منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=46)
-   -   تفسير سور القران الكريم كاملا (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=8750)

السعيد 04-15-2018 01:41 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القلم (68 )



الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأوامر أنواعٌ :
أيها الأخوة الكِرام، الآيات الأخيرة من سورة القلم وهي قوله تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[سورة القلم:48-50 ]
لو أنّ أحداً منا كان عند طبيب الأسنان وأخْبره أنَّ المُخَدِّر يُضِرّ قلبه، ولا بد من قَلْع ضِرْسِه، سَيُقْلعُ الضِّرْسُ من دون مُخَدِّر وهذا لِصالحِهِ، قَنِع المريض، وبدأ الطبيب ينْزعُ الضِّرس، سَيَكون هناك ألَمٌ شديد ولكنّ المريض واع ومُثَقَّفٌ، وعلِمَ أنّ هذا الألم لا بدّ منه، وأنّ هذا لِصالِحِه، والألم محْدود، وتَعْقِبُهُ راحَةٌ، فَهُوَ يصْبِرُ لِأنَّ الأمر واضِحٌ، متى يكونُ أجرك على الصبر كبيراً ؟ حينما لا ترى الأمر واضِحاً؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 102]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4967/01.jpg
هناك أوامر نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها عالِيَةٌ جداً، وهناك أوامِرٌ واضِحَةٌ نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها ضئيلةٌ، كلما اتَّضَحَ لك الأمر، وانْجلتْ لك حِكْمَتُهُ، وعُرِفَتْ مقاصِدُهُ، وكانت هذه المقاصِد لِصالِحِك تضْعُفُ في هذا الأمر درجة العُبودِيَّة لله تعالى، وكلما غابَتْ عنك الحِكمة، وغاب عنك المَقْصد، ورأيْتَ شيئاً يصْعُبُ تفْسيره، أنت هنا بِحاجَةٍ كبيرةٍ إلى عِبادة واسْتِسْلامٍ لله، فالأوامر أنواعٌ؛ هناك من تحْتاج إلى عُبودِيّة كاملة، وأُخْرى تحْتاجُ إلى عُبودِيَّة مُتَدَنِّيَة؛ فالأمر واضِحٌ جداً، أنت حينما تُؤمَرُ بالزواج، فالزواجُ شيءٌ مُحَبَّبٌ جداً، أما حينما تؤمر بِتَرْك الطعام والشراب في أيام الصيف وفي الصِّيام فهذا شيءٌ لا يُحْتمل، ومع ذلك أنت صابرٌ، إلا أنّ الذي ينْصاعُ لِأَمْر الله دون أنْ يفْهَمَ حِكْمَتَهُ اسْتِسْلاماً له، يُكافِئه الله تعالى عليه بِأَجْر العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ له حِكْمة الأمر، فَجَمَع بين العِلم والعُبودِيِّة في وقْتٍ واحدٍ، والصبر على طاعة وعن معْصِيَة وعلى قضاء الله وقَدَرِه، أحْياناً تجد أنّ مصْلَحَتَك في غير هذا الأمر، ويكون هذا الأمر إلهياً، وقد تجد أنَّ كُلّ المتاعب تأتي من جراء تطبيق هذا الأمر الإلهي لِحِكْمَةٍ أرادها الله، فلابدّ من أنَّك تصْبر، لأنّ الصبر ثمن الجنّة، وكلما ضَعُفَت حِكْمة الأمر في نظرك وغابتْ ارتفع أجْرُ العُبودِيَّة، أوْضَحُ الأمثلة: لو أنَّ أباً قال لابنِهِ: يا بُنيّ نظِّفْ أسْنانك لكيلا تُصاب بِالنَّخْر، ويا بُنيّ اجْتَهِد كي لا تكون في مُؤخِّرة الرَّكْب؛ الأمر واضِح، الابنُ جائِعٌ جداً، والطعامُ نفيس، وإخوته ووالده جالِسون على المائِدة، ثمّ يقول له الأب: لا تأْكُلْ، يحْتاجُ الابن هنا إلى أنْ يثِقَ بِأَبيه، ويحْتاجُ إلى أنْ يُظْهِر طاعَتَهُ لِأبيه؛ فالأمر بِتَنْظيف الأسْنان واضِح، وبالدِّراسة واضِح، أما الأمر بِعَدم الأكل وهو جائِعٌ، وحالُهُ الجَوْع، ولا يوجد مُبَرِّر فهذا يحْتاجُ إلى اسْتِسْلامٍ، فَكُلَما اتَّضَحَتْ لك حِكْمة الأمر ضَعُف في الأمر مرْتبة العُبودِيَّة، وكلما غابَتْ عنك الحِكْمة ارْتَفَعَتْ نِسْبَةُ العُبودِيَّة في الأمر.
بِالمُناسَبَة هناك قاعِدة أُصولِيَّة: الانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَدَ فُروع العِلْم به؛ فإذا كُنْتُ أمْتَلِكُ مُكَيَّفاً وكنت أجهل جهْلاً تاماً حقيقة المُكَيِّف وعَمَلَهُ ومبْدأ عمله؛ لا أعْرِفُ منه شيئاً، إلا أنْ أكْبِس هذا المِفْتاح فإذا الهواءُ يأتيني بارِداً؛ فالانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَد فُروع العِلْم به، عَلِمْتَ أو لم تعْلم فإنَّك سَتَنْتَفِعُ، كُلّ إنْسانٍ طبَّق أمْر الله عز وجل قَطَفَ ثِماره؛ لكنَّ هذا الذي يَقْطِفُ الثِّمار دون أن يعْرف الحِكمة؛ هذا عابِدٌ، أما الذي يقْطِفُ الثِّمار ويَعْرِفُ الحِكْمة فهذا عالِمٌ، وهذا يصْلُحُ أنْ يُعَلِّمَ الآخرين. أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْره حينما تأتيك الحِكمة :
على كُلٍّ كما قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾
[ سورة القلم: 48]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4967/02.jpg
شابٌّ ضَيِّقُ ذات اليَد، لا يمْلِكُ حِرْفَةً، ولا بارِقَةَ عمَلٍ، ولا زواجاً، ولا عملاً، ولا شيئاً، ولكنَّهُ يعْبد الله، ويسْتقيمُ على أمْره، ويغُضُّ بصَرَهُ، ويصْدُق، وبِالمُقابل يجد شاباً آخر كُتْلَة في الانْحِراف والفُجور، والمال بين يدَيْهِ بِلا حِساب؛ نقول له: قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾
[ سورة القلم: 48]
هناك حِكْمَةٌ لا تعْرِفها.
مُلَخَّصُ هذا الكلام: أنت حينما تُؤْمر بِطاعة، أو تُنْهى عن معْصِيَة، أو يأتي قضاءُ الله وقَدَرُه ينْبغي أن تصْبر، سواءٌ كانت الحِكَمُ واضِحة أو غيرُ واضِحةٍ يجبُ أن تصْبر؛ لكنّ أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْر الصبر حينما تأتيك الحِكمة، إنَّك إنْ صَبَرْت وانْصَعْتَ لأمر الله ولم تعرِف الحِكمة يُكافِئك الله بِأنْ يُعْطيك أعلى درجات العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ لك الحِكْمة، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50]
الثناء على الله دعاء :
سيِّدنا يونس؛ نبِيٌّ كريم لَبَث في قومه أمداً طويلاً يدْعوهم إلى عبادة الله عز وجل؛ لكن يبْدو أنَّهُ شَعَر أنه لن يؤمن منهم أحدٌ، نفْسُهُ انْقَبَضَتْ من إعْراضِ هؤلاء، ومن صَدِّهم عن سبيل الله؛ فَتَرَكهم بِمُبادَرَةٍ منه فالْتَقَمَهُ الحوت، فجْأةً وجد نفْسه في ظُلُماتٍ ثلاث، يُمْكن هذه أكبر مُصيبة على الإطْلاق قبل الموت، الموتُ مُصيبة عند بعض المُفَسِّرين، أما حين الحياة فأكبر مصيبة أن تجد نفْسك في بطنِ حوتٍ أزرق، وَزْنُهُ مئة وخمسون طناً، وَوَجْبَتُهُ المُعْتَدِلة أربعة أطنان، رَضْعَةُ أنْثاه ثلاثمئة كيلو غرام، أُنثى الحوت ترْضع ثلاث رضْعاتٍ من أُمِّها؛ وَجْبَتُهُ بين الوَجْبَتَيْن أربعة طن من السمَك، سيّدنا يونس نبيٌّ كريم يجد نفْسه فجأةً في بطن حوتٍ، في ظُلمة البحر، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، فهل هناك من أمَلٍ؟ بِالمُعْطيات الأرضيّة وبالحِسابات والعادات والمألوف والمعْروف الأمل صِفْرٌ، قال تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87 ]
وقال بعضهم: الثناء دعاء، فما قال له: يا رب أنْقِذني؛ إنما قال: لا إله إلا أنت، وهذا الفِعْلُ فِعْلُك يا رب، وأنا مُسْتسْلِمٌ لك، وإني كنتُ من الظالمين؛ إذْ لو لم أكن من الظالمين لما كنت في هذا المكان، سُبْحانك أنت مُنَزَّهٌ عن الظلم يا رب، ومُنَزَّهٌ عن عملٍ بلا حِكْمة، وهناك عَدْلٌ ورحْمة، لا إله إلا أنت هذا فِعْلُك ولا صُدْفَةَ في الأمر؛ إني كنت من الظالمين، قال: فاسْتَجَبْنا له؛ الآن أصْبحَ دُعاء، ومعنى ذلك أنّ الثناء على الله دُعاء، سُبْحان الله دُعاء، ولا حولَ ولا قُوّة إلا بالله دُعاء، لا إله إلا أنت يا رب العالمين دُعاء، قال تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87 ]
يدُ الله الخَفِيَّة، إلى الآن قِصَّة، وإلى الآن شيءٌ وقَعَ ولن يقع مرَّةً ثانِيَة، لكنَّ الذي لا يُصَدَّقُ أنَّ الله بِكَلِمَتَيْن جعلها قانوناً ينْتَفِعُ به كلّ المؤمنين إلى يوم الدِّين؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 88 ]
بِأَيِّ مِصْر وعصْرٍ وبِأيِّ مكان؛ في الأرض، وفي البحر، وفي الجوّ، إذا كنت مؤمناً تدخل في هذا الخِطاب، طائِرةٌ انْشَطَرَت إلى شطْرين وتحْمل ثلاثمئة راكب، راكِبٌ واحد كان مقْعَدُهُ بِجانِب انْشِطارها؛ فَوَقَعَ ونزل على غابة فوق جِبال الألب مُغُطاة بِخَمْسة أطنان من الثلج، فهذه الكثافة الموجودة في الثلج، ومع لُيونة الأغصان جعلت هذا الراكب يسقط واقِفاً من ارتِفاع أربعين ألف قدمٍ، الأغْصان والثلج كانتا جِهاز امْتِصاص صدمات؛ فالله على كلّ شيءٍ قدير، وهذه الآية تُلْقي في نفْس المؤمن طُمَأنينة لا حُدودَ لها، مهما تكن مُصيبتك لن تكون أكبر من أنْ تكون في بطْن حوت؛ حوتٌ أزرق وفي أعْماق البحر وفي ظُلمة الليل، فإذا كان معك تِلفون خَلَوي لا يشْتغل، ماذا سَتَفْعَل؟ قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4967/03.jpg
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
[سورة الأنبياء: 87 -88]
فالدعاء ثناء، وهذا الفِعْل هو فِعْل الله، لكِنَّك يا رب أنت كامل، سُبْحانك أنْ تظلِم أو أن تفْعل فِعْلاً لا حِكْمة فيه، فهذا العَمَل فيه حِكمة، وفيه عدْلٌ ورحْمة، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 88 ]
فَهَذِه ليْست لِسَيِّدنا يونس وحْده وإنما لِكُلِّ مؤمن إلى يومِ الدِّين، فكُلَّما ألَمَّتْ بِك مُلِمَّة وازِنها مع مُصيبة سيّدِنا يونس، أيَّةُ مصيبةٍ وازِنها بِبَطْن الحوت تجدها هيِّنَةٌ، ابْني مريض ولكن هذا ليس كَمُصيبة بطن الحوت، ولم أجِد بيْتاً وأجارُ البيت مرتفع، كلّ هذا لا يُعادِل مصيبة المكث في بطْن الحوت، لذلك كما قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50 ]
لأنه ترك قَوْمَهُ بِمُبادرةٍ منه، والعلماء تأدِّبوا مع الأنبياء وقالوا: ترك الأوْلى إذْ الأوْلى أن ينْتظر. الابتعاد عن اليأس و القنوط من رحمة الله :
الشيء الثاني: هذه تُعَلِّم الدُّعاة الصبر، مهما كان الإنسان جلْفاً فهل يمكن ونحن جالسون على السجاد أن يقفُ أحدُ الأشخاص ويبول فوق السجاد؟ النبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع، إذْ دخل أعْرابي إلى المسْجد فبال فيه أمام الصحابة، فقال لهم النبي: " لا تزْرموا عليه بَوْله - وهو من رحمته صلى الله عليه وسلّم- صُبوا عليه ذنوباً من ماء" ثمّ قال: يا أخَا العَرَب إنَّ هذا المكان ليس لِهذا إنما هو للصلاة وقِراءة القرآن، فالنبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع وصبر عليهم:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50 ]
بِلا عملٍ صالِحٍ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أرْسله إلى قَوْمه ثانِيَةً فاسْتجابوا له، وآمنوا معه، تُعَلِّمنا الصبر والنَّفَس الطويل، فإذا دَعَوْتَ إنْساناً أوَّلَ مرَّةٍ وثاني مرّة... ثمَّ اسْتجاب وتألَّق أصبح كلّ هذا في صحيفتك، والله أيها الأخوة عَشَراتٍ بل بضع عشرات من الأشْخاص خلال دَعْوتي إلى الله يقول لي أحدهم: لا توجد معْصِيَة تتصوَّرُها إلا وارْتَكَبْتُها ثمّ تبت إلى الله، فلا تيْئس ولا تقْنَط من رحْمة الله ولا تكن من الذين يُقَنطون من رحْمة الله ويُيَئِّسون من رحمة الله، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[سورة الزمر: 53]






ثمّ قال تعالى: ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 50 ]
علِمَ حُسن نِيَّتِه فجعله من الصالحين لِعَطائِنا، فأنت عَوِّد نفْسك أنّ هذه المُصيبة هي أشدّ ما في الأرض ومع ذلك نجاهُ الله منها، وهي لِكُلّ مؤمن.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-15-2018 01:44 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحاقة (69 )



الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام، مع الآية الثامنة عشرة من سورة الحاقة وهي قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
الله عز وجل ستر الإنسان في الدنيا، له أنْ يُبْدي شيئاً وأن يُخْفي شيئاً فالإنسانُ مسْتورٌ بِسَتْر الله عز وجل أما في الآخرة:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
كلّ النوايا السيِّئة مكْشوفة أمام الخلق كُلِّهم وكلّ الأعمال الشِّريرة مكْشوفة للخلق كُلِّهم:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
والناس فريقان: فريقٌ إلى الجنة وفريق إلى السعير، فأما من أوتيَ كِتابه بِيَمينِه ؛ كِتابُ أعْماله الصالحة التي فعلها في الدنيا، هذا الإنسان يشْعُر أنه فاز وأنه نجح وتفوَّق وحقَّق وُجوده الإنساني ووصل إلى أثْمن شيءٍ وهو الجنة، قال تعالى
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة:الآية19-20]
ظنَّ هنا بِمَعنى أيْقَن، لماذا كان عمله صالحاً ؟ لأنه أيْقن أنه هناك حِساباً وعِقاباً ومن هو المُستقيم؟ هو الذي وضع الآخرة نُصْب عَيْنَيْه، هو الذي يُحاسِبُ نفْسه عن كلِّ كلمة ونظرةٍ وعن كلّ درْهَمٍ وحركةٍ، لو أنّ الله سأله ماذا يقول ؟ مادُمْتَ تُحاسِبُ نفْسك حِساباً عسيراً سَيَكون حِسابك يوم القِيامة يسيراً،:
﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة: الآية 20 ]
هذا الفوز وهذا النجاح وهذا الفلاح وهذه الجنة التي عرْضها السماوات والأرض وهذه الحياة الأبديَّة التي لهم ما يشاؤون فيها، في الدنيا ليس لك ما تشاء قال تعالى
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾
[ النجم: الآية 39 ]
وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ الانشقاق: الآية 6 ]
في الدنيا هناك تعبٌ ونصَبٌ وجُهْدٌ، ولن تنالَ شيئاً إلا بِجُهْدٍ كبير، هذا نِظام الحياة الدنيا، أما في الآخرة فهي دارُ تكْريم، فالدنيا دار عمل أما الآخرة دار تكْريم والدنيا دار تكْليف أما الآخرة دار تشْريف، وفي الآخرة لهم ما يشاءون قال تعالى:
﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾
[ الحاقة: الآية 23 ]
وقال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة:الآية19-20]
مفتاح الآية: إني ظننت أني ملاق حسابيه، حينما توقِن بِاليَوم الآخر تخْتلف كلّ تصرُّفاتك، ويخْتلف الميزان، بِميزانِ الدنيا تجد أحْياناً أنَّ إنساناً ربِح خمس وثلاثون مليون فرَضاً هذا بِميزانِ الدنيا أما بِميزان الآخرة هناك حِسابٌ آخر، لا ترْقى عند الله إلا بالدَّخْل الطَّيِّب أما بِميزان الدنيا ؛ يُمْكن أنْ تعرض صورة لإنْسانٍ يلْبس بدْلة وبِجَنْبِهِ امرأةٌ فاضِحة وتُوَزِّعُها بِكُلِّ الشام من أجل أن ترفع مبيعاتِك أما بِنِظام الآخرة فلن تسْتطيع أنْ تفْعل هذا، بِمُجَرَّد أن تُدْخل ميزان الآخرة بِحِساباتك تخْتلف كلّ تصرُّفاتك وحِساباتك وأعْمالك وأقْوالك ومبادئك ؛ قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)﴾
[ الحاقة: الآية 19-21 ]
الثمن:" فهو في عيشةٍ راضِيَة " يا ترى هل هي راضِيَة ظام مرضِيَّة ؟ شيءٌ يُحَيِّر ! لكن بعض العلماء قال: العيشَةُ في الدنيا إذا كانت مرْضِيَّة لا بد من أن يتْركها وذلك بِالموت أما إذا كانت راضِيَة فلا تتْرُكُهُ أبداً، بالدنيا هناك قلقٌ عميق ولكنّ الإنسان إذا تمكَّن هناك قلقُ المَوْت والمرض والمُغادرة السريعة، أما في الآخرة لسْتُ الراضي عن هذه العيشة إنما هي الراضِيَة عنك وهي التي لا تُفارِقُك:
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 21 - 24 ]
يقول لك: في أعْلى مُسْتوى ؛ القُصور والطعام والشراب والبساتين والجنات والحور العين والوِلْدان المُخَلَّدون ثم قال تعالى:
﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾
[ الحاقة: الآية 23 ]
بلا جُهْدٍ، ففي الدنيا من أجل أن تهيئ طبق طعام تحْتاج إلى ساعة ونصْف ساعة بعد الطعام لِغَسيل الأطْباق، ومن أجل أن تسْكن بيتاً هناك جُهْدٌ مُضْني للعمَل الوظيفي أو التِّجاري أو الصِّناعي أما في الآخرة قُطوفها دانِيَة لك ما تشاء وتطْلب وتتمنى، إذا دُعِيَ الإنسان إلى وليمَةٍ لا يَكْتفي أنَّ الطعام طيِّبٌ بل يتمنى أن يُرَحَّب به، هناك مُظيفين: يا أهْلاً وسَهْلاً وبارَكْتُم، هذا الكلام طيِّب فإذا أُضيف إلى الطعام الطيِّب أصْبح مُنْتهى التكريم ؛ كلامٌ طيِّب وطعامٌ طيِّب قال تعالى:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 24 ]
أيام الدنيا وأيام الصيام وأيام الحج وأيام القِيام وغضِّ البصر وضبط اللِّسان وإنْفاق المال وترْبِيَة الأولاد وتَحْجيب الزوجة وطلب العِلم ونشْر العِلم أعْمالٌ صَعْبة، قال تعالى:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 24 ]
هذا هو الجواب، ثمّ قال تعالى
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 25-29 ]
حدَّثني أخٌ يُنْشِأُ بِنايَة في أحد مصايِف دِمَشق، بِنايَةٌ مُتَمَيِّزة بِجمالِها وأناقَتِها واتِّساع بُيوتها ؛ جَهَّز أوَّل بيتٍ أما الكسْوة فَفي أعلى مستوى - أنا رأيت اليبت - وصاحب البيت أذْواقه عالية جداً، وأمْواله عالية جداً، فَبَقِيَ له قبل أيام مُنَظِّم الكهْرباء، يضعُهُ ثمّ يسْكن، وكان الأمر أنه وضعه ولم يسْكن، اتَّصلوا به فقالوا: لقد مات، موضوع الموت يأتي فَجْأةٍ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 25-29 ]
الإنسان يتْرك أموالٌ منْقولة وغير منْقولة، ويترك حِسابات في البنوك وأمْوالٌ نقْدِيَّة في مَحَلِّه أو بيْتِه، ويتْرك بيوت ودكاكين وأراضي وأسهم سَنَدات، حجم مالي كبير:
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 28-29 ]
الإنسان له مكانة كبيرة، وأتْباعٌ كثيرون، ألْفُ إنسانٍ يُقدِّم له خِدمة:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32)﴾
[ الحاقة: الآية 30 -32 ]
مُقَيَّدٌ ويَحْتَرِق، كُلُّ هذا لماذا ؟ قال تعالى:
﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)﴾
غِسْلين: الماءُ المُسْتَعْمل، الماء القذِر، والماء المالح، هذا الماء يجب أن يشْربه، هناك رجل - أنا أعرف ابنه - يعْمل في تِجارة التُحَف، دَخَلْتُ بيْتَهُ فإذا شيءٌ فوق الخيال ؛ جناح شرْقي وجناحٌ غربي، التُّحْفَة ارْتِفاعُها مِتْرين، التُّحَف الصينِيَّة ثمنها بِمِئات الأُلوف، ولِكُلِّ زاوية تُحْفة ؛ فهُوَ رجلٌ ذواقٌ، ومَيْسور الحال، مات في أحد الأيام المُمْطِرة في الشام قبل عشر سنوات جاءَتْ سبعة أيامٍ ممطِرة جداً ؛ فاض نهْرُ بردى ودخل إلى المحلات التِّجارِيَّة، مُدير معْمله يحضر عندنا في المسْجد فقال لي: أُذِتْ جنازته إلى المَقْبرة وفُتِح القَبْر فإذا مِياهٌ سَوْداء تجْري فيه، سئل ابنه ماذا نفْعل فقال: ضَعوهُ، مُدير المَعْمل المُوَظَّف يقول: مرَّتْ عليَّ سبْعة أيامٍ لا آكُل الطعام ولا أُصدِّق، مُعَلِّمي هنا وُضِع ! أذْواقُهُ عالِيَة جداً، نظيفٌ ومُوَسْوَس ودائِماً أثاثه من أعلى المُستوى وُضِع في قبرٍ تجْري فيه المِياه وهذا القَبْرُ مصيرُنا جميعاً، قال تعالى:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
[ الحاقة: الآية 30 -33 ]
تدْعوه إلى درْس عِلْمٍ وإلى حُضور درْس جمعة وإلى سماع شريط وإلى قِراءة كِتابٍ يقول لك: ليْس معي الوقت ؛ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم وفضْلاً عن ذلك: ولا يحُضُّ على طعام المِسْكين؛ يَمْنع الخير قال تعالى:
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)﴾
[ الحاقة: الآية 35-37]
هذا مشْهد وذاك مشْهدٌ ؛ النموذج الأول ثمنه الطاعة والثاني ثمنه المعْصِيَة والأول إقْبال والثاني إعْراض والأول تصْديق والثاني تكْذيب الأول إحْسان والثاني إساءة والأول اسْتِقامة والثاني تَفَلُّت ؛ إنْ أردْتَ هذا الطريق كان لك ما تريد وإن أردتَ ذاك كان لك ذاك الطريق.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-15-2018 01:46 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحاقة (69 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والثلاثون من سورة الحاقة وهي قوله تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
أوَّلاً ربنا جلّ جلاله إذا أقسم بِشَيءٍ فبالنسبة إلينا وإن لم يُقْسِم فبالنِّسْبة إلى ذاته العَلِيَّة وهناك تفْسير آخر وهو أنَّ الله تعالى إذا قال لا أُقسِم أيْ أنَّ هذا شيءٌ بديهي لا يحْتاج إلى قَسَمٍ فإما أنْ تفْهم معنى لا أُقسِم على هذا المعنى أو أنْ تفْهمه على أنَّ الشيءَ إذا نُسب للإْنسان فالله يُقْسِم به لِيَلْفِتَ نظرنا إليه وإنْ لم يُقْسم فَبِالنِّسْبة إليه على كُلٍّ مضْمون هذا القَسَم:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
كأسُ ماءٍ صافٍ عذْبٌ فُرات لو وُضِع تحت المِجْهر لَرَأيْتَ تحت هذا الكأس الصافي الذي تشْتهيه نفْسك من الكائِنات ما لا يُصدَّق ! ولو كان بِإمْكانك أنْ ترى ما فيه لما شَرِبْتَهُ قال تعالى
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾
[ القمر: الآية 49 ]
أنت لا تُبْصر وهناك عَتَبَة رُؤْيا محْدودة وعَتَبَة سمع محدودة وعَتَبَة إدْراك محدودة فالحواسُ محدودة ؛ هناك أشِعَّة فوق الحَمْراء يُمْكن أنْ ترى بها في الليل وهناك أصْوان فوق العَتَبَة الإنسانيّة إذْ هناك صوْتٌ تُصْدِره بعض الأجهزة لا تسْمَعُهُ أنت أبداً ولكن تتضايَقُ وهناك صُوَر تراها في الظلام الدامس عن طريق أشِعَّة أنت لا تراها، على كُلٍّ هذه الآية من أوْسع الآيات ؛ فأنت إذا وقَفْتَ على شاطئ بحْرٍ ماذا ترى ؟ ترى مِياهاً زرقاء فَهَل غُصْتَ في أعْماق البحر ورأيت الجُزُر المُرْجانِيَّة والحيتان ومليون نوع من الأسْماك ونباتات لا يعْلم عددها وحقيقتها إلا الله أما في باطن البحر لا تُبْصِرُ شيئاً فَهَل تُصَدِّق أنَّ هذه الطاولة مُؤَلَّفة من ذراتٍ وكُلّ ذرّة مُؤَلَّفة من نواة ؟ ومن كهارِب تدور بسُرعة حول النواة ؟ أيُّ شيءٍ تقع عَيْنُك عليه هو ذرات والذرات فيها حركة كبيرة جداً فَكُلّ ذرة عِبارة عن نواة ومسارات وكَهارِب وسُرْعات مُتبايِنَة وكُلّ ما في الكوْن أساسه عناصِر والعناصِر أساسها جُزْئِيات والجُزْئِيات أساسها ذرات ؛ كُلُّ هذا لا تراه عَيْنُك فماذا ترى أنت ؟ أنّ الشمس تُشْرق وتغيب، أما الذي لا تُبْصِرُهُ أنّ الأرض تدور حول الشمس وأيْنما ذهبْتَ إلى سطح الأرض ترى السماء من أعْلى وأما في الجنوب ففي الحقيقة أنّ السماء من أسْفل فالقُرى من هنا والبحار من هناك واذْهب للقُطْب الجنوبي ترى السماء نحو الأعلى الماء نحو الأسفل أما الواقع السماء نحو الأسفل والماء كذلك فماذا تُبْصر أنت ؟ الحواس محدودة والله عز وجل رحْمَةً ينا جعل لنا الحواس محدودة فالأمْواج الصوْتِيَّة تتخامد ولو أنها لا تتخامد كالمَوْجة الكَهْرطيسِيَّة كُلّ أمواج البحر نسْمعها في الشام وكُلّ أصوات المعامِل نسْمعها هنا، ففي سوق النحاسين هل تحْتمل أنْ تمْشِيَ فيه ؟ لو أنّ الصوت لا يتخامد المَوْجة الصَّوْتِيَّة تسْتمرّ بِسِعَة ثابتة كالموجة الكهرطيسيّة فالأصْوات في الأرض كُلِّها عندنا هنا وبذلك تُصْبح حواس الإنسان جحيماً، فالحواس محدودة:" فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصِرون " أنت لا ترى الذرة في الخشب ولا الذرة في الحجر ولا ترى ما في الماء من كائِنات حيَّة بيكْتيرْيات فَهِيَ موجودة ولكنّك لا تراها، فربنا عز وجل أقْسَم بما تقع عليه حواسنا ؛ أنت إذا نظَرْتَ إلى السماء ماذا ترى ؟ وكم بالإمكان أنْ تعُدّ من النجوم ؟ العلماء قالوا عشْرة آلاف فأَكْبر إحْصاءٍ للنجوم بالعَيْن عشْرة آلاف فَكَم من مَجَرَّة فيها ؟ هناك مليون مليون مجَرَّة تقْريباً وكُلّ مجَرَّة هنام مليون مليون نجْمٍ فاثْنى عشر صِفْر مع اثْنى عشر صِفر هو تقْديرٌ مبْدَئي لِما في الكَوْن من كواكب ونجوم فماذا ترى العَيْن من هذا الكَمِّ الكبير ؟ عددٌ قليل، فحَواسُّنا محْدودة لِذلك قالوا: عدم وِجْدان لا يَدُلُّ على عدم الوُجود ؛ ففي جَوِّ هذا المسْجد هل تَرَوْنَ شيئاً ؟ لا ترى شيئاً ولكنَّك إذا أتيْتَ بِمِذْياع واسْتَقْبلت به المحطات تجد هناك بثٌّ لإذاعة لُنْدن وبثٌّ لإذاعة دمشق وبثٌّ لإذاعة الشرق لكنّك لا ترى شيئاً بِعَيْنِك فَهُناك أمْواج إذاعِيَّة وأمْواج تِلِفِزْيونيَّة وهناك في أعْماق الجِبال مُسْتَوْدعات المِياه وفي أعْماق الأرض سائل ناري كُلُّ هذا لا تراهُ عَيْنُك، أنت إذا نظرْت إلى جِلْدك ماذا ترى ؟ جِلْد ناعم ولطيف و جميل فهل ترى الخلايا ؟! لو كبَّرْتَ سطح جِلْدِك لَرأَيْتَ جِبال وَوِهاد وتِلال وصُخور وكُهوف ؛ هناك بعض المجاهر الإلِكْترونيَّة تُكَبِّر ثلاثمائة ألف مرَّة فَسَطْحُ الشَّعْرة تراهُ خَشِناً ومَوْضِع البصلة تراها مثل الكُهوف فأنت لا ترى شيئاً بل الظاهر البسيط فَرَبُّنا عز وجل يلْفِتُ النظر في هذه الآية إلى ما في هذا الكَوْن من عجائِب ؛ وهل ترى البتْرول ؟ يُقال لك: كُلّ يوم هناك أربعة مائة ألف بِرْميل ومن خمْسين سنة ولا يزال هناك اِحْتياطي لمائة سنة قادِمَة كُلّ يوم أربعة مائة ألف بِرْميل فأين هذه المُسْتَوْدعات ؟ قال تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
وقال تعالى:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
[ طه: الآية 6 ]
ثروات تحت الثرى ومعادن ونفائِس وفُسْفات وبتْرول ؛ أنت ماذا ترى ؟ لا ترى شيئاً لذلك عدم وِجْدان لا يَدُلُّ على عدم الوُجود والله عز وجل أعْطاك حَواساً وأعْطاك عَقْلاً مع الحواس وهذا العَقْل من أجْل أنْ تكشِف به الحقائق ما هو جواب القَسَم في قوله تعالى
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾
[ الحاقة: الآية 38-40 ]
فالذي أنْزل هذا القرآن هو الذي خلق ما تُبْصِرون وما لا تبصِرون قال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾
[ الأنعام: الآية 1 ]
وقال تعالى:
﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)﴾
[ الكهف: الآية 1 ]
فَالكَوْنُ كلُّه في كَفَّة والقرآن في كَفَّةٍ والكون خلْقُهُ والقرآن كلامه فَجَواب القَسَم: هذا ليس كلامَ البشَر وليس كلامَ محمد عليه الصلاة والسلام وليس من صِياغة البشر إنما من خالق البشر
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾
[ القلم: الآية 38-40 ]
إنه- القرآن - لقول رسول كريمٍ، وكلام النبي الذي أوْحى الله به إليه قال تعالى:
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41)﴾
[ الحاقة: الآية 41 ]
هل هذا شِعْر ؟ هذا ليس بِشِعْر
﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42)﴾
[ الحاقة: الآية 42 ]
فَما هو إذاً ؟ قال تعالى:
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾
[ الحاقة: الآية 43 ]
هذا هو تعْريف القرآن ؛ الذي خلق السماوات والأرض نزَّل على محمد هذا الكِتاب،ولن نسْعَدَ ولن نسْلَمَ ولن نفْلحَ ولن نرْقى إلا إذا فهِمْناهُ وطبَّقْناه ؛ تنْزيلٌ من رب العالمين كُلّ ما في المَكْتبات في العالم في كَفَّةٍ وهذا الكِتاب في كَفَّة لأنَّ فضْل كلام الله على فضْل كلام خلْقِهِ كَفَضْلِ الله على خلْقِهِ فهذا كلام الخالق والمُبْدِع وكلام الإله وكلامُ رب العالمين لا يأتيه الباطل لا من بين يدَيْهِ ولا من خلْفِهِ فهو كما قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾
[ الحاقة: الآية 40-43 ]
لو تَصَوَّرْنا أنَّ النبي جاء من عِنْدِه ألا يتدَخَّلُ الله تعالى ؟ إذا ادَّعى إنسانٌ أنه رسول الله وهو ليس كذلك ألا يتدَخَّلُ ربنا عز وجل ؟ وهل يسْمح أنْ يوهِمَ الناس أنه رسول الله ؟ مُسْتحيل قال تعالى:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)﴾
[ الحاقة: الآية 44 ]
لو قال شيئاً ما أنْزلْناهُ عليه وما أوْحَيْناه عليه قال تعالى
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾
[ الحاقة: الآية 44-47 ]
فما مصير من يجْرُؤُ على الله ويدَّعي أنه رسول الله ؟ يُقْتل ويُكَذَّب والله تعالى قال:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)﴾
[ الكهف: الآية 51 ]
يسْتحيل على الله أنْ يدْعَمَ إنْساناً كاذِباً ومُفْتري ويهيئ سُبُلَ النجاح قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾
[ الحاقة: الآية 44-47 ]
بِشِدَّة ولَبَطَشْنا به ثم قال تعالى:" ثم لقطعنا منه الوتين " أنْهَيْنا حياته ثم قال تعالى:" فما منكم من أحد عنه حاجِزين " من يحول بينك وبين الله ؟ لا أحَدَ، ومن ذا الذي يجْرُؤ إذا أراد الله بإنْسانٍ شيئاً أن يحول بين مشيئة الله وهذا الإنسان:" فما منكم من أحد عنه حاجِزين " ثم قال تعالى
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)﴾
[ الحاقة: الآية 48 ]
هو تَذْكرة لأنّ الإنسان مُجَهَّز بِعَقْلِهِ وفِطْرته أن يؤمن بالله والقرآن تذكرة مُجَهَّز بِعَقْلِهِ وفِطْرته أن يؤمن بالله ولكنّ القرآن جاء لِيُذَكِّر لا لِيُحْدِث شيئاً لم يكن من قبل بالأساس مؤمن بِعَقْلِك وفِطْرتك لكنّ القرآن للتذْكرة قال تعالى:
﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾
[ الحاقة: الآية 48-52 ]
نحن أحْياء الآن وقلبنا ينبض وفي العُمُر بقِيَّة وهو بين أيْدينا فإذا قرَأْناه واتَّبَعْنا ما فيه سَعِدْنا أما الذي يُهْمِلُهُ فالوَيْلُ له كَمَثَلٍ للإيضاح فقط: هناك جِهاز يكْشِف زيتَ العُمْلات مُمكن أن تبيع كلّ ثَرْوَتك بِعُمْلَةٍ أجْنَبِيَّة وتقْبِضُها ولا تُدَقِّقُ بِمِصْداقِيَتِها ومعك جِهازٌ في جَيْبِك ‍! لك أن تسْتعْمِلَهُ وتكْشِف زَيْفَها من صِحَّتِها ؛ ثمّ فوجِئتَ أنّ كلّ هذه العُمْلة مُزَوَّرة وهي تُساوي كلّ ثَرْوَتِك سَتَكون لك كالصاعِقَة، لذلك الكِتاب بين أيْدينا فيه الدلالة والإرشاد والهدى والبيان وهو كِتاب الله المُبين وحبْلُهُ المتين وهو العِصامُ الذي يعْصِمُ المؤمن قال تعالى
﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)﴾
[ الحاقة: الآية 50-51
الحق هو الشيء الثابت واليقين هو القَطْعي فالله تعالى قال في كِتابه:
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ ابراهيم: الآية 27 ]
فالقول الثابت هو هذا الكِتاب لا يتبَدَّل ولا يتغَيَّرُ ولا يُعَدَّلُ ولا يُضافُ عليه ولا يُحْذَفُ منه كمالٌ مُطْلق كلام رب العالمين:
﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾
[ الحاقة: الآية 51-52 ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-15-2018 01:50 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المعارج (70 )



الدرس الاول



المعنى الحقيقي وراء مفهوم الخوف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4970/01.jpg
الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سيّدنا محمد الصـادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام ؛ الآية التاسعة عشرة من سورة المعارج ، وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * ﴾
[سورة المعارج الآية : 19-22]
كلمة الإنسان أيْنما وردت في القرآن مُعَرَّفَةً بِأَلْ فهي تعْني الإنسان قبل أنْ يعرف الله ، الإنسان قبل أن يتَّصِل به , وقبل أنْ يُطيعهُ ما طبيعَتُهُ ؟ ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
شديد الهَلَع : يخافُ كثيراً . ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
جذوع على وزن فعول , وهي صيغة مُبالغة أيْ كثير الجَزَع . ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
لي صديق يعْمل في الطيران , فقال لي كنا في رحلةٍ إلى باريس , وإذا بالطائرة تدخل في سحابةٍ مُكَهْربة في الشتاء , فَقُطِعَ رأسها الأمامي مكان الرادار , وكُسِرَ بِلَّوْر كبير وتعَطَّلت بعض الأجهزة , وكان سُقوط الطائرة مُحَقَّقاً ، رُبان الطائرة أعطى أمر بالهُدوء , والركاب بِوَضْعٍ مُخيف , ومنهم من يضْرب رأسه , ومنهم من يصيحُ بِوَيْلِه , ومنهم من يذكر أولاده لأن الموت مُحَقَّق ، وحركة الركاب , وضجيجُهُم يُسيء إلى سلامة الطيَران , فأعطوا لهم أمراَ من جديد , ثمّ اضْطر إلى إِعْطاء أمر إلى أحد الركاب لِيُهَدِّأهم , فما وجدوا أحداً يُصْغي من شِدَّة الهَلَع , وبالنِّهاية وَجَدوا رجلاً هادِئاً , ومُغْمِض العَيْنَيْن فَتَوَسَّموا فيه الخير لعلَّهُ يقف وينصح الركاب بِالهُدوء , فلما وصلوا إليه وجدوهُ مُغْماً عليه من شِدَّة الخوْف ؛ وهذا معه مرضٌ خبيث , وقال له الطبيب : اِنْهِ مُشكِلاتك وصَفِّ حِساباتك وودِّع أوْلادك إذْ معه ثلاثة أشهر على الأكثر ، ثاني يومٍ ماتَ لأنَّهُ ما تحَمَّل هذه المُدّة فماتَ . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج الآية : 19-22 ]
وهناك أشْخاص يَرْجِفون عند الخوف , وآخرون يخْتلّ توازُنُهم , ومنهم من يُفْرِغ مثانته . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4970/02.jpg
فهل هذا ذَنْبٌ له ؟ لا ، هذا ضَعْفٌ في أصْل خلْقِهِ , وهو لِمَصْلَحَتِهِ ؛ كيف ذلك ؟ الذي معه أجْهزة إلِكْترونية غالِيَة جداً , وكُلفة الجِهاز بِالمَلايين ، يجد هناك ما يُسمى بالفيوز ، فما هي الفيوز ؟ وصْلة كهْربائية ضعيفة جداً , فإذا جاء التيار بِقُوَّة مائتين وأرْبعين يحدث هناك احْتِراق وينْقطع التيار فَبَدَل أنْ ينْعطِب الجِهاز ينْعَطِب الفيوز الذي لا تزيد كُلْفَتُهُ عن ليرتين , فهذا الفيوز نُقْطة الضَّعْف بِالجِهاز فهي لِمَصْلَحتِه ، لذلك الضعف في أصل خلق الإنسان مصْلحته كلما لاح له شَبَح مُصيبة لجأ إلى الله وتاب إلى الله , وأقبل إلى الصلاة وأصْلح نفسه , وراجع حِساباته . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4970/03.jpg
لو أنّ الله خلقه , ولم يجْعل فيه الخوف لن يتوب , ولا يصْطَلِحُ مع الله , ولا يُطَبِّق المنهج , ولا يلْتجِئُ إلى الله , لأنه قوي , وفي الحالات النادرة . ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق الآية : 6 ]
فهو إذا رأى نفْسه غنياً يطْغى ؛ مالٌ , وصِحَّة , ومنْصب رفيع , وسَيْطرة . ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
الهَلوع ، الجذوع , هذه صِفَةٌ خلْق في الإنسان , ولكنها لِمَصْلَحَتِه , ومن أجل أن تُلْجِئَهُ إلى الله ، كان عليه الصلاة والسلام إذا حَزَمهُ أمرٌ سارع إلى الصلاة ؛ من أجل أنْ يتذكَّر الله عز وجل , فالإنسان إذا كان بِأَعلى درجات الصحَّة يشْعر بِكُتلة في جِسْمِه يزْدادُ حجْمُها , فإذا صلى , وقام الليل , ودعا الله , وقرأ القرآن , ويحضر درس علم ، كلُّ هذا الخَوْف هو سبب نجاتِهِ , وتَوْبَتِه , وإقْباله على الله ، كُلّ هذه الخصائص التي اخْتصها للإنسان هي لِمَصْلَحة الإنسان ؛ حالات كثيرة للتَّوْبة أساسها الخوف من المُصيبة , والإفْلاس , والخوف من مرض خبيث , وخوفٌ من فقْدِ حُرِّيَة , وخوفٌ من تدْمير المال . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * ﴾
[ سورة المعارج الآية : 19-22 ]
العمل الصالح تجارة رابحة :
الأمر الثاني هو: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
[ سورة المعارج الآية : 21 ]
فإذا كان معه مالٌ تجِدُه حريصاً على عدم إنْفاقه , وحريصٌ على كنْزِهِ وتَنْمِيَتِه والسبب أنَّ المال مُحَبَّب ، لماذا جعل الله الإنسان يُحِبُّ المال ؟ من أجل أنْ يرقى إلى الله إذا أنْفَقَهُ , شيءٌ محْبوب .
فإذا أعْطَيْتَ لِشَخْصٍ خمسة آلاف , فالمال مُحَبَّب لأنك به تأكل وتشْرب , وتلْبس , وتتنزَّه , وتُحَسِّن به بيْتَك , وتُحَقِّق وُجودك به , فأنت اِقْتطَعْته من حاجاتك وبذَلْتَهُ لِوَجْه الله ، ولولا أنَّ الإنسان يُحِبُّ المال في أصل خلقه لما ارْتقى بإنْفاقِه والدليل قوله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 14 ]
ولولا أنك تُحِبّ أن ترى امرأةً جميلةً لما كان هناك ارْتِقاءٌ بِغَضِّ البصر عنها إذْ أنَّها مُحَبَّبَة , فَحِين تغضُّ بصرك عنها ترْقى إلى الله , وتكون ممن عاكسَ شَهْوته ، ولولا أنك تُحِبّ المال لما ارْتَقَيْتَ في إنْفاقِه , فهاتان الصِّفتان الخوف , والضَّعْف , والحِرْص الخوف من خطرٍ والحِرْص للخير قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
بعد أنْ يعْرف الله , ويتَّصِل به يُصْبح مُتَوَكِّلاً عليه , وإذا أردْتَ أنْ تكون أقْوى الناس فَتَوَكَّل على الله , وبعد ما ترى ما عند الله من خير تُنْفِقُ بِسَخاء , فَشِدَّة الجزع , وشِدَّة الحِرْص دليل عدم معْرفة الله إذْ بعد المعْرفة تُصبِحُ شُجاعاً , وثابت الجنان , ومُتوازِناً , وقوراً , ومُنْفِقاً للمال بِسَخاء ، قالت السيّدة عائِشَة عن سيِّدنا عَوْف : (( أخْشى أنْ يدخل الجنّة حَبْواً فلما بلغه ذلك قال : والله لأَدْخُلَنَّها خَبَباً وماذا عَلَيَّ إذا كنتُ أُنْفِقُ مئَةً في الصباح فَيُؤْتيني الله ألفاً في المساء ؟‍!. ))
وهذا سيّدنا عثمان جاءَت سِتّ مئة ناقَةٍ مُحَمَّلةٍ بِضاعَةً من الشام مما يُعادل ستّ مائة شاحنة معَمّرة بالبضائع , وكان من الأغْنِياء رضي الله عنه , وكان ذاك العام عامُ مَجَاعة ؛ ربَّحوه عليها بالمائة عشرة وعِشْرين , حتى بالمائة خمس مائة فَدُفِع أكثر فلما يَئِسوا منه قال : هي لِوَجْه الله لِأهل المدينة لأنّ الله وعدني بالحسنة عَشْر أمْثالها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4970/04.jpg
فالإنسان بعد أنْ يؤمن وبعد أنْ يعرف الله يُصبح يُحِب المال لِيُنْفِقَهُ لا لِيَخْزِنه ؛ مُحَبَّبٌ بِإنْفاقِه والعلماء قالوا : من أجل أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أمِن أهل الآخرة ؛ أهل الدنيا يُحِبون أخْذ المال , وأهل الآخرة يُحِبون إِنْفاقه , وهذا هو الأرْيَح الذي يرْتاحُ للعطاء فهذه الآية : ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
تَصَوَّروا إنْساناً أراد أنْ يُهاجِر من بلَدِه , وكان طُموحُه أنْ يكون بِبَلَدٍ مُعَيَّن الأمور مُيَسَّرو والبيوت رخيصة , والتجارة سهْلة , والمناظر جميلة , والأرباح طائِلة , فإذا به يبيعُ بَيْتَهُ , ومعْمَلَهُ وحوَّلَ كُلّ أمْلاكِه إلى بلد الذي يطْمحُ أنْ يصِل إليه فَمَن قدَّم ماله سَرَّهُ اللحاقُ به فإذا كان للواحد منا ملايين في بلدٍ أجْنبي ولا شيءَ معه في بلدِهِ سَتَكون أصْعبُ لحظاته حين ركوبه الطائرة للذهاب لِمالِهِ فَهُناك يشْتري الفِلات , والبيوت , والمَرْكبات ، والمؤمن حينما يُرْسِل ماله أمامه إلى الآخرة يُسِرُّه اللحاقُ به , أما إذا كان لإنْسانٍ كلُّ مُكْتَسَباته ؛ بيْتٌ فَخْمٌ , وزينة , وتركيب , ومكاتب , ومرْكبات تُصْبح الموت عليه كالجبل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4970/05.jpg
قالوا : لماذا نَكْره الموت ؟ قال : لأنكم عَمَّرْتم الدنيا وخَرَّبْتم الآخرة , والإنسانُ يكْرهُ أنْ ينْتَقِل من عمار إلى الخَراب ، إذا سَكَّنا شخْصاً بِالمالكي أربعة مائة متر ؛ تكييف وتدْفئة وفرْش وتزيين , وكلُّ شيءٍ جميل , فإذا أسْكَنْتَه تحت الأرض بِبَيْتٍ فيه غُرْفة ‍! فالإنسانُ يكْرهُ الموت لأنَّ لا عَمَلَ له صالح ويكره الموت لأنه عَمَّر الدنيا , وخَرَّب الآخرة , ويكره الموت لأنه ما قدَّم ماله أمامه ، أصعبُ شيءٍ المُغادرة .
لي صديق كان معه شخْصٌ عنده مرض في قلبه فقال لي , لقد كان مُتَألِّماً وسأقول لكم - سامِحوني – عِبارته : قال له : بنْتُ هذا الحرامي - على زوْجَتِه - غداً أموت وسَتَتَزَوَّجُ ؛ لأنَّهُ رأى مصيره حتى ركَّزَ هذا البيت وأفْرَشَهُ , فإذا مات وزوْجَتُهُ شابة تتزوَّجُ آخر على سِنِّها فإذا دخل ذاك الزوْج البيت وَجَدَهُ جاهِزاً ، فالإنسان إذا لم يكن له عملٌ صالح ينْسَحِقُ سَحْقاً أما الذي بِكَفَّتِهِ أعْمالٌ صالحَة قالت له : واكرْبتاهُ فقال : لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم غداً نلْقى الأحِبَّة محمداً وصَحْبه فاجْهَد إذا جاءَك ملَكُ الموتِ أن تمون أسْعَدَ الناس وأنْ تضْحك وحْدَك ومن حَوْلك يبْكون اِجْهد أنْ تضْحك وحْدك ، الأعمال الصالحة .
إخْواننا الكِرام ؛ ضبط الجوارح , وضبط اللسان , وغضّ البصر , وإنْفاق المال وذِكر الله عز وجل , وطلب العلم وتعْليم العِلم , هذه كُلُّها بِضاعة الآخرة فمن أكثر من هذه البِضاعة سَرَّهُ الذهاب إليها ومن قلَّل من هذه البِضاعة يكون قد آلمه جداً ترْكُ الدنيا .




