![]() |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء السادس عشر أيها الأخوة المؤمنون، هم لم يعرفوه ولكنه هو عرفهم، وهذا تفسيرها سهل، أحيانًا يكون مُدَرِّس درَّسَ ثلاثين سنة، وعلَّم الصِّغار، وفَهُوَ شَكْله ثبت بعد الخامسة والعشرين، ولكنهم هم كانوا صِغارًا، فحينما يرى بعدها طالِبًا له لا يعرفُهُ، أما الطالب يعرفُهُ، فسيِّدُنا يوسف كان صغيرًا حينما وضَعوه بالبئر، ويعرفهم تمامًا، وكانت أشْكال أخوته ثابتة، وهو كان صغيرًا، وهم ظنُّوا أنَّه مات، وأنهم حينما وضَعوه بالبئر لقي حتفه وانتهى الأمر. دخلوا على عزيز مصر الآن، لذلك الآية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾ [ سورة يوسف ] ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله تعالى هي النافذة وهو القاهر، والمُهَيْمِن، وهو الذي إذا قال: كُن فيكون، وزُل فَيَزول فكل إنسان يتعامل مع غير الله فهو مسكين، فهذا يتعامل مع الأصفار فهذا لا يتعامل مع قوَّة وإنَّما شبح وظِلّ ووَهْم، فالله عز وجل يقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (سورة الفتح) وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾ [ سورة الأنفال ] فالتعامل مع لا سِوى الله تعالى تعامل مع اللا شيء، وتعامل مع خيال ووهْم وشبَح، وتعامل مع كذب ودَجَل، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾ [ سورة فاطر ] قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)﴾ [ سورة يوسف ] علَّق إعطاء حصَّتِهم لهم من الميراث في العام القادم على أن يأتوا بِأخيهم مِن أبيهم. قال تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)﴾ [ سورة يوسف ] أي لا نظنّ أنَّه أبانا سيَسْمحُ لنا بأن نأخذ أخًا لنا ! لأنَّهم علموا ما فعلوه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾ [ سورة يوسف ] فَحَسب السِّجِلات الأخ غائب، فإذا لم يأت لم يأخذ حِصَّتَهُ، فهو قال لهم: لن تأخذوا حِصَّتَهُ إلا إذا جاء، فهو جعل حِصَّتَهُ في رِحالهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾ [ سورة يوسف ] مُنِعَ منهم كَيْلُ أخيهم قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾ [ سورة يوسف ] هناك مثَل يقول: مَن جَرَّبَ المُجَرَّب كان عَقْلُهُ مُخَرَّب، قال تعالى : ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾ [ سورة يوسف ] ورَدَ بالأَثَر القُدسي أنَّ الله تعالى يقول لِبَعض عِبادِهِ الأتْقِياء يوم القيامة: ((عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول هذا العبد - ولا كذب هناك -: لم أُنْفِق منه شيئًا مَخافَةَ الفَقْر على أولادي، فيقول الله عز وجل: ألم تعْلَم بِأنِّي أنا الرزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنّ الذي خشيتهُ على أولادك من بعدك قد أنْزَلْتُهُ بهم، ويقول لِعَبْدٍ آخر: قد أعْطَيْتُك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول: يا رب، قد أنْفَقْتُهُ على كُلِّ محتاجٍ ومسْكين، لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافظًا وأنت أرْحَمُ الراحمين، فيقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأوْلادِكَ مِن بعْدِك )) فالرَّجُل الصالِح، ولو مات فإنَّك هو الذي تكفَّل بِهم، وهو الذي يُكْرمهم، ويُعلي شأْنَهم، فأنت كُنْ صالِحًا مع الله تعالى فقط، أما الذي يقول لك: أنا إن لم أَغُشّ لا أستطيع أنْ أُطْعِمَ أوْلادي ! فهذا شِرْك، يكْذِب ويَغُشّ كي يُطْعِمَ أوْلاده. إذا ترك الإنسان ثرْوَة حرام لأولاده يقول: يا أهلي، يا ولدي لا تلْعَبَنَّ بكم الدنيا كما لعِبَتْ بي، جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ وحَرُم، وأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غير حِلِّهِ، فالهَناء لكم والتَّبِعَةُ علينا. وورَدَ في الأثر: (( أنّ أنْدَمَ الناس يوم القيامة رجُلٌ دَخَلَ ورَثَتُهُ بِمالِهِ الجنَّة ودخل هو بِمَالِهِ النار )) المال نفسُهُ ؛ جُمِعَ بالحرام فدخل النار، ووَرِثَهُ أهْلُهُ بالحلال فأنْفَقوه بالحلال فدخلوا الجنَّة، لذلك دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ في حياتِك خير لك من ألف درهم يُنْفَقُ بعد مماتِك. بِعُمْرٍ قصير شَهِدْتُ أكثر من مائة وَصِيَّة لم تُنَفَّذ، أحدهم يَضَع وصِيَّة بمائة ألف للفقراء، فيقول الأولاد: إنَّ أبانا لم يكن بِعَقْلِهِ !! لا تكن تحت رحمة أحد، قدِّم مالك وارْتاح، فالورَثَة قد لا يُنَفِّذوا الوصِيَّة، فالآن إذا لم تكن هناك وَصِيَّة عند كاتب العَدْل، ومُصَدَّقة وشُهود فلا تُنَفَّذ. قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)﴾ [ سورة يوسف ] اسْتَغْربوا أنَّ البِضاعة التي مُنِعوا منها وَجَدوها في رِحالهِم، فقالوا: إن ذَهَبْنا بأخينا نأخذ حِصَّة ثانِيَة أخرى، وفي درس قادِمٍ نُتابِعُ القصَّة. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة يوسف (12 ) الجزء السابع عشر أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [ سورة يوسف ] الصبر الجميل أيها الأخوة نتيجة لِمَعرفة الله عز وجل، ونتيجة طبيعِيَّة لِمَن يؤمن بأنَّ الله تعالى إذا أراد شيئًا وقَع، وإذا وَقَعَ الشيء أراده الله الصبر الجميل هي نتيجة طبيعِيَّة لإيمان المؤمن بِهذه الحقيقة التي هي أصْل في العقيدة، وإذا أراد الله شيئًا أن يكون كان، وإذا رأيْتَ شيئًا قد وَقَع فقد أراده الله، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يكون في مُلْكِهِ إلا ما يُريدُهُ، ولا يكون في مُلْكِهِ شيء لا يُريدُهُ، ومن ألوهِيَّتِهِ أن إذا أراد أن يقع شيء وقع، الخيرة فيما اخْتارَهُ الله، ولكنَّ إرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكمة المطلقة، والحكمة المطلقة أيْ أنّ الله تعالى مُنَزَّهُ أن يفْعَلَ فِعْلاً غير حكيم لِعِلَّةِ الجَهْل أو الضَّغْط أو الإغْراء، فالإنسان يرتكب حماقة بِسَبب ضَغْط ؛ يقول لك: جاءني ضَغْط فوق طاقتي، وهو غير قانِعٍ، أو أغْراه شيء أو جذَبَهُ فارْتَكَب حماقَةً، أو كان جاهِلاً في موضوع ما فارْتَكَب حماقة، فالعَمَل المنافي للحكمة أساسه الإغراء أو الضَّغْط أو الجَهْل، وذات الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهة عن كلّ هذا، فأفْعال الله أنَّ كل شيء وَقَع أراده الله، وكل شيء أراده الله وَقَع، وإرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المطلقة، وحِكْمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق. أيها الأخوة، حقيقة من أخْطر الحقائق، الشرّ المطلق لا وُجود له بالكون ، أي الشرّ لأجْل الشرّ، فيُمْكن لإنسان أن يُخَدِّر إنسانًا ويفتح له بطْنه ويخرجه الزائدة ؛ فهذا شرّ لكنَّهُ نِسْبي، وهدفُهُ نبيل، وهو إزالة الالْتِهاب، إذًا يجب علينا أن نعْتَقِد أنَّ الشر المطلق لا وُجود له بالكون وأيُّ إنسان يعتقد خِلاف هذا، فإنَّه يرتكب الكفر بكمال الله عز وجل ولكن هناك الشر النِّسبي، فهو عندنا نسبي أما عند الله تعالى فهو مُعالجة. هذا المعنى إذا ترخَّس في نفْس المؤمن، يصبر، وأنّ ما وقع أراده الله، وهذه الإرادة مُقَدَّسة، فهي رحيمة وعادِلَة وخير، تجد إنسانًا لأتْفَه سبب يسبُّ الدِّين، وهذا مِن جهْلِهِ، أما المؤمن إذا جاءَتْهُ أصعب المصائب تجده يقول: حسبِيَ الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، يرى يد الله تعمل في الخفاء، وتعْمل فوق أيدي الناس، فالمؤمن الكامل لا يرى أنَّ أفعال العباد إلا تعْبيرًا عن مشيئة الله عز وجل، فالواحد إذا تلقَّى الضربَة بالعصا، فهل يغضب ويحقد العصاة ؟! هذه عصاة، وإذا كان الضارب حكيم وعليم وخبير، هذا يعني أنَّ الغلط منه !! تعالى الله، لذا المؤمن لما يتلقى مشكلة أو ضربة يقول لك: فعل هذا معي بِمَشيئة الله، والله تعالى حكيم وعليم ورحيم، لهذا ورد في الحديث الشريف: ما من عثرة ولا اخْتلاج عرق، ولا خدْش عود إلا بِما قدَّمت أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، والمصائب مصائب قَصْم، فالمصائب رفْع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] صَبْرُكَ بِقدْر إيمانك، ومعرفتك بكمال الله، ولا إله إلا الله، فالله هو معطي والقابض، وهو الفعَّال، والمانِع، والمحيي والمُمِيت، وهو المعزّ والمُذِلّ، هناك حديث غريب: ((الصبر هو الإيمان..)) فأنت لا تصْبر إلا إذا علمْت أنّ الإيمان فيه صبر وحكمة ورحمة، أما ضعيف الإيمان، فيرى الواحد جوعان، ويُصلي، وذلك لا يصلي وسينفجر أكلاً ! ما هذا ؟ هذه نَظْرة قاصرة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾ [ سورة الأنعام ] إذًا كلمة فَصَبْر جميل، هذه كلمة ولكنَّها مُحَصِّلَة إيمان كبير جِدًّا وأنت كُلَّما ارْتقى إيمانك تتلقى الأشياء المُزْعِجَة بِصَبْر جميل، وهذا فِعْلُ الحبيب، فهذا الذي تُحِبُّه هذا قرارُهُ، والذي تَعْبُدُه وترْجوه هذه إرادتُهُ. قال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)﴾ [ سورة يوسف ] لذلك قال العلماء: مرض ابْيِضاض العَيْن سببُهُ نفْسي، والآن يكاد يُجْمِع الطب على أنَّ معظم الأمراض تعود في أسبابها الرئيسة إلى الصَّدَمات النَّفْسِيَّة، بل إنّ مرَضَ السَّرطان الذي هو المرض الخبيث المسْتعصي، في أحْدَث التَّحليلات الدقيقة له ؛ أنَّه مادام النُّمو العَشْوائي للخلايا بِسَبب ضْعف جِهاز المناعة، وجهاز المناعة هو الضابط لِنُموّ الخلايا، وهو يضْعف أثناء الصَّدمات النَّفْسِيَّة، معنى ذلك أنَّ التوحيد هو الصِّحة، فإذا أرَدْت الصِحَّة، فما دام جِهاز المناعة سليم ؛ معنى ذلك أنَّ الأجهزة كلَّها سليمة، هناك آلام عَضْمِيَّة أسبابها صَدَمات نَفْسِيَّة وحتَّى عضليَّة، فهذه الصَّدمات وراء القرْحة، والهضْم والْتِهاب المعِدَة والأمعاء، ومرض السُّكَر، وضغط الدم، فلو أحْصَيْتَ الأمراض لرأيْتَ أنَّ معظم الأمراض أسبابها شِدَّة نَفْسِيَّة، والإنسان يرْتاح بالتوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد. قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾ [ سورة يوسف ] قال: يُعاب مَن يشْكو الرحيم إلى الذي لا يرْحَم، والعلماء قالوا: مَن شكى إلى مؤمن فكأنَّما شكى إلى الله، ومَن اشْتكى إلى كافر فكأنَّما اشْتكى على الله، فأنت لو شَكَوْتَ همَّك لإنسان غير ملتزم رأْسًا يقول لك: قلنا لك دَعْك من هذا الدِّين السَّميك !! وأنت مُتَزَمِّت، وأنت تعيش بِعَصْر آخر، أما لو شَكَوْتَ لمؤمنٍ يُصَبِّرُك، ويَهْتمُّ لك، فإيَّاك أن تشْكو همَّك لكافر، لأنَّك تُضيف للمُصيبة مصيبَةً أخرى، والدعاء النبوي الشريف: اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، والأفضل أن لا يشْكو الإنسان همَّه لأحد بل يدعه لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾ [ سورة يوسف ] فأنت تكبر عند اله تعالى إذا جاءَتْكَ مُصيبَة وما تكَلَّمْتَ لأحدٍ، قال له: يا إبراهيم، هل لك من الله حاجة ؟ سيَحْرَقونه في النار، علمُهُ بِحالي يُغني عن سؤالي، فإذا كان الأمر مع المؤمن لك أن تشتكي له أما مع غيره فلا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200)﴾ [ سورة آل عمران ] هناك من يفْضح كل سرّ المُشتكي، فأكْمَل مِن أن تشْكو لِمؤمن أو كافر أن تشكو إلى الله تعالى وعلمه بِحالك يُغني عن سؤالك، وإذا كنت في كل حال معي فعن حمْل زادي أنا في غِنى، وكن لي كما أريد أكن لك كما تريد، ولا تعلمني بِما يُصلِحُك، وإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء الثامن عشر أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)﴾ [ سورة يوسف ] الآن وصَلَت العقدة إلى نهايتها، وسوف تُحَلُّ هذه العقدة بكلمة من هذا النبي الكريم، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)﴾ [ سورة يوسف ] صُعِقوا ! أين يوسف ؟ يوسف ماتَ مِن زمنٍ طويل ! أيُّ يوسف ؟! قال تعالى: قالوا ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ [ سورة يوسف ] القصَّة كلُّها تكْمُنُ في هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ [ سورة يوسف ] وهذه الآية يجب أن يقولها كل مؤمن، يتَّق أن يعْصِيَ الله ويصبر عن ثلاثة أشياء: يصْبر عن الشَّهوة، ويصبر على الطاعة، ويصبر على قضاء الله، فعلى الشَّهوة ؛ امرأة جميلة بالطريق فأنت لك أن تنظر ولا قانون في الأرض يمنعُك أن تنظر،و لكنَّه تخشى الله وتقول: يا رب، إنّ أخافك. والصبر على الطاعة ؛ أن تُصَلِيَ الفجْر في جماعة، وأن تؤدِّي زكاة مالك، وتحجّ، وتصوم رمضان وتُؤدِّي الحقوق، وأن تكون أمينًا وأن تقول كلمة الحق، وتتراجع عن الخطأ، وتقول: أخْطأْتَ أصابَت امرأة وأخطأ عمر، فهناك من يُكابِر، تصْبر عن مَبْلغ ضَخْم يحلُّ كل مشكلاتك لكنَّه من الحرام، يمكن أن تشتري به بيتًا ومركبة. وأن تصبر على قضاء الله، خالق الكون هذه مشيئتُهُ، شاء لك أن تكون من أصْحاب الدَّخْل المحدود، وشاء لك أن لا تنجب أولاد، أو أن لا تنجب الإناث، أو أن لا تنجب إطْلاقًا، أن يكون في حياتك شيء مزعج، قال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ [ سورة يوسف ] يتَّقِ غضبه بِطاعته، والشِّرْك بالتَّوْحيد، والكُفْر بالإيمان، والمصائب بالانْسِجام، وأجْرك مَحفوظ، والله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [ سورة المزمل ] كل عصْر له ظروفه ومُغرياتِهِ، وضُغوطِه، فالله عز وجل يعْرف كم بدَلْتَ وكم صَبَرتَ وتجشَّمْتَ، وكم كان هناك خِيارات كثيرة واخْتَرْتَ ما يُرضي الله تعالى، وكيف ترَكْتَ المغريات، والله يُقَدِّر كلّ شيء، إنسان له والدة في البيت مُتَقَدِّمة بالسِنّ، وتحتاج إلى عناية كبيرة، فهو يستطيع أن يصْبر، أو أن لا يصْبر ؛ أثنى عشرة سنة وهو يعامل أمَّه معاملة جيِّدة، أحد الأيام غضب فسبَّ وشَتَم وقال لها: اذْهبي عند أهْلك، فبَكَت وجاء أخوه وأخذَها، ففي اليوم التالي ماتَتْ ! وأعرف رجل محسِن كان يرْعى امرأة مُحْسِنة مُقْعَدة، فانتقل إلى مكان آخر بعيد عما كان عليه، فأهْله انْزعَجوا لهذا، وقد أصْبح عمره ثمانون سنة، فلمَّا ضجروا، قالوا له: آتِ بها إلى عندنا، وأفْردوا له غرفة، وبعد جمعة ماتت. وأحدهم صاحب مطعم كان يبيع اللحم والخمر، فحجَّ وتاب وألغى المشروب، وبعد ستَّة أشهر رجع إلى المَشروب، وبعد سبعة عشرة يومًا مات ! قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ [ سورة يوسف ] وذكر لي أخٌ محامي أنا أحْتَرِمُهُ كثيرًا، فجاء رجل وقال له: القضِيَّة الفلانيَّة، فقال المُحامي: هذه لا تحْتاج إلى قضِيَّة إنَّما هي مَشْمولة بِقانون العَفْو، تُقَدِّم اسْتِدْعاء، فرأى مُحامٍ آخر فقال له هذا المحامي: إنَّ المحامي الذي ذَهَبْت إليه لا يفْهم شيء ! فقلتُ له: والله لقد علَّقْت وِسام شرَف، فالمال الحرام يَتْلَفُ ويُتْلِفُ صاحبه. قصْدُنا من هذه السورة، قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)﴾ [ سورة يوسف ] أنت بِحاجة للنتيجة والعاقبة، مَن يضْحَكُ آخِرًا يضْحك كثيرًا، ومن يضْحك أوَّلاً يبكي كثيرًا، قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾ [ سورة المؤمنون ] وهناك آية ثانية وهي قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾ [ سورة المطففين ] كل البطولة هي من يضْحكُ آخرًا قال تعالى: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ(31)﴾ [ سورة المطففين ] أما المؤمن ينقلب إلى أهله مسْرورًا، فالقضِيَّة قَضِيَّة تفكير ؛ إما أن تستعجِل طيِّبات الدنيا ويشقى إلى أبد الآبدين، وإما أن يصبر عن الشهوة وعلى الطاعة، وعلى قدر الله، والعاقبة الله، وهذا هو التاريخ أمامكم، فأين أبو جهْل ؟ وأين كُفَّار مكَّة وقريش ؟ قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾ [ سورة غافر ] وأين الصَّحابة ؟ في أعلى عِلِيِّين. مركز الثِّقل في هذه الآية، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ [ سورة يوسف ] المؤمن يعْفو، سفينة شامخة في البحر بحيث قال لهم كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)﴾ [ سورة يوسف ] العَفْوُ ؛ تعريفُهُ الدقيق: أن يأتي إنسان ويُبالِغ في إيذائِك، وأنت ضعيف، ثمّ يقعُ في قبْضَتِك، ويمكنُك أن تسْحقَهُ، وأن تُحَطِّمَهُ، أو تُدَمِّر حياته ؛ هذا العَفْو، فلن تكون عَفُوًّا إلا إذا كنتَ ضعيفًا، النبي عليه الصلاة والسلام بفتح مكَّة كان قادِرًا على أن يقضي على كفار قريش، قال: ما تظنُّون أنِّي فاعِلٌ بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء. منزلة العَفْو لا يعرفهَا إلا من ذاقها ؛ أن تكون مضْطهدًا وأن ينصرك الله على خصْمك وأن تعْفُوَ، والأبلَغ أن تُحْسِنَ إليه وتُقَرِّبَهُ، لذا المسلمون فَتَحوا العالم بِأخلاقِهِم، هذا كلام غير مَعْقول إطْلاقًا، وفي الدرس القادم نصل إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾ [ سورة يوسف ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء التاسع عشر أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾ حينما كنَّا في الجامعة، وفي كليَّة التربية كان لنا أستاذ من كبار علماء النَّفْس، حدَّثنا عن هذه الحقيقة النَّفْسِيَّة التي اسْمُها التَّخاطر النَّفْسي، امرأة في ميلانو بإيطاليا وهي في المطبخ رأَتْ ابنها الذي في فرنسا أنَّ سيارةً دحستْه رأيَ العَين، وبعد أربعة أيام جاء النَّعْش مع تَقْرير مُفَصَّل يُفَصِّل اللَّحظة التي رأتْ فيها ابنها، وقد سمَّى العلماء هذه الظاهرة التَّخاطر النَّفْسي وهذه حقيقة يصْعُب تفْسيرُها، أحْيانًا الحقيقة نافذة وسارِيَة إلا أنّ تفْسيرها صَعْب، لمَّا سيِّدُنا عمر وهو على المنبر قطع الخُطبة وقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل، سارِيَة أحد قوَّادِهِ في بلاد الفرس، وكان وراء الجبل كمين، فسيِّدُنا عمر رأى رأْيَ العَيْن قائِدَهُ وأمامه الجبل ووراءه الكمين، فقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل ! فقيل لِسَارِيَة بعد أن عاد: هل سَمِعْتَ صَوْت أمير المؤمنين ؟ فقال: سمِعْتُ صَوْت أمير المؤمنين يُحذِّرني الجبَل ! هذه أرْقى من الفاكس. فهذه الآية: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [ سورة يوسف ] النَّفْس البَشَرِيَّة كَقُرْص الشَّمْس لها إشْعاع، فالأمّ أحياناً من شِدَّة عَطْفِها على أولادِها قبل أن تنام تزورهم واحِدٍ بِنَفْسِها، واحد بالسعودِية والآخر بالخليج العربي فالنَّفْس الإنسانِيَّة إذا أحبَّتْ توسَّعَت، فالجنَّة الأمر واضِحٌ فيها، فأحد المؤمنين بالجنَّة تذَكَّر صديقًا له كان كافِرًا، قال: إنَّه كان لي قريب فاطَّلَع فرآه في سواء الجحيم، فأنت في الجنَّة كلُّكَ أعْيُن، فأيُّ خاطِرٍ يخْطر في بالك تراهُ أمامك، فسيِّدُنا يعقوب كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)﴾ [ سورة يوسف ] قالوا له: هذه كُلّها هواجس، وقوله تعالى تُفَنِّدون أي نقل أقْوالَهُ، فنَّد أقواله أي أظْهر عُيوبها وأخْطاءَها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟..أو هرمًا مُفَنِّدًا )) فالهرَم يكْشف عُيوب الإنسان، تضْعف ذاكرته وبصره، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(70)﴾ [ سورة النحل ] ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقْلِهِ حتَّى يموت، ومن أدى الصلوات الخمس وطلب العلم له من الله ضمانة ؛ متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت الْتقَيْت بأحد العلماء بالمغرب حسين مخلوف عاش أبوه مائة وثلاثين عامًا مُتَمَتِّعًا بالصِّحَة، وكان لنا أخٌ من أخوة كذا كان عمر أبيه ! والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((خيركم من طال عمره وحسن عمله...)) تمتُّع الإنسان بِصِحَّتِهِ أسبابها الاسْتِقامة بالشَّباب، قالوا له: يا سيِّدي ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا. لي أحد الأقرباء مرض ففي أوَّل الأسبوع عِنايَة فائِقَة، ثمَّ في الثاني قلَّت، وهكذا في الثالث إلى أن أصْبحوا يقولون: نسأل الله تعالى أن يُخفِّف عنك ! تخَلُّوا عنه، وأحلى موتة ثلاثة أيام كما مات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لذا الاستِقامة بالشباب ضروريَّة حتَّى يُكافئك الله تعالى بِخَريف عمر طيِّب، وبكل المكانة، والملكات العَقْلِيَّة. قال تعالى : ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ [ سورة يوسف ] قرأتُ مقالَةً علْمِيَّة عن الموضوع أنَّ ابْيِضاض العَيْن مرضٌ يُصيب العَيْن وليس له أسباب عُضْوِيَّة بل نَفْسِيَّة، وأنا أقول لكم مرَّة ثانِيَة لا يوجد مرض إلا وسببُهُ الصَّدْمة النَّفْسِيَّة ؛ القرْحة وضغْط الدم، والاحْتِشاء، فالتَّوْحيد وظيفتُهُ التَّخْفيف صلتُكَ مع السميع البصير القدير الرحيم الرؤوف الغنيّ المُجيب، هذا هو التَّوحيد، وإذا لم تُوَحِّد فَمُشْكِلَتُكَ مُشْكِلَة، والإيمان هو التَّوْحيد وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)﴾ [ سورة يوسف ] والمؤمن يعْلم من الله ما يعلمون، تجدهم يقولون: إنَّ أمريكا بيَدِها كلّ شيء ونحن انتَهَيْنا، والماسونِيَّة و...حتَّى تَيْأَس، لا فإنَّ الله تعالى مَوجود لذا على الإنسان أن لا يَيْأَس فهذا من الكفر. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [ سورة يوسف ] لماذا قال: سوف أسْتغفر لكم ؟ العلماء استَنْبَطوا من سوفَ أشياء دقيقة ؛ قال:لأنّ هناك أوقات فضيلة، مثل السَّحر، ويوم الجمعة فلا عَبْد يسأل الله فيها إلا أجابَهُ وكذا حينما تقَعُ عيْنُك على الكعبة، وعند الملتزم، وعرفات هو يوم الإجابة وكذا السعي والطواف ؛ هذه أمْكِنَة، وفي الثلث الأخير، وعند نزول الرب تعالى هل طالب حاجةٍ فأقْضِيَها له ؟ فهو أراد أنَّه ينتظر الوقت المناسب للاستِغفار. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99)﴾ [ سورة يوسف ] لذلك مطار مصر مَكتوب: اُدْخلوا مصر إن شاء الله آمِنِين، والنبي خرج قال: اللهمّ إنِّي خرجْتُ من أحبِّ البلاد إليك-مكَّة- لذا فيها جمال. قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ [ سورة يوسف ] هذا ليس سُجود العبادة والمحبَّة، فالكلمة بالقرآن الكريم لها عِدَّة معاني أوْضَح مثل على هذا كلمة أوْحى، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)﴾ [ سورة الزلزلة ] الوحي إلى الجماد أمْر، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾ [ سورة النحل ] الوحي إلى الحيوانات غريزة، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [ سورة القصص ] هذا إلْهام وقال تعالى: ﴿َوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [ سورة يوسف ] أي رِسالة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [ سورة يوسف ] الله عز وجل حليم ويسْتوْعِب الناس كلَّهم، فانْظُر ما فعل أخوة يوسف به، ودخل إلى السِّجن، وخرج منه، وكيف كان بِمِصْر غلامًا ؟ رأتْهُ جارِيَة وقد كان عَبْدًا بِقَصر العزيز ثمَّ أصْبح ملِكًا، فقالتْ: سبحان مَن جعل العبيد مُلوكًا بِطاعَتِه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾ [ سورة يوسف ] وهذه الآية نُعيدُها إن شاء الله في الدرس القادم. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء العشرون أيها الأخوة الكرام، لازلنا في قصة يوسف عليه السلام، ووصلنا إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾ [ سورة يوسف ] ما معنى كلمة الملك ؟ لو أنَّ أحدنا فَهِمَ المُلك على أنَّهُ الحُكْم، جعلتني عزيز مصر وهذا عطاء يشْترك فيه المؤمن والكافر، ألم يؤتِ الله فرعون المُلك ؟ ألم يؤت الله الجبابرة الملك ؟ فهل هذه نِعْمة ؟ مِن أوْجز هذه الكلمة أنَّ المُلْك الذي أراده هذا النبي الكريم أنَّهُ ملَكَ شَهْوَتَهُ، فالناس رجُلان رجُلٌ ملَكَ شَهْوَتَهُ ورَجُل ملَكَتْهُ شَهْوَتُه، والثاني هلك في الدنيا والآخرة، بِمَ نال هذا المقام الرَّفيع ؟ لأنَّه قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ولأنَّه قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ لأنَّها قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾ فحينما ملَكَ شَهْوتَهُ وسَيْطَرَ على أهْوائِه اسْتَحَقَّ هذا المقام الرَّفيع، ولن ترقى إلى الله عز وجل إلا إذا ملَكْتَ شَهَواتك ؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾ [ سورة النازعات ] الهَوى، كما قالوا: مَن هوى فقد هوى، الهَوى مِن الهويّ وهو السُّقوط، فالمُلك هنا أي صار عزيز مصر، والقرآن حمَّال أوْجه ولا تُحَدُّ معانيه، والقرآن ليس ملْكًا لأحد، لكن من المعاني التي تُضاف إلى المُلك أنَّ الله سبحانه وتعالى مكَّن هذا النبي الكريم مِن نفسِه وسَيْطَر على نفسِه، أحدُ زعماء أوروبا الكبار الذين قاد الحرب العالمية الثانية قال كلمَةً دقيقة: قال ملَكْنَا العالم ولم نمْلِك أنفُسَنا فَعَظمة الإسلام تكمن مِن أنَّ المُسلم يمْلك نفسه، ويمْلك شَهوته ويجعلها وفق القنوات النظيفة ؛ رب قد آتيتني من الملك ؛ هذه أكبر نعمة عليك، فإذا الله عز وجل نوَّر لك قلبك، وسيْطَرْتَ على نفسِك وجوارحك، وسَيْطَرت على كسب المال أن جعلته حلالاً، وعلى إنفاقه وسَيطَرت على بيتك أن جعلْتَهُ إسلامي، فأنت هنا آتاك الله المُلك وأنت مُسَيْطِر، وقائِد وليس مَقود، فالكافر مَقود بِشَهَواتِك، والعقل له وظيفتان ؛ إما أن يكون قائِدًا وإما أن يكون مُسَيْطِرًا، فالكافر تَمْلِكُه شَهَواته، وعقْلُهُ يُبَرِّر، أما المؤمن يقودُهُ عقله إلى الله عز وجل، وهذا الفرق واضح، فالكافر جهدهُ العقلي كلّه في تَبْرير أخْطائِهِ وتَبْرير انحيازه لِشَهواتِهِ، أما المؤمن فَعَقْلُهُ يقودُهُ إلى الله، وشَهَواتهُ يضْبطُها وِفْق شَرْع الله، قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [ سورة يوسف ] مِن هنا للتَّبْعيض، وفيها أدَب، ومَن يُفِّق إلى تأويل الأحاديث يسْعد سعادَةً كُبرى، فلو توهَّمْت أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾ [ سورة الشمس ] فلو توهَّمْتَ أنّ الفُجور من عن الله، وأنّ الله هو الذي ألْهَمَكَ أن تفْجر فهذه أفْسَد عقيدة، أما لو فهِمْتَ النَّص كما يلي: ألْهَمَها فُجورها ؛ أيْ أنَّ النَّفْس إذا فجَرت تعلم أنَّها فجَرَت بالفِطْرة، أعطاها دليل كاشف من دون تعليم، وبين المعنييْن مسافة كبيرة جدًا، كما بين الإيمان والكفر فالنَّفس فُطِرَت فطرة عالِيَة بحيث لو فجرَتْ تعلم فُجورها، أما لو فهمْتَ الآية أنَّ الله هو الذي أجْبر النَّفْس على فُجورها، وألْهَمَها أن تفْجر فهذا تأويل فاسد، ربنا عز وجل لما قال: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ فلو قال أحدنا أنّ المعنى ؛ الله تعالى ما أراد أن يَهْدِيَهم وهو يريد أن يُدخلهم النار ! فهذا معنى فاسِد، أما المعنى الصحيح أنَّه لو أراد الله تعالى أن يجبركم لأجْبرَكم على الهُدى لكنكم مُخَيَّرون، فَمَوضوع تأويل الأحاديث موضوع هامّ جدًا وخطير جدًا، فقد تفهم الحديث فهْمًا خاطئا فيَحْمِلُكَ على المعْصِيَة، قال عليه الصلاة والسلام: (( لولا تذنبون...)) ليس المعنى عليك أن تُذْنب ! ولكنَّ المعنى إن لم تشعروا بالذُّنوب فأنتم ميِّتُون، وتَهْلَكون، أما المؤمن إذا ارْتَكَب معْصِيَة يشْعر بِضِيقٍ حينها يُبادر إلى التوبة. قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [ سورة يوسف ] قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾ [ سورة البقرة ] ثمّ قال تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾ [ سورة يوسف ] أخطر يوم بِحَياة الإنسان هو يوم موتِهِ، والدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] بدأ بالموت لأنَّ الموت منْفذ له طريقان ؛ إما إلى الجنَّة وإما إلى النار أما حينما يولَدُ الإنسان فله أمامه ألف خِيار ؛ له أن يتعلَّم أو يجهل أو يؤمن أو يكفر، أما حينما يموت فله خياران، فو الذي نفس محمَّد بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فالإنسان إن لم يكن مؤمنًا فهو كافر، وإن لم يكن مُستقيم فهو ضال، وإن لم يكن مُحسِن فهُوَ سيِّء، لذلك بدأ الله بالموت لأنَّ حَدَث الموت أخطر من حدَث الحياة، وفيه يتحدَّد المصير، ففي الدنيا والحياة لك مجال التوبة والصلح، أما حين الموت فإما إلى جنَّة أو نار، لذلك قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] لذا ينبغي على الإنسان أنْ يعْلَم أنَّ أخْطَر يوم هو يوم مَوْتِهِ، وهو إما إلى جنَّةٍ يدوم نعيمُها، وفيها ما لا عين رأتْ ولا أذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإما إلى نار لا ينفذ عذابها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾ [ سورة النساء ] طيِّب مَن هو العاقل ؟ هو الذي لا يغيب عنه هذا الحَدَث ولا ثانِيَة بِكُل حركاتِهِ وحِساباتِهِ اليَوْمِيَّة، وبِكُلّ نشاطاتِه وقبْضِهِ ودَفْعِهِ، وبِبَيْتِهِ وعَمَلِهِ، كيف سأُسْأَل ؟ وماذا سأُجيب ؟ وما هو موقفي من الله حينما أقف بين يديه ؟ هذه هي البطولة، والذي له حُرِيَّة الحرَكَة، وله عمل حر فيه ؛ عليك أن تهيئ جوابًا لِله على كُل عمل فعلته تراه غير ملائم، جوابًا لله وليس لِمُديرك، وكل منا له عمل يهيئ لربِّه جوابًا لِمَ أعْطَيْت ؟ ولمَ مَنَعْتَ ؟ ولِمَ طلَّقْتَ ؟ لمَ تزوَّجْت ؟ ولِمَ بخِلْتَ ؟ كل تصرُّف منك هيأ له جواب لله تعالى، مَن هو السَّعيد ؟ فكلٌّ منَّا سوف يأتي عليه يوم يخرج من بيته أفقًا، ويُوضَع في نعْش ويُصَلَّى عليه، فهذا اليوم العظيم عليك أن تُدْخِلَهُ بِحِساباتِك اليَوْمِيَّة واللَّحْظِيَّة امرأة جميلة رأيتها ولم تغُضَّ البصر، هذه مُسَجَّلَة، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ وكذا الابْتِسام ف غير محلِّه، وهذا هو حال المؤمن يُحاسب نفسه أشَدَّ الحساب، كي يكون حسابهُ يسيرًا إن شاء الله يوم القيامة. قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾ [ سورة يوسف ] أي ملكْتُ نفسي، وعلَّمتني من تأويل الأحاديث ؛ هذا من نِعَم الله الكُبرى أنْ تفْهَمَ النَّص فهْمًا صحيحًا، فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة ؛ فيا رب، اجْعَل حياتي مُنْتَهِيَةً بالاسْتِسلام إليك بِأعمالي ومشاعري، وقوله: ﴿َأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ هذا أدَبٌ من الأنبياء، فالإنسان دائِمًا يتواضع، الكبرياء إزاري فمن نازعني إزاري قصَمْتُهُ ولا أُبالي، فسيِّدنا يوسف عليه السلام كان مُتواضِعًا، قال تعالى: رب إن ليم تصرف عني كيدهن..."، وهو طلب منه عليه السلام أن يُلْحقَهُ بالصالحين. الآية الأخيرة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ هذه القصَّة من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)﴾ [ سورة يوسف ] من أعلمك هذه القِصَّة ؟ ومن بلَّغك هذه التفاصيل ؟ هل كنت معهم ؟! قضِيَّة لها أربعة آلاف سنة، فهذه من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ومركز الثقل في هاتين الآيتين: أن تَمْلُكَ نفْسَك وتُسَيْطِر على شَهَواتِك ومُيولِك، فإذا سَيْطَرْتَ ملَكْتَ كُلّ شيء، وإن لم تُسَيْطِر فأنت عبْد مَمْلوك، قال عليه الصلاة والسلام: ((تعس عبد الدرهم...)) فهناك من هو عَبْدٌ لِفَرْجِهِ، أو عبْدٌ للدِّرْهم والدِّينار أو عَبْدٌ لِثِيابِهِ أو عبْد لِبَطْنِهِ لكنَّ المؤمن عبدٌ لله عز وجل، والمؤمن عبْدٌ حرّ وليس له قيود. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء الحادى والعشرون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، إلى التعقيبات الشموليَّة في آخر القصَّة، فالقِصَّة انْتَهَت، يقول الله عز وجل في آخر القصَّة: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [سورة يوسف] تصوَّر ميزَانًا، فالشَّهَوات وزْنُها خمْسة كلغ والإيمان خمسة غرامات، كفَّة الشَّهوات راجحة، فإذا حضر خطبة جمعة أصبحوا عشرة غرامات، إلى أن تكون القيمة الحقيقيَّة الإيمانيَّة تكافئ الشَّهوات، حينها تدخل بالصِّراع ؛ هذه تجوز وتلك لا تجوز، وأفعل ولا أفعل فأنت إذا دَخَلْت في باب الصِّراع كان معنى ذلك أنّ الإيمان قاربَ أن يكون في قوَّة الشهوات، أما إذا كان الإيمان ضعيفًا والشَّهوات كبيرة جدًا فهذا يعني أنَّ الإنسان مُنْحَرِف، وله تبرُّك أجْوَف، وله عقيدة سَطْحِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، وله عبادات شَكْلِيَّة لا تُسْمِنُ ولا تُغني من جوع، وله اعْتِزاز شَكلي بالإسلام، ومشاعر، هذه كُلُّها لا تُقدِّم ولا تؤَخِّر، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [ سورة يوسف] الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُكَ على طاعة الله تعالى، كلامٌ واضِحٌ كالشمس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنَّة )) قالوا: وما حقها ؟..." فالإنسان حتى لا يقع في الوَهْم ويقول: أنا مؤمن ! عليك أن تُقَيِّم إيمانَك بمُستوى اسْتِقامتك وما دام عندك إمْكانِيَة أن ترتكب معْصِيَة، وأنت تعلم أنَّها مَعْصِيَة وأنَّ الله سَيُحاسِبُ عليها، فهذا إيمان هشّ وضعيف، وهذا الإنسان مِمَّا تُغَطِّيه هذه الآية: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [ سورة يوسف] قد يقول أحدكم: أنا مؤمن ! فإبليس آمنَ، قال تعالى: رب فبعزتك لأغوينهم..." فهو آمَنَ به تعالى ربًا وآمَنَ به عزيزًا، فالإنسان حينما تنفصل عقيدته عن سُلوكهِ فهذا الإيمان يُسَمِّيهِ بعضهم تجاوُزًا إيمان إبليسي ! لأنّ هذا الإنسان آمَنَ وعلم أنَّ هذا حلال وذاك حرام، وانْغَمَسَ في الحرام، ثمّ يقول: نحن عبيد إحْسان وليس عبيد امتحان، وهكذا كل حال الناس، هذا الكلام لا يُقَدِّم ولا يؤَخِّر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [ سورة يوسف] الإيمان يجب أن يظهر في السلوك، وأن يظهر في الحرفة والعمل، طبيب ومهندس ومحامي وتاجر، يجب أن يبْدو الإيمان صارِخًا في مُعاملاتِكَ اليَوْمِيَّة صِدْق وأمانة وتعَفُّف، فالمؤمن لا يكْذِب، يُطبع المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الكذب والخِيانة، فالذي يكذب ثمّ يصلي، فهذه الصلاة لا تنفعُهُ نقول له: صلِّ ولا تكذب ؛ لأنّ الصلاة من شأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تغتَرّ أن ترى بالحرم المكي مليون ونصف حاجّ ؛ شيء جميل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة..." )) أي أثنى عشر ألف مؤمن حقيقي لن يُغْلَبوا ، أما مليار ومائتان مليون ليسَتْ كلمتهم هي العُليا ! وليسَت أمورهم بأيْديهم لأنَّهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [ سورة يوسف] وقال عليه الصلاة والسلام: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم..." )) وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾ [ سورة يوسف ] بِرَبِّكُم هل يستطيع أحدكم أن يدخل عند طبيب أو محامي ولا يدْفع الأتعاب ؟ أو إلى أيِّ محلّ دون مال ؟ أو أن تتلقَّى خِدْمة من الناس دون مُقابِل ؟ أما بيوت الله تعالى فأنت تدخلها وتتلقى منها العلم دون أجر، قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾ [ سورة يوسف ] لا تستطيع أن تتحرَّك حركة من دون مال، لو سألتَ مُحَامِيًّا كلمة يقول لك: خمسة مائة ثمَّ السؤال ! ثمَّ قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾ [ سورة يوسف ] أمَّا بيوت الله فهِيَ مُفَتَّحَة على مصراعيها ؛ لا بطاقة اشتراك ولا ضريبة ولا أجرة، تسمع التفسير، وسنَّة النبويَّة، والسيرة، وأحكام دينك دون أي شيء، ومِن علامات الدعوة الصادِقَة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)﴾ [ سورة يس ] فهذه علامة، هو لا يريد أجْر مادِّي ولا أي شيء، إنما يريد التَّقَرُّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِبادِهِ فقط، والمؤمن لا يبْتغي من الناس أجْرًا، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ [ سورة يوسف ] أنت تلعق مغرفة من عسَل، فهل تدري ما يَجْري في خلايا النَّحْل، هناك ملِكَة تعيش خمْس سَنَوات تُفْرِز مادَّة تشْعر بِها كل النَّحلات في الخليَّة ؛ شُعور النَّحْل أنّه يوجد ملِكَة والعمل يجْري بانْتِظام، وعامِلات للملِكَة، ويُقَدِّمْن الغِذاء المَلَكي وحارِسات، ولا يسْمحن إلا لِنَحْلةٍ واحِدَة أن تقول كلمة السرّ فإن قالت كلمة السرّ قُتِلَتْ، ومن يُنَظِّف الخليَّة، ومن يقوم بِتَدْفِئَة الخلِيَّة شِتاءً وترطيبها من الجفاف، وعاملات رائدات يخرجن إلى الحُقول يكْشِفْنَ ومواقع الأزهار لِيَرْقُصْنَ رقْصَةً يُحَدِّدْن فيها موقع الأزهار والمسافة بينهما، وتُغادر النَّحْلة الخليَّة إحدى عشرة كيلومتر دون أن يعلم العلماء كيف تعرف الرَّجْعة إلى موطنها، فقد أخذوا نحْلاً وأبْعَدوه مرَّةً غربًا وأخرى شرْقاً، وبعد نصف ساعة عاد النَّحل إلى خليَّتِهِ ! طيف ؟! والنحلات التي يصْنَعْن الشَّكْل المُسَدَّس هو الشَّكْل الوحيد الذي ليس فيع فراغات بَيْنِيَّة، ويعْجز عن صُنع هذا الشَّكل كِبار المهندسين، فنحن في عالم البشر لو أردنا أن نبلِّط هذا المسجد فأخذ أحدهم من اليمين والآخر من اليسار ؛ فهل يمكن أن يلتقيان؟! مستحيل ! أما النحل فيبدأ من زوايا مختلفة ويلتقوا في نقطة واحدة وعلى أشكال سُداسِيَّة ونِظامِيَّة، فهذا شيء فوق طاقة البشر، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ [ سورة يوسف ] طبقة الأوزون، طبقة تمنع الأشِعَّة المؤذِيَة، والآن أكبر سرطانات الجلد أسبابها تخلخل هذه الطبقة، تأتينا أشِعَّة مؤذِيَة تسقط على الجلد تُسَبِّب أوْرام خبيثة، فَمَن جعل السماء سقْفًا محدودًا ؟ لو نقضي أيام وسنوات في الحديث عن الآيات الكَوْنِيَّة لا ننتهي ! مَن جعل الماء يتمَدَّد في الدرجة أربعة، لولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياة على وجه الأرض ، كلّ العناصر تنكمش في البرد، وتتمدَّد في التَّسْخين إلا الماء، فهو شأنه شأن العناصر الأخرى حتى الدرجة زائد أربعة، فهو يتمدَّد إذا برَّدْتَهُ، معنى ذلك كلَّما جمدتْ سطوح مياه المُحيطات ازْداد حجْمُها وقلَّتْ كثافتها فطافَتْ على الماء وبَقِيَتْ أعْماق المُحيطات دافئة، أما لو تجمَّدَت فانْكَمَشَت وازْدادت كثافتها وخاصَة في أعْماق البِحار، بعد حين تُصبح البِحار جامِدَة، وينعدِمُ التَّبخر والماء والحيوان والنبات والإنسان ويكون كلّ شيء، فَكُلّ حياتنا منُوطة بأنَّ هذا الماء في الدرجة زائد أربعة يزيد حجمه على عكْس كل العناصر، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ [ سورة يوسف ] لعْقَة العسَل فيها سبعين مادَّة دوائِيَّة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)﴾ [ سورة النحل ] مَن صنَعَ العسل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾ [ سورة النحل ] خاطَبَها بِضَمير المؤنَّث لأنَّها مؤنَّثة، فالذُّكور لا تعْمل شيئًا تُلقِّح الملكة وانتهى دَوْرُها، ثمّ تُطرَدُ أو تموت ولكن لمَّا خاطب الله النَّمل قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)﴾ [ سورة النمل ] لأنَّهم ذُكور وإناث ؛ للجِهَتَيْن، والعنكبوت عُلِمَ الآن أنَّ التي تبني البيت هي الأنثى، قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)﴾ [ سورة العنكبوت ] مَن كان يعْلم أنَّ هذه الحشَرَة التي تبني البيت هي الأُنثى ؟ وقال بعض العلماء: إنَّ الإناث في عالم الحشَرات مُتَفَوِّقات على الذُّكور ولهنّ السَّيْطَرة، وربُّنا عز وجل وصَفَ الكفار وأنَّهم أضل سبيلاً، معناها إذا سَيْطَرَتْ أصْبَحْنا كالأنعام، وفي الحديث الصحيح: ((إذا كان أمراؤكم خياركم...".)) قال تعالى : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾ [ سورة يوسف] الإيمان يحتاج إلى جُهْد عقلي، ونفْسي، فالعَقْل يُفَكِّر بالكَون، والقلب يذْكُر، والسُّلوك ينضبط، فإذا ساهَمَ عقلك وقلبكَ وسُلوكك ترتقي في الإيمان وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾ [ سورة يوسف ] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ [ سورة يوسف ] قلتُ لأخٍ البارِحَة: إنَّ الاتِّصالات الخارِجِيَّة أصْبَحت مُريحة جدًا، قال لي: لأنَّه أصْبَحَ هناك خطّ كهربائي ! وما هو الخط الكهربائي ؟ ألف خط يمشوا بِشَريط واحد ! فقُلْتُ له أما العصب البصري فيَحوي تسعمائة ألف خط بعرض ميلي وربع، ولكل خط ثلاثة أعمدة ! قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾ [ سورة لقمان ] وأخ يغسل كلاويه مرَّتين بالأسبوع فقال لي: ستَّة ساعات، وصوت وكهرباء فقلتُ: سبحان الله ! أما الكلية فهي عجيبة ؛ تعمل بِصمت وفيها طريق طوله مائة كيلومتر، والدم يمرّ فيها خمْس مرَّات، ويقطع الدَّم كل يوم خمس مائة كيلومتر دون ضجيج، ومن شِدَّة عظم هذه الكلية فهي له قدْرة تَصْفِيَة عشْر أمثال حاجتك، وإذا توقَّفَتْ الكلية فالحياة لا تُطاق فلذلك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ [ سورة يوسف ] يجب أن تمتلئ تعْظيمًا لِخَلق الله، لا لِتَعْظيم البشر، فلا تقل: سوني ولا كونكورد ! قرأتُ كلمة في مجلَّة تقول: أعظم طائرة صُنِعَت حتى الآن لا تُعادل طائِرًا من الطيور الطبيعية، وأكبر معمل و أعْقَدُه لا يرقى لِصُنع ورَقَة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾ [ سورة يوسف ] هذا هو الشرك الخفيّ، فالجلي أن تعبد بوذا، أما الخفي أن تقول: فلان ! وأنا أمري بيد فلان، وأنا معي مال لا تأكله النِّيران، فالله قد يبعث لك مصيبة لا يحلها المال وكل مَن يعتمِد على ماله أو على علمه أو جاهه أو على زيد أو عُبَيد فهو مُشرك، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أخوَف ما أخاف على أمتي...".)) والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء الثانى والعشرون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام وقد انتَهَينا منها قبل درْسَيْن، وبدأتْ التعقيبات القرآنية على هذه القصَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾ [ سورة يوسف ] أيها الإخوة، الشرك نوعان: شرك جلي، وشِرك خفي، فالجلي أن تعبد صَنَمًا من دون الله، أما الشِّرْك الخفي أن تُعَلِّقَ أمَلاً على إنسان وأن تتوهَّم أنَّ هذا الإنسان بِإمكانِهِ أن ينفَعَكَ أو يضرَّك أو يُقَرِّبَك أو يُبْعِدَكَ، فإذا علَّقْتَ الأَمل على جهَةٍ غير الله عز وجل ولْيَكُن المال أو الجاه أو زوْجة أو ابنًا، فإذا اتَّكَأتْ على غير الله، ووثِقْتَ الآمال على غيره فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((الشرك الخفي...