![]() |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البروج (85 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . قال تعالى : قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ......... أيها الإخوة الكرام ، الآيات في سورة البروج ، وهي قوله تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 4-7 ] هؤلاء الذي حفروا أخْدوداً ووضَعوا فيه المؤمنين وأحْرقوهم ، ما ذَنْب هؤلاء الذين أُلقوا في هذا الأخدود وحُرِقوا قال تعالى : ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 8] ليْسُوا قَتَلَة وليْسُوا مُجْرمين ، وليسوا قُطاع طُرُق ، ولكنَّ ذَنْبهم الوحيد هو أنّهم آمنوا بالله، لأنَّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة قديمة ، وهي معركة مُسْتَمِرَّة ولن تنتهي إلا بِقِيام الساعة ، فَلِذلك لِمن كان مع أهل الحقّ ، وفي خَنْدق أهل الحق ، وخَنْدق المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن ساهَمَ بِشَكْلٍ أو بآخر لِنَصْر دين الله ، ونصْر المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن دافَع عن مؤمن ، والوَيْل ثمّ الوَيْل ثم الوَيْل لِمَن كان في خنْدق المُعادي ، ولِمَن ساهَمَ بِشَكْل أو آخر في إزْعاج المؤمنين ، وفي إطفاء نور الحق أو الطَّعْن بالدِّين ، أو ضَعْضَعة ثقَةِ الناس بالحقّ . الحقيقة ، لا بدّ أن تكون مع الحق أو الباطل ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 50] هناك طريقان لا ثالث لهما ، إن لم تَكُن على أحدهما فأنت على الآخر حَتْماً ، والدليل الآية السابقة ، وقال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 50] فلِذلك القَضِيَّة اِثْنَيْنِيَّة لا تحْتَمِل حالاً ثالثة ، هناك ولاء ، وهناك براء ، فالمؤمن الصادق ولاؤه للدِّين والحق والمؤمنين ، والخير والصادقين ويتبرَّأُ من الكُفار والفُجَّار والعُصاة ويَدْعَمُ المؤمنين بِحَرَكَتِه اليَوْمِيَّة ويُدافِعُ عنهم ويُعينهم ، ويُقَدِّم لهم ما يسْتطيع ، ولا يتعاطف مع الساخرين ، ولا يُدافع عنهم ، ولا يَدْعَمُهم لايُثْني عليهم ، لا يوجد حلّ وَسَط ، فالمنافق مُذَبْذَب لا مع هؤلاء ، ولا مع هؤلاء ، أما المؤمن فأمْرُهُ واضِح ، والله تعالى قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 6] إلا أنَّ صِنْفاً آخر يقول كما قال تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآيات : 8-15] لذلك القَضِيَّة حاسِمَة ، إن لم تكن مع أهل الإيمان فأنت حَتْماً مع أهل الكفر ، أما الذي يتوَهَّم أنَّه مع هؤلاء ومع هؤلاء ، ويظنّ أنَّهُ ذَكِيًّا فهذا في الدَّرْك الأسْفل من النار ، وهؤلاء هم المنافقون ، والسَّبَب أنَّهم أعْلنوا شيئاً وأبْطَنوا شيئاً آخر ، تركوا شيئاً وفعلوا شيئاً آخر ، لأنَّهم غَشُّوا المؤمنين ، فالإنسان الكافر والمُلْحِد ، والفاجر لا أحد يقتدي به أما الذي يوهِمُ الناس أنَّه مؤمن ، وأنَّه يفْعل فِعْل الكُفار فهذا إنسان غشَّاش لذلك هو في الدَّرْك الأسفل من النار ، ولا يوجد إنسان يجمع بين الحالين ، والمؤمن له لَوْنٌ واحد ، ومن اسْتطاع ان يُرْضِيَ الناس كُلَّهم فَهُوَ منافق . قال تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 4-9 ] قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ..... الآن المُؤَيِّد القانوني قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 10 ] فهذا المؤمن إن أرَدْتَ أن تُلْبِسَهُ تُهْمَةً هو بريءٌ منها ، وإن أرَدْتَ أن تفْضَحَهُ ظلماً ، وإن أرَدْتَ أن تُخيفه ، هل تعرف من هو خَصْمُكَ ؟ الله جلَّ جلاله ، والدليل خِطاب الله عز وجل لِزَوْجَتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ سورة التحريم الآية : 4 ] هل يُعْقل أن نسْتَنْفِر القُوَّات البحرِيَّة والجَوِيَّة لامْرأتَيْن ؟ ما معنى هذه الآية ؟ الله تعالى يُخاطب زَوْجتَين ، قال تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ سورة التحريم الآية : 4 ] قُلْتُ لأحَدِهم : كُلّ هؤلاء العباد عِباد الله وعِياله ، فإنْ أرَدْتَ أن تُؤْذِيَهم أو أن تبْتزَّ أموالهم ، او أن تُخيفهم ، فالله قد يبتليك بالسَّرطان أو خثرة بالدِّماغ ، وتشَمُّع بالكَبِد أو فَشَل كبدي ، وأمراض تُعويك مثل الكلب ، أمراض الأورام الخبيثة بالأحْشاء لا تُحْتَمَل ، وكُلُّ هؤلاء عباد الله وكُلُّهم خَلْقُه ، فإذا أرَدتَ أن تُخيفَهم أو تبْتَزَّ أموالهم ، أو أن تُؤْذِيَهم فإنَّ خَصْمَكَ هو الله . أحدهم يطوف حول الكعبة ، وهو يقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟! وراءه رجل قال له : يا هذا ما أشد كلامك ويأسك من رحمة الله ؟ قال له : ذنبي عظيم ، قال له : ما ذنبك ؟ قال له : كنت جندياً في قمع فتنة ، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة ، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً ، وامرأة ، وطفلين ، قتلت الرجل ، وقلت لامرأته : أعطيني كل ما عندك ، أعطتني كل ما عندها ، فقتلت ولدها الأول ، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة - من الذهب - ، أعجبتني أيما إعجاب ، تأملتها ، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ ، البيتان: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء قبل أن تُفَكِّر في إذْيَةِ مؤمن ، أو أن تُلْبِسَه تُهْمة ، أو تُشَوِّه سُمْعَتَهُ أو تبْتَزَّ ماله فَهَل تعْلم من هو خَصْمُه ؟ من أمْرُكَ كُلُّهُ بِيَدِه ؟ الشريان بِيَدِه ، وكذا الكلية ـ والخثرة بالدِّماغ ، وزَوْجتك بِيَده ، فقَبْل أن تُؤْذي عليك أن تعُدَّ للمليون ؛ من هو الطرف الآخر ، فمعنى هذه الآية أنّ أيَّ إنسان فكَّر أن يُؤْذي ، عليه أن يعلم من هو الطرف الآخر ! هل تستطيع أن تؤذي شرْطِيًّا ؟ قد تكون أقوى منه الآن ، إلا أنَّ هذا الأخير وراءه الدَّولة كلَّها ، أليس كذلك ؟ تَعُدُّ للمليون كي تتكَلَّم معه ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 10 ] عليك أن تُدافع على المؤمنين ، لذلك كُل إنسان يقتل مؤمناً مُتَعَمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها ، وأن تكون أداة وَصْل ، تُدافع عن المؤمنين وتُعينهم وتُطَمْئِنُهم ، وأَدْخِل عليهم السرور ، هذه هي مُهِمَّة المؤمن ، عُدَّ للمليون قبل أن تُفَكِّر في إذْيَة المؤمن . قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 11-12 ] إذا الله تعالى بَطَش شيء يُحَيِّر العُقول ، قال لي أحدهم مرض وبيت بالأُجرة ، ودَعْوة إخلاء ، وليس معه مال للدواء ، ناهيك أن يأكل ، وأولاده عاقُّون ، مِن كُلّ الجِهات ، وذكر لي أحدهم : عندي مرضين ؛ مرض القلب ، ومرض المعدة ، فدَوَاء المعِدَة يُؤذي القلب ودواء القلب يُؤذي المعِدَة ! إنَّ بطْش ربِّك لشَديد ، وأحدهم دخل الحديد في رأسه بِحادِث ؛ لأنَّه قبل ثلاثين يوما ظَلَم إنسان ظُلماً غير مَحْدود . ثمَّ قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 13-14 ] هذه الآيات نشْرحها غداً إن شاء الله . والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البروج (85 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة البروج، وهي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الغفور صِيغة مُبالغة، فهناك رجل غافِر، على وزْن فاعِل، وصيغة اسم الفاعل هذه من الفِعْل الثُّلاثي، غَفَرَ يغْفِرُ غافِر، أما إذا كان الإنسان شديد المغفرة وكثير المغفِرَة فإنَّنا نسْتخْدِم اسم فاعل مُبالغ به على وزْن فعول، ووزْن فعيل وكذا فاعول، وفَعِل، هناك ما يقرب من عَشْر صِيَغٍ لِمُبالغة اسم الفاعل ؛ مِن هذه الصِّيَغ وَزن فَعُول، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] ما معنى أن يكون اسم الله تعالى مُبالَغاً في صيغته ؟ قال العلماء: إذا بولِغَ باسم الفاعل كاسمٍ من أسماء الله الحُسنى كان معنى ذلك أنّ الله تعالى شديد المَغْفِرَة ؛ لِمَعْنَيَيْن: نوْعاً وعدداً، عدداً فلو كان لك مليون ذَنْب، واسْتَغْفَرْتَ الله فإنَّك تجده غفَّاراً، أما نوعًا كما قَتَل تِسعاً وتِسْعون إنسانا، وسأل أحد الكَهَنَة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألِيَ تَوْبَة ؟ فقال: لا، فأتَمَّ به المائة ! ثُمَّ أخْبَرَنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ لِهذا الإنسان مَغْفِرَة، فأوَّلاً تتَّسِعُ مغفرة الله تعالى لِكُلِّ ذَنْب ولِملايين الذُّنوب وتتَّسِعُ لأكبر ذَنْبٍ يَخْطُر بِبَالك شَرْط أن تتوب إليه إذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطَلَح مع الله، والنُّقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [سورة الزمر] ليس الخِطاب مُوَجَّهٌ إلى العُصاة وإنَّما لِمَن أسْرف في المَعْصِيَة، لا تقْنَطوا من رحْمة الله، قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾ [سورة الحجر] وإذا قال العَبْد: يا ربّ، وهو راكِع، قال الله: لبَّيْك يا عَبْدي، وإذا قال: يا ربّ، وهو ساجِد قال الله له لبَّيْك يا عبدي، فإذا قال العَبْد يا ربّ وهو عاصٍ، قال الله له، لبَّيْك ثمَّ لبَّيْك ثمَّ لَبَّيْك ! هل تتصَوَّر أنَّ خالق الأكوان يفْرَحُ بِتَوْبَتِك ؟ للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد، تصَوَّر أنَّه معك سَنَد بِخَمْسة مائة ألْف، وضاعَ منك، واْنتَبَه صاحِب السَّنَد، فقال لك: اِعْطنيه، وخُذ المَبْلَغ ! ثمّ بعد عناءٍ وَجَدَتْه، فكيف يكون فَرَحُك ؟! إنسان عقيم وغَنِيّ، ويتمنَّى ولَد فإذا امْرأتُه حامِل، كم فَرَحُهُ ؟ وإنسان على وَشَك الموت عطَشاً ورأى الماء ! للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد وهذا الذي رَكِبَ ناقَتَهُ لِيَجْتاز الصَّحْراء، وعليها طعامه وشرابه، جلس لِيَسْتريح تحت ظِلّ النَّخْلة فلما أفاق لم يَجِد الناقَّة فأيْقَن بالهلاك، فَبَكى حتى أدْرَكَهُ النُّعاس فأفاق فإذا به رأى الناقة، ومن شِدَّة فرحِه قال: يا ربّ، أنا ربُّك وأنت عبْدي ! يقول عليه الصلاة والسلام: للَّه أفرحُ بِتَوْبة عبْده من ذلك البَدَوي من ناقته ! وإذا تاب العبْد توْبَةً نصوحا أنْسى الله حافِظَيْه، والملائكة كُلَّهم وبِقاع الأرض خطاياه وذُنوبَه، والصُّلح بِلَمْحَة وإذا تاب الإنسان - صَدِّقوني أيها الإخوة - يشْعُر كأنَّ ثِقْلاً كالجبل أُزيح عنه، واله عز وجل يُشْعِرُه أنَّهُ قَبِلَهُ، وعفى عنه، أما عَلِمْتَ يا مُعاذ أنَّ الإسلام يهْدِمُ ما كان قبله والهِجْرة تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجّ يهْدِمُ ما كان قبله، ومن وقَفَ في عرفات، ولم يغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله تعالى قد غفَرَ له فلا حجَّ له، لا بدّ أنيغلبَ على ظَنِّك أنَّ الله تعالى قَبِلَك واجْتباك والتَّوبة بِيَدِكم أيها الإخوة وما عليك إلا أن تقول: يا ربّ، تُبْتُ إليك ومِن خِلال خِبْرَتي المًتواضِعَة في الدعوة إلى الله رُبْع قرْن أكثر من عشْرة أشْخاص قالوا بالحَرْف الواحِد: أُسْتاذ لا يوجد ذَنْب يُمْكن أن تتصَوَّره لم نفْعَلْهُ ! والله عز وجل قَبِلَهم، فهذه قَضَتْ عُمْرَها بالرَّقْص فتابتْ وتَحَجَّبَت وتنقَّبَت بِمِصْر، ومُديرة التلفزيون هناك تعرضلها كُلّ أسبوع فِيلْم نِكايَةً لِحِجابِها أنا أُعْطيكم أمثلة ناطِقة، مهما كان الذَّنْب كبير فإنَّ الله غفور، صيغة مُبالغة ؛ إنسانة تُتاجِر بِجِسْمِها تابَتْ فتاب الله عليها، وكذا قاتِل وزاني فالله تعالى ينتظرك، لو يعلَمُ المُعْرِضون انْتِظاري لهم، وشَوْقي إلى تَرْك معاصيهِم تقطَّقتعَت أوْصالهم من حُبّي ولماتوا شَوْقاً إليّ، هذه إرادَتي للمُعْرِضين فَكَيف بالمُقْبِلين ؟ أحدهم ناجى ربَّه فقال: يا ربّ، إذا كانت رَحْمتُك ولُطْفُك بِمَن قال: أنا ربُّكم الأعلى ماذا قال فرعون لموسى قال تعالى: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)﴾ [سورة النازعات] فَكَيْفَ رَحْمتك بِمَن قال: سبحان ربِّيَ الأعلى ؟! إذا كانتْ رحْمتك بِمَن قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري فَكَيْفَ رحْمتك بِمَن قال: لا إله إلا الله فمادام القلب ينبض فالنَّجاة حاصِلَة، ومادام نُمُوّ الخلايا طبيعي فباب التوبة مَفْتوح، ما دام الدم فيه سُيولة فباب التوبة مَفْتوح، فإذا أصبح بالدَّم جَلطة أو ضاق الشريان أو نَمَتْ الخلايا عَشْوائِيًا، كانت المُشْكلة، لذلك أيها الإخوة، عليكم باغْتِنام الصِّحَة، واغْتَنِم خَمْسًا قبل خَمْس، شبابك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتك قبل موتِك، والتوبة تنْعَقِدُ بِكَلِمة واحِدة، يا ربِّ تُبْتُ إليك، ويقول سبحانه وتعالى: وأنا يا عبْدي قَبِلْتُ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [سورة الزمر] والله عز وجل يُغَطِّي لك الماضي كُلَّهُ بالمَغْفِرَة والمُسْتَقْبل بالطُمأنينة فالماضي مَغْفورةٌ ذُنوبه والمُسْتَقْبل مضْمونَةٌ حوادِثَهُ، قال تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾ [سورة البقرة] والله تعالى ما أمرنا أن نسْتَغْفِرَهُ إلا لِيَسْتغْفِرَ لنا، وما أمَرَنا أنْ نَدْعُوَهُ إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا أن نسْتعين به ؛ إياك نعبد وإياك نسْتعين إلا لِيُعيننا ووَسِعَت رحْمة الله كُلَّ شيء. قالوا: مَرَّةً دعا سيّدنا موسى الله تعالى بِالسُّقْيا، حين قحَطَت الأرض وجفَّتْ، فناجى ربَُّ بالسُّقْيا، فقال الله: يا موسى إنَّ فيكم عاصِيًا ! فَغَضِبَ سيِّدُنا موسى وقال لِقَوْمه: من كان فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرْنا، ثُمَّ هَطَلَت الأمْطار ولم يُغادِر أحد المَجْلس ! فسأل موسى ربَّه: من هذا العاصي يا ربّ ؟ فقال له: عَجَبًا لك يا موسى ، أسْتُرُه وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! والله تعالى يسْتُر وشُعور التائب لا يوصف ولو جاء الموت، قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾ [سورة آل عمران] إلا أنَّ العِبْرة أن نموت على الإيمان وعلى الطاعة، لا أن نموت ونحن على الهوائي المُقَعَّر ! وقد حدث هذا، فالعِبْرة أن يراك تائِبًا ومُنيباً وطائِعاً وأن يراك مُحِبًا، والتوبة لها ثلاثة شُروط: عِلْمٌ وحال وعمَل فإذا أنت لم تَحْضُر مَجْلِس العِلْم، كيف تعرف أنَّك مُذْنِبٌ ؟! إذا كان الواحد ضغْطه ثمانية عشر فاصل اثنى عشر ! مُهَدَّد بِفَقْد البصر، وبِجَلْطة في الدِّماغ وبأمراض وبيلة، فكيف يُعالِج هذه الأمراض إن لم يعْلم أنَّ ضَغْطه مُرْتَفِع ؟! والضَّغْط ليس له أعراض وقلَّما يكون له أعْراض فأنت تُعالِجُ ضَغْطك إذا عَلِمْتَ أنّه مُرتفِع، وكذا دروس العِلْم ؛ هذه البِضاعة حرام، وهذا الكَسْب غير مَشْروع، ووَضْعُ زوْجتِك غير صحيح، وهذا البيْت مُغْتَصب، فأنت كيف تعرف الحلال والحرام إن لم تتعَلَّم أحكام الفِقْه وكتاب الله وسُنَّة رسول الله، فالتوبة عِلْم، فإذا كان هناك عِلْم ينْشأ النَّدَم والحال، وإذا كان هناك حال كانتهناك ثلاثة أعْمال: الماضي بالإصْلاح والحاضِر بالإقْلاع، والمُسْتَقْبل بالعَزيمة، وحاجة الناس إلى العِلْم كحاجَتِهم إلى الهواء، والإمام مالك يقول: حاجة الناس إلى العِلْم أشَدُّ من حاجتِهم إلى الأكل والشراب، لأنّك أنت تأكل في اليوم مرَّتَين أو ثلاثة، أما في الطريق فهناك مائة امرأة ! فإن لم تغضّ بصَرَك وَقَعْت في مُشْكلة، وإن لم تَضْبِط لِسانَكَ وَقَعْتَ في الغيبة والنَّميمة، وسُخْرِيَة والعين والفم واليد، فإذا لم يعرف الإنسان الشَّرْع، كيف يتوب إلى ذَنْبِهِ وكآخِر فِكْرة أعْتَقِد أنّ أربعاً أو خمْسة آيات، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119)﴾ [سورة النحل] افْتح المُعْجم في كلمة بعدِها، تجِد أنَّ الله غفور رحيم ولكن بِشَرْط، وهو بعد التوبة والإيمان والعَمَل الصالِح، تابوا فتاب عليهم، وهناك تاب الله عليهم لِيَتوبوا ؛ شيءٌ يُحَيِّر ! فَتَوْبَةُ الله مِن قبل أم مِن بعد ؟ قال: تابوا فتاب الله عليهم، أي تابوا فَقَبِلَ الله توْبَتَهم أما تب الله عليهم أي ساق لهم من الشدائِد ما يَحْمِلُهم بها على التوبة، وشُعور التوبة شُعور لا يُقَدَّر والآية هذه واضِحَة والصُّلْح بِلَمْحَة والله غفور رحيم، قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾ [سورة الحجر] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البروج (85 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه وتعالى يقول في آخر سورة البروج: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الوَدود، أي أنَّ أفعاله سبحانه وتعالى فيها مَوَدَّةٌ لِخَلْقِه، خَلَقَكَ في أحْسَن تَقْويم، ومنَحَكَ عَيْنَيْن لِتَرى بهما البُعْد الثالث فلو أنَّها كانت عينًا واحِدَة لرأيْتَ بُعْدَيْن فقط، ومنَحَك أُذُنَيْن لِتعْرِفَ بهما جِهَة الصَّوْت ولو كانت أُذُنًا واحِدَة لما عَرِفْت جِهَة الصَّوْت، ومنَحَك جِهاز التوازن فلو نظَرْت إلى بعض المَحَلَّات التِّجارِيَّة وفيها أشْخاص مِن الشَّمْع تُسْتَخْدم لِتُوضَع عليها الأجْهزة لها قاعِدَة عريضة جداً تزيد عن سبعين سنتمتر، لأنَّ هذا الإنسان من أجل أن يبقى واقفاً لا بدّ من قاعِدَة اسْتِناد لذلك لابدّ له من قَدَمَيْن كَخُفَّي الجَمَل، والإنسان إذا سار في الطِّين وَعَلِقَ به يُصْبِحُ المَشْيُ شاقًا فهذه القَدَم اللَّطيفة، ما سِرُّ انْتِصاب قامَتِك مع قاعِدَة اسْتِناد صغيرة جداً بِدليل أنّ المَيِّت لا يُمْكِن أن يقوم، هل تستطيع أن تُوقِفَ ميِّتًا ؟ مُستحيل، فهذا بِفَضْل جِهاز توازن أودِع في الأذن الوُسْطى، وهذا الجِهاز ثلاث قَنَوات، فيها سائل وأشْعار والإنسان إذا مال قليلاً بِحُكْم بقاء السائل مُسْتوي رغم الملَيان، فهذا السائل يصِل إلى الأشْعار فلولا هذا الجهاز ما أمْكن أن يمْشي على قَدَمَيْه إطْلاقاً، ولا أمْكَنَهُ أن يرْكَب درَّاجة، راكِب الدراجة، هل تستطيع أن تُبقيها واقفة إلا بِفَضْل جِهاز التوازن، فالإنسان كرَّمَه الله تعالى أعظمَ تَكْريم، ولو لم يكن فيها عضلات، لما أمْكَنَك تفريغُها ولاحْتَجْتَ إلى أُنبوب تَهْوِيَة، بهذه العَضلات تُفَرَّغ بِثَواني معدودات ثمَّ لولا هذه المثانة للَزِمَك كُلّ عشرين ثانِيَة أن تنزِل نقطة بول، ولاحتاج الإنسان إلى فُوَط ، وهذا شيء مُزْعِج ؛ رائِحَة، فالله تعالى كرَّمَك وعَزَّزَك من خِلال المثاني ومن خِلال هذه العضلة العجيبة، والعَضلَة القابِضَة، وهي في أشَدِّ حالات القَبْض أنت مُرْتاح، فلو كنت تحتاج إلى شَدِّ دائِم لأصْبَحَت الحياة شاقَّة، فهاتان العضلتان التي تُحْدِثان الغائِط والبَوْل، وهي في أشَدِّ حالات التَقَلُّص تكون مُرْتاحاً، فهذا تَكْريم، والله تعالى جعل هذا الرأْس يدور هكذا، وهذه عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جعل هذا الرُّسغ وهذا الإبهام وهذا المِفْصَل، فلو فَكَّر الإنسان في جِسْمِهِ لَعَلِمَ قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] مَنَحَك الطعام والشراب وأنواع مُنَوَّعة من الطعام والشراب، ومُبَرْمَجَة كرز ثمَّ التُّفاح ثمَّ الدراق ؛ كُلُّ هذا بِبَرْنامج لطيف وخُضراوات تنْضج اتِّباعاً خِلال شَهْرين، وجعل لك الهواء، وهو ينثر الضَّوء، فبِالقَمَر إما أن يكون هناك أشِعَّة شَمْس أو ظلام دامِس، أما الهواء فهو يجعل المنطقة لا شَمْسِيَّة ولا ظلامِيَّة، وجعل لك الهواء وسيط بينك وبين الآخرين، فلو لا الهواء لما كان هناك كلام ولا صوْت، وذَكَرْتُ البارحة أنَّ هذه المَوْجَة الصَّوْتِيَة تتخامَد، ولو أنَّها لا تتخامَد لكانتْ أصوات البِحار وأمواجها في كُلِّ مكان ! وأصْوات الانْفِجارات في كُلِّ مكان، وأصْوات المعامِل في كُلِّ مكان، لأنّ المَوْجة الكَهْرطيسِيَّة لا تتخامد، فقد أرْسَلوا للمُشْتري مَرْكبة بِأعلى سُرْعة صَنَعها الإنسان أربعين ألف ميل في الساعة أي ستِّين كيلو متر في الساعة ! هذه بَقِيَتْ تَمْشي في الفضاء الخارِجي سِتّ سنوات حتى وَصَلَت إلى كَوْكب ضِمْن المجموعة الشَّمْسِيَّة ؛ مِن هذه الكوكب المُشْتري أُرْسِلَن إشارات وصُوَر كيف أُرْسِلَت هذه الإشارات والصُّوَر ؟ عن طريق مَوْجَة كَهْرطيسِيَّة أما الصَّوْتِيَّة فَتَتَخامَد، فلو أنَّها لا تتخامَد فالحياة على وَجْه الأرض لا تُطاق، أحْياناً تكون في بُستان وفي نُزْهة ويكون مُحَرِّك الماء مُشْعَلاً يُفْسِدُ عليك الاسْتِمْتاع بالطبيعة، فهذه السُّحب التي تَزِن ملايين الأطْنان بل آلاف ملايين الأطْنان ؛ يقول لك: مُنْخَفَض جَوِّي يُغَطِّي القُطْر كُلَّه ! وإذا رَكِب الإنسان الطائرة يعرِفُ قيمة هذه الآية، يجد فوق السَّحاب جِبال وأكَمَات سُحُبِيَّة ووِدْيان، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾ [سورة النمل] بلا ضجيج، والذي عنده مركبة إذا صَوْت المُحَرِّك يتشَوَّش وهذه الأرض التي تَمْشي ثلاثين كيلو متر في الثانِيَة ألا تُبْدي صَوْتاً ؟ سُكون واسْتِقْرار تام ! قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾ [سورة النمل] فالأرض وحَجْم الأرض، والشَّمْس والقمر والفُصول والليل والنَّهار والنباتات والأطْيار، والخُضار والفواكِه، وهذا الماء العَذْب، قال تعالى: ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70)﴾ [سورة الواقعة] وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾ [سورة الحجر] قال لي أحد إخواننا بِعِين الفيجة: كُلّ ثانِيَة أربع وعشرون متر مُكَعَّب هذه سُقْيا دِمَشق، من سَخَّرَها ؟ وأين حُدود هذا النَّبْع ؟ نصف لبنان فوق حوْض الفيجة، فَتْحَتُه في عين الفيجة أما امْتِداده إلى حِمْص، ما قيمة هذه البَلْدة من دون هذا الماء العَذْب الفُرات، فهذه مَوَدَّة من الله عز وجل، ثمَّ أنت لك زوْجة بالبَيْت، وهي مثلك تفرح وتتألَّم وتشْعر وتُشاركك متاعِبك وأفراحك، ومُؤْنِسَة ومُمْتِعة، وجاءك منها ولَد يمْلأ البيت فرَحًا وأنْساً أليس هذه مَوَدَّة من الله تعالى، وبعدها صَوَّرَك في أحْسن صورة وجعل لك قِوام ورأس وشَعْر، قال ﴿ تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾ [سورة البلد] فإذا وُلِدَ الطِّفل، من الذي عَلَّمَهُ مصُّ الثَّدْي ؟ عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جدًا لو أنَّ الطِّفْل لا يعلم كيفِيَّة مَصِّه لِثَدْي أُمِّه، كيف يفْعل أبوه ؟ يُحْكِمُ الإغلاق ويَسْحب الحليب، ومن جعل أوَّل الأربع والعشرين ساعة صَمْغَة فهذا الطِّفل يولد وفيه أنابيب مملوءة شَحمًا، فلا بدّ في الأربع والعشرين ساعة لا يكون هناك حليب، وإنَّما مادَّة مُزيلة للشَّحْم يأخذ صَمْغة ويُخْرج لون أسْوَد، مَن صَمَّم هذا التَّصْميم ؟ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾ [سورة عبس] ومن الذي أعطى أمْر لِحَوْض المرأة أن يتوسَّع ؟ ومن أعطى أمْر للطِّفْل أن ينقلِب ؟ ومن أعطى أمْر للغِشاء يتمزَّق ؟ وأمْر للرَّحِم أن يتقلَّص تقلُّصًا مُتَزَامِنًا وبِلُطْف، كم بين الطَّلْقتين ؟ ثلث ساعة ثمَّ خمسة عشرة دقيقة ثم أربعة عشر ثمّ خمْسة عشر، ثمَّ تتسارَع الطَّلَقات ضَغْط عضلات لطيف، فإذا خَرَجَ الجنين ينقبِض الرَّحِم انْقِباض شديد جدًا، ويُصْبح الرَّحِم مثل الصَّخْر، ولو لم يكن كذلك لماتَتْ المرأة من النَّزيف ! ولمّا ينزل الولد يقطع مائة ألف شريان كُلُّها مَفْتوحة ويأتي الرَّحِم فَيَنْقَبِض انْقِباضاً شديداً، ويمْنَع نزيف الدَّم، ولو كان تقَلُّص الطَّلْق شديداً، وتقَلُّص الرَّحِم لَيِّنًا، لماتت الأم وولدها، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾ [سورة عبس] هذا هو معنى ودود هل الصَّنوبر أساسي في حياتنا ؟ وهل الفلفل أساسي ؟ وَكُلّ أنواع الخضر والفواكه ؛ كُلّ هذه ليْسَت ؟ أساسِيَّة، إنَّما الحليب والقمْح هما الأساسيَّان، فلماذا توجد كل هذه الأنواع من الخُضر والفواكه، ولماذا يوجد ثلاثون نوعًا من العِنب ؟ وحَدَّثني جماعة من الدكاترة أنَّ خمساً وأربعون ألف نوع من القَمْح ! وكذا الشعير، والحُمَص والعدس وكذا الأطيار والأسماك، فأنت ضِمْن نِعَم الله، لذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] توَدَّد إليك، فلذلك الإنسان غافل عن الله، وكان عليه أن يشْكره أذكر مَرَّةً كُنَّا في صلاة جنازة، وكان لي صديق كنت أنا وهو على مقعد الدِّراسة وتسلَّم منْصب رفيع جدا، وكان عمره ستِّين سنة، دخَلْنا لِنُشَيِّع جنازة أحد إخواننا فلم يدخل معنا ! تَعَجَّبْنا، هل أنت أكبر من أن تُصَلِّي ؟ من منحك نِعْمة الوُجود والإمداد ؟ ألا يسْتَحِقّ هذا أن تُصَلِّي له ؟ لذلك علينا أن نلحق بالتوبة النصوح قال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)﴾ الكون له، دقِّق الآن في قوله تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الأحداث قال تعالى: ﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران] قدر ما كان الإنسان قويّ فلا يمكنه أن يكون فعَّال لما يريد، لو أصابه مرض عُضال فهل هو فعَّال لما يريد ؟ لو اجْتَمَعنا وقرَّرنا أن تنزل الأمطار، فهل نستطيع أن نقول: قرَّر المجلس إنزال الأمطار ! فهل يتحقَّق هذا ؟! مرَّةً كنت عند طبيب قلب فجاءهُ هاتف، ويبدو أنَّه غنِيّ جدًا، فقال له: أيّ مكان بالعالم نبعثه، وأيّ رقم يُكَلِّف ندْفَعُهُ ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! السَّرَطان بِدَرَجَتِهِ الخامِسَة ! فَشَعَرْتُ حينها أنَّ الإنسان ضعيف ومَقْهور، من الفعَّال لِما يريد ؟ الله وحْدَهُ فإذا كنت مع الفعَّال لِما يريد أحْسن من أن تكون مع إنسان لا يفْعل ما يريد، يريد مليون قَضِيَّة فلا يَتَحَقَّق منها شيء، كلمة فعَّال لما يريد معناه: الله تعالى قادِر؛ كُنْ فيَكون ! فإذا كنت مع من يقول: كن فيكون ! فأنت من أسْعد الناس، وإذا كنت مع عَبْدٍ ضعيف، إذا بعَثَ لك أحد الأقرباء برْقِيَّة عن وفاة شَخْص ؟ فهل تستطيع أن تمْنَعَ عنه الموت ؟ أو أن تمْنَعَ عنه المرض، إذاً كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] هو القاهر وهو الكبير والعظيم، وإذا أعْطى أدْهَش، وإذا حاسب أدْهَش، زُرْتُ أحد التُّجار في معمله، وهو نائِم على طاولة الخياطة ويأكل من علبة سردين ! فقال: لي كان عندي ثلاثة مصانِع، وثمانين عامِل، وثلاثة سيَّارات، للنُّزْهة وللبلد وللعَمَل خَفْ من الذي إذا أخذَ أدْهَش، قال له: يا معاذ ما حقُّ الله على عِباده ؟ قال: أي يعْبُدوه قال: فما حقُّ العباد على الله إذا عبَدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم ! فالله منَحَكَ حقٌّ عليه، وقال لك: طالِبْني فيه وهذا أعظم حقّ ؛ قال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) ﴾ [سورة البروج] أنت تُريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتًُك ما تريد وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، ماذا فعلوا إخْوة يوسف ؟ أرادوا به كَيْدًا وأرادوا أن يقْتلوه الله تعالى قال: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾ [سورة يوسف] جعلهُ عزيز مصر، وجعل إخوته تحت إمْرتِهِ، قالت: امْرأة رأتْهُ حينما كان عَبْداً في القصْر، ثمَّ كيف صار عزيز مِصر، قالت: سبحان مَن جَعَل العبيد مُلوكًا لِطاعَتِه، وسبحان مَن جَعَل المُلوك عبيدًا لِمَعْصِيَتِه، قال أحدهم: ألْقَتْني أمريكا خارِج إيران كما تُلقى الفأرة المَيِّتَة خارج المنزل ! فالله يقْهَر عِباده، وأنت كُنْ مع القويّ والعادِل والرحيم، وكن في خِدْمة عبيده، والسَّعْي لهم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الطارق (86 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في لُغَتِنا اليَوْمِيَّة نسْتخدم القسَم، تقول لإنسانٍ: والله، هذا كلامٌ ناقِص ! أين جواب القَسَم ؟ فإذا قُلْتَ: والله إنِّي لأُحِبُّك ! كان قولك: أُحِبُّك جواباً للقَسَم، تالله لأفْعَلَنَّ كذا وكذا، فما من قَسَمٍ إلا ويحْتاج إلى جواب، والدليل: لو كُنْتَ في مَجْلسٍ وقام أحدهم وقال: والله ثمّ والله ثمَّ والله، ثُمَّ سَكَت، لما فَهِمْتَ المَقصود من كلامه، فَكُلّ كلامٍ يحْتاج إلى قَسَم، والآن لو طَبَّقْنا هذه القاعِدَة في القسَم على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾ [ سورة الطارق] إلى هنا لم يأت جواب القَسَم ثمّ قال تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هذا جواب القَسَم، لا يوجد إنسان فَلْتان ولا يوجد إنسان لا يُحاسَب، ولا يوجد إنسان يتحرَّك على مِزاجِه دون أن يُسأل لماذا فَعَلْت ؟ الذي خلق الكون، وخلق هذه النُّجوم، المَجَرَّات تقريباً مليون مليون مَجَرَّة، وبالمَجَرَّة وَسَطِيًّا مليون مليون نجْم، ولا تزال حدود الكون غير معْروفة، أحدث معلومة على أبْعَد مَجَرَّة اكْتُشِفَتْ حتَّى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون ألف مليون، والضوء يقْطع في السَّنة ثلاثمائة ألف ضرْب ستِّين ضرْب ستِّين ضرْب أربع وعشرون ضرْب ثلاث مائة وخمْسٌ وسِتُّون ولأنَّ الضوء يقطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثمائة ألف كيلومتر، والله عز وجل قال: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾ [ سورة الواقعة ] المسافات بينها ثمّ قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾ [ سورة الواقعة ] إذا كنتم تعلمون ما معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾ (سورة الطارق ) تَجِدُ نجْمَةً بعيدة مُتألِّقة وبيْضاء، حجمها سنتمتر بالعين، وهذه النَّجْمة قد تتَّسِع للأرض والشَّمْس والمسافة بينهما، وبين الأرض والشَّمْس مائة وسِتٌّ وخمسون كيلومتر، والشَّمْس يتَّسِعُ جوْفُها إلى مليون وثلاثمائة أرْض، وبينهما مائة وستّ وخمسون سنة ضَوْئِيَّة وهناك نَجْم يبْدو حجْمُه واحِد سنتمتر مُرَبَّع بالعَيْن المُجَرَّد اسْمُهُ قلب العقْرب واسمه برْج العقرب يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما فقوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾ [ سورة الطارق ] هذا النَّجْم: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾ [ سورة الطارق ] يعني يَصِلُ ضوْؤُهُ إلينا، فإذا أشْعَلَ الواحِدُ مِنَّا الضوء الشَّديد يُرى إلى خمْسين متر وحتى مائتان متر، لكن لا يُمْكننا أن نصِلَ بِنَظَرِنا إلى حلب، وكذا بِحِمْص، طيِّب وَضَوْءٌ يأتي إلينا من مِلْيارات ملْيارات السنوات الضَّوْئِيَّة ويَصِلُ إلينا، لذلك شَمْسُنا شَمْسٌ حمراء في منتصف عُمرها، وكذا النُّجوم لها أعْمار، أما إذا تَقَدَّم بها العُمْر يزْداد حجْمُها كثيراً، ثُمَّ تنْكمِشُ إلى واحد بالمائة وينقلبُ ضوءها إلى لوْنٍ أبْيَض، والضَّوْء الأبْيَض حرارته عالِيَةٌ جدًا، وبعد حين ينقلبُ ضوءها إلى ضوْءٍ أسْوَد وينْعَدِمُ ضوءها، وهي حالةُ التكَدُّس، وهذه الذَرَّات تتراكَم على بعْضِها بعْضًا، ومن شِدَّة الضَّغْط لا يسْمَحُ الضَّغْط بِخُروج الضوْء منها، فَيَغْدو ثُقْبًا أسْوَدًا هي مَقْبَرَةُ النُّجوم، ولو أنَّ الأرْض مرَّتْ بِجَانِبِها لأصْبَحَت بِحَجْم بيْضَة، فالشَّمْس تنتقِل من طَوْر أحْمر إلى طَوْر أبْيَض إلى طَوْر أسْوَد، فهذا النَّجْم الثاقِب الذي تراه مِن بُعْد ملاين وملايين السنوات الضَّوْئِيَّة، الذي خلق هذا النَّجْم لن يتْرُكَكَ سُدًى، ولن يدَعَكَ تفْعَلُ ما تشاء دون أن يُحاسِبَك، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هذا هو جواب القَسَم، هناك ملائكة وسِجِلاَّت وشريط مُلَوَّن ناطِق، وكُلّ الأعمال والحركات مُسَجَلَّة فيه ويوم القِيامة يُقال لِهذا الإنسان كما قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾ [سورة الكهف ] فالقَضِيَّة أن تُؤمِن أنَّ هناك حِساب، وأن تَكْفُر بما يُسَمِّيه الناس العَبَثِيَّة، إذْ لا عَبَثِيَّة في ديننا، ولا يوجد إنسان يأكل مال الناس وينْفذ، ولا يوجد من يعْتَدي على أعْراض الناس ولا يحْدُث له شيء، ولا شيءَ بعد الموت هذا الشيء مُسْتَحيل، ولِهذا هذه السورة تُؤَكِّد اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هناك حَفَظَة ورُقَباء وملائكة وهَيْبَة إلا أنَّ الله عز وجل لطيف، ولا يُشْعِرُكَ أنَّ هناك رقابة، أما لو راقَبَك فلن تسْتطيع أن تتحَمَّل، أما الله عز وجل لطيف والحبْل مرخي حتى تتوَهَّم أنَّك لسْتَ مُقَيَّد، وفي أيَّةِ لحْظة يُشَدُّ الحَبْل فإذا أنت في قَبْضَة الله، قال تعالى ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل فلو أنَّ شَخْصاً أبْلَغوه أن هاتِفَك مُراقَب، يَعُدّ للملْيون قبل أن يقول كلمة يُحاسَبُ عليها، وإنَّما يمْشي بالطرق السَّليمَة الواضِحَة، ولا يتْرُك قَضِيَّة عليها شُبْهَة، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] والدليل: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾ [ سورة الطارق ] كُلّ واحِد له أولاد وكُلٌّ مِنَّا يعرف سبب خلْق الولد، ومن أين أتى ؟ الماء المَهين، والذي خمس مائة مليون حُوَيْن منوي تحْتاج البيْضَة إلى حُوَيْن واحِد، وفي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمس مائة مليون يفْرزها الرَّجل، وتحتاج البُوَيْضة إلى حُوَيْن واحِد لا يُرى بالعَيْن، ويدْخُل البُوَيْضة ويَتِمُّ التَّلْقيح ويتِمُّ الانْقِسام إلى عشْرة آلاف قِسْم، وهي في طريقها إلى الرَّحِم دون أن يزْداد حجْمُها، فإذا وَصَلَتْ إلى الرَّحِم انْغَرَسَت فيه، وبدأت التَّغْذِيَة، وبعد تِسْعَة أشْهر تجِدُه طِفْلاً ؛ رأس وجمجمة ودِماغ، ومائة وأربعين مليار خَلِيَّة اسْتِنادِيَّة بالدِّماغ، عَيْن تحوي مائة ومليون عُصَيَّة ومخروط وشَمّ من عشرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة، وكُل نِهاية تحْوي سبْعة أهْداب، وكُلّ هُدب له مادَّة مُخاطِيَّة، وأذن متكوِّنة من أذُنٍ داخِلِيَّة ووُسْطى وخارِجِيَّة وصيوان، وأمور مُعَقَّدَة جدًا، وأعْصاب سَمْع وذَوْق، وبلعوم ورئتان، وقلب، ودَسَّمات، وشريان أبْهر، وشريان تاجي ودم يُضَخ للرِّئة ومنها إلى القلب، ومن القلب إلى الجِسم، ومن الجِسم إلى القلب مرَّةً ثانِيَة، وكلية تحوي طريق فيه مائة كيلومتر يمُرُّ فيها الدمّ خمْسة مرَّات ؛ كُلُّ هذا من ماءٍ مهين، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾ [ سورة الطارق ] هَيْكل عظْمي متين، أسْناخ رِؤَوِيَّة لو نُشِرَت لكانت مساحتها مائتان متر مربَّع ! وبالشَّعْر ثلاثمائة ألف شَعْرة وبالشَّعْرة شريان ووريد وغُدَّة دَهْنِيَّة وصِبْغِيَّة عصَب وعضَلة، وهذه العِظام والعضلات والشُّحوم وغضاريف، وغُدَّة النُّخامِيَّة وزنها نصْف غرام تُفْرِز اثنى عشر هرمون، وكُلّ هُرمون لو تعطَّل إفْرازه لأصْبَحت حياة الإنسان جحيماً والله عز وجل يقول: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)﴾ [ سورة الطارق ] فالذي خلقك أوَّل الخَلْق قادِر أن يُعيدَك خلْقًا آخر. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)﴾ [سورة الطارق ] تُمْتَحَنُ هذه النُّفوس من حِقْد وحَسَد وغِشّ وكِبْر ونِيَّة الاغْتِصاب والاسْتيلاء على أموال الناس، ونِيَّة بناء المَجْد على أنْقاض الآخرين ؛ كُلُّ هذا مَكْشوف، والإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته وَقْتَها ضعيف، قال تعالى: ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)﴾ [سورة الطارق ] سورةٌ خطيرة جدًا، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] أي كُلُّ نفْس عليها حافظ يُسَجِّل كُلَّ أفعالها، وطريق الإيمان بالله: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾ [ سورة الطارق ] العلماء فَهِموا هذه الآية أنَّ البِحار تتبَخَّر، والبُخار يصْعَدُ في السماء، ويعود أمْطارًا وحينما تقَدَّم العِلْم وجَدوا هذه الأمْواج الكهرطيسِيَّة التي تُبَثُّ إلى الفضاء الخارِجي لولا أنَّه هناك طبقة اسمها الأثير لما عادَت إلى الأرض إذْ أنَّ هذه الطبقة هي التي تردّ الأمواج الكهرطيسِيَّة إلى الأرض، ولولاها لما كانت هناك إذاعة، ثُمَّ اكْتَشَفوا أنَّ السماء ذات الرَّجع ؛ هذه الكلمة تنتظم الكون كُلَّه، أيُّ كوكبٍ في الفضاء يدور في مسار مُغْلَق، ومعنى مسار مُغْلق أنَّ الكوكب يعود إلى نقطة انْطِلاقِه، ولو كان المسار غير هذا لما عاد، ولكن لما كان مُغْلقًا فَكُلّ ستة وسبعون سنة يعود إلى مكانه، وهذا في كُلُّ نَجْم في السَّماء، فالأرض تدور حول الشَّمْس وتعود إلى مكان انْطلاقها، فقالوا: هذه كلمة جَمَعَت خصائِص الكون كُلِّه ! لو أنَّ الكون لا يتحرَّك بِفِعْل الجاذِبِيَّة لأصْبَحَ كُتْلَةً واحِدة وهذه الحرَكَة ينشأ عنها قُوَّة جاذِبَة تكافئ القُوَّة النابِذة، لو ألْغَيْنا الحركة لجَذَبَتْ كُلّ الكواكب بعضها بعْضًا حتى تَجْتَمِع في كُتْلَةٍ واحِدَة ولانتهى الكون، فهذه الحركة فيها بَرَكَة، وهذه الحَرَكة ينشأ عنها قِوى، قال تعالى: والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصَّدع.." يخرجُ منها النبات: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)﴾ [ سورة الطارق ] قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)﴾ [ سورة آل عمران ] وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾ [ سورة إبراهيم ] أعداء الدِّين يمْكُرون لكنّ الله يُدَبِّرُ تَدْبيراً يردُّ عليهم، قال تعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾ [ سورة الطارق ] هذا تهْديد، أي سوف يلقى هؤلاء حِساباً عسيرًا، وعذابًا أليمًا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعلى (87 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، سورة الأعلى تبدأ بِقَوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾ [سورة الأعلى] التَسبيح التَّنْزيه، والتَّسبيح التَّعْظيم والتَّسبيح الخُضوع، فمَنَ نَزَّه الله تعالى عمَّا لا يليق به، ومَجَّدَ الله عز وجل، وخضَعَ له فقد سبَّحَهُ والإنسان مأمور، وكل أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتضي الوُجوب، فَسَبِّحْ فِعْلُ أمْرٍ، فالإنسان مُكَلَّفٌ أن يُمَجِّدَ الله وأن يُنَزِّهَهُ وأن يخْضَعَ له لِيَكون مُسَبِّحًا له. تُنَزِّهُهُ مِن خِلال التَّعَرُّف عليه من الكون الذي هو مَظْهر لأسْمائِهِ ومِن خِلال التَّعَرُّف عليه من كلامه ؛ فالقرآن كَوْنٌ ناطِق، والكَوْنُ قرآنٌ صامِت، وأنت مُكَلَّفٌ أن تُسَبِّحَهُ وأن تعرِفَهُ مِن خِلال أفْعالِهِ فأفْعالُهُ تَدُلُّ عليه وخَلْقُهُ يدُلُّ عليه وكلامُهُ يدُلُّ عليه فإذا تفَكَّرْتَ في خلْق السماوات والأرض، وإذا تأمّلْتَ في أفعال الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾ [سورة الروم] وإذا قرأتَ القرآن بِتَدَبُّر عَمَّا لا يليق به ومَجَّدْتَهُ وعَظَّمْتَهُ وخَضَعْتَ له في النِّهاية فقد سبَّحْتَهُ تعالى وهذه طُرق سالكَة إلى الله، قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾ [سورة الأعلى] لكن ما جاء اسم الذات الله هنا اسمٌ من أسماء الصِّفات وأقرب اسم من أسماء الصِّفات هو الربّ سبِّحْ اسم الذي يُرَبِّيك، والذي منَحَكَ نِعْمَة الوُجود والإمْداد، والذي دلَّكَ عليه ويسَّر لك أُمورَك. قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾ [سورة الأعلى] أيها الإخوة الكرام، التَّسْوِيَة غير الخَلْق، والفرق دقيق جدًا، فقد تكون مُهَنْدِسًا، وتنشئ غرفَةً مَبْنِيَّة على عِلْم، ولها أساس، ونِسْبَة الإسْمَنْت جيِّدة، والسَّقْف مَدْروس لكن قد تكون هذه لغرفة مُعَدَّة لِمَبيت سيَّارة لكنَّ مساحتها لا تكفي، فقد تدخل السيارة ولكنَّك لا تستطيع فتْح الباب نقول هذه الغرفة مَبْنِيَّة على عِلْم ولكِنَّها غير مُسَوَّاة مع السيَّارة ! فيجب أن تفتح هذه السيارة بِرَاحة وغطاء السيارة كذلك ؛ كلّ هذا والمركبة داخل الغرفة، إذًا التَّسْوِيَة غير العِلْم ؛ فالشيء قد يكون مَبْنِيًّا على عِلْم إلا أنَّه غير مناسب للاستِعمال فلاني، فمثلاً القمْح فيه علم إلا أنّه مناسب كغِذاء كامل للإنسان، وهو مُسَوَّى معه، وكذا الحليب الذي هو من إنتاج البقرة إلا أنَّ تركيبه يتناسب مع الإنسان، فالتَّسْوِيَة هي التَّنْسيق والتناسب فأنت أحْيانًا ترى في هَيْكَل السيَّارة فتْحَة ثمَّ تكتَشف أنَّ هذه الفتْحة لِمُرور كَبل كبير كهربائي، وألم ترَ في الجمجمة فتحات في قعْر المَحْجر هذه لِمُرور العصب البصري، وأنت تشعر أنَّه هذه الجمجمة مُسَوَّات تَسْوِيَةً كاملَة، وهذا موضوع طويل جدًا يبْدأ بالإنسان والحيوان والنبات فالصُّوص الصغير الذي في البيضة ينشأ له نُتوء صغيرة في مِنْقارهِ لِيَكْسِرَ به البيْضة فإذا كُسِرَت وخرج منها تلاشى هذا النُّتوء. الطِّفل الصَّغير تجد أنفهُ قاسي وغُضروفُه كذلك ؛ فإذا تقَدَّمَتْ به السِنّ أصْبَحَ طَرِيًّا ؛ لأنَّهُ هو صغير ويرْضَعُ من ثدْيأُمِّه، فلو كان أنفُهُ ليِّن لأُغْلقَ عليه مَجْرى التَّنَفُّس، فلا بدَّ من غُضْروف قاسٍ لِأنْف الطِّفْل وقناة الدَّمْع مُسَوَّاة مع الدَّمْع، وهي أدَقُّ قناةٍ في جِسْم الإنسان، ولو سُدَّتْ لأصْبَحَ الأمر صعب جدًا، والدّمْع قلوي، والمادَّة القَلَوِيَّة تُخَرِّش الجلد، والبروسْتات غُدَّة في ملتقى مجرى ماء الحياة مع البَوْل ؛ ففي ملتقى المَجْرَيَيْن هنا الغُدَّة، تعْمل ثمانين عامًا، وهي تُفْرِز مادَّة قُلَوِيَّة تتناسب مع المادَّة الحمْضِيَّة في البول لِتُعَدِّلها، وفي وقت خروج ماء الحياة ؛ ففي هذا المجرى هناك بول، تُفْرِز هذه الغدَّة مادَّة مُطَهِّرة ثمَّ مادَّة مُعَطِّرَة ثمَّ مادَّة مُغَدِّيَة ؛ هذه هي البروستات التي تعمل ثمانين عامًا دون توَقُّف، وكذلك وأنت نائِم يزْداد اللُّعاب، ويأتي أمر للدِّماغ إلى لسان المزمار يغلق طريق الهواء، ويفتح طريق المري، فَتَبْلع اللُّعاب. خلقُ الإنسان كامِل يحوي تَسْوِيَة كاملة، وأنت نائم هناك عضلات لحْمِيَّة تلف العظْم من فوق ومن تحت، وهي تحوي أوْعِيَة، ومع الضَّغْط تضيق لمْعَتُها، فَيَخْضَرّ الإنسان، ما معنى اخْضرار جسم الإنسان ؟ معنى ذلك أنَّ التَّرْوِية منعدِمة وضاقَتْ ! إذْ هناك مراكز ضَعْط في الإنسان تعطي إشارة للدِّماغ وأنت نائِم، فَيُعْطي الدِّماغ أمْر فينْقَلِبُ الإنسان ؛ شيء لا يُصَدَّق ! تمشي بالطريق تسْمع بوق سيَّارة، هناك جِهاز بالدِّماغ يحسب تفاضل وُصول الصَّوْتَين إلى الأذن، والتَّفاضل واحد على ألف وستُّ مائة جزء بالثانِيَة تكْشِفُ الصوت باليمين فتَتَّجِه إلى اليسار ! الذي خلق فَسَوَّى. أيضًا خلق النَّبات، فالبطيخ على الأرض، ولو كان على الشَّجر للزِمَ من ذلك وفيات سنوِيَّة نتيجتها البَطِّيخ !! والمحاصيل الاسْتراتيجِيَّة تنْضج بِيَوم واحِد ؛ القمح والعدس والحمص، أما المحاصيل كالخضراوات والفاواكه فهي تنْضج خِلال تسعون يومًا، وذكر لي أخ كيفِيَّة معرِفَة نضج البطيخ أم لا ؛ له حلزون فإذا انْكسر كان ذلك دليل النُّضج وإن لم ينكسر كان دليل عدم النُّضج ! والله تعالى قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾ [سورة النحل] وكذا البقرة تُعْطي الحليب ؛ غُدَّة ثَدْيِيَّة على شَكْل قُبَّة تعطي الحليب وهي تخْتار من الدَّم الذي فوقها فيتامينات ؛ شُحوم وبروتينات ومعادن وسُكَّرِيات، وترشح من تحت نقطة حليب وكلّ أربعة مائة لتر دم تجْري فوق الغُدَّة الثَّدْيِيَة تصنع منهم لتر واحد من الحليب، وزْن الحليب يُمَزِّق جدار الضَّرع لو كانت كمِيَّة الحليب أربعمائة لتر ! وجدار الضرع يحوي جداران متعامِدان. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ [سورة الأعلى] كل حيوان له أجْهزة تتناسب مع وَضْعِهِ فالخَفَّاش أعْمى، ولكن له جِهاز رادار، إذْ وَضَعوا جِهاز خفَّاش في غرفة وقسموها بحاجز وفَتَحوا ثغْرةً قدْر جِسْمِهِ، فهو لمَّا فرَّ عبَرَ من تلك الفتْحة أربعة مائة مرَّة دون أن يصْطدم بِجِدار الغرفة ! كل هذا عن طريق الرادار والسَّمَك بالبحر كيف يعرف على أيِّ ارتِفاعٍ هو ؟ بالضَّغْط، فعلى حراشِفِها العُلْيا، وفي هذا الخطّ أنبوب مُفَرَّغ من الهواء، والسَّمَكة تعْلم بِأيِّ ارتِفاعٍ هي من البحر، ثمَّ بالسَّمَكة مِحْفظة وبأسْفلها أعْصاب حسَّاسة، وهناك حبَّات رمْل، ومادام الحبَّات بِأرْض المحفظة وضْعُها مستقيم، ظهرها نحو السَّطح وبطْنها نحو القاع، فلو أنَّ السَّمَكة انْقلبَتْ لَعَلِمَتْ جِهَة جسْمها أهي نحو الأعلى أم نحو الأسفل وهناك سمَك يعْبر المُحيطات من أعالي النِّيل إلى مَصَبِّهِ، غلى غرب جبل طارق إلى شمال إسبانيا وإلى بحْر الشَّمال، إلى أن يسْتقِرّ، كل هذا كما قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ [سورة الأعلى] وقال تعالى ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)﴾ [سورة طه] فالله تعالى أعْطاه الأجْهزة الكاملة ثمَّ هداه، أحد بُستانِيِّين رأى أفعى يأكلها قنْفذ، يأكل قطْعة ويذْهب لِمَكان يأكل حشيشة، فهذا البُسْتاني قلَعَ الحشيشة، فأكل القنفذ حشيشَةً ثانِيَة فمات ! من الذي هدى هذا القنفذ إلى أن يأكل حشيشًا يتناسب مع سُمِّ الأفعى ؟! الله عز وجل، والله عز وجل، وُعول في رؤوس الجبال بهِمَلايا، هناك ينابيع في رؤوس الجبال، فَحَسَب قوانين الفيزياء لا يمْكِن أن تكون ينابيع بِقِمَم الجِبال إلا أن تكون مُسْتوْدعاتِها في جبالٍ أعلى منها. أربعة آلاف جزيرة ماء بأندونِيسيا، وبكل جزرة ماء عَذْب، يتناسب مع مساحتِها، وكلٌّ منها لها تَمْديدات تحت الأرض، كيف تعرف الله؟ مِن خلال خلْقِهِ وكلامِه وأفعالِهِ. صَنَعوا مَرْكبة سَمَّوْها المُتَحَدِّي بأمريكا، وبعد سبعين ثانِيَة أصْبَحَت كتْلة من اللَّهَب ! تَحَدَّوا مَن ؟ الذي تَحَدَّوْهُ تَحَدَّاهم !! الله تعالى هداك إلى مصالِحِك، فالطَّعام المُتَفَسِّخ يرُدُّه الإنسان ولا يتقَبَّلُه، والتَّقَيُّق عَمَلِيَّة مُعَقَّدَة جدًا، وهو لِمَصْلحة الإنسان، والرائِحَة الكريهة يفِرُّ منها، أعْطاهُ حوَسيًّا، فالآية مفهومها عميق وكل شيء ينطوي تحتها، قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ (سورة الأعلى) فاليَد تتلاءم مع الإنسان ولولا المِفْصَل لما أكَلْتَ، فلولاه لأكلْتَ مثل الهِرَّة ! فالله تعالى كرَّمَك وجعل لك مَفْصل، وآخر دائِري بِكُلّ الحركات وجعل لك إبْهامًا ؛ فهل لك أن تكتب دونه ؟! وهل لك أن تخيط دونه ؟ الذي خلق فَسَوَّى، ولولا مفصَل الرأس الدائري للَزِمَك أن تتَحَرَّك كُلِيَّةً ! فالسيارة مثلاً قد تتوقَّف فجْأةً لانعدام البنزين، أما مع الإنسان فهذا غير ممكن، هناك حِكْمة إلهِيَّة ؛ إذْ لمَّا تجوع لدَيْك نقْص بالمُسْتودَعات وليس بالدَّم، فلو فَحَصْنا دمَ جائِعٍ لَوَجَدْنا مواد غِذائِيَّة كامِلَة، فإحْساسك بالجوع يعني أنَّ مستودعات الغِذاء بالكبد نقُصَت، والدليل أنَّ الإنسان لمَّا يكون جَوْعان ويأتيه خبر سار أو مُؤْلِم ينْسى جوعَهُ ! أمَّا أن يبْرك كالسيارة مرَّةً واحِدَة فهذا غير ممكن ؛ الذي خلق فَسَوَّى. هذا الطِّفل الصغير ليس معه أطْفال إذْ لو كانت معه أسنان لأذْهَبَ حلَمَةَ ثدْي أمِّهِ ! ثمَّ إنَّ هناك أسنان لطيفة لَبَنِيَّ، وسُقوط هذا السِنّ اللَّبني آيَةٌ ن آيات الله الدالَّة على عظمَتِه تعالى، فلا يوجد أن طبيب بالعالم يستطيع أن ينزَع سِنّ إنسان إلا أن يؤلِمَهُ، أما الله تعالى تكون تأكل فَيَسْقُط السنّ لِوَحْدِه !. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)﴾ [سورة الأعلى] فهو تعالى خلقنا وخلق لنا طعامًا، وخلق لأنْعامِنا طعامًا. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)﴾ [سورة الأعلى] ففي الربيع الأرض كالجنَّة، والبُروج خضْراء والأشجار ثمَّ بيضاء ثمَّ صفراء ؛ دَوْرَة مِن بِدايَة إلى قِمَّة تألُّق ثمّ نِهايَة، والإنسان كذلك ؛ يصعد خمسة درجات سواء، وينزل خمْسة خمْسَة، أما لما يَصِل إلى التِّسْعين فإنَّك تراه يمْشي خَطْوَةً خَطْوَة ودرجَةً درَجَة. كان أحدهم بالشام له أب رياضي يحْمل بغْل على كتفِهِ، بعدها لمَّا كبر أصْبَحَ يمْشي خطوة خطْوة، فعلى الإنسان إذا كان شابًّا قَوِيًّا عليه أن لا ينسى خريف العمر ! ويا بُنَي حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، والإنسان إذا أمْضى شبابه في طاعة الله، فإنَّ له خريف عمْرٍ متألِّق، وبِكُلّ قِواه العَقْلِيَّة، ومن حفظ القرآن متَّعَهُ الله بعَقْلِهِ حتّى يموت. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعلى (87 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [سورة الأعلى] النبي عليه الصَّلاة والسلام لا ينسى بِمَعونَةِ الله، فإذا نَسَيَ فقد شاء الله له أن ينسى ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، فقد صلى عليه الصلاة والسلام الظهر ركْعتَين فقال له أحدُ أصْحابِهِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ! أَقَصُرَتِ الصَّلاة أم نسيت ؟! فقال: إنَّ كلّ ذلك لم يكن ! فقال هذا الصَّحابي الجليل ذو اليَدَين: بعضُهُ قد كان، فسأل أصْحابَهُ الكرام: فإذا به عليه الصَّلاة والسلام صلَّى ركْعتَين: فقامَ وصلَّى ركْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، وقال عليه الصَّلاة والسلام: إنَّما نُسِّيتُ كي أَسُنّ ! فلو أنَّه لم ينْسَ هذه الصَّلاة طوال حياته فكيف يُشََّعُ لنا سُجود السَّهْو، فالله تعالى أنْساهُ ذلك كي يُسَنّ. إذًا ذاكِرَتُك بِيَدِ الله، فإمَّا أن تتذَكَّر وإمَّا أن تنْسى، والنِّسْيان مِن نِعَم الله الكبرى، فأحْيانًا يتكلَّم الإنسان كلمة لا أدَبَ فيها، وغير لائِقَة بِسَاعَة غَضَب، ولو أنَّهُ يذْكرُها لاحْترق بها طوال عمره، ولكِنَّ فضْل الله على الإنسان عظيم فَهُناك مواقف مُحْرِجَة، ومواقف ضَغْط وقَمْع وكلمات مُحْرِجَة، لو أنَّ الإنسان يتذَكَّر كلّ هذه المواقف المُؤْلِمَة لكان في جحيم، إلا أنَّهُ مِن نِعْمة الله علينا أنَّنا ننْسى، والنبي عليه الصَّلاة والسلام ينسى، ولكنَّ الله تعالى لا ينْسى ؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾ [سورة طه] فالله تعالى قال: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] يُفْهَمُ معنى جديد وهو أنَّ الإنسان يتَذَكَّر بِقَدْر اهْتِمامِه، فَكُلَّما زاد اهْتِمامُك بِمَوضوع تَذَكَّرْتَهُ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، فأنت قد تدخل إلى محَل فيه آلاف القطع تسأل عن واحِدَة فَتَجِد الأب يرْسل ابنه إلى المكان الفلاني في الرفّ الفلاني وفي الطابق الفلاني ! ما هذه الذاكرة؟ كل هذا لأنَّه مهْتَمّ وهناك ميزانِيَّة وكَسْب مال ؛ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك. النبي عليه الصلاة والسلام بشَرٌ مثلنا، ولولا أنَّه بشَر وتَجْري عليه جميع خصائِص البشر لما كان سيِّد البَشَر، لماذا إذا قرأ القرآن أو أقرئ عليه مرَّةً واحِدَة حَفِظَهُ ؟ لِشِدَّة اهْتِمامِه، وكُلَّما زاد اهْتِمامُك في موضوع قَوِيَت ذاكرتك فيه، فالذاكرة القَوِيَّة ليس لها علاقة بالبُنْيَة الدِّماغِيَّة، ولكن بالبُنْيَة النَّفْسِيَّة، فالشيء الذي تهْتَمُّ له لا تنْساه والشيء الذي لا تهْتَمُّ له تنْساه، ودَقِّق في الناس تَجِدُهم يُعْطونَك معْلومات دقيقة في شؤون دُنياهم، أما أن يحْفظ حديثًا فَذاكِرتُه خالِيَة وذاك يحْضر الخُطَب قائِلاً: إنَّها في القِمَّة ولكنَّه لا يفْقه ولا يذْكُر منها شيئًا ! والآخر تشَهَّد وهو واقفٌ ! وذلك صلَّى ثلاث ركعات ؛ حَلَّ في كلّ ركْعة صندوق من صناديقهِ! فإذا كانت صلاتك كذا فَابْك على نفْسِك، والصَّلاة عماد الدِّين من أقامَها فقد أقام الدِّين، ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدِّين، وأوَّل ما يُحاسب عليه المرء هو الصَّلاة فإن صحَّت فاز ورَبِح، وإن لم تَصِحّ خاب وخَسِر. قال تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [سورة الأعلى] لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، والدليل تجد إنسانًا في موضوع ذاكرته رائِعَة، وفي موضوعات أخرى قليلة فأخوكم المتَحَدِّث سألتُ أخًا عن عَمِّه، فاسْتَغْرَب وقال لي: قبل سَنَتيْن ألْقَيْت تعْزِيَةً وموعِظةً على وفاتِهِ !! أما الأمور المتَعَلِّقَة بالدِّين من قرآن وسنَّة يلزَمُ عليك أن لا تنْساها. ثمَّ قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] إلا إذا شاء الله لك أن تنسى، ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، والإنسان أحْيانًا تنْحَلًُّ مُشْكِلَةً له بالنِّسْيان ! فالنِّسْيان من نِعَمِ الله الكبرى، فالله تعالى يُذَكِّرُكَ لِحِكْمَة ويُنْسيك لِحِكْمَة، ويُقَسِّي القلب ويُلَيِّنُهُ لِحِكْمَة، فإذا كنت أمام إنسان، علاقتك بالله، يُلَيِّن قلْبَهُ فَيَخْدُمُكَ، ويُقَسِّي قلبَهُ فَيُتْعِبُكَ، وإذا ذَكَّرَهُ قِصَّةً قديمة يُهْلِكُكَ، وإذا أنساه إيَّاه تمشي قَضِيَّتُك ؛ فَعَلاقَتُكَ ليس مع الإنسان ولكن مع الواحِدِ الدَّيان، فَمُلَخَّص المُلَخَّص أنَّ هناك وُحوش كاسرَة مرْبوطون بإحْكام وبِيَد إنسان عظيم وحكيم ونزيه وكريم فعلاقتك أنت ليس مع الوُحوش ولكن بِمَن هي في يَدِهِ، فإذا أرْخى الزِّمام نَهَشوك، وإذا أحْكَمَهم سَلِمْتَ منهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي(39)﴾ [سورة المرسلات] فلو كنت تمشي بالطريق ورأيتَ كلْبًا عاقًّا بِيَدِ صاحِبِه، فهل علاقتك مع الطلب أم مع صاحب الكلب ؟ مع صاحب الكلب، لأنَّه إن أرْخى الزِّمام نَهشَكَ، وهذا توحيد رائِع وما تعَلَّمت العبيد أفضل من التوحيد. جاء توْجيهٌ لِوَالي البصْرة في عهْد الحسن البصري، وكان سيِّد التابعين، وهذا التَّوجيه مُزْعِج من الخليفة ؛ ماذا يفْعل ؟ إن لم يُنَفِّذ التَّوْجيه أبعَدَهُ الخليفة ؛ هذا إن لم يُعَذِّبْهُ، وإن نفَّذْتُهُ غضب الله عليَّ جلّ جلاله، فاسْتحْقَقْتُ النار، فقال له الحسن رحمه الله: غنَّ الله يمْنعُك من يزيد ولكِنَّ يزيد لا يمْنعك من الله، فأنت إن أرْضَيْتَ الله عز وجل يمْنَعُ عنك يزيد، أما إن أغْضَبْتَ الله عز وجل ؛ فَمَن يمْنَعُهُ عنك، والله عز وجل مُهَيْمِن. قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] فهو تعالى يعْلم الجَهْر وبالمُقابل السرّ، ويعْلَمُ ما تُمِنُّه وما خَفِيَ عنك، أربعة أشياء، لذلك علم ما كان وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. فواحِدٌ مثلاً على دَخْل مُعْتَدِل من البيْت إلى المسْجد ؛ لو كان مع هذا ألف مليون ماذا سَيَفْعَل ؟ لا يعْلم إلا الله ماذا سيَفْعَل ؟ قد لا يسْتقيم على أمْر الله، لذلك ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا أعْطاك، لذلك الإنسان يوم القيامة يُلَخِّص علاقته بكلمة واحدة، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وحتَّى أهل النار ؛ تُكْشَفُ الحقائق ورحْمة الله تعالى وحِكْمَتُهُ وعَدْلُهُ وما ساق للإنسان مِن مصائِب، مِن أجل أن يرْتَدِع بها، ولا يوجد إلا أن يقول كلمة واحِدَةً كل الخَلْق ؛، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. قال تعالى: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8)﴾ [ سورة الأعلى ] أيها الإخوة، لا شيءَ أمْتَعَ من التيْسير، احْيانًا في عَمَلك ؛ عقَبَة صغيرة المَشْروع فشل، ورقة صغيرة ذهب من جرَّائِها كل الملف ! لا يوجد أصْعب من التَّعْسير، وهو يصنع في الإنسان خِبْرة حزينة صادِمَة، أما التَّيْسير فَهُوَ مُريح، ولِكُلٍّ من التَّعْسير والتَّيْسير مُريح. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على العطاء، واتَّقى أن يعْصي الله، فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرى ؛ في عمله وعلاقاته وصِحَّتِه،و ترْبِيَة أولاده، وفي كلّ شؤون حياتِه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على البخل والأخذ، واسْتغْنى عن طاعة الله وكذَّب بهذا الدِّين العظيم فَسَنُيَسِّره للعُسْرى. فهذا رجل من الأغنياء ؛ مصانع ومعامل وشركات، وحجْمُه المالي كبير جدًا، كان هناك قاطع كهربائي مُعَطَّل، فذهب ليُصْلِحَه وصعد الكرسي، فإذا به يسْقط في الأرض فوق هذا القطعة التي طولها ثمانية عشرة سنتمتر في مِقعَدَتِه وقضيبِهِ، ذهب إلى المستشفى، فمات بهذا المرض وهو تَسَمُّم بالنُّسُج ؛ ترك عشرين مليون دولار ! ولو جلَسْتَ معه فأكثر كلمة يرْويها...خُوزقنار !!! فالإنسان قد تنتهي حياته على أتْفه سبب، وآخر مؤمن يحْفظه الله، لذلك كما قال تعالى ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] فالتَّيْسير له قانون، وكذا التَّعْسير، ولا تقل لي: يدهُ خضْراء ؛ هذا كلام لا قيمة له ! والدَّهْر معه ! هذا كلام فارغ، هذا كذب، ولا تقل لي القدَر قلب له ظهر المجنّ ! أيُّ قدَرٍ، قُل لي مُوَفَّق أم لا ! وأُمورُه مُيَسَّرة أم لا ! فهي مُيَسَّرة لأنَّه أعطى واتَّقى وصَدَّق بالحسنة، ومُعسَّرة لأنَّه بخل واسْتغنى وكذَّب بالحسنى ؛ هذا قانون إلهي، فإذا منت مِمَّن يرْجو أن تتيَسَّر له تِجارته وتربيَةُ أولاده ؛ أعْطِ واتَّق وصَدِّق بالحُسنى، والحياة جنَّة أو نار، فهي جنَّة بِطاعة الله، ونارٌ بِمَعْصِيَتِه، وهي تيْسير أو تعْسير، ولا يُحَقَّقُ شيء إلا بِتَوفيق الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [ سورة هود ] وأحْيانًا ربُّنا عز وجل لأتْفَه سبب يُعَسِّر لك أمْرك، والله تعالى يمْكنه أن يُضَيِّع لك عشرين ساعة من دون فائدة، وقَّفتْ آلة وتحتاج إلى قطْعة، قمتَ بِفاكس وبريد واتِّصالات، ولمَّا وصلَت، بعد هذه الأيام إذا بها أكبر حجْمًا من التي طلَبْتَها !! فإذا الواحد بَخِل أن يُصلي أو اسْتثْقل أن يحضر مجْلس علم جوزِيَ. ذكر لي أحد الإخوة - وهو الآن قد تُوُفِّي رحمه الله - أنَّه ذهب يوم جمعة إلى التنزُّه ولم يُصلِّ ! ونحن في النُّزْهة قال لي أحد الأطفال هناك: وقد أحْببتُه لِحُسن مُعامَلَتِه: هل أمْلأُ لك من ماء بقين ؟! فقلتُ: نعم، لمَّا ركِبْنا السيَّارة، ومشَيْنا نصف الطريق إذا بي أفْقِدُ جزداني!! فيه ميكانيك السيارة وشهادة سواقة، وبقيت ستَّة أشْهر مِن فرْع لآخر حتنَّى اسْتَكْمَلْتُ الأوراق !! زكاة الوقت الصلوات وحضور مجالس العلم، حينما يُزَكِّي الله لك وقْتَك والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعلى (87 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الأعلى ؛ الآيات الأخيرة وهي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] أقِفُ عند قوله أفْلَحَ، فَكُلّ إنسانٍ عنده مِقْياس للفَلاح، فأحدُهم يتَوَهَّم أنّ حِيازة المال هو الفلاح، وآخر أن يَتَزَوَّج امْرأةً تروق له ؛ هي الفَلاح وإنسان آخر يَتَوَهَّم أنَّه إن كان في منصبٍ رفيعٍ هو الفلاح، وذاك يَتَوَهَّم أنَّه إن امْتَلَك البيوت والحوانيت هو الفلاح، وذلك يتَوَهَّم أنَّهُ إن انْغَمَسَ في الشَّهوات إلى قِمَّة رأسِه هو الفلاَح ؛ لذا قُلْ لي ما مِقْياس الفَلاح عندك أقول لك: مَن أنت ؟! ما مِقْياس الفَلاح في القرآن ؟ قد أفْلَحَ من تَزَكَّى، وكلمة: قد أفلَحَ وَرَدَت في القرآن الكريم في بضْع آيات، وهي في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] وفي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾ [ سورة الشمس ] وفي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7)وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8)﴾ فقط، فالفَلاَح كُلُّ الفلاح، والنَّجاح كُلّ النَّجاح، والفوز كلّ الفَوْز، والتَّفَوّق كلّ التَّفَوّق في أن تُزَكِّيَ نَفْسَك لأنَّها أمانَةٌ بين يدَيْك، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ [ سورة الأحزاب ] فما معنى الأمانة ؟ بالمَفْهوم الضَّيِّق ؛ مَبْلغٌ أودِعَ عندك، وعليك أن تُؤَدِّيَه بالتَّمام والكمال في الوقت المناسب أما الأمانة بِمَفْهومها الواسِع أيّ شيء وُضِعَ تحت تَصَرّفك وأطلقت يَدُكَ فيه فإمَّا أن تَحْفَظَها وإما أن تُضَيِّعَها، وإما أن تُتْقِن وإما أن تُهْمِل، وإما أن تُنْصِف وإما أن تَعْدِل، وإما أن تُؤَدِّي الحُقوق وإما أن تُقَصِّر فلذلك أخطر أنواع الأمانات أمانة التّكليف، فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة، فإذا كان المُعَلِّم في صفٍّ فيه أربعون طالبًا، وعَيَّن من التلاميذ من هو ليس كُفْؤًا، وكان من هو أتقى منه وأعلم وأذكى فقد خان الله ورسوله والمؤمنون، قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بِسَارِقٍ أو ناهِب ؟ قال: أقْطَعُ يَدَهُ، قال: إذاً إذا جاءَني من رَعِيَّتِك وهو جائِعٌ أو عاطل فسَأقْطَعُ يدَك، إنّ اله قد اسْتَخْلَفَنا عن خلقِهِ لِنَسُدَّ جَوْعَتَهم ونسْتُرَ عوْرَتهم، ونُوَفِّرَ لهم حِرْفَتَهم، فإنْ وَفَّيْناهم ذلك تقَاضْينا شكرها فإنّ هذه الأيْدي خُلِقَت لِتَعْمَل، فإذا لم تَجِد في الطاعة عَمَلاً الْتَمَسَت في المَعْصِيَة أعْمالاً، أمانة الوِلاية ؛ فهذا سيِّدُنا عمر كان يطوف في المدينة فرأى قافِلَةً فقال: لِعَبد الرحمن ابن عَوْف تعال لِنَحْرسها ! بكى طِفْل فقام عمر إلى أُمِّه فقال لها عمر: أرْضِعيه، وبكى ثانِيَةً فقال: أرْضِعيه، فَبَكى ثالثَةً فقال: يا أمَةَ السوء أرْضِعيه، فقالتْ: وما شأنك بنا ؟! إنَّني أفْطِمُه، فقال: ولِمَ ؟ فقالتْ: لأنّ عمر ابن الخطاب لا يُعْطينا العَطاء إلا بعد الفِطام ! فَضَرَب جَبْهَتَهُ وقال: وَيْلَك يا ابن الخَطَّاب كم قَتَلْتَ من أطفال المسلمين ؟ وصلى صلاة الفَجْر في أصْحابه فَلَم يسمع أصحابه صَوْته مِن شِدَّة بُكائه، وهو يقول: ربِّي هل قَبِلْتَ تَوْبَتي فأهَنِّأها، أم رَدَدْتها فأُعَزِّيَها ؟! وهذا سيّدنا عمر ابن عبد العزيز رأَتْهُ زوْجَته فاطمة بنت عبد المَلِك يبكي في مُصَلاَّه فقالت: ما يُبكيك ؟ فقال: دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: نظرْتُ في الفقير والبائس والأرملة الضائعة وابن السبيل وفي ذا حب القوت القليل والعيال الكثير، وفي المريض والأسير، وذكَرَ أربعين أو خمسين صنف، فَعَلِمْتُ أنّ الله سَيَسْألني عنهم جميعًا وأنَّ حجيجي دونهم رسول الله، فلِهذا أبْكي ! فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة التَّعْيين، وكذا أمانة الزَّوْجِيَّة، وأمانة الواجب فهذا المواطن الذي أمامك أمانَةٌ في عُنقك، فإمَّا أن تنصحه وإما أن تغشَّه وإمَّا أن تُيَسِّر أموره وإما تُعَقِّدَها عليه لِتَبْتَزَّ ماله، فأنت إذا كنت طبيبًا فالمريض أمانة في عُنقك، وإذا كنت مُحامِيًا فالمُوَكِّل أمانة في عنقِك إما أن تُلْهِمَه أنَّ الدَّعْوة رابِحَة فتَأخُذَ أمواله وإما أن تنْصَح له فيتصالح مع الخَصْم، وكذا إن كنت مُهَنْدِسًا كان هذا البناء أمانة في عُنقك فإذا انْهار وقتل بعض الأشْخاص فأنت المُتَسَبِّب ؛ لذا عليك أن تضَعَ الإسْمَنْت الكافي والحديد الكافي، أشرف على الأمور بِنَفْسِك، وإن كنت مُعَلِّمًا فَهَذا الطالب أمانةٌ في عُنقك، أو كنت ربَّ بيْت فالزَّوْجة أمانة في عُنقك، وكذا أمانة الأولاد، فأصْبَح لدينا أمانة التَّبليغ وأمانة التَّعْيين وأمانة التَّبْيين، وأمانة الوِلاية والتَّوْلِيَة، وأمانة الواجب، وأمانة المجالس، أما أعظم أمانةٍ فَهِيَ أمانة التَّكْليف، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ [ سورة الأحزاب ] إن صَحَّتْ أمانة التَّبليغ صَحَّت كلّ الأمانات، وإن لم تَصِحّ أمانة التَّبْليغ والتَّكْليف لم تَصِحّ كلّ الأمانات، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة نفسه التي هي بين جَنْبَيْه لم يُؤَدِّيَ أمانة الآخرين، يا موسى خَفْ ثلاثًا: خَفْني وخَفْ نَفْسَك وخَفْ مَن لا يخافُني، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة التَّكْليف لم يُؤَدِّ أيَّة أمانة أخرى، لذلك قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] ومن هو الذي تزَكَّى ؟ هو الذي أدَّى أمانة التَّكْليف ؛ نَفْسُك بين جَنْبَيْك ووُضِعَت أمانةً في عُنقك، وأطلقَت يدك في نفسك فإمَّا أن تُزَكِّيَها وإما أن تُدُيِّسَها، ولن تفلح إلا إذا زَكَّيْتَها، كيف تُزَكِّيها ؟ ينبغي أن تُعَرِّفَها بالله، وأن تُعَرِّفَها بِمَنْهَجِه، فصار بِذلك طلب العِلْم فرْض أن تحْمِلَها على طاعة الله ؛ وهي الإرادة كي تتقَرَّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِباده ؛ وذلك بالأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾ [ سورة الكهف ] إذاً قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)/ [ سورة الأعلى ] كيف يتَزَكَّى ؟ يذكر اسم الله، ويُفَكِّر في خلقه، وفي آياته وأفْعاله، ففي خلقه كما قال تعالى ﴿: إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6)/ [ سورة يونس ] في قرآنِهِ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾ [ سورة محمد ] في أفعاله، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾ [ سورة الروم ] فأنت إذا فَكَّرْتَ في أفعاله وفي قرآنه وفي آياته عَرَفْتَهُ وإذا عرَفْتَهُ اتَّصَلْتَ به فإذا اتَّصَلْتَ به زَكَتْ نفسُك، وإذا زَكَتْ تكون قد أدَّيْتَ أمانة التَّكْليف، وتكون بهذا قد حَقَّقْتَ الهَدَف الذي من أجله خُلِقْتَ، لذا يا ربِّي كما أقْرَرْتَ أعْيُنَ أهل الدنيا بِدُنْياهم أقْرِرْ أعْيُنَنَا بِرِضْوانِك، والناس إذا سأل بعضهم بعْضًا فاسْأل الله أنت ! وإن لَجَأوا إلى الأقْوِياء اِلْجَأ إلى الله أنت، وإن اغْتَنَوا واكْتَفَوا فاغْتَنِ بالله أنت، لكن أكبر عَقَبَة كما قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾ [ سورة الأعلى ] حُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمَ وحُبُّكَ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة والدنيا دار من لا دار له، ولها يسْعى من لا عَقْل له، ودار الدنيا الذي تُجَمِّعُه في خمسين عاماً تُفْقده في ثانِيَة واحِدة، فَكُلّ شيء تمْلِكُه وكلّ مكانةٍ حَصَّلْتَها، وكلّ حجْمِك الاجْتِماعي والاقْتِصادي والمالي، والبورد والدكتوراه، والمنْصِب الرفيع والقوَّة كلّ هذا الحجم مُتَعَلِّق بميلمتر قطر شريانك التاجي فإذا ضاق كانت الطامَّة الكبرى، وتدْخل بِمَتاهة ثانِيَة، تحتاج إلى قسطرة وتوسيعه بالبالون، ووَضْع نابض، وتجريفات ؛ كنت بِوَادٍ وأصْبَحْتَ بلِوَادٍ آخر، فَقُطْر الشريان التاجي، والأمر الثاني نُمُوّ الخلايا، والأمر الثالث مادام الدم سائِلاً فأنت مرْتاح، أما إذا تَجَمَّد انتَهَت الحياة ؛ ثلاثة عوامل بسيطة ؛ سُيولة الدَّم، وعلى تَوَسُّع الشريان التاجي، وعلى نموّ الخلايا وكلّ هذه ليْسَت لك، قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾ [ سورة الأعلى ] بِرَبِّكم إذا خُيِّر الواحد بين أن يرْكب سيَّارة ربْع ساعة فقط، وبين أن يرْكب درَّاجة ويمتلِكَها، طبِّيب إذا خَيَّروه بين أن يركب سيَّارة وبين أن يتملَّكها ! هل يترَدَّد ثانية ؟ طيِّب إذا خيَّروه بين أن يركب سيَّارة فَخْمة ثمنها غالٍ جدًا ويمتلكها، وبين أن يركب درَّاجة ! هل يترَدَّد ؟! لذا قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾ [ سورة الأعلى ] فيها ما لا عينٌ رأَت ولا أذن سَمِعت ولا خطر على قلب بشر، وإلى أبد الآبدين أما الدنيا ففيها هرم، والْتِهاب مفاصِل، وفيها ارْتِفاع كوليسترول، وهذه الأكلة لا آكلها لأنَّها ممنوعة عليَّ، وهذا اللَّحم ممنوع، ولا بدّ أن أمْشي والمَشْيُ ممنوع لأنَّ المفاصل هشَّة، فقد كان بالبؤرة وأصبح بالهامش، دنيا فيها قلق ؛ قد تموت زوجتك، وقد يفقِد أحبابه وأصدِقاءه، وقد تخسر مالك، هموم ؛ الحياة كلّها مشاكل، خُذ من الدنيا ما شئت، وخذ بِقَدَرِها هَمًّا، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حَتْفه دون أن يشعر، قال تعالى ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾ [ سورة الأعلى ] أخذ بيتان مَكْسِيَّان بالميسات اثنا عشر طابقًا ولم يكن هناك مصعد، فَنَزَع البلاط والسيراميك، رَجَّع البيت وكأنَّه الآن بُنِي، واشْتَغَل بالكِسوة أكثر من سَنَتَيْن ونصف، وعَمَّر البيت بأفضل أنواع الكسوة، وبعدما انتهى من التَّعمير وافَتْهُ المَنِيَّة ! هذه هي الدنيا، وهذا عاش طوال حياته بِبَيْتٍ قَبْو، ورطوبة، وجَمَّع من الدراهم قِرْشًا فوق أخيه إلى أن اشْترى وأمَّن بيْتًا بالمُهاجرين، وله إطْلالة على الشام، حينها قال لِزَوْجته الآن أمَنَّا مُستقْبَلَنا ! وبعد جمعة توَفَّى ؛ هذه هي الدنيا وهذا ترك ألف مليون، وأحد الورَثَة نصيبهُ كان تسعين مليون وخِلال سِتَّة أشهر وهو في مالِيَة طالِع ونازل، وقبل أن يأخذ نصيبه من المال، دخل إلى الحمام وأثناء قضاء حاجته وافَتْهُ المَنِيَّة ! قال تعالى ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ [سورة الأعلى ] كل شيء مُتَوَقِّف على نبْض القلب فإذا تَوَقَّف عَظَّمَ الله أجركم، كُلُّنا على هذا الطريق شِئْنا أم أبَيْنا، ومن هو العاقِل ؟ الذي يعمل للآخرة، قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ [سورة الأعلى ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الغاشِيَة وَصْفٌ لِحال أهل النار، وحال أهل الجَنَّة، ويتَّضِح من حال هذين الوَصْفَيْن أنَّ البَشَر جميعًا سوف ينتهون إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار، فَو َالذي نفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ [ سورة الغاشية ] أحْيانًا يكون الإنسان يعيش ولَدَيْهِ نشاطات وتِجارة، ولِقاءات وزِيارات وسَفَر وطُموحات وتأسيس مشاريع، لا سَمَحَ الله يأتيه مَرَضٌ عُضال يُنْسيه كُلَّ شيء، كُلُّ هذا يُلْغى، فإذا بهذه الأُسْرة يتغَشَّاها هَمٌّ كبير، فَيَوْم القِيامة السيِّدَة عائِشَة سألتْ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قال: يُحْشَر الناس حُفاة عُراة..." الآن لو ساقوه إلى الإعدام، ومن نافذة السيَّارة رأى امرأة سافرة وبِأبْشع صورة ؛ فَهَل يشْتَهيها ؟ هل يراها ؟ لا ينظر إليها إطْلاقًا وكأنَّها لم تَكُن ! لذلك قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ [ سورة الغاشية ] يوم القِيامة يومٌ آتٍ لا مَحَالةَ، قال تعالى: يَغْشى الناس هذا عذاب أليم..." قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾ [ سورة الغاشية ] ساكنة، أوْضَح تفسير لهذه الآية اُنْظر إلى صُوَر المُجْرِمين حينما يُلقى القَبْض عليهم وهم وراء القُضْبان. قال تعالى: ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)﴾ [ سورة الغاشية ] مُجْرِم، ثمَّ قال تعالى: ﴿ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5)﴾ [ سورة الغاشية ] فإذا الإنسان سَكَب في صَحْنه والطعام حارّ، فأوَّل لُقْمة يحْترق لِسانه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)﴾ [ سورة الغاشية ] شَوْك، الماء يغلي والطعام كالشوك لا يُسْمِن ولا يغني من جوع، هؤلاء أهل النار. قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾ [ سورة الغاشية ] أحْيانًا ترى إنسانًا مُرْتاح وأكْله جيِّد، عصير وبيت مُكَيَّف، وليس له مُشْكِلة ؛ ترى وَجْهه مُتألِّق، فهذا مثال من حياتنا الدنيا، فَكَيف بالإنسان يوم القيامة إذا كان بالجَنَّة ووصَل إليها. ثمَّ قال تعالى: ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9)﴾ [ سورة الغاشية ] الإنسان أحْيانًا يرْضى عن نفْسِه، وأحْيانًا يَحْتَقِرُ نفْسه ؛ اِتَّصَل بي رجل الآن قبل ساعات، وقال لي: اِرْتَكَبْتُ ذَنْبًا سَقَطْتُ من عَين الله، وأنا أقول لإخواننا: والله لأنْ يسْقُطَ الإنسان من السماء إلى الأرض فَتَنْحَطِمُ أضْلاعه أهْوَنُ مِن أن يسْقط من عَيْن الله ؛ لمَّا يكذب أو يسْرق أو يبْتَزَّ أموال الناس، ويُدَلِّس أو يُعَذِّب الناس، فالبُطولة أن ترْضى عن نفْسِك لأنَّها أقرب إليك، وأنت على نفْسِك بصيرة ولو ألْقَيْتَ المعاذير، قال تعالى: ﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾ [ سورة القيامة ] واحِد وجد سيَّارة بِبَلَد مُجاوِر وغالِيَة جدًا، وفَنَظَر إلى المِفْتاح فَوَجَدَهُ فيها، فشَغَّلَها ومَشَى، وما انْتَبَه بعد حين أنْ وَجَدَ رضيعًا فَخَنَقَهُ ورماه بالسَّاقِيَة ! صار معه حادِث جعله أولاده أشلاء، وجاء المُعَزُّون وقالوا: والله أمثالكم لا تسْتَحِقُّون مثل هذه المصائب، فقالتْ زوْجته: لا، بل نسْتحِقّ أكثر من هذا ! فالإنسان يعرف نفسَه، وإذا كان ماشي بالحرام يعرفها، وإذا كان يؤْذي الناس يعرف نفسه، وهذا أحدهم كان من طَبْعِهِ الأذى فقال: حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مذْهبي ما كنت بالغالي ولا بِالمُتَعَصِّبِ يَأبي فُؤادي أن يميل إلى الأذى حُبُّ الأذِيَّة من طِباع العَقْرب هناك أشْخاص كالعقرب، تجده يتلَذَّذُ بالأذى، يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، فالفائدة أقلّ الفائدة أت تُؤذي كي تنتفِع إلا هناك من يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، ثمّ أتَمَّ البيْتَ قائِلاً لي أن أردَّ مساءةً بِمَساءَةٍ لو أنَّني أرْضى بِبَرقٍ خُلَّدِ حَسْبُ المسيء شُعوره ومقالُه في سِرِّه يا ليتني لم أُذْنِبِ فالإنسان لمَّا يكون سَعْيُهُ جيِّد يرْضى عن نفْسِه، وهذا شُعور جَيِّد جدًّا وحينما يَحْتال يسْقط من عَيْنِ نفْسِه، فقد تكون في عَيْن الناس كبيرًا وأنت في عيْنِكَ صغيرًا، قال تعالى: ﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾ [ سورة القيامة ] ثمَّ قال تعالى: ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)﴾ [ سورة الغاشية ] الإنسان أحْيانًا كي يبْرد يتَحَمَّل صوت مُزْعِج من المُكَيِّف، فإذا ألْغى الصوت شَعَر بالحرّ، ففي الجنَّة لا تسْمع فيها لاغِيَة ؛ هُدوء. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾ [ سورة الغاشية ] النَّمارِق وسائِد، والزَّرابِيّ البُسط الفاخِرَة، مصيرنا جميعًا إما إلى هؤلاء، إما إلى هؤلاء، والدنيا فيها خِيارات كثيرة،قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] أما عند الموت هناك خِيارَيْن ! إلا أنَّه بالدنيا هناك من دَخْله ألف، وألْفَيْن وثلاثة وأربعة إلى مائة ألف، وهناك من دَخْلُه مليون باليوم، وهناك مائة مليون ! الفارق في الدنيا كبير،أما عند الموت فَكُلُّ هؤلاء إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم، لذلك قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] فالطريق إلى الجنَّة أن تعبد الله، والطريق إلى طاعته، فهو كما قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] أي أنْ تعرف الله مِن خِلال خلْقه، وإن شاء اله تعالى غدًا نتَحَدَّث عن هذه الآيات الثلاث: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] مِن أكبر الآيات الدالة على عظمة الله تعالى الإبل. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في أواخر سورة الغاشِية وهي قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] أوّل شيء الآيات التي في القرآن الكريم، والتي تتَحَدَّث عن الآيات الكَوْنِيَّة تَقْتَرِبُ من رُبع القرآن ؛ فهذه الآيات التي اخْتارها الله لنا موضوعات للتَّفَكُّر، كم هناك مِن الحيوانات ؟ هناك الملايين من أنواع الأسماك، وثلاثمائة ألف نوع من الطيور، والله عزَّ وجل اخْتار الإبِل، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] لو أنَّ الإنسان بادئ ذي بدء اسْتَخْدم هذه الآيات القرآنِيَّة الكونِيَّة وفَكَّر فيها لَوَصَل إلى الله عز وجل، لذا هي مَنْهج، وعلى هذا الإنسان إذا فَكَّر، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة على الإطلاق لأنَّه يزيدك معْرِفَةً بالله، وإذا عرَفْتَ الله تعالى عَرَفْتَ كُلَّ شيء، لذا طاعة مَن يعْرِف الله، ومَن لا يعرِف الله تعالى بينهما فرْقٌ كبير، فالذي لا يعرِفُ الله تعالى مُقاوَمَتُهُ هَشَّة، وتحت تأثير أيّ ضَغْط يخْرِقُ الاسْتِقامة، وتحت تأثير أيّ إغْراء يخرق الاسْتِقامة، بينما الذي يعرف الله تعالى لو قَطَّعْتَهُ إرْبًا إرْبًا لا يتَغَيَّر، قال تعالى: ﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾ [ سورة الأحزاب ] لو تساءَلْنا: رجلان مؤمنان، مِن أبوان مُسْلِمان، عاشا في بيئةٍ واحدَة، وفي مُعْطَياتٍ واحِدَة، فَلِما هذا يُطيعُ الله، وذاك يَعْصي الله تعالى ؟! لو أرَدْتَ جوابًا عِلْمِيًّا، فالذي يُطيعُ الله تَجِدُه انْطَلَق مِن معْرِفَة الله، والذي يعْصي الله انْطَلَقَ من ضَعْف معرِفَتِه بالله تعالى، فالإنسان ضِمْنَ الجَيْش، مهما كان مُسْتواه يعرف معنى لِواء، ويعرف معنى عصْيان أوامِر القادَة، كما أنَّه يعرِف معنى أنْ تُطيعَ أمْرًا فقَدْ ترْتَقي، وتترَفَّع إلى رُتْبة أعلى، فأنت ضِمْن هذا النِّطاق المَحْدود تعرفُ معنى الطاعة ومعنى المَعْصِيَة، أما الإنسان المَدَني والذي يبْعُد عن النِّطاق العَسْكري لا يُقَدِّر هذه الرُّتَب والصلاحِيَّات والإمْكانات، والعُقوبات، والمُكافئات، لذا أنت تُطيعُ الله تعالى بِقَدْر ما تعْرِفُه، والإنسان يَعْصي الله بِقَدْر ضَعْفِ إيمانه لذلك الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُك على طاعة الله تعالى، فإنْ لم يَحْمِلْك على طاعة الله، فلا قيمة لهذا الإيمان، إنَّهُ إيمان كما قال بعضهم إيمانٌ إبْليسي ! فإبْليسُ آمَنَ، وقال تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾ [ سورة الحجر ] يُخاطب الله تعالى بالرُّبوبِيَّة، ويحلف به تعالى، فالمُلَخَّص أنَّ الإيمان الذي لا يحْمِلُك على طاعة الله تعالى لا قيمة له، أما حينما تَسْتقيم على طاعة الله، فهذا الإيمان حقيقيّ، مِن أجْل أن يَزْداد إيماني قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] قال العلماء: الله جلَّ جلاله زوَّدَ الإبِل بِعَيْنَيْن تُشْبِهان الميكروسْكوب والتيليسْكوب بِآنٍ واحِد ! فالثاني يُقَرِّب البعيد، والأوَّل يُكَبِّر الصغير، فَعَيْنُ الجَمَل تُريهِ البعيد قريبًا، والصغير كبيرًا، وقد يأتي غُبار في الصَّحْراء يُعيق الرؤيا، فَلِلْجَمَل جَفْنٌ خاصّ يمْنعُ هذا الغُبار الدقيق جدًا الذي يُؤذي العَيْن، والجَمَل يستطيع أن يعيش بلا ماء ثلاثة أشْهر ! إذْ أجْهزة الجَمَل قادِرَة أن تأخذ ماء الخلايا، فالخَلِيَّة فيها ماء، وهذا السَّنام الذي تراه في الجَمَل هذه مُدَّخَرة غِذائِيَّة حتَّى هذا التاريخ، هناك دُوَل عُظْمى تسْتعين بالجَمَل على اجْتِياز الصَّحْراء، إذْ هناك عقَبات ورِمال وجبال من الرِّمال لا يستطيع اجْتِيازَها إلا الجَمَل ؛ مُصَمَّم للصَّحْراء، وهناك أكثر من خَمْسة عشرة مليون جمل بالأرض الآن، والجِمال لها طِباع عجيبة إلى درَجَة غير مَعْقولة، فالجَمَل لو أراد أن يسْتريح على جَنْبِهِ لبَطَلَتْ قيمته كُلِيًّا ! كيف تُحَمِّل عليه ؟ فلو أرَدْتَ أن تُحَمِّل عليه وهو واقِف لاحْتَجْتَ إلى سُلَّم، ولو تَحَرَّك أثناء التَّحْميل لسَقَط صاحبه مَغْشِيًّا عليه فهذه حِكْمَةٌ رائِعَة أنَّه يجْلس جلسةً نِظاميَّة، وهو مُنْخَفِض ؛ تَضَعُ عليه الأحْمال كُلَّها ثمّ ينْهَض وكأنَّ شيئًا لم يكن، إذاً اله تعالى هيَّأ له سفينة في بطنه، وسفينتان في يَدَيه، وسفينتان في رجليه فإذا جلس ارْتاح بطنه. ثمَّ لماذا هذه الرَّقَبة الطويلة ؟ لأنَّه لو وقفَ لَوَقَعَ الحِمْل مِن عَلى ظَهْره هذه الرَّقَبَة الطويلة تُمَثِّل زراع القَبَّان الطويلة، وبها يتوازن حينما يقف ولأنَّ الجَمَل يعيش في الصَّحْراء، والتي فيها الشَّوْك، فإنَّ أطْيَبُ طعامٍ يأكله هو الشَّوك، كيف أنَّ ألَذَّ الطعام لدَيْك اللُّحوم مع الرزّ مثَلاً فإنَّ الله تعالى رَكَّبَ طَبْعَ الجَمَل على حُبِّ الشَّوْك، يأكل الشَّوْك وكأنَّهُ يأكل الحَلَوِيَّات الفاخِرَة، وفيه لُعاب سميك جدًا، لأنَّ هذه صَحْراء قاسِيَة، ولابدّ أن يستهلك الجَمَل أقلّ قَدَر مِن الماء، ولذلك بَوْل الجَمَل لَزِج، لأنَّهُ مُرَكَّز ترْكيزًا شديداً، وأقَلّ كَمِيَّة من الماء تَجْمع حمض اللَّبَن بِدَمِه فإذا بال الجمَل كان بوْله سميكًا ولَزِجًا لاسْتِهْلاك أقلّ كَمِيَّة ماء في جسمه، وحَتى فَمُه لكي لا يستهلك كمِيَّة من الماء فإنَّ شَفَتاهُ مُبَطَّنَتَان تَلْتَقِمان اللُّقْمة وتُغْلِقُهما، الجمَل مُعَمِّر، ويعيش زمنًا وثَمَنُه الآن بِبَلَدِنا تقريبًا مائة وخمسون ألفاً، فَسَيِّدُنا عثمان رضي الله عنه جاءَهُ في تِجارتِه ستُّ مائة جَمَل مُحَمَّلة بالبَضائِع، وعَرَضَها للبَيْع مِثل شاحنة وزنها عشرين طنًا في عصرنا، ربُّنا عزَّ وجل كيف أنَّ هذا الحيوان مُصَمَّم للصَّحراء في حركته، اُنْظر خُفَّ الجَمَل مُصَمَّم للرِّمال فلو أنَّ خُفَّ الجَمَل كَأرْجُل الحِصان لانتهى ولانْغَرَسَت رجلاه، ولسَبَّب هذا عرقلة الحَرَكة، وبِإمكانِهِ أن يُغْلِقَ أُذُنَه كي لا تؤْذيها الرِّمال هذا كُلُّه مِن خلق الله عز وجل. صَنْعَةُ الله عز وجل مُتْقَنَة، وحينما قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)﴾ [ سورة الملك ] يعني النَّمْلة والبعوضة، لا يوجد مَخلوق هَيِّن على الإنسان كالبَعُوضَة، فلو أنَّه قَتَل بعوضَةً أحْرَجَتْهُ بالصَّلاة لارْتاح منها، ولا يُفَكِّر نِهائِيًّا أنَّه قَتَل نفْسًا ! هذه البَعُوضة لها ثلاثة قُلوب ؛ قَلْب مركزي، وقلب لِكُلِّ جناح، وجناح البَعُوضَة يرِفّ أرْبعة آلاف مرَّة في الثانيَة ! والبَعوضة لها جِهاز رادار، فهي تَتَّجِه لِجَبين الإنسان في الظلام الدامس دون أن تتَّجِه إلى الوِسادة، لأنَّها تحمل جِهاز رادار فَهِيَ تَتَّجِهه إلى الهَدَف مِن دون رؤْيا أو بِأشِعَّةٍ تحت الحمراء، ولها جِهاز تَخْدير فإذا وَقَعَت على جبين إنسان فهِيَ تُخدِّر هذا الموقِع لكي لا يقتلَها ! والبَعوضة لها جِهاز تَمْييع، فالدَّم لا يدخل في خُرطومِها، فلا بدّ أن تُمَيِّعَهُ، ولها جهازٌ تَحْليلي، هناك دَمٌ يُناسبها وآخر لا يُناسِبُها، ولها مخالِب لِتَقِفَ على سَطْحٍ خَشِن، ولها محاجِم تعتَمِد تَفْريغ الهواء لِتَقِفَ على سَطْحٍ أمْلَس، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)﴾ [ سورة البقرة ] إذاً أيُّها الإخوة، لو تَفَكَّرْنا في موضوعات التي وَرَدَت في القرآن عن الكَوْن لكان هذا مَنْهَجًا للتَّفَكُّر لنا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، تَحَدَّثْتُ في الدرس الماضي عن قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] كلُّ ما علاك فَهُوَ سماء، وفي السَّماء مَجَرَّات يُقَدِّرُها بعض العلماء مليون مليون مجَرَّة، والمجَرَّة مجْموعة نُجوم، وكُلّ هذه الأرقام في حُدود ما عرفهُ العلماء الآن، والمسْتقبل يكشِف عن حقائق مُذْهلَة، والكَون ما سِوى الله، ونَظَرِيًّا الكون مَحْدود، لأنَّ ما سوى الله حادِث، والحادِث يسْبِقُهُ عَدَم وينتهي إلى عدم، إذًا مَحْدود، ويبْدو لنا أنَّ ما غير سِوى الله مَحْدود وكُلَّما تقَدَّم العِلْم كشَفَ عن حقائق في الفَلَك يصْعُبُ تَصَوُّرها، فَمَجَرَّةً تَبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة ؛ هذه مِن سنَتَيْن أرْسَلوا مَرْكَبَة إلى المُشْتَري بِسُرْعَة أربعين ألف ميل بالساعة ، وهي أعلى سرعةٍ وصَلَها الإنسان، وأربعين ألف ميل تعني سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة ؛ فالطائرة النَّفاثة تسعة مائة كيلومتر، والتي تسْبق جدار الصَّوْت ألف ومائتان أو أكثر؛ هنا سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة، وبَقِيَتْ هذه المركبة تمْشي نحو المشْتري ستَّة سنوات، والمُشْتري كوكب في المجموعة الشَّمْسِيَّة، والمجموعة الشَّمْسِيَّة قطْرها الضَّوئي ثلاثة عشرة ساعة يعني الضوء يقْطعُها مِن أوَّلِها إلى آخرِها في ثلاثة عشر ساعة، والقمر ثانية ضَوْئِيَّة، وقطعهُ الإنسان بأربعة أيَّام، والشَّمْسُ تبْعُد عنَّا ثمانِيَة دقائق ضَوْئِيَّة، أمَّا المسافة فمائة مائة وستُّ وخمسون مليون كيلومتر ! فَسِتَّةُ سنوات إلى أن وَصَلوا إلى المُشْتري، في المركبة يوجد مرْصَد عِمْلاق، وهذا المرْصد، وقد رصَدَ أبْعَد جرَّة كُشِفَت حتى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون هو ألف مليون والسَّنة الضَّوْئِيَّة بالثانية ثلاثمائة ألف كيلومتر، وبالدقيقة ضرْب ستِّين، وباليوم ضرب أربعًا وعشرون ساعة وبالسنة ضرب ثلاثمائة وخمس وستون ؛ هذا ما يقطَعُهُ الضَّوْء في سنة واحِدَة، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾ [ سورة الواقعة ] فقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] دخلنا الآن في صُلْب الآية كيف رُفِعَت ؟ هناك تجاذب بين الكواكب، والتَّجاذب يقتضي التجاذب، لمَ لا تنجذب الكواكب كلُّها إلى أكبر كتلة في الكون ؟! نَظَرِيًّا ينبغي أن يجْتمع الكون كلّه وِفْق نِظام الجاذِبِيَّة في كتلةٍ واحِدَة، فلماذا كما هو عليه ؟ حركة مع توازن، قال: الحركة عند العوام فيها بركَة ! والحركة في الكواكب ينشأ عنها قوَّة نابذة تكافئ القوة الجاذِبَة، فما دام الكوكب يدور فهو إذًا في وَضْعهِ المِثالي، فإذا تَوَقَّف انْجَذَب، فالله عز وجل قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾ [ سورة الطارق ] أي أنَّ كل كوكب في السماء ينطلق ويرجع إلى مكان انْطِلاقِهِ، فَكُلُّ كواكب الكون إذًا تدور في مسارات مُغْلَقَة. الآن هناك سؤال أدَقّ ! إذا كان لدينا كتْلتان مغناطيسيتان بِحَجْمٍ واحِد ووضَعْناهما على سطْحٍ مُسْتوي، وجئْنا بِكُرة حديديَّة ثقيلة، فهل نستطيع أن نضَعها بين الكتلتين في الوسَك الهندسي تمامًا بِحَيث لا تنجذب لا إلى هنا ولا إلى هنا ؟ نَظَرِيًّا ممكن أما عَمَلِيًّا فهذا مُسْتحيل لأنَّه لو انْجَذَبَتْ واحد بالمليار ميلي، لا يوجد أجْهزة دقيقة تضعُها في الوسط تمامًا ! الآن لو أنَّ الكتلتين مُتفاوِتتان في الحجْم، هنا نحْتاج إلى حِسابات ! المسافات والقوى الجذْب والكتلة، ونحتاج إلى مختَصُّوا رياضيات وفيزياء، طيِّب لو كانت ثلاثة كُتَل ! مِن سابع المستحيلات أن يضع إنسان كتلة في الهواء بِحَيث تبقى مُستَقِرَّة، فإذا كانت عشرون كتلة متفاوتة في الحجم والمسافات بِقُوَّة الجذب والفراغ وهي مُتَحَرِّكَة والمُحَصِّلة اسْتِقرار المُتَحَرِّك؛ وهذا شيء يَصْعُب تَصَوُّره، فالكون كُلُّه مَجَرَّات وحُجوم مُتفاوِتَة وأماكن مُتفاوِتَة والكون كلُّه يدور ومُحَصِّلة هذا الدَّوران توازن حرَكي ؛ حَرَكَة مع توازن بحيث لو أيّ كتلة زاد انْجذابها إلى كتلة ثانِيَة ارْتَطَمَت بها ؛ ولا يعرف هذا الكلام إلا أستاذ رياضيات مُتَعَمِّق بالهَنْدسَة الفراغِيَّة، وهذا معنى قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [ سورة الرعد ] من يستطيع أن يُعَمِّرَ جامِعًا دون دعائِم ! ومن دون جدران ! هذا فوق طاقة البشر، لكن هذا هو وَضْعُ الكون، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] وما الذي جعلها متوازنة ؟ فالقِطار باليابان إذا وصل متأخِّرًا ثلاثة دقائق يَدْفَع للرُّكاب تَعْويض، فلا بدّ أن ينطلق من توكيو إلى أوساكا وهناك حوالي ستُّ مائة كيلومتر، فيَلْزَم أن يصل بِفارِق أقلّ من ثلاثة دقائق، طيِّب أدَقُّ ساعَةٍ بالعالم ساعة بيكبِن ؛ كيف تُضْبط ؟ على مُرور نجْم، فهي حينما ترْصُد نجْمًا بِسَمْتٍ دقيق، يأتي في وقْتٍ مناسب لا يزيد ولا يتأخَّر ثانِيَة، فَحَركات النُّجوم بِمِعشار الثواني تنضبط، وتمْشي مسافات مُذْهِلَة، ولا أدَلَّ على ذلك، فالإنسان أحيانًا لا ينتبِه إذْ هناك تَقْويم، ففي اليوم التاسع عشر آب المغرب على الساعة السابعة وثلاثة عشر فرَضًا، فهل يُعْقَل أن نعرِف بعد سِتِّين يومٍ وبعد سنة وبعد ألف سنة، نعرف تَوْقيت المغرب مثلاً، فهذا التَّقْويم ماذا يعْني ؟ يعني أنَّ حركة الكواكب بِمِعْشار الثانِيَة، ونحن نتنبَّأ بِنِظام دقيق أنَّ الأرض دَوْرَتُها ثابتة، وكذا سرْعتها، وحركتها حول الشَّمْس ثابتة، وهذا التَّقْويم مأخوذ من دَوْرة الأرض حول نفسِها، ومن دورتِها حول الشَّمس، وكلّ هذه الدَّورات بِسُرْعاتٍ ثابتة لا تزيد ولا تنقص ! الأمر الثاني أنت عندك نهار وليل، فالأرض تدور ولو أنَّها واقفة لما كان هناك ليل ونهار، ولكان هناك نهار وليل سَرْمدي، فالنَّهار السَّرْمدي ثلاثمائة وخمسين درجة فوق الصِّفر ؛ حينها يموت كلّ شيء، الليل السرْمدي ومائتان وسبعون درجة تحت الصِّفْر، ولانْتَهَت الحياة حينها أما بِدَورَتِها ينشأ الليل والنهار. لو أنّ الأرض محورُها عمودي ؛ لكان هناك ليل ونهار ولكن فُصول ثابِتَة ! الصَّيْف أبدي والشِّتاء أبدي والرَّبيع أبدي، ولكن بِمَيْل المِحْوَر صار هناك صيف مُتَبَدِّل، وشتاء مُتَبَدِّل، وربيع مُتَبَدِّل، وخريف مُتَبَدِّل، وبِحَرَكَتِها حول نفْسِها نشأ الليل والنَّهار، فلو كان محورها متوازي مع مِحْوَر دورانِها لالْتَغى الليل والنَّهار ! فالميل دقيق جدًا في الأرض، فالله تعالى ذكَرَ الليل والنهار، وذَكر الشَّمس والقمر بِآيات كثيرة جدًا، وقال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾ [ سورة يس ] فالأرض شَكَّلَت حلزون في حركتها حول الشَّمس. فالله عز وجل يأمرنا قائِلاً: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] أشِعَّةُ الشمْس في الصَّيْف لا تدْخل الغرف وفي الشِّتاء تَصِل إلى أقْصى مكان في الغرفة، ما معنى ذلك ؟ أنَّ الشَّمْس في الصَّيْف عمودِيَّة وفي الشِّتاء مائلة، فما هو الصَّيْف ؟ أن تكون أشِعَّةُ الشمْس عمودِيَّة على سطْح الأرض، فالأرض مِحْوَرُها مائِل. طيِّب مَن جعل هذه الدَّوْرَة أثنى عشرة ساعة ؟ ليلاً ونهارًا ! تَصَوَّر لو كان الأمر ساعة ليل وساعة نهار، أو سنة ليل وسنة نهار، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)﴾ [ سورة القصص ] هذه آيَةٌ قُرْآنِيَّة، ونحن عندنا اخْتِلاف الليل والنهار، وعندنا اخْتِلاف طول اللَّيل والنَّهار ففي الصَّيْف تجد المغرب على الساعة الثامِنَة، وبالشِّتاء الرابعة وستُّ وثلاثون دقيقة، فاختِلاف الليل والنهار آية من آيات الله تعالى. الإنسان إذا فكَّر في هذا الكون المُحْكَم، وصُنْعَ الله الذي أتْقَنَ كلّ شيء عرف الله، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة، وقَضِيَّة الكوْن قَضِيَّة كبيرة جدًا في حل أن تسْتوْعِب حركة الأرض حول نفْسِها، والله عز وجل قال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [ سورة الشعراء ] ومرَّةً قال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17)﴾ [سورة الرحمن ] وذكر مرَّةً: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40)﴾ [ سورة المعارج ] فمرَّة بالإفراد والأخرى بالتَّثْنِيَة وتلك بالجمْع ! فما هذا ؟ فَرَبُّ المشرِق يعني ربُّ المشرِق إجْمالاً، أما ربُّ المَشرقين فهي النِّهاية العُظْمى في الشِّتاء، والعُظْمى في الصَّيْف، وفي الحقيقة كلّ يوم هناك مشرق ومغرب جديد ؛ ربُّ المشارق والمغارب فهذا كلام خالق الكون وليس كلام إنسان، وعِلْمُ الفلَك عِلْمٌ كبير جدًا، فالأرض تسير حول الشَّمْس بِمَسار إهْليلجي تسْتغرق حركتها حول الشَّمْس ثلاثمائة وخمس وسِتون يومًا وربْع ! وفي أثناء سَيْرِها تمُرُّ بالبُروج، وفي كل شهر تمرّ بِبُرْجٍ، ولذلك نُجوم السماء تختلف من شهر إلى شهر، فهناك نُجوم ثابتة مع الأرض وتدور معها، ومُتَحَرِّكَة تبْدو ثابتة، فالله تعالى قال: والسماء ذات البروج واليوم...مشهود " أبراج السماء بحْث قائِم بِذاتِه ؛ ضَرْب التَّبابِنَة، ففي أيام غِياب القمر الشديدة نام على السَّطْح يجد مثل الغبار في السماء ؛ وهذا هو ضَرْب التَّبابِنَة وهي مجَرَّتُنا، وهي تبْدو على شَكل عضَلة، والمجموعة الشَّمسيَّة بِأكْملها نقطة في هذه العضلة ! هذه نراها بالصَّيف أيام غياب القمر، كأنَّ سحابة مُمْتَدَّة، وهي مجَرَّة مُتَوَسِّطة جدًا، وأقرب نجْم فيها مُلْتَهِب بُعْدُهُ عنَّا أربعة سنوات ضَوْئِيَّة، ولو كانت هناك سيَّارة وطريق مُعَبَّد لاحْتَجْنا أنْ نصِلَ إليه خمسين مليون سنة، وهو أقرب نجْم مُلْتَهِب على الإطلاق، قال تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم..عظيم " والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾ [ سورة الغاشية ] الجبال من آيات الله الدالة على عظَمَتِه. بادئ ذي بدْء جعل الله الجبال رواسيَ لأن لا تَميد بنا الأرض وكلّ شيء يدور بِسُرْعة عاليَة يضْطرب، ومِن أجل أن لا يضْطرب لا بدّ من أن توضَعَ في أماكن من جِسْمهِ أوْزان بحيث هذه الأوْزان تُعَدِّل سُرْعَة الدَّورَان، ويبْقى الدَّوران مُسْتَقِرًّا، قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10)﴾ [ سورة لقمان ] فالأرض تدور حول نفْسِها بِسُرْعة ألف وستِّين كيلومتر بالساعة، فأسْرَع طائرة ألف ومائتان، والطائرة العادِيَّة تسعمائة وهي النَّفاثة التي تخْرِقُ جِدار الصَّوت، فدَوْرة الأرض حول نفْسِها بِسُرْعة ألف وستِّين كيلومتر بالساعة ؛ وهي دوْرة سريعة جدًا، فهذه الجبال جعلها الله تعالى في أماكن مُعَيَّنَة مِن اجل أن يسْتَقِرَّ دَوَران الأرض، ومِن أجل أن تكون الأرض قَرَارًا ! ينشئ بناء يبقى ثلاثين سنة إلى سبعين أو أكثر ولا تجد فيه بعد ذلك ولا شقّ ! والسَّبب أنَّ الأرض مُسْتَقَرّة في دَوْرَتِها، ودوْرَتُها حول الشَّمْس ثلاثين كيلومتر بالثانِيَة، فهناك حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، وهي مع الحركَتَين تبْدو مُسْتَقِرَّة تمامًا، أما الإنسان فلم يسْتطع حتَّى الآن أن يصْنعَ مرْكَبَةً تسْتَقِرّ اسْتِقْرارًا تامًا أثناء حركَتِها، وهذا مهما كانت المركبة عالِيَة المستوى ؛ لا سفينة ولا باخرة ولا طائرة ولا سيَّارة فلا بدّ مِن أن تضطرب كل من هذه الوسائل. قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [ سورة النمل ] لها عِدَّة معاني ؛ الأشياء التي على سطْح الأرض تسْتقرُّ على سطْح الأرض ؛ كيف تسْتقِرّ ؟ متى عَرَفنا قيمة الجاذِبِيَّة ؟ حينما أُرْسِلَت مرْكبة إلى الفضاء، ففي منطقة بين الأرض والقمر تنْعَدِمُ الجاذِبِيَّة، وهو شيء مُزْعِج جدًا، ينام على السرير فإذا اسْتيْقَظ وَجَد نفْسَه في السَّقف، فأنْ تضع الكأس على الطاوِلَة ويستقِرّ كما وضَعْتَهُ ؛ هذه نِعْمة لا يعْرفها إلا من فقَدَها؛ قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [ سورة النمل ] كل هذا بِفِعْل الجاذِبِيَّة، أما لو انْعَدَمت الجاذِبِيَّة لما اسْتَطَعنا أن نزِنَ التفاح ! ولو كان طنًّا !! أما بِفِعْل الجاذِبِيَّة فإنَّ حبَّات التُّفاح تنْجذِب إلى الأرض وهذا هو الوَزْن، فالله تعالى جعل الأرض مُسْتَقِرَّة بِمَعنى ما عليها مُسْتَقِرّ. المعنى الثاني: على الرُّغْم من حركتِها هي مُسْتَقِرَّة اسْتِقْراراً تامًا، والدليل الزلازِل، ففي بِضْعة ثواني تتَحَطَّمُ عمارات، القاهرة تحطَّمت عمارة كاملة في بضْعة ثواني لمَّا باغت درجة الزلزال سبعة على ريشتر، لذلك الدُّعاء النبوي الشريف: اللَّهم أرِنَا نعمك بِكَثرتها لا بزوالها، فهذا فندق بالمغرب ثلاثين طابق أصبح كلّه بالأرض ولم يبْق إلا اسمُه ! قال تعالى: ﴿ أءمنتم من في السماء أن يخْسف بكم ﴾ الزلازل تُبَيِّن لكم نِعْمة الاسْتِقرار، وهنا بالشام هزَّتْ هزَّة أربعة ريشتر، فالضَّمان الوحيد هو الله، وأن يسْمَحَ لك أن يحْفظك، وان يحْفظ لك بيْتَكَ وجِسْمَكَ، وأن يحْفظ لك صِحَّتَك. قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾ [ سورة الغاشية ] الجبل الذي تَرَوْنهُ طبْعًا أعلى جبل في العالم هو الهِمالايا ارتِفاعه أثنى عشر ألف وثماني مائة متْر ! وكلّ جبلٍ تَرَوْنهُ فإنَّ ثلثه مَغْروس في الأرض، والله تعالى جعل الجبال أوْتاد، والأرض فيها طبَقات ولها كثافة ومع الدَّوَران تضْطرب الأرض، فيأتي الجبل فيَرْدِف هذه الطَّبقات بِبَعْضِها بعض وانغِراس ثلث من الجبل في الأرض كانْغِراس الضِّرس تمامًا. فأصبح الجبل وتدًا، ومرْساة، ومصَدٌّ للرِّياح، والجبال مناطق فيها برودة فإذا كان الحرّ ففي الجبال تجد نعومة، كما أنَّها خزَّانات للمياه فهذا نَهْر الأمازون كثافتُه ثلاثمائة ألف متر مُكَعَّب بالثانِيَة ! أعلى كثافة نهر بالعالم ؛ فأين مُسْتوْدعاته ؟ بالجبال، لذلك أكثر آيات الجبال تُرافقها آيات المياه، قال تعالى ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾ [ سورة الغاشية ] فهي آية من آيتان الله تعالى، وهي على ألْوان ؛ هناك جبال سوداء وحمراء وجبال كِلْسِيَّة، وكل جبل له بُنْيَة، وهي تزيد مِن مساحة الأرض، وهي تُعْطي الأرض جمالاً، وتعْطي برودة، وهي تربط طبقات الأرض بعضها ببَعْض، وهي مِصَدَّات ورواسي، وهي مستوْدَعات. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في الآيات التي أوْرَدَها الله عز وجل لِتَكون دليلاً على معرفة الله عز وجل، وعلى معرفة أسمائه الحسنى وصِاتِه الفضلى، وآية اليوم قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ (سورة الغاشية ) الأرض تبْدو مُسَطَّحَة، وهي في الوقْت نفْسِه كُرَة، لَكِنَّ حجْمَها الكبير مع أنَّها كُرَة تبْدو مُسَطَّحَة ! أوَّلاً الأرض تتوافق مع حاجات الإنسان، لو أنَّها تضاريس مائلة حادَّة وسَخْرِيَّة، يموت البشر جوعًا، ففي منطقة السويْداء منطقة اسمُها اللَّجات ؛ سَخْرِيَّة، فلو أنَّ الأراضي كلُّها هكذا لما بقِيَ واحِدٌ على قَيْد الحياة، لكنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الأرض تُرابِيَّة، فيها ثمانِيَة عشر معْدَنًا، وهناك مُكَوِّنات النَّبات، فالأرض أوَّلاً مُمْتَدَّة، هي كُرَةٌ وتَبْدو أنَّها ممْتَدَّة لِعِظَمِ حجْمِها. ثانياً: هي أُفقِيَّة وليْسَت مائِلَة، وثالثًا: تُرابِيَّة، ووزْنُك يتناسب مع حجْم الأرض، ولو أنَّ الإنسان صَعِدَ إلى القمر لكان وزْنُهُ سدُس الوزْن الحالي، فلو كان بالأرض وزْنُهُ ستِّين كلغ لكان وَزْنُه بالقمر عشرة كلغ ! ولو كانت الأرض حجْمُها ضعف الحجم الحالي لأصبح من وزنُه ستِّين مائة وعشرين ! فَحَجْمُ الأرض متناسب مع الإنسان، ودَوْرَتُها حول نفْسِها متناسبة مع طاقتِهِ، فالإنسان يعْمل ثمانية ساعات ويأكل ويعود إلى بيْتِه، ويجْلسُ مع أهْلِهِ وينام، فكيف لو كان الليل ساعة والنهار ساعة ! أو الليل ستَّة أشْهر، والنَّهار ستَّة أشْهر، فَوَزْنُهُ متناسِب مع حجْم الأرض، وطاقاتِهِ مع العمل متناسبة مع سرعة دورانها حول نفْسِها، وتَحَمُّله للحرارة والبرودة متناسبة مع الفُصول الأربعة فَبالشِّتاء صفْر، وبالصَّيْف أربعون، أما لو الأمر مائتان تحت الصِّفْر لانْتهى الإنسان ! وبالمناسبة لو أنَّ الإنسان ذهَب إلى فرْلاندا، أقلّ درجة حرارة بالعالم هناك ؛ تسْعةٌ وسِتُّون تحت الصِّفْر، والإنسان هناك بِإمكانِهِ أن يرْتدي قُفَّازات، ويرْتَدي طاقِيَّة ومِعْطَف وجوارب صوفِيَّة وألْبِسَة داخِلِيَّة إلا أنَّهُ لا يستطيع أن يقي عَيْنَيْه ! إذًا لا بدّ أن يتَجَمَّد ماء العَيْن فَوْرًا لِهذا ربُّنا جلّ جلاله جعل فيماء العَيْن مادَّةً مُضَادَّةً للتَّجَمُّد، وذلك من أجبل أن ترى ؛ خَلْقٌ كامِل قال تعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾ [ سورة النمل ] فَوَزْنُك يتناسب مع حجْم الأرض، وطاقاتِك مع العمل متناسبة مع سرعة دورانها حول نفْسِها. الآن الأرض ليْسَت تضاريسُها حادَّة، ومُيول حادّ، أحيانًا هناك أراضي جَبَلِيَّة مُشْكِلَتُها بالأمطار تُجْرَفُ التربة ؛ شيء لا يُحْتَمَل وبناء جدْران اسْتِنادِيَّة هذا شيء مُكْلِف كُلْفَةً كثيرة، فلو كانت مائلة وصَخْرِيَّة لمات الناس جوعًا، قال تعالى: ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] والله عز وجل جعل أربع أخْماس الأرض ماء ! لماذا ؟ لأنَّ هذه المُسَطَّحات المائِيَّة تكْفي لإرْواء الخُمْس، ولو كان البحر نصف الأرض لمات الناس جوعًا، فهذه المُسَطَّحات المائِيَّة تتبَخَّر مياهُها بالشَّمْس الشديدة وتُصْبح سحابًا وتُساق إلى اليابسة فَتُرْوى الأرض، وتَحْيى النباتات. الأمر الآخر ؛ أنَّ الله تعالى جعل السَّواحِل وجعل رؤوس، وخُلْجان وقنوات، وجعل معابِر ومِياه عَذْبة، وبَحْث الأنهار وَحْده مِن أعْظَم ما يُؤَكِّدُ عظَمَة الله عز وجل. بِأيِّ مكان هناك ينابيع ماء عذْب، أربعة وعشرون ألف جزيرة بِأنْدونيسْيا هناك نبْع عّضْب يتناسب مع الجزيرة، وكل نبع له تمْديدات تحت الأرض ؛ فَنَهْر التَّايْمز بابريطانيا، كلّ أمطار بريطانيا لا تطفي لِغَزارة نهْر التَّايْمز، وعلماء الجغرافيا يَرَوْن أنَّ مُسْتوْدعاتُهُ بِأوروبا ومُمَدَّدَة تحت بحر المانس إلى ينابيع نهر التايمز بابريطانيا. ونهر الأمازون كما قلتُ لكم ؛ ثلاثمائة ألف متر مُكَعَّب بالثانية، وهناك من يقول أنَّ هناك حرْب مياه، ثمّ حرب البترول، ثمّ انتَقَلنا إلى حرب القَمْح، والآن نحن في حرب المياه، وكأنّ الله سبحانه وتعالى ليس عنده مياهٌ عذْبة لِيَسْقي بها البشر، مع أنَّني قرأتُ مقالَةً عِلْمِيَّة عن مرْصَدٍ أوروبِيِّ يعْمل تحت الأشِعَّة الحمراء، كشَفَ سحابةً يُمْكن أن تملأَ مُحيطات العالم سِتِّين مرَّة في كلّ أربعة وعشرين ساعة بالمِياه العَذْبة ؛ سحابة واحدة ! قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾ [ سورة الحجر ] لذلك ربُّنا عز وجا إذا قنَّن كان التَّقنين تقْنين تأديب وليس تقْنين عَجْز. قال تعالى: ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] فيها فلْزات، ما هي الفلْزات ؟ يعني الحديد، فلو كان الحديد كُتَلاً في أعْماق الأرض فلا يُمْكن أن يُسْتَخْرج، أما الفلْزات هو حديد مع تُراب ؛ تَجْمَعُ التُّراب بِعَرَبات في معامِل صهْر الحديد، لو كان المعادن ليس على شَكْل فلْزات لما أمْكن أن نسْتفيد منها، وكم هناك معادن بالأرض ؟! لا يعلمها إلا الله ؛ معْدَن خفيف جدًا ومتين هو الألمنيوم، ومعدن ناقل للحرارة وهو النُّحاس صالح للطَّبْخ، مرَّةً لفت نظري وأنا أنظر إلى حديقة وهم يهْدِمونها، كان هناك أعمِدَة حديديَّة مُثْبتة بالحِجارة، فالآن يقْطعون الحديد لا بِسَحْبِهِ من الحجَر بل عن طريق الأكسجين ! فسألْتَ هل يُمْكِن أن تقْطع الحديد بالأكسجين ؟ فقال: هذا أسْهل شيء ! لأنَّ الحديد بعدما دخل إلى الحجَر فلا يوجد قُوَّة يمكننا أن ننزعه من الحجر ولكن بِفَضْل معْدن الرَّصاص ! ما هذا المعْدَن ؟ فقال لي: نحن نَحْفر حُفْرَةً بالحَجَر مثل الأجاصة نضَعُ الحديد ونَسْكُب الرَّصاص المُذاب فالرَّصاص ينْصهر لِدَرَجة مائة ؛ على الغاز ينصهر، وهذا المعدن هو الوحيد إذا تبرَّد اتَّسَع حجْمُه، فيَضَعون الحديد بالحجر بِحُفرة على شكل أجاصة ويسْكبون قليلاً من الرَّصاص، فإذا برُدَ توَسَّع، ولا توجد قوَّة تنزعُه بعد ذلك ! لذا حَشْوُ الأسنان الآن عن طريق مَسْحوق الرَّصاص وبالتَّبْريد يتوسَّع. فالله تعالى خلق رصاصًا ونُحاسًا وحديدًا بِأنواعِه، والحديد إذا لم يصْدأ نموت نحن !! كيف ؟! في جسْم الإنسان حديد يفعل مسمار ستَّة عشر ولك أنت أملاح الحديد ؛ ولأنّ الحديد يصْدأ فهو يُصبحُ أملاحًا فأنت تأكل العدس وهو فيه الحديد، والسبانِخ وتفاح ؛ كل هذه فيها حديد فالتُّفاح فيه حديد ! كيف لو قَطَعْتَ تُفاحَّة وتركْتها لوَجَدْتَها اسْوَدَّتْ فهذا دليل على أنّ الحديد فيها تأكْسَد ! فالله تعالى جعل هذه المعادن في الفواكه والخُضار على شكْل أملاح، فلو كان الحديد نفْسُه نأكلهُ لَمِتْنا فالإنسان إذا اصْفَرَّ لونُه لكان علامةً أنَّ معه فقْر دمّ، وفَقْر الدمّ يعني ينْقُصُه الحديد، فالذي معه بُستان ووَجَد أوراقها أخضر فاتِح كان هذا دليلاً على أنّ الشجرة تحتاج إلى شلات الحديد، والخضار الداكن يعني أنَّ هناك حديد جيِّد بالتُرْبة، لذلك من أحد الأسْمِدَة شلاَّت الحديد وهي لا بدّ منها ؛ نِظامٌ دقيق جدًا ! فالله عز وجل هذه الأرض جعل فيها معادن وأشباه معادن وفلزات، وينابيع، وبترول ؛ ما هو البترول ؟ البترول في عُهودٍ قديمة جدًا كانت هناك أمطار عزيرة بالأرض تَشَكَلَّت من جرَّائِها غابات عِمْلاقة، فهذه الغابات دُفِنَت تحت الأرض فكانت بتْرولاً ! والدليل قوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾ [ سورة يس ] كنتُ أقرأ هذه الآية فأشْعُرُ بِحَرح ! يا ربّ الشَّجر الأخضر لا يشعل، إنَّما الشَّجر اليابس هو الذي يشعل، فَرَبُّنا لمَّا قال شَجَر لولا هذه المادَّة الكلوروفيل ؛ مادَّة اليَخْضور لما كان الشَّجر وهذا الشَّجر العملاق دُفِنَ فكان بتْرولاً، فهذه الآية هي آية البترول فالأر وَحْدها بِتَضاريسِها وجبالها وسُهولها وهِضابِها وتلالها وجبالها العمْلاقة فأنت أحْيانًا كي تبني بيْتًا بلاستيكي يُكَلِّفُك الأمر إلى مائة وخمسون ألف ولو كان بيْتًا زُجاجِيًّا لكَلَّف مليون ! فالله تعالى جعلك لك مدينة كلَّها بلاستيكِيَّة ؛ غَوْرُ فلسطين وهي أعْمَقُ نقْطة في الأرض، زُرْتُها مرَّةً قبل لأن تُحْتَلّ وصَلْنا إلى محَلٍّ كتبوا فيه: هنا مُستوى سطْح البحْر ! تابعْنا فإذا ستُّ مئة نتر تحت سطْح البحر ! غَور فلسطين بيت بلاستيكي كلُّه كانت تأتينا الخُضار والفواكِه بِأثناء الشِّتاء، وهناك آية فيها إعْجاز قرآني، طبْعًا جرَتْ معركة بين الفرس والروم في غَوْر فلسطين، وقبل سنوات مَعدودة اكْتُشَف أنَّ هذه المنطقة أعْمق نقطة على سطْح الأرض فالله تعالى قال: ﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [ سورة الروم ] وبعدما كشفْنا أشِعَّة اللَّيْزر عرفنا أنَّ غَوْر فلسطين أعْمق نقطة أما الله تعالى قال: ﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2) ﴾ فيا أيها الإخوة الكرام، أرضٌ للزِّراعة أقول لك: جَرِّب فَلِكُّلّ أرض خصائص، فالسَّفرجل مثلاً بالشام أطْيَب منطقة ينمو فيها هي الأشْرَفِيَّة ومنطقة أخرى تُناسب البندورة بِحُوران، فَتُرْبَة حوران أنْسَب ترْبة للبندورة، وفيها منطقة ينمو فيها قمْح قاسي، وهو أقْسى قمح في العالم ما هذا السرّ ؟ كل تربة لها خصائص ؛ هذه للشاي وتلك للبنّ والأخرى للتفاح، وهذه للزَّيتون، تَركيب التُّرب عجيب جدًا، لذلك الإنسان لا يزرع إلا بالأماكن المناسبة للزِّراعة لِتِلك التي يوَدُّ زراعتها، فَمَن صنَع هذه التُّرْبَة ؟ ومن أعْطاها مُكَوِّناتِها ؟ التُّرْبة تحوي تقريبًا ثمانية عشرة معْدَنًا، وهذه المعادن تُحَلّ بالماء على شَكْل أمْلاح ويأتي النبات فيأخذ هذا الماء المعْدني إلى أعلى قِمَّة في الشَّجَرة عن طريق ظاهرة غريبة جدًا اسْمُها الحُلول ثمّ الأرض فيها جاذِبِيَّة والإنسان يسْتغرب، وهي أنَّها كُرَوِيَّة وهنا يوجد بِحار فَلِمَ لا تنْزِل البِحار ؟ كُلّ شيء بالأرض مَرْبوط بالمَرْكز فلو ذَهَب الإنسان إلى أر جنتين لكان هنْدَسِيًّا رأسه نحو الأرض ورجله نحو السماء ، ولكانت السماء نحو الأسفل ! على كُلٍّ هناك آيات الأرض كثيرة جدًا تسْطيحُها وكُرَوِيَّتُها، وانْجِذاب الأشاء إليها، وحجمها وسُرعتها وتركيب تربتِها، هذا كُلُّه تنْطوي تحت هذه الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الغاشية (88 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، آخر آيات سورة الغاشية هي قوله تعالى ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾ [ سورة الغاشية ] الإنسان مُخَيَّر ولا يستطيع أحَدٌ أن يُجْبرَهُ على شيء، والدليل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [ سورة البقرة ] وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾ [ سورة القصص ] قال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [ سورة الشورى ] فإنسانٌ لإنسان ينْصَحُه، أما أن يجْبره فلا يمكن والأبلَغُ من ذلك، قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [ سورة إبراهيم ] فَحَتَّى الشيطان الذي يسْعى جُهْدهُ لإغْواء بني آدم ليس له على الإنسان سُلطان بل كما قال: إلا أني دعوتكم فاستَجَبْتُم لي ! فالإنسان في الأصل مُخَيَّر، وجاء إلى الدنيا وفْق هذا الشَّرط، ولولا أنَّهُ مُخَيَّر لما كان هناك معنى للتَّكْليف، ولا لِحَمْل الأمانة ولا للجنَّة ولا للنار، ولا لثَّواب ولا للعِقاب ؛ كُلُّ هذا يُلْغى لو أنَّهُ مُجْبر، فالله تعالى لو أجْبر على الطاعة لبَطَل الثَّواب، ولو أنَّه أجْبرهم على النعْصِيَة لبَطَل العِقاب، فَتَخْيير الإنسان هو سبب رُقِيِّهِ، قال تعالى: فذَكِّر إنما أنت مذكر...مسيطر " لذلك الذين رأَوا النبي عليه الصلاة والسلام وكماله وعلْمَهُ ورحْمَتَهُ وبلاغَتَهُ، وسَمِعوا الوَحْي من فَمِهِ الشريف، ولم يؤمنوا به ! عَمُّه أبو لهب وأبو جهل وأبو طالب ؛ كُلُّهم كفروا به ! قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾ [ سورة الغاشية ] فالإنسان إذا أراد الحقيقة كلّ شيء يدلُّه عليه، ولو رفضَها لو الْتَقى بِاكْبر الأنبياء ولو رأى المعجِزات، فبنو إسرائيل رأَوا البحر أصبحَ يابِسًا وساروا فيه فلمَّا خرجوا مِن ضَفَّتِه الثانِيَة دخل فرعون فعاد البحر بحْرًا فَغَرِقَ، وهل من آيَةٍ أبْلَغُ من هذه الآية ؟! ومع ذلك لمَّا رأَول أناسًا يعْكِفون على أصْنامٍ يعْبُدونها من دون الله قالوا: ﴿ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)﴾ [ سورة الأعراف ] كلامٌ دقيق ؛ فالإنسان إذا أراد الحقيقة كلّ شيء يدلُّه عليه،ويستفيد من أيّ نصّ ومن أيّ كتاب ومقولة ودرس، ولو رفضَها لو الْتَقى بِاكْبر الأنبياء ولو رأى المعجِزات ؛ لا يؤمن بك، قالوا: لن نؤمن بك يا صالح جتَّى تخرج ناقَةٌ من هذا الجبل !قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا(14)وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا(15)﴾ [ سورة الشمس ] توضيحٌ لهذه الحقيقة: أرْخَص آلة تَصْوير إذا فيها فيلم تأخذ صورة، وأغْلى آلة تَصْوير إذا لم يكن فيها فيلم لا تأخذ أيَّة صورة ! فالفيلم هو سبب الحقيقة، فالإنسان إذا أراد الحقيقة وصل إليها، وإن رفضها فهو يرفضها حَتْمًا، والدليل أنَّ أحداث الدنيا لو درسْتها دراسة دقيقة مِن زاوية القرآن الكريم لوَجَدْتها تنطق بِوُجود الله وقدرته ووحْدانِيَّتِه، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65)﴾ [ سورة الأنعام ] والآية الثانية قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾ [ سورة النحل ] إذًا كما قال تعالى: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)﴾ (سورة الغاشية ) توَلَّى ؛ اعرض عن الله وكذَّب هذا الدِّين، ولم يعْبأ بِهذا المنهج، فهذا يُعَذِّبُه الله العذاب الأكبر فعَذاب الدنيا أصغر ؛ الأمراض العُضالة، والقَهْر، وفَقْد الحُرِيَّة، والفقْر الشديد، والذلّ والعذاب المُهين والأليم ؛ كل هذا أصْغر قال تعالى: ولنذيقنَّهم من العذاب الأدنى..." فالعذاب في النار عذابٌ أكبر والسَّعيد مَن نجى من هذا العذاب، قال تعالى: فمن زحزح عن النار..." لو وَصَلْتَ إلى قِمَّة المالي أو الإداري أو العلمي ؛ يأتي الموت يُنْهي هذا النَّجاح ويبْقى الحِساب. ثمَّ قال تعالى: إنَّ إلينا إيابهم...حسابهم " أوَّل ليلة يوضَعُ فيها المَيِّت في قبْره يقول له الله عز وجل: عَبْدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دَفَنوك، ولو بَقُوا معك ما نفعوك، ولم يبْقَ لك إلا أنا، وأنا الحيّ الذي لا يموت، أنْصَحُ كلّ أخ أن يتَّبِعَ جنازة كلّ ميِّت ولو لم يعْرِفْهُ، كنتُ قبل يومَين في تشْييع جنازة أحد إخواننا، فقُلْتُ كلمَةً فيها سطْرين وذلك لِشِدَّة الحرّ، فَخِفْتُ على الحاضرين: اِعْلموا أنَّ ملَكَ الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيرنا وسيتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلا بدّ أن يأتي يوم ويكون مَحَلّ هذا المَيِّت الذي أنتم أمامه نحن ! فهذا الذي يعيش في بيْتٍ أنيق ورفاهة سَيُوضَع في قبْرٍ ويُرْمى عليه التراب ؛ اِعْلموا أنَّ ملَكَ الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيرنا وسيتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلْنَتَّخِذ حِذْرنا، الكيِّس من ذان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني ؛ وهذا حال المسلمين الآن، غارقين بالمعاصي سهرات فاجرة، وتِجارة فاسدة، ورِبْح حرام، ونساؤُهُ كاسِيات عاريات، ثمَّ يقول: تسَعُنا رحْمةُ الله، أعطى نفسَهُ هواها وتمنى على الله الأماني. العاقل كلّ العاقل، والذكِيّ كل الذَكيّ، والفالِح كلّ الفالِح، والمُتَفَوِّق كلّ المُتَفَوِّق مَن يُعِدُّ لِهذه الساعة التي لا بدّ منها، يُعِدُّ لها بالتوبة والاسْتِقامة والعمل الصالِح، وطلب العِلم وتعْليمه، لذلك كما قال تعالى: " إنَّا إلينا إيابهم..." يوضَع بالقَبْر، وسَيُعامَل إلى الأبَد وِفْقَ ما سَلَك في الدنيا، فقد ينجح الواحد من الصف الحادي عشر إلى الباكالوريا وقد تكون علامته تعيسة أو جيِّدة ؛ المُهِمّ نَجَح أما للارْتِقاء إلى الجامعة لا بدّ من علامات تخْتَلِف من فرْعٍ لآخر، هناك علامات هنْدسة وعلامات للطبّ، وأخرى كليَّة علوم، ومعهد مُتَوَسِّط، فَمَجْموع علاماته يُحَدِّد مصيرَهُ، أما النَّجاح الآلي في الصُّفوف الأخرى هو نجاح لا اعْتِبار له ! فكذلك يوم القيامة اسْتِقامتنا تُحَدِّدُ مصيرَنا الأبدي، ومتى يُحَدَّدُ هذا ؟ عند الموت، فَكُلُّنا يموت ولا يبْقى إلا ذو العِزَّة والجبروت، والليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجْر، والعُمْر مهما طال فلا بدّ مِن نزول القَبْر. وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامتُهُ يوْمًا على آلَةٍ حَدْباء محمول فإذا حَمَلْتَ إلى القُبور جنازَةً فاعْلَم بأنَّك بعدَها مَحْمول كان عندي شريط قديم سَمِعْتُه، فإذا ثمانيَة أشخاص في هذا الشريط قد ماتوا ! فقُلْتُ ياتي وقت ويكون كلّ مَن في الشريط قد ماتوا ! هذه الدنيا ! هي ساعةٌ فاجْعَلْها طاعة، والنَّفْسُ طمَّاعة فَعَوِّدْها القناعة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفجر (89 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الأخوة الكرام: في سورة الفجر آيات كريمة دقيقة جداً يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20)﴾ ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً(20)﴾ أيها الأخوة: مفتاح هذه الآيات في كلمة كلا ؟ كلا في اللغة العربية، أداة ردعٍ ونفيٍ والردع غير النفي ؟ إذا واحد سألك هل صليت الظهر ؟ تقول له لا. أما لو قال لك هل أنت سارق ؟ وأنت إنسان عظيم، لك مكانتك، رجل مؤمن، لا تقول له لا ! تقول له كلا ! إنك تردعه وتنفي عنك هذا الشيء.الإنسان أيام يتوهم إذا الله أغناه ومتعه بالصحة، وعمل له بيت فخم، وعنده زوجه وأولاد، يتوهم الإنسان أن الله يحبه. وإذا إنسان آخر الله حرمه، دخله محدود، أقل من مصروفه، بزواجه غير سعيد، عنده أولاد غير أبرار، يتوهم أن الله حارمه ما بحبه. هذان المعنيان ليسا صحيحين قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾ هذه مقولته، هذه دعواه، هذا توهمه، هذا تصوره، لا. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ـ إنسان دخله محدودـ فيقول ربي أهانن. الله عز وجل قال: ﴿كَلَّا ﴾ هذا كلامكم، هذا ادعائكم، هذا وهمكم، كيف !!! ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء،ليس عطائي إكراماً. لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء فإذا واحد يتمتع بصحة، له دخل كبير، له بيت، هذه نعم ولا شك. أما يتوهم أن الله يحبه، والله عز وجل أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاها لقارون، وأعطى القوة لمن لا يحب أعطاها لفرعون، لكن الذي يحبه الله عز وجل آتاه العلم والحكمة.. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ (سورة القصص: الآية 14 ) الله عز وجل قال هذا ابتلاء، الآن دخلنا في صميم الآية. إذاً حظوظ الدنيا، كلمة حظوظ أنا وسعتها، الصحة حظ من حظوظ الدنيا... المال حظ... الزواج الناجح حظ... الأولاد حظ... السمعة حظ... الذكاء حظ... حظوظ الدنيا ليست نعماً وليست نقماً حياديه. إما أنها سلم ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أنها دركات تهوي بها إلى أسفل السافلين، يا أما سلم يا أما دركة. متى تبدو هذه النعم سلم ؟ قال إذا وظفتها في طاعة الله. هذا المال أنفقته فيما يرضي الله، الآن أصبح نعمه، لماذا أصبح نعمه لأن خير هذا المال سيعود عليك بعد الموت. الزوجة.. إذا أخذت بيدها إلى الله وحملتها على طاعة الله، الزوجة نعمه أصبحت الآن، لأنك تنتفع بعملك هذا بعد الموت. الأولاد.. نعمه ونقمه ؟! إذا ربيتهم تربية إسلامية نعمه، لأنك تلقى هذا العمل بعد الموت، ينقطع العمل ويبقى الولد الصالح صدقة لك جارية. إذاً نستنبط استنباطا أن حظوظ الدنيا مجتمعة أو متفرقة، إما أنها درجات نرقى بها إلى الجنة،وإما أنها دركات نهوي بها إلى النار حياديه إذا وظفتها في طاعة الله. الإنسان أيام عنده بالبيت سكين يستخدمها في تحضير الطعام، وأيام المجرم يذبح بها رجلاً آخر، فهي حياديه. السكين.....إما أنها تعينك على تحضير الطعام، وإما أنها تعينك على ارتكاب جريمة. أبداً ؟! إما أنها درجات نرقى بها، وإما أنها دركات نهوي بها. الواحد لا يتوهم أن المال دليل محبة الله، قارون أغنا منا، لا يتوهم إذا كان الإنسان في منصب رفيع هذا دليل محبة الله، لا!!! فرعون ما كان الله يحبه، سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان قوي، بس كان الله يحبه، سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان الله يحبه مع أنه كان غنياً. إذاً... الغنى ليس مؤثراً والقوة ليست مؤثراً، لكن الشيء الدقيق هو العلم والحكمة وطاعة الله عز وجل. إذاً... ملخص الآية، يا عبادي هذه الحظوظ التي أعطيكم إياها لا تعدوها مؤثرات على رضائي عنكم،المؤثر هو طاعتكم لي فقط، إنها درجات ترقون بها أو دركات تسقطون بها. إنما الله أكد لنا، هذا وهمكم، هذه مقولتكم، هذا ادعائكم، هذا ظنكم ليس عطائي إكراماً وليس منعي حرماناً عطائي ابتلاء وحرماني دواء لذلك الله عز وجل قال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ (سورة القصص: الآية 77 ) صحتك كيف تنفقها، مالك كيف تنفقه، وقتك كيف تنفقه. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سورة القصص: الآية 77 ) في بهذه السورة كلمة وجاء ربك. بعض الآيات بالقرآن الكريم متعلقة بذات الله عز وجل. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (سورة الفتح: الآية 10) هل له يد. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (سورة الطور: الآية 48 ) هل له عين. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (سورة المجادلة: الآية 1 ) هل له سمع. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ الله يأتي. قال هذه الآيات المتعلقة بذات الله، في أربعة مواقف منهم، موقفين صحيحين، وموقفين فاسدين. السلف الصالح فوضوا أمر معناها إلى الله، أما الخلف أولو. هناك من فوض وهو على حق، وهناك من أول وهو على حق، لكن الذي أنكر هذه الصفات الزائدة على ذات الله عز وجل فقد عطل، وأما الذي أثبتها كما هي فقد جسَم، والتجسَيم عقيدة فاسدة والتعطيل عقيدة فاسدة، أما التفويض عقيدة صحيحه والتأويل عقيدة صحيحه. تأويل هذه الآية. إنسان يرتكب المعاصي باستعمال حرام يظن حاله ذكي، الله يرخي الحبل يقول لك ما صار لي شئ كله خلط هذا الذي تحكوا، يكون ماله حرام، الله يعطي مهله حتى يأخذ أبعاده الكامله، بعدين فجأة بشد الحبل الله عز وجل، إذاً هو في قبضة الله. وقع لإنسان قصة. واحد راكب سيارة، ذهب لعند البريد، أصيب بأزمة قلبية، وهو عما يقود السيارة، صدفة لحسن الحظ ولرحمة الله به، أثناء الوقوف في ازدحام، واقف، والله عز وجل مرَر شريكه أو صديقه في هل المكان، رأساً حمله وحطه في المقعد الخلفي، وقاد السيارة إلى مشفى الشامي، إلى العناية المشددة، فهذا بعد ما صحي طلب آلة تسجيل، جابوا له آلة تسجيل، قال المحل الفلاني ليس لي، أن مغتصبه من أخوتي الأيتام، والأرض الفلانيه ليست لي، كان أكبر أخوته، ومسيطر وقعن تنازل وعملن وكالة، كل شيء سجل باسمه، خلاهن بلا شيء، لما صار معه الأزمة هي أتذكر، هذا بعد مرور فترة شفي تماماً وقام، وين الشريط، أعطني، كسر، على القديم رجع، هذا يلي صار معه إنذار، بعد ثمانية أشهر وجاء ربك. قالوا العلماء وجاء أمر ربك، نحنا أنذرناك ما فهمت علينا، فكانت القاضية بعد ثمانية أشهر. فربنا أيام، الإنسان بعصي ربه، الله بمهلة، يأخذ أبعاده، يرخي له الحبل، فإذا أخذ أبعاده وأصر على معصيته. واحد راح ليشتري صوف من البادية، كان والده من كبار تجار الصوف، من الكبار، وكان صالح وصاحب ذمة، بعد ما تقاعد الأب، وكل ابنه بالتجارة. راح على البادية ليشتري صوف، فكر أن الشطارة أن تأكل حق الناس فصار يزين للبدوي الصوفات بالغرامات، هذا البدوي بحياته ما سمع غرامات، بسمع أن الجزة 23 كيلو غرام، قال له 23 كيلو و800 غرام وقال له هذا هو الزين، والله شغلة غير معقولة. بعد ما انتهى الميزان، البدوي يحس بالحاسة السادسة، وجد أن كوم الصوف مثلاً حقه 30 ألف قال له حقه 20 ألف، قال له إن شاء الله بتلقاها بصحتك إذا كان أنت غلبت عليَ. هذا الإنسان، القصة والله سمعتها منه من فمه، قال ركبنا السيارة وحملنا الصوفات والسمنات ومشينا، قال لي دخلت بصراع مع نفسي لك أرجع أعطيه الفرق أو تم ساكت، شو ساوي بحالي، هذا خوفني. قال لي بقيت ماشي من محل شراء الصوف إلى الضمير وأنا داخل في صراع مع نفسي. قال لي عند الضمير قلت في نفسي حط بالخرج شو صار، قال لي ما كملت هذه الكلمة، لأني أخذت قرار، لقيت نفسي وسط بركة من الدماء والسيارة قلبت والسمن انكب وجاءوا البدو وأخذوني وأسعفوني. فأنا ماذا قلت. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ﴾ هذا الذي طلع معك بعدين، حط بالخرج وقف لقلك. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ (سورة حم: الآية 79 ) الله عز وجل عالجوا لما أخذ قرار لما دخل بصراع مع نفسه، الله ما عالجوا، وهذا لما الله بعت له هل الأزمة حتى يرجع المال لأصحابه، فلما صحي وجد ما في شيء، هات الشريط، كسر الشريط، رجع على القديم. قال له وقف لقلك، هي معنى وجاء ربك الله ما بيجي بس بيجي أمره الإنسان يظن حاله بحمقه وجهله أنه شاطر. أكل مال الناس، اعتدى على أعراض الناس، ما صار معه شيء، الله عز وجل من سممه في خلقه، أنه يؤخر أمره قليلاً، حتى الإنسان يأخذ أبعاده حتى ينعرف اتجاهه الحقيقي، نعرف عند الناس وعند الله عز وجل وجاء أمر ربك وجاء ربك يعني... جاء أمره. في آية تفيدنا في هذا الموطن الله عز وجل قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (سورة يونس: الآية 39 ) كلكن تتوهموا أن التأويل هو التفسير، العلماء قالوا تأويل القرآن وقوع الوعد والوعيد . إذا إنسان واقع بمال حرام أو له علاقة محرمة أو معتدي على آخرين عدوان أدبي أو مادي أو معنوي إلى آخره. الله عز وجل، تأويل الآيات وقوع الوعد والوعيد كأنه الله عز وجل شهد بخلقه إن هذا الكلام كلامه والدليل تنفيذ الوعد. لو فرضنا طالب جاءوا على المدرسة، مكتوب على السبورة غداً الساعة الأولى مذاكرة رياضيات، هذا كلام، يا ترى من كتب الكلام، يا ترى الأستاذ كتبه، لعلى مزحه من طالب، هذا الكلام، ثاني يوم الساعة الأولى إذا قال الأستاذ: افتحوا الأوراق عندكم مذاكرة، معناها الكلام صحيح، معناه كلام الأستاذ، لما ثاني يوم الساعة الأولى يقول افتحوا الأوراق عندكم مذاكرة، مثل ما بلغتكم البارحة، معناه تنفيذ الأمر تنفيذ الوعيد، هو الشهادة لله لعباده أن هذا القرآن كلامه. أخوانا في آيتين ننهي فيهن الدرس. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ (سورة طه: الآية 124) إذا بتلاقي واحد بالأرض سعيد بالبعد عن الله بكون القرآن باطل ولا واحد. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ واحد سئل سؤال غريب، قال الأغنياء، وين معيشة الضنك، عما ياكلوا أكل،مركبات وبيوت، وين معيشة الضنك. أجاب علماء التفسير... ضيق القلب . إذا الإنسان صار ماله كثير وعيش وفير ومعرض عن الله عز وجل بيصير بقلبه قلق وشقاء، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم . وجاء ربك.. ضعوا في أذهانكم أن معناها وجاء أمر ربك رد الله على المعامل هو عقاب. الإنسان يكون أحمق وغبي إذا كان قال لك أنا عما أعصي ربي ما صار معي شيء، قال يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني قال يا عبدي كم عاقبتك ولم تدري. مالك أشعر أنت من مصيبة لمصيبة ومن مطب لمطب ومن ضيق لضيق ومن شقاء زوجي لشقاء زوجي ومن عقوق أولاد لعقوق أولاد ومن تلف مال لتلف مال. إذاً... المصائب كلها عبارة عن عقوبات من الله عز وجل. قال له :يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني قال يا عبدي كم عاقبتك ولم تدري. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفجر (89 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الفجْر قوله تعالى الآية الخامسة عشرة: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه...أهانني " الإنسان يتوَهَّم أنّه إذا كان غَنِيًّا فقد كرَّمه الله، وأنَّه إن كان فقيرًا فقد أهانه الله، فالله تعالى يردُّ على هذا الوَهْم ؛ كَلاَّ وهي أداة ردْعٍ ونفْيٍ، ليْسَت نفْيًا فقط، فلو قال لك أحدهم: هل أنت سارق ؟ تقول له: كلاَّ، ترْدَعُهُ على هذه التُّهْمة أما لو سألك: هل أنت جائع ؟ تقول له: لا، فالجوع ليس تُهْمَة، فَكَلاَّ تُضيف إلى النَّفْي الرَّدْع، أي يا عبادي ليس عطائي إكْرامًا، ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابتِلاء، وحِرْماني دواء ؛ وهذا مع التَّفصيل إنسان آتاه الله المال ؛ هل يُعَدُّ المال نِعْمَةً ؟ لا ! هل يُعَدُّ نِقْمَةً ؟ لا ! ليس نِعْمَةً وليس نقْمَة، إنَّما المال ابتِلاء، فهو يكون نِعْمة إذا أُنْفقَ في طاعة الله، ويكون نقْمَةً إذا أُنْفِقَ في معْصِيَة الله، فهُوَ مَوْقوف على كَيْفِيَّة اسْتِخْدامِه ؛ ليس نِعْمَةً وليس نقْمَة وليس عطاءً إنَّما ابْتِلاء، وقِسْ على المال كلّ حُظوظ الحياة، فالذَّكاء هل هو نِعْمَة أم نِقْمَة ؟ هو مَوْقوف على نَوْع اسْتِعْمال الذَّكاء، فلو اسْتَعْمَلْتَ الذَّكاء في أخذ أموال الناس والإيقاء بينهم، وفي قهْرِهِم فَهُوَ ذكاء، ولو اسْتَخْدَمْتَ الذَّكاء في نَشْر الحق، وعَرْضِهِ عرْضًا رائِعًا، وفي تأليف القلوب وحل مُشْكِلاتِهم ؛ الدُّنْيَوِيَّة والأُخْرَوِيَّة فهذا الذَّكاء نِعْمة كبيرة وُظِّف في الحق. طيِّب الوَسامَة ؛ واحِد وسيم، إذا الوسامَة جعلها في الحق بأن دعا إلى الله وشَكْلُهُ وسيم وأنيق، فالناس تُحِبُّ الشَّكْل الوَسيم، أما إن اسْتَخْدَمَ وسامَتَهُ لإغْواء الفتيات فقد جعل هذا الحظّ نِقْمَة ومَعْصِيَةً ؛ فما مِن حظٍّ مِن حُظوظ الدنيا إلا ويُوَظَّفُ في الخير أو الشرّ. دُعينَا مَرَّةً لافْتِتاح مسْجد في الصَّبورة ؛ مَسْجِدٌ رائِع ضِمْن حديقة، ويحوي كلّ المرافق الرائِعَة، والذي بنى المَسْجِد اسْتَقْبلَنا واحِدًا واحِدًا ثمَّ دعانا إلى الغذاء، ثُمَّ ألقيت الكلمات مِن قِبَل عدَدٍ من العلماء وحينما ودَّعَنا كان باشًّا ! رَكِبْتُ مَرْكَبة مُتَّجِهًا إلى دمَشْق فإذا على الطَّرف الآخر مَلْهى ؛ وما مِن موبِقَةٍ إلا وفي هذا المَلْهى، فهذا المَسْجد احْتاج إلى أموال، وهذا الملْهى احْتاج إلى أموال، فالمال واحِد ولكن من المال ما أُنفِق لِيَكون مسْجِدًا، ومنه ما أُنْفق لِيَكون ملْهًى. واحِدٌ آتاه الله تعالى صوْتًا حَسَنًا، قرأ القرآن ؛ مات ولكن صَوْتُه يصدح به إلى يوم القيامة، وهذا مُغَنِّي مات فأُغْنِيَّاتُه تصْدح إلى يوم القيامة، وكذا الخط الحسَن، والمال والعقل والحسَب والنَّسب والأولاد فكلّ هذه ليْسَت نِعَمًا ولا نِقَمًا، إنَّما هي ابْتِلاء ! يا عبادي ليس عطائي إكْرامًا، ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابتِلاء، وحِرْماني دواء ؛ قال تعالى: فأما الإنسان إذا...فيقول " هو الذي يقول هذا الكلام الواهِم والذي يحلم به، فأكثر الناس الآن إذا آتاه الله المال، ويقولون: إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! لا يدَعُ ملْهى، ولا مكانًا مُنْحَطًّا إلا وزارهُ ثمَّ تقول: إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! إذًا الله تعالى لا يحبّ عبده ! مِن مكَّة إلى المدينة إلى الطائف ! ما رأى شيئًا ؛ لا هذه المُدُن الجميلة، ولا هذه الملاهي الضَّخْمَة، إنَّما بِلاد قاحِلة وسوداء، وصحْراء حارَّة فَمِن أين هذه المقولات ؟ إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! قال تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت..." حقيقة الكون، وحقيقة الإنسان، وحقيقة العمل الصالح، فهذه نُقْطة دقيقة جدًا ؛ حُظوظ الدنيا مِن مال ونَسَب وحسب وجمال وذكاء واخْتِصاصات، وهذه الشهادات العالِيَة قد يسْتخدِمُها لابتزاز أموال الناس ؛ لأنّ الناس يُصَدِّقونه، فلو قال الطبيب للمريض لا بدّ لك مِن تخطيط، فهل يستطيع المريض أن يُناقِشَهُ ؟! وقد يقول لك: لا بدّ لك مِن ثمانِيَة تحاليل ! أما إن وظَّف الإنسان اخْتِصاصه في خِدْمة المسلمين أصبحَ نِعْمة، فَيُمكِن لك أن تَحُلّ مليون مشكلة وأنت في المنصب، وممكن بالمنصب نفسه تكسب مليون مشكلة كل يوم ! ويكون منْصِبك هاوٍ بك إلى أسفل جهنَّم، إما أن تُحِق الحق لِوَجه الله، وإما أن تُحِقَّ الباطل مُقبل مبْلغ تأخذه، وحينها يصبح الحق باطلاً، والباطل حقًّا، لذلك قالوا بآخر الزمان قاضيان إلى النار وقاضي إلى الجنَّة، وفيها تعديل وهو قاضيان إلى النار وقاضٍ إلى جهنَّم ! الحُكْم لِمَن يدْفَع، وهذه مُشْكِلَة، لذلك أيها الإخوة، الحُظوظ تُوَظَّف في الحق وتُوَظَّف في الباطل. أحد إخواننا العلماء كان بِبَلَدٍ إسْلامي، فقالوا له أحد كبار الأغنِياء قدَّم لِطَلبة العلم الشرعي بسيط ؛ كم ؟ ثلاثمائة مليون دولار ! فقال: والله أُحبّ أن أرى هذا الإنسان، فأقاموا جلسة للفطور، فجاء هذا العالم الدِّمَشقي حتَّى يلْتقي مع هذا الغنِيّ المُحْسِن، فما جاء هذا الغنِيّ ! انْتَظَر ساعة وأكثر، فسأل عنه أين هو ؟ فقالوا له: جاء وله الآن وقد بقي طويلاً ينتظر ولكن مِن شِدَّة أنَّه مُتواضع لا يظهر عليه أنَّهُ دفه مبْلَغًا كهذا ! أما أحدهم يدْفع خمسة وعشرون ألفًا فتراه يحبّ أن يجلس على الرُّخام ! أنا والله أغْبط العلماء، فقد يصِلوا إلى أعلى مرتبة بالجنَّة، ويُنافِسوا أكبر عالم في الإسلام، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في اثنتين:..." فالغنيّ المؤمن إذا وظَّف ماله في الحق وصل إلى رتبة كبيرة ؛ فَكَم كم أسرة تُعاني البؤس وشقاء المعيشة ؟ وكم من إنسان يحْتاج إلى عَمَلِيَّة جراحِيَّة ؟ وكم من شابٍّ طرق الزواج مُغْلَقَة أمامه، فمجال العمل الصالح بالمال لا يُعَدُّ ولا يُحْصى، والأغنياء المؤمنون يمكنهم أن يصلوا إلى أعلى مرتبة في الجنَّة بِمَالهِم فقط ! كما أنَّ العلماء يصلون بِعِلْمِهم وإنْفاقِه فالمال إذًا قُوَّة تُوَظَّف في الحق فتُؤتي أُكلها يانِعَةً. شيخ الأزهر السابق جاد الحق، فَمَشى بِجَنازته ستَّة ملايين إنسان، ساكن بِبَيْت مائة متر طابق رابع، ومعه الْتِهاب مفاصِل ! وتحت يدِهِ مئات الملايين للأزْهر، ولا توجد قريَة بِمِصر إلا أنشأ فيها معهد شرعي تابِع للأزهر، وتُوُفِّيَ وهو فقير، فالعِبْرة أن يموت الإنسان على حقّ، فالعالم إذا توَفَّى يُحْدِث هزَّة للعالم كلِّه له، ترك تفسير قرآن ودعوة إلى الله وصَحْوة إسلامِيَّة، وهناك مَن ترَكَ ملْهى فهو له صَدَقَة جارِيَّة إلى يوم القيامة ! فالقَصْد مِن كلامي ؛ أنّ الحُظوظ إما أن تُوَظَّف في الخير، وإمَّا في الشرّ، يقولون لك في بعض البلاد المُجاوِرَة كازينو ؛ القاعة الواحد مُكَلِّفَةً لثلاثين مليون دولار !! قاعة قِمَار، وحفلة بِفُنْدق خمسة نجوم كلَّفَتْ سِتِّين مليون ؛ حفلة عرس ! لو تأمَّن بيتًا بِمئة ألف في أطراف دمشق، وخمسين ألف لوازم الزوج، فكم مِن شابٍّ سيَتَزَوَّج ؟! لذلك الكفار إذا أنفقوا الأموال أنفقُوها إسرافًا وتبْذيرًا، وإن منعوها منعوها بُخْلاً وتقْتيرًا. أحد إخواننا أراد أن ينشأ جامِعًا في نَهْر عيشَة، فوَجَد قطْعَةً مساحتها ثلاثمائة متر لإنسانٍ مُدَرِّس فقير معاشُه ثلاثة آلاف ليرة فقط، وهو أرخَص معاش في الدَّوْلة، فهذا الغنِيّ أراد أن يشتري هذه القطعة وثمنها ثلاثة ملايين ونصف ! فباعهُ هذا الفقير القطعة بِمليونين، وقال له: مليون ونصف هذه عند التنازل للأوقاف، فهذا الغنيّ لا يفْهم شيئًا من هذا ! فقال له ما الأوقاف ؟ قال الغنيّ: هذه نريد أن نُقيمَها جامِعًا فقال الفقير: جامِع ! فقَطَّع الشيك وقال له: أنا أوْلى أنْ أُقَدِّمَها لله منك ! يقول هذا الغنيّ: والله ما احْتَقَرْتُ نفْسي وما صَغُرَت أمام إنسان كانْذِلالها أمام هذا الفقير الذي راتبُهُ زهيد، ما هي الدنيا ؟ عمل صالِح فابْذُل علْمك ومالك ووقْتَك وخِبْرتَكَ حتّى تُلاقي الله وهو راضٍ عنك قال تعالى: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه...كلا "ليس عطائي إكرامًا ولا منْعي حِرْمانًا ، عطائي ابْتِلاء، وحِرْماني دواء، أنت مُبْتَلى فيما أُعطيتَ وفيما مُنِعْتَ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام: اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عونا لي فيما تحب، وما زللت عنِّي ما أحبّ فاجْعَلْهُ لي فراغًا فيما تحبّ. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البلد (90 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة البلد، الآية الأولى قوله تعالى:لا أقسم بهذا البلد...البلد " ماذا نفْهم من هذه الآية ؟ نفهم منها أنَّ الإنسان هو أكرم المخلوقات على الله، وأنَّ سيِّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم هو أكْرَمُ أكْرَمِ البشر على الله، لذا قيمة هذا البلد ؛ مكَّة المُكَرَّمة لِحِلِّ النبي عليه الصلاة والسلام فيه، قال تعالى:لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد..". ثمَّ قال تعالى:ووالد وما ولد.." نِظامُ الأُبُوَّة هو نِظامٌ يُعَرِّف بالله عز وجل، فأكثركم آباء، يعيش الأب لابنِهِ ويتمنَّى أن يكون أفْضَل منه ومهما أساء الابن إليه لو جاءهُ تائِبًا لقَبِلَهُ وأحَبَّهُ، ومِن نِظام الأُبوَّة ومن الرَّحمة التي أودِعَت في قلوب الآباء والأمَّهات ؛ تعرف الله، إذا كان قلب الأب والأم هكذا، وإذا كان الأب والأمّ يعيشان لأوْلادِهِما يجوعان كي يشْبعوا، ويعْرِيان كي يكْتسي، ويرْفعانِهِ إلى أعلى عِلِيِّين، ويتمنَّيان أن يكون أفضَل منهما بِرَحْمَةٍ أوْدَعَها الله تعالى في قلوبهما، فكيف بالله عز وجل ذي الرَّحْمة العظمى. من الثابت أنَّ أعْظم الخلق بالخَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك ؛ قال تعالى:فَبِما رحْمَةٍ..."، تنْكير تقليل، فَكُلّ هذا اللِّين وهذه الرَّحْمة فاللَّهمّ اغْفِر له، وارْحَمْهُم، وقوله صلى الله عليه وسلَّم:اللَّهم اهْد قومي فإنَّهم لا يعلمون، آذَوْهُ،و سَلَّطوا عليه سُفَهاءَهم، وكذَّبوه وسَخِروا منه، ومع ذلك قال:اللَّهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ! فَكُلّ هذه الرَّحمة وهذا اللِّين وهذا العَطْف، قال عليه الصلاة والسلام:لو تعلمون ما أعلام...." ومع أنَّك نبِيٌّ مُرْسَل وسيِّدُ الخلْق، وحبيب الحق ومه أنَّهُ يوحى إليك وأوتيتَ المُعْجِزات، مع كُلِّ هذه الخصائص والميزات، وكل هذه الفضائل، قال تعالى:ولو كنت فضًّا غليظ القلب..." فهذا الذي لم يُؤْتَ المعجزة وليس معْصومًا، ولم يفْقَه الفقه العالي فهذا يعني أنَّه أحْمق، الْتِفاف الناس حوْلك، أو انْفِضاضُهم عنك قانون فإذا كان بقلبك رحْمة حقيقيَّة اشْتقَقْتَها من الله عز وجل مِن خلال اتِّصالك به مُنْعَكَس هذه الرَّحْمة يُثير الجانب، فإذا كان القلب منقَطِعًا عن الله عز وجل، فَمِن مُنْعَكَسات القلب الغِلْظة والفضاضة، قال تعالى:ولو كنت فضًّا غليظ القلب..." القرآن كلَّه قوانين، فقانون الْتِفاف الناس حوْلَك اتِّصالُك بالله، وقانون انْفِضاض الناس حوْلك انْقِطاع القلب عن الله تعالى، لذلك لا أُقسم بهذا البلد لأنَّه حِلٌّ بهذا البلد لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم سيِّد الخلق، بل إنَّ جنس الإنسان إذا عرف الواحِدَ الدَّيان يفوق الملائكة المُقَرَّبين، فالإنسان أكرم الخلق على الله، رُكِّب الملك بِعَقل دون شَهْوة، ورُكِّب الحيوان من شَهْوةٍ دون عقْل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سَمى عقله عن شهْوته أصبح فوق الملائكة، والدليل قول الله عز وجل:إنَّ الذين آمنوا و...خير البريَّة " والآية الثانِيَة قوله تعالى:...شر البريّة " فأنت بين أن تكون فوق الملائكة المُقَرَّبين وبين أن يكون الكافر في أسفل السافلين. كان من الممكن أن يخلق الله البشر جميعًا دُفْعَةً واحدة من دون آباء حينها تنعدِمُ الرَّحْمة، أما أن يكون هذا ابن فلان، وكل رحْمة الأب يصبُّها في ابنه فإذا كبر الأب رأى ابنه أمامه يُعينُه ثمَّ قال تعالى:لقد خلقنا الإنسان في كبد.." خُلِق في ضَعْف وفي نِظام سَعْيٍ، فالواحد حتَّى يشْتري البيت ؛ يقول لك:طلعتْ روحي ! وحتَّى وصل إلى زوْجة طلعتْ روحي مرَّة ثانِيَة ! وكذا حتَّى أنْجب، ثمَّ ترْبِيَة الأولاد، فالحياة أساسها بذْل جهْد ! قال تعالى:يا أيها الإنسان إنَّك كادح إلى..." نِظام الدنيا نِظام جُهْدٍ، أما نِظام الآخرة فهو نِظام إكْرام، ولهم ما يشاءون فيها، فأنت مِن أجل أن تأكل صَحن مُقَبِّلات تحْتاج إلى ساعة ؛ مِن غَسْل وتنظيف و... أما في الآخرة كلّ ما يخْطر بِبَالِك تجده أمامك، قال تعالى:إنَّه كان لي قرين فاطَّلع..." مِن أجل أن ترى ابنك بأمريكا تحتاج إلى ثلاثة أشهر للتأشيرة ويدفع وينتظر الدَّوْر كي يراه، أما في الآخرة لا شيء مِن هذا ! في الآخرة فقط يخْطر بِبَالك ترى ما تريد، والقُطوف في الجنّة دانِيَة، الغُصن يأتي إليك، تشْتهي أن تأكل فيأتي الغصن إليك، فَنِظام الآخرة نِظام تَكْريم، ونِظام الحياة الدنيا نِظام سَعْي وجُهْد، والدنيا ثَمَن الآخرة، والانضِباط في الدنيا لِسَنوات مَحْدودة ثَمَن عطاء أبدي لا ينتهي، فالصّلوات محدودة، وكذا الصيام والحج والعمرة، فَمَجموعة تَصَرُّفات منضَبِطَة ثَمَن جنَّة إلى أبد الآبدين، وحينما ينقطع عن الله تعالى ويجْهل قال تعالى:أيحسب أن لن...أحد " كان طِفْلاً، لولا منعَكس المَصّ لما وُجِد إنسان يعيش مِنَّا، والطِّفل يولَد معه، فلولا منعَكَس النَّص لما وُجِدْنا الآن، فلولا هذا المنعكس لما أمْكَنَكَ أن تُعَلِّم ابنك وهو طفل صغير وُلِدَ الآن أن يمُصَّ ثَدْي أمِّه ؛ يولَدُ الطِّفل من هنا فَيَمُصُّ مباشرة حلمة ثدي أُمِّه ! كيف يتعَلَّم هذا الطِّفل أن يمصّ ثَدْي أُمِّه ؟ قال تعالى:ألم نجعل له عينين...النَّجدين " حليب باردٌ في الصَّيف، وساخن في الشِّتاء، ومُعَقَّم، ويتبدَّل ترْكيبُهُ في أثناء الرَّضْعة الواحدة نسْبة الماء بِأوَّل الرَّعة تكون سِتِّين بالمائة وبآخرها أربعين بالمائة، أما الأمّ ابنها يبكي تضع الحليب على النار حتَّى يغلي، ثمَّ مرحلة التبريد وكل مناعة الأم في حليبها، لذلك أحْمَق إنسان هو الذي يسْمح لَزوْجَتِه أن تُرْضِعَ ابنها! حِفاظًا على قِوامها، وأحد أكبر سرطان الثَّدْي عدم الإرْضاع !! لأنّ الله تعالى قدَّم الثَّدْي هَدِيَّة للطِّفْل والأمّ حرَمَتْهُ منه وأحد أسباب الانْتانات المعوِيَّة هو الحليب الصِّناعي، واحد أسباب القَسْوة في المعاملة الحليب الصِّناعي، وأحد أسباب أمراض القلب والأوْعِيَّة الحليب الصِّناعي ؛ هناك بُحوث طويلة أنَّهم وَجَدوا أذْكى شَعْب في العالم هو شَعْبٌ يعيش بِالباسيفيك، هذه الجزيرة لا تعرف الإرضاع الصِّناعي إطْلاقًا، والآن يُعْزى الذَّكاء البشري إلى الإرْضاع الطبيعي، أمريكا مرْتبتُها بالذَّكاء الرابعة عشرة قال تعالى:أيحسب أن لن يقدر عليه أحد..." سلوا الأطِبَّاء ؛ ما هو الإنسان ؟ كُلّ عظَمَتِك وقُوَّتِك وذكاءك وأموالك وهيْمَنَتِك بِفَتْحة شرْيانِكَ التاجي الذي قُطْرُه ميلمتر واحد ! إذا ضاق بدأت متاعب لا تنتهي وهو الذي يُغَذِّي قلب، فإذا ضاق هذا الشريان للزِمَك تجريف وبالون وروسور وأروبا ومليون ليرة، وكذلك إذا نَمَتْ هذه الخلايا نُمُوًّا عَشْوائِيًّا، وهذا المرض حتَّى الآن لا سبب له، يُصيبُ كلّ الأعمار وإذا تَجَمَّد الدمّ، فأنت كلّ حياتِك مَبْنِيَّة على هذه الأمور التي في جسَدِك ثمّ قال تعالى:يقول أهْلكْتُ مالاً لبدًا.." أقمنا بالصَّيف في نزهة كلَّفَتْنا ثمان مائة ألف ! وعرس كلَّفَنا عشرين مليون، ويعني بِكُلْفة السيارة والبيت. قال تعالى:أيحْسب ألم يره أحد.." مِن أين جاء بِهذا المال ؟ الذي أعطاك ألا يراك ؟ وخالقُك! كيف كسب المال. ثمَّ قال تعالى : ﴿ ألم نجعل له عينين...النجدين﴾ فكيف بِخالق العَيْنين ثمّ قال تعالى:فلا اقْتَحَم العقبة.." ما الذي يمْنعُك من أن تتوب الآن ؟ وأن تُصَلِّي ؟ وأن تسأل الله السلامة واللُّطْف. ثمَّ قال تعالى:وما أدراك...فك رقبة " ما معنى هذه الآية ؟ مادام الإنسان عبْدًا لِشَهواتِه فالطريق إلى الله مَسْدود، فإن أمْكَنَك أن تفُكَّ رقَبَتَك من أسْر الشَّهوات انتهى الأمر، فأنت إما أن تكون عبْدًا لله، وإما أن تكون عبْدًا لبَطْنِك أو لِفَرْجِك أو للدِّرْهم والدِّينار. ثمّ قال تعالى:" فلا اقتحم العقبة...فك رقبة " هناك من يقول:فكّ رقبة ذَبْح خروف ! ولكنَّ المعنى أعْمَق بِكَثير،فما دُمْتَ عبْدًا لِشَهْوَتِك فالعَقَبة كؤود بينك وبين الله، ولكن حينما تتحَرَّر من أسْرِ الشَّهْوة وتغْدو عبْدًا لله فالطريق سالِك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ﴿ تعس عبْد الدرهم..." ﴾ ما صلَّى العصْر من أجل أنّ بِنْطالُهُ مَكْوي !! وهناك إنسان عَبْد الفرْج، وآخر عبْدُ البطْن، وذاك عبْدُ الدِّرْهم والدِّينار. ثمّ قال تعالى:أو إطعام في يوم ذي مسغبة.." أن تتحَرَّرَ من الشَّهوات وأن تبْذِل ما في وُسْعِكَ من أجل الله. ثمَّ قال تعالى: ﴿ يتيماً ذا...ثمّ...مؤصَدة ".﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشمس (91 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الشمس، قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ [ سورة الشمس ] لو تتبَّعْنا فِعْلَ أفلح في القرآن الكريم نَجِدُهُ في عِدَّة آيات فقط قال تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)﴾ [ سورة المؤمنون ] وقال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)﴾ [ سورة الأعلى ] الفلاحُ هو النَّجاح، لكن بِنَظَر الناس ؛ ما هو الفلاح ؟ لو سألتَ ألف إنسانٍ ما هو الفلاح ؟ قد يقول بعضهم: أن تكون غَنِيًّا، وقد يقول بعضهم: أن تكون قَوِيًّا، وقد يقول بعضهم: أن تكون وسيمًا، وقد يقول بعضهم: أن تُمارِسَ كلّ الشَّهوات، إلا أنَّ مِقْياس الفلاح في القرآن ؛ قد أفلح مَن زكَّاها ! لأنَّ الإنسان يحبّ ثلاثة أشياء في أصْل فِطْرَتِهِ: يُحِبّ الكمال، ويحبّ الجمال، ويحبّ النَّوال ؛ العطاء فلو أعْطاك إنسانٌ ذميم مليون تُحِبُّهُ مِن أعْماقِك. الكمال كلُّهُ عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [ سورة الأعراف ] فإن كنتَ تُحِبُّ الكمال، فالله تعالى مَنْبع الكمال، وإن كنتَ تحبّ الجمال فالله أصل الجمال، وكل ما في الكَون مِن جَمال مَسْحَةٌ مِن جمال الله عز وجل ؛ وإنَّ الله جميل، وأقرب دليل أنَّ الإنسان إذا شَعَرَ أنَّ الله تعالى يُحِبُّه يمْتلأُ قلبُهُ سعادَةً لو وُزِّعَت على أهل الأرض لَكَفَتْهُم، النَّشْوَةُ الجمالِيَّة، هناك تعْبيرات فلْسَفِيَّة في كُتب الفلْسَفَة ؛ النَّشْوَةُ الجمالِيَّة! وهي التي يُحْدِثُها القُرْب من الله تعالى تَفوق كُلَّ نَشْوَة، وأنت قد تذْهب إلى مَصْيَف حوله خمسون سيَّارة بعد الساعة العاشرة ليلاً ؛ ماذا يفْعَلُ هؤلاء هنا ؟ يجْلسون على طاولات ويأكلون ويُمْتِعون نظرهم بامْرأة شِبْه عارِيَة ترْقُص أو تُغَنِّي ؛ هؤلاء رُوَّاد المَلاهي والحانات والأماكن التي تُرْتَكَبُ فيها المعاصي، فلو عرفوا ما عند الله تعالى مِن سعادة لكانوا أوَّل سابِقٍ إلى باب الله عز وجل إلا أنَّ الأزْمَة أزْمَةُ عِلْم، ولو يعْلم المُلوك ما نحن عليه لقاتَلونا عليه بالسُّيوف، وفي الدنيا جنَّة من لم يدْخُلْها لم يدْخُل جنَّة الآخرة ! ما يفْعلُ أعْدائي بي ؛ بُسْتاني في صدْري، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة، وإن حَبَسوني فَحَبْسي خَلْوَة، وإن قتلوني فقَتْلي شَهادة. الإيمان مَرْتَبَة عِلْمِيَّة، ومرْتَبَة جمالِيَّة، ومرْتَبَة خُلُقِيَّة، فهي عِلْمِيَّة إذْ أنَّ المؤمن عرف الحقيقة، والحقيقة المطْلقة هي الله عز وجل، هل هناك فلاح ونجاح عِلْمي يفوق أن تعرِفَ الحقيقة المُطْلَقَة ؟ فهذا أنْشْتايْن عرف نَظَرِيَّةً نِسْبِيَّة، وعرف قوانين فيزْيائِيَّة، وأرْخَميدِس عرف قانون السوائل والضَغْط، ونيوتن عرف قاون الجاذِبِيَّة، وبوتال عرف ثُقْب بوتال بالقلب، فَكُلّ عالِم عرف شيئًا من مَخْلوقات الله، أما المؤمن الصادِق عرف الله! دَقِّقوا ؛ هذا القرآن اُدْخُل لأيِّ مكْتَبَةٍ في العالم مَن صاحب هذا القرآن ؟! هو الواحد الدَّيان، فَضْلُ القرآن على أيِّ كتابٍ مُؤَلَّفٍ في الأرض كَفَضْل الله تعالى على خَلْقِهِ، وبين القرآن وبين أيِّ كتاب كما بين الله تعالى وبين عبادِهِ. طيِّب ؛ بين المؤمن الذي عرف الحقيقة المطلقة وهي الله، وبين أيِّ عالِمٍ كما بين الله وعباده ! الإيمان درَجَة عِلْمِيَّة لأنَّهُ عرف الله، والإيمان درجة خُلُقِيَّة لأنَّ سلوك المؤمن مَحْكوم بِمَنظوم قِيَم أخْلاقِيَّة دقيقة جدًا. حدَّثني أخٌ كان بِمَسْمَكِة ؛ اشْترى سَمَكًا، فالعامِل مباشرة أراد قطع السَّمك وهو يتحرَّك، وذلك لِيُنَظِّفَهُ ! وهذا لا يجوز، حتَّى يموت قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(36)﴾ [ سورة الحج ] فأنت إن نَزَعْتَ أحْشاءها وهي تتحَرَّك فهذا تعْذيب ! فقال له: لم يقُل لي أحَدٌ هذا الكلام، وأنا لي الآن ثلاث سنوات ! الجواب: لأنَّكم شارِدون، أما المؤمن فلهُ مَنْهَج ولا يستطيع أن يُعَذِّب مَخْلوقًا، ولذلك مُعَلِّمُ الناس الخير تُصَلِّي عليه الملائكة، وحتَّى الحيتان في البحر، والمؤمن منْضَبط، وقال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ* )) [ رواه مسلم ] إذا قتلتم فأحسِنوا القتْلة..." فالإيمان درَجَة خُلُقِيَّة. والإيمان درجَة جمالِيَّة، لأنَّ المؤمن يسْتَمْتِعُ بالقُرْب من الله تعالى وهي مُتْعَةٌ تفوق أيَّ مُتْعَة، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُوَاصِلُوا قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ قَالَ فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ *)) [ رواه البخاري ] وأسْعَدُ الخلق قاطِبَةً هو النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنّه أقرب الخلق إلى الله، فالإنسان يُحِبُّ الجمال والله منْبَعُ الجمال، ويحبُّ الكمال والله مَنْبه الكمال، ويُحِبُّ النَّوال وهو العَطاء، فَكُلُّ عطاءات الأرض هي من الله، فإذا الأب قبَل ابنَهُ ما معنى ذلك ؟ لولا أنَّ الله تعالى أوْدَعَ في قلْب هذا الأب هذه الرَّحْمة ما قبَّل ابنهُ ! مرَّ سيِّدنا موسى - وهذه قِصَّة رمْزِيَّة - على امْرأة تخْبز على التَّنور وابنُها تضَعُه على جانب التَّنور، وكلَّما وضَعَتْ رغيفًا في التَّنور قبَّلَت ابنها وضَمَّتْهُ فَعَجِبَ سيِّدُنا موسى من هذه الرَّحْمة التي أودِعَت في هذه المرأة، فرَبُّنا عز وجل أراد أن يُعَرِّفَهُ بالله فنزَعَ منها الرَّحْمة، ولما بكى ابنُها ألْقَتْهُ في التَّنور ! فالنَّوال هو العَطاء، أرْقى إنسان له دَخْل يكْسب منها قوتًا، إذا تجَمَّدتْ نقطة دم أدَّتْ به إلى الجنون، وأقرب الناس إليه ؛ ابنه يُرْسِلُهُ إلى مَشْفى الجنون ! فأين هي مكانتُك ؟ وقيمتك ؟! ما معنى جنّ ؟ يعني أنَّ نقطة دم تجَلَّطَت في شرْيان فرْعي من الدِّماغ ! وسَدَّت مكان الذاكرة ففَقَدَ كُلَّ ما عرفهُ ! صَيْدَلي مَشْهور جاء ابنُه من أمْريكا، فقال الأب لابنه: من أنت ؟! أُصيب بِفَقْد الذاكرة، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ(67)﴾ [ سورة يس ] أخٌ من إخواننا الكرام توفَّاهُ الله عز وجل، وقبل أن يموت بِشَهْر خرج من معْمَلِهِ فلم يعرف مكان بيْتِه ! وظَلَّ ساعَةً يمشي يبْحث عن بيْتِه، وهو يمْشي تذَكَّر بيْتَ ابنِه، فذَهَب إليه وقال له: دُلَّني على بيْتي ! فالإنسان كُلُّه عطاءٌ من الله، وإذا وصَلْتَ إلى بيْتِك فهذا من الله، وإن رأَيْتَ ابنك هذا مِن الله تعالى، وإذا مكَّنَكَ الله من مَصْلَحِةٍ فهذا مِن الله تعالى؛ كهربائي أو صناعي أو مهندس أو كاتب هي كلُّها من الله فالله عز وجل مصْدر النَّوال والكمال والجمال، فما هو الفلاح ؟ قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ [ سورة الشمس ] من عرَّف نفْسَهُ بِرَبِّها، وحمَلَها على طاعتِه فأقْبَلَت عليه فتَزَكَّتْ، وزكاة النَّفْس في الدنيا ثَمَنُ الجنَّة إلى أبَدِ الآبِدين. والله تعالى قال: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ [ سورة الشمس ] هو مَن حَمَل نفْسَهُ على الغفْلة ؛ غافِلٌ و شارِدٌ ولم يتقَيَّد بِمَنْهَج، فعَلَ ما يُريد وأكل ما يشاء، وذهب إلى مكان يُحِبّ، وأطْلق بصرَهُ بالحرام، وخان الأمانة، فأنت لن تكون فالِحًا إلى أن ينْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، ومِقياس الفلاح في القرآن كما قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ [ سورة الشمس ] ومِقياس الفلاح عندك المال، ولكن عند الموت لا يوجد المال، فأَحَد أكبر أغنياء العالم عنده صندوق حديد على شَكل غرفة كبيرة، كان يُقْرِض الحكومة البريطانِيَّة، فأحد المرَّات دخل إلى صندوقه الحديدي، وأُغْلِقَ عليه الباب فبات يصيح أيَّامًا، وقد ظنَّ أهله أنَّه سافر، جرح أصبُعه وكتب في الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعًا وعطَشًا !! وكان هناك ثريٌّ بِلُبْنان قبْر جميل جدًا ومُطِلّ على البحر بأعلى منطقة، وعنده طائرة خاصَّة، فوَقَعَتْ ؛ زَوْجَتُهُ دفَعَت الملايين كي تُنْقِذَهُ فَعَثَروا على الطَّيار ولم يعْثُروا على صاحب القبر !! لن تُفْلِح إلا إذا انْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، تكون فالِحًا وناجِحًا وعاقِلاً ومُتَفَوِّقًا إذا عرفْتَ الله وأطَعْتَهُ وتقَرَّبْتَ إليه، زكاة هذه النفس ثمن الجنَّة ؛ ثمنُ جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾ (سورة آل عمران ) متاع الغرور، عِشْ ما شئْتَ فإنَّك ميِّت، ولذائذ الدنيا لا بدّ مِن أن تتْرُكَها أو تتْرُكَكَ، فالموتُ يحْرِمُك مِن كلّ شيء، وأحْيانًا وهو حيّ يفقد بصره، وحركتَهُ. فهذه الحظوظ ؛ الصَّحة والوَسامة والذَّكاء إما أن تفْقِدَها وإما أن تفْقِدَك أما في الجنَّة قال تعالى ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾ [ سورة ق ] فَمُلَخَّص الدرس يجب أن ينْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، ففي القرآن قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ [ سورة الشمس ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشمس (91 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الشمس التي مطلعها قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾ [ سورة الشمس ] كيف أنَ هذه الشَّمس عظيمة، وهذا النهار وهذا الليل، وهذا القمر ؛ نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْكَ لها جِبِلَّة عظيمة، ولها خصائص، فكما أنَّ لِهذا الجسم خصائص فلِهذه النَّفْس خصائص، والإنسان حينما يكْشِفُ خصائص نفْسِهِ يسْعُد مع ربِّه وأحَدُ أكبرُ هذه الخصائص ؛ ألْهَمَها فُجورها وتقْواها، وأحدُ أكبر هذه الخصائص ؛ ونفْس وما سوَّاها فكيف سَوَّاها ؟ الإنسان مَبْدَئِيًّا لو لم يَصِلْهُ الشَّرْع ولم يتلَقَّ العِلْم، ولم يجْلِس مجْلِسَ عِلْم، ولم لم يقرأ كتاب، ولو لم يستمِع إلى خطاب، لو أصْغى إلى فطْرَتِه لعرَفَ أنَّه إن كان على صواب أو خطأ ! لأنَّ هذه النَّفْس من خصائصها أنَّك إذا انْحَرَفْتَ عن المبادئ التي جُبِلْتَ عليها تَشْعُرُ بِضيقٍ ! فالإنسان المؤمن إذا ارْتَقَتْ نفْسُهُ، وأصْبَحَ على حساسِيَّةٍ مُرْهَفَةٍ بحيث لو أخْطأ لَشَعَرَ أنَّهُ أخْطا، فكيف أنَّ الإنسان إذا جاع يشْعر أنَّه قد جاع، فلا حاجة لأحَدٍ أن يُعْلِمَه، أما الوَقودُ إذا انتهى فهُناك مُؤَشِّر، لو لم ينْتَبِه إلى المُؤِِّر تقْطَعُهُ، وكذا للحرارة مُؤَشِّر، فلو كان مع حديث شَيِّق وارْتَفَعت حرارة المُحَرِّك ولم ينْتَبِه له يحْتَرِقُ المُحَرِّك ! فالأجْهزة المُعْلِمَة بعْضُها ضَوْئي، والآخر صَوْتي، أم الإحْساس بالجوع؛ ما نَوْعُهُ ؟! لا يوجد عندك لا ضوء ولا صوت، لكن لمَّا تجوع تشْعر به، فهذا إحْساس مُرَكَّب بِطَبيعَة الجِسْم، ولولا هذا الإحْساس لَمات جميع الناس وهم لا يشْعرون ! تنْقُص الكَمِّيات ولا يشعر بها ولا يُلَبِّي حاجِيات الجسم فَيَموت، أما ربُّنا عز وجل خصَّ الإنسان، وصَمَّم هذا الجسد بحيث كَمِيَّة الغِذاء في مستَوْدعات الكبد إذا قلَّتْ عن حَدِّها الأدْنى يشْعُر بالجوع، والإنسان يأكل أحْيانًا خُبْزًا يابِسًا مِن شدَّة الجوع، ويأكل أخْشَن الطَّعام، ويراهُ أطْيَب الطَّعام مِن شِدَّة الجوع، وقد ورد في بعض الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: نعم الإدام الخل " يعني أطْيَبُ طعام على الإطْلاق أن يكون الآكل جائِعًا ! فإذا كان جائِعًا تذَوَّق للطَّعام طَعْمًا لا مثيل له، وأكثر الناس يقولون لك: أكلْنا أكْلَة لا أنْساها إلى الموت، وقد تجدها عادِيَّة إلا أنَّه كان جَوْعانًا ! فالجوع الشديد جعله يتذَوَّق هذا الطَّعام، وحينما يشْبع الإنسان لو وضَعْتَ أمامه أطْيَب الطَّعام تعافُ نفسُه الطَّعام، أحْيانًا الإنسان مِن شِدَّة التُّخْمة والخلط بالطَّعام يحْدث معه إقْياء، لو ذَكرْتَ له أشْهى الطَّعام لرأيْتَهُ يحبّ أن يتقيَّأ، ويكاد يخرج من جلده تقزُّزًا منه، فهذه من خصائص الجسم ؛ الجوع والشبَع وكذا العطش ! لا شيء يعْدِلُ كأس الماء، لو جئت له بأطيب المشروبات لا يرْتوي إلا بالماء. فَنَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك، والتي هي أمانةٌ في عُنُقِك لها خصائص، وأحد أكبر خصائصها أنَّك إن انْحَرَفْتَ عن منهَج الله عاقَبَتْكَ نفْسُك بالضِّيق قبل غيرك ! أنت تُسَمِّي هذه كآبَة، وشُعور بالكراهِيَّة، وضيق سَمِّيها ما شئْتَ، المُهِمّ هذا عقوبة النَّفس لِصاحبها جرَّاء خروجه عن منهج الله، فهي أوَّل من تُعاقبُك، وفي أحد الفنادق الفخْمة بألْمانيا مكتوب على الفُرش أنَّه إذا أصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في فُروشِنَا ولكن في ذُنوبِك ! والإنسان حكيم نفْسِه، هناك شَخْص عنده عِناية بالغَة بِجِسْمه، لا يثقل بالأكل، ولا يأكل الحلويات، وهذه لا يأكلها، يأكل أكْلَةً واحِدَة ويقول لك: الإنسان حكيم نفْسِه، وإذا لم أكن حكيم نفْسي أدْفَعُ الثَّمَن باهظ فهذا في الجِسْم، الآن تعال إلى نفْسِه، إذا الإنسان بلغ من الوَعْي الرُّوحي والوَعْي الدِّيني، أنَّهُ إذا غلط شعر بِحِجاب مع الله عز وجل فحاسَبَ نفسَهُ حساب عسير، فأكبر مِقْياس دقيق دقيق بِصَواب عَمَلِك أن تستطيع أن تتَّصِل بالله عَقِبَ هذا العمل، فأنت إذا عَمِلْتَ عملاً وانْتُقِدْتَ، وأنت إذا اسْتَطَعْتَ ان تُصَلِّي صلاةً صحيحة بعد هذا العمل فأنت على حقّ، لكن هذا ليس مِقْياسًا لِكُلّ الناس وإنَّما لِمَن صَفَتْ نفْسُه ولِمَن كانت فطْرَتُهُ سليمة، فالإنسان عليه أن يُحاسب نفسَهُ حسابًا عسيرًا، لذلك الله عز وجل قال: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (سورة الشمس ) الشيطان أحْيانًا يُلْقي في روعِكَ معنى في تفسير هذه الآية ما أراده الله تعالى أبَدًا، ولو آمَنْتَ به لخَرَجْتَ عن دائرة صواب العقيدة، وهو أنّ الله تعالى ألْهَمَ هذه النَّفْس بِمَعنى خلق فيها الفُجور، وخلقَ فيها التَّقْوى! فإذا كان الله تعالى خلق في هذه النَّفْس الفُجور فكيف يُحاسِبُها ؟! وإذا خلق فيها التَّقْوى فكيف يُجازيها بالجنَّة ؟! فهي لا تقْواها منها، ولا فُجورها منها !