيابه أعواماً طويلة وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلَّفها في تلك الدار ما فعلت ؟ وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها أوضعته ذكراً أم أنثى ؟ أحيٌ هو أم ميت ؟ وإذا كان حياً فما شأنه ؟ وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد وتركه وديعةً عندها ، حين مضى مجاهداً في سبيل الله مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارى وسمرقند وما جاورها ؟
ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين، فالناس لم يفرغوا لصلاة العشاء إلا وشيكاً ، لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مرّ بهم لم يعرفه ، ولم يأبه له ، ولم يلتفت إلى جواده المطهم ولا إلى سيفه المدلَّى ، فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله ، أو العائدين منه .
لكن ذلك كان فضلاً في إثارة حزن الفارس وازدياد وساوسه ، وفيما هو كان سابحاً في أفكاره هذه ، ماضياً يتلمس في تلك الأزقة التي عراها التغير وجد نفسه أمام داره ، والباب مفتوح ، دخل والابن ما عرفه ، وجد إنساناً داخل البيت ، صاح به ، الأم استيقظت وأطلت من نافذة عليتها فرأت زوجها بشحمه ولحمه ، فكادت تعقد الدهشة لسانها ، لكنها ما لبثت أن قالت : دعه يا ربيعة ، دعه يا ولدي إنه أبوك ، انصرفوا يا قوم بارك الله عليكم ، حذارِ يا أبا عبد الرحمن إن هذا الذي تتصدى له هو ولدك ، وفلذة كبدك .
فما كادت كلماتها تلامس الآذان ، حتى أقبل الابن على أبيه يقبله ، وأقبل الأب على ابنه يضمه ، وانفض عنهما الناس ، ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظن ظناً أنها ستلقاه على هذه الأرض بعد أن انقطعت أخباره مدةً كثيرة .
جلس فروخ إلى زوجته ، وطفق يحدثها عن أحواله ، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره ، ولكنها في شغلٍ شاغل عن كثيرٍ مما يقول ، فلقد نغَّص عليها فرحتها بلقائه واجتماع شمله بولده خوفها من غضبه على إضاعة كل ما أودعه لديها من مال ، مبلغ طائل ثلاثمئة ألف ليرة ، ترك لها ثلاثين ألف دينار ، ثلاثمئة ألف ليرة مبلغ ضخم جداً .. كانت تقول لنفسها : ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير الذي تركه أمانةً عندي ، وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف ؟ ماذا سيكون منه لو أخبرته أنه لم يبق منه شيء ؟ أيقنعه قولي هذا ، إنني أنفقت ما تركه عندي على تربية ابنه وتعليمه ؟ وهل تبلغ نفقة ولدٍ ثلاثين ألف دينار ؟ أيصدق أن يد ابنه أندى من السحاب وأنه لا يبقي على دينارٍ ولا درهمٍ ، وأن المدينة كلها تعلم أنه أنفق على إخوانه الآلاف المؤلَّفة ، وفيما كانت أم ربيعة غارقةً في هواجسها ، التفت إليها زوجها وقال: لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار ، فأخرجي المال الذي أودعته عندكِ لنضم هذا إليه ، ونشتري بالمال كله بستاناً أو عقاراً نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة .
فتشاغلت عنه ولم تجبه بشيء ، فأعاد عليها الطلب وقال : هيا أين المال حتى أضم إليه ما معي ؟ فقالت : لقد وضعته حيث يجب أن يوضع - كلام بليغ واضح - لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ، وسأخرجه لك بعد أيامٍ قليلة إن شاء الله .
وقطع صوت المؤذن عليهما الحديث .
المنزلة التي وصل إليها ربيعة الرأي :
هب فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ثم مضى مسرعاً نحو الباب وهو يقول : أين ربيعة ؟ ابنه .
قالوا : سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول ، ولا نحسب أنك تدرك الجماعة .
بلغ فروخ المسجد فوجد أن الإمام قد فرغ وشيكاً من الصلاة ، فأدى المكتوبة ، ثم مضى نحو الضريح الشريف - أي ضريح النبي الكريم - فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة ، فقد كانت في فؤاده أشواقٌ إليها وحنينٌ إلى الصلاة فيها ، فتخير لنفسه مكانٌ في رحابه النضرة ، فصلى ما شاء الله أن يصلي ، ثم دعا بما ألهم أن يدعو ، ولما همَّ بمغادرة المسجد وجد باحته قد غُصَّت على رحبها بمجلسٍ من مجالس العلم لم يشهد له نظيراً من قبل ، ورأى الناس قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقةً إثر حلقة ، حتى لم يتركوا في الساحة موطئاً لقدم ، وأجال بصره في الناس فإذا فيهم شيوخ معممون ذو أسنان ، ورجالٌ متوقِّرون تدل هيئاتهم على أنهم ذوي أقدار، وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم ، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ، ويحفظونه في دفاترهم كما تحفظ الأعلاق النفيسة ، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قولٍ حتى لكأن على رؤوسهم الطير .
وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ فقرةً فقرة فلا يفوت أحداً شيءٌ من كلامه مهما كان بعيداً – لم يكن هناك إضاءة شديدة - هناك شيخ بعيد يحكي ، وحاول فروخ أن يتبين صورة الشيخ فلم يفْلح ، لموقعه منه وبعده عنه ، لقد راعه منه بيانه المُشرق ، وعلمه المتدفق ، وحافظته العجيبة ، وأدهشه خضوع الناس له وما هو إلا قليل حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفاً .
فهب الناس متجهين نحوه ، وتزاحموا عليه ، وأحاطوا به ، واندفعوا وراءه يشيِّعونه إلى خارج المسجد .
وهنا التفت فروخ إلى رجلٍ كان يجلس بجانبه وقال : قل لي بربك من الشيخ ؟
ـ فقال الرجل باستغراب : أولست من أهل المدينة ؟
ـ قال فروخ : بلى .
ـ قال الرجل : وهل في المدينة رجلٌ واحد لا يعرف الشيخ ؟
ـ قال فروخ : اعذرني إذا كانت لا أعرفه ، فقد أمضيت نحواً من عمري بعيداً عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمسِ .
ـ قال الرجل : لا بأس ، اجلس قليلاً أحدثك عن الشيخ . ثم قال : إن الشيخ الذي استمعت إليه سيدٌ من سادات التابعين ، وعلمٌ من أعلام المسلمين ، وهو محدِّث المدينة ، وفقيهها وإمامها على الرغم من حداثة سنِّه .
ـ فقال فروخ : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
ـ وأتبع الرجل كلامه : وإن مجلسه يضم كما رأيت مالك بن أنس - سيدنا مالك قاعد يستمع إليه - وأبو حنيفة النعمان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وغيرهم وغيرهم .
ـ فقال فروخ : غير أنَّك لم تذكر لي اسمه وسكت .
لكن الرجل لم يتح له فرصةً لإتمام كلامه فقال :ـ وهو فوق ذلك كله سيدٌ كريم الشمائل ، موطَّأ الأكناف ، سخي اليد ، فما عرف أهل المدينة أحداً أوفر منه جوداً لصديقٍ وابن صديق ، ولا أزهد منه في متاع الدنيا ، ولا أرغب منه بما عند الله .
ـ فقال فروخ : ولكنك لم تذكر لي اسمه ؟
ـ فقال الرجل : إنه ربيعة الرأي .
ـ قال فروخ : ربيعة الرأي ؟!
ـ قال الرجل : نعم ، إن اسمه ربيعة ، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوْه ربيعة الرأي لأنهم كانوا إذا لم يجدوا لقضيةٍ نصاً في كتاب الله أو حديث رسول الله لجؤوا إليه ، فيجتهد في الأمر ويقيس ما لم يرد فيه نصٌ على ما ورد فيه نص ، ويأتيهم بالحُكم فيما أشكل عليهم على وجهٍ تركن إليه النفوس وتطمئن إليه القلوب .
ـ فقال فروخ في لهفة : ولكنك لم تنسبه لي ؟!! ربيعة ماذا ؟
ـ فقال له : إنه ربيعة بن فروخ ، المُكَنَّى بأبي عبد الرحمن ، لقد ولد بعد أن غادر والده المدينة مجاهداً في سبيل الله ، فتولَّت أمه تربيته وتنشئته، وقد سمعت الناس قبيل الصلاة يقولون : إن أباه عاد الليلة الماضية .
عند ذلك تحدَّرت من عيني فروخ دمعتان كبيرتان لم يعرف لهما الرجل سبباً ، ومضى يحث الخطا نحو بيته ، فلما رأته أم ربيعة والدموع تملأ عينيه قالت :
ـ مالك يا أبا ربيعة ؟
ـ قال : ما بي إلا الخير ، لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقامٍ من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحدٍ من قبل .
فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت : أيهما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم هذا الذي بلغه ولدك من العلم والشرف؟
ـ قال : بل هو أحب إلي ، وآثر عندي من مال الدنيا كله .
ـ قالت : لقد أنفقت ما تركته عندي عليه فهل طابت نفسك بما فعلت ؟
ـ قال : نعم ، وجُزيت عني وعنه وعن المسلمين خير الجزاء .
لذلك النبي الكريم قال :
(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
فالذي عنده ابنه يصب عليه كل اهتماماته ؛ يعلمه ، ويزكيه ، ويكرمه ، ويدلله ، ويأخذه معه ، وينصحه ، وينزل لمستواه ، ويتصابى له، فلا تعرف إن كبر الابن قد يكون عالماً مخلصاً، أو مصلحاً اجتماعياً ، ينقذ البشرية من ضلالها ، لا تعرف ، فأثمن شيء بالحياة أن يكون للإنسان ابن كهذا ، فالله عز وجل يرزقنا أولاداً صالحين .. ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

السعيد 09-09-2018 08:39 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : العقيدة الصحيحة طريق نجاة الانسان




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الأمور باطنها و ظاهرها بيد الله عز وجل :
لبعض العلماء الأفاضل فصلٌ في العقيدة الصحيحة ، لكن الشيء الذي يلفت النظر في هذا الفصل أنه مأخوذٌ حصراً من كتاب الله عز وجل .
فالعقيدة الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه رب العالمين ، مقام الربوبية يختلف عن مقام الألوهية ، فالله خالقٌ ، وربٌ ، وإله ، من معاني الرب أنه المُمد فحينما يمدُّ الإنسان بما يحتاج إليه إنه رب العالمين ، وليس رب البشر وحدهم ؛ ولكنه رب جميع العوالم في الكون ، إذاً وصف نفسه فقال :
﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[سورة الفاتحة: 2]
وأنه مالك أو : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
[سورة الفاتحة: 4]
في الدنيا الأمور على حقيقتها بيد الله عز وجل ، وفي ظاهرها قد تكون بيد زيدٍ أو عبيد . . ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
[ سورة الأنفال : 17 ]
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
ولكن في الآخرة تكون الأمور في الباطن وفي الظاهر بيد الله عز وجل . إعطاء الله البشر فرصة لإظهارهم على حقيقتهم :
لذلك هذا اليوم يوم الفصل ، يوم القيامة ، مالكه الله رب العالمين ، وأنه يستهزئ بالمنافقين ، واستهزاء الله عز وجل بالمنافقين بمعنى آخر أي يحتقر عملهم ، والإنسان في الدنيا إذا كان كاملاً ورأى عملاً سخيفاً ، أو عملاً فيه أذى ، أو فيه فساد ، أو فيه بغي يحتقر هذا العمل ، من علامة المؤمن الكامل في الدنيا أنه يحتقر كل عملٍ منحط ، هذا معنى الاستهزاء ، وأنه يستهزئ بالمنافقين فقال :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
وأنه يمدُّ المنافقين : ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
الإمداد له معنى آخر ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
[ سورة طه: 129]
أي أن ربنا عز وجل في الدنيا أعطانا فرصة ، كي نعبر عن ذواتنا ، كي نظهر حقيقتنا ، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل على الكافرين فقضى عليهم ، تكون هذه الفرصة لم تعطَ إليهم تماماً لذلك : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾
[ سورة طه: 129]
هذه الكلمة أنه أعطى للكفار ولبني البشر كافةً فرصةً كي يظهروا على حقيقتهم .
هذا السؤال الذي يخطر في بال الإنسان : فلان أحياناً يفجر ، أحياناً يطغى ، أحياناً يبغي ، يتجاوز حدود البشر ، كيف أبقاه الله عز وجل ؟
الجواب : أن الله سبحانه وتعالى بعث بنا إلى الدنيا كي تظهر حقيقتنا ، فلو فرضنا طالباً دخل امتحاناً ، المعلم يعرفه أنه لن ينجح لشدة كسله ، دخل أول مادة ، هل بإمكان المعلم أو هل المعلم يمنع هذا الطالب من دخول الامتحان لعلمه به ؟ الجواب: لا ، لو أنه حرمه الامتحان لقال : يا أستاذ أنا سأنجح ، أنا حضرت . يعطى الطالب الفرصة الكافية لتقديم جميع مواد الامتحان ، من أجل أن ينكشف على حقيقته . . ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾
[ سورة الأنفال : 42]
فهذا الذي يجعل الله سبحانه وتعالى يعطي للكفار الطغاة مهلةً من جهةٍ كي يظهروا على حقيقتهم ، ومن جهةٍ أخرى لعلهم يهتدون . . ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
وأنه يذهب بنورهم فيتركهم في ظلماتٍ لا يبصرون ، الحقيقة النور نور الهدى ، ولا يعرف هذا إلا المؤمن ، المؤمن على شيء من النور الإلهي ، مستبصر ، يرى الخير خيراً والشر شراً ؛ لكن المنافق والفاجر والكافر يرى الخير شراً ، ويرى الشر خيراً ، فيكفي أن يتباهى الإنسان بالمعصية ، أعمى ، سيدنا يوسف ماذا رأى في الزنا ؟ رأى نتائجها الوخيمة فقال : ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
أما الأعمى فيراها مغنماً ، وقد ينتهي ، وقد يسفل به إلى أسفل سافلين. من امتلك رؤية صحيحة نجا في الدنيا و الآخرة :
إذاً الإنسان عندما يكون في الدنيا مزوَّداً بنور إلهي ، معنى ذلك أنه يرى الخير خيراً والشر شراً ، فأخطر شيء في الدنيا أن تمتلك رؤيةً صحيحة .
لذلك الإنسان الجاهل يرى المال الحرام مكسباً ، مغنماً ، ولا يدري أن الله سبحانه وتعالى سوف يذهب له هذا المال بأساليب عديدة ، لا يدري ، الحديث الشريف :
(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
معنى مهاوش أي أدق تعبير لها في اللغة العامية بالهيلمة ، هناك كسب شرعي وفق جهد ، وهناك عدوان على الكسب ، الإنسان أحياناً يعتدي على كسب الآخرين بأساليب ؛ إما أن يخيفهم ، وإما أن يخدعهم ، وإما أن يدلِّس عليهم ، فكسب المال على نوعين ؛ إما أن تكسبه بجهدٍ حقيقي فهذا هو الكسب المشروع ، وإما أن تكسبه بطريقةٍ من الطرق غير المشروعة، قد تكون بالخداع ، وقد تكون بالضغط ، وقد تكون بالتخويف ، معنى : (( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
هذا قانون أي يذهب نهباً ، أخذه بوسائل غير مشروعة يُذهب منه نهباً ، من يعرف هذا ؟ المؤمن ، فالمؤمن مستبصر أما غير المؤمن فأعمى . ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 19 ]
أي أن الكافر لجهله يظن أنه يفعل ما يشاء . . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 36]
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، أحياناً الكافر يظن نفسه يفعل ما يشاء ، لكن مشيئته موظفةٌ عند الله عز وجل ، لا يفعل إلا ما يسمح الله من مشيئته أن يحدث ، و . .
﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة الحج : 6]
إن كانت قدير من فعل التقدير ، تقديره تقدير حكيم عليم ، وإن كان القدير من فعل قدر ، وقدر من القدرة ، فهو على كل شيءٍ قدير ، لذلك إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله . . ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 37]
تواب صيغة مبالغة ، أي كثيراً ما يقبل التوبة عن عباده . . ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 7]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 98]
طبعاً الله سبحانه وتعالى يكره عملهم ، لا يكرههم بالذات ، يكره عملهم ، وأدق مثل أن الأب قد يكره عمل ابنه ، ومع ذلك يرعاه ويعطف عليه ويقدم له حاجاته وينصحه ، ولكنه يكره عمله ، فإذا عاد إلى رشده أحبه ورفع شأنه . ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران: 105 ]
النعم التي أنعم الله بها على الإنسان :
أي . .
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 1 ]
الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد ، لولا مشيئة الله عز وجل بإيجادنا من نحن ؟ نحن لا شيء ، إذاً هناك نعمة الإيجاد ، لمَ أوجدنا ؟ ليسعدنا ، ولذلك خلقهم . . ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[ سورة هود : 119 ]
وتفضل علينا بنعمة الإمداد ، هذه الثانية ، وتفضل علينا بنعمة الإرشاد ، خلقنا وأمدنا وهدانا ، لذلك قالوا : ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
تمام النعمة الهدى . . ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
[ سورة الفجر : 15 ]
إن كان المال من دون هدىً فليس إكراماً ؛ بل هو امتحان . ﴿ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة المائدة: 40ٍ ]
وأنه تعالى له وجهٌ . . ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة القصص : 88]
له وجهٌ ، قد يبتغي الإنسان بعمله وجه الله عز وجل ، والمرء يوم القيامة ينظر إلى وجه الله عز وجل ، وأن وجهه . . ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾
[ سورة البقرة: 115]
أي أينما جلست وتوجهت إلى الله فثم وجه الله . .
يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ قال : كيف ذلك يا رب ؟! قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني ، وأن بديع السموات والأرض هو الذي أبدعها على هذا الشكل . إبداع الله عز وجل :
أنت لو فكرت الجبل الآن مألوف ، والشجر مألوف ، لكن من أبدع فكرة الجبل ؟ لولا الجبل لما عاش الإنسان ، الجبل فيه خزانات مياه عذبة ، لو الأرض كلها مسطحة ، صحارى ، من أين تأتي الينابيع ؟ فكرة الشجر ، أشجار للزينة ، أشجار حدودية ، أشجار للخشب ، أشجار للظل ، أشجار دائمة الخضرة ، أشجار متساقطة الأوراق ، أشجار مثمرة ، أنواع الفواكه ، هذا كله بفضل من ؟ بفضل الله عز وجل ، إذاً فكرة الإيجاد ، أحياناً يرسمون لك أشخاصاً يعيشون بالمريخ فالإنسان ليس عنده إمكان إلا أن يتخيل مخلوق له رأس ، ويدان ، ورجلان ، وجذع على أشكال متفاوتة ، إذاً من أبدع هذا النظام ؟ من أبدع شكل الكرة ؟ من أبدع شكل الدوران ؟ من خلق نظام الجاذبية ؟ من خلق الماء ؟ فكرة الماء قبل أن يكون الماء من أبدعها ؟ فكرة الهواء ، فكرة المعادن ، التربة ، إنبات النبات ، تحليق الطيور في الفضاء ، فكرة الأسماك من ابتدعها ؟
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
الآن الغواصات مأخوذة من الأسماك ، الطيران تقليدٌ غير جيد للطائر ، أعظم طائرة صنعت حتى الآن تقليدٌ غير جيدٍ للطائر ، فكرة الطيران من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الغَوص في البحر من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الطاقة ، أنت تحتاج إلى طاقة كي تعيش ، لولا الطاقة لما تمايز الناس ، الإنسان يحتاج إلى الطعام ، والطعام يحتاج إلى كسب والإنسان في الكسب يبدو معدنه الحقيقي ، إما يكذب وإما يصدق ، إما يكسب مالاً حلالاً أو مالاً حراماً ، إما أن يكون متقناً لعمله أو غير متقن ، فأخلاق الإنسان تظهر في كسبه لرزقه ، لو تعمَّقت من أبدع نظام الزوجية ؟ ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾
[ سورة هود: 40]
الله سبحانه وتعالى أبدع هذا النظام ، كان بالإمكان أن يخلق الناس كلهم دفعةً واحدة ويموتوا دفعةً واحدة ، ولكن هذا التدرج في الخلق والموت هذا يعطي الإنسان درساً كبيراً جداً ، أكبر موعظة للإنسان الموت ، فمهما كان الإنسان مكابراً ، حينما يرى إنساناً ميتاً ، خشبة لا تقوى على التحرك ، كان شيئاً مذكوراً فصار خبراً ، يكون الإنسان مخيفاً ، فقط عندما الله عز وجل يسحب الروح منه صار نعوة ، صار اسماً على نعوة ، صار حدثاً ، كان شيئاً مخيفاً صار خبراً ، قال الله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 44]
من الذي خلق فكرة الموت ؟ فكرة التزاوج في الإنسان ، في الحيوان ، في النبات . . فالحيوانات من خلق هذه الفكرة ؟ الخروف تأكل لحمه ، لماذا جعله الله على شاكلتك ؟ فإذا أنت لم تدرس طب ، ولم تكن متخصصاً بأمور خلق الإنسان ألا تأكل لحماً ؟ ألا ترى القلب والكلاوي والكبد والمعدة والأمعاء والدماغ والشرايين والأوردة والعضلات والعظام والأوتار ؟ هذه ألا تراها أمامك كلها عند اللحام ؟ هناك علاقة بين خلق الإنسان وخلق الحيوان ، هذه العلاقة درس تعليمي لنا ، هذه معنى : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
فكرة أن الطفل محبوب ، لو كان الإله خَلْقه غير كامل ؛ قد يكون الطفل حجمه صغيراً أما عقله فناضج ، ما دام عقله ناضجاً بوقت مبكر لم يعد محبوباً ، ولكنه محبوب في براءته ، الأب يحب سذاجة ابنه أحياناً ، تفكيره المحدود ، يعجبه كل شيء ، يفرحه كل شيء ، فالبنت الصغيرة تمسك الوسادة تتصورها لعبة ، أن هذه ابنتها ، تضعها على صدرها تنيمها ، وهي وسادة ، لو كان الطفل عاقلاً ما كان محبوباً ، فكرة الطفل من خلقها ؟ الله عز وجل : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة البقرة: 117]
أي على الله كل شيء سهل ، لذلك الإنسان عندما يكون مع الله يكون مع أقوى الأقوياء ، مع القوة المطلقة ، وإذا كان مع شركاء لله عز وجل ، مع الأضعف . . (( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
الله تعالى عزيز حكيم :
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
معنى العزيز أي لا ينال جانبه ، فإذا الطبيب نسي أن يسأل مريضه معك حساسية؟ أعطاه إبرة فصار معه صدمة ، يأتي المريض يفتح للطبيب هاتفاً يوبخه فيه ، الطبيب يخجل والله نسيت أن أسألك معك حق ، لم يعد الطبيب عزيزاً ، إذا صنعت صنعة وفيها خطأ ، فيها عيب ، وجاء زبون كشف العيب ، ووجه لك اللوم ، لم تصبح عزيزاً ، من معاني العزيز أن أحداً لا يستطيع أن ينال جانبه ؛ خلقه كامل ، تصرفه كامل ، حكمته مطلقة ، فأي خلل بالكون ، أي خلل بالتصرف ، لو ربنا عز وجل ما وجه لإنسان معالجات ، ما كان عزيزاً يوم القيامة ، العبد يقول له : يا رب لمَ لم تعالجني بالدنيا ؟ لمَ لم تذكرني ؟ لمَ لم تخوفني ؟ لمَ لم تبعث لي شيئاً يوقفني عند حدي ؟ يقول له الله : لا ، لقد سقت لك كل المعالجات . ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
عزيزٌ لأنه حكيم . الشعور بالخيانة و إنكار الجميل أصعب شعور :
وأنه يوفي العهد لمن وفىَّ بعهده . .
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
فما من شيء مؤلم مثل الخيانة ، مثل إنكار الجميل . . أعـلمه الرماية كـل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قـال قافية هجانـــــي
* * *
لا يوجد شعور مؤلم في الحياة يوازي الشعور بالخيانة ، انظر إلى الأب أحياناً يضع كل أمله بابنه ، الابن أحياناً ينسى والده ، يغيب عنه أسبوعين يا أبت أين أنت ؟ والله مشغول ، ماذا تريد مني ؟ اطمئن لا يوجد شيء ، عندما يكون هناك شيء أنا أخبرك ، يتألم الأب ، هلك حتى رباه ، رآه كبيراً لم يعد يريده ، صار الابن يرى والده عبئاً عليه ، الإنسان عندما يتعلق بالله عز وجل ، الله وفي . . ينادى له في الكون أنَّا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
* * *
مسكين الكافر ، حالته يرثى لها ، أحياناً يتعلق بزوجته ، يضع كل أمله فيها ، ربنا عز وجل كذلك لحكمةٍ ربنا مضل ، يضله عنها ، من أسماء الله الحسنى أنه مضل ، يضع كل أمله فيها ، فتتنكر له أحياناً ، أين ذاهبة ؟ والله زائرة عند ابنتي ، وأنا أين ستتركيني ؟ تقول له: أأنت صغير ؟ يتألم ، أنا هكذا عاملتك من زمن ؟! كل إنسان يضع أمله بزوجة أو بولد أو ببنت الله عز وجل من أسمائه المضل ، فلحكمة بالغة يريه من هذا الشخص الذي أشركه مع الله عز وجل أعمالاً مزعجة ، أما المؤمن فثقته بالله وحده ، لذلك الله عز وجل يسخِّر له أعداءه فكيف بأصدقائه ؟ فلا يوجد أجمل من شيخوخة المؤمن ، لأنه سبحان الله كلما ازداد سني عمره يزداد مكانة ، يزداد هيبة ، يزداد عقلاً ، يرتفع شأنه ، تزداد محبة الناس له ، هذه من علامة الإيمان، و أما علامة من أمضى شبابه في معصية الله فأمامه شيخوخة متعبة كثيراً ، من عدة أيام هناك ثلاثة أشخاص عندما كنت صغيراً كانوا بمناصب حساسة بالتربية والتعليم ، لما يدخل أحدهم للمدرسة يبث الرعب والخوف ، والله الآن بوضع يرثى له ، يمشي على عكازة نصفين ، لا يدوم إلا الله عز وجل ، أما المؤمن فلو كان عمله طيباً جداً فله وضع آخر ، الشيخوخة مقياس الشباب ، الشاب المؤمن له شيخوخة سعيدة ، وغير المؤمن يدفع الثمن في الدنيا قبل الآخرة . فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحج : 143]
الله تعالى يذكر من ذكره :
و الله عز وجل يذكر من ذكره . . إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، من فضل الله عز وجل أنك تدعو إلى الله ، والله عز وجل يجعل اسمك برَّاقاً نظيفاً ، لو فكر أحدهم أن يتكلم عليك ، يتصدى له أشخاص عديدون يسكتونه ، هذه من نعمة الله عز وجل ، لذلك في بعض الأبيات الشعرية بهذا المعنى :
وإذا أراد الله نشـــــــــــــر فضيلةٍ طويت أتاح لهــــــا لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
* * *
أي البخور . وأنه يذكر من ذكره فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 249 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 158 ]
