![]() |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : ساعات الامتحان - باب الوصية للنساء - سيرة النبى الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثالث و الثمانون ) لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلفا ً: أيها الأخوة المؤمنون ؛ في رياض الصالحين، وفي باب الوصية بالنساء حديث شريف: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] والحقيقة أن هذا الحديث يُعدُّ من أصول الدين، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث آخر: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ، وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا قَالَ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ )) [الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] http://www.nabulsi.com/images/inside...r-10260/01.jpg (( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً )) [رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو] (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) [ مسند البزار عن أبي هريرة] فمكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فإذا انتفى الخلق ذهب الدين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾ ( سورة الماعون ) (( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ )) [ أحمد وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وسيدنا جعفر عندما قابل النجاشي قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حقيقة الدين: (( أَمَرَنا ِبِصْدقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ )) [أحمد عن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها] فيكاد يكون الدين كله مكارم أخلاق. الخلق مقياس الإيمان عند الإنسان: ومادام النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً )) [رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو] (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) [ مسند البزار عن أبي هريرة] من هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي عن أبي هريرةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فإذا أردت مقياساً لإيمانك فهو خلقك، وحينما تمثَّل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقين، وحينما فهِم المسلمون الدين صوماً، وصلاةً، وحجاً، وزكاةً ليس غير، تراجعوا وغُزوا في عقر دارهم. درجات الإيمان: الشيء المهم هو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا )) فيوجد إيمان كامل، وإيمان أكمل، ويوجد إيمان ناقص، والإيمان درجات، والدليل قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾ (سورة النساء) يا أيها المؤمن آمن، أي استكمل إيمانك، والإيمان له درجات، وقبل الإيمان هناك الإسلام، قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾ ( سورة الحجرات ) وبعد الإيمان التقوى. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ( سورة الحشر ) والتقوى درجات، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ ( سورة آل عمران ) تفاوت المؤمنين فيما بينهم بحسن خلقهم: فمن قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) فإذا تفاوت الإيمان فإنما يتفاوت بحسن الخلق، والمؤمنون جميعاً يصلُّون، و جميعاً يحجون ـ طبعاً المستطيع ـ و جميعاً يزكون، و جميعاً يأكلون مالهم حلالاً، و جميعاً ينفقون مالهم في الوجوه الصحيحة، فهذا كله متوافر، ولكن أين يختلفون ؟ في الخلق، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) [الترمذي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أخي يصلي، ويصوم، وتجارته مشروعة، ومن بيته إلى محله، هذا لا يكفي، فكيف أخلاقه ؟ هل هو سموح ؟ حليم ؟ كريم ؟ عطوف ؟ رحيم ؟ ودود ؟ إذاً حينما قال عليه الصلاة والسلام: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) فقد جعل الأخلاق مشعِراً في التفاوت بين المؤمنين، لأن الفرائض كلها تؤدى من قِبَل جميع المسلمين والمؤمنين، فكيف يتفاوتون فيما بينهم بحسن خلقهم ؟ وقد جمعت لكم بعض الأحاديث المتعلقة بحسن الخلق، فوجدت أحاديث هامةً وكثيرة، منها حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: (( قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الإسْلامِ وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا )) [أحمد عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] حتى في الإسلام تتفاوت مراتب المسلمين فيما بينهم بأخلاقهم، وإن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، تتفاوت مراتب الإسلام فيما بينها بحسن الخلق. " إن من أحب العباد ـ أحب اسم تفضيل، أي أكثر الناس الذين يحبهم الله عز وجل ـ إلى الله أحسنهم، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن " هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم هل أنت مصدقٌ له ؟ الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح: وقال أحدهم: (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَعَدْتُ، قَالَ: فَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالُوا " يَا رَسُولَ اللَّهِ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ، قَالَ: وَكَانَ أُسَامَةُ حِينَ كَبِرَ يَقُولُ هَلْ تَرَوْنَ لِي مِنْ دَوَاءٍ الْآنَ ؟ قَالَ: وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ هَلْ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إِلَّا امْرَأً اقْتَضَى امْرَأً مُسْلِمًا ظُلْمًا فَذَلِكَ حَرَجٌ وَهُلْكٌ، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ )) [أحمد عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] http://www.nabulsi.com/images/inside...r-10260/02.jpg فيعطى الإنسانَ الدنيا وما فيها، وقد يعطى القوة، وقد يعطى المال، و الذكاء، والجمال، هؤلاء العلماء الكبار الذين يقبعون في مخابرهم ليصنعوا الأسلحة الكيميائية، أو الأسلحة الجرثومية، أليسوا أذكياء ؟ واللهِ قمم في الذكاء، ولكنهم يصنعون سلاحاً يجعل حياة الإنسان جحيماً، قد يعطى الإنسان ذكاءً، ومالاً، وقوةً، ووسامةً، وجمالاً، وقد يعطيه حظاً في الدنيا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن أن خير ما أعطي الإنسان خلقٌ حسن، من كان له أخلاق حسنة طيبة فهو أغنى الأغنياء، لأن الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح: (( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ )) [أبو داود عن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ )) [أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها] فصاحب الأخلاق الفاضلة في مستوى الصائم القائم، بصيام وقيام مستمرين، بل إن العبد كما قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجَاتِ الآخِرَةِ وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ فِي الْعِبَادَةِ )) [الطبراني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] هذه كلها أحاديث شريفة تبين أن الخلق الحسن هو كل شيء في الدين، بل يكاد يكون الدينُ خلقاً حسناً. أعظم رأسمال في العمل الخلق والحسن والخلق الحسن مؤادة ان يثق الناس بك: حينما فهِم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الدينَ هذا الفهْم رفعهم الله وأكرمهم، فكن صادقاً http://www.nabulsi.com/images/inside...r-10260/03.jpg ولا تقُلْ: إن البيع والشراء يحتاجان إلى كذب، بل كن صادقاً في البيع والشراء، وتحدَّى الكاذبين، واللهُ سبحانه وتعالى يوفِّقك، فلا تقل: الحياة تحتاج هذا، فإنّ الحياة تحتاج إلى استقامة تامة، ولا تضع تغطية فلسفية للانحراف، أخي إذا لم نغش لا نربح، هذا كلام فارغ، وهذا كلام الشيطان، وكلام الغافل الجاهل. في كل عمل تجاري، وصناعي، وزراعي، ووظيفي، ومهني، في كل حقل في الحياة الخلقُ الحسنُ أعظم رأسمال في العمل، وبعد فترة تكسب شيئاً لا يقدَّر بثمن، هو ثقة الناس بك، فالخلق الحسن مؤدَّاه أن يثق الناسُ بك، فإذا وثق الناس بك فهذا أعظم رأسمال تتحرك به، قال عليه الصلاة والسلام: (( الأمانة غنىً )) [الجامع الصغير عن أنس ] الأمين غني والله يغنيه لأن الناس يثقون به، وهذه أحاديث دقيقة جداً. (( وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل )) [الطبراني في الكبير عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] الموقف الأخلاقي للإنسان يكسبه سعادة لا توصف: شيء آخر ؛ إذا وقفت موقفاً أخلاقياً، أو كنت كريماً في موطن الكرم، أو شجاعاً في موطن الشجاعة، أو سخياً في موطن السخاء، أو حليماً في موطن الحلم، أو مضحياً في موطن التضحية، أو ودوداً في موطن الود، إن موقفك الأخلاقي هذا يكسبك سعادةً لا توصف، تشعر أنك إنسان، و فيما سوى هذه الأخلاق يشعر الإنسانُ أنه حيوان، فلو تخلى الإنسانُ عن أخلاقه لشعر بحيوانيته، كبهيمة تبحث عن طعامها، وشرابها، ولذتها فقط، فتأخذ طعامها، وشرابها، ولذتها من أي سبيل، وبأي ثمن، فلا تشعر إنك إنسان، وأنك المخلوق الأول المكرم إلا بالخلق الحسن، لذلك فمواقف الحِلم أكثر إسعاداً للنفس من مواقف الانتقام، ومواقف التواضع أعظم إسعاداً للنفس من مواقف الكبر، ومواقف البذل أعظم من مواقف المنع، لذلك لو أن الإنسان عرف ما يجنيه من خلقه الحسن لكان همُّه الأول أن يكون ذا خلق حسن. كل إنسان مأمور بالعدل والإحسان: نعود للحديث الشريف: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾ ( سورة الفرقان ) تأمل قبل أن تقول هذه الكلمة، قبل أن تقول له: أنت لا تفهم، قبل أن تغضب، وقبل أن تنتقم، وتؤذي، وتتجاهل طلبَ الآخرين، وقبل أن تقف هذا الموقف الذي لا ترضى عنه فكِّر ملِيًّاً، بماذا يأمرك الله ؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ ( سورة النحل ) كما أنك مأمور بالعدل فأنت مأمور بالإحسان. الموقف الأخلاقي هو اهم عامل لدخول الناس في دين الله أفواجاً: إذا أردت أن يتهافت الناس على الإسلام ويدخلوا في دين الله أفواجاً كما دخلوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عليك بالمواقف الأخلاقية، وإذا أردت أن تنفِّر الناس فبالغ في العبادات الشعائرية، وافعل ما تشاء مع الناس من إيذاء، وشتمٍ، فهذا الذي جاء يوم القيامة بصيام، وصلاة، وحج، وزكاة، ماذا كان مصيره ؟ (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وعندئذٍ يبكي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إن هذا لموقف عصيب. الخلق الحسن هو عامل الترجيح بين أي إنسان وأخر: حضر مجلس علم، وصلى أربع ركعات، ودفع زكاة ماله، وانتهى الأمر ؟ لا لم ينتهِ شيء، هذا الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، لا يوجد حديث أوضح من هذا الحديث: (( بُعِثْتُ لأتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاقِ )) [مالك في الموطأ] مع زوجتك، وأولادك، وجيرانك، وزبائنك، وأصحابك، والقاصي، والداني، مع أي إنسان ومخلوق، وحيوان، كن ذا خلقٍ حسن، أطعِمه، وتَرَفَّقْ به، والذي يؤكده القرآن الكريم: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾ ( سورة الماعون ) هو نفسه، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾ ( سورة القصص ) فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) ألف مؤمن صنفُهم في درجات، عامل التصنيف الخلقُ الحسنُ، كلهم يصلُّون، وعامل الترجيح في شكل أدقَّ هو الخلقُ الحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن، وقال: (( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي )) [السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ] فقد أَحَبَّه أصحاُبه حُبًّاً جمّاً كما قال أبو سفيان: (( ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً )) [السيرة النبوية لابن هشام] قال عليه الصلاة والسلام: (( وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فالقول الشهير: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته...: (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) [ الترمذي عن أبي هريرة] القرأن الكريم كتاب موجز: ربنا سبحانه وتعالى يقول متحدِّثاً عن سيدنا آدم وزوجته فقال: ﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾ ( سورة طه ) كان ينبغي أن يقول: فتشقيا، لا يخرجنكما، اثنان، من الجنة فتشقيا، ولكن ربنا سبحانه وتعالى قال: فتشقى، بالمفرد، فاستنبط علماء التفسير من هذه الآية أنّ: شقاء الرجل هو شقاء للمرأة، فإذا شقي الرجل شقيت معه امرأته، والقرآن الكريم موجز. دقة القرأن الكريم وإعجازه: هناك لَفَتَاتٌ في اللغة دقيقة ؛ مثلاً يقول لك: أنا لا أكنز الذهب والفضة، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾ ( سورة التوبة ) فهذه الآية مِن القرآن الكريم نصَّتْ على الذهب والفضة حصراً، والذي يكنز العملات الورقية يا ترى هل له علاقة بهذا الموضوع ؟ بنص هذه الآية ليس له علاقة، ولكن القرآن ماذا قال ؟ الذهب والفضة ولا ينفقونها، كان من الممكن أن يقول: ولا ينفقونهما، أي الذهب والفضة فلما قال: ولا ينفقونها بالجمع، كان هذا من قبيل إعجاز القرآن، ليشمل أيَّ شيء في المستقبل، لأنّ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المال المتداول هو الذهب والفضة، وفي العصور اللاحقة أي شيءٍ اتُّخِذ نقداً فحكمه حكم الذهب والفضة، فربنا عز وجل أشار إلى هذا بضمير الجمع ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضةَ ولا ينفقونها ﴾ وليس: ولا ينفقونهما، فالعملات النقدية والورقية داخلةٌ مع الذهب والفضة، لذلك قال العلماء: لو أن الناس اتفقوا على أن النحاس نقداً لحرم كنزه، ولو اتخذ الناس الجلد نقداً لحرم كنزه. فالقرآن الكريم دقيق جداً ؛ فكلمة ﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾ تعني أنَّ شقاء الرجل هو شقاءٌ للمرأة. بالمناسبة فالمبلغ مهما كان كبيراً إذا دفعتَ زكاته فليس بكنز، والمبلغ مهما كان صغيراً إن لم تؤدَ زكاته فهو كنز، فتعريف الكنز: هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، وأنت ليس لك حق أن تتهم إنسانًا بالبخل إذا أدّى زكاة ماله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق )) [ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن أبي هريرة ] (( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر )) [ كنز العمال عن أبي أمامة] (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله )) [أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ] لفتات لغوية من القران الكريم: وهناك لفتاتٌ لغوية أخرى، يقول الله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾ ( سورة التوبة ) أن يرضوه، بضمير المفرد الغائب، وكان ينبغي أن يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، ولا يخرجنكم من الجنة فتشقيا، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله، هنالك قال: فتشقى، وهناك قال: ينفقونها، وهنا قال: والله ورسوله أحق أن يرضوه، ومنه استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن: إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، وأن إرضاء الله عز وجل هو عين إرضاء رسول الله، لذلك قال: " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله ". إنه تطابق كامل، والحقيقة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ليس له مطلبٌ شخصي أبداً، بل مطلبه أن يهتدي الخلق إلى ربهم، وليس له توجيه خاص من عنده، فهو رسول لا ينطق عن الهوى، فمحبته هي محبةٌ لله عز وجل. الخلق الحسن والإحسان إلى الزوجة عاملان مرجحان لتفاوت المؤمنين: إذاً: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وثمَّة أحاديث كثيرة وردت في إكرام النساء، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل عامليْن مرجِّحيْن لتفاوت المؤمنين ؛ العامل المرجح الأول الخلُقُ الحسن، والعامل المرجِّح الثاني الإحسانُ إلى الزوجة، وخياركم خياركم لنسائهم، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وهي الخلية الأولى، لذلك اعتنى الإسلام بها عناية كبرى، حتى كانت أحكام الطلاق تشغل حيزاً كبيراً في القرآن، ولأن أحكام الطلاق، والزواج، وغض البصر، وآداب الدخول والاستئذان، والخروج، والخلوة ، وحد الزاني، وحد القاتل، كلّها متعلقة بالأسرة، وكلها صوناً للأسرة. (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات ومعاملات واخلاق معاً: هناك شيء نتج عن بعض التقسيمات التي قسمها الفقهاء، فقالوا: أوامر الله عز وجل بعضها عبادات، وبعضها معاملات، وبعضها أخلاق، عبادات، ومعاملات، وأخلاق، فالعبادات هي هذه الأوامر الشعائرية ؛ فالصلاة أن تقف، وتكبِّر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع، وتسجد، والصيام أن تمتنع عن الطعام، والشراب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنِية، والحج كما تعلمون له مناسك، والزكاة لها نصاب، ولها مصارف، وما إلى ذلك، فهذه العبادات بعضها بدني، وبعضها مالي، وبعضها بدني ومالي، وبعضها مكاني، وبعضها زماني كالحج، فالفقهاء فصلوا الأوامر الشعائرية التعبدية فسمَوها عبادات، والأوامر الاجتماعية في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾ ( سورة الحجرات ) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾ ( سورة الحجرات ) فالنهي عن الكذب، والغيبة، والنميمة، والإفك، والكبر، والاستعلاء، والإيقاع بين الناس، والتفريق، هذه الأوامر الاجتماعية هي الأخلاق، والمعاملات من أحكام البيوع والطلاق، والزواج، والعدة، والنفقة، واللقطة، والعارية، والهبة، والإيجار، هذه كلها أحكام، فلما قسم الفقهاء الأوامر إلى عبادات، ومعاملات، وأخلاق، سبق في ظن الناس أو توهموا أن الدين هو العبادات، مع أن الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وأن الذي يقوم ببعضها ويدع بعضها الآخر فهو كبني إسرائيل. الإسلام بناء شامخ كبير وقواعده خمس: قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾ ( سورة البقرة ) يصلي حاضراً ويغتاب الناس ؟! فوُجِد تناقض، فالذي يصلي لا يغتاب، أما أن يصلي ويكذب في البيع والشراء: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فصلاة وكذب، وصلاة وخيانة، وصلاة وقسوة في المعاملة، صلاة وكبر لا تجتمع معاً، فلما ضيَّق الناسُ مفهومَ الدين إلى أربع عبادات خسروا و ضاعوا، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) [البخاري عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] إنَّ الإسلام بناء شامخ كبير، وقواعده خمس، الشهادتان والصوم والصلاة والحج والزكاة، وهي دعائم وليست البناء، فإذا توهمنا أنها هي البناء، فنحن في وهم كبير، لهذا نصَّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الذي قرأتها على أسماعكم وفي هذا الحديث الذي هو موضوع هذا الدرس على هذا الأمر: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] كيفية اكتساب الأخلاق الحسنة: يوجد سؤال ثانٍ ؛ يا ترى هذه الأخلاق الحسنة كيف تُكتسب ؟ عندنا أخلاق حسنة تقليداً، وأخلاق حسنة أصيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه )) [الجامع الصغير للسيوطي عن أبي الدرداء ] http://www.nabulsi.com/images/inside...r-10260/04.jpg أي اكظم غيظك، فأنت من الداخل متأجج، وتغلي غلياناً، ولكنك مؤمن، فاضبط أعصابك واسكت، وإذا غضبت فاسكت، وتوضأ، أو اغتسل، أو اخرج من البيت، فهذا صار حلماً، ولكن التحلم تصنُّع حلم قسري، والثمن أن تكون حليماً أصيلاً، وأن تكون متحلماً، فأول مرحلة بأن تتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، أنْ تصطنع الكرم، فأنت متكرم، ولكن إذا تكرمت وعاكست هوى نفسك، ووقفت موقفاً مناهضاً لرغبتك، فهذه هي البطولة. إنَّ المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، وهذه الحالة الداخلية ؛ الغليان الداخلي مع الانضباط الخارجي، هذا اسمه تحلُّم، فإذا فعلت هذا شعرت أنك جاهدت في سبيل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه )) [الجامع الصغير عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] إنه عمل بطولي أن تجاهد نفسك وهواك، وهذا التحلُّم يعينك على أن تُقبِل على الله في صلاتك، يا رب أنا كظمت غيظي من أجلك، وإرضاءً لك، كظمت غيظي وأنا أستطيع أن أفعل به الأفاعيل خوفاً منك، وبإمكاني أن أدمره فكظمتُ طلباً لرضاك، و بإمكاني أن أسحقه، لكني كظمتُ من أجل أن ترضى عني، انظر إلى هذا التحلُّم، فإذا تحلَّمت ووقفت بين يدي الله عز وجل شعرت أن الله راض عنك، عندئذٍ إذا تجلى الله عليك بأنواره أصبحت ذا حلم أصيل، والمرحلة الثانية: إذا استفزك إنسان شعرتَ بهدوء داخلي، وشعرتَ أن هذا مسكين بعيد عن الحق، هذا إنسان جاهل أرعن، هل تحبون أن تعرفون حقيقة الحلم ؟ لو كنت طبيباً وجاءك مريض مصاب بمرض جلدي خطير، هل تغتاظ منه ؟ لا، بل تشفق عليه، وترثي بحاله وتتألم له، فكلما ارتقى مستوى المسلم بدل أن يغضب من الناس يغضب على عملهم، وبدل أن يحقد عليهم يرثي حالهم، وبدل أن يغلي تشفياً منهم يبكي حزناً على جهلهم، وعلى بُعدِهم عن الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إنما الحلم بالتحلم، تتحلم، وهذا يحتاج إلى إرادة قوية، تُقبِل على الله عز وجل، فيلقِي الله في قلبك بعضاً من مكارم الأخلاق، لذلك فإنّ مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله عز وجل، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وإنَّ الحليم موصول، والكريم موصول، والسخي موصول، والودود موصول، والرحيم موصول، وإنّ القاسي مقطوع، والغضوب مقطوع، والبخيل مقطوع، والجبان مقطوع، فمكارم الأخلاق آثار الصلة، ومساوئ الأخلاق أعراض الإعراض، والإعراض له أعراض، وأعراض الإعراض البخل، والقسوة، وحبُّ الذات، والأنانية، والاستعلاء، والتشفِّي، والحقد، فهذه كلها أعراض الإعراض، وثمار الإقبال مكارم الأخلاق. الصبغة والفطرة: لذلك ربنا عز وجل مرةً قال: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾ ( سورة الروم ) ومرةٍ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ ( سورة البقرة ) هل هناك من فرق بين فطرة الله وصبغة الله ؟ طبعاً الفرق كبير، فالفطرة هي التي فطر عليها أي إنسان، والإنسان فُطِر على حب الكمال، وليس على الكمال، بل يحب الكمال، وثمَّة فرق كبير بين أن تكون كاملاً وبين أن تحب الكمال، فالسارق يحب العدالة، فإذا وزَّع الأموال المسروقة بين إخوانه وزَّعها بالعدل، فهذه بالحرام كلها، ويقول لزميله: لا تغش، وضع هذه الحاجة. هذه فطرة، والفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، فالإنسان إذا كانت له صلة بالله عز وجل، وألقى في قلبه أنوار الحق، عندئذٍ صار رحيماً، وهذه رحمة أصلية، فلو أن إنساناً شاهد جريحاً أمامه بحادث دهس، وأمامه جمهور من الناس، وكلهم يعرفونه من الجيران، فبدافع من الحفاظ على سمعته يبادر، ويأخذ هذا الجريح إلى المستشفى، وهذا موقف اجتماعي ذكي ليس فيه رحمة، أما المؤمن فوضعُه آخر، فلو كان الجريح وحده، فبدافعٍ من حبه، ورحمته التي تملأ قبله يبادر لإنقاذ هذا الإنسان، والعملان من حيث الشكل متساويان، ولكن شتان بين هذا وذاك، فبينهما مسافة كبيرة، فهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه السمعة، وهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه الرحمة، فالعمل الأول عمل مزوَّر، أما العمل الثاني فعمل صحيح، ويمكن للقاضي أنْ يحكم بالعدل، ويطمع أن يصل هذا الحكمُ إلى جهات عليّة ، ويقدِّروا نزاهته فيرفعوه درجة، فهذا القاضي حكمه عدل، ولكنه ليس بعادل، أما حينما يكون العدل جارياً في دم القاضي، فإنه يحكم به دون أن يفكر بالثمرة، أو بالجزاء، أو بالترقية. كل إنسان في الأرض مفطور على حب الكمال والمصبوغ في الكمال موصول بالله تعالى: أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تكون كاملاً هذا صبغة، وأن تحب الكمال فهذا فطرة، فكل إنسان في الأرض مفطور على حبّ الكمال، أما المصبوغ في الكمال فهذا الموصول بالله عز وجل، وأيُّ إنسان يحب الكمال، حتى الكافر. (( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. )) [ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ] فهذا حديث دقيق. (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) [الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أنا أتصور إذا كانت أخلاقُ الإنسان شرسةً، وليس مستقيماً على أمر الله في كسب المال، وفي إنفاقه، وعلاقاته الاجتماعية ولاسيما مع النساء غير منضبطة، فهذا صلاته، وصيامه، وحجه، وزكاته، أعمال غير مجدية، لأنّ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، ثمار الاستقامة، أو سبب الاستقامة، أما إذا انفصل الدين عن الخلُق كانت الطامة الكبرى، وهذا ما حدث، فألف مليون مسلم أين وعد الله عز وجل لهم بالنصر ؟ قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ ( سورة النور ) القسوة من اثار البعد عن الله والرحمة من اثار الصلة بالله: والعبادة كما تكلمتُ عنها في الخطب الماضية تعني غايةً في الخضوع، مع غاية في الحب، وطاعة طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وغاية الخضوع مع غاية المحبة، هذه هي العبادة، قال تعالى: ﴿يعبدونني﴾ فإذا أخللتم فيما عليكم فأنا في حِلٍّ من وعودي الثلاث، فلذلك هذا الحديث هدفه أن يرقى الإنسان بنفسه مرتين ؛ مرة بتصنُّع الأخلاق الفاضلة بضبط نفسه، والأخلاق المصطنعة ثمن الأخلاق الأصيلة، وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنما الحلم بالتحلم، و إنما الكرم بالتكرم )) http://www.nabulsi.com/images/inside...r-10260/05.jpg عندك صانع كسر آلة غالية، يمكن أن تضربه ضرباً مبرحاً، ويمكن أن تسبَّ أجداد أجداده، في ساعة غضب، ويمكن أن تسكت أيضاً، لقد انكسرت الآلة مِن غير قصد، فإذا سكتَّ يمضي عمر بكامله وأنت متمتع بهذا الموقف الأخلاقي، يمضي على هذه الحادثة شهر وشهران، وسنة وسنتان أو أربعون سنة، وأنت تشعر بسعادة كبيرة، لأنك كنت حليماً، وما رويت غليلك منه، لذلك أحد الصالحين ـ اسمه عصرون باشا ـ وضع وقفاً فيه كل أنواع الأواني، لكل طفل، أو صانع، أو أجير، أو زوجة، كسر آنية من الأواني يأتي إلى هذا المكان ويستبدلها بواحدة جديدة. ويقولون: إن هناك رجلاً شديداً، إلى درجة غير معقولة في علاقته مع زوجته، ـ وهذه القصة قديمة ـ يأتي الساعة الثانية عشرة، يجب أن تكون الزوجة واقفة وراء الباب معها البشكير والقبقاب، يدخل ويجري تفتيشًا، ويحضر محرمة بيضاء، ويصعد إلى الخزانة ويمسح، فإذا تغيَّر لونها أقام عليها النكير، وهكذا معاملته لها، وله كأس شهير ـ كريستال ـ يشرب بها، فمرة وقع هذا الكأس من يد الزوجة من أول الدرج لآخره فتوقعت أنها طالق، فالله عز وجل رحمها، والكأس لم يكسر، فهذه الزوجة لشدة فرحها بنجاة هذا الكأس من الكسر شكرت ربها شكراً لا حدود له، جاء زوجها مساءً وقال لها: أريد كأساً من الماء، فوقعت من يده على السجادة فكسرت، فابتسمَت، فقال لها: لماذا ابتسمتِ ؟ تكلمي، فقال لها: أنت سهَّلتِ كسرَها إذاً !!! هذه القسوة من آثار البُعد عن الله، والرحمة من آثار الصلة، فكان لعصرون باشا وقفٌ فيه من جميع أنواع الأواني، فأيُّ طفل، زوجة زوجها ظالم، أو صانع كسر آنية وخاف من سيِّده يعطيه قطعة من هذه الآنية، فيعطيه الآنية بكاملها، فكل إنسان أحضر له قطعة من إبريق، أو كأساً يعطيه بدلاً منه، حتى يوفِّر على الناس المشكلات. *** مناسك الحج: ساعات الإمتحان: تعليق على مناسك الحج، وكما قلت قبل قليل: العبادات منها الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، فهذه العبادات إما أن تكون مناسبة لسعادة الإنسان فيها، وإما أن تكون عبئاً عليه، فإذا سبقها استقامة والتزام، وسبقها طاعة لله في كل الأوامر ؛ في طعامه، وشرابه، وعلاقته بزوجته، وأولاده، وكسبه للمال، وإنفاقه له، وزواجه، وطلاقه، فإذا سبق هذه العبادات استقامة تامة تصبح هذه العبادات مناسبة للاتصال بالله عز وجل، وقد خطر في بالي قبل أن آتي إلى هنا ساعات الامتحان، هذه الساعات إما أن تكون أمتع ساعات الطالب، أو أصعب ساعاته، فإذا كان الامتحانُ ثلاث ساعات في الثانوية أو الجامعة، وقد سبقها دراسة جيدة، وحفظ جيد، وعدم هدر للوقت سابقاً، وهذه الكتب قرأت سابقاً، ولُخِّصت، وحفظت، ونوقشت، وحُلَّت مسائلها، فحينما يرى أن الأسئلة كلها واضحة يشعر الطالب بسعادة لا توصف، وهو في هذه الساعات الثلاث وإذا سبق هذا الامتحانَ إهمالٌ، وتقصيرٌ، وعدم مطالعة، وانحراف أخلاقي، تصبح هذه الساعات الثلاث عبئاً على الطالب، فالصلاة من دون استقامة صعبة، بل هي عبء، وثقيلة، فربنا عز وجل وصف المنافقين، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾ ( سورة النساء ) بين أن تقول: أرحنا بها، أو أرحنا منها، وبين أن ترى شهر رمضان شهر الغفران، والمحبة، والعبادة، وبين أن ترى هذا الشهر عبئاً، فتريد أن تسافر خارج القطر، فتكون حسب الشرع مسافراً، وهناك أناس يربطون سفرهم برمضان، حتى يتخلصُّوا من الصيام، ويصومونه في الشتاء، حيث اليومُ قصير، فهذه العبادات ومنها الحج، و الصيام، والصلاة، إن سبقتها طاعة لله عز وجل كالامتحان تماماً، ترى نفسك طليقاً وسعيداً في وجه متألق، والعينان زئبقيتان، وعليهما بريق، وإذا لم يدرس الطالب تصفَّن، وتضايق، وضجر، ويرى الوقت ثقيلاً عليه. العبادات لن تكون مرجوة النتائج كما اراد الله تعالى إلا إذا سبقت بطاعة الله: هذه العبادات إذا سبقتها طاعات لله عز وجل في كل الأوامر تصبح مناسبات للإقبال على الله عز وجل، لذلك: أرحنا بها يا بلال، كان النبي عليه الصلاة والسلام كما تقول السيدة عائشة: " يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ". وسيدنا سعد بن معاذ يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرتُ في جنازةٍ إلا فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ". فالإنسان قبل أن يحج يجب أن يهيِّئ نفسه للحج ؛ بأن يستقيم على أمر الله، وقبل أن يصلي يجب أن يكون مع الله في غض بصره، وفي كسب ماله، وفي كل أعماله، لذلك لا تكون هذه العبادات مرجوة النتائج كما أراد الله عز وجل إلا في حالةٍ واحدة ؛ إذا سبقتها طاعةٌ لله، لذلك: قم فصلِّ فإنك لم تصلِّ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، فهذه أشياء أساسية في الدين، وآن الأوان أن يطبقها الإنسان. *** سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: الحكمة من يتم النبي الكريم: بقيت كلمة عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واخترت لكم في هذا اليوم هذا السؤال لماذا كان عليه الصلاة والسلام يتيماً ؟ والغريب أن النبي عليه الصلاة والسلام وُلِد يتيماً، وبلغ من العمر ست سنوات، و توفيت أمه، فالحقيقة أنّ اليُتم مضاعف. أناس كثيرون يموت آباؤهم إما قبل الولادة، أو بعدها، وتبقى الأم، والأم شيء ثمين، أما أن يولد يتيماً عليه الصلاة والسلام وأن تموت أمه بعد ست سنوات، وله جدٌّ سيدُ قريش، عبد المطلب أحبّه حباً لا حدود له، وكان هذا الجد مكان أبيه وأمه، وفي السنة الثامنة توفي جده عبد المطلب، فما هذه الحكمة ؟ جده سيد قريش، وأبوه مِن أنجب أولاد جده، وكان عبدُ الله الجوهرةَ الوسطى في العقد، وأمُّه آمنةُ من بني النجار، والعلماء يقولون: من حكمة الله عز وجل أن كان النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً، وهو القائل: (( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي )) [السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ] فكل عوامل التوجيه، والرعاية، والتلقين، والتعليم، والاعتناء عطلت كلُّها، فإذا نبغ في أخلاقه، وفي علمه، فهذا دليل أن الله سبحانه وتعالى وحده الذي تولَّى تربيته، لذلك مرة سمعت كلمة اقشعر لها جلدي، قال رجل لآخر: إذا لم يكن له أب فليس له رب، فالرب هو كل شيء. الله عز وجل أفقد النبي الكريم الأب والأم والجد ولكن وفر له من يرعى امره: نلاحظ النبيَّ عليه الصلاة و السلام مع أنه لا يعرف أباه، وفَقَد أمَّه في سن مبكرة، وفَقَد جدَّه في السنة الثامنة من عمره، ومع ذلك قال: (( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي )) ، ولكنَّ الله عز وجل ـ كما يقول العوام ـ يبلي ويعين. هناك فتاةٌ حبشية اسمها "بركة"، سميت فيما بعد بأم أيمن، كانت جاريةٍ عند أبيه، هذه حضنته ورعته أحسن الرعاية، وكأنها أمه، أم أيمن أو بركة وعبد المطلب جده أيضاً بأسباب عديدة عطف عليه عطفاً يفوق عطف الآباء على الأبناء، فلأن عبد الله والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أحب الأبناء إلى عبد المطلب، لذلك أحبه حباً كثيراً، وأحب ابنه محمداً على حب أبيه، فكان هناك حبٌّ على حب، وهذه أم أيمن، بركة، الجارية عطفت عليه عطفاً كثيراً فكانت له كالأم، فربنا عز وجل أفقَدَه الأبَ والأمَّ، وأفقده الجدَّ، ولكنْ وفَّر له من يرعى أمره. إعجاب عبد المطلب بالنبي الكريم وتعلقه الشديد به: كان هناك عادات في الجاهلية، ومن عادة عبد المطلب بن هاشم أن يتخذ له مجلساً في الكعبة، يتحدث فيه إلى الرجال، ويتحدثون إليه، فكان يفرش له فراشاً في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليهم، فلا يجلس عليه أحد منهم إجلالاً له، ويعيِّن له مكان أبناء جده عبد المطلب، فكانوا يجلسون حول هذا الفراش، ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يأتي وهو غلامٌ جفر ـ ومعنى جفر أي فيه صحة ونمو ـ و يجلس على فراش جده، فيأتي أعمامه ليؤخروه عنه، فكان عبد المطلب يمنعهم إذا رآهم، ويقول: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكاً ـ أي يشم منه رائحة الملك ـ ثم يجلسه على فراشه ويمسح ظهره بيده، ويسره بما يراه منه وكان يقربه منه، ويدنيه، ويدخله عليه إذا خلا وإذا نام، ويرق له رقةً لم يرق لها والدٌ على ولده، وكان لا يأكل طعاماً إلا إذا قال أين محمد ؟ عليَّ بابني، وكان يسميه ابنه، فعبد المطلب جده كان معجباً به إعجاباً شديداً، ومتعلقًا به تعلقاً كبيراً، لِما يراه من آيات السمو، إنه طفل صغير عليه علائم النجابة، وعلائم السمو، فكان يعزف عن اللهو الباطل، وكان إذا دُعي إلى اللهو صلى الله عليه وسلم يقول: " لم أخلق لهذا ". نحن الكبار يا ترى هل لنا حرص على وقتنا ؟ هل تقول إذا دعيت إلى جلسة باطلة: لم أخلق لهذا، أو سهرة لا يوجد منها فائدة مع أناس متكبرين، فهل تقول من حين إلى آخر: لم أخلق لهذا، هل تعرف أنت لماذا خلقت ؟ هل الهدف من خلقك واضح أمامك، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان طفلاً صغيراً كان يقول إذا دعي إلى لهو الأطفال: "لم أخلق لهذا "، فكان عبد المطلب يعجب به أشد العجب، فكان يعجب من كمال أدبه، ومن سمو خلقه، ومن عزوف نفسه عن اللهو الباطل، وعن تنزهه عن التدني فيما يتدنى به الأطفال عادةً، من تهافت على الطعام والشراب، أو تطلع إلى ما يجلبه الآباء والأبناء، كل هذه الصفات المشتركة بين الأطفال كان عليه الصلاة والسلام مترفعاً عنها. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: شيء آخر ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾ ( سورة الأحزاب ) لقد جعله يتيماً، وهذا فخر لكل يتيم، وكما سمعت أن دار الأيتام في الميدان على مدخلها لوحة كبيرة فيها صورة لمقام النبي عليه الصلاة والسلام وكتب عليها " سيد الأيتام محمد عليه الصلاة والسلام"، فإذا فقدَ الإنسانُ أمَّه أو أباه، وما تلقى عناية كافية، فلا ينسى أن له ربًّاً يرعاه خير رعاية. يقول الرواة: " إن حليمة قدمت مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام ابن خمس سنين فأضلها في الناس ـ ضاع منها ـ فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة يدعو ويقول: لا هم أي اللهم، أدِّ راكبي محمداً، أدِّه إليّ، واصطنع عندي يده، فأنت الذي جعلته لي عضداً، وأنت الذي سميته محمداً ". فكان هناك حرص بالغ عليه من قِبَل جده، ومن قِبل مربيته، ولما مات عبد المطلب أحسَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بألم الفاجعة، وأدرك عِظَم المصيبة، وعرف أنه فقَد القلب الكبير، وهو في الثامنة من عمره، لذلك قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي خلف سرير عبد المطلب. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أتذكر يا رسول الله موت عبد المطلب ؟ قال: نعم وأنا يومئذٍ ابن ثماني سنين. المقاصد المتوخاة من السيرة الشريفة: هذه اللقطة من السيرة لي منها مقصدان ؛ أول مقصد؛ هل يوجد لأحدنا هدف، ولماذا أنت على وجه الأرض ؟ لماذا أنت هنا في الدنيا ؟ هل الهدف واضح تماماً، والنبي قال: " لم أخلق لهذا"، وأنت أمام المواقف المتعددة تقول: لم أخلق لهذا، أم تقول: خلقت لهذا، فيجب أن تعرف لماذا أنت هنا ؟ والشيء الثاني: إذا كان الإنسان يتيماً، فربما تلقّى عناية بشكل غير مباشر تفوق حدَّ الخيال، وقد يكون اليتيم أسعد الناس، فموضوع اليُتم، وكونه نشأ فقيراً، أو بعيداً عن والديه، أو في بيت مفكك، هذه كلها لا تقدِّم ولا تؤخِّر. ولله درُّ مَن قال: وَإِذَا الْعِنَايَةُ لاَحَظَتْكَ جُفُونُهَا نَــمْ فَالْمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :الاعداد للحج - باب الرجاء - سيرة النبى الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الرابع و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الرجاء : أيها الأخوة المؤمنون؛ لازلنا في رياض الصالحين، و "رياض" جمع روضة، ونحن اليوم في باب جديد ؛ هو باب الرجاء : (( عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] فهذا الصحابي الجليل عتبان بن مالك كان ممن شهد بدراً، وكان يصلي بقومه بني سالم إلا أن وادياً في أيام الشتاء يحول بين بيته وبين مصلى قومه، وكان هذا الوادي يمتلئ بالمياه فيشق عليه اجتيازه، فيقول عتبان بن مالك: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي)) [ البخاري عن عتبان بن مالك] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7341/01.jpg أي ضعُف بصري، وهذه الحواس التي أكرمنا الله بها هذه لحكمةٍ بالغة قبيل انتهاء العمر تضعف، وكأنها لفتُ نظرٍ لطيفٍ أنْ يا عبدي ضعُف بصُرك، وشاب شعرُك، وانحنى ظهرُك، وضعفت قوتُك فاستحِ مني أنا أستحيِ منك، وهذا تنبيه لطيف من الله حيث يضعف في الإنسان بصرُه وسمعه أحياناً، ويشيب شعره، ويشعر بوهن في قوته، وهذا من فضل الله علينا، أن يا عبدي اقترب الرحيل فماذا أعددتَ للقائي؟ فهذا الصحابي الجليل قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] فصحابي من عامة صحابة رسول الله ضعف بصره، وكان يؤم قومه في مصلاهم فحالَ الوادي بينه وبين قومه، فجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام وسأله أن يزوره في البيت، وتلبية الدعوة واجبة، فمن دعاك وجب حقه عليك، ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ((عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ )) [ أحمد عن معاذ ] أفتشعر بحب عميق لأخيك المؤمن، وأنه جزء منك، أو تتمنَّى له الخير كما تتمنَّاه لنفسك؟ أتفرح له إذا أصابته سراء؟ أو تُسرُّ إذا حلت مشكلته؟ أيها الأخوة هذا مقياس دقيق، فالمنافقون مقياسهم كما وصفهم الله عز وجل فقال: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 50] والمنافق كما قال عليه الصلاة والسلام: ((المنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم، والمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم )) [الترغيب والترهيب للمنذري عن أنس] ثمار الدين لن تقطف إلا بالتخلق بأخلاق الصحابة الكرام : لو كان لك بيت صغير، وزرتَ أخاك، ورأيت بيته واسعاً مريحاً، فعلامة إيمانك أن تفرح له، وإن كان لأخيك دخل كبير فعلامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الدخل لك، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ [ سورة النساء : 29] إنَّ هذا المال الذي تأكله من أخيك هو مالك، فيجب أن تشعر أنه مالك، فلأن كنت مكلفاً من قِبَل الله عز وجل أن تحافظ عليه فلأَن تمتنع عن أكله من باب أولى، وهكذا ربَّى الإسلام المسلمين، فمال أخيك هو مالك في الحفاظ عليه، وهذه من علامة المؤمن، وعلامة المنافق أنه يحسد، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 50] فيشعر المنافقُ بالراحة إذا ألمت بالمؤمن نازلةٌ، بل إن الله عز وجل توعَّد هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النور : 19] لم يفعلوا شيئاً، وما تكلموا كلمةً، وما تحركوا، وما نطقوا ببنت شفة، وما تبسموا لكنهم في أعماقهم ارتاحوا أن تشيع هذه الفاحشة بين المؤمنين، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين وربِّ الكعبة، وهذا الذي يتألم إذا أصاب المؤمن خير، ويفرح إذا أصابه سوء، ويحسده على ما آتاه الله، هذه علامة قطعيةٌ على أنه منافق، ونعوذ بالله من النفاق، هذا أخوك فافرح له، واطلب من الله أن يعطيك ما أعطاه، لقد رفعه الله فافرح، فإنّ عزَّه عزُّك، وشأنه شأنك، وتكريمه تكريم لك، فلذلك هذا الصحابي الجليل قال: ((وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى)) [ البخاري عن عتبان بن مالك] مادامت الأمطار تحول بيني وبين قومي. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] إنّ هذا الذي يترفع عن إخوانه الفقراء، والضعاف، والمساكين، هذا ليس مؤمناً، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه عدي بن حاتم فرحَّب به، ودعاه إلى بيته، وفي الطريق استوقفته امرأةٌ مسكينة فقيرةٌ تكلِّمه، فوقف معها النبي عليه الصلاة والسلام طويلاً يكلمها في حاجتها، فقال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملِك. ومرة سيدنا عمر دخل على رسول الله فرأى أثرَ الحصير في خده الشريف فبكى، وقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟! فقال: يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً. فالنبي متواضع، جلس مع مسكين، فمر بهما رجل فقال عليه الصلاة والسلام: مسكين يجلس مع مسكين. وسيدنا عمر كان في المسجد يمشي في الليل، ويبدو أنه مشى على أحد أعضاء رجل دون أن يشعر، وهذا الرجل عصبي المزاج، فانفعل وقال: أأعمى أنت؟ ولا يدري أنه عمر فقال: لا، فقيل له: أهكذا يقول وهكذا تجيبه ؟ فقال: سألني فأجبته، وقلت له: لا لستُ أعمى، وهكذا كان أصحاب النبي، ونحن لا نقطف ثمار الدين إلا إذا تخلَّقنا بأخلاقهم، من التواضع، والبذل، والعطاء، وخدمة الخلق، وأن ترى نفسك دونهم. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] وهذا تعليم لنا، فلا تذهب إلى مكان وحدك، وليكن معك رفيق. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ، قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] حكمة النبي وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه : بيت القصيد من هذا الحديث لم يأتِ بعد، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جاء على موعد، لِمِ لَمْ يأتِ على موعد؟ خشية أن يتكلف هؤلاء له، فجاءهم بلا موعد، وهم حينما قدِموا عليه عَظُم عليهم ألاّ يكرموه، فقال راوي الحديث عتبان بن مالك: ((قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ)) [ البخاري عن عتبان بن مالك] ويبدو أنها حلاوة سكر وطحين، أكلة سريعة، ومعنى حَبَسْنَاهُ أي رجوناه أن ينتظر حتى نقدِّم له هذا الطعام، وإكرامُ الضيف من السنة النبوية، فمن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربَّه. (( قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا )) [ البخاري عن عتبان بن مالك] ولم يأتِ بعد بيتُ القصيد، فبيت القصيد أن من هؤلاء مَّمن يسكن في هذه المنطقة رجل اسمه مالك بن الدخيشن، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ.. " فأين مالك ولِمَ لَمْ يأتِ معكم؟ لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم في ذهنه واحداً واحداً، وكلما علا مقام الإنسان عند الله عظمتْ رحمته وشفقته، وعظُم حبه لإخوانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سأل عن مالك، ويا ليته لم يسأل عنه. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ويبدو أنه تخلَّف به الركبُ، وسقط وبدأ ينتقض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يصلي، يبدو هكذا. ((.......فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا " ما هذا ؟ ما هو بمنافق، أو لا تقولوا ذلك، هنا سر النبوة، لو قال: ليس منافقاً وهم يسمعون منه كلام النفاق لشكوا في حكم رسول الله، ولو قال: نعم هو منافق، ووصل هذا إليه لكان هذا الكلام حجاباً بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي قال: لا، فلكم أن تفهموا "لا"، أي لا تقولوا ذلك أمامي، ولكم أن تفهموا "لا"، أنه ليس كذلك، فإذا نقلتَ هذه "لا" إلى مالك بين الدخيشن يفهمها أن النبي نهاهم على أن يتهموه بالنفاق، وإذا سمع أصحاب النبي كلمة لا من النبي ربما فهموها لا تقولوا كذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام حريص على أصحابه وحريص على المودة بينه وبينهم، فأي شيء يقطع هذه المودة إنما يقطعهم عن الله عز وجل لذلك قال: لاَ تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ )) يبدو أنه منحرف انحرافاً خطيراً، وأنه بعيد بعداً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا، أيْ لا أريد أن أسمع هذا الكلام، أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر، فعوِّد لسانك أن تثني على إخوانك، لا أن تذمهم، لأنك إذا ذممت أخاك وذاك ذمَّ أخاه، أصبح المجتمع الإسلامي مفتَّتًا، فانصح أخاك مباشرةً، وادعُ الله أن يردَّه إليه. (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)) هذه قاعدة عامة قد تنطبق على مالك أو لا تنطبق: ((حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ )) الذي استوقفني في هذه القصة أو هذا الموضوع الموجود في باب الرجاء من كتاب رياض الصالحين والحديث رقمه أربعمئة وسبعة عشر، حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه، وحرصه على ألاَّ ينطق الإنسان إلا بما فيه خير، وبالشيء الحسن، لكن للقصة تتمة، قبل سنتين أو ثلاث وقعت تحت يدي مجلة فيها موضوع عن تبوك قرأت الموضوع فإذا فيه حديث عن مسجد ضرار الذي أسسه المنافقون، وجاء في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل اثنين من صحابته الكرام أحدهم مالك بن الدخيشن، وهذا الموقف الأخلاقي المعتدل، وهذا الحرص البالغ على سلامة صدر هذا الصحابي، أو هذا الرجل الذي اتُّهِم بالنفاق، كلمة لا من رسول الله التي تعني أشياء كثيرة أعادت هذا الرجل إلى جادة الإيمان، وأصبح صحابياً جليلاً، وكلفه النبي عليه الصلاة والسلام بهدم مسجد ضرار. (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) [ البخاري عن أبي هريرة ] فقبل أن تنطق تأكَّد، فهذه الطُّرفة ربما جرحت فلاناً، وهذا التعليق ربما كسر قلب فلان، وهذه الابتسامة في هذا المكان ربما آلمت فلانًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قالت السيدة عائشة عن صفية إنها قصيرة قال: (( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا )) [ أبو داود عن عائشة] فالإسلام لم يَعُدْ أنا لا أسرق، ولا أشرب الخمر، هذه كبائر مفروغ منها، وهذه الكبائر لا يفعلها عامة المسلمين، ولكن ماذا بقي؟ بقي هذا اللسان، فكلمة واحدة قد تفسد، وقد تقطع، هناك أخ يحضر معنا، فجلس يومًا مع عدد من الإخوة، فتحوَّل المجلس إلى غيبة فَنَفَر لماذا الغيبة؟ عندما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات : 12] هذا نهي إلهي يقتضي الترك: (( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) [ أحمد عن أنس ] فانتقِ أجمل كلمة، وألطف عبارة، وراعِ شعور إخوانك، وشعور المؤمنين، والمسلمين، فلا تفضح، ولا تشكك، ولا تنتقد، ولا تحمر الوجوه، وهكذا فعَل النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فبكلمة لا يفهمها ابن الدخيشن أنه ينهاهم عن هذا الكلام، والتي يفهمها أصحاب الرسول لا تقولوا ذلك، هذه الكلمة كلمةٌ نبوية. قراءة سيرة النبي أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين : يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين، لأن مواقفه تشريع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7341/02.jpg وأنا لا أنسى يوم جاء سعدُ بنُ معاذٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: " يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ولِمَ يا سعد؟ قال: لما وزعت من هذا الفيء - أي توزيع الغنائم – قال: أين أنت منهم يا سعد؟ قال: ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك، فبادر النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، وبدأ باسترضائهم، مع أنه لا حق لهم في أن يجدوا عليه في أنفسهم فهو نبي مرسل ولا ينطق عن الهوى، وأفعاله كلها حكيمة، ومع ذلك قال له: اجمع لي قومك ووقف فيهم خطيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: مقالة بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليَ في أنفسكم، من أجل لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أما أنكم لو شئتم وقلتم فلصدقتم ولصدقتم به، آتيتنا مكذباً فصدقناك. بماذا بدأ النبي؟ هل بدأ بفضله عليهم؟ لا، بل بدأ بفضلهم عليه تطييباً لقلوبهم، وتلييناً لمواقفهم، ورحمةً بهم، وتحبباً إليهم، وقال لهم: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ - أنسيتم فضلي عليكم - وعالةً فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فقالوا: رضينا رضينا، وبكوا حتى أخضلوا لحاهم. هذا موقف، فإذا كان حولك شخص تألم فصالِحْه أنت، ولو كان الحق عليه، فابدأ أنت واستجلب قلبه، ولين له مواقفه، واعتذر له، وذكِّره بفضله ومكانته، وهذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقراءة سنة النبي عليه الصلاة والسلام ليست من باب إضافة المعلومات، إنها شيء أساسي في الدين، فالقرآن مطبق في سنة النبي، والقرآن يتلى في المصحف ومطبق في أخلاق النبي، وفي سيرته وأفعاله، فلذلك ليس من نافلة القول أن نمضي وقتاً مع النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته. الدروس المستفادة من الحديث التالي : أعيد عليكم قراءة الحديث سريعاً: ((عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأنْصارِيَّ رَضِي اللَّه عَنْه وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَاكَ أَلا تَرَاهُ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لا نَرَى وُدَّهُ وَلا حَدِيثَهُ إِلا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ )) [متفق عليه عَنِ ابْنِ شِهَابٍ] إنّ هذه القصة تعلمنا الشيء الكثير، تعلمك أن تضبط لسانك، و تحسن الظن بأخيك، وتلتمس له العذر، وتعينه على الشيطان، لا أن تعين الشيطان عليه، وتعلمنا الحلم، والنفَس الطويل، والستر، وتعلمنا الكلام الموزون المدروس، وأنّ الكلمة ربما أفسدت علاقة، وقطعت إنساناً عن الله عز وجل، فهذه قصةٌ تعلمنا أشياء كثيرة، وهي كما وردت في هذا الكتاب في حديث متفق عليه، ومعنى متفق عليه أي اتفق عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والإمام مسلم، وأعلى درجة من الأحاديث الشريفة ما اتفق عليه الشيخان، وحينما نذكر أنه متفق عليه، وأنه حديث صحيح، وأنه رواه الشيخان، أو رواه البخاري ومسلم، أو الإمام أحمد في مسنده، أو رواه الإمام مالك، أو كذا وكذا، فإن هذه عناية في تخريج الحديث، وأخطر ما في النقل صحته، والحديث تُبنى عليه عقيدة، ويبنى عليه حكم شرعي، ويبنى عليه موقف، وعطاء، وأخذ، وقطيعة، و صلة، فإذا كان الحديث موضوعاً أو ضعيفاً بُنِيت على خطأ، وما بُنِي على خطأ فهو خطأ، لذلك أكثر مشكلات المسلمين في هذا العصر أساسها تفرقةٌ جاءتهم من أحاديث موضوعة، أو من أحاديث ضعيفة، لذلك الصحة الصحة في رواية الأحاديث. هذا الكتاب الذي نأخذ منه الأحاديث ؛ رياض الصالحين للإمام النووي، كتابٌ أجمع العلماء على أن كل أحاديثه صحيحة، بل إنها في قمة الصحاح، إما رواية رواه البخاري، أو مسلم، أو رواه الشيخان كلاهما، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)) [الحاكم في المستدرك عن أنس] فإذا أخذتموه من حديث موضوع أو ضعيف كان الخطأ والخلل والانحراف، وهذا الذي دفعني إلى تقرير هذا الكتاب، فإذا اقتنى الإنسانُ هذا الكتاب وجعله في مكتبته فهو أفضل، لأن بيتًا إسلاميًّا من دون مكتبة بيت خرِبٌ، فكتاب في الحديث، وكتاب في السيرة، وآخر عن أصحاب رسول الله، وآخر في الفقه المبسط، فقد يخطر في بالك سؤال لم تعرف أن تجيب عليه وقد تستحي أن تطرحه على الآخرين، نواة مكتبة صغيرة، فاسأل من تثق بعلمه، فأيّ كتاب أفضل في الفقه الحنفي اقتَنِه، وأي كتاب في الحديث، وفي السيرة، فأحياناً تضطر أن تقرأ عن رسول الله في السيرة شيئاً، واللهِ إن الإنسان الصادق إذا قرأ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من سيرته، ربما نقلته السيرة إلى عصر النبي، فينسى أنه مولود في الشام، وفي عام كذا، إن أفعال النبي ومواقفه الرائعة تشدُّه إليك شدًّا، لذلك أمتع شيئاً تقرأه أن تقرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام. * * * من أعدّ نفسه في بلده إعداداً قوياً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج : الحقيقة كنت اليوم في اجتماع متعلق بالحج فسمعت أحد الخطباء يقول: إن هذا الحاج يذهب إلى الديار المقدسة ويعود، فإن جلست تستمع إليه لا ترى من كلامه إلا أنه وصل في الليل وتيسر له الركوب، ونام في المكان الفلاني، وأكل الطعام الفلاني، وحدث معه ما حدث، وكل هذا الحديث متعلق بمجريات الأمور العادية، لكن قلّما تستمع من حاج ماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة؟ ما حاله النفسي وهو يقبل الحجر الأسود إن تمكن؟ ما شعوره الروحي وهو يسعى بين الصفا والمروة؟ وكيف كانت أحواله وهو في عرفات؟ وكيف كان خشوعه في مزدلفة؟ وكيف كان قلبه وهو يرمي الجمار؟ إنَّ الحج الحقيقة إذا خلا من هذه الأحوال أصبح طقوساً، وما هي الطقوس؟ إنها أعمال لا معنى لها، وفي الديانات الوثنية طقوس، لكنْ نحن عندنا عبادات، والطقس هو حركة لا معنى لها، تمتمات وحركات وسكنات لا معنى لها، لكن العبادة التي شرعها الله عز وجل من خصائصها أنها معقولة، وأن هذا الحاج حينما يسعى يجب أن يسعى إلى الله عز وجل، وكذا حينما يطوف، وحينما يقف في عرفة ينبغي أن يعرف الله عز وجل، فالذهاب إلى الحج لا يحتاج إلا مجموعة شروط مادية، أن يكون اسمك في القرعة، وأن يكون دورك قريباً، وتدفع الرسم وتذهب إلى الحج، الأمر أخطر بكثير من ذلك، استعدادك في بلدك هو الذي يهيئ لك حجاً مقبولاً: (( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] الحجُّ المبرور أْن تحج بيت الله الحرام، وقد قبِل الله هذه الحجة، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنه:" من انصرف من عرفات ولم يغلب على يقينه أن الله قد غفر له فهو لم يحج". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7341/03.jpg فيجب أن يغلب على يقينك أن الله غفر لك، فلذلك كلما أعدَّ الإنسان نفسه في بلده إعداداً قوياً متيناً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج ، فإذا كان قلبك مولهاً بالله عز وجل، ودخلت إلى الكعبة المشرفة ففاجأتك هيبتها، وشعرت عندئذٍ أن الله عز وجل يقول لك: تعال إلي يا عبدي، دع همومك وتعال، خلِّ عنك الدنيا وتعال، ودع مشكلاتك، وخصوماتك، ورغباتك، وكل ما في بلدك، وتعال إلي، فالحج رحلة إلى الله عز وجل، والحج أن تزور الله في بيته، والمسجد العادي كما قال عنه الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر". فإذا ذهبت إلى بيت الله في بلدك فحقٌ على الله أن يكرمك، فالإنسان يترك أهله في البيت ويأتي إلى المسجد يقضي فيه ساعة أو ساعة ونصف، وقد يكون بيته في بلد بعيد، يحتاج إلى ساعتين أو ساعة ونصف، أيُعقَل أن الله سبحانه وتعالى تأتيه إلى بيته لتتفقه في الدين، ولتعرف أوامره ونواهيه، ولتعرف سيرة نبيه عليه الصلاة والسلام المطهرة ثم لا يكرمك!! فأحياناً الإنسان ينقذه اللهُ عز وجل بفضل حديث فهمه عن رسول الله، فلا يزهد في هذه المجالس، إنها مجالس مباركة، إن بيوتي في الأرض المساجد، تركتَ أهلك ساعتين، فحق على المزور أن يكرم الزائر، وتركت دكانك، ومسموح لك أن تفتح إلى الساعة التاسعة، والدرس ينتهي الساعة الثامنة، فأقفلت الدكان قبل ساعة، فهذه عند الله لها ثمن. حدثني أخ قال لي: وأنا غائب عن محلي لا يوجد زبائن، فحينما آتي إلى محلي تأتي الزبائن إكراماً من الله عز وجل، ألا تريد أن يشعرك الله عز وجل أنه راضٍ عنك وعن عملك؟ فهذه بعض المشعرات. لذلك:" إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر". فإذا طاف إنسان بالبيت، فليس من المعقول أن يكون ساهيًا، بل يجب أن يجمع قلبه على الله عز وجل، وأن يدعوه في قلبه، ويجب أن يغيب عن وجوده ووجود من حوله، وأن يستغرق في محبة الله، فإذا تركت أهلك وتحملتَ الأهوال الطائلة، وتحملت من مشاق السفر لتثبت وجودك المادي في عرفات، فأمر الله عز وجل أعظم وأجلّ من أن يتعبدك بركوب الطائرة إلى مكة المكرمة، وبالطواف حول البيت طوافاً أجوفَ، وأن تقف في عرفة لحظةً من نهار، ثم تعود إلى بيتك، لا، إنَّ أمر الله أجلّ وأعظم، لذلك ربنا عز وجل يقول: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [ سورة الحج : 28] التفقه قبل الذهاب للحج : اسأل الحاج ما المنافع الذي انتفعت بها في الحج؟ يقول لك: أحضرت مسجلة لا يوجد منها في الشام، ودخلت والحمد لله، هذه هي المنفعة؟ وربنا عز وجل قال: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 97] ماذا يعني الأمن؟ إذا دخلت البيت الحرام فقد أصبحت آمناً، و دخلت في عفو الله، ورجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، هذا معنى أنك دخلت البيت الحرام، ومن دخله كان آمناً، فإن لم تعقد توبة نصوحًا في بيت الله عز وجل، وإن لم تعُد إنساناً آخر بتفكيرك، ومشاعرك، وعملك، واستقامتك، وبيعك، وشرائك، لم تحجَّ البيت، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: " تفقهوا قبل أن تحجوا "، والحج سهل لكن الصعب فيه أن تكون فقيهاً، أن تذهب إلى الحج وأنت في مستوى الحج، لا أن تذهب وأنت بعيد عن هذا المستوى. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7341/04.jpg الحديث عن طواف القدوم، وعن الأشواط السبعة، وعن تقبيل الحجر الأسود، وعن الإشارة إليه، أو تقبيل اليد التي أشارت إليه، وعن استلام الركن اليماني، وعن الدعاء أثناء الطواف، وعن صلاة ركعتين، وعن التضلع من ماء زمزم، وعن الذهاب إلى الصفا، ثم السعي بين الصفا والمروة، وعن الهرولة بين الميلين الأخضرين في الأشواط الثلاثة الأولى، فهذه التفصيلات أصبحت معروفة، ولكن الذي نريد أن نضيف عليه هو أن تكون أيها الحاج الكريم في المستوى الذي أراده الله عز وجل، فهذه العبادة لما أمر اللهُ عز وجل بها وشرعها، أراد لها أن تكون على نحوٍ معيَّنٍ، وعلى شكل معيَّن، فهل كنتَ وِفق هذا النحو؟ فهذا الذي يعنينا في هذا الموضوع ؛ حول الطواف، وحول السعي بين الصفا والمروة، وفي الأيام التي تسبق اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوم التروية. وأيضاً في الحج هناك بعض المواعظ، ومنها هذه الثياب، فأحياناً يتمايز الإنسان على أخيه بالثياب، وبالعكس هناك مِهَن لها ثياب راقية، وهناك رتب عسكرية لها ثياب معينة، فكل إنسان له ثياب تتناسب مع مكانته الاجتماعية، ولمَّا أمرَنا ربُّنا عز وجل بخلع كل هذه الثياب دلَّ أنّ هذه الثياب لها مدلولات دنيوية، فهذا يعمل في هذا المنصب، وهذا يعمل في هذا السلك وهذه البدلة له، فحينما تخلع الثياب كلها فكأنما خلعت الدنيا معها، وحينما تخلع الثياب المخيطة وترتدي قماشاً غير مخيط، فهذا يذِّكرك بالرحلة الأخيرة، فالحجُّ إذاً رحلة قبل الأخيرة، يذكِّرك بالرحلة الأخيرة، فهل أعددتَ لهذه الرحلة الأخيرة عدَّتها؟ وحينما تأتي من بلدك إلى مكان لا تعرف فيه أحداً، وتخليت عن مكانتك وشأنك ومجتمعك وأقاربك ودنياك ومكتبك، إذاً هناك معنى ترك الدنيا، فالإنسان يصلي في بلده، لكن قد يكون مشغولاً في هذه الصلاة بغير الله عز وجل، لكنَّ الحج تفريغ إجباري لهذا الحاج ليبتعد عن كل دنياه، وعلى كل إنْ شاء الله في درس قادم نتحدث عن بعض التفصيلات في السعي بين الصفا والمروة وفي بدء التوجه إلى عرفات. * * * موقف النبي حينما عُرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش : قد يسأل سائل: ما خطَّتُنا في هذه السيرة؟ والحقيقة أنّ الدرس الأول أخذنا فيه موقف النبي عليه الصلاة والسلام حينما عرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش، أو أن يكون زوجاً لأجمل فتياتهم، أو أن يكون أميراً عليهم، وقال قولته الشهيرة: ((والله لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته )) [السيرة النبوية لابن هشام] هذا الموقف معروف، ويمكن طلابنا الصغار قرؤوا هذه المقولة الشهيرة للنبي في المدارس، ولكن نحن ماذا استنبطنا منها؟ نحن نستنبط من السيرة ما يعنينا كمؤمنين، فأنت أيها المؤمن هل هناك في حياتك أشياء غير قابلة للمساومة؟ وغير قابلة للمفاوضة؟ وغير قابلة للبحث؟ هل عندك مبادئ ثابتة تضحِّي من أجلها بالغالي والرخيص والنفس والنفيس أم عندك مرونة بالغة تميل مع الأهواء حيث تميل أم عندك حاسة سادسة لمصالحك حيث تغطيها بفتاوى دائماً سألت وهكذا قالوا؟ هذا كان الدرس الأول في السيرة وفصّلنا فيه. استقبال النبي مرضعته حليمة السعدية : الدرس الثاني في السيرة كان حول استقبال النبي عليه الصلاة والسلام مرضعته حليمة السعدية وهو رسول الله، استقبلها واقفاً وقال: " مرحباً بأمي، وردَّ لها ثيابه، وأجلسها عليها، وأعطاها ناقةً وأربعين شاةً، وفك أسر أهلها، وأعطاهم غنائمهم" هل أنت وفيٌّ لأمك هذا الوفاء؟ هل أنت وفي لمن علَّمك هذا الوفاء؟ هل تنسى الفضل أم تجحده؟ هذا درس ثانٍ لنا، أحيانا زوج له زوجة رضيت به فقيراً، فلما اغتنى أعرض عنها واحتقرها، وبحث عن امرأة أخرى، أهكذا الوفاء؟ والنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكرت أمامه خديجة بكى، قال: " صدَّقتني حينما كذَبني الناس، وقامت معي عندما قعد الناس عني، وأعطتني مالها ولم يبدلني الله خيراً منها". هذا وفاؤه للسيدة خديجة، والدين كله وفاء؛ فهو وفاء لوالدتك، و لوالدك، ولمن علَّمك، ولشريك كان معك سابقاً وأنت مفتقر، فلما اغتنيت أبعدتَه عنك، وحينما كان الوضع ضعيفاً كنتَ راضياً به، فاسأل نفسك هل عندي وفاء كما كان وفاء النبي لأمه حليمةَ السعدية؟ هذا هو الدرس الثاني. النبي رعى الغنم لتكون يده هي العليا : والدرس الثالث ؛ النبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم، لتكون يده هي العليا، لقد كانت عنده عِزَّةٌ حيث لا يرضى أن يكون عالةً على أحد، ولا يرضى أن تكون يده هي السفلى، ولما أعطى الصحابي الجليل الأنصاري أخاه المهاجر قال: يا أخي دونك هذا البيت فخذه، ودونك هذا البستان فخذه، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، فالأنصاري كان في منتهى الكرم، والمهاجر كان في منتهى الإباء، فهذه دروس لنا، وما دمت شاباً قادراً على الكسب لتكُن يدك هي العليا، وما رضي النبي أن يكون عبئاً على عمه أبي طالب فرعى الغنم على قراريط – أي على دريهمات- من أجل أن يساعد عمه. شيء آخر ؛ حينما يعمل فإنه يعلم قيمة المال وصعوبة وأخطار كسبه، فيعيش إذاً مع الناس من أجل أن يفهمهم، ويعالجهم، ويقف على مشكلاتهم، فهذا كان الدرس الثالث في السيرة. الهدف من الاعتكاف و الخلوة مع النفس : والدرس الرابع اليوم ؛ إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقضي الليالي ذوات العدد في غار حراء، فانظر إلى الناس اليوم، كلهم في زحمة الأعمال، وفي حركة سريعة، نام واستيقظ وتناول طعام الصباح، ثم ذهب إلى مكتبه، وحلّ مشكلات عديدة، وفي الساعة الثانية عاد إلى البيت، وتناول الغداء، ونام وبعد الظهر يوجد عنده مكتب ومحاسبة، وعاد الساعة العاشرة فتناول العشاء ونام إلى اليوم الثاني، فهذا الإنسان مستهلَك استهلاكاً رخيصاً، ليس عنده وقت للتأمل، عمل بعمل، ومشاغل، ومواعيد، ولقاءات باستمرار، ثم يأتي الموت فجأةً وينهي هذه المشاغل، وقد يفاجأ الإنسان أنه لم يُعِد للموت عدَّته، فأَعدَّ لكل شيءٍ عدَّته إلا الموت. فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد، هذا اعتكاف مهم، فلابد للمؤمن من خلوة، ولكن أقول لكم كلامًا دقيقًا: لا بد من خلوةٍ جزئية، فإن كانت هذه الخلوة متصلة فهي خطيرة، والخلوة المتصلة انسحاب من الحياة، وهروب من الواقع، أما الخلوة الجزئية فضرورية، ففي زحمة الأعمال، وزحمة القيل و القال، والأخذ والعطاء، وفي انهماك الناس في كسب المال، لابد من وقفةٍ متأنية، إلى أين المصير؟ ماذا بعد أن أحقق هذه الأرباح؟ ماذا بعد أن أشتري هذا البيت؟ ماذا بعد أن أنتهي من بناء هذا البيت الفخم في المصيف؟ ماذا بعد كل ذلك؟ بعد كل ذلك الموت، فماذا أعددت لهذا الموت؟ فهذه الوقفة المتأنية ضرورية، وكأنها مكابح الإنسان، فمن دون تأمل كأنه سيارة مندفعة نحو الأمام بلا وعي، ولكن حينما يتأمل ويخلو مع نفسه يتفكر في كل شيء، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخلو بنفسه مع ربه في غار حراء ويقضي الليالي ذوات العدد، فأول هدف من الخلوة أن تتفكر في خلق السموات والأرض، لأنك الآن مع ربك، وأنت لا تفكر في مصلحة، ولا في كسب مال، ولا في تجارة، ولا في صفقة، ولا في زواج، ولا في تصليح آلة معقدة، و لا في شراء آلة، ولا في سفر، ولا في متعة، تفكر من أنت؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ مَن خلقني؟ ولماذا خلقني؟ وماذا يريد مني؟ وإلى أين المصير؟ وماذا بعد الموت؟ هذا هو التفكر، فلابد من خلوة وهذه الخلوة مكابح. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7341/05.jpg فهذه الخلوة مع ربك أول فائدة من فوائدها أنك تفكر في مصيرك، وفي القضايا الكبرى في عقيدتك، ومبادئك، والهدف الثاني لهذه الخلوة أنك تتقرب إلى الله بهذه الخلوة بذكر آلائه، ونعمه، وتسبيحه، وتمجيده، وتوحيده، ومناجاته، وبالدعاء له، وبتلاوة كتابه، وبالسجود له، فهذه الخلوة فيها جانب علمي، وجانب انفعالي، فالجانب العلمي أن تزداد معرفتك بالله ومعرفتك بنفسك، وأن تعرف لماذا أنت هنا، وماذا ينبغي أن تفعل هنا، وماذا بعد هنا، وأين كنت قبل هنا، هذا هو التأمل. والشيء الثاني تلاوة كتاب الله، وذكر نعم الله عز وجل، والتهجد، والسجود، والدعاء، والبكاء، والتذلل، والرجاء، والاستعطاف، فهذا كله يجعلك تقترب من الله عز وجل، وكلما اقتربت منه تجلَّى على قلبك وسعدتَ. واللِه الذي لا إله إلا هو مَن صحَّتْ خلوتُه صحّ عمله وصحّ نطقه، وشعر في اليوم التالي أنه إنسان آخر ممتلئ نورًا، وسعادة، وقوة، وتفكيرًا صحيحًا، وجرأة، وطمأنينة، وسكينة، فلذلك لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفِك النهار كله، هذه هي الخلوة. موضوعا الخلوة الأساسيان أن تعرف الله، وأن تتصل به، فهذه هي الخلوة، فإن لم تكن في هذين الموضوعين انقلبت إلى خطر، وتصبح حلمًا ؛ يحلم ويحلم، وغداً أبيع هذه القدرة وهو جالس تحت قدرة العسل، أبيعها وأشتري أرضًا وأعمِّر بها بيتاً، وأشتري قطيعًا من الأغنام، وأتزوج، وأنجب أولادًا وأؤدِّبهم، فإذا أساؤوا فرفع عصاه فضرب القدرة فانكسرت ووقعت عليه، فإذا جلس إنسان في خلوة وكان بعيدًا عن موضوعي معرفة الله والتقرب منه يصبح حالمًا غير واقعي، ويصبح يخرف، فالخلوة أولاً لها خطران؛ أول خطر أن تكون مستمرة، فإذا استمرت فهي هروب من الحياة، وبُعدٌ عن الواقع، والخطر الثاني أن تكون في غير هذين الموضوعين، فلتكُن جزئية ؛ كل يوم ربع ساعة صباحاً، أو نصف ساعة، أو بالشهر، أو برمضان اعتكاف، أو البعد عن المجتمعات الصاخبة إلى مكان هادئ تخلو بربك، فالخلوة الجزئية وفي موضوعي معرفة الله والاتصال به سُنةٌ نبويةٌ أمرنا بها عليه الصلاة والسلام وفعلها في غار حراء. |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : حكم الاسلام فى الغناءالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الخامس و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مكتسبات الدين لا تقطف إلا بالاستقامة على أمر الله : أيها الأخوة المؤمنون ، أخ كريم رجاني أن أعالج في هذا الدرس موضوع الغناء ، لذلك اخترت فصلاً من إحياء علوم الدين ، بل اخترت فصلاً من تلخيص إحياء علوم الدين ، التلخيص اسمه تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين ، هذا الفصل عنوانه السمع ، وسأنقل لكم مختارات من هذا الفصل ، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن موضوع السماع كما ورد في كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، لا بد من مقدمة ، أيها الأخوة الأكارم كما قال عليه الصلاة والسلام : ((ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا : لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأِئِمَّةِ الْمُؤْمِنِين)) [مسلم عن ابن عباس ] الإنسان أحياناً يمضي وقتاً طويلاً ويكثر حضور مجالس العلم ، وينوع مجالس العلم ، ويطالع ويطّلع ، ويستمع ويقرأ ، إن لم يستقم على أمر الله أي شغل في الدنيا إن حصّلته حصّلت كل شيء ، وإن لم تحصّله لم تحصّل شيئاً ، هذا كلام دقيق ، أي في الدين نجد السعادة ، نجد الطمأنينة ، في الدين هناك شعور بالتقدم دائماً ، شعور بالتفوق ، شعور بالفلاح وبعض النجاح ، في الدين شعور لا يوصف ، وهو شعور القرب من الله عز وجل ، في الدين شعور أن المستقبل إلى جانبك ، وأن خطك البياني في صعود مستمر ، كل ما في الدين من ثغرات ، كل ما في الدين من مكتسبات ، كل ما في الدين من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله ، كلام دقيق وخطير أي لنوفر وقتنا ، لنوفر جهدنا ، ما دام هناك معاص، مخالفات ، شبهات فالطريق إلى الله ليست سالكة ، هذا الكلام إذا أدركته وفرت وقتك ، هذا يذكرني بقصة مضحكة ، يروى أن السلطان العثماني قدم إلى الشام ، ووالي دمشق لم يطلق المدافع من أجله ، فأمر بإعدامه ، كما يقال من حلاوة الروح سأله قبل أن يقتل ، وهي رواية غير دقيقة ، لماذا لم تطلق هذه المدافع ؟ قال : هناك سبعة عشر سبباً ، قال : ما هي ؟ قال ليس هناك بارود ، قال : لا تكمل انتهى الأمر ، سبب وجيه ، أي إذا لم يكن هناك استقامة لا تكمل ، الطرق كلها مغلقة ، الطرق كلها مسدودة ، الطمأنينة ، السعادة ، التوفيق أن يكون كلامك سديداً ، أن يكون عملك راشداً ، أن تشعر بحلاوة الاتصال ، أن تشعر بطعم الصيام ، أن تذوق حلاوة الحج ، أي كل ما في الدين من ثمار ، كل ما في الدين من مكتسبات ، من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله ، حاسب نفسك حساباً عسيراً ليكون حسابك يوم القيامة يسيراً ، اسأل نفسك لماذا الحجاب بينك وبين الله ؟ لا بد من مخالفات ، لا بد من ظلم للآخرين ، لا بد من تقصير في أداء الحقوق. فيا أيها الإخوة الأكارم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع : ((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم)) [ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه] أي أن تقوم الوثنية مرة ثانية هذا مستحيل ، ولت الوثنية إلى غير رجعة ، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، مادام هناك مخالفات في الجوارح ، ما دام هناك شبهات في كسب المال ، ما دام هناك شبهات في إنفاق المال ، ما دام هناك إطلاق البصر فيما حرم الله ، ما دام هناك سماع ما لا يرضي الله ، ما دامت هذه الجوارح لم تستقم بعد على أمر الله ، فالطريق إلى الله ليست سالكة ، هذا الكلام أسوقه لكم ليكون الوقت مستثمراً استثماراً كبيراً ، وإلا مهما ذهبت ، و مهما أتيت ، و مهما عدت ، ومهما استمعت ، اقرأ ما شئت واستمع إلى من شئت ، مادام هناك مخالفات فهناك حجاب بينك وبين الله ، لا تذوق طعم الإيمان إلا إذا استقمت مع الله ، ولا تذوق حلاوة القرب إلا إذا استقمت على أمر الله ، لا يلقى النور في قلبك فترى فيه الحق حقاً والباطل باطلاً إلا إذا استقمت على أمر الله . سُقْتُ هذا الكلام كمقدمة ليكون السير إلى الله واضحاً ، أي يجب أن تصل إلى درجة أن تكون لك حساسية كبيرة في طريق الإيمان ، هذه المخالفة حجبتك عن صلاة الظهر ، هذه النظرة حجبتك عن الاتصال بالله ، هذا المبلغ المشبوه قطعك عن الله ، فلذلك من ذاق حلاوة القرب ، ومن ذاق طعم الإيمان ، ومن ذاق حلاوة الإيمان لحرصه الشديد على دوام هذه الصلة يبالغ في استقامته على أمر الله ، وأقول لكم كلمة : ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ، أي صفقة فيها شبهة ، أقول لك : اركلها بقدمك ، صداقة فيها شبهة اقطعها وأنت الرابح ، تجارة فيها شبهة ابتعد عنها وأنت الكاسب . الأسباب الموجبة لتحريم الغناء : 1 ـ يلهي القلب عن التفكير في عظمة الله : لذلك نحن سقنا هذا الموضوع موضوع الغناء لأنه ابتلي به معظم المسلمين ، ففي أكثر بيوت المسلمين الأغاني تصدح ، أي كيف يجتمع قرآن مع غناء ؟ كيف يجتمع اتصال بالله مع سماع الغناء ؟ أنا لا أقول شيئاً من عندي ، أنقل لكم ما ورد في كتاب السماع من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي الحامد الغزالي . في مقدمة هذا الفصل يقول : إنّ الغناء يلهي القلب عن التفكير في عظمة الله ، أي هذا الموضوع الآن أنك أنت في الدنيا عليك مهمة خطيرة فأي شيء ألهاك عن مهمتك الخطيرة فهو حكماً حرام بمعنى أنّ الإنسان إذا عمل بالخسيس ونسي النفيس انطبق عليه قول الله عز وجل : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [ سورة التكاثر : 1] عمل بالخسيس ونسي النفيس ، أنت في الدنيا مخلوق لمهمة عظيمة وهي أن تعرف الله ، وأن تعرف منهجه ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تتقرب إليه لتنال سعادة الدنيا والآخرة ، إذاً أي شيء ألهاك عن هذا الهدف النبيل وعن هذا القصد الجليل فهو عقبة كؤود في طريق سعادتك ، فإذا أردنا أن نعلل وأن نبين لماذا الغناء نهانا النبي عنه ؟ لأنه لهو ، تصور إنساناً غاص في أعماق البحار وتجشم الأخطار ورأى في قاع البحار لآلئ وأصداف ، فترك اللآلئ وجاء بالأصداف ، مئة صدفة لا تساوي لؤلؤة واحدة ، قلت لكم سابقاً : من طبيعة الإنسان أن يحب ، هذا طبع ثابت في الإنسان ، المشكلة ليست في أن تحب أو لا تحب ، لا بد من أن تحب ، ولكن المشكلة في من تحب ، قلت لكم سابقاً : ليست المشكلة في أن تؤمن أو لا تؤمن، لا هذا الموضوع غير مقبول ، المشكلة متى تؤمن ؟ لأنّ فرعون آمن عند الموت ، قال تعالى : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ سورة ق : 22] إذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تحب ، لأنّ الحب غذاء القلب ، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تتعلم ، لأن العلم غذاء العقل ، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تأكل ، لأنّ الأكل غذاء الجسم ، أنت بحاجة إلى ثلاثة أغذية : إلى طعام وشراب تغذي به جسمك ، وعلمٍ تغذي به عقلك ، و حب تغذي به قلبك ، ويجب أن تتوازن ، لأنّ شريعة الله عز وجل شريعة متوازنة ، يجب ألا يقع الخلل ، ألا تحب على حساب عقلك ، وألا تعقل على حساب قلبك ، وألا تهتم بجسمك على حساب دينك ، لابد من التوازن ، إذاً أول شيء ، مثلاً من باب التوضيح ، لو أنّ طالباً عنده امتحان خطير بعد عشر ساعات ، أي الساعة الثامنة في صبيحة اليوم التالي عنده امتحان في مادة خطيرة في عام تخرجه ، واشتهى أن يأكل وجبة من الطعام التي لا توجد إلا في مركز المدينة ، فارتدى ثيابه وركب السيارة العامة ، وانتظر إلى أن جاءت السيارة العامة ، وزاحم الناس بمنكبيه ، وبقيت هذه السيارة تمشي ساعة أو أقل ، إلى أن وصل إلى مركز المدينة ، وانتقل إلى طرف مركزها ، ووقف في طابور طويل ليشتري هذه الحلوى أو هذا الطعام الذي اشتهاه ، ثم عاد أدراجه إلى البيت أي أنفق ثلاث ساعات ، ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً ، أكل طعاماً ، لكن نقول له : هذا الوقت الخطير أنت استهلكته في سبب تافه ، فأول شيء في الغناء أنت مخلوق لهدف عظيم ، فإذا ألِفت سماع اللهو فهو اسمه لهو لأنه يلهي عما خُلِقت له ، وحينما دُعي النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهو قال وهو طفل صغير :" أنا لم أُخلقْ لهذا" ، هذا سبب . 2 ـ يغري الإنسان بالشهوات و المعاصي : السبب الثاني كما يذكر صاحب الإحياء أنّ الغناء يغريك بالشهوات وبالمعاصي ، لأنّ الغناء كما يقال رُقيَةُ الزنى ، ما الغناء ؟ وصف لمحاسن المرأة في معظمه ، إذاً كأن الغناء كما يقول بعض العلماء رقية الزنى ، إذاً من جهة يعطل عليك مهمتك الخطيرة ، ومن جهة يدعوك إلى معصية الله ، هذه الأسباب الموجبة لتحريم الغناء . عدم تحريم الشعر الذي يسمو بالإنسان و مشاعره : لكن مثلاً ما ينشده المنشدون وهم في طريقهم إلى الحج قيل : بشرها دليلها وقال : غداً ترين الطلح والجبال . أي إذا كان هناك حادي يحدو الإبل وله بعض الأناشيد التي يذكر فيها الكعبة والمطاف والمسعى وعرفات ومنى وقبر النبي ، فهذا الشعر الذي ينشده الحادين ليثيروا مشاعر الحجاج هذا ليس عليه شيء ، أنت لو حضرت عقد قران وأنشد المنشدون بمدح سيد الأنام لا شيء عليك ، لو ابتهل المبتهلون بأصوات عذبة شجية حركوا مشاعرك لا شيء عليك ، ليس هذا هو الغناء ، هذا شعر كما قال الفقهاء حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فهذا من الشعر الحسن لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً)) [البخاري في الأدب عن أبي بن كعب] أحياناً تفعل بك أبيات في مدح رسول الله ما لا تفعله الخطب الطويلة ، وأحياناً تفعل بك أبيات في الابتهال لله عز وجل ما لا تفعله بك الكتب العريضة ، فهذا ليس من الغناء أن تستمع إلى مدح النبي عليه الصلاة والسلام وأنت في عقد قران ، وأنت في مولد لذكرى سيد الأنام ، فهذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع إطلاقاً ، معانٍ سامية ، مشاعر القرب ، مشاعر الحب ، مشاعر الوجد ، مشاعر التوبة ، مشاعر الندم ، مشاعر القرب من الله عز وجل ، هذا ليس معنياً في درسنا إطلاقاً ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام حادٍ - أي يا حادي الركبان متى وصلت البان ، أرح هناك العيس - اسمه أنجشة يحدو الإبل فقال عليه الصلاة والسلام : ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَسُوقُ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ فَاشْتَدَّ فِي السِّيَاقَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ)) [رواه الشيخان عن أنس ] وفي حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا ؟ وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو القوم ويقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلنْ سكِينـــةً علينـــا وثبت الأقدام إن لاقينا *** فقال عليه الصلاة والسلام : من هذا السائق ؟ من هذا الحادي ؟ فقالوا : عامر بن الأكوع ، فقال : يرحمه الله ، أي أحياناً هناك منشد يحرك مشاعرك . مرة ثانية ليس هذا هو الغناء المحرم ، هذا يسمو بك ، هذا يحرك مشاعرك نحو الله عز وجل ، هذا يحرك مشاعرك نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا يحملك على أن تتوب ، وكما قيل : إلى متى و أنت باللذات مشـغول وأنت عن كــل ما قدمت مسؤول *** تعصي الإله وأنت تظهر حبـه ذاك لعمــري في المقام بديـــع لو كان حبك صادقاً لأطعــتـــه إنّ المحـــب لمن يحب مطيـع *** أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها كأن العيـــــن حولاء أو عميـــا لأنت كمزكوم حوى المسك جيبه ولكنه المحـــروم ما شمه أصلاً *** أيا عبدنا ما قرأت كتابنــا أما تستحـي منا ويكفيك مــــا جرى أما تستحي منا؟ ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟ أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـــاء وعدنــــا * * * إلى آخر الأبيات ، فأبيات تثير لواعج الشوق إلى الله عز وجل ، أو مشاعر التوبة، أو مشاعر الاستغفار ، أو مشاعر الندم ، هذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع ، هذا شعر يسمو بالإنسان ، أي ما يلقى في الموالد من مدائح ، من ابتهالات ، من وصف للنبي عليه الصلاة والسلام هذا لا شيء عليه ، وقد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال : " أما استماع الحدائي ونسيج الأعرابي فلا بأس به "، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أهديت امرأة إلى زوجها في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قال : قولوا : أتيناكم أتينـــاكم فحيونا نحييـكــم ولولا الحبة السمرة لما جئنا لواديكم *** أي هذا يقال في الأفراح ، هناك أشعار تنمي في الإنسان الزهد ، قيل : يــاغادياً في غفلــــــة ورائـحاً إلى متـــــى تستحسن القبائحا؟ وكم أخي كم لا تخاف موقفا يستنطـــق الله به الجوارحا؟ واعجباً منك وأنت مبصـــــر كيف تجنبت الطريق الواضحا؟ *** شيء يدعو للتوبة ، يدعو للندم ، يروى أنّ أحدهم سأل الإمام أحمد بن حنبل عن هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار ، قال : يا إمام أي شيء تقول فيها هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار ؟ فقال : مثل أي شيء ، فقال السائل : إذا ما قـال لـي ربــــي أما استحييت تعصـيني؟ وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتينـــــــي؟ *** فقال ابن حنبل : أعد أعد عليّ ، فأعدت عليه ، فقام ودخل بيته وردّ الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول : إذا ما قـال لـي ربــــــي أما استحييت تعصـيني؟ وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتينـــــــي؟ *** فهذه الأشعار في وصف سيد الأنام ، في الابتهال إلى الله ، في وصف معاني القرب ، في وصف لواعج المحب ، هذه الأشعار ليست من موضوعنا في شيء . طبع الناس طبع موحد يطربون بالشيء الجميل : لكننا نسوق لكم هذه الحقيقة ، من الثابت أن طبع الناس طبع موحد ، أي كل بني البشر يطربون بالشيء الجميل ، لو أنّ شاباً قال لك : أنا مهما نظرت إلى النساء الحسناوات لا أتأثر بجمالهن أبداً بماذا تجيبه ؟ نقول : هذا كلام غير صحيح ، لأن طبعك طبع أي إنسان ، وطبع الإنسان يميل إلى المرأة ، فهذا كلام مرفوض وإذا كان فعلاً صادق أي أنه مريض ويحتاج إلى معالجة ، إذا قال : أنا لا أتأثر ، معناها هناك كذب ، وإذا كان صادقاً معناها يحتاج إلى معالجة ، فعندما قال ربنا عز وجل : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [ سورة النور : 30] أن يقول قائل : أنا لا أتأثر أبداً ، نقول هذا كلام فيه كذب ، وإذا كان صحيحاً فأنت من طبع آخر ، لست من بني البشر ، فلذلك إذا قال قائل : أنا أستمع إلى كل المغنيات ولا أتأثر أبداً ، نقول لك : هذا كلام فيه كذب ، ولو كنت صادقاً فيما تقول فأنت بحاجة إلى معالجة لأن طبع البشر واحد ، طبعاً يتفاوتون بفواصل قليلة جداً ، أما طبيعة الإنسان لو أنه سمع أو شاهد امرأة حسناء لتحول من جهة إلى جهة ، فكيف يقول القائل : نحن نستمع ولا نتأثر ، هذا الكلام جوابه إما أنكم تكذبون وإما أنكم مرضى ، فالذي نهى الله عنه ما نهى عنه إلا لأنه ضار، وما نهى عنه إلا لأن طبع البشر كلهم واحد في هذا . أدلة من الكتاب و السنة تحرم الغناء : الآن دخلنا في الموضوع ، هذا الذي قلناه قبل قليل هو مباح ولا شيء على صاحبه، لكن ما هي الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة التي تحرم الغناء ؟ قال من كتاب الله قوله تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [ سورة لقمان : 6] قال ابن مسعود : هو الغناء ، وأعلى تفسير عند أعلام المفسرين هو تفسير الصحابة، وابن مسعود من أصحاب رسول الله ، وعن سعيد بن يسار قال : " سألت عكرمة عن لهو الحديث فقال : هو الغناء " ، هذا صحابي آخر ، وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة أصحاب النبي عليهم رضوان الله قالوا : إنّ لهو الحديث هو الغناء ، الدليل الثاني : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [ سورة النجم : 59-61] معنى سامدون عن ابن عباس وأنتم سامدون أي وأنتم تغنون ، أي الناس سكرى بالغناء ، سائقو السيارات ، سائقو المركبات ، في المكاتب ، في البيوت ، في المتاجر ، في المزارع ، وأنتم سامدون ، يريدون الحق وهم سامدون ، معنى سامدون يغنون ، وقال مجاهد : هو الغناء سمد فلان إذا غنى ، هذا الدليل الثاني ، وأما الدليل الثالث فقوله عز وجل : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾ [ سورة الإسراء : 64] عن سفيان الثوري عن مجاهد واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال : هو الغناء والمُدَامُ ، هذه ثلاثة أدلة من كتاب الله ، ليس من فهمنا له بل من فهم أصحاب رسول الله ، أما السنة : (( أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ قَالَ : لاَ وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ)) [الترمذي عن عطاء عن جابر بن عبد الله] هذا دليل من السنة .أدلة من أصحاب الرسول تحرم الغناء : الآن أدلة من أصحاب رسول الله ، قال ابن مسعود : " الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الذقن" ، وقال ابن مسعود : " إذا ركب الرجل الدابة ولم يسمِ لبسه الشيطان ، وقال : تغنى ، فإن لم يحسن قال : تمنى " تجد المسافر إما أنه يغني أو يستمع إلى الغناء أو يتمنى ، يعيش في أحلام كلها دنيوية ، وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال : " أنهاك عنه وأكرهه لك ، قال : أحرام هو ؟ قال : انظر يا بن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يكون الغناء " ذات مرة أعجبني من رجل ، هناك دليل بسيط جداً ربما تتكلم ساعات طويلة عن مضار التدخين والسرطانات وضيق الشرايين والجلطة في القلب والأوعية ، قال له : بالله عليك إذا أمسكت دخينة لتشربها هل تقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، هل تسمِ ؟ فإذا أنهيتها هل تقول : الحمد لله رب العالمين ، ائت لي بإنسان يسمي إذا بدأ ويحمد الله إذا انتهى ، إذاً هذه من الخبائث ، هذا دليل سريع ، سيدنا عمر بن عبد العزيز كتب إلى مؤدب ولده : " ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن " ، وعن الفضيل بن عياض : " الغناء رقية الزنى " والضحاك يقول : " الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب" ويزيد بن الوليد يقول : " يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة "، سئل أبو علي عن سماع الملاهي وعن رجل يقول : هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر فيّ اختلاف الأحوال ، فقال : نعم لقد وصل إلى صقر " ، طبعاً هناك تفسيرات كثيرة ولكن أردت أنا أن أميز بين نوعين من الشعر في مدح رسول الله وليس معه معاجم ، ولا آلات له ، هذا لا شيء عليه ، أو في الابتهال إلى الله ، أو في التوسل ، وشعر آخر فيه وصف المحاسن ، وفيه إثارة للشهوات ، هذا الغناء الذي حرمه الشرع . تلخيص لما سبق : طبعاً كما قلت في مطلع الدرس إنك لا تستطيع أن تتصل بالله إذا كنت مقيماً على معصية ، لا تستطيع أن تتصل بالله إلا إذا طهرت جوارحك من كل مخالفة ، فكل ثمار الدين ، كل عطاءات الدين ، كل السعادة التي ترجوها من الدين ، كل ما عند الله عز وجل لا تناله إلا بطاعتك ، لذلك قالوا : الاستقامة عين الكرامة ، هذا الموضوع أحد الأخوة الأكارم رجاني أن أعالجه في هذا الدرس ، عالجته بطريقة مختصرة فيه جانب مشرق لا شيء عليه ، وفيه جانب آخر فيه كل شيء ، بل فيه قطيعة مع الله عز وجل ، وأؤكد لكم إذ قال بعضهم : إن القرآن و الغناء لا يجتمعان في قلب إنسان ، إما أن يكون قلبه مشبعاً بالغناء ، و إما أن يكون قلبه مشبعاً بالقرآن ، ويحك ألغير كتاب الله تتغنى ؟ وأقول لكم مرة أخيرة : إن ذواقي الغناء في العالم لو اجتمعوا والله الذي لا إله إلا هو لا يرقون في طربهم وفي استمتاعهم بأغانيهم إلى درجة المؤمن حينما يطرب في كتاب الله ، أي أنت إذا أعرضت عن الغناء لن تبقى محروماً من نعمة النغم ، يأتيك طرب بكتاب الله لا يوصف ، هذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( ماترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر] * * * أبو حنيفة النعمان : و أما الحديث عن أعلام المسلمين فاخترت لكم في هذا الدرس الإمام أبو حنيفة النعمان ، إمام الأئمة الفقهاء ، و سنأخذ فقرات من فضائله و من محنه فترون أن هؤلاء الذين تركوا هذا الذخر الكبير من الفقه كيف كان ورعهم ، لا تنسوا أن الإمام أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه كان ورعاً إلى درجة لا تصدق ، أنا مرة ذكرت لكم أنه ألزم نفسه أن يدفع ديناراً ذهبياً لكل يمين يحلفها في البيع و الشراء و هو صادق ، كل يمين يحلفها و هو صادق ألزم نفسه أن يدفع ديناراً صدقة ، كان يؤدب نفسه تأديباً كبيراً ، كان واقفاً مرة في ظل بيت مع شخص يتحادثان ، أمسكه من يده و تنحيا عن الظل إلى الشمس فالشخص استغرب ، لماذا فعلت هذا ؟ قال : هذا بيت مرهون عندي وإني أكره أن أنتفع بظله ، كان ورعه إلى هذا المستوى ، فلذلك : (( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلد)) [ الجامع الصغير عن أنس ] أجمل ما في حياة هذا الإمام العظيم : أجمل ما في حياة هذا الإمام العظيم هو إكرامه لطلبة العلم ، كان أبو حنيفة كما يروي من ألّف عنه طويل الصمت ، كثير التفكر ، دقيق النظر في الفقه ، لطيف الاستخراج في العلم والبحث ، لا يطلب على تعليمه ، وإن كان الطالب فقيراً أغناه ، وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم ، فإذا تعلم قال له : لقد وصلت إلى الغنى الأكبر وهو معرفة الحلال والحرام ، وكان كثير العقل ، قليل المجادلة ، أي أنه كان يدعم طلابه الفقراء حتى يتعلموا ، فإذا تعلموا قال : هذا هو الغنى الأكبر ، أن تعرف الحلال والحرام ، أكبر تلميذ من تلاميذه هو الإمام زُفَر والإمام محمد وأبو يوسف ، أكبر تلميذ من تلاميذه هو أبو يوسف ، يقول أبو يوسف : كنت أطلب الحديث وأنا مُقِل المال ، وأنا فقير فجاء لي أبي وأنا عند الإمام قال لي : يا بني لا تمدّن رجلك معه فإنّ خبزه مشوي وأنت محتاج ، أي اتركه فنحن بحاجة إليك ، فقعدت عن كثير من الطلب، تركت المجالس واخترت طاعة والدي ، فسأل عني الإمام وتفقدني وقال حين رآني : ما خلّفك عني يا بني ؟ قال : طلب المعاش يا سيدي ، فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إلي صرة فيها مئة درهم وقال : أنفق هذا فإذا تمً إنفاقه أعلمني والزم الحلقة ، فلما مضت مدة دفع إلي مئة أخرى وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يخبر بنفادها ، حتى بلغت حاجتي من العلم أحسن الله مكافأته وغفر له ، هذا تلميذه أبو اليوسف صار من أعلام الفقهاء ، لأنه حينما أخذه والده وأبعده عن مجالس العلم تفقده أبو حنيفة رضي الله عنه وسأل عنه وأمده بمصروفه حتى صار الإمام أبا يوسف ، ويروى أنّ الحسن بن زياد كان فقيراً وكان يلازمه الإمام وكان أبوه يقول له : لنا بنات وليس لنا ابن غيرك فاشتغل بهن يا بني ، فلما بلغ الخبر الإمام أجرى عليه رزقاً ، وقال : الزم الفقه فإني ما رأيت فقيهاً معسراً أبداً ، لأنه عرف الحق ، عرف الحلال والحرام ، عرف ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، ألطف كلمة هي : فإني ما رأيت فقيراً معسراً ، وروى الموفق بسنده إلى مكي بن إبراهيم أحد شيوخ البخاري قال : كنت أتجر فقدمت على أبي حنيفة فقال لي : يا مكي أراك تتّجِر ؟ التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كبير، تفقهوا قبل أن تتّجروا ، لأنكم إذا اتّجرتم من دون تفقه ضللتم وأكلتم الحرام ووقعتم في الربا وأنتم لا تدرون ، قال : التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير فلمَ لا تتعلمُ العلم ولمَ لا تكتب ؟ فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه فرزقني الله منه شيئاً كثيراً ، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما أذكره لأن الله ببركته فتح لي باب العلم ، ملخص هذه القصص أن العلم هو الغنى الحقيقي ، وأنه كما قال أبو حنيفة : ما رأيت فقيراً معسراً ، لأنه عرف الحق ، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ، وهو كان يقول : " من طلب العلم تكفل الله له برزقه " أي حينما تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لحضور مجالس العلم كي تتفقه ، فإن الله سبحانه وتعالى يبارك لك في بقية وقتك . المآزق التي وقع بها أبو حنيفة النعمان : الحقيقة أن الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه ورحمه الله تعالى وقع في مآزق حرجة جداً ، وهذه المآزق تؤكد فهمه الدقيق ، وحسه المرهف ، وسرعة بديهته ، أي النبي عليه الصلاة والسلام كان على المنبر فسأله أحد الأعراب قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان سريع البديهة فرد عليه بسؤال آخر : وماذا أعددت لها ؟ من محن أبي حنيفة دخل عليه أحد الخوارج في أيام الخليفة مروان بن محمد ، الخوارج فرقة ضالة احتلت الكوفة بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني ، فقد دخل الضحاك ومعه جماعة على الإمام رحمه الله تعالى وطلب منه أن يتوب ، لماذا ؟ لأنّ الخوارج يكفّرون بالصغيرة ، بمعنى أن أي إنسان فعل ذنباً صغيراً فهو كافر ، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتقد هذا ، فدخل الخوارج على بيته مقتحمين ، وأمراه أن يتوب وإلا قتلاه ، فقال الإمام : ممّ أتوب ؟ ماذا فعلت حتى أتوب ؟ وأعاد عليه الضحّاك الأمر بالتوبة ، فقال له الإمام : ممّ أتوب قل لي ؟ قال : من رضاك بالتحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، أنت رضيت بالتحكيم ، فقال له الإمام : هل لك أن تناظرني ؟ قال : نعم ، قال الإمام : إذا اختلفنا فمن نجعل بيننا ؟ قال : نجعل فلاناً، فقال له الإمام : أترضى به أن يكون حكماً بيننا ؟ قال : نعم ، قال الإمام للضحاك لقد رضيت بالتحكيم أنت ، أي أعطاه إجابة هاك رضيت بالتحكيم ، أتناظرني ؟ فقال له : نعم فإذا اختلفنا قال له : نحكّم فلاناً ، ترضى به ؟ أرضى به ، هاك قد رضيت بالتحكيم فلمَ تطلب مني أن أتوب من قبول التحكيم ؟ هذه سرعة بديهة . هناك محنة ثانية دخل عليه وفد الخوارج وقد شهروا سيوفهم وقالوا : هاتان جنازتان بباب المسجد ، أما إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات ، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها ، طبعاً لو قال : إنهما شخصان مسلمان لقتلاه ، شهرا عليه السيوف ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : من أي المِلل كانا ؟ ما ملتهما ؟ هل من اليهود ، قالوا : لا ، قال : أمن النصارى ؟ قالوا : لا ، قال : أمن المجوس ، قالوا : لا ، هما مسلمان ، قال : هذا هو الجواب، فلما وصلا معه إلى هذه النقطة قالوا : ليس هذا نسألك ، هل هما في الجنة أم في النار ؟ قل لنا ، طبعاً أن تقول فلان في الجنة أو في النار هذا ليس من شأنك ، لكن لا شك أنّ الإنسان إذا مات كافراً فهو إلى النار بنص القرآن الكريم ، لكن إذا رأيته يعصي ليس من شأنك أن تحكم عليه لأنه قد يتوب ويسبقك ، الآن يعصي وأنت لا تعصي ، اطلب من الله التثبيت ، اطلب من الله له الهداية ، واطلب لنفسك التثبيت ، أما إذا عيّرت عاصياً بمعصيته ربما تاب من معصيته وابتلاك الله بها ، لأنّ التعيير ذنب كما تعرفون ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم ، وإن عيّره ابتُلي به ، فنحن نقول : من آمن بوجود الله عز وجل ولم يطعه نقول : هذا الإيمان لا يكفي لنجاته لا في الدنيا ولا في الآخرة هذا كلام صحيح ، لقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾ [ سورة النساء : 136] أي أنت أيقنت أنّ الماء ضروري ولم تقبل عليه فمت عطشاً ، وفي الحقيقة ما قيمة هذا الإيمان ؟ لكن أن تقول : فلان كافر ، هذا ليس من شأن الإنسان ، فلما قالوا : أهما في الجنة أم في النار ؟ قال : أما إذا أبيتم فإني أقول فيهما ما قال إبراهيم عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرم منهما قوله تعالى : ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة إبراهيم : 36] وأقول ما قال عيسى بن مريم قال تعالى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة المائدة : 118] وأقول ما قال نوح قال تعالى :﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الشعراء : 111-114] وأقول ما قال نوح قال تعالى : ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة هود : 31] خمسة أقوال لأنبياء كبار ، هذا هو الأدب لله عز وجل.من استقام على أمر الله فليشكر الله : إذا كنت في طاعة فقبّل الأرض شكراً لله تعالى على أن هداك ، وعلى أن قواك وأعانك على طاعته ، الدليل قول سيدنا يوسف قال تعالى : ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ سورة يوسف : 33] فإذا استقام أحدنا على أمر الله فلا يعتد باستقامته وإنما يشكر الله عز وجل ، أقول لك مرة ثانية : إذا كنت مستقيماً على أمر الله ، إذا كنت غاضاً لبصرك ، متحققاً من دخلك، منفقاً مالك في سبيل الله ، تحضر مجالس العلم ، تحب الله ورسوله ، تحب المؤمنين ، تنفق من مالك في مرضاة الله عز وجل ، قبّل الأرض ، واشكر الله عز وجل على أن هداك وأعانك ، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وإن رأيت ضالاً وعاصياً فادع له بالهدى والتوفيق هذا الموقف الكامل ، أما أن تعيّره بمعصيته فهذا ذنب يستحق العقاب ، وربما كان عقابه أنّ الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويبتليك به ، فالإنسان كلما كان أكثر تأدباً مع الله عز وجل كلما كان أقرب إلى الله ، وقلت لكم مرة : سيدنا عمر حينما بلغه أنّ أحد أصدقائه كان في الشام يشرب الخمر ويعصي الله أرسل له رسالة تقطر رقة وعطفاً : أحمد الله إليك غافر الذنب ، قابل التوب، شديد العقاب ، ذي الطول ، فقيل إنّ هذا الصديق العاصي قرأها وصار يبكي إلى أن تاب ، فلما بلغ عمر رضي الله عنه ما كان من حال صديقه قال : هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضلّ كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم ، إذا أخطأ أحد ما عليك قبوله ، وتطييب خاطره ، وإعانته على نفسه ، ورحمته ، وإياك والقسوة عليه فيزداد بعداً عن الله عز وجل ، قال لهم : ما دام سيدنا عيسى هكذا قال ، قال تعالى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ سورة المائدة : 118] من أنا ؟ سيدنا عيسى وسيدنا داود وسيدنا نوح وسيدنا رسول الله .المحنة الرابعة التي وقع بها أبو حنيفة : المحنة الرابعة : دعا أبو جعفر أبا حنيفة النعمان ليتولى القضاء فامتنع ، فطلب إليه أن يرجع إليه القضاة فيما يُشكل عليهم ليفتيهم فامتنع ، فأنزل عليه العذاب بالضرب والحبس أو الحبس وحده على اختلاف الروايات ، الحقيقة لما حضر أبو حنيفة إلى بغداد خرج ممتقع الوجه وقال : إنّ هذا دعاني إلى القضاء فأعلمته أني لا أصلح ، وإني لأعلم أنّ البينة على المدّعي واليمين على من أنكر ، أقسم له أني لا أصلح للقضاء ، قال له : إن كنت صادقاً في قولي يصلح له فلان ، إن كنت صادقاً في قولي فأنت عليك أن تولي الأولى ، وإن كنت كاذباً في هذا اليمين فلا يصح لك أن تولي كاذباً القضاء ، أي بطريقة من الطرق خرج من هذه المحنة التي لو أنّ الإنسان ابتلي بها قاضيان إلى النار وقاضٍ إلى جهنم بعضهم قالوا أي كلهم على خطأ ، طبعاً إلا من عصم الله عز وجل ، ألم يقل له بأن حجراً عَبَدَ الله خمسين عاماً ثم ضج بالشكوى إلى الله ، قال : يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف ؟ قال له : تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم ، قصته الشهيرة مع أحد خصومه الكبار الذين أرادوا أن يوقعوا به وأن ينهوه عند المنصور ، كان في حضرة المنصور وسأله هذا القاضي قال له : يا أبا حنيفة إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم ؟ فإن قال له : اقتله فقد أغضب الله عز وجل ، وإن قال له : لا تقتله فقد أغضب المنصور ، فكان سريع البديهة قال : الخليفة على الحق أم على الباطل أجبني ؟ وكان الخليفة جالساً فقال له : على الحق ، قال له : فكن مع الحق ، فلما خرج قال : أراد أن يقيدني فربطته ، هذا من مواقفه الذكية . بعض من أقوال أبي حنيفة النعمان : بعض أقواله بشكل سريع قال : " من لم يمنعه العلم عن محارم الله ولم يحجزه عن معاصي الله فهو من الخاسرين " كما قلت أول الدرس : كل هذا العلم محاضرات ، كتب ، مطالعات ، حضور ندوات، مناقشات ، أشرطة ، كل هذا العلم في النهاية إذا لم يمنعك عن معصية الله فأنت من أكبر الخاسرين ، لماذا ؟ لأن ندم الذي لم يتعلم أقل منك ، أي تعلمت وحدت عما تعلمت ، هذا أول قول . القول الثاني : " إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة من العلماء فليس لله ولي ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه " ولي جاهل لا يوجد ، ولي أجدب لا يوجد ، ما دمت ولياً لله فلا بد من أن يعلمك الله عز وجل ، لأن الله ما اتخذ ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، بل إن الإيمان لقب في ثلاث خصائص ، خاصة علمية ، وخاصة أخلاقية ، وخاصة جمالية ، فأنت كمؤمن لا بد من أن تكون عالماً ، أنت منطلق من مبادئ ، من قيم ، من حقائق ، من مسلمات، من إيمان راسخ أنّ لهذا الكون إلهاً ورباً ومسيراً ، هو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، كامل في أسمائه ، هذا القرآن كلامه ومعك على ذلك ألف دليل ودليل ، وهذا النبي رسوله ، مؤمن وجاهل لا يوجد ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، هذه أول صفة . الصفة الثانية ، الخاصة الثانية في الإيمان أو في المؤمن الخاصة الأخلاقية ، مؤمن غدار لا يوجد ، مؤمن محتال لا يوجد، الحد الأدنى للإيمان الأخلاق ، وهناك أحاديث كثيرة جداً كلها صحيحة ، الإيمان كله أخلاق ، " كنا قوماً أهل جاهلية فلما بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، دعانا إلى الله لنعبده ونوحده ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ". الصفة الأولى بالمؤمن صفة علمية :"ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ". الصفة الثانية صفة أخلاقية ، غدر ، إفك ، افتراء ، إيقاع بين الناس ، ليس هذا من صفات المؤمن ، المؤمن إنسان أخلاقي ، وقّاف عند حدود الله . والصفة الثالثة جمالية ، فالمؤمن له ذوق ، نظيف ، عنده أذواق عالية ، يطرب لا للغناء وإنما للقرآن ، أجمل ما في المرأة حشمتها ، أذواقه في اختيار أهله ، في اختيار طعامه، نظيف ، في كل شيء نظيف ، ففي الإيمان صفة أخلاقية وعلمية وجمالية ذوقية . و قال : " إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة علماء فليس لله ولي ، من تعلّم العلم للدنيا حرم بركته ولم ينتفع به أحد ، ومن تعلمه للدين بورك له في علمه ورسخ في دينه وانتفع الناس منه " ، لذلك يقول الإمام الغزالي :" أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله " حكمة الإمام أبي حنيفة و سرعة بديهيته : الإمام أبو حنيفة سئل عن رجلين كبيرين عظيمي الشأن ، قال : أيهما أفضل ؟ قال : والله ما قدري أن أفضِّل بينهما ، قدري أن أدعو لهما وأن أجلّهما فقط ، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ، أنت لا تملك الحق أن تميز بين اثنين أعلى منك ، فلان هذا أحسن من فلان ، ما شأنك بهذا ؟ أنت لست في مستواهما ، فلما سئل أيهما تفضِّل ؟ قال : والله ليس هذا من شأني، أنا شأني أن أدعو لهما وأن أجلهما ، أما أن أحكم بينهما فو الله ليس هذا من شأني ، كان هناك أمير من أمراء الكوفة سأله مرة : يا أبا حنيفة لو تغشيتنا فو الله نحن نحبك ، تعال لعندنا نكرمك، ونحتفل بك ، لو تغشيتنا يا أبا حنيفة فيمن يغشانا ، أي أنّ بابنا لا يُغلق أبداً ، الناس مقبلون علينا زرافات ووحدانا ، وأنت لا نراك ، فقال له رحمه الله : لأنك إن قربتني فتنتني ، وإن أقصيتني أحزنتني ، إن قربتني فتنتني في ديني ، وإن أقصيتني أحزنتني ، وليس عندك ما أرجوه إطلاقاً ، ما أرجوك له ، طلبي هو الآخرة ، طلبي الجنة ، طلبي مرضاة الله عز وجل ، فليس عندك شيء أرجوك له ، وليس عندي شيء أخافك عليه ، لم تعطني شيئاً تخاف أن تذهب مني، ليس لي عندك حاجة ، حاجتي عند الله عز وجل ، وليس لك عندي حاجة تخاف أن تذهب مني ، قال له : ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه ؟ وليس عندك شيء أرجوه منك ؟ قال له : وإنما يغشاك من يغشاك ليستغني بك عمن سواك ، وأنا غني بمن أغناك، فلِمَ أغشاك فيمن يغشاك ؟ ليس لي مصلحة عندك ، ألم يقل أحد الخلفاء لأحد العلماء بالحرم المكي : سلني حاجتك ؟ قال له : والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله ، هذا غير معقول فهنا بيت الله عز وجل ، فلما التقى به خارج الحرم قال له : سلني حاجتك ؟ قال له : والله ما سألتها من يملكها أفأسألها ممن لا يملكها ؟ فلما ألح عليه قال له : أريد منك الجنة ، قال له : هذه ليست عندي ، فأجابه : إذاً ليس لي عندك حاجة ، فأنا أريد هذه . |