إنَّما هو مِن خلْق الله فيها، وهذا المعنى جَبْري فاسِد، ومعنى غير مَقْبول إطْلاقًا، أما ألْهَمَها فُجورها وتقْواها أي أعْلَمَها ذاتِيًّا فكيف أنَّك إن جعْتَ تعرف ذاتِيًّا أنَّك جائِعٌ، وهل يستطيع أحدٌ أن يدخل إلى إحْساسك العضلي، وهذا شُعور فطْري ثابت مع كلّ إنسان، وكذا إن ارْتَقَتْ نفْسُك إلى مستوى الحساسِيَّة النَّفْسِيَّة بحيث أنَّك إذا تَكَلَّمْتَ كلمَةً غير صحيحة وشَعَرْتَ بالسُّقوط الداخلي، وبالحجاب الخارجي فهذه علامة طيِّبَة جدًا على أنَّك حيّ، لأنَّ الله عز وجل قال: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾ [سورة النحل] أحدهم شرب الخمْر إلى أن تمايَل، فدَخَل بيْتَهُ فَذَبَح زوْجته وخمْسة أولاد ! سكْران، ولمَّا صحى مِن سُكْرِهِ قتَلَ نفْسَهُ !! ما الذي عَذَّبَهُ ؟ الفطْرة، وهناك رجل بِبَعْض المُدن كان يمْشي بِسَيَّارتِه على الساعة الثانِيَة ليلاً، وأبٌ مُدَخِّن بعث ابنه على البقَّالِيَّة، فهذا الرَّجل دحس هذا الطِّفل ومات الطِّفل الساعة ليلاً، ولا شرطي ولا أيّ شيء ؛ القَضِيَّة كُتِبَتْ ضِدَّ مَجْهول ! هذا الذي دحس هذا الطِّفل بقِيَ عشرين يوْمًا ما ذاق طعْمَ النَّوْم، مع أنَّ لا أحد يُلاحِقُه من الشرْطة، فَذَهَب إلى طبيب نفْسي وقال له الطبيب: لا حلَّ لك إلا أنْ تدْفَعَ دِيَّة هذا الطِّفْل كي تسْتطيع أن تنام ! رجلٌ سألني من هذا المسْجد وقال: كنتَ راجِعًا من حلب، وحدث معي خطأ فدحَسْتْ إنسان كبير بالسِنّ، وتابَعْتُ السَّيْر ولا أحَدَ لاحَقَني، والقِصَّة لها أربَعَة سنوات، قال لي: لا أسْتطيع أن أرْتاح ولا أن أنام منذ ذاك الحين !! فقُلْتُ له: اِرْجِع إلى تلك المنطقة وسَل عن الشيخ الذي مات ؛ مَن هم أهْلُه ؟! كي ترْتاح، هذه أمْثِلَة صارِخَة، وهذه هي الفطرة، أما الذي ليس فيه هذه الفطرة، فهو ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾ [ سورة النحل ] وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [ سورة فاطر ] ذكر لي أحدهم فقال: أنا جاهِل، وأبي مِن أحد كبار المواشي والصوف، فَكَبُرَ بالسِنّ، فَجَعَلَني محَلَّهُ، ولم يُعَلِّمْني أحَدٌ إنَّما قالوا لي: هؤلاء البَدْو اِذْبَحْهُم !! أي تضاحَك عليهم، فَبِعْتُ أحدهم صوفًا وتضاحَكْتُ عليه بالوَزن، فَعِوَض أن يدْفع أثنى عشرة ألفًا دفع عشرين !!ولكن قال لي هذا البدوي: إن شاء الله، إن لَعِبْتَ بي تجِدُها بِصِحَّتِك! فقال لي: وأنا بالطريق ونفْسي تُراوِدُني ؛ هل أُرجِعُ له ما أخذْتُه منه ؟ وبقيتُ على تلك الحال وأنا أمْشي بالسيارة، ونفسي بين مدٍّ وجزر إلى أن اتَّخَذْتُ قرارًا قائِلاً: وماذا يحْدُث إن أخذْتُ له..ولم أُكْمِل الكلام حتَّى وَجَدْتُ نفسي في شلال من الدِّماء ! انْقَلَبَتْ بي السيارة، فهو لمَّا بِصِراع أعطاه الله مُهلة، أما لما اتَّخَذ قرَارًا عاقبَهُ الله، لأنًّ الله عز وجل قال: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)﴾ [ سورة الزخرف ] هكذا أردْتَ، إذاً سَتَرَى ! فدَخَل المشفى، ولما خرج، ذهب للبدوي وقال له: قد سرقتُك في الصوف ! فخُذْ ثمنَكَ، قال له البدوي: لا هذه هدِيَّةٌ مِنِّي، وأعطاهُ سمْنًا !!! كُنْتُ بالعُمْرة، فَذَكَر لي صديق قِصَّةً دقيقة جدًا، بَدَوِيًّا ساكن بشَمال جدَّة، فلمَّا توسَّعتْ جدَّة أربعين كيلومتر نحو الشَّمال، أصْبَحَت أرضُه فريبة من المدينة، اِشْترَوْها منه ثلاثة مُجْرِمين، وضَحِكوا عليه بالثَّمَن وعمَّروها باثني عشرة طابِقًا، فأوَّل شريك وقع من فوق إلى تحت ونزل ميِّتًا، وثاني شريك مات بِحَادِث، فانْتَبَه الثالث، وشَعَر أنَّ أمامه خطر كبير، فَبَحَث عن هذا البدَوي حتَّى وجَدَهُ، فقال له: كنتُ غالِطًا وأعْطاهُ ثلاثة أمْثال حِصَّتِه، فقال له البَدَوي: ترى ترى أنت لَحَّقْتَ حالك !! فَدَرْسُنا اليوم عن الفِطرة السَّليمة، والي يُراجع نفْسه عند الغلط، فالله عز وجل قال: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾ [سورة القيامة] فالذي فطْرته سليمة عليه أن يشكر الله عز وجل، والذي فطْرتُه مطْموسة عليه بِطَلب العلم حتَّى ترجع الفطرة سليمة لأنَّها المقياس الدقيق والله تعالى قال: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾ (سورة الشمس) والدنيا كلّ شيء مَحْلول فيها، وفيها المُسامَحَة والاعْتِذار، وطلب عَفْو أما في الآخرة فلا شيء من هذا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الليل (92 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، ما مِن شيء أحبُّ إلى الإنسان من تَيْسير أعْمالهِ وما مِن شيء يُزْعِجُ الإنسان من التَّعْسير، وفرق كبير بينهما ! التَّيسير مُريحٌ ومُسْعِد، أما التَّعْسير مُزْعِج، والإنسان أحْيانًا لا يعرف للتَّيْسير والتَّعْسير قانونًا، ويظُنّه قاعِدَة عَشْوائِيَّة ؛ فالأمور أحْيانًا تُيَسَّر، وأحْيانًا تُعَسَّر، يكاد الإنسان يخْرج من جلْدِهِ من تعْسير أموره، وأحْيانًا يشْعُر أنَّ التَّيْسير يُسْعِدُهُ إلى درجة كبيرة، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى بيَّن في سورة اللَّيل للتَّيْسير والتَّعْسير قانونًا. لا يوجد مع الله تعالى ذَكِيّ، فَيُمْكِن أن تقوم بِعَمَل ميكانيكي تشْتَغِل عشْرة ساعات، وبعد أن تنتهي تكْتَشِف أنَّ هناك قِطْعَةً يجب أن تضَعَها في أوَّل مرْحَلَة !! فهذه العشْر ساعات هُدِرَت، وقد تتعَطَّل آلة فَتُراسِل شركة أجنبية وتنتظر بالبريد أيامًا إلى أن يأتيك قياسٌ أكبر من الذي طلبْتَهُ !! فَهِموا القياس غلط ؛ الآلة مُعَطَّلَة، والعُمَّال تدفع عنهم. أحيانًا يأتي صقيع مَحْصوله ثلاثمائة ألف حتى مليون، فالصَّقيع بِثَلاثة دقائق، لكن كل شيء أصبَحَ أسْوَدًا، قال تعالى:﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)﴾ [ سورة القلم ] أحْيانًا يأتي المطر أكثر مِمَّا ينبغي فَيُتْلِفُ المحاصيل وأحْيانًا يأتي مطر يُنْقِذُ ألف مليون، وأحْيانًا يأتي مطر أثناء حصْد القطن والقمح تُفْسِدُ كلّ المحْصول، فالأمور كُلُّها بِيَد الله عز وجل، فهو تعالى يجْعل من الماء رحْمة، ومن الماء نِقْمَة، ومِن الرِّياح نعمة، ومنه نقْمة، ومن الحرّ أحْيانًا نعمة، ومنه ما هو نِقْمَة، فَكُلُّ شيء بِيَد الله عز وجل، والتَّيْسير مُريح، والتَّعْسير صَعْب. أحْيانًا تشْتري بِضاعة، ولا شيء يُحَطِّم التاجر مِن أن يشْتري بِضاعة وتبْقى مُكَدَّسية عنده، ولا أحد يسأله عنها ! والله عز وجل قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾ [ سورة التوبة ] أصْعبُ شيء بالتِّجارة الكساد، فالتِّجارة بِيَد الله، ورواجُها وكسادُها منه تعالى. أحْيانًا تخْليص بِضاعة، بِسَبب تافه جدًا البِضاعة لا تُخَلَّص، ويجب أن تُعيدَها إلى مصْدَرِها ؛ هذا بالاستيراد، بالسُّوق المحلِّي تشتري شيئًا تظنُّ أنَّك ترْبَحُ به فإذا السِّعْر غالي، إذْ هناك عرض بِسِعْر أقلّ بِكَثير فلا يكون أمامك إلا أن تخْسر خسارَةً كُبْرى، والله عز وجل يقْدر على أن يُشَغِّلَك سنَةً بِكَامِلِها وحسابات وتحْصيل، ثمَّ المُحَصِّلَة خسارة ثمان مائة ألف !! لو جلَسْتَ في بيْتِك وألْقَيْت رأسك على الوِسادة لَكُنْتَ أسْعَدَ من هذا، رغْمَ التَّعَب الشديد والجُهد خسارة، وأحْيانًا بِجُهْد يسير وقليل ربِحٌ كبير، وأحْيانًا تخْتار زوْجَةُ مُناسِبَة وتُريحُكَ، وهناك زوْجة عِبء عليك، أحيانا يأتيك ولدَ رحْمة من الله ؛ ووهبنا له إسحاق، وأحيانًا يقول الأب: لو يندَعِس ابني أحْتَفِلُ !! لماذا ؟! لأنَّهُ مُجْرِم فالابن نِقْمة أو رحْمة، وكذا التِّجارة والصِّناعة. أحْيانًا يأتيك جارٌ يُعيفُكَ المَسْكن كُلَّهُ !! تبيعُ المنزل بِرُبْعِ قيمتِه فقط تتخلَّص منه !! فالأمْر بِيَد الله تعالى. فهذا التَّعْسير والتَّيْسير ؛ ما هو قانونه وما هي أحْوالهُ ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال:(( اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً..)) " والله عز وجل يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] هذه الآية قانون التَّيْسير والتَّعْسير. أعْطى وبنى حياته على العطاء، ويُعْطي من ماله وجُهْدِهِ وخِبْرَتِه ومِن ابْتِسامَتِه واهْتِمامه وحِكْمَتَهُ لِكُلِّ الناس، وقبل العَطاء اتَّقى أن يعْصي الله تعالى اسْتِقامَةً، وقبل الاسْتِقامة صَدَّق بهذا الدِّين، فَهُوَ آمَنَ واسْتَقام وعمِلَ عملاً صالِحًا ؛ هذا الإنسان سَيُيَسَّرُ لليُسْرى، وله مُعامَلَة خاصَّة، وأقوى دليل قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] أحْيانًا الإنسان يُخَطِّط لِرِحْلَة وسفر، لا يترك شيئًا إلا ومعه ؛ مال وزوجَة وأولاد وسيارة، ولِأتْفَهِ الأسباب تُصْبح الرِّحْلة قِطْعَةً من الجحيم ! وأحْيانًا مِن دون تَخْطيط يقول لك: ذَهَبنا رِحْلَةً لا ننْساها إلى الموت ! فالله يُيَسِّر السَّفر ويُعَسِّرُه، ويُلْهِمِ الناس فَيُضايِقوك، ويُلْهِمُهُم فَيُعينوك، لماذا يُضايِقُك فلان أو يُكْرِمُك ؟! هذا الشَّخْص بِيَد الله إذا أحَبَّ الله تعالى أن يُكْرِمَك ألْهَمَهُ، وإذا أحبَّ تعالى أن يُضايِقَك ضايَقَك مِن أجل كلمة فقط. لذلك قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾ [ سورة الليل ] والآية الدقيقة جدًا قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾ [ سورة الجاثية ] مِن سابِع المُسْتحيلات أن يسْتوي المُحْسِنُ مع المُسيء، والمُسْتقيم مع المُنْحَرِف، والصادق مع الكاذب، والمُخْلِص مع الخائن، والمُتَفَلِّتْ مع المُنْضَبِط، ومَن كان دَخْلُهُ حلالاً، ومَن كان دَخْلُهُ حرامًا، واسْمَعوا هذه الكلمة وسَجِّلوها: أن يسْتَوِيَ الذين اجْترَحوا السيِّئات مع الذين آمنوا وعملوا الصالِحات، أن يسْتَوِيَ هؤلاء، وهؤلاء، هذا لا يتناقض مع عدالة الله تعالى فَحَسْب بل يتناقضُ مع وُجودِه، فأنت أمام خِيارٍ صعْب ؛ إمَّا أن تؤمن أنَّ لِهذا الكون إلهًا عادِلاً، وما دام هو المُسَيْطِر والأمر يرجع إليه، ومادام ملكوت السماوات والأرض بِيَدِهِ فلَن يُسَوِّيَ بين الذين اجْترَحوا السيِّئات وبين الذين آمنوا وعملوا الصالِحات ؛ تعمل السيِّئات وتظنَّ نفْسَك شاطِرًا وفالحًا، والناس لا يفْهمون ؛ هذا هو الغباء بِعَيْنِه، والآخر يعمل الصالحات ويسْتقيم ويلْزَمُ دروس العِلْم ويطلب العلم، ويكون بِأسْفل القائِمَة ؛ هذا مُسْتحيل ! وهذا يتناقض مع وُجود الله. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على الأخذ، وقد ذَكَرْتُ بِخُطْبَةِ الجمعة أنَّ النَّمْلَةُ تُعَلِّم الإنسان درْسًا لا يُنْسى بالمُؤاثَرة، فالنَّمْلة غن كانتْ شبْعانَة والْتَقَتْ مع نمْلة جَوْعانَة لها جِهاز ضخّ ! تَضُخّ لها من خُلاصاتِها الغِذائِيَّة إلى للنَّمْلة الجائِعة، فأحَدُهم علَّق على هذا تعْليقًا جيِّدًا فقال: أما نحن البشر ؛ الذي سَيَنْفَجِر شبَعًا، له جِهاز مَصّ وليس ضخّ، فَفَوْقَ غِناه يمُصّ جُهود الآخرين، له أموال لا تأكلها النِّيران وتَجِدُهُ يُحاسِبُ على اللِّيرة ! هذا هو اللُّؤْم، هذه ليْسَت شطارة. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على الأخذ وليس على العَطاء فالأنبياء أعْطَوا ولم يأخُذوا، والذين على نقيضِهم أخَذوا ولم يُعْطوا، وبَقِيَّةُ الناس يأخُذون ويُعْطون ؛ يُقَدِّم خِدْمَة ويأخذ الأَجْر عليها إلا أنَّهُ يُقَدِّمُها بِإخلاص وليس بِغِشّ. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] لا تَقُل لي: فلان يَدُهُ خضْراء، وهذا محظوظ ؛ هذا شِرْك، فلا يوجد كلٌّ من هذا، وهذا كلام اله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] يُؤتى الحَذِرُ مِن مَأمَنِه، اِلْتَقَيْتُ بِطَبيب بأمْريكا يُعَدُّ الأوَّل بالطِبّ، معه أخبث مرض بالقلب، إلا أنَّه نَسِيَ الله فأصابَهُ الله تعالى بِمَرضٍ في اخْتِصاصهِ فَمَع الله لا يوجد ذَكِيّ ! وكذا بالتِّجارة، يُريك صَفْقَة تقول سوف أخرج من الغرق، لكنَّك بالأخير تجد انَّك فلَّسْتَ منها ؛ اسْتَعِن بالله، وإذا كُنْتَ مُسْتَقيمًا وفَّقَك الله، ومع الله توجد الاسْتِقامة وليس الذَّكاء، وقدْر ما تكون ذَكِيًّا تُفْلِس، وقدْر ما تكون تَقِيًّا تربَح، فقد تعمل عملاً لا يُرْضي مَن حوْلَك لكنَّ الله تعالى يُرْبِحُكَ فيه، وأحْيانًا تعمل عمَلاً لا يُرضي الله فتَخْسر فَمن ابْتغى وجْه الله تعالى مكَّن له عملَهُ. لا يوجد إلا التوحيد، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] هذا قانون التَّعْسير والتَّيْسير، وكلّ شيء خِلاف ذلك شِرْك، ونحن في حياتنا اليَوْمِيَّة هناك آلاف الكلمات هي شِرْك، نحن لا طَيَرَة ولا تشاؤُمَ ولا يوم أربِعاء، ولا يوم الثالث عشر ولا... إنَّما بالاسْتِقامَة تُيَسَّر الأمور وبالمعْصِيَة تُعَسَّر، والتَّعْسير تأديب، والتَّيْسير إكرام، فأنت آمَنْتَ واسْتَقَمْتَ وعَمِلْتَ الصالِحات تكون دَفَعْتَ ثمَن التَّيْسير، أو كذَّبْتَ واسْتَغْنَيْتَ عن طاعة الله، وأخذْتَ ولم تُعْط حينها تكون مُيَسَّرًا للعُسْرى لذا عليكم أن تجْعلوا القرآن قوانين حياتِكم، ولا تأخذوا كلام الناس، ونحن عندنا كلام الشيطان، وعندنا كلام الرحمن، وكلام فيه معنى، وآخر لا معنى له، بعضهم يقول: امْش بِجَنازة ولا تمْش بزواج، فهذا لا آية ولا حديث، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: أفضل شفاعة أن تشْفع بين اثنين في نِكاح فأعْظم عمل أن تكون سبب زواج شاب بِمُؤمنة، ونحن عندنا آية ؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [ سورة الليل ] فالله يُرْخي الحبْل، ويسْتدْرِجُك، وبعد ذلك تكون أنت الغالِط والخاسر فالحرام يُجْمعُ دفْعةً، ويُدْفَعُ دُفْعَةً ! الذَكيّ هو الذي يُطيع الله عز وجل وإذا كان المنحرف هو الفهمان يكون هذا الدِّين باطل ؛ سبحانك إنَّه لا يذل من والت ولا يعِزُّ من عادَيْت. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الليل (92 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في الدرس الماضي تَحَدَّثْنا عن قانون التَّيْسير والتَّعْسير في سورة الليل ؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ [سرة الليل] ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾ [سورة الليل] الهَدَف الأوَّل لِمُعْظَمِ الناس جَمْعُ المال، والإنسان أحْيانًا ينتقل من مرْحلة كَسْب الرِّزْق إلى مرحلة الجَمْع ! رِزْقُهُ مَضْمون، عنده أموال لو أراد أن يُنْفِقَها أجْزَأتْهُ عَشَرات السِّنين ولكِنَّهُ ينتَقِلُ إلى مَرْحلةٍ ثانية وهي مرْحَلة الجَمْع ؛ مع أنّ الله جلَّ جلاله يقول: ورحمة ربِّك خير..." ذَكَرْتُ قبل يَوْمَين هذه المُفارَقَة ؛ وهي أنّ أهْل الدنيا أو الأغْنِياء أو الأقْوِياء أو الذين انْغَمَسوا في الشَّهوات إلى قِمَّة رؤوسِهم يأتيهم مَلَكُ المَوْت فيَدَعون كلّ شيء ويَذْهبون إلى الآخرة فُرادى، فَكَمْ مِن مرَّةٍ أدَّيْتُ واجِبَ التَّعْزِيَة في بُيوتٍ والله يزيدُ ثَمَنُها عن مائة مليون ! فيها من الفَرْش والزِّينَة ما يزيد عن نِصْف هذا المَبْلَغ، وأصْحابُها تحت أطْباق الثرا في مَقْبرة باب الصَّغير !! ألَيْسَتْ هذه مُفارَقَة ؟ ألا ينبغي للإنسان أن يقِفَ ؛ إلى أين ؟ ثمَّ ماذا؟ جَمَعْتَ أمْوالاً طائِلَة، أَجِبْ عن هذا السُّؤال فقط: ثمَّ ماذا ؟! ووَصَلْتَ إلى أعْلى مَرْتَبَة ثمَّ ماذا ؟ مارَسْتَ كلّ الشَّهَوات ؛ ثمَّ ماذا ؟ وهناك حديث شريف يَقْصم الظَّهْر يقول عليه الصلاة والسلام: بادروا بالأعمال الصالحة...". فالآية هنا: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾ [سورة الليل] أكثر مَنْظر يَهُزُّ مشاعِري حينما يوضَعُ قَبْرٌ على نَعْشَيْن، ويُفْتَحُ غِطاء النَّعْش ويُحْمَل الميِّت ويَنْزِل شَخْص إلى أسْفَل القبر، ويتلقَّى هذا الميِّت ويفْتحُ عن وَجْهه ويوضَعُ في القبر، ويُهال التُّراب عليه ثمَّ يقِفُ أقرِباؤُهُ يتقبَّلون التَّعازي وانتهى الأمْر، وطُوِيَتْ صَفْحَةٌ وأصْبَحَ هذا الإنسان في القبر رهينَ عَمَلِهِ ؛ إما أنَّهُ رَوْضَة من رِياض الجنَّة أو حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار !!! أكثر شيء يَلْفِتُ النَّظَر ويَدْعو إلى العَجَب أنَّ هؤلاء الناس يتحرَّكون وهذه الساعة التي لا بدّ منها ليس داخِلَةً في حِساباتِهِم إطْلاقًا ؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾ [سورة الليل] ولو أنَّ كُلاًّ منَّا سأل نفْسَهُ: هل بَقِيَ بِقَدْر ما مَضَى ؟!! اِذْهَب إلى دائرة دَفْن المَوْتى، وابْحَث عن أعْمارِهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: مُعْتَرك المنايا بين السِّتين والسَّبْعين ؛ هذا في أحْسن التَّقْديرات، وأنا أعْتقِدُ أنّ الرَّقْم هَبَط، فأكْثَر الناس بالأربعين أو الخمسين، أصْبحت هنا جَلْطات حتَّى بالخامسة والعِشْرون، وهذا شيء غريب جدًا ويلْفِتُ النَّظر، فالأزَمَات القَلْبِيَّة هبَطَت إلى الخامسة والعشرين سنة، فقد حدَّثني طبيبًا مُخْتَصًّا بالأوْرام الخبيثة قائِلاً: إنَّ سرَطَان الثَّدْي كان فوق السِّتِّين، والآن فتَيات بالخامسة والعشرين !! قال تعالى: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾ (سورة الليل) إذا جَمَعْتَ المال بالحرام ماذا سَتُجيبُ الله يوم القِيامة ؟ يقول الميِّت وهو في النَّعْش: يا أَهْلي يا ولَدي، لا تَلْعَبنَّ بكم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلّ وحَرُم وأنْفَقْتُهُ في حِلِّهِ وفي غير حِلِّه فالهَناء لكم والتَّبِعَةُ عليكم. تُغْنيك طاعَتُكَ لله تعالى، واسْتِقامَتُك على طاعة الله، والعمل الصالح وطلب العِلْم، وتَعْليمُهُ، وإنْفاق المال، وخِدْمَةُ الخَلْق، أما الثَّرْوَة الطائِلَة التي تَرَكْتَها لا تنْفَعُك، وبالمناسبة ؛ شيء بديهي وبديهي ذَكَرْتُهُ مئات المرَّات ؛ هُنَاك كَسْبٌ، وهناك رِزْقٌ، فالرِّزْق ما انْتَفَعْتَ به فقط الطَّعام الذي أكَلْتَهُ وهذا القميص الذي تَرْتديه، وهذا السرير الذي تنام عَليه هو رِزْقُك، أما حَجْمُكَ المالي فَهَذا كَسْبُك، الكَسْبُ لن تنْتَفِعَ به لكِنَّكَ مُحاسَبٌ عنه، بينما رِزْقُك انْتَفَعْتَ به إلا أنَّهُ الذي أكَلْتَهُ أفْنَيْتَهُ والذي لَبِسْتَهُ أبْلَيْتَهُ، وبَقِيَ الذي أنْفَقْتَهُ، فلم يبْقى لك من رِزْقِكَ و كسْبِك إلا الذي أنْفَقْتَهُ، وأبْلَغُ مَقولَةٍ قالَها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: وكان قدْ وزَّع شاةً، ولم يبْقَ إلا كتِفُها فقالت: دَعْها لنا ! فَتَبَسَّم عليه الصلاة والسلام وقال: بل بَقِيَت كلُّها إلا كتفُها...." فالذي أنْفَقْناهُ هو الذي بَقِيَ، فالإنسان كم يُنْفِقُ في سبيل الله ؟ الذي أنْفَقَهُ هو الذي سَيَجِدُهُ يوم القِيامَة، وهذا القبر هو لِكُل الناس، ولا يوجَد قبْر خمْسَة نُجوم !!! ثمَّ قال تعالى - ودَقِّقوا في هذا -: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾ [سورة الليل] لا تَقُل: حتَّى يَهْدِيَني الله !! هذا كلام الشَّيْطان، فالشَّيْطان مِن مُهِمَّاتِه التَّسْويف والله عز وجل ألْزَمَ نَفْسَهُ بِهُدى الخَلْق، فهو تعالى هدانَا بالكَوْن، وهدانا بالقرآن وسُنَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام، وهدانا بِأفْعالهِ، فهو تعالى هدانا وانتهى الأمْر، إنَّما بَقِيَ علينا أن نسْتَجيب لذا لا تَقُل: حتَّى يَهْدِيَني الله !! أبٌ أعْطى لابنِهِ غُرْفَة خاصَّة، ومَرتبة خاصَّة ومكتبة خاصَّة، ودَخل كبير، ثمّ أدْخَلَهُ الجامِعَة ؛ فقال الأب: ألا تَدْرُس فهل يُعْقَل أن يكون جواب الابن: حتَّى تُريد أنت ! غُرْفة ومكْتَب وسيارة و.. كُلُّ هذا تَعْبير عن إرادتي وحُبِّي لك بالدِّراسة ؛ كلامٌ لا مَعْنى له فأفْعال الأب السابِقَة تُؤَكِّد أنَّهُ يُريد لابنه أن يدْرس، فلا يُعْقَل أن يقول الابن بعدها: حتَّى تُريد أنت ! لذا كُلّ إنسان يقول: حتَّى يريد الله يكون كذَّابًا، فالله تعالى أرادَكَ أن تُؤْمِن، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)﴾ [سورة النساء] ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)﴾ [سورة الليل] لنا، نَحْكُمُ فيها ما نُريد وشأْنُكَ بِيَد الله، وأمْرُكَ إلى الله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾ [سورة الغاشية] ولا تَقُل: يُمْكِن للإنسان أن يَعْبُدَ الله تعالى ثمَّ يكون مَصيرُهُ جهَنَّم ! هذا كلامٌ يقولُهُ الشَّيْطان، قال تعالى: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15)﴾ [سورة الليل] لا يَصْلاها إنْسان بريء، أو مُصَلِّي، إذْ هُناك دُعاة جُهَّال يوهِمون الناس أنَّهُ ممكِن أن تُطيعَهُ طوال حياتِك ثمّ يكون مصيرُكَ إلى النار ! هذا يتناقَضُ مع عدالة الله، وربُّنا عز وجل قال: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)﴾ [سورة الزلزلة] أيُعْقل أن يَجْعَلَ الذين أطاعوه وأحَبُّوه وجاهَدوا أنْفسهم في سبيلِهِ في النار ؟! قال تعالى: ذَلِكَ ﴿ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾ [سورة سبأ] أي هل سبَقَ أن جازَيْنا إنْسانًا مُسْتقيمًا ؟! قال تعالى: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15)﴾ [سورة الليل] فالذي شَقِيَ بِالبُعْد عن الله هو الذي يَصْلى النار الكبرى، والذي شَقِيَ بانْحِرافِهِ، وبِحُبِّ الدنيا. ثمَّ قال تعالى: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)﴾ [سورة الليل] كذَّب بِهذا الدِّين ولم يَعْبأ به، وأدار ظَهْرَهُ له. ثمَّ قال تعال:[سورة الليل] وهو الذي اتَّقى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ(102)﴾ [سورة الأنبياء] فالمؤمن لا علاقة له، إنَّما العَذاب لأهْل الدنيا، والأتْقى هو الأشَدُّ اتِّقاءً لله عز وجل، وأشَدُّ اتِّقاءً لِنَارِ جهَنَّم. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17)﴾ [سورة الليل] إنْفاق المال، أيُّها الإخوَة أقْرَبُ طريقٍ إلى الله تعالى ؛ لأنَّ المال مُحَبَّب، حينما تُنْفِقُ مِن مالِك تَسْعَد. وزُرْتُ مرَّةً مريضًا معه احْتِشاء قلب ؛ فقير ويَعْمَل بِمَعْمَل، ويَكْسِبُ قوتَ يَوْمِهِ، وله خَمْس أولاد ؛ بيْت عربي بالميدان، فَوَجَدْتُ كآبَةً مُخَيِّمَة على هذا البيت، ويَحْتاج إلى عَمَلِيَّة ثلاثمائة ألف ليرة سورِيَّة وليس معه منها ولا خَمْسُ لَيْرات، وهو لا يسْتطيع أن يتَحَرَّك فاتَّصَلَتْ إنْسانَةٌ مُحْسِنَة وقالتْ له: راجِع الدُّكْتور فلان ؛ جرَّاح قلب فذَهَب إليه، فقال له الطبيب: هناك إنسانة مُحْسِنَة تبَرَّعَت لك بِعَمَلِيَّة قلب كامِلَة ! ونَجَحَتْ العَمَلِيَّة نجاحًا باهِرًا، وزُرْتُهُ بعد العَمَلِيَّة: والله أيُّها الإخوة، مِن شِدَّة فَرْحَة أولادِهِ كادوا أن يرْقُصوا ؛ فهذه المُحْسِنَة مَسَحَت البُكاء من أطْفال هذا الإنسان، بالمُقابل هناك مَنْ يدْفَع ستِّين مليون مِن أجل عُرْس، ويأتي بالراقِصات، والخُمور، فلو يعْلَمُ الأغْنياء كم لهم من أجْر لو مسَحوا دُموع الفقراء بِأموالهم، والآية دقيقة: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)﴾ [سورة الليل] فالله تعالى يُسْتَرْضى بالصَّدَقة، وصَدَقَةُ السِرّ تُطْفأُ غَضَب الربّ والصَّدَق تَقَعُ في يدِ الله قبل أن تَقَع في يدِ الفقير، فأنت إذا أرَدْتَ أن تسْتَرْضِيَ الله تعالى فادْفَعْ مِن مالِك وإن أرَدْتَ أن تُطْفِأ غضَبَ الله تعالى فادْفَع من مالِكَ، وإن أرَدْتَ أن تُرَمِّمَ مَعْصِيَةً فَعَلْتَها عن غير قَصْدٍ فادْفَع من مالك، واحْذَروا المنّ فإنَّهُ يُذْهِب ثواب الصَّدَقة. قال تعالى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19)﴾ [سورة الليل] كانت هناك فقيرة لها بعض السِّهام في شركة، فأعْطَوْهم تَعْويض وكانت لي قريبة ليس بِإمْكانِها أن تنْزل، وكانَت مُقْعَدَة، والوَكالة قيمتُها تُساوي قيمَة الأسْهم! فسألْتُ حينها مُوَظَّفًا فقُلْتُ له: هناك إنسانة فقيرة مُقْعَدَة ؛ هي بِأمسِّ الحاجة إلى هذا المَبْلَغ، والوَكالة تُساوي قيمة المَبْلَغ، فَهَلْ يُمْكِنُك أن تأتي معي إلى البيت تُعطيها المَبْلَغ ؟ فقال لي: نعم، فقلتُ له معي سيارة، فقال لي: لا، آتِ لِوَحْدي ! فلمَّا قال لي هكذا شَكَكْتُ به، فرَجَعْتُ أنا إلى بيت قريبتي هذه، وكان المَوْعِد عصْرًا، فلمَّا دنى العَصْر دقَّ هذا الشَّخْص الباب: ففتَحْتُ فإذا به ! وقال لي: أين الحاجَّة، فبَصَمَتْ ووقَّعَتْ، ثمَّ صلى العَصْر، ولمَّا أرَدْتُ أن أوصِلَه بالسيارة أبى، فحاوَلْتُ معه مرارًا فلم يرْضَ، وقال لي: لا تَنْزَع لي شُغْلي، فأنا قد احْتَسَبْتُ هذا لله تعالى ! لذا ألا يُحِبُّ الواحِدُ مِنَّا عملاً خالِصًا يُقرِّبُهُ إلى الله، كي تقول يوم القيامة: يا ربّ، هذا فَعَلْتُهُ مِن أجْلِك. قال تعالى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)﴾ [سورة الليل] آخر بِشارَة قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾ [سورة الليل] فالله تعالى يُعالِجُنا من عِدَّة جِهات ؛ فهذا من بيْتِهِ، وهذا من ولَدِهِ وهذا من دَخْلِهِ، وهذا من زَوْجته، وهذا مِن صِحَّتِه، إلا أنَّهُ سيهيئ لنا الجنَّة إن شاء الله، قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾ [سورة الليل] كَقَوْل الطبيب للمريض أثناء المُعالجَة: لم يبْق الكثير وسنَنْتهي، فقط تَحَمَّلْنا قليلاً فالله عز وجل مِن رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ يُطَمْئِنُهم، فهذا الذي كما قال تعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾ [سورة الليل] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الضحى (93 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، مِن سورة الضُّحى قوله تعالى: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] هذه الآية مُوَجَّهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك قاعِدَةٌ في التَّفْسير أنَّ كُلَّ آيَةٍ مُوَجَّهَةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي مُوَجَّهَةٌ حُكْمًا إلى المؤمنين، ما لم تَقُمْ قرينَةٌ تَدُلّ على عَكْس ذلك. النبي عليه الصَّلاة والسلام لهُ خُصوصِيَّات، فإذا قامَتْ قَرينَة في الآية تَدُلّ على عَكْس ذلك انْصَرَفَت الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، أما إن لم تَقُم هذه القرينة فَكُلّ خِطابٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو حُكْمًا خِطابٌ إلى المؤمنين. فالله عز وجل وهو الخبير، وهو العليم، وهو الرحمن الرحيم قال: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾ [سورة الضحى] فالذي يرى أنَّ الأولى خير من الآخرة يُكَذِّب هذه الآية، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾ [سورة الإنسان] هذه السيارة رُبْع ساعة، وبين أن تتملَّك هذه الدَّراجة الناريَّة فأَيُّهُما تَخْتار ؟ الدَّراجَّى لأنَّها سَتُصْبح مُلْكًا لك ! الآن تَخْيير ثانٍ خيَّرْناك بين سيَّارتَيْن ؛ أن تركَب الأولى رُبع ساعة، وأن تتمَلَّك الثانِيَة فماذا تَخْتار ؟! طبْعًا الثانِيَة مِن دون تَرَدُّد، طيِّب فلو خَيَّرْناك بين أن تركبَ هذه الدَّراجة رُبع ساعة وبين أن تتمَلَّكَ هذه السيَّارة ! هنا لو تَرَدَّد الإنسان ثانية في عدم أخْذ السيارة فهُوَ مَجْنون. الدنيا مَحْدودة ؛ وهي سَنَوات مَعْدودة، يقول الإمام علي رضي الله عنه: يا بُنَيّ، العِلْم خَيْرٌ من المال، لأنَّ العِلْم يَحْرُسك، وأنت تَحْرس المال، والمال تُنْقِصُهُ النَّفَقَة، والعلم يَزْكو على الإنْفاق، مات خُزَّان المال وهم أحْياء، وهم أحْياء مانوا ميِّتين: ليس مَن مات فاسْتَراح بِمَيِّتٍ إنَّما الميِّتُ ميِّتُ الأحْياء وقال تعالى: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾ [سورة النحل] إنسانٌ بلا هَدَف، وبلا قِيَم، وبلا آخرة ولا منْهج، كائِنٌ شارِد وكائِنٌ يبْحَث عن شَهَواتِه، ويريدُ كلّ بلا ثَمَن، ويبيعُ دينه وآخِرَتَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا قليل ! ويَسُبُّ الإله لأَدْنى انْزِعاج؛ وهذا حال الناس، لذلك قال تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)﴾ [سورة الإسراء] ذَكَرْتُ لكم مثلاً كثيرًا إلا أنَّ ما كانه مُلائِم جدًا في هذا الدرس ؛ أَحَدُ سيَّارات ا لنَّقْل العام كانت واقفَة في المَرْجة باتِّجاه الشَّرْق مُتَّجِهَةً من جِهةَ المُهاجِرين، في أيَّام الصَّيْف الحارَّة تَصْعد إليها، تَجِدُ على اليمين شمْس، وعلى اليَسار ظلّ، الراكب العاقل يَجْلس في الشَّمْس لأنَّ هذه السيارة مُتَّجِهَة نحو المُهاجرين فإذا دارَت فَخِلال أقلّ من دقيقة يُصبح المكان المُظلَّل مُشْمِسًا، لذا الراكب يُمْتَحَن عَقلُهُ في مكان جُلوسِهِ، فالذي عطَّل عَقْلَهُ يجْلس في الظلّ، وبعد دقيقة تلْدغه الشَّمْس إلى نِهاية الطريق، والذي اسْتَخْدَمَ عَقْلَهُ يجْلس في الشَّمْس ويتحمَّلُها دقيقة، وينْعُمُ بالظل عشرين دقيقة، فهذا المَثَل يُعَبِّرُ عن الدنيا والآخرة، فالذي اسْتَعْجل الطَّيِّبات في الدنيا خَسِر الآخرة. الآية دقيقة جدًا، قال تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾ [سورة الضحى] أحْيانًا يأتي الابن المدْرسة جائِعًا، وهي تَطْبخ ألَذَّ الطَّعام فإذا به يأكل زيتون وخبر وزَعْتر، تقول الأم: اِصْبِر ! فإذا به يأكل أخْشَن طعام، ويُضَيِّع أطْيَب طعام، فَرَبُّنا عز وجل خَلَقَنا لِجَنَّةٍ عرْضُها السَّماوات والأرض، والإنسان لِجَهْلِهِ ولِطَيْشِهِ اسْتَعْجل الحياة الدنيا: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾ [سورة الضحى] وللآخرة خير لك من الأولى، وربنا عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾ [سورة التوبة] الدنيا متاعُها قليل، وهي تَضُرّ وتَهُرَ وتَمُر، وهي دارُ مَن لا دارَ له ولها يَسْعى مَن لا عَقْل له، والدنيا جيفَة طُلابُها كِلابُها. مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ ميِّتَة أُلْقِيَت في الطريق جيفة، ولها رائحة لا تُحْتَمَل، ((فقال عليه الصلاة والسلام: اُنْظروا كم هي هَيِّنة على أهلها حتى ألْقَوها في الطريق: والذي بعث محمَّدا بالحق لا الدنيا أهْوَن على الله من هذه الشاة على أهلها..)) والحديث المَعْروف: ((لو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة....)) هل تَقْبَلوا هذه النَّصيحة من العلي الكبير ؟ والعليم الخبير ؟ ومن رب العالمين ؟ ومِمَّن بِيَدِهِ ملكوت السماوات والأرض: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾ [سورة الضحى] قد يوعَدُ الطالب حين ذهابِهِ إلى أحَدِ الدُّول ؛ أمريكا أو فرنسا أنَّهُ إن تَحَصَّل على دكْتوراه سيَحْصَل على أكبر منْصب، ودَخْل كبير ومنزِل و... إلا أنَّ هذا الطالب قد يَغْتَرّ فَيَنْغَمِسُ في الشَّهوات واللَّذائِذ والموبِقات، ويُضَيِّع مُسْتَقْبَلَهُ كُلَّهُ، ويُصْبِحُ في مَزْبَلَة المُجْتَمَع، لذا : ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾ [سورة الضحى] الدِّينُ قِيَمٌ وحُدود، ومَنْهَج، هذا حلال وذاك حرام، هذه تَجوز وتِلك لا تَجوز، فالله تعالى قال لك: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] ليْسَت هذه الدنيا دار عطاء، بل هي دار ابْتِلاء، وليْسَت دار جزاء بل دار عَمل، وليْسَت دار تَشْريف، بل دار تَكْليف، فَهَل يُعْقل أن نَضَع للطالب مَقْعَد اسْفَنْجي من النَّوع الرفيع ؟ مُسْتحيل هذا، بل نَضَعُ له مَقْعَد خَشَب حتَّى لا ينام، وهل يُعْقَل أثناء الدَّرس نأتي له بالمُكَسَّرات والموالِح وشراب و... هذه مَدْرسَة الجوُّ المُريح غير مَوْجود فيها فَطَبيعة المَدْرَسة تَقْتضي أن يكون هناك سبُّورة ومُحاضِر، وانتهى الأمر. هذه الدار تتناقَض مع النَّعيم، يقول عليه الصلاة والسلام: إيَّاك عبْد الله والتَّنَعُّم فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين...." وإيَّاك أن تَقْصِد التَّنَعُّم لِذاته فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين. دَرْسُنا اليوم: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] بين المؤمن والكافر سَوْفَ، فالكافر اسْتَعْجل، وأراد النتائج مُباشَرة، أما المؤمن صبَرَ، وانْتَظَر وَعْد الله عز وجل. أحدهم يطوف حول الكعبة ويقول: يا رب، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ وكان ورائِه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، وهل أنت راضٍ عنه حَتَّى يرْضى عنك ؟ فقال له: يا سبحان الله ! مَن أنت ؟ فقال له: أنا محمَّد ابن إدْريس، قال: كيْفَ أرْضى عن الله، وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمَة، فقد رضيتَ عن الله. لذا أيها الإخوة، مَن أحَبَّ دُنْياه أضَرَّ بآخِرَتِه، فَحُبُّ الدنيا والآخرة لا يَجْتَمِعان، فلا بدّمن أن تُؤثر الآخرة على الدنيا، وربُّنا عز وجل قال: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30)﴾ [سورة إبراهيم] وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾ [سورة إبراهيم] هناك أخٌ يَصْنع غُرَف نوم، وله صالة فخْرة جِدًّا، قال لي: أتى أحد الأصدقاء عندي، وقد جاء معه شَخْص فطلب منِّي أن أصْنع له غرفة نوم، فما ارْتاح إلا أن أحْضَرْنا خشَبًا وبقي هذا الخشب يجف أكثر فأكثر من الرطوبة لِمُدَّة سنَة، ثمّ لمَّا جفَّ بدأ طلب هذا الزَّبون بالكتالوك وأنواع الغُرَف فقد بقِيَ ستَّة أشْهر حتَّى اسْتَقَرَّ على نَوْع من هذه الأنواع، ثمّ بدأ باخْتِيار اللَّون فبَقِيَ مُدَّة طويلة وهو يبْحث عن أفضلها، لمَّا انْتَهَيْنا، وذلك بعد سنَتَيْن، طَلَبْناه فقال: أنا أدْهن الغرفة فأَمْهَلْناهُ مُدَّةً، ثمَّ أصْبح هناك طلب على هذه الغرفة، فهَدَّدْتُهُ مرَّةً أن إذا لم تأت بِعْتُها، فقال لي: ساءتِ يوم الخميس، في ذلك اليوم انْتَظَرْتُهُ فلم يأتِ، فَذَهَبْتُ إلى دارِهِ فإذا بي أسْمَعُ ضَجيجًا في البيت، فطَرَقْتُ الباب وقلتُ: قولوا له أن يأتي يأخذ غرفتَهُ، فقالوا لي: لقد مات صاحِبُها !!! هذه هي الدنيا، وهناك آلاف القِصص من هذا النوع ؛ اشْترى بيْتًا وما سكنَهُ، وأخَذَ شهادة وما تعيَّن فيها، قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] وهنيئًا لِمَن نَقَل اهْتِمامتهُ إلى الدار الآخرة، وعاش في الدنيا مؤمِنًا وطائِعًا لله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الضحى (93 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، العلماء يقولون: إنَّ كلّ آية يُخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام فيها خِطاب حُكمي لأُمَّتهِ، فسُورة الضحى كما بدأناها يوم الأحد، قال تعالى: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ [سورة الضحى] وأيُّ مؤمن إذا اسْتسْلم لله عز وجل واصْطَلَحَ معه ونفَّذ أمْرَهُ وتوَكَّل عليه قد تكون حياتُهُ مَشْحونة بِبَعْض المتاعب لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى ولكنَّه في المستقبل سوف يرْضى رِضاءً لا حُدود له، ويذوب خجَلاً من الله عز وجل، ويؤَكِّد هذا قوله تعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾ [سورة يونس] يقول الله عز وجل يُخاطب النبي: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6)﴾ [سورة الضحى] أحْيانًا الظروف الصعبة التي ينشأ فيها الطفل سبب نُبوغِهِ، وعَبْقَرِيَّتِهِ وتألُّقه وحُظوظه العريضة في الدنيا، وأحْيانًا ينشأ الطفل في بيت غِنًى وكلّ شيء مُتَوَفِّر، فهذا الطِّفل فقَدَ الدافع، ولذا أغلب النُّجباء لا يُنجِبون فالنَّجيب يصِلُ إلى مُستوى راقٍ جدًا، فأوْلادُهُ في بَحْبوحة وأمورهم مُيَسَّرَة، لا يحْتاجون إلى شيء، فالظَّرْف الصَّعْب الذي ينشأ فيه الإنسان ربَّما كان سببَ تَفَوُّقِهِ في الدنيا. الشيء الآخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمه شديد القوى، لا يُسْمح لأبٍ أو لأُم أن يقولا: نحن اللَّذان قمنا بِتَرْبِيَتِك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نشأ يتيم الأب والأم لِحِكْمةٍ بالغةٍ أرادها الله عز وجل، ولا أحد له فضْل عليه إلا الله، ولا يستطيع أحد أن يعْزو هذا التَّفَوُّق وهذه التَّرْبِيَة إليه، فأكْثر الآباء الآن إذا تألَّق ابنه يقول لك: أنا الذي ربَّيْتُهُ، وتَعِبْتُ عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراده تعالى يتيمًا وكذلك لِيُواسي كل يتيم، وسيِّدُ الأيتام، ومع ذلك فالإنسان إذا افْتَقَر إلى الله تعالى تألَّق، فإذا حُقِّقَتْ له كُلُّ حاجاتِهِ في الدنيا يَخْبو. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)﴾ [سورة الضحى] هنا الضلال الذي في حق النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يعرف الطريف لِهِداية قومِهِ ! فلم يكن يعرف كيف يدْعو إلى الله ؟ فَرَبًُّنا عز وجل حينما أنْزل عليه الوحي وتوضَّح أنَّه رسولهُ علمت معالم الدَّعوة إلى الله تعالى. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾ [سورة الضحى] كان إذا دخل بيته يقول: هل عندكم شيء ؟ يقولون: لا، فيَقُول عليه الصلاة والسلام: إنِّي صائِم ! لي صديق دخل السِّجن خمسون يومًا ثمَّ خرج، فقالتْ له زوْجته: ليس هناك طعام ! فَبَكى وقال: هناك مَن يأكل من الحواضر ستَّة أشهر ! فإذا الإنسان وجد طعامًا فلْيَشْكر الله تعالى، الذين يُنَقِّبون في الحلوِيات بشَر، أليس كذلك ؟ ما الذي حَمَلهم على التَّنْقيب بِالحاويات ؟ الجوع والجوع كما يقول العامّة: كافر ! قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾ [سورة قريش] كان عليه الصلاة والسلام تَعْظُمُ عنده النِّعْمة مهما قلَّتْ، فكأسٌ صافي بارد نعمة كبيرة، ففي بعض المناطق هذا الماء يُشْتَرى، وليس بدرجة الموجود في الحنفِيَّة ! فكان عليه الصلاة والسلام يُحافظ على النعمة، فمرَّةً توضَّأ من قعب فضَلَت فيه فضْلة فقال رُدُّوه في النَّهر ينفعُ الله به قوْمًا آخرين، فلم يهْدر هذا الكمِيَّة الصغيرة. بالمُقابل كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾ [سورة الضحى] لا تقل: فلان لا أحد له، ونستفيد منه، ونضْغط عليه، هناك ناس لِئام ؛ إذا الزَّوجة لا أهل لها يسْحَقوها بالخِدْمة الشاقَّة، وإذا صانِع يتيم ولا أب له يضغط عليه معلِّمهُ ضغْطًا شديدًا، القلب القاسي بعيد عن الله تعالى، ولو صام وصلى وزعم أنَّه مسلم، وأبْعَدُ قلب عن الله تعالى القلب القاسي، فأنت إن لم تُعامِل هذا الصبيّ وكأنَّه ابنك فأنت لسْتَ مؤمنًا. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)﴾ [سورة الضحى] قَوْلٌ مَعروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ [سورة الضحى] هناك من فهِمَ الآيو فهْمًا غير صحيح ؛ يجْلس بِمِجْلس ويقول: أخذنا كذا بألف ليرة وكذا وكذا.. هذا كلام مُضْحِك وفيه تبجُّح، هذا كلام فيه كَسْر للفقير، سافَرْنا ودَفَعنا كذا، ونزَلْنا بالفندق الفلاني، وكلَّف الغذاء كذا، والعرس كذا، ليس هذا هو المعنى، نِعْمة الله المُشتَركة الهواء والماء والشمس والقمر ؛ هذه النِّعم التي يشْترك فيها الناس جميعًا، اُذْكر نِعَم الله عز وجل حتى يُحِبَّ الناسُ الله، والحديث الشريف أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه..." لا تَحكي نِعَمَك الخاصَّة وميِّزاتِك فهذه تُحْدِث حرق وإبعاد، وأفهم البشر في هذا النِّساء ؛ زوْجي كذا، واشْترى السيارة الفلانيَّة وذهَبْنا للمحلّ الفلاني، كلّ هذا الحديث شيْطاني وتفرقة، أما لو تحدَّثْت عن الله تعالى فإنَّك تجْمع القلوب. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ [سورة الضحى] هي النِّعَم التي يعيشُها كلّ إنسان نِعْمة البصر والسَّمع والنطق والحركة والمأوى، الأشياء التي إن ذَكَرْتَها شَكَر الناس ربَّهم، أما أن تتكلَّم عن نِعَمِك الخاصَّة التي تنفرد بها، والتي إن ذَكَرْتها أقَمتَ حاجِزًا بينك وبين الناس. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ [سورة الضحى] الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي فَمَن نازعني شيئًا منهما قصَمْتُه ولا أُبالي، فالإنسان يتكلَّم كلمة ولا يُلقي لها بالاً تَهْوي به في جهنَّم في سبعين خريفًا، والرَّجل يتكلَّم الكلمة من رِضْوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يرفعه في جنَّة إلى أعلى عِلِيِّين. ذكر لي أحد الأغنياء أنَّ أباه كان فقيرًا، وكان طفْلاً صغيرًا، فلما نأكل أغْمس الخبز في الزيت وأضع الخبر على الزَّعتر، فلما أكبسُها أي أضغطها كثيرًا آخذ كفًّا من يدي أبي، كل هذا مِن شِدَّة الفقر، والآن أصبح غنِيًّا وله معامل، فالإنسان إذا تذَكَّر ماضيه يذوب حُبًّا لله تعالى. فالآن هناك أشخاص ليس لديهم بيتًا ولا زوجَةً، ولا مال ولا أولاد، ويشْتهي كلّ شيء، فإذا يسَّر الله لك عليك أن تشْكره، وكل إنسان يتذَكَّر ماضيه يعلم فضل الله عليه، وهذا نوع من أنواع الشكر، فلا ينسى أحدنا النِّعم التي غُمِرْنا بها. تشَمُّع كَبِد يُكَلِّف زَرْعه ستَّة ملايين ليرة الآن، معنى هذا أنّ الذي معه كبد فثَمَنُه ستَّة ملايين ليرة، وزرْع كلوة يُكَلِّف مليونين الآن، قرنيَّة العين ثمنها خمسمائة ألف، اِجْمع ثمنك قِطَعًا للتَّبديل تجد نفسك ثمنها مائة مليون، فالذي عنده صِحَّة عليه أن يشكر الله عز وجل وهي من نِعَم الله تعالى الكُبرى، أحد إخواننا أمُّه كل جمعة تغسل الكلية بالأربعاء فإذا حضر الاثنين تتوتَّر أعْصابها، فهذه الكلية ثمانية ساعات على الآلة، ونفقَة وتعقيم وانتظار وآلام، فالذي عنده كلية سليمة عليه أن يشكر الله، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني..." بِبَعض الأمراض قد تصبح حياة الإنسان جحيمًا لا يُطاق، فإياك أن تؤذي الناس، وأن تضع مواد خطيرة بالمصنع فالله يبتلي بأمراض خطيرة ؛ فشل كلوي، وتشمُّع كبد وشلل، والله تعالى كريم، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾ [سورة البروج] إذًا هذه الآيات مع أنَّها للنبي عليه الصلاة والسلام فهي لكُلّ مؤمن، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾ [سورة الضحى] ذكر لي أحدهم أنَّ له أسطول من البرادات من جدَّة إلى استنبول لِنَقل الفواكه، أكبر تاجر خضراوات بالمملكة، فقال لي: أنا لي مرتبة دونه، ولكن ما فاتني فرض صلاة، ولا أعرف المال الحرام، ولا المرأة الحرام. فالإنسان إذا لم يكن معه بيت ثم أصبح معه، أو لم تكن له زوجة ثم رزق، أو لم تكن له شهادة ثم أصبح من ذوي الشهادات، أو لم يكن له أولاد ثم رزق، عليه أن يشكر الله تعالى على هذه النِّعَم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشرح (94 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الشرح، يقول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ (سورة الشرح) أوَّل نقطة في هذه السورة أنَّ الله سبحانه وتعالى شاء للإنسان أن يمرّ في طريقه إلى الله بِمَضائِق، وهذه الأخيرة مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام بِشَكل حادّ، وكل مؤمن لا بدّ أن يمرّ بِمَضائق على حسب إيمانه وبما يستطيع، أما أن يصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، وبلا ثمَن، فهذا من سابع المستحيلات، هذا العَطاء الكبير لا بد له من مضائق، أحْيانًا مضائق مالِيَّة، ماذا تفعل ؟ قد نمْتحن سيارة بِطَريق هابطة ؛ ممتازة ولك أن تطفئ المُحَرِّك، ولكن كيف تُمْتَحن المركبة ؟ بالطريق الصاعدة، فإذا مرّ الإنسان بامتِحان الرَّخاء، يقول لك: فضل من الله فهو نجَحَ بامْتِحان الرَّخاء، ولا بدّ من امْتِحان الشدَّة ! قد تكون المضائق مالِيَة فهل يأكل المال الحرام ؟ هل يضْجَر ؟ هل يتفلَّت ؟ وقد يمرّ بِمَضايِق اجْتِماعِيَّة ؛ هناك أُناس يُحارِبونه ظُلمًا وعُدْوانًا، هل يرى يد الله فوق أيديهم ؟ أم ينسى أنَّ هؤلاء مُسَيَّرون ؟ هل يُوَحِّد أم يَحْقِد أو يستسلِم ؟ وهناك مضائق صِحِيَّة، وهناك مضائق في الدَّعوة فهؤلاء الدعاة لهم حِساب خاص، يَمُرُّون بِمَضائق، فإن لم يصبروا يقول الله عز وجل: اُخْرج من هذا الطريق فلَسْت أهلاً له، لذا لا تتصَوَّر أن تدخل الجنَّة دون امْتِحان، وأقول امْتِحان صعب، ولسْتُ بهذا مُتشائِمًا لكنَّ ربنَّا سبحانه وتعالى قال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾ [سورة البقرة] وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)﴾ [سورة آل عمران] أعرف رجل، أخوه حطَّم له سيارتهُ مِن شِدَّة غِناه لم يسْتطع أن يراها، وقال لهم: بيعوها ! دخل عند مُوَظَّف فأهانهُ، حينها دخل مُباشَرَةً عند طبيب قلب مباشرةً، فهذا امتِحان المال سهْل عنده أما امْتِحان العزّ والكرامة لم يستطع له. فأنا لسْتُ مُتَشائِمًا ولكن أؤكِّد لكم حسب القرآن الكريم أنَّهُ لا يُمْكن أن نصل إلى هذه الجنَّة التي وعدنا الله بها، من دون أن تدْفع الثَّمَن، وثَمَنُها أن تنْجحَ في الامْتِحان، هل يوجد في الأرض مَن يقول لك: أنا دُكتور ولم يَمْتَحِن ؟! يُؤَلِّف أطْروحة بِخَمْس سنوات يُحاسِبونه على الفاصلة والحركة، ويُعيدوه الكتابة والفصْل، والدكتور لم يُعْجِبْهُ، والمُشْرِف ما راق له هذا الفصل، ومراجعك قليلة، وأَعِد البَحْث فهذه مرتبة في الدنيا وقد لا تعني شيئًا الآن، فكَيف مرتبة الجنَّة ؟! فلقد كان النبي عليه الصلاة والسلام مُتضَايِق جدًا، ولكن ما بعد الضِّيق إلا الفَرَج، وما بعد الشِدَّة إلا الرَّخاء، وما بعد الامْتِحان الصَّعْب إلا العطاء، دقِّق ! أصْعَب امْتِحان مرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؛ كُذِّب وسُخِر منه، ونالوهُ بالأذى، وبعد الطائف الإسراء والمعْراج، وأنَّهُ سيِّدُ الأنبياء والمرسلين، ولا يوجد مِحْنة إلا ووراءَها مِنْحة، ولا يوجد شِدَّة إلا ووراءها شَدَّة إلى الله، فهذا مِن بشائر الله عز وجل. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)﴾ [سورة الشرح] هذا الحِمْل الثَّقيل قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾ [سورة الشرح] ولا يوجد إنسان يعْمل في الحق إلا ويرْفع الله له ذِكْرَهُ، والإنسان إذا كان مع الله له مكانة خاصَّة، وله قُدْسِيَّة خاصَّة، ومُعامَلَة خاصَّة والله عز وجل يُلْبِسُهُ ثَوْب الهَيْبَة، مُهاب لأنَّه هاب الله فهابَهُ كُلّ شيء ومَن لم يَهَب الله أهابَهُ الله مِن كلّ شيء، تجدهُ يخاف من الآذِن الذي عندهُ وتجِدُهُ مُدير عام، ومن لم يتَّقِ الله أهابَهُ الله تعالى مِن كلّ شيء لذلك هذه السورة تشْرح الصَّدْر، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)﴾ [سورة الشرح] قد تقول هي للنَّبي، وبالمُقابل لِكُل إنسان مؤمن صادِق مع الله عز وجل، وقد تسألني عن الدليل، قال تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾ [سورة الأنبياء] قيسوا على هذه الآية ؛ عندك هُموم البنات والأولاد والمَعاش والصحَّة فالله يُمرِّرُك من مضائق، لذا وطِّن نفْسَك فلا بدّ من أن تمرّ بِمَضائق وبُطولتُكَ أن تقول: يا رب، لك الحمد ! وأنا راضي هم الأحِبَّة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم مَعْدِل وإن عَدَلوا والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كبدي باق على حبِّهم راضٍ لما فعلوا إنسان معه مرض خبيث بالأمعاء، والآلام لا تُحْتَمَل، أَقْسَمَ لي طبيبُهُ الخاص، ما زارَهُ إنسان إلى المُستشفى إلا ويقول له: اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله، ويا رب لك الحمد، ومات بِأحْلى حالة، فاله عز وجل يسوق لك امْتِحان مرض والفقْر والشدَّة والهمّ والحزَن، ولكن اِجْعَل شِعارك: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العتبة حتى ترضى ولكن عافيتُكَ أوْسَعُ لي، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ [سورة الشرح] أحيانًا يكون إنسان مسْحوقٌ بالهَمّ، ابْتِلاء، والحديث: مَن قصَّر بالعَمَل ابْتَلاهُ الله بالهَمّ، فهناك هُموم تَسْحق، وقد يأتي الهمّ فيَسْحَق ثمّ يُزاح عنه، حينها يتنفَّس الصُّعَداء، سيَهْديهم ويُصْلِحُ بالهم، فالمؤمن الذي يطْلب الجنّة، أما الذي لا يطْلبها انتَهَت المشكلة، قال تعالى: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾ [سورة التوبة] فإذا الإنسان بلا هَدَف فلا مُشْكِلة لأنَّهُ هو أصْلاً مُشْكِلة، أما إذا كنتَ تطلب الجنَّة ومَقْعَد صِدْق عند مليك مقتَدِر، وأن تكون في أعلى عِلِيِّين عليك أن تَتَحَمَّل. أحد الإخوة تَوَكَّل بِعَمار مَسْجِد، فلا بدّ مِن أن يُقابل بعض المَسْؤولين وقد تكون منهم شِدَّة فهو قال لي: الجنَّة لها ثَمَن ومرْحَبًا بِثَمَن الجنَّة. النُّقطة الدقيقة قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾ [سورة الشرح] هذه لِكُلّ مؤمن له منها نَصيب، والله تعالى يرْفع لك ذِكْرَك وشأنَك وثَوْب مهابة ومحبَّة ويتدافَعون لِخِدْمَتِك، وأحيانًا الإنسان يُهان، والله عز وجل له عذاب مُهين، رأيْتُ مرَّة ضابطًا يضرب إنسانًا مُحْتَرَمًا بِكَفّ ! عذاب وأحيانًا عَدُوُّك يَخْدُمك، وكل واحِدٍ منَّا له من هذه الآية نصيب، خَف منه يُخَوِّف منك الناس، وأحِبَّه يُلقي محبَّتَك في قُلوب الناس، وهَبْهُ يَجْعَلُكَ مُهابًا عند الناس، وكما تَدين تُدان، وكما تُعامِل الله تُعامَل، كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد، إن ذَكَرْتَني في نفْسِك ذَكَرْتُكَ في ملإٍ من ملائكتي وخير منه، ويُطْرَحُ اسمُكَ بأعلى مُجْتَمَع ويُثْنى عليك لأنَّ تذكُر الله بين خلْقِهِ، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾ [سورة الشرح] كان هناك قصَّابًا، فقال لي: أنا والشيخ أبو الحَسَن سواء، فقلْتُ له: ما بال الثرى من الثريا ! مهما كانت الصِّنْعَة، المُهِمّ ما حالهُ الآن ؟ مؤمن تقي، وعالم ورع، فالمؤمن حتى في أفراد الأُسْرَة مُحْتَرَم وفي الأقارب. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5)﴾ [سورة الشرح] هي إنَّ بعد العُسر يُسْرًا، يأتي عُسْر ويجيء بعده يُسْر، لكنَّ الله تعالى من رحْمته ولكي يُطمْئِنَكَ قال لك مع العسر يوجد عُسْر ! فهذا الذي يُزْعِجُكَ يُرافِقُهُ اليُسْر، وهناك قاعدة لُغَوِيَّة تعْرِفونها، وهي أنَّ الكلمة إن كانت نكِرة وتكرَّرَتْ فالمعنى يتكَرَّر، أما إذا المعرفة فالمعنى نفسُهُ، ولن يغلب عُسر يُسْرَين، فالعُسر هنا معرفة، وكلمة يُسر نكرة، قال العلماء: يُسْر في الدنيا وآخر في الآخرة، فمهما تنوَّع العُسر فدائِمًا اليُسر مُضاعَف. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ [سورة الشرح] أنا عندي جرد الآن ! طيِّب ألم ينتهي هذا الجَرْد الآن ؟! وأنا عندي فحْص، لَمْ نرَك بالدَّرْس والصلوات، وأنا عندي مُشْكلة ؛ ابني سيَعْمَل عَمَلِيَّة، وقد ورد: هلك المُسَوِّفون، فإذا شَغَلَك شيء وانتهى لم يعد هناك عُذْر فكأنَّ الله عز وجل يقْبلُ عذْرك، قال الإمام علي كرَّم الله وجْههُ: إنّ للنَّفْس إقْدامًا وإدْبارًا، فإذا أدْبَرَتْ فاحْمِلوها على الفرائض وإذا أقْبَلَت فاحْمِلوها على النَّوافل، فالواحد إذا انتَهت مُشْكلتُه فلا عُذْر له، لذا كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ [سورة الشرح] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة التين (95 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة المؤمنون، في سورة التِّين يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ [سورة التين] الكَمَال البَشَري كمالٌ مٌطْلق، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾ [سورة البلد] بالعَيْنَين ترى البُعْد الثالث، وقال تعالى: ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾ [سورة البلد] الله تعالى علَّم الإنسان البيان، فَهُوَ يتكلَّم ويسْمع ويكتب ويقرأ، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)﴾ [سورة الرحمان] وجعلهُ يُدْرِك، والأشياء التي غابَتْ عنه، فالماء يَدُلّ على الغدير والبَعْر يدلّ على البعير، والأقدام تدلّ على المسير، أَفَسَماءٌ ذات أبْراج ! وأض ذات فِجاج ! أفلا يدُلاَّن على الحكيم الخبير ؟ كرَّمهُ بالعَقل والعَيْنين والأذُنَين فَبِهِما يعرف جِهَة الصَّوت، وجعل الله الأنْف فوق الفم، فلو أنّ الطَّعام فاسِد عافَهُ الإنسان، ولو أدْخل قَسْرًا لتقَيَّأَهُ، وجعلهُ منتَصِبَ القامة على قدَمَين صَغيرتَيْن بِفضْل جِهازٍ بالِغِ التَّعْقيد في الأُذُن ؛ جِهاز التَّوازُن، فلولا هذا الجِهاز لاحْتاج الإنسان إلى آلات بالغَة التَّعْقيد، فالإنسان لو سار في الطِّين وحمل حذاءَهُ وزْنًا من الطِّين يُصْبِحُ المَشي أشْغالاً شاقَّة، فالله أكْرَمَهُ بِجِهَاز التَّوازن وإدراك جِهَة الصَّوت، وكرَّمَهُ بالألوان ؛ فالقِطَط ترى الأبيَض والأَسْوَد، وجعل لهُ شَعْرًا كَتَاجٍ يُتَوِّج رأسَهُ، وثلاثمائة ألف شَعْرة، لِكُلِّ شَعْرة ويد وشِريان وعضلة وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تَقْويم، والإنسان كُلْيَتاهُ تُفْرِزان كلّ عِشْرين ثانِيَة نُقْطة، لولا المَثَانَة لكانت حالة الإنسان لا تُطاق، وهذه المَثَانَة تُجَمِّع لِتْر ونِصْف تَقْريبًا ؛ خمس ساعات أو أكثر تجد نفْسَكَ نظيفًا دون أن تظهر منك ولا قطرة بَول، وتُسافِر وأنت مُرتاح، وللمَثانَة عضَلات مِن أجل تَوْفير الوَقت، ولولا هذه العَضَلات لكَانَ إفْراغُها مُسْتَحيلاً ؛ وجعَلَ الله قلْبًا يعمل حتى وأنت نائِم لو كلَّفَك بالنَّبْض لما أمْكَنَكَ أن تنام، تنامُ فَتَموت، ولو كلَّفَك بالتَّنَفُّس لما أمْكَنَك أن تنام ؛هناك مَرْكز التَّنْبيه الدَّوري للبَصَلَة السِّيسائِيَّة، إذا تعطَّل هذا المركز لما أمْكَنَ لأحدٍ أن ينام ؛ يُجْري تنَفُّس اصْطِناعي فإذا غفل ماتَ فَوْرًا، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ [سورة التين] قلب ورِئتين ومَعِدَة وأمْعاء، وأمعاء طَويلة طولها ثمانِيَة أمْتار مِن أجْل أن تأخذ خُلاصَة الطَّعام مِن خِلالها. قال تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾ [سورة البلد] لبَنٌ في الثَّدْيَيْن بارِدٌ في الصَّيف، وساخِنٌ في الشِّتاء، ومُعَقَّم وفيه مناعَةُ الأمّ، ومواد تَمْنَع الْتِصاق الطَّعام والجراثيم بالأمعاء، فَحَليب الأم فيه مَيِّزات مُذْهِلَة، والله قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ [سورة التين] فإن لم يَعْرِفْنا، ولم يسِرْ على منهج الله حينها كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾ [سورة التين] ذكر لي أخ له والِدَة مُلْقاة على ديوان، وأيْديها وأرجُلها مُربَّطَة، فقلتُ له: لماذا ؟! قال: لأنّنا إن فَكَكْنَا عنها الرِّباط خلَعَتْ كلّ ثِيابِها، وأكلَتْ مِن غائِطِها !! قال تعالى ﴿ : مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [سورة النحل] فالإنسان إذا ما عرفَ الله يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، والأصل في خريف العمر لا في ربيع العُمر، ففي الربيع كلّ الناس تتساو، أما التَّفاوُت ففي الخريف ؛ كيف أمْضى حياته ؟ في طاعة الله إذًا له خريف مُتَألِّق وكيف أمضى حياته ؟ بِدَخْل حلال، وإن أمْضاهُ بالمَعْصِيَة فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [سورة النحل] رَدَدْناهُ أسْفَل سافلين بعد أن خلقناهُ في أحْسَن تَقْويم، فإذا شَكَر بَقِيَ في أحْسَن تَقْويم وفي شبابٍ دائِم، أما إن لم يَشْكُر فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر. ثمَّ قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾ [سورة التين] المؤمنون خطُّهم البياني صاعِد، والموت نقطة على هذا الخط، ويبقى بعد الموت صاعِدًا إلى الجنَّة. كُلُّ أجر مَمْنون لا يُعَدّ عطاءً إلَهِيًّا، فالدنيا مَقْطوعة، فالرِّزق ما انتفَعْتَ به، والكَسب ما لم تنتَفِع به ولكنَّك مُحاسَبٌ عليه، فَكُلّ عَطاء ينتهي بالموت فليس عطاءً، ولا يليق بالله تعالى أن يكون هذا هو عَطاؤُهُ، ولا يليق بِكَرَمِ الله أن يُعطي الإنسان الدنيا، فلو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى الكافر منها شَربَة ماء، فقلد مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ ومُتَفَسِّخَةٍ فقال عليه الصلاة والسلام: كم هذه الشاة هيِّنة على أهْلها ! للدُّنيا أهْوَنُ على الله من هذه الشاة على أهْلِها..." قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)﴾ [سورة البقرة] وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾ [سورة النساء] وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾ [سورة التوبة] وقال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] البُطولة أن تعمل للآخرة، لا أن تعمل للدُّنيا ؛ لأنَّ الدنيا مُنقَطِعة شبَّهْتُ للإخوة في الأسبوع السابق أنَّ لو سباق سيارات فيه ألف سيارة وكلُّها متنوِّعة من حجم وشكل وموديل، وينتهي هذا السِّباق بِقاطِع وحُفْرة بالنِّهاية، فَكُلُّهم تنتظرهم هذه الحُفرة بالأولى والثانية والأخيرة والكبيرة والصغيرة والأحدث موديل !! فهل هذا سِباق ؟! هذا سِباق أحْمَق، وهكذا الدنيا ؛ الفقير يموت والغني يموت، وكذا الضعيف والقويّ والموت واحِد، فالموت يجمعُ بيننا؛ لذا قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾ [سورة التين] ثمَّ قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ [سورة التين] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة العلق (96 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . سورة العلق : أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل في سورة العلق : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [ سورة العلق الآيات : 1-5 ] اقْرَأْ أول آية نزلت : أوَّل آية أُنْزِلَت في كتاب الله تعالى : اِقرأ ، فهذا الدِّين العَظيم دِينُ عِلْم ودينُ حقيقة ، ودين مَنْهج ودليل وتَعليم وعَقْل ، إلا أنَّ القِراءة مُطْلقة وواسِعَة جدًا ، ويجب أن تقرأ باسم ربِّك ، وما لم تَخْتَر مَوْضوعًا يَنْفَعُكَ في الدنيا والآخرة فهذه القِراءة لا تنْفَع ، وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربَّهُ فقال : (( اللهمّ إنِّي أعوذ بك مِن عِلْمٍ لا ينفَع ، ومِن قلبٍ لا يَخْشَع ، ومِن عَيْنٍ لا تَدْمَع ، ومِن أُذُنٍ لا تَسْمَع )) وليس كُلّ عِلْمٍ نافِع ، فَهُناك عِلمٌ نافِع وغير نافِع ، وليس كلّ عِلمٍ مُسْعِد ، والعِلم الدِّيني هو وحْدهُ المُسْعِد في الدنيا والآخرة ، فقوله تعالى : ﴿ اقْرَأْ ﴾ فهِيَ قِراءة ليْسَت مُطلقَة ؛ بل قِراءَةً تنتهي بِها إلى ربِّك ، وتتعرَّفُ بها إلى ربِّك ، وتُعَظِّم فيها ربَّك ، وقِراءَةً هادِفَة . قال تعالى : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [ سورة العلق الآيات : 1-3 ] الإكرام الإلهي : أكْرَمَك بِنِعْمة الوُجود ، وأكْرَمَك بِنِعْمة الإيجاد والإمْداد ، والهُدى والرَّشاد ، ثمَّ قال تعالى : ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ [ سورة العلق الآية : 4 ] قال تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [ سورة الرحمن الآيات : 1-4 ] فالبيان إحْدى نعَم الله الكُبرى على الإنسان ؛ بالنُّطْق والسَّماع تنتقل المعارِف بين المُتعاصِرين ، ولكن بالقلم والكتابة والقراءة تنتقل المعارف بين الأجْيال ، وبين الأُمَم ، فلولا نِعْمة القَلَم لما انْتَفَعتْ أُمَّة بِأُمَّة ، ولا جيلٌ مِن جيل ، والدليل نأخذ أحد العلماء ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ، كان يَحْضُر درسه عدد كبير جدًا فلما انتهى التواصل الشَّفَهي ومات انتهى عِلْمُهُ ، أما حينما ألَّف كتاب عِلْم الأحياء فَعِلْمُهُ مُسْتَمِر إلى يوم القيامة ، فبِالكتابة تنتقل المعارف من جيلٍ إلى جِيلٍ ، ومِن أُمَّة إلى أخرى . أيها الإخوة ؛ قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾ [ سورة العلق الآيات : 6-7 ] فالإنسان في ساعة الافْتِقار يقول : يا ربّ ، فإذا أغْناهُ الله وأتَمَّ عليه نِعْمة الصِّحة والمال ينسى الله عز وجل ، فالإنسان المؤمن يشْكر الله وهو في الرَّخاء ، ولكنَّ الشارِد يَذْكره وهو في الافْتِقار والشدَّة ، لذا : يستغني ، يتجاوَزُ حُدوده ، ويتجاوَز في تَصَوُّراتِهِ ، وفي سُلوكِهِ ؛ متى ؟ ﴿ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾ أنْ رأى نفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عن الله ، لذلك إما أن ترى نَفْسَك مُفْتَقِرًا إلى الله ، وإما أن يُريكَ الله افْتقارَك إليه ، إن رأَيْتَهُ وَحْدكَ فهذه نِعْمةٌ عُظْمى ، فالصَّحابة الكِرام رأَوْا افْتِقارهم إلى الله في بَدْر فَنَصَرَهُم الله ، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 123 ] لكنهم في حُنَيْن رَأَوْا كَثْرَتَهُم فَخَذَلَهُم الله ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 25 ] فأنت إن رأَيْتَ افْتِقارَك تَوَلاَّك الله ، وإن اعْتَدَدْتَ بِقُوَّتِك وعِلْمِك ومالِك ، واسَتَغْنَيْتَ عن الله ضِمْنًا خذَلَك الله ، لذا مع الاسْتِغْناء الخِذْلان ، ومع الافتِقار الإمْداد والرِّعايَة ، إذًا يُمكن أن نقول : أنت كلّ يوم في امْتِحانَيْن ؛ امْتِحان الافْتِقار ، وامْتِحان الاسْتِغْناء ، فبِافْتِقارِكَ يتولاَّك الله ، وباسْتِغْنائِكَ يَكِلُكَ الله إلى نفْسِكَ ، ومَن توكَّل على نفْسِهِ أَوْكَلَهُ الله إيَّاها ويُؤتَى الحَذِرُ مِن مَأْمَنِهِ ، ويُؤْتى صاحِب الاخْتِصاص من اخْتِصاصِهِ وصاحِب التَّفَوُّق من تَفَوُّقِهِ ، وصاحِبُ المال مِن مالِهِ ، لذا كُلَّما اسْتَغْنَيْتَ عن الله عز وجل أُخِذْتَ من اخْتِصاصِك ، ومِن مَأمَنِك وتَفَوُّقِك ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ [ سورة العلق الآيات : 6-8 ] الموازنة الإلهية : الآن وازِنْ بين شَخْصَيْن ؛ قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾ [ سورة العلق الآيات : 9-10 ] رَجُلٌ يَنْهى الناس عن الصلاة ؛ حديثُهُ كاذِب ومُنْحَرِف ولئيم وأناني وكاذِب ومُنافق ودجَّال ، ما دام يقطع الناس عن الصلاة فَهُوَ مع شَهوَتِهِ ومُنْقَطِع عن الله ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَوَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَالَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَوَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [ سورة الماعون ] قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 5 ] أين الجواب ؟ اُنْظر إلى أفعالِهِ وشَخْصِيَّتِهِ ووُعودِهِ وكلامِهِ ودناءَتِهِ وخِيانَتِهِ ، واحْتِيالِهِ واعْوِجاجِهِ فأخْلاقُهُ المُنْحَرِفَة أقْوى دليل على انْحِرافِهِ ، وهو أصْغَر مِن أن يُناقَش ألا يَكفي أنَّهُ كذَّاب ؟ ومُحْتال ؟ وأناني ؟ وقَذِر ؟ ويَخُون ؟ أرأيْتَ إن كان على الهُدى ؛ اُنْظر إلى صِدْقِهِ وأمانتِهِ وعِفَّتِهِ واستِقامَتِهِ ومُروءَتِهِ وتواضُعِهِ ورَحْمَتِهِ ، سُلوك المؤمن أكبَر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على انْحِرافِهِ ، فهذه الآية قَوِيَّة جدًا ! قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾ [ سورة العلق الآيات : 9-10 ] انْتَهَتْ الآية ! أرأيْتَ إلى أخْلاقِهِ وطِباعِهِ وعلاقاتِهِ وقَسْوِتِهِ وعلاقتِهِ بِزَوْجَتِهِ وأولادهِ ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾ [ سورة العلق الآيات : 11-12 ] قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ [ سورة العلق الآيات : 15-16 ] مِن أشدّ أنواع التَّنكيل أن تَمْسِكَ الإنسان بِمُقَدِّمة رأسِهِ وتضرب الأرض بِرَأسِهِ ! تضْرب به فناصِيَةُ الإنسان مقدِّمة رأسِه ، قال تعالى : ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ ماذا يوجَد في ذِهْنِهِ ؟ خُبْث واخْتِيال ، وشَطط وتَفْكير بالمعاصي ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ [ سورة العلق الآية : 17 ] يأتي الإنسان يوم القِيامة وَحْده فَرْدًا ، فَهُوَ في الدنيا له جماعَة ، وأتْباع وأعْوان ، فالإنسان أحْيانًا قد يَحْتاج إلى العِقاب فيأتي مائة تلفون يتوسَّطون لِهذا الشَّخص ! معنى ذلك أنَّ له أتْباع ، وشبَكَة مُواصلات ، وهذه الشَّبَكة تنتهي يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ [ سورة العلق الآية : 17 ] ليس معه أحد ، تقول له : يا بني جَعَلْتُ لك صَدْري سِقاءً وبَطْني وِعاءً وحجري وِطاءً فهل مِن حسَنَةٍ يعود عليَّ خبرها اليوم ؟ فيقول : يا أُمِّي ليتني أسْتطيعُ ذلك إنَّما أشْكو مِمَّا أنت تَشْكين ، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون الآية : 101 ] وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾ [ سورة الكهف الآية : 48 ] ثمَّ قال تعالى : ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [ سورة العلق الآيات : 18-19 ] فإذا قال لك إنسانٌ : لا تُصَلِّي ! فلا تُطِعْهُ واسْجُد واقْتَرِب . سألني البارِحَة إنسان يعْمل في مُؤَسَّسة وصاحِبُها مؤمن ، يَمْنَعُهُ مِن صلاة الجُمُعة ، وهو تحت طائِلَة الطَّرْد من العمل !! فقُلْتُ له : لِيَطْرُدْكَ من العَمَل والله هو الغَنِيّ ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق . قالتْ له : إما أن تكْفر وإما أن أدَعَ الطَّعام حتى أموت ؛ سـيِّدُنا سَعْد ، فقال لها : يا أُمِّي لو كانت لك مائة نفْس فَخَرَجَت واحِدة تلْوَ الأخرى لما كفَرْتُ مُحَمَّد ، فَكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي !! ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق . والي البصرة قال : إنَّ يزيد يأمرني أن أُنَفِّذ كذا وإن نفَّذْت الأمر عصَيْتُ الله . فقال الحسن : إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله ! يأتي مرض خبيث لا يُمْكِن أن يُخَلِّصَهُ أحَد ، أقْرَبُ الناس يبتعِدُ منك ! يأتي عِقاب أليم ، أما إن كنتَ مع الله يُخَلِّصُك من كلّ أحَد ، ويمنع كلّ أحدٍ منك ، أما إذا كنت مع الجبابرة فلا أحد يمنعُكَ منهم ، ولا أحد يمنَعُكَ من الجبار الأعلى . إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله ! ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة التكاثر (102 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه و تعالى في سورة قصيرة يقول: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ(1)حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ(2)كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾ [سورة التكاثر] سأشرح كلمةَ " النعيم "، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾ [سورة التكاثر] النعيمُ هو الصحة و الفراغ و الأمن و الكفايةُ، فمن متَّعه اللهُ بصحته و أمَّنه و كفاه و جعله متفرِّغا لعمل ما، و لم يستخدم هذه النعمَ الأربع في معرفة الله و في طاعته و التقرُّب إليه كان مغبونا أشدُّ الغبن و خاسرا أشدَّ الخسارة، لقول النبيِّ عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ )) [ رواه البخاري ] لو أن أبا غنيًّا أعطى ابنَه مبلغا ضخما ليتاجر به و يؤسِّس مشروعا و ليشتري بيتا و ليتزوج، لو أن الابنَ جمع هذا المبلغ ووضعه في صندوق و أغلق عليه هل هو رابح أم خاسر ؟ خاسر، و لو أنه أحرقه، لكان مجنونا، و لوأنه أنفق على مصروفه منه فهو خاسر، فالصحة و الفراغ و الأمنُ و الكفاية، أحيانا الإنسانُ يشكو لي بعضَ المشكلات فأقول له: هل أنت مضطر أن تغسل كليتيك كلَّ أسبوعٍ مرةً، يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيَّر دسام قلبك ؟ يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيِّر شريانَ القلب ؟ لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تجري عملية جراحيةً في الدماغ ؟ لا، فإذا كان الإنسانُ معافى في جسده هذا رأس مال، و رأس المال الثاني عندك دوام إلى الساعة الثانية ثم تتغدى و تنام بعد الظهر، و الباقي وقت فراغ، كيف تمضيه ؟ في مجلس العلم أم على النرد ؟ أو في غيبة ونميمة ؟ أو متابعة مسلسلٍ ساقطٍ ؟ نتائج معروفة و قصص مكرَّرةٌ، حثالةُ المجتمع كيف تمضي هذا الوقت ؟ فالفراغ رأس مالٍ ثانٍ، وأنت لستَ مُلاحقا ؟ تتحرك كيف تشاء و تسافر و تنتقل كيف شئت، فهذا رأس مال ثالث، الأمن،رأس مال رابع عندك قوت يومك، و حاجاتك الأساسية مغطاة، فهذه الرأسامالينُ الأربعةُ إما أن تنفقها استهلاكا في المباحات و إما أن تستثمرها عند الله عز وجل، بمعرفته و معرفة منهجه و تطبيقه و الأعمال الصالحة التي تقرِّبك إليه، فكلُّ إنسان أنفق من رأس ماله خاسر أشدَّ الخسارة، و كلُّ إنسان أتلف رأس ماله أحمق أشدَّ الحمق، أما الإنسان الذي يتاجر برأس ماله ليكسب ربحًا ينفق منه فهو الإنسانُ الإنسانُ العاقل،لذلك قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾ [سورة الصف] التجارة لها رأس مال و لها ربحٌ، فرأسُ مالك صحتُك و فراغك و أمنُك و كفايتُك،أوَّلُ شيء النجاةُ من العذاب الأليم، و ثاني شيء قال تعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)﴾ [سورة الصف] ومع هديَّة تشجيعية سلفا،قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [سورة الصف] لذلك التجارةُ مع الله رابحةٌ أشدَّ الربح، و نحن في الأرض أرباحُ التجارة من العشرة إلى العشرين، و الصناعة من العشرين إلى الثلاثين و الأرباحُ الوهمية للنصَّابين سبعون بالمائة، و في النهاية يذهب رأسُ المال كلِّه، أما من الممكن أن تتعامل مع خالق الكون و يعطيك عن الليرة مليون، و عن الليرة مليار، إلى أن ينتهي نفَسُك. فلذلك أيها الإخوةُ أردتُ من هذا الدرس الاستثنائي أن أذكِّر أنَّ نعيمَ الصحة و الفراغ و الكفاية و نعيم الأمن هذه رأسُ مال الإنسان، الصحة هي الشبابُ و القوَّة و الحركةُ، فماذا تعمل بها ؟ في طاعةٍ أم في معصية ؟ أم في هموم ؟ و الوقتُ الفراغ ماذا تعمل به ؟ في لقاءات فارغة و حديث فارغ و غيبة و نميمة ؟ أم في طلب العلم ؟ أم في مذاكرة العلم ؟ أم في الجلوس مع الذي تثق انه ينقلك من حال إلى حالٍ ؟ أيها الإخوة الأكارم، العمرُ قصيرٌ، و هذا الذي يموت لو أن الدنيا كلَّها في يده، وجاءه ملك الموت ؛ يقول له: أُعطيك كلَّ مال يدي على أن تتْركني أبقى ساعة ! كي أسْتغفر الله !! وأُصلي ركْعتين ! لذلك مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بقَبر، فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مِمَّا تحْقرون (( فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول: ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ )) [ رواه البخاري ] فإذا كانت معك قِطعة ألماس ثمنها خمسة ملايين ورثتها من والدك، ولم تدْر أنها من ألماس، فَبِعْتها خمسة ليرات ! ثمَّ عرفت الحقيقة، ماذا تفعل ؟! ألا يشعر هذا الإنسان بالألم ؟! ألا يندم أشدَّ النَّدم ؟! باع الصِّحة والفراغ والأمن والكِفاية بِالكلام الفارغ، والمباحات والاسْترخاء، وما عمِلَ عملاً صالحًا، لذا ورد أنَّ المؤمن لا يندم يوم القيامة إلا على شيءٍ واحِدٍ ؛ على ساعة مرَّت لم يذْكر الله فيها، وكلَّما كبُرَ عقلُ الإنسان يحْرسُ على العقل، وهو أثْمَنُ شيءٍ، أحدُ علمائنا وهو الشيخ بدر الدِّين الحسني مرِّ على مقْهى يلعبون النَّرْد، فقال: يا ليت الوقت يُشْترى من هؤلاء فنَشْتريه منهم ! تجِدُ المؤمن ليس لديه الفراغ، مشاريع وأعمال صالحة، وأعمال جليلة وخيِّرة، وكلَّها تحتاج إلى الوقت الكثير، لذا تَجِدُه يقْتصد في الوقت، والإنسان الشارد التائه يُنفق الوقت جُزافًا، وفي أشياء تافهة ولِقاءات تافهة، وبِمَوضوعات تافهة، وساعات طويلة في الكلام الفارغ والبيوت والنِّساء، وقد قال عليه الصلاة والسلام (( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * )) [ رواه أبو داود ] فأنا أنصحُ إخوتنا الكرام ؛ هذا الوقت هو أثمن شيءٍ تمْلكُهُ، وأنت كلَّكَ وقتٌ، وأثْمن شيءٍ تملكه، والله ذهبنا في الأسبوع القادم لِتَعْزِيَة شابٍّ يحْضر عندنا في المسْجد مات بعد عرْسِهِ بخَمسة وعشرين يومًا !! فالموت لا يعرف لا صغير ولا كبير، لذا إن جلسْتَ مع أهلك ذَكِّرهم بالله واقرءوا قِصَصًا عن الصَّحابة، وإن كان لك وقْتًا فارغًا فاقْرأ فيه القرآن، وابْحَث في المفيد، لأنَّ كل شيء ينتهي عند الموت هو خسارة، وكلّ شيء يسْتمرّ بعد الموت رِبْح، لذا رأسُ مالنا أربعة أشياء ؛ الصِّحة والفراغ والأمْن والكِفاية، وأربحانا النَّجاة مِن عذابٍ أليم، والمغفرة ودُخول الجنَّة، فإذا وصلْتَ لهذا فقد ربِحت لأشدّ الرِّبح، فالرِّبح ليس كثرة المال، والموت يُنهي كلّ شيء، فالأصل هو ما يدخل معك القبر، فذَكاؤُكَ، وفلاحُك وتفوقُّك، وعقْلك في أن تذهب لدار الآخرة ومعك أعمال صالحة تُغنيك عن الدنيا، وهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾ [سورة فصلت] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة التكاثر (102 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة التكاثر حقيقة خطيرة، وأنَّ في حياة الإنسان شيئًا ثمينًا، وفي حياتِهِ شيئًا خسيسًا، ما هو اللَّهو ؟ أنْ تشْتغل بالخسيس عن النَّفيسِ، فَرَبُّنا عز وجل خلق الإنسان لِجَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرض، فهو في الدنيا يلْهو لِجَمْع المال، أكثر الناس إذا تجاوَزُوا كسْب الرِّزْق انْتَقَلوا إلى الجَمْع ؛ حاجاتُهُ مَحْدودة، والإنسان يُعَدُّ رِزْقُهُ ما انتفَعَ به حصْرًا، فالطَّعام الذي يأكله والثِّياب التي يَرْتديها والبيْتُ الذي يسْكُنُه، وزوْجته وأولادُه هؤلاء رِزْقهُ، أما حجْمُهُ المالي على الورَق فهذا كَسْبُهُ، ومُشْكِلَةُ الكَسْب أنَّ الإنسان لم ينْتَفِع به ولكنَّهُ مُحاسَبٌ عليه، أغْلَبُ الناس بعد تجاوَزَ مرحلة الكسب ينتقل إلى مرْحلة الجَمْع والتَّنافس والتَّكاثر إلى أن يُصْبِحَ عبْدًا للمال، وإلى أن يخْسَرَ هذا في ثانِيَةٍ واحِدَة، فإذا هو في نَدَمٍ شديد ولاتَ ساعَةَ مَنْدَم، فالله عز وجل يُخبرنا ويُقَرِّعنا، فقال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾ [سورة التكاثر] ألهاكم عن معرفة ربِّكم، وعن طاعتهِ، وعن العمل بالآخرة، وأيّ إنسانٍ إذا سألْتَهُ لمَ لا تأتي إلى درْس العِلْم يقول لك: مَشْغول ! ما هو الشُّغْل الذي يَصْرِفُكَ عن سرِّ وجودك، وعن غاية وُجودِك ؟ وعن معرفة ربِّك ؟ وما معنى قول المؤذِّن: الله أكبر ؟! فالله أكبر مِنْ أيِّ شيءٍ بين يَدَيْكَ، ومِن أيِّ صَفْقَةٍ رابِحَة، ومِن أيِّ مَغْنَمٍ كبير ؛ الله أكبر، لذلك كان النبي وأصحابه إذا سَمِعوا الأذان انْصرَفوا إلى تَلْبِيَة النِّداء فَرَبُّنا عز وجل يقول: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾ [سورة التكاثر] التنافس على الدنيا، وجمْع المال، فالتَّنافس مَحمود إذا كان في الآخرة، قال تعالى ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] وفي ذلك لكنَّه مَذْموم إذا كان على الدنيا، فالطَّعامُ مَحْدود، والمعِدَة لها حجْم، وترْتدي في وقت واحِدٍ ثوْبًا واحِدًا، وتنامُ في وقتٍ واحِدٍ على سرير واحِد، وتجلس في بيتٍ واحِدٍ في وقتٍ واحِد وتركب مركبةً واحِدة، فمهما كان حجْمُكَ المالي فاسْتِهْلاكُكَ مَحْدود، بل إنَّك إن أسْرَفْتَ في الشَّهوات دَفَعْتَ الثَّمَن باهِظًا، فهناك أمراض كبيرة جدًا تتأتَّى من الإسْراف، قال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾ [سورة التكاثر] أي اشْتَغَلْتُم بالخَسيس عن النَّفيس، إنسانٌ غاص البحْر وتجشَّم صُعوبة الغَوْص، وبين أيْديهِ اللآلئ فجَمَع الأصْداف وترك اللآلئ، فاللؤلؤة الواحِدَة بِخَمْس مائة ألف، نقول له شَغَلَتْكَ الأصداف عن اللآلئ ! إنَّك خاسِرٌ لا محالة، فَكُلّ إنسان يؤثِر الدنيا على الآخرة، والمال على حب الله، ويؤثِر جلْسَةً لا تُرضي الله على مجلس فيه طاعة الله، وحديثًا فارِغًا عن ذِكْر لله عز وجل، ويؤْثِرُ أن يُتابِعَ مُسَلْسَلاً لا معنى له، تافِه، وكُلّهُ خيانات على طلب العِلم ومُجالسَة الصالحين. ماذا بعد هذا الجَمع ؟ وبعد هذا الحجم المالي الكبير ؟ والرَّقَم الفلكي لِثَرْوَتِك ؟ قال تعالى: ﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾ [سورة التكاثر] فلا بدّ مِنْ نَعْوَةٍ تُلْصَقُ على الجُدْران، قد يُكتب في نعْيِه درجته العِلْمِيَّة ولكن ما مصير هذا الإنسان بين يدي الواحد الدَّيان وهو في القبر ؟ ماذا ينفعُهُ في القبر إلا عمله ؟ لو أنَّ إنسانًا مَدَحَتْهُ الخلائقُ كُلُّها ولم يكن الله راضِيًا عنه لا ينْفَعُهُ مديحُهم شيئًا ! لا ينفَعُكَ إلا أن يكون الله راضِيًا عنك، فالله تعالى قال: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾ [سورة التكاثر] يقول الله بعد هذا: "كلاَّ " أداة رَدْع ونهي، لا تفْعلوا ذلك ! قال تعالى: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾ [سورة التكاثر] كلا، ردع و زجر، سَتَعْلمون أنَّكم خاسِرون، كلاَّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، تُرَفْرف روح الميِّت فوق النَّعْش وتقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بِكُم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ أو حرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غيْر حِلِّه، فالهناء لكم والتَّبِعَةُ عليّ، فكلاّ سوف تعلمون في الدنيا، وكلا سوف تعلمون في الآخرة، وكلاّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، فالميِّت يرى مكانه من النار في القبر فيَصيحُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهل الأرض لَصُعِقُوا، والمؤمن يرى مكانَهُ في الجنَّة، فيقول: لم أرَ شَرًّا قطّ ! قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾ [سورة التكاثر] واحدٌ راكب مرْكبةً فخْمَةً في طريق جميل، عن يمينِهِ وشمالِه حدائق غنَّاء، والسيارة منطلقة، والنَّسيم يُداعِبُ وَجْههُ، وهو مُبْتَسِمٌ ويَضْحك ويَمْزَح، فإذا علِمَ عِلْمَ يقين أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل، وأنَّ هذا الطريق الهابِط ينتهي بِطريق حادّ يُوَلْوِل !: قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾ [سورة التكاثر] لَتَرَوُنَّ هذا البيت الفَخْم الذي اغْتُصِبَ مِن أصْحابِهِ جحيمًا، ولَتَرَوُنَّ هذه التِّجارة الرابِحَة التي بِضاعَتُها مُحَرَّمة، لَتَرَوُنَّ هذا المَبْلغ الكبير الذي أُخِذ بطريقةٍ غير مَشْروعة جحيمًا، فالذين يفْرَحون بالحرام هم حَمْقى لو عرفوا أنَّهم سَيُحاسَبون لرأوا هذه المكاسِب جحيمًا. علم اليقين في الدنيا، أما حينما تُعايِنُ عذاب القبر في القبر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾ [سورة التكاثر] عِلْمُ اليقين، وعَيْنُ اليقين، فالأوَّل اسْتِنتاجي، أما الثاني فَشُهودي. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾ [سورة التكاثر] نِعْمة الصِّحة كيف اسْتُعْمِلَتْ ؟ أفي الاسْتِرخاء والتَّوَطِّي أم في طاعة الله ؟! ليس عندك غَسْل كلاوي، ولا زرْع دسَّام، ولا مرض خبيث في الدمّ، ولا مشكلة أبدًا، فالصِّحة كيف اسْتغلْتها ؟ نِعْمة الفراغ ؛ من الرابعة مساءً إلى العاشرة ! أين أمْضَيْت وقتَكَ هذا ؟ باللَّعِب والنَّرْدشير، ومُتابَعَة المُسَلْسلات، هذا الوقت الفراغ سوف نبْكي عليه دَمًا، نُسْأل عن وقْتِنا، وصِحَّتِنا، وكذا نِعْمة الأَمْن فلَسْنا مُلاحَقين، ما فَعَلْتَ بهذه النِّعْمة، ونِعْمة الكِفايَة، كيف أنْفقْتها ؟ لك مال يُغَطِّي نفقاتِك، فالله عز وجل أعْطانا نِعْمة الصِّحَة، ونِعْمة الفراغ ونِعْمة الأمْن، بل إنَّ بعض المُفَسِّرين قالوا: لتُسأَلُنَّ عن كأس الماء البارِد ! هل حَمِدْتُم الله عليه ؟ لك بيتُ وزوْجة وأولاد وصِحَّة طيِّبة ووقْتُ فراغٍ، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾ [سورة التكاثر] يقول الله عز وجل لِبَعْض عِباده يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أُنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، قال ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنِّ الذي خشيتَهُ على أولادك مِن بعدِك قد أنْزَلْتُهُ بِهم، ويسأل عبْدًا آخر: أعْطَيْتُكَ مالاً فما صَنَعْتَ فيه ؟ يقول له: يا رب، أنْفَقْتُهُ على كُل محتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين، فقال: يا عبْدي، أنا الحافظ لأوْلادِك مِن بعدِك. سورةٌ دقيقة جدًا، قال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾ [سورة التكاثر] رجل أنْشأ قصْر بِحَلَب، وكان تاجِرًا كبيرًا، وأنا رأيْتُ هذا القَصْر، وهذا في سنة الأربع والسَّبْعين، وحينها كان يُكَلِّف خمسةً وثلاثين مليون !! أما الآن فهذا القصْر يُكَلِّف ثلاثمائة وخمسين مليون !!! وكان طويل القامة، مات في الثانِيَة والأربعين، وُضِعَ في قبْرٍ قصير فاضْطُرَّ الحفَّار أن يدْفعَهُ مِن رأسِه حتَّى أصْبَحَ رأسُه مُعْوجًّا !! ورأيْت أعْرَق مطْعم في الولايات المُتَّحِدَة، فقيل لي أنَّ صاحِب هذا المطْعم ذهَب مع زوْجتِه في نزْهة بَحْرِيَّة وغابَتْ أخْبارُهُ، أطْعَمَ الناس أربعين عامًا أفْخَرَ أنواع السَّمَك وأكلَهُ السَّمَك !! لذا مهما عَلَوت إلا والموت ينتظِر، ماذا بعد جَمْع المال ؟ القبر، وماذا بعد بُلوغ أعلى المراتب ؟ القبر، وماذا بعد الاسْتِمتاع بِكُلّ أنواع اللَّذات والشَّهوات ؟ القبر سبحان مَن قَهَر عِبادَهُ بالموت ! وكُلُّ مَخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجْر والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامة يومًا على آلة حدْباء مَحْمولُ فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً فاعْلَم بأنَّك بعدها مَحمــول. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة العصر (103 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيّدنا محمد الصـادق الوعـد الأمين . اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم . اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . تفسير سورة العصر . أيها الإخوة الكرام ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : سورة العصر لو تدبَّرَها الناس لَكَفَتْهُم . أي لو لم يَكُن في القرآن الكريم كُلِّه إلا هذه السورة لَكَفَتْ ، يقول الله عز وجل : ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ [ سورة العصر الآية : 1 ] الزمن : العصْر : هو الزَّمَن ومُطلق الزَّمن ، يُقْسِمُ الله عز وجل بِمُطْلق الزَّمن لماذا ؟! لأنَّ الإنسان في الأصل زَمَن ، إنَّه بِضْعة أيَّام كُلَّما انْقضى يوم انْقضى بضعٌ منه . الزَّمَن البُعْد الرابِع للأشياء . فالشيء طول وعرض وارْتِفاع ، فإذا تَحَرَّك شكَّل زمنًا ، والزَّمَن بالأساس مسافة . سرعة الضوء : وأدَقُّ ما اطَّلَعْتُ عليه مُؤَخَّرًا أنَّ هذه النَّظَرِيَّة النِّسْبِيَّة " نَظَرِيَّة انْشْتاين " التي أقامَت العالم وأقْعَدَتْهُ مُلَخَّصُها أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءاً ، والضوء يقْطع بالثانِيَة ثلاثمائة ألف كيلومتر ، وحينما قال الله عز وجل : ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ سورة السجدة الآية : 5 ] نحن نَعُدُّ التَّقْويم القمَري ، والقمر يدور حول الأرض دوْرَةً كُلَّ شَهْر ، فإذا أخَذْنا المسافة بين مركز الأرض ومركز القمر ، فهذا نِصْف قطر دائرة سَيْرِهِ ، فَمِن نصف محيط الدائرة نعرف مُحيط الدائرة ، فَكَم يقْطع القمر في مسيره حول الأرض في ألف عام ؟ قسِّم المسافة التي يقْطعها القمر في دَورانِه حول الأرض في ألف عام ، قسِّم هذا الرَّقم على عدد ثواني اليوم ، ينْتُج سرْعة الضَّوء بالدِّقة ، والآية الثانية قوله تعالى : ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [ سورة المعارج الآية : 4 ] ففي هاتين الآيتين أصل سرْعة الضَّوء . أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءً . كتْلَتُهُ صفْر ، وحجْمه لانِهائي . إذا سار الجسم مع الضَّوء توقَّف الزَّمن . فإذا سبق الضَّوء تراجَعَ الزَّمَن . فإذا تأخَّرنا عن الضوء تراخى الزَّمَن . من الخاسر ؟ قال تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [ سورة العصر الآيات : 1-2 ] مُضِيُّ الزَّمَن يسْتهلِكُهُ ، اُنْظر إلى صورتك قبل عشرين عامًا ، وقبل ثلاثين ، وَجه مشْدود وشعر كثيف ، هذا فِعْل مَن ؟ هذا فِعْل الزَّمن ، ماذا قال سيِّدنا عمر بن عبد العزيز ؟ الليل والنهار يَعْملان فيك فاعْمَل فيهما العمل الصالِح ، فَمُضِيُّ الزَّمَن وحْدهُ يسْتهلِكُنا ، ونحن في خسارة مُحَقَّقة ، قال تعالى ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [ سورة العصر الآيات : 1-2 ] مُضيُّ الزَّمَن وحدهُ يسْتهلكنا ، واحِد عاش ثلاثًا وسِتِّين سنة ، ينْعَدُّ كَم مرَّةً سافَرَ ؟ وكم مرَّة انْعَزَم ؟ وكم مرَّة تنزَّه ؟ لأنّ الإنسان بِضْعة أيَّام إذا انْقضى يوم منه انْقضى بضعٌ منه ، وهناك حالةٌ واحِدَة تتلافى فيها الخَسارة فهذا الزَّمَن إما أن تُنْفِقَهُ إنْفاقًا اسْتِهلاكِيًّا ، وإما أن تُنْفِقَهُ إنفاقًا اسْتِثْمارِيًّا فالإنفاق الاسْتِهلاكي أنْ تأكل وتَشْرب وتتنعَّم وتنام وتكسب المال ، وتنْغَمِس في المَلذَّات ، أما الإنفاق الاسْتِثْماري أن تؤمِن وأن تدْعو وأن تصْبِر ، قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ سورة العصر الآية : 3 ] هذه أركان النَّجاة ، مَن أراد أن لا يَخْسَر فلا بدّ أن يؤْمِن كُلّ ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله علْمًا ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله قرْبًا ، فأنت ينبغي أن تزْداد قُرْبًا وأن تزْداد عِلْمًا لكي لا تَخْسَر ، ومَن لم يَكُن في زِيادة فَهو في خُسْران ، والمَغْبون مَن تساوى يوْماه ، فإذا مضَى اليوم ، وقد تكون الغلَّة مليون من المبيعات ولم تزْدَد عِلْمًا بالله فهذه هي الخسارة ، فالله يُقْسِم في قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [ سورة العصر الآيات : 1-2 ] يُقْسِم الله لهذا المَخلوق الذي هو من الزَّمَن أنَّهُ في خسارة ، قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ سورة العصر الآية : 3 ] أن تُؤْمِن هذه أحدُ أركان النَّجاة ، وان تَدْعُوَ إلى الله فرْضُ عَيْن ، وأن تصْبر على الطاعة وعن الشَّهوة وعن قضاء الله وقدَرِه ، وهذه كُلُّها من أركان النَّجاة . فهذه السورة تَكفي الإنسان ، والعاقل الذي يقول : كم بقي مِنِّي ؟ وليس كم مضى ؟ يَعُدُّ بالتَّنازُل ، فالذي بقي في الأعمّ الأغْلَب أقلّ مِمَّا ، ومَن بلَغَ الأربعين دَخَل في أسواق الآخرة ، كَمَن يذهب لِنُزْهة وفي يومه الأخير يَجْمع أغراضَهُ ويعْكس كلّ حركاتِهِ ، ويشْتري هداياه ، وهذا شأن الناس جميعًا ، وكذا مَن دخَل الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، فإذا قال الإنسان : كَم بقِيَ لي ؟ هذا العُمْر بعد الأربعين هو عُمْر الطاعة والعِبادة والإقبال والتِّلاوة وطلب العلم ، أت تُعِدَّ للآخرة ، لكي لا يقول : يا ليتني قدَّمتُ لحياتي ، ولكي لا يعضّ على يديه . أيها الإخوة ؛ معنى خُسْر ؛ أنَّ الذي جمَّعْتَهُ في الدنيا كُلِّها تَخْسَرُهُ في ثانِيَة واحدَة ، وأهْل الكُفْر يَبْلُغون قِمَم المَجْد ، أما إذا ماتوا ترَكوا كُلَّ شيء ، أما أهْل الإيمان إذا ماتوا أخَذُوا معهم كُلَّ شيء ، ومَن آثَر دُنياهُ على آخرتِهِ خَسِرَهما معًا ، ومَن آثَر آخرتهُ على دُنياه ربِحَهُمَا معًا ، وهذه السورة تقْرؤونها جميعًا في الصلاة ، ولو تدبَّرها الناس لَكَفَتْهُم ، فإن لم تَدْعُ إلى الله فأنت خاسِر ، فالتَّواصي بالحق كي تتَّسِعَ دوائِره وتضيق دوائر الباطل ، أما إذا سكَتْنا كان الأمر على العَكْس . قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ سورة العصر الآية : 3 ] أنت حينما تسْتقيم على أمر الله وتدعوا إلى الله وتصْبر على طاعته وعن شَهَواتِك ، وعلى القضاء والقدر تُحَقِّقُ الهَدَفَ مِن وُجودِكَ ، ولن تخْسَرَ أبدًا . أيها الإخوة ؛ أنتم تقرؤون هذه السورة ، وعليكم بِتَدَبُّرِها ، ومَن تدبَّرَها سَعِدَ في الدنيا ، وسَعِدَ في الآخرة . والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفيل (105 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، سورة الفيل تبْدأ بِقَوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ [سورة الفيل] أصْحاب الفيل ؛ أبْرَهَةُ الأشْرم أراد أن يأتي إلى الكعبة لِيُهَدِّمَها، وهو مع جُنودِهِ قُوَّة كبيرة، فهذا درْسٌ بليغ للبشَرِيَّة إلى يوم القيامة، والله وحده هو القويّ، ولا قوِيَّ مع الله تعالى أبَدًا، فأكبر قُوَّة على وَجْه الأرض تتهاوى كَبَيْتِ العَنْكبوت، وتَرَوْن بِأَعْيُنِكم مِمَّا يجري بيننا من أحداث أنَّ قِوَى كبيرة جدًا تُؤْمِنَ بأَنَّهُ لا إله، وتُصبح كعصْف مأكول فهذه سنَّة الله في خلْقِهِ، والإنسان حينما يَعْتَدُّ بِنَفْسِهِ، وينسى أنَّ الله مَوجود، وأنَّه تعالى بِيَدِه كُلّ شيء، وقادِر على كُلّ شيء، وأنَّه بِلَحْظةٍ واحِدَة يجعل هذا المخلوق خبرًا بعد أن كان حقيقةً، وأنّ الله سبحانه وتعالى بِإمكانهِ وبِقُدْرتِهِ في أيِّ لحْظة أن يجْعل الأقوياء المبطلين أحاديث، قال تعالى: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)﴾ [سورة سبأ] فربنَّا عز وجل لإظْهار حِكْمتِهِ سلَّط عليهم طيْرًا أبابيل، وقد قال بعض المُفَسِّرين: الطَّيْر الأبابيل أضْعف أنواع الطَّيْر، ألْقَتْ عليهم حِجارَةً مِن سِجِّيل، وكُلّ حجَرٍ مُسَجَّل عليه اسم الذي سَيَقْتُلُه، وحجَرٌ مِن طينٍ يابِس، فجعلهم كعَصْف مَأكول، وهذه حقيقة بدَأتْ بِقَوْله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ [سورة الفيل] مع أنَّ الذين خُوطِبوا لم يَرَوا هذه الحقيقة، إنَّما سَمِعوا بها، فقَوْل الله عز وجل: ألَمْ تر ؟ أيْ أنَّ المؤمن يتلقَّى الخَبَر عن الله عز وجل وكأنَّهُ رآهُ، لِمِصْداقِيَّتِهِ، والعِلْم حَرْف والتَّكرار ألف كما يقولون وقِس على أصْحاب الفيل كُلَّ قوَّة غاشِمَة في الأرض تريد أن تَسْتَعلي على الخَلْق، فالحَرْب العالميَّة الثانِيَة ؛ هذا الذي جَعَلَ من الشَّعْب الألماني أعْظَم شَعْب في العالم، وجَعَلَنا نحن في مُؤَخِّرة الشُّعوب ؛ مع البرابرة أين انتهى به جَبَروتُهُ ؟ انْهَزَمَ ومُزِّقَت بلادُهُ، فَقِصَّةُ أصْحاب الفيل تتكَرَّر، وأيُّ قوَّة ظالمَةٍ غاشِمَة تَسْتعلي على الخلق، وتبني مَجْدها على أنقاضهم، الله عز وجل يُظْهِرُ آياتهِ، سأقول لكم هذه الحقيقة القِوى الغاشِمَة هذه التي تَسْتَعْبِدُ الشُّعوب، وتُسَخِّرُها لِمَصالِحِها وتَنْهَبُ ثَرواتها، هذه قوى هاوِيَة، وهذه الخِطَط إذا ما نَجَحَتْ إلى ما شاء الله فَنَجاحُ هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فلا بدَّ مِن أن يُظْهِرَ الله آياتِهِ، عرفْتُ الله مِن نقْض العزائِم، تجد دَوْلَةً عُظْمى عاتِيَة تقول: سياسَتُنا الخارِجِيَّة كَسِياسَتِنا الداخلية ! أيُّ جِهَةٍ في الأرض يجب أن تأتَمِرُ ؛ هذا يجب أن يُعاقب بالحِصار، وهذا يُعاقَب بِمَنْع الطَّيران، أما التي تَخْرِقُ كُلَّ القوانين الدَّوْلِيَّة ولا تعْبأ بأيِّ قرار فهذه لا تُحاسَب فهذه القِوَى المُتَجَبِّرة في العالم، وهذه القِوى الطاغِيَة حِسابُها كأصْحاب الفيل قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ [سورة الفيل] والذي لا يرى أنَّ هذه القِوى الطاغِيَة مُسَيْطِرَة ومُهَيْمِنَة تارَةً بالأقمار الصِّناعِيَّة، وتارةً بالرَّصْد الجَوِّي، وتارةً بالتَّحليل الكيماوي، وهم مُسْتَعِدُّون أن يُفْنوا الشُّعوب ؛ سِتُّ مائة طفْلٍ يموتون كُلَّ عام في العراق ولا يزالون يدَّعون أنَّ هناك شيئًا أخْفاهم عنهم، وفي السُّودان كُلَّ يوم مائة ألف صباحًا يموتون جوعًا من الحِصار، فهذه القِوَى الجبارة أيُّها الإخوة، وهذه الفِتَن في العالم يصْطَنِعُها الأقوياء لِيُضْعِفوا الشُّعوب ويبْدو أنَّ أصْحاب الفيل كانوا أكبر قوَّة في الجزيرة العربيَّة طغيانًا قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ [سورة الفيل] فأراد أبْرَهَة أن يَهْدِمَ الكعْبة ونَسِيَ أنَّ الله بِيَدِهِ كُلّ شيء، كما أنَّهُ أراد بعض الطُّغاة في تركيا أن يُلْغوا الإسلام ؛ كمال أتَاتوُرْك ! مات وبقيَ الإسلام. كُلّ إنسان إذا اعْتَزَّ بِقُوَّتِه وجَبَروتِهِ، ونَسِيَ المُبْتَدى والمُنْتهى، ونسِيَ الجبار الأعلى، وطغى وبغى، فالله عز وجل سيَقْصِمُهُ، فهذا على مُسْتوى جماعي، وعلى مستوى فرْدي إذا اغتنى واحتلَّ مرْكزًا حساسًا وقال: أنا ربُّكم الأعلى !! فالله عز وجل قد يسوق له مرضًا يجْعلُهُ يبْكي كالأطفال ! لذا كُلّ مَن تَجَبَّر وطغى واسْتَعْلى ويتجاوَز الحُدود فهذا ينْتظِرُهُ القَصْم، والمؤمن يُعالَج، قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [سورة البقرة] فالمؤمن مُبْتَلى، والمؤمن يُعالَج، أما الذي يطْغى ويَبْغى، وينسى المبتدى والمنتهى، فهذا ينتظرهُ القصْم، يصْعد إلى أعلى مكان ويسْقط من ذاك المكان ! قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)﴾ [ سورة الفيل] كَيْدُ الله غير كيْدِهم، فَكَيْدُ الله تعالى رَدٌّ على كَيْدِهِم، وكَيْدُ فيه حِكمة وعَدْلٌ ورحمة، قال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾ [ سورة إبراهيم] وقال تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾ [سورة الأنفال] وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾ [سورة آل عمران] وقال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾ [سورة غافر] وقال تعالى ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾ [سورة آل عمران] المؤمن لا يَضْعُف ولا يسْتكين، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ [سورة الفيل] فالإنسان أحْيانًا يرى قُوَّة غاشِمَة التي تتحكَّم في العالم الآن، فهذه تأتيه أعاصير ثلاثون مليار خسائِر، أعاصير مُدَمِّرة، وحريق مُدَمِّر و فيضانات مُدَمِّرة، انْتِشار أمراض خبيثة ؛ كُلّ عَشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدز ولا يوجَد زواج يسْتَمِر أكثر من سَنَتَيْن، وأطْوَل زواج سنتَيْن ! يقول رئيسهم كلينتون قبل سنة: أربعة أخْطار تُواجِه ُ بلادنا ! أنتم قد تتوهَّمون مثلاً أن يقول: اليابان أو الاتِّحاد الأوروبي !! قال: انْحِلال الأخلاق، وتَفَكُّك الأُسْرة، وشُيوع الجريمة، وانْتِشار المُخَدِّرات، لذا فهؤلاء الثلَّة لهم انْهِيارٌ داخلي، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾ [سورة الطارق] وَمَنْ هَوِيَ الكَفَرَة حُشِرَ معهم، لا ينْفَعُهُ عملُهُ شيئًا، حدَّثني أخٌ زارنا قبل أسبوعَين مُقيمٌ بأمريكا يعْمل بِشَرِكَة ضَخْمة بالكمبيوتر، قال لي: قبل خمْس سنَوات لو اكْتَشَفَتْ الشَّرِكَة أنَّ أحَدَ المُوَظَّفين يُساكِن امرأة ليْسَت زوْجَتَهُ يُطْرَد من وظيفَتِه ! وقبل أشْهُر زُفَّتْ إلينا بُشرى لِكُلَّ المُوَظَّفين أنَّ أيَّة علاقةٍ شاذَّة بين مُوَظَّف وشريك له يسْتحِقّ ميِّزات المُتَزَوِّج !! أيُّ شُذوذ جنْسي يسْتحق التَّعويض، ذَكَر بين ذَكَر أو أنثى بين أنثى أو ما شاكل ذلك !! هذا هو الانْحِلال أيها الإخوة، فالشُّذوذ عندهم يُصيبُ عِلْيَة القَوم، شَخْص ذو مَنصب رفيع، ومكانة كُبرى، ففي مؤْتَمر صحفي رئيس وزير الصِّحة البريطاني، وهو مُكَلَّف بِحِماية الصِّحة بِبْريطانيا، وأخطَر شيء يُواجِهُهُ الإيدز ! يقول: أنا شاذٌّ جِنْسِيًّا!! وزير الصِّحة والذي يَحمِل الدكتورة يقول هذا الكلام فالإنسان يسْتحي أن ينْتمي إلى هذا المُجْتَمَع، وهذه امرأة تُقيم مؤتَمر صُحفي بُثَّ على أثنى عشرة قناة فضائِيَّة، وهذا البرنامَج رآهُ سِتُّ مائة مليون بالعالم، تقول: أنا زَنَيْت اليوم الفلاني مع فُلان، واليوم الفلاني مع فلان، ولمَّا ماتَتْ بِحادِث مشى بِجنازَتِها ستَّة ملايين إنسان !!! رؤساء الدُّوَل بَكَوْا وأرْسَلوا مَن يُمَثِّلُهم في جنازتها، لذا نحن نعيش في أيِّ عَصْر ؟! كيف إذا كان المعروف فيكم مُنْكَرًا، والمُنْكر معْروفًا ؟ وكيف بِكُم إن أمرْتُم بالمُنكر، ونَهَيْتُم عن المعروف ؟ وكيف بِم إذا ائتُمِن الخائن وخُوِّن الأمين ؟! وكيف بكم إذا صُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادِق ؟! نحن في آخر الزَّمان، القابض على دينِهِ كالقابِض على الجَمْر، وأجْرُهُ كَأَجْر سَبْعين فقالوا: أمِنَّا أم منهم ؟ فقال: بل منكم لأنَّكم تَجِدون على الخير مِعْوانًا ولا يَجِدون. فهذه السورة تنتظر كُلّ الفسَقَة والفُجَّار والأقْوِياء، والطُّغاة في العالم الذين يعيشون على أنقاض الشُّعوب البريئة. والله أيها الإخوة، إنَّ الأخبار مُؤلِمَة، تأتي باخِرة مُساعدات غِذائِيَّة للصومال، نصفُها نفايات ذَرِيَّة تُلقى على سواحِلِها، وبالاسْم مُساعَدَة كلمة جهَنَّم يستأهلها هؤلاء، تجدُ جِهَةً واحِدَة تبيع السِّلاح للطَّرفَيْن فهذا الذي يَحْتَرِمُ الغربيِّين، ويُبَجِّلُهم ويرى أنَّهم مُتَحَضِّرون هو إنسانٌ أْحمَق وأعْمى، والمسلِم هو الشريف والصادِق والرَّحيم، ولازِلنا بِخَيْر أيها الإخوة، ولازالَت جوامِعُنا ممتلئة، فنحن في نِعْمة كُبرى نرْجو الله أن يُديمَها علينا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النصر (110 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . أيها الأخوة المؤمنون:يقول الله عز وجل : ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾ ( سورة النصر ) قال ابن عباس:إن هذه السورة نعوة النبي عليه الصلاة والسلام، العظماء ليس لهم مطامح شخصية، ولا مصالح فردية، فإذا أدوا رسالتهم انتهت مهمتهم، دخل الناس في دين الله أفواجاً، أشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق جهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، شعور الإنسان حينما يأتي إلى الدنيا ويتعرف إلى الله ويجعل طاعته كل همه، وخدمة خلقه كل همه، ونشر الحق كل همه، هذا الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يعيش في سعادة لا توصف، لأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، استفاد من عمره الثمين، أيعقل أن يقسم الله خالق الكون، يقسم قال تعالى : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾ ( سورة الشمس ) وقوله أيضاً : ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾ ( سورة البروج ) وقال : ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)﴾ ( سورة الليل ) أما أن يقسم خالق الكون بعمر النبي، قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ ( سورة الحجر ) يقسم بهذا العمر الذي ما ضيع منه ثانية واحدة، ولا شغلته الدنيا عن الآخرة، حتى حينما كان صغيراً دعي إلى اللعب فقال عليه الصلاة والسلام وهو طفل صغير:أنا لم أخلق لهذا، جاءته الرسالة، رسالة التوحيد، قالت له السيدة خديجة:خذ قسطاً من الراحة، فقال كلمة تقشعر لها الأبدان، قال:يا خديجة انتهى عهد النوم، قام وشمر، قال تعالى : ﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)﴾ ( سورة طه ) لو أحدنا سأل نفسه أنا ماذا قدمت، حينما يأتيني أجلي ما العمل الذي أعرضه على الله، يا رب صنعت جبصين ولكنه رائع جداً وهو أفخر شيء، أو كان عندي مزرعة يا رب، مسبح مفلتر، والآن احكي لنا عملك عند الموت لا يحكى في المسبح ولا في الفيلا ولا في التجارة ولا في المركبة، لا يقال إلا في العمل الصالح، ماذا فعلت لا صدقة ولا جهاد بماذا إذاً ستلقى الله ؟ ما العمل الذي تقدمه بين يدي الله عز وجل ؟ هل ربيت أولاداً تربية عالية فكانوا أناساً صالحين، هل ساهمت في ميتم في معهد شرعي، هل تبنيت داعية، ماذا قدمت من جهدك في خدمة الخلق ؟ لذلك متى يدخل الناس في دين الله افواجاً، إذا كان المؤمن خير، المؤمن معطاء، المؤمن فهم دينه فهماً حقيقياً، هناك حالة والعياذ بالله يخرج الناس من دين الله أفواجاً، كلما خيب إنسان ظناً بالدين يخرجون، أي كل من يعمل في الحقل الديني إذا لم يكن هناك أعلى درجة من الكمال والطهر والنزاهة والاستقامة والصدق إذا لم يكن كذلك، يخرج الناس من دين الله أفواجاً، أغلب الظن إذا وجدت إنسان شارد اسأله، يقول لك:أنا كرهت الدين من أجل فلان، سبب نفوره من الدين هو فلان، فبين أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً وبين أن يخرج الناس من دين الله أفواجاً، إن هذا الدين كما ورد في الأثر القدسي قد ارتضيته لنفسي، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأقيموه بهما ما صحبتموه، يعني أخ من إخواننا وضع ابنه عند شخص لأن الشخص بدأ يستقيم ويمشي بالدين لم يسمح لابنه أن يأخذ ساعة إجازة منه حتى لا يقول استغل الدين، أحد إخواننا يحضر هذا الدرس موظف في دائرة حول الجامع، قدّم لمدير الدائرة إجازة ستة أيام، قال له:ليس لدينا وقت، قال له:أنا مستهلكها، قال له:وكيف ذلك، قال له:أنا أصلي كل يوم ربع ساعة جمّعتهم أصبحوا ستة أيام، قال له المدير:أنت في أي جامع ومن شيخك، قال لي:والله يا أستاذ في الجمعة الثانية جاء إلى الدرس في النابلسي هذا المدير العام، لماذا جاء؟ لأنه وجد إنسان نزيه، واحد حاسب نفسه على كل يوم نصف ساعة وجمّعهم وأخذ إجازة بهم، إجازته السنوية، وهو يصلي، صلى وقت الوظيفة، أنا لا أقول لكم أن تفعلوا ذلك لا، ما الذي جاء بالمدير العام إلى الجامع ؟ إنه تصرف هذا الموظف الورع، بالورع ترقى، بالأمانة بالاستقامة بالنزاهة بالصدق، فأنت بيدك، الصلاة لا تدخل الناس في دين الله أفواجاً، أما الصدق فهو يدخل الناس والأمانة، الصلاة عماد الدين لكن وحدها لا تكفي لابد من استقامة معها، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾ ( سورة فصلت ) وقال أيضاً : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ ( سورة فصلت ) أنت مخير إذا أحببت أن تدخل الناس في دين الله أفواجاً كن كاملاً، وهل تحب أن تخرجهم أفواجاً استغل الدين للمصالح الشخصية، ضع الدين بالوحل، ارتزق بالدين، حينما تفعل ذلك عندها يخرج الناس من دين الله أفواجاً، قال الإمام أبو حنيفة رأى طفل أمامه حفرة، قال له:إياك يا غلام أن تسقط، كان هذا الطفل نبيهاً جداً، قال له:بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم، وزلة العالِم سقوط العالَم معه، لأنه قدوة ومثل أعلى، وأنت كأب قدوة، بابا قل لهم لست هنا، ماذا فعلت مع ابنك، علمته الكذب صار أكبر كذاب سيقول لك لم أجدهم، أين النقود ؟ سيقول لك وقعوا مني، مع أنه صرفهم، أنت علمته الكذب، قلت له:قل أنا لست هنا، قال لك:وقعت مني النقود، شيء مخيف الدين قال: (( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)) فمجرد أن تكذب أو أن تخون انتهى الدين، قال الرسول الكريم : (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ قَالَ:لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)) فالتعليق على قوله تعالى : ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)﴾ ( سورة النصر ) ذات مرة صحابي أثناء الهجرة قبض عليه الكفار فقال لهم:والله إن أطلقتموني عهداً لكم لا أحاربكم ما حييت، وصل إلى المدينة وبلّغ النبي والنبي فرح به، هذا الصحابي نسي، بعد ثلاث سنوات صار في غزوة ففرح لأنه سيجاهد، قال له:ألم تعاهدهم ارجع، هذا الدين، مادمت عاهدتهم انتهى، فإذا نحن صدقنا، استقمنا، كنا ورعين، كنا أعفة، لم نحتال على أحد، صلينا، أصبحت الصلاة عظيمة، أصبحت الصلاة تاج، أمّا صلينا، مثلاً واحد يريد الذهاب إلى الحج ويضع ماله عند شخص دخل إلى المسجد وجد شخص يغمض عينيه ويتعصور قال:هذا والله أفضل شخص خشوعه ممتاز، قال له:والله أنا أريد أن أذهب إلى الحج وأضع معك أمانة، قال له:والله أنا أيضاً صائم، قال له: ولكن والله أنا صيامك لم يعجبني، فالتظاهر بالدين شيء خطير جداً، النبي وصف الأتقياء الأخفياء : (( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فَقَالَ:مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ:يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَْبْرَارَ الأَْتْقِيَاءَ الأَْخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ )) تقي خفي يرجو رحمة الله، فإذا أردت أن تدخل الناس في دين الله أفواجا كن صادقاً، قال له:عندك بيض، سمان في زملكا، قال له:عندي، قال له:طازجة ؟ قال له:لا غير طازجة، عند جاري طازجة، هذا هو الصدق، هل عندك الجرأة بأن لا تكذب إطلاقاً ولا بكلمة، عندها تصبح مؤمن وتدخل الناس في دين الله أفواجاً، واحد تزوج امرأة من دون علم الأولى، الأولى شعرت أن وضعه قد تغير، تتبعته علمت أنه متزوج لم تتكلم شيئاً، توفي وهي الزوجة الأولى ومن ورعها جمعت التركة، وأرسلت لضرتها حقها من التركة من الميراث وهي لم يعلن زواجها، قالت لها:والله البارحة وقبل أن يموت بيومين قد طلقني، وأرجعتهم، هذا هو الدين، قال له:بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له:ليست لي، قال:قل له ماتت أو أكلها الذئب، وخذ ثمنها قال له:والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، لأنني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذا هو الدين كله، هذا البدوي الراعي، يمكن ليس عنده ثقافة إطلاقاً، ليس لديه مكتبة في خيمته، ولا مسجلة، ولا الشارقة، ولا صحن، عنده هذا الورع، والذي عنده معلومات الثقلين وغير ورع ليس له قيمة، وضع يده على جوهر الدين، جوهر الدين الورع، هذا هو الورع، فأنت عندما تكون ورع يكون الدين إلى الله سالك، صار هناك رضى من الله، صار هناك إقبال على الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾ ( سورة النصر ) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاخلاص (112 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . أيها الأخوة المؤمنون: ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، لأن القرآن فيه أمر ونهي وفيه إخبار، وفيه صفات الله عز وجل وصفاته الحسنى، فهذه السورة فيها وصف دقيق للذات الإلهية، يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ( سورة الإخلاص ) الضمائر كلها في العربية تعود على اسم قبلها، الضمائر ضمائر مستترة وضمائر ظاهرة، ضمائر متصلة وضمائر منفصلة، الضمير كله في العربية يعود على اسم قبله، إلا ضميراً واحداً وهو ضمير الشأن يعود على ما بعده. قل هو نبأ عظيم تعود على النبأ. لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ( سورة الإخلاص ) هو في هذه السورة ضمير شأن يعود على ما بعده، ولكن استعمال ضمير الشأن استعمال دقيق واستعمال خاص بمعنى بأن الشيء البارز الصارخ الذي لا يشك به أحد، أحياناً فيما بين الناس يقول أحدهم هو، من هو ؟ الشيء المعروف المدرك الظاهر، فربنا عز وجل هو الحقيقة الكبرى في الكون، كل ما في الكون من خلقه وبأمره، وإليه مصيره، أحياناً يقول لك يوجد في هذا البيت رجل واحد، يوجد في هذه المؤسسة مدير واحد بيده كل شيء، هذا الكون أمره بيد الله، خلقه بيد الله تسييره بيد الله، مصيره إلى الله، كلمة الله هي كل شيء. ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل ربنا عز وجل يقول: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ( سورة الإخلاص ) الذي خلق الكون ألا تعرفه ؟ الذي أمدك بما تحتاج، ألا تعرفه ؟ هو رب العالمين، ألا تعرفه ؟ هو المسير، هو الخالق، هو البارئ، هو المصور، أما كلمة الله قال عنها علماء التوحيد هي علم على الذات، الله عز وجل ذات كاملة، الاسم الذي يشير إلى هذه الذات الكاملة هو الله، ما سوى ذلك أسماءه، تقول الغني، القوي، الرحيم، اللطيف، الودود، الحليم، الخبير، هذه أسماءه، أما إذا جمعت كل هذه الأسماء بكلمة واحدة الله، اسم علم على الذات، إذا قلت الله أي الرحيم والعليم والقدير، واللطيف، والسميع، والمجيب. قل هو الله أحد، الحقيقة كأنما الله عز وجل يدعونا إلى معرفته، هل عرفته هو الخالق، كان الله ولم يكن معه شيء، هل عرفته هو القوي الأرض كلها إذا دخلت في ثقب أسود فضائي أصبحت في حجم البيضة الأرض الخمس قارات الخمس والبحار أربعة أخماس، والأرض محيطها أربعين ألف كيلو متر، ووزنها عشرة بليون بليون طن، هذه إذا دخلت في ثقب أسود من ثقوب الفضاء ذات الضغط المرتفع يصبح بحجم البيضة، هذه قوة الثقب الأسود ومن منح هذا الثقب هذه القوة ؟ القوي، هل يوجد جهة في الأرض تقول أنا، من علامات قيام الساعة قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾ ( سورة يونس ) أكبر مدينة في العالم بقدرة الله تغدو تحت الأرض بثلاث ثواني، وترون بأعينكم ما يجري في العالم، أعاصير تدمر كل شيء، فيضانات تجعل ملايين مملينة بلا مأوى، تتلف المحاصيل، تخرب البيوت، فيضان نهر واحد ارتفع منسوبه ثلاثة أمتار أحرق الأخضر واليابس، زلزال واحد فجعلناها حصيداً كأن لم تغنى بالأمس، ماذا أقول القوي هل عرفت القوي ؟ قل هو الله أعرفته قوياً، أعرفته رحيماً أرحم الخلق بالخلق رسول الله، والله عز وجل رحمته واسعة قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ ( سورة آل عمران ) امرأة تقبل ابنها وتضمه وهي تخبز على تنور، رآها النبي مع أصحابه قال أتلقي هذه المرأة ابنها إلى النار، احتمال امرأة لها مولود جميل جداً عقلها يكاد يختل من محبتها له، احتمال أن تلقيه بالتنور بالمائة كم ؟ صفر، قال: أتلقي هذه المرأة ولدها إلى التنور ؟ قالوا: معاذ الله، قال: والذي نفس محمد بيده الله أرحم بعبده من هذه بولدها. هل عرفت رحمة الله ؟ قل هو الله، يجب أن تعرف رحمته، يجب أن تعرف قوته، يجب أن تعرف رحمته، يجب أن تعرف عدله. إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف بالقضاء فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء زارني طبيب قديم وقال لي أنا أحمل ثلاثة بورد، وخرجت خمسين جيل أطباء، اختصاصه بالسرطان والأشعة فزارته امرأة مع زوجها معها سرطان بالثدي منتشر إلى كتفها، فانفرد بزوجها وقال له: إنك مجرم، قال: لما، فقال له: لأنك تأخرت كثيراً في مجيئها إلي، السرطان يبدأ كحبة الحمص، والأمل كبير بالشفاء يستأصل، يعالج بالأشعة، أما تأتيني بعد سنتين من بدء المرض، فقال له زوجها: لا يا طبيب نحن عند الطبيب الفلاني وما قال هذا الكلام ونحن عنده سنتين نعالج ويعطينا كورتيزون ومسكنات، فقال له طالب الطب سنة الثالثة يعرف السرطان، عرف الزوج أن هذا الطبيب أراد أن يبتز هذه المريضة، لو قال لها سرطان ليس اختصاصي تذهب إلى غيره، فأوهما أنه قضية ورم عادي يزول ببعض الأدوية، يقول لي هذا الطبيب من شدة فزع الزوج وألمه وقع على الأرض وخاطب الله وهو منبطح وقال له: يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم من هذا الطبيب، قال لي وبعد ستة أيام توفيت وانتهى الأمر، بعد حين يأتيني شاب وسيم، يجلس في المكان الذي جلس فيه زوج المريضة وقال لي: أنا زميلك فقال له ما اسمك فإذ هو نفسه الطبيب ومعه سرطان في الصدر. أقسم لي وبحسب خبرته عمر هذا الورم أحد عشر شهر، في الساعة التي وقع فيها الزوج على الأرض وابتهل إلى الله أن ينتقم منه، الله قوي أنت حينما تؤمن بالله، لا يوجد إلا الله إله، حينما ترى مع الله أحداً، لا يوجد مع الله قوي، لا يوجد مع الله غني هو الغني وحده لا يوجد مع الله رحيم هو الرحيم وحده، هو اللطيف وحده، لذلك قل هو الله أحد، أحد، إذا وجد معه واحد رحيم لم يعد أحد، أذا وجد بهذه المنطقة طبيبين معهم بورد لا أستطيع أن أقول أنني وحدي معي هذه الشهادة و هي أنه طبيب و فلان معه مثلها، ما معنى أحد ؟ أي الله عز وجل ليس في خلقه واحد يشركه في صفاته و أسمائه، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ( سورة الإخلاص ) فلذلك من السذاجة المضحكة أن تظن أنه لمجرد أنك تقول الله خلق الكون فإنك تعرفه لا و الله، لا بد من أن تقف عند أسمائه اسماً اسماً، لا بد من أن تعرف القوي و الغني و الرحيم و اللطيف، الله عز وجل لطيف. أما هذا طبيب أسنان إن أراد أن يقلع ضرساً لطفل صغير لا بد من تخديره بإبرة ألمها لا يقل عن قلع الضرس، غرس الإبرة في النيرة مؤلم لكن الله عز وجل حينما يريد أن يبدل لهذا الطفل أسنانه هل يوجد ألم ؟ فجأة وجد سنه يأكله مع الطعام. اسمه اللطيف، بلطف بالغ لو واحد رافقك الآن يضيق خلقك منه بعد ذلك يا أخي ابتعد عني، الإنسان ظله ثقيل، الله معنا كلنا و لكن بلطف لا تحس أنه مشكلة، هو معك أينما كنت في خلوتك و في جلوتك الله عز وجل لطيف، و يجب أن تعرف شيئاً عن لطفه و عن رحمته و عن قدرته، مركبة فضائية سموها المتحدي أطلقوها و سموها المتحدي و فيها سبعة رواد فضاء مع امرأة بعد سبعين ثانية كانت كتلة لهب في السماء، قوي مع أنه يوجد فحص دقيق و يوجد عد تنازلي، أنا أدعوكم في هذه الصورة إلى معرفة الله و إلى معرفة أسماء الله الحسنى، و هناك دروس من فضل الله فيها توفيق يمكن أن تستمع لكل اسم ساعة بأكملها أو خمسين دقيقة، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الرزاق، السميع، العليم، الخبير، أحد أكبر مهماتك في الإيمان أن تعرف أسماء الله الحسنى، وحده الرحيم ولا رحيم سواه، وحده القوي ولا قوي سواه. العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي. قل هو الله أحد يعني واحد غير أحد، واحد عدداً، أحد نوعاً، لو فرضنا طبيب بقرية ولكنه درجة عاشرة ولكن نقول هذا واحد، ولكن طبيب بين مائة ألف طبيب لا يوجد أحد بمستوى علمه نقول هذا أحد، الواحد غير العدد، فالواحد غير الأحد، الله عز وجل قال: قل هو الله أحد، كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك، كلمة الله تعني أسماءه الحسنى كلها، الكلمة الجامعة المانعة، يا رحيم، يا قوي هذا دعاء كله كلام طيب، أما إذا قلت يا الله أي رحيم و عليم و قوي و قدير و متين و خبير و رزاق و سميع و مجيب، إذا قلت يا الله أي مائة اسم، كلمة يا الله تغني عن مائة اسم، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ( سورة الإخلاص ) ليس في خلقه من يشركه في علمه و لا في قدرته، فحينما ترى أن الله عز وجل بيده كل شيء و إليه مصير كل شيء و هو فوق كل شيء و هو في كل شيء و هو قبل كل شيء و هو بعد كل شيء و ليس شيئاً في شيء عندئذ تتوجه إليه وحده، هذا التوحيد و هذا هو الدين كله قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ ( سورة الأنبياء ) حينما توقن أنه ليس مع الله أحد و لا يرقى إلى كماله أحد تتجه إليه وحده، أما و الله أيها الأخوة آلاف مؤلفة، ملايين مملينة من المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله و هم يعبدون آلاف الآلهة، لأقول لكم الآن أمثلة: من أطاع مخلوقاً كائناً من كان و عصى خالقه فهو ما قال قل هو الله أحد، الذي أطاعه و عصى من أجله ربه رآه أقوى من الله فآثر طاعته على طاعة الله. من أرضى زوجته على حساب دينه ما قال قل هو الله أحد إطلاقاً، رأى رضاء زوجته أغلى عنده من إرضاء الله عز وجل. فالقضية ليست قضية كلام إنها قضية ممارسات، فالإنسان حينما يغش و سيربح مائة ألف بهذا الغش، رأى هذه المائة ألف أغلى عنده من رضوان الله، عصى الله و غش الناس، فالذي يغش الناس لم يقل قل هو الله أحد إطلاقاً و الذي لا يقيم الإسلام في بيته إرضاءً لزوجته لم يقل قل هو الله أحد، يعبد زوجته مع الله، و الذي يطيع مخلوقاً و يعصي خالقاً لم يقل قل هو الله أحد، القضية خطيرة جداً، القضية ليست أن تقول قل هو الله أحد قلها، إبليس قال له ربي فبعزتك، أي دخل الجنة ؟ كلا، العبرة ألا ترى مع الله أحداً، هو وحده الرحيم و القوي، أما حينما تيأس فلا يوجد أمل للمسلمين، أي الأقوياء أقوى من الله لأن الله ما فيه أن يساوي شيئاً، الفعل فعلهم، أنت أشركت و لم تشعر، حينما تيأس معنى ذلك توهمت أن أقوياء الأرض أقوى من الله أي أن الله لا يتدخل، هم يفعلون ما يفعلون و الأمر كما يريدون، هذا هو الشرك، ينبغي أن ترى أن الله بيده كل شيء و أنه لا إله إلا الله و أن الأمر راجع إليه و أنه يفعل ما يشاء و أنه لا يُسأل عما يفعل و هم يُسألون و أنه بيده الخلق و الأمر قال تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾ (سورة الكهف ) و كذلك: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾ ( سورة الأنعام ) ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)﴾ ( سورة الفتح ) ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾ ( سورة الأنفال ) ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ ( سورة فاطر ) هذا التوحيد، فهذه سورة التوحيد و تعدل ثلث القرآن و لنا جلسة أخرى إن شاء الله مع هذه السورة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاخلاص (112 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، لا زلنا في سورة الإخلاص:﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾ معنى الصمد ؛ أي أن الله جل جلاله لا يستمد وجوده، ولا استمرار وجوده من أحد، أما نحن سبقنا عدم، ثم وجودنا، وننتهي إلى عدم، ونحن موجودون مفتقرون إلى أسباب استمرارنا، لولا الهواء نموت، لولا الماء نموت، لولا الطعام نموت، لولا الزواج تنشئ مشكلة كبيرة جداً، لو تعطل أحد الأجهزة لأصبحت حياتنا جحيماً، أي جهاز، أي عضو، فنحن مفتقرون إلى الله في كل شيء، لكن الله جل جلاله غني عن كل خلقه. ﴿ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ﴾ ( سورة إبراهيم: 8 ) ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ﴾ ( سورة الزمر: 7 ) (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا )) (قطعة من حديث طويل، أخرجه مسلم ) وجود الإنسان مفتقر إلى من يمد بالحياة، في شخص له مشكلة كبيرة، رجل توسط أن يحلها له، مقابل مبلغ ضخم جداً، فجاء على أمل أن يستقبله في المطار، ويحل له هذه المشكلة، جاء من أمريكة وصل الجمعة، كان الذي وعده أن يحل له المشكلة وتقاض مبلغ كبير مات الخميس، ما في إنسان يملك وجوده بعد دقيقة، إطلاقاً، لكن الله جل جلاله " الله الصمد " لا يحتاج في وجوده، ولا في استمرار وجوده إلى جهة خارجة عنه، إذا الإنسان ضغط على رقبته يموت، إذا وضع له غاز يموت، إذا توقف قلبه يموت، يعني نحن مفتقرون إلى ألف شرط، حتى نكون في صحة طيبة، ألف شرط، القلب بانتظام الدسامات، الشرايين، الأوردة، الكبد، الكليتين، المعدة، الأمعاء الأعصاب، الجهاز العضلي، الجهاز العظمي، الغدد كلها، نحن مفتقرون إلى الله في كل شيء، ما معنى العزيز ؟ يعني الصمد، يعني يحتاجه كل شيء، في كل شيء، من أوسع التعريفات، يحتاجه كل شيء في كل شيء، لكن الله جل جلاله غني عن كل شيء، من أي شيء، هذا معنى " الله الصمد " وجوده ذاتي، حي باقي على الدوام لا بداية له، ولا نهاية له، قديم باقي، أزلي أبدي، لا شيء قبله ولا شيء بعده. النقطة الدقيقة الآن الإنسان إذا تعلق بما سوى الله، ما سوى الله فان. ﴿ كل من عليها فان ﴾ ( سورة الرحمن: 26 ) ما سوى الله ضعيف. ﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ (سورة الفرقان: 3 ) أما إذا ربط مصيرك مع الإله، الإله الأبدي الأزلي، يعني ممكن إنسان يعلق آماله على شخص قوي، يموت فجأة، أو ينحى عن مكانه، ضاعت كل آماله، أما إذا كنت مع الله عز وجل، ما في عندك مشكلة إطلاقاً، لأن الله حي باقي على الدوام، بيده الأمر. ﴿ ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ( سورة هود: 123 ) بيده مقاليد السماوات والأرض، لا يشرك في حكمه أحد، خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، هذا الله عز وجل. لذلك أيها الأخوة الكرام: لا يليق بك كإنسان، أنت مخلوق أول مخلوق مكرم، مخلوق مكلف، لا يليق بك كإنسان أن تكون لغير الله إذا كنت لغير الله احتقرت نفسك، أنت لله، هذا الذي يبع نفسه إلى ما سوى الله، يحتقر نفسه، لأن الله عز وجل يقول: خلقت لك الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك، لا تتشاغل بما ضمنت لك عم افترضت عليك، الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن ؟ لله الواحد الديان لمجرد أن تكون تابع لأحد، مجيراً لأحد، أن تكون محسوباً على أحد فقد احتقرت نفسك. سئل عالم رحمه الله كان في بريطانية يجري عملية جراحية سألته إذاعة لندن أنه ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ ماذا يقول ؟ أجاب إجابة رائعة، قال لأنني محسوب على الله، الآن فلان محسوب على فلان، فلان من جماعة فلان، فلان لفلان، فلان خادم لفلان فلان مجير لفلان، لمجرد أن تكون تابع للإنسان احتقرت نفسك أنت لأن هذا الإنسان ضعيف مثلك، لا يملك لك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا رزقاً، ولا أمنا، لذلك من أشد العذاب أن تعلق أملك على إنسان ضعيف مثلك، يموت، كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت. أحد خلفاء بني أمية الكبار كان في الحج، رأى في الحرم المكي عالماً جليلاً، أراد أن يتقرب إلى الله بخدمته، قال له سلني حاجتك قال له والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، التقى به خارج الحرم، قال له سلني حاجتك، قال له وَاللَّهِ ما سألتها من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها ؟ قال له سلني حاجتك، قال له أدخلني الجنة وأنقذني من النار، قال له هذه لا أملكها، قال له إذاً ليس لي عندك حاجة. عظمة المؤمن أنه محسوب على الله، وَاللَّهِ عز وجل لا يخزيه أبداً، هارون الرشيد على علو قدره، وكل القصص التي تشير إلى أنه عنده جواري، ونساء، كلها لا أصل لها، كان يحج عاماً، ويغزو عاماً على علو قدره، وعلى تدينه وصل إلى المدينة فقال: أريد عالماً نستفيد منه، فجاءوا الإمام مالك، إمام دار الهجرة، قالوا يا إمام أجب أمير المؤمنين، قال قولوا له يا هارون العلم يؤتى ولا يأتي، فلما قالوا له هذا قال صدق، نحن نأتيه، فلما أخبروه، قال قولوا له إن أتيتنا لا ينبغي أن تتخطى الرقاب، يجب أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس، قال صح كلام طيب، فلما وصل إلى المسجد أعطوه كرسياً في آخر بالمسجد يجلس عليه، فقال الإمام مالك من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه قال خذوا عني هذا الكرسي، جلس على الأرض، لأن الإمام مالك محسوب على الله. سؤل الإمام حسن البصري، يا إمام لم نلت هذا المقام ؟ قال لاستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، الآية معكوسة الآن فإذا استغنى الناس عن علمي هذا الذي يعلمهم، وكان هو محتاج إلى دنياهم سقط العلم والعلماء، لاستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي. المنصور كان من أقوى خلفاء بني العباس، التقى بأبي حنيفة مرةً قال له يا أبى حنيفة: لو تغشيتنا، تعال وزرنا، نحبك نحن، قال ولم أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء إنك إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني، مالي حاجة، حينما تكون محسوباً على الله ترفع رأسك، حينما تكون محسوباً على الله لا تنافق أبداً، لأن الذي منحك الحياة هو وحده يأخذها منك، ولا جهةً أخرى، إن الذي منحك الرزق هو وحده يمدك به ودقق في قوله تعالى: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾ أيها الأخوة الكرام: هذا معنى " الله الصمد " كن مع الصمد إذا كنت معه، وقعت عين المطاردين على عين أبي بكر، قال له يا رسول الله وقعت عينه على عيني، قال يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ (سورة الأعراف: 198) الله جل جلاله لا تدركه الأبصار، فإذا كنت معه أيضاً لا تدركك الأبصار، إذا كنت ملتجأً إليه، الآخرون لا يرون عليك شيئاً، فإذا كنت معتزاً بنفسك بحثوا لك عن مشكلات لا نهاية لها، إذا كنت معه لا أحد يستطيع أن يصل إليك، إذا كان الله معك فمن عليك، عدوك اللدود يخدمك، وإذا تخلى الله عنك أقرب الناس إليك، زوجتك، وأولادك يهينوك، إذا تولاك الله خدمك أعدائك، وإذا تخلى الله عنك أهانك أقربائك هذه حقيقة، ينبغي أن نكون مع الله. كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طمعك فإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منـعك يعني الله عز وجل له معنى ألف خيار وخيار مليون خيار ممكن عضو بسيط يعطله الله عز وجل، تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فأنت تحت ألطاف الله عز وجل، إذا كنت معه كان معك عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، ما في إلا إله واحد، هذا الذي يقود أقوى دولة بالعالم، الله عز وجل فضحه 12مرة زنى بها هذا التي عنده في البيت الأبيض أليس كذلك ؟ الله عز وجل بيده كل شيء، هذا الذي يظن أنه أقوى إنسان بالعالم امرأة ضعيفة وضعته بالوحل أليس كذلك ؟ هذا ربنا عز وجل أما إذا كنت مع الله لا يستطيع أهل الأرض جميعاً أن يصلوا إليك، لأنه " الله الصمد " أما أنت وجودك مبني على عوامل خارجية، لكن ربنا عز وجل وجوده ذاتي، قديم، أبدي حي باقي على الدوام. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاخلاص (112 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في سورة الإخلاص، التي تتحدث عن الله عز وجل، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، لأن فيها وصفاً جامعاً مانعاً لذات الله عز وجل تحدثت في الدرس الماضي " الله الصمد " أن وجوده ذاتي لا يحتاج إلى شيءٍ خارج عنه، بعكس مخلوقاته، وجودهم مفتقر إلى إمداد خارجي، واستمرار حياتهم مفتقرة إلى إمداد خارجي، ومصيرهم إلى الفناء، أي مخلوق ما سوى الله، يسبقه عدم، وينتهي إلى عدم إذاً هو حادث، الله وحده واجب الوجود، ما سواه ممكن الوجود، يعني سبقه عدم، وسيعقبه عدم، له بداية وله نهاية، مادام ممكن الوجود لابد له من موجد، وما دام ممكن الوجود لابد له من نهاية لوجوده شأن مخلوقات الله هكذا، المخلوق حادث يسبقه عدم إذاً لا بد له من موجد، وينتهي إلى عدم، إذاً لا بد له من خالق لهذا العدم. ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾ ( سورة الملك: 2 ) أما: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾ الإنسان من طبيعته أنه زمن، والزمن له تأثير واضح فيه، فكل منا قبل أربعين عاماً غير وضعه الآن، لونه، تجاعيد وجهه، لون شعره، انحناء قامته، ضعف قوته، هذه من تأثيرات الزمن، وكما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما فالإنسان يحتاج إلى ولد، هذا الولد يعد استمراراً لوجوده، لأنه ضعيف ولأن صحته خطها البياني هابط، ولأنه يكبر سنه، ويضعف بصره ويشيب شعره، وينحني ظهره، إذاً هو يميل نحو الضعف، يميل نحو التلاشي، في بالإنسان في أعماقه رغبة أن يبقى مستمراً، كيف يبقى الإنسان مستمراً من خلال أولاده، ينجب أولاد، ينشئهم كما يتمنى أولاً يتمنى أن يعنونوه حينما يكبر، ويبتغي أن يكونوا استمراراً لوجوده كل هذه المعاني لا تليق بذات الله جل جلاله " لم يلد " الإنسان يلد ليكون ابنه خليفة له، يلد ليكون ابنه معيناً له، يلد ليحقق في ابنه ما فقده في ذاته، هذا شيء معروف، الإنسان إذا فاته العلم، يتمناه في ولده والأب الذي فاته الغنى يتمناه في ولده، فالإنسان أحياناً، الإنسان حينما يتزوج يهدف إلى إنجاب ولدٍ يعينه حينما تضعف سنه، ويهدف إلى إنجاب ولدٍ يكون استمراراً لوجوده، ويهدف إلى إنجاب ولدٍ يكون تحقيقاً لما عجز عن تحقيقه، هذه علة رغبة الناس من إنجاب الأولاد، لكن هذه الأهداف الثلاثة لا تليق بالله عز وجل، لذلك " لم يلد " الله عز وجل هو هو، لا يضعف، لا يطرأ على أسمائه الحسنى وصفاته أي تعديل هو هو، لأن الزمن من خلقه، نحن خاضعون للزمن، نحن تحت سيطرة الزمن، نحن أشخاص نتحرك لهدف ثابت، البعد الزمني أساسي عندنا، أما الزمن عند الله عز وجل من خلقه، أحد مخلوقاته هو الزمن، لذلك نحن نخضع للزمن في تطوير أجسامناً، وتغيرها من حالة إلى حالة، لكن الله جل جلاله حي باقي على الدوام، نحن ننام من شدة التعب، نتعب في النهار فننام في الليل، ربنا عز وجل: ﴿ الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ﴾ ( سورة البقرة: 255 ) نحن ننسى. ﴿ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ ( سورة طه: 52 ) نحن نخطئ ربنا عز وجل يقول: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾ ( سورة هود: 56 ) الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة إلزام ذاتي، فكل ما خطر في بالك بالله بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء، واحد لا شريك له، يقول الناس واحد أحد، فرد صمد، من الكلمات التي يصفون بها ذات الله عز وجل واحد أحد، فرد صمد، يعني تعليق لطيف، واحد ليس له شريك، وأحد ليس له مثيل، واحد غير أحد، واحد ليس له شريك يعني في بهذه القرية طبيب واحد، قد يكون من الدرجة العاشرة، لكن ما في طبيب آخر، نقول طبيب واحد، لكن في بالقرية مائة طبيب إلا أن هذا الطبيب متفوق باختصاصه نقول هذا أحد، من بين الأطباء، أول معنى واحد لا شريك له، أما الثاني، واحد لا مثيل له، واحد أحد طبعاً واحد تعطي المعنى العددي الكمي، أما أحد تعطي العدد النوعي نقول هذا الطالب كان الأول، يعني في مائتين وخمسين طالب هو الأول في نجاحه، أو الرابع، ما معناه هو أربع أشخاص هو واحد، أما مرتبته الرابع، وزن فاعل في الأعداد، تعطي معنى النوع، أما العدد الأساسي يعطي معنى الكم، هؤلاء أربعة، العدد أربعة، أما هذا فلان هو الرابع في صفه، مرتبته الرابعة، فلذلك ربنا عز وجل قال: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ ( سورة الزخرف: 81 ) الأول هنا بمعنى أول من عبد الله عز وجل ، نال الدرجة الأولى في العبادة، فالأول هنا تعني، النوع " لم يلد " لا يحتاج إلى ولد وهذا رد على من قال إن لله ولد " لم يلد " لا يحتاج إلى ولد، ليستمر به وجوده، ولا يحتاج إلى ولد ليعينه، ولا يحتاج إلى ولد ليكمل نقصه به، أما كل واحد منا، يتزوج ليكمل نقصه بزوجته، هو في عنده أفق واسع لكن عنده فقر بالعاطفة، المرأة تكمل زوجها بعاطفتها، والزوج يكمل زوجته بأفقه، وفكره، وقراره، وإرادته، وجلده، فكل منا يتكامل مع الآخر، يكمل نقصه في، والآباء دائماً يبحثون عن أولاد ليكملوا نقصهم بهم، يلي فاته يحققه في ابنه، قال ربنا عز وجل " لم يلد ". أما: " ولم يولد " ما في جهة كانت سبب في وجوده، لكن الإنسان الله سبب وجوده، الإنسان له مسبب، له مسبب مباشر أبوه وأمه، وله مسبب غير مباشر وهو الله عز وجل، فالأب والأم سبب وجود الإنسان، تزوجا فأنجبا، لكن الله عز وجل لولا أنه خلق هذه النطفة في رحم الأم، ونقلها من حال إلى حال، لما كنت إنساناً والدليل يقول الله عز وجل: ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ ( سورة الإنسان: 1 ) ما كان لك وجود أنت، لكن أبوك وأمك كانا سببي وجودك، و الله عز وجل هو مسبب الأسباب. الشيء الثاني: " لم يلد ولم يولد " ما في جهة أكبر منه، ما في أعظم منه " لم يلد ولم يولد " لا يحتاج إلى ولد، وليس بسبب أب أكبر منه. ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾ يعني، شو معنى الله أكبر ؟ مهما عرفت من كماله، فهو أكبر مهما عرفت من قوته هو أقوى، مهما عرفت من رحمته فهو أرحم مهما عرفت من علمه فهو أعلم، أيام تقرأ مقالة لإنسان علمية تشعر بوجع في رأسك، من شدة تعقيدها، وهي كشف لقانون كوني، فكيف مقنن القانون، كيف ؟ كيف وما تسقط من ورقة إلا وهو يعلمها، في أيام الخريف كم ورقة تسقط، بالعالم كله ؟. ﴿ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ( سورة لقمان: 27 ) الواحد منا إذا اشترى ليتر حبر، أنا أعتقد يكفيه من صف الأول لخمسين سنة قادمة، ليتر حبر واحد، إذا في عنده متر مكعب حبر إذا في عنده خمس أمتار مكعبة حبر، إذا في عنده بحيرة كبحيرة بردى نبع بردى حبر، إذا في عنده بحر المتوسط كله حبر، المحيط الهادي الخمس محيطات، ضرب سبعة ﴿ سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ﴾ ( سورة طه: 109 ) تصور إنسان واقف بالطريق توجه نحو الشمس وتحمس لينفخ عليها كي تنطفئ، تصور، كلام دقيق أقوله، وقف بالشمس توجه نحو قرصها وسحب نفس طويل وأراد أن ينفخ عليها كي تنطفئ الشمس، كم هو أحمق، دقق في قوله تعالى: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ".﴾ ( سورة الصف: 8 ) نور الله أبلغ من نور الشمس، الشمس لا تستطيع أن تحرك ساكناً فيها، لسان لهبها طوله مليون كيلومتر، لسان لهبها، في أيام الكسوف هناك تصوير للشمس، طبعاً يغيب عنا قرص الشمس تماماً تبق الألسنة، ألسنة اللهب قاسوها عن طريق الطيف، وجد طولها مليون كيلومتر لسان لهب الشمس، فهل تستطيع أن تطفئها بنفخة ؟ وهذا الذي يتوهم أنه يستطيع أن ينهي الإسلام، إنسان يحتاج إلى مشفى مجانين يعني زرت تركيا، وزرت هذا قصر بهجت دولاما، يلي كان ساكنه كمال أتترك، وهذا الرجل أراد أن يلغي الإسلام، إلغاء كلي، يغير اللغة ويغير، ومنع الأذان، ومنع التدين، ومنع اقتناء المصحف، ومنع خطر ببالي وأنا في قصره خاطر، أنه ولا ألف طاغية يلغوا الإسلام يفطسوا والإسلام باقي، ولا ألف طاغية كأن تترك، يلغون الإسلام يفطسون والإسلام باق شامخاً. ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ ( سورة التوبة: 32 ) لا تقلق على الإسلام إنه دين الله، أقلق هل سمح الله لك أن تنصره أو لم يسمح ؟ هل منحك هذا الشرف ؟ هل منحك أن تكون جندي لهذا الدين ؟ هل منحك شرف أن يجري الله الخير على يديك ؟ على هذا أقلق، وما سوى ذلك لا تقلق، فإن الله سبحانه وتعالى ناصر نبيه والدليل: الآن صدق أو لا تصدق، إنسان ملاحق وضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، أثناء الهجرة تبعه سراقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، ثم تبعه ثانية، فغاصت ثانية، فطلب الأمان، طيب واحد ملاحق، وضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول له يا سراقة، دقق، ما قالها وهو في المدينة، ما قالها وهو في أعلى مراتب قوته، قالها وهو في أضعف حالة وهو ملاحق مهدور دمه، قال له كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى تصور هيك إذا واحد باليمن بقرية من قرى صنعاء تقول له كيف بك إذا جلست محل كلينتون، تصور، كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، دهش، في عهد سيدنا عمر جيء بتاج كسرى، وحلي كسرى وكل مقتنيات كسرى، وقال عمر أين سراقة، فجاء سراقة ألبسه سواري وتاجه، وقال بخ بخ أعرابياً من بني مدلج يلبس تاج كسرى لقد صدق رسول الله، النبي ما كان قلق على الدين، وهو في طريق الهجرة، مهدور دمه، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ما كان قلق على الدين، لما ذهب إلى الطائف وكذبوه وآذوه، قال له سيدنا أسامة والده زيد، قال له كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك، قال إن الله ناصر نبيه، شايف الثقة، أنا أقول لكم، لا تقلقوا على الإسلام، إن الله سينصره، لكن لنقلق ما إذا سمح الله لنا أن نصره أو لم يسمح، بقوله تعالى: ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ ( سورة محمد: 38 ) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفلق (113 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . أيها الأخوة المؤمنون ؛ بدأت في الدرس قبل الماضي بسورة الفلق وشرحنا بعض منها وها أنا أتابع شرح هذه السورة . ربنا جل جلاله هو رب الفلق ، رب الصبح ، رب الضياء ، رب النور ، هو المنور ، هو الهادي ، هو الذي يكشف ، هو الذي يبين ، بالمعنى المادي من خلق الشمس ونور بها العوالم ؟ الله جل جلاله ، بالمعنى الآخر المعنوي من ألقى في قلب المؤمن نوراً يهديه سواء السبيل وهذا ثابت في القرآن الكريم قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة الحديد الآية : 28 ] فهناك نور مادي يريك ظواهر الأشياء ، وهناك نور آخر يلقى في قلب المؤمن فيرى الحق حقاً ويرى الباطل باطلاً ، وذكرت في درس سابق أن كل أفعال الإنسان أساسها رؤية ، فالذي يسرق يرى أن السرقة مغنم والذي يزني يرى أن الزنا مغنم ، والمؤمن لأن رؤيته صحيحة يرى أن طاعة الله هي المغنم قال تعالى : ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [ سورة الأحزاب الآية : 71 ] ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة الحجرات الآية : 10 ] فالقضية قضية رؤية ، أفعالك وحركاتك ، وسكناتك وحركاتك على وجه الأرض تنطلق من رؤية فإذا صححت الرؤية صح العمل وسعدت في الدنيا والآخرة ، وإذا اضطربت الرؤية فسد العمل . ما من إنسان على وجه الأرض يرتكب خطأ أو يأكل مالاً حراماً أو يقتنص لذة محرمة إلا وهو يرى أن هذا العمل صواب وأن هذا العمل مغنم وأن هذا العمل فيه مكسب كبير قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [ سورة الحج الآية : 46 ] إنسان أوصى جاره بزوجته وسافر فخانه في زوجته ، فجاءه كلب وأكله بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( خان صاحبه ، والكلب قتله ، والكلب خير منه )) رأى أن الخيانة مغنماً ، والمؤمن يرى أن الإخلاص مغنماً الذي ينور القلوب هو الله ، فإذا كنت مع النور أنت مع الله ، أنت مع الحقيقة ، أنت مع الصواب ، أنت مع الرؤية الصحيحة ، أنت مع الحق قال تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [ سورة الفلق الآية : 1 ] لكن يوجد في العوالم أشرار ، ما هو الشر ؟ الشر المطلق ليس له وجود على الإطلاق وهو الشر للشر ، الشر المطلق يتنافى مع وجود الله تعالى لكن يوجد شر نسبي ، أي هو شر بالنسبة لهذا الإنسان لكن في النتيجة هو خير . الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق ، يوظف الشر النسبي للخير المطلق ، تؤتي الملك لمن تشاء هذا خير ، وتنزع الملك ممن تشاء هذا شر نسبي لمن نزع الملك منه ، وتعز من تشاء هذا خير ، وتذل من تشاء هذا شر نسبي لأنه بيدك الخير المطلق . لو فرضنا أب عالم ومربي وله ابن شدد عليه وحاسبه ، وضربه ، ووبخه ، وضيق عليه حتى نال أعلى شهادة وعاش حياة كريمة ، فماذا نقول ؟ هناك شرور نسبية أصابت هذا الابن انتهت به إلى الخير وهذا فعل الله عز وجل ، من شر ما خلق ، الشر في الأصل إذا نسب إلى مخلوق لابد من أن يكون مخيراً ، ولابد من أن تكون أودعت فيه الشهوات ، ولابد من أن يكون قد ترك منهج الله ، يخرج منه الشر . الشر إساءة استعمال ، فالمرأة مصممة للرجل ولكن مصممة أن تكون زوجة له لا أن تكون عشيقة له . الشر هو الخروج عن حكم الله عز وجل ، المال محبب ، الله أودعه في النفوس ، لكن حينما كسب عن طريق حرام صار شراً . المخلوقات خلقت خيرة ، أما إساءة استعمالها يؤدي إلى الشر ، إخوانا الذين لهم علاقة بالميكانيك كيلو سكر ثمنه ثلاثون ليرة ضعه في محرك سيارة يكلفك المحرك ثلاثون ألفاً ، السكر مادة أساسية وغذائية ، أما وضع السكر بالمحرك يتلف المحرك ، فالمحرك خير لنفع الإنسان لينقله من مكان إلى مكان والسكر مادة غذائية أساسية ، أما سوء استعمال السكر بالمحرك صنع شراً ، وهذا الشر ليس من الأصل شر ، شر طارئ ، شر ناتج عن سوء الاستعمال . كل شيء الله خلقه خير ، يأتي الشر من إساءة الاستعمال ، من إفساد الشيء ، من إخراجه عن صفاته الأساسية ، من شر ما خلق ، الله ما خلق شراً ابتداءاً ولا خلق شراً أصيلاً ، الشر عارض بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( والشر ليس إليك )) شركة سيارات تصنع أرقى أنواع السيارات حينما يقود إنسان هذه السيارة سكران وينزل في وادي وينقطع عموده الفقري ويصاب بالشلل ويخسر قيمة السيارة ، شرور السيارة تلفت والصحة تلفت ، هل نقول أن هذا المعمل يصنع الشر ؟ لا ، يصنع سيارة مريحة جداً مصممة لتؤدي كل رغباتك ، أما إساءة استعمال السيارة أن يقودها إنسان وهو ثمل ، لا نقول أن المعمل يصنع السيارات لتموت الناس بها ، لا ، المعمل يصنع سيارات ليرتاح الناس بها ، فالشر ليس في أصل الخلق ، الشر طارئ ناتج عن سوء الاستعمال ، ناتج عن إنسان مخير أودعت فيه الشهوات ضرب منهج الله عرض الطريق ، وتحرك حركة عشوائية . أحدهم جائع أكل تفاحة ، شيء طبيعي أن يأكل تفاحة وهو جائع ، لكن إن أكلها سرقةً خالف الحكم ، لو أكلها تسولاً خالف الكرامة ، لو أكلها ضيافةً حقق الفائدة ، لو اشتراها بماله ، هذه التفاحة لك بإمكانك أن تأكلها تسولاً ، وبإمكانك أن تأكلها سرقةً لا سمح الله ، ... شراء ، هدية ، تسول ، سرقة ، أما أصل التفاحة خير وهي مصصمة لك وأنت مهيأ لها ، أما حينما تأكلها سرقةً صار الشر مخالفة الحكم الشرعي ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ [ سورة الفلق الآيات : 1-3 ] وقب يعني دخل ، والغاسق هو الليل ، والإنسان في النهار حواسه تنقل له كل ما حوله ، أما في الليل تتعطل حاسة البصر ، لأنه نائم ولو كان مستيقظ الظلام ستر ، يوجد مفاجآت في الليل ، الله عز وجل جعل الليل لباس ، وجعل الليل سكن ، وجعل الليل نوم ، والنوم نوع من الموت ، الإنسان وهو نائم معطل كل شيء عنده فما الذي يحفظ الإنسان وهو نائم الله عز وجل لذلك الإنسان إذا أوى إلى فراشه يقول : يا رب إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فأحفظها مما تحفظ به عبادك الصالحين إما أن تفسر الغاسق الشيطان إذا دخل صدر الإنسان ، أو هذا الليل البهيم إذا لف الأرض بسواده . ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ [ سورة الفلق الآية : 4 ] أول مهمة للشيطان إفساد العلاقات ، أول مهمة من مهمات الشيطان إيقاع العداوات بين البشر ، التحريش بين المؤمنين ، إفساد العلاقة بين الزوجين ، إفساد العلاقة ضمن الأسرة الواحدة ، إفساد العلاقة بين الأخ وأخيه ، بين الأم وابنها ، بين البنت وأبيها ، أي فساد علاقة مبعثه الشيطان . ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [ سورة الفلق الآية : 5 ] الحاسد هو إنسان محروم وجاهل وحاقد ، وإنسان آخر محسود خرج على قومه بزينته ، هل من المعقول أن يقف مستخدم على باب فندق خمس نجوم ، الناس يأتون بسيارات فاخرة مع زوجات شبه عرايا يأكلون ويرقصون ويتنعمون وهذا الحاجب يقف ، سوف يحسد ويشتهي أن يكون غنياً ، ويشتهي أن يكون قوياً ، ويشتهي أن يكون له زوجة كهذه الزوجة ، ويشتهي أن ينام ويرتاح لا أن يسهر ويحرس . عندما الإنسان يظهر بزينته ، بما يملك من مال ورفاه ، لعله يزرع في صدر المحروم الحسد ، والحاسد الجاهل يحقد ، والله أعلم تخرج أشعة من هذا الحاسد تخرق المحسود . قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( إن العين لتضع الجمل في القدر ، والرجل في القبر )) المحسود الغافل تصيبه عين الحاسد ، الحاسد إنسان محروم وحاقد ، ومشرك وجاهل يتمنى أن تزول هذه النعمة عن هذا الإنسان لتصير إليه كيف أنك الآن بأشعة الليزر تجري عملية ترقيع شبكية ، يوجد أشعة لطيفة لا تراها تخرق الجسم وتفعل فعلها في الجسم ، لذلك الحاسد والله أعلم وهو ثابت في القرآن والسنة ، قارون خرج على قومه بزينته قال تعالى : ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القصص الآية : 79 ] قال تعالى : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 83 ] الإنسان عندما يريد العلو في الأرض يسلط عليه الحاسد ، يسلط عليه إنسان حاقد محروم يصيبه بأشعة قاتلة ، امرأة تتباهى بأولادها يمرض ، إنسان يتباهى بثيابه الغالية جداً تتمزق ، يتباهى بمركبته الغالية جداً يجري حادث ، إذا الإنسان أراد أن يستعلي ببيته بأولاده بثيابه بمركبته يأتي الحاسد يتألم محروم حاقد ، عنده أشعة قاتلة ، المحسود غافل يصاب هذا المحسود بشر عمله ، إلا إذا كان المحسود متواضع ومتأدب مع الله ولم يظهر ما عنده وكان موصول بالله ، عندئذ هو محصن لا تصيبه عين الحاسد إذا كان مستعيذ بالله من عين الحاسد لا تؤذيه عين الحاسد . معنى ذلك أنك إذا كنت متصل بالله لا يؤذيك لا شيطان ولا جن ولا عين حاسد ولا ساحر ، كل هؤلاء مع الشياطين ، والشيطان مهمته أن يصل إلى الغافل عن الله ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 155 ] ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [ سورة الحجر الآية : 42 ] ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 200 ] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 201 ] ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [ سورة الفلق ] الشر إفساد العلاقات ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ )) أخطر شيء في مجتمعاتنا فساد ذات البين عن طريق الحسد ، وعن طريق الكبر ، وعن طريق العجب ، فكل الأمراض يقابلها أدوية مرة ، مرة دخلت إلى بيت فاستقبلني صاحب البيت وقال لي هذا البيت مساحته أربع مائة متر ، فقلت له : الله يهنئك به ، فقال لي : هذا الطقم من إيطالية أحضرناه معنا ، فقلت له : الله يهنئك به ، فقال لي هذا البلاط من إيطالية ، وأخرت هذا الحديث ، ماذا تريد من هذا الكلام كله ؟ أن تستعلي ، قال تعالى : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ [ سورة الإسراء الآية : 21 ] مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً بل هي مؤقتة ، مرتبة الآخرة تعني كل شيء وهي أبدية ، فالعبرة أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر ، العبرة أن تكون عند الله في مرتبة عالية . والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الناس (114 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . أيها الأخوة المؤمنون: يقول الله عز وجل في سورة الناس ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ ( سورة الناس ) الرب هو المربي، الرب هو الممد، يمد المربى بكل حاجاته ويربيه وينقله من حال إلى حال، أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى ا_لإنسان رب العالمين، هو الذي يربي، يربي جسمك ويربي نفسك ويعدّك لجنة عرضها السماوات والأرض. فالمربي عنده مكافآت وعنده عقوبات لأنه مربي والدليل قصة: ثلاثة أولاد في الطريق يدخنون، مر والد أحدهم، انفعال والد هذا الولد كان بأعلى درجة، والثاني ابن أخيه والثالث لا يعرفه غريب، لعله يؤدب ابنه أشد التأديب ويتألم أشد الألم ويصب عليه جام غضبه، ابن أخيه يعنفه، أما الثالث فيقول له اذهب. والانفعال الكبير أشد اتجاه الابن، وأقل منه اتجاه ابن الأخ، والثالث لا يتكلم معه ولا كلمة، فالمربي يمد الجسم ويربي النفس، وينقلها من حال إلى حال كي تكون مهيأة لجنة الله عز وجل. كل ما يسوقه الله لعباده مما يكرهونه هو من باب التربية، أشرك الإنسان يربيه، اعتد بنفسه يربيه، اتجه لغير الله يربيه، أكل مال حرام يربيه، نظر إلى من لا تحل له يربيه، الله عز وجل مربي. ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾ ( سورة الأنعام ) مثل: ابن مريض مرض عضال، الأب عرف المرض ولكن خاف على أمه أن تنهار أعصابها، لم يبلغها المرض ولكن قال لها: إياك أن تطعميه هذا الطعام، ففي غيبة الأب رجاها ابنها أن يأكل هذا الطعام فسمحت له، الذي سمح جاهل والذي منع عالم، لو أن الأب أطلعها على مرض ابنها لمنعت عنه هذا الطعام ولو فعل ما فعل. عندما تعلم حكمة المنع تقف موقفاً شديداً، أما حينما لا تعلم تتساهل، ربنا عز وجل رحيم وعليم، الرحيم أحياناً يعطيك شيء يضرك، رحمة مع جهل، هناك والدة جاهلة طلب منها ابنها وهو يعاني من التهاب في الأمعاء حاد والطبيب أمره أن يبقى على الحليب والنشويات، وهناك طعام مغلظ جداً اشتهاه الابن فأطعمته، هذه الأم تمثل الرحمة مع الجهل أما لو فرضنا أن والده طبيب، الأب يمثل الرحمة مع العلم، فربنا رحيم ولله المثل الأعلى رحيم وعليم، لذلك يسوق من الشدائد لكل إنسان أشرك، أو انحرف، أو زلت قدمه، أو ارتكب منهي، أو اعتد بنفسه أو تكبر يسوق له علاجاً يحجمه ويعيده إلى حجمه الصحيح إلى عبوديته هذا معنى قل أعوذ برب الناس، ولكن المربي لا يملك، أما ربنا عز وجل رب ومالك كل شيء قال تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)﴾ ( سورة الناس ) إله الناس المسير، أنت تربي هذا الابن وتملك ناصيته، أما الشمس ليست بيدك، القمر ليس بيدك، صار فيضان في الصين يمكن ثلث مساحة الصين مغمورة بالمياه الآن، كل شيء فسد، لو فرضنا أن في الصين مربين لكن أمر الإمطار ليس بيدهم، أما ربنا عز وجل هو المسير وكل ما في الكون يسيره هو، كل ما في الكون يملكه، أنت تملك بيت صدر قرار استملاك فقدت البيت، أنت مالك ولكن لا تملك مصير البيت، إنسان استأجر بيت يملك المنفعة ولا يملك الرقبة، يصدر قرار استئجار جديد فيخرجونك من البيت، إنسان مالك الرقبة ولا يملك المنفعة، بيت أجاره في الشهر مائة ليرة وثمنه عشرون مليون إنسان يملك الرقبة ولا يملك المنفعة، وإنسان مالك المنفعة ولا يملك الرقبة، إنسان يملك المنفعة والرقبة لكن لا يملك المصير، أما ملكية الله عز وجل يملك خلقاً وتصرفاً ومصيراً، أعلى أنواع الملكية. معمل طائرات حربية صنع ألف طائرة وباعهم، هو صنع ولكن هذه الطائرات بيد دولة أخرى تحارب بها تفعل سلم، تعتدي على دولة أخرى يقول المعمل أنا صنعتها وبعتها ولكن لا أملكها، الله عز وجل مالك خلقاً، ومالك تصرفاً، ومالك مصيراً. ﴿ إِلَهِ النَّاسِ (3)﴾ ( سورة الناس ) حركة المجرات بيد الله عز وجل، هذا الرب وهذا المالك وهذا الإله استعذ به من أخطر مرض، من شر الوسواس، كل إنسان مفروز له ملك وشيطان، الملك يلهمه الصواب والشيطان يلهمه الفساد، والإنسان مخير قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾ ( سورة الحجر ) ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾ ( سورة ابراهيم ) لكن أنت أيها الإنسان يوجد معك سلاح فعال، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ ( سورة الناس ) لمجرد أن تستعيذ بالله يخنس، أيام يكون هناك اثنين يسبون بعضهم قل الله يهرب الشيطان، لا تملك إلا أن تستعيذ بالله الشيطان يخنس، لأن الشر أساسه فكرة، أساسه وسوسة، الذين ارتكبوا الجرائم، أخذ زوجته على بستان منذ شهرين، يظهر أنها ضربها ضرب مبرح فابتسمت امرأة أخيه فذبحها من رأسها، وبكي ابنها فذبحه، هل من المعقول إنسان يذبح إنسانين لأنها ابتسمت هذه هي الجريمة ما تفسيرها؟ يوجد وسواس جعل في رأسه الحمية تبتسم اذبحها. أكثر الجرائم والحماقات، حلف طلاق وعنده خمس أولاد لسبب تافه، وسواس خناس، خلاف بين شريكين بسيط قال له افسخ الشركة هذا هو الوسواس، يفسد العلاقات التجارية والعلاقات الأسرية، الأقارب ثلاثون سنة يحاربون بعضهم البعض، وسواس خناس، والأولاد يحملون عداوات الآباء، أسر مفككة، الجرائم، الحماقات، الآثام، عندما تزل قدم فتاة تنتقل من امرأة إلى عاهرة، من شر الوسواس الخناس، كل شيء من الشر يرتكب بسبب هذا الخناس، الشيطان جاهز. ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ ( سورة الناس ) إذا قال لك صديق لا تصلي الآن، ماذا فيها الصلاة، هذا شيطان ولكن إنسي، يوجد شيطان إنسي وشيطان جني، انتهى مفعول الدواء فيقول له غير التاريخ فيغير الصيدلي التاريخ ويبيعها وأنا كنت أظن أنه لا يفيد فكان هذا الدواء يؤذي، لما المواد تتفكك تصبح مواد سامة. يوجد مليون مشكلة بسبب الوسواس الخناس، أحياناً تزوير، أحياناً غش فلذلك الإنسان إذا شخص قال لك كلمة غلط قل له أنت شيطان، أما إذا جاءك خاطر غلط هذا شيطان الجن، الخواطر جن أما الحديث الشفوي إنس قال تعالى: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ ( سورة الناس ) أنت عندما تحضر ونش ارتفاعه ثلاثون متر يحمل ستين طن، هل من المعقول أن تحضر هذا الونش من أجل أن يرفع علبة فارغة هل هذا معقول ؟ عندما تحضر ونش ستين طن معنى هذا أنه يوجد عندك بضاعة وزنها ستين طن. من أي شي أعوذ بالله ؟ من وسوسة، لا، الوسوسة وراءها جريمة، وراءها البعد عن الله، وراءها الزنا، وراءها أكل المال الحرام، وراءها الانحراف، وراءها استخدام أجهزة مفسدة في البيت، وراءها التفرقة بين الأسر، وراءها الغش في التجارة. ممكن أن تضع مادة مسرطنة، مادة غذائية انتهى مفعولها ليس لها قيمة يشترونها معامل غذائية ويقولون انفرمت في هذا المعمل ويشعر نفسه أنه شاطر استطاع أن يأخذ بضاعة نصف قيمتها ويصنعها وباعها، صار إشكال كلفوه بخمس مائة ألف أو إغلاق المعمل، من الذي خسرك الشيطان، وسوس لك أن تضع مادة منتهي مفعولها، وهيأ لك أناس يكشفون الحقيقة. هذا الوسواس شيء خطير جداً، حتى يتناسب مع الاستعاذة، أنت تستعيذ برب الناس وملك الناس وإله الناس هل هو شيء بسيط ؟ لا ليس بسيط، كل شر في الأرض أساسه وسوسة، أساسه فكرة، فعل الشر أساسه فكرة والفكرة تأتي من الشيطان، فالإنسان إما مع الشيطان وإما مع الرحمن، إما أن يكون رباني، وإما شيطاني، إما رحماني وإما شيطاني، فالمؤمن يستعيذ بالله ويستعيذ برب الناس وبإله الناس وملك الناس من شر الوسواس الخناس. يوجد مليون معصية ترتكبها ولا أحد يستطيع أن يضبطك، يقول طبيب أنت تحتاج إلى اثني عشر تحليل، هل يستطيع أذكى مريض أن يكتشف هذا الاحتيال ؟ أبداً أنت تحتاج إلى اثنين والعشرة بينك وبين المحلل، ممكن مهندس أن يسحب قضبان الحديد بعد أن كشف، سحب قضبان الحديد، ممكن محامي أن يقول لموكله دعواك رابحة مائة بالمائة وهي خاسرة مائة بالمائة، لا يعرف، الوسواس خطير جداً، الوسواس أطعمك مال حرام، دفعك إلى معصية كبيرة، دفعك إلى فراق زوجي، إلى فك شراكة، كل حماقات الناس أساسها الوسواس إلا أن هذا الوسواس خناس، إذا قلت أعوذ بالله خنس. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 06:26 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.