وأنه إلهٌ واحد ، هناك إله واحد ، وهناك إله أحد ، واحد أحد ، فردٌ صمد ، الإله الواحد أي لا إله إلا الله ، أما الإله الأحد فليس كمثله شيء ، واحد أي لا إله إلا هو ، أما أحد فليس كمثله شيء ، أحد عدد نوعي ، تقول : الطالب ترتيبه في النجاح الرابع ، ليس معناه هو أربعة ، هو رابع ترتيبه ، فوزن فاعل ، الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، الخامس ، هذا عدد نوعي ، عدد تقييم وترتيب وليس عدد كم ، أما أربعة فغير الرابع ، فإذا قلنا : إلهٌ واحد ، أي لا إله إلا هو ، أما إذا قلنا : إلهٌ أحد أي ليس كمثله شيء . . ﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 12]
معية الله معية مشروطة :
لكن ربنا عز وجل معيَّته مشروطة . .
﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
[ سورة المائدة: 12]
الكلمة من كثرة الترداد غاب معناها عن الناس ، إذا قلت لأحدهم : الله معك . هل هناك قوة في الكون تستطيع أن تناله بالأذى . إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
إذ كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لما الله عز وجل . . ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[ سورة الرعد: 11]
إذا ربنا أحب أن يهين إنساناً فهناك عذاب أليم ، و عذاب عظيم ، و عذاب مهين ، من يُهن الله فما له من مكرم ، العذاب المهين عذاب مادي وعذاب نفسي . ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56]
تجليات ربنا عز وجل ، أنوار ربنا عز وجل ، عناية ربنا ، حفظ ربنا للمحسن ، لذلك . . (( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
[الجامع الصغيرعن ابن عباس ]
(( باكروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[الجامع الصغيرعن أنس ]
أي أن الله عز وجل بشكل مطلق مع المحسنين ، المحسن الله معه ، يسدده ، يحفظه ، يحفظ له أولاده ، يحفظ له ماله . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 199]
أحياناً يأتي ببال الواحد خاطر ، الآن جاء بباله ، طرق بالعمود فجرح جبينه ، فهذا العامود ألا يراه ؟! سريع الحساب ، ينوي نية سوء ، يدفع ثمنها قبل أن ينفِّذها ، سريع الحساب ، يتوب إلى الله ، بمجرد أن يتوب يحس أن جبلاً انزاح عن كاهله ، يحس و كأنه صار خفيفاً ، فسبحان الله الصُلحة بلمحة . (( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
لمجرد أن يتوب الإنسان كأن ربنا عز وجل يشعره أنه قبِل توبته ، أنه قبله ، وأنه عفا عما مضى ، وأنه فتحت صفحةٌ جديدة ، والله سبحانه وتعالى يشعره أنه فرح به . (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
الأشياء التي يكرهها الله عز وجل :
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[ سورة البقرة: 205 ]
لا يحب أن تتكلم عن نفسك ، تحزن الناس على أحوالهم ، لا يحب أن تفسد بين زوجة وزوجها ، ولا بين شريك وشريكه ، ولا بين أخ وأخيه ، لا يحب الله عز وجل أن تحبب الناس بالدنيا ، لا يحب أن تشجع إنساناً على معصية ، لا يحب أن تفصل ابناً عن أمه ، تقنع ابناً أن يسكن لوحده ، لا يحب الله عز وجل أن تعمل سوء علاقة بين أخين ، لا يحب أن تعمل سوء علاقة بين جارين ، لا يحب النمَّام ، لا يحب المغتاب ، لا يحب نقل الأحاديث ، لا يحب الفساد ، فكلما كمل إيمان الإنسان تجد كلامه مضبوطاً و موزوناً .
كان أحد الشيوخ - رحمه الله - لا يجرؤ إنسان أن يتكلم في مجلسه كلمة عن إنسان ، يقول له : " يا با أظلم قلبي " . ما هذه الكلام ؟ والله إذا انعدمت الغيبة في المجتمعات يصبح المجتمع جميلاً ، قال لي أخ : دور استمر سبع عشرة سنة ، أحباب ، أصحاب ، أصدقاء ، سبع عشرة سنة ، لا يوجد دور يستمر سنة إلا و ينتهي ، فسأل أحدهم ما سر استمرار هذا اللقاء ؟ فاكتشف الحاضرون شيئين : الأول: أنه لا غيبة في مجلسهم ، والثاني : لا نساء في مجلسهم . لا يوجد اختلاط إذا كان هناك اختلاط يكثر القيل و القال ، و الشقاق الزوجي ، ما دام هناك اختلاط أصبح هناك فساد ، وربنا عز وجل لا يحب الفساد ، هل يا ترى الله يحبني ؟ هل الشيء صعب ؟ هل هي لغز ؟ القرآن واضح : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
اجمعهم ؛ اثنتا عشرة آية . ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾
[ سورة البقرة:205 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾
[ سورة الأنفال:58]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة لقمان : 18]
أنا مرة جمعتهم مع حذف التكرار ، لا يسبب فساداً للناس . محبة الله عز و جل للتائبين :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
فإذا غلط الإنسان غلطة لا ييئس ، لا ينكمش ، يدفع صدقة فورية ؛ يا رب تبت إليك، الله يحب التوَّاب ، لا يحب التائب ، يحب التواب ، التواب اسم فاعل مبالغ به ، أي كثير التوبة ، المؤمن مذنبٌ تواب ، ليس معناها أن الذنب يعيده مرتين أو ثلاث ، هذا استهزاء بالله عز وجل ، أما هذه فكان لا يعرفها سابقاً ، بلغه أنها حرام فتركها على الفور ، هناك قضية ثانية لم يكن يعرفها أيضاً تاب عنها ، كلما اكتشف أن هناك خللاً في استقامته ، هناك شيء لا يرضي الله يتوب عنه على الفور ، معنى تواب أنه كلما اكتشف بحياته خللاً يتوب منه فوراً ، مثلاً: ليس من الأصول أن يتحدث الإنسان عن زوجته ولو أنها صالحة ، طبعاً الحديث عن شكلها هذا ديوث ، أما الحديث عن أخلاقها فمن قلة المروءة ، لأن الذين تحدثهم عنها ليس لهم حق أن يتخيلوها تخيلاً ، فهناك أشخاص يقولون : لم أكن أعرفها سابقاً ، الآن عرفتها ، فتب منها ، كلما شعر الإنسان أن هناك شيئاً فيه خلل بكلامه ، ربنا عز وجل علمنا بالقرآن الكريم كله لم يذكر ربنا عز وجل ولا اسم امرأة إلا واحدة : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾
[سورة آل عمران: 35 ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾
[ سورة التحريم: 11 ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾
[ سورة الأحزاب: 59]
فلو استعرضت القرآن الكريم بكامله ، ستمئة صفحة ، لا يوجد اسم امرأة إلا عيسى ابن مريم ، لأنه صار حوله إشكال ، لأنه قيل : إنه ابن الله لا ابن مريم ، هناك أناس عملوا بطاقات ، شيء جميل ، وصلني عدد منها ، عقد قران ، ندعوكم لحفل زفاف الشاب فلان على كريمة فلان . على كريمة فلان أحلى من أن يكتب على فاتنة مثلاً ، بلا اسم ، هذا انسجام مع كلام الله عز وجل .
بالمناسبة الشيء بالشيء يذكر ، عدة عقود قران توزع فيها بعض الكتب الجيدة، كتاب في الأحاديث مثلاً ، كتاب في تفسير مبسط أحياناً ، مصحف ، كتاب في الحديث الشريف كتاب مشهور للغزالي مثلاً ، هناك كتاب بخمسة ليرات ، وعشرة ، وخمسة عشر ، وثلاثين ، أنت ناوي أن تدفع ثمن هذه العلبة خمسة عشر ليرة ، فيوجد كتاب بخمسة عشر مفيد، يقرأ ، يستفاد منه ، إذا إنسان قرأ حديثاً شريفاً يتأثر فيه ، فهذا بصحيفة الزوجين ، آن الأوان أن يجدد الإنسان هذه التقاليد المستمرة ، شيء ليس له طعم . ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 29 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 14]
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
يظن الغني أنه غني بذكائه ، الغني ببسط الله عز وجل ، والإنسان قد يكون أذكى ، و لكن له عند الله رزق محدود ، لكن ربنا عز وجل حكيم .
وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، حكيم عليم . قضية الإنسان مع الله ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين :
لكن ربنا عز وجل قال :
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة يونس: 10]
يا ترى دعواهم أي دعائهم ؟ لو كان الدعاء كان الله يقول : وآخر دعوتهم ، أو وآخر دعائهم ، أما هنا : ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ ﴾
[ سورة يونس: 10]
دعواهم ، الدعوة القضية ، أي قضيتك مع الله ، منذ أن ولدت وحتى الموت ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين ، الإنسان بيئته ، وضعه ، جسمه ، معه كسل بالأمعاء دائماً ، معه التهاب كبد مزمن ، معه ضعف بالبنية عام ، وضع جسمه ، وضع صحته، دخله ، بيته ، زوجته ، أولاده ، معاشه ، علاقاته مع الآخرين ، يوم القيامة يكشف الله الغطاء فتقول : الحمد لله رب العالمين . هذا الإيمان ، أما سيدنا علي فقال: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " . أي صار عنده يقين برحمة الله ، وحكمة الله ، وعلم الله ، وخبرة الله ، قبل كشف الغطاء ، فلو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً .
ويقول الإمام عليٌ كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أنا عندما أرى أخاً أو مؤمناً عنده مشكلة كبيرة بحياته وراض ويقول : الحمد لله ، الله حكيم ، هذا أنسب شيء لي ، الله رحيم ، الله عليم . أنا أعد هذا درجة عالية في الإيمان ، أن الإنسان يرضى بمكروه القضاء ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
انظر العظيم قدرةً ، والعلي كرماً . . ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[ سورة البقرة: 257]
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
[ سورة آل عمران: 156 ]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة لقمان: 12]
هو غني ، ومع أنه غني لا يعامل عباده إلا معاملةً يحمدونه عليها . ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 4]
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران: 18]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
(( أنا الله لا إله إلا أنا ، مالك الملوك وملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 6]
((عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَ ـ أما هنا انتبهوا ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ـ انظر إلى دقة الحديث ـ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْس))
[ مسلم عن أبي ذر]
من أحبه الله ابتلاه :
لا يتهم الله عز وجل ، يا رب ماذا فعلنا نحن لك ؟ هناك أناس يتجرؤون على الله عز وجل ، يقولون لك : ماذا فعلنا فنحن نصلي له ؟ فلان الفاجر لا يعمل له شيئاً . كأنه يعترض على حكمة الله عز وجل ، هي هذه جوابها سهل : إذا كان طالب من غير مدرسة فلتان، لا يوجد من يحاسبه بالأساس ، هل عليه وظائف ؟ لا يوجد عليه وظائف ، عليه دوام؟ ليس عليه دوام ، عليه تفتيش نظافة ؟ لا يوجد عليه تفتيش نظافة ، أما بالمدرسة فمحاسب أين وظيفتك ؟ لماذا تأخرت اليوم ؟ لماذا الصدرية ليست نظيفة ؟ فلما ربنا عز وجل يحاسب إنساناً معناها هذا الإنسان ضمن المدرسة ، طالب نظامي ، له مستقبل ، أما إذا كان لم يحاسبه فهذه علامة غضب ، تركه هملاً . .
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
الإنسان العاقل يفرح إذا الله عز وجل ابتلاه ، إذا أحب الله عبده ابتلاه ، معناها أنه ضمن العناية الإلهية ، ضمن العناية المشددة ، ضمن المعالجة ، ضمن الرحمة ، معناها ليس ميئوساً منه ، فيه خير ، أما إذا كان متروكاً هملاً يكون هذا خارج المدرسة ، لا يوجد عليه دوام، ولا يوجد تفتيش وظائف ، ولا مذاكرات ، ولا مذاكرة فجائية ، ولا مذاكرة خطية ، ولا مذكرة لوالده، ولا إحضار ولي ، لا يوجد شيء إطلاقاً ، معناها هذا متروك هَمَل أما هذا الجاهل فتجده يقول: أنا أصلي ويبعث لي الله مصائب ، وفلان لا يصلي ليس عنده مصائب . أنت غيره . ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
قال له أحدهم : أنا أريد أن أعصي الله عز وجل هل لها فتوى هذه المعصية ؟ قال له : لها فتوى ، اعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لا يوجد إمكان . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه . قال له : وأين أسكن إذاً ؟ قال له : تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له: هات الثانية . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه . قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟ قال له : هات الثالثة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لابد من أن يراني . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟ قال له : هات الرابعة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فإذا جاءك ملك الموت فلا تذهب معه ، قال له : لا أقدر ألا أذهب . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ولابد من أن تلقاه ؟! ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾
[ سورة هود: 92]
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[ سورة آل عمران: 141]
يكون بهذه النفس عيوب ، أمراض ، الله عز وجل حليم ، يضعك بظرف يظهر مرض ، يعالجك منه ، شفيت منه ، أيضاً بظرف ثان مرض ثان ، طالما يوجد بالجسد قلب ينبض هناك معالجة إلهية ، حتى تلقاه كيوم ولدتك أمك ، فالإنسان يجب ألا يجزن . ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 141]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 146]
﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 150]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159]
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة آل عمران: 180]
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة آل عمران: 182]
وأنه رقيبٌ علينا . ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء : 1]
إنه عليٌ كبير . . طبعاً الموضوع طويل ، العقيدة الصحيحة من كتاب الله عز وجل، هذا كله ورد في القرآن الكريم . . * * *
خروج الرسول الكريم من مكة و صعق قريش بهذا النبأ :
الآن ننتقل إلى قصة صحابيٍ جليل هو سيدنا سراقة ، أنا أتمنى على الأخ الحاضر إذا قلت له : احك لي عن علم الله عز وجل يتكلم لك ساعة . احك لي عن لطف الله عز وجل يتكلم ساعتين على خبرته ، على حكمته ، على أنه عزيز ، على أنه حكيم ، على أنه حليم ، على أنه غني ، هذه معرفة الله عز وجل ، ماذا تعرف عن أسمائه ؟ ضيف اليوم الجليل سيدنا سراقة ، لاحظ أن الصحابة الكرام تقول : سيدنا سراقة لكن كان يقصد رسول الله ، كيف ربنا عفو كريم ، وكيف الإسلام يجب ما قبله ، وكيف الصلحة بلمحة .
هبت قريش ذات صباح وجلةً مذعورة ، فقد سرى في أنديتها أن محمداً قد بارح مكة - خرج من مكة - مستتراً بجنح الظلام ، فلم يصدق زعماء قريش النبأ ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم ، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه ، حتى أتوا منزل أبي بكر ، فخرجت إليهم ابنته أسماء .
والله الطفل النبيه شيء جميل يقول له : قال أبي : إنه ليس هنا . فقال لها أبو جهل: أين أبوكِ يا بنت ؟ قالت : لا أدري أين هو الآن ؟ فرفع يده ولطم خدها لطمةً أهوت بقرطها على الأرض .
جنّ جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمداً غادر مكة ، وجندوا كل من لديهم من قفاة الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه ، ومضوا معهم يبحثون عنه ، فلما بلغوا غار ثور ، قال لهم قفاة الأثر : والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ، لأن الآثار دالة ، ولم يكونوا مخطئين فيما قالوا لقريش ، فقد كان محمدٌ وصاحبه داخل الغار ، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما .
قال له : " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا " . هذا حفظ الله عز وجل ، يقول لك أحياناً : الله يعمي عنك . هي دعوة عامة لكنها عميقة ، أحياناً لا يرى الموظف المخالفة ، أحياناً ينكشها على هوى حفظ الله عز وجل .
حتى أن الصديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه ، فنظر إليه النبي الكريم نظرة حبٍ ورفقٍ وعتاب ، فهمس الصديق قائلاً : "والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً " هذه المحبة ، والله يا إخوان الإيمان كله محبة ، من لا يحب أهل الإيمان لا يكون مؤمناً . قال له: " والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله ، فقال له عليه الصلاة والسلام مطمئناً : لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا "
أي إذا أنت مؤمن لك من هذا الكلام نصيب ، هذا ليس تاريخاً ، هذا لنا ، إذا أنت على شيء من الإيمان ، ومستقيم ، وعملك طيب ، بملمة ، بموقف حرج ، بورطة ، يجب أن تطمئن إلى رحمة الله ، إن الله معنا ، فأنزل الله السكينة على قلب الصديق ، وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا ، فقال له النبي الكريم هذه مرة ثانية فرجع واطمأن قلبه :
(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا))
[ [البخاري عن أبي بكر ]
كتقريب للفكرة ، لو فرضنا إنساناً دعي إلى الخدمة الإلزامية وكان والده قائد الجيش، فهل هذه الرتب تخيفه ؟ لا تخيفه ، لأنهم كلهم بإمرته ، النبي الكريم رأى كل من في الكون بيد الله عز وجل وهو رسول الله ، لا تحزن إن الله معنا ، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ ظهور الإيمان عند الخطر :
وهنا سمعا فتىً من قريش يقول للقوم : هلموا إلى الغار ننظر فيه . أحياناً ربنا عز وجل وهذه من حكمته ، هو سينجيك لكن يوصلك للحفة ، ما دمت أنت بالداخل لا تخف ، لما قربت من الحافة قلبك دق زيادة ، قربت للأمام ، هنا يظهر حسن ظنك بالله ؛ هناك شخص هنا يقول لك : أين الله ؟ وصلوا لنا . الإيمان يظهر عند الخطر ، أصحاب موسى آمنوا بسيدنا موسى لما تبعهم فرعون ، واثقون أن هذا رسول ، لكن عندما اقتربوا من البحر وفرعون وراءهم قالوا عندما بقي كيلو متراً و فرعون وراءهم ، نصف كيلو متر ، عشرة أمتار ، في هذه الساعة لم يتحملوا فقالوا :
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 61-62]
آخر شيء سيدنا رسول الله نفس القصة صارت معه ، كسرى ، وقيصر ، وتفتح عليكم بلاد قيصر وكسرى ، سمعوا واطمأنوا ، وستفتح البلاد ، كل من في الجزيرة جاءهم ليبيدهم ، بالخندق ، اليهود نقضوا عهدهم معهم ، قال المؤرخون : الإسلام بقي على ساعات ، ليست قضية فناء أو بقاء ، قضية ساعات بقي الإسلام كله ، هناك شخص قال : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته .
فربنا عز وجل أحياناً يضيق على المؤمن ، يضيق عليه لدرجة أنه لا يوجد أمل بالمرة ليقوى هذا الدين ، هذه حكمة إلهية . ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
[ سورة الأحزاب: 11]
كانوا مخلطين ، انفرزوا الآن ، أحياناً بالمنخل ينزل الزيوان يصفى القمح ، كذلك ربنا عز وجل يهز هزة واحدة كل الضعاف تنكشفوا ويتبقى الأقوياء أما : ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 23]
علامة الإيمان أنك في السرَّاء مؤمن وفي الضراء مؤمن ، في الغنى مؤمن وفي الفقر مؤمن ، في إقبال الدنيا مؤمن وفي إدبارها مؤمن ، عندك أولاد مؤمن الله لم يهبك أولاد مؤمن ، عندك زوجة صالحة مؤمن ، زوجة سيئة مؤمن ، دخلك كبير مؤمن ، دخلك قليل مؤمن. قصة سراقة بن مالك مع رسول الله :
هلموا إلى الغار ننظر فيه ، فقال له أمية بن خلف ساخراً : ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشعش على بابه ؟ ألا ترى العنكبوت ؟ القلب بيد الله عز وجل ، والله إنه أقدم من ميلاد محمد ، تريد الدخول إلى الداخل ، هذا العنكبوت قبل أن يولد محمد ، غير أن أبا جهل قال : واللات والعزى إني لأحسبه قريباً منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع ، ولكن سحره ران على أبصارنا ، والله كأنه بجانبنا قاعد سيدنا محمد .
يقولون - لكن هذه لم يذكرها المؤلف - إن سيدنا الصديق وقعت عينه على عين أحد على هؤلاء الذين يلاحقونه فأصيب بالذعر ، قال له : " والله يا رسول الله لقد رأوني " . قال له : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :
﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 198]
ألم تقرأ هذه الآية ؟ بيد أن قريشاً لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد ، ولم ينثني عزمها عن ملاحقته ، فأعلنت في القبائل المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة ، أن من يأتيها بمحمدٍ حياً أو ميتاً فله مئةٌ من كرائم الإبل . الآن الإبل ثمن الواحدة سبعة آلاف ليرة ، مئة في سبعة آلاف أي سبعمئة ألف ثمن بيت جيد .
كان سراقة بن مالك في نديٍ من أندية قومه قريباً من مكة ، فإذا برسولٍ من رسل قريش يدخل عليهم ويزيع فيهم نبأً الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بحمد حياً أو ميت.
فما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة حتى اشرأبت إليه عنقه ، واشتد عليها صرحه، ولكنه ضبط نفسه ، فلم يفُه بكلمةٍ واحدة حتى لا تتحرك أطماع الآخرين ، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه دخل على الندي رجلٌ من قومه وقال : والله لقد مرّ بنا الآن ثلاثة رجالٍ ، وإني لأظنهم محمداً وأبا بكر ودليلهما .
فقال سراقة وقد كان داهية : بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقةٍ لهم أضلوها لكي لا يأخذ الجائزة غيره ، فقال الرجل : لعلهم كذلك . وسكت ثم مكث سراقة قليلاً حتى لا يثير قيامه أحداً - أي يثير الشبهة - فلما دخل القوم في حديثٍ آخر انسل من بينهم ، ومضى خفيفاً مسرعاً إلى بيته وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلةٍ من أعين الناس ، وأن تربطه له في بطن الوادي ، وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه ، وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد، يريد أن يحضره ميتاً أو حياً ، وأن يجعله في مكان قريب من الفرس .
لبس سراقة درعه ، وتقلد سلاحه ، وامتطى صهوة فرسه ، وطفق يجد السير ليدرك محمداً قبل أن يأخذه أحدٌ سواه ، ويظفر بجائزة قريش ، كان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين ؛ طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال الطرق، وكان إلى ذلك كله أريباً لبيباً شاعراً ، وكانت فرسه من عتاق الخيل .
مضى سراقة يطوي الأرض طياً ، لكنه ما لبث أن عثر به فرسه وسقط عن صهوتها فتشائم من ذلك وقال : ما هذا ؟ تباً لك من فرس . وعلا ظهرها غير أنه لم يمض بعيداً حتى عثرت به مرةً أخرى ، فالإنسان إذا كان يسير في طريق غير صحيح لا سمح الله وأكل أول ضربة ، لا يبقى ماشياً والثانية ربنا نبهه ، أول مرة تعثرت فرسه وثاني مرة فازداد تشاؤماً وهمّ بالرجوع ، فما ردّه عن همه إلا طمعه بالنوق المئة ، فلم يبتعد سراقة كثيراً عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمداً وصاحبه ، فمد يده إلى قوسه ، لكن يده جمدت في مكانها ، ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض ، والدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها ، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت في الأرض ، كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد ، الآن أدرك أن هذا الرجل ممنوع منه ، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وقال بصوتٍ ضارع : يا هذان ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي - لكن يقولون : إن سيدنا سراقة لما قرب من سيدنا رسول الله ، سيدنا الصديق بكى مرة ثانية فقال له : " ما يبكيك يا أبا بكر ؟ " . قال له : " والله ما على نفسي أبكي ولكنني أبكي عليك ، إن أهلك أنا فأنا واحد ، وإن تهلك أنت فأنت أمة " . فقال له رسول الله :" اللهم اكفنا شره متى شئت وكيف شئت " - ولكما عليّ أن أكف عنكما ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فأطلق الله له قوائم فرسه ، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد ، فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل ، فاستغاث بهما وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخذاه ولكما عليّ عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، أول عهد أن يكف عنهم ، أما ثاني عهد فأن يبعد الناس عنهما ، طور العهد .
فقالا له : لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن ردّ عنا الناس ، ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرسه ، فلما همّ بالعودة ناداهم قائلاً : تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيءٌ تكرهونه . فقالا له : " ما تبتغي منا ؟ " فقال: والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك - كان ذكياً - ويعلو أمرك ، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك .
فأمر النبي صلوات الله عليه الصديق فكتب له على لوحٍ من عظم ، ودفعه إليه ، ولما همّ بالانصراف ، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ))
[ من شرح الجامع الصغير عن ابن معين ]
أي هل من المعقول أن تقول لإنسان جالس بدولة من العالم الثالث : كيف بك إذا جلست مجلس أعلى رئيس دولة في العالم ؟

