![]() |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 7 ( من معاني الحكمة ؛ الورع ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الحادى العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من معاني الحكمة الورع : لا زلنا في الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] من معاني الحكمة أن يكون ورعاً, فقد ورد أن: (( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط)) [ الجامع الصغير عن أنس] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/01.jpg الورع هو الذي يبتعد عما يجره إلى معصية, الورع هو الذي يدع هامش أمان بينه وبين المعاصي؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [سورة البقرة الآية:187] يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((الحلالَ بيِّن, والحرام بيِّن)) [أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير] السرقة و القتل و الزنا أشياء محرمة وهي واضحة كالشمس, يغتصب مالاً حراماً, الغيبة حرام, النميمة حرام, إنسان دخله حلال, طبخ وأكل لا يسألك؛ لأنه لم يعمل شيئاً, يعمل عملاً مشروعاً, وكسبه مشروع, وماله حلال, اشترى طعاماً وأكل هو وأولاده. ما سمعت في تاريخ الدعوة إنساناً يقول: أستاذ طبخت فاصولياء, هل في عملي شيء؟ لا أحد يسأل؛ لأن العمل حلال. إنسان تزوج, إنسان فتح محلاً تجارياً, باع مواد غذائية, لم يكذب, لم يغش؛ فالحرام الصرف بين, والحلال الصرف واضح, ولا يختلف فيه اثنان, وليس هناك أية مشكلة, أين المشكلة؟ في الشبهات, شيء من زاوية حلال من زاوية حرام, الورع يقتضي أن تدع هذا الشيء ورعاً. ((الحلالَ بيِّن, والحرام بيِّن, وبينها أمور مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس)) [أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير] الأغلبية يشتبه عليه الأمر, حينما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يعلمهن كثير من الناس)) أي ذلك لا يعلمه إلا قليل من الناس, هؤلاء الذين أكرمهم الله بالعلم. أعظم الكرامات التي ليس فيها خرق للعادات هي كرامة العلم : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/02.jpg بالمناسبة الحديث عن الكرامات حديث كبير جداًً, الكرامات خرق العادات, العادات تخرق، معجزات الأنبياء يجوز التحدي بها, والعادات, والمألوفات, والقوانين, والسنن, والنظم تخرق للأولياء ككرامات لا ينبغي أن يتحدوا أحداً بها, ولا ينبغي أن يذكروها. أما أجمل قول قرأته: إنه أعظم الكرامات العلم, لا يوجد به خرق للعادات. إذا إنسان قال لك: أنا صليت في الكعبة, ورجعت البارحة, لا تعلم ماذا تقول له؟ إن صدقته مشكلة, وإن لم تصدقه مشكلة, يحرجك, ليس معصوماً, أما نبي يمسك العصا, تصبح ثعباناً, طبيعي!! لأن الله عز وجل أيده بها, لو أحداً قال له: أنت كاذب, لست نبياً, الله أيده بمعجزة, ومعنى معجزة يعجز عن فعلها البشر, إلا أن خالق البشر وحده يفعلها؛ فسيدنا عيسى أحيى الميت, سيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [سورة البقرة الآية:60] سيدنا صالح أخرج ناقة من جمل, وكل نبي له معجزة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- الكتاب الذي بين أيدينا معجزة مستمرة. معجزات الأنبياء السابقين كعود الثقاب, تألقت مرة واحدة, وأصبحت خبراً؛ يصدقه من يصدقه, ويكذبه من يكذبه, إلا أن القرآن الكريم معجزة حية بين أيدينا إلى يوم القيامة. فالكرامات خرق العادات, لكن أعظم هذه الكرامات وليس فيها خرق للعادات هي كرامة العلم، فالإنسان الذي أوتي العلم الصحيح طلبه كسباً. العلم طريق الإنسان للتفريق بين الحلال و الحرام : عندك يقين كسبي بالأصول: إنما العلم بالتعلم, وإنما الحلم بالتحلم, وإنما الكرم بالتكرم. وعندنا يقين إشراقي, هذا يأتي من قبل الله عز وجل, لكنه منضبط بالشريعة. على كلٍّ؛ هذا العلم يكفيك أن تفرق بين الحق والباطل. شخص أحب أن يشتري بيتاً جيداً, معه ثلاثة ملايين, والبيت سعره أربعة ملايين, جاء استقرض من إنسان مليوناً, قال له: أنا لا أقرض، أدخل شريكاً في البيت, قال له: حسناً, أدخله بالمليون شريكاً, كتب له الربع للمقرض, مالك البيت الأصلي له ثلاثة أرباع البيت, قال له: أريد أجرة من ثمنه بشرط ألا ينقص المليون قرشاً, وعندما يصبح معك تعطيني مليوناً, دخلنا في الشبهة, عندما ضمن له المليون صار ربا, هو في الظاهر اشترى معه كشريك وأجره, أنا لي ربع البيت من حقي أن آخذ أجرة, هذه عملية ربا كاملة, لكن تفوت على الناس, هذه شبهة, لأن ظاهرها مشاركة في الشراء, بيت وأجرة، أما حينما ضمن له المبلغ صار قرضاً, وهذه الأجرة فائدة, وكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا, أما إذا قال له: بعد سنة, سنتين, ثلاثة, البيت نقيّمه في السوق, ما قيمته لي الربع, وأريد أجرة, يأخذها حلالاً تماماً. هناك آلاف الحالات, تشبه الحلال من جهة, وهي حرام, هذه شبهة. على كلٍّ هذه الشبهات لا يعلمها كثير من الناس, لكن القلة القليلة يعلمونها. من أراد أن يعرف الله فليبحث عن إنسان يعرف الله عز وجل : الله عز وجل قال آيتين: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية:59] وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل الآية:43] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/03.jpg إن أردت أن تعرف الله فابحث عن إنسان يعرف الله عز وجل, اسأله: لماذا يسوق الله المصائب للناس؟ لماذا توجد الزلازل؟ لماذا المسلمون متخلفون؟ لماذا الكفار أقوياء؟ لماذا هناك أمراض؟ لماذا هناك فقر؟ لماذا لا توجد أمطار؟ هذا شيء متعلق بالله عز وجل, العارف بالله عز وجل آتاه الحكمة, لكن؛ إذا كان هناك قضية متعلقة بالفقه اسأل فقيهاً, قضية متعلقة بالدنيا اسأل خبيراً: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل الآية:43] إن كنت لا تعلم فاسأل. مرة أحد أخواننا في ضائقة مالية جداً, وعليه ديون, يكاد يسحق, جاءه عرض ألف بيت مصحف, والمبلغ جيد, والربح جيد جداً, قال: لأن العرض جاءه من نصراني, قال: حرام, من قال لك حرام!؟ إذا شخص غير مسلم قال لك: أريد ألف بيت مصحف, -يبدو أن هذا الشيء مطلوب-, لا يوجد فيه أي شبهة. فأحياناً الإنسان من جهله يدع الحلال, ومن جهله يرتكب الحرام, ومن جهل معظم الناس يقعون في الشبهات. الجهل يوقع الإنسان في الشبهة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/04.jpg الآن: كم من مسلم في هذا البلد مستثمر أمواله بربح ثابت؟ بالألوف, بمئات الألوف, كله حرام, إذا كان الربح ثابتاً فهذا ربا, أخي! أنا لا أدخل في حساباته يحرجني, أنا لي على المئة ألف ألفان في الشهر، ولا يحب أن يدخل بمتاهات مع الناس، هذا ربا، وعلى هذا فقس مئات الحالات, آلاف الحالات، فالورع أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس. الإمام الغزالي بالإحياء عمل أربع مراتب للورع؛ أول مرتبة ورع الفتوى: قال لك إنسان: هذه حرام, حرام, وهناك ورع من نوع أرقى إذا كان هناك شيء هو في الأساس حلال لكن ممكن أن يقود إلى حرام فدعه, وهناك مستوى أرقى و مستوى أرقى وأرقى". لذلك: (( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط)) [ الجامع الصغير عن أنس] (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )) [ مسلم عن أبي هريرة] الورع يقتضي من الإنسان أن يبتعد عن كل شبهة : أيها الأخوة, تصور أنت موظف في دائرة, والمدير العام خصك بسيارة كبيرة, وجديدة, وغالية, ومع بنزينها, وسائقها, والمدير العام له خصم في الدائرة, إذاً أنت ليس لك مصلحة أن تسلم عليه, وليس لك مصلحة أن تزوره, وليس لك مصلحة أن تقدم له أي شيء, تخاف على مكانتك عند المدير العام؛ لأنه أعطاك سيارة, مع بنزينها, وسائقها. مثلاً: انظر في الحياة اليومية, الموظف هذا لحفاظه على مكانته عند مدير الدائرة, ولحفاظه على مكتسباته من مدير الدائرة, يبتعد عن الشبهات, يبتعد عن شخص لو زاره والخبر وصل للمدير العام, يتألم. فالإنسان لمصالحه المادية يبتعد عن الشبهات. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/05.jpg صدر قانون من فترة: "ممنوع التداول بالدولار, أو العملات الصعبة, مسموح الحيازة", هل هناك مواطن يقول لمسؤول: أنا معي عشرون ألفاً لكن حيازة ليس تداولاً؟ لا تتكلم ولا كلمة كي لا يفهمونك خطأ, أيضاً أبعد عن الشبهات في أمور القوانين. أناس كثيرون يبعدون عن الشبهات, لا تقل: فرد, قل: مِثقب, سوف يستورد فرد تثقيب, إن قال فرداً سيفهم شيئاً ثانياً، اكتب مثقب لا تكتب فرداً, شخص كتب فرداً, فصار له متاعب كثيرة فنبه الناس: اكتب مثقب. فأنت مع مسؤول, مع شخص قوي, تبتعد عن الشبهات كلها, فكيف مع خالق الأكوان!؟ الورع يقتضي أن تبتعد عن كل شبهة لكن هذا يحتاج إلى جهد؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف الآية:110] أنت ترجو الله, ترجو الآخرة - الجنة- ترجو حياة أبدية سعيدة, هذه الحياة ألا تقتضي أن تدع الشبهات!؟ هناك قضايا فيها فتوى, لعلها فتوى ضعيفة؛ ابحث عن جمهور العلماء, ابحث عما اتفق عليه العلماء, ولا تبحث عن فتوى شاذة. أنا أقول: أحياناً الموضوع خلافي, وهناك فتوى ضعيفة. الفتوى و التقوى : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/06.jpg ورد عند الفقهاء أن إسقاط الجنين ممكن قبل مضي أربعين يوماً على حمله بفتوى ضعيفة, على أساس أن الحياة تبدأ في الجنين بعد أربعين يوماً, لو تعمقت تجد أن الحياة تبدأ بالتلقيح, هذه النطفة خلية حية, ولما لقحت البويضة، البويضة ملقحة فيها حياة خلوية, فإسقاط الجنين فيه شبهة, وفيه مشكلة, وإذا اعتبرت الحياة هي حركة, فهذا موضوع ثان. أنا أقول: هناك فتوى ضعيفة لكن الأولى أن تبتعد عنها, فالمؤمن يا أخوان يبتعد عن الشبهات, لينجو بدينه، قال عليه الصلاة والسلام: ((إنّ الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينها أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضهِ، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ)) [أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/07.jpg الشيء الثاني: يقول لك: هل يوجد فتوى؟ نحن نريد فتوى وتقوى, إنسان ذهب إلى فرنسا, قال: أنا أريد أن أبقى أربع سنوات بلا زوجة!! أتزوج ولما أسافر أطلق, ذهب إلى مركز إسلامي, اختار واحدة, قالت له: بألفين, صار هناك عقد شرعي مئة في المئة؛ إيجاب وقبول, وشاهدان, ومهر, وهذا العقد في الأرض شرعي, ليس له مأخذ, لكن نيته توقيت. فعند بعض الأئمة: من نوى التوقيت فهو زان. الزواج على التأبيد, يمكن أن تتزوج وتطلق, لكن الطلاق أصبح طارئاً, هناك حقيقة لا تعلمها, فلما كشفت لك طلقتها هذا ممكن, أما حينما عقد العقد, فعقد الزواج على التأبيد لا على التوقيت. الآن: عندنا حالة؛ حالة الفتوى والتقوى، هو عند الناس متزوج ولا شيء عليه, أما عند الله فزان؛ لأنه أراد التوقيت. فأحياناً تجد فتوى لكل ما تريد, وأنا أطمئن المسلم أية معصية مهما بدت كبيرة فيها فتوى؛ إن كنت تبحث عن الفتوى فالفتوى موجودة, أما إن كنت تبحث عن التقوى فينبغي أن تبتعد عنها. كل إنسان عنده مفتي صغير هو قلبه : الآن: هناك فتوى بالربا الصريح، أن تذهب إلى بنك, وأن تودع أموالك فيه, وأن تتقاضى فائدة بشكل ربوي صارخ, وهناك فتوى لشيخ الأزهر بمصر هي:" ليست فوائد, ولكنها عوائد"، أنت أودعت مالك أمانة بمصرف, والمصرف كان لطيفاً جداً, أحب أن يعمل لك مكافأة, سماها عوائد, وأذكر أنه وضع في البنك في اليوم الثاني ثلاثة وثمانون ملياراً, و لكن سبعة وعشرين عالماً ردوا عليه. إذا كنت تريد فتوى فبكل معصية فتوى, أنا أنصحك أن تبحث عن التقوى؛ لأنه: ((استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك )) [أحمد والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم عن وابصة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/08.jpg وكل إنسان عنده مفتي صغير هو قلبه, والنبي الكريم أعطاك مقياساً مذهلاً, قال: ((البر ما اطمأنت إليه النفس )) [أحمد عن وابصة بن معبد ] (( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) [مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ] كنت في أمريكا, السؤال الذي سئلته كل يوم مرتين أو ثلاثة خلال شهر, خرجت من جلدي, السؤال: يأتي إنسان هناك بيت سعره مئة ألف دولار, عندما يأخذ البيت تقسيطاً، يصبح بثلاثمئة ألف دولار, أي عندما يأخذ بيتاً بالتقسيط ضرائبه تنزل إلى رقم قليل جداً, لأن عليه ديناً, قسط البيت أقل من أجرته, وفوق ذلك معفى من الضرائب, لو استأجر البيت أجرته أعلى من قسطه, والضرائب تزيد, معنى هذا أن المستأجر غني. فتجد أن أكثر الجاليات متورطون بشراء البيت بتقسيط فاحش, أي يصبح ثمن البيت ثلاثة أضعاف الثمن تقريباً، أي البيت ثمنه مئة ألف إذا اشتراه الإنسان نقداً, أما إن اشتراه بالتقسيط فيقدر سعره بثلاثمئة ألف دولار, وعلى مدى ثلاثين سنة، تجد يسألك: لماذا سأل؟ لأنه متضايق, لماذا عندما يأكل فاصولياء ورز هو وزوجته وماله حلال لم يسألك؟ لأنه واضح مثل الشمس, لم يعمل شيئاً, أما الإنسان إذا عمل شبهة فيتضايق. البر و الإثم : النبي قال: ((البر ما اطمأنت إليه النفس )) [أحمد عن وابصة بن معبد ] (( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) [مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ] ما دام متضايقاً يسأل, يقول لك: والله ذهبت لبيروت, أوصاني شخص على زيت, حلال أن أربح عليه؟ لا, ليس حلالاً, أنت لست تاجر زيت. لو فرضنا, إنسان ذهب إلى عفرين, ائت لنا بتنكة زيت, لا يستطيع أن يضيف ولا قرشاً, أما لو كان صديقك تاجر زيت, وأنت اشتريت منه كتاجر زيت, فتستطيع أن تربح عليه. أنت قلت لشخص يعمل بالزيت: نريد منك تنكة زيت, فأعطاك تنكة, سافر, وضع حمولة؛ هذا اختصاصه, عمله, مصلحته, يمكن أن يأخذ منك ربحاً, أما إنسان ليس له علاقة بالزيت, سخرته بتنكة, أنت مؤتمن, فلا تستطيع أن تضيف أي قرش. مثلاً: شخص يبيع قطعاً, جاء صانع, قال لك: أعطني صحن دبرياج, الزبون -صاحب السيارة- غشيم, سعره في السوق ألف ليرة, قلت له: الفاتورة بألف ومئة, هذه المئة لك, لا يجوز؛ لأنه أضاف مبلغاً على السعر الطبيعي, أما إذا أنت أعطيته إكرامية, فلا يوجد مشكلة, هذا في السوق بألف, لو ذهبت إلى كل المحلات ثمنه ألف ليرة. مثلاً: لو أنه مسعر بألف, وأنا أحببت إكرام الصانع بخمسين ليرة من ربحي لا يوجد مشكلة. هناك قضايا كثيرة, تنشأ عندنا مشكلة شخص اشترى شيئاً, واشترط عليك أريد بالمئة واحد, اكتب بالفاتورة كذا, هذا حرام، أما أنت أكرمته من عندك, من ربحك, فلا يوجد مشكلة. يا أخوان, إذا لم يعلم يسأل, هذا الذي امتنع عن شغل المصاحف, هذا ورع غير معقول, وعندنا بالمناسبة: ورع وسوسة. أنواع الورع : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/09.jpg الإمام الغزالي ذكر في كتاب الإحياء, شخص صاد سمكة هو في أمس الحاجة إليها, وجائع, خطر في باله خاطر, لعل شخص صادها قبلي, وتملكها, ثم سقطت منه سهواً في البحر, معنى هذا لم تعد ملكي, هذه اغتصاب, هذه سماها الغزالي: (ورع وسوسة), وهناك أنماط كثيرة. يدخل أخي يجوز أن أشتري كنزة من عمل الانكليز؟ قلت له: يجوز, قال لي: أليس حراماً؟ هؤلاء الكفار الذين عملوا الكنزة نحن نعاونهم؟ قلت له: اخلعها, وارمها في سلة المهملات. هناك ورع وسوسة, هذا غير مطلوب, وهناك ورع حقيقي, وهناك قلة ورع. إذا الإنسان مثلاً أحبّ أن يأخذ من كل مذهب قليلاً, يجمعهم كلهم, انظروا لي؛ أين لا توجد زكاة في الحلي؟ أين يوجد كذا؟ أين يوجد كذا؟ تصيد الرخص في كل المذاهب, وقع في شبهة التلفيق والوهن في الدين. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6032/10.jpg على كلٍّّ؛ الإنسان يسأل, ولا تظن كل سؤال له جواب, هناك حالات الآن, تشعر أنك تحتاج إلى مجمع فقهي لكل بلد، مليون علاقة؛ شيء ربوي, وشيء غير صحيح, وشيء فيه شبهات. هات خمسمئة ألف, وخذ البيت, اسكن فيه, وبدون مقابل, ربا, وعندما يخرج من البيت, خذ خمسمئة ألف, أنت لماذا أسكنك في البيت؟ مقابل القرض, أنت قبلت مقابل القرض. أحياناً يقول لك: أجّره سيارة, يريد أن يرجعها مثلما استلمها؛ الدواليب, والمحرك... كله كامل, أنت لما ضمنت, لا ضمان, ولا آجار, هي تستهلك, أنت مقابل أي شيء أجرتها؟ مقابل أنها ممكن أن تستهلك, أيضاً فيها شبهة؛ أما إذا كان هناك شيء من التقصير أدفعه, عدوان أدفعه, البطارية احترقت أدفعه, أما اهتراء الدواليب مثلاً, اهتراء عمر المحرك فشيء طبيعي؛ إذا المكابح عليه, والمحرك عليه, والدواليب عليه, ولم تترك شيئاً إلا وتركته عليه, وأنت ضمنت, صار هناك ضمان وآجار, لا يجتمعون سوية. شريك وموظف عليها إشكال, أنا آتي بموظف, أعمل له نسبة بعقد واحد, لا يجوز, أساسه موظف, أحببت أن تشجعه شفهياً, أو بعقد آخر, ممكن, أما بأصل العقد شريك وموظف, فلا يعملون سوية, وعلى هذا فقس. على كلٍّ؛ الحكمة ورع: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 8 ( من معاني الحكمة ؛ فهم كلام الله - فهم دقائق القرآن ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الثانى العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي فهم كلام الله عز وجل : أيها الأخوة, لا زلنا في الحكمة التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] بعضهم قال: الحكمة هي فهم كلام الله عز وجل؛ لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((من أَوتى القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه)) [ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6033/01.jpg ذلك أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه, وشرف الرسالة من شرف المرسل, وشرف الكتاب من شرف صاحبه, فإذا عملت بالقرآن - وهو كلام الله عز وجل الذي نزل على سيد الأكوان- فأنت ممن أوتي خيراً كثيراً. لذلك من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه, فقد حقر ما عظمه الله تعالى. من أوتي القرآن, وله صديق معه ملايين, فشعر نفسه أمامه قليلاً, محروماً, فقد حقر ما عظمه الله تعالى؛ الذي يُؤتى القرآن حفظاً, وفهماً, وتطبيقاً, هذا أوتي خيراً كثيراً, هذا أوتي الحكمة. ((من أَوتى القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه)) [ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو] وله لفظ آخر: ((من قرأ القرآن كله فقد أعطى النبوة كلها غير أنه لا يُوحى إليه)) [البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن أبي أمامة] لأنه كلام الله عز وجل. من فهم كلام الله عز وجل يكون قد فهم الحقيقة المطلقة : شيء آخر: أنت عندما تفهم كلام رب العالمين تكون قد فهمت الحقيقة المطلقة, فهمت سر الوجود, فهمت الحكمة من وجودك, فهمت الرسالة التي أنيطت بك, شيء كبير جداً أن تفهم القرآن الكريم, والحقيقة الوقت الذي تصرفه في كلام الله هو استثمار للوقت. كنت أضرب مثلاً أول ما أصبحت ألقي خطبة في المسجد, جاءني شخص قال لي: أنا زوجتي تخونني كل يوم من سنتين, وأنا لا أدري, قلت له: كيف؟ قال لي: أدخل البيت, وأتناول طعام العشاء, وأشرب كأس شاي, فإذا بي أشعر بحاجة إلى النوم عجيبة, قال لي: بعد سنتين, مرة كأس الشاي لم أشربها, وإذا بجار يدخل إلى البيت بعد أن أويت إلى الفراش, فسألته أنا: من هذا الإنسان؟ قال: جارنا, قلت: كيف تعرفت عليه؟ قال لي: مرة زارنا فقلت لزوجتي: تعالي اجلسي عندنا, مثل أخيك, قلت له: لو كنت تحضر مجلس علم واحد, لو قرأت القرآن, لو سمعت كلام النبي ما فعلت هذا, وأنت السبب, أنت الذي عرفت هذا الجار على زوجتك. قصص كثيرة جداً, تجد يرتكب الإنسان حماقة كبيرة جداً تنتهي به إلى الدمار؛ لأنه لم يقرأ القرآن, لم يقرأ سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-. القرآن الكريم منهج و دستور وحبل يعتصم به الإنسان : لما أنت تقرأ القرآن, ويأتي أمر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور الآية:30] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [سورة الأحزاب الآية:33] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6033/02.jpg تجد الإنسان من دون قرآن تائهاً, شارداً, يرتكب حماقات, ولو كان ذكياً. القرآن الكريم منهج, القرآن الكريم نور, القرآن الكريم دستور, القرآن الكريم حبل تعتصم به, القرآن الكريم قانون تسير عليه. والحقيقة إذا الإنسان أوتي القرآن أوتي خيراً كثيراً؛ أوتي القرآن قراءة, وأوتي القرآن حفظاً, وأوتي القرآن فهماً, وأقوى شيء أوتي القرآن تطبيقاً. الحديث الشريف: ((مَا آمَنَ بالقرآنِ مَن استحلَّ مَحَارِمَهُ)) [أخرجه الترمذي عن صهيب] والآية الكريمة: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [سورة البقرة الآية:121] يُحسنون قراءته, وفهمه, وتطبيقه. المؤمن محصن بالقرآن : الإنسان إذا جعل قرآنه شغله الشاغل طوال حياته يكون قد استثمر الوقت, أنت لا تحس على حالك, هناك انضباط في السلوك, أساسه قناعة ناتجة من آية قرآنية, تجد مؤمناً قلما يرتكب معصية, وإذا ارتكبها في حالات نادرة, وفي حالة غفلة, وفي حالة ضغط شديد, أما في الأعم الأغلب فالمؤمن محصن بالقرآن. صعدت امرأة إلى السيارة, قال لها السائق: إلى أين يا أختي؟ قالت له: خذني أين ما تريد؟ وجدها فرصة أعطته ظرفاً فيه خمسة آلاف دولار, ورسالة, قرأ الرسالة, قالت: أهلاً بك في نادي الإيدز- معها إيدز- والمبلغ مزور, أودعوه في السجن, لو كان قارئاً للقرآن يركلها بقدمه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6033/03.jpg لا يوجد مشكلة في الأرض إلا بسبب معصية, و ما من معصية إلا بسبب جهل, الإنسان حينما يجهل يرتكب حماقة كبيرة. فالقرآن الكريم حينما تقرأه, وتفهمه, يترسب في اللاشعور, في العقل الباطن قناعات, هذه القناعات تسيرك وفق المنهج. الآن: أكبر شخص يذل من قبل امرأة إذا كان منحرفاً, أو من قبل المال. كل إنسان له نقطتا ضعف خطيرتان, المرأة والمال, المؤمن إذا قرأ القرآن, محصن, النقطتان محصن منهما تماماً. تجد الناس يُفتضحون, يشهر بهم, يمرغون في الوحل, أنا الإنسان المؤمن فهو مستقيم مثل الملك؛ عفيف, شهم, دخله حلال, لا يستطيع أحد أن يناله بكلمة, أي يوجد للطاعة عز؛ قد تكون مرتبتك الاجتماعية وسطاً، قد تكون موظفاً عادياً, لكن من حولك يعطيك مكانة كبيرة جداً. حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو : لذلك: ((من أَوتي القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه)) [ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو] وتقول السيدة عائشة: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)) [أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة] وهناك حديث: النبي الكريم -جبار الخواطر- قال: ((الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)) [ متفق عليه عن عائشة ] مثلاً: الذي أقبل على الدين في سن متأخرة, لم يدرس القرآن, فقط يحب الله كثيراً, يقرأ بصعوبة, هذا له أجر كبير على أساس أنه تمنى أن يكون ماهراً به, لكن لم يستطع, بذل جهداً. وقال الفضيل بن عياض: "حامل القرآن حامل راية الإسلام؛ لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو, ولا أن يسهو مع من يسهو, ولا أن يلغو مع من يلغو, ولا يكون له إلى مخلوق حاجة". لي قريب توفي, فأهله كلفوني أن أؤمن لوازم الوفاة, فذهبت إلى مكتب دفن الموتى, ثم وجدت منظراً لا أنساه أبداً, ركضوا وراءنا حوالي ستين أو سبعين قارئاً على السيارة, وترجوا, نحن نقرأ جيداً, منظر لا أتمناه أبداً. إنسان يحفظ كتاب الله يجب أن يكون عزيز النفس, يجب أن تأتي بيته, تترجاه, يجب أن تكون في مكان عال جداً, فإذا إنسان حفظ كتاب الله هذا إنسان ملك, هل يعقل أن يلحق سيارة؟ يركض و يترجاك!؟ شيء غير معقول أبداً! فحامل القرآن لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو. والله! سمعت من يومين قصة: جالس إنسان يحفظ كتاب الله, جروه حتى لعب طاولة, وشرب أركيلة, هل يعقل أن يلعب طاولة ويحفظ كتاب الله!؟, هذه مشكلة كبيرة. "لا يجب أن يلهو مع من يلهو, ولا أن يسهو مع من يسهو, ولا أن يلغو مع من يلغو, وألا يكون له إلى مخلوق حاجة". أن يحتاجه الناس, أن يقفوا على بابه معتذرين. تجد في النظام العسكري يسمح لملازم أن يركب دراجة, لكن هناك رتب اجتماعية, يمشي الإنسان مشياً, هل يسمح للشيخ أن يركب دراجة وهو خطيب مسجد؟ ليس مسموحاً, لا, ليس حراماً لكن هذه مقامات, هذا إنسان يعتلي المنبر, المشي لا يحط من قدر الإنسان؛ أما دراجة, ثياب مهترئة، فيكون حط من قدره. الحكمة فهم لطائف القرآن ووجوه معانيه : وقيل: الحكمة فهم لطائف القرآن ووجوه معانيه. مثلاً: سيدنا يوسف لما جمع أخوته قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6033/04.jpg ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [سورة يوسف الآية:100] الجب أخطر, الإنسان في السجن حياته مضمونة, وطعامه مضمون, أما في الجب فالهلاك, والموت, فأيهما أعظم أن يخرج من الجب أم من السجن؟ لكن لو قال: أخرجني من الجب لذكَّر أخوته بجريمته, فمن كماله أنه أغفل الجب, وذكر السجن, وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [سورة يوسف الآية:100] أي جالس في طرف مسيء, الطرفان بريئان, إلا أن الشيطان دخل بينهما, هذا كمال, عدم الإحراج, النبي قال: "لا تحمروا الوجوه". لا تذكر إنساناً بخطئه, إذا إنسان له خطأ, وتاب منه؛ لا تذكره بخطئه, لا تحرجه, لا تحمر وجهه. في القرآن الكريم لطائف كثيرة جداً : في القرآن لطائف كثيرة جداً, سيدنا موسى قال له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية:17] إله يسأل نبياً- رسولاً- ما هذه؟ هل يعقل أن يكون السؤال سؤال معرفة؟ أصل السؤال طلب العلم بمجهول، هل هناك شيء عند الله مجهول؟ كيف يسأل الله موسى عن هذا الذي بيده؟ فسيدنا موسى إله يسأله, الله ناجاه: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [سورة طه الآية:18] وجد كلام الله عز وجل, أو أن يكلم الله شيئاً يفوق حدّ الخيال, يريد أن يطول الحديث, قال له: هذا أطناب, قال له: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [سورة طه الآية:18] خجل لعلي أطلت, قال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه الآية:18] فالله إذا أحب أن يكمل سأله: وما هي المآرب يا موسى؟ السؤال: أن الله سأل انظر إلى هذه العصا, تأكد, هذه عصا, بعد قليل ستكون حية, لكن أراد أن يكون الأمر واضحاً عنده, انظر إليها؛ هي عصاي, بعد حين ستكون حية تسعى, لما كان وحده سواها حية صغيرة, أما عندما كان أمام السحرة: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف الآية:107] تجد في القرآن دقائق, في الحديث دقائق, في الفهم, إذاً في القرآن دقائق كثيرة جداً. كما قيل: والحكمة فهم لطائف القرآن, ووجوه معانيه. كما حكي عن سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير الفاتحة لفعلت". والله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [سورة الكهف الآية:109] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 9 ( من معاني الحكمة ؛ التقديم والتاخير فى القران ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الثالث العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. موضوع التقديم والتأخير في كتاب الله موضوع جليل : أيها الأخوة, الآية الكريمة في سورة فاطر: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [سورة فاطر الآية:32] هذا التقسيم؛ تقسيم البشر إلى متفوقين, وإلى مقتصدين, وإلى ظالمين, أصحاب اليمين, وأصحاب الشمال, والسابقون السابقون, فهناك مراتب قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية:21] بعض علماء التفسير قال: ما الحكمة من تقديم الظالم لنفسه على السابق للخيرات؟ وموضوع التقديم والتأخير في كتاب الله موضوع جليل. الإنسان إذا تكلم, أو إذا ألف نصاً, قد يقدم, وقد يؤخر, وقد تسأله لماذا فعلت هذا؟ يقول: والله لا أدري, خطر في بالي أن أبدأ بهذه الكلمة, ثم أكمل بهذه الكلمة, وأختم بهذه الكلمة, أما حينما يكون النص قرآناً, وصاحب النص خالق الكون؛ فتقديم الكلمة يعني شيئاً كثيراً, وتأخيرها يعني شيئاً كثيراً, ويمكن أن تؤلف أبحاثاً دقيقة جداً في موضوع التقديم والتأخير فقط. الله عز وجل قدم في آيات : 1 ـ الزانية على الزاني : الله عز وجل قدم الزانية على الزاني قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور الآية:2] 2 ـ السارق على السارقة : وقدم السارق على السارقة قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة الآية:38] 3 ـ الآباء : وقدم في آيات الآباء: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ [سورة التوبة الآية:24] 4 ـ النساء : وقدم في آية النساء: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [سورة آل عمران الآية:14] 5 ـ الأخ : وقدم في آية الأخ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [سورة عبس الآية:34] 6 ـ الابن : وقدم في آية الابن: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [سورة المعارج الآية:11] فهناك آية قدم فيها الابن، و آية قدم فيها الأخ و آية قدم فيها الأب. 7 ـ الجن على الإنس : قال: شياطين الإنس والجن؛ قدم الإنس على الجن قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [سورة الرحمن الآية:33] قدم الجن. 8 ـ الإنس على الجن : قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية:88] قدم الإنس, وهذا بحث طويل. 9 ـ التجارة : ثم قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [سورة الجمعة الآية:11] بدأ بالتجارة. 