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اداب السفر وانواعة الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( السادس و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . السفر : أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في الدرس الماضي عن موضوع دقيق هو موضوع الغناء ، وفي هذا الدرس نتحدث عن موضوع آخر ألا وهو موضوع السفر ، فالسفر نشاط من نشاطات الإنسان ، هناك من يسافر لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فيقع في شر عمله ويدفع الثمن باهظاً من دينه وآخرته ، وهناك من يسافر في سبيل الله فيكسب الدنيا والآخرة . موضوع السفر هل هو حرام ؟ هل هو حلال ؟ هل هو واجب ؟ هل هو مندوب ؟ هل هو مكروه ؟ وما أهداف السفر ؟ يا ترى ما علاقة السفر بطلب العلم ؟ ما علاقة السفر بالعبادة؟ بالجهاد في سبيل الله ؟ بطلب الدنيا إذا أعسر الإنسان ؟ بهذه الموضوعات الدقيقة التي كثيراً ما يتحدث عنها الناس ويسألون عنها أهل العلم و هم في جهل من دقائقها سنتكلم اليوم . أنواع السفر : 1 ـ السفر في سبيل الله و أعلاه السفر في طلب العلم : لاشك أن هناك سفراً في سبيل الله ، أعلى أنواع السفر في سبيل الله السفر في طلب العلم لماذا ؟ لأن العلم هو الطريق الوحيد إلى الله ، ولأن في الكون حقيقةً واحدة هي وجود الله و وحدانيته وكماله ، وكل شيء يوصل إليه مشروع ، وكل شيء يبعد عنه مذموم ، ومحرم ، ومنهي عنه . السفر الأول هو سفر في طلب العلم ، هذا السفر واجب أم نفل ؟ ما ينبغي أن يعلم بالضرورة سفر واجب ، وما كان فرض كفاية سفر مندوب ، وإذا كان السفر ترك الوطن ، وترك الأهل ، وترك الأولاد ن وترك الدنيا ، وترك العمل من أجل طلب العلم ، فما قولك فيمن يقطن في دولة وفيها مجالس علم وقد يكون مجلس العلم إلى جوار بيته وهو يتكاسل أو يعرض عن أن يحضر في الأسبوع مجلساً أو مجلسين ويمضي ساعات طويلة فيما لا يرضي الله عز وجل ؟ الحديث الآن أن تسافر من بلدك إلى بلد آخر ، أن تقطع الصحارى والفيافي ، أن تدع الأهل والأولاد ، أن تدع مكتبك التجاري ، أن تفقد مركزك المالي ، أن تفقد مركزك الاجتماعي من أجل طلب العلم ، لأن العلم هو الطريق ، وأقول بدقة هو الطريق الوحيدة إلى الله ، وأي حركة قبل العلم حركة عشوائية ، فلذلك إذا كنا في بلدةٍ فيها علم صحيح ، وفيها مساجد ، وفيها دعاة ، فإذا كنت في بلد بعيد بعيد أنت مكلف في نص الأحاديث الشريفة أن تطلب العلم ، طلب العلم فريضة على كل مسلم إذا كان العلم في بلد بعيد عن بلدك ، طلب العلم فريضة على كل مسلم ، تطلبه أينما كان إن كان في بلدتك ، أو في غير بلدتك . سيدنا جابر بن عبد الله رحل من المدينة مسيرة شهر في حديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلغه عن عبد الله بن أنيس حتى سمعه منه ، الإنسان يقطع بالساعة أربعة كيلو متر ، و بالثماني ساعات خمسة وعشرين كيلو متراً ، وبالعشرة أيام مئتين وخمسين كيلو متراً ، وبثلاثين يوماً سبعمئة وخمسين كيلو متراً ، مسيرة سبعمئة وخمسين كيلو متراً من أجل حديث واحد ، يمكن أخواننا الكرام الذين يسكنون هذه البلدة لا يكلفهم طلب العلم إلا أن يركبوا سيارة واحدة . وقال الشعبي : لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدىً أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعاً ، كلمة حق ، حديث شريف ، فهم آيةٍ ، فهم حكم فقهي ، هذا إذا طبقته سعدت به إلى الأبد . الحكمة من السفر : والحقيقة عندنا علم آخر كل إنسان في بلده ، في بيته ، أموره ميسرة ، حاجاته مؤمنة، الناس يعرفونه فلا تبدو أخلاقه الحقيقية ، لكن الأخلاق الحقيقية تبدو في السفر فما سمي السفر سفراً إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، وما قبل سيدنا عمر من رجل قال : أنا فلان أعرفه ، قال له : هل سافرت معه ؟ هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ هل جاورته ؟ أحياناً الإنسان يدعي أنه إنسان طيب ويحب الخير ، لو سافر مع مجموعة أشخاص لظهر على حقيقته ، يحب نفسه فقط ، يحب أن يأخذ كل شيء بلا شيء ، يحب أن يستريح ، يحب أن يأكل دون أن يجهد، يحب أن يخدمه الآخرون ، إذا سافرت ربما تعرفت إلى الله من خلال أهل العلم ، وإذا سافرت ربما تعرفت إلى نفسك ، أخطر شيء في الحياة أن يكون لك حجم ، أن يكون لإيمانك حجم وأنت واقف تظن حجم إيمانك أكبر بكثير ، فالسفر يسفر عن أخلاق الرجال . وهناك شيء آخر ، إذا سافر الإنسان رأى آيات الله في الكون ، ربما آيات الله عز وجل تزيده معرفةً بالله ، لذلك قالوا : " هناك سفر استثمار وسفر اعتبار ، سفر الاستثمار أن تبحث عن رزق الله في أرض الله ، أما سفر الاعتبار فربما إذا رأيت مظاهر الطبيعة ، ربما إذا رأيت بعض ما خلق الله عز وجل من آياتٍ بليغة ، من آيات دالة على عظمته ربما ازداد إيمانك". على كل إذا سافرت من أجل علم ينبغي أن يعلم بالضرورة فهذا سفر واجب بل هو فرض عين ، إنسان مقيم بقرية لا يوجد في هذه القرية عالم يعطيه العلم الصحيح ، فصار مجيئه إلى بلد فيه علم صحيح فرض عين ليتعلم ما ينبغي أن يعلم بالضرورة ، أما إذا انتقل من بلده إلى بلد آخر ليتبحر في المواريث هذا السفر مندوب ولكن ليس واجباً ، السفر لمعرفة ما يجب أن يعرف فرض ، أما السفر لمعرفة علم هو في الحقيقة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل فهو مندوب ، هذا السفر من أجل طلب العلم ، وما ذكرت هذا الموضوع إلا لأذكركم أنك مأمور أن تسافر من بلدك إلى بلد بعيد إلى بلد في أقصى الدنيا ، أحد العارفين بالله التقى بعالم كبير في الحج وهو فيما أذكر من سكان هذه البلدة فقال : أنا مكاني في الهند يا ولدي ، هنا بالحج ليس هناك مكان لأن أعلمك شيئاً إذا أردتني فالحقني إلى الهند ، فهذا العالم حينما عاد من الحج رحل إلى الهند ليتلقى العلم عن هذا العالم الجليل ، السفر من أجل طلب العلم يقع في الدرجة الأولى ، فما قولك إذا كنت في بلدة فيها علم ما عليك إلا أن تقتطع من وقتك ساعة في الأسبوع مرة أو مرتين . 2 ـ السفر من أجل العبادة : الآن عندنا سفر آخر لأجل العبادة من حج أو جهاد ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأقْصَى )) [متفق عليه عن أبي هريرة ] إذا سافرت إلى مسجد بقصد التبرك به لا يمكن أن تستفيد إلا إذا كان أحد هذه المساجد ، قالوا : إن الجامع الأموي بحلب جامع مبارك ، غداً سوف نغادر إلى حلب لنزور هذا المسجد ، نقول له : لا يجوز ، لا يجوز أن تسافر بقصد أن تتبرك بمسجد إلا إلى أحد هذه المساجد الثلاث وما سوى ذلك فلا يسن ولا يشرع أن تزور مسجداً آخر ، لأن كل المساجد سوى هذه المساجد الثلاث سواء عند الله إذا كان القصد زيارة مسجد بالذات ، أما إذا كان القصد زيارة رجل تثق بعلمه وإخلاصه في هذا المسجد فصارت الزيارة لما في هذا المسجد من درس ، من أجل درس علم ، أو من ذكر ، الحج والجهاد هذا سفر عبادة ، والأول طلب علم . 3 ـ السفر للهرب من سبب مشوش للدين : القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين ، أي أغلى شيء عليك هو دينك ، فإذا كنت في مكان دينك مهدد بالخطر ، أو منعت من ممارسة شعائر دينك ، أو شعرت أن هذا البلد فيه خطر على دين أولادك ، رجل ذهب إلى بلد غربي والأمور ميسرة ، شراء البيت بالتقسيط بسعر زهيد ، الحاجات كلها مؤمنة ، كل شيء على ما يرام إلا أن الفسق والفجور لا يوصف ، لو فرضنا أن الرجل ضبط نفسه ، والزوجة ضبطت نفسها ، فما هي حالة الأولاد ؟ وما هو شعور أب يرى ابنته لها صديق ومستعدة أن تتخلى عن كل أهلها وألا تتخلى عن هذا الصديق وقد يكون هذا الصديق يهودياً وأنت مسلم ؟ هذا سفر في سبيل الشيطان . من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله ، تعيش في بلد تبيع الفتاة عرضها بشيء زهيد جداً ، بحبة مسكة ، وأولادك في هذا البلد والبنت التي ليس لها صديق بنت مريضة تحتاج إلى معالجة نفسية ، والشاب إن لم تكن له صديقة يحتاج إلى طبيب نفسي ، وشرب الخمر كشرب الماء ، وأينما ذهب رأيت الفتنة يقظة والجنس كل شيء ، ولا شيء سواه ، مثل هذا البلد إذا سافرت إليه و أردت أن تقيم فيه رغبةً فيما عند هؤلاء من مال وفير ، ومتعة رخيصة ، وحياة آمنة ، وحاجات موفورة ، إذا أقمت في مثل هذا البلد يجب أن تعلم علم اليقين أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر وقال : " برئت منه ذمة الله " يدفع الثمن . الآن كم من أسر مسلمة عاشوا في بلاد الكفر وحينما ضيقوا عليهم ، وحينما حملوا بناتهم على أن يدعن أمر الله عز وجل ، وحينما منعوا من ممارسة شعائر دينهم ، تركوا وهاجروا و أغناهم الله في بلد الهجرة . والله زرت شخصاً من بلاد تركيا عمره يزيد عن ثمانين عاماً قال : أنا رحلت إلى بلدكم يوم ضيق علينا ، ويوم صارت الصلاة تهمةً خطيرةً يقتل صاحبها ، جئنا إلى بلدكم وأقسم بالله أنه لا يملك أن يشتري نقيراص ، قال لي : عندي خمسة وثلاثون بيتاً في هذه البلدة ، قلت: سبحان الله ! وأراضي وتجارة وهو يغدق على الناس ، كيف أصبح غنياً في هذه البلدة ؟ لأنه هاجر في سبيل الله ، لأنه خاف على دينه . لي صديق لفت نظري أنه لما حج قال : حججت عن نفسي حجة الإسلام ثم حججت عن أبي ثم حججت عن أمي لفت نظري الترتيب ، الحديث : أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ، هو بالعكس حج عن والده أولاً ثم عن والدته ، فلما سألته ما سر هذا الترتيب ؟ قال : كنا في بلد أجنبي وصار الضغط على الدين ضغطاً غير معقول ، فآثر أبي أن يفر بدينه ، وأن يحفظ لنا ديننا ، فجاء بنا إلى هذه البلدة ، قلت : سبحان الله رأى أن قرار أبيه هو الذي حفظ له دينه ، إذاً حج عن أبيه بادئ ذي بدء ثم حج عن أمه ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ [ سورة النساء : 97] إذا كنت في الأرض مستضعفاً ولم تستطع أن تقيم شعائر الله عز وجل ، وتركت البلد الذي يظلم فيها المسلم فهذه هجرة في سبيل الله ، فما قولكم في إنسان يقيم في بلدة كلها مساجد ، كلها مجالس علم ، كلها دعوة إلى الله ، فيها خير كثير ، فيها بقية من صالحين ، يدع كل هذا الخير من أجل دريهمات يقبضها في عاجل دنياه . 4 ـ السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون : السفر الرابع : السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون ، أي إذا وجد وباء إلا الطاعون ، يوجد أحاديث متعلقة بالطاعون وهذه الأحاديث أعجب ما في الأمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ )) [مسلم عن أسامة بن زيد] هذا الحديث ، إذا سمعتم بأرض فيها طاعون لا تدخلوا عليه واضح ، لكن إذا كنت بأرض فيها طاعون لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن تخرج منها ؟ عرضوا هذا السؤال على عالم كبير كبير في علم الجرائيم ، فقال : الأمر بديهي لأن حملة المرض قد يكونوا أصحاء ، إذا كان الإنسان في أرض فيها طاعون قد يحمل هذا المرض وهو صحيح فإذا سافر إلى بلد آخر ينقله للآخرين ، فهذه كشفت حديثاً ، أما أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراه الله عز وجل هذه الحقيقة فهذا شيء يلفت النظر ، إذا كنت في مكان فيه هلاك ، هلاك لدينك لابد من السفر ، هلاك لبدنك ولأهلك أيضاً حياة الإنسان غالية جداً ، مثلاً منزل متداع طبعاً نقيس فيه إنذار في الإخلاء ، و أساسه فيه خطأ ، إذا أقمت في هذا البيت فأنت ظالم لنفسك لماذا ؟ لأن رأس مالك حياتك وأنت بهذا كأنك تعرض حياتك للخطر ، أو كأنك تضحي بحياتك ، أو تنتحر ، وهناك قصص كثيرة جداً أن بيوتاً متداعية أمر أصحابها بإخلائها ، أصحابها ما طبقوا هذا الأمر لسبب أو لآخر فإذا هذا المنزل ينهدم عليهم إذاً هناك معصية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كانت جمله حرون فلا يذهب معنا " تصور صحابياً جليلاً له جمل حرون ركبه في سبيل الله ، هذا الجمل قتل صاحبه ، معنى حرون أي شرس ، النبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يصلي عليه ، ماذا فعل هذا الصحابي ؟ عندما الإنسان يعرض حياته للخطر معنى هذا أنه يعصي الله ، العلماء قاسوا على ذلك من نام على سطح ليس له سور فوقع ودقت عنقه مات عاصياً ، يقاس عليها من نزل من مركبة وهي تمشي هناك كثير من الحوادث التي صار فيها دهس عندما نزل وقع تحت العجلة ومات ، أنا أعتقد كل سنة يوجد حادثتين أو ثلاث من هذا النوع ، يقاس عليها من ركب مركبةً ليست جاهزة مكابحها ضعيفة ، الإنسان قبل أن يسافر عليه أن يتأكد من سلامة المركبة ، هذا هو الدين ، وهذه هي السنة ، الدين دقيق جداً ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 195] إذاً هذا السفر صوناً للحياة نسافر ، وصوناً للدين نسافر ، وأداءً للعبادة ، وطلباً للعلم نسافر ، هذه الأنواع التي وردت في إحياء علوم الدين في موضوع السفر . تقسيم آخر للسفر : طبعاً يوجد تقسيم آخر للسفر ، يوجد سفر مذموم ، وسفر محبوب ، وسفر مباح ، السفر الجيد المحبوب الذي حث عليه الشرع سفر في طلب العلم ، وسفر في أداء العبادة ، والسفر المذموم سفر من أجل معصية ، والعياذ بالله دول كثيرة من بلدان النفط السفر ميسر جداً إلى الشرق أو إلى الغرب ، لقضاء إجازة سنوية أو شهرية أو أسبوعية ، لا لشيء إلا ليعصي الله في هذه السفرة بألوان من المعاصي لا توصف ، هذا سفر المعصية . رجل سافر إلى بلد غربي نزل في فندق يبدو أنه طلب امرأة في الصباح افتقدها ، كتبت له على المرآة : مرحباً بك في نادي الإيدز ، طبعاً هي مصابة بهذا المرض ، مسافر في سبيل الشيطان ، في سبيل الزنا ، مسافر ليفعل كل المعاصي ، مسافر ليغرق في المعصية إلى أذنيه هذا سفره محرم ، بالمقابل سفر في سبيل طلب العلم ؛ سفر للحج ، سفر للعمرة ، حدثني أخ كريم اعتمر وحج وهو مما يكثر السفر لبلاد الغرب ، ذاق من حلاوة القرب الشيء الكثير فأقسم بالله لن يغادر بلده إلا إلى حج أو عمرة ، لشدة ما تجلى الله على قلبه في هذه السفرة ، الحج أنت مسافر إلى الله ، سفرة إلى الله ورسوله ، لو أن هذا المكان جميل جداً ؛ النسمات والجبال الخضراء والأماكن الجميلة والتسهيلات والخدمات والمرافق لاختلط هؤلاء الذين أرادوا وجه الله الكريم في هذه السفرة وهؤلاء الذين قصدوا المتعة والسياحة ، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون بلد السفر إليه بلد لا زرع فيه ، ولا نبات ، ولا أي مظهر من مظاهر الجمال الذي يرغبه الناس . الحقيقة تروي كتب الفقه أنه يجب أن يكون شغلك الشاغل أن تلتقي بمن في هذه البلدة من أهل العلم ، من أهل الصلاح ، من أهل القرب ، أن تكون مغرماً بزيارة مساجدها ، أماكنها المقدسة لأنها بيوت الله عز وجل ، الإنسان يشعر في بيت الله أنه في بيت طاهر ، ادخل إلى مدينة صاخبة ثم ادخل إلى مسجد كأنك في بلدك ، شوارع وازدحام ونساء كاسيات عاريات وبضائع مغرية جداً شعرت بضيق ادخل فوراً إلى المسجد تشعر براحة ، توضأ وصلّ أصبحت في ذمة الله ، دخلت إلى بيت الله . آداب المسافر : 1 ـ أن يبدأ بردّ المظالم وقضاء الديون : الحقيقة آداب المسافر كثيرة ونحن نعنى بآداب المسافر ، لأن السفر كما قلت نشاط ثابت واجتماعي . الأدب الأول ، قال : أن يبدأ برد المظالم ، قلت لكم مرة : رجل يقود سيارته بالحجاز أصابته أزمة قلبية فانكفأ على مقود السيارة وإلى جانبه زوجته ، ومن غرائب الصدف أنه مرّ صديقه فحمله للمقعد الخلفي ، وقاد المركبة إلى المستشفى للعناية المشددة ، وبعد أن صحا قليلاً وصار بإمكانه أن يتكلم طلب آلة تسجيل وقال في صوته : إن المحل الفلاني الذي فروغه تقر بعشرين مليوناً هذا ليس لي وحدي بل هو لي ولأخوتي وكنت أنكر عليهم حقهم فيه ، والدكان الفلاني ، والمكان الفلاني ، عجيب بدأ برد المظالم لأهلها لخوفه أن يموت قبل أن يرد المظالم ، طلب هذه الآلة وبصوته اعترف لأخوته ولمن قد كان قد اغتصب منهم اعترف لهم بحقهم ، هذه القصة مثيرة جداً ، بعد أسبوع شعر وكأن هذه الأزمة قد انزاحت عنه إلى غير رجعة ، فقال : أين الشريط أعطوني إياه ؟ كسره وكأن شيئاً لم يكن ، بعد ثمانية أشهر توفي . أحياناً بالقرى الكهرباء تنطفئ الساعة الثانية عشرة ، والقرية الصغيرة لا يوجد فيها كهرباء مستمرة ، إنما الكهرباء مقطعة ، وأنا كنت معيناً في إحدى هذه القرى كي أدرس فيها ، الساعة الثانية عشرة موعد انقطاع التيار الكهربائي كل يوم ينقطع التيار لثانيتين فقط ثم يعود، معنى هذا إنذار هيؤوا أنفسكم ، اجمعوا أغراضكم ، توجهوا إلى الفراش ، وأحياناً تأتي مصيبة قبل الموت مفاجئة تماماً ، أي انتبه آن الأوان ، هذا الحديث : " عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستح مني أنا أستحي منك " ما معنى شيب الشعر ؟ ضعف البصر ؟ ما معنى تقوس الظهر ؟ قال لي رجل : والله يا أستاذ من أربعين سنة أنا أنشط من الآن ، طبعاً ، يقول لك : لا يوجد ميل ، قوة ، هذه الحيوية والتدفق من العشرين للخامسة والثلاثين ، من الأربعين إلى الخمسين وسط ، بعد الخمسين يميل الإنسان إلى الراحة ، الضعف العام في البصر ، شيب الشعر ، انحناء الظهر ، إشارات لطيفة لطيفة من الله أن يا عبدي اقترب وقت اللقاء فهل أنت مستعد ؟ قطع التيار قبل عشر ثواني ، هذا الرجل قبل ثمانية أشهر جاءته هذه الأزمة ليتنبه وتنبه فعلاً وترك كل ما عليه من مظالم ، لكن بعد هذا ندم ، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾ [ سورة آل عمران :175 ] فقال : أين الشريط أعطوني إياه ؟ وكسره وكأن شيئاً لم يكن ، بعد ثمانية أشهر توفي. أعرف رجلاً مسرفاً على نفسه كثيراً من حفلة إلى حفلة ، ومن نادي إلى نادي ، من ملهى إلى ملهى ، وفي رأس السنة هو و زوجته بالفنادق ورقص وخمر ، وهو في ريعان الشباب في الأربعينات أصابه مرض ، قلت : لعل هذا المرض تذكير من الله عز وجل ، بعد أن شفي من مرضه عاد إلى ما كان عليه ، الله ذكره وهو لم يتذكر . يوجد رجل كان مسرفاً على نفسه كثيراً وله جار صالح نصحه ، يا رجل انتبه إلى آخرتك الموت قريب ، الدنيا لا تغني عن الآخرة ، طاعة الله غنى معصيته ندامة ، ومن هذا الكلام فلم يستجب ، توفي رآه أحد أقربائه في المنام وهو يرتدي في اللغة الدارجة - كيس خيش - مربوط بحبلة ، ويدور حول بحرة ويقول على جاره المؤمن : نصحني فلان ولم أنتصح يا ليتني انتصحت . أحد أخواننا هنا يحضر معنا قال لي : لي أخ كان ناظر وصية ، يوجد ثمانية آلاف الموصي أمر أن تدفع إلى أعمال البر ، هذا الناظر أخذ هذا المبلغ وأنفقه ولم ينفقه على أعمال البر ، رأته أخته في المنام وقد احترق وألسنة اللهب تتصاعد من حوله ، ويقول لأخته : الثمانية آلاف أحرقتني ، فالإنسان يجب أن يبدأ برد المظالم ، هو سوف يركب طائرة ، ويوجد احتمال أن تسقط هذه الطائرة ، وهم يتناولون الطعام قد يسمعون خبراً : وقد مات جميع ركابها ، أنت انظر أحوال الركاب حينما يشعرون أنه يوجد خطر ، ترى القلوب انخلعت إذا أيقن ركاب الطائرة أن طائرتهم سوف تسقط . إذا الإنسان أراد أن يسافر عليه برد المظالم ، وقضاء الديون ، لا أعتقد صحابياً جليلاً جاهد مع رسول الله في بدر و أحد والخندق ثم مات و عليه دين صلى عليه النبي ، يقول عليه الصلاة والسلام أعليه دين ؟ فإذا قالوا : نعم ، يقول : صلوا على صاحبكم . أول أدب من آداب السفر أن يبدأ برد المظالم ، وأداء الديون ، طبعاً هذه في الحج أيضاً الحج سفر ، كتاب استعرته ، حاجة ، حساب معلق ، خلاف على حساب ، ذمة لبائع ، اعمل جرداً لكل شيء ، أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته ، وبرد الودائع إن كانت عنده ، عندك وديعة تعلمها أنت إنها لفلان لكن إذا سافرت وحصل أمر تكرهه من يعلم أن هذه لفلان ؟ اكتب ورقة إلى جانبها ، والأكمل أن تردها وإذا أصرّ أن تكون عندك اكتب هذه الحاجة لفلان . على المسافر أن يكون زاده من الحلال الطيب و زائداً عن حاجته : ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب ، إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً ، وليأخذ قدراً يوسع به على رفقائه إن استطاع ، أي السفر مظنة حاجة ، شخصان سافرا وأخذ فقط ما يكفيه لوجبة واحدة ، من المواقف المزعجة أن تركب في سيارة عامة تأكل وتخرج الموالح معك ركاب وأولاد صغار يشتهون ، أخذ معه الفواكه والسندويش والموالح والشاي وإلى جانبه ركاب ومعهم أولاد ، السنة أن تأخذ زاداً زائداً عن حاجتك لتنفق منه على رفاقك في السفر . على المسافر إظهار مكارم الأخلاق : ولابد في السفر من طيب الكلام ، وإطعام الطعام ، وإظهار مكارم الأخلاق ، أي المسافر يجب أن يتحلى بالمآثرة ، يوجد مقعدان ، أحدهما على النافذة تقول له : تفضل ، يوجد مسافر أفضل مقعد له ، أفضل سرير في الفندق له ، ويختار ، هذه ليست أخلاق مسافر ، أخلاق المسافر يجب أن تبنى على المآثرة . قال : من تمام حسن الخلق الإحسان إلى الرفقاء ، وإعانة المنقطع بمركوب أو بزاد ، أنت مسافر ورجل أشار إليك وهو منقطع بحاجة إلى وقود ، إلى آلة ، إلى حاجة ، إذا أردت أن يعينك الناس إذا انقطعت فأعن الناس إذا انقطعوا ، مرة في سفر رجل أشار إليّ ويبدو أنه مضطر إلى شيء ، بعدما قطعته رجعت إليه وشعرت أنه يقف من ساعة أو ساعتين يحتاج إلى بنزين مقطوع فلما أعطيته كأنه عمل غريب . سمعت قصة غريبة جداً أناس يركبون مركبة ولا يملكون آلة الرفع للسيارة ، وعجلة من العجلات انفجرت ، مضى ساعة وساعتان وثلاث ساعات وهم يؤشرون إلى السيارات لا أحد يقف ، بعد ساعتين توقف شخص وقال : ماذا تريدون ؟ قالوا له : نحتاج إلى آلة رفع ، فقال تفضلوا فقال أحدهم : ما شاء الله مازال في الدنيا خير ، بعد أن انتهى قال : اسمحوا لي بخمس ليرات ، فقال له الشخص : والله لو طلب مئة ليرة لأعطيك ولكن ليتك لم تطلبها ، وكنا نعتقدها إغاثة لهفان ، ولكنها مأجورة ، وهذا العمل سقط . من آداب السفر أن تعين المنقطع بمركوب أو بزاد ، كنت أركب مع أخ توفي رحمه الله من بلد عربي مجاور ، و أنا راكب معه في دمشق ضرب سيارة ، والذي ضربه سيارة عامة فقلت : لعل هذا السائق يغضب ويثور ، والرجل ضيف ، هذا السائق نظر إليه ولم يتكلم بأي كلمة وقال له : مسامح ، فرأيت دمعة نزلت على خده ، فقلت له : لماذا تأثرت ؟ قال : والله من سنتين جاء رجل من بلدكم إلى بلدنا وضرب لي سيارتي ومعه نساء محجبات ، ولم أحب أن أنزع له نزهته ، فقلت له : الله يسامحك ، وبعد سنتين جاء رجل وعامله المعاملة نفسها ، كله دين و وفاء ، البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت ، اعمل كما شئت كما تدين تدان . في السفر تلبي رجلاً مقطوعاً ، تقرضه مالاً لأنه ابن سبيل ، هذه من آداب السفر. وأن يكون الإنسان مرحاً ، يبدو أن السفر فيه مشقة وعبء على الإنسان ، فإذا كان الإنسان لطيفاً فهذا شيء جيد ، فالسفر مع جو عبوس قمطرير شيء يدعو إلى الملل ، ومن السنة في السفر أن يطيب نفس أخوانه وأن يمزح معهم وأن يكون هذا المزاح اللطيف الأديب معوضاً لهم على مشاق السفر . أول أدب ردّ المظالم ، قضاء الديون ، إعداد النفقة من الحلال ، ردّ الودائع ، أخذ الحلال ، التوسيع في الإنفاق ، طيب الكلام ، إطعام الطعام ، إظهار مكارم الأخلاق ، وأبرز هذه المكارم إعانة الرفقاء ، إيصال المقطوعين ، البذل ، لين الكلام ، المزاح ، تطييب نفوس الرفقاء ، وكلها تحت الأدب الأول . 2 ـ أن يختار رفيقاً ولا يخرج وحده : الأدب الثاني أن يختار رفيقاً ولا يخرج وحده ، في بعض الآثار : " المسافر شيطان" الإنسان إذا سافر تضعف الرقابة عليه ، الناس العاديين في بلدهم منضبطون أما إذا سافروا يتفلتون ، أما المؤمن فالله معه لا يتأثر بأي كلام ، إذا إنسان إيمانه وسط وذهب مع رجل مؤمن يسأله هل صليت الظهر ؟ لا ، هيا لنصلي ، لا يستطيع أن يذهب يميناً ويساراً ، إذا نسي الأول الثاني ذكره ، الأول قدمه زلت الثاني صحاه ، من السنة أن يكون معك رفيق ، وقيل : الرفيق قبل الطريق ، أما الرفيق فيجب أن يعين على الدين لا على المنكر هذه ضعها في عنقي من الذي يرانا هنا ؟ هذا رفيق يجب ألا يرافق ، أنت بحاجة إلى رفيق يعينك على أمر دينك . ويعينه ويساعده إذا ذكر ، فإن المرء على دين خليله ولا يُعرف المرء إلا برفيقه : (( نهَى رسولُ اللهِ صلَى الله عليه و سلم أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ)) [ أحمد عن ابن عباس ] و : (( إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم )) [ الطبراني عن ابن مسعود] أحياناً المصالح تتعارض ، ثلاثة مسافرين سوف ننام هنا يوماً آخر ، لن ننام ، في هذا الفندق لا في هذا الفندق فصار تعارضاً ، لا ، أمروا أحدكم هذا نظام المسلمين ، ثلاثة إذا سافروا يوجد أمير عليهم ، قراره هو النافذ . قال : وليأمروا أحسنهم أخلاقاً ، رجل عمل دعوة فقال لأحد الحاضرين : أنت انتبه على أخوانك ضيفهم ، فقال له : أنا آكل عنهم ، هذا السفر لا أن تأكل عن أخوانك بل تطعمهم، أحياناً يكون هناك أخوة مسافرون يوضع الطعام فوراً يأكلون وهو يصنع الشاي ولا يبقى له طعام، السنة لا يؤكل شيء قبل أن يجلس الجميع ، أما موضوع أكل الطعام بسرعة ليس هذا أمر ، هؤلاء مؤمنون . يأمروا أحسنهم أخلاقاً ، وأرفقهم بالأصحاب ، وأسرعهم إلى الإيثار ، لا يوجد أروع من كلام سيدنا عمر عندما قال : أريد أميراً إذا كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم ، وإن كان واحداً منهم بدا وكأنه أمير عليهم ، إذا ليس أميراً لشدة حرصه وغيرته عليهم بدا كأنه أمير ، وإذا كان أميراً لشدة تواضعه ومساواته مع الآخرين بدا وكأنه واحد منهم ، من نحن إذا كان سيد الخلق قال : " وعليّ جمع الحطب ، قالوا له : نكفيك ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه " . وفي بدر القصة معروفة عندما قال : " كل ثلاثة على راحلة وأنا وفلان وفلان على راحلة فلما توسلا إليه أن يركب قال : ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما على الأجر " من كمال السفر أن تتوزع الأعمال كلها حتى تنظيف الصحون بالدور ، الأمير يقرر، قسم يهيئ الطعام وقسم يجلب الطعام . 3 ـ أن يودع رفقاء الحضر والأهل والرفقاء : الأدب الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والرفقاء ، إذا سافرت تودع أنت ، وإذا عدت هناك من يهنئك ، تريد أن تذهب إلى الحج يجب أن تزور أقرباءك وتودعهم ، تسافر إلى مهمة طويلة يجب أن تودع ، أحياناً أخ من أخواننا الكرام يأتيه سفر يسافر ، نحن نتشوش من أجله أين فلان يا ترى مريض ؟ يا ترى هل له مشكلة ؟ هل حبسه حابس ؟ منعه مانع ؟ أحد ألقى في قلبه شبهة ؟ عندما نلتقي معه يقول : كنت مسافراً ، أعلمنا هكذا السنة ، أنت عضو بأسرة ، وهذه تقاس على الأسرة أخبرهم . وليدع عند الدعاء بقوله لمودعه : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، إذا ودعت أهلك هذا الدعاء المأثور ، ماذا يقول له المقيم ؟ زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت ، هذا كلام لطيف جداً ، أنت تسافر ودعت لما ودعت قلت لهم الدعاء أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، ماذا يقول له المقيم ؟ زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت ، قال : وليصلي المسافر قبل سفره ركعتي صلاة الاستخارة . وإذا وصل إلى باب الدار فليقل : بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ربي أعوذ بك أن أَضل أو أُضل ، أحياناً يذهب مهتدياً ويعود ضالاً ، رجل سافر إلى أوربا أخذ معه السجادة والمصحف رجع بعد أربع سنوات من المطار إلى البيت وقال لهم ثلاثة موضوعات لا تتكلموا بهم إطلاقاً ، الدين والآخرة ولا كلمة كله خرافة ، عاد ضالاً ، أحياناً يعود زانياً ، ملحداً ، أحياناً يقول لك : نحن لا نعيش هم الذين يعيشون نسي إسلامه وآخرته ، والمظاهر ضيعت إيمانه . أعوذ بك أن أَضل أو أُضل ، أو أَذل أو أُذل ، أو أَظلم أو أُظلم ، أو أَجهل أو يُجهل علي ، إذا ركب هذه الدابة ، أي الطائرة أو المركبة فليقل : " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا منقلبون ". رابعاً أن يرفق بالدابة إن كان راكباً فلا يحملها ما لا يطيق ، ولا يضربها في وجهها ، هذه الآن ليست واردة ، فإنه منهي عنه ويستحب أن ينزل عن الدابة أحياناً ليريحها ، والإنسان ليس له حق أن يبقى على الدابة ويتكلم مع صديقه . رجل سأل ابن المبارك وهو على دابة فقال له : احمل لي هذه الرقعة إلى فلان ، فقال : حتى أستأذن المكاري صاحب الدابة فإني لم أشارطه على هذه الرقعة ، لم يرضَ أن يحمل حاجة على الدابة فوق طاقتها . 4 ـ عدم المشي منفرداً إذ كان في قافلة : من الآداب في السفر أنه إذا كان في قافلة فلا يمشي منفرداً ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ )) [الترمذي عن عبد الله بن عمر] 5 ـ أن يصطحب معه الأشياء الضرورية : قال : ينبغي أن تستصحب مرآة ، ومقراضاً ، ومسواكاً ، ومشطاً ، لا تعرف قيمة الإبرة والخيط إلا في السفر ، زر قطع ، لا يوجد حل ولا يوجد خياطين ، وهذه من السنة أن تصطحب هذه الأشياء معك . 6 ـ عدم التنطع بالطهارة : قال : وليحذر المسافر التنطع بالطهارة ، قد يكون الماء قليلاً والناس بحاجة إلى الشرب وأنت استهلكته بالوضوء ، أحياناً هذه تصير بالحج ، أنت تستهلك الماء بالوضوء استهلاكاً شديداً هذا ليس من آداب السفر . 7 ـ عند العودة من السفر أن يقول الدعاء التالي : أما إذا عدت من السفر فأولاً لك أن تقول : لا إله إلا اله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . 8 ـ أن يبشر أهله بقدومه : ثم يبشر أهله بقدومه ، الآن يحل محل هذا الاتصال الهاتفي نحن سنأتي في المطار الآن ، وكان ينهى عن أن يطرق أهله ليلاً ، أي الزوجة إذا كان زوجها مسافراً مطمئنة ونائمة الساعة الثانية بعد منتصف الليل طرق الباب ، إذا طرق مشكلة وإذا دخل بمفتاح مشكلة ، فإذا قدم على أهله ليلاً قد يرى ما يكره ، تاركها شهرين وجاء فجأةً وهي تنظف البيت وهي بوضع لا يسر ، هو مشتاق ووجدها هاملة نفسها جداً ، وهذا من أسرار ذكاء الزوجة والسنة النبوية ، فإذا قدم على أهله ليلاً قد يرى ما يكره ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد أولاً صلى ركعتين ثم دخل البيت . 9 ـ أن يحمل لأهل بيته و أقاربه تحفة : وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفةً من مطعوم أو ملبوس أو غيره على قدر إمكانه ، هدية متواضعة جداً هذه من سنة السفر ، فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر والقلوب تفرح به ، عينه بيديه ماذا أحضر معه ؟ الآداب الباطنة للسفر : هذه الآداب الظاهرة ، أما الآداب الباطنة ينبغي ألا تسافر إلا إذا كنت متأكداً أن هذا السفر يزيد في دينك ، ويزيد في علمك ، ويزيد في قربك من الله عز وجل ، إذا دخلت بلدة ينبغي أن تنوي أن تلتقي بشيوخها وعلمائها وأهل الصلاح فيها ومساجدها ، إذا زرت أخاً ببلدة ينبغي ألا تقيم عنده أكثر من ثلاثة أيام ، رجل فقير جداً له قريب يشغل أعلى منصب في استانبول والقصة قديمة فافتقر ، فقال : أذهب لعنده ليبحث لي عن عمل ، فذهب وجلس وعمل استدعاه الصدر الأعظم وقدمه إلى السلطان ، وقع ثلاثين معاملة إلا هذه المعاملة ، ثاني يوم لم يوقعها والثالث والرابع ، أسبوع اسبوعان أدرك أنه توكل عليه ، فأعطى توجيهاً إلى خادمه وقال له : كلمه كلاماً فيه شيء من الإهانة ، فهذا عندما سمع هذا الكلام خرج مزعوجاً جداً وهو يبكي ، في اليوم نفسه وقعها السلطان فلما رجع قال له : أنت كنت توكلت عليّ طيلة هذه الفترة لم توقع المعاملة ، الآن قياساً على هذه القصة أنت تسافر تعمل مراجعة تامة للسيارة ، أحياناً تفاجأ بشيء لم تحسبه ، عندما تقول : أنا كل شيء عملت حسابه وقعت في الشرك ، قل : يا ميسر ، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، إذا الله يسر كل شيء سهل ، وأحياناً لشيء تافه جداً يتعطل كل السفر ، أحياناً ينسى الإنسان جواز السفر فيتعطل سفره هذه إن شاء الله مهمة جداً وخاصةً في السفر . طبعاً معروف عندكم أن المسافر يجوز له أن يمسح على الخفين ثلاثة أيام وليلتين والتيمم والقصر والجمع ، ويجوز أن يصلي النافلة على دابته ، ممكن وهو راكب في الطائرة أو في السيارة وجهة المسافر جهة دابته ، والنافلة في السفر يجوز أن تصلى على دابته ، هذه من رخص السفر أن استقبال القبلة غير ضروري ، ولك أن تجمع ، وأن تقصر ، والتيمم ، والمسح على الخفين ، طبعاً والصيام لك أن تفطر ، أجمل ما في هذا الدرس أن المؤمن الصادق لا يسافر إلا إذا تأكد أن سفره يزيده قرباً من ربه ويزيده عملاً صالحاً . الختام |
| الساعة الآن 03:08 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.