السعيد 09-09-2018 08:42 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : العلم - فضيلة العلم - فصل من فصول احياء علوم الدين








الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العالِم الحقيقي :
لا زلنا في فصولٍ مختارةٍ من إحياء علوم الدين ، والفصل المختار الذي بدأناه في الدرس الماضي هو العلم ، وقد ذكرت لكم بعضاً مما جاء في هذا الفصل من الأحاديث الشريفة التي تحث الناس على طلب العلم ، ولا زلنا في هذا الموضوع .
ربُنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
قال بعضهم : إذا تعلَّم الرجل ، وسار على معرفةٍ بالله عز وجل ، يكفي أنه جاء ثالث اسمٍ في هذه الآية : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
ويُستنبط من هذه الآية أن العالم الحقيقي هو الذي يشهد لك عدالة الله عز وجل ، أما الذي ينقل لك بعض ما قرأه فهو ناقل وليس عالماً ، إن قرأ لك بعض ما نقله وما قرأه ، وأدى هذا النقل إلى إيقاعك ببعض التناقضات نقول : عدله غير عدلنا . و نقول نحن أدباً : الإنسان مخير ، لكنه في الحقيقة مجبر على كل أفعاله ، من يقول هذه الكلام ليس عالماً ولكنه ناقل ، نقل حقاً ونقل باطلاً ، نقل حقاً ونقل ما قرأه من الباطل وجاز عليه هذا الباطل ، لذلك : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
أي أن الإنسان عندما يريد أن يأخذ دينه عن عالم فهذا أثمن شيء في الحياة . . ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
[ مسلم عن ابن سيرين]
(( يا بن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا))
[ كنز العمال عن ابن عمر]
لأن الإنسان إن سمع كلاماً غير صحيح من رجل ينقل لك العلم لا أقول عالماً ، وهذا الكلام أعانك على معصية ، أو غطَّى لك معصية ، أو برر لك المعصية ، فهذا هو الضلال بعينه ، فسيدنا يوسف فعل ما فعل ، من أنت ؟ صار هناك مبرراً لإطلاق البصر . ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
التعامل مع الله عز وجل ثابت :
شيءٌ آخر . .
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
العالمون وحدهم يعقلون هذه الأمثال ، البارحة في بعض الدروس في درس في مسجد العفيف أخ كريم جاء بمثل - طبعاً هو السؤال عن تشبيه في آية - قال لي : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
هذا مثل ضربه الله لنا عز وجل ، فكيف أصلها ثابت ؟ أي أن الحق مبني على قواعد ثابتة ، أسس الحق ثابتة ، عبر العصور ، والأزمان ، والأمصار ، والأصقاع ، لا يتبدل ولا يتغير ، الحق هو هو ، قديمٌ وأزليٌ وسرمديٌ وأبدي . . ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
أي أن التعامل مع الله ثابت ، الله سبحانه وتعالى له قواعد ثابتة في التعامل معه . ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 56]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف : 110]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة يوسف : 22]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[ سورة يوسف : 124]
كلها قواعد ثابتة ، فالتعامل مع الله عز وجل مريح ، أما التعامل مع البشر ، البشر متقلِّب ما كنت ترضيه به اليوم لا يرضى به غداً ، فقد يأخذ موقفاً آخر ، قد يتقلب ، قد يغير ، قد يبدل ، قد ترضيه ، قد لا ترضيه ، قد ترضيه فيغضب غيره . . ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
السمو في النفس من آثار التدين الصحيح :
آثار التدين الصحيح سمو في النفس . .
﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
آثار الدين الحقيقي مروءة ، وفاء ، عفة ، صدق ، أمانة ، لو أن مال الدنيا وضع تحت يدي رجل مسلم ما أخذ منه شيئاً إلا بحقه ، فالمؤمن أمين ، المؤمن صادق ، المؤمن عفيف ، المؤمن يؤتمن على كل شيء ، فلذلك : ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
تزوج المؤمن ، أنجب أولاداً صالحين ، جاره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام جاره، صهره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام ، ابن أخيه ، أخوه ، زميله . . ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 25]
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
هذا مثل ، قال تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
القرآن الكريم آيات بينات :
لكن هذا القرآن الكريم كتاب الله ، قال الله عز وجل :
﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
هذه آيةٌ أروع ، أي أن القرآن الكريم ليس هذا الذي كتب على ورق ، القرآن الكريم : ﴿ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
لذلك : من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال ، فهو ينتقل من محال إلى محال ، لا يعرف ما نقول من لم يقتف أثر الرسول صلى الله عليه و سلم : ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
أي إذا كان الإنسان من عائلة أو من أصل رفيع وتعلم ، تزيده رفعةً ، هذا العلم يزيده رفعةً ، إن كنت شريفاً فالعلم يزيدك شرفاً ، تعلموا العلم - كما قال بعض الخلفاء - فإن كنتم سادةً فقتم ، وإن كنتم وسطاً سُدتم ، وإن كنتم سوقةً عشتم .
إن كنتم في الأساس سادة فقتم في هذا العلم ، وإن كنتم وسطاً- من الطبقة الوسطى - سدتم بالعلم ، وإن كنتم سوقةً - من دهماء الناس - عشتم بالعلم . (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه . الإيمان مرتبة علمية و أخلاقية و جمالية :
إذا أنت قلت الآن : دكتور . لو قلت هذه الكلمة أمام مليون إنسان ، المليون إنسان يفهمون أن هذا عالم ، غير أنه عالم عنده حكم موضوعي ، لأن من لوازم العالم الحكم الموضوعي ، الإنصاف في الحكم ، فإذا قلت : مؤمن . لا يمكن إلا وأن يكون على شيءٍ من العلم ، فكلمة مؤمن مرتبة علمية ، وكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية ، أي أن المؤمن عالم ، المؤمن أخلاقي ، المؤمن له أذواق رفيعة ، كيف رفيعة ؟ أي يطرب في كتاب الله ، يتغنى بالقرآن . لو جمع ذوَّاقو الغناء في العالم ما طربوا بواحد بالمئة ولا بالألف مما يطرب به المؤمن من كتاب الله ، المؤمن له أذواق رفيعة ، حتى في زواجه ، في طعامه ، في شرابه ، في بيته ، له ترتيبات ، له اختيارات راقية جداً ، فالنبي الكريم يقول :
((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّي))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
فيه فقه ، فيه تعمُّق ، المنافق يخلِّط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، إذاً ليس فقيهاً . . جاء ببالي مثل ، أحب أن أطرق أمثلة من واقع حياتنا : إذا إنسان معه دكتوراه في ميكانيك السيارات ، درس ثماني عشرة سنة ، وتفوق ، بسيارته الخاصة عندما شعل الضوء الأحمر الخاص بالزيت لم ينتبه ولم يهتم ، وبقي يمشي ، فاحترق المحرك ، وآخر لا يقرأ ولا يكتب عندما شعل الضوء الأحمر توقف ، أنقذ عشرين ألف ليرة ، أيهما أفهم ؟ عملياً هذا الذي توقف فجأةً ، هذا استفاد من معلومات بسيطة ، أما هذا الآخر فعلى علمه الشديد حرق المحرك .
فأحياناً الإنسان يكون مثقفاً ثقافة عالية ، لكن لأنه لا يستقيم على أمر الله ليس عالماً ، علمه جهل ، وهذا الذي يبدو لك ليس عالماً ، جهله علم ، مادام استقام ، ما دام خشي الله عز وجل ، استفاد من معلومات بسيطة ، ليس من الشرط أن يكون متبحراً في كل شيء ، لأن العمر قصير ، لكن إذا خشي الله عز وجل فهو على نوعٍ من أنواع العلم الراقي ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
فأنا حينما أقول عن العلم أقصدكم أنتم والله ، أقصد من يحضر مجالس العلم ، لأن: (( إنما العلم بالتعلم ))
[الطبراني عن أبي الدرداء ]
وهذا الذي ترك بيته ، وجاء ليجلس في مسجد لا نقدم له شيئاً ؛ لا طعام ولا شراب ولا أي شيء ، وليس المقعد مريحاً على الأرض ، هذا الذي جاء ليتعلم العلم هو المقصود بهذه الأحاديث . أهل العلم و الجهاد أقرب الناس من درجة النبوة :
((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال : " إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع " . فالعالم لا يقول لك من عنده شيئاً ؛ مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، مما قاله الله عز وجل : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
لأن الإنسان قد يأتي يوم القيامة أمَّة ، وهذا أيضاً تحميس لكم ، أي اعرف بالضبط مكانتك عند الله بعدد الذين تمَّت هدايتهم على يديك ، وهذه صنعة الأنبياء ، وإذا قدَّر الله على يديك هداية رجل فقد سبقت من أُعطي الدنيا بأكملها ، من أعطي مال الدنيا ، هذا أوناسيس ترك أساطيل من البواخر ، ترك جزراً كلها باسمه وهي ملكه الشخصي ، ماذا أخذ معه ؟ قبيل أن يموت قال : أنا أشقى الناس . هذا يسمونه من أكبر أثرياء العالم ، الآن ببعض الدول العربية شخص يملك أربعة أو خمسة آلاف مليون دولار ، هذه أرقام واردة بالبنوك ، فالواحد منا ماذا يأكل الظهر غير أوقية ونصف من اللحم ! كم بدلة يلبس في آن واحد ؟ بدلة واحدة ، كم كُم للبدلة ؟ على كم فراش ينام ؟ على فراش واحد ، وإذا عطش كم كأس يشرب ؟ كأس واحد ، لو إنسان تعمق تجده كله فقاعات صابونة . الهدى تمام النعمة :
و قال عليه الصلاة و السلام :
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
[البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، أنت بصحتك أغنى الناس ، فمن طرائف الحكم أن الصحة واحد ، والمال صفر ، صار عشرة ، الجاه صار صفراً واحداً صاروا مئة ، إذا عنده بيت واسع صفر ثالث صاروا ألفاً ، عنده أولاد صفر رابع ، عنده مركبة صفر خامس ، عنده بستان صفر سادس ، عنده بيت بمصيف فخم ثمنه مليونا ليرة صفر سابع ، لكن اسحب الواحد ، كله أصفار ، فإذا الإنسان عنده صحة عنده كل شيء ، إذا كانت الكلاوي سليمة ، قلبه سليم ، أمعاؤه سليمة ، أعصابه سليمة ، كامل الخلق ، عقله برأسه . لي صديق معه عدة أمراض ؛ كوليسترول وأسيد أوريك و....و.....، ونحن نمشي رأينا إنساناً فاقد العقل بالطريق ، قلت له : أغلب الظن أن هذا الإنسان لو فحصت قلبه مئة بالمئة ، نبضه قوي ، وضغطه كذلك، هل تتمنى أن تكون بصحته وبعقله ؟ قال : لا . قلت له : إذاً أنت في نعمةٍ كبرى .
الإنسان في الصحة ، هذه ألح عليها ، لا أحد يقل : أنا معي مال فأنا بنعمة . هذا المال لا يسمى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله ، أنا عندي زوجة . هذه ليست نعمة إلا إذا كانت مؤمنةً ، إن لم تكن كذلك تقود زوجها إلى جهنم ، أنا عندي أولاد . إن اهتممت برعايتهم طبعاً بعدما اهتممت أنت برعايتهم ، إذا استقاموا أو لم يستقيموا فهذا شيء لست مسؤولاً عنه ـ لكن أهملت توجيهم ونشؤووا على الفسق والضلال ، الأولاد لو كانوا أطباء ومهندسين ، وأحدهم معه بورد ، والآخر معه ( إف آر إس ) ، والاخر معه شهادة ( أكريجيه ) ، وكلهم قعدوا أمامك، وكلهم جاؤوا من أوروبا ، واقعون بمشكلات ، تركوا دينهم ، ووقعوا بالفاحشة ، و رأوا أن أمتهم متخلفة ، وأبوهم دقة قديمة ، إذا كان عندك أولاد هكذا بعلية المجتمع وما كانوا دينين ، فهي ليست نعمة بل نقمة ، بالدليل أن يوم القيامة يقول أحدهم : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه هو الذي شجعني ، لما رآني بالفسق ما نهاني ، افتخر بي ولكن ما نهاني ، فالموضوع ربنا قال : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
[ سورة الدخان : 25-27]
نَعمة . . هذه لا تنسها ، مال من دون هدى نَقمة ، زوجة بلا هدى نَقمة ، صحة بلا هدى نَقمة . الآن . . . صحة وهدى نِعمة ، زوجة مع الإيمان نِعمة ، مال بالإيمان نِعمة ، هذه النِعمة لذلك : ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة : 6 ]
قال المفسرون : تمام النعمة الهدى . مهتدي إذاً أنت بنعمة ، أن كل شيء في الدنيا يبقى في الدنيا ، فالصحيح يموت والمريض يموت ، والغني يموت والفقير يموت ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عيَّن مستشاراً من أعلى مستوى ، اسمه عمر بن مزاحم ، قال له : يا عمر الزمني ، فإن رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذه هي وظيفتك ، راقب أحكامي ، راقب تصرفاتي ، إذا كنت حكمت بين شخصين فراقب حكمي ، إذا كنت أصدرت أمراً راقبه ضمن الحق أو هو الحق ، إذا كنت خرجت عن الحق أمسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذا موضوع النِعمة والنَقمة خليه ببالكم ، فالآن الناس تجدهم عنده مال الله كافيه ، لكن هذا المال ينفقه في المعاصي يقول لك : الله مفوضها . إذا كنت غير مهتد لا ليست هذه النعمة ، هذه ليست نعمة هذه نَعمة ، إذا كنت مهتدياً فعلاً الله مفوضها عليك . فضل الحكمة :
لذلك لنبحث عن الهدى لأن ربنا عز وجل قال :
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[ سورة البقرة :269 ]
لأنك بالحكمة تحسن إنفاق المال ، وتحسن كسب المال ، وبالحكمة تنتقي الزوجة الصالحة ، وبالحكمة تصلح السيئة ، وبالحكمة تحسن تربية الأولاد ، وبالحكمة تحسن استغلال وقتك .
حدثني أخ والده معه بعض الآلام ، أخذ حب مسكِّن ، استمر عليه فأدمن عليه ، الآن قعيد الفراش ، يحتاج كل يوم ثلاثين ليرة ثمن هذا الحب ، وهذا الحب مسكِّن من النوع القوي المفعول إذا لم يأخذه يكسر كل شيء أمامه من الوقت الذي بدأ يأخذه باستمرار ، لو كان حكيماً ما وصل إلى ما وصل إليه ، عليه بعض الديون ، ويملك بيتاً ثمنه سبعمئة ألف ، باعه بمئتين وتسعين ألفاً ، في ساعة غضب أحضر دلالاً نهبه نهيباً ، سكن عند أمه بغرفة واحدة هو وخمسة أولاد ذكور وإناث و زوجته ، وباع البيت ، والبيت الآن ثمنه ثمانمئة ألف ، أي حكمة هذه ؟ أضاع البيت الذي كانت مساحته مئة وثمانين متراً ، حكى ابنه لي فقال : شيء صعب .
فكانت الحكمة كل شيء بالحياة ، المال يحتاج إلى حراسة ، أما العلم فيحرسك ، الحكمة تجلب المال ، والحمق يبدد المال ، الحكمة ؛ تنتقي بالحكمة زوجة صالحة ، من دون حكمة تنتقي زوجة جميلة ، فتكيل لك الصاع صاعين ، فالإنسان يبحث عن العلم ، والعلم أثمن شيء بالحياة. (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
من تفقه في دين الله كفاه الله ما أهمه :
(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
هل أنتم مصدقون هذا الكلام ؟ (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه .......))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
أي إذا كان شاباً انقطع لمعرفة الله ، أكبر همّ تأمين بيت ، أنا والله أضمن له ذلك ، لكن كيف ؟ لا أعرف ، لكن اعتماداً على وعد الله عز وجل ، فكيف يتيسر البيت ؟ لا أعرف ، لكن هذا الذي يهمك اطمئن من أجله . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ........))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
يهمه أيضاً زوجة صالحة، أيضاً اطمئن ، من أين تأتي لا أعرف ، لكن تأتيك امرأةٌ تقول ليس في نساء الأرض من هي خيرٌ منها . هكذا الله يُريكها ، وإذا أحدهم تفقه في دين الله وخائف أن يكون رزقه قليلاً ، لا تخف ، لأن الله عز وجل هو الرزاق ، لو قطع البشر بعض أسباب الرزق ، إذا قطع البشر بعض أسباب الرزق يصل الله عز وجل رزق العبد بأسباب عديدة، والعوام تقول هذا : إذا انسدت من باب تنفتح من عشرة أبواب ، وأحياناً المشكلة نفسها تسبب رزقاً وفيراً . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
والله أنا كان لي طالب قال لي : أخذت شهادة عالية ، والتحقت بالخدمة الإلزامية ، ولا يوجد مجال أن أتزوج ، لعدم وجود البيت ، وبقي سنتين أو ثلاث ، قال لي : بعد أربع سنوات ضاقت نفسي جداً ، لم أجد طريقاً مفتوحاً ، كل الطرق مسدودة ، وكان مسافراً ، في مكان سفره دعا الله عز وجل من أعماق أعماقه أن يا رب يسر لي زواجاً حتى أحصن نفسي ، ولا يوجد بيت . وهو في طريقه إلى دمشق لم يجد بالكرنك ، ركب الباص ، ومن حمص أخذ الباص الثاني ، قعد فوجد بجانبه إنساناً وقوراً بعد نصف ساعة سأله : الأخ الكريم ما اسمه ؟ قال : اسمي فلان . ما عملك ؟ قال : أنا مدرس . قال له : أمتزوج ؟ قال له : لا والله . قال له: عندي بنت تناسبك . قال له : لكن أنا لا أملك بيتاً ؟ قال له : هي ومعها بيت . قال لي : والله ساعات قليلة ، وتمّ الأمر ، كيف اجتمع معه ، كيف صارت هذه المودة ؟ لا تعرف ، فأنت فقط تتعامل مع الله عز وجل ، إذاً تعرف كيف الله يعامل المؤمنين ، كيف يعامل المخلصين ، كيف يعامل عباده الصالحين ، كيف يعامل من آثر رضاء الله على الدنيا ، إذا كنت تعرف الله عز وجل تقول : حقاً هذا الشيء يقع . العالم أمين الله في الأرض ، أي أمين على هذه الدعوة ، أمين على هذا الكتاب ، أمين على الفتوى ، لأنه إذا أفتى فتوى ضالة أو منحرفة ، كان هذا الذي أفتى جسراً إلى جهنم ، لذلك إذا سألت رجلاً عن قضية وقال لك : اترك لي إياها . لا تشك بعلمه ، شيء يخوف ، فالفتوى تخوِّف كثيراً ، يجوز أن يكون لها وجه صحيح ووجه غير صحيح ، أعطه مهلة ، لأن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار ، لكي الأمر يتضح ، حرام حرام ، حلال حلال .
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ومن ناحية أخرى ، الإنسان يظن أن الداعي إلى الله عز وجل موضوع آلة فقط ينتهي الدرس يكون الواحد قد استنفذ كل طاقته .
و هناك شيء آخر أصبح بجو معين ، ينطرح سؤال دقيق : أن بنت ابن عم خالتي رضعانة من خالتي فهل يجوز لها ابني ؟ سؤال معقد ، امهلني قليلاً لأكتبها ، سؤال معقد يحتاج أن يكتب على ورقة ، يحتاج إلى تريث .
فأنا لا أرى من المناسب بعد الدرس مباشرةً أن تطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً ، فهذه الأسئلة تحتاج إلى وقت خاص ، صباحاً من دون أن يكون هناك درس مثلاً ، لأن الإنسان له طاقة وله بؤرة اهتمام ، هذه البؤرة كلها تكون في هذا الموضوع ، فلو نقلته لموضوع آخر تحتاج لصفاء ذهني ، فالأسئلة تحتاج لوقت معين ، فإذا كان السؤال مكتوباً بورقة أهون ، والإجابة عنه تكون أسهل . . العلماء و الأمراء إن صلحا صلح الناس :
(( صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس : الأمراء و الفقهاء ))
[ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس]
إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، أي إن كنت على يقينٍ من صدق النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تراجع نفسك كل يوم ، أنا اليوم تعلمت تفسير آية ما كنت أعرفها ، تعلمت حديثاً شريفاً ما كنت أعرفه، تعلمت قضية بالفقه ، عملت عملاً صالح ، نفذت شيئاً من سنة رسول الله ، عدت مريض مثلاً، تصدقت ، نصحت ، أمرت بالمعروف ، نهيت عن المنكر ، تليت كتاب الله ، ذكرت الله عز وجل ؟ (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنه أهون لحسابكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))
[علقه ابن الجوزي في ' تاريخ عمر بن الخطاب ' عن ثابت بن حجاج ]
إذا كنت وجدت الدرج ملئ بالغلة ، فتقول : السوق حامي اليوم . هذا ليس ربحاً ، هذا مال الدنيا للدنيا ، لا ترتفع عند الله شعرة إذا تضاعف البيع ، أما تعلمت آية ، تعلمت حديثاً، تعلمت حكمة ، سمعت قصة عن صحابي جليل فتأثرت تأثر بليغ ، تمنيت أن تكون على شاكلة هؤلاء الأبطال ، إذا كنت باليوم لك هذا النشاط فهنيئاً لك ، أما إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، هذا اليوم غير مبارك ، يقول لك : نهارك عربي بالصلاة على النبي . ما هذه عربي مبارك أي أنك ازدت علم لله عز وجل ، مبارك أي زدت قرب من الله ، عملت عمل صالح ، الله قدر على يديك عملاً صالحاً ، أو سمح لك أن يزداد علمك به ، وهذه نصيحةٌ صادقة :
في اليوم الذي لا تزداد فيه من الله علماً أو لا تزداد فيه من الله قرباً فهذا يومٌ ضائع ولو اشتريت صفقة ربحت منها مليونين ، مال الدنيا للدنيا . جبر الخواطر :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما عُبد الله تعالى بشيءٍ أفضل))
[ من الجامع الصغير عن ابن عمر]
أنا أحفظ مجموعة أحاديث على هذه الصيغة ، من هذه الأحاديث : ((ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر ))
[ كشف الخفاء ]
بدل القلوب ، إنسان مكسور خاطره أكرمته ، لك أخت زرتها ، هي وزوجها متشاجرة مهددة بالطلاق ساعدتها على حلّ مشكلة، قال لي شخص والله أبكاني : له أخت زارها، وجدها على خصام مع زوجها شديد جداً ، زوجها دخله محدود ، تريد منه ثلاثمئة بالشهر كسوة لها ولبناتها ، وهو لا يعطيها شيئاً ، هو جالس يستمع للمشكلة ، بعدما انتهت قال لها : يا أختي المبلغ خذيه مني كل شهر فسكتت ، فهل بقيت مشكلة ؟ وزوجها سكت .
قال لي : كل شهر - والله مضى عليّ ثمانية أشهر لم أتأخر عن أداء المبلغ ساعة - يوم واحد بالشهر أكون عندها أعطيها المبلغ ، أخاف أن أتأخر يوماً فتظن أني غيرت عهدي هذا . قال لي : بعد شهرين أو ثلاثة قالت له : أخي اعمل لنا درس دين نتعلم منك . قال لي : والله هي التي طلبت ، جمع أخواته كلهم وعمل لهم درساً أسبوعياً ، قال لي : علمتهم بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث من الجامع الصغير ، قال لي : الآن أخواتي الخمس انطلقوا انطلاقة ثانية ، غيروا كل مسلكهم بالحياة .
فهذا المبلغ الذي تدفعه يفعل السحر ، يصير مثل السحر ، إذا إنسان دفع مبلغاً اقتطعه من دخله إرضاءً لله عز وجل ، لأنه جبر خاطرها ، هي لزم عليها أن تنفق بالشهر ثلاثمئة لها ولبناتها ، وزوجها لا يوجد معه ، هذا أخ ، فما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ، أنا والله أغبط الأغنياء أقسم بالله ، لأن أمامهم أبواباً مفتحة لا يعلمها إلا الله ، مفتَّحة أبواب العمل الصالح أمامهم ، فأقول لكم : بالحياة قوتان قوة العلم وقوة المال ، يمكن بالمال أن تهدي مئة رجل بإحسانك ، هذا دينته ، هذا عاونته ، هذا اشتريت له ، وهذا أقرضته ، تجد القلوب تميل لك ، ويميلون لدينك أيضاً ، ويميلون لجامعك كذلك مكان ما تصلي، تستطيع أن تحضر الناس بمالك وبعلمك كذلك .
إنسانان مغبوطان ؛ إنسان يعلم الناس ، ورجل أتاه الله مالاً ينفقه ابتغاء مرضاة الله، كل هذا الخير ، قال لي : أخواتي وبنات أخواتي ، صار هناك درس أسبوعي . . فإذا إنسان له أخوات بنات عمل لهم درساً أسبوعياً ببيته ، أو ببيت أحد أخواته ، وعلمهم بعض الفقه ، حقوق الزوج ، وحقوق الزوجة ، تفسير جزء عم ، حديث شريف عن رسول الله ، تجد الجو كله انتعش، الآن تجد الناس كل مجالسهم باطلة ، كلام على الناس ، وغيبة ، ونميمة ، ونقل أخبار مزعجة ، وشعور بالتفاهة . (( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً . . .))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يجوز أن تنفق مئة ليرة تسبب هداية إنسان ، لا أحد يستقل بالصدقة ، فمثلما قلت لكم : ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب . التفقه في الدين خير عبادة :
هذا حديث آخر على الصيغة نفسها :
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
هذه أرقى عبادة ، فالصلاة عبادة ، إذا صليت بالجامع صلاة نفل فهذه عبادة ، إذا استمعت إلى مجلس علم فهذه أفضل عبادة ، إذا صمت نفلاً فهذه عبادة ، لكن إذا كان صيام النفل - إياكم أن تفهموا الفرض ، فالفرض ليس رمضان فقط بل قضاء رمضان - سيمنعك من مجلس علم ، فافطر واجلس مجلس علم ، لأن الفقه في الدين أفضل عبادة .
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
إذا كنت أنت بمكان بعيد ، ومعك أجرة سفر لمجلس علم ، أنت بدرعا مثلاً ، تحتاج عشرة ليرات لتصل ، إذا دفعت العشرة صدقة بدرعا هذا العمل ليس أقل من أن تأتي إلى دمشق وتحضر مجلس العلم ، إذا دفعت هذا المبلغ أجرة طريق لحضور مجلس علم هذا أفضل عند الله من دفعها صدقة . (( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
قال لي أحدهم : حفرنا مكاناً بمحل تجاري لنضع أنبوباً ، لم نفعل شيئاً ، فروغ المحل ثلاثمئة ألف ، جاء محامِ وصوره ، وأقاموا دعوى وبعد عدة سنوات أخليت من المحل . لأن الحفر هذا يسبب الإخلاء ، فالجاهل يقول لك : احفر لا يوجد خطر ، هذا الذي تحفره يحمل اثني عشر طابقاً ، تحفر فيتصدع البناء ، فهذه عماد الدين . (( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
أخي أنا آدمي ، لا أؤذي أحداً ولكن لا أصلي . ما هذا الكلام ؟! هذا إما بلادة و إما ذكاء ، هناك شخص لا يؤذي أحداً يخاف من الناس ، هذه بلادة ، ولكن إذا كان قوياً ولا يؤذي أحداً فهذا ذكاء منه ، يعيش مطمئناً ، ليس هذا الدين ، الدين أن تعرف الله عز وجل .
جاء طالب آخر السنة : لماذا لم تنجحوني ؟ لم أضرب رفاقي ، لم أتشاكس معهم ، ولم أفعل شيئاً ؟ لكن ما درست ، وإذا لم تؤذهم ، إذا لم تؤذ أحداً يجب أن أنجحك ؟ النجاح يحتاج إلى دراسة ، فكلمة أنا لا أؤذي أحداً هذا كلام مضحك ، أو يقول : أنا قلبي أبيض . يكون رمادياً أيضاً ماذا أفعل به ؟ نحن نريد إنساناً مستقيماً ، نحن نريد إنساناً يصلي . ((أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))
[ أحمد عن أبي قتادة]
ذاهب مع بعض الناس في سفر ، أخي تعال نقصر ، تقول : لا نحن مرتاحون الآن . أنت مرتاح غيرك ليس مرتاحاً ، أنت شاب غيرك يحب أن يصلي قصراً ، يوم سفر ، الإنسان يجب أن يكون مع المجموع ، سيروا بسير أضعفكم . (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغيرعن أنس]
خير العبادة ؛ الصوم عبادة ، الصلاة عبادة ، الحج عبادة ، الفقه خير هذه العبادات ، إنسان ذهب ليحج ورجع ، عملوا له مباركة ، نظر من فتحة الباب فرأى النساء اللواتي جئن ليباركوا لزوجته ، وهذا حج ؟ لو فقه بالدين ولم يحج لكان أفضل ، أما إذا كان فقيهاً وحج ، فهو شيء راق جداً ، أما الإنسان فيحج لكن لم يفهم شيئاً بالدين ، يجوز أن يقتل إنساناً ليصل للحجر الأسود فهل أنت فقيه بالدين ؟ أخي نريد أن نقبله ، تحتك مع أناس تدهسهم، نريد أن نقبله ، هذا الجهل بعينه ، أو يقعد بعرفات بالخيمة يسمع المسجلة يقول لك : جلسنا خمس ساعات انبسطنا تماماً والحمد لله ، ماء مثلَّج ، ونسمع مسجلة وكل شيء من أحسنه ، فما هذا الحج ؟ فقصدي : (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغير عن أنس]
أثر العلم و فضله :
اسمعوا لهذا الحديث ، ولا زلنا في فضيلة العلم :
(( قيل : يا رسول الله - انظر لهذا السؤال - أي الأعمال أفضل ؟ فقال : العلم بالله عز وجل . فقيل : أي العلم تريد ؟ قال عليه الصلاة والسلام : العلم بالله سبحانه . فقيل يا رسول الله : نسأل عن العمل وتجيب عن العلم ؟! ـ نقول لك : أي الأعمال أفضل ؟ أنت قلت لنا العلم بالله العلم عمل ؟!- اسمعوا الجواب -. . . فقال عليه الصلاة والسلام : إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
كثير العمل لا ينفع مع الجهل ، فإذا إنسان عمل بناء من غير مهندسين ، وأحضر مئة طن من الحديد ، ولكن لا يوجد علم ، هنا وضع لكل متر سبعة أكياس ، هناك وضع كيسين ، بعدما انتهى من صب عشرين طابقاً البناء كله مال ، كل البناء صار يحتاج لتكسير ، كل هذه النفقات أصبحت على الأرض ، هذا المال يحتاج لعلم ، تريد أن تضع ثمن حديد ، وثمن إسمنت ، كله شيء غال ، أسعاره غالية ، تريد مهندساً ليعطيك نسباً صحيحة ، فالنبي الكريم يقول : (( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى ، إذاً العلم أعظم من العمل . وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
وقال أبو الأسود : " ليس شيءٌ أعز من العلم ، الملوك حكامٌ على الناس ، والعلماء حكامٌ على الملوك ". الآن هل يستطيع أي ملك من الملوك ألا يكون عنده مستشارون ؟ إذا كان يريد أن يمنع شيئاً أو يسمح بشيء يحتاج إلى خبراء اقتصاد ، إذا منعنا ماذا يحدث ؟ يحدث هكذا وهكذا وهكذا ، كل رؤساء الدول حولهم فريق مستشارين من أعلى مستوى ، معناها العلم هو الأساس ، كل وجدت معضلة اجتماعية أو اقتصادية يجتمع الخبراء ، كيف الحل ؟ ماذا نفعل؟ إذاً من هو حجر الزاوية في بناء المجتمع ؟ العلم .
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾
[ سورة النمل :16 ]
بين العلم والمال والمُلك ، فاختار العلم فأعطي المال والمُلك معه .
وسئلٌ ابن المبارك : من الناس ؟ فقال : العلماء . فقيل : من الملوك ؟ قال : الزهاد . فقيل : من السفلة ؟ قال : الذين يأكلون الدنيا بالدين . واستمعوا لهذا الحديث : ((من أوتي القرآن - أي أوتي فهمه- فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله ))
[ إسحق بن راهويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الله فهمك كتابه ، وأنت لك دخل محدود ، وساكن ببيت وسط ، غرفتان وصالون ، وتمشي على رجلين ، لا يوجد شيء يرفعك عن الأرض لكنك فاهم كتاب الله ، ولك صديق كان بالابتدائي وكنتما معاً على مقعد واحد ، والآن يحكي بالمئة مليون ، إذا رأيت أن الله أعطاه أكثر منك فقد حقرت ما عظمه الله ، أنت بأدنى مستوى معيشي ، والآخر بأعلى مستوى معيشي ، لكن الله علمك القرآن ، فإذا رأيت أن هذا الصديق أوتي خيراً مما أوتيت ، فقد حقرت ما عظمه الله .
وقال الفتح المُصلِّي رحمه الله : " أليس المريض إذا منع الطعام والشراب يموت ؟ قالوا : بلى، قال : كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيامٍ يموت ".
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : " تذاكر العلم بعض ليلةٍ أحب إلي من إحيائها" .
إذا جلسنا ساعة من الزمان تذاكرنا العلم واستفدنا خيرٌ عند الله من إحياء هذه الليلة بكاملها للصبح و لو كنا نصلي ، تذاكر العلم بعض ليلةٍ خيرٌ من إحيائها .
وقال بعض المفسرين وهو الحسن رضي الله عنه :
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[ سورة البقرة : 201 ]
فقال : إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة .
بعضهم قال : الزوجة الصالحة .
وقال الأحنف رحمه الله : كل عزٍ لم يرطب بعلمٍ فإلى ذلٍ مصيره .
وقال سالم : اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم وأعتقني . فقلت : بأي شيءٍ أحترف ؟ فاحترفت العلم ، فما تمت لي سنةٌ حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له .
عبد أعتقه سيده ، اختار طلب العلم ، تعلم ، مضى سنة جاءه أمير المدينة زائراً قال : فلم آذن له .
يقول سيدنا الزبير : " عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً ، وإن استغنيت كان لك جمالاً "
أي إذا طالب معه شهادة عليا مثلاً له دخل منها ، وإذا كان ثرياً وتعلم العلم كان له جمال هذا العلم .
وقيل : وجاء في وصايا سيدنا لقمان لابنه : " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك " أي لو كان المجلس ضيق فتصرف ، وقال بعض الحكماء : العلم ذكرٌ ـ الشمس مؤنث ، والقمر مؤنث مجازي ـ العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذُكران الرجال . معنى هذا هناك رجال نساء ؛ إذا همه شهوته ، همه زينته ، همه راحته ، هذا رجل بالنفوس رجل ، أتى تحت اسم الذكور ، ذكور وإناث ، هو مع الذكور جاء اسمه ، لكنه مع النساء ، العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذكران الرجال ، أي أن الرجل يحب العلم . الأجر الكبير للمتعلم :
قصة اليوم ليس لها وقت ، وهي عن سيدنا معاذ بن جبل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم .
أردت أن أنهي الفصل في هذا اللقاء ، الدرس القادم فضيلة التعلم ، اليوم تحدثنا عن فضيلة العلم ، الدرس القادم فضيلة المتعلم ، هذا له أجر كبير ، يقول الإمام علي رضي الله عنه :" قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم"
أيضاً الفضل لمن يستمع ، لو لم يكن هناك أحد يستمع لما كان هناك علم ، أنا أقول : الفضل لكم في حضور هذا المجلس ، إذا كان هناك توفيق من الله عز وجل فهو بفضل أن هناك مستمعين راغبين في هذا المجلس .
فالدرس القادم في فضيلة تعلم العلم .



