![]() |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ [ سورة محمد ] وقْفتُنا في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)﴾ [ سورة محمد ] أجمع العلماء على أن الأرحام هم الأقرباء من جهة الأب أو من جهة الأم، و النظام الإسلامي يقيم تكافلا اجتماعيا على مستوى الأسرة، فالإنسان مكفَّل بمَن يلوذ به، بوالديه و أولاده و زوجته على إجماع الفقهاء، فالإنسان مكلَّف أن ينفق على أبيه و جده مهما علَوْا، و على ابنه و ابن ابنه مهما نزلوا، و على زوجته، بإجماع الفقهاء، فربُّنا عز وجل جعل التكافلَ الاجتماعي أحدَ أنظمة الإسلام الاقتصادية، وكل أسرة مُتكفِّلة بأفرادها إلا أنَّ صِلَة الرَّحِم ورَدَتْ فيها أحاديث كثيرة صحيحة، مُفادُها أنَّ كلّ إنسانٍ عليه أنْ يصِلَ رحِمَهُ ؛ كيف ؟ نبدأ بالزِّيارة، لا تعلم وَقع الزِّيارة عند نفسي هؤلاء الذين ينْتمون إليك، فالواحد إذا زارَ أُخْتهُ رفَعَ مَعْنويّاتها، ولو على مُسْتوى اتِّصال هاتفي، والصِّلة الأعلى أن تتفقَّدَ أحْوالها ؛ هل هي بِحاجة إلى مُساعدة ماليَّة أو اجْتِماعِيَّة أو زوْجِيَّة، فالزِّيارة وسيلة والهَدَف هو التَّفَقُّد، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن ندْفع الزّكاة والصَّدقات لا إلى الذين يُلِحُّون في الطَّلَب، بل إلى الذين يحسَبهم الجاهل أغنِياء مِن التَّعَفُّف، وتعرفهم بِسيماهم، والأقربون أولى بالمعروف، فالإنسان إذا زار أهْله وأقرباءَهُ ينبغي أن يقفَ عند وضْعِهم المعاشي، والتَّعليمي، والصِّحي، والاجْتِماعي، فالزِّيارة وسيلة والهدف هو التَّفقُّد، فلو أنَّكَ حلَلْتَ قضاياهم الاجْتِماعِيَّة، وفي حلّ خِلاف زوْجي وقدَّمْتَ لهم بعض الدَّعْم، وقدَّمتَ لهم بعض المال، تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وأن تدْعوهم إلى الصلاة، وحُضور مجالس العِلم، وإلى الحِجاب، فَكُلّ واحِد له طريق إلى الله من خلال رحمه، والطرائق إلى الخالق بعَدَدِ أنفاس الخلائق، فلو فرضنا أنَّ إنسانًا عظيمًا لا تستطيع أن تصِلَ إليه ماذا تسْتفيد منه، هناك أشْخاص أقوياء، وأغنياء، فإن وصَلْتَ إليه أعْطاكَ مِمَّا عندهُ، ولكن الطُّرُق إليه كلّها مسْدودة، لا يُوجد أملٌ، إلا أن الله جل جلاله مؤمنٌ بذاته أنه يُسعِد خلقَه و أن الأمر بيده وأنه إذا تجلَّى على عبدٍ أسعده، هو المغني وهو المعطي ولكنه جعل لك آلافَ الوسائل كي تصل إليه، منها صلةُ الأرحام، الزيارة أوَّلا و التفقُّد ثانيا و الدعوةُ ثالثا، وهذا الشهر شهر الأرحام، و العيد أكبر مناسبة لزيارة الأقارب و الإحسان إليهم و إسداء النصح لهم. فيا أيها الإخوة الكرام، باب صلة الأرحام من أكبر الأبواب التي تقرِّب إلى الله، و الرحم تقول: يا رب من وصلني وصلتَه و من قطعني قطعتَه قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ [ سورة محمد ] الإنسان أحيانا يتسلَّى بعمل مهمٍّ، و يتنكَّر لأهله و ينساهم، و هناك إنسان أصيلٌ لا ينسى الذين كانوا حوله قبل أن يصل إلى هذا المكان الدقيق. موضوع الدرس اليوم هو صلةُ الأرحام، مَن هم الأرحام ؟ هم الأقرباء قاطبةً من جهة الأب و من جهة الأم، بل إن النبيَّ عليه الصلاة و السلام سأله أحدُ أصحابه: ماذا بقيَ عليَّ من برِّ والديَّ بعد موتهما ؟ فقال عليه الصلاة و السلام: أن تصلي عليهما الجنازة و أن تدعوَ لهما عقب الصلوات الخمس و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما.." واحد له خالٌ تُوفِّيت والدتُه، السبب هي والدتُه، فينبغي أن يصل أخواله بعد موت أمه، و له أعمام ينبغي أن يصل أعمامه بعد موت أبيه، له أولاد أخت و تُوفِّيت أختُه عليه أن يصل أولاد أخته بعد موت أخته، و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، و في رواية: أن تصل صديقهما " و أن تنفذ عهدهما، فالأرحام الأقارب مطلقا، ذكورا و إناثا من جهة الأب و من جهة الأم، هم و أولادهم، و الشيء الثاني الصلة، و الزيارة وسيلة، نبدأ بالاتصال ؛ رسالة، زيارة، و تفقد وضع معاشي و اجتماعي و صحي و تعليمي، فإن كان ثمة نقص قدمنا المساعدة، و إذا انتهينا من تقديم المساعدة ندعوهم إلى المسجد و إلى طاعة الله و إلى الحجاب و إلى إقامة الصلوات في البيت، هذا باب كبير من أبواب الجنة. و لو أن كلَّ إنسان تفقَّد أهله و إخوته و أخواته و عمَّاته و خالاته و أقرباءه لكنا في حال غير هذه الحال، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ [ سورة محمد ] مرَّةً كانت هناك مشكلة تُحلُّ عن طريق إنسان يحتلُّ منصبا رفيعا، والدُه يحضر عندنا، فقلتُ له سأذهب معك إلى فلان لنحلَّ هذه المشكلة، فأجاب و لكنَّه كان متردِّدا، فما إن دخلتُ على ابنه حتى قال لأبيه: أبو فلان اجلسْ هناك، و ما أشعر أحدا من الحاضرين أنه أبوه و تنكَّر له، لذلك قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ [ سورة محمد ] الإنسان الأصيلُ الذي يعرف الله عز وجل كلما أكرمه الله يزداد غراما لأهله الأقربين، وهذه الرحم يصل اللهُ من وصلها و يقطع من قطعها، و قد حدَّثني أخٌ كان بألمانيا أنه نزل في بيت، و صاحبة البيت امرأة مسِنَّة عندها حديقة، أقسمَ لي بالله أنه لم يرَ مثلها في حياته، هذه الحديقة تعتني بها هذه العناية رجاء أن يتكرَّم أولادُها الخمسةُ أن يزوروها في العام يومًا واحدا، و كان من المفروض أن يأتوا في عيد الميلاد، و كان هذا الصديق مستأجِرا غرفةً عندها في عيد الميلاد، و هيّأتْ كلَّ أنواع الحلويات و الورود، و نظَّمت الحدائق، ثم لم يأتِ أحدٌ، هذا الذي يعيشه الناس في الغرب نحن مُعافَون منه والحمد لله. شَخصٌ قال لي: أسْكُن بِغرفة بِبِناء في لندن طابق أوَّل، وفي الطابق السادس إنسان، في أيَّام الشِّتاء القارصة تُوُفِّي وبقِيَ في غرفتِهِ بعد وفاتِهِ سِتَّة أشْهر ! إلى أن خرَجَتْ رائحة من الغرفة لا تُحْتَمَل، والغريب أنَّ له سِتَّة أولاد مُقيمين في لندن، لم يُفكِّر ولا واحد منهم ان يزور أباه في هذه المدَّة الطويلة ؛ هكذا يعيشون هناك، وعندنا الأب مُقدَّس، فَصِلَةُ الرَّحِم باب كبير جدًّا للقُرْب من الله عز وجل، ومرَّةً ثانِيَة رسالة اتِّصال زيارة وتفقُّد ومساعدة، ثمَّ الأخْذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وعندها تكون كلّ أسرة قد تكفَّلَتْ بأفرادها اقْتِصادِيًّا واجْتِماعيًّا وطِبِيًّا، أما أن توزر لا زِّيارة التي لا تتفقّد بها المزور، ولا تُلبِّي له حاجاته، ثمَّ تدَّعي زيارة الرَّحِم فأنت إن لم تُقدِّم يد المساعدة، وتحلّ المشاكل فلا تُعْتبر زيارةً، وقد ورَدَ عند الفقهاء: لا تُقْبَلُ زكاة إنسانٍ، وفي أقْربائِهِ محاويج ! ابْدأ بالأقرَبْ فالأقرب، الأقربُ إليكَ نسبًا، ثمّ الأقرب إلى الإيمان. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والثلاثون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ [سورة محمد] أحيانًا يتوهَّم الإنسان أنَّ له عملاً طيِّبًا يُدِلُّ به، ويَمُنُّ به ويفْتَخِرُ به، هذا العمل من فضْل الله عز وجل، والإنسان إذا دُعِيَ إلى الإنفاق فَبَخِلَ، وأبتْ نفْسُهُ أن تُنْفق، الله جلَّ جلاله يُهَدِّدُهُ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ [سورة محمد] فإذا سمَّعَك الله عز وجل الحق، فهذا شرَفٌ عظيم وبِشارة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾ [سورة الأنفال] علامة الخَيْرِيّة أنَّهُ أْمَعَكَ الحق، والذي يبْقى عليك أن تسْتجيب، وأن تُنْفق وأن تعْملَ صالحًا، فإن أبَيتَ اسْتَبْدَلَ قومًا غيرَكَ. قال تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)﴾ [سورة الحجرات] لا يوجد إنسان آتاهُ الله من فضْلِهِ، وشَكَر إلا زادَهُ، أما إذا اعْتدَّ بِنَفْسِه، وظنَّ أنَّ هذا الفضْل مِن صُنْعِهِ، وخِبْرَتِهِ، وذكائِهِ، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يحْرِمُهُ منه فشُعور المؤمن كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: إذا أراد الله إظهار فضْلِهِ عليك خلقَ الفضْل ونسَبَهُ إليك، فالإنسان حينما يُوَحِّد يتواضَع وحينما يُعرض عن التَّوحيد يتكبَّر، وهناك علاقة بين التَّوحيد والإخلاص وبين التَّوحيد والتَّواضُع، فالمُوَحِّد يشْكر الله عز وجل، ويرى فضْه، لذلك يتواضَع، وغير المُوَحِّد يرى فضْلَهُ، وإنفاقهُ، ودَعْوَتَهُ، ويرى اسْتِقامتَهُ، والمُوَحِّد يُخْلِص، وغيرهُ يُشْرك، فإذا علِمْتَ أنّ الأمْر كلَّهُ بيَدِ الله لا تتَّجِهُ إلى أحدٍ غيرِهِ، أما إذا توهَّمْتَ جِهَةً في الأرض تُعطي أو تمْنَع وترفع أو تخفض، فتوجَّهُ إليها، أصبَحَ هناك شِرك، وديننا دين توحيد لا دين الشِّرْك، وما مِن إنسان على وَجه الأرض إلا ما قلَّ أو شذَّ أن ندَرَ يقول: لا إله ! لكنّ معظم الشُّعوب في الأرض تُؤمن أنّ لهذا الكون خالقًا وهذا الإيمان لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، ولأنّ إبليس قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾ [سورة ص] آمن بِعِزّة الله، ومع ذلك هو أكْفر أهل الأرض ! فالإيمان بالله تعالى خالقًا لا يرْفَعُكَ عند الله، أما الإيمان بالله تعالى مُسيِّرًا، وفعَّالاً، وبيَدِهِ الأمْر ؛ إن آمنْتَ هذا الإيمان، وأنت لا تشْعُر أخْلصْتَ لله تعالى، وأنت لا تشْعُر تتواضَع، والكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازَعني شيئًا منهما أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وكنتُ قول دائمًا: هناك أخطاءٌ تُغْفر، ولكنَّ خطأ الكِبْر لا يُغْفر، لأنّ هذا الخطأ يتناقض مع عُبودِيَّة الله عز وجل، فاللَّبن قد يحْتمل الماء، ولكن لا يَحْتَمِل قطرة مازوت واحِدَة ! فهذه القطْرة تُفْسِدُهُ، فالتَّوحيد يُؤدِّي إلى التَّواضُع، والعبودِيَّة لله عز وجل، والشُّعور بِفَضْل الله عز وجل، والشِّرْك يؤدِّي إلى الكِبْر، والاسْتِعلاء والعُنْجُهِيَّة والغَطْرسة، والتَّوحيد يُدِّي إلى الإخلاص، فالله هو المُنْعِم المُتفضِّل فتَتّجِهُ إليه وحْدَهُ، طبعًا هذا لا يعني أنَّ الإنسان إذا أصابَهُ خيرٌ مِن إنسانٍ أن يتجاهَلَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: من لم يشْكر الناس لم يشْكر الله..." يُرْوى أنَّ أحدَ أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام نزَعَ على ثوْبِهِ ريشَة، فرفَعَ النبي يَدَيْه إلى السَّماء: اللَّهمّ اجْزِهِ عنِّي خيرًا ! ومن أجْزى إليكم معْروفًا فجاءوه، فإن لم تَجِدُوا ادْعوا له حتَّى تعلموا أنّكم كافأتُموه والتَّوحيد لا يتناقض مع شُكْر الناس، ولكن الأصْل أنَّ قلْبَكَ مُتَعَلِّق بالله تعالى، فأنت ترى أنَّ هذا الذي خدمك كان بِمَعونة نم الله تعالى، فهو سبحانه الذي ألْقى في قلبه معونتك، فالشُّكر لله أوّلاً، فهذه عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك التي تألَّم لها النبي عليه الصلاة والسلام، ولِحِكمة أرادها الله تأخَّر الوحي أربعين يومًا ! فالله أراد أن يُبيِّن للناس أنَّ الوَحي كيانٌ مُستقلّ عن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لها أبوها أبو بكر: قومي فاشْكريه للنبي عليه الصلاة والسلام قالت له: والله لا أقوم إلا لله تعالى ! فالنبي عليه الصلاة والسلام تبسَّم وقال: عرفت الحق لأهْلِهِ فالأصْل هو الله تعالى. إذا خدَمَك إنسان فاشْكُرهُ، وقدِّم له هدِيَّة، وأثْنِ عليه، ولكن قلبَ المؤمن الصادِق رأى أنَّ هذا فضْل الله ساقَهُ إليك عن طريق فلان، وهذا هو التَّوحيد أن لا ترى نِعْمةً إلا مِن الله تعالى، فإن كانت لك زوْجة صالحة وكان مِن المُمْكن أن تأتيك زوْجة كالجحيم، والله هو الذي ساق لك هذه الزَّوجة، ويسَّرَها لك، تحْترِمُك، وتعتني بك، فإذا قال لك: أنا أعرف تنْقِيَة الزَّوجة فهذا قد أشْرَكَ ! أما إذا قال: لقد أكرمني الله بهذه الزَّوجة فقد وحَّد. وهذا له تِجارة، فيقول: هذا من كرامي الله لي، والله هو الذي أعانني على هذا، ورزقني، فهذا الشُّعور الذي يُبارِكُ في الرِّزق، وإن جاءَكَ مولود يملأُ البيتَ سُرورًا، إذْ هناك بيوت ليس فيها أولاد، يدْفَعُ الملايين على أن يأتيه مولود ! والله حتَّى الضَّحِك عليك أن تشْكر الله عليه، أذْكُر أنِّي كنتُ مدعُوًّا لطعام الغذاء في أحد الحدائق لإخواننا، وكنَّا نحو ثلاثين شَخصًا، ونحن جُلوس مرَّ علينا شَخص فما سلَّم، فقلْتُ لِمَن دعانا ما بِهِ من هذا ولِمَ لمْ يُسَلِّم ؟! فقال: هذا عمِّي، وهو صاحب البستان، وقد جاء من مستشفى غسيل الكلية !! لا يرى بِعَيْنَيْه شيئًا مِن شِدَّة الخوف والقلق فاشْكر الله على أنَّه أضْحَكَكَ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43)﴾ [سورة النجم] فالذي يُصاب بٍمُصيبة لا يضْحك مهما كانت النُّكتة مُضْحِكة ! إن وجَدتَ الناس يَحْترِموك معناه أنَّ الله تعالى ألْقى محبَّتَك في قلوبهم، وكان بإمكانِهِم أن يُبْغِضوك، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾ [سورة طه] وما أخْلصَ عبدٌ لله تعالى إلا جعلَ قلوب المؤمنين تهْفو إليه بالمودَّة والرَّحمة وأنت حينما تعْزو الفضْل إلى الله تزْدادُ فضلاُ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾ [سورة إبراهيم] وحينما تعزوهُ إلى ذاتِك تُشْرك وتسْقط من عَين الله، ولأَن يسْقط الإنسان من السماء إلى الأرض أهْوَنُ من أن يسقط من عَين الله. فالله تعالى قال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ [سورة محمد] فالواحد لا يمنّ على الله عز وجل لحُضورهِ مجالس العلم، وإنفاقه المال وأخْتِمُ لكم الكلام بهذه القِصَّة ؛ إنسانٌ قدَّمَ بيتًا ثمنُهُ خمسة ملايين، وثمنهُ الآن أثنى عشرة مليونًا، قدَّمَهُ لِجَمْعِيَّة خَيْريَّة لِيَكون مرْكزًا لِتَدريب الفتيات الفقيرات الخياطة، لِيَنقلوا هؤلاء الفتيات من مُتَسَوِّلات إلى مُنْتِجات، ومن آخذة زكاة إلى دافعة زكاة، وأُقيم حَفل لِتَكريم هذا المُحسِن، فكُلّ الناس أثْنَوا على إحسانه وفضْله وكرمِهِ، فأحدُ الإخوة قال له: كان مِن المُمْكن أيُّها الأخ الكريم، وأيُّها المُحْسِنُ الكبير أن تكون أحَد المُنتفِعين من جَمْعِيَّتنا فالإنسان لا يعْتدّ بالمال أو القوَّة فقد يفقدهما فجْأةً، وإذا أردتَ أن تعتمد فاعْتَمِد على الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفتح ( 48 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الأولى من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2)﴾ [سورة الفتح] كلُّ إنسانٍ بِحَسَبِ مرْتبَتِهِ عند الله له ذَنْبٌ يَحْجُبُهُ عن الله، فكلَّما ارْتقى مقامُ الإنسان أصْبَحَتْ صغائِرُ الذُّنوب تحْجُب عن الله عز وجل، وأصْبحَت المباحات التي يفْعَلُها مُعْظمُ الناس، وهم مُطمئِنُّون إذا قاموا بها حُجِبوا عن الله عز وجل، فما ذَنْبُ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو الذي أثْنى الله عليه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾ [سرة القلم] النبي عليه الصلاة والسلام مِن أعْظَمِ القُوَّاد ؛ وعالِمٌ مِن أعْظَمِ العلماء، يا أيُّها الأُمِّيُّ حَسْبُكَ رتْبةً في العِلْم أنْ دانَتْ لك العُلماء ! خطيبٌ وأعظم خطيب، وأعظمُ عالمٍ، وأعظَمُ مجْتَهِدٍ، وأعظَمُ قائِدٍ، وأعْظَمُ سِيَاسِيٍّ، كلُّ هذه الصِّفات التي توافَرَتْ فيه لم يُثني الله عليه بها، إنَّما أثْنى عليه بِخُلُقِهِ العظيم. التَّفسير اجْتِهادي، بعضهم قال: الله جلَّ جلاله لا نِهايةَ لِعَظَمَتِهِ، ولا نِهايَةَ لِكمالِهِ، وكلّما أقْبلْتَ إليه رأيْتَ رؤيَْةً أكْبر مِن التي رأيْتَها من قبل وكلَّما أقْبلْتَ إليه رأيْتَ مِن كماله، ومِن رحْمَتِهِ، ومن عِلْمِهِ، ومِن قدْرَتِهِ رؤيةً لمْ تكُن تراها من قبل، ذَنْبُ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه إذا أقْبَلَ على الله إقْبالاً جديدًا رأى رؤْيَتَهُ السابقة لا تليق بالله عز وجل، فهذا هو ذَنْبُهُ، وهذا الذَّنْب يتناسبُ مع مقام النبي عليه الصلاة والسلام، فأحيانًا الإنسان إذا كان غارِقًا في المعاصي يكْفيهِ أن يَدَع شُرْب الخمْر، نقول له: هنيئًا له على هذه التَّوبة، وهو لا يزال عنده آلاف المعاصي، فهو إن ترَكَ الكبائِر نُسَمِّيهِ إنسانًا تائِبًا، الآن ترك الكبائر، ما سواها الذُّنوب، ثمّ ترَكَ الذُّنوب، هناك صغائر الذُّنوب تحْجبُهُ عن الله عز وجل، فكلَّما ارْتقى إيمان الإنسان دقَّتْ ذُنوبُهُ التي تحجُبُهُ عن الله تعالى ؛ لذا قال عليه الصلاة والسلام: لو لم تُذنبوا لأبدل الله قوما غيركم..." قد يتبادَر إلى الذِّهْن أنّ هذا الحديث يَدعونا لارْتِكاب الذُّنوب حتَّى يُغْفَرَ لنا ! لكنَّ الحديث يُشير أنَّهُ مِن خصائص المؤمن أنْ يشْعُرَ بِذَنْبِهِ، فإن لم يشْعُر فهو ميِّت، فالطَّبيب يُمْسِكُ بنَبْض المريض، فيأتي بِمِرآة فيضَعُها على أنفه فلا يرى بخار الماء، فيقول لعلَّ هذا البخار قليل جدًّا، فيأتي بِمِصباح فيَضَعُهُ في بؤْرة عَيْنهِ، فإذا لمْ تَضِق قُزَحِيَّةُ العَين يقول: هذا ميِّت ! وكذا الإنسان إن لم يشْعُر بِذَنبِهِ فهو ميِّت، قال تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾ [سورة فاطر] فالذي لا يشْعُر بِذَنبِهِ هو ميِّت، قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾ [سورة النحل] والحياةُ حياتان أيُّها الإخوة ؛ حياة الجِسم، فالقضِيَّة سَهلة، وهي بِفَحْص الأعضاء أما حياة النَّفس فلا تكون بِفَحص الأعضاء، ولكن بِمَعْرِفة الله عز وجل، وحياة النَّفس بِطاعة الله، فالذي لا يعرف الله، ولا يُطيعُهُ، ويرْتَكِبُ لا ذَّنْبُ ثمَّ يقول: هل هناك مشكلة ؟! وهذا الذي يأكل مال الحرام، ويَعُدُّ هذا ذكاءً، والذي يعْتدي على أعراض الناس، ويعُدُّ هذا حَيَوِيَّةً !! فالمَعْصِيَة في زماننا أصْبَحَت حَيَوِيَّة مُتَدَفِّقة، وذكاءً وشطارةً، هذا الإنسان ميِّت عند الله تعالى. أيُّها الإخوة، اِكْتَشِفوا حياتكم، وحياة قلوبكم، وإيمانكم مِن إحساسِكُم بالذَّنْب، إن لم تُحِسَّ بالذَّنْب فالمرضُ خطير جدًّا، قال تعالى: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾ [سورة هود] فلذلك اِبْحَث عن الذي يَحْجُبُكَ عن الله تعالى، إن لم تَحْجُبهُ الغيبة، ولا النَّميمة، ولا إطلاق البصر، ولا خَلوة مع الأجنبيَّات، ولا أكل المال الحرام، فلْيَعْلَم عِلْمَ يقين أنَّهُ ميِّت، ولا خَيْر فيه إطلاقًا، فالثَّوْب الأبيَض المصنوع من الحرير، إن وقَعت عليه ذبابة وتركتْ أثرًا لظَهَر أثرها من بعيد وكذا نفس المؤمن كهذا الثَّوب، وهناك إنسانٌ آخر، يرْتدي ثوبًا أصلُهُ أزرقًا، ومن الوَحْل والزَّيت أصْبح أسْوَدًا لو جِئْتَ بِلِتر حِبْر، ووضَعْتَهُ فوقهُ فلَوْنُهُ لا يتأثَّر ! لذلك سيِّدنا عمر رضي الله عنه يقول: تعاهَد قلْبَكَ، هل تكلَّمْتَ كلمةً تَجْرح ؟ وهل في كلمة احْتِقار للآخرين ؟ فهذه السيِّدة عائشة قالتْ لأُختها صفيَّة: يا صفيّة، إنَّك قصيرة ! فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة قد قلت كلمة لو مُزِجَت بِمياه البحر لأفْسدتْهُ..." فالإنسان الذي يتَّهِم الناس، ويغْتاب النَّاس، ويتحدَّث في أعراضِهم، ذمامة وجوههم ؛ هذا كُلُّه مُحَرَّم، ولن يستقيم إيمانُ عبدٍ حتَّى يسْتقيم قلبُهُ، ولا يستقيمُ قلبُهُ حتَّى يستقيم لِسانُه، فالإنسان قد يتكلّم كلمات يُثيرُ بها الشَّهوات، والنبي قال لِفتاةٍ ترتدي ثيابًا شفَّافة: إنَّ هذه الثِّياب تكشف حجم عظْمِكِ..." هل هناك عِظام ؟! لم يُرِد أن يتكلَّم الكلام المُثير، وأنت تعرف الإنسان مِن منْطِقِهِ، شخصٌ كان يرتدي ثيابًا جميلة جدًّا، ثمَّ تكلَّم كلامًا بذيئًا، فقال له أحدهم: إمَّا أن تتكلَّم بِمُستوى ثِيابِك، وإما أن ترْتدي ثِيابًا بِمُسْتوى كلامك ! فَضَبْطُ اللِّسان جزْء من الكلام، وقد أدْرج الإمام الغزالي بابا سماه آفات اللِّسان فارْجِعوا إليها. قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2)﴾ [سورة الفتح] ما تقدَّم ؛ هذه مغْفرة الشُّعور بالذَّنب، ولن ما تأخَّر هذه مغفرة وِقائِيَّة فالإنسان يمكن أن يقع بِحُفرة، فالمِصباحُ يُعفيه من الوقوع، فهذا المصباح وِقائي، وكذا إن كان لك قريبًا غنيًّا، وأنت تتوهَّم معه مليون، وهو معه ألف مليون، تُعامله على أساس مليون، فإن عُرِضَ مشروع بِثَلاثة ملايين تقول له: هذا فوق طاقتك، فإذا به يقول لك: أنا معي مائة مليون !! ألا تشْعر أنَّك لا تعرفهُ ؟ هذا مِن باب التَّقريب، وكذا لا يعرف الله إلا هو، ومهما ارْتقى الإنسان، وحتَّى سيِّدُ الأنام، ولكنَّ النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم أعْرفنا بالله تعالى على الإطلاق، ومع ذلك قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ [سورة آل عمران] فالذي يرى الأخبار ويملأُ عَيْنَيه من هذه التي تُذيع ألا يشْعر بِشَيء ؟ هذا نوعٌ من الذُّنوب، فكلَّما ارْتقى الإنسان عند الله تضيقُ القَنَوات التي يتعامل معها، حتَّى يصل إلى الله عز وجل، فالذي يتباهى بِتَرْك الكبائر ! الكبائر بديهِيَّة جدًّا، ومُجْتَمَعُ الكُفْر موضوعٌ ثاني، أنت ضِمْن مجتَمَعٍ إسلامي، بل إنّ الشيطان نفسُه يئِس أن يُعبَدَ في أرض المسلمين لكن رضِيَ فيما نحْقِرُ مِن أعمالنا، فكلَّما ارْتقى مقام الإنسان لم يعد هناك مجال لارتِكاب الذُّنوب، إلى أن يصِل إلى المنهج القويم الذي سنَّهُ سيِّدُ المرسلين عليه الصلاة والسلام. تأخَّر نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام فقال لِعائشة لعلَّها تمرة أكلْتُها من صدقة المسلمين ! هذا هو الورَع. والآن تُقام سَهَرات، والاخْتِلاط، والنِّساء مع الرِّجال يضْحَكنَ، ثمَّ يقول لك: هذه كأُختي !! كلّ هذا خَلط في خَلْط، فَمَنْهجُ الله أحقُّ أن يُتّبَع، وكلمة ليغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، لعلَّ ذَنْب النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤيَة جديدة استحيا بِرُؤْيَتِهِ القديمة، وأما ما تأخَّر فهو النور الذي ألْقِيَ في قلبِهِ يقيهِ أن يقَع في الذَّنْب. ولكن كلمة ويُتِمُّ نعْمته عليك، أقِفُ عندها دقيقة واحدة، الإنسان عنده زوْجة ومأوى، وأولاد، وله دخْل يكفيه، لا شكَّ أنَّ هذه نِعَم، لكنَّها تنتهي عند الموت، ولكنَّ تمام النِّعمة هو الهُدى، فأنت إن اهْتَدَيْتَ إلى الله فقد أتمَّ الله عليك نِعْمتَهُ، لذلك هذه النِّعَم الدُّنْيَوِيَّة ما دامَت تنتهي بالموت فليس لها معنى النِّعمة الحقيقي، أما النِّعمة الحقيقيَّة هي أن تهتدي إلى الله، وتسعَدَ به إلى أبد الآبدين. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفتح ( 48 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة عشْرة من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾ [سورة الفتح] لا شكَّ أنَّ أعْظَمَ شيءٍ تصلُ إليه في الدنيا أن يرْضى الله عنك، وهو أعظمُ شيء على الإطلاق، وهو خير لك من الدنيا وما فيها، لأنَّ الدنيا زائلة، والآخرة باقِيَة، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا وفَّقَكَ في الحياة الدنيا فليس في الأرض كُلِّها جِهةٌ تَستطيع أن تحول بينَكَ وبين هذا التَّوفيق قال تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾ [سورة فاطر] وإذا حجَبَ الله عن الإنسان التَّوفيق، لو أنَّ الدنيا كلَّها معه لا يُوَفَّق، فأَنْ يرضى الله عنك خير لك من الدنيا وما فيها، ولا يعْرِفُ حقيقة هذا الكلام إلا من اتَّصَل بالله عز وجل، وذاق مِن طَعْمِ قُرْبِهِ عندها يشْعُر أنَّ طاعة اله هي أَثْمَنَ شيءٍ يفعلها في الحياة الدنيا. الثِّمار ؛ أوَّلاً الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم تَحْقيقًا، وتقريرًا، ولكنَّ الناس إذا ذَكَروا إنسانًا فاضِلاً أو عالمًا جليلاً وقالوا رضي الله عنه فهذا دُعاءً، وفرْقٌ كبير بين أن تقول: رضي الله عنه تَحقيقًا، وبين أن تقولها دعاءً، فأنت لك أن تقول لإنسانٍ فقير أغناك الله، أما إن رأيْتَ إنسانًا غنيًّا تقول: قد أغناك الله، فأغناك الله التَّقريريَّة غير أغناك الله الدُّعائِيَّة فنحن إذا ذكرنا إنسانًا جليلاً وقلنا رضي الله عنه فهذا رضا دُعائي، أما التَّحقيقي فلأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. الشيء الثاني ؛ أنَّني ما دُمتُ قلتُ قبل قليل إنَّ رِضاء الله عز وجل أثْمَنُ شيءٍ تَمْلِكُهُ، فالشيء الذي يُثْلِجُ الصَّدْر أنَّ هذا الرِّضا سُبُلُهُ مُيسَّرة لك، فسبيلُهُ الوحيد أن تُطيعَهُ، قال تعالى ﴿: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [سورة الأحزاب] والأدَقُّ من ذلك أنَّ بِفِطْرتِكَ وحِسِّك السليم، وجِبِلَّتِك في أيِّ لحْظةٍ نم حياتِك تعْلم ما إن كان هذا العمل يُرضي الله أم لا يُرضيه، فإن صَدَقْتَ يرْضى الله عنه، وإن كذَبْت يغْضَبُ عنك، وإن أخْلَصْتَ يرْضى الله عنك، وإن خُنْتَ لا يرْضى عنك، وإن غَششْتَ الناس لا يرْضى الله عنك، وإن استَغْلَّيْتَ ضَعْف زوْجَتِكَ، وأنَّ أهْلها ليْسُوا في بلَدِك، وقسَوْتَ عليها لا يرْضى الله عنك، أنا أُؤَكِّد لكم أنَّ الواحِد مِنَّا من دون أن يقرأ، ومن دون أن يكْتُب، ومن دون أن يسْتمع أَوْدَعَ الله فيه مُفتيا صغيرًا، أو جهازًا حسَّاسًا جدًّا، فن حادَ عن الصَّواب شَعَرَ بالضِّيق، والبرّ ما اطمأنّت إليه النَّفس، والإثْم ما حاك في صَدرك، وكرهْت أنْ يطَّلِع عليه الناس ! فالله تعالى قال: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾ [سورة الفتح] في كلّ مكان وزمان، ونحن اليوم في آخر الزَّمان يُمْكن أن نسْعى إلى رِضاء الله عز وجل عن طريق طاعته، ولكن أنت بِحاجَة فضْلاً عن الفِطرة السليمة، أنت بِحاجَة إلى أن تعرف دقائق الأمْر والنَّهي، فَتَعلُّم أحكام الفقه مُهِمٌّ جدًّا لِمَن أراد أن يُرْضِيَ الله عز وجل، فهو تعالى لا يرْضى عليك إلا إذا أطعته وفْق المنهَج الذي أنزلَهُ الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم. الثَّمرَة ؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾ [سورة الفتح] من لوازم رضاء الله عز وجل أنَّ قلْبَكَ مُفْعَمٌ بالسَّكينة والطمأنينة، والسُّرور والسَّعادة، والثِّقة والمستقبل، فالمؤمن لا يتشاءَم، ويُصَدِّق قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [سورة التوبة] والمؤمن لا يَحقِد لأنَّ يد الله فوق أيدي الناس جميعًا، والمؤمن لا يسْتسْلِم لأنَّ الله تعالى معه، وإذا كان الله معه فَمَن عليه، فهذا هو معنى إنزال السَّكينة على قُلوبهم، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ﴾ [سورة الفتح] علِمَ صِدق نِيَّتِهِم، وعَلِمَ صدْق بَيْعَتِهِم وعَلِمَ حُبَّهم وشُعورهم بالطاعة، قال تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفتح] هذا مِن الداخل، ومن الخارج الفَتْحُ، والفَتْحُ هو مُطْلقُ التَّوفيق، فالإنسان قد تُفْتَحُ له التِّجارة، أو الصِّناعة والدَّرجات العِلْمِيَّة، وتُفْتَحُ معْركةً ينتصِرُ بها وأثابهم فتْحًا قريبًا، راحةٌ من الداخل، ونجاحٌ من الخارِج، والثَّمن هو الطاعة، والطاعة ثمنها أن تعرفَ الآمِر، وأن تعرفَ الأمْر، ومن عرف الآمر والأمر تفانى في طاعة الآمر، ومن لم يعرِف الآمر وعرف الأمْر تفنَّنَ بالتَّفلُّت من هذه الطاعة بأساليب شَتَّى، إذا رضاء الله عز وجل أثْمن شيء، بل هو أثمنُ شيء في الدنيا والآخرة. في الآخرة هناك جنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهار، وهناك حورٌ عين ووِلدانٌ مُخَلَّدون، وهناك نَظْرةٌ إلى وَجه الله الكريم، وهناك رضوان نم الله أكبر كما قال تعالى، فنكادُ نَصِل إلى أنَّ رِضوان الله عز وجل أعْظمُ شيءٍ في الدُّنيا، وأعظمُ شيءٍ في الآخرة، والشيء المُفْرِحُ أنَّ هذا الرِّضْوان تمْلِكُ أسبابهُ، ألا تمْلِكُ أن تكون صادِقًا ؟ أو مُتَوَكِّلاً ؟ أو نظيفًا ؟ أقرأ القرآن، وقِفْ عند قوله تعالى إنَّ الله يُحِبُّ، وهناك اثنتا عشرة خصْلة يُحِبُّها الله عز وجل كنتَ في رِضْوان الله عز وجل. أيها الإخوة الكرام، أعْقَلُ العقلاء الذي سَعَى إلى رِضْوان الله عز وجل، وأحْمَقُ الحَمْقى الذي اغْترَّ بالدُّنيا ونسِيَ الآخرة، والدُّنيا ساعة تمْضي سريعًا، ويبقى العذاب، فنحن الآن في رمضان، البارحة فقط بدأ، ونحن اليوم في اليوم الثامن والعشرين، فالذي صامَهُ وقامَهُ، وضَبَطَ لِسانَهُ انتهى التَّعَب وبقِيَ الثَّواب، والذي أفْطر، وسَهِرَ سهراتٍ لا تُرضي الله عز وجل انتهى السَّهر ورمضان وبقيَ العِقاب، لذا القضِيَّة دقيقة جدًّا ؛ رِضْوانُ الله عز وجل مُيسَّرٌ لِكُلِّ إنسان، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الدُّنيا، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الآخرة، وأتن برضوان الله تجد الله معك، وإذا وَجَدْتَهُ ما فاتَكَ شيء، وإن فاتَكَ ربُّك ما وَجَدْتَ شيء، ومَن عامَلَ الناس فلم يظْلمهم، وحدَّثهم فلمْ يكْذِبْهم، ووعدَهم فلم يخْلِفهم، فهو مِمَّن كَمُلَت مروءَتُه، وظَهَرَت عدالَتُه، ووجَبَتْ أخوَّتُه، وحرُمتْ غيبتُه. وما دام الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم، هل يُعْقل أن يرْضى الله عنهم وهم على غير استِقامة ؟ فأيَّةُ قِصَّة لا تنبؤُنا بِطُهْر أصحاب النبي وصِدْقهم وصِدقهم وعِفَّتِهِم، هي قِصَّة مكْذوبة، ومن هنا قال عليهم الصلاة والسلام: إذا ذُكِر أصحابي فأمْسِكوا..." فشهادة الله أقوى من شهادة العالمين، فالذي يُشَكِّك في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كاذِب منافق، وهو يُكَذِّب هذه الآية، ألَمْ يُبايِعوا النبي عليه الصلاة واللام تحت الشَّجرة واحِدًا واحِدًا ؟ بدءً من الصِّديق وانتِهاءً بآخِرِ صحابيٍّ، فمن ردَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فهو كذَّاب، ومن كذَّب آيةً فقد كفر، وأصحابي لو تركوا العُشْر لهلكوا..." لأنَّ فيهم النبي صلى الله عليه وسلّم فالإنسان قبل أن يخوض في القرآن الكريم، وقبل أن يتكلَّم عليه أن يحْسب الحساب الكبير، ونحن نُحبُّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ونتأسَّى بهم. والشيء الثاني ؛ أليس بين المسلمين قواسِم مُشْتركة ؟ نعم، هناك آلاف القواسِم المشتركة، أفلا يستطيع الدُّعاة إلى الله أن يبْقَوا في المُتَّفقِ عليه ؟ يستطيعون بالتَّأكيد، ونحن إذا بقينا على الكتاب والسنَّة اتَّحَدْنا ولن نختلف وبذلك نقْوى، ونتعاوَن، وما مِن هدف يُثْلِجُ صَدْر أعدائِنَا إلا تفرُّق المسلمين، لذا ندعو إلى وِحدة المسلمين في المشارق والمغارب، فهؤلاء الذين يشْهدون أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله أليسُوا مؤمنين ؟ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾ [ سورة الأنعام ] والخوض في ما حصل بين الصحابة ليس مِن شُغلِك، فَجُزءٌ من عقيدتك أن تضْبِطَ لسانَك مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله اختارني واختار لي أصحابي...". والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفتح ( 48 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة و العشرون من سورة الفتح وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾ [ سورة الفتح ] ربُّنا سبحانه و تعالى في هذه الآية يبيِّن أن هذا الدين العظيم سيظهر على الأديان كلِّها، ولا شكَّ أنكم تسمعون كلَّ يوم أن عدد المسلمين في أمريكا و فرنسا و إنجلترا و الصين و الهند و اليابان و إفريقيا يتزايد في سلسلة هندسية، و قبل عامين أو أكثر احتُفِل في فرنسا بإنشاء مسجد رقم ألف، و في الجزائر أُنشِأتْ أربعة آلاف كنيسة في أثناء الاستعمار الفرنسي وأقبلتْ كلُّها إلى مساجد الآن، و في بعض بلاد الغربية عدد المسلمين يشكِّلون نسبة كبيرة بحيث أصبح دينُ الدولة الثاني هو الإسلام، و على كلٍّ لا عنينا هذه الأرقام، و إنما يعنينا شيءٌ آخر هو أن العالم شرقا و غربا عاد مقهورا من الإسلام، لا عودة تعبُّد بل لا عودة قهر، فقد جرَّب الناسُ الفردية فإذا هي مدمِّرة، فأكرموا الفرد على حساب المجتمع ففسد المجتمع و أكرموا المجتمع على حساب الفرد فسُحِق الفردُ، و العالم كلُّه شرقا و غربا عاد إلى الإسلام مقهورا لا عودة تعبُّد و لكن عودة قهر، لذلك المذاهب الو ضعية الغربية خفَّفت من غلائها و عادت إلى الوسطية الإسلامية، و المذاهب الشرقية خفَّفت من غلائها و عادت إلى الوسطية الإسلامية، و يبدو أن كلّ المذاهب الوضعية سقطتْ في الوحل و لم يبقَ في الساحة إلا الإسلام، لذلك هو يُحارَب هذه المُحاربة في شتَّى بقاع الأرض لا لأنه دين الله فحسب، بل لأن هذا الدين كشف أخطاء بقية المذاهب الوضعية. أضرب لكم بعضَ الأمثلة، كلُّ الأنظمة الوضعية أساسها الرابع الخارجي، ضبط المجتمع يتمُّ عن طريق أجهزة و عن طريق كواشف و عن طريق كميرات التصوير، و لو تعطَّلت هذه الأجهزة لتُم العجب العُجاب، فقد قُطِعتْ الكهرباء في إحدى الليالي في نيويورك، تمَّتْ في هذه الليلة مائتا ألف سرقة، و صارت في بعض ولايات أمريكا اضطرابات عِرقية، خسائر أعمال العنف بلغت ثلاثين مليار دولار، كُسِرت المحلَّات و سُرقت، فهذه الأنظمة الغربية أساسها الردعُ الخارجي، و لكنَّ دين الله عز وجل أساسه الوازع الداخلي، و لما سيدنا عمر قال للراعي بِعْني هذه الشاة و خذْ ثمنها، قال ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: ليست لي و إنني في أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، و لو قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادق أمين و لكنْ أين اللهُ ؟ أروعُ ما في هذا الدين الوازع الداخلي، و أقلُّ ما في الأنظمة الوضعية الرادع الخارجي، هذا الذي يرى في برميل الزيت فأرةً يبيعها في اليوم التالي إلا أن يخاف اللهَ عز وجل، و في التاريخ الإسلامي قصص لا تُصدَّق، و أروع مثلٍ شهر الصيام، و لو أن هذا الشهر جاء في شهر الصيف الحارِّ و دخلتَ أنت إلى الحمَّام وحدك، و في الحمَّام صنبور ماء بارد عذب زلال، هل تستطيع أن تشرب قطرةً واحدة ؟ فما الذي يمنعك ؟ الله معك. أيها الإخوة، لا تنجح الحياةُ من دون دين، وهذا الذي يدخل إلى دورة المياه وهو يعمل في عجن العجين، لو أنه كان بعيدا عن الله، من الذي يضبط غسلَ يديه قبل أن يعجن العجينَ و قد كان في دورة المياه ؟ إيمانه هو الذي يضبطه، لذلك مرَّة جاءت كلمة من وزير المعارف قبل خمسين عاما، قال: كلُّ ما نملك من السلطة على المدرِّس و المعلِّم أن ندخله الصفَّ الساعة الثامنة، وهو في الصفِّ يعلِّم أو لا يعلِّم بحسب إيمانه و بحسب ضميره المسلكي، و بحسب اعتقاده أن الله يراقبه، و مراقبة الإنسان تنتهي عند إدخاله الصفَّ عند الساعة الثامنة، ثم انظُرْ إلى مدير ثانوية، كلُّ سيطرته على المدرِّسين إذا قُرِع الجرسُ يدخل المدرّسون الصفَّ، أما وهو في الصفِّ يعلِّم أو لا يعلِّم يصحِّح أو لا يصحِّح، يتابع مستوى الطلَّاب أو لا يتابع، هذا لا يكون إلا من خلال رجل مؤمن، فالحياة لا تستقيم إلا بالإيمان، كما أن المقولة الشهيرة: الحياة لا تُعاش بلا قِيَم، و الحياة لا تستقيم بلا إيمان، لأنك لو أردتَ أن تقيم على كلّ إنسان مراقب لاحتجتَ إلى مليون شرطي إذا كان عندك مليون مواطن، فإذا تواطأ هذا الشرطي مع المواطن لزمك مليون ثالث يراقب عدم التواطؤ و القضية لا تنتهي إلا أن ينموَ الوازع الداخلي، فإذا نما الوازع الداخلي حدِّث و لا حرج. إنسان يحمل تاجَ كسرى و يحمل سواري كسرى و قميص كسرى و يحمل متاعا يساوي اليوم مئات الملايين، دولةٌ عظمى تنهار أمام جيوش المسلمين يأتي جنديٌّ يحمل تاج كسرى وقميص كسرى و سواري كسرى كلُّه من الذهب الخالص المُرصَّع بالألماس، يحمله إلى المدينة، و يرفض أن ينطق باسمه لئلا يشكره أحد، يقول عمر: إن هذا الذي أدَّى لأمين، يقول له عليٌّ، يا أمير المؤمنين لقد عففْتَ فعفُوا و لو وقعتَ لوقعوا، فمجتمع المسلمين شيء لا يُصدَّق، و نحن نعيش أفكار الإسلام، و لا نعيش واقع الإسلام، الأمانة و الصدق و الورع و الخوف، هذا كلُّه في تاريخنا، هل تصدِّقون أن الزكاة جُبِيتْ من اليمن و لم يجد والي اليمن فقيرا يعطيه الزكاة، أرسلها كلَّها إلى عمر. في الحقيقة الذي يلفت نظر الناس إلى الإسلام تطبيقُه لا أفكارُه، و ذكرتُ البارحة في خطبة الجمعة أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام يقول: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان..." قلتُ: حلاوة الإيمان شيء و منطق الإيمان شيء، أنت إن أعملتَ عقلك اهتديتَ إلى منطق الإيمان، لكنَّ منطق الإيمان لا يساوي حلاوة الإيمان، و ضربتُ مثل: لو أنه وُضع على الطاولة خرائط لقصر فخم،الطابق الأول و الثاني و الثالث، و تقسيم الغرف و تقسيم الأبهاء، و الحسابات الهندسية، ثم تزيين القصر، ثمَّ إكْساء القصر، وفرْشُهُ، والحدائق، معك مائة خريطة عن قَصْر لا يوصَف، وأنت لا تَمْلِك ثَمَن غرفة في أحد أحياء دِمشق، فرْق كبير بين أن تمتلِكَ هذه الخرائِط وبين أن تمْتَلِكَ هذا القصْر، فحَلاوَةُ لا إيمان يذوقها مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمُحمَّد صلى الله عليه وسلَّم رسولاً ونبيًّا. حلاوَةُ لا إيمان لها شروط، قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث مَن كنَّ فيه وجَدَ حلاوَة الإيمان..." طبعًا كلّ إنسان يقول: أنا أُحبّ الله ورسوله أكثر من أيّ شيءٍ آخر ؛ هذا كلامٌ لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فالعِبْرة إن جاءَكَ أمرٌ من الله، وجاءَكَ أمرٌ من إنسان، والأمْران مُتعارضان ؛إن عصَيتَ الخالق، وأطعْتَ المخلوق، فأنت تُحبّ المخلوق أكثر مِمَّا تُحبُّ الخالق ؛ هذا كلامٌ دقيق، ولو جاءَكَ أمرٌ مِن أُمِّك أن تزورها، أمرٌ من صديقك كي تزورَهُ وادَّعيْتَ أنَّك تُحبُّ أمَّك حبًّا جمًّا، ولم تعبأ بِدَعْوة أمِّك، ولبَّيْتَ دَعوة الصَّديق فأنت تُحبُّ صديقَكَ ولا تحِبُّ أُمَّك. وأن يحبَّ المرْء لا يُحِبُّه إلا لله، فهل تستطيع أن تُحبّ إنسانًا لا تنتفِعَ منه لا نفْعًا مادِيًّا ولا معْنوِيًّا، وقد يكون فقيرًا وضعيفًا، فأنت إن فَعَلْتَ هذا حُبًّا في الله فهذه خصْلة عظيمة، بها يُذيقَكَ الله حلاوة الإيمان. ثمَّ إنَّ إعْمال العَقْل في أمور العقيدة والشّريعة يُكْسِبُكَ منطِق الإيمان، ولكنَّكَ إذا أطعتَ الله عز وجل وآثرْتَهُ على كلِّ مَخلوق، وأحْبَبْتَ الناس وِفْق الولاء والبراء، وكرِهْتَ الجاهِليَّة التي كُنتَ فيها كما تكرهُ أن تُلقى في النار عندئذٍ تَذوقُ حلاوة الإيمان، فلذلك النِّظام الوّضْعي أساسهُ الرادِعُ الخارجي، وهذا قد لا يكون مُحْكمًا، فلإنسان لا يُمْكِنُ أن يُراقبَ الإنسان فإذا دخل بيته، وإلى دُكَّانِهِ لا يُراقب، فملايين المخالفات تُرْتَكَب في ظلّ الرقابة الرَّدْعِيَّة، أمَّا في ظِلّ الوازع الداخلي لا يُمكن أن يُرْتَكَب ولا خطأ لأنَّ الله مع الإنسان، وهو رقيب عليه، ويعلم سِرَّهُ ونَجْواه، فكما أنّ الحياة من دون قِيَمٍ لا تُعاش فالحياة لا تستقيم من دون إيمان، والذي ترونهُ أمامكم ؛ مُوظَّف ما الذي يمْنَعُهُ أن يأخذ ما ليس له ؟ خوف الله فقط ! فإن لم يكن الموظّف مؤمن وأمين سيَأخُذ ما ليس له، وقد لا تَكْشِفُهُ إلا في وقتٍ متأخِّرٍ جدًّا، فلذلك كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾ [ سورة الفتح ] وهذه بِشارة، وقد لاحَتْ معاِلمُها، سَمِعتُ في بعض البلاد الغربيَّة أنَّ عدد المسلمين في زيادة كبيرة جدًّا، وقد وصَلوا إلى بعض المراكز، فهذا من بشائر الله عز وجل، فنحن علينا أن نسْعى لإحقاق الحق، ولِنَشْر هذا الدِّين بالحُسنى، وبالمعروف، وكفى بالله شَهيدًا فمعنى وكفى بالله شَهيدًا أنَّ أفعال الله تأتي مُطابقةً لأقواله، فهو يشْهَدُ لنا أنَّ هذا القرآن كلامهُ، فأنت تقرأ القرآن تجد أنَّ أفعال الله تأتي مُطابقَةً لأقواله، فالذي ترَكَ ذِكر الله، طاعته ؛ مَعيشَتَهُ الضَّنْك شهادة الله أنَّ هذا القرآن كلامه، وكذا إن أكلْتَ الرِّبا ومُحِقَ مالك فهذه شهادة الله على صِدق كلامه، لذلك أجمل في القرآن تأويلُهُ، وأولُهُ وُقوع الوَعد والوعيد، فتلف المال تأويل أكل مال الربا، وزكاة المال تأويل آيات الصَّدَقة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾ [ سورة الفتح ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفتح ( 48 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، كما تعلمون مِن قبل أنَّ الله سبحانه وتعالى تَكريمًا لهذا النبي العظيم لم يُخاطِبْهُ باسْمِهِ إطلاقًا، يقول الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(9)﴾ [ سورة التحريم ] وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾ [ سورة المائدة ] ولكنَّهُ ذكرهُ بِصيغَة الغائب، فقال الله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾ [ سورة الفتح ] أيها الإخوة الكرام، إنَّ مِن أخطر ما تُصاب به الأمَّة أي يكونوا أشِدَّاء فيما بينهم، ورحماء على غيرهم، وأن يُجْعَلَ بأسُهُم بينهم، ورحماء على الآخرين، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يصِفُ مجتَمَع المؤمنين، أو يصِفُ مجتَمَع الصَّحابة الكرام، وهم قِمَّة المجتَمَع الإسلامي أنَّه أشِدَّاء على الكُفَّار رُحماء بينهم، وهناك وصْفٌ آخر، قال تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)﴾ [ سورة المائدة ] أما إن كُنَّا أشِدَّاء على بعضِنا، وأعزَّةً على بعضِنا، وأذِلاَّء على مَن سِوانا وعُكِسَت الآية فالهَلاك لِهذه الأُمَّة، قال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة محمد) قد يقول قائِل: ولكن هو رسول الله ! نقول له: ألَمْ تقرأ قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾ [ سورة هود ] وألَم تقرأ قَول النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر..." قال تعالى ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [ سورة محمد ] معهُ في الطاعة، ومعهُ في البذْل، ومعه في التَّضْحِيَة، ومعه مُتعاوِنين ومعه مُتناصِرين، ومعه مُتباذِلين، ومعه مُتزاورين، إنَّهم معه، قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)﴾ [ سورة المائدة ] هؤلاء أصحابُ سيِّدنا موسى، أما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال: والذي بعثَكَ بالحق، لقد آمنَّا بِكَ، وصَدَّقناك، وشَهِدنا أنَّما جئْتَ به هو الحق، فامْضِ بما أردْتَ، وصِل حِبال من شئْتَ، واِقْطَع حِبال مَن شئْتَ، سالِمْ مَن شئْتَ وعادي مَن شئْت، خُذْ مِن أموالنا ما شئْتَ، ودَعْ ما شئْت، فهو الذي بَعَثك بالحق، وسِرْ على بركة الله، ولو خُضْتَ بنا هذا البحر لَخُضْناهُ معَك، وما تخلَّفَ مِنَّا، ولعلَّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرُّ منه عَيْنُكَ، فهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ هؤلاء الذين نصروا الله، وهؤلاء الذين رضي الله عنهم، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾ [ سورة الفتح ] وبإمكانِكَ في أيّ زمانٍ أن تكون مسلمًا صادِقا مُتعاوِنًا مع إخوانِكَ، قال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [ سورة محمد ] أما أن تبْحَثَ عن الشيء الذي يُزْعِجُ أخاك ؛ مِن أين يتألَّم ؟ وكيف تُعَطِّل عليه الأمر ؟ وكيف تَجْعلُهُ لا ينام الليل وهو أخوك في الإسلام ؟ إذا كُنَّا كذلك فاقْرأ على هذه الأمَّة السَّلام ! وقفَ رجل على الحجَّاج، والحجَّاج يريدُ أن يقتُلَهُ قال: أسألُكَ بالذي أنت بين يَديه أذَلُّ مِنِّ بين يَدَيك، وهو على عِقابِكَ أقْدر منك على عِقابي، مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام على صحابيٍّ وهو يضرب غلامه فقال له: اعْلم أبا ذّر أنَّ الله أقْدرُ عليك منك عليه، وهناك شَواهِد لا تُعَدُّ ولا تُحْصى نم حياتنا، ومن علاقاتنا، لا نرْحَمُ بعضَنا أبدًا، ويا عبادي إن أردتم رحمتي فارْحموا عِبادي. أيُّها الإخوة مرضٌ خطير يسْري في أعضاء المجتمع الإسلامي أنَّهم أشِدَّاءُ على بعضِهم، ورُحَماء مع غيرهم، وضِعافٌ أمام غيرهم، ومُتَلطِّفون مع مَن سِواهم، وشديد في البيت، ورحيم خارجها، هذا لا يليق بالإنسان، قال عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله..." هذا وَصْفُ الله عز وجل للمؤمنين فيما بينهم ؛ أشِدَّاء على الكفار رُحَماء بينهم، فإذا الإنسان أكْرَمَهُ الله بِعَمَل، وأمامه شَخصٌ ضَعيف يرْجوه بإمكانِكَ أن تُيسِّر له أمْرهُ وبإمكانِكَ أن تُنْجِزَ له معامَلَتَهُ اليوم، لا تقلْ له تعالى غدًا، هو آتٍ من مكان بعيد !! فما معنى أن يأتيَكَ غدًا ؟ يجب أن ينام في الفندق، ويجب أن يدْفَعَ مئاتٍ وأُلوفًا، فيا أيُّها الإخوة الكرام إن أردْتُم رحمة الله فارْحموا خلق الله، إنسانٌ ذَهَب إلى طبيب يُريدُ جْراء عملِيَّة، أخذَ منه دَفعَة أولى والمبلغ كبير جدًّا، فقال له: اِذْهب، واجْمَع المال مِمَّن تشاء، لا أُجْري هذه العَمَلِيَّة أقلّ مِن مائة ألف !!! هناك أناس قُساة لا يرحمون الناس ولكنَّ الله بالمرصاد، وهؤلاء كلُّهم عباد الله إن كانت رؤيَتُكَ صحيحة فإن أردْتَ أن تُغْضِبَ الله فآذِي عباده، وإن أردْتَ أن تُرْضِيَهُ فاخْدُم عباده، والراحمون يرْحمهم الله، فكلّ واحِد منَّا يستطيع أن يرْحَمَ المسلمين بِخِدْمَتِهِ يبيعُهم بِضاعة جيِّدة، ويتلطَّف معهم، والتاجر الصَّدوق مع النَّبيِّين والصِّديقين يوم القيامة، وكذا إن كنتَ طبيبًا، وهذا الكلام للمحامي والمهندس والمعلِّم وللتاجر، والصانِع، والمزارع، تَجِدُ لا مزارِع يضَع هرمون لِكي ينمو النبات بسُرعة، وهذا الهرمون مُسَرْطِن !! فهذا الذي لا يراقب الله في أعماله فالله له بالمرصاد. قال تعالى: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ [ سورة الفتح ] يخضعون لأمر الله، ويستمدُّون منه العَون، قال تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ [ سرة الفتح ] يريدون فضْله ورضْوانَهُ، فهناك من يريد فضْلَهُ فقط ؛ مال وبيتًا فخْمًا، وامرأةً، وتِجارةً ولا يرجو رِضوان الله، أما المؤمنون الصادقون يبْتغون فضْل الله ورِضْوانه، وهذا أعلى شيء، والجزاء الجنَّة من أنهار وعسل وخمر لذَّة للشاربين، وحور عين، وأعلى من ذلك، قال تعالى ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)﴾ [ سرة يونس ] ا لنَّظَر إلى وجْه الله الكريم، وأعلى من ذلك، ورِضوان من الله أكبر فأعلى شيء يُمْكِنُ أن تصِل إليه أن يرْضى الله عنك، وبِإمكانك أن ترْضِيَه أحْسِنْ إلى خلْقِهِ، يرْض عنك، وكُنْ مصْدَر نورٍ وإشعاع وخير، وإيَّاك وأن تقْبَلَ عملاً فيه إيذاءٌ للمؤمنين. قال تعالى: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [ سورة الفتح ] وَجه صافي، ومُنيب، وبريء، واتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّه ينظُر بِنُور الله، طُهر وبساطة، ولا يوجد التَّعقيد والمكر، والخِداع فالإنسان يرْتاحُ مؤمن، والوَجْهُ صفحة النَّفس، وبراءتُكَ تظْهر على وَجهِك قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [ سورة الفتح ] فالمؤمن مثلهُ في الإنجيل كَمَثَلِهِ في التَّوراة، كمَثَلِهِ في الإنجيل، كمثَلِهِ في القرآن. قال تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [ سورة الفتح ] الزَّيتون له فسيلة هذا اسمُهُ شطْ النبات، فالشَّجرة آزَرَت هذه الفسيلة، وفي تفسير آخر، الفسيلة آزَرت هذه الشَّجَرة، النبي يُقَوِّي المؤمنين، والمُؤمنين يَدْعمون النبي ! تعاوُن مُشْترَك، فالداعيَة يُعلِّم الناس، وهم يَدْعمون، ويتعاونون معه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾ [ سورة المائدة ] قال تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [ سورة الفتح ] هناك تَسلسُل، وتدرُّج، أنت تبدأُ طريق الإيمان، فيبْدأ وتشْتدُّ عزيمتُك، وتقْوى اسْتِقامتُك ويسْمو عملُك. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾ [ سورة الفتح ] فأيُّ مؤمنٍ إلى آخر الدّوران آمنَ وعَمِلَ صالحًا، له مِن الأجْر والثَّواب كما لِهؤلاء الصَّحابة الكرام فربُّنا ربُّهم، والطريق إليه سالِك، ومنهم في الآية بيانِيَّة وليْسَت تبْعيضِيَّة أي مِن جنس الصَّحابة، فنحن إن كنَّا منهم، تقول هذا القمحُ من هذا الكيس، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾ [ سورة الفتح ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الأولى من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾ [ سورة الحجرات ] أي أنت تُقدِّم اقْتِراحًا، وبديلاً لأمر الله تعالى، ولِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فحينما تقْترِحُ شيئًا لم يكن في منْهج الله، وحينما تريد أن تُضيف شيئًا ليس مِن دين الله، وحينما تتمنَّى أنَّ هذا الحكْم الإلهي لا يتناسبُ مع هذا العصْر وحينما تريد أن يُضاف على الإسلام شيئًا، أو أن يُحْذَفَ منه شيئًا فأنت لا تعرف الله عز وجل، لأنّ الله الذي شرَّعَهُ هو الخبير والصانِع. لذا لا تُقَدِّموا ؛ لا تضَع حُلولاً لم تَرِد في شَرْع الله، ولا تقْتَرِح اقْتراحاتٍ لا تتوافق مع سنَّة رسول الله، فالذي جاء به القرآن الكريم، والذي جاءَت به السُّنة المطهَّرة ؛ قوْلٌ فصْلٌ مِن عند خبير عليم ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)﴾ [ سورة المائدة ] فالتَّمام عَدَي، والكمال نَوْعي أيْ عدَدُ القضايا التي عالجهَا الدِّينُ الإسلامي تام لا يقْبَلُ زِيادَةً، ولا يَحْتَمِلُ نقْصًا، وطريقة المُعالجَة كاملة، ولا تقْبَلُ تَعْديلاً، ولا تطْويرًا، فالعَدد تانّ، والطريقة كاملة، لذلك أمر الله عز وجل بِأشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، ونهى عن أشياء لِحِكمة مُطلقة، وسَكَتَ عن أشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، فالذي سَكَتَ عنه يتعلَّق بالمُتَغَيِّرات ؛ اختلاف البيئات، والتَّقاليد والعادات، والأماكن الجغرافيَّة، والأعْراق، والأجناس، والذي سَكَتَ عنه مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي أمرَ به أمْرًا قَطْعِيَّ الدَّلال هذا مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي نهى عنه نَهْيًا قَطْعيَّ الدَّلالة مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي أمرَ به أمْرًا ظَنِيًّا فهذا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي نهى عنه نَهْيًا ظَنِيًّا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، فحينما تعْلَمُ أنَّ هذا القرآن الكريم كلام خالق الكون، وأنَّ كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ مِن عند خالق الكون، لِقَول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾ [سورة النجم ] فَحينما تعْتَقدُ ذلك لا تجرأ أن تُضيف على الدِّين شيئًا ولا أن تحْذِفَ منه شيئًا، ولا أن تتمنَّى أن يكون الحُكْم غير ذلك، ولا أن ترْجو أن تضَعَ بديلاً لِهذا المنْهج الإلهي، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾ [ سورة الحجرات ] لا تُقَدِّم اقْتِراحًا ولا بديل، ولا سُلوكا لم يفْعَلْهُ النبي عليه الصلاة والسلام. ورَدَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن حد البشر....والذي نفسُ محمَّد بيدِه لا ينطق هذا اللِّسان إلا بحق..." في الرِّضَا وفي الغضب، ولو لم يعْصِمْهُ عن الخطأ كان الأمْر أن نُطيعَهُ في كلّ ما جاءَنَا به، وأن ننتَهي عن كلّ ما نهانا عنه ؛ أمْرًا لا معنى له، كأنَّ الله أمرنا أن نخطئ، لو أنَّه غير معصوم، وقد أمرنا الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾ [ سورة الحشر ] لو أنَّه غير مَعصوم، وأُمِرْنا أن نأخذ عنه كلّ شيء، وأن ننْتهي عن كلّ شيء نهانا عنه، لكان هناك أمْر بالمعْصِيَة إذا كان النبي غير معصوم إذًا هو معصوم بأقواله، وأفعاله، بل إنَّ سنَّتَهُ التي نطَقَ لها، والتي فعلها والتي أقرَّها هي وَحيٌ يوحَى، فالإنسان يتطاوَل، وهو لا يشْعُر، يريدُ أن يضَعَ توجيها ؛ يا أخي الحياة مُعَقَّدة ! وأن نُجمِّد المال بطريقة غير ربَوِيَّة ؛ هذا غير مألوف ! يريدُ هو أن يضَعَ بدائل لاسْتِثمار المال، ويريدُ نِسبًا ثابتة، فكثر التُّجار الآن يُعْطون رِبَحًا ثابتة ! وما معنى أرباحًا ثابتة ؟! يعني هذا ربا، لذا ينبغي أن لا تُقدِّم أتراح ولا بديلاً، ولا إضافةً ولا حذْفًا لما جاء به الله عز وجل، أتن لا تتعامَل مع جِهةٍ أرْضِيَّة تُصيبُ وتخطئ إنَّك لا تتعامَل مع مُشَرِّع مِن بني البشَر يكشِفُ حقيقةً، وتغيبُ عنه حقيقة ولا مع إنسان يُحابي نفسَه، إنَّكَ أمام تشْريعٍ إلهي خالق الكون. فهذه الآية على مدار الأيام، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾ [ سورة الحجرات ] إنَّك إن قلتَ: هذه فيها نقْص، وأنا أضيف كذا، وهذه لا أُطيقها ! فأنت تتَّهِمُ الله تعالى، قال تعالى ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [ سورة البقرة ] فإذا قلتَ هذا لا نسْتطيعُهُ ! فمعنى ذلك أنَّ الله تعالى كلَّفَنا ما لا نُطيق. أيها الإخوة، القِصَّة أنَّ الإنسان إذا عرفَ الله انْصاع إلى أمْرِهِ، وكنتُ أقول دائِمًا: إن عرفْتَ الآمِر، ثمَّ عرفْتَ الأمْر، تفانَيْتَ في تطبيق الأمر أما إن لم تعرف الآمر، وعرفْت الأمْر تفنَّنْت في التَّفلُّت منه، فبين أن تتفانى في تَطبيقه، وبين أن تتفنَّنَ في التَّفَلُّت منه ؛ مسافة كبيرة، لذا اِعْرِفِ الآمِر قبل الأمْر، وأنَّ هذا الذي شرَّعَ هذا الدِّن هو خالق الأرض والسماوات، فهذه مجرَّة تبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة مع أنَّ الضوء يقْطع في الثانيَة الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، فالذي صَنَعَ هذه المجرَّة وخلقها هو الذي أنزَلَ الكاتب، وشرف الكتاب من شرف المرْسِل فالله هو الذي شرَّعَ، ومن هنا قال سيّدنا سَعد بن أبي وقاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِد من الناس، من هذه الثلاثة قال: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّه حقٌّ نم الله تعالى، فالعِلْم كلَّما تقدَّم الْتقى مع الدِّين، فلا تفْرح بالدِّين إذا وافق العِلْم ولكن اِفْرَح بالعِلم إذا طابق الدِّين، فالأصل هو الدِّين، والأصْل كلام الله فأنت إن فرِحتَ مُطابقة الدِّين للعلم إنَّك بهذا تجْعل العِلم هو الأصْل، والعِلم تَجريبي يخطئ ويُصيب، وكلُّه تَجاريب ونظريَّات، درسناها وثبَتَ خطأها، قلتُ البارحة لإنسان: قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾ [ سورة النحل ] في عصْر النبي كان هناك خيل وبِغال وحمير، ويُتباهى بها، فلو أنَّ القرآن من عند النبي لنتعت الآية هنا، يأتي إنسان في هذا العصْر ويركب أفْخر أنواع المركبات من سيارات وطائرات وقطارات، فأين الآية ؟ ولكنَّ الله تعالى قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾ [ سورة النحل ] كلُّ شيءٍ دخَلَ هنا، لأنَّ الله يعلمُ ما سيصْنع الإنسان. أيها الإخوة، يجب أن نعلم ونعتَقِد أنَّ هذا القرآن من عند الله الخبير، ومن عند الله الصانِع، ونحن أعْقَدُ آلةٍ في الكون، ونحن علينا أن نُطَبِّق تعليمات الصانِع. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾ [ سورة الحج ] سيِّدُنا زَيد الخَيْر حينما أسْلَمَ، أخَذَهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى بيتِهِ تَكريمًا له، أعطاهُ وِسادةً لِيَتَّكأ عليها ؛ فقال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حَضْرتِكَ ! إذًا هذا الصَّحابي عرف قيمة النبي عليه الصلاة والسلام في حَضْرَتِهِ. سُهَيْل بن عَمرو حينما وقَّعَ مع النبي عليه الصلاة والسلام صُلْحَ الحُدَيْبِيَّة رفضَ أن يُكْتب فيما تعاهَد عليه محمد بن عبد الله رسول الله ! قال: اُمْحوا رسول الله، أما حينما أسْلَمَ كان يتمنَّى ان يُفدي النبي عليه الصلاة والسلام بِرُوحِهِ ! مَوْقِفُه قبل الإسلام غير موقفِهِ بعده. وهذا سُراقة مِن أجل مائة ناقة أراد أن يقْتُل النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يقتُلَ النبي عليه الصلاة والسلام ! فلمَّا أسْلَمَ أيْقَنَ أنَّ نُوقَ الدنيا كلّها لا تعْدل ظفْر النبي عليه الصلاة والسلام فأنتَ يُمْكن أن تقيس إيمانَكَ بقَدْر ما تُعَظِّمُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، فكتاب الله، ورسول الله، وبيتُ الله، ودينُ الله، وشرْعِهِ، ومنْهَجِهِ، وكذا المؤمنين، فقد تَجِدُ من المؤمنين من هم فقراء لا يمْلِكون شيئًا، فأنت تَحْتَرِمُ هذا المؤمن وكأنَّهُ إنسانٌ عظيم، لذا يُمْكنُ أن يكون مِقياس تَعظيم شَعائِر الله هو مِقياس لإيمانِك. يقول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾ [ سورة الحجرات ] أحَدُ كبار العلماء كان لا يرْفَعُ صوتَهُ أمام درْس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان يتوضَّأ ويرْتدي أجْمَلَ ثِيابِهِ، ويُحَدِّث بِحَديث رسول الله، ولا يسْمَحُ لأحدٍ أن يرْفَعَ صَوْتَهُ في مجْلس حديث رسول الله، وأنا أسوق لكم هذه الأمثلة مِن أجل أن نسْتنبِط حقيقة واحِدَة، وهي بِقَدْر ما تُعَظِّم الله ورسوله وكاتبَهُ، ودينهُ، والمؤمنين هو قَدْرُ إيمانِكَ بالضَّبط، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾ [ سورة الحجرات ] كان أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام يطْرقون باب النبي عليه الصلاة والسلام بأظافِرِهم، ولم يرْفعوا صَوتهم أمامه صلى الله عليه وسلَّم، وبعد موتِهِ نُعَظِّم سيرتَهُ، وحديثهُ، وتَوْجيهَهُ فلا نستهزئ بِتَوْجيهِ النبي عليه الصَّلاة والسَّلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾ [ سورة الحجرات ] لذا قال العلماء هناك كُفْر قَولي، وكُفْر عَمَلي، وكُفْر اعْتِقادي، فإذا أمْسَكَ الإنسان بالمصْحف لِيُهينَهُ فقد كَفَر ؛ هذا كُفْر عملي، وهناك كُفْر اعْتِقادي وهو أن تعْتَقِدَ مع الله إلهًا آخر، أو أن ترفضَ آيةً في كتاب الله، أو حديث رسول الله، والقول أن تنْطِق بالكفر، والسُّلوكي أن تفْعَلَ شيئا فيه إهانةٌ لِكِتاب الله، لذا نهى العلماء عن أن تقول لإنسانٍ اسمُهُ يحيى: يا يحيى خُذ الكتاب! لأنَّكَ تستخْدِمُ آيةً قرآنِيَّة لِغَرَضٍ دُنيَوي، ونهَوا على أن تقول لإنسان تريد أن تدْفَع: اِدْفَع بالتي هي أحْسَن ! فأنت تسْتخدم آيات القرآن الكريم لٍغَير ما اسْتُخْدِمَت له. أردْتُ من هذه الأمثلة أن تقيس إيمانَك بِقَدْر ما تُعَظِّم الله عز وجل ورسوله وكتابه وشعائرهُ، قال تعالى: (( ومن يُعَظِّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب.." )) هناك إنسان يضَعُ القرآن في غرفة نومِهِ بِمَكانٍ غير لائِق والأولى أن لا يكون في غرفة نوْمِهِ مصْحف ! وإن لم يكن لك إلا هذه الغرفة فضَعهُ في مكانٍ عالٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)﴾ [ سرة الحجرات ] هناك مواقف في السيرة مُذْهِلَة، قال له: أيُّهما أكبر ؟ أنت أم رسول الله ؟ سيِّدنا العباس، فقال له: هو أكبر مِنِّي، وأنا وُلِدْتُ قبلَهُ ! تعظيمُ رسول الله وتَعظيمُ سنَّتِهِ من بعده، وتعظيم كتاب الله، وتعظيم الذين ينقلون هذا العِلْم، هذا جزءٌ من دينِك، فلو وقفْتَ بالسيارة لإنسان يرتدي جبَّة في الطريق، فأنت عظَّمتَ هذا الأخ لأنَّه يرتدي لِباس رسول الله، فَكُلّ مَن يُساهِم في تَكريم مَن يرْتدي الزَّي الإسلامي ؛ هذا عمل رفيع يقول عليه الصلاة والسلام: إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشَّيبة المسلم..." فالإنسان يحْرصُ على الدِّين حينما يُكَرِّم أهل الحق، هذا بعد وفاة رسول الله، فهؤُلاء ينيبون عنه في إبلاغ الناس الحق، أما في حياة النَّبي فما استطاع أصحابُهُ أن يصفوه، لأنَّهم ما دقَّقُوا في وَجْهه مِن شِدَّة حيائِهم منه وخجَلِهم، ومِن شِدَّة وقاره صلى الله عليه وسلَّم. فالمرأة مساحة دينها مُتَعَلِّقة بِلِباسها، فكلَّما كانت ثيابها مستورة كلَّما كان دينها أقْوى، فكلَّما كانت ثيابها ساترةً وفضْفاضَةً، ودينُ الرجل يُقاسُ بتَعظيمه لأمر الله عز وجل، فأحيانًا تجِدُ أشخاصًا يرفعون أصْواتهم في المساجِد، هذا بيتُ الله، ويرفع صَوتَهُ، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق ما رُئِيَ مادًّا رِجْلَيه أمام الأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ وهو سيِّدُهم. فهذه الآيات ذَكَرتها ما أُريدُ منها التَّفاصيل، ولكن أريدُ جَوهرها، والآية واضِحَة، قال تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾ [ سورة الحج ] والله أذْكُر أنَّني كنتُ بِمَكان، فرأيتُ أحدهم يأخذ لُبَّ الخُبْز فيمْسَحُ به حِذاءَهُ ! والله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾ [ سورة البروج ] وهذا ورقٌ فيه آيات يرْميهِ بِسَلَّة المُهْملات !! مُلخَّصُ الدرس، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾ [ سورة الحجرات ] هناك أشْخاص يُصَلُّون بِقَميص داخلي ! الإنسان يقف بين يدي الله، أنت تستحي أن تقف أمام إنسان بهذا القميص، فكيف بالله عز وجل ؟! ولقد كان الصَّحابة الكرام إذا صلُّوا قيام الليل يلْبِسون أجْمَلَ ثِيابِهم ويتعطَّرون ويغْتسلون، ويُصَلُّون، فَكُلَّما عظّمْتَ شعائِر الله كلَّما كان إيمانُك أكْبر، وهذا الذي يرْفَعُ صَوْته فوق صَوت النبي حبِط عملُه، قد يقول أحدهم: لا حياء في الدِّين!! هذه آية أم حديث بل الدِّين كلُّه حياء، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(29)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(30)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(31)﴾ [ سورة المعارج ] تعلَّم من كلام الله الأدَب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾ [ سورة المائدة ] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(189)﴾ [ سورة الأعراف ] فهذه الحالات بأسمائِها وتفاصيلها يتنافى مع أصول الدِّين، قال لها عليه الصلاة والسلام: يا بُنَيَّتي إنَّ هذه الثِّياب تصِفُ حجْم عِظامك..." أدَبٌ جمّ، وقال عليه الصلاة والسلام: أدَّبني ربِّي فأحْسن تأديبي..." فَفَرْقٌ كبير بين مؤمن مُنضبِطِ في حركاته وسكناته وبين آخر لا يعرف من الانْضباط إلا اسمه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)﴾ [ سورة الحجرات ] فهذا أبو بكر رضي الله عنه كان يمْشي مرَّة أمام النبي، ومرَّة من خلف ومرَّة من اليمين، وأخرى عن يساره، فيقول له عليه الصلاة والسلام: ما هذا يا أبا بكر ؟ فيقول: والله ما أخاف على نفسي، ولكن أخاف عليك !! وهذا الذي يقول عنه صلى الله عليه وسلَّم: ما ساء ني قطّ !! وهناك أعرابي مسَكَ النبي من ثوبه، وقال له: اعْدل فإنَّ هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك ! فالإنسان عليه أن يقيسَ إيمانه بِقَدر تَعظيمه لأمر الله، فأنت إن رأيت الكعبة هناك دُعاء، وإيَّاك ورفْع الصَّوت، فعَدَم رفع الصوت من شعائر الله، وكان النبي يغْضب أشدّ الغضب إذا استُخْدم المسْجد لِغَرض الدنيا. فنحن علينا أن نتَّبِع النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفِّي، ونستنُّ بِسُنَّتِهِ وهذا الذي يُرضيه بعد موته صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾ [ سورة الأنفال ] مادام سنَّته صلى الله عليه وسلَّم فينا فلن يُعذِّبنا الله تعالى إن شاء الله وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المؤمن..." وقال عليه الصلاة والسلام: ليس مِنَّا من لم يُوقّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا..." والإنسان يرْقى بالأفعال الطَّيِّبة. كان عليه الصلاة والسلام لا يُواجِه أحدًا بما يكْره، فكان يقول: ما بال أقوامٍ ! سمعتُ عن قاضي دخلَتْ عليه امرأة ذاتُ صِحَّة جيِّدة، وهي تصْعد الدَّرج خرج منها صوتٌ فاحْمرَّ وجهها، وقالت لأختها: سَمِعنا القاضي: فوصَلتْ إليه: فقال لها: ما اسْمُكِ يا أختي ؟ فقالت: فلانة، فقال لها: ما سمِعْتُك ! فأعادتْ عليه، وهو يقول: ما سمِعْتُك، فقالت لأختها: أرأيتِ، الحمد لله لم يسْمَعنا! وسيِّدنا أنس خدم النبي عليه الصلاة والسلام السِّنين فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلَّم لِمَ فعلْتَ كذا، أو لِمَ لمْ تفْعل كذا ؟ فهناك مواقف على المؤمن أن يُحْسِن الأدب فيها. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ [سورة الحجرات] كأنَّ الله سبحانه وتعالى يريدُ أن يتماسَكَ المؤمنون، وأن يُحِبَّ بعضهم بعْضًا، وأن تكون العلاقات فيما بينهم مُحْكمةً متينة، فما الذي يقطع هذه العلاقات ؟ ما الذي يُضْعِفُهم ويُشَتِّتُهم أن يتفرَّقوا، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾ [سورة الأنفال ] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾ (سوة الأنعام) الذي يُفَرِّق بينهم سوء العلاقة بينهم، وسوء العلاقة سببُهُ الغيبة والنَّميمة. النَّميمة أن تنْقلَ خبرًا سيّئًا عن إنسان، قد يبْدو للناس أنَّ المجتمع مُتماسِكًا قال تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾ [سورة الحشر] هذه الآية لو طُبِّقَت لَكنَّا في حالٍ غير هذا الحال، فن جاءَكَ خبَر لا بدَّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدَّ من التَّثبُّت ولا بدّ من الاسْتِمْهال، فلو بلَّغَكَ أحدٌ عن شَخْصٍ أنَّه قال في حَقِّكَ: كذا وكذا، تريَّث ففي القرآن آية، وهي قوله تعالى: ﴿ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(27)﴾ [سورة النمل] نصيحَةٌ لِوَجْه الله، إيَّاك أن تتَّخِذ قرارًا على خبر الآحاد، فلا بدَّ من التَّثبُّت والتَّحقُّق. حدَّثني صديق له معمل حلويَّات، طلبَ من المعمل مائة علبة زبدة، فأرْسَلَها له، عدَّها صاحب المحلّ، فذَهَب إلى معطف أحد الموظَّفين فرأى في جَيْبِه قِطْعةً منها ! فالدليل قَوِيّ جدًّا ! كاد أن يطْرده، وأن يفْضَحَهُ وأن يسْحَقَهُ، ولكنَّ الله تعالى صبَّرَني، فقلتُ في نفسي: انْتَظِر ! ذَهَب إلى المعمل لِيُحاسِبَهم، فلما ذَهَب قالوا له: بعثْنا لك مائة باكيت، واشْترى أحد من يشْتغل عند باكيت، ونودُّ منك فقط ثمن التِّسعة و التِّسعين ! فالتَّثبُّت والتَّمَهُّل يريحُ. سيِّدُنا عمر جاءتهُ رسالة من أحَدِ الوُلاة محتواها: أنَّ أُناسًا قد اغْتصَبوا مالاً ليس لهم، ولسْتُ على اسْتِخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذَاب، فإن أذَنْتَ لي فَعَلْتُ، قال: يا سبحان الله ! أتسْتأْذِنُنِي في تَعذيب بشر ؟! وهل أنا لك حِصْنٌ من عذاب الله ؟ وهل رِضائي عنك يُنْجيكَ من سَخَطِ الله ثمَّ قال له: أَقِم عليهم البيِّنة، فإن قامَت فَخُذْهم بالبيِّنة، وإن لم تقُم فادْعُهُم إلى الإقرار، فإن أقرُّوا فَخُذْهم بإقرارهم، فإن لم يُقِرُّوا فادْعُهُ لٍحلف اليمين فإن حلفوا فأطْلِق سراحهم، ويْمُ الله لأَنْ يلْقَوا الله بِخِيانتِهم أهْوَن عليَّ مِن ألقى الله بِدِمائِهم !! فإن جاءَتْك ابِنْتُكَ وقالت لك: فَعَل معي زوْجي كذا وكذا فإذا بِكَ تغْضَب، ولكن هل سألْتَ زوْجَكَ ماذا فَعَلتْ به ؟! أنت لسْتَ قاضي عَدل لأنَّ سَمِعْتَ مِن طرفٍ واحِد، لذا أيُّها الإخوة الكرام، أسأل الله أن لا تسْمعوا من طرَفٍ واحِدٍ بل من الطَّرَفَيْن، وتَحَقَّق، وقد ألْقَيْتُ درسًا في جامِع النابلسي عن القضاء، قال لي أحدهم: وما علاقتنا بِهذا الدَّرْس ؟ قلتُ له: كل إنسان بالحياة هو قاضٍ، فهو قاضٍ بين أولادِهِ، وقاضٍ بين أولادِهِ وزوْجاتهم، وقاضٍ بين إخوته، وشُركائِهِ، وقاضٍ بين جيرانِهِ شئْتَ أم أبيْت، لذا عَدلُ ساعةٍ أفْضَلُ مِن أن تعْبُدَ الله ثمانين عامًا !! إيَّاك أن تتسرَّع، فَكَم مِن جريمة قَتْل كانت المرأة ضَحِيَّة بريئة، وهناك مسْرَحِيَّة لِشِكْسبير مُلخَّصُها: أنَّ أحدهم شكَّ بِزوجتهِ بِوشاية، فقَتَلها، وبعد أن قتلها وهي بريئة ثبتَ له أنَّه بريئة فانْتَحَر !! فشيءٌ كبير أن تتَّهِمَ إنسانًا وهو بريء، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ [سورة الحجرات] وفي قراءة فتثبَّتوا، وقذْف مُحصنةٍ يهْدِمُ عملَ مائة سنة، إنسانة بريئة وشريفة تتَّهِمُها في شرفها بِبَساطة، ومن دون تَحَقُّق، بِمُجرَد أن تُقال فيها كلمة بِقيل تُرَوِّجُها، لذا قال عليه الصلاة والسلام: كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع..." ألا يوجد عندك رقابة، ومُصَفِّي للكلام، ولا سيما إن كان هذا المُخْبرُ فاسِقًا، لأنَّ الفاسق عادةً يكْذب، والشرع وحدة مُتكاملة لا تجزأ فالفضيلة لا تجزأ، فالذي يشْربُ الخمْر يكْذب، والذي يزْني يكْذب، والذي يُطْلقُ بصرَهُ في الحرام يكْذب، فالفِسق علامة الكذب، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ [سوة الحجرات] والله أيها الإخوة مئات القضايا لمَّا سَمِعْتها مِن طرفٍ واحِدٍ وجَدْتُ أنَّ الطرَف الآخر مُجْرِم، ولكن لمَّا اسْتَمَعْتُ من الطَّرف الثاني اسْتَحْيَيْتُ ! فالإنسان بِحُكم عمله بالمسْجد تُرْفَع على قضايا كثيرة فهذه خِبرة لمَّا سْمع من طرف واحِد أشعر بأنَّ الطرف الثاني مُجرم، ولكن عند استِماع الطرف الثاني أسْتَحي من الله على سوء ظَنِّي به. قُبَيْل معركة بدْر قال لأصحابِهِ: لا تقْتُلوا عَمِّيَ العباس ! قال أحدهم: أحدنا يقْتُل أباهُ وأخاه وينهانا عن قَتل عمِّه !! فهذا الذي قال هذه الكلمة لمَّا كُشِفَت له الحقيقة يقول: تصدَّقْتُ عشْر سنين وأنا أرْجو اله أن يغْفِرَ سوء ظَنِّي بِرَسول الله !! عَمُّهُ العباس كان مُسلِمًا، ولكن كان عَيْنًا في مكَّة فهو إن لم يُشارِك قومه في مُحاربة رسول الله كشَف أمْره، وإن ذَكَر النبي لأصحابِهِ أنَّهُ مسلِم كشَفَهُ وانتهى دَوْرُهُ، وإن سَكَتَ النبي عليه الصلاة والسلام قَتَلوهُ ! وأنا أقول لكم: آلاف البيوت هُدِمَت بِخَبرٍ غير صحيح وآلاف الشركات وُقِّفَت بِخَبر سيئ غير صحيح، وآلاف الأُسَر شُرِّدَت بِخَبر غير صحيح فما دام عندنا حُكم شَرعي احْتلَّ سَطْرين مِن كلام الله، فهذا شيءٌ خطير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ [سورة الحجرات] الشيء الدقيق أنَّ المُتَكَلِّم فاسِق، وما دام فاسِقًا فاحْتِمال أن يكون كلامُهُ كذِبًا قائِم، إذًا لا بدَّ من التَّحقُّق والدليل والتّثبُّت، ونحن إذا بنَيْنا علاقاتنا على سوء الظَّن انتَهَيْنا وخُرِبَت البيوت، وانتهى كلّ شيء، ولكنَّ الحياة لا تُبْنى إلا على وقائِع وعلى حقائق ويقينيَّات. التاريخ الإسلامي يُؤكِّد لنا كثيرًا أنَّهُ لا بدّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدّ من التَّثبُّت وعلامة نُضْج الإنسان، وعلامة رُقِيِّه النَّفسي، والاجْتِماعي، وذكائِهِ في علاقاته أنَّه لا يبْني حُكْمًا إلا بعد تحقيق وبَحث ودِراسة، فهو حينما يقول: هذا الشيء حُكمُهُ كذا ومع الأدلَّة، ولولا الدَّليل لقال مَنْ شاء ما شاء، فلا بدَّ من الدليل، وأنت عوِّدْ نفْسَكَ عدم قَبول اتِّهام من دون دليل، ولا تكن إمَّعة كما قال عليه الصلاة والسلام: إن أحسن الناس...." ما أنا إلا مِن غَزِيَّة إن غَوَتْ غَوَيْتُ وإن ترْشُد غَزِيَّة أرْشُدِ فهذه الآية تَكفينا، ونريد نحن التَّطبيق، فإن حدَّثَك شَخص عن أخيك انَّه قال فيك كذا وكذا، لا بدّ نم أن تطْلبَ الدليل، ومتى قال هذا الكلام ؟ وفي أيِّ مناسبة، وصدِّقوني آلاف القِصص لو عرفْتَ ملابساتها، وما رافقها، والسَّبب الذي قيلَتْ من أجلِهِ. أذكر أنَّني قلتُ مرَّة: من قبَّل القرآن من وُجوهِهِ السِّتة، ثمّ لم يُطَبِّق أحكامه ما فعَلَ شيئًا لِقَول النبي الكريم: ما آمن بالقرآن من اسْتحلَّ محارِمَه...." أخٌ مِن إخواننا يحْمل شهادة هنْدسة قال لبعْض العلماء: الأستاذ ينهى عن تَقبيل المُصْحف !! وهذا العالم غضِب، وقال في درْسٍ عام: هذا لا يجوز، أن ينْهى إنسانًا عن تقبيل المصحف، ومن يُعظِّم شعائر الله فإنَّها نم تقوى القلوب، وسبحان الله كان أحدُ الحُضور جالسًا في المجلس وقد سَمِع درسي، فقال له: ما هكذا قال !! الْتقى بي بعد حين وطلب منِّي العفْو، وقال لي: تسرَّعْتُ ! فَكَم مِن قصَّة نُقِلَت على غير ما قيلَتْ، والأمْر الثاني أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أنْ لا نضَع أنفسنا مَوْضِعَ التُّهمة ثمَّ تلوم الناس إذا اتَّهَموك، ونبيُّنا أعظم من أن يُشْتَبَه، ولكن لمَّا كان يمشي مع صفيَّة رآه صحابيَّان فقال لهما: على رِسلكما، هذه زوْجتي صفيَّة ! فقالا: أفيك شُكَ ؟! فقال: لا، ولكن الشيطان يجري مجْرى الدَّم. ذكر لي أحدُ إخواننا التُّجار أن يضْطرّ لِجَلبِ مسْتنَدِهِ الساعة الواحدة بالليل فهذا الأخ بلَّغ الحاجب، وأفْهمَهُ سبب أخْذِهِ لهذا المستند حتَّى لا يُقال عنه: أخذ نقود شريكِهِ بالليل !! فأنت إن سافرْت ووصَّيْت أخاك أن يعتني بِبَيتِك في غِيابِك، عليك أن تُبَلِّغ وقلْ: أنا مسافر، وقد أوْصَيت أخو زوْجتي أن يتفقَّدها، أما أن يَرَوا أنّ رجلاً دَخَل، وآخر خرَج، فها يعني أنَّ مشكلةً بالبيت، والبيان يطْرُد الشَّيْطان، فأنت بيِّن، وإن جاءَكَ فاسِق فتثبَّت، وكقاعدة: أنت مُتَّهَم حتَّى تثْبُتَ براءَتُك، فكلّ شيءٍ بيِّنْهُ، عندها نتماسَك ونتحابَبْ، ويثِقُ بعضُنا بِبَعض، فأحدُ الإخوة كان عملهُ إداري، فكان يجْلب له أحدهم بيضًا، ظنَّ بعضهم أنَّ هذه رشْوَة، والأخ كان يُعطيه ثمنَهُ في الخارج، حتَّى نُصِح ذاك الأخ، فأصْبَحَ حينما يأتيه ذلك الشَّخص يُعطيه النقود أمامهم ! فالبيان يطْرد الشيطان. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] النبي عليه الصلاة والسلام نبيُّ الله، ورسول الله، وهناك مَن يحْلو لهُ أن يقول: هو عَبْقَرِيّ، وفَطِن، ولكنَّهُ يتلقَّى مِن ربِّهِ وَحْيًا، فالذي يأتينا به ليس من عنده، ولا مِن عبْقَرِيَّتِهِ، ولا مِن خِبْرَتِهِ، ولا مِن ثقافَتِهِ، ولكن مِن وحَي السَّماء، فالله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)﴾ [سورة الحجرات] لا تُقدِّم اقْتِراحات، ولا بديلاً لسُنَّتِهِ فإنَّ الذي بينكم هو رسول الله، وأُوحِيَ إليه، والوَحيُ كمالٌ مُطلق، وحِكمةٌ مُطلقة، وصوابٌ مطلق، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [سورة الحجرات] معنى عنِتُّم أي هَلِكْتُم وأثمْتم، لأنَّ الله هو الخبير، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] هو الخالق والبارئ والمُصَوِّر، وهو الذي خلق الإنسان، وجبلَهُ جِبِلَّةً خاصَّة ويعرف خصائص النَّفس البشَرِيَّة فَتَشْريعُ الله عز وجل هو الصَّواب المطلق، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم بين يدي رسول الله بديلاً لأمْر من الله عز وجل هو لا يعْلمُ حقيقة التَّشريع، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [سورة الحجرات] هو يوحَى إليه، والوَحيُ هو تَوجيهُ الخالق، فأيُّ تَوجيهٍ أرضي، بين توجيه أهل الأرض، وتوجيهِ أهل الدنيا ما بين الخالق والمخلوق، وفضل كلام الله على كلام خلقهِ كَفَضل الله على خلْقِهِ، فلا يُمْكن أن تضعَ التَّشريع الإلهي جَنبًا إلى جنب مع التَّشريع الوضعي، ولا يُمكن أن تضَعَ التَّشريع الإلهي في دائرة المناقشة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾ [سورة الأحزاب] لا يُمكن أن يوضَعَ تشريع الله مَوْضِعَ الفحْص والدَّرس والمناقشة، فالحدّ الأدنى من الإيمان أنَّه إذا ثبت لك أنَّ هذا حُكمٌ شرعي مُستقى من كتاب الله تعالى، أو مِن سنَّة رسوله أن تُفَكِّر كيف تُطَبِّقُهُ فقط أما أن تفْحصَهُ وتضَعَهُ على بِساط البحث، وأن تُحَكِّمَ عقْلَكَ فيه، هذا كُلُّه لا يجوز فالعقْل وظيفته قبل النَّقْل التَّأكُّد مِن صِحَّة النَّقل، وبعد النَّقل فَهمُ النَّقْل، فالعقل له دوران مع العَقل دَورٌ تثبُّتي، ودوْر في فهْم النَّقْل أما أن يكون العقل حكَمًا على النَّقل، وأن أُفكِّر وأقول: هذه الآية لا تصلُحُ لهذا الزَّمان، مثل هذا الإنسان ينْطلق مِن جهْل كبير، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾ [ سورة النساء ] قال الإمام الشافعي: أولوا الأمْر هم الأمراء والعلماء، فالعلماء يعرفون الأمْر، والأمراء يُطَبِّقون الأمر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾ [ سورة النساء ] فالحَكَم هو الله في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلَّم في سنَّتِهِ، إذًا كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [سورة الحجرات] رآلاف العباقرة، فهناك شَخصيَّات لامعة، وشَخْصِيَّات قيادِيَّة، وعباقرة في شَتَّى العلوم، وكلُّهم في كفَّة، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في كفَّة لأنَّه يتلقَّى عِلْمهُ من الله تعالى، قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾ (سورة النجم ) قد يقول أحدكم: إنَّهُ أُمِّيٌّ !! ولكنَّ أُمِّيَّتَهُ في الحقيقة كمالٌ فيه، ضربْتُ مثلاً مرَّةً لإخواننا الكرام فقلتُ لهم: لو جِئنَا بِعالِمٍ كبير كبير من أوروبا في الفيزياء ولْيَكُن آنْشتايْن الذي اكْتشَفَ النَّظَرِيَّة النِّسْبيَّة وأمْسَكَ كتابًا باللُّغة العربيَّة فلم يسْتَطِع أن يقْرأهُ !! وحدَّثناهُ باللُّغة العربيَّة فلم يفْهم شيئًا، هذا إذًا أُمِّيٌّ في هذه اللُّغة، لذا هل تعني كلمة أُمِّيّ أنّهُ جاهِل، وهو أعلمُ علماء الأرض بالفيزياء !! فالله سبحانه وتعالى تولَّى تعليم النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولكن لماذا منَعَهُ من ثقافة عصْرهِ ؟ لأنَّه لو حصَّل ثقافة عصْرِهِ ثمَّ جاءَهُ وَحْيُ السَّماء وتكلَّم الْتبسَ على الناس أَوَحْيٌ أم ثقافة ؟ ولو كان الأمر كذلك لسُئِلَ كلّ مرة: أهذا مِن ثقافَتِك أم من وحيٍ من السماء ؟! فالله جعلَهُ أُمِّيًا لكي لا يأتي إلى إنائِهِ شيء من ثقافات الأرض، ولِيَكون كلامه كلُّه مِن وَحيِ الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾ [ سورة النجم ] فإذا قال النبي شيئًا فهذا ليس مِن ثقافته، ولا مِن ذكائِهِ، ولا مِن مُحاكمتِهِ بل هو من الله عز وجل، بل إنَّ علماء الأُصول يؤكِّدون أنَّ سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحْيٌ غير مَتْلُوّ، خِلاف القرآن الذي هو وَحيٌ مَتْلُوّ، فأنت حينما تُلقي النَّظَر إلى حديث رسول الله فهذا ليس كلام بشَر، هذا وَحيٌ غير مَتْلُو، ومن هنا قال سيِّدنا سعْد بن أبي وقَّاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، فلا مِن ذكائِهِ، ولا مِن تَجْرِبتِهِ، ولا مِن تحْصيلِهِ بل كلامهُ كلّه من السماء، وأُمِّيَّتُهُ كمال فيه، أما أُمِّيَّتُنا نحن فَنَقْصٌ فينا، فإن لم نتعلَّم مِن بعضِنا بعْضًا بقينا جُهَلاء، فإذا وصَفنا إنسانًا غير الرسول أنَّه أُمِيّ فهذا يعني أنَّ فيه نقْص، أما إن وصَفنا النبي الكريم أنَّ أُمِيّ فهذا كمال فيه لأنّ كلامه من عند الله وليس من عنده. إذًا معنى قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] أيْ فيكم إنسان يتلقَّى مِن وَحي السَّماء، فهذا الذي يقولهُ لا يُمكن أن يخْضَعَ لِمُناقشاتكم ولا يخْضَعُ لِتَقييمِكُم، ولا يُمكن أن يكون عقْلكم حكمًا عليه، بل هو حكمٌ على عُقولِكم. أما لو اسْتجاب لكم وأطاعَكم، واقْتَرحْتُم عليه اقْتِراحات فاسْتجاب لكم فأنتُم بشَر تُصيبون وتخطئون فإذا شرَّعْتُم فكثيرًا ما تخطئون، لأنَّكم تتملَّقون أنفسكم، وتجرون المصالح إليكم، فالتَّشريع لا يمْكن أن يضَعَهُ بشر لأنَّه إن وضَعَهُ بشر حابى نفْسَه، وحابى طبقَتَه، وجماعته، أما حينما يكون التَّشريع من عند الله يخْضَعُ له الجميع، قال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] فالعقل له مدى، فأنت لك مصالح، ولك أهواء وهناك منطقة قد لا تعرفها قل لِمَن يدَّعي في العِلم فلْسفةً حَفِظْتَ شيئًا وغابَت عنك أشْياءُ التَّشريعات الأرضيَّة تُعَدَّل، ثمّ تُعَدَّل، إلى أن يُصبح التَّعديل عشرة أمثال الأصل، ثمّ تُلغ وينشأ تشْريع جديد، وهكذا، فهذا مِن شأن البشر، أما شانُ خالق البشر أنَّ الحقيقة عندهُ مطلقة، والحكمة مطلقة والصواب مطلق ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] هذه نقطة دقيقة جدًا، فقلبنا بيد الله، وهو لِمَصالحنا، فإذا اتَّخَذ الإنسان قرارًا حكيمًا، وأراد أن يعرف الله تعالى، وأن يسْتقيم على أمْرِهِ تَجِدُهُ يشْعر بِرَاحة وسعادة، وطمأنينة، ويشْعر بِسُرور، فهذا مَبْعَثُهُ أنَّ قلبَ العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] فَمِن معاونة الله لنا أنَّنا إذا أردنا أن نعرف الله شرَحَ لنا صُدورنا،فإذا أردنا أن نعْصِيَهُ ضاقَت أنفسنا، فهذا لِصالحِنا، وكأنَّ الله تعالى يدعمنا دَعْمًا داخِلِيًّا. الشيء الآخر، أنَّ الإنسان مُخَيَّر، والله هو المُسيِّر، فلو أنَّ الإنسان أطْلقهُ الله عز وجل لفَعَل الإنسان أشياء ما أرادها الله، فما دام قلبُ الإنسان بيَدِ الله فإذا أراد أن يرْحم الله إنسانًا ألْقى حُبَّهُ في قلوب الآخرين ون أراد أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغْضهُ في قلوب الآخرين، فالآخرون يتحرَّكون وِفْقَ مشاعر تنْبع، هي من تسْيير الله عز وجل، وهذه قاعدة ثابتة، فالقلب الذي أمامك إما أن يلين لك، وإما أن يقْسو عليك لِحِكمة الله ومن هنا يُنسِّق الله بين العباد قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [سورة الحجرات] ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: قلب ابن آدم بين إصبع من أصابع الرحمن..." أراد الله أن ينقذ سيّدنا موسى وهو طفلٌ صغير في التابوت، قال تعالى: ﴿أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾ [ سورة طه ] من الذي ألقى الحنان في قلب امرأة فرعون ؟ الله تعالى، قال تعالى ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾ [ سورة يوسف ] فَفِرْعون رأى في المنام أنَّ طفلاً من بني إسرائيل سيَقضي على مُلْكِهِ، فقَتَل كلّ أبناء بني إسرائيل، أما الذي سيَقضي على مُلْكِهِ ربَّاهُ في قصْرهِ !! قال تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8)﴾ [ سورة القصص ] اللام هنا لام المآل، فالأقوياء قلوبهم بيَدِ الله عز وجل فلا تشغلوا أنفسكم. يُنادى له في الكون أنَّا نُحِبُّه فَيَسْمَعُ من في الكون أمْر مُحِبِّنا فإذا أراد الله أن يُكَرِّمَكَ ألقى حُبَّك في قلوب الخلائق، وإذا أراد الله أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغضَهُ في قلوب الخلائق، وهذا لِصالح الإنسان، فالإنسان الواحد يقْسو على زيْد، ويرحم على عُبيْد !! قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾ [ سورة الحجرات ] هناك بأوروبا مرض نفسي اسمهُ الكآبة، وهذا تأديب من الله، وهو من أكثر الأمراض النَّفسيَّة انتشارًا وهذا من تأنيب الفطرة، وتعذيب النَّفس لِصاحبها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾ [ سورة الشمس ] أحد الإخوة دهس طفلاً فلم يرهُ أحد فتابَعَ سيْرَهُ، وحينها أُصيب بمرض نفسي، فلا نام الليل ولا أكل، عشرين يومًا، ولمَّا ذهب لِطَبيب نفسي أخبره، فقال الطبيب: معك اكْتِئاب نفسي، ولا بدّ لك مِن أن تُعطي ديَّة هذا الطِّفل لأهله، فبحَث عنه، وأعطى أهلهُ مبلغًا كبيرًا كي يستطيع أن ينام !! فالنَّفس إن انْفجرت تشْعر أنَّها اكتأبَت، وإن اتَّقَتْ تشعر أنَّها اتَّقَت فتسْعَد. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ [سورة الحجرات] أوَّلاً: إنما تُفيد لا قصْر، والحصْر، والمؤمنون إخوة ؛ هذا تركيب اسمي فكُلُّكم يعلم أنَّ التركيب في اللغة العربيّة فِعْليّ أو اسمي، جملة إسميّة من مبتدأ وخبر، وجملة فعلية من فعل وفاعل، وكلاهما يعني شيئًا واحِدًا وهو الإسناد حضر خالد، أسْنَدنا الحُضور إلى خالد، فأساس اللُّغة إسناد وحُكْم فنحن حَكَمْنا على خالد بالحضور، ولولا الإسناد والحُكم فاللُّغة لا معنى لها لأنّ الدابة إذا رأتْ أنَّ الشمس غابَت تعود إلى اصْطَبْلِها ! الحيوانات تعرف الأشياء من دون أسماء، واللغة أساسها لا إسناد والحُكم، وأن تحْكم على شيءٍ بِشَيء، فالحُكم نوعان، والنقطة الدقيقة أنّ التركيب الاسمي أكثر ثباتًا ودَيْمومةً، والتركيب الفعلي طارئ ومُوقَّت، مثلاً خالد كريم ؛ هذا تركيب اسمي، أما دخل خالد فالدُّخول طارئ، فربنا سبحانه وتعالى جعل أُخوَّة المؤمنين أخوَّة ثابتةً ومستمرّة، وقال: إنما المؤمنون إخوة تركيب اسمي يُفيد الثبات والدَّيمومة، والتركيب الفعلي يُفيد الانقطاع والتَّوقيت. أوَّلاً: إنما المؤمنون إخوة، هناك علاقات كثيرة، وأخوَّة النَّسَب من أرقى العلاقات، فربُّنا سبحانه وتعالى رفَعَ علاقات المؤمنين بعضهم بِبَعض إلى علاقة حميمة جدًّا، وهي علاقة النَّسَب، فلو قال:إنما المؤمنون إخوانٌ فالإخوان هم الأصدقاء، أما الإخوة فهم من أب وأم، والمعنى الجديد أنَّه ما لم تشْعر بانتمائِك لا إلى فئةٍ خاصَّة، ولا إلى مجموعة خاصَّة، ولا إلى جماعة، فما لم تشعر بانتمائِكَ إلى مجموع المؤمنين في شتَّى أقطارهم وأصقاعِهم، فالذي يشْهد لا إله إلا الله هو أخوك في الإسلام، والذي يتوجَّه نحو القبلة ؛ هذا أخوك في الإسلام، والذي يؤمن بما تؤمن، ويعتقد بما تعتقد، ويُصلِّي كما تُصَلِّي، ويصوم كما تصوم ؛ هذا أخوك في الإسلام. إلا أنّ أمراضًا كثيرة دخَلت على المسلمين، صار الانتماء لا إلى مجموع المؤمنين، بل إلى جماعة خاصَّة، أو إلى فئة خاصَّة، فهذا الانتماء إلى مجموعة صغيرة يُفَتِّت مجموع المسلمين، ويُفتِّتهم، ويجعلهم يفْشَلون، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾ (سورة الأنفال) فإنَّما تفيد القصر، والإخوة هي أُخوَّة النسب، وهي أرقى علاقة بين اثنين من أب وأم، والشيء الثالث أنَّه ينبغي أن يكون الانتماء لا إلى حلقة أو طائفة أو جماعة أو فئة أو طريقة بل إلى مجموع المؤمنين، فالأصل أنَّهم إخوة، فإن ظَهَر بينهم نِزاعٌ أو شِقاق أو خصومة، أو حسَد، أو تجاوُز فَمُهِمَّة كلّ مؤمن الأولى أن يُصْلِحَ بين أخوته المؤمنين، لذا قال عليه الصلاة والسلام: ليس مِنَّا من فرَّق، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ * )) [رواه أحمد] فالخصومة بين مؤمنين قد تودي بهما، وأن يُطْردا من حيِّز الإيمان وهناك حوادث كثيرة جدًّا، فَخُصومة أخ مع أخٍ في المسْجد فأحداهما يدع المسجد لذا المؤمن الصادق يحْرص على حُسن العلاقة بين المؤمنين حرْصًا لا حدود له، لذا كلّ شيءٍ يُقوِّي العلاقة أمر به النبي عليه الصلاة والسلام فهو أمرك أن تعود المريض وتهنئ أخاك وأمرَكَ أن تُعينه، وتنادِيَهُ بأحبِّ الأسماء إليه، وأمرك أن تعوده إذا مرض وأن تُهنِّئهُ إذا أصابتْه حسنة وأن تُعزّيَه إذا أصابتْه مصيبة، أو تُقْرضَهُ وإذا دعاك أن تُلَبِّيَهُ، وإذا اسْتقرضَكَ أن تقرضَهُ، وأمركَ أن لا تسْخر منه وأن لا تغتابَهُ، وأن لا توقِعَ بينه وبين إخوانه، فكلّ شيءٍ يُمَتِّن العلاقة بين المؤمنين أمرَ به النبي كأن تلقاهُ بِوَجه باشّ، وأن تُسَلِّم عليه، وقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يسيرون في طريق فإذا فرَّقَت بينهم شَجرة، بعد الشَّجرة يقول لأخيه: السلام عليكم ! فالسلام فيه مودَّة، أُريد أن أقول لكم: أيّ شيءٍ يُمَتِّن العلاقة بينك وبين أخيك أمرَكَ الله به، كأن تعوده إذا مرض، وأن تُعينَهُ إذا استعان بك، وأن تقرضَهُ إذا اسْتقرضَك، وأن تُحْسِن إليه وأن لا تغتابه. أضرب لك بعض الأمثلة، صحابيّ تخلَّف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحدهم: والله يا رسول الله لقد شَغلهُ بستانه عن الجهاد معك !! فقام صحابيّ آخر وقال: لا، والله يا رسول الله ما نعلم عليه إلا خيرًا، وقد تخلَّف عنك أُناسٌ ما نحن بِأشدَّ حُبًّا لك منهم ولو علموا أنَّك تلقى عَدُوًّا ما تخلَّفوا عنك ! المؤمن يُدافع عن إخوته، وهذا رجل أراد أن يوقِعَ بين سيّدنا الصِّديق وسيّدنا عمر، فالفاروق رضي الله عنه أراد أن يأخذ رأي عمر في قضِيَّة: فرفضَ عمر هذه القضِيَّة، فقال هذا الرجل صاحب القضِيَّة: الخليفة أنت أم هو ؟! فقال: هو إذا شاء !! وسيّدنا الصِّديق يوم السقيفة قال لسيّدنا عمر: مُدَّ يدَك لأُبايعَك ! فقال: أنا أيُّ أرْضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماء تُظِلُّني، إن كنتُ أميرًا على قومٍ أنت فيهم فقال أبو بكر: أنت أقْوى مِنِّي يا عمر ! فقال عمر: وأنت أفضل مِنِّي فقال له عمر: قوَّتي إلى فضْلك، ويقول سيّدنا عمر: كنتَ سيْف رسول الله المسلول، وجِلْواذه، وخادمه، وتُوُفّيَ وهو عنِّي راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرًا، ثمّ كنتُ سيْف أبي بكر المسلول، وجِلواذهُ وخادِمَه، وتُوفّي عنِّي وهو راضٍ، وأنا بذلك أسْعَد !! لذا إذا عزَّ أخوك فَهُنْ أنت ! فإذا تكلَّم أخوكَ مثلا فاسْمع وأنصِت، ولا تقل: أيتكلَّم وحده ؟!! إذا عزَّ أخوك فَهُنْ أنت ! لذا نحن تنقصنا روح التعاون، وإنقاص الذات، وينقصنا أن نُغلِّب مصلحة المسلمين على مصلحتنا الفردِيَّة، وينقصنا أن نحمِل هموم المسلمين، وينقصنا أن نكون في خدمة بعضنا بعضًا، وينقصنا أن لا نفرِّق بين اثنين، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(1)﴾ [سورة الأنفال] أيها الإخوة، بالسَّلام، وبالاعتِذار، وبالابتسامة تُحلّ كلّ المشكلات فإن أخْطأتَ فَكُن جريئًا، وكُن بطلاً، وقل: أنا أخطأت ! فهذه كلمة تُذيبُ الصَّخر ! إذ هناك مَن لا يعترف بِخَطئِهِ أبدًا ويركبُ رأسَهُ. أيها الإخوة، خُصومة طويلة وعريضة قد تنتهي بِتَفجير مواقف، وتذوب هذه الخصومة بِكَلمة اعتِذار، وطِّن نفْسك أن تعتذِر، ولو كان طفلاً صغيرًا، وَطِّن نفْسَكَ أن تعتذِر لِزَوجتك، فأنت قد تخطئ، ما عليك إلا أن تطلب منها الاعتذار، مرَّة أخطأ معي شَخص، فجاء وطلب منّي الاعتذار، والله لم أستطِع أن أتكلَّك ولا كلمة ! فالاعتذار والابتسامة والعيادة والهديَّة، وأن تُلبِّي دَعوتهُ، يقول عليه الصلاة والسلام (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ *)) [رواه البخاري] مكان بعيد لأجاب، إذًا الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ [سورة الحجرات] مهمَّتنا جميعًا أن نُقرِّب وِجهات النَّظر ولك أن تكذب في هذه المهمّة، فالنمام لا يدخل الجنَّة، ولو نقل كلامًا صحيحًا. الملخَّص أمْتنُ علاقة بين اثنين على الإطلاق علاقة المؤمنين بعضهم بِبَعض والشيء الثاني، يجب أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين، يؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)﴾ [سورة الشعراء] وفي آية أخرى : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88)﴾ [سورة الحجر] هذه عامَّة، ولو لم يتَّبِعك والشيء الثالث أنّ مهمَّتنا الأولى الإصلاح بين المؤمنين، وقدِّم وسائل يلتقي بها الناس هذا إذا أردت أن تؤثر مصالح المؤمنين على مصالحك الشَّخصيَّة وحملْت هموم المؤمنين، حينها نكون إخوة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الحادية عشرة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [سورة الحجرات] يا من آمنتُم أنّه خلقك، ويُربِّيكم ويُسيِّرُكم ويا من آمنتُم بأنَّ المصير إلي وأنّ المآل إليه، ويا من آمنتم بأنّ منهجه هو القويم، الله عز وجل لِحِكمة بالغة بالغة وزَّع الحظوظ في الدنيا، فالناس مُتفاوِتون في أشكالهم، فهناك الجميل جدًّا والأقلّ جمالاً، والوسيم، والأقلّ وسامةً، والوسَط، والذميم وهناك الصحيح، وهناك المريض، والقويّ والضَّعيف، وهناك من ينْقدِحُ ذِهنُهُ ذكاءً، وهناك الأقلّ ذكاءً، فهذه الحُظوظ متفاوتة في الدنيا، وتفاوُتها لِحِكمةٍ بالغة، لو كُشِف الغطاء لاخترتم الواقِع ! الناس يُقَيِّمون بعضهم بعضًا من خِلال هذه الحظوظ، ولكن الله تعالى له موازين أخرى فالمؤمن الصادق يُحكِّم موازين الله تعالى، وموازين الله عز وجل لا عِلم والخلق والعلم والعمل، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾ [سورة الزمر] وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11)﴾ [سورة المجادلة] مقياس الله تعالى العلم والعمل وأنت حينما تُحكِّم وازين أهل الدنيا تكون قد خالفْت نص هذه الآية، فلعلَّ المرأة الجميلة تزْدري المرأة الذميمة، ولعلّ هذه الذميمة هي عند الله تعالى في أعلى علِيِّين، ولعلّ الغنيّ القوي يزْدري حاجبه، وقد يكون هذا الحاجب عند الله تعالى أعلى من سيّده، فلا تعجل الله تعالى يقول: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [سورة الحجرات] طبعًا الذي يسْخر القوي من الضعيف، والغني من الفقير، والوسيم من الذميم، والصحيح من المريض، فلعلّ هذا الذي تسْخر منه هو أعلى منك بدرجات كبيرة عند الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(55)﴾ [سورة التوبة] من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، طبعًا الأغنياء غير المؤمنين، لذا هناك ثلاثة نعم متدرِّجة ؛ نعمة الهدى، ونعمة الصّحة، ونعمة الكفايَة، ولا معنى لِنِعمة الصِّحة من دون هُدى، كما أنَّه لا معنى لِنِعمة الكفاية من دون صِحَّة، فالذي عرف الله، وأكرمه الله تعالى بِصِحَّة، وهيَّا له رزْقًا يكفيه حاز الدنيا بِحذافيرها، ملكٌ جبّار سأل وزيره: من الملِك ؟ قال: أنت، فقال: لا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يأويه وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنّه إن عرفنا جَهِد في اسْتِرضائنا، وإنَّنا إن عرفناه جهدنا في إذْلالِهِ، فلا يعرفنا، ولا نعرفه ! فإذا أكرمك الله بالهدى، تعرف الله فأنت لا تعرفه المعرفة المطلقة، فلا يعرف الله إلا الله، فهذا سيّد الأنبياء وما عرف الله المعرفة المطلقة، فأنت تعرفهُ المعرفة التي تكفي أن تُطيعهُ فالحدّ الأدنى من معرفة الله تلك التي تمن لطاعته تعالى، فما دام هناك معْصيَة فأنت لا تعرفه، واجْتهِد كي تعرفه، لأنّك لو عرفْتهُ لاسْتقمتَ على أمره، ثمّ الله تعالى أمدَّك بِصِحَّة طيِّبة، وكان عليه الصلاة والسلام يستيقظ فيَدعو ويقول: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * )) [رواه البخاري] أحد إخواننا نام، العادة يُصلِّي الفجر في المسجد، فالأهل ما انتبهوا له، وبقيَ نائمًا، وفي الساعة الثامنة هيئوا الأكل، وقالت لابنها أيقِظ أباك فذهب ورجع وقال لها: أبي ميِّت ! فالنبي علَّمنا هذا الدعاء عند الاستيقاظ من النوم، أنت اعْتَمِد مقاييس القرآن المعرفة والعمل، واعتَمِد مقاييس النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال: من أصبح معافى في جسده له قوت يومه..." فلماذا السُّخرية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] تسْخر امرأة زوْجها غنيّ من امرأة زوْجها فقير ! وقد تسخر امرأة عندها أولاد من التي ليس عندها أولاد، فلعلّ التي صَبرَت واحْتسبَت هي أرقى عند الله من الأولى، والآية هذه مُوَجَّهة للمؤمنين نساءً ورِجالاً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] قد يقول إنسان: أنا لا أسخر من أحد ! فنقول له: أنت لا تسخر بلِسَانِك ولكن الأكمل أن لا تزدريه في نفسِك وتقول: مسكين ليس عنده شيء ! يا ربي ماذا وجَدَ من فقَدَكَ، وماذا فقَدَ من وجَدَك ؟! وإذا كان الله معك فَمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك ؟! كلمة عسى تُفيد الاحتمال الأكبر، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [سورة الحجرات] دخل على النبي رجل يبدو وأنه فقير، فبشَّ له وهشّ وقال: أهلا بِمن خبَّرني جبريل بِقدومه قال: أَوَمِثلي ؟! فقال: نعم يا أخي، خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء ! والله أيها الإخوة، قد تجد دابَّة خيرًا من الذي يركبها !! فقد تجد من يفْتِكُ بالآخرين حبًا في الفتك فقط ! ويروى أنّ رجلاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم سافر، ووكَّل جاره أن يتفقَّد شأن أهله فخانَهُ في أهله، فقتلهُ الكلب، فقال عليه الصلاة والسلام: خان صاحبه والكلب قتله، والكلب خير منه ! قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6)﴾ [سورة البينة] فأيّ مخلوق تحتقرهُ تحتقره هو أفضل من الكافر، وهو أفضل ممَّن سخَّر الله له السماوات والأرض وعتى ونسيَ المبتدى والمنتهى، وكان سببًا في إيقاع الألم بين الناس، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] كلَّما ارتقى إيمانك تتأدَّب مع ربِّك سبحانه ومع خلقه، وتحترم الناس جميعًا، فلعلّ هذا الذي تزْدريه هو عند الله تعالى في مكان عليّ، ولعلّ هذا الفقير هو من أغنى الأغنياء عند الله تعالى، وسيّدنا عليّ يقول: الغِنى والفقْر بعد العرض على الله تعالى، ولعلّ هذا الذميم خير من هذا الوسيم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة الحجرات] لا تضع نفسَك موضع التُّهمة، ولا تضع نفسك في مكان لا يليق بك، ومن جلسَ إلى غنيّ فتَضَعْضَع له ذهَب ثلثا دينه، وقد سئل سيّدنا عليّ رضي الله عنه: ما الذلّ ؟ فقال: أن يقف الكريم بِبَاب اللَّئيم، ثمّ يردّه، ووالله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بِريشَتين، ونقل بحرين ذاخرين إلى أرض الصعيد بِمِنخلين، وغسل عبدين أسْوَدين حتَّى يصيرَا أبيَضَين أهون عليَّ مِن طلب حاجةٍ من لئيم لِوَفاءِ دَين ! فلا تبذل ماء وجهك لإنسان لئيم، ويُعابُ من يشْكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(86)﴾ [سورة يوسف] الله عز وجل يحبّ العبد الذي لا يشكوه لأحد، إلا أنَّه من اشتكى إلى مؤمن فكأنَّما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر فكأنّما اشتكى على الله قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة الحجرات] باتوا الحوائج بِعِزَّة الأنفس، وشرف المؤمن قيامه بالليل، وعِزُّه استغناؤُه عن الناس، اسْتغْن عن الرجل تكن نظيره، وأحْسن إليه تكن أميره. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [سورة الحجرات] لا تقل: أنا أمزح ! لا هذا يجرح المشاعر، فالألقاب التي لا تليق ابتعِد عنها، فالفاروق والصِّديق هذه ألقاب حسنة، أما هناك ألقاب أخرى لا تليق بالإنسان، فهذه عائشة: (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ * )) [ رواه الترمذي ] قال تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] إذا قلت: فلان مؤمن، لا يُمكن أن تُضيف على هذه الكلمة كلمة ! الإسلام هذَّبه، حليم رقيق، ومتواضِع وجواد وكريم، هذا هو المؤمن، فالمؤمن الغني على العَين والرَّأس وتشتهي الغنى منه، من تواضعه وسخائِه ومؤمن فقير تشتهي الفقر منه عفيف، ومتجمِّل، وصابر، ومؤمن ذو دَخْل محدود تشتهي منه الدَّخْل المحدود، فالمؤمن مهما كان تشتهيه، فالإسلام يضبط والإيمان يسْمو وربنا عز وجل يصْبغ، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(138)﴾ [سورة البقرة] قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] نسأل الله أن يُلْهِمَنا الصّواب، قد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله أفات اللِّسان وكانت نحو أربعة عشرة آفة كالمحاكاة وتقليد بالمشي، وأن تصفه باسم لا يحبّه، أعرف معلِّم درَّسنا بالابتدائي إذا في اسم أحدنا إشكال غيَّرهُ ! حتى يرفع معنويَّاته، وهذه الآية أيها الإخوة الكرام، من آيات لآداب الاجتماعيّة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ [سورة الحجرات] وهناك سخريات مقبولة عند المؤمنين كأن تقول: هذا كافر منحرف، فهذا سيّدنا خالد رضي الله عنه: أما حاربَ النبي عليه الصلاة والسلام مرَّتَين ! كيف انتهَتْ حياته ؟ سيفٌ من سيوف الله فقد يرتكب الإنسان كلّ الموبقات ويقبل الله توبته بعدها، وإذا تاب العبد توبةً نصوحة أنسى الله حافِظَيه، والملائكة وبقاع الأرض ذنوبه ! فهذا أحد أكبر العلماء مالك بن دينار كان من قطاع الطرق، وتاب الله عليه وأصبح العارف بالله، والله خلقنا ليرْحمنا، ويتوب علينا، وإذا قال العبد: يا رب، وهو راكع لبَّيك يا عبدي، وإذا قال يا رب وهو ساجد ! قال: لبَّيك يا عبدي، فإذا قال: لبَّيك يا عبدي وهو عاصٍ ! قال الله له: لبَّيك ثمَّ لبَّيك ثمَّ لبَّيك !! والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام ، الآية الثانية عشرة من سورة الحجرات ، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ [سورة الحجرات] موضوع الظنّ موضوع دقيق ، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات] المعنى المخالف أنَّ بعضهُ الآخر ليس إثْمًا ولكنَّه من الحزْم ، بعض الظنّ إثم ، وبعضهُ الآخر حزْم ، وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن احْتَرس من الناس بسوء الظنّ ! إنسانٌ لا تعرفهُ لو سلَّمتَ له كلّ شيء ثمّ خابَ أمَلُك كنتَ أنت الضَّحِيَّة ، لا تعرفهُ إطلاقًا ؛ كم مِن مَطَبٍّ خطير ؟ ومأساة فاجعة ؟ ومن تلفٍ للمال بسبب ظنّ ساذج ، فما الظنّ الذي عند الله تعالى إثْم ؟ وما هو الظنّ الذي هو حزم ؟ الضابط في ذلك هو الدليل ، فإذا كان هناك دليل صار سوء الظنّ عِصْمة ، ومن الحزم ، وأصبح العقل والذكاء والأخذ بالأسباب أن تُسيء الظنّ ، إلا أنّه إن أسأتَ الظنّ لا ينبغي أن يظهر ذلك عليك إطلاقًا ، والدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان يحْذر الناس ، ويحترس منهم ، مِن غير أن يَطْوِيَ بِشْرهُ عن أحد ، فَوَجههُ صلوات الله عليه وسلامه طَلق ، وباشّ لِجَميع الناس ، فالذي يعرفه يُسلِّم له ، والذي لا يعرفه يحْترسُ منه من الداخل ، دون أن يبدو هذا على وجهه أما إذا بدى الشكّ على وجهك قطَّعتَ العلاقات فيما بينك وبين الناس فربّما كان هذا الذي تُسيء الظنّ به لا تعرفهُ ، قد يصلح لخير كثير ، ولكنّك بِسُوء الظنّ أبعدْتَ هذا الخير ، وقَطَعتَهُ ، ومن أشدّ الناس أدبًا في هذا الموضوع سيّدنا عمر رضي الله عنه ، جاءهُ رجل ، فقال له: أنا لا أعرفُك ائتني بِمَن يعرفُك ! فجاء بِرجُل مُعرِّف له ، فقال له عمر: أسافرْتَ معه ؟ قال: لا ، قال: أجاورْتَهُ ؟ قال: لا ، قال له: أَحاككْتَهُ بالدِّرهم والدِّينار ؟ قال: لا ، فقال عمر عندها: إنَّك لا تعرفهُ ، يا هذا أنا لا أعرفُكَ ، ولا يضرّ أنَّني لا أعرفك ! فقد تكون أحسن مِنِّي !! ولما جاءهُ رسول معركة نهاوند قال: يا أمير المؤمنين ، مات خلقٌ كثير أنت لا تعرفهم ، فبكى عمر وقال: وما ضرَّهم أنِّي لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهُ ! فإذا كان هناك دليل لك أن تُسيء الظنّ ، أما إن لم يكن دليل صار سوء الظنّ من الإثم. الآن تجد أزواج لهم غَيرة عَمياء ، ليس هناك أيّ دليل ويتَّهِمُ زوْجته بالانْحِراف ، وقذف محْصنة يهْدمُ عمل مائة سنة ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [سورة الحجرات] مهما كنت حريصًا ، ويقِظًا ، وعميق الفهْم فلا بدّ من هامشٍ لِحُسن الظنّ بالناس ، وإلا تقف الحياة ، ولا تقوم لها قائمة ، إلا أنّ الإنسان حينما يُعامِلُ مؤمنًا صادِقًا كما قال عليه الصلاة والسلام ((َا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ )) [رواه الترمذي] أما إن كان مؤمنًا ورعًا فلا ينبغي أن تسيء الظنّ به لأنَّه من أساء الظنّ بأخيه فكأنَّه أساء الظنّ بِرَبِّه ، فهناك من تجدهُ بِبَساطة يقول لك: فلان غير أمين ! هذا إن كان فاسقًا !! أما إن كان مؤمنًا ، ومستقيما ، والناس يشهدون عليه بالصَّلاح ، ثمّ تأتي وتقول: غير آمن ! هذا لا يجوز ، وهذا منهاج لا يصلح ، وأعداء الدِّين يحلو لهم كثيرًا أن تتَّهِمَ أهل الصلاح بأبْشع التُّهَم لأتْفه الأسباب ، فهذا لا يُعَوَّل عليه ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات] بقِيَ شيء ، وهي أنَّ كلمة الظنّ ترِدُ في كتاب الله تعالى بِمعنى آخر ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46)﴾ [سورة البقرة] هذا معنى آخر ، وهذا فيه يقين ، فالذين يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم مُلاقوا ربِّهم لكنّ سياق الآية هو الذي يكْشف نوع الظنّ ، فهناك ظنّ بِمَعنى حَسِب وظنّ بِمَعنى أيْقن ، وهذا يُعلم من السِّياق. وبالمناسبة لا يوجد شيء يجْرح الإنسان حتَّى يصل الجُرح إلى العظم كأن يكون طاهِرًا ، وسليمًا ، وأمينًا وتُسيء الظنّ به ! أيها الإخوة ، قبل أن تُسيئوا الظنّ بإنسان عُدَّ للمليون ، لأنّك إن فعلتَ هذا مع مؤمن خيَّبتَ ظنَّه فيك ، وقد تكون أنت سببًا في تفلُّتِهِ ، فلو أنّ صاحب محلّ شكّ في موظَّفه لسَحَقَه ، وأنت في حقِّه مجرم ، هذا إن لم يكن هناك دليل ، وأذكر قِصَّة أنَّ إنسانًا دخل لِمَحلّ تِجاري ، وخرج ، وبعد ساعة عاد مُتلهِّفًا ، وقال: وضَعتُ خمسة آلاف ليرة ، وهذه سنة الخمسة والسبعون وكان لهذا المبلغ قيمة بيت ! صاحب المحلّ لا يعلم عن هذا شيئًا ! فسأل أمين الصندوق فما وجد شيئًا ، فقال له أجري حِساب الصندوق ، فإذا بالحِساب صحيح فهذا الذي دخل المحلّ ما قَنع ، وأمين الصندوق أمين ، فخرج هذا الإنسان وهو يظنّ أنَّ هذا الموظَّف قد أخذ المبلغ ، وبعد سنة ذهب صاحب المحلّ إليه في بلده ، ورحَّب به ترحيبًا غير معقول ، وفي أثناء هذا الترحيب قال له المبلغ الذي ظَنَنْتُ أنّ موظَّفك قد أخذهُ ، دَفَعْتُهُ دَفعة وقد نسيتُ لِمَن دَفعْتُهُ !! فقبل أن تتَّهِم إنسانًا عُدَّ للمليون ، وتكون بِحَقِّه مُجْرِمًا ، لذلك سوء الظنّ بِدَليل عِصمة ، ومن الحزْم ، ومن العَقل ، ومن غير دليل مِنَ الإثْم ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات] أنت حينما تثق بالناس وتمْنحهم ثِقَتَك العمل يجري بِشَكل رائِع ، وأحْسِن اختيار من حولك ، وامنَحْهم الثِّقة وهذا من حُسن الإدارة. قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ [سورة الحجرات] التجسُّس هو تتبُّع الأخبار السيِّئة ، والتَّحسُّس تتبُّع الأخبار الطيِّبة ، قال تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ(87)﴾ [سورة يوسف] فالتَّحسُّس والتَّجسُّس لفظان مختلفان ، وإذا ابتغي الوالي في رعِيَّتهِ الريبة فقد أفْسَدَهم ، فإن كنتَ مُدير معمل أو مدير مؤسَّسة لا تُكلِّف أشخاصًا يعطونك معلومات عن أشخاص آخرين ! ضَعْ شيئًا دقيقًا ، ودقِّق بِنَفْسِكَ ولا تجعَل إنسانًا يستطيع أن ينال من آخر ظُلمًا وعُدوانًا ، فالله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ [سورة الحجرات] فالذي يَغتاب الناس كأنَّه يأكل لحوم الناس ، وهناك لحوم مسمومة إن كان الشخص طاهرًا ومؤمنًا ، فالذي يجْترأُ على أولياء الله ربنا عز وجل ينتقم منه أشدّ الانتقام ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ [سورة الحجرات] فالإنسان ما عليه إلا أن يفتح مع ربِّه صفْحة جديدة ، يضْبط لسانه ويتَّق ربَّه. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] شاءَت حِكمة الله أن يكون البشر من ذكر وأنثى، وأنّ للذَّكر خصائص جِسْميّة، وعَقْليَّة، ونفْسيَّة، واجتماعيَّة هي كمالٌ لِمُهِمَّتِهِ، وأنّ للأنثى خصائص جِسميَّة ونفْسيَّة، وعقليّة واجتماعيَّة؛ هي كمال لِمُهِمَّتِهِ، وأنّ الذَّكَرَ والأنثى متكاملان، وكلٌّ منهما يسْكُن للطَّرف الآخر، ومعنى يسْكن أيْ يُكَمِّلُ بِهِ نقْصَهُ، فالذَّكر والأنثى متكاملان، ومتعاوِنان، وقد خلق الله آياتٍ كثيرة، مِن أبرز هذه الآيات، قوله تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾ [سورة الروم] فالإنسان من أجل الحِفاظ على وُجوده يأكل ويشْرب، ومن أجل الحِفاظ على النَّوع يتزوَّج، هذه الحقيقة الأولى فبنُو البشر ذكرٌ وأنثى. الآن البشر شُعوب، وقبائل، وكلّ شعب له عاداته وتقاليدهُ، وبيئتُهُ وظروفهُ المحيطة به، ولغته وشَكلهُ، ويمكن أن لكل شعب نمط، فالشَّعب الصيني غير الشعب الإفريقي، فالشعوب في إفريقيا لها شَكل، وفي إفريقيا لها شَكل، وفي أوروبا لها شَكل، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [سورة الحجرات] هناك أشكال، وثقافات، وتقاليد، وتضاريس، فهناك مَن يسْكن في الصَّحراء، وأخرى في السَّواحل، وفي قِمَم الجِبال، وفي القطب، وفي المنطقة المعتدلة، وفي المنطقة الجنوبيّة، فالتضاريس والعادات والتقاليد واللَّون واللّغة، لِكُلّ شَعبٍ هُوِيَّة بدْءً من شَكلهِ الخارجي إلى عاداته وتقاليده وطِباعِهِ وبيئتِه، وأُسس حياته ومعطياته، فهذا التَّقسيم من أجل أن يتعاونَ هؤلاء فيما بينهم، كان مِن الممْكن أن تكون كلّ النباتات في كلّ البلاد، ولكن بلدٌ في البنّ، وبلد عندها الشاي، وبلد عندها البترول، وبلد عندها الفواكه، وأخرى الخضار، وبلد عندها التِّكنولوجيا، فكلّ شَعب له خصائص وميزات، ومنتجات من أجل التعارف، ولعلّ هذا التعارف من أجل أن الشعوب التي عرفَت الله عز وجل أنْ تنقل هذه الهِداية لِشُعوبٍ أخرى، كما هو الحال بين المسلمين الذين ذهبوا إلى شرق آسيا والآن أكبر دولة إسلاميَّة في العالم أنْدونيسيا ! فهذي أسْلَمت عن طريق التِّجارة وحدها فالآية دقيقة، فالإنسان ذكر وأنثى، والبشر شُعوب وقبائل، وهناك شَخصيات، وخصائص، فكما أنّ للذَّكر خصائص عقليَّة نفسيّة واجتماعيَّة وكذا للأنثى، فكذلك الشعوب لها خصائص، وهذا لا مِن أجل أن نتحارب ولكن لِنَتعارف، ولا من أجل أن يسْتعمر بعضنا بعضًا، ولا من أجل أن نبْنِيَ أمجادَ حضارة على إنقاذ الشُّعوب، ولا مِن أجل أن يأكل الكلاب في أمريكا من اللَّحم ما لا يأكلهُ الشَّعب الهندي بِأكمَلِهِ ! ولا مِن أجل أن نُرَفِّهَ أُمَّة، ونُشْقِيَ أُمَمًا، قَتْلٌ امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغْتفر، وقتل شَعبٍ آمن مسألة فيها نظَر ! فالآية الكريمة تُبيِّن أنَّ خصائص الشُّعوب من شَكل وتضاريس بيئتها، ومنتجاتها الزراعيَّة، وثَرَواتها الباطنيَّة، ولغتها، وعاداتها تُشَكِّل هويَّتها، هذا التَّبايُن من أجل الشُّعوب لا من أجل العداوات وأن يقوم شَعب على أنقاض شَعب، ولكن لِتَعارفوا، فإذا اخْتصَّ شَعبٌ بِمَعرفة الله، نقَلَ هذه المعرفة لِبَقِيَّة الشُّعوب، فلذلك مُهِمَّة كلّ إنسان عرف الله أن ينقل هذه المعرفة، قال تعالى يُخاطب الأمَّة العربيَّة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143)﴾ [سورة البقرة] فأنتم يا عبادي وُسَطاء بيني وبين خلقي، فربُّنا عز وجل حمَّلنا هذه الرِّسالة، وكلَّفَنا أن ننقلها لِبَقِيَّة الشُّعوب، ونحن حَمَلة رسالة، فالعرب في الجاهليَّة كانوا رعاة غَنم، فلمَّا جاءهم النبي عليه الصلاة والسلام صاروا قادة الأُمَم !! ولا يصْلُح آخر هذه الأمَّة إلا بما صَلَح به أوَّلها، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ * )) [ رواه مسلم ] فهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] ما هو الفساد ؟ أن تختلط الأوراق بين الذَّكر والأنثى، وأن تجد الأنثى في مكان الذَّكر، وأن تجد الذَّكر في مكان الأنثى تقريبًا نحن بِحاجة الِتراكسْ ! لِهَدم بِناء، وبِحاجة إلى سيارة سِياحيَّة لطيفة وناعمة لِنَقلنا إلى مكانٍ جميل، فإذا أردنا أن نهدِمَ هذا البناء بهذه السيارة السِّياحيَّة نُحَطِّمها، وإذا أردنا أن نذهب إلى مكان جميل بِهذا التراكسْ ننْزَعِج جدًّا فهذا له خصائص وهذه لها خصائص، فالفساد أن تجد المرأة حيث ينبغي أن لا توجد، وأن تفتقدها حيث ينبغي أن توجَد، وأن تُكَلِّفها بِعَمَلٍ ليس من طبيعتها، ولا من خصائصها، ولا من بنيتِها النَّفسيَّة، ولا الاجتماعيَّة، ولا الفِكريَّة، فما هو الفساد في الأرض ؟ أن تُغَيِّر صفة الأشياء ! ماءٌ فاسِد، فالماء لا لوْنَ له، ولا طَعْم له، ولا رائِحة له، فإذا كان له أحد هذه الصِّفات صار ماءً آثنًا، أيْ أنّ الماء فسَد، فالله تعالى خلقَ المرأة لِمُهِمَّة جليلة، ومُقَدَّسة قال: اعْلَمي أيَّتُها المرأة وأعْلِمي من دونك من النِّساء أنَّ حُسن تبعُّل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله !! وخلَقَ الرجل لِمُهِمَّة كبيرة، فنحن إذا غيَّرنا خلق الله عز وجل، وأعطَيْنا كلّ طرفٍ مُهِمَّة الطَّرَف الآخر كان الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [سورة الحجرات] لا يَحِقُّ لشَعبٍ أن يحْتَقِرَ شَعْبًا آخر، فالألمان احْتَقروا كلّ الشُّعوب، وعدُّوا شَعبهم الأوَّل، وبقِيَّة الشُّعوب من الدَّرجة الثانية أو الثالثة، واليهود فعلوا هذا، وكلّ شَعبٍ جاهِلٍ يدَّعي أنَّه شَعب الله المُختار، وبقيَّة الشُّعوب لا قيمة لها، هذا كلام غلط، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [سورة الحجرات] لِيَعرف بعضكم بعضًا، وبعد التعارف لِتَتَعاوَنوا، وبعد التَّعاوُن لِيَهْدي بعضكم بعضًا، تعارف، وتعاوُن، وهِداية، وخاطَب الأمَّة العربيّة فقال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾ [سورة البقرة] أي اُذكروني لِعِبادي كما ذكَّركم رسولي بي. لذلك هذه العداوات والحروب الطاحِنة ؛ هذه ليْسَت من منهج الله عز وجل قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [سورة الحجرات] فالحقيقة ولا أُبالغ إنَّ أدقّ آيةٍ في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] هذا هو المِقياس الذي يتمايَزُ به البشر عند ربِّهم، فلا تقل أنا ابن فلان، وأنا لي شَكلٌ مُعَيَّن، ولا تقل: أنا حجمي المالي كذا ؛ كُلُّ هذه المقاييس الأرضيَّة عاداتٌ جاهِلِيَّة، ويُروى أنَّ سيّدنا عمر جاءَهُ ملِك اسمُهُ جبلة بن الأيْهَم، وجاء مسلمًا، وفي أثناء طوافه حول الكعبة، داسَ بدَوِيّ طرف رِدائِه، فانْخَلَع عن كتافه، والْتَفَت إليه جبلة بن الأيْهم وضربهُ ضربةً هشَّت أنفه ! هذا البدوي شكاه إلى عمر بن الخطَّاب، فدعاه عمر، وأحد الشُّعراء صاغ هذا الحوار شِعرًا، وقال: أصَحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاريّ الجريح، فال جبلة: لسْتُ مِمَّن يكتُم شيئًا أنا أدَّبتُ الفتى أدْركتُ الحقّ بيدَيّ قال: أرْضِ الفتى لا بدّ من إرضائِه ما زال ظِفركَ عالقًا بِدِمائِه ، أو يهشمنّ الآن أنفك، وتنال ما فعلتْهُ كفُّك، فقال: كيف ذاك يا أمير المؤمنين ؟ هو سوقةٌ !! وأنا عرشٌ وتاج !! كيف ترضى أن يخِرَّ النَّجم أرضًا ؟! قال له نزَوَاتُ الجاهليَّة ورياح العنجهيَّة قد دفنَّاها، أقمنا فوقها صرْحًا جديدًا، وتساوى الناس لدينا أحرارًا وعبيدًا، فقال جبلة: كان وهْمًا ما جرى في خلدي أنَّني عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدّ إذا أكْرهتني ! فقال عمر: عنق المرتدّ بالسَّيف تُحزّ عالم نبْنيه، كلّ صَدعٍ فيه، بِشَبَى السَّيفِ يُداوى، وأعزُّ الناس بالعبد بالصُّعلوك تساوى ! والله أيها الإخوة، لا نتقدَّم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا إذا اتَّخَذنا هذه الآية مِقياسًا لنا، قال تعالى: إنا أكرمكم عند الله أتقاكم.." ويجب أن تبني مَجدك على طاعة الله، ولا على نسبٍ، ولا على حسبٍ، ولا على عِرقٍ، ولا على قبيلة، ولا على شَعبٍ، ولا على مال، ولا على وسامةٍ، ولا على ذكاءٍ، ولا على منْصِبٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] يُروى أنّ أحد الصحابة غلِط، وخاطَب أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم وكان أسود اللَّون فقال له: يا ابن السَّوداء ! سيِّدنا بلال لمَّا قَدِم المدينة خرج عمر بن الخطَّاب لاستقباله، وسيّدنا الصِّديق وضَعَ يدَهُ تحت إبْطِهِ وقال: هذا أخي حقًّا ! هذا هو الإسلام، فما دُمتَ تشعر أنّ كلّ البشر عند الله سواء، وأنَّهم يتفاضلون فقط بِطَاعتِه له تعالى، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ * )) [ رواه مسلم ] إيَّاك أن تزْدري مسلمًا، ويقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ * )) [ رواه ابن ماجه ] أكبر إثْم فقد تَحتقرُهُ لِفَقرهِ أو لِدمامته، أو لِضَعف شأنه الاجتماعي، هذا الذي يُفكِّر هذا التَّفكير هو إنسانٌ عُنصري، الإسلام يتناقض مع العنصريَّة، فمَّا أن تكون مسلمًا، وشِعارك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] وإما أن تكون عُنْصريًّا، وتتعصَّب لِقَبيلتك، وعشيرتك، ولحِرفَتِك، أو لمالك، أو حسبِك. الإسلام يُلغي الفوارق الطَّبقيَّة، ويلغي الفوارق العِرْقيَّة، ولا يُبقي إلا مِقياسًا واحِدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] الْتَقيتُ بإنسان كان في الحجّ فهنَّأتُهُ على هذه الفريضة، فقال لي كلمة أعْجبتني: ليس في الأرض من هو أسْعَدُ منِّي ! إلا أن يكون أتقى مِنِّي، فإنَّ الله تعالى يقول : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] فالانتساب إلى الأُسر، والتبختر بالمال فأبو لهب وهو عمّ النبي والله تعالى قال فيه: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)﴾ [سورة المسد] وسلمان مِنَّا نحن آل البيت ! هكذا كان عليه الصلاة والسلام، وكان يضعُ على فخِذِه الأيمن حِبَّه أسامة بن زَيد، ويضَعُ على الفخذ الآخر سيّدنا الحسن فيَضُمُّهما، ويشمُّهما، ويقول: اللَّهمّ إنِّي أُحِبُّهما فأحِبَّهما ! لا توجد الفوارق، ونحن لا نتقدَّم إلا بهذه الطريقة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] عليم بكم خبير بِنَواياكم وأفعالكم. ملخَّص الدرس، إيَّاك أن تحتقر إنسانًا، وعليك أن تتأدب مع الله، فقد يكون هذا الذي احتقرْتَهُ أقربَ منك إلى الله، فلو أنّ عالمًا له آذِن، ومرَّت امرأةٌ فغضَّ الآذِن بصرهُ، وملأ ذاك العالم بصره منها، من هو العالم ؟ عند الله تعالى الآذن هو العالم، فالأصل خشيَة الله تعالى، والعاصي هو الجاهل، ولو كان معه دكتوراه على التعبير العصري ! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات وهي قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾ [سورة الحجرات] يتضِّح من هذه الآية أن هناك إسلاما و أن هناك إيمانا، وفي بعض الأحاديث الشريفة الصحيحة يبيِّن النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن هناك مرتبة ثالثة هي الإحسان، ليس في الإسلام إلا هذه المراتب الثلاث، مرتبة الإسلام و مرتبة الإيمان و مرتبة الإحسان، فالإسلام حينما يخضع الإنسانُ لأمر الله فهو مسلم، لا يعنينا يقينُه أو إقبالُه أو اتِّصالُه أو معرفته أو عمقُ تفكيره، يعنينا إذا غضَّ بصرَه عن محارم الله و أدَّى الصلوات الخمس، و صام رمضان و حجَّ بيتَ الله الحرام، وأدَّى زكاة ماله، و كان صادقا و أميناً مستقيماً، إذا طبَّق منهج الله عز وجل بحذافيره فهو مسلم، أمَّا هذا الذي لا يعرف من هذا الدين إلا الصلاة فقط، أما في علاقاته الاجتماعية يرتكب كلَّ المحظورات، و في بيته ليس هناك انضباط إطلاقا، لا في أولاده و لا في بناته و لا في زوجاته، و لا في كسب ماله و لا إنفاقه و لا في أفراحه و لا في أحزانه و لا في سفره و لا في حضره أنت حينما تطبِّق منهج الله كلَّه و في كلِّ مناحيه و في كلِّ تفصيلاته تكون مسلما و قد لا تصل إلى الإيمان. نحن في الدنيا عندنا إتمام مرحلة و كفاءة و ثانوية و ليسانس ثم دبلوم عام و دبلوم خاص، ثم ماجستير ثم دكتوراه، ثم البورد، فالإنسان لا يقرأ و لا يكتب يقول أنا دكتور، هذا يحتاج إلى صفعة، كأن مراتب الدنيا واضحة و لها طرق واضحة أيضا، فلماذا في مراتب الآخرة كلُّ إنسان يدَّعي أنه مؤمن و هو متلبِّسٌ بألف معصية، صدِّقوني أيُّها الإخوة، الذي يقترف معْصيَة ويعلم أنَّها معْصيَة، لا يُمكن أن يكون في قلبه إيمان بالمستوى الذي يُنجيه، أما إبليس مؤمن، والدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾ [سورة ص] آمنَ بالله ربًّا، وبالله عزيزًا، لكن قال: أغوي، فأنا أقول: الإيمان المُنجي، حينما تقترف معْصيَة فهذا دليل أنّ إيمانك لا يكفي، تقريبًا كالميزان، فإن سَمِعتَ خطبةً حصَّلت خمسة غرامات، وبخطبة أخرى خمسة ثانية، وإن حضرتَ درس علم خمسة غرامات، ولكن عندك شَهَوات خمسة كيلو غرام ! فالله أوْدَعَ بالإنسان حُبّ المرأة، وحبّ المال يبيعُ آخرتَهُ من أجل المال، يغتَصِب بيتًا، أو محلاًّ، أما حينما تتعمَّق بالعلم أصبح عندك عِلم تقريبًا من باب التقريب عشرة كيلو، والشَّهوات خمسة كيلو حينها ترْجح الكفَّة، فحينما تتوقَّع أنَّك تترفَّع عن الشَّهوات من دون زادٍ من الإيمان، ومن دون اتِّصال بالله حقيقي، هذا هو حال الناس يصومون، ويُزَكُّون، ويحجُّون، ويعْتَمروا وعندهم شُعور إسلامي، أما إن دخلْتَ بيوتهم فلا تجد للاسْتِقامة أثرًا وتِجارتهم ليس فيها انْضِباط، وعلاقاتهم الاجْتِماعيَّة الانضباط منعدم فيها فَمِثْلُ هذا المسلم لا يفلح. الإيمان أرقى بكَثير، ونحن في مرتبة الإسلام، فالمسلم من أدَّى العبادات، وطبَّق المعاملات، وتأدَّب بآداب الإسلام، فإن فعَل كلّ هذا فهو عند الله تعالى مسلم، أما حينما يُصَدِّق كلَّما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ويُقْبلُ على الله تعالى فهو مؤمن، فالتَّصديق والإقبال هو الإيمان، والكفر تَكذيب وإعراض، فالإيمان وضَع نفسي ؛ جزءٌ منه عقلي صَدّق فأيّ إنسان طبَّق الإسلام فهو مسلم، وربمَّا لا يكون قانِعًا بما يعْتقِد ! أما لمَّا تُصَدِّق أنَّ هذا هو الحق فهذا هو الإيمان، فقد كنتُ في العمرة، وفي غرفتي بالفندق، وكانت على مدخل الفندق، وضعوا كُتيِّبات، لفتَ نظري كُتَيِّب عنوانه شريط الفيديو، هذا الكُتيِّب فيه أنَّ امرأة حُكِم عليها ثلاثين سنة بالسِّجن مع الأشغال، أرْسَلَت إلى دار نَشر رِسالة ؛ هذه الرِّسالة طُبِعَت بهذا الكُتيِّب، قرأتُ الكتاب، ملخَّصه، فتاة جامِعِيّة من أسرة مُحافظة، في طريقها إلى الجامعة - يبْدو أنَّها على جانبٍ من الجمال - تَبِعها شابّ، أسْمَعها كلمات إطراء فانْزَعَجَتْ أشدَّ الانزِعاج، وتألَّمَت أشدَّ الألم، ثمّ اتَّصل بها بالهاتف، وقال لها: لعلِّي أزْعَجتُك أنا أراقبكِ من شَهر أو شَهرين، أنا مُعجَبٌ بأخلاقك، وأدَبِكِ، وكل شيءٍ فيك، وأتمنَّى أن أخطبَك من أهلِك ! تقول كاتبة هذه الرِّسالة: صِرْتُ أتمنَّى أن يتَّصِل بي، وصِرْتُ أتمنَّى إن خرجْتُ أن أراه في الطريق ! بعد شَهر اسْتَدرجها إلى شقَّة، وقضى حاجته منها، فلمَّا صَحَت من المُخدِّر، صَرَخت فقال: لا، أنت زوْجتي وسأَخْطُبكِ بعد حين ! ثمَّ بدأ يأخذها إلى هذه الشقَّة مرَّاتٍ عديدة، ثمَّ فوجِئَتْ بِتَنَكُّرهِ ! لماذا تنكَّر ؟ قال لها: أنا معي شريط !! فالذي جرى بيني وبينك مُصَوَّر في شريط فيديو !! فإن لم تُنَفِّذي تعليماتي كاملةً سوف أُعطي هذا الشريط لأهلِك ! صار يُؤَجِّرها كلّ يومٍ مع شاب، بِمَبالغ ضَخمة جدًّا ثمّ تطوَّر معه الحال فصار يُؤجِّر شريط الفيديو، فوصَل إلى ابن عمِّها ! ففُضِحَت وباعتْ الأسرة البيت، وهاجَرَت من البلدة كلِّها دَفعًا للعار، وهي لمَّا رأتْ أنَّ أسرتها دُمِّرَت وأصْبحت هي عاهرة قَتَلَت هذا الشَّخص بالسِّكين فَحُكِمَت بِثَلاثين عامًا !! أنا أروي لكم هذه القصَّة لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال (( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ * )) [ رواه الترمذي ] يقول سيّدنا سعد ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس: ما سَمِعتُ حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علمتُ أنَّه حقّ من الله تعالى فلمَّا نُخالف نحن منهج الله ؛ أُسْرة بِكَاملها تدمَّرَت، وفتاة كان بإمكانها أن تكون زوجة طبيب ! وأن تكون أُمًّا محترمة جدًّا، فهي في الأصل ترْبِيَتُها عاليَة، ولكنَّها من أجل أنَّها جَهِلَتْ حديث رسول الله ودخَلَت إلى الشقَّة انتَهتْ، فهذا الذي قالهُ النبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى وما نم مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب مخالفة منهج الله، وما من مخالفة لِمنهج الله إلا بِسَبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعَلُ في نفسِهِ ما لا يستطيعُ عدوّه أن يفعلَهُ به فالحديث هو كلام رسول الله بِوَحيٍ من الله تعالى، وأيّ مخالفة تُدَمِّر، فتَصَوَّر هذه الفتاة كيف دُمِّرَت ؟ وكيف قتلَتْهُ؟ وكيف حُكِمَ عليها بِسِجن ثلاثين عامًا ! لذا طوبى لِمَن وَسِعَتهُ السنَّة، ولم تسْتَهْوِهِ البدعة، فعلينا أن نكون دقيقين جدًّا، ونراقب أنفسنا، فالإنسان حينما يُطَبِّق المنهج اسمُهُ مسلم، ولم يرْتَقِ إلى الإيمان، فالإيمان أن تتحقَّق من أحَقِّيَّة هذا المنهج، وأن تُقبِل على الله والإحسان أن تجْعل كلّ أعمالك إحسانًا للخلق، وأن تعبد كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك. مُلخَّص الدرس، إلى أن نُطَبِّق منهج الله في كلّ شؤون حياتنا نكون مسلمين، أما لا يقرأ ولا يكتب ويقول: أنا معي دكتوراه، قال: الشعراء فاعْلَمَنَّ أربعة: فشاعِرٌ يجري ولا يُجرى معه، وشاعر يُنْشِدُ وسط المَعْمعة، وشاعر من حقِّه أن تسْمَعَ، وشاعر من أن تصْفَعَ، فالإنسان إذا تخطَّى المراتب وقال: أنا مؤمن ! قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾ [سورة الحجرات] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات ( 49 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة عشرة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ [سورة الحجرات] هذه الآية تنقلنا إلى موضوع الشُّكر، والشُّكر ينقلنا إلى موضوع آخر وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى سخَّر لنا ما في السماوات والأرض جميعًا منه بِنَصِّ القرآن الكريم، وبآيات كثيرة جدًّا قَطْعِيَّة الدلالة، فالكون كلّه مُسَخَّر لهذا الإنسان، إلا أنَّ هذا التَّسخير نوعان ؛ تَسْخير تَعريف، وتَسخير تَكريم. أنت أمام كَونٍ مُسخَّر لك، فالهواء لك، والماء لك، والأزهار والأطيار لك، والأسماك لك، والزوجة والأولاد، وأنواع الطُّعوم والقوت، والفواكه فكلّ شيءٍ مُصَمَّم لك، فهذا الكون معَرَّف تعرفين، تسخير تعريف، وتسخير تَكريم، فَمِن أجل أن تعرفهُ من جِهة، ومن أجل أن تُحِبَّهُ من جهةٍ ثانيَة، فرَدُّ فِعل التَّعريف الإيمان، وردّ فِعْل التكريم الشُّكر، فإذا آمنْتَ بالله وشَكرتهُ، فقد حقَّقْت الهدف من وُجودِك، وحينما تُحَقِّق الهدف من وُجودك تتوقَّف المعالجة. الآن الآية التي تؤكِّد هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [سورة النساء] حينما تؤمنوا، وحينما تشْكروا ما يفعل الله بعذابكم، إذًا كلّ أنواع العذاب التي يسوقها الله للإنسان في الدنيا إما لِضَعفٍ في إيمانه أو لِضَعفٍ في شُكره، قد تؤمن ولا تشكر، وقد تشْكرُ غير الله إن لم تكن مؤمنًا، تُساق المتاعب، فالمتاعب تتوقَّف فجْأةً حينما تؤمن الإيمان الكامل وحينما تشكر الله عز وجل على كلّ نِعَمِهِ. موضوع الشُّكر أيَّة نعمة أنت فيها ؛ نِعمة الحركة، نعمة السمع والنطق والبصر، ونعمة العقْل، ونعمة الأجهزة، ونعمة نموّ الخلايا طبيعيًّا، ونعمة الشرايين، أنت أمام أجهزة لا تُعدُّ ولا تحصى، وأنت عالَمٍ في جسمك، فقد يقول قائلٌ: كيف خُلقتَ ؟ قال تعالى: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾ [سورة المدثر] ما معنى بنين شُهودًا ؟ الإنسان هو المخلوق الأوّل، والوحيد المكرَّم ذرني ومن خلقتُ وحيدًا، وأيُّ إنسان له ابن يعْم عِلمَ اليقين كيف نشأ هذا الابن ! هُوَ نشأ بعد زواج، ونشأ بعد تلقيح، والتَّلقيح حُوَين لا يُرى بالعين خمسمائة حُوَين في لقاءٍ واحد، وهذا الحُوَين الذي لا يُرَى بالعين لقَّح بُوَيضة، وهذه البويْضة مَشَتْ في أنبوب ضيِّق من المِبْيَضِ إلى الرَّحم وفي تسعة أشهر أصبَح كائنًا، وله دماغ مائة وأربعون مليار خليَّة، وأربعة عشرة مليار خليَّة قِشْريَّة، ومائة وثلاثين مليون عُصيَّة ومخروط في العين والذَّوق واللِّسان، والقصبة الهوائيَّة، والمري، والكبد، والكليتين بِطَريق طوله مائة كيلو متر ! ابْنُكَ وحدَهُ يُعلِمُكَ كيف خُلقْت ؟! فالبنين يشْهدون له كيف خُلِقَ هو، لأنّ ابنَك خلِق على شاكلتك، كما أنَّ ابنك جاء من زواج فأنت جئتَ من زواج أُمِّك وأبيك، وكنتَ في الرَّحِم لا تقوى على شيء فالقلب ينبض وأنت ببَطن أمِّك ! فالرِّئتان موجودتان ولكن مُعطَّلتان، فالله جعل ثُقبًا بين الأُذَيْنَين، بحيث أنَّ الدم في الحياة ينقبض البُطَين لِيُخرجَ الدَّم إلى الرِّئتين، والرئتان تُصفِّيَان الدَّم، وتُعيدانه أحمرَ نقيًّا إلى الأُذَيْن والأُذَين يُعيده إلى البُطَين، والبُطَين يضخُّه إلى الجسم كلِّه، ففي الرحم لا يوجد هواء، هناك ثقب بين الأُذينين ؛ حينما يولَد الطِّفل هكذا قال العلماء: تأتي جلطة فَتُغلِقُ هذا الثُّقب، وإن لم يُغلق فهذا يُسَبِّب مرضًا خطيرًا اسمهُ مرض الزَّرَق، يُصبح لون الطِّفل أزرق ولا يقدر على المشي ولو مترًا واحِدًا، وعمليَّتُهُ تُكَلِّف الكثير ! وأنا رأيت العمليَّة بِأمّ عيني، يُفتح القلب فتَدخل رُقعة صغيرة، يُسَدُّ بها هذا الثُّقب ! فابْنُك يؤكِّد لك كيف وُلِدْت ؟ قال تعالى: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ(28)لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)﴾ [سورة المدثر] فحينما تؤمن وحينما تشكر تُحقِّق الهدف من وُجودك، فلِمُجرَّد أن تعلم أنَّ هذه النِّعمة من الله تعالى، فهذا نوعٌ من الشَّكر، يا أمير المؤمنين لِهارون الرشيد: بِكَم تشتري هذا الكأس من الماء إذا مُنِع منك ؟ قال: بِنِصف مُلكي ! قال: فإذا مُنِعَ إخراجُهُ ! قال: بِنِصفي ملكِيَ الآخر !! فقال: مُلْكُكَ لا يعدل كأس ماء تشربهُ هنيئًا مريئًا، فإذا الإنسان نام فهذا من نِعَم الله الكبرى، وإذا مشى على قَدَمَيه فهذا مِن نِعم الله الكبرى، والإنسان إذا كان له مأوى فهو من نِعم الله، إن كانت له زوجة فهي من نِعَم الله وعنده أولاد هو من نعمة الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا * )) [ رواه الترمذي ] أوَّل أنواع الشُّكر أن تعلم أنّ هذه مِن نِعم الله، والمستوى الأرقى أن يمتلأَ قلبك امْتِنانًا لله عز وجل، أما أرقى أنواع الشكر أن تعمل صالحًا لِخِدمة الخلق، وأن تكافئ المُحْسِن بالإحسان إلى خلقِهِ، لذا مرتبة الإحسان أعلى مرتبة، وأنت عليك أن تكون كتلة من الإحسان في حركاتك وسَكَناتك، وأقوالك وأفعالك، وتِجارتك، وتدعو الناس إلى الله، وتحضُّهم على طاعته، وتُعطيهم من مالك ووقْتِك، وجُهدِك، فأعلى درجات الإسلام الإحسان، أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، لذا الإنسان من ضَعف إيمانه يمنُّ على الله أنّه آمن، قال تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ [سورة الحجرات] فإن سَمَح الله لك أن تقف بين يَدَيه لا تقل: ها قد صلَّينا له !! فإيَّاك أن تمتنَّع على الله تعالى بِعَمَلٍ صالح، فهذا من أنواع الشِّرْك لأنَّك ترى عملك أمامك، ومن أدعية النبي الكريم الرائعة: اللَّهمّ مغفرتك أوْسع لي من ذنوبي، ورحمتك أرْجى لي من عملي ! فالذي يقول لأخيه: هذا اللَّحم الذي عليك من خيري !! فهذا كلام فيه وقاحة وتألِّي على الله تعالى وتطاوُل، فكلّ إنسان يمنّ على الناس بِمِنَّة فها لا يعرف الله، لأنَّك مفتقرٌ إليه في كلّ لحظة، قال تعالى : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ [سورة الحجرات] فالله تعالى بصير بِحجم عملك، والبواعث، والعِلَل، والأهداف والملابسات والتَّضْحِيَة، والثَّمَن الباهظ الذي دَفعْته، فهذا كلّه بِعِلم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾ [سورة محمد] وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ [سورة الزلزلة] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق ( 50 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة والسابعة من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] النقطة الدقيقة أنَّ المسلم حينما يتعرّف إلى أمر الله دون أن يتعرَّف إلى الله عز وجل يتفنَّنُ في التَّفلّت منه، أما حينما يعرف الله، ثمَّ يعرف أمْره يتفانى في طاعته فالعبرة أن تُطيعه، وأنت لن تُطيعه إلا إذا عرفْت الآمر وكيف تعرف الآمر ؟ لا تُدركه الأبصار ! فكيف نعرفه وأبصارنا لا تدركه ؟ مِن آثاره وهذا معنى كلّ الآيات الكونيّة في القرآن الكريم، فإن أردت أن تعرفهُ فعليك بالتَّفكّر في مخلوقاته، وإن أردت أن تعرفهُ فعليك بالتَّفكّر في أفعاله وإن أردت أن تعرفه فعليك بالتأمّل في كلامه، كلامه وأفعاله، وخَلْقُهُ كلّ هذه الآيات توصِلُك إليه، آياته تَكْوينيَّة، وآياته كَوْنيَّة، وآياته قرآنيَّة كلاميّة، موطِن الشاهد أنَّك لن تُطيعه إلا إذا عرفْتهُ، ربنا عز وجل يقول: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] فالمليون مليون مجَرَّة، وبِكلّ مجرَّة مليون مليون نَجم، وهي أرقام تَقريبيَّة الآن أو أحدَث ما وصل إليه عِلم الفلَك، فما معنى مجرَّة ؟ مجموعة من النُّجوم لا تُعدّ ولا تحصى، فالشَّمس والأرض، والقمر، والمريخ والمشتري وزحل، وبلوتو ؛ هذه المجموعة الشَّمسيّة على درب التَّبابِنَة على شَكل عضلة تُمثَّل بنقطة واحدة، ومجرَّتنا مجرّة متواضِعة وصغيرة اسمها درب التَّبابنة، وفي أوّل الشّهر، لو أنَّ السماء صافيَة لرأيْت غيومًا من النُّجوم ؛ هذه الغيوم من النُّجوم هي درب التبابنة وهي مجرّتنا، وهذه المجرَّة المجموعة الشَّمسيَّة بأكملها تساوي فيها نقطة واحدة، فنحن إن أردنا أن نصل إلى المشتري نحتاج إلى سِتَّة سَنَوات على مركبة تُعدّ من أسْرع المركبات التي صَنَعها الإنسان وسرعتها تسعين ألف كيلو متر بالساعة، وكي تصل لا بدّ لها سِتَّة سنوات إلى كوكب يمثّل على كوكب درب التبابنة بنقطة ! وهذه مجرَّة من مليون مليون مجرَّة، أما أبعَدُ مجرَّة ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوئيَّة، فهذا أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بعده عنَّا أربعة سنوات ضَوْئيَّة، وكلمة أربعة سنوات ضوئيَّة، تعني أنْ تركبَ سيارة، وتسير بِسُرعة مائة خمسين مليون سنة، فهذه المجرَّة التي تبعد عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوئيَّة ؛ كم بُعدها عنَّا ؟ لذا موضوع السماوات موضوع كبير، قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] الشيء الغريب أنَّ هناك نِظام التَّجاذب بين الكواكب، أضَعُ لكم مثلاً بسيطًا: لو وضَعنا كرتين أو كتلتين مِغناطِيسيَّتَين متساويتان في الحجم تمامًا ووضَعناهما على سَطح مستوي سيل، وجئنا بِكُرة معْدنيَّة، بحيث نضَعها في مكان لا تجذب لا إلى هنا، ولا إلى هنا يجب أن نضَعها في المتوسّط الدقيق جدًّا بين الكتلتين، فلو أُزيحت ولو بعشرة ميلي لانجذبَت، وهي تحتاج إلى دِقَّة بالغة، فلو كانت كتلة أكبر وكتلة أصْغر، لاحتاجت المسألة إلى حِسابات أكثر، فمن أجل أن تضَع الكرة المعدنيَّة في متوسِّط مغناطيسي بحيث لا تنجذب لا إلى هنا ولا إلى هنا ! فكيف إذا كانت هذه الكتل في الفراغ ! ليسوا على سَطح واحد لكان الحساب أعْقد، فكيف بالأمر إن كانت هذه الكرات متحرِّكة ! فهذا مثل مُبسَّط عن الكون، مجموعة نُجوم متفاوتة في المسافة والحجم والسعة، وكلّ نجْمٍ ينجَذِب إلى نجْمٍ آخر والمحصّلة حركة متوازنة ؛ هذه قدرة مَن ؟ قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [سورة الرعد] هذه الآية تلفت النَّظر إلى معرفة الله من خلال خلقِهِ. بحثوا عن العلبة السوداء في الطائرة التي وقَعت فوق طائرة للأعداء وذهبَ ضَحِيَّة هذا الحادث ثلاثة و سبعون ضابطًا مِغوار من الدَّرجة الأولى، ولا يُعوَّضون ولو بعشرين عامًا، والعدد الحقيقي مائة وخمسون ضابط، عثروا على هذه العلبة، وكان فيها آخر كلام قاله الطَّيار: أنا أسقط فوق زميلي ولا أدري لمَ أسقط ! فهم أرادوا أن يأخذوا أُناسًا من المسجد لِيَجلبوهم إلى العدوّ ! فجعل الله كَيدهم في نحرهم، وتدبيرهم في تدميرهم، وجعل الدائرة تدور عليهم، هذه أفعاله، وأنا سَمِعتُ أنّ إمام الحرم دعا أكثر من عشرين دقيقة عليهم وبكى، وفي الوقت نفْسه وقَعَت هذه الطائرة ! والكون خلقهُ، فإذا أردْتَ أن تعرفهُ ففَكِّر في أفعاله وأقواله وفي خلقه، قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] بناء ولكَّنه بناء متحرِّك، فالأرض تقطع ثلاثون كيلو متر في الثانية فالأرض قَطَعت من بداية الدرس إلى الآن حوالي مائة ألف كيلو متر ! هذه حقائق بديهيّة، وكلّ شيء مستقرّ، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64)﴾ [سورة غافر] يجب أن تعرف من هو الله ؟ ومن هذا الذي تُصلِّي له ؟ ومن هذا الذي تحلفُ به ؟ يحلف البائع بالقرآن وبالله وبأيمان معظَّمة أنَّه اشترى هذه السِّعة بأكثر مِمَّا يعرض سِعرها للبيْع !! والحقيقة عكس ذلك !! وتُشهد الله على ذلك !! لذلك كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [سورة الرعد] والله الذي سخَّر لنا كلّ شيء، وله ملكوت كلّ شيء، اقْرأ هذه الآيات التي تصف الذات الإلهيَّة بأفعالها وكمالاتها وكلامها. قال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾ [سورة ق] لا يوجد شَكل هندسي تسير عليه الخطوط ما لا نهاية إلا الكرة، المكعّب والموشور فيه حروف، وكذا الهرم فأيّ شَكل هندسي له حروف إلا الكرة فالخطوط تسير عليه إلى ما لا نهاية، قال تعالى : ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [سورة ق] سبب استقرار الأرض الرواسي فهذه الجبال هي مثبتة للأرض، فالعجلة مثلاً توضَع على جهاز تدور بِدَورات سريعة جدًّا، وتضطرب، وفيها مكان يضعون فيها عشرون غرامًا، ويضعون قطعة رصاص في مكان معيَّن، ثمَّ تدور فلا تضطرب ! يسمونها رَصْرصة أصحاب السيارات، وهذه الجبال التي ألقاها الله كرواسيَ في الأرض من هذا النوع، قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9﴾ [سورة ق] هذه الورود زوْج بهيج، وهذه النباتات الرائحة، وهذه الرائحة والألوان وتناسق العجيب، فهذه الجمال لِمَن ؟ للإنسان، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)﴾ (سورة الإسراء) أيها الإخوة الكرام، لا تُطيعُ الله إلا إذا عرفْتَهُ، وهو لا تدركُهُ الأبصار ولن تعرفهُ بحَواسِّك الخمس، ولا يمكن أن تعرفه إلا بِعَقلِكَ، ومن خلال آثره وآثره ثلاث ؛ آياته الكونيَّة، وآياته التَّكوينيَّة التي هي أفعاله، وآياته القرآنيَّة لذلك أنت بالكون تعرفهُ، وبالشرع تعبدُهُ. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق ( 50 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة عشرة من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [سورة ق] الإنسان حينما يعلم أنَّ الله يعْلَم استقامَ على أمْره، وإن استقامَ على أمرهِ سَعِدَ بِقُربِهِ في الدنيا والآخرة، يُمكن أن يُضْغط الدِّين كلَّه في هذه الآية، إذا علمتَ أن الله يعلم استقمتَ على أمره، و إن استقمت على أمره صار الطريق سالكا إليه، و اقتربتَ منه و سعدتَ في الدنيا و الآخرة. يؤكِّد هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾ [سورة الطلاق] دقِّقوا في لام التعليل في قوله "لتعلموا " إذا علمتَ أن الله أحاط بكلِّ شيء علما و أن الله على كلِّ شيء قدير لا يمكن إلا أن تطيعه، و الذي لا يطيعه عنده خللٌ إما في يقينه أن الله يعلم أو في يقينه أن الله يقدر فإما أن يكون هناك خللٌ في اليقين أن الله يعلم أو أن الله يقدر أو لا يقدر أما إذا تيقّنتَ أن الله يعلم و يقدر، فعلمُه يطولك و قدرتُه تطولُك، و هو محيطٌ بك علما و أنت في قبضته لا يمكن أن تعصيه، يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق] خواطره و دوافعه الخفيَّة و أهدافه البعيدة، و صراعاته الداخلية و بواعثه النفسية، و خططه الضمنية التي يكتمها عن أقرب الناس إليه. أحيانا يسافر الإنسان إلى بلد أجنبي و يتزوَّج زواجا شرعيا، بوليٍّ و مهر و شاهدي عدل، و في نيته أنه حينما تنتهي دراستُه يطلِّقها، وليس في الكون كلِّه من يكشف هذه الحقيقة إلا الله، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق] أنت مكشوف، ومن تزوّج امرأةً على صداقٍ، وفي نيَّتِهِ أن لا يؤدِّيَهُ لها لَفِيَ الله زانيًا، ومن أخذ أموال الناس يُريد أداءها أدّى الله عنه، فمُشكلة المسلم أنَّه إن أيْقَنَ أنّ الله يعلم استقام، هذا هو مفتاح التشغيل، فالدِّين مفتاح تشغيله هي الاستقامة، والباقي على الله تعالى فأنت حينما تستقيم تُصلي، وإن صلَّيت اقتربْت من الله تعالى، ووفَّقك الله عز وجا، ورزقَكَ رزْقًا حلالاً، وحينما تكون طاهرًا، وعفيفًا ومُتّبعًا لِمَنهج الله تعالى انتهى كلّ شيء، فالدِّين أبْسَط مِن أن يُفلْسف، وأبْسَط بِكَثير وهناك من وضَع كتب عقيدة كلّ درس يحتاج إلى ساعة ! فكتاب الله تعالى واضح ومبين، والدِّين كالهواء يجب أن يسْتنشِقه كلّ إنسان بِبَساطة، ومن دون تعقيدات، ومن دون أن تقف في الدَّور، وهذا لكلّ الناس، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق] فلا يوجد جِهة بالكون يمكن أن تراك إن اطَّلعْت على جارتك وهي بالشُّرفة فحينما تغضّ بصرك عنها فالله وحده هو الذي يعلم عفَّتَك، فالإنسان أحيانًا يفكِّر بأشياء كلّها معاصي، وشرور ويظنّ أنَّه أمام الناس جيّد، أما الله عز وجل يعرفُكَ من الداخل، فالناس يعرفونك من الخارج ؛ أنيق ومُعطّر ومركبتك جيّدة، وأقمْتَ وليمة بِأذواق عاليَة ؛ هذا كلّه في الخارج، أما الله تعالى يعرفك من الداخل كيف تُفكِّر مع شريكك ؟ وكيف تُفكِّر في ترِكَة إخوتك ؟ وتكتب المحلّ باسمك ! فمن يعلم ذلك ؟ الله عز وجل يعرفك من الداخل، والناس يعرفونك من الخارج، لذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: عبدي طهَّرت منْظر الخلق سنين، أفلا طهَّرت منظري ساعة ! فإذا كان بيتك غير منظَّف فهذه مشكلة، وإن كان سيارتك غير نظيفة فهذه مشكلة لأنّك إن لم تنظّف يتَّهمك العامّة أنَّك قذِر ! وتطهِّر منظرك الخارجي فأنت بهذا تطهِّر منظر الخلق ! ما هو منظر الله عز وجل ؟ ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ * )) [ رواه مسلم ] قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾ [سورة الشعراء] أكبر رأس مال تمْلكُه أن يكون قلبك سليمًا ؛ لا يوجد غشّ ولا ضغينة ولا حسد، ولا بغض، ولا استِعلاء. أيهاالإخوة الكرام، إذا علمتَ أنّ الله يعلم فهذا هو مِفتاح التشغيل كلّه، وإن علمتَ أنَّ الله يعلم اسْتقمْت على أمره، فإن استقمتَ على أمره سَعِدتَ بِقُربِهِ في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [سورة ق] قال تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾ [سورة الأنفال] أقرب شيءٍ إليك قلبَك، أحيانًا تأتيك خواطر داخليَّة، والله تعالى بينك وبين قلبِك، وقال تعالى ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ(83)﴾ [سورة الواقعة] ميّت بين يديه فالابن يده على رأس والده، والابن الثاني على قلبه والثالث على نبضه قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [سورة ق] كلّهم يحيطون به، وخائفون أن يلفظ النَّفَس الأخير، قال: ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تشعرون ! فالله عز وجل معك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾ [سورة الحديد] معك بِعِلمه، أما مع المؤمن بِتَوفيقه، ونصرِهِ، وتأييده وحِفظه، فالمعيَّة نوعان: عامَّة، وخاصَّة، فالمعِيَّة العامة، أنَّه تعالى معنا بعِلمه، والمعيَّة الخاصة، قال تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(123)﴾ [سورة التوبة] معهم بِتَأييده، ومعهم بِحِفظه، ومعهم بِتَوفيه ونصرِهِ، فهذه الآية تكفي: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [سورة ق] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق ( 50 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة عشرة من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ [سورة ق] ملك اليمين، وملَكُ الشِّمال، وهذا كلام الله وأنا أؤكِّد لكم أنَّ معظم المسلمين لا يأخذون بهذه الحقيقة وكأنَّها لم تكن، لو أنَّ الإنسان قالوا له أنَّ خطَّكَ مُراقب ! كيف يتكلَّم ؟ بِحَذَرٍ بالغ، فإذا كان الله يُراقب، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾ [سورة الفجر] إذا كان الملَكان يكتبان كلّ كلمة تنطقها، قال تعالى: إذْ يتلقَّى المتلقيان...عتيد " عتيد ي قويّ فقد يكون الرقيب ضعيفًا يُنَحَّى، يُجمَّد، ويُحال بينه وبين أن يُراقِب، لكنّ هذا الرقيب عتيد وقويّ، وموجود وحاضر دائمًا، ويتخطَّى الأسوار والجدر. هذه الآية أيها الأخوة لو عقلناها، أو لو فَهِمناها عن ربِّنا عز وجل لَكُنًّا في حالة مع الله عز وجل غير هذه الحالة، قال تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ [سورة ق ولكن شاءَت حكمة الله جلّ جلاله أن يكون العمل الطيِّب مكتوبًا مباشرةً أما العمل السيئ فلا يُكتبُ إلا إن أصرَّ عليه، ولم يسْتغفر منه وتباهى به ولم يعْبأ بما يترتَّب عليه، من هنا قال الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾ [سورة البقرة] كسَب فِعل ماضي مُجرّد ثلاثي، واكتَسَب فعل خماسي على وزن افتَعَل تقول: كتَب، وتقول: اِكْتتَبَ، كتبَ أيُّ إنسان كتَبَ صار كاتبًا، أما اكْتَتَب هو الذي يتَّخِذ الكتابة مهْنةً له، فمعنى ذلك أنَّ الاكْتِتاب أو الاكتساب أراده وتمناه، وأصرّ عليه، ولم يستغفر منه، وتباهى به عندئذٍ جَعَل الله ملَكَ اليمين أميرًا على ملكِ الشِّمال، يقول له: اُكتبْ فالحسنة تُكتب مباشرةً من دون تردّد، ولكنّ السيِّئة لا تُكتب إلا إذا أصرّ الإنسان عليها ولم يتُب منها ؛ عندئذٍ تكتب عليه، قال تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ [سورة ق] قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)﴾ [سورة ق] هذا الذي لا يستطيع أن يتفلَّت منه إنسان، حُكِمَ علينا بالموت مع وقْف التَّنفيذ ! كلّ واحد له يوم تُنَفَّذ فيه هذه القضِيَّة، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)﴾ [سورة ق] الإنسان كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(96)﴾ [سورة البقرة] رجل في مِصر سَمِعتُ عنه يعْمل في الفنّ، والغِناء، يخاف الموت خوفًا لا حدود له، فما ركِب طائرةً في حياته، وما أكل مساءً إلا فاكهةً، ويأكل يومًا سمكًا وآخر دجاجًا والرياضة، ثمّ مات، قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)﴾ [سورة ق] والإنسان إذا كان عمله سيئ يحيدُ عن الموت، وإذا عملهُ طيِّب يتمنَّى لقاء الله عز وجل، وأعرف رجلاً والله قِصَّته لولا أنَّ الذي رواها لي أُصَدِّقه لما صدّقتُ قصَّتهُ ؛ أُصيبَ بِمَرضٍ في دَمِهِ خبيث، ولِحِكمة أرادها الله أصبح هناك اتِّصال مع المنزل، والقصْد أن المستشفي يريدون إخبار أهل هذا المريض أنَّ المرض خبيث، ولا يعيش إلا يومين أو ثلاثة، وكأنّ المستشفى بِتَحاليل دقيقة عيَّنوا وقت الموت ! فلمَّا اتَّصلوا بالأهل كان في البيت سمَّاعتَين، فرفعوا السَّماعة، ورفع هو السماعة وسَمَع ما قيل لأولاده ! وكان هذا الرجل صالحًا، أنشأ مسْجِدًا، وكلّما دَخَلتْ عليه لجنة لدفع التبرعات يُعطيها مِفتاح الصُّندوق، ويقول: لِرئيس اللَّجنة: افْتَح وخُذْ ما تشاء ولا تُعلِمني ! فهذا الرّجل سَمِع بأُذنه أنَّ حيته انتَهتْ، أوَّل الأمر اتَّصل بأصدقائِهِ التُّجارة، وقال لي: خمسة صفقات، وطلب من أصدقائه ما يُثبِّتونه وما يلغونه، ففي أوَّل اليوم حلّ كلّ مشاكله الماليَّة ثاني يوم اسْتَقدمَ كلّ أقربائِهِ وودَّعهم ثاني واحدًا واحِدًا، وفي ثالث يوم اغْتسَل بِنَفْسِهِ اغتسالاً جيِّدًا ودرجة الأولى، واضْطَجَعَ على فراشِهِ الساعة الثانية عشر وجاءهُ شيخُهُ وأقاموا حلقة ذِكرٍ، وفي الساعة الواحدة خرجت أنفاسُهُ !! فالإنسان إذا كان عملهُ طيِّب يتمنَّى لقاء الله تعالى، وهو تُحفة المؤمن وعُرْسُ المؤمن، وكما قال عليه الصلاة والسلام: للصائِم فرحتان..." فاطمة رضي الله عنها قالت: واكربتاه على أبت ! فقال لها عليه الصلاة والسلام: لا كرب بعد اليوم على أبيك !! غدًا نلقى الأحبَّة محمَّدًا وصحبه فالذي يريد أن ينقل كلّ أمواله إلى خارج البيت، باع بيته ومحلَّه، وطلع المطار، وأخذ بِطاقة صُعود، وأقلعَت الطيارة، فهذا الإنسان تجِدهُ بِأَسْعد لحظات حياته لأنَّه قدَّم ماله أمامه فسرَّهُ اللَّحاق به، فكلّ إنسان قدّم من الخير يكون الموت عنده تُحفة، والموت عنده عرس، وكلّ من أكل الحرام وانْحرف، وتجاوزات، وغيبة ونميمة، واحْتِيال بالورثة، وغِشّ بالبيْع والشِّراء، وعلاقات غير طيِّبة، هذا إذا ذُكِرَ الموت ارْتَعَدَت فرائِسُهُ وبالمقابل إنسانٌ أُصيب بِنَفس المرض ؛ ابْيِضاض الدَّم، وهو سرطان في الدّم، و أكبر التجار، زاره أحد أقربائي، قال له: لا تنزَع لي طَعمة فَمِي لأنَّ فلانة المغنيَّة قبَّلتني !!! وبعد شَهر مات، يُقْسِمُ أهل تلك البناية أنَّه لا يوجد إنسان في البناية إلا سَمِعَ صُراخهُ !! عمرهُ ثمانية وثلاثون سنة ! فإذا الإنسان مُتفلِّت فإنّ الموت يكون له مثل الصاعقة، قال تعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾ [سورة الزخرف] وقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)﴾ [سورة ق] كلّ ذكائِنا، وكلّ تفوقنا أنْ نعُدّ لهذه الساعة التي لا ريب فيها، ونهيئ التوبة، والعمل الصالح، وضَبط البيت والعمل، وضَبط الإنفاق، وتربيَة الأولاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والدَّعوة إلى الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)﴾ [سورة ق] ملَكٌ يسوقها، وملَكٌ يشْهد عليها وهذا يُطَبَّق على كلّ الناس من دون استثناء، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ﴾ [سورة ق] خطَّطْت لِكُلّ شيء وهيَّأ كُلّ شيء، أما الموت ما أدْخلَهُ في حِساباته ! فالإنسان يعدّ للدنيا كلّ شيء، أما ساعة لِقاء الله عز وجل نسيَها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [سورة ق] والناس نِيام، وإذا ماتوا انتبهوا، والناس الآن في عَمَى، البطن والفرْج والدِّرهم والدِّينار، قال عليه الصلاة والسلام: تعس عبد الدرهم..." قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾ [سورة ق] الآن عرفت الحقيقة بعد فوات الأوان كمن رأى أجوبة الامتحان بعد الامتحان. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق ( 50 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)﴾ [سورة ق] سائقٌ يسوقها إلى المحكمة، وشهيد يشْهد عليها ! قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [سورة ق] في أثناء حياته الدنيَوِيَّة خطَّط نظَّم وبنى وأسَّس، وفكَّر في كلّ شيء إلا في هذه الساعة كانَتْ غائبةً عن ذِهْنه، قال تعالى: ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾ [سورة ق] والغطاءُ غِطَاؤُك فأنت الذي وضَعتَهُ على عَيْنيْك، فأنت بإرادتِك واخْتِيارِك أحْببْتَ الدنيا، فكان حُبُّ الدنيا غِشاءً يُغَشِّي عَيْنَيك، وحُبُّك الشيء يُعْمي ويُصِمّ. قال تعالى: ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾ بصرك حديد أيْ نافِذ، ففي الدنيا البصر قاصِر، كان يرى المال كلّ شيء هذا نظرٌ قاصِر، والمرأة كلّ شيء أما حينما كُشِفَ عنه غِطاؤُه أُزيحَتْ عنه هذه الشَّهوات بعد الموت وأصبَحَ نظرُهُ حديدًا. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)﴾ [سورة ق] وصْفٌ بالِغٌ جدًّا، فهو ليس حاله أنَّه لا يفْعل الخير، بل يمْنَعُ الخير وليس مانِعًا للخير بل منَّاعًا للخير فالإنسان إذا كفَر ليْتَهُ لا يفْعَلُ الخير، فعدم فِعل الخير درجة، ويمنع الخير درجة، ومنَّاعٍ للخير درجة أعلى، فهو لا يُعطي شيئًا، ولا يُلقي دَعوةً ولا يسْمَح بِنَصيحةٍ، أما إذا أعطى الإنسان واسْتقام واتّقى يُقيم عليه النكير قال تعالى: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)﴾ [سورة ق] ليس كافرًا ولكن كفَّارا صيغة مبالغة، أي شديد الكفر، وعنيد متكبِّر، ليس كُفْرُهُ عن جَهل بل عن تَكَبّر قال تعالى: ﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)﴾ [سورة ق] سيئ الظنّ، ونمطُهُ عُدواني، ويبني حياته على أنقاض الآخرين، هذا هو الكافر ؛ حدِّث عليه ولا حرَج، حدِّث عن دناءتِهِ، وعن عُدْوانه، ظنونه وحدِّث عن كِبْرِهِ وغَطْرسَتِهِ، وعن عدم إنصافه، وعن ظُلمِهِ، قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ(8)وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ(9)وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ(10)رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ(11)كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ(12)وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ(13)وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ(14)أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍٍ جَدِيدٍ(15)وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ(17)مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20)وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(21)لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ(23)أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ(24)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ(25)الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ(26)﴾ [سورة ق] كلّ هذا لأنَّ جعل مع الله إلهًا آخر، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾ [سورة يوسف] في الظاهر مُوحِّد، وفي الحقيقة جَعَل مع الله إلهًا آخر، ومن أقرب هذه الآلهات هواه، قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾ [سورة الفرقان] شَهوته فوق كلّ شيء إذا كان المال إلههُ، يأخذُهُ بأيَّة طريقة مشروعة أو غير مشروعة، صحيحة أو مغلوطة، وبِحَقٍّ أو بِغير حقّ جعل المال إلهًا له كالذي جعل المرأة إلهًا له، يريدها في أيّ وقت وبأيّ طريقة ؛ يجوز أو لا يجوز ! قال تعالى: ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)﴾ [سورة ق] أغلب الناس يرتكبون المعاصي ويسبُّون إبليس، وما لإبليس علاقة ! والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [ سورة إبراهيم ] هو مُهيَّأ للضلال والطُّغيان، وهو يريد الطغيان، ولكن كان في ضلال بعيد نأتي بِمَثلٍ واقعي: صفّ يحوي خمسين طالبًا، هناك طالب سيئ جدًّا يُغري أكثر الطلاب كي ينساقوا معه إلى طريق السرقة والغياب عن المدرسة، يسْتجيب له بعض الطلاب، والباقون لا يستجيبون، فالذين استجابوا له هم على شاكلته، فهذا الطالب الفاسد ما فعل شيئًا إلا أنَّه ذكَّرهم بالفساد فالذي استجاب هو على شاكلته، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)﴾ [سورة ق] هذا مشْهد من مشاهد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)﴾ [سورة ق] ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا..." من هو الموفَّق ؟ والعاقل ؟ والذكيّ؟ الذي يصْحو في الدنيا، فكلّ الناس سيصْحون عند الموت، ويعرفون الحقائق التي جاء بها الأنبياء ويعرفونها معرفةً دقيقة، فإما أن تصْحوَ الآن، أما أن تصْحُوَ غدًا وعندها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(158)﴾ [ سورة الأنعام ] كأن يطَّلِع طالب بعد الامتحان على الأجوبة، ويأخذ أصفار في كل المواد ولكن يطلب من الإدارة إدراج اسمه لأنّه عرف الأسئلة بعد الامتحان !! قال تعالى: ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)﴾ [سورة ق] أيها الإخوة، العقل، والذّكاء والفلاح، والتَّوفيق، والفوز والنَّجاح والتَّفوّق أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، لأنَّه بعد فوات الأوان لا قيمة لهذه الحقيقة بل إنّ هذه الحقيقة تزيد الإنسان ندمًا وشقاءً، وإنَّ العار ليلْزم المرء يوم القيامة حتَّى يقول: يا رب، لإرسالك بي لى النار أهْونُ عليَّ ما ألقى، وإنَّه يعلم ما فيها من شِدَّة العذاب ! نحن في الدنيا إذا الإنسان تورَّط في ورْطة وكان مِن الممكن أن لا يقع فيها ينْدم أشدّ النَّدَم. فالإنسان العاقل يتحمَّل مسؤوليَّة أعماله، ودائمًا غير العاقل تجد له رغبة غير جامحة أن يرمي بِأعماله السيّئة على مسؤوليّة الآخرين ! يقول لك: ما علَّمني أهلي، والشيطان أغراني، والبيئة سيّئة، أو لفِتَن قائمة، والدَّخل قليل ؛ هذا كلّه غير مقبول عند الله، لأنّه تعالى يقول ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [ سورة البقرة ] فلو قلتَ إنَّ طاعة الله فوق وُسْعي لكذَّبتَ بهذه الآية ومن كذَّب بآيةٍ كفر لأنّ الاستقامة في وُسْع الإنسان، والله موجود وهو الرزاق والآمر ضامِن فلو سألك نصَحت إنسانا بِنَصيحة ما هل تستطيع أن تضْمن له النتائج ؟! أما إن أمرك الله بِأمرٍ فهو ضامِن للنتيجة. لذلك آخر ما أختم به هذا الدرس، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾ [ سورة فصلت ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق (50) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، ربنا سبحانه وتعالى إذا ساق لنا وصْفًا من أوصاف أهل النار التي يرْتعد لها القلب، يسوق بعدها وصْفًا لأهل الجنَّة، لذلك ينبغي أن يتَّجِهَ المؤمن إلى الله عز وجل راغبًا تارةً، وخائِفًا تارةً أخرى وقد ورَدَ في بعض الأحاديث القدسيّة أن: يا رب إنِّ أعلم أنَّني أُحِبُّك وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك، فكيف أُحبِّبُك غلى خلقك ؟ قال: ذَكّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي! الآلاء من أجل أن تُعظِّم الله، والنَّعماء نم أجل أن تُحِبَّهُ والبلاء من أجل أن تخافهُ. أحيانًا نقول للإنسان: يتفضَّل الله عليك بِنِعمة الصّحة، ونِعمة الزَّوجة ونِعمة الأهل، ونِعمة السُّمعة الطَّيِّبة، ونعمة راحة البال، ويُجري على أعماله أعمالاً طيِّبة، وأحيانًا نقول: هناك أورام خبيثة، وهناك تشمّع في الكبد، وهناك فشلٌ كلوي، ذَكّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، البلاء مكابح والنعماء محرِّك يقودك إلى الله، يا داود ذكِّر عبادي بالإحسان إليهم فإنّ النفوس جُبِلَت على حُبِّ مَن أحسَن إليها ! فربُّنا عز وجل مِن حكمته البالغة في كتابه الكريم كلَّما ساقَ مشْهدًا من مشاهد أهل النار، أتْبعَهُ بِمَشْهدٍ من مشاهد أهل الجنَّة، فالدرس البارحة كان على أهل النار، قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)﴾ [ سورة ق ] ثمَّ يقول الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31)﴾ [ سورة ق ] صار المتَّقون بينهم وبين الجنَّة قاب قوسين أو أدنى، تقرأ في الدنيا القرآن الكريم، وتستمعُ إلى حديث رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يُبشِّر المؤمن بالجنَّة، والله جلّ جلاله يُبشِّر المؤمن بالجنَّة، لذلك قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8)﴾ [ سورة التحريم ] الوُعود التي وعَدَ الله بها المؤمنين ؛ هاأنتم أولاء ترونها رَأْيَ العَيْن ! قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32)﴾ [ سورة ق ] أي هذا ما وُعِدتُم به وهي الجنَّة، فيها ما لا عين رأَتْ، ولا أُذُن سَمِعت ولا خطر على قلب بشر، وأنا أقول لكم - وأنا أعْني ما أقول - أحيانًا مفهوم الجنَّة والنار، والعذاب والحساب، والجنَّة والآخرة كأنَّ هذه المفهومات ليْسَت في حساب الإنسان المسلم الآن ! يعيش دُنياهُ فقط وآلامه فقط، وكأنَّ الحياة تنتهي عند الموت، وقد نسِيَ أنَّ الحياة تبدأ عند الموت ! لذلك قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32)﴾ [ سورة ق ] أوَّاب على وزن فعَّال أيْ كثير الأوْبَة إلى الله تعالى، كلما أخطأ يتوب إلى الله وكلما زلَّت قدمهُ يرجع إلى الله تعالى وكلما تكلّم كلمة لا تُرضي الله تعالى تاب إلى الله، تاب مرَّةً، ودفعَ صدقةً مرَّةً، ومرَّغ جبهته، وصلى على النبي أخرى، فالله تعالى ما قال: آيِبٍ، ولكن قال أوَّاب ؛ كثير الرجوع إلى الله تعالى، فممكن أن تستغفر الله باليوم مائة مرَّة، وكلما وقع الإنسان بِغَلَك، فمعنى ذلك أنَّه أوَّاب ؛ أي كثير الأوبة إلى الله تعالى، وحفيظ يَحفظ أمْر الله تعالى ونَهْيَهُ، وهو على وزن فعيل، يحافظ على أمر الله نهْيِه، وكان عمر رضي الله عنه وقَّافًا عند حدود الله، أما قولهم: لا تُدقِّق هذه من الشيطان ! قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾ [ سورة الحجر ] وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54)﴾ [ سورة الزمر ] فأوَّاب هو كثير الأوبة والرجوع عند كلّ خطأ، وعند كلّ كلمة أو نظرة لا ترضي الله، فهذه السيّدة عائشة ماذا قالت عن السيّدة صفيَّة ؟