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-15-2018 01:52 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المعارج (70 )



الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام، مع الآية الثانية والعِشرين من سورة المعارج والتي بعدها وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
شرحْتُ في الدرس الماضي أنّ الإنسان فيه ضَعْفٌ خلقي في أصل خلقِه لِمَصْلَحته ؛ خلقه ضعيفاً لِيَفْتَقر إليه فَيَسْعَد بافْتِقاره إليه ولو خلقه قوِياً لاعْتَدَّ بِقُوَّتِه واسْتَغْنى بِها فَشَقِيَ باسْتِغْنائِه وهذه الصَّفة الهلوع ؛ كثير الجزع شديد الحِرْص ؛ لأنَّهُ شديد الحِرص يرْقى إذا أنفق المال ومن شِدَّة الجزع إذا لاحَ له شبحُ مصيبةٍ أسرع إلى باب الله عز وجل فَسَبَبُ الإقْبال إلى الله والرُّقِيِّ إليه هي هذه الصِّفة التي هي ضَعْفٌ في أصْل خلقه ؛ إلا أنَّ الله تعالى اسْتثنى المُصَلين قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
وأنا في طريقي البارحة للخروج من هذا المسْجد اسْتَوْقَفني أخٌ كريم وقال لي الناسُ كلُّهم يُصَلُّون وهم يجْزعون ويحْرِصون على المال ولا يُنْفِقون والجواب أنُّه ليس كل مُصَلٍّ يصلي ! إنما أتَقَبَّلُ الصلاة ممن تواضع لِعَظَمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسى العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي وعزتى وجلالى إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما والظلمة نوراً يدعوني فألبيه ويسألني فأعطيه ويُقسم عليَّ فأبره أكلأه بقُربي وأستحفظه ملائكتي مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمسّ ثمرها ولا يتغيَّر حالها.
الآية الكريمة يقول فيها تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
كلمة إنسان كم تُغَطي ؟ تُغَطي خمسة آلاف مليون، أضِف لهذه الكلمة صِفَة واحدة ؛ إنسانٌ مُسْلِم، تجد أنَّ الرقم نزل من خمسة آلاف مليون إلى مِلْيار ومائتين، بِكَلِمة واحدة طارَتْ أربعة أخْماس وإذا أضَفْتَ كلمة ثانية ؛ إنسانٌ مسلِمٌ عربي ؛ مائتان مليون فَمِن مليار ومائتين إلى مليار، طيِّب إذا قُلت: إنسانٌ مسلم عربي مُستقيم... كُلُّ صِفَةٍ تُضاف على المَوْصوف هي قَيْدٌ له وتُضَيِّقُ دائِرَتَهُ، الآن اسْمعوا الآية:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
كُلّ واحدٍ قال: الله أكبر فَهُوَ مُصَلي، ثم قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
هذه أوَّلُ صِفة ثم قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾
ضاقَتْ:
﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26)﴾
ضاقَت أكثر:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾
[ المعارج: الآية 26-35]
إذا تَوَفَّرَتْ في المُصَلي كُلّ هذه الصِّفات فهو ممن تعْنيه الآية وتَشْمَلُهُ شرْطَ تَوَفُّرِها فيه، لذلك المُصيبة الكبيرة أنَّ الإسلامَ منهَجٌ كامل في كُلِّ شؤون الحياة، وهذا المنهج مُسِخَ إلى خمْس عِبادات ؛ تُصَلي وتصوم وتحُجّ وانتهى الأمر أما في التعاملات والبيع والشِّراء والعلاقات العامة تَفَلُّتٌ والمنهج كبيرٌ جداً وهو منهج تَفْصيلي لِكُلّ حركاتك وسَكَناتك فهذا هو الشيء المُهِمّ جداً.
أيها الإخوة هناك تَوَهُّم ؛ أنَّ الدِّين بِالمَسْجد، الشركات الكُبرى لَدَيْهِم مندوبو مبيعات، يأتي للمَكْتب الساعة الثامنة والنِّصْف يتلَقى التَّعْليمات ثمّ يُغادِر ثمّ يأتي أوَّل الشهر ويَقْبِض معاشَهُ فَعَلاقَتُهُ بِالشركة تَلَقي التعْليمات وقَبْض الراتب ؛ أين عملُهُ ؟ في الحقول والأسْواق ويُسافر، كذلك المسجد تتلقى منه التعْليمات وبالصلاة تقْبض الجائِزة، أما الدِّين أين هو ؟ بِالبَيت والدُّكان والعمل والمكتب المُحامي وعِيادة الطبيب والمكْتب الهندسي وبِالأسْواق وبالبَيْع والشِّراء ؛ هنا الدِّين، ولا يبْدو الدِّينُ صارِخاً إلا في التعامُلات والدِّينُ المُعاملة فأنت تتلقى التعليمات بِالمَسْجد في الخُطَب والدروس وحينما تأتي لِتُصَلي تَقْبُض جائِزة من الله، إذا تمَثَّلْت أوامر الشرع سَتَشْعُرُ بِحالٍ مع الله في الصلاة لم تكُن تشْعر به من قبل، فأما أنْ يمْسخ الدين إلى خَمْس عِبادات ؛ لا، النبي عليه الصلاة والسلام قال:" بني الإسلام على خمس " هل الإسلام هذه الخَمْس أم البِناء الذي فوقهُ ؟ هذه دعائِم فالعِبادات دعائِم أما الأصل البناء الأخلاقي، فيا إخواننا الكرام، ما لم تتفَقَّه في الدين وتعْرف الحلال والحرام وما ينْبغي وما لا ينْبغي وما يجوز وما لا يجوز، في كَسْب المال، في إنْفاق الطعام، في تناوُل الطعام في علاقتك بِزَوْجَتك وأوْلادك وجيرانِك، في بَيْعِك وشِرائك وكلامك، في لَهْوِكَ وفرَحِك وحُزْنك، وفي اتِّصالاتك وحفلاتك والمآثم والأفراح، وفي السفر والحضر ؛ منهجٌ كاملٌ، فالمُسلم يُطَبِّق منهج الله عز وجل بِكُلّ حذافِره وتَفْصيلاته كيْ يكون من المُصلين ويقْبض الأجرة في الصلاة، ذَكَرْتُ مرَّةً أنّ هناك عِبادات تعامُلِيَّة وهناك عِبادات شعائِرِيَّة، فالصلاة والصوم والحج كُلُّ هذه عِبادة شعائِرِيَّة، أما العبادة التعامُلِيَّة أن تكون صادِقاً وأميناً وعَفيفاً فإذا طَبَّقْتَ العِبادات التعامُلِيَّة صَحَّتِ العبادات الشعائِرِيَّة ؛ لذلك من حَجَّ بِمالٍ حرامٍ يُناديهِ مُنادٍ في السماء: أنْ لا لَبَّيْتَ ولا سَعْدَيْتَ وحَجُّكَ مرْدودٌ عليك، من لم يَدَع قول الزور والعمل به فَلَيْس لله حاجَةٌ في أنْ يدع طعامه وشرابه ؛ هذا حديثٌ آخر، قال تعالى
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا﴾
﴿ يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)﴾
[ التوبة: الآية 54 ]
فالإنسان كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
[ المعارج: الآية 19-22 ]
في ما بين الصلاتين بالدعاء والاسْتِغْفار والتسْبيح والحمْدُ والثناء فهُو دائِماً يذكر الله عز وجل أو يُذَكِّر العِباد بالله عز وجل فيما بين الصلوات ؛
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)﴾
[ المعارج: الآية 23-28]
فهُوَ يُدْخل الآخرة في حِساباته اليَوْمِيَّة فأَيُّ كلِمَةٍ يتفَوَّهُ بها وأيُّ علاقة يُقيمُها ينتظِر أنْ يسْأله الله عنها ؛ يَعْضِها على ميزان الآخرة هل هي تُرْضي الله أم لا تُرْضيه ؟ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29)﴾
[ المعارج: الآية 27-28 ]
يغُضّ بصره ويضْبط لِسانه ؛ العَيْنُ تزْني وزِناها النظر والأذن تزْني وزِناها الاسْتماع، واللسان يزْني واليد تَزْني والرِّجْل تزْني وهناك الزنا الفاحِش قال تعالى:
﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾
[ المعارج: الآية 30-34 ]
إذاً ليس كُلّ مُصلٍّ يُصلي، يجب أنْ تُصلي وتُقيم تفاصيل منهج الله تعالى حتى يكون للصلاة عندك معنى.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:06 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الجن (72 )



الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشرة من سورة الجنّ، وهي قوله تعالى حِكايَةً على لِسانِ الجنّ:
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ الجن: الآية 13 ]
أيْ لا يخافُ أنْ يُغْلب ولا يخاف أنْ يُجْهَد، لن يرْهَق، ولن يُظلم ؛ هذا كلامُ الله عز وجل، فإذا آمنْتَ بالله واسْتَقَمْتَ على أمْره لا يُمكن أنْ يكون العاصي أنْجَحَ منك، ولا أفْلح منك، ولا أشَدَّ فَوْزاً منك، ولا أعْقَلَ منك إنَّكَ إنْ آمنْتَ بالله عز وجل لن يُضَيِّعَ عملك، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[ الزلزلة: الآية 7-8 ]
عملك محْفوظٌ، والأعمال الصالحة مهما دَقَّتْ لها حِسابٌ دقيق عند الله والأعمال السيِّئَة مهما صغُرتْ لها حسابٌ دقيق عند الله، مركز الثِّقل في الآية ؛ فلا يخاف بخْساً ؛ أنْ يُبخس حقُّه ولا يُعْطاه، وأن يكون في المؤخِّرة، وأنْ يكون قد أطاع الله وخَسِر ؛ هذا مُسْتحيل ! كُلُّ شيءٍ ضَحَّيْتَ من أجْله يُضاعِفُه الله لك أضْعافاً كثيرة قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
أرَدْتَ الزواج من فتاةٍ مُتَفَلِّتة رائِعَةُ الجمال، وفتاةٌ مُلْتَزِمة أقلّ منها جمالاً فأنت اِخْتَرْتَ الأقلّ لِدينها، الله عز وجل يُعَوِّضُك عن الفَرْق في الجمال طِيبٌ ووفاءٌ وخيرٌ وأوْلادٌ نُجباء، وحياة مُسْتَقِرَّة وهُدوءٌ نفْسي لا يعْلمه إلا الله، أما لو آثَرْتَ حظَّ نفْسك واخْتَرْتَ البارعة في الجمال مع رِقَّةٍ في دينها فقد يكون البيتُ جحيماً، وقد يكون الشِّقاق مُستَمِراًّ وقد تكون النتائِج على خِلاف التَّوَقُّعات ؛ مُستحيل أنْ تُؤثِرَ جانب الله عز وجل في أيِّ شيء عُرِضَ عليك عملٌ بِدَخْلٍ كبير إلا أنَّهُ مشْبوه فقد تكون البِضاعة مُحَرَّمة أو الأساليب مُحَرَّمة، أو هذا العمل في جُمْلَتِهِ لا يُرْضي الله عز وجل، أو اخْتَرْتَ عملاً أقَلَّ دخْلاً لكنَّهُ صحيح وفيه خير للناس فحينما اخْتَرْتَ الأقلّ دخْلاً مؤْثِراً طاعة الله عز وجل وخِدْمَةَ عباده ينْبغي أنْ لا تخاف أنْ يبْخَسَكَ الله حقَّك، هذا الدَّخْل القليل فيه بركَةٌ كثيرة وفيه رِضْوان الله تعالى، ثمَّ يُعَوِّضُ الله عليك ما فاتك أضْعافاً مُضاعَفَة، أردتُ أنْ أقف على هذه الآية ؛ فمن يؤمن بربِّه فلا يخاف بخْساً أنْ يُبْخسَ حقُّه وأنْ يُؤخذ من حقِّه ولا يُظلم، ولا رَهَقَاً أنْ يُحَمِّله الله ما لا يُطيق لأنَّ الله تعالى لا يُكَلِّفُ نفْساً إلا وُسْعها بل إنَّ الله تعالى يُعينك على طاعَتِه ألا تقول في كُلِّ صلاة إياك نعبد وإياك نسْتعين ؛ أنت إنْ أردْتَ الطاعة وَفَّقَك الله إليها وإنْ أردتَ إنْفاق المال أعْطاك مالاً لِتُنْفِقَهُ، وإن أردتَ مُعاوَنَة الخلق ألْهَمَك فالفِعْلُ فعلهُ والطلب طلبك، تطلب الخير فَيَخْلُق الله لك الخير ويُنْسِبُه إليك أخٌ من إخْواننا له ابن عَمٍّ مُوَظَّف تُوُفِّيَ رقيق الحال فَدَخَل إلى بيْتِهِ وهو مُسَجًّى ؛ يُغَسِّلونه فقال لأولاده: أَعَلى أبيكم دَيْن، قال: نعم، فقال: والله اسْتَحْييْتُ أنْ أقول كم الدَّيْن ؟‍ تَوَقَّعْتُهُ ما بين العشرة والثلاثين، في اليوم التالي سألْتُ عن حجْم الدَّيْن فإذا هو مائة وثلاثون ألْفاً، فقال لي: والله دَفَعْتُها بالتمام والكمال وطِيبِ قلْب إلا أنَّني فوجِئتُ فقال لي يوم السبْت - هو دفع الخميس المبْلغ - اِتِّصالات للمعْمَل غير معْقولة بحيث أنَّهُ كان ربْحُه الصافي من تلك المبيعات مائة وثلاثين ألْفاً، وكانت الأسْواق جامدة ؛ قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
هل تتصدّق ثمّ تخْسر ؟ تغضّ البصر ثمّ يذهَب عنك ما رأيْت ؛ يمْنحُهُ مما نظر ‍‍!! لك الله عز وجل،الذي يقول أن في الجنة من الحور العين ممَّا لو أطلَّت إحداهنَّ على الأرض لغلب نورُ وجهها ضوء الشمس والقمر، فلئن أُضَحِّيَ بكِ من أجلهن أهون من أن أُضحِّيَ بهن من أجلكِ، هؤلاء الذين يستعجلون حظوزهم في الحياة الدنيا ؛ أذهبوا طيِّباتهم في الحياة الدنيا واستمتعوا بها ؛ وفي الآخرة ما لهم من خلاق،أما الذي كان وقَّافًا عند حدود الله و غضَّ بصره عن محارم الله، لم يملأ عينه من الحرام و لم يملأ جيبه من الحرام، لم يكذب من أجل أن يأخذ المال الكثير، هذا حال معظم المسلمين، يُمتِّعون أسماعهم بالغناء و أبصارهم بالمناظر التي لا تُرضي الله، سمعتُ البارحة خبرًا مُضحكاً ؛ أحد أعضاء مجلس الشعب بمصرَ قدَّم عريضة من أجل تأخير البرامج الكوميدية لوقتٍ متأخِّرٍ حتَّى يراها، سبحان الله !! حريصون على هذه المناظر والتسليات و هذه البرامج و هذه المسلسلات أكثر من حرصهم على صلاة التراويح، لذلك ما ترك عبدٌ شيئاًله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ اجن: الآية 13 ]
فأنت اخترتَ الطريق الصحيح، غيرك معه مائة مليون أما أنت ليس معك شيء فأنت الرابح، أقول لكم يا أيها الإخوة، في لحْظةٍ دقيقة تتَوَهَّمُ أنَّك خاسِرٌ بِطاعتك، وأنَّ الذي عصاهُ رابِحٌ فأنت لا تعْرف الله تعالى لأنَّ الله عز وجل يقول:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
[ الأحزاب: الآية 71 ]
معْنى ذلك أنَّك تُكَذِّبُ الله تعالى ؛ إذا رأيْتَ أنَّ طاعتك والْتِزامك خسارة وأنَّ الذي أخذ المال الحرام هو خيرٌ منك وأنَّ الذي تفَلَّت من منهج الله أرْقى منك فأنت لا تعرف الله تعالى، يجب أنْ تكون غَنِياًّ بِطاعتك ؛ كان عليه الصلاة والسلام يدْعو ويقول:" اللهمّ كما أقْررْت أعْيُنَ أهل الدنيا بِدُنْياهم فأَقْرِرْ أعْيُننا بِرِضْوانك " ذاك له أرضٌ يقول لك: لا أبيعُها ولو بمائة مليون وهذا لمع نجْمُهُ فلان وفلان يتكلَّم عن أوْلاده وشهاداته، وهذا قريرٌ بِزَوْجَته وهذا بِتِجاراته إذْ هناك من دخْلُهُ مليون باليوم، وهذا قرير بِبَيْتِهِ ، المؤمن يقول: حسْبِيَ الله ونِعْم الوكيل فأنت إذا كنت في طاعةٍ فأنت أقْوى إنْسان والمُسْتَقْبل لك، والله أيها الإخوة لو تعْلمون فَحْوى هاتَيْن الكلمتين: والعاقِبَة للمُتَّقين، هناك أشْخاص أقْوِياء وأغْنياء ؛ اُنْظر لِهؤلاء الذين عارضوا النبي صناديد وأقْوِياء وزعماء ؛ أين هم الآن ؟‍ في المزابل وأين هم أصْحاب النبي صلى اله عليه وسلَّم ؟ في أعْلى عِلِيِّين، إياك أنْ تكون في خندق المعادات للحق، لأنَّ الطرف الثاني هو الله ؛ فَمن أنت ؟! كُنْ جُندِياً للحق، ولا تعْبأ، ولو كانت درجتك في المجتمع دنِيَّة ؛ ربَّ أشعث أغبر ذي تمرين مدْفوعٍ بالأبواب لو أقْسم على الله لأبَرَّهُ، هذا مدير عام بِمَصْنع كبير، غُرْفَتَين للسكرِتارِيَّا، مكتب علاقات وسيارات، وكان له حاجب ؛ فهذا الحاجب إذا كان مُسْتقيم فظِفْؤُ هذا الحاجب قد تكون خيرٌ من في هذا المعْمل، ذهَبْتُ مرَّةً للمغْرب في مؤتمر إسْلامي مَثَّلْتُ سوريا ففي الفجْر سمِعْتُ عامل الحديقة يُصَلي الفجر بِصَوْتٍ لطيف، فقلتُ: ربما هذا العامل خير عند الله من كلِّ من في الفندق ! فأنت لا تعرف من هو أعظم شأناً عند الله ؛ لذلك الإنسان غَنِيٌّ بِطاعة الله وفقير بِمَعْصِيَته تعالى النقْطة الدقيقة:
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ الجن: الآية 13 ]








والحمد لله رب العالمين




السعيد 04-16-2018 08:08 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الجن (72 )



الدرس الثانى



قال تعالى : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا.
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام؛ الآية السادسة عشرة من سورة الجنّ وهي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
سؤال: هل الرزق مضمون؟!!
قد يسأل سائِل سؤال فيقول:
هل الرِّزْقُ مضْمون؟
الجواب:
مضْمون ومَوْزون فأصل الرِّزق مضمون ولكنَّ كَمِّيَته تتناسب مع حِكْمة الله عز وجل ، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[ سورة الشورى الآية: 27]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4973/01.jpg
قد يُحْرَمُ المرء بعض الرِّزق بالمعْصِيَة، فالله سبحانه وتعالى حَرَّك الرِّزق وثَبَّتَ أشياء كثيرة لِيَسْتَقِرَّ النِّظام على الأرض...
شُروق الشمس وغُروبها مِن مليون سنة وهي بالدقيقة يقول لك : سنة ألفين وعشرة شروق الشمس الخامسة وثلاثة دقائِق ، الليل والنهار والدَّوَران والأنظمة العامة وخصائص المواد الحديدُ حديد والذَّهب ذهب، والنحاس نحاس والفِضَّة فِضَّة، والبذْرة بذْرة، كُلُّ الخصائِص للعناصر ثابِتَة، كُلُّ خصائص البذور ثابتة، وكذا دوَرَات الكواكب ثابتة، إلا أنَّ الأمْطار مُتَغَيِّرة قد تأتي أعْوامٌ كثيرة فَيَأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرْجلهم، وقد تأتي أعْوامٌ شحيحة يتْركون أرضَهم.
فالرِّزق من عند الله يسْتخدمه كيف يشاء ويسْتخْدِمُهُ - دقِّق - لِتَرْبِيَة الإنسان، الدليل أنَّ هذه الآية السادسة عشرة من سورة الجنّ وهي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
سؤال: ما هي العوامل التي تكثر الرزق؟
الآن سَيَنْشأُ سؤالٌ ثاني...
الرِّزْق مضْمون في أصْله ومُتَبَدِّل في كَمِّيَتِهِ بِحَسَبِ حال الإنسان.
فما العوامل التي تُكْثرُ الرِّزْق؟
مع أنَّ كُلَّ إنْسانٍ حريصٌ كُلَّ الحِرْص على رِزْقه؛ لأَّنهُ قِوامُ حياته، لابد من أنْ يأكل فهُو مُفْتقِرٌ إلى الطعام والشراب، وإلى ثمَنِ الطعام والشراب؛ فأنت مُضْطرٌ للعمل كي تأكل ومن أجل أنْ تبْقى؛ تعملُ من أجل أنْ تكْسب المال لكي تأكل فَتَبْقى، فالحاجة إلى الطعام والشراب من أجل بقاء الفَرْد، وحينما تبْحث عن زوْجة فهذا من أجْل أنْ تُكْمِلَ ضَعْفَكَ، وأنْ تكمِل النقْص في الطرف الآخر جعل الله الزوْجَيْن مُتكامِلَين؛ هي عاطِفَتُها مُتأجِّجة وتحْتاجُ إلى من يرْعاها ومن يحْتويها ومن يقودُها، وهو عاطِفَتُهُ ضعيفة يحْتاجُ إلى من يُحيطه بها؛ هي سَكَنٌ له وهو سَكَنٌ لها، وهذه سُنَّة الله في خلْقه فالبَحْث عن زوْجة من أجل بقاء النَّوْع، وتأكيدُ الذات والتَّفَوُّق من أجل بقاء الذِّكْر ثلاث دوافِعٍ أساسِيَّة:
دافع الطعام والشراب ، ودافع الجِنْس ، ودافعُ تأكيد الذات.
فالأوَّلُ للحِفاظ على الفَرْد، والثاني للحِفاظ على النَّوع، والثالث للحِفاظ على الذِّكْر.
فالله عز وجل جعل الرِّزْق أداة تَرْبِيَة بِيَدِه قال الله تعالى:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
أولاً: الاستقامة سبب لزيادة الرزق.
يُفْهَمُ من هذه الآية أنَّ الاسْتِقامة على منْهج الله تزيدُ في الرِّزْق ، قال تعالى : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4973/02.jpg

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾
[ سورة النساء الآية: 87]
أقْوى كلمة تتمَسَّكُ بها هي هذه الآية ؛ لا تنْسوا - هذه إخْواننا المُحامين يعْرفونها - إذا كان هناك قَضِيَّة عويصة بالملايين ، والمُحامي المُوَكَّل وجد اِجْتِهاداً بمحْكمة النَّقْد لِصالح مُوَكِّلِهِ يُطَمْئِنُهُ ويقول له : ربِحْتَ الدَّعْوى وهو لم يرْبح لكِنَّ هذا اِجْتِهاد ، والقاضي مُلْزَمٌ به فإذا كان هذا اِجْتهاد محْكمة النقْد يملأ قلب المُوَكَّل طمأنينة ، فكيف إذا قال الله تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
فما عليك إلا أنْ تسْتقيم وعِنْدها ترى كيف أنَّ الله يرْزُقُك من حيث لا تحْتسِب ، وما من مؤمن طبَّقَ هذه الآية إلا وقطفَ ثِمارها ‍؛ من أين ؟ لا يدْري . ثانياً: التقوى سبب لزيادة الرزق.
الآية الثانِيَة قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 96]
اِتَّقَوا أنْ يعْصوا ، هل يُمكن أنْ يكون هذا الكلام لا معْنى له ؟! وهل يمكن أنْ لا يُنَفَّذ كلام خالق الكون ؟! إذا الْتَقَيْتَ بِمُوَظَّف كبير وأصدر تعليمات وما نفَّذها ؛ تَحْتَقِرُهُ أليس كذلك؟
والله أيها الإخوة عندنا أخ لا يمْلك من الدنيا إلا ثِيابه؛ لا بيْت، ولا مأوى، ترك بلْدته بِمُحافظة نائِيَة ، وطلب العلم ينامُ عند بعض أصْدقائِه طلبة العلم ؛ حفظ كتاب الله، وطلب العلم بإخْلاص واسْتقام على أمر الله، فجْأةً طلبوا منِّي بِأحد المناطق الراقِيَة عندنا إمام مسْجد، فَرَشَّحْتُهُ بِيَوْمٍ واحدٍ مدير معْهد شَرْعي وخطيب مسْجد وساعات في التعْليم الثانوي، وبيْتٍ وسيارة وزوْجة؛ شيءٌ لا يُصَدَّق ! فهذا هو قوله تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
وهو الآن يتَمَتَّعُ بِمَكانة كبيرة وبِدَخْلٍ كبير وطُمَأنينة ، تأتي الدنيا وهي راغِمَة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))
[ رواه الترمذي]
لا تنْسَوا أنَّ الله يؤَدِّبُنا عن طريق الرِّزْق ، إذا كان في المَحَلّ من ينظر نظْرَةً غير شرعِيَّة ويتكلَّم بِكلامٍ غير مسْموحٍ به فإنَّ هذا المحلّ لن يرْبح لأنَّ هناك معْصِيَة ، وإذا المحلّ خالٍ عن الكذب والغِشّ ولا كلام بذيء وأسْعار معتدلة فإنَّ هذا المحلّ مرْزوق.
أيها الإخوة؛ أنا لا أُحب أنْ أُكثر عليكم من القصص، رغْمَ الأزْمة الموجودة الآن بالأسْواق في البيْع والشِّراء ، حدَّثني أخٌ أنَّ بضاعته بيعَتْ على شَهْرَيْن حتى لا يجد أنْ يُلَبِّي المتطلبات ؛ لأنه لا يغِشّ ، وهو يُعامل الله عز وجل ، جاء التمْوين فما صَدَّق أنَّهُ كيف يبيع بِهذا السِّعْر وموادك عالِيَة؛ حَتْماً عندك مادَّة تُضيفُها، فَحَصوا المصْنع مكان مكان ، وعَمِلَ طبْخة أمامهم فجعلوا تلك النِّسْب مُواصَفات قِياسِيَّة للقطر، هذا يدْفع زكاة وصدقات ولا يغُشّ وزَوَّجَ أوْلاده وكُلّ واحد سيارة، ومعْمَلُ بسيط جداً؛ هذا شيءٌ ملْموس، لا تقُل لي هناك طُرق، لما ربُّنا عز وجل يُوَفِّقُ عبده يُصبح هذا الكلام كلُّه لا معْنى له ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
ثالثاً: صلة الرحم سبب لزيادة الرزق.
صِلَةُ الرَّحِم تزيدُ في الرِّزْق http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4973/03.jpg
لك أقْرباء ، وأخواتٍ بِمَحَلٍّ بعيد زُرْتَهُمْ وتَفَقَّدْتَ أحْوالهم، أكْرَمْتَهُم وواسَيْتَهُم بِرَمَضان ، قدَّمْتَ لهم هَدِيَّة.
رابعاً: الصلاة سبب لزيادة الرزق.
قال تعالى :
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾
[ سورة طه الآية: 132]
فالبَيْتُ الذي تُقامُ فيه الصلوات الخمسُ هو بيْتٌ مرْزوق. خامساً: الصدقة سبب لزيادة الرزق.
اِسْتَمْطِروا الرِّزْق بالصَّدَقَة ، أحدُ أسْباب الزِّيادة الصدقة.
سادساً: الاستغفار سبب لزيادة الرزق.
الاسْتِغْفار قال تعالى :
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[ سورة نوح الآيات: 10-12]
الاسْتِغْفار وصِلَةُ الرَّحِم والصلاة والإيمان والاسْتِقامة والتَّقْوى؛ هذه كُلُّها عوامل الرِّزْق. سابعاً: إتقان العمل سبب لزيادة الرزق.
وهناك أشْياء كثيرة منها ؛ إتْقانُ العَمَلِ : " إنَّ الله يحبُّ من العبد إذا عمل عملاً أنْ يُتْقِنَهُ" أصبح هناك كسادٌ بالأسواق من عدم الإتْقان.
ثامناً: الأمانة سبب لزيادة الرزق.
الأمانة هي من أسباب الرِّزق قال عليه الصلاة والسلام : الأمانة غِنىً، أحدهم كان يبيع في الحميدِيَّة على الرَّصيف أقمشة فجاءتْ امْرأةٌ فاشْترتْ منه واحدة بِخَمْسين ليرة وهو ما يُعادل واحد دولار ، بعد دقيقتَيْن وجد أنَّهُ قد أعْطَتْهُ مائة دولار فرجع إليها وأعْطاها الزائِد ، أحد التجار كان يُراقب من مَحَلِّه ما فعله هذا البائِع على الرصيف ، فأعْجَبَهُ صنيعُهُ هذا فقال له : هل تُشارِكُني في مَحَلِّي ؟! فقال : يا ليْت! فأصبح شريكه وهو الآن بِبَيْتٍ وسيارة ومحلّ ! بِالمُقابل - قِصَّة مُشابهة - بالسِّتْ رُقَيَّة جاءَتْ امْرأة بِنَفْس الطريقة السابقة في الخطأ لكن هذا أخذ المائة دولار وخَبَّأها في اليوم الثاني جاءَتْ الشرطة وضَرَبَتْهُ وأخذت منه المائة دولار ، ودفع عِوَضاً خمسة آلاف ليرة !! كُنْ أميناً وسَتَرى ، مادام أميناً سَيَزْدادُ معاشُهُ ويرْتَقي مرْكَزُهُ.
الاسْتِغْفار وصِلَةُ الرَّحِم والصلاة والإيمان والاسْتِقامة والتَّقْوى والأمانة ؛ هذه كُلُّها عوامل الرِّزْق.
تاسعاً: التغيير سبب لزيادة الرزق.
هناك أمرٌ آخر قال تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾
[ سورة الرعد الآية: 11]
غَيِّرْ يُغَيَّر لك ! ضعْ حِساباً لِنَفْسِك ، أين ثغرات المعاصي ؟ بَيْتُكَ وزَوْجَتُكَ ودَخْلَكَ وغلطٌ وكذِبٌ وتدْليس ، هذه هي الكلمات غَيِّر كي يُغَيِّر فإذا ما غَيَّرْتَ ما غَيَّرَ كلمات مُخْتَصَرَة ومُفيدة ، وهذا هو مُلَخَّصُ المُلَخَّص .



والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:11 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الجن (72 )



الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشْرة من سورة الجِنّ وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
بَيْتُ الله مُنَزَّهٌ عن كُلِّ غَرَضٍ دُنْيَوي، بيتُ الله الذي جعله الله عز وجل مَرْجِعاً لِعِباده ونوراً يهْتَدون بِهَدْيِهِ ؛ هذا البَيْت لا ينبغي أنْ يكون لِغَيْر الله فأيَّةُ دَعْوَةٍ لِغَير الله في هذا البيت لا تجوز وأيَّةُ مصْلَحَةٍ تُحقق في بيت الله لا تجوز:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: خير البلاد مساجدها وشرُّها أسْواقها، الإنسان في المسجد يتعرَّفُ إلى الله وإلى منْهجه وإلى المؤمنين، وفي المسْجد تنشأُ روحٌ جماعِيَّة لذلك قال عليه الصلاة والسلام ((عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ رواه ابن ماجه ]
النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر إلى المدينة بدأ بِبِناء المسْجد قبل أنْ يبْنِيَ بيْته، لو دقَّقْتم لَوَجَدْتُم أنَّ أخْطر مكانٍ في حياة الناس هو المسْجد لأنَّكَ فيه تعْرف لماذا خُلِقْتَ ؟ ولماذا جيءَ بك إلى الدنيا ؟ وتعرف ما بعْد الموت ؛ من حِسابٍ وعذابٍ أوْ نعيم، تعرف الحلال والحرام، تعرف منهجك وكتاب الله، لذلك المسْجد أخْطر في حياة المسلمين، لذلك لا بد مِن أنْ يُعْتنى به، ويُعْتنى بِمَن يقومون عليه، وبِبِنائِه، أنْ يكون مُريحاً:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
والشيء الذي يُطَمْئِنُ أنَّهُ ما مِن بلْدَةٍ في بِقاع الأرض فيها حركة بناء المساجد على قدمٍ وساق كَهَذه البلْدَة ! والحمد لله رب العالمين، والمساجد عامِرَة بالمُصلِّين، بقيَ فقط أنْ يكون هؤلاء المُصَلُّون في المستوى الذي أراده الله لهم، أنت في المسْجد تتلَقَّى تعْليمات الصانِع، وتقْبِضُ الجائزة في أثناء الصلاة ؛ تأخذ التعليمات في طلب العِلم وتقْبِضُ الجائزة في أثناء الصلاة، أما مجال عملك هو البَيْت والسوق والطريق، وكُلُّ نشاطات الحياة، هذه من أجل التطبيق، هنا تأخذ تعليمات الصانع، لذلك من نَشَدَ ضالةً في المسْجد فقولوا له: لا ردَّها الله إليك ؛ بَيْعٌ شِراءٌ، قضِيَّة دُنْيَوِيَّة، خُصومات في المسْجد، المساجد صُمِّمَت للعِبادة، ونشْر العِلْم ولِمَعْرِف ؛ وأنَّ المساجد لله حصْراً فلا تدْعوا مع الله أحداً، لا يُعْقل أنْ يكون المسْجد لِدِعايَة اِنْتِخابِيَّة مثَلاً ! هذا البيت لله عز وجل ؛ الدَّعْوة إلى الله خالِصَة هناك مجالات كبيرة للتعْبير عن حال المُرَشَّحين لِمَجْلس الشعْب مثلاً، أما بُيوت الله فهِيَ لم تُخْلق لِزَيْدٍ أو عُبَيْد ؛ قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
أحْياناً إذا دَعَوْتَ إلى النبي وإلى معْرِفَتِهِ، ومحَبَّتِهِ وطاعته ؛ هذه من جمْلة الدَّعْوة إلى الله، ذَكَّرْتُكم في دُروسٍ سابقة أنَّني قلتُ لكم أنَّهُ يوجد حُبٌّ في الله وحُبٌّ مع الله، أنت حينما تُحِبُّ المؤمنين حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله أنت حينما تُحِبُّ العلماء العامِلين والصحابة الكِرام حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله، أنت حينما تُحِبُّ النبي عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله وهذا حُبٌّ في الله وهو عَيْنُ التوْحيد، أما حينما تُحِبُّ إْنساناً بعيداً عن الله، ولِمَصْلَحَةٍ بينك وبيْنه هذا حُبٌّ مع الله، وهو عَيْنُ الشِّرْك، لو أنَّك وَقَفْتَ على المِنْبر وبيَّنْتَ شمائِل النبي عليه الصلاة والسلام وفضائله وصِفاته وأخْلاقه وفَحْوى رِسالته صلى الله عليه وسلم كان هذا عَيْنُ الدَّعْوة إلى الله لأنَّ الأنبياء تقْريباً كَلَوْحٍ شفاف يَشِفُّون عمن وراءَهم فقط ؛ ليس لهم ذاتٌ تظْهر، ذوات الأنبياء مُخْتَفِيَّة كيْ تَشِفَّ عن ذات الله عز وجل، لذلك الدعوة إلى معْرفة رسول الله عَيْنُ الدَّعْوة إلى الله، ومن هنا قال الله عز وجل
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾
[ التوبة: الآية 62 ]
ضمير المُفْرد لأنَّ إرْضاءُ الله هو عَيْن إرْضاء رسول الله وإرْضاء رسول الله هو عَيْنُ إرْضاء الله، وحياةُ النبي كُلُّها للتعْريف بالله، فإذا قلنا فلا تدعوا مع الله وليس في الله ؛ إنْ دَعَوْتَ إلى النبي فهذه دَعْوَةٌ في الله، أما إنْ دَعَوْتَ إلى إنْسانٍ ليس مُستقيم على أمْر الله فهذه دَعوةٌ مع الله، دائِماً المؤمن ضِمْن البَوْتَقَة أما غير المؤمن يرى نفْسهُ نِداًّ لِكُلِّ المعالم التي ينبغي أنْ تُقَدَّس، فالإنسان إذا دخل بيْتَ الله ينبغي أنْ يدْخُلَهُ بِنِيَّةِ التقرُّب إلى الله، وإنَّ بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زُوارُها هم عُمارُها فطوبى لِعَبْدٍ تطَهَّر في بيْتِهِ ثمَّ زارني وحُقَّ على المزور أنْ يُكْرِمَ الزائِر، كيفَ يُكْرِمُكَ الله عز وجل ؟ يُكْرِمُك بأنْ يُلقي الأمْنَ في قلْبك، والأمن أثْمن عطاء نفْسي، يُكْرِمُك بأنْ يُوَفِّقَك في حياتك هُمْ في مساجِدِهم والله في حوائِجِهم، ولا شيءَ أمْتَعَ من التَّوْفيق، ولا شيءَ يُزْعِج كالتَّعْسير، أحَدُ أنواع الضِّيافات التي تنالُها في بيت الله التَّوْفيق ؛ تُوَفَّقُ في بَيْتِك، وفي عملِكَ، وفي صِحَّتِك، وفي دُنْياك، وفي آخِرَتِك، فحالةُ المؤمن التي يَحُسُّ بها المؤمن هي ضِيافة، لأنَّ من دخَلَ بَيْتَ الله كان آمِناً، فالشُّعور بالأمن شيءٌ ثمينٌ جداً وقد جعلهُ الله خاصاً بالمؤمنين، والدليل قوله تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
[ الأنعام: الآية 81 ]
إذاً أيها الإخوة، الشُّعور بالأمن والرِّضا والسعادة و التَّفَوُّق وتيْسير الأمور بِبَيْتِكَ ونجاحُك بِبَيْتِكَ وفي عملكَ وفي علاقاتك وفي تزْويجِ بناتك وأولادك هذه كُلُّها ثِمار زِيارة الله في بيْتِهِ ؛ وإنَّ بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زُوارُها هم عُمارُها، أحْياناً تحمِلُ كَيْساً من الدنانير فرْطَ - قِطَع وليس ورق - فَيَظُنُّ الناس أنَّكَ تحْمِلُ الملايين، وما هو إلا ثلاثة آلاف وأحْياناً تحْمِلُ شيكاً قدْرُهُ ثلاثة ملايين، فالعِبْرَةُ ليس بالحجْم المادي، قد تأتي إلى بيتِ الله فَتَقْطِفُ ثِمار الأمل والحياة والتيْسير في كُلِّ علاقاتك، وبِالمُناسبة ؛ كُلُّكُم يعْلم أنَّك إنْ أدَّيْتَ زكاةَ مالِك حفظ الله لك بَقِيَّة مالك، أنت حينما تقْتطِعُ زمناً من وقْتِكَ الثَّمين لِتأتي إلى المسْجد؛ الوَقْتُ أصلٌ في كسْب المال، إنْسانٌ له محَلٌّ في موقِعٍ حساس ؛ هذا دخل وذاك خرج، فلو أذِّن للصلاة وأغْلق محَلَّهُ يكون قد ضَحَّى بِكَسْبٍ مادِّي، هذا قد أدَّى زكاةَ وقْتِهِ وإذا أدَّيْتَ زكاة وقْتِكَ حفِظَ الله لك بَقِيَّة وقْتِك، أحْياناً في وَقْتٍ قصيرٍ تُنْجِزُ عملاً كبيراً، حدَّثني شخْصٌ مُسافر من دِمَشق إلى أبو ضبي بالسيارة فقال لي: وَصَلْتُ إلى مسْجِد - المفْروض أنْ أُصَلي - فَقُلْتُ أكْسِبُ الوقْت وأُكْمل السَّفَر، أثناء الطريق تَعِبَ فَدَخَلَ إلى مطْعم ووجد فيه حمام فاسْتَحَمَّ لِيِتَنَشَّط وترك جواز سفره عند صاحب المطْعم، ثمَّ ارْتاح ساعَتَيْن وبعْدها أكْمَلَ الطريق ولما قطع مائة وثمانون كيلومتر تذَكَّر أنَّه نَسِيَ الجواز فقال لي: كَلَّفَني ترْكُ الصلاة ثلاث مائة وستون كيلومتر ! هم في مساجِدِهم والله في حوائِجِهم، وذكر لي أخٌ أنَّ أهْله أرادوا النُّزْهَة يوم الجمعة فأخَذْتُهُم وما صَلَّيْتُ الجمعة، فأخذ أهْله إلى الزبداني، وهو فيها أراد أنْ يملأ قليلاً من ماء بَقِّين، فإذا بِشابٍّ ركد نحْوي واحْتَرَمَني اِحْتِراماً غير طبيعي، وبعْدما ملأ له الدَّلْوَ ودخل السيارة فإذا به فَقَدَ حقيبَتَهُ الجِلْدِيَّة التي فيها مبْلَغاً من المال وهَوِيَّتُهُ الشَّخْصِيَّة، وشهادة سواقة، كَلَّفني ضياعُ هذه الوثائِق إلى أشْغالٍ كبيرة دامَتْ ستَّةَ أشْهر ‍‍!! وإذا آثرتَ مصلحة مادِيَّة على الصلاة بالمسْجد خَسِرْتَ، أنت حينما تُؤدي الصلاة في المسْجد تدْفعُ بِهذا زكاة الوقت، وهذا معْناه أنَّ بَقِيَّة الوقت فيه بَرَكَة، في وقْتٍ صغير تُنْجِزُ عَمَلاً كبيراً، والله قادِرٌ على أنْ يُتْلِفَ لك خمسون ساعَةَ هباءً، لا تتشاغل عن الله في وَقْتٍ تُصَلي فيه، تَوْظيفُ الوقْت، إذْ حينما تقْتطِعُ وقْتاً لأداء الصلاة في المسْجد أو طلب العلم في المسْجد فأنت قد حَفِظْتَ الوقْتَ من التَّلَف ؛ هذا أوَّلاً، وثانِياً: قد بارك الله لك في وَقْتِكَ فأنْجَزْتَ في وقْتٍ قصيرٍ أعْمالاً كثيرة ؛ بارك الله لك في وقْتِكَ وفي صِحَّتِك وفي أهْلِكَ وفي وَلَدِكَ، أحْياناً تتعَبُ بِتَرْبِيَة ولَدِكَ فإذا به يُسافر ويأخذ جِنْسِيَّة ويتزَوَّج بامْرأة أمريكِيَّة وينْساكَ ؛ ولا رِسالة، لأنَّكَ أنْشَأْتَهُ نشأةً دُنْيَوِيَّة وبذلك خَسِرْتَهُ، أما لو أنَّك أنْشَأْتَهُ نشْأَةً إسْلاميَّة يكون لك، فَفَرْقٌ كبير بين أنْ يكون ابنك لك وزَوْجَتُك لك وتِجارتك لك ومالك لك، فالنقطة الدقيقة يجب أنْ تقْتطِعَ من وَقْتِكَ الثَّمين لأداء الصلاة في المسْجد ولِطَلَبِ العِلْم في المسْجد من أجل أنْ يحْفظ الله لك بَقِيَّة وقْتِك ومن أجل أنْ يُبارك لك فيه، أحد العلماء تُوُفي فَتَرَكَ مجْموعة كُتُب ؛ قَسَّموا أيامَ حياته على عدد صفْحات كُتُبِهِ فكان يَكْتُبُ كُلَّ يوم تسْعين صفْحة !! نحن لا يسعُنا أنْ نقْرأ عشْر صفْحات - لا الكِتابة- وليس التأليف !، وكذا الإمام النووي عاش خمسة وأربعين سنة، ترك الأذكار، ورِياضُ الصالِحين، وشرْح صحيح مسْلم وبُغْيَةُ المُحْتاج وهو أوْسَعُ كِتابٍ بالفِقْه، وهذا الإمام الشافِعي عاشَ سبعٌ وأربعون سنة ؛ ترك الأمُّ أكبر كتاب في أصول الفِقْه وهو أوَّل كتاب في أُصول الفِقْه، تجد علماء مائة مُؤَلَّف وذاك مائتان وثلاث مائة ؛ ما هذا ؟! هؤُلاء ألْقى الله عز وجل البَرَكَة في وَقْتِهِم لأنَّهم اِقْتَطَعوا من وَقْتِهِم الثمين وقْتاً لأداء الصلوات، ولِمَعْرِفَة الله، وطاعَتِهِ، لذلك قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا ﴿ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:14 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الجن (72 )



الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدةُ والعِشرون والتي بعدها في سورة الجِنّ وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا(21)قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22)إِلَّا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 21-23 ]
القضِيَّة في هذه الآية أنَّهُ لا يسْتطيع أحدُ من الخلق أنْ يضُرّك ولا أنْ ينفعك إلا الله ؛ هذا هو التوْحيد فما دُمْتَ مُتَعَلِّقاً بِزَيْدٍ أو عُبَيْد، ومُعَلِّقاً الأمل على فُلان أو علان فأنت محْجوبٌ عن الله عز وجل ؛ فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يمْلِكُ لنا وهو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق ضَراًّ ولا رَشَداً فَمِن باب أوْلى أنَّ أحداً كم دون رسول الله لا يمْلك، لذلك هناك مُنْزَلَقٌ خطير، أنَّ الإنْسان يمْشي مع شيخٍ مثَلاً، يظُنّ أنَّ الشيخ يُنْجيه، ليس فقط الشيخ الذي لا يُمْكنه تخْليصُك بل وسيِّدُ الخلق وحبيي الحقّ إذا لم يكُنْ مُسْتقيماً، ولا أبْلَغَ من قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم: يا فاطِمَة بنتَ محمَّد، يا عباس عمَّ رسول الله، أنْقضا نَفْسَيْكما من النار، أنا لا أُغْني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناسُ بِأعْمالهم، وتأتوني بِأَنْسابكم من يُبْطِىء به عَمَلُهُ لمْ يُسْرع به أجله ؛ هذا فَيْصل، علاقتك مع الله حتى لو اسْتَطَعْتَ أنْ تنْتَزِعَ من فَمِ النبي الشريف - وهو الصادق المصْدوق وهو المعْصوم - بِطَلاقَةِ لِسانك، وَقُوَّة حُجَّتِك فَتْوى لِصالِحِك أو حُكْماً لِصالِحِك ولم تكنْ على الحق لا تنْجو من عذاب الله قال عليه الصلاة والسلام
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا *))
[ رواه البخاري ]
علاقتك مع الله وحْده وهو يسْتمِعُ إلى قَوْلِك، وعليمٌ بِحالك، ويعْلم ما لم تكُن تعْلم، عَلِمَ ما كان وعلمَ ما يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، عالِمٌ وقدير، حكيمٌ وخبير، بِيَدِه مقاليد السماوات والأرض وإليه يُرْجعُ الأمر كُلُّه فاعبُدْهُ وتَوَكَّل، مُلَخَّصُ هذا الكلام أنْ تعقد الأمل على الله وأن ترْجُوَ الله وأنْ تخاف الله، وأنْ تُعاهد الله ؛ إنَّك إنْ فَعَلْتَ هذا وَجَدْتَ نتائِج باهِرَة وتَوْفيق عجيب، وتيسير مُدْهِش وسعادة نَفْسِيَّة وطُمأنينة وراحة وتشعر بِعَيْن الرِّعاية الحِفْظ والتأييد، وهذا هو معْنى قول الله تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
[ البقرة: الآية 194 ]
معهم بالنَّصْر والتأييد والحِفْظ والتَّوْفيق، إنَّ الله مع المُتَّقين، وإنَّ الله مع الصابِرين، إذاً قلْ يا مُحَمَّد لا أمْلِكُ لكم ضَراًّ ولا رشَداً، هناك آيةٌ لا أقول أدَقّ ولكن في هذا الموضوع أبْلغ وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
[ الأعراف: الآية 188]
فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يمْلك لِنَفْسِهِ نفْعاً ولا ضراًّ فمِن باب أوْلى أنَّهُ لا يمْلِكُ لِغَيْرِه، دخل عليه الصلاة والسلام على سيِّدنا عثمان بن مضْغون وهو مُسَجىً على فِراش المَوْت ؛ تُوُفِّي، كشَفَ عنه الرِّداء وقبَّلَهُ فَسَمِعَ امْرأةً تقول: هنيئاً لك أبا السائِب فقد أكْرَمَك الله فقال عليه الصلاة والسلام:" ومن أدْراك أنَّ الله أكْرَمَهُ ؟‍ هذا تأَلِّي على الله وتطاول ؛ هذا صحابِيٌّ جليل وغزا مع رسول الله، وكان من أصْحابِهِ المُقَرَّبين، ومع ذلك قال لها عليه الصلاة والسلام ومن أدْراك أنَّ الله أكْرَمَهُ ؟‍ قال: قولي له أرْجو الله أنْ يُكْرِمَهُ ! مسافة كبيرة جداً بين أن تقول: لقد أكْرَمَكَ الله - كأنَّك تعْلمُ الغيب،ووَضَعْتَ نفْسَكَ مكان الإله - وبين رجاء الأكْرام قال عليه الصلاة والسلام: وأنا نَبِيٌّ مُرْسَل لا أدْري ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُم، هذا هو الأدب مع الله، والإنسان إذا بَقِيَ في حَجْمِهِ أَعَزَّهُ الله فإذا تطاوَلَ وتجاوَزَ حدَّهُ أذَلَّهُ الله، لذلك علاقَتُكم مع الله مباشِرة، اِسْمحوا لي بِهذه الكلمة: رجُلٌ داعِيَة يُحِبُّهُ ويُبَجِّلُهُ - المحبَّة في الله جُزْءٌ من الدِّين بل هي عَيْنُ التوحيد - وكُلُّ إنْسان يُحبُّ الرجل الصالح وذو العقيدة السَّليمة وصاحب الأخْلاق والمُتَبَصِّر وخِبْراته في الدِّين عالِيَة، لكنْ إياك أنْ تَتَوَهَّمَ لحْظَةً أنَّ مَحَبَّتَك لإنْسانٍ صالِحٍ تُنْجيك من عذاب الله، التَّوْجيه مفاده الاسْتِقامة مع أيِّ إنْسان وفي أيِّ مكان، أما إذا تَوَهَّمْتَ أنَّ إنْساناً صالِحاً يُخَلِّصُك من العذاب وهو ليس كذلك - طبْعاً يَرْوون قِصَصاً لا أصْل لها وكُلُّها خُرافات - أحدُ تلاميذ المشايِخ الكِبار تُوُفِّي ؛ فَدُفِنَ في قَبْرِهِ جاء المَلَكان لِيَسْألانه: فَتَلَقَّيا ضَرْبَةً من شَيْخِهِ قَذَفَتْهُما إلى خارِجِ القَبْر قال لهما الشَّيْخُ أَمِثْلُ هذا يُسْأل ؛ إنَّ هذا مِن جماعَتِنا !! هذه كُلُّها خُزَعْبَلات لا أصْلَ لها، هذا النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: سبحان الله إنَّ لِلمَوْتِ لَسَكرات، وقال: اِسْتَغْفِروا لِأخيكم فإِنَّهُ الآن يُسْأل، هو عليه الصلاة والسلام لا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعاً ولا ضَراًّ فلأنْ لا يمْلِكَ لنا نفْعاً ولا ضَراًّ من باب أوْلى، مقامه صلى الله عليه وسلَّم عند الله عظيم، أما أنْ يتَدَخَّل في شؤون الله تعالى ويُلْغي معْصِيَة ؛ فهذا كلامٌ باطِل وغير معْقول أبداً !!! المقْبول هو كما قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[ الزلزلة: الآية 7-8 ]
والمقْبول أنْ لا نُظْلَمَ فتيلاً، ولا قِطْمير ونقير، وما كان الله لِيَظْلِمَ عِباده هناك عدْلٌ والإنسان كلما عرف الله اِحْتَرَمَ نِظامه، النبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمنا أنْ نسأل الله مُوجِبات رَحْمَتِه، وعزائِمَ المغْفِرَة، هذا أُمِّيٌ قَدَّم طلب لِرئيس الجامعة يُرْجى إدْراجُ اسْمي في قائمَة الدكاترة التي تُدَرِّس في الجامعة !! هل معك شهادة ؟ لا، هذا يمْشي على التَّوَكُل ؛ شيءٌ مُضْحِك ! المُؤَهِّلات مُنْعَدِمة الجَنَّة لا بدّ لها من مُؤَهِّلات ؛ سِلْعَةُ الله غالِيَة وطلب الجنَّة من دون عَمَلٍ ذَنْبٌ من الذُّنوب، هل يسْتطيعُ من عنده كفاءة أنْ يُقَدِّم مُسابقة تحْتاج إلى ليسانْس ؟! فاسْأل الله موجِبات الرحمة وعزائِمَ المغْفرة، أما أنْ تتَمَنى على الله الأماني، هناك شخصٌ ساذِج بلا عمل ضاقَتْ به السُّبُل ونفْسُه فإذا به وجد حَدْوَة حِصان نِصْفُها ذَهَبي اللَّون والآخر غير ذلك فقال: أنا أمَّلْتُ مُسْتَقْبلي، كيف ؟ قال: فقط أُضيف عربة ودزينة خيط وإذا أُصبحُ عَرْبَجي !!! تفاؤُلٌ ساذِج، وهذا يُصَلي فقط ! كأنَّ الإسلام يحْوي بُنْدَ الصلاة فقط الجنَّة فيها بُنودٌ كثيرة ؛ في بَيْتِك وفي عَمَلِك، ومع زَوْجَتِك وأوْلادك، بِسَمْعِكَ بِبَصَرِك ولِسانك وخواطِرِك وعبادتك، وإنْفاقك، وصلواتك، وتِجارتك، وحِرْفَتِك... هذا هو الدِّين فإذا طَبَّقْتَ كُلَّ منهج الله قَطَفْتَ ثِمار الدِّين، الأمل سَخيفٌ ! بعضُهم أملهم بالجنة كَأَمَلِ إبْليس بالجنَّة ‍! قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)﴾
[ الحاقة: الآية 44-48 ]
إذا لم تكن تخاف الله تعالى فَمُشْكِلَتُكَ كبيرة ؛ كلما كَبُرَ عَقْلُكَ كلما تزْداد خَوْفاً من الله، وتضْبُطُ لسانك أكثر، ودَخْلَك، وإنْفاقك، وبَيْتُك، وعَمَلَك وعلامة العَقْل الاسْتِقامة على منهج الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22)﴾
[ الجن: الآية 22 ]
مرَّة كان الحَسَ البصْري عند والي البصرة فجاء توْجيهٌ من يزيد ؛ هذا التَّوْجيه لا يُرْضي الله عز وجل، فَوَقَعَ في صِراع أنا إنْ أطَعْتُ يزيد أغْضَبْتُ الله وإنْ لم أُطِعْهُ عَزَلَني، فقال للحسن ماذا أفْعل ؟ فقال له الحَسَنُ كلِمَةً تُكْتَبُ بِماء الذَّهَب وأتَمَنى على كُلِّ واحِدٍ مناَّ أنْ يحْفَظَها: إنَّ الله يمْنَعُكَ من يزيدٍ ولكنَّ يزيد لا يمْنَعُك من الله ! إذا أَعَنْتَ إنْساناً على الباطل ورَضِيَ عنك ثمَّ أُصِبْتَ بِوَرَمٍ خبيثٍ، هل يُنْجيكَ هو منه ؟! الله عز وجل له أدْوِيَة مُرَّة قال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
[ البروج: الآية 12 ]
ومن أعانَ ظالِماً سَلَّطَهُ الله عليه، أوَّلُ ضحايا الظالم الذي أعانَهُ، من أعانَ ظالِماً ولو بِشَطْر كلمة جاء يومَ القِيامة مكْتوباً على جبينِهِ آيِساً من رحْمة الله ! قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
[ المائدة: الآية 2 ]
كم من إنْسانٍ عَلَّقَ أمله على أوْلاده فَسَافَروا عليه وأخَذوا جِنْسِيَّة وتَزَوَّجوا ثمَّ قطعوا أباهم ! كم من إنْسانٍ أطاعَ زَوْجَتَهُ فأطاعَها وأغْضَبَ الله ؟! فلما ضَعُفَ أُهينَ إهاناتٍ لا يعْلمها إلا الله، تَتْرُكُهُ وتذْهَب إلى بَيْتِ أهْلِها وحاله الكِبَر ! إذا عَلَّقَ الإنسان آماله على سِوى الله زَلَّ، ومن اعْتَمَد على ماله ضَلَّ، ومن اعْتَمَد على الله ما ضَلَّ وما زَلَّ قال تعالى:
﴿ إلا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 23 ]
مُهِمَّةُ النبي أنْ يُبَلِّغ، ومُهِمَّة العلماء أنْ يُبَلِّغ وتنْتهي مُهِمَّتُهُ هنا ! ولا يُنْجيك من عذاب الله، ولا يُصاحبك في كُلِّ أحْوالك !! هناكَ كُتُبٌ فيها خُرافات يقول لك: شيْخي رآني وأنا بالفِراش ! من قال لك هذا الكلام ؟! هذا كلامٌ باطِل، الله عز وجل ما أعْطى أحداً عِلْمَ الغَيْب، أعْطى النبي عِلْمَ الغَيْب بِما يتعلَّقُ بالمُسْتَقْبل من أجل أنْ تُصَدِّقَهُ ؛ حَدَّثَنا عن أشْراط الساعة، ولكن ما أعْطى أحداً عِلْمَ الغَيْب، هناك شَطَحات شَوَّهَتْ معالِمَ الدِّين، عُدْ إلى الكِتاب والسُّنَة وإلى النَصِّ الصحيح، عُدْ إلى فِعْل النبي عليه الصلاة السلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ *))
[ رواه ابن ماجه ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 23 ]
فالمَعْصِيَة تنْتهي إلى جَهَنَّم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:16 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المزمل (73 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأولى من سورة المُزَمِّل وهي قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)﴾
[ المزمل: الآية 1-7 ]
كما قال الله عز وجل:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)﴾
[ الإسراء: الآية 78 ]
فالإنسان لا بدَّ له من أنْ يُشْحنَ حتى يتألَّق، فالتألُّق يحْتاج إلى شَحْن مثلاً بعض المصابيح تحْتاج إلى شَحْن حتى تُضيء فإذا شُحِنَتْ كثيراً أضاءَتْ أكثر، وإذا قَلَّ شحْنُها قلَّ ضوْؤُها فإذا انْعَدَمَ شَحْنُها اِنْطَفَأتْ فالإنسان لا بدّ له من شَحْن وهو الاتِّصال بالله ؛ في أيِّ الأوقات تكون الصِّلة مُحْكَمَة والجَوُّ مُناسِباً والإقْبال مُكَثَّفاً، والالْتِجاءُ حاراًّ ؛ هو وَقْتُ الليل، إنَّ ناشِئَة الليل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قيلاً، أعْمَقُ تأثير بالنّفْس بِحَيْث ينتج عنها قَوْل سديد، والقَوْل من عَمَل الإنسان فَكُلَّما اِرْتَفَع مُسْتوى قوله صحَّ عمله لأنَّ أحد الصحابة سأل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أوَنُؤاخذ بما نقول فقال:
عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ * ))
[ رواه أحمد ]
لا يسْتقيمُ إيمانُ عَبْدٍ حتى يسْتقيم قلبه ولا يسْتقيم قلبه حتى يسْتقيم لِسانه، فما لم يسْتَقِم اللِّسام لم يسْتَقِم القلب وبذلك الإيمانُ لا يصِحّ، فالذي يتَّصِل بالله اتِّصالاً مُكَثَّفاً الله عز وجل يُطْلق لِسانه بالخير، بالدَّعْوة إلى الله، وبذِكْر الله فأسباب هذه الدَّعْوة وأسْباب التألُّق ؛ إنَّ ناشِئَة الليل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قيلاً.
بعض العلماء اِعْتمدوا على بعض الأدلَّة أنَّهُ من صلى الفجْر في جماعة والعِشاء في جماعة فكأنَّهُ قام الليل، فهاتان الصلاتان مُتَّصِلتان بالليل وهما من الليل، والأوْلى على الإنْسان قبل الفجْر ولو صلى رَكْعَتَين يكون مُحَقِّقاً لِقِيام الليل، هو للنَبِيّ فرْضٌ وعلى أُمَّتِهِ سُنَّة أيها المُزَّمِل قمِ الليل إلا قليلاً المُزَّمِّل المُتَحَمِّل لِعِبْء الدَّعْوة، الإنسان حينما يعْرف من هو، ويعْرف حقيقته وهَوِيَّته، يشْعُر أنَّ رِسالةً قد حُمِّلَها من الله عز وجل، والإنسان التافِه ؛ ذو العَقْل يشْقى في النَّعيم بِعَقْلِه، وأخو الجهالة في الشقاوَةِ ينْعَمُ فالإنسان التافِه لا رِسالَةَ له، أما الإنسان المؤمن له رِسالة ينبغي أنْ يوصِلَها ؛ فهناك إنْسان يعيش لِيَأكل، وهناك من يأكل لِيَعيش لكن هناك من هو أرْقى منهما ؛ يعيشُ لِمَبْدأ، فالأنبياء والمرسلون، والعلماء والصالحون هؤلاء يعيشون لِمَبْدأ لذلك يسعدون، أيها الإخوة دَقِّقوا في هذه الفِكْرة لكم نفْسٌ إنْ جعلْتَ هَدَفَكَ محْدوداً تسْتَوْعِبُهُ النفْس، لا ينشأ معها الملل والسأم والضجر، لذلك تبْحث عن المُتْعَة المشْروعة وغير المشْروعة، النفيسة والخسيسة، المقْبولة والمرْفوضة، السبب هو الفراغ أما إذا جَعَلْتَ هَدَفَك أكبر من كُلِّ طاقَتِك ؛ إن جعلت هدفك الله عز وجل فأنت في شباب دائم فالإنسان في شيخوخة حينما تنتهي أهدافُه، أنت أوَّلاً شاب متَّقِدٌ، يعيشُ بالأحلام، في أوَّل حياته يتصَوَّر بيتاً له وزوْجَة بِمُواصَفات مُعَيَّنة، مَرْكز اجْتماعي، يعيش بالأحلام، متى تنْتهي سعادَتُهُ لما يتَحَدَّد بَيْتُهُ وزوْجَتُهُ وعَمَلُهُ ودخْلُهُ، الآن يشْعر بِالمَلَل والضجَر والتفاهَة أما المؤمن فلا يُمكن أنْ يضْجر لأنَّ هدفه الله، النَّفْسُ مُصَمَّمَة لأنْ تسْتَوْعِب أهْدافاً لا نِهائِيَّة فإذا جَعَلْتَ هَدَفَك محْدوداً ضَجِرَتْ نفْسُك، وكُلُّ اِنْحِرافات الناس من الضَّجر مثلاً الانْحِرافات الموجودة بِأمريكا لا يُصَدّقُها العقْل، سببها الضَّجر وهدفه خسيس ومُنْحَط، وصل إلى هَدَفِه فإذا به يريدُ شيئاً آخر، أما المؤمن الأمور المادِيَّة عنده وسائِل ؛ هَدَفُهُ الله عز وجل لذلك هو في شبابٍ دائِم شبابهُ الدائِم تفْسيرٌ لِطُموحه، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)﴾
[ المزمل: الآية 5 ]
كُلُّ أخٍ من الإخوة الحاضِرين إذا لم يشْعر أنَّ عليه رِسالة ينْبغي أن يُؤَدِّيَها، فهذا إنْسانٌ يعيشُ لِذاته، والذي يعيشُ لذاته يعيشُ على الهامِش أما الذي يعيش لِغَيْره يأتي على بُؤْرَة الاهتِمام فإنْ أردْتَ أنْ تسْعد فأَسْعِدِ الناس وساهِمِ تعريفهم وخِدْمَتِهم ورَفْعِ مُسْتواهم وفي نشْر الحقِّ والفضيلة، وأما إنْ أردْتَ أنْ تعيش على هامش الحياة فاهْتَمّ بِذاتك والذي يهْتَمُّ بِذاته يسْقُط في دائِرَة المَلَل والضَّجَر، وهناك نقطةُ مُهِمَّة من جعل الهُمومَ ذاته شغلهُ بالدنيا ومن جعل الهُمومَ هماًّ واحداً وهو الله تعالى كَفاهُ الله الهُموم كُلَّها اِعْمِل لِوَجْهٍ واحدٍ يكْفِكَ الوُجوه كُلَّها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)﴾
[ المزمل: الآية 7 ]
في النهار تُسَبِّح، وتُنَفِّذ هذا الذي اكْتَسَبْتَهُ بالليل، ففي النهار تُطَبِّق وتكْتَسِبُ وتُشْحَنُ بالليل، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)﴾
[ المزمل: الآية 8 ]
اِنْقَطِع له انْقِطاعاً تاماً لأنَّهُ أهْلُ التقْوى وأهل المغْفِرَة ؛ أهْلٌ أنْ تنْقَطِعَ له وأهْلٌ أن تجعل مرْضاتِه كلَّ هَمِّك، ومبلغَ عِلْمِك، ونِهاية آمالك، ومحَطَّ رِحالِك ؛ قال تعالى:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا(9)﴾
[ المزمل: الآية 9 ]
هناك مُحامون لامِعون إذا أعْطَيْتَهُ قَضِيَّتَك تشْعُر بِراحَةٍ وطُمأنينة ؛ القوانين واضِحَةٌ عنده ومُذَكِّراته قَوِيَّة، فإذا أنت سلَّمْتَ أمْرَك لِخالق السماوات والأرض، الله عز وجل قال:" فاتَّخِذهُ وكيلاً " ألا تُريدُ أنْ يكون الله وَكيلك، يُدافِعُ عنك، الثَّمَنُ والأتْعابُ المُقَدَّمة هي طاعَتُهُ فقط !
أطِعْ أمْرَنا نرْفَع لأجلك حُجْبنا فإنا مَنَحْنا بالرِّضى من أحَبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجنابِنــا لِنَحْميك مما فيه أشْرار خلْقِنا
فأنت حينما تُطيع الله عز وجل يتَوَلَّى أمْرك قال تعالى ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾
[ الطور: الآية 48 ]
وقال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)﴾
[ المزمل: الآية 10 ]
فالكافر الفاسق المُنْحَرف الفاجر الشارد ؛ يتكَلَّمُ كلاماً بلا ضَبْطٍ، ولا مسْؤولِيَّة ولا دليل، وَصَلوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: كاهِنٌ وساحِر ومجْنون... الله عز وجل أثْبَتَ هذه التُّهَم في القرآن لِيُرِيَنا أين رسول الله وأين كلامهم فَشيءٌ طبيعي جداً أنْ يُتَّهَم الإنسان الذي يُريد أنْ يُقَدِّم للناس شيئاً ثمينا ؛ إما حَسَداً أو ضَيْقَ أُفُقٍ أو ما شاكل ذلك، وقال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)﴾
[ المزمل: الآية 10 ]
أما التَّهْديد الذي يقْصِمُ الظهر فَهُوَ قوله تعالى:
﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)﴾
[ المزمل: الآية 11 ]
دَعْهُم لي أنا أُعالِجُهُم فإذا النبي عليه الصلاة والسلام دعا شخْصاً إلى الله وما اسْتَجاب، فالله حينها يتولى ترْبِيَتَك !
﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)﴾
[ المزمل: الآية 11 ]
الإنسان لا يُمْكن أنْ يسبق الله عز وجل أنت في قَبْضَة الله، فإنْ أَبَيْتَ دينه كان هناك حساباَ عسيراً ودفْعُ ثمنٍ باهِظ.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 08:19 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المزمل (73 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية العِشرون من سورة المُزَّمل وهي قوله تعالى ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أنت لكَ عمل - أيُّ عمَلٍ - سواء بِحَجْمِهِ أو بواعِثِه أو غاياتُهُ أو الصوارف التي تصْرفُ عنه، أو العَقَبات التي تقفُ أمامه، حجْمُ التضْحِيَة من أجْلِهِ ؛ كُلُّ هذه الخصائص للعَمَل يعْلَمُها الله، الواحدُ مُرْتاح لأنَّ الذي يعْمل له يُقَدِّرُ عملَهُ حقَّ التقْدير، أحْياناً دِرْهَمٌ يسْبِقُ ألْفَ دِرْهَم، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في إخْلاصٍ خير من مائة ألفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ في رِياء، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في حياتك خيرٌ لك من مائة ألف درهمٍ يُنْفق لك بعد مَوْتِك، العَمَلُ له حجْمٌ هناك قصَّة ذكرتُها لكم ؛ إنسان ميسور أراد أن يبنيَ مسجداً في بعض أحياء دمشق الجديدة ؛ فبحث عن أرض فوجد أرضاً مناسبة، بحث عن صاحبها فإذا هو قد ورِثها قبل أشهرٍ يعمل مستَخدَمًا في مدرسة - آذن- راتبه ثلاث آلاف ليرة و عنده خمسة أولاد، فقير جدًّا، ساومه في الأرض حتَّى استقرَّ الأمر في ثلاثة ملايين و نصف، دفع له شيكاً بمليونين، الذي سيشتريها مليونير؛ وأراد أن يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد ؛ فوقَّع له الشيك وسلَّمه إياه ؛ فقال له أين الباقي ؟ قال له الباقي ندفعها في الأوقاف بعد التنازل عن الأرض للأوقاف، قال له: ولِمَ التنازل ؟ قال له سأنشئها مسجداً ؛ قال له: مسجد ‍‍!! هاتِ الشيك و مزَّقه، قال له: أنا أولى أن أُقدِّمها للأوقاف منك، لا أسمح لك أن تقدِّمها أنت ؛ أنا أولى بها منك يقول هذا التاجر - و هو من المحسنين -: في حياتي ما غضبتُ مثل ذاك الغضب و ما صغُرتُ عند إنسان كما صغُرْتُ عند هذا الآذن يومئذٍ ؛ لأنه عندما قدَّم هذه الأرض قدَّم كل شيء يملكه على الإطلاق وبقيَ فقيراً، أما الأول فجزاه الله خيراً ؛ لو اشترى هذه الأرض فمن جزء بسيط من حجمه المالي، فمن يُقدِّر حجم العمل ؟! الله جل جلاله، من يُقدِّر مضاعفات هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الخسارة التي تحمَّلها من جراء هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر العقبات الكأداء التي كانت أمام هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الثوابت المغريات التي يمكن أن تصرف عن هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر البواعث الخفية ؟ الله جل جلاله من يقدِّر الأهداف؟ الله جل جلاله، العمل بكل تفاصيله و ملابساته ودوافعه و أهدافه و تضحياته و عقباته وصوارفه، الله جل جلاله يقدِّرها فالتَّعامل مع الله مُرِيحٌ لا يحتاج إلى واسطة و لا حلف ينين و لا شاهد أعرف عبدي، أعرف نيتك وحركتك و ما تحمَّلتَ في ؤ كم مجلس علم جلست، كل ذلك أعرفه، الله يقدِّر الليل والنهار، ليس هناك شعور مؤلم كأن تفعل عملاً كبيراً لا يقدِّره الآخرون، سفَّانة بنت حاتم الطائي دعتْ للنبي، قالت: أتأذن لي أن أدعوَ لك، قال: نعم، وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا، قالت: جعل الله صنائعك في أهل الخير والحفاظ، أي جعل الله معروفك عند من يُقَدِّرُهُ ويعرف قيمته، فهذه الآية لها معْنى عام وخاص ؛ إنَّك ربَّك يعلم أنَّك تقوم أدْنى من ثلثي الليل ونصْفه، أنت أخذْتَ شخْصاً معك في السيارة - طبْعاً البنْزين - غالٍ وأجَبْتَ دَعْوَةً لا لِشَيءٍ إلا إجابة الدَّعْوة ؛ أنت بِهذا قُمْتَ بِعَمَلٍ لا يعرف قيمته إلا أهله، أحْياناً يدْفعُ الإنسان لِوالِدِه مبْلَغاً هو بِأَمَسِّ الحاجة إليه ويُلَبِّي أمر والِدَتِه، أحْياناً تُطْلَبُ في وقْتٍ حَرِجٍ ؛ وأنت تأكل جاءَ طلبٌ لِعَمَلٍ صالح، فالله عز وجل يُقَدِّرُ كُلَّ شيءٍ بِكُلِّ بواعِثِهِ ومُلابساته وظروفه وعواقبه ومعْطَياته وأهْدافه قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قد يسْهر الإنسان من أجل ترْبِيَة أوْلاده طويلاً، يُتْعِبُ نفْسَهُ كثيرًا، ويُقَدِّمُ لهم كُلَّ شيء، ويعْمَلُ عمَلاً شاقاً لِيُكْرِمَهُم كي يَدُلَّهُم على الله هذا غير الأب الذي يقول: يتَرَبَّوْنَ لِحالِهم ! والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ؛ يُقَدِّرُ كُلَّ شيء.
ثمّ قال تعالى:
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قالوا: هذه الآية نَسَخَتْ فَرَضِيَّة قِيام الليل، إذْ أصْبح قِيامُ الليل فرْضاً على النبي صلى الله عليه وسلَّم وسُنَّةً على أصْحابه وأُمَّتِهِ من بعْدِهِ، عَلِمَ أنْ لا تُحْصوه فَتَاب عليكم فاقْرؤوا ما تَيَسَّرَ من القرآن فإذا اسْتَيْقَظتَ من الليل فاقْرأ ما تيَسَّرَ من القرآن ؛ رَكْعَتَيْن أو ثلاثة... ثمّ قال تعالى
﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
(سورة المزمل)
السَّفَرُ له أرْبع أهْداف: أعْظَمُ أنواع السَّفر ؛ سَفَرُ الجِهاد ونشْر الحق ثاني درجة: لِطَلَب العِلْم، ثالث درجة: للفِرار بالدِّين، رابِعِ درجة: لِكَسْب الرِّزْق، خامسُ درجة: للسِّياحة المَشْروعة الخالِيَة من المَعْصِيَة هنا الخطّ الأحمر، وبعد هذا الخط تبْدأ المعاصي والآثام، وينْتهي بِما يُسَمى اليوم السِّياحة الجِنْسِيَّة، يُسافرُ لِيَزْني !! وهي الغالِبَة على مُعْظَم الناس الآن فإذا سافر المرْء من أجل معْصِيَة الله والعِياذ بالله هذه أكبر أنواع المعاصي ثمَّ قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لأيِّ مخْلوق كائِناً من كان هو قَرْضٌ حَسَنٌ، تُقْرِضُ من ؟ الله جلّ جلاله، والله يُضاعف لك هذا أضعافاً كثيرة قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
من هو الشَقِيّ والمَحْروم ؟ هو الذي لم يُقرض الله قرْضاً حَسَناً، حَدَّثني أخٌ أنَّهُ كان بِسَفَرٍ بسيط ؛ بِمَصْيَف، ونسى جِهازَ الرَّفْع، وأوَّلُ مكانٍ صادَفْناه بِطَلْعَةٍ اخْتَلَّتْ العَجَلَة ! والمُشْكِلة أنَّ الرافعة غير الموجودة !! فأصْبَحَ يُؤَشِّر للمارَّة ساعَة وساعَتَيْن إلى أنْ وَقَفَ شخْصُ فقال: ما الأمر فقلتُ رافِعَة فأعطانيهاَ، فأَكْبَرْتُ صنيعَ هذا الأخ وقُلْتُ لا تخْلو الدنيا من أهل الخير لما انْتَهَيْت قال لي: أوَدُّ خَمْسَ ليْرات !! فقُلُْ له: لو طَلَبْتَ ألفاً لأعْطَيْتُك ؛ لَيْتَكَ لم تطْلُب خمس ليْرات، حَبِطَ عمله كان مُقْرِضاً لله ثمَّ أصبح ثمنه خمس ليرات، إذا كان مُقابل العمل الدراهم انْدثر الأجر، يوم القيامة يرى الإنسان اللُّقْمة التي أطْعَمَها لِفَقير مثل جبل أُحُد هناك من لا يتَحَرَّك حركة إلا وهو طالبٌ للنقود ! هؤلاء ما أقْرضوا الله قَرْضا حَسَناً، تُوُفِّيَ لأحد إخْواننا أخ، فالأخ الذي لم يتَوَفَّ معه الملايين، والذي تَوَفى لا يمْلكُ من الدنيا شيئاً، فقال لي ابن الأخ عزم أخزه هذا كُلَّ الذين جاءوا للتَّعْزِيَة وأَعْطاهم ثمان مائة لَيْرة ؛ وهي تُعادل الآن ثمانين ألف ليرة !! وقال هذه لأوْلاد أخي الفقراء، كسب الوَجاهَة والسُّمْعة، وأقْرِضوا الله قرْضاً حسناً، وما تُقَدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، ذَكَرَتْ لي أُخْت كنت معْزومَةَ على عُرْس فإذا قَدَّمْتُ باقة وُرود وَحَسِبْتُهُ من الزكاة فهل يجوز هذا ؟! قال تعالى:
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(20)﴾
[ المزمل: الآية 20 ]








والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 08:21 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المُدَّثِر:
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)﴾
[ المدثر: الآية 8 ]
أيْ نُفِخَ في الصور:
﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)﴾
[ المدثر: الآية 9-10 ]
ذَرْنِي
يا محمَّد صلى الله عليه وسلم
﴿ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾
خلقْتُهُ المخْلوق الأول ؛ كَرَّمْتُهُ وسَخَّرْتُ له ما في السماوات والأرض ومَنَحْتُهُ نعمة العقْل وحُرّيَّة الاخْتيار وأوْدَعْتُ فيه الشهوات لِيَرْقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، جَعَلْتُ له مالاً ممدوداً وزَوْجَةً من نفْسِهِ، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ الروم: الآية 21 ]
فهذا المخْلوق الذي عَرَضَ الله عليه الأمانة قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾
[ الأحزاب: الآية 72 ]
هذا هو معْنى قوله تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾
[ المدثر: الآية 11 ]
وهناك رأْيٌ آخر وتفْسيرٌ آخر، خَلَقْتُهُ ضعيفاً لا عُزْوَةَ له ولا أتْباع له ولا أهْل له ؛ وحيداً وسَيَأْتيني وحيداً، خُلِقَ وحيداً إلا أنَّهُ حينما يَكْبُر يُكَوِّنُ له جماعة، وأتْباعٌ وأنْصار، ويَدْعَمُ نفْسَهُ بأساليب مُتَعَدِّدة، يشْعُرُ بِمَكانة فإذا كان الإنسان بِبَلَدِهِ وله مكانةٌ فيه ومنْصَب وله أتْباع ومُريدين وأنْصار هذا مرْكَزٌ قَوِيّ، أما إذا جاء الموتُ لَقِيَ الله وحْدَهُ كما خَلَقَهُ وحْدهُ قال تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)﴾
[ المدثر: الآية 11-12 ]
الأغْنِياء يُعْطَوْنَ الدنيا، هذا يقول: لي مالٌ لا تأكُلُهُ النِّيران، ومالٌ لا ينْفَذ ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا(13)﴾
[ المدثر: الآية 13 ]
أوْلادٌ في بَيْت يشْهدون له فضْل الله عليه، أوْ أوْلادٌ يملئون له حياته بهْجَةً ويشْهَدون له كيْفَ خُلِقَ من ماءٍ مهين ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)﴾
[ المدثر: الآية 14 ]
الأمور كُلُّها مُيسَّرة له الآن بلغ الإنسان درَجَةً من الحضارة المادِّية جَعَلَتْ له كُلَّ شيءٍ مُيَسَّرٌ ؛ السفر، والطعامُ والشراب، والمَسْكن، والاتِّصالات والمَرْكب، الأرض مُذَلَّلةٌ وصُمِّمَتْ خِصيصاً لِتَقومَ بِحاجات الإنْسان، هذه الأرض أمينَةٌ على مصالح الإنسان، ثمَّ قال تعالى:
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)﴾
[ المدثر: الآية 15 ]
ينْسى ربَّهُ ويغفُل عنه ويطْمعُ أنْ أزيده عطاءً قال تعالى عندها: كلاَّ، هذه الآية معْناها أنَّ الإنسان أحْياناً يكون خَطُّهُ البياني صاعِد، إنْ لم يكن على طاعة الله فهذا الصُّعود مؤقتٌ ؛ لا بد من هُبوط، مُستحيل أنْ يكون خطَّك البياني صاعداً صعوداَ مُسْتمِراً إنْ لم تكن على طاعة الله ! هذا صُعودٌ مؤقت، و صُعودٌ اسْتِدْراجي، وصُعودٌ يكْشِفُ عن حقيقتك، وصُعودٌ لِتُبْتلى، ثمَّ هناك هُبوطٌ حادّ ؛ إلا إذا كان طائِعاً لله فَصُعودُهُ مُسْتَمِرّ ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)﴾
[ المدثر: الآية 16-18 ]
هذه الآية تُبَيِّن أنَّ عقْل الإنسان كَعَيْنِهِ ؛ عَيْنُ الإنسان رائِعَةٌ جداً ولكن لا قيمة لها من دون ضَوْء لو وَضَعْنا إنْساناً أعْمى في غُرْفَة، وإنْساناً بصيراً في أدّقِّ أنواع البَصَر وأطْفأنا المِصباح لهما، فهما سواء ! فالعَيْنُ لا قيمة لها من دون نور كذلك العقل لا قيمة له إلا إذا كان هناك وَحْيٌ يهْتدي به لا بدّ من وَحْيٍ فِبِدون الوَحْي إنَّهُ فكَّر وقدَّر، الأجانب يُفَكِّرون ويَرَوْنَ أنَّ السعادة بالإباحِيَّة وبالزِّنى والشذوذ، وبِكَسْب المال بأيِّ طريق، وبِقَهْر الشعوب، وغصْب الثروات، وبالاسْتِعْلاء ؛ تفْكيرهم قادهم إلى هذا غفلوا عن الآخرة وظنوا أنَّ هذه الدنيا لهم وحْدهم، زارني أخٌ صباحاً فقُلْتُ له كلمة موجَزَة مهما ذَهَبْتَ إلى بلاد الغرب ورأيْتَ من إنْجازات علميَّة حدائق، مواصَلات، نظام صارم، أرض خضْراء، بلادٍ غَنِيَّة، ونظام قاسي ؛ إنْ كان هناك آخرة المؤمنون أذْكى منهم ؛ من باب الدُّعابة إنْ لم تكنْ هناك آخرة هم أذْكى منا لأنَّهم يعيشون في الرَّفاه واغتصبوا ما أرادوا، ثمَّ الحساب منعدم! أما إذا كان هناك حساب دقيق وآخرة أبدِيَّة للمُحْسِنِ المُستقيم، هنا يُصبحُ المؤمنون أذكى منهم، لذلك الإنسان عليه أن لا يتسَرَّع ؛ قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)﴾
[ المدثر: الآية 18-26 ]
لا يُنكرُ الإنسان أنَّهُ يُمكن أن يتفلَّتَ من منهج الله دون أنْ يطْعن في الدِّين الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب، يقول لك: الدِّين شيءٌ قديم فيه سذاجة، ومحْدودِيَّة، فيه غَيْبِيات وهو غير عِلْمي لا ترى الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب إلا وهو مُتَفَلِّت عن المنهج الرباني ؛ هذا الرأي السَّلْبي حتى يتوازن مع نفْسِهِ، الدِّين حقّ وهو مُخالفٌ لأوامره يخْتَلّ توازنه ويقعُ في قلقٍ شديد، فلذلك الإنسان من علامة ضَعْفِهِ أنَّهُ يتفَلَّت من منهج الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ(28)لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)﴾
[ المدثر: الآية 18-30 ]
هذا كلام ربِّ العالمين أيها الإخوة، كما قُلْتُ سابِقاً الأمور لا تجْري على ما يُرام إلا ما شاء الله، غير المؤمنين هناك صُعود ثمّ هبوط، أما إذا كنت مؤمناً فَخَطُّك البياني دائِماً في صُعود واسْتِمْرار إنْ شاء الله، ويجْعَلُ الله للمؤمن نِعَمَ الآخرة مُتَّصِلَة بِنِعَم الدنيا.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:24 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة في سورة المُدَّثِّر وهي قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[المدثر: الآية 38-47]
لو أنَّ تاجِراً ذهب إلى سِجْن عدرا، وسأل مسْجوناً هناك، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ يقول مثلاً: بضاعة غير نِظامِيَّة، وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال: تحْويل العملة خِلاف القانون، هذا الجواب من هذين السجينَيْن ألَيْساَ درساً بليغاً لِهذا التاجر الطليق، الآن ربنا عز وجل ينقلنا إلى مشهد من مشاهد يوم القِيامة ؛ جَهَنَّم ممتلئة بمن فيها، وقد سُئِلَ بعض من فيها: ما الذي أوْصَلَكم إليها ؟ هذا كلامٌ دقيق جداً، فالله عز وجل أعاننا على أنْفسنا، وأعْطانا أحد أكبر أسباب دُخول النار، قال:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 42-43]
الدينُ هو الصلاة ولا خير في دينٍ لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدِّين ومن هَدَمها فقد هدَم الدِّين، الصلاة هي الفرْض الذي لا يسْقط بِحالٍ، فالصيام يسقط عن المريض والمُسافر، ويسقط الحجّ عن المريض والفقير، والشهادة تُؤَدى مرَّةً واحدة، وكذا الزكاة على الفقير إلا الصلاة فهي الفرض المُتَكَرِّر الذي لا يسقط بِحال، وهي عماد الدِّين، فلو تَصَوَّرْتَ خَيْمة لها عمود بالوَسَط، لو ألْغَيْتَ هذا العمود لم تبْقَ خَيْمة وأصْبَحتْ قِماشاً على الأرض، هذه الخَيْمة بِهذا العَمود، فالصلاة عمود الدِّين أو عماد الدِّين، الشيء الذي يوصِل إلى النار قولهم: لم نكنُ من المُصَلين ! والدِّين اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق، فَهُناك حرَكَة نحو الله، وحركة نحو عِباد الله، نحوَ الله اتِّصالاً ونحو عباد الله إحْساناً قال تعالى:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾
[مريم: الآية 31]
الدِّينُ كُلِّه في كلمتين: اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق.
الآن هناك ألف مُشْكلة مع الخَلْق، وهذه المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله، فإذا صَحَّت صِلَتُهُ بالله حُلَّتْ مُشْكِلاته مع الخَلْق والطبيب الناجح إذا رأى اِرْتِفاع الحرارة يَعُدّ هذا الارْتفاع عارِضاً وليس مَرَضاً، فَهُوَ عرَضٌ لِمَرَضٍ، فهُوَ يُعالِجُ المَرَض وليس يُعالِجُ العَرَض أما الطبيب غير الناجح يُعْطي خافِض للحرارة أما السبب موْجود والمرض موجود فأنت بين أن تُعالِجَ العَرَض بِمُسَكِّن، وبين أنْ تُعالِجَ أصْل المَرَض بِدَواءٍ مُضادٍّ للالْتِهاب، إذاً المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله عز وجل، فالانْقِطاع عنه تعالى يُورث أنانِيَّة وكِبْر وعُدْوان وأن تأخذ ما ليس لك، وأن تخْدع وتكْذب وتُنافِق، هذه كُلُّها أعْراض الإعْراض، ولو أنَّك اِتَّصَلْتَ بالله عز وجل لَكُنْتَ إنْساناً آخر فلذلك الآية الكريمة:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
يعْني اكْتَسَبَت عملُها والعمل مُطْلق حركة الإنسان، فأنت لك حركة إذْ تخرج من البيتْ وتلْتقي مع صديق، دَخَلْتَ إلى بَيْتك، وعامَلْتَ زَوْجَتَك وأوْلادك حركتُك في الحياة ما بين بيْتِك وعمَلِك، وطريقِكَ وحِلِّكَ وتِرْحالِكَ وسَفَرِك وإقامَتِكَ ومَرَضِكَ وصِحَتِك وغناك وفَقْرِك، فالحَرَكَة هي الكَسْب وهي من اخْتِيارك وأنت منوطٌ بِهذا الكَسْب، وهذا الكَسْب والحركة والعمل إن كان كريماً أكْرَمَكَ، وإن كان لئيماً أسْلَمَك، وفي النِّهاية إنْسانٌ مُحْسن في بيْتِه وفي عَمَلِه، وصادق ومُستقيم، فهذا إذاً عمله صالح، وما دام عملهُ صالح فالثَّمَن الجَنَّة، قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
والدين كُلُّهُ قُيود، بل حُدود وضمانات لِسَلامَتِك، وهذه الأخيرة سبيل إلى الحُرِيَّة والرُّقَي، وتَرْكُ الدِّين كُلِّه هي حُرِيَّة البهائِم، وحُرِيَّة التَفَلُّت وتنْتهي إلى القَيْد ؛ إما قَيْدٍ نفْسي كالكآبة، وإما قيْدٍ حقيقيٍّ كَالسِّجْن، فإذا تَفَلَّتَ الإنسان من منْهج الله سَيَنْتهي بِمَرَضٍ نفْسي أو مهْجَعٍ من مهاجِع السِّجْن، أم إذا تَقَيَّد بِأمْر الله رَفَعَهُ الله عز وجل، فالنَّفْسُ رهينَةُ عَمَلِها ومَحْبوسَةٌ بِعَمَلِها، وبالحياة العَمَلِيَّة نفْس الشيء ؛ المُواطن المُنضَبط بالقوانين طليق، ومعه تأشيرة خُروج دائِماً، ويُسافر إلى أيِّ بلَدٍ أراده ولا أحد يمْنَعُهُ من ذلك، أما المُتَلَبِّسْ بِجَريمة قابِعٌ بالسِّجْن، وحُجِزَتْ نَفْسِيَّتُه قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)﴾
[المدثر: الآية 38-39]
قال تعالى:
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)﴾
[المدثر: الآية 40-42]
ما الذي أوْصَلَكم إلى النار قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 43]
التِّصال بالله منعدِم قال تعالى:
﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)﴾
[المدثر: الآية 44]
الإحْسان إلى الخلق منعدِم قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
مُصَمِّم أزْياء بِفِرَنْسا، يُحَدِّد للمُسلِمات في العالم الإسْلامي ثِيابَهُم، إذا أراد أنْ يُقَصِّر فله ذلك، وإن أراد التضْييق ضَيَّق، لو دَخلوا جُحْر ضَبٍّ لَدخَلْتُموه، يقولون لك: هكذا المُودا، رَكَّبوا صُحوناً فَرَكَّبْناها فأنت مع التيار العام والانْحِراف، ومع صَرْعات الأزْياء، والمُسْتَجَدات السَّخيفة ومع السُّلوط الرخيص، هكذا الناس، وهي حُجَّةُ الناس جميعاً ؛ هكذا الناس ! هل الكُلُّ على الغلط ؟! نعم كُلُّهم على الخطأ والغلط قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116﴾
[الأنعام: الآية 116]
وقال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28)﴾
[النجم: الآية 28]
وعندك بيْتاً ومُسْتأجر بيت وتوَدُّ النِّصْف الآخر لماذا ؟ كُلُّ الناس هكذا !! أصْبح هذا عُرْف، فإذا كان الإنسان ليس له بيت، وكان مُضْطر وسَيُصْبحُ بالطريق، يقول لك: سَنُعْطيه له بِنِصْف ثَمَنِهِ مع أنّه هذا الأخير له بيْت ! فالذي يُحَكِّم العادات والتقاليد غير الصحيحة ويَلْهَث وراء صَرْعات الأزْياء ؛ هذا هو معنى قوله تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
والناس تقول: ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قُطاع الرؤوس.
قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)﴾
[المدثر:الآية 46]
لا يوجد تَكْذيب قولي في العالم الإسلامي، لا يجْرأ مُسلم أنْ يقول ليس هناك آخرة، أما إذا تَفَحَّصْتَ عملَهُ تجِدُهُ قطْعاً، لا يؤمن بالآخرة، فالذي يأخذ ما ليس له هل هذا يؤمن بالحِساب الدقيق، وهل يؤمن بِقَوْله تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
لو ذَهَبْتَ إلى بَيْروت هناك أشْياءٌ جميلة جداً، لكن هناك أمور ليْسَت من أهْلك، كُلَّما اشْتَرَيْتَ شيئاً تُفَكِّر بالطريق عن الجُمْرك هل تُؤخذُ منِّي ؟! وهل يُدَقِّقون فيها ؟ معقول أن تجد في بَيْروت سيارة رخيصة ولا تُدْخِلُها للشام ! لن يُسْمح لك بإدْخالها، وكذا المؤمن كلما وَقَف بِمَوْقف فَكَّر بِمَوْقِفِه أمام الله عز وجل، وهل يُسامِحُني فيها الله تعالى ؟ هذا هو مَوْقف المؤمن إذاً التَّكْذيب عَمَلي وليس قَوْلي، الآن تجد ستة آلاف دَعْوة كُلُّها كَيْدِيَّة بِقَصْر العَدْل، وكُلٌّ يأكل الآخر، مع أنَّهُم مُصلون !! نقول بِصَوْتٍ كبير هذا الذي يأخذ ما ليس له عُدْواناً: هذا يُكَذِّبُ بالآخرة ولكن تَكْذيباً عمَلِياً وليس قوْلِياً إذْ لو كَذَّبْتَ قَوْلِياً لناقَشْناك، أما أنت تُلَبِّس في الكَلام وهذا أخْطر، يقول: لا سبحان الله نؤمن بالله واليوم الآخر، أم لو تَفَحَّصْنا عَمَلَك لَوَجَدْناهُ خالِياً من الإيمان، فَحَرَكَتُك خِلاف منهج الله تعالى فهذه أربع خصائص:
لم نك من المُصَلين ولم نَكُ نُطعمُ المسكين وحركتنا بالحياة أننا كنا نخوض مع الخائِضين، وسبب اِنْكِبابنا على المعاصي: التكذيب العَملي كنا نُكَذِّب بِيَوم الدِّين، بِصَراحة بالتعْبير العامي: لا أحد قابِض جهنَّم، أما لو وضَع كبريت على يده وَلْوَلَ، إذا كان زبون غشيم تُلْبِسُه أسْوء بِضاعة بِأغبى سِعْر، وتشْعر أنَّك شاطر، وإذا الأخ الكبير يأخذ كُلَّ الثَّرْوة ويسْتغِلّ ضَعْف إخْوته ويأخذ وكالة عامَّة ويتْركهم لا شيء، لذلك من آمن بقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
وقفَ عند حُدود الله، فهؤلاء الذين في النار سبب دُخولهم فيها هذه الأشياء الأربع، ونحن في الدنيا أعْطانا مَشْهد من مشاهد يوم القيامة قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾
[المدثر: الآية 43- 46]
الحقائق التي جاء بها الأنبياء يعرفها الناس جميعاً يومَ القِيامة، وهذه المعْرِفَة لا قيمة لها إطْلاقاً ولا تُقَدِّم ولا تُؤَخِّر تماماً كالذي يدخل للامتحان والورقة بيْضاء يأخذ صِفْر، ثمَّ إذا رجع إلى البيتْ يفْتح الكتاب فإذا به يفْهم السؤال، فَفَهْمُ السؤال بعد أداء الامتحان لا قيمة له إطْلاقاً، فلو قدَّم للوزير أنَّني عُدْتُ إلى المنزل وفَهِمْتُ الجواب على السؤال، كي يُدْرج اسمي مع الناجِحين ! لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾
[الأنعام: الآية 158]
الإيمان قيمتُه في الوقْت المُناسب، وأنت حيٌّ تُرْزق وأنت صحيح قَوِيٌّ غَنيّ، أما على فِراش الموت كُلُّهم يؤمن حتى فرعون، من الذي أنكر وُجود الله، الذين قالوا: لا إله هذا نفسُه تؤمن وسيقول كما قال تعالى:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
[يونس: الآية90]
فرعَون وآمن، والإنسان قبل فوات الأوان يجب أنْ يعرف الواحد الدّيان.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)﴾
[المدثر: الآية 48]
يا فاطمة بيت محمد ويا عباس عمَّ رسول الله أنقِضا نفْسَيْكما من النار فأنا لا أُغْني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بِأعْمالهم وتأتوني بِأنْسابكم من يبطئ به عمله لم يسْرِع به أجله، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
[الزمر: الآية 19]
يعني يا محمّد هل تُنْقذ من في النار؟ مُسْتحيل، أما مفهوم من مات مُوَحِّدا غير مُشْرك بالله فهذا درس الشفاعة له مفهومه الصحيح لا بد أن لا يخرج عليه الإنسان في فهْمه، أما أن يتفلَّت الإنسان ثمّ يقال شفاعة، فهذا مفْهوم ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، مثاله من قدَّم لامتحان اثنى عشرة مادّة فَنَجح إلا في واحدة تنقصُه بعض النقاط فهذا يُمكن أنْ يُشْفع له، أما كُلُّ المواد صِفْر ثمَّ الشفاعة !! هذا كلامٌ مَرْفوض.قال تعالى:
﴿ فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)﴾
[المدثر: الآية 49-51]
خلقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ أفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُهُ لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضتي لم أُخالِفْكَ في رِزْقِك، وعِزَّتي وجلالي: إن لم ترضَ بما قَسَمْتُهُ لك فلأُسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترْقُد فيها رقْد الوَحْش في البريَّة ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تريد وإنْ لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 08:26 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في أواخر سورة المدَّثر:﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فالإنسان يتحرَّك، يعْمل، ينتمي، يُوالي، يتعلَّق، يميل، من هذه الجِهَة التي ينبغي أنْ تميل إليها ؟ وأن تتعلَّق بها وتُحِبَّها ؟ وأن تمْحَضَها إخْلاصَك وحُبَّك ؟ وأن تُطيعَها وتُفْنِيَ شبابك فيها ؟ وتُمْضِيَ طول عُمْرك في طلب رِضْوانها ؟ إذا كنت تعرف من أنت ؟ فلن ترْضى إلا أنْ يكون الله عز وجل هو مَحَطُّ آمالك، ونِهايَةُ رغباتك.
الإنسانُ أحْياناً تصْغُرُ نفْسهُ فَيَتَعَلَّقُ بِزَوْجَةٍ، أو بِقَوِيٍّ يُواليهِ، يُقَدِّمُ له كُلَّ إمْكانِياته، طبْعاً هو أهْل التقْوى، ليس إلا الله أهْلٌ أن تُطيعَهُ وتتَّقِيَهُ وأن تُخْلِصَ له، لأنَّ المخْلوق ضعيف، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
[فاطر: الآية 14]
لكنَّ الله سبحانه وتعالى معك ويسْمَعُ دعاءَك، ويسْتجيبُ لك ويُحِبُّك فقَضِيَّةُ الإيمان هي ولاءٌ لله عز وجل، المؤمن يُوالي لله قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾
[البقرة: الآية 165]
إحْدى الصحابِيات الجليلات عَقِبَ معْركة أُحُد ذَهَبَتْ إلى أرْض المعْركة فإذا زَوْجُها بين القَتْلى، قالت: ما فعَلَ رسول الله ؟ فإذا بِأبيها بين القَتْلى فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا ابنها بين القَتْلى، فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا أخوها بين القَتْلى ؛ ما من امرأةٍ ترى زَوْجها وأباها وأخاها وابنها قتْلى وتسأل عن رسول الله ! فمازالتْ تسْأل عنه حتى رأتْهُ بِأُمِّ عَيْنِها واطْمأنَّتْ، وقالتْ: يا رسول الله كُلُّ مُصيبةٍ بعدك جَلَل !
أردتُ أن أبيِّنَ لكم أنت تُوالي من ؟ هناك من يعْصي الله من أجْل زَوْجَتِه معنى ذلك أنَّ ولاءه لِزَوْجَتِه، وإنسانٌ يعْصي الله من أجل أولاده، ومعنى ذلك أنَّ ولاءه لأوْلاده، إنْسان يعْصي الله من أجل قَوِيٍّ يتمنى قُرْباً منه أو نوالاً أو عطاءً أو يتَّقي شَرَّهُ فَيَعْصي الله، إذاً ولاؤُهُ لهذا القَويّ بينما المؤمن ولاؤُه لله عزَّ وجل، ومن كان الله وَلِيَّهُ كاهُ كُلَّ شيء.
الله عز وجل حينما يتدَخَّل فَكُلُّ شيء بِيَدِهِ، فَمَن هو العاقل ؟ هو الذي يُوالي أقْوى الأقْوِياء وهو الله تعالى، وملِكَ المُلوك، أنا ملِكُ المُلوك ومالكُ المُلوك قُلوبُ المُلوك بِيَدي، فإن العِبادُ أطاعوني حَوَّلْتُ قلوب المُلوك عليهم بالرَّحْمة والرأفة، وإنْ العباد عَصَوْني حَوَّلْتُ قُلوب العِباد عليهم بالسُّخط والنقْمة، فلا تشْغُلو أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلوك، وادْعوا لهم بالصلاح فإنَّ صلاحَهم بِصَلاحِكم، ما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بي من دون خَلْقي أعْرفُ ذلك من نِيَّتِه فَتَكيدُهُ أهْلُ السماوات والأرض إلا جعَلْتُ له من بين ذلك مخْرجاً وما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بِمَخْلوقٍ دوني أعْرِفُ ذلك من نِيَّتِه إلا جَعَلْتُ الأرضَ هَوِياً تحت قَدَمَيْه، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يَدَيْه، المؤمن وَلِيُّه الله، قال تعالى:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾
[يونس: الآية 62]
ولله رِجالٌ إذا دَعَوا الله أجابَهُم، وأعْظَمُ كرامَة ينالُها المؤمن عند الله كرامَةُ العِلْم وكرامة الدُّعاء المُسْتجاب، فحينما تكون وَلِياً لله عز وجل يكون دُعاؤُكَ مُسْتجاب وهو يَحْفَظُك لذلك قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
[الأفال: الآية 19]
وقال تعالى:
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
[البقرة: الآية 193]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾
[البقرة: الآية 153]
ماذا تعْني كلمة مع ؟! معَهُم بالتأييد والنَّصْر والحِفْظ والتَّوْفيق، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
[المائدة: الآية 12]
هذه مَعِيَّةُ الله مبْذولةٌ لكم جميعاً ؛ هو أهل التَّقْوى، ولذلك من قال: الله أكبر ألْفَ مرَّة وأطاعَ مخْلوقاً وعصى خالقاً فما قالها ولا مرَّة ولو رَدَّدها ألْف مرَّة، لو كانت لك بضاعة كاسِدة جاءك من يطْلبها أوْهَمْتَهُ أنَّها جيِّدة جداً، وكذَبْتَ عليه حتى بِعْتَها، مع أنَّكَ خالَفْتَ أمْر الله عز وجل إذْ كَتَمْتَ عَيْبَها وحقيقَتَها، فأنت بِهذا العَمَل ترى أنَّ بَيْع هذه السِّلْعة أغْلى من رضى الله تعالى، فالقَضِيَّة مع الله ليس كلاماً تتكَلَّمُه فَبِالكلام نحن فِداه، ونُحِبُّه ونُطيعُهُ، دينُكَ يظْهر في مَحَلِّكَ التِّجاري، وفي بَيْعِكَ وشِرائِك وفي صِدْقِكَ وأمانتك، فإذا كانت طاعة الله عندك أغنى من كُلِّ شيء كنت ولِياً لله وإن لم تكن كذلك كانت هناك مُشْكلة كبيرة تتعَرَّضُ لها، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56) ﴾
[المدثر: الآية 56]
فلا يليق بك أنْ تكون لِغَيْر الله، وإلا تحْتقِرُ نفْسك كلُّ إنسان يجْعل نفْسهُ تَبَعاً لِجِهَة أرْضِيَّة أو تبعاً لِجِهَة قَوِيَّة، أو لشَهْوة من شَهَواتِه، معنى ذلك أنَّهُ لا يعرف الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55) ﴾
[ المدثر: الآية 54-55 ]
فالإنسان بِصِحَّة جيِّدة وفي بَحْبوحة وفي بَيْتِهِ، يتحرَّك، وحواسُّهُ الخَمْس سليمة، وعندهُ قوتُ يومه، وله أهْل، أما حينما يقترب الأجل وكان هناك تقْصيرٌ سابقاً يصيحُ الرَّجُلُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهْل الأرض لَصُعِقوا، نَدَماً على ما فرَّطَ، قال تعالى:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
[الزمر: الآية 56]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾
[الفجر: الآية 24-30]
وقال تعالى:
﴿ َيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
[الفرقان: الآية 27]
فَكُلُّ إنسان ينْدم كان ذلك دليلاً على نَقْصٍ في العَقْل أما سيِّدُنا عليّ قال: لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، ولو عَلِمْتُ أنَّ غداً أجلي ما قَدَرْتُ أنْ أزيدَ في عَمَلي.
أنا وَقَفْتُ عند هاتين الكلمتين ؛ هو أهل التقوى أيْ أهْلٌ أنْ تُحِبَّهُ أبَدِي وسَرْمدي، لو أحْبَبْتَ من دونه ؛ أحْياناً يُحِبُّ الإنسان زوْجتهُ فإذا كبرَتْ بالسِّنّ ذهب أكثر بريقِها، أو تتنَكَّرُ له حينما يكبرُ أوْلادها تُهْمِلُ زوْجَها وما أكثر من يفْعَلْن ذلك، فَهُوَ مَحَضَها حُبَّهُ وإخْلاصَهُ، وهي قابَلَتْهُ إنْكاراً لِجَميلِهِ، والنبي قال: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (( رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قَالَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا وَلَكِنْ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ * ))
[ رواه أحمد ]
فَكُلُّ إنسان يضَعُ كُلَّ آمالهِ بِزَوْجَتِهِ أو أوْلاده أو مالِهِ، قال أحدهم كلمَةً أظُنُّهُ مؤمناً لكِنَّهُ غلط: الدراهِم كالمَراهِم، تَحُلُّ كُلَّ مُشْكِلَة، فإذا بالله بعثَ له مُشْكلة بَقِيَ بالسِّجن ثمانٍ وستون يوماً ولم تحلّ معه بالدراهم، فأنت بِتَوْفيق الله وحِفْظِهِ لا بِمالِك ولا بِأعْوانك، وكُلُّ إنسانٍ يتعلَّق بآخر ويضَعُ كُلَّ الثِّقَة عليه ويعْقِدُ كُلَّ الآمال عليه الله عز وجل يُلْهِمَ هذا المُتَّبَع أنْ يتنكَّرَ لك ! وهذا يحْصل دائِماً.
قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فإذا أراد أنْ يغفر لك فلا جِهَة تمْنعُه، أما الأشْخاص يقول لك: لا أستطيع والقانون لا يسْمحُ لي أنْ أُسامِحَكَ بالضَّريبة، وهناك لجنة مُبايعات فلا أستطيعُ أنْ آخُذها بهذا السِّعْر، فأيُّ جِهَةٍ أرْضِيَّة هناك جِهَةٌ أعلى منها قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
[المائدة: الآية 118]
الذي لا يحفظ كتاب الله يقول: فإنَّك أنت الغفور الرحيم ! ولكن الآية فإنَّك أنت العزيز الحكيم، أيْ إنْ أردْتَ أنْ تغْفر فلا جِهَة تُحاسِبُك لماذا غَفَرْتَ ؟! فلو أنَّ أعلى إنسانٍ أعْفاك من ضريبة لَحُوسِبَ، أما إذا أراد الله تعالى أنْ يغْفر لك فلا يوجد في الأرض جِهَةٌ تمْنَعُه ولله المَثَلُ الأعلى قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
المائدة: الآية 118)
عزيزٌ فلا يسْتطيعُ أحدٌ أن ينال منك أو أن يصِلَ إليك أو أن يُحاسِبَك.
فالقصْدُ من هذا أنْ تتَّجِهَ لله وحْدهُ، ولا تُعَلِّقَ الأمل على زَيْدٍ أم عُبَيْد إنما أنْ تُعَلِّقَ الأمل على الله عز وجل، وأكبر مرض يُصيبُ المسلمين الآن الشِّرْك الخَفيّ، أما الشِّرك الجليّ لا يوجد ولله الحمد، هناك آلاف الآلهة كُلُّها أصْنام وبوذاَ وما إلى ذلك، نحن لا يوجد لدينا آلهة نعْبدها من دون الله، لكن يوجد مليون إله نعْبُدُه ولا نشْعر، قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾
[ الفرقان: الآية 43 ]
فالهوى أحد هذه الآلهات تعْبده وأنت لا تشْعر، وتُضَحي بِطاعتك لله من أجل هواك، فالشِّرْك الخَفيّ كما قال النبي الكريم: أخوف ما أخاف عليكم الشِّرْك الخفيّ...شَهْوَةٌ خَفِيَّة وأعمال لغير الله ".
إذاً كما قال تعالى:
﴿ " كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فقوله تعالى: كلا إنه تذكرة أي القرآن، وقوله:
﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
هذا ربْط فضْل، وقَيْد فضْل وليس قيْدُ جَبْرٍ كلامٌ دقيق جداً، فأنا دخَلْتُ إلى مَحَلٍّ تِجاري يبيعُ ألْماس فأقول لك: اِخْتر ما شئْت فانْتَقَيْتَ خاتماً ثمنُهُ ثمان مائة ألف !! ثمَّ عند خروجك قلتُ لك: لولا أنَّني سَمَحْتُ لك بالاختيار لما أخذْتَ هذا الخاتم، فلو مَنَعْتُكَ أن تخْتار ربما كنتُ أهْدَيْتُكَ خاتماً ثمنه ثمان مائة ليرة، فَرَبْطُ مشيئة العَبْد بِمَشيئة الربّ ربْط فضْل وليس ربْط جبْرٍ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لولا أنَّ الله شاء لهم أنْ يذْكروا لما ذَكروا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يشاءوا لما شاءوا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يعْقِلوا لما عقلوا، أعْطاهم عقْلاً فهذا كُلُّه من مشيئة الله لنا، فقد شاء لنا أنْ نكون المخْلوقين الأوَّلين في الكون
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:12 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، النفوس أيها الإخوة في القرآن ثلاثة ؛ نفْسٌ أمَّارةٌ بالسوء، ونفْسٌ لوَّامة ونفْسٌ مطمئنَّة قال تعالى: ﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
فالنفسُ اللوَّامة قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
والنفس الأمَّارة بالسوء كما ورد في قِصَّة سيِّدنا يوسف قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
وأصْل هذا التَّقْسيم هو أنَّ الإنسان المخلوق الأوَّل أوْدَعَ الله تعالى فيه شَهَوات، قال تعالى
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾
[سورة آل عمران]
هذه لشَّهوات عَمْياء، والله عز وجل أعْطاه عقْلاً وفِطْرةً وشَرْعاً فالعَقْل ميزان والفِطْرة ميزان والشرْع ميزانٌ على ميزتانَي العقل والفِطْرة العلماء قالوا: الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع فالأصْل هو الشَّرْع لأنَّه كلام الخبير جلَّ وعلا، والغَرْب اسْتَحْسنوا تبادل الزَّوْجات، واسْتَحْسنوا زِنا المحارِم والشُّذوذ من ذُكورٍ مع الذُّكور والإناث مع الإناث، فالحَسَن مِقْياسُه الشَّرْع وليس عَقْلنا، أما العَقْل إذا اسْتنار بالوحْي توافق مع الشرْع فالعَقْل يحْتاج إلى وَحْيٍ ونورٍ، فَكُلُّ إنْسانٍ أوْدَعَ الله فيه الشَّهوات وهي حِيادِيَّة، فإذا قلتَ شَهْوَةً يعْني أنَّها حِيادِيَّة، يُمْكن أن تكون طريقاً لك إلى الله وسبيلاً إلى الجَنَّة، فالإنسان يشْتهي المرأة ويتزَوَّج ويُنْجِب أوْلاد، وطاهِرين طيِّبين ومؤمنين وهم في صحيفته إذا رَبَّاهم تَرْبِيَةً صحيحة فهم صَدَقَةٌ جارِيَة إلى يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ *))
[ رواه الترمذي ]
فالمرأة تُشْتهي، وهذه الشَّهْوة تُلَبَّى عن طريق الزَّواج فَتَرْقى، وتُلَبَّى عن طريق الزِّنا فَتَسْقُط، فالشَّهْوة هي سُلَّم نرْقى بها أو نهْوي بها.
كُلُّ إنسان له شَهَوات فإذا لم يرْجِع إلى عقْلِه ولم يصْغَ إلى فِطْرتِه ولم يطْلب العِلْم فَحَتْماً نفْسه أمَّارة بالسوء وهو طبيعِيٌّ جداً، فلو أنَّ مُحَرِّكا يندَفِع بِقُوَّة بِسُرْعة مائة وليس هناك مِقْواد، فالنُّزول بالوِدْيان حَتْمي لأنَّ الطرقات مُتَعَرِّجة والمحرِّك قَوِيّ إذاً الحادث حَتْمي، فالله عز وجل ما خلَقَ مفْساً أمَّارة بالسوء، لا ! بل جعَلَ فيها شَهَوات حِيادِيَّة، وهذه الشَّهوات ترْقى بها إلى الله، أو تهْوي بها إلى النار.
فأنت تحْتاج إلى شرْعٍ ومنْهَجٍ إلهي ؛ اِفْعل ولا تفْعَل، وتحتاج مع الشَّرْع إلى عَقْل، ومع العَقْل إلى فِطْرة، فالأصْل هو الشَّرْع، الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، إلا أنَّ العقْل والفِطْرة يُعيناك على ذلك فإذا لم يصْغَ الإنسان إلى فِطْرته ولم يسْتَجِب إلى عَقْلِه ولم يطْلب العِلْم الشَّرْعي فَنَفْسُهُ حَتْماً أمَّارةٌ بالسُّوء، هذه الأولى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول (( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ...* ))
[ رواه أبوداود ]
مَثَلٌ بسيط جداً ؛ كيلو سُكَّر ثَمَنُهُ ثلاثون لَيْرة، إذا وَضَعْتَهُ بِمُحَرِّك سيارة يُكَلِّفُك المُحَرِّك ثلاثين ألف !! فهل السُّكَر شرّ ؟ لا، وهل المُحَرِّك شرّ ؟ لا، إلا أنَّ وَضْعَ السُّكَر بالمُحَرِّك شرّ، فالشَرّ جاء من سوء الاسْتِعْمال، وليس بِأصْل الشيء وكذا لو وَضَعْتَ أوقَيَّة سكَّر داخل الطعام لا تسْتطيع أكْلها ! فالشَّر أساسه سوء الاسْتِخْدام والمنْهَج يُبَيِّن لك طريقة الاسْتِعْمال، فَكُلّ إنسانٍ خرج عن منهَج الله تعالى سَقَط، وأصْل الأشْياء كُلُّها خَيِّرَة، فالله تعالى خلَق الزَّوْجَيْن الذَّكَر والأُنْثى ولِقاؤهم وِفْقَ الشَّرْع ووِفْق الزَّواج وأسْرة، فلو أنَّ صَوْتهم علا في الجِماع لما كان هذا خَطأً لأنَّهُ حلال، دون أن ينْحَرِجوا، ولكن لو كان في الحرام تجدهم في خوْف واِرْباك، فالعَلاقة إذا كانت مَشْروعة لا حياء فيها، أما غير المَشْروعَة تخاف منها فالشَّهوات إذاً حِيادِيَّة والمنْهَج هو الشَّرْع، والعَقْل يُعينُك ولكن لا يكْفي وَحْده، والفِطْرة كذا لا تُعينك بِمُفْرَدِها، إذْ هناك فِطْرة مُنْطَمِسة وعَقْل مُنْحَرِف، أما العَقل المطلق يتوافق مع الشَّرْع، والفِطْرة السَّليمة تتوافق مع الشَّرْع، والحق دائرة يمُرّ بها خط النَّقْل وهو القرآن والسنَّة وخطّ الفِطْرة والواقِع، فالواقِع المَوْضوعي يتوافق مع الفِطْرة السَّليمة ومع العقل الصريح والنَّقل الصحيح، أما العقل المُنْحرِف والتَّبْريري لا يتوافق مع الشَّرْع.
الفِطْرة المُنْطَمِسَة تتناقض مع الشَّرْع، من هو الحَكَم ؟ هو الشَّرْع فالحَسَن ما حَسَّنه الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، فهذه هي النَّفْس الأمارة بالسوء، أما نفْسُ المؤمن، المؤمن بين إقْبال وتألُّق وبين فُتور أحْياناً تَغْلِبُهُ نفْسُهُ فَيَتَكَلَّم كَلِمَة غير مُناسِبَة، وتكون منه نظْرة غير مناسِبَة ماذا يفْعل ؟ لا يوجد إلا الله الذي يقْبل التوبة عن عِبادِه فَعَلامة المؤمن أنَّهُ يلوم نفْسَهُ دائِماً، والمؤمن إنسانٌ غير مَعْصوم فلا هو نَبِيٌّ ولا هو كافِر، إذْ الكافِر نفْسه أمَّارة بالسوء، والمؤمن نفْسُه لوَّامة أما الأنْبِياء نُفوسهم مُطْمَئِنَّة ؛ اِطْمَأنَّت إلى طاعَتِه وإقْباله وإلى صِلَتِه وإلى إخْلاصِه وأعْماله الصالحة، فَنَحن إذا أكْرَمَنا الله عز وجل مع النَّفْس اللَّوامَة.
لو صَدَر من الإنسان عَمَلٌ ولم يشْعُر بِشَيْء، فهذا نَفْسُهُ مَيِّتَة وهو الصِّنْف الرابِع، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[سورة فاطر]
قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ *))
[ رواه مسلم ]
فَمَعنى لو لم تُذْنِبوا أيْ لم تشْعُروا بِذُنوبِكم، سَهْرو كُلُّها غيبة وبعدها يقول لك: ماذا فَعَلْنا ! وهذا باع بِثَمَن مُغْرٍ جداً وبعدها يقول لك: هكذا البيْع شطارة، وذاك ظَلَم زَوْجته ثمَّ يقول لك: هذه مقطوعين لا أحد لها ! وأنا حُرّ فَكُلُّ إنسانٍ يرْتَكِبُ المعاصي ولا يتَحَرَّكُ له قَلْب ولا يتألَّم ولا يُحاسِب نفْسَهُ فهذا إنسانٌ مَيِّت ومعنى كلِمة يُذْنبون في هذا الحديث أيْ أنَّهم شَعَروا بِذُنوبِهِم، فلو كان هناك مثَلاً إنسان مُسْتلقي على الأرض، ثمَّ جئت بمرآة ووضَعْها قرب أنفه ولم تجد أثر البخار، ووضَعت له الإنارة الشَّديدة على عَيْنِه فلم تَصْغر، حينها تقول: هذا مَيِّت، ولا حياة فيه، وكذا حال الإنسان المُرلاْتكب للمعاصي والآثام ويأكل المال الحرام ولا يشْعر بشَيء فهذا مَيِّت وهو صِنْفٌ رابِع، لذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
هذا الكافر والمؤمن نفْسه لوَّامة، والذي وَصَل إلى مرْتَبَةٍ عالِيَةٍ في الإيمان أو كان نَبِيًّا فهذا نفْسُهُ مُطمئِنَّة، قال تعالى:
﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
علامة إيمانك أنَّك تُحاسِبُ نفْسك حِساباً عَسيراً، وهذا سيِّدُنا عمر عِمْلاق الإسلام والذي قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان نَبِيٌّ بعدي لكان عمر..." هذا الأخير جاء إلى حُذَيْفة ابن اليَمان وهو أمين سِرُّ رسول الله، وأمْلى عليه أسْماء المنافقين، وهذا سِرٌّ بين النبي وبين حُذَيْفَة فجاءه عمَر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا حُذَيْفة بِرَبِّك هل اسْمي مع المنافقين ؟! فالاطْمِئنان الساذج هو الحمق يقول أحد التابِعين: الْتَقَيْت بأربعين صَحابياً ما من أحدِ إلا ويخْشى النِّفاق على نفْسِه، وهذا كلّه من شِدَّة الخزف من الله والحرْص على طاعَتِه، فإذا الواحِد ارْتَكَب ما يُغْضِبُ ربَّه كأن ينظر نظْرة فيها سُخْرِيَة أو تَكَلَّمْتُ كلاماً غير صحيح أو شَهدْت شهادة فيها باطل، أو كنت تاجِراً فَبِعْتُ قِطْعة قُماش مثلاً منْكَمِشَة لِزَبون وبِسِعْر عالٍ ولم تُحاسِب نفْسَك فهذا يعني أنَّك مَيِّت وعَظَّم الله أجْركم.
فيا أيها الإخوة، ربنا عز وجل يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
وإذا قال تعالى لا أُقْسِم فهذا شيء عظيمٌ جداً، فلو قال لك إنسان الشَّمْس ساطِعة لَوافَقْتَهُ لأنَّها كذلك، ويكفي أن ينظر إليها ويراها، فهل يحْتاج الأمر إذاً أن تقول: والله والله والله هي ساطِعَة !!! فهذا رأي بعض المُفَسِّرين في قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾
[سورة القيامة]
وهذه النَّفْس اللَّوامَة نفْسٌ عَرَفَتْ ربَّها وحاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً، فإذا حاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً كان حِسابها يسيراً يوم القِيامة، قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
ويا أيها الإخوة هناك نقطة دقيقة جداً أرْجو أن تكون واضِحةً عندكم يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
الأوَّل معناه واضِح ؛ إنسانٌ على منْهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلِمَ العذاب والعِقاب والشِّدَّة والضِّيق ؟ ولمَ المرض الشديد والخوف المُرعِب ؟ لا داعي لهذا لأنَّ الله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[سورة النساء]
أما أنت في بَحبوحة الاسْتِقامة على منهج رسول الله قال علماء التَّفْسير: ما دامَتْ يا محمَّد سُنَّتُك في حياتِهم فَهُم في بَحْبوحَة من عذاب الله تعالى قال الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ليس شَخْصُكَ فيهم، ولكن سُنَّتُك فيهم، فإذا كانت بُيوتنا إسْلامِيَّة وتِجارتنا إسْلامِيَّة ونزهاتنا إسْلامِيَّة واحْتِفالاتنا إسْلامِيَّة وأعْراسنا إسْلامِيَّة وتَوْزيع الثَّرْوة إسْلامي وميراثنا إسْلامي فَنَحْنُ في بَحْبوحَةٍ من عذاب الله تعالى الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ولك بَحْبوحَةٌ ثانِيَة قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
إنسان غلط، فَطَلب المغْفرة من الله واسْتَغْفَر الله، وراجع نفْسَهُ وخاف من الله فمادام هو في حالة الخوف والاسْتِغفار واعْتِذار وطلب المُسامَحَة من الله تعالى ودفع صَدَقة أو صام فَهُوَ يسْتَرْضي الله تعالى، فالله عز وجل لما يجد عبْدَهُ تاب إليه واسْتغفر وندم وصام يغفر له إن شاء الله ومثل هذا المذْنِب في بَحْبوحَة من عذاب الله، وهذا معنى قَوْل الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
فنحن في بحْبوحَتَين ؛ بحْبوحَة تطبيق السنَّة وبَحْبوحَة الاسْتِغفار والتوبة والله عز وجل يُسْتَرْضى، أما الإنسان القَوِيّ لا يُسْترْضى، واسْتِرْضاء الله تعالى بالصَّدقة فَصَدَقَةُ السرّ تطفئ غضب الربّ، باكِروا بالصَّدقة فإنَّ البلاء لا يتخطاها، وهي تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ! فالله تعالى يُسْترضى بالتوبة الصَّدقة والصوم والاسْتِغفار، والذِّكْر والتَّسْبيح، فهذا يونس عليه وعلى نَبِيِّنا أفضل الصلاة والتَّسْليم قال وهو في بطْن الحوت في قوله تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
[سورة الأنبياء]
فهذه هي النفوس الثلاث أمارة بالسوء ولوامة ومطمئِنَّة والرابِعَة كما قلنا مَيِّتَة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:14 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في عِلْم المنطِق شيئان مُتعاكِسان، وشيْئان مُتناقِضان، فالشيئان المُتعاكِسان يجْتمعان كالأبْيَضِ والأسْود، أما الشيئان المتناقِضان فلا يجْتَمِعان كالظلام والنور، فَوُجود أحدهما ينْفي الآخر، فالأشْياء المتعاكِسَة تجْتَمِع بينما المتناقِضة لا تجْتَمِع.
حقيقتان إن آمَنْتَ بِأحَدِهما يجب أن تُنْكِرَ الأُخرى، فَوُجودُ إلهٍ في هذا الكون بِيَدِهِ كُلُّ شيء وكاملٌ كمالاً مُطْلَقاً، وإما أن تُؤمن بالعَبَثِيَّة فإن آمَنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى لأن تُؤمن بالله، وإن آمنتَ بالله فَيَجِب أن تنفي العَبَثِيَّة إطْلاقاً، يقول الله عز وجل: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
أكل أموال الناس بالباطل وطغى وبغى ويأتي الموت وينتهي كلُّ شيء ولا شيء بعد الموت، هذه هي العَبَثِيَّة، هناك ضعيف وقويّ وفقير وضعيف، وهناك صحيح ومريض، وإنسانٌ عَمَّر والآخر مات بِسِنٍّ مُبَكِّرَة، وهناك إنسان وسيم جداً وآخر دميم جداً، فهذا الذي تَمَتَّع بالمال طوال حياتِه وحار في إنْفاقِه، وهذا الذي يتمنى أن يكون معه ألف ليرة وهذا الذي أكل أَطْيَبَ الطعام، وهذا الذي لم يأكل شيئاً، وهذه المرأة التي تَمَتَّعَت بِجَمال صارِخ فَخَطَبها أغْنى الأغْنِياء، وهذه الذَّميمة التي ما خَطَبها أحد، ثمَّ يأتي الموت وينتهي كُلُّ شيء، ولا شيء بعد الموت ! هذه عَبَثِيَّة، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
فأنت إذا آمنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى أن تؤمن بالله تعالى إطْلاقاً، أم إذا آمَنْتَ بالإله فلا يُمْكن أن تعْتدي على أحد لأنَّك سَتَدْفَعُ الثَّمن باهِظا، ولا يمكن أن تأخذ مال أحد، فأنت مع الإنسان القَوِيّ وتنْضَبِط فَكَيْف بالله تعالى ؟! إذا عَلِمْتَ أنَّ هذا الإنسان القوِيّ يعلم كلّ حركاتك وسَكَناتك وسوف يُحاسِبُك حِساباً عسيراً، فلا يُمكن أن تُخالف أمره، فَكَيْف مع الواحِد الدَّيان ؟! فالله تعالى يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
يوم الجزاء والدَّيْمومة، ويوم تُوَفَّى كُلُّ نفْسٍ ما كَسَبَتْ ويوم تُسَوَّى الحِسابات، ويوم يؤخَذ من المظلوم للظالم، ويوم يأخذ للمغتصَب من مُغْتَصِب، يقوم العدْل المطلق بين الخلْق ؛ هذا يوم القِيامة، نحن في دار ابْتِلاء، وغذاً في جزاء، ونحن في دار تَكْليف وغداً تشْريف ونحن في دار عَمَل وغداً دار أمَل، ونحن في حياةٍ دُنيا مُتْعِبَة، والإنسان ينشأ ويتنامى إلى أن يَصِل إلى قِمَّةِ مَجْدِه، ثمَّ يأتي مَلَكُ الموت بعد أن ضَبَط أُموره، وحقَّق دَخْلاً كبيراً، واشْترى بيْتاً مُريحاً، ورَكِبَ مَرْكَبَة فَخْمَةً وعلا اسْمُه وذاع صيتُه يأتي ملكُ الموت ليأخذ منه ما جَمَعَهُ من عُمْرٍ مديد في ثانِيَةٍ واحِدَة، إذاً هذه الدنيا أحْقر من أن تكون عطاءً من الله تعالى، لأنَّ الله تعالى إذا أعْطى لا يأخذ، فالدنيا ليسَتْ عطاءً، ولو أنَّها تَعْدِل عند الله جناح بَعُوضة ما سَقى منها الكافر شَرْبة ماء، هي أحْقَر من أن تكون عَطاءً، وأحْقر من أن يكون الحِرْمان منها عِقاباً قد يحْرِمُها الله تعالى من أحْبابه، وقد يُعْطيها لأعْدائِه، والدليل أنَّهُ أعْطى المُلْك لمن لا يُحِبّ ولِمَن يُحِبّ، فهذا إذاً ليس مِقْياساً، فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، وأعْطى لِخِيرَتِه كَعُثْمان، فالمال إذاً ليس مِقْياساً، وكذا القوَّة فالعِبْرة أن تعْمل لِهذا اليوم الذي سوف يدْفع الإنسان فيه الحِساب دقيقاً فهذا أعْرابِيٌّ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يَعِظَهُ وأن لا يُطيل عليه فَتَلا عليه قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
فقال: كُفيت فقال عليه الصلاة والسلام فَقُهَ الرَّجل ! أي صار فقيهاً وكذا كلّ آية في كِتاب الله تعالى تَكْفينا طوال حياتنا، ألا يَكْفينا قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[سورة النساء]
أنت تحت المُراقبة، فلو قلنا لك أنت مُراقب فَيُمْكن أن تتوَهَّم الخطأ توهّماً، فَكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يُراقبك، فقوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
هي التي تَحَدَّثنا عنها البارحة بالتفصيل وذَكَرْنا أنَّ النفْس اللَّوامَة نفْسٌ يُحِبُّها الله عز وجل، قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الإبْهام دَرَسَهُ العلماء فَوَجدوا فيه مائة نقْطة، ومائة علامة، وطَبَعوا إبْهاماً بِحَجْم مائة مُرَبَّع، وطَبَعوا مائة ألف إبْهام، ومَرَّروا هذه المائة ألف على هذا الإبْهام فلم يكن يَجِدوا ولا واحِداً يُوافق الآخر ! بل إنَّ العلماء قالوا: لو أنَّ سَبْعة نِقاط تشابَهَت في إبْهامَيْن لكان الإبْهامان لِرَجُلٍ واحِد فهذا الإبْهام بَصْمة وتوقيع بل وأدَقُّ توقيع، بعض المُجْرمين بِأمْريكا وَضَعوا جزءً من جِلْدٍ على إبْهامِهِم بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة حتى يخْلصوا من موضوع البَصْمات، بعد ثلاثة أشْهر عاد شَكْل الإبْهام الأصْلي إلى الجِلْد الذي رُكِّب فوقه ! والعلماء قالوا: قُزَحِيَّة العَيْن هوِيَّة لك، ليس في الأرْض كُلِّها له قُزَحِيَّة عَيْن تُشْبِهُك، لذلك هناك أقْفال على قُزَحِيَّة العين يَضَعَهُ الإنسان عَيْنيْه على القِفْل فَيُفْتَحُ الباب ! ولا يُفْتح إلا لِصاحِب هاتين العَيْنين، وكذا رائِحَة الجِلْد هُويَّة، فَكُلُّ إنسانٍ له رائِحَة والكلاب البولِسيَّة تهْتدي بهذه الرائِحَة والكلب له قوَّة شمّ يُساوي مليون ضِعْف الإنسان، وكلّ إنسان له نَبْرة صوت خاصَّة وهي هَوِيَّة ثانية، وكلّ إنسان له بلازما دم خاص، وكل إنسان له زمرة نسيجِيَّة خاصَّة ؛ خمسة آلاف زمرة نسيجِيَّة، فَقُزَحِيَّة العَيْن ورائِحَة الجِلْد، ونبرة الصوت وبلازما الدم والزمرة النَّسيجِيَّة والإبهام، فالله تعالى جعل فرْداً لا شبيه لك، وذلك لِكَرامتك عند الله قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الشكل الذي على الإبهام سوف يعود كما كان، لكن متى ؟! قال:
﴿ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)﴾
لا يوجد لُجوء سياسي هناك، أما هنا فلَدَيْك لُجوء سياسي تنتقل به من دولة لأخرى، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سوة الأنعام]
فالإنسان في الدنيا له جماعة ووُسَطاء وأتباع، يقول لك أحدهم: فلان جاءَتْهُ أزْمَة، فَجاءَهُ مائة تلفون من أجله ! أما هناك كما قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سورة الأنعام]
قال تعالى:
﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25)وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26)وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ(27)كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28)فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29)وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ(30)﴾
[سورة الدخان]
خِطاباً لِفِرْعَون، فهذه الآية أيها الإخوة تُبَيِّن أنَّه لا عَبَثِيَّة في الكون قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
لن تُحاسَب ! طَلَّقْتَ زَوْجَتَك ظُلماً وأخذْتَ بيتها ولن تُحاسَب ! وأكلت أموال الناس بالباطل ولن تُحاسَب، واعْتَدَيْتَ على أعْراضِهم، واسْتَغَلَّيْتَ ضَعْفَهُم ولن تُحاسب، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)﴾
[سورة القيامة]
باللِّقاء الزوْجي يُفْرز الرجل خمسمائة مليون حُوَيْن، والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَيْنٍ واحدٍ ! أكبر رقم سَمِعْتُه خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجة وسَمِعْتُ رقماً بِمِلْيون، ولا أدري الدِّقة بينهما، أما هناك مليون أمر مُبَرْمَج على الحُوَيْن المنوي، وكذا على البُوَيْضَة، فإيَّاك أم تؤمن بالعَبَثِيَّة وأن تقول: هذا القوي يفْعل ما يشاء ! ألا يوجد إلهٌ يُحاسِبُه ؟! هذا سوء ظَنٍّ بالله عز وجل، هؤلاء سَيُحاسبون حِساباً عسيراً، الذين يعيشون على أنْقاض الشُّعوب ويتَحَكَّمون بِمَصائِر الشُّعوب، والله عز وجل يُمْهِل ولا يُهْمِل وإليكم هذه القِصَّة الرَّمْزِيَّة وهي شوحَةً جاءَت سيِّدنا سليمان قبل الطوفان وقد أوتِيَ لغة الطير، فقالت له: ربُّك عَجول أم مَهول ؟ فسأل ربَّهُ فقال تعالى: أنا مَهول ولسْتُ عَجول، فاطْمَأنَّتْ فَسَرَقَتْ لحْماً على النار فَعَلِقَتْ جمْرةٌ في اللَّحْم أحْرَقَت عُشَّ أوْلادِها فعادَتْ إليه وقالت له: ألم تقل إنَّه مَهول ؟! فقال له قل لها: هذا حِسابٌ قديم وليس على آخر شيء فَعَلْتيه !! قال: ما من علقة ولا اخْتلاج عِرْقٍ ولا خَدْشِ عودٍ إلا بما قَدَّمَتْ أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، فإذا وَقَع الإنسان بِمُشْكلة عليه أن يُراجِعَ نفْسه، فالله تعالى أكبر من أن يُصيبك بِمُصيبة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:17 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في سورة القيامة، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى:
﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
أيها الإخوة الكرام، إنسان يحمل دكتوراه، هل تُصَدِّقون أنَّهُ نالها وهو نائِم ؟ نالها في ليلة واحِدة وفي ساعَةٍ واحِدة ! قَدَّم طلباً للجامعة قائِلاً: يُرْجى مَنْحي دكتوراه، وهو لا يقرأو لا يكتب ! فَمُنِحَ هذه الشهادة لأنَّها مرْتبة عِلْمِيَّة، فهل مَرْتبة الإيمان هَيِّنَة على الناس إلى هذه الدَّرَجة ؟ لا لِطَلَبِ العلم، ولا يحضر مجالس العِلْم، وما قرأ القرآن، وما فَهِمَ كلام ربِّه، وما سأل عن حُكْمِ الشَّرْع في قَضِيَّاته، ثمَّ يقول لك: أنا مؤمن ! الإيمان يُبْنى عليه عَمَلاً فمن لم يعْمل عَمَلاً وِفْق إيمانِه فليس مؤمناً، لو أنَّ أحداً من الناس بأشَدِّ الحاجة إلى المال وقلتَ له في الجِهَة الفلانِيَّة تُعْطى لك حاجتك التَّامَّة، ولكن بِكَلِمَة، فلو أنَّ هذا الأخير ما تَحَرَّك كان دليلاً على أنَّ فيه خَلَلاً، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾
[سورة الأنعام]
هنا الإيمان باليوم الآخر يقوله الناس بألْسِنَتِهم إلا أنَّك تفاجئ أنَّ معظَمَ الناس يأكلون أموال بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسَبون ويعْتدون على أعْراض بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسبون، حركة المسلم والمؤمن المُعاصِر الآن تدلّ وكأنَّه لا قِيامة، اِغْتِصاب أموال وغيبة ونَميمة، وطَعْن، وحُضوض النَّفْس في أعلى درجة، وكأنَّ الله تعالى لن يُحاسِبَهم، تجد شَخْص بِسِنٍّ مُتَقَدِّن يريد أن يفْعل شيئاً الشباب لا يجرأ أن يفعله ! ألا يوجد موت ؟! دائِماً وراء هذه المُلْهِيات، ساعة النزول للقبر ماذا تقول لله عز وجل ؟ أين المَفَرّ ؟! لو أنَّ سارِقاً ارْتَكَب جريمة، حين يسْرق المال يتنعَّم ويزْني ويُسافِر، ثمَّ أُلْقِيَ القبْض عليه وسيقَ للمُحاسَبَة، قُبَيْل أن يُشْنَق يمكن أن ينْسى كُلَّ اللَّذائذ التي اسْتَمْتَع بها، فالإنسان حينما يدْنو أجله ويقرب من مُغادرة الدنيا يقول: لم أرَ خيراً قطّ ! في هذه اللَّحْظة تظْهر بُطولة الإنسان يُنَبَّؤ الإنسان ويقول أين المفَرّ ؟ أنا أقول للإخوة إياك ثمَّ إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، قال تعالى:
﴿ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
وقال تعالى:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)﴾
[سورة المؤمنون]
إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، كما أنَّ المَشْنوق قُبَيل أن يُشْنق يُحِبّ أن يبكي أو يضْحك المُهِمّ ؛ اِفْعَل ما شئْتَ سَيُشْنَق، لذا نحن الآن في بَحبوحة والتوبة مقبولة، والباب مَفْتوح، قال تعالى:
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)﴾
[سورة القيامة]
لا أهْل ولا مال ولا جماعة ولا أتْباع، ولا أحد.
قال تعالى:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾
[سورة القيامة]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
وقال تعالى:
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾
[سورة القيامة]
كُلُّ شيءٍ تُقَدِّمُهُ سوف تُخْبَرُ به، وكل شيء تُؤَخِّرُه سوف تُخْبر به، ما معنى بِما قَدَّم ؟ قدَّم من عملٍ صالحٍ فَتَقَدَّم به إلى الله، وهذا أخَّر فتأخَّر عن اللُّحوق بِأهْل الإيمان، فهناك ما يُقَدِّمُك وهناك ما يؤَخِّرُك، فالإيمان يُقَدِّمُك وكذا الاسْتِقامة والإخلاص والصِّدْق والإحْسان للناس، إلا أنَّ الكذِب يُؤَخِّرُك، الحقيقة العُظْمى في الكون ولا حقيقة بعدها ؛ كُلُّ شيءٍ يُقَدِّمك منه هو عمل صالح، وكلُّ شيء يُبْعِدُك عنه هو عَمَل سيئ كان لي صديق بِبَلَدٍ أجْنبي وقال لي: كنت أتَصَفَّحُ مَجَلَّة، ووجَدْتُ دِعاية لِهاتِف فضائي، مَرْسوم رجل دين واضِع قُبَّعَة على رأسِه، والأنوار تَشِعُّ منها، وتَمُرُّ أمامه فتاةٌ مُتَبَذِّلَة فَيَنْظر إليها فإذا هذه الأنوار تنْطفىء ! فهم أدْرَكوا بِفِطَرِهم أنَّ إطْلاق البصر لهذه الفتاة يَحْجُبهم عن الله، فإطْلاق البصر يُبْعِدُك وغَضُّهُ يُقَرِّبُك، وكذا الصَّبْر والضَّجَر، وضَبْط اللِّسان يُقَدِّمك وتفْليت اللِّسان يُبْعِدُك، وإنفاق المال يُقَرِّبك وحبْسه يُبْعِدك زَوْج مِثالي يُقَدِّمك وزوْجٌ سيِّء يُؤَخِّرُك، يُنَبَّؤُ الإنسان بِما قَدَّم وأخَّر، والعِبْرة أن تقْترب من الله.
قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
أحْياناً رجل قَوِيّ ومَلِك من ملوك الأرض، ولك عنده حاجة، تجد أنَّ الطريق له صَعْب وليس لك أن تُقابلَهُ،ولكنَّ مَلِكَ المُلوك سبحانه وتعالى وَضَع لك ألف طريق إليه، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فأنت بِبَيْتك إذا كنت زوْج صالح كان هذا طريقاً إليه تعالى، وكذا إذا كنت ابناً صالحاً، وممكن أن تخْدم زوْجَتَك بِالبيْت طريق إلى الله، وإذا صَدَقْت بِعَمَلِك كان هذا طريقاً إلى الله، فأنت تُصَلِّي باليوم خمْس صلوات أما إذا كنت ماشِياً بالطريق فكلَّما غَضَضْتَ بصرك عن محارِم ترْقى دَرَجة والآية الواضِحة جداً، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[سورة الكهف]
خَلَقنا لِيَرْحَمنا ولِيَتوب علينا، ولِيَسْتجيب لنا، فالمُشْكلة إذا جاء مَلَك الموت انتهى كلُّ شيء، كنت البارِحة مع طبيب قلب، وأنا شَخْصِياً لا أعْرِف قُطْر الشريان القلب التاجي الذي يشْغل الأرض كلَّها الآن، فَكُلُّ إنسان يضيق شِرْيانه التاجي يحْتاج إلى قصْطَرة، فالقُطْر ملم واحِد، فَكُلُّ آمالك وقوَّتِك وجَبَروتِك على هذا الطريق الواحد، فإذا انغلق أصْبحت الحياة جحيماً، فهل يُعْقل أن تكون كلَّ آمالك ومُنْجَزاتِك وكلّ سَيْطَرَتِك على ملم واحِد مَفْتوح، فهم خَمْسُ شرايين كُلُّ شِرْيان قُطْره ملم واحِد، والقَضِيَّة الثانِيَة أنَّ كلَّ آمالك مَبنِيَة على سُيولَة دمك، ومتى تَجَلَّط الدم أصْبحت مُشْكِلة، فما عليك إلا أن تتوب قبل تَجَمُّد الدَّم وتَضَيُّق الشريان، يُمْكِن أن تَكْذِب على كلّ أهل الأرض وتفوقهم بِحِيَلِك إلا نفْسَك فَمُسْتَحيل قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾
[سورة القيامة ]
مهما كانت عندك طلاقة لِسان وذكاء ونصوص وتُغطِّي اِنْحِرافاتك كُلِّها بالمنْطق، أما يوم القيامة فكما قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(65)﴾
[سورة يس]
لا تقل يوم القيامة أنا قَصْدي كذا ونَوَيْتُ كذا، إنَّما أعْمالك هي التي تنْطق، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(21)﴾
[سورة فصلت]
فهذه الآية:
﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
واحِد سرق فَسيق لِسَيِّدنا عمر كي يقْطع يده، فقال السارق هذه أوَّل مَرَّة، فقال له عمر: كَذَبْت إنَّ الله لا يفْضح من أوَّل مَرَّة، وهذا الذي أرْجوه من الله عز وجل أنْ نصْطَلِح معه قبل فوات الأوان، البارِحَة قرأت مقالة بِمَجَلَّة خليجِيَّة أنَّ الأمر القَلْبِيَّة تكون بالخمْسين والسِتِّين، أما الآن بالأربعينات أو الخمسينات، شيء ليس بِالحُسْبان وتَجِدُه بِكَامل قِواه ونشاطِه، في ثانِيَة انتهى، كان شَخْصاً وصار خَبَراً على الجُدْران اِعْلموا أنَّ ملك الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيْرنا وسيتَخَطى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذْرنا، فكُلُّ البطولة أنْ نَعُدَّ العِدَّة لِهذا اليوم إذا نُبِّئْت بأعْمالك لم فَعلْتَ كذا ؟ وإذا لم تسْتحِ فاصْنَع ما شئْت.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:19 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة القيامة في الآية العشرين:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالله تعالى سمَّى هذه الحياة حياةً دُنيا، وسَمَّى الآخرة حياةً عُلْيا فالآخرة حياةٌ أبَدِيَّة، والدنيا حياةٌ مُنقَطِعة، والآخرة أساسها الإكرام والدنيا أساسها الكدْح والتَّعَب، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الانشقاق]
الدنيا أساسها السَّعْي والآخرة أساسها الإكرام، والدنيا دار ابْتِلاء والآخرة دار جزاء، والدنيا دار تَكْليف والآخرة دار تَشْريف، والدنيا منقطعة والآخرة مُتَّصِلَة، لذلك ربنا عز وجل في آيات كثيرة يلوم هؤلاء الناس الذين يَتَعَلَّقون بالحياة الدنيا، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
هناك درجات كثيرة بين الناس، فكما أنَّه هناك مسافة كبيرة جداً بين طبيبٍ وبين مُمرِّض، وبين أكبر أستاذ بالجامعة وبين مُعَلِّم بالقرية وبين تاجِرٍ وبين بائِع مُتَجَوِّل، وبين أعلى رتبة في الجيْش وبين مُتَجَوِّل إذاً هناك مسافات كبيرة حتى في البيوت ؛ بيت في طرف المدينة وبين ثمنه مائة وخمسون مليون ! وحتى بالمركبات، والطائرات والبواخر، وحتى بالطعام والشراب، قال تعالى:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الاسراء]
مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً وهي مُؤقَّتة، وقد تعني العكْس قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
ربَّ أشْعث أغبر ذي طمرين مدْفوعٍ بالأبواب لو أقْسم على الله تعالى لأبَرَّه أهْلاً بِمَن خَبَّرني جبريل بِقُدُومِه ؛ رَجُلٌ فقير من الصحابة قال: أَوَمِثْلي فقال:نعم يا أخي ! خامِلٌ في الأرض عَلَمٌ في السماء، فَمَرْتَبَة الدنيا لا تعني شيئاً، والمال لا يعْني شيئاً، أعْطاهُ الله تعالى لِعَدُوِّهِ قارون، قال تعالى:
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾
[سورة القصص]
والمُلْك لا يعْني شيئاً فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، أما المؤمن يُعْطاه كما قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾
[سورة يوسف]
فإذا آتاك الله تعالى الحِكْمة وعَرِفْتَ سِرَّ وُجودك وغاية ذلك، وعرفْتَ ربَّكَ ومَنْهَجَهُ، واسْتَعَنْتَ به على طاعته فأنت من الفائِزين، قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
خالقُ الكون يقول لك: إذا أطَعْتني فُزْتَ فوزاً عظيماً، والناس يرَوْن الفوْز بِجَمْع المال وبِبِناءٍ يملِكُهُ وبِأَرْض ارْتَفَعَ سِعْرها مائة ضِعْف وبِبَيْت كذلك، والفوز بِتِجارةٍ رابِحَة وبِوَكالة حَصْرِيَّة وبِزَوْجة جميلة، أما الفوز عند الله تعالى بِطَاعَتِه قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
فقوله تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)﴾
[سورة القيامة]
احْتِقاراً، أحْياناً عِصابة تسْرِق، وتقع في قَبْضَة العدالة والتُساق إلى السِّجْن، وتُعَذَّب حتى تعْتَرِف، وتُؤخذ الأموال كلّها منها، بعد هذا الحُكْم تجد هؤلاء العِصابة نَسِيَت كُلَّ المَلَذَّات التي تَمَتَّعَتْ بها في سَرِقاتها ! فالعِبْرة في النِّهاية والعاقِبَة ولِمَن يضْحك آخِراً، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
والله أيها الإخوة، لو أنَّ الٌنسان يقرأ كلام الله تعالى قِراءَةً مُتَأنِّيَة، فالله تعالى يقول ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
فَرَبُّنا عز وجل يُخْبرنا أنَّ متاع الدنيا قليل، وأنَّها أحْقَرُ من أن تكون عطاءً، والحِرْمان منها أحْقر من أن يكون عِقاباً، تافِهَة، لذلك العِبْرة أن تكون مُطيعاً لله تعالى فيها، أنا هؤلاء الناس الذين غفلوا عن الله عز وجل يَرَوْنها كُلَّ شيء، ويُعَظِّمونها ويُعَظِّمون أغْنِياءَها وأرْبابها وأقْوِياءَها، وينْسَوْن الله عز وجل فيأتي الموت فَيُنْهي هذا الغِنى.
قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالمؤمن الصادِق يسْعى للآخرة في كُلِّ يوم، وفي كُلِّ حَرَكة، وفي كُلِّ سَكَنة وفي كُلِّ كَسْب مالٍ، وفي كُلِّ إنْفاق مالٍ، وفي كُلِّ زِيارَةٍ يسْعى للآخرة قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
المؤمن الذي صَلى في الدنيا وضَبَط شَهَواتِه وأعْضاءَهُ ودَخْلَهُ وجوارِحَهُ واسْتقام على أمْر الله تعالى، وطلب العِلْم في الآخرة، يقول تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[سورة القيامة]
ففي الآخرة أيها الإخوة، يُتاحُ للمؤمن أن يرى الله عز وجل كما في الأحاديث الصحيحة، كما يرى القمر ليلة البدْر، وفي بعض الرِّوايات أنَّ الذي يرى الله عز وجل يغيب من نَشْوة النظر خمسين ألف عام !
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[ سورة القيامة]
ثمّ قال تعالى: ووُجوه يومئذ باسرة.." شديدة الكلوحة، كالِحَة ومُسْوَدَّة ومُغْبرَّة وقاتمَة، قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
الفاقرة الداهِيَة التي تقسم الظَّهْر، ففي النِّهاية البَشَرُ كلّهم على اخْتِلاف مشاربهم وأعراقِهم وأجْناسِهم ومِلَلِهم ونِحَلِهم، وكلّ هذه الاختلافات شَكْلِيَّة فالناس في الآخرة رجلان كما قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
كَمَن أُلْقِيَ القبْض عليه وينتظر العِقاب، ولا يعرف هل سَيكون بِسِجْن مُأبَّد أو أعمال شاقَّة ؟ فهذه الأيام تَمْضي عليه كالسنوات، وانْتِظار الحُكْم صَعْب جداً.
ثمَّ قال تعالى
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾
[سورة القيامة]
اِنْسَحَبت الروح قال تعالى:
﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)﴾
[سورة القيامة]
من يرْقى له، من يقرأ له قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
فالإنسان يمْرض إلا أنَّه في كُلِّ أمْراضِه يغلِبُ عليه الأمَل في الحياة أما أحْياناً تأتيه تقارير عن حالته النِّهائِيَّة، أحدهم قال له: أنت معك سرطان وسَتَعيش أربعة أشْهر ! ففي هذه الأيام ما عليك إلا أن تُنهي أمورك ووَصِيَّتَك، وأنْهي علاقاتِك، ثاني يوم تَوَفَّى هذا الشَّخْص، ولم ينتظر أربعة أشهر
قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
أحياناً المريض يَتَيَقَّن أنَّهُ سَيَنْتهي، كان هناك رجل حكوا لي عنه إلا أنَّها سبحان الله قِصَّة يصْعب أن تُصَدَّق وأنا لم أرَهُ إلا أنَّني سَمِعْتُ عنه ؛ رَجُلٌّ صالِح وكان يُنفق أموالاً طائلة في سبيل الله، وله مكْتب في الحريقة، كُلَّما دَخَلَتْ عليه لَجْنة خَيْرِيَّة له طريقة رائِعَة وهي أنَّهُ يعْطيهِم مِفتاح الصُّنْدوق ويقول لهم: خُذوا ما شِئْتم، ولا تُعْلِموني، أُصيب بِمَرضٍ في دَمِه ولِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى وَصَلَ الخبر له حيث أنَّه رفع السَّماعة الإضافِيَّة فكان من الطبيب لابنه، ولأنَّ عمله الطَيِّب ولأنَّه كان مُسْتقيماً ما تأثّر كثيراً، إنَّما خَبَّر صديقه من أصْدِقائِه وقال له: أنا انْتَهَيْتُ ! عندي صَفْقَة الفُلانِيَّة تُنهيها لي، وتُعْطي أرْباحها لأوْلادي ورَتَّب أموره وقضايا العمل والتِّجارة والاسْتيراد والمُسْتوْدعات، وثاني يوم وَدَّع كُلَّ أهْلِه، واحِداً واحِداً، وثالث يوم تَغَسَّل بِنَفْسِه، وفي الساعة الواحِدَة له شَيْخ بالشام صالِح، ذَهَب إليه وبَقِيَ يذكر الله عنده، وفي الساعة الثانِيَة فارق الحياة، هذا الأمر صَعْب جداً أن تعرف أنَّك في الرقت الفلاني سَتُفارِقُ الحياة، فَكَلامي أنَّك إنْ عَمِلْتَ عَمَلاً طَيِّباً لن يكون الموت مُخيفاً لك، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158)﴾
[سورة آل عمران]
تَجِد فلان من الناس مُهِمَّتُه جمْع المال، والله تعالى قال:وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ ﴿ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)﴾
[سورة القيامة]
سُئِلَ عالِمٌ جليل: كيف القُدوم على الله ؟ فقال: أما العبْدُ المؤمن فكالغائِب رُدَّ إلى أهْلِه، لو كان لك ابن بِمَنْطقة من البلاد الأوروبيَّة وبقي هناك ثماني سنوات فلو عَلِمْتم قُدومه لرَتَّبْتُم له غرفة خاصَّة به، وتطْبخون له أكْلات يُحِبُّها، أليس كذلك ؟! وأما العَبْد الكافر فكالعَبْد الآبِق رُدَّ إلى مَوْلاه، وهذه قِصَّة قديمة أذْكرها لكم ؛ أنَّ أحد الناس خرج من بلدِه إلى أروببا وهاجم نِظام بلَدِه وكان صَحَفِيًّا، ودَبَّروا له حتى أصْبح بين أيْديهم، فكيف سَيفعلون الآن به؟! قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
ففي النِّهاية نذْهب كلنا إلى الله تعالى، فالذي يأكل مال الحرام، ويعتدي على أعْراض الناس، والذي يسْتَعلي على خلق الله ؛ كُلُّه سَيُحاسَب وأصْعب ليلة في القبر هي أوَّلها، يقول الله عز جل: عَبْدي رجعوا فَتَركوك وفي التراب دَفَنوك، ولو بَقوا معك ما نَفَعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت، كُلَّما زُرْتُ بيْتاً لأُعَزِّي آتي بهذا الكلام، أرى بيْتاً فَخْماً، بِكامِل المُعِدَّات، أقول: أين صاحبُه الآن ؟! الثريَّات كُلُّها كريستال، وصالون ثمانية أمْتار، وتُحَف أقول كيف انتقل صاحِبُه إلى باب صغير ؟ نحن عندنا حيّ المالكي هو حيّ أكْواخ بالنِّسْبة لِحَيّ الشَّهْباء بِحَلَب، هناك فِلَّة أرانيها شَخْص وقال لي: هذه فيها رُخام من سنة الأربع والسَّبْعين، وكان الدولار بِثَلاثة ليرات وثَمانِيَة قِرْش، ثَمَنُ هذا الرُّخام خمْس ملايين ليرة، هذا الرُّخام هو رخام أونِكْس شَفاف، الآن ثَمَنها أكثر من ثمانمائة مليون !! صاحبها عمره اثنان وأربعون سنة، وكان طويل القامة، فكان القبْر قصيراً عليه، فاضْطر الذي حَفَر القبر أن يُمَيِّل رأسَه!! فهذا الذي كان يسْكن في بيْتِ ثمنه ثمان مائة مليون، كان مثْوه في قبر أصغر منه !
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)﴾
[سورة القيامة]
أعرف رجل، يقرب أحد أصْدِقائي، عاش بالسَّعودِيَّة ثلاثين سنة، وجَمَّع ثلاثة آلاف مليون وما صلى الفرْض بِحياتِه، ولا حجَّ ! ذهَب لاسْتنبول فمات بالفندق هناك، والبارِحَة بِجامِع النابلسي كان جالساً في القاعة فانقلب ومات في الصلاة ! الموت يأتي بَغْتَةً، والقبر صندوق العمَل.
قال تعالى:
﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)﴾
[سورة القيامة]
فالفاجِر يجْلس قَعْدَةً لا أدَب فيها، وقد يضْطجع اضْطِجاعاً غير لائِق.
ثمَّ قال تعالى: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35)﴾
[سورة القيامة]
أي أوْلى لك أن تؤمن،وأن تسْتقيم وأن تُفَكِّر بهذا اليوم، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
الذي خلق هذا الكون العظيم والذي خلقك ألا يُحاسِبُ أحداً ؟ هل يعْتدي الإنسان على من يُحِبُّ ويظْلم ثمَّ ينْجو من عذاب الله، وهل يُعْقل من جامِعَة بأرْقى الأساتِذة والغُرف والسَّكن ثمَّ لا يوجد فيها امْتِحان ؟! وكُلُّهم ناجِحون، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
هذا هو الإيمان إذا آمَنْتَ أنَّ هناك آخرة وحِساب ومَسْؤولِيَّة، وتُحاسَب على أدَقِّ الحركات السَّكَنات، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
ما من عثرة ولا اخْتلاج عِرق ولا خدْش عود إلا بما قَدَّمت أيديكم، وما يعْفوا الله أكثر.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:22 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأولى من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
لا شكَّ أنّ أحدنا وقع تحت يدِه كتاب مَطبوع قبل تاريخ ميلاده، ففي أثناء طبع هذا الكتاب هل هناك شَخْص هو أنت ؟ فأنت إذا تَصَفَّحْتَ كتاباً قبل تاريخ ميلادِك ألم يخْطر في بالك أنَّهُ في أثناء طبْع هذا الكتاب لم تكن إطْلاقاً، ولم يكن لك وُجود ولا مكان ولا حجم ولا هُوِيَّة، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
فَمَن أنْعم عليك بِنِعْمة الإيجاد ؟ الله جلَّ جلاله، وُجِدْتَ بعد إذْ لم تكن هذه أكبر نِعْمة ألم تسأل نفْسك هذا السؤال ؛ لماذا أوْجَدني الله عز وجل ؟ لا يليق بالله ولا بِكَماله ولا بِعَظَمَتِه ولا بِطَلاق قدرته لِيَخْلق مَخْلوقاً لِيُعَذِّبَهُ، العوام يقولون كلاماً مُضْحِكاً ! يقولون: الله تعالى خَلَقنا للعذاب من قال لك هذا ؟ القرآن يردُّ على هذا، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)﴾
[سورة هود]
خلقهم لِيَرْحمهم، ولِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، وَخَلَقهم لِيُسْعِدَهم وليَجْعل لهم من نِعَم الدنيا مُتَّصِلَةً بِنِعَمِ الآخرة، ولله المَثَل الأعلى سيارة مُصَمَّمة أعلى تَصْميم كي تَكون لِخِدْمَتِك ولكي تنقلك إلى مكانٍ جميل فلو أنَّ إنساناً ساقَها وهو سَكْران، قد تَتَدَهْوروتنكسِرُ أضْلاعه، فَمَن المسؤول ؟ هو الذي قادها بِطَريقة مَغْلوطة والذي شَرِبَ الخَمْر وقاد السيارة والأصل أنَّ هذه المركبة صُنِعَت كي تنقلك إلى أيِّ مكانٍ تشاء وكي ترْتاح باسْتِعْمالها، وكي تسْعَدَ بها، صُمِّمَت لإسْعادِك وليس لِتَدْميرك أما لو قُدْتَها دون وَعْي وكان هناك حادِث والحادِث مؤْلم فأنت هو السَّبب، فربُّنا عز وجل خلقنا لِيُسْعِدنا ولِيَرْحَمنا، ولِيَنْصُرنا ويُطَمْئِننا خلقنا لِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، لِجَنَّةٍ يدوم نعيمها، لذلك أوَّل سؤال: ألم يمُرّ وقْتٌ في الأرض لم تكن مَذْكوراً ؟
لو رَجَعْنا إلى عَهْد رسول الله تعالى، فهل كُنَّا مَوْجودين ؟ لم نك إطْلاقاً وكذا إلى عهْد الصحابة والتابِعين والأمَوِيِّين والعباسيِّين وإلى عهْد الدُّوَل المُتتابعَة، هذه الأزْمِنَة لم نكن موجودين فيها، فهذه نِعْمةٌ أولى.
النِّعْمة الثانِيَة هي نِعْمة الإمْداد، مَنَحَك الله تعالى نِعْمة الوُجود ثمّ نِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بالهواء، فالهواء ليس له فاتورة، ولو كان كذلك لكانت هذه مُشْكِلَة، تأتيك الفاتورة تجد فيها ؛ ثمان مائة ليرة تَنَفُّس ‍! تَدْفَع أو نقْطع عليك التَّنَفُّس !! شيء غير مَعْقول، إذْ هو مُباحٌ للجميع، وكذا الماء، والطعام وأمَدَّك بِزَوْجة تأنَسُ بها من جِنْسِك وطبيعتك ونفْسِك تُحِبُّ كما تُحِبُّ وتكْره كما تكْره وترقى كما ترْقى وتَسْمو كما تَسْمو جعلها مُتْعَةً لك وأنْجَب لك منها أوْلاداً، يملئون لك البيْت فرْحَةً، فإذا تَقَدَّمَتْ بك السِنّ كانوا لك مِعْواناً، فهو تعالى أمَدَّك بِكُلِّ شيء، ثمَّ دَلَّكَ عليه وأمَدَّك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد، يقول عليه الصلاة والسلام: أحِبوا الله لما يغْدوكم..." فهذه الكلية الصغيرة تعمل بِصَمْت ؛ الدم يُصَفَّى فيها في اليوم خمْس مرات، أما الكلية الصِّناعِيَّة فَثَمانِيَةُ ساعات ويدك مَمْدودة وأنت مُعَطَّل والسيروم بِيَدِك، كُلُّ هذا من أجل جمعة أو ثلاثة أيام ! والتَّصْفِيَة ثمانون بالمائة، وحجم الكلية قدْر هذه الطاولة، وكذا الكبد لولاه لما عِشْتَ ثلاث ساعات، وكذا القلب، فهذا دَسَّام خنزير ثَمَنُه ثمانون ألف وأحْياناً الشرْيان الأبْهر يتعطَّل ووَصْلة طولها اثْنى عشرة سنتمتر ثَمنها اثْنى عشَر ألف ! كُلُّ شيءٍ فيك ثَمين، فهذا زَرْع الكلية يُكَلِّف مليون أو مليونين، فالله تعالى أمَدَّك بالإمداد والإيجاد، والهُدى والرَّشاد، فإذا كان الإنسان من الشاكرين قَيَّدَ هذه النِّعَم بالشُّكْر، وإن لم يَشْكُرْها ضَيَّعَها وأحد أنواع شُكْر النِّعَم أن تسْتَعْمِلها في مَرْضاة الله، لا أن تنظر بِهذه العَيْن إلى ما حَرَّم الله، وكذا السَّمْع والنطْق والبطْش باليد ولا أن تقودك رجلك إلى ما لا يُرْضي الله، فالله تعالى قال:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
فهذه النُّطْفة تُلَقِّح البُوَيْضة، وهناك ثلاثة وعشرون مُوَرِّث وكذا البُوَيْضَة أصْبَحَ عددهم ستٌّ وأرْبعون، فالحُوَيْن المنوي فقط فيه ثلاث وعشرون مُوَرِّث، وفقط البُوَيْضة عليها ثلاث وعشرون، أما أيُّ خَلِيَّة أخرى عليها سِتٌّ وأربعون، لذلك الاسْتِنْساخ مُشْكِلَتُه أن نأخذ خَلِيَّةً عليها سِتاًّ وأربعون وليس ثلاث وعِشْرون، فهذا الذي يأتي هو أخٌ لأبيه أو أُخْتٌ لأمِّها، أما هنا من نُطْفَةٍ أمْشاج، الحُوَيْن والبُوَيْضة تفاعَلا وكَوَّنا هذا الجنين، وهذا الجنين فيه صِفات الأب والأمّ، وفيه أقْوى الصِّفتَيْن ويُتَلافى فيه أضْعَف الصِّفتَيْن، فهذه الآية وَحْدَها تنْفي الاسْتِنساخ قال تعالى:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
أي نَمْتَحِنُه، جَعَلْناهُ سميعاً كي يسْمَعَ الحقّ، وبصيراً لِيَرى الآيات، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)﴾
[سورة الملك]
أحدُ أسباب دُخول النار ما سَمِعَ وما عَقَلَ، فهو لا فَكَّر بالحق وتأمَّل ولا سَمِع له، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال]
هذه الآية تَكْفينا، أخٌ كان في أمْريكا ودَخَل إلى مَسجِد ووجَدَ شَخْص يبْدو من مَظْهره من أرْقى الأُسَر وشَخْصِيَة مُحْتَرَمَة جداً، تُنَظِّف المَسْجد فقال له: أنت من أين ؟ فقال: له أنا من أمريكا، ماذا تعمل ؟ قال: بأعلى الرتب البحْرِيَّة بأمريكا ! قال: كيف أسْلَمْت ؟ فقال له: ذَهَبْتُ إلى الشَّرْق بِمُهِمَّة، وسَكَنْتُ بِبَيْت وكان هناك رجل داعِيَة أقْنَعني بالإسلام فأسْلمْتُ، هذه الآية تُريحُ الإنسان، وهذه بِشارةٌ لكم ولي فمادام الله تعالى أسْمَعَنا الحق لَعَلَّ فينا خيراً، فالآية هكذا نَصُّها، قال تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)﴾
[سورة الليل]
لفظة على إذا أُضيفَتْ إلى ذات الله عز وجل تُفيد الإلْزام الذاتي، فالهُدى من الله، هو الذي يهْدي، فهو تعالى هداك بالعَقْل والفِطْرة وهداك بالقرآن والنبي العَدْنان والدُّعاة والمنامات، فالكَوْنُ يُعَرِّف بالله، وعَقْلُك يَصِلُ بك إلى الله، وفِطْرَتُك تَدُلُّك على الله، والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام يدلان على الله تعالى، وأفعال الله تدُلُّ عليه، والعلماء من بعد الأنبياء يَدُلُّون على الله، فقوله تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
السبيل المُوصِل إلى الله، والسبيل الموصِل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، والسبيل الموصِل إلى السلام مع الله تعالى، والسبيل الموصِل إلى الدنيا كما أرادها الله والآخِرة، أما الذي كفر وانْحرف وضَلَّ وتَكَبَّر فقد قال تعالى:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا(4)﴾
[سورة الإنسان]
لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)﴾
[سورة الإنسان]
أيها الإخوة، نحن في بَحْبوحَة الحياة والقلب يعْمل، الصِّحة طَيِّبَة فلما علينا إلا التوبة الصُّلْح مع الله، وما علينا إلا أن نُحاسِبَ أنفُسَنا حِساباً عسيراً، وأن نتوب قبل أن لا نتوب، وأن نُؤَدِّي ما علينا من حُقوق قبل أن لا نجِد، فمادُمْتَ حيًّا كُلُّ شيء مَحْلول، لو جِئْتني بملء السماوات والأرض غفرتها ولا أُبالي، يوم يعلم المعْرضون انْتِظاري لهم وشَوْقي إليهم، وترْك معاصيهم لَتَقَطَّعَت أوْصالهم من حُبِّي، ولماتوا شَوْقاً إليَّ إنِّي والإنس في نبإٍ عظيم أخْلق ويُعْبَدُ غيري، وأرزق ويُذْكر سِواي خيري إلى العباد نازِل، وشَرُّهم إليَّ صاعِد، أتحبب إليهم بِنِعَمي، وأنا الغَنِيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم تَلَقَّيْته من بعيد، ومن أعرض عنِّي منهم نادَيْتُه من قريب أهْل ذِكْري أهْلُ مَوَدَّتي، وأهْل شُكْري أهْل زِيادتي، وأهْل مَعْصِيَتي لا أُقَنِّطُهم من مَعْصِيَتي، إن تابوا فأنا حَبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبْتَليهم بالمصائِب لأُطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، الحَسَنَةُ عندي بِعَشَرَة أمْثالها وأزيد، والسَّيِّئة بِمِثْلِها وأعْفو وأنا أرْأف بالعَبْد من الأمِّ بِوَلَدِها خَلَقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ، أفَيُعْييني رغيف أسوقُه لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عَلَيَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضَتي لم أُخالِفْك في رِزقِك، وَعِزَّتي وجلالي إن لم ترْض بما قَسَمْتُهُ لك فلَأسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترقُد فيها رقْد الوَحْش في البَرِيَّة، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي وكنت عندي مَذْموماً، أنت تريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُك ما تريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
أيها الإخوة الكرام، مِحْوَرُ هذا الدرْس أنَّ ربَّنا عز وجل مَنَحَنا نِعْمَة الإيجاد، وأوْجَدَنا لِيُسْعِدنا ويرْحَمَنا، فإذا أخْطأنا شَقَيْنا، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
وقال تعالى:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)﴾
[سورة البقرة]
ثمَّ إنَّ الله تعالى أكْرَمَنا بِنِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بِمالٍ وبنين وبِنِعمَة الهُدى والرَّشاد، وما علينا إلا أن نسْتجيب، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال]
قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
فإن لم نسْتَجِب شَقَيْنا.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 01:24 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الثانى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الثالثة والعشرون والتي بعدها من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قد يُعَبّر عن ذات الله عز وجل في القرآن الكريم بِكَلِمَة أنا قال تعالى:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
وقد يُعَبَّر عن لفْظ الجلالة في القرآن الكريم بالضَّمير نحن، قال تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
فهل هناك فرْق بين التَّعْبيريَن ؟ متى يقول الله عن ذاته العَلِيَّة:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
﴿ومتى يقول الله عز وجل عن ذاته العَلِيَّة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قال علماء التَّفْسير، إذا كان المُراد ذات الله عز وجل جاء التَّعْبير إنَّني أنا الله أما إذا كان المَقْود أفعاله وأسْماؤُهُ فَكُلُّ أفعاله تَدْخُل فيها كُلُّ أسْمائِهِ، فَفِعْلُهُ رَحْمَةٌ وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ وقُوَّةٌ وَهَيْمَنة فإذا عَبَّر عن أفْعاله يقول: إنَّا نحن، فهذا القرآن رحْمة وعَدْل كما قال العلماء ؛ الشَّريعة عَدْلٌ كُلُّها، ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ كُلُّها، لا يليق بِشَريعة الله تعالى إلا أن تكون كذلك فأيَّةُ قَضِيَّة خَرَجَت من العَدْل إلى الجَوْر أو من الرَّحْمة إلى خِلافِها أو من المَصْلحة إلى المَفْسَدَة فليسَتْ من الشريعة ولو أُدْخِلَت عليها بألْف تأويل وتأويل، هل تُصَدَّق أن يذْهب مليون حاج أو أكثر إلى الدِّيار المُقَدَّسَة وأن يذْبحوا الخرفان ويُلقونها في العَراء فَيُصْبِحُ الجوُّ نَتِنا لِعِدَّةِ أشْهر ! هل هذه هي الشَّريعة ؟! لا، الآن تُذْبح في مَسالِخ وتُبَرَّد وتُرْسَل إلى الفقراء، هذه هي الشَّريعة، أما أن نذْبَح مليون خروف وتذْهب هباءً والناس يموتون بالجوع ! ليْسَت هذه الشَّريعة، فلابدّ أن تكون الشريعة رحْمةً وحِكْمَةً ومَصْلَحة، فإذا ورد في قوله تعالى: إنَّا نحن، فأسْماء الله تعالى كُلُّها حُسْنى وفُضْلى وأفعاله كُلُّها حكيمة فإذا كان التعبير عن أفْعاله يأتي ضمير الجَمْع، لأنَّ هذا الفِعْل تدْخل فيه أسْماؤُهُ كُلُّها، وإذا كان التعبير عن ذاته يقول: إنَّني أنا الله، أحْياناً الإنسان لا تتَّضِحُ له الصورة، لو دَخَلْنا إلى أكبر مَكْتبة بالعالم، ورأيْنا فيها فَرَضاً مليون مُجَلّد، أو أكثر وكانت كُلُّ هذه الكُتب في كَفَّة، وكتاب الله تعالى في كَفَّة هذا كلام خالق الكَوْن، دَخَل مُغَنِّي بريطاني في إيطاليا إلى مَكْتبة وهو مُغَنِّي شَهير جداً وتُباع أشْرِطَتُهُ بِمئات الملايين، ورأى في هذه المكتبة القرآن مُتَرْجَم، فسأل صاحب المَكْتبة من مُؤَلِّف هذا الكتاب ظن فأشار صاحب المَكْتبة إلى السَّماء فَسَخِرَ هذا المُغَنِّي أشَدَّ السُّخْرِيَة واشْترى الكتاب ليَنْتَقِدَهُ ويدْحض هذا الادِّعاء فآمَنَ بالله تعالى ! وتاب تَوْبَةً نصوحَة وكُلُّ دَخْلِهِ من الأغاني تَصَدَّق به، وكان يشْتري تسْجيلاته وأسْطُواناتِه ويُتْلِفُها لأن لا يرْتَكِب مَعْصِيَةً، وهو الآن من أكبر الدُّعاة إلى الله اسمهُ يوسف إسلام، لذلك فَضْلُ كلام الله على فضْل كلام خَلْقِهِ كَفَضْل الله على خلْقِه، وازِن بين خالق الكون وبين إنْسان ! بين عِلْمٍ مُطْلَقٍ وبين جَهْلٍ، وحِكْمَةٌ وغباوَة ! المسافة التي بين الله وبين خلْقِه هي نفْسها بين كلام الله وكلام خلْقِه، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلام الواحِد الدَّيان، قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فالله عز وجل قَضى أن تكون ذا دَخْلٍ مَحْدود فهذا قضاء الله عز وجل ويوم القيامة يكْشِفُ لك الحِكْمة فَتَذوب كالشَّمْعَة مَحَبَّةً لله عز وجل وقضى أن تكون أباً لِبَناتٍ فقط، فهذه هي حِكْمَتُهُ، وقضى أن تكون أباً لأوْلاد، وقضى أن تكون عقيماً أو صحيحاً أو مريضاً فهذه مشيئة الله وعلامة إيمانك بالله أن تحْتَرِم مشيئته وأن ترْضى بقَضائِه وقَدَرِه ولكن هذا متى ؟! بعد اسْتِنفاذ الجُهْد، فإذا كنت كَسول ولا أدْرس ثمَّ أقول حَسْبِيَ الله ونِعْم والوَكيل، هذا كلام باطِل، الأصْل أن أقول هذا بعد الاجْتِهاد وبذْل كُلّ ما في الوُسْع لِتَحْسين مَعيشَتي ونَيْل الدَّرَجات العُلْيا فإذا انتهى بك السَّعْي إلى هذا المكان فهذا قضاء الله تعالى وقدره.
إذاً قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
لو أنَّ أحدكم ذَهَب إلى طبيب أسْنان وقال له: أنت لك مُشْكلة في القلب والبنج لا يُناسِبك، ولا بدّ من أن تُقلع الضرْس من دون بنْج، واقْتَنَعْتَ أنت، فَمِن أجل قناعَتِك بالسَّبب تتَحَمَّل الألم وتصْبِر، وهذا الصبْر لا يحْتاج إلى جُهْد إطْلاقاً، ولكن متى يكون الأجْر على الصَّبْر عالياً ؟ إذا لم تكن الحِكْمة غير واضِحَة لك ! يا ترى ألا يسْتحق الله عز وجل أن تُسَلِّم له الأمْر ولو لم تتَّضِح لك الحِكْمة ؟ فأنت مع طبيب تُسَلِّم الأمْر فكيف مع الخالق، فالله عز وجل يمْتَحِنُ عُبودِيَّتك له، ويبْعث لك مشكلة غير معْقولة، وليس معها مُبَرِّر، ولو أنَّك في أعلى درجة من الاسْتِقامة تأتي مُشْكلة فلا تقل والله أنا المفروض لا تأتيني مثل هذه المصائب ! وأعلى امتحان عُبودِيَّة أن يقول الله عز وجل لِنَبِيٍّ كريم اِذْبَح ابنك، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الصافات]
وكلمَّا كان أمر الإلهي واضِح كلَّما كانت العبودِيَّة قليلة وكلَّما كان الأمر الإلهي غير واضِح كانت العبودِيَّة فيه أعلى، أبٌ قال لابنه نَظِّف أسْنانك وآخر قال لابنه أنت معك اِلْتِهاب أمْعاء ما عليك إلا أن تأكل الشاي واللَّبَن فقط كُلُّ هذا لِمَصْلحة الولد، أما إن كان الابن جائِعاً والطعام موجود وأراد أن يأكل ثمَّ يقول له الأب لا تأكل ! فهنا تظْهر طاعة الابن لأبيه لأنَّ الأمر معْقول وهذا اسْمه اِمْتِحان عُبودِيَّة، فالله تعالى يمْتَحِننا إمْتِحان عُبودِيَّة، فهذا سيِّدُ الخلق وحبيب الحق في الطائِف كَذَّبوه وسَخِروا منه واسْتَخَفوا بِدَعْوَتِه، وفي روايةٍ ضَربوه، قال عليه الصلاة والسلام: يا ربّ إن لم يكن بِكَ عليَّ غَضَبٌ فلا أُبالي ولك العُتْبَة حتى ترْضى ولَكِنَّ عافِيَتَك أوْسِعُ لي، وامْرأةٌ في مَعْرَكة أُحُد والله مليون رجل لا يُساوي قلامة ظفرها، رأَتْ زَوْجَها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورأتْ ابنها قَتيلاً فقالتْ: ما فعل رسول الله، ورأتْ أخاها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورَأَتْ أباها قتيلاً، إلى أن رأَتْهُ فقالتْ: يا رسول الله، كُلُّ مصيبةٍ بعدك تهون ‍! فنحن لِضَعْف إيماننا لا نُمْتَحَنُ هذه الامتحانات، هناك صحابي فقَدَ بَصَرَهُ، فقال: اُدْعو الله أن يردَّ لك بصرَك، فقال: والله إنَّني أسْتحي من الله، هو اخْتار لي هذا وأنا أرْفُضُه ! فالإيمان له مُسْتَوَيات، لما قال لنَبِيِّه اِذْبح ابنك، هل ذُبِحَ الابن ؟ لا، الله تعالى رحيم إلا أنَّهُ امْتحنَك، إذاً هناك امتحانات عُبودِيَّة، والواضِحَة لا تحتاج إلى صبْر، كَحال الذي يؤلِمُه ضِرْسه ولكن متى تحْتاج إلى الصبْر، إذا لم يكن الأمر واضِحاً، تجد شاباً مُسْتَقيماً فقَدَ عمله فجْأةً ! وما أكل مال الحرام، فأصْبَحَ يَدَّيَن أوَّل الشَّهْر وثانيه وثالثه ؛ هذا امتحان عُبوديَّة فإذا قال: يارب لك الحمْد، مَن أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب منَّا أعْطَيْناه، ومن اكْتفى عمَّا لنا كُنَّا له وما لنا تأتي الدنيا وهي راغِمَة، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عَوَّضَهُ الله تعالى خيراً منه، في دينه ودُنْياه، ولا يوجد واحِدٌ مِنَّا ليس له قائِمَة مُزْعِجات بِحَياتِه ونقائِص ومُشْكِلات، فإذا قلتَ أنت: يا ربّ أنا راضٍ حَدَّثونا عن رجل معه ورم خبيث بأمْعائِه، فَدَخَل إلى المُسْتشْفى، فأحد إخْواننا الأطِبَّاء قال: ما دخل عليه إنسان إلا بادَرَهُ بهذه الكلمة ؛ اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله ! وكانت به آلام لا يعلمها إلا الله تعالى وكان يُغْمِضُ عيْناه ويسْتَغْفِر، وكان يُكْثِرُ الحمْد، ثلاثة أيام تُوفِّي، ولِحِكْمةٍ بالغة بالغة بالغة جاء بعده مريض مُصاب بِنَفْس المرض، ما تَرَكَ نَبِيًّا ما سَبَّهُ فذاك المؤمن يحْمد وذاك يشْتم ! قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)﴾
[سورة النحل]
اسْتَعِن بالله على الصبْر، وفي آيةٍ ثانِيَة:
﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)﴾
[سورة المدثر]
هناك شَخْص ينْقهِر فَيَصْبر، فهذا ليس لله، ولكنَّهُ مَقْهور، أما المؤمن وهو في أعلى درجات القوَّة يصْبر لله، فاصْبِر وصابِر، وكان سيِّدنا عمر إذا أصابته مُصيبةٌ قال: الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمْد لله إذْ لم تكن أكبر منها، والحمد لله أَنَّني أُلْهِمْتُ الصَّبْر عليها.
قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فلا شيء يقعُ لك إلا والله تعالى هو الذي سمح فيه، والله تعالى حكيم وعادِل، وفَسِّر كُلَّ أفْعاله بالرَّحْمة والعَدْل واللُّطْف، فما دام الشيء وَقَع فهذا قرار ربِّك فاصْبِر والصَّبْر مُريح، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر]
كأنَّ لك شيك مَفْتوح، فهذه الصَّحابيَّة أُمُّ سَلَمة تُوُفِّي زوْجها ومن ألْمَع الصحابة والنبي علَّمَنا أن إذا أصابتْنا أن نقول: اللهمّ اخْلُفني خيراً منها فإذا بالنَّبي صلى الله عليه وسلَّم هو الذي خَطَبها.
فإذا صَبَرْتَ ورضيت بِقَضاء الله فالله تعالى يُحِبُّك ويُعَوِّضك أحْسن منه.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 01:26 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والعشرون من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلّ جلاله يأمرنا أن نذكره بُكْرَةً وأصيلاً، وصباحاً ومساءً، أي ذِكْراً كثيراً، وفي آيةٍ أخْرى يقول الله عز وجل:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
[سورة الأحزاب]
وقد ورد في الأثر القُدْسي: ابن آدم إنّك إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتَني كَفَرْتني، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران]
قالوا: حقَّ تُقاتِه أن تَذْكره فلا تنْساه، وأن تُطيعهُ فلا تعْصِيَه، وأن تشْكُرَهُ فلا تكْفره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: برءَ من النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله.." وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ * ))
[ رواه الترمذي ]
وما والاه ؛ أيُّ شيء يُقَرِّبُك من الله، فإذا جَلَسْتَ في مَجْلس عِلْم وتَعَلَّمْتَ تفْسير آية فهذا المَجْلس من ذِكْر الله، وإذا قرأْتَ كِتاب فِقْهٍ لِتَعْرِفَ أحْكام الشَّرْع والحلال والحرام فهذا من ذِكْر الله، وإذا تَلَوْتَ القرآن تِلاوَة تَعَبُّد فهو من ذِكْر الله، وإذا فَكَّرْت في السماوات والأرض التي بثَّها في الكون فهذا من ذِكْر الله، وإذا دَخَلْتَ إلى المسْجد لِتُصَلي، قال تعالى
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
فهذا من ذِكْر الله، والقلب لا يطْمئِنُّ إلا لِذِكْر الله تعالى، ولا يسْعَدُ إلا لِذِكْر الله، وما من شيء في الدنيا يمْلأ هذه الثَّغْرة، فقد تكون غَنِيًّا إلا أنَّك تجد شيئاً فارِغاً تبْحَثُ عن سَدِّه، وقد تكون قَوِيًّا وصحيحاً وقد تمْلك الدنيا بِما فيها، وما لم تذْكر الله فالقلب يصْدأ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ القلوب لتصْدأ كما يصْدأ الحديد..." وحينما قال الله عز وجل ألا بِذِكْر الله تَطمَئِنُّ القلوب، فلو قال تطْمئِنُّ القلوب بِذِكْر الله لَكان معنى الآية أنَّها تطْمَئِنُّ بِذِكْر الله وبِغَيْر ذِكْر الله، أما حينما جاءَت بهذه الصِّيغة المُقَدَّمة، فالمَعْمول إذا قُدِّم على العامل في اللُّغة أفاد الحصْر فلو أنَّ الله تعالى قال: مفاتيح الغيْب عنده، فهذا يمكن أن يكون عند غيره أما حينما قال:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)﴾
[سورة الأنعام]
صار هناك حصْر فالتَّقْديم والتأخير يُفيد الحصْر، فلما قال الله عز وجل:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد]
فالقلوب إذاً لا تطْمَئِنّ ولا تسْكن النُّفوس الأفئِدَة لا ترْتاح إلا بِذِكْر الله قال عليه الصلاة والسلام: وما جلس قوم مجْلساً..." لذلك احْرِص على أن تُكْثِرَ من ذِكْر الله، ولأمْر لا ينْصَبُّ على ذِكْر الله وحْدهُ، لأنَّ المنافق يذْكر الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[سورة النساء]
المؤمن يذْكر الله تعالى ذِكْراً كثيراً، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)﴾
[سورة المزمل]
ففي بعض الآثار أنَّه يجب أن تذكر الله تعالى حتى يُقال عنك مَجْنون وأنت أعْقَلُ العُقَلاء، والإنسان إذا ذَكَر الله تعالى ألْقى في قلبه طمأنينةً لو وُزِّعَت على أهْل بلدٍ لَكَفَتْهُم، إذا ذَكَرَ الله عز وجل ألْقى في قلبه سكينةً، وراحَةً، وسعادَةً، لأنَّ إن ذَكَرْتَهُ ذَكَرَك، وما ذَكَرني عبدي في نفْسه إلا ذَكَرْته في نفْسي، وما ذَكَرني في ملأ إلا ذَكَرْته في ملأ خير منه، وكلُّ إنسان يتَحَدَّث عن نفسه، ويقول: أنا يمْقُتُه الناس فإذا تَحَدَّثْت عن الله عز وجل أحَبَّك الناس، فَمَعْقِدُ الآمال، ومَحَطُّ الرِّحال، ومُنْتهى الغايات، هو الله تعالى، هناك أشْخاص عندهم عُقَد نفْسِيَّة في التَّحَدُّث عن أنْفسِهم وعن أعْمالهم، فهؤلاء يعبدون ذواتهم من دون الله، وهؤلاء يمْقتهم الخَلْق، أما إن أَرَدْتَ أن يُعَظِّمَك الخلْق بَيِّن عَظَمَة الله، سيِّدنا نور الدِّين الشَّهيد لما ردَّ التتار هولاكو ترْمونلاند أمر أن توضَع خمسين ألف رأس على شَكْل هرَم، وهو المعْروف بِبُرْج الروس ؛ خمْسين ألف رأس وُضِعَت على شَكْل هَرَم، ثمَّ نظر وقال: سامِحونا فإنَّا سَبب دُخولكم الجنَّة ‍! مَن الذي وَقَف في وَجهه ؟ الظاهِر بيبَرْس وقُطز ونور الدِّين الشَّهيد، وفي بعض المعارك سَجَد نور الدِّين الشَّهيد وقال: يا ربّ من هو الكلب نور الدِّين حتى تنْصره ! فالمؤمن يُعَتِّب على نفْسِه، وقد جاء رسولٌ من بعض الغزوات إلى سيِّدنا عمر فقال له عمر: طمْئِنِّي ؟ فقال: مات خلْقٌ كثير فذَكَر له منهم فلما قال له عمر: تابِع، قال له الرسول: إنَّك لا تعْرفهم، فبَكَى عمر بكاءً شديداً وقال: وما ضَرَّهم أنِّي لا أعْرفهم إذا كان الله يعْرِفُهم.
فيا أيها الإخوة، الذِّكْر جزْء كبير من الدِّين، وغِذاء القلب، والعِلْم غذاء العَقْل، والطَّعام والشَّراب غِذاء الجِسْم، فكما أنَّك بِحاجَة يوْمِيَّة إلى كأس ماء يوْمِيًّا عليك أن تذكر الله يَوْمِيًّا، ولما يُغَذِّي الإنسان جانِباً على آخر يُصبح له شَكْل كاريكاتوري ! لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً (24)﴾
[سورة الإنسان]
من أجل أن تصْبر اُذْكر اسم ربِّك، ومن أجل أن تطْمئِنّ وتسْعد وترْتاح اُذْكر اسم ربِّك، من صلى الفجْر في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُمسي ومن صلى العِشاء في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُصبِح قال تعالى:
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
يُشير لهم احْتِقاراً، أموات غير أحْياء ينامون ويسْتيقِظون، ويحْلمون بالأموال والتِّجارات والأرْباح ؛ ساحته النَّفْسِيَّة كُلّها دنيا.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
أحْياناً يُهَرِّب الواحد حشيش ويُعْطونه مائة ألف ! إلا أنَّه لما يحكمونه في السِّجْن ثلاثين سنة ينْسى حليب أمِّه، وإذا كان في التِّجارة إعْدام، فالذي يعيش على أنْقاض الآخرين وعلى أموال الآخرين، وعلى اغتصاب الأموال، المحاكم الآن كُلُّها دعاوى كَيْدِيَّة، دون مُبَرِّر، فلا تفْرح بالمال الحرام، ولا تفرح أنَّك طلَّقْتها ولا أحد معها، ولا تفْرح أنَّك أخْرجت شريكك من المَحَلّ فالذَّكاء لا يكون إلا بِطاعة الله.
ذكر لي أحد الإخوة، أنَّهُ كان ماشِياً بِسُرْعة في الطريق، وكانوا قد وضَعوا رادار جديد، فقالوا له: كنت مُسْرِعاً، فقال: لا، أنا لم أكن مُسرِعاً، فأعْطَوْهُ الصورة، فما عليه إلا أن يدْفع، فالعبرة أن تعمل عملاً لا تندم عليه، والله تعالى يُحاسب حِسلباً دقيقاً، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾
[سورة الحجر]
غفور رحيم إذا رَجَعْتُ وتُبْت ونَدِمْت، أما الإصْرار على الخطأ فقد قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾
[سورة الحجر]
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
فلا تأخذ شطْر الآية دون أن تكمِلَها، لأنَّ إن فَعَلْتَ هذا كأنَّ تقول: ويْلٌ للمُصَلِّين !
إذاً قال تعالى
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
فالإنسان يمْشي ويقف، فكيف يكون هذا ؟ لأنَّه يوجد هَيْكل عظْمي، عُنق الفخِذ يحْمل وزْن مائتان وخمْسون كيلو، وأمْتن نقطة بالعظْم عنق الفخِذ مِن أين جاءَت هذه المتانة ؟! فالإنسان أصْله ماء ونطْفة وبويْضة، ولو ظاهرةً بالفيزياء اسمها التَّرسُّب لما كان هناك عظْم، فأنت تأكل الجبن وهو فيه الكِلْس، وتأكل الحليب، فهذا الكِلْس يترسَّب على شَكْل عِظام مَتينة جداً، بل إنَّ الأسنان أقْسى عنصر بالكَوْن بعد الأَلْماس، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
ذكر لي طبيب جراح عِظام لما نَفُكّ مُشاشة عظْم عُنق الفخِذ من مَحَلِّها يساعدني أربعة أشْخاص ولا أقْدِر، وقرأْتُ في بحْثٍ أنّ هذا العظْم داخل إلى شِبْه كُرَة، وهناك تفْريغ من الهواء، لا يسْتطيع أن يفكوها عن بعْضِها، نحن خلقناهم وشَدَدْنا أسْرهم، فالإنسان مَشْدود وهذا يُلاحظ من حَمْل الابن، فلو كانت الأرْبِطَة ضعيفة لكان وزْن الابن يُمَزِّق الأرْبِطَة وتتقَطَّع أيديه، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 01:29 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها إلى نِهاية السورة من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
أوَّلاً كلمة تذْكرة تعْني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، والقرآن يُذَكِّرك بشيءٍ مُنْطَبِعٍ فيك، كما لو زُرْت بلْدَة ثمَّ أريك صورة هذه البلدة، نقول لك: أتعرف هذه البلدة ؟ لولا أنَّك زُرْت هذه البلدة وانْطَبَعَت معالِمُها في ذِهْنِك ثمَّ أرَيْناك الصورة لما من معنى أن نقول لك: إنَّ هذه تَذْكِرة، فالتَّذْكرة لِشَيْءٍ رَأيْتهُ سابِقاً، فالنَّفْس البَشَرِيَّة مَفْطورة على ذِكْر الله، وفي أصْل فِطْرتها مؤمنة بالله، والخَلْق جميعاً في ساعات الشِدَّة يعودون إلى فِطْرَتِهم وحتى المُلْحِد إذا رَكِبَ سفينةً أو طائِرَةً واضْطَرَبَت وكادَتْ أن تقع أو تغْرق يقول: يا ألله ! إلا أنَّ الشَّهوات تطْمِسُ هذه الفِطْرة وتُبْعِدُها عن صفائِها، فَكُلُّ إنسانٍ مؤمن بالفِطْرة، لذلك جاء هذا القرآن الكريم لِيُذَكِّرنا بأصْل فِطْرتنا، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾
[سورة الإنسان]
كلمة تذْكرة تعني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، فالهُموم والشَّهوات والنوازِع والرَّغبات طَمَسَتْ هذه الفِطْرة.
المعنى الثاني: إنَّ هذه تَذْكرة، وأنت مُخَيَّر، والدليل قوله تعالى بعدها:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلَّ وعلا أعْظم وأجلّ من أن يقول كلاماً لا معنى له، لو أنَّنا مُجْبرون، ومُسَيَّرون ولَسْنا مُخَيَّرين لما كان هناك معنى لقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
فلو كنت راكباً سيارة والمِقْوَد بِيَدِك، لا يَصِحُّ عقْلا أن تقول لِواحِدٍ وراءك، لُفَّ على اليمين ‍! فلو أنّ الإنسان مُكْره ومُسَيَّر وليس مُخَيَّراً فالآية لا معنى لها، يقول لك الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
المعنى الثالث: أنَّ الله جلَّ جلاله جعل إليه ألف سبيل وسبيل لِرَحْمته بِنا فأنت قد تكون حاجتك عند قَوِيّ أو عند مَلِك ولكن لا سبيل ولا طريق إليه، ولا تسْتطيع أن تُقابله، ولا تسْتطيع أن تُرْسِل إليه رسالة، فهذا الإنسان القوِيّ والمَلِك لا سبيل إليه، لَكِنَّ مَلِكَ المُلوك لك إليه ألف سبيل وسبيل، فالعَمل الصالح سبيل، وتِلاوة القرآن سبيل، والإخلاص والوَرَع سبيل، إنْفاق المال سبيل، وترْبِيَة الأوْلاد سبيل، أن تكون زوْجاً كامِلاً سبيل، وأن تُطْعِمَ الفقراء سبيل، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فلو أنَّ واحِداً عَمَّرَ مسْجِداً، والثاني خطَبَ، والثالث دَرَّس، والرابع أطْعم الفقراء، والخامس أوْقَفَ أرْضاً لأبْناء السبيل والسادس رعى الأيْتام، والسابِع ألَّف كِتاب، فأيُّ عَمَلٍ يُقَرِّب إلى الله عز وجل فهو سبيل إليه، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
فأنت لك إلى الله ألف سبيل وسبيل، غَضُّ البصر سبيل، وأن تصوم يوماً تقرُّباً إلى الله سبيل، وأن تقرأ الله وأن تدْعُوَهُ وتسْتغفره وتتوب إليه، أن تُطْعِم حيوان، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
إلا أنَّه كما قال تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
والمعنى هنا دقيق جداً، لو قلْتُ للطلاب مثَلاً من شاء منكم أن ينْتَسِب لِكُلِيَّة الطِب فلْيُقَدِّم طلباً، وأنا أعلم أنَّ هذه الكليَّة لها علامات خاصَّة فَكُلُّ طلبٍ علامته دون المائتان مرْفوض ! مشيئَةُ الله تعالى مشيئةُ فحْصٍ واخْتِبار، ومشيئة اخْتِيار، إلا أنّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار فلو قال أحدهم: اللهمّ ارْزقني الجنَّة وما اسْتقام فهو كذَّاب، تطْلب الجنَّة ولا تعْمل عمل أهْل الجنَّة، تخْشى النار وأنت لا تتَّقيها، وتتحدَّث عن مَحَبَّة الله وأنت تعْصيه، فمشيئة الإنسان هنا مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
مشيئة الله تفْحص مشيئتكم فإن كنتم صادقين ومُخلصين ودَفَعْتُم الثَّمَن يشاء الله لكم ما تشاءون، ودليل هذا قوله تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
أي عليماً بِنَواياكم وصِدْقكم وإخْلاصِكم واسْتِقامتكم وورَعِكم وتوحيدكم.
قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
رحْمة الله مبْذولة لِكُلِّ الخلْق إلا الظالمين، قال تعالى:
﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
فأشَدُّ أنواع الظُّلْم أن تظْلِم نفْسَك، قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
أي أنَّ كُلّ إنسانٍ لم يتلبَّس بِظُلْمٍ هو في رحْمة الله، والدليل قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
[سورة الأنعام]
لذلك قال بعض العلماء الأجِلاء: الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالِصاً أو صواباً، فخالِصاً ما ابْتُغِيَ به وجْه الله، وصواباً ما وافق السنَّة، فأيّ عملٍ لم يُوافق السنَّة لا يقبله الله، وأيّ عملٍ لم يكن مُخْلِصاً لا يقبله الله، ويجب أن تعبد الله وِفْقَ ما شَرَّع، فالبارحة جاءني سؤال على الهاتِف وهو أنّ امْرأة حجَّتْ حجَّة الفرْض إلا أنَّها مُتَشَوِّقة للدِّيار المُقَدَّسة جداً، سَتَعْقِدُ عقْداً صورياً لِيَكون مَحْرماً لها ! سبحان الله ! الله عز وجل لا يُعْبد إلا وِفْق ما شَرَّع ولا يُعْبد إلا هو، فهذا تحايل وتجاوز للحدود الإلهيَّة، فَكُلُّ من لم يظلم نفْسَهُ أو لم يظلم غيره مُؤَهَّلٌ لِرَحْمة الله قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:39 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المرسلات (77 )



الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المرسلات:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
[ سورة المرسلات ]
كلّ نشاطات الإنسان في الدنيا لا معنى لها إن لم تكن مُحْسِنَة لأنَّ علاقة الدنيا بالآخرة علاقة العمل الصالح، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾
[سورة الفجر]
فأنت في هذه الدنيا أُرْسِلْت إليها من أجل أن تعمل عملاً صالحاً يكون سَبَباً لِدُخول جَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرْض، مَخْلوقٌ للجَنَّة وثَمَنها في الدنيا وثمنها العمل الصالح، لذلك هذه الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سوة المرسلات)
الإحْسان كلمة مطلقة، يمكن أن تُحْسن إلى كُلِّ من حولك، والإحسان إتْقان العمل والنصح له، والرحْمة بالخلْق، وأن تكون زوْجاً مِثالِياً وأن تكون أباً كامِلاً، وتاجِراً أميناً، وأن زارِعاً مُسْتقيماً، ولا يوجد إنسان وأنتم سْامعون كلكم إلا وهو بِمَصْلحته ومِهْنته، وممكن أن يُحْسن وممكن أن يُسيء ويمكن أن يغُشّ، ويمكن للصَّيْدلي أن يمْسح نِهاية الصلاحِيَّة ويبيع الدواء، ويأخذ ثمنه، أما الدواء فقد انتهى مَفْعوله، وممكن مُحامي أن يوهِم المُوَكِّل أنَّ الدَّعْوى رابِحَة، وهو يعْلم عِلْم يقين أنَّها ليْسَت كذلك ويمكن لطبيب أن يقْنع المريض بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة لا جدْوى منها، وكذا المُدَرِّس يرْفع مستوى لأسْئِلة من أجْل دُروس خاصَّة، فالإحْسان والإساءة أبواب مفْتوحة، قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾
[سورة القيامة]
ممكن للكهربائي أن يصنع وصْلاتٍ غير جيِّدة ممكن أن تحرِقَ البيت وهذا من أجل أن يُوَفِّر ألف ليرة ! وممكن لأيِّ ميكانيكي أن يُسيء وكذا الفلاح يضع هُرمونات فيأتي الإنتاج كبير، ومنظره جميل وثمنه غالي، وهذه الهرمونات تهْريب ممنوع أن يأتي بها للبلاد، وكلُّ هذا من أجل أن يكون إنتاجه غالي، فالإحْسان الاسْتِقامة والصِّدق والأمانة وعدم الغِشّ، وأن تكون زوْجاً مُحْسِناً وأباً مُحْسِناً، وكُلُّ واحِدٍ منَّا يعرف أن يُحْسِن بالفِطْرة والدليل قوله تعالى وَنَفْسٍ ﴿ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾
[سورة الشمس]
أنت معك مُفْتي صغير وفِطْرة عالِيَة، وكلّ واحِد يغْلط أو يوهِم الناس أو يكْذب يحُسُّ بالانْقِباض وما من واحِدٍ إلا ويعْلم نفْسهُ عِلْمَ اليقين، وماذا يفْعَل لذلك الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
بالمناسبة قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾
[سورة القصص]
أنت أَحْسِن واصدُق ولا تغُشّ ولا تكْذِب وكُن صادِقاً فالله تعالى هو الرزاق ذكر لي أخٌ عندي قطعة لسَيارة ثمنها عشرين ألف، ولي ثمان سنوات وأنا أُرَحِّها من جَرْدٍ آخر، فجاء زبون، ولما طلبها كاد أن يخْتَلّ توازني طلب منِّي أن أُنزِلها وقال لي: هل هي أصْلِيَّة ؟ فقال له: لا ليْسَت أصْلِيَّة ! كُلُّ إنسان يظنّ أنّه يكْسب بالمَعْصِيَة فهو أحْمَق، بالمعْصِيَة لا كَسْب فيها تُجَمِّع النقود بالمئات حراماً، وتدفعهم بالملايين ! ذَكَر لي أخٌ أنَّ مَحَلَّه احْتَرق وقال لي لو خَبَّرني واحدٌ من الناس لأعْطَيْتُه سبعة ملايين ! وهذا في سنة الأربعة والسَّبعين، كُلُّ صَندوق فيه ثمان مئة ألف كُلّها صارَت فَحْماً ! ماذا قال لي بعدها ؟ ثلاثون سنة وأنا تاجر فَلَعَلَّ الله تعالى جَمَّعهم لي في هذه اللَّحْظَة، وذكر صديق لي فقال لي: بِعْتُ فلاناً من الناس سيارة وفيها عَيْب ضَخْم في المُحَرِّك ! ظَنَّ أنَّهُ ذكِيّ، بعدها ذهب لِطرْطوس واشْترى سيارة حديثة، بعد خمْسة أيام أُصيب بِحادِث سيارة ولم يبْق من سيارته شيء ‍‍! فجاءَني يرْجف فقلتُ له: ألم تقل لي: بِعْتها أحداً بِعَيْبِها !! الله تعالى كبير، مع الله لا يوجد ذكاء، فلا تغُشّ ولا تحْتال ولا تقل هذه لا أحد لها ولن أُعْطيها المتأخَّر.
سَمِعْتُ قِصَّةً ؛ إمام جامِع الورْد قبل خمسين أو ستِّين سنة رأى بالمنام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا فلان بَشِّر رفيقك فلان أنَّه رفيقي في الجَنَّة، وكان جارُهُ سَمَّان، وهو إمام، فتألَّم من البِشارة ! دَقَّ على جارِه وقال له: لي معي بِشارة لك، ومُهِمَّة جداً، إلا أنَّني لن أقولها لك حتَّى تقول لي ما فَعَلْتَ مع ربِّك حتى جاءَتْكَ هذه البِشارة التي هي من رسول الله، حينها حكى ؛ فقال له: والله تَزَوَّجْتُ واحِدَةً صالِحة ومن عائِلَة مَسْتورة، وبعد خمْسة أشْهر وَلَدَتْ ! فلم أحبّ أن أفْضَحها، وسَتَرْتُها وكان بإمكاني أن أُطَلِّقها، فقلتُ: لَعَلَّها غلْطة لن تُعاد، فجاء بقابِلَة وولَّدها وحَمَل هذا الصغير إلى الجامع بعد صلاة الفجْر بعدما نوى الإمام الصلاة وبعد الصلاة سَمِعوا بكاء الطِّفْل فالْتَفَّ المُصَلون، فتساءل عن الخبر وكأنَّه لا يعرف شيئاً، فلما قالوا: طِفْلٌ يبكي، قام هو وقال: أنا ليس لي ولد لعلِّي أكْفُلُه فأخَذَهُ على أساس أنَّهُ لقيط ورَدَّهُ لأمِّه !! وقال لها: ربِّيه فهو هذا الشَّخْص كان قادِراً على أن يفْضح إلا أنَّه اتَّقى الله، فالإنسان دون عمل فقير، الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، وسيِّدنا موسى لما تولى إلى الظلّ قال تعالى عنه:
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾
[سورة القصص]
فأنت فقير ولو كان معك ألف مليون إن لم يكن لك عمل، قال له يا بِشر: لا صَدَقَة ولا جِهاد فبِمَ تلقى الله عز وجل ؟
وأقول لكم الصراحة غير المخلوق هو الآن يأكل وينجب ويشْتغل، فإذا أنت حالك الأكل والشرب والإنجاب ونزْهات فأنت لا مَيِّزَة لك، أما إن كنت للخير ساعِياً وطلبْت العِلم أو أعَنْت عليه، وساهَمْت بِنَشْر الدِّين اُنظروا إلى الآية:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
هذه الباء هي باء السَّبب، ذكر أحد أصْدقائنا الأطِباء أنَّه جاءتْه امرأة فقيرة وأحسَّ هو بذلك وشعر منها بالخوف في الدَّفْع فلم يأخذ منها، فقال لي: ولله تعالى ما شَعَرْت بِسَعادة في العمل إلا في هذه الخِدْمة‍ ! فأنت بِإمكانك أن تكون تاجِراً مُحْسِناً، أو طبيباً مُحْسِناً أو مُدرِّساً مُحْسِناً.
وهناك إخوة في قلوبهم الرَّحْمة، فهو لا يسْتطيع أن يرى أخاه يتألَّم، وأحد الإخوة كان عمره تسعة وسِتون سنة، منتصِب القامة وحادّ البصر وسمعه جيِّد وفي كلا خَدَّيْه ورْدة سُئِل ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حَفِظْناها في الصِّغر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، فأنت لا تدْري بِحَسَنة من يغنيك أو يرْحمك، فالأصل كما قال تعالى:
﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
كثير من إخواننا ذوي الشركات الضَّخْمة يتحمَّلون الذي يشْتغلون عندهم من أجل عائلته وأولاده ! ولا يوجد من لا يسْتطيع أن يخْدم الناس، أحد الإخوة ذهب لِمُدير الشركة وقال له والدتي لها تعويض ومُقْعدة والمبْلغ قدْر الوكالة فهل تتكَرَّم علينا على البيت، فقال: له في خِدْمتك فهذا الأخ لم يُصَدِّق من شِدَّة الفرح، فلما ذهَب معه، وقال له الأخ: هل أوصِلك ؟ قال له: لا أنا جئت لِوَجْه الله.
فيا أيها الإخوة، نودّ من كم الإحسان، والاسْتقامة الطريق سالك، أما المَشْي على طريق الاسْتِقامة لا بدّ له من عملٍ صالح، والعمل الصالح يرْفعك.



والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 01:41 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المرسلات (77 )



الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة في سورة المرسلات وهي قوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[سورة المرسلات]
أوَّلاً كلمة وَيْل معناها الهلاك وبعضهم قال: هي واد في جَهَنَّم، والمعنى الأوْسَع هو الأقرب ؛ الهلاك للمُكَذِّبين، وهذا الوَيْل أي الهلاك لو أدْركه الإنسان وهو حَيّ لاخْتَلَّ توازنه، وما من بيْتٍ إلا ومَلَكُ الموت يقف فيه خمْس مرات فإذا وَجَد أنَّ العبْد قد انْقضى أجلُه وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سكراته فَمِن أهل البيت الضاربة وَجْهها، ومنها الصارخة بِوَيْلها، والمُمَزِّقَة ثوبها فيقول ملك الموت: فيم الجَزَع، ومِمَّ الفزَع، ما أذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ منكم رِزْقاً ولا قَرَّبْتُ لكم أجَلاً، وإنَّ لي فيكم عَوْدَة ثمَّ عوْدة ثمَّ عَوْدة حتى لا أبْقي منكم أحداً، فو الذي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِه لو يسْمعون كلامه ويروْن مكانه لّذَهِلوا عن مَيِّتِهم، ولَبَكَوا على أنْفسِهم
أوْضَحُ مثَلٍ في توضيح هذه الآية ؛ إنسان يرْكب مَرْكبة جَيِّدة في طريق هابِط، والهواء عليل، وأطراف الطريق كُلُّها ورود و زُهور، وهو مُسْتمْتِع بهذه الرِّحْلة وهذه الانْطِلاقة إلا أنَّ هذا الطريق شديد الانْحِدار وينتهي بِمُنعَطَف حادّ، وهو في هذه السرْعة العالية والمناظر الجميلة اكْتَشَف فجْأةً أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل ! ماذا سَيَفْعَل ؟! هذا هو الوَيْل، قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا * ))
[ رواه البخاري ]
لو يعلم الإنسان ما ينتظره من حِساب دقيق، كُلُّ شيء بِمِثْقال قال تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
هناك حِرَفٌ كثيرة مَبْنِيَّة على الظُّلْم وإيذاء الناس، وأخْذ أموالهم بالباطل فهذا الذي يفْعل هذا لو يعْلم الحقيقة لَصُعِقَ، ففي مِثالنا صاحب السيارة لو عَلِم في البداية أنَّ المِكْبح مُعَطَّل لما أسْرع، ولذلك البطولة أن تعرف الحقيقة المُرَّة في الوقْت المناسب، إذْ هناك حقيقة مُرَّة وهناك وَهْمٌ مُريح والوَهْم المُريح يقوله العوام، غفر الله لنا ! نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ! وأُمَّة محمَّد مَرْحومة ! أما لو تعلم الحقيقة فقد لا تنام، لذلك قالوا قد تقرأ قِصَّة وتنتهي منها وتتثاءب وتنام، وقد تقرأ مقالةً، وتنتهي منها وحينها تبدأ متاعِبُك، والشيء الدقيق أنَّ الحقيقة المُرَّة أفْضل ألْفَ مَرَّة من الوَهْم المُريح، فلذلك كما قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)﴾
[سورة المرسلات]
التَّكْذيب نوعان: تكذيب قولي اعْتِقادي وتكذيب عَمَلي فالتَّكذيب القولي لا أعتقِد أنَّ في العالم الإسلامي إلا قِلَّة قليلة جداً مِمَّن رَكِبَتْ رؤوسَها تُكَذِّبُ هذا القرآن تكْذيباً قوْلِيًّا، وقد نجد نسبَةً أكثر مِمَّن تُكَذِّب تكْذيباً اعْتِقادِياً أما جَمْهرَةُ المسلمين يُكَذِّبون تكْذيباً عَمَلِيًّا والتَّكْذيب العمَلي أخْطر أنواع التَّكْذيب ! لماذا ؟ لأنَّ الذي يُكَذِّب بِلسانِه تُناقِشُه وتُقْنِعُهُ، أما الذي يُقرُّ بِلِسانه ويعْتَقِدُ أنَّ هذا الدِّين حقّ ولا ترى في سُلوكِه ما ينبئ بِذلك فهذا إنْسان خطير جداً، فلو أنّك زرْتَ طبيباً راقٍ ووصَفَ لك وَصْفة وشَكَرْتهُ شُكْراً عميقاً، وصافَحْتَهُ بِحَرارة، لكِنَّك حينما لا تشْتري الوَصْفة فأنت لا تعبأ بِعِلْمِه، فأنت كَذَّبْتَ علمه بِسَبب عدم اشْتِراء الوَصْفة، فهذا هو أخْطر التكذيب أن تعتقد شيئاً وأن تقول شيئاً وأن تقول خِلاف الشيئيين وهو حال المسلمين، تقول لأحدهم هناك آخرة، فيُجيبُك أنَّ الآخرة حق ! فلِمَ تأكل المال الحرام، ولم نساؤك غير مُنضَبِطات، وكذا بناتك ولك مليون شبْهة ومعصِيَة بِحَياتِك تجد أنَّ آخر كلامه يقول لك: نسأل الله أن يتوب علينا ! فهذا يُكَذِّب تكذيباً عَمَلِيًّا، قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)﴾
[سورة المرسلات]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾
[سورة محمد]
قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20)وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
لو أنَّ واحِداً حُكِمَ عليه بالإعْدام وطلب قطعة لحْم يُطْعِموه، كلّ شيء يريده، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)﴾
[سورة الأعراف]
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[سورة المرسلات]
لا تفْهم هذه الآية بِشَكْل ضَيِّق، فالرُّكوع هو الخُضوع، إذا دَعَوْته أن يسْتجيب لله لا يسْتجيب، وإلى أن يُطيعه لا يُطيعه، وإلى أن ينتهي عما تعالى عنه نهى لا ينتهي قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
العبرة ليس بما تقول ولكن بما تفْعل، فالركوع هو الخضوع لله عز وجل.
دخلتُ مَرَّة في قَضِيَّة إصْلاح ذات البيْن ؛ فتاة يعْضِلُها أبوها عن الزواج، فأنا دُيعت إلى إقْناع الأب، وجَلَسْتُ عنده من التاسِعَة ليلاً إلى الثانِيَة عشر ليلاً، فقد جاءَها ثلاثون خطيباً، ورَفَضَهم جميعاً، وآخر خطيب ممتاز جداً، وسألوا عنه وتَحَقَّقوا منه، ولا إشْكال، ويقول لها أبوها: إذا تتَزَوَّجي أُطَلِّق أُمّك ! شيء عجيب، آخر كلام قاله لي أبوها: لو يأتي رسول الله ويقول لي: زَوِّجْها لن أُزَوِّجها ! قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
لا يسْتجيب.
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[ سورة المرسلات ]
الكون ينطق بِوُجود الله ووَحْدَانِيَّتِه وكماله، والقرآن كذلك والحوادث وكذا أفعاله تعالى، وخلقه وكلامه ؛ كُلُّ هذا ينطق بالحق، روى من قبلنا أنَّ أحدهم جاء بِطُنّ مِلْح وقال: من أكله أعْطيه جائزة فَخْمَة وأُزَوِّجُه بِنْتي، فَتَراوَد عليه الناس جميعاً وما استطاعوا، فجاءه واحد من الناس وقال له: إذا كانت أمامك كُلّ هذه البيِّنات من الناس وإلى الآن لم تسْتَفِد منها فَبِأيِّ حديث بعده يؤمنون.




والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-16-2018 01:44 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النبأ (78 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النبأ سورة عمَّ يقول الله عز وجل: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)﴾
[ سورة النبأ ]
أي عن ماذا ؟ الميم أساسها اسْتِفهامِيَّة، فإذا اتَّصل حرْف الجرّ بِما الاسْتِفهامِيَّة حُذِفَت ألفها، تقول: عمَّ وفيمَ ولِمَ، وإلامَ، وهذا للتَّفْريق بينها وبين ما المَصْدَرِيّة، أسْأل طالباً تَفَوَّق في النَّجاح قائِلاً: بِمَ نِلْتَ هذا المجموع ؟ يقول لك بِما بَذَلْتُ من جُهْدٍ، فالأولى اسْتِفهامِيَّة والثانِيَة مَصْدَرِيَّة، وهنا عَمَّ، ويمكن لِكُلِّ واحِدٍ منَّل بِحياته له آلاف الأنباء، فهو يأكل يسْمع الأخبار أنَّ طائرة سَقَطَت فيها أربع مائة وخمسين راكِباً ولم ينجو منهم أحد! وأنت تأكل سلَطَة وشاي ومُرْتاح فهذا نبأ لا علاقة لك فيه، أما لو كان أحد رُكاب الطائرة وبَلَّغوه أنَّها على وَشَك السُّقوط، ذكر لي أحد إخواننا وكان مُظيفاً بالطائرة أنَّهم أحد المرات دخلوا في سحابة مُكَهْرَبَة، مما أدى إلى انقطاع رأس الطائرة فقال لي: والله لو رأيْت حال الركاب لما صَدَّقْت ؛ أحدهم يبكي والآخر يندب شعْره، وذاك مُنْبطِح، شيء عجيب ! فما استطَعنا أن نُهَدِّأهم إلا واحِداً وجَدْناه ساكِتاً فقلنا لعلَّه يمكن أن يُسْكِتَهم بحُكم أنَّه مُسافر مثلهم فلما ذهبنا إليه وجَدْناه مُغْمىً عليه !! فيخْتلف الحال بين أن تسْمع نبأ طائرة وأنت تأكل مع أهْلك، وبين أن تكون أحد رُكاب الطائرة، هناك أنباء خطيرة، وأذْكر مَرَّةً أنَّنا كُنَّا مَدْعُوِّين لِطعام غذاء في بسْتان بالغوطة والداعي أخ من إخواننا، والبستان لِعَمِّه، ونحن جالسين جاء عَمُّه وكنَّا ثلاثين واحد، فما سَلَّم علينا ‍‍! فَسَألْتُه عن هذا، فقال ك دَعْهُ يا أستاذ فلقد جاء من غسيل الكِلْيَة ! وهو الآن مُهْتَمّ بحاله ولا يرى أحداً، إذاً هناك نبأ عظيم أيها الإخوة، هذا النبأ أوَّلُه عند الموت حينما يوقِن الإنسان بالمُغادرة، ويُصبح بِحالة أخْرى، فَكَيْف يوم الحِساب بِكُلِّ نظْرة، وبِكُلِّ حِساب وقِرْش وموْقف، هذا هو النبأ العظيم قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
كلا سَيَعلمون الأولى على فِراش الموت، وكلا سَيَعْلمون الثانِيَة هي يوم القِيامة أنَّهم كانوا عُصاةً أغْبِياء، والعاصي أيها الإخوة غَبِيّ والتقيّ هو العاقِل لأنَّ الحِساب دقيق، قال تعالى
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ إنَّ لِكُلِّ سيِّئة عِقاباً، ولِكُلِّ حَسَنَة ثواباً، قال تعالى:فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
نحن مختلفون فيما بيننا، في الكلام والحِساب ودِقَّتِه، وبين موقِن أنَّ القَضِيّة سَهْلة جداً، وإنسان مؤمن بالشفاعة الآخر غير مؤمن بها، وذاك يقول لا تُدَقِّقوا علينا، ذاك يُسَهِّل.
فقوله تعالى
﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
هذا تهْديد، وبالتعبير العامي: غداً ترى ! وغداً سَتَعْلم !
الآن عندنا علاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
ما يعني هذا الكلام ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
أي الذي خلق الأرض مِهاداً سَيُحاسِبُكم، والذي خلق الجبال أوتاداً سَيُحاسِبُكم والذي خلقكم أزواجاً من ذكر وأنثى سَيُحاسِبُكم، والذي جعل نومكم سباتاً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل النهار معاشاً سَيُحاسِبُكم والذي بنى فوقكم سبْعاً شِداداً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل الشمْس والقمر سِراجاً وهاجاً سَيُحاسِبُكم والذي أنزل الأمطار وأحيى الأرض بعد موتِها سَيُحاسِبُكم، والذي أخْرج الحبّ والنبات سَيُحاسِبُكم، والذي جعل من هذه الأنهار جناتٍ وألفافاً سَيُحاسِبُكم، كُلُّ هذا في يوم الفصْل، والذي خلق الكون لا يُعْقل أن يخلق الإنسان سُدىً ! بِرَبِّكم، أنتم الآن تعيشون حياة مَدَنِيَّة، هل هناك دوْلة في العالم تنشأ جامعة تُكَلِّفها ألف مليون، ومساحات وأبْنِيَة ومُدَرَّجات وقاعات ومُحاضَرات وأبْنِيَة للطلاب، وحدائِق وملاعب ومطاعِم، ومخابر وأجْهزة تقْنِيَّة، ثمَّ بعد هذا لا توجد امْتِحانات ! هل يُعقل هذا على الإنسان العادي ؟ لا، فكيف بالذي خلق هذا الكون ؟!! فالذي خلق الكون سَيُحاسِبُكم، وهو الذي يعلم السِرَّ وأخْفى ولا تخْفى عليه خافِيَة، قال تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾
[ سورة الحاقة ]
ومهما كنت ذَكِيًّا فالله تعالى ليس معه ذكاء، ولو أقْنَعْتني أنّ هذا المعدن ذهب وكنت طليق اللِّسان وأوْهَمْتني، فَمَن الخسْران ؟ ومن الرابِح ؟ فأنت علاقتك مع الله، وكُلُّ إنسان يُحاوِل أن يوهِم الناس فهو أحْمَق ولو قَنِعوا ما ينفعوك، ولو اتَّهموك لن يُخْسِروك، تجد أحدهم يقول لك: أنا معي فتْوة بِرَبِّكم أي المفتين أعْظم ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكُلُّ علماء الأرض لا يُساوي شيئاً منه عليه الصلاة والسلام، فلو أنَّك اسْتَطَعْت أن تأخذ فتْوى من فَمِ النبي عليه الصلاة والسلام لِصَالِحِك ولم تكن مُحِقَّا لا تنجو من عذاب الله، ولم تسْتَفِد شيئاً، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾
[ سورة الزمر ]
فما عليك إلا أن تُدَقِّق باثين هذه العلاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
الذي خلق هذا الكون سَيُحاسِبُكم قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21)﴾
[ سورة النبأ ]
لا توجد دُول قَوِيَّة تُسَخِّر العالم لِمَصْلَحَتها، يعيش شعْبها في رفاه مُنقَطِع النَّظير والشُّعوب الأخرى تموت من الجوع، فهل يُعْقل أن لا تكون آخرة العالم كُلُّه يئِنُّ من الجوع، وهو وَحْده يعيش حياة تفوق حدَّ الخيال، ثمَّ نموت ولا شيء بعد هذا !! قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[ سورة إبراهيم ]
خمس مائة طفل يموتون بالعِراق أليس لهم ربّ ؟ الألف قتيل بين العراق والإيران ماتوا بِلُعْبة أجْنَبِيَّة، أليس لهم ربّ، وهذه الشُّعوب الجائِعَة بإفريقيا والصومال من أجل كيْد أجنبي، أليس هناك إله يُحاسِب ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
الذَكّي هو المُسْتقيم، والعاصي هو الغَبِيّ لأنَّه سَيَدْفع الثَّمن بعد حين.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآَباً (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26)﴾
[ سورة النبأ ]
هناك عَدْل إلهي، وعدله رائِع، وأسْماؤُه كُلُّها مُحَقَّقة في الدنيا إلا اسم العَدْل قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)﴾
[ سورة الروم ]
اِعْمَل ما شئْت فَكُلُّ شيء مُسَجَّل سوف ترى أعْمالك كُلَّها في أزْمانها وصُوَرِها، قال تعالى:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾
[ سورة الكهف ]
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ * ))
[رواه مسلم ]
فمن وجد خيراً فلْيَحْمد اله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفْسَه.
قال تعالى:
﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (27)﴾
[ سورة النبأ ]
السبب أنَّهم كانوا لا يرْجون حِساباً، يقول لك: من مات ورجع وقال لك أنَّه توجد آخرة ؟
قال تعالى:
﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّاباً (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْساً دِهَاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38)﴾
[ سورة النبأ ]
اِلْحقوا بالركْب، مادام هناك قلب ينْبض، وتمْشي عليك أن تُسارِع.
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَباً (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (40)﴾
[ سورة النبأ ]
أيها الإخوة، هذا الكلام كلام ربِّ العالمين، وهو جوابٌ على كُلِّ من شَكَّ بالآخرة، فالذي خلق الكون هو الذي سَيُحاسِب، وأنت إذا آمنْتَ أنَّ الله يعلم وسَيُحاسِب، لا بدّ من أن تسْتقيم على أمْره.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-16-2018 01:47 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النازعات (79 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النازعات يقول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
الطامَّة تُلْغي كُلَّ ما سِواها، كيف أنَّ الإنسان بالدنيا له مائة قَضِيَّة ومَشْروع، ومائة مُشْكلة تَحُلُّها، تنشأ مُشْكلة تُنْسيك كُلَّ شيء ! إذاً هناك أشياء تُنْسيك أشياءً أخْرى، وشيءٌ يُنْسي شيئان وآخر يُنْسي مائة شيء، وشيء يُنسي كُلّ شيء، فهذه الطامَّة ينسى فيها الإنسان كُلَّ شيء، لذلك يقول الإنسان لم أرَ خيراً قطّ، عاش مائة سنة أكثر، وكان من الأغْنياء، وأصْحاب الاسْتِضافات، والنزْهات، ومُتَمَتِّع بالنِّساء والشراب والأكل، فإذا وقَفَ هذا الموقف يقول: لم أرَ خيراً قطّ وينسى كُلَّ شيء، فهذا معنى الطامَّة.
بالدنيا الإنسان أحياناً لا يرى شيئاً، فإذا شَعَر بتَقْرير أثناء عِلاجه يتدَهْور، فهذا طبيب قال للمريض بقِيَ لك أربعة أشْهر، وفي اليوم الثاني مات، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
لذلك أيها الإخوة هناك دُعاء: اللهم إنَّا نعوذ بك من فجْأة نقْمتك، وتحَوُّل عافِيَتِك زجميع سَخَطِك، ولك العُتبى حتى ترْضى، والإنسان بِلَحْظة تُصبح حياته جحيماً، ويفقد كُلَّ شيء، وأحد الشباب ذَهَب للخليج كي يشْتغل ورَغِبَ أن يقْتني سيارة، فاقْتناها، أوَّل رِحْلة من أبو ضبي إلى دُبَيّ انْشَلَّ نصفه السفلي بِحادِث، طبْعاً كُلَّ شيء بِقَضاء وقَدَرٍ من الله، هناك مصائِب تسْحق الإنسان، فنحن لما نطيع الله عز وجل - ديِقول معي - يُنشِأ الله لك عليه حق، قال له يا معاذ ما حقّ العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم، ألا تُحِبُّ أن يكون لك ضَمان من الله وقد اسْتنبط الإمام الشافعي اسْتنباطاً مذْهِلاً في قوله تعالى ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾
[ سورة المائدة ]
فالله تعالى ما قَبِلَ اِدِّعاءهم لأنَّه كاذِب، ولو قَبِلَهُ ما عَذَّبهم، فاسْتنبط الإمام الشافعي أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّب أحْبابه، فإذا كنت مُحِبًّا لله ولِخَلْقِه ومُلْتَزِماً بِأمْره وترْجو رحْمته أنْشأ لك حقًّا عليه، وهو أن لا تُعَذَّب، وإنَّني أقول هذه الآية ألف مرَّة وهي قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
[ سورة الجاثِيَة ]
أن يسْتوي هؤلاء وهؤلاء ؛ هذا يتناقض مع وُجود الله، يسْتحيل على من يخاف الله ويرْجو رحْمته وعذابه ويرْجو رِضاه، ويُخْلِصُ لِخَلْقِه ولا يؤْذيهم ولا يأخذ أموالهم ويطمْئنهم ويهْديهم إلى سبيل الله، فهذا الإنسان له حياة خاصَّة ؛ حياته غير حياتهم وزواجُه غير زواجهم وراحتُه غير راحتهم، وعمله غير عملهم.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)﴾
[ سورة النازعات ]
أحد الصحفيِّين والقصَّة لها ثلاثون سنة الآن هرب من بلده وذهب إلى بلدٍ آخر، وبدأ يُهاجم نظام بلده، واسْتطاعوا أن يأتوا، ماذا سيفعلون به ؟ هذا هو معنى قوْل الله عز وجل:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[ سورة الغاشية ]
كلُّ المخلوقات بيده الله عز وجل، وعُدَّ للمليار قبل أن تُفَكِّر بإيذاء إنسان وأخذ ماله وبيته أو محَلِّه التِّجاري فالله تعالى أكبر، وحَدَّثني مرَّة أخ وكان طيَّاراً، فقال لي: أثناء التَّدْريب كان في الطائرة خطا فسَقَطَت - طبْعاً قفز من المقْعد دون مِظَلَّة - واحْترقَت، فأقْسَم بالله أنَّه من لحْظة مُغادَرَتي الطائرة إلى لحْظة هُبوطي على الأرض، عُرِضَتْ عليَّ كُلُّ أعمالي ! واسألوا الناس أثناء الخطر لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
كيف أكل الأموال ؟ وكيف طَلَّق ؟ وكيف خالف الشَّرْع ؟.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
هاتين الآيتين تكفِيان، فالذي جاوز الحدّ كانت له جهنَّم جاهِزة، ومن قال إنِّي أخاف الله فإنَّ الجنَّة هي مأواه، واتِّباع الهوى هوان، واخَجْلتي من عِتاب ربِّي إذا قال لي أسْرَفْتَ يا فلان، إلى متى أنت في المعاصي تسير مُرْخى العِنان عندي لك الصُّلْح وهو بِرِّي وعندك السَّيْف والسِّنان، ترْضى أن تنقضي الليالي وما انقَضَت حرْبك العوان، فاسْتحي من كتابٍ كريم يُحصى به العقل واللِّسان، واستحي من شيبةٍ تراها في النار مَسْجونَةً تُهان، فالطاغي مأواه الجحيم، والتقي مأواه الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)﴾
[ سورة النازعات ]
كُلُّ واحِدٍ منَّا له عُمْر، كيف مضى هذا العُمْر ؟ السِّتين كيْف مَضَت ؟ وكذا الخمسين والأربعين ؟ يقول لك: البارحة كنَّا غلمان وفي المدْرسة، فإذا الأربعين مَضَت كَلَمْحِ البصر، فَمِن باب أولى العشرين، دائِماً هناك سؤال قاسي ومُحْرِج ؛ كم بَقِيَ لي ؟
إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كُلِّ ما قَدَّمْتَ مسْؤول
لا يلفت نظري إلا رجل بالأربعين ولا يُصلي، أو يُصلي وهو مُنشَغِل بالشهوات، أو لا يذكر الله ولا يقرأ القرآن، ولا يفعل الخير، كان لنا صديق من إخواننا يعْمل مُهَنْدِس، وكانت هناك أخوه صاحب شركة ضَخْمة، مُقيمٌ بالسّعودِيَّة، ثلاثين سنة ما صلى وما حجَّ، ويوماً ذَهَب لاستنبول، فمات هناك، ترك ثلاثة آلاف مليون ! خاسِر، الإنسان أحْياناً يقع في خطأ كبير حينما ينسى الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)﴾
[ سورة التوبة ]
لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾
[ سورة الزخرف ]
يوم القيامة يوم مُخيف، وقبلها، مُغادرة الدنيا، وقبل المغادرة المرض الذي يسْبق الموت، لو زُرْتَ شخْصاً في مرَضِه تجد رقيقاً وخاضِعاً وهذا شيء جميل، لكن ليتنا أحْببنا الله قبل المرض ! ليتنا أحْببناه ونحن أقْوياء وأغْنياء.
أيها الإخوة، هاتان تكْفِيان كُلَّ إنسان ؛ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
بالمناسبة، خُذوا منِّي هذه القاعِدة، يسْتحيل أن تخاف من الله، ثمَّ يُخيفك مِمَّن سِواه ! أما إن لم تَخَف منه يُخيفك من أحْقَر إنسان، يأتي شَخْص تافه يجعلك ترْجف، من اتَّقى الله هابهُ كُلُّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه من كُلِّ شيء، إن أردْت أن تكون أقْوى فتَوَكَّل على الله، وإن أردْت أن تكون أغْنى الناس فَكُن بما في يدي الله أوْثق منك ممل في يَدَيْك، وإن أردْت أن تكون أكْرم الناس فاتَّق الله، وأرْجو الله سبحانه وتعالى أي ينفعنا بهذا القرآن الكريم، وأن يكون ربيع قلوبنا ومنْهج حياتنا.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:35 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، خروجا عن التسلسل الذي نسير فيه في تفسير سورة الحج،أخ كريم رجاني بإلحاح أن أوضح معاني أوائل سورة عبس وتولى وها أنا ألبي رغبته.
قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
أيها الأخوة الكرام لابد من حقيقة بين أيديكم، هي أن الوصف شيء و التقييم شيء آخر، أقول لكم: فلان قعد أو وقف أنا لا أقيِّم عمله إنما أصف عمله، أما لو قلت: قعد مخطئا أو قعد تائها أو أخطأ حينما قعد أنا قيَّمت عمله، و فرق بين التقييم و الوصف، فربنا سبحانه و تعالى يصف، قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
و لا يقيِّم، والشيء الثاني لو أن لهذا المسجد بابين وليس هناك ما يمنع أن تخرج من أحدهما و من أي باب خرج لست عاصيا، أما حينما أصدر أمرا: ممنوع الخروج من هذا الباب،وخرجت
منه فعندئذ تكون عاصيا، متى تكون المعصية ؟ بعد التكليف، أما قبل التكليف ليست هناك معصية، هذه حقيقة ثانية، الحقيقة الأولى الوصف شيء و التقييم شيء آخر والله سبحانه وتعالى في هذه السورة وصف ولم يقيِّم و الحقيقة الثانية لا يمكن أن تكون عاصيا إلا بعد التمثيل أما قبل التكليف لست عاصيا، من أنت إذا ؟ أنت مجتهد، و المجتهد بين الأجر و الأجرين، إن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر، هذه الحقيقة الثانية، و الحقيقة الثالثة هناك عتب لك و عتب عليك، وفرق كبير بينهما، قد يجد الأب ابنه يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل يدرس فيعتب له لا عليه، ارفق بنفسك يا بني، وإذا كان هناك تعنيتا ليس معناه أن الابن أخطأ بل هو يبالغ في الدراسة، فهناك عتب لك وهناك عتب عليك، أما لو رآه يلعب بالنرد و الفحص على الأبواب يعنفه، لكن هذا التعنيت غير هذا التعنيت، الأول يعتب له والثاني يعتب عليه،هذه الحقيقة الثالثة، و الحقيقة الرابعة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم عنده رؤوس قريش، جاءه أحد أصحابه ـ وبربكم و نحن في هذا الزمان لو أن رجلا داعية إلى الله عز وجل أيهما أهون عليه وأمتع له أن يجلس مع إخوانه المحبين الصادقين المتفانين في خدمته أم مع عدو لدود وخصم عنيد كافر ملحد أيهما أهون ؟ الأهون أن تجلس مع إخوانك المحبين المخلصين المعظمين، النبي كان بين خيارين، بين أن يجلس مع أحد أصحابه وهو ابن أم مكتوم الأعمى و بين أن يجلس مع خصم عنيد شرس منكر، النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد أنه إذا جلس مع هذا الخصم الشرس المنكر و أخذ الله بيده و اهتدى اهتدت معه قريش، لأن الأمة برؤوسها وبوجهائها و زعمائها و بأغنيائها، فالأقوياء إذا سلكوا سبيلا تبعه الآخرون، هذا اجتهاد النبي، هل هناك أمر و نهي و تكليف ؟ النبي اختار الطريق الأصعب اختار أن يجلس مع الأشرس مع العنيد فلعل هؤلاء التائهون الشاردون يهتدون، الشيء الرابع أن الله تعالى كان من الممكن أن لا تقع هذه الحادثة، فلماذا وقعت ؟ وجاء الوحي يلفت نظر النبي إلى أن هذا الرجل الذي ترجو منه الخير أنا أعرفه و أنت لا تعرفه، لا رجوى منه، و لا خير فيه و لا أمل معه، لا تعلق على لقاءك معه أيَّة فائدة، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، فربنا عز وجل لفت نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى أنه لا جدوى من هذا الرجل فاجلس مع ابن أم مكتوم، فماذا فعل النبي ؟ النبي كان في أعلى درجات الكمال وفي أعلى، درجات الاجتهاد و كان محبا مخلصا واختار الطريق الأصعب واختار أن يجلس مع الإنسان العنيد، ما فعل شيئا، و الله تعالى ما قيَّم له عمله إلا أنه وصف له عمله، سأضرب لكم مثلا ؛ لو فرضنا أن واحدا منكم له قريب ملحد و يجلس معه، وفي جلسة حامية و نقاش حامي الوطيس دخل ابنه الصغير في الصف الرابع و قال له: حلَّلي هذه المسألة يا أبي فقال له: اذهب لا وقت لي، إنه في نقاش حاد يتوقف عليه إسلام القريب وهدايته، و من هو ابن أم مكتوم ؟ أحد أصحاب رسول الله، في أي وقت يمكن أن يلتقي به، فالنبي ما فعل شيئا، هذا الذي يتهمه الناس به أن الله عاتبه، عتب له ولم يعتب عليه ووصف عمله و لم يقيِّمه، ولا معصية قبل التكليف، والنبي اجتهد واختار الطريق الأصعب الذي يضمن هداية كل قريش، ولكن الله بيَّن أن مقام النبوة شيء و مقام الألوهية شيء آخر، النبي لا يعلم و الله يعلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام على علو مقامه وعلى أنه سيد الخلق و حبيب الحق جاءه وفد طلب منه سبعين قارئا للقرآن ليعلمهم القرآن، فأعطاهم سبعين و في الطريق ذبحوهم، لِمَ لمْ يعلم ؟ هذا شأن البشر لا يعلمون، لا يعلم إلا أن يُعلَم، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[سورة البقرة]
النقطة الخامسة أن الله أراد أن يبين أن العبد عبد و أن الرب رب و أن مقام النبوة مقام و أن مقام الألوهية مقام آخر، قال تعالى: عبس و تولى..تلهى وصف الله عز وجل اجتهاد النبي الذي لم يكن في معصية وليس هناك عتب عليه بل عتب له وهو وصف وليس هناك تقييم والله عز وجل يعلم والنبي لا يعلم وهذا مقام النبوة وذاك مقام الألوهية، هذا كل إشكال هذه السورة.
الشيء الآخر أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيِّن أن هذا الوحي هو أصل الدين، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْي))
[رواه البخاري]
لِماذا ضمه هذه الضمات الثلاث ؟ لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام هو في أعلى درجات اليقظة، ضمه وأرسله وخاف عليه الصلاة و السلام و حينما تحدث الناس ما تحدثوا عن السيدة عائشة في حديث الإفك لو أن الوحي بيد النبي يملك مجيئه وإرساله بعد ساعة تنزل آية تبرئ السيدة عائشة، ولكن تأخر الوحي في حديث الإفك ثلاثين يوما، لا يملك جلبا له ولا دفعا، فديننا بكلياته وحي السماء إلى الأرض، فلذلك موضوع الوحي واضح، لو أن الوحي من عند النبي لما تكلم بهذه الآيات، وهنا أبلغ من ذلك، ماذا قال عنه الكفار قالوا عنه ساحر و مجنون شاعر وكاهن، السؤال الدقيق الآن ؛ لماذا أثبت الله هذه التهم في الوحي ؟ أصبحت قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ولو كان الوحي من عند النبي لما ذكر عن نفسه هذه التهم، وما قال عن نفسه إنه مجنون ولا ساحر ولا كاهن ولا شاعر، لكن هناك آلاف الأدلة تبين أن هذا الوحي مستقل عن النبي، النبي على علو مقامه لا يملك له جلبا و لا دفعا، لا يعلم، و سأله مرة إنسانٌ فقال له: غدا أجيبك، معتمدا على أن الوحي سيأتيه غدا، فلم يأته، فهذا مقام النبوة، فهناك فرق بين مقام النبوة ومقام الألوهية، والشيء الثاني أن الله أراد أن يصف لا أن يحكم عليه، و إن كان هناك من عتب فهو عتب له لا عليه، و النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون مخالفا لأنه لا معصية قبل التكليف.
هذه بعض النقاط التي يمكن أن تقال في هذه السورة الكريمة، قال تعالى
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
ونحن بالمقابل المؤمن الصادق المخلص من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، والله عز وجل يعلم أن هذا الذي تعلِّق عليه الآمال لا خير فيه ولا جدوى منه ولا تتعب نفسك معه، ووقتك أثمن من أن تجلس معه، فاجلس مع هذا المنيب الصادق لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:38 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، سورة عبس التي مَطْلعها بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
بعضهم يقولون إنَّ هذه الآيات هي عِتاب للنبي عليه الصلاة والسلام وفرْقٌ كبير بين أن يعْتِبَ الله عليه ، وبين أن يعْتِبَ له ، لو أنَّ لك ابناً لا يدْرس تَعْتَبُ عليه وتُعَنِّفُهُ أما إن كانت دِراسته فوق طاقته حيث يدْرس في الساعة الثانية والثالثة الرابعة ولا ينام الليل إطْلاقاً تُعَنِّفُهُ إلا أنَّكَ تعْتَبُ له لا عليه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يُخالف في هذا المَوْقف حُكْماً شَرْعِياً إنِّما جاءهُ زُعماءُ قُرَيْش ، وقد عقد عليه الصلاة والسلام الأمَلَ أنْ يهْتَدوا فإذا اهْتَدَوا اهْتَدى معهم خَلْقٌ كثير ، أيُّهما أهْوَنُ على النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يجْلس مع ابن أمّ مكْتوم الصحابيّ الجليل الذي يذُوبُ مَحَبَّةً للنبي أم أن يجْلِسَ مع مُعْرِضين وكُفار ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُرْضي الله تعالى أكْثر باجْتِهادِهِ فلو كان بابان لهذا المَسْجد ، ولا يوجد أيَّة علامة تُشير إلى أنَّ هذا الباب ممنوع الخُروج منه أو مسْموح ، وخرج أحدهم باباً من هذين ؛ فَهَل يُعَدُّ عاصِياً ؟! لا معْصِيَةَ إلا بالتَّكْليف ، فلو كان هناك تَكْليف وفعل النبي خِلافه فهذا يسْتحيل على النبي عليه الصلاة والسلام أن يفْعل خِلاف التَّكْليف ! إنَّما كان اجْتِهاداً منه صلى الله عليه وسلّم واخْتار الأصْعب فنحن قلنا لو أنَّ الأب رأى ابنه قد بالغ في الدِّراسة بحيث خاف عليه أبوه وعَنَّفه وعاتبه فهذا له وليس عليه ، والابن اخْتار الأصْعب وليس الأسْهل، لذلك العلماء قالوا: إنَّ الله جلَّ جلاله في هذه السورة يعْتَبُ لِصالِح النبي عليه الصلاة والسلام ولا يعْتَبُ عليه ، فقد لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء الذين تريد أن تعْتني بهم لا خيْر فيهم ، ولا جَدْوى منهم ، ولا تُتْعِب نفْسَكَ معهم إذْ قُلوبهم مُغَلَّفَة ، قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فلأنَّ على قلوبهم غِشاوة خَتَمَ الله على قلوبهم ، وهذا الخَتْم هو تَحْصيلُ حاصِل ، فمنافذ العقْل والقلب السَّمْع والبصر فالله تعالى ختم على قلوبهم لأنَّ على سمْعهم وعلى أبْصارهم غِشاوة ، وحُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمّ فَحُبُّ الدنيا غِشاوةٌ على الحقّ فلا يسْمعه ، وغِشاوة على البصر فلا يرى الحق ! فَخَتْمُ القلب تحْصيل حاصِلٍ ، فَرَبُّنا عز وجل قَدَّر في النبي عليه الصلاة والسلام حِرْصَهُ على هِداية الخَلْق واهْتِمامه على هؤلاء الكِبار من زُعَماء قريش إلا أنَّهُ لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء لا خير فيهم ، فلا داعي أن تُتْعِبَ نفْسَكَ معهم قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فَهَؤُلاء الذين يَرَوْن في هذه السورة مَطْعَناً للنبي عليه الصلاة والسلام واهِمون ، وقف النبي في أعلى دَرَجة من الكمال ، واخْتار الأصعب والذي لا يحْتَمِلُهُ بشَر ، فأعظم داعية بهذا البلد يختار أن يبقى مع أخٍ له في الله من أن يبقى مع مُلْحد يطْعن بالدِّين والقرآن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، ولأنَّهُ ليس هناك تكْليف فلا مَعْصِيَة بلا تكْليف فاجْتَهَدَ ، فالأمر كَمَن كان أسْتاذ لغة عربِيَّة ، وجاءَكَ ضَيْف مهمّ تبْني عليه طريقاً كبيراً في الدَّعوة ، ثمّ يأتي ابنك والحديث جارٍ ويقول لك: اُعْرض لي هذا البيْت !
ذكرتُ لأخٍ أنا يهمني ابنك أكثر منك ، فاسْتغرب ! لأنَّك أنت مَضْمون أما ابنك فأمامه مزالق كثيرة ، وألف إنسان يسْحبه للباطل ، وألف شيء مُغْري ، فأنت زبون مَضْمون.
فالله تعالى قال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5)﴾
[ سورة عبس ]
أي هذا المنحرف الشارد ، الواقع عليه غضب الله ، كلَّما قلت كذا وكذا يقول لك ممكن أن تكون هذه المَقولة صحيحة ! ليس له تَلَهّف للحقّ ، أما المؤمن فله لَهْفة للحق ، وشَغَف ، وحبّ لِسَماع الحق ، ويبْدو هذا على وجْهه وعلى اهْتِمامه ، لذلك من تَكَلَّم بالحِكْمة لِغَيْر أهْلِها فقد ظَلَمها ومن منعها أهلها فقد ظَلَمهم ، والله عز وجل قال:
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾
[ سورة الأعلى ]
فأنت تُذَكِّر الإنسان في حياء وخجلٍ من الله تعالى ، ورحمة في قلبه أما هناك أناس شارِدون على منهج الله عز وجل فهؤلاء لا تُجْدي معهم النَّصيحة ، ولا تنْفعُ معهم حقيقة !
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
هل هذا تقْريعٌ أم وَصْفٌ ؟ هذا وَصْفٌ ! فالله تعالى وَصَفَ مَوْقف النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)﴾
(سورة عبس )
ولم يقل له لمَ عَبَسْتَ ؟ ولِمَ لم تعْبس ؟ فهذا وَصْف ، فالله تعالى قال
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)
[ سورة عبس ]
فالله عز وجل قال:
﴿ طه(1)مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2)إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3)﴾
[ سورة طه ]
فَلِكَثْرة اهْتِمامه وصلاته وقِيامه وتِلاوته فكأنَّما يبْدو أنَّهُ شَقِيَ بهذا القرآن مِن شِدَّة ما تَحَمَّل من متاعب ، فالله عز وجل يُسَلي نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام ويُخَفِّفُ عنه ، مَهْلاً يا محمَد ، فقد روى البخاري ،
(( قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا *))
[ رواه البخاري ]
فهل يُعْقل من خالق الكون أن يخلق المَجَرات يَتَوَدَّد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال تعالى:
﴿ وَالضُّحَى(1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الْأُولَى(4)وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(7)وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9)وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ(10)وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11) ﴾
[ سورة الضحى ]
كُلّ واحد مِنَّا يُفَكِّر ؛ ألم تكن إنساناً صغيراً ؟! ألم تكن بلا بيْتٍ ولا زَوْجة فالله تعالى أكْرَمَك ورزَقَك ومَنَحَك شهادة عُلْيا ومَكَّنَكَ من حِرْفة وجعل لك شيئاً تَرْتَزِقُ به وسَتَرَك ورزقك ، ومنَحَكَ قوَّة وأراح لك بالك ، فَكُلّ إنسان يجب أن يُفَكِّر بِنِعَمِ الله عز وجل ، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)﴾
[ سورة الشرح ]
أيها الإخوة الكرام ، هذه هي مُقَدِّمة هذه السورة ، إنَّهُ لا مَعْصِيَةَ إلا بعد التَّكْليف ، وإنَّ الله في هذه السورة عَتِبَ له لا عليه ، والنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُكَلِّفُهُ ثَمَناً باهِظاً لكِنَّ الله جل جلاله لفَتَ نظره إلى أنَّ هذا الذي تَعْتني به لا خيْر فيه ، ودَعْكَ منه ولا تُلْقي له بالاً فإنَّ قلبه بعيدٌ عن أن يُصْغي إلى الحق.



والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:40 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، يقول الله عز وجل في الآية السابعة عشرة وما بعْدها ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31)﴾
[ سورة عبس ]
الإنسان حينما يكْفر يُهْلِكُ نفْسه لأنَّ الله تعالى خلق الإنسان لِيُسْعِدَهُ في الدنيا والآخرة فإذا أعْرَضَ عن ربِّه ، وكأنَّهُ قُتِلَ ، قُتِلَ لإعراضِهِ عن ربِّه ، وشَقِيَ وأهلك نفْسه.
ما أكْفَره ! ما الذي جعله يكْفر ؟ إما أن نفْهَمَها اسْتِفْهامِيَّة ، والأصَّح أن تكون تَعَجُّبِيَّة ، ما أشَدَّ كُفره مع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفة ، ففي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمسمائة مليون حُوَيْن ، الإنسان مُخَلَّق من حُوَيْنٍ واحد ، يدْخل إلى البيْضة لِيُلَقِّحها ، وهذه البيْضة والحُوَيْن هي أوَّل لْقِ الإنسان، تنْقسِمُ البُوَيْضَةُ المُلَقَّحة إلى عشرة آلاف قِسْمٍ وهي في طريقها إلى الرَّحم دون أن يزيد حجْمها ، فلو زاد حجمها لتَعَثَّر سَيْرُها ، وتنْغَرِسُ في جِدار الرَّحِم ، ويأتي الغِذاء ، وفي أشْهر عديدة تُصبح هذه البُوَيْضة المُلَقَّحة والحُوَيْن المَنَوي عليه مُوَرِّثات ثلاثةٌ وعِشرون مُوَرِّث وكذا على البُوَيْضة فَيَكون مَجْموعهم ستٌّ وأربعون ، والله عز وجل قال
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[ سورة الإنسان ]
فَمَعْنى أمْشاج أنَّ الإنسان مُخَلَّق من أُمِّه وأبيه ، وأغْرَب ما في الأمْر أنَّ المُوَرِّثات تنْقسِمُ إلى قِسْمَيْن:
قِسْمٍ يُشَكِّلُ الجنين ، وقِسْمٍ يودَع في جِهاز الجنين التناسلي لِيَكون ابن الجنين كالجنين ، وهذه هي السُّلالة ، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فتجد الصِّينيِّين لهم شَكْل ، والأفارِقَة ، والعرب لهم شَكْل ، فَمِن أين جاء الشَّكْل المُسْتَمِرّ؟ لأنَّ المُوَرِّثات تنقسِمُ إلى قسمين ، فالاستنساخ ليس من نطْفة أمْشاجٍ نبْتليه ، إنْ نَجَح فهو إن كان من الأنثى فالمولود هو أخوها وليس ابنها ، وإن كان مأخوذاً من الرَّجل فكذلك ؛ لماذا ؟ لأنَّهُ ليس هناك أمشاج ، بل هو مُخَلَّق من مِحْفَظَة واحدة ، ومن النُّطْفة فقط ، تُأخذ خَلِيَّة من ثَدْيِها تُنْزَعُ منها المُوَرِّثات وتُزْرع في الرَِّحم وتنْبت ، على كُلٍّ صِفات الرَّجل إن كان أقْوى فالجنين يَتَخَلّق وِفق صفات أبيه ، وإن كانت صِفات الأمّ أقْوى يَتَخَلَّق وِفْق صِفات أمِّه ، فالضَّعْف إن كان بالحُوَيْن أو البُوَيْضة يتخَلَّق الجنين بالصِفات الأقوى من الأب أو الأم ، ورد قَوْل لِسَيِّدنا عمر: اقْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، فإذا الإنسان تَزَوَّج من أقاربه الضَّعْف يتَكَرَّر ويُصبح واضِحاً ، وقد عُقِدَ مؤْتَمَر لتَحْسين النَّسْل بِسُوريا قبل عشْر أعوام تَقْريباً ، وكان رئيس المجْمع العِلمي العربي حيّ ، فَبَعْدما انْتَهت المُحاضَرات بِأمْريكا ومن أوروبا أُلْقِيَتْ مُحاضَرات لِعُلَماء كبار في طُرُق تَحْسين النَّسْل ، فقام رئيس المَجْمع العِلْمي وقال: ناقِلاً هذه المَقولة اغْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، أي سَبَب الضَّعْف هو الزواج من الأقارب.
إذاً مِن أيِّ شيءٍ خلقه ؟! من نطفةٍ خلقه ، وبعدها أصبح الدِّماغ مائة وأربعون خَلِيَّة ، وثلاثمائة ألف شَعْرة لِكُلِّ شَعْرة وريد وَشِرْيان ، وغُدَّة عَرَقِيَّة وغُدَّة دَهْنِيَّة ، وعَصَب مُحَرِّك ، وعَضَلَة ، وأصبح مائة وثلاثين مليون عُصَيَّة بالشَّبَكِيَّة ، وعِشْرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة بالأنف، ولِكُلّ نِهاية سَبْعة أهْداب ، ولِكُلِّ هُدْبٍ مادَّة مُخاطِيَّة تتفاعل مع الرائِحَة ويتَشَكَّل شَكْل هَنْدسي وتُشْحن إلى الدِّماغ ، وبالدِّماغ تأتي على مِلَف الروائِح عَشْرة آلاف بنْد ، وتُسْتَعْرَضُ هذه واحِدَةً واحِدة إلى أن تعْرِف أنَّ هذه الرائِحَة ياسَمين بِخِلال ثواني ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَرَه ! المَعِدَة تَحْوي خمسُ وثلاثون مليون عُصارة هاضِمَة ، وهناك بالكِلْيَة طريق طوله مائة كيلو متْر يقْطعه الدَّم في اليوْم خمْسة مرَّات ؛ شيء بالجِسْم مُذْهل وبِكُلِّ ثانِيَة يولد اثنان ونِصف مليون كريَّة حَمْراء ، وبِكُلِّ ثانِيَة يموت اثنان ونصف مليون كريَّة حمْراء ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَره ، وما الذي حَمَلَهُ على أن يكْفر ؟ وما أشَدّ كفره ! ومع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفةٍ مُخَلَّقة وغير مُخَلَّقة ، ومن نطفة أمْشاجٍ ، ونطْفة ضَعيفة ، عَظْمُ عُنُق الفخذ يحْمل مائتان وخمسين كيلوغرام، كُلّ هذا وأصْل الإنسان من ماءٍ مهين ، معنى مَهين أنَّهُ يسْتَحْيي به لو كان على ثَوْبِه ، فهذا الماء المَهين كيف أصْبح عَظْماً قاسٍ ؟
فيا أيها الإخوة الكرام ، ربنا عز وجل يقول: أيها الإنسان أنت حينما كَفَرْت أهْلَكْتَ نفْسك وأشْقَيْتها وقتلْتَها ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)﴾
[سورة عبس]
تجد الطِّفْل رئتاهُ وهو جنين مُعَطَّلتان ! بِقَلْبِه يوجد ثُقْب اسْمه ثُقْب بوتال وهو ضِمْن الأُذَيْنين ينتقل الدَّم من أُذَيْن لآخر ، فَحينما يَلِد تأتي جَلْطة فتُغْلِق هذا الثُّقْب ، من فعل هذا ؟! فَتْحُ القلب يحْتاج إلى ثلاث مئة ألف ليرة ، فلو بَقِيَ الثُّقْب مَفْتوحاً أُصيب الجنين بِمَرض الزَّرَق ، يعيش عَشْر سَنوات وبعدها يموت الطِّفْل ، كان لي صديق بنته معها هذا المرض وبيته عَشْر درجات ، ربْع ساعة من أجْل تصعد طابِقاً واحِداً ، وكذا الأمعاء والرئتان والبِنْكِرْياس ، فالإنسان أحْياناً يرى حَيَوانا يخاف منه فهذا بِواسِطَة العَيْن إذْ تُرْسِل إشارة إلى الدِّماغ ، فَيُدْرك الدِّماغ الخطر ويُكَلِّف وسيط بينه وبين ملِكَة الجِهاز الهُرْموني ، والوسيط هذا جِسْم تحت السرير البصري ، والغُدَّة النُّخامِيَّة وزْنها نِصف غرام ، تُعْطي اثْنى عَشَرَ هرمون وأحد الهرمونات اسمه الكزر ، وهو الذي يُنَبِّهك على وُجود الخطر ، ويبْعث هرمون يُضَعِّف ضَرَبات القلْب ، وهرمون يرْفع وجيب الرئتان ، وهرمون يطْرح سُكَّر زائِد بالدم ، وهرمون يطْرح هرمون التَجَلَّط ، وهرمون يُضَيِّق الأوْعِيَة فَتَجِد الإنسان قد اصْفَرَّ لونه ما هذا الإنسان؟! وكذا غُدَده الصَّماء والدرقِيَّة والعِظام ؛ من أيِّ شيء خلقه ؟! قال تعالى:
﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فهذا الرَّحِم فيه الغُلام ، وحجم الرحم سبعة مائة وخمسون سم3 فإذا أراد طلْقاً ، يفعل تَقَلُّصات لطيفة ، إلى أن يخْرج الطِّفل قُوَّة التَّقلّص لو كان الطريق مَفْتوحاً لَقُذِفَ الولد إلى اثْنى عَشَر متْر ! ثمَّ هناك عَمَلِيَّة ميكانيكيَّة إذْ عَظْمُ الحوْض يتَوَسَّع وذلك بِهُرْمونٍ خاصٍ يقْلب الجنين ويجْعل رأسه لِتَحْت ، وهرمون يفتح الغشاء الذي حول الجنين ، ثمَّ الرَّحِم يضْغط فَيَخْرج الغُلام ، بعدما يخْرخ يخْرُجُ معه الخَلاص ، وبع الخَلاص يَتَقَلَّص الرَّحِم تَقَلُّص ويُصْبح مثل الصَّخْر ، فلولا هذا التَّقَلّص لماتَتْ الأمّ لأنَّ جميع الشرايين مَفْتوجة ، فَكُلّ هذه الشرايين تُغْلق والعلماء قالوا: لو عُكِسَ التَّقَلُّصان لماتَت الأمّ وجنينها ، فلو كان التقلّص عنيف مات الجنين ولو كان ليِّناً ماتت الأم ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فالوِلادة عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جداً ، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22)﴾
[سورة عبس]
فَمِن نطْفة إلى علقة إلى مضْغة إلى جنين فولد يَسَّره ثمَّ يكْبر ويصبح شخْصاً كبيراً ، غَنِياًّ، ثمَّ أزْمة قلْبِيَّة ؛ عَظَّم الله أجْركم ، ثمَّ يوم القيامة الحِساب.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)﴾
[سورة عبس]
إلى الآن ما تاب وما اسْتقام ! وما اْطلح مع الله ، فهذه الآيات تكْفي فالله أمرك أن تصوم فهل صُمْت ؟ وأمرك أن تزكي فهل زَكَّيْت ؟وأمرك أن تضْبط لسان فهل فعلْتَ ؟ وغضّ البصر ، هذا هو دَرْس اليوم الإنسان كأنَّه قتل نفْسه حينما يكْفر مع أنَّه لا مُبَرِّرَ للكُفْر ، فقد كان من لا شيء ، فكُلّ من قال: أنا فَهُوَ أحْمَق ، خلق من نطفة خرجت من عورة ودخلت إلى عوْرة ، ولو كانت على الثِّياب لاسْتَحْيَيْتَ بها ؛ من ماءٍ مهين ! فعلى الإنسان أن لا ينْسى أصْله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:42 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الرابعة والعشرون والتي بعدها، وهي قوله تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
أيها الإخوة الكرام، علماء الأصول قالوا: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، المسلمون في أواخر عهدهم ؛ في عصور تخلفهم فهموا الدِّين عبادات شعائرية صلاةً وزكاةً وصياماً وحجاً بينما كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذه اللام لام الأمر، قال تعالى فلْينظر الإنسان إلى طعامه، فأنت مأمور أيها الإنسان أن تُفَكِّر في طعامك، كأس الماء هذا من أين جاء، كيف أصبح عذْباً فُراتاً بعدما كان مِلْحاً أُجاجاً ؟ من أعطى خصائص التَّبَخُّر للماء ؟ من جاعل الماء يتبَخَّر بِدَرجات دُنيا ؟ ومن جعل الهواء يحْمِل بُخار الماء بتفاوت الدرجات؟ من ساق الرياح لتسوق السحاب؟ كيف واجهَ السحابُ المتحمل لبخار الماء جبهةً باردةً فتَخَلّ عن الماء الزائد فأصبح مطراً ؟ كيف سلكه ينابيع ؟ كيف تفجرت الينابيع ؟ كيف كان هذا الماء العذب ؟ فَمثلا في أندنيسيا أربعين ألف جزيرة لكل جزيرة نبع ماءٍ خاص بها يتناسب مع مساحتها، في بعض الجبال بهِمَلايا ينابيع ماء في قمة الجبل ولا يمكن أن تُفسَّر هذه الظاهرة إلا بِمُسْتوْدعٍ في جبل أعلى، من أجل الوُعول، إذْ تعيش هناك في القِمَم حيوانات اسمها الوُعول، وهذه الحيوانات ينبغي أن تشْرب، لها ينلبيع في قِمَم الجِبال، ولابد أن يكون مُسْتودع هذا الماء في جَبَلٍ أعلى، كما أنَّهُ لا بدّ من تَمْديدات، حتى أنَّ بعض الأنهار في الجُزر كَنَهْر التايْمْزفي بريطانيا، كُلُّ أمطار بريطانيا لا تكْفي لِغَزارة هذا النَّهْر، يقولون : إنَّ مُسْتَوْدعاته في أوروبا، وهوناك تَمْديدات تحت الأرْض، فقَضِيَّة الماء العَذْب هس قَضِيَّة تحتاج إلى تأمُّل شديد، فالله عز وجل قال :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
الإنسان لا يسْتطيع أن يُخَزِّن الماء أبداً فإذا خَزَّنه فسَدَ، أما ربُّنا جلَّ جلاله يُخَزِّن الماء العَذْب الفُرات في جُيوبٍ في أعماق الجِبال، وهناك فَتْحات مُقَنَّنة، فَمَثَلاً نبْع الفيجة من ستَّة عشر متْر بالثانِيَة إلى نصْف متْر بالثانِيَة إلا أنَّ مُسْتوْدعه من نبْع الفيجة إلى قُرْب حمْص، ومن سيف البادِيَة إلى جنوب لبنان ؛ هذا هو حَوْض ماء الفيجة، كُلُّ هذه المدينة لا قيمة لها إطْلاقاً بِبُيوتِها وشوارِعها ومُسْتَشْفياتها من دون هذا النَّبْع، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أوْكَلَ لنا تَخْزين المِياه لاحْتاج كُلُّ بَيْتٍ إلى مساحة بيْتٍ آخر بالضَّبْط، فطيلة العام يحْتاج الإنسان إلى الماء العَذْب ما يُساوي مساحة بيْتِهِ، فالله تعالى تولى لنا تَخْزين الماء، وقال تعالى :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
ذَكَرْتُ قبل يومين في خُطْبة الجُمعة أنَّ مِرْصَجاً عِمْلاقاً أوربِّياً يعْمل بالأشِعَّة الحمْراء اكْتَشَفَ وُجود سَحابة في الكون، وهذه السَّحابة يُمْكن أن تمْلأ مُحيطات العالم بسِتِّين مرَّة في أربعٍ وعِشرين ساعة ! والأرض كما تعْلمون أربعة أخْماسِها مُحيطات، اليابِسَة خُمْس، فقارَّة آسيا وأوروبا وإفْريقيا وأمريكا الشماليَّة والجنوبِيَّة، وقارَّة المُتَجَمِّد الجنوب كُلُّ هذه القارات تُساوي خُمْس مساحة الأرض ! والمُحيط أعْماقه في بعض المُحيطات اثْنى عشر ألف متْر !!! في وادي مِرْيانة بالمُحيط الهادي وهو أعْمق نقْطة في المُحيط، هذه المُحيطات تمْلؤُها هذه السحابة سِتِّين مرَّة في يومٍ واحد قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
يوهِمُنا أعْداؤُنا أنَّ هناك حرْب مياه، فهذا التَّقْنين تَقْنين تأديب لا تقْنين عَجْز ! ذَكَرَ لي أخ البارحة كان بِحوران فقال لي : القمْح هناك أعلى من قامة الإنسان وخيْراتٍ لا يعْلمها إلا الله، حوران وحْدها كانت تُطْعم الدَّوْلة الرومانِيَّة!
ورومانْيا كان فيها تسعةُ وخمسون مليون نسمة، ويذْكر التاريخ أنَّ عدد الساكنين بِسُوريا في العهْد الروماني تسعةُ وخمسون مليون، وحوران وحْدها تُمِدُّ هذه الملايين المُمَلْيَنَة بالقمْح الذي يحْتلّ أعلى درجة في المواصفات، فربُّنا أيّ شيء عنده خزائِنُه، وفي إحدى السنوات وهذه ذَكَرْتها لكم كان اسْتِهلاك القطْر كُلُّه مليون طنّ القمْح، وكان إنتاجنا للقمْح ثلاثة ونصف مليون، فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش ! وفي سنة من السَّنوات كان هناك شحّ للمياه في دِمَشْق، والمياه الجَوْفِيَة انْخَفَض مُسْتواها إلى درجة كبيرة جداً حتى أصْبح هناك عطش مُهَدَّدون به جاءتْ سنة مجموع أمطار دمشق ثلاث مائة وخمسون ملم، هناك ينابيع من ثلاثين عاماً تَفَجَّرَتْ، مياه عين منين وصلَتْ إلى برْزة وعين الصاحب تَفَجَّرَتْ، عشرات الينابيع في غوطة تَفَجَّرَتْ، وكانت قد جَفَّتْ من ثلاثين عاماً، فلا أحد يقلق على نقْص المياه والغِذاء فهذا من وَهْم الكُفار لنا، أنَّ هناك أزْمَة سُكانِيَّة وانْفِجار سُكاني، ونقْص للمياه يُنَوِّعون، فَمَرَّةً يقولون حرْبُ نفْط، ومرَّةً حرْبُ قمْح، والآن حرْب مياه وإذا الله عز وجل قَنَّن فهو تقْنين تأديب لا تقْنين عجْز، قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
فأنت تأكل ثلاث وَجَبات باليوم، فكأس الحليب مَثَلاً لو خطر بِبَالك من أين يأتي ؟ هذه البقرة، وهذا المَعْمل الصامت، ومعمل الغذاء الكامل فيه الكالسيوم والمغْنزيوم والحديد والفوسْفات وفيتامينات ومواد سُكَرِيَّة ومواد دَسِمَة ومواد مُرَمِّمة، وهناك بقر يُعْطي ستين كيلو في اليوم فلو كان هذا الحليب لولدها فهو لا يحْتاج إلا كيليين حليب، والآن أصبح هناك تهْجين بقر على بقر من نوعٍ آخر، أصْبح يُنْتِج باليوم ستين كيلو حليب باليوم ! فالدم يمُرّ في الخَلِيَّة الثَّدْيِيَة البقريَّة على شَكْل قُبَّة وحول هذه القبَّة مجموعة شَعْرِيات كثيفة جداً، أربع مائة حجم من الدَّم تمرّ في هذه الشَّعْريات كي يصَنَّع حجْم حليب واحد، فكُلّ لتر من الحليب يُسْهم في صُنْعه أربعمائة لتْر دم تمْشي في قُبَّة هذه الخليَّة الثَّدْيِيَة، والخليَّة الثَّدْيِيَة المُصَنِّعة للحليب حتى الآن لا أحد يعْرف كيف تَعْمل وكأنَّها عَقْل فالدَّم يمرّ في أعْلاها، فَتَخْتار الدَّم من بين فرْثٍ ودمٍ، فالفرث هذه الفضلات السائِلَة، نحن لدينا فرْث جامد وهو الغائط، وفرْث سائل وهو حمض اللَّبن وفرثْ غازي وهو غاز الفحْم، نواتِج الاحتراق الصُّلْبة غائِط، والسائلة حمْض البول بالدم، والغازِيَّة غاز الفحْم، فَرَبُّنا عزَّ وجل قال : هذه الخلِيَّة الثَّدْيِيَة تخْتار مواد السُكَّرِيَّة من الدم، مواد بروتينِيَّة والدِّهنيات، والفيتامينات، والمعادن، تختار غِذاء كامل قال تعالى :
﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾
[سورة النحل]
فكأس الحليب هو من فضْل الله عز وجل، قال تعالى :
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)﴾
(سورة النحل)
خُلِقَتْ خِصِّيصاً لكم، وذَلَّلْناها لكم، أحد إخواننا بِجوبر حكى لي أنَّ بقرةً جَنَّتْ فَقَتَلَتْ أوَّ رجل والثاني والثالث، واسْتطاع صاحبها أن يُلْقي عليها الرَّصاص فقَتَلها، وثَمَنها سبعين ألف، فَهُوَ أساساً جَنَّ بِأوروبا إذْ خالفوا منهج الله عز وجل وأطْعَموا البقر طحين اللَّحْم، والجِيَف، والبقر مُصَمّم لِيَأكل النبات، فهو حيوان نباتي فهم تشاطروا وأطْعموه الجيَف فأصْبح هناك جُنون البقر فاضْطَرُّوا لِيَعْدموا ثلاثة عشر مليون بقرة ‍! ثمنها ثلاثون مليار جُنَيْه اسْتَرْليني ! ثمَّ بعد هذا عرفوا خَطَأهم، والآن مُنِيَتْ بريطانيا بأكبر كارِثَة بِحَياتها في موضوع جُنون البقر لأنَّه بِأُسْتُراليا أطْلقوا النار على عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! ودُفِنَتْ تحت الأرض فالكافر وَحْش، فَكم من شَعْبٍ يموت من الجوع ؟ عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! قال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
اُنظر إلى هذه الغنمة والبقرة من خلقها ؟ ومن جَعَلها مُذَلَّلة ؟ لو أنَّ الله تعالى رَكَّب أخلاق الضَّبع بالغنمة ! وهذا الزَّيْتون من أرْقى أنواع الدهْن وهو يُعَدُّ الآن دواء وليس غِذاءً فهو دواء للضَّغْط المُرْتفع والكولِستِرول المرْتفع، ولِتَصَلُّب الشرايين والنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ *))
[ رواه الترمذي ]
فأنت تأكل اللَّبن والجُبْن والقشْطة وكُلّ مُشْتقات الحليب، فَمَن الذي سخَّر هذا المعمل المُذْهِل ؟‍‍! ورَوْثُ البقر سمادٌ غالٍ، فالسَّماد العُضْوي أغلى سماد روْثُ البقر ثمَنُ الكيلو عشْرُ ليْرات وجلدها للأحذِيَة والمصْنوعات الجِلْدِيَّة، ولحْمها يُؤْكل، هناك جداران وسط الثَّدْي مُتعامدان، وهناك أربع حلْمات للبقرة، كلّ حلمة تُعْطي ربع الضرع تماماً، وهو مُقَسَّم إلى أربع أجْواف، وهل فَكَّرْتَ بالقمْح فهو ينْضج بِيَوْم واحد، والبندورة تنْضج على ثلاثة أشْهر، لو كان الحقْل ينْضج بِيَوم واحد ماذا نفْعل بالطماطم، وكذا البطيخ ! من الذي صَمَّم أنَّ البطيخ له حلزون يمْسكها الفلاح فإذا انْكسر معنى ذلك أن قد نضجَت وإذا لم ينْكسر أي لم تنْضج بعد ! أما القمْح والعدس والحمص بِيَوم واحد فالمحاصيل الأساسيَّة تنْضج بيوم واحد، أما أشْجار الفواكه وغيرها فَبِالتَّسَلْسُل، من برْمج هذه الأمور، فالله تعالى قال :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29)﴾
[سورة عبس]
شجرة التَّمْر تعيش ستَّة آلاف سنة، أطْول شَجَرة مُعَمِّرة، وفيها ستة وأربعون مادَّة غِذائِيَّة، وأسْرع مادَّة سُكَّرِيَّة على الإطلاق تنتقل من الفم إلى الدم، فإذا جلس الإنسان لِيَأكل لو أكل عشْر أضْعاف لن يشْبع حتى يصِل السكَّر إلى مرْكز الشِّبَع، فالنبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمنا أن نأكل التمْر أوَّلاً، كيف أنَّ القمْح مادَّة أساسِيَّة جداً لنا ؛ يُسَموه مَحْصول اسْتراتيجي، التِّبْن المادَّة العَلَفِيَّة الأولى، والحيوان يسْتطيع أن يعيش على التِّبْن فقط، قال تعالى :
﴿ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
يجب أن تُفَكِّر في خلق السماوات والأرض، وفي طعامك، فلا بدّ أن تُعْمِلَ العقْل في الآيات الكَوْنِيَّة لأنَّها طريق الإيمان بالله عز وجل.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:45 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة عبس وهي قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)﴾
[سورة عبس]
الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة، يوم يفرّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه فالإنسان له زوْجة وأمّ وولد وأخ وأب، لماذا بدأ الله تعالى بالأخ ؟ لأنَّ أمَّه وأبيه كبيران في كبيران وولده صغير، من الذي يُعينك عند الشِدَّة ففي هذه الآية قُدِّم الأخ على كلّ الأقرباء، في آيةٍ أخرى قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾
[سورة التوبة]
قُدِّمَ الأب، وفي آيةٍ ثالثة:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14) ﴾
[ سورة آل عمران ]
قُدِّمَت المرأة، وفي آيةٍ رابعة قال تعالى:
﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11)﴾
[ سورة المعارج ]
فما هذا الترتيب ؟ في آيةٍ قُدِّمَ الولد، وفي أخرى قُدِّمَت المرأة، وفي آيةٍ قُدِّمَ الأب، وفي آيةٍ قُدِّم الابن، وفي أخرى الأخ، ففي مَوْطن الاسْتِنجاد والاسْتِعانة والاسْتِغاثة، فالذي يُنجدك أخوك أما أبوك وأمَّك وابنك ضِعاف، فالابن صغير وأمَّك وأبوك كبيران، فالمُؤَهَّل كي يُنجدك أخوك أما في موطن الاعتِزاز الاجْتِماعي نبدأ بالأب ؛ قُل إن كان آباؤكم تقول: أنا ابن فلان، في موطن الشَّهوة المرأة، زُيِّن للناس حبّ الشهوات من النِّساء، في موطِن الفِدْيَة أغنى شيء الولد، يودُّ المُجرم لو يفْتدي من عذاب يومئذٍ بِبَنيه، فهذه الآية:
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)﴾
[سورة عبس]
وقد ورد في بعض الآثار النَّبَوِيَّة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ((سألتْهُ السيِّدة عائشَة أيَعْرِفُ بعضنا بعْضاً يوم القيامة ؟ - هل يمكن أن يقول الإنسان فلان ابني وذاك أخي - فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، إلا في ثلاثة مواقف إذا الصُّحُف نُشِرَت، وعند الميزان، وعند الصِّراط....))
في هذه المواطن الثلاثة لو وقَعَت عَيْن الأم على ابنها لا تعْرفه ! وذاك من هَوْل المصيبة، حَدَّثني أخٌ بالقاهرة أنَّه لما حدث زلزال بها أنّ شِدَّة خوف أحد الأمَّهات حَمَلْتها على أن تحْمل حِذاءها مكان ابنها الصغير ! قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2) ﴾
[ سورة الحج ]
وفي غير هذه المواطن قد تقع عَيْنُ الأم على ابنها، تقول له: يا بني جعلْتُ لك بطْني وِعاءً وصَدْري سِقاءً، وحجري وِطاءً فهل من حَسَنَةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟! الأم تسْتنجد ابنها ! بِماذا يُجيبها الابن ؟ يقول لها: ليْتني أسْتطيع يا أُمَّاه !! فإنَّني أشْكو مما أنت تَشْكين ! فالله عز وجل قال:
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(101) ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فالأنْساب في الدنيا كي نتراحم، وكي تسْتَمِرَّ الحياة، تجد الأب يعْمل ليْل نهار من أجل أولاده، ومن أجل إسْعادِهم، ومن أجل اسْتِقْرارهم، أما لو كان تواصل النَّسب في اليوم الآخرة لما كانت هناك جنَّة ! قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[ سورة الأنعام ]
قال:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)﴾
[ سورة عبس ]
طبْعاً الأقارب كلَّهم ذُكِروا ؛ من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته وبنيه، قُدِّمَ الأخ لأنَّه الأخ كل المُنْجد، ومع ذلك هذا الأخ يوم القِيامة يَفِرُّ منك ويتخلى عنك، ويقول: نفْسي نفْسي فالله تعالى يُقَدِّمُ لنا صُوَر حقيقيَّة لِيَوْم القيامة، وذلك كي يُنَبِّهنا لأهَمِّيَة الموضوع، ومن أجل أن نكون على بَيِّنَة من أمرنا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾
[ سورة عبس ]
ورد بِبَعض الأحاديث أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( يُحْشَر الناس يوم القيامة حُفاةً عراةً...))
لو أنَّ أحداً مَحْكوم عليه بالإعْدام، وفي الطريق من نافذة السيارة رأى امْرأة جميلة فهل ينتَبِه إليها ؟! عنده شأنٌ يُغْنيه عن النَّظر دعانا أحد المرات أخٌ إلى مزْرعَتِه، مع بعض الأصْدِقاء، فقال لي هذه مزْرعة عَمِّي، بعد جاء عَمُّه وما سَلَّم علينا ونحن ثلاثين واحِد، فقُلْت هذا هو عَمّك ! ألا يُسَلِّم علينا ؟ فقال: لم يرَكُم، لقد جاء من مُسْتَشْفى غسيل الكُلْيَتَيْن ! فالمَرَضُ يُنْسيك أن تُسَلِّم على الناس قال تعالى:
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾
[ سورة عبس ]
لا يوجد إنسان ليس لديه مُشْكِلة إلا أنَّ بعض المشاكل عويصة، ليس مُلاحق ولا مطْلوب ولا مرض يحتاج إلى أمريكا مُعالجة فقط أمراض صغيرة كوليسْتِيرول وشُحوم وسكَّر عالي، والحموض الثلاثيَّة، فأحد الإخوة رحمه الله تعالى سِتُّ عَمَلِيَّات أقامَها في سنة ونِصْف، لم يَعُد يحْوي شيئاً في بطْنِه، أقاموا المَعِدَة والمُسْتَقيم والأمعاء الدقيقة ونصف البِنْكِرْياس ! فعلى الإنسان أن يشْكر الله تعالى على ما عنده لا على ما ينْقصُه، فَكِّر بما عندك، لأنَّ الله تعالى قال:
﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[ سورة الأعراف ]
إن كان تاجراً بالسوق أو مُوَظَّف بالمعاش، فهو دائِماً في شَكْوى، وهذه صِفَة من صفات البعيد عن الله تعالى، أما المؤمن يُفَكِّر بما عنده من نِعَم، لذلك على الإنسان أن يشْكر الله عز وجل حتى يُديمَها تعالى عليه قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾
[ سورة إبراهيم ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)﴾
[ سورة عبس ]
فالناجِح مُبْيَضَّ الوَجْه والخاسِر مُسْوَدَّ الوَجْه، قال تعالى:
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)﴾
[سورة عبس]
فالمُؤمن وجْهه مُشْرِق، لي صديق قاضي تَحْقيق، والقِصَّة قديمة فكنت جالس أمامه وكان معه شَخْص يُحَقِّق معه وَجْهه مُخيف، ثمَّ دخل آخر وَجْهه مُشْرق فقال: له صلَّحْتُ ساعتك، فوازَنْتُ بين هذين الشَّخْصَين فذاك وَجهه مُشرِق لأنَّه نبيل، ذاك مُجْرِم وَجهه كالح وأسْود، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106)وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾
[سورة آل عمران]
فالعِبْرة بالنِّهاية والعاقِبَة، وبِمَن يضْحك أخيراً وبِهذا الوَجه النَّظِر الذي ينظر إلى الله تعالى، وأن تكون في الدنيا صالِحاً كي يكون وَجْهك يوم القيامة مُبْيَضًّا وضاحِكاً ومُسْتَبْشِراً، وإلا وَجْهٌ أسْود ووجْهٌ مُغْبَر، ترْهَقُها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة.
فهذا مَشْهد من مشاهد يوم القيامة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُنْقِضنا من النار، وأن يُدْخِلَنا الجَنَّة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:48 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانفطار (82 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات التي في سورة الانفطار، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾
[سورة الانفطار]
القرآن الكريم يُخاطب في الإنسان عقْله تارَةً، ويُخاطِبُ في الإنسان قلْبَهُ تارَةً أخرى، وفي بعض الآيات يُخاطب القرآن الكريم عقْل وقلْب الإنسان في آيَةٍ واحدة، ومن هذه الآيات هذه الآية، والنبي عليه الصلاة والسلام أحياناً في أحاديثه يُخاطِبُ عقْل الإنسان، فقد جاءه رجل وقال له
(( ائْذن لي بالزنا فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ * ))
[ رواه أحمد ]
فالنبي خاطب عقْله، وأحياناً يقول:" أحِبُّوا الله لما يغْدوكم به من نعمه فالحديث الأوَّل خاطب في الإنسان عقْله، وفي الحديث الثاني خاطب في الإنسان قلْبَهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام اقْتَبَسَ هذه الطريقة في مُخاطبة الناس من القرآن الكريم، لذلك أيّ دَعْوة إذا اتَّجَهت إلى عقل الإنسان وحده لا تنْجح، والإنسان عقْلٌ يُدْرِك وقلْبٌ يُحِبّ، وأيّ دَعْوةٍ إذا اتَّجهت إلى قلب الإنسان وحْده لا تنْجح، لا تنْجح الدعوة إلا إذا تَوَجَّهَت إلى قلب الإنسان وعقْلِهِ معاً، فالعَقْل يحْتاج إلى غِذاء، والقلب يحْتاج إلى غذِاء، وكذا الجِسْم، وأيّ تجاهل لأحد هذه الجوانب الثلاثة هو تجاهل للواقِع، وفَشَل في نقْل الحقائِق لِهذا الإنسان.
هذه الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
التَّسْوِيَة شيء، وإتْقانُ الصَّنْعة شيءٌ آخر، مثال ذلك ؛ لو بَنَيْنا غُرْفة من أجل أن نضع فيها سيارة، فقد تُبْنى الغرفة من أعلى درجة من الإتْقان ولكن ليْسَت مُتماثِلَة مع السيارة فإذا دَخَلَتْ هذه السيارة لا يسْتطيع سائِقُها أن يفْتح الباب لِيَخْرج، نقول هذه الغرفة ليْسَت مُسَوَّات مع هذه السيارة، قد تدْخل ويبقى قِسْمٌ منها خارج الغرفة، فالقياسات غير مناسبة، منه نقول التَّسْوِيَة من التناسب، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالأنْفُ فوق الفمِ، فإذا كان الطعامُ فاسِداً كان الأنف جاهِزاً، علاقة بينهما، وهذه العَيْنَيْن من اجل البُعْد الثالث، لأنَّك بالواحدة ترى الطول والعرْض، وبالعَيْنَيْن ترى العُمْق، والأذنان من أجل جهَة الصوت فالواحدة تعرف الصوت ولكن لا تعرف جِهَةَ الصوت وكذا المفاصل مربوطة بإتْقان وبحيث لو أنَّ الأب حَمَل الأب من يده كافِيَة لِحَمْل وزْن الطِّفل كلَّه وإلا لانْهار كلّ إنسان، فهذا تناسب مُحْكم، فقد يحْمِلُ الإنسان أثْقال كبيرة جداً، فَعِظامه متينة لِدَرَجَة أنَّه يحْمِل خمسمائة كيلو ! عظْمُ عُنق الفخذ يتحَمَّل هذا الوزْن، فهذه هي كَلِمَة سوَّاك لو أنَّ الله تعالى جعل بالشَّعر أعْصاب حِسّ لما أصبح الإنسان يقْدِر أن يُحْلِق ! وتُصْبح الحِلاقة تحتاج إلى عَمَلِيَّة جِراحِيَّة كاملة ! فالله تعالى ما جعل بالشَّعْر أعْصاب حِسّ، ولا بالأظافر، والله عز وجل جعل المثانة لها عَضَلات لو لم يكن فيها عَضَلات لاحْتاج الإنسان كي يُفْرِغَ مثانته إلى أَمَدٍ طويل وقد لا تُفَرَّغ حتى يأتي هواء من أعلى، إذْ لا بدّ لها من أنبوب تنْفيس وأيُّ مُسْتوْدع ماء من دون أنبوب تنْفيس لا يتحرَّك لكن بالعضلات تُفَرَّغ المثانة بِدَقائِق، ولولا المثانة كُلّ عشرين ثانية نقْطتا بوْل، ولاحْتاج الإنسان إلى فوطة، أما بالمثانة تتَجَمَّع، وأنت نظيف ومكانتك عالِيَة ودون إحراج، في جلْسة ولِقاء، فهذه المثانة لها عَطاء كبير ثمَّ عندنا أعظم الأشياء، وهو أنَّه لدينا عضلات إراديَّة وعَضَلات لا إرادِيَّة فالقلب ينْبض من دون إرادتِك، لو كان بِإرادَتِك فَلأدْنى سبب يقف القلب وكذا الرئتان تتحَرَّكان من دون إرادَتِك، وهناك عضلات إرادِيَّة كعضلات اليد إلا أنَّ عضلات إفْراغ المثانة فهي نوع مُسْتَقِلّ فهي إرادِيَّة إلى حدّ، لما البول امْتلأت المثانة به ربَّما يتَّجِه نحو الكلْيَتَين ويصبح هناك تَسَمُّم حينها يمكن أن تبول من دون إرادَتِك إنْقاضاً لِحَياتِك، فَكُلّ أعضاء الإنسان لها بحْث، فالأنف فيه عشرون مليون نِهاية عَصَبِيَّة، كُلّ نِهاية تنتهي بِسَبْعة أهْداب، وكلّ هُدْب مُغَطَّى بِمادَّة مُخاطِيَة، تتفاعل مع الرائِحة، ويتشَكَّل شكْل هنْدسي، يُرْسل إلى ملف الدِّماغ فيه عشْرة آلاف رائِحَة، يُعْرض على هذه الروائِح كُلِّها واحِدة واحِدَة إلى أن تتوافق هذه الرائحة مع البند في الملف، تعرف هذه رائِحَة ياسمين، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
مائة وأربعون مليار خَلِيَّة في الدِماغ لم تُعرف وظيفتها بعد، أربعة عشرة مليار خَلِيَّة في قِشْرة الدِّماغ، والغدَّة الصَّماء النُّخامِيَّة ملِكَة الغُدد، وزْنها نصف غرام تتَحَكَّم بِكُل غُدد الإنسان، وترسل اثنى عشر هُرمون، ولو تَعَطَّل هُرمون واحِد لأصْبَحتْ حياةُ الإنسان جحيماً ! هُرمون النموّ لولاه لَتَقَزَّم الإنسان، أو لَتَعَمْلَق، وهرمون توازن السوائل لولاه لَشَرِبَ الإنسان في اليوم برْميل ماء ولأفْرَغَهُ، وهرمون الدَّرَقِيَّة، هرمون الكظر لو واجه الإنسان عَدُوًّا أعطى هذا الأخير أمْر بالتَصرّف، ويرسل إلى القلب هرمون يرْفع ضرباته إلى المائة والثمانين، وهرمون إلى الرئتين وإلى الأوْعِيَة كي تضيق ويصْفرّ الخائِف، وهرمون إلى الكبد ويتْلف كَمِيَّة سُكَّر، وهرمون إلى بعض الأجْهزة تطلق هرمون التَجَلُّط هذه كُلُّها نصْف غرام، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
طيِّب هذا الذي خلق الإنسان بهذا الإعْجاز ألا يُحاسِبُه ؟! قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40)﴾
[سورة القيامة]
إذا هذه الآية من أدَقِّ الآيات التي تُخاطب الإنسان ؛ ما غَرَّك بِرَبِّك الكريم فإذا كان طالب عند أستاذ قدير جداً وأشاع بين أصْدِقائِه أن نأخذ إلى الأُستاذ هَدِيَّة كي يُعطينا الأسْئِلَة نقول: هذا الطالب اغْتَرَّ بِهذا الأُسْتاذ وَظَنَّ به ما لا يليق به فما معنى هذه الآية ؟ الإنسان يأكل أموال الناس بالباطل ويكْذِبُ عليهم وينتَهِكُ أعْراضهم، فهل يتركك الله تعالى من دون حِساب، أنت مُغْتَرٌّ به، الاغْتِرار بالله أن تظنَّ به ظناًّ لا يليق به، إنسان له قَضِيَّة عند قاضي فَتَوَهَّم أنَّ القاضي بِمَبْلغ ضَخْم يحْكُمُ لي، نقول هذا الخصْم اغْتَرَّ بالقاضي وظنَّ بِه ظنًّا لا يليق به، القاضي نزيه ويطْرده كان هناك قاضي، أنَّهُ يحبُّ الرطب في بواكيره، طُرِقَ بابه مَرَّةً ففتح الخادِم الباب، وأعْطِيَ له طبق من الرطب في بواكيره نفيسٌ جداً، فقال القاضي من أتى به، فقال رجل بالباب، فقال له: صِفْهُ لي ؟ فقال: كذا وكذا، فَعَلِمَ القاضي أنَّهُ أحد المُتخاصِمَيْن، فقال له: رُدَّهُ، فَرَدَّهُ وفي اليوم التالي ذهب إلى الخليفة لِيعْتَذِر عن منْصِب القضاء، فقال له: وَلِمَ ؟ فقال له والله جاءني رجل مع طبَقٍ من الرطب فَرَدَدْتُهُ، لأنَّهُ خصْمٌ، في اليوم التالي لما كان معي تَمَنَّيْتُ أن يكون الحق معه ! مع أنِّي رَدَدْتُ الطبق فكيف لو قَبِلْتُهُ ! لذلك قالوا: القاضِيان إلى النار، وقاضٍ إلى جهَنَّم - وهي مُعَدَّلة حديثاً -، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾
[ سورة الانفطار ]
لو ركَّب لك عَيْناك في الخلف ماذا تفْعل ؟ لو رَكَّب لك الفم في مكان آخر! لو لم تكن هناك عَضَلة تقْبض كُلَّ شيءٍ بالمُسْتقيم، ماذا فَعَلْتَ ؟! فالإنسان في آخر عُمره إذا لم يتَمَكَّن أن يضْبط نفْسه يأكل إهانات من زوْجَتِه حتى يشْبع ! أليس كذلك ؟ فَكُلُّ كرامتك بهذه العضلة، وصِرْتَ مُحْتاجاً لِفوطة واحْتِياطات، فعلى الإنسان أن ينْتَبِه ؛ هذا الذي خلقه في أحْسَن تقْويم ينبغي أن يتَّقي أمْره، ما غَرَّك بِرَبِّك الكريم ؟! ولماذا تظنّ ظنَّ السوء به تعالى ؟ وأنّ الله لن يُحاسِب، وكل من ظنَّ هذا فهو إنسانٌ وقع في شَرِّ عمله فأنت أمام خِيار صَعْب إما أن تؤمن أنَّ لهذا الكون إلهاً عظيماً عادِلاً، وإما أن تؤمن بالعَبَثِيَّة ! قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[ سورة المؤمنون ]
ففي الجامعة مَثَلاً، هذا درس بِجِدِّيَّة، وهذا شاكس، وذاك تأخَّر، وهذا ما تأدَّب وبالأخير أخذوا كلَّهم مائة درجة ! أهَذه جامِعَة ؟! العِبْرة أن تأتي النتائِج مُتوافقة مع المُقَدِّمات، وإلا ما قيمة هذه الجامِعَة ؟!
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالرأس يدور، ولو لم يكن كذلك َكَلَّفَك أن تدور كُلِّيَّةً ! من نِعَمِ الله العُظْمى ولولا هذه المفاصل لما أكلْتَ، إلا أن تأكل كالهِرَّة على صَحْن الأكل وكذا الإبهام، ما كَتَبْتَ وما خَيَّطْتَ ! وهذه المعِدَة فيها وخمْسٌ وثلاثون مليون عصارة هاضِمَة، وبالقلب يضخّ باليوم ثمانِيَة أمْتار مُكَعَّبَة، فالذي عنده مُسْتودع للوَقود السائِل يقول لك: ملأنا ألف لتْر ! وقلب الإنسان المُتَوَسِّط يضخُّ بِعُمْره ما يمْلأُ أكبر ناطِحَة سحاب بالعالم،
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالذي خَلَقَك فَسَوَّاك فَعَدَلك يجب أن تُطيعه، وأن تحِبَّه وأو تنْصاع لأوامره ونواهيه وأن تُخْلِص له، وأن لا تؤذِيَ عبادَه، الخلْق كلُّهم عِيال الرحمن وأحبُّهم أنفعهم لِعِيالِه.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:51 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانفطار (82 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشْرة، والتي بعدها من سورة الانفطار، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
يبْدو من خلال هذه الآية أنَّ البشر على اخْتِلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم وانْتِماءاتهم وأجْناسِهم وطبقاتِهم ؛ كُلُّ هذه التَّقْسيمات التي يسْتعملها البشر في تقسيم الناس من أقوياء وضعفاء، ومُسْتَغِلِّين ومُسْتَغَلُّون، دُوَل عُظْمة ونامِيَة ومُتقَدِّمة ومتأخِّرة، وجنوب وشرق وغرب، كُلُّ هذه التَّقْسيمات مُلَخَّصَةٌ عند الله عز وجل بِنَوْعيْن اثنين لا ثالث لهما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
الناس رجُلان لا ثالث لهما: رجُلٌّ عرف الله تعالى فأَحْسَن إلى خلقه واسْتَقام على أمْره فَسَعِدَ في الدنيا، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه ومهما كان جنْسهُ، ورجل غفل عن الله وبالتالي تَفَلَّت عن منهجه ولأنَّه ألَّه الشَّهوات فَشَقِيَ في الدنيا والآخرة، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه، ومهما كان جنْسهُ، ولن تَجِد رجل ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:
(( فيما رواه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * ))
[ رواه الترمذي ]
هذا تقسيم القرآن.
الأنبياء ملَكُوا القلوب بِكَمالهم، والأقوياء مَلَكوا الرِّقاب بِقُوَّتِهم، وما من واحِدٍ من بني البشر إلا وتابِعٌ لِنَبِيٍّ أو لِقَوِيّ، فإذا كنت تابِع لِنَبِيّ رأس مالك كمالك، ويُلْقي الله تعالى مَحَبَّتك في قلوب الخلْق، وإذا كنت تابع لِقَوِيّ رأس مالك قُوَّتَك، تمْلِك بِها الرِّقاب لا القلوب، دخل سيِّدنا عمر عِمْلاق الإسلام على النبي عليه الصلاة والسلام ورآه مُضْطَجِعاً على حَصير وقد أثَّر في خَدِّه الشريف، فَبَكى، فقال: ما يُبْكيك يا عمر فقال رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرْس وعابد النار والطاغِيَة الذي يبْني مَجْده على أنْقاض الناس ينام الحرير والدِّيباج فقال: يا عمر إنَّما هي نُبُوَّةٌ وليْسَتْ مُلْكاً " هذا هو الجواب، وفي رِواية: أفي شَكٍّ أنت يا عمر، وفي رِوايةٍ ثالثة: أما ترْضى أن تكون الجنَّةُ لنا والنار لهم ؟! فهذه الآية تَقْسيم مصيري وفرْزٌ كامل، كُنْ أيَّ إنسان فأنت إما برٌّ وإما فاجِر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
والنُّقْطة الدقيقة كما كنت أقول لكم لا يوجد صحابي فداه النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّه وأبيه قال له: ارْمِ سَعْدُ فداك أبي وأمي..." كم هو يُحِبُّهُ ويُقَدِّرُه ؟ وكان إذا دخل قال: هذا خالي، وأروني خالاً مثل خالي ! النبي عليه الصلاة والسلام عظيم يُرَحِّب بأصْحابه ويُداعِبُهُم، ومع هذا كلِّه قال له عمر: يا سَعْدُ لا يَغُرَنَّكَ أنَّك خال رسول الله ! فالخلْق كلُّهم عند الله تعالى سَواسِيَة وليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعته ؛ فَعلاقتك مع الله وحده، ولو اسْتَطَعْتَ أن تنتزِعَ حُكْماً من فمِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق، ولم تكن مُحِقاً لا تنْجو من عذاب الله تعالى، علاقتك مع الله وحْده، أقول لكم هذه الكلمة: من سابِع المُسْتَحيلات أن تخاف من الله، وأن يُخيفك أحدٌ من خلقه مُسْتحيل أن تخافه ثمَّ يُخيفك من خلقه أما إن لم تَخَفْهُ يُمكن أن تخاف من خلقه ويمكن أن يُسَلّط عليك الأقوياء والقُساة الذين لا يرْحمون، أما إذا كنت مع الله فهو معك، وإذا كان معك فَمَنْ عليك ؟ دائِماً وأبداً أثْمن شيء هو مَعيَّةُ الله تعالى، يقول الله عز وجل:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
فإذا الواحد مثلاً كان يعرف شَخْصِيَّة في البلد، يقول لك: معي تلفون فلان، بِأيِّ لحْظة أُخَبِّرُه ! فهو يتَقَوَّى بِشَخْصٍ قويّ ويطْمئِنّ، فكيف إذا كنت مع خالق الأرض والسماوات وإذا كان الله تعالى يُحِبُّك، كيف تكون أنت ؟ قال تعالى:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
إلا أنَّ مَعِيَّة الله مشْروطة، أما قوله تعالى: أينما كنتم فهو معكم.." فهي مَعِيَّة عامَّة، كلّ مخلوق معه بِعِلْمِه ولو كان كافِراً، أما هو مع المؤمن بالتوفيق والنَّصْر والتأييد والنَّصْر، فَشَتَّان بين مَعِيَّة العِلْم ومَعِيَّة التوفيق ! كما أنَّ مَعِيَّة الله تعالى لها ثَمَن، عز وجل:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
وقال:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)﴾
[سورة الإنفطار]
في الدنيا والآخرة، إذاً هي مُطلقة وغير مُقَيَّدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أبو بكر في الجنَّة..." ففي الدنيا جَنَّة من لم يدْخُلها لم يدْخل جَنَّة الآخرة فَجَنَّةُ الدنيا القُرْب من الله تعالى، ويقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعْدائي بي بُسْتاني في صَدْري، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة وإن سَجَنوني فَسِجْني خلْوة، وإن قَتَلوني فَقَتْلي شَهادة ! فالمُطْلق على إطْلاقه، في الدنيا نعيم القُرْب وفي الآخرة نعيم القرب والجنّة ورِضْوان الله عز وجل، ففي الجنَّة حور العين لو أطَلَّت إحْداهنّ على الأرْض لَغَلَبَ نور وجْهها ضوْء الشمْس والقمر، وفي الجنَّة بساتين وعَسَل مُصَفى، ولبَن لم يتغَيَّر طعْمه، وعسل وماء غير آثن، وخمْر لَذَّة للشاربين، وجنات تجْري من تحتِها الأنهار، فهل من شيء أفضل من هذا ؟ نعم، النَّظر إلى وجْه الله تعالى، الله تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾
[سورة القيامة]
وهل من فوق هذا ؟ نعم، ورِضْوان من الله عز وجل قال تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾
[سورة التوبة]
أن يرضى الله عنك هو أعلى عطاء يناله مَخْلوق بالكون، أن يكون الله تعالى راضٍ عنك، قال تعالى:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(8)﴾
[ سورة البيِّنة ]
كما أنَّك تتمنى رِضاه هو سَيُرْضيك، قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾
[ سورة الضحى ]
أما إذا كنت مؤمن دون سوف انتظر، فالدنيا ليسَت مِقْياسَك، قال تعالى
﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾
[ سورة الواقعة ]
المِقْياس هو الآخرة.
إذاً كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
في جحيم البُعد والإخْفاق والنَّكَد والمعيشة الضَّنْك والضِّيق والخُصومات والحَسَد والخوف، وفي جحيم الشِّرْك، أنواع مُنَوَّعَة، أما هذه العَيْن فهي ترى الفاجر غَنِيّ كأن يكون بيْته فَخْم، والأثاث فخْم وسيارات، فهذا الجحيم يكون ظاهِراً للعَيان يوم الدِّين، قال تعالى:
﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)﴾
[ سورة الانفطار ]
فالدنيا فيها وسَائِط، وجماعات وأتْباع، فالحياة الدنيا مبْنيَّة على العلاقات، أما بالآخرة فقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[ سورة الأنعام ]
وقال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
[ سورة الانفطار ]
يمكن أغلى شيء بِحَياتك ابنتك، والبنت غير الصَّبِيّ، والبنت ولاؤُها لأبيها أشَدّ، يقول عليه الصلاة والسلام: فاطمة بضْعة منِّي من أكرمها.ز.."، وحينما جاءتْهُ فاطِمَة ضَمَّها وشَمَّها وقال: ريْحانةٌ أشمّها وعلى الله تعالى رزقها ومع ذلك قال: يا فاطمة بنت محمد أنا لا أغني عنك من الله شيئاً..." وقال عليه الصلاة والسلام: إنما أهلك الله بني إسرائيل أنَهم إذا سرق فيهم الشريك تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا فيه الحدّ، ويْمُ الله لو أنَّ فاطمة بنت محد سرقت لقطعت يدها..." هذا هو الدِّين.
فآيات اليوم: قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
[سورة الإنفطار]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 07:54 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المطففين (83 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، سورة المطفِّفين تبدأ بقوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
الوَيْل هو الهلاك والشَّقاء، لِمَن ؟ للمُطَفِّف، نحن عندنا كفْر وعندنا انْحِراف، فالإنسان قد يعتقد اعْتِقاداً فاسِداً، وعقيدته الفاسدة توصِلُه إلى المعاصي والآثام، وأحْياناً يرْتكب معْصِيَة كبيرة تُلغي اعْتِقاده، قولوا لِفُلان أنَّه أبْطل جِهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، الانْحِراف يبدأ من العقيدة ويظْهر في السُّلوك، وقد يبدأ في السلوك فَيُلْغي العقيدة إنَّ فلانة تذكر أنَّها تُكثر من صلاتها، وصِيامها وصَدَقتها، غير أنَّها تُؤذي جيرانها بِلِسانِها، فقال: هي في النار، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ *))
[ رواه مسلم ]
فقد يبدأ الخلل من العقيدة ويظْهر في السُّلوك، وقد يبدأ من السلوك، وهو مسلمٌ ابن مُسْلم وناشئ في بلاد إسلامِيَّة، واستَمَع إلى آلاف الخُطَب، إلا أنَّ حُبَّ المال غلبهُ فَطَفَّى ؛ من هو المُطَفِّف ؟ قال: المُطَفِّفون الذين يُنقِصون الكَيْل أو الميزان فبائِع الأقْمِشَة إذا اسْتَلَم البِضاعة، تجد الثوْب مرخي وعامِل قوس على المتر فإذا باع شَدَّ الثوب ؛ هذا من التَّطْفيف، وأحْياناً القَصَّاب يضع اللَّحْم بِعُنْف على الميزان ويرْفعها مُباشَرَة، والصائِغ المِرْوحة فوق الميزان ! يخْتلف الميزان حينها، هناك للتَّطْفيف مليون أُسْلوب، قد تخْفى على مُعْظم الناس إلا أنَّها لا تخْفى على الواحِد الدَيَّان، المُطَفِّف يأكل أموال الناس بالباطل، والذي لا يُعْطي الناس أموالهم يدْخل في هذا الغِشّ طبْعاً العِلْم حرْف، والقِياس ألف ؛ الغشّ في المواصفات والغِشّ في المصْدر اشْترى جوخ إنجليزي وهو تايْواني ! وهذا يضع قطعة مكتوب عليها إنتاج فرنسا، ومصدر القماش تايواني ! هذا مُطَفِّف، وأساليب التَّطْفيف في الأقْمِشَة المواد الأوَّلِيَّة ومواد الغِذاء، وحتى الآن في مجال تصْنيع الكمبيوتر أصْبحت بعض الشركات عندنا تأتي بِبِضاعة رخيصة وتبيعها على أساس أنَّها ذات جَوْدة ! وفي بعض البلاد المجاورة تُغَيِّر لُصاقة منتجاتها من المأكولات بعد انتِهاء المُدَّة بِلُصاقة حديثة مثلها لِسَنَتَيْن قادِمَتَيْن ! ثمَّ تُرْسِلها تهْريب، وفي مِصْر وصل الأمر إلى أنَّه بيعَتْ لُحوم الكِلاب بحيث نزعوا اللُصاقة المكتوب عليها لحْم البشر وأبْدلوها بِلُصاقة لحم الكلاب، وبيعَتْ للبَشَر، فالمال شقيق الروح، وحقوق العباد مَبْنِيَّة على المُشاححة، وحُقوق الله عز وجل مَبْنِيَّة على المُشاححة فالله عز وجل يقول:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
تجد له مِكْيالَيْن مِكْيال شِراء، ومِكيال بيع، فالأمْثِلَة لا تنتهي، فأساليب الغِشّ والتَّطْفيف وتغيير المُواصَفات ومنشأ البِضاعة، فأحْياناً تُعَطَّش الشاة وبعدها تُتْرك تشْرب الماء ويبيعها بِوَزْنٍ زائِدٍ.
أيها الإخوة، الرزاق هو الله، إن رآك مُسْتقيماً رزق رِزْقاً حلالاً طيِّباً وبارك له فيه، فهذه الآية واسِعة كثيراً، وتدخل في كُلّ المجالات ومع كُلِّ المصالح، فهذا الدَّلال باع أحدهم بيْتاً في الطابق الخامس، والزبون ما شَعَر بهذا لأنَّ الدلال كان يقُصُّ عليه قِصَّة مُمْتِعة فباعَهُ البيْت ! والبيت شمالي، وهو صلى العِشاء من جِهَة الشمال، فقال الدلال: البيت قبْلي ! كُلُّ هذا من بعد الناس عن الله، وحِرْصِهم على الدِّرْهم والدِّينار، والدِّرْهم الحرام.
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
لو قُلْتَ لِنَجار غُرْفة نوم، أريد تَخْت واحد، يخْصُم لك مائتان ليرة خمْسة آلاف ففي الخْصم مبالغ زهيدة وفي البيع مبالغ خيالية، إن رأى التخْت كبيراً حاسبك على الكِبَر، وإن رآه ثقيلاً حاسبك على الوزْن، لا توجد قاعِدَة مُحدَّدة في البيع، الجهالة تُفْضي إلى المنازعة، لذلك إذا أدْت أن تسْتريح عليه أن يُوَضِّح كُلَّ شيء شِراءً أو بيْعاً، كُلُّ نقْطة غامِضة في البيْع أو الشِّراء تنتهي إلى قَضاء ومنازَعة، وأحْياناً يُدْفع على القضايا أضْعاف موضوع الخِلاف، فالإنسان البَطَل الذي لا يُحْرج نفسه بالدخول لهذه الأماكن.
قال تعالى:
﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل ويَغُشُّهم، الزَّيْت أحْياناً له مواضيع لا تنتهي، بائِع يضع قالب واحدة بجنة مثل القشطة، يُذَوِّق الناس منه، والباقي من تحت لا يُرى، حياةٌ مَبْنِيَّة على الغِشّ والخِداع، ولذا نزع الله البركة من أيدي الناس.
الإنسان حينما يعلم أنَّه مُراقب ينضبط، فلو أنَّ شخْصاً علِم أنَّ الطريق مُراقب بالرادار ينضبط، لأنّ السيارة مُصَوَّرة، مع الرقْم والوقت والسرعة، فإذا أنت شَعَرْت أنَّ الإنسان يضبط انْضبط معه، فَكَيف الله عز وجل ؟ قال تعالى
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[ سورة النِّساء ]
قد يسأل سائل لماذا سورة المُطَفِّفين التي تتحَدَّث بشأن سلوكي اقْتُحِمَت بين آيات تتحَدَّث عن الكون ؛ بين سورة إذا السماء انفطرت وإذا الشَّمْس كُوِّرَت، والسماء ذات البروج ؟ فما سِرُّ ذلك ؟ قال: الذي لا يؤمن بهذه الآيات فهو كافر والذي يعْصي الله يُحْجَب عن الله كمن كان كافِراً، فالعِبْرة المُؤَدَّى الكافر مَحْجوب بِكُفْره، فإذا كان الواحد فاسِق أو ظالم أو مُعتدي عن الناس فهذا مَحْجوب بِمَعْصِيَتِه، فربُّنا عز وجل جعل هذه السورة المُتَعَلِّقَة بِسُلوك تعاملي جعلها بين سُوَرٍ تتحَدَّث عن الإيمان بالله، فكما أنَّ الكفر يحْجبك عن الله فالتَّطْفيف يحْجبك عن الله، وإمَّا أن يبدأ الخلل في فسادٍ في العقيدة فيَنْعَكِس في فسادٍ في السُّلوك، وإما أن يبدأ من السلوك فيُلْغي العقيدة، ما قيمة إيمانك بالله إن لم تكن مُنضَبِطاً، السيِّدَة عائِشَة لها كلمة ؛ تقول: بلِّغوا فلاناً من الذين تعامل معهم النبي عليه الصلاة والسلام إنَّهُ أبْطل جِهاده مع رسول الله ! أذْكر أنَّني وَقَفْت مرَّة أمام بائع بندورة، وَضَع نَوْعَين، نوع جَيِّد جداً سعره ستَّ ليرات، ونوع شيِّء جداً سعره ليرتين، فوقف شَخْص لم أنتبِه له، ووضَع من النوع الجيِّد ثمَّ في الأخير وَضَع من النوع السيِّء، أخذ ستَّ كيلو من النوع الجَيِّد وضعه من تحت والرديء من فوق، والبائِع مَشْغول لم ينتبِه، فهذا تَطْفيف، ذكرْتُ لكم هذا كي تعلموا أنّ هناك تطْفيف من المُشْترين، وهناك قِصَّتين أذكرهم لكم ؛ أحد إخواننا الكرام رجل فقير، وعِصامي وليس له محَلَّ تِجاري فاضْطَرَّ أن يبيع القُماش على الرَّصيف بالحَميدِيَّة فجاءَتْهُ امرأة إيرانِيَّة فاشْتَرَتْ قِطْعة، وكان معها دولارات، فهي بِذِهْنِها أنَّها دَفَعَتْ له دولار، أما هي دَفَعَت مائة دولار خطأً، بعد ما ذَهَبَتْ تطلَّع في النقود فإذا هي مائة دولار ! فتَرَك البَسْطة ولاحقها، وأعْطاها ثَمَنها وأخذ حَقَّه، وكان يُراقبه صاحب مَحَلّ فأعْجَبَتْهُ أمانته، فقال له: هل تُشارِكُني ؟ فقال أتمنَّى، خلال أسبوعَيْن أصْبح بِمَحَلّ، والله تعالى وَفَّق هذا التاجر المُخْلص واشْترى بيت وسيارة وهو من إخواننا الكِرام وذكر لي أخ من إخواننا أنَّ واحِداً بِمَنطقة سِتِّ رُقِيَّة، كذلك امرأة اشْترتْ قِطْعة قُماش كذلك دَفَعَت بالخطأ مائة دولار، فوجد البائِع هذا مَغْنم، إلا أنَّها راجَعَت الشرْطة فأخذوه وضُرِبَ حتى أقَرَّ ودفَّعوه خمْسة آلاف ليرة فوق المبلغ، أرَأيْتُم الاسْتِقامة ؟ فالمُسْتقيم صار غَنِيًّا، قال عليه الصلاة والسلام: الأمانة غِنىً..." فالمؤمن لا يأكل مال الحرام تَرْك دانِقٍ من حرام خير من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام ‍! فحاوِل أن تُؤَدِّي الذي عليك، حَدَّثني أخٌ أنَّ قطعة سيارة ما بيعَت معه عشرين سنة، وهي تتنقل من جَرد لآخر، فجاءه زبون أحد المرات فقال: له هل هي أصْلِيَّة ؟ فأجابه: ليستْ أصْلِيَّة ! فقال الزبون أعطينها ! كلمة واحِدَة فقط تفْصل بين الحلال والحرام، فلو قال له: أصْلِيَّة لكان ثمنها حرام فقوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
تشْمل كُلَّ المصالح، فالقَضِيَّة دقيقة تدْخل مع كلِّ واحِدٍ منَّا، ما من واحِدٍ يخرج من هذه الآية، وكُلّ واحِد بالمَصْلحة يسْتطيع أن يغُشّ، فلو أنَّ الثَّيْدلي غيَّر تاريخ الدواء لكان مُطَفِّف، فالدواء إن انتهت مدَّته أصْبح سامًّا، لأنه تَفَكَّكت ذراته، والذي يقول لك مثَلاً لا بدّ لك من اثنى عشر تحْليلاً، وأنت لا تحْتاج إلا إلى واحد، فالآن هناك عُقود بين الأطِبَّاء والمُحَلِّلين، هذا تَطْفيف، والله تعالى حينها يَمْحَق البَرَكة، المِهَن الراقِيَة داخِلة في هذا الموضوع، وكذا ذوي المِهَن المُنْحَطَّة، وبائِعوا البطيخ والزَّيْت والأقْمِشَة، وكُلَّ مصالح المسلمين.
قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)﴾
[ سورة المطفِّفين ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 08:03 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المطففين (83 )



الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المطَفِّفون:
﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)﴾
[سورة المطففين ]
أي أعمال الكفار كُلُّها مُثَبَّتة في كِتاب ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9)﴾
[ سورة المطففين ]
كلمة مرْقوم تعني شيْئين: أنَّهُ مُرَقَّم، وتعني أنَّه مُصَوَّر، فالرَّقْم الصورة الرَّقم العدد، فهو إما مَرْقوم من الصورة، وإما مرْقوم من العدد، أحْياناً الدفاتِر التِّجارِيَّة مُرَقَّمة ومَخْتومة بالمالِيَة، فلا يسْتطيع البائِع إذا كتب مليون أن يمْحي هذا الرقم لأنّ صفحاته مُرَقَّمة ولا يُمْكن أن تُنزع منها صَفْحة، أما مرْقوم بِمَعنى مُصَوَّر وهو من الصورة أي كُلُّ مُخالفة مع صورتها، وهذا أبْلغ، فأنت إذا جاوَزْت السرْعة في الطريق يلتقط الرادار السرعة والوقت والرقم والشارع، وقد تكون صادِقَة أو كاذِبة لكن إذا كان معها صورة السيارة، ورقمها انتهى الأمْر كان هذا دليلاً، فَكِتاب الإنسان صَفْحاتُهُ مُرَقَّمَة ولا يُمْكن أن تُنْزَع منها صَفْحة، وهي مرْقومة أي لا يُمْكن أن تُنْزع منها الصُّوَر، لذلك هذا الكتاب يُعْرض على الإنسان يوم القِيامة، يقول كما قال تعالى :
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾
[ سورة الكهف ]
فأنت في الدنيا إذا شَعَرْتَ أنَّك مُراقَب، كيف تتصَرَّف ؟ إذا خطّك الهاتفي مُراقب ؛ كيف تشْعر ؟ وإذا عَلِمْت أنَّ فلاناً من الناس يُلاحقك كيف تشْعر ؟ فكيف إذا كنت تحت مُراقبة الله عز وجل، والآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[ سورة النِّساء ]
الإنسان يخاف الله قَدَر مَعْرِفَتِه به، ويرْحم الخَلْق بِقَدَر اتِّصاله به، وفي قلبك رحْمةٌ بِقَدْر اتِّصالك بالله، وتخاف منه بِقَدْر معْرفتك به، ولاحظ الإنسان أنَّه كلَّما ارْتقى علْمه ازْداد خوْفه أذْكر أنَّني دخَلْتُ مَرَّة لِمَعْمَل فَوَجَدْتُ صاحِبُه بألَمٍ شديد، وقال لي: انْظر ‍ فوَجَدْتُ كُلَّ شيء على ما يُرام، حتى أراني شَق موجود بالسَّقف وقال لي: جئت البارحة بِمُهَنْدس فقال لي الأساس في حال انْهِيار إذْ سُلِّطَت عليه المياه المالحة، فهي التي فَتَّتَتْ التربة تحت الأساس، وأقلّ تكلفة خمس مائة ألف ليرة تدْعيم للأساس! فهذا الشّق لما رآه المهندس قال: هناك انهيار ولو رآه دهان لقال مَعْجَنة، فانْظر الفرق بين أن تعجنه وبين أن تدعم الأساس كلَّه، فهذا هو الفرق بين العِلم والجَهْل، فكُلَّما ارْتقى العِلْم يشْتَدُّ الخوف، مرَّةً كنت جالساً مه طبيب جراح قلب فقُدِّم له قشْطة فلما رَضِيَ أن يأكلها، وهذا من شِدَّة ما يراه من انْسِداد الأوْعِيَة من هذه المأكولات، فَكُلّما ازْدادا العِلْم ازْدادا الخوف العكْس بالعكْس ومرَّة قال لي طالب: أنا لا أخاف من الله، فقلتُ له: أنت بالذات لك الحق أن لا تخاف الله ! فقال: كيف ؟ فقلت: أحْياناً الطِّفْل إذا أخذه أبوه معه إلى المزْرعة، وتركه، ثمّ جاءه ثعبان فإنَّ هذا الطِّفْل لا يخاف لماذا لأنَّه لا يُدْرك أنّ هذا الثعبان يقتل، وكذلك الإنسان إذا فقَدَ الإدْراك على الأمور فإنَّه لا يخاف منها !
أشَدُّ الناس خوْفاً من الله رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد قيل له: مَثِّل بِهؤلاء الذي مَثَّلوا بِعَمِّك الحمْزة، فقال: لا أُمَثِّل بهم فَيُمَثِّل الله بي ولو كنت نَبِيًّا ! المؤمن يَعُدُّ للمليون قبل أن يؤْذي الإنسان، وقبل أن يُسَبِّب مشاكل ويهزّ كيانه ويؤذي إنسان يَعُدُّ للمليون، قال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[ سورة البروج ]
هتف لي أحد الأشْخاص من أقص أمْريكا، وقال لي: يا أستاذ، أنا أعمالي تفوق حدّ الخيال ! ما هي ؟ قال: أُنْتِجُ أفلام الدعارة !! وقد تُبْتُ إلى الله تعالى من شريطٍ سَمِعْتُهُ لك حيث فَسَّرْت فيه قوله تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[ سورة البروج ]
وذَكَرْتَ قِصَّة نزَلَت عليَّ كالصاعِقَة: وهي أنَّ رجلاً مُتَزَوِّج كان له أبناء وبنات، وكان هَمُّه أن يتجوَّل في منطِقَة مملوءة بالنساء، يملأ عيناه بالنَّظر للحَسْناوات فأُصيب بِمَرض ارْتِخاء الجفون، بحيث لو أراد النَّظر رفع جفْناه بِيَدَيْه ! فقال: وقد أثَّرَت فيَّ هذه القِصَّة، وتَرَكَت فيَّ أثراً كبيراً، فالإنسان إن لم يخَف من الفله فهو أحْمَق وغَبِيّ وجاهِل، وأنت تخاف بِقَدْر معْرِفَتِك به، وترْحم الخلْق بِقَدْر اتِّصالك بالله، ومن لا يرْحم لا يُرْحم، وإن أرَدْتُم رحْمتي فارْحَموا خَلْقي، تجده يحلف أيمان كلُّها كذب ويغْتاب ويسْتَعْلي ويأكل مال حرام.
قال لي أخٌ، الحمد لله يا أستاذ أنَّني بعْت البارحة أحداً من الناس سيارتي وفيها عطل بالمُحَرِّك ! وإذا به يأخذ سيارة من النوع الحديث واصْطدم بها بالباص بعد خمْسة أيام من يبعِهِ السيارة الأولى، والله عز وجل بالمرصاد، قال تعالى: إنَّ الله كان عليكم رقيباً، فَكُلَّما كبرت علمك به كلَّما ازْداد خوفك منه تعالى، وأشَدُّ الناس خوفاً من الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والمؤمن يَعُدُّ للمليون قبل أن يتكَلَّم، عندنا أخٌ كريم يُعَدُّ أوَّل إنسان خبير بالكمبيوتر بالمعامل قال لي: دُعيت إلى أحد المعامل للإصلاح فلم أتناسب مع صاحب المعمل وقلت له: أنت بِحاجةٍ لي، فَتَركني ولم يقل شيئاً، وكان عنده مشكلة في الكمبيوتر فَبقيت معها ثمانِيَة أيام لم يتبيَّن معي الخطأ، ثمَّ قلتُ لعلِّي أُراجع نفسي فلرُبَّما قلت كلاماً مُخالفاً للشَّرْع فإذا بي أجد أنَّني قلتُ له: أنت بِحاجَةٍ لي !! فَتُبْتُ إلى الله، وفي اليوم التاسِع انْحَلَّتْ المُشْكلة بِرُبْع ساعة ! فإذا قلت: يا الله تولاك، وإذا قلت: أنا تَخَلَّى عنك، فهؤلاء الصحابة وقالوا: لن نُغْلب من قِلَّة، فقال تعالى:
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾
[ سورة التوبة ]
وفيهم رسول الله، فهذا مُلَخَّص المُلَخَّص إذا قلت: يا الله تولاك، وإذا قلت: أنا تَخَلَّى عنك، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام بعث خادِماً فتأخَّر والنبي أدْركه الغضب الشديد، أنت إذا بَعَثْت واحِداً من أجل ربع ساعة لا يبقى خمْس ساعات ! فلما جاء قال له النبي عليه الصلاة والسلام: والله لولا خَشْية القِصاص لأوْجَعْتُكَ بهذا السِّواك، ماذا يفعل السِّواك ؟ ومَرَّ عليه الصلاة والسلام أمام صحابيٍّ يضرب غلامه، فقال له: اِعْلَم أبا ذَرّ أن الله أقْدر عليك منك عليه، وفي أحد المرات أوْقف الحجاج إنساناً لِيَقْتُلَه فقال له: أسألك بالذي أنت بين يَدَيه أذَلُّ منِّي بين يَدَيْك، وهو على عِقابك أقدر منك على عقابي، فاسْتَحْيى الحجاج من الله، وعفى عنه، فَعَظمة الإنسان كلّها على مليمتر شريان قلبه، وعلى خلاياه، ومتى حدث إشْكال أصبح في النَّعْي ! كان شَخْصاً ملء السمْع والبصر، وصار في الخبر، هذه هي الدنيا، فأنت أيها الأخ ترْحم الناس بِقَدْر اتِّصالك بالله فإذا كان قلبك قاسِياً فأنت مقْطوعٌ عن الله تعالى ولو صَلَّيْت، وأنت تخاف منه بِقَدْر معرِفَتِك به، وكلَّما ازْدَدْتَ معرِفَةً ازْدَدْتَ منه خوفاً، وأشَدُّ الناس خوفاً من الله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، هناك أشْخاص لا تتركه نفسه يقتل ولو نمْلة، ولقد دَخَلَت امرأة النار في هِرَّةٍ حَبَسَتْها فلا هي أطْعَمَتها ولا هي أطْلَقَتْها تأكل من الأرض، فعلى الإنسان أن ينتبه، فالحِساب شديد، وكُلُّ إنسان سَيُشاهد فلم فيديو يوم القيامة ؛ هكذا الآية كتابٌ مرقوم، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾
[ سورة الإسراء ]
ذكروا أنَّ في ألمانيا إذا الضابط خان تُعْرض عليه خِيانته، ويُتْرَك له الحُكْم على نفْسه، فيأخذ مُسَدَّس ويقتل نفْسه، إياك أن تتجاوز، واطلب من الله السلامة، وإياك أن تحْتقر إنساناً، وأن تُخَوِّف إنساناً أو تقْهَرَه الإنسان بُنْيان الله وملْعونٌ من هَدَم بُنيان الله.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 08:05 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المطففين (83 )



الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
هذه هي الآية العاشرة من سورة المُطَفِّفين.
الإنسان إذا صَدَّق بِيَوم الدِّين، وصَدَّق بِيَوم الحِساب، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ مهما دَقَّ تقْبض عمله، وأنَّ كُلَّ سيِّئةٍ مهما دَقَّتْ تدْفع ثَمَنها، إذا صَدَّق الإنسان بيوم الدِّين فلا بدّ من أن يسْتقيم، فإن لم يسْتَقيم يضْطرّ إلى أن يُكَذِّب بِيَوم الدِّين، حتى يتوازن، فهذه قَضِيَّة التوازن الداخلي والتوازن الداخلي بالإنسان يخْتَلّ إذا آمَنَ بِيَوم الدِّين وما اسْتقام يَحُسُّ بالخطأ والذَّنْب، ويَحُسُّ وكأنَّه يمْشي بطَريق مَسْدود، أما إذا كَذَّبَ بِيَوْم الدِّين يتَوَهَّم أنَّه يستعيد توازنه، لذلك كما قال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾
[ سورة الماعون ]
هو نفسه، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[ سورة القصص ]
أنت حينما تؤمن بِيَوم الدِّين تسْتقيم على أمْر الله، وإذا كنت مُسْتقيماً على أمْر الله، ترى نفْسك مُنْدَفِعاً إلى الإيمان بِيَوم الدِّين ؛ لأنَّه لِصالِحِك فالله تعالى قال:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
وهناك آيةٌ ثانيَة وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74)﴾
[ سورة المؤمنون ]
فالإنسان لمَّا يأكل مال الحرام ويغْتَصِب بيْت وشَرِكات، ويعْتدي على شريكه، وعلى أمْوال زوْجته، حينما يحْتَلُّ شيْئاً ليس له الحقّ أن يحْتَلَّهُ ؛ كيف تُوازِن ؟ توازن بِحيث لا آخرة موجودة، والحياة للشاطِر، والقَوِيّ يأكل الضعيف أما لو آمن أنَّ هناك حِساب دقيق، وعذاب أليم لا يفْعَل هذا، لذلك دائِماً وأبَداً الإساءة مُرْتبطة بالتَّكْذيب باليوم الآخر، لكن ليس من الضروري أن تُكَذِّب بِلِسانك، فهذا لا يفْعله أحدٌ في العالم الإسْلامي، أما عَمَلِيًّا فلا يعْتقد اعْتِقاداً جازِماً أنَّ الله تعالى سَيُحاسِب ، وسَيُحاسِبُ الناس حِساباً دقيقاً، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ *))
[ رواه مسلم ]
فإذا أردَت أخفَّ من ذلم فاسْتَعِدَّ للبلاء.
قال تعالى
﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10)هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13)أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14)إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15)﴾
[ سورة القلم ]
لماذا تُتْلى آياتنا على إنسان تنْهَمِرُ دُموعه خَشْيَةً لله ؟! وتُتْلى آياتنا على إنسان فيقول: أساطير الأوَّلين ؟ فالذي تنهمرُ دُموعه عند سماع الآيات هذا أراد الإيمان والحقيقة وأراد الله عز وجل، فجاء الكلام مُولفِقاً لما أراد، أما الذي تُتْلى عليه آياتنا فيقول: أساطير الأوَّلين، فَهُوَ إنسان أراد الدنيا، وشَهَواتها لذلك لا يَعْتَدُّ بهذا الكلام، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[ سورة المطففين ]
هناك آية دقيقة جداً يقول فيها تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ(199)كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(201)فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(202)﴾
[ سورة الشعراء ]
فلو نزل هذا القرآن باللُّغة الفارِسِيَّة، وكان النبي فارِسِياً، وجاء من بلاد فارس إلى مكَّة، وقرأ عليهم القرآن بالفارِسي، هل يؤمنون بالله عز وجل ؟ مُسْتحيل ! لذلك قال تعالى في آخر الآية:
﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)﴾
[ سورة المطففين ]
القرآن الفصيح العربي الواضِح المُعْجِز البليغ، إذا قرأه مُجْرِم كأنَّه باللُّغَة الفارِسِيَّة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ(199)كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(201)فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(202)﴾
[ سورة الشعراء ]
فهم لا يؤمنون به حتى يرَوْن العذاب الأليم، والكافر يخاف بِعَيْنِه فقط ! لو قلتَ لِواحدٍ يُدَخِّن أنَّ الدخان يُسَبِّب سرطان وجَلْطة وضيق أوْعِيَة، لا يدعه، أما حينما يُصابُ بالسرطان فِعْلاً يدَعُ الدُّخان متى ترك الدُّخان ؟ حينما جاءهُ المرض، فالذي يَخاف بِعَيْنه وحواسِّه قريب من البهائِم ؛ الإنسان يخاف بِعَقْلِه، قبل أن يأتي المرض، يؤمن بِيَوم الدِّين قبل أن يأتي يوم الدِّين، أما الحقيقة المُذْهِلَة أنَّ كُلَّ كُفار الأرض وعلى رأسِهم فِرْعون الذي قال: أنا ربُّكم الأعلى، حينما أدْركه الغَرَق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل! كُلُّ كُفار الأرض بِمللهم وقاراتِهم ؛ حينما يأتيهم مَلَكُ الموت يعْرفون الحقيقة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، فالتَّكْذيب يأتي من جراء من يخاف بِعَيْنِه وحواسِّه فقط أما المؤمن يخاف بِعَقْلِه، لذلك لا يُكَذِّب ولكن يؤمن بالدليل.
العَمَل الشيِّء حِجابٌ بينك وبين الله، قال تعالى
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ(88)﴾
[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)﴾
[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[ سورة البقرة ]
أي لأنَّ على سمعهم وأبصارهم غِشاوة خَتَم الله على قلوبهم، فهذه الآية الكريمة:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[ سورة المطففين ]
العمل الشيِّء حِجاب بينك وبين الله، ويجعل هذا القرآن كالفارِسِيَّة، والله عز وجل قال:
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾
[ سورة الإسراء ]
فالعِبْرة أن تكون مُسْتقيماً حتى تتفَتَّح أُذُنك وبصيرتك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 08:07 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المطففين (83 )



الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في قوله تعالى من سورة المطفِّفين:﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
هذه الآيات وآيات أخرى تُبَيِّن أنَّ سلوك الإنسان له علاقة بِهِدايته فَكُلَّما كنت أقرب إلى الاسْتِقامة كنت أقرب إلى الهُدى والدليل كما قلتُ في درْس سابق قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)﴾
[سورة الشعراء]
إنسان فارِسِيٌّ وأعْجمي لو نزل هذا القرآن عليه، وجاء هذا الأعْجمي إلى مكَّة المكَرَّمة وقرأ عليهم القرآن بِلُغَة فارِس ما كانوا به مؤمنين وأنت الآن لو ذَهَبْت إلى تركيا أو إلى بلاد فارس، لا تفْهم ولا كلمة لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)﴾
[سورة الشعراء]
الإنسان حينما يعْصي وينْحرف ويخطأ، وينتهِك حرمات الله عز وجل يُصْبح على عَيْنه غِشاوة، وفي آذانِه وقْر، قال تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[سورة البقرة]
وهذه الآية تُؤكِّد المعنى نفْسه ؛ قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
وقال تعالى:
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ(88)﴾
(سورة البقرة)
القلب المُغَلَّف الذي لا يعي الخير أساسه سُلوك منحرف، آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)﴾
[سورة الماعون]
وقال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
هناك طريقان لا ثالث لهما فإن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر حتْماً قال تعالى:: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
هناك طريق الاسْتِجابة وطريق الهوى، وطريق العقْل وطريق الشَّهوة طريق الدنيا وطريق الآخرة، وطريق الخير وطريق الشر، وطريق القرب من الله وطريق البعد عنه، وطريق المعْصِيَة وطريق الطاعة وطريق الإنصاف وطريق الظلْم، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
لذلك كلَّما كنت مُسْتقيماً كانت أُذنك واعِيَةً، وكلَّما كان المرء منْحرفاً كانت أُذُنه صَمَّاء عن سماع الحق، لذلك قد تعجب من الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام، ألم يرَوا فَصاحته ؟ ألم يرَوا كماله ورحْمته وعطْفه ؟ ألم يرَوا لطْفه ؟ ومع ذلك تَمَنَّوا أن يقْتلوه، والذين ابْتعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلَّم زَمَنِيًّا واسْتقاموا على أمْره إذا زاروا مقامه يبْكون ! ما هذه المُفارقة ؟ كلّما كنت أقْرب إلى الاسْتِقامة كلَّما كنت أقرب إلى الهدى، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
أيها الإخوة، هناك أمراض لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وهناك مصائِب لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، مصائب تُصيب الإنسان ؛ تُصيب أهْله وأولاده، مصائب تُصيب ماله، يفقِدُ الإنسان بعض أحْبابه، ويخْسر الإنسان ماله كلَّهُ يُعْلِنُ إفْلاسه ويُصاب بِمَرض عُضال، إذا سألْتني ؛ ما هي أكبر مُصيبة على الإطْلاق تُصيب الإنسان في دُنْياه وآخرته ؟ هي هذه الآية الكريمة:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾
[سورة المطففين]
كُلُّ السعادة في القُرْب من الله والنَّظر إلى وجْهه الكريم، هؤلاء الكافرون المُنْحرفون مَحْجوبون عن ربِّهم في الدنيا، قد تُؤْتى المال كُلَّه وقد تُؤتى أعلى منْصب وأجْمل زوْجةٍ وأجْمل بيْت، إلا أنَّك إذا كنت محْجوباً عن الله فأنت أشْقى الأشْقِياء، وقد تكون فقيراً وقد تكون مريضاً ومُضْطهَداً ومُعَذَّباً، وقد تكون مَحْروماً إلا أنَّه إذا تجلى الله تعالى على قلبك فأنت أسْعد الناس يا داود مرِضْتُ فلم تَعُدْني ! قال: كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين ؟! قال: مرِضَ عبدي فُلان ولم تَعُده ألم تعلم أنَّك لو عُدْته لوَجَدْتني عنده، أنا أخذْت منه صِحَّته إلا أنَّني عَوَّضْتُ عليه قرْباً وتَجَلِيًّا ونوراً وطمأنينةً وأمْناً وسلاماً، لذلك لِيَكُن نصيبك من الله تعالى رحْمته والإقبال عليه وأن يُلقي عليك من أنواره وأن يُطمئِنَ قلبك، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾
[سورة المطففين]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)﴾
[سورة الإنفطار]
نعيم القُرْب، ونعيم الجنات التي تجْري من تحْتِها الأنهار، ونعيم الحور العين، ونعيم رِضْوان الله عز وجل، ونعيم النظر لِوَجه الله الكريم، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)﴾
[سورة الإنفطار]
فَمِن شِدَّة النعيم والسرور والطمأنينة، وجْهه مُتألِّق، والإنسان أحْياناً في الدنيا يُوَفَّق بِتِجارة أو شهادة أو مَنْصب أو عمل أو بِصِحَّة فإذا بك تجده مُتألِّق في وجهه.
قال تعالى:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
سَأُصَوِّر لك سِباق والطريق طويل جداً، وهناك ألف سيارة من أحْدث الماركات ! ومن أعلى المُحَرِّكات، وبِأمْهر السائِقين، فإذا بآخر الطريق مغارة، فلما تصل السيارة الأولى تسْقط، وكذا الثانِيَة، فهل يَهُمُّنا أن نعرف الأوَّل والآخر ؟ كُلُّكم سَيَموتون، وموتهم مُحَقَّق والكُلّ دمار، فهكذا سِباق الدنيا، فقير مات وغنِيّ مات، وكذا القويّ والضعيف، والصحيح والسقيم، والوسيم والذميم ؛ سِباق مُضْحِك وهذا تنافس أحْمق، وهو التنافس على الدنيا، أما الله عز وجل قال:
﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
تنافس في معرفة الله، وتنافس في الآخرة، وفي الإنفاق والدعوة إلى الله، وفي رِعاية الصِّغار، فهذا هو التنافس المعقول لأنّ فيه جوائز أعدَّها الله للمؤمنين، فالله تعالى يقول:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
وهناك آية أخرى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
[سورة الصافات]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)﴾
[سورة المطففين]
دَعَوْهُ لفندق خمس نجمات فأبى أن يُلبِّي ! يقولون عنه: مجنون ويستهزئون به، والآخرين يقولون: لا يزال من الذين يُحَجِّبون أزواجهم ؛ لن نأكلها له ! ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32)﴾
[سورةالمطففين]
لا يعيش في عصْره ومُتخَلِّف ومُتَزَمِّت، ومُتَقَوْقِع وانْعِزالي، تفكيره ثمَّ قال تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[سورة المطففين]
البطولة في آخر المطاف، فالبطولة أن تكون آخر الضاحكين، فالله تعالى قال:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[سورة المطففين]










والحمد لله رب العالمين


السعيد 04-17-2018 08:10 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانشقاق (84 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الانْشقاق، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
(سورة الإنشقاق)
كم من إنسان خَدَمَ جِهَة ثمَّ خاب ظَنُّه ؟ وكم من إنسان أنْفق ماله وخَسِر ؟ وكم من إنسان أنْشأ علاقات ولم تُثْمِر هذه العلاقات ؟ أيَّةُ جِهَة أرْضِيَّة قد تُخَيِّبُ ظنَّك، وقد توقِعُكَ في الإحباط إلا أنَّ الله عز وجل يقول: أيُّ جُهْدٍ وأيُّ وقْتٍ وأيُّ مالٍ وأيُّ حركةٍ وصِلَة وأيُّ ذهابٍ وإيَّاب، وأيُّ منْعٍ أو إنفاق، وأيُّ صِلَةٍ أو قطيعَةٍ إذا ابْتَغَيْتَ بها وجْه الله فإنَّك سوف تُلاقيها أضْعافاً مُضاعفة، أي تكون تاجِراً مع الله تعالى، والله عز وجل أرادك أن ترْبح عليه أرْباحاً طائلة وإياك أن تُتاجِر مع سِواه فإنَّ خاسِرٌ لا محالة، مهما تاجَرْت مع سِواه ثمَّ جاءك مرض ما يفْعل هؤلاء اتِّجاهك ؟ زيارة فقط ! وإذا مات بِطاقة تَعْزِيَة أكثر من هذا لا يوجد ! أما الله تعالى يقول:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
(سورة الغاشية)
المفروض على الإنسان مادام علاقته مع الله والمصير إليه تعالى عليه أن يُحَسِّن علاقته معه، كثير من المُوَظَّفين لهم ذكاء زائِد، ويُحاول أن يسْتطْلع، من الذي سوف يأتي بعد المُدير الحالي، فإذا عرِفَ من فإنَّهُ يقيم علاقات طَيِّبَة، زيارات وهدايا يقول لك: أُرَكِّز وضْعي معه وهذا منْطق الإنسان الذَكِّي ومنطق الإنسان الذي يبْحث عن مصالِحِه العُلْيا، فأنت مصْلحتك الكبرى مع الله، وممكن أن تُقيم علاقتك معه الآن ؛ علاقة طَيِّبة بِخِدْمة عِباده والنُّصْح لهم وطلب العلم ونشْر العلم وحمْل النفْس على طاعته، لذلك قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشاق ]
والله لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لَكَفَتْ ! كلام الواحد الدَّيان وكلام خالق الأكوان، فإذا كان الإنسان مُتْعب ومُرْهق، فإذا مع غير الله كان النَّدَم والإحْباط والخسارة، أحْياناً ينتمي الإنسان إلى جهة بِزَعْمٍ منهم أن يفعلوا له كذا وكذا، فيَسْتَغِلُّوه ثمَّ يرْمونه ! والله أيها الإخوة، الإنسان أحْياناً يُعامل مثل هذا المنديل، تُمْسح به أقْذر عَمَلِيَّة ثُمَّ يُلْقى، قال تعالى
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
قال: إنَّ الرجل لَيُطْعِمُ زَوْجته لُقْمةً واحِدة، يراها يوم القيامة كَجَبل أُحد، قال تعالى: يَاأَيُّهَا ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾
[ سورة الصف ]
إذا كنت عالِماً كنت مِمَّن تاجر مع خالق الكون، ولا يليق أن تكون مع غير الله إن فعَلْت هذا احْتَقَرْت نفْسك، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)﴾
[ سورة البقرة ]
إذا كنت مع غير الله احْتقَرْت نفْسك لأنَّك ما وَضَعْتها في مُسْتواها فأصْلها أن تكون لله، سألوا عالماً جليلاً من علماء مِصْر، وأثِقُ بِنَزاهتِهم وبُعْدهم عن الدنيا، وعن الِّنفاق، فاضْطَرّ أن يُجْري عَمَلِيَّة فإذا باليوم الواحد فاكْسات ورسائل والهواتف ليل نهار، فأحد المحطات الإخبارِيَّة أجْرت معه حِوار وسألتْه ما هذه المكانة التي أنت فيها ؟ فقال لهم كلمة في مُنتهى الأدب مع الله: قال لهم إنَّني مَحْسوب على الله ! فمهما كنت مُهِمًّا في الدنيا وجاءتْك المَنِيَّة فالتَّعْزِيَة في الدرجة الأولى، وباقات وُرود وأكثر من هذه لا شيء ! أما عند الله تعالى الجِنان إلى أبد الآبدين قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
سأعرض عليكم بعض الأمْثلة: سيِّدُنا عثمان جاءَتْهُ ستُّ مائة ناقة مُحَمَّلة بالبضائِع من الشام، وهي تُعادل سِتُّ مائة شاحنة الآن ‍! وكُلُّها له، فجاءه التُّجار، فدفعوا له سِعْر فقال: دُفِعَ أكثر، ورفعوا السِّعْر فطلب أكثر إلى أن طلب سِعْراً غير معْقول، فقالوا: هذه ليْست تِجارة، فقال: من الذي دفع أكثر قالوا: الله تعالى، فقال: هي لِوَجْه الله تعالى ! وكان ذاك العام عام مجاعة، لذلك تاجِر مع الله وبِإخْلاص ومن دون ضَجَّة، والله تعالى يُعَوِّض عليك أضْعافاً كثيرة، قال: من أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب مِنَّا أعطيْناه، ومن اكْتفى بنا عمَّا لنا كنَّا له وما لنا، والله الدنيا أحْقر من أن تُحْرم منها ؛ تأتيك وهي ذليلة، وقد أوْحى ربُّك للدنيا أنَّه من خَدَمني فاخْدُميه، ومن خَدَمَكِ فاسْتَخْدميه ذكرْتُ مثَلاً مِراراً إلا أنَّه يُناسب في هذا المقام، هناك رجل تُوُفِّي رحمه الله تعالى، وكان صاحب دُعابة، وصانِع بالمَحَلّ في الحميديَّة، ويُكَنِّس هذا المَحَلّ ويجْمع القُمامة بِعُلْبة ويلُّفها بِشَريط أحْمر وورق هدايا ولها عقْدة فيأتي واحد غشيم يظنّ أنّ فيها شيئاً ثميناً، ويهرب بها، فبعد أمتار يفْتحها الهارب وهو يجْري فلا يجد شيئاً فيَضْحك عليه هذا الرجل، وكذا حال الإنسان إذا جاءه ملَكُ الموت، ظنَّ أنَّ الدنيا شيء ثمين فإذا هي غثاء لا شيء فيها بِمالها ونِسائِها، فحتى لا يحدث للإنسان خَيْبَة أمَل قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
أعمالك كُلُّها تجدها كبيرةً جداً، وأضعاف مُضاعفة.
قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)﴾
[ سورة الانشقاق ]
فالكافر كان في أهْله مسْروراً، غارقٌ بالمعاصي والآثام، ويضْحك ملء فيهِ، يقول سيِّدنا عمر عَجِبْتُ لثلاث: عجِبْتُ لِمُؤَمِّل والموت يطْلبه، وضاحِكٍ ملء فيه ولا يدْري أساخِطٌ عنه الله أو راضٍ، وغافل وليس بِمَغْولٍ عنه، فمن كان من أهل الإيمان فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسْروراً، ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13)﴾
[ سورة الانشقاق ]
يدْعوا بالهلاك، فهذين النموذجين أحدهما أُعْطِيَ الكتاب بِيَمينه، فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، كمن جاء الأوَّل في الدِّراسة، وذهب إلى أهله يضْحك من شِدَّة الفرح، فنقول: إنَّ هذا الطالب انْقلب إلى أهله مسْروراً، أما الطالب الراسب فقد كان يسْهر مع رفاقه بالليل ويضْحكون، والمصير هو الإحْباط والرسوب، لذلك يدْعوا ثُبوراُ أي بِهلاكه، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)﴾
[ سورة الانشقاق ]
أي لن ينتقل إلى دار المقام، قال تعالى
﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15)﴾
[ سورة الانشقاق ]
فأنت تحت المراقبة قال تعالى:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(220)﴾
[ سورة الشعراء ]
فأنت مَكْشوف تماماً، فإذا كنت طاهِراً أحَبَّك الله، وإذا أحَبَّك ألْقى حُبَّ في الخلْق.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 08:12 AM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانشقاق (84 )



الدرس الثانى






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . سورة الانشقاق : فلا أقسم بالشفق .....
مركز ثقل هذه السورة قوله تعالى : لتركبن طبقا عن طبق .
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة الانشقاق آيات كريمة وهي قوله تعالى :
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآيات : 16-19 ]
مركز الثِّقل في هذه الآية ، قوله تعالى :
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
فالإنسان يمْشي في ممرّ إجباري وينتقل من حال إلى حال ، ومن اهْتِمام لآخر إلى أن ينتهي الأجل ويُحاسبه الله على كُلِّ أعماله فالطِّفْل يولد وأوَّل موضوع بِوِلادته أنَّه سليم أو غير سليم ، فإذا أدْرك الأب والأمّ أنَّه سليم شكرا الله عز وجل على ذلك ، هذا أوَّل طبَق ؛ سَلامة المَوْلود ثمَّ يفرح الأهل حينما تظْهر أسنانه ، وحينما يمْشي وحينما يُصْبِحُ نظيفاً ، ثمَّ حينما يقول بابا وهي أوَّل كلمة ، كُلُّ طَوْر من أطْوار الطِّفْل طبَق ، والآن أصبح في سِنِّ المدْرسة وذهب إلى هناك ، وحفظ بعض الأناشيد ، وطرِبَ له الأهْل ، ثمَّ دخل الإعدادي ثمَّ الثانوي ، ثمَّ موضوع الجامعة ومُسْتقبله ، ثمَّ موضوع العَمَل ، وموضوع الدِّراسة ، ثمَّ موضوع الزواج ، وكذا مُشْكِلَة العُقْم ، وما أنْجب ، فإذا أنْجب أصْبح الموضوع موضوع ثاني ، وهو ترْبيَتُهم وتعليمهم وتزْويجهم ، وكذا موضوع الصِّحَة ، قال تعالى :
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 19 ]
يوم خطَب دخل في موضوع المرأة ؛ تَوَفَّقْت أم لم تُوَفَّق ! طويلة أم قصيرة ! جميلة أم دميمة ، هذه قِصَّة الناس جميعاً ، وآخر شيء صِحَّته ، معه كولسترول أو الْتِهاب مفاصل أو ضَعْف أسنانه ، والشُّحوم الثلاثيَّة مُرْتَفِعة ، فالصِّحة طَبَق وتَزْويج بناته طَبَق ، وكذا أولاده ونجاحه في زواجه طَبَق ، نوعُ زَوْجَته طَبَق ودِراسَتُه طبَق ، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 16 ]
الأرض كُرَة ، ولا يوجد شَكْل هَنْدسي تتداخل فيه الظُّلْمة والنور كالكُرَة قال تعالى : ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 5 ]
لو أنَّ الأرض مُكَعَّب يدور يأتي النور فجْأةً ، ويأتي الظلام فَجْأةً ، أما لأنَّ الأرض كُرَة يتداخل الظلام مع النور ، غابَتْ الشَّمْس أما الجوّ واضِح كيف يتلاشى الضوء شَيْئاً فشَيئاً خِلال عِشْرين دقيقة ؟ دَخَلْنا فيما بين المغرب والعِشاء ، ففي العِشاء اخْتفى الشَّفَق ، وما دام هناك شَفَق معنى ذلك أنَّ آثار الشَّمْس لا تزال واضِحَة ، لأنّ الشَّمْس أشِعَّتها مُسْتقيمة والأرض كُرَة ، فلَمَّا غابَتْ عَيْنُ الشَّمْس بَقِيَت أَشِعَّتُها ، وأشِعَّتُها تصْطدِم بالسَّحاب فَتَجِد أنَّ هناك شَفَق أحْمر ، وهو سحاب جاءَتْهُ أَشِعَّة الشَّمْس ، والأرض تدور وهي كُرَة ، والشَّمْس ثابتة ، والشَّفَق آيَةٌ دالَّةٌ على عَظَمَة الله ، وعلى كُرَوِيَّة الأرض ، وعلى أَشِعَّة الشَّمْس وعلى السُّحُب ، لذلك وَقْت العِشاء هو وقْتُ غِياب الشّفق ، ووقْتُ المغرب هو وَقْتُ غِياب عَيْن الشَّمْس ، وَقْتُ الفَجْر هو وَقْتُ بدء أثر الشَّمْس قبل أن تظْهر عَيْنُها ، والمغرب كالفجْر تماماً ، فالمَغْرب غابَتْ عَيْن الشَّمْس وبَقِيَ ضوءها ، والفجْر جاء ضوءها قبل أن تأتي عَيْنُها ، فالفَجْر ظُهور آثار الشَّمْس ، قال تعالى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
فالفجر الصادق يظْهر في خَيْط أبيض في الأُفُق والشَّمْس ظُهور عَيْن الشَّمْس والظُّهْر انتِصاف الشَّمْس في كَبِد السَّماء مع الزوال قليلاً ، والمغْرِب غِياب عَيْنِ الشَّمْس ؛ بين انْتِصاف الشَّمْس في كَبِد السَّماء وبين غِيابها العَصْر ، والعِشاء غِيابُ الشَّفَقِ الأحْمَر فقوله تعالى : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة هود الآية : 114 ]
هذه الأوقات الخَمْس فَزُلُفاً من الليل هو الفجْر والعِشاء ، وطَرَفَي النَّهار شُروق الشَّمْس وغِيابها، وضِمْن النَّهار الظُّهْر والعصْر ، قال تعالى : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 16 ]
ما علاقة الشَّفَق بتَرْكَبُنَّ طبَقاً عن طبَق ؟ الذي خلق الكون هو الذي خلق الإنسان ، وهو الذي صَمَّم هذا الإنسان لِيَمُرّ من طوْر لآخر وهو الذي سَيُحاسِب الإنسان ، وكما قال بعض الفلاسفة في فرنسا : عوامل السعادة ثلاثة : الوقت والصِّحة والمال ، بِمَنْظورهم وفَهْمِهم دائِماً ينْقصك أحد عوامل السعادة ، ففي سِنِّ الشباب ينقصك عامل المال ، ويكون لك عامِلَي الصِّحة والوقت ، وفي منتَصف العُمر ينقصك الوقت ، فلصِّحة موْجودة والمال موجود لكن لا يوجد وَقْت ، لأنَّها مرحلة تأسيس الأعمال ، وفي خريف العُمر ينقصك الصِّحة ، ففي مَنْظور أهْل الدنيا الإنسان دائِماً تنقصه أحد عوامل السعادة ، أما في منظور الإيمان حينما تعرف الله عز وجل وتَصْطَلِح معه وتُطَبِّقُ منهجه فأنت معه دائِماً ، تُواجِهُ كُلَّ مُشْكِلات الحياة من دون قلق وخوف ، ومن دون ألَم والله عز وجل إذا مكا أقْسم كان هناك معنى ، وإذا لم يُقْسِم كان هناك معنى آخر ، فإذا قال تعالى : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآية : 1 ]
أقْسم ، وكذا قال تعالى : ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
[ سورة الفجر الآيات : 1-2 ]
والليل إذا يغشى ؛ كُلُّ هذا قَسَم ، أما إذا قال : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ ﴾
[ سورة التكوير الآيات : 15-16 ]
العلماء قالوا : إذا لم يُقْسِم فبالنِّسْبة إليه ، وإذا أَقْسم فبالنِّسْبة إلينا ، وهناك معنى آخر وهو أنَّه تعالى إذا قال : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ ﴾
أي أنَّ هذا الأمْر شيء بديهي ، قال تعالى : ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآيات : 20-24 ]
نحن الآن في طَوْر التَّبليغ وفي طَوْر التَّكْليف ، ونحن الآن في طَوْر السماع ، وباب المَغْفِرَة مَفْتوح ، وباب التوبة الصُّلْح مع الله تعالى مَفْتوح الأبواب الآن كُلُّها مُفَتَّحَة فإذا جاء الأَجَل أُغْلِقَت هذه الأبواب كُلُّها وعندها يقول : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[سورة المؤمنون الآيات : 99-100]
يتمنَّى أنْ يُؤَخَّر ساعة والله تعالى يقول : ولن يُؤخِّر الله نفْساً إذا جاء أجلها فالإنسان يسْتَغِلّ وقْته ، وكان عليه الصلاة والسلام يمْشي مع أصْحابه فرَأَوْا قبْراً فقال صاحب هذا القَبْر إلى رَكْعَتَيْن مِمَّا تحْقِرون من تنفُّلِكم أفضل عنده من كُلِّ دُنياكم ، دُنيا عريقة فيها محَلات ومعامل وقُصور ومزارع ، فالإنسان أيُّ طبق كان فيه فباب التوبة مَفْتوح ؛ بالكُهول أو الشباب أو بعده وأخْطر شيء بالحياة أن يُعَلِّق تَوْبَتَهُ على أحد الأطباق كأن يقول إلى أن أتزَوَّج أو إلى أن أُأَسِّس عَمَلاً ، أو حينما أعود من السَّفر ، أو حينما أُنْجِبُ الأولاد ، وقد ورد بالأثر : هلَكَ مُسَوِّفون " لا ترْبط صُلْحك مع الله بِطَبَق من هذه الأطْباق ، أَنْهَيْت الزواج جاء الأولاد وأنْهَيْت الأولاد جاءت الصِّحة ، فأَيُّ إنسان يربط صُلحه مع الله بِطَبَق من هذه الأطباق فقد ضلَّ سواء السبيل ، الصُّلْح مع الله تعالى يُبْرم فَوْراً فأنت لك يوم مَشهود ، ويوم مَوْعود ، ويومٌ مَوْرود ، ويومٌ ممدود ، ويومٌ مَفْقود أخْطر أيَّامِك المَشْهورة ؛ ففيه تَتُوب ، وفيه تؤمن ، وفيه تعبد وتفعل الخير وتطلب العِلْم ، إذاً مرْكز الثِّقل في هذه الآية لترْكَبُنَّ طبَقاً عن طبَق ، ولا يجوز أبداً أن تربط تَوْبتك بِأحد هذه الأطباق ، وحتى الذين يموتون عندهم قوائِم أعمال لم تنْتَهِ ، سَل أهْل المُتَوَفَّى تجد له بنود كثيرة لم تَنْتَهِ ، وقد جاءَه الموت ، فأَيُّ إنسان - هنا النقطة الدقيقة - يُعَلِّق صُلْحَهُ مع الله بأحد هذه الأطباق فقد ضلَّ سواء السبيل ، وهذه الأطباق لابدّ منها ، وكُلّ وَقْت له هُموم ، فهذا هو اكبر خطأ ؛ التَّسْويف ، وهذه الأطباق لا علاقة لها بإيمانك ، وهي مَمَرّ إجْباري لِكُلّ الناس ، فَكُلّ إنسان بِحَسَب سِنِّه له اهْتِمامات ، فعلى مُسْتوى الطلاب تجدهم يتكلَّمون على الأساتذة ، ويجعلوا حديثهم واهْتِمامهم على العلامات ومستوى الامْتِحانات ، ولما يخْطب حديثه على النِّساء ، وما اتَّصل بهم ، فهذه الأطباق مَمَرّ إجباري لِكُلِّ الناس ، فلا تربط هذا بالدِّين .




والحمد لله رب العالمين

السعيد 04-17-2018 01:16 PM

رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
 

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة البروج (85 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة البروج، في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
[سورة البروج]
فالأرض كما تعلمون تدور حول الشَّمْس في ثلاث مائة وخمْسة وستِّين يوماً ورُبْعاً، سُرعة الأرض حول الشَّمس ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة فَمُنْذ أن أذَّنَ الظُّهْر مضى ثلاثون دقيقة، فإذا ثلاثون كيلومتر بالثانِية ضرْب ثلاثين ؛ ألف وثمان مائة كيلو، ضَرْب عشرة ثمانية عشرة ألف حوالي خمسين ألف كيلومتر نحن نمشي من أذان الظهر إلى الآن، من أذان الظُّهر وحتى هذه الساعة قطَعَتْ الأرض خمسين ألف كيلومتر وسرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة في هذه الدَّوْرة أيها الإخوة تَمُرّ بِبُروج، وهناك اثنى عشَرة بُرجاً ؛ بُرج العقرب وبرج الأسد وبرج الجدي إلخ... أحد هذه البروج هو برْج العقرب، فيه نَجْمٌ أحمر اللَّون ومتألِّق صغير، قالوا: هذا النَّجْم يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! والشَّمس تَكْبُرُ الأرض بِمِليون وثلاث مائة ألف مرَّة، وبين الأرض والشَّمْس مائة وخمسون كيلومتر، وهذا النَّجْم الضغير يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! رئيس أكبر قاعدة فضاء أمريكِيَّة مُسْلم من مِصْر، سُئِل في لِقاء عن الشُّموس فقال: الشُّموس لها ثلاثة أطوار ؛ الطَّوْر الأحمر، والطَّوْر الأبيَض والطَّوْر الأَسْوَد، شَمْسُنا شَمْسٌ حَمْراء اللَّون في منتصف عُمْرها، ومضى على تألُّقِها خَمْسَة آلاف مليون سنة، ويُنْتَظَر في استِمرار تألُّقِها خمْسة آلاف مليون سنة ! وحينما تتجاوَزُ الشَّمْس الطَّوْر الأوَّل تنتقِلُ إلى الطَّوْر الثاني ويزيد حَجْمُها مراتٍ كثيرة، ثُمَّ تَنْكَمِشُ فجْأةً إلى واحد بالمائة، وتنقلِبُ أَشِعَّتُها من حمْراء إلى بيْضاء، وعِنْدئِذٍ تتضاعَفُ حرارتها أضْعافاً كثيرة، ثُمَّ تدْخل الشَّمْس في مرحلةٍ ثالثة وهي مرحلة السَّوَاد، تَصَوَّر متر كلغ مُكَعَّب من الحديد ضُغَطَ في ذَرَّة لا تُرى بالعَيْن ولا بِالمِجْهر، وحينها تدْخُل الشَّمْس في مرْحلة التَّكَدُّس فَتَنْكَمِشُ إلى حجْمٍ قليل جداً من شِدَّة الضَّغْط الذي تتحَمَّلُه وينعدِمُ خروج الشُّعاع منها، لأنَّ الشُّعاع كَتَفسير دقيق ذرات كهربائِيَّة تخرج من الجِسْم المُلْتَهِب، وهذا هو النور، هذا الثُّقْبُ الأسود مَقْبرة النُّجوم ولو أنَّ الأرض اقْتربَت من هذا الثُّقْب لأصْبَحَت في حجْم البَيْضَة مع الوَزْن نفْسه، وهذا أحدَث ما في العِلْم الشَّمْس الحَمْراء والشَّمْس البيْضاء والشَّمْس السَّوداء، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " مِن أين جاء هذا النبي صلى الله عليه وسلَّم بِهذا العِلْم ؟ هذا الحديث الذي ورد في سنن الترمذي وابن ماجه من دلائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
[سورة البروج]
أحدُ البروج بُرْج العَقْرَب، وأحَدُ نُجومِه قَلْبُ العَقْرب، ويتَّسِعُ للشَّمْس والأرض والمسافة بينهما، لذلك أنت حينما ترى النُّجوم بيضاء في الليل، وليس حمْراء، البيضاء يعني في المرحلة الثانِيَة، والسوداء لا تراها أبداً، ثُقْب أسْوَد كالمَقْبَرَة، ثُمَّ إنَّ هذه الأرض - دَقِّقوا معي- في دَوْرَتِها حول الشَّمْس، المسار إهليلجي، وسرعة الأرض ثلاثون كيلومتر بالثانِيَة، وعندنا قانون الجاذِبِيَّة، الكُتَل تتجاذب بِحَسب حُجومها مضروباً بجداء المسافة بينهما وهذا القانون الذي اكْتَشَفَهُ نيوتن والأرض حينما تقترب من القطْر الأصغري، نحن عندنا القطْر أعظمي بالشِّكْل الإهليلجي، وعندنا القطر الأصغري، الأرض حينما تصل إلى القطر الأصغري تزيد من سرعَتِها وكأنَّها عاقلة، وينشأ من هذه الزِّيادة قُوَّة نابِذة تُكافىء القُوَّة الجاذِبَة، وإلا تنجذب الأرض إلى الشَّمْس فتتبَخَّر في ثانية واحِدَة ! لو بَقِيَت علىسرعتخا هنا لتَفَلَّتَت من جاذِبِيَّة الشَّمْس فَذَهَبَت في الفضاء الخارجي، وانْعَدَمَت أشِعَّةُ الشَّمْس في برودة مُميتة لمات على من في الأرض من أحْياء، والعلماء قالوا: لو أنَّها تفَلَّتَتْ وأرَدْنا أن نُعيدها إلى الشَّمْس كافْتِراض، قالوا: نربطها بِمِليون مليون حبْل فولاذي، قُطْر الحَبْل خَمْسة أمتار، هذه الحِبال تُزْرع على سَطح الأرض المُقابل للشَّمْس، فإذا زُرِعَت أصْبَحنا أمام غابة من الحِبال بين كُلّ حَبْلَيْن خمْس أمتار، وحينها ينعدم البناء والزِّراعة، وتنعدِمُ الشَّمْس أساساً وكُلٌّ من هذه الحِبال يتَحَمَّل قُوَّة شدّ مقدارها مليونين طنّ، فَقُوَّة جذْب الأرض للشَّمْس بِقُوَّة تُساوي مليون مليون طنّ، وَكُلّ هذه القُوَّة المُخيفة من أجل أن تحْرِف الأرض ثلاثة ملمتر كلّ ثانِيَة، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾
[سورة الرعد]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(41)﴾
[سورة فاطر]
معنى الزوال الانْحِراف ولو أنَّها اِنْحَرَفَت عن مسارها لَدَخَلَتْ في ظلام الكَوْن وفي بُرودَةٍ مُميتة قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾
[سورة النمل]
قال تعالى
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)﴾
(سورة البروج)
الذي خلق السماوات والأرض سوْفَ يجْمَعُنا جميعاً في يوم نُحاسب فيه وعلاقة السماء والبُروج والكواكب والمَجَرَّات والسُّرْعات العاليَة، هي بِعلاقة اليوم الآخر، فالذي خلق هذا الكون لم يَخْلُقْهُ عَبَثاً والذي خَلَق الإنسان لم يخْلُقْهُ سُداً، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[سورة المؤمنون]
أيها الإخوة، إنَّ هذه الآيات الكَوْنِيَّة إذا لم نُفَكِّر فيها عطَّلْناها، وإذا عطَّلْناها عَطَّلْنا ثُلث القرآن، وإن لم نؤمن بالله تعالى من خِلال الكَوْن فكَيْف نؤمن به ؟ قال تعالى:
﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾
[سورة الجاثية]
الإيمان عن طريق الآيات الكونِيَّة.


والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 06:49 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.