السعيد 09-09-2018 08:44 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : العلم - فضيلة التعلم







الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
فضل العلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، نبدأ في هذا الدرس قراءة بعض الفصول المختارة والمختصرة من إحياء علوم الدين ، وكتاب إحياء علوم الدين في إجماع المسلمين وعلماء المسلمين من أنفس الكتب التي تعد منهجاً دقيقاً للمسلم في علاقته بربه ، وفي علاقته بالناس ، بل إنه من أبرز الكتب في وصف أحوال القلب وما يصيبه من أمراض ، لذلك الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع، ربع في العبادات ، وربع في العادات ، وربع في المهلكات ، وربع في المنجيات ، طبعاً أصل الكتاب ستة أجزاء كبيرة بحرف صغير صغير .
كما قلت قبل قليل نقرأ ونشرح ونعلق بعض الفصول المختارة من هذه الأرباع الأربعة ، من الربع الأول وهو ربع العبادات موضوع العلم ، كتاب العلم وفضله وما يتعلق به قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 9]
هذه هل حرف استفهام لكن هذا الاستفهام خرج عن الاستفهام وصار كما يقول علماء البلاغة استفهاماً إنكارياً أي هل يعقل أن يستوي عند الله وعند الناس عالم وجاهل ؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
مرة سألت طلاباً قلت لهم : من يذكر اسم تاجر أو غني عاش في دمشق في عام ألف وثمانمئة وسبعة وثلاثين وله جائزة كبيرة ، حك الطلاب رؤوسهم طويلاً ولم يعرفوا ، فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف لأن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: يا بني مات خزان المال وهم أحياء وهم في أوج حياتهم ميتون ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، فإذا شئت أن تخلد فبالعلم يبقى اسمك متألقاً إلى قيام الساعة ، إلى نهاية الدوران قال تعالى : ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
أقدم ثانوية في دمشق فيها لوحة كتبت بيد خطاط كبير ، إذا دخلت من بابها الرئيسي كتب على هذه اللوحة : رتبة العلم أعلى الرتب ، هناك رتب المال ، وهناك رتب توضع على الكتف ، وهناك رتب الشهادات ، وهناك رتب الوجاهات ، وهناك رتب الحرف ، حتى المعلم هذه رتبة ، هناك في الحياة رتب لا تعد ولا تحصى ، هذه الحكمة تقول : رتبة العلم أعلى الرتب، والشيء الذي يحزن أن العلم مبذول لكل الناس ، العلم الدنيوي الذي هو فرض كفاية مبذول بأجر باهظ ، أي أقل ساعة رياضيات إن فهم الطالب أو ما فهم مئة وخمسون ليرة من أجل بكالوريا ، أما سبحان الله دروس العلم الديني فمبذولة بلا مقابل ، هذا من حكمة الله عز وجل لأن الذين يدرسون العلوم الدينية يطمحون بأجر خيالي ولكن ليس من الحاضرين من الله عز وجل . علامة العالم أنه يطيع الله عز وجل :
ابن عباس يقول : " للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمئة درجة "، أي المؤمن الذي آمن بالله ، واستقام على أمره ، وعمل صالحاً ، ووقف عند الحدود ، وفعل ما يرضي الله عز وجل ، فهؤلاء عند الله مقربون ، والباب مفتوح لكل واحد منكم ، كل واحد منكم مفتوح له باب أن يكون معلماً للناس ، يكفي أن تطبق ما تعرف حتى تغري الناس أن يتعلموا منك ، فإن لم تطبق لا تغري أحداً ، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ...."، أي فضلك عند الله إن كنت عالماً لا يزيد عن فضل الجاهل الذي يحب أن يتعلم منك - يطلب العلم - لذلك النبي الكريم قال: " تواضعوا لمن تعلمون " تواضع ، قال تعالى:
﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 215]
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
[ سورة فاطر : 28]
أي العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشون الله ، إنما أداة حصر ، أي الخشية محصورة بالعلماء ، وموضوع العلماء ليس كل إنسان قرأ كتاباً يسمى عالماً ، ولا كل إنسان حفظ كتاباً يسمى عالماً ، العلماء بالله تعالى علامتهم أنه يطيعونه .
كنت أذكر مثلاً حاداً ، رجل معه خمس شهادات عليا ، نادر أن يجمع الإنسان لسانسين في آن واحد ، لو معه أربع شهادات أو خمس ، ودكتوراه ، وله أربعة و خمسون مؤلفاً في الأسواق ، وعصى الله لا يسمى عند الله عالماً ، هذا مدموغ بالجهل من عند الله عز وجل ، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب إذا أطاع الله عز وجل هذا يحمل شهادةً من رسول الله بأنه عالم ، أين هذه الشهادة ؟ كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، إذا قال : هذه حرام لا أفعلها ، أنا لا أغضب الله عز وجل ، هذا عالم ، أو هذا نوع من أنواع العلم ، أنا أقدسه ، وفي الصحيحين أن: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
[ مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ]
أي إذا سمح لك أن تجلس في مجلس علم ، أو بإمكانك أن تحتل مساحةً من المسجد تكفي لجلوسك ، هذا سماح من الله عز وجل ، الله سمح لك أن تجلس في هذا المجلس علم فيك خيراً ، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 23]
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ]
العالم و العابد :
كم هي المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الأنبياء ، سيد ولد آدم ، قمة البشر ، وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، هذه المسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى مؤمن هي المسافة نفسها بين عالم وعابد ، فكن طموحاً إلى العلم ولا ترضى أن تكون عابداً فقط ، العابد بالمناسبة بسبب أي تأثير ، أي إغراء ، أو أي ضغط يتخلى عن الدين ، أي قد يتزوج فيخرج من دينه ، تأتيه امرأة تغريه بالمعصية فيخرج من دينه ، قد يشارك رجلاً فيضغط عليه في فعل بعض المعاصي المالية فيخرج من دينه ، قد يسمع كلمة تهديد فيتخلى عن صلاته ، هذا هو العابد ، يجوز أن العابد في الأيام الماضية في القرون السالفة الجو العام كله ديني ، الفتن قليلة ونائمة ، أكثر الناس دينون ، يجوز في هذه الأيام السالفة أن ينجو العباد ، أما أنا والله أؤكد لكم في هذا العصر الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، في مثل هذا العصر الذي ترون فيه الشهوات مستعرة ، والفجور والفسوق والمغريات ، الدنيا في هذا العصر خضرة نضرة ، متألقة متزينة ، تغري أحبابها باتباعها ، في هذا العصر لا يستطيع العابد أن يصمد أمام إغراءات الدنيا ، والذي يحصل تشاهدون إنساناً تدين ثم انتكس ، لماذا انتكس ؟ لأنه ما صار عالماً بقي عابداً ، أخذ بالعاطفة خلال شهر أصابه سرور فاستقر ، إغراء بسيط ترك الدين .
وإذا بلغني عن إنسان حضر معنا شهرين ثم ترك ، أنا يوجد عندي يقين قاطع أنه ما فكر ، أخذ بالعاطفة واستمع وترك ، لأن ترك الحق دليل نكسة خطيرة جداً ، والكلام الصحيح أنه ما آمن حتى كفر ، لم يؤمن بالأساس كان مقلداً والتقليد لا يكفي .
في هذا العصر لا ينجو إلا العالم ، والعابد لا ينجو ، لأنه لم يستطع أن يبقى عابداً، الدنيا تجره إليها ، إغراءاتها ، وفتنها ، وضغوطاتها ، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه النملة والحوت لها بحث مستقل ، أي كيف النملة تصلي على معلم الناس الخير ؟ سوف نأتي بعد قليل على هذا الموضوع. أقدس إنسان شاب همه معرفة الله :
وفي حديث آخر .
(( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
لي صديق رأيته في ضائقة ومتألم لضيق ألمّ به ، وقد آتاه الله علماً وحكمةً ، فقلت له مسلياً : إن الله عز وجل أعطى قارون مالاً فهل كان يحبه ؟ قال لي : لا ، ثم قلت له : إن الله أعطى فرعون ملكاً وأعطى الأنبياء علماً وحكمةً فهؤلاء الذين يحبهم أعطاهم علماً وحكمةً فإذا أوتي الإنسان بعض العلم والحكمة فهو ممن يحبه الله عز وجل . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
لا يوجد إنسان أقدس من شاب همه أن يعرف الله ، اسأل الآن الشباب همهم أن يتزوجوا ، أن يشتري بيتاً ، أحدهم سمى لي اسم سيارة وقال : إذا الله رزقني إياها أتمنى أن تمشي فوقي وأرتاح ، هذه هموم الناس ، يريد سيارة وبيتاً ، التقيت مع إنسان هولندي ، سألته هل أنت مؤمن بالله ؟ قال : طبعاً ، قلت له : ما الدليل ؟ قال : المطر ، قلت له : هل أنت مؤمن بالدار الآخرة ؟ قال : لا ، قلت له : هذان الإيمان بالله واليوم الآخر شيئان متلازمان ، قال : أنا لا أؤمن بالدار الآخرة لأن أحداً لم يذهب إلى هناك وعاد وأخبرنا ، طبعاً بلغة أخرى يتكلم ، ثم قال لي : هذه الموضوعات لا تعنينا ولا تهمنا ولا تمتعنا إطلاقاً ، إنما الذي يعنينا بيت أكبر، وسيارة أكبر ، ومال أكثر هذا الذي يعنينا ، لهذا قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة النحل :21]
إذا الإنسان عاشرهم ، إذا كان لقاء عابراً يؤخذ بالدقة ، والنظام ، والأناقة ، والترتيب، كل شيء محسوب له حساب ، أما إذا عاش معهم فيراهم تافهين لأن كل من لم يعرف الله عز وجل إنسان تافه الموت ينهيه ، مهما كان كبيراً ، ومهما كان عظيماً ، الموت ينهيه نهائياً . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
في الدرس قبل الماضي بالحاجبية ذكرت عن الإنسان مخير أم مسير ، أنواع التسير ، تسير التشجيع ، أي إذا الإنسان آمن الله يسر له أموره ، الناس أكرموه يشعر براحة بقلبه عجيبة ، يقول لك : أكاد أطير من الفرح ، كل إنسان آمن إيماناً صحيحاً ، وتاب توبة صحيحة ، هذه أحواله ، هذا التسير تشجيعي من الله عز وجل إلى أن يبلغ درجة لا ينتكس بعدها ، عندئذ يتولى الله عز وجل تطهيره من كل أمراضه النفسية ، الآن يضعه بظرف معين يبرز عيباً من عيوبه ، يتألم ، ينقطع ، يصبح له غفلة ، يتوب يتجاوز هذا العيب ، يريه الله أسبوعين ثلاثة ثم يضعه في ظرف ثان يظهر معه عيب آخر ، عنده كبر أيضاً ينقطع عن الله بهذا العيب يخجل ، ويتوب ، ويجتهد ، ويعمل أعمالاً صالحة أيضاً اجتازه ولا يزال الله عز وجل ينقيه من عيوبه حتى يلقاه كيوم ولدته أمه ، أما أول الأمر فيوجد تشجيع جداً ، أحياناً الطفل الصغير يرسم ألفاً بالمقلوب يعطونه مرحى لكن بالصفوف العليا إذا غلط غلطة شفهية واحدة ، نحن بالجامعة عندنا فحص شفهي وتحريري ، الشفهي يكفي أن تغلط غلطةً واحدة في تحريك كلمة يقول لك الدكتور : للعام القادم أوصيك بالصيف الطويل فإنه خير الوصية ، نعيد السنة من أجل غلطة شفهية في سنة التخرج .
الطفل الصغير على كتابة ألف يعطونه مرحى ويصفقون له ، هذا سلوك تشجيعي وبعد هذا هناك حساب دقيق ، قال لنا أستاذ في الجامعة في فرنسا : إذا وجدوا غلطة في الأطروحة في الدكتوراه لا تمنح في ذلك العام يعطونه سنة كاملة ، أي هناك دقة بالغة . أجر طالب العلم عند الله :
لكن يوجد أناس عرفوا الجامعة تعريفاً لاذعاً قالوا : إنها مدرسة يدخل فيها الطالب جاهلاً متواضعاً يخرج منها جاهلاً متكبراً ، قال عليه الصلاة والسلام:
(( . . . مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وروي عنه أيضاً أنه قال: (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ))
[ الدارمي عن الحسن ]
الإنسان عطاؤه محدود أي إذا الإنسان درس أول سنة بالجامعة والثانية والثالثة والرابعة لأمر قاهر لم يتمكن من أن يكمل يقولون : هذا ليس معه شهادة ، ربنا عز وجل معاملته غير هذه المعاملة ، إذا الإنسان بدأ بطريق وجاءته المنية في أول الطريق يعطى الثمار كما لو بلغ آخر الطريق : (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))
[ الدارمي عن الحسن]
قال بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ أي إذا إنسان أدرك العلم وتعرف إلى الله وسعد ومات وما عنده بيت ملك ، ما فاته شيء ، مات وما شاهد أوربا رسول الله ما شاهدها ، مات قبل أن يتزوج ، أحد الصحابة له زوجة طلبت منه طلباً لا يملك ثمنه ولن يغير سلوكه عما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها: اعلمي يا فلانة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلأن أضحي بكِ من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن من أجلكِ ، أي إذا إنسان مات وما تزوج إرادة الله عز وجل ، مات وما اشترى بيتاً ، مات ويوجد طعام ما أكله ، الناس يقولون : مسكين ما تهنى في حياته ، هذا كلام العوام إذا إنسان مات و هو شاب وكان مؤمناً مسكيناً ما شاهد شيئاً من الدنيا ، الذي قال هذا الكلام هو الذي ما شاهد شيئاً ، قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف : 185]
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 79]
أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، أحياناً يكون الإنسان متزوجاً زوجة ليست على مزاجه يقول لك : محروق قلبي ، خطبتها وكنت لا أعرف شيئاً ، أمي قالت لي : جيدة ، إذا ما عرف الله معه الحق أن يحترق قلبه لأنه شاهد نفسه أنه سوف يعيش معها إلى الأبد أما المؤمن فيحسن لها ، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة النساء: 19]
يحسن لها ويكسب أجراً والله يهنئه في حياته ، لو كانت هي وسط أو دون الوسط سبحان الله مكافأةً له على الرضا بقضاء الله ، الله عز وجل يجعلها ودودة له مودة بالغة ، ويراها جميلة وقد يقول بعد أن يرضى بها : والله ليس في الأرض إنسانة أنسب إلي منها ، إذا رضي بقضاء الله وقدره ، وكان صادقاً وعاملها بالإحسان ، أما إن قال دائماً : لم نوفق في هذا ، دائماً كاسر خاطرها ، هكذا أهل الدنيا . فضائل التعليم :
ومن فضائل التعليم ما ورد في الصحيحين :
(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
قال لي شخص : إن أحدهم اشترى فندقاً في فرنسا ، هذا الفندق مؤلف من ثمانين طابقاً ، كل طابق حوالي خمسين غرفة ، وكل غرفة أجرتها في اليوم خمسين فرنكاً فرنسياً ، الفندق ممتلئ طوال العام ، هذا دخل ولكن على هذا الكلام : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
إذا إنسان يصدق النبي الكريم ، طبعاً أخي إنسان عنده أراض ، استيقظ وجد نفسه أكبر مليونير ، هذه تضاعفت مئة ضعف ، اشترى بناء في الستينات واختلف هو وشركاؤه فتركوها على الهيكل ، الآن صار ثمن كل طابق مليونين ، كان ثمن الطابق عشرين ألفاً ، يقول رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لو كنت مصدقاً هذا الكلام تسعى لهداية الناس ليلاً ونهاراً ، وتبذل من أجل هدايتهم الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، الإنسان لو صدق هذا انتهت مشاكله كلها ، لو إنسان قال لك: يوجد بيت ثمنه مئة ألف ، والآن ثمنه نصف مليون ، لا تنام الليل إذا كنت تملك المئة ألف وخاطب وتدور على بيوت في آخر الدنيا في الطبالة ، إن قال لك : هذا البيت بمئة ألف في المهاجرين مؤلف من ثلاث غرف وصالون وكاشف الشام وقبلي والكلام صحيح ، لا تنام الليل ولا تغفل وتقرع الباب على الدلال الساعة السادسة صباحاً . لو مصدق سيدنا رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لا تنام الليل ، تساعده ، تكرمه ، تساعده في دنياه ، تدينه حتى يميل قلبه ، ثم ادعه إلى الله ، الكلام سهل ، عندما أنت تحسن له إحساناً حقيقياً وتقول لك كلمة تذيبه الهدى ليس كلاماً ولما ظنه بعض الناس كلاماً لا أحد يهتدي بالكلام ، عندما يراك تهتم بأموره وكأنه أخوك الحقيقي ساعتها الآية قدر مليون ، والحديث قدر عشرة أحاديث ، لذلك رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس . (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
هناك إنسان في قطر عربي حسابه في البنك ثلاثة آلاف مليون دولار ، والدولار بعشر ليرات ، أي ثلاثة آلاف مليون ، إذا أحدكم استطاع أن يهدي شخصاً يجب أن تتكلم له عن الله عز وجل ، أن تساعده ، أن تكون لطيفاً معه ، أن تكون إلى جانبه عند الشدة ، على شهر شهرين ثلاثة ، تتفقده ، إذا مرض تعوده ، إذا استطعت أن تهدي رجلاً فأنت أغنى من هذا الذي رصيده ثلاثة آلاف مليون دولار . (( . . . . وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ . . . . ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
هنا العلماء فسروا الحديث أن الإنسان عندما يعلم الناس الخير الناس يستقيمون ، إذا ذبحوا غنمة يذبحونها على السنة ، أنا منذ مدة شاهدت رجلاً يذبح غنمة أمام غنمة ، قلت صلى الله عليه وسلم كم كان رقيقاً قال له : أتريد أن تميتها ميتتين هلا حجبت أختها عنها؟؟
أي إذا الإنسان آمن يحسن وهو يذبح الغنمة ، لا يدوس صرصوراً ، قال لي رجل : دخلنا إلى بيت نشاهده يوجد حشرة محببة نسيت اسمها ناعمة الدلال دهسها بقدمه لماذا دهستها ؟ ماذا فعلت لك ؟ عندما أنت تؤمن تصبح محسناً ، المؤمن لا يصدر منه إلا خير ، مصدر طمأنينة، لا يوجد عنده مزاح غليظ ، مصدر سعادة للناس ، أي إذا رؤي المؤمن ذكر الله : (( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))
[البيهقي عن عمر ]
(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى]
أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم و أدبه :
الناس حيال الحق ثلاثة أصناف إما إنسان يشرب الحق وينبت الخيرات ، إذا علمت رجلاً هذا الرجل تزوج مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، أخواته آمنوا ، أصهرته آمنوا ، جيرانه آمنوا ، زملاؤه آمنوا ، صار هذا الواحد مئة سبحان الله نشر الحق ، ويوجد شخص بمفرده يستفيد، ويوجد شخص لا يفيد ولا يستفيد .
وقال الحسن رضي الله عنه : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " الآن هناك أناس مثل البهائم تراه دابة تسير ، كيفما تكلم يؤذي الناس ، كلام بذيء ، يحتقر الآخرين ، طبعاً الإنسان عندما يتعرف إلى الله عز وجل يصبح ملكاً ، كلما ارتقيت تزداد عندك المشاعر والحساسيات والرقة ، النبي الكريم صلى الله عليه و سلم دعي هو و أصحابه الكرام إلى وليمة وكان هناك لحم جزور ظهرت رائحة غير مقبولة أذن العصر فقال عليه الصلاة والسلام : كل من أكل لحم جزور فليتوضأ فقالوا : كلنا أكلنا لحم جذور ، قال: كلكم فليتوضأ ، ما هذه الدقة ؟ ما هذه الحساسية ؟ لكي لا يخجل هذا الذي انتقض وضوءه ، بأسلوب جميل قوموا توضؤوا بسبب أخوكم الذي نقض وضوءه ، يوجد فقهاء فهموا الحديث فهماً آخر قالوا : لحم الجزور نجس ، ما هذا الكلام ؟ يحتاج منه الآكل إلى وضوء ، لا ليس له علاقة أبداً ، الموضوع موضوع رقة وحساسية ، أسلوب راق جداً ، هكذا النبي الكريم بحياته ، النبي ما صافح إنساناً وسحب يده منه حتى يكون المصافح هو الذي يسحب يده ، بحياته ما أكرم نفسه أمام ضيفه ، دخل عليه عدي بن حاتم و هو ملك فناولنه وسادةً من أدم محشوةً ليفاً و قال : اجلس على هذه، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال : فجلست عليها وجلس هو على الأرض .
بحياته ما تميز عن أصحابه ، كان إذا دخل عليه رجل يقول : أيكم محمد ؟ مع أصحابه جالس ليس له أي مظهر من مظاهر الفخامة ، في نزهة قال : وعليّ جمع الحطب ، قالوا: نكفيك يا رسول الله ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على خلقه ، في المعركة قائد جيش ونبي مرسل ما أخذ ناقة بمفرده وركبها قال: أنا وعلي وأبو لبابة ، ولما جاء دوره في السير الصحابة شعروا بالحرج قال : لا ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر ، هكذا النبي الكريم .
أثر العلم في حياة الناس :
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة "
يوجد شخص لا يستطيع أن يكون بمفرده إطلاقاً ، أما الذي له وجهة إلى الله وله حظ من العلم لا يريد أحداً ، يستطيع أن يجلس عشر ساعات بمفرده ، العلم لا يمل ، الإنسان عندما يتعلم إذا قرأ قرآناً ، القرآن ربيع القلب ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب والاستئناس بالناس علامات الإفلاس ، علامة المؤمن له جلسات مع ربه ، يحب الخلوة ، هذا إحياء علوم الدين خمسة أجزاء يعد من أهم الكتب الدينية نتيجة خلوة استمرت عشر سنوات في دمشق من قبل الإمام الغزالي ، كان يختلي في الأموي ، في مئذنة العروس في غرفة وكتب هذا الكتاب .
وقال كعب رحمه الله : " أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس فإنه منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم "
طبعاً في مقدمة هذا الفصل يتحدث الإمام الغزالي عن الآيات والأحاديث التي ترغب الناس في طلب العلم ، المؤمن يطلب العلم بشكل حثيث ، أي إذا إنسان في وقت الدرس أغلق المحل ، وعنده زبائن الآن لا يوجد عندي وقت ، عندي موعد ، هل تقل رزقته ؟ لا والله ، هؤلاء العشرة يأتون غداً عشرين سبحان الله ، الله يحبب الناس بهذا المحل يقول لك : أنا تعودت على هذا المحل ، يأتيك زبائن من آخر الدنيا ، ويوجد أناس يفتحون حتى الساعة الحادية عشرة يلعبون بالطاولة يعملون عملاً بعيداً عن الله عز وجل ، فالإنسان لا يضن على الله عز وجل بمجلس العلم ، والله عز وجل قادر أن يصرف لك من وقتك عشرات الساعات من دون فائدة ، أحياناً الإنسان يضطر أن يذهب إلى الطبيب مساءً يعطيه وصفة ، يدور أربعة أقطار المدينة ويقول له : يجب مساءً أن يأخذ الدواء ، يصرف مئتي ليرة ، ابنه ارتفعت حرارته ، الوقت بيد الله عز وجل .
قال لي إنسان كان في دولة أجنبية : عندي إقلاع طائرة الساعة الثانية والنصف فركبت تكسي من الفندق إلى المطار ، فوجدت في الطريق أناساً يقفون في الدور ثلاثة كيلو متر فقال للسائق : ماذا يوجد هنا ؟ فقال له : يوجد توزيع لحم ، هل من السهل أن يقف الإنسان من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً !! لما هانت عليهم أنفسهم هانوا على الله عز وجل ، أما عندما يعودون إلى الله عز وجل ويعرفون قيمة العلم فالله عز وجل يكرمهم ، ويجعل وقتهم ثميناً ، فالإنسان إذا كان لا يعرف قيمة الوقت يستهلك وقته لأتفه الأسباب .
* * *
الهروب من أسباب الخطيئة :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:
(( تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا مكان فيه شبهة ، طريق مشبوه فيه نساء كاسيات عاريات ، مرةً
سرت في هذا الطريق فأصابتك غفلة ، إن كنت مؤمناً فلا تعود لمثل ذلك أبداً ، هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة إياكم أن تظنوا أن فيه شؤماً ، لا ، في هذا المكان أصابتك غفلة أي صار فيه معصية ، ولا تزال الأسباب قائمة ، أي إذا كتاب قرأته فتحولت عن الله عز وجل ولمحت كتاباً لنفس المؤلف تقول : لا أريده ، إذا تصفحت مجلة فانصرفت عن الصلاة أو غفل قلبك حين تصفحها ، الحديث واسع جداً ، المكان ، أو الزمان ، أو هذه الدكان ، أو الطريق ، أو النزهة إلى هذا المكان ، والناس في فجور تحول عن هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة ، على ألا يفهم هذا الحديث على معنى تشاؤم لكن على معنى أنه إذا هناك أشياء تدعو إلى المعصية فأنت غيّر هذا المكان .
يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : " ليس الشريف الذي لا يرتكب الخطيئة ولكن الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة " ، يجوز إذا الإنسان تساهل سار في طريق الخطيئة لا يستطيع أن يرجع ، أما الشريف فهو الذي يهرب من أسباب الخطئية. ما من داء إلا و له دواء :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ))
[ أبي داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]
قال لي رجل : سبحان الله أنا منذ أربعين سنة أنشط من الآن ، فعلاً فالهرم ليس له دواء ، بلغني قصتين في هذا الأسبوع ، أخت تسكن عند أخيها قالت لهم : قلبي يؤلمني ، قالت له زوجته : لا تسمع لها لا يوجد بها شيء ، ثم توفيت ، جاء الطبيب قال لهم : هذه معها جلطة من شهر لماذا أهملتوها إلى الآن ؟ أنا قلت في نفسي : والله الذي لا إله إلا هو تحاسب هذه المرأة كقاتلة ، من أنت حتى تقولي لا شيء فيها ؟ هذا الكلام يقوله طبيب ، أنت عليك أن تأخذ بالأسباب والباقي على الله ، و عندما أنت تأخذ بالأسباب لا عليك أنت ، إذا كان هناك تقصير تبقى غصة في قلبك إلى ساعة الموت ، الله أمرك أن تداويها ، يوجد أناس عندهم تعصب أعمى أخي أنا لا أحب أن يشاهد زوجتي رجل ، أنت ورع أم رسول الله ورع ؟ سمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت الطبيبة ليست في مستوى الطبيب ، مرض عضال يجب أن تأخذها إلى الطبيب هذا لا يسمى ورعاً إطلاقاً لأنه مباح أن يأخذ زوجته أو أخته إلى طبيب ، أما إذا كان هناك طبيبة من نفس المستوى وتغني عن الطبيب فالطبيبة أولى ، أما في كل الأحوال أن تقول لا شيء فيها وأصابها شيء فهذا مسؤول عنه .
أحياناً الطفل يصيبه جرح بآلة أعطه إبرة كزاز فوراً لا يصيبه شيء ، هذا كلام غير ديني ، الدين يأمرك أن تأخذ الحيطة ، أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب ، قال لك: صور صور ، حلل حلل ، لا شيء لا شيء ، طبيب مؤمن حاذق ، إذا كان غير مسلم يوهمك ليبتز منك المال ، وإذا كان مسلماً غير حاذق يغشك من غير قصد ، محدود علمه ، كثير من الأطباء قالوا له : لا يوجد فيه شيء ويكون معه أزمة قلبية والله يعوض ، والإنسان عندما يبذل المال لمعالجة من يلوذ به له أجر ، وعندما يشاهد المريض أن هناك من يهتم به يسر ، من فضل الله أعرف مؤمنين لا يتحمل دخلهم أجور الأطباء الباهظة والتحاليل و مع ذلك لا يقصرون أبداً ، فلا أحد يظن أنه من الورع ألا يأخذ زوجته إلى طبيب ، ليس هذا من الورع إطلاقاً ، هذا من التقصير وعندما يصير شيء تشعر أنك أحد أسباب الوفاة ، مع أن الوفاة بيد الله عز وجل . السلام على الضرير :
الحديث الأخير:
(( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
هذا أخوك بالله ، وقد يكون مقامه أعلى منك بمليون مرة عند الله ، قد يكون فاقداً بصره والله فتح له قلبه ، وقد يكون لك عيون مثل عيون البقر وأعمى القلب ، لا تعرف مقام كل إنسان عند الله عز وجل : (( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
خيانة له ، سبحان الله بعد أن سمعت هذا الحديث لو كنت بعيداً عن أخ كريم ضرير أنا أتقدم نحوه وأقول له : السلام عليكم ، ألك حاجة ؟ هذا أدب المصطفى . * * *
سيدنا أبو هريرة :
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا أبو هريرة ، طوبى إلى أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة ؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس ، فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي العدنان قال له النبي الكريم : ما اسمك ؟ قال : عبد شمس : فقال عليه الصلاة والسلام بل عبد الرحمن ، هذا تعليم لنا ، أكثر شيء المعلمون يكون اسم طالب فيه مشكلة وكلما قرأ اسمه يضحك الطلاب ، أنت معلم وأنت مؤمن أنت اسمك فلان يا بني ، والسجلات ليس لها قيمة اجعل له اسماً جميلاً طوال السنة بين زملائه ، شيء جميل .
أحياناً نقرأ أسماء الطلاب الكنية عليها تعليقات ، اقرأ الاسم الأول ، و أحياناً يكون الاسم الأول عليه تعليق اقرأ الكنية ، أي ابحث عن اسم لا يوجد عليه أي تعليق ، لأن هذا الطالب إذا الطلاب ضحكوا على اسمه ممكن أن يتعقد ، إذا كنت تستطيع أن تحترم الناس كلهم وما يشعر أحد إلا أنك توده وبنظرك عال ، الناس يقبلون عليك ، النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة ومودة صادقة وليس عن ذكاء ، هذا موقف ذكي ، لذلك قال تعالى:
﴿ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
[ سورة الحجرات: 11]
يوجد أناس يمزحون مزاحاً مع بعضهم هذا لا يتناسب مع الإيمان ، فقال : نعم عبد الرحمن بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أما تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة يلعب بها فجعل أقرانه ينادونه بأبي هريرة وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه ، فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه يا أبا هر إيناساً له وتحبباً ، كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كل صحابي يظن أنه أقرب الناس إليه ، طفل صغير قال له يا عمير ما فعل النغير ؟ (( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ))
[ مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
طفل صغير عنده عصفور يلعب فيه ، ولما شاهده مع والده واسمه عمير فقال له: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ شاهده مرة ثانية قال له إياها ، ثم مرة ثالثة ، حتى يتحبب منه ، و هناك فقهاء فهموا أنه إذا أحضر عصفوراً ووضعه في قفص مسموح به ، لا يفهم هذا من هذا أي تحبس مخلوقاً من أجل أن تنظر إليه ، يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ أيضاً من باب التحبب ، فقال النبي الكريم : يا أبا هر إيناساً له وتحبباً فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة ، ويقول : ناداني بها حبيبي رسول الله ، والهر ذكر والهريرة أنثى ، والذكر ليس كالأنثى ، هنا مكتوب خير من الأنثى ، أنا عدلتها لأنه قد تكون الأنثى أفضل من مليون ذكر ، وإذا أردت الكلام الصحيح قد تكون الأنثى المؤمنة أفضل عند الله من مليون ذكر فاسق وفاجر . إسلامه و إسلام والدته :
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين ، حيث وفد مع جموع من قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فاتخذ المسجد مقاماً والنبي معلماً وإماماً ، إذا لم يكن له في حياة النبي زوج و لا ولد ، أي إذا الإنسان لم يتزوج ليلحق نفسه لا يوجد من يحاسبه ، أين كنت ذاهباً ؟ إلى مجلس علم ، زار أخاه ، تكلم له عن الله عز وجل وقته مفتوح ، بعد الزواج لك شريك تأخرت علينا أين كنت هذا الوقت ؟ فإذا أحدكم ما تزوج هذه قبل الزواج أنسب سن للإقبال على الله عز وجل والاجتهاد في طلب الحق ، كثيراً أنا أغبط الشباب ليس عليه أي مسؤولية أما المتزوج فصار عنده زوجة ، إذا قرُب وضعها صار لها مطالب ، تتوحم ، استيقظت الساعة الثانية عشرة والبيت كما هو ، وإذا جاءه ابن وارتفعت حرارته صار عليه مسؤولية ثانية ، أما أنت قبل الزواج فلا يوجد عندك اي مسؤولية استغل هذا الوقت لمعرفة الله لبناء إيمان قوي .
هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها ، وبراً لها ، فتنفر منه وتصده فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فرياً - يقطعه - وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقالت عن النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه وأمضه ، فمضى إلى النبي وهو يبكي فقال له عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ الحقيقة خيركم خيركم لأهله ، والله الذي لا إله إلا هو إذا أحدكم أحضر إلى هذا الدرس ألف شخص إذا أحضر لي أخاه النسبي أغلى عليّ من الألف شخص لأن الأخ أقرب شيء لك ، إذا أحضرت والدك أفضل ، صهرك أحسن ، هذا يلوذ بك ، خيركم خيركم لأهله ، كان يبكي أمه تسير على الباطل وتكلمت عن النبي كلاماً لا يليق ، فبكى ، أنت هل يوجد عندك إمكان إذا اهتديت هداية حقيقية ولك أخ يسير بشكل ليس جيداً أن تبكي عليه ؟ تتألم تنزل دمعة من عينك من أجله ؟ تقول : يباع في العزاء ماذا أفعل له ؟ ما كان الصحابة هكذا ، يجد أخاه من أمه وأبيه يسير في ضلال ، أنت دلله وأكرمه وآنسه واسأله عن أحواله ودينه وعاونه وإذا أخذت غرضاً لنفسك خذ له مثلما أخذت لك ، اشتريت كنزة تقول : والله أخي لا يوجد عنده كنزة ، هو حجر أم بشر ؟ أول يوم هدية وثاني يوم وثالث يوم يميل ويقول لك : أنت من شيخك خذني معك ؟ فإذا الإنسان أحضر أخاه أفضل من أن يحضر الغريب ، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .
فقال: يا رسول الله إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي ، وقد دعوتها اليوم فأسمعتني بك ما أكره ، فادع الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام ، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة : فمضيت إلى البيت فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء فلما هممت في الدخول قالت : مكانك يا أبا هريرة انظر إلى هذا الأدب ، أمي ، لا ، أمك لها حرمة ، ثم لبثت ثوبها وقالت : ادخل ، فدخلت فقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
ولكن هذه القصة أنا أريد أن أعلق عليها ، إذا كانت القضية بدعاء النبي فلماذا ما دعا إلى الناس معاً دعوة جماعية ؟ واهتدوا كلهم قال تعالى :
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
أي هذه من باب المصادفة ، ولكن لو أن النبي كان دعا إلى أبي لهب ، قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
لو أن الهدى يتم بدعوة النبي لدعا النبي للبشر كلهم دفعةً واحدة ، يا ربي اهد كل من خلقته ، الله أعطى الاختيار لكل إنسان ، فإن كانت هذه القصة صحيحة فمن باب المصادفة ، فإذا أردت أن تأخذها على شكلها الظاهري أنه إذا دعا اهتدت وانتهى ، هذه القصة لها استفهامات كثيرة ، لماذا ما دعا إلى عمه أبو لهب ، لماذا ما دعا إلى مسيلمة الكذاب ؟ لفلان ؟ لكن يظهر أنه عاملها بالإحسان وتأثرت واهتدت ووافق هداها دعوة النبي الكريم .
فعدت إلى النبي الكريم وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت : أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الإسلام . حبّ أبي هريرة العميق لرسول الله :
وقد أحب أبو هريرة النبي صلوات الله عليه حباً خالط لحمه ودمه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، وفي قوله :
وأحسن منك لم تر قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عـــــــــــيب كأنك قد خلقت كما تشــاء
***
فكان يقول : ما رأيت شيئاً أملح ولا أصبح من رسول الله حتى لكأن الشمس تجري في وجهه ، وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أنه منّ عليه بصحبة نبيه و اتباع دينه ، الآن أحدنا شعر بهذه النعمة نعمة الهدى أنه مهتد وعرف الله عز وجل ؟ هذه نعمة كبيرة جداً طبعاً إذا كان مستقيماً لا تعدلها نعمة ، هكذا كان يقول : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام .
كنت أقول كلمة : أنا في زماني إذا الإنسان عرف الله وأكل خبزاً يابساً هو الرابح لأن آخرته إلى الجنة وسعيد في الدنيا ، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة إلى الإسلام ، الحمد لله الذي علّم أبا هريرة القرآن ، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أولع أبو هريرة برسول الله صلى الله عليه أولع بالعلم وجعله ديدنه وغاية ما يتمنى . ولعه بالعلم :
بينما أنا وأبو هريرة - حدثنا زيد بن ثابت - وصحاب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره - أجمل لقاء مع أخيك تذكر الله عز وجل ، هل سمعت تفسير آية أو حديثاً شريفاً؟ - ونذكره إذ طلع علينا رسول الله وأقبل نحونا حتى جلس بيننا فسكتنا هيبةً له فقال : " عودوا إلى ما كنتم فيه ، فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل النبي الكريم يؤمن على دعائنا ويقول : آمين ، انظر إلى هذا التواضع ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إني أسألك - حدث سفيان بن عيينة عن صحابي عن رسول الله أنه قال : " من كان فيه خصلتان دخل الجنة أما الخصلة الأولى فقد نسيها سفيان وأما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا " ما فهمنا شيئاً من هذا الحديث ، آفة العلم النسيان - اللهم إني أسألك ما سألك صاحبي وأسألك علماً لا ينسى فقال عليه الصلاة والسلام : آمين ، فقلنا : ونحن نسأل الله علماً لا ينسى ، فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي "، هذه له خاصة .
وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره من ذلك أنه مرّ ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالمدينة ، واستغراقهم بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ، فوقف عليهم وقال : ما أعجزكم يا أهل المدينة ، فقالوا : وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة ، فقال : ميراث رسول الله يقسم وأنتم هنا ، ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم ؟ قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد، فخرجوا سراعاً ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ، فلما رأوه قالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئاً يقسم ، فقال لهم : أو ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام ، قال: ويحكم ذلك ميراث رسول الله .
هذا هو الميراث ؛ اقرأ القرآن وافهمه ، وافهم الفقه ، وتعلم شيئاً عن أسماء الله هذا هو ميراث رسول الله .
معاناته خشونة العيش في بداية حياته :
وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقطاعه لمجالس رسول الله ما لم يعانه أحد من الجوع وخشونة العيش ، الله يمتحن المؤمن لأنه لو يأتيه الخير فوراً مع الإيمان يرى أن هذا شيء مربح ، أي أن الإيمان تجارة ، بعد أن آمنت الغلة جيدة ، لم يبقَ محبة ، صار استثماراً ، الله عز وجل يؤخر الدنيا مع إيمانه لا يوجد شيء يبقى ، لا يسأل عن الدنيا هدفه الله، ولما الله عز وجل يأنس منه أنه صادق بطلبه ، وأن الدنيا ليست همه ولا تعنيه ولا يأسف عليها عندئذ يعطيه الدين والدنيا ، من أحبنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا .
هكذا صار مع سيدنا أبي هريرة ، ولم يمضِ الوقت الكثير حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح ، فصار لأبي هريرة مال ومتاع وزوج وولد ، غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئاً ، ولم ينسه أيامه الخالية ، فكثيراً ما كان يقول : نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لبصرة بنت غزوان - أجيراً بطعام بطني - سمعت بحياتك أرخص من هذا ؟ وجبة طعام ، أنا سمعت في مصر قديماً كان عامل الزراعة يعمل بطعامه ، وما هو طعامه ؟ أن يسمحوا له أن يمص قصب السكر ، ثماني ساعات مقابل أن يسمح له أن يمص قصبة ، فسيدنا أبو هريرة كان يعمل ببطنه فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصير أبا هريرة إماماً .
مرة سيدنا عمر وهو خليفة قال : كنت عميراً فأصبحت عمراً فأصبحت أمير المؤمنين ، فإذا إنسان دخل إلى بيته كان طفلاً والآن صار له بيت ، غرفة ضيوف ، غرفة نوم، الحمد لله ، كان يأتي يضع بمفرده العشاء ويأكل ، أما الآن فعندك امرأة جاهزة لتلبية الطلبات ، هذه نعمة ، شاهد ابنه قال له : اذهب وأحضر لنا خبزاً ، الولد نعمة ، والزوجة نعمة ، والبيت نعمة ، ولك عمل ، تذهب إلى العمل يقولون لك : تفضل أستاذ ويمسح لك الطاولة ، لا تنظر إلى نفسك أنك موظف ولكن انظر إلى فضل الله عليك .
سماحة نفسه و خفة طبعه :
وقد ولي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله ، وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير، هذا البيت دائماً فيه قيام الليل ، هو ثلث وزوجته ثلث وابنته ثلث فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل .
ابنته كانت تقول له : يا أبت إن البنات يعيرنني فيقلن : لم لا يحليك أبيكِ بالذهب؟ فيقول: يا بنيتي قولي لهن : إن أبي يخشى عليّ حر اللهب ، ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته ظناً ، أخياناً الأب يظن أنه إذا بالغ في إغراق ابنته بالحلي والذهب والحواضر كلها من السوق ماذا تفعل البنت ؟ تجلس بين صديقاتها هذا الثوب بألف وثمانمئة ، بابا اشتراه لي ، وتكون إلى جانبها صديقتها يحترق قلبها ، هذه أسوارة والدي اشتراها لي ، ثلاثة أرباع همها أن تفتخر أمام صديقاتها ألا يوجد بينهم واحدة فقيرة يصيبها عقدة ؟ وتصبح البنت تريد مالاً وزوجاً غنياً ، فاسق أو دين مثل بعضها ، أما المؤمنة فتريد زوجاً مؤمناً ولا ترضى بشاب لا يصلي ، أما الآن إذا كان لا يصلي حتى إن كان غير مسلم إذا حالته المادية جيدة فيقبلون به .
أنا سمعت عن إنسان ذهب إلى أمريكا ابنته زوجها لرجل من هناك ، هذا خلاف الشرع ، إنسان مقيم هناك أمريكي يأخذ امرأة مسلمة هذا لا يجوز ، يظهر أن أمواله طائلة وصار إغراء .
بعث إليه مروان بن الحكم مئة دينار ذهباً فلما كان الغد أرسل إليه يقول : إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك فسقط في يدي أبي هريرة ليس لها حل هذه المشكلة ، قال : أخرجتها في سبيل الله ولم يزد عندي منها ديناراً واحداً فإذا خرج عطائي فخذها مني ، وإنما فعل ذلك مروان ليتأكد من مقامه العظيم .
برّه بوالدته :
ظل أبو هريرة ما امتدت به الحياة براً بأمه فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال : السلام عليك يا أمة الله وبركاته ، فتقول : وعليك السلام يا بني ، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ، فتقول : ورحمك الله كما بررتني صغيراً ، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك ، وكان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى بر آبائهم وصلة أرحامهم ، فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسن من الآخر يمشيان معاً فقال لأصغرهما: ما يكون هذا الرجل منك ؟ قال : أبي ، قال : إذاً لا تسمه باسمه ، ولا تمشي أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تستسب له ، إذا الابن عمل مشكلة في الطريق يسبون والده أي استسب لأبيه ، بالمناسبة إذا إنسان معتوه استفزه الناس فسب الدين هل أقول لكم من الذي سبّ الدين ؟ هو الذي استفزه ، هذا ليس مؤاخذاً ، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، وبالمناسبة إذا إنسان سب الدين يخرج من الإسلام تطلق منه زوجته يحتاج إلى تجديد إسلامه وتجديد عقد مع زوجته .
وفاته :
ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى فقيل له ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ فقال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ، إذا كان سيدنا أبو هريرة يبكي لبعد السفر وقلة الزاد ونحن لا نبكي فهذه طمأنينة بلهاء ، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي إما إلى جنة أو إلى النار ، ولا أدري في أيهما أكون ، وقد عاده رضوان بن الحكم فقال له : شفاك الله يا أبا هريرة ، فقال : اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعجل لي فيه ، فما كان يغادر مروان داره حتى فارق الحياة .
رحم الله أبا هريرة رحمةً واسعة فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وستمئة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

السعيد 09-09-2018 08:46 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : فضيلة التعليم






