![]() |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة فصلت ( 41 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والخمسون من سورة فصلت، وهي قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ [ سورة فصلت ] السِّين للاستقبال، سَنُريهم ! من هم ؟ المُتَكَلِّم هو الله، والمُخاطب هو النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وهم الطَّرف الثالث الذين لم يؤمنوا فالحديث عن الذين لم يؤمنوا، قال سَنُريهم ! يُفْهم من هذه السِّين أنَّ معجزات الأنبياء كلّها كانت حِسِيَّة، بِمَعنى أنها وقَعَت في عهد الأنبياء، ثمّ انتَهتْ، وأصْبَحَت خبرًا يُصَدِّقهُ من يُصَدِّقهُ، ويُكَذِّبُهُ من يُكَذِّبُهُ، إلا معْجزة نبِيِّنا عليه الصلاة والسلام إنّها معجزة القرآن الكريم ! كلّما تقدَّم العِلم في كلّ يومٍ، وفي كلّ شهرٍ، وفي كلّ سنة، يكشِفُ العِلم جانبًا من القرآن الكريم، لذلك هذا الكتاب معجزةٌ خالدة إلى يوم القيامة، ولا يزال الناس الذين لم يؤمنوا يكْتشِفُوا حقائق تُؤيِّدُهُ إلى يوم القيامة، فنحن مع معجزةٍ بين أيدينا، وليْسَت معْجزة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام خبرًا ؛ إما أن نصدِّقُه أو لا نصدِّقه ! إنَّها معجزةٌ حيَّةٌ، قال: سَنُريهِم، فبَعْدَما تقدَّمَتْ البُحوث تقدُّمًا كبيرًا اكْتُشف أنَّ الذي يُحدِّد جنس المولود ذكرًا كان أو أنثى ليْست بُوَيضة المرأة ولكنَّه حُوَين الرَّجل، فهناك كروموزنات أي مورِّثات، هناك شكل واي وشكل أكس بالإنجليزي ! الواي ذكر و الإكس أنثى، فالبويضة لا دخل لها في تحديد جنس المولود، هذا بعد ألف وخمس مائة عام اكْتُشِفت هذه الحقيقة ربُّنا عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾ [ سورة النجم ] اكْتُشِف أنّ الشَّمس تدور حول الأرض، ثمّ عُلم أنَّ الأرض هي التي تدور حول الشمس، ثمّ اكتُشف أنَّ الشمس تجري، وتُشَكِّل في جريانها مع الأرض لولبًا، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾ [ سورة يس ] الإنسان إذا كان على سطح كرة وابتعد ابتِعادًا كبيرًا، يصبح الخط مائل ومنحني فالبلاغة في البُعد ليْسَت من مكان بعيد، ولكن من مكان عميق قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾ [ سورة الحج ] ما قال: بعيد فالبعد سطحي، أما العمق حجمي ؛ كُرة، فالذي يأتي من أمريكا يسير بِخَط منحني، جرَتْ معركة بين الفرس والروم في غَوْر فلسطين، هكذا تؤكِّد الروايات التاريخيّة ثمّ عن طريق اللّيزر اكْتُشف أنّ أعمق نقطة في الأرض هي غَورُ فلسطين قال تعالى: ﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)﴾ [ سورة الروم ] هذا النقطة اكْتُشِفت بعد اكتِشاف اللَّيْزر ! وهناك آية بقي العلماء مئات السِّنين في حَيرة منها، وهي قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)﴾ [ سورة الرحمن ] ما هو البرزخ ؟ هذا البحر الأحمر وذاك المتوسّط، وأين البرزخ ؟ فَمِن خِلال المركبات الفضائيّة وُجِد خطّ بين كلّ بحرين، ثمّ اكْتُشف أنَّ مُكَوِّنات كلّ بحر مستقلّة عن البحر الآخر ملوحته وكثافته وكائناته، وأنّ مياه كلّ بحرٍ لا يُمكن أن تخلِط بِمياه البحر الآخر، ثمّ قيل لا بدّ مِن حاجزٍ بين البحرين يمنعُ تداخل المياه، أما طبيعة هذا الحاجز فغير معروفة إطلاقًا حتى الآن! قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)﴾ [ سورة الرحمن ] الأرض تدور حول الشمس هذه حقيقة، ولكنّ هذه الكواكب من يحملها ؟ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [ سورة الرعد ] فهي بأعمدة لا نراها، ثمّ اكْتُشف أنَّ الأرض مرتبطة مع الشَّمس بقُوَّة جذب تُساوي مليون مليون حبل فولاذي، ثخن كلّ حبلٍ خمسة أمتار ! ويقاوم كلّ حبل مليونين طنّ، والخيط الواحد الذي قطره مليمتر واحد من الفولاذ يحمل طنّ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [ سورة الرعد ] وقال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12)﴾ [ سورة الطارق ] اكْتُشف أنَّ بخار الماء يصعد إلى السماء ثمّ يعود مطرًا، ثمّ اكْتُشف أنّ الأمواج الكهرطيسيَّة ترْسَل إلى الفضاء، وفي الفضاء طبقة اسمها الأثير تردُّها إلى الأرض، ولولا هذه الطَّبقة التي ترد الأمواج إلى الأرض لما كان هناك بثّ إذاعيّ إطلاقًا ! يقولون أحيانًا: حدث اضْطراب في طبقة الأثير وصبحَ الإرسال مُشوَّش، فالسماء ترجع البخار مطرًا وترجِعُ الأمواج الكهرطيسيّة إرسالاً، ثمَّ اكْتُشف أنَّ كلّ كوكبٍ في الكون يتحرَّك على مسار مُغْلق، معنى مسار مغلق أنَّه يرجع إلى مكان انْطِلاقه دائمًا فالصِّفة التي تجمع الكون كلّه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12)﴾ [ سورة الطارق ] والحديث طويل حول الآيات الكونيّة التي أشار القرآن إليها، وسوف نكتشف أشياء أخرى. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ﴾ [ سورة فصلت ] هؤلاء الكافرون، والذين لم يؤمنوا، وأنكروا سوف يرَوْن مِن خِلال العِلم أنَّ حقائق القرآن صادقة وصحيحة، فمثلاً هذه علبة فيها سكر، أنا أقول لك: هذه العلبة فيها سكَّر، فأنت تُصدِّقني لأنَّني عندك صادق، ولكن هناك دليل آخر، افتح العلبة وخذ المسحوق وافْحَصهُ فالذي جاء بالحق والصحابة صدّقوه، أما العلم في المستقبل سيَكْشف أنّ كلّ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلّم صحيح، سَنُريهِم ! طبعًا المتكلّم هو الله، والمُخاطب هو النبي والمؤمنون، والحديث عن الذي أنكروا، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا﴾ [ سورة فصلت ] آيات القرآن الكريم التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام مطابقة لآيات الكون، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ [ سورة فصلت ] في المجرَّات، وقالوا أنّ القمر انشَقَّ عن الشمس، وهذه نظريّة فلمَّا ذهب رُوَّاد الفضاء إلى القمر قبل عشرين عامًا تقريبًا اكْتُشف أنَّ طبيعة القمر ليْسَت من طبيعة الأرض ! والحقيقة أنَّ كلّ حقيقة عِلْمِيّة تُكْتَشف سوف تُلقي ضَوءً على آية قرآنيّة، فالأصل هو القرآن، وبعض إخواننا لهم خطأ كبير وهو أنَّهم يفْرحون إذا كان العِلم أيَّد القرآن ! فهو الأصل عنده هو العِلم !! بالعكس يجب أن تفرح للعِلم إن توافقَ مع القرآن، لأنَّه ما لم يتوافق مع القرآن فليس علمًا، هذا كلام الصانع والخالق، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة فصلت ] مائة وثلاثين مليون عُصيَّة بالشَّبكِيَّة، ومائة وأربعون خليَّة بالدِّماغ اسْتِنادِيَّة وخمسة وثلاثون مليون عُصارة هاضمة بالمعدة، ومائة كيلو متر بالمعدة وخمسة آلاف وظيفة للكبد، وأمعاء الإنسان تتجدَّد كلّ ثمانية وأربعون ساعة ! وأقصر عمر خليّة هي خليّة بطانة الأمعاء، وهي التي تأخذ الغذاء وتجعله في الدم،و أطول عمر خمسة سنوات، معنى ذلك أنَّ الإنسان يتجدَّد كُلِيًّا كلّ خمسة سنوات، الجلد والعضلات والعظم عدا الدِّماغ والقلب فلو كان الدِّماغ يتجدَّد لقال الواحد: كنتُ دكتورًا، ولكنَّني فقدْتُ دماغي ! قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة فصلت ] لماذا ؟! قال تعالى: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ [ سورة فصلت ] الهاء تعود على القرآن، قال تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)﴾ [ سورة الانعام ] فالكون آياته في خلقه، والقرآن آياته في كلامه والحوادث آياته في أفعاله ! هناك عالم باليمن اشْتُهر بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، أطْلعوني مرَّة على بحثٍ أجراه، وهو كان طموحًا جدًّا وسافر إلى معظم بلاد العالم ولا يلتقي إلا بِكِبار العلماء، بالجغرافيا والطبّ، ويأتي لهم بأحاديث، فالنبي من ألف وخمسمائة عام يقول: إذا كنتم في أرض فيها طاعون فلا تخرجوا منها ! الدخول إليها واضح، ولكن كيف الخروج ؟! هناك إنسان سليم يحْمل مرضًا، فكيف عرف النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّ هذا الإنسان الذي في أرض الطاعون ينبغي أن لا يخرج منها، نَّه ناقل للمرض غير مريض ! وهذا الآن اكْتُشف، نقَّبوا بالرُّبع الخالي، وجدوه صحراء رمال فوق حضارة، وفوق مدن، وفوق بساتين وينابيع، من قال للنبي عليه الصلاة والسلام سَتَعود بلاد العرب مروجًا وأنهارًا ! صدِّقوني أيها الإخوة ممكن أن نتكلّم سنوات في الإعجاز العِلمي ولا ينتهي الحديث، أما هذه الآية فهي تجمع الحقائق كلّها قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة فصلت ] الذي حرَّم الزنا وهو الله، خلق في الفتاة غشاء وهو غشاء البكارة، سلْ أطِبَّاء الأرض ؛ هل لِهذا الغشاء وظيفة فيزيولوجيَّة ؟! له وظيفة اجْتِماعيَّة فقط ! تشتري أحيانًا شريط كاسيت مغلّف بِنايلون، ومختوم، فهذا دليل أنَّ غير مستعمل سابقًا، وكلّ البنات هكذا، فالذي خلق هذا الغشاء في الفتاة ولا يقوم هذا الغشاء بأيّ وظيفة فيزيولوجيّة، ولكن له وظيفة اجتماعيّة وأنَّ هذه الفتاة عذراء ! قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة فصلت ] البروستات في الإنسان تلْتهب في حال عدم الزَّواج، فالذي أمر بالزَّواج جعل هذه الغدَّة خطيرة تلتهب في حال العزوف عن الزواج، والموضوع طويل جدًّا، وكذا الذي أمرك بالصلاة لما يسجد الإنسان بِفِعل الجاذبيَّة الدم ينصبّ على الرأس فتحْتقنُ أوْعِيَة الرأس، ويرتفع ضغط الأوعِيَة في الرأس، ولما يرفع الإنسان فجأةً ينزل الضَّغط، تنشأ حالة اسمها مرونة الشرايين بالدِّماغ ! فالذي أمر بالصلاة هو الله تعالى، وهو الذي أعطى هذه الأوعيّة خواصَّها، وهناك مرض اسمه انقلاب الرَّحِم لا تُصاب به المرأة المسلمة إطلاقًا، ولو سألتَ الطبيب علاج هذا المرض لقال لك: حركات رياضيَّة كالصَّلاة، وسرطان القضيب لا يُعرف بالعالم الإسلامي لأنّ عندنا الخِتان ! فالذي أمر بالخِتان هو الله، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة فصلت ] والخمر حُرِّمَت في الاتِّحاد السوفياتي قبل أن ينهار ! والإنسان له حقّ إنجاب الأولاد، ولكن بالصِّين يُجبر الزَّوج على أن لا يُنجِبَ أكثر من واحد ! لذا موضوع الآية كبير جدًّا، لا عِلم والحياة والتجارب والخِبرات تؤكِّد أنَّ هذا الدِّين هو الحق، وأنَّه هو الذي سيَغدو في المستقبل قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33)﴾ [ سورة التوبة ] قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ [ سورة فصلت ] أيْ يشهد لك، فالله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾ (سورة النحل) الحياة الطيِّبة التي يَحياها المؤمن هي شهادة الله لآياته، فتأويل القرآن هو الحوادث التي تقع وتؤيِّد القرآن، فالمُرابي يُفلِّس وتُصادر أمواله، وتحرق أمواله، فهذه الأخيرة هي تأويل الآية العملي فأفعال الله تؤيِّد كلامه، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ [ سورة فصلت ] فيكفي أنَّ الله يشهد للخَلق أنَّ هذا القرآن كلامه من خلال أفعاله ! يتصدَّق الإنسان فتنقص نقوده التي في جَيبِهِ، وما يكاد يرى إلا ويأتيه رِزق عشرة أضعاف ! فهذا الفِعل يؤكِّد أقوال الله، فأفعال الله تدعمُ كلامه. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الشورى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾ [سورة الشورى] معنى هذه الآية يتكرِّر كثيرا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ(35)﴾ [سورة الأنعام] وقال تعال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الشورى] قد يفهم بعض الناس هذه الآية و مثيلاتها فهما ما أراده الله، أن الله لو شاء لهدانا أجمعين، و لكن لم يشأ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾ [سورة السجدة] و لكن لم نشأ، و هذا المعنى هو ظنُّ سوءٍ بالله عزوجل، و هذا المعنى لا يليق بكمال الله، قال تعالى: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ(23)﴾ [سورة فصلت] فالإنسان إذا ظنَّ بالله ظن السوء، و إذا ظن أن الله يجبر العباد على أعمالهم السيئة، يقول لك أحدهم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾ [سورة الشمس] و يقول قال تعالى : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾ [سورة الصافات] وأخطر شيء في العقيدة أن تعقد عقيدة لا تليق بكمال الله عز وجل، و إنك بهذا تنقطع عنه و أنت لا تدري فلذلك الآية الكريمة قال تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(6)﴾ [سورة الفتح] يجب أن تفهم القرآن إما فهماً يليق بكمال الله أو فهماً مأخوذا عن أولياء الله لأن الله تعالى يقول ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾ [سورة النحل] و قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾ [سورة الفرقان] فالإنسان إذا ظن أن الله سبحانه و تعالى يمكن أن يضع أولياءه في النار أو أن يضع أعداءه في الجنة لا لشيء إلا لأن الله لا يُسأَل عما يفعل فقد ظنَّ بالله ظنَّ الجاهليَّة، وظنَّ بالله تعالى ظنَّ السَّوء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: حُسن الظنّ بالله ثمن الجنَّة.." لأنَّ نفسَكَ ليْسَت بيَدِك فنفْسُكَ لها قوانين، إنَّها مَفطورة على حبِّ المُحسِن، وبُغْض المُسيء، ومَفطرة على حب العَدل، وبُغض الظُّلم، فإذا وجَّهتَ قِصَّة مُفادُها أنَّ في أسمائه تعالى ظلم، فالنَّفسُ تنْفر، فلِذلك حُسن الظَّن بالله ثَمَن الجنَّة، وهذه الآية ومثيلاتها لا تعني أنَّ الله تعالى لم يشأ أن يهْدِيَنا، فهذا المعنى ما أراده الله عز وجل، ولكن أراد الله عز وجل أن يقول لنا: أنَّ هَوِيَّة الإنسان أنَّه مختار، لأنَّ الله تعالى قال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ [سورة الأحزاب] فالإنسان هو المخلوق الأوَّل المُتفرِّد بِحُريَّة الاختيار، فما لم يأت ربَّهُ مُختارًا فهذا الهُدى لا قيمة له، وأوْضَحُ مثل ذَكرتُهُ من قبل أنَّ رئيس جامعة بإمكانِهِ أن يجْعل نِسبة النَّجاح في جامعَتِهِ مائة بالمائة، وهذا عن طريق إعطاء الطلاب الأسئلة قبل الامْتِحان ! ويأخذون جميعًا علامات جيِّدة، وكلُّهم ينْجحون، ولكن ما قيمة هذا النَّجاح ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند الطلاب، ولا عند الجامعة، فلو أنَّ الأستاذ أعطى لِطُلابِّه في كليَّة الطبّ الأسئلة، ثمّ قال: أنا من فضل الله تعالى نِسبة النَّجاح عندي مائة بالمائة !! فهذه وصْمة عار للجامعة، وكذا لو أنَّ الله تعالى أراد أن يهْدِيَنا الهُدى الذي لا يُسْعِدُنا، والهُدَى القصري لَهَدانا، ولكن هذا الهدى لا يُدخِلنا الجنَّة، ويتناقض مع هويَّتنا، ويتناقض مع أنَّ الإنسان مُكلَّف، وهو مخيَّر، لذا ما لم تكن الله تعالى طائِعًا مُخْتارًا لا يقوم لِهذا الإنسان سعادة في الجنَّة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الشورى] فالله تعالى يضَعُ منْهجًا، وكلّ مَن خالفَهُ يأتيه العِقاب بعد ثانيَة، لو أنَّ الإنسان نظرَ إلى امرأةٍ فَفَقَدَ بصَرَهُ، لما نظرَ أحدٌ لامرأة ولكن هل مع هذه الطاعة حبّ لله تعالى ؟ وهل مع هذه الطاعة سعادة ؟ وهل مع هذه الطاعة إقْبال ؟ لذا لو أنَّ الله تعالى أجْبرنا على طاعتهِ لبَطَل الثَّواب والجنَّة، وفُقِدتْ السّعادة، فالبُطولة أن تأتِيَهُ طائِعًا، وأن تأتِيَهُ مُختارًا، وبِمُبادرةٍ منك، وأن تحِبَّهُ، والبطولة أن تُطيعَهُ وأنت بإمكانِكَ أن تعْصيه، وأن تُصلِّي وبإمكانِكَ أن لا تُصلِّي، وأن تصْدُق وبإمكانِكَ أن لا تصْدق، وأن تستقيم وبإمكانِكَ أن لا تستقيم، وأن تُحْسِن وبإمكانِكَ أن لا تُحْسِن، فما دام هناك خِيار فالعمَلُ لهُ قيمة، أما لو ألْغَينا لما أصبَحَ للعمل قيمة إطلاقًا ! لو أنَّك سيَّرْتَ إنسانًا بِطَريقةٍ إجْباريَّة لما أصبَحَ هناك شيء اسْمهُ بطولة، وحُسن اخْتيار، فأنت إن ألْغَيتَ الاخْتِيار أبْطَلتَ الثَّواب، ومن هنا قال الإمام الحسن البصري: لو أنَّ الله أجْبَرَ عبادهُ على الطاعة لبطَل الثَّواب، ولو أجْبرَهُم على المعْصِيَة لبَطَل العِقاب، ولو تركهم هملاً لكان عَجْزًا في القدرة، إنَّ الله أمرَ عبادهُ تخييرًا، ونهاهم تَحذيرًا، وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، فأنت تأتي إلى هذا المسجد باختيارك، وبإمكانِكَ أن لا تأتي ما دُمتَ قد جئتهُ مُختارًا فلك عند الله أجر كبير، أما لو أنَّ الله تعالى أجْبرنا على الإتيان لما كان هناك أجر وأصبح هناك إكْراهٌ، وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)﴾ [سورة البقرة] كلّ شيءٍ يُمْكن أن تُكْرَهَ عليه إلا الدِّين، لأنَّ أساسه الاخْتيار والمُبادرة الفرْدِيَّة فأنت تأتي الله مُحِبًّا، ومن هان فرَّق العلماء بين العبيد والعباد، فالعبيد جمع عبْد، والعباد جمْع عبْدٍ ! أذكُر أنَّني كنتُ في عَقْد قِران، وأحدُ العلماء الأفاضِل تُوفِّي رحمه الله أراد أن يُداعِب المنْشدين، فقال: أنتم بلابل هذا الحفل !! والبلابل جمعُ بلْبُل لا جَمع بَلْبَلَة ! لأنّ بلْبلة جمعها بلابل كذلك ففرَّق بين الاصْطِلاحين، وكذا عبيد وعباد، فالفرق بينهما كما قال ربنا عز وجل: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾ [سورة الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾ [سورة فصلت] والعلماء قالوا: العبيد جَمعُ عَبد القهْر، والعباد جمع عَبْد الشُّكر ! فكلٌّ مِنّا عبد لله تعالى قَهْرًا، هل تسْتطيع أن تُلْغي التَّنَفُّس ؟ فأنت عبْدٌ إذًا لله تعالى وهل تستطيع أن تُلي الأكل ؟ وهل تستطيع أن لا تشْرب ؟فأنت مُفتقر إلى الطَّعام والهواء والشَّراب، وإلى زوْجة وأولاد، فهذا عَبْدُ القهْر فَوُجودنا مُتوقِّف على إمداد الله، قال تعالى: ﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾ [سورة آل عمران] من الذي يملِك أن لا تنْمُوَ خلاياه نموًّا عَشْوائِيًّا ؟! ومن يمْلِك أن يبقى الدَّم سائلاً في أوْعِيَتِهِ ؟ ونم يمْلك أن تبقى شرايينه مرِنَة ؟ فنحن عبيد لله تعالى قَهْرًا أما العباد فهم عباد الشُّكْر، هذا فكَّر في الكون فأطاع الله تعالى فأطاعهُ وبِإمكانِهِ أن يعْصِيَهُ، وأنفَ مالهُ وبِمكانه أن لا ينْفقَهُ، قال له: كيف أصْبَحتَ يا عمر ؟ قال: أصْبحتُ أُحِبُّك اكثر من مالي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي..." فالدِّين أساسُهُ الحب، لذلك دينٌ من بِعقيدة وشواهد وأدِلَّة، وخالي من المحبَّة والاتِّصال به تعالى، فهذا دينُ ثقافة، فالدِّين في آخر الزَّمان ؛ إما أنَّهُ ثقافة عند المفكِّرين الإسلامِيِّين، أو أنَّه فلْكلور عند الميلويَّة وهي تقاليد شَعبيَّة، أو أنَّه طرب عند المنْشِدين أو أنَّه احْتِفالات وتعظيم وتبْجيل فيما يجري بين الناس، والدِّين غير هذا إطلاقًا، الدِّين أنْ تتَّجِهَ كلّ خليَّة في جِسْمِكَ إلى الله، وأن تُحِبَّهُ، وهذا هو قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الشورى] القضِيَّة سَهلة جدًّا، قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(31)﴾ [سورة الإنسان] فَرحمة الله لا تأتي بالقهْر، ولكن بالاخْتِيار من يشاء رحمة الله يُدْخِلُهُ فيها، فلو أنَّ أبًا ملكًا قال لابنِهِ: اُطْلُب وتمنَّى، قال: أريد بيتًا فخْمًا جدًّا فالقضيَّة سهْلة، وأريد مركبة من أفْخم المركبات ؛ القضيَّة سهلة، أريد طائرة خاصَّة يقول له: القضيَّة سهلة، ولكن إذا قال له: أُريد أن أكون أُستاذًا في الجامعة ! يقول له: هذه ليْسَت لي ! هذه بِسَعْيِك لذلك الله تعالى يُعطيك صحَّة، ومالاً ووسامةً، وذكاءً، ويُعطيك زوْجةً، ولكن لا يتجلَّى عليك إلا إذا أقْبَلْتَ عليه فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الشورى] قال تعالى : ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾ [سورة الشورى] لعلَّكم تفهموا أنَّهم الذين ظلموا الناس ! لا، أشَدُّ أنواع الظُّلم أن تظْلم نفْسَكَ التي بين جَنْبيْك، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)﴾ [سورة البقرة] أشدُّ أنواع الظلم أن تُبْقي نفْسَكَ جاهِلةً، ومن دون عملٍ صالِح، ومِمَّا يُلفِتُ النَّظر، قال تعالى ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾ [سورة البقرة] الآية واضِحة، ولكن القسم التالي يُحيِّر، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾ [سورة البقرة] قال العلماء: إن لم تُنْفق مالَكَ في سبيل الله ألْقَيتَ نفسَكَ إلى التَّهْلُكَة، لأنَّ الذي لا عملَ له صالح هو هالِكٌ عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾ [سورة الشورى] فإذا شِئْتم رحمتي فارْحموا عبادي، والظالمون هم الذين ظَلموا أنفسهم أشَدَّ الظلم حينما تركوها جاهلةً، تقول له: تعال، واحْضَر مَجلسَ العِلم، فيقول لك: ليس لي وقت !! هذه الكلمة خطر، فهذا الذي ليس له وقت فراغ ليَتَعلَّم دينه ظلمَ نفسَه، قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)﴾ [سورة الشورى] ليس لهم وليّ يتولاَّهم، ولا نصيرٍ ينْصرُهم، تصوَّر طفلاً من دون أب ومن دون عمل ولا أمّ، ولا خال، ويسْرق، ويدخل السِّجن، وتصوَّر ابنًا له أب عظيم وفهم، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ(11)﴾ [سورة محمد] فإذا قَبِلَ الله أن يتولاَّنا فهذا عطاءٌ عظيم منه تعالى، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾ (سورة البقرة) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾ [سورة الشورى] الحقيقة ؛ في مِساحة الأفكار، ملْيار ومليار مَقولة ؛ بعضها خطا وبعضها صواب، والآخر حق، وبعضها باطل، وبعضها مُبالَغٌ به، وبعضها مُزوَّر، وبعضها مُقلَّل من قيمته، فالإنسان أمام رُكام لا أفكار والمَطروح في الساحة الفِكريّة مليار مليار مقولة ؛ جمود وتزمُّت، والْتِزام وإباحِيَّة، وتَجديد وعَصْرنة وعقْلنة !! فأنا كإنسان كيف أُميِّز بين هذه الأفكار ؟ قلتُ لكم: أنت كبائِع أقمِشَة أمام مائة ثوب، كلّ ثوب عليه رقم وقيل لك: هذه الأرقام غلط، فإذا اشْتَريتها على هذه الأرقام تكون مَغبون، أنت بِحاجة لى متر، وإلى مِقياس تكشِف صِحَّة هذه الأرقام أو خطأها، فنحن أهمّ شيء أن نمْلِكَ منْهجًا لِنُنَقِّي به، أنا كمُسلم ؛ يُطرح بالإعلان وبالنَّدَوات وبالخُطَب، وبالكُتب، كلّ يلقي سمَّه، فأنا في هذه المتاهة، وفي هذا الخِضَمّ ؛ كيف أهْتَدي إلى الحق، لا بدّ من منْهج تلقِّي هذه الآية أحدُ بنود منْهج التَّلقِّي قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾ (سورة الشورى) كلّ شيخ له دَعوة، وله أفكار، يا ترى كلام الشيخ صحيح أم باطل ؟ له مقْصد دنيوي ! هل هو صادِق مع نفْسِهِ أو كاذِب ؟ كيف أعرف الحقيقة ؟ وما هو المِقياس ؟ نحن يهمُّنا أن نكشِف بالقرآن الكريم مناهِج التَّلقِّي ؛ ما الذي أقْبلُهُ ؟ وما الذي أرفضهُ ؟ مثلٌ آخر ؛ دَخَلتَ إلى غرفة فيها ألف قِطعة صَفراء لامعة ؛ قيل لك: مائة قطعة منها ذَهَب خالص عيار أربع وعشرون، وقطعة أخرى عيار واحد وعشرون، ومائة ثالثة عيار ثمانية عشرة، وقطعة أخرى عيار ستَّة عشر والخامسة إحدى عشر، والسادسة نحاسٌ مَطليّ ذهبًا، والأخيرة تنَك إلا أنَّ كل هذه المعادن صَفراء تلْمَع، فما الذي يحتاجه الإنسان كي يأخذ قطَع الذّهب الأعلى عيارًا ؟ لا بدّ مِن مقياس تفْحص به، فهذا هو الواقِع، هناك أفكار مَطروحة في المساجد، وفي الإعلام، وفي الكتب، أفكارٌ تُطرح ليل نهار، بعضها صحيح والآخر غلط، وبعضها باطل، وباطل فيها مكْر فأنت بِحاجة إلى منهج تلقِّي، وإلى مِقياس، فربُّنا عز وجل في آية أخرى يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾ [سورة النساء] قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أولوا الأمْر هم الأمراء، والعلماء، فالعلماء يعلمون الأمر، والأمراء يُنفِّذون الأمر، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾ [سورة النساء] إلى الله تعالى بِكِتابِهِ، وإلى الرسول بِسُنَّتهِ، فنحن عندنا مِقياسَين صحيحيْن، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَا إِنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بعْدِي أَبَدًا كِتَاب الله وسُنَّتِي)) [ رواه مالك ] قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾ (سورة الشورى) يقول لك أحيانًا: يجب أن نُنَمِّي أنفسنا إذًا يجب اسْتقراض قرضًا ربَوِيًّا لإنشاء عمل جديد، لكنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾ [سورة البقرة] نحن بِمَنْهج التَّلَقِّي الرّبا حرام، وبِمَنْهج التَّلَقِّي الاخْتِلاط حرام، والكذب حرام، والنِّفاق حرام، فلو أنَّه كان لك كمبيوتر، وتعطَّل، ولك جار خُضَري تُحبُّه كثيرًا، هل يمكن أن تعْطِيَه حاسوبكَ كي يصلِّحُهُ لك ؟!! فالمحبَّة والعطف والقرب موضوع ثاني لا علاقة له بإصلاح الحاسب فالله عز وجل قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] من هو الخبير ؟ هو الله، فهذا هو كلام الله، وهذه تعليمات الصانِع وهذا كتالوك الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾ (سورة الشورى) اختلفنا في موضوع المرأة فَحُكْمُهُ إلى الله واختلفنا في موضوع كَسْب المال فَحُكْمُهُ إلى الله، واختلفنا حول موضوع الاخْتِلاط، فَحُكمُهُ إلى الله تعالى، واخْتلفنا في مواضيع كثيرة ؛ كلُّها حكمها إلى الله تعالى، فالله عز وجل قال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(15)﴾ [سورة الأحقاف] فيجب أن يكون عملُكَ صالحًا وِفْق مِقياس الله، ووفق سنَّة رسول الله فالذي يصِحُّ في منهج الله ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم تأخذُهُ والذي لا يصِحُّ عنهما ترْكِلُهُ بِقَدَمِك، فأكثرُ الفتيات غير الملتزمات ما يدفعها لِتَغيير لِباسها ما في هذه الإعلانات، هل يُعْقَل من واحِدٍ يهودي أو نصراني في فرنسا يُصَمِّم ويفتح ما يشاء من لا ثِّياب، وأنا ألبسُهُ ؟؟ أليس لي منهج ؟ فنحن لمَّا نْعف بالمهَج، وفي فهْم كتاب الله، وفي فهْم سنَّة رسول الله يصبح لدينا مصادر تغذِيَة أخرى غير صحيحة. على كُلٍّ هذه الآية أحَدُ بنود منْهَج التَّلَقِّي، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة الشورى) قد تسْمع أنَّ دواءً صُنِعَ وظيفَتُهُ إطالة العُمْر !! فأنت إن كان لك منْهج تعلم أنَّ آيةً قرآنيَّة ترفض هذا الكلام ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(34)﴾ [سورة الأعراف] وقد تسْمع أنَّ فلانًا الفلاني يعلَم الغيب !! فلك آية تبطل هذه المقولة قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾ [سورة النمل] إذا الإنسان قرأ القرآن واسْتَوعَبَه وفهِمَه جيِّدًا أصبَحَ له ألف مِقياس ومِقياس، فأيَّة قصَّة، وأيُّ فِكْر، وأيُّ طرحٍ، أو مقالةٍ، أو ندْوةٍ أو خُطبة، تكلَّم ما شئْتَ فأنا معي مِقياس فإمَّا أن أقْبَلَ كلامك إن كان وِفق المِقياس، وإما أن أرْفُضَهُ إذا كان خلاف المقياس، فالحقيقة أنَّ الإنسان يمْلِكُ ميزانًا ؛ الخَطَر الكبير أن يكون هناك خلَلٌ بالميزان، أما أحيانًا يكون الميزان صحيح ولكن أنا الذي توهَّمْتُ أنَّ الميزان اثنان كيلو غرام، فهذا خطأ ولكن بالوزن، وهو لا قيمة له لأنَّه لا يتكرَّر ! فليس مِنّا مَن هو مَعْصوم ولكنَّ الخطأ الكبير أن يكون ميزان التَّلَقِّي عندك خطأ، لو فرضنا أنَّ واحدًا يُتْقن اللُّغة العربيَّة وقام أحدهم يتكلَّم أمامه، فهذا يكشف له أخطاءً لا تُغْتفر، أما إن كان أقلّ منه عِلْمًا يقول: لا يوجد أرْوَعَ منه !! فالاختِصاص يكْشف لك الخطأ، لذا العِبرة لا أن أكون وِعاءً لِمَعلومات، بل أن أكون ميزانًا لهذه المعلومات، وهذه هي الآية: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾ (سورة الشورى) من الذي حُكمُهُ إليه ؟ هو الله، وله الأسماء الحسنى، الصِّفات العليا، قال عليه الصلاة والسلام: لا يكن أحدكم إمَّعة..." وطِّنْ نفْسَكَ على أن تُحْسِنَ إذا أحْسَنَ الناس، وعلى أن تُحسن إذا أساء الناس، والشِّعر الجاهلي يقول: وما أنا إلا من غزيَّة إن غَوَتْ غَوَيتُ وإن ترشُد غزيَّة أرشُد فالمجتمع الآن مُتَفَلِّت، ومنْحرف، فلا بدّ أن يكون لك رأي واسْتِقلاليَّة عن البيئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾ [سورة الكهف] إمَّا أن يأوي الإنسان إلى بيت من بيوت الله ليتلقَّى العلم الصحيح، أو أن يأوي إلى بيتِهِ يعبُدُ الله، أما إن خاض في غمار الحياة التي فيها الفساد والباطل، والغلوّ، وفيها ما فيها، والإنسان سَيُحاسِب، فالإنسان لا يُعقل أن يُسلِّم نفسه لِطَبيب لا يعرفه ! من أجل عمليَّة فقط، طيِّب نم أجل دينك أليس الأولى أن تسل إن كان هذا العالم كلامه صحيح أم لا ؟ منضبط أو لا وإنَّ هذا العلم دين فانْظروا عمَّن تأخذوا دينكم، وخذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشْرة من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] كلمة تفرَّقوا تقودنا إلى بحث موضوع التَّفرُّق بين المسلمين، بل التَّفرّق بين أتباع الأديان كلِّها التَّفَرُّق أنواع ثلاثة ؛ تفرّق طبيعي، وتفرّق مذموم وتفرّق محمود. التَّفرّق الطبيعي سببُه نقْص المعلومات، كان الناس أُمَّة واحدة فاختلفوا لا يوجد وحي حاسِم فاختلفوا، أوْضح مثَل ليلة العيد، سَمعنا صوت مَدفع يا ترى هل هم يفتحون طريقًا في الجبل ؟ ناس يقولون: صخرة بالجبل هدَّموها، وناس قالوا: غدًا ليلة العيد، فنحن اختلفنا لِنَقص المعلومات وكل إنسان يتوهَّم شيء، ويأتي بالدليل الضَّعيف، فهذا النوع من الاختلاف نوع طبيعي، فلا توجد معلومات دقيقة، حينها نختلف، قال تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)﴾ [سورة البقرة] الآن بعدما نزل الوحي والكتاب المبين، والقرآن الكريم، وسنة واضحة وإله واحد، ونبي واحد ؛ حينها اخْتلف المسلمون هذا الاختلاف اختلاف قذِر، أساسه الحسَد، والبغي والعدوان والهوى قال تعالى : ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] البغي هو العدوان بِدافِع الحسَد، فالتّفرّق الطبيعي هو التفرّق الذي سببه نقص المعلومات والتّفرّق المذموم هو الذي سببه الحسَد والبغي، فالخِلافات التي بين الدُّعاة والخلافات بين الجماعات، والخلافات بين الأطراف ؛ هذه ليس مردُّها نقْص المعلومات، ولكن مردُّها التنافس على المكاسب، كُنَّا نُعْجب بِبِلادٍ في أقصى الشرق، فوقَفَت أمام أكبر دولةٍ في العالم ؛ ثمّ الآن نتألَّم أشَدّ الألم، وهذا الخلاف جرّهم إلى سفْك الدِّماء بينهم، فَخِلافهم الآن خلاف منصب، وبغي وعُدوان، وليس خلاف عقيدة، وهذا الخلاف عند الله مذموم، وقَذِر، فأنا حينما أختلف معك فلِمَصْلحةٍ مادِّية، وحينما أختلف معك لأُنافِسَك، وحينما أخْتلف معك لِمَكاسِب بين يدَيّ لا أُفرِّط بها، لذلك كنتُ أقول لكم دائِمًا ؛ هناك دعوة إلى الله تعالى خالصة، ودعوة إلى الذات باغيَة، دعوة إلى الذات مُغلّفة بِدَعوة إلى الله تعالى، فالدَّعوة إلى الذات مِن خصائصها ادّعاء التَّفرّد، ومن خصائصها الابتِداع، ومن خصائصها التنافس، ومن خصائصها جُحود ما عند الآخرين، أما الدعوة إلى الله تعالى الخالصة من خصائصها التَّواضع، ثمّ الاتِّباع، ثمّ التَّعاوُن ثمّ الإنصاف، فإذا كنت أيها الداعي مُتواضع ومُتَّبِع، وتعترف بِالآخرين، وتتعاون معهم، فأغلبُ الظنّ أنَّ دعوتك إلى الله تعالى خالصة، أما التنافس فهو دليل عدم الإخلاص، فيها دعوة إلى الذات، فنحن نُعاني لا من خلاف طبيعي مردُّه نقْص المعلومات، ولا من خلاف سيكون محمودًا بعد قليل، ولكن نحن نُعاني من خِلاف قَذِر سببهُ الحسَد والبغي، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] بغْيًا مفعول لأجله، أيْ بِسَبب البغي والعدوان والحسد، إذًا هناك تفرّق طبيعي لا محمود ولا مذموم وتفرّق طبيعي سبه نقْص المعلومات. الآن جاء الوحي الناصع، والنبي الصادق، وكلّ شيء واضِح ؛ قرآن كريم لا ريب فيه، وسنَّة مطهَّرة واضِحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام((فيما رواه ابن ماجه أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ * )) [ رواه ابن ماجه ] أيها الإخوة الكرام، دقِّقوا في هذه الكلمات التي سأقولها ؛ ما من فرقة ضالة إلا ولها خصائص، أوَّل خاصَّة أن التَّركيز في الفرقة لا على المبادئ، ولكن على الأشخاص، وتأليه الأشخاص، ثمّ يصبح هذا الشَّخص مُشرِّع، وما قاله هو الحق، وما لم يقلهُ هو الباطل، فهذا أعلى إنسان على وجْه الأرض بعد رسول الله هو سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه وفي أوّل خطبة خطبها قال: وُلِّيتُ عليكم ولسْتُ بِخَيركم، إنَّما أنا مُتَّبِع ولسْتُ بِمُبْتَدِع، إن أحْسنت فأَعينوني، وإن أسأتُ فقَوِّموني، فهذا كلام الصِّديق، قال: وأطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، وإن عصيتُهُ فلا طاعة لي عليكم ! فهل يتجرأ أحدنا بعد الصِّديق أن يقول: أنا لا أخطئ ؟! أو يقول أنا خيركم !! وكلامي تشريع !!!! مستحيل، إذًا الدعوة إلى الذات شيء والدعوة إلى الله شيء آخر، فالدعوة إلى الله فيها تواضع واتِّباع وتعاون وفيها إنصاف، وإلى الذات فيها كِبر، وإنكار لفضل الآخرين، وتنافس، لذلك نحن لا يؤْلمنا إلا التَّفرّق، وكلاًّ يُغنِّي ليلاه، وكلّ يدَّعي وصلاً بليلى فالذي يتوقَّع أنَّ الله له فقط، فهو خاطئ، وأنّ الجنّة له فقط ! نقول له: إنَّ الله تعالى لكلّ المسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ [سورة الشورى] عُدوانا وطغيانا وحسدًا، ويتَّبعون الدنيا والمكاسب. لو سألني أحدكم ؛ أين هو التنافس المحمود ؟ قال: التفرّق المحمود هو تفرّق التنافس، فهذا اتَّجه إلى إعمار المساجد وهو يظنّ أنّه أعظم عمل وهذا اتَّجَه إلى نشْر الحق، وهذا اتَّجَه إلى إطعام الفقراء والمساكين وهذا أسَّس معاهد شرْعِيَّة، فهؤلاء تنافسوا مع إخوانهم في الحق، ولِخِدمة هذا الدِّين، وهناك من يعنيهم أن يرَوا الناس في بحبوحة ؛ فَيُؤَسّس جمعيَّة خيريَّة، وإعانة المساكين وطلبة العلم، وإنسان نشر الحق، ونشر الفضيلة فنحن يمكن أن نتنافس تنافسًا شديدًا، والله عز وجل قال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] وقال تعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾ [سورة الصافات] فالتنافس الشريف أن نتسابق لِخِدمة المسلمين، فالذي يُدرِّس يُساهم، والذي يبني يُساهم، والذي يُطعم الفقراء يُساهم، والذي يرعى الأيتام يُساهِم والذي ينشر الكتب يُساهم، فالاختلاف الأوّل طبيعي، والاختلاف الثاني قذِر ؛ اختلاف الحسد والبغي ولا تنافس على الدنيا، والاختلاف الثالث محمود، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] فهناك من يرى أن التجويد هو كل شيء، وآخر يرى الفقه، وذاك المواريث، وآخر مصطلح وذاك في التفسير، وآخر جرح وتعديل، وهذا عالم بالفقه المقارن والأحوال الشخصيَّة، وهناك من درس الإنجيل وردّ على مُدَّعيه، فكلّ عالم أخذ جانبًا وتفوَّق فيه، فكل هؤلاء العلماء أخذوا جانبًا وتفوّقوا فيه وهذا تنافس محمود عند الله عز وجل، فالمسلمون والعلماء متكاملون يشدّ بعضهم بعضًا، لذا لو تعاون الدّعاة إلى الله تعالى لكانوا وحدة متكاملة، والعقيدة الصحيحة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بِمُفردهِ، وأُمَّتُهُ معصومة بِمَجموعها، والله تعالى قال: وتعاونوا على البرّ..." فمُلخَّص الدرس أنَّ هناك تفرّق طبيعي سببه نقْص المعلومات، وآخر قذِر سببه المنافسة على الدنيا، وآخر محمود سبه التنافس في خِدمة هذا الدين، فأنت كُن مع الصِّنف الثالث، قال تعالى: فهدى الله الذين آمنوا....بإذنه " فكلٌّ مِنَّا يخدم الدِّين بما استطاع عليه، وبما يسَّر الله له، فكل إنسان يُيَسَّر لما خلق له، فأنْسب شيء يُناسبُك للجنَّة، وليس في الإمكان أبْدع مِمَّا كان. أرجو الله أن يكون تنافسنا من أجل خدمة هذا الدِّين، وليس من أجل السعي للدنيا، وأن نُوطِّن أنفسنا من أجل التعاون لا التنافس القذِر، وأن لا نُنْكر فضل الآخرين، وأن تكون لنا أدوار، وأن نسمح لآخرين بإقامة أدوارهم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، من المظاهر المرَضِيَّة في حياة المسلمين ؛ أنَّ الإسلام صار فِكْرًا وثقافةً، أو ما يُسَمَّى في بعض المجتمعات إسلام صالونات مجلس نتحدَّث بالدِّين وبالإسلام وبِقِيَم الإسلام، والحركات الإسلاميّة في العالم، وما يُعانيه المسلمون، فهؤلاء الذين يتحدَّثون ويتصدَّقون ويُشقِّقون الأفكار، لو دَخلت إلى بيوتهم لا ترى استقامة لا في سلوكهم ولا في أهلهم ولا في بناتهم، ولا في أوقاتهم، فالإسلام انْفصَل عن الحياة إلى الفِكْر وأصبح هناك مُفكِّر إسلامي يُقيم نَدَوات وهو لا يُصَلِّي ! وقد يشْرب الخمر فهذه الظاهرة الخطيرة ؛ انفصال الإسلام، أصبح عندنا سلوك وفِكر، فالسُّلوك غير مُطبَّق، الآية الكريمة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾ [ سورة الشورى ] الدِّين فقط مهما تبحَّرت فيه، وتفنَّنْتَ في عرْضِهِ، ومهما تعمَّقت في دراسته، وطالَعْتَ، ومهما جمَّعت من الثقافات الإسلاميَّة، ومهما كان أفقُكَ واسِعًا الدِّين بالذات لا قيمة له إطلاقًا من دون الْتِزام، لذلك ربّنا عز وجل يقول: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾ [ سورة الشورى ] إذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد الخلق، وحبيب الحق قد أُمر أن يستقيم فكيف بنا نحن ؟! لذا لا معنى للدَّعوة من دون استقامة، ولا معنى للتَّعاون الإسلامي من دون استقامة، ولا معنى من اقتناء كتب إسلاميَّة من دون استقامة، ولا معنى من اقتناء أشرطة من دون استقامة، تقريبًا ؛ فكيف أنَّ التِّجارة فيها نشاطات كبيرة جدًّا، ومتنوّعة جدًّا، إلا أنَّ هذه النَّشاطات تنتهي بشيء واحِدٍ هو الرِّبح، فإن لم ترْبَح فلسْتَ تاجِرًا ! كلّ هذه النشاطات ؛ من مَحلّ وموقع المحلّ، وتَزيين المحل، والمحاسب والكمبيوتر، والمستودعات والتِّلكسات، وكذا إن لم تسْتقِم فلسْتَ مؤمنًا وهذا كلام دقيق، وفِّروا وقتكم يقول عليه الصلاة والسلام: (( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ *)) (رواه البخاري) المؤمن الصادق يُراجِع حِساباته الدقيقة، ويُراجِع دَخْلهُ، وبيتهُ وبناته، وزوجته، وأوقات فراغِهِ، وأفراحِهِ، وأحزانِهِ، وعلاقاته، وذِمَمِهِ ودُيونِهِ وواجباته ؛ يراجعها كلّها فإن لم تنطبق على منهج الله فهناك تقْصير كبير، ومن هنا قال الله عز وجل: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾ [ سورة الشورى ] فالرَّبط بينهما الدَّعوة والاستِقامة، فلو أنَّه دعا ولم يسْتقِم فَدَعوتُهُ ساقِطة، فالآن أيّ داعِيَة لو دعا ولم يسْتقم لا أحَدَ يعْبأ بِكَلامه إطلاقًا، ولا أحد يُفكِّر فيما يقول، والناس يتعلَّمون بأعْيُنِهم لا بِأُذونهم، ولأنّ لغة العمل أبْلغُ من لغة القَول، والله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)﴾ [ سورة الصف ] المقْت أشدّ أنواع الكراهِيَّة، فأنت إذا أردْت أن تكون عند الله تعالى بِحالة المقْت فقُل شيئًا ولا تفْعلْهُ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت *)) [ رواه الترمذي ] هود يعني سورة هود، والذي شيَّبَهُ فيها قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾ [ سورة هود ] وإيَّاك أيُّها الأخ الكريم أن تتوهَّم أنَّ هذا نبي !! إنَّ الله أمر المؤمنين بِما أمر به المرسلين، فأتن إن حضرْت الدروس، وأُعْجِبْتَ بِفلان، وأثَّر الداعية الفلاني في كلامك، كل هذا لا قيمة له إن لم تسْتقِم أنت، ومهما كنتَ مُستمِعًا أديبًا لا ينفعُكَ من الكلام إلا ما طبَّقت منه ومهما كان المتكَلِّمُ فصيحًا لا تنفعُهُ فصاحتُهُ إلا إن طبَّقَ ما يقول، فالمُتَكَلِّم يُحاسَب على مدى مِصداقيَّة ما يقول، والمستمع مُحاسب على مدى تطبيق ما يقول، فَمِن أجل أن تنالَ من الدِّين أعلى مردود اسْتَقِمْ، وكنتُ أقول دائِمًا: كلمة ألف مليون دولار لِمُواطِن عادي ؛ ماذا تعني ؟! فلو أنَّ واحِدًا لفظها وما معه قيمة خُبز ؛ ما قيمة هذا اللَّفظ ؟! فبين أن تلفظها وبين أن تمْلِكَها ؛ كم في المسافة ؟!! كبيرة جدًّا، فالمسافة نفسها، بين أن تدْعو إلى الله تعالى وأنت غير مستقيم، وبين أن تستقيم؛ إنَّك إن اسْتَقَمتَ قطَفْتَ ثِمار الدِّين، والحقيقة أنت تُعامِل خالق الكون، دقِّق بِصلاتك، والخشوع فيها، ودقِّق في معاملاتك التِّجاريَّة ؛ هل يوجد تدليس أو إيهام أو إخفاء عَيب أو احتِكار، دقِّق في بيتك هل بناتك يخرجن للشُّرفة من دون حِجاب أو سهرة لا تُرضي الله، أو حديث فيه غيبة، لا بدّ أن تُدقِّق، وأنت إن دقَّقت اتَّصَلْت بالله تعالى، فالذي يقوم للصلاة مُتكاسلاً، وهي من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾ [ سورة النساء ] لأنَّه غير مستقيم، ومحجوب عن الله تعالى، أما إن كان مستقيمًا وِفْق المنهَج، إذا قام للصلاة يرى كلّ السَّعادة في الصَّلاة، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام: قال له: (( عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا * )) [ رواه أبو داود ] أما لسان معظم المسلمين: أرِحنا منها !! وفرق كبير بين أرِحنا بها، وبين أرِحنا منها، يقول لك: صلَّيْتُ العشاء وارْتَحْتُ !! فهذه الآية دقيقة، فلذلك كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾ [ سورة الشورى ] دعوتك لا قيمة لها إن لم تسْتَقِم فالمستقيم كبير عند الناس، وعند زوْجتك وعند أولادك، فالزَّوجة إن لاحَظت صلاح زوْجها، ودقَّته في الكلام ويغضّ بصرَهُ تحْتَرِمُهُ، ويقضي سهْراته بالغيبة فإنَّ هذا الزّوْج يسقط من عين زوجته. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [ سورة الشورى ] بديل الاسْتِقامة هو اتِّباع الهَوَى فأنت بين أمرين إما أنَّك مستقيم على أمر الله، وإما أن تتَّبِعَ الهوى، وهذا مخالف لمنهج الله. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾ [ سورة الشورى ] المؤمن عملهُ كلُّه استقامة، ونُصْح، وتَطبيق لِمَنهج الله، ِدقٌ على خلاص على نصيحة على تواضُع، فالله عز وجل وصف المؤمن فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى(11)﴾ [ سورة الليل ] يبني حياته على العطاء، وهناك من يأخذ كلّ شيء فهذا ما أقرض الله عز وجل، قال تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)﴾ [ سورة البقرة ] قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [ سورة الشورى ] فالعدل حسَن ولكن في الأمراء أحْسن، والحياء حسَن ولكن في النِّساء أحْسَن، والورع حسن، ولكن في العلماء أحسن، والتوبة حسنة ولكن في الشباب أحْسن والصَّبر حسن، ولكن في الفقراء أحْسن، والسّخاء حسن ولكن في الأغنياء أحْسن، عبادة الغني السَّخاء، وعبادة الغني الصَّبر وعبادة المرأة الحياء، وعبادة العالم الورع، وعبادة الأمير العدل. قال تعالى ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾ [ سورة الشورى ] فإذا كان الإنسان له خصْم وهذا الخصم قويّ وعنيد، ورد بأقوال سيِّدنا علي: كفاك على عدوّك نصْرًا أنَّه في معْصيَة الله، وكفاك انْتِصارًا عليه أنَّك في طاعتِه ! فمهما كان خصْمك قويّ فأنت منتصر عليه لأنَّك مع الحق وفي طاعة الله. هدفنا الأوَّل التطبيق العملي، وهذا الذي نحْرص عليه ونُعوِّلُ عليه، وهو الذي يجْعلنا متألِّقي والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية العشرون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ [ سورة الشورى ] أنت مُخيَّر في أكثر من آية في القرآن الكريم، قطْعِيَّة الدلالة والثبوت، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾ [ سورة الأنعام ] إذا ظَنَنْتَ أنَّ الله تعالى أجْبرَكَ على عملك فهذه عقيدة أهل الشِّرك، فأنت مُخيَّر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾ [ سورة الكهف ] قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾ [ سورة الإنسان ] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)﴾ [ سورة فصلت ] وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾ [ سورة البقرة ] وأيَّة آيةٍ يُشَمُّ منها رائِحَة الجَبْر يجب أن تُحْمَل على آيات الاخْتِيار لأنّ القاعدة الأصوليّة تقول: أنَّ الآيات المشتبهات مهما كثُرت تُحْمل على الآيات المحْكَمات مهما قلَّتْ. شيءٌ يلْفتُ النَّظر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ [ سورة الشورى ] إن أردْت الآخرة تأتيك الدنيا والآخرة، قال تعالى ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [ سورة الشورى ] تأتيه الدنيا وهي راغمة، وهو في الآخرة من السُّعداء، قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ [ سورة الشورى ] ما قال نؤْتِه الدنيا، ولكن قال: نؤْتِهِ منها ! أي نؤْتيه بعضها ؛ يعطيه المال ويحْرِمُهُ الذريّة الصالحة، يُعطيه الذريَّة ويحْرمُهُ الزَّوجة الصالحة، يعْطيه الشَّأن والوَجَاهة ويحْرِمُهُ السَّعادة لأنّ هذه الدنيا لن يستطيع أحدٌ أن يُحصِّلها من كلّ أطرافها، لأنَّه إذا فعَل ذلك كرِهَ لِقاء الله عز وجل، هناك حِكمة بالغة فالله تعالى يأخذ لِيُعطي، ويبْتلي لِيَجزي، ذكرتُ البارحة في بعض الدُّروس أنَّ الله تعالى ضارّ ولكن ينبغي أن تقول: الضارّ النافع، فلا يجوز الإفراد في هذا الموضع لأنَّه يضرّ لِينفع،و يخفض لِيَرفع، ويُذِلّ لِيُعِزّ، ويأخذ ليُعطي، ويقبض لِيَبسط، لذلك كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ [ سورة الشورى ] فالإنسان أراد الدنيا، وأصرّ عليها، ولم يعبأ بِغَيرها، وجعلها مُنتهى آمالِهِ ومحطّ رِحالِهِ، وكلّ طاقاته، وإمكاناته وقدراته، صرفها في الدنيا بعدها سيفاجئ أنَّه لا بدّ من مرض مُفْسِد، وهرم مُفنِّد، ومن موت مُجهِز، ومن فقْرٍ مُنْسي، ومن غِنًى مُطْغي، ومن دجَّال يُدجِّل، فهذه الساعة لا بدّ آتِيَة، فالذي أراد الدنيا لا بدّ من أن يُحْرمَها شاء أم أبى، أعْجبَهُ أم لم يُعْجِبْهُ، فهذا خِيار، ومن هنا قيل: من آثر دنياه على آخرته خسِرهما معًا، ومن آثر آخرتَهُ على دُنياه ربِحَهُما معًا. أجْملُ دعاءٍ سَمِعتُهُ، كان في أحد الولائم، وقال أحدهم فدعا وقال: اللهمّ اجْعل نِعَم الدُّنيا متَّصِلة بِنِعم الآخرة ! فالله عز وجل يقول ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [ سورة النساء ] ممكن أن تعيش حياةً هانئة، ويأتي ملك الموت فتنتقل إلى جنَّة عرضها السماوات والأرض، لأنَّ المؤمن حينما يموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعَةِ الآخرة، كما ينتقل الجنين من ضيق الرَّحِم إلى سعة الدنيا، رحم حجمه سبعمائة وخمسون سنتمتر مكعَّب الطِّفل إذا وُلد قد يسافر إلى أمريكا وإلى اليابان، وقد يصْعد إلى القمر، وازِن بين حجْم الرَّحم، وبين الفضاء والسَّفر من قارة إلى أخرى، أين كان يعيش ؟ فالمؤمن إذا مات انتقل من ضيق الدُّنيا إلى سعة الآخرة، لذلك الإنسان أيها الإخوة ونحن أحياء ونحن في بحبوحةٍ الآن ؛ نحن أمام خِيار صَعب، يجب أن تختار الآخرة وأن تنقل كلّ اهْتِماماتك إلى الآخرة، ويجب أن تكسب المال من أجل إنفاقه في سبيل الآخرة، ويجب أن تُربِّي أولادك من أجل أن يرْضى الله بك في الآخرة، وأن تأخذ بيَدِ زوْجَتِك إلى الله تعالى ورسوله من أجل أن تسْعد بها في الدنيا والآخرة، فلذلك هذا الخِيار الصَّعب ؛ إما أن تختار الدنيا وإما أن تختار الآخرة، فإن اخْترتَ الدنيا أعطاك بعضها، ومالك في الآخرة من خلاق، وإن اخْترتَ الآخرة أعطاك الدنيا والآخرة، من شغلهُ ذِكري عن مسألتي أعْطَيتُهُ فوق ما أُعطي السائلين، عبدي كُن لي كما أُريد أكُن لك كما تُريد، وكُن لي كما تُريد ولا تُعْلمني بِمَا يُصْلِحُك، أنت تريد وأنا أُريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفَيْتُكَ ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعَبتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد وخلقتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلقِهِنّ، أَفَيُعْييني رغيف أسوقُهُ لك كلّ حين، وعِزَّتي وجلالي لي عليك فريضة ولك عليّ رِزْق، فإذا خالفْتني في فريضتي لم أُخالفْكَ في رِزْقِك، إن لم ترْض بما قسَمْتُهُ لك فلأُسلِطَنَّ عليك الدنيا، ترقُد فيها رقْد الوَحش في بريَّة، ثمَّ لا ينالكَ منها إلا ما قسْمته لك ولا أُبالي، وكنتَ عندي مذمومًا. آية دقيقة جدًّا، ونحن أمام خِيارٍ صَعب، ويجب أن تختار الآخرة، فإن اخْتَرتَ الآخرة جاءَتك الدنيا وهب راغمة، أما إن اخْترتَ الدنيا أعطاك الله بعضَها، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ [ سورة الشورى ] هناك معنى ضِمني، إذْ يستحيل أن تشتغل بِطاعة الله، ويشْغَلَك بِغَيرِهِ، أنت حينما تنْصرف إلى الله تتقدَّس نفْسُك، وعندها تكون أكرم على الله من أن يُخيفك، ومن أن يُذِلَّك ويشْغلَك بِنَفْسِكَ، فالذي ينصرف إلى الدنيا، وهو غافل ساهٍ لا بدّ من صَحْوةٍ يوقِضُه بها الله، أما إذا انْصرف إلى الله هو أكْرمُ على الله من أن يشْغلهُ بما سِواه، ذكروا أنَّ الإمام أبا حنيفة قرأ حديثًا عطفهُ مائة وثمانين درجة، قال: من طلب العِلم تكفَّل الله له بِرِزْقِه ! ليس المعنى أن يَجِد تحت الوِسادة مالاً، ولكن يُوفِّقُهُ إلى عملٍ وقْتهُ معقول، وأجْرهُ مَعقول ؛ فالذي يُحبّ أن يحضر مجالس العِلم، هذا وقت فأنت حينما تطلب العِلم يُيسِّر الله لك عملاً مُريحًا ووقْتُهُ قليل، ودخلُهُ كبير، فهذا يعني أنَّك طلبْتَ العِلم على حِساب الله، أما الذي يقول: أنا لا أطلب العِلم لأنَّه ليس لي وقت !! فهذا يحرق قلبه من العمل، والإنسان إذا أحبّ الدنيا منها بِثَلاث: شُغْل عناه ؛ أعمال فوق طاقته، والله تعالى قادِر أن يشغل لك أعمالك بِأشياء سَخيفة، وقادر على أن يخسرك المئات !! ولكنَّ الإنسان إذا حضر مجالس العلم فقد دفعَ زكاة وقته، وتجد وقته ثمين ولذا أجمل كلمة قيلَت: أنَّ المؤمن مُبارَك، كلمة مُتداولة كثيرًا بمعنى أنَّ الله تعالى بِمَال قليل يُعطيه الخير الكثير، وبِوَقت قليل يُنْجزُ فيه أعمال كثيرة، وبالمقابل تجد من له مال كثير لا يفعل به إلا القليل، وتجده قضى الشهور ولم يحصِّل ولا جزءً ممَّا أراد، ويا أيُّها الإخوة، كلُّكم يعلم أنَّ لو أنَّ أحدًا كلَّفته عمليَّة أربعة ملايين بفرنسا، وبيته ثمنه أربعة ملايين، فأنا لا أشكّ أنَّه يتردَّد ولا ثانية في بيع بيْتِه، طيِّب لو أنَّ إنسانًا مسَك خمسين ألف ليرة وحرقها، فهل تحترم أنت هذا الشخص ؟! تعُدُّه مجنونًا فالذي يُنفق وقته جُزافًا يُعدُّ أشدَّ سفهًا مِمَّن يُحرق خمسين ألف أمامك. فَمِحور الدرس ؛ أنَّك إن أردت الدنيا وأصْررْت عليها أعطاك الله بعضها وأشقاك بِبَعضها الآخر، وليس لم في الآخرة من خلاق، أما إن أردْت الآخرة أعْطاك الآخرة، والدنيا، وكنتَ أسْعد الناس، فالله يُخيِّرنا بين أن نأخذ الدنيا فنأخذ بعضها ونشق بالبعض الآخر، وبين أن نختار الآخرة فنأخذهما معًا، ونكون أسْعد الناس، وطاعة الله هي سبب السعادة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [ سورة الأحزاب ] وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132)﴾ [ سورة آل عمران ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، ربنا عز وجل يقول في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)﴾ [ سورة الشورى ] من حكمة ربِّنا في كتابه الكريم أنَّه دائِمًا يُزاوِج بين وصْف أهل الجنَّة ووصف أهل النار، وبين الوعيد والوعد وبين حالات النَّعيم وحالات الجحيم. الحقيقة أنَّ قلب المؤمن يجب أن ينطوي على ثلاثة مشاعر دائمًا: شُعور التعظيم لله تعالى، وشُعور الخوف من الله، وشُعور المحبَّة لله تعالى يُستنبط هذا من أثرٍ قدسي، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربّه: قال يا رب أيُّ العباد أحب إليك حتى أُحبَّه بِحُبِّك ؟ قال: أحبّ العباد إليّ تقيّ القلب، ونقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، احبَّني، وأحبَّ من أحبَّني، وحبَّبني إلى خلقي ! فمِن لوازم محبَّتِك لله أن تُحبّ أنبياء الله وأن تحبّ رسله، وأن تحبّ أولياء، وأن تُحبّ المؤمنين، لذلك هذا الذي لا يحبّ المؤمنين هو دليل نفاقه، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50)﴾ [ سورة التوبة ] قال: يا رب، إنَّك تعلم أنِّي أُحبُّك، وأُحبُّ من يحِبُّك، فكيف أُحبِّبُك إلى خلقك ؟ قال: ذَكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ! الآلاء هي الآيات العظيمة وهذا من أجل أن يُعظِّموا الله تعالى، والآلاء من أجل أن يُحِبُّوني، والبلاء من أجل أن يخافوني، فالدعاة إلى الله إذا أكثروا من ذِكر البلايا والمصائب، والأمراض الوبيلة أخطئوا لأنَّهم ملئوا القلب خوفًا ولم يملئوه محبَّةً، وإذا بالغوا بِإظهار النِّعَم، وأغفلوا المصائب والنِّقم، لذا لا بدّ من أن تعبد الله تعالى رغبًا ورهبًا، ولا بدّ من أن ترْجُوَ رحمته، وتخشى عذابه، ولا بدّ نم أن يجتمع في قلبك حبٌّ وخوف، فالحبّ والخوف يتكاملان ويتوازنان، ولو ازْداد الحبّ على الخوف لقصّرْت في الطريق على الله، ولو ازْداد الخوف على الحب لقعَدْت عن المتابعة إلى الله فالحِكمة البالغة أن تجمع بين الحب والخوف، فربُّنا عز وجل من حكمته في كتابه الكريم أنَّه يجمع بين حالات أهل الجنَّة، وحالات أهل النار. قال تعالى: ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [ سورة الشورى ] الإنسان أحيانًا إذا أراد أن يتحرَّك إلى هدف يحتاج إلى مُشَجِّعات، وأنت كأب أو معلِّم إذا كان عندك إنسان يتحرَّك نحو الأحْسن يجب أن تُشَجِّعهُ وقد ورَدَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه ما مِن صحابيٍّ إلا وكان يظنّ أنَّه أقرب الناس إليه، فإذا كان يقول عن سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه ما ساء ني قطّ، لقد أعطاني ماله وزوَّجني ابنته فاعْرِفوا له ذلك وما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبيٍّ أفضل من أبي بكْر، ولو كان نبيّ بعدي لكان عمر رضي الله عنه، وكيف لا أستحي من عثمان والملائكة تستحي منه وما ضرّ عثمان بعدما فعله اليوم، أما علي رضي الله عنه فالحديث عنه كثير جدًّا، وسيدنا سعد كان يقول له: ارْمِ سعْدُ فداك أبي وأمي، وسيدنا معاذ قال له: والله إني لأحبّك، وسيّدنا عبيدة بن الجراح قال عنه: إنَّه أمين هذه الأمَّة، وخالد سيف من سيوف الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام شجَّعَ أصْحابه، ومنهج الله تعالى في كتابه هو تشجيع المؤمنين على الطاعة، ويُعطيهِ دَفعة روحِيَّة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾ [ سورة الشورى ] الآن مِحْور الدرس، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾ [ سورة الشورى ] أحدُ أكبر علامات الدَّعوة الخالصة إلى الله تعالى أنّ الداعية الصادق لا يسأل أجْرًا لا مادِّي ولا معنوي، ولا مديح ولا ثناء، فهو يبتغي وجه الله عز وجل لكن هناك أداة استثناء في الآية وهو أدقّ ما في الآية، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [ سورة الشورى ] إلا أن تعمل عملاً يعبِّر عن مودَّتِك لله يقرِّبك من الله فلو أنَّ أبًا غنيًّا وقويًّا ولا يحتاج ابنه أبدًا، ولكنَّ رحمة الأب تقتضي أنّه إن كان ابنه سعيدًا يسْعد به، يقول له: يا بنيّ، لا أُريد أن تكون شيئًا إلا أن تكون إنسانًا عظيمًا وأن تُوفَّق في حياتك، وأن تكون لامِعًا في الحياة أما أنا فلا أُريد منك شيئًا هذا هو موقف الأنبياء، دخل سيدنا عدي بن حاتم إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال: قذف إليّ وسادةً من أدم محْشوَّة ليفًا، فقلتُ: بل أنت، فقال: بل أنت ! قال: فجلسْتُ عليها، وجلس عليه الصلاة والسلام على الأرض !! هذا هو بيته صلى الله عليه وسلَّم وكان إذا أراد ان يُصلِّي الليل ابْتَعَدت السيّدة عائشة حتَّى يُصَلِّي !! قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾ [ سورة الشورى ] لا قريب ولا بعيد، ولا مادي ولا معنوي، ولا ثناء، ولا مديح، إلا أن تكون أنت مؤمنًا متألِّقًا مستقيمًا هذا يُسْعِد من يدعو إلى الله، فأعظم سعادة تدخل على قلب من يدعو إلى الله أن يرى من حوْله في المستوى المطلوب والراقي، فالداعية يثلج قلبه حينما يرى إخوانه في مستوى الإيمان الحقيقي، أما الذي يبحث عن مكسب مادِّي للدعوة إلى الله ؛ هذا مسكين، واختار الخسيس عن النفيس، وهذه هي الآية ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾ [ سورة الشورى ] الآية لها تفاسير كثيرة، أوْجه تفسير فيها أن تتودَّد إلى الله تعالى بِعَمل صالحٍ كي تتقرَّب إليه، أي أنا لا أريد شيئًا فكلمَّا ارتقى الإنسان مكانه عند الله لا يطلب المكاسب الأرْضيَّة، ولكن يطلب ما عند الله من أجر وثواب فالإنسان في زماننا لا يستطيع أن يدخل عند الطبيب وليس معه خمس مائة ليرة، وهل لك أن تدخل عند محامي أو مهندي من دون أتعاب ؟ إلا بيت الله تعالى ؛ لا رسم اشتراك، ولا بطاقة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(17)﴾ [ سورة القمر ] ذكر لي أخ أنّ سيارته تعطلت فيها العجلة فبقي يوقف الناس حوالي ساعة ونصف فلم يقف له أحد، إلى أن وقف له شخْص، فقال: له تفضَّل الكريك، فهذا الأخ كبر عند قلبه هذا الإنسان، كيف أنَّه أتعب حاله ووقف وفي الأخير هذا الذي وقف طلب من هذا الأخ نقودًا !! فقال الأخ في قلبه: ليْته لم يطلب منِّي !! فالإنسان الذي يأخذ الأجر على دعوته هذا إنسان لا قيمة لِعَمَله، أكيد أنّ المحامي والمهندس لا بد أن يأخذوا ثمن خدمتهم ؛ هذا موضوع ثاني ولكن الأمور الدِّينيَّة لا بد أن تكون له تامَّة. هذه الآية كبيرة جدًّا تسعُ كلّ الناس، فهناك من لا يتحرّك إلا بِعُمولة، أما موقف الأنبياء والعلماء الصادقين هو: قل لا أسألكم عليه أجرًا ! لا تطلب شيئًا، أدِّ الذي عليك، واطْلب من الله الذي لك، هذا كلام ليس له علاقة بالأعمال الدنيويَّة، فهو حصْرًا في الأعمال الدِّينيَّة، وهناك آية أخرى تعضدها، وهي قوله تعالى ": ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾ [ سورة يس ] فحياة المؤمن مبْنِيَّة على العطاء، أما غير المؤمن فَيُسْعِدُهُ أن يأخذ، وإذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة اُنظر ما الذي يُسْعِدُك، فإن كان الذي يُسعدك العطاء فأنت من أهل الآخرة، وإن كان يُسعِدُك الأخذ فأنت من أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى()وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾ [ سورة الشورى ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والعشرون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾ [سورة الشورى] الإنسان أوَّل ما يعنيه وُجوده ؛ يُحِب الحياة ويكره الموت، وثاني ما يعنيه رزْقه ؛ وُجودُهُ ورِزقهُ وهذان الأمران بيَدِ الله وحده، فلِكُلّ إنسان أجلٌ لا يتقدَّمه ولا يتأخره فإذا آمن الإنسان هذا الإيمان كان شجاعًا ومِقْدامًا، أما إذا علِم أنَّ رِزقه بيَد الله ما طلبه من حرام، وقد ذكرتُ من قبل حقيقة الرِّزْق، وهي أنَّ تُفَّاحةً على الغصن الثالث في الفرع الرابع في الشجرة الثانية في بُستان فلان هذه التُّفاحة لفُلان إلا أنَّ الإنسان مُخيَّر في طريقة وُصولها إليه ؛ فقد يشْتريها وقد يسْرقها، وقد يأكلها ضِيافةً، وقد يأكلها هديَّةً، فَطَريقة وُصول الرِّزق هي باختيارك، أما ما دام الله عز وجل قد خلقَك، فقد خلق لك رِزْقك، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾ [سورة الذاريات] وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)﴾ [سورة الذاريات] إلا أنّ الله سبحانه وتعالى في حياتنا ثبّ َت أشياء كثيرة، وحرَّك أشياء ؛ فَمَثلاً دورة الأرض حول الشمس ثابتة افْتح أيّ تقويم تجد أنّه بعد عشرين سنة سَتَشرق الشمس في الشهر الفلاني على الساعة كذا، معنى ذلك أنّ دورة الأرض ثابتة، وحركة الأفلاك ثابتة وخصائص الأشياء ثابتة، وهذا من أجل أن تنتظم الحياة، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى حرَّك الرِّزق، فقد تأتي أمطار غزيرة، وقد تشحّ الأمطار وقد يأتي رزْق وفير، وقد يقلّ الرِّزق، فالرِّزق متحرِّك، أما سوى الرزق فالكل ثابت، وهذه الثوابت من أجل انتظام الحياة، والمتغيِّرات من أجل تربيَة الإنسان. أوَّل حقيقة في الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا قبض، وإذا قلَّل، وإذا قنَّن وإذا أفْقَر لا لِعَجزٍ عنده، ولكن لِتَأديب الإنسان، فتقنين الله تعالى تقنينُ تأديب، أما تقنين الإنسان هو تَقنين عَجْز، فقد تقبضُ يَدَك لأنَّ دَخلك مَحدود، وقد تمْتَنِع عن الإنفاق لأنَّ لا تمْتلِكُ ما تُنفق ؛ هذا شأن الإنسان أما شأن الواحد الدَّيان فقد قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾ [سورة الشورى] لو هذه في الُّلغة هي حرْف امتِناع لِامتناع ؛ أيْ امْتَنَع البغي في الأرض لامتناع بسْط الرِّزق، الإنسان إذا كانت نفسهُ ضعيفة، فالمال الكثير يُعطيه خيارات للفسق كثيرة جدًّا، فربُّنا عز وجل يعْلم حقيقة الإنسان، ويعلم صمودهُ، ويعلم هشاشة مُقاوَمَتِهِ، فإذا علِمَ في عبده ضَعًا في الإرادة أو الثبات على الحق لا يُعطيه فرْصةً ِيَفْسِق، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾ [سورة الشورى] فبَغْيُهم في الأرض بِسَبب الرِّزق، لذا ربُّنا عز وجل يُقَنِّن، من هنا قال الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)﴾ [سورة الفجر] من قال لك: إنّ تَقنين الرِّزق إهانة ؟ إنَّه ترْبيَة، ومن قال لك إنَّ بسْط الرِّزق إكرام ؟ نَّه ابتلاء، أيْ يا عبادي ليس عطائي إكرامًا، ولا منْعي حِرمانًا، إنَّ عطائي ابتِلاء وحِرماني دواء؛ هكذا ينبغي أن نفْهم، وبالمناسبة أيُّ حظٍّ من حظوظ الدُّنيا أصابكَ منه شيء، لا يُسَمَّى نعمةً كما أنّه لا يُسَمَّى نِقمةً ؛ موقوف على نوع اسْتِخدامِهِ، فلو أنفقْت المال في طاعة الله تعالى، ووظَّفْته في سبيل الله، انْقلَبَ هذا المال من ابْتِلاء إلى نعمة ولو أُنْفِقَ هذا المال في معصِيَة الله، انْقلبَ المال من ابتلاء إلى نِقمة، فالمال والصِّحة والفراغ، والوسامة والقوَّة والذَّكاء، وطلاقة اللِّسان، والشَّان الاجْتماعي ؛ كلّ حُظوظ الدنيا سُلَّم نرْقى بها، أو دركات نهْوي بها كلّ حظوظ الدنيا موقوفة على نوع اسْتِخدامها، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)﴾ [سورة الفجر] لذا لا تقل هذا إكرام، ولا تقل هذه إهانة، ليس العطاء إكرامًا ولا المنْعُ إهانةً ؛ إنَّما العطاء ابتِلاء، والحِرمان دواء. إذًا كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾ [سورة الشورى] لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾ [سورة الحجر] يُقال لك: هناك نقْص بالمواد، وشحّ بالمياه، وحرب مياه، وتفجُّر سكاني لا يُقابله النموّ الزِّراعي ؛ هناك حِسابات خاطئة يقولها الذين لا يعرفون الله عز وجل، أذكر مرَّةً أنَّه في سنةٍ من السَّنوات كان مستوى المياه الجوْفيَّة في الشام إلى أدنى مستوى، وكنَّا على وشَك الجفاف الكامل، ثمّ جاءَت سنة كان في المطر غزيرًا ففجَّر ينابيع كان غائرة من ثلاثين عامًا، وجاء الإنتاج الزِّراعي بِكَمِّيات فلكِيَّة، فقد كانت حاجتنا مليون طنّ، وحصدنا ثلاثة ملايين طنّ ! فالله تعالى إذا أعطى أدْهش، والله تعالى ثبَّتَ أشياء، وحرَّكَ أشياء، فالذي ثبَّتَهُ لانتِظام الحياة، والذي حرَّكه لِتَربيَة الناس، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى] لو الواحد سأل هذا السُّؤال: كيف أزيدُ رِزقي ؟ الجواب: قال تعالى: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾ (سورة الجن) والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾ [سورة الأعراف] الثالثة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾ [سورة المائدة] وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)﴾ [سورة نوح] فالاستغفار والاسْتِقامة، وصِلة الرَّحِم تزيد في الرِّزق، فكلٌ مِنَّا جعل الله له مالاً بين يَدَيه ؛ يستطيع أن يتفقَّد به من حوله ؛ هذه الصِّلة تزيد في الرِّزق، وإتقان العمل يزيد في الرِّزق، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132)﴾ [سورة طه] بيتٌ تُقامُ في الصَّلوات الخمس، والأب يأمر بالصلاة، هذا البيت مُبارك، وله رِزق وفير، لذا هناك عوامل كثيرة تزيد في الرِّزق ؛ منها ما سبق، ومنها الأمانة، فكلّ هذه العوامل تزيد في الرِّزق، والله سبحانه وتعالى كي يربِّينا، ويدفعنا إليه جعل الرِّزق غير ثابت، لماذا المُرابي بعيد عن الله فهذا له رِبْحٌ ثابت لا تهمُّه الأمطار، ولا رواج بِضاعة، أما غيره تجده يدعو الله تعالى، فبَيْع البضاعة بيدِ الله، والمُزارِع يدعو الله بالمطر فهؤلاء ينتظرون رحمة الله، لذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل الرِّزق متغيِّرًا كي يرْبطنا به، لأنّ ثاني أهمّ شيء في حياة الإنسان رِزقه، والله عز وجل خلق فينا دافِع الجوع، ودافِع الزَّواج، ودافِع العلوّ، وهذه الدوافِع الثلاث لولاها لما تحرَّك إنسان ؛ فَمِن أجل أن تأكل تدرس، ومن أجل أن تأكل تعمل، ومن أجل أن تأكل تُؤسِّس عملاً ؛ لذا دافِعُ الجوع هو الذي يُحرِّك الناس. أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى] فلا رِّزق دقيق، والشيء الثاني، وهو أنَّ الرِّزق المُقنَّن يُمْتحنُ به الإنسان فإذا قال لك شخص: أقمْتُ عقْد قِران بِسِتِّين مليون، نقول له: نحن نُزوِّج به مائة وعشرين شاب، نزوِّجهم، وأنت أنفقْتهم في ليلة واحِدة ! لذا ما أتخم غنيّ إلا بِجُوع فقير، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى] قال: بعض الكلاب في أمريكا، تأكل من اللحم ما لا يأكله الشّعب الهندي من اللحم ! شعوب تموت من الجوع، وشعوب تُطْعم كلابها من اللَّحم ما لا يأكله الشَّعب الهندي بأكمَلِهِ، وهذه أستراليا تعدم عشرين مليونًا غنمًا بالرَّصاص للحِفاظ على أسعار اللَّحم المرتفعة، وشعوب أخرى تموت من الجوع كالصومال ! لذلك العقاب كان أنَّ الله تعالى أنزل عليهم بلاءً بِقَتل ثلاثة عشرة مليون بقرة من أنّها مصابة بالجنون، وثمن هذه الأبقار ثلاثة وثلاثون مليون جنيه استرليني !! فكان هذا عقابهم، لأنَّهم كانوا يُطعمون البقر لحوم الجِيَف فجنَّ البقر ! وانتقل هذا المرض للإنسان، وقد قال بعضهم: إنَّ جنون البقر من جنون البشر، حينما خرجوا عن منهج الله جُنَّت البقر، وانتقل هذا المرض للإنسان ! قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى] ولو بسَط الله الرزق لعباده لبغوا..يشاء" والحقيقة لما يكون الإنسان فقيرًا لا يكون معه فرصة لعصيان الله تعالى، فهذا له أجر على استقامته، أما الذي معه المال ويبقى على الصراط المستقيم ؛ فهذا له أجر عظيم جدًّا، وقد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من الفقْر والكُفْر، وسأل الله التُّقى والعفاف والغنى، (( فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ *)) [ رواه مسلم ] غِنَى الكِفاية لا غِنى البَطر، هذا الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام، كما أنّ هناك فقْر الكسل، وفقْر القَدَر، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾ [سورة الشورى] يعلم حقيقة الإنسان، وهشاشة مُقاومتِهِ ومدى صُموده أمام المُغريات. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)﴾ [سورة الشورى] يقول أحد العارفين بالله: ربما كان المنعُ عَين العطاء، وربّما كان العطاء عَين المنْع ! وإذا كُشِفَت لك الحكمة في المنع عاد المنعُ عَين العطاء فالمؤمن مستسلِم لقضاء الله، لأنَّه يعلم أنَّه لكلّ شيء حقيقة، وما بلغَ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخطئهُ، وما أخطئه لم يكن ليُصيبه. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الثلاثون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [سورة الشورى] مع أنَّ هذه الآية واضِحة الدلالة أو قطْعيَّة الدلالة، ومع أنَّ هذه الآية في كتاب الله، ولكن كثيرًا من المؤمنين ضِعاف الإيمان، لا يستطيعوا أن يفْهموا المصيبة كما أراد الله تعالى أن نفْهمها. الله جلّ جلاله غنِيّ عن تعذيبنا، لأنَّه يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147) ﴾ [سورة النساء] ولأنّ الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة جدًّا، يبيِّن عدالته المطلقة قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ [سورة الزلزلة] ولأنَّه يقول في كتابه: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)﴾ [سورة غافر] ولأنَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾ [سورة العنكبوت] ولأنَّ الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي يقول: ﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)﴾ [سورة التوبة] فالإنسان حينما يتَّهِم نفْسه عندما تلِمُّ به المصيبة ؛ هذا الاتِّهام صحيح طبْعًا لا شكَّ أنَّ المصائب تنقسم إلى خمسة أقسام: قسمان منها تُصيبُ العُصاة، وثلاثة أقسام منها تُصيب المؤمنين. أما المصائب التي تُصيب العصاة، إنَّها مُصيبة قصْمٍ، أم مصيبة ردْعٍ إنسان خارج المنهَج يأكل مالاً حرامًا، ويعتدي على أعراض الناس ويوقِع بينهم العداوة والبغضاء، ويخون ويكذب، ولا يستقيم على أمر الله هذا العاصي إما أن يقْصِمَهُ الله، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾ [سورة هود] إما أن يقْصِمَهُ الله تعالى، وإما أن يرْدَعَهُ، فالذي خارج منهج الله عز وجل، ولا يعْبأ بِكَلام الله، ولا يأتَمِر بما أمر، ولا ينتهي عمَّا عنه نهى وزَجَر، هذا تُصيبُهُ مصيبة القصْم أو الرَّدْع، أما هؤلاء المؤمنون، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] أما المؤمنون يُصابون بالمصائب، وهم مستقيمون، فالقرآن الكريم يُخاطب كلّ الناس بهذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [سورة الشورى] ويُخاطب المؤمنين بِآيةٍ أخرى هي قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] فالإنسان إذا كانت حركتُهُ إلى الله تعالى ضَعيفة، وهِمَّتُهُ بطيئة، وليْسَت عاليَة، ومُتكاسِل في السَّعي إلى الله عز وجل، تأتيه مُصيبة الدَّفْع، كأنّ الله سبحانه وتعالى يسوقهُ إلى بابه، ويدفَعُهُ إلى الجري السريع، ويحْمِلُ على أن يفْعَلَ النوافل، وعلى أن يُحْكِمَ الاتِّصال، ويُخْلِصَ النّيَّة، يا أبا ذرّ جدِّد السَّفينة فإنَّ البحر عميق، وأخْلص النيَّة فإنَّ الناقد بصير، وخَفِّف الأثقال فإنَّ في الطريق عقبة كؤود لا يَجتازوها إلا المُخِفُّون، وأثقِل الزاد فإنَّ السَّفَر بعيد، فهذه المصيبة هي مُصيبة الدَّفْع، فإذا كان الإنسان مستقيمًا وجاءَتهُ مصيبة، كلَّما أساء الظنّ بربِّه كان أفْضَل، ولكنَّه لو كان مستقيمًا فِعلاً، ويطلب رضاء الله فِعْلاً وجاءَتهُ مصيبة ؛ هذه مُصيبة المؤمنين، وهي مصيبة الدَّعاء إلى الله. وقد تكون المصيبة مُصيبة الرَّفْع، فلو أنّ سيارة تستطيع حمْل خمسة أطنان وهي تحمل طُنًّا واحِدًا، والأجْر غالي جدًّا، فإذا حمَّلناها أربعة من أجل أن تقْبض أكبر مبلغ، نقول: هذه مصيبة رفْع الدَّرجات، أما مصيبة الأنبياء فهي مُصيبة كَشْف، فحينما ذَهَب صلى الله عليه وسلَّم إلى الطائف وقابلَهُ أهلها بالتَّكذيب والسُّخْريَّة، بل والضَّرب، وألْجِأ إلى حائِطٍ أو بستان قال: إن لم يكن بِكَ غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العُتبى حتّى ترضى، ولكنّ عافِيَتَك أوْسَعُ لي، وجاءَهُ جبريل، وقال له: يا محمد، لو شِئْتَ لأطْبقتُ عليهم الأخشبين ! فقبل أن يتمكّن نقول: صبَر، وكان مَقهورًا أما حينما مكَّنَهُ الله أن يجعلهم بين جبلَين، وأن يسْحقهم، وعالِيَها سافلها فقال: لا، اللَّهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون !! فهو لم يتخلَّى عنهم، ودعا لهم بالهِداية، واعتذَر عنهم، ثمَّ تفاءَلَ في المستقبل، فقال:لعلّ الله يُخرج من أصلابهم من يوحِّدك !! هذا الموقف سُجِّل للنبي عليه الصلاة والسلام، لذا قال ك سَلوا لي الوسيلة فإنَّها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحِدٍ من خلقه، وأرجو أن أكون أنا، وبهذا الموقف الرائِع ارْتقى النبي إلى سِدرة المنتهى، متى ردَّ الله عليه هذا الدُّعاء ؟ كان الردّ الإلهي في الإسراء والمِعراج ؛ أعلَمَهُ الله أنَّه سيِّدُ الخلق أجمعين، وأنَّه سيّد الأنبياء والمرسلين، وأنّه سيّد ولد آدم وأنَّه حبيبه. أيها الإخوة الكرام، نقيس على قياسًا صغيرًا، ما من عملٍ تعملهُ خالصًا لله، وتبتغي به رِضوان الله، ولو كان هناك متاعب، وتشْويش، ومُعارضَة، الله عز وجل له ردّ، ولو تأخَّر، فإذا علِمَ الله منك صبْرًا وإخلاصًا وثباتًا، وتضْحِيَةً بِمَصالِحِك، يأتيكَ بعد حين ردّ فوق الوصْف ويرفَعُكَ الله تعالى، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)﴾ [ سورة الشرح ] وهذا لكلّ مؤمن، والمضايق التي مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام والصُّعوبات التي عاناها، هذه ثَمَن مقامِهِ الرَّفيع، وثمن المقام المحمود قال تعالى ﴿ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾ [ سورة الإسراء ] وإذا أردتَ أيها المؤمن أن يرفَعَ الله ذِكْرك، ويرفعك إليه، يجب أن تلتزِمَ أمره ونهْيَهُ، لو طِرتَ في الهواء، ومشَيت على وجه الماء لسْتَ وليًّا ولكنَّ الوليّ كلّ الوليّ الذي تَجِدهُ عند الحلال والحرام، قال تعالى ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾ [ سورة يونس ] هذه هي الولاية فيا أيها الإخوة، النوع الثاني قضيَّة الدَّفع، والمصيبة الأولى للمؤمنين، والمصيبة الثانية رفْع، وأما للأنبياء فهي كَشف، فأصبَحَ عندنا قَصم، وردْع ودَفع، ورفع وكشف، أما الآية التي تسَعُ الناس جميعًا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [سورة الشورى] ورد في الجامع الصغير: ما من عثرة، ولا اختلاج عرق ولا خدْش عود إلا بما كسبت أيديكم وما يعفو الله أكثر. تُرْوى قِصَّة طريفة أنّ سوحة جاءت سيِّدنا سليمان، قالت له يا نبيّ الله سَل ربَّك: هو مَهول أم عَجول ؟! فلمَّا سال الله عز وجل، وقال: يا ربّ ماذا أُجيبها ؟! قل لها: إنَّني مهول ! أي لا أُعاقب سريعًا، فرأتْ أُناسًا يشْرون لحْمًا فخطفَت قِطعة اللَّحم وطارَت بها، وغاب عنها أنّ جمرة علِقت باللَّحم، فلمَّا وضَعت اللَّحم في العشّ احْترَقَ العُشّ ! واحترَقَ أبناؤُها وأصابتها مُصيبة كبيرة، فعادَت إلى سيّدنا سليمان، ألم تقل إنَّ الله مهول؟ فجاء الجواب: أنّ هذا الذي ألمَّ بك هو حِساب قديم !!! ما من عثرة، ولا اختلاج عرق ولا خدْش عود إلا بما كسبت أيديكم وما يعفو الله أكثر. وهناك نقطة دقيقة، وهي أنّ أخوك إن أصابته مصيبة الأكمل أن تقول: إنَّها رفعُ درجات، وتَطهير، لأنَّني أعلم أنّ أخي صادِق، أحْسبهُ صادِقًا وأحْسبُهُ مستقيمًا، وأحْسبُهُ ورعًا، وأرجو أن تكون مصيبته رفْعًا لِدَرجاته عند الله، أما إذا أصابتني مصيبة فلا ينبغي أن أقول: هذه رفع لي للدرجات، ولكن قل: لعلّ هذه تَطهير من ذنوبٍ صَدَرتْ مِنِّي، وسيِّدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أصابتْهُ مصيبة قال: الحمد لله ثلاثًا، الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصبر عليها. هناك مصائب لا تُعدُّ ولا تُحْصى، ومصائب بالنَّفس والأهل، والأهل والأولاد، وبالعلاقات الاجتماعيَّة، ومصائب بالصّحة ؛ هذه المصائب أنا أُشَبِّهها كالمِكْبح في السيارة ؛ فلماذا صُنِعَت السيارة ؟ صُنِعت من أجل أن تسير، طيِّب ما علاقة المِكْبح ؟ إذْ هو مُخالف لِهَدَفها، فهو يوقِفُها ! معنى ذلك أنّ المِكْبح ضَمانٌ لِسَلامتها، وأنت مَخلوق لِيَرحمك الله، ولِتَسْعد بالله تعالى، وتأتي المصائب ضَمانات لِسَلامة هذه السَّعادة، فالإنسان إذا انْحرف وبغى ترْدَعُهُ المصائب، ويعود إلى ما كان عليه، فكل إنسان إذا كان منْصِفًا، وخالصًا، وصادِقًا يكْشف الله حكمة المصيبة، قال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾ (سورة التغابن ) لأنَّ الله تعالى مُربِّي، فإذا ساق للإنسان مصيبة ولم يبَيِّن له حِكمتها فلا فائدة من هذه المصيبة، كيف يُبيِّن له سببها ؟ يُلقي في روعِهِ أنَّ هذه من أجل تلك، أو أن يجعل العقاب مُشابه للذَّنب، أو يُسَخِّر من يقول له ذلك ! فهذه كلُّها دلالات على فهم هذه المصيبة، أما أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة ولا يتَّعظ بها الإنسان، ومن لم تُحْدِث المصيبة في نفسِهِ موعظةً فمُصيبتُهُ في نفسِهِ أكبر، فإذا ساق الله للإنسان مصيبة، وفسَّرها تفسيرًا سَخيفًا، هو أنّ الدنيا هكذا يوم لك ويوم عليك، وهذه الحياة إدبار وإقبال، ومدّ وجزر فهذا تفكير شِرْكي، وبعيد عن روح التوحيد، أما القرآن فيقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [سورة الشورى] والإنسان إذا راجَعَ نفسهُ هداه الله تعالى إلى العلّة، وتصوّر مؤمنًا جاءتْهُ مصيبة، يقول له: يا رب، أنت الحكيم والعليم والقدير، لما جاءَت هذه المصيبة ؟ أريد أن أعرف السبب حتَّى لا أعود ! هذا هو موقف المؤمن أما غير المؤمن فكالناقة عقلها أهلها ثمَّ أطلقوها، فلا تدري لا لِمَ عقلتْ، ولا لما أطْلقتْ !! والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الإنسان مخلوق مُخيَّر، وقد أُعْطِيَ منهَجًا دقيقًا، فإذا خرج عن منهَج الله اعْتدى على أخيه، فلأنّ الإنسان مُخيَّر، ولأنّ الإنسان أودِعَتْ فيه الشَّهوات، فإذا تحرَّك بِدَافِعِ من شَهَواتِهِ من دون منهَج من الله عز وجل وقَعَ العُدوان والفساد، فأسباب الفساد والعُدوان أنَّ مخلوقًا مُخيَّرا أودِعَتْ فيه الشَّهوات، فتحرَّك بِدافِعٍ منها من دون منْهجٍ صحيح فاعْتَدى على أموال الناس، وعلى أعراضِهم، ووقَع الخصومات والمُشاحنات. أن تعتدي على الآخرين ؛ هذا سمّاهُ القرآن الكريم بَغْيًا، يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾ [ سورة الشورى ] الشاهد إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، فمن صفات المؤمنين أنَّهم ليْسوا خانِعين، وليْسوا مستسلمين، وليْسوا ضِعافًا، فالله معهم، وهو ينصرهم فَمِن خصائص المؤمن المسلم أنَّه إذا أصابهُ بغْيٌ ينتصر، فإذا كان ضعيفًا يقول: ربِّي إنِّي مغلوب فانتَصِر، إما أن تنتصِر أو تدعوَ الله عز وجل أن ينْصرَكَ. النقطة الدقيقة، إذا انتصروا لا ينبغي أن يُبنى على ردّ البغي بغْيٌ، إذْ هناك من يبني على ردّ البغي بغْيًا آخر، قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾ [ سورة الشورى ] فقَوْلُ عوام الناس: سَأَكِلُ له الصاعَ صاعَين !!