دبيب النملة السمراء...".)) وأدناه أن تُبغض على عدْل أو أن تُحِبَّ على جَوْرٍ، فلو كنتَ تُحِبُّ شَخْصًا ولم يكن مُسْتقيمًا وليس مُنْصِف، فأنت أشْرَكْتَ، وآخَرَ نصَحَكَ بِإخْلاص فَغَضِبْتَ فقد أشْرَكْتَ نفْسَكَ مع الله، فإذا أبَيْتَ أن تنْصاع إلى الحق فقد أشْرَكْتَ، وقد يكون ابن وزوْجة ولكن ليسوا مستقيمين ومُنحرفين، لذا أدنى أنواع الشِّرْك أن تُحِبَّ على جَوْر، وأن تُبغض على عدْل، والشِّرْك الخفي قلَّما ينجو منه أحد، ولكن عِلاجُهُ أنَّ الله يتولى تأديب من وقعَ في الشِّرْك الخفي، فأنا لا أقول أنَّ هذا الشرك يُخْرِجُكَ من الدِّين ! إنَّما ذاك الشرْك الجلي، هو الذي يُخْرجُك من الدِّين، وكذا إن اعْتَزَزْت بِنَفسك، كأن تقول: خبرتي بالشِّراء أعلى خِبْرة، يُعطيك الله تعالى صفْقة تخسر فيها الكثير، فإذا اعْتمَدْت على خبرتك أو مالِك أو جاهك أو شخص، ولكن إن اعتَمَدَ الله وفَّقه الله وكما قلتُ البارحة: صحابة رسول الله ومعهم رسول، وخاضوا بدْر وأحد والخندق، وباعوا أنفسهم، فأعلى مستوى في البشر بعد الأنبياء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومع ذلك حينما قالوا: لن نُغْلَب من قِلَّة ! أدَّبَهُم الله عز وجل وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾ [ سورة التوبة ] طبْعًا أنا أُعيد هذا الموضوع لِفائِدَتِه وكل يوم أيها الإخوة لكم مائة درس مُتَعَلِّق بِبَدْر وحُنَيْن، فأنت إذا قلت فلان تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاَّك، فإذا أرَدْتَ أن يتولاَّك الله فاعْتَرِف بِضَعْفِكَ وجَهْلِكَ وافْتِقارِك لله، ومن اتَّكل على نفْسِهِ أوْكَلَهُ الله إياها، فأنت دائِمًا بين حالَيْن حالة التَّوَلِّي مع العُبودِيَّة، وحالة التَّخَلِّي مع الشِّرْك الخفيّ، والشرك الخفي قلَّما ينْجو منه مؤمن، ولكنَّ الله يُؤَدِّبُهُ، وهناك مليون قِصَّة على هذا الموضوع، فإذا دعا المرء الله تعالى وقال: يا رب، تولاَّه وليَّنَ له قلبَهُ، وإذا قلتَ فلانًا تجد أنَّ ذاك يُعامِلك بمُنْتَهى الفضاضة، ودائِمًا يُلْهم الله من أشركْتَهُ معه أن يُخَيِّبَ ظنَّك، لذلك العُقَلاء هم الذين اعْتَمَدوا على الله، لهذا قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾ [ سورة الشعراء ] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾ [ سورة يوسف ] ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾ [ سورة يوسف ] آيةٌ آمنة ومطمئنَّة فجأةً ترى نفسها تحْترق، وصاعقة تنزل إلى مستودعات النَّفْط، وكذا الزلازل فهذا الذي يعصي الله تعالى على مَن يعْتَمِد ؟ الإنسان في قبْضة الله عز وجل: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾ اسْمعوا الآن: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ [ سورة يوسف ] كلّ مَن يدْعوك إلى الله تعالى على غير بصيرة فهو على غير سبيل رسول الله عليه الصلاة والسلام، والبصيرة الدليل والتَّعْليم والنَّص القرآني، فأنت لا تكون مُحْتَرَمًا إلا إذا تكَلَّمْتَ بالدليل فهذه حلال لقوله تعالى وهذه حرام لقوله تعالى، لذا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ [ سورة يوسف ] فكُلّ من يدعوا على بصيرة فهو على منهج رسول ا لله صلى الله عليه وسلَّم، والإنسان إذا قال: كلامي هو الشَّرْع، وما أقولُهُ هو الحقّ، وما أقول عنه باطلاً فهو باطل، فهذا إشراك نفْسَهُ مع لأنَّه دعا إلى الله بِمَصْلَحَتِهِ، يقول: هذا حرام ويكفي دون أن يأتي بالدليل فهذا مُشْرِك، والمُشَرِّع هو الله، إذًا أيَّةُ دَعْوَة وٍ إلى الله تعالى على غير بصيرة، فهي طريقة على غير ما أراده الله ورسوله ويكون هذا قد أشرك، والدليل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ [ سورة يوسف ] وما أنا من المشركين، حتى أدْعوكم برأيي الشَّخْصي، فالدَّعوة لا بدّ أن تكون وِفق الشَّرْع وبه منْضبطة فالصحابي الذي أمَّره رسول الله، ثمَّ أمرهم هذا الصحابي أن يقْتَحِموا نارًا فقالوا: كيف نقتحمُها وقد آمَنَّا بالله فِرارًا منها، فقال بعضهم: نُطيع الأمير واخْتَلَفوا، فعرضوا أمْرهم على النبي عليه الصلاة والسلام: ((والله لو اقْتَحَمْتُمونا لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنَّما الطاعة في مَعْروف)) فالعَقْل لا يُعَطَّل أبَدًا، اُدْعوا الله على بصيرة، فَكُل شيء تؤمن به لا بد له من الدليل، ورفْضُك الشيء لا بدّ له من دليل. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ [ سورة يوسف ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء الثالث والعشرون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. بسم الله الرحمن الرحيم أيها الأخوة الكرام، قبل أن نَمْضي في الحديث عن الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام أُحِبُّ أن أُنَوِّهَ تَعْقيبًا على كلمة البارِحَة حينما قلتُ: أربع كلمات مُهْلِكات ؛ أنا ولي وعندي ونحن، سألني أخٌُ كريم بعد الدرس ؛ لو أنَّ أخٌ سأل: مَن يحْفظ سورة البقرة، فقال أحدهم أنا فقوله: أنا هنا لا علاقة لها بالدرس إطْلاقًا، مَن عنده غرفة تفيض عن حاجته ؟ يقول: أنا، لذا أيُّ أنا المُهْلِكَة ؟! التي فيها إثْبات الفِعْل للذات، تقول: أنا أفْعل كذا، والفاعل هو الله، قال تعالى: ولا تقولنَّ لشيء إنِّي فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإذا قلتَ: أنا وتقْصِد إثبات الفعل لِذاتِك فهذا هو الشِّرْك، وإذا قلنا: نحن نفْعَلُ ما نشاء، وننْسى الله سبحانه وتعالى هو الذي يفْعل ما يشاء، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، مَن هم القوم الذين تواصَوا بالحق ؟ نقول: نحن، فنحن هذه لا علاقة لها بالكبر، وكذا إذا قلت هذا القلم لي، فأنت بهذه الكلمات ما أشْرَكْتَ، الشِّرْك أن تُثْبت الفِعْل لِذاتك أو لِمَجموعة تعيش فيها. الشيء الثاني ؛ وهو نقطة دقيقة، وأرْجو الله تعالى أن يُوَفِّقَنا إلى تَوْضيحِها، الأخْذ بالأسْباب فرض، لأنَّ الله تعالى خلَقَ هذا الكوْن وِفْق نِظامٍ دقيق، فحينما لا تأخذ بالأسباب فأنت لا تعبأ بِهذا النِّظام بل تسْتخِفُّ به، والاسْتِخْفاف بالنِّظام اسْتِخْفاف بالمُنَظِّم. لو أنَّ ابنَك أخذتهُ حرارة، ماذا تفعل ؟! تأخذه عند الطبيب وتشتري له الدواء وتتوكَّل في كل هذا على الرب سبحانه وتعالى، فالفرق بين الشِّرْك والتَّوحيد أنَّ الشِّرْك تأخذ بالأسباب لكِنَّك تعتمِدُ عليها، لكنَّ التَّوْحيد تأخذ بالأسباب ولكنَّك تعْتمِدُ على الله تعالى، واسْمَعوا الكلمة الدقيقة: الطريق الصحيح على يمينِهِ وادٍ سحيق، وعلى يساره وادٍ سحيق، فالواد الأوَّل عدم الأخْذ بالأسباب مَعْصِيَة، والوادي الثاني الاعْتِماد على الأسباب شِرْك، ما الصَّواب ؟ أن تأخذ بالأسباب كي لا تعْصي، وأن تعتمِد على الله لكي لا تُشْرِك، فهذه نقطة مُهِمَّة جدًا الأخذ بالأسباب طاعةً لله تعالى، والاعتِماد على الله لا على الأسباب اتِّقاءً للشِّرْك، ولك أن تسأل وتُقَدِّم اعْتِراض، وأن تتوسَّط لدى شَخْص كُلّ هذا مُباح ومِن باب الأخذ بالأسباب، لكن حينما تقول: صديقي فلان ولن يُخَيِّبني، أما إذا قلت: يا رب، الأمر بيدِك، وأنا عبدك وأمرك نافذ فيَّ، وأطلب منك تيْسير هذا العمل، فاللهمَّ وفِّقني ويسِّر لي، لكن إن ظنَنْت أنّ هذه الوسائل تفْعل ما تشاء فقد أشْرَكْت. الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾ [ سورة يوسف ] كيف تعرف الله ؟ مِن خلْقِهِ، قال تعالى: ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾ [ سورة يونس ] وكيف تعرفُ الله ؟ مِن أفعالِهِ قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾ [ سورة يوسف ] وكيف تعرف الله ؟ من كلامه، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾ [ سورة محمد ] طُرقٌ ثلاثة توصِلُكَ إلى الله ؛ خلْقُهُ الكَون، وأفْعالهُ الحوادث، وكلامه القرآن، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ [ سورة يوسف ] الآية دقيقة، ليس الرُّسل أكثَرَ الناس يأسًا ! لا، لكنَّهم آخرهم يأسًا، فأحْيانًا يؤخِّر الله النَّصْر، فتَجِدُ ضِعاف الإيمان سَقَطوا ويقولون: أين الله ؟ تأخير النَّصر امْتِحان للعباد، ويكشف منه الصالح من الطالح، وهناك مَوْقف في القرآن دقيق جدًا ؛ فئة صغيرة مُستَضْعفة موسى وأتباعه فرُّوا من فرعَون ؛ أكبر قُوَّة غاشِمة في مصر ! جنود وخدم وأتباع وقَهْر، وكان البحر أمامه، بِرَبِّك هل هناك أمل للنَّجاة واحد بالمليون ؟! قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾ [ سورة الشعراء ] وهذا سيِّدنا يونس ؛ هل مِن مُصيبة أعظم مِن أن تكون في بطْن الحوت ؟ ظلام بطن الحوت وظلام الليل، وظلام البحر !! قال تعالى: " فنادى في الظلمات..." الفِعْلُ فِعْلُ الله، ولا تيأس مهما تكن المُصيبة، مرض خبيث، والله أعرف عشرات الأشْخاص مرضهم وصل بالدرجة العاشرة من الخبث، وهذا المرض تراجعَ من ذاتِهِ، والقصَّة من اثنى عشرة سنة وهو حيٌّ يُرْزَق ! لا يأس ولا قنوط مع الإيمان، والقنوط دليل الإيمان الضعيف، وقد يكون كُفْرًا. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)﴾ [ سورة يوسف ] فالمؤمن لا ييأس، والله تعالى قويّ وعادل وسميع وبصير، لذلك قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ [ سورة يوسف ] أما لو جاء النَّصر سريعًا، لكان كلّ شيء مُغَطَّى، لكن بِتَأخير النَّصْر نرى المؤمن من غيره، ففي الخندق عشرة آلاف مُقاتِل حاقِد وأرادوا أن يستأصِلوا شفقة المسلمين، ونقض اليهود العهْد، لذلك أحدهم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾ [ سورة الأحزاب ] وهناك تعبير آخر: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضِيَ حاجته ؛ ما قال رسول فقد ظنَّه دجَّالاًّ ! هكذا قال بعض من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾ [ سورة الأحزاب ] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾ [ سورة البقرة ] تأخير النَّصْر امْتِحان للمؤمنين، وكُلَّما كان إيمانك بالله أقْوى كلَّما كان إيمانك بالنَّصر أكثر، وكلَّما كان ضعيفًا ففي بداية المرحلة يُهشّ. فالواحد يمتحننا ليرى الصادق من الكاذب، وأحيانًا ليضَع المتخوِّل والذي يفتخر، يُحَجِّمُهُ، كي يعود لما هو عليه، حدَّثني أحد الأصدقاء البيْطَريِّين أنَّ داءً يُصيب الدواجن فينتفخ الصغير من هم لِغازات في جلده، والدواء أن يثقب الجلد لِيَعود الديك لِحَجْمِهِ، لذلك قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾ [ سورة العنكبوت ] فأوَّل الإيمان للصُّمود بالامتِحان، ولكي تصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض وسلعة الله غاليَة، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾ [ سورة البقرة ] والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يوسف (12 ) الجزء الرابع والعشرون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، فالآية الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾ [سورة يوسف] أكَّدَتْ هذه الآية أنَّ أُسلوب القِصَّة مِن أنْجع الأساليب التَّرْبَوِيَّة لإحْداث قناعة وتأثيرٍ معًا في وقتٍ، فالأب أو المعلِّم أو الداعِيَةُ إذا أراد أن يُحْدِث تأثيرًا بليغًا في نُفوس السامِعين، أو أن يحملهم على مَوْقف أو أن يحْجزهم عن سُلوكٍ ما، فَعَلَيْهِ أن يستخْدِم أسْلوب القِصَّة ؛ لماذا ؟ لأنّ الإنسان بِطَبيعتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَتَبُّع قِصص بني الإنسان ؛ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وطبيعَةٍ واحِدَة، فالإنسان أحْيانًا إذا قرأ قِصَّةً يرى ذاتَهُ، أو يرى نقيضهُ أو مَثَلَهُ الأعلى،فَهُناك تَعَلُّق فِطْري للإنسان بأحداث أيِّ قِصَّة تتعلَّق بِبَني الإنسان، شَرْط أن تكون القِصَّة واقِعِيَّة، أما إن كانت خيالِيَّة فهذه يُعْنى بِها الصِّغار، أما الراشِدون لا تَعْنيهم إلا القصص الواقِعِيَّة أو التي يُمْكِن أن تَقَع. القِصَّة مِن شَخصِيات مُصَوَّرةٌ و مُحَلَّلَةٌ، ونَفْهم تصوُّراتِها ودوافِعَها، وأهدافها، والصِّراعات في نُفوسِها ؛ عمليَّة تحليل نفْسي دقيق، فالإنسان أحْيانًا تُحَلُّ مُشْكلاته أو يرى ذاته أو مثلَهُ الأعلى أو نقيضَهُ لذلك قال بعض كُتَّاب القِصَّة: لا بدّ للإنسان مِن شَخْصِيَةٍ يكونُها أو شَخْصِيَّةٍ يتمنَّى أن يكونها أو شَخْصِيَّةٍ يَكْرهُ أن يكونها، فمَثَلاً الشَّباب مَن هو مَثَلُهم الأعلى ؟ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام لِعِفَّتِهِ وطَهارَتِهِ وخَوْفِهِ من الله، فأصْبَحَتْ المبادئ ليسَتْ مُجَرَّدة ولكِنَّها مُجَسَّدَة في واقِعٍ من خلال القِصَّة، وفي شَخْصِيات والحقيقة أيها الإخوة، القُدْوَة هيَ أفْعَلُ شيءٍ في التَّوْجيه ؛ أي ألف مُحاضرة في الصِّدْق لا تُغني عن شَخْصٍ واحِدٍ صادِق، وألف مُحاضرة في الأمانة لا تُغني عن واحِدٍ أمينٍ يعيش بين أظْهُرِنا. ألْقَيْتُ مرَّةً في جامع العُثمان حول الأمانة، وبيَّنْتُ دقائق هذا الخُلُق الثَّمين، فالإنسان أحْيانًا يكون عليه سَنَد أو ذِمَّة أو دَيْن ويتبَجَّح أنَّهُ أدَّى الأمانة وأدَّيْتُ الدَّيْن، والحقيقة ليْسَت هذه هي الأمانة لأنَّك مُوَقِّع بيَدِك وأنت مُدان، وهذا السَّند تُقام عليه دَعْوى، أو يوضَعُ في التَّنْفيذ وقد يُحْجز على أَمْلاكك وقد يُسيء إليك صاحِبُ الدَّيْن، وقد يُشَهِّر بك بين الناس، فأنت حِفاظًا على سُمْعَتِك ومكانتِك بادَرْتَ إلى دَفْع هذه القيمة وهذا سُلوك مَدَني وذَكيّ، ولكنَّ الأمانة بِتَعْريفِها الدَّقيق أنْ يُعْطيك إنسانٌ مائة ألف ويَموتُ فَوْرًا دون أن يُعْلِمَ أحدًا كائِنًا مَن كان بِهذا المَبْلَغ، وتَذْهب أنت إلى وَرَثَتِهِ وتُعْطي هذا المَبْلَغ، إذًا هو أن تُؤدِّي ما عليك دون أن تكون مُدانًا أمام الخَلْق، بعد سِتَّة أشْهَر جاءَتني ورقة صغيرة، وأنا أثق أنَّ صاحبها صادِق يقول لي: والله الذي لا إله إلا هو أدَّيْتُ لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة دون أن أكون مُدانًا أمام أحد ولكن خَوْفًا من الله عز وجل، لذا أمانة الرجل خير مِن ألف مُحاضرة في الأمانة، وكذا العفيف والصادِق، لذا التَّعْليم النَّظري لا قيمة له فلمَّا أصْبَحَ الإسلام بالكُتب انتَهى، ولكن لمَّا يكون الإسلام في أشْخاص تراهم أمامك يتحرَّكون، ويعيش الظروف نفسها، وكذا المُغرَيات والضُّغوطات نفسها، وعوامل البيئة نفسَها، ومع كل هذه المضائق والاخْتِناقات يبْقى أمينًا صادِقًا عفيفًا، فهذا الإنسان هو الذي يُحْيي ويؤثِّر في الناس، نحن الآن لَسْنا بِحاجَة إلى معلومات، والمكتبة الإسلامِيَّة الآن مُمْتلئة، وأينما ذَهَبْتَ تجد آلاف التفاسير، وآلاف كتب الحديث وآلاف كتب السيرة، وآلاف البحوث والموضوعات التي تردّ على خُصوم الإسلام، وأشرِطَة، ولكن نحن الآن إلى أمَسِّ الحاجة إلى إنسانٍ مُسلِم، ترى في بيتِهِ وعمله ودُكانِهِ الإسلام، وترى في نُزهته وأفراحِهِ الإسلام، ولا يُحْيي هذا الدِّين إلا المَثَل الأعلى، لذلك قد تَسْتغْرِبون ؛ ما مُهِمَّة النبي ؟ الله عز وجل أرْسَلهُ رسولاً، قد يقول أحدكم التَّبْليغ فأقول لك: لا، فالتَّبْليغ مُهِمَّة ثانَوِيَّة وأيُّ إنسانٍ يُمْكن أن يُبلِّغَك، النبي عليه الصلاة والسلام أكبر مُهِمَّتِهِ القُدْوَة ! وأنت كأب وكصاحِبِ محَل، وكَمُعَلِّم ومُربِّي، أنتَ بِإمْكانِكَ أن تكون أكبر داعِيَةٍ وأنت صامِت ؛ إتْقانُ عَمَلِكِ وصِدْقكَ وعَمَلَك، سمَّان جاءهُ زَبون فقال له: هل البيض طازج ؟ فقال السَّمان: لا، ولكن جاري الآن جاء بِبَيْضٍ طازِج ؛ هذا هو المَوقف الصادق، الدنيا كُلُّها لا تستأهل أن تكذب من أجلها لأنَّها فانِيَة، ويأتي ملَكُ الموت ويأخذ مِنَّا كُلَّ شيءٍ في ثانِيَة ويبْقى الإنسان رهينَ عملِهِ، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾ [سورة المدثر] لذا أيها الإخوة، قِصَّة واحِدَة إذا أطْلَعْتَ أولادَكَ عليها، وكانت النتائِج باهِظَة جدًا، يكون لها أثَر فعَّال، إنسانٌ عاشَ معك فارْتَكَبَ الحرام فدَمَّرهُ الله، أخٌ كريم حدَّثني كان ذاهِبًا إلى المطار مع صديقٍ له انْحَرَفَت السيارة على اليمين فجْأةً، فابتسَمَ السائق ابْتِسامةً استهزائِيَّة والذي حصَل أنَّ كلْبًا كان بالطريق حاجِزًا مكانًا قدرُهُ أربعين سنتمتر، كان نائِمًا تحت واقِيَة مِن شِدَّة البرْد، فهذا السائِق مرَّ على الكلب لِيَقْطَعَ رجليهِ دون أن يقتل الكلب !! يُقْسِمُ هذا الرَّجل وهو حيّ يُرزَق أنَّهُ في الأسبوع الثاني الذي فَعَلَ هذا الفِعْل بالمكان نفسِهِ، تعطَّلَت سيارة ذاك المجرِم فأخَذ الكريك لِيُبَدِّل عجلة السيارة، فإذا بالدولاب يقع فوق رُسْغَيْه، فحين وصل إلى المستشفى اسْوَدَّت يديْه، فقال الطبيب لا حلّ إلا بِقَطْه يَدَيْك !! فَهُو فعل فعلته بالسبت مع الكلب وفي السبت القادِم قُطِعَت يداهُ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾ [سورة يوسف] ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أرادوا وَضعهُ في الجبّ وأراد الله تعالى أن يكون عزيز مصر، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾ [سورة فاطر] فيا أيها الإخوة مرَّةً ثانِيَة أقول لكم: يُمْكن أن تعرف الله تعالى مِن الكَون، وهذا باب واسِع ؛ الشَّمس والقمر والنُّجوم والبِحار والطيور والجبال والصَّحارى والخضار والفواكه والأغْوار، كُلّ هذا خَلْق الله، ويُمْكِن أن تعرفهُ بالقدر نفسِهِ مِن أفعالهِ تعالى ؛ زلازل، فيضانات، حروب أهْلِيَّة فسق فُجور ودمار وحريق، ويُمكن لن تعرفَهُ من كلامه تعالى، فأنت لك ثلاثة مصادِر، فَكَلامُهُ يدلّ عليه وهو القرآن وأفعالهُ تدلّ عليه، وخَلْقُهُ يدلّ عليه، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)﴾ [سورة آل عمران] هذا خلقُه، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)﴾ [سورة النمل] هذه أفعالهُ، وقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾ [سورة محمد] وهذا كلامُه. أيها الإخوة، هذه أطْوَل قِصَّة في القرآن على الإطلاق، ومُلَخَّصُها أنَّ الله هو الفعَّال وبِيَدِهِ كلّ شيء، فأنت إذا وحَّدْتَ اسْتَقَمْت، وأيْقَنْتَ أنَّ الأمر كلَّه بيَدِه، فلو كان لك شُغل مع المدير فهل تترجَّى الآذِن ؟! تكون حينها أحْمَقًا، فكذلك إن أيْقَنْتَ أنَّ الأمر بيد الله تعالى لا تبْذل ماء وجْهك لأحَدٍ، شرف المؤمن قيامُهُ بالليل وعِزُّهُ اسْتِغْناؤُهُ عن الناس ولا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفْسهُ، واطْلُبوا الحوائِج بِعِزَّة الأنفس فإنَّ الحوائِج تَجري بالمقادير. والحمد لله رب العالمين |
رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرعد (13 ) الجزء الاول أيها الأخوة الكرام، يقول الله تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾ [سورة الرعد] الحقيقة أنَّ الكون كما تعلمون أيها الأخوة مُؤلَّف من ملايين المَجَرَّات بل الرَّقم قد يقترب مِن مليون مليون مجرَّة في حُدود معلومات علماء الفلك، وكل مجرَّة تقترب من مليون مليون نَجم، وهذا الكون كلّه في فلكٍ يسْبح، وكلّ كوْكَبٍ يَجري في مسارٍ مُغْلَق، وإذا أردْنا أن نصِفَ السماء بِوَصْف جامِعٍ مانِعٍ شامِلٍ مطلق: والسماء ذات الرَّجع، فَكُلّ كوكَبٍ ينطلق ويدور ويعود بعد آلاف السِّنين مِن نقطة انْطِلاقه، أي أنَّ المَسَار مُغْلَق، فالأفلاك التي تدور فيها النُّجوم أشْكال بَيْضَوِيَّة مُغْلَقَة وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾ [سورة الطارق] أما أن يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [سورة الرعد] المعنى المُتبادَر أنَّها بِغَير عمَد، أما المعنى اللُّغوي الدقيق أنَّها بِعَمَد ولكن لا تَرَوْنها، هيَ بِغَير عَمَدٍ مَرْئِيَّة، إذًا هي بِعَمَدٍ غير مَرْئِيَّة، فما هي الأعمدة ؟ وما هو العَمَد غير المرئي ؟ قال علماء الفلَك هي قِوى التَّجاذب ! وقانون التجاذب الذي كشَفَهُ نيوتن: أنَّ كلّ كتلة تَجْذب أو تنجذب إلى كتلة أخرى وهو معروف عند طلاب العلم الكوني ؛ جداء المسافة مضروبة بمُربع الكتلتين، فالكتلة الأكبر تجذب الأصغر، والجذب مُتَعَلِّق بالمسافة وبالكتلة. أيها الأخوة، لولا حركة الكواكب لأصْبَحَ هذا الكون وِفْق هذا القانون كتلةً واحِدَة ؛ لأنَّ الأكبر يَجْذب الأصغَر، فما الذي يَمْنَعُ مِن تجمُّع الكَون ؟ كلّ كوكب يدور، ومع دَوْرَتِهِ تنشأ قِوى نابِذة، هذه القِوى النابِذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالكون يدور بانتِظام دون أن يتجمَّع في كتلة واحِدَة. الآن هناك نقطة دقيقة جدًا أُريد أن أضَعها بين أيديكم ؛ الشَّمس مثلاً فالأرض تدور حول الشَّمس في مسار مُغلق، والدَّوْرَة تستغرق ثلاثمائة وخمس وستون يوم وربع، وهي السنة الشَّمْسِيَّة، فلو فرَضْنا أنَّ الأرض تفلَّتَتْ مِن مسارِها حول الشَّمْس، وسارَت في الفضاء الكوني وأرَدْنا أن نُعيدها إلى مسارِها فَكَم نحْتاج إلى قوَّة ؟ قال العلماء: نحتاج إلى مليون مليون كَبْل فولاذي مظفور، وقُطر كلّ كَبْل خمسة أمتار والكَبل الذي قطره خمسة أمتار يُقاوِم مليونين طنّ، فهذه القوَّة التي ترتبط الأرض بها بالشَّمس مِن أجل أن تبقى الأرض فيها تدور حول الشَّمس ثلاثة ميلي في الثانية، إذًا الأرض مربوطة بالشَّمس بِأَعمِدَة أو حِبال لكنّ هذه الحِبال غير مَرْئِيَّة، والله عز وجل قال إنّ هذا الكون يتحرَّك بِنِظام مُبْدِع ومُعْجِز ومن دون حِبال وأعمِدة ودعائم، ثمّ لو أرادنا زرْع هذه الكبلات في الأرض لأعاقَت السَّيْر والزَّرْع وضوء الشمس نفسه، فَكَم هي آيات الله باهرة ؟! كُلُّكم يعلم أنَّ ما بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، ومع ذلك الأرض مَرْبوطة بالشَّمس بِقِوى الجذب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [سورة الرعد] والضوء يقطع هذه المسافة في ثمانية دقائق وكلُّكم يعلم أنَّ في بُرج العَقْرب نَجمًا صغيرًا اسمه نجم العقرب يتَّسِع للأرض والشمس والمسافة بينهما ! لذلك الله عز وجل قال: ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾ [سورة يونس] وقال تعالى: ﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)﴾ [سورة الزخرف] هذا الكون خُلِق مِن أجل أن نعرف الله عز وجل، فربُّنا عز وجل يقول لك: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ [سورة الرعد] فهل عَرَفْتَهُ ؟ ثمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾ [سورة الرعد] يُقَدِّر علماء الفلك أنَّ الشمس مضى على تألُّقها خمسة آلاف مليون سنة ويُقَدِّر العلماء أنَّها تعيس خمسة آلاف مليون سنة، فهل عندك أنت مِدفأة تشْتعل دون وَقود ؟ أين وَقودُها ؟ الحديث عن الشمس حديث يَطول ! مليارات الأطنان لا تكفي كي تشتعِلَ بهذه الطريقَة، ستَّة آلاف درجة على سَطْحِها، عشرين مليون درجة في نواتها، ألسِنَة اللَّهَب طولها مِن نِصف إلى مليون كيلومتر، ولو أنَّ الأرض أُلْقِيَت في الشمس لتَبَخَّرَت في ثانِيَة واحِدَة قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾ [سورة لقمان] فهو تعالى قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة الرعد] والدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾ [سورة التكوير] فكل يمشي لأجل مُسَمّى، ثمَّ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾ [سورة الرعد] أي لعلَّكم تؤمنون أنَّ بعد هذه الحياة حياةٌ، وبعد هذه الحياة يوم يُحاسَب الإنسان فيه على أعْمالِهِ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [سورة الرعد] تَمشي بِطُرق سهلة ومُمْتَدَّة، وهناك بالهندسة شَكل واحِد الخُطوط عليه مُمْتَدَّة فالمُكعَّب الحرف ينتهي عند حدِّه، والمَوْشور ينتهي عند حَرْفِهِ وكذا متوازي المستطيلات وكل شَكْل هندسي إلا الكرة ! فليس لها حُروف، فالخُطوط على الكُرة تَمْتدُّ إلى ما لا نِهايَة، وهذه إشارة في كتاب الله على أنّ الأرض كُرَة. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾ [سورة الرعد] معنى رواسي ؛ كلُّ مَن عنده مَرْكَبَة يقول لك عدَّلْت الدولاب، وذلك مِن أجل إذا مشى بِسُرعة مائتان لا تضطرب، والأرض في سرعتها الشديدة حول نفسها ومع سَيْرِها حول الشمس قد تضطرب، فما الذي يَجْعلها لا تضطرب ؟ هذه الرَّواسي والجبال، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾ [سورة الرعد] وعلاقة الرواسي بالأنهار أنَّ مُستَوْدعات الأنهار بالجبال. أندونيسيا بها أربعة آلاف جزيرة، ولكل جزيرة نَبْع ماء، وينابيع الماء بالجُزر مُستَودَعاتُها في القارات، فكلَّما جاءتْ كلمة رواسي جاءَت معها كلمة أنهار، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾ [سورة الرعد] أربعة آلاف وخمسمائة نوْعًا بالعالم، وثلاثمائة نوعٍ من العِنَب والبن فيها نوع للعصير ونوه للسَّلطة ونوع كبير وآخر مُضَلَّع ونوع ماؤُهُ كثيف، كل نوعٍ من أنواع الفاكهة مُنوَّع، الزَّيتون والتفاح والعنب. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾ [سورة الرعد] معنى ذلك أنَّ الله يَحُضُّنا على التفكّر في هذا الكون، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾ [ سورة الرعد ] مَن أعطى هذه الفاكِهَة هذا الطَّعم ؟ يقول لك: فيها فوسفور وكالسيوم ومغنيزيوم وفيتامينات، من صَمَّم هذا الغِذاء ؟ قال تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [ سورة يوسف ] وهنا لي سؤال: كُلْ حبَّة توت وكُلْ حبَّة خوخ، وحبَّة مشمش وأجاص ود راق، وحبَّة عِنَب، هل لك أن تصف واحدة من هذه الفواكه دون أن تلجأ لاسمِها، لا يُمكِن وَصْف الطَّعم من دون ذِكْر الفاكِهَة، كلّ فاكِهَةٍ لها طَعْم، قال تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾ [ سورة الرعد ] لذلك أيها الأخوة الكرام أعلى عِبادة على الإطلاق التَّفكُّر في السماوات والأرض، أوْسَع باب لِمَعرفَةِ الله هو الكَوْن، وأقْصَر طريق لِمَعرفَة الله هو الكون، وهو أعلى عِبادة لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾ [ سورة القدر ] إذا قدَّرْت الله حقّ القدر يكون هذا أحسن مِن أن تَعْبُدَه ألف شهر أي ثمانين سنة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)﴾ [ سورة فاطر ] فالتفكّر عبادة فهذا الكون خُلِقَ من أجل أن تعرفه، فالإنسان لابد أن لا يأكل كما تأكل البهائِم، قال تعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾ [ سورة محمد ] واشكر الله على نِعَم الله، ولا شرْط أن تكون غَنِيًّا، فالعَين نِعْمة كبيرة، وكذا الكِليَة، مَن يبيعُ كِلْيَتَهُ ؟ فأنت غنِيٌّ بِصِحَّتِك وإيمانِك وإخوانك، والله عز وجل قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾ [سورة الرعد ] والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 12:11 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.