فضيلة التعلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، تحدثت عن فضيلة التعلم ، وهذا الفصل من إحياء علوم الدين ، واليوم الحديث عن فضيلة التعليم .
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يظن أنه يتعلم ، أنت مكلف أن تعلم كما أنت مكلف أن تتعلم ، وليس التعليم قاصراً على الدعاء والمرشدين والعلماء ، بل كل من يستمع إلى العلم عليه أن يعلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
جاء أناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتعلموا منه ثم رجعوا إلى قومهم لينذروهم، هذا ينطبق على كل منكم ، جاء إلى مجلس العلم ، ثم عاد إلى البيت ، وله زوجه وله أولاد ، جاءه صديقه ، جاءه أخوه ، جاءه ابن عمه ، جاءه نسيب له ، ذهب إلى عمله ، زميله في العمل ، جاره في العمل ، كل واحدٍ منكم محاط بأربعين أو خمسين إنساناً كل أسبوع ، فإذا حضرت مجلس علم ، وتعلمت شيئاً ؛ حديثاً ، آية ، حقيقة ، فكرة ، وتركت في نفسك أثراً بليغاً ، وحينما عدت إلى البيت نقلتها لزوجتك ، أو لأولادك فأنت ممن تنطبق عليك هذه الآية : ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
والإنذار هنا المقصود به التعليم والإرشاد . قال الله تعالى : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾
[سورة آل عمران : 187]
هذا الميثاق ميثاق التعليم . وقوله تعالى : ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة :146]
إثمهم كبير جداً عند الله ، وهو تحريم الكتمان . وقال تعالى : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة :283]
الآية متعلقة بالشهادة ، والقرآن له خاص وله عام ، الحقيقة من يكتمها فإنه آثم قلبه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
من خشي غير الله فقد رسالته و وجوده :
هناك آية قرآنية استوقفتني كثيراً ، قال تعالى متحدثاً عن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله ، الله سبحانه وتعالى أراد أن يصفهم ، بماذا وصفهم العالم ؟ كم صفة له ؟ ألا يصلي؟ يصلي . ألا يصوم ؟ يصوم . ألا يتقي ؟ يتقي . من الممكن أن تقترح أنت مئة صفة للعالم ، ربنا عز وجل اختار للعلماء صفة واحدة - هو له صفات كثيرة - اختار واحدة لأن هذه الواحدة خطيرة خطيرةْ فإذا توافرت فهو يبلغ رسالات الله ، وإن لم تتوافر فقد هذه الأهلية ، ماذا قال الله عز وجل :
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
لو أن هذا الإنسان الذي يبلغ رسالات الله خشي من جهة غير الله ما النتيجة الحقيقية ؟ أنه سوف يكتم حقيقة لا ترضي هذه الجهة ، ما النتيجة الثانية ؟ أنه سوف يقول قولاً غير صحيح إرضاءً لهذه الجهة فإذا كتمت الحق إرضاء- لمن تخشاه من دون الله - وإذا نطقت بالباطل إرضاءً لمن تخشاه من دون الله ، فهل أنت بعد هذا وذاك تبلغ رسالات الله ؟!
هذه الصفة إذا فقدها العالم فقد رسالته . مثلاً : إذا عطلنا المحرك في السيارة ، فقط المحرك ، لم يبق فائدة في السيارة ، إذا ألغيت المحرك لم يعد اسمها سيارة ، ألغيت وجودها ، إذا عطلت المكبر في المسجلة لم تعد مسجلة ، هي تدور صحيح ولكن لا نسمع الصوت . هناك أشياء أساسية وجوهرية إذا ألغيتها ألغيت الشيء . ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
انظر إلى هذا الوصف ما أجمله ، ربنا كلامه موجز ، كلامه معجز لم يقل : ويصلون . . طبعاً يصلون ويصومون . . طبعاً يصومون ويحجون . . طبعاً يحجون ويتصدقون . . طبعاً يتصدقون ، ولكن : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
بمجرد أن يخشى هذا الذي يبلغ رسالات الله غير الله فقد مهمته ، فقد رسالته ، فقد هويته ، فقد وجوده ، فقد وظيفته ، فقد مبرر وجوده ؛ لأنه سوف يبلغ ما يرضى عنه هذا الذي خشيه من دون الله ، سوف يسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، وسوف ينطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، ولعمري ماذا بقي إذا سكت عن الحق ونطق بالباطل ، ماذا بقي من تأديته لرسالات الله ؟ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة :
وقال تعالى :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[سورة فصلت : 33]
الله عز وجل بهذا التركيب الاستفهامي التقريري ، هذا استفهام تقريري يبين أن أعلى عمل في الأرض أن تدعو إلى الله ، وأن يكون عملك صالحاً ، وباب الدعوة ميسر لكل إنسان ، لو تعلمت حديثاً واحداً وعلمته فأنت من هؤلاء ، لو تعلمت آية واحدة . . لو لم تستطع أن تتعلم وجررت الناس بمالك حتى حضروا مجلس علم فهو في صحيفتك ، فإما أن تعلم مباشرة ، وإما أن تجذب هذا الإنسان لمن يعلمه ، قال تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
قد ترى في سلوك إنسان خمسين مخالفة . . فإذا قلت له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وجد كل حياته حراماً ، يقول : أخي لا أريد هذه الطاعة ، هذه ليست حكمة ، الحكمة أن تعرفه بالله عز وجل .
مرةً سمعت كلمة أعجبتني تُسمى التدخل الإيجابي . مثلاً : الباعة أسعارهم مرتفعة جداً ويوجد غش ، ويوجد احتكار ، فنفتتح محلاً بهذا السوق ، ونعرض فيه بضاعة جيدة ورخيصة ، فنحن لم نضيق على الباعة ، تركناهم يفعلون ما يشاؤون ، ولكننا فتحنا محلاً في نفس السوق ، وبعنا بضاعة رخيصة جداً بأسعار معتدلة ، فالناس تهافتوا علينا وتركوهم ، مما اضطرهم أن يخفضوا أسعارهم . هذا أسلوب راق جداً ، فبدلاً من أسلوب العنف نستعمل أسلوب التدخل الإيجابي . فأنت بدلاً من أن تقول له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وبيعك حرام ، ومحلك أخذته بالحرام ، وبضاعتك بالحرام ، وزوجتك ماشية بالحرام ، وبناتك لا حجاب . . لقد أكثرت عليه الحرام فيئس من الحلال كله . . عرِّفه بالله ، تكلم له عن آيات الله ، علمه الصلاة، ادعه إلى صدقة . إذا تصدق صلى ، فإذا صلى ذاق من طعم الإيمان ، فإذا ذاق من طعم الإيمان هو يسألك أهذه حلال أم حرام ؟ قل له : هذه حرام . . هذه الآية ؟ لا تعطه كلهم دفعة واحدة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
يقولون إن رجلاً فرنسياً أسلم على يد أحد المشايخ في مصر ، قال له : علمني الدين ؟ قال : اجلس عندي درس فقه ، جلس في درسه . . أول يوم أحكام المياه ؛ الماء الطاهر، الطاهر المطهر ، الطاهر غير المطهر ، حكم الوضوء بماء الحمص ، حكم الوضوء بماء العدس ، حكم البئر إذا وقع فيه فأر ، فإذا يلحقها هر فلها حكم آخر ، من دون أن تلحقها قطة فلها حكم ثانٍ يقول : أين الهدى ؟ لا زلنا في الماء ، فأصابه الملل فترك . التقى مع عالم آخر ، قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف :
علمنا الله عز وجل كيف حرم الخمر ، حرمها بالتدريج ، قال تعالى :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[سورة النساء : 43]
وبعد ذلك قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة المائدة : 90]
فكما أن الله سبحانه وتعالى حرم الخمر بالتدريج عليك أن تسلك هذا السبيل الحكيم في تحبيب الناس بالخير ، وتنفيرهم من الشر . لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف .
حينما خرج الدم من يد النبي الكريم لماذا توضأ مرةً ومرةً لم يتوضأ ؟ هناك حكمة ، فإذا كانت كمية الدم كبيرة يتوضأ ، وإذا كانت قليلة لا يتوضأ . أخذ أحد الأئمة أن الدم ينقض الوضوء ، وآخر قال : الدم لا ينقض الوضوء .
لماذا قال رسول الله مرةً : اقرؤوا مع الإمام ومرةً قال : لا تقرؤوا ؟ إذا كان صوت الإمام واضحاً جداً ، وأنت تقف وراءه فتشوش عليه قال : ما لي أنازع القرآن ؟ إذا صفك رقم خمسة عشر ، لست تسمع شيئاً ، أتقف ساكتاً ؟ ما هذه الصلاة ؟ هناك حكمة عندما يعرف الإنسان حكمة كل أمر يقلد .
لك قريب شارب خمر ، وأولاده فقراء ، أتعطيه نقوداً ؟ يشرب بها خمراً ، فأنت تطبق المذهب الشافعي ، تعطيه الزكاة عينية ، تبعث إليه كيس سكر ، أرز ، سمنة ، لكن لك شخص عنده حكمة بالغة ، هو أدرى بالمئة ليرة ، يشتري بها ألبسة لأولاده ، كتب مدرسية ، هو حكيم . الحكيم أعطه نقوداً ، إنسان من الريف تعطيه كيساً من القمح يراه شيئاً ثميناً جداً ، المطحنة جاهزة ، والتنور جاهز ، أعط إنساناً يسكن في الشام كيساً يراه عبئاً عليه ، أين يريد أن يطحنه؟ أين يريد أن يصوله ؟ فهناك حكمة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
تشاجر مع صديقه فحلف بالطلاق ، له زوجة صائمة مصلية محجبة مستقيمة ، آدمية عفيفة ، طاهرة ، خدومة ، متواضعة ، وهي تطبخ طُلقت . . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة . هناك فقهاء قالوا : إذا حلف إنسان بالطلاق ، ولم تكن زوجته طرفاً في الطلاق ، وكان يكره فراقها كما يكره فراق دينه فإن هذا الطلاق لا يقع . منطقي ، حكيم جداً ، لم تكن طرفاً في الموضوع ، ويكره فراقها كما يكره فراق دينه فهذا الطلاق لا يقع . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة .
سألتك امرأة هل هذه الأساور عليها زكاة ، ليس عندها غيرهم ، أنت حنفية ؟ لا ، تقول لها : إن كنت حنفية فعليهم زكاة ، اذهبي وبيعي واحدة وادفعي زكاتهم . . لا ، ممكن أن تقول لها لا يوجد عليهم زكاة ، مادامت لا تملك ثمناً نقدياً آخر هناك مذهب آخر . (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا . . . . ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف . المؤمن الصادق :
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد أنه لما بعث رسول الله معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال :
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
من هو المؤمن ؟ الذي يصدق بهذا الكلام ، هذا كلام رسول الله ، لا ينطق عن الهوى ، ترى علامة المؤمن الصادق أن همه الأكبر هداية الناس ، تراه حريصاً على هدايتهم أكثر من حرصه على عمله ، أو على مستقبله ، أو على مستقبل زواجه ، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ، كل واحد له عند الله مرتبة ، هذه المرتبة بحسب الذين اهتدوا عن طريقه : (( ما أحدث رجل أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة ))
[ كنز العمال عن أنس]
اهتدى على يديك إنسان فأنت مرتبتك واحد ، اثنان اثنان ، إلى أن يقول الله عز وجل عن سيدنا إبراهيم : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة النجل : 120]
أي اهتدت أمة ، أما سيدنا رسول الله فجميع الأمم عن طريقه . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 107]
فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، فإذا ساهمت بهداية إنسان ، وهذا الإنسان صار عالماً ، واهتدى على يديه مليون ، المليون لك وله ، حسنات الله عجيبة جداً ، المليون بصحيفته وبصحيفة من علمه أنت من غير أن ينقص من أجره شيئاً . فلما يوقن الإنسان أن هداية الأشخاص أغلى عمل في الأرض هذه صنعة الأنبياء ، قد يعطي الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، ولكن هذه الصنعة لا يسلمها إلا لمن يحب . ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه : 41]
ما معنى واصطنعتك لنفسي ؟ أنت لي ، أنت داع إلي . فالسيدة عائشة تحدث الناس عنها أنها زانية ، وهي بقية طاهرة ، لماذا سمح الله لهم أن يفعلوا ذلك ؟ قد جعلها الله أسوة لكل امرأة ، لآخر الزمان ، يتكلم الناس عنها ظلماً وهي بريئة فلها أسوة بالسيدة عائشة كأن السيدة عائشة كانت كبش الفداء ، فالله عز وجل اصطنعها لنفسه . فأجرى هذه القصة تعليماً لنا، فليس كل شيء يُقال صحيحاً . . طاهرة نقية ، حصينة ، حصان ، رزان ، شريفة ، مقربة ، وهكذا تحدث الناس ، فأية امرأة مسلمة مؤمنة لغط الناس بها ، فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة لأن الله اصطنعها لنفسه . فكل إنسان داعية قد يكون فقيراً ، لماذا فقير ؟ حتى إذا كان طالب علم فقيراً لا يأخذ على خاطره ، قد يكون هذا الداعية مريضاً ، إذا إنسان أحب الله أن يعالجه بالمرض ، هذا فلان كان مريضاً . سيدنا رسول الله جاءه جبريل قال له : أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره .
دخل عدي بن حاتم إلى بيته ، قال : فتناول وسادة من أدم محشوةً ليفاً قال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت . قال : بل أنت . وجلست عليها وجلس هو على الأرض . . كيف رسول الله وهو سيد العالمين ليس عنده إلا وسادة واحدة في بيته ، ما هذا البيت ؟ عندما كان يصلي قيام الليل ترفع السيدة عائشة رجليها كي يسجد ، ألهذه الدرجة كانت الغرفة ضيقة ؟ هذه غرفته ، وهذا أثاث بيته الفخم ، وهذه الثريات سراج ، والسجاد جلد غزال . .
دخل سيدنا عمر على رسول الله فرآه نائماً على حصير ، وقد أثر على خده الشريف فبكى ، قال له : يا عمر لمَ تبكي ؟ قال : رسول الله ينام على حصير ، وكسرى ملك الفرس الكافر ، عابد النار ، الظالم ينام على حرير ؟ قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً . وهناك قولاً آخر : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة .
إذاً . . ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
إن صدقتم بهذا الحديث فانطلقوا إلى هداية الناس ، وكلما تهدي واحداً لك عند الله درجة . من كتم علمه ألجم بلجام من نار :
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود :
(( من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقاً))
[رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود]
وقال عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - هكذا تروي الكتب - من علم وعمل وعلم ـ يوجد آية قرآنية بهذا المعنى ؟ . . ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر : 1-3 ]
إذا كانت حياة الإنسان خالية من إيمان ، وتطبيق ، وتعليم ، وصبر فهو خسران .. أخي معه ثلاثة آلاف مليون ، خسران .
وعمل وعلم ، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السموات .
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس بسند ضعيف : (( إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة ، فيقول العلماء : بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا))
[ أخرجه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف]
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر ، والحديث متفق عليه : (( إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهبوا بذهاب العلماء ، فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالاً إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون ))
[متفق عليه عن ابن عمر ]
العلم يُنتزع انتزاعاً بقبض العلماء . وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وهو حديث حسن : (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
الحكم يعرفه ، ولكن لم يتكلم لمصلحة ، له شريك يربح منه كثيراً وقع شريكه بمخالفة فإذا نصحه بتلك المخالفة سيتشاجران معاً ، يقول له : نفك الشركة بيننا ، فيقول لنفسه : اسكت يا ولد أنت تربح منه . تعلم علماً وكتم هذا العلم من أجل مصلحة مادية ، ألجمه الله بلجام من نار .
قلت لكم مرة : إنسان يصلي في أول صف ، كل صلاة في وقتها ، له محل تجاري وله مطعم يباع فيه الخمر ، قلنا له فقال : إن شاء الله برقبة شريكي ، أنا ليس لي دخل ، أنا إلى المطعم لا أذهب أبداً ، فقط آخذ الأرباح آخر السنة ، في رقبته إن شاء الله . لا في رقبة الشريكين معاً ، إذا قال له : لا يجوز ، يجوز ، هذا ليس عملك إن لم يعجبك ذلك انسحب ، هناك ربح جيد كيف ينسحب؟؟!! (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
النصيحة و التشهير :
وقال صلى الله عليه وسلم :
((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
فعلامة المؤمنين يتناصحون ، إذا رأى الأخ على أخيه غلطاً ، لكن الفرق بين النصيحة والتشهير ، النصيحة بينك وبينه ، التشهير أمام ملأ ، أمام الملأ لا يرضى منك ، يعارض ، أحياناً لا يكون منطقياً ، أحياناً يركب رأسه ، أحياناً يتعنت ، أحياناً يتشدد لا يتراجع ، لأنك أردت أن تشهر به ، عندئذ لا ينصاع لك ، إن كنت مخلصاً في نصيحتك انصحه على انفراد ، بشكل لطيف .
سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما حينما رأوا رجلاً كبيراً في السن يتوضأ بشكل غير صحيح ، فتوضؤوا أمامه وسألوه : نحن قد اختلفنا بموضوع في الوضوء ، فاحكم بيننا يا عم وتوضؤوا أمامه ، قال : المخطئ أنا وليس أنتما . أي هذا أسلوب من أساليب تصحيح الأغلاط بشكل لطيف ، فالإنسان إذا أراد أن يتناصح يجب أن يكون ذكياً بالتناصح ، إنسان غلط أمام سيدنا رسول الله باللغة - إذا أخطأت أمام نحوي أو لغوي يقيم القيامة عليك يقول لك : أعد ، أعد . . – فقال : " أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ " يا ترى تصليح الغلطة وجرحه أفضل من تركها إلى آخر المجلس وتنبيهه لها تنبيهاً لطيفاً ؟ المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم .
إذاً : ((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه))
[الترمذي عن أبي هريرة]
ذكر الله وما يتصل به . النبي الكريم يعلّم الناس كيف يرحمون الحيوان :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
لأن معلم الناس الخير يعلمهم كيف يعاملون الحيوان ، فإذا رحم الإنسان الحيوان ففي صحيفة من دله على ذلك .
حدثني شخص أنه ذبح شاة أمام أختها ، قال : والله لأول مرة في حياتي أرى شاة تبكي خوفاً ، النبي الكريم أدرك ذلك ، لما رأى شخصاً يذبح شاةً أمام أختها غضب عليه الصلاة والسلام وقال : " أتريد أن تميتها مرتين ، هلا حجبتها عن أختها " كان عليه الصلاة والسلام رحيماً . . ولما دخل إلى بستان ورأى جملاً فلما اقترب منه حن - معنى حن هطلت دموعه- تقدم النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفري الجمل وقال : " من صاحب هذا الجمل ؟ قالوا : فتى من الأنصار ، قال : ائتوني به ؟ جاؤوا به فقال : يا فتى ألا تخشى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها ؟ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه "
فالذي يحمل مفكاً ينعر به الدابة من أجل أن تمشي ، تراها مجروحة ، هذه بهيمة في خدمتك ، فكم من مركوبة خير من راكبها عند الله .
النبي الكريم بلغه عن رجل خان صديقه أثناء السفر أو الجهاد والكلب قتله ، قال : " خان صاحبه ، والكلب قتله ، والكلب خير منه " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
[سورة البينة : 6]
طبعاً . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة : 6]
على طالب العلم أن يعقل ما يقال ليبلغه لغيره :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ))
[جامع بيان العلم وفضله لابت عبد البر عن محمد بن المنكدر]
لذلك طالب العلم همه الأول يعقل هذا الذي يقال ؛ تفسير آية ، تفسير حديث ، حقيقة ، آية كونية ، إذا عقلها وبلغها لأخيه المؤمن يسعد ويسعد .
وهناك حديث رواه أبو هريرة قال : (( كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ))
[ ابن المبارك عن أبي هريرة]
و: (( رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَأَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ وَالآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ ، فَقَالَ : كِلا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ ، إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيَعْلَمُونَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا))
[ مسند البزار عن عبد الله بن عمرو]
أي يقلدون النبي صلى الله عليه وسلم في صنعته : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار عن أبي هريرة ]
الحسد و الغبطة :
الدرس اليوم كله على التعليم ، وكل واحد منكم يجب أن يعلم ، يجب أن يعمل قائمة؛ فلان اهتدى على يدي ، وفلان وفلان ، إذا واحد أحسن من الدنيا وما فيها ، فكيف باثنين أو ثلاثة ؟ إذا إنسان لم يعرف الله عز وجل وصار عنده أموال تعادل ملء الأرض ذهباً . . لو أنه يملك ذهباً ملء الأرض ، وأراد أن يدفع هذا المال كله ليفتدي نفسه من عذاب الله لا يُقبل منه ذلك ، وهداية رجل واحد خير لك من الدنيا وما فيها . والحديث المعروف المشهور :
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
هذه أعمال مستمرة ، غير منقطعة . ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ . . .))
[البخاري عن أبي هريرة]
إذا حسدت إنساناً على بناء ضخم فهذا حسد غير ذكي ، حسد غبي ، لأن هذا البناء سوف يغادره إلى مثواه الأخير ، إن حسدته على ماله فهذا حسد غير ذكي ، لأنه لن يأخذ معه إلا أمتار من الخام الأسمر ، وقطن فقط ، إذا حسدته على زوجته سوف يتركها ، إذا حسدته على أولاده فسوف يتركهم ، أو قد لا ينفعونه ، أما إذا حسدته على علم فمعك حق ، إذا حسدته على مال ينفقه في طاعة الله فمعك حق . لكن نحن نسمي الحسد في العلم وفي المال الذي ينفقه صاحبه في طاعة الله غبطة ، هناك أناس يقولون : أنا حاسدك على هذه الدعوة إلى الله . لا تقل له : أنا حاسدك ، بل قل : أنا أغبطك . دقة العبارة جميلة ، في الخيرات غبطة وفي غير الخير حسد .
هناك بيت شعر مكتوب : ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
***
أي عطاء الله بلا سبب ، أنا عدلت تعديلاً طفيفاً : ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
***
لأن عطاء الله بالعدل ، وهناك أسباب . الله يعطي من يشاء فقف على حد الأدب
***
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ : رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ, فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ, والنَّهارِ, فَسمِعَهُ جَارٌ له ، فقال : لَيْتَني أُوِتيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ : فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعمَلُ ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالاً, فهو يُنفِقُهُ في حَقَّهِ ، فقال رجل : لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعمَلُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
علم يعلمه ، المال ينفقه في طاعة الله ، هؤلاء الشخصان يُحسدان وما سوى ذلك حسد غبي ، الحاسد جاهل ، والمحسود أجهل . من تعلّم وطبق السنة صار له وجهة إلى الله عز وجل :
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث حسن :
(( على خلفائي رحمة الله قيل : ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ، يحيون سنتي - وفي رواية - عند فساد أمتي))
[جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر عن سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبَّقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أخي مرحبا ، قل له : السلام عليكم ، والله أجمل ، السلام عليكم سلام الإسلام ، السلام من أسماء الله عز وجل ، العلم السنة ، المصافحة سنة ، ألا تأكل متكئاً سنة ، هذه مائدة الله عز وجل ، فالإنسان إذا تعلم وطبق السنة يصير له وجهة إلى الله عز وجل ، يسعد ويسعد. أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ما يقول ثم يتكلم :
الآثار انتهينا من الأحاديث ، بدأنا بالآيات ، ثنينا بالأحاديث ، والآن الآثار .
قال عمر رضي الله عنه : " من حدث حديثاً فعمل به فله مثل أجر من عمل ذلك العمل "
لذلك أقول دائماً أربعة أدعية أدعيها يقشعر منها جلدي : " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني" . . والله مصيبة يتعلم حديثاً ويطبقه ويسعد فيه وأنت متعلم نصه ولفظه وروايته ولست مطبقه فتشقى به ، هذه أكبر خسارة .
من أندم الناس ؟ قيل : من دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار ، روى لنا النبي الكريم عن أهوال يوم القيامة ، أنهم يشاهدون رجلاً انفتح بطنه واندلقت أمعاؤه من بطنه، وهو يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، إذا إنسان ضُرب ضربة قوية يدوخ .
((يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، وأمعاؤه اندلقت من أقتابه))
[أحمد عن أسامة بن زيد ]
فلان ، هو بذاته ، هذا كان عالماً في الدنيا يسألونه ألست أنت فلان ؟ يقول : نعم ، ألم تكن تأمرنا بالخير ؟ قال : نعم ، ألم تكن تنهانا عن الشر ؟ قال : نعم ، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال : كنت آمركم بالخير ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشر وآتيه . فلذلك أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ثم يتكلم ، إذا طبق وتكلم يؤثر .
رجل عالم عنده عبد ، له تلميذ غني ، مرة هذا العالم زار تلميذه ، هذا التلميذ رحب به ترحيباً منقطع النظير ، صنع له طعاماً اعتنى به ، والعبد يرى تأثير هذا الشيخ على تلميذه ، قال لنفسه : إذا كلمت الشيخ حتى يعتقني فسوف يعتقني ، بعد أن انتهت الزيارة قال له : لو أمرت سيدي أن يعتقني . قال له العالم : خيراً إن شاء الله ، فتوقع أنه سوف يعتقه في اليوم الثاني فمر يوم و اثنان و ثلاثة ، ثم أسبوع وأسبوعان وثلاثة ، وشهر وشهران وثلاثة ، لا حس ولا إنس ، يا ترى ماذا قال له ؟ قال له ؟ لمَ لم يقل له ؟ إذا قال له لمَ لم يطبق ؟ صار هناك سؤال وجواب ، ثم دعاه مرةً ثانية ، وأيضاً أكرمه إكراماً منقطع النظير ، ثم قال له : سيدي أكلمته حتى يعتقني ؟ فقال له : إن شاء الله يصير خيراً . أيضاً مضى أسبوع وأسبوعان ، وشهر وشهران ، لا حس ولا إنس ، ثم عزمه ثالثة ، فقال له : قال : إن شاء الله يصير خيراً . أعطاها نبرة جادة .
بعد عدة أيام استدعاه سيده فقال له : أنت حر لوجه الله ، لكن هذا العبد قد تألم ، قال : إذا كانت تحل بكلمة من هذا العالم فلماذا تأخر إلى الآن رجوته منذ سنة . التقى بالرجل العالم وسأله ، قال : يا بني أنت أتعبتني كثيراً ، اقتصدنا من مصروفنا مبالغ حتى أعتقنا عبداً بعد أن أعتقت عبداً أمرت سيدك فأعتقك . هكذا كان العلماء قديماً . . العدل حسن لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن .
فالورع حسن ، لكن في العلماء أحسن . قال له : أتعبتنا حتى وفرنا من مصروفنا ، وأعتقنا عبداً ، لما أمرنا سيدك بإعتاقك فنفذ فوراً . لذلك قال الله عز وجل : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت : 33 ]
كل إنسان يتفلسف أما الذي يؤثر كلامه في الناس فهو الذي يطبق .
عندما تعامل الإنسان معاملة إسلامية ثم تنصحه نصيحة يخضع لك ، ويحترمك ويصغي لك ، إذا رأى المعاملة ليس كما يجب ، معاملة مصلحية ، أما الكلام لطيف فقال : " خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، فبي حلفت ، أعلي يجترؤون أم بي يغترون ؟ والله لألبسنهم فتنة تدع الحليم حيراناً" . كلام حلو كثيراً ، تطبيق لا يوجد . من حدث حديثاً فعمل به فله أجر مثل ذلك العمل : (( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
تدخل العالم بين الله و خلقه :
وقال بعض العلماء : " العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه "
فعلاً كلما عرضت قضية عليه ، فالقضية معاملة الله للعبد ، يتدخل ويقول له : الله يريد بك خيراً ، هذه القضية لمصلحتك ، من أجل أنْ تصبر ، من أجل أن يرقى بك ، من أجل أن يرفع درجتك ، من أجل ، من أجل . . كالذي يدخل بين الأم وابنها ، يقول : إياك أن تغلط الأم لا يوجد مثلها ، كل أعمالها من أجل مصلحتك ، لو أنك حزنت منها ولكنها لمصلحتك ، أنت تتدخل بين الأم وابنها ، أنت تفهم الابن مقام الابن . فالعالم يتدخل فيما بين الله وخلقه . فلينظر كيف يدخل . . ويكون تدخله إيجابياً ، ألم يقل سيدنا موسى : " اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك ، ولكن كيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي "
شعور المعلم عند سؤال المتعلم :
سفيان الثوري - رحمه الله - قدم عسقلان فمكث فيها لا يسأله إنسان فقال : " إني مزمع أن أخرج من هذا البلد ، هذا بلد يموت فيه العلم "
أحياناً أسأل الطلاب سؤالاً ، هل هناك سؤال ؟ لا أحد يجيب ، أقول لهم : هذا السكوت أول تفسير هو حسن ظني بكم ، أنكم فاهمون تماماً ولا يوجد قضية غامضة ، والتفسير الثاني : الحياء ، والحياء خلق عال ، والتفسير الثالث عدم المبالاة ، الموضوع كله خارج اهتمامنا . فالإنسان لا يسأل إما عن فهم ، وإما عن حياء ، وإما عن عدم مبالاة . الشيء الخطير الثالثة ، يعيش بدوامة ثانية .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه . .))
[ الترمذي عن أنس]
شخص أوقف شخصاً و بدأ بآية ، قال له : والله مستعجل ، عندي موعد فلا تؤاخذني ، والله كلامك حلو ولكني مرتبط بموعد ، قال له : أراك تعرج ، قال : نعم والله ، قال : يوجد لهذا دواء ، قال : أطلت الحديث معه ، نصف ساعة أوقفته من أجل رجله ، من أجل تفسير آية عنده موعد ، مستعجل ، الحجاج ماشي في الطريق ، رأى بائع قدور يصلي قاعداً ، وقف عنده قال : أريد هذا القدر ، وضع سلماً وصعد إليه ، فقال : ليس هذا الذي بجانبه ، فصعد إلى جانبه . . قال : من أجل بيع وشراء يصعد وينزل مئة مرة . ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء :142 ]
بزمانك رأيت إنساناً يعد نقوداً ينام – خمسمئات مثلاً – لا ، يبقى صاحياً . أحياناً الإنسان يشرد في الصلاة .
قال عطاء رضي الله عنه : دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ قال : لا أحد يسألني عن شيء ، ما هذا البلد ؟ إذا سأل أحدهم ينتعش المسؤول ، هناك إنسان مهتم ، هذه القضية تشغل باله ، خائف أن يكون قد وقع بالحرام ، عنده ورع ، عنده اهتمام، فالسؤال له فائدة غير مباشرة ، وهو شعور المعلم أن المتعلم مهتم . وقال بعضهم : " العلماء سرج الأزمنة ، كل واحد مصباح زمانه ، يستضيء به أهل عصره " أهمية العلم و العلماء :
وقال الحسن رحمه الله : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " ، أي أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حدّ البهيمية إلى حدّ الإنسانية ، البهيمية طعام وشراب وعمل واستراحة وملذات ، انظر حياة معظم الناس ، ماذا يوجد فيها ؟ أكلنا ، وشربنا ، ونمنا ، وسهرنا ، وضحكنا ، ولعبنا ، وتنزهنا ، يذهب الصيف ويأتي الشتاء ثم الربيع والخريف ، نفس الوتيرة . حديثه عن الطعام ، أو النساء ، الأكل أو النساء ، طعام وشراب ونوم وراحة وترتيبات وتزيينات وحفلات وانتهى كل شيء ، والآخرة خارج اهتمامهم .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
وقال عكرمة : " إن لهذا العلم ثمناً ، قيل : وما هو ؟ قال : أن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه" . وقال يحيى بن معاذ : " العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم " كيف ؟ نأخذ مثلاً رسول الله ، رسول الله أرحم بالخلق من أنفسهم بأنفسهم ، واحدنا همه دنياه ، أما النبي الكريمة فهمه آخرتك ، الدنيا زائلة ، أما البطولة فبالآخرة ، لذلك من يقوم مقام الأنبياء هؤلاء حريصون على الناس أشد من حرص الناس على أنفسهم . قال : وكيف ؟ قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا .
إذا أحدهم اقترب ابنه من مدفأة تراه يقفز قفزاً ، يقول : سيحرق يده . . كيف تغريه بمعصية ؟ ترسله إلى دولة أجنبية لوحده يسكن مع أسرة يبقى فيها أربعة أسابيع أو خمسة حتى يتعلم اللغة . هذه الأسرة قد يكون فيها زنا ، أسرة كافرة ، هذا شيء غير معقول ، تخاف عليه من نار الدنيا ألا تخاف عليه من نار الآخرة ؟
قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا ، وهم يحفظونهم – أي العلماء- من نار الآخرة .
وقيل : " أول العلم صمت ، ثم استماع ، ثم حفظ ، ثم عمل ، ثم نشر " صمت ، استماع ، حفظ ، عمل ، نشر .
وقيل : " علم علمك من يجهل ، وتعلم ممن يعلم ما تجهل ، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت ، وحفظت ما علمت "
وقال معاذ بن جبل في حديث مرفوع : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والمصبر على السراء والضراء ، والوزير عند الأخلاء ، والقريب عند القرباء ، ومنار سبيل الجنة ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وسادة ، هداة يُقتدى بهم ، أدلةً في الخير ، تُقتص آثارهم ، وترمق أفعالهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وكل رطب ويابس يستغفر لهم ، حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع البحر وأنعامه ، والسماء ونجومها ، وأن العلم حياة القلوب من العمى ، ونور الأبصار من الظلم ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ به العبد منازل الأبرار ، والدرجات العلى ، والتفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يُطاع الله عز وجل ، وبه يُعبد ، وبه يُحمد ، وبه يُمجد ، وبه يُتورع ، وبه تُوصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، وهو إمام والعمل تابعه يُلهمه السعداء ، ويحرمه الأشقياء ، ونسأل الله تعالى حسن التوفيق " من أحبّ العاجلة و كره الآجلة حظر الله عنه العلم و الأدب :
و :
(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
[ذكره ابن النجار في تاريخه وكذا القضاعي في الشهاب عن أبي هريرة ، وذكر في الميزان أنه خبر باطل وأعاده في ترجمة أحمد بن محمد الدمشقي وقال له مناكير وبواطيل ثم ساق منها هذا وقال بعض الشراح الشهاب غريب جداً]
معنى استرذله : رآه رجلاً سخيفاً ، شهوانياً ، دنيوياً ، يحب العاجلة ، يكره الآجلة ، يحب مصلحته وشهواته ، يكره الحق ، إن رآه كذلك قال له : هذه المجالس ليست لك ، دعك عنها ، أنت مشغول ، أنت عندك عمل لأنصاف الليالي هنا عمل عبادة ، أحياناً يتوهم ويقول : العمل عبادة أيضاً ابق لأنصاف الليالي بالعمل ، واترك أولادك ، ولا تهذب نفسك ، والموت يأتي فجأة . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
فإذا سمح الله لرجل أن يحضر مجلس علم ففيه خير ، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ، إذا الإنسان حاجز محلاً في جامع فلا يفرط به ، إذا لم يأتِ عدة مرات يتراكم على قلبه الران ، ثم يقطعه نهائياً ، قليل من الإهمال ، أخي والله لا يوجد انشراح ، يضيق الله صدره. ما معنى حظر عليه العلم والأدب ؟ يضيق الله صدره من العلم ، بالأسواق يستأنس ، بالحديث عن الدنيا يطرب ، طليق اللسان ، يحدثك إلى الواحدة ليلاً ، فإذا تحدثت إليه عن الآخرة يتثاءب، يقول : تأخرنا اسمح لنا بالخروج . هذه قاعدة : المؤمن مهما حدثته عن الله عز وجل يبقى سعيداً ومسروراً . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم :
أنا لي عندكم نصيحة ، احضر مجلس العلم في كل أحوالك ، أخي البارحة ما رأيناك ؟ نعم والله كنت متضايقاً ، بالعكس أخي ألا تريد أن تأخذ الدواء ، عندما أشفى آخذه ، ما هذا الكلام ؟ يجب أن تأخذه حتى تشفى ، الدواء للشفاء ، إذا شفيت لا تحتاج إلى دواء .
أخي إذا كنت متضايقاً لا آتي إلى المجلس ، لا بالعكس ، إذا كنت متضايقاً تعال ، إذا كنت متضايقاً تسر هنا ، يذهب عنك الضيق ، متشائم يذهب عنك التشاؤم ، خائف يذهب عنك الخوف ، فهذا المجيء حتمي ، طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم .
أي بكل أحوالك ؛ معكر تعال ، مشغول تعال ، وقعت بمخالفة ، خجلان من ربك تعال ، أنت داخل إلى بيته يضيفك .
" إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر"
أخي أنا وقعت بمخالفة ، صافحت اليوم فأنا أستحي من الله لا أريد أن آتي إلى الدرس . بالعكس ، ادفع صدقة وادخل إلى بيته تائباً على نية أن يضيفك في هذا الدرس ، ماذا يضيفك ؟ العفو عنك ، أو المجاوزة ، احتمال أن تدخل إلى الدرس تبكي قليلاً فترى أن قلبك انجلى " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " اجعل الدرس فوق كل أشغالك ، أي هذا الدرس من فضل الله مخصص للتحدث عن نعمه ، هذه السنة العاشرة أدرسها من فضل الله ما غبت درساً ، من فضل الله عز وجل أنه أكرمني لأني حريص على طلب الخير ، وأنتم أيضاً احرصوا على الدوام ، الثبات نبات ، اليوم تأثرت ، اليوم الثاني صفت نفسك ، الثالث تخلصت من ذنب كان جاثماً على صدرك ، إذا ثبت ستتجه نحو الأحسن ، ما من إنسان ثبت على حضور مجلس إلا و تطور ، الإنسان له أذن تسمع ، هذا حرام وهذا حلال ، هكذا طريق السعادة وهكذا طريق الشقاء ، سوف يطبق بعد ذلك ، إذا مضى فترة طويلة وتخلصت من كل مخالفتاك البيتية ، أنا سأتحمل سنة لأن الأمر يحتاج إلى نفس طويل ، أما إذا الإنسان أسرع فأفضل ، من يؤكد له أن الموت بعيد قد يكون قريباً .
إنسان توفي أخوه وترك له عشرة أولاد ، صار يبكي ، له شيخ ذهب إليه قال : لم تبك يا بني ؟ قال : أخي ترك لي عشرة أولاد وما خلف شيئاً ؟ ثم قال : ترك شيئاً يكفيهم سنة قال : جيد ، عندما تمضي السنة ابدأ بالبكاء ، مات قبل السنة ، من عنده ضمان أن يعيش لبعد ساعة ، فالإنسان يتوب .
(( بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غناً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
اًتوبوا إلى الله ، فإذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحة فكأن جبل أزيح عن كاهله ، استراح ، لذلك توبوا إلى الله توبةً نصوحة : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

السعيد 09-09-2018 08:54 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : اداب المتعلم وصفاتة