10 ـ اللهو على التجارة : ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [سورة الجمعة الآية:11] عكس الترتيب. فلأنه كلام خالق الكون, يجب أن نقف عند التقديم والتأخير؛ فالتقديم يعني شيئاً كثيراً, والتأخير يعني شيئاً كثيراً. 11 ـ غض البصر على حفظ الفرج : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [سورة النور الآية:30] قدم غض البصر على حفظ الفرج. 12 ـ العبادة على الاستعانة: قد يأتي السبب سابقاً, وقد تأتي النتيجة سابقة قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية:5] بدأ بالعبادة التي هي هدف, وثنى بالاستعانة التي هي وسيلة. فحينما تقرأ كلام الله ينبغي أن تقف وقفة متأنية عند التقديم والتأخير, فهذا بحث دقيق, وهناك معان دقيقة جداً, تُستنبط من تقديم كلمة وتأخير أخرى. تكريماً للمرأة قدمت الأنثى على الذكر وتعريفاً لقيمة الرجل عرف الذكر ونكرت الأنثى : ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [سورة النساء الآية:1] بدأ بالرجال, قال: ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [سورة النساء الآية:1] في آية الله عز وجل بدأ بالإناث: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [سورة الشورى الآية:49] الإناث قدمت على الذكور، قدمت ونكرت, والذكور أخرت وعرفت, يسمونها إشارات لطيفة أن المرأة جاءت هنا نكرة, فينبغي أن تكون محجبة كي لا تعرف, والذكور جاء معرفاً بال. تكريماً للمرأة قدمت الأنثى على الذكر, تعريفاً لقيمة الرجل عرف الذكر ونكرت الأنثى, وهكذا. على الإنسان أن ينتبه إلى التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والجمع والفرد في القرآن : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/01.jpg بحث دقيق جداً, إذا قرأت القرآن انتبه إلى التقديم والتأخير, والتعريف والتنكير, والجمع والفرد, أي: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام الآية:153] واحد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام الآية:153] الباطل متعدد, أما الحق فلا يتعدد: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة البقرة الآية:257] ليس من الظلمات إلى الأنوار, وليس من الظلمة إلى النور, الباطل متعدد, هناك مليون باطل, لكن لا يوجد غير حق واحد؛ فالإفراد, والتثنية, والجمع, أيضاً لها شأن كبير, والتعريف والتنكير لها شأن كبير, والمطابقة وعدم المطابقة لها شأن كبير, والتقديم والتأخير هذا من نظم القرآن الكريم, وحينما تقرأ القرآن قراءة متأنية, وتقف عند مظاهر إعجازه البلاغي, تعلم علم اليقين أنه كلام الله عز وجل. الحكمة من تقديم الظالم على المقتصد : أحد العارفين بالله سئل: ما الحكمة من تقديم قوله تعالى: الظالم على المقتصد, والسابق في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [سورة فاطر الآية:32] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/02.jpg فقال: إن الحكمة من ذلك هي أن الظالم له ذنوب جمَّة, ومعاص جُلَّى, تحملانه على الإياس من فضل الله, والقنوط من رحمته, فابتدأ الله بذكرهم, كي لا ييئسوا, بدأ بهم تشجيعاً لهم على التوبة, واهتماماً بهم,والأم تهتم بابنها الشارد أضعاف ما تهتم بابنها البار, ابنها البار مطمئنة عليه, أما ابنها الشارد فقلقة عليه؛ فاهتمامها, ورعايتها, ينصبان على ابنها الشارد. فربنا عز وجل بدأ بالظالم لنفسه, قال: لأن الظالم له ذنوب جمَّة, ومعاص جُلَّى, تحملانه على الإياس من فضل الله, والقنوط من رحمته, فابتدأ الله بذكرهم, كي لا ييئسوا, فأغلق باب الذكر عنهم, وأخر ذكر السابق؛ لأن له طاعات كثيرة, وأحوالاً رفيعة, تحملانه على الإعجاب, فأغلق باب المعجبين, وتوسط بذكر المقتصد كي يتوسط مع الله, ويعمل فيما بين الخوف والرجاء. هذا يُحمل عليه إذا قال الراكع: يا رب, قال الله له: لبيك يا عبدي, فإذا قال الساجد: يا رب, قال الله له: لبيك يا عبدي, فإذا قال العاصي: يا رب, قال الله له: لبيك, ثم لبيك, ثم لبيك. هذا من حكمة تقديم الظالم على المقتصد, الظالم مكسور لأنه يحتاج إلى عناية, يحتاج إلى رعاية. وقد ورد: "أن يا داود, بشر المذنبين, وأنذر الصديقين, –كلام يحتاج إلى توضيح- قال: لأن الصديق أقرب إلى العجب, والمذنب أقرب إلى اليأس والقنوط". بطولة الإنسان أن يتفوق و يبقى مفتقراًً لله عز وجل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/03.jpg دائماً الإنسان إذا تفوق أمامه مطب كبير؛ مطبه الكبير أن تذل قدمه إلى العجب, مطب كبير أن تذل قدمه إلى أن يتيه على الآخرين, هذا مرض الناجحين في الحياة, الإنسان حينما ينجح عنده منزلق الغرور. فلذلك: "بشر المذنبين –مكسورين-, وأنذر الصديقين". عندهم شعور بالتفوق. فالبطولة أن تتفوق وأن تبقى مفتقراً إلى الله عز وجل, أن تتفوق وأنت في أعتاب الله, وأنت تمرغ وجهك في الأرض, تواضعاً لله عز وجل. وقد دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة المكرمة, حانياً رأسه, حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/04.jpg أي أنت بحاجة للتواضع مليون مرة؛ عند النجاح, وعند التفوق, والبطولة أن تكون في القمة وأنت عند الله في أعتابه؛ أما إنسان لسبب تافه, لتفوق بسيط, يتيه عن الخلق, فيقول لك: أنا. سيدنا علي -رضي الله عنه- يقول: "أولياء الله من خلقه, وعماله في أرضه, والدعاة إلى دينه, صحبوا الدنيا بأبدانهم, وأرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, هجم بهم العلم على حقيقة الأمر, فاستلانوا ما استوعر منه المترفون, وأنسوا بما استوحش منه الغافلون, أولئك الأقلون عدداً, والأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة". هذه صفات الصديقين, صفات السابقين: "أرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, هجم بهم العلم على حقيقة الأمر, فاستلانوا ما استوعر منه المترفون, وأنسوا بما استوحش منه الغافلون, أولئك الأقلون عدداً, والأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة". سعادة المؤمن تكون بمعرفة الله عز وجل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/05.jpg الآن: الناس كلهم يستمرؤون البيت الفخم, والأثاث الفاخر, والطعام الطيب, والمركبة الحديثة, والنزهة الجميلة, أما المؤمن فسعادته في المسجد, سعادته في معرفة الله, سعادته في خدمة الخلق, فتجده متعباً, لكن لو شققت على صدره, يوجد سعادة في قلبه مع هذا التعب, ومع هذا الجهد الشاق, ما لو وزعت على أهل بلد لكفته, تجد هذا المنعم المترف الذي يغرق في النعيم, والفراش الوسيع, والطعام الطيب, والأثاث الفاخر؛ يوجد في قلبه من الضياع, يوجد في قلبه من القلق, ما لو وزع على أهل بلد لكفاه. فالعبرة لا بالمظاهر, بل بالحقائق. بعدما وصفهم سيدنا علي قال: بكى, حتى علا نحيبه, ثم قال: واشوقاه إلى رؤيتهم يا ليـــتني رأيتهم *** والله! والحياة طافحة بالأمثلة، تجد شخصاً في المرتبة الاجتماعية في الدرجة الدنيا؛ قد يكون موظفاً صغيراً, قد يكون تاجراً صغيراً, قد يكون شخصاً مهملاً, مغموراً, لكنه قريب من الله, يوجد في قلبه من السعادة ما لا يوصف؛ متوازن, مطمئن إلى الله, مطمئن إلى المستقبل, لا يوجد عنده قلق, سعادته أنه قريب من الله, يشعر أن الله راض عنه. مرة كنت في عقد قران, فقام أحد الخطباء, ذكر نصاً معروفاً, قال: "والله يا معاذ, إني لأحبك"- هكذا قال النبي عليه الصلاة و السلام له-. والله! بقيت أسبوعاً يا رب ما هذه المرتبة؟ أن يقول لك رسول الله: والله إني أحبك!!. إنسان يمشي في الطريق, والله يحبه, خالق الكون!! من الذي يجرؤ أن يعتدي عليه؟ من الذي يجرؤ أن يناله بأذى؟ من الذي يجرؤ أن يقترب منه؟ إله يحب عبداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/06.jpg قلت: والله! محبة الله بيدك, أطعه تحبه, إذا أطعته يلقي في قلبك السكينة فتحبه, أي محبته ليست مستحيلة, الله عز وجل جعل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق, وأنت في بيتك هناك طرائق لله عز وجل؛ تربية أولادك طريق, الصدق والأمانة طريق, إتقان عملك طريق, خدمة الخلق طريق, ممكن أن يكون عملك طيباً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾ [سورة السجدة الآية:18] يسمونها: حركة الإنسان في الحياة, الشخص مجموع عمل, خرج من بيته له عمل, ورجع صادق لا يكذب, محسن لا يسيء, منصف لا يشحن, رحيم لا يقسو؛ فرحمته, مع إنصافه, مع محبته, مع تواضعه, مع خدمته, مع بذل ماله, هذا الشيء كله عند الله كبير, فالمحصلة المؤمن يشعر أنه في رضوان الله, في رحمة الله, في ظل الله, و هو غال على الله. قال: واشوقاه إلى رؤيتهم يا ليـــتني رأيتهم *** علماء الآخرة قدوة للناس وعلماء الدنيا يتنعمون في الدنيا : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/07.jpg هناك تعليق لطيف قال: "ليس هذا وصف علماء الدنيا, الناطقين بالرخص والهوى, بل وصف علماء الآخرة". ورد في كتاب الأحياء: "علماء الدنيا الذين يتنعمون في الدنيا, ويعيشون بعلمهم حياة مترفة, أما علماء الآخرة فالذين هم قدوة للناس". هناك شخص دنياه عريضة, قد يكون من طرف الدين لكنه يصدر فتاوى, هناك تسهيلات لدرجة أنه لم يعد هناك شيء حرام؛ تارة التمثيل مسموح به, وتارة الاختلاط مسموح به, وتارة الزنا مسموح به, وتارة الموسيقا مسموح بها, وتارة الغناء مسموح به, أي هذا الشارد عن الله لم يعد له سيئة أمام هذه الفتاوى. فلذلك قال: "ليس هذا وصف علماء الدنيا, الناطقين بالرخص والهوى, بل وصف علماء الآخرة". وفي بعض الأقوال: "إن الجنة اشتاقت إلى أقوام, واشتاق أقوام إليها, السابقون, السابقون, اشتاقت لهم الجنة". وفي قول للنبي الكريم: ((اشتقت لأخواني، قالوا: أو لسنا أخوانك يا رسول الله ؟! قال : أنتم أصحابي، وأخواننا الذين لم يأتوا بعد)) [ مسلم عن أبي هريرة] يود أحدهم لو يشتري رؤيتي بأهله وماله. المؤمن مبارك أينما ذهب يذكر الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/08.jpg وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ)) [أخرجه مسلم عن أبي هريرة] عندما تكون صادقاً وهناك من يكذب من حولك تكون ورعاً, وهناك من يتساهل حولك, تكون تؤثر الآخرة, وهناك من يؤثر الدنيا؛ حينما تعف عن مال لا يحل لك, حينما تعف عن علاقة لا ترضي الله, وحينما تعف عن مغنم كبير, خوفاً من الله عز وجل, فأنت غريب. ((بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ)) [أخرجه مسلم عن أبي هريرة] قال بعض الحكماء: "أهل الطاعة مشتاقون إلى الجنة, والجنة مشتاقة إلى السابقين". أي السابق الجنة تشتاق إليهم. طبعاً هناك آية تؤكد ذلك قال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [سورة الدخان الآية:29] المعنى المخالف أن المؤمن تبكي عليه السماء والأرض, المؤمن مبارك؛ أينما ذهب يذكر الله, أينما حل يحسن, أينما جلس يصدق, صدقه, وإحسانه, وتواضعه, يصبح قدوة, يصبح مباركاً: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [سورة الدخان الآية:29] أما المؤمن فتبكي عليه السماء والأرض. أيضاً: ورد في بعض الآثار: "أن يا داود, ألا طال شوق الأولياء إلي, وأنا إليهم لأشد شوقاً". المؤمن يحب الله عز وجل ومن آثار محبته لله خدمته للخلق : هناك أناس -سامحهم الله- يلغون معاني الحب بين العبد والرب, الله عز وجل قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سور المائدة الآية:54] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6034/09.jpg المؤمن يحب الله عز وجل, ومن آثار محبته لله خدمته للخلق. ((الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط عن عبد الله بن مسعود] الله عز وجل أثبت حب الله للمؤمنين, وحبهم له, وأعلى شعور أن تحب الله؛ لأنك إن أحببت ما سوى الله فالموت يفرق بين المحبين, أحبب من شئت فإنك مفارق, أما إذا أحببت الله عز وجل فهو باق على الدوام, أما أي شيء في الدنيا فزائل, فالذي أحب إنساناً لا بد من أن يفرق الموت بينهم. جاء في الخبر أن جبريل هبط على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "من هذا العبد الذي مات من أمتك, فاهتز له عرش الرحمن؟" عبد مات, فاهتز له عرش الرحمن!!. وفي رواية: "فرح الله لموته, فنظروا, فإذا هو سعد بن معاذ". إنسان, شخص, تجد الآن ملايين مملينة لا شأن لها عند الله, قال تعالى: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سور الأنعام الآية:124] ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [سورة الكهف الآية:105] وسيدنا معاذ حينما مات اهتز لموته عرش الرحمن. والإنسان طاعته, وخدمته, وبذل ماله, ورقته, وجهده, هذا يصل إلى مرتبة أن يكون حبيب الله, لكن كلمة حبيب الله هي لرسول الله, أما أنت كمؤمن فتحب الله, وأثر محبتك في طاعته. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 10 ( من حديث الاسراء والمعراج ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الرابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض : أيها الأخوة, لا زلنا في الحديث عن الحكمة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] وقد ورد: ((أعطيت داود وسليمان علماً, وأعطيت إبراهيم رشده, وأعطيت موسى وهارون الفرقان والضياء, وأعطيت عيسى بن مريم البينات, وأيدته بروح القدس, وفضلت أمة موسى على عالمي زمانهم, فما الذي أعطيتني وأعطيت أمتي؟ فقال الله عز وجل: أعطيتك -يا محمد- سبعاً من المثاني, والقرآن العظيم, وأعطيت أمتك الحكمة)) [ ورد في الأثر] ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] الحقيقة ورد: ((أن القرآن جمع في الفاتحة, وأن الفاتحة جمعت في (إياك نعبد وإياك نستعين)) [ورد في الأثر] وأن علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله. كيف أنك إذا ذهبت إلى بلد بعيد, أرسلتك حكومتك لتنال الدكتوراه, وتعود إلى بلدك, لتحتل منصباً رفيعاً جداً, وتكرم أعلى تكريم, فإن ذهبت إلى هذا البلد البعيد, لك فيه مهمة واحدة؛ أن تدرس, وأن تأتي بالشهادة, مع أن هناك في هذا البلد آلاف النشاطات, آلاف المغريات, آلاف الصوارم, آلاف العقبات, الذي خرج من بلده ليحقق الهدف الذي من أجله خرج يبتعد عن كل الصوارم, وعن كل العقبات, ويعود, ويحمل هذه الشهادة. فعلة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله. كل إنسان يعاني من نقص في حياته فهذا نقص في استعانته لا في قدراته : لكن الشيء الذي لا يصدق هو أن العبادة أمرك الله أن تستعين به عليها قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية:5] وما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك, فالعبء ليس عليك, عليك أن تسأله الإعانة. فالإنسان واقعه لا بقدر قدراته, ولكن بقدر استعانته, والخلل الذي يعاني منه لا لنقص قدراته, ولكن لنقص استعانته, ولو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل من مكانه, هذا الشيء مستحيل, جبل قاسيون لو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل صادقاً, لأزيح الجبل. أي لا يوجد شيء صعب, الله موجود, كل شيء بيده, وكل شيء خاضع لأمره, وأنت معه. فكل إنسان يعاني من نقص في حياته, نقول: هذا نقص في استعانتك لا نقص في قدراتك, وكل إنسان حقق شيئاً نقول له: هذا ليس من ذكائك ولا من قدراتك, ولكن من توفيق الله لك. فإذا كان كل الأمر بيد الله؛ والله على كل شيء قدير, وسميع, وبصير, ورحيم, وودود, فما الذي يعيقك على أن تستعين به؟ أن تكون من أعلى الناس إيماناً ومن أعظم الناس أعمالاً؟ مرة ذهبت إلى تركيا, فرجل عاش في عهد أتاتورك, وأتاتورك قتْلُ إنسان أهون عنده من قتل ذبابة, كان الرجل إذا وجِد معه مصحفاً يُقتل, أي كانت الأيام التي مرت بها تركيا عصيبة في عهد أتاتورك, شيء لا يصدق, أراد كمال أتاتورك أن يلغي الدين كله, ومع ذلك عاصره عالم من علماء تركيا؛ وله دعوة كبيرة جداً, وعاش عمراً مديداً, وترك آثاراً مهمة, ولا تزال آثاره حتى الآن, وهناك ملايين يسمعونه الآن, هذا درس لا يُنسى. لا يوجد إنسان يعيش في ظرف لا يحتمل, الظرف الذي عاشه هذا العالم يجب أن يموت مليون بالمئة, ومع ذلك سلّمه الله, ونشر دعوته, ودعوته الآن قوية جداً, ويتبعه ملايين مملينة. فلا يوجد غير الله, الأمر كله بيده, لكن الله أمرك أن تكون حكيماً, وأن تهتدي إلى الصواب دائماً، لذلك هذه الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية:5] العبادة طاعة ومحبة والاستعانة ثقة واعتماد : العبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد. يمكن أن تعتمد على إنسان, ولا تثق به, ولكنك مضطر, مثلاً هناك مشكلة كبيرة جداً, ولا يوجد غير محام واحد وكلته, فأنت مضطر أن تعتمد عليه, ولكنك لست واثقاً منه, وقد تثق بإنسان ثقة مطلقة, ولا تعتمد عليه؛ لأنك مستغن عنه, إلا أنك مع الله, إن استعنت به فأنت تثق به كل الثقة, وتعتمد عليه كل الاعتماد. فالعبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد, والناس حيال هذه الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية:5] الناس أربعة أقسام : الناس أربعة أقسام: قسم عبده, واستعان به, وهؤلاء صفوة الله من خلقه. وقسم لم يعبده, ولم يستعن به, وهؤلاء أشرار الخلق. وقسم لضعف توحيدهم, ولضعف إيمانهم, وهذا القسم يعنينا كثيراً؛ لأنه مع شديد الأسف ينطبق على معظم المسلمين. وقسم عبده, ولم يستعن به, لضعف توحيده؛ صلى, وصام, وغض بصره, لكن ضعُف أمام قوى البشر, فظن أن هذه القوى قوى حقيقية, وأنه لا يستطيع أن يواجهها, فعبدهم, لكن لم يغلب على يقينه أن الأمر بيد الله, فما استعان به. من الممكن أن تستفيد كل يوم من عشرات الدروس, مما يجري في الحياة في كل شيء؛ حتى في عالم التجارة, في عالم الصناعة, في عالم الزراعة, في عالم التعامل اليومي, مثلاً العصاة كيف يدمرهم الله؟ المؤمنون كيف ينصرهم الله؟ تحرك بعقل مفتوح, بنظر ثابت, بأذن مرهفة, اسمع، أحياناً كلمة تترك أثراً كبيراً، أصغ و اسمع, بهدف أن تعرف الحقيقة, فكل إنسان ينطق بالحكمة وهو لا يشعر، و قد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [سورة الشورى الآية:19] لطيف؛ أي نور قلبك بالهدى, وربى جسمك بالغذاء, وأخرجك من الدنيا مع الإيمان بغير بلوى, وحرسك وأنت في لظى, حتى تسمع وترى, يرزق من يشاء الحكمة والفطنة, وهو القوي، والعزيز؛ عنايته ورعايته لا يبذلها لكل أحد. على الإنسان أن يسعى دائماً لمعرفة الحقيقة : قال أحد العلماء: الحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [سورة لقمان الآية:12] لقمان ليس نبياً, لكن تأتي مرتبته بعد النبوة, فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. يمكن أن يتعلم الإنسان من كل شيء, أحياناً يتعلم من طائر. سمعت عن الغربان؟ الغراب طائر ممقوت, لا أحد يحبه, لكن في مجتمع الغربان ببعض بلاد الهند, يتغذون على جوز الهند, فالغراب يحمل جوزة, ويحلق إلى مسافات شاسعة جداً, ويدعها, فتنزل على الأرض, وتنكسر, ينزل يأكلها, لكن هناك عرفاً بين الغربان: الذي حمل الجوزة, وألقاها من مكان مرتفع, لا أحد يقترب منها إلا صاحبها, وبنو البشر هناك عدوان على أملاك بعض الناس, يكون للإنسان شيء قد تعب فيه, فيأتي إنسان و يخطفه, الغربان يترفعون عن هذا. أيضاً في عالم الحيوان هناك مواعظ كبيرة جداً, هناك حيوانات لا يمكن أن تواقع إناثها أمام الآخرين, من هؤلاء: الأسماك, الجمل, فإذا رآه أحد مع أنثى يحقد عليه. فهناك حيوانات تترفع عن هذا, وهناك أشخاص من بني البشر يمارسون كل أنواع الغزل أمام الناس أحياناً, وهذه الظاهرة في الشام أصبحت غير معقولة!! فلذلك: الإنسان يتعلم من حيوان أحياناً, يتعلم من قطة, أحياناً تلقي لها اللحمة, إذا ألقيتها أنت تأكلها أمامك, فإذا خطفتها, تأكلها بعيدة عنك, عندها شعور بالذنب أنها خطفت اللحمة. فيمكن أن تتعلم من هرة, أن يتعلم الإنسان من أي حيوان؛ يتعلم الإنسان, يتعلم الطفل, يتعلم الكافر. العبرة: أن يكون همك أن تعرف الحقيقة, أما تأخذ الحكمة بشكل مكثف, بشكل مركز, بشكل مطلق من الصحة، فمن الكتاب والسنة، يمكن أن تأخذها من أي تجربة. فالحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة. وقالوا: الحكمة إحكام الأمور. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 11 ( العدالة الالوهية ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الخامس العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من سمع قصة من آخر فصل فليس مؤهلاً لأن يحكم عليها : أيها الأخوة: أية قصة لها فصول؛ تبدأ بفصل أول, وتنتهي بفصل أخير, إن سمعت القصة من الفصل الأخير, لست مؤهلاً أن تحكم عليها, والذي يحدث أن كلاً منا سمع ألف قصة, من فصلها الأخير فقط, ولا يعلم فصلها الأول, وفي حياة كل واحد منا عدة قصص, يعرفها من أول فصل, حتى آخر فصل، فهذه القصة التي يعرفها من أول فصل حتى آخر فصل يرى فيها عدالة ما بعدها عدالة. هناك قصة نموذجية, توضح هذه الفكرة, لعلي ذكرتها لكم، لكنه مناسبة جداً هنا: رجل استوقفني في الحريقة, وقال لي: أنت تخطب في مسجد؟ قلت له: نعم, قال لي: تعال, اسمع هذه القصة: رجل -هكذا قال لي- صالح, عنده محل في مدحت باشا, نزل في أحد الأيام ليفتح هذا المحل, ويكسب رزق أولاده, وهذا عمل مشروع, قلت له: عبادة أن تكسب رزق أولادك, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ورد عنه: ((طلب الحلال فريضة بعد الفريضة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود] رجلان تشاجرا في مدحت باشا, أحدهما معه مسدس, فأطلق منه طلقة طائشة, أو طلقات, فصاحب هذا المحل, سمع إطلاق رصاص, مد رأسه ليرى ما الأمر، فإذا برصاصة تأتي في عموده الفقري, تصيبه بالشلل فوراً, فهذا الذي استوقفني, يريد أن يعترض على الله, قال لي: ما ذنبه؟ لم يرتكب ذنباً, إنما جاء ليكسب رزق أولاده, قلت: والله علمي كعلمك, لا أعلم؛ أنا أثق بعدل الله, أثق برحمة الله, وأثق بحكمة الله, أما لا يعلم تفاصيل ما جرى إلا الله, وانتهى الأمر, وانطوى. بعد عشرين أو ثلاثين يوماً, لي أخ كريم من أخواننا في المسجد, له باع طويل في الدعوة - القصة قديمة جداً - أعتقد من عشرين سنة أو أكثر, هو كان شاباً صغيراً, مرة كان معي, من حديث لحديث, قال لي: والله لنا جار أكل أموال أولاد أخيه, مبلغ ضخم يساوي ثمن بيت, ولم يتركوا وسيلة, إلى أن توصل الأمر إلى أن شكوه إلى الشيخ حسين خطاب -رحمه الله تعالى-, الشيخ حسين دعاه, وسمع منه, فكان وقحاً جداً, قال له: لن أعطيهم شيئاً, وهذا الحاضر, التفت الشيخ -رحمه الله- قال لهم: يا بني! هذا عمكم, والعم كالأب, لا تشكوه إلى القضاء, اشكوه إلى الله, القصة الساعة الثامنة مساء, الساعة التاسعة صباحاً, كان هو نفسه الذي مدّ رأسه, وجاءت هذه الرصاصة, فجعلته مشلولاً, أما حينما سمعت التفاصيل, والله اقشعر بدني!!. أخ ثان قال لي: لي عمة محامية, استطاعت أن تطردنا من بيت دفع والدي نصف ثمنه بالتمام والكمال, لكن لأن البيت باسم الأخت, لم يخطر في بال الأخ أن يأخذ وثيقة, كان ثمنه خمسمئة ألف, أصبح ثمنه ثمانية عشر مليوناً, قالت له: أعطيك مليوناً وتخرج؟ قال لها: يا أختي إلى أين أذهب؟ عنده أربعة عشر ولداً, أحد أولاده من أخواننا, اسمه (أيمن), فالأخ يحكي لي القصة بالتفاصيل, في النهاية أخرجته بطريقة ذكية جداً بعقد وهمي مع شخص متنفذ, فأخرج من البيت, قال لي: نصف أخواتي عند بيت جدي, والنصف الآخر عند بيت جدتي, والأغراض في المستودع, وتشردنا, أنا بحسب ما أعرف عن الله عز وجل, قلت له: والله يا بني! هناك عقاب أليم, لكن متى؟ لا أعلم, غاب ثلاثين يوماً, قال لي: عمتي معها سرطان في الأمعاء, إنها تعوي كالكلاب, قلت في نفسي: المرض قد يطول لمدة سنتين, قال لي: والله يا أستاذ بعد شهر ماتت, ممكن أن تأتي لتلقي كلمة في التعزية؟ ذهبت للبيت نفسه, وألقيت كلمة, وريثها الوحيد (أخوها), عاد إلى البيت بعد شهرين, هو وأولاده. عدالة الله مطلقة في كل شيء : هناك قصة تعرفها من أول فصل لآخر فصل, ترى فيها عدلاً مطلقاً, وقد سمعت مليون قصة, لكن آخر فصل؛ هذا دهس, هذا دمر أمواله, وهذا انتحر, وهذا أملاكه صودرت, فأصيب بالشلل...هذا حادث, ممكن أن تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك وأنصح نفسي ألا تحكم على قصة لا تعرف كل فصولها. مرة كنت في زيارة ابن عمي في العيد, -توفي رحمه الله- قال لي: والله لنا جار, تزوج لكن متأخراً, له زوجة أولى, لعلها ماتت, أو طلقها, لا أذكر, قال لي: تزوج امرأة ثانية, يحبها حباً جماً, ما زالت تحمله على أن يكتب المعمل باسمها -معمل غسالات- حتى فعل, تقول له: ليس لي أحد غيرك, وأنا أخاف من أولادك غداً، وما زالت تحمله حتى كتب البيت الذي تسكنه باسمها, ثم فوجئ أنها طردته من البيت, تحب شاباً غيره, فلما تمكنت من المعمل والبيت طردته. فلما ابن عمي ذكر القصة, قلت له: القصة هذه لها فصول أولى, لعلك لا تعلمها, الله عادل, قال لي فجأة والله أذكر أن هذا كان أكبر أخوته, استولى على ثروة والده كلها, وحرم أخوته منها, فجاءت امرأة ضحكت عليه, وخلصته كل ثروته. أخواننا الكرام, تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك ألا تحكم عليها حتى تسمع كل الفصول, وكل واحد منا بحسب معارفه قد سمع خمس أو ست قصص لكن من أول فصل لآخر فصل, يرى فيها عدالة الله المطلقة. الإنسان لا يستطيع أن يثبت عدالة الله بعقله إلا أن يكون لك علم كعلم الله : الآن أطمئنك, المليون قصة التي تعلم آخر فصل فيها هي كالخمس قصص التي تعلم كل فصولها, لكن لا تعلم نصها, لن تستطيع أن تثبت عدالة الله بعقلك, إلا أن يكون لك علم, كعلم الله. هناك قصة رمزية: شوحة سألت سيدنا سليمان: ((اسأل ربك: هل هو مهول أم عجول؟ فإذا كان مهولاً, حتى نتصرف و نأخذ حريتنا, فسأل ربه قال له: قل لها: إنني مهول, ولست عجولاً, ارتاحت, خطفت لحمة ومعلق في اللحمة شعلة من النار, فلما وضعت هذا اللحم في عشها, أحرق العش, رجعت إليه, قالت: ألم تقل أن ربك مهول, ها هو ذا عجول!؟ فلما سأل ربه -القصة طبعاً رمزية- قال له: قل لها: هذا حساب قديم)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6036/01.jpg مرة إنسان أيضاً خرج من محله التجاري, وهو حانق جداً, واستوقفني، قال: أنا ضابط أموري بشكل مذهل في المحل؛ كل بضاعتي نظامية, وفواتير, وأسعار, لا يوجد عندي ولا مخالفة, البارحة جاء موظف, استطاع أن يصل إلى أن هناك ثوباً واحداً, هو يبيع أقمشة قمصان، التسعيرة قد سقطت على الأرض, قال لي: كتب لي مخالفة, وتحتاج إلى شهرين في عدرا، ماذا فعلنا يا أخي؟ أين عدل الله؟ أين الله؟ وصل هو لله، قلت له: أنا قناعتي أن الله لا يتعامل بحساب السندات, يتعامل بحساب جار, قال لي: كيف؟ لم أفهم, قلت له: الحساب الجاري تكون أنت جالس في البيت في سهرة مختلطة مثلاً, خالفت فيها الشرع, أتيت إلى المحل, وفعلاً محلك كله نظامي, الله يحاسبك على السهرة البارحة. عنده حساب جار؛ أين سافرت؟ أين ذهبت؟ أين أتيت؟ كل المخالفات مجموعة في صفحة واحدة, قد تكون في محل, لا يوجد عندك ولا مخالفة؛ لكن هذا الحساب ليس على المحل, على السهرة البارحة. هذه قاعدة ثانية: الله عز وجل يحاسب عباده حساباً مجملاً, يكون فعلاً هناك جهة بريء مئة في المئة. سائق سيارة أجرة, ضرب والدته, وذهب ليعمل, استوقفه شخص و عندما توقف قتله, قال له: ما ذنبي؟ أنا وقفت لك!! هو ضارب والدته, فسلط الله عليه شخصاً ضربه ضرباً مبرحاً، الظالم سوط الله ينتقم به, ثم ينتقم منه. الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6036/02.jpg الحياة طافحة بالقصص, الله عز وجل: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [سورة النساء الآية:147] فالكلام الطبيعي والثابت أن الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة, ودائماً الإنسان يتهم نفسه, وكلما بالغت في اتهام نفسك كلما ارتقيت عند الله عز وجل؛ الله عز وجل عدل في خلقه, وعدل في أمره, وعدل في أفعاله, والله عز وجل أكبر, وأجل, وأعظم من أن يظلمك؛ الذي يظلم هو الضعيف, الخائف يظلم, الجبان ضربته قاسية جداً, الضعيف ضربته قاسية, أما الله عز وجل فقوي. الآن: الدول العظمى تقول: غداً سأقصف هذه المدينة, هي تقول الصدق لأنها قوية, أما إذا ضربت و هربت فهي دولة ضعيفة, فالذي يحتال هو الضعيف, الذي يظلم هو الضعيف, الذي يخاف هو الضعيف, الله عز وجل قوي, لماذا يظلمك؟ الآن: أنت إذا رأيت بطل سوريا في الملاكمة, جاء طفل عمره سنة ونصف, ضربه كف, أزال رأسه, هل يكون بطلاً؟ لا، يكون بطلاً على شخص من مستواه, من نفس وزنه. الله عز وجل إله ليس له ند : الله عز وجل إله ليس له ند, ليس ظالماً إلا في حكمة: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [سورة الكهف الآية:59] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [سورة هود الآية:117] ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [سورة العنكبوت الآية:40] ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبا الآية:17] معقول!! الآيات التالية تدل على عدالة الله عز وجل المطلقة : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ [ سورة الزلزلة الآيات :7-8 ] ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية:77] و: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر الآية:17] لا قطميراً، ولا نقيراً، ولا فتيلاً, و: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر الآية:17] و: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [سورة التوبة الآية:70] هذه الآيات, وهذه الأحداث الواقعة. فيا أيها الأخوة الكرام, يجب أن تؤمنوا بعدالة الله, فإذا آمنتم بعدالته تستقيموا, أما إذا عملت عملاً خاطئاً ونفدت فمعنى ذلك أن الله ليس عادلاً؛ الله عدله مطلق, لكنه يُمهل ولا يهمل. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 12 ( اولى علاماتها , الصمت ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( السادس العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الصمت والكلام على قدر الحاجة أول علامة من علامات الحكمة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/01.jpg أيها الأخوة الكرام لا زلنا في الحكمة, فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] أول علامة من علامات الحكمة الصمت, والكلام على قدر الحاجة. فمن علامات الحكيم أنه يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا بالكلمة الضرورية التي تغطي الحاجة، لذلك المؤمن يعد كلامه من عمله. فرب كلمة لا يلقي الإنسان لها بالاً, يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, ورب كلمة طيبة تطير في الآفاق, يهتدي بها أناس كثيرون: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم الآية:24] ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية:25] والأنبياء على عظمتهم جاؤوا بالكلمة فقط. الكلمة الصادقة الطيبة قلبت المجتمعات من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/02.jpg الآن المؤسسات العلمية أتت باختراعات, وبأجهزة, والمؤسسات العسكرية جاءت بأسلحة فتاكة, هناك إنجازات مادية مذهلة, أما قوم البشر, صفوة الله من خلقه, بماذا جاؤوا؟ بالكلمة الصادقة, بالكلمة المخلصة, بالكلمة الطيبة, بالكلمة التي تنطبق على الحقيقة, هذه الكلمة قلبت المجتمعات, نشرت الفضيلة في الآفاق, نقلت الناس من الظلمات إلى النور, من الشقاء إلى السعادة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/03.jpg الآن: الكلمة كفر الناس بها؛ لأنها لا تعبر عن حقيقة, لا تعبر عن واقع, فشا الكذب, والنفاق, فالكلمة ساقطة, لا قيمة لها, ولا بد من أن يعود لها رونقها, وبهاؤها, وألقها عن طريق المصداقية. فالأنبياء جاؤوا بالكلمة؛ بكلمة صادقة, طيبة, مخلصة, والمؤمن حينما يستقيم, وحينما يأتي عمله مؤكداً لكلمته, يملك ما يسمى بالمصداقية, عندئذ لكلمته فعل كفعل السحر. قد يأتي أعداء الدين بإنجازات حضارية كبيرة, والإنسان لا يزال شقياً في مجتمعاته, وقد يؤتى بكلمة طيبة طاهرة, والقرآن الكريم كلام رب العالمين, والنبي -عليه الصلاة والسلام- كلمته حكمة. فعلامة الحكيم أنه يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا كلاماً فصلاً, لا هذراً, ولا نذراً, لا يوجد في كلامه حشو, كلامه موجز إيجاز غني. والإنسان حينما تلتقي به؛ تنظر إلى طوله, وإلى لونه, وإلى لون عينيه, وإلى ثيابه, وإلى أناقته, وإلى, وإلى..... فإذا تكلم نسيت هيئته, ونسيت ثيابه, الآن إذا عاملك نسيت كلامه. فالكلمة الطيبة إذا جاء الواقع يؤيدها, أصبح لها فعل كفعل السحر, والأنبياء جاؤوا بالكلمة الطيبة, والحكيم يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا عند الضرورة , وبالقدر المناسب, ومن كثر كلامه كثر خطؤه, ومن عدّ كلامه من عمله فقد نجا, والكلام عمل. ما من شيء الواحد منه خير من ألف مثله إلا الإنسان : هناك نقطة دقيقة جداً: الأشياء في الأرض؛ حيوانات, أو جمادات, أو نباتات, لا يوجد شيء في الأرض, واحد من هذا الشيء يساوي مليون واحد من نفس الشيء, لا يوجد غير الإنسان, أي إنسان واحد يساوي مليار إنسان من نوع ثان؛ الأنبياء قلة, الأنبياء بشر, ولهم شكل كشكل البشر, لكن ينطوون على معرفة بالله, وعلى حكمة, تجعل واحداً من الأنبياء يساوي مئة مليون, لكن ما سوى الإنسان, لا يوجد شيء يساوي مليون شيء إلا الإنسان, أي واحد كألف, وألف كأف. الآن هناك ملايين مملينة في العالم, لا يقيم الله لهم وزناً, هينون على الله, لكن مؤمن واحد آتاه الله الحكمة, يساوي من جنسه مليون. وقد يُعزى هذا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, فيما رواه الطبراني عن ابن عمر قال -عليه الصلاة والسلام-: ((لا نعلم شيئاً خيراً من ألف مثله)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط الصغير والإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/04.jpg إلا الرجل المسلم, أي قد يكون الرجل المسلم في عصر الفتن والانحرافات شخصاً عادياً من هؤلاء الأشخاص, لكن هو إنسان عادي بمقياس المادة؛ دخله محدود, بيته محدود, عنده زوجة, وأولاد, أما معرفته بالله عز وجل, ومقامه عند الله, ومقعده الذي احتله عند الله عز وجل, فيفوق ملوك الأرض مجتمعين، وما من شيء الواحد منه خير من ألف مثله إلا الإنسان. وقالوا: "قلب حكيم خير من قلب ألف عليم". العليم: كتاب متنقل. لما قيل للإمام الغزالي: "إن فلاناً حفظ كتاب الأم -وكتاب الأم من أوسع كتب الفقه للشافعي- فما زاد عن أن قال: زادت نسخة". كان في السوق مئة نسخة, صار هناك مئة وواحد. فالإنسان إذا حفظ العلم ولم يعمل به, إذا حفظ العلم ولم يؤت الحكمة, زادت نسخة. لذلك قال: "قلب حكيم خير من قلب ألف عليم, وقلب مؤمن خير من قلب ألف مسلم, وقلب موقن خير من ألف قلب مؤمن". موقن يتعامل مع الحقائق التي يراها لا التي يعلمها بل التي يراها. والإمام النووي -رحمه الله تعالى- يقول: "لست أُعظم أحداً, كتعظيم رجل تكون معه كلمة من الحكمة". والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] أعظم عطاء يناله الإنسان من الله أن يكون حكيماً : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/05.jpg نحن في هذا البلد الطيب دروس العلم كثيرة, والدعاة إلى الله كثر, والحق مألوف, لكن لو ذهبت إلى بلاد الكفر, بلاد البعد عن الله عز وجل, الكلمة الطيبة ثمينة جداً, بل لا تقدر بثمن, هي مفتاح السعادة. شخص يمشي في طريق خاطىء, تجده يسمع كلمة غيّر اتجاهه, عندما غيّر اتجاهه تلقى الأنوار من الله عز وجل, تلقى الأمن, والطمأنينة, والسعادة, والتوازن, يقول لك: حياتي انتقلت قفزات نوعية كبيرة جداً. فالإنسان يجب أن يعلم، أعظم عطاء تناله من الله أن تكون حكيماً, أن تعرف الحقيقة الكبرى في الكون وهي الله عز وجل, أن تعرف الطريق الموصل إليه. هناك شخص مرة قال لي- وهو أحد أخواننا الكرام توفي رحمه الله, عنده معمل كاتو- زارني شخص أرمني, دخل إلى المعمل, قال له: علمني صنعة الكاتو, قال لي: بكل نفس طيبة على عيني, عمل أمامه الطبخة, بعدما انتهت, ونجحت الطبخة, طلب منه أن يعمل طبخة أمامه, وتدرب, وسافر, قال لي: مضى على الحادثة خمس وعشرون سنة, كل سنة يأتي لي بهدية, يقول لي: أنا توفقت كثيراً, والخير الذي وصلت إليه عن طريقك. فهناك إنسان أرباحه كلها بسبب توجيه إنسان دله على أصول التجارة، فكيف إذا إنسان دلك على الله عز وجل؟ شقاء الإنسان من سلوكه المنحرف وعمله الطيب بسبب الحكمة التي آتاه الله إياها : لذلك: لك آباء ثلاثة؛ لك أب أنجبك, وأب زوجك, وأب دلك على الله؛ طبعاً الأب الذي أنجبك ينتهي فضله عند الموت, والأب الذي زوجك ينتهي فضله بفراق الزوجة, -بفراقها, أو بفراقك عنها-, أما الأب الذي دلك على الله ففضله يستمر إلى أبد الآبدين. فلذلك: على الإنسان ألا يستهين بالحكمة؛ لأن شقاء الإنسان من سلوكه المنحرف, وانحرافه من ضعف علمه, وسعادته من عمله الطيب, وعمله الطيب بسبب الحكمة التي آتاه الله إياها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/06.jpg الآن: أكثر الناس يشقون حتى في أعمالهم المهنية بسبب جهلهم بالله عز وجل, لا يعرف الله, يعتدي على حقوق الآخرين, فيعاقبه الله عقاباً أليماً. قوانين ربنا لا تتعطل إن لم تؤمن بها هي نافذة؛ آمنت بها, أو لم تؤمن, عظّمتها, أو لم تعظّمها, أيقنت بها, أو لم توقن, اهتممت بها, أو لم تهتم, هي قائمة, نافذة, فلما الإنسان يغفل عنها, ويتحرك حركة فيها عدوان, ربنا عز وجل يهلكه, وهلاك ربنا عز وجل مخيف: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج الآية:12] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/07.jpg ممكن أن أقول لك كلمة فيها تعنيف شديد: في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة؛ ما من مشكلة ظهرت في الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله, وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل, هذا الجهل أعدى أعداء الإنسان, يقابله الحكمة أن تعرف الحقيقة, وأن تعمل بها. الفلاسفة قالوا: "هناك إنسان فيلسوف لكن ليس حكيماً, أما حينما يطبق فلسفته في سلوكه فصار حكيماً". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6037/08.jpg الحكيم هو عالم انتفع بعلمه, عالم نفذ علمه, عالم ترجم علمه إلى سلوك, هذا الحكيم. فقال بعضهم: "نور القلب من الحكمة, وظلماته من اللقمة, وعمارته من كثرة الفكرة, وخرابه من طول الغفلة والقسوة". المؤمن ينور, تصور إنساناً يمشي في غابة في الليل؛ يوجد في الغابة وحوش, يوجد في الغابة حشرات, و أفاع, و عقارب, فيها حفر, فيها صخور, فيها أشجار, إنسان معه مصباح شديد, الأمور واضحة جداً أمامه, طبعاً الحفرة ابتعد عنها, والحشرة قتلها, والفاكهة أكلها, إنسان يمشي في هذه الغابة بلا مصباح، سيقع في متاعب كثيرة. الجهل سبب شقاء الإنسان : الآن: أحياناً الإنسان -هناك نقطة دقيقة جداً- يركب سيارة موديل (38), موديل (40), يعمل حادثاً يموت, نقول: مات؛ لأن السيارة فيها أخطاء كبيرة جداً, مهترئة, غير متوازنة, ويمكن أن يركب الإنسان مركبة أحدث ماركة موديل (99), ثمنها خمسة وعشرون مليوناً, يمشي في طريق في الليل؛ كله منعطفات, وانطفأ الضوء فجأة, وعن اليمين واد, وعن اليسار واد, يعمل حادثاً فيموت, بأحدث نوع من السيارات لأنه انطفأ مصباحه فجأة. هذا الكلام تؤكده الآية الكريمة: أهل النار وهم في النار يتصايحون, يعبرون عن سبب شقائهم؛ لأنهم كانوا لا يسمعون أو يعقلون، آية دقيقة جداً: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة الملك الآية:10] سبب شقائنا ما سمعنا الحق, ولا عقلناه, ليس سبباً ببنية الإنسان, بنيته راقية جداً, السبب الجهل, الجهل سبب شقائه. الإنسان بالإيمان يحبه الناس جميعاً و العكس صحيح : فيا أيها الأخوة يمكن أن نقول: إن الجهل أعدى أعداء الإنسان, والحكمة هي العلم الذي يطبق, و لا يوجد شيء يساوي مليون من جنسه إلا الإنسان. مثل بسيط: إنسان من ثلاثة أيام لم يأكل, وجائع, وضعوه أمام لحم مشوي طازج, متقن, مع مقبلات, يقبل على هذا اللحم بنهم شديد, أما لو كان هناك قطعة لحم متفسخة, يكاد يخرج من جلده, تقززاً منها؛ هذا لحم, وهذا لحم, هذه تقبل عليها وتتمناها, وهذه تنفر منها, وتبتعد عنها. وهكذا الإنسان بالإيمان يحبه الناس جميعاً, عندما يكفر يصبح شخصاً شرساً, وقحاً, أنانياً, أصولياً, متكبراً, متعجرفاً, يعتدي على حقوق الآخرين, هذا شأن الإنسان؛ ولا تعلم قيمة المؤمن إلا إذا عاملت غير المؤمن, لا تعرف تواضع المؤمن, ولطف المؤمن, ورحمة المؤمن, وعدل المؤمن إلا إذا عاملت إنساناً بعيداً عن الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 13 ( من ثمارها , حسن اختيار ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( السابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من ثمرات الحكمة حسن الاختيار : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/01.jpg أيها الأخوة الكرام: من ثمرات الحكمة التي يؤتاها الإنسان حينما يستحقها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] حسن اختياره. فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل: أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً؛ أجوع يوماً فأذكره, وأشبع يوماً فأشكره. كل الحكمة تظهر في حسن اختيار؛ الإنسان قد يختار عملاً خشناً, لكنه يرضي الله, وقد يختار الجاهل عملاً ناعماً, لكنه يسخط الله عز وجل, قد يختار الإنسان زوجة صالحة تزيده قرباً من الله, وقد يختار زوجة تجعل حياته جحيماً. فالحكمة تظهر في حسن الاختيار, فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار أن يكون نبياً عبداً. وقالوا: اختار أن يكون نبياً عبداً؛ يجوع يوماً فيذكره, ويشبع يوماً فيشكره. هناك أشياء لو أن الإنسان غني غنى فاحشاً, و استقام على أمر الله لنجا, ولكان غناه قوة للمسلمين, ولو أن إنساناً قوياً قوة كبيرة, واستقام على أمر الله لنجا؛ ولكن مظنة الزلل في الغنى والقوة أكبر من مظنة الزلل في الفقر والضعف, فالنبي اختار الأسلم. بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/02.jpg لو أن الله جعل إنساناً من أقوى الأقوياء, يمكن في ساعة غفلة ينتقم من خصومه انتقاماً شديداً, يمكن ألا يكون عادلاً, لو جعل إنساناً من أغنى الأغنياء, يمكن في ساعة غفلة ينفق ماله على شهوة من شهواته, لا ترضي الله عز وجل، فدقق في الأسلم. أحياناً الإنسان يزوج ابنته لإنسان مؤمن, فيضمن لها سبيلها الأخروي, وقد يزوجها لإنسان من أهل الدنيا, فتزل قدمها, وتزل قدمه. يروون أن سعيد بن المسيب لزم القضاء, وكان قاضياً من كبار القضاة, عنده فتاة, خطبها الوليد بن عبد الملك فاعتذر, عنده تلميذ من فقراء التلاميذ, غاب أسبوعين, أو ثلاثة, فتفقده, فإذا بزوجته قد ماتت, قال له: يا بني! هل لك من زوجة؟ قال: أتمنى, قال له: ماذا عندك؟ قال له: عندي درهم, فزوجه إياها على هذا الدرهم. ففي الظاهر اختار إنساناً فقيراً على ملك, لكنه نظر إلى مستقبل حياتها, فوجد أنها إن كانت زوجة لهذا الإنسان المؤمن الفقير يسلم دينها, وتدخل الجنة, أما إذا اختار لها زوجاً قوياً, وغنياً, فلعله يحملها على معصية, لعلها تغتر بالدنيا. فكل بطولة الإنسان في اختيار زوجته, في اختيار عمله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/03.jpg أنا لا أنسى مرة: شخص يبدو أن عمله غير مشروع, قال لي: أنا عملي قذر؛ - قد يكون غير مشروع من حيث كسب المال, قد يكون هناك دخل ربوي كبير في حياته, قد تكون بضاعته محرمة- فالنتيجة عنده مكتب من أفخر ما رأيت في حياتي, قال لي: أنا عملي قذر؛ فهناك أعمال لا ترضي الله, أساسها إيقاع الأذى في الناس, وأذكر في اليوم الثاني أنني اضطررت أن أصلح مركبتي عند إنسان, كان الجو ماطراً فهذا الإنسان يلبس معطفاً لونه كان أزرقاً من الشحم والوحل, لم يعد له لون إطلاقاً؛ والدنيا مطر, وانبطح تحت السيارة, فك الدواليب, وأصلحهم, وأخذ أجرة معتدلة. فأنا وازنت بين كلمة الأول: أنا عملي قذر, وبين المهنة التي كلها وحل وشحم وزيت ومشقة وآلات قلت: هذا عمل نظيف. بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق. أحياناً تجد شخصاً في محل تجاري, في سوق من الأسواق, سوق كله ألبسة جاهزة, الزبائن نساء حسناوات, بحسب الظاهر المحل فخم, هدوء, تكييف, عطر, كل الزبائن نساء, كاسيات عاريات, تجد محلاً في زقاق الجن, محل تصليح سيارات, ومزعج, وشحوم؛ لكن هذا المحل الأول طريق إلى المعصية, أما المحل الثاني فطريق إلى الله عز وجل. على الإنسان أن يختار الشيء الذي يرضي الله عز وجل : إذاً: أنا استطيع أن أصل إلى اختيار صحيح؛ في زوجتي, وفي حرفتي, وفي مهنتي, وفي عملي، فالحكمة تقتضي أن أحسن الاختيار، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر ] و قد قيل: إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته. مثلاً: الإنسان يكون في بلد غني, ومريح, لكن يغيب عنه أن أولاده قد ينشؤون منحرفين, قد ينشؤون على غير الإسلام, قد ينشؤون على غير الولاء لهذا الدين العظيم, فيغريه فيلا فخمة, ومسبح, وحياة مريحة, وحريات كبيرة جداً, ودخل كبير, ومركبات رخيصة, ويغيب عنه أن أولاده الذين هم أثمن شيء في حياته خسرهم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/04.jpg فيأتي على الإنسان الذي اختار الدنيا ساعة يتألم أشد الألم, فالحكمة تظهر بحسن الاختيار, قد يلغي سفراً. زارني طبيب من شهر تقريباً قال لي :أنا مقيم في أمريكا, وأنا في بحبوحة كبيرة جداً, لكن عندي شعوراً بالذنب مستمراً؛ أنني أداوي أعداء المسلمين, خبرتي وطاقتي لأعداء المسلمين, قال لي: أخذت قراراً حاسماً, وعدت إلى بلدي, فتحت عيادة، دعاني إليها, فزرتها, قال لي: هنا أخدم المسلمين و أنا مطمئن, والله قرار حاسم, طبعاً لن يجد الأمور ميسرة كما هي هناك، لكن اختار ما يقربه من الله عز وجل. هناك أخوان كثر, كانوا في بلاد أجنبية, وعادوا إلى بلدهم, وارتادوا مجالس العلم, وزوجاتهم محجبات, وأولادهم معهم في المساجد, يقول لي: ما اتخذت قراراً في حياتي أحكم من هذا القرار, وهناك إنسان تجده يقيم مع المشركين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله)) [ورد في الأثر] قد يفرض عليك عمل, دخله كبير جداً؛ لكن فيه شبهات, أو فيه ظلمات, ومبني على إيذاء الناس, وقد يكون عملك متواضعاً جداً, دخله قليل, لكنه مبني على خدمة الناس, فحكمتك تبدو في حسن الاختيار, وكل إنسان قد يختار الشيء الخشن لأنه قد يرضي الله. الحكمة من أن الحلال صعب والحرام سهل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/05.jpg لحكمة أرادها الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذه الحكمة. لو أن الحلال سهل, والحرام صعب لأقبل الناس على الحلال؛ لا حباً بالله, ولا طاعة له, ولا تقرباً إليه, لكن لأنه سهل, فالتغت العبادة كلها. فتجد الإنسان يعمل عملاً مشروعاً, يتعب كثيراً, والجني معقول, وأقل من معقول, وقد لا يغطي نفقاته, و إنسان يسلك طريق الحرام، و يكسب أموالاً كثيرة. قال له إنسان: أنا موظف بالبريد, لا يوجد عندي شيء, فتحت بيت دعارة؛ أصبح عندي سيارة, من أفخر ماركة, وسكنت في أرقى حي, ودخلي جيد, عملت خمس بيوت. الآن: الملاهي دخلها كبير جداً, الذين أنشؤوها أرباحهم بالملايين, مبنية على شخص سكران, تعمل له فاتورة بعشرة أضعاف, لا يتكلم ولا كلمة؛ لأنه سكران, تأتي بتجارة مشروعة, يعمل ليلاً نهاراً, يقول لك: أتيت بالرأسين ولم آت بهم. فلحكمة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذا امتحان صعب. ((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) [ورد في الأثر] الحكمة تبدو في حسن الاختيار والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله : كل العقل, وكل الحكمة تبدو في حسن الاختيار, والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله, ولو كان خشناً, ويبتعد عما تزل به قدمه, ولو كان ناعماً. هذا الذي يقوله الحكماء: حسن الاختيار, وأنت أمام آلاف الخيارات كل يوم. أقرب مثل واضح: قد يأتي إنسان غني جداً, وقد يأتي إنسان مختف, المختفي دين, والغني غير دين. مرة قال لي شخص يمشي في الحريقة: أريد أن أستشيرك استشارة, قال لي: خطب ابنتي شخص, لا يوجد عنده مشكلة أبداً؛ هناك معمل باسمه, وسيارة باسمه، لكن دينه رقيق, ماذا أفعل يا أستاذ؟ قلت له: الله عز وجل قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [سورة البقرة الآية:221] والله ليس ديناً كثيراً, يبدو هناك ضغط عليه داخلي, فزوجها, بعد سبعة عشر يوماً طلقها. الله عز وجل يمتحن الإنسان دائماً في الدنيا : البطولة أن تحسن الاختيار, ودائماً الاختيار صعب, والله عز وجل يمتحننا, نحن مبتلون في الدنيا: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [سورة المؤمنون الآية:30] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة الملك الآية:2] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/06.jpg حتى يمتحننا, دائماً الخيار صعب. مثلاً: لو خيرتك بين دراجة وسيارة, لن تجد صعوبة في الاختيار, تختار السيارة, أنا أريد أن قدم لك هدية, تحب سيارة أم دراجة؟ لا تتردد ثانية في قبول السيارة, لكن أحياناً يكون الخيار صعباً, شيء تركبه في وقت محدد, وشيء تتملكه, أختار التملك؛ لكن التملك أقل من الشيء المحدود. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة الأعلى الآية:14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [سورة الأعلى الآية:15] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعلى الآية:16] ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى الآية:17] سحرة فرعون وقفوا منه موقفاً لا يصدق : الآن: سحرة فرعون وقفوا موقفاً لا يصدق, كلمة فرعون الآن ليس لها قيمة بعدما مات ومضى على موته ستة آلاف سنة, أما عندما كان فرعون حياً وأنت أحد رعاياه, فكلمة (ف) ترتعد الفرائص منها, قال لهم: ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [سورة طه الآية: 71-72] يدك وما تعطي. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة طه الآية:72] ﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية:73] موقف يهد الجبال, طبعاً الناس يخافون, لم يخافوا. الإنسان يشقيه اختياره ويسعده اختياره : الحسن البصري أدى رسالة العلماء, كان في عهد الحجاج, أدى الرسالة, وبيَّن و لم يصمت, فلما بيّن, وبلغ الحجاج ما قال فيه، قال: يا جبناء, والله لأروينكم من دمه, فأمر بقتله -قضية سهلة جداً- فجاء بالسياف, والسياف مد النطع استعداداً لقطع رأس الحسن البصري, فلما جيء به لقطع رأسه, ورأى السياف, ورأى كل شيء جاهزاً, علم أنه منته, فدعا الله عز وجل, بدعاء لم يفهمه أحد, فإذا بالحجاج يقف له, ويستقبله, ويقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء؛ ويسأله, ويستشيره, ويضيفه, ويعطره, ويشيعه إلى باب القصر, من الذي صعق؟ السياف, والحاجب, تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم. فالإنسان يشقيه اختياره, ويسعده اختياره. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/07.jpg تصور إنساناً جالساً في خيمته, في معسكر المشركين, رجل من زعماء غطفان, من أكابر غطفان, جاء مع قومه, ليقاتل النبي في معركة الخندق, جالس في الخيمة مساء, يبدو أنه لم يستطع أن ينام, عانى من الأرق ما عانى, فخاطب نفسه, -هذا الحوار الذاتي أحياناً هو سبب سعادتك-, قال: يا نعيم, أنت رجل عاقل, ما الذي جاء بك إلى هنا؟ جئت لتقاتل هذا الرجل؟ ماذا فعل هذا الرجل حتى تأتي لتقاتله؟ إنه لم يسفك دماً حراماً, ولم يغتصب مالاً, ولم ينتهك عرضاً, وحوله رجال صالحون, أيليق بك أن تأتي من بلاد بعيدة لتقاتل هذا الرجل وأنت العاقل؟ -حوار ذاتي, رأى نفسه خاطئاً-, وقف من توه, توجه إلى معسكر المسلمين, ودخل على النبي -عليه الصلاة والسلام-, فالنبي يعرفه, قال له: نعيم!! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ قال له: جئت لأسلم, جئت لأشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, -قلت لأخواننا في خطبة مرة: هذه لحظة صفاء, لحظة حوار ذاتي, لحظة صدق-, قال له: مرني ماذا أفعل، قال له: أنت واحد، خذل عنا ما استطعت، والمسلمون كانوا على وشك أن ينتهي الإسلام, هذه كانت حرب استئصال, حرب إبادة, المشركون عددهم عشرة آلاف, جاؤوا ليستأصلوا شأفة المسلمين, قال له: أنت فينا واحد, خذل عنا, أروع ما في القصة أن يستخدم الإنسان ذكاءه, وحكمته في الحق, فهو لم يعلم أحد بإسلامه؛ فذهب إلى اليهود, وقال لهم: إنكم تواطأتم مع قريش على حرب محمد, لكن قريشاً إن لم تفلح, عادت إلى بلدها, ومعها أهلها, ونساؤها, وانفرد بكم النبي فقتلكم, فأنا أنصحكم ألا تقبلوا أن تحاربوا النبي مع قريش, إلا إذا أخذتم الرهائن, حتى لا يتركوكم, ليذبحكم محمد, اقتنعوا, وذهب إلى قريش, قال لهم: اليهود ندموا على خيانتهم لمحمد, فأرادوا أن يأخذوا منكم رهائن, ليقدموهم للنبي, ليذبحهم, ويعفو عنهم النبي, أيضاً اقتنعوا, فوقع الشقاق بينهم, والله عز وجل ساعد المسلمين فأرسل ريحاً عاتية؛ أطفأت نيرانهم, وقلبت قدورهم, وقلبت خيامهم, وملأت عيونهم تراباً: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [سورة الأحزاب الآية:11] ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [سورة الأحزاب الآية:11] موقف ضعاف الإيمان من الله و رسوله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/08.jpg ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية:12] أحياناً الإنسان يقول لك: أين الله؟ يجد المسلمين معذبين, مقهورين, والأغنياء قوة, وقال: سيطرة عنجهية, تصرف وحشي, وتصريحات كلها غطرسة, ويقول لك: أين الله عز وجل؟ لماذا لا ينصرنا؟ قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [سورة الأحزاب الآية:11] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية:23] فالله عز وجل نصرهم, وأعطاهم. حكمة الإنسان تظهر في حسن اختياره : هنا محور الدرس اليوم: حكمتك تظهر في حسن اختيارك؛ وقد تختار الشيء الناعم الكثير, فتزل به القدم, وقد تختار الشيء الخشن القليل, فتسعد به, وترقى إلى أبد الآبدين, قد تختار حرفة دخلها كبير, لكنها لا ترضي الله عز وجل؛ مبنية على معصية, مبنية على إيذاء الناس, وقد تختار حرفة دخلها قليل, لكنها ترضي الله. فالبطولة أن تكون مع الله, والاختيار في حد ذاته بطولة, والاختيار لن يكون سهلاً. أحياناً إنسان تقع مشكلة بين زوجته وأمه؛ الأم غالية, والزوجة غالية, فالخيار صعب, لو كان خياراً سهلاً لا يوجد مشكلة أبداً, لا يوجد تردد, أما الخيار فدائماً صعب. تجد مع المعصية هناك دخل كبير, مع المعصية هناك عز, أحياناً مع المعصية هناك شعور بالأمن, ومع الطاعة هناك خوف أحياناً. فعندما يوقن الإنسان أنه ما من إله إلا الله, وكل اختيار طيب، تكون العاقبة له. العاقل من يختار الشيء الصحيح مهما كانت الظروف المحيطة به : انظر الآن الله عز وجل قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية:12] الكافر تجده يمشي بالعرض, لكن الله قال: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية:12] أو انظر إلى الذين عارضوا النبي -عليه الصلاة والسلام-, هم في مزبلة التاريخ, انظر إلى الذين نصروه, هم أعلام, في أعلى عليين. فأنا عندما أختار اختياراً صحيحاً لا تهمني الظروف المحيطة بي. شخص يحمل شهادة عليا, ويعمل في مهنة راقية جداً, في قصر العدل, وجد أن الدخل مشبوه, والحرفة مبنية على سلوك لا يرضي الله عز وجل, ترك وفتح بقالية, والآن هو في بحبوحة كبيرة, العملية ليست سهلة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6038/09.jpg مثلاً: الإنسان إن وقع في مشكلة فهو أعمى, يقول لك: مئة ألف أول دفعة, لتعمل مذكرة صغيرة, مئة ألف ثانية, مئة ألف ثالثة, مئة ألف رابعة, وأنت تعلم أن الدعوى لا تنجح إطلاقاً, لا يوجد أمل بنجاحها, ولا بالمليون واحد, لكن هو الغرقان, يريد قشة يتعلق بها ليستغله. بعض الحرف يستغلون الوضع النفسي الصعب للإنسان؛ قد يكون ابنه في سجن, أو في أمن اقتصادي, أو عليه مشكلة, يقول له: أريد نصف مليون, والله! القاضي بطنه كبير, رأساً يتهم بالقاضي, والقاضي قد يكون بريئاً من هذا الشيء, فالنتيجة يأتيه دخل كبير جداً. هناك شخص بنى ثروة طائلة, يأتي لعند شخص عنده مستودعات, يقول له: والله! رأيت على طاولة فلان مذكرة مداهمة لمستودعاتك انتبه, مسكين, يجعله يعمل حوالي عشرين يوماً في الليل والنهار, يستأجر مستودعات ثانية, ينقل كل بضاعته، والقصة ليس لها أصل, بعد ذلك: يقول له: والله أنا أستطيع أن ألغي الموضوع كله, لكني أحتاج إلى مليون ليرة, أصحاب الأمر ليس لهم علاقة, هو ذكي جداً؛ بنى ثروة طائلة, لكن بعد ذلك لقي نتيجة عمله بشكل مخيف, الجاهل عدو نفسه. فدائماً: اختر الاختيار الصحيح بكل شيء؛ لو كان خشناً, لو كان دخله قليلاً, لو كانت الزوجة درجة ثانية؛ اختر الإيمان, اختر شيئاً يقربك من الله, وابتعد عن شيء يبعدك عن الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 14 ( كيفية الوصول الى الحكمة ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( الثامن العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. حبّ الدنيا رأس كل خطيئة : لا زلنا أيها الأخوة في الحكمة؛ لأنه: من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. اليوم في طريق الوصول إلى الحكمة, قال بعض السلف: من ترك الحرام وصل إلى الحكمة, ومن ترك الدنيا وصل إلى الحكمة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/01.jpg لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة, وحبك الشيء يعمي ويصم, ولن تكون حكيماً إلا إذا نقلت اهتماماتك إلى الدار الآخرة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [سورة الإسراء الآية:19] قضية إرادة الآخرة, والإنسان حينما يريد الآخرة, تنقلب موازينه رأساً على عقب. ائت برجلين؛ رجل أراد الدنيا, ورحل أراد الآخرة, ووازن بين أفعالهما، تجد العجب العجاب؛ الذي أراد الدنيا يرى الذكاء, والفلاح, والتفوق, والفوز في الأخذ, والذي أراد الآخرة يرى النجاح, والفلاح في العطاء, الأول يرى الزهد حمقاً, الثاني يرى الزهد مغنماً. لذلك أيها الأخوة: أركان الإسلام خمسة, ما من ركنين تلازما في القرآن, كركني الإيمان بالله واليوم الآخر. بعد أن تؤمن بالله, الركن الثاني بعد هذا الإيمان أن تؤمن أن هناك يوماً آخر؛ هو الهدف, وفيه تسوى الحسابات, وبه تسعد إلى الأبد. المؤمن الحق الدنيا بيديه وقلبه معلق بالله تعالى : طريق الحكمة ترك الدنيا, ليس معنى ترك الدنيا أن تدع العمل, أن تدع الزواج, لا, أن تُنزع من قلبك وأن تبقى في يديك, القضية دقيقة جداً؛ لأن: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير )) [أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/02.jpg إذا وازنا بين مؤمن فقير, وكافر غني, المؤمن الفقير أفضل ألف مرة من الكافر الغني, إذا وازنا بين مؤمن ضعيف, وكافر قوي, المؤمن الضعيف أفضل ألف مرة من الكافر القوي, أما إذا وازنا بين مؤمن ضعيف, ومؤمن قوي, المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف, هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام. مؤمن قوي أي عادل, قوي, مؤمن بالمعنى السائد بين الناس، كيف نوفق بين الزهد في الدنيا وبين أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف؟ التفريق بينهما أن المؤمن الحق الدنيا بيديه, وقلبه معلق بالله تعالى, والدليل لو أن الدنيا أقبلت, أو أدبرت, لا تتحرك شعرة في يده, إذا لم يستوِ التبر والتراب عند المؤمن لا يعد مؤمناً بالآخرة، والدليل: المؤمن الصادق يركل بقدمه ملايين مملينة فيها شبهة, وقد يقبل على عمل يهد الجبال ابتغاء وجه الله. انتقال الدنيا من القلب إلى اليدين هذا من شان المؤمن وحده : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/03.jpg هناك نقطة مهمة جداً: أن المؤمن داعية شاء أم أبى, ولو بقي ساكتاً؛ لأنه يقبل على عمل يهد الجبال بلا مقابل, ويرفض دخلاً كبيراً فيه شبهة, وهو في أمس الحاجة إليه؛ فانحيازه للحق, وولاؤه للحق, وورعه, هو بحدِّ ذاته دعوة إلى الله عز وجل. لذلك أيها الأخوة: انتقال الدنيا من القلب إلى اليدين, هذا من شان المؤمن, تنتقل الدنيا من قلبه إلى يديه؛ لأنه يتعامل معها, لأن الدنيا مطية الآخرة, لأن الدنيا فيها ثمن الآخرة, تجد هناك أناس كثر قدموا من أموالهم, أو من جهدهم, أو من خبرتهم, حينما يمضي الإنسان ساعات طويلة في عمل صالح, لا يبتغي به الدنيا, يبتغي به الدار الآخرة, معنى ذلك: هو بين يدي الدنيا. هذا المفهوم قاله علماء كثيرون: أن الدنيا انتقلت إلى اليدين لا في القلب. وقد تجد إنساناً يدعي الزهد, وليس له من حطام الدنيا شيء, وهو متعلق بها أشد التعلق, يدعي الزهد, ولا يملك من الدنيا شيء, وتجده متعلقاً بالدنيا, وقد تجد إنساناً آخر, الدنيا بين يديه, وهمه الأول أن يرضي الله عز وجل. نقلوا عن سيدنا عمر بن عبد العزيز أنه قال: تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة, فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة. وسيدنا عمر بن عبد العزيز مشهود له: أنه خامس الخلفاء الراشدين, وهو في أعلى درجة في الدنيا, كان زاهداً في الدنيا, وكان حريصاً على مرضاة الله عز وجل. المؤمن المتفوق مؤمن متعلق بالآخرة : أخواننا الكرام؛ طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً, والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً: "أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه, ومن خدمك فاستخدميه, و إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها, وأشقاهم فيها أرغبهم فيها" وقد ورد: ((إياك عبد الله والتنعم, فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/04.jpg أي إياك أن تقصد التنعم لذاته, الله عز وجل يسرك, ويريحك, وتمر أيام أنت من أسعد الناس, ولكن إياك أن تكون الدنيا جل همك, ومبلغ علمك, ومحط رحالك، والله عز وجل أثبت للكفار أنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم الآية:7] أي ما وجدت مؤمناً متفوقاً إلا بتعلقه بالآخرة, دائماً المؤمن بكل موقف عنده سؤال: ماذا سأجيب الله يوم القيامة عن هذا العمل؟ يهمه أن يجيب الله إجابة صحيحة. سيدنا عمر بن عبد العزيز, يروى أنه دخلت عليه فاطمة زوجته, فقالت: ما لك تبكي؟ فقال: دعيني وشأني, قالت له ثانية: ما لك تبكي؟ فقال: دعيني وشاني, فلما ألحت عليه, قال: يا فلانة, تأملت في الفقير الضائع, وفي العيال الكثير والدخل القليل, وفي ابن السبيل, وفي الشرك الكبير, وفي الأرملة والمسكين, والطفل الصغير, واليتيم..... ذكر أصنافاً عديدة جداً, قال: فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً, وأن خصمي دونهم رسول الله, فخفت ألا تثبت حجتي, فلذلك أبكي. سيدنا عمر سمع من سيدنا رسول الله بشارة بالجنة, يسأل حذيفة بن اليمان: بربك يا حذيفة اسمي بين المنافقين؟ ما تفسير ذلك؟ من شدة خوفه من الله نسي بشارة رسول الله, وخاف أن يكون منافقاً. فإذا كان عملاق الإسلام يخاف أن يكون منافقاً, فهذا المطمئن ما شأنه؟ كيف تطمئن؟ وكلما بالغت في اتهام نفسك فهذا علامة إيمانك, وكلما تركت ما هو مباح, خوفاً من أن تقع في الحرام, فهذا علامة إيمانك, وكلما تقلبت في أحوال اليوم الواحد, أحوالاً عديدة جداً، قيل: المؤمن يتقلب في اليوم الواحد إلى أربعين حالاً, بينما المنافق يستقر على حال واحدة أربعين سنة. يتقلب في اليوم الواحد؛ تارة مطمئن, تارة خائف, تارة يشك في هذا العمل, لعله شبهة, من شدة حرصه على طاعة الله, وخوفه من سخط الله, يتقلب في اليوم الواحد بعشرات الأحوال. علامة المؤمن أنه قلق من ألا يكون في المستوى المطلوب للإيمان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/05.jpg قضيتك مع الله قضية كبيرة, علامة المؤمن أنه قلق, عنده قلق دائم, هذا قلق مقدس, أما بعد أن عرف الله, فيقلقه ألا يكون في المستوى المطلوب. يقولون: سيدنا رسول الله حجب عنه الوحي أسبوعين تقريباً, فقال: يا عائشة, لعلها تمرة أكلتها من تمر الصدقة. مرة رأى على السرير تمرة أكلها, يبدو أنه كان جائعاً, حجب عنه الوحي أسبوعين, فقال: يا عائشة, لعلها تمرة أكلتها من تمر الصدقة. تجد المؤمن مستحيل أن يدخل عليه قرشاً حراماً؛ ورعه مذهل, ورعه يفوق حدّ الخيال, وهذا فيما بينه وبين الله, لا يدعي هذا الورع أمام الناس, ولا يظهره لئلا يقع في الرياء, لكن فعلاً أمانة ما بعدها أمانة، انظر الآن إلى حياتنا لو كنا نتعامل مع بعضنا بعضاً بهذه الأمانة, لانعدمت المشاكل؛ و لأصبحت الأمور كلها دقيقة ومنضبطة, وليس هناك شيء يذهب جزافاً, وكلما ضعف الإيمان؛ دخلنا في الشك, ودخلنا في المحاسبة, ودخلنا في أكل المال الباطل, ودخلنا في شبهات ما بعدها شبهات. من ترك الحرام وزهد في الدنيا وصل إلى الحكمة الحقيقية: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/06.jpg أيها الأخوة, من ترك الحرام, وزهد في الدنيا, وصل إلى الحكمة الحقيقية, الذي يحجبك عن الحكمة الدنيا, فإذا نزعتها من قلبك, وبقيت في يديك، فقد كسبت الدنيا و الآخرة. أنا لا أقبل, ولا أرى في القرآن والسنة, أن تترك الدنيا كلياً, وأن تكون عالة على الآخرين, وأن تكون عبئاً على الآخرين, وأن تكون عبئاً على من حولك, وأن تعيش متكففاً, لا, اليد العليا خير من اليد السفلى؛ ولكن لو شخص سألني عن الضابط, لقلت له: نسمي هذا يحب الدنيا, هذا يحب الآخرة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/07.jpg حينما تحملك الدنيا على ترك واجب ديني, أو ترك فريضة, أو ترك طلب علم, أو ترك عمل صالح, فهذا من الدنيا, وحينما توفق بين طاعة الله عز وجل, وبين أداء فرائضه, وبين القيام بواجبات هذا الدين العظيم, وأنت في عملك, فهذا انضباط, فالجمع بين واجبات الدنيا ومتطلبات الآخرة دليل أن الدين بيديك, أما حينما تحملك الدنيا على معصية, أو على ترك فريضة, أو على ترك واجب, فقد استحوذت على القلب, وانتقلت من اليد إلى القلب. الآية الكريمة التالية دقيقة جداً في هذا؛ ممكن أن تكون تاجراً موفقاً جداً, ممكن أن تكون تاجراً كبيراً, لكن الضابط: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [سورة النور الآية:37] من علامات الذي يجمع بين الزهد في الدنيا وأن تكون الدنيا في يديه, من علامات هذا الإنسان هو أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل. الإنسان الحق يعطي كل ذي حقٍّ حقه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6039/08.jpg ذكرت في خطبة الجمعة أن الإنسان له مقام, وله ظرف, وله زمن يظله, فالإنسان الحق يعبد الله فيما أقامه, في الظرف الذي وضعه فيه, وفي الزمن الذي يظله. من غير المعقول أن يغسل الإنسان سيارته عند الفجر، الفجر للعبادة, فوقت الفجر والسحر للصلاة والذكر. من غير المعقول الإنسان وهو مع أهله يذكر الله، هم ينتظرونك؛ يجب أن تؤنسهم, أن تحادثهم، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل. أيها الأخوة الكرام, أعط كل ذي حق حقه, واعبد الله العبادة المطلقة لا المقيدة. الأشياء التي يتمتع بها أصحاب الحكمة : قال: لا تكونوا من أصحاب الحكمة, إلا بثلاثة أشياء: ألا تحب الدنيا, لأنها ليست داراً للمؤمنين, -دقق في هذه الآية-: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص الآية:83] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾ [سورة القصص الآية:83] الشيء الأول: ألا تحب الدنيا؛ لأنها ليست داراً للمؤمنين, وألا تصاحب أهل الدنيا, فإنهم ليسوا برفقاء المؤمنين, وألا تؤذي المؤمنين, أي: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية:28] والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 15 ( الحكمة هى الحال وليس القال ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكيم الصادق موعظته رؤيته وآدابه أفعاله : أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] قال ذو النون المصري لبعض تلاميذه, وهو يوصيه: جالس من تكلمك صفته, ولا تجالس من يكلمك لسانه. هناك قال, وهناك حال. الإنسان حينما يخطب ود الله عز وجل له حال, وحال إنسان صادق في ألف خير من ألف إنسان في واحد؛ أي: ألف رجل يتكلم بلا حال في واحد, لا يساوي إنسان له حال مع الله يتكلم بألف؛ لأنك حينما تخطب ود الله عز وجل يلقي الله في قلبك نوراً, إلا أن الحال مضبوط بالعلم. الإنسان حينما يحقق هدفه يتألق, قد يكون الهدف خسيساً, وقد تكون الوسيلة غير مشروعة, أما حينما يكون منضبطاً بمنهج الله عز وجل, ويتصل بالله اتصالاً حقيقياً, الآن له حال, هذا الحال أبلغ من ألف قال. لذلك يقول هذا العارف بالله: جالس من تكلمك صفته, ولا تجالس من يكلمك لسانه, فقيل: من هو؟ قال: هو الحكيم الصادق؛ موعظته رؤيته, وآدابه أفعاله, وقد أغناك مشهده عن مخبره. من يتصل بالله عز وجل يلقي في قلبه حالاً هذا الحال يؤثر في الناس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/01.jpg الشيء الذي يلفت النظر أن أصحاب رسول الله, وهم قلة؛ ملؤوا الأرض حكمة, ملؤوا الأرض هداية, ملؤوا الأرض سعادة, وتجد الآن مليار ومئتي مليون مقهورين, كلمتهم ليست هي العليا؛ لأن انتماءهم للدين شكلي, أما حينما تتصل بالله, يلقي الله في قلبك نوراً؛ فهذا تسميه: زخم نوري, تسميه: قوة تأثير. لماذا الإنسان إذا التقى مع رسول الله يشعر أنه يطير من السعادة؟ قالوا: محمد سحر أصحابه بحال. فحال إنسان في ألف خير من ألف لسان في واحد؛ كل إنسان بإمكانه أن يتكلم بفضائل الأخلاق, أما ليس كل إنسان يعيشها, فالذي يعيشها له حال. يقول بعضهم: الحكمة إذا خرجت من فم الحكيم, صعدت إلى السماء, فصارت تحت العرش, ولها دوي كدوي النحل, تذكر صاحبها, وتثني عليه. لذلك: الآية التي لا ننتبه إليها وقد نفهمها فهماً آخر: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية:125] أي كلام يفهم باعتدال. وأنت حينما تطبق, وحينما تتصل بالله عز وجل, يلقي ربك في قلبك حالاً, هذا الحال هو الذي يؤثر في الناس: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية:125] طبق من أجل أن تتصل, من أجل أن تتألق, من أجل أن تؤثر. التأثير في الناس يتأتى من الاتصال بالله عز وجل و الاشتقاق منه : فقد تجد إنساناً, معلوماته محدودة, ومتواضعة, لكن تأثيره كبير, وقد تجد إنساناً معلوماته دائرة معارف, وتأثيره محدود؛ فالتأثير لا يتأتى من فصاحة العبارة, ولا من كثرة الأفكار, ولا من دقة الشواهد, ولا من عمق التحليل, التأثير يتأتى من اتصالك بالله عز وجل, واشتقاقك منه. هذا الحال يعطي الكلام قوة تأثيرية عجيبة, أن تطبق ما تقول؛ إن طبقت ما تقول اتصلت بالله عز وجل, هذا الاتصال أصبح في كلامك روحانية. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/02.jpg الآن: انظر إلى وردة بلاستيكية كبيرة, وحمراء, لا يوجد إنسان وضع في بيته وردة بلاستيكية إلا بعد حين يمل منها, ويرميها, أما ضع وردة حقيقية, ليس هناك مجال للموازنة بينهما؛ الوردة الحقيقية فيها حياة, فيها رائحة, فيها جمال, فيها قوة تأثير, أما الوردة الصناعية فلا تؤثر. فمهما كان في العبارة فصاحة, وفي الأفكار دقة, وفي التحليل عمق, لا تؤثر؛ إلا إذا كان لك مع الله حال. الذي يلقي الكلام على الناس, في أمس الحاجة إلى أن يكون له مع الله حال حتى يؤثر. سيدنا الصديق كان في الطريق, رأى حنظلة يبكي, قال له: ما لك تبكي؟ قال له: نافق حنظلة, قال له: كيف ذلك؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنا الأهل ننسى, سيدنا الصديق قال له: أنا كذلك يا أخي, انطلق بنا إلى رسول الله, -بينا للنبي هذه المشكلة- فقال: أما نحن معاشر الأنبياء, تنام أعيننا, ولا تنام قلوبنا, أما أنتم يا أخي, فساعة, وساعة, لو بقيتم على الحال الذي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة, ولزارتكم في بيوتكم. معنى هذا أن الصحابي له حال, وهو عند رسول الله, إذا جاء إلى البيت, قد يفقد هذا الحال؛ تسميه الوميض, تسميه التجلي, تسميه السكينة, تسميه التألق, تسميه الزخم الروحي, سمه ما شئت, الطاعة لها قوة تأثير, المسلمون بحاجة إلى رجال, لهم أحوال تؤثر فيهم أي: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية:125] الفرق بين العالم والحكيم : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/03.jpg الفرق بين العالم والحكيم؛ العالم معه معلومات دقيقة جداً, الحكيم طبق هذه المعلومات فتألق, الحكيم معه الحقيقة والبرهان عليها, العالم قد يحدثك عن الصبر, أو عن الشكر حديثاً طويلاً, دقيقاً, عجيباً, ولكن الحكيم صابر, وشاكر؛ فبين أن تتحدث عن الصبر وبين أن تكون صادقاً, وبين أن تتحدث عن الشكر وبين أن تكون شاكراً، مسافة كبيرة. أهم كلمة في هذا الدرس: حال واحد في ألف خير من ألف قال في واحد, ألف إنسان متكلم لا يهزون واحداً, وإنسان متصل بالله يهز ألفاً. قال بعضهم: وكيف تحب أن تُدعى حكيماً وأنت لكل ما تهوى وتجوب تضحك دائماً ظهراً لبطن، وتذكر ما جنيت فلا تذوب؟. قال بعضهم: لو أن رجلاً بين جبلين, أحدهما من ذهب, والآخر من فضة, ثم جعل يتصدق من هذا, ومن هذا, ورجل حبيس ينطق بالحكمة, لكان صاحب الحكمة أعظم أجراً عند الله؛ لأنه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة المائدة الآية:32] الناس لا تصدق إلا ما تشاهد, أما ما تسمع فلا يؤثر فيها, والحقيقة الناس يتعلمون بعيونهم, لا بآذانهم. جهاد النفس والهوى أعلى جهاد على الإطلاق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/04.jpg الآن: الأب القدوة له تأثير مذهل في أولاده, أما الأب الذي عنده ثقافة واسعة, ويلقي على أولاده مواعظ, ويدخن فرضاً, لمجرد أن يدخن الأب انتهى؛ معنى هذا أنه ضعيف الإرادة أمام نفسه, معنى هذا أن هذه الدخينة مسيطرة عليه, معنى ذلك أنه انهزم أمام نفسه, فالمهزوم لا يؤثر. >لذلك قالوا: جهاد النفس والهوى أعلى جهاد؛ لأنك أنت عندما انتصرت على نفسك, الآن ممكن أن تعمل جولة مع الخصوم, أما إذا كنت مهزوماً مع نفسك فأنت منتهٍ، والجهاد الدعوي يأتي بعده, وفي الدرجة الثالثة الجهاد