هذا خِلاف القرآن، وسأُنَكِّل به، هذا خلاف القرآن، ولكن المنهج القويم، ومنهج العدل قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [ سورة الشورى ] ففي بعض الدِّيانات من ضربك على يدِّك الأيْمَن فأَدِر له الأيْسَر. إلا أنَّه أحيانًا يغلبُ على يقينك، أنَّك إذا عفَوتَ عنه قرَّبتَهُ إلى الله وأصْلحته، وأنْهضْتَهُ، وأقلْت عثْرته، ومالك إليك، وإلى دينك، ومال إلى منْهج الله، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [ سورة الشورى ] العفو هنا مُقيَّد بالإصْلاح، فالعَفْو أحيانًا يُصَغِّرك عند خَصْمِكَ، ويظنُّك ضعيفًا ! فالعَفو مُقيَّد بالإصلاح، فإن غلب على ظنِّك أنَّ عَفْوَكَ على أخيك يُصْلِحُهُ ويُقرِّبه ويجعله يعظِّم الإسلام، يذوب في كرمك، قال: ينبغي أن تعفو عنه وحينما تعفو عنه الله جلّ جلاله هو الذي سيُكافئُكَ، لِتَوضيح المعنى لو قال ملكٌ لِمُواطِن: أنا سأُكافئُكَ، فما معنى أن يقول ملك لِمُواطِن سأُكافئُكَ ؟ ماذا سيُعْطيه ؟ مائة ليرة ! أقلّ عطاء بيت، أو فيلا، أو سيارة، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [ سورة الشورى ] إنَّك حينما تعْفو عن أخيك بِنِيَّة أن تُصْلِحَهُ وتأخذ بيَدهِ، فأنت تحْتسِبُ هذا العمل عند الله، وأقرضْتَ الله قرْضًا حسنًا ولأنَّه أحدُ عباده، والخلق كلُّهم عِيَالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنْفعهم لِعِيالِهِ فالآية تُنظِّم علاقتك مع الآخرين عند البغي والعدوان، صار هناك بغي أو تجاوُز أو عُدوان ؛ يجب أن تُفكِّر أن تنْتقِم لِنَفْسِكَ ليس هذا مِن شأن المؤمن، وأن تشْفِيَ غليلك فليس هذا من شأن المؤمن، الغِلّ والحقد والانتقام، المؤمن أرْقى من ذلك إلا أنّ المؤمن يتحرَّك وفْق منهج لو أنَّ هذا السائق الطائش الذي يسْتهين بِأرواح الناس لو عفَوْنا عنه لَزِدْناه طيْشًا وتجاوُزًا، فهذا يجب أن نوقِفَهُ عند حدِّه، ويجب أن تُسْلَب حريَّته وأن يدفَعَ ثمن طيْشِهِ واسْتِهتارِهِ بأرواح الناس، قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾ [ سورة الشورى ] قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾ [ سورة النور ] إنسان قصَّر وسبَّب مشكلةً كبيرة، جاء مريض للإسعاف، والطبيب تماهل في إسعافه فمات! لا تقل: هذا قضاء وقدر !! هذا يجب أن يُحاسب، وأن يدفع ثمن إهماله، ويجب أن يُرْدع، لذا لا تقوم حياة منظَّمة من دون عقوبات، والحقيقة الإسلام فيه وازِع، ولكن لا يكتفي به بل هناك رادِع فالوازع داخلي، والرادِع داخلي، والمنهج الكامل يجِب أن يعْتَمِدَ عليهما معًا، فلو اكتفينا بالوازع لصار هناك تسيُّب، ولو بالغنا بالرادع لصار هناك قسْوة، وظلم، وعُنف والعنف لا يلد إلا العنف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾ [ سورة آل عمران ] وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾ [ سورة محمد ] وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾ [ سورة الحج ] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾ [ سورة آل عمران ] نفس المؤمن عزيزة وقويَّة ويسْتعين بالله، ويتحرّك وفْق منهج الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾ [ سورة الشورى ] الآن حينما تنتصر، قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [ سورة الشورى ] فإذا غلب على ظنِّك أنّ عفْوَكَ على أخيك يُقرِّبه إلى الله تعالى ينبغي أن تعْفوَ عنه، وعندها أجْرك على الله، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [ سورة الشورى ] أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة، حينما يأتيك عُدْوان خارجي، وبغي وظُلم، وعُدوان على مالك، وكرامتك، أوَّلاً لماذا المؤمن لا يحْقِد ؟ لأنَّه مُوَحِّد، ويرى أنَّ يد اتلله فوق أيدي كلّ الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾ [ سورة الأنفال ] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [ سورة الشورى ] لأنَّك موحِّد فلا تحْقد، الآن تتحرَّك وِفق منهَج، فإذا كان من الحِكمة أن آخذ على يده لن أعْفُوَ عنه، بل أعاقبه بِقَدر ذَنبِهِ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا * )) [ رواه البخاري ] إذا وقف الناس أمام المعتدي موقفًا عنيفًا فالحياة تنتظِم عندئِذٍ، أما إن جامَلناه، وتركناه على حاله، وأيَّدناه انْتشَر الظلم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾ [ سورة الشورى ] أما إن غلب على ظنِّك أن عفْوَكَ يُقرِّبُه إلى الله، قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾ [ سورة الشورى ] فهذا هو منهجنا ؛ لا يوجد الحِقد، لأنَّ لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئه وما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبه، إنسان عنده موظَّف ولمَّا اختلف معه طردَهُ أراد هذا أن ينتقم فسبَّب له مع الجمارك متاعب كبيرة جدًّا، ففي ساعة حِقْدٍ وغضَب قتلَهُ !! وحُكِمَ بِثَلاثين عامًا سِجْنًا، فهو قتله لأنَّه لم يكن التوحيد في قلبه، فالحِقد سببه عدم التوحيد، فهذا هو منهجنا، والله عز وجل قال: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17)﴾ [ سورة لقمان ] وفي آية أخرى، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [ سورة الشورى ] فالعلماء قالوا: قد يأتي القضاء والقدر مباشرة، فيجب أن تصبر، فلو أنّ إنسانًا وقَعَ ابنه من الشرفة فوقع ميِّتًا ! لا توجد جِهة تُطالب بِحقِّ ابنك منها أما لو أنَّ سائِقًا دهس ابنه، هذه مسألة أخرى، صبر على قضاء الله وغفر للذي أجرى الله القدر على يده، قال تعالى: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [ سورة الشورى ] فالحقد أساسه الشرك والتوحيد يلغي الحقد، وبقي التصرف وفق هذا المنهج فإذا كان أن تأخذ على يده لِتُصْلِحَهُ ينبغي أن تأخذ بيده، وإن كان عفْوُكَ عنه يصلحه فينبغي أن تُصلِحه، فالمهمّ أن يكون الهدف في مصلحة وأجرك على الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والأربعون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)﴾ [ سورة الشورى ] أوَّلاً: لله ملك السماوات والأرض، هذه الملكِيَّة المطلقة، ملْكِيَّة خَلقٍ وتصرّف، ومصير، وفقد تمْلِكُ ولا تنتفع، وقد تنتفع ولا تمْلك وأوضَح مثل أن تملك بيتًا ولا تنتفعُ به ؛ مؤجَّر قبل السَّبعين، أو لا تملكه وتنتفع به أو تملكه وتنتفع به، وقد يُسْتَملك، ومصيره ليس إليك إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى ملْكِيَّتُهُ لِخَلقِهِ ملْكِيَّة مطلقة ؛ مُلْكِيَّة خلق، ومُلْكِيَّة تصرّف، ومُلْكِيَّة مصير، فلا أحد يملِكُ بصرهُ ولا سمْعهُ ولا سُيولة دَمِهِ، ولا دسَّامات قلبهِ ولا انتِظام دماغه، ولا نملِكُ شيئًا، ونحن مالكون لِما ملَّكنا ربُّنا، والذين ملَّكنا إيَّاه يسْلبه منا في ثانية، فالله تعالى إذا أعطى أدْهش، وإذا أخذ أدْهش. قال تعالى ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ﴾ [ سورة الشورى ] الهِبة من دون مُقابل عَقْد الهِبَة ليس عقد عِوَض، وإنما عقد تَمليك من دون عِوَض، فالإنسان إذا أكرمه الله بِوَلَدٍ صالحٍ يجب أن يشكر الله شُكرًا لا حدود له لأنَّه هِبَةٌ مِن الله، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(27)﴾ [ سورة العنكبوت ] النقطة أنَّك فيما أنت مُخيَّر به قد تُحْسِن أو تُسيء، وقد تفعلُ خيرًا أو شرًّا وقد تربح أو تخْسَر، فيما أنت مُكلَّف به ؛ أُمِرتَ بالصلاة فأنت تُصلِّي أو لا تُصَلِّي، وأُمِرت بالصِّدق قد تصدق أو لا تصدق، وأمرْت بأداء الأمانة تُؤدِّيها أو لا تؤدِّيها فيما أنت مُكَلَّف به تُحْسِن أو تُسيء، أما فيما أنت مُسيَّر به فهو لِصالِحِك، فَلِصالِحِ هذا الإنسان يهَبُهُ إناثًا، أو ذُكورًا، أو يهبه ذكورًا أو إناثًا أو يجعله عقيمًا والمؤمن راضٍ بما أعطاه الله، فهناك دائرة أنت فيها مُخيَّر، ودائرة أنت فيها مسيَّر، أن يهبك ذُكورًا نُجباء، أو إناثًا صالحات، أو ذُكورًا غير صالحين، أو إناثًا غير صالحات، هذا من حكمة الله ورحمته. قال بعض العلماء: قدَّم الأنثى على الذَّكر، تقديم تكريم لأنَّها ضعيفة وجاءت كلمة إناثًا مُنَكَّرة، والذّكور معرَّف، فالذَّكر يمشي سافِرًا ومعروفًا، ويقول: أنا فلان بن فلان، وينظر الناس إليه، أما المرأة فلا ينبغي ان تكون مَشْهورة، ولا ينبغي أن تكون معروفةً، ولا ينبغي أن تظْهر أمام الرِّجال، ولا أن تُخالِطَ الرِّجال، ولا أن يُشار إليها بالبنان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ما أكرمهنّ إلا كريم، وما أهانهنّ إلا لئيم..."، وقال عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله..." مِقياس الخَيْرِيَّة عند رسول الله داخل البيت أما خارج البيت فكلّ واحد يتجمَّل، وينتقي أحلى الكلمات ويبْتسم، ولطيف ولبق، فإذا دخل البيت فهو الوحش !! فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته بسَّامًا ضَحَّاكًا، يقول عن النِّساء إنَّهنّ المؤنِسات الغاليات ! وحينما أمرنا ربُّنا أن نُعاشرهنّ بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19)﴾ [ سورة النساء ] فسَّر العلماء المعاشرة بالمعروف لا أن تمْتَنِعَ عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحْتَمِلَ الأذى منها، والذي يصْبر على زوْجته له أجر عظيم، وهو أحد أبواب الجنَّة، والمؤمن حينما يأتيه أولاد من زوْجته يضَع حظَّه تحت قَدَمِهِ من أجل أولاده، ومن أجل أن ينشأ الأولاد في بيتٍ مُنْسَجِم، وما كلّ بيتٍ يُبنى على الحبّ، فآلاف البيوت تُبْنى على المصْلحة، والنبي عليه الصلاة والسلام أجازَ لنا أن نكذب على زوجاتنا لا في صِغار الحاجيات، فهي إن سألتك ؛ هل تُحِبُّني ؟ لك أن تقول لها: نعم وأنت لا تُحِبُّها، فبعض الأزواج يفهمون أنَّ الكذب على الزَّوجة في أسعار الحاجيات، فما هذا الذي أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سألت السيّدة عائشة النبي عليه الصلاة والسلام: كيف حبُّك لي ؟ فقال: كَعُقْدة الحَبْل ! فكانت من حين لآخر تسأله: كيف العقْدة؟! يقول: على حالها !! فَمِن الحِكمة أن يؤكّد الزَّوج لِزوَجَتِهِ انَّهُ يُحِبُّها، ولو لم يكن يحبُّها، وأخطر شيءٍ في السَّعادة الزَّوجِيَّة أن تُشير إلى نقائِصِها في خَلْقِها ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ * )) [ رواه الترمذي ] لا تُشِر إلى عُيوبٍ لا دَخل لها بها، ولا إلى عيوب ليْسَت من صُنعها ؛ هذا هو الزَّوج المؤمن وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ * )) (رواه البخاري ) فلذلك قدَّم الإناث على الذُّكور تقديم تكريم، وكرّم الذُّكور على الإناث تكريم تعريف، والإناث جاءت نكرة للدَّلالة على أنّ المرأة لا بدّ أن تكون مُحَجَّبة فإن لم تكن مُحَجَّبة كانت مَحجوبة من الله تعالى، فالمرأة السافرة محجوبة عن الله تعالى. قال تعالى: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)﴾ [ سورة الشورى ] في دولة كبرى بآسيا فيها ملِك جعله الله تعالى عقيمًا، ما معنى ملك ؟ الأمور كلّها بيَدِهِ، وما استطاع أن يُنْجِب ولدًا من هذه الزَّوْجة، أما إذا كان الإنسان عندهُ ضَعف بالحُوَينات فالطبّ تقدَّم، وأمكن أن تُقيم طِفل أُنبوب، تزْرع الحُوَين بِرَحِمِ زوْجَتِك هذا مُباح وقد أقرَّه مجْمع الفقه الإسلامي، فهناك أزواج لا يُنجبون والعلم تقدَّم وبالإمكان أن ينجب عن طريق الأنابيب، ولا يفعل هذا ثمّ يُطَلِّق زوْجته لأنَّها لا تُنْجِب. أما إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًّا وهو كظيم، مع أنّ المرأة لا علاقة لا بِجِنس المولود، هذا ما أكَّدَهُ العِلم، أن يكون المولود ذَكَرًا فهذا مِن حُوَين الرَّجل، أن يكون أنثى من حُوَين الرَّجل، لذا امرأة في الجاهليَّى قالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا غضبان أن لا نلد البنين والله ما هذا بأيدينــا وإنما نعطي الذي يُعطينا فالمرأة لا علاقة لها بالموضوع، فهذا حلف بالله إن أنْجَبَت أنثى يُطلِّقُها علَّق الطلاق، فإذا بامرأتِه تنْجب توأمان أنثى !! فلم يقَعِ الطَّلاق !!! قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35)﴾ [ سورة آل عمران ] فالذي يكره البيت يأتيه الخير من ابنَتِهِ لا يعلمه إلا الله، لذلك لما جاءته عليه الصلاة والسلام فاطمة: ضمَّها وشمَّها وقال: ريْحانة أضُمُّها وعلى الله رزْقها..." والبنت غاليَة جدًّا، وكلّما هبط الإنسان مستواه الإنساني، وكان أقرب إلى الحُمق يتألَّم من البنت ! هل تُصَدِّق أنَّ هذه البنت التي في بيتِك ربَّما تكون سبَبًا في دُخولك الجنَّة ؛ هذا كلام رسول الله، (( فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ بِنْتَانِ أَوْ أُخْتَانِ اتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ )) [ رواه أحمد ] فهل تتألَّم إن جاءتك بنات ؟ هم الأحبّة إن جاروا وإن عدلو ا وليس لي عنهم مَعدل ون عدلوا والله وإن فتَّتوا في حبِّهم كبدي باق على حبِّهم راضٍ بما فعلوا فالذَّكر والأنثى ؛ هذه هدايا من الله تعالى، قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)﴾ [ سورة الشورى ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الحادى عشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والأربعون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)﴾ [ سورة الشورى ] القضِيَّة في الدِّين هي قضِيَّة اسْتِجابة، وليسَت قضِيَّة إيمان، فإذا آمنْتَ بأنَّ الله موجود، أنت ماذا فعلْت ؟ هو موجود، إذا آمنْتَ بأنَّ الشَّمس ساطِعة ماذا فعلْت ؟ هي أصلاً ساطعة، هذا اسمُهُ تَحصيل حاصِل، إذا أنكرْتَ سَقَطت من أعْيُن الناس، أما إذا أقْررْتَ فما فعلْت شيئًا، فالإنسان حينما يكون جلدُهُ بِحاجة ماسَّة إلى الشَّمس، وآمنَ بأنَّ الشَّمس ساطعة عليه أن يتحرَّك نحوها، فالمُعَوَّلُ عليه في الدِّين أن تسْتجيب لله تعالى، أما إذا آمنتَ به، ولم تسْتَجِب، ما فعلْتَ شيئًا، بل إنَّ هذا الإيمان سيكون حسْرةً يوم القيامة، بل إنَّ هذا الإيمان سيُضاعف العذاب يوم القيامة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾ [ سورة النساء ] ربُّنا سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾ [ سورة الكهف ] كأنَّ الله عز وجل بِهذه الآية يُلخِّص القرآن كلَّه، فأنت ما موقفُكَ من هذه العقيدة قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ [ سورة الزلزلة ] الدِّين كلّه أن ترجو لقاء الله عن طريق العمل الصالح، فثَمَن لقاء الله تعالى العمل الصالح، وهذا هو الدِّين كلُّه، فالإنسان إذا كانت ثقافتهُ الإسلاميّة جيِّدة، وتطِّلعاته وخلفيَّاته وعاطفته جيِّدة، ولكن لا يوجد عنده عمل ولا حركة، ولا موقف قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله..." الله جلّ جلاله يعدّ الحياة الحقيقيَّة ؛ حياة الجسد، وحياة القلب، وحياة العقل، فحياة العقل بالعلم وحياة القلب بالذِّكْر،و حياة الجسد بالطَّعام والشَّراب، قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)﴾ [ سورة الشورى ] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾ [ سورة التوبة ] لأنّ الله سبحانه وتعالى ربُّنا فلو أنَّ العبد الذي يُربِّيه الله تعالى أخذَ موقفًا غير صحيح، لا يدعُهُ وشأنه بل يربِّيه، قال تعالى: ﴿ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)﴾ (سورة التوبة) إن اتَّخَذت القرار الصحيح واتَّجَهت إلى الله، فهذا شيء جيِّد، وإن لم تفعل تعذَّب عذابًا شديدًا، فإذا أصْرَرْت استبدل قومًا غيرنا، فالله ربنا، ما دُمتَ تتحرَّك حركةً صحيحة فهو يحْفظك، ويُؤيِّدُك، أما إن أردْت أن تفْعَل شيئًا آخر لا يدعك وشأنك لأنَّه لو تركك وشأنَكَ لعاتبْتَهُ يوم القيامة !! قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى(134)﴾ [ سورة طه ] فلو أنَّ الابن بِساعة طَيْش، وحُمق اتَّخَذ قرارًا بِتَرك المدرسة، فقال له أبوه: كما تشاء ! هذا الابن حينما يكْبر يقول له: لو ضربتني، ولولا عنَّفتني، لقد ضيَّعتُ مستقبلي، وأنت السّبب! فالنُّقطة أنَّ الإنسان إن لم يسْتَجب يُعذَّب، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة التوبة) موطِنُ الشاهد أنَّ الدِّين ليس أن تؤْمِن فاليمان ليس هدفًا بِذاتِهِ ولكن هو وسيلة، فأنت تؤمن من أجل أن تستجيب لله، ومن أجل أن تطيعه، وتصل إليه، لذا الآية الكريمة: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)﴾ [ سورة الشورى ] لا تُحاسب نفسَك وتقول: أنا مسلِم، وأنا مؤمن، ونحن نشأنا في بيئةٍ إسلامِيَّة، حاسِب نفْسَكَ، هل دخْلك فيه شُبْهة ؟ وعلى إنفاقك وعلاقاتك وعلى علاقاتك الاجتماعيَّة، وعلى دخلك، وإنفاقك، وزوجتك، وبناتك وعلى أولادك، هنا تُحاسبُ نفْسَكَ. النقطة الثانية في هذه الآية أنَّ خيارك مع الإيمان هو خيار وقت، فإن لم تستجب، قال تعالى ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾ [ سورة ق ] حينما أدركه الغرق، قال تعالى عنه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾ [ سورة يونس ] ما من إنسان على وجه الأرض إلا وسيُؤْمِن بالحقيقة التي جاء بها الأنبياء فإن آمن بها وهو حيّ يُرْزَق انتَفَع بها، وإن آمن بها وهو على فراش الموت زادَتهُ حسْرةً ! قال تعالى ﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [ سورة الفجر ] وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25) ﴾ [ سورة الحاقة ] أيها الإخوة، النقطة الأولى والثانية، فالأولى المُعَوَّل عليه في الدِّين أن تسْتجيب لله تعالى، وفي شؤونك كلّها، والنقطة الثانية إن لم تسْتَجب وتنتفع باستجابتك الآن ؛ سوف تستَجِب وتزداد حسرةً يوم القيامة، فليس الموضوع تؤمن أو لا تؤمن، ولكن القضِيَّة متى تؤمن ؟ تؤمن أو لا تؤمن مقولة مرْفوضة لأنَّنا كلُّنا سنُؤمن، فهذا الذي قال: أنا ربكم الأعلى وآمن ! ما من إنسان على وجه الأرض إلا وسيُؤْمِن، ولكن بعد فوات الأوان، فالمقولة متى ستُؤْمِن ؟ قال تعالى﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)﴾ [ سورة الشورى ] من حياتنا الواقعِيَّة ؛ إنسان ارتكب جريمة قتل فسيقَ إلى السِّجن، ثمّ إلى المحاكمة والأدلَّة متوافرة عليه، وحكم عليه القاضي بالإعدام، وصدِّقت القضِيَّة، وصدَّق الحكم رئيس الجمهوريًّة فصدَّق الحكم، سيق إلى الشَّنق فوقَف على حبل المشْنقة ؛ هذا اليوم لا مردَّ له، فله أن يبكي أو يضْحك فلا بدّ له من أن يُشْنق، فإياك أن تصل مع الله إلى طريق مَسْدود ؛ كسب مال الحرام وأصرّ عليه فبطشه الله، أما إن تبْت و أنبْت فقد فزْت فالمُعوَّل عليه الاستجابة لله تعالى قبل فوات الأوان، فالإنسان إذا وصل مع الله إلى طريق مسدود هذه أكبر مصيبة، وهي أن يموت كافرًا، وعاصيًا وفي هذا اليوم كما قال تعالى ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)﴾ [ سورة الشورى ] الإنسان قد يكون ببَلدِه مُعَذَّب فيلْجأ لِبَلدٍ ثاني، هذا البلد يستقبلهُ، هذا يحصل في الدنيا ولكن عند الله لا ملجأ منه إلا إليه، فلا تنجو من غضبه إلا بطاعته، ولا من سخطه إلا بِمَرضاتِه. فالذي يقطع إشارة المرور، ثمّ ينكر ويقول كنتُ مسافِرًا، فإذا به تعطى له صورة سيارته ! حينها يسْكت !! رادار، فالله يوم القيامة يعرض على الإنسان أعماله صورة وصوت ! فهذا اليوم ليس له ملجأ ولا نكير، ولا تستطيع أن تنكر، ولا أن تهرب. قال تعالى: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا...فرح بها " لِضَعف إيمان الإنسان، وضَعف تَفكيره، وضيق أُفقِهِ يفرحُ بالدنيا، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال: فمن عرفها لم يفرح لِرخاء، ولم يحْزن لِشَقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوَضًا، فيأخذ لِيُعطي، ويبتلي ليجزي، قال تعالى: وإن تصبهم...كفور ". ملخَّص هذه الآية ؛ المُعَوَّل عليه الاستجابة لله تعالى، والشيء الثاني خيارك مع الإيمان خيار وقت، والشيء الثالث أنَّ يوم الميعاد ليس لك أن تنكر، ولا أن تهرب، وكلَّما زاد عقلك زادت طاعتك. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى ( 42 ) الدرس الثانى عشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، يقول تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)﴾ [سورة الشورى] فالذي ينتصر مِمَّن ظَلَمه ما عليه من مُساءلة، وما عليه من سبيل، لأنَّ المؤمن عزيز، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾ [سورة الشورى] والخنوع والهروب والاستِسلام والتَّقوْقُع والذلّ ليس من صفات المؤمنين، أحد الصحابة الكرام كان يمشي مُتبخْتِرًا أمام جيْش العدوّ، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله يكره هذه المِشْيَة إلا في هذا الموطن..." والتكبّر على المتكبِّر صدَقة، ويقول الإمام الشافعي: لا أسْمحُ لأحدٍ أن يتكبَّر عليَّ مرَّتَين، قال تعالى: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)﴾ [سورة النساء] فالمظلوم له أن يتكلَّم وهناك حديث يُعدُّ فيْصَلاً في العلاقات العامة، يقول عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله يلوم على العجز..." فحينما تغلب قل: حسبي الله ونعم الوكيل، أما قبل أن تُغلب يجب أن تأخذ بالأسباب، وقبل أن تُغلَب يجب أن تسْع، وتُغطِّي كلّ ثغرة وأن تأخذ الأمور بِجِدِيَّة، فإذا غُلبْت لا سمَح الله فقل: حسبي الله ونعم الوكيل،وهذا هو حال المسلم، فالمُسلم يُمثِّل دين الله تعالى، ودين الله عظيم، والمؤمن عزيز، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(8)﴾ (سورة المنافقون ) ابتغوا الحوائِجَ بِعِزَّة الأنفس فإنّ الأمور تجري بمقادير، فلا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسَه، فالمؤمن عزيز لأنّه سفير هذا الدِّين. فالله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)﴾ [سورة الشورى] من ضربك في خدِّك الأيْمن فأدِر له الأيْسَر !! هذه عندنا غير مقبولة، أو أن تكيل له الصاع صاعين كذلك غير مقبولة، هذا ه والدِّين، وهذا هو المنطق، وهذا هو الكمال، أما حينما يغلبُ على ظنِّك أن عَفْوَك على أخيك يُصْلِحُهُ ينبغي أن تعْفُوَ عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾ [سورة الشورى] الخلطاء هم الأزواج والأقرباء والجيران، أضَعكم الآن أمام اسْتِنباط قَطعي الذي يبْغي على خليطِهِ ليس مؤمنًا، طبعًا في بلاد معيَّنة ممنوع حمل السِّلاح فهل يمكن أن تذهب للمخفر وتُشْهر السِّلاح أمام رجال الأمْن ؟! مستحيل لأنَّك تعرف جزاء هذا العمل، والآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ سورة ص ] فالمؤمن لا يبغي، وإذا بغى فليس مؤمنًا، كما قال عليه الصلاة والسلام: يطبع المؤمن على الخلال كلها...." فإذا خان وكذب فليس مؤمنًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾ [سورة الشورى] أيها الإخوة، والله لو صلَّيْتُم ألف ركعةٍ في اليوم، وصُمْتُم الدَّهر كلّه، ثمَّ أكلْتُم حُقوق بعضِمك فأنتم لا تعرفون الله تعالى، لأنَّك لو طرْتَ في الهواء أو مشيْت على وجه الماء، ولم تكن عند الحلال والحرام، فأنت لسْتَ مؤمنًا، ولا تعرف الحلال والحرام، وترْكُ دانِقٍ من حرام، والدانق سدس الدِّرهم فتَرك هذا الدانق خير من ثمانين حجَّة بعد حجَّة الإسلام ! من مشكلات المسلمين الكبرى أنَّهم ضَغطوا الدِّين كلَّه إلى عبادات جَوفاء، لو أخذنا الحج، يحجّ أحدهم بالمال الحرام فإذا قال: لبَّيك اللهمّ لبَّيك، يناديه منادٍ في السَّماء أن لا لبَّيْك ولا سَعدَيك، وحجُّك مردود عليك ! ويصوم الإنسان عن الطَّعام والشّراب فإن لم تَصُم جوارحه عن المعاصي والآثام فهذا الصائم ليس له مِن صيامه إلا الجوع والعطش ! وينفق الإنسان ماله، وقد قال تعالى ﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾ [ سورة التوبة ] وكذا الصلاة قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)﴾ [ سورة العنكبوت ] فإن لم تنهكَ صلاته عن الفحشاء والمنكر ليسَت هذه الصلاة التي أرادها الله فالصَّحابة حينما فَهِموا الدِّين على أنَّه بناء أخلاقي فتحوا العالم، وحينما فهِمناه عبادات جوفاء ليس غير، فلا بيوتنا إسلاميَّة، ولا أعمالنا إسلاميَّة لا دخلنا إسلامي، ولا إنفاقنا، ولا أفراحنا وأتراحنا إسلاميّة، لكنَّنا نصلِّي ونصوم، ونحج ونزكي ليس غير، لما قال له حدِّثنا عن دينكم سيِدنا النجاشي لسيِّدنا جعفر ؛ قال له: أيها الملك كنَّا أهل جاهلية...." هذا هو الدِّين فنحن إن أردنا أن يرضى الله عنا، وأن نُعيد لهذا الدِّين مَجدهُ وإن أردنا أن نُجَدِّد هذا الدِّين كما وعدَ الله أن يُجدِّده على رأس كلّ مائة عام، فيجب أن نعود إلى ينابيعه الأصيلة ؛ إذًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) [سورة الشورى] الآية التي تلفت النَّظَر: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [سورة الشورى] الآية التي تلفت النَّظر أيضًا قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17)﴾ [ سورة لقمان ] العلماء لهم لفْتة لطيفة، قالوا: حينما يأتي قضاء الله وقدرُه مُباشرةً فهذا يحتاج إلى صبْر، والصَّبر له أجر كبير، أما حينما يأتي قضاء الله على يد إنسان فكلَّما كنتَ مُوَحِّدًا لم يكن في قلبِكَ حِقْدٌ على هذا الإنسان، ورأيْت الواحد الدَّيان هو الذي سمَح له، ومكَّنه، فأن يأتيك قضاء الله وقدره على يد إنسان ؛ هذا يحتاج إلى إيمان مُضاعف، فلو أنّ واحِدًا وقع ابنه من الشرفة ؛ هذا قضاء وقدر، وما عليه إلا أن يصبر، أما حينما يدهس ابنه ويموت على يد سائق، فأنت أمامك إنسان يمْكن أن تصبّ حِقدك عليه فهنا التوحيد ضَروري، لعلَّه مخطئ فنُحاسبُهُ، ولكن لا نحقد عليه، ونأخذ حقَّنا، ونجعله يدفع الدِّيَّة، أما أن نرى أنَّه قتَل ابننا، فلا، هذا بيَدِ الله عز وجل، وهذا قضاء من الله تعالى وقدر، وهذا هو قوله تعالى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [سورة الشورى] وهذا لمن عزم الأمور، أي يحتاج إلى إيمان كبير، هنا يجب أن تتمثّل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾ [ سورة الأنفال ] وأن ترى الله قبل كل شيء، وفي كلّ شيء، ومع كل شيء، وهذا الذي يُلقي في قلبِكَ الطمأنينة والأمْن والرِّضا، وهذا الذي يمْنعُ عنك الحِقد والضَّغينة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [ورة الشورى] درسنا اليوم، إذا جاءتْك مشكلة، كأن يأتيك موظَّف تموين، كتب ضَبط شَهرين بِعَدرا، لا ينبغي أن تحقدَ عليه، وأن ترى أنَّ هذا قضاء من الله تعالى وقدر، وينبغي أن تُراجِع نفْسَك، كالذي ضُرِبَ بالعصا ؛ أيَحْقِدُ على العصا أم الضارب ؟! فإذا كان الضارب هو الله، وهو حكيم ورحيم، فكلّ الأشرار هم عِصِيّ بيَدِ الله تعالى، فإذا جاءك منهم أذَى فراجِع نفْسَك لأنَّ الله تعالى رحيم وحكيم وعادل، وقدير، وغني ولطيف، لذا ما من عثرة ولا اختلاج عرف ولا خدش عود إلا بما قدَّمت أيديكم وما يعفو الله أكثر فدرسنا اليوم ؛ قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [سورة الشورى] ذكر لي أحدهم قصّة وهو أن أحد الموظَّفين طردَه صاحب المعمل، هذا الموظَّف استطاع أن ينتقم منه، وأخبر الجهات الجمركيَّة عن مستودع فيه بضاعة غير نظاميَّة فجاءوا وكشفوا المخالفة، وغرَّموه بِمَبلغ كبير جدًّا تقريبًا ستُّ مائة ألف سنة السابع والأربعين، فصاحب المعمل حقدَ على هذا الموظَّف، وما كان منه إلا أن أطلقَ عليه النار فأرداه قتيلاً، فَحكموا عليه ثلاثون سنة سِجن !! فلو أنّ هذا الإنسان رأى أنّ الذي حدث له من الله تعالى لما فعل هذا، فهو من أجل أنّ توحيده ضعيفًا فعل الذي فعل، لذا هذه النقطة الدقيقة، وهي أنَّه إن جاءتْك مشاكل من بني البشر، فهم عِصِيٌّ بيَدِ الله تعالى، راجِع نفْسَك وحاسِب نفْسَك، ومن هنا قال الإمام الشعراني: أنا أعرف مقامي عند ربِّي من أخلاق زوجتي ! فإذا كنت مع الله كان الله معك، وانساقت زوجتك إليك، وأحد الصالحين يقول: أعرف مقامي عند ربِّي من دابَّتي !! قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾ [سورة الشورى] سألوا تايمورلانك: من أنت ؟ فقال: أنا غضب الربّ !! فلا يخافنّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونّ إلا ربَّه، ودقِّقوا في هذا الحديث القدسي: أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب العباد بيدي، فإن هم أطاعوني حوَّلتُ قلوب ملوكهم عليهم بالرحمة والرأفة، وإن العباد عصوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالنقمة والسخطة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك فإنّ صلاحهم بِصَلاحكم. وقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسكم و...." والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد: الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ سأسمعكم تفسيراً لهذه الآية، وسأسمعكم تفسيراً آخر. الأول: معنى قوله تعالى، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. أي أن الله جعل غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً، صحيحاً ومريضاً، وسيماً ودميماً الوسامة تتفاوت، والغنى يتفاوت، والقوة تتفاوت، والصحة تتفاوت والشأن يتفاوت، والسلطان يتفاوت، قال لماذا ؟ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا. من السخرية، كي يسخر الغني من الفقير، والقوي من الضعيف، والصحيح من السقيم، هذا معنى ورد، لكنا وجوهكم لم ترتح لهذا المعنى !. المعنى الآخر: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. يعني الله عز وجل أعطى كل إنسان ميزة بالحياة، وقد يكون عمله ميزةً اختصاص، هذا الإنسان يسر الله له طريق الطب، وهذا يسر له طريق الهندسة، وهذا المحامة وهذا التجارة، وهذا الصناعة، وهذا الخدمات العامة، وهذا التعليم وهذا الخطابة، وهذا التصليح. هذه الميزة، الإنسان صاحب الاختصاص، مفضل على إنسان آخر، كيف؟ قد تكون أنت أعظم إنسان، أكبر غني أكبر تاجر، بتعطل آله عندك بالبيت، تتعطل الغسالة، سبعة أيام ما في غسيل، تقف أمام المختص بتصليحها آديب هو الآن أعلى منك، رفع عنك درجة درجة الاختصاص، فكل إنسان باختصاصه، مفضل، كل إنسان بما يتقن، رفع الله عز وجل، فإذا أنت أتقنت شيء، أتقنت عمل، يسر الله لك سبيل التجارة، الصناعة، الزراعة، الطب، الهندسة، مثلاً المحامة، التدريس، الخدمات العامة طلب العلم، تعليم العلم اختصاص، فأنت في اختصاصك، قد رفعت على بقية الناس درجة طيب لماذا ؟ ! قال: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، من السخرة، لتخدم أخاك الإنسان أعطاك الميزة، من أجل أن تخدمه، فإذا خدمته ارتقيت عند الله فاستحقت الجنة، الجنة سبيلها العمل الصالح، أعطاك الله عز وجل ميزة تعمل بها صالحاً، كيف تدخل الجنة ؟ الجنة بالعمل، أعطاك اختصاص، أعطاك ميزة، أعطاك قدرة، أعطاك جاه، أعطاك مال أعطاك علم، أعطاك طلاقة لسان، أعطاك حظ من حظوظ الدنيا أنت بهذا الحظ فضلت على بقية الخلق، من أجل ماذا ؟ من أجل أن تخدم أخاك الإنسان، فإذا خدمته، استحققت دخول الجنة، وأنت في الأصل مخلوقٌ للجنة. يعني يا عبدي: أنت خلقت من أجل أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، هذه الجنة ثمنها العمل الصالح والعمل الصالح من خلال ما ميزك الله به، بقلك ضربت المعلم بألف ولو شلفها شلف، هذا الله يسره فك هالمحرك، هذا الله يسره نقب الجبل، أنت عندك رخام بالبيت، من أين هذا الرخام ؟ في أشخاص مختصون بقلع الرخام، فكل إنسان بعمله قد رفع درجة، على بقية الناس، من أجل أن يقدم خدماتٍ لأخي الإنسان، خدمات مخلصة صادقة، ما في غش، ما في تدليس، ما في كذب، ما في احتيال، ما في إيهام، ما في احتكار، عما تقدم خدمة خالصة، طبعاً مقابل أجرة والأجر مشروع، بس ما في كذب، ما في غش، ما في تدليس، ما في كذب، ما في إيهام، ما في احتكار، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا. من السخرة لا من السخرية، طيب هذا الذي يتخذ اختصاصه وسيلة لابتزاز أموال الناس، طبيب أسنان جاءه مريض من دولة نفطية فاثقب له أربعة أسنان، بالمثقب، وأوهمه أن كلن بحاجة إلى تحشاية طيب هذا أستخدم اختصاصه، لابتزاز أموال الناس، جمع ثروة طائلة فربنا عز وجل أبلغه، قال له: ورحمة ربك خير مما يجمعون. يعني الآية مترابطة، يعني أنا أعطيتك اختصاص، صرت طبيب، أنت محامي، أنت مهندس، أنت مدرس، أنت تاجر، أنت صانع، أنت صاحب أرض زراعية، أنت معقب معاملات، إذا أخلصت وصدقت، وخدمت المسلمين، وما غشيتهم، وما أبتزيت أموالهم، ما ألعبت عليهن، ما أحتلت عليهن، ما أحتكرت، ما أوهمت، ما دلست، ما أرتكبت غلط، وخدمت خدمة خالصة، تستحق الجنة عندي. أما إذا أبتزيت أموالهم، اضحكت عليهم، غشيتهم، كذبت عليهن، احتلت عليهن، وجمعت أموال طائلة، بيجي الموت ينهلك ياها كلياتها، بتصف بالكفن، والكفن ماله جيبة سمعت، ما في جيبة، ولا في دفتر شيكات يوضع بالداخل، ورحمة ربك خير مما يجمعون. فأنت بين خيارين، بين أن تصل إلى رحمة الله، وبين أن تصل إلى ثروةٍ طائلة، الله طمأنك قال لك: رحمتي أحسن لك من الثروة الطائلة لأن الثروة الطائلة، تنتهي عند الموت، لكن رحمتي تبد_أ منذ أن عرفتني وحتى أبد الأبدين، أحسن لك، فهل الآية، آية بسموها مفصلية، كل واحد باختصاصه، ممكن يدخل الجنة، بالصدق، أنت محامي على عين وراسي، أنت على العين والرأس، أخي هذه الدعوة ما بقبلها، لأنه أنت ظالم، الدعوة أنت محق لكن ما منها آمل لأن القانون ليس معك، لا تغلب حالك، لا تقول له: بلعنلك أبوه، هات أول دفعه، لا تقل شئ، قل له: هي ما بتشتغل. كون صادق، بتأكل مال حلال، أشتري به طعام صار الطعام طيب، إذا دعوة الله يستجيب لك الدعاء، شغلة مثل الشمس واضحة بسيطة جداً، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، الطعام الطيب مو يلي في سمن بلدي، لا ! يلي ثمنه حلال، والثمن الحلال يعني عمل شريف، ما في ابتزاز، ما بتبيع أشياء تثير الفتن، في ملابس نسائية بيعها والله ما يجوز، أنت عما تساهم بترويج هل الفتنه هي، ما بتبيع شيء بسبب فتنه، عملك مو مبني على ابتزاز أموال الناس. لذلك، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. كل إنسان باختصاصه رفع درجة، أحيان الواحد، يضطر يصلح آله بالبيت، بتلاقي هو طبيب وشخصية مهمة، يقف أمام المختص بهل آله متأدب، بتصير يقول له بتصير، يقول له بتصير، شو بتكلف سيدي، يقول له سيدي أحياناً، لأن هو الآن أعلى منك، أعلى منك باختصاصه، هي معنى، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. هي فيها عدالة، كل واحد باختصاصه سيد، كل واحد باختصاصه مرفوع درجة عند الله، قال له يا عبدي: أنا رفعت الدرجة من أجل أن تخدم عبادي، حتى حبك أنا، بتقرب إلي بخدمت عبادي. طيب واحد بشوف أب وابنه، بكون الأب مهم جداً، يبحث عن شغلة في بجيبه عن نوكايه عن شكولاته، بعطيها للابن، هي مو للابن الحقيقة للأب هي، بس عن طريق الإبن. فالمؤمن الصادق، بترقى عند الله عز وجل بخدمة عباده، فكل إنسان باختصاصه يخدم الناس، لا يغش، لا يكذب، لا يقول هذا غشيم لبسته هل البيعة، لا تقول لبست ياها، أنت لبسها، لبس الإثم تبعها . لا تكتم عيب، لا تخوفه، لا توهمه، أنه ما في منها البضاعة، انتهى انتهت هي، حلق حالك، إذا قال لك: نقي لي أنت، بتعطي أسوء لون، بقلك هذا ما فهمان، مادام قلي نقيلي أنا حأعطيه اللون الكاسد لا. أنا رفعت درجة باختصاصك، بخبرتك، بذوقك، بجاهك، بمالك بسلطانك، بعلمك، طبيب، مهندس، محامي. رفعت درجة، من أجل أن تخدم عبادي، حتى أحبك وحتى أدخلك الجنة، أما إذا استخدمت اختصاصك، وما رفعتك به لابتزازي أموال الناس، عن طريق الغش والتدليس والكذب والاحتيال والاحتكار والاستغلال، وجمعت ثروة طائلة، بطمنك ما بتفيدك. ورحمة ربك خير مما يجمعون. إذا الإنسان، يعني واحد شاف جنازة وأتبعها شوفي مانع شوف لحظة برفعه الغطاء الخشب عن النعش، بيحملوا بالشرشف الأبيض مربوط ربطتين من تحت من فوق ، بنزلوا بها الجورة، كان بيته بالمالكي، حقه ثلاثين مليون، وين صفي البيت، وين السيارة يلي حقه 18 مليون، وين صفيت، بباب الصغير، هذا المثوى الأخير ورحمة ربك خير مما يجمعون. بطولتك أن تضحك حينما يبكي الناس عليك، أن تكون ممن رضي الله عنه، والقبر صندوق العمل، وكل إنسان، سألوا مرة طالب نجح الأولي على القطر، بالبكلوريا، ساوا معه بالصحيفة محاورة، أنا تأثرت بكلمة قالها هذا الطالب: قال أنا: سبب نجاحي الأول، أن لحظة الامتحان لم تفارق مخيلتي طوال العام. أن أكل الامتحان، أن نام الامتحان ، والمؤمن الصادق، لحظة دخول القبر، لا تفارق مخليته طوال حياته، معناها هو بفكر بالموت لكن يعمل، ويتاجر، ويدرس، لكن الموت له معنى إيجابي، معنى سلبي، ما بيبرك الموت بحرك، الموت بحرك على طريق الإيمان، وبيقيك الزلال. سيارة ماشية على طريق أوتوستراد، على الأيمن وادي، وعلى اليسار وادي، في عنا مشكلتين، أول مشكلة تمشي ما تم واقفه والثاني ما تقع هون أو هون، مهمة الموت، مهمة التفكر بالموت، أن يدفعك في الطريق إلى الله، والمهمة الثانية، أن يقيك أن تنحرف يميناً أو شمالاً، هي مهمته الموت، فكل إنسان إذا فكر بالموت، معناه يستقيم. ورحمة ربك خير مما يجمعون. هي شعار المؤمن، أطلب رحمة الله أطلب رضوانه، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، يا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك، ما وجد شيء. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . قال تعالى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين. أيُّها الإخوة الكرام؛ في الزخرف الآية الخامسة ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ﴾ [سورة الزخرف الآية : 5] الاستفهام الإنكاري . هذه الهمزة هي همزة الاسْتِفهام الإنكارية ، أيْ نحن لا نفْعل هذا. ضَرَبَ عنه الذِّكر صَفحًا ؛ هذا تركيب يعني أنَّه نَسيَهُ ، أو أهْمَلَهُ ، أو أنَّه ألغاه من دائرة اهْتِمامه ، ولم يعبأ به ، ولم أُعْنَ به. فربُّنا عز وجل يُنْكر أنَّه إن عصَينا الله تعالى أهملنا الله تعالى هذا المعنى دقيق ، يتَّضِح من انَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى امرأة تُقبِّل ابنها ، وهي على التنور ، قال : أَتُلقي هذه بِوَلَدِها إلى النار ؟ قالوا : معاذ الله ، فقال : والذي نفسُ محمَّد بيَدِهِ ، للَّه أرحم بِعَبده بِهذه بِوَلَدِها. الرحمة . النبي عليه الصلاة والسلام أرْحم الخلق بالخلق ، فهو حينما ذهب إلى الطائف ضربهُ أهلها ، فهو مَقهور ، ولكنَّ الله تعالى مكَّنهُ أن ينتقِمَ منهم ، قال له جبريل : لو شئْت لأطْبقتُ عليهم الأخْشبين أي الجبلين! فقال عليه الصلاة والسلام : اللَّهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ، لعلَّ الله يُخرِجُ من أصلابهم من يُوَحِّد الله ، وهو أرحم بالخلق على الخلق على الإطلاق ، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة التوبة الآية : 128 ] ومع كل هذه الرحمة قال عليه الصلاة والسلام : (( لو تعلمون ما أعلمُ لضَحِكتم قليلاً ، ولبَكَيْتمْ كثيراً)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي] ومع كلّ هذه الرحمة قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 159] تنكير هذه الكلمة يعني التقليل ، أي أنت لا تمْلك إلا رحمةً قليلة ، ومع ذلك لِنْتَ لهم ! أما ربنا عز وجل أخبرنا عن ذاته فقال : ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [سورة الكهف الآية : 58] فالرحمة كلّها عنده ، والنبي عليه الصلاة والسلام بِسَبب اتِّصاله بالله استقَرَّت في قلبه رحمة بحيث أنَّه لانَ أهل الكُفر والعِصيان ، فهذا الذي خانهُ خِيانةً عُظمى ، وقال لأهل مكَّة : سيَأتيكم محمَّدًا غازِيًا فَخُذوا حِذْركم هذا الذي فعل هذا يسْتحِقّ في أيِّ نظام في العالم أن يُقْتَل ! حاطِبَ بن أَبي بَلْتَعةَ أرْسَلَ كتابًا إلى قريش قبل أن يفتح النبي مكَّة ، فَعُمر بن الخطاب قال للنبي عليه الصلاة والسلام : دَعْني أضْربُ عُنق هذا المنافق ! قال : لا يا عمر إنَّهُ شَهِدَ بدْرًا ! ما أراد أن يهْدِرَ عملهُ السابق ، قال له : يا حاطب ما حمَلَكَ على ما فعلْتَ ؟! قال : والله يا رسول الله ما كفرْتُ وما ارْتَدَدْتُ ، ولكن أردْتُ أن تكون لي يدٌ عند قريش ؛ إنَّني لصيقٌ بهم ، ولستُ من أصلابهم فاغْفِر لي يا رسول الله ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا أن قال لأصحابِهِ : إنَّي صَدَّقْتهُ فصَدِّقوه ، ولا تقولوا فيه إلا خيرًا!! هذا هو القلب المفحم بالرَّحمة ، كلُّ لينِكَ ورحمتِكَ بِأُمَّتِك بِسَبب رحمةٍ اسْتقرَّت في قلبِكَ من خلال اتِّصالك بالله تعالى ، ولو كنتَ منقطِعًا عن الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية : 159] هذه رحمة النبي وقد وصفها الله عز وجل بالتَّنكير ، قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾ هذا تنكير تقليل ، وربنا سبحانه وتعالى يُحدِّثنا عن نفسه فيقول : ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ فالرحمة كلّها عنده ، والنبي عليه الصلاة والسلام بِسَبب اتِّصاله بالله لاحظوا الفرق بين الأب والأخ ، فالأخ إذا رأى من أخيه نقْصًا يُهْمِلُهُ ويضرب عنه الذِّكْر صَفحًا ، ولا يعبأ به ، ولا يتألَّم لِشَقائِه ولكنَّ الأب يتفطَّر قلبه إذا رأى ابنهُ منحَرِفًا ، لأنَّ رحمة الأب ، ورحمة الأخ شيءٌ آخر ، وهنا الآية : ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ [سورة الزخرف الآية : 5] هذه الهمزة للاستفهام الإنكاري ، أي نحن لا نفعل ذلك ، قال تعالى : ﴿ أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ﴾ [سورة الزخرف الآية : 5] حتى هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم ، وحتى هؤلاء الذين غرقوا في المعاصي و الآثام ، حتى هذا الذي ذبَّح أبناءَ بني إسرائيل و استحيا نساءهم و قال : ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [ سورة النازعات الآية : 24 ] قال تعالى : ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [ سورة القصص الآية :38 ] ماذا فعل الله به؟ قال تعالى : ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [ سورة طه الآية : 43 ] فالإنسان مطلوبٌ برحمة الله لأن الله إلهٌ و ربٌّ ، هو المسَيِّر وهو المرَبِّي فالإنسان حينما يتخِّذ قرارا مخالفا لمنهج الله ، اللهُ جلَّ جلالُه لا يضرب عنه الذكرَ صفحا ، و جُلُّنا إن رأى من إنسان خيانةً أو إساءةً تهمله و تضرب عنه الذكر صفحاً و كأنه ليس في حياتك من ذكره شيءٌ و انتهى الأمر ، و لكن ربُّنا سبحانه و تعالى هو عبدٌ له ، لذلك: أهل ذكري أهلُ مودَّتي ، و أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم و إن لم يتوبوا فأنا طبيبُهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من الذنوب و المعايب ، الحسنةُ عندي بعشرة أمثالها و أزيد و السيِّئة بمثلها و أعفو و أنا أرأفُ بعبدي من الأمِّ بولدها. إنْ عرفتَ رحمة الله عز وجل أقبلتَ عليه ، فيا أيها العباد إذا أسرفتُم في المعاصي و الآثام و انغمسْتُم في المُلهياتِ و إذا بالغتُم في الإساءة إلى الخلق ألا نؤَدِّبكم ؟ ألا نربِّيكم ؟ ألا ندفعُكم إلى بابي ؟ لأن الله سبحانه و تعالى يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [ سورة التوبة الآية : 38 ] فإنك إن لم تكن كما أراد الله يدفعك إلى بابه ، و قد قال عليه الصلاة و السلام : عجب ربكم من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل .." سلاسل التأديب و سلاسل الابتلاء ، و المؤمن الموَفَّق إذا جاءه ما يكرهه يصحو ماذا يريد اللهُ مني ؟ لماذا أنا أعاني مثل هذه المشكلة ؟ لعلَ اللهَ يريد مني أن أكون في وضعٍ أفضلَ ، لذلك ما هي أكبرُ مصيبةٍ ؟ أكبرُ مصيبة أن لا تتَّعِظْ بالمصيبة ، و من لم تحدث المصيبةُ في نفسه موعظةً فمصيبتُه في نفسه أكبر ، قال تعالى : ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ [سورة الزخرف الآية : 5] كنْ مَن كنتَ ، و في أيِّ وضع و في أيِّ حال و في أيِّ معصية و في أيِّ بعدٍ و في أيِّ إسراف ، قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ سورة الزمر الآية : 53 ] لا تنسوا أيها الإخوة؛ للَّهُ أفرحُ بتوبة عبده من الضال الواجد و العقيم الوارد و الظمآن الوارد. و هذا البدوي الذي ركب ناقته و ضلَّ الطريق في الصحراء فجلس ليستريح فاستيقظ فلم يجد الناقةَ ، فبكى حتى أدركه النعاسُ فنام ف أفاق فرأى الناقةَ ، من شدَّة فرحه اختلَّ توازنُه فقال : اللهم أنت عبدي و أنا ربك، للَّهُ أفرح بتوبة عبده من هذا بناقته، لذلك إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات و الأرض أن هنِّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله ، و إذا قال العبدُ يا رب وهو راكع ، قال الله : لبَّيْك يا عبدي ، فإذا قال : يا ربّي ، وهو ساجد ، قال الله : لبَّيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا ربّ وهو عاصي : لبَّيك ثمَّ لبَّيك ثمَّ لبَّيك !! والصُّلحة بِلَمحة ، والله تعالى ينتظرك ، والله عز وجل يُبيِّن لنا رحمته ، فمهما عصَيتم وابْتعدتم لا نضرب عنكم الذِّكر صفحًا ، وهذه هي رحمة الله، ويؤكِّد هذا المعنى قَول الله عز وجل : ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 147 ] الإنسان المجرم ، رحمة الله الواسعة أن لا يردّ بأسَهُ عن هذا الإنسان المنحرف ، فلا بدّ نم أن يتفقَّدَك الله بِطَريقة أو بأخرى لِتَعود إليه ، فَعُد إليه طواعِيَةً هذا أشْرف ألف مرَّة مِن أن تأتيَهُ طائِعًا ولكن بعد مصيبةٍ شديدة . قلتُ لكم من قبل أنَّ هناك أرع مراحل يمرّ بها الإنسان ؛ مرحلة الدعوة البيانيَّة ؛ كأن تسمع خطبة أو تجلس إلى درس أو تقرأ كتابًا أو تسمع شريطًا فهذه دعوة بيانيَّة ، والموقف الكامل من هذه الدعوة البيانيّة أن تستجيب إلى الله ورسوله ، فإن لن تستجب تدخل بمرحلة ثانية وهي التأديب التربوي ؛ مضايقات وشِدّة ، فالموقف الكامل من التأديب التربوي أن تتوب إلى الله ، وتعود إليه ، فإن لم تتُب دخَلت بِمَرحلة ثالثة وهو الإكرام الاستِدراجي ، يُعطيك الدنيا ، وما تشتهي إليه ، والموقف الكامل في هذه المرحلة أن تشكرهُ وتتوب ، لم تستجب لِدَعوته البيانيَّة ، ولم تتُب عند التأديب التربوي ، ولن تشكر عند الإكرام الاستدراجي فلم يبْقَ القصْم قال تعالى : ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة الأنفال الآية : 52 ] فهذه أربعة مراحل ، يجب عليك إدراكها ونحن الآن في بحبوحة ، فالحقوق تُؤدَّى. أحد الإخوة قال لي: طرق بابي وأنا في معمل رجل فقال لي : كنتَ موظَّفًا عندك ، وقد أتيت لك بالمبلغ ! فهذا حلّ قضِيَّته وهو في الدنيا فالحقوق إما أن تؤدَّى أو يُسامحك بها صاحبك ، وحقوق الله عز وجل مَبنيَّة على المسامحة ، بينما حقوق العباد مَبنيَّة على المُشاححة ، فهذه الآية رقم خمسة من سورة الزخرف : ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ﴾ [سورة الزخرف الآية : 5] الاستفهام إنكاري أي لا نضرب عنكم الذِّكر صَفحًا ، ولا ننساكم أن كنتم قومًا مُسرفين ، ولو ابتعدتم ، ويأخذ بيَدِكم إليه . يُروى أنَّ سيدنا موسى دعا ربه بالسقيا ، فقال له تعالى : إنَّ فيكم عاصِيًا فأمره بالمغادرة ، فقال موسى لأصحابه : إنَّ فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرنا ! فما انصرف أحد، والأمطار مُغدِقة وانْهمرَت ، فقال: من هو يا رب ؟ فقال له تعالى : عجِبتُ لك يا موسى ! أسْترهُ وهو عاصٍ ، وأفْضَحُهُ وهو تائِب!! فالله تعالى ينتظرنا ، وباب التوبة مفتوح ، قال الشاعر : إلى متى أنت باللّذات مشغول وأنت عن كلّ ما قدَّمت مسؤول تعصي الإله وأنت تُظْـــهر حُبَّه ذاك لَعَمري في المقال بديعُ لو حبُّك صادقًا لأطَعْتَــــهُ إن المُحِبّ لِمَن يُحِب يطيع والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والثلاثون، والآية الثانية والثلاثون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾ [ سورة الزخرف ] يبْدو من هذه الآية أنّ هناك مقاييس للتَّفوُّق عند أهل الدنيا، ولعلّ من هذه المقاييس الغِنى، ولعلّ من هذه المقاييس القوَّة فالعظيم عندهم هو القويّ والعظيم عندهم هو الغنيّ، والعظيم عندهم هو الذي له أثرٌ قويّ، يقول الله عز وجل ناقلاً لنا عمَّا يقوله هؤلاء، كيف يُنَزِّل الله هذه الرِّسالة على إنسانٍ يتيم ؟ كأنَّ اليُتْم والفقْر يُقَلِّلان من قيمة الإنسان ! المشكلة الدقيقة في هذه الآية أنَّ للبشر مقاييس، ولِرَبِّ البشر مقاييس فإذا كنتَ على مقاييس ربِّ البشر مُتَفَوِّقًا فأنت الفائز، أما إذن كنتَ على مقاييس البشر مُتَفَوِّقًا فهذا التَّفَوُّق ينتهي عند الموت، فالتَّفوُّق الذي على مقاييس رب البشر يبدأ بعد الموت، ومن هنا قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾ [ سورة الواقعة ] فالذي كان بمقياس البشر عظيماً و كان مسيئاً و منحرفًا و كان عاصيا صار في الآخرة إلى أسفل سافلين، و الذي كان بمقياس الله عاليا متفوِّقا على الرغم من أنه كان في الدنيا ضعيفَ الشأن في الظِّل و التعتيم صار يوم القيامة في أعلى علِّيِّين، فالبطولةُ أن تكون عظيما على مقاييس مَن ؟ على مقاييس البشر لا قيمة لها، يقول عليه الصلاة و السلام: رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين...." هؤلاء العظماء في مقياس البشر يقول الله عنهم يوم القيامة: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾ [ سورة الكهف ] هؤلاء العظماء في مقياس البشر يقول الله عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾ [ سورة الفرقان ] العظيم عند البشر هو الغنيُّ، والعظيم عند البشر هو القوي، ولكنَّ العظيم عند الله تعالى هو القويّ والوليّ، والمُطيعُ والمُحِبّ، والمخلص، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ [ سورة الزخرف ] هل هم آلهة حتَّى يقسمون رحمة الله تعالى ؟ قال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32﴾ [ سورة الزخرف ] هناك طبيب، وهنا مُمَرِّض، وهناك معلِّم ثانوي، وهناك أستاذ في الجامعة، وهناك مُجَنَّد، وهناك رئيس أركان، وبائع مُتَجَوِّل، ورئيس غرفة تِجارة، فالدنيا مراتب، أهُم يقسِمون رحمة ربِّك ؟ فَحَتَّى مراتب الدنيا بِمِقياس البشر هي بقِسمة الله عز وجل ؛ نحن الذين قَسَمناها بينهم فهذا الذي قُسِمَت منزلتهُ في الدنيا أهُوَ الذي سيَحْكم على هذا النبي ؟ قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32﴾ [ سورة الزخرف ] السُّخريَة هنا ليْسَت من السّخريَة، ولكن مِن السُّخْرة، أيْ لولا أنَّ إنسانًا مُعيَّنًا بِمَلكات مُعيَّنَة ما قبلَ عملاً، يُروَى أنّ ملِكًا كان يجوب ممْلكَتَهُ فدَخَل إلى بستانٍ، فرأى حِصانًا يدور على بئر، وقد عصب البستانيّ عَيْنيه ووضَع الخنجر في عنقه، فقال هذا الملك للبستاني: لِمَ عصَبتَ عَينَيه؟ فقال البستاني لأن لا يُصاب بالدُّوار، ولما وضَعت ذاك في عنقِه ؟ فقال: كي إذا وقف أعرف أنَّه وقف، فكَّر الملِك وقال: فإذا وقف وهزَّ رأسَهُ فقال: وهل له عقلٌ كَعَقلِك ؟! أحيانًا بعض الإخوة التُّجار يريدُ نم هذا الصانِع المبتدئ أن يكون في فهْمِهِ وذكائِهِ وحِكمتهِ ! لو كان يا أخي في فهمِكَ وذكائِك وحِكمتكَ ما قبِلَ أن يعمل عندك، ولَعَملتَ عنده أنت !! فهناك من له وسامة،وهناك من له ذكاء، وهناك من له حِدَّة في الذكاء، وآخر ذاكرة قوِيَّة، وإنسانٌ مهاراته حركِيَّة، وآخر مهاراتُه عَقليَّة، فهناك تنوّع وليس معنى هذا أنّ الأقلّ هو الأقلّ عند الله تعالى ! أبدًا قال تعالى: ليتَّخِذ بعضهم بعضًا سخريًّا.." كي تنتظِم الحياة، ولو أنَّ الناس جميعًا في مستوى عَقْليٍّ واحِدٍ ما خدم أحدٌ آخر، فالمرأة لو كانت بِعَقل الرَّجل لما رضِيَت أن تكون له زوْجة ! لكن طبيعتها وعَقْليَّتُها، ونفْسِيَّتها، وبُنيتُها مُهيَّأة لِتَكون زوجة ؛ تطبخ وتخدم وتكْنس، وتحبّ زوجها وأولادها، وتتفانى في خِدمتهم، فهذه الآية دقيقة جدًّا، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [ سورة الزخرف ] أيْ أَهُم يُعَلِّمون الله كيف يُوَزِّع النبوَّة على عباده، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾ [ سورة الزخرف ] فمرتبتهم في الحياة الدنيا هي مِن تقدير الله عز وجل، ويتنطَّعون لِيُملوا على الله عز وجل على مَن يُنْزِلُ رسالته، فهذه مراتب الدنيا من تقدير الله تعالى، فكيف مراتب الآخرة ؟! لكنَّ الله سبحانه وتعالى في آيةٍ دقيقة دقيقة يقول: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ [ سورة الزخرف ] فالذين تركوا ألف مليون وماتوا، وهناك واحد بأمريكا لِشَركة مايكروسوفت يملك ثلاثة وعشرون مليار دولار، ولكنَّه سيموت، ورحمة ربِّك خير مما يجمعون، فمهما جمعت من أموال الدنيا ؛ هذه تبقى في الدنيا، وتنقلب إلى الله عز وجل صِفر اليدين إلا مِن عملٍ صالحٍ، إذًا الدنيا لها مراتب والآخرة لها مراتب، فمراتب الآخرة بِحَسب طاعة الله والإخلاص له، والتوحيد، والحبّ له تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(55)﴾ [ سورة القمر ] أما مراتب الدنيا فَقِوامها المال والقوَّة، والوسامة والذَّكاء، والنسَّب والحسب، والشَّكل والهندام، والبيت والزوجة متاع الحياة الدنيا، فهم يعترضون على الله عز وجل لما أرسلَ هذا الإنسان اليتيم الفقير !! فها أنتم لا تملكون مراتب الدنيا، وهي مقدَّرةٌ عليكم فكيف تتنطَّعون للبحث عن مراتب الآخرة، لذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ [ سورة الزخرف ] قرأتُ مرَّةً كتابا عن قِصص العرب، بعد أن نْهَيْتُهُ وجَدْتُ أنَّ القويّ مات والضَّعيف مات، والذكِيّ مات، والأحمق مات، والغني مات، والفقير مات، والوسيم مات، والذميم مات والصحيح مات، والمريض مات كلُّهم إلى الموت، وكلّ مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلى ذو العزَّة والجبروت قال الشاعر: الليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجر والعمر مهما طال ف لابدّ من نزول القبر وكا ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول فإذا حملتَ إلى القبور جنــازةً فاعلَم بأنَّك بعدها مَحمـول فشِعار المؤمن، قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ [ سورة الزخرف ] فالدنيا زائلة، والعِبرة أن يكون لك عند الله رصيد كبير، والعبرة أن تكون في ظلّ الله تعالى، والعبرة أن تكون في رعاية الله، والعاقبة للمتقين، والأمور تدور وتدور ولا تستقيم إلا على إكرام التقيّ، وإهلاك البغيّ. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثلاثون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)﴾ [ سورة الزخرف ] لولا أداة شرْط غير جازِمة، وهي حرف امتِناعٍ لِوُجود، أما لو فهي أداة شرْط غير جازمة، وهي حرف امتناع لامتناع، فما معنى حرف امتناع لامتناع ؟ لو جئتني لأكرمتك، فأنا لم أُكْرِمك لأنَّ لم تَجِئني ! امتَنَع إكرامي لك لامتناع مجيئك، قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾ [ سورة الأعراف ] لماذا لم نفْتَح عليهم بركات من السماء والأرض ؟ لأنَّهم لم يؤمنوا ولم يتَّقوا وقال تعالى: ﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾ [ سورة الجن ] لماذا لم نُسْقِهِم ماءً غدقًا ؟ لأنَّهم ما استقاموا على الطريقة، أما لولا فلها معنى آخر فهي حرف امتناع لِوُجود ؛ إذا قلتَ: لولا المطر لهَلَكَ الزَّرع امْتَنَع هلاك الزَّرع لِوُجود المطر، حرف امتناع لوجود، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)﴾ [ سورة الزخرف ] فما معنى لولا أن يكون الناس أمَّة واحِدَة ؟ أي أنَّ الناس جميعًا من دون اسْتِثناء خُلِقوا لِرَحمة الله، وخُلِقوا للجنَّة، فمن يزْعم أنَّ الله تعالى خلق الكافر كافِرًا، وقدَّر عليه الكُفْر قبل أن يولَد، وسيَضَعُهُ في جهنَّم إلى أبد الآبدين من دون إرادةٍ منه، ومن دون اختيار، فهذا خالف العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن، فليس هناك إنسان خلق كافرًا، ولا إنسان خُلِقَ مؤمنًا، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾ [ سورة الروم ] كلّ البشر مَخلوقون وِفْق فِطرة سليمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(2)﴾ [ سورة التغابن ] قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾ [ سورة الإنسان ] وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾ [سورة البقرة] فالناس جميعًا خُلقوا للجنَّة، والدليل القاطِع، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود] هل هناك آيةٌ أوْضَحُ من هذه الآية ؟! يعني خلقهم لِيَرْحمهم، فهل يمكن لأبٍ أن يقول لك: ولدي هذا أتْركُهُ يدْرس، وهذا صانِع ! إذا كان أيها الأب أردْتَ من أحد أولادك أن يكون جاهِلاً، لماذا تضْربُهُ على عدم الدِّراسة ؟!! هذا شيء غير منطقي ! فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق جميع الناس للجنَّة لأراح الكافر من عذاب الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)﴾ [ سورة الزخرف ] فهذا الذي يزْعمُ أنَّه خلقهُ كافِرًا، ومصيرُهُ إلى النار، فلماذا يُعَذِّبُهُ في الدنيا ؟! هذا ينبغي أن يجعل له بيتًا جميلاً، وسَقْفًا مُزخرف، ومعارِج من فِضَّة، ومُتَّكت مُريحة، وبيت جميل، لو أنَّ الله خلق الإنسان للنار، وخلقه كافرًا، وقدَّر عليه الكفر قبل أن يولد، ومصيرُهُ إلى النار، فلا داعي أن يُعَذِّبه، ولكن لأنَّ الله تعالى يُعالج كلّ الخلق، فمعنى ذلك أنَّ كلّ الخلق خلقهم لِيَرحمهم ومعنى ذلك أنَّ كلّ الخلق خلقهم للجنَّة، فهذه الآية دقيقة جدًّا، فالذي يقول: الله تعالى خلق الكافر كافرًا، والمؤمن مؤمنًا هي عقيدة الجَبر، والكافر ليس له ذَنب إلا أنَّه يُنَفِّذ قضاء الله، والمؤمن ليس له فضْل إلا أنَّه قدَّر عليه الإيمان ؛ هذه الفِكرة مرفوضة أصلاً، وهذه الآية تنْفيها قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)﴾ [ سورة الزخرف ] أي خُلِقوا لِيَؤُمُّوا إلى وِجهةٍ واحِدَة وخُلِقوا لِيَتَعَرَّفوا إلى الله تعالى، وخُلقوا لِيَكونوا من أهل الجنَّة، وجنَّة عرضها السماوات والأرض، وخُلقوا لِيُطيعوا، ويعْبدوا، والناس جميعًا سَواسِيَة كأسنان المِشْط، يُؤَكِّد هذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(189)﴾ [سورة الأعراف] من طبيعةٍ واحِدَة، ومن جِبِلّة واحدة، ومن خصائص واحدة فالكافر كفَر لأنَّه اختار الكُفر، والله سيُعالجهُ، والمؤمن اختار الإيمان قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(2)﴾ [سورة التغابن] قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)﴾ [ سورة الزخرف ] قال تعالى : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾ [سورة النساء] ألا تُصَدِّقون الله عز وجل، قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾ [سورة التوبة] قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [سورة القصص] عليّ الكفر ! والله كتب عليّ أن لا أُصلي ! هذا كلام العوام والجهلة، أحدهم جاء سيّدنا عمر، وكان شارِب خمرٍ، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنَّ الله قدَّر عليّ ذلك، فقال عمر بن الخطاب، وهو عملاق الإسلام: أقيموا عليه الحد عليه مرَّتين ؛ مرَّةً لأنَّه شرب الخمر، ومرَّة لأنَّه افترى على الله تعالى !! قال له: وَيْحَكَ يا هذا إنَّ قضاء الله لن يُخْرِجْك من الاختيار إلى الاضْطرار !! لو أنَّ الله تعالى أجْبر عباده على الطاعة لبَطَل الثواب، ولو أجْبرهم على المعصيَة لبَطَل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عَجْزًا في القدرة، إنَّ الله أمرَ عبادهُ تَخييرًا ونهاهم تَحذيرًا، وكلَّف يسيرًا ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مَغلوبًا، ولم يطَع مُكْرهًا، ولم يُنَزِّل الكُتُب عبثًا، ولم يُرْسِل الأنبياء لعبًا. فلذلك أنَّ القضيَّة مُقدَّرة، وكلّ إنسان خُلِق لِيَكون كافرًا أو مؤمنًا، من دون اختيار، لكان إرسال الأنبياء عبثًا، ولكان إنزال الكتب لعبًا، ولبَطَلت الجنّة والنار، والثَّواب والعقاب، ولتعطَّل لا اختيار، والتَّكليف، وأصْبحت الحياة تَمْثيليَّة ! فالإنسان مُخيَّر، ومخلوق للجنَّة، وأنت مطلوب إلى الله، وإلى رحمته أكثر ممَّا أنت طالب، والنبي عليه الصلاة والسلام أرْحم الخلق بالخلق قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم..." لا يوجد إنسان على وَجه الأرض إلا ويتمنَّى السَّلامة والسَّعادة، ولكنَّ المؤمن أصابها، والكافر أخْطأها، فالكافر بَحَث عنها في المال فلم يَجِدها، وبحث عنها في النِّساء فلم يَجِدها، وبحثَ عنها في العلوّ في الأرض فلم يَجِدها، والمؤمن بحث عنها في طاعة الله فَوَجَدَها، أما مؤمن وكافر، وملْحِد، ومجوسي وعابد صنم، أو بقر، وأيّ إنسان على وَجه الأرض يبْحث عن شيئين عن سلامته، وعن سعادتهِ، والبطولة أن تبْحث عن اللُّؤلؤ في البحر، أما لو بَحثت عن اللّؤلؤ في الصَّحراء فلن تَجِدَهُ، فكلّ إنسان يبْحث عن السَّعادة بالمال فلن يَجِدها؛ لأنَّ السعادة لا تأتيك من الخارج بل تنْبُع من الداخل إن بَحَثْت عن السَّعادة في مضامنِّها تَجِدها، ومضامنُّها طاعة الله، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [سورة الأحزاب] وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)﴾ [ سورة الأعلى ] وقال تعالى: ﴿قدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الْذِينَ هُمْ فِيْ صَلاَتِهِم خَاشِعُوْن(2) ﴾ [ سورة المؤمنون ] ابْحث في القرآن عن كلمة قد أفلح فإنَّك تجد معنى السَّعيد. مُلخَّص الجلسة ؛ أنَّ كلّ إنسانٍ يبحث عن سلامته، وسعادته، فإما أن يبْحث عن سلامته وسعادته في مضانِّها، وهي طاعة الله والإقبال عليه وإما أن تبْحث عليها في غير مضانِّها، كما بحث عنها الكافر في المال فلم يَجِدها، وفي المرأة فلم يجِدها، وفي العلوّ فلم يَجدها، قال تعالى ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾ [ سورة الكهف ] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)﴾ [ سورة غافر ] فإذا الإنسان دخل النار يتألَّم من نفسه أشدّ الألم لماذا أنا هنا ؟ فهذا الإنسان إذا ارتَكَب حماقةً في الدنيا وأوْدَتْ به إلى السِّجن تجدهُ يلْعَنُ نفْسَهُ كلّ يوم ! قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)﴾ [ سورة غافر ] وأنتم في الدنيا حينما يدعوكم الله تعالى إلى طاعته والصلح معه وإلى التقرب منه، وإلى عبادته، ترفضون بِدَعاوى باطلة، ربُّنا عز وجل من ذاك الوقت يمْقتكم ! فلو أنَّ أبًا ترك ابنه الدِّراسة، فالابن فرحان وثاني ينام إلى الظهر، أما الأب يقطر قلبُهُ دمًا، أما الابن متى يتألَّم ؟ لمّا يكبر، لا بيت ولا زواج، ولا شهادة، ويشتغل عملاً شاقًّا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)﴾ [ سورة الزخرف ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة والثلاثون من سورة الزخرف، وهي قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)﴾ [ سورة الزخرف ] الإنسان في الحياة الدنيا مُكَلَّف أن يعبد الله عز وجل، ولِحِكمة بالغة بالغة قيَّض الله ملاكًا يُلْهِمُه الخير، وشيطانًا يُوَسْوسُ له، ولكنَّ الشيطان ليس له على هذا الإنسان سلطان، قال تعالى ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [ سورة إبراهيم ] هذا الشيطان القرين الذي يُوَسْوِس ليس له على الإنسان سلطان إطلاقًا ! إلا أنَّه يُوَسْوِس، فإن لم يسْتجب له ارْتقى الإنسان، وإن استجاب له فهذا اختيار الإنسان، فالشيطان يُحَرِّك الإنسان، فهو من حيث لا يريد، ولا يتمنَّى، يجعل حرارة الإيمان عالِيَة عند المؤمن، فأحيانًا يُطْرح في الأسواق كتاب كلّه ضلالات، قد يسأل سائل: ربُّنا جلّ جلاله ألا يعلم أنَّ هذا الكتاب كلّه ضلالات، فلماذا سَمَحَ لِمُؤلِّفِهِ أن يُؤلِّفه ؟ ولماذا سَمَح بِهذا الكتاب أن يُنْشَر ؟ هذا الكتاب يرفع حرارة الإيمان في المجتمع الإسلامي ! شبهات وضلالات، ويُقرأ ويُردُّ عليه، وتتحرَّك الفعاليَّة الدينيَّة في المجتمع، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)﴾ [ سورة الأنعام ] فيجب أن تعتقد أنّ أحدًا لا يضلّ أحدًا إلا أنَّ أحدًا يُحرّك أحدًا، فالشيطان حينما جعله الله قرينًا للإنسان من أجل أن يُحرِّكَهُ، وما أكثر مما يجعل الشيطان من وسوسته وهو لا يريد سببًا لِهداية الإنسان، فأحيانًا يكون هناك ابن عاق فيأتي شخص في الطريق فيَسُبّ له أباه سبابًا لا يُحتمل فعلى الرَّغم من أنَّه عاق، هذا السُّباب يُوَلِّد في نفسِه الحنين إلى الأب فيُدافِعُ عن أبيه، فهو قبل يومين كان عاقًا، وبهذا السُّباب صار بارًّا فنحن لنا الظاهر، ولكنّ الله جلّ جلاله له حِكَمٌ بالغة، لأنّ سؤالاً قد يُطْرح ؛ وهو يا ربَّنا لما خلقْت لنا هذا الشيطان ؟! الشيطان لا يتحرَّك إلا بأمر الله، قال تعالى: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)﴾ [ سورة النحل ] أحيانًا تسْتحكم الشَّهوة في الإنسان فتَكون حِجابًا بينه وبين الله، وحِجابًا ثخينًا، فيأتي الشَّيطان فَيُوَسْوِس، ويُزَيِّن وينطلق الإنسان إلى الشَّهوة وكما يقول علماء النفس: فينْتشر الضَّغط، ويتبدَّد التوتر، ويكون هناك إصْغاء فتأتي المصيبة بعد هذه الشَّهوة التي أفرغها الإنسان بِوَسْوسة الشيطان فيُصغي إلى الواحد الدَّيان فيستقيم على أمره فالشيطان له دَور ولكنَّه هو بِوَسْوسَتِهِ يجعل حرارة الإيمان عاليَة، يقول لك: كلّ شيء يحتاج إلى خالق، فمن خلق الله ؟!! ونحن عندنا قاعدة، وهي أنّ كلّ شيءٍ وقع فهذا يعني أنَّ له حِكمة، فما دام واقع فهذا له حكمة بالغة، فالذي يُصغي إلى الشيطان هذا يُصغي إلى شَهوته، ويفعل ما تُمليه عليه شَهوتُه، والشيطان قال كما قال عنه تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [ سورة إبراهيم ] والذي لا يُصغي إلى الشيطان يرْقى عند الواحد الدَّيان قال تعالى: ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾ [ سورة يوسف ] فالله عظيم، وهو الغني. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)﴾ [ سورة الزخرف ] أيْ إذا الإنسان ما نظَّف بيْته، فيأتي الذُّباب والبعوض، وكلاهما مُزعِج ووجود البعوض والذباب في البيت يعني ؛ قُمْ أيها الإنسان ونظِّف بيْتَك فالتَّقصير هذا ينشأ عنه حركة، والإنسان إذا ما اتَّصل بالله عز وجل يأتي الشيطان جاهزًا، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)﴾ [ سورة الزخرف ] فالشيطان وظيفته ؟ لما عَشِيَ الإنسان أيْ عَمِيَ عن ذِكْر الرحمن، فالعمى شيء، والعشَى شيء آخر، فالعَشى ضَعف الرؤيا، تجده مسلم يُصَلِّي ويرتاد المساجد ولكن رؤيته للتوحيد ضعيفة، ويؤمن أنّ الله خالق الكون أما أنّ كلّ شيء عنده فهذه يعتقدها ولكنّها ضعيفة في الواقع العملي فالعشى أقلّ من العمى، قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾ [ سورة الحج ] فالإنسان حينما تكون رؤيتُهُ ضبابيَّة، وغير واضِحة، يُقيَّ له شيطان وهذا الشيطان مهمَّته كالذُّباب تمامًا، يُزْعِج، ويُلقي الوساوِس، فلا يكون من الإنسان إلا أن يتوب، ويكون هذا الشيطان سبب توبة هذا الإنسان وهو لا يدري، لذا قال الله عز وجل: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)﴾ [ سورة الأعراف ] يكون الإنسان شارد بالمعاصي والآثام، فلمَّا يتوب يأتيه الشيطان، ويُلقي له الوساوِس، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ [ سورة الأعراف ] التقدّم والحداثة والعصْرنة، وعصر تكافؤ الفرص، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ [ سورة الأعراف ] التقاليد البالية، والعادات والتراث، قال تعالى: ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾ [ سورة الأعراف] يقول له: لقد قرأت الفاتحة، ولكنَّ ما شدَّدت في الموضع اللاني فالصلاة فيها نقص والفاتحة فيها سبعة عشرة شدَّة ! يُيئّسه !! فعن شمائلهم هي المعاصي والآثام والدش، والملهيات والزنا والاختلاط، والسباحة المختلطة قال تعالى: ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ﴾ [ سورة الأعراف ] كان يرْبح خمسة ملايين وأصبح أربعة، ويشكي الفقر !! فلا يشكر ودائمًا يشْكو، قال لي شخص: لي مزرعة كلها تفاح، وقد خسرتُ فيها، فقلتُ له: هل أنت قادر على أن تعمل غسيل كلية ؟ فقال: لا، وهل تستطيع تغيير دسَّام قلب ؟ قال: لا، فقلتُ: احمَد الله، فكلٌّ من هذه تحتاج إلى الملايين ! فهذه زراعة الأسنان تحتاج إلى مليونين ليرة !! فالذي في صِحَّة تامَّة عليه أن يشكر الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ﴾ [ سورة الأعراف ] كل شيء عنده ويشْكو الفقْر، وهم من خوفهم الفقر في فقْر، ومن خوفهم المرض في مرض، وتوقُّع المصيبة مُصيبة أكبر منها، قال تعالى ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)﴾ [ سورة الزخرف ] فمثلاً السوس من حِكَم الله البالغة، لأنَّه لولاه لخزَّنوا القمح بالسَّنتين، ثمَّ لا يبيعونه إلا بسِعر مغرٍ جدًّا، وبها تموت الشُّعوب ! فالإنسان لما يغفل عن الله تجد الشيطان جاهِز سألني أحدهم وقال: العسل عليه زكاة ؟ فقلتُ: نعم ! فقال: وإن لم ندْفَع فقلتُ له: قرَّاد النَّحل جاهِز !! هذه حشرة تفتك بالنَّحل، ولا تترُك، فإن أردتَ أن تدْفع الزَّكاة فأهلاً وسَهلاً، وإن لم تُرِد دفعها فقُرَّاد النِّحل جاهز قال تعالى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)﴾ [ سورة الزخرف ] دائِمًا وساوس الشيطان نحو المعصيَة، ونحو الدنيا، تجد الواحد يفكِّر في آمال بعيد، وقد يكون أجلهُ بعد ساعتين، وقد نُسِجَت أكفانه وهو لا يدري قال لي أحدهم " جاءني شخص وحيَّرني سِتَّة أشْهر أيعْمل الشوفاج داخلي أم خارجي !! لأنَّه خاف أن يعمله داخلي وبعد عشرين سنة يُكسِّر البلاط !!! أرأيت أمَل هذا الإنسان !! قال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾ [ سورة الزخرف ] لذا لا تصاحب إلا من ينهضك حاله، ويدلّك على الله مقاله، وقال عليه الصلاة والسلام لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيّ...". والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشْرة من سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] كلمة تفرَّقوا تقودنا إلى بحث موضوع التَّفرُّق بين المسلمين، بل التَّفرّق بين أتباع الأديان كلِّها التَّفَرُّق أنواع ثلاثة ؛ تفرّق طبيعي، وتفرّق مذموم وتفرّق محمود. التَّفرّق الطبيعي سببُه نقْص المعلومات، كان الناس أُمَّة واحدة فاختلفوا لا يوجد وحي حاسِم فاختلفوا، أوْضح مثَل ليلة العيد، سَمعنا صوت مَدفع يا ترى هل هم يفتحون طريقًا في الجبل ؟ ناس يقولون: صخرة بالجبل هدَّموها، وناس قالوا: غدًا ليلة العيد، فنحن اختلفنا لِنَقص المعلومات وكل إنسان يتوهَّم شيء، ويأتي بالدليل الضَّعيف، فهذا النوع من الاختلاف نوع طبيعي، فلا توجد معلومات دقيقة، حينها نختلف، قال تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)﴾ [سورة البقرة] الآن بعدما نزل الوحي والكتاب المبين، والقرآن الكريم، وسنة واضحة وإله واحد، ونبي واحد ؛ حينها اخْتلف المسلمون هذا الاختلاف اختلاف قذِر، أساسه الحسَد، والبغي والعدوان والهوى قال تعالى : ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] البغي هو العدوان بِدافِع الحسَد، فالتّفرّق الطبيعي هو التفرّق الذي سببه نقص المعلومات والتّفرّق المذموم هو الذي سببه الحسَد والبغي، فالخِلافات التي بين الدُّعاة والخلافات بين الجماعات، والخلافات بين الأطراف ؛ هذه ليس مردُّها نقْص المعلومات، ولكن مردُّها التنافس على المكاسب، كُنَّا نُعْجب بِبِلادٍ في أقصى الشرق، فوقَفَت أمام أكبر دولةٍ في العالم ؛ ثمّ الآن نتألَّم أشَدّ الألم، وهذا الخلاف جرّهم إلى سفْك الدِّماء بينهم، فَخِلافهم الآن خلاف منصب، وبغي وعُدوان، وليس خلاف عقيدة، وهذا الخلاف عند الله مذموم، وقَذِر، فأنا حينما أختلف معك فلِمَصْلحةٍ مادِّية، وحينما أختلف معك لأُنافِسَك، وحينما أخْتلف معك لِمَكاسِب بين يدَيّ لا أُفرِّط بها، لذلك كنتُ أقول لكم دائِمًا ؛ هناك دعوة إلى الله تعالى خالصة، ودعوة إلى الذات باغيَة، دعوة إلى الذات مُغلّفة بِدَعوة إلى الله تعالى، فالدَّعوة إلى الذات مِن خصائصها ادّعاء التَّفرّد، ومن خصائصها الابتِداع، ومن خصائصها التنافس، ومن خصائصها جُحود ما عند الآخرين، أما الدعوة إلى الله تعالى الخالصة من خصائصها التَّواضع، ثمّ الاتِّباع، ثمّ التَّعاوُن ثمّ الإنصاف، فإذا كنت أيها الداعي مُتواضع ومُتَّبِع، وتعترف بِالآخرين، وتتعاون معهم، فأغلبُ الظنّ أنَّ دعوتك إلى الله تعالى خالصة، أما التنافس فهو دليل عدم الإخلاص، فيها دعوة إلى الذات، فنحن نُعاني لا من خلاف طبيعي مردُّه نقْص المعلومات، ولا من خلاف سيكون محمودًا بعد قليل، ولكن نحن نُعاني من خِلاف قَذِر سببهُ الحسَد والبغي، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾ [سورة الشورى] بغْيًا مفعول لأجله، أيْ بِسَبب البغي والعدوان والحسد، إذًا هناك تفرّق طبيعي لا محمود ولا مذموم وتفرّق طبيعي سبه نقْص المعلومات. الآن جاء الوحي الناصع، والنبي الصادق، وكلّ شيء واضِح ؛ قرآن كريم لا ريب فيه، وسنَّة مطهَّرة واضِحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام((فيما رواه ابن ماجه أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ * )) [ رواه ابن ماجه ] أيها الإخوة الكرام، دقِّقوا في هذه الكلمات التي سأقولها ؛ ما من فرقة ضالة إلا ولها خصائص، أوَّل خاصَّة أن التَّركيز في الفرقة لا على المبادئ، ولكن على الأشخاص، وتأليه الأشخاص، ثمّ يصبح هذا الشَّخص مُشرِّع، وما قاله هو الحق، وما لم يقلهُ هو الباطل، فهذا أعلى إنسان على وجْه الأرض بعد رسول الله هو سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه وفي أوّل خطبة خطبها قال: وُلِّيتُ عليكم ولسْتُ بِخَيركم، إنَّما أنا مُتَّبِع ولسْتُ بِمُبْتَدِع، إن أحْسنت فأَعينوني، وإن أسأتُ فقَوِّموني، فهذا كلام الصِّديق، قال: وأطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، وإن عصيتُهُ فلا طاعة لي عليكم ! فهل يتجرأ أحدنا بعد الصِّديق أن يقول: أنا لا أخطئ ؟! أو يقول أنا خيركم !! وكلامي تشريع !!!! مستحيل، إذًا الدعوة إلى الذات شيء والدعوة إلى الله شيء آخر، فالدعوة إلى الله فيها تواضع واتِّباع وتعاون وفيها إنصاف، وإلى الذات فيها كِبر، وإنكار لفضل الآخرين، وتنافس، لذلك نحن لا يؤْلمنا إلا التَّفرّق، وكلاًّ يُغنِّي ليلاه، وكلّ يدَّعي وصلاً بليلى فالذي يتوقَّع أنَّ الله له فقط، فهو خاطئ، وأنّ الجنّة له فقط ! نقول له: إنَّ الله تعالى لكلّ المسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ [سورة الشورى] عُدوانا وطغيانا وحسدًا، ويتَّبعون الدنيا والمكاسب. لو سألني أحدكم ؛ أين هو التنافس المحمود ؟ قال: التفرّق المحمود هو تفرّق التنافس، فهذا اتَّجه إلى إعمار المساجد وهو يظنّ أنّه أعظم عمل وهذا اتَّجَه إلى نشْر الحق، وهذا اتَّجَه إلى إطعام الفقراء والمساكين وهذا أسَّس معاهد شرْعِيَّة، فهؤلاء تنافسوا مع إخوانهم في الحق، ولِخِدمة هذا الدِّين، وهناك من يعنيهم أن يرَوا الناس في بحبوحة ؛ فَيُؤَسّس جمعيَّة خيريَّة، وإعانة المساكين وطلبة العلم، وإنسان نشر الحق، ونشر الفضيلة فنحن يمكن أن نتنافس تنافسًا شديدًا، والله عز وجل قال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] وقال تعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾ [سورة الصافات] فالتنافس الشريف أن نتسابق لِخِدمة المسلمين، فالذي يُدرِّس يُساهم، والذي يبني يُساهم، والذي يُطعم الفقراء يُساهم، والذي يرعى الأيتام يُساهِم والذي ينشر الكتب يُساهم، فالاختلاف الأوّل طبيعي، والاختلاف الثاني قذِر ؛ اختلاف الحسد والبغي ولا تنافس على الدنيا، والاختلاف الثالث محمود، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾ [سورة المطففين] فهناك من يرى أن التجويد هو كل شيء، وآخر يرى الفقه، وذاك المواريث، وآخر مصطلح وذاك في التفسير، وآخر جرح وتعديل، وهذا عالم بالفقه المقارن والأحوال الشخصيَّة، وهناك من درس الإنجيل وردّ على مُدَّعيه، فكلّ عالم أخذ جانبًا وتفوَّق فيه، فكل هؤلاء العلماء أخذوا جانبًا وتفوّقوا فيه وهذا تنافس محمود عند الله عز وجل، فالمسلمون والعلماء متكاملون يشدّ بعضهم بعضًا، لذا لو تعاون الدّعاة إلى الله تعالى لكانوا وحدة متكاملة، والعقيدة الصحيحة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بِمُفردهِ، وأُمَّتُهُ معصومة بِمَجموعها، والله تعالى قال: وتعاونوا على البرّ..." فمُلخَّص الدرس أنَّ هناك تفرّق طبيعي سببه نقْص المعلومات، وآخر قذِر سببه المنافسة على الدنيا، وآخر محمود سبه التنافس في خِدمة هذا الدين، فأنت كُن مع الصِّنف الثالث، قال تعالى: فهدى الله الذين آمنوا....