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
آداب المتعلم :
1 ـ تطهير القلب :
درسنا اليوم في عرض وشرح بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين ، ونحن في باب العلم ، تحدثنا عن فضيلة العلم ، وعن فضل العلم ، وعن فضل التعلُّم ، وعن فضل التعليم في الدروس الثلاثة السابقة . وفي الدرس الماضي تحدثنا عن آداب المتعلِّم ، وكان أول هذه الآداب تطهير القلب .
والأدب الثاني ، وقبل أن ننتقل إلى الأدب الثاني من آداب المتعلِّم يقول الغزالي : " إني أرى جماعةً من العلماء الفقهاء المحققين برزوا في الفروع والأصول - أي في فروع الفقه وفي أصوله - وعدّوا من جملة الفحول ، وأخلاقهم ذميمة لم يتطهَّروا منها ، فيقال : إذا عرفت مراتب العلوم ، وعرفت علم الآخرة ، استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء من حيث كونه علماً ، وأما غناؤه من حيث كونه عملاً لله تعالى إذا قُصد به التقرُّب إلى الله تعالى ، لقد سبقت إلى هذا إشارة ، وسيأتيك فيه مزيدٌ وبيانٌ ، وإيضاحٌ إن شاء الله تعالى " هذا رأيٌ صائب ، لو أن الإنسان تعمَّق في الأصول والفروع ، وبرَّز فيها يعد عند الناس من جملة الفحول ، ولم يطهر قلبه من الأخلاق الذميمة ؛ من الحسد ، والعُجب ، والكبر ، والاستعلاء ، وتضخم الذَّات ، إن هذا الذي حصَّل تلك الفروع ، وهاتيك الأصول ، وبرع فيها وتعمق ، ووصل إلى أدق الجزئيات، وحفظ ، واستعلى ، ولم ينظر إلى قلبه ليطهره ، إن هذا لا ينفعه شيء في الآخرة ، كما لو أن إنساناً اختصَّ في اختصاصٍ معيَّن وبرع فيه ، اختص في الطب مثلاً ، في الحقوق ، في الآداب ، وصار له مؤلَّفات كبيرة جداً ، وصار اسمه شائعاً على الألسن ، ولم يطهر قلبه ، ولم يعرف ربه ، فإن هذا كله لا يجديه شيئاً .
إذاً هذا العلم الشريف يحتاج إلى تطهير قلب حتى يغدو شريفاً .
2 ـ أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا :
الوظيفة الثانية : يقول الإمام الغزالي : " أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا "
العارفون بالله لهم عبارات ثابتة : " العلائق عوائق " . أي إنسان لا يوجد عنده وقت ، داخل في خمسين مشروعاً ، وعنده خمس أو ست شركات ، ومشغول من الصباح إلى المساء لو كان هذا الإنسان طيباً ، لو كان فيه خير ، لو كان عنده استعداد ، لكن لا يوجد لديه وقت . الآن إذا إنسان أراد أن يصبح طبيباً غير معقول أن يكون موظَّفاً ، إذا كان موظفاً دوانه من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية والنصف ، فيصل إلى البيت الساعة الثالثة والنصف منته، يريد أن يأكل للرابعة والنصف ، يرتاح ساعتين ، انتهى النهار ، لو عنده رغبة جامحة أن يكون طبيباً ، هذه تحتاج إلى وقت ، و إلى أن يكون مثقَّفاً ثقافة عالية . فما لم يكن هناك وقت فراغٍ كافٍ لطلب العلم فالأمر مستحيل ، إذاً نحتاج إلى وقت فراغ .
وعندما يقتطع الإنسان من أثمن أوقاته وقتاً ليتعرَّف في هذا الوقت إلى الله عزَّ وجل لم يضع عليه شيءٌ في الدنيا ، هنا البطولة ، هنا يختلف المؤمن بالله عن المعتقد ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيع هذا الوقت في طلب العلم ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يمضي ساعتين في أيام المواسم ، يقول لك : بيع مثل النار ، أنا الآن أحتاج لساعة كي أصل ، والدرس ساعة ، وساعة لأرجع ، أكون بعت بخمسة آلاف ليرة في هذا الوقت . المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيِّع وقتاً من أوقاته في طلب العلم ، لكن المؤمن إيماناً صحيحاً يرى أن العبد إذا ضيَّع من وقته ، أو إذا استهلك من وقته وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يعطيه الدنيا قبل الآخرة :
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
صاحب محل تجاري ، وفي منطقة حساسة ، وعليه إقبال شديد ، الظاهر أن صديقاً له قال له : ألا تحج يا رجل ؟ قال له : والله لا أستطيع أن أحج ، إذا حججت سيذهب كل زبائني ، لا أستطيع أن أغلق أربعين يوماً ، بلغني أن هذا الإنسان أصابه مرض عُضال ألزمه الفراش أربعة أشهر في البيت ، لهذه الكلمة التي قالها ، لا تستطيع أن تحج لكي لا يخف دخلك؟ أربعة أشهر ابتلاه الله بمرضٍ وهو يعلم أن فيه خيراً لعله يصحو . لذلك العلائق عوائق .
أول شيء ، طبعاً هذا الأدب له شطرين ، أول شطر تحتاج إلى وقت فراغ ، الشطر الثاني تحتاج إلى صفاء نفسي يعينك على فهم الحق ، لو إنسان مخاطر مخاطرات كثيرة في أعماله الشخصية ، ودائماً تحت ضغط أو قلق معيَّن ، هذا القلق المستمر ، وهذا الخوف ، وهذه المخاطرات لا تسمح له أن يستوعب العلم ، ولا تسمح له أن يتمثَّل العلم ، ولا تسمح له أن يتعمَّق في العلم . من يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله فالله يحفظه و يوفقه :
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : " والله لو كُلفت شراء بصلة ما تعلمت مسألة " . القصة أنه عندما توقن أنه يوجد إله رزاق ، وأنت الآن ستلتفت لمعرفته من أجل أن تنجو من عذابه يوم القيامة ، من أجل أن تسكن في جنةٍ عرضها السموات والأرض ، إذا كنت هكذا تفعل ، فإن الله سبحانه وتعالى سيرزقك أضعاف ما يرزق هذا الذي انقطع إلى الدنيا ، هذه البطولة ، هذا لا يعرفه إلا المؤمن ، أي أنه لا يضيع عليك شيء ، اجعل هذا الكلام في ذهنك:
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
أي إذا أنت استهلكت ساعة زمان لمعرفة الله ، يمكن أن يوفر الله عليك عشرات الساعات ، يمكن أن يُعطَّل شيء بآلة من آلات عملك تكلفك ثمانين ساعة ، لا يوجد من قطعها تذهب إلى بيروت ، تذهب إلى الأردن ، تذهب إلى هنا و هناك و لا يتجد ، يذهب وقتك ، وجهدك ، وأموالك ، وتستهلك زمناً طويلاً ، فلو أنت بذلت من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، لا يضيع عليك شيء .
حتى أن بعض الفقهاء قال : " حضور مجالس العلم زكاةٌ للوقت " . إذا إنسان ابنه شرب دواء لا يأخذه إلا الكبار ، أخذه على مشفى الأطفال ، يحتاج إلى خمس أو ست ساعات مرافقة معه ، يقول لك : من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية مساء حتى انتهينا ، غسيل معدة وما شاكل ذلك ، خمس ساعات ، أي أن الله عزَّ وجل قادر بكل ثانية أن يُذهب لك مئة ساعة من وقتك ، مع الألم ، والانزعاج ، ودفع المال ، والترجي ، وبذل ماء الوجه ، فعندما يقتطع الإنسان من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل . . ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور : 48 ]
أنت الآن بأعيننا ، فإنك بحفظنا وتوفيقنا . . ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
بهذا الموضوع القصص أكثر من أن تُحصى ، إذاً العلائق عوائق ، معنى العلائق عوائق أي تحتاج .. ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
إلى وقت فراغ ، وتحتاج إلى صفاء ، الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، الكلام دقيق جداً ، لم يقل : خيرٌ من التجارة بل خيرٌ من بعض التجارة ، أي أن التجارة فيها قلق شديد ، فيها خوف ، فيها مخاطر ، والله إذا ضغط الإنسان مصروفه بحيث لا يضطر إلى هذه المخاطر ، وصار عنده صفاء ، فإذا قرأت قرآناً صباحاً ، واستوعبت على الله عزَّ وجل كلامه ، بسبب أنك صافي النفس ، والله هذا الصفاء لا يقدَّر بثمن ، كله ماض . . (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
وما سوى ذلك ليس لك ، الذي لك المستهلكات ، أما الأرصدة فليست لك ، المستهلكات لك واستهلكتها ، والأرصدة ليست لك لكنك سوف تحاسب كيف جمعتها ؟ وكيف أنفقتها ؟ فالمستهلكات هي لك وهي مستهلكات ، حديثٌ دقيقٌ جداً : (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
3 ـ ألا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم :
الشيء الثالث ، الأدب الثالث من آداب طالب العلم ألا يتكبر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلِّم ، بل يُلقي إليه زمام أمره بالكليَّة في كل تفصيل . أحياناً يقول لك أحدهم : الموضوع الفلاني ما قولك فيه ؟ هذا قولي فيه . فيقول لك : قالوا غير ذلك . أنت اعتمد على واحد ، أنت امنح ثقتك لإنسان ، إما أن تمنحه ثقتك أو لا تسأله ، لا أريد أن أسألك وأقول لك : كلامك غير صحيح . هذا ليس من الأدب في شيء ، أنت اسأل واسمع الجواب ، إذا أعجبك طبقه ، لم يعجبك اتركه ، لا يوجد إلزام ، العالم لن يتبعك إلى البيت ويقول لك : ماذا عملت بكلامي؟ أنت اسمع سألته سؤالاً قال لك : هذه حرام ، فتقول : هذه أفتوا فيها . ما دام أفتوا فيها، طبقها على ذمتهم .
قال لي أحدهم : هذه صار فيها فتوى ـ بالمئة خمسة الربا فيها فتوى ـ قلت له : لابأس . قال : هذه فيها فتوى . قلت له : لابأس ما دام فيها فتوى ، ولكن أنا خائف يوم القيامة ألا تجد مفتيك الذي أفتاك ، هذه أصعب شيء ، يمكن هذا الذي قال لي : بالمئة خمسة لا تجده، هذه صعبة جداً إذا اعتمدت عليه ، ووضعتها بذمته وبرقبته ، وجئت إلى الحساب ، أين هذا ؟ أنا قلت لك يا عبدي أنه بالمئة خمسة مسموح فيها ؟ يا رب هناك إنسان وهو فلان الفلاني سألناه وقتها وقال : لابأس . أين هو؟ أحضروه . ما وجدته ، ماذا ستفعل في نفسك ؟ لذلك النبي الكريم قال :
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
الله عزَّ وجل فرز لك مفتياً خاصاً ، خاص لك هو الضمير ، الإثم لا ترتاح إليه والبر تطمئن نفسك إليه ، لمجرَّد أنك تسأل فأنت قلق ، إذاً هذا الذي تفعله ليس صواباً ، من يسأل إذا واحد شرب كأس ماء ؟ أخي حرام ؟ لا ، من في الأرض يسأل عن شرب الماء أحرامٌ هو أم حلال ؟ هذا بديهي ، والطعام كذلك ، والزواج كذلك ، وشراء منزل كذلك ، وشراء فرش للنوم كذلك ، وشراء أشياء أساسية كذلك .
4-الإذعان لنصيحة العالم إذعان المريض للطبيب :
لكن هناك شبهات ، بعضهم يقول لك : هذه حلال ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا صدى وليس بصوت . وبعضهم يقول لك : حرام ، هذا يثير الفتن ، يحرك المشاعر السُفلى في الإنسان ، يسيء العلاقة بين الزوجين ، يوعي ، أو يكسب الوعي المبكِّر للأطفال ، يوعي في موضوعات هم بعيدون عنها بعداً كبيراً قبل الأوان بكثير ، هذا يسبب انحرافات شخصية عند الشباب والشابَّات ، يقول لك : هذا صورة ، وهذا صدى . .
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
فالمشكلة أن طالب الفتوى إما أن يصر على جوابٍ معين ، هذا يجب ألا يستفتي أحداً ، لأنه إذا جاءت الفتوى كما يريد رحَّب بها ، فإن جاءت على خلاف ما يريد رفضها واتَّهم الذي أعطاه إيَّاها بالجهل ، مثل هذا المُصر على شهوةٍ معينة لا ينبغي أن يسأل ، لكنك إذا سألت يجب أن توطِّن نفسك على أن تستجيب للجواب ولو عاكس شهواتك .
فقال الغزالي : " ألا يتكبَّر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلم ؛ بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل التفاصيل ، ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق"
أحياناً يأتي مريض مثقف ثقافة طبية نوعاً ما وليس له ثقة بالطبيب ، يتعبه كثيراً ماذا وصفت لي يا دكتور ؟ يقول له : حب مسكِّن . هل هذا الحب له مضاعفات ؟ لا ليس له مضاعفات . أنا قرأت أن له مضاعفات ، يقول له : لابأس لا تأخذه إذاً . معي وجع رأس كثير ، يقول له : حيرتني نقول لك : خذ هذا الحب تقول : له مضاعفات ، اترك الحب تقول : رأسي يوجعني . هذا المريض المثقف ثقافة وسطاً يتعب الأطباء كثيراً ، أما إذا كان المريض جاهلاً مع طبيب حاذق جداً سلَّم له القياد ، وأعطاه أدوية مدروسة فيها علم ، وفيها خبرة ، وفيها حكمة ، واستعلمها ونجح وشفي . قال الشعبي : " صلَّى زيد بن ثابت على جنازةٍ فقرِّبت إليه دابةٌ ليركبها، فجاء ابن عبَّاس - ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه - فأخذ بركابه ، فقال زيد : خلي عنه يا بن عم رسول الله . فقال ابن عباس : هكذا أُمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء . فقبَّل زيد بن ثابت يده وقال : هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل البيت " إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
التملق في طلب العلم محمود :
وقال صلى الله عليه وسلَّم :
(( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
التملق ليس من أخلاق المؤمن ، لكن التملق في طلب العلم محمود ، أي إذا تواضع الإنسان ، قدم تحية لشيخه ، هناك شخص يكون فظاً في معاملته ، فظاً في سلامه ، فظاً في نظراته ، هذا لا يليق بطالب العلم . . (( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
5-عدم التكبر على المعلم :
توجد فكرة ثانية لطيفة جداً ، قال : " لا ينبغي لطالب العلم أن يتكبَّر على المعلم ومن تكبره على المعلم أن يستنكف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين " أي إذا لم يكن اسم هذا العالِم تسير به الركبان ، ملء الشرق والغرب ، لا يجلس في مجلسه . هذا غير معروف ، هذا متى صار عالِماً ؟ متى تعلَّم ؟ من علَّمه ؟ إذا لم يكن له اسم مرموق في المشرقين والمغربين لا يجلس في مجلسه . يقول الإمام الغزالي : " هذا الوضع يشبه إنساناً واجه سبعاً مخيفاً في الغابة ، وبحث عن مخلص ، فأصر على رجل مشهورٍ يخلصه من هذا السبع " أنت تريد أي شخص يخلصك لا يهمك شهرة هذا الدليل الذي ينجيك من هذا السبع المفترس ، طبعاً جهنم كالسبع المفترس فأي إنسان استطاع أن ينجيك من هذا العذاب فأنعم به وأكرم إن كان مشهوراً أو غير مشهور ـ فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه كائناً من كان .
العلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حربٌ للمكان العالي
* * *
6-من آداب مجالس العلم إلقاء السمع و الإنصات :
ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
إلقاء السمع من أدب مجالس العلم ، لذلك النبي الكريم كان قدوتنا ، كان أصحابه الكرام إذا جلسوا عنده كأن على رؤوسهم الطير من السكينة والوقار ، قال : (( تعلموا العلم ، وتعلموا للعلم السكينة والوقار ))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
فمن آداب المتعلِّم إلقاء السمع والإنصات ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له . وتراه يصغي للحديث بسمـعه وبقلبه ولعلَّـــه أدرى به
* * *
أحياناً الإنسان يتكلَّم آية يأتي آخر و يكملها عنه ، شيء بديهي أن تعرف هذه الآية ، إذا أحدهم أكمل عنه الآية ، و الآخر أكمل عنه الحديث يتشوش هذا المتكلم . النبي الكريم أثناء صلاته أحدهم قرأ خلفه ، فلما سلَّم قال : (( مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان يبدأ بآية يكملها عنه آخر ، يبدأ بحديث يكملها عنه أحدهم ، أنا أحفظها انتبهوا لي ، أنا حافظ هذه الآية ، بهذه الحالة صار هناك اضطراب ، فلذلك حسن الإصغاء . . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
أي عنده استعداد . . ﴿ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
7-على المتعلم ألا يستسلم و يطبق ليصل إلى ما يريد :
شيءٌ آخر : قال بعضهم : " عندما ساق لنا ربنا عزَّ وجل قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام ، هذه قصة دقيقة جداً "
﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
النبي الكريم مثلاً جاءه رجل وقال : " إن أخي استطلق بطنه " . فقال له : "اسْقِهِ عَسَلا " . فأسقاه عسلاً ، وجاء له ثانيةً وقال له : " لقد أسقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً -صار معه إسهال زيادة - قال له : " اسْقِهِ عَسَلا " . فجاءه ثالثاً وقال له : " لم يزده العسل إلا استطلاقاً . قال له : (( صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ))
[البخاري عن أبي سعيد]
وبعدها تبيَّن أن الإنتانات المعوية المسبِّبة للإسهالات تحتاج إلى أشربة حلوة من أجل أن تمنع هذه الإسهالات ، وبعد ذلك شفي الرجل . فالإنسان أحياناً تأتيه نصيحة لا تعجبه، يناقش فيها ، الخبير هكذا يصنع ، الآن إذا إنسان مثلاً قال لك : أحدهم خرط المحرك وقال : تحتاج إلى روداج ألفين كيلو متر . إذا ما اقتنعت بهذا الشيء وخالفته ، وصار معك خلل بالمحرك بعد شهر أو شهرين أنت السبب ، أنت ما اقتنعت ، أنت لا تقنع ، هذا كلام خبير، فعندما يسلِّم الإنسان قياده لإنسان خبير ، لو كانت النصيحة لم تعجبه ، أو ما توضَّحت له ، أو ما قبلها ، أو ما استساغها ، هذا كلام خبير .
فإذا أراد إنسان أن يتعلَّم ضرب الآلة الكاتبة لوحده من دون معلِّم ، مثلاً يريد كلمة محمد أين الميم يدور عليه ثم يضربها ، بعدها الحاء ينظر هكذا لم يجدها وبعدها يجدها فيضربها ، هذا لو بقي لوحده خمس سنوات إذا كان عليه أن يكتب صفحة يحتاج إلى ساعة ونصف ، إذا ذهب إلى مكتب تعلم آلة كاتبة يلزموه أن يستعمل عشرة أصابع دفعة واحدة ، فيها صعوبة بالغة ، لكن بعد فترة تجده يكتب على الآلة الكاتبة وعينه على الورقة أي أن الصفحة في ربع ساعة تكون منتهية .
فقد قالوا بالتربية : الطرق التي تقاومها النفس هي المفيدة . إنسان جلس ليقرأ ، يفتح كتاباً ويقرأ وهو مضجع ، أو على مقعد وثير ، أو في حديقة ، يقرأ ، يقول لك : والله اليوم أنهيت سبعين صفحة . هذه الدراسة لا قيمة لها ، وأغلب الظن أنه بعد سبعة أيام ينسى ثلاثة وثلاثين بالمئة مما قرأ ، بعد سبعة أيام أخرى لا يبقى في ذهنه مما قرأ إلا عنوان الكتاب ، مع انطباع أنه كتاب جيد أو سيئ . لكن لو قعد ووضع الكتاب على الطاولة ، وفتح دفتراً ، وقرأ فقرة لخصها على الهامش ، وضع خطوطاً ، وطرح سؤالاً ، وأجاب إجابة ، وناقش فكرة ، يمكن يقرأ بالساعة صفحتين ، لكن هذه الدراسة نهائية للامتحان مرة واحدة ، بقدر ما تبذل من جهد ترسخ المعلومات .
فأحياناً تتلقَّى نصيحة ممن يعلمك قد لا تروق لك ، هذا الذي كلَّفناه أو علَّمناه الضرب على الآلة الكاتبة بعشرة أصابع قد يضجر ، يتضايق ، أخي على مهلكم عليَّ هل يجب أن أستخدم العشرة معاً ؟ بالعشرة معاً ، أعرف أشخاصاً خلال عشر سنوات يتحسَّنون ، يحتاج إلى ساعة ونصف أو ساعتين لكتابة صفحة ، لأنه يبحث على الحرف أين هو موجود ، كل حرف يبحث عنه ، فالطرق الناجحة دائماً تقاومها النفس ، والطرق غير الناجحة تستسيغها النفس ، لأن الإنسان يحب الأسهل ، يحب الأريح ، فالذي يقرأ من دون أن يلخص ، من دون أن يناقش ، مرت فكرة معقدة تركها ومشى ، تجاوزها ، بهذه القفزات المعقد بقي معقداً والصعب بقي صعباً ، والكتاب مجموعة عقد أنت لم تحلها ، لذلك أنَّى لهذا الطالب أن يستفيد ؟ الإنسان إن لم تعجبه الطريقة ، إن لم ترق له عليه أن يستسلم وأن يطبِّق ، هذا من فوائد العلم . . ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
8-عدم الإكثار من الأسئلة في غير وقتها :

بعدها الله عزَّ وجل قال :
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
فإذا كان بمصالح مثلاً . . . هذه نظفها ، لماذا ننظفها ألن نغسلها مرة ثانية ؟ تنظيفها له معنى يظهر العيوب . إذا كان هناك تلميذ يريد أن يتعلم مصلحة ، وكلَّما قال له معلِّمه : هذه افعلها . لماذا أفعلها ؟ . إنسان راح يشتري عبداً وجد عبداً رخيصاً جداً ، ويظهر عليه أنه ذكي استغرب كيف رخيص وذكي ؟ قال له : والله هذا هكذا . قال : معنى هذا أنه لقطة . اشتراه وجاء به إلى البيت ، قال له : أحضر لنا كأساً من الماء ، فهذا العبد تأمل فيه وقال له : أنا الآن سأقوم من مكاني ، أحضر لك كأس ماء ، أعطيها لك ، وأرجع لمكاني ، أنت قم واشرب وارجع لمكانك ، هذا هو سبب رخص هذا العبد . . ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 68]
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
وربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل : 43]
سيدنا علي له قول شهير ، يقول رضي الله عنه : " إن من حق العالِم ألا تكثر عليه السؤال " . أحياناً يكون الدرس منتهياً ، انتهاء الدرس يعني أن هذا الإنسان الذي يتكلَّم بذل طاقة كبيرة ، الاستماع سهل ، أما التكلُّم فهو تكثيف الجهود كلها في موضوع محدد مبرمج ، شواهد ، شرح ، تعليل ، انتقال من فكرة إلى فكرة ، مع اللغة ، وسلامة اللغة ، ودقة الحرف ، دقة الحركات الأخيرة ، فعندما ينتهي الإنسان من الدرس كأنه ليمونة وعصرتها ، لم يعد فيها شيء ، تعال اسأله سؤالاً دقيقاً جداً في موضوع الرضاعة ، أو في المواريث ، هذه الطاقة استنفذها ، تحتاج إلى وقت آخر ، يكون في وقت آخر مرتاحاً تسأله ، وبعد ذلك هو يكون مهتماً بالمصلين ، ومن غير المعقول إن كان يريد أن يسلِّم على الناس أن تسأله سؤالاً ، يريد أن يجاوبك عن سؤالك ويكون السؤال كبير جداً ، ويترك الناس كلهم ولا يسلم عليهم ، وهم واقفون ينتظرون أن يسلم عليهم من أدبهم ، ومن مودتهم ، ويعطيك جواباً لموضوعك الخاص ، هذا غير معقول فوقت السلام ليس وقت سؤال .
أنا غير منتبه للسؤال لأن الجو جو سلام ، أحدهم ينتظر ليسلِّم تجد الموقف في منتهى المودَّة ، ومنتهى المحبة ، ألا يجب أن تقابل هذا الودود بمودة مثلها ؟! هذا يأتي ويسألك سؤالاً بالمواريث ، وهذا يريد سؤالاً بالرضاعة ، تتركهم كلهم وتجاوبه . 9- إجلال العالم و التأدب معه و تعظيم حرمته :
سيدنا علي يقول : " ألا تكثر عليه السؤال - طبعاً في وقت غير السؤال- ولا تعنته في الجواب - أعطاك جواباً ولم يعجبك فقلت : ولكن ليس صحيحاً أستاذ هكذا ، أحدهم أفتى بغير ذلك ، أخي لا تبالغ ، والله حيرتمونا يا أخي ، هذه - ولا تعنته في الجواب ، ولا تلح عليه إذا سكت- مثلما تريد اعمل . لا احك لي - ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرته " . الإنسان لا يغلط ؟ جل الذي لا يخطئ . . اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر .
الإنسان أحياناً يكون في موقف ، له دعاء يدعوه مليون مرة في حياته وينسى ، الله يُري الإنسان ضعفه . . "اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين " . الإنسان ضعيف ، من قال لك إنني لا أغلط ؟ من قال لك ذلك ؟ أغلط وأغلط وأغلط لكن المؤمن مذنب تواب ، ما عنده غلط عن قصد ، هناك غلط علمي و غلط أخلاقي ، الغلط الأخلاقي هو أن تعرف الحقيقة وتحيد عنها ، هذا غلط خطير جداً ولا يفعله إلا فاسق ، أما المؤمن فيغلط ، والنبي الكريم - طبعاً التعليم لنا - قال :
((اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ))
[ورد في الأثر]
ممكن أن ينسى الإنسان ، ينسى فكرة ، ينسى حديثاً ، ينسى تتمة حديث ، فهنا يقول سيدنا علي : " . . . ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرةً له ، لكل جوابٍ كبوة ، ولكل حسامٍ نبوة ، ولكل عالمٍ هفوة " . . كفى المرء نبلاً أن تعدَّ معايبه . يكون المدرب مثلاً ملازم أول ، مثلاً لغة أجنبية ، أو اختصاص دقيق جداً ، مثلاً ملازم أول خبير بالألغام ، وجمعوا ضباط الفرقة كلها وتلقوا بعض التعليمات منه ، فقد يكونوا عمداء وألوية ، إذا دخل هذا المدرب النقيب يقفون له كلهم ، يا ترى هم أقل منه رتبة ؟ هم أعلى منه رتبةً ؟ لكن هذا الوقوف لمعلوماته في هذا المجال ، فلذلك الاحترام ليس لذات الإنسان ولكن لمقامه الذي أقامه الله به . " ولا تجلس أمامه وإن كانت له حاجةٌ سبقت القوم إلى تنفيذها " . هذا هو الأدب الثالث من آداب طالب العلم .
الأدب الأول : تطهير القلب . والأدب الثاني : التحرر من العلائق لأنها عوائق .
والأدب الثالث : عدم التكبر على من تتعلَّم منه .
* * *
الرجوع للينابيع الأولى الصافية في معرفة الحقائق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة .
بسم الله الرحمن الرحيم يقول عليه الصلاة والسلام - الحديث دقيق وله إشارات دقيقة - قال :
((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
وانتهى الحديث . . ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
ففي بعض تفسيرات هذا الحديث أن الحق الصرف الذي لا شائبة فيه ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، في هذه الأجيال الثلاثة ؛ جيل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وجيل التابعين ، وجيل تابعي التابعين ، وبعد ذلك قد يدخل في الإسلام ما ليس منه ، قد تأتي بعض المبالغات ، قد تأتي بعض التأويلات غير الصحيحة ، قد تأتي بعض الشطحات ، قد تفسر بعض الآيات تفسيراً ما أراد الله بها ذلك ، قد توجَّه بعض الأحاديث توجيهاً لم يرد بها النبي الكريم ذلك ، قد توضع بعض الأحاديث ، والنبي صلى الله عليه وسلَّم بريء، وقد وقد .
أي مثل نبع ماء صاف جداً ، فنبع بردى عند النبع الماء صاف يُشرب ، يجوز أن يشرب منه في سهل الزبداني ، يجوز عند وادي بردى أن تشرب ، لكن اذهب عن عين الفيجة ، عين الخضراء ، لا يُشرب ، عند دمر والهامة ، عند دمشق أصبح لونه غامقاً ، عند جوبر وحرستا وزملكا الماء صار لونه أسود ، فكلما ابتعدنا عن النبع تأتي رواسب سيئة تفسد صفاء الماء ، لذلك الآن الحل الوحيد أن ترجع للينابيع الأولى الصافية ؛ كتاب الله ، وسنة رسوله . النبي الكريم هكذا أخبرنا : ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
لذلك قال أحد الأئمة الكبار : " ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن سواهم فنحن رجالٌ وهم رجال ، نأخذ وننتقي من أقوالهم ما يناسب القرآن الكريم وسنة النبي العظيم " . أما والله قرأت بكتاب أصفر هذه الفكرة ، قد تكون مخالفة لآية قرآنية ، لمجرَّد أنك تقرأها في الكتاب ليس هذا حجة ، فما أكثر الباطل الذي طُبِع في كتب ، الباطل طُبع في كتب ، أشهر فكرة أن أحد الأئمة الكبار وهو الإمام الشعراني قرأ الفتوحات المكية للشيخ محي الدين رضي الله عنه فرأى أشياء لا يعقل أن تصدر عنه ، زندقة ، لذلك هناك أُناس كفَّروا الشيخ محي الدين ، إن مقامه كبير ، وعارفٌ بالله ، وسلطان العارفين هل يقول هذا في الفتوحات ؟ وقع في شك ، إلى أن التقى بعالمٍ من علماء مكة المكرَّمة ، وبثَّه شكواه .
قال : فدخل هذا العالِم إلى غرفته وجاءني بنسخةٍ من الفتوحات بخط يد الشيخ محي الدين ، كتبها في قونيا بتركيا . قال : " وقابلنا ما في الفتوحات التي بيد الشعراني على الفتوحات التي بيد الإمام المكي والتي بخط الشيخ محي الدين ، فلم أجد فيها شيئاً مما أنكره قلبي فعلمت أنها دسَّت عليه ودسَّها الزنادقة " . قال : " ولقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل جملةً من العقائد الزائغة ، وضعوها تحت وسادته قبيل وفاته ، ولولا ثقتي بالإمام أحمد بن حنبل لاتهمت عقيدته " ولقد دسوا على الإمام أبي حامد الغزالي في الإحياء . ولقد دسوا على الإمام الفيروزبادي - صاحب القاموس - قال : " ولقد دسّوا عليَّ وأنا حيٌ أرزق كتاباً في تكفير أبي حنيفة وأنا منه بريء فلما عاتبني به - ذكر اسم الذي عاتبه - قلت : والله ما ألَّفت هذا الكتاب وإذا وقع بيدك فأحرقه "
هذا النص ثمين جداً ، لأن الإنسان عندما يجد شيئاً يتناقض مع كمال الله عزَّ وجل ، مع كمال الأنبياء بكتاب أصفر ، لا تحمِّلها كثيراً ، ما أكثر الدَّس على العلماء الكبار ، أما تأخذ موقفاً غير صحيح ، تكفِّر العالِم فهذا لا يجوز ، هذا موقف غير علمي ، لا تكفره ولا تقبل هذه الأفكار ، لأن الذي يقول الحق لا يقول الباطل ، مستحيل ، إنسان يحمل دكتوراه بالرياضيات يقول لك : واحد وواحد ثلاثة . مستحيل ، ولو وجدتها في كتابه فهي مدسوسةٌ عليه قولاً واحداً . هذا الموقف موقف من أرقى المواقف ، لا نقول : الشيخ محي الدين كافر كما فعل بعضهم ، كفَّروه جهاراً ، ولا نرضى بما قاله في الفتوحات مما يخالف الكتاب والسنة .
فمثلاً قال : " خضُّت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء " . أيعقل أن يسبق الولي الأنبياء كلهم؟! الله عنده مراتب ، عنده مقامات ، الرسل في قمَّتهم النبي صلى الله عليه وسلَّم ، الأنبياء، الأولياء ، أما ولي يخوض بحر وقف بساحله الأنبياء فهذا لا يكون ، هذا مدسوسٌ عليه رضي الله عنه ، إذاً : ((تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبوداود عن ابن عباس]
هؤلاء ثلاثة أجيال الحق صاف فيها ، وبعدها دخل في الإسلام ما ليس فيه . الحدود :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ ))
[النسائي عن عمرو بن شعيب ]
أي إذا وقع إنسان بمخالفة وأنت سترته ، لا يوجد مانع ، أما إذا بلَّغتها للقاضي ، والقاضي لم يقم عليه الحد ، لا عفا الله عنه إن عفا .
إذا بلغ هذا الحد القاضي فعليه أن يقيمه ، أما إذا تلافيته أنت ، وشعرت أن هذا الإنسان قد ندم ، وسترته ، فلعلَّ هذا فيه خير ، ضبط أحدهم متلبساً بالسرقة في عهد عمر رضي الله عنه ، فقال : " والله يا أمير المؤمنين هذه أول مرة " . قال له : " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرة " هو يعرف معاملة الله للعباد ، لأن الله ستير لا يفضح من أول مرة .
هناك إنسان يعمل على الصندوق فاجأه شركاؤه ، مئتان وخمس وستون ورقة لم يسجلهم ، باع بيعة ووضعها في جيبه ، قال : هذه أول مرة . لا هذه الثالثة ، إذا كانت أول مرة ، الله كريم يعطيك مهلة لتتوب ، يجعلك في مكانتك ، فهذه كانت السرقة الثالثة ، فهذا الشخص الذي ضُبط متلبساً بالسرقة في عهد عمر ظهر أنها ثامن مرة ، الله ستير ، فإذا إنسان وقع بمشكلة وأنت سترته لا يوجد مانع ، أما إذا رُفِعَتْ إلى القاضي . .لا عفا الله عنه إن عفا ، إحقاقاً للحق وإقامةً للنظام العام . يُسنُّ لداخل المسجِد أَنْ يتعاهد نعلهُ :
الحديث الأخير يقول عليه الصلاة والسلام :
(( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
أي أن الإنسان إذا كان بنعله طين ، يجب عليه أن يزيله قبل أن يدخل ، وإذا دخل يضع الحذاء بشكل مقبول ، أي مقابل بعضه ، ويمسكه بيده اليسرى ، هذه من السنة . . (( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
* * *
قصة إسلام طلحة بن عبيد الله التَيْمي :
والآن إلى قصةٍ من قصص الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، الصحابي هو : طلحة بن عبيد الله التَيْمي .
كان طلحة بن عبيد الله التيمي يمضي مع قافلةٍ من قوافل قريشٍ في تجارةٍ له إلى بلاد الشام ، فلما بلغت القافلة مدينة بصرى ، هبَّ الشيوخ من تجار قريش إلى سوقها العامرة يبيعون ويشترون ، وعلى الرغم من أن طلحة كان شاباً حدثاً - بالمناسبة قالوا : العالِم شيخٌ ولو كان حدثاً ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً - ليس له مثل خبرتهم في التجارة ، إلا أنه كان يملك من حدة الذكاء ونفاذ البصيرة ما يتيح له منافستهم ، والفوز من دونهم بأفضل الصفقات ، وفيما كان طلحة يروح ويغدو في السوق التي تموج بالوافدين من كل مكان ، حدث له أمرٌ لم يكن سبباً في تغيير مجرى حياته كلها فحسب ، وإنما كان بشيراً بتغيير سير التاريخ كله ، فلنترك الكلام لطلحة بن عبيد الله ليروي لنا قصته المثيرة .
قال طلحة : " بينما نحن في سوق بصرى إذ راهبٌ ينادي في الناس : يا معشر التجار سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم ؟- أي مكي - وكنت قريباً منه فبادرت إليه وقلت : نعم أنا من أهل الحرم ، فقال : هل ظهر فيكم أحمد ؟ فقلت : ومن أحمد ؟ فقال : ابن عبد الله بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يظهر فيه وهو آخر الأنبياء ، يخرج من أرضكم الحرم ، ويهاجر إلى أرضٍ ذات حجارةٍ سود ، ونخيلٍ وسباخ ، فإياك أن تُسبق إليه يا فتى ، قال طلحة : فوقعت مقالته في قلبي ، فبادرت إلى مطاياي فرحَّلتها ، وخلَّفت القافلة ورائي ، ومضيت إلى مكة - هو كان في مكة - فلما بلغتها قلت لأهلي : أكان من حدثٍ بعدنا في مكة ؟ أي بعد سفرهم .
قالوا : نعم ، قام محمد بن عبد الله يزعم أنه نبي ، وقد تبعه ابن أبي قحافة - أي سيدنا الصديق - قال طلحة : وكنت أعرف أبا بكر فقد كان رجلاً سهلاً ، محبباً ، موطَّأ الأكناف - أي ليِّن الجانب - وكان تاجراً ذا خُلقٍ واستقامة ، وكنا نألفه ونحب مجالسه لعلمه بأخبار قريش ، وحفظه لأنسابها ، فمضيت إليه وقلت له : أحقاً ما يُقال من أن محمد بن عبد الله أظهر النبوة وأنك اتبعته ؟ قال : نعم . وجعل يقص عليَّ من خبره ، ويرغِّبني في الدخول معه ، فأخبرته خبر الراهب ، فدهش له ، وقال : هلمَّ معي إلى محمد صلى الله عليه وسلَّم لنقصَّ عليه خبرك ولتسمع ما يقول ، ولتدخلن في دين الله ، فقال طلحة : فمضيت معه إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم فعرض عليَّ الإسلام وقرأ عليَّ شيئاً من القرآن . . . " .
أي إذا إنسان قال لصديقه : تعال احضر مجلس علم . هذا الله عزَّ وجل ألهمه ، خيرٌ ساقه الله إليه ، لا ترد طلباً ، هذا الطلب ليس من هذا الصديق بل هو من الله عزَّ وجل ، يمكن أن يكون حضور مجلس علم سبب لسعادتك في الدنيا والآخرة ، يمكن أن تكون استجابتك لهذا الطلب انعطافاً خطيراً في حياتك من الشقاء للنعيم ، من الضياع للهدى ، من الحزن إلى السعادة . .
"..... فشرح الله صدري إلى الإسلام ، وقصصت عليه قصة راهب بُصرى ، فسرَّ بها سروراً بدا على وجهه صلى الله عليه وسلَّم ، ثم أعلنت بين يديه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فكنت رابع ثلاثةٍ أسلموا على يدي أبي بكرٍ رضي الله عنه "ـ
ثبات طلحة بن عبيد الله على دينه :
وقع إسلام الفتى القرشي على أهله وذويه وقوع الصاعقة ، وكان أشدهم جزعاً لإسلامه أمُّه ، فقد كانت ترجو أن يسود قومه لما يتمتَّع به من كريم الشمائل ، وجليل الخصال، وقد بادر إليه قومه ليثنوه عن دينه ، فوجدوه كالطود الراسخ الذي لا يتزعزع ، هذه البطولة أن تأخذ موقفاً مصيرياً كالصخر . .
قالت له : يا بني لا آكل شيئاً حتى تكفر بمحمد - لسيدنا سعد - فقال في هدوء : "يا أماه لو أن لكِ مئة نفس فزُهقت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد ، فكلي إذا شئتِ أو لا تأكلي " وبعدها أكلت ، عندما رأته متيناً انتهى الأمر ، أما إن كنت متضعضعاً فالأمر مختلف .
فلما يئسوا من إقناعه بالحسنى لجؤوا إلى تعذيبه والتنكيل به ، حدَّث مسعود بن خراشٍ قال : " بينما كنت أسعى بين الصفا والمروة إذا أناسٌ كثر يتبعون فتىً أوثقت يداه إلى عنقه ، وهم يهللون وراءه ، ويدفعونه في ظهره ، ويضربونه على رأسه ، وخلفه امرأةٌ عجوزٌ تسبه وتصيح به . فقلت : ما شأن هذا الفتى ؟ قالوا : هذا طلحة بن عبيد الله صبأ عن دينه وتبع غلام بني هاشم - التاريخ يعيد نفسه - فقلت : ومن هذه العجوز التي وراءه ؟ قالوا : هي الصعبة بنت الحضرمي أم الفتى " .
أي إذا إنسان عرف الله عزَّ وجل ووجد معارضة في البيت ، إذا كان سيستجيب للمعارضة فهو استجاب للشقاء الأبدي ، أما البطولة فأن تبقى صلباً ، وأن تأخذ بيد الذين يعارضونك إلى الله ورسوله ، إن رأوك صلباً ، وإن رأوك قد تبدَّلت تبدلاً جذرياً ، وأنك تمتعت بمكارم الأخلاق أحبوك ، ثم ساروا معك .
ثم جعلت الأيام تدور ، والأحداث تتلاحق ، وطلحة بن عبيد الله يزداد مع الأيام اكتمالاً ، وبلاؤه في سبيل الله ورسوله يكبر ويتعاظم ، وبره بالإسلام والمسلمين ينمو ويتسع .
الألقاب التي لقّب بها طلحة و قصة كل لقب :
أطلق عليه المسلمون لقب الشهيد الحي ، ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام بطلحة الخير، وطلحة الجود ، وطلحة الفيَّاض ، ولكلٍ ومن هذه الألقاب قصة لا تقل روعةً عن أخواتها .
أما قصته في الشهيد الحي فكانت يوم أحد ، حين انهزم المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولم يبقَ معه غير أحد عشرَ رجلاً من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله من المهاجرين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصعد هو ومن معه في الجبل ، فلحقت به عصبةٌ من المشركين تريد قتله ، فقال عليه الصلاة والسلام :
((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ . . . .))
[مسلم عن أنس بن مالك ]
فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - أي الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله - قال : " نعم أنت " -فقاتل الأنصاري حتى قُتِل ، ثم صعد النبي عليه الصلاة والسلام بمن معه فلحقه المشركون . .
فقال : " ألا رجلٌ لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، قال : " نعم أنت " ثم قاتل الأنصاري حتى قُتل ، وتابع النبي صعوده فلحق به المشركون ، فلم يزل يقول مثل قوله ، ويقول طلحة : أنا يا رسول الله فيمنعه النبي ويأذن لرجلٍ من الأنصار حتى استشهدوا جميعاً ، ولم يبقَ معه إلا طلحة ، فلحق به المشركون فقال لطلحة : " الآن معاً " [ مسلم عن أنس بن مالك]
يظهر أنه رآه أشجع إنسان فتركه للأخير ، لأصعب موقف ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد كُسِرَت رباعيته ، وشجَّ جبينه ، وجُرحت شفته ، وسال الدم على وجهه ، وأصابه الإعياء ، فجعل طلحة يكرُّ على المشركين حتى يدفعهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ثم ينقلب إلى النبي فيرقى به قليلاً في الجبل ، ثم يسنده إلى الأرض ، ويكر على المشركين من جديد ، وما زال كذلك حتى صدَّهم عنه وحده ، قال أبو بكرٍ : " كنت أنا وأبو عبيدة بن الجرَّاح بعيدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فلما أقبلنا عليه نريد إسعافه قال : " اتركاني وانصرفا إلى صاحبكما " - سيدنا طلحة - فإذا طلحة تنزف دماؤه وفيه بضعٌ وسبعون ضربةً بسيفٍ ، أو طعنةً برمحٍ ، أو رميةً بسهمٍ ، وإذا هو قد قُطِعَت كفُّه وسقط في حفرةٍ مغشياً عليه - إنه قاوم مجموعة بأكملها - وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول بعد ذلك :" من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" .
وكان الصديق رضوان الله عليه إذا ذُكرت أُحُد يقول : " هذا يومٌ كله لطلحة " هذه قصةٌ نُعِت بها طلحة بالشهيد الحي .
أما تلقيبه بطلحة الخير وطلحة الجود فله مئة قصةٍ وقصة ، من ذاك أن طلحة كان تاجراً واسع التجارة ، عظيم الثراء ، فجاءه ذات يومٍ مال من حضرموت ، مقداره سبعمئة ألف درهم ، فبات ليلته وجلاً جزعاً محزوناً ، فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبي بكرٍ الصديق وقالت : ما بك يا أبا محمد لعله رابك منا شيء ؟ قال : لا ، ولنعم خليلة الرجل المسلم أنتِ ، ولكن تفكَّرت منذ الليلة وقلت : ما ظن رجلٍ بربه إذا كان ينام وهذا المال في بيته ؟ قالت : أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك ؟ فإذا أصبحت فقسِّمه بينهم فقال : رحمكِ الله إنك موفقةٌ بنت موفَّق .
الآن في هذه الآيام إذا كان الزوج يريد أن يدفع صدقة تقيم زوجته قيامته : نحن أولى أولادك أولى بهذا المال ، الناس لهم الله . .
قالت له : امض لما أردت . فقال لها : إنك موفقةٌ بنت موفَّق ، ولما أصبح جعل المال في صررٍ وجفان وقسَّمه بين فقراء المهاجرين والأنصار . وروي أيضاً أن رجلاً جاء إلى طلحة بن عبيد الله يطلب رفده ، وذكر له رحماً تربطه به ، فقال طلحة : " هذه رحمٌ ما ذكرها لي أحدٌ من قبل - قرابة جديدة ما سمعت بها - وإن لي أرضاً دفع لي فيها عثمان بن عفان ثلاثمئة ألف ، فإن شئت خذها ، وإن شئت بعتها لك بثلاثمئة ألف وأعطيتك الثمن ؟ فقال الرجل : بل آخذ ثمنها . فأعطاه إياها .
هنيئاً لطلحة الخير والجود هذا اللقب الذي خلعه عليه النبي عليه الصلاة والسلام .
النبي الكريم كان قدوة ، واد من غنم مرَّ به رجل من زعماء القبائل قال له : " يا محمد لمن هذا الوادي ؟ " قال له : " هو لك " ، قال : " أتهزأ بي ؟ " قال : " هو لك " ، فقال : " أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر " . النبي الكريم قال : (( ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ))
[ الترمذي عن أبي كبشة الأنماري ]
الله الغني ، والله الكريم ، هؤلاء الذين فتحوا العالم كانت هذه أخلاقهم ، هذه شجاعتهم ، وهذا كرمهم ، وهذه استقامتهم ، وتلك محبتهم لنبيِّهم .