القتالي. أما الجهاد الدعوي فالله عز وجل قال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية:52] وقال بعضهم: مثل الجوع كمثل السحاب, ومثل الزهد كمثل الرعد, ومثل القناعة كمثل البرق, والحكمة كالمطر. أي السحاب مع الرعد مع البرق في النهاية يشكل المطر التي هي الحكمة. وقال بعضهم: أمر الله تعالى نبيه أن يدعو هذه الأمة بدعوتين, فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية:125] علاقة الإخلاص بالتوحيد علاقة وطيدة : أنا أقول هذه الكلمة: طبق, وأخلص, وتكلم بأي لغة, بأي طريقة, بأي أسلوب, يصبح لكلامك قوة تأثير, لأنك أنت تنطق بالحكمة, والحكمة فيها علم, وفيها دليل, الدليل: أنت. وأخلص، الإخلاص له علاقة بالتوحيد, وأنت بقدر توحيدك مخلص, إذا كان بحياتك أشخاص ترجوهم, أو تخافهم, أصبح إخلاصك ضعيفاً لله عز وجل, أما إن لم ترَ مع الله أحداً, ترى أن يد الله تعمل وحدها: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة الفتح الآية:10] ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية:26] إذا وحدت الله حقيقة اتجهت إليه وحده, كما قال عليه الصلاة والسلام: يا علي, لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها. هداية الإنسان ليس من مقوماتها المعلومات فقط بل الاتصال القوي بالله مع الإخلاص : هداية الإنسان ليس من مقوماتها المعلومات فقط, الآن هناك زخم في المعلومات يفوق حدّ الخيال, أينما ذهبت هناك كثافة في الكتب, والأشرطة, والمحاضرات, والمؤتمرات, والمكتبة الإسلامية طافحة بالمعلومات, لكن لا يوجد رجال لهم اتصال قوي بالله يهز المجتمع، والناس دائماً نقاد, إذا الإنسان نافق انتهى عند الناس؛ إذا أكل مالاً حراماً انتهى, إذا كذب انتهى, أما إذا كان الإنسان مظنة صلاح, يجهد في أن يطبق ما يقول, هذا له قوة تأثير؛ وقد تكون معلوماته وسط, وقد تكون معلوماته ليست واسعة جداً؛ معلومات محدودة, مع إخلاص, وتطبيق, أفضل ألف مرة من معلومات كثيفة جداً مع عدم تطبيق. قيل للإمام الغزالي: فلان حفظ كتاب الأم للشافعي, فتبسم و قال: زادت نسخة. أي حال إنسان صادق في ألف خير من لسان ألف في واحد, ألف متكلم من دون صدق لا يؤثرون في واحد, وواحد صادق يؤثر في ألف. حاجة المسلمين اليوم إلى الدعاة الصادقين : استفدنا في هذا الدرس من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية:125] أي كن عالماً مطبقاً حتى تكون حكيماً, حتى تكون داعية إلى الله عز وجل. والمسلمون الآن في أمس الحاجة للدعاة إلى الله, و حاجتهم إلى الدعاة أضعاف حاجتهم إلى العلماء. كل إنسان درس, وتبحر, وتعمق, وألّف, وصنف, هذا عالم لا شك, لكن ضعيف التأثير. العالم عمله مخبري, يجوز أن يكون شخصاً متفوقاً في المواريث تفوقاً عجيباً, كل دمشق تحتاج إلى إنسان في المواريث, كلما مات شخص عنده مسألة يحلها، لكن الناس الشاردين يحتاجون إلى دعاة صادقين, إلى إنسان مسلم متحرك. من أدق التعريفات, قالوا: القرآن كون ناطق, والكون قرآن صامت, والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي. الحال علاقته بالعلم لا بالاستقامة : اhttp://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/06.jpg لآن: نحن بحاجة إلى إنسان مسلم, صادق, أمين, متواضع, ورع, ضابط دخله, وإنفاقه, هذا الإنسان المنضبط المسلمون في أمس الحاجة إليه, هذا الذي يلفت النظر. كيف أن هناك ألواناً صارخة موجتها واسعة جداً؛ اللون الأصفر الفاقع, اللون البرتقالي, هذا لون صارخ, لأن موجته عالية جداً, ترى من بعيد المركبات في المطارات جميعها لونها أصفر, أو برتقالي؛ لأنه لو كان لونها حديدياً كلون الزفت لا يراه الطيار, نريد لوناً صارخاً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6040/07.jpg والمؤمن الذي له حال بسبب طاعته لله هذا لون صارخ؛ لكن كل إنسان يدّعي الحال, مستحيل وألف مستحيل أن يلقي الله عز وجل نوره في قلب إنسان فاسق, دعوة الحال سهلة جداً: كل يدّعي وصلاً بليلى و ليلى لا تقر لهم بذاكا *** والحال يجب أن يضبطه العلم. أحياناً إنسان يحقق مبلغاً كبيراً جداً غير مشروع, يتألق, الحال ليس له علاقة بالاستقامة. بشكل عام الإنسان إذا وصل إلى هدفه يتألق, ما الذي يضبط الحال؟ العلم؛ قد يكون الحال شيطانياً, أما الحال إذا كان نابعاً عن طاعة لله عز وجل فهذا الذي نتحدث عنه في هذا الدرس. والحمد لله رب العالمين |
رد: التربية الإسلامية -علم القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحكمة 16 ( الحكمة هى الكلمة الصادقة او الكلمة الطيبة ).التربية الاسلامية - علم القلوب الدرس : ( العشرون ) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الكلمة الصادقة المخلصة تحتاج إلى جهاد النفس والهوى حتى تكون صادقة مخلصة : أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة البقرة الآية:269] من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/01.jpg ((يُوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء, فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء)) [المرهبي في فضل العلم عن عمران بن حصين] لأن الأنبياء جاؤوا بالحكمة, وقد قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم الآية:24] ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [سورة إبراهيم الآية:25] فكلمات صادقات, مخلصات, لها آثار لا تنتهي إلى يوم القيامة؛ ولكن هذه الكلمة الصادقة, المخلصة, تحتاج إلى جهاد النفس والهوى حتى تكون صادقة مخلصة, تفعل فعل السحر في نفوس الناس. لذلك أجلّ شيء عند الشهيد دمه, وأقل شيء عند العالم مداده, وأقل شيء عند العالم يرجح على أكمل شيء عند الإنسان, وهو دمه, فما ظنك بأرفع حالات العالم؟ كل مؤمن ينبغي أن يكون ولياً لله عز وجل : ثم يقول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس الآية:62] لا يوجد في الإسلام كهنوت أبداً, كل مؤمن ينبغي أن يكون ولياً لله, والولي بتعريف جامع مانع بسيط: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس الآية:62] ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس الآية:63] كل إنسان آمن, واتقى, فهو ولي لله عز وجل. جوهر الدين أن تصل إلى الله و تتصل به و تخلص له : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/02.jpg الشيء الآخر: الكلمة الطيبة لها آثار لا تنتهي, فالنبي صلى الله عليه و سلم جاء بكلمة طيبة, في أي مكان في العالم الإسلامي تقرأ الحديث, تتأثر, تطبق, تستقيم, تقبل, تسمع. فدماء الشهداء وسيلة من أجل أن يكون الحق منتشراً في الآفاق, فالهدف هو العلم الذي يُعرف بالله عز وجل. لذلك رجح في الحديث الصحيح مداد العلماء على دماء الشهداء؛ لأن دم الشهيد وسيلة لنشر الحق, أما مداد العالم فهو الغاية؛ لأنك إذا أردت أن تعرف الله, فلا بد من أن تسلك طريق العلم, فإن أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، والإنسان بالعلم يستقيم على أمر الله, بالعلم يتعرف إلى الله, بالعلم يسلك طريق السعادة, بالعلم يسلك طريق السلامة, بالعلم يصل إلى الجنة؛ فلذلك: العلم أثمن شيء في الإسلام http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/03.jpg حتى إن آيات الله أكثر من ألف آية؛ آيات العقل والعلم وتوابع العقل والعلم, قد تصل إلى ألف آية في القرآن الكريم, القرآن تقريباً ستة آلاف آية, قد يكون الحديث عن العلم سدس القرآن الكريم، و قد قيل: كل مدينة ليس فيها فقيه فأهلها مرضى, وكل مدينة ليس فيها عالم فأهلها موتى. وقال بعضهم: إن الله عز وجل غرس في قلب كل عبد مؤمن أشجاراً؛ شجرة الحكمة تسقى بماء الجوع, -المقصود بالجوع الاعتدال في ملذات الحياة الدنيا المشروعة-, وشجرة الإخلاص تسقى بماء الزهد, وشجرة التوبة تسقى بماء الندامة, وشجرة المحبة تسقى بماء الإنفاق, ولكل شجرة منها نوع من الثمار لا يمسه إلا المطهرون, وهذه الأشجار مغروسة في أرض الإيمان, وكل شجرة لا تثمر فالعيب ليس فيها؛ ولكن في الأرض, وما يعقلها إلا العالمون. جوهر الدين أن تصل إلى الله, وأن تتصل به, وأن تخلص له, وأن يكون الله عز وجل كل همك, ومبلغ علمك, وأن تعمل له ليلاً ونهاراً.الكلمة الطيبة هي كلمة الحق : أيها الأخوة, الكلمة الطيبة هي كلمة الحق: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ [سورة إبراهيم الآية:24] عندنا في الحياة حقائق ثابتة: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم الآية:24] المؤمن ينطلق من حقيقة يقينية, كبيرة, أساسية: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية:25] من أكرمه الله بهداية إنسان فأعمال هذا المهتدي في صحيفة الذي هداه إلى يوم القيامة : الإنسان إذا أحيا نفساً بشرية فكأنما أحيا الناس جميعاً، فأنت إذا هديت إنساناً؛ زوجته تابعة له, أولاده تابعون له, أخوته يتبعونه, أولاد أخوته يتبعونه, جيرانه يتبعونه, زملاؤه يتبعونه؛ فكلما ساهمت في هداية إنسان, فالإنسان له من يتبعه, فأنت هديت كل من يتبع هذا الإنسان, هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة المائدة الآية:32] ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية:25] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/04.jpg الإنسان إذا أكرمه الله عز وجل بهداية إنسان, قد يموت هذا الذي دعا إلى الله؛ ولكن أعماله لا تنتهي, كل من دعاه إلى الله, الخير الذي جاءه منه إلى يوم القيامة في صحيفته، لذلك قال سيدنا رسول الله لسيدنا علي رضي الله عنه: ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)) [أخرجه البخاري و مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ] و : (( خير له مما طلعت عليه الشمس )) [ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ] و : (( خير لك من الدنيا وما فيها )) [ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ] الحق ثابت ومستمر والباطل طارئ وزاهق : الآن: الكلمة الخبيثة: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية:26] الكلمة الخبيثة ليس لها قاعدة صلبة تستند إليها؛ لذلك الباطل: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [سورة الإسراء الآية:81] لو الباطل عاش سبعين سنة, ينهار من داخله؛ أما الحق فثابت ومستمر, والباطل طارئ وزاهق: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية:26] أيضاً: الكلمة الخبيثة تنتشر, لكن لا بدّ من أن تنهار؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [سورة الإسراء الآية:81] شديد الزهوق, وزهوق: صيغة مبالغة؛ أي أكبر باطل لا بدّ من أن ينهار, وأكبر عدد من أنواع الباطل لا بدّ من أن ينهار, نوعاً, وكماً. من يقرأ القرآن إنسان حيّ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/05.jpg ثم يقول الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة إبراهيم الآية:27] القول الثابت القرآن الكريم, القرآن فيه آيات, فيه وعد, وفيه وعيد, وفيه أمر, وفيه نهي, وفيه ثواب, وفيه عقاب. فالإنسان حينما يقرأ القرآن والله عز وجل بشره، هذه البشرى حياة لقلبه, الله حذره هذا التحذير ردع له عن كل سيئة؛ فالذي يقرأ القرآن إنسان حي, والذي لا يقرؤه إنسان ميت, والله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية:22] هذا الإنسان مقبور بشهوته, أما المؤمن فقلبه أصبح حياً, والحياة حياة القلوب: ليس من مات فاستراح بميـ ــت إنما الميت ميت الأحياء *** قال: يا بني! العلم خير من المال؛ لأن العلم يحرسك, وأنت تحرس المال, والمال تنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يا بني! مات خزان المال وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر. سرّ الشباب الذي يتمتع به المؤمن : البارحة صار هناك نقاش حول موضوع أن المؤمن هل يشيخ؟ المؤمن لا يشيخ, المؤمن في شباب دائم, ما سرّ الشباب الذي يتمتع به المؤمن؟ أهل الدنيا لهم أهداف محدودة, فإذا بلغوها سئموا الحياة؛ هدفه البيت، اشترى بيتاً, وهدفه المال، جمع المال, وهدفه الزواج، تزوج, بعد أن تصل إلى كل أهدافك المادية المحدودة؛ يبدأ السام, والضجر, والملل, والانقباض, والشعور بالفراغ؛ فالإنسان يشيخ, أي يكبر حينما تنتهي أهدافه, وحينما يمل حياته, لماذا المؤمن لا يشيخ وهو في شباب دائم؟ لأن هدفه كبير جداً, مهما سعى في طريق هدفه المسافة طويلة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/06.jpg فقد تجد إنساناً في سن متقدم جداً, نفسيته نفسية شباب, والإنسان متى يشيخ؟ إذا انتهت أهدافه؛ أما إذا أهدافه متجددة, وكبيرة جداً, ولا نهائية, فهو في شباب دائم, وهذا سر نشاط المؤمن, هدفه الله عز وجل؛ ومهما طلب العلم, هل من مزيد؟ مهما عمل الأعمال الصالحة, هل من مزيد؟ لذلك: المؤمن شاب دائماً, قد يضعف جسمه, وقد تضعف قواه, وقد يضعف بصره؛ ولكن نفسيته في شباب دائم, وهذا سر الإنسان المؤمن, صحيح الجسم؛ لأن جهازه المناعي قوي جداً, والجهاز المناعي يقوى بالأمن, والتفاؤل, والحب, يوجد عند المؤمن مشاعر غنية جداً, قربه من الله, ومحبته له, هذه المشاعر تورثه قوة في جهازه المناعي. والله مرة زرت إنساناً بالخامسة والثمانين, قلت له: كيف الصحة؟ قال: الحمد لله, صحتي جيدة جداً بحسب سني, إنسان في التسعين تقريباً, نشيط, يذهب إلى عمله مشياً على قدميه!! هذا نشاط. فالذي أتمنى أن يكون واضحاً عند الأخوة الكرام, الإنسان حينما يصل إلى الهدف الذي ينبغي أن يصل إليه, وأن يعرف الله, وأن يستقيم على أمره, وأن يعمل الأعمال الصالحة، يسلم بقدر طاعته لله, ويسعد بقدر قربه منه. الدين كلمتان؛ إحسان واتصال : الله عز وجل قال على لسان سيدنا عيسى: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ [سورة مريم الآية:31] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6041/07.jpg الإنسان له حركة نحو الله اتصالاً, وحركة نحو الخلق إحساناً؛ بقدر إحسانك نحو الخلق تتصل بالخالق, وبقدر اتصالك بالخالق تكون مهيئاً بالإحسان إلى الخلق, وأحياناً الإنسان بحاجة إلى المفاهيم المضغوطة. الدين كلمتان: إحسان واتصال؛ إن لم تحسن لا تتصل, والإنسان المسيء مقطوع عن الله عز وجل, الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة الآية:190] لمجرد أن تعتدي على حق أخيك, الله عز وجل يبعدك عنه, لا يحبك: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية:55] فإذا دعوتموهم وأنتم معتدون لا يحبكم ولا يستجيب لكم. أيها الأخوة, يمكن أن نقول في هذا الموضوع: إن الحكمة تتعلق بها حياة الإنسان الراقية, ومداد العلماء أقل ما عند العلماء, ودماء الشهداء أغلى ما عند الشهداء, ومع ذلك أقل ما عند العلماء يرجح على أعظم ما عند الشهداء. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 05:10 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.