بإذنه " فكلٌّ مِنَّا يخدم الدِّين بما استطاع عليه، وبما يسَّر الله له، فكل إنسان يُيَسَّر لما خلق له، فأنْسب شيء يُناسبُك للجنَّة، وليس في الإمكان أبْدع مِمَّا كان. أرجو الله أن يكون تنافسنا من أجل خدمة هذا الدِّين، وليس من أجل السعي للدنيا، وأن نُوطِّن أنفسنا من أجل التعاون لا التنافس القذِر، وأن لا نُنْكر فضل الآخرين، وأن تكون لنا أدوار، وأن نسمح لآخرين بإقامة أدوارهم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾ [ سورة الزخرف ] الخُلَّة أعلى درجة في العلاقة بين شَخصين ؛ هناك الحبّ، وهناك المودَّة وهناك الخُلَّة، فإذا قلنا فلان خليل لِفُلان أيْ أنَّ أعلى علاقة بين اثنين تُغطِّيها الخُلّة، قال عليه الصلاة والسلام: المرء على دين خليله..." فالمرأة على دين خليلها، والنبي عليه الصلاة والسلام خليل الله، ونبيُّنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الله، فالأخِلاّء جَمع خليل، فكُلّ الأخلاَّء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوّ إلا المتقين لأنَّ أيَّة علاقة بين شَخْصين بُنِيَت على مصْلحة، أو على منْفعة، أو هدف مشْترك ؛ فهذه العلاقة يوم القيامة سوف تنقلب إلى عداوة فأحيانًا شَخصان يسرقان معًا ويكْسبان معًا ويتوزَّعان معًا، وينشأُ بينهما وُدٌّ من هذه المكاسب المشتركة، فإذا وقعا في قبضة العدالة انقلَبَتْ هذه العداوة والخُلَّة إلى عداوة، فأيَّة علاقة بين اثنين إن لم تكن وفق منْهج الله تعالى، وفي سبيل الله تعالى ؛ هذه العلاقة سوف تنقلب إلى عداوة، وهل مِن علاقة أقرب أو أمْتن من علاقة الزَّوج من زوجته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)﴾ (سورة التغابن ) فحينما تحملهُ زوْجته على الكسب الحرام سوف تنقلب هذه المودَّة والمحبَّة عداوةً يوم القيامة، وحينما تنشأ مودَّة بالغة بين الأب وابنته من دون أن تكون وفق منهج الله، وأطلق لها العنان، وسمح لها أن تخرج كما تشاء وأن تلتقي مع من تشاء، هذه يوم القيامة تقول: يا رب لا أدخل النار حتَّى أُدخل أبي قبلي ! فعلاقة الأم بابنها يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن سألته السيدة عائشة: يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضًا يوم القيامة ؟ فقال: نعم إلا في أربعة مواطن..." فقد تقع عين الأم على ابنها، تقول له: يا بني، قد جعلتُ لك صدري سِقاءً، وحجري وِطاءً، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم ؟يقول: ليتني أستطيع ذلك يا أُمَّاه إنِّي أشكو مِمَّا أنتِ منه تشكين !! قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(101)﴾ [ سورة المؤمنون ] فالإنسان في الدنيا له جماعة وله من ينصرُه ولو على باطل، وله مَن يدْعَمُهُ، وله من يُدافِعُ عنه، ولكنّ الناس يأتون يوم القيامة فرادى، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾ [ سورة الأنعام ] الله جلّ جلاله يقول في هذا الموضوع بالذات: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)﴾ [ سورة ص ] لذلك لا يوجد واحد منَّا إلا وله مئات العلاقات أو آلاف العلاقات، هذه العلاقات إن كان أساسها الحق، وإن كانت وِفق منْهج الله، وابتِغاء مرضاة الله فهذه علاقة تدوم، وتبقى العلاقة والمودَّة حتَّى بعد الموت قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾ [ سورة الزخرف ] ولا يكملُ إيمان عبدٍ حتّى يُحِبَّ لله تعالى ويُبغض لله، ويحب لله، ويُعطي لله، ويمْنع لله تعالى، فإن كنت كذلك فقد اسْتَكملْتَ الإيمان، لذا دَقِّق في أيِّ علاقة بينك وبين الآخرين ؛ هل أساسها إرضاء الله، وهل تزور فلان في سبيل الله أم هناك مصالح ؟ وهل هذه المصالح مشروعة أو غير مشروعة ؟ وهل هي وفق منهج الله أم لا ؟. أيها الإخوة الكرام، الله جلّ جلاله يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [ سورة الحديد ] أيْ أطيعوه، واتَّقوا أن تُغْضِبوه، واتَّقوا سَخَطه، واتَّقوا أن تَعصوه وتتِمَّة الآية وكونوا مع الصادقين، فكأنّ الله تعالى يقول: إن أردتم أن تُطيعوني فكونوا مع الصادقين ؛ اِجْعل البيئة التي حولك بيئةً مؤمنةً، ولا تُصاحِب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَكَ إلا تقيّ، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [ سورة الكهف ] وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [ سورة الكهف ] أذكر قبل عامٍ تقريبًا أخٌ كريم قال لي بالحرف الواحد: نستمع إلى الدرس فنتأثَّر به تأثّرًا شديدًا، فإذا ذهَبنا إلى البيت عُدنا إلى ما كنَّا ! وقتها أجَبتُهُ إجابةً سريعة مختصرة، وقلتُ له: غَيِّرْ الطَّقْم !! فهؤلاء الذين تسْهر معهم وهؤلاء الذين تعيش معهم، وهؤلاء الذين تتعامل معهم إن لم يكونوا مؤمنين على شاكلتك جرُّوك إليهم، ونقلوك من حال إلى آخر، ومن تألّق إلى كمود، ومن إقبال إلى إدبار، ومن عطاء إلى منع، فيجب أن تُدَقِّق مع من تجلس، ومع من تسهر، ومع من تتعامل، ومع من تُسافر، وتمْحضُه وُدّك، فقَضِيَّة البيئة إن صحَّ التَّعبير أو العلاقات الاجتماعيَّة لها تأثير بالغ في سيْرِكَ إلى الله، إذا كنت مع المؤمنين فهذا نصَحك، وهذا أعانَك وهذا قدَّم لك الحقيقة، وهذا لم يُجامِلَك في معْصِيَة وهذا صبَّرك، وهذا دعَّمَك وهذا رفعك، لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، قال عليه الصلاة والسلام: عليكم بالجماعة....القاصية " وقد ورد في الحديث أنْ وجَبَت محبَّتي للمُتحابِّين فيّ، وللمتجالسين فيّ، وللمُتباذلين فيّ، وللمتزاورين فيّ والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة..." قُلْ لي مَن تُصاحِب أقُلْ لك مَن أنت. درسُ اليوم في العلاقات الاجتماعيّة، أو البيئة الاجتماعيَّة، وأنت مع من ؟ فإن كنتَ مع المؤمنين كان حالُك راقيًا جدًّا، وإن كنتَ مع أهل الدنيا كان حالك دونه، وكما قال سيّدنا عمر: من دخل على الأغنياء -غير المؤمنين طبعًا - خرج من عندهم وهو على الله تعالى ساخِط، والنبي عليه الصلاة والسلام في بعض توجيهاته يقول: لا تُصاحِب مَن لا يرى مِن الفَضْل مِثلما ترى له ! فأنت كمُؤمن مكانتك بِإيمانك، وإخلاصك، فلو جلسْت مع واحِدٍ من أهل الدنيا بِضاعته غير بِضاعتك، ومكتسباته غير مكتسباتك، ومجاله غير مجالك، فهو يُقيِّمُكَ بِدخْلك فقط، وأتن تُقيِّمُهُ بِعِلمِه واستقامته فلا هو يُعْجِبُك، ولا أنت تُعْجِبُهُ، فاللِّقاء بينكما لقاءٌ مُستحيل، لذلك لا بدّ من أن تكون مع الصادقين، قال تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [ سورة الكهف ] لا تُصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيّ، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾ [ سورة الزخرف ] فلا أحد ينفعُ أحد، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾ [ سورة الزمر ] فلو أنّك استطعت أن تنتزِع من فم النبي عليه الصلاة والسلام فتوى لِصالِحِك، ولم تكن صادقًا لن تنْجو من عذاب الله !! قال عليه الصلاة والسلام: لعل أحدكم ألحن بحجّته من أخيه..." لذا لن تكون مؤمنًا حتَّى تبني كلّ علاقاتك وفق منْهج الله، تُحب لله، وتبْغض لله تعالى، وتعطي لله، وتمْنع لله، وتصل لله، وتقْطع لله، فإذا كنتَ كذلك كان هذا الذي تُعامله في الدنيا خليلاً لك في الدنيا والآخرة فالخلّة في مجال التقوى أبدِيَّة لذلك قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(47)﴾ [ سورة الحجر ] فأنت في الجنّة مع الصِّديقين والشهداء والنبيين، والصالحين، فنحن ما أُتيح لنا بِنَبيّ، وأن تلتقي بِنَبيّ شيءٌ لا يُصَدَّق، فهذا سيّدنا ربيعة يخدم النبي فيصْرفهُ عند العشاء، فيبقى على عتبة بيته حتى الفجر من شِدَّة تعلُّقه به، وسروره به، فالنبي أخذ من الله حظًا كبيرًا، قال عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا..." فأنت في مجلس العلم لك حالٌ آخر، وإن جلسْت مع مؤمن كان لك حالاً آخر، فيجب أن تختار أصدقاءك وقرناءَك، وجُلساءك بعِنايةٍ بالغة، وكُن مع المؤمنين، فقد تجلس مع مؤمن سنوات ولا تسمع نمه إلى الخير، وحتى في المزاح، وقد تجلس مع غير المؤمن فلا تسمع إلا الشر، والمزاح المنحطّ، فأنت ممكن أن تُقيم علاقة مع غير المؤمنين في تجارة ؛ هذا لا يؤثِّر في إيمانك، أما المنهيّ هو العلاقات الحميمة، والسَّهرات، والنزهة فهذا يؤثِّر فيك، بدليل لو خلطت كأس ماءٍ صاف مع ماء عكر فالذي يتأثّر هو الماء الصافي، أما الماء العكر فقد يصفو قليلا!! والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والسبعون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] هذه الآية الكريمة لو جمعناها مع حديث شريف صحيح نقَعُ في إشكال يقول عليه الصلاة والسلام: لن يدخل أحد منكم الجنة بعَمله، قالوا: ولا أنت...يتغمَّدني " فكيف نُوَفِّق بين هذه الحديث الصحيح الذي يُؤكِّد أنَّ الإنسان لن يدخل الجنة بِعَمَلِهِ إنما يدخل الجنَّة بِرَحمة الله، وبين هذه الآية ومثيلاتها من الآيات التي تؤكِّد أنّ الجنَّة بالعمل، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] أضَعُ بين أيديكم مثَلَين يُوَضِّحان لكم طريقة التوفيق بين هذه الآية وهذا الحديث. لو أنَّ شابًا في مُقتبل العمر تُوفِّيَ والدُه، وليس بين يديه مال يُنفقه على نفسه لِيُتابِعَ دِراسته، فجاء عمُّه وقال: يا بن أخي، إن عاهَدْتني أن أدْرُس فأنا أُنفقُ عليك إلى آخر مرحلةٍ من مراحل الدِّراسة، ففي السَّنة الأولى نال الدرجة الأولى فتشَجَّع العمّ وأنفق عليه، وتابع هذا الشاب دراسته إلى أن دخل الجامعة، وكليَّة الطبّ، والعمّ دائمًا يُنفق، وابن الأخ يتفوّق، وأنهى دراسته، فأرسله العمّ إلى أمريكا فنال درجة البورد، وفتح عيادةً، ومرَّةً يجلسان معًا، ويتسامران فقال الطبيب: لولا فضْلك عليّ لما كنتُ في هذا المقام، ولولا إنفاقُك لما كنتُ بهذا المقام، فقال العمّ: ولولا اجتهادك لما نِلْت ما أنت عليه، فقد حِزْت هذا بالاجْتِهاد، فكلام العمّ صحيح، وكلام ابن العمّ صحيح ! فإذا قلنا إنَّ الجنَّة هي بِعَمَل الإنسان الله جلّ جلاله جعل مفتاح الجنَّة عمل الإنسان، أما الجنَّة فهي بِفَضل الله عز وجل، تمامًا لو قلتَ: أنا سأهَبكَ بيتًا ثمنهُ خمسون مليون، أنت عليك أن تُدِّم لي ثمن المفتاح، خمسة عشرة ليرة، ولن أُعْطِيَن البيت إلا بهذا المفتاح ! فالمفتاح لا يساوي قيمة البيت، إلا أنَّني أردتُ أن أجعل نظاما فهذا البيت أمْنحُهُ لمَن يُقدِّم لي ثمن المِفتاح. مثلٌ آخر، لو أنَّ أبًا وعد ابنهُ بِدَرَّاجةغاليَة جدًّا لِتَفوُّقِهِ، فلمَّا تلقَّى الابن نتيجة الدِّراسة إذا بِجَلائه امتياز، يتوجَّه مباشرةً إلى بائع الدرجات ويقول له: أعْطِني هذه الدراجة، وهذا هو الجلاء !! هل يعطيه البائع الدراجة ؟! هذه الدراجة لها ثمن يدفعُهُ الأب، ولكنّ الأب ربَطَ الدراجة بِالتَّفوُّق فالدَّراجة محظ فضْل من الأب، أما ثمنها تفوّق الابن، فإذا قلنا في أكثر آيات القرآن إنَّ الجنَّة بالعمل أيْ أنَّ الله جلّ جلاله لِيَكون عادلاً بين خلقه ولِيكون هناك تكافؤ فُرَص، واقتِسام للجنَّة بِحَسب العمل، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [ سورة الأحقاف ] جعل هذه الجنَّة ثمنها أو سبَبُها العمل الصالح أما هي محْض فضْل من الله عز وجل، عندها يقول عليه الصلاة والسلام: لا يدخل أحدكم الجنة بعمله..." فالعمل لا يكفي ان يكون ثَمن الجنّة ولكنّ الله تعالى جعل هذا العمل الصالح والمستقيم سببًا لدُخول الجنَّة، فالمفتاح ثمنها خمسة عشرة ليرة لا يكفي ثمنًا للبيت، لكن هذا المفتاح سبب لِدُخول البيت وليس ثمنًا، ونحن كلّ أعمالنا الصالحة، وكل استقامتنا، وكلّ ارتباطنا وصدقاتنا، وأداء العبادات، والمعاملات ؛ كلّ هذه الأعمال هي سبب لِدُخول الجنَّة وليْسَت ثمنًا لها لأنَّها لا تُقدَّر بِثَمَن، إنما هي مِنْحة من الله عز وجل، وفضْل منه ولذا قال علماء العقيدة: الجنّة مَحضُ فضْل، والنار محْض عَدلٍ، وعلماء النحو يقولون: هذه الباء هي باء السَّببِيَّة، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)﴾ [ سورة النحل ] بِسَبب عملكم، وليس تعويضًا عن عملكم لأنَّها أكبر بِكَثير، لذلك لو استقام الإنسان وقال: أنا أسْتَحِقّ الجنَّة ! فهذا كلام غلط، لأنَّك باستِقامتك قدَّمْت سبب الجنَّة وليس ثمنها، فثَمَنُ الجنَّة لا يُقدّر، أحد الصحابة الكرام اسمهُ زَيد الخير، وهو من الشخصيات النادرة في الجاهليَّة، وكان طويل القامة إلى درجة أنَّه إذا ركب فرسَهُ لامَستْ رِجلاه الأرض ! وكان صَبوح الوَجه، ومن أجمل خلق الله، وكان شُجاعًا وكريمًا...ولمَّا سَمِع بِدَعوة النبي عليه الصلاة والسلام قَدِم المدينة فدَخَل المدينة وقْت صلاة الجمعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال عليه الصلاة والسلام مُنوِّهًا للحاضرين: أنا خير لكم من الجمل الأسود، وخير لكم من الذَّهب والفضَّة، وخير لكم مما تعبدون، تقدَّم منه بعد انتهاء الصلاة وعرَّفهُ بِنَفسهِ، وقال: أن زيد الخيل فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير ! وأخذهُ إلى بيته، وفي البيت قال له: يا زيد، ما وُصِف لي رجل فرأيتُهُ إلا رأيْتُه دون ما وُصِف إلا أنت يا زيد !! ولله درُّك أيُّ رجلٍ أنت ؟! فقال: أعْطِني ثلاث مائة فارس لأغْزُوَ بهم الروم ! فأعطاهُ النبي وِسادةً لِيَتَّكِأ عليها، فقال له: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضْرتك، ثمَّ ودَّع النبي وسار إلى أهله، وفي الطريق وافتْهُ المنيَّة، وهو أقْصر عمر صحابي وافتْهُ المنيَّة !!! فالجنَّة ليسَت بعَمَلنا، ولكنَّها بِفَضْل الله تعالى، أما عملنا فهو سبب للجنَّة، وليس ثمنًا لها، لذا ورد عن الإمام جعفر رضي الله عنه أنَّه روى قدسيًا يقول الله عز وجل: اُدخلوا الجنَّة بِفَضلي، واقْتَسِموها بِأعمالكم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [ سورة الأحقاف ] هناك درجات عالية، كما أنَّ هناك درجات منخفضة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: عُلُوّ الهمَّة من الإيمان..." الآية الكريمة: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] فالعمل سبب وليس ثمن، ولذا ورد في سورة يونس: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)﴾ [ سورة هود ] قال علماء التفسير: ليس هناك خر زج من الجنَّة، ولكن ينبغي أن لا يتوهَّم أهل الجنَّة وهم في الجنَّة أنَّهم دخلوها بِعَمَلهم، فأنت قد تشتري بيتًا بِثلاثة ملايين دون أن يُنقص لك صاحبهُ شيئًا، فأنت لا تشعر بالفضل من صاحب البيت إطلاقًا، أما في الجنَّة فالإنسان إن قال: هي بِعَملي ! لا، هي بِفضْل الله ورحمته، فالعمل سببًا لدخولنا الجنَّة وليس ثمنًا، فهذه الآية وهذا الحديث ينبغي أن نفهمهما فهمًا جيِّدًا، قال عليه الصلاة والسلام: لن يدخل الجنَّة.....يتغمَّدني الله برحمته ". والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والسبعون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] أبْرَمَ الأمر أي عقَدَهُ وأقَرَّهُ وأنْفَذَهُ، والآية دقيقة جدًّا، فالإنسان أحيانًا يتَّخذُ قرارًا فيغْتَصِبُ مالاً ويتّخذُ قرارًا فيَنْتَهِكُ عِرْضًا، يتَّخِذُ قرارًا فَيُطَلِّقُ زوْجةً، يتَّخِذُ قرارًا فيَغُشُّ في بيْعِهِ وشِرائِهِ، هذا الإنسان حينما يتَّخِذُ هذا القرار ليْتَ أنَّهُ يعْلمُ أنَّهُ في قبْضَةِ الله، وأنَّ الله تعالى قد يُعاقِبُهُ عِقابا سريعًا، فيَجْعَلُهُ يدْفعُ الثَّمَن باهِظًا. حدَّثني رجلٌ أنَّهُ عَمِلَ مكان أبيه في تِجارة الصوف، توهَّم أنَّ الذَّكاء أنْ تأخذ ما ليس لك، فذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ الصوف مِن البادِيَة وقال لي بالحرف الواحِد: بدأتُ أوهِمُ صاحب الصوف أنَّ الوزْن دقيق جدًّا، فيقول له مثلاً: ثلاثة وعشرون وسبع مائة غرام، فصاحِبُ الصوف ما سَمِعَ بِحياتِهِ وزنٌ بالغرامات، فَطَرِبَ أشَدّ الطَّرَب وأثنى على هذا التاجِر الصادِق الدقيق والورِع، ولكنَّهُ كان يُنَقِّص عشرة كيلو غرامات ويُضيف له ثلاث مائة غرام، فلمَّا جمَعَ هذه البِضاعة في الشاحِنَة ؛ نظَرَ هذا البدَوي إلى هذه الكَمِيَّة، ووازَنَ بين الوَزن الذي أعطاهُ إيَّاه، فشعَرَ بالحاسَّة السادسة أنَّ هذا الوَزن الذي أعطاه إيَّاه لا يتناسَب مع هذا الحجْم فقال له: إن شاء الله بِرَقَبتِك !! يقول لي صاحب العمل: بعد أن خَرَجتُ من عند هذا البدَوي، واتَّجَهْتُ نحو الشام، ومعي سيارة شاحِنَة فيها صوف وسَمن بلدي، دَخَلتُ في صِراع ؛ هل أعود إليه فأدْفَعُ له الفرْق، أم أُتابِعُ السَّير إلى دمشق، قال لي: دَخَلتُ في صِراعٍ مديد مِن مكان بيع الصوف إلى قرب مدينة كذا وكذا، وبهذا المكان بالذَّات قلتُ: لن أعود ! فهذا أقْسَمَ بالله العظيم ما إن أتمَّ قرارهُ هذا النفسي فإذا به يصْطَدِم بِشاحنة أخرى، ووجدَ نفسهُ في وسَط من الدِّماء، وتدفَّق السَّمن وعَلِمتُ أنَّ الله تعالى قد أبْرَمَ قرارًا بعد أن أبْرَمتُ قرارًا ! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] هذه الآية دقيقة جدًّا، فقبْلَ أن تتَّخِذ قرارًا بأخْذ ما ليس لك، وقبل أن تتّخِذ قرارًا باغْتِصاب بيْتٍ أم دُكَّانٍ أو أرْضٍ وقبل أن تتَّخِذ قرارًا بأن تتلاعب في التَّرِكَة، فإذا كنتَ أخًا أكبر، وأخذتَ حقّ إخوتِكَ الصِّغار، ويخافون منك، ونِلْتَ الحِصَّة الأوْفى، وسكتوا خوفًا منك، يجب أن تعلم أنَّك إن اتَّخَذْتَ قرارًا باغْتِصاب بيتٍ فالله تعالى يتَّخِذُ قرارًا، وأنت في قبْضَتِهِ. حدَّثني رجل يعْمَل في تصليح السيارات، وجاءهُ شَخص معه سيارة حديثة جدًّا، وهو يجهل طبيعة الخلل الذي أصابها، فقال له المصلِّح هذه تحتاج إلى عشرة آلاف ! وهي تحتاج إلى عشرة آلاف ليرة، وتصليحها يدوم ثلاثة أيَّام ! فهذا المصَلِّح أخذَ أهله أوَّل اليوم إلى الزَّبداني، وثاني يوم إلى المطار، وثالث يوم إلى الوادي، وصلَّحها بِرُبْع ساعة، وبعدها جاء صاحبُ السيارة فأعطاهُ سيَّارتهُ، وأخذ عشرة آلاف ليرة، جارُه أحدُ إخواننا بالمسْجد قال له: هذا لا يجوز، فقال له الغاشّ: هكذا الأصول ! في التالي دفَّعَهُ الله خمسة وعشرون ألف ليرة لِمُصيبةٍ أصابت ابنَهُ كلَّفته هذا المبلغ ! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] لذا قبل أن تُبْرِمَ أمرا تذكَّر أنَّ الله يُبْرِم، وقبل أن تعتَدي تذكّر أنَّ الله تعالى أقْدرُ عليك مِمّن اعْتَدَيتَ عليه، حديث: اعلم أبا ذرّ أنَّ الله أقْدر عليك مِنك عليه..." وقفَ رجلٌ مُتَّهَمٌ أمام الحجَّاج وأراد أن يقتُلَهُ، فقال: أسألكَ بالذي أنت بين يدَيه أذَلُّ مِنّي بين يدَيك، وهو على عِقابِكَ أقدرُ منك على عِقابي ! فالإنسان إذا تكبَّر أو تجبَّر أو تبخْتر أو إذا تَعَجْرف وتغَطْرس، وقال: أنا أفعلُ ما أشاء، وأنا سأتّخذُ هذا القرار لِيَذْكُر أنَّ الله سبحانه وتعالى له بالمِرصاد، وأنَّ الله قد يُحاسِبُه ُحِسابًا عسيرًا، وإنَّ بطش ربِّك لشديد، الله جلَّ جلاله إذا أخذ العبد الظالم أخَذَهُ أخْذَ عزيز مُقْتَدِر، وجَعَلَهُ عِبرةً لِمَن يعْتَبِر. وقِصصٌ كثيرة لا تُحصى أمام هذه الآية، فكُلَّما كنتَ عاقلاً، وكنتَ مُوَفَّقا، ومؤمنًا خاف الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: رأس الحكمة مخافة الله..." أنت إذا خِفْتَ من الله عز وجل كنتَ أعْقَل الناس، وأذْكر أنَّني قلتُ مرَّةً لِرجُلٍ وبإمكانِهِ أن يؤْذي الناس جميعًا ولا يُحاسَب فقلتُ له: اعْلَم أنَّ الله تعالى عندهُ تَشَمُّع كَبِد، و خثْرة بالدِّماغ، وسرطَان، وعنده أمراضٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وكلُّ مرضٍ إذا ساقَه الله للإنسان يجْعَلُ حياتَهُ جحيمًا، فهُنَاك مَن يدُهُ طولى في الأذى، فجأةً كفَّ عن الأذى، فلمَّا سُئِلَ ؛ قال: أربعة أولادٍ بُلْهٍ جاءوني ! وهناك مَن يُحِبُّ أن يُثْبِتَ وُجوده بالإيقاع أمام الآخرين، هؤلاء الناس الذين يعيشون على أنقاض الآخرين، ويبْنون سَعادتهم على شَقاء الآخرين، ويبْنون اموالهم على إفْقار الآخرين، وهؤلاء الذين يحْتالون في البيع والشِّراء، هناك أساليب للغِشّ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وأساليب للاحْتِيال لا تُعَدُّ ولا تُعْصى، فهؤلاء الذين تَغُشُّهم وتُؤذيهم تُخيفُهم، لهم ربّ وأنت بِيَدِهِ، وصِحَّتُكَ بيَدِه، وقلبُكَ بيَدِهِ، ودسَّاماتُ قلبِكَ بيَدِهِ، وشرايينُكَ بيَدِهِ، وكلّ أجْهِزَتِك، فقد تنْمو الخلايا نموًّا غير طبيعيّ، وأحيانًا يتلقَّى الإنسان خبرًا عن صِحَّتِهِ، يموت مِن شِدَّة الخوف، قال له الطبيب: معك مرض خبيث، ومعك أربعة أشْهر كَعُمْرٍ أقصى ! في اليوم الثاني مات ذلك المريض !! فالإنسان جِسْمُهُ بِقَبْضة الله. فقُلتُ له: كلُّ هؤلاء الناس عِباد الله، والله عنده أورام، وفشَل كَلَوي ذكَر لي شَخص توفِّي رحمه الله: أنَّ الطبيبة بِمَركز غسيل الكلاوي ضربتْهُ وقالت له لا تشْرب الماء كثيرًا !! وهناك تشمُّع كبد، وورم خبيث، وخثرة بالدِّماغ، وفقْد ذاكرة، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] هذه الآية أيها الإخوة يجب أن تبْقى في ذِهْن كلّ إنسان فالطبيب أحيانًا يقول لك: أنا أستطيع تَحصيل دَخل كبير جدًّا وبطَريقة يسيرة ؛ فقط عشرة تحاليل للمريض، يتَّفِق مع المُحَلِّل، والباقي يُرمى ! فهذا أبْرَمَ أمرًا، شَهِدَ الله تعالى أنّهُ زارني طبيب معه اثنان بورْد وخرَّج خمسين جيلاً من الأطِبَّاء، عمره سبعون سنة، وأنا أحْسبُهُ صالحًا ولا أُزكِّي على الله أحدًا، قال لي: جاءَتني طبيبة معها سرطان بالصَّدر ومنتَشِر إلى الكَتِف، فتألَّم أشَدّ الألم لِحالها، وعنَّف زوْجها في غرفة أخرى، وقال لِزَوجها أنت مُجرِم بحَقِّها، فقال الزَّوج: ولماذا ؟ فقال الطبيب: لأنَّ هذا المرض لمَّا كان كَحَبَّة الحِمِّص ما عالَجتَهُ، فلماذا أنت مُهْمِل لِزَوجتك ؟ فقال الزَّوج: أنا لسْتُ مهمِلاً، وإنّما كنتُ أُعالج عند الطبيب الفلاني سنَتَين !! قال لي هذا الطبيب: والله طالب طِبّ صفّ ثاني يعلم أنَّه مرض خبيث ! ولو أرْسلَهُ إلى طبيب مخْتصّ لعالَجَهُ، ولكن تركَهُ لِيَبْتزَّ مالهُ، وبعد سِتّة أيَّام ماتَتْ المرأة، وبعد أحَدَ عشرة شهْرًا يدْخُل عليَّ إنسان أنيق المظْهر، وجلسَ على الكرسي الذي جلسَ عليه زوْج المريضة المُتَوَفّاة، وجلسَ مُتهالِكًا، فقلتُ له: أهْلاً وسَهلاً ما الموضوع ؟ فقال لي: سرطان بالصَّدر، فقال له وما اسْمُك ؟ فقال له: الطبيب الفلاني، وكان هو الطبيب نفسُه الذي عالَجَ المرأة المُتَوَفَّاة !! يُقْسِم بالله العظيم بِحَسبِ خِبْرتِهِ أنَّ هذا المرض بدأ ينْمو ساعة مُخاطبة زوج المُتَوَفَّاة ربَّه !! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] وهذا إنسان في طريق عريض أراد أن يخْتبِرَ قُدراتهِ في سياقة السيارة فقصَّ يدي كلبٍ كان جلسًا على الطريق بِمهارة فائِقَة، وأطْلَقَ ضِحْكةً هِسْتيرِيَّة، وكان يوْمها السَّبت، وفي السَّبت التالي ؛ تعطَّلَت سيارة ذلك الأبله، فرفَع سيارته على الجهاز، ونزَعَ الدولاب مِن مكانِهِ، فوَقَعَت السيارة فوق الدُّولاب، والدُّولاب فوق يَدَيه، وإلى أن ذَهَب إلى المستشفى اسْوَدَّت يداه، فقُطِعَتَا من رُسُغَيْه في السَّبت التالي، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] وهذا رجل طرقَ الباب على عائِلَة وهم يأكلون، فهمَّت الزَّوجة أن تُعْطيه بعض الطعام، فقال الزَّوج: اطْرُديه ! بعد ذلك ساءَت العلاقة بين الزَّوجين حتَّى طلَّقها، فتزوَّجَت مِن إنسانٍ آخر، فكانت جالسَة مع الزَّوج الجديد فَطُرِقَ الباب، وذَهَبت لِتَفْتَحَ الباب فرَجَعَت مُضْطربة، فقال: من السائل ؟ فقالت: سائل ! فقال: من هو ؟ فقالت: زوْجي الأوَّل، فقال لها: هل تعلمين مَن أنا ؟ أنا السائل الأوَّل، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] أحدهم ذَهَب للحجّ على الباخرة، وحوله حُجَّاج كلُّهم تُجَّار، جلسوا يتكلَّمون على تِجارتهم، وكان هو مُوَظَّف مالِيَة، فلمَّا رجع إلى بلَدِهِ حاسبهم واحِدًا واحدًا ! فأُصيبَ بِمَرض عُضال !! سبحان الله وهو بالحجّ يشتغل للدنيا ! فهذه الآية دقيقة جدًّا، وعلى المؤمن أن يُفَكِّر فيها دائمًا فقبْلَ أن تغْتصب، وقبل أن تُطَلِّق، وقبل أن تنتهِكَ عرضًا، اقْرأ هذه الآية. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف ( 43 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، ربنا جلَّ جلاله هو الذي خلقنا، وأنزل علينا الكتاب وجعلهُ منْهجًا لنا، وجَعَل الكون كلَّه دالاًّ عليه ؛ على وُجودِهِ ووحْدانِيَّتِهِ وكمالِهِ، فلو تركنا وشأننا دون أن يُربِّيَنا، ففي الأعمِّ الأغلب يموت الناس كُفَّارًا، ولكنَّ الله ربُّ العالمين، بِمعنى أنَّنا إن ارْتَكَبنا خطأً يُحاسبنا، ويُرْشِدُنا، ويُقَرِّبُنا، ويحْمِلُنا على التَّوبة. أَضْربُ لكم مثلاً، لو أنَّ صاحب معمل أو مُؤسَّسة تِجاريَّة أراد أن يُعَيِّن مُوَظَّف، فهذا المُوَظَّف قد يُعَيِّنُهُ على شرْط التَّدريب، ستَّة أشْهر تدريب فإمَّا أن يقْبلَهُ ويُثَبِّتَهُ، وإمَّا أن يصْرِفَهُ، ومدير هذه المؤسَّسة لو كان ينْطوي على قلبٍ رحيم، وعلى حِرصٍ شديد على هذا الموظَّف، كلَّما أخْطأ أرْشَدَهُ إلى خطئِهِ، ودلَّهُ على الصَّواب، فإذا هذا الموظَّف يصْعد في خِبراتِهِ إلى أن يُرْضِيَ صاحِبَ المعمَل، والموقف الآخر كلَّما أخطأ نُسَجِّل عليه خطأَهُ، ولا نقول له شيئًا فإذا تراكَمَتْ أخطاؤُهُ نصْرِفُهُ مِن العَمَل، فالموقف الأوَّل هو موقف ترْبيَة، والموقف الثاني قمْص، لذا الكون يدُلُّ على الله، والأنبياء يدْعون إلى الله، والكتُب السماوِيَّة تُشير إلى عظمة الله، وانتهى الأمْر، ويَدَعنا ربُّنا وشأننا، وعِنْدئِذٍ يستسْلِم الإنسان لِشَهواتِهِ، وينْساق مع لذَّاته، وإلى أن يأتِيَ ملكُ الموت فإذا هو حاسِر. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(47)﴾ [سورة القصص] لولا أنَّ الله يؤدِّبُنا يرْشِدُنا ويُخيفنا أحيانًا، ويُضَيِّقُ علينا ويُقنِّنُ علينا رزْقنا، لما الْتَفَتنا إليه، و فهو تعالى ربُّنا، فالبديل أن تُلغى الأمراض ويُلغى الفقْر، وكلّ شيء متوافِر، والله عز وجل إذا قنَّن لا يُقَنِّن عن عَجْز، ولكن للتَّأديب، فالتَّقنين هو تقنين تأديب، لأنَّ ما مِن شيءٍ إلا وعند الله خزائِنُهُ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾ [سورة الحجر] فلمَّا يفْهم الإنسان المُصيبة فهْمًا عميقًا وفَهْم ترَوي، وفَهم تأديبي يتفاعَل معها، ويستفيد منها. مرَّةً جاءني رجل، وقال لي بالحرف الواحِد: أنا كنتُ في فرنسا أدْرس وما مِن معْصِيَةٍ على الإطلاق تطر في بالِك إلا ارْتَكَبتُها، ومهما تكن شاذَّة إلا القتْل، وجئتُ إلى البلد، ونقلتُ ما في فرنسا مِن معاصي إلى بلدي ؛ بيتي فيه الاخْتِلاط والرَّقص والغناء والنوادي الليليَّة، وفجأةً الصورة التي أمامي بدأتْ تهتزّ، وفقدْتُ القُدرة على التَّوافق الحركي مِن أجل أن أمْسِك بالكأس أحاول الكثير حتَّى تأتي يدي مع الكأس، وإذا سِرْتُ فقَدْتُ التَّوازُن، ولا بدَّ مِن إنسانين يقوداني إلى هدفي، وفي الشام الْتَقَيتُ بِسَبعة عشر طبيبًا، ولم أسْتَفِد شيئًا، وعُدتُ إلى فرنسا، ودخَلتُ أرْقى مشْفى فيها، وأوَّل ما فَحَصوني على بِساط إلكتروني قالوا لي: هذا المرض نادِر جدًّا في العالم، نِسبة حُصولِهِ واحِد على ثلاثة عشرة مليون !! وقالوا لي كلامًا آلَمَني أشَدَّ الإيلام ؛ أنت ضَيفٌ فرنسا ذهابًا وإيَّابًا وإقامةً ونفقَةً !! قال لي: صِرتُ حقْل تجارب !! فهو يَهُمُّهم مُتابعة المرض مِن أجل الاسْتِفادة منه، والتَقى مع أعلى طبيب في العالم في هذا الاخْتِصاص، جاءوا به مِن بلدة أخرى بِطائرة، وبعد مُعالجات دامَتْ سِتَّة أشهر قال الطبيب: هذا المرض لا شِفاء له ! اِذْهَب إلى الهِند ومارِس رِياضة اليوكا فلعلَّكَ تنسى بِها مرضَك !! وهذه القِصَّة مِن فَمِهِ إلى أُذُني، فعاد هذا الأخ إلى الشام، فساقهُ أحدُ الأشخاص إلى درس مِن دروسِك، وأثناء الدَّرس خاطَب الله عز وجل، وقال له: يا ربّ إن شَفَيتني سأُصَلِّي ! لأنَّني ما صلَّيتُ بِحياتي ولا ركعة، ولا توضَّأْتُ ولا اغْتَسَلتُ ! فَحَضِرَ درسًا ثاني فألْهَمَني الله تعالى أن قلتُ في درسي: الله جلَّ جلاله، لا يُشارَط ولا يُجَرَّب ! فنوى هذا الأخ أن يُصَلِّي، فذَهَب إلى البيت، واسْتعان بِزَوجَتِهِ على أن يتوضَّأ، وصلَّى أوَّل ركعتين في حياتِهِ، وانْهَمَرَتْ دُموعِهِ بالبُكاء، ثمَّ فوجئ بعد ساعة أنَّ صورة للأشياء ثَبَتَتْ، فلمَّا وقفَ وقَعَ، وبعد ساعة ثانِيَة وُفِّق إلى تناوُل كأس الماء وإلى أن يمْشي وحْدهُ، والْتَزَم دُروس العِلم، وتاب إلى الله توبةً نصوحة، فهذا الذي آتاهُ الله ذكاءً وشَكلاً ووسامةً لو تركَهُ بلا مرض لماتَ وهو على الكُفر والعِصْيان، وهذه القِصَّة تتكرَّر ملايين المرَّات قال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)﴾ [سورة القلم] في نهاية هذه القِصَّة قال تعالى عن أوسَطِهم، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ(28)﴾ [سورة القلم] ربُّنا عز وجل يقول فيها: ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(33)﴾ [سورة القلم] أي يا عبادي، كلُّ أنواع العذابات التي أسوقها لكم مِن هذا النَّوع التَّأديبي قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾ [سورة الشورى] الآية الثانِيَة، وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾ [سورة السجدة] فآية اليوم إذا الإنسان أدخلهُ الله تعالى بالهُدى البياني، وما اسْتَجاب فأدْخَلَهُ بِمَرحلة التَّأديب التَّرْبَوي فما تاب، فأدْخلهُ بِمَرحلة التَّأديب الاسْتِدراجي فما شَكَر، لم يبْق إلا أن يقْصِمَهُ، فآيَةُ اليوم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) [سورة الزخرف] هذه آية تَهديد، فالإنسان إذا ما اسْتَجاب لله تعالى، فالله جلَّ جلاله يقول: ذَرْهم، أما حينما يأتون سَيُصْعَقون قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)﴾ [سورة الزخرف] وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾ [سورة الزخرف] هو يُربِّينا وحينما تعتَقِدُ أنَّ جهةً غير الله تُديرُ أمْر العالم فهذا هو الكُفْر بِعَينِهِ، أو هذا هو الشِّرك بِعَيْنِهِ ؛ الشِّرك الجليّ ومن هذه القِصَّة التي ذَكَرتها لكم آلاف القِصص، بل إنَّ كلَّ ُمصيبةٍ يسوقها الله تعالى للإنسان هدفُها أن تأخذ بِيَدِهِ إلى الله، وأدَقُّ ما في الموضوع أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول في آيتَين تدَعان الإنسان في حَيْرة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)﴾ [سورة التوبة] وفي أخرى، قال تعالى: ﴿تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(89)﴾ [سورة آل عمران] يا ترى توبة الله ما معناها ؟ما معناها إذا جاءَت قبل توبة العبد ؟ وما معناها إذا جاءَت بعد توبة العبد ؟ العلماء قالوا: تاب عليهم لِيتوبوا ؛ أي ساق لهم مِن الشَّدائد ما حَمَلهم بها على التَّوبة، وألْجأهم إلى أن يتوبوا وضيَّقَ عليهم، أما الثانيَة تابوا فتاب عليهم أي تابوا فقَبِلَ توبتَهُم، وفرْقٌ بين أن يتوبوا فَيَقْبَلَ الله تعالى توبتَهم، وبين أن يسوق لهم مِن الشَّدائِد ما يحْملهم على التَّوبة، فآية اليوم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾ [سورة الزخرف] أصحاب المراكز القوِيَّة الذين معهم السِّلاح النَّوَوِي، والذين معهم أزرار هؤلاء عندهم من الأسلِحَة النَّوَوِيَّة ما يُدمِّرون بها الأرض خمسة مرَّات فغير المؤمن ينظر إلى هؤلاء، مع أنّ الله عز وجل يقول: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25)﴾ [سورة يونس] آخر آية بالدَّرس، هناك آية تُحيِّر العُقول، قال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53)﴾ [سورة الشورى] ما معنى صارَ ؟ تقول: صار الماء ثلجًا، فإذا قلنا إلى الله تصير الأمور، فَبِيَدِ مَن كانت حتَّى صارَت إليه ؟ فأهل الدنيا لا يرَوْنَ أنَّ الأمر بيَد الله، أما إذا توفَّاهم الله يوم القيامة أكثر كفَّار الناس يرى أنَّ الأمر بيَدِ الله، أما في الدنيا يراه بيَدِ زيدٍ أو عُبيْدٍ أو علاَّن أما في الآخرة يوَحِّد شاء أم أبى، وهذا توحيد لا قيمة له، فَفِرْعون ووحَّد قال تعالى: ﴿الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾ [سورة يونس] فنحن خيارنَا مع الإيمان خِيار وقت، وليس خِيار قَبول أو رفض. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الدخان ( 44 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ؛ الآية الثامنة والثلاثون من سورة الدُّخان ، وهي قوله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ [ سورة الدخان الآية : 38 ] فهذا الذي يقول : جِئْتُ مِن أين ؟ ولكنِّي أتَيْتُ ! فرأيتُ قُدَّامي طريقًا فَمَشَيْتُ أينَ كنتُ ؟ لسْتُ أدْري ! فهذا الذي يقول : لا أدري ، يظنُّ أنَّ الله سبحانه وتعالى خلقَ السماوات والأرض لَعِبًا ! لكنَّ الله عز وجل يقول : ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الدخان الآية : 39 ] الحقيقة أنَّ الله عز وجل في بعض آيات كتابه الكريم يصف القرآن الكريم بأنَّه مثاني ، وقد فسَّر بعض العلماء كلمة مثاني بأنَّ كلّ تنْثني على أُخْتِها فَتُفسِّرُها ، وأعلى مُستوى في تفسير كلام الله عز وجل أنْ تُفسَّرهُ بكلام الله يقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] الله جل جلاله أثبَتَ أنَّ السماوات والأرض بالحق ، ونفى أنْ يكون الخلق لَعِبًا ، فما تعريف الحق ؟ فالحق ضِدُّ اللَّعِب ، طيِّب وما تعريف اللَّعِب ؟ هو العَبَث ، يعني عملٌ لا هَدَف له ، فالإنسان الشارد قد يلْعب النَّرْد إلى ساعة متأخِّرة من الليل ، فهل يكون أحد اللاعِبَين طبيبًا ؟ وهل يُصْبحُ تاجِرًا كبيرًا ؟ أو شَخْصِيَّةً مرموقة ؟ هذا لا يفعل شيئًا ، فالعمل الذي لا ينفع والذي لا هدف له ، ولا أثر له في المستقبل ينقضي بانْقِضائِهِ ، أو العمل العابِث ، فاللَّعِب هو العبَث ، وبعضهم قال : إنَّما الحياة الدنيا لهو ولعب ! اللَّهو هو اشْتِغالك بالخسيس عن النَّفيس ، والنَّفيس هو عبادة الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ﴾ الآية : 56 ] سورة الذاريات ] الشيء الذي خُلِقْتَ من أجله ، والذي جاء بِكَ الله من أجله هو أن تعبُدَ الله تعالى ، فالخسيس أن تلْهو بالدنيا وتهتمَّ بِحُطامها ومالها ، وزُخْرها ، وبيوتها ومركباتها ، ثمَّ يأتي ملك الموت وأنت صفْر اليَدَين ، فهذا هو اللَّهو ؛ تَلْهو بالخسيس عن النَّفيس ، واللَّعب كلَّما دخلتَ لى مرحلة وخرجْتَ منها رأيتها مُحْتقرة في نَظَرِك ، فالطِّفل الذي يبكي مِن أجل دُمْيَة ، لمَّا يكْبُر يسْخر مِن نفسِهِ كيف أنَّه كان يبْكي من أجل دُمْيَة ! والشاب الذي يهْتَمّ بأشياء حينما يبْلغُ الأربعين يَحْتَقِرُها ، وكيف أنَّه كان مَعْنِيًّا بها ، فالدُّنيا كلُّها كما وصفها الله عز وجل لهو ولعب تدخل مرحلة الدِّراسة تعيش سنوات طويلة في حُلم أنَّك سَتَكون مُجازًا ومعك دكتوراه ، وبعد أن تأخذ هذه الشهادة بِأسابيع تَبدو لك طبيعيَّة ، وتهتمّ بالزَّواج ، وتظنّ أنَّه قِطعة من الجنَّة ، فتتزوَّج وتأتي الزَّوجة إلى البيت ، وبعد حينٍ يغْدو الزَّواج عادِيًّا جدًّا ، وتَطمَح أن تُسافر ، وتطمَحُ أن تُنْجِب أولادًا ، وأنْ تُزَوِّجهم ، فَكُلَّما نِلْتَ مرحلةً صَغُرَت في نَظَرِكَ ، لذلك لا يُمْكن للدُّنيا أن تمِدَّ إنسانًا بِسعادةٍ مُستَمِرَّة ، فضلاً أن تكون صاعِدة ، إنَّها تُمِدُّه بسعادة متناقصة ، وموطِنُ الشهادة أنَّ الإنسان نفسُهُ، نفْسُهُ ليسَتْ نِهائِيَّة ، إذا تعلَّق في الدُّنيا فالدُّنيا محدودة فالشاب يشْعر بِالسَّعادة لأنَّه يعيش الأحلام، يحْلُم بِبَيتٍ مُعَيَّن وبِمَساحة مُعيَّنة ، وبِتَرتيب مُعَيَّن ، وبِثَقافة معَيَّنة ، وبِمَركز مُعَيَّن ، وبعَمَلٍ ودَخْل ، وبعد حينٍ تبدو هذه الأحلام وقائِع محدودة ، ونفسُهُ لا نِهائِيَّة ، ويبدأ الإنسان بالسَّأم والضَّجَر والضّيق حينما تُحَدَّدُ كلُّ أهدافِهِ ، فهي كانت مفتوحة فأُغْلِقَت ، فلا بيت ولا زوجة ولا دخل ، فمن يغْدو شابًّا طوال حياتِهِ ؟ هو الله جعل الله هدفَهُ ، فالنَّفس لا نهائِيَّة ، والله لا نهائي، فأنت تَجِد المؤمن وهو في التِّسعين شابّ - وأنا أعني ما أقول - لأنَّ طلبهُ كبير جدًّا ، وهدفه مُقَدَّس جدًّا ، ويسعى دائِمًا إلى الرُّقِي ، والتَّقرُّب إلى الله عز وجل ، لذا ورَدَ عن رسول الله أنَّه مَن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقلِهِ حتَّى يموت ، لأنَّه يقرأ القرآن ويفهمه ، وينقلهُ للناس ، والله جعل تعليمهُ جِهادًا كبيرًا ، وهذا الجِهاد المُتاح الآن أنْ تتعلَّم القرآن وتُعَلِّمهُ ، ولو طالبْتني بالدَّليل، أقول لك : قال تعالى : ﴿ فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان الآية : 52 ] الله جَلَّ جلاله يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجاهد بالقرآن جِهادًا كبيرًا ، فَتَعَلُّم القرآن مُتاحٌ لك ، وتعليمُهُ مُتاحٌ لك والإنسان يغْدو شابّا إذا جعَلَ الله همَّهُ ، قال الشاعر : اِعْمَل لِوَجهٍ واحِدٍ يكْفِكَ الوُجوهَ كُلّهــــا من جعَلَ الهُموم همًّا واحِدًا كفاهُ الله الهموم كلَّها أما إذا جَعَلَ الدنيا هَدَفَهُ ، ومنتهى آمالِهِ ، ومحطَّ رِحالهِ ، حينها تبْدو الدنيا صغيرة في نظرِهِ ، ويبْدأ السَّأم والضَّجَر ، وتَجِد أهل الدنيا بِضيقٍ قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [ سورة طه الآية : 124 ] الضِّيق النَّفسي ، والضَّجَر والملل ، ولكنَّ الذي آمن بالله وعمِلَ صالحًا فهو في أعلى عِلِيّين ، فاللَّعِب إذًا مرحلة كلَّما دخلتها وخرجتَ منها احْتَقَرْتها وهو أن تلْهو بالخسيس عن النَّفيس ، والنَّفيس طاعة الله ، والخسيس الدُّنيا الفانية ، وقد قال تعالى : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [ سورة الحديد الآية : 20 ] إنَّما هذه أداة حصْر ، وهذا إخبار الله لنا ، أنَّ الدنيا لهو ولعِب ، وتفاخر وتكاثر ، لذلك الله عز وجل هو أكبر وأجلُّ مِن أن يخلق الدنيا لهْوًا ولَعِبًا ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] السؤال الآن ؛ ما الذي يُقابل اللَّعِب ؟ الهَدَف النَّبيل ، فمثلاً يُنشأ سيرك ! هذا دوره التَّرفيه واللَّعِب ليس إلا ، ولكن إذا أنشأنا جامعة ، فهذه غير السيرك ، إذْ نُخَرِّج بها قادة وعلماء ، وأُدباء، واخْتِصاصِيُّون وأطِبَّاء فَبِناء الجامعة ليس لعبًا ، فَعكس اللَّعِب هو الهَدَف ، فالعمل العابث لعب والعَمَل الهادف حق ، وفي آيةٍ ثانِيَة ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ ﴾ [ سورة ص الآية : 27 ] فالحق غير الباطل ، والباطل الشيء الزائل ، وكلّ شيءٍ لا يتَّصِل بالله ، ولا بِمَنهَجِهِ ، ولا بالعقيدة الصَّحيحة لا بدَّ مِن أن ينهار ، ولو عاشَ سبعين عامًا ، قال تعالى : ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [ سورة الإسراء الآية : 81 ] فكلَّما مرَّت بك كلمة حقّ بالقرآن الكريم اِعْتَقِد اعْتِقادًا جازِمًا مُسْتنْبَطًا مِن كتاب الله كُلِّه أنَّ الحق الشيءُ الهادف ، والشيء الثابت ، فرَبُّنا حينما نفى أن يكون خلقُهُ للسماوات والأرض لَعِبًا وباطِلاً ، فَمُقابل الباطل الشيء الثابت والحق ، ومُقابل اللَّعِب الشيء الهادِف ، والله هو الحق وقد خلق البشر لِيرْحَمَهم ، ويقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] الشيء اللَّطيف أنَّ حياة المؤمن مُتَعَلِّقَة بالحق ، والحق ثابت ، لذا لن يفاجئ المؤمن أنَّ الذي كان يَعْتَقِدُهُ باطِلاً ، وأنَّ الذي كان يعْمَلُهُ كان سُدًا ، وربنَّا عز وجل يقول : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون الآية : 115 ] العلماء يقولون ؛ حينما يقول الله عز وجل خلق السماوات والأرض بالحق أيْ أنَّ الحق لاَبَسَ خلق السماوات والأرض ، وهي خلقَتْ لِهَدَف عظيم وخُلِقَت لِتَبقى لا لِتَزول ، فالزَّوال مِن صفات الباطل . والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] أوَّلاً إذا توهَّم الإنسان لِثانِيَة واحِدَة أنَّه يمْكنُ أن يُعامِلَ المحْسِنُ كالمُسيء والمستقيم كالمنحرف، والذي له دَخل حلال مع الذي له دخْلٌ حرام والكاذب مع الصادِق ؛ إذا اسْتويا هؤلاء فهذا الاسْتِواء يتناقض مع وُجود الله، ويتناقض مع كمالِهِ، ويتناقضُ مع عدالَتِهِ، وأقْسِمُ بالله العظيم لو لم يكن في كاتب الله إلا هذه الآية لَكَفتنا جميعًا. ربُّنا عز جل يُطَمئِنُنَا ؛ أنَّه لا يمْكن أن يُعامَلَ المؤمن كالكافر، أو الكافر كالمؤمن، لا يُعامَل المستقيم كالمنحرِف، والصادق كالكاذب والمخلص كالخائن، والرحيم كالقاسي، والذي يكْسِبُ المال الحلال مع الذي يكْسِبُ المال الحرام ؛ هذه آية ولكن يقول قد يقول أحدكم: المستقيم له أجر، ولعلَّ الأجْر في الآخرة، وليس في الدنيا ! نحن نقول له الآية تقول: ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] محياهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾ [سورة النحل] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ (سورة طه) معنى ذلك أنَّ المؤمن حياته في بيْتِهِ، وحياته في عمله وصِحَّته وأولاده وأهْلُهُ، وسُمْعتهُ ومكانته ؛ هذه مُتَمَيِّزَة، لذا ورد انَّه إذا رُئِيَ أولياء أُمَّتي ذُكِر الله بهم ! حينما قال الله عز وجل عن بعض الطُّغاة: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29)﴾ [سورة الدخان] هذا الكلام في علم أصول الفقه قاعدة اسْمُها العِلم المُخالف ؛ هؤلاء الذين أساءوا حينما ماتوا ما بكَت عليهم السماوات والأرض، فالذين أحْسنوا إذا ماتوا ما الذي يكون ؟ تبْكي عليهم السماوات والأرض، والأرض تتبارَك بالمؤمن. أيُّها الإخوة، أن يستوي المؤمن وغير المؤمن ؛ هذا غير ممكن، ويتناقض مع كمال الله، إنسان مُسيء، ويغُشُّ الناس، ويحْتال عليهم ويعتدي عليهم، ويبني حياته على فقرهم، أَتُريد من الله عز وجل أن يُعامل المؤمن كغير المؤمن ؟! مؤمن مستقيم، ومؤمن يخاف الله، وفي قلبه خَشية وخوف، ويبْحث عن الدِّرهم الحلال، ويُنفقُهُ في الوجه الصحيح، فهذا خلاف من يسلب أموال الناس، لذلك الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾ [سورة السجدة] وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)﴾ [سورة القلم] وقال تعالى ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [سورة القصص] وقال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾ [سورة العلق] وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)﴾ [سورة الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾ [سورة آل عمران] فهذه مسافة كبيرة جدًّا بين المؤمن وغير المؤمن، لذلك يتوهَّم الإنسان ويقول: شيءٌ يُحَيِّر ! هذه الآية تدفع عنك الحَيرة، لا يمكن أن يُعامَل المحْسِن كالمُسيء، إنسانٌ دَخلُهُ حلال، وبِمالٍ قليل ينتفِعُ به انتِفاعًا كبيرًا، وبِمالٍ كثير يُدمَّر المال ولا يُنتفَعُ به، وإنسانٌ اختار زوْجةً صالحة مؤمنةً متديِّنة يسْعَدُ بها وتَسْعَدُ به، أما من تزوَّجها لِجَمالها فقط أذَلَّهُ الله تعالى، ومن تزوَّجها لِمالها أفْقرَهُ الله، ومن تزوَّجها لِحَسَبِها زادَهُ الله تعالى دناءة. وإنسان بنى دَخلَهُ على إفساد أخلاق الآخرين، صاحب دار سينما جمَّع ثروةً طائلة قبل خمسة وعشرين عامًا، وجمَّع خمسة ملايين، وأُصيب بِمَرض خبيث، وله ابن أخت هو تلميذي، فقال لي: رأيْتُهُ يبكي، فقال له: ما لك تبكي ؟! فقال له: جَمَعْتُ هذا المال لأتمتَّع به في خريف عمري، وهذا المرض قد عاجلني، فهذا جَمَع المال على حِساب أخلاق الشَّباب، وعلى حساب دينهم، وتوجُّههم إلى الله عز وجل، فالمال الحلال له عند الله حِساب، والحرام له حِساب، والمُحْسِن له حِساب والمسيء له حِساب، والعابِد له حِساب وغير العابد له حِساب، والأمين له حِساب، والخائن له حِساب، أما حينما تتوهَّم أنَّه قد يسْتوي الخائِن والأمين، والصادق والكاذب، والأب الكامل والأب المُتَفَلِّت، والأمّ الحنون، والأم المتفلِّتة، والمعلِّم الذي يُلْقي درْسهُ بإخلاص والمعلِّم الذي لا يلقي درسه بإخلاص، والطبيب الذي ينْصحُ المريض، والطبيب الذي لا ينصحُ المريض ويبْتزّ ماله، والمحامي الذي يعلمُ أنَّ هذه القضِيَّة سلفا فيأخذُها ويُماطِل الموكِّل إلى ما شاء الله، والمحامي الذي ينْصح الموكِّل. الله عز وجل عنده لِكُلّ إنسانٍ درجة، فإذا كان على وَجه الأرض خمسة آلاف مليون إنسان، فهذا يعني أنَّه يوجد خمسة آلاف مليون درجة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [سورة الأحقاف] فأنت لك عند الله تعالى درجة بمَعرفتِكَ واسْتقِامَتِكَ، وبإخلاصك، بِأُبوَّتِكَ الكاملة، وبُنُوَّتِكَ الكاملة، والإنسان العاق غير الإنسان البارّ، فلذلك أيُّها الإخوة هناك معايير دقيقة، قال تعالى: فو ربِّك لنسألنَّهم أجمعين عمَّا كانوا يعملون أنت إذا أنفذت نملة وأنت تتوضَّأ فهذه لها عند الله ثمن، وما أكْرمَ شابٌّ شَيْخًا لِكِبَر سِنِّه إلا سخَّر الله له مَن يُكْرِمهُ عند سِنِّه، وبُرُّوا آباءَكم تبُرُّكم أولادكم. أيُّها الإخوة الكرام، عليكم أن لا تتوهَّموا ولو ثانِيَة أنَّ المُحْسِن يُعامَل كالمُسيء، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] لِمَ لم يقل أم حَسِبَ الذين كفروا واجْترحوا السيِّئات ؟ طبعًا الحسَنَات تحتاج إلى إيمان، أما السيِّئات فلا تحتاج إلى إيمان لأنَّ غير المؤمن سيَكذب ويسرق ويزني ويحتال على الناس، ويظنُّ نفسهُ ذَكِيّ وهو أحمقهم، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] اجْتِراحُ السيِّئات يعني أنَّك لسْتَ مؤمنًا، والإمام الغزالي يقول: يا نفسُ لو أنَّ طبيبًا منعَكِي مِن أكْلةٍ تُحِبِّينها، فلا شكَّ أنَّك تمْتَنِعين، أفيَكون الطبيب أصدَقَ عندك من الله ؟ فما أجهلكي، فكلُّ إنسانٍ يرتَكِب معْصِيَة فهذا مدموغ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] ثمّ قال تعالى: ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] تدخل إلى بيت ثمنهُ ثلاثين مليون فإذا بالدَّاخِل جحيم لا يُطاق، ونَكَد، وبغْضاء، وخُصومة، والأب في جهة والزّوجة في جهة أخرى، وبالمقابل تجد بيتًا متواضِع وفي الجبل والدّخل محدود جدًّا، وأهله في نعيم مطلق، فعند الله كلّ شيءٍ بِحِسابه قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] فالذي يموت بالمسجد، والذي يموت بِلَيلة القَدر، ويموت وهو يتلو القرآن يموت بين أهلِهِ مُعَزَّزًا مُكَرَّما، وآخر تجد قد مات بالمرحاض ! وقد يموت ولا يدري به أحد، ويموت وهو يركِّب الدّش ! فالإنسان يأتيه ملك الموت بِطَريقةٍ يُلَخِّص حياته كلَّها، ومرَّةً كنتُ بِتَعْزِيَة وأمامي شيخ عالم، وبعدها خرج من التَّعزِيَة، فما مشَى رجل لا يعرفه ولا يعرف اسمه، وبيت هذا الرَّجل إلى جانب التَّعزِيَة، فأراد أن ينقلَهُ إلى بيتِهِ، فهذا الشيَّخ أوصله هذا الأخ إلى بيتِهِ، فصَعِدَ الطوابق الأربعة، ودخل بيتهُ، ودخل إلى غرفتِهِ، ونزع العمامة، واسْتلقى في الفراش، وسُلِّم أمرهُ إلى رب الأرض والسماء ! فهذا لو أراد أن يأخذ التَّاكسي لما وصل إلى بيتِهِ !! فالله سخَّر له إنسان لِيُوصِلَهُ إلى بيتِهِ، ويموت على سريره. وبالمقابل كنتُ مارًّا بالحريقة فوَجَدتُ إنسانًا مُلقى ميِّتًا على الأرض، فرجعتُ من العَمَل بعد ثماني ساعات وهو على حاله الأولى ! فهذه الآية يجب أن تبقى في أذْهاننا وعقولنا، وكلّ شيء بِحِساب دقيق، فالمال فيه بركة، والزَّوجة الصالحة مُسْعِدَة، تَسْعَدُ وتُسْعِدُ، قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾ (سورة البقرة ) هذه الآية محْوَرِيَّة، وإحْدى دعائِم العقيدة وهو أنَّ الله بيَدِهِ كلّ شيء ويُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسة عشْرة من سورة الجاثِيَة، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] النُّقطة الدقيقة في هذه الآية كلمة اللام، وكلمة على. اللام تُفيدُ التَّمَلُّك ؛ يبْدو أنَّ العمل السيئ كالصَّخرة الجاثمة على صَدر الإنسان تسْحَقُهُ في الدنيا حِجابًا، وفي الآخرة ندمًا، وقد ورَدَ في الحديث الشريف: إنّ العار ليَلْزمُ المرء يوم القيامة حتَّى يقول....وإنَّه ليعلم ما فيها مِن شِدَّة العذاب " وربُّنا عز وجل يعْجبُ ويقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175)﴾ [ سورة البقرة ] وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾ [ سورة النساء ] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] تقول: هذه الجَوْهرة لي، أما هذا الدَّيْنُ عليَّ، والدَّينُ همٌّ بالليل، وذلٌّ في النَّهار، والدَّين يُتْعِبُ صاحِبَهُ فالعَمَل الصالِح يُمَلَّك، أما العمل السيئ سيْحَق. الشيء الآخر، أنَّ مِن معاني الحُروف، أنَّ هذا الدِّين كُلُّه قُيود، وهو في الحقيقة ليس قُيودًا، ولكن حُدود، وليس حُدودًا، ولكن ضَمانات للسَّلامة، وفرقٌ كبير بين أن تفْهَمَ هذه اللَّوْحة على نحْوٍ أو على نَحْوٍ آخر فلو كنتَ تتجوَّل في أرضٍ واسِعَة، ورأيْتَ لوحَةً كُتِبَ عليها: أنت بحَقل الأنغام، لا تتجاوَز، فهل تشْعر أنَّ هؤلاء الذين وضَعوا هذه اللَّوحة قيَّدوا حُرِيَّتَك ؟ وكذا إن فَهِمْتَ أنَّ الدِّين تَقييد لِضمانات الإنسان فالفَهمُ خاطئ، أما إن فَهِمْتَهُ أنَّهُ ضمان لِسَلامَتِهِ فالفَهم صحيح، وكذا إن رأيْتَ أوامر الدِّين ونواهِيَهُ تَقييدًا لِحُرِيَّتِكَ، وحركتِكَ في الحياة فهذا فَهم الشَّيطان للدِّين ! فكلُّ أوامر الدِّين ضمانٌ لِسلامَتِك، وكلُّ التّفلُّت والانْطِلاق هو مخاطِر، لذلك هناك قاعدة، هي القُيود تُؤدِّي إلى الحريَّة على المستوى الدُّنْيَوي فالمواطِن المُنضبط بِقَوانين الدَّولة تَجدُه حُرّ، يُسافر، ويُغادر، ويشتغل أما إن ارْتَكَب مُخالفةً قانونِيَّة تسْتَوجِب حجْز الحُريَّة، فالتَّفَلُّت يُؤدِّي إلى التَّقَيُّد، والتَّقَيُّد يؤدِّي إلى الانْطِلاق، فالانْطِلاق أساسه التَّقَيُّد، وهناك آية قرآنِيَّة واحدة لو تأمَّلتُم فيها لَدُهِشْتُم يقول الله عز وجل: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا(144)﴾ [سورة النساء] لمَّا يأكل الإنسان المال الحرام، ويعتدي على أعراض الناس، ويُطلق بصرهُ وسَمعَهُ، ويدَهُ، ويتفلَّت، ويفْعل ما يشاء، ويلتقي مع مَن يشاء ويُصافِح مَن يشاء، إذا تفلَّت صار لله عليه سُلطان هو التَّأديب، آتيكم بِمَثَل ؛ لو أنَّ محلاًّ تِجاريًّا كلَّ بِضاعَتهِ وَطَنيَّة، وكلَّها تحوي فواتير، ومرَّ ضابِط الجُمرك ؛ هل تتضايَق أو تخاف ؟! لا، أما إذا كان بِضاعتُكَ تَهريب، ومرَّ الجمرك، تجدهُ يرْجُف ! فأنت بِمُخالفَتِكَ النِّظام جَعَلتَ لهذا الإنسان عليك سُلطان، فكيف بالواحِد الدَّيان ؟! فأنت إذا اْستَقَمتَ وغضَضْتَ بصَرَك، وما كذَبتَ، وحرَّرْتَ دَخْلكَ، فالله عز وجل يقول: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [سورة النساء] أما إذا كانت هناك أخطاء كبيرة جدًّا، فلا بدَّ مِن التَّدَخُّلات، لذا كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾ [سورة فصلت] النُّقطة الثانيَة ؛ وهذه النُّقطة بِشارة، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [سورة التوبة] هناك فرْق بين كتَبَ الله علينا، وكتَبَ لنا ! كتَبَ لنا يْ الخَير والتَّوفيق، والطُّمأنينة والسَّكينة، والبحبوحَة، السَّعادة، فَحُروف الجرّ وحدها مِن آيات الله الدالة على عَظَمَتِهِ، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بُعِثْتُ بِمُدارات الناس..." لو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: بُعِثْتُ لِمُدارات الناس ! فرْقٌ كبير جدًّا، فلو قلنا باللام لصارَتْ المُدارات جُزْءً مِن الدِّين، أما النبي قال بالباء، والباء للاسْتِعانة، أيْ أسْتَعين على هِدايَتِهِم بِمُداراتِهِم، والعلماء فرَّقوا بين المُدارات والمُداهَنَة، قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)﴾ [سورة القلم] المُداهَنَة أن تبْذِل الدِّين من أجل الدُّنيا، تُضَحِّي بِعِباداتكَ من أجل إرْضاء زَيْد أو عُبَيْد وتُضَحِّي باسْتِقامَتِكَ ونزاهَتِك، فأنت حينما تُضَحِّك بِدينِكَ مِن أجل دُنياكَ فأنت تُداهِنُ ! أما حينما تُضَحِّي بِدُنياك مِن أجل دينِكَ فأنت تُداري، ورأسُ العَقْل بعد الإيمان مُدارات الناس، وهو مَوقف حكيم جدًّا، فالحِكمة أرْوَعُ مثلٍ سَمِعْتُهُ حول الحِكمة ؛ الدَّواء المرّ الذي نُعْطيهِ الصّغير ؛ ماذا نفْعلُ به ؟ نخْلِطُهُ بالسُّكَّر حتَّى يحْلو، فالداعِيَة الحكيم يُقَدِّم مَضْمون دعوتهِ مع طَعمٍ عَذْبٍ، وحُلْوِ المذاق، فالحقيقة ذَكَرها ولكن معها مُرَغِّبات، أما الداعِيَة غير المُوَفَّق تَجِدُهُ سَلبي، يُرهِّب ولا يُرَغِّب، ويُحَذِّر ولا يُبشِّر، ويُنَفِّر ولا يُقرِّب، إذًا كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46﴾ [سورة فصلت] الآن معنا معنى آخر، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾ [سورة سبأ] على تُفيد العُلُوّ، فالعُلَا يرْفَعُكَ، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)﴾ [ سورة الشرح ] الهُدَى يرْفَه، والضَّلال يُسْقِط، فالضَّال المُنْحرف آخرتُهُ بالسِّجن، أو آخرتُهُ فضيحَة أخلاقِيّة أو مالِيَّة، فالضَّلال والتَّفَلُّت ينتهي بِكَ إلى الفضيحة والفضيحة تنتهي إلى القَيد، قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(22)﴾ [ سورة الزمر ] أما المؤمن المُهتدي قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)﴾ [ سورة البقرة ] الهُدى يرْفع والضَّلال يخْفض، لذا لو وقَفْنا على حُروف الجرّ وحْدَها لَوَجَدنا العَجَب العُجاب، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] ثمَّ يقول تعالى ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] هناك إقْرار، وهناك إلْزام فأنت تُقِرّ أنَّ هذا الذّنْب فَعَلْتَهُ، ولكن هذا الذَّنب له عُقوبة، كما مرَّ بِنَا من قبل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ * )) [ رواه مسلم ] فسَّرْتُ هذا الحديث أنْ كُتِب على ابن آدَمَ أن ينالَ نصيبَهُ من عقوبة الزِّنا مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالة، وهذه فيها رَدعٌ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾ [ سورة الغاشية ] أيُّها الإخوة، ثلاثة كلمات إن آمنْتُم بها، اسْتَقَمْتُم بها قَطْعًا ؛ إن علِمْتم أنَّ الله موجود، ويعلم، وسيُحاسِب، فلا يُمْكِنُ أن تعْصِيَهُ، فهل يستطيع الموظَّف العادي أن يسْرق من الخزنة أمام سيِّدِه ؟! هذا الحادِث لا يقع أبدًا وهل يستطيع صاحب السيارة أن يُخالف الإشارة والشُّرطي موجود أمامه ؟! مستحيل، وكذا إن أيْقَنْتَ أنَّ الله يعْم وموجود وسيُحاسِب لا يمكن أن تعْصِيَ الله تعالى، لأنَّك إن عصَيتَ فأنت لا توقِنُ به حقيقةً، وتكون حينها غبِيًّا، إذًا كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ؛ من آيات الله الكريمة ، قوله تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة يوسف الآية : 106 ] هذا الذي يُعَدُّ عند الناس مؤمنًا ، وهذا المحْسوب على المؤمنين ، والذي يرْتاد بيوت الله ، ما هو الشريك الذي يتلبَّس به معظم الناس ؟ الهَوَى ، والدليل هذه الآية ، وهي الآية الثالثة والعشرون من سورة الجاثيَة ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] يعبُدُ شَهَواتِهِ ، ويعْبُدُ أهواءَهُ ، وهي التي تتحكَّم به ، ويعْبدُها من دون الله ، كيف يكون ذلك ؟ تُوَضِّح هذه الآية آيَةٌ أخرى ، وهي قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] أي إذا آثَرْتُم تِجارةً مُحَرّمة على طاعة الله ، والاسْتِثمار المال على طريقة غير مَشْروعة ، أيْ إذا أحْببت المال أكثر من حبِّ الله . زوْجَتُكَ تخرُجُ كما تريد ، وهي تُسْعِدُكَ بِطَريقةٍ أو بِأخرى ، وأتن تسْكُتُ عن انْحِرافها لأنَّها أحد أسباب سَعادَتِكَ في الدنيا ، آثرْتَ زوْجتكَ على طاعة الله ، أم أنَّ لك مِن أبيكَ نصيبٌ كبير ولكنَّه حَمَلَكَ على معْصِيَة تُؤْثِرُ نصيبَكَ مِن أبيك على طاعة الله ، والابن أحيانًا تبْحَثُ عن دُنياه ، ولا تبْحَثُ عن آخِرَتِهِ ، وتريد أن تفْتَخِر به ولو على حِساب دينِهِ ، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] هناك تِجارات غير شَرْعِيَّة يقول عليه الصلاة والسلام : الاقْتِصاد في المعيشة خير من بعض التِّجار، إذا كانت البِضاعة مُحَرَّمة ، وهناك شُبْهَة ، وأحيانًا يتأجَّر البيت بالليلة عشرة آلاف ، وصاحِبُهُ يعْلمُ عِلمَ يقين لماذا اسْتُأجِرَ هذه اللَّيلة وبِهذا المَبلغ ! وتَجِدُهُ يُصَلِّي ، ويقول لك : التَّأجير حلال !! فهذه المَعصِيَة التِّي تَمَّتْ فيه ، مَن أعانَهُ عليها ؟! صاحِبُ البيت ، لذا آلاف الطُّرُق لِكَسْب المال غير الَشروع ؛ الكَذِب والتَّدليس والغِشّ والاحْتِكار والاسْتِغلال ، وتغيير صِفات البِضاعة ، أو لإعلان أنَّها أجْنَبِيَّة وهي وَطَنِيَّة ، وبِضاعة يابانِيَّة وهي تايْوانِيَّة ، وشَرقِيَّة على أنَّها إنجليزِيَّة وتغيير خصائص البِضاعة ، فهذا كُلُّه يجْلِب مالاً كثيرًا ولكنَّ فيه الغِشّ فالذي يُؤْثِرُ المال على طاعة الله ، أو يُؤْثِرُ زوْجَتَهُ على طاعة الله ، أو أباهُ على طاعة الله ، أو ابنَهُ على طاعة الله، أو عشيرتَهُ على طاعة الله ، أو الذي يسْكُن بِمَسْكَن يُؤجِّره مائة ليرة على النِّظام القديم ، وثَمَن البيت الملايين ، وأنت لك بيتٌ ثاني ، وصاحِبُ هذا البيت ليس لديه سِواه وأنت تعلم علم اليقين حاجته لهذا البيت ، ثمَّ تجد هذا السارق يُصلِّي !! نحن لا نحكم على هذه المعاملات ، ولكن هناك مُؤجِّر ظالم ومستأجِر ظالم ، لو فرضْنا مستأجر عنده بيت ، ويسكن بيتًا بمائة ليرة قبل السَّبعين وصاحِب هذا البيت أرْمَلَة ، وليس لها موْرِد إلا أُجْرة هذا البيت ، فهل يكْفيها أجرةً ؟ مستحيل ، ثمَّ تُصَلِّي بالمسجد ، وتقول أنا صاحِب دين ! أيُّها الإخوة ، هناك نقطة دقيقة ذَكَرتُها في جامِع النابلسي ، وهي قوله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [ سورة المائدة الآية : 1 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) [ رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ] لو صلَّيْتَ الخمس ، وقيام الليل ، وصُمْتَ ، وحجَجْتَ ، ولم تَكُن صاحِب عَهْد ، ولا أمينًا ، فَكُلّ هذه العِبادات لا قيمة لها ، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : بُنِيَ الإسلام على خَمس ، فالإسلام بِناء أخلاقي ، قال تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] آخر شيءٍ يُشير إلى أنَّك مسلم أنَّك تُصَلِّي ، أما أوَّل شيء فَصِدْقُكَ وأمانتُكَ وإخلاصَك ، فأخلاق المؤمن صارِخَة ، وتَجِدُهُ مُتَمَيِّز ولا يكْذِب ، ولا يخون ، ويُؤدِّي الأمانات إلى أهلِها ، يَفِي بالعَهْد هذا هو المؤمن ، فهذا الذي يتَّخِذُ إلهه هواه ، أقْسَمَ لي بالله شَخص أنَّ بيتًا يزيدُ ثمَنُهُ عن سِتَّة ملايين ، مستأجَر مِن قِبَل إنسانٍ صاحِبَتُهُ أرْمَلَة وليس لها مِن الدُّنيا إلا هذا البيت ، اسْتَطاع أن يُخَلِّصها منه بِمِليون وسبعمائة ألف !! وهو مِن رُواد المساجِد !! فالدِّين المعاملة ، تَجِد إنسانًا حضَر مئات الدُّروس ، وآلاف الخُطَب ، ويقرأ كُتُبًا كثيرة ، ثمَّ يأكل المال الحرام ، فهذا دليل على أنَّه لا يعرف الله أبدًا ، لو ذَهَبتَ إلى قَصر العَدل لوَجَدْت عشرات الدَّعاوى الكّيْدِيَّة ، وكلُّهم يُصَلُّون في المساجِد ، لذا كثرتنا اليوم كَغُثاء السَّيْل ، يقول عليه الصلاة والسلام : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) [ رواه أحمد] أخٌ يشْتكي على أخْتِهِ ، وأمٌّ ترْفَعُ دَعوى على ابنِها ! شيءٌ لا يُحْتَمَل ، فهذا المُجْتَمَع المُفَكَّك لا يسْتَحِق أن يسْتَخْلِفَهُ الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [ سورة الرعد الآية : 11 ] فلمَّا يفْهم الإنسان أنَّ الدِّين صلاةٌ بالمَسْجد ، وصَوم وحجّ وزكاة ثمَّ يأكل أموال النّاس بالباطل ، ويفْعَلُ ما يشاء فهذا يكون قد اتَّخَذَ إلهه هواه ، وهو بِهذه الحال مُشْرِك ، قال تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة يوسف الآية : 106 ] فالمال أغلى عليه مِن الله ، وكذا زوْجَتُهُ ، فأنت لو قلتَ الله أكبر مائة ألف مرَّة وأطَعْتَ مخلوقًا وعَصَيْتَ خالقًا لم تَقُلْها أيَّ مرَّة ! صارتْ هذه عادات ، فأنت آثَرْت المال والزَّوجة والشَّأن على الله عز وجل ، وجلسْتَ في مكانٍ لا ينبغي أن تجلسَ فيه ، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] إنَّك حينما تؤْثِرُ شيئًا من هذه الأشياء على طاعة الله فأنت اتَّخَذْتها إلهًا وعَبَدتها من دون الله ، وقد أشْرَكتَ بالله عز وجل . الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] أضلَّه الله على عِلْم ، فالعِقاب يتضاعَف هنا ، فهو يعْلم أنَّها مَعْصِية وأنَّه قد أكَلَ أموال اليتامى ظُلمًا ، فهذا الذي يجعل أموال اليتامى في تِجارته المشكوك فيها ، فإن ربِحَ في التِّجارة أدْخَلَ ماله ، وإنْ خَسِر في التِّجارة قال لليتامى : سبحان الله ! هذا تقدير الله !! قال عليه الصلاة والسلام : لا تجعل ماله دون مالِكَ ! المعنى الدقيق أدْركَهُ النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذه الحقيقة لا يكْشِفُها إلا الله ، فأنت تاجِر ، ولكَ مائة صَفْقَة اخْتَرتَ صفْقة فيها مُغامرة وتاجَرتَ بأموال الأيتام ، أما الصَّفْقات الثابت رِبْحُها تُدْخل فيها مالك ! لذلك هناك أشخص لهم شأن كبير عند الناس أمَّا عند الله فلا نُقيم لهم يوم القيامة وزنًا . أيُّها الإخوة ، عَظَمة هذا الدِّين في اسْتِقامة المؤمن ، وفي صِدْقِهِ ، وفي إخلاصِهِ ، وفي تطبيقِهِ ، ومُؤاثرتِهِ لِجانب الله عز وجل ، والمؤمن الليرة مثل المليون إذا كانت في معصِيَة الله . فالله إما أن يُضِلَّهُ على عِلم ديني ، أو دُنْيَوي ، تَجدُه دكتور ويشْرب الخمْر ، ويزْني ، ويحْمِل شهادة عُليا ، كان عندنا أستاذ في الجامعة يَحمِل شهادة عالية ، وله شأن عندنا ، فإذا بي أراه دخل قاعة التَّدريس في رمضان ، وفي يَدِهِ فِنْجان القهْوة !! قال تعالى : ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم أنواع مُنوَّعة من الآيات، آياتُ أمْرٍ وآياتُ نَهي، وآياتُ تَحليل، آيات تَحريم، وأخبار الأُمَم السابقة والآيات الكَوْنِيَّة ومشاهِدُ من يوم القيامة، إلا أنَّ نوعًا من الآيات مُرْتَبِط أَشَدَّ الارْتِباط بِحياة الإنسان، إنَّها آيات الكلمات، فالكلمة في القرآن الكريم تعني القانون، والسنَّة الثابتة، فلو أنَّ الإنسان تعامَلَ مع هذه الآيات تعامُلاً حقيقيًّا صحيحًا، وإيجابيًّا لسَعِدَ في الدنيا والآخرة. من هذه الآيات الكبرى، الآية التاسعة عشرة من سورة الأحقاف، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] هذه الدَّرَجات عند الله، أما عند الناس فمالُكَ يرْفَعُ دَرجَتَكَ، ووسامَتُكَ ترفعُ مِن مقامِكَ، وذكاؤُكَ يرْفعُ شأنَكَ، فمقاييس الناس كثيرة ؛ المال والقوَّة والوسامة والذَّكاء والله عز وجل أوْدَعَ في الإنسان قدرات كثيرة ولكن كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفع عباده بعضهم على بعض ؟ عند الله يرفعهم بالعمل الصالح وإن أرَدْتَ الرِّفْعة عند الله فليس أمامك إلا العمل الصالح، فسيِّدنا موسى حينما سقى للمرأتين، سقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظِّل فقال: ربِّي إنِّي لما أنزلتَ إليّ مِن خيرٍ فقير، وغير المؤمن يظنُّ أنَّ الغِنَى غِنَى المال، وأنَّ الفقْر فقْر المال، أما المؤمن فهو يوقِنُ أنَّ الغِنَى هو غِنَى العَمَل الصالح، وأنَّ الفقْر الحقيقيّ أن تأتِيَ الله تعالى يوم القيامة ويداكَ صِفْر من العمل الصالح، فالآن هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] لكل إنسان في أيِّ مكان، وفي أيِّ ومكان درجات مما عملوا، ولكن كيف يُقيَّم العمل ؟ أوَّلاً يُقيَّم باتِّساع رقْعتِهِ، والنبي عليه الصلاة والسلام نشر هذا الدِّين القويم في أرْجاء الأرض، فَمِن الصّين إلى المغرب، وإلى بعض دُوَل أوروبا، ومن أذْربيجان إلى جنوب إفريقيا، فالعمَل يُقيَّم باتِّساع رُقْعَتِهِ ويُقَيَّم أيضًا بامْتِداد أمَدِهِ، فَمِن ألف وأربعمائة عام ودَعْوةُ النبي عليه الصلاة والسلام تسْري في الأفاق، ويُقيَّم العمل من عمق تأثيره، والعمل يزداد عند الله تعالى قيمةً لمّا تشْتدُّ الصوارف عنه، وتكثر العوائق في طريق فالإنسان أحيانًا يأتي لِمَجْلس العِلم، ويأتي للمسجد ويجلس على رُكْبتَيْه، أما الآن فهناك مسلسلات، ومناظر، وطعام وشراب، فلمَّا الإنسان يأتي إلى بيت الله لِيَتَعَلَّم العِلم فقد دافَعَ صوارِف فأحيانًا يُلقي الخوف في قلبِكَ ؛ يقول لك: ليس مِن صالِحِكَ أن تأتي إلى المسْجِد، فهذا عائِق شيْطاني، وهناك صارِف، فَكُلَّما اشتدَّت الصوارف والعمل العائق يشْتدُّ العمل الصالح عند الله تعالى قيمةً، أما أكبر قيمة ينالُها العمل الصالح حينما يموتُ صاحِبُهُ ويسْتمِرُّ هذا العمل، ساهَمَ ببِناء مسْجِدٍ ومات، والمسْجِد تُقام فيه الصَّلوات والأذكار إلى يوم القيامة، أو أسَّسَ ملْهى وماتَ، فهو صدقة جارية له إلى يوم القيامة، لذا أخْطَر الأعمال ما اسْتَمرَّتْ بعد موتِ صاحِبِها، وأعظَم الأعمال ما اسْتَمَرَّت بعد موتِ صاحِبِها، (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو * )) [ رواه الترمذي ] الدَّرس اليوم ؛ حجْمُكَ عند الله بحَجْمِ عمَلِكَ الصالِح، فكُلَّما ازْدَدْتَ معرفةً بالله، وإقْبالاً عليه، إخلاصًا له قدَّر على يَدِكَ أعمالاً صالحة كثيرة. الإمام النَّووي جاء إلى الدنيا وغادَرَها، ولم يَعِشْ أكثر مِن خمسين عامًا ولكن ماذا تَرَكَ ؟ ترك الأذكار، ورياض الصالحين، ومغني المحتاج، وكتُبًا من أجلِّ الكُتُب الآن، فحَجم الإنسان عند الله بحَجم عمله، لذلك العُمر الزَّمني لا قيمة له، والعِبرة بالإنجاز، في هذا العمر ماذا فَعَل؟ هذا نبيُّنا صلى الله عليه وسلَّم عاشَ ثلاثًا وسِتُّون سنة نشَر خِلالها الخير والعطَاء والفضيلة والتُّقى، وكل هذا الخَير للآخرة، لهذا قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)﴾ [ سورة الحجر ] أقْسَمَ بِعُمر النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن إذا آمنَّا أنَّ حجْمَكَ عند الله بِحَجم عمَلِكَ الصالح، والدليل هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] والعمل قيمتُهُ في نِيَّتِهِ، وقيمته في إخلاصِهِ، وحجْمِهِ، وزمَنِهِ، واتِّساع رُقْعتِهِ، وبُلوغ أمَدِهِ، وفي امْتِداد أثرِهِ بعد موت صاحِبِه، ولكن أعلى عمل صالح على الإطلاق أنْ يُوَفِّقَكَ الله عز وجل لِهِدايَة إنسان ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)﴾ [ سورة المائدة ] فأنت إذا ساهَمْتَ في إعانة أخ للتَّزَوّج بِفَتاة مؤمنة، وإنشاء أسرة مؤمنة، ونشر الحق بهم، وينتفع جيرانه وأصحابه وإخوته، وبهذا يكون هذا الإنسان الذي هَدَيْتَهُ إلى الله تعالى أُمَّةً، وكلّ هؤلاء في صحيفَتِهِ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( أَخْبَرَنِي سَهْلٌ رَضِي اللَّه عَنْه يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ * )) [ رواه البخاري ] السؤال الآن، أنّ كلَّ واحِدٍ مِنّا عليه أن يسأل نفسَهُ سؤالاً خطيًا، ومُحْرِجًا وهو: ما العَمَل الذي أُقدِّمُهُ بين يَدَي الله عز وجل يوم القيامة ؟! مرَّةً حضَرْتُ جنازة، والمُتَوَفَّى كان مؤذِّنًا، وكان له شيخ حضر هذه الجنازة وأبَّنَهُ بِكَلمَتين ؛ فقال: يا إخوتي إنَّ أخوكم كان مؤذِّنًا فتَرحَّموا عليه وهذا الميِّت كان ثريًّا، وله أذواق عاليَة في الدُّنيا، وسافر إلى شتَّى بِقاع العالم فأنا لفتَ نظري أنَّ كلّ ما امْتَلكَهُ في الدُّنيا لا قيمة له إلا العمل الصالح، أما سيِّدُنا الصِّديق فتتكلَّم عنه الساعات ولا تنتهي، فأنت حجْمك بِحَجم عمل الصالح، أما أكلنا وجَمَعنا، وسُرِرْنا، وهي لا تجعلك ترقى عند الله فالذي ينفع ؛ هل واليْتَ في الله ؟ وهل عادَيتَ في الله ؟ وهل قَطَعتَ لله ؟ وهل وَصَلْتَ لله ؟ وراعَيْتَ الأيتام ؟ وهل أمرتَ بالمعروف ونهَيْتَ عن المنكر ؟ قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] وكل واحد يعرف نفسه حقيقة. قال له: ما الذي حصَل معك بأمريكا ؟ فأجابهُ أنَّه تزوَّج امرأةً عمرها خمسين سنة !! والهدف منها الإقامة ! فالله يعرف حقيقة النَّوايا، وخلْفِيَّة الأعمال، ومُؤدَّاها، ويعرف كلّ شيء، وما عليك إلا أن تُخْلص له، وتخْدُمَ عباده، وتبتغي بها وجْه الله، وما على الإنسان إلا أن يبْتغي الرِّفْعة عند الله، أما عند الناس فالمال والجاه والقوَّة هي الأصل عند الخلق أما عند الله فالذي يرْفعُكَ هو العمل الصالح والانْضِباط، والإخلاص وأن يكون العمل موافقًا للسُّنة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة، وهي التاسعة من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)﴾ [سورة الأحقاف] ترْوي كُتب السيرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم بلغه أنّ أحدَ أصْحابه وافتْهُ المنِيَّة، وهو أبو السائب، فَدَخَل عليه، وهذه مِن عادة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقد كان يتفقَّدُ أصْحابه فإذا بلغَهُ أنَّ أحدهم قد تُوُفِّي زار أهل الميِّت في بيتِهِ قبل أن يُدْفن فبعد أن زارهُ النبي عليه الصلاة والسلام سَمِع امرأةً تقول: هنيئًا لك أبا السائب، لقد أكْرَمَكَ الله ! صحابيٌّ جليل عاشَ مع رسول الله صى الله عليه وسلَّم، وخاض معه أكثر الغزوات وقدَّم كلّ ما يمْلِك في سبيل الله فماذا فعلتْ هذه المرأة؟ قالت: هنيئًا لك أبا السائب لقد أكْرمك الله ! النبي صلى الله عليه وسلّم مُشرِّع فكلامُهُ تَشريع، وصَمْتُهُ تَشْريع، وفِعلُه تَشريع، ونحن عندنا سنَّة قَوْليَّة، وسنَّة عَمَلِيَّة، وسنَّة إقْرارِيَّة، فلو أنَّ أحدًا فعل معهُ شَيئًا، وسكَتَ النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الشيء صحيح أما أيُّ إنسان آخر، ولو جماعة من المسلمين لو سكتوا لما عنيَ ذلك أنَّ سكوتهم أنَّه ليس بِمُنْكر ؛ إلا النبي لأنَّه مُرْسَل ومُبلَّغ ومُكَلَّف، فهو لو رأى منكرًا وسكت، لكان هذا معروفًا، ماذا قالتْ هذه المرأة هنيئًا لك أبا السائب لقد أكْرمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وما أدْراك أنَّ الله أكْرمه ؟! هذا سمَّاهُ العلماء تألِّي على الله، وهذا المرض شائِع في العالم الإسلامي، فَكُلّ واحِد تجِدُهُ يُقيِّم جماعةً من المسلمين، يُدْخِل جماعةً إلى جهنَّم، وأخرى إلى الجنَّة، وأناس يجعلهم عارفين بالله، وآخرين زنادقة وكأنّه مِحوَر العالم، وهو الذي وَسِع الإسلام، فَكُلّ مَن يتحدَّث عن المُسْتقبل فيما يتعلَّق بالأشْخاص هو يتألَّى على الله، فالنبي قال لها: وما أدراكي أنَّ الله أكْرمه، قولوا: أرْجو الله أن يُكْرِمهُ ! فرْق كبير بين لقد أكرمك الله؛ أيْ أنَّها تعلم الغيب، وتعلم ماذا سيفْعل الله به، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: وأنا نبيٌّ مرسَل لا أدْري ما يُفعل بي ولا بكم ! ليس معنى هذا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يتوقَّعُ مِن ربِّه أن يُخْزيَه ! لا قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8)﴾ [سورة التحريم] ولكن معنى ذلك أنَّ ليس مِن شأن الإنسان أن يتحدَّث عن الغَيْب، وليس مِن شأن الإنسان أن يُصْدِر قرارًا قَطْعِيًّا، فهذا مِن شأن الخالق، فالنبي عليه الصلاة والسلام وقفَ موْقِفَ الأدب مع الله عز وجل، قال: وما أدْراكي أنَّ الله أكْرمَهُ، قولي أرْجو الله أن يُكْرِمَهُ ! الإنسان أحْيانًا يحْتَقِرُ شَخْصًا، طبعًا مُتَلَبِّس بالمعاصي والآثام، مَن أدْراك أنَّ هذا الشَّخص إذا تابَ إلى الله توبةً نصوحة وجدَّ في السَّعيِ إلى الله تعالى يسْبِقُكَ ؟! ونحن لا نُبالِغ كما يفْعل بعض الناس، حيث تجدُهُ مُتَلَبِّس في شُرب الخمْر والزِّنا، ثمَّ نقول: قد يكون هذا ولِيّ !!! هذا تشْويش في الدِّين، فالخمر خمر، والزِّنا زنا، فالعاصي عاصي، ولكن هل تدْري كيفَ يُخْتمُ له عملُهُ ؟ لعلَّهُ يتوب، ويسْبِقُكَ، وهذا مِن دواعي التَّأدُّب مع الله عز وجل. إذًا مِن شان الله أنَّه بِيَدِهِ مصيرُ خلْقِهِ، ومِن شأن الله أنَّه كفى به خبيرًا بصيرًا بِذُنوب عِبادِهِ، ومن شأن الله أنَّهُ أعلَمُ بِمَن اتَّقى مِن خلْقِهِ، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32)﴾ [سورة النجم] فلا تمدحْ نفسَك ولا تذُمّها ولا تُزكِّي على الله أحدًا، فإن كنتَ فاعِلاً فقل: والله أعلم، والدليل أنَّ سيّدنا عملا لمَّا اسْتخلفهُ سيِّدنا الصِّديق، تأثَّر الصَّحابة، فقالوا له: ألا تخاف الله عز وجل، اسْتَخْلفْتَ علينا عمر ؟ فقال سيِّدنا الصِّديق: والله لو سألني ربِّي لِمَ اسْتَخْلفْتُه لقلت: لقد اسْتخلفْتُهُ عليه لأنِّي وجدْتُهُ أرْحَمُهُم !! فإنْ بدَّل وغيَّر فلا عِلم لي بالغيب !! هذا هو الأدَب، ولذا التَّأدُّب مع الله أنَّك لا تمْدح إنسانًا إلا مع التَّحَفُّظ ؛ أحسبه كذا ولا أُزكِّي على الله أحدًا، أما المديح القطعي فهو ليس مِن شأنِكَ أنت، بل هو مِن شأن الله، فلا أحدَ يعلمُ مصائِر العباد إلا الله، هناك رجل في الهند بلغَ من علوم الدِّين مبلغًا لا يوصَف، ونهايتُهُ أنَّهُ ادَّعى الألوهِيَّة !! لماذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [سورة الإسراء] لِمَ لمْ يقُلْ ربِّ اجْعَلني صادِقًا ؟ لأنَّه قد تَدخُل صادِقًا ولا تخْرُجُ صادِقًا، فقد يُفْتَنُ الإنسان ضِمْن العمل الصالح، وقد تزِلُّ قدَمُه، فلذلك لا أحَدَ يعْلمُ مصائِر الخلق إلا الله، فالمعْصِيَة معْصِيَة، والطاعة طاعة، ولكِنَّ هذا الطائر لعلَّهُ تزِلُّ قدَمُه، ولعلَّهُ يُفتَن وهذا العاصي لعلَّهُ يتوب، وفي التاريخ الإسلام كِبار كبار العلماء كانوا عُصاة، وقُطَّاعُ طُرُق، وكانوا مُجْرمين وقتَلَة، والصُّلحة بِلمْحة، وإذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله ! فالنبي يرْجُو مِن ربِّه كُلّ خير، ولكنَّهُ أديبٌ مع الله، يقول: أرْجو الله أن يرْحَمَني، وأرْجو الله أن يُدخِلني الجنَّة. سبحان الله ؛ سَمِعتُ شريطًا لأحد المدرِّسين، يقول لِتلامِذَتِهِ: أنتم غدًا تحتاجون إليّ في الجنَّة !! وكأنَّهُ ضَمِنَ دُخول الجنَّة !! فهذا سيِّدنا عمر يسأل حذيفة رضي الله عنهما ؛ بِرَبِّكَ هل اسمي مع المنافقين ؟ فسيِّدُنا عمر مُبشَّر بالجنَّة، فَمِن شِدَّة خوفِهِ مِن الله سأل حُذيفة هل أُدْرِجَ اسمُهُ مع المنافقين ! لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمْلى على حُذَيفة ابن اليمان أسماء المنافقين، والمؤمن يتقلَّب في اليوم الواحد بِأربعين حالة من شِدَّة خوفه من الله، وأما المنافق فيبقى على حالٍ واحِدٍ أربعين عامًا. فهذا ابن أبي مليْكة التقى بأربعين صحابي كلُّهم يَخشى على نفْسِهِ النِّفاق لذا إن قلنا رضي الله عن إنسان فهذه ليس تَقريرِيَّة ولكن دُعائِيَّة، أي نرْجو الله أن يرْضى عنه. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)﴾ [سورة الأحقاف] قلتُ لكم سابقًا إنَّ أعداء الإسلام يطفون على النبي طابع العبْقرِيَّة والذَّكاء فهو كذلك ولكنَّه نبِيٌّ يوحَى إليه، وهو ناقل أمين على وحي السَّماء، والله جلَّ جلاله خاطبَهُ وقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾ [سورة البقرة] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(107)﴾ [سورة الأنعام] فالتَّأَلي على الله أن تُوَزِّع ألقاب الإيمان والكفر والشِّرْك بِبَساطة وسُهولة وأنت واثِقٌ مِن نفْسِك، وهذا مُخالفة شَرْعِيَّة كبيرة سمَّاها العلماء التَّأَلي وهي أن تُحِلَّ نفْسَكَ محلَّ الوَصِيّ، ومحلّ الذي يعلم الغيب ومحلَّ الذي يعلم مصائر الخلق، وتقول: هذا كذا، وهذا كذا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)﴾ [سورة الأحقاف] الكافر يدَّعي أنَّهُ ذكِيّ بِدَليل أنَّهُ يتوهَّم أنَّه على حق، والآخرون على باطل فلو كان الدِّين خيرًا ما سبقونا إليه، والجواري كما قاله أحد الأنبياء الكرام قال تعالى: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾ [سورة هود] إذا الإنسان ما ذاقَ العَسَل في حياته، وأقْسَمَ يمينًا مُعظَّما أنَّ أطْيبَ شيءٍ أكلَهُ في حياته هو الدِّبس ! هو صادِق لأنَّه ما ذاق العسَل فالكافر حاله هكذا فهو ما ذاق طعْم الإيمان، وطَعْم القُرْب، ومشاعر الإيمان، فالإيمان يذوقُهُ الإنسان، والإيمان له حلاوة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من غضَّ بصرهُ عن محارم الله أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه. أيها الإخوة الكرام، هذه الآية مِحْورُها ؛ إيَّاك أن تقول آيةً تتجاوَزُ بها قدْرَكَ، ورَحِم اله عبْدًا عرفَ قدْره، فوَقَف عنده، والله هو وحْده الخبير بِذُنوب عبادِهِ، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)﴾ [سورة الأسراء] وقال تعالى: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32)﴾ [سورة النجم] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها من سورة الأحقاف، والتي تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾ [سورة الأحقاف] أيها الإخوة، عندنا عذاب أليم، وهذا العذاب قد لا يحَتمِلُ الإنسان وبِمُجرَّد أن يُجيب داعِيَ الله أيْ أن يستجيب له، فربُّنا عز وجل يقول: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] ماذا تُفيد مِن هذه ؟ لماذا لم يقل ربنا عز وجل يغْفر لكم ذنوبكم ؟ علماء التفسير قالوا: هذه مِن تُفيد التَّبعيض، يعني يغْفر لكم بعض ذُنوبِكم التي بينكم وبينه، أما التي بينكم وبين العباد فلا تُغْفر إلا بالأداء أو المُسامحة، فإمَّا أن تؤدّي الحق وإما أن يُسامِحَك، لذلك الذي يتوهَّم أنَّه إذا ذَهَب إلى الحج غفرَتْ له كلّ ذنوبه، فهذا وَهمٌ خاطئ، فالذُّنوب لا يُغْفَرُ منها إلا التي بينك وبين الله، أما التي بينه وبين العباد فلا بدّ أن يؤدِّيَها، حتَّى لا يقعَ الإنسان في وَهم. قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] والحقيقة أنَّ أَكْمَل شيءٍ في الإنسان أن يسْتجيب للدَّعوة البيانِيَّة، وهو صحيح مُعافى قَوِيٌّ، وغنِيٌّ عن الناس، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول: اللَّهمّ من أحبَّني فاجْعَل رِزْقهُ كفافًا، هكذا دعا لنا النبي عليه الصلاة والسلام، ثمَّ إنَّ هناك حقيقة ثانِيَة، وهو أنَّ الذي يُحِبُّ رسول الله لا بدَّ مِن أن يُنْفِقَ ماله على حُبِّه، لأنّ أحدًا سألهُ فقال: يا رسول الله، إنِّ أُحِبُّك فقال: اُنظر ماذا تقول ؟ هذا الفقْر اسْمُهُ فقْرُ الإنفاق ويُقابِلُهُ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)﴾ [سورة التوبة] فالمؤمن الذي أحبَّ الله ورسوله تجدهُ يُنْفقُ، فإذا افْتَقر فهذا فقْر الإنفاق وعندنا فقر الكسل ؛ هذا مذموم والإنسان محاسب عليه، ويوجد فقر القدَر ؛ الإنسان معذور ؛ إذْ أنّه قضاء الله وقدره، فالإنسان العاجز، والإنسان كفيف البصر، والمُصاب بشلل طفل عنده كساح هذا فقير إنه لا يستطيع أن يكسب قوت يومه فهذا فقير فقر القدر، أما إنسان كسول مهمل، لا يتقن عمله، ولا يداوم، وينام إلى الظهر، وإذا عمل عملا لا يتقنه، يسوِّف، يماطل، يهمل، فهذا إذا فتقر ففقره عقاب، اسْمُهُ فقْر الكسَل، ونحن عندنا فقْر القَدَر، وفقْر الكسَل، والفقْر الثالث هو فقْر الإنفاق ؛ فالصحابة الكرام كانوا يُنفقون أموالهم في سبيل الله، والنُّقطة الدقيقة أنَّه يستحيل عليك أنْ تُحِبَّ الله، وتُحِبَّ رسوله وأن تكْنِزَ الذَّهَب والفِضَّة، ولأنّ الله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾ [سورة المائدة] فإذا الإنسان أحبَّ فتاةً، وخطَبَها وعقَدَ عليها، فلا يأتيها إلا ومعه هدِيَّة وهذا شيء معقول، فالمؤمن إذا أحبَّ الله عز وجل يُقَدِّم له هَدِيَّة، أن يُنْفقَ مِن ماله على عباد الله تعالى، مرةً دُعيت إلى طعام لأيْتام، فالطَّعام نفيس جدًّا، وليس مِن صُنع المطاعم، ولكن مِن صُنْع البيوت،علمت أن هناك أسر تتنافس وتأخذ دور كي تصنع طعام للأيتام في رمضان، وهذا شيء جميل جدًّا، فالإنسان حينما يحب الله يبحث عما يرضيه، عن عملٍ يرضيه، عن إنسان يكرمه، لذلك المؤمن ينفق ماله، وإذا افتقر المؤمن فهذا ليس فقْر قَدَر ولا فَقْر كَسَل إنما فقر إنفاق، قال: انظر ما تقول قال: والله إني أحبك، قال:إن كنت صادقا فيما تقول لَلفقر أقرب إليك من شِرْك نَعْلَيْكَ، لذا أجمل شيء أن تستجيب لله وأنت صحيح معافى، وأنت قوي شاب وغَنِيّ، لكن الإنسان قد لا يسْتجيب فيأتي التَّأديب، فهو إن اسْتَجاب مع التَّأديب فهذا شيءٌ جيِّد، لكنَّ الأَجْوَدَ منه أن يستجيب إذا دُعِيَ إلى الله عز وجل، وأحيانًا يُعطي الله تعالى هذا العبد التائِهَ الشارد الدُّنيا، فنقول: الأولى أن يشْكر فإذا لم يسْتَجِب، ولم يشْكر، ولم يَتُب، فهذا موتُهُ خير مِن حياته، وهذا يأتي القَصْم فَيُنْهيه، قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] أي لا تسْتَطيعوا أن تُجيبوا داعِيَ الله إلا إذا آمنْتُم به، لأنَّك إذا عرفتَ الأمر، ولم تعرف الآمر تفنَّنْتَ في معْصِيَة الآمِر، وفي حِيَلٍ تتهرَّبُ بها من طاعته أما إذا عرفْتَ الآمِر، ثمّ عرَفْتَ الأمْر تتفانى في طاعته. الجواب، قوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] في الدنيا مغفرة وفي الآخرة نجاة من عذاب أليم، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾ [سورة آل عمران] ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾ [سورة الأحقاف] قال له عليه الصلاة والسلام: قل آمنت بالله ثم استقم..."، فقوله ليس بِمُعْجِزٍ أي لا يستطيع أن يتفلَّتَ من ملَكِ الموت، وتُرْوى قِصَّة رَمْزِيَّة وهي أنَّ سليمان الحكيم كان عنده إنسان، وكان عندهُ ملَكُ الموت، فصار ملكُ الموت يُحدِّقُ في هذا الإنسان فسأل هذا الإنسان سليمان ؛ مَن هذا الذي يُحدِّق فيَّ ؟ فقال: ملَكُ الموت فانْخَلَع، وطلبَ منه أن يُرْسِلَهُ إلى أقْصى الدُّنيا على بِساطٍ الريح ! فَنُقِلَ إلى الهِنْد، بعد يومين ماتَ هناك، فسُليمان الحكيم سأل ملك الموت: لماذا كُنْتَ تُحِدُّ في البصَر ؟ فقال له: عَجِبْتُ له أنا كان معي أمْر قبْض روحِهِ بالهِند فما الذي جاء بِهِ هناك ؟! فكلُّ مَخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت، الليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفَجر، والعمر مهما طال فلا بدّ مِن نزول القبر. قالوا: أنَّه بِقديم الزَّمان كان هناك ملِك جبَّار وبطَّاش، غضِبَ على أحد رعاياه، وكان يعْملُ نجَّارًا، فطالبَهُ بمائة كيس نجارة، فأدْرَكَ النَّجار أنَّه قاتِلُه، لأنَّ الطَّلَب مستحيل، فودَّع أهله، وكتَب وصِيَّتَهُ، ومع الفجْر طُرِق الباب، فقبَّل أهْلهُ وذهب لِيُقْتَل، فإذا الخَبَر أنَّ المَلِك هو الذي مات ! قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأحقاف] فَسُبحان مَن قهَر عبادهُ بالموت ! فلا بدّ من الموت، فهذا معنى. المعنى الثاني، لا يستطيع المؤمن لإنسان مهما كان قوِيًّا أن يتفلَّتَ مِن عِقاب الله، كنتُ عندَ طبيب، وجاءَهُ اتِّصال هاتفي من طبيب، فالذي سَمِعتُهُ، وكنتُ قريبًا من الهاتف، قال له: أيّ مكان بالعالم، وأيّ مبلَغ نحن جاهزون له ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! فالسَّرَطان في الدَّرجة الخامسة، فالمرض يأتي أحيانًا في أوج نشاط الإنسان. أيها الإخوة، كلمة قاسي هي كلمة توصف بها المواد التي تُقاوِم قِوى الضَّغط، فأقسى عنصر في الأرض هو الألْماس، وعندنا قِوَى الشَّدّ فالله تعالى: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(183)﴾ [سورة الأعراف] فما معنى متين ؟ أمْتَنُ شيءٍ الحِبال الفولاذِيَّة فالتِّيليفريك يُحمل بها، أما أقسى شيءٍ هي الألماس، فالإنسان مهما كان قَويًّا، ومهما كان جبَّارًا، ومهما كان ذَكِيًّا، ومهما كان مُتَمَكِّنًا فالحَبْل متين لا ينْقَطِع، وبِلَحظة واحِدَة يأتي في قبْضَةِ الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [سوة الأحقاف] الإنسان في الدنيا له جماعة، وأنصار وأقْرباء وأعوان، وقد يقع الإنسان بِوَرْطة فيتَّصِل بفلان وفلان، أما في الآخرة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾ [سورة الأنعام] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والثلاثون والتي بعدها من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)﴾ [سورة الأحقاف] أيها الإخوة، النَّفسُ البشَرِيَّة مُصَمَّمة، ومَفْطورة، ومَجبولةٌ مِن أجل أن تؤْمِنَ بالله، وأن ترْكَنَ إليه، وتنْطَوِيَ تحت ظِلِّه، لذلك معرفة الحق معْرفةٌ تَتِمُّ بالفِطرة، وأطْرحُ عليكم هذه الحقيقة، أسْهَلُ معرفة في الأرض لا تحتاج إلى دليل، ولا إلى وثيقة، ولا تريُّث ؛ هي أن تعْرف ابْنَكَ أيس كذلك ؟ فالأب لا يتردَّد في معرفة ابنِهِ، ماذا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)﴾ [سورة البقرة] يعرفون رسول الله كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كفروا به، لماذا كفروا به ؟ بغْيًا، وحسَدًا واسْتِكبارًا، وحِفاظًا على مكاسِبِهم، وعلى مكانتهم، وعلى ثرواتِهِم، وعلى شأنِهِم ، وعلى وجاهَتِهِم، فالأصْل أن تؤمن، والإيمان يتِمُّ بالفِطرة، فكما لا تتردَّدُ في معرفة ابْنِك، فالمُشكلة يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى﴾ [سورة الأحقاف] كلّ أنواع الإنكار والجُحود في الدُّنيا غير مَعقولة، وغير طبيعِيَّة، وغير فِطْرِيَّة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23)انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنعام] فالحق قديم، وبالمناسبة الإنسان لا ترْكَنُ نفْسُهُ ولا يسْتَقِرّ ولا يتوازَن إلا إذا أطاعَ الله تعالى، وإلا فالزَّمَنُ يُسَبِّبُ له قلقًا، ماذا يخبئ المستقبل ؟ هناك أمراض، ومُشكلات، ودَمار ثرْوَة أحيانًا، ومتاعِب، أما المؤمن فيقْرأُ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [ سورة التوبة ] فالله تعالى قال: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)﴾ [ سورة الأحقاف ] هذه الدنيا أساسُها الصَّبْر، وقد فسَّر بعضهم قَوْل النبي صلى الله عليه وسلَّم أنَّ الإيمان الصَّبْر والسَّماحة فالشَّجاعة صَبْر والإنفاق صَبْر، والصَّلَوات صَبر، والزَّكاة صَبر، وغضّ البصَر صبر، وأن تكتفي بِزَوْجَتِكَ صَبْر، وأن تتحرَّى الحلال صَبْر ، وأن تُربِّيَ أولادك صَبْر، فلو ذَهَبْتَ إلى التَّكاليف الإسلاميَّة لَوَجَدْتها مَبْنِيَّةً على الصَّبْر، لأنَّ كلمة تَكليف تعني أنَّها ذاتُ كُلْفَة، وهو فِعْلُ الشيء خِلاف الطَّبْع، فهذا الجسَد يميلُ إلى النَّظَر، والتَّكليف أن لا تنْظُر، واللِّسان يميل إلى التَّكَلُّم في أعراض الناس، والتَّكليف أن تسْكُت، وهذه اليد تميل أن تلْمسَ الشيء المُحَرَّم، والتَّكليف أن تبْتَعِد، فَكُلّ شيءٍ مُصَمَّم أن تفْعَل خِلافَهُ، فالتَّكليف يتناقض مع الطَّبْع، والطَّبع مُرتبِط بالجسَد فالإنسان بعد أن يصْبِر ترْتاحُ نفْسُهُ، وسيِّدنا يوسف حينما قال: معاذ الله وصبَرَ، وبعض العلماء عدَّ اثْنَي عشرة بنتًا تَدعوهُ، فلمَّا صبر توافَقَ مع فِطْرَتِهِ فارْتاحَتْ نفْسُهُ، فالقضِيَّة دقيقة جدًّا، فالتَّكاليف كلُّها تتناقض مع الطَّبع، فالواحد قد ينام الساعة الثانية صباحًا، والفجْر الساعة الرابِعَة وفي أيام الشِّتاء، والبرْد، فكيف يسْتَيقِظ ؟ فالاسْتِيقاظ يتنافى مع الطَّبْع، ولكن بعد أن يُصَلِّي، ويتجلَّى الله على قلْبِهِ، ويشْعُر أنَّهُ أدَّى واجِبَهُ الدِّيني يرْتاح وينام ويسْتَيقِظ الساعة التاسِعَة بِراحة كبيرة جدًّا، فهذه الراحة هي راحة الفطرة، وراحة تأدِيَة عبادة الله تعالى، فالحياة كلّها صَبر، وخِلاف الصَّبْر أن تسْتَرْسِل مع الغرائِز والمُيول والشَّهوات، وجهنَّم كلُّها سَهْوة واحِدَة، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ عمل الجنَّة حزن بِرَبْوَة، وإنّ عمل النار سَهل بِسَهوة فالاسْتِرخاء وإطلاق البصر واللِّسان، وأكْل المال الحرام، وتتفلَّت كالدابة، أما المؤمن مُنْضَبِط بِمَنهَج، وعنده اِفْعَل أو لا تفْعَل، وهناك حلال، وحرام، ويجوز، ولا يجوز، وحق وباطل، فالمنْهَج الدِّيني أُعيدُ وأقول يتناقض مع الطب من أجل أن ترقى إلى الله و يتوافق مع الفطرة من أجل أن تسعد به، لذلك قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾ [ سورة الروم ] السيارة المُصمَّمة للطريق المُعبَّد لا تجد فيها صوتاً، و لو انك ركبتَها في طريق وعِرٍ تنزعج جدًّا، لأن هذه المركبة مصمَّمة لغير هذا الطريق، و لما يسلك الإنسان طريق الحق، فيصلِّي الصلواتِ الخمس و يحرِّر دخله من الحرام و يغضُّ بصره عن محارم الله و يجعل بيتَه إسلاميًّا و عملَه إسلاميًّا يشعر أن اللهَ يحبُّه، و اللهُ قويٌّ و بيده كلُّ شيء و غنيٌّ وقويٌّ تطمئِن نفسُه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)﴾ [ سورة الرعد ] لذلك الإيمان هو الصبرُ، و الشجاعة صبرٌ و كظمُ الغيظ صبرٌ و أداء العبادات صبرٌ، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [سورة الأحقاف] واحد يركب مركبةً و نازل في طريق حاد الانخفاض ينتهي بمُنعطفٍ تسعين درجة و السرعةُ كبيرةٌ جدًّا و ليس معه مِكبحٌ و لا يعرف، فهو مبسوط، و لكن حينما يعلم سوف يُولوِل، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [سورة الأحقاف] نحن الآن كلُّنا لنا أعمارٌ، فكيف مضتْ الأربعون و الخمسون و الستُّون، كلمح البصر، إذا الستُّون مضت كلمح البصر، فكيف تمضي هذه الأخرى ؟ الإنسان دائما يسأل سؤالا حرِجا، كم بقيَ لي من عمُر؟ و أعقلُ إنسان من يضع الموتَ بين يديه و يستعد له بالتوبة والعمل الصالح و خدمة الناس والدعوة إلى اللله و نشر الحق و تربية الأولاد، قال تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [سورة الأحقاف] البارحة جاء رمضان و اليوم هو العاشر، و بعد حين عشرين و بعدها ثلاثين و بعدها العيد، ثم بعد ساعة يأتي الأضحى، و يمرُّ العقدُ الأول و الإنسان يمشي بقطار و في آخر المحطَّة لا بدَّ من أن ينزل فيها، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [سورة الأحقاف] الدنيا ساعة اجعلْها طاعةً، و الحقيقة أن الإنسان لما يواجه الموتَ تُعرَض عليه حياتُه في ثوانٍ كشريط، فهنيئًا لمن لمضى حياته في طاعة الله و في عمل الخير، و الويلُ لمَن أمضاها في المعاصي و الآثام و الدليل لو أن الإنسان آلمه سِنُّه ألما لا يُحتمَل، كم حضر من الولائم في حياته و كم أكلٍ طيِّبٍ ذاقها في هذا السنِّ ؟ لِيذكرْ هذه الطعوم الطيّبة هل يذهب ألمُه الآن، الآن الألم هو الواقع، و الماضي مضى، لذلك الكافر حينما يرى مكانه في النار يقول: لم أرَ خيرا قط، كان يسكن في أجمل بيت و ركب أجملَ سيارة، و كلُّ يوم له عزيمة مكانة ووجاهة، كلّ هذه الطيِّبات نسيَها أمام مصيره الحتمي، و المؤمن يرى مقامه في الجنة فيقول: لم أرَ شرًّا قط. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ، الآية العشرون من سورة الأحقاف ، وهي قوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] جزء من عقيدة المؤمن أن يعرف حقيقة الحياة الدنيا ، وأنَّها دار عمل وليسَت دار أمَل ، ودار تكليف وليْسَت دار تشريف ، فالذي يفْهم أن الحياة الدُّنيا دار اسْتِمتاع وتقلّب في النّعيم ، وطعام وشراب ، وسهرات ، ومُتَاع فحاله يكون كما وصف الله في هذه الآية . ورَدَ في بعض الأحاديث : إيَّاك عبد اله والتَّنَعُّم فإنَّ عباد الله ليْسُوا بالمتنعِّمين ! الإنسان قد يتنعَّم ، أما أن يجْعل التَّنَعُّم هدفه ، يعمل من أجله ؛ طعام وشراب واستمتاع ، فالأُناس الطَّيِبُّون غارقون في المباحات والمباحات شَغَلتهم عن الطاعات ، فالعُصاة موضوعهم آخر ، وهم خارج الحِساب ، فهذا الذي جَعَل همُّه مُتَعَ الحياة الدُّنيا والانْغِماس فيها ؛ موقفُهُ يوم القيامة ، كما قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] طبعًا كلمة الكُفْر واسِعَة جدًّا ، تضيق لِتَعني الخروج مِن مِلَّة الإسلام ، وتتَّسِع كما قال الله عز وجل : ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 54 ] فهؤلاء يُصَلُّون ويُنْفِقون ، وقد وُصِفُوا عند الله تعالى بالكُفْر . هناك كفء يُخْرج مِن مِلَّة ؛ كأن تُكَذِّب بالوحي ، وبالقرآن ، وتُنْكِر فرْضِيَّة الصلاة والصِّيم والحج ، وذا هو الكُفر الأكبر ، أما حينما لا تعبأ بِقَوله تعالى : ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 221 ] تُزوِّج ابنتَك لإنسانٍ غَنِيٍّ دون أن تعبأ بِدِينِهِ ، فأنت بِهذا كأنَّك كذَّبْت هذه الآية ، وهذا نوعٌ مِن الكُفْر ، وحينما يقول الله عز وجل : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 276 ] فليمْتَنِعُ عن التَّصَدُّق ويُنَمِّي مالهُ بِطَريقٍ ربَوِي هو كافِرٌ بِهذه الآية بالذَّات فهناك كُفْر يشْمَل الدِّين كلَّه ، ويشْمَل الوَحي كلَّه والكتب السماوِيَّة ، والأنبياء وهناك كُفر جُزئي ، فحينما يقول الله عز وجل ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور الآية : 30 ] فإذا قال الواحِد أين أضَعُ عَيناي ؟!! فهل الآية غلَط ؟ ألم يقل الله عز وجل : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 286 ] فالكُفْر يضيق لِيشْمل تَكذيب الدِّين والوحي ، والقرآن ، وإنكار الفروض ، ويتَّسِعُ الكُفْر لِيَشْمَل كُلّ مَن يتحرَّك حركةً خِلاف منهج الله ؛ لأنَّه ليس قانِعًا بها ، أما إن كان مُقصِّرًا فهذا اسمُهُ فُسْق ، فالإنسان حينما يُغلبُ أمرُهُ يُسَمَّى فاسِقًا ، أما حينما يُنكِر يُسمَّى كافر ، رجلان لا يُصَلِّيان ، فالذي يقول : والله أنا مُقصِّر ؛ هذا فاسق أما الذي يقول : ما فائدة الصلاة ؟! فهذا كافر ، فالذي يُنْكِرُ فرْضِيَتها كافر أما الذي يدَّعي أنَّهُ مُقصِّر فهذا فاسِق ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] يُرْوَى أنَّ سيِّدنا عمر أمْسَكَ تُفاحةً شَهِيَّة فقال : أكلتها ذَهَبت ، أطْعَمْتُها بَقِيَتْ ! سيِّدُنا النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يُوزِّعُ شاةً ، قالت له عائشة رضي الله عنها : لم يبْقَ إلى كَتِفُها ! فقال عليه الصلاة والسلام : بل بقِيَتْ كلُّها إلا كتفها !! ليس لكَ مِن مالِكَ إلا ما أكَلتَ فأفْنَيْتَ ، أو لبِسْتَ فأبْليْت ، أو تصدَّقْتَ فأبْقَيت ، فالمال جزءان ؛ قسم لك ، وقِسم ليس لك ، فالذي لك يُسَمَّى رِزْق والذي ليس لك يُسمَّى كَسْب ، فالرِّزْق ما انْتَفعْتَ به ، والكسب ما لم تنتفع به ، فالرِّزق ما انْتفعْتَ به وسَتُحاسَبُ عليه ، والكَسْب ما لم تنتفِع به وسَتُحاسَبُ عليه ! تصوَّر إنسانًا اقْتَرض مليون ليرة ، سُرِقتْ منه في الطريق ، فهذا الشَّخص سيُؤدِّي هذا المَبلَغ مع أنَّه لم ينْتفِع به ، فالرِّزْق ما انْتَفَعتَ به ، والكَسْب ما لم تنتفِع به . الآن الذي تنتفِعُ به ثلاثة أقْسام ؛ قِسمٌ هلَكَ كالطَّعام والشَّراب ، وقِسم بقِيَ وبلِيَ كالثِّياب ، فهؤلاء الذين كفروا يُقال لهم القيامة : ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] لذلك أيُّها الإخوة ، الإنسان الذي بلا رسالة ، ولا هَدَف ، ولا قيمة يسعى لها ، ولا درجة ولا مرْضاة يسْعى لِحُصولها هو إنسان شارِد وتائِه ! ما الذي يُعرِّفُكَ بِمَوْقِعِك من الدِّين ؟ دُروس العِلم ، وكنتُ أقول لكم دائِمًا ؛ متى تُعالِجُ نَفْسَكَ مِن الضَّغط المرْتَفِع ؟ إذا عرِفْتَ أنَّهُ معَكَ ضَغطٌ مرْتَفِع ، فلا بُدَّ مِن أن تقيسَ ضَغْطك مِن حينٍ لآخر عند الطَّبيب ، والمؤمن الصادِق لا بُدَّ من أن يحْضُر مَجلسَ العِلْم كي يعْرِف موقِعَهُ من الدِّين ؛ هل هو مع المُقْتَصِدين أم السابقين أم المُقصِّرين؟ وهل هو واقِعٌ في الشِّرْك الخَفِيّ أو الشِّرْك الجليّ ؟ وهل هو واقِع في الكُفْر ؟ فلا بدَّ مِن معرفة ذلك ، يقول تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] قال تعالى : ﴿ فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] الحقيقة أنَّ الإنسان أحيانًا يسْتكبر بِغَير الحق ، قال تعالى : ﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 26 ] سَمْعُكَ تمْلِكُهُ ، وبصرك تمْلِكُهُ ، وعَقلَكَ تمْلِكُهُ ، وحركتكَ تمْلِكُهُ فالذي يسْتكبر بِغَير الحق ، ويقول : أنا ! فهذا لا شيء ، نقطة دم في دِماغِهِ تَجْعلُهُ مَشْلولاً ، وأقْربُ الناس إليه يتمنَّى موْتَهُ ، فإمَّا أن يُسْمِعَهُ الدُّعاء ويقول له : خفَّف اله عنك ! وإمَّا أن يدعوَهُ سِرّا ، فأقرب الناس إليك ؛ زوْجتُكَ وأهْلُكَ والإنسان وهو في الفراش خِدْمتُهُ صَعْبة جدًّا ، لذا أنت لا تمْلك شيئًا ، لا حركتك ولا قوَّتَك ولا سمْعَكَ ، وهل تمْلِكُ أولادك وأهلَكَ ؟ أنت لا تمْلِكُ شيئًا ، فالذي يسْتَكبر فهذا اسْتِكبار بِغير الحق ، وكلّ إنسان يقول : أنا يدَّعِي ما ليس له ، وكلّ ذَنْب له عِقاب يُناسِبُهُ ، فالكِبر عذابُهُ الهون ونحن عندنا عذاب أليم ، وعذاب عظيم ، وعذاب مُهين ، فالمستكبر عذابه الهون قال تعالى : ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] تجد كلمات يقولها الناس هي كبيرة جدًّا ، وتقتضي لَيُقصَموا ، قال تعالى ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ [ سورة البروج الآية : 12 ] لذا على الإنسان أن يَعُدَّ للمليون قبل أن يقول كلمة أكبر مِن حجْمِهِ ، فالله عز وجل يهْدِمُ أشياء كبيرة جدًّا ، ولذا قال : عرفْتُ اله مِن نقْض العزائِم . وهناك اسْتِكبار ، وهناك فِسق ، إلا أنَّني أُبلِّغُكم أنَّ معْصِيَةً سببُها الغلبَة شيء ، ومعْصِيَة سببها العِناد والاسْتِكبار شيء آخر ، فإبليس ما هو الذي أسْخَطَ عليه ؟ قال : أنا خير منه ! ولك أكن لأسْجُدَ لِبشَر خلقتَهُ مِن طين فَمَعْصِيَتُهُ معْصِيَةُ اسْتِكبار ، أما سيِّدنا آدم قال تعالى عنه : ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [ سورة طه الآية : 115 ] ففرْقٌ بين معْصِيَة آدَم ، ومعْصِيَة إبليس ، فإبليس عصى اسْتِكبارًا ، وآدَمَ عصى غلبَةً ؛ نسِيَ ، والذي يقَع في ذَنب بِدافِعِ الغلبة توْبتُهُ سَهلة جدًّا ، فالعبد لمَّا يقول : يا رب : أنا أخطأتُ ، يقول الله : وأنا يا عبْدي قبِلْتُ ، ويا رب قد تُبْتُ إليك ، والله يقول ، وأنا ق تُبْتُ على عبْدي ، أما الذُّنوب التي أساسها الاسْتِكبار فَتَوْبَتُها صَعبة جدًّا ، وعليه فَكُلّ إنسان يقْلبُ الموازين ، ويَجْعل الحياة الدُّنيا دار اسْتِمتاع ، ودار لَهو ، ونعيم ، ودار سُرور ، وحفلات ، وأماكن جميلة ، هذا الإنسان جَهِلَ حقيقة الحياة الدُّنيا ، فالطالب الذي بِقاعة التَّدريس معه راديو يسمع الأخبار ، ومجلاَّت ، ومكسَّرات يأكلها ، فهل يليق هذا بِطالب ؟! هذا المكان مكان دِراسة ، وليس مكان اسْتِمتاع ، أما إذا ذهَب الإنسان إلى نزهة ، وأخذ معه ما أخذ ، فهذا له ذلك ، فالنُّزْهة شيء ، والدِّراسة شيءٌ آخر ، فلمَّا يجعل الإنسان الدُّنيا دار نعيم ، فقد أدْخَل سيّدنا عمر أحد الشّعراء السِّجن ؛ لأنَّه قال بيتًا بِحَق أحد رؤساء القبائل اسمه الزَّبرَقان ، وعدَّتْهُ العرَب أهْجى بيتٍ قالهُ شاعر ، ماذا قال هذا الشاعر ؛ حُطَيأة ؟ قال : دع المكارم لا ترْحل لِبُغيَتِها واقْعُد فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي هذا البيت الذي قاله هذا الشاعر هو شِعار الناس اليوم ، فما دام دخْله كبير وبيتُه واسِع ، ومُتمتِّع ، فهذا تجدهُ لا يعْبأ بِشيءٍ ، وهذا هو الذي عكَسَ الحياة الدُّنيا ، فهي دار عمل ، وجعلها هو دار أمَل ، وهي دار تكليف وهو جعلها دار تشريف ، فهذا هو الخطأ ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 20 ] آخر مثل لِتَوضيح الحقيقة ، أنَّه لو كان معك مليون ليرة ، ممكن أن تسْتثمرها بِشَركة تعطي بالمائة سبعين ، وبالمائة ثمانين ، فأنت يمكنك بالمليون أن تقوم بِرِحلة إلى اليابان ، وأوربا ، وينتهي المليون فإنفاق المليون هذا هو إنفاق اسْتِهلاكي ، وفيه حُمْق ، أما إنفاق المليون إنفاق اسْتِثماري ، فهذا فيه ذكاء ، وكلّ شيءٍ تمْلكُه في الدنيا ، مِن صِحَّة وفراغ وأمْن ، والزَّوجة والأولاد ، وطلاقة اللِّسان ، والذَّكاء ، هذه كُلُّها مواد أوَّلِيَّة ، وهي رأسُ مالِكَ ؛ فإمَّا أن تسْتَهْلِكَها ، وإمَّا أن تسْتَثْمِرها ، فإذا الإنسان سرَّ ، أدْخل على قلبهِ السُّرور فقد اسْتَهلكها ، أما إذا فكَّر بالكون فأنت يمكن أن تقرأ قِصَّة ، والقصَّة ممْتِعة ، أما لو قرأت الحديث والقرآن والسيرة ارْتقيْتَ عند الله، فالقراءة إمَّا أن تكون اسْتِهلاكِيَّة ، أو اسْتِثْمارِيَّة وكذلك الأمر في الأكل ؛ إمَّا أن تأكل حُبًّا في الأكل ، وإمَّا أن تأكل لِتَتَقوَّى على طاعة الله ، وإما أن تتزوَّج مِن اجل المُتْعة فقط ، وإما من أجل أن تنْجِبَ أولادًا يدعون إلى الله ، فَكُلّ شيءٍ يمكن أن توصِلَهُ بالحق أو بالباطل ، وأخْطَر شيء أن تُنْفِقَ ملَكاتِك ، وقُدْراتِك إنفاقًا استِهلاكيًّا ، فهذا هو الخاسِر ، وأعْقل الناس الذي لا يُضَيِّعُ مِن عُمُرِهِ ثانِيَة واحِدَة يُنفِقها في طاعة الله ، قال عليه الصلاة والسلام : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللّه عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى )) [ رواه البخاري ] فالمؤمن حركاته وسَكَناته أعمال صالحة له . والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. قال تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله .............. أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الأولى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [ سورة محمد الآية : 1 ] أما الذين كفروا فهؤلاء الذين كذبوا الحقَّ وأعرضوا عن الحقِّ، لكنَّ الكفرَ كما قلتُ دائما يتسّع ليشمل انكار آية ، أو انكار حكم من التشريع ، أو انكار موعظة، ويضيق ليشمل انكار أصل الدين وأصل العبادات، فليس كلّ كافر يُشْبهُ كافِرًا آخر، فالإنسان الذي يُصلِّي ويصوم، ويُؤدِّي العبادات ولكنَّهُ يتعامَل بالرّبا، فآية: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [ سورة البقرة الآية : 276 ] لم يعْبأ بها، ولم يُصَدِّق، فهذا واقِع في نوعٍ من الكُفْر، فحينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [ سورة البقرة الآية : 221 ] فحينما يختار الأب الشاب الغَنِيّ الفاسِق على شابِّ مؤمنٍ فقير، هذا نوعٌ مِن الكُفْر، ولكنَّه بِالمعنى المُوَسَّع، وبالمعنى ضَّيِّق أن تُنْكِر أصْل الدِّين ، وأن تُنْكِر أنَّ هذا القرآن كلام الله وأن تُنْكِرَ نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تُنْكِر العبادات، ولا تعْبأ بها، فهذا الذي قال: لو أنَّ محمَّدًا صادِق فيما يقول لَكُنَّا شرًّا مِن الحُمُر ! قال عنه الله في القرآن الكريم: ﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [ سورة التوبة الآية : 74 ] حتَّى إنّ بعض العلماء يقول: مَن أمْسَكَ المُصْحَف، وألْقاهُ إهانةً فقد كفَر فنحن عندنا كُفر اعْتِقادي، وهم أن تَعْتَقِدَ أنَّ مع الله إلهًا آخر، أو أن تَعْتَقِد أنَّ الله ليس إلهًا، وأنَّ آلِهَة الأرض فلان وفلان ! وأنَّ القرار بِيَدِهِم، ولهم أن يرفعوا ويخفضوا، فهذا هو الكُفر، فالإنسان حينما يُنْكِر أصْل الدِّين وأصْل الوَحي والقرآن، والأمر والنَّهي، فهذا كافر بالمعنى الضَّيِّق، وهذا خالدٌ مُخلّدٌ في النار، أما حينما لا تفْعَلُ أمرًا لا غلبَةً بل إنكاراً، فلو أنّ شَخصان من الناس عصيا الله، أحدهم يعْصيهِ غلبَةً، والآخر يعْصيهِ اسْتِكبارًا، ويقول لك: هذا الأمر غير منطِقي، وغير معقول، وأين أذْهَبُ بِعُيوني، أنكر آية غضِّ البصَر، فَفَرْقٌ كبير بين مَعْصِيَة الغَلَبَة، ومعْصِيَة الكِبْر، فإبليس عصى ربَّهُ فلم يسْجُد اسْتِكبارًا، أما آدم، فالله تعالى قال عنه: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [ سورة طه الآية : 115 ] ففَرْقٌ كبير بين أن تعْصي الله مَغْلوبًا، وبين أن تَعْصِيَهُ اسْتِكبارًاوعِنَادًا ، وعلى كلٍكُلِّ أنواع الكُفْر الواسِعُ منها والضَّيِّق، والكُفْر بالأصول والفروع ، وكُفْر الاعْتِقاد والسُّلوك، وسواء كفر الاعْتِقاد، أو كُفْر السُّلوك، أو كُفْر الأقوال، فالإنسان الساكت لا يتكلَّم أيَّ كلمة، إلا أنَّهُ يعْلمُ عِلْمَ اليقين أنَّ الذي يُعْطي ويَمْنَعُ هو زَيْد، فهذا كافر وأنَّ هذا الإنسان القَوِيّ إذا رضِيَ عن إنسانٍ أعْطاهُ كلّ شيء، ومن غضِبَ عليه حرَمَهُ كلّ شيء، فهذا كافر، وعبَدَ إلهًا آخر من دون الله وربُّنا عز وجل يقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [ سورة الزخرف الآية : 84 ] أنْكرَ أنَّ الله عز وجل بِيَدِهِ كُل شيء، فحينما تُنْكِرُ أنَّ الأمر بيَدِ الله، بِكُلّ أحداث الكَون، بالزَّلازِل والبراكين، وبالاجْتِياحات، وكلّ شيءٍ تَسْمَعُهُ أُذُنُك إذا أنْكرْتَهُ أنَّهُ مِن فِعْل الله فهذا نوعٌ من الكُفْر، وسواءٌ كان بِمَعناه الواسِع أو الضَّيِّق وسواءٌ أكان الكُفْر بالأُصول أو الفروع، وسواء أَكان الكُفْر كُفْر اعتِقاد أم أقوال أو كُفْر أفعال، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [ سورة محمد الآية : 1 ] هنا محطُّ شاهِد، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [ سورة الفرقان الآية : 23 ] لا بدّ مِن أن يرْتَكِب الحماقة، ولا بدّ مِن أن يرْتَكِبَ عملاً يحْتَرق عليه، ومع الله لا يوجد ذَكِي أبدًا، وإذا أراد الله إنْفاذ أمْرٍ أخَذَ من كلّ ذي لُبٍّ لبَّه، وهذا يَجري كلّ يوم، إنسان في أعلى درجات الذَّكاء، ولكنَّه بعيد عن الله ؛ يرْتَكِب حماقات لأتْفَهِ الأسباب، يُطَلِّق زوْجته لأتْفَهِ الأسباب ومعها خمسة أسباب، ويتكلَّم كلمة غير مَعقولة فيَخْسِرُ منْصِبَه، أما إذا كنتَ مع الله فأنت مُسَدَّد رشيد، ومعك مِن الله تعالى حافِظ، ومُلْهَم، ومُوَفَّق، ومَنْصور، ويَهديك إلى سواء السَّبيل، ويُلْهِمُكَ الخَير، ويُلْهمُك الحِكمة في الأقوال والأفعال، وأن تكون أبًا ناجحًا، وزوْجًا ناجحًا، وتاجرًا ناجحًا، ومُوظَّفًا ناجحًا، وطبيبًا ناجحًا، ومُحامِيًا ناجحًا . بالمناسبة الإنسان مُخَيَّر، ومع أنَّه مُخيَّر مُسيَّر، حينما يَختار الكُفْر الآن يُسَيَّر لِدَفْع ثَمَن الكُفْر والحماقات، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [ سورة محمد الآية : 1 ] معنى أضَلَّ أعمالهم ؛ إمَّا أنَّ عملهم يسْقُط أو أنَّ عملهم يوم القيامة لا يجِدونه شيئًا يقول يا رب، تعلَّمتُ العِلم، فيُقال له: تعلَّمْتَ العِلْم لِيُقال عنك عالم ؛ خُذوه إلى النار ! وقد قيل !! فإمَّا أنَّ عملهُ يسْقُط لأنَّه عمله للدُّنيا، ولِمَكاسِب أرْضِيَّة، أو أنَّ عملَهُ أصْلاً يُصْبِحُ تافِهًا حقيرًا، والله عز وجل قال: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [ سورة الفرقان الآية : 23 ] فهذا الذي اختَرَع هذا الجِهاز الذي ترى به كلَّ الدنيا وأنت في بلَدِك تنطَبق عليه هذه الآية، وكذا الذي اخْترَع الدِّيناميك، فلِذلك العمَل إن كان من كافر قد يكون له بُهْرُج، هناك أناسٌ أشادوا أبنِيَة كبيرة جدًّا، وجعلوا فيها برامج مُهْلِكة للشَّباب، قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [ سورة محمد الآية : 1 ] فالإنسان لا بدَّ أن يعلَم نوعَ عَمَلِهِ في الدُّنيا ؛ بنائي أم تَخْريبي ؟ هناك مَن عَمَلُهُ تَخريبي، يخَرِّب الأخلاق والدِّين، أحيانًا كاتب قِصَّة يكتُب قِصَّة مِن أجل أن يُثير شَهوة الشباب فهذا الكاتب دمَّر أخلاق الشَّباب بِكِتابِهِ، وبدَلَ أن يُعطيهم القِيَم والبطولات أعطاهم الخراب، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [ سورة الفرقان الآية : 23 ] فأنت عليك أن تُراقِبَ عَمَلَكَ ؛ هل هو بنائي أو تَخريبي ؟ إصلاحٌ أم إفساد ؟ وأنت كَتَاجِر ؛ ماذا تبيع ؟اخْتار مِهنة شريفة، ومِهْنة عطاء، فَهُناك أعمال أساسها تحطيم البيوت، فلِذلك إن أرَدْتَ أن تعرف مقامَك فانْظر فيما اسْتَعملَك أذكُر أنَّني كنتُ مرَّةً في حَفل افْتِتاح مسْجِد فجلسَ لِجانبي مدير أوقاف الرِّيف فقلتُ له: اُشْكر الله، على تيسيره لك افتِتَاح هذا المسْجِد، فالبارحة افْتَتَح أحدهم مَلْهى !قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [ سورة محمد الآية : 1 ] المعنى المُخالف أنَّ الذين آمنوا ودَعَوا إلى الله سدَّدَ الله خُطاهم، ووفَّقَهم، والإنسان يضَعُ اللُّقْمة في يَدِ الفقير يراها يوم القيامة كَجَبل أُحُد ؛ هذا أنشأ معْهَد، وذاك مسْجِد، وهذا دعا إلى الله، وأعمال البرّ لا تنتهي، فهناك آلاف الأعمال الصالحة التي رْقى بها إلى الله، وقُلْ لي ما تعلم أقُل لك مَن أنت ؟ والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] أيها الإخوة الكرام، لعلَّلي لا أُبالِغ إن قلتُ: أنَّهُ مِن أعْظم النِّعَم صلاح البال، وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾ [ سورة محمد ] رفَعَ صلاحَ البال إلى مُستوى الهُدَى، وصدِّقوني أنَّ صَلاح البال نِعمةٌ يَخْتصُّ بها المؤمن، لأنَّ الله يُعطي الصِّحة والذَّكاء والجمال للكثيرين مِن خِلْقِهِ ولكنَّهُ يُعطي السَّكينة والطُّمأنينة لأصْفِيائِهِ المؤمنين، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾ [ سورة قريش ] وقال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾ [ سورة الأنعام ] لو أنَّ الله قال: أولئك الأمْنُ لهم، لكان الأمن لهم ولغيرهم أما حينما نقول: لهم الأمْن، فالأمْن لهم وَحْدهم، وهذه نِعمةٌ يَختصُّ بها المؤمن، وأسباب هذه النِّعْمة أنَّهُ مُوَحّد ؛ لأنَّهُ يرى أنَّ الأمْر كلَّهُ بيَدِ الله والله سبحانه وتعالى أسماؤُهُ حُسنى، وصِفاتُهُ فُضْلى، والله غنِيّ قَوِيّ رحيم وعادِل رؤوف، والأفعال كلُّها أفْعاله، والأمْرُ كُلُّه له عائِد، فلو أنَّ شَخْصا ما كان بِدَائِرَة حُكومِيَّة، وكان هناك نِظام صارِم، وكان المدير العام هو أبوهُ، فهل يقْلق ؟ أو يتحرَّج ؟ فالله عز وجل يُحاسِب أدَقَّ الحِساب، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾ [ سورة الحجر ] يُحاسِبُ على الكلمة، وعلى الخُطْوَة، وعلى النَّظْرة، ولكن بالعَدْل، فالله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] إن أرَدْتَ صلاحَ البال، وهو مِن أعظم النِّعَم، عليك أن تُؤْمِن، وعليك أن تعْمَل صالحًا، فالكُلّ يدَّعي أنَّه مؤمن، هل بإمكان الناس ادِّعاء الدُّكتوراه ؟؟! دون أن يقرأ أو يكتُب أو يلْتَحِ بِمَدْرسة ! فالإيمان درجة عِلْمِيَّة، ودرجة أخلاقِيَّة، وجمالِيَّة، يُقال له: متى آمنْتَ ؟ هل حضَرْتَ مجالِسَ العِلْم ؟ وهل قرأْتَ القرآن ؟ هل قرأْتَ السنَّة والفقْه ؟ وهل قرأتَ السيرة ؟ هل الْتَزَمْتَ جماعة ؟ وهل بذَلْتَ مِن مالِكَ ؟ مِن الصَّباح وحتَّى المساء، وهو في العَمَل، وبالجمعة يذْهب للسيران ! ثمَّ يقول لك: أنا مؤمن، وأحْسَنُ مِنك !! هل يوجَد إنسان يسْتيقِظ فإذا هو دُكتور ؟ وهل يوجد مَن هو غارق بِشَهواتِهِ ويصْبِح أكْبر تاجِر ؟ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] سيِّدُنا سَعد بن أبي وقَّاص يقول: ثلاثةٌ أن فيهِنَّ رجل، وفيما سِوى ذلك فأنا واحِدٌ مِن الناس ما صَلَّيْتُ صلاةً وشُغِلَتْ نفسي حتَّى أقْضِيَها، ولا سِرْتُ في جنازة فحدَّثْتُ نفسي بِغَير ما أقول حتَّى أنْصَرِف منها، ولا سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينْطِق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحَى، فأيُّ حديثٍ قالهُ النبي صلى الله عليه وسلّم يجب أن تعْلَمَ أنَّه من الله، فالله تعالى أوحاهُ له مَتْلُوًّا، وأوْحى له السنَّة وحيًا غير مَتْلُوًّ، فكَلامُهُ حقّ، سألَهُ أحدُ أصْحابِهِ: أنَكْتُبُ عنك، وأنت غضْبان ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيَده، لا ينطِق هذا اللِّسان إلا بالحق ! قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] الهُدَى واحِد، ولا يتعدَّد، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾ [ سورة الأنعام ] فَكَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ أن نرْسُمَ بين نُقْطَتين إلا مُستقيمًا واحِدًا، يمْكنُ أن نرْسُمَ ألف خطّ مُنْحَني بين هاتين النُقْطَتين، وألف خطّ مُتَعَرِّج، وألف خطّ منْكَسِر، فالحق واحِد قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾ [ سورة البقرة ] الظلمات جَمْع، والنور مُفْرد، لذا مَعْركةٌ بين حقَّين لا تكون في الأرض، ومعركةٌ بين حقٍّ وباطِل لا تَدوم، فلا بدَّ من أن تنتهي، ومعركة بين باطِلين لا تنتهي ! الشيء العجيب ؛ أنَّه مهما يكون الماضي ثَقيلاً كفَّر عنهم سيِّئاتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [ سورة الزمر ] لو بلغَتْ ذنوبُكَ عنان السَّماء ثمَّ جِئتني تائِبًا غفَرْتُها لك، ولا أُبالي، باب التَّوبة مَفتوحٌ على مصارِعِه، إلا أنَّ التوبة مفتوحة قبل أن يأتِيَ مَلَكُ الموت: وليْسَت التوبة حتَّى إذا جاء أحدهم الموت قال إنِّي تبْتُ الآن وبالمناسبة ؛ خِيارُكَ مع الإيمان خِيار وَقت، فرعون وأسْلم قبل أن يموت فإمَّا أن تُؤْمِن في الوقت المناسب، وإلا فما قيمة هذا الإيمان لمَّا يأتي بعد فوات الأوان ؟! بِرَبِّكم، لو أنَّ طالبًا رسَبَ في الشَّهادة الثانَوِيَّة، ثمَّ عاد إلى البيت فقرأ الأسئلة، ثمَّ قدَّم طلبًا إلى الوزارة أنِّي قد عُدْتُ إلى البيت، وقرأتُ الأجْوِبَة، وعرفتُها، لذا يُرْجَى إدْراج اسْمي مع الناجحين ! وكذلك الإيمان بعد فوات الأوان لا قيمة له إطلاقًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] معنى حقّ أنَّهُ ثابت، ألف نَظَرِيَّة نُقِضَتْ، وألف فِكرة ثبَتَ فشَلُها، وألف تَرتيب أصْبَحَ مَدعاةً للسُّخْرِيَة، ولكنَّ الحق ثابِت، وهذا الدِّين يستحيل أن تظْهر نَظَرِيَّة تنقض أسسهُ. قال تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾ [ سورة محمد ] صلاح البال لا يُقدّر بِثَمَن، وهو يخْتصُّ به المؤمن دون غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ [ سورة طه ] قد يسأل السائل: ما بالُ الأغنياء ؟ وما بال المُلوك ؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ [ سورة طه ] فقال العالم الذي سئِلَ هذا السؤال: المعيشة الضَّنك للأغنياء والأقوياء ضيقُ القلب، ولو وُزِّع هذا الضِّيق على أهل بلدٍ لقَتَلَهم ! أيُّها الإخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)﴾ [ سورة محمد ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾ [سورة محمد] نقف قليلاً عند قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾ [سورة محمد] يقول بعض العارفين بالله: في الدُّنيا جنَّة من لم يدْخُلها لم يدخل جنَّة الآخرة ! فمساكين أهل الدُّنيا ؛ جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أجْملَ ما فيها، وهو القُرْبُ من الله عز وجل. الدُّنيا فيها أموال، وفيها نِساء، وفيها بيوت ومزارِع، وسفرٌ وسِياحة وفيها حفلات ولكنَّ أجْمَلَ ما في الدُّنيا كلِّها أن تتَّصِلَ بالله عز وجل، فالله تعالى يُدْخِلُهم الجنَّة عرَّفها لهم يوم القيامة، وأذاقهم نموذَجًا منها، وأذاقَهم طَعْم القُرْب فعرَفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم لذَّة اللِّقاء فعرفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم سِرَّ التَّوفيق الإلهي فكشَفَ لهم عن بصيرتهم، وطَمْأن قلوبهم، فالإنسان في الدُّنيا إذا قال: والله أنا أسْعَدُ الناس، إلا أن يكون أحدهم أتْقى مِنِّي، فالبشَر يتفاوَتون في طاعة الله، وتقواهم له، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾ [سورة الحجرات] أما إنسان بعيد عن الله، ومن الإقبال، والسَّعادة، وقلبهُ جافّ ؛ هذا ما ذاقَ حلاوَة الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: من غضَّ بصره عن محارِم الله أوْرثَهُ الله حلاوةً..." و ذاق حلاوة الإيمان من آمن بالله ربًّا و بالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم نبِّيًّا و رسولا. هناك أحاديث كثيرة تتحدَّث عن حلاوة الإيمان، و أنا وقفتي هنا في قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾ [سورة محمد] في الدنيا، المؤمن القريب من الله سعيد ولو كان بيتُه صغيرا و دخلُه قليلا و صحَّتُه معلولةً، الله عز وجل حينما يفتح رحمتَه ينقلب كلُّ شيء إلى عطاءٍ، قال تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾ [سورة فاطر] إن أمسك الله رحمتَه و آتاك المالَ كان المالُ نقمةً عليك و إن أمسك رحمته و آتاك الأولادَ، الأولاد أعداءُ أولياء الله، و غن أمسك رحمته و آتاك منصبًا رفيعا، هذا المنصب سببُ شقاء، أمَّا إن أعطاك رحمته و حجب عنك المالَ تقلَّبتَ في ألوان النعيم، و لو أعطاك رحمته و حجب عنك الأولادَ كنتَ من أسعد الناس، فمع الحرمان من رحمة الله كلُّ شيء لا معنى له، و مع رحمة الله لو فقدتَ كلَّ شيءٍ لا تتأثَّر إطلاقا، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾ [سورة محمد] قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾ [سورة محمد] عملهم كبير و سوف يلقون جزاءه وافيا، قال تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾ [سورة محمد] وقد ذكرتُ مرةً أن حرف العطف من خصائصه الانسجام بين المعطوفين، لا تستطيع ان تقول: اشتريتُ سيارةً و ملعقةً، لا يجتمعان، تقول بيتا و أرضا، بيتا و سيارةً، ملعقة و شوكة، فالعطفُ يقتضي التناسبَ، فربُّنا عز وجل نعمة صلاح البال رفعها إلى مستوى الهدى، قال تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾ [سورة محمد] صلاح البال من نعم الله على المؤمن لأنه مستسلمٌ و متوكِّل و يعلم أن أمره بيد الله، وأن الله عادل و رحيم و قوي و غني، و كلُّ شيء بيده، استسلامه لله و توكُّله على الله يورثه طمأنينة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ [سورة محمد] هل تظنون أن الله سبحانه و تعالى بحاجة إلى أن تنصروه ؟ هو القوي العزيز، و قد قال عليه الصلاة و السلام: لو أن أولكم و آخركم و إنسكم.. أفجر...أتقى..نفسه " فما معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ [سورة محمد] هو غني عنا و عن نصرنا، المقصود هنا كما قال المفسِّرون: إن تنصروا دين الله ينصركم، إن عظَّمت شعائر الله ينصرك الله، و أنا سمعتُ بعضَ الدول العربية طيَّر قدَّم استقالتَه لأنه لا يطير على طائرة يُوزَّع فيها الخمرُ، فمدراءُ الشركة وازنوا بين خسارة هذا الطيَّار و أن نمنع في رحلاته توزيع الخمر فرجَّحوا أن يمنعوا في رحلاته توزيع الخمر و أن يبقوه طيَّارًا عندهم، و بعد عام صدر قرارٌ بمنع توزيع الخمر على كلِّ الرحلات و على كلِّ الطائرات، هو نصر دين الله فنصره اللهُ، قصص كثيرة، فأنت حينما تنصر دين الله ينصرك الله عز وجل، القصدُ إن تنصروا الله تنصروا دينه، جالس في اجتماع لابدَّ أن نصلي، قمتَ للصلاة و قام معك جمعٌ غفيرٌ، أنت نصرت دين الله، جلست على مائدة فيها خمرٌ، وقفتَ وخرجتَ، أنت حينما تخرج نصرتَ دين الله عز وجل. حدَّثني رجلٌ فقال: أنا سببُ توبتي سائق تكسي، قلت كيف ؟ قال: كنتُ أشرب الخمرَ فاشتريتُ الخمر من مكان ووضعتُه في محفظة ظاهر للناس فلما أشرتُ إلى سيارة التكسي وقفت، فلما لمح ما معي من الخمر وقف و طردني، و لحكمة بالغة بقيتُ ساعات طويلة لم أستطع أن أصل إلى بيتي، تألَّمتُ ألما شديدا، كان هذا السائقُ الذي نصر دين الله سببَ هدايتي، و هناك إنسان يعمل على خطِّ دمشق - بيروت، جاء من بيروت ومعه شابٌ و زوجته ليسافرا معه إلى الشام، قالوا له انتظر لتأتينا محفظةٌ قبل قليل، طال الانتظار حتى جاء رجلٌ عمره سبعين سنة يحمل محفظة على ظهره و قدَّمها إلى الشاب، ما كان من هذا الشاب إلا أن ضربه على رأسه لتأخُّره، ولم ينتبه السائق، ركبوا في السيارة و مشوا عشر كيلومتر فقالت له زوجته: لماذا ضربتَ أباك، فقال السائق: هذا أبوك فوقف و قال له انزِلْ، ببساطة سائق غير متعلِّم شعر أن هذا الراكب الشاب لما ضرب أباه خشي أن يصيبه حادث فأنزله، و هذا نصر دين الله عز وجل، و لو كان كلًُّ واحد منا يكون يقظا حريصا على الدين كان الباطل زهق، أما إذا كان الأمر لا يعنيني، بنت أختك لابسة لباس العُريِ ثم لا تنهاها، و ابن أخيك منحرف الأخلاق و أنت عمُّه و تنفق عليه، فإذا لم ينصر الإنسانُ دين الله لا ينصره الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾ [سورة الحج] فبقدرِ ما تستطيع انصُرْ دين الله عز وجل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)﴾ [سورة محمد] هم أشقياء و أعمالهم تذهب أدراج الرياح، هذا أكبر عقاب، لا نجاح في أعمالهم و لا سعادة في أنفسهم، المؤمن سعيد في نفسه مُسدَّدٌ في عمله، سعادة مع التوفيق، هذا الكافر إخفاق في عمله و شقاء في نفسه. أيها الإخوة الكرام لو أننا عقلنا هذه الآيةَ عقلا صحيحا، قال تعال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ [ سورة طه ] كتعليق على ما يجري الآن، إذا دخل الإنسانُ إلى مسجد فيه درس علم حرام عليه أن يلقي السلام، لأنه تشويشٌ، فأرجو الله تعالى أن نُلهَم أن لا نصلي جماعة بهذا الصوت المرتفع. هؤلاء الذين تعسوا في الدنيا وذاقوا ألوان الشقاء، و هؤلاء الذين حبطتْ أعمالُهم لم يُوفَّقوا إلى أهدافهم، ما سببُ ذلك ؟ قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾ [سورة محمد] المنافق يرى أن الدين عِبئًا عليه، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾ [سورة محمد] كلُّ إنسان يكره أحكام الشرع هو منافق، بينما الصحابة الكرام يفرحون بما أُنزل إليهم، كلما جاء أمرٌ تشريعي يفرحون به، و علامة فرحهم هي علامة إيمانهم، فالمؤمن نفسُه متوافقة مع شرع الله، و المنافق يرى حدود الشرع قيودُا و ليست حدودًا، و الصحيح أنَّك إذا كنت في حقل تمشي و رأيت لوحةً كُتِب عليها: اِنتبِهْ لا تتجاوز حقل الألغام، هل تحقد على من وضع هذه اللوحةَ ؟ أم تشكره ؟ هل هذه اللوحةُ قيدٌ لحرِّيتك أم ضمان لسلامتك ؟ هي ضمانٌ، جاءني رجلٌ أوَّلَ ما خطبتُ في سنة 1974 بعد الخطبة قال لي: علي عندك سؤالٌ، زوجتي تخونني منذ خمس سنوات و أنا لا أدري، البارحة ضبطْتُها بالجرم المشهود و في بيتي، قلت له: مع منْ ؟ قال مع جارنا، قلتُ كيف عرفها ؟ قال: مرة كان في زيارتي قلت لزوجتي: تعالي اجلسي معنا فإنه مثل أخوك، قلت له: لو حضرت مجلس علم و عرفت أمر الله عز وجل و شرعه و حدوده لما وقعتَ فيما وقعت فيه الآن، هذا جزاء جهلك، فالشرع ليس قيودا و لكنه حدود، فلما تفلّت من قيود الشرع خانته زوجتُه، و عنده منها خمسة أولاد أيها الإخوة الكرام، من علامة الفقه أن تشعر أن كلَّ أمر إلهيٍّ وكلَّنيٍ إلهيٍّ و كلَّ أمر نبوي و نهي نبوي من أجل سعادتك و من أجل راحة بالك و من أجل تقدُّمك و من أجل أن تكون من أهل الجنة، فلذلك قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾ [سورة محمد] يكره تطبيق الشرع و يكره أن يكون ملتزما و يرى الحرِّية أريحَ له، فلذلك أيها الإخوة، علامة إيمانك أن تفرح بما أُنزِل على نبيِّك، و أن تفرح بالقيود التي هي حدود. الآية الأخيرة قال تعال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)﴾ [سورة محمد] الدنيا ساعة اجعلها طاعة، في النهاية المنحرف و الكافر سوف يُدمَّر مالُه وسوف يُحبط عمله و سوف يشقى في الدنيا و الآخرة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الحادية عشرة من سورة محمد صلى الله عليه و سلم هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] هذه الآية أيها الإخوة إذا قرأها الإنسان و تعمَّق في فهمها يجد شعورا عجيبا، تصوَّرْ أبًا عالما كريما غنيا حريصا على أولاده يعتني بهم عناية فائقة و يتابع صحَّتهم و يتابع أخلاقهم و علمهم و تحصيلهم و يغذِّيهم أفضل الغذاء و يكسوهم أفضل الكساء، هذا الابن الذي له هذا الأبُ يعيش في شكل صحيح و سلوك قويم و تحصيل عالٍ و رُقِيٍّ كبير، تصوَّر طفلا في الطرقات ليس له أبٌ يتعلم الكلام البذيء و يسقط في حمأة الرذيلة و يتعوَّد على السرقة و يُسجَن و يَوضع في الأحداث، أخلاقه سيِّئة و عباراته بذيئة، هل يُوازن بين طفل هكذا و طفل هكذا ؟ هل توازن بين جوهرة - و قد رأيتها في متحف استنبول ثمنها مائة و أربعون مليون دولار هي مثل البيضة -هل تساوي قطعة الفحم التي ثمنها قرش واحد ؟! هذا الذي له أب يعتني به يطعمه و يكسوه و يؤدِّبه و يعلِّمه و يرقى به إلى أن يكون شخصيةً فذَّة لامعة في المجتمع و بين طفل لا والد له، نشأ يتيما ضائعا شريدا طريدا جائعا مريضا أخلاقُه سافلة و عباراته بذيئة تعوَّد السرقة و أودع السجن. بعد هذه المقدِّمة للآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] المؤمن وليُّه الله يسدِّد خطاه و يؤدِّبه أحيانا و يضيِّق عليه و يجمعه مع أهل الحقِّ و يعتني به و يعاتبه و يثبّته و ينصره و يؤيّده و يرعاه و يحفظه، و هذا الكافر ليس له مولى، من حماقة إلى حماقة و من خطأ إلى خطأ و من حمق إلى حمق و من مأساة إلا مأساة و من مصيبة إلى مصيبة، هذا هو الفرق بين المؤمن و الكافر وهو فرق كبير جدًّا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] فإذا تولَّاك اللهُ بالتربية، ضيّق عليك تارة و أعطاك تارة و حرمك تارة و تجلَّى على قلبك تارة و حجب عنك التجلِّي تارة و ذكَّرك و علَّمك و جمعك مع مَن ينصحك و يسَّر لك الخيرَ و حجبك عن الشرِّ، هذه نعمة كبيرةٌ جدًّا و هي نعمة لا تعدلها نعمةٌ، أن يكون اللهُ مولاك، و أن تكون ضمن التربية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة، المؤمن في العناية المشدّدة و غير المؤمن شارد عن الله يحلو له أن ينحرف فينحرف و يحلو له أن يأخذ ما ليس له فيُعاقَب أشدَّ العقاب، و يحلو له أن يعتديَ على أعراض الناس و تخونه و جنتُه، و بيتُه جحيمٌ و عملُه جحيم و دخله فيه مفاجآت ساحقة، لأنه لو اتَّبع رضوان الله عز وجل لهداه الله إلى سبل السلام. أحيانا هناك آيات معناها بسيط و لكنْ صداها العاطفي كبير، قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] الله يتولَّى المؤمنَ بكلِّ خير، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] لا أحد يعطيهم و لا أحد يرحمهم و لا أحد يهديهم، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدَه عجَّل له العقوبةَ، فإذا أخطأتَ و رأيت بعد الخطأ عقابا فيجب أن تفرح، لأنك ضمن العناية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة. أحد الإخوة من إخواننا له معمل ألبسة، جاءه أخٌ مؤمن يودُّ أن يشتري قطعًا عدَّةً، اعتذر له لأنه يبيع بالجملة و رأى في البيع المُفرقّ إهانة له، قال لي هذا الأخ: لمدَّة ثلاثين يوما لم يدخل إنسان إلى معملي ليشتري شيئا، أدَّبه الله، أحيانا الإنسان يقول كلمةً يأتيه تأديبٌ سريعٌ، فإذا جاء التأديب السريع فهذه رحمة الله، و معنى ذلك أنه مطموع فيك، اسأل الطبيبَ إذا جاءه مريضٌ و هذا المريض معه ورمٌ خبيث منتشر في كل أحشائه و بلغ الدرجة الخامسة و سأله: يا حكيم ماذا آكُل ؟ قال له: كُل ما شئت و اشرب ما شئت، و امشِ ما شئت و اقعدْ و نَمْ، فلماذا الطبيب لا يبالي به ل أنه ميؤوسٌ من شفائه، أمَّا لو كان التهاب المعدة يعطيه قائمة محظورات، البهارات و المواد القاسية، يجب شرب الحليب ة تأكل التفاح فقط، فحيثما تأتي الموانع و القيود و الحدود و السدود معناه يوجد أملٌ للشفاء، أما إذا أُطلِق الإنسان إلى شهواته من دون قيد و شرط فهذه علامة موت قلبه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾ [ سورة الأنعام ] إذًا إذا أحبَّ الله عبدَه عجَّل له بالعقوبة و عاتبه في بنانه و جعل حوائج الناس إليه، يجهد في خدمة الخلق، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ [ سورة محمد ] قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾ [ سورة محمد ] كلام دقيق، يتمتعون و يأكلون، سيدنا عمر رضي الله عنه بلغه أن بعض ولاة البصرة ابتنى دار حسنة واشترى مركبة وطيئة و رفضه نفسه كثيرا فقال له في رسالة: بلغني أنه قد صارت لك هيئةٌ حسنة في مسكنك و مركبك و مطعمك و مشربك ليست لعامة المسلمين، اِحذرْ يا عبد الله أن تكون كالدابة مرَّتْ بوادٍ خصبٍ فجعلت همَّها في السِّمن و في السّمن حتفُها" هؤلاء الذين كفروا المتعة الرخيصة و غير الرخيصة هي ديدنُهم و غلهم هواهم و مصلحتهم مبدأهم و علاقاتهم مبنية على المصالح لا على المبادئ، قال تعالى: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)﴾ [ سورة الفرقان ] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)﴾ [ سورة محمد ] قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾ [ سورة محمد ] إذا كان مع الإنسان ضغطٌ مرتفع وقد علِم أن الملح يرفع الضغطَ فابتعد عنه و إنسان آخر توهَّم أن تناول الملح يخفِّض الضغطَ، مَن هو الناجح ؟ الأول، قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾ [ سورة الكهف ] قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾ [ سورة محمد ] المؤمن على بينة، قال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾ [ سورة هود ] مَن هو المؤمن ؟ إنسان على بيِّنة من الله أُتيح له أن يعرف الحقيقة التي أرادها الله و آتاه الله رحمة و طمأنينة و توفيق و سعادة و رضا، فعُمِّيتْ على الكافرين، ما رأوا رحمته التي ينعم بها قلبُه و ما سمعوا أفكاره التي يؤمن بها و ما اطَّلعوا على أفكاره و لا عاينوا رحمة الله في قلبه، بل نظروا إليه كإنسان له دخل محدود فازْدرَوه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾ [ سورة هود ] فملخَّص هذا الدرس، إن رأيت الله يشدِّد عليك و يتابعك و يحصي عليك أنفاسك و كلماتك و حركاتك و سكناتك، فهذه بشارة طيِّبة جدًّا، و معنى هذه البشارة أنك ضمن العناية الإلهية و أنك ضمن التربية الإلهية و أنك في العناية المشدَّدة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة عشرة من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي وله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾ [ سورة محمد ] في هذه الآية مراكِز ثِقَل ؛ المركز الأوَّل أنَّ الله تعالى قال: فاعْلَم، ولم يَقُل: فَقُلْ، فالشيء الثابتُ في العقيدة الإسلاميَّة أنَّ أيَة عقيدة يَعْـَقِدُها المسلِمُ تقْليدا لا تُقْبَلُ منه، وأنَّ الله عز وجل لو قَبِلَ التَّقليد في العقيدة لكانَت أيَّة فِرْقةٍ ضالَّة على حقّ، فما ذَنبُ أتباعها، سَمِعوا فتَّابوا !! لو أمْكَنَ أن يكون التَّقليدُ في العقيدة لكانَتْ أيَّةُ فرقة ضالَّةٍ على حق، فالعقيدة لا تُقْبَلُ إلا تَحقيقًا، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117﴾ [ سورة المؤمنون ] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾ [ سورة الإسراء ] اِعْتَقِدوا وتيقَّنوا أنّ كلّ اعْتِقاداتنا إن لم تَكُن عن تَحقيق وتَدقيق وَحْثٍ ودَرْسٍ ودليل، واسْتِنباط، ونصٍّ فهذه العقيدة لا تُقْبل، وعَوِّدْ نفْسَكَ أن لا تقْبَلَ شيئا إلا بالدَّليل، وأن لا ترْفُضَ شيئًا إلا بالدَّليل ؛ لأنَّ هذه الدِّين حياةَ الإنسان، ابْنَ عُمَر ؛ دينَكَ دينَكَ إنَّهُ لَحْمُكَ ودَمُكَ، خُذْ عن الذين اسْتقاموا، ولا تأخُذ عن الذين مالوا، أما أنْ نقول: سَمِعنا آباءَنا يقولون هذا فَقُلْناه ! فهذا لا يَنفعُنا شيئًا، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)﴾ [ سورة الشعراء ] مِحْوَرُ هذه الآية ؛ لن تُقْبَلَ منك العقيدة تَقليدًا، فلا بدَّ مِن إعمال العَقل فالإيمان فوق العَقل، فلا تُحَكِّم عَقْلَكَ في الإيمان، فالفئة التي هي في قِمَّة المجتمع الصِّناعي في اليابان يَعبدون ذَكَر الرَّجل، وفي الهند يعبدون الجرذان، وفيهم الذَّكاء !! مُدَرِّسون وعلماء ومُفكِّرون وخُطباء، فنحن إن عطَّلنا العَقل وقَعنا في متاهة لا تنتهي ؛ فيُمْكِن أن ترى إنسانًا في أعظم درجات الذَّكاء والعِلم، ويعبُدُ صنمًا وحجرًا أو يعبُدُ نارًا لأنَّه انْطَلَق أنَّ حقائِق الدّين لا علاقة لها بالعَقل. النبي عليه الصلاة والسلام أمَّر...لو اقْتَحَمتموها لبقيتم فيها..." الشريعة عَدلٌ ورحمةٌ ومصْلحةٌ كلّها، فأيُّ قَضِيَّة خرجَت من المَصْلحة إلى المَفْسَدة ومن العَدل إلى الجَوْر، ومِن الرَّحمة إلى القَسْوة فليس من الشريعة ولو أُدْخِلَت عليها بالتَّأويل، فلِذلك حينما تنطَلق أيُّها الأخ مِن أنَّ حقائِق الدِّين لا علاقة لها بالعَقل تقَعُ في خطأ كبير مِن دون برهان ودليل، العَقل لا يُعطَّل أبدًا أمام خُرافة. أيُّها الإخوة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ [ سورة يوسف ] دَقِّقوا في هذه الآية، فأنت إن دَعَوْتَ إلى الله بلا بصيرة، أو دُعيتَ إلى الله بلا بصيرة، لمَّا يقول الإنسان: هكذا ! اِقْبَل مِنِّن من دون مُناقشَة، نقول له: لسْتَ عالمًا، إذْ لو كنتَ كذلك لدَعَوْتنا على بصيرة، وجِئْتنا بالدَّليل والتَّعليل، وفي الآية نقطتان سياسيَّتان ؛ الأولى أنَّك إن لم تَدْعو إلى الله لسْتَ مُتَّبِعا لِرَسول الله وإن لم تَكُن مُتَّبِعًا له فأنت لا تحِبُّ الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31)﴾ [ سورة آل عمران ] فاتِّباع الله يعني اتِّباع النبي عليه الصلاة والسلام، واتِّباع النبي عليه الصلاة والسلام يعني اتِّباع الله، فالعلاقة مُتعاكِسَة، فَكُلّ إنسان لا يُفَكِّر في الدَّعوة إلى الله يموت على شعبةٍ من النِّفاق، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ [ سورة يوسف ] فالدَّعوة شرْط لازمٌ لِكُلّ مؤمن، ولذلك من لم يُحَدِّث نفْسهُ بالجِهاد مات على شعبة من شُعَب النِّفاق، ما هو الجِهاد المُتاحُ الآن ؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)﴾ [ سورة الفرقان ] الهاء تعود على القرن، تعلَّمْ القرآن، وبيِّنهُ، وحبِّبْ الناس بالله، وبِرَسول الله، وأحكام الفقه، وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك الآية الكريمة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾ [ سورة محمد ] فالتَّقليد غير جائِز في العقيدة ! فلو قبِلنا من الناس أن يعْتقِدوا تَقليدًا لكانت هذه الفئات على حق ! فهذه الحقيقة خطيرة جدًّا، فلا تقْبل ولا ترفض إلا بالدَّليل، ولولا الدَّليل لقال مَن شاء ما شاء، وهذا منْهج البحث في الإسلام بعضهم يقول: النبي عليه الصلاة والسلام قال: من قالها دَخَل الجنَّة ! مَن قالها بِحقِّها ؟ قيل وما حَقُّها ؟ قال: أن تَحْجزهُ عن محارِم الله، فهذا يعني أنَّك قلتها عن تحقيق، وعن دليل. مركز الثِّقَل الثاني في الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [ سورة محمد ] فما العلاقة بين الأمْرين ؟ الأمْر بيَدِ الله، والله هو الفعَّال، فإذا جاءَكَ شيءٌ لا يُعْجِبُكَ ويُقْلِقُك اِبْحَث عن ذَنْبِكَ، وما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجٍ عِرقٍ، ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَّمَت أيديكم، يقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾ [ سورة سبأ ] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾ (سورة السجدة ) وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [ سورة القصص ] فهذه علاقة بين التَّسْيير، وبين التَّأديب، لذلك هناك حديث جامِعٌ مانِعٌ قَطْعي ؛ لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه ولا يرْجونَّ إلا ربَّه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾ [ سورة محمد ] الحالات الطارئة والحالات المُسْتقِرَّة فالله يعلم ما لكَ مِن ثوابِت ومن مُتَغَيّرات. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ [سورة محمد] وفي آيةٍ ثانِيَة قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)﴾ [سورة النساء] ما مِن كتابٍ مِن تأليف البشَر إلا وفيه بعض التناقُضات، إلاّ أنَّ كلام الله عز وجل كلامٌ مُحْكَم، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)﴾ [سورة هود] ربُّنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)﴾ (سورة البقرة) لذلك معنى التَّدَبُّر أن تنظُر إلى نِهايَة العَمَل، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: إذا أراد أحدكم إنفاذَ أمرٍ فلْيتدبَّر عاقِبَتَه " أنا حينما أذْهَبُ إلى بِلاد الغَرب حيثُ العمل وفير، والدَّخْل كبير، والبلاد جميلة، والحاجات مَيْسورة، هلاَّ فكَّرْتَ في بناتِكَ لمَّا يَكْبُرْن، وفي أولادِكَ الذين هم قِطْعةٌ منك، حينما ينشئون على الكُفْر، والزِّنا، وشُرْب الخمر، إذا أراد أحدكم إنفاذ أمْرٍ فلْيتدبَّر عاقبتَهُ، آيات القرآن الكريم، ما معنى التَّدَبُّر ؟ أن تقول وأنت تقرأ: أين أنا من هذه الآية ؟ لو أنَّني طبّقتها ما النتيجة ؟ ولو أنَّني خالفتها ما النَّتيجة، لا يهود حينما لعنهم الله عز وجل جعلوا كتابهم المُقدَّس قراطيس ونَخْشى أن يُصاب المسلمون بِمَرض اليهود ؛ حيث يغْدو هذا القرآن للتِّلاوَة وللتّبرُّك والتَّباهي دون العمل به، وهذا هو هَجْر القرآن قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾ [سورة الفرقان] هل يُعْقل لِبائِع الفلافل أن يكتُب: إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ! اتُّخِّذ القرآن قراطيس، فلم يبْقَ من الإسلام إلا اسْمُه، ومن القرآن إلا رسْمُه، لذلك أيُّها الإخوة، القراءة التَّعَبُّدِيَّة على العين والرَّأس ولكن لا بدَّ من القراءة التَّدَبُّرِيَّة، اِقْرأ وانْظُر أين أنت من هذه الآية ؟ حينما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾ [سورة النور] أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾ [سورة المؤمنون] أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال الله عز وجل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)﴾ [سورة البقرة] أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال لله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19)﴾ [سورة النساء] فأين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(11)﴾ [سورة النساء] أين أنت من هذه الآية ؟ حينما تقرأ آيات الأحكام ؛ اِفْعَلْ ولا تَفْعَل ؛ أين أنت منها ؟! آيات كثيرة وكثيرة، كلَّما وقفْتَ على أمْرٍ أو نَهْيٍ، أو وَصْفٍ للمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)﴾ [سورة الأنفال] أيها الإخوة، إنّك حينما تُصَلِّي، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾ [سورة النساء] حتَّى تعلم ما تقول، فإذا لم تكن سكْران، وكنتَ ساهِيًا في الصلاة كان لك حُكْم السَّكران، قال عليه الصلاة والسلام ليس للمرء من صلاته إلا ما عقَلَ منها، لذلك اقرأ القرآن قراءةً تدبُّرِيَّة أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: عِظني ولا تُطِل..." لو واحد جاء إلى مهندس لينشئ له بناية، وقال له: يُرْجى تقليل كَمِيَّة الحديد، وكمِيَّة الإسمنت، فهل يكون البناء ماكنًا ؟! مستحيل، وكذا حينما تفهم الدِّين على أنَّه حقائق وقوانين عندها تقف عند حُدود الله، أما حينما تظنّ أنَّ الدِّين تكاليف، والله عز وجل لا يُدقِّق ! والنبي يشْفعُ لك، فهذه المفاهيم الخاطئة، والتَّصوُّرات السَّخيفة، أبطلَت عمل المسلمين، وتواكلوا، وخنعوا، ونافقوا، لذلك قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ [سورة محمد] أيها الإخوة، هناك حقيقة تقول: الحقيقة المُرّة من الوَهْم المُريح، فكلّ إنسان يتوهَّم أنَّه مؤمن، وهو في الجنّة، فهذا وهْمٌ مُريح، أما حينما تُكشف الحقيقة يُصعق الإنسان، لذا تعامَل مع الحقائق ولا تتعامَل مع الأوهام، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾ (سورة النساء) ونحن في رمضان نقرأ القرآن، ونستمع له، ونقفُ في التراويح، فإذا قال الله عز وجل آيةً تعامَل مع الله عز وجل بإخلاص، ومع الله بِوُضوح وبِجِدِيَّة، أحِلَّ ما أحلَّ الله، وحرِّم ما حرَّمَهُ، وأعْطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه أتْقِن عملَكَ، واضْبِط دَخْلَكَ وجوارحك،و أمر بالمعروف وانْهَ عن المنكر ولقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقرؤون عشْر آيات فلا ينتقلون منها إلى غيرها إلا بعد تطبيقها، وكلُّكم يعلَم قِصَّة الذي كان له عَبْد وكان هذا العبد يتمنَّى أن يُفكَّ أَسْرُهُ، وكان سيِّدُه له شيخٌ كبير، فجاء الشيخ لِيَزور تلميذه في البيت، فسألَهُ سؤالاً أن تأمُرَ سيِّدي أن يطلِقَ سراحي ! قال الشيخ: أفْعلُ إن شاء الله، ومضى الأشْهُر ولم يُعْتَق، علمًا أنَّ العَبْدَ يوقِنُ أنَّ مكانة الشيخ كبيرة عند تلميذِهِ، وبعد أشْهرٍ عِدَّة عاد الشيخ لِيَزور تلميذهُ ثانِيَةً، فقال: رجَوتُكَ فلم تُلَبِّ طلبي، فقال الشيخ: سأفعل إن شاء الله، ومضَت الأشهر: ولم يحصل شيء، ورجع الشيخ مرَّة ثالثة: فلما سأل العبد الشيخ، قال له: الشيخ: إنِّي أجْمَعُ المال لأُعْتِقَ عبْدًا، فلا أستطيع أن آمرَ تلميذي قبل إعتاقي عبدًا ! هو أراد أن يكون قُدْوةً لِتِلْميذِهِ، فالسَّلف الصالح كانوا يُطَبِّقون، ولذلك أعزَّهم الله عز وجل، ونحن مع كلّ ما يشْكوه الناس من كساد في الأسواق لو أنَّ الإنسان عامَلَ الله معاملةً مُباشرة لوَجَد الشيء الذي لا يُصدَّق، على الرَّغم من كلّ الظروف القاسيَة، لأنَّك عامَلْتَ الله، فهو بيَدِه كلّ شيء، لا يُعْجزُهُ شيء، وعلمهُ شامِل، ورحمتُهُ كبيرة، وغِناهُ لا حُدود له، اقْرأ القرآن وتدبّرهُ، فهذا جاءه رجل يخْطب ابنتَهُ، فسأل الأب عن عمله فقال الرجل أعمل مع أبي، فقال: وهل لك بيتٌ ؟ قال: نعم، قال الأب: إئتني بالعَقد فجاء له بالعقْد، ثمَّ سألهُ عن السيارة، فقال: أمْلِكُ سيارةً، فقال الأب: إئتني بالرُّخصة، حينها وافقَ الأب عن الخِطْبة، ومرَّة كان وهو وخطيب ابنَتِهِ، فقال الأب: هذا خطيب ابنَتي، فتعجَّب الحاضرون: سبحان الله، هذا ليس مسلمًا !! فقال الأب: هل هذا صحيح ؟ فقال خطيب ابنتِه: نعم فقال الأب: ولِمَ لمْ تَقُل لي ؟! فقال خطيب ابْنَتِهِ سألتني عن كلّ شيء إلا عن دينِك !!! أين قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾ [سورة البقرة] لذا أيُّها الإخوة، اقرؤوا القرآن وتدبَّرهُ، واعْمَل به، من أجل أن يكون هذا الكتاب غِنًى لنا لا فقْر بعده والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والثلاثون، والتي بعدها من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾ [سورة محمد] حيثما وردَتْ هذه الآية في كتاب الله تعالى ؛ فهي تعني أنَّ الله تعالى يُخاطِبُ عِبادَهُ وكأنَّهُ يقول لهم: يا من آمنتم بي، ويا مَن آمنتُم بِقُدرتي، ويا من آمنتُم بِوَحدانِيَّتي، ويا من آمنتُم بِغِناي، ويا من آمنتُم بِحِكمتي، اِفْعَلوا ما أقول لكم، فأتن إذا آمنتَ بالله ينبغي أن تفْعَلَ شيئًا مُتَمَيِّزًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة محمد ] العلماء قالوا: حينما تأتي مثل هذه الآية فالمَقصود أن تُطيعَ الأوامِرَ في كتاب الله، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة الحشر] هناك دَعْوَة مَشْبوهة، ومُنْحرِفَة أشدَّ الانحراف، تقول: يَكفينا كِاتب الله !! ومع أنَّ السنّة سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحيٌ غير متْلُوّ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾ [سورة النجم] مِن أين تَعْرفُ نِصاب الزَّكاة من دون السنَّة ؟ ومِن أين تعرف عدد الصَّلوات الخمس وسُنَنَها مِن غير السنَّة وأحكامٌ كثيرة جدًّا جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام بِوَحْيٍ مِن الله، فالقرآن فيه الكُلِيَّات، والسنَّة فيها التَّفاصيل، فَكُلّ مَن يَدعو إلى الاكْتِفاء بالقرآن الكريم هو يُخالفُ القرآن الكريم، وهذه الآية دليل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة محمد ] أيْ أطيعوا الله في قرآنِهِ، وأطيعوا الرسول في سنَّتِهِ. مِن لوازِمِ طاعة رسول الله، حسْب القاعدة الأُصوليَّة: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجِب، فالصَّلاة فرْض، وكذا الوُضوء، لأنَّ الصلاة لا تتِمُّ إلا بالوُضوء، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة محمد ] كيفَ تسْتطيع أن تُطيعَ رسول الله إن لم تعْرِف سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا أمْرٌ يقْتضي الوجوب وعندنا مُباح ومندوب ومكروه ومحرَّم، فالأمْر يقتضي الفرْضِيَّة، والنَّهي يقْتضي التَّرْك والمندوب أقلّ مِن الفرض، ومكروه أقلّ مِن الحرام، والوسَط هو المُباح فما مِن شيءٍ في الحياة إلا ويتعاوَرُ عليه هذه الأحكام الخمْسة ؛ أمْر نَدْب ومباح ومكروه ومُحَرَّم، كيف نعرِف الأمْر ؟ مِن فِعل الأمْر، كلّ أمْرٍ يقتضي الوُجوب، وإن أرَدْتَ أن تُنَفِّذ هذا الأمْر عليك أن تفْهم فَحْوى هذا الأمْر، مِن هنا كان طلبُ العِلم فريضةٌ على كلّ مسلِم ؛ لأنَّك لن تستطيعَ أن تعْبُدَ الله إلا إذا عرفْتَ أمْرَهُ، كما أنَّهٌ لن تسْتطيع اتِّقاء ارْتِفاع الضَّغْط إلا إذا عرفْتَ أنَّ ضَغْطَكَ مُرْتَفِع، فالعِلْم هو أوَّلُ شيءٍ، كيف يُعالِجُ الطبيب المريض ؟ يقول له: حلِّل ، كيف يأمُره وينْهاه؟ ينبغي أن يعرف حالهُ، وأنتَ لن تستطيعَ أن تُطيعَ الله عز وجل إلا إذا عرفْت أمْر الله فأنْ تحْضر مَجلس العِلم كي تعرف الأمْر والنَّهي هو فرض عَيْن وإنِّي أعْجَبُ مِمَّن يقول: ليس لي وَقت !! فإذا كان الإنسان ليس له وقت لأخْطر شيء في حياته، فلو أنَّ مريضًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وقال له الطبيب لا بدّ من أن تُجري تَحليلاً على النَّسيج، فقال المريض: أما الآن فليس لي وقت ! فكلمة مَشْغول تُقال للثانَوِيَّات، والفرْعِيَّات، أما في الحياة يوجد أساسيَّات، فكيانُكَ أساسهُ معرفة الله عز وجل، فكلّ إنسان يقول: ليس لي وقت لِحُضور مجلس عِلْم، كَمَن يقول سأسوقُ سيَّارتي دون أن يتعلَّم أُصول السِّياقة، والحصول على الشهادة ؛ أنا أُعلِّق على كلمة: ليس لي وقت، الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(7)﴾ [سورة التحريم] أي إن لم تَكونوا مُتَفَرّغين، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة مصيركم فماذا تعملون إذًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة محمد ] أطيعوا الله في كتابه وأطيعوا رسول الله في سنَّتِهِ، فلا بدَّ مِن أن تعرف سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام، فآلاف وآلاف الأوامر التّفصيليّة التي تَجعل حياتَكَ سعيدة جدًّا وما مِن مشكلةٍ على وَجه الأرض إلا بِسَببِ مُخالفةٍ لأمْر الله، وما مِن مُخالفةٍ لأمْر الله إلا بِسَبب الجَهْل، والجَهل أعْدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل بِنَفْسِهِ ما لا يستطع عدُوٌّ أن يفْعَلَهُ به ! فأحد المزارعين كانت له نسبة رِبح في مزرعَتِهِ ثمان مائة ألف ليرة، مِن شِدَّة حِرصِهِ على الزِّيادة والنَّماء بدل أن يضَع كيلوا سميد، يضَع اثنان كيلو غرام، فإذا به يسْتيقظ صباحًا فيَجِد مَحصوله كلّه أسْوَد !! فالجَهل أعدى أعداء الإنسان، فهذا فعَلَ بِنَفْسِهِ ما لا يفْعَلُهُ أعداؤُه به ! فأنت إذا أردْت الآخرة فعَلَيك بالعِلم، وإذا أرَدْت الدنيا فعَلَيك بالعِلم، والمؤمن الصادِق يُبَرْمِج حياته وفْق مجالس العلم، وهناك من يَجعل هذه المجالس على الفراغ، والمفروض أنَّ حُضور هذه المجالس قبل كلّ شيء، كي تتعرَّف على دينك، وعلى سنَّة رسول الله، وإن شاء الله تعالى إن وفَّقنا الله لإنهاء التفسير ننتقل إلى دراسة سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾ [سورة محمد ] هناك إنجازات جبَّارة في الأرض، وهذه إن لم تسْبِقْها معرفة الله عز وجل لا قيمة لها، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾ [سورة الفرقان] لأنَّه ما آمن بالله، ولا آمَنَ بِرَسول الله، وما أطاع الله ورسوله، فالله تعالى أبْطَلَ عملهُ هناك تِجارات ليل نهار، ورواج مبيعات، ومخازِن، والمال حرام، والبِضاعة مُحرّمَة. أيها الإخوة الكرام، سَلُوا تاجِرا أتى بِتِجارة، وسَهِر عليها خمْس سنوات ثمَّ ما ربِحَ، يقول: يا للخسارة، ويا لِهذه التِّجارة، يتألَّم كثيرًا، فإنسان يعيش ستِّين سنة أو أكثر ؛ بنى وتاجرَ، وكلّ عمله هباءً منثورًا، فإذا كان عملُكَ وِفْق المنْهج كان عِبادة، وإذا كان زواجُكَ وِفْق المنهَج كان عبادة أما العمل الذي هو خلاف منْهج الله لا ترْقى به، فهناك محلاَّت متسلسلة في منطقة باب الجابيَة أصْبحت كلّها بالدُّش ! لو عرفوا أنَّ هناك منهج لما فعلوا، حدَّثني أحدهم أنَّ أرباح أحد أصدقائه كانت ثمانيَة ملايين خِلال خمسة وأربعين يومًا ! خمور، ودعارة، والناس لا يعبئون إذا الأمر حلالاً أمْ حرامًا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾ [سورة محمد ] فالأُبوَّة عمل، والبنوَّة عمَل، وإتقان العمل عمل، والأمومة عمل، والمهنة عمل، ونفْع المسلمين عمل، وطلب العلم عمل. أحدُ المُغَنِّيين فيما سَمِعتُ عنه ما ركِب طائرةً في حياتِهِ خَوف الموت وما تناوَل طعام العشاء إلا فواكِه، ثمَّ بعدها مات، وهو عنده عدَّة أغاني !! ماذا سيقول يوم القيامة ؟! قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾ [سورة محمد ] ابْحَث عن عملٍ صالحٍ، وعن عملٍ ترقى به، يا رب أنا علَّمتُ علمًا، ووزَّعْتُ المال على الفقراء، وراعيتُ الأيتام ؛ هذا الذي ترقى به، فالأصل أن يتحرَّى الإنسان في دَخلهِ، وكلمة تُبطوا أعمالكم مركز ثقل الآية، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾ [سورة الفرقان] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد ( 47 ) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والثلاثون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)﴾ [سورة محمد] يُقابلُ هؤلاء آمنوا ودَعوا إلى الله تعالى، يُسْتنبطُ من هذا حقيقة، وهو أنَّ شيءٍ يسْتَقِرُّ في القلب فلا بدَّ أن يُعَبِّر عن ذاته، فالضال يُضِلُّ، والفاسِد يُفْسِد والمنحرِف يدعو إلى الانْحِراف، والبخيل يدعو للبُخل، وكلّ إنسان إذا اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن دون أن يدْري يَدعو الناس إليها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [سورة محمد] معنى ذلك أنَّك إذا رأيْتَ إنسانًا كافرًا أو عاصِيًّا أو فاسِقًا، أو فاجِرًا هل تستطيع أن تَحْكُم على نِهايَتِهِ ؟ باب التوبة مفتوح، ولعلَّهُ يسْبقُك ؛ هذا يدْعوك إلى أن تحْتوي الناس جميعًا، وإلى أن يتَّسِعَ قلبُكَ إلى كلّ الناس، وهذا يَدعوك إلى أن تتبرَّم بالناس، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ [سورة آل عمران] أحيانًا يُنْعِمُ الله على الإنسان بِنِعمة الإيمان، ونِعمة الهُدَى والطاعة، فإذا رأى عاصِيًا يشْمئزُّ منه، ويبتعِدُ عنه ويحْتقِرُهُ، فالأكْمَل أن تراهُ أخاك في الإنسانِيَّة، وأن تَحْتَوِيَهُ، وأن تَدُلَّهُ على الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ(6)﴾ [سورة التوبة] شارِبُ خمْرٍ أسْمِعْهُ كلام الله، أحدُ الجُهَّال قال لِوَاحدٍ من الناس: سأَعِظُكَ بِغِلْظة، فقال الموعوظ: ولِم الغِلظة يا أخي، لقد أرسَلَ الله مَن هو خير منك، إلى مَن هو شرٌ مِنِّي ! أرْسَلَ موسى إلى فرعون، ومع ذلك قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)﴾ [سورة طه] الإنسان إذا دعا إلى اله عز وجل يَحتاج إلى حِكمة بالغة، لِيَشُدَّ الناس إليه، لأنَّه مائة تصرُّف ذَكِيّ ودقيق ومخْلصٍ وحكيم يشُدُّ إنسانًا طريق، وتصرُّف أحمق واحِد يبْعِدُهُ عن طريق الإيمان، فَمَن أمَر بِمَعروف فلْيَكن أمْرُهُ بِمَعروف. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)﴾ [سورة البقرة] فالإنسان ما دام لم يمُت فلعلَّهُ يتوب، والإنسان مُهيَّأ أن يتوب، ووالله أيُّها الإخوة، في تَجربتي المتواضِعة للدَّعوة إلى الله، نحو عشرة أشخاص في السَّنوات الماضِيِّة وقالوا جميعًا بِصيغة أو بأُخرى: لا يوجد معْصِيَة في الأرض إلا واقْتَرَفناها، ثمَّ اصْطَلحوا مع الله وتابوا إليه. إذا رجَعَ العبد إلى الله، نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله، عبدي لو بلغَت ذنوبك عنان السَّماء غفرتها ولا أبالي وللَّه أفرحُ بِتَوبة عبدِهِ من الضال الواجِد والعقيم الوالد، والظمآن الوارد فالعِبرة أن تسْتَدْرِك وأنت حيّ، وتُقْلِع وفي الحياة بقيَّة، وأن تنْدم وفي العُمُر مُتَّسَع من الوقت، أما عند النِّزاع والغرغرة فلا قيمة للتَّوبة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)﴾ [سورة المؤمنون] لأنَّه عند الموت، يكْشف الله عن كلّ إنسانٍ غِطاءهُ، قال تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾ [سورة ق] الرؤية التي رآها أعلى المؤمنين يراها أكْفرُ الكافرين عند الموت، أما الرؤية الثانية فهي رؤية الكافر، وهي تزيدُهُ ندمًا ؛ لأنَّه ينْدم أشدُّ النَّدَم، قال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ(2)﴾ [سورة الحجر] ربما لا تُفيد التَّقليل، ولكن تُفيد التَّكثير قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)﴾ [سورة محمد] هؤلاء مُخلَّدون في النار إلى أبد الآبدين، لذا نحن في بَحبوحَتَين ؛ نحن في بَحبوحة طاعة رسول الله، وفي بَحبوحة الاسْتِغفار، فلو أنَّ الإنسان وِفق منْهج رسول الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾ [سورة الأنفال] بيوتٌ إسلامِيَّة، واحْتِفالات إسلامِيَّة، وأعيادٌ إسلامِيَّة، وزواجٌ إسلامي وبيعٌ وشراء إسلامي، فالحركات والسَّكنات كلُّها إسلامِيَّة، فما دامتْ سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام مُطبَّقة في بيوتنا فلن يُعذِّبنا الله تعالى، أما حينما تُقامُ عُقود القران في الفنادق الكبرى، وتأتي الراقصات، فهؤلاء يُعذِّبهم الله عز وجل. قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾ [سورة الحجرات] قد يُصاب الإنسان بِمَصائب كثيرة، ولكنَّ أكْبر مصيبة أن يقَعَ في الهَون وأن تَضْعُفَ نفسُهُ، والرَّجُل المؤمن يتلقَّى كلَّ المصائب بِصَبْر شديد، لأنَّه يعْلم هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء، ومنزل ترَحٍ لا منزل فرحٍ، فمَن عرفها لم يفرح لِرخاء، ولم يحْزن لِشَقاء، قد جَعَلها الله دار بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقبى. أحدُ التابعين الأجِلاَّء كان لا بدّ مِن قَطع رِجْله، فقال: إن أخذَ الله واحِدَة أبْقى لي ثلاثًا، ففي اليوم نفسِهِ مات ابنُهُ وأنجبهم، فقال: إن أخذ لي واحِدًا أبْقى لي خمسًا !! لذا الدُّعاء النبوي الشريف: اللَّهمّ هب لنا من خشيتنا ما تحول بيننا وبين معْصِيَتِك، ومن طاعتك ما تُبلِّغُنا بها جنَّتَك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، فالمصائب عندنا المؤمن تقَع وكأنَّها لم تقَع. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾ [سورة آل عمران] فهل تقبل دولة عُظمى الإهانة من دولة لا قيمة لها ؟ فأنت إذا كنتَ مع الله عز وجل فاسْمَع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ(173)﴾ [سورة الصافات] الخيل والليل والبيْداء تعرفني والسَّيف والرُّمْح والقرْطاس والقلم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدَبي وأسْمَعَتْ كلماتي مَن به صَمَمُ أنامُ ملء جُفوني عن شواربها ويسْهر الخلق جرَّاها ويخْتَصِمُ في طريقِهِ إلى حلب فاجأهُ لُصوص، فولّى هاربًا، فقال له غلامُهُ: ألم تقل الخيل والليل والبيداء تعرفني ؟ فنظر إليه وقال: قَتَلْتني قتلَك الله ! فعاد فقَتَل حتَّى قُتِل !! فالكلام سَهل، فأشَدُّ الناس بُخلاً يتبجَّحون بإنفاقهم، وأشَدُّ الناس جهلاً يتبجّحون باطِّلاعاتهم، فقَضِيَّة الكلام سَهلة، أما مع القرآن فالكلام لا ينفَع، فالكتب المؤلَّف في كلّ العالم في جانب، وكلام الله في جانب آخر ! دخل مغنِّي شَهير جدًّا إلى مكْتبة فلفَتَ نظرهُ إلى كتاب، قال: أعْطِني هذا الكتاب، ثمَّ سأل من مؤلِّفُهُ ؟ فقال صاحب المكتبة مُشيرًا إلى السماء أنَّه الله تعالى ! فأخذَهُ وأراد أن يدْحضَ هذه الفِرْيَة، فعكَفَ على دراسَتِهِ لِيُظْهر كذب هذا القول ؛ فإذا بِهِ يُسْلِم، وكلّ أمواله أنفقها لِشِراء أُسْطُواناته لإتْلافِها ! اسمُهُ يوسف إسلام، فالله يقول لك: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾ [سورة غافر] كلام خالق الكون، وهذا في الدنيا، فأنت إن كنتَ مؤمنًا حَقًّا فالله وعَدَك بالنَّصْر في الدنيا، وهذا في كلّ المعارك، وفي أيِّ صِدام، فالله معك. قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾ (سورة الحجرات) والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 06:50 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.