السعيد 09-09-2018 08:57 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : صفات المتعلم








الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تتمة صفات طالب العلم :
10ـ أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس :
أيها الأخوة الكرام : الصفة الرابعة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ، أي هناك موضوعات خلافية في الدنيا والآخرة ، موضوعات في الدنيا خلافية وموضوعات في الدين خلافية ، وهناك موضوعات مختلف عليها ، فإذا بدأ بالخلافيات ضاع في شعابها وإذا ترك الخلافيات وبدأ بالمتفق عليه من منا لا يتفق ؟ جميع الملل والنحل ألا توقن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، هذه حقيقة متفق عليها ، فكّر في هذا الخط في عظمة الله عز وجل ، في خلق الإنسان ، في خلق الحيوان ، في خلق النبات ، في خلق الجبال ، في خلق السحاب ، في خلق السهول ، في خلق الأنهار ، في خلق البحار ، في خلق القمر ، في خلق الشمس ، في خلق الكواكب السيارة ، في خلق المجرات ، هذا باب كلما زدت فيه خوضاً ازددت من الله قرباً وتعظيماً ، وهذا باب لا خلاف فيه ، لا يمكن لفئة من المسلمين أن تختلف في هذا الباب ، فالمشكلة أن الذي يبدأ طريقه في الإيمان في الخلافيات يضيع في شعابها ، والذي يرد الله به خيراً يبعده عن هذا الطريق .
11-الابتعاد عن الخلافيات في الدين و الاهتمام بالجوهر :
سأل تلميذ أستاذه إذا سرت في جنازة فكيف أسير ؟ أمامها أم خلفها ؟ عن يمينها أم عن شمالها؟ فقال هذا الأستاذ : لا تكن في النعش وسر حيث شئت ، الموضوعات الخلافية لا تقدم ولا تؤخر ، الشيخ محي الدين- سلطان العارفين - رضي الله عنه هكذا قال الصوفيون، وقال عنه بعض المسلمين : إنه كافر ، الشيخ محي الدين له عند الله مقام لا يرفع هذا المقام قول أناس : إنه سلطان العارفين ، ولا يجرح هذا المقام قول أناس : إنه كافر ، تلك أمة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كنتم تعملون ، هذا حديث البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى :
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 134]
هذا موضوع البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر ، الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية : (( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
دع هذا الباب من الخلافيات رضي الله عنهم أجمعين : (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))
[ الدارمي عن جابر]
أي إذا الإنسان صادق يصرفه عن هذه الموضوعات كلها ، هذه الموضوعات غير مجزية ، موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، لا ترقى بالإنسان ، أما إذا فكرت بآيات الله امتلأت نفسك عظمةً لله ، إذا عملت عملاً صالحاً اقتربت من الله ، أي الشيء المجدي المعرفة والعمل، والمعرفة والعمل لا خلاف فيهما إطلاقاً بين كل الفرق الإسلامية ، لذلك النبي الكريم قال : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
زارني أخ كريم وسألني أنه كان يوجد عقد قران وحضر رجل دين ، وهذا الرجل ألقى كلمة وقال في هذه الكلمة إنه لا يحب أن يحضر عقود نكاح لأنه يوجد من يصور ، وإن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، فسألني ما رأيك ؟ فقلت : رأي واضح هذا قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، أما المشكلة فقلت له: السائل يشبه إنساناً يركب سيارة ويسير في الطريق ، احترق المحرك وبرك في أرضه ، نظر فوجد المرآة فيها برغي يحتاج إلى شد ، فانزعج كثيراً ، يجب أن يكون انزعاجك ليس من المرآة بل من المحرك الذي احترق ، هذا يزعج أكثر ، يوجد أشياء أساسية تركها في الدين وتابع موضوع الصورة فدخل في متاهة الصورة ، يا ترى إذا أحضرنا شفرة و مزقنا الصورة هل تزول الحرمة ؟ إذا وضعناها بمكان مهان ؟ طبعاً تزول ، إذا صور طبيعية غير محرمة ، هذه تفصيلات ، الشيء الذي أعمل عليه أن يبحث الإنسان عن جوهر الدين ، جوهر الدين أن تعرف الله ، وإذا عرفته استقمت على أمره ، وإذا استقمت على أمره أحببته وتقربت إليه بالعمل الصالح ، هذا هو الدين كله ، كما قال سيدنا عمر للبدوي ، قال له : بعني هذه الشاة ، فقال له: ليست لي ، قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال له : والله لو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
هذا هو ، انظر الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : " على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات " المعتزلة ، والجبرية ، والفئة الفلانية ، والموضوع الخلافي ، الرجم إما بالقتل ، إما بجلد الزاني ، ماهو دليلك وما هو قولك ؟ وهكذا قال أبو حنيفة ، حتى أنه صار نوعاً من الشطوط أما الحنفي فلا يصلي وراء الشافعي ، وأن الشافعي لا يسمح بتزويج ابنته من حنفي ، ما هذا ؟ هذا شطط ما أراده الله عز وجل .
الدين له جوهر ، الإمام الغزالي يقول على طالب العلم أن يحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى خلاف الناس سواء أكان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو علوم الآخرة ، أي نصيحتي لوجه الله ابتعد عن الخلافيات ، الخلافيات لا تجدي لا تقدم ولا تؤخر . الابتعاد عن الخلافيات لأنها تحير الذهن و توقع في اليأس :
قال : اسلك في إقناع الآخرين كل طريق إلا أن تناقشهم ، المناقشة تسبب تشنجاً ، تعصباً ، لأنك إذا ناقشته وغلبته تسبب تعصباً ، جرحت له كرامته ، لا يتراجع ، فاسلك كل طريق إلا المناقشة ، المؤمن عندما ينتهي من المتفق عليه يبدأ بالخلافيات ، المتفق عليه لا يبق منها ولا ذرة فهذا الذي أريده ، وهذا الذي جاء في هذا الكتاب القيم إحياء علوم الدين ، على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات .
قال : لو أنه خاض في الخلافيات فإن ذلك يدهش عقله ، ويحير ذهنه ، ويفتر رأيه ، ويوقع في اليأس عن الإدراك والإطلاع ، طبعاً في التدريس يوجد توجيهات تضعها الوزارة لمؤلفي الكتب ، طبعاً في المرحلة الثانوية لا ينبغي لمؤلف الكتاب أن يذكر خلافاً بين العلماء في كتاب المدرسة ، الطالب يتشوش ، البصريون يعربون هذه الكلمة مثلاً : رأيت فلاناً تحت الشجرة ، تحت الشجرة شبه جملة ، الكوفيون يعربونها متعلقة باسم محذوف ، هذا لا ينبغي أن يكون في التعليم الثانوي ، الطالب يتشوش ، في التعليم الثانوي ينبغي أن تكون الحقائق واضحة و واحدة ، تشعب خلافيات ، أمور معقدة هذا لا يجوز ، أيضاً طالب العلم هذه الأمور الدقيقة ، هذه الخلافيات بين كبار العلماء ، هذا شيء ليس وقته الآن ، إذا وصلت إلى الأساسيات عندئذٍ أنت قادر على الخوض في الخلافيات .
ضرب الإمام الغزالي مثلاً واضحاً جداً ، قال : من يلقي نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل أن أضعاف هذه النجاسة قد تلقى في البحر ، والبحر أعظم من الكوز ، فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز ، تجد أسيقة مدينة بكاملها تلقى في البحر ، وماء البحر طاهر ، فإن جئت بنجاسةٍ يسيرة وألقيتها في كوز ماء لغلبت النجاسة طهارة الماء وصار الماء نجساً ، ولو جئت بنجاسة كبيرة وألقيتها في البحر لغلب ماء البحر هذه النجاسة وصار ماء البحر طاهراً ، إذا الإنسان شبه نفسه بالبحر هو كوز ماء ، دخل في الخلافيات وتشعبت نفسه ، هذه الخلافيات تأخذ على قلبه ، وتأخذ على مجامع قلبه ، وتفسد عقيدته ، وتوقعه باللامبالاة ، والشكوك وما شاكل ذلك ، لكنك إذا صرت كالبحر مهما قرأت من خلافيات أنت أنت لأنك عرفت الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ عنه أبداً ولا يحيد .
قال : ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماءً فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته - الطهارة - والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته ، وإلى مثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز لغيره .
إذاً الإنسان لا يدعي أنه بحر ولا يتأثر ، فإذا دخل بالخلافيات ربما وقع في الترهات ، وقع في المشكلات ، و زاغت نفسه ، ودخل إلى قلبه الشك ، أما إذا بدأ بالأساسيات وتمكن فعندئذ نقول له : اقرأ ما شئت ، وناقش من شئت ، وجادل من شئت ، فأنت من عرف الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ ، هذه الصفة ينبغي أن تكون بين أيديكم .
12 ـ ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده
شيء آخر على طالب العلم أن يعرفه ، ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعها إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده وغايته ، هذا مثل قرأته: تعلم كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ، أي أن تعرف الله عز وجل في هذا المجال تعمق ، و اذكر الله ذكراً كثيراً ، وتقرب إليه بالدعوة إليه ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم ، وعيادة المريض ، والإحسان إلى الآخرين ، وإرشاد الرجل في أرض الضلال ، وأن تهدي الأعمى ، وأن تعين اليتيم ، وأن تعطف على المسكين ، وأن تحضر مجالس العلم في هذا المجال مهما تريد ، تعمق ولكن لا يوجد مانع أن تلم بعلم الفرائض ، و بحث البيوع ، لأنك تبيع وتشتري ، يوجد قضية : بائع باع بيتاً و اختلف مع الشاري ، الشاري اعتقد أن البيت بمئة ألف والذي باع البيت قال بمئة وعشرة آلاف ، صار هناك منازعة ، إذا الإنسان قرأ البيوع صار الأمر سهلاً عليه ، إذا حصلت منازعة بين البائع والشاري فالقول قول البائع ، والشاري بالخيار انتهى الأمر لا تحتاج إلى مشاكل .
إذا الإنسان ألمّ بعلم البيوع ، ألمّ بأحكام الآجار ، الوديعة ، الوكالة ، الحوالة ، أحكام اللقطة ، أحكام العبادات بشكل متقن ، إذا نسي فرضاً أو واجباً كيف يسجد للسهو ؟ سجود التلاوة ، هذا كله إلمام فيه ، عندك أصول ، وعندك فروع ، أنا لا أطالب الأخ الكريم بالفروع ، أما الأصول فلابد منها ، تعلم كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء .
مثلاً في عقد المخالعة إذا كانت المخالعة بدأت من الزوج ، قد خالعتك من عصمتي على أن تبرئيني من المهر المعجل والمؤجل ، تقول له : قد قبلت ، صارت مخالعة ، وهذه المخالعة خطأ وهي طلاق لأنها بدأت بالزوج ، المخالعة الشرعية يجب أن تبدأ بالزوجة ، اخلعني من عصمتك وخذ مهري ، يقول لها : قد قبلت لأن المخالعة طلقة بائنة ، أما إن كانت طلقة واحدة كان بإمكان الزوج أن يردها ثانيةً ضمن العدة ، فيجب أن نعرف شيئاً عن الطلاق ، عن الخلع ، عن الطلاق البائن بينونة صغرى ، بينونة كبرى ، إذا الإنسان حلف طلاقاً وهو غاضب ما حكمه ؟ إذا حلف مع صديقه طلاقاً على زوجته هل تُطلق ؟ ما أحكام هذه الأمور ؟ رأي الإمام أبي حنيفة ، رأي الإمام الشافعي ، هذه الأشياء نعيشها ، يجب على الإنسان أن يلم بهذه الأشياء ، إذا إنسان عمله بالتجارة فرض عليه أن يعرف البيوع ، لأنه يوجد أحكام ربح ثابت صار ربا ، أنا سوف أؤجرك هذا المحل بفروغ كذا وهذا المحل له أجرة ، و رجل وضع فروغاً ويريد أجرة الفروغ ، هذا صار ثابتاً ، أخذ بالمئة سبعة ونصف من قيمة الفروغ لا أدخله شريكاً على الربح والخسارة ، لي أقرباء اشتروا بيتاً و احتاجوا إلى مبلغ من المال ، اقترضوا مبلغاً والشرط أن يرد كما اقترض وأعطوهم أجرة البيت ، الأجرة ربا ، متى تصبح حلالاً ؟ إذا كان بعد أن صار مالك البيت بإمكانه أن يرد المبلغ ، البيت يقيّم من جديد فلو أن البيت هلك ، مقسم بالعمار جاهز ، رجل قال : أنا أدفع لك مبلغاً ولكن أريد أن يعود كما هو ، صدر قرار وصار المقسم للدولة ، هذا الذي دفع القرض إذا أراد أن يأخذ قرضه كما دفعه بالإضافة إلى الأجرة صار ربا ، وطالما أنه يوجد ربح وخسارة فهذه ربا ، موضوع الآجار ، والشراكة ، أحياناً يأخذ الإنسان مبلغاً من رجل يعطيه بالمئة عشرة في السنة ويقول : أنا لا أحب الحسابات ، أتحب أن تأخذ بالمئة عشرة هذا عين الربا ، هذا عمل البنك نفسه ، إذا لم تقم بالجرد والحساب الدقيق على الربح والخسارة صار الربح ثابتاً .
رجل أجّر سيارة وقال : أنا أريد كل يوم مئة ليرة ، يجب أن تعطي حساباً إذا لم يعمل بمئة ليرة ماذا يفعل هذا السائق ؟ يجب أن يكون هناك اتفاق دقيق .
لذلك على طالب العلم ألا يدع فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع فيه على مقصده وغايته ، لكن عليك ألا تذهب عمرك بكامله في بعض كتب الفقه ، يوجد كتب فقه مؤلفة من عشرين أو ثلاثين جزءاً ولها حاشية ومتن وحاشية الحاشية، و القراءة تحتاج إلى جهد جبار ، ويوجد حالات لا تقع بحالاتها ، إذا وقعت فأرة ببئر ، وإذا لحقت بها قطة ، وأثناء الهروب بولت ، لها حكم آخر ، وإذا لم تلحق بها قطة لها حكم ثان، تدخل في متاهات ، ترى نفسك ضعت ، هل هذا هو الدين ؟
رجل توضأ في ماء الحمص ما حكمه ؟ ماء الورد ، يوجد أشياء سموها الفقهاء أرأيتية ، أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا ، أحد الصحابة رضي الله عنه عرضوا عليه قضية من هذا القبيل قال : حينما تقع نفتي بها .
خمسون رجلاً يمسك بعضهم ببعض أول واحد لمست يده بكلب أصبح نجساً ، هذه مشكلة ، يوجد أشياء أعظم من ذلك ، العمر ثمين وقصير فكر في ملكوت السموات و الأرض قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران : 190-191 ]
العلوم إما سالكة بالعبد إلى الله أو معينة على السلوك :
الإمام الغزالي يقول : " ....فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك ، نوع من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود " أي يوجد علوم تسلك بك إلى الله ويوجد علوم تعينك إلى السلوك إلى الله ، لذلك في درس سابق قلت لكم: يوجد علوم تشبه المقدمات ، وعلوم تشبه المتممات ، ويوجد عندنا أصول ، وفروع ، الأصول كتاب الله وسنة رسول الله ، الفروع الاستنباطات ، ما يستنبط من كتاب الله ، ما يستنبط من سنة رسول الله ، المقدمات اللغة العربية ، المتممات علم التجويد .
السعيد الذي يركز كل جهده على الأصول والفروع ، ويلم بالمقدمات والمتممات ، أما إذا اكتفى بالمقدمات ، إذا أراد إنسان أن يذهب إلى الحج واعتنى فقط بزوادته ، هل الحج فقط طعام وشراب ؟ شخص موجود من يومين عند أحد أصدقائي حج السنة الماضية سأله إن شاء الله سررت ؟ فقال له : سررنا كثيراً سبحان الله ، و قال بشكل طبيعي دون أن يشعر بنفسه أكلنا فريكة ، وذكر له طعاماً نادراً أكله في الحج ، سبحان الله الحج فريكة فقط ؟؟ وأنا أجلس وأستمع هذا لم يعرف شيئاً عن الحج ، الحج لقاء مع الله عز وجل .
13 ـ ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب :
الخاصة السادسة لطالب العلم ، ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب ، يبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ، ويكتفي منه بشمله ، ويصرف زمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلك مع أصحابه طريقاً ، والآن في المعاهد والجامعات وكليات الشريعة يسلكون مع الطالب طريقاً ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما عرفهم به سهل عنهم أن يبذلوا دماءهم في سبيل الله ، الآن عرف الإنسان بأحكام الصلاة لا يصلي ، عرف الإنسان بنواقض الوضوء وهو لا يصلي أبداً ، هذه معلومات ، أما إذا عرف الله عز وجل هو يسألك كيف أتوضأ ؟ علمني إذا عرفته بالله عز وجل أولاً يستقي ، وقرأ القرآن يفهمه ، إذا لم يعرفه وقرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً يقول لك : تعال وانظر هذه الآية القرآنية الله عز وجل يقول :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة : 13]
معنى هذا الموضوع بيده وليس بيدنا ، إذا أحب أن يهدينا وإذا أحب لا يهدينا ، يقرأ آية ثانية قال تعالى : ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 105 ]
كأنه يعفي نفسه من الجهد ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما قرؤوا القرآن فهموه على حقيقته ، بينما إذا عرّفت الإنسان بأحكام الدين أولاً لا يطبقها يتحايل عليها ، أي شخص يريد أن يزكي عن ماله فرأى أن المبلغ كبير ، ثلاثون ألفاً ، نفسه ما سخيت به فوضعه في كيلو خبز ومن ثم جاء إلى فقير وقال له : خذ هؤلاء ، فقال له : أتبيعيني الخبز بخمسة وعشرين ليرة ؟ هو يظن أنه دفع زكاة ماله ، هذا علم الحكم قبل أن يعرف الله .
يوجد شخص آخر قال : أنا أسكن مع زوجة أخي كيف أراها ؟ فقال له رجل: الموضوع سهل جداً ، أحضر بنتاً من الحارة ترضعها امرأة أخيك واكتب على هذه البنت واعقد العقد عليها ، تصبح امرأة أخيك حماتك ، طلق البنت ، والحماة على التأبيد ، دون غطاء ينظر إليها ، هذا تعلم الفقه قبل أن يتعرف إلى الله ، هذه الحيلة لا تنطلي على الله ، أنا أريكم نماذج عندما الإنسان يتعرف الفقه قبل أن يعرف الله .
الآن صندوق شاي لا يوجد غيره ، بيع وشراء ، أفخر أنواع الشاي السيلاني ، يأتي رجل يريد صندوق شاي بكامله ، هذا الصندوق ثمنه ألف ليرة ، يقول له : اشتريت ولكن ديناً ، بعد أن اشتراه يقول له : تشتريه مني ، يقول : نعم ، بثمانمئة ، يعطيه ثمانمئة ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل ، هو مرابي عند الله عز وجل ، إن كان في بلد فيه شاي بشاي ، وإن بلد فيه سجاد بسجاد ، سكر ، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل .
شاهد امرأة أخيه ضمن الشرع ، وتهرب من زكاة ماله ضمن الشرع ، وأكل الربا ضمن الشرع ، فلما الإنسان تعلمه الفقه فقط يتحايل عليه ، أما إذا عرفته بالله عز وجل اختلف الأمر ، هذه على الله لا تجوز ، إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، الله ينظر إلى النوايا ، يعلم السر وأخفى، هذا المحذور ، النبي الكريم عرفنا في بداية الدعوة بالله عز وجل ، فلما عرف أصحابه ربهم باعوا أنفسهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[سورة التوبة : 111]
أشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل :
إذا أردت أن تبدأ بالعلوم ابدأ بالأساسي أولاً ، الأساسي معرفة الله ، لذلك الصحابة الكرام قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " وربنا عز وجل في آية واحدة في القرآن أشار إلى ذلك، قال تعالى :
﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾
[سورة الإسراء : 107]
إذا كنت تعرف شخصاً معرفة متينة جداً ، و هو في قمة النزاهة ، والورع ، والإخلاص ، والتقى ، وأنت جالس معه في غرفة والمعطف معلق ، فمد يده إلى المعطف وأخذ ورقة ، أنت تقول : هذا معطفه ، فقام ولبس معطفاً غير هذا المعطف ، قال له صديقه : خذ من جيبي ورقة الكهرباء وادفعها لي ، أنت تعرفه معرفة متينة تفسر هذا العمل بما يليق بمقامه أما إذا لم تعرفه فتقول : مدّ يده على جيب صديقه ويمكن أخذ خمسمئة ليرة ، فأنت إذا عرفت الله عز وجل أولاً تقرأ القرآن وتزداد إيماناً بالله ، لا يسأل عما يفعل ، معناها واضح مثل الشمس لكثرة عدالته ، لأن عدله يسكت الألسنة .
الآن إذا أب وزع الفاكهة على الأبناء بالتساوي ، وزع الحلوى بالتساوي ، المال بالتساوي ، لا أحد يتكلم كلمة ، أما إذا وزعها بغير التساوي فيتقاتلون وينتقدون الأب ، أنت لا تحبني وتحب أخي أكثر مني ، متى يكون الاعتراض ؟ إذا كانت العدالة غير موجودة ، وإذا كان الإنسان لا يعرف الله لا يستجيب له ، لا يسأل عما يفعل لأنه عادل ، عدله يسكت الألسنة، يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم ، إذا عرفت الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم فهمت هذه الآية : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[سورة التغابن : 16]
يقول لك : على قدر استطاعتك إذا لم يعرف الله عز وجل ، على قدر ما تستطيع، يوجد فرق كبير بين الاثنتين واحدة الحد الأدنى ، والثانية الحد الأقصى ، إذا عرفت الله عز وجل قال تعالى : ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
[ سورة المدثر : 56 ]
الله عز وجل يستحق أن تبذل من أجله الغالي والثمين ، والنفس والنفيس هكذا .
النبي الكريم سلك هذا المسلك عرّف أصحابه بالله أولاً ، ثم عرفهم بالشرع ثانياً ، فعرفوا الله ثم طبقوا الشرع ، الآن عرف الناس بالشرع أولاً يتحايلون على الشرع ، هذا حرام ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا الغناء صدى ، وهذه امرأة أخيه أصبحت حماته ، والربا صار بيعاً وشراء ، والزكاة اشتراها منه بثمنها ، هذه الأساليب كلها ، لذلك بدأ الدين غريباً ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، بمعرفة الله أولاً ثم تطبيق شرعه ثانياً .
كانوا في بعض المدارس الشرعية يجبرون الطلاب على الصلاة ، طالب شرعي لا يصلي ، فكان يقول : نويت أن أصلي لا وضوء ولا نية - لا إكراه في الدين - تريد هذا الطالب أن تنمي قلبه بالخشوع أولاً من الورع والخوف حتى ينضبط ، فقط تعال وافهم أحكام الصلاة ، شروط الصلاة ، أحكام الغسل ، حفظهم وبصمهم ونجح في الامتحان ولا يصلي ، أنا أعرف مدرسين تربية إسلامية لا يصلون .
وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، وهو بحر لا يدرك منتهى غيره ، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .
إن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث عن صفات طالب العلم ، الآن عرفنا أن العمر ثمين وقصير ، يجب أن تعرف شيئاً ، الأصول والفروع ، الأصول أولاً ، والفروع ثانياً ، والمقدمات ثالثاً ، والمتممات رابعاً ، وألا تنتقل من علم إلى آخر إلا بعد إحكام العلم الأول وهو معرفة الله ، وهو متعلق بالثاني وهو الشريعة ، ويجب أن تعرف كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء ، وإذا كنت تاجراً يجب أن تتقن أحكام البيوع .
* * *
الهدية تزيد المحبة بين الناس :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، الأحاديث اليوم كلها متعلقة بسنة نبوية معطرة ألا وهي الهدية ، الإنسان مع زوجته ، الإنسان مع أخيه النسبي ، الإنسان مع جاره ، أحياناً يكون الجار سيئاً جداً ، قدم له هدية وانظر ماذا يفعل ، يخاف أن يزعجك ، يخفض من صوت المذياع ، شيء يشبه السحر ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم أذكر بالتفصيل ، قال : من يقم إلى هذا ويقطع لسانه ، يوجد صحابي فهم أن يقطعه قطعاً وصحابي آخر فهم أن يقطع لسانه بهدية .
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حصل بينك وبين زوجتك فتور ، خصام ، أنا لا أقول أن يحضر شيئاً فوق طاقته، ممكن أن يحضر باقة ورد ، ممكن أن يحضر شيئاً قيمته ليست بثمنه ، بل قيمته بمقدمها ، بمدلولها ، ممكن ابن أن يحضر لوالدته قرص عجوة ، ثمنه على وقتنا عشرة قروش ، الآن ليرة ، ممكن أن يحضر لزوجته شيئاً بسيطاً جداً ، علبة رائحة ، لكن الهدية سبحان الله تفعل فعل السحر بين الأقارب ، بين الأصدقاء ، بين الأخوة ، بين الجيران ، هكذا النبي الكريم يقول : "تهادوا تحابوا" الهدية دين و وفاء ، أنت لم تخسر شيئاً ، لك أخ جاءه مولود أخذت له طقماً ثمنه ثلاثون أو أربعون ليرة ، وأنت إذا جاءك مولود يستحي ألا يقدم لك هدية ، أنت بالفعل لم تخسر شيئاً ، إذا أخ تزوج ، الأخوان هبوا ، أحدهم سجادة ، والآخر براد ، ثلاثة قدموا له براد ، المطبخ يلزمه بعض الحاجيات ، طاولة للطعام كم هي جميلة ، الأخ بأشد الأزمات ، وجد أخوانه قدموا له حاجات ، الآن أخوك بعد سنة تزوج ، تقدم له هدية ، هي عملية دين لكن ليس به صفة الدين ، سند ، أداء على التدريج . ((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
بين الزوجين ، بين الأخين ، بين الجيران ، بين الأصدقاء ، هذا كله مدعاة إلى المحبة وزيادة العلاقات . ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
حديث آخر : (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الغل هو الحقد ، ترى خصومات ، وغيبة ، ونميمة ، أنت صافحه وابتسم بوجهه ، وعاتبه وسامحه ، عود نفسك أن تعتذر ، أخي أنا رجل ، قل للزوجة اصفحي عني أنا غلطت ، الإنسان يغلط ، إذا الزوجة سمعت من زوجها اصفحي عني ، أنا تأخرت عليك ، لم أشعر بالوقت ، ترى هذه الثورة العارمة خفت حدتها ، تعود أن تتكلم كلاماً لطيفاً ، تعود أن يكون ظلك خفيفاً . (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الهدية أولاً للمحبة ، وإذا كان هناك محبة تزداد المحبة ، ارفع مستوى المحبة ، وهي لها مستوى ترتفع . الهجرة في سبيل الله تورث الأبناء مجداً و عزاً :
((.....هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
سبحان الله هذا الحديث كنت عند صديق لي ولهذا الصديق صديق محامي ، فجاءت سيرة الحج ، فقال : أنا حججت أول حجة من فضل الله ، وثاني حجة كانت بدلاً عن والدي ، فانتقده المضيف ، قال له : الأم أولاً ، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ، قال له : يوجد سبب ، فقال له : ما هو السبب ؟ قال له : أنا أصلي من يوغسلافيا ، والدي هجر يوغسلافيا وأقام في الشام من قديم الزمان وأنا ولدت في الشام ، حججت عن والدي لأن والدي مسلم وحفظ نفسه ، لكن عندما هاجر أنقذنا نحن ، أنا لو بقيت هناك كنت رجلاً فاسقاً ، زانياً ، شارب خمر، فلما انتقل من تلك البلاد إلى هنا ، أنا ولدت في الشام ونشات نشأة دينية فأنا مسلم بسببه ، وأنا أقمت في الشام ، له حق كبير عليّ ، حق الهداية ، فهذا الابن المحامي قدر هجرة والده إلى بلاد إسلامية ، لأن الأب لو بقي هناك هو مسلم وحافظ على دينه ولكن أولاده ليسوا بيده ، الآن الذين يذهبون إلى أمريكا يقول لك : هل ترى هذه السيارة ؟ تقول له : نعم ، يقول : أخذناها بألف دولار ، وهنا ثمنها مئة وخمسون ألف ليرة ، يتكلم لك يقول : فيلا ثمنها ثلاثون ألف دولار معها مسبح وطابق ثان وثالث ، وكراج للسيارة ، فحديثه دائماً عن الأسعار ، والمتنزهات ، ونياغارا والشلالات الجميلة ، وعن الجزر الجميلة ، ولكن يوجد شيء أنت ليس منتبهاً إليه يوجد رجل أقام هناك ، وله تجارة عريضة و واسعة وبحبوحة ، جاء إلى البيت مرة وكان مسافراً ، جاء في وقت غير مناسب فرأى شاباً مع ابنته بوضع حيواني لم يتحمل وأخبر الشرطة ، جاءت الشرطة وأخذوه هو إلى السجن لأنه هذا الشاب أفاد أن صديقته هي التي أرسلت في طلبه ودعته ، فصاحب البيت تكلم معه كلمات قاسية يستحق عليها أن يسجن ، وهي صديقته وهو جاء بدعوة .
طبعاً السيارة ثمنها ألف دولار ولكن هذه الثانية أحسبت حسابها ؟ ليس لها حساب، عندما الإنسان يقيم مع الكفار سوف يتحمل أن تأتي ابنته في آخر الليل مع صديقها يوصلها إلى البيت ، يتحمل أن تسبح ابنته مع الناس على البلاجات ، يتحمل أن يكون لابنته خمسة أصدقاء قبل الزواج وهذه عفة وأية عفة ؟؟! هذا كلام باطل هناك ، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، أنا أتحدى رجلاً يقيم مع المشركين ويحفظ بناته ، لا يمكن ألا تنشأ البنت على الخمر ، والزنا ، والفجور ، أينما تحرك البنت يوجد فجور ، تبيع المرأة نفسها بدخينة ، بعلبة مسكة ، هناك الأسعار رخيصة جداً ، والأعراض رخيصة ، طبعاً يتناسبون معاً ، بلد أسعاره غالية والأعراض غالية ، أسعار رخيصة وأعراض رخيصة .
أنت هنا يوجد كلمة الله أكبر ، مسجد ، مجلس علم ، شيء اسمه حياء ، خجل ، يوجد بقية دين ، بقية مروءة ، بقية تعاطف ، زارني طبيب يقدم امتحاناً في اللغة العربية ليتعين، لأنه لا يوجد معه بكالوريا سابقة ، قلت له : عجيب أنت مقيم في لندن ودخلك في الشهر ثمانية آلاف جنيه ، وعندك سيارتان وبيت في المصيف ، ما الذي يحضرك إلى الشام ؟ أنا من باب الامتحان أريد أن أرى ماذا يقول ، فقال أنا : جئت إلى هنا لآخذ ثلاثة آلاف ليرة ، وثمن البيت هنا نصف مليون ، فقال : أنا في المكان الذي أسكن به في لندن في الطابق الثامن يوجد رجل توفي وبقي متوفى ستة أشهر ولم يدرِ به أحد ، وله في لندن خمسة أولاد ذكور ومن وجهاء العوائل البريطانية ، ما خطر في بال أحد أبنائه أن يزور والده في هذه الأشهر ، رأى مصيره، إنسان موضوع في غرفة ولندن باردة في الشتاء والطوابق عليا ، تأخر تفسخ جسمه . (( تهادوا تزدادوا حبا و هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
أنا هذا الحديث تذوقته من قصة الأخ المحامي الذي حج بدل والده قبل والدته لأن والده هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، هنا يوجد مروءة ، تعاطف ، الأخت لها أخوها ، الأخت تسكن عند أخيها ، لها مكان في المجتمع . أثر الهدية في المجتمع :
و :
((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَة]
((تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعةً في أرزاقكم))
[الكامل في ضعفاء الرجال عَنْ ابن عباس ]
أنا حينما كنت صغيراً عاصرت هذه السنة ، دائماً يوجد سكبة ، خمسة صحون غير الطبخة ، حتى إذا دخل شخص مع ضيف الجيران يتهامسون : أبو فلان معه ضيف ، الحارة فيها أربعون بيتاً ، ترى الصفرة كبيرة ، متى هذه الصفرة صنعت ؟ أبو فلان معه ضيف . (( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . .))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا كان هناك حقد أو ألم هذه الهدية تذهب وحر الصدر . (( . . . وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي إذا جارة قدمت إلى جارتها طعاماً – نصف مقدم - تقول الأخرى : سلمت يداك و جزاك الله كل خير ، إن شاء الله هذا الشيء يزيد هذا البيت بركة ، يجب أن تكون لطيفاً إلى أقصى الحدود ، مهما كانت الهدية قيمتها قليلة يجب أن تشجع ، أحياناً طفل يحضر إلى المدرسة وردة ، قرنفلة ، يجب أن ترحب بها ، أحياناً إنسان يعطرك ، أحياناً قطعة حلوى أنت لا تأكلها محمي عنها ، المؤمن أديب .
الناس الآن من بُعدهم عن الله عز وجل تأتيه هدية يمط وجهه فيها ، ما ثمنها ؟ هذه لا تساوي شيئاً ، هذا كلام فيه سوء أدب مع الله عز و جل ، هذه سنة ، من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام اقبلها ورحب بها وأثني عليها وكافئ عليها ، وإياك أن تظن هذه الهدية هبة، هذه دين كافئ عليها ، فإن لم تجد قل : جزاك الله عني كل خير . ((تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ))
[ شعب الإيمان عن أنس بن مالك]
السخيمة من السخم وهو باللغة العامية الشحار ، الفحم ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا قلبي أسود . (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأدُمَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ : نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ ))
[مسلم عَنْ جَابِر]
أحياناً يدعوك إنسان إلى كأس شاي ، بارك الله : (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
هذه سنة المصطفى ومن رغب عنها فليس من أمته : (( تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدر ))
[الطبراني وأبو نعيم فى المعرفة عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية]
تضاعف وليس تُضْعِف ، أنا أتمنى إن أخ تزوج ، عنده ولادة ، أخوانه حوله ، هذا قدم له شيء ، والأمور كلها دين و وفاء ، و بهذا تزداد المحبة : (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