قصيرة! ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ * )) [ رواه الترمذي ] قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة ! ولو بالإشارة !! فمن هو المؤمن ؟ الوقاف عند حدود الله والوقاف عند حدوده تعالى، ويُعظِّم شعائر الله، ويؤدِّي العبادات أداءً متقنًا أما من يقول: لا تُدقِّق فهذا كلام الشيطان لأنّ المؤمن عليه أن يُدَقِّق، وركعتين من ورِع خير من ألف ركعة من مخلِّط ! قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)﴾ [ سورة ق ] خافهُ بِعَقلِهِ، أما الحيوان فيخاف بِعَينيه، وكذا الأحمق، أما الإنسان الراقي يخاف بِعَقلهِ، ومرَّةً ناقش الإمام الغزالي نفسه فقال: يا نفسُ لو أنَّ طبيبًا منَعَك من أكلةٍ تُحِبِّينها، فلا شكّ أنَّك تمتنعين منها، أَيَكُون الطبيب عندك أصْدَق من الله تعالى ؟! فالله منعك من أشياء كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا(37)﴾ [ سورة الإسراء ] ومنعَكَ من الكِبر والشحّ، ومنعك بالخوض في أعراض الناس، ومنَعَك من الكذب، ومن أشياء كثيرة، فالطبيب تُنفِّذ له ما يقول، ولا تنفِّذ أمر الله تعالى ! فما أكفرَكِ، أيَكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله إذًا فما أجْهلَكِ ! فكلّ إنسان يعصي فهو إنسان غبيّ وجاهل، قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)﴾ [ سورة ق ] فهو ما رأى النار، وما رأى الجنَّى ولكنّ الله تعالى أخبره بها. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)﴾ [ سورة ق ] أيْ قاب آيبٌ إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)﴾ [ سورة ق ] لا مرض ولا قلق، ولا زواج غير موفَّق، ولا ابن لا يُحتَمل، ولا دخل قليل ! ولا أولاد لا تحتملهم، ولا أزمة سَكَن، ولا طعام ولا خوف، كلّ هذا منهيّ عند دخول الإنسان الجنَّة ! قال تعالى: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)﴾ [ سورة ق ] الآخرة مَبنيَّة على شيء غير الدنيا، ففي الدنيا قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾ [ سورة الانشقاق ] لو أردت أن تأكل صحن سلطة لاحتجت إلى ساعة، وكذا من أجل البناء خرائط وتخطيط ومال، وكدّ فَنِظام الحياة الدنيا نِظام سَعي أما في الآخرة فالأمر خلاف هذا، لهم ما يشاءون ! هذا هو نظام الآخرة، أيُّ شيءٍ خطر بِبَالك تراه أمامك، يجلس الواحد في الجنَّة فيقول: إنَّه كان لي قرين، فإذا به يطَّلع عليه في لحظتها ! قال تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)﴾ [ سورة الصافات ] كلّك أعْين وآذان، فالجنّة نظامها لهم ما يشاءون، قال تعالى: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)﴾ [ سورة الحاقة ] تأتيك الشجرة فتأكل ثمرها، والحقيقة إذا أمضى الإنسان سنوات في معصِيَة الله وخَسِر الجنَّة، ويكون أعقل عقلاء الأرض إذا تحمَّل بعض المتاعب من أجل الجنَّة، وقد ذكرتُ مثلاً، وردَّدْتُهُ كثيرًا إلا أنَّه يُناسب المقام الآن: كان هناك باصات في المهاجرين تقف قبل المرجة، ففي أيام الصيف الحارة، يصعد الراكب فيجد على اليمين شمس محرقة، وعلى اليسار ظلّ فيجلس في الظلّ، ويصعَد راكب ويُشَغِّل عقله فيجلس بالشمس ! لماذا لأنَّ هذا الباص سيدور بعد دقيقة واحدة، وتنعكس الآية إلى آخر موقف، فهذا المثل يمثّل الحياة الدنيا والآخرة، فالذي جلس بالظِلّ وتمتَّع به نصف ساعة، والذي عطَّل عقله جلس بالظل دقائق، وخسر الظلّ نصف ساعة، فكيف إذا كان للأبد فالراكب الذكي عاش المستقبل وليس الحاضر، فالحاضر هنا شمس، وهنا ظلّ، والإنسان لا ينجو إلا إذا عاش المستقبل، والأقل غباء يعيشون الحاضر، وهل هناك في المستقبل حدَث أخطر من الموت ؟ هذا أخطر حدَث، وهو ينتظرنا جميعًا، ولا يمكن لمَخلوق أن ينْجُوَ منه، فما دام لا بدّ آتٍ فلْنُعِدَّ له التوبة والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق (50) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والثلاثون من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾ [ سورة ق ] أيُّ طلبٍ يرِدُ على خاطرِك تَجِدهُ أمام، هذا نِظام الآخرة، فَنِظام الدنيا أساسه الكدّ، والسَّعي، وبذْل الجهد، وعبَّر الله عنه بِقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾ [ سرة الانشقاق ] الدنيا مَبنيَّة على التَّكليف، والتكليف يعني ذو كُلفة، وضبط الشهوات مُجاهدة النفس والهوى، وهذه الجاهدة، وهذه الطلعة، وهذا التكليف ثَمنُ الجنّة، ففيها ينتهز غضّ البصر، وضبط اللِّسان، وأيّ شيءٍ تريده أمامك، أما الأدَقّ من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾ [ سورة ق ] المزيد النَّظر إلى وجه الله الكريم فالمؤمن في الجنّة يرى ربَّه كما يرى القمر ليلة البدر، وقد ورد في بعض الآثار أنَّه يغيب خمسين ألف عامٍ من نشْوة النّظرة الواحدة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾ [ سورة القيامة ] والآية واضِحة وصريحة، هل هناك أكبر من ذلك ؟ قال تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾ [ سورة التوبة ] أكبر من النَّضرة إلى وجه الله الكريم ؛ الرِّضوان، فلهم ما يشاءون ولدينا مزيد من النظر إلى وجه الله الكريم، ومن رِضوان الله عز وجل وهذه الحياة إلى ما شاء الله ثمنها هذه السَّنوات المعدودة، إذَا ضبَط الإنسان نفسه وحواسَّه، وضبَط دخله وإنفاقهُ، وعمله نجح. أيها الإخوة الكرام، ربُّنا عز وجل ما كلَّفنا فوق ما نُطيق، فأنت أمير بيْتِك وأمير عَمَلك، إن أقَمْتَ الإسلام في بيتك وعملِك فلا شيء عليك وإن نصَحت المسلمين تولَّى بك، فهذا أحدُ خلفاء بني أُميَّة صَعِد المنبر في العيد وأراد أن يخطب قبل صلاة العيد لِيَضْمن بقاء الناس في الخطبة، فأمْسَكَ به أحد التابعين وهو سعيد بن جبير، وقال له: إنَّ رسول الله لم يفْعل هذا فقال أحدهم: إنَّ هذا أدَّى الذي عليه ! فأنت أطِعْ ربَّك وانْصَح الناس سواء استجابوا أم لم يستجيبوا فأنت أدَّيتَ الذي عليك، وأمرْتَ بالمعروف ونهَيَت عن المنكر، فجنَّة إلى أبد الآبدين ثمنها طاعة معدودة. وبالمناسبة كلّ شَهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفة،فالقضيَّة قضيّة ضَبط، وقضيَّة نِظام، فالمؤمن إنسان يبحث عن منهج ربِّه، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾ [ سورة القصص ] ا لمعنى المخالف أنَّه لو اتَّبع هواه وِفق هدى الله، أحبّ المال وأراده فَكَسِب المال الحلال، لا شيء عليه، أحبّ المرأة فتزوَّج، أحبّ العلوم فَحَفِظ كتاب الله عز وجل، وأحبّ أن يكون شَخصيَّة مرموقة فبالغ في طاعة الله وفي ذِكر الله، فكلّ خصيصة خصَّك الله بها، لها طريق مشروع ترقى عند الله وعند المؤمنين وعند الناس، ولها طريق غير مشروع يكسب الإنسان لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فالقضيَّة قضيَّة تفكير ومُحاكمة فمن ابتغى أمرًا بِمعصيَةً كان أبعَدَ ممَّا رجى، وأقرب مِمَّا اتَّقى، وما عند الله لا يُنال إلا بِطَاعته، قال تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [ سورة الأحزاب ] فالآية تُفيدنا أنَّ على الإنسان أن يضَعَ في أولويَّات حِسابه الدار الآخرة ينتج عن هذا أنَّ كلّ حركة أو سكنَةٍ أو كلمة أو ابتسامة أو عطاء أو منع أو صلة أو قطيعة أو غضب أو رضا تدرسُهُ وتهيئ له جوابًا يوم القيامة مثلاً من هو أعلى قاضٍ بالأرض ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهو سيّد الخلق، وحبيب الحق، و يوحى إليه، ومعصوم، وأنت ذو لِسانٍ طليق، فإذا احْتَكَمْتَ إليه وكنتَ طليق اللِّسان فحكَمَ لك، مَن حَكَم لك ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن مُحِقًّا لا تنجو من عذاب الله تعالى، ((فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا* )) [ رواه البخاري ] علاقتك مع الله وحده، والله ناظر إليك، وإلى قلبك وسلوكك، ونواياك وبواعثك فحينما تعلم أنّ الله يعلم تستقيم، فلا يمكن لإنسان مهما كان غبيًّا أن يرتكب مخالفة سَير أمام الشرطي والنقيب والسيارة أمامه ! فما دمت تعلم أنّ الله يعلم تستقيم، لذا اِجْهد أن تعلم أن الله يعلم، وأنَّه معك، واعبُد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ويقول عليه الصلاة والسلام: أفضل إيمان المرء أن يعلم المرء أن الله معه حيثما كان! فحينما تجهد أن تعلم أنّ الله يعلم، ولعلّ سِرَّ خلق السماوات والأرض من أجل أن تعلم أنَّ الله يعلم ، وقد تستغربون في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾ [ سورة الطلاق ] حينما تعلم أنَّك في قبضة الله وعلمه، فَكُن أيَّ إنسان فلا بدّ أن تستقيم على أمره، ولا يعصي الإنسان الله إلا حينما تهتزّ عنده هاتان الفكرتان ؛ يعلم وأنَّه قدير، بِثانِيَة تنقلب الحياة إلى جحيم قد تتعطَّل أحد أجهزتك، وتمرض حينها لا قيمة للمال ولا للأولاد ولا للزوجة فأنت في قبضة الله دائمًا، كما أنَّك في رحمة الله دائمًا، والله تعالى إذا أعْطى أدْهش، لذلك اِحْرَص على أن يرضَى الذي بِيَدِهِ كلّ شيء، والذي بيَدِهِ صحَّتك وأهلك وأولادك ورزقك، والسكينة التي يتجلَّى الله بها عليك وهذا كلّه من قول الله تعالى ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾ [ سورة ق ] أما أهل النار فقد قال تعالى عنهم: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾ [ سورة النساء ] قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾ [ سورة الزخرف ] أنت خُلِقت من نور الله، وأنت خُلِقتَ لِتَبقى، إلى أبد الآبدين، إما في جنَّة يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، ونحن الآن في بحبوحة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾ [ سورة الأنفال ] فنحن ما دمنا في سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام فنحن في بحبوحة الله تعالى. والآية الثانية المطمئِنَة، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾ [ سورة المائدة ] لو كانوا أحبابه لما عذَّبهم، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] فأنت ما دمتَ مستقيما فأنت تحت رحمة الله عز وجل (( فقد روى مسلم وغيره عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ قَالَ فَقَالَ يَا مُعَاذُ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا * )) [ رواه مسلم ] فالله أنشأ لك حق عليه، أطِعهُ كما أمركَ وطالبْهُ بِحَقِّك كما وعدَك، فهذا حديث رسول الله، فما عليك إلا أن تستقيم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق (50) الدرس السابع لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والثلاثون من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] الحقيقة أنَّ هذه الآية أشارَت إلى طريقين اثنين لِتَلَقِّي الحقائق ؛ الطريق الأوَّل أن تُفكِّر في خلق السماوات والأرض لأنَّ القلب هنا يعني مركز النَّفس، قال تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾ [سورة الحج] القلب الصَّنوبري مركز الجَسَد، قال عليه الصلاة والسلام (( إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ * )) [رواه البخاري] هناك قلبُ النَّفس، فالنَّفسُ البشريَّة ذات الإنسان وهي التي تؤمن وهي التفكر، وهي التي تحبّ وتبغض، وهي التي تسْمو تسْقط هي تنافق وتُخلِص، والنّفس البشريَّة لا تموت، ولكنَّها تذوق الموت، وهذه النَّفس البشريَّة قلبها مركزها، فالإنسان يعْقِلُ بِقلبِهِ، أوضِّح لكم هذه الحقيقة بِبَعض الأجْهزة الحديثة. الحاسوب فيه هارد، وفيه ذاكرة، فالذاكرة تُمحى إذا انقطَعت الكهرباء أما الهارد فالمعلومات تُخزَّن به ميكانيكيًّا، ولا تُمحى، فالإنسان يُفَكِّر فإذا وصَل إلى حقيقة عَقَلها القلب فأصْبَحَت من مكْتسباته، ومن ممتلكاته اِجْلِس بين أشخاص، فالذي تتحدَّث به من دون تَحضير؛ خِبراتُك والحقائق الراسِخة فيك، هذه تتحدَّث بها من دون إعداد، وهذه هي التي عَقلتها فلذلك لا قلب مركز العقل النَّفسي، فالرأس فيه دِماغ، والدِّماغ فِكر والفكر جِهاز استشاري، وفيه استنباط واستِدلال ومحاكمة وتذكّر وتخيّل وتصوّر فهذه نشاطات الدِّماغ، ولكنّ الحقائق التي توصَّل إليها الفِكر البشري إذا تكرَّرت وترسَّخَت ودَعَمَتها الأدلَّة والشَّواهد والخِبرات والممارسات ؛ هذه تنقلب إلى عَقل نَفسي، لذلك الإنسان حينما يموت ليس معه إلا عقلهُ النَّفسي مَن ربُّك ؟ الله ربِّي، وما دينُك ؟ الإسلام ديني ومن نبيُّك ؟ محمَّد صلى الله عليه وسلَّم نبيِّي، فلو سُئِلَ هذا السُّؤال، وكان الشَّهوات دينه، من ربُّك ؟ لقال: الشَّهوات والمرأة والمال، ففي القبر لا مجال للظُّهور بِمَظهر لسْتَ عليه ! ففي القبر تُجيبُ عن واقِع، فالذي تكون عقَلْتَهُ في الدنيا هو الذي تُجيب عليه، فقد تقول: المال إلهي ! وقد تقول: الشَّهوة ديني، فإذا قال الإنسان في القبر: الله ربِّي، والقرآن كتابي ومحمَّد صلى الله عليه وسلَّم نبيِّي ؛ معنى ذلك أنَّ هذه الحقائق عقَلَها في الدنيا، فلذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] لا إنسان أحيانًا يطبخُ طبْخةً بيَدَيْه فيأكلها، وأحيانًا يأكل أكلاً جاهزًا، فقد تأتيك لا حقائق جاهزةً، وقد يأتيك درسُ عِلْمٍ، ودرسُ تفسير أو فقه أو سيرة أو حديث، حقائق جاهزة تُقَدَّم لك، وما عليك إلا الإصغاء لها، فهذا طريق إلى الإيمان أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] ما معنى لَذِكْرى ؟ أنت إذا ذَهَبتَ إلى بيروت، ورأيتَ الصَّخرة المشهورة صَخرة الانتحار، ثمَّ عُدتَ إلى الشام، وقال لك أحدٌ: أنا كنتُ البارحة في بيروت وأنا وقفتُ عند هذه الصَّخرة، تقول له: نعم هذا صحيح ! فكيف تذكَّرت أنت هذه الصَّخرة ؟ لأنَّكَ شاهَدتها، وإلا لكان الكلام لا معنى له يقول الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] معنى ذلك أنّ الحق فِطري، ونفسُكَ مفطرة على الإيمان، فإذا آمنْتَ ارْتاحَت نفْسُك، واطمأنَّ قلبُك، وسَكَنَتْ جوارحك، واعتَدَلتْ سيرتُك، أما إذا ابْتَعَدَ عن الإيمان اضْطرب الإنسان، واختلَّ، وتطرَّف، وقسا، لذا أوَّل فِكرة: إنَّ في ذلك لذِكْرى ! أيْ كلّ هذا القرآن يُذَكِّرُك بِفِطرَتِك، فأنت مفطور على معرفة الله وعلى طاعته، فإذا اسْتَقَمتَ على طاعته وَجَدْتَ نفْسَكَ، لذا قالوا: في النَّفسِ فراغٌ لا يملؤُه المال، ولا المركز العالي، ولا الشَّهوات، فلا يملؤُهُ إلا الإيمان بالله عز وجل، وأيّ أخٍ كريم يبْحثُ عن سعادَتِهِ، ويبْحثُ عن سعادته، فليس هناك إلا طريق واحِد، ومكان واحِد هو أن تتَّصِل بالله عز وجل، لذا الدِّين الإسلامي متوافق مع الفطرة البشريَّة، فالإنسان لا يرتاح ولا يسْتقرّ ولا يطمئنّ ولا يستلقي على فِراشِه ناعِم البال إلا إذا أطاع الواحِد الدَّيان واصْطَلَحَ معه، وشَعَر أنَّ الله يُحِبُّه وهو معه أينما كان يُدافِعُ عنه، وينصُرهُ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [سورة ق] أيْ فكَّر مليًّا، وبحَث عن الدليل، ووصل إلى حقيقة وعاشها، وأكَّدَها الواقِع، وارتاحَت إليها الفطرة، وجاء بها النَّقْل فَوُضِعَت على الهارد -سواقة الأقراص الصلبة التي تُخزَّن فيها المعلومات في الحاسوب - والذي لا يزول بِقَطع الكهرباء، وهذا هو العقل البشري، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] لذا كلّ أخ من إخواننا الحاضرين هناك بِحَقْل لا تِّجارة مثلاً حقائق مُسَلَّمَة مِن خلال خبراتِه والخسارات السابقة، ومن خلال الدُّيون التي لم تُدْفَع ومن خلال البيع السريع، ومن خلال عدم ضَبط الحِسابات، تجد التاجر عندهُ مُسَلَّمات وهذه المُسَلَّمات نتيجة خِبرات، ومآسي، وآلام، فهذه الحقائق العميقة والثابتة، والتي دَعَمها الفِكر، والعقل، والفِطرة، والواقع هذه معقولات مكانها في القلب، وكلّ واحِد منَّا له معقولات، قد تكون في الدنيا، فقد تقول: لا أبيعُ أيَّ إنسان! ولا أُتاجِر بِمَال الغير ! هذه حقيقة ثانية، وحتَّى في الخِبرات الأسريَّة، ففي موضوع زواج البنات، تجد أب له خِبرات عاليَة جدًّا، فَمِن خِلال خِبراته أصْبح لديه حقائق ثابتة جدًّا وحقائق مُسَلَّم بها، وفي الدِّين مِن أكبر المعقولات ؛ لا يُمكن أن تسْعَد بِالبُعْد عن الله تعالى، قال تعالى ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ [سورة طه] وبالواقِع حينما أهْمَلَ صلاته واتِّصاله بالله شَقِيَ شقاءً كبيرًا، وبالفطرة يجد نفسَهُ انْقَبضَت والمنطق عارضَهُ، فحينما يأتي العقل والمنطق فيُؤكِّدُهُ والنَّقل فيدْعَمُهُ والفِطرة فترتاح له، والواقع يقبلُهُ، أصْبَحَتْ هذه الفكرة مُسلَّم بها ومعْقولة لأذلك المعقولات لا تحيدون عنها أبدًا، أما كأفكار وانْطِباعات قد لا تقْنعُ بها، وقد تفهَمُها وتُخالفها، أما المعقولات، فلو أنَّ إنسانًا له شُرفة جِدارها منخَفِض، وأحدُ أولاده وقَعَ، ماذا يفعل بعد ذلك ؟! يُنشِأُ حاجزًا أعلى فإذا اشْترى بيتًا ثانيًا فأوَّل شيء يقول لك: ضَعْ لي حاجزًا ! لأنَّ تألَّم مِمَّا سبق، وأحيانًا يُدَيِّنُ شَخصًا من دون سند، ويكون صاحب هذا الدَّين نصَّاب، ففي المرّة الثانية يُوثِّقُ هذا بِسَنَد، هذه الحقائق الني بلغت حدًّا عميقًا اسمها المعقولات، وهذه مكانها القلب، ويؤكِّد هذا قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾ [سورة الحج] عند حالة أخرى كَهذه الحالة إنسان دَخل بيت الله فجلس واستَمَع درسَ دينٍ، يأتي بِحقائق مع الأدِلَّة والبراهين والواقع ؛ هذا عِلم جاءَك عن طريق السَّماع فن أعْمَلْتَ عقْلَكَ وقبِلْتَهُ تبنَّيْتَهُ، وأصْبحَ مِلْكَكَ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] لذلك الأزْمة يوم القيامة هي أزْمة عِلم فقط ! ماذا يقول أهل النار، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)﴾ [سورة الملك] بين أهب النار وأهل الجنَّة العلم والعقل، فلا يُعَدُّ هناك عملٌ أعظمُ أهمِّيَةً من أن تتلقَّى العِلم، والعلم المصيري الذي يتعلَّق بِمَصيرِكَ، فليس كلّ عِلْمٍ ينفَع، قال عليه الصلاة والسلام: نسَّابة هذا علم لا يضرّ من جهل به ولا ينفع من تعلَّمه، فلو أنَّ أحدًا عنده مكتبة ضَخمة، وعند بعد يومين فحْص فهل من المعقول أن يقرأ غير الكتاب المُقرَّر ؟! فنحن مصيرنا بالآخرة هذا الكتاب الكريم، وهو المقرَّر علينا،و غِنًى لا فقْر بعدهُ، ومن أوتِيَ القرآن فظنَّ أنّ أحدًا أوتِيَ خيرًا منه فقد حقَر ما عظَّم الله تعالى، ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقلِه حتَّى يموت هذا كتابنا المقرَّر ولا يبلى مع كثرة التكرير، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ [سورة ق] يشْهد الحقائق، وسَمِع تحليلها وتعليلها وتفسيرها وبيانها، فقَبِلَها فأصْبَحت من معقولاته، لذا حياةٌ من دون عَقْل ولا إلقاء سَمعٍ حياةٌ بهيميَّة والناس رجلان كما قال عليه الصلاة والسلام (( النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ *)) [رواه الدرامي] كُن عالمًا أو متعلِّمًا أو مسْتَمِعًا أو محِبًّا ولا تكن الخامس فتَهلَك، قال علي رضي الله عنه: الناس ثلاثة ؛ عالِمٌ ربَّاني ومتعلِّم على سبيل نجاة وهمجٌ رعاع أتباع كلّ ناعِق ! لم يستضيئوا بِنُور العِلم ولم يلجئوا إلى ركنٍ وثيق فاحْذَر يا كُمَيلُ أن تكون منهم ! هؤلاء يُسَمُّونهم في المصطلحات الحديثة الخطّ العريض، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116)﴾ [سورة الأنعام] هؤلاء الذين يُشكِّلون سواد الناس، أتباع كلّ ناعِق بيتٌ مسلم من أسرة مسلمة يرتادون المساجد، وبِمُجرّد أن تُذيع المذيعة في ثيابٍ فاضِحَة يُسارع أهلهُ بشِْراء هذه الثياب !أين الدّين ؟ وأين المنهج ؟ وأين كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) [رواه أحمد] فنحن أيها الإخوة الكرام نحتاج إلى أن نعقِل أو نلقي السَّمع، ونحتاج إلى العلم حتَّى ننْجُوَ. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق (50) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآيات التاسعة والثلاثون، والأربعون والواحد والأربعون من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [سورة ق] دائمًا الكافر يتطاوَل، ويُجَرِّح، ويتَّهِم، ويسْخَر، ويُكَذِّب ؛ هذا شأنُ الكافر، ومنذ خلق الله السماوات والأرض إلى يوم القيامة، معركة الكُفر والإيمان معركةٌ قديمة ومستمرَّة، فالكافر هو الكافر، والمؤمن هو المؤمن. ربُّنا عز وجل يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصْبِر، فلأنْ نصْبِرَ نحن من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [سورة ق] وأنت في أعلى درجات الإخلاص، تُتَّهَم أنَّ لكَ غرضًا من هذه الدَّعوة وأنت في أعلى درجات الصِّدق، تُتَّهَم بالكذب، وأنت في أعلى درجات الأمانة تُتَّهم بالخيانة، فَمِن علامات آخر الزَّمان أن يُصَدَّق الكاذب ويُكَذَّب الصادق، وأن يُؤْتَمَن الخان، ويُخَوَّن الأمين، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [سورة ق] كلّ ما يستطيع أن يفْعَلَهُ أهل الكُفْر أن ينالوكم بِألْسِنتهم، أما أفعالهم فهي بيَدِ الله عز وجل، لن يصِلوا إليكم لأنَّ الله تعالى يُدافِعُ عنكم، وقد يسأل سائلٌ: ربُّنا سبحانه وتعالى أثبتَ في القرآن الكريم كلَّ التُّهَم التي اتُّهِمَ بها النبي عليه الصلاة والسلام مِن قِبَلِ كُفَّار مكَّة، قد يقول أحدنا: يا ربّ هؤلاء قالوا عنه عليه الصلاة والسلام: مَجنون ! وقالوا عنه: ساحر وقالوا عنه: شاعر، فلماذا ثبَّتَّ يا ربّ هذه التُّهم في القرآن الكريم ؟ وهو يُتْلى إلى يوم القيامة ! فلو أنّ أحدًا سبَّ الآخر نُسَجِّل هذا السُّباب في كتاب ونُوَزِّعُهُ في كلّ أنحاء العالم ! فلماذا أثبَتَ الله التُّهم التي اتُّهِمَ بها النبي مِن قبل الأعداء ؟ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52)﴾ [سورة الذاريات] ووصَفوه أنَّه كاهن أو شاعر، ووصفوه بأنَّه مجنون ! قال تعالى: ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)﴾ [سورة القلم] فالله تعالى أثْبَتَ هذه التُّهَم في كتابه الكريم لِيَكون لنا أُسوةً حسنة وتَسْليةً لنا إذا اتُّهمنا، يُرْوَى أنَّ سيّدنا موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والتسليم يُناجي ربَّه فقال: يا ربّ لا تُبقي لي عَدُوًّا قال يا موسى هذه ليْسَت لي !! ألَيس هناك أعداء لله عز وجل، هناك أعداء كثيرون يتَّهِمون الله عز وجل بالظُّلم، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64)﴾ [سورة المائدة] وقال تعالى ﴿ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾ [سورة آل عمران] هذا كلام اليهود والمؤمن يمضي إلى هدفِهِ، ولا يصْغي إلى أحد، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(110)﴾ [سورة الأنعام] المؤمن كلَّما تمرَّس بالإيمان لا يعبأ بِقَول أهل الباطل، ولا يُقيمُ وزْنًا لِتُهَمِهِم، ولا لِتَعليقاتهم، ولا لِسُخريَّاتهم، قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38)﴾ [سورة هود] قال تعالى: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)﴾ [ سورة المؤمنون] قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾ [ سورة المؤمنون ] وفي آيةٍ أخرى قال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾ [ سورة المطففين ] أيها الإخوة الكرام، البُطولة مَن يضْحَكُ آخر الأمْر، ومن يضْحكُ في النَّهايَة، لا في البِدايَة، فَوَطِّنْ نفْسَكَ إذا اسْتَقَمْتَ على أمْر الله تعالى سَتُتَّهَم بالتَّزمُّت، والعقليَّة الغيبيَّة، وبالقَوْقَعَة، وتُتّهَم بالجمود، والبُعد عن العَصر فهذه كُلُّها تُهَم قائمةٌ، ونحْفظها غَيْبًا. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [سورة ق] فلو كنتَ تأكلُ أكلة من أرقى مستوى وقال لك أحدهم: هذا طعامٌ سيئ ! أنت تأكل وتستمتع، دَقِّقوا في هذه الآية، قال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88)﴾ [ سورة هود ] الأمور واضِحة، والهدف واضِح، ويقيني بالله قويّ، وكأنَّني أرى أهل الجنَّة في الجنَّة يتنعَّمون، وأهل النار في النار يتعذَّبون، قال تعالى: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾ [ سورة هود ] أنت على بيِّنة، وفي قلبِكَ رحمة وأنت على بيِّنة وفي قلبِكَ تَجَلِّي، وأنت على بيِّنة، وفي قلبِكَ نورٌ، وأنت على بيِّنة وفي قلبِكَ أمنٌ ومرتاح ومطمئنّ إلى حُكم الله تعالى، وراضٍ بما قسَمَهُ الله لك، وتشْعرُ أنَّ أمْرَكَ بيَدِ الله وحْدهُ، وأنَّ الأمّة لو اجْتَمَعَت على أن ينفعوك بِشَيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبهُ الله لك، وأنهم لو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبهُ الله عليك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾ [سورة هود] هذه هي البيِّنة، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)﴾ [سورة ق] فَهِمَ النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآيات الصلوات الخمس، والتَّسبيح هو التَّنزيه والتَّمجيد، والتسبيح الخُضوع، وكلَّما قرأتَ في كتاب الله: فسبِّح بِحَمد ربِّك ؛ اِفْهَم المعاني الثلاث، فلا بدّ من أن تُنَزِّه الله على كلّ ما لا يليق به، ولا بدّ من أن تجول جولات وجولات في كمالات الله عز وجل ؛ في رحمته، وفي عِلمه، وفي قدرتِهِ، وفي لُطفِهِ، وفي حِكمته وفي رأْفَتِهِ، وفي عَدلِهِ، هذا هو التَّسبيح أن تُنَزِّه وأن تُمَجِّد، وما قيمة التَّنزيه والتَّمجيد إن لم تخْضَع، قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)﴾ [سورة ق] ((ابن آدم لا تعْجز عن ركعتين قبل الشَّمس أكْفِكَ النَّهار كلّه ! فعن جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ * )) [رواه مسلم] إن أردْتَ أن تأخذ ضمانةً من الله بِيَوم وليلةٍ فصَلِّ الفجر والعشاء في جماعة، وقال عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا * )) [رواه البخاري] وهذه أوقات الرَّحمات. قال تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)﴾ [سورة ق] أي بعد أن تُصَلِّي قل: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)﴾ [سورة ق] والله أيها الإخوة لا يُسَمَّى العاقل عاقلاً إلا إذا أعدَّ لهذه الساعة الحَرِجَة، قال تعالى: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)﴾ [ سورة المدثر ] تصوَّر إنسانًا مجرمًا، يأخذ الأموال ويُنفقها على ملذَّاته، وشَهَواته وفي النوادي الليليَّة، وعلى السَّهرات الحمراء وخضراء، ثمَّ أُلْقِيَ القبض عليه وسيق إلى السِّجن وحوكِمَ، وحُكِمَ عليه بالإعدام ! هذا اليوم عسير فهذا المجرم وصَل مع المجتمع إلى طريق مسدود، حينما تُصدِّقهُ محكمة النَّقد وحينما يُرْفع إلى رئاسة الجمهوريَّة، ويُصَدَّق، ويُساق هذا المُجرم لِيُشْنَق قبل أن يُشْنق إن أحبَّ أن يضْحك فلْيَضْحك، ولكن لا بدّ أن يُشْنق، وإن أحبّ أن يبكي فلْيبكي فلا بدّ من الشَّنق، وإن أحبَّ أن يسْتعطِف فلْيسْتَعطِف فلا بدّ من الشَّنق ؛ هذا اسمهُ الطريق المسدود. أيها الإخوة الكرام، كلّ الذي أرجوه من الله عز وجل أن لا نصِلَ مع الله تعالى إلى طريق مسدود، وأنت الآن في بحبوحة، فما عليك إلا بالتوبة وتأدِيَة ما عليك من حقوق وواجِبات، ذِمَم، واطْلُب السَّماح مِمَّن نهَشْتَ عِرْضَهُ، ومِمَّن اغْتَبْتَهُ، أنت الآن في بحبوحة الحياة الدنيا، ولكن إيّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)﴾ [سورة ق] كلّ عملٍ عمِلْتَهُ في الدُّنيا سيُعْرضُ عليك، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾ [ سورة الإسراء ] والله أيها الإخوة لِشدَّة ما أسْتَمِع حول طغيان الناس وأكلهم المال الحرام وحول عُدوانهم على بعضهم بعضًا ولو على مستوى النَّظر والحديث والاستمتاع كأنَّهم ليْسُوا مسلمين، وكأنَّهم لن يموتوا، ولن يُحاسبوا، مع أنَّ كلّ شيءٍ له حِساب دقيق، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾ [ سورة الحجر ] قبل أن تأخذ، وأقبل أن تعطي، وقبل أن تعطي وقبل أن تمْنَع، وقبل أن تغضب، هل هيَّأْتَ لله تعالى جوابًا الإنسان أحيانًا يهيئ مليون جواب لِواحد قويّ، لماذا قلتَ كذا ؟ هذه سُجِّلَت عليك، ولماذا ذَهَبْتَ إلى المكان الفلاني ؟ فالواحِد مع الإنسان القويّ يهيئ ألف جواب، فكيف مع الذي لا يخفى عليه خافيَة ؟ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)﴾ [سورة ق] الإنسان حينما يُدْفنُ في قبرِهِ أوَّل ليلة يُناديه منادي أنْ عبدي قد رجعوا وتركوك، وفي التراب دَفَنوك، ولو بقوا مع ما نفعوك، ولم يبْقَ لك إلا أنا وأنا الحيّ الذي لا يموت ! هل يستطيع واحِدٌ مِنَّا أن ينْفذ من القبر ؟! ما الذي يُؤنِسُ في القبر ؟ العمل الصالح واستقامته هذا الذي يُؤنسُ في القبر يا قُييْس إنَّ لك قرينًا يُدْفنُ معك وأنت ميِّت وتُدفنُ معه وهو حيّ، إن كان كريمًا أكرمك، وإن كان لئيمًا أسْلمَك ألا وهو عملك ! أحد الإخوة خبَّرني بِمَوت هذا أحد الإخوة، فقلتُ أزورهُ في البيت قبل أخذه إلى المقبرة فذَهَبتُ ورأيتُهُ، والله أيها الإخوة كأنَّه واحدٌ من الجلوس جالسٌ معنا ! هذا الأخ كن يقول لي: إن كان هناك أخ فقير اِبْعَثه لي كي أُقْرِضَهُ !! وأنا هناك تذكَّرتُ عملهُ الصالح ! فكُلٌّ مِنَّا يلقى عمله الصالح. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين : أيها الإخوة الكرام : الآيات الأولى من سورة الذاريات ، وهي قوله تعالى : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5)﴾ أيها الأخوة: هناك ربطٌ بين مظاهر الكون وبين حقائق الدين، الذاريات هي الرياح التي تحمل السحاب، والسحاب يجري بيسرٍ من دون صوتٍ، هذا السحاب توزع أمطاره في أماكن شتى من الأرض، هذا المقسم به جواب القسم، إنما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع، هذا الربط بين خلق السماوات والأرض، وبين اليوم الآخر. أيها الأخوة: لو رأيتم في بعض الموانئ، رافعةً عملاقة يمكن أن ترفع مائة طن، ماذا تقول ؟ لابد من أن هناك بواخر عليها بضائع ثقيلة جداً يجب أن تربط بين هذه الرافعة العملاقة التي يمكن أن تحمل مائة طن في حملةٍ واحدة، وبينما على السفن من بضائع ثقيلة جداً، قاطرات أحياناً. لذلك ربنا عز وجل في بداية هذه السورة، الذي خلق السماوات والأرض، الذي خلق المجرات، الذي خلق الرياح، الرياح عملية معقدة جداً، الهواء يتمدد بالحرارة، وينكمش بالبرودة، فإذا في حر نقول ضغط منخفض، هواء مخلخل، وإذا في برد نقول ضغط مرتفع هواء كثيف، الهواء يتحرك من الضغط المرتفع، إلى الضغط المنخفض، فالقطب بارد، وخط الإستواء حار، يجب أن تتجه الرياح من الشمال إلى الجنوب، هذه رياح فرق الضغطين. الآن أشعل مدفئ في غرفة، وضع شمعةً على شق الباب تتجه شعلتها نحو الداخل، إنه الحر في الغرفة خلخل الهواء، أصبح ضغط منخفض والهواء خارج الغرفة بارد ضغطه مرتفع، والهواء خارج الغرفة بارد ضغطه مرتفع، الهواء ينتقل من الضغط المترفع إلى الضغط المنخفض، موضوع الرياح موضوع معقد جداً، هذه الرياح تحمل بخار الماء، وبخار الماء يتشعب في الرياح بحسب حرارة الرياح فكل درجة حرارة للهواء استيعابٌ لبخار الماء، فإذا انتقل الهواء المحمل ببخار الماء إلى منطقةٍ باردة، تخلى عن بعض ذرات الماء فعقدت حبات المطر. ربنا عز وجل قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14)﴾ (سورة عم: 14 ) يعني الهواء المحمل ببخار حينما يواجه جبهة باردة كأنه يُعصر، وتنزل عندئذٍ الأمطار. آيات الله عز وجل دقيقةٌ جداً، فهذه الذاريات، وتلك الحاملات، وهذه الجاريات، وتلك المقسمات، ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5).﴾ يعني الذي خلق هذا الكون لن يعقل أن يترك الإنسان سُدى. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)﴾ ( سورة القيامة: 36 ـ 37 ) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾ (سورة المؤمنون ) إذاً إذا دخلت إلى جامعة، ورأيت أبنيتها الشاهقة، ومخابرها الدقيقة ومدرجاتها الفسيحة، وحدائقها الغناء، وأبنية سكن طلابها، وملاعبها وقاعاتها، ومخابرها، ماذا تستنتج ؟ لابد من امتحان في آخر العام أيعقل أن يداوم الطالب بلى امتحان، ينال شهادة بلى امتحان. هنا بالآيات الربط، والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمر، إنما توعدون لصادق. يعني مثلاً لو جمعنا هطول المطر في العالم كله، كل بلد في عندها نشرة جوية وعندها نسب هطول، لو جمعنا هطول الأمطار في العالم كله، خلال عشر سنوات لفوجئنا أن كمية الأمطار التي تهطل على شتى بقاع الأرض ثابتة لا تتغير، طبعاً بعد إحصاءات طويلة عريضة، نحن قطرنا المتواضع في شي مائة مركز قياس أمطار، أيام يبلغونا إياها، بالقامشلي ثلاث وعشرين ميليمتر، الحسكة، جرابلس، تل أبيض، النبك، تدمر، دمشق المطار، دمشق المزة، بعطيك مائة مركز لتجميع الأمطار. لو أخذنا كميات الأمطار الهاطلة في خمس قارات، لفوجئنا أن كمية الأمطار ثابتة في كل السنين، كيف عرف النبي هذه الحقيقة ؟ قال عليه الصلاة والسلام ((: ما عامٌ بأمطر من عام. كيف ؟ ما عامٌ بأمطر من عام)) ولكن كل عام في توزيع جديد، يأتي أحيانا جفاف في أوربا، وشتاء مطير بالشرق الأوسط، أحياناً جفاف في إفريقيا، شتاء مطير في آسيا، المطر واحدة، لكن التوزيع مختلف، فالمقسمات أمر والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، كيف يحمل الهواء بخار الماء ؟ علم، يحمل بخار الماء بحسب حرارته، فإذا واجه الهواء الذي يحمل بخار الماء جبهة باردة تخلى عن مائه وكأن عصر مائه. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14)﴾ طيب، لابد من أن ينعقد هذا الماء على ذرة غبار أيضاً، تكون نواة لقطرة المطر، هذا الذي خلق الكون بهذه الدقة وهذا الإعجاز لن يحاسب الإنسان، لن يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه لن يسأله عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، لن يسأله عن تقصيره، عن تجاوزه، عن عدوانه، عن كسب مالٍ حرام، عن عدوانٍ على عرضٍ لن يحاسب ؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ﴾ إنما توعدون لصادق، وإن الدين الجزاء لواقع. فإذا أيقنا أنه لابد من حسابٍ دقيق، وأن كل عملٍ يحاسب عليه الإنسان إن خيراً فخير وإن شراً فشر، إذا أيقنا بهذه الحقيقة لابد من أن نستقيم على أمر الله. ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)﴾ يوم الدين يوم الجزاء. أسماء الله الحسنى كلها محققةٌ في الدنيا، إلا اسم العدل يحقق في الآخرة، في الآخرة تسوى الحسابات، يعطى ذي كل حقٍ حقه، يعطى كل إنسانٍ نصيبه من جهده وعمله الصالح، ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)﴾ إذا الربط بين مظاهر الكون ويوم الجزاء، لذلك الذي يفكر في خلق السماوات والأرض، يقول الذي خلق هذا الكون: لم يخلق الإنسان عبثاَ ولم يخلقه بلى هدف، لابد من هدف ولابد من حساب، لأنه في عنا حقيقة كمال الخلق يدل على كمال التصرف. أنت لو تعاملت مع شركة تصنع الحواسيب الإلكترونية، لابد من أن يكن تعاملها وفق قواعد علمية، لا يليق بشركة في أعلى درجة من الفهم والدقة والخبرة أن يكون التعامل بطريقة بدائية. كمال الخلق يدل على كمال التصرف فربنا عز وجل ذاتٌ كاملة، خلقه كامل، خلقه معجز، إذاً تصرفه حكيم، ليس من الحكمة أن يخلق غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً صحيحاً ومريضاً، معمراً وقصير العمر، وسيماً ودميماً، لو ما في آخرة في مشكلة، في مشكلة كبيرة جداً، قد يقول الفقير يا رب أنت أفقرتني أنا أشتهي الطعام لاأجده، الغني يكاد يتمزق من التخمة، من دون آخرة هناك ألف سؤال وسؤال، فلذلك النقطة الدقيقة في هذه الآية. إن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، فمن كمال الله عز وجل وهذه صنعته بين أيدينا، من كمال الله أن يسألنا يوم القيامة عن أعمالنا، وعن حركاتنا، وسكناتنا، وعن أعمارنا، وعن شبابنا وعن كسبنا وعن إنفاقنا وعن علمنا، ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)﴾ هذا هو الربط، في بالقرآن الكريم آيات ربط رائعة جداً. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾ (سورة الماعون: 1 ـ 2 ) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم (سورة القصص: 50 ) إذا وجدتم آية فيها ربط بين شيئين، هذان الشيئان متغيران يحكمهما قانونٌ واحد، فكلما تأملت في عظمة الخالق استنبطت أن تصرفه حكيم ومن الحكمة أن يحاسب الخلق عن أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآيات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة وحتى الآية الواحدة والعشرين تبدأ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾ هؤلاء الذين اتقوا ربهم في الدنيا، هؤلاء الذين غضوا أبصارهم هؤلاء الذين حفظوا فروجهم، هؤلاء الذين حرروا دخلهم، هؤلاء الذين أنفقوا مالهم فيما شرع الله عز وجل، هؤلاء الذين ربوا أولادهم، هؤلاء الذين حملوا زوجاتهم على طاعة الله، هؤلاء الذين أقاموا الإسلام في بيوتهم، هؤلاء الذين أقاموا الإسلام في عملهم، هؤلاء الذين رجوا رحمة ربهم. ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)﴾ هذه الثمرة، وهذه النتيجة، ﴿ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ يعني، أيام إنسان يدع ويكرم، يجلس في أجمل مكان وعلى أفخر أريكة وأمام أجمل مناظر، تقدم له أنواع الشرابات، أنواع المقبلات، يخدم خدمةً رائعة، تقدم له ألوان الأطعمة، ألوان اللحوم، أنواع الفواكه، أنواع الحلويات، الورود، يعطر، يكرم، يشيع إلى الباب. ﴿ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ كانوا في دنيا، كانوا في دار عمل، واليوم دار جزاء، كانوا في دار تكليف، واليوم دار تشريف، كانوا في دار كد والآن دار متعة، ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ لماذا يعاملون هذه المعاملة ؟ لماذا يكرمون هذا التكريم ؟ لماذا هم في أعلى درجات السعادة ؟ قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ هذا الثمن أن تكون محسناً في الدنيا، مطلق، تحسن عملك، تتقن عملك، تضبط لسانك، تربي أولادك، تكتفي بما أحل الله لك، تأخذ ما لك تترك ما ليس لك ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ لك صنعة أتقنها إرحم المسلمين بالأسعار، أتقن الصنعة من أجل أن ترقى، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ ثمن هذه الجنة، التي لهم فيها ما يشاءون، التي هم يأخذون ما أتاهم ربهم، ثمن هذه الجنة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ عمله طيب، في إنسان عمله سيئ، جار خبيث، جار شرير، جار عدواني. أخ كريم يعمل في إكساء البيوت، أحد العمال يحمل أنبوب حديد مس سيارة الضوء الخلفي، أقسم لي بالله وهو صادق الضوء جرح اثنين سانتي، جرح ما انكسر، نزل صاحب المركبة أقام النفير، قال له كل خساره عليك، قال له: أمهلني إلى الغد، في الغد قال له: ثمانية عشر ألف وخمسمائة، قال له الضوء كله ثمنه ثلاثة آلاف، قال له ثمانية عشر ألف وخمسمائة، وإلا بقيم قيامتك، لأنه السيارة خاست قال له ركب ضوء جديد، قال له بفك الضوء وتركيبه السيارة خاست قال لي ثاني يوم آكل ضرب الصندوق واصل للمقعد الخلفي، بكاملها ما عاد طالبني بشي أبداً. في إنسان عدواني، شرير، ما بريح أحد، واحد عمر غرفة بأرض الديار، بيته أرضي، بدو يزوج ابنه، لا حجب ريح، لا حجب منظر لا حجب شمس ضمن وجيبته الداخلية، خبر هدلوا ياها، عدواني. هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ في محسن، وفي مسيء، في متواضع، في متكبر، في مفسد، في مصلح ، في مستقيم، في منحرف، في خائن، في مخلص، في معطاء، في أخَاذ، يبني حياته على الأخذ، في إنسان يبني حياته على العطاء. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ هذه الجنة التي ينعمون بها، هذا النعيم المقيم، لهم فيها ما يشاءون، ﴿ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)﴾ هذا العطاء بسبب ذاك الإحسان. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ لماذا صار محسناً ؟ من أين جاءه الإحسان ؟ من أين جاءه هذا الفضل ؟ طيب ما هذا التواضع ! ما هذه الرحمة التي في قلبه ؟ ما هذا الإنصاف ؟ ما هذه الواقعية التي يحياها؟ ما هذا القلب الكبير الذي يسع جميع الناس ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾ قال﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) ﴾ آيات متسلسلة، الجنة بسبب الإحسان، الإحسان بسبب الاتصال بالله، الله عز وجل مصدر كل كمال، فاتصلوا به فأصبحوا محسنين ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)﴾ اتصالهم وتهجدهم وإقبالهم وتذللهم وافتقارهم وصلتهم بالله عز وجل صبغة قلوبهم بالكمال، فأصبحوا محسنين. يعني الإنسان إذا اتصل بالله، الأثر الواضح أنه محسن، في كل شيء محسن، في بيته في عمله، في صنعته إن كان تاجر صادق، أمين لا يكذب، لا يغش، لا يحتال، لا يحاذي، إذا كان صانع متقن معتدل، في أي شيء ﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) ﴾ طيب، كيف اتصلوا بالله عز وجل ؟ بدنا السبب، قال ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾ أنفقوا من أموالهم فاتصلوا بربهم فأحسنوا إلى خلقه فاستحقوا جنة ربهم بالتسلسل، ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾ لماذا أنفقوا أموالهم وغيرهم لا ينفق ؟ لأنهم عرفوا ربهم، وفي الأرض آياتٌ للموقنين فكروا في ملكوت السماوات والأرض. إذا كانت الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، وبين الأرض والشمس مائة وستة وخمسين مليون كيلومتر، وفي نجم أحمر يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، فكروا في الكون، فكروا في المجرات، فكروا في الشمس، في القمر، في الليل، في النهار، في خلقهم في هذه العين هذا الأنف، هذه الأذن، هذه الأعضاء، هذا الهيكل العظمي العضلات، القلب، الكبد، البنكرياس. ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾ طيب، لماذا شغلوا غيرهم بكسب المال والمزاحمة على الشهوات ؟ وهم انشغلوا بالله، قال: لأنهم اعتقدوا، ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) ﴾ بالتسلسل، اعتقدوا أن الرزق مضمون، فاشغلوا أنفسهم بعض الوقت في رزقهم، بعض الوقت، وبعض الوقت في معرفة ربهم، فلما عرفوا ربهم تقربوا إليه في إنفاق المال، فلما تقربوا إليه في إنفاق المال اتصلوا به فلما اتصلوا به اصطبغت قلوبهم بالكمال، الانعكاس المادي إحسان للخلق، الإحسان سبب الجنة، انصرفوا إلى معرفة الله تقربوا إليه بإنفاق المال، أقبلوا عليه اصطبغت نفوسهم بكمال الله أصبحوا محسنين استحقوا جنة رب العالمين. هذه الآيات: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)﴾ الطريق مفتوح، أولاً أطلب العلم ولا تجعل كسب المال يأكل كل وقتك، أنت أكبر خاسر، لو كان دخلك باليوم مليون ودخلك الكبير ما سمح لك أن تفعل شيئاً ولا أن تستمع إلى مجلس علم ولا أن تؤدي طاعةً ولا أن تأمر بالمعروف، فأنت خاسر. إخواننا الكرام: دققوا في هذه الجملة، العمل الذي يأكل كل وقتك خسارةٌ محققةٌ لك. واحد راح لفرنسا ليدرس، ما معه، قال: بشتغل ساعة هالساعة بتكفي مصروف الشهر كل يوم ساعة، مهيأ يأتي بالدكتورة، موعود بمنصب رفيع ببلده، بأجمل بيت، بأجمل زوجة، بأجمل مكانة، بأجمل دخل، بأجمل مركبة، فلقى في شغلة ساعتين ضاعف مبلغه أحسن، ثلاث ساعات ثلاث أمثال، قام وجد شغلة حارس ليلي أثنى عشر ساعة، ووجد شغلة بالنهار أثنى عشر ساعة، قام غطى وقته كله أصبح دخله كبير كثير بفرنسا، يا ترى هذا الدخل ربح أم خسارة خسارة، ضيع بلده، وضيع مكانته، وضيع المنصب. فأي عمل يأكل كل وقتك هو أكبر خسارةٍ لك، الإنسان يحيى في وقت فراغه، يلي ما عنده وقت فراغ ماله إنسان، هذا آله، يلي عمله يستغرق كل وقته هذا آلة، لا يفهم شيئاً، يأتي الموت فجأةً، أبداً، ماله مستعد، الموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل. ملخص الدرس: إذا سمحت لعملك التجاري، أو الصناعي، أو المهني أن يأكل كل وقتك فأنت أكبر خاسر، لابد من أن تقتطع وقتاً لمعرفة الله، ومعرفة منهجه، لابد من أن تقتطع وقتاً لخدمة الخلق، للعمل الصالح، من أجل أن ترقى. الشيء الثاني هي تسلسل، يعني عرفت الله، تقربت إليه اتصلت به، اصطبغت نفسك بالكمال، كنت محسناً دخلت الجنة. لذلك الإنسان إذا وصل إلى الجنة حقق الهدف من وجوده، وكل إنسان يصل إلى الجنة فهو العاقل، وما سواه مجنون، عليه الصلاة والسلام رجل مجنون في الطريق، علم أصحابه قال من هذا، هو يعلم من هذا، قال هذا مجنون، قال لا، هذا مبتلى ! المجنون من عصى الله، ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾ ( سورة هود: 28 ) المجنون من عصى الله، لأنه في موت، نحن جميعاً بعد مائة عام ما في حدى منا موجود، كلنا تحت الأرض، بس موزعين، شيء بباب صغير وشيء بالجبل، كلنا تحت الأرض، أليس كذلك، قلت مائة عام حتى واحد صغير ما يقول أنا بكير عليَ، مائة عام، الموت مصير كل إنسان، والآخرة هي الأصل، لذلك هنيئاً لمن عمل لآخرته، يقول عليه الصلاة والسلام (( الكيس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت، والعاجز من أتبعى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني )) بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين . إكرام الضيف : أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الرابعة والعشرون من سورة الذاريات و هي قوله تعالى : ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [ سورة الذاريات الآية : 24 ] هل تصدقون أن آداب الضيافة كلها وردت في آية واحدة ، في سطر واحد . ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ [ سورة الذاريات الآية : 24-25 ] يعني لا أعرفكم . ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ [ سورة الذاريات الآية : 26 ] راغ إلى أهله ، قال علماء التفسير ، إنسله خفية ، يعني راغ إلى أهله ليعد لهم طعاماً دون أن يسألهم ، الضيف لا يسأل ، نعملك عشى ، بقلك لا والله شكراً ، بتحب تتغذى لا والله ، قهوة لا شكراً محمي عنها ، كل ما سأله بيرفض ، يعني علمنا ربنا في هذه الآية أن الضيف لا يسأل إن أردته أن تكرمه لا تسأله . ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [ سورة الذاريات الآية : 26 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4707/01.jpg الفاء تفيد الترتيب على التعقيب ثم بعد ساعة ، ذهب إلى أهله وعاد بالطعام ، معنى ذلك أنه مستعد مما يزعج الضيف ، أن تأخر إطعام الطعام ، أن تأخر الطعام ، أجمل شيء بالضيافة أن يأتي الطعام سريعاً ، حتى في المطاعم ، هناك مطاعم تستقطب زبائن كثيراً ، بسبب سرعة إنجاز الطعام ، أما الانتظار ساعات ، بعطيك المقبلات تأكلها كلها ، الأكل ما أجي . فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ، ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ [ سورة هود الآية : 69 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4707/02.jpg هي آية ثانية . هنا .. ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ المؤمن كالنحلة ، لا يأكل إلا طيباً ولا يطعم إلا طيباً ، لا يأكل إلا طيباً ولا يطعم إلا طيباً ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ إذاً : أولاً : ينبغي ألا تسأل الضيف . ثانياً : ينبغي أن تعد الطعام سريعاً . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4707/03.jpg أحياناً تضع طبق من الطعام الطيب في طرف المائدة ، والضيف في الطرف الآخر ، يستحي أن يقول لك أعطني من هذا الطبق ، يسكت يجب أن تقرب له أطباق الطعام ، يجب أن تقرب أنت له أطباق الطعام . أحياناً تضع الفاكهة للضيف وأنت مسترسل في حديث ، تبقى الفاكهة ساعة وساعتين وثلاث ، دون أن تقول له تفضل ، ما راح يأكل لحاله هو ، إلا لم تقل له تفضل لا يأكل . الآية الكريمة : ﴿ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ أولاً : الضيف لا يسأل . ثانياً : ينبغي أن يعد الطعام سريعاً . ثلاثاً : ينبغي أن تقرب له أطباق الطعام . رابعاً : ينبغي أن تدعوه للطعام . خامساً : ينبغي أن يكون الطعام طيباً . لأن المؤمن كالنحلة ، خمسة آداب للضيافة . ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ [ سورة الذاريات ] ما أكلوا ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ [ سورة الذاريات ] الله جل جلاله لا يعجز شيئاً في السماء ولا في الأرض . القضاء والقدر : الآن هذه الآية ، قل ما ينتبه إليها أحد ، هذه الآية تلقي الطمأنينة في قلب المؤمن . ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ [ سورة الذاريات ] قوم لوط ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ [ سورة الذاريات ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4707/04.jpg على كل حجر أسم الذي سيقتله ، إذاً شيء أسم قذيفة طائشة ما في عنا ، بعقيدتنا ، لو ما ذهب ما مات . لكل شيء حقيقة وما بلغ عبداً حقيقة الإيمان حتى يعلم ، أنما ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنما ما أخطئه لم يكن ليصيبه ، وليس في قاموس المسلم كلمة لو أبداً لا تقل لو أن فعلت كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان . إلا أن العلماء أستسنوا من لو ، لو الإجابية ، واحد استثمر ماله بالربا فصودر المال ، أو محق المال ، أو تلف المال ، لو قال لو لم أستثمره في الربا لما تلف ، صح هذا الكلام صح . إنسان سهر سهرات مختلطة ، فا شعر أن زوجته ليست على ما يرام مالت لغيره ، وأصبح في هواتف وعلاقات ، لو قال لو أنني ما سمحت بالاختلاط لما كان من شئن زوجتي هذا ، كلامك صح . لا تقل لو إني فعلت كذا ، و كذا ، في القضاء والقدر ، أما في محاسبة النفس قل لو لم يكن كسبي حرام لما تلف مالي ، لو لم أطلق بصري لما شقيت في بيتي ، لولا لم أفعل كذا لما شعرت بهذه المصيبة . ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ [ سورة الذاريات ] لم تأتي البشارة بعد . ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ سورة الذاريات ] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجب المسلم : في بقى كلام أسمه البلاء بعم والرحمة خاصة ، لا البلاء خاص والرحمة خاصة ، عند الله فوضى ما في خطأ ما في ، الله كماله مطلق ، ماذا نفعل بقوله تعالى : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [ سورة الأنفال : 25 ] هذه الآية معناها ، أنك إذا رأيت منكراً ولم تنهِ عنه وصل إليك ، سكوتك عن هذا المنكر معصيةٌ كبيره . ورد بالأثر : يا ملائكتي أهلكوا هذه القرية ، قالوا يا رب أن فيها عابداً ، قال به فبدؤوا قالوا ، ولما قال لأن وجهه كان لا يتمعر إذا رأى منكراً ، إذا رأى منكراً لا يتمعر وجهه . معنى ذلك أن البلاء خاص ، والرحمة خاصة ، أما إذا عما البلاء المؤمن ، فبذنبٍ اقترفه وهو تقصيره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4707/05.jpg كمثل واضح لو أن حريقاً نشب في آخر الشارع ، إذا قلت أنا مالي علاقة ولم تساعد في إطفاء الحريق وصل إليك ، هذا المعنى ، إن لم تساهم في إطفاء الحريق وصل إليك . ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [ سورة الذاريات ] يجب أن تعتقد أنك إذا كنت في طاعة الله فلك معاملةٌ خاصة ، وعدل الله أعظم من أن يأخذ الطائع بالعاصي ، هذا كلام العوام راح الطائع بين رجلين العاصي ، كل واحد له حساب خاص ، البلاء خاص والرحمة خاصة ، أما إذا الإنسان لم يأمر بالمعروف ، ولم ينهى عن المنكر وقع في معصية . ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ سورة هود : 117 ] ما قال صالحون ، لو أنهم صالحون لأهلكهم ، صالحون في أنفسهم ، أما الآية مصلحون ، إذا كانوا مصلحين لن يهلكهم الله عز وجل ، يعني في عنا فريضة سادسة ، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ سورة آل عمران : 104 ] يعني آلاف القصص ، قال لي واحد : أنا سبب هدايتي سائق تكسي حامل خمر قام وطردني من السيارة ، سبب هدايته ، فإذا واحد شاف أهله ، أقربائه بنات أخوه ، بنات أخته ، متفلتات ، كاسيات عاريات وقال أنا مالي علاقة يسطفلوا تنطبق عليه هذه الآية . ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [ سورة الأنفال : 25 ] هذا التفلت سينتقل إلى بيتك ، هذه المعصية سوف تنتهي إلى بيتك هذه الفتنة سوف تستعر في بيتك . فنحن الفريضة السادسة ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والحمد لله رب العالمين بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم .. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: سيدنا عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضي الله عنه كلما دخل مكان عمله دار الإمارة كان يتلوا قوله تعالى: ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ ( سورة الشعراء: 205 ـ 206 ـ 207 ) وينبغي لكل إنسان مؤمن أن يقرأ هذا الآيات. قد تكون في بيت مريح، ومع زوجة تروق لك، ولك دخل كبير، ومركبتك جاهزة، ولك مكانة اجتماعية، هذه كلها من متع الحياة الدنيا. أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون. ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا ﴾ ( سورة البقرة: 38 ) ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ ( سورة البقرة: 36 ) متاع إلى حين كل بطولة الإنسان ماذا بعد هذا الحين ؟ ماذا ينتظرنا بعد هذا الحين؟ ماذا نجد بعد أن يحين الحين ؟ ﴿ متاع إلى حين.﴾ انطلقت من آية كريمة في سورة الذاريات وهي قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)﴾ سورة الذاريات: الآيات: 31 ـ 32 ـ 33 ـ 34 ـ 35 ـ 36 ـ 37 ) هؤلاء أهلكهم الله عز وجل. ﴿ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (46)﴾ ( سورة الذاريات: الآيات: 38 ـ 39 ـ40 ـ41 ـ42 ـ 43 ـ 44 ـ 45 ـ 46 ) قوم نوح، وقوم ثمود، وقوم عاد، وقوم موسى، وقوم لوط، ستة أقوام أهلكهم الله عز وجل، يخاطبنا الله عز وجل، يقول عن آخر الزمان، ﴿ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر﴾ ( سورة القمر: 43 ) ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ﴾ (سورة القمر: 46 ) لأن كل قوماً من السابقين عصوا ربهم معصية واحدة، وقوم لوط، قوم تبع، قوم صالح، قوم عاد، قوم ثمود، قوم موسى، لكن هذا العصر في من كل المعاصي والموبقات. لذلك قال تعالى، ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ ( سورة الإسراء: 58 ) من الذي ينجينا نحن ؟ أن نطيع الله عز وجل. من الذي يطمئننا ؟ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين. معنى ذلك، الرحمة خاصة، والبلاء خاص، إذا قلنا أن البلاء عام، يعني ذلك أن هؤلاء الذين استقاموا عصوا ربهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ ( سورة هود: 117 ) الذي يعنينا من هذه الآيات، كلمة حين، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، متاع إلى حين، هذا الحين متى ؟ يعني الآية الكريمة الدقيقة جداً، ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ ( سورة آل عمران: 102 ) ما معنى حق تقاته ؟ قال أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره وأن تذكره فلا تنساه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه. قال: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ينهانا أن نموت إلا ونحن مسلمين، الموت بيدنا يا رب، كيف تنهانا عن شئ لا نملكه، قال علماء التفسير: أي لا يأتينكم الموت إلا وأنتم مسلمين. أوضح مثل لهذه الآية، شركة طيران ثمن البطاقة خمسمائة ألف، افتراضاً، إن لم تسافر يذهب الثمن ولا تسترده، نصف مليون، إن لن تسافر، الثمن يضيع عليك، هذه الشركة، هي التي تأخذك من البيت، ولا تنظر إلا دقيقة واحدة، والموعد من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، أنت ماذا تفعل ؟ أعطيتك هذه الظروف، البطاقة ثمنها خمسمائة ألف، لن تسترد إن لم تسافر، الشركة هي التي تأخذك من البيت، لا تقف إلا دقيقة واحدة، الموعد من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، أغلب الظن أنك ترتدي ثيابك وتنظر من الثامنة صباحاً وتقف خلف الباب، نصف مليون لأنه، ولن يسترد، هذا معنى الآية، ما دام الموت ليس بيدنا، وقد يأتي بغتة، إذاً: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، مجهز حالك، مؤدي الحقوق، مؤدي الواجبات، دافع الديون، مستسمح من الناس، بيت إسلامي، عملك إسلامي، كاتب وصية، مجهز حالك، هذا معنى قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. ذكرت هذه الآية لتوضيح معنى الحين، متى الحين ؟ نكرة، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، كلمة حين نكرة، ليست محددة، يعني أنا ذكرت كثيراً، مرة زرت مدير ثانوية، عندي ساعة فراغ، جلست عنده حدثني حديثاً طويلاً عن طموحاته، وعن مشاريعه، خلال عشرين عام، عشرين عام، سيذهب إلى البلد الفلاني، مدرس معار، وسيمضي الصيف الأول، في بريطانية، والصيف الثاني في فرنسا، والصيف الثالث في إيطاليا، والصيف الرابع في إسبانيا، وسيعود إلى بلده بعد خمس سنوات، وسوف يشتري محلاً تجارياً، وسوف يجعله تحفاً، يعني هي مالها تموين، ما بتنزع، هيك عما يقول، ويكبر أولاده ويأتون إلى هذا المحل ويتسلمونه حديث طويل، وأنا أستمع إليه وضيفني وانتهى اللقاء، ودخلت إلى الدرس وفي مساء اليوم نفسه، قرأت نعوته على الجدران، والله الذي لا إله إلا هو، في مساء اليوم نفسه، قرأت نعوته على الجدران، معنى حين، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. بهذه الطلعة بالطريق الصاعد إلى الحجاز، واحد راكب سيارته جاءته أزمة قلبية وهو يقود سيارته، من حسن الحظ، ومن غرائب الصدف أو من توفيق الله عز وجل كان صديقه وراءه، فلما صرخت زوجته حمله إلى سيارته وأخذه إلى المستشفى. هذا بعد يومين أو ثلاثة طلب آلة تسجيل، ذكر بهذه الآلة على الشريط إن المحل الفلاني كنت قد اغتصبته من أخي، هو لأخي، والمحل الفلاني لفلان، بهذا الشريط وزع كل المغتصبات وذكرها صراحةً، بعد سبعة أيام شعر بنشاط عجيب، وين الجلطة مافي شي، أين الشريط هاتوا كسره، وعاد إلى ما كان عليه، بعد ثمانية أشهر جاءته القاضية، القاضية لم ينجو منها، كانت القاضية، فكانت الأولى إنذاراً من الله عز وجل. أيام الله يعمل إنذار، يبعث للإنسان مرضة، بس مرضة مخيفة مو مرضة عادية، يعني أنتبه اللقاء صار قريب، حتى الإنسان حينما يشيب شعره ويضعف بصره بحط كذلك، وبيغير أسنانه، يعني صار كله اكسسوار، حتى أن الإنسان حينما يشيب شعره وينحني ظهره ويضعف بصره، هذه كلها إشارات لطيفة، لطيفة من الله، أن عبدي قد اقترب اللقاء، فهل أنت مستعد له، يا عبدي قد اقترب اللقاء هل أنت مستعدٌ له، هذا معنى إلى حين، ﴿ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاع إلى حين ﴾ متعناهم إلى حين. سيدنا عمر بن عبد العزيز كلما دخل دار الإمارة، قبل ما يجلس كان يتلو قوله تعالى هذه آية الشعار، أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس السادس الحمد لله رب العالمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن: أيها الإخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ الحقيقة أنك إذا سافرت إلى بلداً ما، في ذهنك هدفاً واضح، قد تسافر سائحاً، وقد تسافر تاجراً، وقد تسافر طالباً. إذا سافرت طالباً، وأنت في البلد الأجنبي، كل حركة وكل سكنة تقاسه بالهدف، لو رأيت مقصفاً جميلاً، وعندك غداً امتحان لا تدخل، كل إغراءٍ، وكل حركةٍ وكل سكنةٍ وأنت مسافر بهذا البلد تقيسها بالهدف الذي جئت من أجله. لذلك الطالب إذا كان هدفه واضحاً، يرجع معه دكتوراه، أما إذا نسيه هدفه وإنساق وراء مغريات طارئة، عاد بخفي حنين. هذه المقدمة ذكرتها كي نصل إلى أنه لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك، لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك. فأنت في الدنيا لماذا خلقت ؟ آلاف الأشخاص يتحيرون، يقول لك لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ والجواب واضح مثل الشمس، واضح بجلاء منقطع النظير، يقول الله لك: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. العبادة علة وجودنا، علة وجودنا، أنت في الدنيا من أجل أن تعبد الله، فهذا الذي يقول جئت لا من أين أتيت، ولقد رأيت قدامي طريقاً فمشيت، ثم يقول لا أدري لا أدري لا أدري، لكن المؤمن يدري، المؤمن يدري، والذي جعله يدري كتاب الله، والذي جعله يدري هذه الآية، أنت في الدنيا من أجل أن تعبده. هذا أول شيء، أول حقيقة لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك. أنت الآن في باريس، تاجر الحركة نحوه المعامل. أنت الآن في باريس سائح الحركة نحوه المتاحف. أنت الآن في باريس طالب علم الحركة نحو الجامعات. الحركة تتحدد بحسب الهدف. طيب هلق الناس يجمعون الأموال الطائلة، يأتيهم الموت فجأة، واحد كان في بلد بالسعودية، بقي له هناك ثلاثون عاماً، وجمع أموال طائلة ولم يحج ولا مرة واحدة، وافته المنية في بلداً سياحي جميل، وهو في الفندق، سكت قلبية، انتهى. فالإنسان حينما يتحرك بلا هدف هناك صعق، مفاجئة لم تكن بالحسبان أما حينما تتحرك وهدفك واضح، يأتي الموت متوقعاً. لذلك يقول الله عز وجل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. والعبادة الطاعة. العلماء قالوا خالص الطاعة، مع خالص الحب، مع خالص الإخلاص طاعةٌ وحبٌ وإخلاص، لكن هذا الطاعة وهذا الحب وهذا الإخلاص لا يمكن أن يكون من دون أن تعرف الله. كيف أنه لا تصح الصلاة من غير وضوء، فالوضوء فرض لأنه شرط الصلاة، ولا تصح الطاعة من دون معرفة الله. طيب إذا عرفته وأطعته، تقطف ثمار الطاعة هي السعادة، التي يبحث عنها كل إنسان كائن من كان، هي السلامة و السعادة. إذاً معرفةٌ، طاعةٌ، وحبٌ، وإخلاص، سلامةٌ وسعادة، هذه العبادة، معرفةٌ بالله من خلال آياته الكونية، والتكوينة، والقرآنية، وطاعةٌ طوعيةٌ ممزوجةٍ بمحبةٍ قلبيةٍ، وإخلاصٍ شديد هذه تفضي إلى سعادة أبديةٍ وسلامةٍ من كل عطب، فأنت سليمٌ معافى سعيد، هي معنى العبادة. لذلك ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من حبه ولم يطعه تعصي الإله وأنــت تـظـهر حـبـه ذاك لعمري في المقال شنيع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع أيها الأخ الكريم: يعني كيف إذا كان الهدف أمامك واضح كالشمس ؟ الآن أنت ماذا تفعل باليوم دعيت إلى سهرة مختلطة، هذه تتناقض مع العبادة، أعتذر، دعيت إلى عمل صالح يتوافق مع العبادة بلبي رأساً، دعيت إلى إدلاء بشهادة، وأنا لم أكن شاهداً بتناقض مع العبادة أعتذر، فصار إذا أنت عرفت هدفك، كل حركةٍ وكل سكنةٍ تقيسها بهدفك. الآن إذا كان طالب عنه امتحان مصيري بينبنى عليه تخرجه، وبينبنى على التخرج تعينه في منصب رفيع، بينبنى على التعين زواجه وبينبنى على التعين رفعة مكانته فرضاً، فقبل الامتحان بأسبوع لو رأى مجلة ما بيقرأها، طيب أن تقرأ مقالة ليس حرام ما بيقرأها، بس ما في عنده وقت لأنه، مادام هدفه واضح والامتحان مصيري لها ينبنى على الامتحان نجاحه وتخرجه، وعلى التخرج تعينه، وعلى التعين زواجه وعلى زواجه بناء أسرة، وتحقيق مكانة علية، إذاً كل هذا الهدف الكبير أساسه هذا الكتاب المقرر، وقد يمتنع عن قراءة صحيفة أحياناً، يأتي هاتف من صديقه، كيفك والله مشغول بتعذرني، طبق السماعة، ليش عملت هيك ؟ هدفه واضح لأنه، قال له صديق أنا في مسألة بالموضوع الفلاني حليتها، تعى لعندي، طيب هلق رفض واحد، قال له تعى لعندي، مادام موضوع مسألة ورياضيات وفحص رياضيات بيستقبله، استقبل، ورفض، واعتذر، ورحب، هكذا المؤمن هدفه واضح، هلق في إغرائات، في مطاليب، بيدرس المطلب، قالت له بدنا كذا، وكذا زوجته أحد الصحابة قال لها: إعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين مالا لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلا أن أضحي بك من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلك. والله أيها الأخوة، الناس يتحركون بلا هدف يركضون وراء المال، يغتصبون المال، يأخذونه حراماً، بالكذب والخداع، والغش، والاحتيال، ولا يحسبون حساباً لمغادرة الدنيا . النقطة الدقيقة إذا عرفت هدفك صحت حركتك، واحد جايه لفرنسا طالب علم ركب السيارة على السوربون، قام لقى نادي، نادي كولف يقف ويدخل إلى الداخل ؟ لا هدفه السربون الجامعة، في ألف شيء مغري على الطريق، في نوادي، في مسابح، في متاحف، في مطاعم هدفه الجامعة هلق، هدفه الواضح. هلق إذا واحد راح لحلب، كم مفرق على اليمن واليسار ؟ مفرق طرطوس، مفرق تدمر، مفرق السلمية، مفرق جبلة، مفرق المعرة، هدفه حلب، كل هذه المنعطفات الجانبية لا يلقي لها بالاً أبداً، هذا حال المؤمن. الله عز وجل يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فكل شيئاً يتوافق مع العبادة تفعله حباً وكرامة من كل قلبك، وكل شيء ببعدك عن الله عز وجل ممنوع، يعني أحيان إنسان يمتنع عن قراءة قصة سخيفة، طيب هذا الذي يمضي خمس ساعات وراء أفلام متكرر ساقطة، سخيفة، يعني قصة معروفه، وشيء مملل، وهبوط في الأخلاق وهبوط، خيانات وانحرافات، أين هدفه ؟ هدفه غير واضح، هذا الذي يمضي حتى الساعة الواحدة بالطاولة، هذا ما هدفه، مر أحد علماء الشام الكبار أمام مقهى، قال يا سبحان الله، لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم، بتلاقي المؤمن ما عنده دقيقة فراغ دقيقة ما في عنده، لأنه هدفه كبير، هدفه معرفة الله، هدفه الدعوة إلى الله، هدفه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تربية أولاده، تحصين زوجته، تحقيق شيء، يترك أثر علمي أثر ديني أثر اجتماعي عمل صالح، هذا هدفه، فوقته ضيق جداً، لذلك: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافه ودنيه، الإنسان إذا عرف هدفه سلك هذا الطريق صار مشغول، قال علية الصلاة والسلام إن لفي الصلاة لشغله، قال كان علية الصلاة والسلام يجلس مع أصحابه، قال فإذا دخل وقت الصلاة فكأنه لايعرفنا ولانعرفه، هدفه كبير. فيا أيها الأخوة: لا يحق لواحد منكم أن يقول ليش الله خلقنا، أجابك عن هذا السؤال، أجابك إجابة واضحة، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن تطيعه وأن تحبه وأن تخلص له، ولن تطعيه ولن تحبه ولن تخلص له إلا إذا عرفته، إن عرفته أطعته، إن عرفته تحبه، إن عرفته أخلصت له، إن أطعته وأحببته وأخلصت له تسلم وتسعد، وهذا مطلب كل إنسان في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، من بحب المرض منكم وأنا معكم والله ؟ من بحب العمليات الخطيرة ؟ من بحب الأمراض الخبيث ؟ من بحب الأمراض العضالة ؟ من بحب السجن ؟ من بحب القهر ؟ من بحب الفقر ؟ من بحب الذل ؟ من بحبه ؟ كلنا نبحث عن سلامتنا وسعادتنا، أما الإنسان يبحث عن اللؤلؤ في الصحراء لن يجده اللؤلؤ في البحار، والسعادة في طاعة الله، والسعادة في القرب منه، والسعادة في التضحية والبذل من أجله، والسعادة في مجاهدة النفس والهوى، هي السعادة. فيا أيها الأخوة الكرام: آية من أدق الآيات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، العبادة هدفنا العبادة منهجنا، العبادة دستورنا، والله عز وجل يسعدك في الدنيا قبل الآخرة، ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ ( سورة الرحمن: 46 ) ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ ( سورة النحل: 97 ) هذا وعد إلهي، هذا فوق المكانة والزمانة والظروف والكساد وقلة الأعمال وعد الله عز وجل، الله عز وجل ليس فقيراً، هو غني، قوي، إذا بدى لكم أن في الشيء قليل، هذا تقنين تأديب لا تقنين عجز، ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ( سورة الحجر:21 ) يعني إذا الله أعطى أدهش، أعطى أدهش... بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات (51) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية السادسة والخمسون، التي شرحت في الدرس الماضي وما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ الحقيقة أكبر شيئين يقلقان الإنسان، أجله ورزقه، أكبر شيئين يقلقان الإنسان، أجله ورزقه. أجله مقطوعٌ به، ﴿ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ( سورة الأعراف: 34 ) لا علاقة للمرض بأجل إطلاقاً، الأجل شيء، والمرض شيء آخر، فكم من صحيح مات من غير علةٍ وكم من سـقيـمٍ عاش حيناً من الدهر أحد أخوتنا الكرام: ولد قبل ستين عاماً، في بيتٍ متواضع في أحد أحياء دمشق، في الغرفة المجاورة، غرفة عمه وزوجة عمه، جاء الأطباء وأخبروا أهل الزوجة، أنها قد انتهت، ولا عليهم أن يكتبوا نعوتها، وأن يستعدوا لموتها، وعاشت هذه المرأة بعد هذا الإنذار سبعةً وأربعين عاماً . فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر أيها الأخوة: موضوع الأجل منته. موضوع الرزق، ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ﴾ ( سورة الروم: 40) دقة هذه الآية، أن كلمة رزقكم، جاءت بصيغة الماضي، يعني الرزق مكفول ومضمون، لكن الرزق، أداةٌ تربويةٌ بيد الله، لن تموت جوعاً، ولكن وفرة الرزق، وضيق الرزق، متعلقٌ بسيرك إلى الله طالبني بالدليل ؟ ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ﴾ ( سورة الجن: 16 ـ 17 ) ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ﴾ ( سورة الأعراف: 34 ) هذه اثنين. ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا ﴾ ( سورة نوح: 10 ـ 11 هذه ثلاثة. الآمانة غناً، الآمين يغتني، الآمانة غناً، هذه أربعة. قد يحرم المر بعض الرزق بالمعصية خمسة . وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا ستة. صلة الرحم تزيد في الرزق، سبعة. هناك أدلةٌ كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله، أن الرزق جعله الله أداة تربوية. بالمناسبة ربنا جل جلاله ثبت أشياء، وحرك أشياء، الذي ثبته من أجل استقرار النظام في الكون، دورة الأرض حول الشمس ثابتة، شروق الشمس ثابت من ملايين ملايين السنين، وإلى أبد الآبدين، إلى أن تنتهي الحياة من على سطح الأرض، ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ (سورة يس: 38) إلى أن تصل لهذا الاستقرار، شروق الشمس وغيابها ثابت. هناك أشياء كثيرة ثابتة، خصائص المواد ثابتة، الحديد حديد، والذهب ذهب، والفضة فضة، أما لو إنسان اشترى كيلو ذهب، فرأى بعد يوم حديداً، انخرب بيته بيكون، ثبات خصائص الأشياء، هذه ثابتة كلها. أما الرزق حركه الله عز وجل، حركه، حركه كأداةٍ تربوية، الصحة حركها. ذكرت لكم من قبل أنه بعد أن أجريت تجربة، تجربة تفجير نووي بصحراء الجزائر الكبرى، ثاني يوم، رأوا عقرباً يمشي في أرض الانفجار، عكفوا على دراسته خمساً وعشرين عاماً، ثم اكتشفوا أن العقرب بإمكانه أن يعيش ثلاثة سنين متواليات من دون طعامٍ وشراب وأنه يستطيع أن يبقى ثلاثة أيام من دون تنفس، وأنه عرَض لأشعةٍ نوويةٍ قاتلةٍ ثلاث مائة ضعف الأشعة التي تميت الإنسان فلم يتأثر، وأنه نقل من حرارة عشرة تحت الصفر، إلى ستين فوق الصفر لم يتأثر. أليس من الممكن أن يكون الإنسان كالعقرب ؟ صحيح، الله ممكن أن يلغي مرض كلياً، بس الصحة حركها، الرزق حركه، ثبت شروق الشمس، ثبت دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ثبت خصائص المعادن، خصائص النباتات، بتزرع خيار بيطلع خيار، لو كان ما في ثبات، بتزرع فستق حلبي بيطلع فستق عبيد، مشكلة هي، بتزرع خيار بيطلع بندورة، البزور خصائصها ثابتة، المعادن خصائصها ثابتة، دورة الأفلاك ثابتة. أما يلي حركه الصحة والرزق. فالإنسان قلق على أجله، وقلق على صحته، النبي قال: خيركم من طال عمره وحسن عمله. لذلك ﴿ ما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ﴾ ( سورة الذاريات: 56 ) إذا الإنسان احتج على تقصيره في العبادة من أجل الرزق، بماذا نجيبه نجيبه بأن من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجى، وأقرب مما اتقى، نجيبه أن كلمة الحق، لا تقطع رزقاٍ ولا تقرب أجلاً، نجيبه بأن الله سبحانه وتعالى ما كان ليظلمك، ﴿ إليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه﴾ ( سورة هود: 133 ) الآمر ضامن، يعني أنا أريد من هذا الدرس أن أطمئن الأخوة الكرام أن أجلك بيد الله، وأن المرض لا علاقة له بالأجل إطلاقاً، إطلاقاً، أما أقول لك اعتنى بجسمك، اعتنى بغذائك، اعتنى بالرياضة لماذا؟ الأجل أجل، بس إما أن تعيش هكذا واقفاً أو مضجعاً، الأجل أجل لماذا النبي علمنا أن نأكل باعتدال ؟ علمنا بذل الجهد، علمنا النظافة الأجل لا يتأثر، ولكن الصحة تتأثر، فبين أن تمضي هذا الأجل مستلقياً على سرير، وبين أن تمضيه واقفاً نشيطاً، الصحة متعلقة بنوعية مضي الزمن، أما الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، الرزق عند الله، فإذا استقمت على أمر الله، فتح الله لك أبواب الرزق، ولا تنسى هذه الآية، ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرأ عليما ﴾ ( سورة النساء: 147 العذاب لماذا ؟ واستنبط الإمام الشافعي، أن الله لا يعذب أحبابه، وقد يكون ضيق ذات اليد، أحد أسباب العذابات في الدنيا، قال الإمام الشافعي: مستنبطاً من قوله تعالى ﴿ قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلما يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) لو أن الله قبل دعواكم بأنكم أحبابه لما عذبكم، إذاً إن الله لا يعذب أحبابه، هذه المعاني سقتها لكم، حول العلاقة بين قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ( سورة الذاريات: 56 ) ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ﴾ ( سورة الإسراء: 31 ) ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ﴾ ( سورة الأنعام: 151 ) فالله هو الرزاق، والدليل ؟ أنه أعطاك حرفة، أعطاك ذاكرة، أعطاك خبرات متراكمة، ساق الناس إليك، إنسان بيفتح محل يقول يا رزاق يا كريم، الله يسوق الناس إليك، فرزقك بيد الله. ولما قال الله عز وجل ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ البيت التي تؤدى فيه الصلوات وتقام فيه العبادات، بيتٌ مرزوق والمحل التجاري التي لا تنتهب في حرمات الله، بتفوت إنسانة تُكلم بجدية مطلقة، يغض البصر عنها، وكأنها أختك، المحل التجاري التي لا ترتكب فيه المعاصي، هذا محل مرزوق، لوفي قانون عام قانون كساد، أسواق مسمومة بتعبير التجار، المؤمن له معاملة خاصة لأن الله عز وجل لا يسوق الناس جميعاً بعصاةٍ واحدة، كل إنسان له معاملة بحسب استقامته. إذاٍ، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.﴾ الإمام أبو حنيفه رضي الله عنه يقال: أن حديثاً شريفاً غير مجرى حياته، هذا الحديث من طلب العلم تكفل الله له برزقه. يعني أنت لما بتفرغ للعلم الله عز وجل لا ينساك من فضله، يؤتيك رزقاً معقولاً بجهد يسير، مستحيل إنسان يطلب العلم، والله عز وجل ما يستخدمه في نشر هذا العلم أنت عند الله موظف، إذاً. ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ الرزاق صيغة المبالغة، والمبالغة في حق ذات الله العلية، أما نوعاً أو كماً، يعني يمكن يعطيك رزق يكفيك لولد ولدك في التعبير العامة ممكن يرزق مليار إنسان، إما نوعاً أو عدداً. ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. ﴾ يعني الله عز وجل قوي ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ( سورة الحجر:21 ) وإذا الله قنن، تقنين تأديب، لا تقنين عجز، إذا الإنسان قنن تقنين عجز، إذا الإله قنن تقنين تأديب، إذاً لنطمئن على أرزاقنا، وأرزاق ذرياتنا، وأرزاق أولادنا. لكن لو توكلتم على الله حق التوكل، لرزقكم كما يرزق الطير، ماذا تفعل الطير ؟ تغدوا، تتحرك، تغدوا خماصاً، وتعودوا بطاناً، في حركة على الإنسان أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح. لما بيستقيم يقول يافتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، اللهم ارزقني رزقاً حلالاً اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً. الله عز وجل لا ينسى أحداً من فضله، وأدلكم على هذا العلاج، إذا الإنسان ضاق رزقه، ليصلي قيام الليل وليدع الله عز وجل قبل صلاة الفجر، لأن الله عز وجل يقول: في الحديث الصحيح القدسي إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه، هل من تائباً لأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له، حتى ينفجر الفجر. فربنا عز وجل عرض عليكم، أن يجيبكم عن سؤآلكم، هذا وقت إجابة فإذا الإنسان له مشكلة ليسأل الله عز وجل. ﴿ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً، ما كان في مخرج، ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ( سورة الطلاق: 3 ) يعني متى تبحث عن مخرج، إذا ما لقيت مخرج. إذاً ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظن أنها لا تفرج بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الطور (52) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والعشرون من سورة الطور وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾ أيها الأباء: هذه الآية خاصةٌ بالأباء المؤمنين فكل جهد يبذله الأب في تربية أولاده، التربية الإيمانية، والتربية الأخلاقية، والتربية الجسمية والتربية العلمية، والتربية النفسية، والتربية الاجتماعية، كل جهد يبذله الأب، في سبيل تربية أولاده، هذا الجهد محفوظ عند الله بشكل لا يصدق، بحيث أن كل أعمال الأولاد في صحيفة أبيهم. ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ ألحقنا بهم أعمال ذرياتهم، إلحاق كامل، لو أنه إنسان أنجب ولد ورباه تربية إسلامية، وأصبح هذا الابن عالماً كبيراً، أو داعيةً كبيراً، أن كل هذا الحجم الكبير، في صفيحة الأب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: خير كسب الرجل ولده. طبعاً، والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين. يعني أنت في النهاية، رهين عملك، رهين عملك، وعملك يعبر عنك وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح. أيها الأخوة: يجب أن نفرق بين الاستقامة والعمل الصالح، الاستقامة طابعها سلبي، طابعها سلبي، فلان لم يكذب، لم يغش، لم يطلق بصره في الحرام، جيد جداً وجميل ولكن ماذا فعل، ماذا قدم، يقول يا ربي زهت في الدنيا، يقول الله له يا عبدي أما زهدك فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، ولكن ماذا فعلت من أجلي ؟ أيام الإنسان بيصدق يحترمه الناس، يعفوا عن أعراض الناس يأمنه الناس، يكونوا أميناً يغنيه الناس، كل هذه الأعمال مردها إلى الإنسان ولكن ماذا قدمت ؟ ماذا بذلت؟ بماذا ضحيت ؟ ما العمل الذي تتمنى أن يعرض على الله عز وجل يوم القيامة ؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبما تلقى الله إذاً. إذاً أعظم الأعمال ولده، أعظم كسب الرجل ولده، لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعوا له. فالجهود الجبارة التي تبذل في تربية الأبناء وتعليمهم وتعريفهم بالله عز وجل، وتعليمهم كتاب الله، وسنة رسول الله، وأخلاق نبيهم وشمائله، وهذا الجهد المبذول، يجعل أعمال ابنك كلها، في صحيفتك وما ألتناهم من عملهم من شيء، أي ما ضيعنا من عملهم شئ. الابن يحتاج إلى متابعة، إلى عناية، إلى عناية بصحته، عناية بعلمه عناية بعقله، عناية بنفسه، أن ترقب أصدقائه، أين يذهب، أين يعود مع من يصاحب مع من يجلس، هل صلى أم لم يصلي، هل أدى الفرائض أم لم يؤديها، هل المتابعة المستمرة، وأن تحيطه ببيئة صالحة، وأن تتابعه، وأن تنصحه، وأن تجلس معه ملياً، هذه الجهود كلها في النهاية تجعل أعمال ابنك كلها في صحيفتك. ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين. يعني أنت عند الله بعملك، هذا الكلام لمين موجه ؟ للمؤمنين، يعني الاستقامة مفروغ منها، مفروغ منه أنك لا تأكل الحرام، ولا ترتكب الكبائر، ولا تطلق بصرك في الحرام، ولا تكسب الدرهم الحرام ولا تنم بين المؤمنين، ولا تغتب، كل شي لا، لا، لا، استقامة هي، وكل شيء، فعلت، قدمت، دفعت أنفقت. فالإنسان يجب أن يبقي أثراً بعد موته. ذكرت لكم مرة أن أحد خطباء دمشق المرموقين، توفي رحمه الله فحضرت التعزية، فكانت في الأموي، فلما جاء أكثر علماء الشام وقدموا تعازيهم، قام الخطباء يثنون على هذا الخطيب، وعلى جرئته وعلى نزاهته، وعلى خطابته الرائعة، ثم قام ابنه فألقى كلمة، من أروع ما سمعت، ابنه، لغة، وعلم، تناسق، قوة شخصية، وكان حضر أنه وزير الأوقاف، فأراد أن يهنئ الحضور، فعين ابنه خطيباً مكانه، إذاً ما مات الأب، الأب ما مات. فيا أيها الأخوة: أنا أعلم أنه في ألف حاجز يمنع أولادكم عن المسجد، فتن كثيرة جداً، رفقاء السوء كثيرون جداً، هناك سهرات حمراء، هناك سهرات خضراء، هناك صحون، هناك أفلام، هناك محطات إباحية، وهذا أشياء كله مفجرة، بتفجر الابن. قديماً كان الفساد محصور في بئر محدودة، والإنسان طليق، الآن الفساد طليق، فإذا أنت ما حصنت نفسك وحصنت أولادك ففي خطر كبير جداً. أيام شمة وحدة راح الابن، شمة وحدة، صار مدمن مخدرات، شمة وحدة، وفي شيء كثير جداً. فإذا كان عناية الآباء بالأبناء، قبل عشرين سنة، ثلاثين سنة، خمسة الآن مائة العناية، المراقبة، المتابعة، ويجب أن تحتوي ابنك، تكون صديق له، لأنه هو يحب الصديق، فإذا أنت بينك وبينه مساقة كبيرة بالعمر، وبالعقلية، وبالتفكير بحس حاله بغربة عنك، الأب العاقل هو الذي يقرب أولاده منه، ويحتويهم ويفكر بتفكيرهم ليكون بديلاً عن أصدقائهم، أصدقاء السوء، هو الأب. محور الدرس اليوم هو تربية الأولاد، أعمال أولادك كلها في صفيحتك نرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في تربية أولادنا، من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة، في بيت ما في بنات، قالوا واحدة قال واحدة، إذا عندك بنت واحدة أحسنت تربيتها، تربية صحيحة علمتها كتاب الله، علمتها سنة رسول الله، علمتها أن تكون محشومة جعلت خروجها وفق منهج الله، ثم جاءها خاطب مؤمناً، زوجته إياها ولم تعبى بماله بل عبئت بأخلاقه، هذه البنت ضمانة لك إلى الجنة أبداً قالوا واحدة قال واحدة، والابن إذا علمته علم شرعي، جعلته داعية، جعلته عالم، تبنيته عاونته، فأنا أدعوكم وسط بيتكم في أعمال صالحة لا يعلمها إلا الله، وسط البيت، داخل البيت، زوجتك وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وتراها يوم القيامة كجبل أحد، وابنك إذا ربيته تربية صحيحة، هو لك صدقة، وبنتك إذا ربيتها تربية صحيحة هي لك صدقة، كل هؤلاء ضمانة لدخول الجنة، والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين، أنت رهين عملك، كل واحد له عمل، يا قويس إن لك رهينة يدفن معك وأنت حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الطور (52) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الثامنة والأربعون والتاسعة والأربعون من سورة الطور وهي قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)﴾ أولاً: الصبر علم أضرب لكم هذا المثل... لو أن طفلاً صغيراً أخذ إلى طبيب أسنان، يصيح، ويتحرك حركه عشوائية، ويرفض، لأنه يجهل هذا الذي سيكون لصالحه. أما الراشد، قد يتألم، قد يشعر بألم شديد، قد يكون قلبه لا يحتمل المخدر، فيقلعه ضرسه من دون مخدر، والألم لا يطاق، ومع ذلك يصبر، لماذا يصبر ؟ لأنه يعلم أن هذا العمل لصالحه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ ( سورة النساء: 147 ) فالصبر في القرآن دليل معرفة الله عز وجل، الذي يعرف الله يصبر، والذي لا يعرفه لا يصبر. شئن هذا الطفل الصغير، الذي يبكي ويصيح وقد يسب الطبيب، والطبيب يريد أن يريحه من ألم طويل. أما الراشد يتحمل ألماً موقتاً ليستريح راحةً طويلة. إذاً... هناك من يصبر لا لحكم الله، يصبر لقوي، يضطهده. هناك من يصبر خوفاً على مركزه. هناك من يصبر خوفاً على ماله الذي جمعه من حرام. هذه أنواع الصبر التي لا علاقة لها بهذه الآية. الآية الكريمة ﴿ ولربك فاصبر ﴾ الصبر المحمود أن تصبر لله، أن تكون قادراً على إنزال أشد العقاب بخصمك، لكنك كظمت غيظك وصبرت لله. الصبر الذي يرفع من قيمة الإنسان، هو الصبر الذي يكون باعثه إرضاء الله عز وجل، هذا صبر الأقوياء. قد تكون قوياً وبإمكانك أن تسحق خصمك، ولكنك تعفو عنه لله، هذا هو الصبر الذي ذكره الله في هذه الآية ﴿ واصبر لحكم ربك ﴾ شيئاً آخر الله عز وجل، له أمر تكليفي، وله أمر تكويني. الأمر التكليفي افعل ولا تفعل، وفي أغلب الأحوال افعل يتناقض مع الطبع غض البصر، والطبع يدعوك إلى أن تطلق البصر، أنفق المال والطبع يأمرك أن تأخذ المال، لا تنفقه. فالأمر والنهي، يتناقضان مع الطبع يتوافقان مع الفطرة، الأمر والنهي يتنقضان مع الطبع يتوافقان مع الفطرة. فهناك صبرٌ على أمر الله التكليفي، وهناك صبرٌ على أمر الله التكويني جعل هذا الإنسان عقيماً لا يلد، جعل هذا الإنسان ذات دخلٍ محدود، جعل هذا الإنسان ذات قامة معينة، فيها مرض وراثي، هذا أمر تكويني. فأنت ينبغي أن تصبر على أمر الله التكليفي، وعلى أمره التكويني. يعني يجب أن تصبر عن الشهوات المحرمة وعلى الطاعات وعلى قضاء الله وقدره. ثلاثة أنواع، أن تصبر عن الشهوة المحرمة، وأن تصبر على الطاعة المتعبة، وأن تصبر لحكم الله التكويني. فالنتيجة الإيمان هو الصبر، بشكل أو بآخر. ذكرت البارحة أن الله سبحانه وتعالى: حينما أثنى على النبي عليه الصلاة والسلام، أثنى على خلقه العظيم. السؤال... ألم يكن النبي أبرع خطيبٍ في الأرض ؟ نعم خطيب من الدرجة الأولى ألم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قاضياً عدلاً ؟ نعم كان قاضياً عدلاً من أرفع أنواع القضات. ألم يكن النبي مجتهداً ؟ ألم يكن النبي رباً لأسرةٍ ناجحاً ؟ زوجاً مثالياً ؟ أخاً صديقاً ؟ كل هذه الصفات التي اتصف بها النبي، أهملها القرآن الكريم وأبرز خلقه العظيم. السبب... أحياناً التفوق بيكون بسبب ملاكات أودعها الله في الإنسان، قد يعطيه ذكائاً، قد يعطيه طلاقة لسان، قد يعطيه قوة في المحاكمة، فالتفوق لقدرةٍ أودعها الله فيك، لا ترقى بك عند الله، التفوق في قدرةٍ أودعها الله فيك، لا ترقى بها إلى الله عز وجل. أما الصبر الذي هو أساس الأخلاق، الإنسان يمتلئ غيظاً فيصبر فيكظم غيظه، كظم الغيظ صبرٌ، إنفاق المال صبرٌ أداء الصلوات صبرٌ، صيام رمضان صبرٌ، الحج صبرٌ، إنفاق المال صبرٌ، أداء الزكاة صبر، ضبط اللسان صبرٌ. يكاد الصبر أن يكون الدين كله، الصبر يعني أودعت فيك شهوات، وضبطها، من أجل قوة أكبر، هي الله عز وجل. فالذي يرقى بك عند الله هو الصبر، الذي هو ثمن الخلق. لذلك الله جل جلاله، حينما أثنى على النبي، قال: ﴿ وإنك على خلق عظيم ﴾ ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك بالإيمان، والإيمان حسن الخلق، ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا.﴾ هذه الآية موجهةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام، إنه بعين الله، بعين رعاية الله، بعين حراسة الله، بعين حفظ الله، بعين تأييد الله. ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ عين الحفظ، وعين التأييد، وعين النصر، وعين التوفيق وعين التقريب، وعين الإسعاد. ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ قال العلماء: كل مؤمن من المؤمنين الصادقين له من هذه الآية نصيب، على قدر إيمانه، وعلى قدر إخلاصه، وعلى قدر شوقه ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم.﴾ يعني، كن مسبحاً لله، والتسبيح كما تعلمون، التنزيه، والتمجيد والخضوع، التنزيه، والتمجيد، والخضرع. أما أن تقول، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، بقلبٍ شاردٍ ولسانٍ غافلٍ هذا ليس تسبيحاً، التسبيح أن تنزهه عن كل ما لا يليق به وأن تمجده، وتجول في كمالاته، وأن تخضع له في النهاية. ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ بعد أن تدبر، يعني صلاة الفجر. أيها الأخوة الكرام: أساس هذا الدين الصلاة، ومن ترك الصلاة فقد هدم الدين، والخشوع في الصلاة من فرائضها، لا من فضائلها. لقوله تعالى: ﴿ قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ ( سورة المؤمنون: 1 ـ 2 ) فإذا الإنسان قلد النبي عليه الصلاة والسلام وأتبع أثره، وأتبع سنته، له من هذه الآية نصيب، فإنك بأعيننا، يعني أنت بعين الله ترعاك، عين الله ترعاك، وعين الله تحفظك، وعين الله تحرسك، وعين الله تأيدك، وعين الله توفقك، وعين الله تقربك. ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ يعني كلما أردت أن تقوم لعمل، سبح بحمد الله، لماذا ؟ من أجل أن يأتي هذا العمل متوافقاً مع منهج الله، قلت يا الله أنا ذاهب لسوق سبح بحمد ربك، نزهه، ومجده، واخضع له، لا تعقد صفقةً بيمين كاذبة لا تشتري حاجةً لا تنفع المسلمين، لا تبخس من قيمة البضاعة مثلاً إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا كان لهم لم يعثروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا. ﴿ سبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قمت إلى إلقاء درس، قمت إلى عيادتك قمت إلى مكتبك التجاري، قمت إلى مكتب المحامى، قمت إلى أرضك لتزرعها، في ناس بيحطوا هرمونات هذه مسرطنة، تعطي إنتاج غزير، وحجم كبير، وسعر عالي، بس على حساب صحة المسلمين. سبح بحمد ربك حين تقوم، فكر في عظمة الله، فكر في منهج الله فكر في لقائك مع الله، فكر في اليوم الآخر. ﴿ سبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل ﴾ الليل له نشاط، والنهار له نشاط في النهار عمل، وتجارة، ووظيفة، وكسب مال، في الليل في سهرات في اختلاط في السهرات ؟ في ملهيات ؟ في أفلام ؟ في صحون ؟ ﴿ ومن الليل سبحه وإدبار النجوم﴾ يعني كن مع الله نهاراً وليلاً طبق منهج الله نهاراً وليلاً، حاول أن تنزه عملك عن كل معصيةٍ نهاراً وليلاً. أيها الأخوة الكرام قال تعالى ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الصبر لحكم الله، لا الصبر للقوي، ولا خوفاً على سمعة، ولا خوفاً على مال. ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم.﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ول اتهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآيات الأولى من سورة النجم وهي قوله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15)﴾ يعنينا في هذا الدرس، أن نقف عند قوله تعالى، وما ينطق عن الهوى أيها الأخوة الأكارم: معظم الناس غير الملتزمين، غير المؤمنين الصادقين، ينطق عن الهوى، يتحدث وفق مصلحته، يُقوم الأشياء وفق مصالحه، يمدح ما عنده، يذم ما ليس عنده. فأكثر كلام الناس لا يعبأ به، لأنهم ينطقون عن الهوى، أحكامه غير موضوعية تقيمهم غير صحيح، الذي يواليهم يرفعونه إلى أعلى عليين الذي لا يواليهم يضعونه في أسفل السافلين، إذا كان هناك مصالح يتغاضى عن كل السيئات، لم يكن هناك مصالح تكشف كل العيوب. إذاً لاينطق عن الهوى، يعني أضع بين أيديكم، قصة طريفة توضح هذا المعنى. مرة أردت أن أشتري ستائر لبيتي، عندي نافذة في حائط عرضه ثلاثة أمتار، دخلت إلى أحد المحلات التجارية، قلت له: أريد ستارة لهذه النافذة، أما هي في حائط عرضه ثلاثة أمتار، قال لي: أستاذ هذه الستائر لا تبدو جميلةً ولا رائعةً إلا! إذا قست طول الحائط وضربته باثنين وأضفت له متراً يعني ثلاثة ضرب أثنين زائد واحد سبعة، تأتي الستارة جميلة جداً مثناة، قلت جيد، أعطني من هذا الثوب، كله فإذا هو خمسة أمتار، قال لي: أستاذ المطرز على الفرد أجمل بكثير، شاهد واضح، هو الآن ينطق عن الهوى، أراد أن يبع هذا الثوب، قبل أن يعرف طوله أفضل شيء ضعف الحائط زائد متر أفضل شيء، فلما كان الثوب خمسة أمتار، قال لي المطرز على الفرد أجمل بكثير أستاذ ما في نسبة، هو ينطق عن الهوى، ولا أبالغ تسعة وتسعين بالمائة من أحكام الناس وتقيماتهم، وآرائهم، ومقترحاتهم وتمنياتهم، ومشكلاتهم ينطقون به عن الهوى. بيخطب بنتك إنسان بيصير ولي، عالم فهيم، ورع، بينشأ خلاف، بيطلع سافل، واطي، معقول، ينطقون عن الهوى، تقيم موضوعي ما في، أما المؤمن منصف. هذا النبي الكريم، سيد المرسلين، سيد ولد آدم ولا فخر، حبيب رب العالمين، الذي عصمه الله، لا ينطق عن الهوى، أبداً. اسمعوا هذه القصة، سيدنا رسول الله، في معركة بدر، قبيل معركة بدر قال: لاتقتلوا عميّ العباس، فقط ، بلا تعليل، بلا توضيح، بلا تفسير، بلا تعليق، صحابيٌ جليل، عمه العباس في مكة، لم يهاجر عمه العباس مع المشركين، مع علية القوم هناك، عمه العباس مسلم، عمه العباس عينه في مكة، عمه العباس يعطيه كل حركات قريش، وكل قرراتهم، وكل ما يبحثون عن فعله. فالنبي عليه الصلاة والسلام، لو قال عمي العباس مسلم كشف أمره وانتهت مهمته، لو أن العباس لم يشارك في معركة بدر، كشف هو أمر، وانتهى دوره، لو أن النبي سكت، لم يقل لا تقتلوا عمي العباس لقتلوه، إن لم يشارك كشف، وإن وصفه النبي بأنه مسلم كشف، وإن سكت النبي قتل، فقال بشكل موجز لا تقتلوا عمي العباس. أحد الصحابة تأمل، قال أحدنا يقتل أباه وأخاه، وينهانا عن قتل عمه هو ظن هذا تعصباً، أو انحيازاً، أو نطق بهذا عن الهوى، ثم كشفت الحقيقة من أن عمه قد أسلم، وأن المصلحة المطلقة، تقتضي أن يقول لا تقتلوا عمي العباس، من دون تعليق، من دون تفسير، يقول هذا الصحابي الجليل: عشر سنواتٍ وأنا أتصدق، وأستغفر رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله. مستحيل يتكلم النبي كلمة عن الهوى، أما عامة الناس قلما ينطقون عن الحق قلما، كل أحكامهم متعلقة بالهوى، والمصالح. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما وصف التاجر الصدوق الأمين قال الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا. الآن التاجر بضاعته الأولى، وما في منها، وأمتن بضاعة، وما عد يصير مثلها، بضاعة جاره سيئة، درجة ثانية، والخيط صناعي ببخس لو أخذ بضاعة مثل جاره بينعكس الأمر، بينعكس، أكثر شيء، هناك تجارات يعني فيها دجل، وفيها مبالغات، يعني معظم الناس ينطقون عن الهوى، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم، عصمه الله من أن ينطق كلمةً عن الهوى. لذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، من هذه الثلاثة التي هو فيها رجل، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى. النقطة الدقيقة أنك إذا قرأت حديثاً لرسول الله، إياك، ثم إياك، ثم إياك أن تظن أن هذا من عند رسول الله، هو من عند الله، من عند خالق الكون. أضرب لكم هذا المثل، الخروف أمرنا النبي أن نذبحه من أوداجه فقط ، وأن نقطع بلعومه وقصبته فقط، وأن نبقي رأسه، لافي عهد النبي، ولا في مراكز الحضارات في عهد النبي، ولا بعد مئة عام، ولا بعد مئتي عام، ولا بعد خمسة مئة عام، ولا بعد ألف عام، ولا بعد ألف وأربعة مائة عام، هناك حقائق تكشف، ماذا يعني النبي من عدم قطع رأس الذبيحة. قبل سنوات معدودة كشفت الحقيقة، أن هذا الخروف شأنه كشأن الإنسان يتلقى أمراً بالنبض من داخل القلب، القلب في مركز كهربائي ذاتي، يعطي أمر بالنبض، النبض النظامي، ثمانين نبضة أما الأمر الاستثنائي مائة وثمانين نبضة، لا تأتي إلا عن طريق الرأس، لو قطعت رأس الدابة أثناء ذبحها، القلب نبض النبض النظامي، وهذا النبض النظامي لا يكفي لإخراج الدم من الذبيحة، يخرج ربع الدم، أما إذا أبقيت رأسها، جاء أمر استثنائي برفع النبضات، من ثمانين إلى مائة وثمانين، عندئذٍ يصبح لون الذبيحة وردياً، والدم كله خارج الجسم. بعد ألف وخمسة مائة عام، كشف العلم سر هذا الأمر. أقول لكم مرة ثانية، إياكم، ثم إياكم، ثم إياكم، أن تتوهموا، أنه الذي قاله النبي من عنده، الآن هناك من يحلوا لهم أن يقولوا النبي عبقري النبي، مصلح اجتماعي، النبي قائد هو عبقري، إنهم الأنبياء كلهم أصحاب فطانة، إلا أن كل الذي قاله وحيٌ من السماء من عند خالق الكون، تعليمات من الصانع، خبرات الخبير، ولا ينبئك مثل الخبير. لذلك في طبيب في جامعة دمشق، ثلاثين سنة يعارض كل زملائه في الجامعة، كل زملائه في الجامعة يعتقدون أن شرب الماء بعد الطعام مضر، مع الطعام، وبعد الطعام مضر جداً، قال لأن العصارة الهاضمة تتمدد، وإذا تمددت ضعف مفعولها، إلا أن هذا الطبيب المسلم ينطلق من حديث رسول الله، أنه الإنسان إذا أكل، ثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمنا صلبه فإن كان لابدا فاعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، مادام مسموح لك أن تشرب ماء بقدر الطعام أثناء الطعام إذاً هذه النظريات لا أصل لها، هذا الطبيب لا ينطلق من دراسات، ينطلق من حديث رسول الله فقط، قبل سنتين بالتحديد، ظهرت دراسة دقيقة جداً تبين أن شرب الماء مع الطعام، ضروري مع لهضم الطعام، وأن الماء يحث عصارات الهضم على إفراز حمض كلور الماء، وأن الماء إذا تخلخل في الطعام، أمكن هضمه. أنا عبرت عن هذه الحقيقة، بآلة تطحن الحمص، ضع الطحينة والحمض مكربجة، بكاسة ماء بصير شيء جيد جداً. فهذا الطبيب ينطق عن رسول الله، ثبت أخيراً أنه كلام النبي هو الصح وسوف ترون إن امتد بنا العمر، أن كل حقيقة جاء بها النبي، العلم سيصل إليها، شاء أم أبا، وأن النبي معصوم عن أن يخطئ في أقواله وفي أفعاله وأن كل ما قاله النبي حق من الله تعالى. ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس. ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عرفت أنه حق من الله تعالى، وما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيره حتى اقضيها، ولا سرت بجنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآيات الأولى من سورة النجم وهي قوله تعالى:﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ هاتان الآيتان تم شرحهما في الدرس السابق. ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)﴾ الذي يعنينا اليوم، أن النبي صلى الله عليه وسلم، نبيٌ أمي لا يقرأ ولا يكتب، لكن إياكم أيها الأخوة، أن تتوهموا أن الأمية في حق النبي متعلقة بالجهل، أبداً، لأن الله علمه، وإذا كان الله قد علمه فهو سيد العلماء، وضحت هذا بمثلاً سابق. لو زارنا أكبر علماء الفيزياء في العالم، أنشتاين، وضعنا أمامه كتاباً في اللغة العربية، فلم يفق منه شيئاً، حدثناه بالعربية فلم يفهم شيئاً، نقول هذا العالم الكبير، الكبير، الذي جاء بالنظرية النسبية وهي من أخطر النظريات الفيزيائية، هذا العالم أميٌ في اللغة العربية لا يقرأ ولا يكتب. فهل إذا قلنا هذا أمي ؟ معنى ذلك أنه جاهل، أعوذ بالله. الأمية تعني عدم الكتابة والقراءة، إلا أن الله جل جلاله، لحكمة بالغة بالغة بالغة بالغة، جعله أمياً، ليكون وعائه من الوحي فقط، لو كان يقرأ ويكتب، لطلع على ثقافات العصور، في ثقافة إغريقية، ثقافة يونانية، ثقافة فارسية، ثقافة مصرية، لو أنه يقرأ ويكتب لطلع على ثقافات الشعوب، ثم جاء الوحي تداخلت ثقافات الشعوب مع الوحي فإذا تكلم سيُسأل في كل لحظة، هل هذا من عند الوحي أو من عندك شاءت حكمة الله أن يكون نبينا علية الصلاة والسلام أمياً، أي لم يشوش عليه أي ثقافة من ثقافات العصر، فكل معلوماته وكل الحقائق التي نطق بها إن هي إلا وحي يوحى، من وحي الله عز وجل. لذلك الأمية في حق النبي وسام شرف، وفي حقنا وصمة عار نحن ليس هناك وحي يعلمنا، فإن لم نكن نقرأ ولا نكتب، من يعلمنا نبقى جاهلين، فإذا قلت فلان أمي يعني جاهل، أما إذا قلت هذا النبي العظيم أمي، يعني أبعده الله عن ثقافات العصر، وجعل كل علمه من عنده، جعله وحياً يوحى، هذا المعنى. والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، ضل وغوى، الغواية السلوك، والضلال خطأ. الإنسان له عقل وله سلوك، أحياناً يخطئ في أفكاره، يعتقد خطأً يعتقد عقيدةً فاسدة، يتوهم أوهاماً، لا أصل لها، يؤمن بالخرافات يؤمن بالجن، وأثر الجن في حياة الإنسان، الفراعنة توهموا أنه بعد الحياة حياة، في القبر فملئوا الأهرامات بكل ما يشتهي الإنسان، حتى العربات، حتى الطعام، أنا رأيت خبز مقدد من عهد الفراعنة، ستة آلاف عام ، وجدت لحم مقدد بالأهرامات، الذهب الذي يوضع مع فراعنة مصر في الأهرامات لا يقدر بثمن، لكل إصبع غطاء من الذهب لفرعون، توهموا أن في القبر في حياة، وناس توهموا أن هذه الروح خرجت من إنسان ودخلت في حيوان، كلها أوهام، فالإنسان بدون وحي من الله عز وجل، يخطئ. لذلك ماضل صاحبكم ما أخطأ، يعني في شعوب ضالة 750 مليون بالهند يعبدون البقر، 750 مليون، في بوذيين، في سيخ في عُباد الشمس، في عُباد الفرج، في عُباد النار، في عُباد الشهوات. ما ضل صاحبكم وما غوى ما انحرف، في ضلال فكري، انحراف سلوكي، فالنبي عليه الصلاة والسلام، عصمه الله عن أن يضل بفكره وعن أن ينحرف بسلوكه ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى تحدثت عنها البارحة إن هو إلا وحيٌ يوحى. فالإنسان حينما يعتقد أن هذا نبيٌ عظيم، ليس عبقرياً، ولا مصلحاً ولا قائداً، إنما هو نبيٌ، يلقي علينا وحي السماء، لا من أفكاره ولا من تجاربه، ولا من خبراته، ولا من تأمله، ولا من إدراكه كلامه كله لا علاقة له بكل هذا، علاقته بالوحي، هو في الحقيقة أمين وحي السماء، تعريفه الدقيق، أمين وحي السماء، أمين على هذا الوحي، نقله كما هو، أما لو زاد عليه، ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ﴾ ( سورة الحاقة: 44 ـ 45 ـ 46 ـ 47 ) وفي أدلة في السيرة النبوية دقيقة جداً، لما اتهمت السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي أم المؤمنين، بأنها زنت. مثلاً لو أن الوحي من عند رسول الله، بعد دقيقة يصوغ آيةً، يبرئها وتنحل المشكلة، كم يوماً تأخر الوحي ؟ تأخر الوحي أربعين يوماً ! ما معنى، ما مغزى تأخر الوحي في تبرأت السيدة عائشة ؟ هناك معاني كثيرة من تأخر الوحي ! أولها أن الناس كشفوا على حقيقتهم، منهم من أحسن الظن بالسيدة عائشة، ما علمنا إلا خيراً ظنوا بأنفسهم خيراً، ومنهم من فرح بهذه الفضيحة وروجها، وأشاعها بالمدينة، لذلك فرز المؤمنون، بين مؤمنين صادقين، ومنافقين يحبون أن تشيع الفاحشة بالذين آمنوا، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ ( سورة النور: 11 ) أما أهم شيء في تأخير الوحي، أهم شيء، عرف الصحابة أن الوحي لا يملكه النبي، لا يملك له استقداماً ولا يملك له رداً، إذاً هو وحي يوحى مستقل عن مشيئة النبي علية الصلاة والسلام، والذي علمه هو الله والآية موضع خلاف بين المفسرين، بعضهم قال جبريل من جبريل من علم جبريل هو الله عز وجل تحصيل حاصل يعني. ذو مرة فاستوى، المرة القوة، يعني في علم قوي، لا يمكن أن يظهر خطأ منه في المستقبل، وهو بالأفق الأعلى، طيب لماذا علمه جبريل أو علمه رب جبريل، قال لأنه بالأفق الأعلى، من معاني هذه الآية الإشارية، أن النبي عليه الصلاة والسلام يعيش في أفق أعلى وعامة الناس يعيشون في أفق أدنى. شق على صدري إنسان، همه طعامه، همه فرجه، همه شهوته همه أولاده وانتهى الأمر. بينما الأنبياء والصديقين، همهم الناس جميعاً، همهم نشر الحق همهم هداية الخلق، همهم السمو في الناس، إلى رب الناس، هموم منوعة، والمؤمن الصادق أيها الأخوة يحمل هموم المسلمين، يحمل هموم المسلمين، والإنسان التافه يحمل همه فقط. على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم سؤال دقيق الآن، أنت ما الذي يهمك ؟ يهمك أمره بيتك فقط يهمك دخلك فقط، ولا تعبئ بالمسلمين، بعيداً عن سنة النبي، هو بالأفق الأعلى، يسعى لترسيخ الحق، لهداية الخلق. ثم دنا فتدلى، يعني الدنو من الله عز وجل، هو قمة السعادة ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى أعلى درجةٍ وصلها مخلوق فهو سيد الخلق، لا سيد البشر، وصل إلى أعلى درجة وصلها مخلوق على الإطلاق، هو سيد الخلق وحبيب الحق، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو قدوتنا، وأسوتنا، وحياته خيرٌ لنا ومماته خيرٌ لنا، من يفسر مماته خيرٌ لنا ؟ سنته. ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ( سورة الأنفال: 33 ) نحن في بحبوحة أن نعذب، كل واحد منكم إذا طبق سنة النبي في بيته، وسنته في عمله، وفي طعامه وشرابه، وفي إقامته وسفره، وفي أفراحه وأحزانه، وفي كسب ماله، وإنفاق ماله، إذا طبق سنة النبي فهو في بحبوحةٍ من أن يعذب، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وإذا قال الله عز وجل: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ( سورة الأنفال: 20 ) مات، لا، أطيعوا الله في كتابه ورسوله في سنته، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ( سورة النساء: 65 ) وين النبي نحكمه، نتمنى نحكمه، سنته بيننا بحكم سنته، فهو عاش عمر محدد ومات، أما الذي نطق به من الحق بين أيدينا، كتاب البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، والدارمي ، وأحمد، وابن حنبل، كله بين أيدينا. إذاً، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. إخوانا الكرام، قبل أن أنهي الدرس، أقول لكم هذه الكلمة إذا كان من الممكن أن يسعد إنسانٌ بغير الله، فهذا جهل كبير، عندها جنت المأوى، ثم دنا فتدلى، الله عز وجل كيف يدنيك منه ؟ باستقامتك على أمره وعملك الصالح، تستقيم على أمره وتعمل صالحاً، بقربك منه، فإذا اقتربت منه، هذه قمة السعادة. ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. جنتك القرب من الله، ونارك البعد عن الله. يعني ممكن بيت صغير، خمسين متر، ودخل قليل كثير، وأنت قريب من الله تكون أسعد إنسان، وبيت حقه خمسين مليون، ودخل كل يوم مليون، وأنت أشقى الأشقياء، مثلاً. السعادة القرب من الله، والقرب ثمنه واضح، طاعة الله ورسوله والعمل الصالح، فنحن قد يقول قائل، ماذا تعنينا هذه الآيات، تعنينا الدنو من الله، هو الجنة، وتعنينا إن كنت بالأفق الأعلى تحمل هموم المسلمين، فأنت عند الله مقدس، وتعنينا أنك إذا وجدت الله ما فقدت شيئاً، وإذا فقدت الله ما وجدت شيئاً. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآيات التاسعة عشرة وما بعدها في قوله تعالى من سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ نقف عند هذه الآية: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)﴾ الناس فريقان... ؟ فريق آمن بالله، وآمن بمنهج القويم وصراط المستقيم فاتبعوا وسعد في الدنيا والآخرة. الفريق الثاني، لماذا آمن ؟ الفريق الثاني آمن، إن يتبعون إلا الظن، أوهام لا علاقة لها بالواقع. الشيء العلمي، ما طابق الواقع، وما كان الحكم به قطعياً لا ظنياً، ومعه دليل. علاقة مقطوعٌ بها تطابق الواقع عليها دليل. لو لم يكن مقطوعاً بها لكانت وهماً أو ظناً أو شكاً. الشك 50 بالمائة. الوهم 30 بالمائة. الظن 80 بالمائة. لو لم يكن مقطوعاً بها مائة بالمائة، لكانت شكاً أو وهماً أو ظناً. لو لم تطابق الواقع، لكانت جهلاً. من دون دليل لكانت تقليداً. الحق منزه عن التقليد، والحق منزه عن الوهم والظن والشك، والحق منزه عن عدم مطابقة الواقع !!! الحق يوافق النقل الذي هو من عند الله، ويوافق العقل الذي هو مقياس أودعه الله فينا، ويوافق الفطرة التي هي جبلة الإنسان الذي جُبل عليه ويوافق الواقع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ يعني العالم بكمله الخمس قارات معظم البشر الخمس آلاف مليون إنسان، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ 750 مليون يعبدون البقر، كذا مليون يعبدون النار، ملايين يعبدون أهوائهم. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ ( سورة الجاثية: 23 ) الناس رجلان لا ثالث لهما، على الرغم من التقسيمات التي لا تعد ولا تحصى، الشمال والجنوب، والشرق والغرب، الملون والأبيض، المتخلف والمتقدم، الدول الصناعية والدول الزراعية، والدول النامية والشعب الإنكليزي واللاتينية والسامي والآري، تقسيمات لا تنتهي هم عند الله رجلان إنسان عرف الله فأتصل به، وأطاعه، ونضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه وسعد بقربه، واحد. والثاني غابت عنه حقيقة الألوهية، جهلها ولم يطلبها أساساً، تفلت من منهجه، تحرك وفق أهوائه ونزواته، أساء إلى خلقه، انقطع عن الله عز وجل شقي في الدنيا والآخرة. الناس رجلان، بر تقي كريم على الله، وفاجر شقياً هيناً على الله. هذا تقسيم، التقسيم الحقيقي، مؤمن وكافر، مستقيم ومنحرف، صادق وكاذب، أمين وخائن، مخلص وغير مخلص، محسن ومسيء منصف وظالم، متكبر ومتواضع. أبداً، في تقسيم بالأخلاق، فالذي مع الله له خلق، والشارد عنه له خلق، الآية الدقيقة، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ نحن اتخذنا أسماء نحن قلنا فلان كذا وفلان كذا، أعطينه أشياء لا يملكها، اصطلاح محض اصطلاح ما أنزل الله بها من سلطان. يعني إذا أنت، البنزين في قوة اشتعال، في قوة انفجار، لو جبت تنكت ماء كتبت بنزين صار بنزين، يبقى ماء، أكتب على تنكت ماء بنزين 99، هو ماء. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الماء ما في قوة اشتعال، فلما الإنسان يسمي، يتخذ آلهة، وفق أهوائه وفق نزواته، هذه الآلهة أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. طبعاً في العصر الجاهلي، لابد من أن يكون هناك أصنام، لو لم يجدوا حجارة لصنعوا من التمر صنماً، فإذا جاعوا أكلوا، قبيلة عندها صنم رأته أحد صبيحة الأيام مبللاً، فراقبته هناك ثعلب يبول عليه فقال بعضهم: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ضل من بالت عليه الثعاليب ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ نحنا ما في عنا أصنام الآن بس عنا شهوات، الشهوات تعبد من دون الله، الشهوات، يعني شهوة الإنسان، شهوة الطعام والشراب، وشهوة الجنس، هذه أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم تعبد من دون الله. يبع الإنسان في آخر الزمان دينه بعرض من الدنيا قليل، يبع دينه، في آخر الزمان يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبع دينه بعرض من الدنيا قليل، آلاف الدعاوي في قصر العدل اغتصاب بيوت واغتصاب أراضي، وتزوير حقوق، وأيامين كاذبة ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ بقلك الضمير، أي ضمير هذا الضمير ﴿ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ ما في إلا خوف من الله الخُلق إلا لم يكن متصلاً بالدين، لا معنى له، ما في أخلاق اطلاقاً الخلق هو الخوف من الله عز وجل. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ باليابان عندٌ ملك، يعد عندهم آلهاً، هو الميكادو، له طبيب، هذا الطبيب أعتنق دين السلام، السبب ؟ هذا الذي يعد عندهم إلهاً يمرض في عنده خمسين علة في جسمه، آله يمرض، آله يحتاج إلى أدوية ومعالجات، فأحد أسباب إسلام طبيبه، أنه رأى ديناً، لا أصل له ماله أرضيه واقعية. يعني أن أريد لا تعتقد إلا ما جاء بالقرآن الكريم، والباقي ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ وهمٌ وشهوةٌ، ألهه الناس أوهام يعتنقونها لأنها تريحهم، تتوافق مع تفلتهم، وشهوات هي أصل حياتهم هؤلاء الذين شرده عن الله عز وجل، يتبعون أوهاماً تغطي انحرافهم ويتبعون شهواتهم هي أصل حياتهم، وما تهوى الأنفس، أما الذي جاء في هذا القرآن الكريم، ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)﴾ الهدى تنوير الله لهذا الإنسان، معنى قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ( سورة النور: 35 ) يعني الله جل جلاله خلق السماوات والأرض، نورها بالشمس والقمر، ونور الخلق بالتشريع، أنت إذا قرأت القرآن تعرف ما هو حرام وما هو حلال، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما هو حق وما هو باطل ما يجوز وما لا يجوز، لماذا أنت مخلوق ؟ ما فلسفة الحياة الدنيا ؟ ما فلسفة الكون ؟ ما حقيقة الإنسان ؟ ما حقيقة المنهج ؟ هذا كله من تنوير الله لك ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) ﴾ فهنيئاً لمن أتبع الهدى ولم يتبع أهوائه، ولم يتبع أوهاماً، بس هي ضمن العالم الإسلامي، ملايين العقائد الزائغة التي هي محض وهم، السحر على قدم وساق، وأحيان نعتقد بالأولياء اعتقاد شرك، يعني نستجير بهم ونطلب منهم العون وربنا عز وجل يسمعنا وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فالنقطة بدا مراجعات، أيام التاجر يعمل جرد، لابد من جر من العقائد الفاسدة التي تلقاها الإنسان خطأً. من العقائد الفاسدة، أفعل ما تشاء والنبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفع لك، طيب أين قول النبي لأبنته فاطمة (( يا فاطمة بنت محمد أنا لا أغني عنك من الله شئ، لايأتي الناس بأعمالهم وتأتون بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه. )) ماذا نفعل بهذا الحديث، ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾ ( سورة الزمر: 19) ماذا نفعل بعدالة الله (( يقول أمتي أمتي يقول لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، يقول سحقاً سحقا)) فلذلك في أوهام كثيرة ضمن العالم الإسلامي، لابد من مراجعة من هذه الأوهام أنه كل شئ الله عز وجل، الإنسان مسير كلياً فأعمال الصالحة من قدري الله عز وجل وأعمال السيئ من قدري الله عز وجل، ماله ذنب هو، ألقاه في اليم مكتوف الأيدي وقال له إياك إياك أن تبتل بالمائي، بقلك كل ترتيب سيدك، الضلالات والجرائم والانحرافات، الزنى، ترتيب سيدك لا تعترض بتنضرب، أقام العباد فيما أراد ولو المراد فيما يريد، هي عقيدة زائغة، والدليل: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ هذا كلام من، كلام المشركين ﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾ سورة الأنعام:148) ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ( سورة الكهف: 29 ) ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾ ( سورة الإنسان: 3 ) ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ( سورة البقرة: 148 ) آيات كثيرة جداً تؤكد أن الإنسان مخير ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ ( سورة البقرة: 286 ) هكذا، إذا ضمن العالم الإسلامي في آلاف العقائد الزائغة، التي تحتاج إلى تصحيح، وهذه العقائد الزائغة تشل قدرة الإنسان. يعني أصور مجموعة طلاب، أول يوم بالعام الدراسي، وقف المدير بينهم خطيباً وقال: قرأ أسماء، أول يوم بالعام الدراسي، قرأ أسماء هؤلاء ناجحون، آخر العام، وهؤلاء راسبون، آخر العام، انطلقوا إلى الصفوف، ما عاد في حيل حدى يدرس، انتهى كل شئ، أما الإنسان بإمكانه أن يتوب، بإمكانه أن يعرف الله، لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرت لك ولا أبالي، يعني أحاديث كثيرة تبين خطأ هذه العقائد الزائغة. ملخص الدرس اليوم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن: أيها الإخوة الكرام: الآية التاسعة والعشرون، من سورة النجم، وهي قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)﴾ يعني، المسلم إذا أقام علاقة حميمة مع إنسان أعرض عن ذكر الله، سهرة، نزهة، شراكة، زيارة متكررة، وليمة، إذا أقام علاقة حميمة حميمة مع إنسانٍ أعرض عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا هذا الإنسان من شأنه أن يبعدك عن الله عز وجل، وأن يقربك من الدنيا فلآية الكريمة، واضحةٌ جداً، وقطعية الدلالة ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يعني كل علمه في الدنيا، كل علمه في كسب المال، كل علمه في إنفاق المال، كل علمه في متع الحياة، كل علمه في مباهج الدنيا كل علمه في الأطعمة والأشربة، في البيوت، في المتنزهات، هذا مجمل علمه، فإذا صاحبته، وخالطه، وأقمت معه علاقةً حميمة إذا ساكنته، إذا رافقته، إذا دعوته، ودعاك، وأقمت معه علاقةً حميمة هذا من شأنه أن يبعدك عن الحق، وعن طلب الآخرة، فصاحب ساحب، هذا أمر قرآني، وكل أمرٍ يقتضي الوجوب، يجب أن تجري تقيماً لمن حولك. المؤمنون الصادقون المطبقون الملتزمون، هؤلاء تتعامل معهم وتزورهم، وتقيم معهم علاقةً حميمة، لأنهم يذكروك بالله عز وجل لأنهم يعينوك على أمر دينك، لأنهم يأخذوا بيدك إلى الدار الآخرة، لأنهم معوانٌ لك على الشيطان. أما إذا صاحبت أهل الدنيا، ما أقول كافر ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ لم يذكر الله عز وجل، لا يذكره إلا قليلاً، الدنيا أكبر همه مبلغ علمه، منتهى آماله، جُل طموحاته. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ﴾ ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) ﴾ ( سورة الإسراء: 18) لأنه، السيدة عائشة، حينما سئلت عن أخلاق النبي، ماذا قالت ؟ قالت كان خلقه القرآن، هي توجيه، هذه آية بندٌ من بنود أخلاق النبي إنسان لا يصلي، إنسان فاسق، إنسان لا يعبئ بأمرٍ ولا نهيٍ، لا يعبئ بحرام ولا حلال، علاقة حميمة. زيارات، ولائم، نزهات، هذا من شأنه أن يبعدك عن الدين شيئاً فشيئاً، يزهدك في الآخرة، ويرغبك في الدنيا، يدعوك إلى معصية، بشكلٍ أو بآخر، فهذا توجيه إلهي، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)﴾ يعني أحياناً إنسان، يجد نفسه كلما جلس مجلس علم شعر بقربٍ من الله عز وجل، فإذا خالطا الناس، خالطا أهل الدنيا، هذه الروحانية تذهب، هذه الحرارة تفتر، هذا الاتقاد ينطفئ، هذه الرغبة القوية تضعف، هذه العزيمة الصادقة تخور، طيب ما سر خوران العزيمة وفتور الهمة ؟ وانطفاء الاتقاد ؟ ما سره ! أنك خالطا إنساناً من أهل الدنيا، يشكك، يبخس، يطعن، يقلل من قيمة أي دعوة، يتهمها بأشياء هي بريئةٌ منها. ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)﴾ في آية أخرى، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾ ( سورة الكهف: 28) لا تطع، وهذا أكثره في شأن الزواج، يعني بتسأل صديق من أهل الدنيا، خطب بنتك خاطب، دينه رقيق، بقلك عنده بيت ؟ طبعاً ممتاز لا توقف، ما اهتم بدينه، اهتم ببيته، ما اهتم بصلاته، اهتم بدخله ما اهتم بورعه، اهتم بمكانته، فإذا سألت إنسان من أهل الدنيا أعطاك توجيهات ليست في مصلحتك، أما اجلس مع مؤمن، يقول لك قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ ( سورة البقرة: 221) فالإنسان اجتماعي بالطبع، إذا كان الطقم يلي حوله، متفلت، من أهل الدنيا، تولى عن ذكر الله، لم يرد إلا الحياة الدنيا، هؤلاء الذين حولك يثبطون عزيمتك، يضعفون همتك، يضعفون رغبتك يشككون يطعنون، يهونون أمر المعصية، يعظمون أمر الدنيا، هذا توجيه، نحن نتقوى ببعضنا بعض، المؤمن خالطه، وأكله، شاربه سافر معه، شاركه، المؤمن يعينك على أمر دينك، يأخذ بيدك إلى الله، يحصنك من المعصية، ينصحك، كلما عثرت قدمك، ينهضك قال ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ هذا علمه. يعني واحد كل علمه في الدنيا، لاحظ أنت من أهل الدنيا، إن حدثته عن الله، بقلك عدم المآخذ بنام، قل له عن أسعار العملات، بتلاقيه صحيان، بيعطيك معلومات دقيقة جداً، أسعار البيوت، أسعار العملات، الوضع العام، شو سمعان أخبار، بتلاقيه نشيط، قل له قال الله تعالى: بتلاقيه صار يبكي، ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فأنت تحتاج لإنسان يلهبك في الدين، يقويلك عزيمتك، يشحنك شحنة قوية، يزهدك في الدنيا، يرغبك بالآخرة بدك إنسان يأخذ بيدك إذا عثرت، لا أن يجلس فوقك إذا عثرت ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) ﴾ الله عز وجل هو وحده يعلم خبايا الأمور، يعلم طوايا النفوس يعلم حقيقة الإنسان، يعلم ما ينطوي عليه، من خيرٍ أو من شرٍ، من هدىً أو من ضلال، إن ربك هو ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)﴾ لذلك الصاحب ساحب، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي. )) إذا كان صاحبت مؤمن، وفتت لبيته يا الله خذوا طريق، لا ترى زوجته أبداً، لا ترى بناته، بقلك أستاذ العصر مصليه، لا والله، تقوم نصلي سوى، يا عيني ذكرك بالصلاة، طيب بدي أتوضأ، شو عليه سهل، أعانك على الوضوء، صليت معه، لو أقمت علاقة مع إنسان بعيد عن الدنيا، الصلاة مو داخلة بحساباته إطلاقاً، بتجمعهن سوى، بقلك بتجمعهن سوى، لو طلبت أن تصلي بتجمعهن سوى، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)﴾ إخوانا الكرام: من سعادة المرء في الدنيا، أن يكون له إخوان مؤمنين طيبين طاهرين، ينصحونه، يعاونه، يأخذون بيده إذا عثر يتفقدونه، يزورونه، يعودونه، يعينونه، هذه من سعادة المؤمن في الدنيا، لذلك الإيمان لا ينجح إلا بمجتمع إيماني. الآن المؤمن لوحده وحوله فسقة، وأهل دنيا، حياته صعبة جداً الكل ضده، لذلك أنت مكانك الطبيعي، بيجلس بقهوة، أخي قهوة هي قهوة، أنت زوجتك محجبة، هون غير محجبة، وفي غناء، هذا المكان ليس لك، هذا المكان ليس لك، أنت لك مكان آخر، مكان طاهر نظيف، من أجل الحفاظ على نقائك، وعلى صفائك، وعلى طهارتك يجب أن تختار البيئة المناسبة لك، بيئتك المناسبة بيئة مؤمنين، بيئة طهر ونقاء، وصفاء. أما ما دام في علاقات حميمة، مع أهل الدنيا، مع من أعرض عن ذكرنا، مع من لم يرد إلا الحياة الدنيا، فأمر الدين صعب جداً. في تراجع دائماً، لأنه مثبيتات، تشكيك، إضعاف همة، تزهيد بالآخرة، تحبيب بالدنيا، هذه الآية، هذه من أخلاق النبي، إنسان فاسق فاجر، ما بيصلي، غرقان بالمعاصي، مالك علاقة معه، إذا في قرابة نزوره في العيد مرة، نزوره في المناسبات فقط، من أجل صلة الرحم، أنا قلت علاقة حميمة، علاقة زيارات متكررة، علاقة نزهات علاقة ولائم، علاقة شراكة، علاقة سفر، هذه لا تصح إلا للمؤمن، والإنسان قوي بأخوة، ضعيف وحده، وضعيف جداً مع بيئة مناقضة له، ضعيف جداً بصير، لأنه كل الناس ضده. مرة يعني سألني آخ شو السر ؟ بالدرس في حال عالي، بالبيت نعود إلى ما كنا عليه، قلنا له بدنا تشوف من أصحابك ! من أقرانك من أصدقائك ! هؤلاء، يجب أن تبحث عن مستوى أرقى، أن تعيش معهم أن تقتبس من علمهم، من أخلاقهم، من أحوالهم، من أدبهم من هنا قال ابن عطاء الله السكندري: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ويدلك على الله مقاله. تحتاج إلى صاحب، إن تكلم استفدت من علمه، وإن عاملك استفدت من معاملته، وإن أحببته استفدت من حاله. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الرابعة والعشرون، والخامسة والعشرون، من سورة النجم وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25)﴾ هذا سؤال هو استفهام إنكاري، أي ليس للإنسان ما تمنى الإنسان يتمنى، يخطط، يبرمج، يفكر، يطمح، لكن أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، أبن آدم إذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وأن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، بمعنى، أن لهذا الكون قوانين، وأن لله سنن لخلقه، هذه السنن وتلك القوانين، إن آمنت بها أو لم تؤمن، إن سعدت بها أو لم تسعد إن رضيت بها أو لم ترضى، إن أعجبتك أو لم تعجبك، هي نافذة عدم إيمانك بها لا يعطلها ! عدم إعجابك بها لا يلغيها !. أضرب لكم هذا المثل: الأجسام حينما تسقط لها قانون، لو أن الإنسان يركب طائرة، وأراد أن يهبط منها، أن تأدب مع قانون السقوط، أستخدم المظلة، وأن لم يعبئ بهذا القانون، وأحتقر هذا القانون، ولم يرضى بهذا القانون، وأنتقد هذا القانون، وألقى بنفسه من دون مظلة، هل يلغى القانون ؟ ينزل ميتاً ! فالقانون مطبق عليه شاء أم أبى ! أحب أم كره ! أعجبه أو لم يعجبه !. ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25)﴾ ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء: 123 ) الإنسان بخطط، قال لي رجل: زرته في دائرته، في مكتبه مدير ثانوية كان ! قال لي أنا إن شاء الله: بعد عام سأقدم طلب لأنتقل لبلاد الغرب ؛ أعمل هناك في التدريس، خير إن شاء الله ! وقال لي وسأبقى خمس سنوات، خير إن شاء الله ! ولن أتي إلى الشام في الصيف ! خير إن شاء الله ! وسأطوف البلاد الغربية ! عامٌ في فرنسا وعامٌ في إنجلترا، وعام في إسبانيا، وعام في إيطاليا، وسأطلع وسأتفهم أحوال البلدان، وتراث وثقافتها ومتاحفها وأحوال أهلها ومقاصفها الجميلة وريفها ومدنها ومكتباتها، طيب، وسأعود إلى الشام بعد خمس سنوات ! أفتح محل تجاري ! أضع فيه التحف، هذا بضاعة لطيفة جميلة، وسوف يكبر أولادي، إلى آخره، وأن انصرفت من عندها بعد ساعة، وذهبت إلى عملي، ثم ذهبت إلى البيت ظهراً وعدت إلى عمل آخر مساء، وأنا في طريق العودة إلى البيت، والله الذي لا إله إلا هو، رأيت نعوته على الجدران !. ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) ﴾ الإنسان بتمنى يعيش مائة سنة، بتمنى يبني قصر جميل، يقتني أجمل مركبه، يزوج أجمل امرأة، هذا بتمنى، بس الله عز وجل: أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد !. أبن آدم إذا سلمت لي فيما أريد ؛ كفيتك ما تريد، وأن لم تسلم لي فيما أريد ؛ أتعبتك فيما تريد، ثم لايكون إلا ما أريد !. فأنت تتحرك بمشيئة الله، وبقوة الله. يعني تصور، سيارة كهربائية في مدينة الألعاب، صاحب هذا المكان، بيده حركه، إذا رفعها انقطعت الكهرباء، وتوقفت كل هذه السيارات، فمشية راكب السيارة من أين مشيئته ؟ من الذي أعطى هذا المكان الكهرباء ؟ لو قطع الكهرباء توقفت السيارة. فنحن نعيش نسلم، نمرض، نغتني، نفتقر، نسعد، نشقى، نسافر نقيم، نعطي، نأخذ، بمشيئة الله، لا بمشيئتنا. ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) ﴾ لك أن تختار، والله سبحانه وتعالى، يسيرك لما اخترت أولاً ، ويسيرك لدفع ثمن اختيارك ثانياً، يعطيك القوة كي تحقق اختيارك، وبعد ذلك، يحاسبك على اختيارك. لو أن إنسان اختار، أن يغش الناس، أو أن يكذب عليهم. امرأة تعمل في المحاماة، لها أخ شقيق، سألته، أتشترك معي في بيت تعاوني. القصة قبل خمس وعشرون سنة، فوافق الأخ، أخوها عند أربعة عشر ولد، وافق ودخل معها في هذا البيت شراكة ؛ البيت باسمها لأنها محامية، وهو شريكها في الدفع، دفع نصف ثمن البيت عداً ونقداً، وسكن هو في جانب وهي في جانب، ومضى على هذه الحادثة عشرين عام. قالت له يا أخي: إما أن تأخذ هذا المليون، وتخرج من البيت، أو أن أخرجك منه قصراً ! البيت ثمنه 18 مليون ! أشتروا بـ 500 ألف ! ثمنه 18 مليون. قالت له: إما أن تأخذ مليون أو بطالعك أنا ؛ هي محاميه، توسل إليه رجاها أنا أخوكي، دفعت نصف، أبداً، بالأسم بالسجلات مالك، كله بأسمها، أحد أولاده، أخ عندنا في المسجد، حدثني بما فعلت معه عمته، من دون رحمه، عنده أربعة عشر ولداً، الطريق صار مسدود تمكنت أن تعقد عقد إيجار صوري لإنسان قوي، وأخرجه من البيت وتسلمت البيت وحدها، الأولاد نصفهم عند جدتهم، ونصفهم عند جدهم لأبيهم، والأغراض في المستودعات، الأسرة تشتت، هذه قصة وقعت أيها الأخوة، جاءني أحد أولاده، وهو أخ لنا في المسجد، قال لي عمتي مريضة بالسرطان ! خير إن شاء الله، أنا أعلم أن هذا المرض يمتد سنتين، بعد شهر، قال توفيت ! هل بالإمكان أن تأتينا لتقي كلمة ذهبت إلى البيت، وألقيت فيه كلمة، من وريثها الوحيد أخوها وأولاده عادوا إلى البيت، أم للإنسان ما تمنى، لا ! الله قهار ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾ ( سورة البروج: 12 ) والذي لا يخاف الله أحمق ! وغبي !. شهر لعنها الله، ولعنتها الملائكة، ولعنها الناس أجمعين، وعاد أخوها إلى البيت ؛ مالكاً له بكامله، لأنه وريثها الوحيد ! ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) ﴾ يعنى لا تخطط خلاف المنهج، لا تخطط وتبني التخطيط على عدوان، لا تغتصب شيء ليس لك، لا تأخذ ما ليس لك لا تبني مجدك على إنقاذ الآخرين، لا تبني غناك على إفقارهم، لا تبني سعادتك على شقائهم، لا تبني حياتك على موتهم، لا تظن أنك تفعل ما تريد، الله وحده فعال لما يريد، أنت أريد وأنا تريد والله يفعل ما يريد، ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) ﴾ الإنسان يتمنى أن يفعل كل شيء، أن يأكل كل شيء، أن يسافر إلى أي مكان، بس ما الذي يحصل، لا يسمح الله لك من الدنيا إلا بالقدر الذي أعطاه إياك، وبحسب استقامتك. ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ( سورة الجن: 16 ـ 17 ) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ( (سورة المائدة: 66 أيها الأخوة الكرام: القصد من هذه الآية إياك أن تخطط وتبني هذا التخطيط على ظلم الناس، إياك أن تخطط لمستقبلك على حساب أصحاب الحقوق. أنا كنت عند أحد الأقرباء، في أحد الأعياد، قال: له جار يعني تزوج شابةً في سن بناته، أحبها وأقنعته أن يطوب البيت باسمها فستجاب لرغبتها، ثم استطاعت أن تقنعه، أن يسجل المعمل باسمها فستجاب لها، ثم طردته من البيت وتزوجت شاب تحبه، وبيدها المعمل، صار يبكي ؛ صار في الطريق. قال لي قريبي: هذا الذي حدث، قلت له هذه قصة أنت لا تعرف بداياتها، نبهته إلى شيء لم تكن بالحسبان، قال إي والله ! قال هذا أحد خمسة أخوة ؛ ورثوا مالاً طائلاً عن أبيهم، استطاع هذا الأخ الأكبر، أن يأخذ كل المال له، وأن يحرم أربعة إخوة له من هذا المال فسلط الله عليه امرأةً سلبته كل شيء. ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) ﴾ الأمر بي الله عز وجل وهناك آلاف القصص، ومئات ألوف القصص، وملايين القصص التي تؤكد هذه الحقيقة. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء: 123 ) تمنى ما شئت وخطط ما تشاء ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ ( سورة الزخرف: 79 ) ذهب إنسان ليشتري صوف من البادية، والله حدثني هذه القصة بنفسه له أبٌ محترم جداً، مستقيمٌ جداً، يعني تقدمت به السن فوكل ابنه، أن يتابع العمل من بعده، فهذا شاب جاهل، فصار يزن الصوف ويعطي رقماً أقل، فهذا البدوي ما سمع غرامات، ثمانية عشر كيلو وسبعمائة غرام طار عقله ! قال والله هالزين، زين ! سمع غرامات، ما سمع غرامات بحياته، بس هيه الجزة خمسة وعشرون كيلو ؟ ليست ثمانية عشر ! قال له ثمانية عشر وسبع مائة غرام، بعد أن انتهى، شعر أن الكمية لا تتناسب مع المبلغ، أدرك بخبرته، قال له إن شاء الله تلكاها بصحتك إذا لعبت عليّ، قال لي: حملت هالصوفات ومشيت، صار معه صراع، ارجع أدفع له، ما ارجع أدفع له، أمشي ارجع، حاسبه ثاني مرة، دخلت بصراع، قال لي من مكان شراء البضاعة لضمير، قال لي بالضمير أخذت قرار، قلت حط بالخرج شو صار، قال لي والله ما كملت هذا الخاطر إلا وجدت نفسي وصت بركةٍ من الدماء ! تدهورت السيارة ! وتناثر الصوف، وسال السمن الذي اشتراه، وكسر الميزان، وهو وصت بركةٍ من الدماء وعرف ذنبه، هو ماذا فعل ؟ تنمى أن يأخذ هذا الصوف بأقل ثمن فلم يزن ميزانه صحيحاً، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ ( سورة الفجر: 14 ) ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ﴾ ( سورة الزخرف: 79 ) أنت هكذا اتخذت قراراً ماشي، ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ فلاح أعطوه عشرين دنم، من أموال إقطاعي، هذا كاد يطير فرحاً ! له شيخ بالشام. قال له: يا سيدي أعطوني عشرين دنم والحمد لله، صرت صاحب أرض. قال له: هذه الأرض مغتصبة، لا يجوز أن تأخذها، أعوذ بالله، كل هذه السعادة طفئت، كل هذا الفرح انتهى. قال له حرام: اذهب إلى صاحب الأرض، وحاول أن تشتريها منه تقسيطاً، فذهب إلى صاحب الأرض. قال له ياسيدي: أنا أعطوني أرض من أراضيك، وأنا ما عندي ثمنها إذا كان بعت أساور زوجتي ودفعتها لك. قال له: يا ابني أنا راح لي أربع مائة دنم ما نفد لعندي ولا واحد، إلا أنت، هذه هديه لك، ازرعها و اتهنى فيها، لك هذه، هدية مني لك هبا، هو أراد طاعة الله، بس أراد، وسئل شيخه. قال له: يا بني، الأرض اشتريها شره، ألقى في قلب صاحب الأرض أن أعطها له هبةً، الآن زرعها حلال. الإنسان أيها الأخوة، لا تتمنى المعصية، لا تتمنى أن تأخذ ما ليس لك لا تتمنى أن تغتصب أموال الآخرين، لا تتمنى أن تحتال عليهم، لأن الله كبير، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ ( سورة الفجر: 14 ) عليه زكاة مال إحدى عشر ألف وخمسمائة وستين، زوجته أقنعته أنه الآن بلا زكاة مال، بدنا اندهن البيت، دهنه عنده مركبة عملت حادث، صلح وجلس، وبخ، واشترى قطع، طلعوا إحدى عشر ألف وخمسمائة وستين، ما طلعت ربحان شي ﴿ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) ﴾ الآية معناها، ليس بأمانيكم، ولا بتخطيكم، ولا بأهدافكم، ولا ببرمجتكم، بمشيئة الله، وقدر الله، وفعل الله، وإرادات الله. لذلك أنت لا تنجوا من الله إلا بطاعته، لا تنجوا منه إلا بطاعته، فإذا عن طاعته. إخوانا الكرام، من ابتغ أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجى، وأقرب مما اتقى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والثلاثون من سورة النجم وهي قوله تعالى:﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ أيها الأخوة الكرام: حينما توقن أن المحسن لابد من أن يكافئ على إحسانه ؛ من قبل الله، والمسيء لابد من أن يعاقب على إساءته، ولا يمكن أن يتفلت من هذا القانون أحد، عندئذٍ تستقيم. يقول الله عزوجل: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني هذا الكون ملك الله، هو مالكه، هو مالك الملك، مالكه خلقاً ومالكه تصرفاً، ومالكه مصيراً، خلقاً وتصرفاً، ومصيراً. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ ( سورة هود: 123 ) ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)﴾ ( سورة هود: 123 ) ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ ( سورة الأعراف: 54 ) ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ ( سورة السجدة: 4 ) ﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾ ( سورة الكهف: 26 ) ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ ( سورة فاطر: 2 ) هذا هو الإيمان. الأمر كله بيد الله، هو المعطي، هو المانع هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، هو المصح، هو الممرض، هو الرزاق، هو القابض. إن أيقنت أن الله بيده كل شيء، هذه واحدة، وأنه سيجازي المسيء وسيكافئ المحسن، ماذا بقي أمامك ؟ إلا أن تستقيم على أمره. إنسانٌ أحياناً، شخص من بني البشر، قويٌ جداً، يفعل ما يقول، لن تستطيع أن تتفلت من علمه، ولا من قبضته، تطيعه في النهاية، إنسان عادي تطيعه، ما في حل، لابد من أن نطيعه حتى ننجو منه. أما ربنا عز وجل خالق السماوات والأرض، قال لك: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمناسبة السماوات والأرض مصطلحٌ قرآني، يعني الكون، والكون ماذا يعني ؟ ما سوى الله، الله فوق الخلق فيها وحده، ما سوى الله هو الكون، بالقرآن السماوات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مالكم لأنه خلقهم ويتصرف بهم وإليه مصيرهم، ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ هذه اللام لام التعليل، يعني هو خلقنا ليجزينا أيام الإنسان، دقيقة هذه الفكرة، تقيم وليمة أنت، تدعو فيها عشر أشخاص، يطرق الباب فجأةً، يأتيك زائر على غير موعد، تقول له تفضل، كل، هو أكل، مع من أكل، لكنه ليس المقصود في بهذه الدعوة، أكل عرضاً، أما هذا الذي دعوته، ورجوته، وأرسلت له بطاقة، وجعلت الدعوة على شرفه، شيء آخر، هذا أكل، وهذا أكل لكن هذه الوليمة على شرف فلان. يعني أحيان، الله خلق السماوات والأرض، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ويعاقب الذين أساءوا بالسوء، لكن هنا الآية وضع ثاني ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ﴾ يعني علة خلق السماوات والأرض، أن يكافئ المحسن، ويعاقب المسيء. لذلك قالوا إن لكل حسنةٍ ثواباً، ولكل سيئةٍ عقاباً، ماذا يفهم بعد هذا الكلام ؟ يفهم أنه من سابع المستحيلات ! أن يتساوى المسيء والمحسن والمؤمن والكافر، والمستقيم والمنحرف، والصادق والكاذب والمخلص والخائن، والمنصف والجاحد، مستحيل، بل أن هناك فكرةٌ أخطر ! أن يستوي المحسن والمسيء، والمؤمن والكافر، والمستقيم والمنحرف، هذا يتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود الله وإما أن تؤمن بالعبثية، إذا في إله ما في عبثية، ما في إله في عبثية عبث، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ ( سورة المؤمنون: 115 ) بلا هدف، ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾ ( سورة الدخان: 38 ) ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ( سورة ص: 27 ) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾ ( سورة المؤمنون: 115 ) ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾ ( سورة القيامة: 36 ) يعني ممكن تعمر بناء يكلفك مئات الملايين، ويستغرق عشرات السنين بعد أن ينتهي تهدمه، نقول هذا عبث. الله عز وجل يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) ﴾ ( سورة المؤمنون: 115 ـ 116 ) لا يليق بالله أن يخلق الإنسان عبثاً، ولا يليق بكمال الله أن يتركه سداً ولا يليق بكمال الله أن يخلق الخلق لعباً. إذاً: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ أيها الأخوة الكرام: الإنسان متى يعصي الله، أو متى يتفلت من منهجه، إذا لم يكن متأكداً أن المحسن سيكافئ، والمسيء سيعاقب، أما إذا تأكد أن لكل حسنةٍ ثواباً، ولكل سيئةٍ عقاباً، يستقيم. هل هناك آيات تدعم هذه الآية ؟ استمعوا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ معقول ! في الدنيا ـ ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾ في الدنيا ! في الآخرة مفروغ منها هي، بديهية في الآخرة، في الدنيا ! ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ ( سورة الجاثية: 21 ) طيب ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ ( سورة السجدة: 18 ) ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ ( سورة القلم: 35 ـ 36 ) ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾ ( سورة القصص: 61 ) إخوانا الكرام: هي آيات، إن أيقينتم بها لا يمكن أن تعصي الله، كل شي بحسابه هلق قالت لك المالية، بتدفع أول شهرين، في خصم بالمياه عشرة بعد شهرين بالمياه خمسة، بعد بشهرين ما في خصم، بعدين في غرامة انظر إلى أبواب وزارة المالية، كيف أن الناس، يقول لك وفرت ستين آلاف، أنا أولى فيهن، يعني بلاغ بسيط بس موقن، إذا دفعت الآن في حسم بالمائة عشرة، بعد شهرين بالمائة خمسة، بعد بشهرين ما في حسم، بعدين في غرامة، بعدين تصل الغرامة للعشرة بالمائة، إذا أيقنت أن هذا الذي أصدر هذا القرار يفعل ما يقول، بتلاقي رأساً. إذا إنسان استورد بضاعة، وفي ورقة تذهب إلى المالية، من الجمرك إلى المالية، وقدم ميزانية، فيه يغفل هذه الصفقة، عندئذٍ تهدر حساباته كلها، طيب مع إنسان مع بشر، مع بشر، ما دام عرفان كله مضبوط، صعب تنفد، بتلاقي تنضبط، كيف مع خالق البشر ؟: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ لاحظ مؤمن مستقيم، حياته، زواجه عمله، دخله، صحته، مكانته، كإنسان غير مستقيم. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) ﴾ ( سورة البقرة: 161 ) هؤلاء ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (17)﴾ ( سورة الجن: 17 ) من عذاب لعذاب، فأنت إذا أيقنت أن المحسن سيكافئ، والمسيء سيعاقب، تستقيم على أمر الله تماماً، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ملك خلقٍ، وملك تصرفٍ، وملك مصير، وكل ما سوى الله بيده، علة خلقنا، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ من هم الذين أحسنوا ؟ هذا إلى الغد إن شاء الله. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والثلاثون من سورة النجم وهي متصلةٌ بالآية السابقة. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴾ من هم الذين أحسنوا: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾ أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام: وقوله هذا يلقي ضوءاً على هذه الآية: ﴿ لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ﴾ ويقول عليه الصلاة والسلام، إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم. هناك أعمال يفعلها المسلم، لا يلقي لها بالاً ؛ هي التي تحجبه عن الله يعني بيت فيه براد، في مروحة، في مكيف، في مكواة، في مسجلة في فرن، وفي أجهزة كثيرة جداً تعمل على الكهرباء، لو أنك قطعت التيار الأساسي، ميلليمتر، أم متر، مثل بعضها، الأجهزة كلها معطلة، لو أنك باعدت بين وصلتي تيارٍ أساسي، ميلليمتر، أو عشرة سانتي، أو مائة سانتي، المهم أن التيار انقطع. فهناك مسلم تحجبه صغيرة، وهناك مسلم تحجبه كبيرة، فهل يعقل أن يحجب الإنسان عن الله وقد ترك الكبائر، وحجبته الصغائر، إنه عندئذ خاسرٌ أشد الخسارة، لو أن الإنسان قاتل، أو شارب خمر، أو زاني أو سارق، ومحجوب له أعمال تساوي حجبه، أما مصافحة، وإطلاق بصر، وحفلة مختلطة، عما يعدها صغائر هذه، إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم يعني لن يقوم بالعالم الإسلامي، وثنية بعد الإسلام، مستحيل ! أما في آلاف الصغائر التي يفعلها المسلمون، وهم محجوبون. أضرب لكم مثلاً يوضح لكم الحقيقة، طريق عريض، مستقيم على يمينه وادي سحيق، وأنت تقود مركبةً على هذا الطريق ؛ الصغيرة حرفت المقود درجة واحدة، سانتي واحد، أنت في منتصف الطريق على اليمين عشرة أمتار، وعلى اليسار عشرة أمتار، وعلى اليمين وادي، وعلى اليسار وادي، حرفت المقود سانتي واحد ! هذه صغيرة لماذا هي صغيرة ؟ لأن تعديلها يسيرٌ جداً، حركة أخرى تعيد المركبة إلى وسط الطريق، أما هذا السانتي لو ثبته، على الوادي، كالكبيرة الكبيرة حرف تسعين درجة فجأةً، سلت بالوادي، الصغيرة سانتي واحد، بس ثابت، هذا السانتي الثبت في النهاية على الوادي، لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. فيا أيها الأخوة الكرام: يعني من الغبن الفاحش، من الغباء الشديد، أن تضحي بتصالك بالله عز وجل من أجل صغيرة، أنت الكبائر تركتها، هذه الصغائر دعك منها، هي التي تحكم الصلة بالله عز وجل، يعني بقل لك أنا ما بسرق بقل لك ما أحلاك تسرق، أنا ما بزني، ما بشرب خمر، شي بديهي واحد من رواد المسجد يحضر مجلس علم، الله أنعم عليه بالإسلام وهداه بالإيمان، بيسرق مستحيل ! بيزني مستحيل ! بيشرب خمر مستحيل ! بيقتل مستحيل ! ما الذي يحجب الناس عن ربهم ؟ هذه الصغائر، لا صغيرة مع الإصرار، لا كبيرة مع الاستغفار. أنا أسألكم بربكم ؟ لو إنسان أطلق عينه إلى هذه الشاشة التي في كل بيت، واستمتع بما يراه، وأذن العشاء، وقام ليصلي، هل يستطيع أن يتصل بالله ؟ إذا بيقدر ! أنا غلطان بكون، وإذا ما بيقدر معنى هذه النظرة، إلى امرأةٍ في الشاشة، ملئ عينية من محاسنها، لن يستطيع بعدها أن يحكم اتصاله بالله، هذه صغيرة، فيما يبدو له صغيرة، هي حجبته كالكبيرة، تذكروا هذا المثل، فصل طرفين التيار، ميلي، أو سانتي، أو عشرة سانتي، أو متر، مادام انفصل كل الأجهزة واقفة، تعطلة. لذلك هذا الدين، لا يفلح به الإنسان إلا إذا أحاطه من كل جوانبه، أحاطه، قال: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ ما اللمم هنا ؟ اللمم خاطر ألم بذهنك، لم تفعله، ما في مشكلة، هذه لا تحاسب عليها، أي خاطر، لو شبح معصية، واحد تصور نفسه يفعل معصية، بس ما فعلها، ألمت به خاطرة، لا ترضي الله، استعاذ بالله منها وانتهى الأمر، هي اللمم، أو أنه فعل خطيئةً ولم يعلم أنها خطيئة، توبته سهلةٌ جداً، إما أن خاطراً ألم بذهنه، واستعاذ بالله منه أو أن ذنباً صغيراً فعله وهو لا يدري، فلما علم أنه ذنب، استغفر الله عز وجل، العبرة شيءٌ ألم بذهنك ولم تفعله، أو شيءٌ فعلته، ولم تكن تدري أنه معصية، الاستغفار سريع جداً، وسهل جداً، والصلحة بلمحة، أما حينما تعرف أن هذه مخالفة وتفعلها أنشأت حجاباً بينك وبين الله، والأشقياء هم الذين يكثرون الحجب بينهم وبين الله، كل معصية حجاب، فإذا كثرت هذا الحجب، كان الران، الران ظلام يغلف القلب ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾ ( سورة المطففين:14) من ترك الجمعة ثلاث مراتٍ من غير عذرٍ نكتت نكتتٌ سوداء في قلبه، نكتت نكتتٌ سوداء في قلبه، هذا الدرس المتواضع شحنة، شحنة روحية، الإنسان عليه أن يشحن روحياً باستمرار، بقلك أخي أنت اشتريت سيارة، كل أسبوع بدك تعبيها بنزين، حاجة مرة وحدة يا أخي، شو مرة وحدة، كل أسبوع بدك تعبيها، وإلا بتوقف، تصبح عبئ عليك، إن أردتها أن تمشي بدها تعباية، هذا الشحن. مرة أهديّ لي بيل، بيل ينشحن بالكهرباء، حينما أنساه ولا أشحنه وأطر إلى استعماله، نايص، قلت وكذلك المؤمن الذي يضعف شحنه ولما أنساه بالشحن، وأستخدمه كالشمس، قلت وكذلك المؤمن الذي يكثر شحن نفسه، فدرس علم يعطيك شحنة، يقربك من الله، يحملك على طاعة الله، يذكرك بالآخرة، يذكرك بالموت، يذكرك بالعمل الصالح، يذكرك بالصدقة، يذكرك بغض البصر، يذكرك بضبط اللسان، نحن، وأنا معكم والله، أنا أحتاج إلى شحنات كما أنتم محتاجون، نتعاون نحن، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ( سورة المائدة:2) والتقوى صلاح الآخرة. إذاً: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ خاطرٌ ألم بك أما بعض إخوانا الكرام، المتساهلون، بقلك النظرة لمم، أعوذ بالله والقبلة لمم، شو بقى لكن، فإذا كل المعاصي لمم، ما هذا الفهم للمم ؟ فهم مضحك هذا الفهم، خاطر ألم بذهنك واستعذت بالله منه، لا تحاسب عليه، ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)﴾ سورة الأنعام:54 ) ما في مشكلة، مالك عرفان، ثم علمت أنه معصية، استغفرت الله، اللمم يعني خاطر ألم أو ذنب لا تعلمه ذنباً، أما تعلم أنها معصية، وأنها تخالف السنة وتفعلها عن تصميمٍ وقصدٍ وإرادة، وتقول هذه من اللمم، لا والله هذه صغيرةٌ أصررت عليها، إن وافقناك على رأيك، إن سميناها صغيرة كما تريد، هذه صغيرةٌ أصررت عليها، ولا صغيرة ومع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ لا تحاول تظهر بمظهر أكبر من حجمك، لأن الله يعلم الحقيقة، لأن الله كاشفك، لأنك مكشوفٌ عند الله. الإنسان لا يحاول يظهر بمظهر أكبر من حجمه، إيام بتلاقي لابس كلابية بيضة ومسبحة بيده، ومسواك حاطه، رايح عالجمعة يصلي وين كنت مبارح سهران الخميس حتى الساعة الواحدة بلليل الله أعلم لاتظهر بمظهر التقي والورع، وأنت لست كذلك، لا توهم الناس أنك محسن كبير. قال لي والله يا أستاذ الله أكرمنا وزوجناها وحدة أمريكية وعمرها ستين سنة، لعلي أن أهديها إلى الله عز وجل، قلت له: قول ميشان كرين كارت أخذتها، ميشان الإقامة أخذتها، مو ميشان تهديها إلى الله عز وجل، لا تعمل تلبسة وزعبرة، ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الله كاشفك الله يعلم الحقيقة تمام، أنت تواضع أنت قول يا رب أقبل عملي، يا رب استرني، يا ربي خذ بيدي إليك يا ربي دلني بك عليك، دلني على من يدلني عليك، خليك بالحجم الطبيعي. قال: سيدنا عمر عملاق الإسلام، عملاق الإسلام، لو كان نبي بعدي لكان عمر، عمر محدث حدثه الله عز وجل، لأن آيات كثيرة جاءت مطابقة لما يقول، وسيدنا رسول الله أعطى سيدنا حذيفة أسماء المنافقين، قال له يا حذيفة بربك اسمي معهم، شفلي اسمي معهم، هذا هو الخوف من الله. قال والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لما لم تصلح لها الطريق يا عمر، لو أن الله أنزل أنه معزب واحداً لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل أنه راحمٌ واحداً لرجوت أن أكون أنا، أنت بين الأمل والرجاء، ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم﴾ لاتعمل مظاهر، لاتعمل مظاهر دينية، بحط مصحف بالسيارة، ما في مانع حطه، بس لا تعمل مخالفات وواضع المصحف، تكتب: ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ ( سورة الفتح: 1 ) بالمحل التجاري، ودجل، وغش، وكذب واحتيال، وتغير مواصفات، وأيمان كاذبة، لا تعمل مظهر ديني، آية الكرسي بالصدر، بنعمل عرس مختلط، ونرتكب كل الفواحش وعلى الكرت الطيبون للطيبات، أين الطيبون للطيبات، هؤلاء الخبيثون للخبيثات، والفاسقون للفاسقات , ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) ﴾ لو عملت عملاً صالحاً في صخرة، لطلع عليه الناس، الناس ليسوا أغبياء يعرفون الحقائق، يعرفون الحقائق بفطرتهم، بدون دجل. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النجم (53) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين: أيها الإخوة الكرام: الآية الكريمة السادسة والثلاثون، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36)﴾ قبلها: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)﴾ موطن الشاهد: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ أيها الأخوة الكرام: لو عقل الناس هذه الآية، لكانوا في حالٍ غير هذا الحال، وهي قوله تعالى ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ أيها الأخوة: لو أن الله عز وجل قال: للإنسان ما سعى، هذا ليس قرآناً، لو كانت الآية كذلك، للإنسان ما سعى، أي له ما سعى وله ما لم يسعى أما حينما قال الله عز وجل ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ هذا تركيب قصري، قصر يعني ليس لك إلا ما سعيت. أيها الأخوة الكرام: المشكلة أن الله سبحانه وتعالى، ضمن لك شيئاً، وكلفك بشيء ضمن لك رزقك، وكلفك أن تعمل للآخرة. واقع أكثر الناس، أنهم تركوا ما كلفوا به، وعملوا فيما ضمن لهم أنهم تركوا ما كلفوا به، وعملوا فيما ضمن لهم. الإنسان حينما يسعى لكسب رزقه، يغيب عن ذهنه أن هذا المال الذي بين يديه، الذي استهلكه هو رزقه، والذي لم يستهلكه هو كسبه المال الذي لم تستهلكه، ولم تنتفع به، لم تنتفع به وأما الذي استهلكته هو الذي انتفعت به، فأكثر الناس عندهم أموال أضعاف مضاعفة، عن حاجتهم، هذا كسبهم، ورزقهم المنتفع به، أما في الآخرة كل عملك لك، كل سعيك لك، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ فأنظر كم يمضي من الوقت، وأنت تستهلك هذا الوقت في شؤون الدنيا الفانية التي ضمنها الله لك، وكم ينبغي أن تستهلك من الوقت، فيما كلفت به. بقلك فلان مؤمن، الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، مرتبة جمالية مرتبة أخلاقية، مرتبة قيم، مرتبة علم، مرتبة ذوق. طيب متى آمنت ؟ أي وقتٍ استهلكته من أجل أن تؤمن، هل حضرت مجلس علم ؟ هل قرأت ؟ هل استمعت إلى شريط ؟ هل سألت عالماً ؟ هل جلست على ركبتيك في المسجد، من أجل أن تصبح مؤمناً، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ أمور الدنيا يسعى الناس إليها، بجدٍ ما بعده جد، أمور الآخرة بقلك على الله، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ لذلك، بعض الناس بقلك سقوط صلاة، والله شيء مضحك ما صلى في حياته، وترك ثروة طائلة، بدفعوا كم ألف سقوط صلاة، وحجة بدل وانتهى الأمر، الجواب، لا، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ إن العمل الذي أردته وجهدت في تحقيقه، وتنفيذه هذا الذي يكتب لك ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾ يعني ممكن في عالم الدنيا، إنسان معه شهادة عليا، يدخل للامتحان محل طالب كسول يقبلوه، أخي فلان نائب عني محلي وكيلي، بقدم فحص عني، لا، نريدك أنت، لا يقبل الطالب إلا أن يؤدي الامتحان هو ، طيب ممكن إنسان مريض، نعطي الدواء للصحيح، خذ هذا الدواء عنه، لا، هذا مستحيل، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾ يعني الصدقات التي أنفقتها أنت هي لك، الأعمال التي فعلتها أنت هي لك، الأعمال الصالحة التي بذلتها هي لك، وما سوى ذلك ليس لك إطلاقاً، ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾ على رؤوس الأشهاد. قال واحد لرسول الله، اللهم صلي عليه، ادعوا الله لي أن يذهب عني النوم، كان نوماً، فقال سيدنا عمر ويحك يا رجل، فضحت نفسك قال له النبي الكريم، دعه يا عمر، فضوح الدنيا خير من فضوح الآخرة. أما يوم القيامة عملك يظهر، على رؤوس الأشهاد، أنت في الدنيا قد تستطيع أن تخدع بعضاً من الناس بطول الوقت، وقد تخدع كل الناس ببعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت هذا مستحيل. أما الذي أولى منه، لن تستطيع، أن تخدع الله عز وجل أبداً، ولا أن تخدع نفسك، ولا أن تخدع كل الناس بكل الوقت، إنما هو مسموح لك بذكاءٍ بارع أن تخدع بعض الناس، لكل الوقت، أو أن تخدع الناس لبعض الوقت . أما ربنا جل جلاله: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ( سورة النساء: 142 ) ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾ ( سورة البقرة: 9 ) ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ كثير في أعمال مظهرها صالح، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23) ﴾ ( سورة الفرقان: 23 ) قال تعالى:﴿ لَهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ( سورة الأنعام: 124 ) قال تعالى:﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾ ( سورة الكهف: 105 ) قال تعالى ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ ( سورة الكهف: 105 ) ففي مظاهر في الحياة صارخة، بيت فخم، دخل كبير، مركبه فخمه مزرعة، هذا قد لا يعدل عند الله جناح بعوضة. إخوان الكرام: ليس لك إلا ما سعيت، أنا ابن فلان، نحنا والحمد لله مسلمين طيب خير أن شاء الله، أمتي ! أمتي ! يقال للنبي الكريم لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ! يقول سحقاً، سحقا، يا فاطمة بنت محمد ! يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيء لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه. يروى أن أبو سفيان وقف في باب عمر طويلاً، فلم يؤذن له، وكان صهيبٌ وبلال، يدخلان ويخرجان بلا استئذان، آلمه ذلك، فلما دخل عليه قال: سيد قريش يقف ببابك الساعات الطوال، وصهيبٌ وبلال يدخلان بلا استئذان ! ماذا كان جواب سيدنا عمر: أنت مثلاهما ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾ رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. لا تتأمل، الله عز وجل قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ( سورة آل عمران: 110 ) إياك أن تنخدع، أنك من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أمة سيدنا محمد أمتان، أمة التبليغ، وأمة الاستجابة، فإن لم تستجب لدعوة الله عز وجل في طاعته، وطاعة رسوله، أنت من أمة التبليغ، وأمة التبليغ ليس لها أية ميزة على الإطلاق ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) يقاس على هذه الآية لو أن المسلمين قالوا: نحن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، نقول: لما يعذبنا الله بذنوبنا بل نحن بشر مما خلق، أما إذا استجبت لأمر الله، وأقمت شرع الله في بيتك وفي عملك، الآن أنت من أمة الاستجابة، الآن نقول لك تنطبق عليك الآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله ﴾ خيرته هذه الأمة متعلقة بطاعتها لله عز وجل، أما مجرد الانتماء لهذه الأمة، هذا لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرفع، ولا يخفض، الآية الكريمة، وأن ﴿ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾ ليس لك، سيقول هذا مالي، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، ثلاثة أشياء اثنين مستهلكات وواحدة باقية، وما سوى هذه الثلاثة ليس لك، هي للورثة، هذا كسبٌ وليس رزقاً، الرزق هو الذي انتفعت به. والله هذه الآيات ممكن أن تكون شعار لكل مؤمن، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾ سعي النبي رؤي، طبعاً رؤي، كل هذه البلاد في صحيفة رسول الله علية الصلاة والسلام، طيب، سعي الكفار لإطفاء نور الله رؤي، هم في مزبلة التاريخ، وكل إنسان له عمل. سيدنا صلاح الدين الأيوبي، وضعوا له تمثال لماذا ؟ لأنه بطل، بطل عظيم، رد 27 جيش أوربي، ورفع رأس الإسلام عالياً. بتركيا محمد الفاتح، رد البزنطيين وفتح أستنبول، بالقسطنطينية، كل إنسان له عمل ظاهر. سيدنا عمر ماذا فعل ؟ سيدنا الصديق ماذا فعل ؟ سيدنا عثمان ماذا فعل سيدنا علي ماذا فعل ؟ أصحاب رسول الله، أبو حنيفة معروف، سيدنا الشافعي، الإمام مالك، المفسرون، علماء الحديث، أعلام الأمة هؤلاء. ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ بالتمام والكمال، في دفعات بالدنيا، دفعات على الحساب، تشجيعية، أما رصيد الحساب، يوم القيامة. ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ( سورة آل عمران: 185 ) الرصيد، دفعة رصيد يوم القيامة، أما في الدنيا، ربنا عز وجل رحيم، يعطيك بعض الإكرام، مشان تتشجع. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 06:24 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.