السعيد 09-09-2018 08:59 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع : الوضوء - اركانة - شروطة - سننة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة :
أيها الأخوة المؤمنون، فقرة الفقه المتعلقة بالعبادات التي وعدتكم بها بالدرس الماضي لا تزيد عن عشر دقائق، إن كانت في كل درس فهذا أعون على إتقان الصلاة التي هي عماد الدين، وكتاب مراقي الفلاح، كتاب في العبادات فقط، وفي الفقه الحنفي فقط، كتاب موجز، ومبوَّب، ومقنَّن ومرقَّم، والقراءة فيه سهلة، وله متن وله شرح، فإذا استعصى عليك شيءٌ في المتن، رجعتَ به إلى الشرح.
أركان الوضوء :
في الوضوء يقول مؤلف الكتاب طبعاً استناداً إلى استنباطات العلماء: أركان الوضوء أربعة، وهي فرائضه:
1 ـ غسل الوجه :
الأول: غسل الوجه، وحدُّه طولاً، من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وحدُّه عرضاً ما بين شحمتي الأذنين.
2 ـ غسل اليدين مع المرفقين :
والثاني: غسل اليدين مع المرفقين، ليس إلى المرفقين بل مع المرفقين، فالمرفق داخل في غسل اليد.
3 ـ غسل الرجلين مع الكعبين :
والثالث: غسل الرجلين مع الكعبين.
4 ـ مســح ربع الرأس :
والـرابع: مســح ربع الرأس.
سبب الوضوء :
استباحة ما لا يحل إلا به، فهل تحل الصلاة بغير وضوء؟ لا، فإنها لا تحلُّ إلا به، لاستباحة الصلاة، واستباحة الطواف، وهذا حكمه الدنيوي، وحكمه الأخروي الثواب في الآخرة.
الوضوء عبادة، فإذا قام الإنسان ليتوضأ، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، دخل في عبادة.

شرط وجوبه :
العقل، البلوغ، الإسلام، القدرة على استعمال الماء الكافي، فإذا كان الإنسان لا يقدر على استعمال الماء، أو يقدر والماء غير كافٍ فعندئذٍ يتيمَّم، وجود الحدث، عدم الحيض والنفاس، فلولا الحدث لما وجب الوضوء، وضيق الوقت.
في بعض الصلوات، كصلاة العيدين، أو صلاة الجنازة، إذا كان الوقت ضيقاً حيث تفوته الصلاة إذا ذهب ليتوضَّأ جاز له التيمم، لضيق الوقت.
إذاً شرط وجوبه: العقل، والبلوغ، والإسلام، والقدرة على استعمال الماء الكافي، ووجود الحدث، وعدم الحيض والنفاس، وضيق الوقت.

شروط صحته :
شروط صحته ثلاثة: عموم البشرة بالماء الطهور، أي أن يبلغ الماء كل الأماكن التي نصّ عليها الشرع بالماء الطهور، وانقطاع ما ينافيه من حيض، ونفاس، وحدث، وزوال ما يمنع وصول الماء إلى الجسد، فطلاء الأظافر يمنع وصول الماء، والشحم يمنع وصول الماء، والعجين يمنع وصول الماء.
وعندنا شروط الوجوب، كما عندنا شروط الصــحة.
هذا فصل قصير، وبعدها ننتقل إلى موضوع آخر.

معلومات جانبية متعلقة بالوضوء :
يجب غسل ظاهر اللحية الكثة، واللحية نوعان، طبعاً الذقن غير اللحية، وكثيرون يظنون أنّ الذقن هو اللحية، فيقال: ليس له ذقن، أو لم يربِّ ذقنه، فكل واحد منا له ذقن، الذقن شيء، واللحية شيء، ويستعمل العامة خطأً الذقن بدل اللحية، إذًا فمن كانت له لحية كثة، أي غزيرة الشعر، يجب غسل ظاهرها، والشرع لم يكلَّفكَ بغسل أصول اللحية، عندئذ تحتاج إلى تنشيف على الهواء، وهذا أمرٌ صعب، فوق الطاقة، وعليه غسل ظاهر اللحية الكثة في أصح ما يُفتى به، ويجب إيصال الماء إلى بشرة اللحية الخفيفة، فإذا كانت اللحية خفيفة وجب أن يصل الماء إلى البشرة، أيْ إلى أصل اللحية، ولا يجب إيصال الماء إلى المسترسل من الشعر عن دائرة الوجه، فإذا كان لك شعر مسترسل لا يجب إيصال الماء إليه، ولا إلى ما انكتم من الشفتين، إذا ضمَّ إنسان شفتيه فهناك جزء من الشفتين من داخل الفم، فالجزء الذي يعد من داخل الفم لا يجب إيصال الماء إليه، ويجب تحريك الخاتم الضيق، وإيصال الماء إلى أصل اللحية الخفيفة، وغسل ظاهر اللحية الكثة، أي الكثيفة، وعدم وجوب إيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر الخارج عن دائرة الوجه، فهذه معلومات جانبية متعلقة بالموضوع.
شيء آخر: لو ضره غسل شقوق الرجلين، إذا كان في الأرجل شقوق، أي مذبوحة من الشتاء، وهي مؤلمة، ويؤذيها الماء وضره غسل شقوق رجليه جاز إمرار الماء على الدواء الذي وضعه فيها.
وبعد: شخص واحد له لحية كثة توضأ فرضاً وحلقها، لا يقال له: أعد الوضوء، ولا يعاد المسح، ولا الغسل على موضع الشعر بعد حلقه ولا الغسل بعد قص ظفره، وشاربه.
فإذا طرأ بعد الوضوء قص ظفر، أو قص شارب، أو حلق شعر لم يصل الماء إليه عند الوضوء، فالشرع متساهل لا يجوز أن تعيد الوضوء في هذه الحالات، أ ي معلومات لطيفة ويحتاجها كل إنسان، وهذا مما يعين على إتقان الوضوء، لا زلنا في موضوعات أخرى، وإن شاء الله نتابعها في الدرس القادم، هذا ويسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً، نقرؤها الآن مجرد قراءة، وربما عدنا إليها في الدرس القادم.

ما يسن في الوضوء :
يسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً: غسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية ابتداء، والسواك في ابتدائه ولو بالإصبع عند فقده، فالسواك من سنن الوضوء، لم تجد السواك فبالإصبع، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، طبعاً عندنا سنة التكرار، وسنة المضمضة، فإذا أخذت غرفة يمكن أنْ تتمضمض فيها ثلاث مرات، فالمضمضة تحريك الماء بالفم مرة أولى، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة، إذاً والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، والاستنشاق بثلاث غرفات، قطعاً لأن الاستنشاق ليس عندك عضلات بالأنف تحركها ثلاث مرات، فلابد من المرة الأولى، والثانية، والثالثة، أما بالفم فممكن، إذاً يجوز أن تتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة، ولا يجوز أن تستنشق ثلاث مرات بغرفة واحدة، فثلاث مرات ثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، المبالغة تعني إيصال الماء إلى كل أنحاء الفم، وإيصال الماء إلى أقصى الأنف، المبالغة لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، والتخليل يعني بالأصابع، الأصابع مبتلة تخلل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، كل عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، أول مرة تدلك، والثانية إسالة الماء، والثالثة التأكد من التنظيف، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ويجوز مسح ربع الرأس، أما السنة فكامل الرأس، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، فهذا ممكن، أن تمسح الأذنين بماء الرأس نفسه، طبعاً تُدخل إصبعك إلى داخل الأذن، وتمررها بتجاويفها وخطوطها، ثم ظاهر الأذن، و الدلك.
أحدث شيء سمعته من طبيب جزاه الله خيراً أن هناك عصيات بالمستقيم اسمها العصيات الزرق، هذه متواجدة بالمستقيم، ولها وظائف حيوية، ومحظور عليها لأسباب يصعب شرحها أن تنتقل إلى داخل الجسم أو إلى الدم، فإذا دخلت في الفم بسبب عدم الاحتراز منها، عدم إتقان الغسل، إذا دخلت إلى الفم ووصلت إلى الدم سببت أمراضًا وبيلة.
فالأحاديث الشريفة تحضُّنا على المبالغة بالطهارة، فإذا دخل إنسان المرحاض وجب أن يبالغ في تنظيف يديه، ولا سيما الأنامل عند الأظافر، عند هذه الثنيات، فلو أن عصية زرقاء دخلت إلى الفم ولم يكن المتوضأ قد اعتنى بتغسيل يديه، فهذا يسبب له أمراضاً، يجب أن تعلموا أن أوامر النبي الكريم مبنية على حقائق علمية لأن الله سبحانه وتعالى أوحى له بذلك:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[ سورة النجم: 3-4 ]
ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، و الدلك، والولاء، كشخصٍ غسل وجهه، فرنَّ جرس الهاتف، وتكلَّم ربع ساعة، ثم رجع وأكمل غسل يديه، فلم تتوفَّر الموالاة، بل صار في الوضوء انقطاع، فيجب أن يتوضأ مرة واحدة، والنية، والترتيب، فالإنسان أحيانًا ينسى فيغسل رجليه قبل يديه، فاختلَّ الترتيب وخالف السنة كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن، في كل شيء تبدأ باليمين، ورؤوس الأصابع، ومقدم الرأس، ومسح الرقبة إلى الحلقوم، إذًا الميامن، والترتيب، والنية، والولاء، والدلك، ومسح الأذنين بماء الرأس، واستيعاب الرأس كله، وتثليث الغسل، وتخليل الأصابع، وتخليل اللحية الكثة من أسفلها، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق لغير الصائم، والمضمضة ثلاثًا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، أما الاستنشاق فبثلاث غرفات قطعاً، والسواك ولو بالإصبع، والتسمية ابتداءً، وغسل اليدين إلى الرسغين، وهذه ثمانية عشر شيئاً هي سنن الوضوء، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن آداب الوضوء وهي أربعة عشر أدبًا.

***
للإنسان في علمه أربعة أحوال :
وبعدُ فإلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في الموضوع الكبير، وهو العلم.
الدرس اليوم: "وظائف المعلم"، تحدثنا عن آداب المتعلم، واليوم وظائف المعلم، فإذا وضعك الله عز وجل وأكرمك في مقام التعليم فعليك واجبات، ابحث عن واجباتك قبل أن تبحث عن حقوقك قبل أن نبدأ بالواجب الأول هناك مقدمة لطيفة.
اعلَمْ أن للإنسان في علمه أربعة أحوال، كحاله في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حالةُ استفادةٍ فيكون مكتسباً، إذًا أولاً كسب المال، وحالُ ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحالُ إنفاقٍ على نفسه فيكون منتفعاً، وحالُ بذلٍ لغيره فيكون به سخياً متفضلاً، وهو أشرف الأحوال.
اكتساب، وادخار، وإنفاق على نفسه، وإنفاق على غيره، والإنفاق على الغير هو أشرف الأحوال، هو السخاء، هو الفضيلة، وكسب المال ضرورة، وادخاره شح، وإنفاقه على النفس أنانية، وكسبه ضرورة، فلا بد أن نعمل، فادخاره شح، وإنفاقه على الذات أنانية، أما إنفاقه على الآخرين فهذه فضيلة، فكذلك العلم يُقتنَى كما يُقتنَى المال، فله حال طلب واكتساب، وحال تحصيل يغني صاحبه عن السؤال، وحال استبصار، وهو التفكر المحضُ والتمتع به، وحال تبصير، وهو أشرف الأحوال.
إذًا أوّلاً تَعَلُّم، وبعدما تعلمت، جمعت حقائق كثيرة، ومعلومات كثيرة، وفهمت شيئاً كثيراً من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، فشعرت بالغنى، هذا الادخار، تأملت فيما تعرف، وتبصرت فيما حصّلت، فشعرت بالراحة، الآن أنفقته على نفسك، فاعملْ به، واستفد منه، أما حينما تعلِّمه غيرك فهو أشرف الأحوال.
فمن عَلِمَ وعمل وعلّم فهو الذي يدعَى عظيمًا في ملكوت السموات والأرض، عَلِم وعمِل وعلّم، هذه سورة نقرؤها كل يوم عشرات المرات

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3 ]
عَلِمَ وعمل ودعا، علم وعمل وعلّم، وإذا واجهته معارضات ولاقى تضيقًا صبر، فلا يترك طلب العلم بسرعة، واللهِ أنا لا أريد هذه العمل، لأنّ به وجع رأس فلا أريده، علم وعمل وعلّم وصبر، فإذا توافرت هذه كلها فيسمَّى عظيماً في ملكوت السموات والأرض.
من يتعلم ويعمل ويعلّم كالشمس والمسك :
اسمعوا التشبيه اللطيف، قال: فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيِّب غيره وهو طيب، والذي يعلِّم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال من العلم، والدفتر الفارغ تملؤه علمًا فيفيدك، أما الدفتر فهو جاهل ويبقى جاهلاً، وكالمِسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة تكسو غيرها وهي عارية، والمصباح يضيء لغيره وزبالته تحترق، فالذي يتعلم ويعمل ويعلّم، كالشمس، والمسك، والذي يتعلم ويعلم ولا يعمل كالشمعة تحرق نفسها وتضيء غيرها، لذلك نسأل الله أنْ الله يجعلنا من الصادقين في طلب العلم، وأنا أدعو بدعاء دائماً: "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعدَ بما علمت مني"، أي أنَّ واحداً علَّمتُه ويسبقني، واللهِ هذه صعبة، وشيء مؤلم، تعلِّمه حديثًا يطبقه ويسعد به إلى الأبد، وأنت لا تطبقه، تُعلمه آيةً ويطبقها بحذافيرها، فيجلب منها خير الدنيا والآخرة، وأنت لا تطبِّقها، واللهِ هذا الشقاء كلُّه، لذلك سئل النبي الكريم: مَنْ أندم الناس؟ - أندم اسم تفضيل – قال رجل دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار.
وفي صحيح البخاري حديثٌ يقصم الظهر:

((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لذلك:
وعالم بعلمه لم يعمــــلن معذب من قبل عباد الوثن
***

"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد مني بما علمتني، اللهم أعوذ بك أن أكون عبرة لخَلْقك، اللهم إني أعوذ بك أن أتجمل بشيء يشينني عندك، اللهم إني أعوذ بك أن أقول للناس قولاً في رضاك ألتمس به أحدًا سواك"، القول جيد، القول في رضى الله عز وجل، لكن القائل يلتمس به أحدًا سواك، لذلك أيها الأخوة الأكارم، الإخلاصَ، الإخلاصَ، فقليل من العمل ينفع مع الإخلاص، ومع غير الإخلاص لا ينفع لا قليل العمل ولا كثيره، لذلك: يا معاذ أخلص دينك يكفِكَ القليلُ من العمل، أخلص دينك.
وظائف المعلم :
1 ـ الشفقُة على المتعلمين :
وبعد هذه المقدمة نقول: الوظيفُة الأولى للمعلم الشفقُة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه:
((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ))
[ ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، حتى الشيء الثابت الذي لا يأتيه الباطل، أنا رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لأمته والخلق جميعاً أشد من رحمتهم لأنفسهم.
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة التوبة:128]
إذا تحدَّاك إنسان، وقابلك مقابلة سيئة، وأنت تقتدي برسول الله فكيف تواجهه؟ جاءه جبريل قال: أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، يقصد أهل الطائف، قال: لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله، فرحمته فوق رحمتنا لأنفسنا، وفوق رحمتنا لأولادنا، هذا شيء ثابت، إنما أنا مثل الوالد لولده، إذاً على المعلم أن يقصد إلى إنقاذ المتعلمين من نار الآخرة، وهي أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، فإذا كان نشب بالبيت حريق، والابن بالحمام، والحريق من أطراف البيت كله، فإنَّ الأم أو الأب يقتحم أحدهما النار لينقذ ابنه، فإنقاذ الأب ابنه من نار الدنيا ليس بشيء أمام إنقاذ النبي عليه الصلاة والسلام أتباعه من نار الآخرة، فهذه نار مؤقتة، قد يكون الحريق من الدرجة الأولى ولكنه يشفى بإرادة الله، والدرجة الثانية يشفى أيضًا، وبالدرجة الثالثة قد يعيش مشوَّهًا، أما نار الآخرة فليس لها حل، لذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، وبالنسبة للدنيا إذا دلَّك شخص على عمل مربح وربح منه فأنت مدِينٌ له، لقد حكى لي أخ، وهو واللهِ صادق عندي، أنَّه اشترى بيتًا أنزل صاحبُه السعر سبعين ألفًا، أنا مبدئِيًّاً ما صدقت، خفَّض سبعين ألفًا، قال لي: نعم والله، سألت ما السبب؟ قال لي: إنَّ صاحب البيت في بداية عمله التجاري دَلَلْتُه على مصلحة ربح منها الملايين، فلم ينس هذا المعروف، إذًا فتخفيض سبعين ألفًا مبلغ يسير، لكنها ثروة طائلة جاءت نتيجة مساعدة سابقة وإرشاد، فقد دعمه ووجهه، فإذا نزل له في سعر البيت سبعين ألفًا فمبلغ بسيط مقارنة بالمليون، فإذا أصاب شخصًا في الدنيا خيرٌ عن طريق شخص آخر فتراه مدينًا له طوال حياته، فإذا كانت المساعدة والدلالة تتعلق بالحياة الأبدية وبالجنة التي عرضها السموات والأرض، إذْ لا فناء، ولا كبر، ولا مرض، ولا هم، ولا حزن، ولا قلق:
((قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))
[البخاري عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
إذا دخل شخص بيتًا فخمًا بمصيف جميل، فقال: وَاللَّهِ إنّه جميل ، فقال لك صاحبه: خذه، و يقدر ثمنه بمليونين ونصف، إنّه لك، مع السيارة، وهذا دخل شهري قدْرُه عشرة آلاف ليرة، ألا تشعر أنك صغرت أمامه، والمعلم في الدنيا هو السبب في دخول الجنة، لذلك قالوا: حق المعلم أعظم من حق الوالدين، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، إذا ترك لك الأبُ مئة مليون، أجلْ هناك آباء تركوا مئة مليون، فإذا مات الابن انتقلت التركة إلى غيره، فمهما كان عطاء الأب غزيرًا يفقده الابنُ بالموت، أما عطاء المعلم فهو إلى أبد الآبدين، لا ينفد خيرُه، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما العلم هو المفيد إلى الحياة الأخروية الدائمة، أعني معلم علوم الآخرة، لا رياضيات ولا هندسة، معلم علوم الآخرة، فإذا عرفت الله عز وجل، واستقمت، وعملت الأعمال الصالحة هذا الذي يعلمك، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه، تتعلم من أجل الوجاهة، والمنصب، والرياسة، وترؤس المجتمعات، وتصدّر المجالس، فإذا كان هذا هو العلم فهذا هلاك بهلاك، هذه الوظيفة الأولى للمعلم، أن يعلم المتعلمين كأبنائه.
2 ـ أن يقتديَ بصاحب الشرع :
الوظيفة الثانية: أن يقتديَ بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على العلم أجراً، ولا يقصد به جزاء ولا شكوراً، بل يعلمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرب إليه، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه تعالى، لا يريد جزاء، ولا شكوراً، ولا تلميحاً، ولا تصريحاً، ولا مادة، ولا معنى، ولا شيئًا من هذا، ولا يرى لنفسه مِنَّة عليهم، هنا تبرز المشكلة، إنّه لم يطلب منهم شيئًا، ولكنه شعر بذاته أن له فضلاً عليهم، وهذا أكبر عيب، قال العلماء: ولا يرى لنفسه منَّة عليهم، وإن كانت المنّة لازمة عليهم، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إذا علَّمتَ إنسانًا وقبل أنْ يتعلم منك استجاب لك، فهو ذو فضل عليك، وليس لك فضل عليه لو ما تعلم منك، فلو أنّه لم يتعلم على يديك، فقد حُرِمتَ الأجر عند الله، لكن هؤلاء الذين استجابوا لك، واستمعوا، وطبقوا، وسعدوا كلهم في صحيفتك، فهم سبب سعادتك، كالتاجر الذي فتح محلاً فخمًا، ثم لم يدخله أيُّ زبون، فما قيمة المحل؟ فهنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يقول: لا يكفي ألاّ يطلب أجرًا ولا أن يحس أن له فضلاً عليهم، فهو مخطئ، بل لهم الفضل عليك، لأنهم استمعوا، واستجابوا، وإن كانت المنَّة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذَّبوا قلوبهم، فأنتَ تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، وهذه الأمثال جميلة.
قال: كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك، فقال لك: خذ الأرض وازرعها، والمحصول لك، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلده منَّة وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى؟ ثواب المعلم عند الله أكثر من ثواب المتعلم، إذاً من له الفضل على الآخر؟ المتعلم له الفضل، إذْ لولاه لمَا نلت هذا الثواب، فلا تطلب الأجرة إلا من الله تعالى كما قال عز وجل:

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾
[ سورة هود :29]
فإن المال وما في الدنيا كلها خادم للبدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم، قال العلماء: إذ به شرف النفس، فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل حذائه بوجهه لينظفه، إذا طلب أحدٌ على دعوته إلى الله منفعةً ماديةً أو معنوية كمن مسح حذاءه بوجهه لينظفه، الحذاء خادم، والوجه مخدوم، لكنك جعلتَ المخدوم خادمًا، والخادم مخدومًا، وهذا هو الانتكاس على أم الرأس، وسوف نتابع هذه الوصايا.
3 ـ أن يترفع عن الدنيا :
ثم عليك أنْ تترفع عن الدنيا، اجعل الدين في السماء، ولا تمرغه في الوحل، هناك أناس مرَّغوه في الوحل، وأساؤوا إليه إساءة كبيرة، فلا تطلب على دعوتك إلى الله ولا على تعليمك أجراً، واحتسب الأجر عند الله تعالى، وإذا كنت طموحًا فاترك الأجر لله عز وجل، وإليك بعض الأحاديث الشريفة.
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
وبصراحة أريد أنْ أقول لكم: إذا كان الدين عندك حضور مجالس علم فقط، فليس عندك روحانية، ولا تشعر بسرور، واعلم أنّ الإيمان له حلاوة، فإذا أكلَ الإنسانُ أكلة طيبة وهو جائعٌ، ألا يسعد بها؟ بلى، فالإيمان له حلاوة، قال عليه الصلاة والسلام:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ- الأولى- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
كيف ذلك؟ مثلاً دعاك شخصٌ وأنت لم تصلِّ الظهر، تعتذر حتى تصلي الظهر أولاً، اعتذِرْ عن كل شاغلة لتصلي الظهر بإتقان ورويَّة وإلاّ فأنت في غنى عن دعوته.
مثالٌ آخر: دخلتَ أنت وصديق محلاً، وهذا المحل لا يجوز أن تدخله، تقول: استحييت منه فدخلتُ، أي أنّ هذا الصديق أغلى عليك من الله ورسوله، وإذا قلت: أنا لا أدخل، وهذا خطأ، وكان الأولى ألاّ تدخل، وأنت حين تضحي بصداقات الناس من أجل إرضاء الله عز وجل فقد عملتَ صوابًا، ولن يتخلَّى الله عنك، فهو وليُّك، وعندما تؤثر صديقًا على محبة الله، وتؤثر مبلغًا من المال على رضى الله عز وجل، فقد جعلتَ منفعتك مقدمة على طاعة الله و مرضاته، لكنّك إذا كان الله ورسول أحبَّ إليك مما سواهما، فتقول: معاذ الله، كما قال سيدنا يوسف حين دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين.

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 23 ]
المؤمن صاحب مبدأ وله مواقف عظيمة :
المؤمن صاحب مبدأ، وله مواقف، فقد يلين الجبل ولا يلين هو، فمواقفه صلبة، لأنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، أما بعض الأشخاص إذا دعي إلى حفلة مختلطة يقول: واللهِ استحييت، وأنا أرى أنّ مجاملة الآخرين لا بد منها، ولا بد من مسايرتهم، وأرجو الله أنْ يغفر ذنوبنا، هذا يعني أنّ محبة الناس ومجاملتهم مقدمة على محبة الله و رسوله، إذا كانت لك علاقة ربوية قلت: هكذا يريد شريكي، فالدرهم والدينار أحب إليك من الله ورسوله، قال لي شخص: الحمد لله، إني أصلي الصلاة في وقتها وفي المسجد، ولكن أسأل الله أنْ يصلح شريكي في المطعم فإنّه يقدِّم خمرًا، أصلحه الله و هداه، قلت له: انسحب، فقال: أنسحب؟ أرباحه طائلة، لكني لا أذهب إلى المطعم أبداً، والحمد لله، الأمرُ برقبته، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، واللهُ عز وجل يضع المؤمن في ظروف، وهذه الظروف يخلقها الله خلقًا، ليظهر الإنسانُ على حقيقته، فيما إذا كان الدرهمُ والدينا أحبَّ إليه من الله ورسوله أو أن الَله ورسوله أحبُّ إليه من الدرهم والدينار، يقول: الضرورات تبيح المحظورات، العلماء قالوا: هذه الضرورات إذا خِفْتَ فَقْدَ الحياة، أو فَقْدَ أحد الأعضاء، فعندئذ الضرورات تبيح المحظورات، يقول المؤمن: واللهِ آكلُ خبزًا يابسًا ولا آخذ مالاً حرامًا، أرضى أنْ آكُل خبزاً فقط، ولا آخذ هذا المال الحرام، نجحت حينئذٍ، وبعدها سوف نعطيك الرضا، والرحمة، والتجلي، والمال، فالله عز وجل قال:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت:2]
لا يمكن لإنسان أنْ ينجو من الفتنة، فربنا عز وجل عنده محكٌّ، لتَتَكَلَّمْ بما شئت، كأنْ تقول: أنا أحب الله، ومحبة لا يعلمها إلا الله، ثم تمر أمام فتاة جميلة فتنظر إليها و تحدق، فأين الذي في قلبك من محبة الله؟ لا توجد مادة في قانون أرضي تحاسبك، تنظر، أوْ لا تنظر، أما ربنا فيحاسبك إذا نظرت وضربَ على اسمك بأنك لستَ له محبًّاً، ورسبتَ في الامتحان، فاحذرْ فإنَّ علاقتك مع الله عز وجل:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
فإذا آثرتَ محبة الله ورسوله جمعت الدنيا والآخرة، لذلك: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
علامة المؤمن الصادق أنْ يحب أخوانه في الله محبة عجيبة :
أمّا الثانية:
((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه))
في دنياكَ أشخاص تحبهم لله، لا هو زبون، ولا صديق، ولا قريب، ولا صهر، ولا جار، ولا عنده سيارة فتركبها، ولا حالته المادية جيدة، فيدعونا لمائدته، ليس مِن علاقة بينك وبينه إلا علاقة الأخوة في الله، تشعر نحوه بمحبة آسرة، وتعقيبًا على هذه الظاهرة ذكر لي شخصٌ فقال: واللِه إذا مضى يومٌ ولم أرَ صديقي الذي صادقتُه لله فإنّي لا أهنأ، وإذا رأيته أشعر بسعادة عارمة، إذًا علامة المؤمن الصادق أنْ يحب إخوانه في الله محبة عجيبة، خالصةً لله، لا يطمع في مالهم، ولا في مناصبهم، ولا في أي شيء، بل رآه مؤمناً فأحبَّه، ورآه أخلاقياً فأحبه، جاء في الحديث القدسي:
((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))
[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]
وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ- وجبت- وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، انظُر مليًّاً، فهذه مجالسة لله، دونما مصلحة دنيوية صغرتْ أو كبرتْ، وَجَبَتْ مَحَبَّتِي، أنت الآن ضيف الله عز وجل: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
في أحيان كثيرة تجد الإنسان المسلم يفضل أنْ يأكل تحت المطر، إذا كان خارج بلده و لا يدخل مطعمًا فيه معصية، يفضل أنْ يأكل شطيرة (سندويشة)، يأكل ما خَشُنَ في طاعة الله، ولا يأكل أفخر المأكولات في مكان يعصى الله فيه، فهذه علامة المؤمن.
ابتعاد المسلم عن كل ما هو غير أخلاقي :
((...وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
هذا مقياس لنا جميعاً، أن تنفر من كل ما هو جاهلي، ومِن كل ما هو غير أخلاقي، وأنا أشبه هؤلاء بشخصٍ سقط في كنيف ثم خرج أو أُخرِج و دخل حماماً، واغتسل ساعة ثم تعطَّر بالعطورات ذات الأرج الفوَّاح، ولبس الثياب النظيفة، وصفَّف شعره، ثمّ ما لبث أنْ رأى السياقات بمياهها السوداء، أيشتهي أنْ ينزل إلى الكنيف مرة ثانية؟ فلو حَنَّ إلى الكنيف لكان مجنونًا حقًّاً، وهكذا المؤمن بعد أنْ أنقذه اللهُ من القاذورات، والسفالات، والسخافات، ومن كل ما يشين الإنسانَ، كالمزح الفاحش، والغرور، وبذاءة اللسان، والضلالة، فإذا أنقذك الله عز وجل من القاذورات، والبذاءات، وطهَّر قلبك بالإيمان، فأنت ذو حظٍّ عظيم:
((... وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
وإذا تحقَّق للمرء هذه الهداية فإنّه يقول: واللهِ لو قطعت إرباً إرباً فلن أعود إلى ما كنت عليه، هذا شيء يعلمه كل منكم، تكره أن تعود إلى ما كنت عليه، هذا الحديث أُحبُّ أن تحفظوه، وتتمثلوه دائماً.
صفات المؤمن الحق :
إذًا ألخِّص وأكرِّر: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فإنْ كنتَ في زيارة لبعض أرحامك ووجدتَ ما لا يرضي الله عز وجل مِن منكر، إذًا تودِّع، والسلام عليكم، وهذا تعليم و تنبيهٌ بمَن كنتَ في زيارتهم.
ثانياً:

((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ..))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
فلا تقيم مودة و صداقة خالصةً إلاّ إذا كانت قائمةً على رضا الله تعالى، فهذا الذي ينمو بذرُه، ثم يكون منها شجرة، ثم تكون هذه الشجرة، شجرة المحبة والمودة مثمرةً ثمرًا يانعًا، فإنها تعود ثمراتها بخيرٍ على الفرد و المجتمع، و بهذا يكون ظلُّ الإسلام ظليلاً، و يتحقق لنا المعنى السامي للحديث:
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
هذه صفات المؤمن الحق:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ...))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
حاسبه الله تعالى حساباً يسيراً يوم القيامة، وأدخله الجنة برحمته، فأعطى المال و عفا عن أهل الإساءة، ووصل رحمه، و ردَّ على الإساءة بإحسان، فسيدنا ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه فَقَدَ مالاً، فتوجه إلى الله عز وجل وقال: "اللهم إن كان الذي أخذ هذا المال عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه يا رب"، وآخر بالغ في الإساءة لصحابي فقال له: "إن كنتَ صادقًا فيما تقول فغفر الله لي، وإن كنتَ غير صادق فغفر الله لك"، فالمؤمن يترفَّع عن مستوى المشاحنة، والخصومات، ويعلو عن كلِّ ما فيه عيبٌ وشين، ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فقد سما في معارج القبول، فأنت رجلٌ منَّ الله عليك بنعمةٍ كبرى هي نعمة الهداية، والسلوك الأخلاقي الإيجابي، وكذلك من أدَّى، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، فهذا برئ من الشح، فلا يسمى شحيحاً، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، ودخل بها على أولاده، فقد يذهب الإنسان إلى السوق يشتري خضارًا ويحمل حملاً ثقيلاً، فهذا فخر، أنت عندئذٍ بريء من الكبر، فاحملْ حاجتك بيدك، لقد برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، الثالثة: برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ، فإذا أكثرت من ذكر الله، فأنت بريء من النفاق، وبريء من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر ذكر الله.








آفراح 09-09-2018 10:25 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بورك فيك وجوزيت كل خير
تحية


الساعة الآن 03:07 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.